الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الصراط المستقيم - علي بن يونس العاملي ج 2

الصراط المستقيم

علي بن يونس العاملي ج 2


[ 1 ]

الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم تأليف العلامة المتكلم الشيخ زين الدين أبي محمد علي بن يونس العاملي النباطي البياضي المتوفى 877 صححه وحققه وعلق عليه محمد الباقر البهبودي الجزء الثاني المكتبة المرتضوية رقم التليفون - 57135 مطبعة الحيدري

[ 2 ]

حقوق الطبع بهذه الصورة محفوظة

[ 3 ]

(العلامة البياضي: وكتابه الصراط المستقيم) قد كنا كتبنا إلى سماحة الحجة الكبير آية الله الإمام الشيخ أغا بزرك الطهراني دام ظله أحد الأعلام المجتهدين في النجف الأشرف، وطلبنا منه أن يتفضل بترجمة مؤلف هذا الكتاب الشيخ البياضي قدس سره، فأجابنا في هذه الآونة (بعد طبع المجلد الأول) مشكورا بإرسال هذه الترجمة الضافية المهمة وقد ضمنها كثيرا من الفوائد والنكات والتحقيقات ولا غرو فسماحته اليوم وقبل اليوم حجة الباحثين وإمام المؤرخين، فنشكره ونسأل الله أن يمد في عمره الشريف. الناشر بسم الله الرحمن الرحيم (وبه ثقتي) الحمد لله الذي هدانا إلى الصراط المستقيم، وعرفنا المستحقين للتقديم بما أنزله في الذكر الحكيم، على نبيه الكريم، اللهم فصل عليه وعلى أوصيائه الحفاظ لشرعه القويم. وبعد: فإن عددا من المؤلفين والناشرين الذين يحسنون الظن بهذا العاجز وينظرون إليه بعين الرضا، يعرضون عليه آثارهم ونتاجهم بين الفينة والأخرى طالبين تقريظها وإبداء الرأي فيها تارة، وتقديمها للقراء أخرى، وكأن هؤلاء - ولا سيما البعداء ممن هم خارج النجف الأشرف أو العراق - لا يعلمون بأنني (وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا (1))، (ولم تبق إلا صورة اللحم والدم).


1 - ؟ 3.

[ 4 ]

وكنت قد اعتدت على تلبية هذا النوع من الطلبات، والنزول عند أمثال تلك الرغبات، لما فيه من تشجيع للشباب والناشئين، وتأييد وترويج للمعاصرين من المؤلفين والناشرين. وأداء حق بالنسبة للسلف الصالح من مشايخنا الماضين كانت هذه حالي قبل اليوم كما يعرفه الكثيرون أما اليوم، وبعد أن بلغت هذه المرحلة من العمر، وكدت أقطع الشوط الأخير، وأصبح الضعف ظاهرا جليا على المدارك والحواس، وأخذت رعشة اليد تشوش - بل تشوه - ما تخطه (ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا (1)) وصرت أنظر إلى آثاري الناقصة أو المحتاجة إلى التهذيب نظرة أسف وألم، لأني أرى نفسي مشرفا على الزوال وسأتركها - مرغما - على هذه الحال، أما اليوم وبعد كل ذلك فقد صرت أعتذر إلى ذلك النفر، إذ ليس لي من الاعتذار مهرب ولا مفر، وذلك عن قصور لا تقصير، وعجز لا تثاقل، وضعف لا تماهل، على أن في الطالبين و الراغبين من لا يسهل علي رد طلبه، وفي الآثار ما أحب أن لا يفوتني التنويه عنه أو التعريف به، ولكنني كما قال الشاعر: أهم بأمر العزم لو أستطيعه * وقد حيل بين العير والنزوان وقبيل مدة وجيزة كتب إلي من طهران الوجيه الموفق والفاضل الشهم الشيخ عبد الكريم المرتضوي زاده الله توفيقا وتأييدا: أنه عازم على نشر كتاب (الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم) للشيخ البياضي العاملي رفع الله درجته، وأجزل مثوبته، وطلب مني كتابة مختصر عن حياة المؤلف وبيئته، وصحة سند الكتاب و وثاقته، وقد أهملت طلبه لضعفي وعجزي، بالرغم من وجاهة الطلب، وأهمية الكتاب وجلالة قدر المؤلف، إلا أنه قد كرر الطلب وطالب بالإجابة، مما اضطرني للتحامل على نفسي وبعث ما بقي من الهمة وتحريك اليراع الكيل ليؤدي حق المقام - ولا أراه قادرا - فكان ما يراه القاري، وأرجو مخلصا أن يسلم من الهفوات والهنات، و الأخطاء والغفلات، وإن وجد فيه أهل الفضل تساهلا في التعبير، أو تقصيرا في


1 - سورة النحل: 169.

[ 5 ]

التتبع، أو بعدا عن المرمى، وخروجا عن الغرض فعذرنا إليهم أن ذلك عن غفلة ؟ لا عمد، وسهو لا قصد تمهيد: إمتاز جبل عامل بخصائص تفوق بها على كثير من البلاد، واختص بمزايا فضلته على سائر البقاع والأصقاع، فقد اشتهر بنقاء التربة ورقة الهواء، وطيب المناخ وعذوبة الماء، وأثرت تلك العوامل في أهله فأخصبت أذهانهم، وأرهفت أحاسيسهم وفتحت قرائحهم، وصقلت عقولهم، وأنارت قلوبهم، وأضاءتها بنور العرفان فكان منهم الحجج الاثبات، والدعائم والأركان، والعباقرة والنوابغ، والأجلاء و الأكابر، الذين صاروا غرة ناصعة في جبين الدهر، يفخر تاريخ الجبل بهم، ويباهي بأمجادهم ومآثرهم ولعل أبرز خصائص هذا الجبل الأشم، وأظهر مميزاته وأهمها، سبقه إلى التشيع ؟ فتاريخ التشيع فيه قديم قدم الاسلام، وتنص المصادر الوثيقة ويثبت الاستقراء: أن التشيع في تلك المناطق وما والاها أقدم منه في كل بلاد الاسلام ما عدا الحجاز، فقد سبق إلى ذلك في مدينة الرسول أقوام استضاؤا بنور الله تعالى، فاقتدوا بسنة رسوله، و حفظوا عهده، وتمسكوا بالثقلين بعده، فكانوا السابقين الفائزين، والقدوة الطيبة لأبناء الفرقة الناجية من أهل الحق واليقين، وكان غارس بذرة التشيع في تلك البلاد، من الشام وما والاها، هو الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري - ره - فقد نفاه عثمان إلى الشام فالتف أهلها حوله، وتنقل في بعض قراها وكان لدعوته أثرها الطيب، ولغرسه ثمره الجني (1)، فقد تشيع على يده يومذاك كثير من الناس، و نما التشيع شيئا فشيئا في تلك الأطراف حتى أصبحت عاملة من بلاد الشيعة المعدودة (2)


(1) راجع: 1 - تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 149 2 - مروج الذهب: ج 2 ص 349. 2 - تاريخ ابن خلدون: ج 2 ص 385. (2) راجع (مجالس المؤمنين) ص 34 و (أعيان الشيعة) ج 1 ص 524 وغيرهما.

[ 6 ]

قال شيخنا الحر العاملي في الفائدة السابعة ما نصه (1): (.. ثالثها أن تشيعهم أقدم من تشيع غيرهم، فقد روي أنه لما مات رسول الله صلى الله عليه وآله لم يكن من شيعة علي عليه السلام إلا أربعة مخلصون: سلمان، والمقداد، وأبو ذر، وعمار. ثم تبعهم جماعة قليلون اثنا عشر، وكانوا يزيدون ويكثرون بالتدريج حتى بلغوا ألفا وأكثر ثم في زمن عثمان لما أخرج أبا ذر إلى الشام بقي أياما فتشيع جماعة كثيرة، ثم أخرجه معاوية إلى القرى فوقع في جبل عامل فتشيعوا من ذلك اليوم، ثم لما قتل عثمان وخرج أمير المؤمنين عليه السلام من المدينة إلى البصرة، ومنها إلى الكوفة، تشيع أكثر أهلها ومن حولها، ولما تفرقت عماله وشيعته كان كل من دخل منهم بلادا تشيع كثير من أهل تلك البلاد بسببه، ثم لما خرج الرضا عليه السلام إلى خراسان تشيع كثير من أهلها، وذلك مذكور في التواريخ والأحاديث، فظهر أنه لم يسبق أهل جبل عامل إلى التشيع إلا جماعة مخصوصون من أهل المدينة، وقد كان أيضا في مكة والطائف واليمن والعراق والعجم شيعة قليلون، وكان أكثر الشيعة في ذلك الوقت أهل جبل عامل). ومن الخصائص المهمة والمزايا الفاضلة، التي اختص بها هذا الجزء من بلاد الاسلام، وحظت بها هذه البقعة المباركة من أرض الله الواسعة، كثرة من تخرج منها من العلماء، فمنذ قرون متطاولة وأجيال متعاقبة وهذه البقعة من الأرض تزخر بالمواهب وتموج بالقابليات، وتربي العلماء الأعلام ومشايخ الاسلام، فقد نبغ فيها في كل جيل مئات من أعيان العلماء وأثبات الفقهاء، ولم تبق منطقة في سفح هذا الجبل أو قمته إلا وقد ظهر منها الأفذاد وخلدوا إسمها في الغابرين. قال القاضي نور الله المرعشي التستري (2) ما ترجمته: (ما من قرية هناك إلا وقد خرج منها جماعة من علماء الإمامية وفقهائهم). وقال الحر العاملي (3): (وقد سمعت من بعض مشايخنا أنه


(1) أمل الآمل في تراجم علماء جبل عامل: ص 424. (2) مجالس المؤمنين، ص 34 الطبعة الثانية - (3) أمل الآمل في تراجم علماء جبل عامل: ص 425.

[ 7 ]

اجتمع في جنازة في قرية من قرى جبل عامل سبعون مجتهدا في عصر الشهيد الثاني وما قاربه، وستعرف أن عدد علمائهم يقارب خمس عدد علماء المتأخرين، وكذا مؤلفاتهم بالنسبة إلى مؤلفات الباقين، مع أن بلادهم بالنسبة إلى البلدان أقل من عشر العشر، أعني جزء من مئة جزء...). وليس ذلك غاية في الغرابة فهناك مدن اشتهرت بكثرة تخريج العلماء والأدباء لكن الغرابة في الميزة التي تجلت في علماء جبل عامل من حيث العظمة، فالعلماء العامليون بالرغم من كثرة عددهم عظماء وعباقرة، ونوابغ وأفذاذ، وجملة منهم يعدون من أعظم علماء المسلمين وأساطين الدين، وزعماء المذهب الشيعي وعمد الطائفة وأركانها، وقد مرت بعض الفترات صارت الرحلة فيها إلى جبل عامل إذ ظهر هناك أعلام، قصدهم الطلاب من كل صوب وحدب كما اتفق ذلك في عصر المحقق الميسي المتوفى سنة 938 ه‍ فقد بلغ عدد تلامذته أربع مئة، ونذكر على سبيل المثال عددا من مشايخ الاسلام العامليين ونموذجا من عظماء العلم المحققين ليكون تذكرة للمبتصرين وهم: 1 - الشهيد الأول: الشيخ محمد بن مكي الجزيني المستشهد سنة 786 ه‍ وهو أول من هذب كتب الفقه الجعفري عن أقوال المخالفين، وكتابه (اللمعة الدمشقية) من كتب الفقه الدراسية في عواصم العلم الشيعية إلى اليوم. 2 - المحقق الثاني (1): الشيخ علي الكركي صاحب (جامع المقاصد) والمتوفى سنة 940 ه‍. وهو أول من قال بنظرية (الترتب) في علم الأصول، وأنكر على أساسها ثمرة الضد، و (نظرية الترتب) من أدق النظرات العلمية ولا تزال موضع بحث عند العلماء المعاصرين، وقد كان شيخنا المحقق الآخوند محمد كاظم الخراساني صاحب (الكفاية) يرى الترتب محالا، بينما كان المحقق الميرزا حسين النائيني يراه من البديهيات.


(1) المحقق الأول: هو الشيخ أبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن الحلي المتوفى سنة 676 ه‍ صاحب (شرايع الاسلام) وخال العلامة الحلي.

[ 8 ]

3 - الشهيد الثاني: الشيخ زين الدين الجبعي صاحب (الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية) الذي هو من الكتب الدراسية مع متنه المشهور كما أشرنا. والشهيد الثاني أول من ألف في الدراية من علماء الشيعة، وكانت شهادته سنة 966 ه‍ (1). 4 - الشيخ حسين بن عبد الصمد الحارثي الجبعي، والد البهائي، والمتوفى سنة 984 ه‍. وهو أول من استدل على حجية الاستصحاب بالروايات كما ذكره الشيخ الأنصاري في (الرسائل). ومسألة الاستصحاب من المسائل المهمة المترامية الأطراف المتشعبة المباحث، وقد كانت غامضة المأخذ عند كثير من علماء الإمامية الذين لا يعملون بالقياس ولا بالظن الذي لم يقم على حجيته دليل مقطوع الحجية، وقد اعتنى بالتأليف فيها كثير من العلماء لا سيما المتأخرون وقد ذكرنا ما ظفرنا به من مؤلفاتهم (2) وكل ذلك شرح لحديث واحد استخرجت منه هذه الفوائد (3). 5 - السيد محمد بن علي بن الحسين بن أبي الحسن الموسوي الجبعي المتوفى سنة 1009 هو سبط الشهيد الثاني وهو صاحب (مدارك الأحكام) المشهور الذي لا يستغني عنه فقيه، وقد أتم به شرح جده لأمه الشهيد الثاني (مسالك الأفهام في شرح شرايع الاسلام). 6 - الشيخ حسن ابن الشهيد الثاني، والمتوفى سنة 1011 ه‍. صاحب كتاب (معالم الأصول) الذي هو من الكتب الدراسية في الجامعات والمعاهد الشيعية، و


(1) لقد فاز بدرجة الشهادة عدد كبير من علماء الشيعة وكبرائهم منذ العصر الأول إلى أيامنا، وقد ذكر جملة وافرة من أولئك الحجة النوري، وألف الشيخ عبد الحسين الأميني كتابا في تراجم الشهداء أسماه (شهداء الفضيلة) وقد أنهى عددهم إلى ثلاثين ومئة شهيد، وقد طبع في النجف في سنة 1355 ه‍، إلا أن أحدا من أولئك الأعاظم والأجلاء لم يفز بقلب (الشهيد) حتى لا يعرف إلا به، غير الشهيدين العامليين أعلى الله درجاتهما، وقد التفت إلى ذلك شيخنا الحجة والمحجة الميرزا حسين النوري رحمه الله، ونبه عليه في (مستدرك الوسائل) ج 3 ص 428 - (2) الذريعة إلى تصانيف الشيعة: ج 2 ص 24 - 26. (3) مستدرك الوسائل: ج 3 ص 876.

[ 9 ]

يعتبر من المجددين في علم الأصول ففي كتابه تحقيقات ونظريات لم يسبق إليها وأهمها (المعنى الحرفي) التي لا تزال محط الأنظار، وقد ذكرها في رد أبي حنيفة في مسألة الاستثناء المتعقب للجمل المتعددة. 7 - الشيخ البهائي: محمد بن الحسين بن عبد الصمد الجبعي المتوفى سنة 1030 ه‍ وهو من شيوخ الاسلام المشهورين المتفننين في سائر العلوم، وكتبه (الصمدية) في النحو، و (الخلاصة) في الحساب، و (تشريح الأفلاك) في الهيئة. من الكتب الدراسية في الجامعات الدينية الشيعية. 8 - الحر العاملي: الشيخ محمد بن الحسن بن علي المشغري المتوفى سنة 1104 ه‍ وهو صاحب (تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل السريعة) ويقال (الوسائل) تخفيفا، وهو أحد الجوامع المتأخرة الكبرى للمحمدين الثلاثة 1 - الوافي 2 - البحار 3 - الوسائل. وهو حاو لجميع أحاديث الكتب الأربعة التي عليها مدار العمل عند الشيعة، وهو أحسن من (الوافي) و (البحار) وقد فصلنا الكلام عنه في محله (1). هؤلاء الفحول الثمانية نموذج صغير لنوعية السلف الصالح من علماء جبل عامل، وقد استمر في تخريج العلماء الأبدال والعظماء حتى عصرنا الحاضر، فقد عاصرنا جمهرة من رجاله بلغوا من العلم الذروة والسنام، وحسبنا من المعاصرين على كثرتهم شيخ الاسلام وزعيم المسلمين وحجة المتكلمين المرحوم السيد عبد الحسين شرف الدين (2) صاحب (المراجعات) و (الفصول المهمة) و (النص والاجتهاد) و (أبو هريرة) وغيرها، وهذه الكثرة في عدد علماء جبل عامل، وتلك الآثار القيمة التي ألفوها هي التي حدت بشيخنا الحر إلى تأليف كتاب خاص بتراجمهم (3)


(1) الذريعة إلى تصانيف الشيعة: ج 4 ص 352 - 353. (2) تراجع ترجمتنا للسيد في (طبقات أعلام الشيعة) ج 1 ص 1080 - 1088. (3) هو كتابه (أمل الآمل في تراجم علماء جبل عامل) ذكرنا خصوصياته في (الذريعة) ج 2 ص 350.

[ 10 ]

وبالعلماء الأجلاء السيد محمد إبراهيم بن معصوم التبريزي القزويني، والسيد عبد علي الحائري، والشيخ عبد النبي القزويني، والسيد محمد البحراني إلى وضع تتمات له (1) وتخصيص مجلدات لرجاله، وبالحجة السيد حسن الصدر إلى تأليف (تكملة أمل الآمل) وإفراد مجلد ضخم لأفاضل العامليين كما فعل الحر (2). نكتفي بهذا القدر من خصائص بلاد عاملة وما أسبغ عليها من فضل وشرفت به من مزايا، ومن ذكر حالها وعلمائها وما لهم من مكان رفيع في دنيا الشيعة، وما خلفوه من ذكر جميل وأثر جليل، سيبقيان ماكر الجديدان وتعاقب الملوان، وقد جعلنا ذلك تمهيدا لترجمة العلامة البياضي لأنه من أبناء هذه البلاد ورجال العلم النابهين الذين أنبتتهم تلك التربة الطاهرة نباتا حسنا، ورحم الله الشاعر الذي يقول: وإذا نظرت إلى الديار وجدتها * تشقى كما تشقى الأنام وتسعد وقد آن لنا أن نشرع في ترجمة الشيخ البياضي العاملي فنقول: اسمه ولقبه: هو الشيخ أبو محمد زين الدين علي بن يونس العاملي، النباطي، البياضي العنفجوري، البقاعي. كنيته أبو محمد باتفاق كل من ذكره، ولقبه نور الدين من غير خلاف أيضا فقد صرح به كل من نوه عنه ما عدا المجلسي فإنه لما ذكر كتابه (الصراط المستقيم) (3) لقبه ب‍ (نور الدين)، واسمه علي ووالده محمد كما صرح به بنفسه في إجازته ومؤلفاته، واسم جده يونس بالاجماع لكن الخلاف في أنه جده الأدنى أو الأعلى أما هو فقد كان يعبر عن نفسه روما ويكتب اسمه هكذا: (علي بن محمد بن يونس).


(1) راجع (الذريعة إلى تصانيف الشيعة) ج 3 ص 337 - 339. (2) راجع (الذريعة إلى تصانيف الشيعة) ج 4 ص 411. (3) بحار الأنوار: ج 1 ص 8.

[ 11 ]

ومعظم مترجميه على ذلك، وعلى رأسهم خريت الصناعة المولى عبد الله الإصفهاني في رياضه (1) الذي ألفه سنة 1108 ه‍ لكن الخوانساري عبر عنه في روضاته (2) الذي ألفه سنة 1286 ه‍. ب‍ (علي بن محمد بن علي بن محمد بن يونس) فجعل يونسا جده الأعلى ولم أر من سبقه إليه، وقد تبعناه (3) وتبعه السيد الأمين (4) أما الشيخ الحر العاملي (5) وغيره من مترجميه فقد عبروا عنه ب‍ (علي بن يونس. نسبة إلى الجد (6)، والعاملي نسبة إلى جبل عامل والنباطي نسبة إلى النبطية من قرى الجبل قرب صيداء، والبياضي نسبة إلى البياض (7) قرية في جبل عامل أيضا قرب سواحل صور وهذه النسب الثلاث مما اتفق عليه كافة مترجميه، ولا شك أنه ولد في إحداها وسكن ولو برهة في الأخريين، والعنفجوري: وصفه بها معاصر،


(1) رياض العلماء وحياص الفضلاء: مخطوط يوجد في مكتبتنا (مكتبة صاحب الذريعة العامة) في النجف ص 586. (2) روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات: 400. (3) الذريعة إلى تصانيف الشيعة: ج 1 ص 221، و ج 3 ص 8، و ج 10 ص 14 و ج 11 ص 230، و ج 12 ص 21، و ج 15 ص 36 و 172. (4) أعيان الشيعة: ج 42 ص 31. (5) أمل الآمل في تراجم علماء جبل عامل: ص 446. (6) الكنى والألقاب: ج 2 ص 101، والفوائد الرضوية: ج 1 ص 241 ومعجم المؤلفين: ج 7 ص 266. وغيرهم مما يأتي عند ذكر مصادر الترجمة. (7) قال أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي في كتابه (المنتظم في تاريخ الملوك والأمم) في حوادث سنة 459 ه‍ في ج 8 ص 246 ما نصه: (... في هذه الأيام بنى أبو سعيد المستوفي الملقب شرف الملك مشهد أبي حنيفة، وعمل لقبره ملبنا وعقد القبة وعمل المدرسة بإزائه وأنزلها الفقهاء ورتب لها مدرسا، فدخل أبو جعفر البياضي للزيارة فقال ارتجالا: ألم ير أن العلم كان مشتتا * فجمعه هذا المغيب في اللحد كذلك كانت هذه الأرض ميتة * فأنشرها فضل العميد أبي سعد وقال المحدث القمي في (الكنى والألقاب) ج 2، الط 2، ص 101: (وقد يطلق البياضي على الشريف العباسي أبي جعفر بن مسعود بن عبد العزيز المتوفى سنة 468 ه‍ الخ) وليس لدينا الوقت الكافي لمعرفة نسبته ومعلوم أنه من العامة. (*)

[ 12 ]

وراوي تصانيفه الشيخ تقي الدين إبراهيم بن علي بن محمد العاملي الكفعمي وحده كما حكاه الميرزا عبد الله الإصفهاني (1) عن خط الكفعمي في بعض مجاميعه ثم ضبطه بما نصه: (هو بالعين المهملة المفتوحة وسكون النون وفتح الجيم - ثم قال -: ولعله قرية بجبل عامل). واحتمل السيد الأمين (2) أنها نسبة إلى (عين فجور) وهي قرية كانت بقرب لبايا من أعمال البقاع في طريق دمشق قال: العين باقية إلى اليوم والبقاعي نسبه ذكرها لنفسه في إجازة له فقال: البياضي البقاعي. ولم يعد إلى ذكرها ثانية ولعلها نسبة إلى البقاع التي قال عنها الحموي (3): (هو أرض واسعة بين بعلبك وحمص ودمشق فيها قرى كثيرة أكثر شربها من عين تسمى (عين البحر) وهناك قبر الياس النبي عليه السلام). ولادته: لم نقف فيما ظفرنا به من مؤلفاته وإجازته، ورأيناه من مصادر ترجمته على ما يعين سنة ولادته بشكل أكيد، لكن يستنتج من بعض القرائن أنها كانت في أوليات القرن التاسع، فقد فرغ من نظم أرجوزته (ذخيرة الإيمان) في سنة 824 ه‍. وشرحها بنفسه (4) وفرع من تأليف رسالته المنطقية (اللمعة) كما صرح به الإصفهاني (5) والخوانساري (6) في سنة 838 ه‍. فيظهر من التاريخين أنه كان في سنة 830 ه‍ من الماهرين في الشعر والبارعين في النثر، ومن أهل التصنيف والتأليف القابلين للإفادة أو من رجال العلم المبرزين الذين يؤلفون في المنطق وفي الكلام، فتكون ولادته في حدود سنة 804 أو 805 ه‍. على وجه التقريب لا التحديد. وقد كان معاصرا للشيخ


(1) رياض العلماء وحياض الفضلاء: ص 586. (2) أعيان الشيعة: ج 42 هامش ص 31. (3) معجم البلدان: ج 2 ص 250. (4) الذريعة إلى تصانيف الشيعة: ج 10 ص 14 (5) رياض العلماء وحياض الفضلاء: مخطوط ص 586. (6) روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات: ص 400 الط الأولى.

[ 13 ]

الفاضل المقداد بن عبد الله الشهير بالسيوري (1). والمتوفى سنة 826 ه‍. كما أرخه تلميذه الشيخ حسن ابن راشد الحلي، وقد أدرك برهة من أيام حياته. كما كان معاصرا للشيخ أبي العباس أحمد بن فهد الحلي المتوفى سنة 841 ه‍. مشايخ روايته: لم يتعرض في مؤلفاته وإجازته إلى ذكر مشايخه في القراءة، كما لم يتعرض لذلك أحد من مترجميه، نعم صرح في إجازته للشيخ ناصر البويهي المتوفى سنة 583 ه‍ باسم اثنين من مشايخه في الرواية وهما: 1 - السيد زين الدين علي بن دقماق. وقد وصفه في الإجازة بقوله: (رب الفضائل بالاطلاق، المبرز على الكائنات في الآفاق، السيد زين الدين علي بن دقماق) ثم قال: (وهذا القطب يروي بالإجازة عن الشيخ الفاخر علي بن حسن بن مظاهر). أقول: الشيخ علي هذا هو الذي كتب له فخر المحققين ابن العلامة الحلي الإجازة المفصلة في سنة 741 ه‍ وقد أثبت صورتها العلامة المجلسي في الإجازات (2). 2 - الشيخ جمال الدين بن المطهر. وقد وصفه في الإجازة المذكورة بقوله. (الشيخ المعظم، والبحر المفعم، والعلم المفتخر، والنفس المتعطر، الشيخ جمال الدين أحمد بن الحسين بن مطهر). وذكر أن هذا القطب يروي بالإجازة عن علي ابن مظاهر الذي ذكرنا أنه أجيز من فخر المحققين عن والده العلامة الحلي. فالبياضي يروي عن فخر المحققين بواسطتين: أولاهما القطبان المذكوران، وثانيتهما علي بن مظاهر المجاز من الفخر. الراوون عنه: من المعلوم أن العلامة البياضي الذي كانت له تلك المكانة العلمية السامية، و


(1) ولعله نسبة إلى (سيور) قرية من لواحق الحلة لم تذكر في معجم البلدان وأورده الشيخ يوسف كركوش في كتابه (تاريخ الحلة) الطبعة الثانية. هذا وقد ذكره البهبهاني في تعليقاته على الرجال الكبير طبعة 1306 ص 238 بعنوان المقداد بن عبد الله السوراوي، وسورا مذكور في المعجم فليراجع. (2) بحار الأنوار: ج 25 ص 46.

[ 14 ]

المقام الرفيع، قد التف حوله المحصلون، واستفاد من فيوضاته الطالبون للعلم وكثر المستجيزون منه، ومن المؤكد أنه تخرج عليه جماعة وأجيز منه آخرون لكن أسماءهم ضاعت علينا كغيرهم من العلماء المنسيين الدين لم يبق لهم ذكر ولا أثر، لا سيما وأن جبل عامل قد أصيب بنكبات وفتن وغارات، وحروب طائفية تلفت بسببها الآثار والمكتبات، فقد أباد الشيخ نوح الحامدي بفتواه ضد الشيعة من مؤمني حلب وحدها أربعين ألفا أو يزيدون، وسبيت نساؤهم وهتكت أعراضهم ونهبت أموالهم وأخرج الباقون منهم من ديارهم إلى نبل والنفاولة وأم العمد و الدلبوز والفوعة وقراها، وهاجم الأمير ملحم بن الأمير حيدر بسبب تلك الفتوى جبل عامل في سنة 1147 ه‍ (يوم وقعة أنصار) فقتل وسلب ونهب كما فصله بعض زعماء العامليين (1) وقضت حوادث الجزار وفتنه التي بدأت في أواخر القرن الثاني عشر واستمرت إلى نيف ومئتين وألف على معظم آثار العامليين ومؤلفاتهم، و كانت مكتبة الشيخ علي خاتون الذي أسره الجزار تحتوي على ما يقرب من خمسة آلاف كتاب مخطوط صارت كلها طعمة لأفران قرية عكا كما ذكره لي الحجة السيد حسن الصدر رحمه الله عن بعض المشايخ المعمرين من العامليين ممن وقف على بعض الآثار المتلوفة، كما أن بعض المكتبات دفنت تحت الدور التي هدمها الغزاة الظالمون هكذا سمعت من بعض العلماء المطلعين من آل محفوظ، وبهذه الجرائم قضي على الآثار العلمية ونسي ذكر كثير من العلماء والمؤلفين. إننا لم نقف على أسماء أكثر من ثلاثة من الراوين عن العلامة البياضي، و نحن واثقون بأن هناك أضعاف هذا العدد قد فاتنا، إذ ليس من الممكن أن يعيش عالم كبير نحو ثمانين سنة في بلد العلم والعلماء جبل عامل، وفي القرن التاسع الذي كانت لم تزل فيه العناية بالغة بالحديث والرواية والإجازة والاستجازة، ولا يحضر عليه أو يأخذ عنه أو يستجيزه غير ثلاثة، وهذا فيما نرى من البديهيات، و


(1) الفصول المهمة في تأليف الأمة: الطبعة 2 ص 140.

[ 15 ]

نحن نتبرك بذكر أسمائهم بالتوالي: 1 - الشيخ ناصر البويهي المتوفى سنة 853 ه‍ (1). فقد كتب له إجازة قبل أن يؤلف كتابه (الصراط المستقيم) بسنتين، وقال في أول الإجازة ما لفظه: (التمس مني الشيخ الطاهر، ذو الفضل الظاهر، والجود الزاخر، والعلم الوافر، المولى الأجل الشيخ ناصر الدين بن إبراهيم البويهي الحساوي، إجازة لجملة من مصنفات علماء الشيعة الإمامية، ونقال الشريعة المصطفوية، فأجبته إليها). ثم كتب البياضي صورة إجازة فخر المحققين التي كتبها للشيخ علي بن حسن بن مظاهر المفصل فيها بعض كتب الشيعة، وقد أجازها الشيخ علي بن مظاهر للقطبين المذكورين اللذين كانا من مشايخ الشيخ البياضي كما ذكرناه آنفا، ثم كتب البياضي في آخرها ما لفظه: (يقول العبد الفقير الراجي عفو ربه الغني القدير، علي بن محمد بن يونس البياضي البقاعي: إني قد أجزت هذه الكتب على ما نصبت وشرحت أولا، للشيخ الأجل ناصر المنوه باسمه سالفا، فليروها لمن شاء وأحب، فإنه أهل لذلك، وكتب في ليلة الجمعة لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر شعبان سنة اثنتين وخمسين وثمانمئة، و الحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم). وقد أثبت العلامة المجلسي هذه الإجازة بتمامها (2) وذكرنا ملخصها في الإجازات (3) وبما أن صاحب (أنوار البدرين في علماء الأحساء والقطيف والبحرين) لم يذكر الشيخ ناصر البويهي، هذا، ناسب أن نذكره باختصار: فقد ذكره الشيخ الحر (4) مصرحا بأنه من آل بويه الوزراء المشهورين، وأنه ولد ونشأ في الأحساء وهاجر إلى عيناث من بلاد جبل عامل، وتتلمذ على الشيخ ظهير الدين محمد بن علي العيناثي، وذكر بعض تصانيفه، وما نقله عن خط الشهيد الثاني من أنه وصفه بقوله:


(1) جاء في (فهرست كتابخانه اهدائى آقاى سيد محمد مشكاة) ج 3 ص 595 عند ذكر البياضي أنه مجاز من الشيخ ناصر بن إبراهيم الخ. والصحيح أنه المجيز لا المجاز. (2) بحار الأنوار: ج 25 ص 46. (3) الذريعة إلى تصانيف الشيعة: ج 1 ص 221 (4) أمل الآمل في تراجم علماء جبل عامل: ص 456.

[ 16 ]

الشيخ الإمام المحقق من أجلاء العلماء والمحققين الفضلاء... إلى قوله: وتوفي بالطاعون في عيناث سنة 853 ه‍. أقول: يظهر أن البويهي استجاز البياضي قبل وفاته بسنة فقد ذكرنا أن تاريخ الإجازة سنة 852 وصرح هنا بأن وفاة البويهي سنة 853 ه‍. ويروي البويهي أيضا عن أستاذه الشيخ ظهير الدين المذكور. والشيخ أبي القاسم ضياء الدين ابن الشهيد عن والده كما ذكرناه في الإجازات (1) فهؤلاء الثلاثة الشيخ البياضي، والشيخ ظهير الدين محمد، والشيخ ضياء الدين، مشايخ رواية البويهي. ويروي عن الشيخ ناصر البويهي، الشيخ عز الدين حسين بن علي بن الحسام الذي هو أخو الشيخ ظهير الدين المذكور، فإنه صرح في إجازته التي كتبها للسيد حسين بن المرتضى بن إبراهيم الحسيني الشاري، بأنه يروي عن الشيخ ناصر البويهي وهو يروي عن الشيخ ضياء الدين، عن والده. 2 - الشيخ تقي الدين إبراهيم بن علي بن محمد بن صالح الكفعمي المتوفى سنة 905 ه‍ كما أرخه الحلبي (2) فقد نص بعض الإجازات (3) على روايته عن البياضي وسيأتي في أقوال العلماء في البياضي وصفه له بما لا يصفه به إلا المستفيدون من دروسه. 3 - الشيخ شرف الدين بن جمال الدين بن شمس الدين بن سليمان. فقد كتب هذا الشيخ بخطه (الرسالة اليونسية) للبياضي في حياته، وقابلها وصححها مع الأصل، وفرغ منها في سنة 864 ه‍. والنسخة اليوم في زنجان في مكتبة السيد الفاضل الجليل السيد محمد رضا ابن العلامة السيد محمد الزنجاني الذي توفي في سنة - 1355 ه‍. ودفن في جوار العباس عليه السلام، فالمقابلة والتصحيح مع أصل الكتاب قبل وفاة مؤلفه بثلاثة عشر عاما تشهد بتناول الكاتب لأصل الكتاب من مؤلفه وأخذه منه. أقوال العلماء فيه: 1 - الشيخ تقي الدين إبراهيم الكفعمي: دون بخطه مجموعة فيها فوائد


(1) الذريعة إلى تصانيف الشيعة: ج 1 ص 187. (2) كشف الظنون: ج 2 ص 617. (3) رأيت الإجازة قديما ولا أذكر خصوصياتها.

[ 17 ]

متفرقة، وقد حصل عليها العلامة الميرزا عبد الله الإصفهاني فنقل عنها كثيرا من الفوائد منها ما نقله عن خطه (1) ونصه (إن زبدة البيان وانسان الانسان، المنتزع من تفسير مجمع البيان، من جمع الإمام العلامة مزيد الدهر ووحيد العصر، مهبط أنوار الجبروت، فاتح أسرار الملكوت، خلاصة الماء والطين، جامع كمالات المتقدمين والمتأخرين، بقية الحجج على العالمين، الشيخ زين الملة والحق والدين، علي بن يونس لا أحلى الله الرمان من أنوار شموسه، وإيضاح براهينه ودروسه، بمحمد وآله). وكتب في المجموعة أيضا ما لفظه: (الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم للشيخ الأجل العلامة زين الدين علي بن يونس البياضي العنفجوري دام ظله) 2 - الشيخ الحر العاملي (2)، فقد وصفه بقوله: الشيخ زين الدين علي بن يونس العاملي النباطي البياضي كان عالما فاضلا محققا مدققا ثقة متكلما شاعرا أديبا متبحرا.. الخ. 3 - الميرزا عبد الله الإصفهاني (3)، قال: (الفاضل العالم الفقيه، الأديب الشاعر الجامع، المعروف بالشيخ زين الدين البياضي، وتارة بالشيخ علي بن يونس البياضي، صاحب كتاب الصراط المستقيم، فلا تظنن المغايرة، وكان معاصرا للكفعمي بل كان عصره قريبا من عصر الشيخ ابن فهد الحلي... الخ). 4 - السيد محمد باقر الخوانساري (4) قال: (الشيخ الفاضل المحدث المؤيد المسدد زين الدين أبو محمد إلى أن قال: وعد مولانا ؟ المجلسي (ره) كتابه المذكور أولا في جملة ما يستخرج عنه في البحار. إلى أن قال: ولا يخفى أن كتابه المذكور - يعني الصراط المستقيم - كتاب كامل في الإمامة مستوف للأدلة.. الخ


(1) رياض العلماء وحياض الفضلا: مخطوط: ص 586. (2) أمل الآمل في تراجم علماء جبل عامل: ص 23 الطبعة الثانية. (3) رياض العلماء وحياض الفضلاء: ص 586 - 587. (4) روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات: الط 1 ص 400.

[ 18 ]

5 - الشيخ محمد علي المدرس (1) قال ما ترجمته: (عالم فاضل، فقيه محدث محقق مدقق، أديب شاعر، متكلم ماهر متبحر، وحيد عصره، وفريد دهره، من أكابر مشايخ الشيعة، جامع لكمالات الأوائل والأواخر،.. الخ). 6 - السيد الأمين العاملي (2) قال بعد ذكر اسمه ونسبه: (توفي سنة 877 ه‍ وله كتاب الصراط المستقيم إلى مستحقي القديم مهديا إلى كل ذي عقل سليم، وجدنا نسخة منه في كربلاء مخطوطة، وهو في إثبات الواجب وصفاته والنبوة والإمامة يدل على فضل مؤلفه الخ). 7 - الشيخ عباس القمي (3) قال: (علي بن يونس العاملي النباطي البياضي الشيخ الجليل الفاضل، المحقق المدقق، المتكلم الثقة الرضي، صاحب كتاب الصراط المستقيم، واللمعة في المنطق، ورسالة الباب المفتوح إلى ما قيل في النفس والروح وهذه الرسالة بتمامها مذكورة في كتاب السماء والعالم من البحار، وكتابه الصراط المستقيم كتاب نفيس في الإمامة... الخ). 8 - البحاثة عمر رضا كحالة (4) قال: (علي بن يونس العاملي النباطي البياضي (زين الدين، أبو محمد) فقيه محدث مفسر، أديب لغوي شاعر منطقي، من تصانيفه الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم، زبدة البيان وانسان الانسان المنتزع من مجمع البيان في التفسير، اللمعة في المنطق، الباب المفتوح إلى ما قيل في الروح. مختصر الصحاح.. الخ). 9 - القاصر أغا بزرك الطهراني (5) قال: (من فقهاء جبل عامل في المئة


(1) ريحانة الأدب في المعروفين بالكنية أو اللقب: ج 1 ص 187. (2) أعيان الشيعة ج 42 ص 31 - 32 (3) الكنى والألقاب: الط 2 ج 2 ص 101. (4) معجم المؤلفين، ج 7 ص 266 (5) الضياء اللامع في عباقرة القرن التاسع: مخطوط في مكتبتنا العامة في النجف الأشرف، ص 90 (*)

[ 19 ]

التاسعة، ومن أفذاذ العلماء وجهابذة الكلام، وأساطين الشريعة وأفاضل الرجال ألف في الحكمة والكلام، والتاريخ واللغة، والعقائد والفقه، والتفسير وغيرها كتبا دلت على خبرته وتبحره وعلو قدره ومكانته..) وله في غير هذه المصادر تراجم وذكر عاطر، غير أننا نكتفي بهذا القدر من النقل عنها إذ ليس بإمكاننا الرجوع إليها وتصفحها، وعلى أننا سنذكر في آخر الترجمة مصادر غير هذه. شعره: صرح غير واحد من مترجمي العلامة البياضي بكونه من الشعراء، ولعل أول من وصفه بالشعر هو الشيخ الحر العاملي لكنه مع قرب عصره منه بالنسبة للباقين لم يذكر شيئا من شعره، وقد تبعه الآخرون ولم يستشهدوا بشئ من شعره كذلك ولم نقف على شعر له في سائر الأغراض الشعرية المعروفة، نعم له نظم في بعض المواضيع العلمية كالرجز وما أشبهه، وذلك ما يتفق لأكثر العلماء لكنه لا يلحقهم بالشعراء وسيأتي عند ذكر مؤلفاته أن له في علم الكلام أرجوزة سماها (ذخيرة الإيمان) (1) تقرب من ستين بيتا، وأولها: الحمد لله على تمامه * والشكر لله على أنعامه وقال في آخرها: وهذه أرجوزة الضعيف * على اللاجي إلى اللطيف والرسل والأئمة الأنجاب * ليشفعوا في موضع الحساب سميتها (ذخيرة الإيمان) * هدية مني إلى الإخوان والحمد لله العلي الكافي * على الذي أولى ونعم الكافي توجد بكاملها في مجموعة بمكتبة السيد حسين بن علي بن أبي طالب الهمداني في النجف الأشرف وأخرى في (مكتبة الشيخ محمد السماوي) في النجف أيضا، وذكر العلامة


(1) الذريعة إلى تصانيف الشيعة: ج 1 ص 494، و ج 10 ص 14 - 15

[ 20 ]

الأمين رحمة الله عليه (1) أنه وجد في آخر نسخة من كتابه (الصراط المستقيم) في كربلاء أبياتا ختمه بها، وقال: سمحت بها فكري عند تمامه. وهي: جعلت من الدين القويم صحائفا * هداني إليها.... (2) وحررت فيه للولي لطائفا * تجلي عمى عين الغبي وباله وأوضحت فيه للغوي طرائفا * سرائرها مطوية في خلاله وقررت فيه كل قول منضد * يزحزحه في دينه عن ضلاله فلا وامق إلا هدي بكماله * ولا مارق إلا هوى بنصاله يساق إليه الموت عند نزاله * ويساق للافحام عند جداله وسميته باسم (الصراط) تيمنا * ليسلك فيه للنبي وآله وأرجو إلى الرحمن منهم شفاعة * تصرف عني من عظيم وباله (3) وله مقطوعة في مدح أمير المؤمنين عليه السلام أدرجها في الصراط المستقيم، هذا نموذج من نظم البياضي يدل على مبلغ شاعريته وحدود إمكانياته في هذا الباب، وهو تقليدي لا يتعدى حدود الأدب اللفظي الذي لم يتجاوزه العلماء والفقهاء في الغالب. آثاره العلمية: إن الثروة العلمية التي تركها علماء الشيعة قديما وحديثا، والمجهودات


(1) أعيان الشيعة: ج 42 ص 31. (2) كذا في الأعيان والظاهر أن تلفا أصاب طرف الكتاب. (3) وفي النسخة الموجودة في (مكتبة سيد الشهداء العامة) في كربلاء بيت آخر فيه مادة تاريخ تأليف الكتاب نذكره على ركته: لنصف وثلث من ربيع آخر أتى * لأعوام (ذق ند) تمام كماله كما أثبتنا البيت في (الذريعة) ج 15 ص 36 وفي (فهرست كتابخانه اهدائى آقاى مشكاة) ج 3 ص 596 هكذا: لنصف وثلث من ربيع آخر أتى * لأعوام (ذق ند) تمام جماله يريد أنه تم في 25 رج 2 ر 854 ه‍ وهو الصحيح.

[ 21 ]

الفكرية التي لا يزال اللاحقوق يقتفون فيها خطوات السابقين، ويحرص الخلف على ربط حلقاتها بالسلف الصالح، إن كل تلك الآثار الخالدة لفي غنى عن مدح المادحين وإطراء المطرين، وهي التي أحلتهم الذروة والسنام بين الفرق والمذاهب الإسلامية، ويطول بنا المقام إذا أردنا أن نستعرض - ولو بإيجاز - الحوادث والهنابث التي لقيها شيعة أهل البيت من أعداء أهل البيت، والحرائق والبوائق التي منيت بها مكتبات الشيعة في مختلف العصور والقرون، فقد لعبت بهم أيدي الحدثان، وعبثت بآثارهم ومآثرهم الأهواء والأغراض، أملا في قبر سنة الرسول صلى الله عليه وآله التي تمثلت في أهل بيته، وفي شيعتهم من بعدهم، وبغية القضاء على علومهم ومعالمهم (يريدون أن يطفؤا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون) (1) وبالرغم من كل الكوارث والفواجع وحملات الإبادة نجد شيعة أهل البيت عليهم السلام في كل صقع من أصقاع العالم، وفي كل بقعة من بقاع المعمورة، ونرى آثارهم وعلومهم ملأ السمع والبصر، وما كان لله ينمو. وحسبنا أن نشير إلى حادثة واحدة مما يخص المؤلفات والمكتبات، وإن كنا قد فصلناها في محلها (2) فإن طغرل بك أول ملوك السلاجقة لما ورد بغداد في سنة 447 وشن حملته المشهورة على الشيعة (3) أمر بإحراق مكتبتهم التي أسسها أبو نصر سابور بن أردشير وزير بهاء الدولة البويهي في محلة (بين السورين) في كرخ بغداد سنة 381 ه‍. وقد كانت من دور العلم المهمة في بغداد بناها هذا الوزير الجليل والأديب الفاضل على مثال بيت الحكمة الذي بناه هارون الرشيد كما ذكر في ترجمته (4) وقد جمع فيها هذا الوزير ما تفرق من كتب فارس والعراق، واستكتب تأليف أهل الصين


سورة التوبة: 31. (2) حياة الشيخ الطوسي: ص د. (3) المنتظم في تاريخ الملوك والأمم: ج 8 ص 173 و 179. (4) وفيات الأعيان: ج 1 ص 199 - 200.

[ 22 ]

والروم كما ذكره الأستاذ محمد كرد علي (1) ونافت كتبها على عشرة آلاف، من جلائل الآثار ومهام الأسفار، وأكثرها نسخ الأصل بخطوط المؤلفين، قال ياقوت الحموي (2): (وبها كانت خزانة الكتب التي أوقفها الوزير أبو نصر سابور بن أردشير وزير بهاء الدولة بن عضد الدولة، ولم يكن في الدنيا أحسن كتبا منها، كانت كلها بخطوط الأئمة المعتبرة وأصولهم المحررة... الخ). وكان من جملتها مئة مصحف بخط ابن مقلة على ما ذكره ابن الأثير (3). تلك حادثة واحدة مما تعرضت له آثار الشيعة من ضياع وتلف، وقد ذهبت ضحيتها ألوف الآثار، وقد سبقتها ولحقتها حوادث مروعة يشيب لها الأطفال، و فضائح مخزية يندى منها جبين الانسان، غير أن عناية الله تعالى شأنه قد حفظت أصول المذهب الجعفري وفروعه من العبث وصانتها من الدنس، (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (4) وقد ترك مترجمنا العلامة البياضي ثروة فكرية كبيرة وتراثا علميا خالدا وآثار قيمة في مختلف العلوم الإسلامية، تدل على مكانته السامية ومقامه الرفيع ونحن نعتقد بأن ما وصل إلينا من آثاره ليس كل ما أفرغه من بوتقة التأليف ولا جميع ما أنتجه فكره الثاقب، ولا شك أن بعض آثاره قد ذهب وتلف كما تلفت ألوف المصنفات والأسفار، وإلى القارئ أسماء ما وصل إلينا من آثاره: 1 - إجازته للشيخ ناصر البويهي لقد اعتاد البعض على عدم الاعتداد بالإجازات والاهتمام بها، وهي في الحقيقة وواقع الأمر أحد المصادر الأولى والمنابع الأساسية لمعرفة أحوال الرجال وتراجم العلماء، وبعضي الإجازات الكبيرة يذكر في عداد الكتب والمؤلفات الرجالية لاشتماله على تراجم عدة من أعلام الدين، وسدنة الشرع


(1) خطط الشام: ج 6 ص 185 - (2) معجم البلدان: ج 2 ص 342. (3) التاريخ الكامل: ح 10 ص 3. (4) سورة الحجر: 9.

[ 23 ]

المبين، الذين كانوا في عصرهم من المروجين، وصاروا بعد ذلك من المنسيين، وهذه الإجازة من تلك المصادر المهمة ذات الفوائد المختلفة، وقد أثبتها العلامة المجلسي في الإجازات (1) وأشرنا إليها في الإجازات أيضا (2) 2 - الباب المفتوح إلى ما قيل في النفس والروح. مختصر في مقصدين، أولهما في النفس، وثانيهما في الروح، أوله (3): (الحمد لله الذي خلق النفوس وحجب ؟ حقيقتها عن أعيننا، فإن العين تبصر غيرهما، ويتعذر إدراك نفسها منها... الخ) وقد نقله المجلسي بتمامه في مجلد السماء والعالم (4). 3 - خطبة بليغة. أثبتها الشيخ الكفعمي في فصل الخطب من كتابه (المصباح) وقال الميرزا عبد الله الأفندي (5): (عندنا منها نسخة). 4 - ذخيرة الإيمان. أرجوزة في علم الكلام، تقدم الحديث عنها مختصرا عند البحث عن شاعريته، وذكرنا أولها وآخرها ومحل وجودها (6). 5 - رسالة في الكلام عدها الشيخ الحر العاملي (7) من تصانيفه والمظنون أنها (الرسالة اليونسية) كما سيأتي بيانه. 6 - زبدة البيان وانسان الانسان في تفسير القرآن. نقل عنه الشيخ الكفعمي في (المصباح) وغيره من مؤلفاته، وقال إنه منتزع من (مجمع البيان) للطبرسي (8)


(1) بحار الأنوار: ج 25 ص 46. (2) الذريعة إلى تصانيف الشيعة: ج 1 ص 221. (3) الذريعة إلى تصانيف الشيعة: ج 3 ص 7 - 8. (4) بحار الأنوار: ج 14 ص... (5) رياض العلماء وحياض الفضلاء: ص 586 مخطوط - (6) الذريعة إلى تصانيف الشيعة: ج 1 ص 494 و ج 10 ص 14 - 15. (7) أمل الآمل في تراجم علماء جبل عامل: ص 446. (8) لشيخنا أمين الاسلام الطبرسي أعلى الله مقامه، ذكر خالد في الغابرين بآثاره الجليلة، وتراجمه المبسوطة والمختصرة في المصادر المعتبرة والمواضيع العديدة، وقد =

[ 24 ]

وقد اختصر الكفعمي الزبدة، وكان المختصرة عند صاحب (الرياض) كما ذكره (1) ضمن مجموعة كبيرة مع بعض اختصارات أخرى للكفعمي (2) وقد سمى الشيخ الحر العاملي هذا الكتاب ب‍ (مختصر مجمع البيان) (3). (...) - شرح رسالة التكليفية. (4) ذكره الكفعمي بهذا العنوان، وهو (اليونسية) الآتي ذكره. 7 - الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم في الخلافة وإثبات إمامة الأئمة الاثنا عشر عليهم السلام - هذا الكتاب -، وهو أهم آثار المؤلف وأجل مؤلفاته، ومن أنفس الأسفار وأحسن ما كتب في مبحث الإمامة، فقد أجهد فيه نفسه الشريفة، و ألم بالموضوع من أطرافه، وأشبعه بحثا وتحقيقا، وأحكمه بالأدلة العقلية و النقلية، والبراهين القاطعة، والأخبار الصحيحة، والآيات الصريحة، التي لا تقبل التأويل والتفسير بغير ما هي له وفيه. وقد رتبه على سبعة وعشرين بابا الثلاثة الأولى منها في إثبات الواجب وصفاته، ورسالة النبي صلى الله عليه وآله وصفاته أيضا وبقية الأبواب كلها في الإمامة، وقد عد في أوله اثنين وخمسين كتابا أخذ منها ونقل عنها بلا واسطة، وأربعة وثلاثين ومئة كتاب نقل عنها بواسطة آخرين، وقد استدل في أثنائه بأشعار الأكابر والمشاهير، والأخبار المسلمة عند العامة، ونسبة الكتاب إليه ثابتة عند الكل، فقد ذكره كل من ترجم له من عصره إلى عصرنا


= ظهرت له أخيرا ترجمة قيمة بقلم العلامة المتضلع الأستاذ الجليل السيد محمد علي القاضي صدر بها (جوامع الجامع) للطبرسي الذي تصدى لإعادة طبعه بحلة زاهية، ففيها استقر واسع، وفوائد وتحقيقات اعتاد القاضي على تزويدنا بمثلها بين الآونة والأخرى، حفظه الله ونفع به، ووفقه لأمثالها. (1) رياض العلماء وحياض الفضلاء: مخطوط ص 587. (2) الذريعة إلى تصانيف الشيعة: ج 12 ص 21. (3) أمل الآمل في تراجم علماء جبل عامل: ص 446 (4) الذريعة إلى تصانيف الشيعة: ج 13 ص 151.

[ 25 ]

وأوله (1): (الله أحمد حمدا لا يضاهي على وجوب وجوده، وإياه أشكر شكرا لا يتناهى على إفاضة خيره وجوده...) توجد نسخة منه في (مكتبة السيد محمد المشكاة (2)) وثانية في (مكتبة السيد حسن الصدر) في الكاظمية، ونسخة في (مكتبة مدرسة سپهسالار) في طهران (3) ورابعة في (مكتبة مدرسة البروجردي) في النجف الأشرف وخامسة في (مكتبة سيد الشهداء العامة) في كربلاء كتبت في سنة 1256 ه‍ عن نسخة كتابتها سنة 1061 ه‍. ورأى العلامة الأمين (4) في كربلاء نسخة أخرى فرغ منها كاتبها في يوم الأحد ثامن ربيع الثاني سنة 1099 ه‍. وكتب في آخرها قوله واصفا الكتاب: هذا الكتاب مبشر برشاد من * يسلك طرائقه بغير خلاف فكأنه المبعوث أحمد إذا أتى * في آخر الأديان بالأنصاف وكأنه من بين كتب الشيعة * المتقدمين كسورة الأعراف ينبيك عن حال الرجال وما رووا * بعبارة تغني وقول شافي سهل الطرائق عذبة ألفاظه * فكأنها ممزوجة بسلاف فإذا قرأت أصوله وفروعه * رواك من عذب فرات صافي فهو (الصراط المستقيم) ومنهج * الدين القويم لسالكيه كافي تأليف من شهدت له آراؤه * بكماله في سائر الأوصاف للشيخ زين الدين قطب زمانه * رب المكارم عبد آل مناف فلقد أنار منار شيعة حيدر * وأباد من هو للنصوص منافي فجزاؤه من أحمد ووصيه * أهل السماحة معدن الأشراف أن يمنحاه شفاعة مقبولة * ويخصه... (5)....


(1) الذريعة إلى تصانيف الشيعة: ج 15 ص 36. (2) فهرست كتابخانه اهدائى آقاى سيد محمد مشكاة: ج 3 ص 595. (3) فهرست كتابخانه مدرسه عالى سپهسالار: ج 1 ص 275 و 276. (4) أعيان الشيعة: ج 42 ص 31. (5) كذا في (أعيان الشيعة) ج 42 ص 32

[ 26 ]

وقد أحسن الوجيه الموفق الفاضل المرتضوي في نشر هذا الكتاب الجليل، و وضعه في متناول أيدي أهله، فقد قدم بذلك للاسلام والمسلمين عامة، والعلماء وأهل الفضل خاصة، خدمة مشكورة، ويدا بيضاء تستحق منا كل حمد وثناء، ومن الباري تعالى خير الجزاء، بارك الله في عمره وعمله ورزقه، ووقفه لأمثال هذه الخدمات، والمبرات والخيرات، (والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا) (1). 8 - عصرة المنجود. في علم الكلام، وسمي في بعض النسخ (عصرة المجود) وهو غير صحيح، والعصرة بضم الأول وسكون الثاني وفتح الثالث وضم الرابع: المنجاة، والملجأ والمنجود بفتح الأول وسكون الثاني وضم الثالث وسكون الرابع وضم الخامس: الهالك،.. والمغموم وقد ألف البياضي هذا الكتاب بعد (الصراط المستقيم) المذكور، فإنه أحال إليه في مواضع من هذا الكتاب منها البحث السادس من أبحاث الإمامة، وأوله (2): (الحمد لله رب العالمين الذي حصل في العقول وجوب معرفته، ووصل في النقول حتمها على بريته، وجعل الساعي فيها من أكمل الأشخاص، والداعي إليها من أكمل أهل الاختصاص،... إلى قوله وسميته (عصرة المنجود، واستعنت لإتمامه بعناية ذي الجود، ورتبته على أبواب وإلى الله المآب، باب ماهية النظر وما يتبعه، النظر هاهنا هو الفكر في أمور تؤدي إلى المطلوب...) كانت نسخة منه في (مكتبة الشيخ محمد السماوي) في النجف الأشرف، وأخرى عند السيد حسين الهمداني في النجف أيضا منضمة إلى (ذخيرة الإيمان) المذكور. 9 - فاتح الكنوز المحروزة في ضمن الأرجوزة شرح فيه أرجوزته الكلامية المذكورة (ذخيرة الإيمان) وقد رآه بخطه في أصفهان العلامة الأفندي ضمن مجموعة


(1) سورة الكهف: 47. (2) الذريعة إلى تصانيف الشيعة: ج 15 ص 272. (*)

[ 27 ]

الرسائل والفوائد التي كتبها البياضي بخطه مع غيره من مؤلفاته (1) كما يأتي. 10 - الكلمات النافعات في تفسير الباقيات الصالحات. شرح فيه كتاب (الباقيات الصالحات) في شرح التسبيحات الأربع من تأليف شيخنا السعيد الشهيد الأول أبي عبد الله محمد بن محمد بن مكي الجزيني، ذكر الميرزا عبد الله الأفندي أنه مما كان في مجموعة الرسائل التي رآها عند السيد أحمد البحراني (2) وقد وقف عليها الخوانساري (3) أيضا. 11 - اللمعة في المنطق، ألفه في سنة 838 ه‍ كما مرت الإشارة إليه عند تحديد ولادة البياضي كما صرح به كل من الشيخ الحر (4) والميرزا الإصفهاني الأفندي (5) والخوانساري (6). 12 - مجموعة الرسائل والفوائد المتفرقة. رآها العلامة الأفندي في كتب السيد أحمد البحراني في أصفهان، وقال (7): (إن المجموعة كلها بخط الشيخ البياضي فيها من تأليفاته... إلى قوله: وفيها أخبار وآثار وكتب وأشعار وقصائد ورسائل متفرقة من تصانيف غيره.) 13 - المقام الأسنى في تفسير أسماء الله الحسنى. ذكره الأفندي وقال (8) إنه جيد الفوائد. وقد أدرجه الكفعمي في كتابه المسمى بالمقام الأسنى أيضا، الذي ألحقه بكتابه (البلد الأمين). (1) رياض العلماء وحياض الفضلاء: ص 588. (2) المصدر المذكور: ص 588. (3) روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات: ص 400 (4) أمل الآمل في تراجم علماء جبل عامل: ص 466. (5) رياض العلماء وحياض الفضلاء: ص 588. (6) روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات: ص 400. (7) رياض العلماء وحياض الفضلاء: ص 588. (8) رياض العلماء وحياض الفضلاء ص 775.

[ 28 ]

(...) - الملحة في المنطق. رآه صاحب (الرياض) في المجموعة المذكورة وقال (1): (إنه غير اللمعة المذكورة في الأمل). أقول: المظنون قويا كونه (اللمعة) المذكور نفسه، وأن تسميتها ب‍ (الملحة) تصحيف. لا سيما وأنهما في المنطق. 14 - منخل الفلاح. ذكره الشيخ الكفعمي في (المصباح)، وقال الأفندي (2) (إنه بعينه نجد الفلاح - الآتي - الذي ذكره الكفعمي). أقول: إن (نجد الفلاح) هو مختصر الصحاح كما صرح به الكفعمي في (فرج الكرب) والأفندي في (الرياض) فالمنخل الذي ذكره بعد (نجد الفلاح) يكون غيره حتما، والظاهر أن هذا هو (مختصر المختلف) الذي ذكره الشيح الحر العاملي (3) وأنه منخل لتفريق ما هو الفلاح من المختلفات، والله العالم. 15 - نجد الفلاح في مختصر الصحاح. قال في (الرياض): أنه عين (منخل الفلاح) ولكن الصحيح أنهما اثنان، وأن المنخل مختصر (المختلف) الذي ذكره صاحب (الأمل). 16 - اليونسية في شرح التكليفية. شرح فيه (المقالة التكليفية) تأليف الشهيد الأول، والمقالة رسالة مبسوطة مرتبة على خمسة فصول، مدارها على خمسة مطالب مطلب: ما، وهل، ومن، وكيف ؟، ولم ؟. فالثلاثة الأول في الفصل الأول والرابعة في الفصل الثاني، والخامسة في الفصل الثالث، والفصل الرابع في الترغيب والخامس في الترهيب (4) وهذا الشرح من الآثار القيمة والكتب الجليلة المهمة


(1) المصدر المذكور: ص 587. (2) المصدر السابق: ص 588. (3) أمل الآمل في تراجم علماء جبل عامل: ص 446. (4) الذريعة إلى تصانيف الشيعة: ج 4 ص 408 وهناك في السطر الخامس خطأ حيث جاء قول الشهيد هكذا: لم يخلق عبثا. بينما الصحيح: لم يخلق الخلق عبثا، وقد أشير

[ 29 ]

وقد يقال له (الرسالة اليونسية (1)) وتوجد نسخة منه في زنجان في مكتبة السيد محمد رضا بن محمد الزنجاني فرغ من كتابتها تلميذ البياضي الشيح شرف الدين بن جمال الدين بن شمس الدين بن سليمان في سنة 864 ه‍. كما مر عند ذكر التلميذ. هذا ما وقفنا عليه أو ظفرنا بذكره أو الإحالة إليه من مؤلفات شيخنا البياضي تغمده الله برحمته، وعسى أن يكون هناك ما لم نهتد إليه ونقف عليه، (وفوق كل ذي علم عليم (2)). المعاصرون له: سبقت الإشارة في هذه الصفحات أكثر من مرة إلى أن علماء الشيعة قد اضطهدوا وتشتتوا وتفرقوا في البلدان، والتجأ الكثير منهم إلى إخفاء آثارهم ومآثرهم وكتمان علومهم وأسرارهم إلا عن الخواص، ولا سيما في القرون الأولى وإلى ما بعد القرن العاشر الهجري، ما عدا فترات قصيرة، ومدن نائية بعيدة، كان لهم فيها صوت مسموع، وعلم مرفوع، ومعاهد وربوع، للإفادة والاستفادة، والتوجيه والتبشير، وقد سبب ذلك ضياع المجهودات العلمية لكثير من نوابغ العلماء وعباقرة الحكماء، وأجلاء الفقهاء، وأكابر المتكلمين، وأساطين اللغة، وفرسان البيان، و شيوخ القريض، وغيرهم، بل حتى إلى ضياع أسمائهم وتراجمهم، فقد ضاعوا و ضاعت ونسوا ونسيت، غير أن الله تعالى شأنه وفقنا إلى إحياء كثير من هؤلاء وإعادة ذكرهم، وتدوين كل صغيرة وكبيرة عنهم، فقد خصصنا المئة التاسعة يجزء


إلى ذلك في جدول الخطأ والصواب. وهناك في السطر العاشر من تلك الصفحة خطأ لم ننبه عليه وقد وقع نظرنا عليه عند تحرير هذه السطور. وهو تسمية البياضي بيونس بينما هو علي بن محمد بن يونس. (1) الذريعة إلى تصانيف الشيعة: ج 11 ص 230، و ج 13 ص 151. (2) سورة يوسف: 75.

[ 30 ]

خاص من موسوعتنا (طبقات أعلام الشيعة) سميناه ب‍ (الضياء اللامع في عباقره القرن التاسع) فقد حوى كثيرا من تراجم العلماء المنسيين، وضم أحوال عدد غير قليل من الأجلاء الذين لم يسبق لأحد الوقوف على آثارهم أو الإشادة بذكرهم وأخبارهم وكم وكم من ذوي مكانة سامية ومقام سامق كان بداية معرفتنا لهم الإجازات، و بذرة تراجمنا لهم الاستعارات والتملكات المؤرخة، وذلك من فضل الله تبارك اسمه وألطافه ونعمه التي لم يحرمنا منها في وقت من الأوقات، فله الشكر والمنة و نسأله المزيد من ذلك. لقد عاصر شيخنا العلامة الأكبر البياضي عددا من فحول العلم، وأساطين الدين وأعلام الشريعة، وعمد المذهب، في جبل عامل، والحلة، والنجف الأشرف وغيرها من مدن الشيعة، وعواصم العلم، نذكر منهم على سبيل المثال وبقصد التبرك والتشرف أفرادا، فمنهم: الفاضل المقداد السيوري، وهو ابن عبد الله الحلي المتوفى سنة 826 ه‍. 2 - الشيح حسن بن راشد الحلي تلميذ المقداد. 3 - الشيخ أبو العباس أحمد بن فهد الحلي المتوفى سنة 841 ه‍. 4 - الشيخ يوسف بن محمد بن إبراهيم الميسي الذي دون (مجموعة الرسائل الكلامية) في سنة 834 - 852. 5 - الشيخ زين الدين علي بن الحسن بن محمد بن صالح اللويزي المتوفى سنة 861 ه‍ والد الشيخ شمس الدين محمد الجبعي المتوفى سنة 886 ه‍. 6 - الشيخ عز الدين الحسن بن يوسف الكركي الشهير بابن العشرة المتوفى سنة 862 ه‍. 7 - السيد حسين العالم الصارمي. 8 - الشيخ محمد ابن العجمي. 9 - الشيخ يوسف ابن الاسكاف.

[ 31 ]

10 - الشيخ محمد السميطاري - سبط العلامة الشيخ شمس الدين محمد بن عبد العلي ابن نجدة - وهؤلاء الأربعة كلهم من علماء جبل عامل وقد توفوا جميعا في سنة 874 كما أرخهم الشيخ شمس الدين الجبعي في المجموعة التي نقل عنها العلامة المجلسي (1). وفاته: ضبط وفاة العلامة البياضي معاصره المطلع على أحواله، الشيخ الجليل شمس الدين محمد بن علي الجبعي، الجد الأعلى للشيخ البهائي، والأخ الأكبر للشيخ تقي الدين إبراهيم بن علي الكفعمي، فقد كتب في مجموعته التي ورثها حفيده الشيخ حسين بن عبد الصمد والد البهائي ما لفظه: (توفي الشيخ زين الدين علي بن يونس البياضي سنة سبع وسبعين وثمانمائة) وعلى ما استظهرناه من تاريخ ولادته تكون مدة حياته نيفا وسبعين سنة. وكتب الشيخ حسين بن عبد الصمد وارث المجموعة فيها تحت خط جده ما يلي: (توفي جدي هذا الكاتب لتاريخ وفاة البياضي بعده بتسع سنين يعني سنة 886). وقد ورث الشيخ البهائي تلك المجموعة من والده، وكتب فيها بعض الفوائد، ثم ملكها العلامة المجلسي فنقل عنها كثيرا من تلك الفوائد في الإجازات (2) وانتقلت إلى الآخرين حتى عصرنا وقد وقفت عليها في (مكتبة مدرسة البروجردي) في النجف الأشرف. مصادر ترجمته: لقد تصدى لذكر العلامة البياضي والترجمة له غير واحد من الباحثين والمؤلفين والمفهرسين والمؤرخين، وليس لدينا الوقت الكافي، كما لا تساعدنا الصحة على تتبع تلك المصادر وإحصاء تلك المراجع، ونذكر منها هاهنا ما هو في متناول اليد، و وما لا يحتاج إلى عناء ووقت، وإلى القارئ ما يلي:


(1) بحار الأنوار: ج 25 س 46. (2) بحار الأنوار: ج 25.

[ 32 ]

1 - أعيان الشيعة: للسيد محسن الأمين: ج 42 ص 31 - 32. 2 - أمل الآمل في تراجم علماء جبل عامل: للشيخ محمد الحر: ص 446 الطبعة المنضمة مع الرجال الكبير. 3 - إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لإسماعيل پاشا الباباني: ج 2 عمود 66. 4 - بحار الأنوار الجامعة لدر أخبار الأئمة الأطهار. للشيخ المجلسي: ج 25 ص 46. 5 - التكملة: لبروكلمان ج 11 ص 133. 6 - الذريعة إلى تصانيف الشيعة: للأقل آغا بزرگ الطهراني: ج 1 ص 221 و 494، و ج 3 ص 7 - 8، و ج 4 ص 408، و ج 10 ص 14 - 15، و ج 11 ص 230، و ج 12 ص 21، و ج 13 ص 151، و ج 15 ص 36 و 272. وفي حرف الفاء، والكاف، واللام، والميم، والنون، والياء، من القسم المخطوط... 7 - روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات للسيد محمد باقر الخوانساري: الطبقة الأولى ص 400. 8 - ريحانة الأدب في تراجم المعروفين بالكنية أو اللقب. للميرزا محمد علي المدرس التبريزي: ج 1 ص 187. 9 - رياض العلماء وحياض الفضلاء. للميرزا عبد الله الأفندي: مخطوط ص - 586 و 7 ؟ 6. 10 - سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار. للشيخ عباس القمي: ج 1 ص 116. 11 - الضياء اللامع في عباقرة القرن التاسع: للأقل آغا بزرك الطهراني: مخطوط ص 90. 12 - الفوائد الرضوية في أحوال علماء المذهب الجعفرية. للشيخ عباس القمي: ج 1 ص 341.

[ 33 ]

13 - فهرست كتابخانه إهدائي آقاي سيد محمد مشكاة. للفاضل محمد تقي دانش پژوه ج 3 ص 595. 14 - فهرست كتابخانهء مدرسة عالي سپهسالار. لابن يوسف الشيرازي: ج 1 ص 275 و 276. 15 - كشف الحجب والأستار عن أسماء الكتب والأسفار. للسيد إعجاز حسين الكنتوري: ص 370. 16 - الكنى والألقاب. للشيخ عباس القمي: الط 2 ج 2 ص 101. 17 - معجم المؤلفين. للبحاثة عمر رضا كحالة: ج 7 ص 269 ؟. 18 - هدية الأحباب في ذكر المعروفين بالكنى والألقاب. للشيخ عباس القمي ص 110. خاتمة: هذا ما ساعدت عليه الحال وسمح به الزمن، وأمكن تقييده وجمعه من ترجمة أحوال وحياة شيخنا العلامة الأجل البياضي نضر الله وجهه وتغمده برحمته، ومعظم ما يراه القارئ في هذه الصفحات هو من تتبعات قديمة، ومراجعات سابقة أمكن جمعها في هذه العجالة وضم بعضها إلى بعض، وأضيف إليها ما جد من أثر ورأي وأنا لا أدعي الاستيفاء والاستقصاء، كما لا أشك بأن في مراجعة بعض المصادر القديمة والحديثة ما يكمل البحث ويفي بالغرض، ويؤدي حق المقام، لكن رعشة اليد وضعف البدن لا يسمحان بما سمحا به قبل اليوم، من عمل متواصل، وسهر طويل، وصبر وجلد، مما كان ولم يزل ألذ متع الحياة عندنا، وأحلى الأماني لدينا، وأنى لنا بذلك اليوم (ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون) (1): والعمر مثل الكأس * يرسب في أواخره القذا فإلى الله لا إلى غيره المتشكى، وعليه لا على غيره المعول في الشدة والرخاء


(1) سوره ياسين: 38.

[ 34 ]

والحمد لله على أفضاله وأنعامه ونسأله العفو والصفح عن زلاتنا فهو العفو الغفور (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) (2). كتبه بأنامله المرتعشة في مكتبته العامة في النجف الأشرف في أولى ليالي البيض من شهر رمضان المبارك سنة أربع وثمانين وثلثمائة وألف. الفاني آقا بزرك الطهراني عفى عنه


(2) سورة يونس: 10. (*)

[ 1 ]

تتمة الباب التاسع * (فيما جاء في النص عليه من رسول الله صلى الله عليه وآله) * بسم الله الرحمن الرحيم ومنها: ما ذكره مسلم والبخاري وغيرهما من قول النبي صلى الله عليه وآله في خيبر لما فر الشيخان برايته: لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، كرار غير فرار، لا يرجع حتى يفتح الله على يديه، فدعا بعلي فجيئ به أرمد، فبصق في عينيه، فبرأتا وأعطاه الراية فمضى، وكان الفتح. وقد عرض النبي صلى الله عليه وآله بالهاربين بقوله (غير فرار) وصرح بمدحه في قوله (كرار) وفي محبة الله ورسوله التي هي عبارة عن كثرة الثواب، المستلزمة للأفضلية، المقتضية للإمامة، وثبوت الإمامة ومحبة الله وإن كانت لكل طائع إلا أنها تتفاوت فزاد الله عليا من فواضله بقطع شواغله، وتطهير باطنه، عن تعلقه بكدورات الدنيا ورفع الحجاب عن أحوال الأخرى. قالوا: محبة الله دليل فيها على نفي غيره من محبته، لأنه دليل خطاب، قلنا: لم يثبت تخصيصه بمجرد القول، بل بحال غضبه عليه السلام عليهما. وقد روى فرهما وثباته الحافظ في حلية الأولياء عن سلمة بن الاكوع و ابن حنبل في مسنده عن عبد الله بن الزبير وفي موضع آخر عن بريدة وفي موضع ثالث عن رجال شتى والبخاري في الجزء الثالث من صحيحه، وفي الكراس الرا ؟ من الجزء الخامس ورواه مسلم في الكراس الأخير من الجزء الرابع والترمذي في الجزء الثالث وفي الجمع بين الصحيحين للحميدي والثعلبي في تفسيره وابن

[ 2 ]

المغازلي عن أبي هريره تارة وعن الخدري تارة. فعلي الإمام الكرار، حصل به الغنيمة وسرور النبي صلى الله عليه وآله والأنصار والهارب الفرار حصل منه الهزيمة وغم النبي المختار، بظهور الكفار، وهذه صحاحهم تخبر أنما أحبه الله لجده في الإقدام، وإخلاصه في جهاد الطغام، يدل على ذلك قول الله سبحانه (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون (1)) الآية ثم أكد ذلك بقوله (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا (2)) فأبان بما تحصل به محبته، ثم أوضحها بقوله (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين (3)) ثم كشف في تمام الآية عن حال من يحب الله ويحبه بقوله (يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء (4)) وهذه نزلت في علي خاصة كما ذكر في تفسيره. كل ذلك جاء في فرهما وثباته، ولو دانى عليا في الشجاعة بطل، لما اختص بضرب المثل، كسخاء حاتم، وقد تبين من رب العباد أن محبته في مقابلة الجهاد، ولذلك مدح النبي صلى الله عليه وآله عليا على الكر والإقدام، وذم غيره على الفرار والإحجام، واستأذنه حسان أن يقول في وصف الحال، فأذن له فقال: وكان علي أرمد العين يبتغي * دواء فلما لم يحس مداويا شفاه رسول الله منه بتفلة * فبورك مرقيا وبورك راقيا وقال سأعطي الراية اليوم صارما * حميا مجيبا للرسول مواليا يحب إلهي والإله يحبه * به يفتح الله الحصون الأوابيا فأصفا بها دون البرية كلها * عليا وسماه الوزير المواخيا قالوا: ذلك لا يقتضي تخصيص علي بمحبة الله، بل هذه صفة لجميع المؤمنين


(1) براءة: 111. (2) الصف: 4. (3 و 4) المائدة: 54.

[ 3 ]

كما قال في عسكر عمر بالقادسية [ وكانوا كفارا ]: فسوف يأتي الله بقوم يحبهم و يحبونه، قلنا: ذكرتم أن أهل القادسية كانوا كفارا، والآية فيها خطاب للمؤمنين بقوله (من يرتد منكم عن دينه) وقد روى كثير من الناس أنها نزلت في المرتدين يوم الجمل بحربهم لعلي عليه السلام. إن قيل: انقطع الوحي قبل الجمل، قلنا قد ذكر العلماء أن كل من انطبق عليه آية جاز أن يقال إنها نزلت فيه، على أن وصف النبي له بالكرار، ونفي الفرار، يخرج عن هذه المحبة الموصوف بالفرار. قالوا: لفظة (قوم) في الآية لا تصلح لواحد، قلنا: قد سلف جواز إطلاق الجمع على الواحد للتعظيم، ولغيره كما قال تعالى (لا يسخر قوم من قوم (1) نزلت في ثابت ابن قيس، سخر به رجل (ولا نساء من نساء) نزلت في عائشة سخرت بأم سلمة. قالوا: تفتخرون لعلي بفتح قرية فيها يهود طغام، ونحن لا نفتخر للمشايخ الثلاثة بإزاحة الملوك العظام، مثل قيصر وهرقل والشام، وكسرى والروم وغيرهم من الأنام، وأين خيبر من القادسية التي قتل فيها الأبرار، مائة ألف من الكفار واليرموك الذي كان فيه من الروم أربعمائة ألف مقاتل، وكان في الصحابة ثلاثون ألف مقاتل. قلنا: ليس في جر العساكر مثل شجاعة المباشر، ولم يكن لهم في الاسلام قتيل يذكر، ولا جريج يشهر، وناهيك ما جرى في بدر واحد وخيبر، وقد نفى جبرائيل عن الرب العلي، من يقارب عليا الولي، في قوله: لا سيف إلا ذو الفقار * ولا فتى إلا علي وأما تصغيرهم خيبر فكلمة لا يخفى قبحها وقد فرح النبي بعد الغم الشديد بفتحها، وقد عجز الشجعان (2) عنها قال ابن حمدون في التذكرة: شجاعة علي معجزة


(1) الحجرات: 11. (2) الشيخان، خ.

[ 4 ]

للنبي إذ لو قيل له ما دليل صدقك ؟ فقال شجاعة علي لم يمكن أحدا إنكاره، وقد ذكر قتله لمرحب مسلم، والبخاري، والعاقولي وخطيب دمشق، وابن قتيبة. وكان الواجب أن يقاس أصحاب مشايخهم بالقادسية بأصحاب علي إذ لا قياس بين الثلاثة وبين علي، إذ الثلاثة كانوا من القاعدين، وعلي من المجاهدين، ولا يخفى ما في الكتاب المبين، من تفضيل المجاهدين على القاعدين، وقتل علي ببدر شجعان المشركين، وفيهم نوفل وكان من شياطين قريش، وقتل بالخندق عمرا بعد إحجام المسلمين عنه، وقد قال عدوه معاوية لابن الزبير (1): لا جرم إن عليا قتلك وقتل أباك بيسرى يديه، وبقيت يمناه فارغة يطلب بها من يقتله غيركما. وفي كتاب ابن مسكويه قال ابن العاص يوم الهرير: لله در ابن أبي طالب ما كان أكثره عند الحروب ما آنست أن أسمع صوته في أول الناس إلا وسمعته في آخرهم ولا في الميمنة إلا وسمعته في الميسرة، فهذا اعتراف أعدائه بشجاعته لما لم يتمكنوا من استتارها لاشتهارها. قال سعد لمعاوية: لقد رأيته يوم بدر يحمحم ويقول: بازل عامين حديث سني * سجسجة الليل كأني جني لمثل هذا ولدتني أمي فما رجع إلا وقد خضب من دماء القوم. وادعوا لأبي بكر الشجاعة (2) بقتال أهل الردة، وأشار علي بالكف عنهم قلنا: ذلك لعلمه بعدم استحقاقهم القتال، ولم يشتهر لأبي بكر قتيل من الأرذال فضلا عن أحد من الأبطال، وقد قدمنا أن الشجاعة إنما تكون بمصادمة الرماح، و مصافحة الصفاح، ولهذا لما ذكرنا فرارهم عن النبي صلى الله عليه وآله اعتذروا بأن الله عفا عنهم. قلنا: كان العفو عن العاجل خاصة لقوله تعالى (وكان عهد الله مسؤولا) (3)


(1) قاله حين افتخر ابن الزبير بخروجه مع أبيه يوم الجمل على علي عليه السلام. (2) الاشجعبة: خ. (3) الأحزاب: 15.

[ 5 ]

والآية محكمة بالاجماع. قالوا: وصف الله كل الصحابة بالشجاعة في قوله (والذين آمنوا معه أشداء على الكفار (1) قلنا صحيح لكنها متفاوتة فيهم باعترافكم، فلبس في ذلك حجة لكم، وقد روى أبو نعيم في قوله تعالى (فاستغلظ فاستوى على سوقه) (2) قال اشتهر الاسلام بسيف علي ابن أبي طالب، وهم يدعون الشجاعة للهارب الجالب للمثالب قال بعض الفضلاء: وما بلغت كف امرء متناول * بها المجد إلا حيثما نلت أطول ولا بلغ المهدون في القول مدحة * وإن صدقوا إلا الذي قيل أفضل وقد ظهر مما أسلفناه اختصاصه بمزيد محبة الله دون من سواه. تذنيب: روى ابن حنبل عن مشيخته أنه اقتلع باب خيبر فحمله سبعون رجلا فكان جهدهم أن أعادوه. وأسند الحافظ أنه لما اقتلعه دحى به خلف ظهره، ولم يطق حمله أربعون رجلا وقال البستي في كتاب الدرجات: كان وزن حلقة الباب أربعين منا فهزه حتى ظنوا أنها زلزلة، ثم هزه أخرى فاقتلعه ودحى به أربعين ذراعا، وقال الطبري صاحب المسترشد: حمله بشماله وهو أربعة أذرع في خمسة أشبار في أربعة أصابع، و كان صخرا صلدا، فأثرت إبهامه فيه، وحمله بغير مقبض. وقال ميثم: كان من صخرة واحدة. قال ديك الجن: سطا يوم بدر بأبطاله * وفي أحد لم يزل يحمل ومن بأسه فتحت خيبر * ولم ينجها بابها المقفل دحى أربعين ذراعا به * هزبر له دانت الأشبل وقيل: كان طول الباب ثمانية عشر ذراعا، وعرض الخندق عشرون، فوضع


(1 و 2) الفتح: 29.

[ 6 ]

على طرف الخندق جانبها وضبط الآخر بيده حتى عبر الجيش، وهو ثمانية آلاف وسبعمائة رجل. وروي أن بعض الصحابة قال: يا رسول الله ما عجبنا من قوته وحمله ورميه بل من وضع إحدى يديه تحت طرفه، فقال صلى الله عليه وآله: انظروا إلى رجليه، قال فنظرت الصحابة إليها فرأينها معلقين فقلن: هذا أعجب، رجلاه على الهواء ؟ قال صلى الله عليه وآله: لا بل على جناحي جبرائيل. وهذا حسان قد أنشأ فيه أبياته الحسان: إن امرءا حمل الرتاج بخيبر * يوم اليهود بقدرة لمؤيد حمل الرتاج، رتاج باب قموصها * والمسلمون وأهل خيبر تشهد فرمى به ولقد تكلف رده * سبعون كلهم له متشدد وهذا كله خرق العادات، لا يتفق إلا لنبي أو وصي نبي، ولما لم يكن نبيا اتفاقا، كان وصيا التزاما. وقال ابن زريك: والباب لما دحاه وهو في سغب * من الصيام وما يخفى تعبده وقلقل الحصن فارتاع اليهود له * وكان أكبرهم عمدا يفنده نادى بأعلى العلى جبريل ممتدحا * هذا الوصي وهذا الطهر أحمده وبالجملة فقد أنشأت الفضلاء فيه مدايحهم، ونورت الشعراء بذكره أشعارهم مثل الوراق، والناشي، وابن حماد، والعوني، وابن العلوية، والحميري وتاج الدواير وابن مكني. ومنها: توليته على أداء سورة براءة بعد بعث النبي صلى الله عليه وآله أبي بكر بها، فلحقه بالجحفة، وأخذها منه ونادى في الموسم بها، وذكر ذلك ابن حنبل في مواضع من مسنده والثعلبي في تفسيره، والترمذي في صحيحه، وأبو داود في سننه، و مقاتل في تفسيره، والفراء في مصابيحه، والجوزي في تفسيره والزمخشري في كشافه، وذكره البخاري في الجزء الأول من صحيحه في باب ما يستر [ من ]

[ 7 ]

العورة (1) وفي الجزء الخامس في باب (وأذان من الله ورسوله) (2) وذكره الطبري والبلاذري والواقدي والشعبي والسدي والواحدي والقشيري والسمعاني والموصلي وابن بطة وابن إسحاق والأعمش، وابن السماك في كتبهم. وبالجملة فإجماع المسلمين عليه لا يختلفون فيه، وفي القصة أنه لما رجع أبو بكر قال: يا رسول هل نزل في شئ ؟ قال: لا ولكن جاءني جبرائيل، وقال: لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك، فظهر بهذا أن أبا بكر ليس من النبي صلى الله عليه وآله وأن عليا الوفي من النبي الأمي، فلينظر العاقل إلى الأمر السماوي، والسر الإلهي، كيف عزل أبا بكر بالجحفة جهرا، ونصب عليا بعده أميرا. ولما عاد النبي إلى ذلك الموضع في حجة الوداع، نص على علي كما شاع ذلك في الخلائق وذاع، لنبيه اللطيف الخبير، بالعزل والتأمير على أن من لم يصلح إرساله إلى بلد، لم يصح أن يحكم على كل أحد، وقد جرى في الأمثال أن العزل طلاق الرجال. وقد ذكر في كتاب الفاضح أن جماعة قالوا له: أنت المعزول والمنسوخ من الله ورسوله عن أمانة واحدة، وعن راية خيبر، وعن جيش العاديات، وعن سكنى المسجد، وعن الصلاة، فكيف تولي في الأمور العامات والخاصات، وليس للأمة تولية من عزله الله في السماء ورسول الله في الأرض، أدرجنا الله والمؤمنين في زمرة العاقلين، وأخرجنا وإياهم من حيرة الغافلين. قالوا: يلزم نسخ تبليغ أبي بكر، قبل حضور وقته، قلنا: إنما كان حاملا لا مبلغا. قالوا: ظاهر الحديث (لا يؤدي عنك إلا رجل منك) ينافي ذلك. قلنا: لا يلزم من النهي سبق الأمر بالتأدية، فإن كثيرا من المنهيات لم يسبق من العبد ما ينافيها، ولو صرح النبي صلى الله عليه وآله بكونه مبلغا جاز أن يكون


(1) راجع ج 1 ص 77. (2) راجع ج 3 ص 134.

[ 8 ]

مشروطا بشرط لم يظهره، والفائدة تميز على بها، وأبي بكر بعدم صلاحه لما هو أعلى منها. تذنيب: خاف موسى من قتل نفس واحدة من القبط، كما حكاه القرآن عنه، ولم يخف علي من تلهف أهل الموسم على قتله لقتله أقاربهم وأعزاءهم وهذا فضل على موسى عليه السلام فكيف على من ليس له بلاء حسن في الاسلام. وهذا النداء من علي أخيرا اقتفاء لنداء إبراهيم بالحج أولا فكان في العزل من الله والتأمير التنعية على منازل الرجال وفي النداء ممن هو كنفس العاقد اتساق الأحوال إذ لو لم يبعث بالأمر غير علي أولا ثم يعزله لم يجزم الناس بأنه ليس في الجماعة من يصلح له، قال الصاحب: براءة استرسلي في القول وانبسطي * فقد لبست جمالا من موليه وقال ابن حماد: بعث النبي براءة مع غيره * فأتاه جبريل يحث ويوضع قال ارتجعها وأعطها مولى الورى * بأدائها وهو البطين الأنزع فانظر إلي ذي النص من رب العلى * والله يخفض من يشاء ويرفع قالوا: كان أبو بكر الأمير العام على الحاج، فله الترجيح على علي حيث بعث لأمر خاص في ولاية أبي بكر، قلنا: قد جاء من طرقكم أنه رجع وقال من شدة خوفه: أأنزل في شئ ؟ ذكره الثعلبي في تفسيره وهذا يبطل أيضا ما يقولونه من أنه إنما رده لاحتياجه إليه وأي حاجة في التام الكامل إلى الناقص الجاهل وهل ذلك إلا قدح في رأي النبي صلى الله عليه وآله إذ فيه تسديد الذكي بالغبي وآية المشورة للتأليف والتأديب، لا للحاجة إلى رقيب (1) ونمنع كونه أميرا على الحاج لظهور


(1) دفع دخل مقدر كأن قائلا قال: قد يحتاج التام الكامل إلى الناقص، ولذلك أمر الحكيم تعالى رسوله صلى الله عليه وآله بأن يشاور المؤمنين في قوله تعالى: (وشاورهم في الأمر).

[ 9 ]

عزله، ولم يرد ذلك إلا من الخصم ونقله، وكون علي في ولايته في حيز الامتناع لأن النبي صلى الله عليه وآله لم يول عليه أحدا بالاجماع، وقد أسند الإصفهاني الأموري أن النبي صلى الله عليه وآله بعث إليه مع علي يخيره في الرجوع أو يتوجه معه وعلي أمير عليه فرجع ولم يذكر أنه عاد. قالوا: النداء أمر صغير لا يليق بالآمر، فلهذا صرف أبا بكر عنه، وهو لعلي فضيلة حيث إنه فسخ العقد، ولا يكون إلا من العاقد أو قريبه. قلنا: لا نسلم أن النداء لا يليق بالآمر، لقول جبرئيل، لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك، ونمنع كون الفسخ لا يصلح إلا من القريب، فإن يد المستناب يد المستنيب، فليس عزله إلا لعدم صلاحه، ومعاذ الله أن يجري النبي صلى الله عليه وآله أحكامه على سنن الجاهلية، ولو كان كذلك لم يبعث أبا بكر بها أولا. تنبيه: قول جبرئيل (إلا رجل منك) أي من أهل ملتك، ولهذا قال جبرئيل و (أنا منكما) لما قال: (إن هذه لهي المواساة قال النبي صلى الله عليه وآله إنه مني وأنا منه) وقال إبراهيم (فمن تبعني فإنه مني) وهذا شاهد عدل على أن أبا بكر ما هو من النبي بهذا المعنى. قالوا: قال النبي صلى الله عليه وآله المؤمنون يسعى بذمتهم أدناهم. قلنا: إن صح هذا فهو للمبالغة لا للحصر، وإلا لا تنقض قوله: لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك. ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله خص ناسا من صحابته بطرف من العلم، فقال: أقرأكم أبي، أفرضكم زيد، أعلمكم بالحلال والحرام معاذ، أرقكم أبو بكر أشدكم عمر، وقال أقضاكم علي، والقضاء يحتاج إلى جميع العلوم، فيكون أعلم فيكون أقدم. ولما وازره يوم الدار تفل في فيه، وبين كتفيه ويديه، فقال له أبو لهب: بئس ما حبوت به ابن عمك إذ أجابك، فقال: ملأت فاه حكمة وعلما. قالوا: يلزم أن يكون كل واحد من المذكورين أعلم بالخصلة التي خصه

[ 10 ]

النبي بها، فيكون أبي أقرأ منه، وزيد أفرض منه، ومعاذ بالحلال والحرام أعلم منه. قلنا: في كتبكم عموم علم علي عليه السلام فروى العاقولي في شرح المصابيح عن ابن مسعود: كنا نتحدث أن أقضى أهل المدينة علي، وفيه عن ابن المسيب: ما كان أحد يقول: سلوني، غير علي، وفي الوسيلة عن ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وآله علي أقضى أمتي بكتاب الله، ورواه الخوارزمي بقراءته وأسنده إلى الخدري و أسند نحوه عن سلمان الفارسي وهذان أعم من الأول لخصوصه بالمخاطبين، وذكر فيها أن ذلك من خصائصه، والقضاء الحكم فيكون في القراءة تبين الراجح و الشاذ، وكذا في الفرائض والأحكام، والحلال والحرام، فلو دخل القضاء تحت هذه الأقسام، لزم تناقض الكلام، وهو محال من النبي، فالحديث الذي فيه خصوص كل واحد بشئ إن صح فمخصوص بغير علي، إذ لا دليل فيه على حضور علي عند الخطاب لأولئك الأصحاب. ولو حضر فقد خرج بما في كتبكم من عموم علمه عن عموم الخطاب، فقد أخرج صاحب الوسيلة عن ابن عباس قول النبي [ لما ] نزلت (إنما أنت منذر و لكل قوم هاد) أنا المنذر، وعلي الهادي، يا علي بك يهتدي المهتدون، وأخرج أيضا: من أراد أن ينظر إلى إبراهيم في حلمه، وإلى نوح في علمه، وإلى يوسف في احتماله، فلينظر إلى علي ابن أبي طالب. فأثبت له الهدى، ومثل علم نوح، ولم يقل في أحد مثل ما قال فيه في الحديث المجمع عليه. وأخرج في الوسيلة حديث أم سلمة وفيه (علي عيبة علمي) فلو لم يكن أعلم من غيره، كان بعض الصحابة أعلم من النبي صلى الله عليه وآله. وأخرج أيضا أن عليا أعظم المسلمين حلما، وأكثرهم علما، فلو كان فيهم أعلم من أمير المؤمنين، لزم أن يخرج علي من المسلمين. وفي مسند ابن حنبل (أقضاكم علي) وفيه أنه عليه السلام قضى قضاء أعجب النبي صلى الله عليه وآله فقال النبي: الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة أهل البيت.

[ 11 ]

وفيه أن ثلاثة وقعوا على جارية في طهر واحد: فولدت، فأقرع بينهم علي عليه السلام فعرضت على النبي صلى الله عليه وآله فقال: ما أجد إلا ما قال علي. وفي صحيح مسلم: أمر عثمان برجم امرأة ولدت لستة أشهر، فقال عليه السلام (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا (1) وفصاله في عامين (2)) فردها. قالوا: اجتمعت الأمة على تقديم المشايخ، فلزم كونهم أعلم. قلنا: نمنع الاجماع أولا بما في قول الزهري، وشارح الطوالع، وصاحب الصحائف، وغيرهم: إن خيار الصحابة كان مع علي في التخلف عن البيعة، ولو سلم عدم تخلفهم جدلا لم يلزم حصول الاجماع، لقول الرازي في معالمه (لا يكون الاجماع إلا بكل الأمة) وقال في المعتمد: التمسك بقوله تعالى (وكونوا مع الصادقين) وليس المراد الصادق في بعض الأمور، وإلا لكان أمرا بموافقة الخصمين، لأن كلا منهما صادق في بعض، فالمراد الصادق في الكل، فهو إما بعض الأمة، ولا شك أنا لا نعرفه، فيكون كلها وهو المطلوب، ولو سلم إجماع الكل، لكن قد نقل الرازي عن النظام عدم حجية الاجماع ساكتا عليه، ولو سلم الاجماع وحجيته لم يلزم كونهم أعلم، وأنتم تجوزون المفضول، وتواتر في كتبكم كونه عليه السلام أعلم ففي صحيح مسلم في تفسير غافر عن ابن عباس: كان علي تعرف به الفتن وروى عنه أنه قال اسألوني قبل أن تفقدوني عن كتاب الله ما من آية إلا وأنا أعلم حيث نزلت، وما من فتنة إلا وقد علمت كبشها، ومن يقتل فيها، والعلم بما يكون لا يكون إلا للرسول لقوله تعالى (لا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول (3)) والرسول يطلع الإمام، ليستدل به على استحقاقه لذلك المقام، وفي مناقب ابن المغازلي قال النبي صلى الله عليه وآله عهد الله إلي عهدا في علي أنه غاية الهدى، و إمام أوليائي، ونور من أطاعني، وهو الكلمة التي ألزمتها المتقين، من أحبه أحبني


(1) الأحقاف: 15. (2) لقمان: 14. (3) الجن: 27.

[ 12 ]

ومن أطاعه أطاعني. ومن قضاياه ما ذكره القطان أن جماعة من أهل الكتاب سألوا عمر عن قول الله تعالى (وجنة عرضها السماوات والأرض (1)) فأين بقية الجنان ؟ فقال لا أعلم فقال علي عليه السلام فأين يكون النهار إذا أقبل الليل ؟ ! قالوا: في علم الله، قال فكذا هنا فجاء علي فأخبر النبي فنزلت (فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (2)). وروى الواقدي والطبراني أن عمر بن نائل ادعى على النبي صلى الله عليه وآله بعد خروجه من مكة مائتي مثقال ذهبا، وذلك بمواطأة أبي جهل وعكرمة وعقبة وأبي - سفيان وحنظلة، فقلب علي الودائع فلم يجدها فقال: إنها مكيدة تعود على من دبرها، من يشهد لك ؟ فأحضر المذكورين، ففرقهم علي وسألهم عن أوقات الوديعة فاختلفوا فقال لعمر أراك قد اصفر لونك، فأسلم واعترف أنهم برطلوه مائة مثقال (3). وروى ابن حنبل في مسنده وابن منيع في أماليه أنه قضى في الأربعة الذين وقع أحدهم في الزبية (4) فتمسك بثان، والثاني بثالث، والثالث برابع، أن على الأول ثلث دية الثاني، وعلى أهل الثاني ثلثا دية الثالث وعلى أهل الثالث كمال دية الرابع فصوبه النبي صلى الله عليه وآله. ورى ابن مهدي في نزهة الأبصار: قضى علي في الجارية الواقعة عن ثانية بقرض ثالثة أن عليها ثلثا ديتها فصوبه النبي صلى الله عليه وآله ولا يجوز لأحد الحكم في زمن النبي صلى الله عليه وآله إلا بنيابة، فالنبي قد نوه باسم علي عليه السلام حين أخبر بإصابته، ونبه الأمة بغزارة علمه على استحقاق خلافته، إذ غاية ما يراد من السفراء إجراء الأحكام على وجهها، ورد الحقوق إلى أهلها، وإقامة الحدود على مستحقها، وتعليم الأمة


(1) آل عمران: 133. (2) النحل: 43، والأنبياء: 7. (3) البرطيل: الرشوة، يقال: برطله فتبرطل: أي رشاه فارتشى، ومنه قولهم (إن البراطيل تنصر الأباطيل). (4) الزبية: حفرة تحتفر لصيد الأسد والذئب.

[ 13 ]

شرايعها وذرايعها، وكفها عن تتايعها (1). وقضى في طفلين اشتبه الحر منهما بالقرعة، فأمضاه النبي صلى الله عليه وآله وفي خصائص الرضي وواحدة ابن جمهور عن الباقر والصادق أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وآله في بقرة قتلت حمارا فقال صلى الله عليه وآله: سلا أبا بكر، فقال: لا شئ فيها فأشار بهما إلى عمر فقال كالأول، فقال: سلا عليا فقال: إن كانت دخلت عليه في مراحه فعلى ربها قيمته وإن كان دخل عليها في منامها فلا غرم، فقال صلى الله عليه وآله: لقد قضى بينكما بقضاء الله تعالى. فانظر إلى غزارة علمه وجهلهما، وكيف نبه النبي صلى الله عليه وآله على ذلك حيث أمر الخصمين بسؤالها كما نبه على جهلهما حيث تقاضا مع الأعرابي في ثمن الناقة إليهما، فتحاكما إلى علي فضرب عنقه لما كذبه، وكما نبه على عدم صلاح أبي بكر للخلافة بإرساله عليه السلام ببراءة وعزله بعلي، والعلم من خصائص الأنبياء والأوصياء. فقد روي عن الصادق عليه السلام أن بني إسرائيل سألوا سليمان أن يستخلف عليهم ابنه، فقال: لا يصلح فألحوا عليه، فقال: إني سائله عن مسائل إن أحسن جوابها أستخلفه، فسأله فما أجابه. جابر عن ابن عباس عن أبي قال قرأ النبي صلى الله عليه وآله عند قوم فيهم أبو بكر وعمر وعثمان (وأسبغ عليكم نعمه (2)) فقال صلى الله عليه وآله: قولوا ما أول نعمه ؟ فخاضوا في الرياش والمعاش، والذرية والأزواج، فقال يا أبا الحسن قل، فقال: إذ خلقني ولم أك شيئا مذكورا، وأحسن بي فجعلني حيا متفكرا، واعيا شاعرا ذاكرا، و هداني لدينه، ولن يضطرني عن سبيله وجعل لي مردا في حياة لا انقطاع لها، و النبي صلى الله عليه وآله يقول في كل كلمة: صدقت، ثم قال فما بعد ذلك ؟ فقال: (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها (3)) فتبسم النبي وقال: لتهنئك الحكمة، ليهنئك العلم، أنت وارث علمي والمبين لأمتي. وفي الحلية قال: يا أبا الحسن لقد شربت العلم شربا، ونهلته نهلا:


(1) تتابع في الأمر: ركب فيه على خلاف الناس، وفي الشر: تهافت وأسرع إليه. (2) لقمان: 20. (3) إبراهيم: 34.

[ 14 ]

العلم قالوا لعلي ولا * ملك له واستكبروا فيها ما سلموا لله في نصه * قل لمن الأرض ومن فيها وروى العامة والخاصة أن أبا بكر أتي برجل شرب خمرا فأراد حده، فقال: لم أعلم تحريمها فارتج عليه الأمر، فأرسل إلى علي يسأله، فقال: طوفوا به على المهاجرين والأنصار، إن كان أحد تلا عليه آية التحريم فأقم عليه الحد، وإلا خل عنه ففعل، وكان الرجل صادقا فخلى عنه. وأتى إليه رجل بشخص وقال: هذا ذكر أنه احتلم بأمي فدهش، فقال عليه السلام: أقمه في الشمس وحد ظله، فإن الحلم ظل. أبو بصير عن الصادق عليه السلام أراد قوم بناء مسجد بساحل عدن، فكلما بنوه سقط، فسألوا أبا بكر فخطب وسأل الناس، فلم يجد عندهم شيئا، فقال عليه السلام احفروا تجدوا قبرين مكتوب عليهما (أنا رضوي وأختي حبى، متنا ولا نشرك بالله شيئا) فغسلوهما وكفنوهما وصلوا عليهما وادفنوهما ثم ابنوا، يقوم البناء، فوجدوا كما قال عليه السلام. قال ابن حماد: وقال للقوم امضوا الآن واحتفروا * أساس قبلتكم تفضوا إلى حزن عليه لوح من العقبان محتفر * فيه بخط من الياقوت مندفن نحن ابنتا تبع ذي الملك من يمن * حبي ورضوي بغير الحق لم ندن متنا على ملة التوحيد لم نك من * صلى إلى صنم كلا ولا وثن وفي أمالي ابن دريد وضياء الأولياء عن عبد الله الأندلسي دخل يهودي على أبي بكر وقال: أخبرني عما ليس لله، ولا عند الله، ولا يعلم الله، قال هذه مسائل الزنادقة، فقال ابن عباس: ما أنصفتموه اذهبوا به إلى من يجيبه فإني سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول لعلي: اللهم اهد قلبه، وثبت لسانه، فقام أبو بكر إليه فيمن حضره وسألوه عن ذلك فقال عليه السلام: ليس لله ولد ولا عنده ظلم، ولا يعلم له شريك، فأسلم اليهودي.

[ 15 ]

وسأل رسول الروم أبا بكر عمن لا يرجو الجنة، ولا يخاف النار، ولا يخاف الله، ولا يركع ولا يسجد، ويأكل الميتة والدم، ويشهد بما لم ير، و يحب الفتنة ويبغض الحق، فقال عمر: ازددت كفرا على الكفر. فبلغ ذلك عليا عليه السلام فقال: هذا من أولياء الله: لا يرجو الجنة بل يرجو الله، ولا يخاف النار بل يخاف الله، ولا يخاف الله من ظلم، ولا يركع ولا يسجد في صلاة الجنازة، و يأكل الجراد، والسمك والكبد، ويحب الفتنة: المال والولد، ويشهد بالجنة والنار ولم يرهما، ويكره الحق وهو الموت. وأسند الطوسي في أماليه وابن جبر في كتاب الاعتبار في إبطال الاختيار إلى سلمان أنه قدم على أبي بكر نصارى وفيهم جاثليق فقال وجدنا في الإنجيل رسولا بعد عيسى وفي كتبنا لا تخرج الأنبياء من الدنيا إلا ولهم أوصياء فقال عمر: هذا خليفة رسول الله. فقال الجاثليق: بم فضلتم علينا ؟ قال أبو بكر: نحن مؤمنون، وأنتم كافرون قال: فأنت مؤمن عند الله أم عند نفسك ؟ فقال: عند نفسي ولا علم لي بما عند الله فقال: أنا كافر عندك أم عند الله ؟ قال عندي ولا علم لي بما عند الله قال: أنت شاك في دينك، ولست على يقين من دينك، قال أفتصل بما أنت عليه من الدين إلى الجنة ؟ قال لا أعلم، قال أفترجو لي ذلك ؟ قال أجل، قال فما أراك إلا راجيا لي وخائفا على نفسك، فما فضلك علي، وكيف صرت خليفة النبي صلى الله عليه وآله ولم تحط علما بما تحتاج إليه الأمة ؟ قال عمر: كف عن هذا العبث وإلا أبحنا دمك، قال: ما هذا عدل على من جاء مسترشدا، دلوني على من أسأله. فجاء سلمان به إلى علي عليه السلام فسأله، فقال عليه السلام في جوابه: أنا مؤمن عند الله وعند نفسي، وأصل إلى الجنة بوعد نبيي، المعلوم صدقه بمعجزاته، قال: أين الله اليوم ؟ قال عليه السلام: إن الله أين الأين، فلا أين له، قال فيحس ؟ أم بم يعرف ؟ قال عليه السلام تعالى الله عن الحواس، ويعرف بصنايعه، قال: فما عندكم في المسيح ؟

[ 16 ]

قال مخلوق لتغيره، قال: فبم بنت الرعية قال عليه السلام: لعلمي بما كان وما يكون قال: هات برهانه، قال: أظهرت في سؤالك الاسترشاد، وأضمرت خلافه، وأريت في منامك مقامي، وحذرت من خلافي، فأسلم الجاثليق ومن معه، وأقروا بوصايته. فقال عمر: يجب أن تعلم أن الخليفة هو من خاطبت أولا برضى الأمة، فأبى ذلك، فقال عمر: لولا أن يقول الناس قتل مسلما لقتلته، وإني أظنه شيطانا يريد إفساد هذه الأمة، ثم توعد من يذكر هذه القصة. تذنيب: قال ابن ميثم للعلاف: إبليس ينهى عن الخير كله ويأمر بالسوء كله ؟ قال: نعم، قال: أفيجوز منه ذلك كله في كليهما، وهو لا يعلم مجموعهما ؟ قال لا قال: فقد علم الخير كله والشر كله ؟ قال: نعم، قال: فإمامك بعد الرسول يعلم الخير كله والشر كله ؟ قال: لا، قال: فإذن إبليس أعلم من إمامك. وفي عهد عمر ذكر الشريف النسابة أن غلاما طلب مال أبيه من عمر، وذكر أنه مات بالكوفة، فطرده، فخرج يتظلم فأتي به إلى علي عليه السلام فنبش قبر أبيه، و أخرج منه ضلعا له، وأمره بشمه، ففعل فخرج الدم من أنفه، فقال عمر: وبهذا يسلم إليه المال ؟ قال: هو أحق به منك ومن سائر الخلق، ثم أمر الحاضرين بشمه فلم ينبعث الدم فأعاده إلى الغلام فانبعث دمه فسلم إليه مال أبيه، وقال: والله ما كذبت ولا كذبت. عمر بن داود عن الصادق عليه السلام لما مات عقبة قال علي لرجل: حرمت عليك امرأتك، قال عمر: كل كلامك عجب، يموت رجل فتحرم امرأة آخر ؟ قال: هذا عبد عقبة تزوج بحرة ترث اليوم بعض ميراثه فصار بعض زوجها رقا لها، وبضع المرأة لا يتبعض، قال عمر: لمثل هذا أمرنا أن نسألك عما اختلف فيه. وأمر عمر برجم رجل فجر غائبا عن أهله فقال علي: إنما عليه الحد، فقال: لا أبقاني الله لمعضلة لم يكن لها أبو الحسن.

[ 17 ]

وذكر الجاحظ عن النظام في كتاب الفتيا أن عليا لما ورث فضة زوجها من أبي تغلبة فأولدها ولدا ومات فتزوجها سليك، فمات ابنها فامتنعت من سليك فشكاها إلى عمر، فقالت: إن ابني من عيره مات فأردت أن أستبرئ بحيضة، فإن حضت علمت أن ابني مات ولا أخ له، وإن كنت حاملا فالذي في بطني أسوه ؟، فقال عمر: شعرة من آل أبي طالب أفقه من عدي. وفي الحدائق والكافي وتهذيب الطوسي أن غلاما أنكرته أمه بحضرة عمر فنفاه عنها، فشكا إلى علي عليه السلام أمره، فطلب أن يزوجها منه، فأقرت به، فقال: لولا علي لهلك عمر. وأتي عمر بابن أسود انتفى منه أبو، فأراد تعزيره، فقال علي: جامعتها في حيضها ؟ قال: نعم، قال: فلذلك سوده الله، غلب الدم النطفة، فقال: لولا علي لهلك عمر. أبو القاسم الكوفي والنعمان القاضي ؟ رفع إلى عمر أن عبدا قتل مولاه، فأمر بقتله، فأتي به إلى علي فقال علي عليه السلام ولم قتلته ؟ قال: غلبني على نفسي، و أتاني في ذاتي، فحبس الغلام ثلاثا ثم مضى علي عليه السلام والأولياء فنبشوا قبره، فلم يجدوه فيه، فقال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: (من عمل من أمتي عمل قوم لوط حشر معهم). عن عطا وقتادة وأحمد وشعبة أن مجنونة قامت عليها البينة أن رجلا فجر بها، فأراد عمر أن يحدها، فبعث إليه على عليه السلام يقول النبي صلى الله عليه وآله رفع القلم عن المجنون فقال عمر فرج الله عنك، لقد كدت أن أهلك. وأشار إلى ذلك [ أبو نعيم ] في حلية الأولياء والبخاري في صحيحه. وقضى في عهد عثمان روته العامة والخاصة أن شيخا نكح امرأة ولم يصل إليها فحملت فأنكر حملها. فأمر عثمان بالحد، فقال علي عليه السلام لعله كان ينال منها سم حيضها، فجئ به فاعترف أنه أنزل الماء في قبلها من غير وصول إليها وفي كشف الثعلبي وأربعين الخطيب وموطأ مالك: أتي عثمان بامرأة

[ 18 ]

ولدت لستة أشهر، فأمر برجمها، فتلا علي عليه السلام (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) (وفصاله في عامين (1)) فخلى عنها. وقضى في رجل ادعى نقص نفسه بجناية آخر، فأقعده من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وعد أنفاسه وعد أنفاس آخر في سنه، وأخذ منه الدية بحسب التفاوت. وبعث ملك الروم إلى معاوية يسأله عن لا شئ فتحير، فقال عمرو ابن العاص: أرسل فرسا تباع بلا شئ فجاء إلى علي بالفرس فأخرجه وقنبرا إلى الصحراء فأراه السراب أخذا من قوله تعالى (حتى إذا جاءه لم يجده شيئا (2)). وسئل عن المد والجزر، فقال: إن لله ملكا موكلا بالبحر يضع قدميه فيه ويرفعهما. وسأله ابن الكواء عن بقعة ما طلعت عليها الشمس إلا لحظة، فقال عليه السلام: ذاك البحر لما فلقه الله لموسى عليه السلام، وعن شئ شرب وهو حي وأكل وهو ميت قال: عصاة موسى شربت وهي ؟ حرة، وأكلت حبال السحرة. وعن مكذوب عليه لا من الجن ولا من الإنس، فقال: ذئب يوسف. ابن عباس أتى أمير المؤمنين عليه السلام أخوان يهوديان وسألاه أن في الكتب الأربعة: واحد لا ثاني له وثاني لا ثالث له، إلى المائة فتبسم عليه السلام وقال: الواحد الله، والاثنان آدم وحوا، والثلاثة جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، والأربعة: الكتب الأربعة، والخمسة الخمس صلوات، والست أيتام الخلق، والسبع السماوات، والثمانية حملة العرش، والتسع آيات موسى، والعشرة (تلك عشرة كاملة) (3) ولم يزل عليه السلام يعد إلى آخر المائة فاعترفا وأسلما، ومن أراد تمامها فليطلبها من كتاب ابن شهرآشوب في الجزء الرابع منه.


(1) الأحقاف: 15، لقمان: 14. (2) النور: 39. (3) البقرة: 196.

[ 19 ]

وسئل عن ابن أكبر من أبيه، فقال: عزير بعثه الله ابن أربعين سنة، وله ابن مائة وعشرة، وسئل عن شئ لا قبلة له، فقال عليه السلام الكعبة. فهذه نبذة يسيره من عجائبه وغرائبه، والمخالف يدعي زيادة العلم لأعدائه وتاه في بيداء الضلالة، حيث لم يذكر جهل أبي بكر بميراث الجد والكلالة. حسدوا الفتى إذ لم ينالوا فضله فالناس أعداء له وخصوم كضرائر الحسناء قلن لوجهها * حسدا وبغضا إنه لذميم آخر: يا سائلي عن علي والذي فعلوا * به من السوء ما قالوا وما عملوا لم يعرفوه فعادوه لما جهلوا * والناس كلهم أعداء ما جهلوا آخر: إذا تليت آيات ذكري قابل * المحبون ذكري بالسجود لحرمتي وأوجب كل منهم الوقف عندها * وسلم أن لا قصة مثل قصتي آخر: ذنبي إلى البهم الكوادم أنني * الطرف المطهم والأغر الأقرح يؤلونني خزر العيون لأنني * غلست في طلب العلى وتصبحوا نظروا بعين عداوة لو أنها * عين الرضا ما استقبحوا استحسنوا لو لم يكن لي في القلوب مهابة * لم يقذف الأعداء في ويقدح فالليث من حذر تشق له الربا * أبدا وتتبعه الكلاب النبح ومنها: قوله صلى الله عليه وآله (أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأت الباب) فجعل نفسه الشريفة تلك المدينة ومنع الوصول إليها إلا بواسطة الباب فمن دخل منه كان له عن المعصية جنة واقية، وإلى الهداية غنية وافية، حيث أوجب الرجوع إليه في كل وقت المستلزم للعصمة، المستلزمة لاستحقاقه. ولقد أحسن الأعرابي حين دخل المسجد فسلم على علي قبل النبي صلى الله عليه وآله فضحك الحاضرون فقال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول (أنا مدينة العلم وعلي بابها

[ 20 ]

فمن أراد المدينة فليأت الباب) فقد فعلت كما أمر صلى الله عليه وآله. وسبب الحديث ما حكاه ابن طلحة عن بعض الشافعية أنه وجد بخطه أن أعرابيا قال للنبي صلى الله عليه وآله (طمش طاح فغادر شبلا لمن النشب) ؟ فقال عليه السلام النشب للشبل مميطا فدخل علي عليه السلام فذكر له النبي لفظ الأعرابي فأجاب بما أجاب النبي صلى الله عليه وآله فقال عليه السلام (أنا مدينة العلم وعلي بابها.) فائدة: ليس في قوله صلى الله عليه وآله (من أراد المدينة فليأت الباب) تخيير بل هو إيجاب وتهديد، مثل قوله (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) (1) ودليل الايجاب أنه ليس بعد النبي صلى الله عليه وآله نبي آخر حتى يكون المكلف مخيرا في الأخذ عنه، وعن علي عليه السلام، فمن أخذ علما من غير الباب فهو سارق غاصب. وقد أسند ابن بابويه إلى الرضا عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله من دان بغير سماع ألزمه الله التيه إلى الفناء، ومن دان بسماع من غير الباب الذي فتحه الله لخلقه فهو مشرك، والمأمون على وحي الله محمد وآله، والآل علي وأولاده المعصومون، لحديث (مدينة العلم) ولما رواه الطوسي عن الصادق عليه السلام كان أمير المؤمنين باب الله الذي لا يؤتي إلا منه، وسبيله الذي من تمسك بغيره هلك كذلك جرى حكم الأئمة بعده واحد بعد واحد، ولنعم ما قال البشنوي: فمدينة العلم الذي هو بابها * أضحى قسيم النار يوم مآبه فعدوه أشقى البرية في لظى * ووليه المحبور يوم حسابه قال المخالف: (وعلي بابها) أي بابها علي، قلنا تأويل بالهوى، لم ينقله ذي هدى ويبطله ما أخرجه ابن المغازلي في المناقب من قوله عليه السلام (أنا مدينة العلم وأنت الباب، كذب من زعم يصل إلى المدينة إلا من الباب) وقال ابن المغازلي في كتابه أيضا عن النبي صلى الله عليه وآله فلما صرت بين يدي ربي، ناجاني فما علمني شيئا إلا وعلمته عليا فهو باب علم مدينتي، وعلى هذا الحديث إجماع الأمة. روي عن جابر بطريق، وعن أم سلمة بطريق، وعن علي بطريقين، وعن


(1) الكهف: 18.

[ 21 ]

ابن عباس بطريقين، ورواه الخطيب ويحيى بثلاث طرق، وابن شاهين بأربعة، و الجعابي بخمسة، وابن بطة بستة والثقفي بسبعة، وأحمد بثمانية، ورواه ابن جبر في نخبه، والمفيد في إرشاده، وابن بابويه في نصوصه، وأخرجه صاحب المصابيح وصاحب المستدرك، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجه البخاري ومسلم. قال: في الحديث زيادة هي أن أبا بكر وعمر وعثمان حيطانها وأركانها، و ظاهر فضل الحائط الملا، على الباب الخلا. قلت: الزيادة مكذوبة، ويكفي الثلاثة على تقدير صحتها كونهم حائلين بين العلم والناس، وعلى الموصوف بمشرعته و بابه، من دخله كان آمنا من الزيغ برفع حجابه. قالوا: لا رجحان لعلي بذلك، لقول النبي صلى الله عليه وآله: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم. قلنا: إثبات الاهتداء بهم لا يدل على نفي زيادة علي عليه السلام عليهم، كالأنبياء السابقين، ولما أخرجه أبو نعيم في حليته من قول سيد المرسلين في أمير المؤمنين عليه السلام قسمت الحكمة عشرة أجزاء أعطي علي عليه السلام تسعة وأعطي الناس كلهم واحدا، مع أن منهم الناكثون والقاسطون والمارقون، وقد عرف ما جاء في حقهم، فيلزم كون الاقتداء بمن يمرق من الدين اهتداء، وقد أجمع من الصحابة خلق على قتل عثمان فإن كان صوابا كفاه خزيا، وإن كان خطأ كان الاقتداء بهم اعتداء لا اهتداء، وقد عرفت إيضاحه لمشكلات أعجزت غيره، وتحير فيها من تقدمه. ومنها: قصة الأرغفة والمسألة الدينارية، وعلم زنة قيد العبد قبل فكه وقد سلف ذلك ونحوه في الفصل التاسع عشر من باب فضائله (1) وغير ذلك من عجائبه. فإن قلت إنهم كالنجوم * فنور علي هو الأزهر ولا ريب في فضلهم جملة * وبينهم رتب تبصر فإن مدح المصطفى صحبه * فمدح علي هو الأظهر


راجع: ج 1 ص 323 و 324.

[ 22 ]

فكيف يفضل مفضوله * ويدفع عن حقه حيدر قالوا: لو سلمت الأعلمية لجاز أن يكون الإمامة العظمى للمفضول فيها كما كانت الرياسة العامة لموسى والخضر أعلم منه، والهدهد في رعية سليمان واستفاد منه وأصاب سليمان في حكم الحرث دون أبيه وولى عمر عليا على قضاء المدينة حين خرج إلى العراق وهو عندكم أعلم منه. قلنا: لا عموم لرياسة موسى لقصور دعوته على بني إسرائيل، وقد قيل إن الخضر عليه السلام كان نبيا وقيل كان ملكا. وقد أخرج البخاري عن البكالي أن موسى المذكور غير موسى بني إسرائيل وقد جاء في التفسير أنه لما لقي موسى، قال: علمني الله ما لا تعلم، وعلمك ما لا أعلم، فجاز أن يعلم الخضر ما لا يتعلق بالأداء، ويكون موسى أعلم منه بما يتعلق بالأداء، وأما الهدهد فلا شك أنه إلهام لا اكتساب، فلله أن يخص به من يشاء، ولم يدع أحد أن النبي صلى الله عليه وآله يعلم الغيب إلا بالإعلام فضلا عن الإمام ولم يستدل عاقل ب‍ (- هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون (1)) على أن سليمان لا يستوي بالهدهد، وحكم سليمان عليه السلام كان ناسخا لحكم داود كما قال الجبائي لا أن داود عليه السلام أخطأ، ولا نسلم أن سليمان في ذلك الوقت كان في رعية أبيه لقوله تعالى (كلا آتينا حكما وعلما (2)) وظاهره أن الحكم النبوة. وقولهم ولى عمر عليا قلنا: إن صح فلعلي التوصل بما أمكن إلى حقه إذ يجب عليه إقامة شرع نبيه، وقد تولى يوسف الطاهر الفاضل من قبل العزيز الكافر الجاهل، وقد تولت القضاة من قبل الظلمة فلا فرح للمخالف في هذه الكلمة وقد رجع إليه عمر عن خطائه في مواضع كما في المجنونة التي أراد أن يحدها على الزنا، فقال له علي: أما علمت أن القلم رفع عن المجنون، على ما أخرجه البخاري. فاعتذر له الرازي بعدم علمه بالجنون قلنا: هذا ساقط بأنه عرفه بما


(1) الزمر: 9. (2) الأنبياء: 79.

[ 23 ]

يترتب على المجنون ولم يعرفه بنفس الجنون. وقد أخرج ابن المغازلي أن رجلا سأل معاوية فقال سل عليا فإنه أعلم مني، قال أنت أحب إلي قال: بئس ما قلت، لقد كرهت من كان النبي يغره العلم غرا، ولقد كان عمر يسأله ويأخذ عنه ثم قال له قم، ومحى اسمه عن ديوان العطاء. وقولهم: لا نسلم أن الأعلمية توجب الإمامة قلنا: هذا خلاف ما ذكرتم أن فقهاء المذاهب الأربعة نصوا على استحقاق الأعلم، ومع ذلك نقول لهم: إن عنيتم بالاستحقاق على سبيل الوجوب، فقد خالفتم مذهبكم، إذ لا وجوب للإمامة عندكم، وإن قلتم على الوجوب بطل احتجاجكم. قالوا: رجع علي في مسألة المذي إلى غيره، فالغير أعلم منه، قلنا: ذلك الغير هو النبي صلى الله عليه وآله فإنه سأله بواسطة وهو حاضر يسمعه حياء منه لمكان فاطمة كما أخرجه البخاري وغيره. قالوا: خولف علي في الفروع مثل بيع أمهات الأولاد، قلنا: ذلك جرأة من المخالف على من دعا النبي صلى الله عليه وآله له بإدارة الحق معه، والمخالف له لم يوجب خطأه، وإلا لكان النبي صلى الله عليه وآله مخطئا حيث خالفه عمر وجماعة في منع الكتاب. وقد خالف أبو حنيفة النبي صلى الله عليه وآله في مواضع وقال لو كان رسول الله صلى الله عليه وآله في زماني لأخذ بكثير من أقوالي ذكره ابن الجوزي في المنتظم، ولما نقل الغزالي ما قال الناس في مثالب الثلاثة، قال: أما علي فلم يقل فيه ذو تحصيل شيئا. ومنها: ما أسنده الحافظ في الحلية من قول النبي صلى الله عليه وآله لأبي برزة: إن الله عهد إلي في علي عهدا: إنه راية الهدى، ومنار الإيمان، وإمام أوليائي، و نور جميع من أطاعني، وصاحب رايتي في القيامة، وأميني على مفاتيح خزائن ربي وهو الكلمة التي ألزمتها المتقين، من أطاعه أطاعني، ومن أحبه أحبني، ومن أبغضه أبغضني، وقد سلف نحو هذه. وقد نظم الضعيف مصنف هذا الكتاب اللطيف نحو هذه في معاني الحديث الظريف بما قيل لبعض الفضلاء: لم عدلت عن النثر إلى النظم فقال: لم يحفظ ؟ س من

[ 24 ]

النظم عشرة ولم يحفظ من النثر عشرة، وقد أشار الشيخ تاج الدين بن راشد في قوله: والنظم أولى بقبول الذهن * له وأحلى موقفا في الأذن فقلت: قد أسند الحافظ في حليته * قول النبي في علي مستطر عهد من الله إلي قد أتى * بأنه منار ديني المفتخر وأنه إمام أوليائه * ونور من أطاعه من البشر وحامل الراية في العرض وقد * أمنته على المفاتيح الغرر وأنه كلمة الله التي * ألزمها للمتقين في الأثر وأن من أحبه أحبه * وعكسه كذا أتى به الخبر عن رجل ليس بذي حمية * لأنه يولي عتيقا وعمر ومنها: لما نزلت (إنما المؤمنون إخوة (1)) ونزلت (إخوانا على سرر متقابلين (2)) قال جبرائيل: هم أصحابك يا محمد، أمرك الله تعالى أن تواخي بينهم في الأرض كما وآخى الله بينهم في السماء، فقلت: إني لا أعرفهم قال: أنا قائم بإزائك كلما أقمت مؤمنا قلت لك أقم فلانا فإنه مؤمن وكلما أقمت كافرا قلت لك أقم فلانا فإنه كافر، فواخ بينهما فلما فعل ذلك ضج المنافقون فأنزل الله تعالى (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب (3)) فحزن علي عليه السلام إذ أخره بأمر جبرائيل فأنزل الله تعالى إليه إنما خبأته لك، وآخيت بينكما في السماء و الأرض، فقام النبي صلى الله عليه وآله وذكر لنفسه مزايا وذكر لعلي نحوها ليدل بها على


(1) الحجرات: 10. (2) الحجر: 47. (3) آل عمران: 179.

[ 25 ]

عظيم منزلته، فإنه مستحق خلافته، أوردها محمد بن جعفر المشهدي في كتاب ما اتفق من الأخبار حذفناها طلبا للاختصار، وهذه المواخاة أدل على الفضل من مواخاة النسب، لأن الكافر قد يكون أخو المؤمن من النسب، وفي هذه المماثلة من الأوصاف (ما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها (1)) (يا أخت هارون (2)) ولم يكن بينهما نسب كما ذكر ذلك جماعة من المفسرين، وأسند ابن حنبل وابن المغازلي أن النبي صلى الله عليه وآله رأى في الإسراء على باب الجنة (محمد رسول الله علي أخو رسول الله) ورواه في الجزء الثالث من الجمع بين الصحيحين من صحيح أبي داود و صحيح الترمذي. فانظر إلى مرتبته حيث أمر الله نبيه بالمواخاة بين صحابته، فلم يجد فيهم غير علي يصلح لأخوته، لأنه نظيره في النسب وصراحته، وفي آية التطهير المفوهة بعصمته، وفي آية (إنما وليكم الله (3)) المبينة لإمامته، وفي كونه منه في حديث سورة براءة وتأديته، وفي قوله تعالى: (قل تعالوا ندع (4)) يوم المباهلة، وفي استطراق مسجده جنبا وفتح باب سدته. شعر: آخا النبي عليا والأخوة لا * تدعوا سوى المثل عند الضرب للمثل وقد تمدح به علي عليه السلام في قوله: ومن حين آخا بين من كان حاضرا * دعاني وآخاني وبين من فضلي وقد علم كل ذكي أن من تقدم على علي فقد تقدم على نظيره أي النبي صلى الله عليه وآله.


(1) الزخرف: 48. (2) مريم: 28. (3) المائدة: 55. (4) آل عمران: 61.

[ 26 ]

نكتة: قيل لابن بابويه: أتفضل عليا على أبي بكر ؟ قال: لا، قيل: أتفضل أبا بكر على علي ؟ قال: لا، قيل: فلا تفاضل بينهما ؟ قال: نعم، قيل: وكيف تقول ؟ قال: الأشياء إما أضداد، وظاهر أنه لا تفاضل بينهما، أو أشباه وأمثال، وأبو بكر لا يشابه عليا، لما علم من مساواته للنبي صلى الله عليه وآله حين واخاه. وحديث المواخاة له قد اتفق الفريقان على صحته وقد أورده شارح المصابيح في مناقبه، والترمذي في صحيحه، وابن حنبل في مواضع بطرق مختلفة في مسنده والبلاذري والسلامي وأبو عمرو القاضي، وابن بطة من طرق ستة، والقطان في تفسيره، وذكره الحسن ووكيع، وأبو داود في سننه، والثعلبي في تفسيره، و في الجزء الثالث من الجمع بين الصحاح الستة لرزين العبدي وهذه تبطل ما رووه من قوله: (ادعوا إلي أخي وصاحبي (1)). وذكره أيضا ابن المغازلي الشافعي في مناقبه وفي بعضها أنه عليه السلام أرقاه المنبر وقال: اللهم إن هذا مني وأنا منه، ألا إنه بمنزلة هارون من موسى، ألا من كنت مولاه فهذا علي مولاه. فبخبخ الثاني واعترف بأنه مولاه، ثم أنكر المواخاة يوم طلبه للبيعة، فأبى، فقال: نقتلك، فقال: إذن تقتلوا عبد الله وأخو رسول الله، قال: أما عبد الله فنعم، وأما أخو رسول الله فلا. وقد جرى الأعور الواسطي على سنة إمامه الغوي، ولو أمكن إنكار هذا الحديث القوي، أمكن هدم أحكام شريعة النبي، وما احتج به أن النبي صلى الله عليه وآله لم يواخ إلا بين المهاجرين والأنصار للتأليف بينهما، فلا فائدة في مواخاته لعلي فاسد بما أنه آخا بين أبي بكر وعمر، وكل منهما مهاجري. قالوا: الاحتجاج بطرقنا لا ينفعكم لفسق رجالنا عندكم، والاحتجاج بطرقكم لا تضرنا لكونكم خصومنا قلنا: هذه الطريقة تسد باب الاحتجاج بالأحاديث من الجانبين، والحق أن ما نذكره من طرقكم إنما هو إلزام لكم، ويعز عليكم


(1) يريدون أبا بكر بن أبي قحافة.

[ 27 ]

أن تذكروا من طرقنا ما هو إلزام لنا. قالوا: روينا في أئمتنا ما يوافق مذهبنا، فنحن آمنا بالكل، وأنتم بالبعض فكنتم كما قال الله تعالى: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض (1)) الآية قلنا: إذا رويتم ما يوافقكم ويخالفكم، وجب الأخذ بالمجمع عليه، وإلا اجتمع النقيضان، وليس ذلك من باب الإيمان ببعض، بل هو من قبيل (يستمعون القول فيتبعون أحسنه (2)) قال مؤلف الكتاب في هذا الباب: واخاه من بين الصحابة كلهم * والأقربين وليس ذاك بخاف فمن اعتراه الشك فيه فخارق * الاجماع حيث أتى بغير خلاف قد صار يوسف خارجا عن ملة * الاسلام إذ قذفوه بالاعساف فعليه لعن الله ثم رسوله * والمؤمنون وذا من الإنصاف ومنها ما أورده الحاكم أبو القاسم الحسكاني في كتاب شواهد التنزيل وقد ادعى إجماع المسلمين عليه في رواية ابن عباس لما نزل قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة (3)) قال النبي صلى الله عليه وآله: من ظلم عليا مقعده هذا بعدي فكأنما جحد نبوتي ونبوة الأنبياء من قبلي، وأسنده ابن السراج في كتابه إلى ابن مسعود إلى النبي صلى الله عليه وآله حتى قيل له: فكيف وليت الظالمين ؟ وسمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: حلت عقوبته علي لأني لم أستأذن إمامي كما استأذنه جندب وعمار وسلمان، وأنا أستغفر الله وأتوب إليه. ولو لم يكن لنا في تعيين علي للخلافة وفي نفي غيره كافة سوى هذا الحديث لكفى وشفى، فإنه الكحلة الواحدة التي تزيل العمى، وتقمع العدا، والشربة الرائقة التي تذهب الظمأ، وتنقع الصدا، ولها بحمد الله نظائر من الآيات المحكمات


(1) البقرة: 85. (2) الزمر: 18. (3) الأنفال: 25.

[ 28 ]

والروايات المشهورات ما في بعضه كفاية لمن طلب الحق بالدلالات، وجانب تقليد الآباء والأمهات. وقد روى ابن المغازلي الشافعي في كتاب المناقب عن أبي ذر قول النبي صلى الله عليه وآله: من ناصب عليا للخلافة بعدي فهو كافر، ومن شك فيه فهو كافر وقد شهد النبي صلى الله عليه وآله لأبي ذر بالصدق، ولولا تواتر الوصية لعلي لم يستحقوا الكفر بقول النبي صلى الله عليه وآله ولفظة (بعدي) تقتضي عموم خلافته، فكل من نازعه في أمره حكم النبي صلى الله عليه وآله بكفره، وهذا يغني عن تدقيق الانتصار، وتحقيق الأفكار فلله الحمد على رفع الحجاب، وإصابته الصواب. وقد ارتجز مؤلف الكتاب فقال في هذا الباب: قد أورد الحاكم في كتابه * شواهد التنزيل في أصحابه قول النبي تفهموا يا أمتي * إياكم أن تجحدوا نبوتي بظلمكم بعدي عليا مقعدي * فمن أتاه فهو طاغ معتدي وقد روى لنا علي الشافعي * قول النبي الأبطحي النافع يا من يناصب لعلي بعدي * خلافتي فقد أتى بجحدي وإن من يشك في توزيره * قد كتب الكفر على ضميره فهذه شهادة الخصوم * توضيح ما قد جاء في الظلوم فصل قد أوصى النبي صلى الله عليه وآله إلى علي ابتداء يوم الدار، وقد سلف، ويوم الغدير وعند الوفاة، فقد أسند الحسين بن جبر إلى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله دعا عمه ليقبل وصيته فاعتذر منها فدعا عليا فقبلها، فألبسه خاتمه، ودفع إليه بغلته، وسيفه ولامته، وأوصى إليه بين ذلك في عدة مواضع. وقد أسند الطبري إلى سلمان قول النبي صلى الله عليه وآله: لم يكن نبي إلا وله وصي فمن وصيك ؟ فقال صلى الله عليه وآله: هو خير من أترك بعدي علي بن أبي طالب.

[ 29 ]

وأسند نحوه ابن جبر في نخبه عن سفيان الثوري إلى سلمان عن عدة طرق وفي بعضها قول النبي صلى الله عليه وآله له لما سأله عن وصيه من وصي موسى ؟ قال: يوشع لأنه كان أعلم أمته، فقال: وصيي أعلم أمتي بعدي علي بن أبي طالب. و قريب منه عن ابن حنبل، وعن أبي رافع وعن زيد بن علي أن أبا ذر لقي عليا عليه السلام فقال: أشهد لك بالموالاة والأخوة والوصية. وأسند في نخبه المذكور قول النبي صلى الله عليه وآله: خلق الله مائة ألف نبي وأربعة وعشرين ألف نبي أنا أكرمهم عند الله، ومثلهم من الأوصياء وعلي أكرمهم على الله. وأسند الطبري إلى أبي الطفيل قول علي لأصحاب الشورى: أناشدكم بالله هل تعلمون للنبي وصيا غيري ؟ قالوا: اللهم لا، وفي كتاب المناقب لابن المغازلي مرفوعا إلى ابن عباس من قول النبي صلى الله عليه وآله: من انقض هذا الكوكب في منزله فهو الوصي بعدي، فقام فئة من بني هاشم، فرأوه في منزل علي عليه السلام فقالوا: غويت في حب علي: فأنزل الله تعالى (والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى). وأسند أيضا إلى ابن بريدة قول النبي صلى الله عليه وآله: ما من نبي إلا وله وصي ووارث وإن وصيي ووارثي علي بن أبي طالب وفي الجمع بي الصحيحين للحميدي أنه ذكر عند عائشة أن عليا [ كان ] وصيا فقالت: سمعته من النبي حين وفاته. وأسند ابن مردويه وهو حجة عند الخصم إلى أم سلمة أنه كان لها مولى يسب في عقب كل صلاة له عليا، فقالت: ما حملك على سبه ؟ فقال: قتل عثمان وشرك في دمه، فقالت: لولا أنك ربيتني وأنت بمنزلة والدي ما حدثتك بسر رسول الله صلى الله عليه وآله اجلس فجلس فحدثته بمناجاة رسول الله له في بيتها وأنه من دخولها عليهما منعها حتى ظنت أنه قد ذهب يومها، ثم أذن النبي صلى الله عليه وآله لها، وقال: لا تلوميني فإن جبرائيل أتاني فيما هو كائن بعدي، وأمرني أن أوصي به عليا من بعدي، وكان جبرائيل عن يميني، وعلي عن شمالي، فأمرني أن آمره بما هو كائن إلى يوم القيامة، فاعذريني، إن الله تعالى اختار من كل

[ 30 ]

أمة نبيا، ولكل نبي وصيا، فأنا نبي هذه الأمة، وعلي وصيي في عترتي وأهل بيتي وأمتي من بعدي، فتاب مولاها من ذلك، وجعل يناجي الله تعالى ليلا ونهارا بالمغفرة منه. وأسند إلى أنس أنه قال: كنا نهاب أن نسأل النبي صلى الله عليه وآله فنسأل سلمان أن يسأله فقال له يوما: يا رسول الله من أسأل بعدك ؟ فقال صلى الله عليه وآله: إن أخي ووزيري و خليفتي في أهل بيتي يقضي ديني وينجز موعدي علي بن أبي طالب، وقد سلف قريب منه و [ مسند ] إلى زيد بن أرقم قول النبي صلى الله عليه وآله: علي بن أبي طالب إمامكم ودليلكم فوازروه، فإن ربي أمرني بما قلت لكم. قال عبد المحمود: تصفحت بعض كتب ابن مردويه فوجدت فيه مائة واثنين وثمانين منقبة لعلي بن أبي طالب من النبي صلى الله عليه وآله منها تصريحاته بالنص على خلافته، وأنه القائم مقامه في أمته. كم معجز وفواضل وفضائل * لم تنتمي إلا لمجدك يا علي أصغى لها سمع الغوي وقلبه * حتى أناب فكيف ظنك بالولي فصل أنكر بعض المخالفين وصية سيد المرسلين إلى أمير المؤمنين، فقلنا: قال الله تعالى في كتابه العزيز: (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين (1)) فهذه الآية نسخت بآية المواريث وجوبها فإنه قد استمر جوازها كما قرر في الأصول، وقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله بالاقتداء بالنبيين وقد روى ابن حنبل وغيره أنهم نصبوا الوصيين، و سنذكر شيئا منه قريبا إن شاء الله. وأيضا فترك الوصية إن كان معصية فالنبي صلى الله عليه وآله منزه عنها، وإن كان طاعة وجب تأسي الأمة فيها، فلا فائدة في الأمر بها، ولو جاز في كل آية ظاهرها


(1) البقرة: 180.

[ 31 ]

الأمر أن يراد خلافه، سقطت الأوامر، وسقطت ثمرة (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم (1)) وكيف يترك الأمة في حيرتها مع شدة شفقته عليها، وقد أثنى الله عليه في قوله: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم (2)). إن قيل: إنما كتب الله الوصية بأمور الدنيا للوالدين والأقربين، ولمن عليه دين أو كان له طفل ونحو ذلك، أما في أمور الدنيا فلا، قلنا: الوصية بالدين أعظم، وخصوصا من النبي المرشد إلى الدين فذكر الوصية للدنيا تنبيه بالأدنى على الأعلى، فالوصية به أولى، وبالدين قد أوصى يعقوب بقوله: (يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون (3)) وقد اعترف الخلفاء والعلماء والصدر الأول وغيره من الشعراء بوصية سيد الأنبياء. قالوا: أسند مسلم والبخاري في الحديث التاسع من المتفق عليه أن طلحة ابن مصرف سأل ابن أبي أوفى: هل أوصى النبي ؟ صلى الله عليه وآله فقال: لا، قال: فكيف كتب على الناس الوصية وأمر بها ؟ قال: أوصى بكتاب الله وفي حديث وكيع كيف أمر الناس بالوصية ؟ وفي حديث نمير: كيف كتب على المسلمين الوصية ؟ قال الحميدي: وفي الحديث زيادة لم يخرجها مسلم والبخاري ذكرها أبو مسعود وأبو بكر البرقاني وهي أن أبا بكر كان يتأمر على وصي رسول الله. فنقول: في صحيح مسلم من طرق عدة ما حق مسلم أن يبيت إلا ووصيته عنده مكتوبة وأخرجه البخاري أيضا وخبر ابن أبي أوفى الذي لم يذكر فيه الوصية بالعترة مردود لأنه لم يسنده إلى أحد ولأنه منحرف عن علي عليه السلام ولأن شهادته على نفي فلا تسمع، ولأنه خبر واحد، ومخالف للشهرة والكتاب وقد أمر النبي صلى الله عليه وآله باطراح ما خالف الكتاب والسنة، وقد روته الفرقة المحقة في مواضع لا تحصى * (هامش) (1) الأعراف: 3. (2) براءة: 128. (3) البقرة: 132.

[ 32 ]

قول النبي صلى الله عليه وآله: إني تارك فيكم الثقلين إن أخذتم بهما لن تضلوا أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله، وعترتي أهل بيتي لن يفترقا حتى يردا علي الحوض. وروى نحوه ابن حنبل في مسنده من عدة طرق، ومسلم في موضعين من الجزء الرابع من صحيحه، وفي كتاب السنن، وصحيح الترمذي، وابن عبد ربه في كتاب العقد، وابن المغازلي من عدة طرق في كتابه، والثعلبي في تفسيره في سورة آل عمران في قوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا (1)) ورواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين من طرق عدة. وأسند الزمخشري إلى النبي صلى الله عليه وآله: (فاطمة مهجة قلبي وابناها ثمرة فؤادي وبعلها نور بصري، والأئمة من ولدها أمناء ربي، حبل ممدود بينه وبين خلقه من اعتصم به نجى، ومن تخلف عنه هوى. وقد ذكر أهل التواريخ أن المأمون جمع أربعين عالما من أهل المذاهب الأربعة وناظرهم بعد أن أوثقهم من نفسه بالإنصاف لهم فأورد نصوصا من النبي صلى الله عليه وآله على علي عليه السلام فاعترفوا له بالخلافة، وله في ذلك أشعار تشعر بما ذكرناه، منها ما نقله الصولي في كتاب الأوراق: ألام على شكر الوصي أبي الحسن * وذلك عندي من عجائب ذي المنن ولولاه ما عادت لهاشم إمرة * وكانت على الأيام تفضى وتمتهن خليفة خير الناس والأول الذي * أعان رسول الله في السر والعلن وروى ابن المغازلي في كتاب المناقب عن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله أهدي له بساط، فأجلسن عليه العشرة بعد أن ناجى عليا طويلا ثم قال: يا ريح احملينا فحملتهم، ثم قال: ضعينا، فوضعتهم على أهل الكهف، فسلموا عليهم فلم يردوا فسلم علي فردوا، فقال لهم علي في ذلك، فقالوا: لا نكلم بعد الموت إلا نبيا أو وصيا ثم قال: احملينا فحملتهم، ثم قال: أوضعينا فوضعتهم بالحيرة، فقال عليه السلام: إنكم تدركون النبي صلى الله عليه وآله في آخر ركعة فأدركناه فيها، وهو يقرأ (أم حسبت


(1) آل عمران: 103.

[ 33 ]

أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا (1)). وذكره الثعلبي في تفسيره وزاد فيه: ثم صاروا في رقدتهم إلى آخر الزمان عند خروج المهدي فيحييهم الله تعالى ثم يرقدون إلى يوم القيامة، وروى الفرقة المحقة هذا الحديث من طرق كثيرة وقد اشتمل طاعة الريح لعلي عليه السلام كسليمان وإحياء الموتى لعيسى، وشهادتهم له بالوصية وعلم الغيب، وقد أسلفنا قول النبي صلى الله عليه وآله: لكل نبي وصي ووصي ووارثي علي بن أبي طالب. وفي حديث ابن مهدي زيادة ذكرها أبو مسعود وأبو بكر البرقاني وهي أن أبا بكر كان يتأمر على وصي رسول الله. وروى أخطب خوارزم: صاح نخل المدينة: هذا محمد سيد النبيين وهذا علي. سيد الوصيين. فهذه الآثار ليست من كتب الروافض كما تزعمون، ولا من تدليس الشيعة كما تتوهمون. إن قيل: قوله: (وصيي) لا يقتضي نفي وصية غيره، قلنا: لم أجد لغيره وصية نبي، مع أن تالي الخبر يبنى على مقدمته، ومقدمته (لكل نبي وصي) وأيضا فيجب حصر المبتدأ في الخبر، بحكم العربية ؟، فالقوم يعز عليهم أن يأتوا بخبر من طرقنا فيه قريب مما ذكرنا من طرقهم. ولقد حلف عبادة بن الصامت أن عليا كان أحق بالخلافة من أبي بكر كما أن النبي صلى الله عليه وآله أحق بالنبوة من أبي جهل، وقال: دخل أبو بكر وعمر على النبي صلى الله عليه وآله ثم دخل على أثرهما علي، فكأنما سفي الرماد في وجهه أي وجه النبي صلى الله عليه وآله وقال: أيتقدمان عليك وقد أمرك الله تعالى عليهما ؟ فقالا: نسينا يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وآله: لا والله وكأني بكما وقد سلبتموه ملكه ثم بكى، وقال: يا علي صبرا صبرا فإذا أمنك الأمر فالسيف السيف، القتل القتل، حتى يفيئوا إلى أمر الله، فإنك وذريتك على الحق إلى يوم القيامة، ومن ناواك على الباطل.


(1) الكهف: 9. (*)

[ 34 ]

وأسند الخوارزمي إلى سلمان قول النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: تختم تكن من المقربين جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، قال: يا رسول الله بما أتختم ؟ قال صلى الله عليه وآله: بالعقيق الأحمر، فإنه أول حجر أقر لله بالوحدانية، ولي بالنبوة، ولك بالوصية، ولولدك بالإمامة، ولمحبيك بالجنة، ولشيعة ولدك بالفردوس. وأسند ابن المغازلي الشافعي إلى أبي أيوب الأنصاري أن فاطمة دخلت على النبي صلى الله عليه وآله في مرضه، فبكت، فقال: إن الله تعالى اطلع على الأرض اطلاعة فاختار منها أباك فبعثه نبيا، ثم اطلع ثانية فاختار منها بعلك، وأوحى إلي فأنكحته واتخذته وصيا، نبينا أفضل الأنبياء وهو أبوك، ووصينا خير الأوصياء وهو بعلك، ومنا مهدي هذه الأمة. وفي هذا الحديث عدة فضائل أخذنا منها موضع الغرض، وأما الفرقة المحقة فروت من ذلك ما لا يحصى. وروى الشيخ محمد بن جعفر المشهدي الحائري في كتاب ما اتفق من الأخبار في فضل الأئمة الأطهار إلى الباقر، إلى أبيه، إلى جده، إلى رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: علي بن أبي طالب خليفة الله وخليفتي، وحجة الله وحجتي، وباب الله وبابي وصفى الله وصفيي، وحبيب الله وحبيبي، وخليل الله وخليلي، وسيف الله وسيفي، وهو أخي وصاحبي، ووزيري، ووصيي، محبه محبي، ومبغضه مبغضي، ووليه وليي وعدوه عدوي، وحربه حربي، وسلمه سلمي، وقوله قولي. وأمره أمري، وزوجته ابنتي، وولده ولدي، وهو سيد الوصيين وخير أمتي أجمعين. وأسند علي بن الحسين عليه السلام أن جابرا انكب يوما على أيدي الحسنين وأرجلهما وجعل يقبلهما، فقال له رجل قرشي في ذلك، فقال له: لو علمت ما أعلم من فضلهما، لقبلت ما تحت أقدامهما، إن رسول الله صلى الله عليه وآله أمرني يوما أن: آت بهما ! فحملت هذا مرة وهذا مرة وجئته بهما، فلما رأى تكريمي إياهما قال لي: يا جابر أتحبهما ؟ قلت: كيف لا أحبهما ومكانهما منك مكانهما ؟ فقال صلى الله عليه وآله: ألا أخبرك يا جابر بفضلهما ؟ قلت: بلى جعلت فداك قال:

[ 35 ]

إن الله خلقني من نطفة بيضاء، فنقلها من آدم في الأصلاب والأرحام الطاهرة فافترقت شطرا إلى أبي فولدني، وختم الله تعالى بي النبوة، وشطرا إلى أبي طالب فولد عليا فختم الله به الوصية، ثم اجتمعت النطفتان مني ومن علي وفاطمة فولدنا الجهر والجهير، فختم الله بهما أسباط النبوة، وجعل ذريتي منهما، وأقسم ربي ليظهرن بهما ذرية طيبة يملأ بهم الأرض عدلا كما ملئت جورا فهما طاهران مطهران، وهما سيدا شباب أهل الجنة، طوبى لمن أحبهما، وأباهما وأمهما، و ويل لمن عاداهم وأبغضهم. وأسند ابن المغازلي في مناقبه إلى النبي صلى الله عليه وآله أنه قال صلى الله عليه وآله: كنت أنا وعلي نورا قبل أن يخلق آدم بألفي عام، فلما خلق آدم ركب ذلك النور في صلبه ولم يزل كذلك حتى افترقنا في صلب عبد المطلب، ففي النبوة، وفي علي الخلافة. وأسند نحوه أيضا بطريقين آخرين، ونحوه أسند الديلمي في الباب الخامس من كتاب الفردوس. وأسند عثمان بن عفان أن راهبا نصرانيا دخل المسجد ومعه بختي موقور ذهبا وفضة، فقال: من أميركم ؟ فأومأنا إلى أبي بكر، فقال: ما اسمك ؟ قال: عتيق، قال: ثم ما اسمك ؟ قال: صديق، قال: ثم ما اسمك ؟ قال: لا غير، قال: لست بصاحبي، قال: ما حاجتك ؟ قال: مسألة إن أجبت عنها أسلمت، وهذا المال فيكم فرقت، وإن عجزت عنها رجعت، قال: سل. قال: ما شئ ليس لله، وليس عند الله، ولا يعلمه الله ؟ فلم يحر جوابا، ودعا عمر، وسأله فعجز، فجاء سلمان بعلي عليه السلام، ففرح المسلمون به، فقال أبو بكر: سل هذا فإن عنده ما سألت من ملتمسك وهو يغنيك، فقال: ما اسمك ؟ فقال: أما عند اليهود أليا، وعند النصارى أيليا وعند والدي عليا وعند أمي حيدرة، فقال: ما محلك من نبيك ؟ قال: أخوه وصهره وابن عمه، قال: أنت صاحبي ورب عيسى ثم سأله فقال علي عليه السلام: على الخبير سقطت (1) ليس لله صاحبة ولا ولد، وليس عنده


(1) مثل سائر للعرب، أي على العارف وقعت وعثرت، يقال: إن المثل لمالك بن =

[ 36 ]

ظلم للعباد، ولا يعلم له شريكا في ملكه. فقطع الراهب الزنار من رقبته، وقبل بين عينيه، وأسلم على يدي علي عليه السلام، واعترف له بالخلافة والتسمية، وأنها في كتبهم، وأخذ المال وفرقه في المحاويج من وقته. فقد اشتمل هذا الحديث على اعتراف أبي بكر له بالعلوم، وهي موجبة للخلافة لآية: (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع (1)) وبالإمامة حيث قال: هذا يغنيك وإنما طلب الخليفة، وعلي ذكر اسمه في الكتب السالفة كما ذكر اسم النبي صلى الله عليه وآله فيها، كما قال الرب الجليل: (يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل (2)). وذكر الراوندي في خرائجه عن أبي خيثمة قال: خرجت إلى الروم لئلا أكون مع علي أو عليه، فسمعت على نهر ميا فارقين (3): يا أيها الساري بشط فارق * مفارقا للحق دين الخالق فالتفت فلم أر أحدا، فقلت: أنا أبو خيثمة التميمي * تركت قومي عازما للروم حتى يكون الأمر بالصميم فقال: إسمع مقالي واوع قولي ترشد * ارجع إلى نحو علي المسدد إن عليا هو وصي أحمد


= جبير العامري وكان من حكماء العرب، وتمثل به الفرزدق للحسين بن علي عليه السلام حين أقبل يريد العراق فلقيه وهو يريد الحجاز فقال له الحسين عليه السلام: ما وراءك ؟ قال: على الخبير سقطت، قلوب الناس معك، وسيوفهم مع بني أمية، والأمر ينزل من السماء فقال الحسين عليه السلام: صدقتني. راجع مجمع الأمثال ج 2 ص 24. (1) يونس: 35. (2) الأعراف: 157. (3) قال الفيروزآبادي: ميابنت أدبنت مدينة فارقين فأضيفت إليها.

[ 37 ]

قال: فرجعت إلى علي عليه السلام فهذه الجن مع الإنس، قد شهدت له بالوصية. وأسند سليم بن قيس الهلالي إلى علي قول النبي صلى الله عليه وآله: افترقت اليهود أحدا وسبعين فرقة: واحدة ناجية، وهي التي اتبعت وصي موسى عليه السلام وافترقت النصارى اثنين وسبعين فرقة: واحدة ناجية، وهي التي اتبعت وصي عيسى عليه السلام وستفترق أمتي ثلاثة وسبعين فرقة واحدة ناجية وهي من اتبعت وصيي، وضرب بيده على منكب علي. وقد اشتهر في الأزمان والبلاد، ما استغنى عن الإسناد، لتلقيه بالقبول من سائر العباد (1) أنه عليه السلام لما توجه إلى صفين عطش عسكره عطشا شديدا، فأخذوا يمينا وشمالا يلتمسون ماء، فعدل بهم عليه السلام عن الجادة قليلا، فلاح لهم دير فسألوا صاحبه عن الماء، فقال: هو على رأس فرسخين فأرادوا المشي إليه فقال لهم عليه السلام: لا حاجة لكم إلى ذلك ثم أمرهم بكشف مكان بقرب الدير، فوجدوا صخرة ملساء أعجزهم قلعها، فقلعها عليه السلام ودحى بها أذرعا، فشربوا ثم ردها وأعفى أثرها، فنزل الراهب، وقال له: أنت نبي ؟ فقال: لا، قال: فمن أنت ؟ قال عليه السلام: وصي محمد فأسلم وأقر له عليه السلام بالوصاية، وقال: إنا نجد في كتبنا أن هنا عينا. لا يعرف مكانها إلا نبي، وآية معرفته كشفها، وقلع الصخرة عنها، وإنما بني هذا الدير طلبا لها، فلما سمع المسلمون ذلك شكروا الله على معرفة حق أمير المؤمنين. وفي هذا الحديث علمه بالأشياء الغائبة، وقوته الباهرة، وذكره في الكتب الخالية وتثبيت الوصية، والمزية السامية، وقد أنشأ السيد الحميري في ذلك قصيدته البائية المذهبة (2) فمن أرادها وقف عليها، وله أيضا في ذكر الوصية:


(1) وفي بعض النسخ: وقد اشتهر في الأزمان والبلدان، ما استغنى عن الإسناد والإعلان لتلقيه بالقبول من سائر العباد والاذعان. (2) في بعض النسخ: اليائية، وفي بعضها التائية، والصحيح ما في المتن، والقصيدة على ما في إرشاد المفيد ص 159 هكذا: ولقد سرى فيما يسير بليلة * بعد العشاء بكربلا في موكب =

[ 38 ]

علي وصي المصطفى وابن عمه * وأول من صلى لذي العزة العالي وناصره في كل يوم كريهة * إذا كان يوما ذو هرير وزلزال وذكر ابن عبد ربه في الجزء الأول من كتاب العقد أبيات المذحجية: إما هلكت أبا حسين فلم تزل * بالحق تعرف هاديا مهديا فاذهب عليك صلاة ربك ما دعت * فوق الأراك حمامة قمريا قد كنت بعد محمد خلفا لنا * أوصى إليك بنا وكنت وفيا فاليوم لا خلف يؤمل بعده * هيهات نأمل بعده إنسيا وقال ابن العودي: وقلتم مضى عنا بغير وصية * ألم أوص لو طاوعتم وعقلتم وقد قلت من لم يوص من قبل موته * يمت جاهلا بل أنتم قد جهلتم نصبت لكم بعدي إماما يدلكم * على الله فاستكبرتم وضللتم وقال خزيمة ذو الشهادتين في أبياته المشهورة: إذ نحن بايعنا عليا فحسبنا * أبو حسن مما نخاف من المحن


= حتى أتى متبتلا في قائم * ألقى قواعده بقاع مجدب يأتيه ليس بحيث يلقى عامرا * غير الوحوش وغير أصلع أشيب فدنا فصاح به فأشرف ماثلا * كالنسر فوق شظية من مرقب هل قرب قائمك الذي بوأته * ماء يصاب ؟ فقال: ما من مشرب إلا بغاية فرسخين ومن لنا * بالماء بين نقي وقى سبسب ؟ فثنى الأعنة نحو وعث فاجتلى * ملساء يلمع كاللجين المذهب قال اقلبوها إنكم إن تقلبوا * ترووا ولا تروون إن لم تقلب فاعصو صبوا في قلعها فتمنعت * منهم تمنع صعبة لم تركب حتى إذا أعيتهم أهوى لها * كفا متى ترد المغالب تغلب فكأنها كرة بكف حزور * عبل الذراع دحى بها في ملعب ؟ سقاهم من تحتها متسلسلا * عذبا يزيد على الألذ الأعذب حتى إذا شربوا جميعا ردها * ومضى فخلت مكانها لم تقرب

[ 39 ]

وصي رسول الله من دون أهله * وفارسه قد كان في سالف الزمن ومن أبيات لعبد الرحمن بن حنبل: لعمري إن بايعتم ذا حفيظة * على الدين معروف العفاف موافقا أبا حسن فارضوا به وتبايعوا * فليس كمن فيه لذي العيب منطقا عليا وصي المصطفى ووزيره * وأول من صلى لذي العرش واتقى ومن أبيات النعمان بن زيد: يا ناعي الاسلام قم وانعه * قد مات عرف وأتى منكر يا لقريش لا علا كعبها * من قدموا اليوم ومن أخروا ولست تطوي علما باهرا * سام يد الله به تنشروا حتى تزيلوا صدع ملمومة * والصدع في الصخرة لا يجبر كبش قريش في وغى حربها * صديقها فاروقها الأكبر وكاشف الكرب إذا خطة * أغلى على واردها المصدر وقال المهيار فيه: الناس للعهد ما لاقوا وما قربوا * وللخيانة ما غابوا وما اشتبعوا هذي وصايا رسول الله مهملة * غدرا وشمل رسول الله منصدع أطاع أولهم في الغدر ثانيهم * وجاء ثالثهم يقفو ويتبع تضاع بيعته يوم الغدير لهم * بعد الرضا وتحاط الروم والبيع تتمة سمع حارثة بن زيد عمر بن الخطاب يقول: اللهم حببني إلى وصي نبيك قلت: من هو يا عمر ؟ قال: علي بن أبي طالب فإن النبي صلى الله عليه وآله قال لي عند موته: إنه خليفته، قلت: فلم تقدمت عليه ؟ قال: بأمر منه. وأنا أقول: ما اشتهر من تظلماته يبطل هذه الدعوى، ولأن المنصوب من الله ورسوله لا يجوز له خلع نفسه عن الإمامة، وجعلها في غيره، فقد ظهر للناظر بقول الخمصين المتعاديين، والقبيلين المتباينين، إثبات وصية النبي صلى الله عليه وآله إلى علي عليه السلام

[ 40 ]

والجهال تهذي بتركها، وتعتمد على نفيها. قالوا: روى الحكم وأبو وائل وصعصعة بن صوحان أنه قد قيل لعلي: ألا توصي ؟ فقال: أوصى رسول الله فأوصي ؟ قلنا: ذلك شاذ نادر مختلف، فلا يعارض ما ذكرناه من المتواتر المؤتلف، لأن في الخبر (ما أوصى رسول الله فأوصي ولكن إن أراد الله بالناس خيرا فسيجمعهم على خير كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم) فهذا يدل على أفضلية أبي بكر على علي عليه السلام والمشهور منه أنه كان يقدم نفسه على أبي بكر وغيره، وقد علم طرف من ذلك في باب فضائله، على أن الخبر يقبل التأويل بأن يكون (ما) بمعنى (الذي) أي الذي أوصى رسول الله فأوصي، ويكون قوله: إن أراد الله بالناس خيرا فسيجمعهم على خيرهم، عنى به ولديه وذريته، وإضافة الجمع إلى الله يعني بألطافه الزائدة عن القدر الواجب، وقوله: كما جمعهم بعد نبيهم: أي جمعهم على علي حين أوحى النص فيه، فبلغ النبي صلى الله عليه وآله. فإن قلت: لو جمعهم الله عليه لم يتخلفوا عنه، قلت: لا يلزم من جمعهم اجتماعهم إذ ليس يواقع كل مراد على سبيل الاختيار، بل ذلك إنما يكون بالاكراه و الاجبار، وستأتي وصيته على أولاده في النصوص إن شاء الله تعالى. ولقد رأيت ثلاثا وثلاثين طرفة في الوصية المذكورة نقلها السيد الإمام ابن طاؤوس رضي الله عنه، في خبر مفرد سأضع محصلها في هذا الباب، ليهتدي به أولوا الألباب، ولأتيمن بذكرها، وأتقرب إلى الله تعالى بنشرها، فإن فيها شفاء لما في الصدور، يعتمد عليها من يريد تحقيق تلك الأمور، وقد روى يونس بن الصباح المزني عن الصادق عليه السلام أن الله تعالى عرج بالنبي صلى الله عليه وآله مائة وعشرين مرة، ما من مرة إلا ويوصيه الله بالولاية لعلي عليه السلام والأئمة، أكثر مما يوصيه بالفرائض.

[ 41 ]

(3) فصل أذكر فيه ما وعدت فيه من نص النبيين على الوصيين أسند ابن جبر في كتاب نخب المناقب إلى أمير المؤمنين وإلى الصادق والرضا من أولاده الغر الميامين، ما قاله الرسول الأمين: إن آدم أوصى إلى ابنه شيث وشيث إلى شبان وشبان إلى محلث، ومحلث إلى محوق، ومحوق إلى عتميشا، وعتميشا إلى اخنوخ، وهو إدريس، وإدريس إلى ناحور، وناحور إلى نوح، ونوح إلى سام وسام إلى عثامر، وعثامر إلى برغيشاثا، وبرغيشاثا إلى يافث، ويافث إلى برة، وبرة إلى حفيسة، وحفيسة إلى عمران، وعمران إلى إبراهيم، وإبراهيم إلى إسماعيل، وإسماعيل إلى إسحاق، وإسحاق إلى يعقوب، ويعقوب إلى يوسف ويوسف إلى بثريا، وبثريا إلى شعيب، وشعيب إلى موسى، وموسى إلى يوشع ويوشع إلى داود، وداود إلى سليمان، وسليمان إلى آصف، وآصف إلى زكريا وزكريا إلى عيسى، وعيسى إلى شمعون، وشمعون إلى يحيى، ويحيى إلى منذر، ومنذر إلى سلمه، وسلمه إلى برده. ثم قال صلى الله عليه وآله: ودفعها بردة إلي وأنا أدفعها إليك يا علي وأنت ادفعها إلى وصيك، ويدفعها وصيك إلى أوصيائك من ولدك واحدا بعد واحد، حتى تدفع إلى خير أهلي بالأرض. وقد روى الشيخ محمد بن بابويه القمي أن الله تعالى أمر آدم أن يستخلف شيثا ففعل، ثم توالى الاستخلاف في أولاده يوصي ماضيهم إلى باقيهم، إلى أن بعث الله تعالى إبراهيم عازما على الأمة بترك عبادة الأوثان، فلما استوفى أجله، أمره أن يستخلف ابنه إسماعيل ففعل، ثم أوصى إسماعيل إلى أخيه إسحاق لأن أولاد إسماعيل كانوا صغارا. فلما كبروا قاموا مقام أبيهم، وتوالت الوصية فيهم، إلى أن بعث الله موسى

[ 42 ]

عازما على الأمم بترك ما كانوا فيه من عبادة غير الله، ثم سأل الله أن يجعل له أخاه هارون وزيرا، ففعل، فتوفي قبله، فأوصى إلى ابن أخيه يوشع لأن أولاد هارون كانوا صغارا ثم استخلف يوشع كوكب بن لفتى، وتوالوا ذلك بينهم إلى أن بعث الله تعالى عيسى عازما على الأمم بترك ما كانوا عليه، واستخلف عيسى شمعون. وأسند ابن بابويه في كتاب التوحيد عن الباقر عليه السلام في تفسير الزيتونة أن المصباح نور العلم، والمشكاة صدر النبي صلى الله عليه وآله والزجاجة صدر علي (نور على نور) إمام في أثر إمام من آل محمد صلى الله عليه وآله، وذلك من لدن آدم لم تخل الأرض من واحد منهم إلى يوم القيامة. قال أبو طالب: أنت الأمين محمد * فيهم أغر مسودد لمسوددين أطاهر * كرموا وطاب المولد من لدن آدم لم يزل * فينا وصي مرشد ولقد عرفتك صادقا * والقول لا يتفند فهذه سنة الأنبياء في نصب الأوصياء، وقد قال الله سبحانه: (سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا) و (1) (لا) لنفي المستقبل، فلا تبديل لذلك في جميع الأوقات المستقبلة، وقد أمر الله نبيه بالاقتداء بهم في قوله تعالى: (فبهداهم اقتده (2)) وقد فعل ذلك في نصوصه على أئمة الاسلام، وستسمع شيئا من ذلك مفصلا إن شاء الله تعالى، وهنا نصوص أخر عن الأنبياء، نقلناها من كتاب الأوصياء، وجدنا زيادات فيها فأردنا أن نعثر عليها.


(1) الإسراء: 77. (2) الأنعام: 90.

[ 43 ]

(4) فصل خلق الله تعالى قبل آدم الجن والنسناس، وأسكنهم الأرض، فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء، فخلق آدم خليفة فيها وأسجد له الملائكة فأبى إبليس تعظما لقوله: (خلقتني من نار وخلقته من طين (1)) ولم يدر أن الطين أنور من النار، لأن النار من الشجر الذي هو من الطين. وعهد الله إلى آدم وإلى صور ذريته في السادة عليهم السلام، فعزم بعضهم أن ذلك كذلك فسموا أولي العزم، أي القوة، ثم ولد هابيل وقابيل، فلما تقربا تقبل من هابيل دون قابيل، فعاداه فقتله، فأولد الله لآدم شيث، وهو هبة الله فأوحى الله تعالى إلى آدم أني متوفيك فأوص إلى خير ولدك وهو هبة الله فإني لا أخلي الأرض من عالم أجعله على خلقي ففعل، وأوصاه أن يفعل مثل ذلك، إذا حضرته الوفاة، وأن يوصي من بعده إلى من بعده، وهكذا. فلما قبض آدم أوحى الله إلى هبة الله أن: صل عليه وكبر خمسا، فصلى و كبر فجرت السنة، وكبر سبعين أخرى سنة بعدد صفوف الملائكة كلهم، ممن صلى خلفه، ودفن بأبي قبيس، ثم حمل نوح عظامه ودفنها بالغري، فقام هبة الله بأمر الله، فجاء قابيل إليه وتوعده أنه إن أظهر أنه وصي أبيه قتله. فلما حضرت هبة الله الوفاة أوحى الله إليه أن يوصي إلى ريسان ابن نزله و هي الحورية التي نزلت إليه من الجنة، وروي أن اسمه ايونش ففعل، فلما حضرته الوفاة أوحى الله إليه أن يوصي إلى ابنه أمخوق وروي اسمه قينان ففعل، وظهر عوج بن عناق من ولد قابيل فأفسد في الأرض، فاشتدت المحنة على الشيعة، فلما حضرت أمخوق الوفاة أوحى الله إليه أن يوصي إلى ابنه مخليب ففعل، فقام بأمر الله متخفيا من عوج فلما حضرته الوفاة أوحى الله إليه أن يوصي إلى ابنه عميشا ففعل. فلما حضرته الوفاة أوحى الله إليه أن يوصي إلى ابنه اخنوخ وهو إدريس


(1) الأعراف: 12.

[ 44 ]

ثم نشأ في زمنه بنو راسب، من ولد قابيل، فعمل السحر، وكان له قصبة من ذهب ينفخ فيها فيأتيه كلما يريد، فلما أراد الله رفع إدريس أوحى الله إليه أن يوصي إلى ابنه يزد ففعل فقام بأمر الله متخفيا فلما حضرته الوفاة أوحى الله إليه أن يوصي إلى ابنه اختوخ ففعل فلما حضرته الوفاة أوحى الله إليه أن يوصي إلى ابنه متوشلخ ففعل. فلما حضرته الوفاة أوحى الله إليه أن يوصي إلى ابنه أرفخشد، ففعل، فلما حضرته الوفاة أوحى الله إليه أن يوصي إلى ابنه نوح ففعل. وكان اسم نوح عبد الغفار سمي نوحا لنوحه على قومه، فلما حضرته الوفاة أوحى الله إليه أن يوصي إلى ابنه سام ففعل، فآمن به شيعته وخالف عليه أخواه حام ويافث، وولد لحام كنعان أبو نمرود، وأقام أولاد قابيل وعوج على كفرهم، فلما حضر سام الوفاة أوحى الله إليه أن يوصي إلى ابنه أرفخشد ففعل، وملك في زمانه افريدون وهو ذوالقرنين، وروي أن الخضر عليه السلام وهو ابن أرفخشد بن سام كان على مقدمته. فلما حضرت أرفخشد الوفاة أوحى الله إليه أن يوصي إلى ابنه شالخ ففعل فلما حضرته الوفاة أوحى الله إليه أن يوصي إلى ابنه هود ففعل، فلما حضرته الوفاة أوحى الله إليه أن يوصي إلى ابنه قالع ففعل، فلما حضرته الوفاة أوحى الله إليه أن يوصي إلى ابنه يروع ففعل فقام يروع بأمر الله مستخفيا حتى قتله عوج فعند ذلك اختار الله لأمره بوسيا بن أمين الله، وجمع له المؤمنين، فلم يزل يجاهد حتى رفعه الله إليه بغير موت، وأمره قبل ذلك أن يوصي إلى ضارع بن يروع بن قالع، ففعل فلما حضرته الوفاة أوحى الله إليه أن يوصي إلى ابنه ناخور ففعل فلما حضرته الوفاة أوحى الله إليه أن يوصي إلى ابنه تارخ ففعل، وهو أبو إبراهيم عليه السلام وأمر نبوته مشهورة، وكان آزر جده لأمه منجما لنمرود بن كنعان بن حام بن نوح، وهذا نمرود الذي ملك المغربين وهو صاحب النسور والتابوت. فلما حضرت إبراهيم الوفاة أوحى الله إليه أن يوصي إلى ابنه إسماعيل، فلما

[ 45 ]

حضرته الوفاة أوحى الله إليه يوصي إلى أخيه إسحاق فلما حضرته الوفاة أوحى الله إليه أن يوصي إلى ابنه يعقوب، ففعل، فخالفه العيص أخوه وغلبه على البيت المقدس، وهو أول من قطع القطائع، وأخذ الخراج، فصارت سنة إلى اليوم. فلما حضرت يعقوب الوفاة أوحى الله إليه أن يوصي إلى ابنه يوسف ففعل فلما حضرته الوفاة أوحى الله إليه أن يوصي إلى ابنه لاوا، فلما حضرته الوفاة قام ابنه يزد مقامه فلما حضرته الوفاة أوحى الله إليه أن يوصي إلى ابنه ميتاح فاتبعه المؤمنون مستخفون من الجبابرة، فلما حضرت ميتاح الوفاة أوحى الله إليه أن يوصي إلى ابنه عاف ففعل، فلما حضرته الوفاة أوحى الله إليه أن يوصي إلى ابنه حتام ثم أوصى إلى ابنه أدوم، وأوصى أدوم إلى شعيب، وهو ابن ثابت بن إبراهيم ثم ظهر فرعون موسى واسمه الوليد بن مصعب ثم بعث الله آبور بن آمون بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم ثم ولد هارون وموسى وأمرهما مشهور. فلما ماتا كان وصي موسى يوشع بن نون، فخرجت عليه صافورا، وهي غير صفرا بنت شعيب امرأة موسى ثم أوصى يوشع إلى ابنه فنحاس، وفنحاس إلى ابنه شبر، وشبر إلى ابنه حيويل، وحيويل إلى ابنه آثاب، وآثاب إلى ابنه أحمر وأحمر إلى ابنه عرق، وعرق إلى ابنه طالوت، وطالوت إلى داود، وداود إلى سليمان، وسليمان إلى آصف، وآصف إلى ابنه صفور، وصفور إلى ابنه منبه ومنبه إلى ابنه هند، وهند إلى ابنه أسفر، وأسفر إلى ابنه خامر، وخامر إلى ابنه إسحاق، وإسحاق إلى زكريا ابن أذن. وقبل أن تنشره اليهود (1) سلم الأمر إلى عيسى عليه السلام وقيل: إلى شايع وأوصى شايع إلى ابنه دوييل، فلما مات بعث الله المسيح عليه السلام فلما رفعه الله قام شمعون مقامه، فلما حضرته الوفاة أمره الله أن يسلم الأمر إلى يحيى، فلما أراد الله قبضه أوحى إليه أن يجعل الإمامة في ولد شمعون فجعلها في ابنه منذر بن شمعون وفي زمان منذر خرج بخت نصر بن بلينصر.


(1) أي يقطعوه بالمنشار.

[ 46 ]

ثم بعث الله العزير وأوحى الله إليه أن يوصي إلى دانيال ففعل، وفي زمانه ملك مهرقية بن بخت نصر وكان كافرا خبيثا وهو صاحب الأخدود، وأوحى الله إلى دانيال أن يوصي إلى ابنه مكيخا ففعل، وفي خبر آخر أن دانيال وعزير كانا قبل المسيح ثم أوصى مكيخا إلى ابنه انسوا وفي زمانه ملك هرمز ثم ملك بعد ابنا سابور، ثم أخوه أردشير وفي زمان أردشير بعث أصحاب الكهف. ثم أوصى انسوا إلى ابنه وسيخا وملك في زمانه سابور بن سابور، ثم ابنه يزدجرد، وأوصى وسيخا إلى ابنه نسطورش، وملك في زمانه بهرام بن يزدجرد أيضا ثم ابنه فيروز ثم أوصى نسطورش إلى مرعيد، ومرعيد إلى بحير. ثم استخلص الله من الشجرة الطاهرة سيد الأولين والآخرين محمدا صلى الله عليه وآله كل واحد ممن قدمناه بوحي الله إليه أن يوصي عند وفاته بمن أخرناه. وفي خبر آخر إن الله تعالى لما أراد قبض يحيى بن زكريا أوحى إليه بالوصية إلى منذر بن شمعون، ففعل، فأوصى شمعون إلى ابنه سلمة، وسلمة إلى ابنه برزة، وبرزة إلى أبى، وأبى إلى دوس، ودوس إلى أسيد، وأسيد إلى هوف وهوف إلى ابنه يحيى، ويحيى إلى قانا، وهو السيد محمد صلى الله عليه وآله. فهذا ما أجراه من سننه في الأنبياء السالفين من الوحي إليهم بالنص على الوصيين فكيف يخرق عادته في سيد المرسلين، وقد وجدت نحو ذلك في بصائر الأنس مرويا برجاله، ولكن فيه زيادات ومغايرات في الأسماء، فاقتنعت بهذا عن إيراده، وفي آخره: ودفعها إلي بردة، وأنا أدفعها إليك يا علي وأنت تدفعها إلى ولدك واحدا بعد واحد، وسماهم عليهم السلام، تركتهم هنا لألحقهم بالفصل المخصوص بإفراد الأسماء فمن توسع إلى ذلك طلبه منه، ووجدته أيضا في الكتاب المذكور مرويا برجال آخرين وفيه أسماء الأئمة عليهم السلام واحدا بعد واحد، وسأورده إن شاء الله تعالى.

[ 47 ]

(5) فصل * (من غير هذا) * أسند ابن جبر في نخبه عن الصادق عليه السلام قال: إذا كان يوم القيامة نودي أين خليفة الله في أرضه ؟ فيقوم داود فيقال له: لسنا إياك أردنا، وإن كنت لله خليفة فيقوم أمير المؤمنين فيأتي النداء: يا معشر الخلائق، هذا علي بن أبي طالب خليفة الله في أرضه، وحجته على عباده، فمن تعلق بحبله في الدنيا فليتعلق بحبله اليوم فيستضئ بنوره ويتبعه إلى الجنة. وأسند أيضا في الكتاب المذكور أن عليا قال: من لم يقل: إني رابع الخلفاء فعليه لعنة الله، ثم ذكر عليه السلام آدم، وداود، وموسى عليهم السلام (1). وأسند الشيرازي إلى علقمة بن الأسود: وقعت الخلافة من الله لثلاثة: آدم: (إني جاعل في الأرض خليفة (2)) داود (إنا جعلناك خليفة في الأرض (3)) علي بن أبي طالب (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض (4)) ونحوه في تفسيره ابن أبي عبيدة والطائي وقد سلف ذلك. وأسند ابن حنبل إلى ابن عباس قول النبي صلى الله عليه وآله يوم خرج إلى تبوك: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي، وهذا يعم كل ذهاب، وإن كان سببه ذلك، فإن السبب لا يخص كما تبين في الأصول، وقد سلف ذلك مستوفى. وأسند أيضا حديث الدار وفيه ذكر الخلافة وأسند ابن المغازلي والثعلبي وقد مضى وأسند أيضا إلى سلمان قول النبي صلى الله عليه وآله: كنت أنا وعلي نورا واحدا ثم


(1) بل هارون لقول موسى فيه بأمر الله (اخلفني في قومي). (2) البقرة: 30. (3) ص: 26. (4) النور: 55.

[ 48 ]

قسم ففي النبوة، وفيه الخلافة ونحوه في كتاب الفردوس للديلمي، وذكره أيضا ابن المغازلي عن أبي ذر الثابت صدقه بقول النبي صلى الله عليه وآله: من ناصب عليا الخلافة بعدي فهو كافر، ومن شك في علي فهو كافر، والبعدية تقتضي العموم، فلا تخص بما بعد الثلاثة بغير دليل، ولا دليل، وقد سلف ذلك كله، أعدناه استيناسا ولأن هذا محله. وأسند ابن مردويه والسمعاني إلى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وآله تنفس فقلت: ما لك ؟ قال: نعيت إلي نفسي فقلت: استخلف، قال من ؟ قلت: أبا بكر فسكت صلى الله عليه وآله ثم تنفس، فقلت: ما لك ؟ قال: نعيت إلى نفسي، قلت: استخلف قال: من ؟ قلت: عمر، فسكت صلى الله عليه وآله ثم تنفس فقلت: ما شأنك ؟ قال: نعيت إلي نفسي، قلت: استخلف، قال: من ؟ قلت: عليا فسكت ثم قال: أما والذي نفسي بيده، لو أطاعوه ليدخلن الجنة أجمعين أكتعين. فأقسم عليه بذلك بعد أن سكت عن الأولين مؤكدا بقوله: أجمعين أكتعين والحق لا يكون إلا في واحدة، وهي هنا جهة علي بقول النبي صلى الله عليه وآله. وفي مناقب ابن مردويه قالت عائشة: قال النبي صلى الله عليه وآله في مرضه: ادعوا لي حبيبي فدعوت أبا بكر فنظر إليه، ثم وضع رأسه، وقال: ادعوا لي حبيبي، فقلت: ادعوا له عليا فوالله ما يريد غيره، فجاءه فأفرج له الثوب الذي عليه، وأدخله فيه، فلم يزل يحتضنه حتى قبض. ورواه الطبري في الولاية والدارقطني والسمعاني والموفق المكي، وفي بعضها أن عمر ادخل أيضا إليه، ففعل معه مثل ما فعل بأبي بكر. وفي مناقب ابن المغازلي قالت: لقد فاضت نفسه في يد علي فردها في فيه. فهذه أخبار الفريقين بلفظ الخلافة المقتضية لسلبها عن غيره في زمانه كافة ولم يبق بعدها لمقتبس نارا، ولا لملتمس منارا. وأنشأ السيد المرتضى في ذلك: إذا ذكروه للخلافة لم تزل * تطلع من شوق رقاب المنابر

[ 49 ]

إذا عدد المجد التليد تنحلوا * علا يتبرا من عقود الحناجر جريون إلا أن تهز رماحه * ضنينون إلا بالعلا والمفاخر وقال زيد بن مزيد: خلافة الله في هارون ثابتة * وفي بنيه إلى أن ينفخ الصور إرث النبي لكم من دون غيركم * حق من الله في القرآن مسطور (6) فصل أذكر فيه أخبارا من القبيلين تجري مجرى النص عليه. منها: ما أسنده ابن مردويه إلى النبي صلى الله عليه وآله لو أن عبدا عبد الله ما قام نوح في قومه وكان له مثل أحد ذهبا فأنفقه في سبيل الله ومد في عمره حتى حج ألف حجة على قدميه ثم قتل بين الصفا والمروة مظلوما ثم لم يوالك يا علي لم يشم رائحة الجنة. قلت: لأنه ليس بمؤمن، والإيمان شرط وجوب الثواب، في نص الكتاب (ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن (1)). وفي شرف المصطفى وتاريخ النشوي عن النبي صلى الله عليه وآله لو أن عبدا عبد الله بين الركن والمقام ألف عام، ثم ألف عام، ولم يكن يحبنا أهل البيت لكبه الله على منخره في النار. ونقل ابن المغازلي عن مجاهد عن ابن عباس قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وآله فأقبل علي غضبانا وقال: آذاني فيك بنو عمك، فقام النبي غضبانا فقال: أيها الناس من آذى عليا فقد آذاني، إن عليا أولكم إيمانا وأوفاكم بعهد الله، من آذى عليا بعث يوم القيامة يهوديا أو نصرانيا، فقال جابر: وإن أقر بالوحدانية والرسالة ؟ فقال صلى الله عليه وآله: إن ذلك كلمة يحتجبون بها عن أن تسفك دماؤهم، و تؤخذ أموالهم.


(1) طه: 112.

[ 50 ]

وفي كتاب الخوارزمي والديلمي عن جابر الأنصاري قال النبي صلى الله عليه وآله: جاءني جبرائيل بورقة آس أخضر. مكتوب فيها ببياض: افترضت محبة علي بن أبي طالب على خلقي، فبلغهم ذلك عني. وفي معجم الطبراني من أهل الخلاف قالت فاطمة: قال لي النبي صلى الله عليه وآله: إن الله باهى بكم وغفر لكم عامة، ولعلي خاصة، وإني رسول الله إليكم غير هائب لقومي، ولا محاب لحق قرابتي، هذا جبرائيل يخبرني أن السعيد كل السعيد من أحب عليا في حياته وبعد موته، والشقي كل الشقي من أبغض عليا في حياته وبعد موته. وفي فردوس الديلمي عن عمر قال النبي صلى الله عليه وآله: حب علي براءة من النار. وروى ابن حنبل في مسنده، وابن بطة في أماليه، والخطيب في أربعينه، والثعلبي في ربيع المذكرين، عن زيد بن أرقم قول النبي صلى الله عليه وآله: من أحب أن يتمسك بالقضيب الأحمر الذي غرسه الله في جنة عدن بيمينه، فليتمسك بحب علي بن أبي طالب. وأسند المفيد في إرشاده عن حنش قول علي بن أبي طالب عليه السلام على المنبر: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إنه لعهد النبي إلي: لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق، ونحوه عن حنش بطريق آخر ونحوه عن الحارث الهمداني و مثله في مسند ابن حنبل ونحوه عن أم سلمة بطريقين، ورواه الحميدي في الحديث التاسع من الجمع بين الصحيحين في الجزء الثاني من الجمع بين الصحاح الستة من صحيح أبي داود ومن صحيح البخاري. وأسند ابن حنبل أيضا عن الخدري: كنا نعرف منافقي الأنصار ببغضهم عليا وأسند إليه أيضا قول النبي صلى الله عليه وآله: من أبغضنا أهل البيت فهو منافق، وأسند إلى الزبير: ما كنا نعرف المنافقين إلا ببغضهم إياه. وأسند إلى عمار قول النبي صلى الله عليه وآله لعلي: طوبى لمن أحبك وصدق فيك، وويل لمن أبغضك وكذب فيك. وأسند إلى عروة أن رجلا وقع في علي بحضرة عمر، فقال عمر: إن أبغضته آذيت هذا في قبره، يعني النبي صلى الله عليه وآله.

[ 51 ]

وذكر ابن جبر في نخبه معنى هذا الحديث، وزيادات عليه يؤل إليه بعدة رجال في عدة كتب، منهم عطية وابن بطة في الإبانة، من طرق ستة، وأم سلمة وأنس وابن ماجة والترمذي ومسلم والبخاري وأحمد وابن البيع والإصفهاني وابن [ أبي ] شيبة، والعكبري، والحلية، وفضائل السمعاني، وتاريخ بغداد والآلكاني وابن عقدة، وجامع الموصلي، وعبادة بن يعقوب، والثقفي، والهروي والطبري. وهذه الأحاديث ونحوها حذفت إسنادها للتطويل بذكرها، ولأن المسلم لها لا يحتاج إلى ذكرها، والطاعن فيها قد يطعن في سندها وقد اتضح بين الأمة بالاتفاق أن حبه علم الإيمان، وبغضه علم النفاق، ولأجل محبة الله ورسوله أمر بمحبته. وفي الخبر عن الرسول: إذا أحب الله عبدا حببه إلى خلقه. فكيف من فرض حبه على كل مكلف من عباده، وجعله علما لطهارة ميلاده، إذ قال النبي صلى الله عليه وآله فيه: لا يبغضه ويعاديه إلا منافق أو كافر أو ولد زنية. وأسند ابن خلاد قول عقبة ابن عامر الجهني: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وآله على وحدانية الله، وأنه نبيه، وعلي وصيه، فأي الثلاثة تركنا كفرنا، وقال لنا: حبوا هذا فإن الله يحبه، واستحيوا منه فإن الله يستحيي منه. ويعضده قول النبي صلى الله عليه وآله في رواية جابر: أول ثلمة في الاسلام محالفة علي وأول حق فيه اتباع علي، والمحبة هنا الاتباع له والاقتداء به، وقد ظهر أن المتقدم عليه ومن تبعه لا يحبه، لأنه أغضبه وغصبه حقه، وقد سلف في ألفاظ النبي صلى الله عليه وآله (الشقي كل الشقي من أبغضه، ومن آذاه بعث يهوديا أو نصرانيا) فوجب تقديمه وجوبا ومحتوما لا بد له. قال الخليفة القاضي العباسي: قسما بمكة والحطيم وزمزم * والراقصات وسعيهن إلى منى بغض الوصي علامة مكتوبة * تبدو على جبهات أولاد الزنا من لا يوالي في البرية حيدرا * سيان عند الله صلى أو زنى

[ 52 ]

وقال آخر: وقول رسول الله فيه مصدق * رواه ابن عباس وزيد وجابر محب علي لا محالة مؤمن * وباغضه - والله والله - كافر (7) فصل * (في تسمية على أمير المؤمنين وهو يؤيد ما سبق) * أسند المفيد في إرشاده إلى أنس قول النبي صلى الله عليه وآله: يدخل عليك الساعة أمير المؤمنين، وسيد الوصيين، وأقدم الناس إسلاما، وأكثرهم علما، وأرجحهم حلما، فدخل علي، فقال: حدث في حدث ؟ فقال صلى الله عليه وآله: ما أحدث فيك إلا خير أنت مني وأنا منك، وتفي بذمتي، وتغسلني، وتلحدني، وتسمع الناس عني وتبين لهم ما يختلفون فيه من بعدي. ونحوه روى القاسم به جندب وبشير الغفاري وأبو الطفيل عن أنس، ونحوه أيضا في حلية أبي نعيم وولاية الطبري عن أنس. وأسند أيضا إلى ابن عباس قول النبي صلى الله عليه وآله لأم سلمة: اسمعي واشهدي هذا علي أمير المؤمنين، وسيد المرسلين، وأسنده الأعمش إلى السدي إلى ابن عباس. وأسند علي بن الحسين أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: هو أمير المؤمنين بولاية من الله عقدها له. وأسند المفيد أيضا وابن مردويه إلى معاوية بن ثعلبة قول أبي ذر: أوصيت إلى أمير المؤمنين قبل عثمان ؟ قال: لا ولكنه أمير المؤمنين حقا علي بن أبي طالب. وروي أيضا عن بريدة قال: وهو مشهور بأسانيد يطول شرحها قال: أمرني النبي صلى الله عليه وآله وأنا سابع سبعة، فيهم أبو بكر، وعمر، وطلحة، والزبير بالسلام على علي بإمرة المؤمنين، فسلمنا والنبي صلى الله عليه وآله حي بين أظهرنا. وأسند ابن جبر في نخبه قول الله للنبي في المعراج: من خلفت لأمتك ؟

[ 53 ]

قال: الله أعلم، قال: علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، وقال في نخبه: روى جماعة من الثقات عن الأعمش والليث والعوام عن مجاهد وابن أبي ليلى عن داود بن جريج عن عطا وعكرمة عن ابن عباس ما أنزل الله في القرآن آية فيها (يا أيها الذين آمنوا) إلا وعلي أميرها وشريفها، ونحوه في تفسير وكيع والقطان، و نحوه روى الثقفي والعكبري وفي تفسير مجاهد: ما في القرآن (يا أيها الذين آمنوا) إلا وعلي سابقه ذلك، لأنه سابقهم إلى الاسلام، فسماه الله تعالى في تسعة وثمانين موضعا أمير المؤمنين. تذنيب لا يدل سبق إسلامه على تقدم كفره، لأنه دعوة إبراهيم عليه السلام في قوله: (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام (1)) بل المراد أنه صدق بسيد المرسلين، وقد قال إبراهيم عليه السلام: (أنا أول المسلمين (2)) وموسى (وأنا أول المؤمنين (3)) وقد قال الله تعالى في نبينا صلى الله عليه وآله: (آمن الرسول بما أنزل إليه) (ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان (4)). وأسند السعودي وعباد الأسدي وهما من أهل الخلاف إلى بريدة الأسلمي أن النبي صلى الله عليه وآله أمر أبا بكر وعمر بالسلام على علي بإمرة المؤمنين فقالا: يا رسول الله وأنت حي ؟ قال صلى الله عليه وآله: وأنا حي. وفي رواية السبيعي أن عمر قال: عن أمر الله وأمر رسوله ؟ قال صلى الله عليه وآله: نعم. وأسند الثقفي إلى الكناني إلى المحاربي إلى الثمالي إلى الصادق عليه السلام أن بريدة قدم من الشام فرأى قد بويع لأبي بكر، فقال له: أنسيت تسليمنا على علي بإمرة المؤمنين، واجبة من الله ورسوله ؟ فقال له: إنك غبت وشهدنا، وإن


(1) إبراهيم: 35. (2) الأنعام: 163. (3) الأعراف: 143. (4) البقرة: 285، الشورى: 52.

[ 54 ]

الله يحدث الأمر بعد الأمر، ولم يكن ليجمع لأهل هذا البيت النبوة والملك. وفي رواية الثقفي والسدي أن عمر قال: إن النبوة والإمامة لا تجتمع في بيت واحد، فقال بريدة: (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة [ والنبوة ] وآتيناهم ملكا عظيما (1)) فقد جمع لهم ذلك. وروى ابن عباس أن عليا سلم على النبي صلى الله عليه وآله فرد عليه بإمرة المؤمنين قال: وأنت حي ؟ قال: سماك جبرائيل من عند الله وأنا حي، فإنك مررت علينا ونحن في حديث فلم تسلم، فقال: ما بال أمير المؤمنين لم يسلم علينا، ولو سلم لسررنا ورددنا عليه. وفي رواية ابن مخلد أنه سلم فرد عليه جبرائيل بإمرة المؤمنين، وقال: خذ رأس نبيك في حجرك، فأنت أحق به، فلما انتبه قال: هذا جبرائيل أتى ليعرفك أن الله سماك بذلك. وأسند الخوارزمي إلى ابن عباس نحوه إلا أن فيه سلم فرد عليه دحية الكلبي وقال: إن عندي مدحة أزفها إليك أنت أمير المؤمنين وقائد الغر المحجلين وسيد ولد آدم ما خلا النبيين، ولواء الحمد بيدك تزف إلى الجنان مع محمد أنت وشيعتك، قد أفلح من تولاك، وخسر من تخلاك، لن تنالهم شفاعة محمد. ونحوه روى محمد بن جعفر المشهدي وزاد: إن النبي صلى الله عليه وآله قال: لجبرائيل كيف سميته أمير المؤمنين ؟ قال: إن الله تعالى أوحى إلي يوم بدر: اهبط على محمد فمره أن يأمر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يجول بين الصفين قال النبي صلى الله عليه وآله: فسماك الله [ أمير المؤمنين ] فأنت أمير من الله على من مضى ومن بقي: لا يجوز أن يسمى به من لم يسمه الله. ولما سمى رجل الصادق عليه السلام بذلك أنكره وقال: لا يرضى به أحد إلا ابتلي ببلاء أبى ؟ ل.


(1) النساء: 54.

[ 55 ]

الحارث بن الخزرج: قال النبي صلى الله عليه وآله لعلي: يا علي لا يتقدمك إلا كافر ولا يتأخر عنك إلا كافر، وأذن لأهل السماوات أن يسموك أمير المؤمنين. قال سلمان: سألت النبي صلى الله عليه وآله عن ذلك فقال: تمتارون منه العلم ولا يمتار من أحد. وفي أمالي القطان وكافي الكليني قال أبو جعفر: لو علم الناس متى سمي أمير المؤمنين، ما أنكروا ولايته، قلت: فمتى سمي بذلك ؟ قال: إن الله تعالى حين أخذ من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم قال: (1) (ألست بربكم ومحمد رسولي وعلي أمير المؤمنين وليي ؟ قالوا: بلى). وذكر الخطيب في مواضع من تاريخ بغداد أن النبي صلى الله عليه وآله أخذ بيد على يوم الحديبية وقال: هذا أمير البررة، وقاتل الكفرة، منصور من نصره، مخذول من خذله، يمد بها صوته، ونحوه روى الشافعي ابن المغازلي عن جابر الأنصاري. وأسند ابن جبر في نخبه إلى الباقر عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله سئل عن قول الله تعالى: (واسأل الدين يقرؤن الكتاب من قبلك (2)) من المسؤل ؟ قال: الملائكة والنبيون والشهداء والصديقون، حين صليت بهم في السماء، قال لي جبرائيل: قل لهم: بم تشهدون ؟ قالوا: نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وأن عليا أمير المؤمنين. وأسند المشهدي أيضا إلى أنس قول النبي صلى الله عليه وآله لعلي: طوبى لمن أحبك وويل لمن أبغضك، أنت العلم لهذه الأمة، أنا المدينة وأنت الباب، أنت أمير المؤمنين ذكرك في التوراة والإنجيل، وذكر شيعتك قبل أن يخلقوا بكل خير، أهل الإنجيل يعظمون اسمك اليا، وشيعتك وما يعرفونهم، خبر أصحابك أن ذكرهم في السماء أعظم وأفضل من الأرض، ليفرحوا وليزدادوا اجتهادا فإنهم على منهاج الحق


(1) راجع سورة الأعراف: 172. (2) يونس: 94.

[ 56 ]

لا يستوحشون لكثرة من خالفهم، ليسوا من الزنا ولا الزنا منهم، أولئك مصابيح الدجى. وأسند أيضا إلى عائشة قول النبي صلى الله عليه وآله: أنا سيد الأولين والآخرين، و علي سيد الوصيين، وهو أخي ووارثي وخليفتي في أمتي، ولايته فريضة، أولياؤه أولياء الله، وأعداؤه أعداء الله، هو إمام المسلمين ومولى المؤمنين، وأميرهم بعدي فقال لها الراوي: وهو سعيد بن جبير: فما حملك على حربه ؟ فبكت وقالت: بغض بيت الاحماء. وأسند ابن مردويه إلى الأصبغ بن نباتة أن زيد بن صوحان لما أصيب يوم الجمل، وقف عليه فرفع رأسه إليه، وقال: والله ما قاتلت معك عن جهل، و لكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: علي أمير البررة، وقاتل الفجرة، منصور من نصره، مخذول من خذله، ألا وإن الحق معه يتبعه، فميلوا معه، وقد ذكرنا هذا في موضع آخر. وأسند ابن جبر في نخبه إلى الصادق عليه السلام إنما سمي أمير المؤمنين عليه السلام ميرة العلم (1) لأن العلماء من علمه امتاروا، ومن ميرته اشتغلوا وقد روي أن رجلا من الشام قال لعمر: يا أمير المؤمنين ! فسمعه العباس فقال: أنا أحق به منك، فقال له عمر: أحق به والله مني ومنك رجل خلفناه بالأمس في المدينة يعني عليا. وقد تضمنت أحاديث الفريقين، وكتب القبيلتين، بالتصريح بإمامة علي عليه السلام لا بالتضمين والالتزام، وهي قطرة من بحره الزخار، وقبة من ضوء النهار، وقد أنشأ الفضلاء فيه أنواع الأشعار، تركنا أكثرها طلبا للاختصار قال السيد الحميري: وفيهم علي وصي النبي * بمحضرهم قد دعاه أميرا وكان خصيصا به في الحياة * وصاهره واجتباه عشيرا


(1) الميرة: الطعام يمتاره الانسان.

[ 57 ]

ولما جاءت النوبة إلى جامع الكتاب، أنشأ يقول في هذا الباب: علي أمير المؤمنين صريمة * ففي الوحي والأخبار ما فيه مقنع رواها الموالي والمولي فلم يكن * لمنكرها عنها محيد ومرجع سوى بغضه الموروث من شر سالف * وأنف الذي لا يتبع الحق يجدع ويصلى عذابا واصبا ومؤبدا * يجر إليه كارها يتدفع تذنيب: أسند صاحب المراصد إلى سهل الساعدي أن النبي صلى الله عليه وآله دخل على فاطمة عليها السلام وقال: أين ابن عمك ؟ قالت: جرى بيننا كلام وخرج، فقال صلى الله عليه وآله: مه لا تعودي إلى مثله، فإن رضا علي رضا الله، وغضبه غضب الله، ثم خرج في طلبه فوجده نائما والتراب على ظهره، فنفضه بيده، وقال: قم يا أبا تراب، ودخلا على فاطمة عليها السلام فطافت حول علي سبع مرات قائلة: نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله وغضب وصيه، حتى سكن غضبه، فما كان إلى علي اسم أحب إليه من أبي تراب. (8) فصل في قول النبي صلى الله عليه وآله: (أنت مني وأنا منك) في مقام بعد مقام حتى شاع ذلك وظهر، وذاع واشتهر، دليل على إمامته واستحقاقه لخلافته، لأن (من) هنا ليست لابتداء الغاية، وإلا لكان كل منهما مبدءا للآخر، وهو دور، ولا للتبعيض وإلا لكان كل منهما جزءا للآخر، وهو دور، نعم قد يحمل ذلك على لازم الجزء من إرادة حراسته ودفع الأذية عنه والسعي في إيصال المنافع إليه، والاشفاق التام عليه. ولا زائدة وإلا لكان كل منهما هو الآخر، وهو اتحاد، وليست بمعنى اللام كقوله تعالى: (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق (1)) أي: لأجل إملاق وإلا لكان كل منهما علة للآخر، وهو دور، ولا غير ذلك فلم يبق إلا أنها للجنسية، ومن ثبتت له المجانسة المشابهة بخير البشر، فالاتباع له والاقتداء به أجدر.


(1) الأنعام. 151.

[ 58 ]

وفي صريح وصف النبي صلى الله عليه وآله له وكلامه دليل ظاهر على أنه أحق بمقامه إذ تخصيصه بهذا القول دون غيره من أمته، دليل فضيلته الموجب لاستحقاق رتبته وسيأتي شئ من ذلك في باب المطاعن، وسنورد ذلك أيضا في هذا الكتاب من طريق الخصم، ليكون أدعى إلى التسليم. ففي الجزء الرابع من أجزاء ثمانية في صحيح البخاري قال عمر: توفي النبي صلى الله عليه وآله وهو راض عن علي، وقال له: أنت مني وأنا منك، ونحوه في الجزء الخامس في رابع كراس من أوله. وفي الجزء الثاني من الجمع بين الصحيحين من عدة طرق عن أبي جنادة قال النبي صلى الله عليه وآله لعلي: علي مني وأنا من علي، لا يؤدي عني إلا أنا وعلي، و مثله في سنن أبي داود وصحيح الترمذي ورواه ابن حنبل أيضا. ورواه ابن المغازلي الشافعي من عدة طرق وفي بعضها: (علي مني وهو ولي كل مؤمن بعدي) ومثله في فردوس الديلمي ونحوه عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس ونحوه في رواية الخدري وفيها (علي مني كخاتمي من ظهري، من جحدر ما بين ظهري من النبوة فقد كفر) وروى نحوه الواعظ في شرب النبي صلى الله عليه وآله ورواه التميمي في الجزء الثالث من جواهر الكلام، ورواه ابن سيرين أيضا وفي تاريخ الخطيب وفضائل السمعاني وفردوس الديلمي زيادة: علي مني مثل رأسي من بدني. وأسند ابن حنبل إلى عبد الله بن أخطب قول النبي صلى الله عليه وآله لبني ثقيف: لتسلمن أو لأبعث إليكم رجلا مني - أو قال: مثلي أو مثل نفسي - يضرب أعناقكم، ويسبي ذراريكم، ويأخذ أموالكم، قال عمر: فوالله ما اشتهيت الإمارة إلا يومئذ، فنصبت صدري رجاء أن يقول علي (1)، فأخذ بيد علي وقال: هو هذا. وروى ابن حنبل أيضا من طريقين قول جبرائيل للنبي صلى الله عليه وآله يوم أحد وقد قتل علي أصحاب الألوية: إن هذه لهي المواساة فقال صلى الله عليه وآله: إنه مني وأنا منه.


(1) عنى: خ. إلى، ظ، ويقول أي يشير.

[ 59 ]

وروي أن الشيخين هربا ورجع عمر وهو ينشف دموعه، ويسأل عليا العفو فقال له: ألست المنادي: قتل محمد ارجعوا إلى أديانكم ؟ فقال: إنما قاله أبو بكر فقال عليه السلام: أنتما ومن اتبعكما حينئذ حصب جهنم، أنتم لها واردون، ثم نزلت (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان (1)). وروى ابن حنبل أيضا أن عليا أخذ في اليمن جارية فكتب خالد مع بريدة إلى النبي صلى الله عليه وآله فأعلمه فغضب وقال: يا بريدة لا تقع في علي فإنه مني وأنا منه. وأورده ابن مردويه من طرق عدة وفي بعضها أن النبي صلى الله عليه وآله قال لبريدة: إيها عنك فقد أكثرت الوقوع في علي، فوالله إنك لتقع في رجل أولى الناس بكم بعدي، وفي بعضها إنه طلب من النبي صلى الله عليه وآله الاستغفار، فقال له: حتى يأتي علي فلما أتى علي قال النبي صلى الله عليه وآله لعلي: إن تستغفر له (2) فاستغفر، وفي بعضها أن بريدة امتنع من بيعة أبي بكر لأجل النص الذي سمعه من النبي صلى الله عليه وآله بالولاية بعده، وفي بعضها أن بريدة بايع النبي صلى الله عليه وآله على الاسلام جديدا، ولولا أن الانكار على علي يوجب تكفيرا، لم يكن لبيعة بريدة ثانيا معنى، وهذا شئ لم يوجد لغيره من أصحابه قطعا. فهذه كتب القوم التي هي عندهم صادقة، بولاية علي عليه السلام ناطقة، إذ في جعله من بدنه مثل الرأس، دليل تقديمه على سائر الناس. إن قيل: فقوله: لا يؤدي عني إلا هو، فيه رفع الإمامة عن أولاده، وليس ذلك من مذهبكم قلنا: لا، فإن حكمهم واحد، وأمرهم واحد، لأن ما أداه علي أخذه أولاده منه واحد بعد واحد، فكان المؤدي إلى الناس هو وإن كان بواسطة ولأن النبي صلى الله عليه وآله كان يعلم تغلب القوم على أمره، فنفى التأدية عنهم لا عن أولاده، كيف ذلك وقد نص عليهم في مقام بعد مقام، وسيأتي ذلك في جملة من نصوصه عليه السلام، فيجب حمل نفي التأدية على غيرهم، دفعا لتناقض الكلام.


(1) آل عمران: 155. (2) أي إن شئت أن تستغفر له.

[ 60 ]

إن قيل: لو كان أمرهم واحدا لم تختلف أقوالهم، والروايات الصادرة عنهم قلنا: الاختلاف من سهو الرواة، أو خرج على التقية، وفي الروايات ما هو موضوع عليهم ولم يكن صادرا منهم. قال ابن البطريق في كتاب الخصائص: علوت عن المشابه والمداني * إذا يتلى مديحك في المثاني غدا المختار منك وأنت منه * نظير [ ا ] في المناصب والمعاني ولقد أنشأ جامع هذا الكتاب النبيه، قول النبي صلى الله عليه وآله فيه: قول النبي أنت مني يا علي وأنت الرأس من بدني لم يخف عن أحد وغيره لا يؤدي ما أمرت به * عني إليكم ويحددكم عن الفند وما تشاجرتم فبه ؟ يبينه * لكم ويرشدكم للواحد الصمد قل فيه واسمع له وانظر إليه تجد * فضائلا جمة جلت عن العدد هذي مزاياه دون الناس قاطبة * تجري على ولده نصا إلى الأبد وقد رواها لنا الجمهور ظاهرة * وخالفوها وحلوا في عذاب غد (9) فصل قال النبي صلى الله عليه وآله لعلي: لولا أني أخاف أن يقال فيك ما قالت النصارى في المسيح، لقلت فيك مقالا لا تمر بملا من المسلمين إلا وأخذوا تراب نعليك، و فضل وضوئك يستشفون به، ولكن حسبك أن تكون مني وأنا منك، فقال الحارث الفهري: وما وجد لابن عمه مثلا إلا عيسى، يوشك أن يجعله نبيا بعده، والله إن آلهتنا التي نعبد خير منه، فنزل قوله تعالى: ((ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون - إلى قوله: - وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعوني هذا صراط مستقيم (1)) وفي رواية أن الحارث قال: (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك


(1) الزخرف: 61.

[ 61 ]

فأمطر علينا حجارة (1) فأنزل الله تعالى: (ما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم (2)) فقال النبي صلى الله عليه وآله للحارث: إما أن تتوب أو ترحل عنا، فرحل فرماه الله بحجر على هامته فأخرج من دبره وأنزل الله (سأل سائل بعذاب واقع الكافرين (بولاية علي) ليس له دافع (3). قال الصادق عليه السلام في رواية أبي بصير: هكذا نزلت. وأسند ابن حنبل قول النبي صلى الله عليه وآله: يا علي إن فيك مثلا من عيسى بغضه اليهود حتى بهتوا أمه، أي: جعلوه ولد زنية، وأحبه النصارى حتى أنزلوه المنزل الذي ليس له، وقال علي عليه السلام: هلك في رجلان: محب مفرط بما ليس في، ومبغض يحمله شأني على أن يبهتني. وقد أسند ابن حنبل بطرق مختلفة في روايات ثمان في ذلك وروى نحوه الفقيه الشافعي ابن المغازلي وعبد الواحد التميمي الأموي في الجزء الثالث من جواهر الكلام، وابن عبد ربه في كتاب العقد. ومن المعقول أنه عليه السلام أخبر بالمغيبات، وظهر في بدنه ونفسه كرامات أوجبت التباس أمره حتى اختلف كثير لقصور فكرهم فاعتقدته النصيرية إلها يعطي ويمنع، وقوم عادوه وحاربوه وكتموا النصوص عليه، وسبوه، ولا عجب من ضلال أكثر الأمة المخالفة، فإن ذلك في سنن الأمم السالفة. اعتبر حال بني إسرائيل إذ قالوا: (اجعل لنا إلها كما لهم آلهة (4)) والمقتصدون رفعوه عن مهابط الناقصين، ووضعوه عن منزلة إله العالمين، فجعلوه إماما متوسطا بين الخالق والمخلوقين، فأصابوا حق اليقين، حيث نزلوا عن علو غلو الشبيه، و صعدوا عن حضيض خفيض التشبيه، فلا يرجعون في أخراهم إلى ندم، بل يرجعون


(1) الأنفال: 32. (2) الأنفال: 33. (3) المعارج: 1 و 2. (4) الأعراف: 138.

[ 62 ]

لبنا خالصا سائغا من بين فرث ودم، فخلاف الأمة في إمامة علي وإلهيته، وفي خلافة أبي بكر وكونه من رعيته، وهذا تباين عظيم يرفع الالتباس، ويبطل التماثل والقياس، ولله در من نظر في هذا الحال فقال: تبا لناصبة الإمام فقد * تهافتوا في الضلال بل تاهوا قاسوا عتيقا بحيدر سخنت * عيونهم بالذي به فاهوا كم بين من شك في إمامته * وبين من قيل إنه الله وقال عبد الحميد بن أبي الحديد: تقيلت أفعال الربوبية التي * عدرت بها من قال إنك مربوب (10) فصل * (في حديث خصف النعل) * روى البخاري ومسلم قول النبي صلى الله عليه وآله في موضع: يا معشر الناس لتنتهن عن مخالفة أمر الله أو ليبعثن عليكم من يضرب رقابكم بالسيف، الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى والمراد بالجمع هنا التعظيم، وقد جاء مثله في مواضع من الذكر الحكيم، وروى حديث خصف النعل رزين في الجزء الثالث من الجمع بين الصحاح الستة والترمذي في سننه، وزاد أنهم قالوا: من هو يا رسول الله ؟ فقال صلى الله عليه وآله: هو خاصف النعل. وذكر نحوه الخطيب في تاريخه والسمعاني في فضائله وأحمد بن حنبل أيضا من طرق أربعة في مسنده وابن بطة في إبانته، وفي بعضها: قالوا يا رسول الله ! هو أبو بكر ؟ فقال: لا، قالوا: عمر ؟ فقال صلى الله عليه وآله: لا ولكنه خاصف النعل بالحجرة. وفي حلية الأولياء قال الخدري: انقطع شسع نعل رسول الله صلى الله عليه وآله فتناوله علي ليصلحها فقال النبي صلى الله عليه وآله: إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله، قال أبو بكر: هو أنا يا رسول الله ؟ قال: لا، قال عمر:

[ 63 ]

هو أنا ؟ قال: لا ولكنه خاصف النعل، فابتدرنا فإذا بعلي يخصف نعل رسول الله صلى الله عليه وآله. وفي هذا الحديث دليل ظاهر، على نص قاهر، من الله تعالى ومن رسوله على علي بالإمامة، حيث قال الرسول، الذي لا ينطق عن الهوى: أو ليبعثن الله عليكم، وفي قوله: (يضرب رقابكم) إشارة أخرى لأن ضرب الرقاب، لا يكون إلا للرئيس دون المرؤس، وفي تشبيه المقاتلة على تأويله بالمقاتلة [ على تنزيله ] إشارة أخرى لأن التشبيه بالفعل الذي لا يكون إلا من النبي، لا يكون إلا من الإمام الذي هو مشابه النبي، فإن جاحد العمل بالتأويل كجاحد العمل بالتنزيل ومرجع قتال الفريقين ليس إلا إلى النبي أو الإمام، فمراد النبي بذلك القول الإمامة لا غير. وقد روى البخاري ومسلم قول النبي صلى الله عليه وآله: فرقتان تخرج من بينها فرقة ثالثة يلي قتلهم أولاهم بالحق، فانظر كيف سمى عليا عليه السلام أنه أولى بالحق، و حيث أطلق الأولوية من غير تقييد بزمان، عمت الأوقات وأفراد الانسان، وقد أشار الحميري في شعره، إلى ما ذكره ابن جبر في نخبه: وفي خاصف النعل البيان وغيره * لمعتبر إذ قال والنعل يرقع لأصحابه في مجمع إن منكم * وأنفسهم شوقا إليه تطلع إماما على تأويله غير جائر * يقاتل بعدي لا يضل ويهلع فقال أبو بكر أنا هو ؟ قال لا * وقال أبو حفص أنا هو ؟ فاشفع فقال لهم: لا لا، ولكنه أخي * وخاصف نعلي فاعرفوه المرقع وقال العبدي: لما أتاه القوم في حجراته * والطهر يخصف نعله ويرقع قالوا إن كان أمر من لنا * خلف إليه من الحوادث نرجع قال النبي خليفتي هو خاصف النعل الزكي العالم المتورع

[ 64 ]

* (كلام في المناشدة) * أسند ابن مردويه من أهل المذاهب الأربعة وأخطب خوارزم إلى عامر بن واثلة قال: كنت على الباب يوم الشورى فارتفعت الأصوات بينهم، فسمعت عليا عليه السلام يقول: بايع الناس أبا بكر وأنا والله أولى بالأمر منه وأحق، فأطعت مخافة أن يرجع القوم كفارا ويضرب بعضهم رقاب بعض، ثم بايع أبو بكر لعمر وإني أولى بالأمر منه، فأطعته لذلك ثم تريدون أن تبايعوا عثمان إذا لا أسمع ولا أطيع. وفي رواية أخرى لابن مردويه: إذا أسمع وأطيع، ولو أشاء أن أتكلم بما لا يستطيع عربيهم ولا عجميهم ولا المعاهد منهم ولا المشرك، أن يرد خصلة منها ثم افتخر باختصاصه بأخوة رسول الله وعمومة حمزة، وأخوة جعفر، وزوجية فاطمة وأبوة الحسنين، وقتل المشركين، وسبقه إلى الاسلام بالتوحيد، وتغسيله لرسول الله، وأكله من الطائر بدعوة نبي الله، ورد الشمس له بأمر الله، وكشف الكرب عن وجه رسول الله، وفتح بابه إلى المسجد دون باب غيره عن أمر الله، وتطهيره في كتاب الله، وتقديمه الصدقة ستة عشر مرة في مناجاة رسول الله، وبأن له سهما في الخاص وسهما في العام، ومودة القربى، وتغميض النبي، ودفنه صلى الله عليه وآله. وفي رواية أخرى للخوارزمي أسندها إلى أبي ذر أنه عليه السلام ألزمهم بقول جبرائيل: لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي، وبأن جبرئيل أمر النبي صلى الله عليه وآله عن الله بمحبته ومحبة من يحبه، وقال: إن الله يحبه ويحب من يحبه، ثم ذكر أن النبي صلى الله عليه وآله نودي ليلة الأسرى في السماء: نعم الأب أبوك إبراهيم، و نعم الأخ أخوك علي، فاستوص به. قال ابن عوف: سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله وإلا فصمتا ثم ذكر دخوله المسجد جنبا، وذكر قول النبي له: أنت مني بمنزلة هارون من موسى.

[ 65 ]

ولقد علمتم (1) موضعي من رسول الله صلى الله عليه وآله وقربي وتخصيصي بمس جسده وشم عرفه، ولا يجد لي كذبة في قول: ولا خطلة في فعل، وكنت أتبعه اتباع الفصيل أمه، يرفع لي كل يوم علما من أخلاقه، ويأمرني بالاقتداء به، ولقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي على رسول الله فقلت له: ما هذه ؟ قال: رنة الشيطان قد أيس من عبادته، إنك تسمع ما أسمع وترى ما أرى، إلا أنك لست بنبي، ولكنك وزير. ولقد كنت معه حين طلب منه الملاء مجئ الشجرة، فدعاها فجاءت فقالوا: ارددها، فردت، فقالوا: فليأت نصفها، فجاء نصفها، فقالوا: رده فرده، فقالوا: ساحر، فقلت: إني أول مؤمن بأن ذلك من أمر الله تصديقا لنبيه. وحيث كان ذلك كله معلوم عند أهل الشورى وغيرهم، لم يمكنهم جحده ولو أمكن لسارعوا إليه إذ هو مقام التوصل إلى الخلافة، فدل إقرارهم على أنه حق عندهم قد عرفوا صحته وسمعوها ؟، واستوضحوا قضيته ورعوها، وعلموا أنهم لو أنكروه مقامه قامت عليهم البراهين، واعترف به غيرهم من العالمين، و أبو بكر أقام الحجة يوم السقيفة بقرابته من النبي صلى الله عليه وآله وأمس منها قرابة علي عليه السلام. فإذا حصلت له الخلافة ببعض خصلة من خصال علي، فكيف لم يكن علي المخصوص بجميعها أولى بقام النبي صلى الله عليه وآله. وكذا بغيره مثل مساواته للنبي في نفسه، وهوي النجم في داره، وأخذه براءة من أبي بكر وعزله، والنص على ولايته حين آتى الزكاة في ركوعه، وقلع الصخرة عن القليب من غرائبه، ودحو باب خيبر من عجائبه، وكلام الثعبان و الجمجمة من آياته، ونزول الجام والمنديل من كراماته، إلى غير ذلك مما يطول الكتاب بذكره، ويعول الخطاب بنشره، وقد صرح فيما ذكر برواية أعيانهم


(1) مقال له عليه السلام في خطبته المسماة بالقاصعة تراها في النهج تحت الرقم 190.

[ 66 ]

وأركان أديانهم، مع صدقه وعدله، أنه أولى ممن تأمر عليه، وسعى في هضمه و عزله. قال بعضهم: مساع أطيل بتفصيلها * كفى معجزا ذكرها مجملا ولما حصل الخوارزمي من هذه المزايا في علمه، نضد شيئا منها في تأليفه و نظمه، فقال: هل فيهم من له زوج كفاطمة * قال لا وإن مات غصا كل ذي حسن هل فيهم من له في ولده ولد * مثل الحسين شهيد الطف والحسن هل فيهم من له عم يوازره * كمثل حمزة في أعمام ذي الزمن هل فيهم من له صنو يكانفه * كجعر ذي المعالي الباسق الفتن هل فيهم من تولى يوم خندقهم * قتال عمرو، وعمرو خر للذقن هل فيهم من رمى في حال سطوته * بباب خيبر لم يضعف ولم يهن هل فيهم سابق في السابقين إلى * حق اليقين وما صلى إلى وثن وهل أتى هل أتى إلا إلى أسد * فنى الكتائب طود الحلم في المحن أطاع في النقض والابرام خالقه * وقد عصى نفسه في السر والعلن الناس في سفح علم الشرع كلهم * لكن علي أبو السبطين في القنن (11) فصل في دعاء النبي صلى الله عليه وآله لعلي حين نزل قوله تعالى: (وتعيها أذن واعية (1). أسند الكلبي إلى ابن عباس قول النبي صلى الله عليه وآله لما نزل (وتعيها أذن واعية): اللهم اجعلها أذن علي، فما سمع شيئا بعدها إلا حفظه، ونحوه روى ابن جبر في نخبه من طريقين، وقريب منه في حلية الأولياء، وفي أسباب النزول للواحدي، و


(1) الحاقة: 12.

[ 67 ]

في محاضرات الراغب، وهو من أهل المذاهب الأربعة، وفي كتاب الياقوت وأمالي الطوسي والكشف والبيان للثعلبي، وفي خصائص النطنزي، أمرني أن أدنيك ولا أقصيك، وأن أعلمك ولا أجفوك، وحق علي أن أطيع ربي فيك، وحق عليك أن تعي. ونحوه في تفسير أبي القاسم بن حبيب وفي تفسير الثعلبي أيضا إلا أن فيه: وحق على الله أن تسمع وتعي، فنزلت (وتعيها أذن واعية). أنشأ مؤلف الكتاب في هذا الباب: دعا النبي له قولا يكرره * يا رب اجعلها أذن العلي علي وقال قد قال لي ادنيه منك ولا * تقصيه يوما ولا تجعله في الهمل فقلت حقا على الرب الكريم بأن * تعي وتسمع ما ألقيه عن كمل فما نسي بعدها مما ألقنه * شيئا ولا حاد عن قول إلى خطل فهذه آية خص الوصي بها * فيا لها نعمة لم تلف عن رجل وقد سلف كونه عليه السلام النبأ العظيم، فيما أوردناه من آيات الذكر الحكيم أعني بذلك قوله: (ومن يتول الله ورسوله (1)). تذنيب: روى جابر أن النبي صلى الله عليه وآله قال لعلي عليه السلام قل: اللهم اجعل لي عندك عهدا واجعل لي في قلوب المؤمنين ودا، فنزلت: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا (2)) قال ابن عباس: الود محبة علي في قلوب المؤمنين. قال الربيع: إذا أحب الله مؤمنا قال لجبرائيل: إني أحببت فلانا فأحبه فيحبه ثم ينادي في السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه، ثم يوضع له قبول في أهل الأرض.


(1) المائدة: 56. (2) مريم: 96.

[ 68 ]

إن قلت: فعلى هذا لم يحب الله عليا إذ قد سب في الأرض ألف شهر قلت: هذا ؟ عارض بسب الكفار للنبي صلى الله عليه وآله طول الدهر، على أن (قبول) نكرة مثبتة فلا تعم. إن قلت: فإذ لم يكن القبول عاما لم يخل أحد من مطلق القبول، قلت: فائدة الذكر ترجيح الخاص على العام، وعلى قول ابن عباس: المراد بوضع القبول إيجاب محبة الله، ولا يلزم إيجاب الشئ عموم وقوعه، وقد ارتجل جامع الكتاب فقال: من جعل الله له ودا * مجانبا للأمر والإدا ذاك علي المرتضى في الورى * لم ير في الناس له ندا (12) فصل * (في كون علي بن أبي طالب خير البرية بعد) * * (النبي صلى الله عليه وآله) * أسند الإصفهاني من أعيانهم أن قوله تعالى: (أولئك هم خير البرية (1)) نزلت في علي عليه السلام ونحوه أبو بكر الشيرازي وابن مردويه من نيف وأربعين طريقا والخطيب الخوارزمي. وأسند ابن جبر في نخبه إلى الزبير وعطية وخوات أنهم رأوا جابرا يدور في سكك المدينة ومجالسها، ويقول: قال لي النبي صلى الله عليه وآله: علي خير البشر ومن أبى فقد كفر، ومن رضي فقد شكر، معاشر الأنصار أدبوا أولادكم على حب علي، فمن أبى فلينظر في شأن أمه. وأسند نحوه الدارمي عن عائشة وابن مجاهد في الولاية والديلمي في الفردوس وأحمد في الفضائل والأعمش عن أبي وائل وعن عطية عن عائشة وابن أبي حازم


(1) البينة: 7.

[ 69 ]

عن جرير. وروى ابن جبر في نخبه عن أبي وائل ومعاوية ووكيع والأعمش و شريك ويوسف أنهم أسندوا إلى جابر وحذيفة: علي خير البشر لا يشك فيه إلا كافر، قال: وروى عطاء عن عائشة مثله. وأسنده سالم بن الجعدي بأحد عشر طريقا إلى جابر، وفي تاريخ الخطيب أخرج المأمون القول بخلق القرآن وتفضيل علي على الناس سنة اثني عشر ومائتين. وأسند الخطيب في تاريخه أيضا قول النبي صلى الله عليه وآله: إن من لم يقبل أن عليا خير البشر، فقد كفر، وأسند فيه قول النبي صلى الله عليه وآله: خير رجالكم علي وخير شبابكم الحسن والحسين، وخير نسائكم فاطمة عليها السلام ومسند إلى عقبة قول الجهني للنبي صلى الله عليه وآله: إن قوما يقولون: خير هذه الأمة أبو بكر، وقوما عمر، وقوما عثمان، فمن خير الناس بعدك ؟ قال: من اختاره الله واشتق له اسما من أسمائه و زوجه أمته، ووكل به ملائكته يقاتلون معه، فذكر ذلك لأبي ذر، فقال: و أزيدك ما سمعته من النبي صلى الله عليه وآله: فضل علي على هذه الأمة كفضل جبرائيل على سائر الملائكة. وفي رواية الهذلي عن الشعبي أن عليا أقبل على النبي صلى الله عليه وآله فقال: هذا من الذين يقول الله فيهم: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية (1)). وأسند ابن جبر في نخبه إلى الباقر عليه السلام قول النبي صلى الله عليه وآله لعلي: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية) أنت وشيعتك شباعا مرويين، و ميعادي وميعادكم الحوض، وإذا حشر الناس جئت أنت وشيعتك شباعا مرويين غرا محجلين. وأسند في كتابه إلى جابر: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله إذا أقبل علي قالوا: هذا خير البرية، وفي تاريخ البلاذري عن جابر: كان علي خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله.


(1) البينة: 7.

[ 70 ]

وفي مسند ابن حنبل قال جابر: علي خير البشر، ما كنا نعرف المشركين والمنافقين إلا ببغضهم إياه. وأسند الخوارزمي وابن عبدوس عن سلمان قول النبي صلى الله عليه وآله: إن أخي ووزيري وخير من أخلفه بعدي علي أمير المؤمنين. وأسند الطبراني في المناقب والولاية قول النبي صلى الله عليه وآله في الخوارج: هم شر الخلق والخليقة: يقتلهم خير الخلق والخليقة، وأقربهم إلى الله وسيلة. وأسند ابن جبر في نخبه أن سعد بن أبي وقاص دخل على معاوية فقال له: مرحبا بمن لا يعرف حقا فيتبعه ولا باطلا فيجتنبه، فقال: أردت [ أن ] أعينك على علي بعد ما سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول لفاطمة: أنت خير الناس أبا وبعلا ؟ وأسند أيضا شهر بن حوشب أن عمر لما بدأ بالحسنين في العطاء قال له ابنه: قدمتهما علي، ولي صحبة وهجرة دونهما ؟ فقال: أسكت لا أم لك أبوهما والله خير من أبيك، وأمهما خير من أمك. وقد أسند صاحب المراصد إلى ابن عباس قول النبي صلى الله عليه وآله: خلق الله [ ذا ] الفقار، وأمرني أن أعطيه خير أهل الأرض، قلت: يا رب من ذلك ؟ قال: خليفتي في الأرض علي بن أبي طالب، قال: و [ ذو ] الفقار كان يحدثه حتى أنه هم يوما بكسره، فقال: يا أمير المؤمنين ! إني مأمور وقد بقي في أجل المشرك تأخير. وحدث إسحاق بن راهويه عن يحيى بن آدم أنه قيل لشريك: ما تقول فيمن مات ولا يعرف أبا بكر ؟ قال: لا شئ عليه، قال: فإن هو لا يعرف عليا ؟ قال: في النار لأن النبي صلى الله عليه وآله أقامه علما يوم الغدير. تذنيب: ظهر من ذلك بطلان ما عارض به الجاحظ أن النبي صلى الله عليه وآله باهى بخاله، وقد كان علي خال جعدة بن هبيرة، ولم يستثنه، قلنا: هذا غير معروف ولا مسند ويلزمه كون خال النبي صلى الله عليه وآله أشرف من أبي بكر.

[ 71 ]

تنبيه: إذا كان علي خير البرية لعموم اللفظ، وجب ترك غيره والتعويل عليه، لعموم الحاجة إليه، وإذا كان دين الاسلام لا يحصل العمل به إلا بعد تنفيذه، الموقوف على نصرته عليه السلام ومحاماته، كان سببا للصغار والكبار في خلاصهم من عذاب النار فلذلك كان ثوابه أفضل، وفضله أكمل، إن الخير من كان للثواب أحرز، لكونه في أعمال الخير أحمز. فلا يغرنكم قول عمر وابنه وعثمان وأبي هريرة والحسن البصري وعمرو بن عبيد والنظام والجاحظ بأفضلية أبي بكر لاستنادهم إلى هوى أنفسهم وميلهم إلى عاجلتهم إذ لم يوجد له فضل في كتاب ربهم، وسنة نبيهم، وإن وجد فعلى الطريقة النادرة لا تقاوم أدنى ما لعلي من المزايا المتظاهرة، مع أن قولهم معارض بقول الزبير، والمقداد، وسلمان، وعمار، وجابر، وحذيفة، وعطا، ومجاهد، وسلمة وأبي عبد الله البصري، وسليمان بن جرير الرقي، ومن تابعه، وابن التمار، و من تابعه، وكثير النوا، وسالم بن أبي حفصة، والحكم بن عتيبة، وثابت الحداد بأفضلية علي وهو اختيار البغداديين كافة، والشيعة بأجمعها، والحجة في إجماعها لدخول المعصوم فيها، وقد ذكرته الإمامية في كتبها، واعتمد المرتضى في كتاب الانتصار عليه. وبالجملة: فالفضائل إما نفسية متعلقة بالشخص نفسه، أو في غيره، وإما بدنية متعلقة بنفسه أو غيره، فالنفسية المتعلقة به، فكعلمه، وحلمه، وزهده، و كرمه، والمتعلقة بغير فكرجوع أرباب العلوم والقضايا إليه، والبدنية المتعلقة بنفسه فكعبادته، وشجاعته، وصدقه، والمتعلقة بغيره فمتابعته في عبادته والتأسي به ولا خفاء في اختصاصه عليه السلام بهذه دون غيره، ومعيار ذلك تفاسير القبيلين، وأخبار الخصمين، وقد امتلأت نواحي الأقطار، بالانشاء في ذلك من الأشعار، ولم يأت عليها من الانكار، قال الفضل بن عتبة بن أبي لهب: ألا إن خير الناس بعد محمد * مهيمنه التاليه في العرف والنكر

[ 72 ]

فذاك علي الخير من ذا يفوقه * أبو حسن خلف القرابة والصهر وقال زهير: صهر النبي وخير الناس كلهم * وكل من رامه بالفخر مفخور صلى الصلاة مع المختار أولهم * قبل العباد ورب الناس مكفور وقال أبو الطفيل: أشهد بالله وآلائه * وآل يس وآل الزمر إن علي بن أبي طالب * بعد رسول الله خير البشر وقد أسند الواحدي والخوارزمي قول النبي صلى الله عليه وآله يوم الخندق: لمبارزة علي لعمرو أفضل من عمل أمتي إلى يوم القيامة، ونحوه ما ورد في ليلة المبيت، لو وزن عمله تلك الليلة بأعمال الخلائق لرجح. فكيف يقاس به من كان ضعيف الجنان، عن مبارزة الأقران، ولم ينقل أحد لفظا صريحا ولا تلويحا، له في الاسلام قتيلا ولا جريحا. تذنيب: أقام أبو بكر يعبد الأصنام، ونبت لحمه على ما ذبح على النصب والأزلام، وغير ذلك من شرب الخمور، وأعمال الجاهلية والفجور، لو عرضت هذه على علي وغيره من الأبرار، لتعوذ منها من النار، ولو عرضت صفات علي على أبي بكر وغيره من ذوي الأنظار، لتمناها إذ فيها رضى الجبار، فكيف يشتبه على عاقل تقاربهما وقد وضح لكل ناظر تباعدهما، وعلي يتعوذ من أفعاله، وأبو بكر يتمنى الكون على بعض خصاله: يقولون خير الناس بعد محمد * أبو بكر الصديق والضير ضيركم أكذبتم صديقكم في مقاله * وليتكم أمرا ولست بخيركم وقال الجماني: قالوا أبو بكر له فضله * قلنا لهم هيأه الله نسيتم خطبة خم وهل * يشتبه العبد بمولاه إن عليا كان مولى لمن * كان رسول الله مولاه

[ 73 ]

غيره: علا المجد فانخزلت دونه * نقائص لا ترتقى مجده وحنت إليه مزايا العلى * فنجم السماء غدا عنده فكل كمال له صاحب * يدافع عن مجده ضده وتعجب الجاحظ كيف اختلف في رجلين أحدهما خير أهل الأرض، والآخر شر أهل الأرض، ولا موضع لتعجبه، وقد أنكر القوم البديهيات والمحسوسات وادعي في قوم الإلهية مع دلائل الحدوث الواضحات، وأنكرت الأشاعرة فعل العباد مع أنه من الضروريات. (13) فصل في كونه عليه السلام الشاهد، والنور، والهدى، والجنب، والحجة، ومثال الكعبة وعنده علم الكتاب فهذه سبع. 1 -: أسند الطبري إلى زين العابدين والباقر والصادق والرضا قول علي عليهم السلام (أفمن كان على بينة من ربه (1)) محمد (ويتلوه شاهد منه) أنا، ونحوه أسند ابن جبر في نخبه إلى أنس، وزاد أنه كان والله لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وذكر نحوه النظنزي في الخصائص والحافظ وأبو نعيم من طرق ثلاثة، وأسنده الثعلبي إلى ابن عباس ورواه القاضي أبو عمرو عثمان ابن أحمد وأبو نصر ورواه الفلكي المفسر عن مجاهد وعن عبد الله بن شداد وفي صبح الخطيب سأله ابن الكوا ما أنزل فيك فتلا الآية، وفي كونه شاهدا ثبوت عدالته، وفي كونه تاليا ثبوت تقديمه، وفي كونه منه لزوم مجانسته، ولم يقل النبي صلى الله عليه وآله لأحد سواه: أنت مني وأنا منك. قال جامع الكتاب: من أنزل الله فيه الذكر متضحا * بكونه تاليا لا يمترى فيه


(1) هود: 17.

[ 74 ]

وأنه من رسول الله متصلا * وشاهد معلنا من ذا يدانيه ؟ 2 - أسند ابن جبر في نخبه إلى الصادق عليه السلام (ليخرجكم من الظلمات (1)) يعني الكفر (إلى النور) يعني إلى ولاية علي. وأسند إلى الباقر عليه السلام (والذين كفروا (بولاية علي) أولياؤهم الطاغوت) أعداؤه وأتباعهم أخرجوا الناس (من النور) وولاية علي (إلى الظلمات) ولاية أعدائه. وفي سبط الواحدي وأسباب النزول عن عطا (أفمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه (2)) نزلت في علي وحمزة عن مالك بن أنس عن أبي شهاب عن أبي صالح عن ابن عباس (وما يستوي الأعمى (3)) أبو جهل (والبصير) أمير - المؤمنين (ولا الظلمات) أبو جهل (ولا النور) أمير المؤمنين. قال ابن رزيك: هو النور نور الله في الأرض مشرق * علينا ونور الله ليس يزول سما بين أفلاك السماوات ذكره * نبيه فما أن يعتريه خمول 3 - الهدى: أسند ابن جبر في نخبه إلى أبي الحسن عليه السلام في تفسير (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق (4)) قال: أمر رسول الله بالولاية لوصيه والولاية هي دين الحق (ليظهره على الدين كله) عند قيام القائم (والله متم نوره (5)) بولاية القائم (ولو كره الكافرون) بولاية علي. وأسند أيضا في تفسير (إنا لما سمعنا الهدى آمنا به (6) قالوا: الهدى


(1) الحديد: 9. (2) الزمر: 22. (3) فاطر: 19. (4) الصف: 9، براءة: 33، الفتح 28. (5) الصف: 8. (6) الجن: 13.

[ 75 ]

الولاية وأسند إلى أبي جعفر عليه السلام في تفسير (وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى (1)) في أمر علي. قال مؤلف الكتاب: موالاة الوصي هدى ونور * ودين الحق جاء به الكتاب فيا من ضل عنه إلى التعامي * لك الخزي المؤبد والعذاب 4 - الجنب: أسند الحافظ إلى ابن عباس قول النبي صلى الله عليه وآله: رأيت ليلة المعراج لا إله إلا الله، أنت محمد رسول الله، علي جنب الله، الحسن والحسين صفوة الله فاطمة أمة الله، على محبيهم رحمة الله، وعلى مبغضيهم لعنة الله. 5 - الحجة: في تاريخ الخطيب وفي الإحن والمحن عن أنس قال: نظر النبي صلى الله عليه وآله إلى علي فقال: أنا وهذا حجة الله على خلقه، ونحوه في فردوس الديلمي ورواه الشافعي ابن المغازلي إلا أنه قال: حجة الله على أمتي يوم القيامة، وفي كونه حجة على جميع أمته لأجل عمومه، وجوب تقديمه بلا فصل على غيره، فلو كان رابعا خرجت الثلاثة، ومن مات في زمانهم، عن العموم بغير دليل. 6 - الكعبة أسند ابن جبر في نخبه إلى الصادق عليه السلام: نحن كعبة الله، ونحن قبلة الله، وفي هذا وجوب استقبالهم فمن أخرهم فقد استدبرهم. وأسند ابن المغازلي إلى أبي ذر قول النبي صلى الله عليه وآله: علي فيكم كمثل الكعبة النظر إليها فريضة. والنبي لا ينطق عن الهوى، فلا يشبه شيئا بغير نظيره، فكما فرض حج الخلق إليها، فرض ولاية علي عليها، وكما أن وجوب الحج غير مخصوص بسنة، فوجوب الولاية غير مخصوص بوقت، فمن جعله رابعا، كان لظواهر النصوص دافعا. 7 - علم الكتاب: روت الفرقة المحقة والثعلبي في تفسيره من طريقين أن قوله تعالى: (ومن عنده علم الكتاب (2)) هو علي بن أبي طالب، وإذا كان المعول


(1) القتال: 32. (2) الرعد: 43.

[ 76 ]

في علم الكتاب عليه، رجعت حاجة الخلق إليه، إذ كان هو المبين لما فيه من الحلال والحرام، وبقية الأحكام، ولما وجب سلوك طريق النجاة بعمل الكتاب، وجب التمسك بمن عنده علم الكتاب. إن قلت: التخصيص بالذكر لا يدل على التخصيص بالحكم، وقد عرف في الأصول قلت: بلى وقد ظهر في الأصول. إن قلت: فلو دل خرج النبي صلى الله عليه وآله والأئمة من علم الكتاب قلت: لم يخرجوا لدليل خارج أما النبي فظاهر أنه المعلم لعلي وأما الأئمة فلما تواتر من النصوص، علمنا انتقال علوم أبيهم إليهم. قال ابن حماد: فهم أولئك لا تحاط علومهم * وليس لهم في الخلق شبه ولا مثل هم أمناء الله في الأرض والسماء * وهم عينه والأذن والجنب والحبل وهم أنجم الدين الذي صال ضوؤها * على ظلم الاشراك فهو لها يجلو وفي كتب الله القديمة نعتهم (1) * وقد نطقت عن عظم فضلهم الرسل هم القبلة الوسطى بدا الوفد حولها * لها حرم الله المهيمن والحل وآيته الكبرى وحجته التي * أقيمت على من كان منا له عقل (14) فصل * (في ذكر الدرجات) * قال الله تعالى: (نرفع درجات من نشاء (2)) وهي تسع لم تجتمع في أحد من الصحابة سوى علي عليه السلام: 1 - السبق إلى الاسلام والهجرة: (والسابقون السابقون أولئك المقربون (3)).


(1) في بعض النسخ: (وفي كتب الأمم القديمة نعتهم). (2) يوسف: 76. (3) الواقعة: 10.

[ 77 ]

2 - القرابة (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى (1)). 3 - العلم بالكتاب (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (2)). 4 - العلم بالسنة (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون (3)). 5 - معرفة الحكم (يحكم به النبيون (4)). 6 - المجاهدة (وفضل الله المجاهدين على القاعدين (5)). 7 - الإنفاق (وأنفقوا مما رزقناكم * من ذا الذي يقرض الله (6)). 8 - الورع (لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله * قد أفلح المؤمنون الآية (7) 9 - الزهد (فلا تغرنكم الحياة الدنيا (8)). ونحوها قال الشيخ المرشد أبو عبد الله الحسين بن علي البصري في كتاب الايضاح اجتمع أصحاب الحديث ومن ينتحل السنة وقالوا: اجتمعت هذه الصفات في علي لأن السبق له ولزيد بن حارثة، وأبي بكر، وعثمان، وطلحة، و الزبير، وعبد الرحمن، والمقداد، وابن مسعود، وعمار، والسعدين، وأبي ذر وسلمان. والقرابة له ولولديه ولعميه وأخويه، ولابني الحارث: عبيدة، وأخيه أبي سفيان، والفضل بن العباس فهؤلاء أقرب الناس. والعلم بالكتاب له ولأبي، وعثمان، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، و جابر.


(1) الشورى: 33. (2) النحل: 43 والأنبياء: 7. (3) الزمر: 9. (4) المائدة: 44. (5) النساء: 95. (6) المنافقون: 10، البقرة: 245. (7) النور: 37، المؤمنون: 1. (8) فاطر: 5.

[ 78 ]

والعلم بالسنة له ولابن مسعود، وعمر بن الخطاب، ومعاذ، وجابر، و سلمان، وحذيفة بن اليمان. ومعرفة الحكم له، وللعمر [ و ] ين، وابن مسعود، وابن حنبل، وأبي - موسى الأشعري. والجهاد له ولحمزة، وجعفر، وعبيدة بن الحارث، وطلحة، والزبير، و البراء، وأبي دجانة، ومحمد بن مسلمة، والسعدين. والإنفاق له ولأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعبد الرحمن. والورع له ولأبي بكر، وعمر، وابنه، وابن مسعود، وأبي ذر، وسلمان والمقداد، وعمار. فنقول: إذا كانت هذه اجتمعت في علي عليه السلام وتفرقت فيهم استحق بذلك التقدم عليهم، بل نقول: وإن شاركوه في بعض هذه المراتب لم يلحقوه في كل واحدة إلى الغاية التي كان عليها، ولم يدانوه في النهاية التي استوى إليها، وناهيك ما تواتر من شجاعته، وزهده، ووفور علمه، وأسبقية إسلامه، وأقربيته، و صدقته، وخصوصا في آية النجوى حيث نوهت بكرمه وبخل غيره، ومن يتتبع تفاصيل هذه ونحوها من المطولات عثر منها على عدم مداناة أحد له في هذه الدرجات وأبو بكر احتج لاستحقاق الخلافة بالقرابة وهي بعض درجة لعلي عليه السلام. قال السيد المرتضى رضي الله عنه: وإذا الأمور تشابهت واستبهمت * فجلاؤها وشفاؤها أحكامه وإذا التفت إلى التقى صادفته * من كل بر وافر أقسامه فالليل فيه قيامه متهجدا * يتلو الكتاب وفي النهار صيامه يعفي الثلاث تعففا وتكرما * حتى يصادف زاده معتامه (1) ولجامع الكتاب: على حوى الدرجات العلى * وكل الصحابة منها خلا له السبق والقرب والمعرفة * وعلم الكتاب له قد حلا


(1) اعتام الرجل: اختار وأخذ العيمة، فالمعتام هو المختار.

[ 79 ]

وجاهد في الله حق الجهاد (1) * ولا يستطب ما لديهم حلا وأنفق سرا وجهرا كما * له الذكر فينا علينا تلا (15) فصل * (في ذكر الشهادة) * قال الله تعالى: (وأقيموا الشهادة لله (2)) وقال رسول الله صلى الله عليه و آله: الشهود كعام الظالمين وروي عن الصادق عليه السلام إن أحدكم يأخذ حقه بشاهدين وجدي أمير المؤمنين عليه السلام شهد له بحقه يوم الغدير سبعون ألفا ولم يقدر على أخذه وفي رواية ستة وثمانون ألفا. ولا خفاء ولا تناكر بين الشيعة أن اثني عشر رجلا من المهاجرين والأنصار أنكروا على أبي بكر مجلسه، وقد أسنده الحسين بن جبر في كتابه إبطال الاختيار إلى أبان بن عثمان قال: قلت للصادق عليه السلام: هل كان في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله من أنكر على أبي بكر جلوسه مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال: نعم وعد منهم: خالد ابن سعيد بن العاص، وسلمان، وأبا ذر، والمقداد، وعمار، وبريدة الأسلمي وقيس بن سعد بن عبادة، وأبا الهيثم بن التيهان، وسهل بن حنيف، وخزيمة ابن ثابت ذا الشهادتين، وأبي بن كعب، وأبا أيوب الأنصاري. فاستشاروا عليا في مكالمته وإسقاطه عن منبر رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: لو فعلتم لما كنتم إلا حزبا، وكالملح في الزاد، والكحل في العين، ولو أتيتموني شاهري سيوفكم لما ألجأوني إلى البيعة وهددوني بالقتل، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله أوعز إلى أن الأمة تغدر بي قلت: فما أصنع ؟ قال: إن وجدت أعوانا فجاهد، وإلا كف يدك، وأحقن دمك، حتى تلحق بي مظلوما، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله و جهزته وجمعت القرآن أخذت بيد فاطمة وولديها، وناشدتهم حقي، ودعوتهم


(1) في بعض النسخ: وجاهد في الله لا يرعوى. (2) الطلاق: 2.

[ 80 ]

إلى نصرتي، فما أجابني إلا أربعة: المقداد، وسلمان، وأبو ذر، وعمار، وأبى على أهل بيتي إلا السكوت لما علموا من وغارة في صدور القوم، وبغضهم لله ورسوله وأهل بيته. فانطلقوا إلى الرجل وعرفوه ما سمعتم من رسول الله صلى الله عليه وآله ليكون أوكد للحجة، وأبلغ للعقوبة، فمضوا وأحدقوا بالمنبر. فلما صعد قام خالد بن سعيد فحمد الله وأثنى عليه وقال: معاشر الأنصار قد علمتم أن رسول الله قال: ونحن محتوشوه في بني قريظة وقد قتل علي رجالهم: يا معشر قريش إني موصيكم بوصية فاحفظوها ومودعكم أمرا فلا تضيعوه، ألا وإن عليا إمامكم، وخليفتي فيكم، بذلك أوصاني جبرائيل عن ربي، ألا وإن أهل بيتي الوارثون لأمري، القائمون بأمر أمتي، اللهم من حفظ فيهم وصيتي فاحشره في زمرتي، ومن ضيع فيهم وصيتي، فاحرمه الجنة. قال جامع الكتاب: ودعاء النبي صلى الله عليه وآله مستجاب لأنه بأمر شديد القوى حيث قال: (وما ينطق عن الهوى (1)). وقام سلمان وقال: إذا نزل بك الأمر ماذا تصنع ؟ وإذا سئلت عما لا تعلم إلى من تفزع ؟ وفي القوم من هو أعلم منك، وأقرب من رسول الله صلى الله عليه وآله قدمه في حياته وأوعز إلينا قبل وفاته، فتركتم قوله، وتناسيتم وصيته، فلو رددت الأمر إلى أهله كان لك النجاة، وقد سمعت، كما سمعنا، ورأيت كما رأينا، وقد منحت لك نصحي، وبذلت لك ما عندي، فإن قبلت أرشدت. وقام أبو ذر وقال: يا معشر قريش قد علمتم قول النبي صلى الله عليه وآله لنا: إن الأمر من بعدي لعلي، ثم الأئمة من ولد الحسين، فتركتم قوله، وابتعتم دنيا فانية، ولذلك الأمم كفرت بعد إيمانها، فعما قليل يذوقون وبال أمرهم. وقام المقداد وقال: أربع على ظلعك (2) والزم بيتك، وابك على خطيئتك


(1) النجم: 3. (2) أي إنك ضعيف فانته عما لا تطيقه.

[ 81 ]

فعما قليل تضمحل عنك دنياك وقد علمت أن عليا صاحب الأمر، فأعطه ما جعله الله له ورسوله. وقام عمار وقال: يا معاشر قريش قد علمتم أن أهل بيت نبيكم أقدم سابقة منكم، فأعطوهم ما جعله الله ورسوله لهم، ولا ترتدوا فتنقلبوا خاسرين. وقام بريدة وقال: يا أبا بكر نسيت أم تناسيت، أم خادعت نفسك أما علمت أن النبي صلى الله عليه وآله أمر بالسلام على علي سبع سنين في حياته بإمرة المؤمنين، وكان يتهلل وجهه، لما يراه من طاعتنا لابن عمه، فلو أعطيتموه الأمر لكان لكم النجاة، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: بينا أنا على الحوض أسقي إذ يزجر بطائفة من أصحابي، فيقول جبرائيل: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فتنوا أمتك وظلموا أهل بيتك، فأقول: بعدا وسحقا. وزاد ابن بابويه في حديث بريدة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أيها الناس هذا أخي ووصيي وخليفتي من بعدي، وخير من أخلفه فوازروه وانصروه، ولا تتخلفوا عنه، فإنه لا يدخلكم في ضلالة ولا يخرجكم من هدى. وقام قيس بن سعد وقال: يا أبا بكر اتق الله ولا تكن أول من ظلم محمدا في أهله، ورد هذا الأمر إلى من هو أحق به منك، تلقى رسول الله وهو راض عنك. وقام خزيمة وقال: ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقبل شهادتي وحدي ؟ قال أبو بكر مغضبا: اشهد بما تشهد، فقال: أشهد على رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: هذا علي إمامكم بعدي، وخليفتي فيكم، فقدموه يسلك بكم طريق الهدى ولا تتقدموه يسلك بكم طريق الردى، مثله فيكم كمثل سفينة نوح، من ركبها نجى، ومن تخلف عنها هوى. وقام الهيثم وقال: أشهد على رسول الله صلى الله عليه وآله أنه خرج علينا آخذا بيد علي ببطني ؟ ؟ وهو يقول: أيها الناس هذا علي أخي وابن عمي، وكاشف الكرب عن وجهي، و من اختاره الله بعلا لابنتي، الشاك فيه كالشاك في الله، والتابع له كالتابع لسنة رسول الله فاتبعوه يهدكم إلى الذي تختلفون فيه من الحق.

[ 82 ]

وقام سهل وقال: أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: هذا علي إمامكم بعدي ووصيي في حياتي، وبعد وفاتي، قاضي ديني، ومنجز وعدي، وأول من يصافحني على حوضي، فطوبى لمن اتبعه ونصره، وويل لمن تخلف عنه وخذله. وقام أبي وقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وقد أقام عليا للناس علما وإماما فقالت طائفة: إنما أقامه ليعلم من كان عدوه ومواليه أن عليا مولاه فبلغه ذلك فخرج كالمغضب فأخذ بيد علي عليه السلام ثم قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، وإمامه وحجة الله عليه إن الله تعالى خلق للسماوات سكانا وحرسا هي النجوم، فإذا هلكت هلك من في السماء، وخلق لأهل الأرض حرسا هم أهل بيتي فإذا هلكوا هلك من في الأرض. وقام أبو أيوب وقال: يا معاشر المهاجرين والأنصار أما سمعتم الله يقول: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا (1)، وقال: إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها (2)) أفتريدون أن تظلموا أيتاما أقرب من أيتام رسول الله صلى الله عليه وآله بالأمس مات جدهم، واليوم غصبتموهم ثم خنقته العبرة. وأفحم أبو بكر على المنبر فأنزله عمر، وقال له: يا لكع إذا كنت لا تقوم بحجة فلم أقمت نفسك هذا المقام ؟ والله لقد هممت أن أخلعك وأجعلها في سالم مولى حذيفة، وانطلقا فلم يدخلا مسجد رسول الله عليه السلام إلا بعد ثلاثة أيام فجاءهم خالد وقال قد طمعت فيه بنو هاشم، وجاء سالم بألف رجل، ومعاذ بألف رجل، فخرجوا إلى المسجد شاهرين سيوفهم، وعلي عليه السلام جالس في نفر من أصحابه فقال عمر: إن تكلم أحدكم بما تكلم به أمس أخذت الذي فيه عيناه، فكان بينه وبين خالد بن سعيد كلام فأجلسه علي، وكبر سلمان وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: هذا أخي وابن عمي جالس في مسجدي في نفر من أصحابه إذ يثب إليه جماعة من كلاب


(1) النساء: 10. (2) الكهف: 29.

[ 83 ]

أهل النار، يريدون قتلهم، فلا نشك أنكم هم، فهم به عمر فجلد علي به الأرض فقال له علي عليه السلام: يا بن صهاك لولا كتاب من الله سبق، وعهد من رسول الله تقدم لأريتك أينا أقل ناصرا وأضعف جندا ثم قال عليه السلام لأصحابه: انصرفوا وحلف أن لا يدخل المسجد إلا لزيارة أو حكومة. هذا ما قاله الصادق عليه السلام حذفت منه شيئا من ألفاظه حذرا من طول الكلام، و هؤلاء لا يتهمون ولا يكذبون لعلو منزلتهم، وشرف سابقتهم، وصحبتهم، ولشهادة النبي الذي لا ينطق عن الهوى، فيهم، وسلمان منا أهل البيت أراد المجانسة. وما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء ذا لهجة أصدق من أبي ذر، والمقداد قدمني قدا. وعمار جلدة بين عيني، وكان يقبل شهادة خزيمة وحده، فسمي ذا الشهادتين لقيامه مقام عدلين، وشرف أبي بن كعب لا ينكره رشيد، لغزارة علمه بالكتاب المجيد. وناهيك من أبي أيوب فإن النبي صلى الله عليه وآله نزل عنده بأمر ربه لما قدم المدينة طلب كل منهم التشرف بنزوله، فقال: ناقتي مأمورة أنزل حيث نزلت، فنزلت على باب أبي أيوب الأنصاري. فشهادة هؤلاء توجب تسليم الأمر إليه عليه السلام دون غيره، ولو أمكن الطعن فيها لم تسلم شهادة بعدها، بل لو شهد مع جماعة رجل منهم انتفت به التهمة عنهم، فما ظنك بشهادة كل واحد منهم، وعلى القول بصحة الاختيار من أنه متى اجتمع خمسة من صلحاء الأمة، وأهل الرأي والعدالة، على رجل من أهل الأمة، وعقد له واحد برضى الأربعة صار إماما فثبتت الإمامة لعلي عليه السلام بشهادة هؤلاء، لما علمت من أوصافهم. هذا إذا صدر الكلام عن أنفسهم، فكيف إذا كان صادرا عن نبيهم عن جبرائيل عن ربهم. إن قلت: اللازم من تلك الشهادات استحقاق الإمامة لا ثبوتها إلا ببيعة هؤلاء

[ 84 ]

ولم ينقل عنهم ذلك. ولأنه لما انعقدت البيعة لأبي بكر لزم بطلان البيعة لعلي لإجماع الأنام على إيجاب الإمام. قلت: قد أسلفنا بطلان الاختيار في أصله ولئن سلمنا صحة أصله أبطلنا اختيار أبي بكر، حيث إنه ليس من أهله، لما ستعلم من باب المطاعن من جهله، و قبيح فعله. قال مؤلف الكتاب في هذا الباب: شهد الثقات على النبي * أن الخلافة في علي وأتوا أبا بكر بهذا القول والفعل الزري مذ أفحموه مضى إلى * أهل العداوة للولي وأتى بهم متنكبين * عن الصراط المستوي متسلحين لدفعهم * عما أبانوا في الوصي وكذا جرى للأنبياء * بكل شيطان غوي لما أتوا بالمعجزات * وكل برهان قوي للعجز عن إبطاله * مالوا إلى الفعل الدني من حرقهم وقتالهم * والرجم والطرد الشني وعلى سبيلهم اقتفى * السني ذو القول الغوي إذ قال عند جداله * سيفي جواب الرافضي فالعدل يفصل بينهم * في الحشر بالحكم السوي

[ 85 ]

(16) فصل أسند ابن قرطة في مراصد العرفان إلى زيد بن حارثة أن رسول الله صلى الله عليه وآله بايعنا على أن نحفظه في نفسه وفي علي بن أبي طالب، وقال: أعطى الله تعالى العصا لموسى، والكلمات لإبراهيم، وأعطاني هذا يعني عليا. ولكل نبي آية، وهذا آيتي والأئمة الطاهرين من بعده آيات الله، لم تخل الأرض من الإيمان ما بقي أحد من ذريته، وعليهم تقوم الساعة. إليك مصير الفضل والوحي ناطق * وأنت ولي الأمر والله شاهد مشاهد من فعل الرسول شواهد * عليها من الوحي العزيز شواهد آخر: أنت الذي نطق الكتاب بفضله * بشواهد في الذكر غير خوافي لما رآك الله أهلا للثنا * نطق الكتاب بكل خاف شافي وهذا الحق اليقين قد قامت بالقول اليسير دعائمه، وحامت بالصول الحقير عزائمه، وقد طولت أصنافه الحسنى باع أوليائه، وحولت مزاياه العليا محبيه في جزيل نعمائه، تنطق لسان الباقل البليد، وتطلق بنان الخامل الوليد، وتخرس بيان سبحان العتيد. مولى متى ظل فكري في مدائحه * أمست تعلمنا أوصافه المدحا فضل يكاد يعيد الخرس ناطقة * تتلو الثناء ولفظ يخرس الفصحا ولا يضر مجده الرفيع، وسناؤه المنيع، ما يورده الوضيع، من القول الشنيع فقد قيل في النبي صلى الله عليه وآله: ساحر وشاعر، ووصف الرب الجليل بأوصاف منافية لكماله وعدله، وأقيم له نظير من الأوثان، وفضلت عبادتها على عبادة الرحمن، ومن أحسن ما قيل في المتعصبين على مولانا ومولاهم أمير المؤمنين: ولا يضر على الأفلاك عائبة * والنقص إذ ذاك قول المبغض الشاني

[ 86 ]

سيان إن جهل المهذار منقبها * أو عاند المجد قصد الحائف الجاني مفاخر لأبي السبطين تعرفها * قلب البسيطة جهرا أي عرفان روح المعالي العوالي الزهر مقلتها * يمينها حل منها أي جثمان سهم من الله لا تنمى رميته (1) * سهم تقاصر عنه مجد كيوان إذا تجاذبت الأبناء فخرهم * بمن مناقبه فخر لعدنان أقام للدين رجلا طال ما سقطت * بسيفه لا بأوتار وخرصان فكل من حوت الغبراء مقتبس * من نوره نازح الأوطان أو داني قال جامع الكتاب: ولما نصرنا الإمام عليه السلام بكمال مساعيه، وبصرنا الله بما أودع من الجمال فيه، بنينا على ما استبنته (2) ونصرناه بألسنتنا، فالفضل له علينا، حيث جعل خصل السبق إلينا، فقلنا في سيدنا وأبي موالينا: نصرنا فتى أنصاره في حياطة * من الزيغ قول المرسل الحق شاهد فتى قلد الاسلام سمط فخاره * ولولاه أضحى ركنه وهو مائد فلا مهتد إلا عليه معاجه (3) * ولا راشد إلا لمسعاه حامد ولنعم ما قال بعض الفضلاء فيه، وأثنى على كمال مساعيه: من كان قد عرفته مدية دهره * وجرت له أخلاف سم منقع فليعتصم بعرى الدعاء ويبتهل * بإمامة الهادي البطين الأنزع نزعت عن الآثام طرا نفسه * ودعا فمن كالأنزع المتطوع وحوى العلوم عن النبي وراثة * فهو البطين لكل علم مودع وهو الوسيلة في النجاة إذا الورى * رجفت قلوبهم لهول المرجع


(1) لا تنهى خ. (2) في بعض النسخ: أسسه. (3) المعاج - بالفتح - المكان الذى يعاج إليه أي يعطف إليه ويقام به ومنه قولهم (فكرهت انعياجه إلى معاجى).

[ 87 ]

تذنيب: أسند صدر الأئمة عندهم أخطب خوارزم موفق بن أحمد المكي قول النبي صلى الله عليه وآله لعلي يوم الغدير: أنت مولى كل مؤمن ومؤمنة، وقال: أنت مني وأنا منك، وقال: تقاتل على التأويل كما قاتلت على التنزيل، وقال: أنت مني بمنزلة هارون من موسى، وقال: أنا سلم لمن سالمت، وحرب لمن حاربت وقال: أنت تبين لهم ما اشتبه عليهم بعدي، وقال: أنت العروة الوثقى، وقال: أنت إمام كل مؤمن ومؤمنة، وقال: أنت الذي أنزل الله فيه (وأذان من الله و رسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر (1)). وقال: أنت الآخذ بسنتي، والذاب عن ملتي، وقال: أنا أول من تنشق عنه الأرض وأنت معي، وقال: أنا عند الحوض وأنت معي، وقال: أنا أول من يدخل الجنة وأنت معي، وبعدي ولدي الحسن والحسين وفاطمة، وقال أوحى الله إلي أن أقوم بفضل (2) فقمت به في الناس وبلغتهم ما أمرني الله بتبليغه، وقال: اتق الضغائن التي هي لك في صدور من لا يظهرها إلا بعد موتي أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون. ثم بكى عليه السلام وقال: أخبرني جبرائيل عليه السلام أنهم يظلمونه ويمنعونه حقه ويقتلون ولده، ويظلمونهم بعده، وأخبرني أن ذلك يزول إذا قام قائمهم، وعلت كلمتهم، واجتمعت الأمة على محبتهم، وكان الشانئ لهم قليلا، والكاره لهم ذليلا وذلك حين تغير البلاد، وضعف العباد، واليأس من الفرج، فعند ذلك يظهر القائم فيهم، اسمه اسمي، فهو من ولد ابنتي. وهذا الحديث قد جمع أطرافا تفرقت في كتابنا هذا مفصلة لكن لنسقه مواقع من القلوب مفضلة (3).


(1) براءة: 3. (2) بفضلك ظ. (3) متصلة خ.

[ 88 ]

(17) فصل نذكر فيه شيئا مما نقله ابن طاوس من الطرف، كما وعدنا به فيما سلف، وقد أسلفنا طرفا من وصاياه عليه السلام، وفي هذه الطرف تأكيد لذلك المرام، وأي عجب أبلغ ممن شهد على نبيه باللسان، أنه أفضل أهل الزمان، وترك أمته في ضلال الاهمال، وحيرة الاغفال، ووكلها إلى اختياراتها المتفرقة، وآرائها المتمزقة مع اتفاقها على قوله: إنها تفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة، منها واحدة محقة، بل الحق أنه ما انتقل إلى دار كرامته، حتى نصب عليا عليه السلام خليفة على أمته، و نص على أعلام الهداية من ذريته: فمما في الطرف: 1 - أسند ابن عبد القاهر برجاله إلى الصادق عليه السلام أن عليا عليه السلام وخديجة لما دعا هما النبي صلى الله عليه وآله إلى الاسلام قال: جبرائيل عندي يقول لكما: إن للاسلام شروطا: الاقرار بالتوحيد، والرسالة، والمعاد، والعمل بأصول الشريعة، و طاعة ولي الأمر بعده، والأئمة واحدا بعد واحد، والبراءة من الشيطان، ومن الأحزاب، تيم وعدي، فرضيت خديجة بدلك فقال علي عليه السلام وأنا على ذلك فبايعهما النبي صلى الله عليه وآله ثم أمرها أن تبايع عليا، وقال: هو مولاكي ومولى المؤمنين وإمامهم بعدي فبايعت له عليه السلام. 2 - روى الكاظم عليه السلام عن أبيه عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله لما خرج إلى بدر بايع الناس، وكان يخبر عليا بمن يفي منهم ومن لا يفي، ويأمره بالكتمان، فلما طلب حمزة للبيعة، قال: أليس قد بايعناه، قال: بايع بالوفاء والاستقامة لابن أخيك إذا تستكمل الإيمان فبايع، ثم قال لهم: ويد الله فوق أيديكم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، الآية (1) وفي طرفة أخرى ليرجعن أكثرهم كفارا يضرب


(1) الفتح: 10.

[ 89 ]

بعضهم رقاب بعض، وما بينك وبين أين ترى ذلك إلا أن يغيب شخصي عنك، فاصبر على ظلم المضلين، إلى أن تجد أعوانا، فالكفر مقبل والردة والنفاق في الأول ثم الثاني، وهو شر منه وأظلم، ثم تجتمع لك شيعة فقاتل بهم الناكثين والقاسطين والمارقين. 3 - ما أسند عيسى بن المستفاد في كتاب الوصية إلى الكاظم إلى الصادق عليهما السلام أنه لما كانت الليلة التي أصيب حمزة في صبيحتها قال له النبي صلى الله عليه وآله: يا عم يوشك أن تغيب غيبة بعيدة، فما تقول إذا وردت على ربك وسألك عن شرائع الاسلام، وشرائط الإيمان ؟ فبكى، وقال: أرشدني ! فقال صلى الله عليه وآله: تشهد لله بالوحدانية ولي بالرسالة، وتقر بالمعاد، وما فيه، وأن عليا أمير المؤمنين، والأئمة من ولده الحسن والحسين، وفي ذريته، تؤمن بسرهم وعلانيتهم، توالي من والاهم وتعادي من عاداهم، فقال: نعم آمنت بذلك كله ورضيت به. 4 - بالإسناد المذكور قال النبي صلى الله عليه وآله لسلمان وأبي ذر والمقداد: تعرفون شرائع الاسلام وشروطه ؟ قالوا: نعرف ما عرفنا الله ورسوله، فقال صلى الله عليه وآله: تشهدون لله بالوحدانية والعدالة، ولي بالعبودية والرسالة، ولعلي بالوصية والولاية المفروضة من الله والأئمة من ولده، ومحبة أهل بيتي وشيعتهم، والبغض لأعدائهم والبراءة منهم، ومن عمي عليه شئ فعليه بعلي بن أبي طالب، فإنه قد علم كما علمته، اعلموا أني لا أقدم على علي أحدا فمن تقدمه فهو ظالم لنفسه، والبيعة بعدي لغيره ضلالة: الأول ثم الثاني ثم الثالث، وويل للرابع، والويل له ولابنه ومن كان معه وقبله. 5 - بالإسناد السالف أنه عرض وصيته على العباس عند موته فاعتذر منها فقبلها علي فختمه بخاتمه، ودفع إليه الدرع، والمغفر، والراية، و [ ذا ] الفقار، و العمامة، والبردة، والابرقة، وكانت من الجنة تخطف الأبصار، وأمر جبرائيل النبي صلى الله عليه وآله أن يجعلها في الدرع مكان المنطقة، والنعلين والقميص الذي أسري فيه به والذي خرج فيه يوم أحد، والقلانس الثلاث: قلنسية السفر، وقلنسية العيدين

[ 90 ]

والجمعة، والتي كان يلبسها ويقعد مع جبرائيل، والبغلتين: الدلدل والشهباء و الناقتين: العضباء والهضبا، والفرسين: الجناح وحيزوم، والحمار اليعفور، و قال: اقبضها في حياتي حتى لا ينازعك فيها أحد بعدي، وذلك بمحضر جماعة من الأقربين والأنصار والمجاهدين. 6 - بالإسناد المتقدم قال النبي صلى الله عليه وآله لعمه العباس بمحضر من الناس: من احتجاج ربي علي تبليغي الناس عامة وأهل بيتي خاصة ولاية علي بن أبي طالب يا عم جدد له عقدا وميثاقا، وسلم لولي الأمر إمرته ولا تكون ممن يعطي بلسانه ويكفر بقلبه، إن ربي عهد إلي أن أبلغ الشاهد، وآمر الشاهد أن يبلغ الغائب من وازر عليا ونصره، وأدى الفرائض، فقد بلغ حقيقة الإيمان، فقال العباس: آمنت وسلمت له فاشهد علي. 7 - وبالإسناد السالف دعا النبي صلى الله عليه وآله الأنصار عند وفاته وأثنى عليهم بالنصرة والمعونة وقال: بقي لكم واحدة وهي تمام ذلك لا أرى بينهما فرقا لو قيس بينهما بشعرة ما انقاست، فمن أتى بواحدة وترك الأخرى كان جاحدا للأولى ولم يقبل الله منه صرفا ولا عدلا: كتاب الله وأهل بيتي احفظوني معاشر الأنصار في أهل بيتي، ألا سلم سقف تحته دعامة لا يقوم إلا بها وهي قوله: (والعمل الصالح يرفعه (1)) فالعمل الصالح طاعة الإمام عليه السلام الله الله في أهل بيتي، فإنهم مصابيح الظلم، ومعادن الحكم، منهم وصيي وأميني ووارثي. 8 - بالإسناد المتقدم أن النبي صلى الله عليه وآله عند وفاته جمع المهاجرين والأنصار وقال: قد أوصيت ولم أهملكم إهمال البهائم، فقام عمر وقال: أوصيت بأمر الله أو بأمرك ؟ فقال: اجلس يا عمر أوصيت بأمر الله، وأمري أمر الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن عصى وصيي هذا - وأشار إلى علي عليه السلام - فقد عصى الله وعصاني و من أطاعه فقد أطاع الله وأطاعني، ما تريد يا عمر أنت وصاحبك ؟ ثم التفت صلى الله عليه وآله إلى الناس وهو مغضب، وقال: من صدق أني رسول الله فأوصيه بولاية علي و


(1) فاطر: 10.

[ 91 ]

التصديق له فإن ولايته ولايتي، وولايتي ولاية ربي، من تقدمه فقد تقدم إلى النار، ومن قصر عنه ضل، ومن أخذ عنه يمينا هلك، ومن أخذ يسارا غوي. 9 - قال علي أمير المؤمنين عليه السلام: دعاني النبي صلى الله عليه وآله عند موته وأخرج من في البيت غيري، وفيه جبرائيل والملائكة أسمع الحس ولا أرى شيئا، فدفع إلي وصية مختومة، وقال لي: أتاني بها جبرائيل الساعة ففضها واقرأها ففعلت، فإذا فيها كل ما كان النبي صلى الله عليه وآله يوصيه لا تغادر حرفا. وكان في أول الوصية: هذا ما عهد محمد بن عبد الله وأوصى به، وأسنده إلى وصيه علي بن أبي طالب، وشهد جبرائيل وميكائيل وإسرافيل على ما أوصى وقبضه وصيه وضمانه على ما ضمن يوشع لموسى، ووصى عيسى والأوصياء من قبلهم، على أن محمدا أفضل النبيين، وعليا أفضل الوصيين، وقبض على الوصية على ما أوصت الأنبياء وسلمه إليه، وهذا أمر الله وطاعته على أن لا نبوة لعلي ولا لغيره بعد محمد، وكفى بالله شهيدا. ثم كان فيما شرط عليه النبي صلى الله عليه وآله بأمر جبرائيل بأمر الرب الجليل، موالاة أولياء الله ورسوله، والبراءة والعداوة لمن عادى الله ورسوله، و الصبر، وكظم الغيظ على انتهاك الحرمة والقتل، فقبل ذلك فدعا النبي صلى الله عليه وآله بفاطمة والحسن والحسين وأعلمهم بذلك فقبلوا كذلك، وختم الوصية بخواتيم من ذهب لم تمسه النار، ودفعت إلى علي عليه السلام. وقد روى هذا الحديث محمد بن يعقوب في المجلد الثاني من الكافي بأتم مما هنا وفيه أن الأئمة لم يفعلوا شيئا إلا بعهد الله وأمر منه لا يتجاوزونه. 10 - بالإسناد المتقدم حين دفع النبي صلى الله عليه وآله الوصية إلى علي عليه السلام قال له: اتخذ لها جوابا غدا بين يدي الله، فإني محاجك يوم القيمة بكتاب الله عما فيه من الحدود والأحكام فما أنت قائل ؟ قال: أرجو بكرامة الله لك أن يعينني ويثبتني حتى ألقاك غير مقصر ولا مفرط، ثم الأول فالأول من ولدي غير مقصرين ولا مفرطين.

[ 92 ]

ورواه أيضا السيد بن طاوس عن كتاب خصائص الأئمة للسيد الرضي الموسوي بأسانيد أخر ثم قال له: اعلم أن القوم سيشغلهم عما يريدون من عرض الدنيا وهم عليه قادرون، فلا يشغلك عني ما يشغلهم فإنك كالكعبة تؤتى ولا تأتي لقد قدمت إليهم بالوعيد، وألزمتهم طاعتك، فأجابوا، وإني لأعلم خلاف ذلك فإذا فرغت من أمري وغيبتني في قبري الزم بيتك، واجمع القرآن على تنزيله، و عليك بالصبر حتى تقدم علي. وأسند ذلك ابن طاوس أيضا عن كتاب الخصائص المقدم ذكره. 11 - بالإسناد السالف قال علي عليه السلام: كنت مسندا للنبي صلى الله عليه وآله إلى صدري فقال لي: تحول أمامي فتحولت وأسنده جبرائيل فقال لي: ضم كفيك بعضها إلى بعض، ففعلت فقال: قد عهدت إليك وأخذت العهد من أمين ربي جبرائيل وميكائيل فبحقهما عليك إلا أنفذت وصيتي، وعليك بالصبر والورع، ومنهاجي لا طريق فلان وفلان، وخذ ما آتاك الله بقوة، وأدخل يديه مضمومتين فيما بين كفي فكأنه أفرغ بينهما شيئا وقال: قد أفرغت بين يديك الحكمة، فلا يعزب عنك من أمري شئ، فإذا حضرتك الوفاة أوص إلى وصيك من بعدك على ما أوصيتك، واصنع هكذا لا كتاب ولا صحيفة. وبالإسناد إلى أبي الحسن عليه السلام قلت: ألا تذكر ما في الوصية ؟ قال: ذلك سر الله ورسوله، قلت: أكان فيها خلاف القوم على علي ؟ قال: نعم، حرفا حرفا والله والله لقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي وفاطمة: فهمتما ما شرط ربكما وكتب لكما ؟ قالا: قبلنا وصبرنا على ما ساءنا. 12 - بالإسناد المتقدم لما ثقل النبي صلى الله عليه وآله وخيف عليه الموت، دعا بعلي وفاطمة والحسنين، وأخرج من في البيت، واستدنا عليا (1) وأخذ بيد فاطمة عليها السلام بعد بكاء الجميع ووضعها في يد علي، وقال: هذه وديعة الله ووديعة رسوله عندك فاحفظني فيها فإنك الفاعل، هذه والله سيدة نساء العالمين هذه مريم الكبرى، والله


(1) واستند بعلي، خ.

[ 93 ]

ما بلغت نفسي هذا الموضع حتى سألت الله لها ولكم، فأعطاني يا علي، أنفذ ما أمرتك به فاطمة، فقد أمرتها بأشياء أمرني بها جبرائيل وهي الصادقة الصدوقة. واعلم أني راض عمن رضيت عنه ابنتي فاطمة، وكذلك ربي والملائكة، و ويل لمن ظلمها وابتزها حقها، اللهم إني منهم برئ. ثم سماهم، ثم ضم الأربعة إليه، وقال: اللهم إني لهم ولمن شايعهم سلم وزعيم يدخلون الجنة، وحرب لمن عاداهم ولمن شايعهم زعيم أن يدخلوا النار يا فاطمة لا أرضى حتى ترضى، ثم والله والله لا أرضى حتى ترضى، ثم والله والله لا أرضى حتى ترضى. وفي موضع آخر بالإسناد السالف لما كانت الليلة التي قبض في صبيحتها دعا عليا وفاطمة والحسنين وأغلق عليهم الباب ثم خرج علي والحسنان فقالت عائشة: لأمر ما أخرجك وخلى بابنته دونك، فقال: عرفت الذي خلا بها له، وهو بعض الذي كنت فيه وأبوك وصاحباه، فوجمت أن ترد عليه كلمة فما لبثت أن نادته فاطمة فدخل والنبي صلى الله عليه وآله يبكي ويقول: بكائي وغمي عليك وعلى هذه أن تضيع بعدي، فقد أجمع القوم على ظلمكم. 13 - وبالإسناد المتقدم طلب النبي صلى الله عليه وآله: عليا قبل وفاته بقليل وقال: أتاني جبرائيل برسالة وأمرني أن أبعثك بها إلى الناس، فاخرج وناد فيهم، وقل: أيها الناس يقول لكم رسول الله صلى الله عليه وآله: أتاني جبرائيل برسالة من الله وأمرني أن أبعث بها إليكم مع أميني علي بن أبي طالب، ألا من دعي إلى غير أبيه فقد برئ الله منه، ألا من توالي غير وليه فقد برئ الله منه، ألا من تقدم إمامه أو قدم إماما فقد ضاد الله في ملكه والله برئ منه. وأسند نحو ذلك محمد بن جرير الطبري برجاله في كتاب المناقب وفيه: اخرج فناد: ألا من ظلم أجيرا أجرته فعليه لعنة الله، ألا من تولى غير مواليه فعليه لعنة الله ألا من سب أبويه فعليه لعنة الله، فنادى بذلك. فدخل عمر وجماعة إلى النبي صلى الله عليه وآله وقالوا: هل من تفسير لما نادى به ؟ قال: نعم، إن الله يقول: (قل لا أسألكم

[ 94 ]

عليه أجرا إلا المودة في القربى) (1) فمن ظلمنا فعليه لعنة الله ويقول النبي: (ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ من كنت مولاه فعلي مولاه) فمن توالى غيره وغير ذريته فعليه لعنة الله وأشهدكم أني أنا وعلي أبوا المؤمنين، فمن سب أحدنا فعليه لعنة الله. فلما خرجوا قال عمر: يا أصحاب محمد ما أكد النبي عليكم الولاية لعلي بغدير خم ولا غيره بأشد من تأكيده في يومنا هذا. قال خباب بن الأرت: كان ذلك قبل وفاة النبي صلى الله عليه وآله بسبعة عشر يوما. 14 - بالإسناد السالف قال النبي صلى الله عليه وآله لعلي: أنت تغسلني لا غيرك، فإن جبرائيل أخبرني عن ربي أن من رأى عورتي غيرك عمي، قال: فكيف أقوى عليك وحدي فقال صلى الله عليه وآله: يعينك جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، وملك الموت، وإسماعيل صاحب السماء الدنيا قال عليه السلام: فمن يناولني الماء ؟ قال: الفضل بن العباس من غير أن ينظر إلي فإذا فرغت فضعني على لوح، وأفرغ علي من بئري بئر غرس أربعين دلوا مفتحة الأفواه أو قال: أربعين قربة، ثم ضع يدك على صدري واحضر معك فاطمة والحسنين من غير أن ينظروا إلى شئ من عورتي، ثم تفهم عند ذلك تفهم ما كان وما يكون إن شاء الله. ثم قال: يا علي ما أنت صانع إذا قام القوم عليك وتقدموك، وبعثوا طاغيتهم إليك يدعوك إلى البيعة ثم لببت بثوبك تنقاد كما يقاد الشارد من الإبل، مخذولا مذموما، محزونا مهموما ؟ فقال علي عليه السلام: أنقاد لهم وأصبر على ما أصابني من غير بيعة لهم. وفي موضع آخر قال جبرائيل لمحمد صلى الله عليه وآله: قل لعلي: إن ربك يأمرك أن تغسل ابن عمك فإنها السنة، لا يغسل الأنبياء غير الأوصياء، وهي حجة الله لمحمد على أمته، فيما أجمعوا عليه من قطيعة ما أمرهم به ثم دفع جبرائيل الصحيفة التي كتبها القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فدفعها النبي صلى الله عليه وآله إلى علي وقال: أمسكها


(1) الشورى: 23.

[ 95 ]

فإن فيها الشروط على قطيعتك، وذهاب حقك، وما قد أزمعوا عليه من ظلمك تكون عندك، توافيني غدا بها وتحاجهم بها. وفي موضع آخر بالإسناد المتقدم كنت كلما أردت أن أقلب منه عضوا قلب لي، فلما فرغت منه، خرجت عنه كما أمرت، فصلت الملائكة عليه، فلما واريته في قبره سمعت صارخا من خلفي: يا آل تيم يا آل عدي يا آل أمية (وجعلناهم (1) أئمة يدعون إلى النار، ويوم القيامة لا ينصرون) (2) اصبروا آل محمد تؤجروا (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب (3)). 15 - بالإسناد السالف مكث النبي صلى الله عليه وآله وهو مسجى بملاءة خفيفة ما شاء الله أن يمكث، ثم تكلم فقال: ابيضت وجوه واسودت وجوه، وسعد أقوام وشقي آخرون، سعد أصحاب الكساء الخمسة أنا سيدهم، ولا فخر، عترتي عترتي أهل بيتي السابقون السابقون أولئك المقربون، وأسعد من اتبعهم وشايعهم على ديني ودين آبائي أنجزت موعدك يا رب إلى يوم القيامة في أهل بيتي اسودت وجوه أقوام و يردوا ظماء إلى نار جهنم أجمعين، مرق النغل (4) الأول الأعظم، والآخر النغل الأصغر حسابهم على الله (كل امرئ بما كسب رهين (5)) وثالث ورابع، غلقت الرهون، واسودت الوجوه، أصحاب الأموال هلكت قادت الأمة بعضها بعضا إلى النار، كتاب دارس، وباب مهجور، وحكم بغير علم مبغض علي وآل علي في النار، محب علي وآل علي في الجنة، ثم سكت صلى الله عليه وآله وهذا الفصل بأجمعه منقول من الطرف المذكورة.


(1) في النسخ: وخلافتهم أئمة يدعون إلى النار. (2) القصص: 41. (3) الشورى: 20. (4) النغل: ولد الزنية لفساد نسبه، وفاسد القلب من الحقد والضغن. (5) الطور: 21.

[ 96 ]

خاتمة لعل بعض من يقف على هذه الطرف يقول: كيف يمكن جحد هذه الوصايا لو كانت صحيحة بعد نشرها ؟ أو يتهيأ كتمانها مع تحقق أمرها ؟ فنقول حينئذ: أليس قد عرف المسلمون جحد اليهود والنصارى على كثرتهم وتفريقهم لنبوة سيد المرسلين ولا ريب أنهم أكثر عددا ممن جحد النص على أمير المؤمنين، وقد صرح الرب الجليل في عظيم التنزيل بقوله: (الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل (1)) فأجمعوا على كتمان النص في الكتابين، طلبا للرياسة أو لغيرها من وجوه الضلالة والمين، فكيف ينكر جحد من هو أقل منهم وأعظمهم تهورا في الضلال، نص النبي صلى الله عليه وآله على علي وعلى بقية الآل. إن قلت: لو جاز من هذا الجم الغفير، جحد النص على البشير النذير، وجحد أكثر المسلمين النص على أمير المؤمنين جاز منهم جحد آل محمد خاتم النبيين. قلت: جحد أهل الذمة جائز قد وقع وإن كان جحد المسلمين جائزا لم يقع ولن يقع لتواتره بينهم في كتاب ربهم، وسنة نبيهم فافترقا. ثم نرجع فنقول: روى أهل الاسلام قول النبي صلى الله عليه وآله: ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة واحدة ناجية والباقون في النار، فهذه شهادة صريحة من النبي المختار على وصف أكثرهم بالضلال والبوار، ولا بد أن يكون الله ورسوله أوضحا لهم وجوه الضلال، لئلا يكون لهم الحجة عليهما يوم الحساب والسؤال، وبهذا يتضح وجه إمساك علي وعترته عن الجهاد، إذ كيف تقوى فرقة على أضعافها من أهل العناد، ومن فر عن أكثر من اثنين، قد عذره القرآن، فكيف لا يعذر من أمسك عن أضعافه من أهل الطغيان. ثم نرجع أيضا ونقول: قد ملأ الله الأنفس والآفاق، بوضع الدليل على الإله الخلاق، ونصب في العقول نصوصا دالة على وجود فاعل هذه الأكوان وجود غير عاطل مدبر لها في كل آن، ومع ذلك كله فقد وقعت المكابرة من أهل الضلال من آخرين، وعدل أكثر المكلفين عن صانع العاملين، وما عرفه باليقين


(1) الطور: 21.

[ 97 ]

إلا القليل من عباده أجمعين، فهل يبقى تعجب من، الضلال عن نص سيد المرسلين على أمير المؤمنين. فلله الحمد على الاعتراف بولايته، والاغتراف من بحار وصيته، والإشراف بمحبة أولاده، والاغراق في عداوة أضداده، ونسأل الرب الكريم أن يحشرنا معهم في جنات النعيم، ويقينا عذاب الجحيم، فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم، و ها أنا قد أنشأت في سادات الأزمان، ما سنح لي في هذا الأوان: قبلت النصوص على رغمكم * ولم أتخذ لي فلانا خليلا ولا صاحبيه وأتباعهم * معاوية ويزيدا بديلا من الطاهرين علي الولي * وأولاده خير قوم قبيلا فمن حاد يوما إلى غيرهم * سيلقى عقابا مقيما نكيلا ومن كان في ودهم صادقا * سيسقى بجاههم سلسبيلا وصلى عليهم إله الورى * وأصلى عداهم عذابا وبيلا

[ 98 ]

(10) باب * (فيما جاء من النصوص المتظافرة على أولاده عليهم السلام) * إعلم: أن غالب هذه الأقطاب المستقبلة رواية الشيخ أحمد بن محمد بن عياش الجوهري والشيخ أبي جعفر الطوسي عن الحسين بن عبيد الله الغضائري والشيخ محمد ابن عبد الله الشيباني والشيخ أبي جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي. قال محمد بن الحسين بن الحسن الكيدري في كتابه بصائر الأنس بحضائر القدس: أجاز لي الشيخ الإمام محمد بن سعيد بن هبة الله الراوندي رواية كتب الأصحاب عن والده عن الشيخ أبي جعفر الطوسي وعنه: عن السيد الإمام أبي الرضا الحسني عن السيد بن معبد الحسيني عن الطوسي، وعنه: عن أبي الفتوح الخزاعي عن عمه المفيد عبد الرحمن النيشابوري، وعنه: عن أبي الفضل الحلبي عن علي بن أبي جعفر الطوسي رواياته عن الشيخ أبي الفتوح الرازي، وعن الشيخ أمين الدين الطبرسي كلاهما عن المفيد عبد الجبار الرازي. قال: وإنما اخترنا هذا الإسناد مع كثرة أسانيد أصحابنا لأنه ليس في رجاله إلا من تفرد على أقرانه، والشيخ الطوسي أخذ عن السيد الأجل علم الهدى أبي القاسم علي بن الحسين وعن الشيخ أبي عبد الله المفيد وأخذ المفيد عن أبي الجيش المظفر بن محمد البلخي وهو أخذ عن شيخ المتكلمين أبي سهل بن إسماعيل بن علي النوبختي خال الحسن بن موسى، وهو لقي البحر الزخار أبا محمد الحسن العسكري عليه السلام. وأخذ الشيخ الطوسي أيضا عن الحسين بن عبيد الله وابن أبي جيد عن أحمد بن محمد بن يحيى القطان عن سعد بن عبد الله القمي عن أحمد بن إسحاق القمي شيخ القميين وكان من خواص العسكري ورأى صاحب الزمان المهدي عليه السلام.

[ 99 ]

وأخذ الطوسي أيضا عن محمد بن جعفر بن بطة عن أحمد بن أبي عبد الله عن داود ابن القاسم الجعفري وكان جليل القدر عظيم المنزلة عند أبي جعفر الثاني، و أبي الحسن وأبي محمد وأخذ عنهم صلوات الله عليهم وهم أخذوا عن آبائهم إمام إمام إلى علي إلى النبي صلى الله عليه وآله إلى جبرائيل إلى الرب الجليل وليس لأحد من المسلمين إسناد يشبه هذا أو يقاربه. قلت: لما علمت وسنعلم من نصر الله ورسوله عليهم وإظهار الأعلام الباهرة على يديهم، ووصف جدهم الثابت صدقه الكمالات فيهم، ولم ينقل أحد بحمد الله نقيصة لهم من أعدائهم، مع حرصهم على إطفاء نورهم، وتزهد الأتباع في اتباعهم بل كل واحد منهم علم الوجود في زمانه، وكعبة التقى والوجود في آياته، ترجع أماثل العلماء إلى أقواله، وتقتدي أكابر الفضلاء بأفعاله، وتضرب لهم الأمثال بمحاسن الحال، وتشد الرحال لجلب الكمال، وسلب المحال، ومنازلهم بعد موتهم أعلام شيعتهم على رغم حسدتهم معمورة بخلفاء الدين، مغمورة بحلفاء النبيين، تخر الأعداء سجودا لأبوابهم، وتجر بالذلة والخشوع لتقبيل أعتابهم. وقد روي أن بعض المتولين أراد زيارة أمير المؤمنين فهم أن يترجل فقال له بعض الشقيين: لا تترجل لأن إماما حيا خير من إمام ميت، فألهمه الله أن رمى رأسه بالسيف وأنشأ يقول: تزاحم تيجان الملوك ببابه * ويكثر في يوم السلام ازدحامها إذا ما رأته من بعيد ترجلت * فإن هي لم تفعل ترجل هامها وكيف لا تتوجه الهمم إلى قوم إذا انتسبوا، والمصطفى والمرتضى إذا انتدبوا أدت إليهم الأملاك والأفلاك الرضا، إن جادوا بخلوا السحاب، واضمحلوا العباب وإن قالوا نطقوا بالصواب، وسبقوا بالحكم وفصل الخطاب. هم القوم من أصفاهم الود مخلصا * تمسك في أخراه بالسبب الأقوى ولاؤهم فرض وحبهم هدى * وطاعتهم قربى وودهم تقوى فلله الحمد على ما ألهمنا من كلمة التقوى، وشيد لأئمتنا ربوعا لا تقوى

[ 100 ]

وليحسن أن يضاف إلى ذلك شعر زهير بن أبي سلمى. ولو تقعد فوق الشمس من كرم * قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا محسدون على ما كان من نعم * لا ينزع الله منهم ماله حسدوا إذا تقرر هذا ففي هذا الباب أقطاب: الأول: في العدد المجرد عن ذكر مجموع الأسماء إلا نادرا. والثاني: في العدد المصاحب للأسماء والترتيب. والثالث: في نص كل واحد على المتعين من بعده، بعد ثبوت إمامته. والرابع: في شئ من المعاجز التي خرجت عليهم مع دعواهم الإمامة أما - الأول * (ففيه فصول وفيها نصوص) * منها: ما أخرجوه في المصابيح وغيرها من قول النبي صلى الله عليه وآله: الأئمة اثنا عشر كلهم من قريش. وقوله صلى الله عليه وآله: لا يزال الاسلام عزيزا إلى اثني عشر خليفة، وقوله: لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان، وأسنده البخاري في الجزء الأول من أجزاء ثمانية من صحيحه عن جابر بن سمرة، وفي موضع آخر عن عيينة: وعن ابن عمر أيضا. وأسنده مسلم في مواضع أخر من صحيحه بطرق مختلفة، وأبو داود في سننه والثعلبي في تفسيره، والحميدي في مواضع من الجمع بين الصحيحين، وفي الجمع بين الصحاح الستة في موضعين. وفي تفسير السدي: أمر الله خليله بالنزول بإسماعيل وأمه في بيته التهامي وقال: إني ناشر به ذريته، وجاعل منه نبيا عظيما، ومن ذريته اثني عشر عظيما. وقد صنف محمد بن عبد الله بن عياش كتاب مقتضب الأثر في إمامة الاثني عشر. قالوا: قد مضى منهم أربعة، وتمام الاثني عشر يأتي قبل قيام الساعة، إذ

[ 101 ]

لا دليل على التوالي في الأحاديث، وعلى أنهم من نسل علي كما يقوله المتوالي. قلنا: لا يتم لكم ذلك، وقد رويتم قول النبي: الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكا عضوضا، والنصوص الواردة بتعيينهم وأسمائهم تدل على كونهم من أولاد علي، وعلى تواليهم، ولأن كل من قال بوجوب هذا العدد، قال: بأنهم المشهورون من ولد الحسين عليه السلام دون كل أحد، ومما يجري مجرى النص ما نقله الفريقان من قول النبي صلى الله عليه وآله: مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح إلى آخره. أسند الحسين بن جبر في كتاب الاعتبار في إبطال الاختيار إلى ذي الشهادتين قول النبي صلى الله عليه وآله في علي: أنه باب حطة المبتلى به، مثله فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هوى وأسند نحوه ابن المغازلي الشافعي عن ابن عباس إلا أن فيه مثل أهل بيتي وفي رواية ابن الأكوع عن أمية مثل أهل بيتي وفي روايتي ابن عباس وأبي ذر مثل أهل بيتي، وفي آخرهما ومن تخلف عنها غرق. وفي رواية أخرى عن أبي ذر من قاتلنا آخر الزمان فكأنما قاتل مع الدجال وكان ذلك بيانا للفرقة المحقة، حيث قال النبي صلى الله عليه وآله في رواية المنقري: ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها هالكة إلا واحدة، وتفترق الواحدة إلى اثني عشر فرقة كلها هالكة إلا واحدة، قال البختري: مخالف أمركم لله عاصي * ومنكر حقكم يلقى أثاما وليس بمسلم من لم يقدم * ولايتكم وإن صلى وصاما وقال شاعر آخر: إذا فاض طوفان المعاد فنوحه * علي وإخلاص الولاء له فلك وقال عمرو بن العاص: هو النبأ العظيم وفلك نوح * وباب الله وانقطع الخطاب تذنيب: اشتهر بين المسلمين قوله صلى الله عليه وآله: إني مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي

[ 102 ]

أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا، وقد ذكره ابن مردويه من تسعة وثمانين طريقا. [ قالوا: ] وقد قال أبو بكر: أنا من العترة قلنا: خبر شاذ، مع إمكان حمله على المجاز فإن الانسان يقول للأجنبي: هذا أبي، هذا ابني. قالوا: الحمل على الحقيقة واجب قلنا: يمنع منها قوله صلى الله عليه وآله (أهل بيتي) فإنه ليس من أهل البيت قطعا، ولو أطلق على البعيد أنه من العترة، لأطلق على جميع بني آدم أنهم من العترة إذ لا بد من وصلة. إن قالوا: نفى النبي الضلال عن من تمسك بهما، ولا يلزم نفيه عن من تمسك بالعترة خاصة منهما قلنا: كان يلزم العتب على النبي صلى الله عليه وآله حيث ضم إلى الكتاب ما لا فائدة فيه، ولا وجه لتخصيصهم بالضم دون غيرهم، وقد تواتر النقل فيهم، فيجب القطع بإمامتهم، وإن نيطت صحة الاجماع بقولهم لأن النبي صلى الله عليه وآله أراد بالتمسك بقولهم إزاحة العلة، فلا بد في كل واحد من وصفه بالعصمة، ولله النعمة. تذنيب آخر: ذكر ابن مردويه في كتاب المناقب من مائة وثلاثين طريقا أن العترة علي وفاطمة والحسنان. وأسند عباد ابن يعقوب في كتاب المعرفة قول النبي صلى الله عليه وآله: ترد أمتي الحوض على خمس رايات: راية العجل، وراية فرعون أمتي، وراية فلان، وراية المخزج وآخذ بيد كل واحد فيسود وجهه، وترجف قدماه، وتخفق أحشاؤه، وكذلك أتباعه، فأقول: ما أخلفتموني في الثقلين ؟ فيقولون: كذبنا الأكبر، واضطهدنا الأصغر، فأقول: اسلكوا ذات الشمال، فينصرفوا ظامئين مسودين، لا يذوقون منه قطرة، ثم يرد أمير المؤمنين، وقائد الغر المحجلين، فآخذ بيده فيبيض وجهه ووجه أتباعه، فأقول: ما أخلفتموني في الثقلين ؟ فيقولون: تبعنا الأكبر، ونصرنا الأصغر، فيشربون وينصرفون، ووجه إمامهم كالشمس ووجوههم كالبدر.

[ 103 ]

قال الحارث: اشهدوا علي غدا عند الله أن صخر بن الحكم حدثني، وقال صخر: اشهدوا علي غدا عند الله أن حيان حدثني، وقال حيان: اشهدوا علي غدا عند الله أن الربيع حدثني، وقال الربيع: اشهدوا علي عند الله أن مالكا حدثني، وقال مالك: اشهدوا علي عند الله أن أبا ذر حدثني به، وقال أبو ذر: اشهدوا علي عند الله أن رسول الله صلى الله عليه وآله حدثني به، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: اشهدوا علي جبرائيل حدثني به عن الله. (1) فصل جعل الأئمة من الحجج الماضين أبدالا، وضرب لهم في كتابه أمثالا فقال تعالى: (فانفجرت منه اثنتى عشرة عينا) و (قطعناهم اثنتي عشرة أسباطا (1) و لما بايع النبي صلى الله عليه وآله الأنصار ليلة العقبة، قال: أخرجوا إلي منكم اثنى عشر نقيبا، فصار ذلك طريقا متبعا، وعددا مطلوبا، قال تعالى. (وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا) (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا (2)) وإنما اختار النقباء للقيام بأمة موسى عليه السلام وبالشهور يعرف أوقات العبادات، وعدد النساء، وغيرها، وأجل المعاملات، وبالبروج الاثنى عشر والكواكب، يعيش الحيوان، وينمو النبات وبالأئمة تستقيم أحوال الناس لمعاشهم ومعادهم. فبهم تحصل السعادة بالعمل بالديانات لمعادهم، والاستضاءة من الضلالة بأنوارهم وهذا منزل على حديث ابن مسعود أنه سأل النبي صلى الله عليه وآله كم عدد الأوصياء ؟ فقال صلى الله عليه وآله: (والسماء ذات البروج (3) عددهم عدد البروج، ورب الأيام والليالي والشهور، ثم وضع يده على كتف علي، وقال: أولهم هذا، و


(1) الأعراف: 160. (2) المائدة: 12، براءة: 36. (3) البروج: 1.

[ 104 ]

آخرهم المهدي من ولده. إن قيل: وكل مذهب لا يخلو من تمثال فللكيسانية أركان البيت الأربعة والتسبيحات الأربعة والطبايع الأربع وللسبعية: (1) البحار والأرضون، والسماوات والكواكب السيارة، وألفاظ الشهادات، وغير ذلك من المفروضات. قلنا: لم يتواتر في هذه من الروايات ما أوجب صحة هذه التمثيلات، بل هي مجرد خيالات، وليس لها شاهد كما ذكرناه من الروايات، وقد قرنهم رسوله بكتاب ربهم، وحكم بعدم افتراقهم، فوجب الكون معهم، والاقتداء بهم، لأمن خطائهم، بحديث النبي صلى الله عليه وآله فيهم، وبينهم بأعيانهم وأسمائهم، وختمهم بثاني عشرهم كما ختم الله النبوة بجدهم، وقد نص في مواطن مشهورة عليهم، وأوضح في مواضع غير محصورة، وما أمر الله فيهم حتى علمت الشيعة ذلك بضرورة التواتر لما اشتهر فيه من التكاثر. إن قيل: هب أن الكثرة المعتبرة في التواتر حاصلة الآن، فمن أين علمتم حصولها لأسلافكم، فيما مضى من الأزمان ؟ قلنا: للعلماء في ذلك طريقان: الأول: أنهم نقلوا عن الكثيرين الحاضرين تكثير الطبقات السالفين، إلى أن انتهى النقل إلى النبي صلى الله عليه وآله المعصومين وإنا لم نسألهم لأنا نعلم ذلك بالضرورة من حالهم. والثاني أن النص عليهم لو كان منتحلا حادثا لعلم زمان حدوثه، كما علم زمان حدوث غيره من المذاهب، كحدوث المنزلة بين المنزلتين من واصل وعمرو بن عبيد، ومذهب الخوارج عند التحكيم، والعلاف في تناهي مقدورات الله، والنظام في الجنة والطفرة إن قيل: فقد علم زمان حدوث النص على علي من هشام بن الحكم، ومن ابن الراوندي، ومن أبي عيسى الوراق. قلنا: لا وإلا لما جاز أن يرد ذلك على حد ردنا. إن قيل: التحكيم خارج، ولو كان كذلك لم يغفل أعداؤهم عن وضع تاريخه


(1) وهم الواقفية الواقفين على الإمام الكاظم عليه السلام.

[ 105 ]

لما فيه من تقوية قولهم وتصحيحه [ قلنا ] لو حدث في الجم الغفير ذلك لكان عن اجتماع وتوافق، ولا يخفى على أحد ما هذا شأنه، فلما لم تحدث تلك النصوص، علمنا أنها لم تقع عن تواطؤ. إن قيل: جاز أن يضعها واحد ويكتمه ليتم استدلاله، قلنا: لا يلزم من كتمانه عدم معرفة زمانه. إن قيل: فقد ابتدعت صنائع ومذاهب لم يعرف زمانها. قلنا: فقد عرف ابتداعها، ولو عرف زمانها لم يحكم بابتداعها. إن قيل: يجوز أن يدعوهم داع واحد إلى افترائه. فلا يحتاج إلى اجتماعهم فلا يظهر الافتراء [ قلنا ] لو افتعلوه بغير إجماع لاختلف ألفاظ النصوص فإن الداعي الواحد لا يوجب اتفاق الألفاظ، ولما نقلت الشيعة في النصوص ألفاظا متفقة، علمنا أنها ليست عن داع واحد، بل اتفاق الألفاظ إما لاجتماعهم ومثله لا يخفى إذ هو من المهمات التي يتوفر دواعي المخالف إلى نقلها، فإذا بطل الداعي الواحد لها وعلم الاتفاق في ألفاظها علم أن النبي مصدرها، فلهذا كل من ترك الهوى، و الميل إلى الدنيا، أذعن لقبولها، لعلمه باستمرار شرائط التواتر فيها. إن قيل: لا يمتنع اتفاق الألفاظ مع تباعد البلدان كما في المواردة، فإن امرء القيس وطرفة اتفقا في بيت مع تباعدهما، فلما تنافسا فيه أحضر طرفة خطوط أهل بلده، فكان اليوم نظما فيه واحدا: وقوف بها صحبي علي مطيهم * يقولون لا تهلك أسى وتجلدا قال طرفة: وتجلد. قلنا: لا شك أن ذلك من أندر الأشياء وقوعا، ولولا ندوره لم يختصما فيه، ولما اتفقت ألفاظ النصوص التي ملأت الأقطار، علم أنها ليست عن داع واحد بلا إنكار. إن قيل: فالنصوص التي تذكرونها إن صدرت عن النبي صلى الله عليه وآله في قوم قليلين فلا تواتر لعدم الكثرة المعتبرة فيه عنهم، وإن صدرت في كثيرين وجب اشتهارها لكونها أمرا عظيما في الدين، ولو اشتهرت امتنع إنكارها من التابعين.

[ 106 ]

قلنا: حاصل هذا الكلام أن النص لو وقع لما وقع فيه الخلاف كما أنه لما نص على القبلة وغيرها لم يقع فيها الخلاف. وقلنا: لو لم ينص لم يقع فيه الخلاف كما أنه لما لم ينص على أبي هريرة وشبهه فلم يقع فيه الخلاف، مع أنه قد اشتهر الانكار على المعتدين في الصدر الأول والتابعين، قال النابغة: (نكث بنو تيم بن مرة عهده) وقال علي بن جنادة: أيؤتى إليكم ما أتى من ظلامة * وفيكم وصي المصطفى صاحب الأمر وقال عتبة بن أبي لهب: تولت بنو تيم على هاشم ظلما * وذادوا عليا عن إمارته قدما على أن قولكم: إن صدرت عن كثيرين وجب اشتهارها، معارض بكثير من معجزات النبي صلى الله عليه وآله حيث وقعت في كثيرين وقد ذاع في الجاحدين إنكارها، وقد اختلفت الصحابة في كثير من الأحكام كالإقامة وغيرها مع تكرارها، ولو سلمنا جدلا وجوب الانتشار لكنه مع فقد دواعي الإستار، لكن دواعي الكتمان موجودة من الحسد لقوم، بما أظهر النبي صلى الله عليه وآله من فضائلهم والحقد لآخرين، بما قتل أبوهم من أقاربهم، وتشبه على آخرين قول أبي بكر: الأئمة من قريش، فظنوا أنه ناسخ للنصوص فيهم، أو أنهم لما رأوا وجوه الصحابة تركوا العمل بها اعتقدوا أنهم لو لم يعلموا ناسخها لم يتركوها. إن قيل: يبعد من الخلق الكثير إنكار المعلوم كما سلف قلنا: قد أسلفنا الجواب عنه، ونزيد هنا أن الصحابة لم تكن معاشر قوم موسى مع اتخاذهم العجل إلها على معرفتهم بربهم ونبيهم بفلق البحر لهم، وإظهار الأمر الخارق فيهم، ولولا أن القرآن جاء بذلك منهم، لم يصدق أحد إضافته إليهم، فما ظنك بالصحابة القليلين. وكل واحد لو تدبر أحوال الخلق، رأى فيهم من الدواعي والهوى، ما يصرفه عن طريق الهدى، وقد قال تعالى: (يعرفونه كما يعرفون أبنائهم وإن

[ 107 ]

فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون (1)) وقال: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا (2)). وقد صرح طلحة والزبير ومعاوية وابن العاص وأتباعهم على علي بالحرب واللعن مع سماعهم قول النبي صلى الله عليه وآله: حربك حربي، الحق يدور مع علي حيث دار، فإذا جاز ذلك على العالمين بحاله، فعلى التابعين أجوز لا محالة. إن قيل: إذ جاز كتمان النصوص للعلل التي ذكرتم، جاز أن تكتم الأمة العبادات، فلا وثوق بالشرعيات قلنا: قد علمنا بالضرورة عدم الزيادة على المنصوصات. إن قيل: فلعل معجزات النبي صلى الله عليه وآله لم تكن في كثيرين فلهذا وقع الانكار لها من الجاحدين قلنا: قد علمنا تواترها معنى وإن كانت أفرادها آحادا، فقد اشتركت في الأمر الخارق، وهو متواتر، فعلم من حصول التواتر المعنوي حصول شرطه في المعنى، وكذا النصوص لو جوزنا كونها آحادا لكنها اشتركت في معنى واحد، وهو الاستخلاف، فحصل العلم به تواترا. إن قيل: اعتقدوا أن حربه حربه، إذ لم يصدر منه عصيان، وقد صدر حيث لم يقتص من قتلة عثمان، والاجماع حجة. قلنا: هذا من الهذيان بل من البهتان كيف ذلك وقد أجمع الصحابة على قتل عثمان، والاجماع حجة بالحديث المقبول بلا نكران، وأيضا فعدم الاقتصاص إن كان حقا فلا عصيان، وإن كان باطلا انفك المتلازمان، وهما قوله: علي مع الحق والحق مع علي. إن قيل: فلعل المعجزات وما اختلف فيه من الشرعيات كان متواترا، لكن اشتغلوا بالحروب عن نقلها، أو رآها بعضهم من فروع الدين فتساهل عنها في تركها واعتقدوا أن بعضهم يحفظها فصارت آحادا لقلة نقلها، فلهذا أمكن الجاحدين إنكارها. قلنا: ومن الذي يسد علينا هذا الباب ويفتحه لكم ؟ فإنا نقول: كان نقل النصوص متواترا فمات بعض نقلته، واشتغلوا بالحروب عنه ومهمات الدنيا، أو


(1) البقرة: 146. (2) النمل: 14.

[ 108 ]

رآه بعضهم من فروع الدين فتساهل في تركه. أو لعله كان في جملة الناقلين جمع من المنافقين كما قال تعالى: (ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم (1)) فحرصوا على الكتمان واستخرجوا لذلك النص شروطا لبسوا فيها على من اعتقد فيهم وعلى ضعفاء الأذهان، خصوصا والزمان كان لبني هند وبني مروان، فقد لعنوا عليا ألف شهر بالاعلان وشردوا أولاد نبيهم وشيعتهم في البلدان، وأخافوا من يروي لهم فضيلة في كل مكان و أوان، فالداعي إلى إنكار النصوص وهو حصول الرئاسة وموجب النفاسة، لم يوجد في إنكار العبادات، وذلك معلوم لمن سبر العبادات. وأيضا فلو كان النص مكذوبا لم ينقله المنحرفون عن سبيل الإمامية، ولما نقلوه علم بطلان هذه الكلمة الفرية، فقد سخرهم الله سبحانه لنقل ما يخالف معتقدهم وينقض عليهم أمر دينهم، خرقا للعادة في حججه، وظاهر فلجه وسيأتي. قالوا: نقل المخالف لعله كان قبل الثبوت عنده، فإن بعض المحدثين يروي الغث والسمين، أو كان ممن يتهم بالتشيع. قلنا: في هذا القدح يمكن أن يقدح في جميع الأحاديث المنقولة للأمة إذ لكل أحد أن يبطل قول خصمه بمثله. قالوا: عندكم أن الأكثر ارتدوا بعد النبي صلى الله عليه وآله ولا تواتر في الباقين لقلتهم جدا قلنا: حديث الردة آحادي، ولو سلم فمحمول على أنهم تركوا الأولى كما حمل ما روي من معاصي الأنبياء. على أن المتواترين لا يشترط فيهم اتحاد الدين، بل ربما يكون أوكد حيث صدر عن المختلفين، على أنكم أثبتم تواتر كثير من المعجزات، فيها استواء الطبقات وأثبتم القراءات المتواترات، وهي منتهية إلى السبعة المشهورات، بل واحدة فيها وردت عن واحد، ولم تخرج بذلك عن كونها من المتواترات. قالوا: وعلماؤكم لا يثبت التواتر بهم لقلتهم، وعوامكم مقلدون لهم، فلا علم عندهم قلنا: أما علماؤنا فقد ملأت الخافقين رؤياهم، وبهر النيرين سناهم


(1) براءة: 101.

[ 109 ]

حتى لو تفحص عنهم في المدن والأصقاع، لوجد من مبرزيهم ما يملأ الأسماع لكن تستروا من شناعة الرفض فيهم، واختفوا خوفا من فتوى علماء السوء بقتلهم وأما عوامهم فحصلت لهم هذه الأمور بضرورة عقولهم، حيث فهموا ورودها عن قوم لا يمكن على الكذب تواطؤهم، لتباعد أوطانهم، حتى أنه يمكن إيراد ذلك من البله والعجايز وغيرهم، والعجب أن خصومنا أجمعوا على وجوب قبول خبر الواحد العدل ظاهرا ولم يقبلوا في النصوص المائتين ولا الألف، لكون ذلك لهوائهم غير مألوف. إن قالوا: مسألة الإمامة من العلميات، فلا يمكن فيها خبر الواحد، لأنه من الظنيات. أجاب الإمام قطب الدين الكيدري في كتاب بصائر الأنس في الإمامة بأنه قد روي عن الأئمة أحاديث في الشرعيات، يجب عليكم قبولها فهلا استدللتم بوجوب قبولها على وجوب إمامة ناقليها. وفي هذا الجواب نظر فإن قبول الخبر أعم من وجوب اعتقاد الإمامة، ولو وجب ذلك وجب اعتقاد الإمامة لكل مخبر، إلا أن يقال: جزمهم بقبولها دال على جزمهم بصدق مصدرها وذلك هو المعصوم، فهو الإمام. والحق في الجواب أن عندكم مسألة الإمامة ليست من أركان الدين، بل من فروعه، فالتزموا حجيتها من الآحاد، ولهذا جوزتم عقد الإمامة لأبي بكر بقوم لم يبلغوا حد التواتر، على أنه قد صح لنا بحمد الله التواتر في ذلك من طريقي الخاصة والعامة وسنورده قريبا إن شاء الله. قالوا: كيف تواتر عندكم ولم يصل إلينا ؟ قلنا: قد شرط المرتضى في العلم التواتري عدم سبق شبهة إلى سامعه، تمنع من حصوله، وقد بيناها فيكم.

[ 110 ]

(2) فصل فيه نبذ من عيون أخبار الرضا وغيره في النصوص حذفت بعض رجالها، و ألفاظها، طلبا للاختصار، ولأن الطاعن في الحديث يمكنه الطعن في رجاله. منها ما حدث به جابر أبا جعفر الباقر عليه السلام قال: دخلت على مولاتي فاطمة لأهنئها بمولد الحسين عليه السلام فإذا في يدها صحيفة من درة بيضاء، فقلت: ما هذه ؟ قالت: فيها أسماء الأئمة من ولدي، قلت: ناولينيها لأنظر فيها، قالت: قد نهي أن يمسها إلا نبي أو وصي نبي أو أهل بيت نبي، ولكن انظر من ظاهرها فقرأت فإذا فيها أبو القاسم محمد بن عبد الله أمه آمنة ثم الأئمة كل واحد باسمه واسم أبيه في ذلك الكتاب. وقد أورده الكيدري في كتاب بصائر الأنس من أراده وقف عليه، ونحوه رواه جابر أيضا عن النبي صلى الله عليه وآله وأنه ذكر له أسماءهم وصفاتهم وعدتهم. ومنها: ما قال ابن عباس: سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: أنا وعلي والحسن والحسين والتسعة من ولد الحسين مطهرون معصومون وسمعته يقول: أنا سيد النبيين، وعلي بن أبي طالب سيد الوصيين، وآخرهم القائم المهدي. ومنها: عن علي عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اثنا عشر من أهل بيتي أعطاهم الله فهمي وعلمي، وخلقهم من طينتي، فويل للمتكبرين عليهم بعدي، القاطعين فيهم صلتي، ما لهم لا أنالهم الله شفاعتي. وقال: كيف تهلك أمة أنا وعلي وأحد عشر من ولدي أولوا الألباب أولها والمسيح بن مريم آخرها، ولكن يهلك بين ذلك من لست منه وليس مني، وقال صلى الله عليه وآله: الأئمة بعدي اثنا عشر أولهم أنت يا علي، وآخرهم القائم الذي يفتح الله تعالى ذكره على يديه مشارق الأرض ومغاربها. ومنها: أن رجلا دخل على علي عليه السلام يسأله عن مسائل فأمر الحسن عليه السلام فأجابه عنها، فتشهد الشهادتين وأقر لعلي بالوصية، وأشار إلى كل واحد من

[ 111 ]

الأئمة باسمه إلا المهدي، فإنه قال: لا يكنى ولا يسمى حتى يظهر أمره فيملأها عدلا كما ملئت جورا، ثم خرج. فقال عليه السلام: للحسن انظر أين يذهب ؟ فخرج الحسن عليه السلام فلم يجده، فأخبره فقال علي عليه السلام هو الخضر عليه السلام وذكره الكيدري في بصائره مرويا عن أبي جعفر الطوسي برجاله، وعن ابن بابويه، ومحمد بن الحسن وعبد الله بن جعفر ومحمد بن العطار وأحمد بن إدريس ورواه المفيد أيضا. ومنها: ما أسنده الحسين بن محمد إلى الصادق عليه السلام في قوله تعالى: (ولقد وصلنا لهم القول (1)) قال: إمام إلى إمام. وأسند إليه أيضا أن الشيعة تقول يوم القيامة: (الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله (2)) أي: هدانا لولاية علي والأئمة من ولده. وأسند إليه في قوله تعالى: (الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (3)) قال عليه السلام: استقاموا على الأئمة واحدا بعد واحد. ومنها: ما قاله الحسين عليه السلام: منا اثنا عشر مهديا أولهم أمير المؤمنين، و آخرهم التاسع من ولدي وهو القائم بالحق، يحيي الله به الأرض بعد موتها، و يظهر به دين الحق على الدين كله ولو كره المشركون، له غيبة يرتد فيها قوم ويثبت على الدين فيها آخرون، فيؤذون ويقال: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين الصابرين في غيبته على الأذى والتكذيب بمنزلة المجاهد بالسيف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله.


(1) القصص: 51. (2) الأعراف: 43. (3) الأحقاف: 13. (*)

[ 112 ]

(3) فصل نذكر فيه ما ورد من الصحابة إجمالا في عددهم، ثم نتبعه بما ورد تفصيلا ليكون أضبط للطالب، وأربط للراغب، وسنعد هؤلاء فمن قنع بالاقتصار تلاهم ومن طلب التوسط أخذ ما سطرناه عنهم، ومن ترقى إلى معرفة الأسانيد أحلناه على الكتب الموضوعة فيهم. فمن الصحابة ابن مسعود، وجابر بن سمرة، وأبو جحيفة، وعمر بن الخطاب وابنه عبد الله، وعبد الله الأسلمي، وأنس بن مالك، وأبو هريرة، وأبو قتادة، و أبو أيوب، وعبد الرحمن بن سمرة، والخدري، وزيد بن ثابت، وزيد بن أرقم وأبو أمامة، وواثلة بن الأسقع، وعمران بن حصين، وسعيد بن مالك، وحذيفة ابن اليمان، وعمار، وأبو ذر، وسلمان، وأبو سلمى: راعي رسول الله صلى الله عليه وآله وعبد الله بن جعفر، وجابر بن عبد الله، والعباس وولده عبد الله. ومن النساء فاطمة عليها السلام وعائشة، وأم سلمة، وأم سليم: صاحبة الحصى وسيأتي إن شاء الله تفصيل أسمائهم وعددهم في فصل مفرد عن الرواة المذكورين و غيرهم. سأل أعرابي ابن مسعود هل حدثكم نبيكم كم يكون بعده من الخلفاء ؟ قال: نعم اثنا عشر عدة نقباء بني إسرائيل وروي عنه ذلك بطريقين آخرين، و عن جابر بن سمرة من أحد وعشرين طريقا بعضها في صحيح مسلم، وبعضها في صحيح البخاري، وبعضها في حلية الأولياء، ذكر ذلك الكيدري في كتاب بصائر الأنس وذكر أسماء الرواة أيضا، ونحن أعرضنا عنها خوف الإطالة بها. وحكى عن سمرة محمد اللبان في روضة الواعظين أن النبي صلى الله عليه وآله قال: هم اثنا عشر، تسعه من ولد الحسين، تاسعهم قائمهم. قال ابن سمرة: سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: يكون من بعدي اثنا عشر خليفة

[ 113 ]

ثم أخفى صوته، فقلت لأبي: بما أخفى صوته ؟ قال: قال: كلهم من قريش، و في بعضها اثنا عشر أميرا وفي بعضهم وكلهم لا يرى مثله، قال الكيدري: كل من قال بهذا العدد قال بهؤلاء، ومن قال بغيرهم لم يقل به، فالقول به دون القول بهم خرق الاجماع، وسيأتي في تفصيل الاجمال أحاديث تملأ الأسماع. وروى أبو جحيفة وهب بن عبد الله مثل ذلك مسندا برجاله، وأسنده صاحب المقتضب برجاله وأبو جعفر الطوسي برجاله ورواه أحمد بن محمد الجوهري إلى عبد الله بن أبي أوفى برجاله. ورواه الشيخ أحمد بن محمد عن أنس برجاله، وفي آخره (فإذا هلكوا ماجت الأرض بأهلها). وأسند الشيخ السعيد علي بن محمد بن علي الخزاز في كتابه الكفاية إلى أنس أنه سأل النبي صلى الله عليه وآله عن حواري عيسى، فقال: اثنا عشر، قلت: فما حواريك قال صلى الله عليه وآله: الأئمة بعدي اثنا عشر، هم من صلب علي وفاطمة عليها السلام. وأسند مثله [ من ] حديث جابر محمد بن عبد الله البغدادي. ونحوه أسند علي بن محمد إلى النبي صلى الله عليه وآله وفي آخره تسعة من صلب الحسين والمهدي منهم. وأسند أيضا أن النبي صلى الله عليه وآله رأى أسماءهم على ساق العرش، فسأل ربه عنهم فقال: هم الأوصياء من ذريتك، بهم أثيب وبهم أعاقب. وأسند نحوه المعافى ابن زكريا إلى أبي أيوب الأنصاري في خبر طويل تركناه خوف التطويل. وأسند الحسين بن سعيد نحوه إلى جابر. وأسند أيضا علي بن محمد بن معاوية إلى أنس إلى النبي صلى الله عليه وآله وعلي بن محمد ابن علي إلى أنس إلى النبي وأسنده القاضي أبو الفرج إلى أنس إلى النبي صلى الله عليه وآله. وأسند أيضا إلى أنس قول النبي صلى الله عليه وآله لعلي: أنا خير الأنبياء وأنت خير الأوصياء، وسبطاك خير الأسباط، ومن صلبهما تخرج الأئمة التسعة مطهرون معصومون قوامون بالقسط، والأئمة بعدي عدد نقباء بني إسرائيل هم عترتي من

[ 114 ]

لحمي ودمي، وأسند جابر بن يزيد إلى أبي أيوب الأنصاري نحوه. وأسند صاحب الكفاية إلى أبي هريرة قول النبي صلى الله عليه وآله: الأئمة بعدي أولهم علي وأوسطهم جعفر، وآخرهم محمد، مهدي هذه الأمة الذي يصلي عيسى ابن مريم خلفه. وأسند صاحب الكفاية أيضا قول النبي صلى الله عليه وآله لأبي هريرة حين سأله عن قوله تعالى: (وجعلها كلمة باقية في عقبه (1)) قال صلى الله عليه وآله: جعل الإمامة باقية في عقب الحسين، يخرج من صلبه تسعة منها مهدي هذه الأمة. وسأل المفضل بن عمر الصادق عليه السلام لم جعلها في ولد الحسين عليه السلام دون الحسن فقال عليه السلام: جعل الله النبوة في صلب هارون دون موسى، ولم يكن لأحد أن يقول: لم فعل ذلك لا يسأل عما يفعل. وأسند إلى أبي هريرة قول النبي صلى الله عليه وآله: ألا أذكركم الله في أهل بيتي ! قالوا نساؤه قال: لا، صلبه وعصبته، فهم الأئمة الاثنا عشر الذي ذكرهم في قوله: (وجعلها كلمة باقية في عقبه) (1). وأسند ابن النجار النحوي إلى أبي هريرة قول النبي صلى الله عليه وآله في علي: ألا إنه المبلغ عني، والإمام بعدي، وأبو الأئمة الزهر الاثني عشر ومنها مهدي هذه الأمة الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا لا تخلو الأرض منهم ولو خلت لساخت بأهلها. وأسند محمد بن وهبان إلى أبي هريرة قول النبي صلى الله عليه وآله: من أراد أن يحيى. حياتي، ويموت ميتتي فليتول علي بن أبي طالب، وليقتد بالأئمة من بعده عدد ؟ الأسباط. وأسند الشيباني إلى أبي هريرة: الصدقة لا تحل لي ولا لأهل بيتي، قال: ومن هم ؟ قال: عترتي من لحمي ودمي، هم الأئمة من بعدي، عدد نقباء بني إسرائيل.


(1) الزخرف 28.

[ 115 ]

وأسند الحارث بن ربعي إلى قتادة قول النبي صلى الله عليه وآله: الأئمة بعدي عدد نقباء بني إسرائيل وعن المفضل عن أبي قتادة نحوه. وعن المفضل عن فاطمة عليها السلام نحوه وأسند علي بن الحسن عن أبي قتادة نحوه. وأسند محمد بن وهبان إلى قتادة قول النبي صلى الله عليه وآله: كيف تهلك أمة أنا أولها واثنا عشر من بعدي أئمتها، إنما يهلك فيما بين ذلك ثبج أعوج (1) لست منهم و ليسوا مني. ونحوه أسند الشيباني إلى أبي قتادة. وأسند الشيخ أبو جعفر محمد بن علي أن سمرة قال: يا رسول الله أرشدني إلى النجاة، فقال صلى الله عليه وآله: إذا اختلف الأهواء فعليك بعلي، فإنه إمام أمتي، و خليفتي عليهم من بعدي، من سأله أجابه، ومن طلب الحق عنده وجده، ومن استمسك به نجى، ومن اقتدى به هدى، سلم من سلم له وهلك من عاداه ورد عليه منه إماما أمتي سيدا شباب أهل الجنة الحسن والحسين، وتسعة من ولد الحسين تاسعهم قائمهم، يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، وأسند الشيخ علي بن محمد الخزاز إلى الخدري نحوه، وأسند إليه علي بن الحسين أيضا، و علي بن الحسين أيضا ومحمد بن جرير الطبري إلى الخدري نحوه، [ وصاحب الكفاية أيضا (1) ] وأسنده الشيباني والصفواني عن الخدري وفي بعضها ومنهم مهدي هذه الأمة. وأسند صاحب الكفاية إلى زيد بن ثابت نحوه، وفي آخره والتاسع منهم قائمهم، وأسند محمد بن عبد الله إلى زيد بن ثابت نحوه، وفي آخره من صلب الحسين عليه السلام تخرج الأئمة التسعة منهم مهدي هذه الأمة. وأسند أبو صالح إلى زيد بن ثابت قول النبي صلى الله عليه وآله: لا تذهب الدنيا حتى


(1) الثبج: المتوسط بين الخيار والرذال، والأعوج: المائل البين العوج، و السيئ الخلق. (1) المراد بالكفاية هو كتاب كفاية الأثر في النصوص على الأئمة الاثني عشر ومؤلفه هو علي بن محمد الخزاز، فما جعلناه بين المعقوفتين تكرار.

[ 116 ]

يقوم بأمر أمتي رجل من صلب الحسين عليه السلام يملأها عدلا كما ملئت جورا قلنا: من هو ؟ قال: هو الإمام التاسع من ولد الحسين عليه السلام، وبمعناه حدث الحسين بن علي الرازي وفي آخره إنه ليخرج من صلب الحسين أئمة أبرار معصومون، منها مهدي هذه الأمة، الذي يصلي عيسى بن مريم خلفه، وهو التاسع من صلب الحسين عليه السلام. وأسند صاحب الكفاية إلى زيد بن أرقم قول النبي صلى الله عليه وآله لعلي: أنت سيد الأوصياء، وابناك سيدا شباب أهل الجنة، ومن خلف الحسين تخرج الأئمة التسعة، إذا مت ظهرت لك ضغائن في صدور قوم يتمالؤون عليك ويمنعوك حقك. وأسند الحسين (1) إلى زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وآله خطب الناس وزهدهم في الدنيا وقال: أوصيكم بعترتي وهم الأمناء المعصومون بعدي، فقال ابن عباس: وكم هم ؟ قال: عدد نقباء بني إسرائيل وحواري عيسى، تسعة من صلب الحسين منهم مهدي هذه الأمة إن الله عهد إلي، ونحوه أسند أحمد بن عبد الله بن الحسن إلى عمران بن حصين ونحوه أسند محمد بن عبد الله بن المطلب إلى عمران بن حصين ونحوه أسند علي بن محمد بن الحسن إلى عمران بن الحصين. وأسند علي بن محمد القمي إلى أبي أمامة قول النبي صلى الله عليه وآله: لا تقوم الساعة حتى يقوم قائم الحق منا، إذا صارت الدنيا هرجا مرجا، وهو التاسع من صلب الحسين. وأسند علي بن محمد إلى أبي أمامة قول النبي صلى الله عليه وآله: الأئمة بعدي اثنا عشر كلهم من قريش تسعة من صلب الحسين والمهدي منهم. وأسند المعافا ابن زكريا إلى واثلة بن الأسقع قول النبي صلى الله عليه وآله: الأئمة بعدي اثنا عشر من أحبهم واقتدى بهم فاز ونجى، ومن تخلف عنهم ضل وغوى. وأسند الشيباني إلى واثلة قول النبي صلى الله عليه وآله لا يتم الإيمان إلا بمحبتنا أهل البيت، عهد الله أنه لا يحبنا إلا مؤمن تقي، ولا يبغضنا إلا منافق شقي، طوبى


(1) هو الحسين بن علي أبو الفتوح الرازي.

[ 117 ]

لمن تمسك بي، وبالأئمة الأطهار من ذريتي، قيل: فكم الأئمة بعدك ؟ قال صلى الله عليه وآله: عدد نقباء بني إسرائيل وأسند الحسين بن سعيد إلى واثلة نحوه. وأسند الخزاز إلى واثلة قول الله للنبي صلى الله عليه وآله في الإسراء: يا محمد ما أرسلت نبيا فانقضت أيامه إلا وأقام بالأمر من بعده وصيه، فاجعل علي بن أبي طالب الوصي بعدك، ثم أراه اثني عشر نورا وقال: يا محمد هؤلاء أسماء الأئمة بعدك أمناء معصومون، ونحوه أسند محمد بن عبد الله برجاله إلى حذيفة بن اليمان وفيه: رأيت في ساق العرش مكتوبا بالنور (لا إله إلا الله، محمد رسول الله أيدته بعلي ونصرته به) ثم رأيت أنوار الحسنين وفاطمة والأئمة من ولدها، ونحو هذا روت أم سلمة وذكرت أسماءهم وأن المهدي آخرهم. وأسند الموفق الخوارزمي وهو المسمى عندهم بصدر الأئمة برجاله أن النبي صلى الله عليه وآله ليلة الأسرى قال له الله تعالى: يا محمد بن خلفت لأمتك ؟ قال: خيرهم قال: علي بن أبي طالب ؟ قلت: نعم، فقال لي: يا محمد اعلم أني اطلعت إلى أهل الأرض فاخترتك، وثانية فاخترت عليا، فخلقتك وخلقته، وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ولده من نوري، وعرضت ولايتكم على أهل السماوات والأرض، فمن قبلها كان عندي من المؤمنين، ومن جحدها كان عندي من الكافرين، ولو أن عبدا عبدني حتى ينقطع ويصير كالشن البالي ثم أتاني جاحدا لولايتكم ما غفرت له حتى يقر بولايتكم. ثم أراهم إياه بأسمائهم والمهدي في وسطهم. وأسند محمد بن وهبان إلى سعيد بن مالك قول النبي صلى الله عليه وآله لعلي: حبك إيمان وبغضك نفاق، ولقد نبأني اللطيف الخبير أنه يخرج من صلب الحسين تسعة من الأئمة معصومون مطهرون، ومنهم مهدي هذه الأمة الذي يقوم بالدين في آخر الزمان، كما قمت في أوله. وأسند محمد بن وهبان إلى حذيفة بن أسيد حديث الحوض فلما أوصى النبي صلى الله عليه وآله بعترته ثلاثا قال سلمان: كم الأئمة بعدك ؟ قال: عدد نقباء بني إسرائيل تسعة من صلب الحسين أعطاهم الله علمي وفهمي، لا تعلموهم فإنهم أعلم

[ 118 ]

منكم، واتبعوهم فإنهم مع الحق والحق معهم. وأسند الحسين بن محمد إلى حذيفة بن أسيد نحوه وفي آخره: ومنها مهدي هذه الأمة، ونحوه أسند أبو جحيفة إلى حذيفة. وأسند أبو المفضل الخثمعي الكوفي إلى عمار بن ياسر: علي مني وأنا منه وإنه أبو سبطي والأئمة بعدي، منهم مهدي هذه الأمة إن الله عهد إلي أنه يخرج من صلب الحسين تسعة تاسعهم يغيب عنهم طويلا، يرجع عنه قوم، ويثبت عليه آخرون، وذلك قوله تعالى: (قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين (1)) فإذا كان آخر الزمان يخرج فيملأ الأرض قسطا وعدلا يا عمار سيكون بعدي فتنة فاتبع عليا إنه مع الحق والحق معه. وأسند صاحب الكفاية إلى أبي ذر قول النبي صلى الله عليه وآله له في مرضه: فاطمة بضعة مني، من آذاها فقد آذاني، بعلها سيد الوصيين، وابناها إمامان قاما أو قعدا، وأبوهما خير منهما، وسوف يخرج من صلب الحسين تسعة معصومون قوامون بالقسط، ومنها مهدي هذه الأمة والأئمة بعدي عدد نقباء بني إسرائيل، ونحوه عنه من طريق آخر، وفيه لا يزال الدعاء محجوبا حتى يصلى علي وعلى أهل بيتي وأسند صاحب المقتضب من طرق العامة إلى سلمان قول النبي صلى الله عليه وآله للحسين: أنت إمام بن إمام أبو أئمة تسعة، تاسعهم قائمهم أفضلهم. وأسند صاحب الكفاية إلى سلمان قول النبي صلى الله عليه وآله: الأئمة بعدي اثنا عشر عدة شهور الحول ومنها مهدي هذه الأمة، له غيبة موسى، وبهاء عيسى، وحكم داود، وصبر أيوب. وأسند إلى سلمان بطريق آخر قول النبي صلى الله عليه وآله: الأئمة من بعدي اثنا عشر وفي كتاب كشف الحيرة أن سلمان سأل النبي صلى الله عليه وآله عن الذين قال الله فيهم: (لتكونوا شهداء على الناس (2)) قال: هم ثلاثة عشر رجلا خاصة أنا وأخي علي


(1) الملك: 30. (2) البقرة: 143.

[ 119 ]

وأحد عشر من ولده. وأسند أخطب خوارزم برجاله إلى سليم بن قيس الهلالي قول النبي صلى الله عليه وآله للحسين: أنت سيد ابن سيد، أبو سادة تسعة، إمام بن إمام، أبو أئمة تسعة، أنت حجة ابن حجة، أبو جحج تسع من صلبك، تاسعهم قائمهم، ورواه الشيخ أبو جعفر عن سالم عن سلمان. وأسند في مراصد العرفان إلى سلمان حين سأله من الخليفة بعدك يا رسول الله ؟ قال: أدخل على أبا ذر والمقداد وأبا أيوب، فقال: اشهدوا وافهموا أن عليا وصيي، ووارثي، وقاضي ديني، وحامل لوائي، وولده بعده، ثم من ولد الحسين أئمة تسعة هداة إلى يوم القيامة، أشكو إلى الله جحد أمتي له وأخذهم حقه. وأسند الشيخ محمد بن علي إلى سليم إلى سلمان قول النبي صلى الله عليه وآله لفاطمة في مرضه - وقد بكت وقالت: أخشى الضيعة بعدك - فقال صلى الله عليه وآله: إن الله اطلع إلى الأرض اطلاعة فاختارني نبيا، وثانية فاختار بعلك وصيا، أول الأوصياء بعده حسن، ثم حسين، ثم تسعة من ولد الحسين. وقريب من هذا أسند صاحب الكفاية والكيدري في بصائر الأنس عن القاسم بن حسان عن جابر بن عبد الله إلى أن قال: ويخرج الله من صلب الحسين تسعة أمناء معصومين ومنا مهدي هذه الأمة، يقوم بالدين في آخر الزمان كما قمت به في أوله، يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا وظلما، وقد سلف نحو هذا وسيأتي نحوه أيضا من صاحب الكفاية مسندا إلى ابن عباس وأسند نحوه التلعكبري إلى فاطمة. وأسند الإمام محمد بن جرير الطبري في كتاب المناقب المؤلف على حروف المعجم، المجموع من روايات المصريين ومكة والمدينة والشام إلى جابر قول النبي صلى الله عليه وآله لعلي: أنت أخي ووزيري في الدنيا والآخرة تختم بالعقيق الأصفر فإنه أول حجر أقر لله بالربوبية، ولي بالنبوة ولك بالخلافة ولذريتك بالإمامة، ولشيعتك ومحبيك بالجنة. وأسند الخزاز إلى سلمان أن النبي صلى الله عليه وآله وضع يده على كتف الحسين عليه السلام

[ 120 ]

وقال: إنه إمام ابن الإمام، تسعة من صلبه أئمة أبرار، أمناء معصومون، والتاسع قائمهم. وفي أحاديث سليم قال: سمعت عبد الله ابن جعفر الطيار يقول: قلت لمعاوية سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: إني أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم أخي علي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ فإذا استشهد فابني الحسن أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ ثم ابني الحسين أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا استشهد فابنه علي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ثم ابنه محمد أولى بالمؤمنين من أنفسهم يكمله (1) اثنى عشر إماما تسعة من ولد الحسين قال عبد الله: واستشهد على ذلك الحسن، والحسين، وابن عباس، وأبا سلمة وأسامة بن زيد فشهدوا عند معاوية قال سليم: وكنت سمعت ذلك من سلمان وأبي ذر والمقداد وأسامة أنهم سمعوه من النبي صلى الله عليه وآله، وروى ذلك الشيخ الطوسي بطريقين عن الكليني. وأسند الشيخ أحمد بن محمد الجوهري إلى جابر الأنصاري صلى الله عليه وآله: اختار الله من الأيام الجمعة، ومن الليالي القدر، ومن الشهور رمضان، واختارني وعليا واختار من علي الحسن والحسين، حجة الضالين، تاسعهم قائمهم أعلمهم وأحكمهم وأسند نحوه صاحب المقتضب وأبو جعفر ابن بابويه إلى الباقر عليه السلام. وفي حديث جابر لما اجتمع بالباقر عليه السلام وأبلغه سلام رسول الله صلى الله عليه وآله حكى عنه أنه قال: إنه سميي وأشبه الناس بي، علمه علمي، وحكمه حكمي سبعة من ولده أمناء معصومون، أئمة أبرار والسابع مهديهم الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وآله (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا) (2) الآية. وذكر صاحب البصائر عن جابر قول النبي صلى الله عليه وآله: ابناي خير الأسباط، و تسعة من صلب الحسين أئمة أبرار، والتاسع قائمهم يملأ الأرض قسطا وعدلا يقاتل على التأويل كما ؟ قاتلت على التنزيل.


(1) تكملة خ ل. (2) الأنبياء: 73.

[ 121 ]

وأسند جعفر بن محمد الدوريستي قول ابن عباس للنبي صلى الله عليه وآله حين حضرته الوفاة: إذا كان ما نعوذ بالله منه فإلى من ؟ فأشار إلى علي، وقال: إلى هذا فإنه مع الحق والحق معه، ثم يكون من بعده أحد عشر إماما مفترضة طاعتهم كطاعته. وأسند محمد بن علي القطان إلى ابن عباس قول النبي صلى الله عليه وآله: أوصيائي بعدي اثنا عشر أولهم علي بن أبي طالب وآخرهم القائم ونحوه أسند الشيخ محمد بن علي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. وأسند ابن بابويه إلى ابن عباس قول النبي صلى الله عليه وآله: أنا وعلي والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين مطهرون معصومون، وأسند صاحب الكفاية إلى ابن جبير إلى ابن عباس قول النبي صلى الله عليه وآله: إن الله اطلع إلى الأرض فاختارني فجعلني نبيا، وثانية فاختار عليا، وأمرني أن اتخذه وصيا، فهو أبو سبطي جعلني الله وإياهم حججا على عباده، وجعل من صلب الحسين أئمة يقومون بأمري ويحفظون وصيتي، والتاسع منهم قائم أهل بيتي، وأشبه الناس بي، يظهر بعد غيبة طويلة وحيرة مضلة. وذكر الكيدري في بصائر حديثا مسندا إلى ابن عباس وهو قول النبي صلى الله عليه وآله: ناداني ربي في المعراج: فيم اختصم الملأ الأعلى ؟ قلت: إلهي وسيدي أنت أعلم قالت: هلا اتخذت من الآدميين وزيرا قلت: اختر لي أنت يا إلهي قال: قد اخترت علي بن أبي طالب، هو وارثك وصاحب لوائك، أقسمت على نفسي أن لا يشرب منه مبغض لك ولأهلك حقا أقول: لأدخلن الجنة جميع أمتك إلا من أبى، قلت: يا رب وأحد يأبى دخول الجنة ؟ قال: من أبى حق علي، قلت: يا رب وما حق علي ؟ قال: حقه على أمتك كحقك عليهم في حياتك، فمن أبى أن يواليه فقد أبى أن يدخل الجنة، عزيمة مني لا يدخل الجنة من أبغضه وعاداه وأنكر ولايته، وقد أعطيتك أن أخرج من صلبه أحد عشر مهديا آخر رجل منهم يصلي عيسى خلفه. وأسند جعفر بن محمد الدوريستي إلى العباس بن عبد المطلب قول النبي صلى الله عليه وآله

[ 122 ]

يا عم يملك من ولدي اثنا عشر خليفة ثم تكون أمور كريهة وشدة عظيمة، ثم يخرج المهدي من ولدي يصلح الله تعالى أمره في ليلة فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، ويمكث ما شاء الله، ثم يخرج الدحال. وذكر صاحب البصائر وصاحب الكفاية حديثا مسندا إلى عمر بن الخطاب هو قول النبي صلى الله عليه وآله: الأئمة بعدي اثنا عشر، ورواية عمر بن الخطاب في هذا الباب فصل الخطاب. وأسند علي بن الحسين إلى عمر قول النبي صلى الله عليه وآله: عترتي من ولد علي و فاطمة، وتسعة من صلب الحسين أئمة أبرار، هم عترتي من لحمي ودمي. وأسند علي بن الحسين إلى ابن المسيب إلى عمر قول النبي صلى الله عليه وآله: الأئمة بعدي تسعة من صلب الحسين، منها مهدي هذه الأمة من تمسك من بعدي بهم فقد استمسك بحب الله. وأسند الدوريستي أن المثنى سأل عائشة كم خليفة بعد الرسول صلى الله عليه وآله فقالت: أخبرني باثني عشر أسماؤهم عندي مكتوبة بإملائه، فقلت: اعرضيها علي فأبت. وأسند صاحب الكفاية إلى أم سلمة حين سألت النبي صلى الله عليه وآله عن قوله تعالى: (فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم (1)) الآية، قال: (الذين أنعم الله عليهم من النبيين) أنا (والصديقين) علي بن أبي طالب (والشهداء) الحسنان (والصالحين) حمزة (وحسن أولئك رفيقا) الأئمة الاثنا عشر. وأسند الحسين بن محمد إليها قول النبي صلى الله عليه وآله: الأئمة بعدي عدد نقباء بني إسرائيل تسعة من صلب الحسين أعطاهم الله علمي وفهمي، فالويل لمبغضيهم. وأسند علي بن محمد عن علي بن الحسين إلى فاطمة قالت: سألت أبي عن قول الله تعالى: (وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم (2)) قال: هم الأئمة بعدي علي وسبطاي، وتسعة من صلب الحسين، لا يدخل الجنة إلا من عرفهم و


(1) النساء: 69. (2) الأعراف: 48.

[ 123 ]

يعرفونه، والنار من أنكرهم وينكرونه. وأسند الكوفي إلى محمود بن أسيد أنه سأل فاطمة عليها السلام هل نص النبي صلى الله عليه وآله قبل وفاته على علي بالإمامة ؟ فقالت: واعجبا أنسيت يوم غدير خم ؟ قلت: قد كان ذلك فأخبريني بما أسر إليك، قالت: أشهد بالله أني سمعته يقول: علي خير من أخلفه فيكم، وهو الإمام والخليفة بعدي، وسبطاي وتسعة من ولد الحسين أئمة أبرار، لئن اتبعتموهم وجدتموهم هادين مهديين، ولئن خالفتموهم ليكونن الخلاف فيكم إلى يوم القيامة. ثم قالت: أما والله لو تركوا الحق على أهله، لما اختلف في الله اثنان و لورثها خلف بعد خلف، حتى يقوم التاسع من ولد الحسين، ولكنهم قدموا من أخر الله بشهادتهم، وأخروا من قدم بآرائهم، ولم يسمعوا ما قال الله: (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة من أمرهم (3). وأسند علي بن محمد أن فاطمة عليها السلام ناولت النبي صلى الله عليه وآله الحسين ملفوفا في خرقة فرده إليها وقال: إنه الإمام أبو أئمة تسعة من صلبه أئمة أبرار التاسع قائمهم وأسند مثله من طريق آخر. (4) فصل لما تقرر بما سلف تعيينهم من غيرهم، وقامت الحجة بنقل من سواهم فيهم فخليق أن نذكر ما صدر في ذلك عنهم، فنبدء بجملة، ليكون على نسق ما سبق فإذا أتينا بالمفصل من غيرهم بعد هذا كما وعدنا، أتينا بالمفصل منهم إن شاء الله تعالى. علي عليه السلام: أسند الشيخ الجليل أبو جعفر بن بابويه [ إلى ابن نباتة ] (2) قال: خرج علينا علي وفي يده يد ولده الحسن، وقال: هكذا خرج النبي صلى الله عليه وآله ويده في يدي، وقال:


(1) القصص: 68 (2) الزيادة من نسخة كمال الدين ص 150.

[ 124 ]

خير الخلق بعدي وسيدهم أخي هذا، وهو إمام كل مسلم ومولى كل مؤمن، وأنا أقول في ابني هذا مثل قوله ألا إنه سيظلم بعدي كما ظلمت بعد رسول الله، وخير الخلق بعده الحسين الشهيد، ومن بعده تسعة من صلبه، خلفاء الله في أرضه، وحججه على عباده، تاسعهم القائم لقد نزل بذلك الوحي. وسئل النبي صلى الله عليه وآله عنهم وأنا عنده، فقال: (والسماء ذات البروج (1)) [ ثم ] إنهم كعدد البروج، أولهم هذا، ووضع يده على رأسي، وآخرهم المهدي من والاهم فقد والاني ومن عاداهم فقد عاداني، وهم خلفائي وأئمة المسلمين بعدي. وأسند الشيخ أبو جعفر بن بابويه إلى أبي جعفر الثاني إلى آبائه إلى علي عليه السلام قول علي عليه السلام لابن عباس: ليلة القدر في كل سنة ويبين فيها أمر السنة وكذلك ولاة الأمر من بعد رسول الله صلى الله عليه وآله قال ابن عباس: من هم ؟ قال: أنا وأحد عشر من صلبي أئمة مهديون محدثون ونحوه روى الشيخ أبو جعفر الطوسي. وفي أحاديث الكليني عن النبي صلى الله عليه وآله آمنوا بليلة القدر فإنه ينزل فيها أمر السنة وكذلك ولاة الأمر من بعدي علي بن أبي طالب وأحد عشر من ولده. وأسند علي بن محمد القمي إلى علي عليه السلام قول النبي صلى الله عليه وآله: أنت الوصي على الأموات من أهل بيتي، والخليفة على الأحياء من أمتي، وأنت أبو الأئمة الإحدى عشر من صلبك، مطهرون معصومون، ومنهم المهدي. وأسند أيضا بطريق آخر إلى علي عليه السلام قول النبي صلى الله عليه وآله: الأئمة بعدي من ذريتك عدد نقباء بني إسرائيل من رد عليهم وأنكرهم فقد رد علي وأنكرني. وأسند صاحب المقتضب إلى أبي الطفيل قول علي عليه السلام يقول: ليلة القدر كل سنة على الوصاة بعد النبي صلى الله عليه وآله قلت: ومن الوصاة ؟ قال: أنا وأحد عشر من صلبي الأئمة المحدثون، وروي ذلك عن ابن عباس. وأسند أبو جعفر بن بابويه قول النبي صلى الله عليه وآله كيف تهلك أمة أنا وعلي وأحد عشر من ولدي أولوا الألباب أولها، والمسيح آخرها، ولكن يهلك بين


(1) البروج: 1.

[ 125 ]

ذلك من لست منه وليس مني وقد سلف ونحوه أسند حمزة بن علي إلى الصادق إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وأسند علي بن محمد بن الحسين عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وأسند أن يهوديا سأل عمر فأرشده إلى علي عليه السلام فقال: أخبرني كم بعد نبيكم إمام ؟ وفي أي جنة هو ؟ ومن يسكن معه ؟ فقال عليه السلام: اثنا عشر، وهم مع النبي صلى الله عليه وآله في جنة عدن، فأسلم اليهودي وقال: أنت أولى بهذا المجلس من هذا، أنت الذي تفوق ولا تفاق. وذكره صاحب البصائر مسندا بإسناد الشيخ الطوسي برجاله، والشيخ المفيد برجاله، وفي آخره إني لأجد ذلك في كتب أبي هارون بيده. ورواه أيضا الشيخ أبو جعفر بن بابويه برجاله وذكره صاحب المقتضب برجاله من طرق العامة، وزاد فيه إنه أخرج إلى علي كتابا فعرف اسمه وقال: إنه عبراني وأنت عربي ؟ فقال: نعم اسمي في التوراة هابيل، وفي الإنجيل حيدار فحلف أنه بخط أبيه، وإملاء موسى يتوارثونه. وأسند أبو جعفر بن بابويه إلى الرضا إلى آبائه أب أب إلى علي عليهم السلام قول النبي صلى الله عليه وآله: ما خلق الله أفضل مني، إن الله فضل المرسلين على الملائكة المقربين وفضلني على المرسلين، والفضل بعدي لك يا علي، وللأئمة من بعدك، إن الله تعالى خاطبني في الأسرى بأنك نوري في عبادي، ولأوصيائك أوجبت كرامتي ولشيعتهم أوجبت ثوابي، ثم أراني اثني عشر نورا على ساق العرش، في كل نور اسم وصي أولهم علي، وآخرهم المهدي، ثم ناداني يا محمد وعزتي وجلالي لأظهرن بهم ديني، ولأطهرن الأرض بآخرهم من أعدائي، ولأنصرنهم بجندي، حتى تعلو دعوتي، وتجتمع الخلق على توحيدي ولأداولن الأيام إلى يوم القيامة بين أوليائي، وهذا حديث طويل اشتمل على تعليمهم الملائكة تسبيح ربهم، وعلى عظم الثناء عليهم، أخذنا منه موضع الفرض من هذا الكتاب. وأسند الحاجب إلى الحسن العسكري إلى آبائه أب أب إلى علي عليهم السلام

[ 126 ]

قول النبي صلى الله عليه وآله: الأئمة من ولدك ينظرون بنور الله قذف الحكمة في قلوبهم أولهم أنت، وأوسطهم علي، وآخرهم مهدي يملأ الأرض عدلا. وأسند علي بن محمد إلى علي عليه السلام قول النبي صلى الله عليه وآله: ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة ناجية، وهم المتمسكون بولايتكم لا يعملون برأيهم أولئك ما عليهم من سبيل، وسأله عن الأئمة فقال صلى الله عليه وآله: عدد نقباء بني إسرائيل. وأسند ابن بابويه إلى زين العابدين عليه السلام إلى علي عليه السلام قول النبي صلى الله عليه وآله الأئمة من بعدي اثنا عشر أولهم أنت يا علي، وآخرهم القائم المهدي، يفتح الله على يده مشارق الأرض ومغاربها، ورواه محمد بن الحسن عن سعد بن عبد الله وعبد الله الحميري ومحمد بن يحيى وأحمد بن إدريس عن ابن أبي الخطاب وأحمد بن عيسى والبرقي وإبراهيم بن هاشم عن الحسن بن علي بن فضال. وبهذه الطرق أن الأصبغ دخل على علي فوجده متفكرا فقال: فيم ؟ فقال: في الحادي عشر من ولدي، هو المهدي يكون له حيرة وغيبة يضل فيها قوم، و يهتدي فيها آخرون، أولئك خيار هذه الأمة مع أبرار هذه العترة، ونحوه أسند ابن بابويه بطريقين إلى علي عليه السلام. وأسند ابن ماجيلويه إلى الرضا إلى آبائه عليهم السلام قول النبي صلى الله عليه وآله: من أحب أن يستمسك بديني ويركب سفينة النجاة بعدي، فليقتد بعلي فإنه خليفتي على أمتي، قوله قولي، وأمره أمري، من فارقه فارقني، لم يرني ولم أره يوم القيامة وحرم الله تعالى عليه الجنة، والحسن والحسين إماما أمتي بعد أبيهما، ومن ولد الحسين أئمة تسعة تاسعهم القائم، طاعتهم طاعتي، إلى الله أشكو المنكرين لفضلهم المضيعين حرمتهم بعدي ونحوه أسند أحمد بن زياد إلى الرضا إلى آبائه عليهم السلام إلى النبي صلى الله عليه وآله. وأسند علي بن الحسين عليه السلام أن رجلا قال لعلي عليه السلام تدعى أمير المؤمنين فمن أمرك عليهم ؟ قال: الله تعالى، قال: فغضب فقال له النبي صلى الله عليه وآله: هو أمير المؤمنين بولاية من الله عقدها له فوق عرشه، من جهله فقد جهلني، ومن جحد إمرته فقد

[ 127 ]

جحد رسالتي، وهو زوج ابنتي، وأبو ولدي، أنا وعلي وفاطمة والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين حجج الله على خلقه. وروى سليم برجاله قول النبي صلى الله عليه وآله لعلي: قد استجاب الله تعالى فيك و في شركائك من بعدك الذين قرن الله طاعتهم بطاعته وطاعتي في قوله تعالى: (و أولي الأمر منكم (1)) أولهم أنت يا علي، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم سيد العابدين، ثم محمد الباقر، ثم تكملة اثني عشر إماما من ولدك يا حسين إلى مهدي أمة محمد، والله والله إني لأعرفه باسمه، حيث يبايع له بين الركن والمقام، وأعرف اسم أنصاره وقبائلهم. قال سليم: فلقيت الحسنين فحدثتهما به فقالا: صدقت وحدثت به علي بن الحسين فقال: أقرأنيه أمير المؤمنين عن رسول الله صلى الله عليه وآله. قال أبان بن أبي عياش: حدثت علي بن الحسين بذلك عن سليم فقال: صدق قال أبان: فلقيت الباقر فحدثته فقال: صدق وأورده جعفر بن بابويه. وأسند قول النبي صلى الله عليه وآله لابن مسعود علي بن أبي طالب إمامكم بعدي، و خليفتي عليكم، فإذا مضى فالحسن، فإذا مضى فالحسين، ثم تسعة من ولد الحسين واحد بعد واحد، قائمهم تاسعهم، لا يحبهم ويواليهم إلا مؤمن طابت ولادته، ولا يبغضهم ويعاديهم إلا كافر خبثت ولادته، من أنكر واحدا منهم فقد أنكرني، ما أنا ناطق عن الهوى في على والأئمة من ولده. وأسند علي بن محمد إلى الصادق إلى آبائه عليهم السلام قول رسول الله صلى الله عليه وآله: الأئمة بعدي اثنا عشر أولهم علي بن أبي طالب، وآخرهم القائم، هم خلفائي، المقر بهم مؤمن، والمنكر لهم كافر. وأسند أيضا إلى علي عليه السلام قول النبي صلى الله عليه وآله: قال الله تعالى: لأعذبن كل رعية دانت بإمام جائر وإن كانت في نفسها برة تقية، ولأرحمن كل رعية دانت بإمام عادل مني وإن كانت في نفسها غير برة تقية. * (هامش) (1) النساء: 59.

[ 128 ]

قلت: فكم يكون بعدك ؟ قال: تسعة من ولد الحسين عليه السلام تاسعهم قائمهم يحزن لفقده أهل الأرض والسماء فكم مؤمن متأسف حيران، كأني بهم آيس ما يكون إذ نودي في رجب ثلاثة أصوات: نداء يسمع من البعد كالقرب (ألا لعنة الله على الظالمين (1)) والثاني (أزفة الآزفة (2)) والثالث يرون بدنا مع قرن الشمس أن الله قد بعث فلان بن فلان حتى ينسبه إلى علي عليه السلام. الحسن عليه السلام: أسند عتبة الحمصي إلى الحسن عليه السلام قول النبي صلى الله عليه وآله: الأمر يملكه بعدي اثنا عشر إماما تسعة من صلب الحسين أعطاهم الله علمي وفهمي وأسند الشيباني إلى الصادق إلى آبائه إلى الحسن بن علي عليهم السلام قول النبي صلى الله عليه وآله: الأئمة بعدي عدد نقباء بني إسرائيل، وحواري عيسى، من أحبهم فهو مؤمن، ومن أبغضهم فهو كافر. وأسند الخزاز إلى جنادة ابن أبي أمية أنه دخل على الحسن عليه السلام في مرضه وهو يقذف الدم في طشت من سمه فقلت: ألا تعالج نفسك ؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله عهد إلينا أن هذا الأمر يملكه اثنا عشر إماما من ولد علي وفاطمة وما منا إلا مسموم أو مقتول وأسند نحوه الشيخ محمد بن علي بن الحسين إلى الحسن عليه السلام. وأسند القمي إلى الأصبغ بن نباتة قول الحسن عليه السلام الأئمة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله اثنا عشر تسعة من صلب الحسين ومنهم مهدي هذه الأمة ونحوه أسند علي بن الحسين إلى الحسن عليه السلام قول النبي صلى الله عليه وآله وفي آخره: متى يخرج القائم ؟ قال عليه السلام: مثله كالساعة، لا تأتيكم إلا بغتة ونحوه أسند علي بن محمد ومحمد ابن الحسن إلى الحسن عليه السلام. وأسند الشيخ الثقة محمد بن علي أن الحسن عليه السلام لما صالح معاوية لأمه بعض الناس فقال: للذي عملت خير مما طلعت عليه الشمس لشيعتي، ألا تعلمون أني إمامكم بنص رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قالوا: بلى فقال: الخضر لما خرق السفينة، وقتل الغلام


(1) هود: 18. (2) النجم: 68.

[ 129 ]

وأقام الجدار، كان ذلك سخطا لموسى إذ خفي عليه وجه الحكمة، فما منا إلا و يقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلا القائم وهو التاسع من ولد أخي يطيل الله عمره في غيبته، ثم يخرج في صورة شاب دون أربعين سنة. الحسين عليه السلام: أسند أبو جعفر ابن بابويه إلى الباقر عليه السلام إلى أبيه قول الحسين: أجلسني أنا وأخي جدي على فخذيه، وقال: بأبي أنتما وأمي من إمامين صالحين اختار كما الله مني ومن أبيكما وأمكما، واختار من صلبك يا حسين تسعة أئمة تاسعهم قائمهم كلكم في الفضل سواء. وأسند إلى الصادق إلى الباقر إلى أبيه قول الحسين عليهم السلام: في التاسع من ولدي سنة من يوسف، وسنة من عيسى، وهو قائمنا يصلح الله أمره في ليلة واحدة. وأسند أيضا إلى الحسين عليه السلام قائم هذه الأمة هو التاسع من ولدي وهو صاحب الغيبة يقسم ميراثه وهو حي وأسند أيضا إليه: منا اثنا عشر مهديا أولهم أمير المؤمنين وآخرهم التاسع من ولدي وهو القائم بالحق. وأسند صاحب المقتضب أيضا وصاحب الكفاية أيضا دخول الحسين عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله فوجده متفكرا مغموما فسأله فقال صلى الله عليه وآله: أتاني جبرائيل وقال: يقول لك رب العالمين: قد قضيت نبوتك فاجعل الاسم الأكبر وميراث علم النبوة عند علي بن أبي طالب فإني لا أترك الأرض إلا وفيها عالم تعرف به طاعتي، فإني لا أقطع علم النبوة من ذريتك كما لم أقطعه من ذريات الأنبياء قبلك، فعلي أخي وخليفتي وبعده أخوك وبعده أنت وتسعة من صلبك تكملة اثنا عشر إماما حتى يقوم قائمنا. وأسند أبو المفضل إلى الحسين عليه السلام قول النبي صلى الله عليه وآله: إن الله كتب على حواشي حجبه، وعلى أركان عرشه، وعلى أطوار أرضه، وعلى حدود لوحه: لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي وصيه، فمن زعم أنه يحب النبي ولا يحب الوصي

[ 130 ]

فقد كذب، ومن زعم أنه يعرف النبي ولا يعرف الوصي فقد كفر، ألا إن أهل بيتي أمان لكم فحبوهم كحبي: علي وسبطاه وتسعة من صلب الحسين عليه السلام. وأسند علي بن الحسن إلى الحسين عليه السلام أن أعرابيا أتى النبي ومعه ضب فقال: لا أؤمن بك حتى يؤمن هذا الضب، فقال النبي صلى الله عليه وآله للضب: من أنا قال: محمد بن عبد الله فأسلم الأعرابي وقال: هل بعدك نبي ؟ قال: لا، ولكن أئمة من ذريتي عدد نقباء بني إسرائيل أولهم علي وتسعة من صلب هذا، ووضع يده على صدري، والقائم تاسعهم. فمدح النبي صلى الله عليه وآله بشعر فحمله على ناقة، فقال قوم طمعا فجاء آخر وبقي يوما في الصفة لم يأكل شيئا فتقدم إلى النبي صلى الله عليه وآله وقال: يا أيها المرء الذي لا نعدمه * قد جئت بالحق وشئ نعلمه أنت رسول الله حقا نفهمه * ودينك الاسلام دين نعظمه نبغي مع الاسلام شيئا نقضمه فتبسم النبي صلى الله عليه وآله ودفعه إلى علي فأعطاه ناقة وحملها تمرا. وأسند الحسين عليه السلام: كان فيما بشرني النبي صلى الله عليه وآله به أن قال: أنت سيد ابن سيد [ أخو سيد ] أبو السادة تسعة من ولدك أئمة أبرار، والتاسع قائمهم، و نحوه أسند خالد الواسطي إلى أبيه إلى جده [ إلى ] الحسين عليه السلام. وأسند المفيد إلى الحسين بن علي عليه السلام أن الله تعالى خلق محمدا واثني عشر من أهل بيته من نور عظمته، هم الأئمة بعده، ونحوه أسند ابن بابويه. وأسند علي بن محمد القمي إلى علي بن الحسين قول أبيه عليهما السلام: عهد إلينا نبينا كون الأئمة بعده عدد نقباء بني إسرائيل ونحوه أسند الحسين بن محمد بن سعيد وروى نحوه علي بن محمد وعلي بن الحسن. علي بن الحسين عليه السلام: أسند الشيخ أبو جعفر إلى الكابلي دخل على زين العابدين عليهما السلام وقال: أخبرني عن الذين فرض الله طاعتهم، فقال: علي بن أبي طالب، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم أنا، وسكت. قلت: روي عن أمير المؤمنين أن الأرض لا تخلو من

[ 131 ]

حجة فمن الحجة بعدك ؟ قال: ابني محمد اسمه في التوراة الباقر: يبقر العلم، وبعده ابنه جعفر اسمه عند أهل السماوات الصادق، قلت: كيف ذلك وكلكم صادقون ؟ قال: حدثني أبي عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وآله أمر أن يسميه بذلك، وقال: الخامس من ولده اسمه جعفر يدعي الإمامة حسدا لأخيه وافتراء على الله فهو جعفر الكذاب عند الله كأني به وقد حمل طاغية زمانه على تفتيش أمر ولي الله، المغيب في حفظ الله. قلت: وإن ذلك لكائن ؟ قال: إي وربي ذلك مكتوب عندنا في الصحيفة التي فيها ذكر المحن التي تجري علينا، قلت: ثم يكون ماذا ؟ قال: تمتد غيبة الثاني عشر، وإن المنتظرين القائلين بإمامته، أفضل من أهل كل زمان، لأن الله تعالى أعطاهم من العقول ما صارت به الغيبة كالعيان. وأسند علي بن محمد إلى الكابلي أنه دخل على زين العابدين وسأله كم الأئمة بعدك ؟ فقال عليه السلام: ثمانية لأن الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وآله اثنا عشر ثلاثة من الماضين وأنا الرابع، وثمانية من ولدي، من أحبنا وعمل بأمرنا كان معنا، ومن رد علينا أو على واحد منا فهو كافر. وأسند المفضل إلى علي بن الحسين عليه السلام أنه كان يقول: ادعوا لي الباقر وقلت لابني الباقر، فقلت: ولم سميته الباقر ؟ فتبسم وقال: الإمامة في ولده إلى أن يقوم قائمنا، والأئمة بعده سبعة ومنهم المهدي. وأسند الحسين بن علي أن الزهري دخل على علي بن الحسين في مرضه وقال: إلى من نختلف بعدك ؟ قال عليه السلام: إلى ابني هذا - وأشار إلى محمد - وصيي و باقر العلم، سوف يختلف إليه خلاصة شيعتي، فيبقر لهم العلم بقرا، قلت: هلا أوصيت إلى أكبر أولادك ! قال عليه السلام: الإمامة ليست بالصغر والكبر، هكذا عهد إلينا رسول الله عليه السلام، ووجدناه في اللوح والصحيفة، قلت: فكم يكون الأوصياء من بعده، قال: وجدنا في الصحيفة واللوح اثني عشر إماما بأسمائهم وأسماء آبائهم و أمهاتهم، ثم قال: يخرج من صلب ابني محمد سبعة منهم المهدي.

[ 132 ]

الباقر عليه السلام: أسند المفيد إلى الباقر عليه السلام قال: من آل محمد اثنا عشر إماما كلهم محدثون. وأسند أيضا إلى الباقر عليه السلام قول النبي صلى الله عليه وآله: أنا واثنا عشر من أهل بيتي علي بن أبي طالب أولهم أوتاد الأرض، فإذا ذهبوا ماجت الأرض بأهلها ولم ينظروا وعن الكليني من عدة طرق إلى الباقر عليه السلام نحو ذلك، ونحوه روى أيضا أبو جعفر الطوسي وأبو جعفر ابن بابويه من طريقين وأسند نحوه علي بن محمد القمي إلى محمد بن مسلم إلى الباقر عليه السلام. وأسند الشيباني إلى الباقر عليه السلام: إنه لعهد عهده إلينا النبي صلى الله عليه وآله أن الأئمة بعده اثنا عشر: تسعة من صلب الحسين، ومنها المهدي (1) وأسند أبو جعفر ابن بابويه إلى الباقر عليه السلام ذكر سير الخلفاء الاثني عشر فلما بلغ آخرهم قال: الثاني عشر الذي يصلي عيسى بن مريم خلفه. وأسند أبو العباس: أن الباقر عليه السلام جمع ولده ثم أخرج إليهم كتابا بخط علي وإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وفيه حديث اللوح. وأسند علي بن الحسين إلى عبد الغفار قال: قلت للباقر عليه السلام: قد كبر سني ولا أرى فيكم ما أسر به، وقمت على قائمكم أقول: يخرج اليوم أو غدا، فقال: هو السابع من ولدي، وليس هذا أوان ظهوره، ولقد حدثني أبي عن آبائه قول النبي صلى الله عليه وآله: الأئمة بعدي اثنا عشر تسعة من صلب الحسين والتاسع قائمهم، يخرج في آخر الزمان. قلت: فإن كان كائن فإلى من بعدك ؟ قال: إلى ابني جعفر. الصادق عليه السلام: أسند الخزاز إلى مسعدة أن شيخا سلم على الصادق عليه السلام وقال: أقمت على قائمكم منذ مائة سنة أقول: هذا الشهر، هذه السنة، وقد اقترب أجلي ولا أرى فيكم ما أحب، فبكى الصادق عليه السلام [ لبكائه ] وقال: إن أدركت كنت معنا، وإلا جئت يوم القيامة في ثقل محمد إن قائمنا يخرج من صلب الحسن، والحسن من علي


(1) في النسخ هنا زيادة: (الباقر عليه السلام) وأظنه هامشا قد خلط بالمتن.

[ 133 ]

وعلي من محمد، ومحمد من علي وعلي من ابني موسى. نحن اثنا عشر معصومون فقال الشيخ: لا أبالي بعد ما سمعت هذا. وأسند النيشابوري في أماليه إلى الرقي أنه دخل على الصادق عليه السلام رجل وقال: ما أكذبكم ؟ تقولون: عرض الله ولايتكم على يونس، فلما استثقلها حبسه في بطن الحوت فقال عليه السلام: يا رقي خذ بيد الرجل وضع يدك على عينيه والأخرى على عينيك، وثب به، فوثبت وفتحت عيني وأنا على شاطئ الجال (1) مسيرة أربعة أيام من مدينة الرسول صلى الله عليه وآله فصلى عليه السلام وتفل في البحر فتشققت أمواجه فضج بالشهادتين والاقرار بعلي وأولاده الأئمة، وخرج شئ رافع رأسه كالجبل وقال: أنا زاليخا حوت يونس، فقال عليه السلام: لأي شئ حبس يونس فيك ؟ فقال: عرضت ولايتكم عليه، فقال: لا أقدر على حملها، فحبس في وكان يسبح بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين، فقال عليه السلام: يا رقي ثب فقمت وتركت الرجل فدخل عليه بعد أربعة أيام، وقال: لم يكن خلق أبغض إلي منك، والآن فما خلق أحب إلي منك، فهل من توبة ؟ فقال عليه السلام: من تاب تاب الله عليه. وأسند الحاجب إلى داود بن كثير الرقي أنه دخل على الصادق عليه السلام وهو يبكي فقال عليه السلام: ما يبكيك ؟ قال: قوم يزعمون أن الله لم يخصكم بشئ مما خص به غيركم ؟ فقال عليه السلام: كذب أعداء الله وركض الدار برجله، فإذا بحر وسفينة فركبنا وانتهينا إلى جزيرة وإذا فيها قباب من الدر، ونودي منها: مرحبا بالصادق والخلف الناطق، قلت: ما هذه ؟ قال: الأئمة كلما فقد منهم واحد انتهى إليها ثم رفع لنا الستر عن قبة فإذا فيها أمير المؤمنين عليه السلام فسلمنا عليه، ثم أتينا أخرى فإذا فيها الحسن عليه السلام فسلمنا عليه، ثم أخرى، فإذا فيها الحسين عليه السلام فسلمنا عليه، ثم أخرى فإذا فيها علي بن الحسين عليه السلام فسلمنا عليه، ثم أخرى فإذا فيها محمد الباقر عليه السلام فسلمنا عليه ثم قال لي: أنظر إلى يمين الجزيرة فنظرت فإذا خمس قباب بلا ستور قلت: لمن هذه ؟ قال عليه السلام: للأوصياء من ولدي، ثم قال


(1) الجال وهكذا الجول والجيل: ناحية البحر وجانبه قاله الفيروزآبادي.

[ 134 ]

لي: أنظر إلى وسط الجزيرة فنظرت فإذا قبة عالية فقال: هذه للقائم من آل محمد أشفيت صدرك ؟ قلت: نعم ثم رجعنا من حيث جئنا. وأسند محمد بن جعفر الآدمي إلى وهب بن منبه أن موسى نظر إلى شجرة في الطور وجدها ناطقة باسم محمد واثني عشر وصيا قال حسين بن علوان: فذكرت ذلك للصادق عليه السلام فقال: هم اثنا عشر: علي، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، ومن شاء الله. قلت: إنما سألتك لتفتيني بالحق، فقال عليه السلام: أنا وابني هذا وأومأ بيده إلى موسى بن جعفر عليه السلام والخامس من ولده يغيب شخصه، ولا يحل ذكره باسمه. وأسند الحسين بن إدريس قول الصادق عليه السلام: أن الله خلق أربعة عشر نورا قبل الخلق بأربعة عشر ألف عام، فهي أرواحنا: محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين آخرهم القائم بعد غيبته، يقتل الدجال، ويطهر الأرض. وأسند جماعة منا: سأل السابوري الصادق عليه السلام عن قوله تعالى: (أصلها ثابت وفرعها في السماء) (1) فقال: النبي صلى الله عليه وآله أصلها، وعلي فرعها والحسنان ثمرها، و تسعة من ولد الحسين أغصانها، والشيعة ورقها. وأسند المظفر بن جعفر العلوي إلى أبي بصير قول الصادق عليه السلام: يكون بعد الحسين تسعة أئمة تاسعهم قائمهم. وقد وجد من بقية الأئمة النص على المهدي عليه السلام وهو يستلزم العدد المذكور، وستسمعه قريبا إن شاء الله في هذا المسطور.


(1) إبراهيم: 30.

[ 135 ]

(5) فصل قد علمت أن النصوص متناجزة في أئمتنا عليهم السلام، متظاهرة في ساداتنا. وقد ذكرهم الله سبحانه في كتبه السالفة، وسخر لنقلهم الأمم الخالفة، ونقل النص بعددهم المخالف والمؤالف، ونطق بشرف قدرهم الجاهل والعارف، ووجدت الصفات المعتبرة في الاستحقاق في كل إمام، وحصلت الأسماء المنسوبة إليهم على الترتيب والنظام، وذلك أوضح دليل برهان، وأفصح حجة وبيان، على أنهم بعد النبي صلى الله عليه وآله أئمة الأزمان، وحجج الله على الإنس والجان. وقد جاء في قديم الأشعار، عدد الأئمة الأطهار: كشعر قس حكيم العرب فيهم، وشوقه إليهم وتحسره عليهم، وسيجئ وهو من الحجج اللامعة، والبراهين القاطعة، على ثبوت إمامتهم، وتحقيق ولايتهم، إذ لا يمكن حصول عرفانهم قبل أوانهم إلا بإعلام الخبير العلام. ومن الأشعار أيضا ما أسنده الشيخ العالم أحمد بن عياش أن عبد الملك بن مروان بعث إليه عامله على المغرب (1): بلغني أن مدينة من صفر بمفازة من الأندلس بناها الجن لسليمان، وأودعها الكنوز وأن الإسكندر استعد عاما كاملا للخروج إليها فاخبر بموانع دونها [ فلم يهم بها ظ ] لبعد مسافتها وصعوبتها، وأن أحدا لم يهم بها إلا قصر عنها، فكتب عبد الملك إلى عامله أن يكثر من الأزواد، ويخرج إليها ففعل وبلغها وكتب إلى عبد الملك بأمرها وفي آخر كتابه: رأيت عند سورها كتابة بالعربية فقرأتها وأمرت بنسخها وهي هذه: ليعلم المرء ذو العز المنيع ومن * يرجو الخلود وما حي بمخلود لو كان خلق ينال الخلد في مهل * لنال ذاك سليمان بن داود سالت له القطر عين القطر فائضة * بالقطر منه عطاء غير مردود فقال للجن ابنوا لي به أثرا * يبقى إلى الحشر لا يبلى ولا يودي


(1) وهو موسى بن نصر على ما في البحار ج 51 من طبعته الحديثة.

[ 136 ]

فصيروه صفاحا ثم هيلسة (1) * إلى السماء بإحكام وتجويد وأفرغ القطر فوق السور منصلتا * فصار أصلب من صماء جلمود وبث فيه كنوز الأرض قاطبة * وسوف تظهر يوما غير محدود وصار في قعر بطن الأرض مضطجعا * مضمنا بطوابيق الجلاميد لم يبق من بعده للملك باقية * حتى تضمن رمسا غير أخدود هذا ليعلم أن الملك منقطع * إلا من الله ذي النعماء والجود حتى إذا ولدت عدنان صاحبها * من هاشم كان منها خير مولود وخصه الله بالآيات منبعثا * إلى الخليقة منها البيض والسود له مقاليد أهل الأرض قاطبة * والأوصياء له أهل المقاليد هم الخلائف اثنا عشرة حجج * من بعده أولياء السادة الصيد حتى يقوم بأمر الله قائمهم * من السماء إذا ما باسمه نودي فلما قرأ عبد الملك الكتاب، قال: للزهري هل علمت من المنادي باسمه ؟ قال الزهري: إله عن ذلك، فقال عبد الملك: قل: ساءني أم سرني، قال الزهري: هو المهدي من ولد فاطمة قال: كذبت بل هو منا، قال الزهري: أنا رويته عن علي بن الحسين، فإن شئت فاسأله، قال عبد الملك: لا حاجة لي في سؤال بني أبي تراب، وإياك إن تسمع هذا أحدا، فقال الزهري: علي ذلك.


(1) وفي نسخة البحار ج 51 من طبعته الحديثة ص 165: (هيل له).

[ 137 ]

القطب الثاني * (في ذكر العدد المصاحب للأسماء والترتيب) * وفيه فصول وفيها نصوص وسأورد [ عند ] ذلك في آخر هذه النصوص: ذكر أعاظم رجالها، إذ السبيل وعر لكثرتها إلى حصرها بكمالها. فمن النصوص: الصحيفة التي أخرجها جابر وقال: اشهد بالله أني هكذا رأيته مكتوبا في اللوح. بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله العزيز العليم، لمحمد نوره وسفيره وحجابه ودليله، نزل به الروح الأمين من عند رب العالمين عظم يا محمد أسمائي واشكر نعمائي، ولا تجحد آلائي، إني أنا الله لا إله إلا أنا، قاصم الجبارين، و مذل الظالمين، وديان الدين، إني أنا الله لا إله أنا، فمن رجا غير فضلي، أو خاف غير عدلي، عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين. فإياي فاعبد، وعلي فتوكل، إني لم أبعث نبيا ثم أكملت أيامه وانقضت مدته، إلا جعلت له وصيا، وإني فضلتك على الأنبياء، وفضلت وصيك على الأوصياء، وأكرمته بشبليك بعده وسبطيك، حسن وحسين فجعلت حسنا معدن علمي بعد انقضاء مدة أبيه، وجعلت حسينا خازن وحيي وأكرمته بالشهادة، و ضمنت له السعادة، فهو أفضل من استشهد، وأرفع الشهداء درجة جعلت الكلمة التامة معه، والحجة البالغة عنده. بعترته أثيب وأعاقب أولهم سيد العابدين، وزين أوليائي الماضين، وابنه شبيه جده المحمود محمد الباقر لعلمي، والمعدن لحكمي، وسيهلك المرتابون في جعفر، الراد عليه كالراد علي، حق القول مني لأكرمن مثوى جعفر ولأسرنه في أشياعه وأنصاره وأوليائه، انتجبت بعده موسى وانتجبت (1) بعده فتنة عمياء حندس لأن خطة فرضي لا تنقطع، وحجتي لا تخفى، وإن أوليائي لا يشقون، ألا و


(1) في الكافي ج 1 ص 528 (أتيحت).

[ 138 ]

من جحد واحدا منهم ومن غير آية من كتابي فقد افترى علي، وويل للمفترين الجاحدين، عند انقضاء مدة عبدي موسى وحبيبي وخيرتي وإن المكذب بالثامن مكذب بكل أوليائي. علي وليي وناصري ومن أضع عليه أعباء النبوة وأمنحه الاضطلاع بها، يقتله عفريت متكبر يدفن بالمدينة التي بناها العبد الصالح إلى جنب شر خلقي، حق القول مني لأقرن عينيه بمحمد ابنه، وخليفته من بعده، فهو وارث علمي، ومعدن حكمي، وموضع سري وحجتي على خلقي، جعلت الجنة مثواه، وشفعته في سبعين من أهل بيته كلهم قد استوجب النار. فأختم بالسعادة لابنه علي ولي وناصري، والشاهد في خلقي، وأميني على وحيي، أخرج منه الداعي إلى سبيلي، والخازن لعلمي [ الحسن ] ثم أكمل ذلك بابنه رحمة للعالمين، عليه كمال موسى، وبهاء عيسى، وصبر أيوب، سيذل أوليائي في زمانه، ويهادون برؤوسهم كما تتهادى رؤس الترك فيقتلون ويخوفون، ويكونوا خائفين مرعوبين وجلين، تصبغ الأرض بدمائهم، ويفشو الويل والرنين في نسائهم أولئك أوليائي حقا بهم أرفع كل فتنة عمياء حندس، وبهم أكشف الزلازل وأرفع الآصال والأغلال، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون. قال عبد الله بن سالم قال أبو بصير: لو لم تسمع في دهرك إلا هذا الحديث لكفاك فصنه إلا عن أهله، وقد روي هذه الصحيفة عن جابر بنيف وأربعين رجلا ذكرهم صاحب عيون الرضا بأسمائهم وآبائهم، منهم الشيخ الجليل أبو جعفر الطوسي برجاله والشيخ أبو جعفر محمد بن علي برجاله، ومنهم محمد بن موسى المتوكل برجاله ومنهم محمد بن إبراهيم الطالقاني برجاله، ومنهم الفلكي مسندا إلى الصادق عليه السلام برجاله. وروى صحيفة أخرى بعبارة أخرى أولها أبو القاسم محمد المصطفى أمه آمنة بنت وهب أبو حسن علي بن أبي طالب المرتضى أمه فاطمة بنت أسد، أبو محمد الحسن ابن علي الزكي، أبو عبد الله الحسين بن علي الشهيد، أمهما فاطمة بنت محمد رسول الله، أبو محمد علي بن الحسين العدل أمه شهربانو، أبو جعفر محمد بن علي الباقر أمه أم عبد الله بنت الحسن بن علي بن أبي طالب، أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق

[ 139 ]

أمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، أبو إبراهيم موسى بن جعفر الكاظم أمه جارية اسمها حميدة، أبو الحسن علي بن موسى الرضا أمه جارية اسمها نجمة أبو جعفر محمد بن علي الزكي أمه جارية اسمها خيزران، أبو الحسن علي بن محمد الهادي أمه جارية اسمها سوسن، أبو محمد الحسن بن علي العسكري وأمه جارية اسمها سمانة، أبو القاسم محمد بن الحسن هو حجة الله على خلقه القائم المنتظر أمه جارية اسمها نرجس صلوات الله عليهم أجمعين ومنها ما أسنده الشيخ السعيد علي بن محمد الخزاز صاحب الكفاية إلى أنس ابن مالك إلى أبي ذر الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وآله ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر، روى أن النبي صلى الله عليه وآله قال: لما أسري بي أوحى الله إلى أني اطلعت إلى الأرض فاخترتك منها، فجعلتك نبيا، وثانية فاخترت عليا فجعلته وصيك، وأخرج من أصلابكم الذرية الطاهرة، والأئمة المعلومون خزان علمي أتحب أن تراهم ؟ قلت: نعم فنوديت: إرفع رأسك، فرفعت رأسي فإذا أنوار علي، والحسن والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن ابن علي، والمهدي يتلألأ بينهم كأنه كوكب، قلت: يا رب من هؤلاء ؟ قال تعالى: الأئمة بعدك، المعصومون من صلبك، وهذا الحجة الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا ويشف صدور قوم مؤمنين. فقال الحاضرون: لقد قلت عجبا، فقال صلى الله عليه وآله: أعجب منه أن أقواما يسمعون مني مثل هذا ثم يرجعون على أعقابهم بعد إذ هداهم الله، يؤذونني فيهم، ما لهم ؟ لا أنالهم الله شفاعتي. وأسند نحو هذا الشيخ محمد بن بابويه، والشيخ أبو جعفر الطوسي برجالهما على تغاير يسير في ألفاظهما، تركنا إيرادهما خوف الإطالة بهما. سؤال: ما الطريق إلى معرفة الإمام السابق عين الإمام اللاحق قبل وضع الاسم عليه، مع تعدد أولادهم ؟

[ 140 ]

جواب: أما علي عليه السلام وولداه فقد ثبتت إمامتهم بنص النبي صلى الله عليه وآله على عينهم، والبقية يجوز كون ذلك فيهم بإلهام كما ألهم عبد الله تسمية النبي صلى الله عليه وآله محمدا، أو اقتران ذلك فيهم بعلامة فيه كما نقل من عدم ظل الإمام وغيره من العلائم أو بكرامة دالة على تعيينه عند ولادته كالنطق صغيرا، والسقوط إلى الأرض ساجدا وسيأتي قول الصادق في الكاظم: إن الدرع استوى عليه، وعرف النور في وجهه والرضا عليه السلام أرى الحسن بن الجهم خاتما بين كتفي الجواد عليه السلام وقال: مثل هذا كان من أبي. وبالجملة فإذا ثبت صدق المتقدم حكمنا بصحة نصه على المتأخر، وليس علينا النظر في طريق ذلك كما ليس علينا النظر في خلق الموذيات بعد علمنا بعدل الله سبحانه وسيأتي أن الله تعالى أنزل في الخواتيم أسماءهم وصفاتهم. وأسند أيضا إلى أبي هريرة أن الحسين عليه السلام دخل على النبي صلى الله عليه وآله فأخذه وقبله وقال: حزقة حزقة ترق عين بقة، ثم قال: أنت الإمام ابن الإمام أبو أئمة تسعة - قال ابن مسعود: منهم ؟ قال: يخرج من صلب ابني هذا ولد سمي جده مبارك عليه سيماء العباد، ونور الزهاد، ويخرج من صلبه سميي وأشبه الناس بي يبقر العلم بقرا ينطق بالحق، ويخرج من صلبه كلمة الحق ولسان الصدق جعفر الراد عليه كالراد علي، ويخرج من صلبه مولود طاهر أسمر ربعة سمي موسى ويخرج من صلب موسى علي ابنه يدعى الرضا، موضع العلم، ومعدن الحلم، و يخرج من صلبه ابنه محمد المحمود المطهر أطهر الناس خلقا وأحسنهم خلقا ويخرج من صلب محمد علي ابنه طاهر الجنبة صادق اللهجة، ويخرج من صلب علي الحسن ابنه الميمون أبو حجة الله ويخرج من صلبه قائما أهل البيت يملأها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، له عمر نوح، وغيبة موسى، وحلم داود، وبهاء عيسى، ثم تلا صلى الله عليه وآله: (ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم (1)) فقال له علي: من هؤلاء ؟


(1) آل عمران: 31.

[ 141 ]

قال: أسماء الأوصياء من بعدك، والعترة الطاهرة، والذرية المباركة والذي نفس محمد بيده لو أن عبدا عبد الله ألف عام بين الركن والمقام، ثم أتاني جاحدا لولايتهم لأكبه الله في النار كائنا ما كان، قال أبو علي بن همام: العجب من أبي هريرة يروي هذه الأحاديث وينكر فضائل أهل البيت. وأسند الشيخ الفاضل أحمد بن محمد بن عياش إلى عبد الله عمر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: أوحى الله إلي في الأسرى: من خلفت على أمتك ؟ قلت: أخي علي بن أبي طالب، فقال سبحانه: اطلعت إلى الأرض فاخترتك منها، وثانية فاخترت عليا، وشققت له اسما من أسمائي يا محمد إني خلقت عليا وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من نور واحد، ولو أن عبدا عبدني حتى ينقطع ثم لقيني جاحدا لولايتهم لأدخلته ناري، ثم أراه سبحانه أسماءهم وأعلمه بقائمهم. قال ابن عمر: سماهم كعب الأحبار بأسمائهم في التوراة: ينبوذ، قيدورا اوبايل، ميسور، مشموع، دموه، سوه، حيدور، وتمر، بطور، بوقيش، قيدمه. قال أبو عامر هشام الدستواني سألت عنها يهوديا عالما فقال: هذه نعوت أقوام بالعبرانية صحيحة نجدها في التوراة ولو سألت عنها غيري لعمي عنها، للجهل بها أو تعامى لئلا يكون على دينه ظهرا، ولولا أني أؤمن بمحمد باطنا لما أقررت لك بها قلت: ولم ؟ قال: لأني أجد في كتب آبائي من ولد هارون أنه لن يؤمن بهذا النبي صلى الله عليه وآله الذي اسمه محمد ظاهرا ويؤمن به باطنا حتى يظهر المهدي القائم من ولده. قلت: فانعت لي هذه النعوت لأعلمها، قال: نعم فعه وصنه إلا عن أهله ثم نعت لي أسماء تخالف ما سلف، وأظنها من تصحيف الكتاب فقال: هو ؟ ؟ ؟ وهو أول الأوصياء، ووصي آخر الأنبياء، قيدور ثاني الأوصياء العترة الأصفياء، دبيرا ثالث الأوصياء وسيد الشهداء، ستفوقا سيد من عبد الله، سموعا وارث علم الأولين والآخرين، دموه المدره الناطق عن الله الصادق عليه السلام مسهو حير المسجونين في سجن الظالمين، هذار تحفة المنجوع، النازح عن الأوطان الممنوع، تيمو القصير العمر

[ 142 ]

الطويل الأثر، بطود رافع اسمه، برقش سمي عمه، قيدموا المفقود من أبيه وأمه الغائب بأمر الله، والقائم بحكم الله، وسيأتي في باب خروج المهدي زيادة في خبر ابن عياش وأسماء تخالف هذه. وأسند الشيباني إلى أبي أمامة قول النبي صلى الله عليه وآله: رأيت على ساق العرش مكتوبا بالنور لا إله إلا الله محمد رسول الله، أيدته بعلي ونصرته به، ثم بعده الحسن والحسين، ثم رأيت عليا عليا عليا، محمدا محمدا جعفرا موسى الحجة فقلت: ربي من هؤلاء فنوديت هم الأئمة من بعدك والأخيار من ذريتك. (1) فصل أسند صاحب الكفاية إلى سلمان الفارسي قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: إني راحل عن قريب، ومنطلق إلى المغيب، أوصيكم بعترتي خيرا، من فقد الشمس فليتمسك بالقمر، ومن فقد القمر فليتمسك بالفرقدين، ومن فقدهما فليتمسك بالنجوم الزاهرة بعدي، قال: ثم نزل فتبعته إلى منزل عائشة فسألته عن ذلك فقال صلى الله عليه وآله: أنا الشمس، وعلي القمر، والحسنان الفرقدان، والنجوم الزاهرة التسعة الطاهرة من ولد الحسين، والتاسع مهديهم، الأوصياء والخلفاء بعدي، أئمة أبرار، عدة أسباط يعقوب، وحواري عيسى. قلت: فسمهم لي قال: علي وسبطاه، وبعدهما زين العابدين، وبعده محمد بن علي، باقر علم النبيين، والصادق جعفر بن محمد، وابنه الكاظم يسمى موسى سمي ابن عمران والذي يقتل بأرض الغربة ابنه علي ثم ابنه محمد والصادقان علي والحسن، و الحجة المنتظر في غيبته، فإنهم عترتي من لحمي ودمي، علمهم علمي، وحكمهم حكمي، من آذاني فيهم لا أناله الله شفاعتي. وأسند الشيخ أبو عبد الله أحمد بن محمد إلى الطاطري إلى زاذان إلى سلمان قول النبي صلى الله عليه وآله: لم يبعث الله رسولا إلا وجعل له اثني عشر نقيبا قلت: قد عرفت

[ 143 ]

هذا من أهل الكتابين، قال صلى الله عليه وآله: عرفت من نقبائي الاثنى عشر الذين اختارهم الله للإمامة ؟ ثم قال: خلقني الله من نوره، ومن نوري عليا، ومن نورينا فاطمة ومن أنوارنا الحسن والحسين، ومن الحسين التسعة الأئمة، قلت: عرفني بهم قال صلى الله عليه وآله: سيد العابدين علي بن الحسين، ثم ابنه محمد بن علي باقر علم الأولين والآخرين، ثم جعفر بن محمد لسان الله الصادق، ثم موسى بن جعفر الكاظم غيظه صبرا في الله، ثم علي بن موسى الرضا لأمر الله، ثم محمد بن علي المختار من خلق الله، ثم علي بن محمد الهادي إلى الله، ثم الحسن بن علي الصامت الأمين على سر الله محمد بن الحسن المهدي الناطق القائم بحق الله. وأسند موفق بن أحمد الخوارزمي إلى أبي سلمى راعي رسول الله صلى الله عليه وآله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله قال لي الرب عز وجل في الأسرى، من خلفت لأمتك ؟ قلت: خيرها قال: علي بن أبي طالب ؟ قلت: نعم، فقال تعالى: خلقتك وعليا وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ولده من سنخ نوري، لو أن عبدا جاحدا لولايتكم عبدني حتى ينقطع، ما غفرت له حتى يقر بولايتكم، ثم أراني على يمين العرش عليا، وفاطمة، والحسن والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر ابن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد والحسن بن علي، والمهدي في ضحضاح من نور، وأسنده صاحب المقتضب إلى الحسن بن علي الموصلي إلي أبي سلمى أيضا. وأسند الشيخ أبو جعفر محمد بن علي إلى جابر بن عبد الله قوله للنبي صلى الله عليه وآله: من أولي الأمر لما نزلت (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم (1)) قال: خلفائي وأئمة المسلمين بعدي علي بن أبي طالب، ثم الحسن، ثم الحسين ثم علي بن الحسين، ثم محمد بن علي المعروف في التوراة الباقر وستدركه يا جابر ثم الصادق جعفر، ثم موسى بن جعفر، ثم علي بن موسى، ثم محمد بن علي، ثم علي بن محمد، ثم الحسن بن علي، ثم سميي وكنيي حجة الله في أرضه، يغيب


(1) النساء: 59.

[ 144 ]

عن شيعته، ويفتح الله به مشارق الأرض ومغاربها. وأسند صاحب الكفاية إلى جابر المذكور قول النبي صلى الله عليه وآله للحسين عليه السلام: يخرج من صلبك تسعة أئمة منهم مهدي هذه الأمة، فإذا استشهد أبوك فالحسن بعده فإذا سم الحسن فأنت فإذا استشهدت فعلي ابنك، فإذا مضى علي فمحمد ابنه فإذا مضى محمد فجعفر ابنه، فإذا مضى جعفر فموسى ابنه، فإذا مضى موسى فعلي ابنه فإذا مضى علي فمحمد ابنه، فإذا مضى محمد فعلي ابنه، فإذا مضى فالحسن ابنه، ثم الحجة بعد الحسن يملأ الأرض به قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، ونحو هذا أسند علي بن محمد بن سعيد القزويني وذكر عدد الأئمة وأسماءهم. (2) فصل أسند الشيباني إلى ابن عباس أن يهوديا اسمه نعثل سأل النبي صلى الله عليه وآله عن أشياء: فلما أجابه قال: من وصيك فما من نبي إلا وله وصي ؟ قال صلى الله عليه وآله: وصيي علي بن أبي طالب، وبعده سبطاي الحسن والحسين، تتلو تسعة من صلب الحسين أئمة أبرار: فإذا مضى الحسين فابنه علي، فإذا مضى فابنه محمد، فإذا مضى فابنه جعفر فإذا مضى فابنه موسى، فإذا مضى فابنه علي، فإذا مضى فابنه محمد، فإذا مضى فابنه علي، فإذا مضى فابنه الحسن، فإذا مضى فالحجة بن الحسن، فأسلم اليهودي وقال: وجدت هذا في الكتب السالفة، وفيما عهد إلينا موسى: إن أحمد خاتم الأنبياء ويخرج من صلبه أئمة أبرار عدد الأسباط، غاب منهم لاوي عن بني إسرائيل طويلا ثم عاد فأظهر شريعته، فقال صلى الله عليه وآله: كائن في أمتي مثله، يغيب الثاني عشر من ولدي حتى لا يرى، ولا يبقى من الاسلام إلا رسمه فيأذن الله له بالخروج فيظهر الاسلام. وأسند ابن ماجيلويه إلى ابن عباس إلى النبي صلى الله عليه وآله أن الله تعالى أهبط جبرائيل في ألف قبيل من الملائكة والقبيل ألف ألف، يهنؤا محمدا بولده الحسين

[ 145 ]

عليه السلام، فهنأه وأخبره بقتله، وهنأ النبي صلى الله عليه وآله فاطمة وأخبرها بذلك، فبكت فقال صلى الله عليه وآله: لا يقتل حتى يكون منه الإمام، تكون منه الأئمة الهادية ثم قال: و الأئمة من بعدي: الهادي، والمهدي، والعدل، والناصر، والسفاح، والنفاح والأمين، والمؤتمن، والإمام، والفعال، والغلام، ومن يصلي عيسى بن مريم خلفه القائم عليه السلام فسكنت من البكاء. وفي رواية أحمد بن يعقوب الفارسي أسماؤهم المشهورة بدل هذا اللقب. وأسند الشيخ علي بن محمد بن علي إلى ابن عباس قول النبي صلى الله عليه وآله: له والحسين عليه السلام على عاتقه يقبله، من زاره عارفا بحقه كتب الله له ثواب ألف حجة وألف عمرة، ومن زاره كمن زارني، ومن زارني كمن زار الله في عرشه، وحق الزائر على المزور وهو الله تعالى أن لا يعذبه في النار ألا إن الإجابة تحت قبته والشفاء في تربته، والأئمة من ذريته. قلت: سم لي الأئمة بعدك ! فقال صلى الله عليه وآله: اثنا عشر أولهم علي بن أبي طالب وبعده سبطاي الحسن والحسين، فإذا انقضى الحسين، فابنه علي، فإذا انقضى فابنه محمد، فإذا انقضى فابنه جعفر، فإذا انقضى فابنه موسى، فإذا انقضى فابنه علي، فإذا انقضى فابنه محمد، فإذا انقضى فابنه علي، فإذا انقضى فابنه الحسن، فإذا انقضى فابنه الحجة. يا ابن عباس إنهم أمناء معصومون، من أتاني يوم القيامة عارفا بحقهم أخذت بيده، وأدخلته الجنة، ومن أنكر واحدا منهم فكأنهم أنكرني، ومن أنكرني فكأنما أنكر الله. وأسند علي بن محمد عن أبي المفضل إلى عائشة قالت: كان لنا مشربة وكان جبرائيل إذا لقيه لقيه فيها فلقيه مرة فصعد إليه الحسين فأجلسه النبي صلى الله عليه وآله على فخذه فخبره جبرائيل بقتله فبكى فقال: لا تبك سينتقم الله من قاتليه بقائمكم أهل البيت التاسع من ولد الحسين، فإن ربي أخبرني أنه سيخلق من صلبه ولدا وسماه عنده عليا خاضع لله خاشع، ثم يخرج من صلب علي ابنه، وسماه عنده محمدا، قانت لله ساجد

[ 146 ]

ثم يخرج من صلبه ابنه وسماه عنده جعفرا ناطق عن الله صادق في الله، ويخرج من صلبه ابنه وسماه عنده موسى واثق بالله محب في دين الله، ويخرج من صلبه ابنه وسماه عنده عليا الراضي بالله والداعي إلى الله، ويخرج من صلبه ابنه وسماه عنده محمدا، [ المرغب في الله والذاب عن حرم الله ] (1) ثم يخرج من صلبه ابنه و سماه عنده عليا المكتفي بالله والولي لله ثم يخرج من صلبه ابنه وسماه عنده حسنا مؤمن بالله مرشد إلى الله، ويخرج من صلبه كلمة الحق، ولسان الصدق، حجة الله على بريته، له غيبة يظهر الله به الاسلام وأهله، ويخسف به الكفر وأهله. وأسند هذا الحديث علي بن زكريا البصري إلى أبي سلمة وأسنده محمد بن بدر إلى أبي سلمة ومحمد بن جعفر القرميسي إلى أبي سلمة وأبو العباس بن كشمرد إلى أبي سلمة ورواه الكركي النقيب عن أبي المفضل. (6) فصل أسند الشيخ أحمد بن محمد بن عياش إلى عبد الله بن ربيعة رجل من قريش قال: قال لي: إني محدثك بحديث فاحفظه عني، واكتمه علي ما دمت حيا، قال: قلت ما هو ؟ قال: كنت ممن عمل مع ابن الزبير في الكعبة فحفرنا كثيرا فوجدت كتابا فأخذته وسترته، ولا أدري من أي شئ هو ؟ إلا أنه يطوى كما تطوى الكتب فقرأته في منزلي، فإذا فيه: بسم الله لا شئ قبله، خلق الخلق بحكمته، وجعلهم قبائل لسابق علمه، وكرم من القبائل قبيلة هي أهل الإمامة، وجعل منها نبيا خصه بالرفعة، هم ولد عبد المطلب، ثم اختار منه نبيا يقال له: محمد يبشر به الأنبياء، ويرث علمه خير الأوصياء، يؤيده الله بنصره، ويعضده بأخيه وابن عمه ووصيه في أمته، ينصبه علما عند اقتراب أجله، هو باب الله ضل من أتاه من غيره، لا يزال محمودا محسودا ممنوعا من حقه لعلو مرتبته وعلمه، مسئول غير سائل عالم غير جاهل، يقبضه الله شهيدا يدفن بالغري.


(1) الزيادة من المصدر ص 312.

[ 147 ]

والقائم بعده ابنه الحسن سيد الشبان، وزين الفتيان، يقتل مسموما يدفن بالبقيع في طيبة، ويكون بعده أخيه الحسين إمام عدل يضرب بالسيف، ويقري الضيف، تقتله أولاد الطوامث والبغاة، على شاطئ الفرات، في الأيام الزاكيات يدفن بكربلا قبره للناس نور، ثم يكون من بعده ابنه علي سيد العابدين، وسراج المؤمنين، يموت بطيبة، ويدفن بالبقيع، ويكون بعده ابنه محمد المحمود فعاله، باقر العلم ومعدنه، يموت بطيبة، ويدفن بالبقيع. ثم يكون بعده ابنه جعفر، وهو الصادق بالحكمة، وسراج الأمة، ومحيي السنة، يدفن بأرض طيبة، ثم الإمام بعده ابنه المختلف في دفنه سمي المناجي لربه موسى بن جعفر، يقتل بالسم في محبسه، يدفن بالزوراء، ثم الإمام القائم بعده علي ابن موسى المرتضى لدين الله يقتل بالسم في أرض العجم ثم القائم بعده ابنه محمد يموت ويدفن بالزوراء، ثم القائم بعده ابنه علي لله ناصر وولي، يموت ويدفن بالمدينة المحدثة ثم القائم بعده ابنه الحسن وارث علم النبوة، ومعدن الحكمة، يموت و يدفن أيضا في المدينة المحدثة. ثم المنتظر بعده اسمه اسم النبي محمد، يكشف الله به الظلم، ويرعى الذئب في أيامه مع الغنم، يرضى عنه ساكن السماء، والحيتان في البحر، والطير في الهواء طوبى لمن أطاعه وقاتل معه، أولئك هم المهتدون، أولئك هم المفلحون، أولئك هم الفائزون. وأسند أيضا هذا الحديث الحا ؟ ؟ المنصور برجاله إلى عمران بن عيسى ابن المنصور. وأسند حسن بن علي إلى سهل بن سعيد الأنصاري قال: سألت فاطمة عن الأئمة عليهم السلام فقالت عليها السلام: كان النبي صلى الله عليه وآله يقول: يا علي أنت الإمام والخليفة من بعدي وأنت أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا مضيت فابنك الحسن أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا مضى فالحسين أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا مضى فابنه علي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا مضى فابنه محمد أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا مضى فابنه جعفر أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا مضى فابنه موسى أولى بالمؤمنين من أنفسهم

[ 148 ]

فإذا مضى فابنه علي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا مضى فابنه محمد أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا مضى فابنه علي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا مضى فابنه الحسن أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا مضى فابنه القائم المهدي أولى بالمؤمنين من أنفسهم يفتح الله به مشارق الأرض ومغاربها، فهم أئمة الحق، وألسنة الصدق، منصور من نصرهم، مخذول من خذلهم. وأسند أيضا الشيخ الجليل علي بن محمد القمي برجاله وذكره الكيدري في بصائره وأسند الحاجب إلى أمير المؤمنين عليه السلام قول النبي صلى الله عليه وآله: من سره أن يلقى الله وهو عنه راض فليتولك يا علي، ومن أحب أن يلقى الله مقبلا عليه فليتول ابنك الحسن، ومن أحب أن يلقى الله لا خوف عليه فليتول ابنك الحسين، ومن أحب أن يلقاه وقد محص عنه ذنوبه، فليتول علي بن الحسين، ومن أحب أن يلقاه وقد رفعت درجاته، وبدلت بالحسنات سيئاته فليتول محمد بن علي، ومن أحب أن يلقى الله وهو قرير العين، فليتول جعفر بن محمد، ومن أحب أن يلقى الله وهو مطهر فليتول ابنه موسى، ومن أحب أن يلقى الله وهو ضاحك فليتول ابنه عليا الرضا، ومن أحب أن يلقاه فيعطيه كتابه بيمينه، فليتول ابنه محمدا، و من أحب أن يلقاه فيحاسبه حسابا يسيرا ويدخل الجنة فليتول ابنه عليا، ومن أحب أن يلقاه وهو من الفائزين، فليتول ابنه الحسن، ومن أحب أن يلقاه وقد كمل أيمانه فليتول ابنه محمدا المنتظر. فهؤلاء مصابيح الدجى وأئمة الهدى، من تولاهم كنت ضامنا له على الله الجنة. وأسند الشيخ أبو جعفر الطوسي إلى الحسين بن عبيد الله الغضائري إلى محمد ابن بابويه القمي برجاله إلى الصادق عليه السلام قال: أنزل الله على نبيه كتابا قبل موته، عليه خواتيم من ذهب، وقال: هذا وصيتك إلى النجيب من أهلك علي بن أبي طالب، فدفعه إلى علي وأمره أن يفك خاتما ويعمل بما فيه ففعل، ثم دفعه إلى الحسن ففك خاتما وفعل بما فيه، ثم دفعه إلى الحسين فإذا فيه: أخرج إلى

[ 149 ]

الشهادة واشر نفسك لله ففعل، ثم دفع إلى علي بن الحسين ففك خاتما فوجد فيه اصمت والزم بيتك واعبد ربك ففعل، ثم دفعه إلى ابنه محمد ففك خاتما فوجد فيه حدث الناس وأفتهم ولا تخافن إلا الله لا سبيل لأحد عليك ففعل، ثم دفعه إلي ففككت خاتما فوجدت فيه انشر علوم أهلك، وأنت في حرز وأمان ففعلت: ودفعته إلى موسى يدفعه إلى الذي بعده إلى قيام القائم عليهم السلام. (7) فصل أسند محمد بن علي إلى الصادق إلى آبائه عليهم السلام قول النبي صلى الله عليه وآله: حدثني جبرائيل عن ربي أن من علم أن لا إله إلا أنا وحدي، وأن محمدا عبدي ورسولي وأن علي بن أبي طالب خليفتي وأن الأئمة من ولده حججي، أدخلته الجنة برحمتي ونجيته من النار بعفوي، وأوجبت له كرامتي، وجعلته من خالصتي، إن ناداني لبيته، وإن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته، وإن سكت ابتدأته، وإن أساء رحمته، وإن فر مني دعوته، وإن رجع إلي قبلته، وإن قرع بابي فتحته له. ومن لم يشهد بوحدتي، أو شهد ولم يشهد لمحمد برسالتي، أو شهد ولم يشهد أن عليا خليفتي، أو شهد ولم يشهد أن ولده حججي، فقد جحد نعمتي، وصغر عظمتي، وكفر بآياتي، إن قصدني حجبته، وإن سألني حرمته، وإن ناداني لم أسمع نداءه، وإن دعاني لم أستجب دعاءه، وإن رجاني خيبته، وذلك مني جزاؤه وما أنا بظلام للعبيد. فقام جابر وقال: من الأئمة من ولد علي بن أبي طالب ؟ فقال صلى الله عليه وآله: الحسن والحسين ثم علي بن الحسين، ثم محمد بن علي، ثم جعفر بن محمد، ثم موسى ابن جعفر، ثم علي بن موسى الرضا، ثم محمد بن علي، ثم علي بن محمد، ثم الحسن ابن علي، ثم ابنه القائم بالحق مهدي أمتي الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما.

[ 150 ]

وأسند أخطب خوارزم برجاله إلى علي بن أبي طالب قول النبي صلى الله عليه وآله: أنا واردكم على الحوض، وأنت يا علي الساقي، والحسن الذائد، والحسين الآمر وعلي بن الحسين الفارس، ومحمد بن علي الناشر، وجعفر بن محمد السائق، وموسى ابن جعفر محصي المحبين والمبغضين، وقامع المنافقين، وعلي بن موسى معين، و محمد بن علي منزل أهل الجنة في درجاتهم، وعلي بن محمد خطيب شيعته ومزوجهم الحور العين، والحسن بن علي سراج أهل الجنة والمهدي شفيعهم يوم القيامة. ورواه أيضا الشيخ الفاضل محمد بن أحمد بن شاذان مسندا إلى علي عليه السلام وأسند نحوه الأعمش وسعيد بن قيس عن النبي صلى الله عليه وآله. وأسند البغوي إلى ابن عمر قول النبي صلى الله عليه وآله: يا علي أنا نذير أمتي، و أنت هاديها، والحسن قائدها، والحسين ساقيها، وعلي بن الحسين جامعها، و محمد بن علي عارفها، وجعفر بن محمد كاتبها، وموسى بن جعفر محصيها، وعلي بن موسى معبرها ومنجيها، وطارد مبغضيها، ومدني مؤمنيها، ومحمد بن علي قائدها وسائقها، وعلي بن محمد ساترها وعالمها، والحسن بن علي مناديها ومعطيها، و القائم الخلف ناشدها وشاهدها (إن في ذلك لآيات للمتوسمين). وأسند ابن حنبل عن ابن عمر بأربعة وثلاثين طريقا وأسند علي بن محمد القمي إلى أمير المؤمنين عليه السلام قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وقد نزلت آية التطهير فقال: يا علي هذه نزلت فيك وفي سبطيك والأئمة من ولدك فقلت: فكم الأئمة بعدك قال صلى الله عليه وآله: أنت يا علي ثم ابناك الحسن والحسين، وبعد الحسين علي ابنه، وبعد علي محمد ابنه، وبعد محمد جعفر ابنه، وبعد جعفر موسى ابنه، وبعد موسى علي ابنه وبعد علي محمد ابنه، وبعد محمد علي ابنه، وبعد علي الحسن ابنه، والحجة من ولد الحسن هكذا وجدت أساميهم مكتوبة على ساق العرش فسألت الله عنهم قال: هم الأئمة بعدك مطهرون معصومون، وأعداؤهم ملعونون. وأسند الحاجب برجاله إلى أمير المؤمنين عليه السلام قول النبي صلى الله عليه وآله: رأيت ليلة الأسرى في السماء قصورا من ياقوت، ثم وصفها بما فيها من الفرش والثمار، فسألت

[ 151 ]

جبرائيل لمن هي ؟ فقال: لشيعة علي أخيك وخليفتك على أمتك، وهم قوم يدعون في آخر الزمان باسم يراد به عيبهم يسمون الرافضة، وإنما هو زين لهم، لأنهم رفضوا الباطل، وتمسكوا بالحق ولشيعة ابنه الحسن من بعده، ولشيعة أخيه الحسين من بعده، ولشيعة علي بن الحسين من بعده، ولشيعة محمد بن علي من بعده ولشيعة ابنه جعفر بن محمد من بعده، ولشيعة موسى بن جعفر من بعده، ولشيعة علي ابنه من بعده، ولشيعة ابنه محمد بن علي من بعده، ولشيعة ابنه علي بن محمد من بعده، ولشيعة ابنه الحسن بن علي من بعده، ولشيعة ابنه محمد المهدي من بعده. يا محمد هؤلاء الأئمة من بعدك أعلام الهدى، ومصابيح الدجى، وشيعتهم و محبهم شيعة الحق، وموالي الله ورسوله، الذين رفضوا الباطل واجتنبوه، وقصدوا الحق واتبعوه، يتولونهم في حياتهم، ويزورونهم بعد وفاتهم، متناصرون متعاضدون على محبيهم رحمة الله عليهم [ رحمة الله عليهم ] إنه غفور رحيم. وأسند برجاله أيضا قول النبي صلى الله عليه وآله: من سره أن يلقى الله آمنا مطهرا فليتولك وولدك الحسن والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر ابن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، و الحسين بن علي، ثم المهدي وهو قائمهم، ليكونن في آخر الزمان قوم يتولونك يا علي، يشنؤنهم الناس، يؤثرونك على الآباء والأمهات، والعشائر والقرابات أولئك يحشرون تحت لواء الحمد، يتجاوز عن سيئاتهم ويرفع درجاتهم. وأسند إلى ابن عباس أنه قال يوم الشورى: كم تمنعون حقنا، ورب البيت إن عليا هو الإمام والخليفة، وليملكن من ولده أئمة إحدى عشر، يقضون بالحق أولهم الحسن بوصية أبيه إليه، ثم الحسين بوصية أخيه إليه، ثم ابنه علي بوصية أبيه إليه، ثم ابنه محمد بوصية أبيه إليه، ثم ابنه جعفر بوصية أبيه إليه، ثم ابنه موسى بوصية أبيه إليه ثم ابنه على بوصية أبيه إليه، ثم ابنه محمد بوصية أبيه إليه، ثم ابنه علي بوصية أبيه إليه، ثم ابنه الحسن بوصية أبيه إليه، فإذا مضى فالمنتظر صاحب الغيبة قال عليم لابن عباس: من أين لك هذا ؟ قال: وإن رسول الله

[ 152 ]

صلى الله عليه وآله علم عليا ألف باب فتح له من كل باب ألف باب، وإن هذا من ثم. تذنيب: أسند الشيخ أبو جعفر الطوسي برجاله إلى علي عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله عند وفاته أملا عليه وصيته، وفي بعضها: سيكون بعدي اثنا عشر إماما أولهم أنت، ثم عد أولاده، وأمر أن يسلمها كل إلى ابنه، قال: ومن بعدهم اثني عشر مهديا. قلت: الرواية بالاثني عشر عبد الاثني عشر شاذة، ومخالفة للروايات الصحيحة المتواترة الشهيرة بأنه ليس بعد القائم دولة، وأنه لم يمض من الدنيا إلا أربعين يوما فيها الهرج، وعلامة خروج الأموات، وقيام الساعة، على أن البعدية في قوله: من بعدهم لا تقتضي البعدية الزمانية كما قال تعالى: (فمن يهديه من بعد الله (1)) فجاز كونهم في زمان الإمام وهم نوابه عليه السلام. إن قلت: قال في الرواية: (فإذا حضرته يعني المهدي الوفاة فليسلمها إلى ابنه) ينفي هذا التأويل، قلت: لا يدل هذا على البقاء بعده يجوز أن يكون لوظيفة الوصية لئلا يكون ميتة جاهلية، ويجوز أن يبقى بعده من يدعو إلى إمامته ولا يضر ذلك في حصر الاثني عشر فيه وفي آبائه. قال المرتضى: لا يقطع بزوال التكليف عند موته، بل يجوز أن يبقى حصر الاثني عشر فيه، بعد أئمة يقومون بحفظ الدين ومصالح أهله، ولا يخرجنا هذا القول عن التسمية بالاثني عشرية لأنا كلفنا بأن نعلم إمامتهم إذ هو موضع الخلاف وقد بينا ذلك بيانا شافيا فيهم، ولا موافق لنا عليهم، فانفردنا بهذا الاسم عن غيرنا من مخالفيهم. وأنا أقول: هذه الرواية آحادية، توجب ظنا، ومسألة الإمامة علمية و لأن النبي صلى الله عليه وآله إن لم يبين المتأخرين بجميع أسمائهم، ولا كشف عن صفاتهم


(1) الجاثية: 23.

[ 153 ]

مع الحاجة إلى معرفتهم، فيلزم تأخير البيان عن الحاجة، وأيضا فهذه الزيادة شاذة لا تعارض الشائعة الذائعة. إن قلت: لا معارضة بينهما لأن غاية الروايات يكون بعدي اثنى عشر خليفة. الأئمة بعدي عدد نقباء بني إسرائيل ونحوها قلت: لو أمكن ذلك لزم العبث و التعمية في ذكر الاثني عشر، ولأن في أكثر الروايات وتسعة من ولد الحسين ويجب حصر المبتدأ في الخبر، ولأنهم لم يذكروا في التوراة وأشعار قس وغيرها ولا أخبر النبي صلى الله عليه وآله برؤيتهم ليلة إسرائه إلى حضرة ربه، ولما عد الأئمة الاثني عشر، قال للحسن: لا تخلوا الأرض منهم، ويعني به زمان التكليف، فلو كان بعدهم أئمة لخلت الأرض منهم، ويبعد حمل الخلو على أن المقصود به أولادهم لأنه من المجاز، ولا ضرورة تحوج إليه. (8) فصل أسند علي بن محمد بن علي برجاله إلى الأصبغ ابن نباتة إلى علي عليه السلام قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وآله في بيت أم سلمة فدخل سلمان وأبو ذر والمقداد و ابن عوف وجماعة فقال سلمان: يا رسول الله إن لكل نبي وصيا، وسبطين فمن وصيك وسبطاك ؟ فأطرق. ثم قال: إن الله تعالى بعث أربعة آلاف نبي وكان لهم أربعة آلاف وصي و ثمانية آلاف سبط، والذي نفسي بيده لأنا خير الأنبياء، ووصيي خير الأوصياء و سبطاي خير الأسباط. إن آدم أوصى إلى ابنه شيث، وشيث إلى سنان، وسنان إلى مجلث، و مجلث إلى محوق، إلى عثميشا، إلى اخنوخ، إلى ياخور، إلى نوح، إلى سام إلى عتامر، إلى برعيشاشا، إلى يافث، إلى بره، إلى حفيسة إلى عمران، إلى إبراهيم، إلى إسماعيل، إلى إسحاق، إلى يعقوب، إلى يوسف إلى ريثا، إلى شعيب

[ 154 ]

إلى موسى، إلى يوشع، إلى داود، إلى سليمان، إلى آصف، إلى زكريا، إلى عيسى، إلى شمعون، إلى يحيى، إلى منذر، إلى سلمه، إلى برده، ودفعها برده إلي، وأنا أدفعها إليك يا علي، وأنت تدفعها إلى الحسن والحسن إلى الحسين والحسين إلى ابنه علي، وعلي إلى ابنه محمد، ومحمد إلى ابنه جعفر، وجعفر إلى ابنه موسى، وموسى إلى ابنه علي، وعلي إلى ابنه محمد، ومحمد إلى ابنه علي، وعلي إلى ابنه الحسن، والحسن إلى ابنه القائم، ثم يغيب عنهم إمامهم ما شاء الله. ثم رفع صوته وقال: الحذر الحذر إذا ؟ فقد الخامس من ولد السابع من ولدي ثم يخرج من اليمن من قرية يقال لها: كرعة ينادى هذا المهدي خليفة الله فاتبعوه. وأسند محمد بن علي القمي برجاله إلى الحسن عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله خطب قبل وفاته وقال بعدها: اللهم إني أعلم أن العلم يبيد، وأنك لا تخلي أرضك من حجة ظاهرة، ليس بالمطاع أو خائف مغمور. فلما نزل قلت: يا رسول الله ! ألست الحجة على الخلق ؟ قال صلى الله عليه وآله: أنا الحجة المنذر، وعلي الهادي، فهو الإمام والحجة بعدي، وأنت الحجة بعده والحسين الحجة بعدك، والحجة بعده علي ابنه، والحجة بعده محمد ابنه، والحجة بعده جعفر ابنه، والحجة بعده موسى ابنه، والحجة بعده علي ابنه، والحجة بعده محمد ابنه، والحجة بعده علي ابنه والحجة بعده الحسن ابنه والحجة بعده القائم إمام زمانه ومنقذ أوليائه يغيب ثم يظهر، لا تخلو الأرض منكم، أعطاكم الله علمي وفهمي وأسند علي بن الحسين إلى الحسن بن علي قول النبي صلى الله عليه وآله: لعلي: أنت وارث علمي، ومعدن حكمي، والإمام بعدي، فإذا استشهدت، فابنك الحسن فإذا استشهد فالحسين، فإذا استشهد فعلي ابنه: يتلوه تسعة أئمة أبرار قلت: فما أسماؤهم قال: علي، ومحمد، وجعفر، وموسى، وعلي، ومحمد، وعلي، والحسن والمهدي. وأسند الشيخ أبو جعفر ابن بابويه إلى الجواد إلى آبائه أب أب إلى الحسين عليه السلام قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: مرحبا بك يا زين السماوات و

[ 155 ]

الأرض، قال أبي بن كعب: وهل لهما زين غيرك يا رسول الله ؟ فقال صلى الله عليه وآله: للحسين في السماء أكبر منه في الأرض، ثم وصفه وقال: يخرج من صلبه نطفة طيبة اسمه علي، ثم وصفه فقال أبي: هل من خلف له ؟ قال صلى الله عليه وآله: نعم محمد ابنه ثم وصفه، فركب الله في صلبه نطفة طيبة وسماها جعفرا، ثم وصفه وركب في هذه نطفة زكية وسماها موسى. قال أبي: يا رسول الله كأنهم يتواصفون ؟ قال صلى الله عليه وآله: وصفهم لي جبرائيل عن رب العالمين وركب الله في صلبة نطفة مرضية سماها عليا، ثم وصفه، وركب في صلبه نطفة مباركة سماها محمدا ثم وصفه، وركب في صلبه نطفة بارة غير طاغية سماها عليا ثم وصفه، وركب في صلبه نطفة سماها الحسن ثم وصفه، ووصف دعاء كل إمام عند ذكره، تركناه حذر التطويل به، وركب الله في صلب الحسن نطفة مباركة يرضى بها كل مؤمن، فهو إمام تقي مهدي يحكم بالعدل، ويأمر به، يصدق الله في قوله، يخرج من تهامة حين تظهر العلامات، وهي علم ينشر، وسيف ينضى وينطقان بإذن الله: أخرج يا ولي الله، واقتل أعداء الله، فيخرج وله بالطالقان كنوز لا ذهب ولا فضة إلا خيول مطهمة، ورجال مسومة، ويجتمع إليه من أقاصي البلاد، عدة أهل بدر، معه صحيفة مختومة فيها عدة أصحابه، وأسماؤهم وبلدانهم وحلاهم كدادون مجدون في طاعته، يخرج وجبرائيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، وشعيب بن صالح على مقدمته، قال أبي: كيف بيان هؤلاء الأئمة عن الله ؟ قال صلى الله عليه وآله إن الله تعالى أنزل اثني عشر خاتما واثني عشر صحيفة، اسم كل إمام على خاتمه، وصفته في صحيفته. وأسند محمد بن علي القمي إلى الحسين عليه السلام قال: لما نزلت آية (أولي الأرحام) سألت النبي صلى الله عليه وآله عنها فقال: ما عني بها غيركم، إذا مت فأبوك علي أولى بمكاني، فإذا مضى فأخوك أولى به، فإذا مضى فأنت أولى به، ثم ابنك علي أولى بك، فإذا مضي فابنه محمد فإذا مضى فابنه جعفر، فإذا مضى فابنه موسى، فإذا مضى فابنه علي، فإذا مضى فابنه محمد فإذا مضى فابنه علي، فإذا مضى فابنه الحسن

[ 156 ]

فإذا مضى وقعت الفتنة في التاسع من ولدك. وأسند صاحب الكفاية أن أعرابيا أتى الحسين عليه السلام فسأله عن أشياء فكان في آخرها: كم الأئمة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال: اثني عشر قال: سمهم لي فأطرق ثم قال: الإمام والخليفة بعده علي بن أبي طالب، والحسن، وأنا، وتسعة من ولدي، منهم علي ابني، وبعده محمد ابنه، وبعده جعفر ابنه، وبعده موسى ابنه، و بعده علي ابنه، وبعده محمد ابنه، وبعده علي ابنه وبعد الحسن ابنه، وبعده الخلف التاسع المهدي من ولدي يقوم بالدين في آخر الزمان. وأسند أيضا عن يحيى بن زيد قال: سألت أبي عن الأئمة فقال: اثنا عشر أربعة من الماضين، وثمانية من الباقين، قلت: سمهم لي قال: الماضون علي والحسن والحسين، وعلي بن الحسين، والباقون أخي الباقر، وبعده جعفر ابنه، وبعده موسى ابنه، وبعده علي ابنه، وبعده محمد ابنه، وبعده علي ابنه، وبعده الحسن ابنه، وبعده المهدي. قلت: يا أبت لست منهم ؟ قال: لا، ولكني من العترة قلت: فمن أين عرفت أسماءهم قال: بعهد عهده إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله. وأسند أبو المفضل إلى ابن الكميت أنه دخل على الباقر فأنشده شعرا يقول فيه: متى يقوم الحق فيكم متى * يقوم مهديكم الثاني فقال مرتين: سريعا إن شاء الله. ثم الأئمة اثنا عشر أولهم علي بن أبي - طالب وبعده الحسن، وبعده الحسين، وبعده علي بن الحسين وأنا، ثم بعدي هذا، ووضع يده على كتف جعفر. قلت: فمن بعده ؟ قال: ابنه موسى، وبعده ابنه علي، وبعده ابنه محمد، و بعده ابنه علي، وبعده ابنه الحسن، وهو أبو القائم الذي يخرج فيملأ الدنيا قسطا وعدلا ويشف صدور شيعتنا (1) قلت: فمتى يخرج: قال: سئل النبي صلى الله عليه وآله عن ذلك فقال: مثله كالساعة، لا تأتيكم إلا بغتة.


(1) صدور قوم مؤمنين: خ ل.

[ 157 ]

(9) فصل أبو محمد الحذاء وهو يروي عن الكشي عن العياشي نقلت هذا الحديث من مجموع قرئ عليه، وأثبت خطه عليه، أسند علي بن محمد أن يونس بن ظبيان دخل على الصادق عليه السلام فوجد عنده قوما يختلفون في صفات الله فرد عليهم، وفسر لهم، ثم قال بعد كلامه: يا يونس إذا أردت العلم فعندنا أهل البيت، الأئمة الاثنا عشر، فقلت: سمهم لي، فقال: علي بن أبي طالب، وبعده الحسن، والحسين وبعده على بن الحسين، وبعده محمد بن علي، وبعده جعفر بن محمد، وبعده موسى بن جعفر، وبعده علي بن موسى، وبعده محمد بن علي، وبعده علي بن محمد، وبعده الحسن بن علي، وبعد الحسن الحجة: اصطفانا الله وطهرنا وآتانا ما لم يؤت أحدا من العالمين. قال صاحب المقتضب: من أعجب الروايات في أعداد الأئمة وأسمائهم من طريق المخالفين ما أسنده عبد الصمد ابن مكرم الطشي إلى داود بن كثير الرقي قال: دخلت على الصادق عليه السلام فقال: ما أبطأك يا داود ؟ قلت: عرض لي حاجة في الكوفة قال: ما رأيت بها ؟ قلت: عمك زيدا يدعو إلى نفسه، قال: يا سماعة آتني بتلك الصحيفة فجاءه فدفعها إلي وقال: هذه مما أخرج إلينا أهل البيت يسر به كابر كابر من لدن رسول الله صلى الله عليه وآله، فقرأتها فإذا سطران الأول لا إله إلا الله محمد رسول الله والسطر الثاني (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم) (1) علي بن أبي طالب، والحسن و الحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر وعلي بن، موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد والحسن بن علي، والخلف منهم الحجة لله.


(1) براءة: 36.

[ 158 ]

يا داود ! أتدري أين كان ؟ ومتى كان مكتوبا ؟ قلت: الله ورسوله أعلم وأنتم فقال: قبل خلق آدم بألفي عام، فأين يتاه بزيد ويذهب به، إن أشد الناس لنا عداوة وحسدا الأقرب إلينا فالأقرب. وأسند علي بن محمد القمي أن الصادق عليه السلام قال: لعلقمة الحضرمي: الأئمة اثنا عشر: علي ابن أبي طالب، والحسن والحسين وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي ثم أنا وقد أوصيت إلى ولدي موسى، وبعده علي ابنه، يدعى بالرضا، وبعد علي ابنه محمد، وبعد محمد ابنه علي، وبعد علي ابنه الحسن، والمهدي من ولد الحسن. وأسند القطان والدقاق ومحمد الشيباني والوراق أن تميم بن بهلول سأل عبد الله بن أبي الهذيل فيمن تجب الإمامة وما علامتها ؟ فقال: الحجة على المسلمين والقائم بأحكام الدين، أخو نبي الله صلى الله عليه وآله وخليفته ووصيه، الذي كان منه بمنزلة هارون من موسى، ونزل الكتاب بطاعته في قوله تعالى: (وأولي الأمر منكم (1)) وبولايته في قوله تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله الآية (2) المدعو له في غدير خم بالإمامة، وذلك علي بن أبي طالب، وبعده الحسن، ثم الحسين، ثم علي ابن الحسين، ثم محمد به علي، ثم جعفر بن محمد، ثم موسى بن جعفر، ثم علي بن موسى، ثم محمد بن علي، ثم علي بن محمد، ثم الحسن بن علي، ثم ابن الحسن واحدا بعد واحد قال تميم: وحدثني معاوية عن الأعمش عن الصادق عليه السلام مثله. وأسند الشيخ أبو جعفر محمد بن علي إلى الفضل بن شاذان أن المأمون لما سأل الرضا عليه السلام أن يكتب له صحيفة الاسلام على اختصار فكتب الشهادتين وشيئا من صفات الله ورسوله، والاقرار بسالفي أنبيائه، والتصديق بكتابه، والعجز عن معارضته، وأن علي بن أبي طالب الناطق به العالم بأحكامه، والخليفة بعد نبيه وبعده الحسن والحسين وعلي ومحمد وجعفر وموسى وعلي ومحمد وعلي والحسن والحجة القائم المنتظر صلوات الله عليهم أشهد لهم بالوصية والإمامة، وأن الأرض لا تخلو من حجة في كل عصر، ثم وصفهم بالأوصاف الجميلة.


(1) النساء: 59. (2) المائدة: 55.

[ 159 ]

وأسند الشيخ محمد بن علي أن عبد العظيم بن عبد الله الحسني دخل على الجواد عليه السلام فأعرض عليه دينه فوصف الله تعالى بما يليق بجلاله، وسلب عنه المنافي لكماله، وأقر برسالة نبيه وختمه، وإمامة علي بن أبي طالب من بعده ثم الحسن ثم الحسين ثم علي بن الحسين ثم محمد بن علي، ثم جعفر بن محمد ثم موسى بن جعفر ثم علي بن موسى ثم أنت. فقال عليه السلام: ومن بعدي علي ابني، ثم من بعده الحسن ابنه، وكيف للناس بالخلف من بعده ؟ قلت: كيف ذلك ؟ قال: لا يرى شخصه حتى يخرج فيملأ الأرض قسطا وعدلا. ثم أقر بوجوب طاعتهم وبأحوال الآخرة، وبالفرائض المعلومة، فقال عليه السلام: هذا والله دين الله الذي ارتضاه لعباده، فاثبت عليه ثبتك الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة. وحدث أحمد بن زياد الهمداني عن علي بن إبراهيم عن عبد الله بن أحمد الموصلي عن الصقر بن أبي دلف قال: دخلت إلى مولاي أبي الحسن الهادي عليه السلام فقلت: ما معنى قول النبي صلى الله عليه وآله: لا تعادوا الأيام فتعاديكم ؟ قال: نحن الأيام ما قامت السماوات والأرض: فالسبت اسم رسول الله صلى الله عليه وآله، والأحد اسم أمير المؤمنين والاثنين الحسن والحسين، والثلاثاء علي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، والأربعاء موسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وأنا، والخميس ابني الحسن والجمعة ابن ابني إليه تجتمع عصابة الحق وهو الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، فهذا معنى الأيام فلا تعادوهم في الدنيا فيعادوكم في الآخرة. ورواه أيضا علي بن محمد القمي عن علي بن محمد بن رمسويه عن أحمد بن زياد. فهذه نبذة من النصوص في أئمة العباد، وسادات البلاد، نقلها الثقاة والفراد والجم الغفير والأمجاد، مع تباعد مكانهم، وتباين زمانهم لا يقبل العقل السقيم فضلا عن السليم، إنكارها لاشتهارها، ولا يميل الطبع اللئيم فضلا عن الكريم إلى

[ 160 ]

جحدها لانتشارها، إلا أن تفتله دنياه الغرور عن دينه، وتقتله بغدرها المائل به إلى طيب العيش ولينه، فأشغلته عن صحيح النظر، فقنع بعقائد الآباء السالفين، ولم يسمع قول الله في كتابه المبين: (ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين) (1) (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون (2)) فدخلوا بذلك في قوله تعالى: (صم بكم عمي فهم لا يرجعون) (3) (بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون (4)). القطب الثالث * (في نص كل واحد بعد ثبوت إمامته على المعين من بعده) * الأول * (النص على الحسن عليه السلام) * أسند الشيخ أبو جعفر القمي إلى تميم بن بهلول إلى أبيه إلى عبيد الله بن الفضل إلى جابر الجعفي إلى سفيان بن ليلى إلى الأصبغ بن نباته أن عليا عليه السلام لما ضربه الملعون ابن ملجم لعنه الله دعا بالحسنين، فقال: إني مقبوض في ليلتي هذه فاسمعا قولي، وأنت يا حسن وصيي والقائم بالأمر من بعدي، وأنت يا حسين شريكه في الوصية فأنصت ما نطق، وكن لأمره تابعا ما بقي، فإذا خرج من الدنيا فأنت الناطق بعده، والقائم بالأمر عنه، وكتب له بوصيته عهدا مشهورا نقله جمهور العلماء، وانتفع به كثير من الفهماء، فدعا إلى نفسه، وبايعه الناس إلى طاعة ربه إلى أن وقعت الهدنة مع معاوية، لما رأى من الصلاح فيها عند تخاذل أكثر أتباعه وتفصيل ذلك وغيره مشهور في الارشاد وغيره.


(1) الأحقاف: 4. (2) الزخرف: 23. (3) البقرة: 18. (4) يوسف: 18.

[ 161 ]

الثاني * (النص على الحسين عليه السلام) * روت الشيعة أن الحسن عليه السلام أوصى إلى أخيه الحسين عند وفاته، ودفع إليه مواثيق النبوة، وعهود الإمامة، ودل شيعته على استخلافه. ونصبه لهم علما من بعده، وذلك مشهور لا خفاء به. الثالث * (النص على زين العابدين عليه السلام) * قال الحسين عليه السلام: دخلت على جدي وعنده أبي بن كعب، فقال لي: مرحبا يا زين السماوات والأرض، فقال أبي: كيف يكون غيرك زينهما ؟ فقال صلى الله عليه وآله: والذي بعثني بالحق إنه لفي السماء أكبر منه في الأرض وإنه مكتوب على يمين العرش، وإنه مصباح هدى، وسفينة نجاة، وإن الله تعالى ركب في صلبه نطفة كالقمر، يكون من اتبعه رشيدا، ومن ضل عنه هويا قال: فما اسمه قال: علي، وقد سلف هذا الحديث قريبا. وكتب الحسين عليه السلام وصية وأودعها أم سلمة وجعل طلبها منها علامة على إمامة الطالب لها من الأنام، فطلبها زين العابدين عليه السلام. الرابع * (النص على الباقر عليه السلام) * دخل جابر على زين العابدين عليه السلام فرأى عنده غلاما فقال له: أقبل فأقبل فقال له: أدبر فأدبر فقال جابر: شمائل رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال لزين العابدين: من هذا ؟ قال: ابني ووصيي وخليفتي من بعدي، اسمه محمد الباقر. فقام جابر وقبل رأسه ورجليه وأبلغه سلام جده وأبيه عليه السلام.

[ 162 ]

وروى أبو حمزة عن أبي جعفر عليه السلام أنه لما حضرت علي بن الحسين الوفاة ضمني إلى صدره وقال: أوصيك بما أوصاني به أبي حين حضرته الوفاة وبما ذكر أن أباه أوصاه به. الخامس * (النص على الصادق عليه السلام) * روى محمد بن يعقوب بالأسانيد الصحاح إلى أبي الصباح أن الباقر عليه السلام نظر إلى الصادق عليه السلام وقال: هذا من الذين قال الله فيهم: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين (1)). وروى بصحاح الأسانيد إلى جابر بن يزيد أن الباقر عليه السلام سئل عن القائم بعده، فضرب بيده على الصادق عليه السلام وقال: هذا والله قائم آل محمد يعني القائم بعد أبيه، لا أنه القائم المنتظر عليه السلام. وروى علي ابن الحكم عن طاهر قال: أقبل الصادق فقال الباقر عليهما السلام: هذا خير البرية. وروى يونس بن عبد الرحمن مولى آل سام قول الصادق عليه السلام: أشهد أبي على أني وصيه أربعة من قريش فقلت لأبي في ذلك: فقال: كرهت أن تغلب، ويقال: لم يوص إليه، فأردت أن تكون لك الحجة. السادس * (النص على الكاظم عليه السلام) * روى الأرجاني عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: دخلت على الصادق في بيته وهو يدعو وعلى يمينه ابنه موسى عليه السلام يؤمن عليه قلت: من ولي الأمر بعدك ؟ قال الصادق عليه السلام: إن موسى قد لبس الدرع فاستوى عليه قلت: لا أحتاج بعدها إلى شئ.


(1) القصص: 5.

[ 163 ]

قلت أنا: إنما استغنى الراوي بها - والله أعلم - لعلمه أن الدرع لا يستوي إلا على الإمام دون باقي الناس، كما لم يستو درع النبوة إلا على داود ما خلا سائر الناس، ولعل هذا الدرع كان من جملة العلائم التي يعلم بها الإمام السابق الإمام اللاحق. وروى عبد الأعلى عن العيص بن المختار قال: قلت للصادق عليه السلام: خذ بيدي من النار من لنا بعدك ؟ فدخل وأخرج موسى غلاما وقال: هذا صاحبكم فتمسكوا به. وأسند ابن أبي نجران إلى عيسى بن عبد الله قال: قلت للصادق عليه السلام: إن كان كون ولا أراني الله ذلك فبمن أئتم ؟ فأومأ بيده إلى موسى ابنه، قلت: فإن حدث بموسى حدث ؟ قال: بولده، قلت: فإن حدث بولده وترك أخا كبيرا وابنا صغيرا ؟ قال: بولده ثم هكذا أبدا. وروى ابن مسكان عن سلمان ابن خالد قال: دعا الصادق يوما الكاظم عليهما السلام وقال لنا: عليكم بهذا بعدي فهو والله صاحبكم. وأسند محمد بن يعقوب متصلا إلى معاذ بن كثير قال: قلت للصادق عليه السلام: أسأل الله الذي رزقك من أبيك هذه المنزلة أن يرزقك من عقبك مثلها قبل الممات ؟ فقال عليه السلام: قد فعل الله ذلك، قلت: من هو ؟ قال: هذا ابني موسى وأشار إليه و هو راقد غلاما. وبالإسناد الوكيد إلى محمد بن الوليد قال: سمعت الصادق عليه السلام يقول لجماعة من خاصته: استوصوا بابني موسى خيرا فإنه أفضل ولدي، ومن أخلف بعدي والقائم مقامي، والحجة على كافة الخلق بعدي، ونحو هذا عن المفضل بن عمر ومعاذ بن كثير ويعقوب السراج وصفوان الجمال وغيرهم. وروى المفضل أيضا عن طاهر قال: رأيت الصادق عليه السلام يعظ ابنه عبد الله و يلومه ويقول له: ما يمنعك أن تكون مثل أخيك، والله إني لأعرف النور في وجهه قال عبد الله: كيف وأبي وأبوه واحد ؟ فقال عليه السلام: إنه من نفسي وأنت ابني. وروى ابن سنان عن السراج قال: قال لي الصادق عليه السلام: ادن فسلم على

[ 164 ]

مولاك يعني موسى الكاظم عليه السلام، فدنوت وسلمت، فقال لي: غير اسم ابنتك التي سميتها به بالأمس، فإنه اسم يبغضه الله تعالى، وقد كنت سميتها الحميراء. وسئل الصادق عليه السلام عن صاحب هذا الأمر فقال عليه السلام: هو من لا يلهو ولا يلعب ! فأقبل الكاظم عليه السلام صغيرا ومعه عناق له، وهو يقول لها: اسجدي لربك فضمه الصادق عليه السلام وقال: بأبي من لا يلهو ولا يلعب. وروى يعقوب بن جعفر قال: حدثنا إسحاق بن جعفر الصادق عليه السلام أنه كان عند أبيه فسأله عمر بن علي: إلى من يفزع الناس بعدك ؟ فقال: إلى صاحب هذين الثوبين الأصفرين فما لبثنا أن طلع الكاظم عليه السلام وعليه ثوبان أصفران. السابع * (النص على الرضا عليه السلام) * روي عن أبي الصلت الهروي أنه قال: لقد حدثني محمد بن إسحاق بن موسى ابن جعفر عن أبيه عن جده موسى عليه السلام أنه كان يقول: هذا أخوك علي بن موسى عالم آل محمد فاسألوه عن أديانكم، واحفظوا ما يقول لكم، فإني سمعت أبي جعفرا يقول غير مرة: إن عالم آل محمد لفي صلبك، وليتني أدركه فإنه سمي أمير المؤمنين عليه السلام. وروت الثقاة عن أحمد بن محمد بن عبد الله عن الحسن عن ابن أبي عمير عن محمد بن إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي الحسن الأول: ألا تدلني على من آخذ عنه ديني فقال عليه السلام: هذا ابني علي. وروي عن أبي نعيم القابوسي عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال: ابني علي أكبر ولدي، وآثرهم لدي وأحبهم إلي، وهو ينظر معي في الجفر، ولم ينظر فيه إلا نبي أو وصي نبي. وعن زياد بن مروان القندي قال: دخلت على أبي الحسن عليه السلام وعنده ابنه فقال عليه السلام: هذا ابني كتابه كتابي، وكلامه كلامي، ورسوله رسولي، وما قال فالقول قوله.

[ 165 ]

وعن يزيد بن سليط قال: قال لي أبو إبراهيم عليه السلام: في السنة التي قبض فيها: إني أوخذ في هذه السنة والأمر إلى ابني علي، سمي علي وعلي، الأول علي بن أبي طالب أعطي حكمه وفهمه وبصره ووده ودينه ومحنه، والآخر علي بن الحسين أعطي صبره على ما يكره. وعن محمد بن إسماعيل الهاشمي قال: دخلت على أبي الحسن موسى عليه السلام وقد اشتكى شكوى شديدة فقلت: إن كان ما أسأل الله أن لا يريناه فإلى من ؟ فقال: إلى علي ابني فكتابه كتابي، وهو وصيي وخليفتي من بعدي. وعن علي بن يقطين كنت عند أبي الحسن وعنده هشام بن سالم فقال يا علي: هذا ابني، سيد ولدي، وقد أنحلته كنيتي، فضرب هشام بن سالم بيده على جبهته وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون نعى والله إليك نفسه. وروي بالأسانيد عن محمد بن سنان عن داود الرقي قال: قلت لأبي إبراهيم عليه السلام قد كبر سني فحدثني من الإمام بعدك ؟ فأشار إلى الرضا عليه السلام وقال: هذا صاحبكم بعدي، ونحو ذلك عنه أيضا بطريق آخر. وروي بالأسانيد إلى سليمان بن حفص المروزي قال: دخلت على أبي الحسن عليه السلام أريد أسأله عن الحجة عن الناس بعده، فابتدأني وقال: إن عليا ابني هو وصيي، والحجة على الناس بعدي، وهو أفضل ولدي، فإن بقيت بعدي فاشهد [ لي ] وله بذلك عند شيعتي، وأهل ولايتي، والمستخبرين من خليفتي بعدي. وأسند الشيخ المفيد في إرشاده إلى الحسين بن المختار قال: خرج إلينا ألواح من الكاظم عليه السلام وهو في الحبس: عهدي إلى أكبر ولدي، أن يفعل كذا. وأسند إلى المخزومي قال: جمعنا الكاظم عليه السلام وقال: اشهدوا أن هذا ابني علي وصيي، والقائم بأمري، وخليفتي من بعدي. وأسند إلى داود بن سليمان قال: قلت: إني أخاف أن يحدث حدث ولا ألقاك فمن الإمام بعدك ؟ فقال عليه السلام: ابني فلان يعني الرضا عليه السلام. وأسند إلى النضر بن قابوس قال: قلت للكاظم عليه السلام: إني سألت أباك من

[ 166 ]

الذي يكون بعده فأخبرني عنك وإني أسألك عن الذي يكون من بعدك فقال عليه السلام ابني فلان وأسند إلى داود بن رزين قال: جئت إلى الكاظم عليه السلام بمال فأخذ بعضه و ترك بعضه، قلت: لم تركته ؟ فقال: إن صاحب هذا الأمر يطلبه منك، فطلبه الرضا عليه السلام بعد أبيه فدفعته إليه. وأسند إلى ابن سنان قال: دخلت على الكاظم عليه السلام والرضا عليه السلام بين يديه فقال عليه السلام: من ظلم ابني هذا حقه وجحد إمامته من بعدي كان كمن ظلم علي بن أبي طالب عليه السلام إمامته، وجحده بعد رسول الله صلى الله عليه وآله حقه. الثامن (النص على الجواد عليه السلام) روي عن صفوان بن يحيى قال: قلت للرضا عليه السلام: كنا نسألك قبل أن يهب الله لك أبا جعفر فكنت تقول: يهب الله لي غلاما وقد وهبه الله لك فلا أرانا الله يومك فإن كان كون فإلى من ؟ فأشار عليه السلام إلى الجواد وهو قائم، قلت: هو ابن ثلاث سنين، فقال عليه السلام: وما يضره وقد قام عيسى بالحجة وهو ابن أقل من ثلاث سنين ونحوه أسند المفيد إلى الخيراني. وروي عن معمر بن خلاد قال: سمعت الرضا عليه السلام يقول: هذا أبو جعفر قد أجلسته مجلسي، وصيرته مكاني، إنا أهل بيت يتوارث أصاغرنا أكابرنا القذة بالقذة. وروي عن أبي الحسن محمد بن [ علي بن ] أبي عباد قال: سمعت الرضا عليه السلام بقول: أبو جعفر وصيي، وخليفتي في أهلي بعدي. وأسند المفيد إلى الواسطي كنا نقول: كيف يكون إماما وليس لك ولد ؟ فقال عليه السلام: وما علمك والله لا تمضي الأيام والليالي حتى يرزقني الله ذكرا يفرق بين الحق والباطل.

[ 167 ]

وأسند إلى البزنطي قول الرضا عليه السلام له: الإمام ابني وهل يجترئ أحد أن يقول: ابني، وليس له ولد ؟ لأن الجواد عليه السلام لم يكن ولد فلم تمض الأيام حتى ولد. وأسند إلى الواسطي قلت الرضا عليه السلام: أيكون إمامان ؟ قال: لا إلا أن يكون أحدهما صامتا فقال: ها أنت ولا صامت لك فقال عليه السلام: والله ليجعلن الله لي ما يثبت به الحق وأهله ويمحق به الباطل وأهله، ولم يكن في ذلك الوقت له ولد فولد الجواد بعد سنة. وأسند إلى الحسن بن الجهم أن الرضا عليه السلام أمره أن يجرد الجواد، وهو صبي قميصه، ففعل فقال: أنظر بين كتفيه فإذا خاتم داخل اللحم، فقال عليه السلام: مثل هذا كان لأبي عليه السلام. وأسند إلى الصنعاني قول الرضا عليه السلام في الجواد عليه السلام: هذا الذي لم يلد مولود أعظم على شيعتنا بركة منه. وأسند إلى يحيى ابن حبيب قال: أخبرني من كان عند الرضا عليه السلام فقال: القوا أبا جعفر وسلموا عليه وجددوا به عهدا. قالوا: قد نزل القرآن بالحجر على الصغير فكيف يكون من لا يدله على درهم من ماله حاكما في أبشار الناس وأموالهم ؟ وكذا قالوا: في زين العابدين والمهدي على بعض الروايات قلنا: كثير من الآيات مخصوصة كآية السرقة والقتل والربا وآيات الوعيد فالنص والعصمة خصا حجر الصغير بغير الإمام، فدل العقل الذي لا يدخله تخصيص على كماله في حال صغره، كما سلف في عيسى ونحوه، وقد خص الخصم آيات الميراث بغير فاطمة بغير دليل، فكيف لا يخص بالحجر غير المعصوم بدليل

[ 168 ]

التاسع * (النص على الهادي عليه السلام) * روي في مراصد العرفان وغيره وفي إرشاد المفيد بصحيح الأسانيد عن محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن إسماعيل بن مهران قال: لما رفع أبوا - جعفر عليه السلام من المدينة إلى بغداد، قلت: إني أخاف عليك فإلى من الأمر بعدك فضحك وقال: ليس حيث ظننت في هذه السنة، فلما استدعى به المعتصم صرت إليه وقلت: إلى من الأمر بعدك، فبكى وقال: عند هذه يخاف علي، الأمر بعدي إلى ابني علي. وبالأسانيد الصحيحة أن أبا جعفر قال في مرضه الذي توفي فيه: إني ماض والأمر صائر إلى ابني علي، وله عليكم بعدي ما كان لي عليكم بعد أبي. وبالأسانيد الصحيحة عن الخيراني عن أبيه قال: كنت ملازما باب أبي جعفر عليه السلام للخدمة وكان أحمد بن عيسى الأشعري يجئ فيتفقده لعلته، وكان الرسول يختلف بيني وبينه عليه السلام فخلا بي وقام أحمد بن عيسى وقف حيث سمع فقال الرسول: إن مولاك يقرأ عليك السلام ويقول لك: إني ماض والأمر صائر إلى ابني علي، وله عليك بعدي ما كان لي عليكم بعد أبي، فقال أحمد: سمعت ما قال، قلت: فاحفظ الشهادة لعلنا نحتاج إليها يوما. فأصبحت وكتبت الرسالة في عشر رقاع ودفعتها إلى عشرة من وجوه أصحابي وقلت: إن حدث بي الموت قبل طلبها فافتحوها واعملوا بما فيها. فلما مضى أبو جعفر عليه السلام اجتمعت رؤساء العصابة عند محمد بن الفرج وتفاوضت في الأمر فكتب إلي فأعلمني وقال: لولا خوف الشهرة لصرت إليك بها، أحب أن تركب إلي فصرت إليه فتجارينا في الباب فوجدت أكثرهم قد شك، فطلبت الرقاع وهم حضور فأخرجوها، فقلت: هذا ما أمرت به، فقال بعضهم: كنا نحب أن يكون معك آخر، فقلت: هذا أبو جعفر الأشعري فسألوه فتوقف، فدعوته إلى المباهلة

[ 169 ]

فخاف وشهد وقال: هذه مكرمة كنت أحب أن تكون لرجل من العرب، فأما مع المباهلة فلا طريق إلى الكتمان، فلم يبرح القوم حتى سلموا الأمر إلى أبي - الحسن عليه السلام والأخبار كثيرة في هذا الباب، إن استقصيناه طال به الكتاب. العاشر * (النص على العسكري عليه السلام) * روى محمد بن يعقوب بالإسناد الصحيح إلى عمر بن حمزة النوفلي قال: كنت مع أبي الحسن عليه السلام في صحن داره، فمر بنا ابنه محمد، فقلت: هذا صاحبنا بعدك ؟ قال: لا صاحبكم بعدي ابني الحسن. وروى بالأسانيد عن سنان بن أحمد عن عبد الله بن أحمد الإصفهاني قال: قال أبو الحسن عليه السلام: صاحبكم بعدي الذي يصلي علي، فلما مات عليه السلام خرج أبو محمد فصلى عليه. وروى بالإسناد العالي عن إسحاق بن محمد عن شاهويه بن عبد الله قال: كتب إلي أبو الحسن عليه السلام: صاحبكم بعدي أبو محمد ابني، عنده ما تحتاجون إليه، يقدم الله ما يشاء، ويؤخر ما يشاء (وما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها (1)) وعن محمد بن بشار العنبري: أوصى علي بن محمد إلى ابنه الحسن، قبل مضيه بأربعة أشهر، وأشار إليه بالأمر من بعده، وأشهدني على ذلك، وجماعة من الموالي. وعن أبي هاشم الجعفري قال. كنت عند أبي الحسن عليه السلام بعد مضي ابنه أبي - جعفر، ولأني أفكر في نفسي وأريد أن أقول: كأنهما أعني أبا جعفر وأبا محمد في هذا الوقت كموسى وإسماعيل ابني الصادق عليه السلام فقال أبو الحسن: قبل أن أنطق: نعم يا أبا هاشم، بدا لله في أبي محمد بعد أبي جعفر ما لم يكن يعرف له كما بدا في موسى بعد مضي إسماعيل ما كشف به عن حاله وهو كما حدثتك نفسك، ولو كره المبطلون أبو محمد ابني الخلف من بعدي، عنده ما تحتاج إليه، ومعه آلة الإمامة.


(1) البقرة: 101.

[ 170 ]

وأسند المفيد في إرشاده إلى علي بن جعفر: قال الهادي للعسكري عليهما السلام: يا بني أحدث لله شكرا فقد أحدث فيك أمرا وأسند مثله إلى عبد الله الأنباري قال: وكنا حوله ومعنا من آل أبي طالب وبني العباس وقريش نحو مائة وخمسين رجلا سوى من كان من غيرهم، فعلمنا أنه قد أشار إليه بالإمامة. وأسند إلى ابن مهزيار قول الهادي عليه السلام: عهدي إلى أكبر أولادي، يعني الحسن، ونحوه عن جعفر العطار عن الهادي عليه السلام. وأسند الفهفكي إلى الهادي عليه السلام أنه قال: أبو محمد ابني أصح آل محمد غريزة وأوثقهم حجة، وهو الأكبر من ولدي، وهو الخلف، وإليه تنتهي عرى الإمامة وأحكامها، فما كنت سائلي عنه فسأله عنه، وعنده ما تحتاج إليه. وأسند إلى داود بن القاسم الجعفري قول الهادي عليه السلام: الخلف من بعدي الحسن، فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف ؟ قلت: ولم ؟ قال: لأنكم لا ترون شخصه، ولا يحل لكم ذكره باسمه، قلت: فكيف نذكره ؟ قال عليه السلام: الحجة من آل محمد. الحادي عشر * (النص على المهدي عليه السلام) * روي بالأسانيد الصحيحة عن الشيخ أبي جعفر بن بابويه، عن محمد بن الحسين بن الوليد، عن محمد بن يحيى العطار، عن الحسن بن رزق الله، عن موسى ابن محمد بن القاسم بن حمزة بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب أن حكيمة حدثته أن الإمام العسكري بعث إليها ليلة النصف من شعبان لتحضر عنده، وقال لها: إن الله تعالى سيظهر في هذه الليلة حجة الله في أرضه. وسيأتي شئ من ذلك إن شاء الله في بابه وسنورد أيضا نصوصا أخر عن أبيه فيه من أرادها وقف عليها، ومن سعد باعتقاد مضمونها حصل بفوائد مكنونها.

[ 171 ]

منها: ما أسنده المفيد في إرشاده إلى الأهوازي قال: أراني أبو محمد ابنه عليه السلام وقال: هذا صاحبكم بعدي. وأسند إلى الجعفري قال: قلت للعسكري: جلالتك تمنعني عن مسألتك فتأذن لي أن أسألك ؟ قال: سل، قلت: هل لك ولد ؟ قال: نعم، قلت: إن حدث حادث أين أسأل عنه ؟ قال: بالمدينة. وقد صنف أبو عبد الله النعماني كتاب الغيبة، فيه كفاية، من وفق له وقف عليه، وكذا صنف العالم الكبير ابن بابويه وسنذكر في باب خروجه وتملكه طرفا مما جاء فيه، يسترشد به من يبتغيه، وقد أسلفنا في نصوص النبي صلى الله عليه وآله وآبائه أحاديث في وجوده وبقائه. فصل ظهر عن كل واحد منهم من العلوم العقلية والشرعية في زمانه، ولم ينقلوا ذلك عن عالم غيرهم، ولا تعلموا من أحد سواهم، ولا درسوا الكتب السالفة لمن عداهم، وذلك من الأدلة اللائحة، والبراهين الواضحة، على صحة إمامتهم، إذ لا يخص الحكيم سبحانه بخرق عادته من يكذب في دعوته. إن قيل: فما يمنع من استفادتهم من غيرهم ؟ قلنا: لم يشتهر لأحد من الفضل ما يدانيهم، ولو كان ذلك لبحث عنه كل شخص من مخالفيهم، لحرصهم على إطفاء نورهم، وقد اعترض الكفار على النبي صلى الله عليه وآله حيث قالوا: إنه تعلم من غيره كما نطق به القرآن حتى رد الله قولهم بقوله: (وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر (1)) (وما كنت بجانب الطور إذ نادينا (2)) و (ما كنت ثاويا في أهل مدين تتلوا عليهم آياتنا (3)) و (ما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم (4)) و (ما


(1) القصص: 44. (2) القصص: 46. (3) القصص: 45. (4) آل عمران: 44.

[ 172 ]

كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون (1)) و (قالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا (2)) وقال تعالى: (قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض (3) وقال: (ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين (4)) والأئمة عليهم السلام لم ينقل أنهم أخذوا من غير آبائهم عن جدهم عن ربهم، وقد كان لكل واحد في زمانه رجال كثير يأخذون عنه. وأما أمير المؤمنين فأحكامه مشهورة اعترف الشيخان وغيرهما بسعتها. وابنه الحسن حكم في بيض نعام كسره محرم بإرسال الإبل بعددها، وحكم في البقرة التي قتلت الحمار إن كانت دخلت عليه في منامه ضمن صاحبها، وإن دخل عليها فهدر، بعد أن حكم الشيخان بقولهما: بهيمة جنت على بهيمة فلا ضمان. الحسين عليه السلام، أخذت عنه الأحكام وعلم الفرزدق المناسك وغيرها. زين العابدين مع شدة خوفه، وانقطاعه لعبادة ربه، أخذ عنه الزهري وعطاء وغيرهما وحاض قوم في الصوم فقسمه لهم إلى أربعين قسما، وذكر ابن طلحة أن أعرابيا قطع القفار إلى الحسن ليكلمه في عويص العربية، فأشار بعض من حضر أن يبدأ بالحسين فسلم وقال: جئتك من الهرقل والجعلل، والأثيم والهمهم، ثم قال: هفى قلبي إلى الهيف * وقد ودع شرحيه وقد كان البقا غضا * بجراري ذيليه علالات ولذات * فيا سقيا لعصريه فلما علم الشيب * من الرأس نطاقيه وأمسى قد عناني * منه تجديد خضابيه تسليت عن اللهو * وألقيت قناعيه فلو يعلم ذو رأي * أصيل فيه رأييه


(1) العنكبوت: 48. (2) الفرقان: 50 (3) الفرقان، 6. (4) النحل: 103.

[ 173 ]

لألفى غيره منه * له في كر عصريه فارتجل الحسين عليه السلام: فما رسم سجا فيه * محى آية رسميه سفود درج الذيلين * في نوعا قناعيه ومود جرصف تترى * على تلبيد نوءيه ودلاج من المزن * دنا نوء سماكيه إلى مثعنجر الودق * بجرد من خلاليه وقد أحمد برقاه * فلا ذم لبرقيه وقد جلل رعداه * فلا ذم لرعديه نجيح الرعد شجاج * إذا أرخى نطاقيه فأضحى دارسا قفرا * لبينونة أهليه فقال الأعرابي: ما رأيت أعرب منه كلاما، ولا أذرب منه لسانا، فقال الحسن في أخيه: غلاما كرم الرحمن * بالتطهير جديه كساه القمر القمقام * من نور سنائيه ولو عدد طماح * نفجنا عن عداديه وقد أرضيت من شعري * وقومت عروضيه فقال الأعرابي: بأبي أنتما وأمي، بارك الله فيكما، فلقد انصرفت وأنا محب لكما راض عنكما. والباقر عليه السلام أخذ عنه جابر وغيره علم التفسير، وسأله عمرو بن عبيد عن قوله تعالى: (السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما (1)) قال عليه السلام: كانت السماء لا تمطر فمطرت والأرض لا تنبت فنبتت. ورآه هشام بن عبد الملك يفتي الناس فسأل عنه فقيل: محمد بن علي المفتون


(1) النساء: 30.

[ 174 ]

به أهل العراق، فبعث إليه فسأله ما يأكل الناس يوم القيامة ؟ فقال عليه السلام: يحشرون على قرصة وأنهار متفجرة، فرأى هشام أنه قد ظفر به فبعث إليه: ما أشغلهم عن الأكل والشرب يومئذ ؟ فقال عليه السلام: هم في النار أشغل ولم يشغلوا حتى قالوا: (أفيضوا علينا من الماء ومما رزقكم الله (1)) فانقطع هشام. إن قيل: بل الباقر عليه السلام أخذ عن جابر، قلنا: ظاهر من جابر أنه لم يبلغ من العلم مبلغ الباقر، وإنما تميز عن غيره بقوله: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وطلب جابر من الباقر عليه السلام أن يعلمه ما ينتفع به فقال: إنك لا تحمل فقال: بلى، فقال: أنا آدم أبو البشر ففتح عينيه في وجهه، وقال: بل أنت مولاي وكاد أن يطيش، فقال: أنا آدم اللون وأولادي بشر، فسكن، فقال: ما أسرع ما تنسخت فقال: الإقالة يا سيدي، وإنما روى الباقر عنه أخبارا رواها عن الرسول صلى الله عليه وآله تقريبا على الناس. والصادق عليه السلام شأنه لا يخفى، وأخذ عنه أربعة آلاف رجل أحكاما لا تعفى وأخذ مالك عنه، وانقطع أبو حنيفة بين يديه، ولما رد على ابن طالوت حيث قال له: إلى كم تدرسون هذا البيدر الخ فأجابه عليه السلام فانقطع، فقال لأصحابه: ظننتم أنكم تلقوني على تمرة، فألقيتموني على جمرة فقالوا: لقد فضحتنا ما رأينا أحقر منك في مجلسه، فقال: أبي تقولون هذا ؟ فإنه ابن من حلق رؤس من ترون. وقال عليه السلام: وجدت علم الناس في أربع: الأول أن تعرف ربك، والثاني أن تعرف ما صنع بك، والثالث أن تعرف ما أراد منك، والرابع أن تعرف ما يخرجك عن دينك. والكاظم عليه السلام أخذ عنه الناس كثيرا وروى عنه أخوه علي بن جعفر كتابا شهيرا وسأله أبو حنيفة عن أفعال العباد فقال: إن كان الله تفرد بها سقط عن العباد الذم فيها، وإن شاركها فالذم عليهما، وإن تفرد العباد بها تفردوا بمستحقها


(1) الأعراف: 50.

[ 175 ]

فبهت أبو حنيفة من ذلك. الرضا عليه السلام روى عنه الخاص والعام أحاديث في التفسير والكلام، فروى عنه داود بن سليمان: الإيمان عقد بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان، ولما سار إلى خراسان أخذ الناس عنه كثيرا من هذا الشأن، وروى عن النبي صلى الله عليه وآله من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة لكن بشروطها، وأنا من شروطها، يعني معرفة الإمام. الجواد عليه السلام له رجال أخذوا عنه المعلوم وظهر فضله على العموم، ولما عزم على تزويجه المأمون، لامه العباسيون فأجابهم بغزارة علمه، فقالوا: متى جمع ذلك على صغر سنه ؟ فقال المأمون: هؤلاء قوم موادهم من الله سبحانه، فإن أردتم فامتحنوه. فاجتمعوا على يحيى بن أكثم، فسأله عن محرم قتل صيدا فقال عليه السلام: في الحل أو الحرم ؟ عالما أو جاهلا ؟ عمدا أو خطأ ؟ حرا أو عبدا ؟ صغيرا أو كبيرا ؟ من ذوات الطير أو غيرها ؟ من صغار الصيد أم كبارها، مصرا أم نادما ؟ ليلا أم نهارا ؟ فلم يدر ابن أكثم ما يقول، فقال المأمون: الآن صح ما أخذتم به، فعند ذلك زوجه ابنته أم الفضل، وطلب تفسير ذلك ففسره، وأمر أن يسأل ابن أكثم فقال: سل ! إن عرفت أجبتك، وإلا استفدت منك، فسأله عن جارية حلت وحرمت مرارا فلم يدر، ففسر له ذلك، وهي مشهورة. فقال المأمون: إن أهل هذا البيت خصوا بالكمال من الصبى، ألا ترون أن رسول الله صلى الله عليه وآله افتتح دعوته بعلي، وهو ابن عشر سنين، وباهل بالحسن والحسين، وهما دون ست سنين. والهادي والعسكري ظهر منهما ما ظهر من آبائهما، وقد خرج عن العسكري الرسالة المقنعة تشتمل على معظم الأحكام، وذكر الحميري في كتاب المكاتبات رجال العسكري عليه السلام. وأما الإمام المهدي فسيأتي عنه شئ من ذلك في بابه إن شاء الله تعالى. إن قيل: من أين لهم هذه العلوم ؟ قلنا: من جدهم، فقد ورد عنهم: عندنا

[ 176 ]

الجامعة كتاب أملاه النبي صلى الله عليه وآله على علي عليه السلام، من جميع ما يحتاج إليه الناس إلى قيام الساعة، أو من الالهام، أو من الملائكة، فقد ورد عنهم عليهم السلام علما غابرا ومزبورا ونكتا في القلوب، ونقرا في الأسماع، فالغابر علم ما مضى، والمزبور علم ما بقي، والنكت الالهام، والنقر حديث الملائكة. وقولهم عليهم السلام: إنا لنجمع زغب الملائكة عن فرشنا، وقد قال رجل لأمير - المؤمنين: إني أحبك فقال عليه السلام: كذبت إني لا أرى اسمك في الأسماء، ولا شخصك في الأشخاص، فسئل عن ذلك، فقال عليه السلام: إن الله تعالى عرف نبيه أسماء المؤمنين، وأثبتها النبي صلى الله عليه وآله لنا، وأنا أعرفهم. وروى جماعة أنهم رأوا عند الباقر وزين العابدين عليهما السلام كتابا كبيرا فسألوهم عنه فقالوا: هذا ديوان المؤمنين، فسألوهم النظر فيه فوجدوا أسماءهم. إن قيل: فقوله تعالى: (لتبين للناس ما نزل إليهم (1)) يبطل ما تدعونه من اختصاص الإمام بتبيينه، قلنا: إذا وضع العلم عند حافظ لا ينسى ولا يجهل، و كلف الناس الفزع إليه، سقط ما اعترضتم به عليه. إن قيل: إن المعلوم من دين النبي صلى الله عليه وآله انقطاع الوحي وهو يبطل ما ذكرتم من حديث الملائكة قلنا: إنما الاجماع على ختم النبوة أما على أن الملائكة لا تخاطب أحدا فلا.


(1) النحل: 44.

[ 177 ]

القطب الرابع * (في شئ من المعاجز التي خرجت عليهم مقترنة بدعواهم) * قد أسلفنا جانبا من هذه المطالب في أبيهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وهذا القطب لأولاده وفيه فصول: الأول * (الحسن عليه السلام وهو أمور) * 1 - غلظ رجل من بني أمية عليه، وسبه وسب أباه، فدعا ربه فقلبه أنثى وسقطت لحيته، وشاع أمره فجاءت امرأته إلى الحسن عليه السلام تبكي فدعا الله تعالى فعاد كما كان. 2 - نام هو والحسين في حائط بني النجار، فبعث الله تعالى ملكا في صورة حية فحفظهما. 3 - أخبر بأن معاوية يرسل إلى زوجته جعدة سما فقالوا له: أخرجها من منزلك فقال عليه السلام: لو فعلت لعذرها الناس، فبعثه إليها فسقته كما قال عليه السلام. 4 - خرج إلى مكة ماشيا فورم قدماه، فسألوه الركوب فأبى، وقال: يستقبلكم أسود، ومعه دواء يصلح لهذا الورم، فجاء فاشتروا منه ولم يأخذ من الحسن عليه السلام شيئا من الثمن فمسح به فزال لوقته، وسأله الدعاء بولد ذكر فدعا له وأخبره أن امرأته ولدت ذكرا فرجع فوجد كما ذكر. 5 - أخبر أنه يمنع من دفنه عند جده، مع أنه لم يكن عازما على ذلك فكان كما قال. 6 - نزل تحت نخلة يابسة فقال رفيقه: لو كان فيها رطب لأكلنا، فدعا ربه فاخضرت وحملت وأكلوا.

[ 178 ]

7 - بعث معاوية رسولا خفية بمسائل أعيته إلى علي، فأتى إليه فقال: أنا من رعيتك، قال: لا، ولكنك رسول معاوية بكذا، فاعترف فقال: سل أحدا بني هذين، فابتدأه الحسن، وقال: جئت تسأل كم بين الحق والباطل، هو أربع أصابع ما رأيته فحق وما سمعته قد يكون باطلا، وبين السماء والأرض دعوة المظلوم، ومد البصر، وبين المشرق والمغرب يوم للشمس، وقزح اسم شيطان لا تقل قوس قزح بل قوس الله، وهو علامة الخصب وأمان من الغرق، والمؤنث إن احتلم أو أصاب بوله الحائط فذكر، وإن حاض وتنكس بوله فأنثى، وأشد شئ الحجر، وأشد منه الحديد، وأشد منه النار فتذيبه، وأشد منها الماء فيطفئها، وأشد منه السحاب حمله، وأشد منه الرياح تحمله، وأشد منها الملك يردها، وأشد منه ملك الموت وأشد منه الموت، وأشد منه أمر الله الذي يدفع الموت. 8 - أخبر أصحابه أن قومه وعسكره يغدرون به، فكان ذلك حتى أغاروا على فسطاطه، فكتب إلى معاوية: إنما هذا الأمر والخلافة لي ولأهل بيتي، و إنها لمحرمة عليك وعلى أهل بيتك. سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله ولو وجدت صابرين عارفين بحقي ما أعطيتك ما تريد. الثاني * (الحسين عليه السلام وهو أمور) * 1 - جاء إليه شاب يبكي، ويقول أمه ماتت ولم توص، فأتى عليه السلام بيتها وهي مسجاة فدعا الله فأحياها فأوصت ثم ماتت. 2 - خضخض أعرابي ودخل إليه ليخبره شيئا فقال: أما تستحي ؟ تدخل علي وأنت جنب ؟ فقال: هذا بغيتي، ثم خرج فاغتسل ورجع فسأله عما في قلبه فأجابه. 3 - نهى غلمانه أن يخرجوا يوم كذا، وإن خرجوا أخذوا، فخرجوا فأخذوا، فأتى الوالي فرأى عنده شخصا فقال: هذا منهم، فقال الشخص: من أين

[ 179 ]

عرفت ؟ قال: حرجت ومعك فلان وفلان، حتى عد ثمانية، فأقر واحضروا فأقروا فقتلهم. 4 - وسئل وهو صغير عن أصوات الحيوانات، ففسر لغاتها، وذكرها الراوندي في خرائجه مفصلا 5 - لما ولد هبط جبرائيل في ملائكة يهنئ جده به، فمر بملك يقال له: فرطس فبعثه الله في شئ فأبطأ، فكسر جناحه وألقاه في جزيرة، فسأل جبرائيل أن يحمله إلى محمد صلى الله عليه وآله ليدعو له فحمله، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: تمسح بالمولود، فتمسح بمهده فأعيد جناحه في الحال. 6 - قالت أم سلمة: لا تخرج إلى العراق، فإني سمعت جدك يقول: إنك مقتول به، وعندي تربة دفعها إلي في قارورة، فقال عليه السلام: وإن لم أخرج قتلت ثم مسح بيده على وجهها، فرأت مصرعه ومصرع أصحابه، وأعطاها تربة أخرى في قارورة وقال: إذا فاضتا دما فاعلمي أني قد قتلت، ففاضتا دما بعد الظهر في يوم عاشوراء. 7 -: قرأ رجل عند رأسه بدمشق (أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا (1)) فأنطق الله الرأس بلسان عربي: أعجب من أهل الكهف قتلي وحملي. 8 - رأى الأعمش جلا في الطواف يقول: اللهم اغفر لي وأنا أعلم أنك لا تفعل، فسأله فقال: كنت ممن حمل رأس الحسين عليه السلام إلى يزيد، فنزلنا عند دير فوضعنا الطعام لنأكل فإذا كف يخرج من الحائط يكتب: أترجو أمة قتلت حسينا * شفاعة جده يوم الحساب فجزعنا وأراد بعضنا أخذها فغابت فلما دخلت على يزيد جعلني في الحرس ليلا فهبط آدم وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم السلام في ملأ من الملائكة فنفخ


(1) الكهف: 9.

[ 180 ]

جبرائيل على أصحابي واحدا واحدا، فلما دنا مني قال له النبي صلى الله عليه وآله: دعه لا غفر الله له فتركني. الثالث * (علي بن الحسين عليه السلام وهو أمور) * 1 - لقيه عبد الملك بن مروان في الطواف، فقال له: ما يمنعك أن تصير إلينا لتنال من دنيانا ؟ فبسط رداءه وقال: اللهم أره حرمة أوليائك، فإذا رداؤه مملوء درا فقال: من يكن هذه حرمته عند الله لا يحتاج إلى دنياك ثم قال: اللهم خذها فلا حاجة لي فيها. 2 - كتب الحجاج إلى عبد الملك: إن أردت أن يثبت ملكك فاقتل علي بن الحسين، فرد عليه: جنبني دماء بني هاشم، وبعث بالكتاب إليه سرا فجاء النبي صلى الله عليه وآله في النوم إلى علي بن الحسين وأعلمه فكتب إلى عبد الملك: إنه قد شكره الله لك، وثبت به ملكك، وزاد في عمرك، فلما قرأه وجد تاريخ الكتاب واحدا. 3 - نازعه ابن الحنفية في الإمامة فتحا كما إلى الحجر الأسود فشهد لزين العابدين بالإمامة وفرض الطاعة عليه وعلى الخلق أجمعين. وقيل: إن ابن الحنفية إنما أراد بذلك إزاحة شكوك الناس في ابن أخيه. 4 - أقبلت إليه ظبية مستأنسة، وشكت أن الصياد أخذ ابنها ولم ترضعه فدعا عليه السلام بالصياد وأقسم عليه ليرده فلما رأته حمحمت وجرت دمعتها، وقالت: أشهد أنك من أهل بيت الرحمة وأن بني أمية من أهل بيت النقمة. 5 - قعد مع جماعة يأكل فأتى ظبي وشكى إليه الجوع، فقال له: ادن فكل معنا، فوضع رجل يده على ظهره فنفر، فقال عليه السلام: لا بأس عليك فرجع وأكل. 6 - كان أبو خالد الكابلي يخدم ابن الحنفية ويعتقد إمامته، فناشده يوما

[ 181 ]

أنت الإمام ؟ فقال: الإمام زين العابدين وأرشده إليه، فلما أتاه قال: مرحبا بك يا كنگر ! فقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى عرفت إمامي، هذا ما سمتني به أمي، ولم يعرفني به أحد إلى يومي. 7 - قال يوما لأبي خالد: سيجئ غدا شامي ومعه ابنة ومعه ابنة مجنونة، فآته وقل: أنا أعالجها بعشرة آلاف على أن لا يعود إليها أبدا، فإنه يضمن لك ثم يغدر بك فأتى الرجل فجاء إليه أبو خالد وقاطعه وعاد إلى الإمام فقال له: خذ بأذنها اليسرى وقل: يا خبيث يقول لك علي بن الحسين: أخرج منها ولا تعد إليها، فذهب ففعل فخرج عنها فأفاقت فطلب المال فدافعه فعادت فقال الإمام عليه السلام: ألم أقل لك ؟ إنه سيعود إليها غدا ويأتيك فقل له: تضع المال على يدي، فعاودها فجاء أبوها فوضع المال فعاد أبو خالد إليها وبلغها ما بلغها أولا فعوفيت. 8 - قال لابنه الباقر عليه السلام: إن أخاه عبد الله ينازعه الإمامة، وقال: امنعه منها فإن أبى فدعه فإن عمره قصير، فكان ذلك، فلم يلبث إلا شهرا حتى مات. 9 - أخذ بيد حماد القطان من مكان بعيد، فدخل به مكة في خطوات، قال: فخيل لي أن الأرض تمتد من تحت قدمي. 10 - حبس هشام بن عبد الملك الفرزدق لما قال في زين العابدين عليه السلام: هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحل والحرم الخ فلما طال حبسه شكى ذلك إلى الإمام عليه السلام فدعا له فخلص، فقال: إنه محى اسمي من الديوان فأعطاه الإمام رزق أربعين سنة، وقال: لو علمت أنك تحتاج إلى أكثر من ذلك لأعطيتك، فمات بعد الأربعين. 11 - خرج إلى ضيعة له فجاءه ذئب أمعط، قد قطع الطريق على الناس فشكى عسر زوجته، فدعا الله لها فخلصت، فقال: لك الله علي أن لا أعرض أنا وولدي لأحد من شيعتك. 12 - لما هدم الحجاج الكعبة، وأرادوا عمارتها، كان العلماء والقضاة يضعون الحجر الأسود فلا يستقر فوضعه الإمام عليه السلام فاستقر، وكبر الناس.

[ 182 ]

الرابع * (الباقر عليه السلام وهو أمور) * 1 - قال عليه السلام: من حق المؤمن على الله أن لو قال المؤمن لنخلة: أقبلي ! لأقبلت، فتحركت نخلة، فقال لها: قري ما عنيتك. 2 - أخبر الدوانيقي بملكه وجمعه للأموال وملك ولده فكان كما قال. 3 - مسح بيده على وجه أبي بصير وهو أعمى فأبصر السهل والجبل، ورأى ما عدا الشيعة في صورة كلب وخنزير وقرد، فقال عليه السلام: إن أحببت أن تكون هكذا وحسابك على الله أو كما كنت فثوابك الجنة، قال: الجنة فمسح على وجهه فعمي. 4 - قال له كثير النوا: إن عندنا المغيرة بن عمران يزعم أن معك ملك يعرفك المؤمن والكافر، وشيعتك وعدوك ؟ قال عليه السلام: ما حرفتك ؟ قال: أبيع الحنطة والشعير، قال: كذبت تبيع النوا قال: من أعلمك بذلك، قال: الملك الذي يعرفني شيعتي من عدوي ولست تموت إلا تائها (1) فكان كما قال عليه السلام. 5 - أخبر عن عمر بن عبد العزيز أنه يملك ويعدل وإذا مات بكته أهل الأرض فكان كما قال - وتلعنه أهل السماء بجلوسه مجلسنا ولا حق له فيه. 6 - أخذ سارقا فقطعه فاعترف بالسرقة وتاب، فقال عليه السلام: إن يدك سبقتك إلى الجنة بعشرين سنة، فمات الرجل بعد عشرين سنة. 7 - أخبر بقتل زيد وأنه يطاف برأسه وينصب على قصبة في موضع كذا فكان كما قال. 8 - خرج عليه وزغ يولول بلسانه، فقال: إنه يقول: لئن ذكرتم عثمان


(1) الظاهر أن المراد بالتائه: الذاهب العقل، ويحتمل أن يكون المراد به التحير في الدين، وقد نسب الرجل إلى المغيرية، وهم أصحاب المغيرة بن سعيد العجلي الذي ادعى أن الإمامة بعد محمد بن علي لمحمد بن عبد الله بن الحسن وزعم أنه حي لم يمت راجع كشف الغمة ج 2 ص 355.

[ 183 ]

لأسبن عليا، ولا يموت من بني أمية أحد إلا مسخ وزغا، وعبد الملك بن مروان مسخ وزغا فجعل ولده في أكفانه جذعا عوضه. 9 - قال لمحمد بن مسلم: لئن ظننتم أنا لا نراكم ولا نسمعكم فلبئس ما ظننتم فقلت: أرني علامة، فقال: وقع بينك وبين زميلك حتى عيرك بحبنا، قلت: إي والله، فمن يخبرك ؟ قال: ينكت في قلوبنا، وينقر في آذاننا، ولنا مع كل واحد رجل من المؤمنين يخبرنا. 10 - أخبر بدخول نافع ابن الأزرق المدينة في جيش فلم يتحذر أكثر الناس منه فدخل وقتل جماعة كثيرة، وفضح النساء، فقال أهل المدينة: لا نرد على الباقر عليه السلام بعد ما سمعنا ورأينا. 11 - سقط بحضرته ورشان ومعه آخر فهدل الأول فرد الباقر عليه السلام عليه مثل هديله، فطار، فقيل: ما قال ؟ فقال عليه السلام: اتهم زوجته بغيره وأراد لعانها عندي فقلت: إنها لم تفعل فانصرف على صلح. 12 - عن سعد الاسكاف أنه خرج من عند الباقر عليه السلام قوم يشبهون الزط فدخلت وقلت: لا أعرفهم، فقال: قوم إخوانكم من الجن 13 - نزل بواد معه أبو أمية الأنصاري فمشى إلى نخلة يابسة فحمد الله ودعاه وقال: اللهم أطعمنا مما فيها فتساقط رطبها. 14 - أبو بصير: كنت أقرئ امرأة القرآن، فمازحتها بشئ، ودخلت على الباقر عليه السلام فأنبأني بذلك، فتبت فقال: لا تعد. 15 - أخبر عليه السلام خراسانيا بموت أبيه وقتل جاره لأخيه، فاسترجع فقال: قد صار إلى الجنة، فقال: خلفت ابني وجعا فقال: برأ وزوجه عمه ابنته، وابنك لنا عدو. 16 - أبو بصير: دخلت على الباقر عليه السلام المسجد فقال لي: سل الناس هل يروني ؟ فسألتهم فقال كل: لا، فدخل أبو هارون المكفوف فقال: سله فسألته فقال: أليس هو الواقف ؟ فقلت: من أعلمك ؟ فقال: كيف لا أعلم وهو نور ساطع.

[ 184 ]

17 - أخبر عليه السلام بموت راشد من أهل الإفريقية، وأنه كان له وليا محبا وقال: والله ما يخفى علينا شئ من أعمالكم فاحضرونا جميلا. 18 - دخل عليه جماعة وقالوا: ما حد الإمام ؟ فقال عليه السلام: لا يقدر أحد يملأ عينه منه، قالوا: فيعرف شيعته ؟ قال: نعم، قالوا: فنحن شيعته ؟ قال: نعم قالوا: فهل علامة ؟ فأخبرهم بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم وما جاءوا يسألون عنه وهو: (شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء (1)) فقال عليه السلام: نحن هي. 19 - دخل عليه مؤمن من الرملة وقال: مات أبي وكان يتوالى بني أمية فخبأ ماله عني لإيماني فكتب عليه السلام له كتابا وختمه بخاتمه وقال: امض الليلة إلى البقيع، وناد: يا درجان، فإنه يأتيك رجل فادفع إليه الكتاب، فمضي ونادى فأتى إليه رجل فأعطاه الكتاب، فجاء بأبيه أسود، فقال له ما غيرك ؟ قال لهب جهنم، قال: ولم ؟ قال: كنت أتوالى بني أمية وأفضلهم على أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وكنت أبغضك وزويت مالي عنك وهو في الجنينة (2) تحت الزيتونة، وهو مائة وخمسون ألفا فادفع إلى الباقر عليه السلام خمسين، ولك الباقي فرجع فأخبر الإمام بذلك ومضى وأتى بالخمسين من قابل 20 - بعث الوالي من بني مروان على المدينة إليه أن يكف فبدأ الإمام عليه السلام بالكلام، وقال للرسول: قد كفينا أمره بعد غد بعزل، والله ما أنا ساحر ولا كاهن ولكني نبئت وحدثت، فعزل كما قال عليه السلام. 21 - اختصم زيد بن الحسن والباقر عليه السلام في ميراث النبي صلى الله عليه وآله فقال الإمام عليه السلام: إن معك سكين مخفية تشهد لي بالحق فاستنطقها بإذن الله فوثبت إلى الأرض وقالت: يا زيد أنت ظالم ومحمد أحق بالأمر منك، ولئن لم تكف لألين قتلك، فغشي على زيد فأقامه عليه السلام واستنطق صخرة كانا عليها ورجفت من ناحية زيد ونطقت بمثل ذلك، ودعا شجرة فأقبلت وقالت مثل ذلك، فانصرف زيد إلى


(1) إبراهيم: 24. (2) يحتمل أن يكون تصغير الجنة.

[ 185 ]

عبد الملك بن مروان وقال: جئتك من عند ساحر كذاب، لا يحل لك تركه، و حكى له القصة، فكتب إلى عامله بالمدينة يبعث به إليه مقيدا فرد الجواب إن الرجل الذي أردته ما على وجه الأرض رجل أعبد منه اليوم، ولا أزهد منه، وإنه ليقرأ في محرابه فتجتمع السباع والطيور عليه، وإن قراءته تشبه مزامير داود فكرهت لك أن تتعرض له، ففرح عبد الملك بذلك وعلم أنه قد نصحه. 22 - قال له جد محمد بن راشد: أنت الإمام ؟ قال: نعم، قال: فاحي لي أخي قال: ما أنت أهل ذلك، وكان أخوك مؤمنا واسمه عندنا أحمد، ثم أحياه بإذن الله فقال له: يا أخي اتبعه ولا تفارقه ثم عاد في قبره. الخامس * (جعفر بن محمد الصادق عليه السلام وهو أمور) * 1 - مر بمكة بامرأة تبكي على بقرة ماتت وقالت: كنت أعيش وصبياني منها، فدعا الله وركضها برجله، فعاشت. 2 - دخل عليه العبدي وامرأته مجهودة في مرضها وقد بئس منها، فأخبره خبرها فأطرق مليا، وكان عليه ثوبان ممصران (1) ثم قال عليه السلام: قد دعوت الله لها ارجع، فتجدها تأكل السكر الطبرزد، فرجع فوجدها كما قال فسألها فقالت: دخل علي رجل عليه ثوبان ممصران وقال: يا ملك الموت ألست أمرت لنا بالسمع والطاعة ؟ قال: بلى، قال عليه السلام: أخر أمرها عشرين سنة، فخرجا من عندي فأفقت. 3 - قال علي بن [ أبي ] حمزة: دعا الإمام عليه السلام بنخلة يابسة فأرطبت وأكلنا من رطبها، فقال أعرابي: هذا سحر فقال عليه السلام: نحن ورثة الأنبياء، ندعو فنجاب


(1) المصر: الطين الأحمر، والممصر: المصبوغ بالمصر وقيل ثوب ممصر: أي مصبوغ فيه صفرة قليلة.

[ 186 ]

إن أحببت أن تمسخ كلبا تبصبص لأهلك ؟ قال الأعرابي لجهله: بلى، فدعا عليه السلام فمسخ كلبا فذهب إلى أهله يبصبص، فتبعته وأخذوا له العصي فرجع إلى الإمام عليه السلام وهو يبكي ويتمرغ في التراب ويعوي فرحمه فدعا الله له فعاد انسانا فقال: آمنت ؟ فقال: ألفا وألفا. 4 - قال له جماعة: أحيى إبراهيم الطيور، قال: أفتحبون أن أراكم مثله ؟ قالوا: بلى، فدعا طاوسا وغرابا وبازا وحماما فطارت بين يديه فأمرهم بذبحها و تقطيعها وخلطها، ففعلوا، ثم أخذ برؤوسها ودعاها فقامت أحياء. 5 - ذكر عنده الشيخان فقال عليه السلام: قد جلسا مجلس أمير المؤمنين غصبا فلا غفر الله لهما، ولا عفى عنهما، فأنكر البلخي عليه فقال: هلا أنكرت إذ فرشت جارية فلان بعد عبورك النهر ؟ قال: والله لقد مضى لهذا أكثر من عشرين سنة وقد تبت، فقال عليه السلام: ما تاب الله عليك، ثم صوت حمار فقال: إن أهل النار يتأذون بأصواتهما كما تتأذون بصوت هذا الحمار، وقال لجب بعيد القعر: اسقنا مما فيك، فارتفع حتى نالوه، وقال لنخلة يابسة: أطعمينا مما فيك فانتثرت رطبا. 6 - بعث ملك الهند بهدية إليه فخانه الرسول فيها، ثم أراد الدخول على الإمام فقال عليه السلام: لا تأذنوا للخائن، فبعد حول شفع فيه فدخل عليه، وقال: ما ذنبي ؟ قال: خنت، فحلف ما خان، فاستشهد عليه فروة كانت عليه، فنطقت بلسان عربي بخيانته، ثم لبسها فخنقته حتى اسود وجهه، فقال: خلي ! عنه ثم قال: أسلم نعطك الجارية، فأبى فأخذ الهدية وردها فجاء من الملك: إنك لما رددت الجارية اتهمت الرسول فاخترعت كتابا أنه منك فأقر وحكى قصة الفروة، فقتلتهما وأنا على أثر كتاني ؟، ثم أتى وأسلم، ونحو ذلك جرى له بجارية أخرى فأخبر الرسول أنه قربها على نهر بلخ فسكت. 7 - ابتاع لرجل من مواليه دارا في الجنة، وكتب له بها صكا فلما دفن جعل الصك في قبره، فأصبح على ظهره، وفيه (وفا لي ولي الله جعفر ابن محمد بما وعد لي).

[ 187 ]

8 - سأله حماد بن عيسى أن يدعو له فدعا له بدار حسنة وأولاد كرام، فكان ذلك ودعا له بمال يحج خمسين حجة فكان ذلك. 9 - أهدى له رجل جراب قديد، فرده، وقال: ليس لي فيه حاجة، فقال: اشتريته من مسلم، وقال لي: إنه ذكى، فوضعه الإمام عليه السلام في بيت وقال: ادخله فدخل الرجل فنطق القديد بأنه ليس مثلي يأكله الإمام فإني لست بذكي. 10 - قال للكاهلي: إذا رأيت السبع فاقرأ في وجهه آية الكرسي وقل: عزمت عليك بعزيمة الله، وعزيمة رسوله، وعزيمة سليمان، وعزيمة علي أمير المؤمنين والأئمة من بعده، فإنه ينصرف، قال: فاعترض يوما ففعلت فانصرف من حيث جاء، فلقيت الصادق عليه السلام فأخبرته فقال: أنا والله صرفته وعلامة ذلك أنك كنت على شاطئ نهر ومعك ابن عمك. 11 - شكى رجل إليه على زوجته، فأخبره أنها تموت بعد ثلاث، فكان كما قال. 12 - دعا على داود بن علي فبعث الله ملكا فضربه بمرزبة فصاح لها، فمات منها، فأصبح الناس يهنؤنه بإجابتها. 13 - جاء غلام وقال: ماتت أمي، قال: لم تمت، فدخل الصادق عليه السلام فإذا هي قاعدة فقال لابنها: شهها فاشتهت زبيبا مطبوخا فأطعمها فقال له: قل لها: الرسول بالباب يأمرك أن توصي فأوصت، ثم ماتت. 14 - دخل عليه أعرابي وفارسي ونبطي وحبشي وصقلبي، فحدثهم بحديث واحد بالعربي ففهمه كل واحد بلسانه. 15 - انقض صقرة على دراجة فاستجارت به، فأومأ بكمه فخلى عنها. 16 - قال لهارون بن رباب: ما يمنع أخاك من ولايتنا ؟ قال: إنه يزعم أنه يتورع، قال: فأين كان ورع ليلة نهر بلخ ؟ فأعلم أخاه، فقال: إنه حجة الله فقلت له: احك لي ! فقال: وقعت على وصيفة لرجل فوالله ما أشفت ولا أفشيت فمن يعلم ذلك إلا الله، تم دخل عليه وقال بإمامته.

[ 188 ]

17 - قال عبد الرحمن بن الحجاج ما حق الإمام ؟ قال عليه السلام: لو قال لهذا سر لسار، فسار جبل هناك فقال: لم أعنك. 18 - قال داود الرقي: كان علي دين قد أحزنني، فسمعت فوق رأسي هاتفا يقول: لا يقضى حتى تحفظ القرآن، فرفعت رأسي فإذا الصادق في الريح فحفظت القرآن وقضي ديني. 19 - قال معلى بن خنيس له عليه السلام: بالباب قوم يزعمون أنه ليس لكم عليهم فصل، فأخذ عليه السلام نواة فغرسها فنبتت وحملت بسرا، فأخذ منها واحدة وشقها، و أخرج منها رقا فقال: اقرأه فإذا فيه البسملة والشهادتين وأسماء الأئمة إلى آخرهم. 20 - أمر أبو الدوانيق سيافه بقتله وقتل إسماعيل، فقتلهما في ظنه ليلا وأخبره، فأصبحا حيين، قال: ألست قتلتهما ؟ قال: بلى قال: فاذهب إلى الموضع فانظر، فذهب فإذا جزوران منحوران فبهت ورجع فأخبره بخبره فنكس رأسه. 21 - كان يحبه رجل ذو مال من وراء النهر، قد جعل على نفسه له عليه السلام كل سنة ألف دينار فحج بزوجته، فلما أراد أن يعطيه الألف فلم يجدها، فأعلمه فقال عليه السلام: مستنا ضيقة فوجهنا من الجن من أتانا بها، فمرضت الزوجة وظن أنها ماتت فجهزها وحفر قبرها، وأراده يصلي عليها فقال عليه السلام له: ارجع فستجدها سالمة، فرجع فوجدها حيه سالمة، فلما كانت في الطواف رأته عليه السلام فسألت زوجها عنه، فقال: هو الإمام، فقالت: هذا والله الذي شفع في رد روحي. 22 - قال شعيب العقرقوفي بعث معي رجل إليه بألف، فأخذت منها خمسة جيدة، ووضعت بدلها خمسة ستوقه (1) فميزها وقال: خذ خمستك وهات خمستنا. وأتيت أيضا بثلاثمائة دينار فأخذ منها قبضة، وقال عليه السلام: رد هذه المائة وكنت قد أخذتها من عروة أخي سرا فلا يعلم، فعددتها فإذا هي مائة 23 - استرجع يوما فقيل له: في ذلك، فقال: قتل عمي زيد الساعة، فكتب التاريخ وجاء من العراق خبر ذلك فطابقه.


(1) الستوق - كتنور وقدوس: الدرهم الزيف البهرج.

[ 189 ]

24 - قال له رجل: لا يعيش لي ولد، فقال عليه السلام: سيدخل إليك كلبة فتريد امرأتك أن تطعمها فقل لها أن لا تطعمها، وقل للكلبة: إن أبا عبد الله عليه السلام أمرني أن أقول: أميطي عنا لعنك الله. فإنه تعيش أولادك، ففعل فعاش له ثلاثة أولاد. 25 - أخبر عليه السلام أبا بصير بقتل المعلى ابن خنيس وصلبه، ففعل ذلك به. 26 - خط برجله الأرض فخرجت سبائك، فقال بعض من حضر: أنتم هكذا وشيعتكم محتاجون ؟ فقال عليه السلام: إن الله تعالى جمع لنا ولهم خير الدنيا والآخرة. 26 - وشى رجل إلى المنصور أن الصادق عليه السلام يأخذ لنفسه البيعة، فأرسل إليه فأنكر فحلف الواشي فمات، فلما جهز قعد على سريره وهو يقول: لقاني ربي باللعنة بما كان مني إلى الصادق عليه السلام فاتقوا الله ولا تهلكوا فيه. ثم رجع إلى موته. 27 - دعا لنفسه على أبي قبيس بشهوة العنب، وبأنه عار، فأتاه بردان وسلة عنب بغير أوان السادس * (موسى الكاظم عليه السلام وهو أمور) * 1 - قال لعلي بن أبي حمزة: تلقى رجلا طويلا جسيما اسمه يعقوب، يسألك عني فأدخله علي، فلقيه في طوافه على الوصف والاسم فأدخله فقال عليه السلام: وقع بينك وبين أخيك خصومة فتشاتمتما وتقاطعتما فقطع الله عليكما أعماركما، وسيموت أخوك قبل أن تصل، وأنت وصلت عمتك فزاد الله في عمرك عشرين سنة قال ابن أبي حمزة: فلقيته من قابل فأخبرني أن أخاه مات ودفنه في الطريق. 2 - نازعه الأفطح في الإمامة فأضرم نارا وجلس في وسطها ساعة يحدث الناس، ثم قال: إن كنت إماما فافعل ذلك وخرج، ولم يفعل الأفطح. وفي رواية أخرى أنه عليه السلام أدخل يده فلم يخرجها حتى احترق الحطب بعد أن أمر عبد الله الأفطح بذلك فلم يفعل.

[ 190 ]

3 - أخبر رجلا من شيعته أنه يموت بعد سنتين ويموت أخوه بعده بشهر فكان كما قال عليه السلام. 4 - قال الحسن بن أبي العلا: اشتر لي جارية نوبية قلت: في علمي جارية حسنة إلا أنك لا تعرف لغتها، قال: اشترها فإنها تلد لي ولدا سخيا عابدا شجاعا فلما جئت بها إليه كلمها بلسانها ما اسمك ! قالت: مونسة قال: كان اسمك حبيبة قالت: نعم، فولدت إبراهيم فكان كما أخبر عنه. 5 - اشتري له ثلاثين مملوكا من الحبشة فكلمهم بلغتهم فتعجب ابن أبي حمزة فقال: هذا قليل وما خفي من أمري أعجب، إن أعاجيب الإمام أكثر من أعاجيب البحر. 6 - كلم رجلا بكلام أهل الصين فتعجب إسحاق بن عمار فقال: الإمام يعلم منطق الطير، ومنطق كل ذي روح. 7 - أتاه من أهل الري رجل اسمه جندب، فقال له: ما فعل أخوك، قال: بخير، قال عليه السلام: قد مات ودفع إلى زوجته مالا ليكون عندك فدفنته في البيت الذي كان فيه، فكان كما قال. 8 - مر برجل مغربي [ حاج ] وهو يصيح: مات حماري، فضربه بقضيب فعاش. 9 - أدخل رجل امرأة إلى بيته ليتمتع بها فأرسل الإمام إليه: أخرجها سريعا ولا تمسها فأخرجها وأتاه فقال: إنها من بني أمية أهل بيت اللعنة، فلا تعد، و تزوج ابنة لمولى أبي أيوب فإنها جمعت ما تريد للدنيا والآخرة فتزوجها فكان كما قال. 10 - قال علي بن أبي حمزة: مرت بي امرأة وأنا على بابه عليه السلام فقلت في نفسي: لولا أنه يعلم بمكاني لاتبعتها فتمتعت بها ودخلت عليه، فأخرج من تحت مرفقته صرة وقال: إلحقها فإنها تنتظرك على دكان العلاف، فصرت إليها فوجدتها كما قال فقالت: حبستني ! فتمتعت بها. 11 - قال بكار التميمي: حججت ثم دخلت المدينة، فلقيني الإمام عليه السلام

[ 191 ]

فدفع إلي صرة وقال: هذه نفقتك إلى الكوفة وكتابا أمرني أن أدفعه إلى ابن أبي حمزة وقال: اخرج الساعة إلى فيد (1) فإنك تجد رفقة، فخرجت فوجدتهم فلما قدمت أخبرت أن حانوتي قد سرق، فأتى ابن أبي حمزة وقال لي: سرق متاعك ؟ قلت: نعم، قال: قد أخلفه الله عليك وقد أمرني مولاك ومولاي أن أعطيك أربعين دينارا ثم فتح الكتاب وإذا فيه أعطه قيمة حانوته أربعين دينارا، فحسبت ما ذهب مني فإذا هو أربعين دينارا. 12 - دخل عليه السجن أبو يوسف ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة. فجاءه [ من قبل ] السندي بن شاهك، الموكل به، وقال: هل لك حاجة قال عليه السلام: لا، فلما خرج قال عليه السلام: إنه يموت الليلة، فمات فجاءة تلك الليلة، فتعجبا وقالا: هذا من الباب الذي أخبر به رسول الله صلى الله عليه وآله علي بن أبي طالب. 13 - أخبر عليه السلام أبا بصير أنه يموت بزبالة فكان كما قال. 14 - أخبر بموت نفسه الشريفة في أيام كذا، فكان كما قال. 15 - أخبر عبد الله بن صالح أن الرشيد يحبسه وأنه سيخلصه، فحبسه فجاء إليه ليلا وأخرجه، وقال له: إن السلطان فينا كرامة من الله لنا. 16 - بعث ابن يقطين إسماعيل بن أحمد ورجلا آخر بدنانير وكتب إلى الإمام، فلما صار بالرملة خرج إليهما على بغلة وطلب الدنانير والكتب، وأخرج كتابا من كمه وقال: هذه أجوبتها انصرفا في حفظ الله قلنا: قد قربنا إلى المدينة وفني زادنا فأذن لنا أن ندخل المدينة ونزور الرسول صلى الله عليه وآله ونتزود فطلب بقية زادنا فقلبه بيده، وقال: يبلغكما الكوفة امضيا في حفظ الله فرجعنا فكان يكفينا. 17 - قدم رجل بمال ومسائل لجماعة من خراسان، فدخل المدينة، فأرشد إلى عبد الله الأفطح فقال: كم في المائة زكاة قال: درهمان ونصف، قال: فمن قال لامرأته: أنت طالق بعدد نجوم السماء من غير شهود ؟ قال: طلقت، فرجع الرجل إلى منزله فأتاه رسول الكاظم عليه السلام قال: فدخلت عليه، فقال: هات ما معك، فوضعت كيسا فقال لي: افتحه ففتحته فأخرج منه دراهم شطيطة فقال: أقرئها السلام وادفع


(1) فيد: منزل أو قلعة بطريق مكة.

[ 192 ]

إليها هذه الصرة، ورد ما معك إلى أهله، فقد قبلته منهم، وفضلتكم به، فقال لي: قم إلى أصحاب الماضي فاسألهم عن نصه عليه، فسألت جماعة كثيرة فشهدوا بالنص عليه، فرجعت فوجدت جماعة ممن حملوا المال صاروا فطحية، ووجدت شطيطة تتوقع عودي، فأبلغتها سلامه وصرته فقالت: إنها كفني، فماتت بعد ثلاث. 18 - دخل هشام بن سالم وصاحب الصادق عليه السلام على عبد الله الأفطح فقالا: كم في المائة زكاة ؟ فقال: درهمان، فخرجا وبكيا، وقالا: إلى المرجئة ؟ إلى المعتزلة ؟ إلى الزيدية ؟ فأومأ شيخ إلى هشام فتبعه فأدخله على الكاظم عليه السلام فابتدأه: إلي إلي لا إلى المرجئة، ولا إلى المعتزلة ؟ ولا إلى الزيدية، قال: عليك إمام ؟ قال: لا، فسأله فإذا هو بحر لا ينزف. 19 - كلمه خراساني بالعربية ظنا بأنه لا يعرف بالفارسية، فرد عليه بالفارسية فتعجب فقال عليه السلام: إن الإمام لا يخفى عليه كلام شئ فيه روح. 20 - خلع الرشيد على علي بن يقطين دراعة مثقلة بالذهب فبعثها إلى الكاظم عليه السلام فردها وقال: ستحتاج إليها، فوشى غلامه إلى الرشيد بإرسالها إلى الكاظم عليه السلام فغضب على علي بن يقطين فطلبها منه فبعث غلاما فجاء بها فسكن غضبه وضرب الواشي حتى مات. 21 - بعث ابن يقطين إلى الكاظم عليه السلام يطلب صفة الوضوء، فكتب عليه السلام إليه بوضوء السنة، وكان قد نقل إلى الرشيد أن علي بن يقطين رافضي فتطلع على وضوئه، فقال الرشيد: كذب من زعم أنك رافضي فورد من الإمام توضأ الآن كما أمر الله: اغسل وجهك ويديك من مرفقيك، وامسح من فضل وضوئك بمقدم رأسك، وظاهر قدميك، فقد زال ما كنا نخاف عليك. 22 - جاء سبع فوضع يده على كفل بغلته، وهمهم، فأصغى الإمام إليه، ثم حول إلى جانب الطريق فهمهم الإمام وأومأ إليه فهمهم طويلا، فقال الإمام عليه السلام: آمين، قال علي بن أبي حمزة كنت رفيقه فخفت عليه منه ثم تعجبت فسألته فقال عليه السلام: شكى إلي عسر ولادة لبوته، فدعوت لها فولدت ذكرا فبشرته فدعا

[ 193 ]

وقال: امض فلم يسلط عليك وعلى ذريتك وشيعتك شئ من السباع. 23 - لقي الكاظم عليه السلام الحسن بن عبد الله فقال له: تفقه، فقرأ وجها فأعرض عليه، فأسقط كله، فطلب منه فأرشده إلى ما يجب لأمير المؤمنين والحسنين وعلي ومحمد وجعفر، ثم سكت فقال: من الإمام اليوم ؟ فقال عليه السلام: إن أخبرتك تقبل ؟ قال: نعم، قال: أنا، قال: هل من علامة ؟ قال عليه السلام: ادع الشجرة عن لساني فدعاها فأقبلت فأشار الإمام عليه السلام إليها بالرجوع فرجعت قال الحسن: وكنت قبل ذلك أرى الرؤيا الصالحة، وترى لي، فانقطعت فشكوت إلى الإمام عليه السلام انقطاعها فقال: لا تغتم إن المؤمن إذا رسخ في الإيمان ارتفعت عنه الرؤيا. 24 - أراد ابن يقطين أن يكتب إليه: الرجل يتنور، وهو جنب ؟ فكتب عليه السلام ابتداء: النورة تزيد الرجل نظافة ولكن لا يجامع وهو مختضب. 25 - قال الصادق عليه السلام لعيسى حين سأله عن أبي الخطاب سل ابني موسى فأتيته وهو في الكتاب فقال لي مبتدئا: إن الله تعالى أخذ ميثاق النبيين والوصيين فلم يتحولوا وإن أبا الخطاب ممن أعير الإيمان، فرجعت وأخبرت الصادق عليه السلام فقال: لو سألته عما بين دفتي المصحف لأجابك فيه بعلم. 26 - قال هشام بن الأحمر: أعلمني الإمام برجل من المغرب، معه رقيق فأرسلني فاشتريت له جارية، فقال المغربي: لقيتني امرأة كتابية وقالت: لا ينبغي أن تكون هذه عندك بل عند خير أهل الأرض، ولم تلبث عنده إلا قليلا حتى تلد له غلاما يدين له شرق الأرض وغربها، فولدت له الرضا عليه السلام. 28 - إسماعيل بن موسى قال: كنا مع الإمام عليه السلام في عمرة فحملنا يوما فقال: حطوا فستأتيكم ريح سوداء تطرد بعض الإبل، فكان كما قال. 28 - حفر المهدي بئرا للحجاج نحو مائة قامة فانخرق خرق لا يدرى قعره وهو مظلم وللريح فيه دوي فأدلى رجلين فخرجا متغيرا لونهما وقالا: رأينا هواء واسعا، وبيوتا قائمة، ورجالا ونساء، وإبلا وبقرا وغنما، وكلما مسسنا شيئا منها وجدناه هباء فسألوا الفقهاء عن ذلك، فلم يعلموا، فقدم الإمام عليه السلام فقال: هم

[ 194 ]

أصحاب الأحقاف. 29 - رآه شقيق البلخي في طريق الحج فظنه يسأل الناس، فابتدأه بقوله. (اجتنبوا كثيرا من الظن) (1) فجاءه بعدها يريد التوبة، فابتدأه بقوله تعالى: (و إني لغفار لمن تاب) الآية (2). 30 - سقطت ركوته في بئر فقال: رب ما لي سواها، فعلا الماء بها حتى أخذها ثم وضع الرمل فيها وأسقي السويق منها. نكتة بديعة قيل: حضر مجلس الرشيد هندي حكيم، فدخل الكاظم عليه السلام فرفع الرشيد مقامه، فحسده الهندي وقال: اغتنيت بعلمك عن غيرك فكنت كما قال تعالى: (كلا إن الانسان ليطغى أن رآه استغنى) (3)) فقال عليه السلام: أخبرني، الصور الصدفية إذا تكاملت فيها الحرارة الكلية، وتواترت عليها الحركات الطبيعية، واستحكمت فيها القوى العنصرية، صارت أخصاصا عقلية، أم أشباحا وهمية ؟ فبهت الهندي وقبل رأس الإمام عليه السلام وقال: لقد كلمتني بكلام لاهوت، من جسم ناسوت. فقال الرشيد: كلما أردنا أن نضع أهل هذا البيت أبى الله إلا أن يرفعه، فقال عليه السلام: (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواهم والله متم نوره ولو كره الكافرون (4)). السابع * (علي بن موسى الرضا عليه السلام وهو أمور) * 1 - إبراهيم القزاز قال: طلبت من الرضا عليه السلام شيئا فحك بسوطه الأرض حكا شديدا فخرجت سبيكة ذهب، فقال عليه السلام: خذها بارك الله لك فيها، واكتم ما رأيت، فبورك لي فيها حتى اشتريت ما قيمته سبعون دينارا. 2 - قدم عليه الهمداني لقضاء دينه، ولم يعلمه بشئ، فابتدأه الإمام وقال:


(1) الحجرات: 12. (2) طه: 82. (3) العلق: 6. (4) الصف: 8.

[ 195 ]

قد قضيت حاجتك ثم قبض من الأرض قبضة. وقال: خذها فإذا هي دنانير فجعلها في كمه ومضى ليعدها، فسقط منها واحد، فإذا عليه مكتوب: هي خمسمائة نصفها لدينك ونصفها لنفقتك، فلم يعدها فلما أصبح قلب الدنانير عشر مرات فلم يجد الدينار فيها وكانت خمسمائة. 3 - إسماعيل بن الحسين: كشف الرضا عليه السلام شيئا من الأرض بيده فإذا هي سبائك ذهبا فمر بيده فغابت، فقلت في نفسي لو أعطاني منها واحدة، فقال عليه السلام: لا إن هذا الوقت لم يأت وقته. 4 - خرج أبو إسماعيل السندي يطلب الإمام فلقي الرضا عليه السلام فكلمه بالسندية فرد عليه بها، فقال: أنت الحجة ؟ قال: أنا هو، فقلت: إني لا أحسن العربية فمسح بيده على شفتي فتكلمت بها لوقتي. 5 - محمد بن الفضل الهاشمي قال: دخلت على الرضا عليه السلام بالمدينة بعد موت أبيه عليه السلام وقلت: إن إخواني بالبصرة سألوني عن براهين الإمامة فقال عليه السلام: أخبرهم أني قادم عليهم بعد وصولك بثلاثة أيام، فوصلت فأبلغتهم فأنكر ذلك عمر ابن هداب (1) وكان ناصبيا فقال له الحسن بن محمد: لا تقل ذلك فإن قدم بعد ثلاث كفاك دليلا عليه. فقدم عليه السلام كما ذكر ونزل دار الحسن وأرسله إلى تلك الجماعة وغيرهم من الشيعة، وإلى جاثليق النصارى، ورأس الجالوت، فقالوا: من أنت ؟ قال: علي بن موسى صليت الفجر اليوم في مسجد النبي صلى الله عليه وآله مع والي المدينة، وأقر أني كتاب صاحبه واستشارني ووعدته أن أصير إليه بالعشي وأكتب له ما عندي. فقال الجماعة: ما نريد أكثر من هذا وأرادوا أن يتفرقوا فقال عليه السلام لا اسألوني عما شئتم من علامات الإمامة التي لا تجدونها إلا عندنا. فقال ابن هداب: إن محمد بن الفضل أخبر بأنك تعلم كل لسان ؟ فقال: صدق فاحضر رومي وهندي وفارسي وتركي وبربري فكلمهم بلغاتهم، وقال:


(1) قال الفيروزآبادي: وهدبة بن خالد ويعرف بهداب ككتان محدث.

[ 196 ]

لابن هداب: إنك تبتلى بدم ذي رحم إلى خمسة أيام، وسيكف بصرك، وستحلف كاذبا، فتبرص، فكان كما قال عليه السلام. ثم إنه عليه السلام كلم الجاثليق، وقرأ له السفر الثالث من الإنجيل، في ذكر النبي وصفته، فأقر به، ولكن قال: إنه لم يصح أن يكون صاحبكم، فقرأ له من السفر الثاني وفيه ذكر محمد ووصيه وابنته وابنيه فاعترف بهم، وقرأهم من الزبور على رأس الجالوت، فاعترف بهم وكذا من التوراة، وقال: هذا أحماد و بنت أحماد وأليا وشبر وشبير، فأتاه الجاثليق بعالم سندي نصراني فحاجه عليه السلام فأسلم. فلما أراد الرجوع إلى المدينة خرج محمد بن الفضل يودعه قال: فلما صرت إلى البرية قال لي: غمض طرفك فغمضت، فقال لي: افتحه ففتحته، فإذا أنا على بابي ولم أره عليه السلام. 6 - قدم عليه السلام الكوفة (1) واجتمع عليه العلماء وفيهم جاثليق معروف بالجدل فقال له عليه السلام: أتعرف لعيسى صحيفة فيها خمسة أسماء يعلقها في عنقه فإذا أقسم على الله بواحد منها سار به من المغرب إلى المشرق في لحظة ؟ ثم حاجهم وأعلمهم أن الإمامة لا تصلح إلا لمن يحاج الأمم بالبراهين، ثم خبرهم أن أباه أوصى إليه كما أوصى النبي صلى الله عليه وآله إلى علي، ودفع إليه صحيفة فيها الأسماء التي خص الله بها الأنبياء والأوصياء. 8 - الحسين بن موسى: خرجنا مع الرضا عليه السلام يوما لا سحاب فيه، فقال: ما حملتم المماطر ؟ قلنا: لا حاجة لنا الآن إليها، فقال عليه السلام: لكني حملت وستمطرون فمطرنا وتبللنا. 8 - الحسن بن يحيى: كتبت له سؤالات ونسيت أن أكتب له في ثوبين ملحمين


(1) في النسخ: البصرة، وهو سهو والصحيح ما في الصلب راجع الخرائج ص 206 بحار الأنوار ج 49 ص 79 من طبعته الحديثة.

[ 197 ]

أيحرم فيهما ؟ فكتب عليه السلام في الجواب على أسفل الكتاب: لا بأس بالملحم أن يلبسه المحرم. 9 - علي بن يحيى كان لي أخ مرجئ فكتبت إلى الرضا عليه السلام أشكوه فكتب إنه سيستقيم، ويولد له غلام فكان كما قال. 10 - تمرغ بين يديه عصفور وصاح، فأعطى سليمان سعفة وقال: ادخل البيت فإنه يقول: إن فيه حية تريد أكل فراخه فدخل وقتلها. 11 - قال ابن المغيرة: كنت واقفيا فحججت ودعوت أن يرشدني ربي إلى خير الأديان، فوقع في نفسي أن آت الرضا عليه السلام فوقفت بالباب، فناداني من داخل: يا فلان بن فلان ! فدخلت فقال عليه السلام: قد أجاب الله دعاك، وهداك إلى خير الأديان فقلت: أشهد أنك حجة الله على خلقه. 12 - أحمد بن عمر: أخبرت الرضا عليه السلام أن امرأتي حامل، فقال عليه السلام: ستلد غلاما فسمه عمر، فقلت: أوصيت أن يسمى عليا، فقال عليه السلام: غير اسمه فقدمت الكوفة فوجدته فغيرت اسمه فقال جيراني: لا نصدق بعد ذلك بما كان يحكى عنك. 13 - بكر بن صالح: قلت للرضا عليه السلام: امرأتي حامل فادع الله أن يجعله ذكرا، فقال عليه السلام: هما اثنان ذكر وأنثى، فرجعت إلى الكوفة فوجدتهما. 14 - الوشاء لدغتني عقرب، فقلت: يا رسول الله، مرارا فأنكر السامع مني ذلك، فقال الرضا عليه السلام: إنه رآه في نومه، قال الوشاء: لا والله ما كنت أخبرت به أحدا. 15 - عبد الله بن سرقة وكان زيديا قال: دعا الرضا عليه السلام بخشف فأقبل فمسح الإمام عليه السلام برأسه وقال: أولم تؤمن ؟ قال: بلى، أنت حجة الله. 16 - أحمد الخلال: قلت للرضا عليه السلام: إني أخاف عليك من صاحب الرقة قال: لا بأس على إن لله بلادا تنبت الذهب حماها بأضعف خلقه وهو الذر. 17 - اجتمع الناس له بخراسان وسألوه المطر فدعا الله فأقبلت الغيوم إلى

[ 198 ]

البلاد، وكل ما جاءت سحابة يقول: هذه لبلد كذا، فجاءت الحادية عشر فقال: هذه لكم فسقوا فتحدث الناس بفضله، فقال خواص المأمون: جئت بهذا الساحر وقد ملأ الدنيا مخرقة ؟ وقال حاجبه حميد بن مهران: إن كنت صادقا فأحي هاتين الصورتين فأشار إلى أسدين في مسند المأمون، فصاح بهما فقاما فقال: دونكما الفاجر فافترساه، وقالا: أتأذن لنا ولي الله في أرضه أن نلحق المأمون بصاحبه ؟ قال عليه السلام: لا بل عودوا إلى مكانكما. 18 - قال له المأمون يوما: لي حظية يسقط ولدها، فأطرق عليه السلام ساعة ثم قال: لا تخف ستلد غلاما أشبه الناس بها، وفي يده اليسرى خنصر زائد، وفي رجله اليمنى خنصر زائد، فكان كما قال عليه السلام. 19 - قال البزنطي: كنت من الواقفة وأشك في الرضا عليه السلام فكتبت إليه أسأله عن أشياء، ونسيت أهمها فجاء جوابها وفي آخره إنك نسيت الأهم فاستبصرت وقلت: أشتهي أن أخلو بك يا مولاي فبعث إلى مركوبا فدخلت فحدثني من الليل طويلا وأملى علي علوما ثم قال لغلامه: هات ثيابي التي أنام فيها لينام البزنطي فيها، فقلت في نفسي: ليس أحد أحسن حالا مني، وكان قد اتكأ على يديه لينهض، فجلس وقال: لا تفخر على أصحابك بذلك. 20 - خبأ له رجل خارجي مدية مسمومة ليقتله بها، فأعلمه بمكانها فكسرها. 21 - قال الصيرفي سألت الرضا عليه السلام عن أشياء ونسيت أن أسأله عن سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ ند من ؟ فبعث غلامه برقعة وإذا فيها: أنا بمنزلة أبي، وقد أعطاني ما عنده من سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله. 22 - أخبر خادمه أبا الصلت الهروي بموضع قبره، وعلمه كلمات يقولها فيمتلئ ماءا ويظهر فيه سميكات، ثم تخرج واحدة كبيرة فتبتلعها، ثم إنه يعيد الكلمات فيذهب الماء. فلما قضي عليه السلام حضر المأمون حفر قبره، فخرج كما قال، فقال المأمون: لم يزل يرينا العجائب في حياته وبعد وفاته، وقال وزيره: ألهمت أن هذا مثل

[ 199 ]

لكم تمتعون قليلا ثم يظهر واحد منهم فيهلككم. فطلب المأمون من أبي الصلت الكلمات، فقال: قد والله نسيتها فحبسه لذلك سنة فصلى ليلة وتضرع إلى الله في خلاصه، فدخل الجواد عليه السلام فأخرجه والحرس قعود في المشاعيل، ولم يشعروا به، ثم قال عليه السلام: أي البلاد تريد ؟ قال: هرات قال: أرخ رداءك على وجهك، ففعل فأخذ عليه السلام بيده قال: فكأنه حولني من يمينه إلى يساره ثم قال: اكشف وجهك فكشفت فلم أره وأنا على باب منزلي بهراة. 23 - الحسين بن عباد كاتب الرضا عليه السلام قال: ذكر موضع قبره، وقال: إذا حفرتموه وجدتم فيه سمكة من نحاس، مكتوب عليها بالعبرانية فردوها فيه فحفرناها فوجدناها مكتوب عليها: (هذه روضة علي بن موسى الرضا، وتلك حفرة هارون الجبار). 24 - ادعت امرأة اسمها زينب أنها من نسل علي وفاطمة، فكذبها عليه السلام وأتى بها بركة السباع لينزلها وقال: إن كانت كذلك لم تضرها، قالت: فانزل أنت أولا، فنزل عليه السلام ومسح عليها أجمعها ثم أنزلها السلطان قهرا فافترستها. الثامن * (محمد بن علي الجواد عليه السلام وهو أمور) * 1 - مسح الإمام الجواد عليه السلام على بصر محمد بن ميمون فعاد. 2 - دخلت حكيمة على أم الفضل بنت المأمون زوجة الجواد عليه السلام فقالت لها: غارني فمضيت إلى أبي فقلت له: إن الجواد يشتمك ويشتم العباس فغضبته فأخذ السيف وهو سكران، فمضى إليه فوجده نائما فقطعه وذبحه، وأنا وياسر الغلام ننظر إليه، ثم رجع ورجعت معه، فبت بأشأم ليلة فلما صحي قلت: فعلت كذا وكذا، فقال: هلكنا والله يا ياسر ائتني بخبره، فمضى فوجده يستاك فتحير وأراد أن ينظر إلى بدنه فقال له: يا مولاي هب لي قميصك فنزعه فلم ير فيه شئ ولا في بدنه أثر جرح، فأخبر بذلك المأمون فحمد الله على ذلك وتعجب منه.

[ 200 ]

3 - أبو بكر بن إسماعيل كان له جارية مريوحة (1) فمسح الإمام عليه السلام من وراء الثياب على ركبتها فقامت لوقتها ولم تشتك بعدها. 4 - القاسم بن الحسن كنت في طريق مكة فجاءت ريح فأخذت عمامتي من رأسي فذهبت بها فتصدقت برغيف فلما رجعت إلى المدينة قال الإمام عليه السلام لغلامه ائته بعمامته ! فأخرج عمامتي بعينها فقلت: كيف صارت إليك ؟ فقال: تصدقت على أعرابي فشكر الله لك. 5 - توضأ في أصل نبقة لم تحمل، فحملت لوقتها وأكل الناس منها. 6 - علي بن خالد رأيت بالعراق محبوسا ذا عقل وفهم، فسألته ما قصتك ؟ فقال: كنت أعبد بالشام في الموضع الذي يقال: إن رأس الحسين عليه السلام نصب فيه فأتى شخص في ليلة فمشى بي قليلا إلى مسجد الكوفة فصلينا ثم مشى بي قليلا إلى المدينة فصلينا ثم مشى بي قليلا إلى مكة فطفنا، ثم مشى بي قليلا، فإذا أنا بموضعي وغاب عني فتعجبت. وفي العام المقبل أتاني وفعل بي كما فعل، فقلت له: من أنت ؟ قال: محمد بن علي بن موسى، فحدثت بعض من كان يصير إلي فوصل أمري إلى محمد بن عبد الملك الزيات فادعا على المحال، فكبلني وبعث بي إلى هنا فحبسني. قال علي بن خالد: فكتبت من لسانه رقعة إلى الزيات، فوقع في ظهرها قل للذي فعل بك ما ذكرت يخرجك، فأتاه الإمام عليه السلام فأخرجه وكان علي بن خالد زيديا فحسن اعتقاده. 7 - دخل حسين المكاري عليه ببغداد فلما رأى طيب حاله قال في نفسه: لا يرجع أبدا إلى موطنه فقال: خبز شعير وملح جريش وحرم الرسول أحب إلي مما ترى. 8 - شكى إسماعيل بن عباس إليه ضيق المعاش فأخرج له سبيكة ذهب من التراب. 9 - الحسين الوشاء قلت في نفسي: أسأل أبا جعفر عليه السلام قميصا من ثياب


(1) أي بها ريح توجعه.

[ 201 ]

الرضا عليه السلام التي كان يصلي فيها، فبعث إلي بقميص ابتداء وقال للرسول: قل له: هذا من الثياب التي كان يصلي فيها الرضا عليه السلام. 10 - قال الصيرفي: كتبت إلى الإمام بأشياء ونسيت أن أسأله عن سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله هل هو عنده ؟ فرد الجواب وفي آخره: وعندي سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله إمام بعد إمام. قال: وأضمرت في نفسي شيئا لا يعلمه إلا الله فدخلت عليه فقال: استغفر مما أضمرت ولا تعد. قال: وحدثني أنه سيصيبني وجع فخرج في رجلي عرق فأتيته بعد مدة و قلت: عوذها لي، فقال عليه السلام: لا بأس عليها ولكن أعطني الصحيحة فمددتها فعوذها فخرج فيها فقلت: قد عوذها [ قبل ] فعافاني الله منها. 11 - قال داود الجعفري: دخلت عليه ومعي رقاع غير معنونة فتناول واحدة وقال: هذه لريان بن شبيب وثانية وقال: هذه لمحمد بن حميد، وثالثة وقال: هذه لفلان فبهت (1) فنظر إلي وتبسم. 12 - مات رجل فجاء إليه عليه السلام ابنه يشكو إخفاء ماله فقال عليه السلام: صل العشاء وصل على محمد وآله فإنه يأتيك ويخبرك، فكان كما قال عليه السلام. 13 - قال لأمية ابن علي وحماد بن عيسى: لا تخرجا اليوم فخالفه حماد فغرق بالسيل. 14 - عمران ابن محمد قلت له: إن زوجتي يسألك ثوبا من ثيابك يكون لها كفنا قال عليه السلام: قد استغنت عنه، فخرجت وأخبرت أنها ماتت قبل ذلك. 15 - أحمد بن حديد خرجنا جماعة حجاجا فنهبنا، فدخلت عليه عليه السلام المدينة فأعطاني دنانير وقال: فرقها على قدر ما ذهب لكم، ففعلت فكانت بقدره لا زيادة ولا نقيصة. 16 - دخل عليه من أهل الري جماعة وفيهم رجل زيدي فقال لغلامه: خذ


(1) يقال باه له: أي تنبه له.

[ 202 ]

بيده وأخرجه، فقال الزيدي: أشهد أنك حجة الله. 17 - أخبر عن قوم يسلكون طريق الشام بأنهم سيضلون بمكان كذا، و ينتهون بمكان كذا فكان كما قال 18 - خبى له المأمون سمكة اصطادها باز واستخبره عنها، فقال وهو صبي: خلق الله في بحر قدرته سمكا صغارا تصيدها بازات الخلفاء، يختبرون بها سلالة الأنبياء. التاسع * (علي بن محمد الهادي وهو أمور) * 1 - حديث عبد الرحمن الإصفهاني قال: كنت بباب المتوكل فأمر بإحضاره عليه السلام ليقتله فرأيته فجئته فابتهلت الله في نفسي بأن يدفع عنه فنظر إلي وقال: قد استجاب الله دعاك وطول عمرك وأكثر مالك وولدك، فارتعدت ووقعت بين أصحابي وسألوني ما شأنك ؟ فلم أخبرهم وكان كما قال عليه السلام فقلت بإمامته. 2 - يحيى بن هرثمة الحشوي: بعثني المتوكل إلى المدينة في ثلاثمائة رجل لنحضر الهادي مكرما فقال رجل من أصحابي خارجي لكاتبي الشيعي: إن من قول صاحبكم أنه لا يخلو بقعة من قبر فمن أين لنا بأن على هذه البرية قبورا ؟ فسكت فضحكنا ثم دخلنا على الإمام عليه السلام فأعلمناه فخرج معنا بالخفاتين والبرانس واللبابيد فتعجبت ونحن في تموز وهو حر الحجاز وتعجبت من الرافضة حيث قالت بإمامته مع قصور فهمه. فلما وصلنا إلى موضع المناظرة في القبور، ارتفعت سحابة وأرسلت علينا بردا كالصخور (1) فشد عليه وعلى غلمانه الثياب، ودفع إلي لبادة وإلى الكاتب برنسا قال: فقتل من أصحابي ثمانون بتلك البردة فقال لي: انزلوا ادفنوهم هكذا يملأ الله هذه البرية قبورا فرميت نفسي وقبلت ركابه، وشهدت له بالخلافة، ولزمت خدمته إلى أن مضى عليه السلام.


(1) البرد - بالتحريك - حب الغمام، فقد يكون كبيرا كالحصاة وقد يكون أكبر مثل الصخور.

[ 203 ]

3 - هبة الله الموصلي: دعا المتوكل يوسف بن يعقوب النصراني فخافه ونذر مائة دينار للهادي قال: فلم دخلت قلت: كيف أسأل عن الهادي وأخاف أن يكون ذلك زيادة فيما أحاذر، فوقع في نفسي أن أركب حماري ولا أمنعه حيث ذهب فركبته فجعل يخرق الأسواق ووقف بدار فجهدت أن يزول فلم يزل. فقلت: لمن الدار ؟ قيل: لابن الرضا عليه السلام قلت هذه أولا فخرج خادم وقال: أنت يوسف بن يعقوب ؟ قلت: نعم، وهذه ثانية فدخل وخرج وقال: هات الدنانير في الكاغد من كمك فقلت: وهذه ثالثة ثم أدخلني عليه فقال: ما آن لك ؟ قلت: قد ظهر ما فيه كفاية، قال: إنك لا تسلم ولكن يسلم ولدك اذهب فسترى ما تحب فكان كما قال. قال هبة الله: فلقيت ابنه فأخبرني أن أباه مات نصرانيا وأنه أسلم بعده، و كان يقول: أنا بشارة مولاي. 4 - كان ليحيى بن زكريا حمل فقال له: ادع الله أن يرزقني ابنا فقال: رب ابنة خير من ابن فولد له بنت. 5 - شكا إليه أيوب بن نوح ما يناله من الأذى فكتب إنك تكفاه إلى شهرين فعزل في الشهرين. 6 - أصاب رجلا برص فجلس في طريقه ليسأله العافية فلما قدم قام إليه ولم يسأله فقال له ثلاث مرات: تنح عافاك الله فانصرف فنام ليلته، فلما أصبح لم ير على بدنه شيئا منه. 7 - حضر عند المتوكل مشعبذ فقال: إن أخجلت علي بن محمد أعطيتك ألف دينار، فقال: اخبز لي رقاقا فأحضرها وأحضره، ففعل، فأراد الإمام تناول واحدة فطيرها المشعبذ في الهواء فأراد ثانية فطيرها فأراد ثالثة فطيرها فضحك الناس فضرب عليه السلام بيده إلى صورة أسد وقال: خده فابتلعت الرجل وعادت صورة. فسأل المتوكل رده فقال عليه السلام: لا يرى بعدها تسلط أعداء الله على أولياء الله ؟ فلم ير بعدها.

[ 204 ]

8 - قال زرافة: زار المتوكل الهادي عليه السلام فقال: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ! فقال لي رجل شيعي: إن المتوكل سيموت بعد ثلاث فأخذت متاعي من داره وفرقت ما كان عندي، فمات بعد ثلاث فتشيعت وخدمت الإمام عليه السلام. 9 - قال الجعفري: كان للمتوكل مجلس فيه طيور لا يسمع أحد شيئا من أصواتها فإذا دخل الهادي أمسكت فإذا خرج عادت، وكان له فراريج (1) تتفل فإذا دخل الإمام أمسكت. 10 - قال الجعفري: جاءت امرأة إلى المتوكل وزعمت أنها زينب بنت فاطمة البتول فأحضر الهادي عليه السلام وأعلمه بها فقال عليه السلام: إن كانت صادقة تنزل إلى بركة السباع، فإن لحوم الفاطميين حرام عليها، فقالت: إنه يريد قتلي فطلبوا أن ينزل عليه السلام فنزل فتمسحت به السباع وبسطت أيديها بين يديه فمسح عليها، فأقرت المرأة أنها كاذبة، فأراد أن يلقيها إلى السباع فشفعت أمه فيها. 11 - قال خيران الأسباطي: قدمت المدينة على الهادي عليه السلام فقال: ما فعل الواثق ؟ قلت: في عافية، قال: فابن الزيات ؟ قلت: الأمر له فقال عليه السلام: مات الواثق وقتل ابن الزيات بعد خروجك بستة أيام فكان كما قال 12 - نزل عليه السلام عن الفرس ليكتب كتابا فصهل ثلاثا فقال له الإمام عليه السلام بالفارسية: اذهب إلى موضع كذا فبل ورث وعد ! ففعل. قال أحمد بن هارون: فوسوس إلي الشيطان، فقال الإمام عليه السلام: لا يعظم عليك إنما أعطى الله آل محمد أكبر مما أعطى داود وسليمان. 13 - أحمد بن عيسى: رأيت النبي صلى الله عليه وآله في النوم فأعطاني كف تمر فعددته خمسة وعشرين تمرة، فلما قدم الهادي عليه السلام دخلت عليه فأعطاني كف تمر وقال: لو زادك رسول الله لزدتك، فعددته، فإذا هو خمسة وعشرون. 14 - قال ابن أورمة: دخلت على الهادي عليه السلام الحبس وقد عزموا على قتله فبكيت قال: لم ؟ قلت: مما أرى، فقال عليه السلام: لا تبك فإنه لا يلبث أكثر من


(1) الفروج - كتنور - فرح الدجاجة خاصة، والجمع فراريج.

[ 205 ]

يومين حتى يسفك دمه فكان كما قال عليه السلام. 15 - أمر الخليفة العسكر أن يحضر بأحسن زينة وأكمل عدة، ليرهب الإمام به، فقال: كل يأخذ في مخلاته من هذا التراب ويصبه في موضع كذا، ففعلوا فإذا به تل، فصعده وأصعد الإمام ليريه فقال عليه السلام: وأنا أعرض عليك عسكري فأراه ملائكة ما بين المشرق والمغرب فغشي عليه، فلما أفاق قال: لا عليك نحن لا ننافسكم في الدنيا بل مشغولون بالآخرة. 16 - قال أبو العباس: لما خرجنا مع الهادي إلى العراق، خفنا خوفا شديدا وأخذنا عطش وتعبنا، فنظر إلينا وقال: عرسوا وكلوا واشربوا فتعجبت حيث لا شجر ولا ماء، فأخذت القطار لأنيخه وإذا بشجرتين عظيمتين، يستظل بهما عالم من الناس، وعيون ماء تسيح في أرض نعرفها، وفينا من سلكها مرارا فجعلت أنظر إليه وأتأمله وهو ينظر إلي ويتبسم، وزوي عني وجهه، فدفنت سيفي في الموضع وعلمته بحجرين وغائط، فلما رحلنا ساعة فرجعت فلم أجد شيئا مما كان، ووجدت السيف، فلما لحقته قال: فعلتها ؟ قلت: نعم، وقد كنت شاكا فأصبحت متيقنا. 17 - بعث المتوكل إليه وقد هيا له من يقتله، فلما قدم نزل إليه ورحب به، وخضع له ورده مكرما، وقال للقوم: لم لم تقتلوه ؟ قالوا: رأينا حوله أكثر من مائة سياف. 18 - قال أبو هاشم: دخلت على الهادي عليه السلام فكلمني بالهندية فلم أحسن فمص عليه السلام حصاة ودفعها إلي فمصصتها فتكلمت بثلاث وسبعين لسانا. 19 - قال الجعفري: شكوت إليه ضيق يدي فقبض كفا من الرمل وقال: اتسع بهذا واكتم فإذا هو ذهب. 20 - أنزل الإمام عليه السلام المتوكل في خان فقال صالح بن سعيد: في كل الأمور يريد التقصير بك، فأومأ بيده فإذا أنهار وجنات، فيها ولدان وخيرات، فتعجبت فقال: حيث كنا هذا لنا.

[ 206 ]

العاشر * (العسكري عليه السلام وهو أمور) * 1 - لما مضى الهادي عليه السلام قام العسكري بتغسيله وإصلاح شأنه، فأخذ بعض الخدم شيئا من ماله، فلما تفرغ أحضرهم وأعلم كل واحد بما قد أخذ، فاعترفوا وأحضروه. 2 - قال الجعفري: ركبت يوما مع العسكري فافتكرت في قضاء ديني فانحنى على سرجه وخط بسوطه ثم قال لي: انزل فخذ واكتم، فنزل فإذا سبيكة ذهب جاءت على وفق دينه من غير نقيصة، ففكر في شئونه فنزل فإذا سبيكة فضة فكانت على وفق نفقته بالاقتصاد. 3 - أحمد بن جعفر حججت من جرجان فحمل معي مال فوافيت الإمام عليه السلام بسر من رأى فقلت في نفسي: لمن أسلمه ؟ فابتدأني وقال عليه السلام: سلمه لخادمي ثم قال: إنك تحج وترجع سالما أول نهار الجمعة لثلاث من ربيع الآخر، فإذا رجعت فأعلم أصحابك أني أوافيهم في ذلك النهار، قال: فلما رجعت في الوقت الذي ذكره أعلمتهم فتهيئوا له، فقدم وقال عليه السلام: صليت الظهر [ ين اليوم ] بسر من رأى فأول من سأله النضر بن خالد في بصره فمسح عليه فبرأ. 4 - قال علي بن محمد: سألت الإمام الحاجة فأعطاني مائة دينار وقال: إنك قد دفنت مائتي دينار، وستحرمها أحوج ما تكون إليها، فأخذه ابني وهرب بها. 5 - دخل عليه رجل يماني جسيم فقال عليه السلام: هذا من لد الأعرابية صاحبة الحصاة التي طبع فيها آبائي بخواتيمهم، ثم أخذ الحصاة فطبعها بخاتمه. وصاحبات الحصاة ثلاث هذه هي أم غانم والثانية حبابة الوالبية والثالثة أم سليم. 6 - كتب إلى أحمد بن طاهر أني نازلت الله في هذا الطاغي يعني المستعين، و هو آخذه بعد ثلاث، فقتل كما قال عليه السلام.

[ 207 ]

7 - قال الحسن بن طريف كتبت إليه أسأله بما يحكم القائم ؟ وكنت أردت أن أكتب له عن حمى الربع فنسيت، فكتب عليه السلام (يحكم بعلمه) واكتب للحمى الربع في ورقة (يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم) ففعلت فزالت. 8 - قال علي بن زيد: كان لي فرس جميل فقال لي الإمام عليه السلام: استبدل به قبل المساء إن قدرت، فشححت به، فمات في العتمة، فدخلت عليه وقلت في نفسي: لو أخلف علي، فابتدأني عليه السلام وقال: نعم نخلف عليك وأعطاني برذونا. 9 - قال الجعفري: شكوت إليه الحبس فكتب إلي أنت تصلي الظهر في منزلك فكان كما قال: فأردت أن أطلب منه معونة، فاستحييت فبعث إلي بمائة دينار وكتب: إذا كانت لك حاجة فلا تستحي واطلبها. 10 - كلم غلمانه بلغاتهم ولهم ألسن مختلفة، فتعجب بصير الخادم في نفسه فقال له: إن الله يبين حجته في خلقه، وأعطاه معرفة كل شئ. 11 - قال ابن الفرات: كنت أشتهي الولد فمر بي الإمام عليه السلام فقلت: تراني أررق ولدا ؟ فقال عليه السلام برأسه: نعم، فقلت: ذكر ؟ فقال عليه السلام برأسه: لا، فولد لي أنثى. 12 - أخبر عليه السلام المحمودي أنه سيولد له ذكرانا فولد له أربعة. 13 - أتى شاب من المدينة من ولد أبي ذر ليرى الإمام عليه السلام ويسمع منه فخرج عليه السلام على الناس فنظر إليه وقال: غفاري أنت ؟ قال: نعم، قال: ما فعلت أمك حمدونة ؟ قال: صالحة. 14 - قال ابن الفرات كانت لي على ابن عمي عشرة آلاف درهم قد منعنيها فكتبت إلى الإمام عليه السلام أسأله الدعاء فكتب: إنه سيرد عليك مالك، وهو ميت بعد بجمعة، فرده فقلت: مالك ؟ قال: رأيت أبا محمد في النوم فقال: دنا أجلك فرد مال ابن عمك. 15 - استسقى المسلمون فلم يسقوا، فخرج راهب نصراني فسقوا فشك الناس فبعث المتوكل إلى الإمام: إلحق أمة جدك فخرج عليه السلام وأخذ من يد الراهب

[ 208 ]

عظما، وقال: استسق الآن وكان السماء غيما فتقشع فسأله المتوكل فقال: هذا عظم نبي ما انكشف إلا وهطلت السماء. 16 - خرج الإمام عليه السلام على جماعة فرفع قلنسوته ووضعها، وضحك في وجه واحد منهم فقال: أشهد أنك حجة الله، قالوا: ما شأنك ؟ قال: كنت شاكا فيه فقلت في نفسي: إن أخذ القلنسوة من رأسه قلت بإمامته. 17 - دخل علي بن زيد ثم نهض فلم يتكلم، فقال له: لا بأس على منديلك هي مع أخيك، قال: وكانت سقطت مني فوجدتها عند أخي. 18 - محمد بن الربيع: دخل في قلبي شئ من مقالة الثنوية فنظر إلي الإمام وقال: أحد أحد. 19 - قال أبو العينا (1): ربما دخلت على الإمام فأعطش فأجله عن الماء فيقول: يا غلام اسقه الماء، وربما حدثني نفسي بالنهوض فيقول: آته بدابته. 20 - قال الأقرع: قلت في نفسي: الاحتلام شيطنة فكتبت إلى الإمام عليه السلام أسأله عن الاحتلام فورد الجواب: أعاذ الله الأئمة من لمة الشيطان كما حدثتك نفسك، وحالهم في النوم كاليقظة لا يغير النوم منهم شيئا. 21 - محمد بن عبد العزيز: رأيت الإمام عليه السلام فقلت في نفسي: أصيح (أيها الناس هذا حجة الله عليكم) فوضع سبابته على فمي وأشار إلي أن: اسكت. 22 - قال الحجاج العبدي خرجت إلى البصرة وابني ضعيف، فكتبت إلى الإمام أسأله الدعاء له، فكتب إلي: رحمه الله إن كان مؤمنا، فورد كتاب من البصرة أنه مات يوم كتب الإمام، وكان قد شك في إمامته. 23 - وقع الإمام وهو طفل في بئر وأبوه يصلي، فصاح النسوان فلما فرغ من صلاته قال: لا بأس عليه، فرأوه وقد ارتفع الماء به إلى رأس البئر. 24 - ذرق الخفافيش على قبور العباسيين وغيرهم، ولا يرى ذلك في قباب الأئمة عليهم السلام فضلا عن قبورهم، إلهاما من الله لإجلالهم.


(1) هو مولى عبد الصمد بن علي عتاقة، كذا في الكافي.

[ 209 ]

25 - دخل الإمام عليه السلام على بعض مواليه فقال: لولا أن فيكم رجلا ليس منكم لأعلمتكم متى فرجكم ؟ وكان فيهم رجل جمحي، فلما خرج أشار إليه وقال: في ثيابه قصة يخبر فيها السلطان بما تقولون فيه، ففتشوه فأخذوها منه كما قال عليه السلام. 26 - يوسف بن محمد وعلي بن بشار: كان الوالي في وقت يعظم الإمام فدخل عليه بمكتوف وقال: وجدته على باب حانوت فهممت بضربه فصاح أني من شيعة علي، فكففت عنه، فهل هو كذلك ؟ فقال عليه السلام: لا، فأمر بضربه فكانت العصا لا تصيبه فجاء به الوالي إلى الإمام وقال: رأيت عجبا، فقال: هو لنا محب إن شيعتنا يتبعون جميع أمرنا. 27 - قال أبو هاشم قلت في نفسي: أطلب من الإمام فضة أصوغها خاتما أتبرك به، فنسيت فلما أردت النهوض رمى إلي خاتما وقال: أردت فضة فأعطيناك خاتما. 28 - قال أبو هاشم: سمعت الإمام عليه السلام يقول: إن الله تعالى ليعفو يوم القيامة عفوا لا يخطر ببال العباد، حتى يقول المشركون: (والله ربنا ما كنا مشركين (1)) قال: فذكرت في نفسي ما كان قاله رجل لي (إن الله يغفر الشرك) فقال الإمام عليه السلام: (إن الله لا يغفر أن يشرك به) (2) بئس ما قال الرجل. الحادي عشر * (صاحب الزمان وهو أمور) * 1 - قالت حكيمة: قرأت على أمه نرجس وقت ولادته التوحيد، والقدر وآية الكرسي، فأجابني من بطنها بقراءتي ثم وضعته ساجدا إلى القبلة فأخذه أبوه وقال: انطق بإذن الله فتعوذ وسمى وقرأ (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض) الآيتين (3) وصلى على محمد وعلي وفاطمة والأئمة واحدا


(1) الأنعام: 23 (2) النساء: 48 و 116. (3) القصص: 5 و 6.

[ 210 ]

واحدا باسمه إلى آخرهم وكان مكتوبا على ذراعه الأيمن (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا (1)) قالت حكيمة: دخلت بعد ولادته بأربعين يوما فإذا هو يمشي فلم أر أفصح من لغته. 2 - نسيم ومارية قالتا: لما سقط من بطن أمه، سقط جاثيا رافعا سبابتيه إلى السماء قائلا كلما يعطس: الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله، زعمت الظالمون أن حجة الله داحضة. 3 - قال طريف عن نضر الخادم: دخل على الإمام وهو في المهد فقال: أنا خاتم الأوصياء، وبي يدفع الله البلاء عن أهلي وشيعتي. 4 - جاء كامل المدني يسأل العسكري عن مقالة المفوضة قال: فلما وصلت قلت في نفسي: أرى أنه لن يدخل الجنة إلا أهل المعرفة ممن عرف معرفتي فخرج فتى إلينا ابن أربع سنين ونحوها، فقال: مبتدئا باسمي: جئت تسأل عن أنه هل يدخل الجنة إلا من قال بمقالتك ؟ قلت: نعم، قال: إذا يقل داخلها، والله ليدخلنها قوم يقال لهم الحقية يحلفون بحق علي ولا يعرفون حقه، وجئت تسأل عن مقالة المفوضة: كذبوا بل قلوبنا أوعية لمشيئة الله، قال: فنظر إلي العسكري وقال: ما جلوسك وقد أنبأك بحاجتك الحجة من بعدي، وأسند ذلك جعفر بن محمد إلى محمد بن أحمد الأنصاري قال أبو نعيم: وحدثني كامل بذلك ورواه أيضا أحمد بن علي برجاله إلى أبي نعيم. 5 - لما مات العسكري عليه السلام بعث المعتضد ثلاثة نفر يكبسوا داره، ومن لقوه فيها يأتونه برأسه، ففعلوا فدخلوا الدار فرأوا سردابا وفي ذلك السرداب ماءا ورجلا على الماء يصلي على حصير، ولم يلتفت إلينا، فسبق أحمد بن عبد الله فطفر إليه فهم أن يغرق فخلصوه وطفر آخر فكان كذلك، فخلصوه، فانتهروا وعادوا إلى المعتضد فاستكتمهم. 6 - بعث إليه يعقوب الغساني بعشرة دراهم فرد [ ها ] إليه وقال: أعطنا


(1) الإسراء: 81.

[ 211 ]

منها الستة الرضوية، وضع بدلها في الموضع الذي نذرت قال: وكنت نذرت أن أضع عشرة في مقام إبراهيم يأخذها من أراد الله. 7 - محمد بن مهزيار (1) حمل أبي مالا وأخرجني معه فضعف في الطريق، فقال لي: يا بني ردني فهو الموت، واتق الله في هذا المال، فمات فقدمت العراق فقمت أياما على الشط كاتما أمري وإذا برسول معه رقعة: يا محمد معك كذا وكذا، و قص جميع ما جرى فسلمت إليه المال وبقيت أياما مغتما فخرج إلي: أقمناك مقام أبيك فأحمد الله. 8 - أخبر علي بن زياد أنه يموت سنة ثمانين فمات فيها فبعث له كفنا. 9 - عن بدر غلام أحمد بن الحسن قال: لما مات يزيد بن عبد الملك أوصى إلي أن: أدفع الشهري والسمند والسيف والمنطقة إلى مولاه، فقومتها في نفسي بسبع مائة دينار، ولم أطلع أحدا فإذا الكتاب من العراق: وجه بالسبعمائة دينار التي لنا قبلك عن الشهري والسمند والسيف والمنطقة. 10 - يوسف بن أحمد الجعفري: انصرفت من الحج إلى الشام فنزلت أصلي فرأيت أربعة في محمل فتعجبت منهم فقال لي أحدهم: تركت صلاتك، قلت: وما أعلمك بذلك مني قال: أتحب أن ترى صاحب زمانك ؟ قلت: إن له علامات قال: فرأيت الجمل وما عليه يرتفع إلى السماء. 11 - قال الصفواني: رأيت القاسم بن العلا وقد عمر مائة وسبع عشرة سنة وقد ورد إليه رسول صاحب الأمر فيه نعيه، وموته بعد أربعين يوما، وأنه سيصح بصره قبل موته بسبعة أيام وكان قد عمي دهرا. وكان له صديق ناصبي فقرأ عليه الكتاب وقال: إن الله تعالى قال: (وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت (2)) وقال: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول) (3) ومولاي هو المرتضى


(1) في الكافي محمد بن علي بن مهزيار راجع ج 1 ص 518. (2) لقمان: 34. (3) الجن: 26.

[ 212 ]

من الرسول فإذا مت في غير ذلك فاعلم أني لست على شئ وإن مت فيه فانظر أنت لنفسك. فورخوا اليوم وصحت عيناه قبله بسبعة أيام، وشجاع ذلك فأتته العامة و قاضي القضاة ينظرون إليه صحيحا ثم كتب وصيته بيده، ومات في ذلك اليوم فتشيع صديقه المذكور، ورأيت نحو ذلك أيضا منقولا من كتاب العيبة للطوسي. 12 - قال أبو سورة وكان من مشايخ الزيدية بالكوفة: خرج شاب حسن الوجه من عند قبر الحسين عليه السلام إلى البرية فتبعته فقال: مر بنا فنمنا وانتبهنا فإذا نحن بمسجد السهلة فقال: هذا منزلي فحفر بيده فنبع الماء فتوضأ وصلى ثم قال: ادخل الغري وقل للزراري يعطيك صرة من تحت رجل السرير بعلامة كذا ومغطاة بكذا، فإنه يخرج إليك ويده ملطخة بدم الأضحية، فقلت: من أنت قال: محمد ابن الحسن. فرجعت إليه فخرج إلي كما ذكر فقلت له: شاب صفته كذا وكذا يقول لك كذا وكذا، فمسح يده على وجهه وأعطاني الصرة فتشيعت وبرئت من الزيدية. 13 - قال الضرير: حضرت مجلس عمي الحسين فزريت على الناحية فقال لي: كنت مثلك إلى أن ولاني السلطان قما، وكان كلما بعث إليها واليا حاربته أهلها، فلما سرت عرض لي طريدة فأوغلت في أثرها فطلع علي فارس تحته شهباء فسماني فقلت: ما تريد ؟ قال: لم تزري على الناحية، ولم تمنع أصحابي خمسك ؟ فارتعدت منه وقلت: لا أعود، فقال: إنك تدخل قما عفوا فامض راشدا ثم ولى فتفقدته يمينا وشمالا فلم أره فرجعت وأتيت البلدة فقال لي أهلها: كنا نحارب من يجيئنا فأما إذا أتيت أنت فلا خلاف بيننا، فأقمت بها زمانا واكتسبت منها مالا فوشي بي فعزلت إلى بغداد، فدخلت علي الناس ومنهم العمري فلما خلا بي قال: صاحب الشهباء يقول: قد وفينا ما وعدنا، ففتحت له الخزائن فدخل وأخذ خمسها وانصرف. قال الضرير فلما حدثني عمي بذلك تحققت الأمر وزال عني الشك.

[ 213 ]

14 - عن أبي القاسم قال: حججت في السنة التي أمرت القرامطة فيها برد الحجر إلى مكانه ؟، فكان أكبر همي مشاهدة من يضعه، فمرضت في الطريق فاستنبت معروف بن هشام، وأعطيته رقعة أسأله فيها عن مدة عمري. قال معروف: فكلما وضعه شخص لم يستقر، فوضعه شاب أسمر، فاستقر وانصرف فتبعته أخراه وهو يمشي ولم ألحقه، فالتفت إلي وقال: هات الرقعة فناولته إياها فقال من غير أن ينظر فيها: لا عليه من هذه العلة بأس وسيكون ما لا بد منه بعد ثلاثين سنة، فكان كما قال. 15 - قال أبو محمد الدعجلي: رأيته عليه السلام بالموقف فقال يوشك أن تذهب عينك هذه بعد أربعين يوما فبعد الأربعين خرج فيها قرحة فذهبت. 16 - حمل أحمد بن إسحاق إلى العسكري عليه السلام جرابا فيه صرر، فالتفت عليه السلام إلى ابنه وقال: هذه هدايا موالينا، فقال الغلام: لا تصلح، لأن فيها حلالا و حراما، فأخرجت، ففرق بينها وأعلم بكمية كل صرة قبل فتحها. 17 - أخبر الإمام عليه السلام الاسترآبادي بأن معه خرقة خضرة فيها ثلاثون دينارا منها واحد شامي فقال: هاتها فأخرجها فكانت كما قال 18 - قال أبو الرجاء المصري: خرجت في طلب الإمام بعد مضي أبيه، فقلت في نفسي: لو كان شئ لظهر بعد ثلاث سنين، فسمعت صوتا ولا أرى شخصا: يا نصر بن عبد ربه قل لأهل مصر: هل رأيتم رسول الله فآمنتم به ؟ قال: وما كنت أعلم أن اسم أبي عبد ربه. 19 - قال أحمد بن أبي روح: دفعت إلي امرأة من أهل دينور كيسا مختوما وقالت: لا تحله ولا تؤديه إلا إلى من يخبرك بما فيه، وفيه قرطي وثلاث حبات لؤلؤ، ويخبرك قبل سؤالك ممن استقرضت أمي عشرة دنانير لأدفعها إليه، فحملت ذلك وجئت إلى باب العسكري عليه السلام فخرج خادم برقعة فيها أودعتك عاتكة بنت الديراني كيسا وفيه كذا وكذا، والدنانير التي استقرضتها أمها لكلثم بنت أحمد وهي ناصبية، فلتفرق العشرة في ضعفاء إخوانها.

[ 214 ]

20 - قال العمري: أنفذ إلي رجل مالا فرده، وقال: أخرج حق ولد عمك منه، وهو أربعمائة فتعجب الرجل، وحسب فوجد ذلك فيه، ثم قبله عليه السلام. 21 - دفع المهدي إلى الأودي حصاة فكشف عنها وإذا هي سبيكة ذهب فقال: قد ثبتت عليك الحجة أتعرفني ؟ قلت: لا، قال: أنا المهدي أملاها عدلا كما ملئت ظلما، وهذه أمانة في رقبتك تحدث بها إخوانك. وسيأتي له عليه السلام كرامات أخر في الباب التالي لهذا الباب. فهذه قطرة من بحر معاجزهم، وشذرة من عقد جواهرهم، أخذتها من كتاب الخرائج والجرائح للإمام سعيد بن هبة الله الراوندي وغيره، فمن أراد الزيادة على ذلك فعليه بكتابه المذكور، على أنه ذكر فيه أنه أضرب من تعداد معاجز ونوادر خوفا من إضراب الناظر. تذنيب اشتملت الأئمة المذكورون على الأعلام الخلقية، وبلغوا فيها غاية لم تكن لأحد من البرية، في زهد، وعلم، ورأفة، وتواضع وحكم، ووفاء، ونجدة وصدق، وكرم، وصمت، ونطق، ومنشاء، وعفو، وحسن سيرة، لم يكن فيهم فض، ولا غليظ القلب، ولا فحاش، ولا مهذار، ولا صخاب، ولا كذاب، ولم يوجد أحد منهم فارغا بل في عبادة، واجتهاد، وهداية، وسداد، ومعونة أرملة وإصلاح ذات بين، وخصف نعل مسكين، يمدحهم المنافق والحاسد، ويثني عليهم المارق والجاحد، قد تسربلوا على الفضائل، وتغربلوا من أدنى الرذائل. ليس على الله بمستنكر * أن يجمع العالم في واحد ولما من الله علي بهدايتهم حسن مني أن أتمثل بقول بعضهم في ولايتهم: يلومني في هوى أبناء فاطمة * قوم وما عدلوا في الله إذ عذلوا واليت قوما تميد الأرض إن ركبوا * وتطمئن وتهدأ إذ هم نزلوا إن يغضبوا صفحوا أو يوهبوا سمحوا * أو يوزنوا رجحوا أو تحكموا عدلوا يوفون إن نذروا يعفون إن قدروا * وإن يقولوا مقالا يرتضى فعلوا

[ 215 ]

إن خفت في هذه الدنيا بحبهم * فما علي غدا خوف ولا وجل وأمتثل بقول دعبل الخزاعي الساعي في مدائحهم بأفضل المساعي. فيا وارثي علم النبي محمد * عليكم سلام دائم النفحات لقد أمنت نفسي بكم في حياتها * وإني لأرجو الأمن بعد وفاتي * (تتمة:) * لما انتهت بي الحال إلى هذا المقال، أحببت أن أنور كتابي بتواريخ هذه الأقيال (1) ومناصع مواليدهم، ومواضع قبورهم، فاخترت ما ارتجزه السيد الحسيب النسيب، ذو المجد السديد، حسين بن شمس الحسيني أيد الله فضله وأبد نبله: قال أبو هاشم في بيانه * ولفظه يخبر عن جنانه الحمد لله على الإيمان * بالمصطفى والآل والقرآن عليهم الصلاة والسلام * ما غردت بأيكة حمام وبعد فاسمع ثم سد الخللا * فجل من لا عيب فيه وعلا لقد حداني من له أطيع * لنظم تاريخ له أذيع فهاك تاريخ النبي المصطفى * وآله المطهرين الخلفا فمولد النبي عام الفيل * بمكة والحرم الجليل وفاته حادي عشر هجرته * بطيبة وهي محل تربته ومولد الوصي أيضا في الحرم * بكعبة الله العلي ذي الكرم من بعد عام الفيل في الحساب * عشر وعشرين بلا ارتياب وفاته بالهجرة المعروفة * عام أربعين قبره بالكوفة ومولد الزكي نجل الزهرة * بطيبة ثاني عام الهجرة وقبره بها على يقين * نعم وفيها مولد الحسين وعمره ثمان أربعونا * وصح أن الموت في الخمسينا ومولد الحسين في ربيع * لثالث من هجرة الشفيع


(1) الأقيال هو السيد المالك لأمور رعيته.

[ 216 ]

حادي وستين قضى الشهيد * بكربلا تزوره الوفود ومولد السجاد في شعبان * ثامن ثلاثين لذي البيان ميلاده مدينة الرسول * حبيب رب ملك جليل وفاته في الخمس والتسعينا * وفي البقيع قبره يقينا وباقر العلم ولد بطيبة * وقبره بها بغير ريبة وسابع الخمسين من شهر صفر * مولده، وفاته الرابع عشر بعد تمام مائة هجرية * وهذه رواية قوية وطيبة مولد نجل الباقر * ثالث ثمانين سني الهاجر وفاته ثامن وأربعينا * ومائة معدودة سنينا وقبره بجانب البقيع * مجاورا لجده الشفيع ومولد الكاظم بالأبواء * ثامن وعشرين على استواء ومائة من قبلها هجرية * ثالث ثمانين بها المنية وقبره بجانب الزوراء * من أرض بغداد بلا مراء ومولد الرضا سليل الزهرة * مدينة الرسول دار الهجرة مولده ثمان وأربعينا * ثالث وميتين الوفا يقينا وقبره في سناباد طوسا * حل بها مقدسا تقديسا ومولد الجواد بعد المائة * لخامس التسعين في الرواية ميلاده بأفضل البقاع * مدينة الرسول خير داع والقبض عشرين ومائتين * والقبر في الزورا بغير مين ثم علي هادي الأنام * ميلاده مدينة التهامي ثاني عشر مائتي سنينا * وفاته في رابع الخمسينا والعسكري ميلاده المدينة * مدينة المصحوب بالسكينة ثاني ثلاثين ومائتين * والقبض ستين ومائتين

[ 217 ]

وسر من رأى مكان القبر * كذاك والده عظيم الفخر ومولد المهدي في شعبان * خمس وخمسين ومائتان في سر من رأى بدار العسكري * ونرجس الأم بقول الأكثر تمت تواريخ الهداة الطاهرة * مشفوعة بالصلوات الفاخرة نظم الفقير المذنب الحسيني * راجي عفو الله في الدارين ثم شفاعة النبي الهادي * وآله خلاصة العباد

[ 218 ]

(11) (باب) * (فيما جاء في خاتمهم وتملكه وبقائه عليه السلام) * وفيه فصول: (1) فصل إنه قد مضى في النصوص المتواترة على آبائه عليهم السلام أخبار جمة في خروجه و بقائه وسنورد إن شاء الله في هذا الباب أخبارا من طرق العامة والخاصة توجب القطع بوجوده، والانكار على جاحده، وقد أسلفنا في كتابنا هذا بيان أن الإمامة ركن عظيم من أركان الاسلام، وأن الدين يكون متلاشيا بفقد الإمام، وقد أنزل الله على نبيه عند نصبه عليا علما لدينه (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي (1)). والمخالف يقول بهواه المزين: إن الإمامة ليست من أركان الدين فقد اتبع ما تتلو الشياطين، حيث عدل عن الكتاب المبين، وقد جعلوا من أركان الدين أصول العبادات، وإنما هو حاصل بجحد المعبود الأعظم، والنبي الأكرم والإمام الأقدم، ونحو ذلك مما علم ضرورة من الدين القويم، وتلقته الأمة بالقبول و التسليم. إن قلت: فإذا كان كمال الدين قد حل بأمير المؤمنين فلا حاجة في كماله إلى الباقين قلت: الأئمة كلهم في حكم والدهم، وسنورد من ذلك طرفا في اتحادهم في التقدم، والفضل، والخلق، والعقل، والعدل، والجد، والأصل، والمجد


(1) المائدة: 6.

[ 219 ]

والنبل، حتى قيل: إنهم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها، وكالنقطة التي تستوي الدائرة بها. ولأن كل من قال بإمامته لعصمته ونص الله ورسوله، قال بإمامتهم لوجود العلة فيهم، فمن قال بغيرهم فقد خرج عن إجماعهم. ولأن الإمامة لطف عقلي في التكليف، واجب في الحكمة على الخبير اللطيف وقد علم موت آباء المهدي عليهم السلام، فلولا وجوده لخلا الزمان عن اللطف الذي هو الإمام، وقد جرت عادة الملك الديان، بنصب الأنبياء والأوصياء في جميع الأزمان. وقد أسند أبو داود ذلك في صحيحه إلى علي عليه السلام وإلى أم سلمة أيضا والبغوي في شرح السنة، ومسلم والبخاري إلى أبي هريرة والترمذي إلى ابن مسعود والثعلبي إلى أنس وسيأتي. وأسند الثعلبي في تفسير (يوم ندعوا كل أناس بإمامهم (1)) قول النبي صلى الله عليه وآله: كل قوم يدعون بإمام زمانهم. قالوا: فابن قانع وعبد الرزاق وابن الجوزي ومحمد بن إسحاق أجمعوا على أن العسكري مات لا عن عقب، قلنا: ذلك باطل، أول ما فيه أنهم خصوم هذه المسألة، والثاني شهادتهم على نفي فهي مردودة، والثالث أنه منقوص ؟ بما جاء من طريق المخالفين فضلا عما تواتر من أحاديث المؤمنين. فقد ذكر الكنجي الشافعي في كتاب المناقب قريبة من آخره من أعقب من أولاد أمير المؤمنين وذكر أن العسكري خلف ابنه وهو الإمام المنتظر، ونختم الكتاب بذكره مفردا. هذا آخر كلامه. وقال أبو المظفر سبط الجوزي في الخصائص: وقد ذكرنا وفاة الحسن بن علي وأنها سنة ستين ومائتين وذكر أولاده منهم محمد الإمام ومثله رواه محمد بن طلحة الشافعي خطيب دمشق وقال فخر المحققين رحمه الله في كتابه: تحصيل النجاة: الصحيح أن العسكري توفي بعد أن بلغ ولده الخلف الصالح عشر سنين.


(1) الإسراء: 71.

[ 220 ]

وبالجملة فتواريخ مواليد الأئمة مشهور في إرشاد المفيد وكشف الغمة وغيرهما، ولله النعمة، وقد أسلفنا ذلك قريبا ولو سلم نقصه عن ذلك لم يضر شيئا في إمامته كما في يحيى ونحوه، فقد قال الله فيه: (وآتيناه الحكم صبيا (1)) وجعل عيسى في المهد نبيا وقد روى الخصم تفضيل المهدي على عيسى. عليهما السلام وقد ذكر أبو العلاء وهو من أعاظم الجمهور: أن عيسى بن مريم يصلي خلفه وأخرج نعيم بن حماد في كتاب الفتن وهو من أعيانهم وثقاتهم قول عيسى للمهدي: إنما بعثت وزيرا ولم أبعث أميرا، ولا شك أن الأمير فوق الوزير. ومن الكتاب أيضا عن محمد بن سيرين وذكر فتنة تكون فقال: إذا كان ذلك فاجلسوا في بيوتكم حتى تسمعوا على الناس بخير من أبي بكر وعمر، قيل: خير من أبي بكر وعمر ؟ قال: قد كان يفضل [ علي ] على بعض الأنبياء. ومن الكتاب المذكور أيضا سئل ابن سيرين: المهدي خير أم أبو بكر و عمر ؟ قال: هو خير منهما. وقد روى أبو نعيم في كتاب نعوت المهدي وخروجه، وما يكون في زمانه ومدته ونحو ذلك، مائة وستة وخمسين حديثا بأسانيدها وروى الجعب المنادي في كتابه الذي سماه (الفيض على محدثي الأعوام بنباء ملاحم غابر الأيام) في خروج المهدي ثمانية عشر حديثا بأسانيدها أيضا وسيأتي في الفصل الخامس والثاني عشر أحاديث من ذلك من ثقاتهم فلتلحظ منها. قالوا: يبعد بقاؤه هذه المدة الطويلة قلنا: وهل يستبعد ذلك إلا من سلب الله قدرته، وقد مضى في السوالف نحوه، فقد بعث الله شعيب إلى خمس أمم، ولبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، وروي أنه عاش ألفا وأربعمائة سنة، وعاش لقمان النسوري ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة، وقيل: عاش عمر سبعة أنسر، وسمي آخرها لبد، وقال: طال الأبد على لبد. وقيل فيه: يا نسر كم تعمري تعيش وكم * تسحب ذيل الحياة يا لبد


(1) مريم: 12.

[ 221 ]

وقال الأعشى: بنفسك أن تحيى لسبعة أنسر * إذا ما فنى نسر خلوت إلى نسر فعمر حتى خال أن نسوره * خلود وهل تبقى النفوس على الدهر وقال لأدناهن أدخل ريشه * هلكت وأهلكت ابن عاد وما تدري وسببه أنه سأل نبيا أن يسأل الله أن يطيل عمره، فأوحى الله إليه: خيره في أن عمره عمر سبع بعراة في ظل جبل لا يصل إليها ريح ولا مطر إذ يقال: البعر إذا لم تصبه شمس ولا مطر [ أو سبعة أنسر كلما هلك نسر خلف بعده نسر ] (1). بقي دهرا وعمر عمر سبعة أنسر، وسمى آخرها لبد تفاؤلا بالأبد، فلما كبر النسر ضعف لقمان وكان يدخل القصب تحت جناحه ويقول: انهض لبد فإن هلكت أهلكتني وعاشت الأنسر ثمان مائة سنة. وقد روى المنكر لبقاء المهدي عن نافع عن ابن عمر خبر الدجال وغيبته، وبقاءه المدة الطويلة، وظهوره آخر الزمان، وقال النبي صلى الله عليه وآله: ما بعث الله نبيا إلا أنذر قومه فتنة الدجال، وإن الله أخره إلى يومكم هذا. قالوا: إنما أجرى الله عادته بالتطويل في غير هذه الأمة قلنا: لا يضرنا ذلك بحال، مع اتفاق الأكثر على بقاء الخضر والدجال، على أن ذلك وإن لم يقع لغيره لم يدل على نفيه عنه ويكون معجزة له، فإن كل المعجزات خوارق للعادات. قالوا: نمنع حياة الخضر لقول النبي صلى الله عليه وآله: لو كان الخضر حيا لزارني قلنا: أخرج مسلم عن النبي صلى الله عليه وآله في الدجال أنه محرم عليه أن يدخل المدينة فينتهي إلى بعض السباخ فيخرج إليه رجل هو خير الناس فيقول: أشهد أنك الدجال الذي حدثنا النبي بحديثه. فيقول الدجال: إن قتلت هذا ثم أحييته أتشكون في أمري ؟ فيقولون: لا، فيقتله ثم يحييه فيقول: ما كنت فيك قط أشد بصيرة مني الآن فيريد الدجال قتله ثانيا فلا يسلط عليه، فقال إبراهيم بن سعد: يقال: هذا الرجل الخضر.


(1) الزيادة من مجمع الأمثال ج 1 ص 429.

[ 222 ]

وذكر قول الخضر (حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله) دل حديثه على اجتماعه برسول الله صلى الله عليه وآله، وفيه تكذيب (لو كان حيا لزارني). تذنيب ذكر الصدوق في رواية أن اسمه خضرون ابن قابيل ابن آدم ويقال: جعليا وإنه إنما سمي الخضر لأنه جلس على روضة بيضاء فاهتزت خضرا، قال: و الصحيح أن اسمه تاليا بن ملكان ابن عامر بن ارفخشد بن سام بن نوح وقد أخرجت الخبر فيه مسندا في كتاب العلل. ثم نرجع ونقول: عيسى أيضا حي إلى الآن، قال الضحاك وجماعة أيضا من مفسري المخالف في قوله تعالى: (إني متوفيك ورافعك إلي) (1) أي بعد إنزالك من السماء، وقال الكلبي والحسن وابن جريج: رافعك من الدنيا إلي من غير موت. ويؤكد ذلك ما رواه الفرا في كتابه شرح السنة وأخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة قول النبي صلى الله عليه وآله: كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم ؟ وفي تفسير (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته) (2) قال ابن المرتضى: قال قوم: الهاء في (موته) كناية عن عيسى أي قبل موت عيسى عند نزوله من السماء في آخر الزمان، فلا يبقى أحد إلا آمن به حتى يكون به الملة واحدة ملة الاسلام ويقع الأمنة في الناس حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، وتلعب الصبيان بالحيات. ولا شك أن هذه المقالة معها ظاهر الآية، إذ لم يؤمن بها منهم منذ نزولها إلى الآن، فلا بد من كون ذلك في آخر الزمان، وفي الحديث ينزل عيسى في ثوبين مهرودين أي مصبوغين بالهرد وهو الزعفران. قالوا: في الحديث يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، ومحمد بن الحسن ليس كذلك قلنا: هذه الزيادة من طريقكم فليس حجة علينا، وقد طعن الأصوليون في ناقل الزيادة قال الكنجي وقد ذكر الترمذي الحديث في جامعه وليس فيه


(1) آل عمران: 55. (2) النساء: 159.

[ 223 ]

(اسم أبيه اسم أبي) وذكره أبو داود وليس فيه ذلك (1). ولو سلمت الزيادة فقد قال خطيب دمشق: المراد بالأب الحسين الذي هو الجد الأعلى وقد شاع في لسان العرب إطلاق الأب عليه، وفي الكتاب (ملة أبيكم إبراهيم) (2) (واتبعت ملة آبائي إبراهيم) (3) والمراد باسم الأب الذي هو الحسين كنيته وهو أبو عبد الله، وقد استعمل الفصحاء الاسم في الكناية وقد أسند البخاري ومسلم إلى سهل بن سعد الساعدي أن النبي صلى الله عليه وآله سمى عليا أبا تراب ولم يكن له اسم أحب إليه منه، فأطلق النبي على الجد اسم الأب، وعلى الكنية لفظة الاسم، لتكون الألفاظ مختصرة جامعة لتعريف صفات الإمام، وأنه من ولد الحسين عليه السلام وهذا بيان شاف كاف في إزالة ذلك الإشكال، فافهمه انتهى كلام الخطيب الشافعي. قالوا: قلتم أنصاره ثلاثمائة وثلاثة عشر، فلم لا يخرج اليوم وأنصاره أكثر ؟ قلنا: علمنا ذلك بالخبر، على أن الكثرة ؟ لا تعتبر، فإن النبي حارب في بدر بذلك العدد، ولم يكن فيهم إلا سبعة أسياف، والباقي بجريد النخل، ولم يحارب في الحديبية ومعه ألف وسبعمائة بحسب المصلحة، وصالح الحسن معاوية في آلاف وحارب الحسين في قوم قليلين. قالوا: كيف يمكن الغاصب التوبة وهي بتسليم حقه إليه مع غيبته، قلنا: يكفيه خروج الغصب من يده والوصاءة لكل أحد به، وشهرة أمره. قالوا: ظهوره مشروط بزوال خوفه، ولا علم له بما في قلوب الناس له، فلا يزول خوفه، قلنا: عندنا أن آباءه أعلموه بمدة غيبته وبعلامات وقت ظهوره بما نقلوه عن جده عن جبرائيل عن ربه، على أن خروجه يجب إذا غلب السلامة في ظنه، كما يجب النهي عند أمارة إنجاعه، وغير ممتنع أن يعلمه الله بآياته وبإلهامه أنه متى غلب على ظنه زوال خوفه، وجب خروجه تبعا لظنه الذي هو طريق إلى علمه بزوال خوفه.


(1) والعجب أن ذلك موجود في نسخة سننه ج 2 ص 422. (2) الحج: 78. (3) يوسف: 37.

[ 224 ]

قالوا: في حال ظهوره زوال الشبهات عن رعيته، فاللطف معدوم أو ناقص حال غيبته قلنا: هو معارض بالنبي واستتاره، على أن حال ظهوره إنما الطريق هو الاستدلال على إمامته فكان حال ظهوره مساويا لحال غيبته في لطفيته. قالوا: قد ادعيت المهدية لإسماعيل بن جعفر، ولمحمد ابنه، ولأبي جعفر ولموسى بن جعفر، ولابن الحنفية، ولا يمكن الجمع بين هذه الأقوال، وإذا تناقضت تساقطت قلنا: إذ قامت الأدلة على ما ذهبنا إليه من قول النبي صلى الله عليه وآله: لن يفترقا حتى يردا علي الحوض. ونحو ذلك من النصوص الواضحة، بطل ما عارضتم به. على أن المناقضة لا توجب التساقط لامتناع كذب لنقيضين، ولو أوجبت التساقط بطل وجود الرب لقول المعطلة بعدمه، وبطل دين الاسلام لقول الكفار بكذبه، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله: ستفترق أمتي على نيف وسبعين فرقة منها واحدة ناجية، فعلى التساقط لا ناجية، والمذاهب الأربعة ساقطة لرد بعضها بعضا، ولعنة بعضها بعضا، يظهر ذلك لمن تأمل المنتظم والبخاري وتعرضه بأبي حنيفة. قالوا: ليس فيما ذكرتم بطلان مهدية ابن الحنفية لقولهم ببقائه إلى آخر الزمان قلنا: يبطله ما أسنده أبو داود في صحيحه إلى أم سلمة من قول النبي عليه السلام: المهدي من عترتي من ولد فاطمة. ومن كتاب الفتن مرفوعا إلى الزهري قال: المهدي من ولد فاطمة. ومنه عن علي عليه السلام: سمى النبي صلى الله عليه وآله الحسين سيدا وسيخرج الله من صلبه رجلا اسمه اسم نبيكم يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا. وعن عبد الله ابن عمر يخرج رجل من ولد الحسين من قبل المشرق لو استقبلها الجبال لهدها وأخذ منها طرقا. فهذه الأحاديث، والأحاديث بأن الأئمة اثنى عشر، واشتراط العصمة المنفية عن غيره تبطل أقوال من خالفنا فيه. قالوا: ما كفاكم ما تدعون من الهذيان، حتى سميتموه صاحب الزمان

[ 225 ]

ولا صاحب الزمان، إلا خالق الأكوان ؟ قلنا: بل البهتان منسوب إلى من أنكر القرآن، في قوله: (تؤتي الملك من تشاء (1)) وقد ملك الأمر لغيره، في قوله: (وأولوا الأمر منكم) (2) ولم ينف ذلك قوله: (ألا له الخلق والأمر) (3) لأنه المالك لما ملكهم والمالك لما عليه أقدرهم. قالوا: من ضحكاتكم تدخرون له سيوفا، وتجعلون له من أموالكم أقساطا وتدعون لأئمتكم الإحاطة بالغيب علما، وقد قال الإمام الأعظم ابن تيمية الحنبلي: مهدي الرافضة لا خير فيه إذ لا نفع ديني ولا دنيوي لغيبته قلنا: وأي عاقل ينكر ادخار السيوف لإمام وقع الاتفاق على خروجه و جهاده، فقد أخرج أبو نعيم في كتاب الفتن قول أبي جعفر: ويظهر المهدي بمكة عند العشاء، ومعه راية رسول الله، وقميصه، وسيفه، وعلامات، ونور، وبيان وينادي من السماء: إن الحق في آل محمد وآخر من الأرض إن الحق في آل عيسى. قال أبو عبد الله: إذا سمعتم ذلك فاعلموا أن كلمة الله هي العليا، وكلمة الشيطان هي السفلى فهذه كتبهم تشهد بأن قول من يقول: المهدي هو المسيح قول الشيطان. وأما السهم من الأموال فمنطوق الكتاب حيث قال: (واعلموا أنما غنمتم من شئ) الآية (4) وهذا القسط يصرف إلى الذرية، وقولكم ندعي لهم علم الغيب فليس بصحيح، بل ما اطلع الله عليه نبيه منه بقوله: (إلا من ارتضى من رسول (5)) أوصله إليهم. وقد ذكر في كتاب الفتن أن عمر وهو بالمدينة - قال لسارية - وهو بنهاوند - (الجبل الجبل) وقد ذكر في ذلك الكتاب أنه عليه السلام خير من أبي بكر وعمر. وقد جاء في كتبهم قول علي عند الامتناع من البيعة لعمر: احلب حلبا لك شطره، اسدده له اليوم يرده عليك غدا وقال للجعشمي: كأني بك وقد نعرت في


(1) آل عمران: 26. (2) النساء: 59. (3) الأعراف: 53. (4) الأنفال: 43. (5) الجن: 28.

[ 226 ]

هذه الفتنة وكأني بحوافر خيلي وقد شدخت رأسك فكان كما قال، وقال قبيصة: لله در أبي حسن ما حرك شفتيه بشئ قط إلا كان كما قال، وإذا جاز أن الله يحصي كل شئ في جسم جامد، وهو اللوح المحفوظ، فإحصاؤه في جسم ناطق هو الإمام أجوز. وقد صنفتم في فضائل سيدي أحمد كتابا مملوءا من الحكايات والسخريات منها أنه جر سفينة على الأرض فراسخ فينسب ذلك ونحوه إلى جاهل فتسلموه، ولو نسب مثله إلى أمير المؤمنين لأنكرتموه، وقولكم في ابن تيمية الإمام الأعظم فلله الحمد حيث أجمعتم على قتله لكفره بإنكار نص الكتاب، حيث أباح شحم الخنزير وقال: إن الله إنما حرم لحم الخنزير، وكذا مضى في سالف الأزمان، فعل الصحابة والتابعين بعثمان، لأحداثه الخبيثة في دين الله. وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وآله من يفعل مثل ذلك فقال صاحب كتاب الشفا منكم: قال النبي صلى الله عليه وآله: من أحدث في المدينة حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله، وأسنده مسلم والبخاري والحميدي وسيأتي في أحداث عثمان. ولا نسلم عدم انتفاعنا بالإمام، بل هو كالشمس المحجوبة بالغمام، ولو سلم فعدم الانتفاع به لا يبطل حقية إمامته، كما لم يبطل نبوة النبي بغيبة، مع جواز أن يعرض لعالم يزيل ما يشكل عليه ولا يعرفه. قالوا: إذا كان الإمام لطفا واجبا عليه تعالى وجب أن يخلق له أنصارا ولما لم يخلق بطلت لطفيته قلنا: لا يتم لكم ذلك، وعندكم لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. قالوا: لم لا يخلق له خلقا يطيعونه ويسقط عنهم التكليف وينفعهم بالأعواض قلنا: يلزم الالجاء فيستغنى عن الإمام، إذ لم يبق من يكون الإمام لطفا لهم. قالوا: قلتم: يظهر في سن الشباب على طول عمره وذلك متناقض قلنا: لا ينكر ذلك إلا من رفع قدرة ربه، وألحق العجز به، وقد عاش ضبيعة السهمي مائتين وخمسين سنة ومات شابا فقالت أخته: من يأمن الحدثان بعد * ضبيعة السهمي ماتا

[ 227 ]

سبقت منيته المشيب * وكان ميتته انفلاتا وقد ذكر أبو سعيد أن السمندل إذا انقطع نسله وهرم، ألقي في النار فعاد شبابه. قالوا: مضت الآباء والأعصار، وأنتم في هذا الانتظار قلنا: ليس في ذلك شناعة مع قوله تعالى: (اقتربت الساعة (1)). قالوا: كم من واحد ادعى أنه المهدي أو نائبه قد تبين بموته كذبه قلنا: لو كان ذلك يبطل إمامته لبطلت نبوة محمد بمن ادعى النبوة بعده. (2) فصل أسند الشيخ أبو جعفر محمد بن علي، إلى سدير الصيرفي قال: دخلت أنا والمفضل بن عمر وأبان بن تغلب على الصادق عليه السلام فقال: إن الله تعالى إذا آن لقائمنا قدر ثلاثة لثلاثة: قدر مولده بمولد موسى، وغيبته بغيبة عيسى، وإبطاءه بإبطاء نوح، وجعل له بعد ذلك عمر العبد الصالح يعني الخضر دليلا على عمره. ثم قال بعد ذلك: وأما غيبة عيسى، فإن الكتابيين اتفقوا على قتله فكذبهم الله بقوله: (وما قتلوه) (2) وغيبة القائم تنكرها الأمة لطولها، فمن قائل لم يولد، وقائل ولد ومات، وقائل إن حادي عشرنا (3) كان عقيما، وقائل يتعدى الأمر عن اثني عشر وقائل: إن روح القائم تنطق في هيكل غيره. وأسند علي بن أحمد إلى أبي بصير قول الصادق عليه السلام: إن سنن الأنبياء من الغيبات لجارية في القائم منا، وهو الخامس من ولد ابني موسى، يغيب غيبة يرتاب فيها المبطلون، ثم يظهر ويفتح مشارق الأرض ومغاربها، حتى لا يبقى بقعة يعبد فيها غير الله.


(1) القمر: 1. (2) النساء: 156. (3) يعني الإمام العسكري عليه السلام.

[ 228 ]

وأسند سعيد بن عبد الله إلى الصادق عليه السلام إذا اجتمعت ثلاثة أسماء متوالية محمد وعلي والحسن كان رابعهم قائمهم، من أقر بالأئمة من آبائي وولدي وجحد المهدي، كان كمن أقر بالأنبياء وجحد محمدا، منا اثنا عشر مهديا مضى ستة، و بقي ستة، يسمع الله في السادس ما أحب وقال: (الذين يؤمنون بالغيب (1)) هم من أقر بقيام القائم أنه حق وإن لصاحب هذا الأمر غيبة فليتمسك بدينه. قال زرارة: ولم ذلك ؟ قال: يخاف، وهو الذي يشك الناس في ولادته، و نحوه أسند الحسن بن إدريس إلى الصادق عليه السلام ومحمد بن الحسن ومحمد بن أحمد وأسند بعضه محمد بن إسحاق برجاله من طرق ثلاثة. وأسند محمد بن العطار إلى عبيد بن زرارة قول الصادق عليه السلام: يفقد الناس إمامهم، ويشهد الموسم فيراهم ولا يرونه، سيكون بعد الحسين تسعة أئمة تاسعهم قائمهم، سيصيبكم شبهة وتبقون بلا علم ولا إمام هدى ظاهر، ولا ينجو منها إلا من دعا بدعاء الغريق: يا الله رحمن يا رحيم، يا مقلب القلوب والأبصار، ثبت قلبي على دينك. وأسند علي بن موسى الدقاق قول المفضل بن عمر للصادق عليه السلام: لو عهدت إلينا من الخلف بعدك ؟ فقال موسى، والخلف المنتظر م ح م د ابن الحسن بن علي ابن محمد بن علي بن موسى. وأسند علي بن محمد إلى الكرخي قال: دخل موسى وهو غلام على الصادق عليه السلام فقبله فقال يا إبراهيم: إنه لصاحبك من بعدي: فلعن الله قاتله، يخرج الله من صلبه خير أهل الأرض في زمانه تكملة اثني عشر إماما اختصهم الله بكرامته المنتظر للثاني عشر كالشاهر سيفه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله. قال: ودخل رجل من موالي بني أمية فانقطع الكلام فعدت إليه إحدى عشر مرة أريد تمامه فما قدرت فدخلت عليه في السنة القابلة فقال: هو المفرج لكرب شيعته بعد ضنك شديد، وبلاء طويل، حسبك يا إبراهيم فما رجعت بشئ أسر من هذا (1) البقرة: 2.

[ 229 ]

لقلبي ولا أقر لعيني ونحوه روى الشيخ عن علي بن أحمد بطريقه إلى إبراهيم الكرخي. وأسند عبد الواحد إلى السيد الحميري قال: كنت أقوال بالغلو، وأعتقد غيبة ابن الحنفية فلما صح عندي بالدلائل التي شاهدت من الصادق أنه الإمام سألته عن الغيبة فقال: ستقع بالسادس من ولدي، وهو الثاني عشر من الأئمة، لم يخرج من الدنيا حتى يطهرها، فرجعت عما كنت [ عليه ]. وأسند الشيخ أبو جعفر إلى علي بن جعفر إلى أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام إذا فقد الخامس من ولد السابع، فالله الله من أديانكم لا يزيلنكم أحد عنها، إنه لا بد لصاحب هذا الأمر من غيبة حتى يرجع عنه من كان يقول به. وأسنده علي بن محمد إلى سعيد بن عبد الله أيضا. وأسند الهمداني قول الكاظم عليه السلام ليونس بن عبد الرحمن: القائم بالحق الذي يطهر الأرض من أعداء الله هو الخامس من ولدي: له غيبة يطول أمرها خوفا على نفسه، يرتد فيها قوم، ويثبت فيها آخرون، ورواه أيضا علي بن محمد. وأسند أحمد بن زياد سؤال محمد بن زياد الكاظم عليه السلام عن قوله تعالى: (وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة (1)) فقال: الظاهرة، والباطنة الإمام الغائب، قلت: وفي الأئمة من يغيب ؟ قال: نعم، هو الثاني عشر يبير الله به كل جبار عنيد، ويهلك على يده كل شيطان مريد، ورواه أيضا أحمد بن عبد الله برجاله إلى علي بن إبراهيم بن هاشم (2). وأسند ابن بابويه إلى الريان بن الصلت قال: قلت للرضا عليه السلام: أنت صاحب هذا الأمر ؟ قال: نعم، ولكني لست بالذي أملاها عدلا كما ملئت جورا وكيف يكون ذلك على ما يرى من ضعف بدني، وإن القائم قوي في بدنه، لو مد يده إلى أعظم شجرة على الأرض لقلعها، ولو صاح بين الجبال لتدكدكت صخورها ذلك الرابع من ولدي، يغيبه الله ثم يظهره. وأسند علي بن محمد إلى الرضا عليه السلام: لا بد من فتنة صماء صيلم عند فقدان


(1) لقمان: 21. (2) في النسخ: هشام

[ 230 ]

الشيعة الرابع من ولدي. وأسند علي بن محمد قول الرضا صلوات الله عليه: لا إيمان لمن لا تقية له قيل: إلى متى ؟ قال: إلى خروج قائمنا، الرابع من ولدي هو الذي يغيب و يشك الناس في ولادته، فإذا خرج أشرقت الأرض بنوره، ووضع ميزان العدل وتطوى الأرض، وينادي من السماء باسمه: ألا إن حجة الله ظهر عند بيت الله فاتبعوه. وروى محمد بن زياد قال دعبل: لما أنشدت الرضا عليه السلام قصيدتي التائية قال: فلما قلت: خروج إمام لا محالة خارج * يقوم على اسم الله والبركات يميز فينا كل حق وباطل * ويجزي على النعماء والنقمات بكا بكاء شديدا وقال: نطق روح القدس على لسانك، أتدري من هذا ؟ قلت: لا، إلا أني سمعت بخروج إمام منكم يطهر الأرض، فقال: الإمام بعدي محمد ابني، وبعده ابنه علي، وبعده ابنه الحسن، وبعده ابنه الحجة القائم المنتظر في غيبته، المطاع في ظهوره، وقد حدثني أبي عن آبائه أن النبي سئل عن وقت خروجه فقال: مثله كالساعة لا يجليها لوقتها إلا هو، وأسند ذلك علي بن محمد بن علي إلى علي بن إبراهيم. (3) فصل أسند أبو جعفر محمد بن علي إلى الصقر بن [ أبي ] دلف قول الجواد عليه السلام: الإمام بعدي ابني علي أمره أمري، وقوله قولي، وطاعته طاعتي، والإمام بعده الحسن أمره أمر أبيه، وقوله قوله، وطاعته طاعته، وسكت، قلت: فمن بعده ؟ فبكى بكاء شديدا وقال: القائم المنتظر، يقوم بعد موت ذكره، وارتداد أكثر القائلين بإمامته، وسمي المنتظر لانتظار المخلصين خروجه بعد غيبته، له غيبة يطول أمدها

[ 231 ]

ويكذب الوقاتون فيها، ويهلك المستعجلون بها. وأسند أيضا إلى زيد بن الحسن بن علي عليه السلام قال: دخلت على الجواد عليه السلام وأنا أريد أسأله عن القائم أهو المهدي أم غيره ؟ فابتدأني بأن القائم منا هو المهدي وهو الثالث من ولدي، إن الله يصلح له أمره في ليلة وإن أفضل أعمال شيعتنا انتظار الفرج. وأسند الشيخ الجليل محمد بن علي وعلي بن محمد القمي قول الهادي عليه السلام: الخلف من بعدي ابني الحسن، فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف ؟ قلت: ولم ؟ قال: لأنكم لا ترون شخصه، ولا يحل لكم ذكره باسمه. وأسند أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني إلى الصقر بن أبي دلف قول الهادي عليه السلام: الإمام بعدي الحسن ابني وبعده ابنه القائم، ورواه أيضا علي بن محمد بطريقه عن علي بن إبراهيم. وأسند الشيخ أبو جعفر محمد بن علي أن يعقوب بن منقوش دخل على العسكري وسأله عن صاحب الأمر، فأمره برفع ستر عن بيت في الدار ففعل، فخرج غلام خماسي له نحو عشر أو ثمان، فقال: هذا صاحبكم، ثم دخل البيت فقال الإمام: انظر في البيت فدخلت فما رأيت أحدا. وأسند أيضا أن جارية العسكري عليه السلام لما حملت قال لها: لتحملين ذكرا واسمه محمد، وهو القائم من بعدي. وأسند إلى العسكري عليه السلام قوله: الحمد لله الذي لم يخرجني من الدنيا حتى أراني الخلف من بعدي، أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله خلقا وخلقا، يحفظه الله في غيبته، ثم يظهره فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما وأسند إلى علي بن سعد الوراق إلى سعد بن عبد الله إلى أحمد بن إسحاق قال: دخلت على العسكري عليه السلام أريد أسأله عن الخلف من بعده، فابتدأني: إن الله لا يخلي الأرض منذ خلق آدم عليه السلام ولا يخلها إلى أن تقوم الساعة من حجة له على خلقه قلت: ومن الخليفة بعدك ؟ فأسرع ودخل البيت وخرج وعلى عاتقه

[ 232 ]

غلام وقال: لولا كرامتك على الله وعلى حججه ما عرضت عليك ابني هذا، إنه سمي رسول الله صلى الله عليه وآله وكنيه، مثله في هذه الأمة كالخضر وذي القرنين، ليغيبن غيبة لا ينجو من الهلكة فيها إلا من ثبته الله على القول بإمامته، ووفقه الدعاء بتعجيل فرجه، ويرجع من هذا الأمر أكثر القائلين به، هذا سر الله فخذ واكتمه، وكن من الشاكرين، تكن معنا في عليين. فقلت: هل من علامة ؟ فنطق الغلام فقال: أنا بقية الله في أرضه والمنتقم من أعدائه. وأسند سعد بن عبد الله أنه خرج في توقيع العسكري: زعموا أنهم يريدون قتلي ليطفئوا هذا النسل، فقد كذب الله قولهم، والحمد لله. وأسند أيضا قول العسكري عليه السلام: كأني بكم وقد اختلفتم بعدي في الخلف مني إن المقر بالأئمة المنكر لولدي، كالمقر لجميع الأنبياء والمنكر لنبوة محمد صلى الله عليه وآله لأن المنكر لآخرنا كالمنكر لأولنا، إن لولدي غيبة يرتاب فيها الناس إلا من عصمه الله، ورواه علي بن محمد برجاله أيضا. وأسند محمد بن عثمان العمري إلى أبيه قول العسكري عليه السلام: الأرض لا تخلو من حجة إلى يوم القيامة، ومن مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية له غيبة يحار فيها الجاهلون، ويهلك فيها المبطلون، ويكذب فيها الوقاتون، ثم يخرج فكأني أنظر إلى الأعلام البيض فتخفق فوق رأسه بنجف الكوفة. وأسنده أيضا علي بن محمد إلى ابن همام، وأسند إلى معاوية بن حكيم وإلى محمد بن أيوب بن نوح ومحمد بن عثمان العمري قالوا: عرض علينا العسكري ابنه ونحن أربعون رجلا وقال: هذا إمامكم بعدي، فلا تتفرقوا فتهلكوا في أديانكم أما إنكم لا ترونه بعد يومكم هذا، وقد كان له عليه السلام وكلاء يأخذون عنه ما أخذ عن آبائه منهم عثمان بن سعيد العمري وابنه محمد والحسين بن روح النوبختي و علي بن محمد السمري. وقد ذكر الجهضمي في تاريخه برواية رجال المذاهب الأربعة حالهم وأسماءهم

[ 233 ]

وأنهم كانوا وكلاء المهدي عليه السلام وأمرهم أشهر من أن يحتاج إلى الإطالة به. وأخبر عليه السلام السمري بيوم موته، وأمره أن لا يوكل أحدا من بعده، فقد جاءت الغيبة التامة التي يمتحن الله فيها المؤمنين، والغيبة سنة الله في عباده تشهد كتب التواريخ بها، من أرادها نظر فيها، وسيأتي في حديث السمري زيادة عن هذا. ومن الخواص به داود بن القاسم الجعفري والوصافي الأسدي. وقد أسند المفيد أن رجلا قدم من مكة بمال صاحب الأمر فأرشد إلى جعفر فسأله عن شئ فعجز ورجع إلى الباب، وأنفذ الكتاب الذي معه إلى نفر فرجع الجواب: أجزل الله أجرك في صاحبك، فقد مات، فكان كما قال، ونحو ذلك كثير من كتاب [ محمد بن ] إبراهيم النعماني في الغيبة وغيره، وقد سلف في باب المعاجز طرق من ذلك، وهي دالة على وجوده بالضرورة، فيسقط ما تهول به الكلاب الممطورة. وأسند أبو جعفر ابن بابويه إلى غانم الخادم أنه ولد للحسن ولد سماه محمدا وعرضه على أصحابه يوم الثالث، وقال: هذا صاحبكم بعدي، وخليفتي عليكم وهو القائم الذي تمتد إليه الأعناق بالانتظار، فإذا امتلأت الأرض جورا وظلما خرج فملأها قسطا وعدلا. وأسند أحمد بن علي الرازي إلى سهل النوبختي أنه قال: م ح م د بن الحسن ابن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب عليهم السلام ولد بسامراء في سنة ست وخمسين ومائتين أمه صقيل وهو الحجة المنتظر صاحب الزمان، وقال إسماعيل بن علي: دخلت على العسكري في المرض الذي مات فيه، فقال لخادمه: ادخل البيت فإنك ترى صبيا ساجدا فائتني به، فدخلت فوجدته ساجدا رافعا سبابته إلى السماء فسلمت فأوجز في صلاته، فقلت: سيدي يأمرك بالخروج، فجاءت أمه فأخرجته إليه، فقال: أبشر أنت صاحب الزمان المهدي، حجة الله في أرضه، وأنت وصيي، وأنت م ح م د وعد آباءه إلى علي عليهم السلام ثم قال: أنت خاتم الأئمة الطاهرين. وهذا وإن كان خليقا ذكره في باب الأسماء إلا أن الكلام انجذب إليه

[ 234 ]

فأثرنا أن نعثر عليه. وأسند الشيخ أبو جعفر إلى محمد بن علي إلى محمد بن عبد الله المطهري قال: قصدت حكيمة أسألها عن الحجة فقالت: لما حضرت نرجس الولادة قال الحسن العسكري عليه السلام: اقرئي عليها (إنا أنزلناه) فقرأت فجاوبني الجنين بمثل قراءتي، وسلم علي ففزعت، فقال أبو محمد: لا تعجبين من أمر الله إنه منطقنا بالحكمة صغارا ويجعلنا حجة في الأرض كبارا. فغيبت عني نرجس فصرخت إليه فقال: ارجعي فستجدينها، فرجعت فإذا بها عليها نور غشيني فإذا الصبي ساجدا لوجهه، رافعا إلى السماء سبابته، ناطقا بتوحيد ربه، ورسالة نبيه، وإمامة آبائه، إلى أن بلغ إلى نفسه، وقال: اللهم أنجز لي وعدي، وأتمم لي أمري، ثم سلم على أبيه فتناوله، والطير يرفرف على رأسه فصاح طيرا منها فقال: احمله واحفظه ورده إلينا بعد أربعين يوما فطار به فبكت نرجس فقال: سيعود إليك كما عاد موسى إلى أمه قالت حكيمة: فما هذا الطير ؟ قال: روح القدس الموكل بالأئمة، يعلمهم فيربيهم. فبعد الأربعين رد الغلام فدخلت عليه فتعجبت، فقال أبوه: أولاد الأنبياء و الأوصياء ينشاؤن بخلاف غيرهم وإن الصبي منا إذا أتى عليه شهر كان كمن يأتي عليه سنة، قالت: فما زلت أراه بعد كل أربعين إلى أن رأيته رجلا قبل موت أبيه فقال لي: هذا خليفتي بعدي، وعن قليل تفقدوني، فاسمعي له وأطيعي، فمضى عليه السلام وافترق الناس كما ترى، فوالله إني لأراه وأسأله فيجيبني عن مسائلي ابتداء وقد أخبرني البارحة بمجيئك، وأمرني أن أخبرك بالحق. قال محمد بن عبد الله: فوالله لقد أخبرتني بما لم يطلع عليه إلا الله فحكمت على كلامها بصدقها، وعلمت أن الله اطلعهم على ما لم يطلع عليه أحدا من خلقه. وهذا الحديث رواه الشيخ أبو جعفر الطوسي عن حكيمة بطريقين من رجاله وفيه مغايرة قليلة أحدهما منتهيا إلى حنظلة بن زكريا، والأخرى إلى مارية و نسيم خادم الحسن عليه السلام وقد أسلفنا في معاجزه طرفا منه.

[ 235 ]

قال إبراهيم: وحدثتني نسيم أنها دخلت على صاحب الزمان بعد مولده بليلة فعطست فقال: يرحمك الله ففرحت، فقال: ألا أبشرك في العاطس ؟ قلت بلى: قال: أمان من الموت إلى ثلاثة أيام. وفي خرائج الراوندي أن علي بن مهزيار رآه بجبال الطائف وسلم عليه ورد عليه وأمره بالتقية فسأله متى الخروج ؟ قال: إذا حيل بينكم وبين الكعبة. وأسند أبو جعفر ابن بابويه أن جارية العسكري عليه السلام لما ولد الإمام قالت: رأيت نورا ساطعا إلى السماء، وطيورا بيضا تهبط من السماء، وتمسح أجنحتها برأسه ووجهه وسائر جسده وتطير، فأخبرت أبا محمد بذلك فضحك وقال: هذه الملائكة تتبرك به، وهي أنصاره عند خروجه. وعنه قال: وجدت بخط سعد بن عبد الله توقيعا كان خرج من صاحب الزمان إلى العمري وابنه وفيه وصايا أوجبت (1) علي الثبوت على إمامته، ذكره الكيدري في بصائره تركناه خوف الإطالة. وذكر الشيخ الموثوق به عثمان بن سعيد العمري أن ابن أبي غانم القزويني قال: إن العسكري لا خلف له، فشاجرته الشيعة وكتبوا إلى الناحية، وكانوا يكتبون لا بسواد بل بالقلم الجاف على الكاغذ الأبيض، فتكون علما معجزا، فورد جوابا إليهم: (بسم الله الرحمن الرحيم عافانا الله وإياكم من الضلال والفتن، إنه انتهى إلينا شك جماعة منكم في الدين، وفي ولادة ولي أمرهم، فغمنا ذلك لكم لا لنا، لأن الله معنا والحق معنا، فلا يوحشنا من بعد علينا، ونحن صنايع ربنا والخلق صنايعنا، ما لكم في الريب تترددون، أما علمتم ما جاءت به الآثار مما في أئمتكم يكون أفرأيتم كيف جعل الله لكم معاقل تأوون إليها، وأعلاما تهتدون بها من لدن آدم عليه السلام إلى أن ظهر الماضي، كلما غاب علم بدا علم، وإذا أفل نجم طلع نجم فلما قبضه الله إليه ظننتم أنه أبطل دينه، وقطع السبب بينه وبين خلقه، كلا ما كان ذلك ولا يكون، حتى تقوم الساعة، ويظهر أمر الله وهم كارهون، فاتقوا


(1) وحث على الثبوت، خ

[ 236 ]

الله وسلموا لنا، وردوا الأمر إلينا فقد نصحت لكم والله شاهد علي وعليكم.) قال الشيخ أبو جعفر حدث أبو محمد الحسن بن أحمد المكتب: كنت بمدينة السلام في السنة التي توفي فيها علي بن محمد السمري فحضرته فأخرج توقيعا فيه أعظم الله أجور إخوانك فيك فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام، فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد، فقد وقعت الغيبة التامة، فلا ظهور إلا بإذن الله بعد بعد طول الأمد، و قسوة القلوب، وامتلاء الأرض جورا وسيأتي من شيعتي من يدعي المشاهدة، فمن ادعاها قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذاب، فنسخت هذا التوقيع وقضي في اليوم السادس وقد كان غيبته القصرى أربعة وستين سنة. وذكر محمد بن أبي جعفر أن المهدي عليه السلام قام بأمر الله يوم الجمعة لأحد عشر مضت من ربيع الأول سنة ستين ومائتين سرا إلا عن ثقاته وثقات أبيه، وله أربع سنين وسبعة أشهر. والحسن بن جعفر الصيمري: الصحيح أنه ولد يوم الجمعة طلوع الفجر لأربع عشرة خلت من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين، فقد كتب بخبر مولده إلى مشايخنا محمد بن إسماعيل بن صالح وعلي بن محمد بن زياد ومحمد بن إسحاق. وروى هذا التاريخ الشيخ الطوسي في حديث حكيمة وقال في موضع آخر: قد ثبت بالأخبار الصحيحة أنه عليه السلام ولد سنة ست وخمسين ومائتين. وأسند الشيخ أبو جعفر بن بابويه إلى غانم قال: كنت وأربعون رجلا نقعد حول كرسي الملك بقشمير الداخلة وقد قرأنا التوراة والإنجيل والزبور، ويفزع إلينا في العلم فتذاكرنا محمدا وأنه موجود في كتبنا، فاتفقنا على الخروج في طلبه فخرجت فقطع علي الترك وشلحوني فوقعت إلى بلخ، وأتيت أميرها فعرفته خبري فجمع العلماء المناظرين فسألتهم عن محمد فقالوا: هو نبينا قلت: فمن خليفته ؟ قالوا: أبو بكر ونسبوه إلى قريش، قلت: هذا ليس بنبي إن النبي الذي نجده في كتبنا خليفته ابن عمه، وزوج ابنته، وأبو ولده، فدعا لي الأمير بالحسين بن اشكيب فخلا بي وأعلمني أن خليفته ابن عمه علي بن أبي طالب، فأسلمت، وقلت: إنا

[ 237 ]

نجد في كتبنا أنه لا يمضي خليفة إلا عن خليفة، فمن خليفته ؟ قال: الحسن ثم الحسين وسمى الأئمة إلى الحسن عليهم السلام. ثم قلت: إني محتاج إلى طلب خليفة الحسن، فخرجت في طلبه، فأتاني آت وقال: أجب مولاك، فلم يزل يخترق بي المحال حتى أدخلني دارا وبستانا فإذا مولاي قاعد، فكلمني بالهندية، وسلم علي، وذكر الأربعين رجلا بأسمائهم ثم قال: تريد الحج مع أهل قم ؟ فلا تحج في هذه السنة وانصرف إلى خراسان ولا تدخل في بغداد دار أحد ولا تخبر بشئ مما رأيت، قال محمد بن شاذان: عن الكابلي رأيت الرجل فذكر أنه وجد صحة هذا الدين في الإنجيل وبه اهتدى. وروى الشيخ أبو جعفر أن صاحب الأمر خرج على جعفر الكذاب عند منازعته في ميراث العسكري عليه السلام وقال: ما لك يا جعفر تتعرض في حقوقي ؟ فتحير جعفر وبهت، ثم غاب عنه. فطلبه في الناس فلم يره، ولما ماتت الجدة أم الحسن أمرت أن تدفن في الدار قال جعفر: هي داري لا تدفن فيها، فخرج عليه السلام وقال: يا جعفر ! أدارك هي ؟ ثم غاب فلم ير بعد ذلك. (4) فصل أسند الشيخ إلى عبد الله الفضل الهاشمي أنه سمع الصادق عليه السلام يقول: لصاحب هذا الأمر غيبة لا بد منها، لأمر لم يؤذن لنا في كشفه، ولا ينكشف إلا بعد ظهوره كما لم ينكشف الحكم في فعل الخضر لموسى إلا عند فراقه. يرتاب فيها كل مبطل والحكمة فيها كما في غيبة من تقدم من حجج الله، ومتى علمنا أنه حكيم صدقنا بأن أفعاله حكمة، وإن كان وجهها غير منكشف. وأسند الحافظ الدارقطني من أهل السنة فيما جمعه من مسند فاطمة أن العبدي سأل الخدري عما سمع من النبي صلى الله عليه وآله في فضائل علي عليه السلام فقال: دخلت فاطمة على أبيها في مرضه فبكت، فقال: اطلع الله على الأرض اطلاعة فاختار منها

[ 238 ]

أباك فبعثه نبيا، وثانية فاختار بعلك فأوحى إلي أن اتخذه وصيا ثم قال: أعطينا خصالا لم يعطها أحد: نبينا خير الأنبياء وهو أبوك، ووصينا خير الأوصياء وهو بعلك، وشهيدنا خير الشهداء وهو حمزة عم أبيك، وسبطا هذه الأمة ابناك، ومنا مهدي هذه الأمة الذي يصلي عيسى خلفه ثم ضرب على منكب الحسين عليه السلام وقال: من هذا مهدي هذه الأمة، وهذا الحديث قد أسلفناه آنفا فأعدناه استئناسا. وأسند أبو جعفر بن بابويه إلى الحسن محمد بن صالح البزاز أنه سمع العسكري يقول: إن ابني هو القائم من بعدي تجري فيه سنن الأنبياء من التعمير والغيبة حتى تقسو قلوب الناس لطول الأمد، فلا يثبت على القول بها إلا من كتب الله في قلبه الإيمان، وأيده بروح منه. وأسند الشيباني إلى سعيد بن جبير قول زين العابدين عليه السلام: في القائم سنة من نوح ؟ هي طول العمر، ومن إبراهيم الخفاء للولادة واعتزال الناس إياه، و من موسى الخوف والغيبة، ومن عيسى اختلاف الناس فيه، ومن أيوب الفرج بعد البلوى، ومن محمد صلى الله عليه وآله الخروج بالسيف. وأسند صاحب المقتضب من طريق العامة قول جبرائيل للنبي صلى الله عليه وآله: إن الله يأمرك أن تزوج عليا بفاطمة، فدعاه وقال: إني مزوجك بها وكائن منكما سيدا شباب أهل الجنة، والشهداء المضرجون، المقهورون في الأرض من بعدي، عدتهم عدة أشهر السنة، آخرهم يصلي المسيح خلفه. وأسند الشيخ الفاضل أحمد بن محمد بن عياش إلى السدوسي أنه لقي في بيت المقدس عمران ابن خاقان الذي أسلم من اليهودية على يد أبي جعفر عليه السلام وكان يحاج اليهود، فلا يستطيعون جحد علامات النبي والخلفاء من بعده، فقال لي يوما: إنا نجد في التوراة محمدا واثني عشر من أهل بيته خلفاء، وليس فيهم تيمي ولا عدوي ولا أموي، قلت: فأخبرني بهم، قال: لتعطيني عهود الله أن لا تخبر به الشيعة في حياتي فيظهرونه علي، فأعطيته، فقال: شمعوعيل، شمعيشيحو، وهنى

[ 239 ]

پيراخشى، اوتو، هموتني، بمايذ، عايذ، شنيم، عوسون، نيتيتو، توليد، كفى كودل (1). قال: إن شمعوعيل يخرج من ظهرين، مبارك صلاتي عليه وتقديسي، يلد اثني عشر ولدا يكون ذكرهم باقيا إلى القيامة، وعليهم تقوم الساعة، طوبى لمن عرفهم بحقيقتهم. وهذه الألفاظ أملاها علي بعض اليهود من حفظه، ووجد في الكتاب ألفاظ تغاير هذه وأظنها من تصحيف الكتاب. وأسند محمد بن لاحق بن سابق من طريق العامة إلى الجارود العبدي أسلم عن النصرانية عام الحديبية، ووفد على النبي صلى الله عليه وآله في رجل من عبد القيس وأنشأ: يا نبي الهدى أتتك رجال * قطعت فدفدا والأفلالا إلى أن قال: أنبأ الأولون باسمك فينا * ثم أسماء بعده تتلألأ فقال عليه السلام: أفيكم من يعرف قسا ؟ قال الجارود: نعم كان ينتظر زمانك، و يهتف باسمك وأسماء لا أراها فيمن اتبعك، فقد شهدته خرج من ناد من أندية أياد إلى ضحضح ذي قتاد، فوقف رافعا إلى السماء وجهه وأصبعه وقال: اللهم رب هذه السبعة إلا رفعة، والأرضين الممرعة، وبمحمد والثلاثة المحاميد معه، والعليين الأربعة، وسبطيه لنبعة إلا رفعة، وسمي الكليم من الفرعة، والحسن ذي الرفعة. أولئك النقباء الشفعة، والطريق المهيعة، درسة الإنجيل، وحفظة التنزيل وعدد نقباء بني إسرائيل، محاة الأضاليل، ونفاة الأباطيل، الصادقون القيل، عليهم تقوم الساعة، ولهم فرض الطاعة، ثم أنشأ شعره، وآب يكفكف (2) دمعه، ويرن كرنين البكرة ويقول: أقسم قس قسما * ليس له مكتتما لو عاش ألفي عمر * لم يلق منها سأما حتى يلاقي أحمدا * والنقباء الحكما


(1) في النسخ اختلاف في سرد الأسماء. (2) أي يمسح دمعه مرة بعد أخرى.

[ 240 ]

هم أوصياء أحمد * أكرم من تحت السماء ذرية من فاطمة * أكرم بها من فطما يعمى الأنام عنهم * وهم جلاء للعمى لست بناس ذكرهم * حتى أحل الرجما قال الجارود: فقلت: يا رسول الله أخبرني بهذه الأسماء التي لم نشهدها، و وأشهدنا قس ذكرها ؟ فقال: أوصى الله إلي ليلة الأسرى أن اسأل من أرسلنا قبلك من رسلنا على ما بعثتهم ؟ فسألتهم فقالوا: على نبوتك وولاية علي بن أبي طالب والأئمة منكما، فأوحى الله إلي أن التفت فالتفت فإذا علي، والحسن، والحسين وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن بن علي، والحجة بن الحسن فقال: هؤلاء أوليائي، وهذا المنتقم من أعدائي، وقد أسلفنا جانبا من ذلك. وأسند المفيد في إرشاده برجاله إلى محمد بن إسماعيل بن موسى الكاظم عليه السلام قال: رأيت محمد بن الحسن عليه السلام بين المسجدين وهو غلام. وأسند إلى الرازي أنه سمع أبا علي بن مطهر يذكر أنه رآه ووصف قده. وأسند إلى خادم النيسابوري (1) وكانت من الصالحات قالت: كنت واقفة مع سيدي ومولاي على الصفا، وجاء صاحب الزمان وقبض على كتاب مناسكه وحدثه بأشياء. وأسند إلى عبد الله بن صالح، أنه رآه بحذاء الحجر والناس يتجاذبون عليه وهو يقول: ما بهذا أمروا. وأسند إلى إبراهيم بن إدريس عن أبيه أنه رآه فقبل يده. وأسند إلى العنبري أنه قال: رآه جعفر (2) مرتين. وأسند إلى الأهوازي قال: أرانيه أبو محمد وقال: هذا صاحبك.


(1) يعني خادم إبراهيم بن عبيدة النيسابوري. (2) يعني جعفر الكذاب كما مر في ص 237.

[ 241 ]

وأسند إلى طريف الخادم أنه رآه عليه السلام. والأخبار كثيرة في معنى ما ذكرناه والذي اختصرنا كاف في ما قصدناه. (5) فصل أسند صاحب المقتضب إلى جماعة قالوا: كان علي عليه السلام إذا أقبل الحسن قال: مرحبا با ابن رسول الله، وإذا أقبل الحسين قال: بأبي أنت وأمي يا أبا خير الأمناء قلنا: من خير الأمناء ؟ قال: ذلك الفقيد الطريد الشريد، محمد بن الحسن بن علي ابن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين. وأسند الخزاز إلى مسعدة قال: كنت عند الصادق عليه السلام فإذا بشيخ قد انحنى فسلم فرد عليه، فبكى فقال: ما يبكيك ؟ قال: قمت على قائمكم أنتظره مائة سنة أقول: هذا الشهر، هذه السنة، وقد اقترب أجلي ولا أرى فيكم ما أحب فدمعت عينا الصادق عليه السلام وقال: إن بقيت حتى ترى قائمنا كنت في السنام الأعلى معنا، و إن حلت بك المنية جئت يوم القيامة مع ثقل محمد، فقال الشيخ: لا أبالي بعد سماع هذا الخبر. ثم قال: يا شيخ اعلم أن قائمنا يخرج من صلب الحسن، والحسن من صلب علي، وعلي يخرج من صلب محمد، ومحمد يخرج من صلب علي، وعلي يخرج من صلب ابني هذا، وأشار إلى موسى وهذا خرج من صلبي، نحن اثنى عشر كلهم معصومون مطهرون، والله لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج قائمنا أهل البيت، إلا أن شيعتنا يقعون في فتنة وحيرة في غيبته، هناك يثبت على هداه المخلصون، اللهم أعنهم على ذلك. وأسند الديلمي في الفردوس إلى ابن عباس قول النبي صلى الله عليه وآله: المهدي طاووس أهل الجنة. وأسند إلى حذيفة قول النبي صلى الله عليه وآله: المهدي ولدي، وجهه كالقمر الدري

[ 242 ]

اللون لون عربي، والجسم جسم إسرائيلي، يملأ الدنيا عدلا كما ملئت ظلما يحبه أهل السماء والأرض، يملك عشرين سنة، وجمع أبو نعيم الحافظ كتابا سماه كتاب ذكر المهدي ونعوته وحقيقة مخرجه. وأسند الثعلبي في تفسير (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى (1)) إلى أنس قول النبي صلى الله عليه وآله: نحن ولد عبد المطلب سادة أهل الجنة، وذكر نفسه وخمسة سماهم من أهل بيته، ثم قال: والمهدي، وفي تفسيره أن أهل الكهف يحييهم الله للمهدي. وروي في الجمع بين الصحاح الستة عن الخدري قول النبي صلى الله عليه وآله: المهدي فتى أجلى الجبهة أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما يملك سبع سنين، وفي رواية هشام والفراء في المصابيح تسع سنين. وفيه أيضا عن علي عليه السلام أنه نظر إلى ابنه الحسين وقال: إن ابني هذا سيد كما سماه رسول الله صلى الله عليه وآله يخرج من صلبه رجل باسم نبيكم يشبهه في الخلق يملأ الأرض عدلا. وأسند ابن المغازلي أخبارا كثيرة تتضمن البشارة بالمهدي وذكر فضائل دولته. وأسند الفراء في مصابيحه قول النبي صلى الله عليه وآله: يصيب هذه الأمة بلاء حتى لا يجد الرجل ملجأ من الظلم، فيبعث الله رجلا من عترتي فيملأ به الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا يرضى عنه ملائكة السماء والأرض، لا تدع السماء من قطرها شيئا إلا أخرجته، حتى تتمنى الأحياء الأموات أن تعيش، يكون ذلك سبع سنين، أو تسع، حتى يقول الرجل يا مهدي أعطني فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله. وذكر ابن الخشاب الحنبلي في تاريخ أهل البيت و ؟ صر بن علي الجهضمي في تاريخ أهل البيت ما يتضمن تسمية الاثني عشر عليهم السلام، وقد ذكرنا في أخبار أعدادهم وأسمائهم وكون المهدي في جملتهم، من تصفح كتابا منه عثر على الزلال البارد


(1) الشورى: 31.

[ 243 ]

فينتقع صداء الصادر والوارد، ويقمع به رأس كل شيطان مارد. قال عبد المحمود (1): وجدت كتابا لبعض الشيعة اسمه [ كشف ] المخفي في مناقب المهدي، روي فيه مائة وعشرة أحاديث من طرق المذاهب الأربعة منها في صحيح البخاري 3، ومسلم 11، والجمع بين الصحيحين 2، ومن الجمع بين الصحاح الستة 11، ومن فضائل الصحابة 9، ومن تفسير الثعلبي 5، ومن غريب الحديث للدينوري 6، ومن فردوس الديلمي 4، ومن كتاب الدارقطني 9، ومن المفتقد للسكسكاني (2) 2، ومن المصابيح 5، ومن الملاحم لأحمد بن جعفر 34، ومن كتاب الحضرمي 3، ومن الرعاية لأهل الدراية للفرغاني 3، ومن كتاب الاستيعاب للنميري 2، وخبر سطيح رواه الحميدي. قال: ورأيت في كتاب السنن سبعة أحاديث بأسانيدها في خروج المهدي. (6) فصل غاية طعن المنكرين لولادته متعلقة بنفي مشاهدته، قلنا: قد أسلفنا مشاهدة قوم من أوليائه، على أن نفي رؤيته لا يدل على نفي وجوده، ولا يقدح فيه قول المنحرف عنه بجحوده، إذ ليس طرق العلم محصورة في المشاهدة فإذا دلت البراهين على إمامته ووجوده، لم تكن غيبته عن الأبصار مانعة عن تولده، وأكثر المواليد إنما تثبت بالشيعة (3) وهي حاصلة هنا من الشيعة، وكيف ينكر وجوده لعدم مشاهدته والأبدال موجودون ولا يشاهدون. قال [ ابن ] ميثم في شرحه للنهج: قد نقل أنهم سبعون رجلا منهم أربعون بالشام


(1) هو سيد ابن طاووس، وقد أخرجه العلامة المجلسي في البحار راجع ج 51 ص 105 من طبعته الحديثة. (2) في نسخة البحار: ومن كتاب المبتدأ للكسائي حديثان (3) يعني الشياع.

[ 244 ]

وثلاثون في سائر البلاد، وفي الحديث عن علي عليه السلام الأبدال بالشام، والنجباء بمصر، والعصائب بالعراق، يجتمعون فيكون بينهم حرب. وغيبته عليه السلام ليست من الله لحكمته، ولا منه لعصمته، فهي من خوفه عن رعيته. إن قلت: لو كان سبب ستره خوفه لاستتر آباؤه، قلت: آباؤه خوطبوا بالتقية وخوطب هو بالخروج بالسيف، ومن ثم لم يخافوا كخوفه، خصوصا فيمن عرف من أعدائه أنه القائم بأمر ربه، دون آبائه، وستره لم يخرجه عن إمامته كما أن ستر النبي صلى الله عليه وآله في شعبه وغاره لم يخرجه عن نبوته. إن قيل: إنما استتر النبي صلى الله عليه وآله بعد أداء ما وجب عليه، فلا ضرورة حينئذ إليه قلنا: ومن الذي يسوغ استغناء الأمة عن النبي حال ستره، وأكثر الأحكام إنما ظهرت بعد خروجه عن غاره قالوا: غيبة النبي قصيرة غير ضائرة، وغيبة مهديكم طويلة وهي ضائرة، قلنا: لا فرق بين طول الغيبة وقصرها، إذا استمر سببها. إن قيل: كلما بعد الإمام عنهم زاد فسادهم، فزاد خوفه منهم، وذلك يوجب أن لا يخرج أبدا إليهم، قلنا: ومن الذي يقطع بزيادة فسادهم، فكم من متأخر صالح، ومتقدم طالح، على إنا إذا أثبتنا عدل الله وعصمة الإمام، أحلنا سبب الغيبة على العلام، كما في خلق الموذيات المجهول وجه حسنها. إن قيل: لم لم يظهر لأوليائه ؟ قلنا: لخوف الإشاعة، فيشهره الولي بالعدو ولأن الولي لا يعلم أنه الإمام إلا بمعجز وجائز تشكيك الولي فيه، فتمنعه هذه الوصمة من ذلك شفقة منه عليه. إن قيل: فحال غيبته إن أمكن الوصول إلى الحق بغيره، استغني عنه، و إن امتنع كان الناس في حيرة لأجله، قلنا: النظر كاف في العقليات، والأصول المتواترة والقواعد التي ألقوها إلى الناس، كافية في السمعيات، فإذا انقطعت فإن ظهر فلا كلام، وإلا كان اللوم على من أخاف الإمام، على إنا إذا علمنا إمامته من

[ 245 ]

الآيات والروايات، لم تقدح فيها هذه الإيهامات الواهيات. تذنيب وجد بخط الشيخ السعيد أبي عبد الله الشهيد وذكره أيضا شيخنا المفيد في أخبار كثيرة: لا يخرج القائم إلا على وتر من السنين، ويمكن أن تكون ولادته في وقت يقتضي طول غيبته، فقد حكي عن علماء المنجمين أن دور الشمس ألف وأربعمائة، وإحدى وخمسون سنة، وهو عمر عوج بن عنق، عاش من نوح إلى موسى ودور القمر الأعظم ستمائة واثنان وخمسون، وهو عمر شعيب بعث إلى خمس أمم ودور زحل الأعظم مائتان وخمسة وخمسون، قيل: وهو عمر السامري من بني - إسرائيل، ودور المشتري الأعظم أربعمائة وأربعة وعشرون قيل وهو عمر سلمان الفارسي، ودور الزهرة الأعظم ألف ومائة وإحدى وخمسون قيل: وهو عمر نوح ودور عطارد الأعظم أربعمائة وثمانون قيل: وهو عمر فرعون، وقد كان في اليونان مثل بطلميوس، وفي الفرس مثل الضحاك عاش ألف سنة وأقل وأكثر، وقد حكي عن سام إذا مضى من ألف السمكة سبعمائة سنة يكون العدل ببابل، وعن سابور البابلي نحو ذلك، وعن بعض العلماء إذا انقضت سبعمائة سنة يكون الآيات والعدل. (7) فصل * (في شئ من دلائله عليه السلام) * 1 - أسند المفيد في إرشاده إلى ابن مهزيار قال: اجتمع عند أبي مال جزيل فحمله فوعك، فقال: ردني فهو الموت، واتق الله في هذا المال، ومات، فحملت المال إلى العراق وكتمت أمري أياما فإذا رقعة مع رسول فيها يا محمد معك كذا وكذا حتى قص منه شيئا لم أعلمه، فسلمته إلى الرسول، واغتممت بعده أياما فخرج إلي: قد أقمناك مقام أبيك فأحمد الله، وقد أسلفنا هذا الحديث في شئ من معاجزه عليه السلام.

[ 246 ]

2 - قال القاسم بن العلا: ولد لي عشر بنين وكنت أكتب أسأله الدعاء لهم فلم يكتب إلي شيئا فماتوا، فولد لي الحسين فكتبت فأجبت وبقي. والحمد لله. 3 - قال محمد بن يوسف الشاشي: خرج بي ناسور فأريته الأطباء فأنفقت عليه مالا فلم يصنع الدواء فيه شيئا، فكتبت رقعة أسأل الدعاء، فوقع ألبسك الله العافية وجعلك معنا في الدنيا والآخرة، فما أتت الجمعة حتى عوفيت، فأريت الموضع طبيبا من أصحابنا، فقال: ما عرفنا لهذا دواء، وما جاءتك العافية إلا من قبل الله بغير احتساب. 4 - علي بن الحسين اليماني قال: تهيأت للخروج من بغداد فكتبت أستأذن فيه، فكتب: لا تخرج فلا خيرة، فخرجت بنو حنظلة على القافلة فاجتاحتهم. فكتبت أستأذن في ركوب الماء فلم يأذن لي فخبرت أن المراكب في تلك السنة قطع عليها البوارج فلم يسلم منها مركب. 5 - علي بن الحسين قال: دخلت العسكر ولم أتعرف بأحد، فجاءني خادم وقال: قم إلى المنزل فقلت: ومن أنا لعلك أرسلت إلى غيري ؟ فقال: لا أنت علي ابن الحسين، وقد كان مع الخادم غلام فساره بشئ فأتاني بجميع ما أحتاج إليه و أقمت عنده ثلاثة أيام واستأذنته في الزيارة من داخل الدار فأذن لي فزرت. 6 - الحسين بن الفضل الهمداني قال: كتب أبي بخطه كتابا فورد جوابه وكتب رجل من فقهاء أصحابنا فلم يرد جوابه، فنظرنا فإذا الرجل قد تحول قرمطيا. 7 - ابن الفضل خرجت إلى العراق أريد الحج وقلت: لا أخرج إليه إلا عن بينة، وأخاف أن يطول أمري فيفوتني الحج فجئت محمد بن أحمد وكان السفير يومئذ أتقاضاه فقال: سر إلى مسجد كذا، فسيلقاك رجل. فسرت فدخل وضحك وقال: لا تغتم فستحج وترجع سالما، فسكن قلبي، فأردت العسكر فخرج إلي صرة فيها دنانير وثوب فرددتها، ثم ندمت، وقلت: كفرت بردها على مولاي، وكتبت رقعة أعتذر فيها وقلت في نفسي: إن ردت إلي لم أفتحها وأحملها إلى أبي، فخرج

[ 247 ]

إلي الرسول الذي حملها ومعه جواب: أخطأت في ردك برنا فإذا استغفرت الله فالله يغفر لك، وإذا كانت عزيمتك أن لا تحدث فيه حدثا، فقد صرفناه عنك فأما الثوب فخذه لتحرم فيه. 8 - الحسن بن عبد الحميد قال: شككت في أمر حاجز، فجمعت شيئا و صرت إلى العسكر فخرج إلي: ليس فينا شك ولا فيمن يقوم بأمرنا، فرد ما معك إلى حاجز بن يزيد. 9 - محمد بن صالح: لما مات أبي كان له على الناس سفاتج من مال الغريم - قال المفيد: يعني صاحب الأمر عليه السلام لأن هذا زمن كانت الشيعة تعرفه وتخاطب به لأجل التقية - قال محمد: فكتبت إليه اعلمه، فكتب: طالبهم واستقض عليهم، فقضوني إلا واحدا مطلني فأخذت بلحيته وسحبته فصاح ابنه هذا قمي رافضي قد قتل والدي فاجتمع علي الأكثر من أهل بغداد فقلت: أنا رجل من أهل السنة وهذا يرميني بالرفض ليذهب بحقي، فطلبوا أن يدخلوا حانوته فسكنتهم عنه، فحلف ليوفيني فاستوفيت منه. 10 - الحسن بن علي بن عيسى قال: لما مضى العسكري عليه السلام جاء رجل من مصر بمال لصاحب الأمر إلى مكة فقيل له: قد مضى بغير خلف، وقيل: خلف أخاه جعفرا، وقيل ولدا. فبعث رجلا بكتاب إلى العسكر يبحث عنه فجاء فسأل جعفرا عن برهان، فقال: لا يتهيأ لي الآن، فصار الرجل إلى الباب ودفع إلى السفراء الكتاب فخرج الجواب: آجرك الله في صاحبك فقد مات وأوصى بالمال الذي معه إلى ثقة. فكان الأمر كما قيل له. محمد بن شاذان: اجتمع عندي خمسمائة تنقص عشرون فتممتها من عندي، و بعث بها إلى الأسدي ولم أعلمه بالذي من عندي، فورد الجواب: وصل خمسمائة لك منها عشرون. 12 - كتب علي بن زياد يسأل كفنا فخرج إليه: إنك تحتاج إليه سنة ثمانين فبعث به إليه فمات في تلك السنة وقد سلف ذلك في معاجزه.

[ 248 ]

13 - محمد بن هارون قال: كان للناحية علي خمسمائة دينار فقلت في نفسي: لي حوانيت قد جعلتها للناحية بذلك، ولم أنطق بها فكتب إلى محمد بن جعفر اقبض الحوانيت بالخمسمائة التي لنا عليه. فهذه الأمور ونحوها كثيرة تجري مجرى المعاجز الدالة على استحقاق الإمامة ولا يضر نقلها بالآحاد، لتواترها معنى بين خواص الأنام، كما في أكثر معجزات النبي عليه السلام. (8) فصل * (في علامات القائم ومدته وما يظهر في دولته) * وردت الروايات بأنه يكون أمامه دلالات: خروج السفياني، وقتل الحسني واختلاف بني العباس، وكسوف الشمس في نصف رمضان، والقمر في آخره، و خسف بالمشرق والمغرب، والبيداء، وركود الشمس من الزوال إلى العصر، و طلوعها من المغرب، وقتل نفس زكية بظهر الكوفة، ورجل هاشمي بين الركن والمقام، وإقبال رايات سود من خراسان، وخروج اليماني والمعربي، ونزول الترك الجزيرة، والروم الرملة، وطلوع نجم بالمشرق يضئ كالقمر يتقوس، و نار تظهر بالمشرق وتبقى أياما، وسنورد تفصيل شئ من ذلك وغيره في آثار واردة به. أسند المفيد في إرشاده أن المنصور قال لسيف بن عميرة: لا بد من مناد من السماء باسم رجل من ولد أبي طالب ومن ولد فاطمة، ونحن أول من يجيبه، لولا أني سمعته من أبي جعفر محمد بن علي ما قبلته لو حدثني به أهل الأرض. وأسند إلى عبد الله ابن عمر قول النبي صلى الله عليه وآله: لا تقوم الساعة حتى يخرج المهدي من ولدي، ولا يخرج حتى يخرج ستون كذابا كلهم يقول: أنا نبي. وأسند إلى أبي جعفر عليه السلام أن من المحتوم خروج السفياني وطلوع الشمس

[ 249 ]

من المغرب، واختلاف بني العباس، وقتل النفس الزكية، وخروج القائم، و النداء من السماء أول النهار: الحق مع علي وشيعته، وفي آخره ينادي إبليس: الحق مع عثمان وشيعته، فعند ذلك يرتاب المبطلون. وأسند إلى الصادق عليه السلام: لا يخرج القائم حتى يخرج قبله اثنى عشر من بني هاشم كلهم يدعو إلى نفسه. وأسند إلى علي عليه السلام: بين يدي القائم موت أحمر هو السيف، وأبيض هو الطاعون، وجراد في حينه وغير حينه. وأسند إلى جابر الجعفي قول أبي جعفر عليه السلام: الزم الأرض ولا تحرك يدا حتى ترى علامات اختلاف بني العباس، ومناد من السماء، وخسف الجابية من قرى الشام، ونزول الترك الجزيرة، والروم الرملة، واختلاف كثير، و تخرب الشام بثلاث رايات: الأصهب والأبقع والسفياني. وأسند إلى أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى: (إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين (1)) قال أبو بصير: قلت: من هم ؟ قال: بنو أمية وشيعتهم، قلت: وما الآية ؟ قال: ركود الشمس من الزوال إلى العصر، وخروج يد ورجل ووجه يخرج من عين الشمس، يعرف بحسبه ونسبه، وذلك في زمان السفياني، عندها يكون بواره وبوار قومه. وأسند إلى أبي جعفر عليه السلام: آيتان تكونان قبل القائم كسوف الشمس في نصف الشهر، والقمر في آخره، فتعجب السامع فقال: أنا أعلم بما قلت، إنهما آيتان لم تكونا منذ هبط آدم عليه السلام. وأسند إلى أبي جعفر عليه السلام: ليس بين قيام القائم والنفس الزكية أكثر من خمس عشرة ليلة. وأسند إلى الصادق عليه السلام: إذا هدم حائط مسجد الكوفة مما يلي دار عبد الله ابن مسعود، زال ملك القوم، وعند زواله خروج القائم.


(1) الشعراء: 4.

[ 250 ]

وأسند إلى الصادق عليه السلام: خروج السفياني والخراساني واليماني في يوم واحد ليس فيهم أهدى من اليماني لأنه يدعو إلى الحق. وأسند إلى أبي الحسن عليه السلام: كأني برايات من مصر مقبلات خضر مصبغات حتى تأتي الشامات، فتهدي إلى ابن صاحب الوصيات. وأسند إلى الصادق عليه السلام: أن لولد فلان عند مسجد الكوفة لوقعة في يوم عروبة، يقتل فيها أربعة آلاف، بين باب الفيل وأصحاب الصابون، فإياكم وهذا الطريق، فاجتنبوه، وأحسنهم حالا من يأخذ في درب الأنصار. وأسند إلى الصادق عليه السلام: سنة الفتح تنبثق الفرات، حتى تدخل أزقة الكوفة. وأسند إلى الصادق عليه السلام في قوله تعالى: (لنبلونكم بشئ من الخوف و الجوع إلى قوله: وبشر الصابرين (1)) قال: بتعجيل خروج القائم عليه السلام. وأسند إلى الصادق عليه السلام: تزجر الناس قبل قيام القائم عليه السلام عن معاصيهم وتظهر في السماء حمرة، وخسف ببغداد، والبصرة، ودماء تسفك بها، وخراب دورها، وفناء يقع في أهلها، وشمول أهل العراق خوف لا يكون لهم معه قرار. (9) فصل أسند المفيد في إرشاده إلى الصادق عليه السلام: ينادي باسم القائم في ليلة ثلاث و عشرين، ويقوم في يوم عاشورا يوم السبت بين الركن والمقام، جبرئيل عن يمينه ينادي (البيعة لله تعالى) فتصير إلى شيعته من أطراف الأرض تطوى لهم طيا حتى يبايعوه فيملأ الأرض عدلا كما ملئت ظلما. وأسند إلى الباقر عليه السلام كأني بالقائم على نجف الكوفة قد سار إليها من مكة في خمسة آلاف من الملائكة، جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن شماله، و المؤمنون بين يديه، وهو يفرق الجنود في البلاد.


(1) البقرة: 151.

[ 251 ]

وعن أبي جعفر عليه السلام: يدخل الكوفة وبها ثلاث رايات قد اضطربت، فتصفو له فيخطب فلا يدري الناس ما يقول من البكاء، يسأله الناس صلاة الجمعة فيأمر أن يخط له مسجد على الغري فيصلي به. وفي رواية صالح بن أبي الأسود: قال الصادق عليه السلام: مسجد السهلة منزل صاحبنا إذا قدم بأهله. وفي رواية المفضل بن عمر قال: قال الصادق عليه السلام: إذا قام قائم آل محمد بنى في ظهر الكوفة مسجدا له ألف باب، واتصلت بيوت الكوفة بنهر كربلا. وفي رواية [ عبد الكريم ] الجعفي عن الصادق عليه السلام: يملك القائم سبع سنين تطول له الأيام والليالي، فتكون السنة مقدار عشر سنين، فإذا آن قيامه مطرت الأرض في جمادى الآخرة وعشر من رجب مطرا شديدا تنبت به لحوم المؤمنين في قبورهم، فكأني أنظر إليهم مقبلين من قبل جهينة، ينفضون شعورهم من التراب. وفي رواية أبي بصير: يأمر الله الفلك بقلة الحركة فتطول الأيام والسنون كما قال في القيامة: إنه (كألف سنة مما تعدون) وروي أن مدة ملكه تسع سنين يطول فيها الأيام والأشهر. والرواية الأولى أشهر. إن قيل: استقر الدين على أنه لا بعث إلا في الحشر، قلنا: ذلك هو البعث العام فإن القرآن ورد ببعث آخر في قوله: (ويوم نحشر من كل أمة فوجا (1)) وفي موضع آخر (وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا (2)) فلو لا اختلاف القولين لزم تناقض الكلامين، وكذا قوله تعالى: (أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين (3)) فالموتة الأولى في الدنيا والحياة فيها، والآخرة بعدها، والحياة في الآخرة. إن قيل: بل الموتة الأولى قبل الخروج إلى الدنيا لقوله: (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم الآية (4)) قلنا:: لا شك أن ذلك من المجاز، إذ يطلق


(1) النمل: 86. (2) الكهف: 46. (3) المؤمن: 11 (4) البقرة: 28.

[ 252 ]

الموت على ما لا يقع فيه، قال الله تعالى: (بلدة ميتا (1)) (الأرض الميتة (2)) وما نحن فيه لا ضرورة إلى ردة إلى المجاز. وفي القرآن (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين، ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون (3)) فقد ورد أن المستضعفين آل محمد صلى الله عليه وآله، وفرعون وهامان الشيخان المتقدمان. إن قيل: الآية ظاهرة في بني إسرائيل قلنا: ظاهر (نرى) وأخواتها تدل على الاستقبال، ويؤيده ما في ذلك من الأخبار. وقد ورد فيها رجوع الأئمة الأطهار. إن قيل: فعلى هذا يكون علي عليه السلام في دولته، وهو أفضل منه، قلنا: قد قيل: إن التكليف سقط عنهم، وإنما يحييهم الله ليريهم ما وعدهم، وبهذا يسقط ما خيلوا به من جواز رجوع معاوية وابن ملجم وشمر ويزيد وغيرهم، فيطيعون الإمام فينقلون من العقاب إلى الثواب، وهو ينقض مذهبكم من أنهم ينشرون لمعاقبتهم والشقاية فيهم. قلنا: مع ما سلف، لما ورد السمع بخلودهم في النيران، وتبرأ الأئمة منهم، ولعنهم إلى آخر الزمان، قطعنا بأنهم لا يختارون الإيمان، كما أخبر الله بتخليد قوم، وقال فيهم: (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه (4) ولأنه إذا أنشرهم للانتقام، لم تقبل توبتهم لو وقعت، لكونها إلجاء كما لو وقعت في الآخرة، قال الله لإبليس: (الآن وقد عصيت (5) وآمن فرعون عند الغرق فلم يقبل منه، وقد تظافرت عن الأئمة بمنع التوبة بعد خروج المهدي، وفسروا على ذلك قوله تعالى: (يوم يأتي بعض آيات ربك لا تنفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل (6)) [ وقوله تعالى: (وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس


(1) ق: 11. (2) يس: 33. (3) القصص: 5 و 6. (4) الأنعام: 28 (5) يونس: 91، والخطاب لفرعون لا إبليس. (6) الأنعام: 28.

[ 253 ]

كانوا بآياتنا لا يوقنون * ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون) إلى تمام الآيات وهي في سورة النمل ] (1). هذا وفي رواية المفضل قال الصادق عليه السلام: إذا قام عليه السلام أشرقت الأرض، و ذهبت الظلمة، واستغنى الناس عن الشمس، وعمر الرجل حتى يولد له ألف ذكر، و أظهرت الأرض كنوزها حتى يطلب الرجل منكم من يأخذ منه زكاة ماله فلا يجد أحدا. وروى عمرو بن شمر عن جابر الجعفي قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: سأل عمر بن الخطاب عليا عليه السلام عن اسم المهدي فقال: عهد إلي حبيبي أن لا أحدث به حتى يبعثه الله، فسأله عن صفته، فقال: شاب مربوع، حسن الوجه يسيل شعره على منكبيه، ويعلو نور وجهه سواد شعر لحيته. وفي رواية المفضل: يخرج وعليه قميص يوسف، فيشم المؤمنون رائحته شرقا وغربا، وهو الذي شم رائحته يعقوب في قوله: (إني لأجد ريح يوسف (2). وروى المفضل بن عمر قال: قال الصادق عليه السلام: إذا قام قائمنا صعد المنبر ودعا إلى نفسه، وناشد الناس بحق ربه، وسار فيهم بسيرة رسوله، فيبايعه جبرائيل وثلاثمائة وبضعة عشر من أنصاره فيقيم بمكة حتى تتم أصحابه عشرة آلاف، فيسير فيه إلى المدينة. وفي رواية ابن المغيرة عن الصادق عليه السلام: أنه يقتل ثلاثة آلاف من قريش و من مواليهم. وفي رواية سليمان الديلمي قلت للصادق عليه السلام: (هل أتاك حديث الغاشية (3)) قال: يغشاهم القائم بالسيف، قلت (وجوه يومئذ خاشعة) قال: خاضعة لا تطيق الامتناع، قلت: (عاملة) بغير ما أنزل الله قلت: (ناصبة) قال: نصبت غير ولاة الأمر، قلت: (تصلى نارا حامية) قال: الحرب في الدنيا على عهد القائم وفي الآخرة جهنم.


(1) النمل: 84 - 87. (2) يوسف: 94. (3) سورة الغاشية: 1، وما بعدها ذيلها.

[ 254 ]

وفي رواية أبي بصير أنه يهدم المسجد الحرام حتى يرده إلى أساسه، ويحول المقام إلى موضعه الذي كان قبله، ويقطع أيدي بني شيبة ويعلقها بالكعبة ويكتب عليها: هؤلاء سراق الكعبة. وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام: إذا قدم الكوفة خرج إليه بضعة عشر ألف بالسلاح يدعون البترية يقولون: ارجع من حيث جئت فلا حاجة لنا في بني فاطمة، فيقتلهم عن آخرهم، ويقتل كل منافق ومرتاب، ويهدم قصورها، و يقتل مقاتلها. وفي رواية أبي بصير عنه عليه السلام يهدم بها أربعة مساجد، ولم يبق بدعة إلا أزالها ولا سنة إلا أقامها، ويفتح قسطنطينية والصين وجبال الديلم. وفي رواية المفضل عن الصادق عليه السلام يخرج معه من ظهر الكوفة خمسة عشر من قوم موسى، وسبعة من أهل الكهف، ويوشع وسلمان وأبو دجانة والمقداد ومالك الأشتر فيكونون بين يديه أنصارا وحكاما. وفي رواية ابن عجلان عن الصادق عليه السلام أنه يحكم بحكم داود ولا يحتاج إلى بينه: يلهمه الله فيحكم بعلمه، ويخبر كل قوم بما استبطنوه، ويعرف وليه من عدوه بالتوسم. تذنيب ليس بعد دولة القائم عليه السلام دولة واردة إلا في رواية شاذة من قيام أولاده من بعده، وهي ما روي عن ابن عباس من قول النبي صلى الله عليه وآله: كيف تهلك أمة أنا أولها، و عيسى بن مريم آخرها، والمهدي في وسطها، ونحوها روي عن أنس وزاد: ولكن يهلك بين ذلك ثبج أعوج، ليس مني ولا أنا منهم، وهاتان تدلان على دولة بعد دولته. ونحن قد أسلفنا الكلام في دلك ؟ عند النص على آبائه وأكثر الروايات أنه لن يمضي إلا قبل القيامة بأربعين يوما يكون فيها الهرج، وعلامة خروج الأموات للحساب، والله ولي الصواب، وإليه المرجع والمآب.

[ 255 ]

وهنا أبيات اخترناها من نظم الشيخ محمود بن نبهان تتعلق بهذا الشأن وبآبائه من أئمة الأزمان: آل طه وآل حم والحشر * عليهم وفيهم التنزيل هم أولوا الأمر والمودة في القربى * وكل عن ودهم مسؤول طالبيون فاطميون عليون * لا علة ولا تعليل نسب طاهر المعارس للشمس * بمعناه غرة وحجول كل فرع إذا رسى الأصل بالفرع * سمت بالغصون منه الأصول كلهم للورى أئمة عدل * تتساوى شبانهم والكهول الهداة المعرفون إذا استعجم * عند التلاوة التأويل بهم استدفع ابن متى وموسى * خوف بحربهما وفاز الخليل طاعة حكمها على الماء والنار * عصاها للإمرة المستقيل أنا مولى لسادة كل أمر * لجميع الورى إليهم يؤل إذا ما الكتاب أفصح بالمدح * فماذا عسى فصيح يقول ليت شعري متى تقوم لأخذ * الثار ليث على الأعادي تقول قائم يقعد الضلالة والكفر * ويسمو به الهدى ويطول يملأ الأرض عدله ونداه * ليس للعالمين عنه عدول طال مطل الغريم يا آل طه * واقتضى دينه الذميم المطول وقال عامر البصري في عروض نظم السلوك: إمام الهدى حتى متى أنت غائب * فمن علينا يا أبانا باوبة مللنا وطال الانتظار فجد لنا * برأيك يا قطب الوجود بلفتة فأنت لهذا الأمر قدما مينا * لذلك قال الله أنت خليفتي فعجل ظهورا كي نراك فلذة * المحب لقا محبوبه بعد غيبة

[ 256 ]

(10) فصل أسند ابن بابويه أن له عليه السلام علما وسيفا، إذا حان خروجه انتشر العلم بنفسه، وخرج السيف من غمده، ونادى: يا مهدي اخرج فلا يحل لك أن تقعد فيخرج وجبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، وشعيب ابن صالح على مقدمته. وأسند ابن بابويه في كتاب النبوة أن هشام بن عبد الملك بعث يستخرج بئرا فحفروا فيها مائتي قامة فإذا جمجمة طويلة فحفروا حولها فإذا رجل قام على صخرة وعليه ثياب بيض، وكفه اليمنى على رأسه فكنا إذا نحيناه سال الدم، وإذا تركناه عاد، فسد الجرح. وإذا في ثوبه مكتوب: أنا شعيب ابن صالح رسول شعيب، بعثني إلى قومه فضربوني وطرحوني ههنا. فكتبوا إلى هشام فكتب: أعيدوا عليه التراب. وفي الخرايج والجرايح: بهمدان بيت مؤمنون، فسئلوا عن سبب إيمانهم فقالوا: حج جدنا سنة، فرجع قبل الحاج بكثير فسألناه فقال: نمت وانتبهت فلم أجد أحدا، فسرت فرأيت قصرا فقصدته فوجدت شابا حسن الوجه، فقلت: من أنت ؟ قال: أنا الذي ينكرني قومك وأهل بلدك، فقلت: متى تخرج ؟ قال: إذا انسل هذا السيف عفوا ثم قال: أتريد بيتك ؟ فقلت: نعم، فقال لغلامه: خذ بيده فخرجنا نمشي والأرض تطوى لنا، فأراني منزلي وانصرف، فدخل الحاج بعد مدة وحدثوا الناس بانقطاعي فتعجبنا واستبصرنا. وأسند في الخرايج إلى الباقر عليه السلام: سمي المهدي لأنه يهدي لأمر خفي يبعث إلى الرجل من أصحابه لا يعرف له ذنب فيقتله. قال أبو الأديان خادم العسكري عليه السلام: بعثني بالكتب إلى المدائن وأخبرني بالعود إليه بعد خمسة عشر يوما، وقد مات، فقلت: إذا كان ذلك فإلى من ؟ قال:

[ 257 ]

إلى من يطلب منك جوابات كتبي، ويصلي علي، ويخبرك بما في الهميان، فهو القائم بعدي، فخرجت وجئت فكان كما قال، فتقدم أخوه جعفر ليصلي عليه فخرج صبي أسمر بأسنانه فلج، فنحاه وصلى عليه، ثم قدم نفر من قم، ومعهم هميان فأخبرهم أن فيه ألف دينار. (11) فصل من كتاب عقد الدرر في أخبار المنتظر ليوسف بن يحيى السلمي عن سالم الأشل قال: سمعت الباقر عليه السلام يقول: نظر موسى بن عمران في السفر الأول إلى ما يعطى قائم آل محمد فقال: رب اجعلني قائم آل محمد، فقيل له: ذلك من ذرية أحمد، فنظر في السفر الثاني فقال: فقيل له، وفي الثالث فقال: فقيل له. وعن حذيفة قال للنبي صلى الله عليه وآله: يلتفت المهدي وقد نزل عيسى بن مريم كأنما يقطر من شعره الماء، يقول له المهدي: تقدم فصل، فيقول: إنما أقيمت الصلاة لك فيصلي عيسى خلف رجل من ولدي. وعن أمير المؤمنين عليه السلام لا تبقى مدينة دخلها ذو القرنين إلا دخلها المهدي ويأتي إلى مدينة فيها ألف سوق في كل سوق مائة دكان، فيفتحها ويأتي مدينة يقال لها القاطع على البحر المحيط، طولها ألف ميل وعرضها خمسمائة ميل، فيكبرون الله ثلاثا فتسقط حيطانها، فيخرج منها ألف ألف مقاتل ثم يتوجه إلى القدس الشريف بألف مركب، فينزل شام فلسطين بين مكة، وصورة وغزوة وعسقلان. وعن حذيفة يبنى مدينة مما يلي المشرق، يكون فيها وقعة لم يسمع أهل ذلك الزمان بمثلها، ثم تنجلي هي، والواقعة التي قبلها في أهل الشام عن أربعة مائة ألف قتيل ثم يخرج المهدي في أثر ذلك في ثلاثمائة راكب، منصورا لا يرد له رأية. ومن كتاب الهداية. قال الصادق عليه السلام للمفضل بن عمر: ليس للمهدي وقت لأنه كالساعة، إنما علمها عند ربي (ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال

[ 258 ]

بعيد (1)) قال: يقولون: متى ولد، وهو أين يكون ومتى يظهر ؟ استعجالا لأمر الله، وشكا في قضائه وقدرته، لا يوقت لمهدينا وقتا إلا من شارك الله في علمه وادعى أنه أظهره على سرة. ومن كتاب الروضة للكليني عن يعقوب السراج قلت للصادق عليه السلام: متى فرج شيعتكم ؟ قال: إذا اختلف ولد العباس ووهى سلطانهم، وخلعت الأعراب أعنتها، ورفع كل ذي صيصية صيصيته، وظهر الشامي، وأقبل اليماني، وخرج صاحب هذا الأمر من المدينة إلى مكة بتراث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلاحه. وعن حذيفة وجابر، هبط جبرئيل على النبي صلى الله عليه وآله وبشره بأن القائم من ولده لا يظهر حتى يملك الكفار الأنهر الخمسة سيحون، وجيحون، والفراتين، و النيل، فينصر الله أهل بيته على الضلال فلا ترفع لهم رأية إلى القيامة. وسئل الصادق عليه السلام عن ظهوره، فقال: إذا حكمت في الدولة الخصيان والنسوان، وأخذت الإمارة الشبان والصبيان، وخرب جامع الكوفة من العمران وانفقدت الجيران، فذلك الوقت زوال ملك بني عمي العباس، وظهور قائمنا أهل البيت. ومن كتاب عبد الله بن بشار رضيع الحسين عليه السلام: إذا أراد الله أن يظهر آل محمد بدأ الحرب من صفر إلى صفر، وذلك أوان خروج المهدي عليه السلام. قال ابن عباس: يا أمير المؤمنين ما أقرب الحوادث الدالة على ظهوره ؟ فدمعت عيناه، وقال: إذا فتق بثق في الفرات، فبلغ أزقة الكوفة فليتهيأ شيعتنا للقاء القائم. وعن ابن عباس يبعث الله المهدي بعد الياس، حتى تقول الناس لا مهدي، و أنصاره ناس من أهل الشام عدتهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا. ومن كتاب عجائب البلدان قال عمار: قلت للصادق عليه السلام: متى يقوم قائمكم قال: عند هدم مدينة الأشعري. وأسند الصادق إلى آبائه عليهم السلام أن عليا عليه السلام قال: إذا وقعت النار في حجازكم وجرى الماء بنجفكم، فتوقعوا ظهور قائمكم.

[ 259 ]

وعن زين العابدين عليه السلام إذا ملأ هذا نجفكم السيل والمطر، وظهرت النار في الحجارة والمدر، وملكت بغداد التتر، فتوقعوا ظهور القائم المنتظر. وفي كتاب الشفا عن أمير المؤمنين عليه السلام قال النبي صلى الله عليه وآله: عشرة قبل الساعة لا بد منها: السفياني، والدجال، والدخان، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى، وخسف بالمشرق وخسف بالمغرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر. ومن كتاب الغيبة لا يخرج المهدي إلا على حرب شديد وزلازل وفتن وطاعون. (12) فصل روى أبو العلاء الهمداني من أفضل علماء الجمهور، وقد أثنى عليه الحافظ محمد بن النجار في تذييله على تاريخ الخطيب، حتى قال: تعذر وجود مثله في أعصار كثيرة ذكر في كتاب أخبار المهدي أحاديث في ذلك. 1 - منها عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يخرج المهدي وعلى رأسه ملك ينادي: ألا إن هذا المهدي فاتبعوه. 2 - عن شهر بن حوشب: قال النبي صلى الله عليه وآله: في المحرم ينادي مناد: ألا إن صفوة الله من خلقه فلان فاسمعوا له وأطيعوا. 3 - عبد الله بن عمر قال النبي صلى الله عليه وآله: يخرج المهدي من قرية يقال لها: كرعة، على رأسه غمامة فيها مناد ينادي هذا خليفة الله فاتبعوه. 4 - عن أبي رومان قال علي عليه السلام: بعد الخسف ينادي مناد من السماء أول النهار: إن الحق في آل محمد، وفي آخر النهار الحق في ولد عيسى، وذلك ونحوه من الشيطان ويظهر المهدي على أفواه الناس ويشربون حبه. 5 - إذا التقى فلان المهدي يسمع صوت من السماء ألا إن أولياء الله أصحاب فلان يعني المهدي.

[ 260 ]

وعنه من طريق آخر يخرج من مكة بعد الخسف في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا ويلتقي هو وصاحب جيش السفياني، وأصحاب المهدي يومئذ جننهم البراذع يعني ترأسهم ويسمع صوت مناد من السماء ألا إن أولياء الله أصحاب فلان يعني المهدي وتكون الدائرة على أصحاب السفياني. ومن كتاب مواليد أهل البيت: يظهر المهدي في آخر الزمان، على رأسه غمامة، تدور معه حيث دار، ينادي بصوت هذا المهدي وروي أن المنادى يفهمه كل قوم بلسانه. ومن كتاب البصاير: لا يقوم القائم إلا على وتر من السنين، ونحوه في كتاب النعماني وفي إرشاد المفيد أيضا. قال أبو جعفر عليه السلام: والله لكأني أنظر إليه بين الركن والمقام، يبايع الناس بكتاب جديد، وأمر شديد، وسلطان من السماء لا ترد له راية. أبو جعفر عليه السلام إذا خرج قائم آل محمد، نصره الله بالملائكة: جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، والرعب أمامه شهر وخلفه شهر. (13) فصل قال محمد بن أحمد: إن والده لما سمع أن المهدي يخرج من كرعة كان يكثر السؤال عنها لوفد الحاج كل سنة قال: فجاء بي شخص إلى شيخ تاجر ذي مال وخدم، وقال: هذا يسأل كل وقت عن كرعة ولا يدري أين هو ؟ فإن كان عندك خبرها فأخبره به فرحب الشيخ بي، وقال: من أين تعرفها ؟ قلت: سمعت في الكتب حديثها وشأنها. فقال: كان والدي كثير الأسفار، فحمل جماله وسرت معه، فطلبنا موضعا فضللنا عن الطريق أياما حتى نفد زادنا وكدنا نتلف، فأشرفنا على قباب وخيام من الأدم فخرجوا إلينا فحكينا لهم أمرنا.

[ 261 ]

فلما كان الظهر خرج شيخ ذو هيبة لم أر أحسن منه وجها، ولا أعظم منه هيبة، ولا أجل قدرا حتى كنا لا نشبع من نظره لهيبته، فصلى بهم الظهر مسبلا كصلاتكم يا أهل العراق، فلما سلم سلم عليه والدي، وحكى له قصتنا، فأقمنا أياما ولم نر مثلهم ناسا: لم يسمع عندهم هجر ولا لغو، ثم طلبنا منه المسير فبعث معنا شخصا فسار بنا ضحوة فإذا نحن بالموضع الذي نريده، فسأله والدي عن الرجل من هو ؟ فقال: هو المهدي، والموضع الذي هو فيه يقال له: كرعة، مما يلي بلاد الحبشة من بلاد اليمن مسيرة عشرة أيام مفازة بغير ماء قال الشيخ السعيد علي بن طاووس: هذه القرية وجدنا ذكرها في أخبار المخالف والمؤالف، وأن المهدي يخرج منها، وقد ذكره أبو نعيم الحافظ مع عظم شأنه وتدينه وقد مدحه ابن النجار في تذييله بما يضيق هذا الكتاب من تفصيله. ذكر أبو نعيم المذكور في كتابه الذي سماه نعوت المهدي فأسند فيه حديثا إلى عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يخرج المهدي من قرية يقال لها: كرعة، على رأسه غمامة، فيها مناد ينادي هذا المهدي خليفة الله فاتبعوه. ثم ذكر أول لواء يعقد له، وما يكون من عدله، وطرفا من أخباره. وفي كتاب البطائني: رايات ولد فاطمة صوف نسجت نسجا، لها أجنحة تطير كطيران الطير، فيها الحق والعدل، فائتوها ولو حبوا على الثلج. وفيه عن أبي جعفر عليه السلام: إذا رأيتم الرايات السود من قبل المشرق من أطراف الأسنة إلى زج القناة صوف أحمر فتلك رايات الحسني التي لا تكذب. وفي كتاب الربيع مسندا إلى أبي جعفر عليه السلام كأني بصاحبكم وقد علا نجف كوفان في عدد أهل بدر ينصر بالرعب والملائكة. وفيه عن علي بن الحسين عليه السلام: إذا قام قائمنا أذهب الله عنهم العاهة وجعل قلوبهم كزبر الحديد، قوة كل رجل [ قوة ] أربعين رجلا وفي كتاب الملاحم: يذبح المهدي إبليس، ويموت كل شيطان، ثم تلا: (إن الأرض يرثها عبادي الصالحون وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات

[ 262 ]

ليستخلفنهم في الأرض (1)) ومن كتاب الفتن لأبي نعيم: يظهر المهدي بمكة ومعه سلاح النبي ورايته وقميصه، وعلامات، ونور، يأتيه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا رهبان بالليل أسود بالنهار. ومن كتاب الشفا والجلا مسندا إلى الصادق عليه السلام: إذا قام قائمنا أشرقت الأرض بنوره واستغني عن ضوء الشمس، وذهبت الظلمة، ويعمر الرجل حتى يولد له ألف ذكر، وقد سلف نحو ذلك في الفصل التاسع. وعن الصادق عليه السلام: يمد الله لشيعتنا في أسماعهم وأبصارهم، حتى لا يكون بينهم وبين قائمهم حجاب، يريد يكلمهم فيسمعونه وينظرون إليه في مكانه. وفي كتاب الروضة عن الصادق عليه السلام إذا تمنى أحدكم القائم فليتمنه في عافية، فإن الله بعث محمدا رحمة وبعثه نقمة وفي الجزء الخامس من تفسير النقاش عن الصادق عليه السلام (العذاب الأدنى (2)) غلاء السعر (والأكبر) خروج المهدي بالسيف. (14) فصل وقد كانت الأئمة صلوات الله عليهم تتألف قلوب الشيعة بتقريب خروج المهدي عليه السلام وقد أسند الكليني في كتاب الروضة إلى الباقر عليه السلام أن عبد الحميد الواسطي قال له: قد تركنا أسواقنا انتظارا لهذا الأمر حتى يوشك أن الرجل يسأل في يده، فقال عليه السلام: أترى من حبس نفسه على الله لا يجعل له فرجا ؟ بلى والله، فرحم الله من حبس نفسه علينا قال: فإن مت قبل إدراكه ؟ فقال: إذا قال القائل منكم إذا أدركته نصرته كان كالمقارع معه بسيفه والشهادة معه شهادتان.


(1) النور: 55. (2) السجدة: 21.

[ 263 ]

ومن عجيب رواية ابن قتيبة في الجزء الأول من كتاب عيون الأخبار: كتب مسيلمة بن عبد الملك إلى يزيد بن المهلب: والله ما أنت صاحب هذا الأمر، إن صاحب هذا الأمر مغمور موتور، وأنت مشهور موثور. وأسند محمد بن إبراهيم النعماني في كتاب الغيبة إلى الصادق عليه السلام ثلاث عشر مدينة وطائفة تحارب المهدي عليه السلام. وذكر أبو بشر في كتابه: يغيب الإمام طويلا حتى ييأس المؤمنون، ويشك المرتابون، ويكذب الضالون، وهو مع ذلك يطالع أمرهم، ويعرف وحشتهم، و يتجاوز عن قبيحهم، ويدعو بالصيانة والصلاح لهم، وإنه ليخترق من وراء قاف إلى حضور الحج كل سنة، فيغفر الله بدعائه للخاطئين من شيعته، ويحضر المشاهد والزيارات. قال مؤلف هذا الكتاب علي بن محمد بن يونس: خرجت مع جماعة نزيد على أربعين رجلا إلى زيارة القاسم بن موسى الكاظم، فكنا عن حضرته نحو ميل من الأرض، فرأينا فارسا معترضا فظنناه يريد أخذ ما معنا، فخبينا ما خفنا عليه، فلما وصلنا رأينا آثار فرسه ولم نره فنظرنا ما حول القبة فلم نر أحدا فتعجبنا من ذلك مع استواء الأرض، وحضور الشمس، وعدم المانع، فلا يمتنع أن يكون هو الإمام أو أحد الأبدال، فلا ينكر حضور شخص لا يرى لسر أودعه الله فيه. إن قيل: فهذا يبطل أصل وجوب الرؤية عند حصول شرائطها قلنا: فإن من شرائطها عدم المانع، والمانع هو السر المذكور، وقد وجد في أبواب السحر و الشعبذة إخفاء الأعيان، واشتباه الشئ بغيره، وقد ذكر عن أهل السيميا إخفاء الأشخاص. وقد ذكر الإمام الطبرسي في تفسير (تبت) أن النبي صلى الله عليه وآله تحرس بقرآن من أم جميل زوجة أبي لهب، فلم تره فيجوز أن يكون الله تعالى قد عكس الشعاع أو فرقه قبل وصوله إليه، أو ضلب المهدي فلم ينفذ فيه الشعاع وفي كتاب علي بن حسان الواسطي: يملك القائم ثلاثمائة وتسع سنين، و

[ 264 ]

من كتاب الغيبة للطوسي: يدخل المهدي الكوفة فيخطب، وهو قول النبي صلى الله عليه وآله: كأني بالحسني وقد قادها فيسلمها الحسيني فيبايعوه، ثم يأمر بعمارة جامع له ألف باب. وفي كتاب الحضرمي عن الباقر عليه السلام أيام الله ثلاثة: يوم القائم ويوم الكرة ويوم القيامة، ومثله في كتاب الشفا عن الصادق عليه السلام. ووجد كتاب بخط الكمال العلوي النيشابوري في خزانة أمير المؤمنين فيه وصية لابنه محمد بن الحنفية: بني إذا ما جاشت الترك فانتظر * ولاية مهدي يقوم فيعدل وذكر ملوك الظلم من آل هاشم * وبويع منهم من يلد ويهزل صبي من الصبيان لا رأي عنده * ولا هو ذو جد ولا هو يعقل فثم يقوم القائم الحق فيكم * وبالحق يأتيكم وبالحق يفعل سمي نبي الله نفسي فداؤه * فلا تخذلوه يا بني وعجلوا وحدث علي بن الفتح عن عبد الوهاب ابن أبي الفوارس أن صاحب الأمر مساكنه بيوت أديم كبار، يدخل فيها الفارس برمحه، وأن التي يسكنها يكون فيها الماء والكلاء، فإذا رحل عنها زال ذلك، ووجدت آثار الاعلاف بها، وقد روي عن الإمام الهادي عليه السلام نحو ذلك. (15) فصل حدث كمال الدين الأنباري قال: أمسينا عند عون الدين الوزير، فرأينا يقرب شخصا لا نعرفه، ونستمع كلامه، فتجارينا المذاهب، فقال الوزير، أقل طائفة الشيعة. فقال الرجل: خرجت مع والدي في البحر من مدينتنا الزاهية، فأوغل بنا المركب، فجئنا جزيرة واسعة فسألنا أهلها عن اسمها واسم سلطانها، فقالوا: المباركة، واسم السلطان

[ 265 ]

الطاهر، قلنا: فأين سرير ملكه ؟ قالوا: بالمدينة الزاهرة فدخلنا عليه، فإذا رجل عليه عباءة وتحته عباءة فأخذ منا الجزية وكان معنا مسلمون، فناظرهم فقال: أنتم خوارج ولستم مسلمين وتحل أموالكم، فسألوه الحمل إلى سلطانه، فأجابهم فأخذوا دليلا عارفا، قال: وخرجنا معهم في البحر ثلاثة عشر يوما بلياليها، فأقبلنا على جزيرة ومدينة مليحة كثيرة الماء، طيبة الهواء، ترعى النعاج مع السباع و أهلها على أحسن قاعدة في ديانتهم وأمانتهم، ليس فيهم لغو ولا تساب ولا نميمة، ولا اغتياب. فدخلنا على سلطانهم فإذا هو في قبة من قصب فلما أذن المؤذن اجتمعوا إليه في أسرع وقت فصلى بهم وانصرف، فما رأت عيني أخضع لله منه، ولا ألين جانبا للرعية، ثم التفت إلينا وخاطبنا، وكان معنا رجل يعرف بالمقري الشافعي فقال له: أنت تقول بالقياس ؟ قال: نعم، قال: هل تلوت آية المباهلة ؟ قال: نعم قال: وآية التطهير ؟ قال: نعم، قال: فهل بلغك أن غير علي وزوجته وولديه خرج إلى المباهلة ؟ ونزلت آية التطهير فيه، ولف النبي صلى الله عليه وآله الكساء عليه ؟ أفمن طهره الله يقدر أحد ينجسه ؟ ثم بسط لسانا أمضى من السهام، وأقطع من الحسام، فقام الشافعي قائلا عفوا عفوا انسب لي نفسك فقال: أنا الطاهر بن محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الذي أنزل الله فيه (وكل شئ أحصيناه في إمام مبين (1)) وأنزل في حقنا (ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم (2)) فبكى الشافعي وآمن به، وحمد الله على انتقاله من التقليد إلى اليقين وكان معنا رجل مالكي فآمن أيضا. وأقمنا في تلك المدينة سنة كاملة، وتحققنا أن ملك تلك مسيرة شهرين برا وبحرا، وأن بعدها مدينة اسمها الرائقة، سلطانها القاسم ابن صاحب الأمر، و


(1) يس: 12. (2) آل عمران: 34.

[ 266 ]

بعدها مدينة اسمها طلوم، سلطانها عبد الرحمن بن صاحب الأمر، رستاقها وضياعها شهران، وبعدها مدينة اسمها عاطن سلطانها هاشم بن صاحب الأمر، هي أعظم المدن مسيرة ملكها أربعة أشهر، فهذه المدن على كبرها لم يوجد فيها سوى الشيعة الذين لو اجتمع أهل الدنيا لكانوا أكثر منهم، فأقمنا سنة نتوقع ورود صاحب الأمر فلم يوفق لنا. قال كمال الدين: فلما سمعه الوزير شدد علينا في كتمان ذلك. تذنيب إن قيل: إذا كان في هذه الكثرة، فلم لا يخرج وينتصر بهم ؟ قلنا: إن علام الغيوب قد يعلم عدم نصرتهم وإن كثروا، وقد أخر الله إغراق فرعون وقوم نوح مع إمكان تقديمه، ونصر نبيه بالملائكة في بدر مع إمكان تقديمه، ولعل نصرته بهم كانت مشروطة باجتماع الأنصار من الناس، وتكون نصرة المهدي موقوفة على اجتماع ثلاثمائة وثلاثة عشر من غيرهم، لاشتمالهم على صفات تختص بهم، فلا اعتراض للفجار الأشرار، على الحكيم المختار، العالم بالأسرار. (16) فصل نذكر فيه شيئا مما اختلف الناس فيه من تعيين الأئمة بعد أمير المؤمنين عليه السلام. فأول فرقة شذت من الإمامية الكيسانية قالت: بإمامة محمد بن الحنفية فذهب شذاذ منهم إلى أنه الإمام بعد أبيه، وأنه حي لم يمت، وأنه المهدي، و آخرون منهم قالوا بموته، وسيعود وهو المهدي، وأن الحسن والحسين إنما كانا يدعوان إليه. والأكثرون قالوا: إنه الإمام بعدهما، واحتجوا لإمامته بأنه كان صاحب رايته بالبصرة، كما كان علي صاحب راية رسول الله صلى الله عليه وآله. قلنا: معلوم أن النبي صلى الله عليه وآله أعطى الراية لمن ليست له إمامة.

[ 267 ]

قالوا: قال له: أنت ابني حقا قلنا: حقية بنوته لا تدل على إمامته إذ لا خلاف في أن الحسن والحسين ابناه، وله أولاد غيرهم، ولا إمامة لهم، وإنما أراد الإبانة عن شجاعته ونجدته، ولو دلت البنوة على الإمامة دلت بنوة الحسن والحسين على النبوة لقول النبي صلى الله عليه وآله: هذان ابناي، وقال لهما: أبوهما في ذلك اليوم بعينه، لما رأى فيهما انكسارا عند مدحه لأخيهما: أنتما ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله قالوا: وقال له: اطعن بها طعن أبيك تحمد * لا خير في الحرب إذا لم توقد ولا يطعن طعن الإمام إلا الإمام قلنا: إن سلم فلا شك أن المراد المشابهة وقد علم أصحابه كيفيات الحروب بقوله: غضوا الأبصار، وغضوا على النواجذ ولا إمامة لهم. واحتجوا لمهديته بقول النبي صلى الله عليه وآله: لن تنقضي الأيام حتى يبعث الله رجلا من أهل بيتي اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي فيملأها قسطا كما ملئت جورا ومن أسماء علي عبد الله لقوله: أنا عبد الله وأخو رسول الله قلنا: قد أجبنا عن هذا في باب مهدية محمد بن الحسن فليراجع منه، وقول أبيه: (أنا عبد الله) لا يدل على التسمية، بل هو صفة، ويلزم من ذكرها التخصيص بها كما حقق في الأصول. واعلم أنه لا بقية للكيسانية إلا ما يحكى شاذا لا نعلم صحته من بقية شاذة لا يعلم وجودها، وفي انقراضها بطلان قولها، ولا يخرج الحق عن الأمة بأجمعها وإن علم وجودها فقلتها تمنع القطع بقولها. على أنه لا عصمة لابن الحنفية، ولا نص عليه، ولا ادعى ذلك، ولا أخرج معجزا على يديه، وما تلوناه من النصوص على الأئمة المنقولة عن المؤالف والمخالف يدل على بطلان قول هذه وغيرها من الطوائف. قالوا: بعث المختار يدعو إليه ويأخذ بثأر أخيه قلنا: بل المشهور في السير أنه لما بلغه ذلك أنكره، وقد كان كثير عزة كيسانيا ومات عليها وله أشعار فيها منها:

[ 268 ]

ألا إن الأئمة من قريش * لدى التحقيق أربعة سواء علي والثلاثة من بنيه * هم الأسباط ليس بهم خفاء فسبط سبط إيمان وبر * وسبط غيبته كربلاء وسبط يملأ الأرضين عدلا * إمام الجيش يقدمه اللواء يغيب لا يرى فيهم زمانا * برضوى عنده عسل وماء وكان السيد الحميري كذلك وله فيه: ألا حي المقيم بشعب رضوي * وأهد له بمنزله السلاما أضر بمعشر والوك منا * وسموك الخليفة والإماما وما ذاق ابن خولة طعم موت * ولا وارت له أرض عظاما فلما دعاه الصادق عليه السلام إلى إمامته استجاب له، ورجع عن ضلالته، وقد شهر ذلك في قصيدته: تجعفرت باسم الله والله أكبر * وأيقنت أن الله يعفو ويغفر ودنت بدين غير ما كنت داينا * به ونهاني سيد الناس جعفر فقلت له هبني تهودت برهة * وإلا فديني دين من يتنصر فلست بقال ما حييت وراجعا * إلى ما عليه كنت أخفي وأضمر ولا قائلا قولا لكيسان بعدها * وإن عاب جهال علي وأكثروا ولكنه ممن مضى لسبيله * على أحسن الحالات يعفى ويؤثر وقال: أيا راكبا نحو المدينة جسرة * غذافرة يطوى بها كل سبسب إذا ما هداك الله عاينت جعفرا * فقل لولي الله وابن المهذب ألا يا ولي الله وابن وليه * أتوب إلى الرحمن ثم تأوب أتوب من الذنب الذي كنت مطنبا * أجاهد فيه دائبا كل معرب وما كان قولي في ابن خولة دائبا * معاندة مني لنسل المطيب ولكن روينا عن وصي محمد * وما كان فيما قال بالمتكذب

[ 269 ]

بأن ولي الأمر يفقد لا يرى * سنين كفعل الخائف المترقب إذا قلت لا فالحق قولك والذي * تقول فحتم غير ما متعصب وأشهد ربي أن قولك حجة * على الخلق طرا من مطيع ومذنب بأن ولي الأمر والقائم الذي * تطلع نفسي نحوه وتطرب له غيبة لا بد أن يستغيبها * فصلى عليه الله من متغيب فيمكث حينا ثم يظهر أمره * فيملأ عدلا كل شرق ومغرب بذاك أدين الله سرا وجهرة * ولست وإن عوتبت فيه بمعتب وهؤلاء بعد محمد بن الحنفية اختلفوا في وصيته بها على أقوال ليس هذا موضعها وأكثر الإمامية ساقوها من علي عليه السلام إلى ولده الحسن وبعد موته منهم شذاذ قالوا: هي لابنه الحسن الملقب بالرضا، ومنهم من نقلها إلى غيره أيضا، والأكثر قالوا: هي لأخيه الحسين، واختلفوا بعد قتله فمنهم من قال: هي لابن الحنفية ومنهم من قال: هي لزيد والأكثر قالوا: هي لزين العابدين عليه السلام. (17) فصل افترقت الزيدية ثلاثا: السليمانية، والصالحية، وهما قائلان بإمامة الشيخين لرضا علي بهما، ولو لم يرض لهلكا، والمطاعن الواردة على الجمهور كافية في إبطال هاتين. وأما الجارودية وهي الفرقة الثالثة فتبرؤا من الثلاثة وطعنوا عليهم، وهؤلاء لم يشترطوا العصمة، والنص الجلي، ونحن قد بينا اشتراطهما، وفي أئمتنا حصولهما، واكتفوا في تعيين الإمام، بالدعوة والقيام. قلنا: الإمامة أعم من [ القيام ] إذ كم من قائم كاذب، ولو كان القيام شرطا مع أنه لم يجز إيقاعه إلا من الإمام، لزم الدور، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وآله الإمامة في الحسنين سواء قاما أو قعدا، فليس القيام شرطا.

[ 270 ]

ولأنه عندهم يجوز تعدد القائمين، فيبايع كلا قوم، فيقع الحرب الموجب لعدم النوع، وذلك يناقض فائدة الإمام، ولأن تعيين الإمام إما من نفسه، أو من الرعية، ويبطل هذين ما أبطل الاختيار، وإما من الله وذلك هو النص منه، أو من رسوله، أو إمام حكم بصدقه، فبطل اشتراط القيام. إن قيل: لم لا يجوز أن يكون بإيجاد الشرائط فيه، وهي الولادة من الحسن أو الحسين والعلم والشجاعة والزهد والقيام وعلائم تجري مجرى النص عليه. قلنا: أولا فأنتم لا تقولون بالنص الفعلي، وأما ثانيا فالصفات إن كانت من عند غير الله، لم تكن نصا من الله، وإن كانت منه فمن أين علمتم أن إيجادها فيه دليل الإمامة ؟ وبهذا يبطل القسم الثالث وهو كون بعضها من الله، وبعضها من غيره هذا. وقد روى ابن بابويه عن الرضا عليه السلام لما قيل له: إن زيدا ادعى الإمامة وقد جاء في ذلك ما جاء فقال: إن زيدا كان أتقى لله من ذلك، وإنما دعا إلينا. تنبيه: قال سليمان بن جرير شيخهم: وضعت الرافضية مقالتين لا يظهر معهما لأئمتهم على خطأ لتتم لهم العصمة، أولاهما البداء، فإذا أخبروهم بأنهم تملكوا فلم يكن قالوا: بدا لله فيه، وثانيهما كلما تكلموا بشئ فظهر بطلانه قالوا: خرج على التقية. قلنا: لا يرتاب في كون ذلك عنادا وبغضا، وقد جاء عن الصادق عليه السلام النواصب أعداؤنا والزيدية أعداؤنا وأعداء شيعتنا، فأما البداء فلم يقل به أحد منا (1) نعم يجوز النسخ وقد عرف في الأصول الفرق بينهما وأما التقية فلم ينفك أحد منها ولا يمكن عاقل إنكارها لدفع الضرر بها، لمجيئها في آيات القرآن (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان (2)) (إلا أن تتقوا منهم تقاة (3)) (ولا تلقوا بأيدكم إلى التهلكة (4)).


(1) يعني بالمعنى الذي يستلزم الجهل. (2) النحل: 106. (3) آل عمران: 28. (4) البقرة: 195.

[ 271 ]

على أن الزيدية في دولة العباسيين نقلوا مذهبهم من اليقاطين إلى الجرار تحت الأرض، حتى سمي مذهبهم مذهب الجرة، وكم عدت إساءات لقوم وهي إحسان. (18) فصل القائلون بإمامة زين العابدين عليه السلام اختلفوا بعد موته، فمنهم من خرج بها عن ابنه محمد الباقر، والأكثرون أثبتوها له، والمثبتون منهم من قال بعدم موته والأكثرون أثبتوه، واختلفوا فمنهم من قال: هي لعبد الله بن الحسن، ومنهم من قال: هي لأبي منصور العجلي، والأكثرون قالوا إنه ابنه جعفر الصادق عليه السلام. وهؤلاء اختلفوا فقالت الناووسية: إنه لم يمت بل غاب، ورووا عنه أنه قال: لو رأيتم رأسي يدهده عليكم من الجبل لا تصدقوا فإني صاحبكم صاحب السيف ومن أخبركم أنه غسلني وكفنني ودفنني فلا تصدقوه، فإني صاحبكم، و هؤلاء انقرضوا. وقال آخرون بعدم غيبته: بل يراه أولياؤه، وقال الأكثر بموته، ثم اختلفوا فقالت فرقة إنه يرجع وهو القائم، وقالت طائفة: الإمام ابنه الأفطح وأخرى إسماعيل، وأخرى محمد، وقال الأكثرون أنه موسى، وقالت الفضيلية كانت الإمامة في الأربعة بالاشتراك، وقيل: أوصى بها إلى موسى الطبري وقيل: إنه بزيع. وقالت الأقمصية أنه معاذ، والجعدية أنه أبو جعدة، والتميمية أنه عبد الله ابن سعيد التميمي والقائلون بإمامة الكاظم عليه السلام اختلفوا فالممطورة شكت في موته والأكثرون قالوا هو ابنه علي الرضا عليه السلام.

[ 272 ]

واختلفوا بعده فمنهم من لم يقل بإمامة محمد ابنه لصغره، والأكثرون قالوا به، ولا يضر صغره كما في نبوة عيسى، واختلفوا بعده فمنهم من قال بابنه موسى والأكثرون قالوا: ابنه علي الهادي، ومن هؤلاء شذاذ زعموا أنه لم يمت، و الأكثرون قطعوا به. واختلفوا من بعده، فمنهم من قال بابنه جعفر، والأكثرون قالوا بأنه الحسن العسكري، ثم اختلفوا فيه فقال قوم: لم يمت، وقال آخرون: مات و سيجئ، وقيل: بل أوصى إلى أخيه جعفر، وقيل: إلى أخيه محمد، وقال الأكثرون: أوصى إلى ولده محمد وهو القائم المهدي الذي لا يحتمل المرا، ممن انصرف من الورا ولا يشك فيه من قراودرا. وقد أوردنا في كتابنا هذا في الأئمة الاثني عشر طرفا من النصوص، وذكرنا فيه ما جاء عن كل واحد من المعاجز بالخصوص، وهذه الاختلافات لا اعتداد بها لشذوذها، بل أكثرها لا وجود لها، وفي انقراضها بطلان قولها. إن قلت: فذا لا يتم في الإسماعيلية، قلت: سنبين أنهم خارجون عن الملة الحنيفية بالاعتقادات الرديئة، وذلك أنهم قالوا: كل ظاهر فله باطن، وأن الله بتوسط كلمة (كن) [ أوجد ] عالمي الخلق والأمر، فجعلوه محتاجا في فعله إلى الواسطة والآلة. وقالوا: إن العالمين ينزلان من الكمال إلى النقصان، ويعودان من النقصان إلى الكمال، وهكذا دائما وهذا يقتضي قدم (كن) ويلزمه قدم العالم وأبديته لأن (كن) إن كانت حادثة فقد سبقها مثلها، ويتسلسل أو يدور، ولأن المخاطب بها إما موجود فعبث، أو معدوم فقبيح. وقالوا: العلم بالله لا يحصل بدون الإمام، وفي هذا دور ظاهر، وقد اعتذر لهم عن هذا بأنهم يقولون: بمساعدته لكمال عقله. وقالوا: الإمام ؟ مظهر العقل، وهو الحاكم في العالم الباطن، والنبي مظهر النفس، وهو الحاكم في العالم الظاهر ففضلوا الإمامة على النبوة حيث جعلوا

[ 273 ]

الإمامة مظهرا للأشرف وهو العقل، وحاكمة في الباطن، فظهر من هذا الكلام خروجهم عن الاسلام. احتجوا بأن إسماعيل هو الأكبر ويجب النص على الأكبر، قلنا: الأكبرية لا توجب الإمامة كما لا توجب النبوة ولو سلم فإنما ذلك لو بقي الأكبر بعد أبيه، و إسماعيل مات في حياة أبيه، فالنص عليه من الله أو من أبيه عبث وسفه وكذب، ولم يرو ؟ أحد عن أبيه نصا فيه وأما ادعوه منه فكذب عليه. إن قيل: إمامته لا يبطلها موته قبل أبيه، كما أن خلافة هارون عندكم لم يبطلها موته قبل أخيه قلنا: الكلام في خليفته الذي أوصى إليه القيام بعد موته، فلو كان لا خليفة له في البرية، دخل في الموتة الجاهلية، ولهذا أوصى موسى إلى يوشع بعد موت أخيه. احتجوا بقول أبيه: ما بدا لله في شئ كما بدا في إسماعيل قلنا: فلا يقع منه البداء في الإمامة، وقد روي عنهم عليهم السلام مهما بدا لله فلا يبدو في نقل نبي عن نبوته ولا إمام عن إمامته، ولا مؤمن قد أخذ الله عهده بالإيمان عن إيمانه. والبداء الذي ذكره عليه السلام في ابنه هو القتل فقد روي عنه أنه قال: إن الله كتب القتل على ابني إسماعيل مرتين فسألته فيه فعفى عنه، فما بدا له في شئ كما بدا له في إسماعيل. وإذا بطلت إمامته بطلت إمامة ابنه محمد كما قيل فيه، فإن المتفرع على الفاسد فاسد. ومنهم من زعم أن الصادق عليه السلام بعد موت إسماعيل نص على ابنه محمد بن إسماعيل، بناء على أن القياس يقتضي نقلها من إسماعيل إلى ابنه إذ هو أحق الناس به قلنا: قد أبطلنا النص على إسماعيل ولو سلم فالإمامة ليست بالمواريث، وإلا لاشترك وراث الإمام جميعهم فيها، وإنما هي تابعة لصفات مخصوصة، ومصلحة معلومة. وأما القائلون بإمامة محمد بن جعفر الصادق عليه السلام فشذاذ جدا، وقد انقرضوا احتجوا بأن أباه مسح التراب عن وجهه، وضمه إلى صدره، وحكى عن أبيه الباقر أنه سيولد لك ولد يشبهني فسمه باسمي فإنه على سنة جدي رسول الله صلى الله عليه وآله.

[ 274 ]

قلنا: لا نسلم ورود ذلك، ولو سلم فهو خبر واحد لا يوجب علما، ولو سلم فليس فيه دليل النص عرفا، ولا فحوى، ولا عادة، على أن محمدا ظهر بالسيف ودعا إلى نفسه، وتسمى بأمير المؤمنين، وذلك منكر. إلا علي عليه السلام حيث سماه به النبي صلى الله عليه وآله. وأما الفطحية فلم يدعوا على عبد الله نصا من أبيه، بل عملوا على ما رووه من أن الإمامة لا تكون إلا في الأكبر، وهذا الحديث لم يذكر إلا مقيدا بعدم العاهة، وهو أن الإمامة في الأكبر ما لم يكن به عاهة، ومن المتواتر أنه كان من المرجئة، ولم يرو عنه شئ من الحلال والحرام، وامتحن بمسائل صغار، لما ادعى الإمامة، فلم يجب فيها بشئ من الأحكام، ولا علة في الدين آكد من هذه الأشياء ولولاها لم يجز من الله صرف النص عنه، وإلا لنقل وظهر، وعلم ما قد قال فيه أخوه الكاظم عليه السلام. (19) فصل القائلون بإمامة الكاظم عليه السلام منهم شذاذ أنكروا موته، وقالوا: هو المهدي، و آخرون أقروا بموته، وقالوا: سيبعث وهو المهدي. احتجوا بما رووا أن الصادق عليه السلام دخل على أم موسى وقت ولادته، وقال لها: بخ بخ حل الملك في بيتك، قلنا: إذا سلم الخبر لم يدل حلول الملك على الإمامة إذ هو أعم من الإمامة، ولو سلم أنه الإمام فمن أين لهم أنه القائم بالسيف إذ من الجائز أن يكون هو القائم بأمر أبيه فلا مهدوية له. ثم إنهم يعارضون بالواقفة قبلهم فأنكرت المحمدية موت النبي صلى الله عليه وآله و السبائية موت علي، والكيسانية موت محمد بن الحنفية، والمفوضة قتل الحسين والناووسية موت الصادق، فبما يكسرون هذه المذاهب ينكسر مذهبهم.

[ 275 ]

وأما القائلون بإمامة الرضا عليه السلام فاختلفوا، فشذوذ منهم رجعوا عن إمامته إلى الوقف على موسى، فشاركوا الواقفية في الإبطال السالف، وآخرون مثلهم قالوا: إن الرضا أوصى بها إلى أحمد بن موسى، واعتل الفريقان بصغر الجواد عليه السلام ولم يتفطنوا أن الله خص الأنبياء والأولياء (1) بالأحلام قبل الاحتلام فقال عيسى في مهده: (وجعلني نبيا (2)) وقال الله في يحيى: (وآتيناه الحكم صبيا (3)) ودعا النبي إلى الاسلام عليا ولم يدع غيره صبيا، وأتى بالسبطين إلى لبهال، ولم يباهل بغيرهما من الأطفال. وآخرون منهم قالوا: أوصى إلى ابنه محمد، وقد كان مات في حياة أبيه، فأنكروا موته، وقالوا: هو المهدي. وأما القائلون بإمامة الجواد فشذت منهم فرقة إلى القول بعده بمحمد ابنه ثم رجعوا إلى الحق وانضموا إلى الباقين، وقالوا بإمامة الهادي، وزعمت فرقة أن الإمام بعد الجواد أخوه جعفر، وهؤلاء لا دليل عندهم، ولا تواتر لهم لشذوذهم وقلتهم. وأما القائلون بإمامة الهادي فافترقوا، منهم من قال: إنه حي، والأكثرون قطعوا بموته، واختلفوا فشذت منهم طائفة بالقول بإمامة ابنه جعفر، وآخرة قالت: بإمامة ابنه محمد، وأنه بعث بعد موته بمواثيق الإمامة مع غلام له يقال له: نفيس إلى أخيه جعفر، فدفعها إليه وكان جعفر الإمام بعد أخيه، ويبطل ذلك موت محمد في حياة أبيه، وعدم نصه عليه، وعدم حصول العلم والعلائم فيه، والجمهور قالوا: بإمامة ابنه العسكري. وأما القائلون بإمامة العسكري فاختلفوا فيه، فقالت فرقة: إنه لم يمت بل غاب، وسيعود، وهو القائم المنتظر، فإذا قلنا ما الفصل بينهم وبين الفرقة الواقفة


(1) الأوصياء خ ل. (2) مريم: 32. (3) مريم: 14.

[ 276 ]

لم يجدوا فرقا ؟ وقالت فرقة إنه مات وعاش وهو القائم، لخبر رووه أن القائم هو الذي يقوم بعد الموت قلنا: إن صح الخبر، فالمراد بعد موت ذكره، دون موت شخصه، ويعضده ما روي أنه إنما سمي قائما لقيامه بدين قد اندرس، على أنهم إذا اعترفوا بموته فمن أين لهم العلم بحياته، وإذا جاز خلو يوم من الإمام عليه السلام جاز شهرا بل دهرا بل أبدا وهذا اعتزال عن رأي الإمامية إلى رأي المعتزلة، و خروج عنها إلى مذهب الخوارج. وقالت فرقة إنه لما مات لا عن عقب، كان الإمام أخوه جعفر بعده، لما روي عن الصادق عليه السلام أن الإمام هو الذي لا يوجد منه ملجأ وفي هذه الصورة لم نجد ملجاء من جعفر. قلنا ولم زعمتم أنه لا ملجأ من جعفر ؟ وقد قامت الأدلة على وجود محمد بن الحسن، على أن كل من ادعى إمامة شخص فله أن يقول: لم أجد ملجأ منه إلا إليه. إن قالوا لا نثبت وجود ولد لم نشاهده، قلنا: إذا قامت على وجوده الدلالة أغنت عن المشاهدة ؟ ؟ ؟ لزم من نفي المشاهدة مع الدلالة النفي، لانتفى الرب والأنبياء السالفة والأئمة الخالفة، وكثير من الموجودات ؟ ؟ المشاهدات، وهذا دخول في الجهالات، على أنه ما خرج عن جعفر من نقصان المعرفة، وارتكاب القبايح، والاستخفاف بالدين، ينافي إمامته. وقالت فرقة: لما مات لا عن ولد، علمنا بطلان إمامته لأن الإمام لا ؟ ؟ ؟ من الدنيا إلا عن عقب، قلنا: لو وجب أن يعقب الإمام إماما لزم التسلسل، وعدم تناهي الدنيا، على أن إنكار العقب مكابرة بعد قيام الأدلة من النبي والأئمة على وجوده، من أراده عثر به من هذا الكتاب ومن غيره. وقالت فرقة: الإمام بعد الحسن أخوه محمد وادعوا حياته بعد إنكارها، وهؤلاء أسقاط جدا لأنهم يدعون إمامة من مات في حياة أبيه، مع خلوه عن العلوم، و العلائم والنصوص، وأنكروا من كان بعد أبيه أعني العسكري، فإنهم رجعوا عنه

[ 277 ]

مع وجود العلوم والنصوص فيه. وزعمت فرقة أن الإمام بعد الحسن ولده علي، وهم قائلون بالغيبة والانتظار حرفا بحرف، والنزاع معهم في التسمية وقد انتشرت الأحاديث أن اسم القائم اسم النبي صلى الله عليه وآله وليس عليا من أسماء النبي. وقالت فرقة: ولد له ولد بعده بثمانية أشهر وهو القائم المنتظر قلنا: يلزمكم خلو الزمان من إمام، وقد مضى فيه الكلام، ثم إن ذلك منكم على الظن والترجيم والخبط والتوهم، إذ العقل لا يدل عليه، والسمع لم يوجد فيه، ولم يعد إليه. وقالت فرقة: إن الحسن خلف حملا ببعض جواريه، ولم يولد بعد، وجوزوا أن يبقى مائة سنة حملا، قلنا: أول ما يلزمكم خلو الزمان من إمام وقد أسلفناه ويلزمكم خرق العادة بحمل مائة سنة. إن قالوا: هو مقدور قلنا: مسلم، ولكن ليس كل مقدور يحكم بوقوعه بغير دليل، وإلا يحكم بوجود انقلاب البحار النائية حطبا والأشجار البعيدة ذهبا، و لعل بالبلاد البعيدة نساء يحبلن اليوم، ويلدن غدا، وهذا جهل محض فتحه على نفسه من اعتمد على خرق العادة من غير حجة، واعترف بوقوع ذلك بمجرد القدرة. وقالت فرقة: بطلت الإمامة بعد الحسن وخلت الأرض من حجة إلا أن يغضب على أهل الدنيا قلنا: يفسد هذا قضاء العقل بوجوب الإمام في كل زمان، مع بقاء كل مكلف من نوع الانسان، ويعضده قوله تعالى: (يوم ندعو كل أناس بإمامهم (1)) وقول رسوله: من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية، وقوله: في كل خلف من أمتي عدل من أهل بيتي ينفي عن هدا الدين تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وقول علي عليه السلام: اللهم إنك لا تخلي الأرض من حجة لك على خلقك إما ظاهر مشهور أو خائف معمور، وعلى هذا ؟ حمل قول الصادق عليه السلام بخلوها من حجة إذا غضب، أي من حجة ظاهرة، ولا يلزم خلوها من حجة باطنة.


(1) الإسراء: 71

[ 278 ]

وفرقة قالت: لا بد بعد الحسن من إمام ولا نعلمه بعينه، وهذه يرد عليها النقل الصحيح في إمامة المنتظر، والنص عليه من أبيه. قال فرقة: إن ابنه المنتظر هو الإمام ولكنه مات وسيجئ ويقوم بالسيف وهذه يرد عليها بوجوب عموم الإمامة، وعدم جواز الخلو منها، وقد أسلفنا ما تواتر من النصوص على عدد الأئمة وأسمائهم من الرب الجليل، والنبي النبيل، ومن كل إمام على من بعده بالتفصيل، وقد جاء ذلك من طرق المخالفين الجاحدين لأئمة العالمين، الطيبين الطاهرين، فضلا عما تواتر من الشيعة المؤمنين، رضوان الله عليهم أجمعين.

[ 279 ]

(12) باب في الطعن فيمن تقدمه بظلمه وعدوانه، وما أحدث كل واحد في زمانه من طغيانه، وسأذكر ذلك من طرق الخصم وغيره، ليكون ألزم للحجة، وأثبت للنفس على المحجة، حتى صنف الكلبي منهم كتابا كله في مثالب الصحابة، ولم يذكر فيه منقصة واحدة لأهل البيت عليهم السلام، وأنى له ولغيره بذلك بعد تطهير الخبير العلام. وستعلم باليقين ما حدث منهم في الدين، فالمختارون لهم من دون الله دخلوا في قوله: (اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله (1)). وهذا الباب ينوع إلى ثلاثة بحسب المشايخ الثلاثة، ويلحقها كلام بالاختصاص في أهل العقبة، ومعاوية، وابن العاص. (النوع الأول) * (في أبي بكر) * وهو أمور منها: إرساله لخالد إلى بني حنيفة فقتل وسبى ونهب، ونكح امرأة رئيسهم مالك من ليلته بغير عدة حتى أنكر عمر قتالهم، وحبس ما قسم له من مالهم، فلما صار الأمر له رده عليهم، ورد ما وجد عند غيره منهم، فالخطأ لأحدهما لازم، بالعقل الجازم. واحتج لقتالهم بمنع زكاتهم، مع أنهم لم يستحلوا منعا حتى يلزم ارتدادهم وإنما قالوا: حضرنا النص من النبي صلى الله عليه وآله بغدير خم على علي ولا نؤدي صدقاتنا إلى دعي، وأين هذا الشأن من أحداث عثمان، وهب أن الرجال منعوا الصدقات فما ذنب النساء المسلمات حتى يبعن ويوطأن ؟ وقد أورد الطبري ومسلم والبخاري


(1) الأعراف: 30.

[ 280 ]

عن القوم الذين كانوا مع خالد قالوا: أذن مؤذننا ومؤذنهم، وصلينا وصلوا و تشهدنا وتشهدوا. واحتج على جواز قتالهم بالاجماع وعدم النزاع قلنا: إن عرفتم الاجماع بخبر الواحد فلا إجماع. وإنما حمل أبا بكر على ذلك ما رواه الشيخ العمي (1) في كتاب الواحدة عن البراء أن وفد تميم أتوا النبي فقال أميرهم مالك بن نويرة: علمني الإيمان فعلمه الشهادتين، وأركان الشريعة، ونهاه عن مناهيها، وأمره أن يوالي وصيه من بعده وأشار إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فلما ذهب قال النبي: من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إليه، فلحقه الشيخان وسألاه الاستغفار لهما فقال: لا غفر الله لكما، تدعان صاحب الشفاعة وتسألاني ؟ فغضبا ورجعا فرأهما النبي فتبسم وقال: في الحق مبغضة. فلما قبض النبي صلى الله عليه وآله جاء مالك لينظر من قام مقامه فرأى أبا بكر يخطب فقال: أخو تيم ؟ قالوا: نعم، قال: فوصي رسول الله الذي أمرني بموالاته ؟ قالوا: الأمر يحدث بعده الأمر، قال: تالله ما حدث شئ ولكنكم خنتم الله ورسوله، و نظر إليه شزرا، وتقدم وقال: ما أرقاك هذا المنبر ؟ ووصي رسول الله جالس ؟ فأمر قنفذا وخالدا بإخراجه فدفعاه كرها، فركب راحلته وقال:


(1) هو محمد بن جمهور العمي، قال في معجم قبائل العرب: العم: بطن اختلف في نسبهم، فقيل: إنهم نزلوا بني تميم بالبصرة في أيام عمر بن الخطاب، فأسلموا، وغزوا مع المسلمين، وحسن بلاؤهم، فقال الناس. أنتم، وإن لم تكونوا من العرب وإخواننا وأهلنا، أنتم الأنصار والإخوان وبنو العم. فلقبوا بذلك وصاروا في جملة العرب. وقالوا: العم لقب مالك بن حنظلة، وقالوا: لقب مرة بن مالك، وهم العميون في تميم، وقال أبو عبيدة: مرة بن وائل بن عمر وبن مالك بن حنظلة بن فهم، من الأزد. و هم: ينو العم في تميم، ثم قالوا: مرة بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم.

[ 281 ]

أطعنا رسول الله ما كان بيننا * فيا قوم ما شأني وشأن أبي بكر إذا مات بكر قام بكر مقامه * فتلك وبيت الله قاصمة الظهر بدت وتغشاه العثار كأنما * يجاهد حمى أو يقوم على جمر فلو قام فينا من قريش عصابة * أقمنا ولو كان المقام على الجمر فبعث أبو بكر خالدا بجيش لقتله، فجاء فلم يجد فيهم مؤذنا فقال: ارتددتم عن الاسلام ؟ فقالوا: بل ذهب المؤذن إلى امتيار فلم يسمع، وصافهم الحرب و كان مالك يعد بألف فارس فخافه خالد فنظر مالك إلى امرأته وهي تنظر الحرب و تستر وجهها بذراعيها فقال: إن قتلني أحد فأنت فوقعت في نفس خالد، فأعطاه الأمان فاستوثق منه، فطرح سلاحه وأخذه وقتله، وعرس بامرأته من ليلته، وطبخ على رأسه لحم جزور لوليمته. فخرج متمم أخو مالك فاستعدى أبا بكر على خالد، واستعان بعمر، فقال عمر لأبي بكر: أقتل خالدا بمالك فقال: ما كنت لأقتل صحابيا بأعرابي في ردة عمياء قال عمر: لم يرتد بل حمله على ذلك جمال امرأته، فتشاتما فقال عمر: لو ملكت أمرا لقتلته به، فلما ولى عمر جاءه متمم وقال: قد وعدتني بقتله، فقال: ما كنت لأغير شيئا فعله صاحب رسول الله. إن قالوا: قد يعلم من الردة ما يخفى على عمر قلنا: كيف ذلك وقد أوصاهم: إن أدنوا وأقاموا كفوا عنهم، وكيف يخفى ذلك والقصة مشهورة ؟ فقد حدث أبو قتادة أنهم أقاموا الصلاة، فلم يلتفت خالد إليهم وأمر بقتلهم فحلف: لا يسير له تحت لواء، ورجع فأعلم أبا بكر فقال عمر: قد وجب علينا القصاص. قالوا: ذكر خالد لمالك النبي صلى الله عليه وآله فقال: صاحبك ؟ فأوهم أنه ليس بصاحب له فقتله، قلنا: قد قال أبو بكر: إنه تأول فأخطأ، فلو أراد مالك الاستخفاف بالنبي صلى الله عليه وآله لم يكن خالد أخطأ بل أصاب، ولاعتذر أبو بكر إلى عمر بذلك.

[ 282 ]

تذنيب روى صاحب العقد وصاحب الأغاني عن الرياشي أن متمما خاطب عبد اللاة وخالدا فقال: نعم القتيل إذا الرماح تنافجت * بين البيوت قتلت يا بن الأزور أدعوته بالله ثم قتلته * لو هو دعاك بذمة لم يغدر فاذهب فلا تنفك حامل لعنة * ما زعزعت ريح غصون العصفر ومنها: منعه فاطمة قريتين من قرى خيبر نحلهما رسول الله صلى الله عليه وآله لها وقد ادعتها مع عصمتها في آية التطهير، وأورد في مناقبها: فاطمة بضعة مني يريبني ما أرابها، ومن أغضبها فقد أغضبني، وليس للنبي أن يغضب لغضبها إلا وهو حق وإلا لجاز أن يغضب لغضب كل مبطل وقد شهد لها علي مع قول النبي صلى الله عليه وآله فيه: علي يدور معه الحق حيث دار، وقوله: علي مع الحق والحق مع علي، وأم أيمن واسمها بركة وهي حاضنة النبي صلى الله عليه وآله وقد كانت تخبر بفضائله قبل ظهور حاله، مع أنه روي أنها كانت في يدها فأخرج عمالها منها. إن قلت: فلعله كان لا يرى عصمتها وعصمة شاهدها قلت: فكان يجب إحلافها لأنها في يدها. إن قلت: فلعله كان لا يرى تكميل البينة باليمين قلت: هذا مردود فإن أكثر علمائكم والمشهور في كتبكم بل وفي سائر المسلمين خلافه. إن قلت: فالهبة لا بد من قبضها، قلت: قد بينا تصرفها فيها وأنه أخرج عمالها منها. قالوا: ترك النكير عليه دليل عدم ظلمها قلنا: فترك النكير عليها دل على صدقها، مع أنه معلوم من عصمتها، فكان يجب الحكم بمجرد قولها، ولهذا أمضى النبي شهادة خزيمة وحده، ولم يكن حاضرا لما علم من عصمته عليه السلام و جعلها بشهادتين.

[ 283 ]

إن قيل: اكتفوا بإنكار أبي بكر قلنا: إنها أقامت على دعواها وعلى غصبها ثم إن كان إنكاره مغنيا لهم عن إنكارهم عليها، فإنكارها مغن لهم عن إنكارهم عليه. وأيضا [ لما ] طلبت ميراثها من أبيها لقوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم (1)) الآية وهي محكمة كما قال صاحب التقريب: إنها نسخت المواريث المتقدمة. عارضها برواية تفرد بها هي قول النبي صلى الله عليه وآله: (لا نورث ما تركناه صدقة) والظاهر تزويرها وإلا كيف يخفى عن أهل بيته وجميع المسلمين حالها، وخبر الواحد إذا لم يكن مشهورا وعارضه القرآن، فكان مردودا لقوله صلى الله عليه وآله: إذا ورد عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فاقبلوه، وإلا فردوه، ولما سألته عن قسم رسول الله في الغنيمة قالت: أنت ورثت رسول الله ؟ قال: لا، بل ورثه أهله فإذا كان لا يورث فأي شئ ورث أهله، وإذا صح هذا بطل ذلك لتناقضهما، وقد شهدتما بعدم ميراثه، ولفقتما مالك بن أوسى معكما، فوالله ما شك بعد هذا أنكما بالباطل شهدتما، فلعنة الله عليكما، وعلى من أجاز شهادتكما، فولتا تلعنانه وتقولان أخذت سلطاننا، ومنعتنا مالنا، فقال: وأي سلطان لكما ولأبويكما ؟ هب أنه لا ميراث، أليس قد أسند علماؤكم بطرق ثلاثة إلى الخدري ورووه أيضا عن مجاهد والسدي أنه لما نزل (وآت ذا القربى حقه (2)) دفع النبي إليها فدكا ؟ إن قيل: خبر الواحد يخصص عموم آيات الميراث كالقاتل ونحوه قلنا: إنما خصصناه بالاجماع لا بخبر الواحد، ولو سلمت صحته فمعناه لا نورث ما تركناه صدقة بل ميراثا. وقد أخرج ابن قتيبة قولها في جوابه يرثك أهلك ولا نرث رسول الله ؟ وأخرج الترمذي أنها قالت من يرثك ؟ قال: أهلي وولدي، قالت: فما لي لا أرث أبي ؟ وأخرج البخاري أنها قالت: أترث أباك ولا أرث أبي ؟ أين أنت من قوله تعالى:


(1) النساء: 11. (2) الإسراء: 26.

[ 284 ]

(وورث سليمان داود (1)) وقول زكريا: (فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب (2)) وإذا أجمع على أنها أتت بآيتي الميراث في احتجاجها، ودلت الدليل على عصمتها، وجب الجزم بحقية قولها. إن قيل: قد يورث غيره من المرسلين، ولا يورث خاتم النبيين، قلنا: هذا خلاف إجماع المسلمين، فإن من ورثهم عمهم ومن منعهم عمهم. قالوا: المراد بالآيتين إرث العلم والنبوة، إذ لو أريد المال لما اختص سليمان دون زوجات أبيه، وباقي وارثيه، وكذا الكلام في يحيى مع أبيه قلنا: العلم والنبوة تابعان للمصلحة، لا مدخل للنسب والتوارث فيهما ولا يرد قول النبي لعلي في حديث زيد بن آدمي: ما ورث الأوصياء من قبلك كتاب الله وسنة نبيه، لأنه من طريقكم، وإنما نورده إلزاما لكم، على أن في إرثه للكتاب والسنة دليل الخلافة، إذ لو كان ثم أقرب منه وأولى، لما ورثه الولاية العظمى. وإذا قالوا: لا تجتمع النبوة والإمامة في بيت عند قولنا: لا تخرجوا سلطان محمد من بيته قلنا: فالنبي قد يولد منه النبي فما يمنع الوصي مع إجماعكم بعد الثلاثة على علي، وإرث العلم موقوف على الاجتهاد لا الميراث، ولهذا إن سليمان أوتي حكما وعلما في حياة أبيه، فلا مدخل للإرث فيه. وذكر سليمان في الإرث لا يدل على اختصاصه به، لعدم دلالة التخصيص بالذكر، على التخصيص بالحكم، والإرث حقيقة في المال وقصة زكريا تدل عليه حيث طلب ولدا يحجب بني عمه عنه، وعن الافساد فيه، لأنهم كانوا فساقا والتقدير: خفت الموالي أن يعصوا الله بمالي، فذهب بهذا ما يتوهم من نسبة البخل إليه، والعلم والنبوة لا حجب عنها بحال، لأنه بعث لإذاعة العلم، فكيف يخاف شئ بعث لأجله. إن قيل: لم لا يكون خوفه من مواليه الفساق أن يرثوا علمه فيفسدون


(1) النمل: 16. (2) مريم: 6.

[ 285 ]

الرعية ؟ قلنا: هذا العلم إن عنينا به الصحف، فلا يسمى علما إلا مجازا، مع أنه يرجع إلى إرث المال وإن عني به العلم الذي محله القلوب، فهو إما شريعة، فإنما بعث لنشرها، وبنو عمه من جملة أمته، وإن عني علم العواقب والحوادث، فهذا لا يجب الإعلام به، فلا خوف لأجله. إن قيل: إنما سأل الولي خوفا من اندراس العلم، قلنا: قد كان يعلم من حكمة الله أنه لا يندرس العلم لإزاحة العلة. إن قيل: خاف انتقاله إلى غير ولده قلنا: هذا خوف دنياوي، وليس هو مما بعث الأنبياء له، فجهة خوفهم يحمل على المضار الدينية. ثم نرجع ونقول إنه اشترط في الولد كونه (رضيا) أي عاملا بطاعة ربه مصلحا لما له، والنبي لا يكون إلا رضيا، فلا معنى للتقييد بكونه رضيا. إن قلت: يجوز الدعاء بالواقع، مثل (رب احكم بالحق (1)) واجعلنا مسلمين لك (2)). قلت: كان ذلك تعبدا وانقطاعا إليه تعالى فيما يعود إلى الداعي، بخلاف هذا، ولذلك لا يحسن: رب ابعث نبيا، واجعله عاقلا. قالوا: روي أنه قال لها: إن كان أبوك يورث فخصمك الزوجات وعمك، و إن كان لا يورث فجميع المسلمين خصمك قلنا: فما بال المسلمين لم يكونوا خصم جابر حيث قال له: النبي صلى الله عليه وآله وعدني بكذا فحثى له من مال البحرين كما أخرجه البخاري، فأعطاه بمجرد دعواه ومنع فاطمة مع عصمتها وبينتها. إن قالوا: فلعله علم صدق جابر، قلنا: ومن أين له ذلك مع أن البخاري وغيره رووا أنه لا ينبغي للحاكم الحكم بعلمه لموضع التهمة. إن قيل: فمذهبكم أن الحاكم يحكم بعلمه قلنا: فيدخل في قسم قوله تعالى: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض) إلى آخر الآية (3).


(1) الأنبياء: 112. (2) البقرة: 128. (3) البقرة: 85.

[ 286 ]

إن قيل: قولكم ولا نورث ما تركناه صدقة - بالنصب - بل ميراثا، لم يتأوله أحد قلنا: أوله أصحابنا فلا إجماع في غيره. إن قيل: لو كان هذا التأويل صحيحا لم يكن لتخصيص الأنبياء بالذكر مزية إذ غيرهم كذلك قلنا: يجوز أن يريد إنما ننوي فيه الصدقة ونفرده، وإن لم نخرجه من أيدينا لا يناله وارثنا، وهذه مزية، مع أنه يجوز ترجيح الخاص بالذكر (كفاكهة ونخل ورمان (1)) وما يدريك أن يكون النبي صلى الله عليه وآله علم من حاله إنكار ميراثه، فأفرده بالذكر لهذه المزية. إن قيل: إنما رويت (صدقة) بالرفع، وهو ينفي ذلك قلنا: إن أهل الرواية ما يجري في هذا المجرى، أو لعلهم نسوا واشتبه عليهم، فرفعوها على ظنهم. قالوا: لم تنكر الأمة عليه فهو دليل على صوابه. قلنا: قد سلف ذلك (2) ولم تنكر الأمة عليها فهو دليل خطائه. إن قيل: اكتفوا بإنكار أبي بكر عليها قلنا: إنها قامت على دعواها وعلى غصبها، ثم إن كان إنكاره كافيا لهم عن إنكارهم عليها، فإنكارها كاف لهم عن إنكارهم عليه، وقد سلف ذلك ولو دل ترك النكير على الصواب، دل تركه على صواب عمر في إنكار المتعتين، ولكان ترك النكير دليل صوابه في الجمع بين النقيضين أحدهما قوله في السقيفة (إن النبي قال: (الأئمة من قريش) وقوله في شكائه: إن سالما مع كونه عتيقا لامرأة - لو كان حيا لولاه، ويد الخلافة لا تطاولها يد. إن قيل: فما بال عثمان مع كونه خليفة تطاول الأيدي إليه بما لا خفاء فيه قلنا: عثمان كان ضعيفا في نفسه، مستخفا بقدره، واستأثر بالأموال، فلم يكن له من المحبة ما للشيخين. إن قيل: فإنكار نص القرآن أولى من أحداث عثمان ؟ قلنا: اشتبه عليهم أن خبر الواحد يخص القرآن، فلم يظهر للرعية الجحدان، على أن أكثرها لا تعرف القرآن، ولا الحق بالبرهان، وإنما ذلك لقليل من أفراد الانسان.


(1) الرحمن: 68. (2) في ص 282 ص 20.

[ 287 ]

قالوا: شهد لأبي بكر بصحة الخبر عمر وعثمان وطلحة والزبير وسعيد و ابن عوف. قلنا: لم يعرف ذلك منهم إلا بطريق ضعيف، مع أنهم لحل الصدقة لهم متهمون، وإلى دنياهم مائلون. إن قيل: فعلى هذا لا تقبل شهادة مسلمين بصدقة في تركة المسلمين. قلنا: ليس في هذا إخراج أهل التركة منها، بخلاف ما نحن فيه، إذ يخرجون بتحريم الصدقة عليهم. وفي هذا نظر إذ فيه قبول شهادة الانسان فيما يشارك. قال: والعجب أن كل صف ممن خالفنا في الميراث يرد أحاديث مخالفه مما هو أصح إسنادا من رواية أبي بكر (لا نورث) فإذا صاروا إلى ميراث النبي خصوا الكتاب بخبر لا يداني بعض ما ردوه. قالوا: قال علي: ما حدث أحد بحديث إلا استحلفته، ولقد حدثني أبو بكر وصدق، وفي هذا دليل صدقه في (لا نورث) قلنا: هذا كذب عندنا، وقد روته آحادكم فليس حجة علينا، على أنه لا يلزم من صدق أبي بكر في خبر صدقه في كل خبر حتى يصدق في (لا نورث) ويكون ترك استحلافه من حيث إن عليا سمعه من النبي، لا لاستيمانه، هذا، ولما تولى عثمان أقطع فدك، وآوى عدو رسول الله وطريده مروان، لما زوجه ابنته، فكأنه أولى من فاطمة وأولادها بإقطاعها، و قد قسم عمر خيبر على أزواج النبي لأجل ابنته وابنة صاحبه، أخرجه في جامع الأصول من طريقي البخاري ومسلم وأبو بكر شريك مدعي، شاهد جار، خصم حاكم. إن قيل: لم يدع لنفسه بل بين ما سمعه قلنا: لما جاءت الصدقة له دونهم كان جارا لنفعه. قالوا: لو شهد اثنان أن في التركة حقا وجب صرفها عن الإرث، فكذا هنا قلنا: الأخبار لا تشبه الشهادة فإن كان ما ترك النبي صدقة فجميع المسلمين خصمه وإلا ففاطمة عندنا، وا ؟ ؟ با خصمه، فلا يجدون لهم جوابا عن سؤاله: (كيف

[ 288 ]

خلفتموني فيهم) سوى: آوينا من طردته، وأبعدنا وزوينا عن حقه من أوصيته فعند ذلك إلى أشد العذاب يردون، فويل لهم مما كسبت أيديهم وويل لهم مما يكتبون. قالوا: أبو بكر ما منع كتابيا حقه، فكيف فاطمة لو كان لها حق ؟ قلنا: لم يقع من الشحناء للكتابيين كما وقع لها ولأهلها، وقد ثبت بآية التطهير عصمتها وأثنت (هل أتى) على صدق طويتها، وما ورد من قول أبيها في حقها، ودخولها في العترة المأمون ضلالهم من تمسك بها. فإن كان أبوها بحديث ما تركناه صدقة أعلمها، فلا فرية أعظم من ادعائها أموال المسلمين وذلك يناقض ما تقدم فيها، وإن لم يكن عرفها فقد أغراها على الفتنة والسقوط فيها، وفي ذلك وجوب النار له، وحاشاه منه، لما خرج من جامع الأصول عن الترمذي وأبي داود من قوله عليه السلام: إن الرجل ليعمل بطاعة الله ستين سنة، حتى يحضره الموت، فيضار في الوصية فتجب له النار، وأي ضرر أعظم من كتم ذلك عن وصيه ووارثه، وسنذكر في ذلك زيادات في باب رد الشبهات. قالوا: طلبت فدك تارة بالنحلة وتارة بالإرث، فإن وقع ذلك عمدا أو سهوا منها بطل عصمتها قلنا: لما أنكر النحلة عدلت إلى الميراث إلزاما له بالحجة، بأن المسلم لو حاكم النصراني إلى جاثليقه فأبى أن يحكم له بشهادة المسلمين، واستشهد ذميين، لم يكن طالبا لحقه من غير وجهه، ولا يتحظر عليه في أخذه، وقد أمر الله النبي أن يقاضي اليهود بالتوراة، مع أنها محرفة ليلزمهم فيها بالحجة. وما أحسن قول البرقي في ذلك: فلم يوار رسول الله في جدث * حتى تعصب فرعون لهامان واستخرجا فدكا منها وقد علما * بأنها حقها حقا بتبيان ولا أقول أبا بكر ولا زفر * على الصواب وإن جاءوا ببرهان فإن يقولوا أصابا فاليهود إذن * بإرث داود أولى من سليمان

[ 289 ]

تذنيب قال علي لأبي بكر: لو شهد العدول على فاطمة بفاحشة ما كنت صانعا ؟ قال: أحدها، قال: إذن تخرج من الاسلام لأنك تركت شهادة الله لها بإذهاب الرجس عنها، وصدقت الخلق بإثباته فيها، فقام من المجلس وترك عليا. قالوا: لا يلزم من عصمتها أخذ مدعاها بغير بينة منها، لأن أباها مع نبوته لا يحكم له بدون بينة قلنا: هذا يضحك الثكلى، فإذا لم يعرف كون البينة حجة إلا بقوله، فكيف لا يقبل قوله إلا ببينة، إن هذا لشئ عجاب. تذنيب آخر: أخبرنا المرزباني مسندا إلى قاسم الخياط غلام السيد الحميري قال: حججت معه فلقينا الكميت فسلم عليه السيد وأعظمه وقال: أنت القائل: ولا أقول وإن لم يعطيا فدكا * بنت النبي ولا ميراثه كفرا الله أعلم ما ذا يأتيان به * يوم القيامة من عذر إذا حضرا قال: أضعفت عن الحق يقول النبي: (فاطمة بضعة مني يريبني من أرابها) ويشهد لها علي وولداه وأم أيمن ولم يحكم لها والله يقول: (يرثني ويرث من آل يعقوب (1)) (وورث سليمان داود (2)) ويجعلون هم سبب خلافة أبي بكر بشهادة ابنته أن النبي قال: مر أبا بكر فليصل، ما تقول فيمن حلف بالطلاق أن فاطمة و شهودها ما قالوا إلا حقا ؟ قال: يقيم على امرأته، قال: فلو حلف أنهم قالوا غير الحق قال: طلقت امرأته قال: فانظر في أمرك قال: أنا تائب إلى الله من شكي فيما قلت. تذنيب روي عن ابن عباس أنه دخل على أبي بكر رجل فسلم وقال: عزمت الحج فأتتني جارية وقالت لي أبلغك رسالة وهي أني: امرأة ضعيفه، وإني عائلة وكان


(1) مريم: 6. (2) النمل: 16.

[ 290 ]

لأبي أريضة جعلها لي تعينني على دهري فكنت أعيش منها، وأنا وزوجي وولدي فلما توفي أبي انتزعها ولي البلد مني فصيرها في يد وكيله، واستغلها لنفسه و أطعم من شاء وحرمني فقال أبو بكر: ليس له ذلك ولا كرامة، لأكتبن إليه ولأعذبن هذا الظلوم الغشوم، ولأعزلنه عن ولايتي، وقال عمر: لا تمهله وأنفذ إليه من ينكل به، ويأتي به مكتوفا وأحسن أدبه على خيانته وفسقه، فقال أبو بكر: من هذا الوالي ؟ وفي أي بلد ؟ وما اسم المرمية بهذا المنكر. فقال الرجل: نعوذ بالله من غضب الله، نعوذ بالله من مقت الله، وأي حاكم أجور وأظلم ممن ظلم بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ثم خرج. فقال أبو بكر لخدمه: ردوه، فقالوا: ما خرج علينا أحد وإن الباب لمغلق فقال عمر: لا يهولنك هذا، فربما يخيل إبليس علينا وعلى أمة محمد ليفتنهم، فقال أبو بكر لابن عباس: أعيذك بالله أن تسمع ما سمعت أحدا، فسمعنا هاتفا يقول: يا من يسمى بإسم لا يليق به * اعدل على آل يس الميامينا أتجعل الخضر إبليسا فقد ذهبت * بك المذاهب من رأي المضلينا فتب إلى الله مما قد ركبت به * آل النبي ودع ظلم الوليينا فالله يشهد أن الحق حقهم * لاحق تيم ولا حق المخلينا فأجابه آخر. عدلت أخا تيم على كل ظالم * وجرت على آل النبي محمد وأغنيت تيما مع عدي وزهرة * وأفقرت غرا من سلالة أحمد أفي فدك شك بأن محمدا * حباها لها من دون تيم بمشهد علي وسلمان ومقداد منها ؟ * وجندب مع عمار في وسط مسجد وأشهدنا والناس أن تراثه * لفاطم من دون البعيد المبعد فنحن شهود يوم لكفى محمدا * بظلمكم آل النبي المسدد فلا زلت ملعونا يمسك سخطه * ولا زلت مخذولا عظيم التلدد

[ 291 ]

فدخل ابن عباس على علي فحدثه علي بالحديث، فلما أصبح أبو بكر دعا بفاطمة وكتب لها كتابا بفدك، فأخذه عمر وبقره، فدعت عليه بالبقر واستجيب لها فيه. تذنيب رد عمر بن عبد العزيز فدكا في أيامه، وهو من أئمة العدل عندهم، فعوتب عليه، وقيل له: ظلمت الشيخين، فقال: هما والله ظلما أنفسهما، وطعنا عليهما. وجمع المأمون العلماء لأجلها، فاضطرته الحجة إلى ردها، فردها. بحث * (في تكميل ذلك) * قال المرتضى رحمه الله: إن قيل: لو ورثت الأنبياء الأموال لتطرق إلى أهلهم تمنى موتهم، وهو كفر، فنزه الله أهل الأنبياء عن ذلك قلنا: جعل متروكاتهم صدقة، فيه تمنى جميع المسلمين موتهم، ولو لزم من الإرث تمني الموت، لزم عقوق الوالدين، و سرى ذلك في الأولياء. إن قيل: قد نهيت الأمم عن تمني موتهم، قلنا: وكذلك الحكم في أهلهم على أن الله أقدر الخلق على أنواع المعاصي ولم يكن ذلك منه تعريضا لهذه القبائح فكيف يكون في ميراثهم تعريضا لتمني موتهم، وأيضا فالحكم بإرثهم مع نهي أهلهم عن تمني موتهم بمنزلة جليلة من التكليف لما فيه من مخالفة الهوى فيستحقون جزيل الثواب، فكيف ينزهون عما هو إحسان إليهم. تذنيب قال الجبائي لا عفى الله عنه: طلبت حقا ورجعت بحق، قلنا: كيف ذلك فقد زعمتم أن من ظلم خردلة مخلد في النار. فكيف من ظلم بنت نبيكم ؟ قالوا: جاءت تطلب خادما من أبيها فلم يعطها، وعلمها السبيح المشهور بها، فكيف يعطيها

[ 292 ]

أبو بكر فدكا بمجرد طلبها، قلنا: طلب الخادم نافلة من أبيها، وطلب فدك بمستحقها فلا يقاس عليها، ولو منعها ذلك استهانة بها، لوجب منعها من جميع حقوقها، ولم يتجرء مسلم بذلك عليها، وأي عوض جعله الشيخ لها عند منعها، كما جعله أبوها إذ ناهيك شرفا وفضلا مشاركتها إلى القيامة من ثواب من أتى بتسبيحها. قالوا: قلتم إنما منعها كيلا ينتفع بها بعلها كيف ذلك وقد أعطوه من غنيمة عساكرهم قطعة من بساط كسرى باعها بعشرين ألفا. قلنا: ظاهر منعها عدم انتفاع أهل البيت بها لتمالئهم عليها، وانحرافهم عنها وعن أهلها، وإقطاع ذلك مروان دونها، مع كونه عدوا لأبيها، وكان الواجب صلتها بها، وإن لم يكن ملكها تقربا إلى أبيها وربها، وإعطاء البساط إن صح لم يناف ما قلناه لكونه حقه إذ الأمر والإمارة له، ولو أمكن منعه لشبهة لفعلوها كغيرها إذ كل الأمور لا يمكن التلبيس فيها، والعساكر للاسلام لا لأولئك اللئام وقد أخرج البخاري قوله عليه السلام: إن الله ينتصر لهذا الدين بالرجل الفاجر. قالوا: قلتم غضبت لذلك عليهما، ودفنت ليلا لئلا يصليان عليها لتمنعهما غفران ذنبيهما كيف نسبتم إلى علي ذلك وفيه منع الدعاء لها بالصلاة عليها، ومنع غفران ذنوب الصحابة بتركها، وهل يكون عليا إلا مناعا للخير عنهم وعنها. قلنا: أما غضبها فقد صار من الأوليات لما جاء من الخائنين في الروايات فقد أخرج في جامع الأصول وحكاه عن مسلم والبخاري عن عائشة مجيئها تلتمس أرضها وميراثها، فردها أبو بكر بلا نورث، وهجرته حتى ماتت ودفنها علي ليلا ولم يؤذنه بها وفي بعض الطرق أنه عتب فقال: بذلك أمرتني على أنه لا حجة في دفنها ليلا لدفن النبي وابن عمر وغيرهما ليلا وقد أسند عيسى بن مهران إلى ابن عباس أنها أوصت أن لا يعلمهما بدفنها، ولا يصليان عليها، رواه الواقدي وغيره، وهذا ونحوه دليل غضبها عليهما. وفي البخاري (من أغضبها فقد أغضبني) وفي مسلم (يريبني ما أرابها ويؤذيني ما آذاها) ورووا جميعا أنه عليه السلام قال: إن الله يغضب لغضبها، وقد قال الله تعالى:

[ 293 ]

(إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة) (1) ولهذا قالت لهما: أنشد كما الله هل سمعتما النبي يقول: رضا فاطمة من رضاي وسخطها من سخطي ؟ من أرضاها فقد أرضاني، ومن أسخطها فقد أسخطني ؟ قالا: نعم قالت: أشهد الله وملائكته أنكما قد أسخطتماني فبكى أبو بكر وهي تقول: والله لأدعون عليك في كل صلاة. قولهم: منعها الدعاء قلنا: ليس كل دعاء مقبول، وقد يدعو عليها في صلاته ويتشفى بها في حضوره، كما قصد أذاها مرارا في حياتها، فيكون عليا بذلك مناعا للشر عنها، وقد منع الله غير المستحقين من جنات النعيم، فكذا أمير المؤمنين ليس بمناع للخير معتد أثيم. قالوا: ليس في ردها بالحق أذى لها قلنا: وأي حق أوجب ردها، بعد نزول آية التطهير فيها، وثبوت عصمتها الموجبة لصدق دعواها، وأن النبي يغضب لغضبها، ويستحيل غضبه بغير الحق لها، وقد أورد العلماء حديث (يريبني ما أرابها) في جملة مناقبها. قالوا: حديث (يؤذيني ما آذاها) إنما قال النبي لعلي عند خطبته لعنت أبي جهل بن هشام قلنا: لا صحة لهذا الحديث فإنه من وضع الكرابيسي وهو مشهور لأهل البيت بعداوتهم، والازراء على فضائلهم، ويشهد بكذبه إنكار النبي جهات الحل الأربع الذي جاء به ولو فرض أنه نفر عن إغارة ابنته بطبعه، لأنكر عليه سرا وتكلم في العدول عنه خفيا لما وصفه الرب الحكيم في قوله: (وإنك لعلى خلق عظيم) (2) وهذا المأمون لما أنكح الجواد ابنته فتزوج عليها، كتبت بذلك إلى أبيها فأجابها منكرا عليها: إنا ما أنكحناه لنحظر ما أحله الله، وليس للمأمون ولا لغيره ما كان للنبي في احتماله وغيره (3) وليس في الخطبة وصمة لعلي توازي النقيصة في


(1) الأحزاب: 57. (2) القلم: 4. (3) يعني الغيرة بمعنى الآنفة والحمية.

[ 294 ]

إنكار النبي، وقد اتفق النقلة على أن الله اختار عليا لها، وزوجه في السماء بها ولا يختار لها من يغيرها ويغمها، على أن ما ثبت من عصمتها يرفع الغم بذلك عنها على أنه لم يعهد إليه من علي الإقدام على ما يكره النبي، ولو كان الخبر صحيحا لعنون به بنو أمية في العيب عليه، ولضموه إلى ما يتخر صونه من العيوب فيه، ولم يتنبه القائل به لما فيه من ذم نبيه، وقد أورد فيه الفاجر قول النبي: (لا تستوي بنت مؤمن ولا كافر) وقد استوى عند النبي ذلك وهو ظاهر. تذنيب قد سلف الكلام في تأدية براءة وما فيها في الباب التاسع فليراجع منه. ومنها، ما رواه مسلم في صحيحه على حد ثلاث كراريس أنه لما بعثت فاطمة تطلب إرثها وحقها من فدك ومن خمس خيبر لم يعطها شيئا، وأقسم أن لا يغير شيئا من صدقات رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد غير ذلك وحنث في يمينه. ففي الجمع بين الصحيحين في الحديث الثالث أن النبي صلى الله عليه وآله ما كان يعطي بني نوفل، وبني عبد شمس من خمس خيبر شيئا، وكان أبو بكر يقسم نحو قسم النبي غير أنه ما كان يعطي قرابة النبي صلى الله عليه وآله كما كان النبي يعطيهم، قال ابن شهاب: وكان عمر يعطيهم وعثمان بعده. ومنها: ما ذكره الطبري في تاريخه والبلاذري في أنساب الأشرف و السمعاني في الفضائل (1) وأبو عبيدة من قوله على المنبر حين بويع: أقيلوني لست بخيركم وعلي فيكم، وهذا يدل على أنه ليس خليفة رسول الله، وإلا فمن يقيله مع إنفاذ كتبه بذلك إلى الآفاق والولاة، حتى روي أن أباه نقض عليه ما أملاه، وكان الواجب أن يكتب من خليفة عمر لأنه أول من بايعه وتولاه، وفي قوله: (لست بخيركم) تكذيب لما رووه من قول النبي صلى الله عليه وآله ما طلعت الشمس وما غربت على


(1) ورواه في الصواعق المحرقة ص 30 ولفظه (أقيلوني أقيلوني لست بخيركم) و وفي الإمامة والسياسة: (لا حاجة لي في بيعتكم أقيلوني بيعتي)

[ 295 ]

أحد بعد النبيين أفضل من أبي بكر، فكان يحسن منه تكذيب النبي صلى الله عليه وآله. قالوا: قال ذلك تواضعا كقول النبي صلى الله عليه وآله: (لا تفضلوني على يونس) مع أنه أفضل منه ومن غيره. قلنا: قياس باطل لأن النهي إنشاء لا يحتمل الصدق والكذب، بخلاف الجبر ؟ وحينئذ نقول: إذا كان صادقا لم يصلح للإمامة، وإن كان كاذبا فكذلك، فالعذر بالتواضع فاضح غير واضح. ثم نقول: إن كانت الإقالة محرمة فطلبها معصية، وإن كانت جائزة فما بال عثمان لما طلبوا خلعه اختار القتل دونها، وقد أبيحت كلمة الكفر وغيرها من المحرمات عند الخوف على النفس، فالخلع عنده أعظم من الكفر والقتل، وأبو بكر دعا إلى الخلع فكل منه ومن عثمان يكفر الآخر التزاما. على أن الاختيار كان إلى الأمة في ؟ معنى لطلبها خلع عثمان، بل لها عزله وإن كان إلى الإمام فلا معنى لطلب الآخر الإقالة، بل له عزل نفسه. قالوا: نبه بذلك على أنه لا يبالي بخروج الأمر عنه قلنا: ظاهره الإقالة فلا يعدل عنه بغير دليل، ولو أراد غيره لقال: ما أكرهتكم على بيعتي ولا أبالي أن لا يكون هذا الأمر لي، وما أحسن ما قال في ذلك الجزري: قال أقيلوني فما أقاله * الثاني فأي الرجلين أظلم مهدها لغيره في نفسه * بالله ما يفعل هذا مسلم وقد ذكرنا طرفا في آخر باب النصوص من الرسول صلى الله عليه وآله. تذنيب سبب طلبه ما رواه أبان ابن عثمان عن ابن عباس أن عليا احتج عليه بمناقبه فنام فرأى النبي صلى الله عليه وآله في منامه، فسلم فأعرض بوجهه، وأمره أن يرد الحق إلى أهله، فصعد المنبر وبدأ في تفسير منامه، فقام الثاني وقال: ما دهاك ؟ والله لا أقلناك فرد عزمه، وسيأتي ذلك تاما في باب المجادلة.

[ 296 ]

ومنها قوله على منبر المدينة: (أعينوني وقوموني) (1) رواه القاسم بن سلام عن هشام ومن المعلوم أن المحتاج إلى الرعية أحوج إلى الإمام وأين ذلك من قول علي عليه السلام: (سلوني قبل أن تفقدوني) أورده شارح المصابيح وغيره. قالوا: كان تحت منبره الرعية والجهال فأراد إرشادهم بالسؤال، وأبو بكر كان تحت منبره علماء الأمة وصدورها، فأراد بذلك استمالة قلوبهم، لا ليستفيد منهم، ولم يخالفوه. قلنا: قد ذكر سائر المؤرخين أنه كان عند علي أكابر الصحابة كأبي أيوب وابن عباس وخزيمة وعمار وعدي وعثمان ابن حنيف وغيرهم. قولهم: (لا يستفيد منهم) منقوض بما أخرجه الترمذي أنه لم يعرف ميراث الجدة، حتى شهد له ابن شعبة ومحمد بن مسلمة أن النبي صلى الله عليه وآله أعطاها السدس، و نمنع عدم المخالفة بما في كتبهم عن علي (إن القوم استضعفوني) وقول أبي بكر: (ليتني كنت تركت بيت فاطمة) (2) وقول فاطمة له، كما رواه ابن قتيبة وغيره فأي مخالفة أعظم منه، هذه ومثلها لمن تأملها. ومنها: ما رواه الواقدي من قول أبي بكر: قد علمت أني داخل النار أو واردها فليت شعري هل أخرج منها أم لا ؟ ومن يرمي بنفسه بهذه الطامة كيف يصلح للإمامة العامة ؟ وأين ذلك من قول علي بعد ضربة ابن ملجم: فزت والله، وقال للحسن ما يرى أبوك سوءا بعد اليوم، وقال لما بكته أم كلثوم: هذه الملائكة والنبيون يقولون: يا علي انطلق فما أمامك خير لك مما أنت فيه. ومنها: أنه تخلف عن جيش أسامة مع تكرير النبي الأمر بتجهيزه، ولعنه المتخلف عنه، فقد أخرج الطبري في المسترشد أن جماعة من الصحابة كرهوا تأمير


(1) راجع تاريخ الطبري ج 3 ص 210، الإمامة والسياسة ج 1 ص 16 وهكذا سيرة ابن هشام ج 2 ص 661 (2) رواه الطبري في تاريخه ج 4 ص 3 ؟

[ 297 ]

أسامة فبلغ النبي صلى الله عليه وآله ذلك، فخطب وأوصى به، ثم دخل بيته وجاء المسلمون يودعونه ويلحقون بأسامة، وفيهم أبو بكر وعمر والنبي يقول: أنفدوا جيش أسامة فلما بلغ الجرف بعثت أم أسامة وهي أم أيمن أن النبي صلى الله عليه وآله يموت، فاضطرب القوم وامتنعوا عليه، ولم ينفذوا لأمر رسول الله صلى الله عليه وآله ثم بايعوا لأبي بكر قبل دفنه فادعى القوم أن أبا بكر لم يكن في جيش أسامة. فحدث الواقدي عن ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة أن أبيه قال: كان فيهم أبو بكر، وحدث أيضا مثله عن محمد بن عبد الله بن عمر وذكره البلاذري في تاريخه والزهري وهلال بن عامر ومحمد بن إسحاق وجابر عن الباقر عليه السلام ومحمد بن أسامة عن أبيه ونقلت الرواة أنهما كانا في حالة خلافتهما يسلمان على أسامة بالإمرة. وفي كتاب العقد اختصم أسامة وابن عثمان في حائط فافتخر ابن عثمان فقال أسامة: أنا أمير على أبيك وصاحبيه، فإياي تفاخر ؟ ولما بعث أبو بكر إلى أسامة أنه خليفة، قال: أنا ومن معي ما وليناك أمرنا، ولم يعزلني رسول الله عنكما وأنت وصاحبك بغير إذني رجعتما، وما خفي على النبي صلى الله عليه وآله موضع وقد ولى عليكما، ولم يولكما. فهم الأول أن يخلع نفسه فنهاه الثاني فرجع أسامة ووقف بباب المسجد وصاح: يا معشر المسلمين عجبا لرجل استعملني عليه فتأمر علي وعزلني، ولو فرض أنهما لم يكونا فيه، أليس قد عطلاه بعدم تنفيذه، وعصيا أمر النبي صلى الله عليه وآله بتنفيذه قال الحميري: أسامة عبد بني هاشم * ومولى عتيق ومولى زفر لقد فضل الله ذاك بن زيد * بفضل الولاء له إذ شكر على زفر وعتيق كما * رواه لنا فيهما من حضر ولو كان دونهما لم يكن * ليرجع فوقهما في الخبر فصيره لهما قائدا * فقالا له قد سئمنا السفر

[ 298 ]

وقال عتيق ألا يا زفر * يكلفنا الغزو بعد الكبر فولا وماتا جميعا ولم * يطيعا أسامة فيما أمر وأنشأ الناشي والعوني، وابن الحجاج، وديك الجن، والنمري، و الجزري أشعارهم في ذلك. إن قيل: لو كانا فيها ورجعا لأنكروا عليهما، قلنا: كان الحال وهو موت النبي صلى الله عليه وآله يمنع الانكار عليهما أولم يعرف الكل الأمر بالكون فيه، أو جوزوا أن أسامة ردهما أو عاند بعض لغرضه في رجوعهما. قال الجاحظ: لو جهد أحد على حديث أن أبا بكر كان في جيش أسامة لم يجده قلنا: ذكره منهم من لا يتهم عن البلاذري وأسند أبو بكر الجوهري في كتاب السقيفة أن أبا بكر وعمر كانا فيه وقد سلف. قالوا: خطابه بالتنفيذ إنما هو لأسامة، لأنه الأمير قلنا: الأمر الفوري بالانفاذ يتضمن الأمر بخروج كل شخص إذ لا يتم الجيش بدونه، على أن لفظة أنفذوا تدل على الجميع. قالوا: الأمر بالتنفيذ لا بد من شرطه بالمصلحة قلنا: إطلاق الأمر يمتنع من هذا الشرط، ولو كان كذلك لسرى في جميع أوامر الله، فإنها تابعة للمصلحة لأنها لا تفعل حتى يحضر المصلحة. إن قالوا: حروبه عليه السلام بالاجتهاد فجازت مخالفتها لمصلحة قلنا: لا فإن أعظم تعلقها بالدين، ولو جاز الاجتهاد فيها جاز في الأحكام كلها فساغت المخالفة في جميعها. قالوا: ترك علي المحاربة لمصلحة مع أمر الله بها قلنا: إنما ترك لفقد القدرة أما الخروج في الجيش فقد كان فيه قدرة. إن قالوا: رجع ليختاره النبي صلى الله عليه وآله للإمامة قلنا: خروجه لا يمنع النبي من اختياره، وأيضا فلم لم يخرج بعد البيعة له وقد زعمتم أن النبي صلى الله عليه وآله أمره بالصلاة كيف ذلك وقد كان بروايتكم في جيش أسامة، وقد علم النبي موت نفسه

[ 299 ]

ونعاها قبل ذلك بشهر، كما رواه الواقدي عن عبد الواحد بن أبي عون فكذلك أخرج أبو بكر ومن خافه على تبديل أمره في جيش أسامة وقد ذكر أبو هاشم المغربي في كتابه الذي سماه الجامع الصغير أن أبا بكر استرجع عمر من جيش أسامة وقد كان في أصحابه. ومنها: كذبه على رسول الله صلى الله عليه وآله بتسمية نفسه خليفة وكتب إلى الأطراف من خليفة رسول الله مع إجماعهم على أنه عليه السلام لم يستخلف، وإنما ثبتت إمامته ببيعة عمر له، ورضى أربعة، فكان الصحيح أن يكتب من خليفة عمر لأنه المستخلف له، فقد ذكر المبرد في كامله أنه حين أوصى إلى عمر كتب (هذا ما عهد أبو بكر خليفة رسول الله أني استعملت عليكم عمر بن الخطاب) وقد قال النبي صلى الله عليه وآله: من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، فهذه الفرية خاتمة عمله والأعمال بخواتيهما. قال ابن حماد: قالوا أبا بكر خليفة أحمد * كذبوا عليه ومنزل القرآن ما كان تيمي له بخليفة * بل كان ذاك خليفة الشيطان تذنيب أخرج الغزالي في الإحياء عن زيد بن أسلم قال: دخل الثاني على الأول و هو يجيل لسانه وفي موضع آخر ينضنض بلسانه فقال: هذا أوردني الموارد. وفي تنفيس الكرابيسي وزهرة البستي ومواعظ الكرامي أن الأول قال عند موته يا ليتني كنت طيرا في القفار آكل من الثمار، وأشرب من الأنهار، وآوي إلى الأشجار، ولم أول على الناس، فدخل عليه الثاني فقال: هذا أوردني الموارد. وقد اشتهر أنه قال: يا ليتني كنت تبنة في لبنة، أو شعرة في صدر مؤمن، وسيأتي من الثاني نحو ذلك في بابه. وحدث الحسين بن كثير عن أبيه قال: دخل محمد بن أبي بكر على أبيه وهو يتلو شيئا فقال: ما حالك ؟ قال مظلمة ابن أبي طالب فلو استحللته، فقال ؟ لعلي

[ 300 ]

في ذلك، فقال: قل له ائت المنبر وأخبر الناس بظلامتي، فبلغه فقال: ما أراد أن يصلي على أبيك اثنان. وقال محمد: كنت عند أبي أنا وعمر وعائشة وأخي فدعا بالويل ثلاثا، وقال: هذا رسول الله صلى الله عليه وآله يبشرني بالنار، وبيده الصحيفة التي تعاقدنا عليها، فخرجوا دوني وقالوا: يهجر فقلت: تهذي ؟ قال: لا والله لعن الله ابن صهاك فهو الذي صدني عن الذكر بعد إذ جاءني. فما زال يدعو بالثبور حتى غمضته ثم أوصوني لا أتكلم حذرا من الشماتة فأين هذا من قول علي عليه السلام: إني إلى لقاء ربي لمشتاق، ولحسن ثوابه لمنتظر. ومنها: قوله: إن لي شيطانا يعتريني فإن استقمت فأعينوني، وإن زغت فقوموني ذكره الطبري في تاريخه (1) قالوا: قد أخبر الله أن الشيطان أزل آدم و حوى، ولم يلزمهما بذلك نقص فكذا هنا قلنا: أزلهما عن مندوب، فلا يستويان بمن أخبر عن نفسه بإجراء عادته بإغراء الشيطان له وطاعته. إن قيل: لو كان أمرهما مندوبا لم يقصد الشيطان إلى صرفهما عنه، لعدم العصيان فيه قلنا: ومن أين علم الشيطان وجوبه، ليس إلا من ظاهر النهي ولا يدل عليه. إن قيل: قال أبو بكر ذلك على سبيل الاشفاق من الشيطان لا أنه واقع قلنا: لو كان كذلك لقال: إني لا آمن من كذا أو إني لمشفق من كذا إن قيل: يعتريني لفظ مستقبل، فقد لا يقع، وإن وقع لا يطاع. قلنا: خطاؤه في الأحكام، وإقدامه على إهانة فاطمة وأهلها عليهم السلام دليل الوقوع المستلزم للطاعة وكذا ما حكيناه من دعائه بالويل والثبور عند موته. تذنيب في عهد عمر إلى معاوية في قوله: إن لي شيطانا يعتريني، قال عمر: ما عني بالشيطان غيري.


(1) راجع ج 3 ص 310.

[ 301 ]

ومنها: قوله عند موته (ليتني كنت سألت رسول الله هل للأنصار في هذا الأمر حق (1) وهذا شك منه في أمره، وقد دفع الأنصار بما رواه عن النبي صلى الله عليه وآله: الأئمة من قريش. قالوا: لا شك هنا بل مثل قول إبراهيم: (ليطمئن قلبي) قلنا: ظاهره الشك وعدل عنه في إبراهيم لعدم جوازه على الأنبياء، وقد قال في جواب: (أولم تؤمن). (بلى). قالوا: الحق المسئول عنه لا يتعين في الإمامة قلنا: قوله إن هذا الأمر لا يصلح إلا للحي من قريش، والأئمة من قريش، تعيين أن الأمر هو الإمامة وإلا فأي حق للأنصار في غير أن لا يتولاها رجل منهم، ولم يقع في شئ سواها خلاف بينهم ومنها: قوله في مرضه ليتني كنت تركت بيت فاطمة لم أكشفه، وهو توبة عند معاينة العذاب، فلا تنفعه لآية (إني تبت الآن (2)) وقد أسلفنا قوله عند موته: إن النبي بشره بالنار، وقال: ليتني في ظلة بني ساعدة ضربت يدي على أحد الرجلين، فكان هو الأمير، وكنت الوزير. عني عمر وأبا عبيدة. قالوا: إذا اشتد التكليف على الشخص تمنى خلافه قلنا: ولايته إن كانت حقا وحسنا فتمني خلافها لا يكون إلا قبيحا لكونه مفسدة. ومنها: أنه طلب هو وعمر إحراق بيت أمير المؤمنين عليه السلام لما امتنع هو وجماعة من البيعة، ذكره الواقدي في روايته، والطبري في تاريخه، ونحوه ذكر ابن عبد ربه وهو من أعيانهم، وكذا مصنف كتاب أنفاس الجواهر. قالوا: له تخويفهم بذلك لأجل البيعة قلنا: الإمامة عندكم ليست من أصول الدين ولا من فروعه، فكيف يحرق عليها، والنبي لم يقهر كتابيا على متابعته، و هلا قصد بيوت الأنصار وغيرهم بذلك، وأسامة ابن زيد لم يبايع إلى أن مات.


(1) راجع تاريخ الطبري ج 4 ص 53 الطبعة القديمة. (2) النساء: 18.

[ 302 ]

ومنها: قول عمر في حقه: كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله المسلمين شرها فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه (1)، وليس في الذم والتخطئة أبلغ من ذلك. قالوا: معلوم ضرورة رضاؤه ببيعته قلنا: لم يرض بها إلا لكونها سببا إلى استخلافه، كما قال له علي عليه السلام: احلب حلبا لك شطره، ولكونها دافعة لما هو أضر منها في زعمه، وهو بيعة علي عليه السلام، ولو ملك الاختيار لكان مصيرها إلى نفسه أقر لعينه. وقد أسند الهيثم ابن عدي إلى سعيد بن جبير قول عمر لما استأذنه عبد الرحمن ابن أبي بكر: دويبة سوء، ولهو خير من أبيه، فقال عبد الرحمن بن عمر: هو خير من أبيه ؟ منكرا عليه، فقال: فمن ليس خير من أبيه لا أم لك، ثم قال لابنه: أنت في غفلة عما كان من تقدم أحمق بني تيم علي وظلمه لي، ثم تجاسر عمر وتكلم بالفلتة. وأسند أيضا: قول الشعبي: لقد كان في صدر عمر ضب على أبي بكر، فقال رجل أزدي له: ما سمعنا رجلا أقول بالجميل من عمر في أبي بكر، فقال: كيف صنع بالفلتة أترى عدوا يقول مثلها في عدوه ؟ يريد يهدم بها ما بنى لنفسه وأسند شريك إلى أبي موسى الأشعري أنه اجتمع والمغيرة بن شعبة عند عمر فكلمهما في أبي بكر بعد استكتامهما، فقال: لقد تقدمني ظالما، وخرج إلي منها آثما، لأنه لم يخرج إلا بعد اليأس منهما، ولو أطعت زيد بن الخطاب لم يتلمظ بشئ من حلاوتها، ولكني نقضت [ وأبرمت ] دابره، فلم أجد بدا إلا الاغضاء عنها قال المغيرة: فما منعك من السقيفة وقد عرضك لها ؟ قال: إنما كان ذلك عند إقبال الناس عليه وقد عرف انصرافهم عني فأن يعرف ما عندي، فلم آمن غائلته بعد ذلك بي، فرددتها عليه بعد ذلك، فالتمع وجهه سرورا، ومن يقول ذلك كله فيه. ثم رووا أنه قال فيه: إنه خير الناس بعد رسول صلى الله عليه وآله فمن قال غير ذلك فهو مفتر، فأخذوا بأحد النقيضين بالهوى، وتركوا الآخر ميلا عن الهدى، وفى


(1) رواه البخاري في باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت ج 4 ص 179 وهكذا سيرة ابن هشام ج 2 ص 658 وغير ذلك من الكتب.

[ 303 ]

كلام عمر خفت أن تفترق، ولم يكن بيعة، دليل أنها وقعت لخوف لا لاستحقاق. إن قيل: فأنتم أيضا أخذتم بأحد النقيضين قلنا: كونه خيرا لم يرد من طرقنا بل ما رويتم فيه فاسد عندنا، فما ألزمناكم لا يلزمنا. إن قالوا: كيف يطعن عمر فيها، وهي أساس لخلافته بعدها قلنا: قد لا يقول إن خلافته بنص أبي بكر عليها، بل بالاجماع والبيعة فيها، لعدم البغتة والفجاءة كما كان في الذي قبلها. قالوا: ليست الفلتة هي الزلة بل البغتة، لأن العرب تسمي آخر يوم من شوال فلتة، لأنها لا يدرك الثأر فيه بدخول القعدة لكونه من أشهر الحرم، فأراد عمر بالفلتة أنهم أدركوها بعد أن كادت تفوت، فجعلوا الفلتة فضيلة حتى قال الجاحظ لا يجوز أن يحبو الله بها إلا الأنبياء أو خليفة نبي. قلنا: لا تخرج الزلة من اسم الفلتة، وإن احتملت البغتة فقد خصها بالزلة قوله: وقى الله شرها، وقول الجاحظ: أو هي من بيت العنكبوت، وإلا فأين الفلتة التي وقعت للأنبياء، ويلزم كون بيعة الرضوان وغيرها فلتة على أن قول عمر: فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه، يؤكد فساد ذلك. وكيف يقتل من يعود إلى سنة الله في الأنبياء، (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) (1) لا يقال: إنما قال ذلك لأنها من خصائصهم وخلفائهم، فلم تحز لغيرهم لأنا نقول: بيعة الإمام ليست لغيرهم وإن لم تكن فلتة على أنه قد كان بعد عمر خليفة فعلى قوله: لو عاد إلى مثلها قتل، وعلى قول الجاحظ: لا يقتل فتناقضا. قالوا: قوله: وقى الله شرها، تصويب لها لأن المراد وقى شر الاختلاف قلنا: هذا عدول عن الظاهر، لأنه أضاف الشر إليها دون غيرها ولهذا أمر بقتل من عاد إلى مثلها. قالوا: المراد من عاد إلى بيعة من غير ضرورة ولا مشاورة فاقتلوه قلنا: المثلية تقتضي وقوع الثانية على وجه وقوع الأولى، وليس المعروف من الفلتة ما


(1) الأحزاب: 21.

[ 304 ]

ذكروه من آخر شوال، بل المعروف عندهم أنها آخر ليلة من أشهر الحرم فيرى الهلال في قوم دون آخرين، فيغارون عليهم حال أمنهم، قال ابن عباس عن عمر: كان أمر الأول فلتة حباني بها، كما حبوته بها أولا. قال الحميري: أو لم يقم عمر علانية لهم * حتى أقر بجرمه إقرارا كانت مبايعتي عتيقا فلتة * أخسرت ميزاني بها إخسارا وقال ابن حماد: أما عمر قام في حزبه * وقال اسمعوا ما أقله وعوه ألا إن بيعتكم فلتة * فمن عاد في مثلها فاقتلوه ومنها: أنه خالف رسول الله صلى الله عليه وآله عندهم في ترك الاستخلاف فلم يترك الأمر للناس، بل ولى عمر، وهو لا يصلح للاستخلاف إذ لم يوله النبي صلى الله عليه وآله عملا سوى يوم خيبر، فرجع منهزما وولاه الصدقة فشكاه العباس فعزله سريعا. إن قالوا: ليس في التولية وعدمها صلاحا للإمامة وعدمها، وقد ولى النبي خالدا وابن العاص ولم يصلحا، وترك في مواضع تولية علي وترك علي تولية الحسين ولم يجب أن لا يصلحا. قلنا: قد علمنا عادة أن من يترشح من الأمور لكبارها، لا بد أن يدرج إليها بصغارها، لينبه بذلك على صلاحه، ويكشف بتكرير ذلك عن رشده وفلاحه ومتى ولاه وعزله، واستكفى الأمور غيره، غلب على الظن عدم تأهله للولاية فخالد وعمر إنما لم يصلحا للإمامة لفقد شرطها فيهما، وصلحا لما ولاهما لحصول شرائط القيام فيه لهما، وعلي عليه السلام وإن لم يتول جميع الأمور، فقد تولى أكثرها وخلفه على المدينة، وكان على يده الفتوح، وكان في خيبر أمير جيشها وكان الفتح له دون المنهزمين عنها، وعزل أبا الفصيل عن براءة وبعث عليا بها، ولو لم يكن إلا أن النبي صلى الله عليه وآله لم يول عليه أحدا قط لكفى وشفى، وعدم تولية علي للحسين عليهما السلام ليس لعدم صلاحه، فإنه لا خلاف في كونه صالحا لها، لكن لم تطل

[ 305 ]

مدة أبيه ولم يتفرغ من الطوائف الثلاث بخلاف النبي صلى الله عليه وآله. قالوا: لم يعثر لعمر على تقصير في ولاية قلنا: لو لم يكن إلا ما اتفق عليه من خطائه في الأحكام واستفتائه غيره من الأنام، حتى اشتهر في الجماعات قوله: (كل أفقه من عمر حتى المخدرات (1) وحظ الإمامة في المعرفة بالأحكام، والافتاء في الحلال والحرام، وليس كل خطأ يرجع إلى حسن السياسة في الأعمال، والاستظهار في جباية الأموال، وتمصير الأمصار، ووضع الأعشار. قالوا: قال النبي صلى الله عليه وآله: إن وليتموها عمر تجدوه قويا في ذات الله قويا في بدنه، وهذا يدل على صلاحه وتوليته، قلنا: هو من أخباركم الآحاد، دون صحته خرط القتاد، إذ لو صح لاقتضى تفضيل عمر على أبي بكر، ولاحتج به على الجماعة لما قالوا: وليت علينا فظا غليظا، بأن يقول: بل من شهد له النبي بالقوة. ومنها: أنه خالف المشروع فقطع يسار سارق، وأحرق السلمي بالنار مع قول النبي صلى الله عليه وآله: (لا يعذب بالنار إلا رب النار) ولم يعرف ميراث الجدة ولا الكلالة، وقال: أقول فيها برأيي فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، وفي هذا تجويز كون الحاكم جاهلا وصبيا ومجنونا، وغير ذلك من وجوه النقص، إذا كان الحكم بالخبط والاتفاق، ولا يخفى ما فيه من تعطيل أحكام الله بالاطلاق. قالوا: فعلي عذب بالنار قلنا: لم يقل النبي: أقضاكم أبو بكر، الحق يدور مع أبي بكر، أنا مدينة العلم وأبو بكر بابها، وغير ذلك كما قال في علي وعلمنا بأنه ما عذب بالنار، إلا بعهد من النبي، فلا يقاس على الولي، بالشاهد على نفسه بإعتراء الشيطان الغوي، وفي هذا الباب أمور أخر تدل على الضلالة تركناها خوف الإطالة، وما أحسن ما روت العباسة من شعر أبيها السيد الحميري: بدنه، وهذا يدل على صلاحه وتوليته، قلنا: هو من أخباركم الآحاد، دون صحته خرط القتاد، إذ لو صح لاقتضى تفضيل عمر على أبي بكر، ولاحتج به على الجماعة لما قالوا: وليت علينا فظا غليظا، بأن يقول: بل من شهد له النبي بالقوة. ومنها: أنه خالف المشروع فقطع يسار سارق، وأحرق السلمي بالنار مع قول النبي صلى الله عليه وآله: (لا يعذب بالنار إلا رب النار) ولم يعرف ميراث الجدة ولا الكلالة، وقال: أقول فيها برأيي فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، وفي هذا تجويز كون الحاكم جاهلا وصبيا ومجنونا، وغير ذلك من وجوه النقص، إذا كان الحكم بالخبط والاتفاق، ولا يخفى ما فيه من تعطيل أحكام الله بالاطلاق. قالوا: فعلي عذب بالنار قلنا: لم يقل النبي: أقضاكم أبو بكر، الحق يدور مع أبي بكر، أنا مدينة العلم وأبو بكر بابها، وغير ذلك كما قال في علي وعلمنا بأنه ما عذب بالنار، إلا بعهد من النبي، فلا يقاس على الولي، بالشاهد على نفسه بإعتراء الشيطان الغوي، وفي هذا الباب أمور أخر تدل على الضلالة تركناها خوف الإطالة، وما أحسن ما روت العباسة من شعر أبيها السيد الحميري:


(1) راجع الدر المنثور ج 3 ص 133 وسائر التفاسير عند قوله تعالى: (وآتيتم إحداهن قنطارا) الآية 20 من سورة النساء.

[ 306 ]

أجاء نبي الله من آل هاشم * لتملك تيم دونه عقدة الأمر وقصر عن قوم بهم تم أمرها * ويملكها بالصغر منهم أبو بكر أفي حكم من هذا فنمنع حكمه * لقد صار عرف الدين فيهم إلى نكر إلى هنا انتهى النوع الأول من المطاعن وسينتشر المجلد الثالث وأوله النوع الثاني من المطاعن في عمر بن الخطاب.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية