الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الصراط المستقيم - علي بن يونس العاملي ج 1

الصراط المستقيم

علي بن يونس العاملي ج 1


[ 1 ]

الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم تأليف العلامة المتكلم الشيخ زين الدين أبي محمد على بن يونس العاملي النباطي البياضي المتوفى 877 صححه وحققه وعلق عليه محمد الباقر البهبودي الجزء الأول عنيت نبشره - المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية حقوق الطبع بهذه الصورة محفوظة الطبعة الأولى - 1384 مطبعة الحيدري تليفون 52952

[ 1 ]

الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الله أحمد حمدا لا يضاهي على وجوب وجوده وإياه أشكر شكرا لا يتناهى على إفاضة خيره وجوده الذي من أتمه الاغتراف من مناهل عدله ومن أهمه الاعتراف بصدق رسله ومن أجمله الإيمان بخلافة أوصيائه ومن أكمله عرفان ما اختصهم به من صفات أنبيائه ومن أعمه اعتقاد ما أنزل فيهم من الآيات المحكمات ومن أتمه نصوص نبيه عليهم في الروايات المشهورات والاغراق فيما جاء من الله ورسوله في قيام خاتمهم والاشراق بما أظهر الأنام من فضايحهم (2) ظالمهم والمجادلة لنصرة دينهم الذي هو الحق اليقين والمحاولة لرد شبهات المنافقين والتسرع إلى تخطية أيمة الضلال والتسرع في تصحيح ؟ شرايع خير الآل فله الفضل الأشمل بما خلصنا من العلايق الدنية الجسمانية ومنه الطول الأكمل بما نجانا من العوايق الردية الظلمانية وبما أرسل على أرواحنا من شوارق أنواره وبما أسجل على نفوسنا من بوارق آثاره إنه الكريم المفضال ذو العز والجلال أما بعد فلما كان كمال الإيمان بمعرفة أئمة الأزمان بمنطوق شريف القرآن وجب صرف الهمة إليها في كل أوان لوجوب الاستمرار على الإيمان في كل آن وقد صنف علماؤنا رضوان الله عليهم في ذلك كتبا مقررة وألف فضلاؤنا في الرد على مخالفيهم أقوالا محررة وأجالوا في الحقايق والدقايق خواطرهم وأحالوا عن العلايق والعوايق نواظرهم ونصبوا في ذلك رايات المعقول والمسموع وأوضحوا آيات المستنبط المطبوع غير حايدين عن رواية الصدق المبين وغير ما يلين عن رعاية الحق اليقين فيستضي المتعرف بأنوار مصنفاتهم ويرتدي المتحرف بأسرار بيناتهم فأحببت أن أضع في ذلك كتابا متوسطا بين الخفيف والثقيل وأجمع من كتب الفريقين ما يقيى عن التطويل وإن كان فيما وضعوا كفاية فهذا زيادة في الحسنى وفيما صنعوا هداية فهو تأكيد للمعنى وكيف لا تصرف العناية إلى قوم هم الأحبار الأشم والأبحار الأخصم أحد السببين الذين من اعتلق بهما فاز قداحه وثاني الثقلين الذين من تعلق بهما أسفر عن جميل السرى صباحه ولايتهم نجاة في الأولى والرقبى مودتهم واجبة قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى فما من شرف تمد إليه الأبصار ولا من طرف يرتفع لديه (7) الأقدار ولا بالله تعظيم فيه الأخطار ولألباب تقحم به الآثار ألا وقد جازته قادات الأطهار وحازته سادات الأبرار مع سعي المعاندين في إطفاء نورهم ويأبى الله إلا أن يتم نوره وبغي الجاحدين صورة فتوغرافية من الصفحة الأولى للنسخة التي كانت هي الأصل عند الطباعة تاريخ كتابتها 1080 ه‍.

[ 3 ]

حياة المؤلف رسالة سمح بها قلم العلامة أبي المعالي شهاب الدين الحسيني المرعشي النجفي دامت بركاته العالية، المسماة برياض الأقاحي في ترجمة العلامة البياضي. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي خلقنا في أحسن تقويم، وهدانا إلى الصراط المستقيم، وحبانا بجنة النعيم، وأكرمنا بالكوثر والتسنيم، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله الغطارفة اللهاميم، سيما ابن عمه وخليفته أمير المؤمنين علي بن أبي طالب النبأ العظيم. وبعد: يقول اللائذ العائذ بأبواب أهل بيت الوحي والسفارة، الفادي بنفسه ومهجته في إعلاء كلمتهم، ونشر علومهم، وبث آثارهم أبو المعالي شهاب الدين الحسيني المرعشي النجفي حشره الله مع أحبته، وأخرجه من الدنيا بولايتهم. إن أصحابنا شيعة آل الرسول الأكرم، وتبعة العترة الطاهرة، قد أتعبوا نفوسهم الزكية، وسهروا الليالي، وأجهدوا الأيام في تأليف كتب ورسائل، و تنسيق زبر وأسفار في المعتقدات، خصوصا مسألة الإمامة، فكم لهم فيها تصانيف رشيقة، وتآليف أنيقة، جزاهم الله جزاء المحامين عن دينه، وأوردهم المنهل العذب من رحمته. ومن أحسن ما رأيته في هذا المضمار، بحيث لا بعد في عده من النمط الأول والصف المقدم هو كتاب (الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم) للعلامة البحاثة، المتكلم النحرير الشيخ زين الدين أبي محمد على بن يونس العاملي النباطي البياضي قدس الله لطيفه، وأجزل تشريفه.

[ 4 ]

ألا وهو سفر عجيب في بابه، وحيد في شأنه، فريد في مسابقته، أودع المصنف الهمام فيه لباب مائتي كتاب من رشحات أقلام أعلام الفريقين وعصارتها، مع تقديم مقدمة وجيزة في البراهين العقلية على إثبات أصول الاعتقاد بعبائر سهلة، و قوالب جزلة، حباه الله بما تقر به العين، ويثلج الفؤاد. وحيث لم تكن نسخته مطبوعة منتشرة، وكانت نادرة جدا في خبايا خزائن الكتب تحت أيدي المتصرفين الأشحاء، لا تصل إليها أيمان أرباب الاستفادة. قيض الله همة الشهم الكريم، التاجر الكتبي الوجيه، ذي الفضل والسداد المؤيد لترويج كلمات الأئمة الهداة، أخينا في الله، والخليل في مرضاته الحاج الشيخ عبد الكريم المشتهر به: چيت چيان مؤسس المكتبة المرتضوية ببلدة طهران أدام الله أيامه، وأسعد أعوامه، ببذل النفقة لطبعه ونشره، وتوفيره وتكثيره تعميما للنفع، وطلبا للأجر. وقام العالم الفاضل الموفق لإحياء الزبر الدينية الاقا محمد باقر البهبودي شكر الله مساعيه، ووفر معاليه بتصحيحه وتنقيحه بالمراجعة إلى النسخ العديدة وأرجو من فضل ربي الرحيم أن يديم توفيق الناشر والمصحح، وكل من له دخل في هذا المشروع الجميل، وأن يضاعف أجورهم وحسناتهم آمين آمين. ثم إن الناشر المكرم طلب مني رسالة في ترجمة حياة المؤلف المقدام إحياء لذكره، وتعريفا بشأنه، وحيث لم أجد بدا من إسعاف مأموله، وإنجاح مسؤله ألفت هذه العجالة مع ما بي من تزلزل البال، وانكسار الحال، وتراكم الأحزان ولواعج الأشجان، بحيث أخذ مني الرقاد وسلب الارتياح، وأسأل الله تعالى أن يكشف عنا غمرات الكروب، وسميتها به (رياض الأقاحي في ترجمة العلامة البياضي) سائلا من فضل المولى سبحانه، أن يكرمني بقبولها، وعدها في صفحات أعمالي، إنه البر الرحيم. فأقول: اسم المؤلف وكنيته ولقبه هو العلامة أبو محمد الشيخ زين الدين علي بن محمد بن يونس العاملي النباطي البياضي العنفجري.

[ 5 ]

آباؤه الغر الكرام كان والده العلامة الشيخ محمد ومن قبله من أسلافه وأجداده، من فطاحل العلم وأرباب الأدب والكمال في لبنان. ميلاده ولد في النباطية من قرى جبل عامل لأربع مضين من شهر الله رمضان المبارك سنة 791. البياضيون فليعلم أن عدة من العلماء والأدباء اشتهروا بالبياضي. منهم: علامة الشعر والأدب أبو جعفر مسعود بن مسعود بن محسن بن عبد الوهاب بن عبد العزيز القرشي البغدادي المتوفى في يوم الثلاثاء 16 ذي القعدة سنة 468 صاحب الكتب الأدبية وديوان الشعر، ومنه قوله في التغزل: يا ليلة بات فيها البدر معتنقي * إلى الصباح بلا خوف ولا حذر كلامه الدر يغني عن كواكبها * ووجهه عوض فيها عن القمر وددت لو أنها طالت علي ولو * أمددتها بسواد القلب والبصر ومنهم: العلامة الشيخ زين الدين علي بن عبد الجليل الرازي البياضي من مشايخ العلامة الشيخ منتخب الدين بن بابويه صاحب الفهرست المتوفى سنة 585 له كتب: منها كتاب الاعتصام في علم الكلام. ومنهم: العلامة الشاعر الأديب الملا محمد إبراهيم الهندي الخراساني الأصل البياضي من شعراء السلاطين التيمورية. ومنهم: العلامة الشيخ زين الدين علي بن محمد بن يونس النباطي البياضي الذي ألفت هذه الرسالة في ترجمة حياته. وجه الاشتهار بالبياضي فبعضهم كأبي جعفر مسعود الشاعر اشتهر به، لأن رجلا من سلفه حضر في مجلس أحد الخلفاء العباسيين، لابسا الثوب الأبيض، جالسا بين العباسية اللابسين الثياب السود، فسأل الخليفة من هذا البياضي ؟ فقيل: هو فلان. فلما

[ 6 ]

خرج من المجلس اشتهر بين الناس بالبياضي، وسرى اللقب في أعقابه. وبعضهم اشتهر بالبياضي نسبة إلى البياض بالياء المثناة التحتانية المشددة بعد الباء الموحدة قرية من أعمال بلدة (صور) من لبنان. وبعضهم اشتهر بالبياضي لأنه ألف سفرا عرف بالبياض وهو في المصطلح العرفي ما يفتح ويقرأ طولا بخلاف الكتاب فإنه يفتح ويقرأ عرضا. وممن وجه شهرته هذا الوجه هو الملا محمد إبراهيم المذكور، وكان يقال له (بياض خان) ثم قيل له بياضي. والأظهر عندي في وجه اشتهار المترجم بالبياضي هو المحتمل الثاني، فإذا البياضي بالتشديد، ثم بعد الغمض عن ذلك فالأظهر الوجه الأول. وجه الاشتهار بالعنفجري الظاهر أنه نسبة إلى عين (فجور) وهي قرية كانت بقرب (لبايا) من أعمال البقاع في طريق دمشق الشام وهي اليوم خراب والعين باقية، كما أفاده الشريف الجليل العالم الفاضل السيد حسن الأمين في تعليقته على ج 42 من أعيان الشيعة. وجه الاشتهار بالنباطي عرف به المترجم لأنه ولد في قرية النباطية العليا من قرى جبل عامل، و هذه القرية من القرى المباركة، حيث خرج منها جماعة من علماء الشيعة، وسباق رهان الفضل. مشايخه أخذ عن جماعة من تلامذة شيخنا الشهيد الأول قدس سره. وممن أخذ وروى عنه والده العلامة الشيخ أبو جعفر محمد بن يونس العاملي. ومنهم: عمه العلامة الشيخ حسن بن يونس البياضي، كما وجدته في هامش نسخة مخطوطة من أمل الآمل وغيرهما.

[ 7 ]

تلاميذه الآخذون منه والراوون عنه أخذ وروى عنه جماعة: منهم: ابنه العلامة الشيخ محمد البياضي، رأيت إجازة والده له على ظهر نسخة من الفقيه في خزانة كتب العلامة فقيد الفضل والأدب الحاج حيدر قلي خان المشتهر به (سردار الكابلي) نزيل بلدة قرميسين حشره الله مع أحبته ومواليه. وقد أطرى شيخنا المترجم في تلك الإجازة بحيث يظهر منها جلالة شأن ابنه وغزارة علمه، وأنه كان صاحب تأليف وتصنيف. كلمات العلماء في حقه كل من ذكره من أرباب معاجم التراجم أثنى عليه ثناء جميلا، ووصفه بالفضل والفقه والحديث والأدب، وأنه من الأكابر. قال العلامة الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي صاحب الوسائل في كتابه أمل الآمل بعد ذكر اسمه ما لفظه: كان عالما فاضلا محققا مدققا ثقة متكلما شاعرا أديبا متبحرا الخ... وقال في حقه علامة علمي التراجم والرجال، مولانا الميرزا عبد الله أفندي في موسوعته النفيسة (رياض العلماء) فوق ما ذكر صاحب الأمل. وذكره العلامة آية الله السيد محسن الحسيني الأمين الدمشقي العاملي من مشايخنا في الرواية في كتابه أعيان الشيعة ج 42 ص 31 وأورد في حقه ما ينبئ عن نبالته وعلو شأنه ونبوغه وذكره العلامة صاحب الروضات وأثنى عليه. وذكره العلامة المعاصر البحاثة الميرزا محمد علي المدرس الخياباني التبريزي في كتابه: ريحانة الأدب ج 1 ص 187 قائلا في حقه: عالمى است فاضل فقيه محدث محقق مدقق أديب شاعر متكلم ماهر متبحر، وحيد عصر وفريد دهر خود واز اكابر مشايخ شيعه وجامع كمالات اوائل واواخر.

[ 8 ]

وفاته ومدفنه توفي قدس سره سنة 877 كما نقل ذلك علامة التراجم مولانا الميرزا عبد الله أفندي وكانت وفاته في النباطية من قرى جبل عامل وبها دفن. وما عن بعض المؤلفين من دفنه بالبصرة لم أقف على مستنده. آثاره العلمية 1 - الباب المفتوح إلى ما قيل في النفس والروح، رتبه على مقصدين الأول في مباحث النفس، والثاني في مباحث الروح، وقد أورد مولانا العلامة المجلسي تمام هذا الكتاب في المجلد الرابع عشر من موسوعته (بحار الأنوار) الذي من على أهل الفضل والتشيع بتأليفه. 2 - كتاب الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم، ها هو المؤلف الشريف الذي بين يديك. 3 - كتاب مختصر مختلف الشيعة لآية الله العلامة الحلي. 4 - مختصر صحاح اللغة للعلامة محمد بن إسماعيل الجوهري اللغوي الشهير. 5 - زبدة البيان في تلخيص مجمع البيان في التفسير، لأمين الاسلام الطبرسي. 6 - اللمعة، رسالة في المنطق، جيدة في بابها، نسبها إليه العلامة صاحب الروضات وأنه رآها بخطه الشريف وتاريخ تأليفها 838. 7 - نجد الفلاح، نسبه إليه العلامة الكفعمي في تعاليقه على كتابي نفسه: البلد الأمين والمصباح. 8 - منخل الفلاح، نسبه إليه الكفعمي في تعاليقه عليهما. 9 - المقام الأسنى في تفسير أسماء الله الحسنى، جيدة الفوائد، ينقل عنه الكفعمي في تعاليقه عليهما، وقد رآه صاحب الروضات. 10 - رسالة الاكرام والإنعام في علم الكلام، نسبت إليه في هامش النسخة المخطوطة من أمل الآمل. 11 - رسالة في الإمامة حسنة جدا، ومما يغتبط بها.

[ 9 ]

12 - كتاب منتخب بصائر الدرجات. 13 - كتاب الكلمات النافعات في تفسير الباقيات الصالحات، وهو توضيح للرسالة التي ألفها شيخنا العلامة السعيد الشهيد الأول في تفسير الكلمات، رآه صاحب الروضات بخطه. 14 - ذخيرة الإيمان، أرجوزة في علم الكلام، نظمها سنة 834 أولها: الحمد لله على تمامه * والشكر لله على إنعامه وقال في آخرها: وهذه أرجوزة الضعيف * علي اللاجي إلى اللطيف والرسل والأئمة الأنجاب * ليشفعوا في موضع الحساب سميتها ذخيرة الإيمان * هدية مني إلى الإخوان 15 - كتاب فاتح الكنوز المحرزة، في ضمن الأرجوزة، وهو شرح على الأرجوزة التي مر ذكرها. 16 - الرسالة اليونسية في شرح المقالة التكليفية لشيخنا العلامة الشهيد السعيد. 17 - وديوان شعره، أكثره في مناقب الأئمة ومراثيهم، إلى غير ذلك مما جادت به يراعته، وسمح قلمه. التعريف بكتاب الصراط المستقيم ولعمري إنه الكتاب العجيب في موضوعه، قال العلامة صاحب الروضات: لم أر بعد كتاب الشافي لسيدنا المرتضى علم الهدى مثله، بل راجح عليه لوجوه شتى. وقال مولانا الآية العلامة السيد محسن الحسيني الأمين في كتابه: (أعيان الشيعة) ج 42 ص 31 ما لفظه: وجدنا منه نسخة في كربلاء مخطوطة وهو في إثبات الواجب وصفاته والنبوة والإمامة، يدل على فضل مؤلفه، وختمه بأبيات من نظمه، قال إنه سمحت بها فكرتي عند تمامه وتاريخ فراغه منه سنة 854 وكانت

[ 10 ]

تاريخ كتابة تلك النسخة سنة 1059 وكان على ظهر الكتاب بعد ذكر اسم المؤلف هذه الأبيات: هذا الكتاب مبشر برشاد من * يسلك طرائقه بغير خلاف وكأنه المبعوث أحمد إذ أتى * في آخر الأديان بالإنصاف وكأنه من بين كتب الشيعة * المتقدمين كسورة الأعراف ينبيك عن حال الرجال وما رووا * بعبارة تغني وقول شاف سهل الطرائق عذبة ألفاظه * وكأنها ممزوجة بسلاف فإذا قرأت أصوله وفروعه * رواك من عذب فرات صافي فهو الصراط المستقيم ومنهج * الدين القويم لسالكيه كافي تأليف من شهدت له آراؤه * بكماله في سائر الأوصاف للشيخ زين الدين قطب زمانه * رب المكارم عبد آل مناف فلقد أنار منار شيعة حيدر * وأباد من هو للنصوص منافي فجزاءه من أحمد ووصيه * أهل السماحة معدن الأشراف الخ... أقول: وكفى في جلالة الكتاب واعتباره أن مولانا العلامة المجلسي عده من مآخذ كتاب البحار ومداركه، واعتمد عليه كل الاعتماد. وحيث إن الناشر المحترم، مستعجل في نشر الكتاب وبثه، فلنكتف بهذه الأسطر. وفي الختام أسأل الله تعالى أن يكثر بين الكتبيين وتجرة الأسفار أمثاله وأن يبارك له في متجره ومكسبه، وأرجو من فضله سبحانه أن يوفقنا للعلم و العمل الصالح وأن يجنبنا عما لا يرضاه آمين آمين. حرره الداعي لإخوانه في الدين شهاب الدين الحسيني المرعشي النجفي أقال الله عثرته يوم تتبع العثرات في سويعات آخرها أصيل يوم الاثنين لأربع عشر مضين من شهر رمضان المبارك 1384 ببلدة قم المشرفة حرم الأئمة عليهم السلام.

[ 1 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الله أحمد حمدا لا يضاهي على وجوب وجوده، وإياه أشكر شكرا لا يتناهى على إفاضة خيره وجوده، الذي من أتمه الاغتراف من مناهل (1) عدله، ومن أهمه الاغتراف بصدق رسله، ومن أجمله الإيمان بخلافة أوصيائه، ومن أكمله عرفان ما اختصهم به من صفات أنبيائه، ومن أعمه اعتقاد ما أنزل فيهم من الآيات المحكمات، ومن أشمه نصوص نبيه عليهم في الروايات المشهورات، والاغراق فيما جاء من الله ورسوله في قيام خاتمهم، والاشراق بما أظهر الأيام من فضائح ظالمهم، والمجادلة لنصرة دينهم الذي هو الحق اليقين، والمحاولة لرد شبهات المنافقين، والتسرع إلى تخطئة أئمة الضلال، والتشرع في تصحيح شرائع خير الآل. فله الفضل الأشمل بما خلصنا من العلائق الدنيئة الجسمانية، ومنه الطول الأكمل بما نجانا من العوائق الرديئة الظلمانية، وبما أرسل على أرواحنا من شوارق أنواره، وبما أسجل على نفوسنا من بوارق آثاره إنه الكريم المفضال ذو العز والجلال. أما بعد فلما كان كمال الإيمان بمعرفة أئمة الأزمان بمنطوق شريف القرآن، وجب صرف الهمة إليها في كل أوان، لوجوب الاستمرار على الإيمان في كل آن وقد صنف علماؤنا رضوان الله عليهم في ذلك كتبا مقررة، وألف فضلاؤنا في الرد على مخالفيهم أقوالا محررة، وأجالوا في الحقائق والدقائق خواطرهم، وأحالوا عن العلائق والعوائق نواظرهم، ونصبوا في ذلك رايات المعقول والمسموع، وأوضحوا


1 - جمع المنهل - بالفتح - موضع الشرب في الطريق.

[ 2 ]

آيات المستنبط الطبوع، غير حائدين (1) عن رواية الصدق المبين، وغير مائلين عن رعاية الحق اليقين، فيستضئ المتعرف بأنوار مصنفاتهم ويرتدي المتحرف بأسرار بيناتهم، فأحببت أن أضع في ذلك كتابا متوسطا بين الخفيف والثقيل، وأجمع من كتب الفريقين ما يغني عن التطويل، وإن كان فيما وضعوا كفاية فهذا زيادة في الحسنى، وفيما صنعوا هداية فهو تأكيد للمعنى. وكيف لا تصرف العناية إلى قوم هم الأحبار الأشم والأبحار الأخضم أحد السببين اللذين من اعتلق بهما فاز قداحه، وثاني الثقلين اللذين من تعلق بهما اسفر من جميل السرى (2) صباحه، ولايتهم نجاة في الأولى والعقبى، مودتهم واجبة (قل لا أسألكم عليه أجر إلا المودة في القربى) فما من شرف تمتد إليه الأبصار، ولا من طرف يرتفع لديه اقتباس الأقدار، ولا باب تعظم فيه الأخطار، ولألباب تقحم به الآثار إلا وقد جازته قادات الأطهار، وحازته سادات الأبرار، مع سعي المعاندين في إطفاء نورهم ويأبى الله إلا أن يتم نوره، وبغي الجاحدين تطريدهم وتشتيت قبورهم ويريد الله أن يظهر حجته ومزبوره، فهل قدم عليهم إلا من سمل (3) عين الإيمان، وهل تقدمهم إلا من شمل قلبه على الطغيان، وقد ضاءت مدائحهم ومتائحهم في كتاب رب العالمين، وجاءت لأعدائهم قبائحهم وفضائحهم ظاهرة للناظرين، فوضعت هذا الكتاب وسميته: الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم مهديا إليه كل ذي عقل سليم. مسلكا فيه كل ذي طبع قويم. وسأجمع فيه إن شاء الله من الأدلة العقلية والنقلية وأضع فيه من البراهين القطعية الجلية والآيات التي لا تحتمل شيئا من التأويل، والروايات المغنية عن الفحص والتطويل، والأشعار المنشئة من كل


1 - حاد عنه - من باب نصر -: مال واعرض. 2 - السير بالليل. 3 - سمل عينه - من باب نصر - قلعها.

[ 3 ]

خبير نحرير، الكافية لكل ذي خبر وتحرير، ملحقا بها ما سنح لفهمي الضعيف وسمح به فكري النحيف، راجيا بوضعه الوصول إلى مراتب المؤمنين، مؤملا بجمعه الحصول على سعادة المخلصين، فمن تمسك بثراه طاب نشره ومن تمسك بعراه آب بشره. ولا أضمنه ما تمجه (1) الأسماع، ولا أودع فيه غالبا إلا ما شاع وذاع، بل أمرى لسامعه إخلاف رواية الخلف عن السلف، وأعرى له وجوده الأدلة عن شائن السخف والكلف، وأقرر فيه براهين بحكمة الأسباب، وأعتمد فيه على الكتاب المبين الناطق بالصواب، راجيا أن يعم أهل الوفاق نفعه، مؤملا أن يغم ذوي النفاق جمعه، راغبا إلى الله في النفع به في الدنيا والآخرة، راعيا أن يبقى لي عملا صالحا عند الكون في الحافرة، إنه الولي الكفيل وهو حسبي ونعم الوكيل. وأسأل الناظر فيه إذا اتهمني أن يراجع المصنفات التي كتبت منها، ويطالع المؤلفات التي نقلت عنها وأن لا يسارع إلي بالعيب حتى يعلم تخرصي على الغيب، فإن ذلك الاتصاف بالإنصاف والميل عن الاعتساف و الاعتاف، فإني نقلت ذلك بالمعنى ولعل بعض ما أضفت إليه لم يجده فيه من عثر عليه فليراجع ذلك من نسخة أخرى فإن ذلك بطلب اليقين أحرى. قال الحميدي في الجمع بين الصحيحين: من المتفق عليه من حديث ابن مسعود في قوله تعالى: (2) (ولقد رآه نزلة أخرى) قال رأى جبرائيل. قال الحميدي: (وليس ذلك في ما رويناه من النسخ) فجعل ذلك من المتفق على صحته عند مسلم والبخاري ولم يره فيهما. وزاد الحميدي أن البخاري أخرج حديثا ولم يخرجه صاحب الأطراف، وقال (أخرج مسلم زيادة في حديث أبي مسعود الدمشقي وليس ذلك فيما عندنا من كتاب مسلم) فيعتذر (3) ؟ لهما ويعيرهما بأن يكون عندهم نسخة ناقصة ثم يخرجوا غيرها تامة فتختلف النسخ.


1 - مجه السمع - من باب نصر -: استكرهه. 2 - سورة النجم: 13. 3 - في الأصل: فيتعذر لهما.

[ 4 ]

مقدمة في ذكر أشياء من الكتب التي عثرت عليها وأضفت ما نقلته إليها: 1 - كتاب الكشاف للزمخشري 2 - منهاج المحدثين للنووي 3 - بغية الطالبين للكنجي الشافعي 4 - الملل والنحل للشهرستاني 5 - الاستيفاء للشيخ الطوسي 6 - تلخيص الشافي للطوسي 7 - المفصح للطوسي 8 - الفرق للنوبختي 9 - المسترشد (دلائل الإمامة) ؟ للطبري 10 - مجمع البيان للطبرسي 11 - تهذيب الأحكام للطوسي 12 - الاحتجاج للطبرسي 13 - مصالت القواضب للمازندراني 14 - كتاب القاضي النعماني 15 - بصائر الألسن للكيدري 16 - عقد الدرر لأبي بدر يوسف بن يحيى السلمي 17 - نهج البلاغة للشريف الموسوي 18 - شرحه لابن ميثم البحراني 19 - اللوامع للمقداد السيوري 20 - كتاب الشيخ حسن الصيرفي 21 - كتاب سليم بن قيس الهلالي 22 - الارشاد للمفيد 23 - العيون والمحاسن للمفيد 24 - كشف الالتباس ليحيى بن سعيد 25 - الطرائف لعبد المحمود (1) 26 - الطرف لابن طاوس 27 - نقض الرسالة العثمانية لابن طاوس 28 - الاستيعاب ليوسف بن عبد البر 29 - الخصائص لابن البطريق


1 - هو السيد ابن طاوس رحمه الله.

[ 5 ]

30 - تقدير الأحكام للمفيد 31 - مطالب السؤل لابن طلحة 32 - الكر والفر جواب مسائل ابن مقاتل 33 - خصائص يوم الغدير 34 - عيون أخبار الرضا لابن بابويه 35 - كشف معايب المتصوفة 36 - الغرر والدرر لأبي القاسم 37 - المسائل البغدادية لأبي القاسم 38 - المسائل الفاخرية للمرتضى 39 - مراصد العرفان لابن قوطة 40 - ذخر البشر ليحيى بن طئ 41 - استقصاء النظر لابن مطهر 42 - نهج الحق لابن مطهر 43 - الألفين لابن مطهر 44 - منهاج الكرامة لابن مطهر 45 - كشف اليقين لابن مطهر 46 - الرسالة السعدية لابن مطهر 47 - مقتضب الأثر لمحمد بن عبد الله بن عياش 48 - الخرائج للراوندي 49 - الماء والخضرة والوجه الحسن لعباس بن أحمد 50 - المعالم للرازي 51 - افعل لا تفعل لمؤمن الطاق 52 - نهج الإيمان لابن جبر وقد ذكر في ديباجته أنه جمعه بعد الوقوف على ألف كتاب أو ما يقاربها وكتابنا هذا يشتمل إن شاء الله تعالى عليه وعلى غيره، والمشتمل على المشتمل على شئ مشتمل على ذلك الشئ، فإني سأحتلب دررها من أصدافها لأحلي بها إخواني المؤمنين وأحتلب دررها من اخلافها لأغذي بها طالبي النجاة يوم الدين، وما توفيقي إلا بالله الرب المبين عليه أتوكل وبه أستعين.

[ 6 ]

مقدمة في ذكر الكتب التي لم أتصفحها ولا عثرت عليها ولكن وجدت في ما نظرته أشياء مضافة إليها فحكيتها عنها: 1 - صحيح البخاري 2 - صحيح مسلم 3 - صحيح النسائي 4 - صحيح الترمذي 5 - موطأ مالك 6 - سنن أبي داود 7 - الجمع بين الصحيحين للحميدي 8 - الجمع بين الصحاح الستة لرزين العبدري 9 - الغدير لابن حرير 10 - المناقب لابن شاهين 11 - الفضائل لابن أبي شيبة 12 - العلوية للجاحظ 13 - المنقبة للأصفهاني 14 - نزول القرآن للرماني 15 - الجعفريات للموفق المكي 16 - الأربعين لابن مردويه 17 - رد الشمس لابن مردويه 18 - العمدة لابن البطريق 19 - نزول القرآن في شأن علي للشيرازي 20 - الأربعين للمؤذن 21 - المسند لابن حنبل 22 - الخصائص للنطنزي 23 - المناقب لابن المغازلي 24 - المراتب للبتي 25 - الدرجات للبصري 26 - الحدائق للخطيب 27 - التفسير للثعلبي 28 - الأربعين للرازي 29 - التفسير لابن المرتضى 30 - التفسير للقاضي 31 - المعالم للفراء 32 - المعتمد لأبي يعلى 33 - الشافي في بشائر المصطفى 34 - شرح الطوالع للغنوي 35 - البلغة لمحمد بن علي 36 - الناسخ والمنسوخ لهبة الله البغدادي 37 - إحياء العلوم للغزالي

[ 7 ]

38 - المستضئ للغزالي 39 - المصابيح للغزالي 40 - التفسير للسدي 41 - الرسالة للمرتضى 42 - الواحدة لابن جمهور 43 - الحلية لأبي نعيم 44 - الفصول لابن فورك 45 - التاريخ للبلاذري 46 - الآل لابن خالويه 47 - التفسير للإمام العسكري عليه السلام 48 - الملتحمة لابن عقبة 49 - فضائل العشرة لأبي السعادات 50 - الشافي للمرتضى 51 - التبيان للطوسي 52 - أسباب النزول للواحدي 53 - الفائق للزمخشري 54 - المفردات للراغب 55 - الأمالي للنيشابوري 56 - الفضائل للسمعاني 57 - الفردوس للديلمي 58 - الأمالي لابن بابويه 59 - الكشف والبيان للثعلبي 60 - الأمالي لابن شاذان 61 - التفسير لعطاء السجستاني 62 - أصول الحديث لابن البيع 63 - المعجم الأوسط لسليمان بن أحمد 64 - النتف للبيهقي 65 - التنوير للفتال 66 - العقد لابن عبد ربه 67 - الشريعة للجرمي 68 - التفسير للثمالي 69 - التفسير لوكيع 70 - التحقيق للجزري 71 - الأمالي لابن منيع 72 - نزهة الأبصار لابن مهدي 73 - التفسير لابن المجاهد 74 - الفضائل للعكبري 75 - ربيع المذكو ؟ لابن الثعلبي 76 - غرر الأمالي للطوسي 77 - شرف النبي للخركوشي 78 - الفتيا للنظام 79 - شواهد التنزيل للحسكاني 80 - التفسير للقطان 81 - التوحيد لابن بابويه

[ 8 ]

82 - المحاضرات للراغب 83 - التفسير لأبي القاسم ابن حبيب 84 - الجامع للموصلي 85 - الكافي للكليني 86 - جواهر الكلام للبيهقي 87 - الدلالات للبسطامي 88 - نعوت المهدي للحافظ 89 - الفتن لأبي نعيم 90 - الكفاية لعلي بن محمد الخزار 91 - تحصيل النجاة لفخر الدين بن مطهر 92 - شرح السنة للفراء 92 - شرح السنة للفراء 93 - كتاب عبد الله بن بشار رضيع الحسين عليه السلام 94 - التاريخ للشنوي 95 - محاسن الجوابات للدينوري 96 - الغيبة للنعماني 97 - كتاب الحضرمي 98 - كتاب الكمال للعلوي 99 - الواحدة للشيخ العمي 100 - الصحاح للجوهري 101 - الموازرة لأبي قاسم بن سعيد 102 - قمة ؟ العجلان له 103 - الفحص والبيان له 104 - شرح الشاطبية للجابي 105 - شرح الرايات للتنوخي 106 - الاعتقاد للأسنوي 107 - دلايل النبوة للبيهقي 108 - الأوائل للعبدي 109 - البرهان للمازندراني 110 - الزواجر للعسكري 111 - الآيات المنتزعة 112 - المخفي في مناقب المهدي 113 - معجزات النبوة لابن وهبان 114 - روضة الواعظين لمحمد بن علي 115 - فضائل الكوفة لعمر بن حمزة 116 - الدلالات للصيرفي 117 - التاريخ للطبري 118 - المجروحين لمحمد بن حبان 119 - سرقات الشعر لمحمد بن عمران 120 - المجمل لأحمد بن فارس 121 - أعلام النبوة للماوردي 112 - التنزيل لأبي القاسم ابن حبيب 123 - التفسير للكرابيسي 124 - الاقتصاد للطوسي

[ 9 ]

125 - الولاية للطبري 126 - غاية السؤل للدينوري الحنبلي 127 - الوصية لعيسى بن المستفاد 128 - خصائص الأئمة للسيد المرتضى الموسوي 129 - الرعاية لأهل الدراية للفرغاني 130 - نهاية الطلب للحنبلي 131 - المسند للشافعي 132 - اقتحام العوام للغزالي 133 - عيون السنن للهمداني 134 - نقوش الخواتيم للحافظ 135 ؟ - الأقضية للحسن بن يزيد 136 - أبواب التنزيل للقاضي 137 - الأسماء لسليمان بن مقاتل 138 - المفتقد للسكسكاني 139 - المغني لابن قدامة 140 - الاختلاف للطحاوي 141 - الترغيب للأصفهاني 142 - اعتقاد الحنابلة للهروي 143 - منهل الجدل للغزالي 144 - العلل لابن بابويه 145 - المثالب للكلبي 146 - النساء للجاحظ 147 - الملاحم لأحمد بن جعفر 148 - الزينة لأبي حاتم 149 - لطائف المعارف لعبد الله بن طاهر 150 - منهاج البراعة لابن الراوندي 151 - المواعظ للكرامي 152 - البدع لأبي القاسم الكوفي 153 - الجامع الصغير للسيوطي 154 - المشكلات لابن قتيبة 155 - الزهرة للبستي 156 - الوسيط للواحدي 157 - المكاتبات للحميري 158 - الدرجات لسعد بن عبد الله القمي 159 - بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار 160 - مناقب أهل البيت للطبري 161 - المتون لابن مردويه 162 - أدب الكاتب للعبدي 163 - الإنصاف للجاحظ 164 - المنابذة للموفق المكي 165 - التفسير للشيرازي 166 - الفضائل للزعفراني

[ 10 ]

167 - التفسير للمعلى 168 - المعرفة لابن مندة. 169 - معاني القرآن للفراء 170 - مسند العشرة 171 - اللؤلؤيات 172 - أنفاس الجواهر 173 - التوراة 174 - الإنجيل 175 - كتاب حيقوق 176 - كتاب شعيا 177 - كتاب حزقيل 178 - الحجة لأبي علي الفارسي 179 - مشكل القرآن للأنباري 180 - الدلائل لعبد الله بن جعفر 181 - الارشاد للجويني 182 - السقيفة للجوهري 183 - صفوة التاريخ للجرجاني 184 - الاملاء لابن ميمون 185 - المجالس لابن مهدي 186 - الرجال لسبط الجوزي 187 - فرائد الأفراد للدارقطني 188 - المستدرك على الصحيحين للحاكم 189 - الحيل لنضر بن شميل الأمالي لشعبة 190 - الكامل للمفيد 191 - الأركان للمفيد 192 - الوسيلة 193 - فتوح الشام 194 - الإبانة 195 - كيمياء السعادة 196 - شرف المصطفى 197 - تاريخ بغداد 198 - الشفاء والجلاء 199 - مشكاة الأنوار 200 - الملاحم 201 - تجاريب الأمم لابن مسكويه 202 - الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني 203 - الإحن والمحن 204 - حديقة الحدق 205 - كتاب الأطراف 206 - الأوراق للصولي 207 - كشف الحيرة 208 - الدر النظيم 209 - النزهة للشريف المرتضى

[ 11 ]

210 - المستنير للطبري 211 - غور الحكم 212 - الأمالي للزجاجي 213 - محاسن الأزهار لحميد 214 - أخبار المهدي للهمداني 215 - الذيل على تاريخ الخطيب لابن النجار 216 - تاريخ أهل البيت لابن الخشاب الحنبلي 217 - تاريخ أهل البيت لنصر بن علي الجهضمي 218 - غريب الحديث للدينوري 219 - مشكل إعراب القرآن لمكي القيسي 220 - الياقوت لأبي عمر الزاهد 221 - مواليد أهل البيت 222 - الغيبة للطوسي 223 - عيون الأخبار لابن قتيبة 224 - مفاتيح الغيب للرازي 225 - المسند لابن سليمان 226 - كتاب الحسن للبصري 227 - الايضاح للحسين بن على 228 - شرح المصابيح للعاقولي 229 - التذكرة لابن حمدون 230 - جامع الأصول لابن الأثير فائدة صنف الحسين بن جبر كتابا سماه (نخب المناقب لآل أبي طالب) اختصره من كتاب الشيخ محمد بن شهرآشوب، قال: سمعت بعض الأصحاب يقول: وزنت من كتاب ابن شهرآشوب جزءا فكان تسعة أرطال. قال ابن جبر في خطبة نخب المناقب: فكرت في كثرة ما جمع وأنه ربما يؤدي عظم حجمه إلى العجز عن نقله، بل ربما أدى إلى ترك النظر فيه والتصفح لجميعه لا سيما مع سقوط الاهتمام في طلب العلم، فأومئ إلى ذكر الرجال وأدخل الروايات بعضها في بعض فمن أراد الإسناد والرجال فعليه بكتاب ابن شهرآشوب المذكور فإنه قد وضعها في ذلك المسطور، والموجب لتركها خوف

[ 12 ]

السأمة من جملتها، ولان الطاعن في الخبر يمكنه الطعن في رجاله، إلا ما اتفق عليه الفريقان واختص به المخالف من العرفان، أو تلقته الأمة بالقبول، فإن الطاعن لا يمكنه مع الإنصاف أن يحول عنه ولا يزول، إلا أن يعاند الحق وينكر الصدق ولا غرو لمن ميلته الدنيا إلى زخاريفها أن يجحد ما دلت عليه الأخبار ومعارفها، ولذلك أنكر كثير من علماء الجمهور بعد عرفانهم كثيرا من الأمور، فقد ورد في خبر الغدير وأسانيد الطوامير، قال ابن شهرآشوب: قال جدي سمعت الجويني يقول شاهدت مجلدا ببغداد في رواة هذا الخبر مكتوب عليه المجلدة الثامنة والعشرون ويتلوها التاسعة والعشرون) وغير ذلك من الطرق الموضوعة فيه والكتب المبنية عليه، فلما لم يمكنهم الطعن في متنه مالوا لأجل دنياهم إلى تأويله، وأرضوا ملوك الظلمة عن تحصيله، فلذلك أسقط الله شأنهم وسقط عليهم ما شأنهم. لولا التنافس في الدنيا لما قرئت * كتب الخلاف ولا المغنى ولا العهد موتى الخواطر يفنون الدجى سهرا * يمارسون قياسا ليس يطرد يحللون بزعم منهم عقدا * وبالذي حللوه زادة العقد نعوذ بالله من قوم إذا غضبوا * فاه الضلال وإن حاققتهم حقدوا فائدة سأل معتزلي الشيخ المفيد عن المقلدين من الشيعة، إن كانوا كفارا لم يدخلوا الجنة إلا علماؤهم وهم قليلون جدا، وإن لم يكونوا كفارا ذهبت فائدة ما يبحثون فيه عن الإمامة، فأجاب بأن منهم جماعة كالبوادي والعوام لم يكلفوا النظر الدقيق ولهم على عملهم أعواض يعاقبون على معاصيهم عقابا منقطعا أما من له قوة الاستدلال فمخلد في النار لتقصيره ونمنع قلة علمائنا فإن المعرفة قريبة يوصل إليها بأدنى فكر.

[ 13 ]

مقدمة في ترتيب أبواب هذا الكتاب وقد رتبت خطبته على ما يتضمنه كل باب فمن اعتبر الفقرات الموضوعة فيها عثر منها عليها، واصطلحت على ذكر الإسناد وإن كان بعضها غير مسند، ثقة مني لاعتضاده بدليل عقلي أو خبر سمعي فلا يعزب عنك ذاك تسئ به الظن. الباب الأول في إثبات الواجب وصفاته ويتبعه فصلان: 1 - في أنه تعالى يفعل لغرض هو مصلحة خلقه. 2 - استناد أفعالهم إلى اختيارهم لا بإلجائه. الباب الثاني في إبطال الجبر المنافي لعدله ورحمته، وفيه فصول مناسبة تأتي إن شاء الله تعالى في نسقه. الباب الثالث في إثبات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصفاته وفيه فصول ستة. 1 - في إثباته. 2 - في عصمته. 3 - في شئ من معجزاته. 4 - في ما نص الله تعالى عليه في سالف كتبه.

[ 14 ]

5 - في الرد على الطعن في الارسال وخصوصا في نبوته. 6 - في ختمه رسالة ربه. الباب الرابع في إثبات الوصي وصفاته وفيه فصول: 1 - في طريق إثباته. 2 - في تكميل شئ منه. 3 - في رد شبهة من أوجبه على الأمة. 4 - في إبطال الاختيار. 5 - في إبطال الاختيار. 6 - في إبطال الاختيار. 7 - في إبطال الاختيار. 8 - في إبطال الاختيار. 9 - في إبطال الاختيار. 10 - في إبطال الاختيار. الباب الخامس فيما صدر عنه من الكرامات الموجبة لاستحقاقه لها وفيه فصول: 1 - في كراماته. 2 - في مساواته عند الله لجماعة من أنبيائه. 3 - فيما نقل من معاجزه.

[ 15 ]

الباب السادس في شرائطه وفيه فصول: 1 - منها في إثبات عصمته من المعقول ويتلوها أقطاب في إثباتها (1) من المنقول. 2 - في رد الاعتراضات عليها. الباب السابع في شئ من فضائله وفيه فصول: 1 - في أشياء متفرقة. 2 - في جواب من رد نسبة العلوم إليه. 3 - في جواب من رد فضيلته باعتقاد الغلاة فيه 4 - في جواب من رد فضيلته بالمصاهرة 5 - في المبيت على الفراش لفدائه النبي 6 - في تكسير الأصنام. 7 - في آية النجوى. 8 - في سورة هل أتى. 9 - في آية إذهاب الرجس. 10 - في أن مودة أهل البيت أجر الرسالة. 11 - في حديث الطائر المشوي 12 - في أن حبه حسنة. 13 - في قول النبي لولا أن تقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في عيسى لقلت كذا.


1 - في الأصل: أثنائها

[ 16 ]

14 - في رد الشمس له 15 - في المضي إلى سلمان الفارسي لتجهيزه 16 - في مخاطبة النبي في معراجه بلغته. 17 - فيما نقل عن مالك في تفضيله على أولي العزم حتى رمي بالغلو فيه. 18 - في إحاطته بفضائل أولي الألباب. 19 - في حصوله على أكمل أنواع الفضائل الخمسة. 20 - في سد الأبواب دون بابه إلى مسجد رسول الله. 21 - في سبق إسلامه. 22 - في كونه هو البئر المعطلة والحسنة وأبو الأئمة. 23 - في كتبه على جبهة الملك: أيد الله محمدا بعلي. 24 - في إعطائه مفاتيح الدارين في القيامة. الباب الثامن في ما جاء فيه بتعيينه من كلام ربه وفيه آيات متكثرة نتلوها عليك قريبا إن شاء الله تعالى. الباب التاسع في ما جاء في النص عليه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بصريح قوله ودلالة فعله منه خبر الغدير، والمنزلة، والدار، والراية، وبراءة، والإقضاء به، ومدينة العلم، والأخوة، وقوله: من ظلم عليا مقعدي هذا فكأنما جحد نبوتي، ويتبع ذلك فصول: 1 - في الوصية. 2 - في رد من أنكرها.

[ 17 ]

3 - في نص النبيين على الوصيين. 4 - في كونه خليفة الله. 5 - في عدم قبول العمل إلا بولايته. 6 - في تسميته أمير المؤمنين. 7 - في قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم له: أنت مني وأنا منك. 8 - في خصف النعل. 9 - في قوله تعالى: وتعيها أذن واعية. 10 - في كونه خير البرية. 11 - في كونه الشاهد والنور والهدى والجنب والحجة ومثال الكعبة وعنده أم الكتاب. 12 - في ذكر الدرجات. 13 - في ذكر الشهادات. 14 - في كونه آية النبي صلى الله عليه وآله الباب العاشر فيما جاء من النصوص المتظافرة على أولاده وفيه أقطاب: 1 - في العدد المجرد عن مجموع الأسماء إلا نادرا. 2 - في العدد المصاحب للأسماء والترتيب. 3 - في نص كل واحد على من بعده. 4 - في ذكر شئ من معاجزهم. القطب الأول في العدد المجرد عن الأسماء وفيه فصول: 1 - في قول النبي: الأئمة اثنا عشر. 2 - في ضرب أمثالهم بالشهور والنقباء والبروج وما يتبع ذلك. 3 - في نص النبي صلى الله عليه وآله على عددهم.

[ 18 ]

4 - في نص النبي صلى الله عليه وآله وسلم على عددهم أيضا. 5 - في ذكرهم بمدينة في مفازة الأندلس. القطب الثاني في العدد المصاحب للأسماء وفيه فصول: 1 - في اطلاع الله تعالى إلى الأرض واختباره إياهم وما يتبع ذلك. 2 - في أمره صلى الله عليه وآله وسلم بالتمسك بالشمس، ثم القمر، ثم الفرقدين، ثم النجوم وما يتبع ذلك. 3 - النص عليهم من النبي صلى الله عليه وآله في خبر نعثل وما يلحقه. 4 - الكتاب المستخرج من تحت الكعبة. 5 - حديث جبرائيل عن ربه بولايته وما يتبع ذلك مما يناسبه. 6 - قول سلمان للنبي صلى الله عليه وآله لك نبي وصي ونحو ذلك مما يقاربه. القطب الثالث في نص كل واحد على من بعده ويلحقه فصل فيما ظهر عن كل واحد منهم من العلوم. القطب الرابع فيما يظهر عنهم من المعاجز. الباب الحادي عشر ما جاء في خاتمهم وتملكه وشئ من علاماته ومعجزاته ودلائل خروجه ويتبع ذلك فصل في تعيين الأئمة والرد على الفرق الخارجة عن الإمامية الاثني عشرية. الباب الثاني عشر الطعن فيمن تقدمه بظلمه وعدوانه وما أحدث كل واحد في زمانه من طغيانه وفيه أمور تأتى إن شاء الله تعالى. الباب الثالث عشر المجادلة لنصرة دينه وفيه فصول وأبحاث ومناظرات.

[ 19 ]

الباب الرابع عشر رد الشبهات الواردة من مخالفيه وفيه فصول: منها في الآيات ومنها في الروايات ويلحقه كلام في وقعة الجمل ونحوها. الباب الخامس عشر في تخطئة كل واحد من الأئمة الأربعة في كثير من أحكامه وفيه فصول: 1 - فيما أجمعوا عليه. 2 - فيما اختلفوا فيه. 3 - فيما أضيف إليهم من المخازي. 4 - في البخاري. 5 - فيما أنكر مسلم والبخاري من الأحاديث. الباب السادس عشر في الطعن في رواة أحاديثهم منهم وفيه فصول. الباب السابع عشر في رد الاعتراضات على شئ من شرائع أتباعه عليه السلام وفيه أمور وبها نختم الكتاب.

[ 20 ]

الباب الأول في إثبات الواجب وصفاته إنما ابتدأنا بهذا الباب - وإن كان الغرض الأهم من هذا الكتاب هو الإمامة - لأنه المطلب الأعلى والقاعدة الأولى، فكان صرف الهمة إليه أولا أولى، فيستدل على وجوده تعالى بحدوث غيره المستفاد من تغييره، وبأن الممكن لا يستقل بإيجاد شئ وحده وإنما يفعل أعراضا فيما أحدثه غيره، أما الجوهر فلا يقع بقدرته لانحصارها في تولده ومباشرته، فالتولد إما بالاعتماد، ويعلم ضرورة عدم تجدد الجوهرية والمباشرة يلزمها التداخل إن كانت في محل قدرته، وإن كانت في ما يجاوره فالبعيد يوثره غيره، فلا بد للجواهر والأعراض المخصوصة من موجد غيره، فلزم القول بوجوده ووجوبه المستلزم لاستحالة عدمه. ولا بد من قدرته للزوم قدم العالم أو حدوثه تعالى عند فرض إيجابه وعمومها لاستواء ذاته لتجرده واشتراك ما عداه في علة احتياجه. ولا بد من علمه لامتناع نقصه وإحكام خلقه، ومن إرادته وكراهته لاختلاف أفعاله ولأمره ونهيه، ومن سمعه وبصره لعموم علمه المستفاد من الترجيح بلا مرجح عند عدمه والقرآن المجيد دل على كلامه وإدراكه. ولا بد من مخالفته لغيره لذاته، لما عرفت من وجوبه وحدوث غيره. فليس بجسم لوحدته وتركيبه، ولا عرض لغنائه وحلوله، ولا جوهر ولا متحيز ولا في جهة لافتقارها وغنائه، ولا متحد لامتناع انفعاله، ولا يرى لامتناع الإحاطة به ولزوم الجهة الممتنعة عليه، وفي حديثين من الجمع بين الصحيحين أنهم يرونه يوم القيامة بالعين، فنعوذ بالله من هذا المين ! ولا بد من وحدته لفساد العالم عند فرض كثرته، ولنصه في كتابه على ذلك.

[ 21 ]

ولا بد من عدم زيادة الثبوتيات خارجا من صفاته لامتناع افتقاره إلى مغاير لذاته، ولأنها إن كانت قديمة بطل اختصاصه بوجوبه، وإن كانت حادثة من خارج افتقر إلى غيره، ومن ذاته في ذاته جاء الدور أو التسلسل. وحلول الحوادث به ولا في ذاته فالعقل قاض للوصف بامتناع تجرده وحلوله في غير المتصف به. ولا بد من اعتقاد عدله وحكمته المستندة إلى غنائه المستند إلى وجوبه، فعلمه بقبح القبيح ولغنائه عنه يصرفه عن فعله، لا أن فوقه حاكما يأمره بتركه كما توهمه من عدم كثيرا من رشده. وقد تمدح تعالى في كتابه بأوصاف وأسماء تدل على عدله ونهاية رأفته وهي كثيرة تظهر لمن تتبعها وجعلها غاية مطالعاته وقد ذم الله من لم يعتبر ما تدل عليه الآيات بل اكتفى بإنزالها، فقال تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) (1) وليحسن أن يقال هنا شعرا: يا أمة كفرت وفي أفواهها ال‍ * - قرآن فيه صلاحها ورشادها هلا تفكرت الرواة لما أتى (2) مما يزيل عن القلوب فسادها وهذا الباب مبني على إثبات الحسن والقبح العقليين وهو حق، للعلم الضروري بحسن الاحسان والمدح عليه، وقبح الكفران والذم عليه من غير نظر إلى شريعة كما حكم بهما البراهمة والملاحدة ولم يقولوا بشريعة، وأيضا لولا كونهما عقليين لجاز التعاكس بأن يوجد في الطوائف من يعتقد حسن الكفران وقبح الاحسان، ولما علمنا بطلان ذلك علمنا أنهما عقليان، ولأنهما لو لم يثبتا إلا شرعا لم يثبتا عقلا ولا شرعا، لأنا متى لم نحكم من عقولنا بقبح الكذب جاز وقوعه من الله تعالى بإخراج المعجز على يد المتنبي، فلم نميزه عن النبي ! ولم نجزم بصحة شريعة ولا بصدق رسول، فإذا استفدنا قبح الكذب من قوله الموقوف على صدقه، الموقوف على المعجز، الموقوف على قبح إعطائه الكذاب، الموقوف على استفادة قبح الكذب منه، لزم الدور، فالأشاعرة يلزمهم إبطال دينهم حيث أنكروا مقتضى عقولهم.


1 - محمد: 24. (2) تفكرت الغواة خ ل.

[ 22 ]

فصل الله تعالى يفعل لغرض ومصلحة يعودان إلى خلقه لا إليه، لامتناع احتياجه للزوم العبث لو خلا عن غرضه وهو قبيح عقلا فلا يقع منه كما مضى في تقريره والأشاعرة نفت غرضه تعالى وهم عن الصراط لناكبون، حيث أعرضوا عن قوله تعالى: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون) (1) وقد بين الله تعالى الغرض من بعث المرسلين بأنه لنفي حجة الناس عن رب العالمين ولو أضيف العبث إلى أحد من هؤلاء لتفصى عنه وتبرأ منه، ولما حكم عقله بقبحه نفاه عن فعله، فكيف عمي إذ نسب ربه إلى مثله شعرا: أيحسن أن يبني قصورا مشيدة * بأحسن أوضاع وأكمل هيئة ويهدم عمدا لا لمعنى وإنه * ليقبح هذا في العقول السليمة تذنيب: يريد الله تعالى الطاعات ويكره المعاصي لما علمت من حكمته ولأمره ونهيه المستلزمين لإرادته وكراهته ولو لم يكره الرب المعاصي لما حكم على الكافر بأنه عاص. فصل قضت الضرورة باستناد بعض الأفعال إلينا لوقوعه بدوا عينا، ولولا ذلك لقبح أمرنا ونهينا فانتفت عنا طاعاتنا ومعاصينا إذا انتفى عنا تأثيرها. وسيأتي ذلك في بابه مستوفى إن شاء الله، والقضاء والقدر اللذان يستند الخصم بهما إلى المحال وحمله التأويل الفاسد على الانصراف عن الهدى إلى الضلال فلهما محامل تطابق اللغة العربية موجبة لتنزيه بارئ البرية يتعين الحمل عليها لقضاء الفعل بها والتجاء الضرورة إليها.


1 - المؤمنون: 116.

[ 23 ]

الباب الثاني في إبطال الجبر المنافي لعدله ورحمته هذا الباب قد طول علماؤنا البحث فيه وأتوا من الاحتجاج عقلا ونقلا بما لا مزيد عليه، ونحن نذكر شيئا مما وضعوه فيه لما علمت من الاحتجاج في تثبيت الإمامة إليه فنقول: الله تعالى أمر ونهى ولولا قدرة العبد على متعلقهما كان ذلك سفها، ووعد على الفعل والترك بالثواب الجزيل ولولا قدرة العبد لما كان ذلك أولى به من العذاب الوبيل، ولخلت الفائدة عن صحائف الأعمال والإشهاد فيها إذا كانت الأفعال المنسوبة إلى العبد لا قدرة له عليها، ولولا قدرة العبد على الطاعة والعصيان لجاز من العدل الحكيم معاقبة أهل الإيمان وإثابة ذوي الكفران، ولو جاز ذلك خرج الحكيم العدل إلى الظلم عن حكمته وعدله وبطل ما تمدح به من إثبات رحمته، ولكان الطائع ناقص التدبير قليل التصوير حيث تعجل بمشقة التكليف، إذ جوز أن يعاقب وإن أطاع وهذا هو الاعتقاد السخيف. ولو لم يكن للعبد قدرة لكان وعده تعالى ووعيده راجعين إلى نفسه وكذا بعثه الأنبياء إنما هو إلى نفسه، والمحاربة الواقعة من الكفار لنبيه ودويه صادرة عنه لا عن مكذبيه، ولكان تكذيب الكافر لرسالته إنما هو من ربه فكأنه أرسله ثم كذبه فيعود الكذب على نفسه بأن يقول: أنت أرسلتني ثم كذبتني فأنت الكاذب علي. ويدل على إضافة الفعل إلى العبد آيات كثيرة. وقد صنف الشيخ يحيى بن سعيد رحمه الله كتابا سماه (الفحص والبيان عن أسرار القرآن وآخر سماه (قبة العجلان) وآخر سماه (الموازنة) قابل فيه آيات العدل بآيات الجبر فوجد آيات العدل تزيد عنها بسبعين آية قال: (ومن المعلوم أن الأدلة إذا تعارضت تساقطت وكان الحكم للفاضل)

[ 24 ]

وأقول: لو لم يوجد في القرآن ما يدل على فعل العبد ولا آية لكان في صريح العقول عن ذلك كفاية، ويجب تأويل مخالفها لأن الله تعالى أنزل القرآن حجة لنبيه، ولو انتفى فعل العبد أو حتمه الرب لكان محجوجا به، بأن يقول الكافر: (كتابك شاهد لي بعدم قدرتي فاللوم لازم لك ومنتف عني) ونحن نورد طرفا من الآيات التي تمسك الخصم بها ونشير إلى شئ من تأويلها. منها (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك (1)) قالوا: المراد بالحسنة الخصب، وبالسيئة الجدب ولهذا قال (أصابك) ولو أراد الفعل قال (أصبت) لأنك تصيب الحسنة، أما الخصب والجدب فإنه يصيبك لا تصيبه. قلنا: سلمنا أن المراد الخصب والجدب ولكن لا يضرنا وقد قال مقاتل: ما أصابك من المكروه فمن نفسك لأنك وليت وجنيت. وعلى قولنا: فما أصابك من سيئة فمنك لأنك السبب فيها. وقد قال الله (2) (ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) ولو كان الكل منه تعالى لم يصح أن يقول (من نفسك) ولبطلت القسمة المذكورة. وقد ذكر أبو العالية وأبو القاسم وهما من أئمة المفسرين أن المراد بالحسنة الطاعة وقعت بتوفيق الله وترغيبه وبالسيئة المعصية وقعت بخذلانه للعبد على وجه العقوبة له. قولهم: لو أراد الطاعة والمعصية لقال: (أصبت). قلنا: ما أصابك قد أصبته، قال السخاوي في شرح الشاطبية في تفسير: فتلقى آدم من ربه كلمات) (3) ما تلقيته فقد تلقاك، ومن الأفعال ما يستوى فيه الإضافة فتقول: نالني كذا ونلت كذا، قال شاعر: إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخطا * أصبت جميلا أو أصابك جاهل


1 - النساء: 78. 2 - الشورى: 30. 3 - البقرة: 37. (*)

[ 25 ]

ومنه (لا ينال عهدي الظالمين). (وبلغني الكبر) (1). قالوا: قال في الآية الأخرى: (قل كل من عند الله) (2) فقد فسر تلك بهذه. قلنا: معارضة بقوله: (ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله) (3) مع أن تأويل مخالف العقل أولى من العكس على أنه لا بد من العدول عن الظاهر لدفع التناقض عن الآيتين إذ في إحداهما (من الله ومن نفسك) وفي الأخرى (الكل من الله) فكأنه قال: الكل من الله والبعض ليس من الله ! قالوا: إذا حملنا الآيتين على أن الكل من عند الله لم يتناقضا. قلنا: لا يجوز الحمل اقتراحا ولم يفسر البعض بالكل لا مجازا، ولا ضرورة تلجئ إليه عن الحقيقة ويزول التناقض بما ذكر من تغاير الموضوع. قال ابن المرتضى، من شيوخهم: لما نزل النبي صلى الله عليه وآله المدينة قال اليهود والمنافقون: ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا مذيوم قدم هذا الرجل علينا، فنزل: إن تصبهم حسنة - يعني رخصا - يقولوا هذه من عند الله لنا وإن تصبهم سيئة - يعني غلاء - يقولوا هذه بشؤم محمد فينا، وإنما أتى الله بها عقيبها لئلا يظن ضعيف العقل اتحاد معناهما، وقد قال الله تعالى: (إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها) (4) فقد سمى الرخاء والشدة حسنة وسيئة. قالوا: الكلام من أوله إلى آخره خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وجواز السيئة عليه ينافي العصمة فيه. قلنا: قال ابن المرتضى: الخطاب له والمراد غيره، وقال ابن العباس: نزل القرآن بإياك أعني واسمعي يا جارة.


1 - البقرة: 124. آل عمران: 40. 2 - آل عمران: 77. 3 - آل عمران: 78. 4 - آل عمران: 120.

[ 26 ]

ومن آيات العدل (ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يأمر بالفحشاء، الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء، إن علينا للهدى، إنا هديناه السبيل، ومكروا ومكر الله، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) (1) ولفظ (على) يدل على الاستحقاق وبالجملة فلا يكاد أكثر القرآن المجيد يخلو من ذكر اختيار العبد، فالمخالف تمسك بما نهى الله عنه فقال: (فأما الذين في قلوبهم مرض فيتبعون ما تشابه منه) (2) ثم نقول لهم: ما تريدون أنتم من الكفار ؟ فإن قالوا الكفر كفاهم ذلك النكر. وإن قالوا: الإيمان، قلنا: أيما أفضل ما أردتم من الإيمان أو ما أراد الله من الكفران ؟ فإن قالوا: ما أراد الله، لزم كون الكفر خيرا من الإيمان. وإن قالوا ما أردنا لزم كونهم أولى بالخير من ربنا. ثم نقول: أيجب على العباد اتباع مراد الله أو مرادكم ؟ فإن قالوا مراد الله، لزمهم وجوب الكفر على العباد، وإن قالوا مرادنا دون مراد الله كفاهم بذلك خزيا وقبحا. وسنورد لك بعض ما تمسكوا به لتقف منه على بطلانه منه قوله تعالى: (وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه) (3). قلنا: أمر واجب لا أنه ألزم، وإلا لانتفت قدرته حيث لم يقع ما ألزمه. ومنه (إلا امرأته قدرناها من الغابرين) (4). قلنا: كتبناها لا ألزمناها. ومنه (وقدر فيها أقواتها، وقدرنا فيها السير) (5). قلنا: علمها وعلم ما عليها من ثواب وعقاب.


1 - الزمر: 7. الأعراف: 27. البقرة: 268. الليل: 12. الدهر: 3. آل عمران: 54. البقرة: 150. 2 - التوبة: 126. 3 - أسرى: 33. 4 - النمل: 57. 5 - حم السجدة: 10. سبأ: 18.

[ 27 ]

ومنه (كتب في قلوبهم الإيمان) (1) قلنا: علامة يعرفون بها. ومنه (ومن يضلل الله فما له من هاد) ونظائرها. (2) قلنا: الضلال يكون في الدنيا بمنع الألطاف جزاء على الكفران ويكون في الآخرة بالأخذ عن طريق الجنة والاهتداء يقابلهما، وقد يضاف الضلال إليه لوقوعه عند تكليفه كما أضيف الرجس إلى السورة والنفور إلى الرسول (3) وقد يقال (أضل الله الانسان) إذا وجده ضالا، يقال أجدبت المنزل وأقفرت الدار، إذا وجدتهما كذلك. قال عمرو بن معدى كرب: (قاتلنا بني سليم فما أجبناهم، وسألناهم فما أبخلناهم، وهاجيناهم فما أفحمناهم) (4) وقد نسب الله إضلال الدين إلى غيره: (فأضلهم السامري، وأضل فرعون قومه، ويريد الشيطان أن يضلهم) (5) وأضاف إلى نفسه ضلال المستحق: (ويضل الله الظالمين، وما يضل به إلا الفاسقين) (6) ولو جاز منه الاضلال عن الدين لم يخص به الظالمين. ومنه (ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله) (7) فنهى عن الشئ وهو يعم الطاعة والمعصية إلا مع التعليق بمشيئته، ولو كان لا يريد المعصية لكان من قال (لأعصينك غدا إن شاء الله) كاذبا حانثا، إذا لم يفعل، لأن الله قد شاء ذلك فلم يؤثر الاستثناء في المشيئة، ولما لم يكن حانثا بالاجماع كان الله مريدا للعصيان. قلنا: قال المرتضى رحمه الله: الاستثناء يكون للايقاف كالداخل في العقود وللتسهيل مثل (لأقضينك غدا إن شاء الله) أي إن لطف، وهذا ليس على حقيقة الاستثناء فلا حجة لهم فيه كما ذكروه.


1 - المجادلة: 22. 2 - الرعد: 35. 3 - في قوله: (فزادتهم (السورة) رجسا إلى رجسهم) وقوله: (فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا) 4 - أي ما وجدناهم جبناء، بخلاء مفحمين. 5 - طه: 85. طه: 79. النساء: 59. 6 - إبراهيم: 27. البقرة: 26. 7 - الكهف: 24.

[ 28 ]

ومنه (فألهمها فجورها وتقواها) (1). قلنا: أي بينه ومنه (وما تشاؤن إلا أن يشاء الله) (2). قلنا: لم نشأ شيئا إلا وقد شاءه لأنه الآمر به، إذ لولا مشيئة الله لتخلف بها مشيئتنا فلم نشأ شاء بعدم مشيئتنا إن قيل مشيئتنا من فعلنا عندكم ؟. قلت من خلقه تعالى. فإن قلت: كيف يكون من خلقه ؟. قلنا: المراد خلقنا أحياء نقدر على المشيئة وذلك سبب مشيئتنا. ومنه (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها، ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم (3). قلنا: على سبيل الاجبار لأن بعضهم سأل الرسول أن يقهر المجاورين لهم على الإيمان ليتقوا ربهم، فنزلت الآية وفي آخرها (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين). ومنه (وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله) (4). قلنا: المراد بعلمه. ومنه (إن الذين كفروا زينا لهم أعمالهم) (5). قلنا: زين لهم أعمالهم الحسنة بالترغيب فيه فأبوا عنها فخلا بينهم وبين قبيحها، أو منعهم ألطافه فيها. ومنه (ولو شاء الله ما أشركوا) (6).


1 - الشمس: 8. 2 - الدهر: 30. 3 - الم السجدة: 13. يونس: 99. 4 - يونس: 100. 5 - النمل: 4. 6 - الأنعام: 107.

[ 29 ]

قلنا: على سبيل الجبر كما مر. ومنه: (إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء (1). قلنا: الفتنة هي الاختبار والامتحان ومنه سمى الصانع (فتان) وقد جاءت الفتنة على معان هذا أليقها لتنزيه الرب عن العدوان. ومنه (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم) (2). قلنا: المشيئة بالجبر كما سلف، والضمير في (لذلك) للرحمة لا للاختلاف. قالوا: (ذلك) ضمير المذكر لا يصلح للرحمة المؤنثة. قلنا: رد الله ضمير التذكير إلى التأنيث في قوله (هذا رحمة من ربي، إن رحمة الله قريب من المحسنين) (3) وقد اشتهر ذلك في أشعار البلغاء. ومنه (ولا تجعل في قلوبنا غلا) (4). قلنا: الجعل بمعنى التخلية مثل قول أحدنا لغيره: (وجعلتني ذليلا) إذ خلا بينه وبين ما يذله. وبمعنى التسمية (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا) (5). ومنه (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا) (6). قلنا: وجدناه غافلا أو أغفلناه فلم نكتب فيه علامة الإيمان. ومنه (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا. وجعلنا على قلوبهم أكنة) (7).


1 - الأعراف: 154. 2 - هود: 119. 3 - الأعراف: 55. 4 - الحشر: 10. 5 - الزخرف: 19. 6 - الكهف: 28. 7 - يس: 8 والأنعام: 25.

[ 30 ]

قلنا: لما أبوا الرشد والانتفاع شبهوا بذلك وصحة نسبته إليه تعالى من حيث امتناعهم عند تكليفه كما نسب الرجس والنفور إلى السورة والنذير. قال شاعر: كيف الرشاد وقد صرنا إلى نفر * لهم عن الرشد أغلال وأقياد ومنه (إن الله يحول بين المرء وقلبه) (1) قلنا: بالجنون أو الموت: والفائدة الحث على الطاعات قبل الفوت وسأل هشام بن سالم عن علي عليه السلام عن الآية فقال عليه السلام: يحول بينه وبين أن يعلم أن الباطل حق. ومنه (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا) (2). قلنا: المرض هنا الشك، أي زادهم الله شكا بمنع ألطافه ومثله (ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم) (3) وقيل معناهما الدعاء عليهم. ومثله (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) (4). ومنه (والله خلقكم وما تعملون) (5). قلنا: خلق أصنامهم التي يعملون فيها مثل (تلقف ما يأفكون) (6) يعني العصي المأفوك فيها، على أنه يجوز كونه خالق أفعالنا على وجه التقدير. ومنه (خلق كل شئ) أي بقدر (7) قالوا: لولا أن المراد العموم ذهبت المدحة، لأن العباد عندكم يخلقون بعض شئ.


1 - الأنفال: 34. 2 - البقرة: 10. 3 - التوبة: 125. 4 - الصف: 5. 5 - الصافات: 96. 6 - الأعراف: 119. 7 - الأنعام: 101.

[ 31 ]

قلنا: وأي مدحة في خلق الظلم والكفر والعناد، على أنه سبحانه مختص بخلق الأسباب دون العباد. وأيضا إذا قلنا خلقهم وخلق عبادتهم الأصنام لم يبق لقوله تعالى (أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون) (1) معنى، إذ لا معنى للانكار إلا عدم جعلها أصناما تعبد. فإن قالوا: (جعلنا) ليس بإنكار بل استعلام. قلنا هو محال من الخبير العلام. ومنه (خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام) (2). قلنا: فكان يلزم إيجاد أفعالهم في ستة أيام والمعلوم خلافه. ومنه (ويبلوكم بالشر والخير فتنة. وبلوناهم بالحسنات والسيئات) (3) قلنا: المراد الرخاء ومقابله كما سلف. ومنه (إن الانسان خلق هلوعا) (4). قلنا: مطبوع على الضعف عن تحمل المشاق) ومنه (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها) (5). قلنا: أمرهم بالطاعات ففسقوا مثل (أمرته فعصا، ودعوته فأبى) أو يكون المعنى أنا إذا أردنا أن نهلك قرية من صفتها أنا أمرنا مترفيها. ولا يكون: (أمرنا مترفيها من صلة القرية. إن قالوا فلم يبق لاذا جواب قلنا: هو من الاكتفاء قال الهذلي: حتى إذا سللوهم في قنابله * سلا كما تطرد الجمالة الشردا فلم يأت بجواب (إذا) لأن البيت آخر الشعر، وقيل التقدير: إذا أمرناهم ففسقوا أردنا هلاكهم، والتقديم والتأخير في كلام العرب كثير هذا.


1 - الزخرف: 45. 2 - الفرقان: 59. 3 - الأنبياء: 35. 4 - المعارج: 19. 5 - الإسراء: 16.

[ 32 ]

وقد ورد جملة مقنعة من الأحاديث تنفي نسبة أفعالنا إليه تعالى كما اعتقده الأخابيث. روى عبد الله بن شداد أنه صلى الله عليه وآله كان يقول: (اللهم رضا بقضائك وبرك لي في قدرك) والنبي صلى الله عليه وآله لا يرضى بالكفر والظلم. وقال صلى الله عليه وآله: (سيكون في آخر هذه الأمة قوم يعملون بالمعاصي ثم يقولون هي من الله قضاءا وقدرا، فإذا لقيتموهم فأعلموهم أني برئ منهم) ونحوه عن جابر عن النبي صلى الله عليه وآله وزاد فيه: (الراد عليهم كالشاهر سيفه في سبيل الله). وقال له رجل: متى يرحم الله العباد ومتى يعذبهم ؟ فقال: (يرحمهم إذا عملوا المعاصي فقالوا هي منا ويعذبهم إذا قالوا هي من الله قضاءا وقدرا). وقد نقل ابن حنبل وجميع الحشوية ومعظم العامة أن عمر بن الخطاب أتى بسارق فقال له: ما حملك عليه ؟ فقال: قضاء الله وقدره. فضربه ثلاثين سوطا ثم قطعه، وقال له: (قطعتك بسرقتك وضربتك السياط بكذبك على الله). ولو لم يكن إلا الخبر المتلقى من الأمة بالقبول لكفى وهو ما رواه شداد بن أوس قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: من قال حين يصبح أو يمسي: (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت يا رقيب أعوذ بك من شر ما صنعت وأقر لك بالنعمة وعلى نفسي بالذنب فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت). قالوا: الله قادر على المنع من المعصية ولم يفعل فهو مريد لها. قلنا: منه يؤدي إلى الالجاء المنافي للتكليف بالانزجار عنها. قالوا: الظلم تصرف في مال الغير والله مالك الكل فلم يقبح منه تعذيب بغير موجب. قلنا: نمنع انحصار الظلم في ذلك فإن من قتل عبده لا لحدث فعله ذمه كل عاقل وظلمه.

[ 33 ]

قالوا: جايز للمالك أن يشقى أحد عبديه في المعاش ابتداء ويريح الآخر ولا يكون بذلك ظالما قلنا: لا قياس، لأن كلامنا في قتله بغير سيئة والإنعام على الآخر بغير حسنة. قالوا: لو أذن السلطان لرعيته بقتل واحد فقتله واحد منهم فله قتله ولا يكون ظالما. قلنا: هذا مكابرة، فإن المأمور بقتله إن كان لا لسبب يوجب ظلمه [ فظلم ] وإلا ظلم قاتله. قالوا: لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، قلنا: كيف يسأل عما يفعل ولا يفعل إلا على وفق الحكمة، بخلاف عباده. ويؤيده (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل (1)) (ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا (2)) وأيضا وهم يسألون عما يفعل أو عما يفعلون فليعتبرها الضالون. قالوا: لو فعل السلطان فعلا لم يعارض فيه وإن أنكرته الرعية فكيف يعارض الرب فتنكر الخلق عليه. قلنا: لم يعارض السلطان لما يعلم من ظلم أما الرب فنعم لما وصفه لنفسه من عدله، وذكر أنه فولا الارسال إليهم لسألوه عن فعله. قالوا: الأغلب في الكون وقوع المعاصي وهي من الشيطان، والطاعات نادرة فالأقل من الرحمن ؟ بل الحق أن الكل من الملك الديان. قلنا: ذلك ليس على وجه غلبة الضعيف، بل لأن الله تعالى لو ألجأهم إلى تركها لنافى التكليف وقد نطق بوسوسة الشيطان الكتاب المبين في قوله (لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين. لاحتنكن ذريته إلا قليلا، ولقد أضل منكم جبلا كثيرا (3). قالوا: (خلق الله إبليس وهو يعلم أنه يعصيه فقد أراد معاصيه قلنا: خلقه للعبادة العائد عليه نفعها فأباها، وفي إيجاده تمييز الخبيث من الطيب باتباعه و امتناعه ولولاه لما فضل بعض البشر على الملائكة بمخالفته فظهرت الحكمة في خلقته.


1 - البقرة: 150. 2 - طه: 134. (3) الحجر: 39 و 40، الإسراء: 62، يس: 69.

[ 34 ]

قالوا: الطاعة بموافقة الأمر والمعصية بمخالفته لا بموافقة الإرادة ومخالفتها قال الله تعالى (أفعصيت أمري (1)) ولم يقل إرادتي (لا يعصون الله ما أمرهم (2) ولم يقل فيما أراد منهم فلا لوم على معاقبة العاصي وإن وافقت المعصية إرادته. قلنا: الأمر والإرادة متلازمان والمخالف فيه مكابر، وقد قال تعالى: (ولا يرضى لعباده الكفر (3) ولو كان مريدا له كان راضيا به لاتحادهما ضرورة، فإذا تلازم الأمر والإرادة لم يبق فرق بين ذكرها في العصيان وذكره وسؤال التعيين ساقط عند المحصلين وقد قال الله تعالى: (ولا يريد بكم العسر (4) وأي عسر أكبر من القهر على المعصية ورفع التمكين منها ثم يعاقبه عليها ؟ ولو أمر الله بما لا يريد لكان عابثا، تعالى عن ذلك. قالوا: أمر إبراهيم بذبح ولده ولم يرده لعلمه أولا بعدم وقوعه. قلنا: قد ذهب أكثر المحققين إلى وقوعه وأن الله تعالى كان يوصل الأعضاء بعد قطعها وذهب جماعة إلى أنه أمر بمقدمات الذبح لا بالذبح فأضجعه وغلب على ظنه أنه سيؤمر بالذبح. قالوا: قد وقع من الله أنواع الآلام بغير المستحق كالأطفال والأولياء وغير ذلك من الموت ومصائب الدنيا ولم ينسب إليه ظلم في شئ منه فكيف ينسب إليه الظلم فيما يريده وهو يكتسب لغيره ؟. قلنا: الآلام المذكورة علم فيها مصلحة واختبارا وضمن في مقابلتها عوضا يختارونه عليها فخرجت بهذين عن كونها ظلما وعبثا بخلاف الصادرة منا فبطل قياس المنافق لعدم الجامع وحصول الفارق.


1 - طه: 93. 2 - التحريم: 6. (3) الزمر: 7. (4) البقرة: 185.

[ 35 ]

(الفصل الثاني) من أقوى ما يقال لهم: بعث الأنبياء لتأتي بما أراده الله منها أولا ؟ فإن قالوا بما أراد ؟ قلنا: أرادوا إيمان الكافر فيكون الله تعالى مريدا لإيمان الكافر وهو خلاف قولكم، وإن قالوا: بعثوا ليأتوا بما لا يريد، قلنا: هذا كفر وإلا لكان مسيلمة الكذاب أتى بموافق إرادة الله تعالى وخالفها النبي الصادق. ويقال لهم إذا جوزتم أن يفعل الله ما هو قبيح في الشاهد ولا يقبح منه لزمكم جواز أن يخبر عن الشئ بخلاف ما هو عليه ولا يقبح منه وقد التزمه العطوي وقال إنه ليس بأعظم من القبائح غيره. والأشاعرة قالوا إنما لم يقل الكذب لأنه صادق لذاته، ولو كان الكلام فعلا لما قبح منه ذلك قلنا: قد ألزمناكم أن لا يكون صادقا فبينوا الآن أنه صادق لذاته على أن الكلام المسموع فعل عندكم، فما يؤمنكم أن يكون كذبا (1) و أن الكلام النفساني أخبر بخلاف ما أخبر المسموع بأن يكون فيه: النار دار الأبرار والجنة دار الكفار. إلزام آخر يقال لهم إذا صح أن يفعل الظلم صح أن يأمر به وكلما تجيبون في المنع من الأمر به قائم في المنع من فعله. قالوا: أمر بالصلاة وغيرها ولا يفعل. قلنا: هذا عكس إلزامنا لأنا قلنا إذا صح أن يفعل صح أن يأمر وأنتم قلتم إذا صح أن يأمر صح أن يفعل. إلزام آخر إذا صح أن يفعل القبائح ولا يقبح منه صح أن ينصب الأدلة على الباطل ولا يقبح منه إذ ليس بأعظم من الاضلال عن الدين وخلق تكذيب النبيين وتجويز ذلك يرفع الثقة بحقية مذهب المسلمين لجواز أن يخرج المعاجز على يد الكاذبين ويمنع منها النبيين الصادقين وناهيك بذلك فسادا في الدين. إلزام آخر، إذا جاز أن يخلق التكذيب والكفر في الضلال، جاز بالأولى أن يبعث الأنبياء يدعون إلى الضلال فيمتنع القطع بدعوى الأنبياء إلى الحق وذلك من أعظم المحال حيث لم يبق لأحد مجال عن سبيل الوبال.


1 - صادقا.

[ 36 ]

تذنيب: هذه الالزامات ونحوها يلزمهم أن لا يمكنهم الانفصال عنها ولا يستنكفون منها لأنهم لا يتصورون قبحا فيها لو صدرت منه، سبحانه وتعالى عنها. (الفصل الثالث) * (في إلزامات أخر) * يقال لهم: تحبون أن تحمدوا على الطاعات فلا بد من: بلى، فيقال: دخلتم في توبيخ قوله (يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا (1)) ويقال لهم: إذا خلق الله الكفر في الكافر وأمره بالإيمان فقد أمره بتغيير ما خلق فكيف يعاقبه على أنه لم يغير ما خلق فيه. إلزام آخر: نفى الله تعالى الظلم عن نفسه في مواضع من كتابه وعندكم كل واقع من القبائح من فعله فلا معنى للنفي عن نفسه، وبأي شئ يجيب الرسول إذا قال له الكافر: أي فايدة في إرسالك. إلزام آخر: الاجماع على جواز طلب المعونة من الله ولا معنى لها حينئذ وإلا لاحتاج الله تعالى في فعله إليها. إلزام آخر: أصحاب مسيلمة صدقوه في النبوة وتصديقهم من فعله تعالى فهو صادق إذ لا فرق بين تصديقه إياه وإنطاق الأحجار ونحوها له وإذا جاز أن يخلق الكذب في خلقه جاز أن يكون قول محمد صلى الله عليه وآله (لا نبي بعدي) من جملته إذ لا ترجيح له على دعوى مسيلمة وقد صدقنا الله على حد واحد. إلزام آخر: إذا شرب الصائم بيده أثم وإذا وجر في حلقه لم يأثم فما الفارق بينهما وما معنى قول النبي صلى الله عليه وآله ؟ (رفع [ القلم ] عن أمتي [ في ] الخطاء و النسيان وما استكرهوا عليه) ولا يتصور الاكراه إذا كان فاعل الكل الله تعالى.


(1) آل عمران: 185

[ 37 ]

إلزام آخر: أجمع على وجوب التوبة وكيف يتوب الانسان عما لم يفعل و الندم حينئذ كالندم على السواد والقصر وتشويه الخلقة. إلزام آخر: أنكروا فعل السيئات في قوله تعالى (ما كنا نعمل من سوء (1)) فإذا كانوا صادقين كذب قوله تعالى (بلى). إلزام آخر: شهادة الجوارح على فعل العباد إن كانت صادقة فالمطلوب وإلا فكيف يحتج تعالى بشهادة كاذبة. (الفصل الرابع) اتفق أهل القبلة على إثبات القضاء والقدر في فعل العبد بمعنى العلم والكتابة له وعلى نفي القدر بمعنى الأمر به أما القدر فيه بمعنى أن الله خلقه فأثبته الجبريون ونفاه العدليون وقد أجمع على أنه تعالى يقضي بالحق ونطق القرآن به وعلى أن الكفر باطل، فلو قضاه تناقضا [ أ ] وكان الباطل حقا وإذا كان الجبري يقول بأن الله لم يقض الكفر بمعنى الأمر به لزم أن لا يقضيه بمعنى خلقه إذ كان خلقه أبلغ في القبح من الأمر به، وقد اتفق على نفي رضا الله بالكفر وجاء القرآن به وعلى وجوب الرضا بالقضاء فيجب أن لا يرضى العبد بما لم يرض الله به، وأجزل الله ثواب أبي العباس الضبي حيث قال في ذلك شعرا: لعنت المشبهة والمجبرة * لعاين تترى حدثها مره (2) فميمنة النار مثوى لها * نعم ولها القلب والميسرة ولله إخواننا القائلون * مقالة حق بها المغفرة فهم وحدوه وهم عدلوه * بآيات فطرته النيرة


1 - النحل: 28. (2) كذا.

[ 38 ]

(الفصل الخامس) اتفق الناس على أن القدر اسم ذم لتشبيههم بالمجوس فتدارءته العدلية و الجبرية كل فرقة تلقيه على الأخرى، فقلنا من يثبت القدر في فعل العبد بمعنى الخلق له أحق بالقدري لأن الاسم إنما يشتق من الشئ لمثبت ذلك الشئ كما أنه الثنوي من أثبت ثانيا والمجسم من أثبت جسما، ولو اشتق اسم الشئ لنافيه لكان الموحد ثنوي والمنزه مجسمي (1). إن قالوا: بل أنتم القدرية لأنكم تثبتون قدرة للعبد. قلنا: فأنتم تثبتون قدرة الرب على فعل العبد وأكثركم يثبت قدرة العبد ويزعم أنها موجبة للفعل والخبر ورد بفتح القاف والمثبت للقدرة قدري - بالضم - فليس هو المراد، وأيضا فإن المجبر يكثر ذكر القدر في كل قضية ومن أكثر من شئ عرف به. و أيضا فإن النبي صلى الله عليه وآله ذمهم فالجبرية أحق بالذم لنسبتهم أنواع القبائح إليه تعالى ونهى عن مجالستهم فالمفسدة في مجالس الجبرية حيث يسهلون المعاصي بقولهم: ما قدره الله كان وما لم يقدره فلا، ويؤيسون من رحمة الله إذ يجوزون التعذيب من غير ذنب، ويقولون: خلق الله للجنة قوما لا تضرهم المعصية وللنار قوما لا تنفعهم الحسنة والطاعة ! وسماهم النبي صلى الله عليه وآله شهود الشياطين وخصماء الرحمن إذ جواب إبليس (ما منعك أن تسجد): (رب بما أغويتني) فإذا قال الله: (من شهودك بذلك ؟) جاء بالجبرية. وحكى الحاكم: أن جبريا سمع قارئا يقرأ: (ما منعك أن تسجد ؟) قال: هو والله منعه، ولو كنت حاضرا لقلت ذلك. وحكى أيضا: أنه كان بالبصرة نصراني كتب (إني كفرت بمحمد بقضاء الله عليه ومنعه الإيمان به) وأتى بالكتاب المجبرة فكتبوا خطوطهم بذلك ليشهدوا به في القيامة. وشبههم النبي صلى الله عليه وآله. بالمجوسي والمجبرة كذلك، لأن المجوس يقولون بإلهين: القادر منهما على الخير لا يقدر


(1) كذا في الأصل والقياس لكان الموحد ثنويا والمنزه مجسميا.

[ 39 ]

على الشر وبالعكس، والمجبرة تقول: (الكافر لا يقدر على الإيمان، والمؤمن بالعكس) وعلقت المجوس المدح الذم بما لا يعقل، وهو الطبع، والمجبرة علقوهما بما لا يعقل وهو الكسب والمجوس ينكحون المحارم ويقولون (أرادها منا). وكذا الجبرية. وقد روي في الفائق أن النبي صلى الله عليه وآله قال: لعنت القدرية والمرجئة على لسان سبعين نبيا، قيل: ومن القدرية ؟ قال: قوم يزعمون أن الله قدر المعاصي عليهم و عذبهم عليها. وروى أبو الحسن عن محمد بن علي المكي أن فارسيا قدم على النبي صلى الله عليه وآله فقال له النبي صلى الله عليه وآله: (أخبرني بأعجب ما رأيت) قال: رأيت قوما ينكحون محارمهم ويقولون هي بقضاء الله وقدره، قال النبي صلى الله عليه وآله أما إنه سيكون في هذه الأمة قوم يقولون بمثل مقالتهم، فأولئك مجوس أمتي، وقيل لثمامة: تقدر أن تؤخر ما قدم الله أو تقدم ما أخر الله، فقال: هذا على ضربين إن أردت أن أصير رأس الحمار ذنبه فلا، وإن أردت أن أقدم معاوية على علي عليه السلام وقد أخره الله تعالى فنعم. وذكر ابن مسكويه في كتابه تجاريب الأمم: أن الله تعالى بعث محمدا والعرب حينئذ قدرية مجبرة، يحملون ذنوبهم على الله مصداق ذلك قوله تعالى (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها (1)) وقوله عنهم: (ولو شاء الله ما أشركنا (2)). والعجب أن المجبر يعمل في أمر دنياه بالأحزم في طلب رزقه والحرص على أمواله، فإذا نهي عن ذلك بأن ما قدر الله فلا بد من وصوله فلا تتعب، أنف من ذلك وأنكره، ولقد كان أمر دينه أولى بالاحتياط منه. إن قالوا: بل أنتم المجوس، لأنكم تنسبون الشرور إلى الشيطان وتنفونها عن الرحمن وهذا هو مذهب المجوس. قلنا: الشرور التي نسبها المجوس إلى الشيطان هي


(1) الأعراف: 27. (2) الأنعام: 148.

[ 40 ]

الأمراض والمصايب والصور المستقبحة، وهذه نحن ننسبها إلى الرحمن لا إلى الشيطان وأما الشرور التي هي الاغواء والوسوسة فلم تختص المجوس بنسبتها إلى الشيطان، بل يقول بها ساير الكتابيين، [ بل ] وقد علم من الله ورسوله والسلف نسبة ذلك إلى الشيطان، قال أبو بكر في مسألة: (هذا ما رآه أبو بكر فإن يكن صوابا فمن الله و إن يكن خطأ فمن نفسي ومن الشيطان والله ورسوله منه بريئان) ومثله عن عمرو بن مسعود وغيرهما مما لا ينكره إلا جائر، لأنه من المتشاهر، وسيأتي تكميل ذلك في باب المجادلة فمن أراه قصده. شعرا: امنع المجبر الذي * بقضاء السوء قد رضي وإذا قال لم فعلت * قل له هكذا قضي (الباب الثالث) * (في إثبات النبي وصفاته) * وفيه فصول: (الفصل الأول) نفت الأشاعرة وجوب البعثة بناءا على إنكار الوجوب العقلي وأوجبها الأوايل من حيث العقل العملي، ومشايخ المعتزلة لم تعمم وجوبها واتفقت المعتزلة في الجملة والإمامية مطلقا على وجوبها، والحق امتناع الخلو منها لاشتمالها على اللطف للانسان، وهو واجب على الله في كل آن فإن المواظبة على السمعيات مقربة من العقليات: (إن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر (1)) ومشتملة على اللطف في السمعيات أيضا فإن العلم بدوام الثواب والعقاب الداعي إلى ما يوجبها مستفاد من النبي كما هو مذهب المرجئة، وأما المعتزلة القائلون بأن العلم بدوامهما عقلي فنقول فيه إنه لا يسقط لطيفة النبي، لأن العلم بتفاصيلهما سمعي، وذلك من أكبر الدواعي والصوارف.


(1) العنكبوت: 45.

[ 41 ]

إن قيل: لا تكون السمعيات إلطافا في العقليات إلا إذا علم المكلف كونها إلطافا وداعية وذلك منتف. قلنا: لا نسلم وجوب علمه بكونها إلطافا وداعية، إذ يجوز أن يعلم الله أن مجرد التكليف بها موجب للانقياد إلى تلك، على أن العقليات قد يتباعد زمانها كقضاء الدين، ورد الودايع، والقيام بجزاء الصنايع، فتقع الغفلة عن الله فلا بد من مذكر وهو السمعي. إن قلت: لو كانت السمعيات لطفا لتقدمت على العقليات، لوجوب تقدم اللطف، ولو تقدمت لزمت الدور فإن السمعيات إنما تثبت بعد العلم بثبوت الخالق وما يتوقف عليه الارسال من صفاته. قلنا المتقدم هو العلم بالعقليات، و السمعيات لطف في العمل بها، على أنا نمنع تقدم العقليات في الخارج على السمعيات، وإنما تقدمت في الذهن عليها، فإن العقل لانغماره في الشهوات قد لا يتنبه لتلك المعارف ولا يهتدي لوجوهها، ومع الرسول بها وإيجابها يتنبه لها ويقرب من تحصيل طرقها فيكون النبي لطفا فيها، وأيضا فالقدرة على البعثة والداعي إليها حاصلان فتجب لاشتمالها على المصالح والصارف منتف لانتفاء وجوه المفاسد، و أيضا فاجتماع النوع ضروري وهو مجبول على التغالب، فيقع التجاذب، فيقع القتل فيقع العدم المناقض لمراد الخالق من الوجود فيجب رده إلى قانون مقبول هو الشرع والآتي به النبي المميز عنه بالمعجزة، فوجب النبي وله وجه يتلقى به الوحي الإلهي وآخر يخاطب به النوع الانساني، وليس لرعيته هذان الوجهان. إن قلت: لم لا يكون لكل فرد ما للنبي، فيستغني عنه قلت: الارسال أعظم في تجليل المرسل مما ذكرت، إذ في عادة الملوك إرسال الرسل والحجاب والاحتجاب عن الرعية، ليعظم في أعينهم، ولذا أوصى المعلم الأول، ارسطاطاليس، الملك الإسكندر، بأن لا يظهر على الرعية إلا نادرا، فجرى الرب الحكيم على ذلك في إرساله لازدياد تعظيمه. إن قلت: هذا يوجب خفض منزلته عند رسوله. قلت: للرسول نفس قدسية لا يتخيل سقوطه عنده.

[ 42 ]

إن قلت: فلو جعل نفوسهم كذلك، كانوا كذلك، قلت: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) وبهذا يسقط ما قيل إن اختصاصه بالرسالة، إما لأمر فيتسلسل، أولا لأمر، فترجيح بغير مرجح. قلنا: ذلك من العناية والمختار يرجح بلا مرجح. (الفصل الثاني) محمد رسول الله صلى الله عليه وآله لثبوت دعواه ومعجزاته بالتواتر المفيد للعلم لبلوغ مخبريه إلى حد تشهد العقول بصدقه وتحيل العادة الاجتماع لافترائه، وإلا علم بمكانه و زمانه خصوصا مع توفر دواعي الكفار على نقله، وخصوصا القرآن العزيز، فإنه تحداهم بمعارضته في قوله (فأتوا بسورة من مثله (1)) فلو قدروا عليه مع كونهم ذوي فصاحة وبلاغة، لم يعدلوا عنه إلى محاربته، وفيها بذل أنفسهم، والهبوط عن رياساتهم، إذ العاقل لا يعدل عن الأخف الأسهل وفيه الحجة، إلى الأشق الأثقل مع عدم الفائدة. وقد نقل الإمام الطبرسي في احتجاجه أن ابن أبي العوجا، وأبو شاكر الديصاني، وابن المقفع، و عبد الملك البصري اجتمعوا عند البيت، يهزؤن بالحاج ويطعنون بالقرآن، وعينوا لكل واحد منهم ربعا من القرآن أن ينقضه، ويجتمعون في القابل وقد نقضوه كله، فلما اجتمعوا في القابل، قال ابن أبي العوجا: أما أنا فمنذ افترقنا، فمفتكر في قوله تعالى: (فلما استيئسوا منه خلصوا نجيا (2)) فلم أقدر أضم إليها من فصاحتها مثلها فشغلتني عما سواه، وقال عبد الملك: و أما أنا فمفتكر في قوله تعالى: (إن الذين يدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له) (3). وقال أبو شاكر: وأما أنا فمفتكر في قوله تعالى: (لو كان


(1) البقرة: 23. (2) يوسف: 80. (3) الحج: 73.

[ 43 ]

فيهما آلهة إلا الله لفسدتا (1)) وقال ابن المقفع وكان أفصح أهل عصره: إن هذا القرآن ليس من جنس كلام البشر، وإني مفتكر في قوله تعالى: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك وياسماء أقلعي) الآية (2) لم أبلغ غاية المعرفة بها، ولم أقدر على الاتيان بمثلها، قال هشام: فبينما هم كذلك إذ مر بهم الصادق عليه السلام فقرأ: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا (3)). وقد حكى أبو عبيدة أن أعرابيا سمع (فاصدع بما تؤمر (4)) فسجد، وسمع آخر (فلما استيئسوا منه خلصوا نجيا) فقال: أشهد أن لا مخلوق يقدر على مثل هذا وسمع الأصمعي جارية تستغفر، فقال لها:، مم ولم يجر عليك قلم، فقالت شعرا: أستغفر الله لذنبي كله * قتلت انسانا بغير حله (5) مثل غزال ناعم في دله * فانتصف الليل ولم أمله (6) فقال لها: ما أفصحك يا جارية ؟ فقالت: أفصاحة بعد قوله تعالى: (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه، فإذا خفت عليه فألقيه في اليم، ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين (7)) فجمع تعالى في آية أمرين ونهيين و خبرين وبشارتين. ولما أراد النابغة الاسلام، حين سمع صوت قارئ يقرء القرآن وعلم بفصاحته قال أبو جهل له: يحرم عليك الأطيبين. وأخبر الله تعالى عن الوليد بن المغيرة بذلك، في قوله: (فكر وقدر) إلى آخر الآية (8)).


(1) الأنبياء: 22. (2) هود: 44. (3) الإسراء: 88. (4) الحجر: 94. (5) كذا في النسختين والظاهر: قبلت. (6) ولم أصله، خ. (7) القصص: 7. (8) المدثر: 18.

[ 44 ]

وقد نقل في وجه إعجازه وجوه أخر كالصرفة وغيرهما، فمن وفق لها وقف عليها، واعلم أن تواتر القرآن عيني، وغيره معنوي، مثل أخباره صلى الله عليه وآله بالمغيبات وانشقاق القمر، وتسبيح الحصا، ونبوع الماء من بين أصابعه، وغيرها من المعجزات المشهورة، فإن كل فرد منها وإن نقل بالآحاد إلا أنها اشتركت في معنى واحد هو خرق العادة، وسيأتي في ذلك فصل مفرد إنشاء الله تعالى. وأيضا فالأنبياء السالفون أخبروا به، ففي التوراة فارقليطا وفي الإنجيل المحنا، وفي خرايج الراوندي: في الإنجيل فارقليطا وايمشحا وهو محمد صلى الله عليه وآله. وقال الشهرستاني في الملل والنحل أجمع أهل الكتاب على أن التوراة بشرت بواحد واختلافهم في تعيينه، أو في الزيادة عليه، وقد ثبت إعجاز القرآن وفيه: (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التورية و الإنجيل (1)) وقال عيسى عليه السلام: (ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد (2)). (الفصل الثالث) * (في رد الاعتراضات على نبوة محمد صلى الله عليه وآله) * 1 - لا نسلم حصول العدد المعتبر في التواتر، إد كل عدد يمكن تواطيه على الكذب. قلنا: العلم الحاصل بذلك ضروري فلا يقدح فيه ما شككتم به. 2 - لا يحصل العلم بتواتر الخبر، إلا بعد العلم بالخبر، وأنتم بنيتم العلم به على كونه متواترا فيدور، قلنا بالمعنى الذي عقلتم حصول المجموعية، فاعقلوا مثله في حصول العلم، على أنه طعن في الضروري. 3 - لا نسلم استواء الطرفين والواسطة المعتبرة في الكثرة فلا تواتر، قلنا: كل طبقة مع كثرتها نقلت عمن تقدمها مع كثرتها كثرة من تقدمها فحصل القطع بصدقها، على أن تكثر الطبقات لو حدث بعد عدمه لعلم زمان حدوثه، كما في


(1) الأعراف: 156. (2) الصف: 6.

[ 45 ]

المذاهب المنتحلة، خصوصا مع توفر داعية الكفار إلى نقله. 4 - أصل التواتر الحس وهو قد يغلط كما غلط في صلب المسيح، قلنا: تغليط الحس تشكيك في العلم الضروري فلا يسمع. 5 - يجوز ظهور القرآن على رجل غير محمد، فأخذه منه وادعاه لنفسه. قلنا: فيه ما هو مختص به مثل (وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه (1) ويوم حنين (2) إذ تصعدون ولا تلوون (3) عفى الله عنك لم أذنت لهم (4) إذ أخرجه الذين كفروا (5)) وإن الله صرف العرب عن معارضته، فلو كان باطلا أو كان مغصوبا، لزم أن يفعل الله ضد ذلك، لئلا يلزم المفسدة. 6 - يجوز أن يكون آيات التحدي من عنده فإنه لم يحفظ القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وآله إلا قليل، وكانوا يعدون من حفظ البقرة والأنعام فقيها. قلنا: علم بالضرورة تواتر القرآن بجملته وتفاصيله، وكان التشديد في حفظه أتم، حتى نازعوا في أسماء السور والتعشيرات، وإنما اشتغل الأكثر عن حفظه بالتفكر في معانيه وأحكامه، ولو زيد فيه أو نقص لعلمه كل عاقل وإن لم يحفظه، لمخالفة فصاحته وأسلوبه. 7 - أنكر ابن مسعود مع جلالته كون المعوذتين والفاتحة منه، قلنا: لا يقدح مقالته في تواتره لوحدته، ولأنه لم ينكر نزولها، بل أنكر كونهما متلوتين. 8 - حصول الاختلاف في القرآن والآيات المتعارضات، مثل التنزيه والتشبيه والجبر والاختيار وإضافة النسيان إلى الله وسلبه عنه وسؤاله عن الذنب وسلبه عنه وغير ذلك، وهذا كله يدل على عدم تواتره، لا في لفظه ولا في معناه. قلنا: القرآن


(1) التحريم: 3. (2) التوبة: 26. (3) آل عمران: 153. (4) التوبة: 44. (5) التوبة: 41.

[ 46 ]

آيات منزلة لقوله عليه السلام: (نزل القرآن على سبعة أحرف) والآيات التي ظاهرها التعارض، متأولة بما لا يخرجها عن الألفة، على أنه لو سلم الاختلاف، لم يدل على كونه من عند غير الله، لأنه لا نتيجة لاستثناء عين التالي، كما بين في المنطق. إلا أن يقال استثناء عين التالي المساوي للمقدم يستلزم عين المقدم، مثل: إن كان هذا انسانا فهو ناطق، قلنا: لا مساواة هنا لأن الاختلاف أعم من كونه من عند الله، أو من عند غيره، ولا دلالة لعام. قالوا: فيه اختلاف أيضا في قوله: (الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري (1)) وليست الأعين في محل الذكر. قلنا: المراد أعين القلوب ولهذا يوصف بالعمى: (إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور (2)) فإن عماها هو الذي يؤثر في الدين المانع من الاهتداء واليقين. قالوا: كيف قال (أم عندهم الغيب فهم يكتبون (3)) وقد كانوا لا يكتبون بل هم أميون. قلنا: الكتب الحكم مثل: (وكتبنا عليهم أن النفس بالنفس (4)). قال الجعدي: وماذا بحكم الله إذ هو يكتب. قالوا: فالتناقض في قوله في يونس: (فنبذناه بالعراء وهو مليم (5)) وفي قوله: (لولا أن تداركه رحمة من ربه لنبذ بالعراء (6) قلنا: المثبت النبذ مع السقم والمنفي النبذ مع الذم فلا تناقض. 9 - آيات التحدي لم تصل إلى الكل، لتباعد البلاد، ولا يلزم من عجز بعض عجز كل. قلنا: لا شك في وصولها إلى كل من يدعي الفصاحة، لأنه عربي وجزيرة العرب محصورة، ولا عبرة بغيرها لعدم عربيتها.


(1) الكهف: 101. (2) الحج: 46. (3) الطور: 41. (4) المائدة: 48. (5) الصافات: 145. (6) القلم: 49.

[ 47 ]

10 - يجوز [ كون ] عدول العرب إلى الحرب عن المعارضة، لكونهم رأوا أنه أحسم للمادة. قلنا: يعلم كل عاقل أن أحدا لا يختار قتل الرجال وركوب الأهوال، على السهل من الكلام، وفيه فضيلة على سائر الأنام، وبهذا يجاب عما قيل: إنما تركوا معارضته لقلة اهتمامهم به، ولهذا نسبوه إلى الجنون، ونسبوا الكلام إلى السحر، ونهوا عن استماعه لئلا يأخذ بقلوبهم. 11 - فاجأهم بالخوف فاشتغلوا بالحرب عنها، قلنا استمر ثلاثة عشر سنة ينذرهم بغير حرب ويأتيهم بالآيات ويطلب منهم المعارضات. 12 - يجوز كونهم اعتقدوا خطبهم وأشعارهم أفصح من بلاغته فقلت رغبتهم في معارضته. قلنا: كل من نظر فيه وفيها علم غلبته لها، ولما سمع ابن الزبعرى قوله تعالى: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم (1)) قال: لأخصمن محمدا فجاء إليه، وقال: إن الملائكة والمسيح عبدوا ! فقال صلى الله عليه وآله: أوما علمت أن (ما) لم يكن لمن يعقل (2) فالمراد الأصنام ونحوها فانقطع. 13 - القرآن ليس بحادث، فلا يكون خارقا للعادة، فلا يكون معجزا. قلنا: هذا يرد على الأشاعرة، وأما القائلون بحدوثه فلا، على أن لهم أن يقولوا: يكفي ظهوره عليه دون غيره وإن كان قديما. 14 - البلاغة في الناس متفاوتة، فلعل محمدا صلى الله عليه وآله أبلغ من غيره، فأتى به و لم يتهيأ مثله لغيره، قلنا: جرت العادة من الحكيم في خلقه بأن لا يمنحهم من البلاغة ما يتفاوتون فيه كثيرا، فلما زادت بلاغة القرآن عليهم جدا وعجزوا عنه وعن ما يقاربه، علم أنه ليس منه عليه السلام، فلهذا آمن فصحاؤهم مثل: قيس وكعب و مدحه الأعشى، بقصيدة أولها: ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا * وبت كما بات السليم مسهدا نبي يرى ما لا ترون وذكره * أغار لعمري في البلاد وأنجدا


(1) الأنبياء: 98. (2) لمن لا يعقل، خ.

[ 48 ]

فلم يزالوا به حتى عدلوه عنه، وآمن به لبيد وترك الشعر تعظيما للقرآن وقيل: له ما فعلت بقصيدتك: (عفت الديار محلها ومقامها ؟) فقال لهم: أبدلني الله بها البقرة وآل عمران. 15 - يجوز كون ترك المعارضة للجهل بطريقتها لا للعجز عنها. قلنا: بل طريقها كان معروفا عندهم مسلوكا لهم، وهم دهاة العرب وذكاتها، وقد عارض امرء القيس عقله للعجز عنها إن قيل: أخطأوا طريقها كما أخطأوه في عبادة الأصنام، قلنا: طريق عبادتها الدلالة التي لم يجز (1) الخطأ فيها، وطريق المعارضة الضرورة فيمتنع الخطاء فيها. قيل: وفي القرآن أقاصيص ولم يكونوا من أهلها قلنا: وفيه غيرها فلم لم يأتوا بمثلها وقد كان عندهم الكتابيون وكانوا أهل قصص، فلم لا تعلموها وقد طلبوا أخبار رستم واسفنديار، وحاولوا أن يعارضوا بها. إن قيل: منعهم الحياء والورع. قلنا: كيف ذلك وقد أظهروا عداوته وشتمه وقذفه وهجوه. إن قيل: فلعلهم لم يتفكروا فيعلموا أن المعارضة أنجع وأنفع، قلنا، لا، فإن ذلك مركوز في بداهة العقول. 16 - يجوز ترك المعارضة مع الداعي إليها، لأنه غير ملجأ، قلنا: لا بد من وقوعها قطعا لتوفر الدواعي إلى فعلها، لما فيها من تخفيف التكليف، بل عدمه بالكلية، حتى قيل إنهم تيقنوه، فلما استثقلوا التكليف جحدوه. 17 - يجوز وقوع المعارضة ولم تنقل، قلنا فالنبي لم يمنع أحدا منها مع توفر الدواعي إليها. 18 - القارئ آت بالمثل فهو معارض. قلنا: لا، فإن من أنشد قصيدة لغيره لا يسمى معارضا له ومن ثم جعل أبو الهذيل الحكاية نفس المحكي، لئلا يكون معارضا ونبطله أن المحكي معدوم فلا يعاد.


(1) يجوز الخطاء، خ.

[ 49 ]

19 - الإخبار بالغيب يقع من المنجم والمرتاض، قلنا: إنما يحكون ما يقع غالبا بالعادة، أو بالأمور الكلية، ولو كان مدعي النبوة منهم وجب على الله إبطال مقالته منعا للاستفساد. 20 - باقي المعجزات أمور عظيمة، لو وقعت لتواترت وإلا فلم لا تكون المعارضة وقعت وما تواترت، قلنا: اكتفي بالقرآن عن تواتر غيره. 21 - المعجز يلزم منه السفسطة لأن فيه انقلاب البحر دما معجزة لنبي. قلنا: لا سفسطة لأن وقوعه نادر. 22 - يجوز صدور المعجز من غير الله، إما لمزاج خاص، أو لاطلاع صاحبه على بعض الخواص، أو يحصل من الأفلاك، فإنها عند بعضهم أحياء ناطقة، أو من الكواكب، أو من الجن، أو من الملائكة. قلنا: عند الأشاعرة لا فاعل إلا الله وعند المعتزلة يجب عليه منع أولئك من التمكين لإبطال الافساد، فالاخلال به قبيح. وبهذا يندفع جواز خلق المعجز، لا للتصديق، بل هو لطف لمكلف آخر أو إجابة لدعوة انسان آخر، أو معجزة لنبي آخر، أو ابتلاء لتحصيل الثواب، كما في إنزال المتشابهات، أو ابتداء عادة، أو تكرير عادة متطاولة، أو إرهاص. قلنا: نعلم قطعا انتفاء جميع هذه التوهمات لما يتعلق بتخصيص محمد صلى الله عليه وآله به وما له فيه من الحالات. 23 - يجوز كون فاعل هذا المعجز شيطانا لقدرة الجن على ما يعجز الإنس. قلنا: يجب على الله منعه لما فيه من الفساد، على أنه لو كان من الشيطان لفعل لكل كذاب، ولأن الشيطان لا يريد عبادة الرحمن، لما يترتب على النبوات من طاعة الملك الديان، وفي خلق المعجز إرادة ذلك فيتنافيان. 24 - يلزم من نبوة محمد البداء، وهو على الله محال، قلنا: للبداء معنيان: بداء ندامة وهذا على الله تعالى محال، لأن فيه ظهور حال الشئ بعد خفائه، و بداء خلق، ويعتبر بحسب المصالح، وهذا من الله جايز واقع، وقد أورد ابن بابويه

[ 50 ]

في الدر النضيد، أخبارا جمة عن الصادقين عليهم السلام، بالحث على اعتقاد البداء بهذا المعنى. قالوا: القبيح لا يؤمر به، والحسن لا ينسخ لقبح نسخه. قلنا: قد نسخت الشرايع قبل موسى وفي شرع موسى أيضا كما ذكرتم وأرد فيه. قالوا: إن بين موسى دوام شرعه امتنع نسخه لامتناع كذبه، وإن بين عدمه وجب نقله ولم ينقل، وإن لم يبين أحدهما، عمل به مرة لا أزيد وهو محال. قلنا: بين انقطاعه، ولم ينقل لعدم تواتركم بواقعة بخت نصر، حيث أفناكم على أن في تواتركم البشارة بعيسى ومحمد، فإن فيها: (إن قدرة الله قد أقبلت من طور سيناء، وهو جبل موسى، وأشرقت من طور ساعير، وهو مقام عيسى، و أطلعت من جبل فاران وهو جبل مكة) وقد جاء في التورية أن إبراهيم أسكن ولده إسماعيل ببرية فاران، وسيأتي بقية الكلام في ذلك مرتبا إنشاء الله تعالى. (الفصل الرابع) * (في عصمة الأنبياء) * وهو لطف يفعله الله تعالى بهم، لا يختارون معه فعل المعصية وترك الطاعة مع قدرتهم، واتفق الإمامية على اتصافهم بها عن كل نقيصة من أول عمرهم والفضيلية من الخوارج جوزوا ذنوبهم، واعتقدوا أن كل ذنب كفر فجوزوا كفرهم وقال بعض الفضيلية بجواز أن يبعث نبي مع أنه سيكفر، ومنع بعضهم ذلك، ولكن قال: بجواز بعث من كان كافرا قبل البعث، وهو منقول عن ابن فورك، ولكن قال إنه لم يقع، وقال بعض الحشوية بوقوعه وذهب أكثر أهل السنة إلى جواز الكبيرة عليهم قبل البعثة، وجوز من عدى الإمامية الصغيرة مطلقا، ثم اختلفوا، فقال بعضهم سهوا وخطاء لا عمدا وقال بعضهم مطلقا. وأما تحريف الأحكام، والخيانة فيها، وإفتاء الرعية، فالجمهور منهم

[ 51 ]

على عدم جواز ذلك مطلقا عليهم، وبعضهم أجازه سهوا منهم، وربما استندوا في ذلك إلى ظواهر آيات تدل على ذلك، وهي أوهام كاذبة قد علم جوابها من التنزيهات وغيرها. والدليل على العصمة مطلقا أن عدمها في وقت ما يناقض المقصود من بعثهم، وهو امتثال أمرهم الذي لا يتم إلا بالوثوق بقولهم المسبب عن العلم بعدم صدور الذنب عنهم، ولو جوزوا معصيتهم، جوزوا تزيدهم ونقصهم في مأموراتهم ولو صدر الذنب عنهم لهبطوا عن منازل العوام، لعلو قدرهم ولردت شهادتهم لآية: (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا (1)) وذلك يناقض قوله تعالى: (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا (2)) ولأن معصيتهم تقتضي وجوب أذاهم، ونبوتهم تقتضي تحريمه فلا يجتمعان، فمتى ثبتت المعصية انتفت النبوة وبالعكس، ولأنه لا يجب اتباعهم إلا بعد العلم بصدقهم، ومع تجويز عصيانهم لا نعلم بصدقهم، بل في ذلك التنفر عنهم. إن قيل: إن أكثر الناس لم يتنفر عنهم مع اعتقادهم عدم عصمتهم، قلنا: الذنب إذا حصل منهم لا يوجب ترك قولهم بالكلية، فإن العصمة لما كانت مقربة غير موجبة للاتباع، كان عدمها غير موجب للامتناع. فقبول المجوزين لعدم عصمتهم لا يقدح في أن عصيانهم مفسدة، وحينئذ، فالعصمة واجبة. إن قيل: فالصغاير منهم لا توجب التنفر عنهم لوقوعها مكفرة، قلنا هذا بناء على التحابط، وهو باطل، ولأن الصغاير لا يميزها أكثر الناس من الكبائر فينفروا بسببها مطلقا، ولا يعرف الأكثر تكفير الصغاير فلا يزول التنفر، فلا يحصل النفع بالتنذير على كل تقدير، فقبح الله قوما أضافوا إلى نبيهم ما تنفر ؟ منه عقولهم، ويبرؤن منه لو نسب إليهم، فنسبوه إلى عدم الغيرة والأنفة، حيث روى مسلم والبخاري، أن عائشة وضعت خدها على خده وتفرجت على السودان


(1) الحجرات: 6. (2) الحشر: 7.

[ 52 ]

وهم يلعبون في مسجده [ بأمره ] وسيأتي ذلك في باب الطعن في رواة أحاديثهم، قال النيلي: مهلهل المسكين لا عقل له * روى بجهل خبرا لو ركله وهو لعمري خبر ما أبطله * تبا لمن يرويه ما أجهله قال أتى الأسود يلهو بها * يوما وقد ثارت له قسطله وأقبل الطهر على كتفه * زوجته عايشة المفضله وقال للناس: تنحوا لكي * تنظر ما الله لنا خوله إن كان هذا سنة فيكموا * فحققوا عن هذه المسألة واحتملوا أزواجكم مثله * وفرجوها إن أتت منهله لعله كان لها عاشقا * يغتنم الفرصة في العيطله وفي مسند أحمد بن حنبل أنه خرج في سفر فسابق عائشة فسبقته تارة وسبقها أخرى، وفي الباب الثالث من كتاب النكاح من إحياء العلوم للغزالي، روي أنه كان يسابقها في العدو، فيحسن من مقام النبوة أن يعدو معها برجله كالأطفال و كان يسابقها في العدو، فيحسن من مقام النبوة أن يعدو معها برجله كالأطفال و الجهال، وكيف ينقل هذا على وجه التصديق به، وفيه تسخيف عقل نبيه، و سيأتي في الباب الخامس عشر ما أضافوه إلى نبيهم في صحاح أخبارهم. (الفصل الخامس) * (في طرف من معاجزه صلى الله عليه وآله) * 1 - تبعه سراقة بن مالك إلى المدينة ليظفر به، فلما قرب منه غاصت قوائم فرسه في أرض صلبة، فعلم أن ذلك أمر سماوي فناداه: ادع إلى ربك وذمة الله علي أن أدفع عنك فدعا له فخلص جواده. 2 - أخذ أبو جهل صخرة ليرمي بها رسول الله صلى الله عليه وآله فلصقت بكفه، فسأله الدعاء له، فدعا فطلقت فطرح الصخرة.

[ 53 ]

3 - أخبر أهل مكة بقدوم عيرهم ويقدمه جمل أورق، فكان، وهذا من الله إذ لو كان من غيره لم يدر لعله يتأخر أو يتقدم غيره. 4 - مسح على شاة أم معبد فدرت ولم تكن درت قبل ذلك بسنة. 5 - دعا شجرة يابسة فجاءت فأومأ إليها فأورقت. 6 - شكا عسكره في تبوك فناء زادهم فأخذ فضلة من تمر، ووضع يده فيها فأكلوا منها وملؤا أوعيتهم بها، وشكوا إليه العطش، فوضع يده في ركوة فشرب الجميع منها. 7 - سأله قوم من عبد قيس غلامة في غنمهم، فغمز بأصبعه في أصل آذانها فابيصنت وبقي ذلك إلى اليوم، معروف في نسلها. 8 - أتاه رجل من جهينة تقطع من الجذام، فبصق في ماء كان في قدح فمسح به فبرأ. 9 - جاء رجل من بني سليم وفي كمه ضب، وقال لا أؤمن بك حتى يؤمن هذا الضب، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: من أنا ؟ قال: أنت رسول الله فآمن الرجل. 10 - برسالته وقالت: ما ملكني سواه. 11 - لما فتح النبي خيبر، كان في سهمه حمار أسود فكلم النبي وكلمه فقال خرج من نسل جدي ستون حمارا لم يركبها إلا نبي، أنا آخرهم وأنت آخر الأنبياء، فسماه اليعفور، فلما قبض النبي، أتى إلى بئر لابن أبي التيهان فتردى فيها وكانت قبره. 12 - اغتم النبي من الكافرين، فأمره جبرائيل أن يدعو شجرة فجاءته من بعيد، فقال النبي: حسبي. 13 - أمر أعرابيا بالاسلام، فقال: هل من شاهد ؟ فنطقت شجرة برسالته فأسلم الأعرابي. 14 - أخذ كفا من حصى، فسبح في يده، فصبه في يد علي فسبح في يده.

[ 54 ]

15 - دعا لعمه العباس وأولاده بالستر من النار. فقالت حيطان البيت آمين. 16 - لما ضم النبي صلى الله عليه وآله عليا وولديه وفاطمة تحت الكساء، أتاهم جبرائيل بطبق، فيه رمان وعنب، فسبح العنب والرمان عند أكل كل واحد منهم. 17 - قطع أبو جهل يد معاذ بن عفرة، فبصق عليها النبي صلى الله عليه وآله فألصقها فعادت. 18 - لما قصد فتح خيبر، اعترضه نهر عميق، فعبر الجيش على الماء ولم تبتل أرجلهم. 19 - دعا للفضل بن العباس أن يذهب الله جنبه وشحه ونومه، فذهبوا. 20 - لما أسر عمه العباس طلب منه فداء، فقال: لا مال لي، قال: فالذي أودعته لزوجتك قبل أن تخرج تقسمه في أولادك ؟ فقال: ما علم به غيري وغيرها إعلم أنك رسول الله. 21 - أخبر عليه السلام أن ملك السحاب سلم عليه، فاستسقاه، فأخبر أصحابه أنهم يسقون يوم كذا فكان كذلك. 22 - بعث كسرى فيروز الديلمي، يأتيه بالنبي، فقال إن ربي أمرني أن آتيه بك، فقال عليه السلام: إن ربي أخبرني أن ربك قتل البارحة، فكان كذلك. 23 - قال عن زيد بن صوحان: يسبق منه عضو إلى الجنة، فقطعت يده بنهاوند، في سبيل الله. 24 - وطئ أعرابي ناقة له وأتى إلى النبي ليخبره بحملها، فقال لعلي أخبره، فمسح على جرانها، فنطقت أنه واقعها في موضع كذا، فأسلم الأعرابي. 25 - ندرت عين أبي قتادة في أحد، فردها النبي صلى الله عليه وآله فكانت لا تعرف من الأخرى لحسنها وضوئها. 26 - سأله قوم من اليهود أن يجيئ إليه الجبل، فتباعد عنه، فجاءه مسرعا. 27 - أخبر الثقفي بأنه أراد أن يسئله عن فضل وضوئه وصلاته، فقال: نعم جئت لذلك.

[ 55 ]

28 - أخبر الأنصاري أنه أراد أن يسئله عن حجته وعمرته، فقال: نعم جئت لذلك. 29 - شكا زيد بن حارثة، قلة ماء بئرهم في الصيف، ففرك حصاة، وقال ألقها فيها، ففعل فكثر ماؤها. 30 - شكا المسلمون إليه في غزوة فناء الماء، فأتي بفضل ماء، فوضع أصابعه فيه ففار حتى ارتوى منه ثلاثون ألفا من الناس، واثنا عشر ألف جمل، واثنا عشر ألف فرس، فهذه نبذة يسيرة من دلايله عليه السلام، أخذناها من خرايج الراوندي وغيره وتركنا أشياء منها خوف الإطالة بها، وقد ذكر الزمخشري في كتابه أنه عليه السلام: أوتي نحو ثلاثة آلاف آية. إن قيل: لم لا يكون ما أخبر به من صناعة الزرق، فإن الشعراني منهم كان حاضر الجواب معروفا بكثرة الإصابة، حتى قال المنجمون: إن مولده ونجمه اقتضى ذلك، وهو باطل، وإلا لسرى إلى كل عالم وصانع بأن يكون نجمه اقتضى علمه. قلنا: الإخبار بالغائبات المستقبلة بخلاف الزرق، فإنه للأمور الموجودة الغائبة. (الفصل السادس) * (يذكر فيه شئ من البشارة به في الكتب الماضية) * ففي السفر الأول من التورية: نزل الملك على إبراهيم وبشره بإسماعيل أنه يلد اثني عشر عظيما، إن قيل ليس في هذا ذكر النبوة فجاز كونه ملكا، قلنا: لا يبشر الله تعالى خليله بملوك الكفر في ولده. وفيها: أقبل الله من سينا وتجلى من ساعير وظهر بفاران. وفي كتاب حيقوق: [ أنه ] سيد يجئ من اليمن، ومقدس من جبل فاران، يغطي السماء بهاؤه، ويملأ الأرض نورا.

[ 56 ]

وفي كتاب حزقيل: إني مؤيد بني قيدار بملائكة. وقيدار جد العرب و قد أيد الله نبيه بالملائكة في بدر وغيرها، وقال دانيال: ستنزع في قسيك اغراقا وترتوي السهام بأمرك يا محمد. وفي كتاب شعيا: يظهر في الأمم عبد لي لا يسمع صوته في الأسواق، يفتح العيون العور، ويسمع الآذان الصم، هو نور الله الذي لا يطفى، حتى تثبت في الأرض حجتي. وفي مزمور آخر: إن الله أظهر من صهيون إكليلا محمودا، والإكليل مثل الرياسة والإمامة، ومحمود هو محمد. وفي الإنجيل قال المسيح للحواريين: أنا ذاهب وسيأتيكم الفارقليط، روح الحق الذي لا يتكلم من قبل نفسه، إنما يقول كما يقال له من ربه، وفي حكاية يوحنا عن المسيح: الفارقليط لا يجيئكم ما لم أذهب، يسوسكم بالحق ويخبركم بالغيوب. وفي حكاية أخرى: إني سائل ربي أن يبعث لكم فارقليطا آخر يكون معكم إلى الأبد. وفي موضع آخر: يشهد لي كما شهدت له. وفي الإنجيل: قال عيسى: إن الاليا متوقع على أذيالي، وروي أنه كان أحمد متوقع، فغيروه إلى اليا، وكأن اليا هو علي، قيل وإنما ذكره لأنه قدام النبي صلى الله عليه وآله في كل حرب واسم محمد بالسريانية مشفح والشفح الحمد، فإذا كان الشفح الحمد فمشفح محمد. وفي التورية: أحمد عبدي المختار مولده مكة وهجرته طابة. ومما أوحى الله إلى آدم: من ولدك إبراهيم، أجري على يده عمارة بيتي تعمره الأمم، حتى ينتهي إلى نبي من ولدك يقال له محمد خاتم النبيين، أجعله من سكانه وولادته. قال الراوندي في خرائجه: إن الله حفظ اسم محمد صلى الله عليه وآله لم يسم به أحدا قبله صيانة ليعرف به، كما فعل في إبراهيم عليه السلام وغيره، وهذا لا يناقض ما قيل: إن رجالا في الجاهلية سميت محمدا، فعن سراقة بن خثعم قال: قدمنا الشام فأشرف

[ 57 ]

علينا راهب وقال: من أين ؟ قلنا من مضر، قال: سيبعث فيكم رجل اسمه محمد فرجعنا فولد لكل منا غلام فسماه محمدا. وروي أن تبع بن حسان قتل من يهود يثرب جماعة، فقال له شيخ منهم أتى عليه مائتان وخمسون سنة: إنك لا تقدر على خراب هذه القرية، قال: ولم ؟ قال: لأنه يخرج من هذه البنية - يعني البيت الحرام - نبي من ولد إسماعيل فكف عن القتل، فمضى إلى مكة وكسى البيت وأطعم الناس. * (تذنيب) * يفرق بين المعجزة والحيلة، أن المعجزة غايتها الدعاء إلى الله سبحانه و تزداد ظهورا مع الأزمان، والحيلة تفتقر إلى الآلات ويطلع على أنه لا حقيقة لها مع الأزمان، والمعجزة لا يمكن معارضتها، بخلاف الحيلة، والحيلة لها معلم ومرشد بخلاف المعجزة، والمعجزة تظهر على من يعرف بالصلاح والسداد، والحيلة على من يعرف بالمزاح والفساد، والمعجزة دالة على صدق الصادق والرب قادر عليها فتجب في حكمته، فلو ادعى النبوة من ليس بصادق وجب أن يمنعه من المعجزة ومن الحيلة المشبهة بها، بل ربما يظهر المعجزة على العكس، كما في مسيلمة. وقد ذكر ابن زكريا الطبيب أمورا في مقابلة المعجزات، كصب زرادشت الصفر المذاب على صدره. قلنا: إنما وضع أولا على صدره طلاء معروفا بطلاء الجلق وهو دواء يمنع من إحراق النار. قال: للأشياء طبائع وخواص كحجر المغناطيس وباغض الخل، إذا ألقي في إناء الخل لم ينزل إليه، والزمرد يسيل عين الأفعى، فلا يمكن الحكم على ما يدعونه معجزا، إلا بعد الإحاطة بجميع جواهر العالم وعرفان قوى الخلق كلهم، وذلك موقوف على جوب البلدان وطول الأزمان. قلنا: في المعاجز ما لا يمكن فعله بحيلة ولا طبيعة ولا قوة كإحياء الموتى و

[ 58 ]

الإخبار بالمغيبات وبما تكن الصدور، ثم نقول: إذا فرضنا سارت الجبال وكدرت النجوم ونشرت الأموات، يلزم أن لا يعرف أن ذلك من الخالق تعالى، إلا بعد ما ذكره وهو معلوم البطلان، فظهر أنه يجب النظر في الأمر الخارق للعادة، و إن لم [ نكن ] نسر في البلاد ونعرف أحوال العباد، وما عارض به لا يلتفت إليه، وقد ذكر أبو إسحاق أن واحدا وضع الزمرد الفائق فوق رأس قصبة وقربه من عين الأفعى فلم تسل. (الفصل السابع) * (في مقالات المنكرين للنبوات الطاعنين على المعجزات) * قالوا: في القرآن: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا (1)) وقد قتل يحيى ونشر زكريا وقتل الكافرون كثيرا من الأبرار وذلك خارج في الاشتهار إلى حد يمتنع فيه الانكار. قلنا: السبيل المنفي هو السبيل بالحجة لا بالغلبة، ويحيى وغيره كانت لهم الحجة وذلك معنى (ليظهره على الدين كله (2)). قالوا: قوله (إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله (3) وقد تزوج فقراء فلم يزدادوا إلا فقرا. قلنا: الغنى من الفقر إلى النكاح أو خرج مخرج الأغلب. قالوا: (والله يعصمك من الناس (4)) وقد كسرت رباعيته وشج رأسه. قلنا: المراد العصمة من القتل. قالوا: " ادعوني أستجب لكم) (5) وقد مضت الدهور ولم يستجب. قلنا:


(1) النساء: 140. (2) البراءة: 34. والفتح: 28. والصف: 9. (3) النور: 32. (4) المائدة: 70. (5) المؤمن: 60.

[ 59 ]

تقديره أستجب إن رأيت مصلحة، أو معناه أعبدوني آجركم أو فيه إطلاق العام و إرادة الخاص. قالوا: (فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (1)) فكيف يرجع في إثبات نبوته إلى أهل الكتاب وهم عنده يكتمون الحق ويذهبون عمدا عن الصواب. قلنا: أراد الله دلالتهم على صدقه بإقرار عدوه وذلك أن الجاهلية كانت تميل إلى أهل الكتاب، وتعدلها على أنفسها، وفي التورية والإنجيل صفات محمد صلى الله عليه وآله من أنصف منهم شهد له بها. قالوا: تدعون لمحمد علم الغيب وقد أخبر بأشياء وظهر الأمر بخلافها، فقال: إذا هلك قيصر، فلا قيصر بعده، وقد وجدنا قياصر بعده متعددة. قلنا: لما مزق كتابه، قال. مزق الله مملكته، فكان ذلك، وكتب إلى قيصر آخر ولم يمزقه فدعى بثبات مملكته فكان، فنحمل قوله: فلا قيصر بعده، أي على صفة ممزق الكتاب. قالوا: قال صلى الله عليه وآله: شهرا عيد لا ينقصان وقد وجدنا فيها النقصان. قلنا: قال ذلك لسنه بعينها، فكان كما قال، أولا ينقصان (2) معا وإن نقص أحدهما أولا ينقص أجر من صامهما. قالوا: قال: لا ينقص مال من صدقة، ووجدنا النقص مع الصدقة، قلنا: المراد البركة أو لا ينقص ثوابه. قالوا: اشتهر حسن يوسف، فكيف قال في إخوته: (فعرفهم وهم لهم منكرون (3) وكيف ينكر من يتفرد بهذا الجمال. قلنا: لا يبعد جهلهم به لتغييره إلى الكهولة والملوكية ويحتمل أن يكون ينكرون بمعنى يزيلون الانكار، مثل: (إن الساعة


(1) النحل: 43. والأنبياء: 7. (2) وذيله كما في أبي داود: رمضان وذو الحجة. راجع سننه ج 1 ص 542 و لفظ البخاري ج 1 ص 327: شهران لا ينقصان شهرا عيد رمضان وذو الحجة. (3) يوسف: 58. (*)

[ 60 ]

آتية أكاد أخفيها (1)) أي أزيل خفائها. قالوا: تواتر في النصارى قتل عيسى وصلبه وفي كتابكم: (وما قتلوه وما صلبوه (2)) قلنا: أخبار النصارى ترجع إلى أربعة، فلا تواتر لهم ولا عصمة فيهم على أنه يجوز أن يخبروا عن الشبيه كما قال تعالى: (ولكن شبه لهم). قالوا: قال: في نسائكم أربع نبيات وفي كتابكم: (وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم (3)) قلنا النبي غير الرسول وأيضا فالرسول يطلق على جبرائيل وعلى الغراب، لقوله تعالى: (فبعث الله غرابا يبحث في الأرض (4)) وقد قيل هنا إن الأربعة: سارة وأخت موسى ومريم وآسية، بعثوا لولادة فاطمة عليها السلام. قالوا: (قال فرعون يا هامان ابن لي صرحا (5)) وقد كان فرعون قبل هامان بزمان. قلنا: لا ينكر أن يسمى انسان آخر في زمان فرعون بهامان. قالوا: في كتابكم (وما علمناه الشعر (6)) وفي كتابكم وزن الشعر، فهو شعر، فمن ذلك: (وجفان كالجواب وقدور راسيات (7)) ومنه (فيخزيهم و ينصركم عليهم، ويشف صدور قوم مؤمنين (8)) وزنه من الشعر: ألا حييت عنا يا مدينا * تحيينا وإن كرمت علينا قلنا: بل كان النبي يعاف قول الشعر، ليخلص قلبه ولسانه للقرآن، و يصون الوحي عن شبهة الشعر، قال أبو عبيدة: هو كلام وافق وزنه وزن الشعر ولا يلزم كونه شعرا لعدم القصد إليه ولأنه يقرنه بأمثاله وقليل من الكلام إلا ويوزن بوزن الشعر. قالوا: قال يوم حنين: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب. وقال: غير


(1) طه: 15. (2) النساء: 156. (3) الأنبياء: 7. (4) المائدة: 34. (5) المؤمن: 36. (6) يس: 69. (7) السبأ: 13. (8) البراءة: 15.

[ 61 ]

الإله قط لا ندينا ولو عبدنا غيره شقينا، وقال لما دميت أصبعه: هل أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت. قلنا: سلف ما يصلح جوابا عنه. قالوا: ويجوز كون ما ظهر على يده سحرا. قلنا: السحر يعارض والمعجزة لا تعارض، ولو فتح باب السحر لجاز أن يقال في كل عالم بل في كل صانع: أنه ساحر. على أن السحر علم يتمكن به من إحداث ما لا يقدر عليه مثله، وقد كان علما ثم انقطع لما أحرق المسلمون كتب الأكاسرة المصنفة فيه من الفلاسفة. * (تذنيب) * قالت الفلاسفة: النبوة جعلت لتقرير الشريعة التي هي سياسة الدنيا ومن ثم كل من لازم الشرعيات تهذبت أخلاقه وحسنت أفعاله وتقدس في نفسه و أقبل بفكره على زهده ورمسه، ونظر بعين بصيرته فعرف الرب وما يفاض عنه بعنايته، فالشرعيات ألطاف في العقليات. وهذا خيال منهم لأن أهل كل دين يحدث ذلك في عبادهم و أكابرهم من الصابية والرهبان والأحبار وعباد الأوثان فإنهم يجدون أنفسهم خائفة مستحية من أوثانهم أن يقدموا على رذائل الأفعال و قبايح الأقوال، فالقائلون من الفلاسفة بالنبوات، رجعوا بها إلى هذا الباب، وقد عرفت ما فيه من الذهاب عن الصواب، لأنا حينئذ لا نعرف النبي المختار، من الرهبان والأحبار، ونحكم بصحة الأديان المتناقضة، وهذه مقالة داحضة. (الفصل الثامن) محمد رسول الله خاتم الأنبياء لقوله تعالى (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم، ولكن رسول الله وخاتم النبيين (1)). ولقوله صلى الله عليه وآله بعد ثبوت صدقه لعلي عليه السلام: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) وبالجملة فذلك معلوم بالضرورة من دينه عليه السلام.


(1) الأحزاب: 40.

[ 62 ]

وقالت الخرمية: بعده أنبياء لقوله تعالى: (يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (1)) وهذا لفظ مستقبل. قلنا: قد أتى المستقبل بمعنى الماضي: (يريد الله أن يخفف عنكم (2). إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (3) يريدون أن يبدلوا كلام الله (4)) على أن في الآية إضمارا أي يأتكم نبأ رسل كانوا من قبلكم وكانوا يقصون دلالاتي وقد أنزلت عليكم، فمن عمل بها فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ويؤيد ذلك، الآية التي بعدها (والذين كذبوا بآياتنا و استكبروا عنها أولئك أصحاب النار) ولو سلم كونها للاستقبال حقيقة، فقد خصها النبي بقوله: لا نبي بعدي وتخصيص الكتاب بقوله جايز. قالوا: فآية (وخاتم النبيين) يدل على أن بعده أنبياء لأن الخاتم في المعتاد هو في الوسط كختم الكتاب في وسطه. قلنا: خاتم بكسر التاء هو الآخر، مثل: ختامه مسك، وهذا خاتم هذا الأمر، وعلى قراءة عاصم بفتح التاء فمعناه الذي جمع الجميع مفرغ من أمره، فأجرى خاتم بالفتح مجرى المصدر. قالوا: قوله تعالى: (أرسلنا رسلنا تترى (5)) أي لا تنقطع قلنا أرسلنا لفظ ماض فيجب حمل تترى على معنى الماضي وإلا خرب النظم ولو كان تترى معناه لا تنقطع لزم إنكار المعاد، إذ فيه تنقطع الرسل إجماعا، وأيضا فقد نقلت أعلام النبي وفيها لا نبي بعدي، فإن صدقوا بها بطل ما قالوه، وإن طعنوا في نقلها لزمهم الطعن في كل من نقل معجزة لنبي، وإن قالوا: لو كان الخبر صحيحا لعرفناه. قلنا: لم تنظروا فيه إذ بهذا يتفصل عن اليهود والنصارى لما قالوا: لو كانت معاجز محمد صحيحة لعرفناها.


(1) الأعراف: 34. (2) النساء: 27. (3) الأحزاب: 33. (4) الفتح: 15. (5) المؤمنون: 44.

[ 63 ]

(الباب الرابع) * (في إثبات الوصي وصفاته) * وفيه فصول: (الفصل الأول) * (في طريق إثباته) * اختلف الناس في الإمامة، فأوجبها عقلا - مطلقا - على الله الإمامية والشيعة وأوجبها أكثر المعتزلة عقلا علينا، وأوجبها الزيدية والأشعرية والجاحظ و الكعبي وأبو الحسن البصري علينا سمعا ولم يوجبها بعض الخوارج أصلا وبعضهم والأصم وأتباعه أوجبوها إذا لم يتناصف الناس وعكس ذلك هشام وأتباعه فأوجبها إذا تناصف الناس. لنا على الوجوب مطلقا على الله كون الإمام لطفا، فيجب عليه لامتناع نقض الغرض إذا علم أن المكلف لا يقرب من ذلك إلا به. بيان اللطفية أن فيه رد المطامع، والقيام بحق الضائع، ولهذا تسارعوا إلى طلب الرئيس في السقيفة قبل تجهيز النبي، واشتغل به علي لعلمه أنه خليفة النبي وتبادر الناس إلى نصبه في كل صقع. ولأنه حافظ الشرع فهو معصوم ولا يعرف المعصوم إلا الله وهو من الألطاف في العقليات المتقدمة على السمعيات، فلو وجب سمعا لزم الدور. ولأن الوجوب سمعا إما على النبي، فلا يخل به لعصمته أو على الأمة فلا علم لها بتعيينه أو مشترك بينهما ويلزم التناقض فإنه إذا اختار وجب اتباعه وإذا لم تختر الأمة معه لم يجب اتباعه ولأن الأمة قد لا يقع اختيارها فيتعلق الواجب وهو قول النبي صلى الله عليه وآله ونصب الإمام بالحاير.

[ 64 ]

قالوا: الإمامة تثير الفتن في كل زمان، كما في علي وولديه، فكيف تجب من الله أو عليه ؟ قلنا: جاز كون الفساد بتركها أكثر منها إذ لولاها جاز أن يستولي شوكة الكافرين، على تبديل مذهب المسلمين، فبتلك المنازعة خمدت نار الظلمة واجتمع المسلمون على كلمة. إن قالوا: إذا كان تصرفه في الأمة بردها - بالمحاربة - إلى طاعته، يستلزم كفرها، لزم كون الإمامة مفسدة، فتخرج بذلك عن وجوبها. قلنا: قال المرتضى إذا علم الله المصلحة فيها وجب أن يفرضها ويوجب طاعة الأمة لها وقد فعل، فخالفه الأمة بترك نصرتها بل منعت وصدت عنها، فاللوم عليها إذا لم تفعل ما يوجب تمكين الإمام من مصلحتها وليس له بالمحاربة أن يلجئها لأدائه إلى إبطال تكليفها ويجوز أن يغلب في ظنه عدم طاعتها بمحاربتها، بل قد يزداد نفورها، ولأن المفسدة المفروضة غير لازمة للإمامة وإلا لم توجد إمامة ولا نبوة، وأيضا فالتمكين واجب عليه تعالى لإزاحة العلة ونصب الإمام جزء منه، إذ الداعي بوجوده إلى فعل الطاعات أوفر، والصارف إلى ترك المعصيات أزجر وجزء الواجب واجب فالإمامة واجبة. قالوا: جاز اشتمالها على قبيح لا تعلمونه قلنا: القبائح محصورة لتكليفنا باجتنابها فنكلف ما لا نطيق أو لم نعقلها. إن قالوا: يجوز أن يعرفنا الله أقسام الحسن ويقول القبيح ما عداها ويكلفنا بتركه وإن لم نعلم تفصيل مجمله. قلنا: يلزم المطلوب لأن حصر أحد الجهتين يستلزم حصر الأخرى، ولما نصب الله الأنبياء والخلفاء انتفى القبيح بغير خفاء و لأن الطوايف المحاربة للإمام كان فيهم رؤساء، فلو كان الفساد في الرؤساء لم ينصبوا لأنفسهم رؤساء. قالوا: مع الإمام يلتجئ المكلف إلى الطاعة والالجاء مفسدة لعدم الثواب فيه. قلنا: نمنع الالجاء على أنه وارد في النبوة. قالوا: شرطتم لطفيته بتمكينه فمع عدم تمكينه يسارع المكلف إلى معصية ربه

[ 65 ]

قلنا لم نشرط ذلك بل نصبه لطف وتمكينه آخر على أن المكلف يكون خائفا مترقبا ظهوره دائما. قالوا يكفي ترقب وجوده بعد عدمه، كما يكفي ترقب ظهوره بعد غيبته فلا قاطع الآن بوجوده. قلنا: قضت الضرورة بعد استواء الخوف مع غيبته بالخوف مع عدمه وإن جزم بوجوده عند مصلحته. إذا عرفت هذا، فاعلم أنه قد اختلف الناس بعد النبي المختار، فقالت طائفة شاذة - يقال لها المحمدية - أنه لم يمت. وقالت الفرقة المحقة: الإمامة ثبتت بالنص، لا الدعوى ولا الميراث ولا الاختيار، وقالت الزيدية أو بالخروج والدعوى، ويلزمهم الدور إذ لا يجوز الخروج قبل الإمامة، فلو كانت إنما ثبتت به دار. إلا أن يقال: الخروج كاشف عن سبق الاستحقاق قلنا: فبطلت الشرطية لوجوب تقدم الشرط. وقال الجمهور من أهل المذاهب الأربعة وبعض المعتزلة والزيدية والصالحية والبترية والسلمية (1) وأصحاب الحديث أو بالاختيار ويلزمهم جواز أن تختار الأمة نبيا كما يجوز أن تختار إماما ولم يقل به أحد، وسيأتي البحث في تكميله إن شاء الله ولأن المنصوب منهم إن اختار نفسه معهم فقد زكاها فدخل في نهي الله (فلا تزكوا أنفسكم (2)) وإن لم يختر نفسه ولم يرض بها لم تجتمع الأمة عليه وكان غيره أولى لعدم الرضا به. وقالت الراوندية أو بالميراث وقد ذكر صاحب نهج الإيمان أن هذه المقالة أحدثها الجاحظ، سنة عشر ومائة من الهجرة، ليتقرب بها إلى المأمون، حيث جعلها للعباس بكونه عم النبي صلى الله عليه وآله وعمل فيها كتابا ووضع فيها حججا على أنا لو قلنا بالميراث، فعلي أولى منه، لكونه ابن عم النبي لأبويه والعباس عمه لأبيه فذو السببين أولى بآيات أولي الأرحام المعتبر فيها بالأقرب فالأقرب وقد أجمعت


(1) السلمانية، خ ل. (2) النجم: 34.

[ 66 ]

الفرقة المعتبر صحة إجماعها بدخول المعصوم فيها على اختصاص الإرث بابن العم للأبوين، دون العم للأب، وأيضا فآية أولي الأرحام تتضمن ذكر المهاجرين ولم يكن العباس من المهاجرين، فليس له ميراث. وأسند ابن جبر في نخبه إلى زيد بن علي في قوله تعالى: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض (1)) قال ذلك علي بن أبي طالب، كان مهاجرا وذا رحم، وعن جابر بن يزيد أثبت الله بهذه الآية ولاية علي ابن أبي طالب فحاز ميراث النبي و سلاحه ومتاعه وبغلته وكتابه وجميع ما ترك بعده ولم يرث الشيخان من ذلك شيئا. وأسند ابن حنبل، إلى زيد بن آدمي، قوله: (أنت أخي ووارثي) وأسند إلى زيد بن أبي أوفى نحوه وأسند ابن المغازلي إلى أبي بريدة (لكل نبي وارث وإن وصيي ووارثي علي بن أبي طالب) وحديث: لا نورث، خبر واحد مردود لمخالفته الكتاب، في قوله: (وورث سليمان داود (2) ونحوه والسنة المتواترة من الأحاديث السالفة وغيرها. وفي حديث زيد بن آدمي أن ميراث علي من النبي الكتاب والسنة لا يضرنا بل فيه النصرة لنا لأنه إذا كان علي ورث الكتاب الذي هو أكبر معاجز النبي وورث السنة التي فيها أحكام شريعة النبي، فقد ورثه الله علوم النبي صلى الله عليه وآله فكان أحق بالاقتداء بدليل: (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون (3)). تذنيب: قال الجاحظ: لم تعرف الشيعة الاحتجاج بالقرابة إلا من قول الكميت: يقولون لم يورث ولولا تراثه * لقد تركت فيها نكيل وأرحب إلى قوله: فإن هي لم تصلح لقوم سواهم * فإن ذوي القربى أحق وأوجب


(1) الأحزاب: 7. (2) النمل: 16. (3) الزمر: 9.

[ 67 ]

قلنا: ويلك كيف ذلك، وقد رد علي يوم السقيفة حجة الشيخين، حين تقدم أبو بكر على الأنصار بالقرابة، فقال علي: نحن أحق برسول الله لأنا أقرب قريش كلها، وقد نظم علي عليه السلام هذا المعنى، فقال: فإن كنت بالقربى حججت خصيمهم * فغيرك أولى بالنبي وأقرب وإن كنت بالشورى ملكت أمورهم * فكيف بهذا والمشيرون غيب فواعجبا، من أن تكون الخلافة بالصاحبة ولا تكون بالصحابة والقرابة (1) وقد قال سلمان له، لما رقى المنبر: إلى من تفزع إذا سئلت عما لا تعلم وفي القوم أعلم منك وأقرب برسول الله ؟. وذكر ابن عبد ربه في الجزء الأول من كتاب العقد، أن أروى بنت الحارث ابن عبد المطلب قالت لمعاوية: لقد كفرت النعمة، وأسأت لابن عمك الصحبة و تسميت بغير اسمك وأخذت غير حقك من غير دين كان منك ولا من آبائك ولا سابقة لك في الاسلام بعد أن كفرتم برسول الله صلى الله عليه وآله فأتعس الله منكم الجدود وصعر منكم الخدود فرد الحق إلى أهله، فأصبحتم تحتجون على الناس بقرابتكم من رسول الله ونحن أقرب إليه منكم وأولى بهذا الأمر فيكم، فكنا فيكم بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون وكان علي بمنزلة هارون من موسى، فغايتنا الجنة و غايتكم النار. فيقبح من الجاحظ نسبة الشيعة إلى جهل ما تعرفه نساؤهم. وقال الملك الصالح في ذلك: أخذتم عن القربى خلافة أحمد * وصيرتموها بعده في الأجانب وأين على التحقيق تيم بن مرة * لو اخترتم الإنصاف من آل طالب وروي أن الرضا عليه السلام بات ساهرا متفكرا في قول ابن أبي العوجاء: أنى يكون وليس ذلك بكائن * للمشركين دعايم الاسلام لبني البنات نصيبهم من جدهم * والعم متروك بغير سهام


(1) نهج البلاغة الرقم 190 من الحكم والمواعظ.

[ 68 ]

ما للطليق وللتراث وإنما * سجد الطليق مخافة الصمصام قد كان أخبرك القران بفضله * فمضى القضاء به من الحكام إن ابن فاطمة المفوه باسمه * حاز الوراثة عن بني الأعمام وقال عمرو بن حريث: لو لم يكن لك في الإمامة مهلة * إلا سوابقك التي لا تعدل كنت المقدم قبلهم وأحقهم * إذ لا يفوتك منهم متمهل فلك المكارم والوراثة حزتها * ومناقب لك جمة لا تجهل أما ابن حرب فالإمارة همه * لا المنجيات ولا الكتاب المنزل وقال المرزكي: أيا لائمي في حب أولاد فاطم * فهل لرسول الله غيرهم عقب هم أهل ميراث النبوة والهدى * وقاعدة الدين الحنيفي والقطب أبوهم وصي المصطفى وابن عمه * ووارث علم الله والبطل الندب (الفصل الثاني) * (في تكميل شئ مما سبق في هذا الباب) * قالوا: لطفية الإمام لا تتعين إلا عند امتناع البدل. قلنا: التجاء الخلق في الأزمان والأصقاع إليه، دليل [ على ] عدم البدل. قالوا: فقد قام غيره مقامه في حق الإمامة وهو العصمة عندكم. قلنا: قد علمنا عدم عصمة الأمة وأيضا، فبدله لا يتصور إلا عند عدمه وقد بينا وجوبه في كل وقت وأيضا لزم من عدم الإمام، هدم الصوامع والبيع والصلوات، كما قال تعالى: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات) (1). الآية، فلو كان له بدل، لم تلزم هذه المفاسد، وأيضا ففي أمره تعالى بطاعة أولي


(1) الحج: 40.

[ 69 ]

الأمر دليل على عدم البدل، لعطفه على طاعة الله ورسوله وليس لهما بدل، ولإجماع الصدر الأول على امتناع خلو الزمان من خليفة، فدل على عدم البدل. قالوا: قد يكون في نصبه مفسدة يعلمها الله دوننا فلا ينصبه ويجب نصبه علينا لأن وجه الوجوب كاف في حقنا. قلنا: لو علم الله فيها مفسدة لما أوجبها علينا و لنهانا عن نصب الإمام وطاعته مع أن القرب من الطاعة والبعد من المعصية المعلوم حصول عند الإمام مما يطابق غرض الحكيم وعكسها ينقضه، فلو كان ما يطابق غرضه مفسدة خرج عن الحكمة، وأيضا فالمفسدة بالإمام لا ترجع إلى الحكيم، لوجوبه وغنائه، فترجع إلى عبيده ونحن قد بينا أن فيه المصلحة العامة لعبيده، فيلزم كون المصلحة عين المفسدة وهو محال. قالوا: مع وجود الإمام، يخاف العبد فيفعل ويترك، للخوف لا للوجه، و ذلك مفسدة قلنا: أما المطيع فلطفه تقريبه إليها، وأما العاصي، فلطفه ترك المعصية وليس القبيح ترك المعصية لا لكونها معصية، وإنما القبيح اعتقاد تركها، لا لكونها معصية، ووجه اللطف حصول الاستعداد بالتكرير الموجب لفعل الطاعة وترك المعصية للوجه على أنه معارض بنصب النبي. قالوا: الثواب على الطاعة عند فقد الإمام أشد من وجوده فهو مفسدة قلنا: وجوده ليس ملجئا إليها، فإن كثيرا لا يعلم الإمام حالهم، وما ذكرتم سار أيضا في النبي وفي كل لطف. قالوا: جاز أن يكون في بعض الأزمان من يستنكف عن الإمام فهو مفسدة لبعض الأنام. قلنا: ذلك نادر [ فيه ] غير عام بل الأكثر على قبول نصب الإمام مع أنه معارض بالنبي. قالوا: لطفية الإمام، ليست في أفعال الجوارح، والشرعيات منها الشرع كاف فيها، على أنه لا يجب الشرع في كل زمان فلا يجب اللطف فيه، والعقليات إن فعلت لكونها مصلحة دنيوية كما في ترك الظلم، إذ فيه قيام النظام فحينئذ لطف الإمام في مصالح الدنيا وهو غير واجب اتفاقا وإن فعلت لوجوهها المرادة لله فلا

[ 70 ]

اطلاع للإمام على قلوب عباد الله، فعلم من ذلك أن لطفيته ليست في أفعال القلوب أيضا، فانتفت لطفيته مطلقا. قلنا: بل لطفيته عامة والشرع غير كاف في الشرعيات إذ أكثرها غير كائن في صدر الاسلام وبعد موت النبي ولا نسلم جواز الخلو من الشرايع والأحكام و إلا، لاختل النظام، وفي ترك الظلم مصلحة دنيوية ودينية، فإنه من التكاليف السمعية والعقلية وأما لطفه في العقليات، فإن الملازمة بوجوده على فعل الشرعيات يؤثر استعدادا تاما في قصد وقوعها لوجوهها، لا لغيرها (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر (1)). (الفصل الثالث) نذكر فيه شبهة من أوجب نصب الإمام على الأمة عقلا لا على الله ولا سمعا و هي خمسة: 1 - العقل لا يحكم في التحسين والتقبيح بشئ، فلا يجب على الله شئ. قلنا: قد بينا حكمه فيهما كيف وصدق الأنبياء عليهم السلام مبني عليهما، فلا تتم شريعة إلا بهما. 2 - لطفية الإمام مربوطة بتمكينه فإذا علم الله عدمه سقط وجوبه. قلنا: لا بل نصبه لطف، وحال كف يده لا يؤمن المكلف كل لحظة من تمكنه. إن قيل: تصرفه إن كان شرطا في لطفيته وجب على الله تمكينه، وإن لم يكن شرطا سقطت لطفيته قلنا تمكينه إنما هو بخلقه وقبوله وقد فعلاه (2) ونصرة الرعية له ولم تفعله وليس تمكينه بخلق الأنصار له ليقهر الرعية على اتباعه، لمنافاة الالجاء التكليف ولو جاز أن يقهر الإمام الرعية على طاعته جاز الالجاء والقهر في جميع التكاليف وهو محال.


(1) العنكبوت: 45. (2) كذا.

[ 71 ]

3 - القول بالعصمة ممتنع وغير المعصوم ليس بلطف. قلنا: لا بد من عصمة الإمام لئلا يلزم احتياجه إلى إمام كسائر الأنام وسنبين وجودها في الآيات الكرام، على أنا نمنع نفي اللطف عمن ليس بمعصوم. 4 - لو وجبت عصمة الإمام، لوجبت عصمة نوابه، لاحتياج العباد إليهم لتباعد البلاد. قلنا: يكفي في كل زمان وجود معصوم. قالوا: ويستحيل هنا وجود شيئين يقوم كل منهما مقام الآخر، دفعة. قلنا: نوابه تراجعه [ فيها و ] فيما يشتبه على أنه معارض بنواب النبي صلى الله عليه وآله. 5 - يمكن تصور خلو كل زمان من التكاليف الشرعية، فيمكن خلوه من الإمام التابع لها في اللطفية. قلنا: إنا بينا وجوبه على تقدير التكليف على أنه لا يلزم من صحة تصور خلو الزمان وقوع ذلك الخلو، بل الواقع عدمه على أن دفع الخوف وقيام النظام إنما يكون بالإمام فهذه الشبهة، ليس لها شبهة نبوت إذ هي أو هي من بيت العنكبوت. (الفصل الرابع) * (في إبطال الاختيار) * قالوا: إذا عقد خمس عدول علما، أو واحد منهم، ورضي باقيهم لرجل هو أهل الإمامة ولم يكن في الوقت إمام ولا عهد لإمام صار المعقود له إماما، لأن عمر عقد لأبي بكر في السقيفة، ورضي أبو عبيدة ابن الجراح وسالم مولى حذيفة و بشر بن سعيد وأسيد بن حضير وفي الشورى عقد عبد الرحمن لعثمان ورضي علي وسعد وطلحة والزبير وبهذا قال القاضي عبد الجبار وأكثر المجوزين للاختيار شرطوا الاجتماع وأجاز الجويني في إرشاده عقدها برجل واحد. قلنا: لو جاز للأمة اختيار الإمام، جاز لها اختيار النبي، لاتحادهما في اللطف والمصلحة للأنام. ولو جاز ذلك، جاز لها اختيار الشرايع والأحكام لأنها فرع على الأنبياء. وإذا جاز اختيار الأصل جاز الفرع بالأولى، ولأن الاختيار

[ 72 ]

محدث، فهو بدعة لقوله عليه السلام: (إياكم ومحدثات الأمور فإنها بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار (1)) ولأن الله تعالى قال: (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة (2)) وقد أسند الشيرازي في كتابه الذي استخرجه من التفاسير الاثني عشر - إلى أنس قول النبي صلى الله عليه وآله عند هذه الآية: (إن الله تعالى اختارني وأهل بيتي على الخلق فجعلني الرسول وجعل عليا الوصي، ما كان لهم الخيرة) أي ما جعل‍ [ ت ] للعباد أن يختاروا. ومثله أسند ابن جبر في نخبه إلى أنس أيضا، وقال سبحانه: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا، أن يكون لهم الخيرة (3). إن قالوا ما قضى الله في الإمامة أمرا. قلنا: مر نقلنا نحن وأنتم في ذلك نصوص القرآن وأحاديث النبي. إن قالوا: في الآية إضمار (لا) بعد أن أي أن لا يكون لهم الخيرة، كما أضمرت في قوله: (يبين الله لكم أن تضلوا (4)). قلنا: الأصل عدم الاضمار على أن الاضلال لما كان قبيحا لا يصدر منه تعالى، وجب إضمار لا، أما منع العباد من الاختيار، فليس قبيحا فلا ضرورة إلى إضمار لا، وقد قيل: يبين الله لكم وجه الضلالة لتجتنبوها، وحينئذ لا إضمار، ولأنه إذا قضى الله سبحانه أمرا، لم يحتج إلى الاختيار، ولو احتيج إليه، لزم توقف أمر الله ورسوله عليه ولأن صحة الاختيار إن لم تتوقف على قضاء الله كانت بدعة، وكل بدعة ضلالة، وإن توقفت لزم الدور، إذ لا يصح الاختيار إلا بقضاء الله، ولا يكفي قضاء الله إلا بانضمام الاختيار إليه. وذكر ابن جرير الطبري أن بني كلاب، قالوا للنبي: نبايعك على أن


(1) مشكاة المصابيح ص 27. من حديث جابر. (2) القصص: 68. (3) الأحزاب: 36. (4) النساء: 175.

[ 73 ]

يكون الأمر لنا بعدك فقال صلى الله عليه وآله الأمر لله إن شاء كان فيكم، أو في غيركم. وروى الماوردي في أعلام النبوة أن عامر بن الطفيل قال للنبي صلى الله عليه وآله ما لي إن أسلمت ؟ فقال صلى الله عليه وآله: ما للمسلمين، قال: ألا تجعلني الوالي بعدك ؟ قال: ليس ذلك لك ولا لقومك. فدل هذان الحديثان (1) وتانك الآيتان بتفسيرهم على المنع من الاختيار وقد قال سبحانه وتعالى: (تؤتي الملك من تشاء، ويؤتي الحكمة من يشاء، والله يزكي من يشاء، أهم يقسمون رحمة ربك، نرفع درجات من نشاء (2)) وفي الاختيار تقديم بين يدي الله ورسوله، فهو دخول في نهي كتابه (2). إن قالوا: الاختيار من قضاء الله سبحانه لنفي أفعال العباد، قلنا: نمنع ذلك و قد بيناه في باب إبطال الاجبار، على أن نفي الاختيار في الآية مشروط بقضاء الله و رسوله، ولو انتفى فعل العباد، لزم العبث في الاشتراط. إن قالوا: في الآية الجمع بين قضاء الله ورسوله: وعندنا أن الرسول لم يقض لأنه لم يوص، فإلينا الاختيار، لأنه لم يوجد مجموع الشرط. قلنا: ليس هنا قضاءان لأن قضاء الله هو قضاء رسوله لعموم (وما ينطق عن الهوى (4). إن قالوا: نمنع الاتحاد، لأن الله قضى بأشياء ولم يقض بها النبي والآية دلت على أن قضاء النبي قضاء الله دون العكس. قلنا: بل هما متحدان هنا لأن الإمامة إن قضى بها دون النبي لزمه أن يصل إلى الأمة لا على يد النبي، وهو محال ولأن سلم كونه غيره، جاز كون الواو في الآية بمعنى أو، مثل: (مثنى وثلاث و رباع (5)). وكيف يتم لكم أن للرسول قضاء وقد نفيتم أفعال العباد وقد قال


(1) هذا على أن الحديثين، خ. (2) آل عمران: 26. البقرة 269. النساء: 48. الزخرف: 32. الأنعام: 83. (3) حيث يقول: يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله. الحجرات: 1. (4) النجم: 5. (5) النساء: 4.

[ 74 ]

تعالى لنبيه: (ليس لك من الأمر شئ (1)) فكيف يكون للرعية الجاهلة من الأمر شئ: (قل إن الأمر كله لله) (2) والإمامة من أعظم الأمور وأهمها. فإلى الله فعلها لعدم علم الخلق بمحلها، ولو جاز لهم نصب الإمام الذي هو سبب في الأحكام جاز لهم وضع الأحكام الصادرة من الإمام لأن علة السبب علة المسبب ولو كان لهم وضع الأحكام لم يكن الأمر كله لله، وقد اختار آدم أكل الشجرة فعصى وغوى، واختار موسى قومه فجاء على الأفسد اختياره، ونبينا شاور الصحابة في الأسرى فاختاروا الفداء وصوبه النبي فقال الله (ما كان لنبي أن يكون له أسرى (3)) فإذا كانت سادات الأنبياء مع علو قدرهم والمواد المتصلة من الله إليهم وقعت المفسدة في اختيارهم، فما ظنك برعيتهم. وأيضا فإن إمام الأنام من نصبه الإمام، فلو نصبته الرعية كانت إماما للإمام ولو صح ذلك لزم خرق الاجماع المنعقد على اتحاد الإمام، ولزم الدور لأنه يكون مأمورا منهم وآمرا لهم. إن قلت: لا دور، لأن أمرهم له بأن يقوم فيهم وأمره لهم بما فرض الله عليهم. قلت: قد ذهب جماعة من الأصوليين، إلى أن الأمر بالأمر أمر، فيعلم أن من أمر الإمام بالقيام، ومن جملة قيامه أمر الآمر بالمفروضات، لزم منه كون الآمر بنصبه آمرا لنفسه ضمنا. قالوا: يدل على جواز الاختيار، قوله عليه السلام: (إن وليتم أبا بكر، وجدتموه قويا في دين الله ضعيفا في بدنه، وإن وليتم عمر، وجدتموه قويا في دين الله قويا في بدنه، وإن وليتم عليا، وجدتموه هاديا مهديا). قلنا: إذا سلمنا صحة الخبر، فلا يدل على صحة الاختيار، والقوة في الدين لا توجبه مع أن غيرهما أقوى


(1) آل عمران: 128. (2) آل عمران: 154. (3) الأنفال: 67.

[ 75 ]

فيه منهما على أن ذكره لهداية علي توجب اختصاصه، لكماله في نفسه فهو مكمل لغيره، وإنما عرض بذلك لعلمه بنفورهم عن علي، لحقدهم وأهويتهم، ولما غزى بسيفه قتل أقاربهم، وإهباط منازلهم. قال الشاعر: إن الإمامة رب العرش ينصبها * مثل النبوة لم تنقص ولم تزد والله يختار من يرضى وليس لنا * نحن اختيار كما قد قال فاقتصد وقال البشنوي: أنكرتموا حق الوصي جهالة * ونصبتموا للأمر غير معلم عوجتم بالجهل غير معوج * وأقمتم بالغي غير مقوم صيرتم بعد الثلاثة رابعا * من كان خامس خمسة كالأنجم وقال السوراوي: إن رمت تشرب من رحيق الكوثر * فاخلص يقينك في ولاية حيدر وابرأ فما عند الولي (1) إلا البرا * من شيخ تيم ذي عصابة حبتر ودع الصهاكي الزنيم ونعثلا * أعني ابن عفان الغوي المفتر هم غيروا سبل الرشاد وبدلوا * سنن الهداية بالشنيع المنكر جحدوا عليا حقه وتقدموا * ظلما عليه ولم يكن بمؤخر يا من يقدم حبترا بضلاله * لم لا تقدم يوم بدر وخيبر في أي يوم قدموا لملمة * فيقدمون لذاك فوق المنبر تالله لا أرضى أقايس منهم * ألفا بشسع نعيلة من قنبر من يعبد الأصنام ليس بجائز (2) * منه يقايس من له بمكسر يا آل طه حبكم لي جنة * يوم المعاد من الجحيم المسعر


(1) وابرء فما عقد الولا إلا البرا * من شيخ تيم ومن عصابة حبتر. خ. (2) بواجب خ ل.

[ 76 ]

وقال المعري: وهي الدنيا تراها أبدا * زمرا واردة إثر زمر يا أبا السبطين لا تحفل بها (1) * أعتيق سار فيها أم زفر (الفصل الخامس) المختار للإمامة إن وجبت عصمته فلا طريق للمختارين إليها، لأنها من البواطن، وحسن الظواهر لا يدل عليها، لما علمنا من النفاق في مواطن. وإن لم تجب، جاز اختلافهم في أفراد الناس، بحسب اختلاف الأمارات الداعية إلى التعيين وربما طال الزمان ليقع الاتفاق على الأصلح، بل ربما لا يقع الاتفاق أبدا، ولا يخفى ما في ذلك التعطيل من الفساد وإن عمل ببعض ووجب على الآخر اتباعه لزم الرجوع إلى التقليد، عن الاجتهاد. إن قالوا: لا حاجة إلى اتفاق الكل، بل يكفي الخمسة كما سلف. قلنا: جاز اختلاف الخمسة، ولهذا أمر عمر بقتل أهل الشورى بعد ثلاثة إذا لم يتفقوا: على أنه لا حجة في الاقتصار على الخمسة دون ما فوقها وتحتها، بل ما فوقها أولى لكون الظن بإصابته أقوى. إن قالوا: لم لا يجوز أن يجعل الله الاختيار إلى الأمة لعلمه أنها لا تختار إلا الأصلح. قلنا: من أين علمنا أن الله تعالى علم ذلك. لا بد له من دليل، فلا يجب علينا اتباعه حتى نعلم أن الله تعالى علم ذلك. إن قالوا: جعل الاختيار كافي في دليل ذلك العلم. قلنا: وأين دليل أن الله جعل الاختيار، بل الكتاب والسنة على نفي الاختيار كما تلوناه من غير إنكار، و أيضا من يختار الإمام إما أن يكون أفضل منه فكيف يصح [ منه ] أن يجعل المفضول إماما على نفسه ويحكمه في أمره، والانسان ليس له أن يستخلف على نفسه كما أنه


(1) لا تجهل بها، خ.

[ 77 ]

ليس له أن يحكم لنفسه. أو يكون مفضولا، فكيف يقبل حكمه بالإمامة على من هو أفضل منه وأيضا فإذا جاز أن يكون الإمام مفضولا عن غيره في العلم وغيره بدرجة جاز كونه مفضولا بدرجتين لعدم الأولوية، وبثلاث، وهكذا إلى أن ينتهي إلى جواز أن يستفتي عن رعيته في وقايع دينه وعبادته وقد لا يجد في ذلك الوقت مسددا فيستمر تعطيل الحكومات والعبادات دهرا مديدا. وقد أضاف الله الاختيار إلى نفسه وجعله مقصورا على الأفضلين في قوله تعالى: (ولقد اخترناهم على علم على العالمين (1)) وليس اختيار الرسول والإمام خارجا من هذا المقام، لأنه بأمر الملك العلام بسرائر الأنام. وأيضا فمختار الإمام (2) لا يملك أمر كل الأمة، فكيف يملكه لغيره. و أيضا جاز لكل فرقة من المسلمين أن يختاروا منهم إماما لكونه يشرفهم، وإن لم يجز اختلافهم، فمن يتفقون عليه يلزم منه بطلان اعتقاد من خالفه، وفي ذلك كله [ يلزم ] تكثير الأئمة الموجب للفساد، الموجب لإبطال الاختيار، وكيف جاز للحكيم مع شدة رحمته إسناد أمر الإمامة إلى خليقته مع علمه بعدم اتفاقهم وتنازعهم. وقد أمر الله تعالى بالقتال، حتى لا تكون فتنة، وفي تفويض الأمر إليهم إثارة الفتنة. إن قيل إنما العبرة بمدينة الرسول صلى الله عليه وآله فمتى عقدوها لشخص وجب اتباعه على سائر الأنام. قلنا: أهل المدينة ليسوا كل الأمة، ولا كل المؤمنين، ولا كل العلماء. وقول النبي: (إن المدينة لتنفي خبثها كما ننفي الكير خبث الحديد (3)) لا ينفعها ذلك لإحداث عثمان ما أحدث فيها وقتله بإجماع أكثرها واشتهار الغلول وأنواع الفسوق منها، وإن أريد جميع أهلها بحيث يدخل المعصوم فيها، كان الاعتماد على قوله لا عليهم، وإذا لم ينحصر محل الاختيار في مصر من الأمصار مع تباعد أهل


(1) الدخان: 32. (2) يعني الذي يختار الإمام. (3) مشكاة المصابيح ص 239 والحديث متفق عليه.

[ 78 ]

الاختيار في الأطراف والأقطار، أمكن بل وجب بحسب العادات، نصب كل قوم إماما غير الآخر لعدم العلم بفعل الآخر. وما أصدق ما قيل: تخالف الناس حتى لا وفاق لهم * إلا شجب والخلق في الشجب فقيل تخلص نفس المرء سالمة * وقال بعضهم تشركه في العطب إن قيل: فالنص حصل منه الاختلاف الموجب للفساد. قلنا: الاختلاف بعدمه أشيع فالنص عليه أنفع، لعموم الضلال بعدمه واهتدى قوم بقدمه، ولا يلزم من مخالفة بعض بطلان نص، فإن ترك العمل بالواجب لا يبطل الواجب. قال أبو الحسين: لم لا يكون تفويض الاختيار إلى الأمة تغليظا للمحنة و تعريضا لزيادة المثوبة، وقد كان عدم إنزال المتشابهات أقرب إلى ترك الهرج والفساد في الاعتقادات، فلم يفعل لأجل تشديد التكليفات. قلنا: ذلك معارض بنص الله على أنبيائه، فإن مخالفة الكفار فيهم، لا يمنع من إرسالهم. (الفصل السادس) الأمة بعد النبي إما أن تحتاج إلى الإمام، فيجب في حكمة الله نصبه، وقد فعل كما وجب فيها نصب النبي، أولا تحتاج فالاختيار عبث وتصرف بغير أمر مالك الأمر وأيضا فالإمامة إن لم تكن من الدين، فليس لأحد أن يدخل في الدين ما ليس منه، وإن كانت منه، فإن كان الله سكت عنها، كان مخلا بالواجب، وهو قبيح ونقص، وإن فعلها بطل الاختيار، وقد فعلها يوم نصب النبي عليا علما فأنزل سبحانه: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي (1)) فإن بقي بعد ذلك شئ من الدين، كان الله تعالى كاذبا، تعالى الله عن ذلك، وإن لم يبق لزم المطلوب.


(1) المائدة: 6.

[ 79 ]

وأيضا، فالمختار المحبوب قد يكون شريرا والمعزول المكروه قد يكون خيرا لعدم اطلاع الأمة على البواطن. قال الله تعالى: (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) (إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا (1)) على أن الأمة اجتمعت على قول أبي بكر على المنبر: (وليتكم ولست بخيركم فإن استقمت فاتبعوني وإن اعوججت فقوموني). وروى الطبرسي في احتجاجه قوله: (إن لي شيطانا يعتريني فإذا ملت فسددوني) ومن احتاج إلى الرعية فهو إلى الإمام أحوج، وانعقد الاجماع على أن الإمام لا يحتاج إلى إمام آخر، وإلا لزم الدور أو التسلسل. قالوا: إنما قال ذلك لأجل المشورة، وقد قال الله تعالى لنبيه: (وشاورهم في الأمر (2)) قلنا: مشورة النبي، لم تكن لأجل احتياجه إلى رعيته، لأنه كامل، وبالوحي مؤيد وإنما المراد بها استمالة قلوبهم، ولهذا قال تعالى: (فإذا عزمت فتوكل على الله) ولم يقل فإذا أشاروا فافعل، ولأن في المشورة إظهار نفاق المنافقين الأجل التحرز منهم كما قال تعالى: (ولتعرفنهم في لحن القول (3). وقد قال تعالى (يحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم (4) ونحوها كثير. وأيضا فقوله: لست بخيركم. إن كان صدقا، فالخير أولى منه، وإن كان كذبا لم تصلح الإمامة لكاذب لعدم الوثوق به. إن قالوا: قال ذلك تخشعا وكراهة لمدح نفسه. قلنا: النبي أولى منه بذلك، ولم يقل: أرسلت إليكم ولست بخيركم، بل قال أنا سيد ولد آدم. إن قيل: فعلي عليه السلام في نهج البلاغة تمنع بعد قتل عثمان من الإمامة لما أتوا إليه فيها، وذلك مثل قول أبي بكر: أقيلوني. قلنا: تمنعه لعلمه بعدم


(1) البقرة: 216. والنجم: 28. (2) آل عمران: 159. (3) القتال: 30. (4) براءة: 57.

[ 80 ]

استقامتهم للوعة (1) التي في صدور أكثرهم، وقد علمت ما حدث من الرعية و قتالهم، بخلاف أبي بكر، فإنه لعدم قتله فيهم، أقبلوا عليه بقلوبهم، وطمعوا منه في الرخص لميل طبائعهم، وعلمهم أن عليا عليه السلام يحملهم على الجادة الوعرة، و لأن المسؤول عن أمر إذا تمنع منه [ كان ] مجريا لسائله على تكرير سؤاله، وما أحق ما قيل من الأشعار في بطلان الاختيار: إذا كان لا يعرف الفاضلين * إلا شبيههم في الفضيلة فمن أين للأمة الاختيار * لولا عقولهم المستحيله فإن كان إجماعهم حجة * فلم ناقض الشيخ فيها دليله وعاد إلى النص يوصي به * ومن قبل خالف فيه رسوله وقام الخليفة من بعده * يسن الضلال ويهدي سبيله ويزعم بيعته فلتة * ويصدق لا صدق الله قيله ويجعلها بعد في ستة * معلقة بشروط طويله وما كان أعرفه بالإمام * ولكن تضليله عنه حيله تذنيب: إن قالوا: قد يعلم الفاضل من ليس بفاضل، فإن المرجوح يعلم فضل أبي حنيفة في الفقه، وسيبويه في النحو، على نفسه. قلنا: أما على نفسه فنعم وأما أنه يعلم أفضليته على غيره، فلا. (الفصل السابع) نصب القاضي لا يصلح بالاختيار اتفاقا فأولى أن لا تصح الإمامة العظمى به التزاما، ولو جازت الإمامة بالبيعة، جازت القضاء بالأولى، ولأن الإمام، خليفة الله وخليفة رسوله، فكيف لم يثبت إلا ببيعة الخلق له ويترك النص له وأيضا لا يجوز الاختيار قبل النظر في الكتاب الذي هو (تبيانا لكل شئ (2)) فينزعونه منه.


(1) للوغر خ، واللوعة حرقة الحزن والهوى وللوغر الحقد والضغن. (2) النحل: 9.

[ 81 ]

ولما وجدنا الأمة، اختلفت على قولين مختلفين مشهورين: فقالت فرقة: الإمام علي بنص النبي وقالت الأخرى: الإمام أبو بكر باختيار الأمة. واجتمعت الفرقتان على عدم جواز إهمال الخليفة من الخليقة. قلنا: فهل لله خيرة اصطفاها على خلقه، قالتا نعم، لقوله تعالى: (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة (1)) قلنا: فمن خيرته فأجمعتا على المتقين، لآية: (إن أكرمكم عند الله أتقيكم (2)) قلنا: فهل له من المتقين خيرة فأجمعتا على المجاهدين لآية: (و فضل الله المجاهدين) (3) قلنا: فهل من المجاهدين خيرة ؟ فأجمعتا على السابقين لآية: (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح (4) قلنا: فهل له خيرة من السابقين فأجمعتا على أكثرهم نكاية في أعداء دين الله، لآية: (من يعمل مثقال ذرة خيرا يره (5)) قلنا: فمن كان أكثر جهادا، أبو بكر، أم علي، فأجمعتا على علي. قلنا: فقد علمنا من الكتاب والاجماع أن عليا أفضل، فهو أحق، فتفضيل أبي بكر بعد ذلك من المحال، لأنه من أحكام الخيال، لأن العقل والتخييل يتفقان على مقدمات الدليل، فلما تظهر النتيجة ينكص الخيال عنها ويستقر العقل عليها. وهنا اتفق الفريقان على المقدمات فلما وصلا إلى تفضيل علي، رجع المبطلون إلى خيالهم الموجب ؟ لضلالهم واستمر المحقون على قضاء عقولهم المخلص من وبالهم. وأيضا قلنا للفريقين: من المتقون ؟ فأجمعا على أنهم الخاشعون قلنا: فمن الخاشعون ؟ فأجمعا على أنهم العالمون لآية (إنما يخشى الله من عباده العلماء (6)) قلنا فمن العالمون ؟ فأجمعا على من كان أحكم بالعدل لآية " يحكم به ذوا عدل (7) " قلنا فمن أحكم بالعدل، فأجمعا على أنه الأهدى إلى الحق لآية (أفمن يهدي


(1) القصص: 68. (2) الحجرات: 13. (3) النساء: 94. (4) الحديد: 10. (5) الزلزال: 7. (6) فاطر: 28. (7) المائدة: 98.

[ 82 ]

إلى الحق أحق أن يتبع (1)) قلنا: فعلي هو أحق أن يتبع لأنه أهدى إلى الحق لقول النبي: (أقضاكم علي) ولرجوع المشايخ عند الخطاء والإشكال إلى أحكام علي فهو أعلم فهو أخشى فهو أتقى، فإذا دل الكتاب الذي جعله الله تبيانا لكل شئ، عليه، حرم العدول عنه إلى غيره وتحتم المصير إليه. وأيضا فالذين كانت الصحابة تأخذ عنهم أبواب شرايعهم خمسة: علي وابن عباس وعمر وابن مسعود وزيد بن ثابت. قلنا: فإذا اجتمعوا فمن يؤمهم، فأجمعا على أقرئهم لقول النبي صلى الله عليه وآله: (يؤمكم أقرأكم) قلنا: فمن هو ؟ فأجمعوا على أن الأربعة كانوا أقرأ للكتاب من عمر. قلنا: فهم أولى بالتقدم من عمر. قلنا: فأي الأربعة أولى، فأجمعوا على القرشي، لقوله صلى الله عليه وآله (الأئمة من قريش). قلنا: فعلي من قريش وابن عباس وليس الآخران من قريش. قلنا: فمن أولاهما، فأجمعا على الأكبر سنا والأقدم هجرة للحديث في ذلك. قلنا: فمن هو ؟ فأجمعا على علي. قلنا: فسقط الأربعة، وفي هذا كفاية لانفراد علي بالولاية إذ لا يعدل عن الكتاب والسنة وإجماع الأمة إلا من عاند الله ورسوله أو كان قاصر الهمة. تنبيه: الثلاثة ظالمون، لأنهم كانوا كافرين، فلا يصح اختيارهم لإمامة المسلمين بدليل (لا ينال عهدي الظالمين (2)) قالوا: الاسلام اللاحق محى أحكام الكفر السابق. قلنا: التنفير الواجب سلبه عن الإمام حاصل فيهم بعد الاسلام، ولهذا قال علي عليه السلام في نهج بلاغته مع طهارته وعصمته: لو كان الاختيار إلى الناس لاختار كل واحد منهم نفسه ولو كان الاختيار لإبراهيم عليه السلام لجعلها في الظالمين، حتى منعه الله ذلك فقال: (لا ينال عهدي الظالمين) وكل من عبد وثنا أو جبتا أو طاغوتا أو يغوث أو يعوق أو نسرا أو شمسا أو قمرا أو حجرا أو شجرا أو قد انهزم في جهاد من سبيل الله، أو كذب أو همز أو لمز أو ظلم فلا إمامة له، قال الله تعالى: (ولقد آتينا موسى


(1) يونس: 35. (2) البقرة: 124.

[ 83 ]

الكتاب، فلا تكن في مرية من لقائه، وجعلناه هدى لبني إسرائيل، وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا (1)) فالله جعلهم أئمة ؟ أم هم جعلوا أنفسهم ؟ أم الناس جعلوهم ؟. تذنيب: إن قيل: لا يلزم من منع اختيار نفسه منع اختياره لغيره، كما في ولي المرأة فإن له اختيار غيره لها دون اختيار نفسه لها. قلنا: المرأة لنقصها احتاجت إلى الولي في الكفؤ لها لضعفها، بخلاف أهل الحل والعقد لكمالهم، و لأن ولي المرأة الاختياري له أن يزوجها من نفسه، إذا لم يكن محرما لها. تكميل: أسند الشيخ أبو جعفر القمي، إلى الرضا عليه السلام، هل يعرفون قدر الإمامة ؟ الإمامة أجل قدرا وأعظم شأنا وأعلى مكانا وأوسع جانبا وأبعد غورا من أن يبلغها الناس بعقولهم، أو ينالوها بآرائهم، أو يقيموا إماما باختيارهم، إن الإمامة خص الله بها إبراهيم بعد النبوة والخلة، وجعلت له مرتبة ثالثة وفضيلة شرفه بها وشاد بها ذكره، فقال: (إني جاعلك الناس إماما (2)). فقال الخليل سرورا بها: ومن ذريتي ؟ قال: (لا ينال عهدي الظالمين) فأبطلت هذه الآية إمامة كل ظالم إلى يوم القيامة، وصارت في الصفوة. ثم أكرمه الله بأن جعلها في ذريته وأهل الصفوة والطهارة فقال: (ووهبنا له إسحق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا و أوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين (3) فدل صريحا كلام هذين الإمامين على عدم صلاح الإمامة لأهل الكفر والمين.


الم السجدة: 23 و 24. (2) البقرة: 124. (3) الأنبياء: 73.

[ 84 ]

(الفصل الثامن) لما قلنا: لو جاز للأمة اختيار الإمام جاز لها اختيار النبي صلى الله عليه وآله قالوا: الفرق بينهما أن النبي تتلقى منه صالح الشرع، فلا بد في ثبوت نبوته من طريق يؤمن من الخطاء والتبديل فيه والإمام كالقضاة والأمراء في الأقطار، فجاز ثباته بالاختيار. قلنا: والإمام يراد مع ذلك لصيانة الشرع عن التبديل لعصمته ويجب الانقياد إلى طاعته، فلا بد من طريق يوثق به لتثبت إمامته. إن قيل: لم لا يكون ظن الصلاح كافيا كما في قبول الشهادات وغيرها من الفروع الشرعيات ؟ قلنا: قد نهى الله عن اتباع الظن في مواضع العلم، ومسألة الإمامة علمية ويعم بها بلوى الرعية والعام إذا خص بدليل لا يخرج عن دلالته في أصله وهنا أبحاث: * (البحث الأول) * لو جاز نصب الإمام بالاختيار، جاز عزله بالاختيار، والتالي باطل فالمقدم مثله. إن قيل: لم لا يجوز التولية دون العزل، كولي المرأة يملك تزويجها ولا يملك فسخ نكاحها ؟. قلنا: خص الله تعالى إزالة النكاح بالزوج، وتخصيص الأمة بالاختيار يستلزم تخصيصها بالعزل. إن قالوا: جاز أن يجعل العزل لنفسه دونها. قلنا: إن الله تعالى لم ينصب من يجوز منه سبب وقوع العزل، فلا تقع من الله لمن ولاه. * (البحث الثاني) * لما قلنا: ليس للانسان أن يستخلف على نفسه، كما ليس له أن يحكم لنفسه قالوا: إذا اجتهد الانسان في الحادثة وعمل بها لم يكن حاكما لنفسه، بل لله و لرسوله بشرط اجتهاده فكذلك الأمر في اختياره إماما لنفسه. قلنا: حكم الله في

[ 85 ]

الحادثة قد أمر الله المكلف بإجابته بواسطة نظره في أدلته، ولم يجعل حكم الحادثة منوطا باختياره وأنتم جعلتم النصب والعزل منوطا باختياره فافترقا. * (البحث الثالث) * لو وجب على الرعية نصب الإمام، فإن جاز إخلالها به لزم الفساد، وإن لم يجز، فإما لأمر صدها عن الاخلال به فيلزم التسلسل في وجه حصول ذلك الأمر. أولا لأمر، فترجيح بغير مرجح. أما على رأينا، فإذا أخلت به لم يخل الواجب تعالى به، لأنه لطف واجب، والله تعالى لا يخل بالواجب فاندفع التسلسل. * (البحث الرابع) * البلاد المتباعدة، إن لزم الرعية نصب الإمام لبعضها ترجيح بلا مرجح وطلب كل بلد كون الإمام منهم فيقع الهرج، وإن لزم أهل كل بلد نصب إمام وقعت المنازعة بسبب تكثر الأئمة حيث يطلب كل واحد الرياسة العامة. * (البحث الخامس) * الخطاب في قوله تعالى (السارق والسارقة، فاقطعوا) (الزانية والزاني فاجلدوا (1)) أو غيرهما، لا يتعلق بالأمة بالاجماع على أن الحدود ليست لغير الإمام أو نايبه كما نقله الخوارزمي فيتعلق بالأئمة فنصبهم من الله لتوجه الخطاب إليهم فلو كان من الرعية لتوقف الخطاب عليهم. إن قيل: الأمر بالحد مطلق وهو يقتضي وجوب مقدماته التي منها نصب الإمام، فيجب على الرعية لتوقف الواجب عليه قلنا: الآيات دلت بذاتها على الحد، فلا يحمل على نصب الإمام الموصل إلى قيام الحد، لأنه إضمار، والأصل نفيه وأيضا فإنه لا يصح أن يجب قيام الحد على الإمام وتجب مقدمته وهي نصب الإمام على الرعية إذ لا يكون الشئ واجبا على شخص ومقدمته على آخر واستدل البصري ب‍ (اقطعوا) و (اجلدوا) على وجوب نصب الإمام، على الرعية لتناول الأمر للمباشرة والتسبيب والمباشرة لكل فرد من الرعية غير ممكنة، ولو أمكنت


(1) المائدة: 41. النور: 2.

[ 86 ]

فليس لها الاستيفاء بالاجماع، فتعين التسبيب وهو نصب الإمام وتكون النسبة إلى الرعية صادقة كما يصدق في قولنا قطع الإمام السارق والحداد هو المباشر. قلنا: يفهم عرفا أن الإمام قاطع إذا أمر ولا يفهم أن الرعية قطعت إذا نصبت إماما فأمر بالقطع وأيضا فإن تسمية السبب قاطعا مجاز وكلما بعد بعد الحمل عليه لأن السبب البعيد لا يكاد أن يكون إلا من الأسباب الاتفاقية ولا شك أن سببية الرعية أبعد من سببية الإمام، لتوسط الإمام بين الرعية والحداد عندهم. * (البحث السادس) * بدأ الله بالخليفة قبل الخليقة بقوله: (إني جاعل في الأرض خليفة (1)) والحكيم يبدأ بالأهم، فالخليفة أهم من الخليقة، فلا بد من كونه أكمل وأشرف في قوتيه العلمية والعملية، وليس كذلك إلا المعصوم، فيجب، وهذا يبطل الاختيار لأنه إنما سمي خليفة لأنه يحكم، فهو خليفة الله وهو قول ابن عباس وابن مسعود والسدي، وشاهده: (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق (2). (الفصل التاسع) وفيه أبحاث: 1 - قالوا: لو كان المحال يدخل في الاختيار لما صحت إمامة الثلاثة بالاختيار فلما صحت في هذه الأحوال خرج الاختيار إلى حد الجايز من حد المحال. قلنا: ومتى سلمنا أن الإمامة التي من الله هي التي حصلت للثلاثة ونحن لم نحل بالاختيار وجود الرياسة مطلقا، فإن رياسة الظلمة ربما وقعت به، إنما أحلنا به


(1) البقرة: 30. (2) ص: 26.

[ 87 ]

وجود الرياسة الدينية. قالوا: فاختارت الأمة عليا والحسن وصح. قلنا: إمامتهما حاصلة من الله ورسوله وإنما احتاجا إلى الاختيار لتلزم الحجة به من يراه من الشاكين على أنا نقول دعوى مسيلمة وطليحة والحلاج ومعاوية ويزيد وبني مروان وغيرهم وقعت فخرجت عن حد المحال، فصحت ولم يذهب إليه رشيد. إن قالوا: فمن سلم كونهم أنبياء في الحقيقة وأئمة على الطريقة. قلنا: و من سلم أن الثلاثة كانوا أئمة في الحقيقة. 2 - قال الأصم وهو أحد رؤساء الناصبية: لا شك أن في زمان الثلاثة قد كان من يعتقد إمامتهم على حال، وإن كان هناك من يعتقد إمامة علي وبعد الثلاثة وقع الاختلاف في إمامته فقيل: هو إمام في ذلك الوقت وقيل: لا إمام في ذلك الوقت فالاجماع الحاصل في أيام الثلاثة دليل إمامتهم، لأنه إن كان واقعا عليهم، فهو قولنا وإن كان على علي فهو محال. لأنه هو الذي اختلف فيه في الماضي وفي وقته، و محال كون المختلف فيه هو المتفق عليه. قلنا له: ذلك مغالطة، لأن المؤمنين قائلون بإمامته في الأحوال كلها، فلا يتحقق الاجماع المدعى على عدمها وهل يصح من عاقل علم الاختلاف بالضرورة دعوى الاجماع، وما كنت أظن أن هذا يذهب على الأصم (1) مع رياسته في قومه حتى أبان الله تعالى عن جهله وضلاله. على أنا نقول له: اجتمعت الأمة في حياة النبي على الصلاة والزكاة وغيرهما من العبادات، ثم اختلف فيها، فعلى ما أصل من كون المتفق عليه غير المختلف فيه يلزم أن تكون عبادات اليوم غير التي كانت في عهد النبي صلى الله عليه وآله. لأن المتفق عليه غير المختلف فيه على ما قال. 3 - إنا نقلب الاستدلال على الأصم، فنقول: أجمعت الأمة في هذا الزمان على أنه قد كان إماما موجودا لا محالة في أيام الثلاثة والجماعة المتفقة مختلفة الآن


(1) ذهب عليه كذا: أي نسيه وخفى عليه.

[ 88 ]

فالشيعة تأبى إمامة الثلاثة وتقول بإمامة علي دونها، فلم لا يكون الإمام في عصر الثلاثة غيرهم وأنه لا إمامة دينية لهم، إذ لا يصح عنده أن يكون المتفق عليه هو المختلف فيه وفي ذلك أن الاجماع إنما حصل على إمامة غيرهم، وفيه بطلان إمامتهم لوجوب اتحاد الإمام المعلوم ذلك من دين النبي صلى الله عليه وآله. فإن قيل: هذا يلزمكم في إمامة علي لاختلاف الأمة فيه كما اختلفت في الثلاثة. قلنا: لا، فإن إمامة علي تثبت بغير ذلك وإنما أردنا إسقاط كلامك على ما أصلت واعتمدت فلا يلزمنا ما ألزمناك على أنه يلزمك إبطال إمامة علي أيضا كما لزمك إبطال إمامة الثلاثة، بدلالة الاختلاف في أعيانهم بعد الاجتماع في الجملة على وجوب إمام، فيجب التزامك أن الاجماع إنما حصل في إمامة من لم يقع الاختلاف في إمامته، فيخرج من هذا الكلام، أن المتفق على إمامته غير معروف بعينه. 4 - نقول للأصم لو اجتمعت أنت ومجبر في بيت لا ثالث لكما، فإن الأمة تجتمع على أن في البيت ضال. فيقال لو خرجت أنت وترك المجبر وقع اختلاف الأمة فتقول المجبرة ليس في البيت أحد من أهل الضلال، وتقول المعدلة بل الضلال باق، فالاجماع كان موجودا قبل خروجك، معدوما بعده، فيلزمك أن تكون من أهل الضلال لأن الاجماع أولا كان إما على ضلالك أو ضلال المجبر، ولو كان إنما هو على ضلال المجبر، لكان المجمع عليه هو المختلف فيه، وذلك عندك محال، و إن كان الاجماع إنما هو على ضلالك فهو ما ألزمناك به، وإن كان ذلك لا يوجب عليك الضلال، فما ذكرته من إمامة القوم واضح الاضمحلال. إن قال: إني أقدر على خروج المجبر قبلي، فيقع الاختلاف في ويحصل الضلال بالاجماع على خصمي. قلنا: أفلا تعلم في هذا أن دليلك السابق في الأمة فاسد لا يجوز الاعتماد عليه، لأنه يشهد بصحة شئ تارة وبفساده أخرى. فإنه لو لم يدل على ضلاله لو خرج قبل المجبر لم يدل على ضلال المجبر لو خرج قبله. تذنيب: روي أن الأول كتب إلى مسيلمة الكذاب يوبخه على فعله، فأجابه:

[ 89 ]

اجتمع الناس علي، كما اجتمعوا عليك، واختاروني كما اختاروك، فأجبت كما أجبت، فاخلع نفسك بالعراق أخلع نفسي بالحجاز. تكميل: دخل رجل شامي على الصادق عليه السلام، محاجا، فقال عليه السلام لهشام بن الحكم: كلمه، فقال: يا شامي ربك أنظر لخلقه أم خلقه أنظر لأنفسهم ؟ قال: بل هو أنظر لهم قال فما نظره لهم ؟ قال: أقام لهم الحجة وأراح عنهم العلة قال: فما الحجة ؟ قال: الرسول صلى الله عليه وآله. قال: فبعده ؟ قال: كتابه وسنته قال: فأزالا عنا الاختلاف اليوم ؟ قال: لا. قال الشامي: وإلا فمن ؟ قال هذا الجالس - يعني الصادق عليه السلام - الذي يخبرنا بأخبار السماء وراثة عن أبيه وجده. قال: فكيف أعلم ذلك ؟ قال: سله، فابتدأه الإمام عليه السلام وأخبره بيوم خروجه من الشام وما حدث له في طريقه فصدقه فأقر بوصيته. (الفصل العاشر) قالوا: لو نص على علي، لما اختلف فيه، كما لم يختلف في النص على القبلة. قلنا: ولو لا نصه لما اختلف فيه كما لا يختلف في عدم النص على سلمان. قالوا: من لم ينص النبي عليه ضربان: ضرب اختلف فيه كعلي، وضرب أجمع فيه كسلمان. قلنا: بل من نص عليه ضربان: ضرب اجمع فيه كالقبلة، وضرب اختلف فيه كعلي. قالا: لا يصح النص عليه إلا بالاجماع واتفاق أهل المذاهب. قلنا: فلا تصح النبوة إلا باتفاق أهل المذاهب. قالوا: ثبتت بالمعجزات، فتأولها (1) الناس بالسحر. قلنا: والإمامة ثبتت بالنص، فتأولوها (2) بالقرابة.


(1) فناولها، خ. (2) فناولوها، خ.

[ 90 ]

قالوا: لو نص عليه بالأمر لقام به. قلنا: ولو نص موسى على هارون لقام به. قالوا: لو نص عليه مع علمه بالعجز عنه سفه. قلنا: [ ولو ] نص الله على أنبيائه مع علمه بعجزهم سفه. قالوا: لو نص الأمر فيه لقاتل عليه. قلنا: ولو نص الله على سجود إبليس لآدم لقاتله عليه. قالوا: ترك النص لعلمه بعصيان الأمة لئلا ترتد. قلنا: فالله أشفق منه، و قد أرسل أنبياء مع علمه قطعا بعصيان الخلق لها. قالوا: ارتدت الأمة بمخالفة الإمام، فلو كان منصوصا عليه، وجب أن يجاهدها وإلا ارتد معها. قلنا: سكت هارون عن جهاد المرتدين فيلزم ارتداده. قالوا: أقر علي لأبي بكر بالخلافة. قلنا: أقر يوسف لإخوته بالعبودية. قالوا: في النص محاباة وهي مستحيلة على الرسول لتضمنها الغش لغيره. قلنا: حابا يعقوب ليوسف وحابا الله لأنبيائه. قالوا: إطاعة علي لأبي بكر دليل على عدم النص، إذ لا يطيع الظالم إلا ظالم. قلنا: أطاع دانيال، بخت نصر. ويوسف، العزيز: وموسى، فرعون. ولا يطيع الكافر إلا كافر. قال: زوج عمر ابنته ولا يزوج الظالم إلا ظالم. قلنا: عرض لوط بناته على المفسدين. وزوج النبي ابنته من العاص، ولا يزوج الكافر إلا كافر. قالوا: أخذ عطاء أبي بكر ولا يأخذ عطاء الظالم إلا ظالم. قلنا: أخذ دانيال عطاء بخت نصر ولا يأخذ عطاء الكافر إلا كافر. قالوا: لم يبايع علي ثم بايع فأحدهما خطأ. قلنا: لم يدعي النبوة نبينا صلى الله عليه وآله ثم ادعى ولم يقاتل ثم قاتل، فأحدهما خطأ. قالوا: لو جاز كتمان النص على بعض الأمة جاز على كلها، ولما لم يجز على كلها، لم يجز على بعضها. قلنا: لو جازت بغضة علي على بعض الأمة، جازت على كلها ولما لم تجز على كلها، لم تجز على بعضها، فلم تبغضه الخوارج والنواصب ؟

[ 91 ]

قالوا: إمامته لم تثبت إلا بالمقرين بها وهم خصم قلنا فالنبوة لم تثبت إلا بالمقرين بها وهم خصم. قالوا: فالصحابة نصار الدين، فكيف يكتمون النص مع كمالهم وشهادة النبي فيهم قلنا: فقد فروا من الزحف وباؤا بغضب من الرحمن، كما نطق به القرآن، وانهزم عثمان بأحد ثلاثة أيام. قالوا: امتنع جماعة مع علي عن البيعة فلا معنى لعجزهم عن أهل (1) البيعة. قلنا: سجدت الملائكة وامتنع إبليس ولا معنى لعجزهم عن إلزامه بالسجود. قالوا: ترك علي النكير والوعظ وانتهاز حقه دليل عدم حقه قلنا: ترك آدم الوعظ ونحوه دليل عدم حقه في سجود إبليس. قالوا: عندكم أن النبي عرفه أنه يبقى بعد الثلاثة، فلا معنى للتقية مع الأمن في ترك القتال. قلنا: وقد أعلم الله نبيه أنه يبقى ويبلغ رسالته، فلا معنى له مع الأمن لترك القتال. قالوا: أيجوز أن نجمع على إنكار فرض حتى يلزمنا الكفر ؟ قلنا: أيجوز أن نجمع على اختراع فرض حتى يلزمنا الكفر. قالوا: أيجوز أن نجمع على إنكار فرض مع تباعد أوطاننا ؟ قلنا: أيجوز أن نجمع على اختراع فرض مع تباعد أوطاننا ؟ قالوا: من أين ألزمتمونا صحة ما تفردتم به دوننا ؟ قلنا: ومن أين ألزمتم اليهود بصحة ما تفردتم به دونهم ؟ قالوا: أيلزمنا أن ندين بما لا نعرف ولا نقله إلينا أسلافنا لدعواكم أنكم عرفتموه. قلنا: أيلزمنا ترك التدين بما عرفناه، ونقله إلينا أسلافنا لأنكم لم تعرفوه. قالوا: إن أثبتم إمامة علي بقولكم فلا حجة فيه علينا لكم، ولا سبيل إلى إثباتها بقولنا وقولكم. قلنا: إن أثبتم نبوة محمد بقولكم فلا حجة على اليهود لكم ولا سبيل إلى إثباتها بقولهم وقولكم.


(1) أخذ البيعة. ظ.

[ 92 ]

قالوا: إن عرفتم إمامة علي بنقل بعضكم، فعرفونا كم العدد المفيد للعلم و إن عرفتم بنقل جميعكم فلا تثبت إمامته حتى نلقى جميعكم. قلنا: إن عرفتم نبوة محمد صلى الله عليه وآله ببعضكم فعرفونا كم العدد المفيد للعلم ؟ وإن عرفتم بنقل جميعكم، لم تثبت نبوته حتى نلقى الجميع. قالوا: رجعتم في معرفة نصه إلى مثبتيه ولو رجعتم إلى منكريه، لعرفتم عدمه. قلنا: رجعتم في معرفة النبي إلى مثبتيه، ولو رجعتم إلى منكريه لعرفتم عدمه. قالوا: حكم علي أبا موسى في دين الله وقد خفي عليه حقيقة أمره. قلنا: حكم النبي سعدا في بني قريظة، فقد خفي عليه حقيقة أمره. قالوا: حكم النبي سعدا ورضي به وبحكمه وحكم علي أبا موسى الأشعري ولم يرض بحكمه. قلنا: وحكم النبي المشايخ في دعوى الأعرابي بثمن الناقة ولم يرض بحكمهم. قالوا: إذا كان الإمام عندكم يعلم كل علم رسول الله، إن جاز له أن يدعو: (اللهم زدني علما) فقد طلب الأفضلية والزيادة على الرسول، وإن لم يجز له حرمتم عليه الدعاء بزيادة العلم. قلنا: إذا جاز أن يعلم الأمة كل علم الرسول إن جاز للأمة الدعاء جوزتم طلبها الأفضلية على الرسول، وإن لم يجز حرمتم عليها الدعاء بزيادة العلم. قالوا: إذا جاز أن يكلنا الله إلى أنفسنا في معرفة العدول جاز في معرفة الإمام. قلنا: فيجوز على هذا، أن يكلنا إلى معرفة الحدود والرسول عليه السلام. قالوا: ولم لا يكون الله جعل للخاصة أن تولي على العامة إماما ؟ قلنا: ولم لا يكون الله جعل للخاصة أن تولي على العامة نبيا ؟ قالوا: ما أنكرتم أن يسمى المنصوب من الناس خليفة الرسول، فإن الله تعالى جعل ؟ ل قوما من بعد قوم نوح خلفاء ولم يستخلفهم قوم نوح. قلنا: ذلك معناه الوجود بعدهم، ولو كان هذا هو المراد بخليفة النبي، كانت اليهود والنصارى و

[ 93 ]

غيرهم خلفاء النبي. قالوا: لم لا يجوز أن يولى المفضول على الناس لكراهة الفاضل من بعض الناس، قلنا: ولم لا يجوز عزل المنصوب لكراهة من بعض الناس على أنه معارض بالنبي. وهذا القدر بل بعضه كاف في هذا الباب، وعليك باستخراج ما يرد لك من الجواب. فإن النقض آت على جميعه من قريب وبعيد، يسلمه من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

[ 94 ]

(الباب الخامس) * (فيما صدر عنه من الكرامات الموجبة لاستحقاقه الإمامة) * وفيه فصول: * (الفصل الأول) * [ من ] ادعى الإمامة وظهر المعجز على يده، فهو نص من الله على إمامته وهي أمور كثيرة نذكر منها في هذا المختصر نبذة يسيرة، منها ما أسنده ابن جبر، في كتاب نخب المناقب، لآل أبي طالب، إلى جابر. إلى الخدري، إلى ابن عباس أن خالدا لما رجع في عسكره من قتال أهل الردة رأى عليا في أرض له وقد ازدحم الكلام في حلقه كهمهمة الأسد فقال له: ويك أو كنت فاعلا يعني لما أمره أبو بكر بقتله بعد الصلاة فقال: أجل فنكسه عن فرسه وفتل حديد رحى الحارث كالأديم بيده و ألقاها في عنقه وأصحابه كأنهم نظروا إلى ملك الموت وبقي أياما في عنقه والناس في المدينة يضحكون عليه مما في عنقه فلما حضر جاء به أبو بكر إلى علي يستشفع في فكه عنه فقال عليه السلام: لما رأى تكاثف الجنود أراد أن يضع مني فوضعت منه فنهض الجماعة وأقسموا عليه فجعل يفتل منه شبرا شبرا ويرمي به وفي رواية أن خالدا أحدث في ثيابه وصاح صيحة منكرة مما نزل به. قال بعضهم: يا خالدا اذكر صنيعة حيدر * لما بعثت إليه كي تدعوه وأردت إظهار الشجاعة عند من * أبدى الشجاعة جده وأبوه فرجعت بالطوق الحديد مطوقا * هذا وأنت على الرجال تتيه فلأن جحدت فسل لأصحاب النبي * قطب الرحى في خلق من فتلوه وروى جماعة عن خالد بن الوليد قال: رأيت عليا يصلح حلقات درعه بيده فقلت: هذا كان لداود ! فقال عليه السلام بنا ألان الله الحديد لداود فكيف لنا وستأتي

[ 95 ]

حكايته في المسجد إن شاء الله. وروى أيضا في نخبه أن حصن ذات السلاسل علقوا على حيطانه غراير قطن أو تبن حتى لا يعمل فيه حجر المنجنيق فرمى علي نفسه بالمنجنيق والترس تحت قدميه ونزل على الحايط وضرب على السلاسل ضربة واحدة فقطعها وسقطت الغراير، ومن هذا ونحوه قالت الغلاه فيه: إنه الخالق المعبود وإنه هو أرسل محمدا صلى الله عليه وآله بالنبوة وادعوا أن له خطبة سماها خطبة الكشف قال فيها: (أنا شققت أنهارها، وأينعت أثمارها، وأظلمت ليلها، وأضأت نهارها، وأنا نبأت النبيين وأرسلت المرسلين). وهذا مكذوب عليه لمنافاته ما اشتهر عنه من الخشوع لله تعالى وعظم الثناء لديه ولو سلم فهو قابل للتأويل بالانكار أي إن كان كما تقولون من إلهيتي فأنا فعلت كذا وكذا لكني ما فعلت فلست باله، ويمكن حمله على السببية لما اشتهر في الحديث: لولاهم لما خلق الله خلقه فكأنه عليه السلام فاعل ذلك بالسبب وقد جاء عنهم عليه السلام: قولوا في فضلنا ما شئتم بعد أن تثبتونا عبيدا مربوبين. وأسند في نخبه أيضا إلى جابر: صلينا خلف على الصبح فالتفت وقال: أعظم الله أجوركم في أخيكم سلمان فتكلم الناس في ذلك فمضى إليه وقال: يا قنبر عد عشرا فإذا نحن على باب سلمان فكشف عنه فتبسم سليمان له فقال عليه السلام: إذا لقيت رسول الله فقل ما مر على أخيك من قومك ثم جهزه. وأسند إلى الجارود أن أسدا أقبل من البر إلى الكناسة فقام بين يدي علي عليه السلام فوضع يده بين عينيه وقال: ارجع بإذن الله لا تدخل دار هجرتي وبلغ ذلك السباع عني. وروى ابن وهبان والفتال في كتابيهما عن جويرية بن صخر أنه خرج مع علي نحو بابل فرأى الأسد باركا في الطريق فمكث ليرجع فقال عليه السلام إنما هو كلب الله ثم تلا: (وما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها) الآية فأقبل الأسد إليه مسلما عليه.

[ 96 ]

وروى محمد بن وهبان في معجزات النبوة عن البراء بن عازب أنه مر في السماء على رأس أمير المؤمنين خيط من الوز فصرصر وصاح فقال عليه السلام: قد سلم علينا فتغامز المنافقون بينهم فقال: يا قنبر قل لهم: أجبن أمير المؤمنين وأنزلن. قال: فنزلن إلى صحن المسجد فخاطبها بلغة لا نعرفها فلوت أعناقها إليه وصرصرت فقال: لهن انطقن فانطقن بالسلام عليه. وفي كتاب ابن شهرآشوب قال الباقر قال علي عليه السلام لجويرية بن مسهر: يعرض لك الأسد في طريقك فسلم عليه وقل له إني أعطيتك الأمان منه فلقيه فأبلغه ما قال علي عليه السلام فولى وهمهم خمسا فلما رجع جويرية قال له أمير المؤمنين إنه رد السلام وعقد بيده خمسا. وروى الجدلي عن الرضا عليه السلام قال: قال الحسين عليه السلام: كنت مع أبي فهرول إليه ذئب وجعل يلطع قدميه بلسانه ويتمسح به فقال له: انطق بإذن الله فانطلق بالسلام إليه بإمرة المؤمنين. قال ابن زريك: إمام له غاض الفرات وقد طغى * وخاطبه ذئب بأرض فلات وأنشأ في ذلك حيص بيص والنانستي والبياضي وغيرهم فلم ينكر عليهم. وروى حملة الآثار عن صعصعة بن صوحان في روضة الواعظين وعن محمد بن علي الصيرفي في الدلالات أن ثعبانا رقى إلى المنبر إلى علي في الكوفة فقصده الناس فنهاهم عنه فالتقم عليه السلام أذنه محركا شفتيه والثعبان كالمصغي إليه ثم ذهب فكأن الأرض ابتلعته فتحير الناس فيه فسألوه فقال: هو حاكم الجن التبس عليه مسألة فأفهمته إياها. وقد أنشأ في ذلك العوني ودعبل وابن حجاج وابن عضد الدولة وغيرهم فلم ينكر عليهم. وفي فضائل الكوفة لعمر بن حمزة قال: قام رجل من حضرة علي للوضوء فعرض له أفعى ليلتقمه فهرب منه إلى علي عليه السلام فأخبره فأخذ سيفه وأدخله في ثقب الأفعى وقال: إن كنت معجزة مثل عصى موسى فأخرجه فخرج فساره ساعة ثم

[ 97 ]

قال للأعرابي: لما قمت من بين يدي أراك ظننت أني رابع أربعة قال نعم ثم بعد ؟ ذلك لطم على رأسه وأسلم. وفي الامتحان عن عمار وجابر قال: كنت مع علي في برية فضحك وقال: أحسنت [ يا ] أيها الطير قال: قلت: أترى طيرا قال عليه السلام أتحب أن تراه وتسمع كلامه ؟ قلت: نعم فدعا خفيا فهوى الطير على يده فمسح ظهره وقال: انطق فسلم عليه بإمرة المؤمنين فرد عليه السلام وقال من أين مطعمك ومشربك في هذه البرية التي لا نبات فيها ولا ماء ؟ قال: إذا جعت ذكرت ولايتكم فأشبع وإذا عطشت تبرأت من أعدائكم فأروى. وفي العلل عن القزويني عن الأعمش أن عليا عليه السلام وقف على الفرات ونادى يا هناش يا هناش فأطلع الجري رأسه فقال: من أنت ؟ قال من بني إسرائيل عرضت علي ولايتك فلم أقبلها فمسخت جريا. وفي حديث سعد الخفاف أنه ناداه يا جري فلباه فقال: من أنا قال: إمام المؤمنين قال: فمن أنت ؟ قال ممن جحد ولايتك فمسخ جريا. وفي المعجزات والروضة ودلائل ابن عقدة والحارث والسبيعي قال: رأينا شيخا باكيا قائلا أشرفت على المائة وما رأيت العدل إلا ساعة فسئل عن ذلك فقال: توجهت إلى الكوفة فنفدت مالي عند القبة المسبحة فدخلت على علي فأخبرني بذلك وخرج معي ثم صلى ودعى وقرأ: (يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران) ثم قال ما هذا العبث ؟ والله ما على هذا بايعتموني وعاهدتموني ؟ فرأيت مالي يخرج من القبة فأسلمت وأقررت له بالولاية ولما قدمت الآن وجدته مقتولا. قال الوراق: علي دعا جنا بكوفان ليلة * وقد سرقوا مال اليهودي عدهم على نقض عهد أو تردوا متاعه * فردوا عليه ماله لم يقسم وفي حديث عمار أرسل النبي عليا إلى عمان يقاتل الجلندي فكان بينهما حرب عظيم فقال لغلامه المعروف بالكندي إن أتيت بصاحب العمامة السوداء والبغلة

[ 98 ]

الشهباء أسيرا أو عفيرا فابنتي التي لم أنعم لأولاد الملوك بها أزوجكها فركب الكندي فيلا أبيض وحمل بالعسكر وفيه ثلاثين فيلا على المسلمين فنزل علي عن البغلة فكشف رأسه فأشرقت الفلاة منه ودنا من الفيلة وكلمها بما لا نفهمه فانقلب منها تسعة وعشرون تقاتل المشركين حتى أدخلتهم باب عمان ثم رجعت قائلة يا علي كنا نعرف محمدا ونؤمن به وبربه كلنا إلا الفيل الأبيض فزعق الإمام عليه السلام فيه فوقف فضربه فرمى برأسه وأخذ الكندي من ظهره فأخبر جبرائيل النبي بذلك فصعد السور وقال: هبه لي فخلى سبيل الكندي فقال ما حملك على إطلاقي فقال: أنظر، فكشف الله عن بصره فرأى النبي على سور المدينة في صحابته وبينهما أربعين يوما فأسلم وقتل [ علي ] الجلندي وجماعة من عسكره فأسلم الباقون وسلم الحصن للكندي وزوجه ابنت الجلندي وفي كلمة ابن حماد حديث الملك: ولقد غدى يوما إلى الهادي إذا * بالباب معترضا شجاع أقرع فسعى إلى مولاي يلحس ثوبه * كالمستجير به يلوذ ويضرع حتى إذا بصر النبي يصوته * ورأى الشجاع له يذل ويخضع والطهر يأوى (1) للشجاع بمكة * ويذوده بالرفق عنه ويدفع ناداه رفقا يا علي فإنه * ملك له من ذي المعارج موضع أخطا فأهبط من علو مقامه * فأتى بجاهك خاشعا يتشفع فادع الإله ليغفر ذنبه * فاشفع فإنك شافع ومشفع فدعا علي والنبي وأخلصا * فغدا الشجاع يصيح وهو مجعجع لله من عبدين ليس لربنا * عبدان أوجه منهما أو أطوع وفي الأغاني قال المدائني: قال الحميري: من جاء بفضيلة لعلي لم أقل فيها شعرا فله فرس فجعلوا يحدثونه وينشدهم فيه فروى رجل أن عليا نزع خفه فانساب فيه حية أفعى فلما عاد ليلبسه انقض عقاب غرابي فحلق به ثم رماه فخرج الأفعى منه فأعطاه الحميري ما وعد وأنشأ عند ذلك شعرا:


(1) يرمى. خ.

[ 99 ]

ألا يا قوم للعجب العجاب * لخف أبي الحسين وللحباب عدو من عداة الجن عبد * بعيد في المرادة من صواب كريه اللون أسود ذو بصيص * حديد الناب أزرق ذو لعاب أتا خفا له فانساب فيه * لينهش رجله منه بناب فقض من السماء له عقاب * من العقبان أو شبه العقاب فطار به وحلق ثم أهوى * به للأرض من دون السحاب فصك بخفه فانساب منه * وولى هاربا خوف الحصاب ودوفع عن أبي حسن علي * نقيع سمامه بعد انتياب إن قيل: بذل السيد الحميري رحمه الله فرسه لمن يأتي بفضيلة لعلي ليس فيها شعر له يدل على حصرها وهو خلاف دعواكم من بعدها عن الاحصاء لكثرتها قلنا: لا يلزم من اعتقاده حصرها مطابقته لها وناهيك بما خرج عن شعره من العقاب و الحية وما أنشأ فيها. نكتة: فإذا انحصرت في علي مزايا (1) النبوة وليس له نبوة فهي دالة على الإمامة إذ يمتنع من الله أن يضع العلامة ويخص بالكرامة من ليس له زعامة. إن قيل: ما ذكرتم من الأحاديث ونحوها أخبار آحاد أو انفردتم بنقلها فلا حجة لكم فيها. قلنا: لا، بل كل طائفة من المسلمين روت شيئا منها فاشتركت آحادها في التواتر المعنوي اللازم عن مجموعها فأعجوبة رد الشمس أصحاب الشافعي روتها وروت غيرها وروى غيرهم غيرها ومن تتبع كتب القوم وجد ذلك فيها فكيف يمكن معانديهم إنكارها وفي كتب أئمتهم إظهارها وبهذا يندفع ما لعله يتوهم من كونها صدرت عن داع واحد، على أن للكفار اللئام أن يعارضوا بمثله في معاجز النبي عليه السلام.


(1) مرايا، خ.

[ 100 ]

(الفصل الثاني) * (في مساواة أمير المؤمنين لجماعة من النبيين) * 1 - قال الله تعالى (وعلم آدم الأسماء كلها). و (إني جاعل في الأرض خليفة (1)) وقال النبي (أنا مدينة العلم وعلي بابها). (من ناصب عليا على الخلافة بعدي فهو كافر) كما رواه ابن المغازلي الشافعي وغيره. 2 - إدريس أطعم بعد وفاته من الجنة ودرس الكتب وهو أول من وضع الخط وعلي عليه السلام أطعم منها في حياته وقد سلف وعنده أم الكتاب وهو أول من وضع علم النحو. 3 - نوح نجى من ركب في سفينته وقد مثل بها النبي أهل بيته فنجا من تمسك بعلي وذريته. شعر أيها المؤمن الذي طاب فرعا * وزكا منه أصله وتمسك طب بدين النبي نفسا وإن خفت‍ * - ت من النار في غداة تمسك فاستجر من لظا لظا بعلي * وبنيه وبالبتول تمسك 4 - إبراهيم (وهديناه إلى صراط مستقيم (2)) وعلي الصراط المستقيم (رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت (3)) وفي علي (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت (4)) (وإبراهيم الذي وفى (5)) وفي علي (يوفون بالنذر (6)) إبراهيم كسر الأصنام وأكبرها (افلون) وكسرها علي وأكبرها هبل. 5 - إسماعيل استسلم لذبح والد رفيق، واستسلم علي للكفار في المبيت و ليس فيهم شفيق.


(1) البقرة: 31 و 30. (2) الأنعام: 87. وفيه: وهديناهم. (3) هود: 73. (4) الأحزاب: 33. (5) النجم: 37. (6) الدهر: 7.

[ 101 ]

6 - يعقوب سأل الذئب هل أكل ولده يوسف فقال: لحوم الأنبياء علينا حرام، وتكلم الذئب والثعبان والأسد لعلي. 7 - يوسف (رب قد آتيتني من الملك (1)) ونزل في علي وأهله (وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا (2)) ولما بان لإخوته فضله حسدوه وأظهروا نصحه وفي الباطن عادوه، وقريش سلموا على علي بإمرة المؤمنين وفي الباطن مقتوه وقيل ليوسف (أيها الصديق (3)) وعلي الصديق الأكبر وفي يوسف (ولما بلع أشده آتيناه حكما وعلما (4)) وعلي أوتي الأخوة والخلافة والعلم صغيرا، و في يوسف (ألا ترون أني أوف الكيل (5)) وفي علي (ويطعمون الطعام على حبه). (يوفون بالنذر (6)). 8 - موسى أحيا الله بدعائه قوما في قوله تعالى: (ثم بعثناكم من بعد موتكم (7)) وأحيى لعلي أهل الكهف، وروي أنه أحيى سام بن نوح وأحيى له جمجمة الجلندي ملك الحبشة صاحب الفيل الذي قصد به البيت ولها مشهد معروف ببابل. وعدو موسى رماه الله بالبرص وأنس حيث كتم الشهادة رماه الله بالبرص ونزل جبرائيل بعصى موسى، ونزل بذي الفقار لعلي. وعلا موسى الطور وعلا علي النبي وألقى الله على موسى محبة منه وأوجب محبة علي على الخلق حتى أن محبته حسنة لا يضر معها سيئة وأكرم موسى بالشبرين وعلي بالحسنين وجر موسى الحجر عن بئر مدين وكان لا يجره إلا أربعون ودحى علي الصخرة عن عين (مراجوما) عند الدير وقد عجز عنها مائة. 9 - هارون أول من آمن بموسى وقال له: (اخلفني في قومي (8)) وعلي أول من آمن بالنبي وقال له: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى).


(1) يوسف 101. (2) الدهر: 20. (3) يوسف: 46. (4) يوسف: 22. (5) يوسف: 59. (6) الدهر: 8 و 6. (7) البقرة: 56. (8) الأعراف: 141.

[ 102 ]

10 - يوشع ردت له الشمس وردت لعلي مرارا وسيأتي قريبا وقد أسند ابن جبر في نخبه وعلي بن مجاهد في تاريخه إلى النبي قوله لعلي عند وفاته (أنت مني بمنزلة يوشع من موسى). 11 - أيوب (إنا وجدناه صابرا (1)) وفي علي (والصابرين في البأساء و الضراء وحين البأس (2)). 12 - جرجيس صبر في المحن وعذب بأنواع العذاب وعلى صبر في الفتن و عذب بأنواع الحروب. 13 - يونس (التقمه الحوت وهو مليم (3)) وعبد الله في موضع لم يعبده بشر وعلي سلمت عليه الحيتان وجعله الله إمام الإنس والجان وولد في الكعبة دون كل انسان. 14 - زكريا كان لبني إسرائيل واعظا ولمريم كافلا وعلي كان للأمة مفتيا ولفاطمة كافلا. 15 - يحيى (وآتيناه الحكم صبيا) وعلي أوتي الحكم والوزارة صبيا. 16 - داود (إنا جعلناك خليفة في الأرض (4)) (وقتل داود جالوت (5)) وكانت له سلسلة الحكومة وآتاه الحكمة وفصل الخطاب وعلي رابع الخلفاء آدم وداود وهارون. وقتل عمرا ومرحبا وقال النبي (أقضاكم علي) وقال الله فيه (ومن عنده علم الكتاب (6)). 17 - سليمان طلب الملك فأعطي خاتم الملك وعلي تصدق بالخاتم فنزلت فيه آية الولاية وقال: يا صفراء ويا بيضاء غري غيري. حملت الريح بساطه وردت الشمس له وحملت عليا على بساط النبي وردت الشمس له. 18 - صالح سماه الله صالحا وأخرج له ناقة وسمي عليا صالح المؤمنين و


(1) ص: 44. (2) البقرة: 176. (3) الصافات: 142. (4) ص: 26. (5) البقرة: 251. (6) الرعد: 43.

[ 103 ]

أخرج له ثمانين ناقة. 19 - عيسى نزلت المائدة عليه ونزلت على علي بنقل أهل المذاهب الأربعة فيه وقال في عيسى (ويعلمه الله الكتاب (1)) وفي علي (ومن عنده علم الكتاب) وفي عيسى: (وأحي الموتى بإذن الله (2)) وعلي أحيى سام وأهل الكهف والجمجمة بإذن الله واختلف في عيسى فاليعقوبية: هو الله والنسطورية: هو ابن الله والإسرائيلية: هو ثالث ثلاثة لله واليهود هو كذاب على الله والمحقون هو عبد الله واختلف في علي فالمسلمون: هو عبد الله. والغلاة: هو الله والخوارج: كافر بالله والمخالفون أنه رابع افتراء على الله والمؤمنون المحقون أنه المقدم من الله ولأجل ذلك قال النبي صلى الله عليه وآله إنه أشبه الخلق بعيسى. 20 - محمد خاتم النبيين وسيدهم وعلي خاتم الأوصياء وسيدهم. ركب النبي البراق وركب علي كتف النبي. علامة الرسالة في كتف النبي علامة الشجاعة في ساعدي علي. تذنيب 1 - الإسكندر سد الله به على يأجوج ومأجوج وكان يعرف لغات الخلق وعلي سد الله به كيد الشياطين عن الشيعة وكان يعرف لغات الملائكة والجن والبهائم وجميع الخلق. 2 - لقمان آتاه الله الحكمة وجعل النبي عليا باب دار الحكمة فاستفاضت منه الحكمة تذنيب آخر أسند ابن جبر إلى ابن عباس قول النبي صلى الله عليه وآله (من أراد أن ينظر إلى آدم في حلمه وإلى نوح في فهمه وإلى موسى في مناجاته وإلى عيسى في سمته وإلى محمد في تمامه فلينظر إلى هذا الرجل) فتطاولت الأعناق وإذا هم بعلي عليه السلام. وأسند ابن بطة في الإبانة إلى ابن عباس وروى نحوه أنس أيضا وقد ذكرناه


(1) آل عمران: 48. (2) آل عمران: 49.

[ 104 ]

في موضع آخر في كتابنا استيناسا وتيمنا. وفي كتاب العقد عن المغربي أن فلانا أراد قتل هرمزان فاستسقى فجئ بقدح من ماء فارتعدت يده به فقيل له في ذلك فقال: خفت أن تقتلني قبل شربه. فقال: لك الأمان حتى تشربه فرمى به فكسره فقال: ما كنت لأشربه أبدا وقد آمنتني حتى أشربه فقال: قاتلك الله أخذت أمانا منا ولم نشعر. وفي رواياتنا: شكى ذلك إلى علي عليه السلام فدعا فصار القدح صحيحا مملوءا ماء فأسلم الهرمزان من المعجز. (الفصل الثالث) نذكر فيه طرفا مما نقل من معاجزه، مضافا إلى ما سلف من دلائله، وهذا باب واسع قد بلغ من الاشتهار، إلى حد يمتنع مقابلته بالانكار. لا يتهيأ لمحبه سبره، ولا لمبغضه ستره، من طلب شيئا [ من ذلك ] طالبه من مظانه وفيه كتب اختصت به. مثل الدلائل لعبد الله بن جعفر الحميري والخرايج لسعيد بن هبة الله الراوندي والواحدة لابن جمهور العمي والدرجات لسعد بن عبد الله وبصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار، وغير ذلك. إن قيل: فقد ظهر عن حسين بن منصور الحلاج وغيره من المشايخ أمور خارقة للعادة فلا دلالة في ذلك على الإمامة. قلنا: إن صح ذلك فهو من الحيل المشهورة لهم وقد وقفت على كشف أسرارهم والتمويه على أتباعهم والله سبحانه أجل من أن يخرق العادة للكذابين وقد علم أن الحلاج دعا أصحابه إلى أنه المغني (1) وفي هذا تجسيم الرب تعالى، والأنبياء والأئمة دعوا إلى التوحيد والعدل وغيرهما فبينهما فرقان. إن قيل:: فيما تدعونه لعلي رد الشمس، ولو كان لعلمه غيركم. قلنا ادعى المسلمون للنبي شق القمر ولو كان لعلمه غيرهم. إن قيل: لو ظهر المعجز لهم لم يبق فرق بين الأنبياء وبينهم، فلا يفرق (2)


(1) المعنى. خ. (2) فلا يعرف: خ.

[ 105 ]

النبي من الإمام. قلنا: الفرق الدعوى فإن الإمام لا يدعي النبوة وقد ظهرت كرامات مريم من غير نبوة ومجئ آصف بعرش بلقيس من غير نبوة ودارت رحا فاطمة وهي نائمة من غير نبوة وقالت لبعلها إني أسمع أخبارا وأقاصيص فأملتها عليه فجمع كتابا منها يتضمن ما يكون من الحوادث وسماه مصحف فاطمة من غير نبوة وهذا الطرف نقلته من الخرايج والجرايح مختصرا لألفاظه وآتيا من ذلك بما يكفي في إثبات تواتره وهو أمور: الأول: قال له أصحابه: إن موسى وعيسى كانا يريان المعجزات فلو أريتنا شيئا لنطمئن إليه فأراهم عليه السلام جنات من جانب وسعيرا من جانب وقال أكثرهم: سحر وثبت اثنان فأراهم حصى مسجد الكوفة ياقوتا فكفر أحدهما وبقي الآخر قيل وهو ميثم التمار وقيل عمرو بن الحمق. الثاني: اختصم خارجي وامرأة إليه فعلى صوته فقال له عليه السلام: اخسأ، فإذا رأسه رأس كلب فقيل له ما يمنعك عن معاوية إذا ؟ فقال: بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون. ونحو ذلك روى الأصبغ بن نباته في رجل آخر ونحوه أيضا فعل بخارجي فدمعت عيناه فرق له فدعا الله تعالى فعاد إلى الانسانية وتراجعت ثيابه من الهوى وقد كانت طارت عنه. الثالث: أحيى رجلا من بني مخزوم صديقا له فقام وهو يقول: (وينه وينه نبيالا) يعني لبيك لبيك سيدنا فقال له عليه السلام: ألست عربيا قال: بلى، ولكني مت على ولاية فلان وفلان فانقلب لساني إلى لسان أهل النار. الرابع: قال لرجل قد حمل جريا: قد حمل هذا إسرائيليا، فقال الرجل متى صار الجري إسرائيليا فقال عليه السلام إن الرجل يموت في اليوم الخامس فمات فيه ودفن فيه فرفس عليه السلام قبره برجله فقام قائلا: الراد على علي كالراد على الله ورسوله. فقال: عد في قبرك فعاد فانطبق عليه. الخامس: تكلم في أذن مغن خياط خفيا فحفظ لوقته القرآن وكذلك فعل برجل يقال له زاذان.

[ 106 ]

السادس: تظلم إليه رجل فكتب بظلامته فهاج الناس وقالوا طعن على الشيخين: فوقف رجل فتبرأ منهما ومن الثالث فقال عليه السلام: بقرت العلم في غير إبانه لتبقرن بطنك كما بقرته فشق بطنه وحشي حجارة وصلب. السابع: أتى يهودي أبا بكر ثم عمر وسألهما عن أموال أبيه وقد مات ولم يعلمه بها فأوجع ضربا فأتى عليا عليه السلام فسلم عليه بإمرة المؤمنين فقيل: لم لم تسلم عليهما مثله ؟ فقال: والله ما سميته حتى وجدته في كتب آبائي في التوراة ثم سأله عن كنوز أبيه فقال: خذ ألواحا وصر بها إلى وادي برهوت بحضرموت فإذا وصلت [ وكان عند الغروب ] وجدت عند القبور غرابين فاهتف باسم أبيك وقل: أنا رسول وصي محمد فاسئله واكتب ما يخبرك، ففعل فوجد كما قال، فأخبره بموضع المال فرجع فنبشه وأوقر منه عيرا وأتى به عليا وأسلم وأقر له بالوصية والإمرة والأخوة. الثامن: خرج يوما فرأى على الباب أكمه ومقعدا ومكفوفا وأبرص. فقالوا: جئناك لما بنا فرجع عليه السلام وفتح حقا وأخرج رقا أبيض فيه كتاب أبيض فقرأه عليهم فقاموا من غير علة. التاسع: قدم رجل الكوفة فأفشى فيها أن معاوية قد مات وأنه كان ممن دفنه فكذبه علي عليه السلام وقال: لن يموت حتى يهلك هذه الأمة ويملك ويفعل ويفعل. فقال قوم: لم قاتلته وأنت تعلم ذلك ؟ فقال عليه السلام للحجة. العاشر: قال بذي قار وهو جالس للبيعة: يأتيكم من قبل الكوفة ألف رجل لا يزيدون ولا ينقصون، قال ابن عباس فعدوهم فنقصوا رجلا فاسترجعت وقلت ما حمله على ما قال ؟ فتكملوا بأويس القرني. الحادي عشر: لما بلغه صنع بسر ابن أرطاة باليمن دعى عليه بسلب عقله فخولط فيه واتخذ له سيفا من خشب يلعب به حتى مات. الثاني عشر: دعى على الغيزار وكان يرفع أخباره إلى معاوية وسأله عن ذلك فأنكر فقال: إن كنت كاذبا فأعمى الله بصرك فما دارت الجمعة حتى عمي. الثالث عشر: لما أنكر أنس الشهادة له بغدير خم دعى عليه بالبرص فأبرص

[ 107 ]

وقال ابن عمر: أشهد بالله لقد رأيتها بيضاء بين عينيه. الرابع عشر: أسلم راهب شيخ وحدث أنه رأى طيرا تقيا ربع انسان ثم ذهب وجاء فتقيأ ربعا آخر وهكذا إلى الآخر فلما أكمله جاء فأخذ ربعا وهكذا فلما خلص أتى بربع وهكذا فلما كمل سألته من أنت ؟ فقال ابن ملجم. قلت: فما عملت ؟ قال: قتلت عليا فوكل بي هذا الطير يقتلني، ثم جاء الطير فأخذ ربعه فسألت من علي ؟ فقيل لي: ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله. الخامس عشر: دعى لشجرة كمثرى يابسة فاخضرت وحملت لوقتها وأكلوا منها وعلى رمانة فاخضرت وحملت وأكل محبوه منها وأرادها مبغضوه فلم ينالوها. السادس عشر: لما رجع من صفين كلم الفرات فاضطربت وسمع الناس صوتها بالشهادتين والاقرار له بالخلافة وفي رواية عن الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام أنه ضربها بقضيب فانفجرت وسلمت عليه حيتانها وأقرت له بأنه الحجة. السابع عشر: شكوا إليه في صفين نفاد زادهم والعلف لدوابهم فقال عليه السلام. غدا يأتيكم فصعد عليه السلام في الغد على تل فدعا فأقبلت الجمال قطارا قطارا فيها جميع ما يحتاجون إليه حتى الخيط والمخيط وانصرفوا ولم يدر أحد أهم من الجن أم من الإنس ؟. الثامن عشر: قال ابن عباس: لما فتح النبي صلى الله عليه وآله مكة قال لعلي: كلم الشمس فسلم عليها فردت عليه بالأخوة والوصية وأبلغته من الله التحية وبشرته عنه له ولمحبيه بأعلى منزلة من الله. التاسع عشر: رأى الحسن البصري يتوضى فقال له: أسبغ وضوءك يا كفتى فقال: كان بالأمس رجال يسبغون الوضوء فقال عليه السلام: إنك لحزين عليهم من ذلك ؟ قال: نعم. قال: فأطال الله حزنك. قال أيوب السجستاني ما رأيت الحسن إلا حزينا فقلنا له في ذلك فقال: عملت في دعوة الرجل الصالح. وكفتى بالنبطية شيطان سمته أمه بذلك في صغره فلم يعرفه أحد به حتى دعاه به علي عليه السلام. العشرون: كانت أم فروة تعيب على أبي بكر فقتلها عمر ودفنت، فدعا لها

[ 108 ]

عليه السلام فعاشت وولدت لزوجها غلامين وماتت بعد علي عليه السلام بستة أشهر. الحادي والعشرون: حم النبي صلى الله عليه وآله فوضع علي يمناه على صدره وقال: اخرجي إنه عبد الله ورسوله فخرجت في الحال فبشره النبي بطاعة الأوجاع له. الثاني والعشرون: دخل على الصادق عليه السلام رجل من الصين فقال له: تعرفوننا بالصين ؟ قال: نعم. قال عليه السلام بم ؟ قال: عندنا وردة نجد مكتوبا على وردها أول النهار (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وفي آخره (لا إله إلا الله علي خليفة رسول الله). الثالث والعشرون: قال الباقر عليه السلام. للإمام عشر دلائل: يولد مختونا وناطقا بالشهادتين، ومكتوب على عضده الأيمن: (وتمت كلمة ربك صدقا و عدلا) ولا يتمطى، ولا يتثاءب، ولا يحتلم، ولا ظل له، ورائحة نجوه كالمسك وتستره الأرض، ويختم الحجر، ويستجاب دعوته. الرابع والعشرون: قال له رجل: لا نرى لكم من الدنيا شيئا فقبض عليه السلام كفا من حصى مسجد الكوفة فإذا هو جواهر ثم رمى به فعاد حصا. الخامس والعشرون: قال الأصبغ بن نباته: كان إذا وقف بحضرة علي شخص، يقول: استعد لنفسك فإنك تمرض يوم كذا فيكون كما قال. السادس والعشرون: بعثت عايشة إليه رجلا شديد العداوة بكتاب وأوصته أن لا يأكل عنده شيئا فلما قدم دعى إلى الأكل فأبى فقال عليه السلام قالت لك لا تأكل فإن فيه السحر قال: نعم. فرجع إلى محبته وأصيب بصفين فقالت: ما نبعث إليه أحدا إلا أفسده علينا. السابع والعشرون: قام إليه رجل وقال: إني أحبك قال: صدقت، فدست الخوارج إليه رجلا فقال: إني أحبك فقال عليه السلام كذبت، ولا تحبني قط و كأني بك وقد قتلت على ضلالك، ووطئت دواب العراق وجهك، فلم يعرفك قومك، فقتل بالنهروان كما قال عليه السلام. الثامن والعشرون: مر عليه السلام بجبل في طريقه إلى صفين فخرج من الجبل هامة بيضاء ولحية ووجه كذلك فسلمت عليه بإمرة المؤمنين فقال: وعليك السلام

[ 109 ]

يا شمعون، فسأله عنه عمار ومالك وأبو أيوب الأنصاري وقيس بن سعد وعمرو بن الحمق وعبادة بن الصامت فقال: هو وصي عيسى عليه السلام. التاسع والعشرون: اصطاد عمرو بن حريث ضبا فبايعه في البرية بالخلافة فخطب عليه السلام وذكر ذلك وقال: إنه سيبعث وإمامه ضب قال ابن نباته فرأينا عمرا ينتفض جبنا ونفاقا. تذنيب: إن قيل: لم لا تكون هذه لسبب (1) اختص بذلك من تقريب جسم أو مقارنة شئ أو حدوث أمر، قلنا: لو كان ذلك بسبب لاشتهر كما اشتهر حجر المقناطيس بجذب الحديد ولو كان كذلك لم نثق بشئ أصلا إذ يجوز حينئذ أن تكون حياة الميت إنما هي بقرب جسم منه أو نحوه والضرورة ترد ذلك. قدم إليه حكيم يوناني وقال له: بوجهك صفار وعندي دواؤه وأما رقة ساقيك فلا حيلة لي فيها والرأي عندي أن ترفق بهما فقال عليه السلام هل تعرف شيئا يزيد في صفاري فدفع إليه حبا وقال: حبة منه تقتل رجلا فشرب منه عليه السلام مثقالين فارتعد الرجل وقال سيقتلوني به فاحمر وجه الإمام عليه السلام بذلك وحمل أسطوانة بسقفها وغرفتين كانتا عليها فأسلم اليوناني وأقر بوصيته وقال: إذا ما الكرامات اعتلى قدر ربها * وحل بها أعلى ذرى شرفاته فإن عليا ذا المناقب والنهى * كراماته العليا أقل صفاته


(1) لم لا يجوز أن تكون هذه لأجل سبب. خ.

[ 110 ]

(الباب السادس) * (في شرايطه) * وفيه مقدمة وفصول منها [ خمس ] في إثبات عصمته من المعقول ويتلوها أقطاب في إثباتها من المنقول وباقيها في رد الاعتراضات عليها. مقدمة لا شك في كون الإمامة لطفا للعلم الضروري بفساد الأنام بفقد الإمام و التجاء الناس إليه في ساير الأيام فسقط قول بعض الخوارج بسقوطه أصلا وقول بعضهم والأصم وأتباعه إذا تناصف الناس وقول هشام وأتباعه إذا لم يتناصف الناس. قلنا: لا يحصل التناصف إلى الأبد بدون الإمام لأحد، وقد ازدوج في وجوبها العقل والسمع واصطحب الرأي والشرع وهذا شئ اعتمله (1) الخبراء ونظمه الشعراء قال حكيم العرب الأفوه الأودي: لا تصلح الناس فوضى لا سراة لهم * ولا سراة إذا جهالهم سادوا إذا تولت سراة الناس آخرهم * نمى على ذاك أمر الناس فازدادوا تهدي الأمور بأهل الرأي ما صلحت * فإن تولت فبالأشرار تنقاد وقد أسلفنا في باب إثبات الوصي حجج المخالفين وأجبنا عنها بأوضح البراهين والعصمة شرط فيها لما يأتي، واللطف واجب على الله من حيث الحكمة، ومنعه الأشاعرة [ لأنهم ] قالوا: إن الإمامة لطف دنياوي وهو غير واجب على الله تعالى. قلنا: إذا رفعت العصمة عن الأمة علم بالبديهة ميلها إلى ترك مشاق التكليف، و إلى الراحة والتخفيف، ومع الإمام يذهب ذلك الإحجام. وقد جاء القرآن بوجود الإمام في كل زمان (يوم ندعوا كل أناس بإمامهم). (إني جاعلك [ للناس إماما)، (إنا جعلناك (2) ] في الأرض خليفة). (وإن


(1) اعتمده. خ. (2) ما بين العلامتين ساقط من النسختين أضفناه بالقرينة.

[ 111 ]

من أمة إلا خلا فيها نذير). (ويوم نبعث من كل أمة شهيدا). (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد (1)) ورتب الله تعالى في كتابه طاعة أولي الأمر على طاعة الرسول صلى الله عليه وآله المرتبة على طاعته تعالى، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية) فكيف يختص لطف الإمام بالأمور الدنياوية لولا الأهوية المردية، فظهر وجوب الإمامة والعصمة، وهذا مذهب الإمامية و الإسماعيلية. قالت الأشاعرة: فعلى هذا تثبت إمامة المشايخ لحصول اللطف بهم في زمانهم باستظهار الاسلام في أيامهم فإن عليا نقص الاسلام في خلافته، والحسن كان اللطف في ترك إمامته واشتهر الفساد في طلب الحسين وخروجه والباقون منهزمون مختفيون إلى من تعتقدونه مهديا لم ينتفع به دنيا ولا دينا ؟ فعلى تقريركم: العصمة للمشايخ دونهم. قلنا: لا نسلم عدم نقص الاسلام في زمانهم لأنكم نقلتم ارتداد سبع فرق في زمان أبي بكرهم: قوم عتبة، وغطفان، وبنو سليم، وبنو يربوع، وبعض تميم وبني كندة وبنو بكر بن وايل، وفي زمان عمر ارتدت غسان قوم جبلة كما نقله شارح الطوالع عن الزمخشري وغيره وفي زمان عثمان حصل من الفساد ما لا يخفى على انسان و أيضا فالارتداد يدل على عصيان الأمة لا على أن الإمام عديم العصمة وإلا لزام أن يكون النبي عديم العصمة لارتداد كثير من المسلمين في عهد سيد المرسلين. إن قالوا: هذا ينقلب عليكم لأن الارتداد إذا لم يدل على عدم العصمة لم يدل على عدم عصمة الثلاثة. قلنا: إنما ذكرنا ذلك إلزاما لكم حيث قلتم حصل النظام في زمان الثلاثة، على أنه يمتنع من كل أحد دعوى عصمة الثلاثة. وقولهم كان اللطف في ترك إمامة الحسن وعدم خروج الحسين، قلنا: إنما كان من عصيان الأمة وهلا قالوا: كان اللطف في ترك السقيفة وترك الشورى لإمامة عثمان الذي أظهر الأحداث وآوى الأخباث. وأيضا فلو لزم من عصيان الأمة عند قيام الأئمة عدم الإمامة لزم مثله في النبوة فإن العصيان كان عند بعثهم. بل يلزم


(1) أسرى: 71. البقرة: 124. ص: 26. فاطر: 24. النحل: 74. النساء: 40.

[ 112 ]

امتناع التكليف إذا كان سببا لعصيان الخلق، وانهزام الأئمة واختفاؤهم لا يدل على عدم إمامتهم لتواتر النصوص من الطريقين فيهم. على أن ذلك معارض باختفاء الأنبياء من قبلهم، وقتلهم وهزيمة جدهم. وخوف المهدي من الظالمين، يمنعه من الاشتهار كما ألجأ الخوف جده إلى الاستتار، و قد كان ظاهرا لأوليائه، فلما اشتد الأمر استتر عنهم كأعدائه، وليس الستر سببا لنفي ولادته ولطفيته، كما في عيسى المجمع على حياته، وقد قيل: إنه المهدي و الصحيح أنه وزيره ومن خاصته. وقد ظهر على تقديرنا أنه لا عصمة للمشايخ، كيف ذلك ؟ وقد علم منهم الأيام عبادة الأصنام، وأئمتنا بحمد الله لم ينقل أحد من مبغضيهم عنهم نوعا من العصيان على مرور الأزمان، بل نقلوا فضائلهم وتعبداتهم وأنشأ الخاص والعام المدايح والمحامد فيهم قال ابن حنبل شعرا: قوما نجوما في السماء زواهر * في برج ثاني عشر ظل قرانها ومنازل القمر المنير عليهم * سعد السعود وعزهم دبرانها شرفت بوطئهم البلاد وإن علوا * قلل المنابر شرفت عيدانها سل عنهم الليل البهيم وإنهم * في كل ظلمة حندس رهبانها (الفصل الأول) * (في وجوب عصمة الإمام في قضية العقول ويتلوها) * * (أقطاب من دلايل المنقول) * الموجب للعصمة جواز الخطأ على الأمة فلو جاز خطأ الإمام فإن لم يحتج إلى إمام فترجح بلا مرجح وإن احتاج فإما إلى نفسه أو إلى من يعود إليه وهو الدور أو لا يعود وهو التسلسل وقد انعقد الاجماع على أن الإمام لا يحتاج إلى إمام فبالأولى أن لا يحتاج في أمور الإمامة إلى الرعية فبطلت إمامة من قال: (إذا تعوجت فقوموني) إذ من يحتاج إلى الرعية فهو إلى الإمام أحوج، ولأنه حافظ

[ 113 ]

الشرع، فلولا العصمة لجاز الغلط والتبديل المؤديان إلى التضليل، والكتاب لا يحيط بالأحكام، إذ لا تعين فيه لكثير منها كعدد الركعات، ومقادير الزكوات. ولأن الكتاب في نفسه لا بد له من حافظ موثوق به، وبهذا يندفع ما قد تهول به من قول أمير المؤمنين في نهج البلاغة (لم يخل الله خلقه من نبي مرسل أو كتاب منزل أو حجة لازمة أو محجة قائمة) فإن ظاهر الترديد الذي فيه منع الخلو يقتضي الاكتفاء بالكتاب قلنا: في الكتاب، الآيات المتشابهات، والمجملات، و أوامر خفيات خبط المفسرون فيها، فاتباع بعضهم لا ترجيح فيه والكل غير ممكن لتضاد القول وتنافيه، فلا بد من معصوم يتعين الرجوع إليه، والتعويل في ذلك عليه، ومنع الخلو ليس فيه منع الجمع، بل قد يجب الجمع، فإن الانسان لا يخلو من الكون واللون مع لزوم الجمع فيهما فكذا هنا. اعترض القاضي بأن القرآن غني عن التأويل إذ بينه النبي، فلا حاجة إلى الإمام، أجاب المرتضى بأن ذلك مكابرة فإن اختلاف العلماء فيه لا خفاء فيه، ولو قدر أن النبي صلى الله عليه وآله بينه فلا بد من الإمام لينقل بيانه، إذ الأمة غير مأمونة على ذلك. اعترض القاضي بأن الإمام لما لم يمكن مشافهته للكل علم أنه لا بد من ناقل إما متواتر أو غيره وكلاهما لازم بعد موت النبي. أجاب المرتضى بأن الإمام حي مراع لبيانه عن التبديل، وكذا الإمام الآخر بعده، بخلاف ما بعد الرسول وهو ظاهر معقول، ولا السنة. بخروج كثير من الأحكام عن الروايات ولا القياس لبناء الشرع على جمع الممكنات، وقد أبطله الرازي من أربعين وجها، والاستحسان والرأي أيضا لم يحفظاه إذ فيهما أنواع الضلالات، ولا مجموع الأمة لجواز الخطأ على آحادها فجاز على جميعها، لأنه يصدق بالضرورة الحسية سلب العصمة من بعض الرعية، فيكذب نقيضه وهو إثبات العصمة لكل الرعية، إذ نقيض السالبة الجزئية الموجبة الكلية. قالوا: ينقض هذا قول النبي صلى الله عليه وآله (لا تجتمع أمتي على ضلال) قلنا: هذا

[ 114 ]

الخبر إن نقله بعض الأمة فلا حجة في نقله وإن نقله كلهم لزم إثبات الشئ بنفسه إذ لا يعلم حينئذ صحة إجماعهم إلا من إجماعهم، ولو سلم صدوره عن النبي فالوجه فيه أن الإمام المعصوم من جملة الأمة، فلهذا لا تجتمع على ضلال، لأنه إن دخل في أقوالهم فالحق في قوله، فلهذا قال النبي صلى الله عليه وآله علي يدور مع الحق والحق معه، و إن خرج فلا إجماع. والعين في تجتمع إن جزمت فلفظ لا ناهية، فيجوز الاجتماع، إذ ليس كل منهي عنه في حيز الامتناع، وإن ضمت العين، لم يتعين اللفظ لكونها نافية إذ يجوز ورود الخبر ومعناه النهي، مثل (ومن دخله كان آمنا (1)) أي آمنوه ومثل قول النبي صلى الله عليه وآله (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين) فإنه خبر يراد به النهي، إذ قد يلدغ المؤمن من جحر مرارا. قالوا: لا نافية دخلت على نكرة وهي لفظ ضلال، فتعم. قلنا: لا، فإن النكرة لا بد أن تلي حرف النفي مثل: لا رجل في الدار، وهنا توسطت لفظة (تجتمع) ولفظة (الأمة) فيتعين كون لا للنهي لا للنفي. إن قالوا: تقديره لا ضلال على أمتي، قلنا لا حاجة إلى تغيير اللفظ مع إمكان الحمل على النفي، ومع ذلك فإذا كانت لا نافية داخلة على نكرة وهي للعموم لزم أن يقال بصدق سلب الضلال عن كل الأمة، فيكذب نقيضه وهو ثبوت الضلال على بعض الأمة، لكن كذب هذا النقيض باطل اتفاقا، فصدق ذلك باطل التزاما ومع ذلك كله فأكثر الأحكام لم تجتمع عليها الأمة فيجب المعصوم ليحفظها و يتلافى ما يحدث فيها وسيأتي في ذلك دلالات في باب رد الشبهات. ولأنه إن جازت المعصية عليه، فإذا وقعت منه فلا بد لحدها من يستوفيه لعدم سقوط النهي عن المنكر، والمستوفي له ليس إلا الإمام بإجماع الأمة، فيحتاج إلى آخر وذلك إما معصوم فالمطلوب، أو غيره فيتسلسل. وفي هذا نظر إذ هو مبني


(1) آل عمران: 97.

[ 115 ]

على وقوع المعصية والكلام في جوازها وليس كل جايز واقع فجاز أن لا يقع فلا يلزم المحذور المذكور إلا أن يقال: إن من خالط الناس واطلع على بواطنهم وجدهم لا ينفكون عن فعل قبيح، ولهذا إن الأئمة المنصوبين من قبل الرعية وقعت منهم الخطيئات، وسنذكر ذلك في باب مفرد من أراده راجعه. ولأن فرض وقوع المعصية منه، يوجب كونه ظالما، فلا إمامة له من أحكم الحاكمين، لقوله تعالى (لا ينال عهدي الظالمين (1)) وغير المعصوم بالفعل يصدر منه ذنب بالضرورة، وكل من يصدر منه ذنب ظالم، فكل غير معصوم بالفعل ظالم، وكل ظالم ليس بإمام للآية. وفي هذا نظر إذ إمكان وقوع المعصية لا يستلزم الظلم، فلا يستلزم عدم الإمامة وإنما المستلزم له وقوعها لا إمكانه وقد تقرر في المنطق اشتراط فعلية الصغرى في الشكل الأول على الأقوى لأنها لو كانت ممكنة لم يندرج الأصغر في الأوسط المحكوم عليه بالأكبر، لأن حصول الأوسط للأصغر بالامكان، لا يوجب حصول الأكبر للأصغر، لجواز أن لا يخرج الامكان إلى الفعل، إذ ليس كل منكر واقع إلا أن نقول: إنا استقرينا أحوال الناس في هذه المادة، فوجدنا الامكان لا ينفك عن الوقوع فجزمنا بصيرورتها فعلية، أو نقول: الثلاثة عصوا إجماعا حال كفرهم فظالمون، فلا ينالهم عهد الإمامة. إن قيل: الاسلام يجبه فينالهم العهد. قلنا: ولد إبراهيم كان مسلما ومنعه الله بكفره السابق، وقد ذكر علي بن أبي طالب عليه السلام مع عصمته في نهج بلاغته أن من عبد غير الله أو كذب أو همز أو فر من زحف أو ظلم فلا إمامة له، وهذا الكلام يشمل السابق واللاحق ثم تلا قوله تعالى (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا (2)) وقد أسند الشيخ أبو جعفر القمي إلى الرضا عليه السلام أن آية (لا ينال


(1) البقرة: 124. (2) الم السجدة: 24. (*).

[ 116 ]

عهدي الظالمين) أبطلت إمامة كل ظالم إلى يوم القيامة وجعلها الله في أهل الصفوة والطهارة، فقال: (ووهبنا له إسحق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا) (1) الآية وقد استوفينا كلام هذين السيدين في باب إبطال الاختيار فليراجع منه. تنبيه (2): إن قالوا: معصوم اسم مفعول، فيكون مجبورا على ترك العصيان في كل آن، ولا فخر في ذلك على انسان، قلنا: العصمة الملجئة من الله إنما هي من الغلط والنسيان وأما العصمة التي لا يقع منها عصيان فهي لطف يفعله الله، لا يوجب الاجبار، بل يجامع الاختيار، والانسان يعلم أنه يترك ذنوبا بحسب اختياره فالمعصوم يترك الجميع كذلك، إما للطف من نفسه بزيادة عقله وعلمه ومداومته على الفكر في أمور معاده، وملازمته على الطاعات بخلاف غيره، وإما من الله تفضيلا لا يوجب مشاركة غيره فيه، لكونه زايدا على القدر الواجب عليه، فلهذا لا يقال: لو رزق الله تعالى أحدا ذلك لساواه في العصمة، ويكون اختصاص المعصوم بهذا لعلمه تعالى بقبول المحل له دون غيره، وفي هذا نظر لأنه يوجب أن لا يجعل الله للكافر لطفا لعلمه بعدم قبوله إلا أن يقال: الكلام في اللطف المتفضل به، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، أو نقول لا يلزم من وضعه في المحل القابل عدم وضعه في غير القابل ليحتج به على محله، فلا يلزم العبث في فعله. إن قيل: فالمعصوم إن لم تنازعه نفسه إلى المعصية فلا مشقة في تركها، فأحدنا أعظم أجرا منه، وإن نازعته لم يؤمن أن يكون طاهرا باطنا. قلنا: بل الشهوة الطبيعية موجودة فيه، والمراد من الطهارة الباطنة عدم إرادة المعصية لا عدم شهوتها وبينهما فرقان، على أنه لو دلت صيغة (معصوم) على المفعول، لم يكن الله تعالى موجودا لأنها صيغة مفعول، وهو على الله تعالى محال، وقد جاء مفعول بمعنى فاعل


(1) الأنبياء: 73. (2) تذنيب، خ. (*)

[ 117 ]

في قوله (حجابا مستورا) و (رجلا مسحورا) (1) على ما قيل. قالوا: إذا كان احتياج الناس إلى المعصوم لأجل خطأهم يلزم أن يكون فيهم من ليس بإمام ولا مأموم كالإمام اللاحق مع أبيه السابق فإنه حينئذ ليس بإمام ولا مأموم، لأنه معصوم. قلنا: نحن لم نقل: إن الإمام لا يحتاج إلى إمام آخر يعلمه وينتهي إلى النبي الكفيل، إلى جبرائيل، إلى الرب الجليل، وإنما قلنا: لا يحتاج إلى إمام آخر يزجره عن قبيح أو يأمره بواجب، لولاهما لأقدم و أحجم، إذ ذلك محال على الإمام، وكذلك كان حال علي مع النبي صلى الله عليه وآله وكذا حال كل إمام. إن قيل: فلم لا يجوز انقطاع التسلسل بالقرآن العظيم أو النبي صلى الله عليه وآله ولا حاجة إلى الإمام ؟ قلنا: لو كان هذان مساعدين لبعض الأمة كانا مساعدين لكلاهما لجواز الخطاء عليهما (2) فلا إمام وقد علمت وجوب نصبه عقلا ونقلا كالنبي صلى الله عليه وآله. إن قيل: لم لا يجوز أن يكون مجموع الأمة لطفا له وهو لطف لآحادها ولا دور لاختلاف جهته. قلنا: لو كان مجموعها لطفا له لكان لكل فرد لطفا، وحينئذ لا حاجة إلى الإمام وفيه نظر إذ المجموع يخالف الأفراد، ولهذا وقع الفرق بين متواتر الأخبار وآحادها، أو نقول: مجموع الأمة ليس بمعصوم، فلا يكون لطفا لنصب معصوم، والأصوب أن الأمة لا يمكن اجتماعها على نصبه، وبعضها غير كاف فيه ولو أمكن، فعن مشقة وطول زمان، فيخلو ذلك من المعصوم وقد بينا وجوب نصبه على العموم. إن قيل يكفي خمسة منهم كما في بيعة الأول. قلنا: يجوز اختلاف الخمسة ولهذا أمر عمر بقتل أهل الشورى، على أنه يجوز اتفاق كل خمسة على شخص فيقع التعدد المستلزم للفساد، ولأنه خرق الاجماع بلا نزاع.


(1) أسرى: 45 و 47. (2) كذا لكلها لجواز الخطأ عليها. ظ.

[ 118 ]

(الفصل الثاني) لو جاز منه معصية لانحط عن درجة أقل العامة، فلا يصلح للإمامة، بيانه أن الصغيرة من الكبير كبيرة (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون (1)). إن قيل: فإذا جازت عصمة واحد فلم لا تجوز عصمة الكل فإنه إذا كان الغرض من خلقهم إثابتهم، كان الموجب لذلك خلق العصمة فيهم [ ماذا بعصمة واحد ]. قلنا: إنما خص الله واحدا بالعصمة لأجل استحقاقه لها بكسبه أسبابها، وباقي الرعية ليس ذلك فيهم، فلم تكن العصمة لهم. إن قيل: إن خلق الله الأنفس متساوية استحال اختصاص أحدها بما يوجب العصمة، لأنه ترجيح بلا مرجح وإن خلقها مختلفة كما في خبر الطين عاد اللوم عليه، حيث عرض البعض للعصيان بخلقه من الأصل الخبيث. قلنا: خلقها متساوية ولا يلزم تساوي أفعالها لجواز ترجيح المختار بلا مرجح، ولو لزم من تساويها تساوي أفعالها لزم اتحادها فكانت جميع النفوس تفعل فعلا واحدا في جميع الأوقات، إذا كانت الأفعال مستندة إلى طبيعتها لا إلى اختيارها بل النفس الواحدة تفعل الطاعة والمعصية مع الجزم بعدم الاختلاف فيها، وخبر الطين آحاد لا يعتمد عليه في المسائل العلمية، ولو كان الخلق من الخبيث يمنع الطاعة لم يؤمن كافر أبدا، ومن الطيب يمنع المعصية، لم يفسق مؤمن أبدا وهنا أبحاث: 1 - إذا وجب نصب الإمام على الله فكل من علم أنه لا يصلح ولا يراعي ما لأجله احتاجت الرعية إليه يقبح نصبه، فيجب المعصوم المعلوم لله دون غيره إن قيل: لم لا يكون خوفه من العزل يمنعه من المعصية ؟ قلنا: علم بالعادات عجز الرعية عن عزل آحاد الولاة فضلا عمن عمت ولايته الخاص والأوقات، ولهذا لم يمنع عثمان خوف العزل عن الأحداث والبدع، ولم يمنع يزيد الملعون من أنواع الفجور


(1) الزمر: 9.

[ 119 ]

كضرب الطبول، وشرب الخمور، وقتل أولاد البتول، ونهب مدينة الرسول، و لأن الرعية تشارك غير المعصوم في المعصية فلا ينهاه فلا تعزله، ولهذا لما سب علي على المنابر لم تعزل الرعية الآمر به، مع علم كل واحد منهم بقبحه حتى رفعه عمر بن عبد العزيز. 2 - الإمام المعصوم معناه إما نفوذ حكمه على كل من عداه، أو عدم نفوذ حكم كل من عداه عليه، أو هما معا، والكل منقوض بنائبه البعيد، فإنه لا ينفذ حكم أحد عليه لبعد الإمام عنه، ولا يحكم هو على كل من عداه لخروج الإمام والقطر الآخر منه، مع أنه لا عصمة له. قلنا: يمنعه خوف عزل الإمام له في مستقبل الأوقات، على أنا نمنع الحصر إذ الإمامة لها الحكم العام فلها العصمة دون النايب وغيره من الأنام. إن قيل: فخوف العزل من الإمام يتصور في النايب القريب دون البعيد، لعدم الاطلاع عليه. قلنا: إذا لم يمكن الإمام تدارك خطاه وظلمه، لا يلزم منه إبطال عصمته إذ لا يلزم عصمة الإمام عرفانه كلما يحدث في الأنام، ولا اقتداره على إزالة كلما يخالف من الأحكام، على أنه معارض بالنبي صلى الله عليه وآله. 3 - لو لم يكن الإمام معصوما، فإن كان عاميا لم يجب على المجتهد ولا على عامي آخر طاعته لقبح الأمر من الله بطاعة العامي حيث قال تعالى: (أطيعوا الله و أطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم (1)) وإن كان مجتهدا لم يجب على مجتهد آخر اتباعه ويتخير العامي في اتباع المنصوب وغيره، فلا فايدة في نصبه. إن قيل: ذلك منقوض بالقاضي المنصوب فإنه لا يجوز للمجتهد ولا للعامي العدول عن حكمه، قلنا: كلامنا ليس في فصل الدعاوي. على أن القاضي إن نصب نفسه فلا ترجيح له على غيره، وإن نصبه غير المعصوم، فلا ترجيح لناصبه على غيره وإن نصبه المعصوم ثبت المطلوب.


(1) النساء: 84.

[ 120 ]

(الفصل الثالث) وفيه وجوه: 1 - لو جاز الخطأ على الإمام لزم إفحامه، لأن الرعية لا تتبعه إلا في ما علمت صوابه، وهو الحافظ للشرع، فلا يعلم صوابه إلا منه فيدور. 2 - كل من حكم بإمامته علم منه تقريب الطاعة ضرورة. ولا شئ من غير المعصوم يعلم منه ذلك ضرورة: فلا شئ ممن يعلم إمامته بغير معصوم ضرورة. فلزم: (كل من علمت إمامته معصوم) إذ السالبة المعدولة تستلزم الموجبة المحصلة مع تحقق الموضوع. 3 - غير المعصوم لا يمكن العلم بإمامته، لجواز معصيته، وكل من لا يمكن العلم بإمامته لا يقع التكليف باتباعه لعدم إطاقته. 4 - غير المعصوم إن كفى [ في ] تقريب نفسه من طاعة ربه، لم يحتج إلى إمام مطلقا، فاستغنت عنه (1) الرعية مع ذلك الفرض إذا وإن لم يكف في تقريب نفسه كيف يصلح لتقريب غيره. 5 - الإمام يجب أن يخشى منه بالضرورة للأمر بطاعة أولي الأمر، ولقوله تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره) (2) ولا شئ من غير المعصوم يجب أن يخشى منه لأنه ظالم، وكل ظالم لا يخشى لقوله تعالى: (إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم (3) فالناتج: لا شئ من الإمام بغير معصوم بالضرورة. إن قيل: قولكم (لا شئ من غير المعصوم يجب أن يخشى) ليست ضرورية واختلاطها مع غير الضرورية في الشكل الثاني لا ينتج ضرورية قلنا: بل هي الضرورية وبيانها ظاهر على أنه قد ظهر في المنطق إنتاج الضرورية فيه مع غير [ ها ] ضرورية. إن قيل: قولكم غير المعصوم ظالم. إلى آخره ممكنة، إذ لا يجب الظلم بل يجوز


(1) يعني عن الإمام. (3) البقرة: 150. (2) النور: 63.

[ 121 ]

والممكنة لا تنتج في الشكل الأول. قلنا: قد ظهر في المنطق إنتاجها، قال الشيخ جمال الدين في كتاب الألفين: قد برهنا في المنطق على خطأ المتأخرين فيها. 6 - امتثال أمر الإمام واجب من باب التقوى، وليس امتثال غير المعصوم من باب التقوى، لجواز أمره بالخطأ عمدا أو خطأ ويصدق عليه اسم ظالم بمعصية واحدة ونقيض الظالم ليس بظالم، والليس بظالم هو المنفي (1) فهي سالبة كلية إذ لو كانت جزئية لم يكن قولنا ظالم جزئيه، وقد عرفت أنها جزئية، ومتى كانت سالبة كلية صدقت على من لم يعص أبدا، وهو المعصوم، فوجب وجوده لقوله: (إن الله يحب المتقين (2)) فعلم حصول المقتضي والصارف منفي، فيجب الفعل ولله المنة. 7 - انتفاء الإمام المعصوم يلزمه كون الحجة للرعية على الله، وهو محال لقوله تعالى (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل (3)) والإمام مساو للرسول في تنفيذ الأحكام، والتقريب من طاعة الملك العلام، فنفيه مساو لنفيه، و لازم أحد المتساويين لازم للآخر، فانتفاء الإمام المعصوم في عصرنا محال، فوجب وجوده في كل عصر لكذب السالبة الجزئية. بل نقول: إذا امتنع الخلو من النبي الذي هو لطف خاص، امتنع بالأولى الخلو من الإمام الذي هو لطف عام، والذي يوضح هذا المراد قوله تعالى (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد (4)). 8 - غير المعصوم لا يستحق النصرة لظلمه: (ما للظالمين من أنصار (5)) أي من استحقاق أنصار، والإمام يستحق النصرة للأمر بطاعة أولي الأمر. 9 - جاء في القرآن: النفوس ثلاث: الأمارة: وهي الشريرة (إن النفس


(1) هو المتقي. خ. (2) براءة: 5 و 8. (3) النساء: 164. (4) الرعد: 8. (5) البقرة: 270.

[ 122 ]

لأمارة بالسوء (1)) واللوامة: وهي التي تخلط (عملا صالحا وآخر سيئا (2)) (ولا أقسم بالنفس اللوامة (3)) والمطمئنة: وهي الخيرة محضا، (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية (4)) ونفس الإمام من هذا القسم خاصة لمنعه النفسين الأخيرتين عن مقتضياتهما، إذ لو كانت من إحداهما لم تحملها على خلاف شهواتها، إذ مثل الشئ لا يكون علة لزواله فتبطل فائدته في بعض الأزمان مع فرض الاحتياج إليه في كل أوان. 10 - الإمام يهديه الله لأن أمره بطاعته دليل هدايته، وغير المعصوم لا يهديه الله لظلمه (والله لا يهدي القوم الظالمين (5) فالإمام ليس غير معصوم. إن قيل: عندكم أن الله يريد الهداية العامة للكل، فتكذب كبراكم قلنا: إنما نفينا الهداية التي هي اللطف الزايد عن القدر الواجب، فلا نسلم أنها عامة. إن قيل: شرط إنتاج الثاني دوام إحدى مقدمتيه أو كون الكبرى من القضايا الست المنعكسة سلبا، وهما هنا مطلقتان، فانتفى الشرط، قلنا: بل الصغرى ضرورية فحصل الشرط. وأيضا غير المعصوم ظالم، والظالم له بئس المثوى لقوله تعالى: (و بئس مثوى الظالمين (6) فغير المعصوم له بئس المثوى، ولا شئ من الإمام له بئس المثوى فلا شئ من غير المعصوم بإمام والاعتراض والجواب كما سلف 11 - القوة العقلية ليست غالبة للقوة الشهوية دائما، ولا في كل الناس وإلا لم يحتج إلى إمام دائما، لتحقق السبب الصارف، بل القوة الشهوية غالبة إما بالقوة أو بالفعل والثاني إما دائم أو في الجملة، فصدقت مانعة خلو في غير المعصوم، وهي تستلزم وجوب عصمة الإمام إذ نقيض الممكنة إنما هو الضرورية. 12 - الإمام لطف كما سلف في ترك المخالفات، وانتظام أمر المخلوقات


(1) يوسف: 53. (2) براءة: 103. (3) القيامة: 2. (4) الفجر: 27. (5) الجمعة: (5). (6) آل عمران 151.

[ 123 ]

وحفظ الأوامر الشرعيات، وإيضاح المجملات، والكشف عن المتشابهات، فهو ملجأ الرعية في ذلك دون ذوي العقول الناقصات. اعترض قاضي القضاة بأن المكلفين إن علموا بالضرورة كون الإمام حجة وجب الاشتراك فيها، ولا شك أن بعضهم لا يعلمه، فإن يؤثر هذا البعض فيه، لزم تجويز أن يعلموا ساير أمور الدين بالضرورة، ولا يقدح البعض فيه، فيستغني من الإمام. وإن علموه بالاستدلال فلا شك أن بعضهم لا يقوم بما كلف من الاستدلال عليه، فيحتاج إلى إمام آخر يكون لطفا لهم في فعل الاستدلال، والكلام فيه كالأول ويتسلسل وحينئذ لا بد أن يقال: يمكنهم معرفة الحجة بغير حجة، فجاز مثل ذلك في ساير ما كلفوه. أجاب المرتضى بأنا لم نثبت الحاجة إلى الإمام ليعلمنا ما نجهله فقط، بل الحاجة إليه مع ذلك في تعليم والواجب ومجانبة القبيح، فإن العلم به وإن كان ضروريا، إلا أن فعله متوقع منا عند فقد الإمام، والعلم بجهته لا يمنع من وقوعه فإن أكثر القبايح والمظالم تقع من العالم بها، وكون الإمام لطفا في ارتفاع الظلم لا يلزم منه أن يكون لطفا في كل تكليف حتى في معرفة نفسه. وأجاب أيضا بأن معرفة الله وثوابه وعقابه لطف في التكليفيات، وليست لطفا في نفسها للزوم الدور، فإذا جاز الاستغناء عنها في نفسها وهي من جملة التكاليف جاز الاستغناء عنها في غيرها وهو محال. إن قيل: المعرفة بالله وثوابه وإن لم تكن لطفا في نفسها، فالظن بوجوبها يقوم مقامها، فلم ينفك المكلف من لطف تكليفه بها. قلنا: وما يمنع من كون اللطف في معرفة الإمام ظن وجوبها، ولا يجب أن يكون هذا الظن طريقا إلى سائر التكاليف، فلا يستغنى عن الإمام. 13 - جواز خطأ الأمة علة الحاجة إلى الإمام، ولولا كونه علتها لم يكن عدمه علة لعدمها، فكان يجوز مع عدمه ثبوتها إذ لا علية فينفك أحدهما عن الآخر. ويلزم منه ثبوت حاجة الأنبياء مع عدم جواز الخطأ عليهم، فعلة حاجة الأمة و

[ 124 ]

هو جواز الخطأ إن كانت في الإمام لزم التسلسل، لاطراد المعلول مع العلة. إن قيل: حاصلكم أن من ثبتت عصمته لا يحتاج إلى إمام فلم لا يكون الله علم أنه متى نصب للمعصوم إماما امتنع من المخالفات أو يكون إلى الامتناع أقرب ومتى خلا فلا. أجاب المرتضى بما حاصله أنه يلزم من ذلك رفع العصمة عن الإمام المفروض أولا وذلك لا يضرنا لأن اللطف الذي هو الإمام المفروض ثانيا ليوجب عصمة الإمام هو اللطف المفروض أولا لعصمة الأمة لأن إمام الإمام إمام الأمة. على أن في الاعتراض تسليم حاجة الرعية إلى الإمام لأن المعصوم إذا احتاج إلى الإمام فغيره أولى بالحاجة إلى الإمام، وفي الأولوية نظر لأن المعترض فرض عدم عصمة الإمام وأنه يمتنع من المخالفات لإمام آخر فقوله: إذا احتاج المعصوم فغيره أولى نوع مصادرة والأسد أن يقال: إذا احتاج الإمام المختار للأمة. وإن لم يكن معصوما فالهابط عن منزلته أولى. تذنيب: لما قلنا: لو لم يكن جواز الخطأ علة الحاجة لانفكا. قال الرازي: لا يلزم من عدم الانفكاك الاحتياج كإضافتي الأبوة والنبوة والمماسة والأخوة إذ لو احتاجت إحداهما إلى الأخرى لتقدمت عليها وهو محال، لأنهما يوجدان معا ولأنه إن احتاجت إحداهما إلى الأخرى دون الأخرى ترجح بلا مرجح وإن دار الاحتياج بينهما لزم الدور. قلنا: لا يلزم عن وجودهما معا عدم احتياج إحداهما [ معا ] كما في العلة الموجبة ومعلولها فإنها تقارنه زمانا وحينئذ فاحتياجه إليها دون العكس لا يكون ترجيحا بلا مرجح. وفي هذا نظر فإن له أن يقول: لا يلزم من وجود متلازمين بينهما علية أن لا يوجدان إلا وبينهما علية وقد ذكرنا في الإضافات عدم العلية فليكن من هذا القسم الإمامة واحتياج الرعية وقد أجابه النصير بجواب ضعفه جمال الدين في ألفيه من أراده وقف عليه واختار أن الإضافات اعتباريات لا تحقق لها خارجا وإلا لزم التسلسل ولا ترد المعارضة بها.

[ 125 ]

وله أن يقول الاحتياج والإمامة من الإضافيات فترد المعارضة بها. تذنيب آخر: لما قلنا: الإمام لا يحتاج إلى إمام. قالوا: فعلي احتاج إلى النبي صلى الله عليه وآله وكذا الحسنان إلى أبيهما عليهم السلام. أجاب المرتضى بأنا إنما منعنا حاجة المعصوم إلى الإمام الذي يكون لطفا له في ترك الحرام ولا يلزم منه غناؤه عن إمام يعلمه الأحكام، ويرشده لمصالح الأنام. 14 - الإمام متبوع فيما يفعل ويأمر، وغير المعصوم غير متبوع فيهما، لأنه لا يؤمن من الارتداد وغيره والأمر به، ولا يجوز تكليف الرعية اتباع من يجوز معه هلاكها. ويستقر ذلك بالميزان فنقول: كل إمام يجب اتباعه دايما ولا شئ من غير المعصوم يجب اتباعه في الجملة - فلا شئ من الإمام بغير معصوم دائما، وينعكس إلى: لا شئ من غير المعصوم بإمام. اعترض القاضي بأن الواجب اتباعه فيما علم من الشرع حسنه لا مطلقا. قلنا: لو لم يجب إلا فيما علم منه حسنه لزم الدور، ولزم كونه إماما في بعض الدين لا كله وهو محال، قال: لم لا يجوز اتباعه فيما لا يعلم قبحه كالعبد الذي يطيع مولاه فيما لا يعلم قبحه ؟ قلنا: المفسدة لزمت من عدم أمن المكلف وهو حاصل فيما لا يعلم قبحه، والعبد المأمور إن لم يتمكن من العلم بالقبح فلا قبح عليه، وإن تمكن لزمه القبح قبل العلم بوجه الفعل، والفرض في الرعية تمكنها من العلم بوجه الفعل المأمور به من الإمام. قال: يكفي حسن الظاهر كما في إمام الصلاة فإنه يتبع مع تجويز كون صلاته قبيحة في نفس الأمر. قلنا: الصلاة لم يوجد فيها معنى الاقتداء الحقيقي، ولو سلم فهي من التكاليف المنوطة بالظن بخلاف الإمامة. قال: فالنواب متبوعون فيما لا يعلم القبح فيه مع عدم عصمتهم فكذا الإمام قلنا: النائب عليه معصوم لا يسامحه ويخاف عاقبته، وخطاؤه ينجبر بنظر الإمام بخلاف من لا ولاية عليه، ولأن ولاية النايب خاصة لا يلزم عموم فسادها بخلاف الإمامة العامة.

[ 126 ]

(الفصل الرابع) وفيه وجوه: 1 - الإمام لا يصح كونه مفضولا لقبح تقديمه على الفاضل، ولا مساويا لامتناع الترجيح بلا مرجح فهو أفضل، فهو معصوم، إذ لو عصى في حال فإن عصى فيه كل واحد من الأمة اجتمعت على الخطأ وإن بقي واحد منها فهو أفضل من الإمام في تلك الحالة فله الاستحقاق، ويخرج الأول، فلا تستقر الإمامة لواحد وهو باطل. 2 - وقوع الخطأ مع عدم الإمام ممكن، فلو أمكن مع وجوده لزم العبث في نصبه، فإن ترجح وقوعه مع الإمام أو وجب لزمت المفسدة في نصبه، وإن ترجح عدمه مع الإمام فإن انتهى الرجحان إلى الوجوب فالمطلوب وإن لم ينته فلنفرض وقوعه في وقت وعدمه في آخر فترجح أحدهما بأحدهما إما لا لمرجح وهو محال أوله فإن أمكن معه الطرف الآخر عاد الكلام وإلا لزم الوجوب. إن قيل: فهذا لازم في باقي الأمة مع عدم اتصافها بالعصمة، فإن الخطأ من كل فرد إن وجب وقوعه لزمت المفسدة في خلقه، وإن ترجح عدمه ولم ينته إلى الوجوب لزم ما ذكرتم، وإن انتهى إلى الوجوب لزمت العصمة وهو المطلوب. قلنا: الوجوب هنا بحسب المحمول وهو لا ينافي الامكان والإمام وإن كان الوجوب أيضا في حقه بحسب المحمول إلا أن له من الألطاف الزايدة على الوجوب ما يمنع الوقوع. 3 - الإمام تجب طاعته بالضرورة ما دام إماما وإلا لزم العبث في نصبه، حيث يجبر الله الخلق في اتباعه، وغير المعصوم لا تجب طاعته بالامكان حين هو إمام لجواز عصيانه، فلا تجتمع الإمامة وجواز المعصية، لتناقض الحينية الممكنة والمشروطة العامة.

[ 127 ]

4 - يجب طاعة الإمام وإن لم يكن معصوما لأنه بغير وجوب طاعته ينتقض الغرض من نصبه فيصدق: كلما لم يكن الإمام معصوما وجبت طاعته، وينعكس إلى: كلما لم تجب طاعة الإمام كان الإمام معصوما. وتنعكس هذه إلى قولنا: قد يكون إذا كان الإمام معصوما لم تجب طاعته وهذا محال إذ وجوب طاعة غير المعصوم توجب طاعة المعصوم بطريق أولى فيصدق دائما [ إما ] أن يكون الإمام معصوما أو لا تجب طاعته مانعة جمع، ويلزمه: كلما كان الإمام معصوما وجبت طاعته وهو نقيض قد يكون إذا كان الإمام معصوما لم تجب طاعته. 5 - إجماع الأمة حق والإمام سيدها فلا ينعقد بدونه إجماع لوجوب اتباعه عليها، فقوله وفعله بمنزلة قولها، فإن كانت معصومة فهو أولى بالعصمة منها، و لأنه إما واجب الخطأ فحاله أسوء من حالها أو جائزه فلا رجحان له عليها، أو ممتنعه وهو العصمة المدعى حصولها. 6 - كلما لم تكن العصمة ثابتة في الإمام، أمكن انتفاء وجه وجوب الإمام وكل ما أمكن نفي وجه وجوبه أمكن نفي وجوبه لكن نفي وجوبه محال. فنفي وجه وجوبه محال فنفي العصمة عنه محال. 7 - الإمام يقرب من الطاعة ويبعد من المعصية، وغير المعصوم يمكن فيه عكس ذلك، فلا يصدر من الحكيم، ولا من إجماع الأمة لأنه ضلال. 8 - غير المعصوم في اتباعه ظن الضرر، لغلبة الشهوة عليه، فيجوز أن يدعو إلى مقتضاها، وفي ترك اتباعه ظن الضرر لأنه نصب للارشاد، فيلزم جمع النقيضين أو الخلو عنهما. 9 - كل ما كان نصب الإمام واجبا، كان عدمه أشد محذورا من وجوده بالضرورة، لأن فيه إخلال اللطف، وينعكس إلى: كل ما كان عدمه أشد محذورا كان وجوده واجبا، وكلما لم يكن معصوما كان وجوده أشد محذورا من عدمه بالامكان لجواز أمره بالعصيان، وكل ما كان وجوده أشد محذورا كان عدمه واجبا لأنه يكون لطفا.

[ 128 ]

10 - لا شئ من الإمام نصبه عبث الضرورة، لامتناع العبث عليه تعالى، و على الاجماع، وغير المعصوم نصبه عبث بالامكان إذ يمكن تقريبه من المعصية، فلا يحصل الغرض منه، فيكون عبثا، فالناتج: لا شئ من الإمام بغير معصوم بالضرورة لأن اختلاط الضرورية والممكنة في الشكل الثاني نتيجته ضرورية لثبوت الضرورة للصغرى بالضرورة، وسلبها عن الأخرى بالضرورة، ويلزم النتيجة: كل إمام معصوم. لاستلزام السالبة المعدولة المحمول للموجبة المحصلة المحمول مع وجود الموضوع، والوجود هنا حاصل للموضوع. 11 - لا شئ من الإمام آمر بمعصية بالضرورة، وكل غير معصوم آمر بها بالامكان، فلا شئ من الإمام بغير معصوم بالضرورة. 12 - يمتنع جعل سبب أحد الضدين سببا للآخر، وناصب غير المعصوم جعله سببا للأمر بالطاعة والمعصية. إن قيل: المعصية ممكنة ولا يلزم من إمكانها وقوعها. قلنا: إمكان اللازم لازم لإمكان الملزوم، وفي هذا نظر إذ لا يلزم من تلازم الامكانين الوقوع، لإمكان وقوع القبايح من الإله بالنظر إلى القدرة، ويلزمه إمكان خروجه عن الحكمة، ولم يقعا. والأسد أن إمكان وقوع المعصية من الإمام يلزمه عدم الوثوق، فيلزمه عدم الانقياد، فيلزم عدم الفائدة فيه. 13 - الإمامة زيادة تكليف للإمام، ففي كونه غير معصوم زيادة حاجة على الرعية إلى الإمام. 14 - تحصيل الإصابة في أوامر الله ونواهيه مطلوب ضروري، فلو جعل غير المعصوم طريقا إليه، لاستنتجت الضروريات من الممكنات في البرهان وهو محال لما ثبت في الميزان، وبيان أن الإصابة في ما ذكرناه مطلوب ضروري أن الاستقراء والتمثيل ليسا دليلين فيه، ولا الخطابة لاختصاصها بالعوام، ولا الجدل لأنه لا طريق بعده، ولا المغالطة وهو ظاهر، فتعين أن يكون برهانا وهو الإمام فيكون معصوما.

[ 129 ]

(الفصل الخامس) وفيه وجوه: 1 - الإمام إن لم يكن لطفا لم يجب نصبه، وهو محال. وإن كان لطفا لنا خاصة أوله خاصة وهو أيضا محال وإلا لكان تكليفنا بطاعته وتكليفه بالقيام بإمامتنا تكليفا للغير للطف الغير، فتعين كونه لنا وله، فنحن نتمكن من طاعته و هو يتمكن من حملنا على التكليف بحيث لا إخلال وهو يوجب عصمته. 2 - قد ظهر في علم الكلام أنه يقبح جعل لطف شخص من أفعال الآخر و هو يضره لأنه ظلم والإمام غير المعصوم تكليفه بالإمامة لطف لنا وهي تضره لأن قيامه بها يمنعه من إمام آخر يكون لطفا له، فإن كان له إمام آخر تسلسل، و إن لم يكن خلا بعض المكلفين عن اللطف، ولزم الترجيح بلا مرجح. 3 - إما كل واحد من الناس معصوم، أو لا شئ منهم بمعصوم، وهما باطلان بالضرورة لقوله تعالى: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين (1)) فتعينت عصمة البعض، فهو إما غير الإمام وهو محال لقوله تعالى: (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع (2)) الآية ولأن الاحتياج إلى عصمة الإمام أكثر لتأثيرها فيه وفي غيره بخلاف عصمة غيره، فبقي أن يكون المعصوم هو الإمام وحده، أو هو مع غيره وفيهما المطلوب من عصمته. 4 - عدالة المكلف وقيامه بالواجبات معلول لعدالة الإمام كذلك، فتجب عدالته في كل وقت وهي العصمة، إن قيل: لم لا يجوز أن يكون عدالة الإمام علة معدة فلا يجب حصولها، قلنا: العلة المعدة إما معدة لوجود معلولها كأجزاء الحركة وهذه لا بد من وجودها، أو معدة لعدمه، فعدالة الإمام يمتنع كونها معدة


(1) الحجر: 42. (2) يونس: 35.

[ 130 ]

لعدم عدالة الرعية، لمنافاة عدمها اللطف. 5 - قول الإمام وفعله دليل، وكل دليل يمتنع معه نقيض المدلول، وإلا لم يكن دليلا، فقول الإمام وفعله يمتنع نقيضه وذلك هو العصمة. 6 - وجه الحاجة إلى الإمام جواز خطأ الرعية، فلو جاز خطاؤه جاز إلزامه للمكلف بالخطأ، فيكون قد أكد وجه الحاجة، فلا يمكن نصبه لدفع الحاجة، بل ونقول في نصبه مفسدة، لأن غير الإمام لا يمكنه الالزام بالخطأ والإمام غير المعصوم يمكنه الالزام بالخطأ فيقع ويكثر، فقد حارب معاوية عليا وأمر بسبه فسب دهرا وأمر بإخفاء فضائله بالأقطار، ونهى الناقلين عن إيراد ما فيها من الأخبار وتظاهر ابنه يزيد الملعون المثبور، بشرب الخمور، وأفعال الفجور، وخراب البيت المعمور، ونهب مدينة الرسول، وقتل الحسين ابن البتول، وأولاده وإشهار كريمه وكريماته في بلاده وأجناده. تذنيب: خطأ المكلف على غيره أشد في المفسدة من خطاءه على نفسه، و الإمام غير المعصوم خطاؤه على غيره ونفسه، فتركه بغير إمام أشد محذورا من ترك الرعية، ولا يليق من الحكيم تعالى النظر للمرجوح وإهمال الراجح. 7 - قد بينا وجوب نصب الإمام ووجوب اتباعه، والواجب لا بد من اختصاصه بصفة تزيد على حسنه، لامتناع الترجيح بلا مرجح، وتلك الصفة هي كون أفعاله وأقواله صوابا دائما، وذلك مسبب عن العصمة. 8 - علي أفضل من الملائكة، لدخوله في آية الاصطفاء، والملائكة معصومون لقوله تعالى:) لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون (1)). إن قيل: هذه لا تفيد العموم. قلنا: يصح إخراج أي فرد كان وهو مسبار العموم، ولقوله تعالى (بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون). (يسبحون الليل والنهار لا يفترون (2)) ولأنهم لو كانوا عصاة لما حسن منهم


(1) التحريم: 6. (2) الأنبياء: 27، 20.

[ 131 ]

الطعن على البشر بالمعصية، ومتى كان علي أفضل من المعصوم فهو معصوم، ولأنه مساو للنبي بآية المباهلة، والنبي أفضل من آدم وهو ظاهر، وآدم أفضل من الملائكة بسجودهم له، ولا يحسن أمر العالي بالسجود للسافل، ولأن النبي صلى الله عليه وآله قال: (علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل) والإمام أولى بذلك، لأنه أفضل العلماء والأنبياء أفضل من الملائكة، والملائكة معصومون والمساوي للأفضل أفضل، وإذا ثبتت عصمتهم فمطلق الإمام معصوم، لعدم القائل بالفرق. 9 - نصب الحدود واجب لدفع المعاصي إجماعا، ولا يقيمها إلا الإمام اتفاقا فهو معصوم التزاما، لأن غيره يجوز تركها منه، فيكون ذلك تناقضا، ولهذا رفع عمر الحد عن المغيرة بن شعبة بحكم الهواء، وكان كلما لقيه يقول: قد خفت أن يرميني الله بحجارة من السماء. 10 - الرئاسة العامة لغير المعصوم دفعها واجب، لوجود الخوف فيها لتجويز خطاءها، ولا شئ من الإمام دفع رئاسته واجب، فلا شئ من غير المعصوم بإمام. 11 - غير المعصوم مانع من ألطاف الإمام بالامكان، ولا شئ من الإمام بمانع من ألطاف الإمام بالضرورة، لأنه نصب لها فلا يكون مانعا منها، فلا شئ من غير المعصوم بإمام بالضرورة، لما بينا في المنطق أن نتيجة هذا الضرب ضرورية ولئن سلمنا سلب ضروريتها فهي دائمة، وفي دوامها يتم المراد ويسقط الايراد. 12 - كل إمام مصلح بالضرورة، ولا شئ من غير المعصوم بمصلح بالامكان فلا شئ من الإمام بغير معصوم. 13 - غير المعصوم غاو بالامكان، ولا شئ من المعصوم بغاو بالضرورة، لأنه لدفع الغي فلا يتصف بالغي فلا شئ من غير المعصوم بإمام بالضرورة. 14 - عدم المعصوم يلزمه المحال، وهو صدور الذنب المسبب عن إضلال الله عند الخصم، (ومن يضلل الله فما له من هاد (1)) وهذا سالبة كلية صادقة، * فلو


الرعد: 135.

[ 132 ]

هداه الله في وقت لصدق نقيضها وهو الموجبة الجزئية وهو محال، لامتناع صدق النقيضين وحينئذ لا يهتدى بالنبي ولا بالإمام، فلا فائدة في البعثة. 15 - لا شئ من الإمام يباح الاعتداء عليه، بالضرورة. وكل غير معصوم بالفعل يباح الاعتداء عليه في الجملة، لأنه ظالم في الجملة، فيدخل في قوله (فلا عدوان إلا على الظالمين (1)) ينتج: دائما لا شئ من الإمام بغير معصوم بالفعل. 16 - كل غير معصوم يركسه الله بما كسب بالامكان، ولا شئ من الإمام يركسه الله بما كسب بالضرورة، فلا شئ من غير المعصوم بإمام بالضرورة، أو بالدوام. 17 - كل من ليس بمعصوم يمكن كونه ظالما، ولا شئ من الإمام بظالم بالضرورة، فلا شئ من غير المعصوم بإمام بالضرورة. (الفصل السادس) وفيه أمور: 1 - غير المعصوم يمكن أن يتبرأ منه من تبعه، لقوله تعالى: (إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا (2)) الآية ولا شئ من الإمام المنصوب من الله يتبرأ منه بالضرورة، فلا شئ من غير المعصوم بإمام بالضرورة على قول، وبالدوام على قول والمطلق حاصل في القولين. 2 - غير المعصوم يمكن أن يكون من أهل النار، فيمكن أن يدعو إلى النار ولا شئ من الإمام بالضرورة من أهل النار [ ولا يدعو إلى النار ]، فلا شئ من غير المعصوم بإمام بالضرورة أو بالدوام. 3 - غير المعصوم مفسد لنفسه ولمتبعه بالامكان، ولا شئ من الإمام كذلك بالضرورة، فغير المعصوم ليس بإمام.


(1) البقرة: 193. (2) البقرة: 166.

[ 133 ]

4 - غير المعصوم كاذب بالامكان فيدخل في قوله تعالى (فنجعل لعنة الله على الكاذبين (1)) ولا شئ من الإمام بكاذب بالضرورة، فلا شئ من غير المعصوم بإمام. 5 - لا شئ من غير المعصوم قوله وفعله بمجرده حجة بالامكان، لعدم كونه معلوما، فلا يجب اتباعه، وكل إمام قوله وفعله بمجرده حجة بالضرورة فيجب اتباعه، فلا شئ من غير المعصوم بإمام بالضرورة أو بالدوام. 6 - مخالف غير المعصوم له على الله حجة لو آخذه لأنه معذور لعدم عصمته وجواز خطاءه، ولا شئ من مخالف الإمام كذلك، فلا شئ من غير المعصوم بإمام. 7 - الإمام المعصوم متق وكل متق الله معه، لقوله تعالى: (والله مع المتقين (2)) فالمعصوم الله معه بالضرورة، ولا شئ من غير المعصوم الله معه بالامكان فلا شئ من الإمام بغير معصوم. إن قيل: قد أخبر الله تعالى أنه مع كل أحد بقوله: (ما يكون من نجوى ثلاثة (3)) الآية. قلنا: هذه المعية بمعنى العلم لهم، والإحاطة بهم، والمعية مع المتقين بمعنى المعونة، وزيادة الألطاف والهداية، وترجيح العناية، والحث على المتابعة، وإلا لم يكن في القيد بالتقوى فايدة، وقد ذهب جماعة من الأصوليين إلى أن التخصيص بالوصف، يقتضي التخصيص بالحكم، فلو كانت المعية الأولى هي الثانية تناقضا. إن قيل: لا تناقض لدخول المتقين في كل أحد والجزء لا يناقض الكل. قلنا: كلامنا على اقتضاء التخصيص بالحكم، وظاهر فيه التناقض، وأيضا على التداخل يلزم التأكيد فيه، والتأسيس مقدم عليه. انتهت هذه الفصول الموجبة للعصمة من المعقول، ويتلوها أقطاب في شئ من المنقول، بالنور المنزل على الرسول، وهو الكتاب المجيد، والركن الشديد الوتيد


(1) آل عمران: 61. (2) البقرة: 194 وبراءة 37 و 124 ولفظ الآية (واعلموا أن الله مع المتقين). (3) المجادلة: 7.

[ 134 ]

الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. القطب الأول وفيه الآيات المتضمنة للرحمة مثل: (بسم الله الرحمن الرحيم. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة. إن رحمة الله قريب من المحسنين. إنه هو الغفور الرحيم. كتب ربكم على نفسه الرحمة (1)) ونحو ذلك كثير مما فيه نسبة الرحمة إلى الله سبحانه كثير، يستغنى بالإشارة إلى مجمله، عن التطويل بمفصله، إذ لو سبرنا باقي أفرادها خرجنا عن قيد الوجيز بإيرادها يجدها في الكتاب العزيز من أرادها. ووجه الاستدلال بها أن الرحمة إنما يكون ثبوتها بفعل مأمورات التكاليف وترك منهياتها، وإنما يكون ذلك بالألطاف المقربة إليها، المصرفة للقوى الشهوية والغضبية عنها، ولا أهم في ذلك من المعصوم في كل زمان، إذ منه تستفاد علوم أحكام السنة والكتاب لكل انسان، فترك نصبه يعود بالتعطيل على الأحكام، العائد على نفي الرحمة عن الحكيم العلام، فلا يكون لآيات الرحمة معنى معقولا، وهو تناقض لا يصدر إلا ممن كان غبيا جهولا. القطب الثاني في الآيات المتضمنة للتقوى: (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى. هدى للمتقين. إنما يتقبل الله من المتقين. وآتاهم تقواهم. إن المتقين في جنات و نعيم (2)) ونحو مما يقرب إليه ويعول في هذا المعنى عليه. ووجه الاستدلال بهذه الآيات أن التقوى المحثوث عليها، المرغب فيها إنما تحصل بامتثال الأوامر وإهمال الزواجر فإن لم يكن للمكلف طريق يؤدي إلى العلم بذلك على الاطلاق، لزم التكليف بما لا يطاق، فإن كان الطريق إلى الظن مؤديا، فإن الظن لا يغني من الحق شيئا، وغير المعصوم لا يجب التعويل


(1) البقرة: 157. الأعراف: 55. يوسف: 98. الأنعام: 54. (2) البقرة: 197. البقرة:. 1 المائدة: 30. القتال: 17. الطور: 17.

[ 135 ]

عليه، لإمكان نسبة المعصية إليه، فلا يحصل الوثوق بالوصول إلى التقوى، بل قد يجذب إلى ضدها فتعم به البلوى، فيجب وجود المعصوم ليفيد العلوم بأحكام الحي القيوم. إن قيل: آيات التقوى مهملة وهي غير عامة، فتصدق بمفرد، فلا يفيد مطلوبكم. قلنا: بل الوقاية فرط الصيانة، يقال: وقاة فاتقى، فلا يتم إلا باجتناب الكبائر والصغائر، قال الله تعالى: (وأنا ربكم فاتقون (1)) والمراد بها فعل كل الطاعات، وترك جميع المعصيات. وقال النبي صلى الله عليه وآله (لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به البأس). القطب الثالث في الآيات التي فيها طلب الهداية، مثل: (اهدنا الصراط المستقيم (2)) و التي فيها نسبة الهداية إلى الرب الكريم مثل (فهديناهم. والله يهدي من يشاء. سيهديهم ويصلح بالهم. وهديناه النجدين. ومن يهد الله فما له من مضل. ولكن الله يهدي من يشاء هذا هدى. [ هدى ظ ] للمتقين) (3) ونحو ذلك يستغنى بقليله عن كثيره، ويشار بنزيره إلى غزيره. ووجه الاستدلال أن الهداية جميعها غير معلومة بالعقول، فإن غالبها إنما يستفاد من المنقول، فإن فوض النقل والبيان إلى جايز الخطأ، ولا شك في اختلاف المفسرين والرواة، فإن سمع المكلف من الجميع، وقع في الأمر الشنيع، ولا ترجيح لبعض لارتفاع العصمة عن كل، فالمرشد على اليقين إلى معرفة الهداية هو المعصوم عن الغواية، فإن لم يجب وجوده كلفنا بما لا سبيل إليه، وطلبنا الصواب ممن لا يعول عليه، ولهذا لما تغلب على هذه المنزلة من جهل الفتوى، خبط في دين الله خبط عشوى.


(1) المؤمنون: 52. (2) الفاتحة: 5. (3) فصلت: 17. النور: 46. القتال: 5. البلد: 10. الزمر: 37. القصص: 56. الجاثية: 10. البقرة: 1.

[ 136 ]

القطب الرابع في الآيات المتضمنة للخوف ونحوه: (مثل لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ما على المحسنين من سبيل. إنما يخشى الله من عباده العلماء. فلا تخشوهم و اخشون. ما لكم لا ترجون لله وقارا. يعذب من يشاء. مأواهم جهنم (1)) وغير ذلك من الآيات المشتملة على الوعيد بالمخالفة. وجه الاستدلال أن خروج المكلف عن خوف الوعيد، والسقوط في العذاب الشديد، إنما يكون باختياره ما يوجب ذلك، وهو غير عالم بما يوجبه أو يسلبه من تلقاء نفسه، ولا ممن يحكم في عقله بجواز معصيته، فلا ملجأ له في زوال الهم الفادح، إلا بهداية من لا يفعل ولا يأمر إلا بصالح، وذلك هو الإمام المعصوم، الذي لا يصدق عليه اسم الظلوم. القطب الخامس الآيات الناطقة بما يوجب الهلاك، مثل: (ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين. ولا تخونوا أمانتكم. ولا تفسدوا. فلا تولوهم الأدبار. ولا تكونوا كالذين آذوا موسى. ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق. ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل. ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن. ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة (2)) إلى غير ذلك مما لا يخفى حقيقته ولا يعفى طريقه، فنقول: الكتاب والسنة مجملان في هذه وغيرها، فلا بد من طريق إلى معرفة المراد يقينا منها، ومجتهدو الأمة غايتهم الظن والتبعيض، ولا يصلون إلا في قليل إلى العلم القطعي المانع من النقيض، فلا بد من معصوم يجزم العبد بصوابه، فلا يخشى


(1) البقرة: 62. براءة: 92. فاطر: 28. البقرة: 150. نوح: 13. البقرة: 284. آل عمران: 197. (2) البقرة: 190. (لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم): الأنفال: 27. البقرة: 11. الأنفال: 15. الأحزاب: 69. الأنعام: 151. البقرة: 188. الأنعام: 152. البقرة 195.

[ 137 ]

باتباعه من غضب الله وعقابه، والنبي غير دائم الوجود، فلا بد من نايب يقوم بمقامه، ويودي إلى أمته تفاصيل أحكامه، لئلا يدرس طريق نجاتهم فتكون الحجة لهم على بارئهم، حيث لم يستمر لهم منه نصب السبيل وينتقض قوله (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) (1). إن قلت: هذا يفهم كون الإمام رسولا. قلت: لا، بل هو تكميل لدينه، و نايب في رعيته بعد حينه، ولا خفاء أن الله لا يخل أمة من الخلفاء (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير (2)). القطب السادس الآيات المتضمنة للاستمرار على الحق اليقين: (ربنا لا تزغ ؟ قلوبنا بعد إذ هديتنا. لئن أشركت ليحبطن عملك. يا أيها الذين آمنوا. آمنوا بما نزل على محمد. اصبروا وصابروا. وافعلوا الخير. والله يحب الصابرين. الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق. لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد. إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا (3)). فالدوام على ذلك وشبهه فيما لم تقض الضرورة به، ولم تهتد العقول إلى كسبه، إنما يحصل من النبي صلى الله عليه وآله، ومع فقده فمن الإمام، وغير المعصوم يشارك في الحاجة إلى الاستفادة ممن جعل الرب الحكيم عنده، ومنه الإفادة، وقد نص الله في كتابه المبين على اصطفاء قوم معينين في قوله: (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين (4)) وإنما يحسن ذلك من الحكيم مع عصمتهم من أول خلقهم إلى آخر عمرهم، فإن كان المراد الأنبياء والأئمة فالمطلوب


(1) النساء: 164. (2) فاطر: 24. (3) آل عمران: 8. الزمر: 65. النساء 135. القتال: 2. آل عمران: 200 الحج: 77. آل عمران: 146. الرعد: 22. إبراهيم: 7. الحجرات 15. (4) آل عمران: 33.

[ 138 ]

فيدخل فيه علي وفاطمة وباقي الأئمة، لأن الجمع المضاف للعموم، وإن أريد الأنبياء حصل المطلوب أيضا، لأن كل من قال بعصمتهم قال بعصمة الأئمة، و من منع عصمة الأئمة لم يقل بعصمتهم، فالفرق إحداث قول الثالث. القطب السابع الآيات التي فيها الحث على عمل الصالحات مثل: (افعلوا الخير) (1) ومن يفعل خيرا يجز به. (ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره (2)) والآيات التي فيها الزجر عن المعصيات (من يعمل سوء يجز به. من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته. كل امرء بما كسب رهين. فمن افترى على الله الكذب. اعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا. حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم، ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا (3)) فهذه الآيات ونحوها لا يوصل إلى حقائقها إلا بالمعصوم، إذ الكتاب والسنة مشتملان على المجملات والمتشابهات، وتفويض استخراج ذلك إلى الاجتهاد المختلف باختلاف الأمارات، فيه تعطيل الأمور، والتكليف بغير المقدور، والخوف من عدم إصابة اليقين، للقادة والتابعين. وقد ذكر أن رجلا دخل على فخر الدين الرازي في موضعه فوجده يبكي فقال له: مم بكاؤك ؟ فقال: مسألة حكمت بها منذ ثلاثين سنة، ووضعتها في مصنفاتي وسارت بها الركبان، والآن ظهر لي أنها خطأ فما يؤمنني أن يكون جميع ما صنفته وألفته كذلك، فهذا خوف هذا الإمام مع سعة علمه، وإقرار العارفين له بزيادة فهمه. إن قيل: فما ذكرتم بطلان الاجتهاد، والاجماع يرده. قلنا: اكتفي في المسائل العملية به تخفيفا عند فقد المعصوم، وقد قال الله تعالى: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم (4)) لأن المسائل العلمية


(1) الحج: 77. (2) الزلزال: 7. (3) النساء: 122. البقرة: 81. الطور: 21. آل عمران: 94، 103، 152، 105. (4) النساء: 82.

[ 139 ]

التي لا تستقل العقول بإدراكها، تحتاج إلى المعصوم فيها، لينبه عليها بمقدمات يضعها لا يهتدي غيره إليها. إن قيل: النهي عن الافتراق لا يستلزم وجوب الاجتماع إذ النهي عن الشئ لا يستلزم الأمر بضده. قلنا: عند الأشاعرة أن متعلق النهي فعل الضد فسقط السؤال، وعند أبي هاشم متعلقه عدم الفعل، والمقصود هنا من عدم التفرق اجتماع المسلمين لتحصيل فوائد الاجتماع، وأبو هاشم لا يمنع ذلك. إن قيل: النهي عن التفرق لا يعم جميع أحكام العباد، بل مخصوص بما المقصود منه الاجتماع، كالأصول والجهاد. قلنا: (لا تفرقوا) نكرة منفية فتعم ولأن المراد عدم إدخال الماهية في الوجود، فلو دخلت في وقت عدم الامتثال. القطب الثامن الآيات الدالة على شفقة الله تعالى بخلقه، وذلك في آيات الرحمة والعفو و المغفرة والتوبة والنعمة، وفي أمر رسوله بنحو ذلك من التلطيف والتغافل عنهم والارفاق بهم، في قوله: (فاصفح الصفح الجميل. فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك. فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم (1)) وبدون نصب الإمام المعصوم من الله ورسوله لا يوجد ذلك، إذ لا يتم إلا به، فكيف يحسن من النبي صلى الله عليه وآله مع شدة شفقته الاخلال به. إن قيل: هذا من باب الخطابة والمسألة علمية فلا تستفاد من الخطابة. قلنا: لا بل ذلك من باب مفهوم الموافقة، فإن الأمر باللين والاستغفار والتواضع هابط في اللطفية عن المعصوم، فيجب بالأولى، والخطاب الإلهي برهاني لأن إثبات الرحمة التامة وإرادة المنافع العامة، علة في نصب الإمام المعصوم الذي تفقد تلك الفايدة بفقده، وهذا برهان لمي ولأنه تعالى أثبت أحد معلولي الرحمة وهو الأمر باللين والشفقة، فيثبت المعلول الآخر وهو نصب المعصوم الذي تفقد تلك


(1) الحجر: 85. آل عمران: 159.

[ 140 ]

الفائدة بفقده، وهذا برهان إني. إن قيل: فاعل الحسن لحسنه لا يلزمه فعل كل حسن، والله فعل ذلك وأمر به، فلا يلزمه فعل كل حسن، فلا يلزمه نصب الإمام. قلنا: بلى، فإنه إذا فعل الحسن الذي هو غير واجب لحسنه لزم منه أن يفعل الواجب لحكمته، وقد بينا وجوب نصب الإمام والعناية به، وإلا لزم نقض غرضه من نفع خلقه، إذ الإمام أتم في تحصيل ذلك من اللين وغيره من المأمور به. القطب التاسع الآيات التي فيها إخفاء الحق وكتمانه مثل: (لم تصدون عن سبيل الله [ من آمن ظ ] تبغونها عوجا. لم تقولون على الله ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون. لم تلبسون الحق بالباطل (1)) ونحوها مما ينجذب إلى معناها تقتضي التحرز عن اتباع من يجوز فيه ذلك، وكل من ليس بمعصوم يجوز فيه ذلك، ولأن آية (لم تلبسون الحق بالباطل) ناصة على الباطل الممازج للحق، فيدخل الباطل الصرف بطريق أولى، وإذا كان النهي تعلق بالمرتكب للباطل في بعض الأحوال، فالمراد به الزجر عن الموجبة الجزئية المطلقة العامة فيكون نقيضها وهو الدائمة الكلية مرادا وهذه صفة العصمة وهي تحصل في الأمة إذا أطاعت الإمام في كل شئ وذلك ممكن، وهي مكلفة به، فالإمام أولى منها بها وإلا لشاركها في وجه حاجتها إليه، ولأن الله تعالى لما أمر باتباع الإمام لمجرد قوله في كل شئ علم أن سبيل الإمام هو العصمة، وإذا كان المكلف أيضا مأمورا بالعصمة كيف يكلف باتباع من ليس فيه عصمة. القطب العاشر الآيات المتضمنة للاستعاذة من الشيطان مثل: (فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم من شر الوسواس الخناس) (2) ونحو ذلك (ولا تتبعوا خطوات الشيطان (3) فالمأمور


(1) آل عمران: 99. الصف: 3. آل عمران: 71. (2) النحل: 97. الناس: 4. (3) البقرة: 168.

[ 141 ]

بالاستعاذة منه لا يكون هو المأمور باتباعه مطلقا والإمام مأمور باتباعه مطلقا فالمأمور بالاستعاذة منه لا يكون هو الإمام، وجايز الخطأ مأمور بالاستعاذة منه فجايز الخطأ لا يكون إماما ولا يقع من الحكيم الأمر بالاستعاذة به، ممن يخيل الخطأ في الأحكام الشرعية منه ثم يأمر باتباعه، لأن المأمور بالاستعاذة به منه شر، والمأمور باتباعه خير من كل وجه، فلو جاز خطأ الإمام ولو وقتا، لكان الخير من كل وجه شرا من بعض الوجوه، وهو تناقض، ومحال أيضا من الحكيم الأمر بالاستعاذة به من شئ وهو قادر على إنقاذه منه، ثم يأمره باتباعه ويحرم الإقدام على خلافه، ولأن الإمام هاد دائما فلو جاز خطأه لكان الله قد أمر باتباع من أمر بالتعوذ منه في وقت. ولأن غير المعصوم قد يتبع خطوات الشيطان ولا شئ من متبعها يجب اتباعه ما دام متبعا لها، فلا شئ من غير المعصوم بواجب الاتباع وكل إمام واجب الاتباع فلا شئ من غير المعصوم بإمام وينعكس إلى لا شئ من الإمام بغير معصوم. القطب الحادي عشر قوله تعالى: (أفغير دين الله يبغون (1)) فكل من ابتغى غير دين الله في أي شئ كان، فهو مذموم مستحق للعقاب، ولا شئ من الإمام كذلك لأنه إنما وجب ليعرف المكلف تفاصيل دين الله، ولا يخالفه في شئ، وإنما ذلك المعصوم فلا شئ ممن يتبع غير دين الله بإمام، وتنعكس إلى لا شئ من الإمام يبتغي غير دين الله. ونحو ذلك قوله (تبغونها عوجا (2)) والتقرير كما سلف، ونحو ذلك قوله (و يريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما (3)) فنقول: غير المعصوم يتبع الشهوات، وكل من يتبع الشهوات يميل عظيما وكل من يميل عظيما لا يقتدى به، والإمام يقتدى به، فغير المعصوم ليس بإمام.


(1) آل عمران: 83. (2) آل عمران: 99. (3) النساء: 26.

[ 142 ]

وأيضا فالإمام نصب لدفع المكلف عن الشهوات والميل عن الحق، ولا يمكن ذلك بدون اطمئنانه، والاطمئنان مطلوب لقوله تعالى: (وما جعله الله إلا ذكرى لكم ولتطمئن قلوبكم (1)) ولا يطمئن إلا إذا كان الدافع له موصوفا بذلك، فإن من أمر بمعروف ولم يفعله لم يثق المكلف به، ولا يوصف بالميل عن الشهوات وإلى الحق دائما إلا المعصوم، ولهذا لما تولى غيره أمر الخليفة، اتبع الشهوات، ومال إلى اللذات، وكثر ذلك في الرعية، وشاع الفساد في البرية، ولما مالت علماء السوء إلى ذلك قررت الاتباع ما يرفع اللوم عنهم، من كون الله كتب ذلك عليهم، و خلقه فيهم، ولا حيلة لهم في دفعه، ولا قدرة لهم على منعه، بل جميع المناهي واقعة بطريق الاجبار، كل ذلك حتى لا يعودون عليهم بالانكار. تذنيب: كل آيات الوعد والوعيد، والأمر والنهي، والحث على التمسك بالدين والمن بالارشاد إلى طريق المؤمنين، وما فيه ذكر الظالمين والفاسقين والمعتدين والمبدلين، وغير ذلك من جنسه وغير جنسه كثير مخزون في الكتاب المبين، من أتقن ما أصلناه منه، قدر على استخراج ما سكتنا عنه، وتبين له الاحتياج إلى المعصوم في كل فرد من أفراده، وأنه بدونه لا يصل إلى كنه مراده، ومن طلب ذلك بوجوه تفصيله فكتاب الألفين تكفل بتحصيله، وفيما وضعنا في هذا الكتاب من الفصول والأقطاب غنية لأولي الألباب عن الإطناب، في القصد إلى سبيل الصواب. (الفصل السابع) قالوا: إن قلتم: إن عليا كان إماما في عصر النبي خرقتم الاجماع، وإن قلتم: لا، جاز كون باطنه في تلك الحال على غير العصمة، لعدم الإمامة وحينئذ لا يضر العصيان من غيره تقدم إمامته. قلنا: علي وإن لم يكن إماما في حياة النبي فإنه كان معصوما لأجل إمامته بعده، لئلا يقع التنفير عنه، كالنبي قبل بعثته


(1) آل عمران: 126. الأنفال: 10 وفيه (بشرى) مكان (ذكرى).

[ 143 ]

ونفرق بينه وبين من شوهدت معاصيه وكفره قبل تحكيمه، وخطائه ومخالفته بعد توليته، حتى قال الأول إن لي شيطانا يعتريني فإذا رأيتموني مغضبا فاجتنبوني لا أؤثر في أشعاركم وأبشاركم، وتمنى الثاني عند موته أن لم يكن شيئا وأن يكون نسيا منسيا، وأحداث الثالث لا تحصى كثرة، وسنورد طرفا منها في المطاعن جهرة، بخلاف من فرض فيه ذلك ولم يعلم منه ألبتة، ولما نصبه الله ورسوله استدللنا بالمعلول على العلة. إن قالوا: لم يكن أحد بعد النبي معصوما إلا عصمة الإيمان. قلنا: هذه لا يعلم بالباطن حصولها، وحسن الظاهر لا يدل عليها لوقوع النفاق في كثير من الأمة في حياة نبيها وحينئذ لا وثوق ولا أمان بحصول الثلاثة باطنا على الإيمان لجواز إظهاره وإبطان الكفران، ولم قطعتم بالاطلاق على كذب من وصفهم بالنفاق. إن قالوا: فمدائح النبي فيهم ترفع هذا التجويز لرواية سعيد بن عمرو بن نفيل، أن النبي صلى الله عليه وآله عد العشرة المشهورة من أهل الجنة. قلنا: إن سلم ذلك عن الفساد، فهو من أخبار الآحاد، والراوي له أحد العشرة، فيرد الحكم بقوله لشهادته لنفسه. إن قالوا: لم ينكره أحد من الأمة فصار إجماعا. قلنا: فالأمة قد اجتمعت على استحلال دم أحد العشرة، وهو عثمان وكيف تستحل دم من تعتقد أنه من أهل الجنان، وإن لم تجتمع عليه، فقد استحله جماعة كثيرة منها فكيف يدعى في صلاحه إجماعها، والشيخان قد أكذبا ما روى سعيد فيهما، بجزعهما عند موتهما حتى قال الأول لابنته عائشة: هلك أبوك، هذا رسول الله معرض عني فقال عمر: لا تخبروا بذلك فإنكم أهل بيت يعرف فيكم عند الموت الهذيان، وقال عمر عند احتضاره: ليت أمي لم تلدني، وسيأتي في المطاعن بإسناده إلى صحاحهم. وعثمان لم يحتج بخبر سعيد وقت حصره، وقد ذكر غيره من فضائله ليدفع بها من قتله وضره، ولو كان صحيحا عنده كان ذكره أوكد من غيره، وهذا علي وطلحة والزبير من العشرة قد استحل كل منهم دم الآخر ولم يسلموا السعيد

[ 144 ]

في روايته، وتخلف سعد بن أبي وقاص عن علي وبيعته في زمان إمامته ومع ذلك كله لو صح الحديث عن النبي كان معلقا بعاقبتهم، فجاز [ في ر ] كونهم على ضلالهم إلى قرب حضور آجالهم آثروا توبتهم، فكان إلى الجنة عاقبتهم كما ادعوا في طلحة والزبير توبتهما بعد حربهما لإمامهما. (الفصل الثامن) قالوا: ورد الخبر بندم علي على تحريق الغالين لما بلغه كلام ابن عباس في ذلك، فإن دفعتم الندم فأرونا في الكتاب والسنة التحريق على جناية في الدنيا وقد جاء في الخبر أنه شهد على نفسه بالخطأ في التحكيم، وقال حين رأى اختلاف الناس عليه: لقد عثرت عثرة لا أنجبر * سوف أكيس بعدها وأستمر وأجمع الأمر الشتيت المنتشر وهذا كله ينافي العصمة، قلنا: أدلة العصمة لا تنكسر بهذه الشبهات والأخبار الشاذات المرسلات، وخبر الواحد مع ذكر رواته والنص على عدالتهم لا يوجب علما، فما بال المرسل ؟ وكيف يكون قول ابن عباس سبب ندم علي عليه السلام وهو تلميذه وعنه أخذ الأحكام قال: ما ملئت عيني منه قط هيبة له، ولم نسمع له الخلاف لعلي عليه السلام إلا في مال البصرة ثم ندم ولم يزل يبكي حتى عمي. ولم يرجع علي إلى أحد في شئ من الأحكام، بل كانت رؤساء الصحابة ترجع عما حكمت إلى قوله عليه السلام وقد جاء النقل من الفريقين واستفاض بين الخصمين قول النبي صلى الله عليه وآله له: (أنا مدينة العلم وعلي بابها. الحق يدور مع علي حيث دار أقضاكم علي). وضرب بيده على صدره حين بعثه إلى اليمن وقال: (اللهم اهد قلبه وثبت لسانه قال علي فما شككت في قضاء بين اثنين). وقولهم: أرونا في الكتاب والسنة التحريق بالنار. فإن الله تعالى يقول

[ 145 ]

ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا (1)) وقد آتانا أن عليا مدينة العلم وأمر جميع الأمة بأخذ علم الدين عن أمير المؤمنين، فعلمنا بذلك أنه لم يحرق بالنار إلا بعهد من الرسول إليه، على أن الله قد جعل إحدى خصال عقوبة المحاربين النار في الدنيا. وما ذكره من ندمه على التحكيم، فالبطلان ظاهر فيه، والشعر المنسوب إليه مكذوب عليه، كيف ذلك وإنما قتل من الخوارج أربعة آلاف حيث حكموا بضلاله في التحكيم، أفيصح أن يشهد على نفسه بخطائه فيما قتل الناس لأجله. ثم إن ذكر العثرة لا يدل على الخطأ والندم، لجواز تسمية ما أعقب العثرة عثرة مجازا، يجب المصير إليه لما تلوناه من قول النبي صلى الله عليه وآله فيه، وقد أضاف الرب الخبير زيادة الرجس إلى السورة والنفور إلى النذير. وأبلغ من ذلك أن الله تعالى سمى الحسنة سيئة والعدل جورا في قوله: (وجزاء سيئة سيئة. ومن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه (2)). إن قالوا: إنما سماهما بذلك لوقوعها في صحبة السيئة والعدوان، كما تقرر في علم المعاني والبيان، قلنا: والتحكيم وقع في صحبة العثرة من الضالين حيث عدلوا إليه عن الحق اليقين، الذي قال الله تعالى فيه: (وكل شئ أحصيناه في إمام مبين). (3) على أنا نعارض بقول النبي صلى الله عليه وآله: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، وهذا يدل بظاهره على ندمه على سوق الهدي، ولم يخرجه ذلك من عصمته، بل هو مصروف عن ظاهره، فكذا ما نحن فيه. قالوا: تلك صغاير جايزة على النبي، وأنتم أثبتم للإمام العصمة مطلقا. قلنا: لم نثبتها له إلا على حد ثبوتها للنبي وإلا لكان أفضل من النبي ولا يقول ذلك سوى الضال الغبي، على أنا لا نجوز الصغاير على النبي وإنما قصدنا معارضتكم لنريكم أنكم [ ا ] دخلتم في أشنع مما ألزمتم خصمكم. وهذان الفصلان لخصتهما من كلام الشيخ المفيد رحمه الله.


(1) الحشر: 7. (2) الشورى: 40. البقرة: 194. (3) يس: 12.

[ 146 ]

وقد ذكر المرتضى في شافيه أن عليا إنما ذكر ذلك الشعر تحسرا على كتاب كتبه إلى ابن أبي بكر ليعمل به، فاعترضه معاوية فأخذه فأشفق أن يعمل به، فيوهم على الضعفة أنه من عمله فيشتد شبهتهم من قبله، قال: وهذا التفسير قد روي عن علي عليه السلام من طرق معروفة من كتب أهل السير. إن قيل: فلم حارب الفرق الثلاث (1) دون الأولين. قلنا: لوجود الناصر دون الأولين، أو لجواز ظنه أنه لو لم يحارب ارتد أكثر المستضعفين، ولو حارب الأولين ارتد قوم من ضعفاء اليقين. إن قيل: فعندكم قد ارتد دافعوا النص على أمير المؤمنين، فلا فايدة في ترك محاربة الأولين. قلنا: خاف أن يتعاظم الكفر بوجود المحاربة فيؤدي إلى جحد الله وتوحيده والرسول وما جاء به. إن قيل: فعندكم أن الاقرار بالله ورسوله، لا ينفع عند جحد النص على خليفته، فلا زيادة بالمحاربة عما حصل بعدمها. قلنا: أقل مراتب الريادة أنهم إذا حاربوا الإمام، وأظهروا جحد الإمامة، وطعنوا فيها طعنا مسموعا، حصلت زيادة. (الفصل التاسع) رووا أن عليا قال: كنت إذا حدثني أحد عن رسول الله صلى الله عليه وآله أحلفته بالله فإن حلف صدقته وإلا فلا. وإن أبا بكر حدثني وصدق أبو بكر، قال النظام: إن كان ثقة فلا معنى للإحلاف، وإن كان غيره لم تزل تهمته بالإحلاف، فإن من جوز الكذب على النبي يجوز الحلف عليه، قلنا: لم ينقل أحد أن عليا نقل عن النبي حرفا بواسطة، وهذا الخبر ضعيف لأنه مسند إلى أسماء بن الحكم، وهو مجهول عند أهل الرواية وروي من طريق آخر إلى سعد بن سعيد قال الزبير و يحيى بن معين والشيباني إنه ضعيف خبيث متروك الحديث. ولا موضع لإنكار


(1) يعني الناكثين والقاسطين والمارقين.

[ 147 ]

النظام الأحلاف فإنه في الثقة يزيد في يقينه، وفي غيره ربما أحجم للخوف عن يمينه، فإن كثيرا من المتهمين يرجعون عن الجحود لأجل اليمين، ولو كان لا مدخل لليمين، لطعن بها الكافرون على شريعة المسلمين، بأن يقولوا: إن كان ثقة فلا معنى لها، وإن كان غيره فإقدامه على اليمين أولى من غيرها. وما ؟ قاله من تصديق أبي بكر فلعلمه بصدوره عن النبي صلى الله عليه وآله لا بمجرد إخبار النبي. على أنه لا يلزم من صدق أبي بكر في حديث صدقه في كل حديث حتى يلزم صدقه في قوله: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث). قالوا: قتل علي أصحاب الجمل ولم يغنم فإن حل أحدهما حل الآخر و إلا حرما معا. قلنا: قال عليه السلام: فأيكم يأخذ عائشة في سهمه ؟ فقال له الراسي: أليس لنا قتل غيرها دونها، قال: بلى، قال: فلنا سبي غيرها دونها فقال عليه السلام: مننت عليهم كما من النبي صلى الله عليه وآله على أهل مكة وقال لعباد لما اعترضه بذلك: إن دار الهجرة حرمت ما فيها وإنا لا نأخذ الصغير بذنب الكبير، فما كان في دورهم فهو ميراث لذريتهم. وقد ارتد في أيام أبي بكر علاثة فلم يتعرض لماله و آخر في أيام عمر فلم يتعرض لماله، هذا. وقد شهد له النبي صلى الله عليه وآله أن الحق يدور مع علي حيث دار. وإن لم يعلم وجه الصواب، وجب علينا الكف والتفويض إلى من علمت عصمته، وأومن بدعاء النبي خطاؤه، وكما يرجع في آيات الجبر والتشبيه، إلى إثبات العدل والتنزيه. قالوا: قطع سارقا من أشاجعه. قلنا: هو أعلم باللغة العربية، من غيره، ولقد قال له قائل: أفلا قطعت من الرسغ ؟ قال: فعلى أي شئ يتوكأ ؟ وبأي شئ يستنجي ؟ على أن ذلك بنص الكتاب في قوله (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم (1)). قالوا: جلد الوليد أربعين، قلنا جلده بسعفة لها رأسان، فكانت ثمانين أخذا


(1) البقرة: 79. (*)

[ 148 ]

من قوله تعالى: (وخذ بيدك ضغثا (1)). قالوا: جهر بشتمة رجال في القنوت. قلنا: تظافرت الروايات أن النبي كان يلعن في قنوت الصبح قوما من أعدائه بأسمائهم أربعين صباحا فكان يقول: (اللهم العن رعلا وذكوان، والعن الحدثين من أسد وغطفان، والعن أبا سفيان والعن سهيلا ذا الأسنان) قالوا: أجاز شهادة الصبيان. قلنا: قد أجازها جماعة من الصحابة والتابعين فقد روى مالك بن أنس أن ابن الزبير كان يقضي بشهادتهم فيما بينهم من الجراح وقال مالك أيضا: المجتمع عليه عند أهل المدينة جواز شهادة الصبيان فيما بينهم من الجراح قبل تفرقهم ولا يجوز على غيرهم، وقال عروة: تقبل شهادة بعضهم على بعض، ويؤخذ بأول قولهم، ورواه ابن أبي الزياد عن أبيه أنه من السنة، ورواه عن عمر بن عبد العزيز وكان أيضا يجيزها مروان وابن شهاب وربيعة وشريح في ذلك. قالوا: فيها مخالفة (وأشهدوا ذوي عدل (2)) قلنا: لا يدل التخصيص بالوصف على التخصيص بالحكم، وقد قبل النبي شهادة خزيمة وحده، وشهادة واحد مع اليمين، وأمر الله بشهادة الكفار على الوصية. قالوا: سأل عبيدة السلماني عليا عليه السلام من بيع أمهات الأولاد، فقال: كان رأيي ورأي عمر ببيعهن وأما الآن أرى أن لا يبعن. قلنا: قال الشيخ المفيد: قد أطبق الفقهاء ونقاد الآثار على بطلانه، ولو سلم جاز كون كلام علي في زمان عمر للتقية وخوف الفتنة، وقد أمضى النبي أحكام الكفار عام الحديبية للمصلحة، و ليس لهم حمل اختلاف أبي بكر وعمر على ذلك، لأنهم أهل الشوكة. قالوا: نقل الجاحظ عن إبراهيم أن عليا اختلف قوله في الجد كأبي بكر قلنا: هذا تخرص وبهت. إذ لم يختلف من أهل الآثار في ذلك اثنان.


(1) ص: 44. (2) الطلاق: 2.

[ 149 ]

قالوا: قال الشعبي: رجع علي عن قوله في الحرام ثلاثا، أي قال رجل لامرأته أنت حرام. قلنا: الشعبي ناصب كاذب فاسق أما فسقه فسنذكره في باب الطعن في رجالكم، وأما كذبه فإنه قال: لم يشهد الجمل من الصحابة إلا أربعة وقد أجمعت أهل الأخبار على أن مع علي فيه ثمانية [ ألف ] من الأنصار، وتسع مائة من أهل بيعة الرضوان، وسبعون من أهل بدر، وكان يحلف بالله أن عليا دخل قبره ولم يحفظ القرآن. فقد ظهر في ذلك نصبه، وشاع بإنكار الاجماع كذبه. قالوا: قال لقضاته بعد مصير الحكم إليه: اقضوا كما كنتم تقضون، فإن كان القضاء الماضي حقا فلا عتب على الماضين الآمرين به، وإن كان باطلا بطلت عصمة الآمرين به. إذ لا تقية حينئذ. قلنا: إنما قال ذلك - وإن كان الحكم له - لأن الأمة قد كانت اعتادت تلك، واطمأنت نفوسها إلى حقيتها، ولهذا أراد أهل الشورى بيعته على سيرة الشيخين، فلما أبى إلا على كتاب الله انصرفوا عنه وعن كتاب الله إلى سيرتهما، فقال ذلك للقضاة لاستصلاح الرعية وقد علل ذلك في قول (حتى يكون الناس جماعة) فلما قتل الطوائف الثلاث وخمدت الفتنة، غير بعض ما كان. قالوا: فلم لم يغير الكل: قلنا: ربما لم يخف من إظهار الخلاف في البعض كما يخاف في الكل وربما كانت الشبهة على الاتباع في المتروك أشد منها في الآخر. قالوا: أكره الزبير وطلحة على البيعة. قلنا: لا، بل إنما بايع الناس بعد أن ألحوا عليه، وقد قال في خطبة له: فتداك الناس علي كتداك الإبل على حياضها وحتى وطئ الحسنان وشقت أعطافي. وفي موضع آخر: ينثالون إلي كعرف الضبع، والعامة تروي أنه قال لهما: امددا أيديكما أبايعكما فإنني أكون لكما وزيرا خير من أن أكون لكما أميرا فأول من بايعه طلحة، وقال الأسدي: أول يد صفقت على يد أمير المؤمنين يد شلاء يوشك أن لا يتم هذا الأمر، فكيف الاكراه مع هذه المسارعة. قالوا: قتل عثمان: قلنا: قد علم من سمع الأخبار أنه لم يقتل عثمان، بل أنفذ ابنه الحسن ليسقيه الماء وهو ظمآن، وإنما تولى قتله طلحة والزبير في جماعة

[ 150 ]

من المهاجرين والأنصار، وقد قال لهما: والله ما قتلت عثمان ولا مالأت في قتله ولم يمكن أحد منهم الرد عليه. قالوا: كان يحدث بالمعاريض ويدلس حين قال: إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وآله فهو كما حدثتكم وإذا سمعتموني أحدث فيما بيني وبينكم فإنما أنا رجل محارب والحرب خدعة، ولعل قوله أمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين و قوله في ذي الثدية ما كذبت ولا كذبت كان برأيه للخدعة، ولعل الشئ الذي كان يراه حقا استجاز إسناده إلى الله ورسوله لأنهما أمرا بكل حق. قلنا: لا تدليس فيه وقد أفصح عن المراد منه، وفرق بين الحديثين بأن ما حدث عن الرسول فهو كما حدث وإذا حدث عن نفسه فله وجه تأويل وقد يضطر الإمام إلى معاريض الكلام ويجري ذلك مجرى متشابه القرآن، وإخباره بقتال الطوايف كان وهو متوجه إلى قتال طلحة والزبير فإن قوما أشاروا بالكف عنهما فأضاف إلى النبي الإخبار بقتالهما، وقال: أما والله لقد علم أصحاب محمد وهذه عايشة فاسألوها أن أصحاب الجمل، والمخزج اليد، ملعونون على لسان النبي الأمي وقال: لا أجد إلا قتالهم أو الكفر بما أنزل على محمد، فكيف يكون عن رأيه وقد استشهد عايشة بلعنه أصحابها مع كونها من أكبر أعدائه. هب: أنه علم حال الناكثين فكيف أخبر عن حال القاسطين والمارقين ؟ ولم يظهر منهم في حال الإخبار ما يخالف الدين. إن قالوا: كان إخباره ترجيما وظنا فأصاب. قلنا: هذا يسقط أخبار الأنبياء بالغيوب، لجواز كونه عن ترجيم فأصابوا، وفي هذا خروج عن الاسلام. تذنيب: أكثر ما أوردته في هذا الفصل من الاعتراض والكلام ما حكاه المفيد في محاسنه عن الجاحظ عن النظام، والجواب له رحمة الله عليه ورضوانه لديه وقد قال الجاحظ في آخر فصل حكاه عن النظام في الفتيا: وكان إبراهيم من حفاظ الحديث مع ذهن حديد ولسان ذرب، يتخلص به إلى الغامض، ويحل به المنعقد وهو مع ذلك يخطئ خطأ الغمرية، ويخبط خبط السكران، ويجمع بين السقطة والغفلة والحزم والاضاعة، قال جاحظ عقيب هذا الفصل: وقول إبراهيم لم يعمل به مسلم.

[ 151 ]

(الباب السابع) * (في شئ مما ورد في فضائله عليه السلام المنبهة على تعديله) * واعلم أن ما نذكر منها قطرة من بحار متلاطمة أمواجها، وشذرة من قطار متلازمة أصولها وإنتاجها، نشت حيث ارتضعت عن حكمة رب الجلالة، وفشت حين تكلمت بهداية المخصوص بالرسالة، فحصر كل باغ الاحصاء عن حصرها، و قصر كل باع الاستقصاء من قصرها، فمن رام ذلك فقد رام مس الشمس، ورد ما فات بالأمس، وبالجملة فهذا باب واسع لا يتأدى لموافق حصره، ولا يتهيأ لمنافق ستره، وقد روى مسلم والبخاري حديث خروج النبي في مرضه إلى عزل أبي بكر عن صلاته أنه خرج بين رجلين أحدهما الفضل ورجل آخر وكان عليا فلم تذكره عايشة باسمه طلبا لإعفاء رسمه. وقال معاوية لابن عباس: كتبنا في الآفاق ننهى عن ذكر مناقب علي فكف لسانك، قال أفتنهانا عن قراءة القرآن ؟ قال: لا، قال: فعن تأويله، قال: نعم، قال: أفنقرأه ولا نسأل ؟ قال: سل عن غير أهل بيتك، قال: فإنه منزل علينا أفنسأل غيرنا أتنهانا أن نعبد الله فإذن تهلك الأمة قال: اقراؤا ولا تأولوا ما أنزل الله فيكم فقال: (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم (1)) ثم نادى: برئت الذمة ممن روى حديثا في مناقب علي. وقال ابن شداد الليثي: وددت أن أحدث بفضائل علي يوما وأن عنقي ضربت فكانوا يقولون: قال رجل من قريش ويقول ابن أبي ليلى: حدثني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله ويقول الحسن: قال أبو زينب. وسئل ابن جبير عن حامل اللواء فقال: إنك لرخي البال. قال ابن شهرآشوب: صاحب المصالت، قيل: الزم السنة تدخل الجنة قال:


(1) الصف: 8.

[ 152 ]

وما السنة ؟ قال: حب أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية ولعن أبي تراب، قال هو الذي كان يقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال صار اليوم خارجيا، ونهى معاوية عن تسميته فسمى موسى بن رباح ابنه عليا فذبح في حجره. وكتب معاوية إلى عماله لا تجيزوا شهادة شيعي. وقال بعض الشيعة لمالك: كم جزية ذمي. قال: دينار، قال: فهنا ديناران على أن أذكر الحق فأبى. قال المعتمر بن سليمان: سمعت أبي يقول: كان في أيام بني أمية ما أحد يذكر عليا بخير إلا قطع لسانه، وفي كتاب المبرد كانوا يرجمون أبا الأسود الدئلي بالليل فشكاهم إلى رؤسائهم، فقالت العامة: الله يرميه، فقال: لو رماني لما أخطأني. واجتمعوا لقتل رجل قال علي خير من معاوية وقتل. تذنيب: ذكر الراوندي في خرائجه في خبر طويل عن الأعمش أنه صلى إلى جانب رجل فلما سجد سقطت عمامته فإذا رأسه رأس خنزير فسأله عنه فقال كنت مؤذنا وكلما أصبحت لعنت عليا ألف مرة فلعنته يوم جمعة أربعة آلاف ونمت فرأيت القيامة والنبي وعليا وولديه يسقون الناس فقال لي النبي صلى الله عليه وآله عليك لعنة الله أتلعن عليا ؟ ثم بصق في وجهي وقال: قم غير الله ما بك من نعمة فانتبهت كما ترى. وقد بذل معاوية لسمرة بن جندب أربع مائة ألف درهم على يجعل قوله تعالى: (وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها (1)) في علي (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله (2)). في ابن ملجم ففعل ذلك، ذكره السيد ابن طاووس في الرد على الجاحظ، وقال الشعبي: كنت أسمع خطباء بني أمية يسبون عليا فكأنما يشال بضبعيه إلى السماء، ويمدحون أسلافهم فكأنما يكشفون على جيفة. وقال بعض البلغاء: أصبح المختلفون مجتمعين على مدحه فيقول العدو


(1) البقرة: 205. (2) البقرة: 207.

[ 153 ]

اضطرارا ما يقوله الولي اختيارا. وأسند ابن مردويه في كتاب المتون إلى عائشة كان أبو بكر يديم النظر إلى علي فقيل له في ذلك فقال سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: النظر إلى علي عبادة، و روى نحوه ابن مسعود ومحمد بن حصين وجابر وأنس وأبو هريرة عن معاذ عن النبي صلى الله عليه وآله وروت نحوه معاذة، عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله. فقد سخر الله خلقه لنقل فضائله وما فيه الحجة عليهم من دلائله، فصنف ابن جرير كتاب الغدير، وابن شاهين كتاب المناقب، وابن [ أبي ] شيبة كتاب أخباره وفضائله، والجاحظ كتاب العلوية في فضايل بني هاشم على بني أمية، و الأصفهاني كتاب منقبة المطهرين وما أنزل من القرآن في أمير المؤمنين، وأبو - المحاسن الرؤياني كتاب الجعفريات والموفق المكي كتاب الأربعين في فضائل أمير المؤمنين، وابن مردويه كتاب رد الشمس في فضائل أمير المؤمنين، والشيرازي نزول القرآن في شأن أمير المؤمنين، والمؤذن كتاب الأربعين في فضائل فاطمة، و ابن حنبل مسند أهل البيت والنطنزي [ في ] الخصائص العلوية على سائر البرية وابن المغازلي كتاب المناقب، والبستي كتاب المراتب، والبصري كتاب الدرجات، والخطيب كتاب الحدائق. وفي حديث الدوانيقي كم تروي في علي حديثا فقال: عشرة آلاف، قال رجل لابن عباس ما أكثر مناقب علي إني لأحسبها ثلاثة آلاف، فقال أولا تقول: هي إلى ثلاثين ألف أقرب. قال المرتضى: سمعت عمر ابن شاهين وهو شيخ مقدم في الرواية يقول: جمعت من فضائل علي ألف جزء، وقال ابن حنبل ما جاء لأحد من الصحابة ما جاء لعلي وروى المطرزي عن الخوارزمي مسندا إلى ابن عباس قول النبي صلى الله عليه وآله: (لو أن الغياض أقلام، والبحار مداد، والجن حساب، والإنس كتاب ما أحصوا فضائل علي ابن أبي طالب). [ أبا حسن لو أن ذا الخلق تاجروا * بحبك يا مولاي ما كان أخسروا

[ 154 ]

ولو كانت السبع السماوات كاغدا ؟ * وكانت بعون الله تطوى وتنشر وكانت جميع الإنس والجن كتب * وكان مداد القوم سبعة أبحر ولو كانت الأشجار جمعا بأسرها * تقصص أقلام وتبرى وتحضر لكلت أياديهم وأفنى مدادهم * وما حصلوا معشار من فضل حيدر ] وأسنده ابن شهرآشوب إلى الزمنى إلى الليث إلى مجاهد إلى ابن عباس وروى الخوارزمي عن الصادق عليه السلام قول النبي صلى الله عليه وآله (جعل الله لأخي علي بن أبي طالب فضائل لا تحصى، فمن ذكر له فضيلة مقرا بها غفر الله له [ ما اكتسب ] ولو وافى القيامة بذنوب الثقلين، ومن كتبها لم تزل الملائكة تستغفر له ما دام لكتابته رسم، ومن استمع إليها غفر له ما اكتسب بالسماع، ومن نظر إلى كتاب في فضائله غفر الله له ما اكتسب بالنظر) وقد عرفت نقل الفريقين، وشهادة الخصمين. قال ابن عبد البر: فضائله لا يحيط بها كتاب، ونحوه قال النشوي والخطيب الخوارزمي، فهذه الشهادة خرق العادة حيث صدرت من المايل إلى الكتمان واستمرت على مرور الأزمان. نشرت حيلة قريش فزادته * إلى صحة القيامة قيلا وروى فضله المعاند حتى * زاده ما روى علوا ونبلا وقال الآخر: شهد الأنام بفضله حتى العدا * والفضل ما شهدت به الأعداء فتلألأت أنواره لذوي النهى * وتزحزحت عن غيها الظلماء يروي مناقبهم لنا أعداؤهم * لا فضل إلا ما رواه حسود وإذا رواها مبغضوهم لم يكن * للعالمين على الولاة محيد وسأذكر فصلا مفصلا فيه انتساب فرق العلماء إليه، وإحاطته ما يعتمد الحكماء وغيرهم من الفضلاء عليه. نطقت بوحي الله فيك خصائص * خير الأنام نذيرها وسفيرها ما عصبة إلا وأنت وليها * وكذاك مولاها وأنت أميرها

[ 155 ]

قال خطيب دمشق وابن أبي الحديد في علي وهما قائلان بإمامة أبي بكر: ما أقول في رجل أقر له بالفضل من خصمه، ولم يمكنهم جحد مناقبه، مع استيلاء بني أمية على الأرض، واجتهادهم في إطفاء نوره، ولعنه على منابرهم، ووضع معايبه، وقتلوا مادحيه وحبسوهم عن رواية حديث يعليه، فما زاده ذلك إلا سموا فكان كالمسك كلما ستر انتشر عرفه، وكلما كتم تضوع نشره، تعزى إليه كل فضيلة، وتتجاذبه كل طائفة، كل من نزع من الفضايل بعده، فله اقتفى، وعلى مثاله احتذى، ومن كلامه اقتبس العلم الإلهي، وإليه إنتهى. فالمعتزلة الذين هم أهل هذا الفن تلامذته لانتسابهم إلى واصل تلميذ أبي هاشم بن محمد بن الحنفية، وهو تلميذ أبيه، والأشعرية ينتمون إلى أبي الحسن وهو تلميذ أبي علي الجبائي المعتزلي، فرجع علمهم إلى علي عليه السلام، والإمامية والزيدية انتسابهم واضح إليه. وعلم الفقه فكل فقيه عيلة عليه، وقد قرأ مالك على ربيعة، وربيعة على عكرمة، وعكرمة على ابن عباس، وهو تلميذ علي. وابن حنبل قرأ على الشافعي والشافعي على محمد بن الحسن من أتباع أبي حنيفة، وأبو حنيفة على الصادق، و انتهى الأمر إلى علي عليه السلام. وعلماء الصحابة ابن عباس وقد علمت أنه تلميذه، وعمر بن الخطاب وقد عرف رجوعه إليه فيما أشكل عليه، حتى قال: لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو الحسن وقد روى الخاص والعام قول النبي صلى الله عليه وآله له لما بعثه قاضيا إلى اليمن: اللهم اهد قلبه وثبت لسانه فقال: ما شككت بعدها في قضاء، وقال ارتجالا على المنبر: صار ثمنها تسعا وسيأتي قريبا. والتفسير فهو مأخوذ عنه وعن ابن عباس وقد قيل له: أين علمك من علم علي قال: كقطرة في البحر المحيط. وعلماء الطريقة ينسبونها إليه والخرقة التي هي شعارهم إلى اليوم مقصورة

[ 156 ]

عليه صرح بذلك الجنيد والشبلي والكرخي والبسطامي وقد قيل إنهم ينتمون إليه في سلسلتين النورية هم ينتسبون إلى أبي الحسن النوري أخذه عن كميل بن زياد خادم علي عليه السلام والجنيدية ينسبون إلى جنيد البغدادي أخذه عن الحسن البصري تلميذ علي عليه السلام وهؤلاء ونحوهم المتبعون لعفته وزهده، تقرعت ينابيع الحكمة فيهم عن غزير علمه، قال عز الدين المقدسي في تفسير كلامه: (من عرف نفسه فقد عرف ربه): الروح لطيفة ربانية لاهوتية في جثة ناسوتية دالة من عشرة أوجه على وحدانية ربانية: 1 - لما حركت الهيكل ودبرته، علمنا أنه لا بد للعالم من محرك ومدبر. 2 - دلت وحدتها على وحدته. 3 - دل تحريكها للجسد على قدرته. 4 - دل اطلاعها على ما في الجسد على علمه. 5 - دل استواؤها إلى أعضائه على استوائه إلى خلقه. 6 - دل تقدمها عليه وبقاؤها بعده على أزله. 7 - دل عدم العلم بكيفيتها على عدم الإحاطة به. 8 - دل عدم العلم بمحلها من الجسد على عدم أينيته. 9 - دل عدم مسها على امتناع مسه. 10 - دل عدم إبصارها على استحالة رؤيته. وقال أيضا: صور الله آدم صورة مدنية أتقن فيها من المباني ما يدل على قدرة الباني، وحرك فيها مثالث ومثاني يشير بأن ليس له ثاني، ونصب وسطها قصر المملكة وهو القلب إذ هو بيت الرب وجعل مدارها عليه، ومرجعها إليه، و وضع فيه سرير العز والسلطان، وأجلس عليه ملكا يقال له الإيمان، وبث في خدمته الجوارح كالغلمان، فقال اللسان أنا الترجمان، والعينان نحن الحارسان والأذنان نحن الجاسوسان، واليدان نحن العاملان، والقدمان نحن الساعيان وقال الملكان نحن الشاهدان. وقال صاحب الديوان كما تدين تدان.

[ 157 ]

ثم قال الوزير الذي هو العقل: أيها الملك لا بد لك من خاصة يؤثرونك ولو كان بهم خصاصة، فتحتاج إلى تاج هو الولاية، وإلى معراج هو العناية، وإلى دليل هو الهداية، وإلى مركوب هو الصدق، وإلى حلية هي السكينة، وإلى صاحب هو العلم، وإلى بواب هو الورع، وإلى سياف هو الحق، وإلى كاتب هو المراقبة وإلى سجن هو الخوف، وإلى ميزان هو الرجاء، وإلى سراج هو الحكم، و إلى نديم هو الفكر، وإلى خزانة هي اليقين، وإلى كنز هو القناعة، وإلى صاحب بريد هو الفراسة. ثم قال أيها الملك: انظر إلى رعيتك بعين الرحمة، واقسم بكل ما تقيم به رسمه، فقال الملك: بل انظر أنت في الرعية، وأزل عنهم الشكية فقالت اليدان علي جمع الآلة، والأسنان أنا أطحن وأعزل النخالة، والريق أنا أعجن وأتولى إلى المعدة إنزاله، والمعدة أنا أطبخ وما أزيد على ذلك عمالة، والكبد أنا آخذ الصافي وأترك الحثالة، والقدرة أنا أفرقه بالعدالة إلى كل عضو ما يطيق احتماله. ثم نادى منادي الفيض: يا معشر الرعية ! قد أقسم الملك بالألية، أن من عدل عن الطريق السوية، وكفر نعمة العطية، وأنفقها في الخطية، فقد أفسد النية، ونقض البنية، وأولئك هم شر البرية. واعلم أنك لا تصل إلى منازل القربات، حتى تقطع ست عقبات: 1 - فطم الجوارح عن المخالفات الشرعية، فتشرف على ينابيع الحكمة العقلية. 2 - فطم النفس عن المألوفات العادية، فتشرف على سرائر العلوم الربانية. 3 - فطم القلب عن الرعونات البشرية، فتشرف على أعلام المناجات الملكوتية. 4 - فطم النفس عن الكدورات الطبيعية، فتشرف على أنوار المنازلات القرينية. 5 - فطم الروح عن البخارات الحسية، فتشرف على أقمار المشاهدات الحبيبية. 6 - فطم العقل عن الخيالات الوهمية، فتهبط على رياض الحضرة القدسية فهنالك تغيب مما تشاهد من اللطائف الأنسية، عن الكثائف الحسية.

[ 158 ]

هذا وقد سعى إلى الخليفة بأن الصوفية زنادقة رفضوا الشريعة، فأمر بقتلهم فبدر أبو الحسن النوري إلى السياف فقال: لم بدرت ؟ قال: أحببت أن أؤثر أصحابي بحياتي هذه اللحظة فتعجب وكتب إلى الخليفة فردهم إلى القضاة فسألوا النوري عن أصول الفرائض فأجاب فبعثوا إلى الخليفة: إن كانوا زنادقة فما على ظهر الأرض موحد. وقال شقيق لإبراهيم بن أدهم: كيف تعملون ؟ قال: أعطينا شكرنا، و إن منعنا صبرنا، قال: فأنتم ؟ قال: إذا أعطينا آثرنا، وإن منعنا شكرنا، ولقي السقطي رجلا جليلا فسلم عليه سلاما ناقصا فقيل له في ذلك، فقال: روي عن النبي صلى الله عليه وآله: إذا التقى المسلمان قسم بينهما مائة رحمة تسعة وتسعون لأبشهما فأردت أن يكون معه النصيب الأكثر، فهذا ونحوه قطرة مما استنزع من علم علي عليه السلام وزهده وإيثاره، وليس التصوف المنسوب إليه ما يفعله المغنيون والرقاصون بليالي العبادات، في بيوت الصلوات فما أحسن ما وصف من رقصهم لإظهار نقصهم: أيا جيل التصوف شر جيل * لقد جئتم بشئ مستحيل أفي القرآن قال لكم إلهي * كلوا مثل البهائم وارقصوا لي ولقد رأيت كتابا مصنفا في معايبهم، وكشف الستر عن حيلهم، التي يوهمون بها على أتباعهم، أنهم بالقرب من ربهم. قالوا: ضرب بنات النجار بالدف بحضرته عليه السلام لما قدم المدينة وغنت: طلع البدر علينا * من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا * ما دعى لله داع أنت يا مرسل حقا * جئت بالأمر المطاع جئتنا تسعى رويدا * مرحبا يا خير ساع يا نبيا من ضياه * أشرقت كل البقاع فطرب النبي صلى الله عليه وآله ووهب لهن عمامته، ورقصت الحبشة في مسجده فظلل على عائشة لتتفرج على ذلك، وأنشد شخص بحضرته:

[ 159 ]

لسعت حية الهوى كبدي * فلا طبيب لها ولا راقي إلا الحبيب الذي كلفت به * فإنه منيتي وترياقي فتمايل صلى الله عليه وآله وسقط رداؤه من أعلاه فتقاطعوه تبركا. قلنا: هذا كله من زخاريفكم الفاسدة، وسخرياتكم الواردة، وقد عاب الدف ابن حنبل وأبو حنيفة. قالوا: روى بريدة أن جارية قالت له عليه السلام بعد رجوعه من غزاة كنت نذرت إن رجعت سالما أضرب بين يديك بالدف وأنغنى، فقال: إن كنتي نذرتي فاضربي وإلا فلا، فضربت فدخل أبو بكر ثم علي ثم عثمان وهي تضرب فدخل عمر فوضعت الدف تحت استها وقعدت، فقال النبي صلى الله عليه وآله: إن الشيطان ليخاف منك يا عمر، أخرج ذلك الترمذي في صحيحه. قلنا: لا يخفى ما فيه من القول بالباطل، إذ لو نذرت الزنى أو غيره لأباحه لها وحاشاه أن يرضى بذلك وفي قوله (وإلا فلا) نهي صريح وهو للتحريم وكيف يصير النذر الحرام مباحا وفي قوله (إن الشيطان يخاف منك يا عمر) تصريح بأنه فعل الشيطان، وتفضيل لعمر على النبي ومن حضره، وقد روى العبدي في آداب الكتاب أنه عليه السلام قال: (من استمع إلى قينة صب في أذنيه الآنك يوم القيامة) وأخرج البخاري قول عمر: أمزمار الشيطان عند رسول الله ؟ وفي تظليله على عائشة للتفرج نقص لا يرضى به الأدنى، فضلا عمن لا ينطق عن الهوى، وقد وافقوا على تحريم نظر المرأة إلى الرجال في قوله عليه السلام. أعمياوين أنتما، كيف ويعارض حديثهم قوله تعالى: (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية (1)) وقوله (ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة (2)) والطرب المذكور جاز كونه لإقرارهن بنبوته لا للدف بحضرته، على أن الطرب مشترك بين الحزن والسرور قال شاعر:


(1) الأنفال: 35. (2) الجمعة: 11.

[ 160 ]

وقالوا قد بكيت فقلت كلا * وهل يبكي من الطرب الجليد فيحمل طربه على كراهته. إن قيل: فهبة العمامة تدل على رضاه. قلنا: لا، إذ جاز أن يكون ليسر عن الانصراف عنه، كما أن الله تعالى يحب قضاء حاجة الكافر كراهية منه لسماع صوته كما جاء في الحديث النبوي. (الفصل الثاني) ولنرجع إلى النمط الأول من ذكر فضائله عليه السلام. فعلم النحو أملا على أبي الأسود جوامعه وهذا يلحق بالمعجزات لأن القوة البشرية لا تفي بحصر الكلام في الثلاثة، والإعراب في الأربعة، وأما أحواله في الحروب فبها تضرب الأمثال، بأفواه الأولياء والأعداء من الرجال، فإنه لما دعى بصفين معاوية ليبارزه ليستريح الناس، فيقتل أحدهما وتقصر الفتنة بينهما، قال ابن العاص: قد أنصفك، قال: غششتني أتأمرني بمبارزته وأنت تعلم أنه الشجاع المطرق. وانتبه يوما فرأى ابن الزبير تحت رجليه فقال: لو شئت أن أفتك بك لفعلت قال: شجعت بعدنا ؟ قال: وما تنكر من شجاعتي، وقد وقفت بإزاء علي بن أبي طالب في الصف ؟ قال: لا جرم أنه قتلك وأباك بيسرى يديه، وبقيت اليمنى فارغة يطلب من يقتله بها. وافتخرت أخت عمرو بقتله أخاها فقالت: لو كان قاتل عمرو غير قاتله * بكيته أبدا ما دمت في الأبد لكن قاتله من لا نظير له * وكان يدعى أبوه بيضة البلد وطلب المشركون ببدر الأكفاء، فخرج وأرداهم وكان النصر بقتلهم، قال بعض الفضلاء فيهم:

[ 161 ]

أردى ببدر قروم المشركين وقد * عتوا بضرب يقد الهام كالشعل ما بارزوا فارتضوا قرنا سواه لكي * يروا به العذر عند اللوم والعذل كأنما رام قتلاه الفخار به * فما التقوا غيره والعمر في مهل ما كان يبرز في حرب إلى بطل * إلا ويبطل منه حيلة البطل وأي مشهد حرب لم يروه به * قطبا يدير رحا حرب بلا وجل وفي الحديث: كانت ضرباته وترا. قال ابن قتيبة في المعارف: ما صارع أحدا إلا وصرعه، أقول: إن أهل الذمة مع تكذيبهم بالنبوة يحبونه، والفلاسفة مع معاداتهم للملة يعظمونه، والفرنج والروم تصور صورته في بيعها وملوك الترك و الديلم على أسيافها تضعها، وكانت على سيف عضد الدولة وابنه، وعلى سيف أرسلان وابنه، كأنهم بها يتفألون، وللنصر بها يطلبون. وبالجملة فكل شجاع ينتهي إليه ويعول في انتصاره عليه، وقال الجاحظ: ليس في قتل الأقران فضيلة للرئاسة، إذ ليس المقاتل في منزلة الرئيس وإلا لكان النبي مرؤسا لعدم قتاله. قلنا: في هذا تصغير لأمر الجهاد، ورد على القرآن في قوله (وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما (1)) ولم يكن لأبي بكر رئاسة والنبي حاضر مختص بها غني عنه وعن غيره فيها على أنا لا نسلم أن النبي صلى الله عليه وآله لم يقاتل، وقد قاتل بأحد وغيرها وقد قال علي عليه السلام: كنا إذا أجم البأس (2) اتقينا برسول الله. قال: الشجاع قد يترك النزال لمعان أشرف منه. قلنا: فهربه في خيبر [ عنه ] كان لمعان أشرف منه ! هي انكسار قلوب المؤمنين ! ونزول الغم بسيد المرسلين ! حين ألبس بهزيمته جلابيب المذلة لرايته، واقتفى عمر أثره في وصمته، على أن ما ذكر يسري في العبادات، فيقال: إن تاركها أفضل من فاعلها لمعان أخر أشرف منها، وقد كان الرئاسة لأمير المؤمنين بصفين وغيرها، وقد قاتل بنفسه فيها.


(1) النساء: 94. (2) وفي النهج: كنا إذا احمر البأس.

[ 162 ]

وأما الجود فظاهر عليه وقد شهد له أعداؤه، فقد دخل محقن الضبي على معاوية وقال: جئتك من عند أبخل الناس، فقال: ويحك لو ملك علي بيتا من تبر وبيتا من تبن لأنفذ تبره قبل تبنه. قال الشعبي: ما قال لسايل قط: لا، وناهيك بما أتى في هل أتى حين إيثاره بالطعام ثلاثا مع صيامه تلك الأيام، ونزل فيه (الذين ينفقون أموالهم بالليل و النهار سرا وعلانية (1)) لما تصدق بأربعة دراهم والمخالف يزعم أن أبا بكر أنفق أمواله على النبي الذي هو أفضل من المسكين واليتيم والأسير، ولم ينزل فيه شئ يسير، وذلك إما لعدم الإنفاق في نفسه، أو لعدم الاخلاص فيه. وأما الحلم فقد صفح يوم الجمل عن مروان وكان أعدى الناس عداوة له في كل أوان، وعن ابن الزبير مع شتمه لعلي جهارا، وكرم عائشة بتجهيزها إلى المدينة في عشرين امرأة عليهن لبس الرجال فقالت في الطريق: هتك ستري برجاله فلما وصلت إلى المدينة ألقين العمائم وقلن: نحن نسوة، وعفى عن أهل البصرة و الأحقاد لم تبدد، وموجبات المؤاخذة لم تشرد، وصفح عن معاوية وأصحابه حين ملك الماء بعد أن منعوه منه. وأما الفصاحة فمنه تعلم الناس الكتابة والخطابة، ولا يخفى ما له من مفرد الكلام ومركبه، حتى اعتنى العلماء بشروحه، والنظر في كشف أسراره، كنهج البلاغة وغيره، وقد أطنب الجاحظ في كتاب البيان، في مدح علي في هذا الشأن. وأما حسن الأخلاق، فهو المضروب به المثل على الاطلاق، قال ابن العاص: (إن به دعابة) أخذه من قول عمر لما عزم على استخلافه: (لله أبوك لولا دعابة فيك) قال صعصعة: كان فينا كأحدنا في لين جانب، وشدة تواضع، وسهولة قياد، و قال معاوية: رحم الله أبا حسن فلقد كان هشا بشا ذا فكاهة. وأما زهده فهو أحد الأبدال العظام، فلم يشبع قط من طعام، يلبس الغليظ القصير، ويأكل جريش الشعير، وكان من كرامته أن الجوع لم ينقص من قوته


(1) البقرة: 274.

[ 163 ]

ولم ينقض أيده، وناهيك بنهج البلاغة في ذلك وغيره. فمنه: والله لأن أبيت على حسك السعدان مسهدا، وأجر في الأغلال مصفدا أحب إلي من ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالما لبعض العباد، أو غاصبا لشئ من الحطام، وكيف أظلم وأجل النفس يسرع إلى البلا قفولها، ويطول في الثرى حلولها. ومنه: والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة، ما فعلت، وإن دنياكم عندي أهون من ورقة في فم جراذة تقضمها، ما لعلي ونعيم يفنى، ولذة لا تبقى ؟ ومنه: والله إن دنياكم عندي أهون من عراق خنزير في يد مجذوم. دل هذا وغيره على غاية زهده، مع أن الدنيا بأسرها في يده لما أتقن من أصول الكيميا لما يأتي مما نقلته عنه الفضلاء. أما غيره فزهده في الدنيا تابع لزهدها فيه فهو منقاد قهرا إليه بخلاف من أعرض عنها بحسب اختياره، كما تمدح به في بعض أشعاره: دنيا تخادعني كأني لست أعرف حالها * مدت إلى يمينها فرددتها وشمالها ورأيتها محتاجة فوهبت جملتها لها قال الجاحظ: أبو بكر أزهد منه مات عن بعير وعبد مع كثرة الفتوح و الغنايم، ولم يتزوج من ذلك امرأة ولا اتخذ منه سرية وعلي مات عن مزارع و نخيل وأزواج وسراري. قلنا: أما زهد علي في مطعمه وملبسه فظاهر أنه لم يلحقه أحد إليه، ولا قارب ما اشتمل عليه، ولم يخلف سوى سبع مائة درهم يشتري بها خادما، وما كان له في حياته فلا خفاء أنه صرفه في صدقاته، وما ذكره من كثرة نسائه ففيه تعريض بالنبي صلى الله عليه وآله حيث مات عن تسع، وقد قال سفيان بن عيينة: كثير النساء ليس من الدنيا فإنه لم يكن أحد من الصحابة أزهد من علي وكان له سبعة عشر سرية، وأربع نسوة.

[ 164 ]

وأما العبادة فكان أكثر الناس صلاة وصياما، ومنه تعلموا الأوراد ليلا حتى بصفين ليلة الهرير وضع له بين الصفين نطع فصلى عليه، والسهام تقع بين يديه، وتمر على صماخيه، فلا يرتاع لها، ولا ينتقل عنها، ومن تأمل مناجاته لربه، وخشوعه لهيبته، فهم أنها خرجت عن قلب مخلص، ولسان محق. وأما القرآن فاتفقوا على أنه كان على عهد النبي يحفظه وقالوا ما تأخر عن بيعة أبي بكر إلا لجمعه، والقراء يرجعون إليه، فإن أبا عمرو وعاصم وغيرهما أخذوا القراءة عن أبي عبد الرحمن السلمي وهو تلميذه عليه السلام. وأما قوة الرأي فكان أسد الناس رأيا ولقد أشار على عثمان بصلاحه لو قبل ذلك ما قتل، وإنما قال أعداؤه: لا رأي له. لأنه كان مقيدا بالشريعة دون غيره وقد قال: (لو لا الدين لكنت أدهى العرب). وأما السياسة فكان خشنا في ذات الله لم يراقب ابن عمه في عمل ولاه، وجبه بكلامه عقيلا أخاه، وحرق بالنار قوما وصلب آخرين، وقطع قوما ونقض دور آخرين، ومن أكثر سياسته حرب الناكثين والقاسطين والمارقين. وأما سبقه إلى الاسلام، فمل يقل بخلافه إلا النادر من الأنام، ومن وقف على كتب الأحاديث والسير، علم سبقه إلى سيد البشر، وسنأتي بطرف منه في مكان آخر. قال ابن أبي الحديد: ذهب إلى سبقه الواقدي والطبري ورجحه ونصره صاحب كتاب الاستيعاب، ولم يخالف في ذلك إلا الأقلون، وهذا راجع إلى خطيب دمشق وابن أبي الحديد من كلاميهما لمعناه لما عقلنا لمعناه.

[ 165 ]

(الفصل الثالث) وقد عرفت به جواب أرذل النصاب من الناس، أن التفسير منسوب إلى مقاتل وابن عباس، وإلى مجاهد والزهري، والحديث منسوب إلى أبي هريرة، إلى ابن عمر، إلى نافع، والفقه منسوب إلى الأئمة الأربعة وأتباعهم كالغزالي الشافعي فإنه صنف في العلوم ألف كتاب وابن الجوزي الحنبلي نحوه والنحو منسوب إلى سيبويه، إلى الأخفش، إلى الكوفيين، إلى البصريين، والعروض منسوب إلى الخليل، والأصولان والطب وغيرها لها أهل تنسب إليهم، ومن قوله: إن ذلك في أفواه الرفضة، لم يوجد في كتاب، لما رأوا ذكر أئمة السنة على المنابر، أرادوا مقابلتها بما لا يخفى بطلانه على ذوي البصائر. قلنا: قد عرف ما ذكر في أمير المؤمنين، من أئمة المخالفين وكتب المؤلفين وقد ذكرت سلاطين السوء على المنابر، وسب علي عليها أشهر للبادي والحاضر فأي دليل في هذه الكلمة، على إمامة الظلمة، والمنسوب إليهم تلك العلوم، إنما يفتخرون بأنهم أتباع [ أتباع ] علي عليه السلام. على أن الجوزي الذي مدحه الناصب قال في كتابه: (الرد على المتعصب العنيد): مقاتل كذاب بإجماع المحدثين لا يدري ما يقول، وقال: وكيع كذاب وقال السعدي: كان جسورا وقال البخاري: كان مقاتل لا شئ ألبتة وقال الساجي: كذاب متروك. وقال الرازي: متروك الحديث، وقال النسائي: الكاذبون المعروفون بوضع الحديث على رسول الله أربعة ابن أبي يحيى بالمدينة، و الواقدي ببغداد، ومقاتل بخراسان، وابن سعيد بالشام، وسيأتي تكميل ذلك في الباب السادس عشر. وقال الجاحظ أيضا نحو القول الأول ينسب: حفظ القرآن إلى زيد وابن زيد وغيرهما ولم يذكر علي فيهم وأصحاب الحروف أبي وابن مسعود وغيرهما

[ 166 ]

ولم يذكر علي فيهم، وأصحاب التأويل ابن عباس والحسن وغيرهما ولم يذكر علي فيهم. قلنا: قال الأهوازي إن قراءة عصام تنتهي إلى السلمي وهو قرأ على علي عليه السلام، قال: وقراءة حمزة والكسائي ينتهيان إلى علي عليه السلام وأما التفسير والتأويل فأسند الشيخ المعظم ابن عبد البر إلى أبي الطفيل قوله عليه السلام على المنبر: (سلوني عن كتاب الله فما من آية إلا وأنا أعلم بها) ومن المحال أن يقول ذلك على رؤس الأشهاد بغير علم، وقد فسر لابن عباس حروف الجمل فقال: علمي بالقرآن في علم علي كالقرارة في المثعنجر، وفي تفسير الثعلبي عن ابن عطا قال: رأيت ابن سلام فقلت هذا الذي عنده علم الكتاب، قال: إنما ذلك علي بن أبي طالب ونحوه روى أبو نعيم عن ابن الحنفية بطريقين. قال والرواية منسوبة إلى ابن عمر، إلى جابر، إلى أبي هريرة، إلى عائشة. قلنا: أسند صاحب الاستيعاب إلى ابن عباس (كنا إذا أتانا الثبت عن علي لم نعدل به) وكيف يفضل أبو هريرة المطعون فيه عند عمر وغيره عليه، وترك ذكره معه لعلوه، فإن التام الكامل لا يذكر مع الناقص الحامل. والشمس لا يهبطها عايب * سيان دار أو غفول جهول والنقص إذ ذاك على عايب * قد قيدته بالصغار الكبول قالوا: ادعيتم أن عليا يعلم ما في السماوات والأرض وأنه أعلم جبرائيل حين سأله عن نفسه وهو في الأرض وهذا يبطله قوله سبحانه: (لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله (1)) وقوله (لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين (2)) قلنا: جاز أن يكون علمه ببعض المغيبات بإعلام النبي له لقوله تعالى (فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول (3)) ولو صح الاستدلال بالآية على عدم


(1) النمل: 65. (2) أسرى: 95. (3) الجن: 26. (*)

[ 167 ]

نزول جبرئيل إلى الأرض، لزم أن لا يكون نزل على النبي وهو خلاف إجماع الولي والغوي. قالوا: علي لم يبلغ غرضا بتحكيم عبد الرحمن في الشورى، وتحكيم معاوية للأشعري، وخروج علي في حرب الجمل والخوارج، فلو [ كان ] يعلم غيبا لم يفعل من ذلك شيئا. قلنا: فالنبي أخبر بالغيب إجماعا مع أنه لم يبلغ غرضا إذ غرضه كون الناس ملة واحدة، ولم يأخذ سوى جزيرة العرب، فإن دل ذلك على عدم الإمامة دل هذا على عدم النبوة، بل وعلى عدم الإلهية، فإن الله تعالى غرضه إذهاب الكفر، ولم يحصل بالكلية، والخلفاء الثلاثة لم يبلغوا كل غرض. وقد أخرجوا لعمر حديث سارية وهو من علم الغيب، والاعتذار عن التحكيم قد عرف في موضعه من طرقهم. تذنيب لذلك، أخذنا معانيه من شرح نهج البلاغة لميثم البحراني: النفس الانسانية إذا فرغت من علائقها من الحواس الظاهرة، رجعت بطبعها إلى جناب ربها، فيحصل لها من الصور هناك من هو أليق بها من أحوالها، ثم ترتسم في المخيلة وتنحط إلى الحس المشترك، فتصير كالمشاهدة، هذا حالها في منامها و أما حال يقظتها فمتى كانت قوية لم يكن اشتغالها بتدبير بدنها عايقا لها عن ملاحظة مباديها، والاتصال بحضرة ربها، فيفيض من جنابه صورا عليها، ثم ترتسم في مخيلتها حتى تصير كأنه مشاهد لها. إن قيل: إخبار علي بالمغيبات إنما هو بعلم علمه النبي ولو علمه غيره لكان مثله وحينئذ لا مزية له، ولهذا لما وصف الأتراك، قال له بعض أصحابه: لقد أعطيت علم الغيب. فضحك وقال: إنما هو تعلم من ذي علم، وإنما الغيب علم الساعة وما عدده الله بعدها، ونحوه هو علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، وما سواه فعلم علمه الله نبيه فعلمنيه، ودعا لي بأن أعيه. قلنا أما القسم الأول فمسلم اختصاصه بالله وأما المدعى علمه، فإن النفس القدسية لها استعداد لانتقاش الأمور الغيبية فتتأهل لإفاضة جود الله، والاختصاص

[ 168 ]

بعناية الله إما بواسطة الرسول ونحوه، أو بغيرها كإعداد نفسه للقوانين الكلية، و لو كان النبي إنما أعطاه صورا جزئية لم يحتج إلى دعائه بفهمه، فإن فهمها سهل لمن له أدنى فهم، ويؤيده: علمني رسول الله صلى الله عليه وآله ألف باب انفتح لي من كل باب ألف باب، وقول النبي: أعطيت جوامع الكلم وأعطي علي جوامع العلم، وفي عطف (أعطي) على (أعطيت) دلالة على أن المعطي لهما هو الله وهو المطلوب. تذنيب آخر: قوله تعالى (قل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون (1)) والمراد بالمؤمنين بعضهم والإمام أعلى من غيره، فالمراد هو، ومتى كان نظره مساويا لنظر النبي تعين كونه معصوما كالنبي وصح اطلاعه على أشياء بواسطة النبي. إن قيل: لم لا يكون المراد بالمؤمنين مؤمني غير هذه الأمة ؟ قلنا: يبطله (لتكونوا شهداء على الناس (2)). إن قيل: لم لا يراد بالمؤمنين الملائكة ؟ قلنا: لا يتناولهم اسم المؤمنين عرفا ولهذا لم يسارع الفهم عند الاطلاق إليهم. إن قيل: المراد برؤية العمل العلم بجزائه وذلك في المستقبل، وهو لا يختص بالإمام ويعضد ذلك سين الاستقبال. قلنا: لو أريد الاستقبال لم يكن الرب عالما به في الحال وهو محال على أن السين جاءت لغير الاستقبال (فاستجبنا له) (فاستجاب له ربه). (الفصل الرابع) قالوا: قلتم: اعتقد الغلاة في علي أنه الإله، وما ذلك إلا لمعنى موجب لترجيحه يغتني الفهيم بتلويحه عن تصريحه، وأي حجة في الاعتقاد الباطل للكفرة وقد اتخذت غطفان الغوي إلها وهي شجرة، وثقيف مناة وهي صخرة، وغير ذلك


(1) براءة: 106. (2) البقرة: 143.

[ 169 ]

ولا معنى فيها يوجب ترجيحها، وادعيت النبوة لمسيلمة ولسجاح وهي امرأة فأي معنى رأى فيهما أتباعهما. قلنا: إنا لم نقل بأفضلية علي لكونه معبودا بل: لما ظهر من أفعاله مما يبهر العقول: ضل فيه لعدم تحقيق النظر الجهول، كما ظهر لعيسى من إحياء الأموات، وإبراء ذوي العاهات، فرأوا العجز عن ذلك في القوة البشرية، فوصفوه لذلك بالإلهية. ولم يعلموا أن الكرامات الدالة على الخلوص من الذنوب، من أكبرها الإجابة من علام الغيوب، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وآله إن لله عبادا أطاعوا الله فأطاعهم يقولون للشئ بأمره كن فيكون، وقد أورد المخالف قول النبي صلى الله عليه وآله لعلي (لولا أن تقول طائفة فيك ما قالت في عيسى النصارى، لقلت فيك..) الحديث، ولما بهر عقول النساء حسن يوسف العظيم (قلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم (1)). قال ابن أبي الحديد، في مدحه للسيد المجيد: تقبلت أفعال الربوبية التي * عذرت بها من شك أنك مربوب وقد قيل في عيسى نظيرك مثله * فخسر لمن عادى علاك وتتبيب وقصده المبالغة في المقال، لا قبول عذر الضال، ولا نسلم عدم المعنى في تلك الأصنام، فإن أكثر المفسرين قالوا: وضعت على صور قوم كرام من الأنام تبركا بشرفهم فلما طالت الأوقات عبدها أولادهم جهلا منهم، وقيل: إنما وجهوا إلى الأصنام العبادات لأنها صور الكواكب المؤثرات فأرادوا تعظيمها لارتباط منافع العالم السفلي بها، واستنادها إليها، فلما تناسلت القرون نسي ذلك في التابعين وصاروا مقلدين، وأيضا لا يلزم من عدم وجود المعنى فيها عدم وجوده في غيرها و المجتمعون على مسيلمة وسجاح طلبوا الدنيا بهما لا لفضل رأوا فيهما، كما جرت عوائد أتباع الظلمة لإحراز الأموال وعلو الكلمة.


(1) يوسف: 31.

[ 170 ]

(الفصل الخامس) قالوا: قلتم: علي أفضل بالمصاهرة قلنا: زوج النبي عتبة بن أبي لهب و أبي العاص بن الربيع، وهما كافران وزوج عثمان ابنتين، وتزوج من الشيخين بالابنتين، فالأئمة الأربعة أصهاره. أجبنا بأن فاطمة أفضل من باقي بناته وزوجاته وأورد الثعلبي في تفسير قول ابن عمر: لعلي ثلاثة لو كانت لي واحدة منهن كانت أحب إلي من حمر النعم: تزويج فاطمة، وإعطاء الراية، وآية النجوى. ولم يقل ذلك في بناته وقد أخرج صاحب جامع الأصول عن النسائي أن الشيخين خطباها فاعتذر بصغرها وخطبها علي فزوجه بها، وأخرجه أيضا عن رزين، وما قال من تزويج النبي بالكفار يرد عليهم في تزويجه عثمان الذي سموه ذا النورين، سبب تزويجه الابنتين. وليس لهم أن يقولوا: عند خطبة علي كانت قد كبرت، فلهذا ردهما وأجابه لأنا نقول: فالتعقيب في قول كتبكم (فخطبها) تمنع ذلك وأما فضل فاطمة على غيرها من بناته وغيرها، فمشهور بأقوال النبي صلى الله عليه وآله فيها: كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع وعدها منهن وأخرج البخاري قوله في حقها (سيدة نساء العالمين، يريبني ما رابها) وأخرج صاحب الوسيلة عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله ما لك إذا أقبلت فاطمة جعلت لسانك في فيها كأنك تريد أن تلعقها عسلا ؟ فقال صلى الله عليه وآله: لما أسري بي دخلت الجنة فناولني جبرائيل تفاحة فأكلتها فصارت نطفة، وفاطمة منها وكلما اشتقت إلى ريح الجنة قبلتها وإن خديجة هجرتها نساء قريش عند ولادتها لأجل تزويجي بها فتولى أمرها حواء وآسية وكلثم أخت موسى ومريم فلما وضعت فاطمة وقعت ساجدة نحو القبلة رافعة أصبعها، ناطقة بالشهادتين. وقد روى مسلم في الجزء الرابع من صحيحه بعدة طرق: فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها، وبعض المعصوم معصوم.

[ 171 ]

وقد قالت في خطبتها المشهورة: أصبحت والله عائفة لدنياكم، قالية لرجالكم لفظتم بعد أن عجمتم، وسبرتم بعد أن خبرتم، ويحهم أنى زحزحوها عن رواسي الرسالة، وقواعد النبوة، وما نقموا من أبي الحسن تالله إلا نكال سيفه، ونكير وقعه، وشدة وطئه، وتشهيره في ذات الله، إلى أي لجاء أسندوا، وبأي عروة تمسكوا لبئس المولى ولبئس العشير استبدلوا الذنابى بالقوادم، والأعجاز بالكواهل رغما لمعاطس قوم، يحسبون أنهم مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون، ولكن لا يشعرون. وناهيك من قولها بعد عرفان عصمتها من تقديم بعلها، وقد أورد الثعلبي تزويجها في قوله (وهو الذي خلق من الماء بشرا وجعله نسبا وصهرا (1). ومن الوسيلة أيضا إنما سميت فاطمة لأنها فطمت محبوها عن النار، ومنها عن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله ينادى يوم القيامة أيها الجمع نكسوا رؤسكم، و غضوا أبصاركم حتى تجوز فاطمة على الصراط، ومنها أن النبي صلى الله عليه وآله قال لها إن الله يغضب لغضبك، ويرضى لرضاك، ومنها قول النبي لعلي إن جبرائيل يخبرني أن الله زوجك بفاطمة وأشهد أربعين ألف ألف ملك، وأوحى إلى شجرة طوبى أن تنثر الدر والياقوت، فنثرت فلقطه الحور فهو عندهن يتهادينه إلى يوم القيامة، فمعاني هذه الأقوال نقلت من الوسيلة. وفي تفسير الزمخشري في قوله تعالى: (قالت هو من عند الله (2)) إن فاطمة في زمن قحط أعدت للنبي رغيفين وبضعة لحم فكشفت الطبق فوجدته مملوءا خبزا ولحما، قال لها: أنى لك هذا ؟ قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب فقال الحمد لله الذي جعلك شبيهة سيدة نساء بني إسرائيل ثم جمع بعلها وولديها و أهل بيته وأكلوا حتى شبعوا والطعام كما هو فأوسعت فاطمة على جيرانها، فهذه تشهد بأفضليتها، وأنتم تقيسونها بغيرها، وقد وردت مدائح الشعراء بذلك فيها، و


(1) الفرقان: 54. (2) آل عمران: 37.

[ 172 ]

لم يرد قليل منها في غيرها، قال السوسي: وزوج بالطهر البتولة فاطمة * ورد سواه كاسف البال منحصر وخاطبها جبريل لما أتى بها * ومن شهد الأملاك يلقط ما نشر تناثر ياقوت ودر وجوهر * ومسك وكافور من الخلد قد نثر وقولا لهم يا خاطبيها بحسرة * تزوجت الشمس المنيرة بالقمر ويطلع من شمس الضحى ومن الدجى * كواكب قد لاحت لنا أحد عشر وقال العوني: زوجك الله يا إمامي * فاطمة البرة الزكية ورد من رامها جميعا * بأوجه كره خزية أليس قد نافقوا وإلا * لم ردها القوم جاهلية وقال سلامة: أنا مولى من حباه ربه * بالرضا فاطمة زين العرب لست مولا الخاطب الوغد الذي * رد بالخيبة لما أن خطب وقال ابن عباس وابن مسعود وجابر والبراء وأنس وأم سلمة والسدي وابن سيرين والباقر عليه السلام في قوله تعالى: (هو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا) قال: هو محمد وعلي وفاطمة والحسنان (وكان ربك قديرا (1)) القائم في آخر الزمان. الصادق عليه السلام: أوحى الله تعالى إلى رسوله: قل لفاطمة لا تعصين عليا فإنه إن غضب غضبت لغضبه. المفضل بن عمر عن الصادق عليه السلام: لو لا أن الله خلق أمير المؤمنين لم يكن لفاطمة كفو على وجه الأرض، ونحوه رواه الأندلسي عن النبي صلى الله عليه وآله وعلى هذا قال الصاحب بن عباد. كفؤ البتول ولا كفؤ سواه لها * والأمر يكشفه أمر يوازيه


(1) الفرقان: 54.

[ 173 ]

وقال آخر: يا كفؤ بنت محمد لولاك ما * زفت إلى بشر مدى الأحقاب يا أصل عدة أحمد لولاك لم * يك أحمد المبعوث ذا أعقاب وأسند المروزي في فضائل فاطمة والبلاذري في التاريخ: خطبها أبو بكر ثم عمر فقال النبي صلى الله عليه وآله لكل منهما: أنتظر بها القضاء. (الفصل السادس) * (في مبيت علي عليه السلام على فراش النبي حين خرج إلى الغار) * * (وفي رواية إلى الشعب) * قال المفيد: يجوز صدق الروايتين بالنوم مرتين وهذه الفضيلة لم يأت أحد بمثلها ولم يتهيأ لشخص إحراز فضلها، لأن النبي صلى الله عليه وآله خرج سرا عند اجتماع القبائل على قتله فأعلم عليا واستكتمه، وأمره بالنوم على فراشه، فنام وبذل نفسه دون نبيه، فأنزل الله تعالى فيه بين مكة والمدينة على رسوله: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله (1). قال المخالف: هي رواية مظنونة فلا يعول عليها، قلنا: قد نقلها من الخاص والعام جماعة يوجب تواترها، فمن العامة، الثقفي، والفلكي، والطوسي، و الشيباني والحسن البصري، وأبو زيد الأنصاري، والسدي، ومعبد، والعكبري والسمعاني، والغزالي في الإحياء وفي كيمياء السعادة، وابن عقبة في ملحمته وأبو السعادات في فضائل العشرة، وابن حنبل في مسنده، وابن المغازلي في مناقبه والخطيب الخوارزمي، والقاضي، والجوزي، والفراء، والزمخشري، و الثعلبي ومن الخاصة ابن شاذان، والطوسي، وابن بابويه، والكليني، و


(1) البقرة: 207.

[ 174 ]

ابن أبي هالة، والصفواني، وابن عقدة، والعبد لي، وابن فياض، وأبو رافع والبرقي. ورووا هم والثعلبي في تفسيره الحديث القدسي أن الله أوحى إلى جبرائيل وميكائيل: قد آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من صاحبه، فأيكما يؤثر أخاه ؟ فكل منهما كره الموت، فقال: هلا كنتما مثل علي وليي آخيت بينه وبين محمد نبيي فآثره بالحيوة على نفسه، اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوه فهبطا فكان جبرائيل عند رأسه وميكائيل عند رجليه وبخ بخ له جبرائيل وقال: من مثلك ؟ يباهي الله به ملائكته. وفي كتاب الخوارزمي نزل جبرائيل صبيحة الغار فرحا فقال: أراك فرحا ؟ قال: وكيف لا أفرح وقد قرت عيني بما أكرم الله به أخاك ووصيك وإمام أمتك علي ابن أبي طالب، باهى الله بعبادته البارحة ملائكته وحملة عرشه، فقال: انظروا إلى حجتي في أرضي بعد نبيي وقد بذل نفسه وعفر في التراب خده تواضعا لعظمتي أشهدكم أنه إمام خلقي ومولى بريتي، وما امتحن الله خاصة ملائكته بذلك إلا وقد علم من حالهم عدم صبرهم على هذه المهالك، فكلفهم وقد علم كراهتهم لتلك المسالك، وأراد يعلم بني آدم أن الملائكة لم تقدم على فعله، فيقرون أنه ليس فيهم كمثله. وهذا المبيت لو وزن بأعمال الخلائق لرجحها، لأنه سبب نجاة نبيها وأداء رسالته إليها، وإنفاذ الأمر الإلهي فيها وثبوته، وهو ابن عشرين سنة، مع كثرة الأعداء، مراغما لهم، ينادي على الكعبة ثلاثا بصوت عال، وقوة جنان، وقلب راسخ، وثبات لسان، مع قلة الأعوان، وكثرة الخذلان: هل من صاحب أمانة أو وصية أو عدة عند رسول الله ؟ فأدى الحقوق، وجهز العيال جهازا، وفيهم عائشة فله المنة على أبيها وعليها بحفظها، وفي وصيته بذلك سالفا دليل استحقاقه، و وصيته خالفا قال ابن جبر في نخبه: الشجاع الثابت بين أربعمائة سيف مظهرا لعداوتهم حين سألوه عنه فقال: (هو في حفظ الله أو رقيبا كنت عليه) وهذا مما يعجز عنه

[ 175 ]

ذو القدر، لو لا التأييد من خالق البشر. قال الجاحظ: إنما لم يهرب خوفا من العار، قلنا: يرد هذا قوله تعالى: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله (1)) وصبره عليه السلام أعظم من صبر إسماعيل لوجود الشفقة من أبيه، وتجويز العفو من باريه، وتجويز كون ذلك امتحانا، إذ لم يعهد ذلك من أحد، وتجويز نسخة قبل فعله، وتجويز كون باطن الكلام بخلاف ظاهره، وتجويز كون تفسير المنام بضد حقيقته، وتجويز الاتيان بفدائه، ولا شئ من هذه التجويزات حاصل لعلي حال البيان. إن قيل: بل محنة إسماعيل أعظم لعلم علي أن قريشا إنما طلبت النبي دونه بخلاف إسماعيل، إذ كان يعلم أن ذلك بالوحي الإلهي. قلنا: فتفويته غرضهم مما يوجب شدة الحرج والغضب عليه، وذلك معروف بالعادات أن من فوت عليهم حيلتهم، حتى فات غريمهم، لا يلحقهم شفقة عليه، ولا ميل ما إليه، فظهر أن ما سلف من النوم، أقوى في الشجاعة من براز القوم، إذ مبارزة الأبطال الكبار، فيها رجاء السلامة بالمكر والفرار، ولهذا لما غلب ظن الملكين بالتلف، لم يؤثر أحدهما الآخر بالخلف. قال الجاحظ: في الروايتين النبي بشره أنهم لا يصلون إليه، فلا فضيلة له فيه. قلنا: تلك الزيادة لم تنعرف، إلا من عدو منحرف، نعم في رواية ابن المغازلي: لا يخلص إليك منهم مكروه إن شاء الله، وهذا لا جزم فيه لتعلقه بالمشيئة، وابن حنبل أعرف من ابن المغازلي، وقد نقل في مسنده أنهم رموه بالحجارة، ولئن سلمت الزيادة ففيها فضيلة الوثوق بقول النبي صلى الله عليه وآله. وقد رووا قوله عليه السلام أن الشيخين يليان الخلافة، ومنهم من يقول إنه نص عليه بالخلافة، فإن صدق بقول النبي فما قعوده عن لقاء الأبطال، وإن شك في النص فأين مقام علي من هذا الحال.


(1) البقرة: 207.

[ 176 ]

وقد أورد المفيد في العيون والمحاسن قول علي لأبيه: إني مقتول، فقال: اصبرن يا بني فالصبر أحجى * كل حي مصيره لشعوب قد بذلناك والبلاء شديد * لفداء النجيب وابن النجيب فأجابه عليه السلام: أتأمرني بالصبر في نصر أحمد * فوالله ما قلت الذي قلت جازعا ولكنني أحببت أن تر نصرتي * وتعلم أني لم أزل لك طائعا وسعيي لوجه الله في نصر أحمد * نبي الهدى المحمود طفلا ويافعا وهذا يتأتى على رواية الخروج إلى الشعب لما ورد أن أبا طالب كان قد مات عند الخروج إلى المدينة كما ذكره صاحب جامع الأصول وسيأتي إن شاء الله. قالوا: إنما أباته لعلمه أن الاسلام لا ينهدم بقتله، واستصحب أبا بكر لعلمه بخلافته. قلنا: قد رويتم أنه قال صلى الله عليه وآله: الخلافة بعدي ثلاثون سنة على أعمار الأربعة فكيف يحرص عليه خاصة دون غيره، بل قد روي أنه صحبه خوفا من أن ينم عليه قال ابن طوطي: ولما سرى الهادي النبي مهاجرا * وقد مكر الأعداء والله أمكر وصاحب في المسرى عتيقا مخافة * لئلا بمسراه لهم كان يخبر وروى أبو بصير عن الصادق عليه السلام أنه تبعه يريد أن يعلمه به قريشا فأوحى الله إليه ذلك، فقال له: ويلك ما زلت من ذي الليلة مؤذيا لي، فقال: إنما أردت أشيعك، وأعلم علمك، ولا حاجة لي في أن أكون معك، بل أحب أن أكون مخملا أكذب عنك، فقال له النبي صلى الله عليه وآله إن الله أن آخذك ثم قبض عليه وكان من أشد الناس قبضة فأخذه كارها وسيأتي لذلك في باب رد الشبهات عند ذكر آية الغار مزيد كلام، فليراجعه من يريد هذا المرام. وقد افتخر علي في المبيت وأنشأ في هذا المقام: وقيت بنفسي خير من وطئ الثرى * ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر أردت به نصر الإله تبتلا * وأضمرته حتى أوسد في القبر

[ 177 ]

ومدحه الفضلاء والشعراء كالحميري والطوطي ودعبل الخزاعي والناشي ومن أحسن ما قيل فيه للسيد المرتضى: وقى الرسول على الفراش بنفسه * لما أراد حمامه أفوامه ثانيه في كل الأمور وحصنه * في النائبات وركنه ودعامه لله در بلائه ودفاعه * واليوم يغشى الدارعين قتامه فكما أجم إلى العوالي غيلة * وكأنما هو بينها ضرغامه (1) طلبوا مداه ففاتهم سبقا إلى * أمد يشق على الرجال مرامه وذكر الواقدي وغيره أنه لما أراد الخروج بعيال النبي صلى الله عليه وآله قال له العباس: ما أراك تمضي إلا في خفارة خزاعة، فقال: إن المنية شربة مورودة * لا تجزعن وشد للترحيل إن ابن آمنة النبي محمد * رجل صدوق قال عن جبريل أرخ الذمام ولا تخف من عائق * فالله يرديهم إلى التنكيل إني بربي واثق وبأحمد * وسبيله متلاحقا بسبيلي وقال السيد الحميري في مبيته عليه السلام: ومن قبل ما قد بات فوق فراشه * وأدنى وساد المصطفى وتوسدا وأخمر منه وجهه بلحافه * ليدفع عنه كيد من كان أكيدا فلما بدا صبح يلوح تكشفت * له قطع من حالك الليل أسودا ودارت به أحراسهم يطلبونه * وبالأمس ما سب النبي وأوعدا أتوا طاهرا والطيب الطهر قد مضى * إلى الغار يخشى فيه أن يتوردا فهموا به أن يقتلوه وقد سطوا * بأيديهم ضربا مقاما ومقعدا دعبل: وهو المقيم على فراش محمد * حتى وقاه مكائدا ومكيدا


(1) فكأنما أجم العوالي عيلة. خ.

[ 178 ]

وهو المقدم عند حومات الوغى * ما ليس ينكر طارفا وتليدا الناشي: وقى النبي بنفس كان يبذلها * دون النبي قرير العين محتسبا حتى إذا ما أتاه القوم عاجلهم * بقلب ليث يعاف الرعب ما وجبا فساءلوه عن الهادي فشاجرهم * فخوفوه فلما خافهم وثبا وقال آخر: مبيت علي في الفراش فضيلة * كبدر له كل الكواكب تخضع فرهن علي بالفكاك معادل * وهذا سبيل واضح النهج مهيع (الفصل السابع) حمله النبي لتكسير الأصنام، عن البيت الحرام، وهو من الفضائل العظام حيث تشرف قدماه بمنكب خير الأنام، وقد رواه الفريقان مثل ابن حنبل والموصلي والخطيب والخوارزمي والزعفراني والنطنزي والشيرازي وعمار بن أحمد و أبي عمر والقاضي وابن منده والبيهقي وابن مردويه والثعلبي والجرجاني و شاذان والحسكاني. قالوا: لا فضيلة لعلي في حمل النبي إذ لو وجد آلة يرمي بها غيره لم يحمله قلنا: لم يشك أحد في أن ذلك فضيلة لعلي فقد ذكره شيخ المعتزلة ابن أبي الحديد في قوله: رقيت بأسمى غارب أحدقت به * ملائكة تتلو الكتاب لمطهرا فيا رتبة لو شئت أن تلمس السها * بها لم يكن ما رمته متعذرا ويا قدماه أي قدس وطئتما * وأي مقام قمتما فيه أنورا وهذا أخذه من قول النبي صلى الله عليه وآله فيما رواه ابن المغازلي أن عليا قال للنبي: أنا أحملك فقال النبي لو أن ربيعة ومضر جهدوا أن يحملوا مني بضعة وأنا حي

[ 179 ]

ما قدروا، ولكن أنا أحملك، فاقتلعه من الأرض بيده ورفعه حتى بان بياض إبطيه وقال: ما ترى ؟ قال: أرى أن الله قد شرفني بك حتى لو أردت أن ألمس السماء للمستها، فلما رمى بها صرخ النبي من تحت علي فترك رجليه، فسقط على الأرض فضحك قال: مم تضحك ؟ قال: سقطت من أعلى الكعبة فما أصابني شئ، قال: كيف يصيبك وإنما حملك محمد، وأنزلك جبرائيل. فهذا الحديث مجمع عليه، يتبين فضيلة علي منه، والمخالف يبطل ترجيحه بذلك، ويرجح أبا بكر بإخباره بموضع قبر النبي بخبر رواه، وبإخباره بأنه يجوز عليه الموت مع اشتهار قوله تعالى: (إنك ميت وإنهم ميتون. وكل نفس ذائقة الموت (1)) وأيضا إذا ادعيتم أن النبي لم يقصد الفضيلة لعلي بحمل علي لزمكم أنه صلى الله عليه وآله لم يقصد الفضيلة لأبي بكر بصحبة أبي بكر، وقد روي أن الثلاثة هبطوا عن مقام النبي في المنبر وعلي صعد إليه فتكلم الناس فيه فقال: سمعت النبي يقول: (من قام مقامي ولم يعمل بعملي أكبه الله في النار وأنا والله العامل بعمله والحاكم بحكمه). قلت: فمن أقام الاسلام بحسامه، ووضع رجله من النبي على ختامه، كيف ينكر عليه الصعود إلى مقامه، قال الناشي: وكسر أصناما لدى فتح مكة * فأورث حقدا كل من عبد الوثن فأبدت له عليا قريش عداوة * فأصبح بعد المصطفى الطهر في محن يعادونه أن أخفت (2) الكفر سيفه * وأضحى به الدين الحنيفي قد علن قال المخالف: روت أهل السنة أن النبي ليلة الهزيمة كان يحمل أبا بكر في الرمل لأن قدم النبي لا يؤثر فيه وأبو بكر يحمل النبي في الصخر لأن قدم النبي تؤثر فيه. قلنا: الحديث المجمع عليه، فيه: (لو أن ربيعة ومضر جهدوا على أن يحملوا مني بضعة وأنا حي ما قدروا) ينفي ويكذب ما قدرووا ولو فرضت


(1) الزمر: 30. آل عمران: 185. (2) أخمد. خ ل.

[ 180 ]

صحة هذا المحال، لم يتفضل بحمله للنبي على حال، إذ يقال له: لو وجد النبي حمارا يركبه لما حمله كما قلتم: لو وجد النبي آلة بدلا من علي لما حمله. قالوا: لم يطق حمل النبي أحد كما في الحديث. قلنا: قد قلتم: إن أبا بكر حمله، فكيف تعثرون هذا العثور ؟ وقد حملته العضباء واليعفور قال الناشي: إمام علا من خاتم الرسل كاهلا * وقد كان عبلا يحمل الطهر كاهله ولكن رسول الله أعلاه عامدا * على كتفيه كي يباهي فضائله أيعجز عنه من دحى باب خيبر * ويحمله أفراسه ورواحله قالوا: حمل النبي الصبيان: أسامة والحسنين وأمامة، ولا فضل بذلك فضلا عن اقتضاء الإمامة. قلنا: بلى، فإن كل واحد اشتهر به افتخاره، ولم يسع مسلم إنكاره، كيف وفيه حط لمنصب النبوة والرسالة، وحط لمنقب الفتوة والجلالة والفرق أيضا بين حملهم وحمل علي ظاهر، لكل عاقل خابر، إذ كان في حمله عليه السلام وسيلة إلى إعزاز الاسلام، بكسر الأصنام، وإرغام الطغام، قال المرتضى: ولنا من البيت المحرم كلما * طافت به في موضع أقدامه وبجدنا وبصنوه دحيت من البيت * الحرام وزعزعت أصنامه فهما علينا أطلعا شمس الضحى * حتى استنار حلاله وحرامه وقال آخر: قالوا مدحت علي الطهر قلت لهم: * كل إمتداح جميع الأرض معناه ماذا أقول لمن حطت له قدم * في موضع وضع الرحمن يمناه (الفصل الثامن) عمل بآية النجوى وبخل غيره، قال الثعلبي في تفسيره: قال ابن عمر: لعلي ثلاث لو كانت لي واحدة منهن كانت أحب إلى من حمر النعم: تزويج فاطمة، و إعطاء الراية، وآية النجوى.

[ 181 ]

وروى ابن المغازلي أنه عليه السلام قال: في كتاب الله آية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي، وذكر آية النجوى، وقال بعدها: فبي خفف الله عن هذه الأمة وأورده في التفسير الثعلبي، وشريك، والليث، والكلبي، وأبو صالح والضحاك ومقاتل، والزجاج، ومجاهد، وقتادة، وابن عباس، والترمذي، والأشنهي عن الأشجعي، والثوري، وسالم ابن أبي حفصة، وابن علقمة الأنباري، والموصلي وزاد أبو القاسم الكوفي: لو لم أعمل بها لنزل العذاب عند امتناع الكل منها، و حكى القاضي في تفسيره وقال: في هذا تعظيم الرسول، وانتفاع الفقراء، والنهي عن الافراط في السؤال، والتمييز بين المخلص والمنافق، ومحب الآخرة ومحب الدنيا وذكر قريبا منه رزين العبدري. وفي الكشاف للزمخشري: ومن طريق الحافظ أبي نعيم: بخلوا أن يتصدقوا وتصدق ولم يفعل ذلك أحد غيره، فهنا عتب الله تعالى على كل الأمة لقوله تعالى: (فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم (1)) وذلك أن الله لم يقيد الصدقة بقليل ولا كثير فلا اعتذار للفقراء بعدم المقدرة، وكان ذلك ليتميز علي عليه السلام وتظهر فضيلته فيهم إذ كان الله عالما قبل اختبارهم بفعله وامتناعهم، فأراد بذلك إظهار شرفه بامتثال أمره، واستحقاق إمرته. قالوا: كان علي سبب نسخها ومنع الأمة عن نيل ثوابها، إذ عملت بها. قلنا: [ إذ ] المراد تثبيت فضيلته، وإن لزم منها نقص غيره، وقد كان عند النذير زيادة النفير، وزيادة الرجس عند إنزال السورة، فلا تنفعهم كلمتهم العورة. قالوا: تفتخرون بصدقة النجوى مع قلتها فكيف يكون افتخارنا بإنفاق أبي بكر مائة ألف كل ماله وعمر نصف ماله ؟ قلنا: صدقة النجوى كثرها القبول كما قال عليه السلام: (لا يقل عمل مع التقوى وكيف يقل ما يتقبل) ولولا إعلام


(1) المجادلة: 13.

[ 182 ]

النبي بقبولها لم يصرح ابن عمر بتمنيها، وما يدعونه من إنفاق أبي بكر فدعوى قام الدليل على خلافها بما ذكره البخاري وغيره أنه كان خياطا وأن بنته أسماء كانت تنقل النوى على رأسها من أرض الزبير وهي عنها ثلاث فراسخ وكان أبوه عضروطا (1) لابن جذعان ينادي على مائدته كل يوم بمد، لو كان ذا مال لصان أباه عن أجرة النداء إلى طعام غيره. إن قلت: فأيسر بعد ذلك، قلت: الأصل عدمه ولا دليل عليه، ودعوى الإنفاق لا تجري فيه لبنائها عليه، وقبل الهجرة كان النبي غنيا بمال خديجة، وقد أخرج صاحب الوسيلة أنه عليه السلام كان يجازي على الهدية بأكثر منها، قال: كان كل ذلك تنزيها له عن المنن، وتشريفا له بالعز والغناء بما آتاه الله، ولو كان الإنفاق صحيحا، وعلى تقدير صحته لو كان مخلصا، نزل القرآن فيه كما نزل في علي هل أتى وآية الخاتم ونحوها، مع كونه هو الأقل والمنفق عليه وهو النبي هو الأجل. تذنيب: اتحاد النبي وعلي عليهما السلام في دار في الجنة يدل على شدة المناسبة في الفضيلة، واستحقاق الثواب دون غيره بيانه أن النبي صلى الله عليه وآله سئل عن شجرة طوبى فقال: أصلها في داري في الجنة وسئل ثانيا في دار علي فقيل له في ذلك، فقال: داري ودار علي واحدة. روي ذلك عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام. (الفصل التاسع) مرض الحسنان فعادهما جدهما ووجوه العرب، فنذر علي وفاطمة صيام ثلاثة أيام إن برئا، فكان ذلك. فاقترض علي ثلاثة أصوع من شعير من يهودي و روي أنه أخذها ليغزل له بها صوفا، فطحنت فاطمة عليها السلام صاعا واختبزته فأتاهم مسكين فسألهم فأعطوه، وفي اليوم الثاني يتيم فأعطوه، وفي الثالث أسير فأعطوه


(1) العضروط والعضارط: الخادم على طعام بطنه.

[ 183 ]

ولم يذوقوا الثلاثة إلا الماء فأتى علي بالحسنين وبهما ضعف إلى النبي صلى الله عليه وآله فبكى فنزلت سورة (هل أتى على الانسان حين من الدهر) (1). قال الجاحدون: السورة مكية فكيف تتعلق بما كان في المدينة ؟ قلنا: ذكر الرازي في الأربعين، وابن المرتضى، والزمخشري، والقاضي في تفاسيرهم و الفراء في معالمه، والغنوي في شرح طوالعه، والواحدي، وعلي بن إبراهيم، و أبو حمزة الثمالي، وأسنده أحمد الزاهد، والحسكاني أنها مدنية، وكذا عن عكرمة، وابن المسيب، والحسن بن أبي الحسن البصري، ونحو ذلك قال خطيب دمشق الشافعي، وأورد القضية بجزئياتها الثعلبي وفي آخرها: بكى النبي صلى الله عليه وآله وقال: واغوثاه يا الله أهل بيت محمد يموتون جوعا، فهبط جبرائيل و قال: خذ ما هناك الله في أهل بيتك، ثم أقرأه (هل أتى). وزاد محمد بن علي صاحب الغزالي في كتابه البلغة أنه نزلت عليهم مائدة فأكلوا منها سبعة أيام، وعد أبو القاسم الحسين بن حبيب وهو من شيوخ الناصبية في كتاب التنزيل، ما نزل بالمدينة وهو تسعة وعشرون سورة وذكر هل أتى منها ولم يذكر خلافا فيها، ويقرب منه ما ذكره هبة الله المفسر البغدادي في الناسخ و المنسوخ، بل ذلك قد شاع وذاع، وقرع جميع الأسماع، وأنشد فيه: أنا مولا لفتى * أنزل فيه هل أتى آخر (2): إلام ألام وحتى متى * أفند في حب هذا الفتى فهل زوجت فاطم غيره * أفي غيره أنزلت هل أتى


(1) راجع الكشاف ج 4 ص 169 أسباب النزول ص 331 تفسير الرازي ج 3 ص 243، تفسير القرطبي ج 19 الدر المنثور ج 6 ص 299، فتح القدير للشوكاني ج 5 ص 338. على ما في ذيل إحقاق الحق ج 3 ص 157. (2) نسبه في ذيل الاحقاق إلى الإمام الشافعي.

[ 184 ]

وقال ديك الجن: شرفي محبة معشر * شرفوا بسورة هل أتى وولاء من في فتكه * سماه ذو العرش الفتى ولما كان الله سبحانه قد علم صدق نياتهم وإخلاص طوياتهم أنزل على نبيه: (إنما نطعمكم لوجه الله (1)) قال مجاهد وابن جبير لم يتكلموا بذلك بل علم الله ما في قلوبهم فأثنى به عليهم. (الفصل العاشر) نزل في علي وفاطمة والحسنين (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (2)). وفي رواية القمي: إنما نزلت في علي والسبطين والأئمة من ولده، قال أحمد بن فارس اللغوي صاحب المجمل، فيه: التطهير: التنزيه عن الإثم وعن كل قبيح، وأقول: فيه شاهد عدل على عصمتهم. إن قلت: الواحد المعرف بلام الجنس لا يعم، قلت: بل يعم في النفي لأنه لو ثبت من الرجس فرد كانت الماهية فيه، فلم يصدق إلا ذهاب وليست اللام للعهد لعدم تقدم ذكر الرجس. قالوا: الله يريد إذهاب الرجس عن كل أحد. قلنا: نمنع أن الرجس المستلزم إذهابه للعصمة يريد الله إذهابه عن كل أحد. قالوا: (يريد) لفظ مستقبل فلا دليل على وقوعه، قلنا: دعا النبي صلى الله عليه وآله لهم به، ولا يدعو إلا بأمر ربه، فيكون مقبولا فيقع، مع أن صيغة الاستقبال قد جاءت للماضي والحال: (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة. يريد الله أن يخفف عنكم. يريدون أن يبدلوا كلام الله (1)).


(1) الدهر: 9. (2) الأحزاب: 33. (1) المائدة 94. النساء: 27. الفتح: 15.

[ 185 ]

قالوا: الاذهاب يستلزم الثبوت أولا وليس من قولكم ذلك، قلنا: لا، لأن الانسان يقول لغيره: أذهب الله عنك كل مرض، ولم يكن حاصلا له كل مرض. قالوا: المراد النساء لأن مبدء الآية وختامها فيهن قلنا: الميم الذي هو علامة التذكير يخرجهن. قالوا: فلتخرج فاطمة وليس قولكم. قلنا: يدخل المؤنث إذا جاء معه بخلاف قولكم فإنكم خصصتموها بالنساء. إن قالوا: خاطب موسى امرأته بالميم في قوله (لعلي آتيكم منها بقبس) قلنا: أقامها مقام الجمع مجازا إن قالوا: فكذا هنا بل أولى، قلنا: لا ضرورة تحوج إلى المجاز هنا وحديث أم سلمة أخرج النساء وسيأتي ذلك منا، مع انعقاد الاجماع في أن ترتيب القرآن ليس على ما نزل وقال الإمام الطبرسي: عادة الفصحاء الذهاب من خطاب إلى آخر والعود إليه، والقرآن مملوء منه: (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم وسقاهم ربهم شرابا طهورا، إن هذا كان لكم جزاء (1)) وقد أخرج صاحب جامع الأصول ما رواه مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم لما قيل له: من أهل بيته ؟ نساؤه ؟ قال: لا إن المرأة تكون مع الرجل الدهر ثم يطلقها فترجع إلى قومها أهل بيته هم أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده. وأسند ابن حنبل إلى واثلة بن الأسقع أن النبي صلى الله عليه وآله أجلس عليا على يساره وفاطمة على يمينه والحسنين بين يديه، ثم التفع عليهم بثوبه وتلا هذه الآية ثم قال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي هؤلاء أحق). وفي الرواية قالت أم سلمة: أنا معكم قال: إنك على خير (2)


(1) يونس: 22. الدهر: 21 و 22. (2) قد نقل المصنف رحمه الله روايات في هذا الفصل ترى مواضعها ذيل إحقاق الحق ج 2 ص 502 و ج 3 ص 513، وأخرجها في البحار ج 35 ص 217 الطبعة الحديثة.

[ 186 ]

قالوا: عنى بالخير نزول الآية فيهن. قلنا: لو كن معنيات بالآية لم يكن لقول أم سلمة فايدة، وأيضا فقد أسند ابن حنبل إليها أنها لما قالت ذلك قال لها قومي فتنحي عن أهل بيتي، قالت: فتنحيت، وأسند أيضا إليها أنه ألقى عليهم كساء فدكيا ثم وضع يده عليهم وقال: اللهم هؤلاء آل محمد فاجعل صلواتك وبركاتك على محمد وآل محمد إنك حميد مجيد، قالت: فرفعت الكساء لأدخل معهم فجذبه من يدي، وقال إنك على خير ورواه في المصابيح عن عائشة ورواه أحمد ابن حنبل عن أم سلمة بطريق آخر، ورواه البخاري ومسلم في صحيحيهما بطريق آخر، في الجزء الرابع للبخاري على حد كراسين. وفي تفسير الثعلبي عن الصادق عليه السلام معنى طه طهارة أهل البيت ثم تلا آية التطهير، وروى مثل ذلك في تفسيره عن الخدري وعن أبي الحمراء ورواه أيضا الطبراني في معجمه عن الخدري. قال صاحب المستدرك: إنه حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجه قال الترمذي ! إنه حديث حسن صحيح على شرط البخاري ولم يخرجه، وذكر نحو ذلك أبو داود في مواضع من سننه، وذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الرابع والستين من افراد مسلم وذكر مسلم أيضا في الجزء الرابع في ثالث كراس أن النبي لما خرج بالأربعة إلى المباهلة قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي. وذكر الشيخ المفيد أن النبي صلى الله عليه وآله وضع الكساء عليهم ثم قال: هؤلاء أهل بيتي فأنزل الله آية التطهير فيهم وفي أخبار مسلم أنه قال لأم سلمة: إنما نزلت في وفي أخي وابني وتسعة من ولد الحسين ليس معنا فيها غيرنا. ومما يدل على تخصيصهم ما أسنده الثعلبي في تفسيره إلى الخدري أن النبي قال: نزلت آية التطهير في وفي علي والحسنين وفاطمة وأسند إلى مجمع قال: دخلت على أمي عائشة فقلت: أرأيت خروجك يوم الجمل ؟ قالت: كان قدرا من الله، قلت: فعلي ؟ قالت: أحب الناس إلى رسول الله، ولقد رأيت النبي صلى الله عليه وآله جمعه وفاطمة والحسنين وقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي فأذهب عنهم الرجس

[ 187 ]

وطهرهم تطهيرا، قلت: أنا من أهل بيتك ؟ فقال: تنحي إنك على خير، ونحوه في زينب. ومما يدل على خروج النساء قوله (لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ولو كن مقصودات لم تخرج عائشة عن الاسلام، وحاربت المجمع على إمامته عليه السلام كما عرفت من صاحب المجمل أن التطهير التنزيه عن كل قبيح، وفي الفردوس: (قال النبي صلى الله عليه وآله إنا أهل بيت أذهب الله عنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن). وبهذا يسقط قول من زعم أنه لا يلزم من إرادة ذلك وقوعه، وقد سلف، ولأن الله مدحهم ولا يمدح بغير الواقع، ولأن وصفهم بالطهارة ليس عدميا لأنه نقيض الاتصاف العدمي فوصفهم بها ثبوتي. وقال: انتهت دعوة إبراهيم إلي وإلى علي في قوله: (اجنبني وبني أن نعبد الأصنام (1)) وأنساب الجاهلية ليست بصحاح لما فيها من السفاح: أسند يزيد ابن هارون أن عمر بن الخطاب لما قيل له إن عليا نذر عتق رقبة من ولد إسماعيل فقال: والله ما أصبحت أثق إلا ما كان من حسن وحسين وعلي وعبد المطلب فإنهم شجرة رسول الله. وروى الحديث عن أم سلمة الفقيه الشافعي علي بن المغازلي في كتاب المناقب، ورواه عن زادان عن الحسن عن عطاء بن يسار، ورواه ابن عبد ربه في كتاب العقد، وأسند نزولها فيهم صاحب كتاب الآيات المنتزعة، وقد وقفه المستنصر بمدرسته، وشرط أن لا يخرج من خزانته، وهو بخط ابن البواب وفيه سماع لعلي بن هلال الكاتب وخطه لا يمكن أحد أن يزوره عليه. قال الحميري: طبت كهلا وغلاما * ورضيعا وجنينا ولدى الميثاق طيبا * يوم كان الخلق طينا


(1) إبراهيم: 35. (*)

[ 188 ]

كنت مأمونا وجيها * عند ذي العرش مكينا وقال: له شهد الكتاب ألا تخروا * على آياته صما وعميا بتطهير أماط الرجس عنه * وسمي مؤمنا فيها زكيا وهذه آيات تطهيرهم قد ظهر سرها فيهم، قال الحسن: والله ما شرب الخمر قبل تحريمها، قال شاعر: علي على الاسلام والدين قد نشا * ولا عبد الأوثان قط ولا انتشا وقد عبد الرحمن طفلا ويافعا * وذلك فضل الله يؤتيه من يشا وفي التاريخ من طرق كثيرة عن بريدة الأسلمي قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: قال لي جبرائيل: إن حفظة علي تفتخر على الملائكة لم تكتب عليه خطيئة منذ صحباه. قال العبدي: وإن جبرائيل الأمين قال لي عن الملائكة الكاتبين. إنهما لم تكتبا على الطهر على زلة ولا خنا. تذنيب: ذكر ابن قرطة في مراصد العرفان عن ابن عباس: قال شهدنا النبي تسعة عشر شهرا يأتي كل يوم عند كل صلاة إلى باب علي فيسلم عليهم ويتلو الآية ويدعوهم إلى الصلاة، ونحوه عن أنس وأبي بردة الأسلمي وعن الخدري لما دخل علي بفاطمة جاء النبي أربعين صباحا ويتلو الآية ويقول: أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم. (الفصل الحادي عشر) جعل الله أجر رسالة نبيه في مودة أهله في قوله تعالى: (قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى (1)).


(1) الشورى: 23.

[ 189 ]

قالوا: المراد القربى في الطاعات أي في طاعة أهل القربى. قلنا: الأصل عدم الاضمار، ولو سلم فلا يتصور إطلاق الأمر بمودتهم إلا مع عصمتهم. قالوا: المخاطب بذلك الكفار يعني راقبوا نسبي بكم يعني القرشية. قلنا: الكفار لا تعتقد للنبي أجرا حتى تخاطب بذلك، على أن الأخبار المتفق عليها تنافي الوجهين ففي صحيح البخاري: قالوا: يا رسول الله من قرابتك الذين وجبت علينا مودتهم ؟ قال: علي وفاطمة وابناهما ومثله في صحيح مسلم، وتفسير الثعلبي ومسند ابن حنبل، ونقله ابن المرتضى والزمخشري في تفسيريهما، وقال صاحب التقريب: قد صح ذلك عن ابن عباس، وقي مناقب ابن المغازلي بالإسناد عن السدي في تفسير (ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا (1)) قال: المودة في آل الرسول. قال مكي القيسي في مشكل إعراب القرآن: أصل آل أهل، وهو أعلم ممن صنف في المشكل (2). قالوا لا ننكر تعظيم الآل والتقرب بهم إلى الله لكن لا ندخلهم في حيز المغالات من تفضيلهم على الأنبياء، ووجوب العصمة، وعلم الغيب، وحضور المهدي في كل مكان، وعند ذاكريه في كل أوان، وهل ذلك إلا فسوق وعدوان ؟ قلنا: لولا إنكاركم فضلهم ما جحدتم ما قال الله ورسوله فيهم حتى بغضتم التسمية بأسمائهم، ونادى إمامكم معاوية بالكف عن فضائلهم، وسب علي على المنابر فلم يتحام للاسلام أحدكم، أما تفضيلهم على الأنبياء ففيه كلام، وإذا قام الدليل على إمامتهم لم يكن دعوى العصمة مغالاة فيهم، وإلا لزم مثله في جدهم. قال الرازي في مفاتح الغيب في تفسير (قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) الدعاء للآل منصب عظيم، ولذلك جعل خاتم التشهد، وهذا التعظيم لم يوجد في غير الآل، وكل ذلك يدل على أن حب آل محمد واجب، قال وقال الشافعي:


(1) الشورى: 23. (2) ترى تلك الأحاديث مشيرا إلى مواضعها في إحقاق الحق ج 3 ص 2 - 19.

[ 190 ]

يا راكبا قف بالمحصب من منى * واهتف بساكن خيفها والناهض سحرا إذا فاض الحجيج إلى من * فيضا كملتطم الفرات الفائض إن كان رفضا حب آل محمد * فليشهد الثقلان أني رافضي فائدة: قال القاضي النعماني: أجمل الله في كتابه قوله: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) (1) فبينه النبي لأمته ونصب أوصياءه لذلك من بعده، وذلك معجز لهم لا يوجد إلا فيهم، ولا يعلم إلا فيهم، فقال حين سألوا عن الصلاة عليه: قولوا اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد. فالصلاة المأمور بها على النبي وآله ليست هي الدعاء لهم كما تزعم العامة إذ لا نعلم أحدا دعا للنبي فاستحسنه، ولا أمر أحدا بالدعاء له وإلا لكان شافعا فيه ولأنه لو كان جواب قوله تعالى (صلوا عليه) اللهم صل على محمد وآل محمد لزم أن يكون ذلك ردا لأمره تعالى كمن قال لغيره افعل كذا فقال افعل أنت، ولو كانت الصلاة الدعاء لكان قولنا اللهم صل على محمد وآل محمد بمعنى اللهم ادع له و هذا لا يجوز. وقد كان الصحابة عند ذكره يصلون عليه وعلى آله، فلما تغلب بنو أمية قطعوا الصلاة عن آله في كتبهم وأقوالهم، وعاقبوا الناس عليها بغضا لآله الواجبة مودتهم، مع روايتهم أن النبي صلى الله عليه وآله سمع رجلا يصلي عليه ولا يصلي على آله فقال: لا تصلوا علي الصلاة البترة، ثم علمه ما ذكرناه أولا فلما تغلب بنو العباس أعادوها وأمروا الناس بها وبقي منهم بقية إلى اليوم لا يصلون على آله عند ذكره. هذا فعلهم ولم يدركوا أن معنى الصلاة عليهم سوى الدعاء لهم، وفيه شمة لهضم منزلتهم حيث إن فيه حاجة ما إلى دعاء رعيتهم، فكيف لو فهموا أن معنى الصلاة هنا المتابعة ومنه المصلي من الخيل، فأول من صلى النبي أي تبع جبريل حين علمه الصلاة ثم صلى علي [ على ] النبي إذ هو أول ذكر صلى بصلاته فبشر


(1) الأحزاب: 56.

[ 191 ]

الله النبي أنه يصلي عليه بإقامة من ينصبه مصليا له في أمته، وذلك لما سأل النبي بقوله: (اجعل لي وزيرا من أهلي عليا أشدد به أزري) ثم قال تعالى (صلوا عليه) أي اعتقدوا ولاية علي وسلموا لأمره، وقول النبي: قولوا اللهم صل على محمد وآل محمد. أي اسألوا الله أن يقيم له ولاية ولاة يتبع بعضهم بعضا كما كان في آل إبراهيم، وقوله وبارك عليهم أي أوقع النمو فيهم، فلا تقطع الإمامة عنهم. ولفظ الآل وإن عم غيرهم إلا أن المقصود، هم، لأن في الاتباع والأهل و الأولاد فاجر وكافر لا تصلح الصلاة عليه، فظهر أن الصلاة عليه هي اعتقاد وصيته والأئمة من ذريته، إذ بهم كمال دينهم، وتمام النعمة عليهم، وهم الصلاة التي قال الله إنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، لأن الصلاة الراتبة لا تنهى عن ذلك في كثير من الموارد فهذا وجه من البيان، وعند أولياء الله من ذلك ما لا يحصى، فقد ذكر أن الصادق عليه السلام بين في شئ ثانيا خلاف ما بين أولا فقال: إنا نجيب في الوجه الواحد سبعة أوجه، قال الرجل بسبعة ؟ - مستنكرا لذلك - قال: نعم وسبعين. وهذا معنى ما نقله، ولكن لمظته بلفيظات قليلة، روجت دخوله كل روية صقيلة، وقد أجملت فيهم تفصيل ما قيل فيهم. هم الهداة إلى دين الإله فلا * قوم سواهم بهم يهدى إلى الباري قل للمعادي لهم مهلا فأنت على * سبيل غيك موقوف على النار تذنيب: أسند صاحب نهج الإيمان إلى الصادق عليه السلام في تفسير (ما سلككم في سقر، قالوا لم نك من المصلين) قال: لم يكونوا من أتباع الأئمة السابقين وهذا قريب مما سلف، وأسند نحوه إلى أبي الحسن الماضي عليه السلام أي كنا لا نتولى وصي محمد والأوصياء من بعده، ولا نصلي عليهم. تكميل: قال المرتضى في رسالته الباهرة في تعظيم العترة الطاهرة: دلنا الله على أن المعرفة بهم إيمان، والشك فيهم والجهل بهم كفران، وقد أجمعت الإمامية

[ 192 ]

على وجوب معرفتهم، وهو حجة لدخول المعصوم فيهم، بل ويمكن الاستدلال بإجماع الأمة على وجوب معرفتهم، فإن أكثر الشافعية يوجبون في التشهد الأخير الصلاة عليهم، فوجبت معرفتهم، والباقون استحبوها، فعلى الحالين هي من العبادة، وهذه فضيلة لم تحصل لغيرهم بعد جدهم، وقد غرس في القلوب مع اختلاف أديانهم عظم شأنهم، فيهتمون مع تباعد البلاد لزيارة مشاهدهم، ليستفتحون بها الاغلاق، ويسألون عندها الأرزاق. قيل: هذا التعظيم لهم إنما هو لأجل جدهم. قلنا: كم من قرابة لجدهم ولا تعظيم لهم يقارب تعظيمهم، مع زهادة لهم وعلم وغيره فيهم. إن قيل: لم لا تكون الأئمة على غير مذهب الإمامية. قلنا: فشيوخ الإمامية كانوا أهل بطانتهم، ومظهرين أن كلما ينتحلونه ويصححونه فعنهم أخذوه، فلو لم يكونوا عليهم السلام مع شدة صلاحهم بذلك راضين، وعليه مقرين، لأبوا عليهم نسبة المذهب إليهم. إن قيل: قد لا يمكنهم إظهار ذلك لهم لأجل تقيتهم. قلنا: فالتقية إنما هي للإمامية لا منهم. (الفصل الثاني عشر) في الطائر المشوي فضيلة لعلي بدعوة النبي لا ينكرها إلا الغوي أخرج الفراء في مصابيحه، وصاحب جامع الأصول، وصاحب الوسيلة، وابن حنبل في في مسنده، وابن المغازلي في مناقبه، ورزين في الجزء الثالث من الجمع بين الصحاح الستة، وأبو داود في سننه، والترمذي في جامعه، وأبو نعيم في حليته، والبلادري في تاريخه، وابن البيع، والخركوشي، ومسعود، والنطنزي، وداود، وأبو حاتم، والسمعاني، وابن إسحاق، والأزدي، وشعبة، والمازني، وابن شاهين والبيهقي، ومالك، والطبري.

[ 193 ]

وقال ابن المغازلي: رواه عن أنس يوسف بن إبراهيم الواسطي وإسماعيل ابن سليمان الأزهري ؟ وإسماعيل السدي، وإسحاق بن عبد الله ابن أبي طلحة وثمامة بن عبد الله بن أنس، وسعيد بن زر ؟ ي، ورواه من الصحابة عن أنس خمسة و ثلاثون رجلا، وذكره الخطيب في تاريخ بغداد، وصنف فيه أحمد بن سعيد كتابا وصححه القاصي عبد الجبار. وقال أبو عبد الله البصري إن طريقة أبي علي الجبائي في تصحيح الأخبار تقتضي تصحيحه، حيث ذكره علي عليه السلام يوم الشورى، فلم ينكروا. وفي تكرير الدعاء زيادة مرتبة لعلي في محبة الله ورسوله لا يقاربه أحد فيها فسقط ما يهولون به من أن الله يحب المتقين لأن المحبة تتفاوت بتفاوت التقوى. وفي مسند أحمد ابن حنبل: أهدت امرأة من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وآله طيرين فقال اللهم ائتني بأحب خلقك إليك وإلى رسولك يأكل معي، فدخل علي و أكل معه، وزاد ابن المغازلي أنه أتى مرتين ويرده أنس وفي الثالث سمعه النبي فقال صلى الله عليه وآله: ادخل ما أبطأك عني، قال هذه ثالثة ويردني أنس، قال: ما حملك ؟ قال: سمعت دعوتك فأحببت أن يكون رجلا من قومي وفي موضع آخر من المناقب أنه قال: أحب خلقك إليك وإلي. وفي موضع منها: يا أنس أو في الأنصار خير من علي ؟ أو في الأنصار أفضل من علي ؟ وقد رواه ابن المغازلي قريبا من ثلاثين طريقا ؟. وفي المحاسن للمفيد أنه لما دخل قال له: قد كنت سألت الله أن يأتيني بك مرتين ولو أبطأت لأقسمت عليه أن يأتيني بك ونحو ذلك في كتب القوم كثير حذفناه وحذفنا بعض الألفاظ اختصارا، فهل يسوغ لمسلم أن يدعي أنه حديث مكذوب بعد هذه الشهرة وقد جعل القوم أساس دينهم قول عائشة وحدها: مروا أبا بكر فليصل. قالوا: قلتم: كذب أنس ثلاث مرات أن رسول الله صلى الله عليه وآله على الحاجة، فكيف قبلتم روايته، قلنا: ذكرناه إلزاما وقد أجمع على جواز الأخذ عن الراوي قبل

[ 194 ]

فسقه كما ذكره ابن الصلاح في كتابه. هذا روى أنس بن مالك لم يكن * ما قد رواه مصحفا ومبدلا وشهادة الخصم الألد فضيلة * للخصم فاتبع الطريق الأسهلا قالوا: خبر واحد. قلنا: تلقته الأمة بالقبول، فلحق بالمجمع عليه، ولأنه موافق للقرآن في قوله تعالى (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه) (1) الآية، و للسنة فذكر ابن جبر في نخبه قول النبي صلى الله عليه وآله لعلي: من زعم أنه آمن بما جئت به وهو مبغضك فهو كاذب، وفي كتاب الثقفي قال عليه السلام: لا يبغضك مؤمن، ولا يحبك منافق، وفي إبانة العكبري وكتاب ابن عقدة، وفضائل أحمد عن جابر و الخدري: كنا نعرف المنافقين على عهد النبي ببغض علي وفي شرح الآلكاني عن زيد بن أرقم: كنا نعرفهم ببغض علي وولده. قالوا: معنى أحب خلقك أي الذي كتبته رزقا له لا أنه أحب الخلق إلى الله وإلا لكان أحب من النبي. قلنا: خرج النبي بقوله (ائتني) فإنه ليس بمن يأتي إلى نفسه وقد رويتم ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق من أبي ذر، فيلزم على قولكم أنه أصدق من نبيكم، ولو كان القصد بالمحبة ما ذكروه من كتب الرزق، فلم يبق لقوله إلي أو إلى رسولك فايدة، وكان الواجب على العلماء على هذا التأويل أن لا يخرجوا ذلك في مناقب علي عليه السلام. إن قالوا: فلفظة أحب قد لا توجب [ أفعل ] التفضيل لقوله تعالى: (أصحاب الجنة خير مقاما (2)) وقال الشاعر: تمنت سليمى أن أموت وإن أمت * فتلك سبيل لست فيه بأوحد أي بواحد. قلنا: لا شك أن ذلك من المجاز، فلا يعدل عن الحقيقة إليه فإن الانسان إذا قال: فلأن أحب الناس إلي. تبادر إلى الذهن أن غيره لم يبلغ في المحبة منزلته، وأيضا فلولا قصد التفضيل حتى صار المعنى ائتني بالمحبوبين


(1) المائدة: 54. (2) الآية في الفرقان هكذا: (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا).

[ 195 ]

لم يكن قد أجيب دعاء النبي صلى الله عليه وآله لعدم إتيان كل المحبوبين، ولكان إفراد علي من بينهم ترجيحا بلا مرجح، ولأن في قول النبي صلى الله عليه وآله له: ما أبطأك عني ؟ دليل على أنه كان ينتظره بعينه دون غيره، ولولا ذلك لم يحب أنس أن يكون رجلا من قوله لما فهم الفضل والشرف بذلك. قالوا: لا يدل الفضل في الحال على الفضل في الاستقبال. قلنا: لولا ذلك لم يخصم به علي في الشورى معانديه من الرجال، وفي عدم رد ذلك منهم دليل ثبوت الفضل في الاستقبال كالحال، وقد أنشأ الفضلاء في ذلك أشعارهم فمن أبيات للحميري: وفي طائر جاءت به أم أيمن * بيان لمن بالحق يرضى ويقنع فقال إلهي آت عبدك بالذي * تحب وحب الله أعلى وأرفع وقال الصاحب: علي له في الطير ما طار ذكره * وقامت به أعداؤه وهي تشهد وقال ابن رزيك: وفي الطائر المشوي أوفى دلالة * لو استيقظوا من غفلة وسبات وفي رواية أن كلا من عائشة وحفصة قالت: اللهم اجعله أبي وفي بعضها لم يبق في البيت أحد إلا أرسلته إلى أبيها وفي رواية لما قال: أحببت أن يكون رجلا من قومي، قال النبي صلى الله عليه وآله أبى الله إلا أن يكون علي ابن أبي طالب. قال الطبرسي في احتجاجه: أسند الصادق عليه السلام إلى آبائه عليهم السلام أن عليا قال: جاع النبي فطلب من الله فجاءه جبرائيل عليه السلام بطير قال النبي فقلت: اللهم يسر عبدا يحبك ويحبني يأكل معي، فلم يأت أحد فقلت: ثانية اللهم يسر عبدا يحبك ويحبني وأحبه، فلم يأت أحد، فقلت ثالثة: اللهم يسر عبدا يحبك و تحبه ويحبني وأحبه، فسمعت صوتك، فقلت لعائشة أدخليه أخبرني ما أبطأك عني فقلت: طرقت الباب مرة فقالت عائشة نائم، فانصرفت، وطرقته ثانية فقالت: على الحاجة، فرجعت وجئت وطرقته ثالثا عنيفا فسمعني النبي فأدخلني وقال: ما أبطأك عني فقلت هذه ثالثة وتردني عائشة فكلمها فقالت: اشتهيت أن يكون أبي

[ 196 ]

فقال صلى الله عليه وآله: ما هذا بأول ضغن بينك وبينه لتقاتليه، وإنه لك خير منك له ولينذرنك بما يكون الفراق بيني وبينك في الآخرة، وكذا كل من فرق بيني وبينه بعد وفاتي. (الفصل الثالث عشر) روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: يا علي حبك حسنة لا تضر معها سيئة، و بغضك سيئة لا تنفع معها حسنة. قالوا: أحبه أبوه وقد روي أن في رجليه نعلان يغلى منهما دماغه. قلنا: هذا الحديث افتراء من علماء السوء الذين رضوا بسب علي جهارا وستعلم إيمان أبهى، ولو سلم عدمه إنما لم تنفعه محبة ابنه لأنها طبيعية والمحبة المرغب فيها إنما هي في الله، فهي ربانية. قالوا: الخبر مكذوب. قلنا: رواه الخوارزمي في الأربعين والديلمي في الفردوس، وقد أجمع المسلمون على قوله عليه السلام: من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية. ولا شك أنه الإمام، فلا تنفع الجاهلية حسناتهم. قالوا: لو صح ذلك لزم إحباط أكثر أعمال الناس لأنكم تزعمون أن الأكثر يبغضه، وقد كذب القرآن ذلك بمدحه للصحابة: (ومن يعمل صالحا. ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره (1)) ونحوها، ولم يشترط فيه حب علي ولا بغضه. قلنا: لا، فإن أعاظم الصحابة كانت في جانب علي كما قاله شارح الطوالع وغيره، إلا أنهم الأقل عددا، وكذلك أتباع كل نبي ووصي، وقد أخرج صاحب المصابيح وغيره أن النبي صلى الله عليه وآله مات ساخطا على ثلاثة أحياء من العرب و عد منهم أمية، وقال ابن الجوزي في زاد المسير: ورد أن الشجرة الملعونة في القرآن بنو أمية، وقال في المصابيح وغيرها: قال النبي صلى الله عليه وآله: هلاك أمتي على يد أغلمة من قريش، وظاهر في بني العباس شرب الخمور، وركوب الفجور، و


(1) التغابن: 9. الزلزال: 7.

[ 197 ]

قتلهم أولاد علي وتشريدهم، حتى أنشئت الأشعار، في القتل والطرد لبني المختار منها قول دعبل: لا أضحك الله سن الدهر إذ ضحكت * يوما وآل رسول الله قد قهروا مشتتون نفوا عن عقر دارهم * كأنهم قد جنوا ما ليس يغتفر وقال أبو نواس: ما نال منهم بنو حرب وإن عظمت * تلك الجرائم إلا دون نيلكم أأنتم آله فيما ترون وفي * أظفاركم من بنيه الطاهرين دم وقال الشهرستاني: بمحمد سلوا سيوف محمد * ضربوا بها هامات آل محمد فكأن آل محمد أعداؤه * وكأنما الأعداء عترة أحمد وقال العلوي: أهل النبي الذي لولا هدايتهم * لم يهد خلق إلى فرض ولا سنن مشتتين حيارى لا نصير لهم * مشردين عن الأهلين والوطن وقال السروجي لأصبح دين الله من بعد قوة * على جرف هار بغير دعائم وآل علي الطهر شرقا ومغربا * يطاف بهم في عربها والأعاجم كأنهم كانوا على الدين سوقة * تطل دماها بالقنا والصوارم وأوصى رسول الله قبل وفاته * بقتل بنيه دون أولاد آدم ونحو هذا كثير يخرج عن قانون الكتاب، فكيف يقال إنهم غير مبغضين وفي أي موضع مدح القرآن الصحابة، بل ذمهم وذم كثيرا منهم في آية النجوى (فتاب عليكم (1)) وفي سورة الفتح (فمن نكث فإنما ينكث على نفسه. لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة (2)). وقد كانت البيعة على عدم الفرار وقد


(1) وتاب عليكم: المجادلة 23. (2) الفتح: 10 و 18.

[ 198 ]

فر كثير بأحد وخيبر وحنين، ولهذا قال: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه (1)) ولم يقل كل المؤمنين وقال تعالى: (ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسؤولا (2)). وقد جاء في السنة ذم بعضهم كحديث الحوض، وحديث الدبادب أخرج مسلم في صحيحه والجامع بين الصحيحين ونحوه ذكر ابن كيسان والثعلبي في تفسيره وفي تفسيره لبراءة في قوله (يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم (3)) قال الحسن: كانت هذه السورة تسمى الخفارة خفرت ما في قلوب المنافقين فأظهرته وقد قال النبي: (لتركبن سنن من كان قبلكم). وآية مثقال الذرة من الخير مخصوص بغبر المشركين إجماعا مع أنه قد يرى في الدنيا أو في الآخرة بتخفيف العقاب. قوله: ولم يشترط حب علي ولا بغضه. قلنا: بل حيث قال تعالى (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة (4)) الآية وقوله: (إلا من تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى (5)) نقل ابن المرتضى والكواشي وغيرهما أن الاهتداء إلى محبة أهل البيت، وقد أجمع المسلمون على قوله: (حب علي يأكل الذنوب، كما تأكل النار الحطب) قال صاحب الوسيلة: إنه من خصائصه وأخرج أيضا من خصائصه قوله عليه السلام: (من أحب عليا فقد أحبني ومن أحبني فقد أحب الله، ومن أبغض عليا فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله). و حديث ابن عمر: (من فارق عليا فقد فارقني) وقوله: (يا علي طوبى لمن أحبك وصدق فيك، وويل لمن أبغضك وكذب فيك) وقوله: (علي أقضى أمتي بكتاب الله، فمن أحبني فليحبه، فإن العبد لا ينال ولايتى إلا بحب علي) وقال: (لا يقبل الله فريضة إلا بحب علي) وقال: (حب علي فرض، وبغضه كفر) وقد


(1) الأحزاب: 23. (2) الأحزاب: 15. (3) براءة: 65. (4) المائدة: 55. (5) طه: 82.

[ 199 ]

أخرج ذلك كله صاحب الوسيلة فيما خص به علي دون غيره. قالوا: لو كان حبه حسنة لا تضر معها سيئة، لم يضر ترك العبادات، ولا فعل المنهيات، وبطلت الحدود والتوعدات. قلنا: قد جاء عن النبي: (المرء مع من أحب، ومن قال لا إله إلا الله دخل الجنة) ونحو ذلك كثير فالطعن فيه و فيما سلف نحوه طعن على ملة الاسلام، وتأويل ذلك أن من أحب عليا لا يخرج من الدنيا إلا بتوبة تكفر سيئاته، فتكون ولايته خاتمة عمله، ومن لم يوفق للتوبة ابتلي بغم في نفسه، أو حزن على ماله، أو تعسير في خروج روحه، حتى يخرج من الدنيا ولا ذنب له يؤاخذ به قالوا: فقد ضر ذلك. قلنا: متناه محتقر بالقياس إلى الخلوص من طبقات الجحيم، والخلود في جنات النعيم، فصح إطلاق اللفظ من النبي كما أطلقت اللغة الأسود على الزنجي، وقالوا: لا ضرر على من نجت من المهلكة نفسه وإن تلف ماله، ولو لم يكن لنا إلا الحديث المجمع عليه: (لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق) لكفى ولقد علمت ما جاء في المنافق، ولا يشك عاقل أن حبه حسنة وقد قال تعالى: (إن الحسنات يذهبن السيئات (1)) وكيف تقولون لا يضر ترك العبادات، وفعل المنهيات، وعندكم لا طاعة للعبد ولا معصية، وأن الله لا يفعل لغرض فله إثابة العاصي، ومؤاخذة الطائع، وناهيك بقول المضلين فسادا في الدين أعاذنا الله منه وسائر المؤمنين. إن قالوا: إنما ذكرنا ذلك إلزاما لكم لأنكم ترون للعبد فعلا، وتعتقدون في أفعال الله غرضا، قلنا: نرجع إلى جوابنا الأول من أن ضرر اليسير ينغمر في جنب الحاصل بمحبته من الخير الكثير.


(1) هود: 115.

[ 200 ]

(الفصل الرابع عشر) أخرج صاحب الوسيلة في المجلد الخامس قول النبي لعلي: لولا أن تقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في عيسى لقلت مقالا لا تمر على ملأ إلا أخذوا من تراب رجليك، وفضل طهورك يستشفون به، ولكن حسبك أن تكون مني كهارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، وإنك تبرئ ذمتي وتقاتل على سنتي، وإنك في الآخرة معي، وعلى الحوض خليفتي، وأول من يدخل الجنة معي، وإن شيعتك على منابر من نور مبيضة وجوههم، أشفع لهم ويكونون جيراني وإن حربك حربي، وسلمك سلمي، وسرك سري، وعلانيتك علانيتي، وإن الحق معك، وعلى لسانك، وفي قلبك، وبين عينيك، وإن الإيمان يخالط لحمك ودمك، كما خالط لحمي ودمي، ولن يرد الحوض مبغض لك، ولن يغيب عنه محب لك. وقد أخرج صاحب المناقب صدر هذا الحديث بأسانيده، وأخرج ابن المغازلي الشافعي في موضعين من مناقبه قول النبي صلى الله عليه وآله: علي يوم القيامة على الحوض، لا يدخل الجنة إلا من جاء بجواز منه. قالوا: جاء القرآن بأن الكوثر للنبي لا لعلي. قلنا: قد ذكرنا كون علي خليفة فيه للنبي وسيأتي في ذلك شئ مما روي. قالوا: لو تولى علي سقي أهل الأرض، لم يفرغ من سقي الأقل إلا وقد مات الأكثر عطشا. قلنا: هذا تعجيز لله فإنه إذا أراد أمرا بلغه وأيضا فقد أورد الكنجي الشافعي أن هذا منصب النبي فيرد عليه ما أوردتم على علي وقد جاء في ملك الموت وملك الرزق مثل ما قلنا في علي، وقد أخرج البخاري سعة الحوض وأن آنيته كعدد النجوم، والسقي عبارة عن التخلية بينهم، وعدمه عبارة عن الذود عنه. قالوا: كيف يليق لعلي الرفيع جعله خادما ويسقي الرفيع والوضيع ؟

[ 201 ]

قلنا: لا بل هو منصب شريف لا ينكره إلا ذو عقل سخيف، وهل يشرب من الحوض وضيع كذوي المحال الشنيع، وناهيك بشناعته جرأته على النبي كما ذكرنا عن الكنجي. قال ابن الأطيس: من قال فيه المصطفى معلنا * أنت لدى الحوض لدى الحشر أنت أخي أنت وصيي كما * هارون من موساه في الأمر قال ابن أبي الحديد في مدحه عليه السلام: والمترع الحوض المدعدع حيث لا * واد يفيض ولا قليب ينزع وقال آخر: صفات أمير المؤمنين من اقتفى * يدارجها أقنته ثوب ثوابه صفات جلال ما اغتذى بلبانها * سواه ولا حلت بغير جنابه تفوقها طفلا وكهلا ويافعا * معاني المغالي فهي ملء إهابه مناقب من قامت به شهدت له * بإزلافه من ربه واقترابه مناقب لطف الله أنزلها به * وشرف ذكراه بها في كتابه (الفصل الخامس عشر) أخرج أبو بكر ابن فورك في كتاب الفصول عن أسماء بنت عميس حديث رد الشمس على أمير المؤمنين عليه السلام، وأسند محمد بن عثمان المزني، وأخرج ابن المغازلي من طريقي فاطمة بنت حبش ورافع مولى رسول الله صلى الله عليه وآله، وأخرجه القاضي أبو يعلى في المعتمد، وصاحب كتاب الشافي في بشائر المصطفى، وقال فيه إمام المعتزلة ابن أبي الحديد: إمام هدى بالفرض آثر فاقتضى * له القرص رد القرص أبيض أزهرا وأخرج ابن مردويه، والنطنزي، وابن منده، والجرجاني، وابن إسحاق

[ 202 ]

والشيرازي، والوراق، والحسكاني، وصنف أبو عبد الله الجعل فيه كتابا، و ابن شاذان كتابا، وقد ذكر ابن شهرآشوب أنه روي أنها ردت له في مواضع كثيرة منها بالصهباء في غزوة خيبر، قال ابن حماد: والشمس قد ردت عليه بخيبر * وقد انبدت زهر الكواكب تطلع وببابل ردت عليه ولم يكن * والله خير من علي يوشع وقال العوني: ولا تنس يوم الشمس إذ رجعت له * بمنتشر وار من النور مقنع كذلك بالصهباء وقد رجعت له * ببابل أيضا رجعة المتطوع وروى الكليني في الكافي ردها بمسجد الفضيخ، والمشهور مرتان: مرة بكراع الغميم روتها أم سلمة وأسماء بنت عميس، وجابر، وابن عباس، والخدري وأبو هريرة، والباقر والصادق عليهما السلام أن الوحي تغشى النبي صلى الله عليه وآله فأسنده علي فلما تم قال صليت ؟ قال: لا، قال: ادعوا الله يرد عليك الشمس، فدعا فردت، وقد ذكره ابن جمهور في كتاب الواحدة وقد روي أنه صلى إيماء فلما ردت الشمس أعاد فأمر النبي صلى الله عليه وآله حسانا أن ينشد شعرا فقال: لا تقبل التوبة من تائب * إلا بحب ابن أبي طالب أخي رسول الله بل صهره * والصهر لا يعدل بالصاحب يا قوم من مثل علي وقد * ردت عليه الشمس بالغائب ومرة ببابل، رواها جويرية ابن مسهر، وأبو رافع، وزين العابدين، و الباقر عليهما السلام أنه لما عبر الفرات لم يفرغوا من العبور حتى غابت فلم يصل الجمهور فتكلم الناس في ذلك فسأل الله فردت فصلوا فقال قدامة السعدي: رد الوصي لنا الشمس التي غربت * حتى قضينا صلاة العصر في مهل لم أنسه حين يدعوها فتتبعه * طوعا تلبيه مهلاها بلا عجل وتلك آياته فينا وحجته * فهل له في جميع الناس من مثل أقسمت لا أبتغي يوما به بدلا * وهل يكون لنور الله من بدل

[ 203 ]

حسبي أبي حسن مولا أدين به * ومن به دان رسل الله في الأول وبالجملة فهذان الموضعان، أمران شايعان، قال السيد المرتضى: ردت عليه الشمس يجذب ضوءها * صبحا على بعد من الإصباح من قاس ذا شرف به فكأنما * وزن الجبال السود بالأشباح وقال الحميري: ردت عليه الشمس لما فاته * وقت الصلاة وقد دنت للمغرب وعليه قد ردت ببابل مرة * أخرى وما ردت لخلق مغرب وقال الصاحب بن عباد الرازي: كان النبي مدينة العلم التي * حوت الكمال وكنت أفضل باب ردت عليك الشمس وهي مضيئة * ظهرت ولم تستر بكف نقاب وقال آخر: جاد بالقرص والطوى بين جنبيه وعاف الطعام وهو سغوب فأعاد القرص المنير عليه * الفرض والمقرص الكريم كسوب وقد أنشد فيه ابن حماد، والمفجع المصري، وكشاجم، والعوني، و الرضي، والسروجي، وابن الحجاج، والصنوبري، وابن رزيك، وابن الرومي والجماني، والإسكافي، والإصفهاني. اعترض ابن فورك في كتاب الفصول أنه لو كان صحيحا لرآه جميع الأبشار في ساير الأقطار، أجبنا بانشقاق القمر للنبي المختار، ولم تعترف به طوائف الكفار وقد اختلف الناس فيما هو أظهر من ذلك: البسملة والوضوء وغيره مما كان النبي يكرره، وقد عرفت برواية الفريقين بطلان ما قالوه من أن تلك الروايات ليست حجة علينا لأنها من طرقكم. قالوا: لو ردت الشمس لعلي لزم أن يكون أفضل من النبي لأن العصر فاتته يوم الخندق، ولم ترد له. قلنا: هذا من رواياتكم الكاذبة، لتسقطوا بها فضيلة علي كيف ذلك وقد ذكر خطيب دمشق عن صاحب كتاب الفتوح أن عليا عليه السلام

[ 204 ]

ليلة الهرير بسط له نطع فصلى نافلته والسهام تمر عليه، فلم ترعه، وتريع النبي يوم الخندق فلم يصل، والهرير أشد من الخندق لأنها انكشفت عن ستة وثلاثين ألف قتيل، فكان يلزم كون علي أشجع من النبي وبطلانه إجماعي. قالوا: نام النبي عن صلاة الغداة ولم ترجع الشمس إلى الليل: قلنا: قد أخرج البخاري في صحيحه قول النبي صلى الله عليه وآله: تنام عيني ولا ينام قلبي، وهو ؟ كذب ذلك. قالوا: ترك علي للصلاة إن كان عمدا أو نسيانا بطل ما تدعونه من عصمته، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله: (ليس بين الإيمان والكفر إلا ترك الصلاة). قلنا: قد جاء أن عليا صلى جالسا ليجمع بين طاعة ربه في صلاته، وما فيه تكميل الوحي إلى نبيه فلما أفاق النبي ورأى غمه على تكميل صلاته، سأل ربه أن يردها كرامة له وله وفي رواية أن الله تعالى ألقى على علي النعاس ليفرد نبيه بإسماع الوحي، فلم ينتبه فنزلت عن موضع الفضيلة، ورجعت إليه، وببابل اشتغل الناس بالعبور وصلى وحده فتكلموا في ذلك فأراد جمعهم على الصلاة، وليريهم كرامته، وقيل لم يصل فيها لأنها أرض خسف، وقد أمر النبي أصحابه أن لا يبيتوا في واد خوف الشياطين ففعلوا ففاتهم الصبح، وقيل صلى علي منفردا وأعادها بهم لا ذهاب إرجاف أعدائهم، و ليزيل بكرامته شك أصحابه في أمره. تذنيب: روى محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام عن جابر أن الشمس كلمت عليا سبع مرات: الأول: قالت يا أمير المؤمنين اشفع لي عند ربي لا يعذبني. الثاني: أمرني أن أحرق مبغضيك. الثالث: لما قال لها ببابل: ارجعي قالت: لبيك. الرابع: قال لها: هل تعرفين لي خطيئة ؟ قالت: وعزة ربي لو خلق الله الخلق مثلك لم يخلق النار. الخامس: لما اختلفوا في الصلاة في عهد أبي بكر فخالفوا عليا فقالت: الحق له وبيده ومعه، وسمعها قريش ومن حضر. السادس: لما جاءته بالسطل

[ 205 ]

فتوضأ وقال: من أنت ؟ قالت: الشمس المضيئة. السابع لما دنت وفاته جاءته فسلمت عليه، وعهد إليها وعهدت إليه، وأنشأ في ذلك الناشي والعوني وابن حماد والمغربي وغيرهم. (الفصل السادس عشر) جاء في الأخبار الحسان أن عليا عليه السلام مضى في ليلة إلى المدائن لتغسيل سلمان، فأنكر الناصبية ذلك، وقالوا: هذا خارج عن قدرة الانسان، قلنا: قد جاء من خبر آصف وعرش بلقيس ما حكاه القرآن حيث أتى به من مسيرة شهرين إلى سليمان في طرفة عين، وقد صح في أخبارهم أن الدنيا خطوة رجل مؤمن، وقد نسب إلى بعض شيوخ الصوفية ذلك: فلم ينكروه، فكيف بأمير المؤمنين ورووا حديث عمر بسارية وهو قريب من ذلك فلم ينكروه، وحكموا في كتبهم بأنه لو عقد رجل بالمشرق على امرأة بالمغرب فولدت لحق به استنادا إلى كون الدنيا خطوة مؤمن، وقد روي أن ابن هبيرة شكا إليه عليه السلام شوقه إلى أولاده فأغمض عينيه ثم فتحهما وإذا بداره في المدينة وعلي على السطح فجلس هنيئة ثم قال: هلم ننصرف فأغمض عينيه ثم فتحها فإذا هو بالكوفة فتعجب وسيأتي فيه مزيد كلام. قالوا: ادعيتم إنكار سلمان على المشايخ إمامتهم وقد كان عاملا لعمر على المدائن يدعو إلى إمامته، قلنا: لا يرتاب أحد أن سلمان كان من شيعة علي وقد روى سبط الجوزي الحنبلي في كتاب الرجال أن جماعة من الصحابة سألوه لمن الأمر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ما كنت أحسب هذا الأمر منصرفا * عن هاشم ثم منها عن أبي حسن أليس أول من صلى لقبلتهم * وأعرف الناس بالأحكام والسنن ما فيهم من صنوف الخير يجمعها * وليس في القوم ما فيه من الحسن فانصرفوا عنه إلى السقيفة، فلما أخبر بها، قال: (كردن ونيك نكردن)

[ 206 ]

فكيف يقال: إن يدعو إلى خلافة عمر، وأما توليته فالظاهر أنها كانت بإذن علي لأن الحق له ولو أمكنه تولية جميع أصحابه عن أمره وجب عليه. قالوا: عرضتم بكفر المشايخ وغيرهم أن عليا لم يشرك قط والمراد أنه أسلم قبل البلوغ وليس ذلك من خصائصه إذ ساير أطفال المسلمين كذلك. قلنا: لا قياس إذ المراد زمان الفترة التي هلك الناس فيها بعبادة الأصنام وعلي وآباؤه على ملة إبراهيم عليه السلام، وقد ذكرنا من طرقكم قول النبي صلى الله عليه وآله سباق الأمم ثلاثة لم يشركوا بالله طرفة عين، فلو لم يكن من خصائصه، انتفت الفائدة في التنويه بذكره وفيه أكبر دليل على عصمته، حيث قطع النبي بعدم الشرك وهو غيب لا يكون إلا بإعلام ربه. إن قلت: فحديث السبق ينافي أنه لم يشرك قط قلت: لا ينافي إذ المراد السبق إلى الإيمان بالنبي وهو استدلالي وعلي ظهر له ذلك قبل آبائه وغيرهم لا أنه كان مشركا. قالوا: كان طفلا في كفر آبائه فمحجور على إيمانه إلى بلوغه. قلنا: سيأتي إسلام أبويه في باب النص من الرسول عليه، وقد اشتهر في شعرهم (نحن آل الله في كعبته) لم يزل ذلك على عهد إبراهيم، وهل قولكم إلا ردا على النبي سباق الأمم ثلاثة، وقد أخرج صاحب الوسيلة في مناقب علي قول النبي صلى الله عليه وآله: صلت الملائكة علي وعلى علي سبع سنين من قبل أن يسلم بشر، والمحجور عليه كافر فكيف تصلي الملائكة عليه، وأيضا فقد ذكر شارح المصابيح أنه أسلم ابن خمس عشر سنة وشارح الطوالع ابن أربعة عشر سنة، وسيأتي. قالوا: قلتم: علي لم يزل مسلما فلو كان صحيحا لكان أفضل من النبي لقوله تعالى لنبيه: (ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان (1)) قلنا: قد بينا أن معنى (لم يزل مؤمنا) أي لم يسبقه بشرك وأما إسلامه بمحمد فلم يشك في تجدده عاقل والإيمان المنفي عن النبي ليس هو المستلزم للشرك لعلمنا وعلمكم بسلامة الأنبياء


(1) الشورى: 52.

[ 207 ]

منه، بل المراد: ما كنت تدري ما الإيمان الذي تبلغه. قال الإمام الطبرسي: ما كنت تدري معالم الإيمان، وقيل ما كنت تدري أهل الإيمان، من يؤمن ومن لا يؤمن، وقد أخبر عليه السلام أن الإيمان بضع وسبعون شعبة ولم يدر كلها في أول البعثة وأيضا فمعرفة الإيمان كسبية، فحال النظر لا يسمى الانسان كافرا وإلا لم يسلم من الكفر أحد. تذنيب: جوز الفضيلية من الخوارج الكفر على الأنبياء، وذهب ابن فورك إلى جواز بعثه من كان كافرا، وقال بعض الحشوية أن نبينا عليه السلام كان كذلك لقوله تعالى: (ووجدك ضالا فهدى (1)) وقوله: (ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان) وصاحب هذا الاعتراض إن كان يعتقده فهو لاحق بها ولاء أعاذنا الله من ذلك. (الفصل السابع عشر) روى أبو المؤيد الخوارزمي في كتاب المناقب قول النبي: خاطبني ربي في المعراج بلغة علي فقلت: يا رب تخاطبني أم علي ؟ فقال: خلقتك من نوري، و خلقت عليا من نورك، فأطلعت على سرك فلم أجد إلى قلبك أحب منه في قلبك فخاطبتك بلسانه كي يطمئن قلبك. قالوا: في الرواية سمعتك تقول: أنت مني بمنزلة هارون من موسى فما رأيتك تحب أكثر منه فخاطبتك بلغته، ولا شك أن حديث هارون من موسى كان في غزوة تبوك والمعراج قبله بنحو ستة، فالرواية بالمخاطبة بلغته مزورة، قلنا: بل قولكم سمعتك تقول الخ هو المزور إذ حديث هارون بالوحي لامتناع الاجتهاد من النبي عند المحققين، فكيف يقول الله: سمعتك تقول، وأيضا نمنع اختصاص حديث هارون بغزوة تبوك، فإن أوله حديث الأخوة وقد أورده صاحب الوسيلة في عدة مواضع منها قول النبي مكتوب على باب الجنة لا إله إلا الله، محمد رسول -


(1) الضحى: 7.

[ 208 ]

الله، علي أخو رسول الله، ومنها قول جبرائيل له في المعراج: نعم الأخ أخوك علي ابن أبي طالب، ومنها أنه رأى ليلة المعراج حوراء ولم ير أحسن منها فسلمت عليه وقالت: خلقني الله لأخيك علي بن أبي طالب ومنها لما ولد الحسن أهبط الله جبرائيل يهنيه ويقول: علي منك بمنزلة هارون من موسى، فسمه باسم ابن هارون شبر فقال: لساني عربي قال: سمه الحسن. قالوا: فيلزم من مخاطبة الله بلسان علي أن يكون فيه شبه ما لعلي وهو كفر قلنا: الله متكلم عندنا بخلق الكلام في جسم فالشبه لذلك الجسم دون الله، فلا كفر. قالوا: فيلزم أن يكون علي أحب من الله إلى النبي. قلنا: زيادة الاستيناس بلغة علي لكثرة الممازجة لا تدل على أنه أحب من الله إلى النبي (1) ولهذا نزل جبرائيل إليه في صورة دحية الكلبي ولم يكن أحب من جبرئيل إلى النبي. قالوا: بذكر الله تطمئن القلوب، لا كما رويتم في اطمينان قلب النبي بلغة علي. قلنا: إن عنيتم بالذكر القرآن فهو غير لازم، وإن عنيتم ما هو أعم منه فلغة علي منه على أن الله قد عبر بالذكر عنه في قوله: (لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني (2)) وعبر به عن النبي في قوله: (قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا (3)) وظاهر أن الاطمينان بالنبي والوصي كما هو بالكتاب الإلهي، مع أن القلوب عام مخصوص بغير الكفار، وقد يكون الذكر موجبا للخوف، كما قال: (الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم (4)) ونحوها. ثم إن المخالفين الجاحدين اقتدوا بأسلافهم في بغضة أمير المؤمنين، وأنكروا ما خصه رب العالمين، ورسوله النبي الأمين، وكتبهم ناطقة بالأحاديث القدسية والأخبار النبوية، فقد أخرج صاحب الوسيلة قول النبي لعلي: أكرمك الله علي بأربع خصال: زوجة مثل فاطمة زوجها الله فوق عرشه، وصهر مثلي، وولدين مثل


(1) في النسختين: أحب إلى الله من النبي. وهو سهو. (2) المائدة: 29. (3) الطلاق: 11. (4) الأنفال: 8.

[ 209 ]

الحسنين، ولم أرزق مثل ذلك، وقوله نظرت في الإسراء فإذا على ساق العرش الأيمن: محمد رسول الله أيدته بعلي ونصرته به، وقال: علي مني بمنزلة رأسي من جسدي، وقال: من أحب أن يحيى حياتي، ويموت موتي، ويتمسك بالقضيب الياقوت الذي خلقه الله فليتمسك بعلي ابن أبي طالب بعدي. أيها المؤمن الذي طاب فرعا * وزكى منه أصله وتمسك طب بدين النبي نفسا وإن * خفت من النار في غداة تمسك فاستجر من لظا لظى بعلي * وبنيه وبالبتول تمسك (1) وقال: ذكر علي بن أبي طالب عليه السلام عبادة، وقال: أول من يأكل من شجرة طوبى علي بن أبي طالب، وقال: علي وشيعته هم الفائزون يوم القيامة وقال: علي بن أبي طالب وأهل بيته عمود الجنة، وقال: لعلي من الثواب ما لو قسم على أهل الأرض لوسعهم، وقال: علي يحمل لوائي يوم القيامة وقد أعطي كصبري وحسن يوسف وقوة جبرائيل، وجميع الخلائق تحت لوائي، وقال و هو في منزل علي: أخبرني جبرائيل أنكم قتلى، وأن مصارعكم شتى، قال الحسين: فمن يزورنا ؟ قال: طائفة من أمتي يريدون بذلك بري وصلتي، إذا كان يوم القيامة زرتهم وأنجيتهم من أهواله، وفي حديث آخر: ولكن حثالة من الناس يعيرون زوار قبوركم، كما تعير الزانية، أولئك أشرار أمتي، وقد أوردناه تاما في شرح التكليفية من وفق له وقف عليه، وقال: أخبرني جبرائيل أن السعيد كل السعيد من أحب عليا في حياتي وبعد وفاتي، وقال صلى الله عليه وآله: أنا شجرة و فاطمة حملها، وعلي لقاحها، والحسنين ثمرها، والمحبون لأهل البيت ورقها إلى الجنة حقا حقا. وأسند ابن ماجيلويه في كتاب الآل إلى النبي صلى الله عليه وآله أنه لما خلق الله آدم وحوى تبخترا في الجنة وقال آدم: ما خلق الله تعالى أحسن منا فأمر الله جبرائيل فأخذهما إلى الفردوس فرأيا جارية على رأسها تاج من نور، وفي أذنيها قرطان من


(1) قد مر في ص 100 فراجع.

[ 210 ]

نور، قد أشرقت الجنان من نور وجهها، فقال آدم: ما هذه ؟ قال جبرائيل: هذه فاطمة بنت محمد نبيي من ولدك، قال: فما التاج ؟ قال: بعلها علي ابن أبي طالب قال فما القرطان ؟ قال: ولداها الحسنان قال: خلقوا قبلي ؟ قال: هم موجودون في غامض علم الله قبل أن تخلق بأربعة آلاف سنة. فهذه روايات الفريقين، ناطقة بأفضليته، وشاهدة من الله ورسوله بعظم منزلته، والسوالف ينكرونها ببغيهم وحسدهم، والخوالف يجحدونها بغيهم و بغضهم. شعر: حسدوا الفتى إذ لم ينالوا فضله * فالناس أعداء له وخصوم كضراير الحسناء قلن لوجهها * حسدا وبغيا: إنه لدميم وقال آخر: أزاحوك ظلما عن مقامك غصة * رأوا فيك فضلا لم يروا في جيادها ومن عادة الغربان تكره أن ترى * بياض البزاة الشهب بين سوادها (1) (الفصل الثامن عشر) نقل مالك بن أنس أخبارا جمة في فضائل علي وكان يفضله على أولي العزم من الأنبياء فرمي بالغلو لذلك، وكان الجعارتي، وأبو الأزهر الهروي وغيرهم يرون الحق فرموهم بالرفض، وأكثر شيوخنا يفضلونه على أولي العزم لعموم رئاسته، وانتفاع جميع أهل الدنيا بخلافته، لكونه خليفة لنبوة عامة بخلاف نبوتهم ولقول النبي صلى الله عليه وآله في خبر الطائر المشوي: ائتني بأحب خلقك إليك، ولم يستثن الأنبياء، ولأنه مساو للنبي الذي هو أفضل في قوله: (وأنفسنا وأنفسكم (2)) والمراد المماثلة لامتناع الاتحاد ولأنه أفضل من الحسنين في قوله صلى الله عليه وآله: (أبوهما خير منهما) وقد جعلهما جدهما سيدين لأهل الجنة في الحديث المشهور فيهما.


(1) البزاة جمع البازي وهو ضرب من الصقور. (2) آل عمران: 61.

[ 211 ]

وقد أسند الأعمش إلى جابر الأنصاري قول النبي صلى الله عليه وآله له: أي الإخوان أفضل ؟ قلت: النبيون، فقال (أنا أفضلهم وأحب الإخوة إلي علي بن أبي طالب فهو عندي أفضل من الأنبياء، فمن قال: إنهم خير منه، فقد جعلني أقلهم لأني اتخذته أخا لما علمت من فضله، وأمرني ربي به). وأسند ابن أبي عمير إلى الصادق عليه السلام أن الله قال لموسى عليه السلام: (وكتبنا له في الألواح من كل شئ (1) ولم يقل كل شئ وفي عيسى: (ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه (2)) وقال في علي بن أبي طالب: (ومن عنده علم الكتاب (3)) وقال: (ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين (4)) فعند علي علم كل رطب ويابس. إن قلت: عند علي علم الكتاب، ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب، هذا من الشكل الثاني وعقيم، وهو هنا لا يجاب مقدمتيه قلت: فلنرده إلى الأول، فنقول: كل رطب ويابس علمه في كتاب مبين وعلم ذلك الكتاب كله عند علي بطريق أبي نعيم وفي تفسير الثعلبي. وفي هذا أيضا نظر من عدم اتحاد أوسطه فإن الكتاب الذي فيه الرطب و اليابس، وهو اللوح المحفوظ، والكتاب الذي علمه عند علي هو القرآن، إلا أن يقال: نذكر ذلك إلزاما للخصم، لأنه يقول: كل شئ أحصيناه في إمام مبين هو القرآن وعلم القرآن عند علي عليه السلام. على أنه لا مانع من حمل الكتاب الذي عند علي على اللوح لإطلاق اللفظ. إن قلت: المانع امتناع إحاطة علي بعلم الله، قلت: ليس في تلك دليل على حصر علم الله فيها، على أنه يجوز أن يريد بالعلم باللوح علم بعضه إطلاقا للعام وإرادة الخاص.


(1) الأعراف: 144. (2) الزخرف: 63. (3) الرعد: 45. (4) الأنعام: 59.

[ 212 ]

إن قلت: فيلزم أن يكون عند علي بعض علم القرآن لذلك وحينئذ فلا فضيلة له لأن قليلا من علماء الاسلام إلا ويعلم بعضه، قلت: الأفضلية في التفاوت وإلا لخلا تقييده في الآية عن الفائدة، ولأنه لا مانع في القرآن من الحمل على كله، بخلاف ما في اللوح المحفوظ لما ذكرتم. وقد أخرج البيهقي ما رواه صاحب الوسيلة من قول النبي صلى الله عليه وآله: (من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في تقواه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في هيبته، وإلى عيسى في عبادته، فلينظر إلى علي بن أبي طالب). فقد اجتمع فيه ما تفرق فيهم فهو أفضل من كل واحد منهم. وقد استدل الرازي في المعالم بمثل هذا على تفضيل النبي على الأنبياء، عند قوله تعالى (فبهداهم اقتده (1)) قالوا: آتى الله نوحا السفينة وانتصر فأغرق قومه، ونجا إبراهيم من ناره ومن الملك الذي هم بزوجته، وانتصر له بهلاك نمروده، وأعطى موسى العصا و اليد البيضاء وسلط الآيات التسع على أعدائه، وانتصر له بهلاك فرعون، ونفخ في عيسى من روحه ورزقه يبرئ ذوي العاهات، وانتصر له من أعدائه برفعه إلى السماوات، ولم ينتصر لعلي من معاوية وابن ملجم، فليس له كرامة تقابل واحدة من معجزات الأنبياء، وهو وإن كان له المنزلة العالية لكن أين درجة الولاية من درجة النبوة السامية. قلنا: ما ذكرتم من كرامات الأنبياء فهو حق لكن لا يلزم من فقدها عن علي أفضليتهم عليه، وإلا لزم أفضليتهم على النبي حيث لم يحصل له مثلها، و أنتم جعلتم عدم مثلها موجبا لعدم أفضلية فاقدها، ولا يبعد أفضلية الولاية على النبوة كما في الخضر وموسى وقد أخرج أبو نعيم في كتاب الفتن في حق المهدي أن عيسى وزيره، وقال بعض علماء الطريقة: بداية النبوة نهاية الولاية، وقال آخرون


(1) الأنعام: 90.

[ 213 ]

بداية الولاية نهاية النبوة، وأبلغ من ذلك ما أجمع فيه من قول النبي صلى الله عليه وآله: علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل. وقد تجريتم على الأنبياء في قولكم كذب إبراهيم ثلاث كذبات، وولد ابن نوح على فراشه، وعشق داود امرأة اوريا، ووطئ الشيطان نساء سليمان وغير ذلك وقد قال الغزالي: أما علي فلم يقل فيه ذو تحصيل شيئا. قلنا: فعلى تقريركم هو أفضل من الأنبياء، حيث قلتم فيهم تلك الأشياء وقد باهى الله به الملائكة ليلة الفراش وهم عند الرازي وغيره أفضل من الأنبياء وأشار إلى ذلك ابن الجوزي في تفسيره: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله (1)) والانتصار له من معاوية لا يتعين في الدنيا، فإن الكفار إلى الآن يصورون النبي في بيوت عباداتهم بأقبح الصور، ولم ينتقم الله منهم في الدنيا (إنما نملي لهم ليزدادوا إثما). ونفيكم لكراماته لم يقل أحد به، منها قوله للخثعمي الذي أبى أن يبايعه إلا على سنة الشيخين: كأني بك وقد نفرت في هذه الفتنة، وقد شدخت حوافر خيلي وجهك ورأسك ومثل بك، وقال قبيصة لما رآه كذلك: لله أبو حسن ما حرك شفتيه بشئ قط إلا كان كما قال، وأجيب دعاؤه على بشر بن أرطاة أن يسلبه الله عقله فخولط فيه حتى كان يدعو بالسيف فاتخذ له سيف من خشب، ودعا على العيزار حين حلف لا يرفع أخباره إلى معاوية فقال: إن كنت كاذبا فأعمى الله بصرك فما دارت الجمعة حتى عمي، وأخرج خطيب دمشق الشافعي في قتال الخوارج لما قال له رجل: قد عبروا النهر هاربين، فقال: لا يعبرون ولا يبلغون قصر كسرى حتى يقتل الله مقاتلتهم على يدي، فلا يبقى منهم إلا أقل من عشرة، ولا يقتل من أصحابي إلا أقل من عشرة، فكان كما قال. ومن ذلك ما وجدناه مرويا عن سعد بن عبادة والأصبغ بن نباته: أنه عليه السلام


(1) البقرة: 207.

[ 214 ]

لما خرج إلى النهروان استقبله دهقان، وقال لتعودن عما قصدت إليه لتناحس النجوم والطوالع فسعد أهل النحوس، ونحس أهل السعود، واقترن في السماء كوكبان يقتتلان، وشرف بهران في برج الميزان، وقدحت في برجه النيران وتناشت الحرب حقا بأماكنها، فتبسم الإمام عليه السلام وقال: أنت المحذر من الأقدار أم عندك دقائق الأسرار، فتعرف الأكدار والأدوار، أخبرني عن الأسد في تباعده في المطالع والمراجع، وعن الزهرة في التوابع والجوامع وكم من السواري إلى الدراري، وكم من الساكنات إلى المتحركات، وكم قدر شعاع المدبرات، وكم أنفاس الفجر في الغدوات ؟ قال: لا علم لي بذلك. فقال عليه السلام: هل عندك علم أنه قد انتقل الملك في بارحتنا من بيت إلى بيت بالصين، وانقلب برج ماجين، وهاج نمل الشيخ، وتردى برج الأندلس وطفح جب سرنديب، وفقد ديان اليهود ابن عمه، وعمي راهب عمورية، وجذم بطريق الروم برومية، وتساقطت شرافات من سور قسطنطينية أفأنت عالم بمن أحكم هذه الأشياء من الفلك ؟ قال: لا، فقال عليه السلام: هل عندكم علم أنه قد سعد في بارحتنا سبعون ألف عالم منهم في البر ؟ ومنهم في البحر، أفأنت عالم بمن أسعدهم من الكواكب ؟ قال: لا. ثم أخبره عليه السلام بأن تحت حافر فرسه اليمنى كنز، وتحت اليسرى عين من الماء، فنبشوا فوجدوا كما ذكر عليه السلام فقال الدهقان: ما رأيت أعلم منك إلا أنك ما أدركت علم الفلسفة، فقال عليه السلام: من صفي مزاجه اعتدلت طبايعه، ومن اعتدلت طبايعه قوي أثر النفس فيه - ومن قوي أثر النفس فيه، سما إلى ما يرتقيه، ومن سما إلى ما يرتقيه تخلق بالأخلاق النفسانية، وأدرك العلوم اللاهوتية، ومن أدرك العلوم اللاهوتية صار موجودا بما هو انسان دون أن يكون موجودا بما هو حيوان، ودخل في باب الملكي الصوري، وما له عن هذه الغاية معبر، فسجد الدهقان وأسلم، وقد وجدت هذا الحديث في كتاب نهج الإيمان ذكره الحسين

[ 215 ]

ابن جبر في نخبه مسندا إلى سعيد بن جبير، وفيه ألفاظ مختلفة اكتفيت عنها بما وضعت منها. ومنها ما نقله ابن طلحة عن صاحب فتوح الشام وعن كتاب ابن شهرآشوب أن عليا عليه السلام صلى الصبح يوما ثم قال لرجل: اذهب إلى محلة بني فلان تجد رجلا وزوجته يتشاجران فأحضرهما إلي فذهب فأحضرهما فقال عليه السلام: قد طال تشاجركما الليلة، قال الرجل: وجدت في نفسي منها نفرة، فقال لها علي عليه السلام: أليس كان يرغب فيك ابن عمك ومنعه أبوك منك، فخرجت ليلة لقضاء الحاجة فاغتالك ووطئك وحملت وأعلمت أمك، فلما وضعتيه ألقيتيه خارج الدار، فجاء كلب فشمه فخشيت أن يأكله فرميتيه بحجر فشجيت رأسه فعدت إليه أنت وأمك فشدت أمك رأسه بخرقة من مرطها ومضيتما ؟ قالت: نعم، لم يعلم بها سوى أمي، قال: فقد أطلعني الله عليه فأخذه بنو فلان وربوه وهو زوجك هذا، اكشف عن رأسك فكشف فوجدت الشجة فيه فقال: هو ابنك فخذيه، ولا نكاح بينكما. ومنها ما قاله خطيب دمشق عن الحسين بن زكريا الفارسي أن أهل الكوفة طلبوا من علي أن ينقص لهم الفرات لما طفت، فلبس جبة النبي وعمامته وبردته وأخذ في يده قضيبه وأهوى به إليها فنقصت ثلاثة أذرع، فهذا بعض ما جاء من طريق الخصم وأما الطريق الآخر فكثير سلف منه جانب وسيأتي إن شاء الله جانب. ولما ادعى الإمامة وأقسم عليها في قوله: وأيم الله لقد تقمصها ابن أبي قحافة وهو يعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى، وقد أظهر الله كراماته على يده الدالة على صدقه، لأن الله تعالى لا يخرق العادات لعدوه والكاذب عليه، فعلم من ذلك صحة إمامته، كما علم من اقتران دعوى الرسول بمعجزته صحة نبوته. وهذا كاف شاف لو لم يوجد نص على خلافته كما قال العلامة الفريد عز الدين ابن أبي الحديد: وخلافة ما إن لها لو لم تكن * منصوصة عن جيد مجدك معدل عجبا لقوم أخروك وكعبك ال‍ * - عالي وخد سواك أضرع أسفل

[ 216 ]

(الفصل التاسع عشر) نذكر فيه ما وعدنا به في أول الباب من إحاطته عليه السلام بفضائل أولي الألباب ولا عجب ممن رباه النبي المؤيد بالوحي الإلهي أن يبلغ الغاية القصوى من العلوم ويطلع على سر السر المكتوم فقد روى مسلم في أول كراس من صحيحه في تفسير سورة غافر عن ابن عباس كان علي تعرف به الفتن قال وأراه ذكر فيه كل جماعة كانت في الأرض أو تكون، وقال وروي عنه نحو ذلك كثير وروت الفرقة المحقة قوله عليه السلام: سلوني قبل أن تفقدوني فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو سألتموني عن آية لأخبرتكم بوقت نزولها وفي من نزلت وأنبأتكم بناسخها ومنسوخها، و خاصها وعامها، ومحكمها ومتشابهها، والله ما من فئة تضل أو تهدي إلا وأنا أعرف قائدها وسائقها وناعقها إلى يوم القيامة، وزاد في نهج البلاغة: ومن يقتل من أهلها ومن يموت وفي غرر الحكم عن الآمدي: سلوني قبل أن تفقدوني فإني بطرق السماوات أخبر منكم بطرق الأرض. وقد اشتهر أن النبي صلى الله عليه وآله علمه ألف باب فتح له كل باب ألف باب، وفيه قال الشاعر: علمه في مجلس واحد * ألف حديث حسبة الحاسب كل حديث من أحاديثه * يفتح ألفا عجب العاجب وكان من أحمد يوم الوغا * جلدة بين العين والحاجب قال الجاحظ: في تزكية علي لأبي بكر بالرواية عنه دون العكس، دليل الأفضلية، قلنا: ليس في الرواية عنه إن صح ذلك تزكية له، ولا استفادة منه، لجواز أن يكون عالما بها من الرسول فيرويها عنه إلزاما له، أو ليحتج بها على من يحسن ظنه به، وعلي لم يحتج إلى تزكية أبي بكر بعد تزكية الله تعالى في قوله: (ويطهركم تطهيرا) (1) وتزكية رسول الله في قوله: (أنا حرب لمن حاربتم وولي


(1) الأحزاب: 33.

[ 217 ]

لمن واليتم). على أن الدرك على تارك الفضيلة لا على صاحب الفضيلة. قال: سكت علي ترجيحا للشيخوخة عليه، قلنا: في خطبته الشقشقية جواب هذا الكلام وقد روى أخطب خوارزم أن النبي صلى الله عليه وآله أعطى الراية ببدر لعلي وهو ابن عشرين سنة، فلم تمنعه الفتوة عن تأميره ولما بهرت عجايبه عقول الغلاة، ترفعوا به عن درجات المخلوقين، فحفر النار وألقى منهم كثيرا لينزلوا به إلى درجات المحدثين. وأسند ابن جبر في نخبه إلى النبي صلى الله عليه وآله أنه كان إذا نزل الوحي ليلا لم يصبح حتى يخبر به عليا وإذا نزل نهارا لم يمس حتى يخبر به عليا، وفيه أيضا من طرق عديدة أنه عليه السلام قال بحضرة المهاجرين والأنصار وأشار إلى صدره: كنيف ملئ علما لو وجدت له طالبا، سلوني قبل أن تفقدوني هذا سفط العلم هذا لعاب رسول الله، هذا ما زقني رسول الله زقا، عندي علم الأولين والآخرين، لو ثنيت لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان بكتبهم حتى ينادي كل كتاب بأنه حكم الله في وفي رواية: حتى يزهر كل كتاب ويقول: يا رب إن عليا قضى في. وفيه أيضا: لو شئت أخبرت كل أحد منكم بمخرجه ومولجه وجميع شأنه وفيه أيضا عن سلمان عندي علم المنايا والبلايا، والأنساب وفصل الخطاب، ومولد الاسلام ومولد الكفر، وأنا صاحب الميسم، والفاروق الأكبر، سلوني عما يكون إلى يوم القيامة، وعما كان قبلي وعلى عهدي. وفيه عن المسيب: ما كان أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: سلوني، غير علي وعن ابن شبرمة ما قال أحد على المنبر سلوني غير علي، وفي تفسير الشيرازي من علمائهم في قوله: (فاسألوا أهل الذكر (1)) يعني محمدا وعليا وفاطمة والحسن و الحسين، هم أهل العلم والعقل والبيان، والله ما سمي المؤمن مؤمنا إلا كرامة لأمير المؤمنين علي عليه السلام.


(1) النحل: 43.

[ 218 ]

تذنيب: طعن أبو هاشم في الحكم بالكتب المتقدمة بأنه منسوخ لا يجوز الحكم بها. قلنا: لعل المراد منها علمه بأحكامها [ وعلمه بأحكامها ] الواردة في القرآن الناسخ لها أو أنه يعرف ما حرف منها فيقضي بينهم بغيره، ويرد قضاءهم به، أو يمكنه استخراج النصوص الواردة في حق النبي وأهل بيته منها. تذنيب آخر: مما سمعناه مذاكرة أن ابن الجوزي قال على المنبر: سلوني قبل أن تفقدوني فسألته امرأة عما روي أن عليا سار في ليلة إلى سلمان فجهزه ورجع، فقال روي ذلك، قالت وعثمان تم ثلاثة أيام منبوذا في مزابل البقيع، و علي حاضر ؟ قال: نعم، قالت: فقد لرم الخطأ لأحدهما. فقال: إن كنت خرجت من بيتك بغير إذن بعلك فعليك لعنة الله وإلا فعليه فقالت خرجت عائشة إلى حرب علي بإذن النبي أولا ؟ فانقطع. وذكر ابن شهرآشوب عن الصفواني قالت: أم سلمة أعطاني النبي كتابا وقال من طلبه منك ممن يقوم مقامي فأعطيه فمضت الثلاثة ولم يطلبوه فلما بويع علي عليه السلام طلبه قالت: وكان فيه كل شئ دون قيام الساعة، وفي رواية عن ابن عباس لما فتحه قال: هذا علم الأبد. تنبيه: إذا كان الرب القديم جعل كل شئ في القرآن العظيم، فقال: (ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) (1) ومن المعلوم أن ذلك ليس في ظاهره فهو في باطنه فقد ذكر أمير المؤمنين عليه السلام قوله: سلوني ونحوها ولم يرد عليه أحد من الصحابة والتابعين، فهو الذي عنى الله بقوله (وكل شئ أحصيناه في إمام مبين) (2) فهو أولى من الله بإمامته لقبح تقديم المفضول في حكمته والعلماء والحكماء وأهل الزواجر بفضله يعترفون، ومن لجج بحاره الزواخر يغترفون. وأما المتكلمون فناهيك بنهج البلاغة وما فيه من التوحيد لباريه، وقد شهد له الرسول الذي هو مدينة العلم بأنه رباني هذه الأمة وقال الغزالي في كتاب


(1) الأنعام: 59. (2) يس: 12.

[ 219 ]

إحياء العلوم: أول من سن دعوة المبتدعة بالمجادلة إلى الحق علي بن أبي طالب وقد ناظرته الملاحدة في مناقضات القرآن فأجاب مسألة الجاثليق فأسلم. وقد روى ابن جبر في نخبه عن ابن عباس أن الله تعالى جمع القرآن في قلبه وجمعه بعد موت رسوله، وأما القراء فحمزة والكسائي يعولان على قراءته وقال ابن مسعود: ما رأيت أحدا أقرأ من علي، ونافع وابن كثير وأبو عمرو يرجعون في الأكثر إلى ابن عباس وهو قرأ على علي وأبي وقراءتهم تخالف قراءة أبي فهو عن علي، وعاصم قرأ على أبي عبد الرحمن السلمي وهو قرأ على علي. وأما المفسرون فابن عباس، وابن مسعود، وأبي، وزيد بن ثابت، معترفون له بالتقدم قال ابن شهرآشوب: سمعت مذاكرة أنه عليه السلام تكلم لابن عباس في الباء من بسم الله إلى قرب الفجر وقال لو زادنا الليل لزدنا، وفي قوت القلوب: لو شئت لأوقرت سبعين بعيرا في تفسير الفاتحة، وفي فضائل العكبري قال الشعبي: ما أحدكم أعلم بكتاب الله بعد نبي الله من علي ابن أبي طالب، وفي حلية الأولياء وتاريخ البلاذري أنه عليه السلام قال: ما نزلت آية إلا وقد علمت فيما نزلت، وأين نزلت، بليل أو نهار، في سهل أو جبل ؟ إن ربي وهب لي قلبا عقولا ولسانا سؤولا. وأما الفقهاء فابن أبي ليلى، وسفيان الثوري، والحسن بن صالح، وشريك من أهل الكوفة يرجعون إليه، ويترجمون الأبواب بقولهم هذا قياس قول علي، و الحسن وابن سيرين من أهل البصرة يأخذان عمن أخذ عن علي وقد أفصح ابن سيرين بأخذه عن عبيدة السلماني، وهو أخص الناس بعلي والمكيون أخذوا عن ابن عباس وعلي وأخذ ابن عباس معظم علمه عن علي، والمدنيون قد صنف الشافعي كتابا في اتباعهم لعلي وفي مسند أبي حنيفة قال له الصادق عليه السلام: من أين أخذت القياس، قال من علي وزيد حين شاجرهما عمر في الجد مع الإخوة فقال له علي: لو أن شجرة انشعب منها غصن ثم انشعب منه غصنان أيهما أقرب إلى أحدهما الغصن الأول أم الشجرة، وقال زيد: لو انبعث من الجدول ساقية وانبعث من الساقية

[ 220 ]

ساقيتان أيهما أقرب إحدى الساقيتين إلى الأخرى أم إلى الجدول. وأما الفرضيون فقد روي في فضايل أحمد أن أعلم أهل المدينة بالفرايض علي ابن أبي طالب. قال الشعبي: ما رأيت أفرض منه، ولا أجيب منه، سئل على المنبر وهو يخطب عمن مات وترك امرأة وأبوين وبنتين كم نصيب المرأة ؟ فقال عليه السلام صار ثمنها تسعا. وذلك إما استفهام أو بيان حكم على رأي من يقول بالعول، فلقبت المسألة بالمنبر، وروت العامة أنه سئل عمن خلف ست مأة دينار فاستحقت امرأة من الورثة دينارا واحدا، كم كانوا ؟ فقال: بنتان وأم وزوجة واثنا عشر أخا و أختا فسميت المسألة الدينارية فأين هذا من عمر حيث أتى إليه زوج وأم وأخوان لأم وأخوان لأبوين فجعل للزوج نصفا وللأم سدسا ولأخوي لأم ثلثا فقال: أخوا الأبوين: هب أن أبانا كان حمارا فأشركنا بأمنا فسميت الحمارية. وأما النحاة فظاهر وصفه لأبي الأسود الدؤلي فإنه دخل عليه فرآه متفكرا فقال له: فيما أنت متفكر ؟ قال: سمعت في بلدكم لحنا وأردت أن أصنع في اللغة كتابا، قال: فأتيته بعد أيام فألقى إلي صحيفة فيها: الكلام كله ثلاثة: اسم وفعل، وحرف، والأشياء ثلاثة: ظاهر، ومضمر، وغيرهما، فانح هذا النحو. فجمع حروف النصب ولم يذكر (لكن) منها، فقال له: هي منها فزدها فيها، وبخل أبو الأسود به زمانا حتى سمع قارئا يقرء: (أن الله برئ من المشركين ورسوله (1)) بكسر اللام فقال: لا يحل أن أترك الناس بعد هذا، فوضع أدوات الإعراب الثلاث والوصل والتسكين، والتشديد، والتمديد، ثم أخذه عنه، عتبة، ثم ابن أبي إسحق وهو أول من فتح النحو وشرح العلل وصنف، ثم عيسى، ثم الخليل ثم سيبويه، ثم الأخفش، ثم المازني، ثم المبرد، ثم ابن السراج، ثم أبو علي الفارسي، ثم علي بن عيسى، ثم الحسن بن حمدان، ثم أحمد بن يعقوب، كل واحد من المذكورين أخذ عمن تقدمه. قاله الزجاج في أماليه.


(1) براءة: 3.

[ 221 ]

وأما الخطباء والفصحاء، فناهيك بكلامه في نهج البلاغة وكتاب الخطب و غيره في الأصول من خطبته في التوحيد وغيرها، وفي الفروع من أحكامه التي لا يمكن أحد أن يفوه بنكيرها، ومن نظر في العلوم وجد أسها (1) عليه، ورآه رأسها المنقادة إليه، وكل من حصل علما فمنه احتذى وابتدى، وبه اقتدى واهتدى كل جليل من بحره اغترف، وبدقيق علمه اعترف، فقد قيل لعبد الحميد كاتب بني أمية لما كتب إلى أبي مسلم كتابا بجملة أجمل فيها: من أين لك هذه البلاغة ؟ قال: من حفظي لألف خطبة لأصلع بني هاشم. وقد دهش الجاحظ الذي هو علامة الدهر في مفردات كلماته الحكمية، و اعترف بأنها حوت متفرق المعاني، واشتملت على أحسن المباني، ومن رزق الهداية رآى كلامه منضودا في عقد الألفاظ الرائقة، والأساليب الفائقة، لا بالمستعمل الخلق، ولا بالمشكل الغلق، بل أشهى إلى النفوس من الخرد الحسان، وأعلق بالقلوب من تعلق الجزع بالأمان، فإن وجدت شاردا منسوبا إلى غيره فبتفضيله وإن رأيت واردا مضافا إلى سواه فلا تعرض عن تبجيله، ومن بلغ في الهداية إلى هذا المرتبع، كان أحق بقوله (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع) (2) فوجب اتباعه بعد النبي بلا فصل، لاختصاصه بعظيم الخصل، شعر رواه ابن جبر في نخبه عن الصادق عليه السلام: محال وجود النار في بيت ظلمة * وأن يهتدي حيران في ظل حاير فلا تطمعوا في العدل من غير أهله * ولا في هدى من غير أهل البصاير قال السيد الرضي: كان عليه السلام مشرع الفصاحة وموردها، ومنشأ البلاغة و مولدها، ومنه ظهر مكنونها، وعنه أخذ قانونها، وأنشد بعضهم في المعنى: وخوطب بالوزارة من إليه * تناهي الفضل واجتمع الفخار منيع لا يطاوله زمان * وفي لا يضام له جوار خطيب لا يعثره خطاب * بليغ لا يجاوزه اختصار


(1) اسمها، خ 1. (2) يونس: 35.

[ 222 ]

فنحن ننتهب جواهر البلاغة من بحار خطباته وملح أشعاره، وننتقب فرائد البراعة من وجيز توقيعاته وكنوز أفكاره، فمن كلامه فهمت جواهر العربية، و يواقيت الحكم الدينية والدنياوية، عليه مسحة من الكلام الإلهي وفيه عبقة من اللفظ السوي. قال قطب الدين الراوندي: سمعت بعض العلماء بالحجاز يقول: رأيت بمصر مجموعا من كلام علي في نيف وعشرين مجلدا. وأسند صاحب النخب إلى الكلبي إلى أبي صالح أن الصحابة اجتمعت وقالت: الألف أكثر دخولا في الكلام، فارتجل خطبته المونقة أولها: حمدت من عظمت منته، وسبغت نعمته، وسبقت رحمته غضبه، إلى آخرها لم يوجد فيها ألف، ثم ارتجل أخرى خالية من النقط. وأما الوعاظ فليس لأحد من الرجال ماله من العبر والأمثال، مثل: من زرع العدوان حصد الخسران، من ذكر المنية نسي الأمنية، من قعد به العقل قام به الجهل، من عدل في سلطانه استغنى عن عدوانه، من طال عدوانه زال سلطانه، من ساءت سيرته سارت منيته، من مال إلى الحق مال إليه الخلق، من ساء اختياره قبحت آثاره، من قل اعتباره قل استظهاره، من جار في سلطانه صغره، ومن من بإحسانه كدره، العدل أقوى جيش، والأمن أهنى عيش، كل دولة يحوطها الدين لا تغلب، وكل نعمة يحرسها الشكر لا تسلب. وله مائة كلمة مشهورة قد تضوع المحققون بنشرها، واعتنى المدققون بكشف سرها، اشتملت من العلوم على أعذاق جانية، وأقطاف دانية. وأما الفلاسفة فهو أرجحهم، قال عليه السلام: أنا النقطة أنا الخط، أنا الخط أنا النقطة، أنا النقطة والخط. وقال جماعة: القدرة هي الأصل، والجسم حجابه، و الصورة حجاب الجسم، لأن النقطة هي الأصل والخط حجابه ومقامه، والحجاب غير الجسم الناسوتي. وقال صاحب النخب: سئل عليه السلام عن العالم العلوي فقال: صور عارية عن المواد. عالية عن القوة والاستعداد، تجلى لها فأشرقت، وطالعها فتلألأت، و

[ 223 ]

ألقى في هويتها مثاله، فأظهر عنها أفعاله، وخلق الانسان ذا نفس ناطقة، إن زكاها بالعلم فقد شابهت جواهر أوايل عللها، وإذا اعتدل مزاجها وفارقت الأضداد فقد شارك بها السبع الشداد. وأما المهندسون فقد روي أن رجلين مرا بعبد مقيد فقال أحدهما: إن كان وزن قيده كذا فامرأته طالق، وقال الآخر بخلافه، فسألا سيده أن يحله فأبى حله، فارتفعا إلى عمر فأمرهما باعتزال نسائهما، وبعث إلى علي فوضع رجليه بالقيد في إجانة وصب الماء عليه، ثم رفع ووضع الحديد مكانه، ثم أخرج الحديد ووزنه، ثم أخرج القيد ووزنه فتعادلا، فتعجب منه عمر. وفي المصالت: جاء رجل بآخر وقال: هذا احتلم بأمي، فقال: أوقفه في الشمس واضرب ظله، وفي التهذيب قال له رجل: حلفت أن أزن الفيل، فأدخل الفيل قرقورا (1) وعلم الماء ثم أخرجه ووضع القصب، فلما وصل الماء إلى العلامة أخرجه ووزن القصب، وقال: هذا وزن الفيل. وأما الحساب فذكر الشيخ في النهاية وغيره مسألة الأرغفة وهي مشهورة ووجدنا أن انسانا سأله من الكسور التسعة فقال: هي مضروب أيام أسبوعك في أيام سنتك. وأما أصحاب الكيمياء فسئل في أثناء الخطبة: هل لها كون ؟ فقال: لها كون وهي كائنة، قالوا: مم هي ؟ قال: في الزيبق الرجراج، والأسرب والزاج، و الحديد المزعفر، وزنجار النحاس الأخضر، قيل: زدنا. قال: اجعلوا البعض أرضا والبعض ماء، وافلجوا الأرض بالماء، وقد تم، قيل: زدنا. فقال: لا زيادة إن القدماء الحكماء ما زادوا لئلا يتلاعب الناس به: وفي كلام آخر له: إن الكيمياء أخت النبوة، وعصمة المروة، ما في الأرض من شئ إلا وفيه منه أصل وفرع إني لأعلم به من العالمين، إنه في الزيبق الرجراج، والذهب والزاج، والحديد المزعفر، وزنجار النحاس الأخضر، تكون إصباغ لا يؤتى على عابرها، يصلح بعضه ببعض، فتفتر عن ذهب كاين، وصبغ غير متباين.


(1) القرقور: السفينة الطويلة أو العظيمة.

[ 224 ]

قيل: ما نعقل هذا، قال: ماء جامد، وهواء راكد، ونار حامية، وأرض سائلة. فمن يبلغ زهده إذ ترك الدنيا باختياره، وغيره باضطراره. وأما الأطباء فروي عن الصادق عليه السلام أن عليا عليه السلام قال: إذا كان الغلام ملتاث ؟ الأزر، صغير الذكر، ساكن النظر، فهو ممن يرجى خيره، ويؤمن شره وإن كان شديد الأزر، كبير الذكر، حاد النظر، فهو ممن لا يرجى خيره، ولا يؤمن شره. وروي عنه أنه قال: يعيش الولد لستة أشهر ولسبعة ولتسعة لا ثمانية، و قال: لبن الجارية من المثانة، والغلام من العضدين والمنكبين، وقال يشب الصبي كل سنة أربع أصابع بأصابع نفسه، وقد روى المخالف وفير علمه، وغزير حكمه، فأسند ابن حنبل إلى ابن المسيب أن عمر كان يتعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن، فإذا ثبت أنه الأعلم بقول الفريقين، والأحكم باتفاق الخصمين كان بالإمامة أولى ممن سئل عن الله أين هو ؟ فقال: في السماء. روى المفيد في إرشاده أن حبرا قال لأبي بكر: أنت خليفة نبي هذه الأمة ؟ قال: نعم. قال: فإنا نجد في توراتنا أن خلفاء الأنبياء أعلم أمتهم فأخبرني أين الله ؟ قال: في السماء. قال فأرى الأرض خالية منه، ثم ولى مستهزئا بالاسلام فلقيه علي عليه السلام فقال له: قد عرفت سؤالك وإنا نقول: إن الله أين الأين فلا أين له، جل أن يحويه مكان، وهو في كل مكان بغير مماسة، يحيط علما بما فيها ولا يخلو من تدبير شئ منها. أليس في كتبكم أن موسى جاءه ملك فقال له: من أين أقبلت ؟ فقال: من المشرق من عند الله، ثم آخر من المغرب وآخر من السماء وآخر من الأرض كل يقول: جئت من عند الله، فقال اليهودي: هذا هو الحق وأنت أحق بمقام نبيك ممن استولى عليه. ولقد سألت جمعا من أهل الذمة قرأوا التوراة وكتاب يوشع وكتبا تسمى

[ 225 ]

كتب النبوة فقالوا: فيها أن خليفة الأنبياء لا بد أن يكون أعلم الرعية وأزهد الخليفة، وأسدهم رأيا، وأعلاهم حسبا، وذلك أيضا في الجزء الخامس من السفر الثاني والأول من السفر الخامس. وقد روى أنس وغيره قول النبي صلى الله عليه وآله لسلمان: إنما أوصى موسى ليوشع لأنه كان أعلم أمته، وإذا ثبت في الكتب السالفة، والأخبار الخالفة، أن الأولى هو الأعلم، وظهر مما ذكرنا وغيره أن عليا هو الأعلم، اتضح أنه أحق ممن تقدم، وقد روي أن أبا بكر حفظ البقرة في سبع عشرة سنة، ونحر جزورا وليمة عند فراغه من حفظها، وقد حكمت ضرورة العقل بقبح تقديم المفضول، و عضدها قول الرب والرسول (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع (1)) (زوجتك أعظمهم حلما، وأقدمهم سلما، وأعلمهم علما. وفي علوم علي الولي، قال السيد الحميري: علي أمير المؤمنين أخو الهدى * وأفضل ذي نعل ومن كان حافيا أسر إليه أحمد العلم جملة * وكان له دون البرية واعيا ودونه في مجلس منه واحد * بألف حديث كلها كان هاديا وكل حديث من أولئك فاتح * له ألف باب فاحتواها كماهيا وقال ابن الفودي: ومن ذا يساميه بمجد ولم يزل * يقول اسألوني ما يحل ويحرم سلوني ففي جنبي علم ورثته * عن المصطفى ما فاه مني به الفم سلوني عن طرق السماء فإنني * بها من سلوك الطرق في الأرض أعلم ولو كشف الله الغطا لم أزد به * يقينا على ما كنت أدري وأفهم وقال الصاحب: من كالوصي علي عند مشكلة * وعلمه البحر قد فاضت نواحيه


(1) يونس: 35.

[ 226 ]

من كالوصي علي عند مخمصة * قد جاد بالقوت إيثارا لعافيه يا يوم بدر تجشم ذكر موقفه * فاللوح يحفظه والوحي يمليه وأنت يا أحد قل ما في الورى أحد * يطيق جحدا لما قد قلته فيه براءة استرسلي في القول وانبسطي * فقد لبست جمالا من توليه ومما ارتجله جامع الكتاب في هذا الباب: علي علا فوق السماوات قدره * وسار مع الركبان في الأرض أمره بعلم وزهد وافر وشجاعة * وأنواع إفضال بها شيد ذكره رواها الموالي والمولى فإن يكن * لها منكر يوما فقد فاه نكره فباء بحوب لا يعد عذابه * وأصروهتك لا يؤمل ستره (الفصل العشرون) من تكميل ما سبق، أنواع الفضائل خمسة: الأول: العلم وقد سبق جانب منه، ويزيده وضوحا ما أسنده أبو نعيم في حلية الأولياء إلى علقمة عن عبد الله أنه سأل النبي عن علي فقال: قسمت الحكمة عشرة أجزاء فأعطي علي تسعة والناس كلهم جزاءا. ونحوه ذكر ابن جبر في نخبه عن ابن عباس، قال: إنه لأعلمهم بالعشر الباقي. وفي أربعين الخطيب قسم عمر العلم ستة وقال: لعلي خمسة، وللناس واحد ولقد شركنا في السدس الآخر حتى لهو أعلم منا به. وعن الصادق عليه السلام: أهدي إلى النبي خوفا فسأل أبا بكر وعمر وعثمان اسمه فلم يعرفوه فسأل عليا فقال تسميه أهل فارس خوخا فقال عمر: من أين علم علي تسمية أهل فارس، فقال النبي صلى الله عليه وآله علمه الله الأسماء التي علمها لآدم. وفي تفسير النقاش عن ابن عباس: ما علمي وعلم أصحاب محمد في علم علي إلا كقطرة في سبعة أبحر وفي كتاب الحسن البصري: رأى الخضر عصفورا وضع نقطة

[ 227 ]

على يد موسى فقال: هذا العصفور يقول: ما علمكما في علم وصي نبي يأتي في آخر الزمان إلا كما أخذت بمنقاري من هذا البحر. وفي المناقب مسندا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يأتي الناس يوم القيامة بالأعمال فلا تنفعهم إلا ما قبلت أنا وعلي بعد قبول الله تعالى إن الله تعالى جعلني ميزان قسط وجعل عليا كلمة عدل، وهذا يدل على زيادة علمه بأفعالهم الموجبة للدارين ولا يخفى ذلك إلا على ذي رين. الثاني: العمل وقد اشتهر زهده وعبادته وملاك العمل الخشية وملاكها العلم (إنما يخشى الله من عباده العلماء (1)) وقد بان أنه أعلم، فهو أخشى، فهو أعمل، ومن العمل الجهاد، وهذا الباب غني عن الايراد، فإنه لا خفاء على أحد من أن سيفه أقام الاسلام قال: يا من به للدين فخر والهدى * نور وفي كتب العلوم تمائم ومن الذي لولا ثباة حسامه * ما قام للاسلام قط دعائم يا من له فصل الخطاب وعنده * علم الكتاب ومن بنيه القائم الثالث: المال وعلي استغنى فيه بالله عن غيره، حيث نزلت المائدة عليه عند سغبه، والماء لطهوره، وأسند ابن المغازلي إلى أنس قول النبي لأبي بكر وعمر: امضيا إلى علي يحدثكما بما كان منه في ليلته وأنا على أثركما، فمضيا وقالا: بعثنا النبي لتحدثنا فجاء النبي صلى الله عليه وآله وقال: حدثهما. فقال: أردت الطهور و خفت أن تفوتني الصلاة فانشق السقف ونزل سطل مغطى فتطهرت منه ثم ارتفع و التأم السقف، فقال النبي صلى الله عليه وآله: السطل والمنديل من الجنة، من مثلك ؟ جبريل يخدمك. ونحوه ذكر أخطب خوارزم إلا أنه قال: كان الطهور لصلاة العصر، قال النبي صلى الله عليه وآله: ما زال إسرافيل قابض على ركبتي حتى لحقت معي الصلاة، أفيلومني الناس على حبك، والله وملائكته يحبونك ؟ والمفهوم من هذين الحديثين نزول السطل عليه مرتين.


(1) فاطر: 28.

[ 228 ]

تنبيه: الظاهر أنه إنما أرسل الشيخين إليه ليعلمهما بنقصهما عنه، فلا - يستوجبان التقدم عليه وفي ذلك يقول ابن حماد: أعطيت بالفضل ما لم يعطه أحد * كذا روى خلف منا عن السلف كالجام والسطل والمنديل يحمله * جبريل ما أحد فيه بمختلف وقال العوني: وهل يقاس حيدر بحبتر * وهل تقاس الأرض جهلا بالسما هل يستوي المؤمن والمشرك والمعصوم عن معصية ومن عصا هل يستوي من كسر الأصنام والساجد للأصنام كلا لا سوى هل يستوي الفاضل والمفضول أم * هل يستوي شمس النهار والدجى الرابع: الجاه ولا ريب في بسط قدرته وقيام الاسلام بسيفه وقوته، ونزول (إنما وليكم الله ورسوله) في ولايته. الخامس: النسب ولا نسب أعلى من بني هاشم، في الجاهلية بأجداده الكرام وفي الاسلام فناهيك بالنبي وابنته وابنيه عليهم السلام، وعلي أول من ولد من هاشميين (1) وقد ذكر الخركوشي والثعلبي عن جابر قول النبي صلى الله عليه وآله لعلي: الناس من شجر شتى وأنا وأنت من شجرة واحدة، وبنحوه ذكر ابن عقدة وعطاء والخراساني وابن شريح الفلكي والطوسي في الأربعين وفي الفردوس وفي بعضها: أنا الشجرة وعلي فرعها والأئمة من ولده أغصانها والأئمة ثمرها وشيعتهم ورقها ونحو هذا كثير. فضيحة: لما عد دغفل النسابة للأول مقابح رهطه هرب منها وتبسم النبي صلى الله عليه وآله لها، ذكر ذلك سلمة في الفاخر، وابن عبد ربه في العقد، والخطيب في التاريخ، وقد قيل للفرزدق: وصفت كل قبيلة إلا تيما فقال: لم أجد حسبا فأصفه ولا بناء فأهدمه. قال الجاحظ: النسب لا تأثير له في الخلافة بل الدين (وأن ليس للانسان


(1) بل الصحيح ما ذكره المؤرخون بقولهم: وأمه أول هاشمية ولدت لهاشمي.

[ 229 ]

إلا ما سعى (1)) قلنا: النسب من السعي كما جاء في الحديث: ولد الانسان من كسبه. قال: (يوم لا تجزي نفس عن نفس شيئا (2) قلنا: هذا مختص بالكفار للاجماع بإثبات الشفاعة. قال: (لا يغني مولى عن مولى (3)) قلنا: في آخرها (إلا من رحم الله) وقرابة النبي مرحومة. قال: روي أن النبي صلى الله عليه وآله قال: يا بني عبد المطلب لا أغني عنكم من الله شيئا. قلنا: رواية ساقطة من الكتب والرجال، فلا يعتمد فيها على حال، ويردها ما أسنده الثعلبي برجاله من قوله عليه السلام: من صنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطلب ولم يجازه عليها فأنا أجازيه عليها في القيامة، وقد أورد المرزباني في كتابه: " كل نسب وسبب منقطع يوم القيامة إلا نسبي وسببي " وقد ألح عمر في التزويج عند أمير المؤمنين لهذه العلة. قال شيعي لناصبي: لو بعث النبي أين كان يحط رحله قال: في أهله وولده قال: فقد حططت هواي حيث يحط النبي صلى الله عليه وآله رحله وثقله، قال الحسن من بني العباس: وقالت قريش لنا مفخر * رفيع على الناس لا ينكر فقد صدقوا فلهم فضلهم * وبينهم رتب تقصر فأدناهما رحما بالنبي * إذا فخروا فبه المفخر بنا الفخر فيكم على غيركم * وأما علينا فلا تفخروا ففضل النبي عليكم لنا * أقروا به بعد أن أنكروا فإن طرتم بسوى مجدنا * فإن جناحكم الأقصر


(1) النجم: 39. (2) البقرة: 48 وفيه: واتقوا يوما لا تجزى الآية. (3) الدخان: 41.

[ 230 ]

وفي خبر حرة بنت حليمة مرضعة النبي لما أراد الحجاج هلاكها لتفضيلها عليا على الثلاثة: أنها لما رأت شدة غضبه قالت: إن الله ورسوله فضلاه عليهم بل هو أفضل من آدم ونوح وداود وسليمان وإبراهيم وموسى وعيسى، فاشتد غضبه وطلب منها سبب ذلك، فقالت: (وعصى آدم ربه فغوى (1)) وشكر الله سعي علي في (هل أتى) وامرأة نوح خائنة وزوجة علي فاطمة الطاهرة، وإبراهيم قال: (ليطمئن قلبي (2)) وعلي قال: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا، موسى خرج خائفا وعلي ليلة المبيت لم ير خائفا، وداود حكم في الغنم وكان الصواب في حكم سليمان كما نطق به القرآن وقال النبي: أعلمكم علي أقضاكم علي، وسليمان طلب ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وعلي يا دنيا اعزبي عني لا حاجة لي فيك وقال الله لعيسى: (أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله (3)) فاعتذر بقوله: (إن تعذبهم فإنهم عبادك) وعلي لم يعتذر بقتل الخوارج وغيرهم، فتخلى غضبه وأمر لها بألف دينار وجعلها رسما لها في كل سنة. وفي قضاء العقول: من كان أفضل من رعيته، امتنع أن يستحق أحدهم عظم رتبته، فما ظنك بمن فضل على الأنبياء هل يكون غيره أولى منه بمنازل الأولياء ولما أنكر قوم طالوت ملكه بقولهم: (أنى يكون له الملك علينا (4)) رد الله عليهم بقوله: (إن الله فضله عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم) قال ابن الرومي: رأيتك عند الله أعظم زلفة * من الأنبياء المصطفين ذوي الرشد وجدت هذا البيت مفردا فأحببت أن أنسج على منواله، وأقتدي به في إفضاله بمقاله، فقلت: فآدم لما أن عصى زال فضله * وفي هل أتى شكر الإمام على الرفد وامرأتا نوح ولوط فخانتا * ونور الورى عن طهر فاطمة يبدي


(1) طه: 121. (2) البقرة: 260. (3) المائدة: 119. (4) البقرة: 247.

[ 231 ]

وقد سأل إبراهيم إحياء ميت * ليطمئن منه القلب بالواحد الفرد ولو كشف المستور مولاي لم يزد * يقينا على ما كان في سالف العهد وقد خاف موسى حين ولى مبادرا * وبات علي لم يخف سطوة الضد ولم يخف ما في حكم داود سابقا * وحكم علي إذ تجل عن الرد سليمان جاء الذكر فيه بقوله * هب الملك لا تحبيه من أحد بعدي ودنيا أتت مولاي زي بنية * فقال اعزبي عني ولا تمكثي عندي وقد عاتب الرحمن عيسى بقوله * أأنت أمرت الناس أن يعبدوا عبدي فأبدى اعتذارا إن تعذبهم على * جرائمهم أو تعف لا زلت ذا مجد ومولاي لم يبد اعتذارا بقتله البغاة ولكن فاز بالشكر والحمد فقد عرف التفضيل حقا لطالب * لحق ولم يحتج إلى متعب الكد فقد ضل من قاس العتيق بحيدر * ولا ملحة فيه لمنفعة تجدي (الفصل الحادي والعشرون) * (في سد الأبواب دون باب علي عليه السلام) * هذا الفصل يتضمن معنى النص من الله ورسوله لكونه بأمر الله وفعل رسوله وفي رواية أبي رافع: لما سد الأبواب تكلموا فيه فصعد المنبر وقال: ما فعلت إلا عن أمر ربي إن الله تعالى أوحى إلى موسى وهارون: (أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة (1)) ثم أمره أن يسكن مسجده فلا يدخله جنب غيره وغير هارون وذريته، واعلموا أن عليا مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي وهذا أمر مستفيض رواه الفريقان، واتفق عليه الخصمان، فرواه عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن ابن عمر، وعن عمر، وعن زيد بن أرقم: ولما تكلموا فيه صعد المنبر وقال: أمرت بسد هذه الأبواب غير باب علي، وقال فيه قائلكم


(1) يونس: 87.

[ 232 ]

فوالله ما سددت شيئا ولا فتحته ولكن أمرت بشئ فاتبعته. وأسنده الحافظ الإصفهاني إلى ابن عباس وفيه أن موسى سأل الله أن يطهر مسجده ولا يسكن فيه إلا هو وهارون وأولاد هارون، وإني سألت الله لك و لذريتك ذلك، وفيه ما أنا سددت ولا فتحت ولكن الله سد أبوابكم وفتح باب علي، ورواه ابن المغازلي الشافعي من طرق ثمانية: عدي بن ثابت وسعد بن أبي وقاص بسندين، والبراء بن عازب وابن عباس بسندين، ونافع مولى عمر وحذيفة ابن أسيد. وفيه انقض كوكب فقال النبي صلى الله عليه وآله: من انقض في داره فهو الوصي من بعدي، فنظر فتية من بني هاشم فإذا هو في دار علي فقالوا: غوى في حب علي. فنزل: (والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى (1)). وفيه أنه بعث معاذ بن جبل إلى أبي بكر وعمر وعثمان وحمزة بسد أبوابهم فقالوا: سمعا وطاعة، وقال لعلي عليه السلام: اسكن طاهرا مطهرا فبلغ حمزة قول النبي فقال: تخرجنا وتسكن غلمان بني عبد المطلب ؟ فقال: لو كان الأمر لي ما جعلت من دونكم أحدا، والله ما أعطاه إياه إلا الله ورواه أحمد في فضائله وأبو يعلى في مسنده والسمعاني وذكره في الخصائص وحلية الأولياء والخطيب في تاريخ بغداد وصاحب الإبانة في مسند العشرة، وشرف المصطفى، والزمخشري في الفائق، وأبو صالح في الأربعين والعطار الهمداني والترمذي في جامعه والخطيب أيضا في الحدائق. وفيه: لا يحل أن يدخل مسجدي جنبا غيره وغير ذريته فمن شاء فهنا و أشار بيده نحو الشام، فقال المنافقون: لقد ضل وغوى في أمر ختنه، فنزل: (ما ضل صاحبكم وما غوى) ورواه ابن جبر في نخبه عن الباقر والرضا عليهما السلام وعن نحو ثلاثين رجلا من الصحابة منهم ابن عباس وعن أم سلمة أيضا. هداية: إذا كان الله هو المطلع على البواطن سد أبوابهم وفتح بابه، فعلمه


(1) النجم: 2.

[ 233 ]

بصلاح باطنه دونهم، أوجب تميزه عنهم، وأرشد بذلك إلى المنع من اتباعهم، إذ نوه بشرف ذكره وظهور فضله، وعرض بنقصهم وعدم صلاحهم، قال السيد الحميري: وخص رجالا من قريش بأنني * لهم حجرا فيه وكان مسددا فقيل له اسدد كل باب فتحته * سوى باب ذي التقوى علي فسددا لهم كل باب أشرعوا دون بابه * وقد كان منفوسا عليه محسدا وقال أيضا: وأسكنه في مسجد الطهر وحده * وزوجته والله من شاء يرفع فجاوره فيه الوصي وغيره * وأبوابهم في مسجد الطهر شرع فقال لهم: سدوا عن الله صادقا * فضنوا بها عن سده وتمنعوا (الفصل الثاني والعشرون) * (في السبق إلى الاسلام) * قال الثعلبي: قال الحسن والشعبي ومحمد بن كعب القرظي: نزلت: (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله (1)) حين افتخر طلحة بن أبي شيبة بالمفاتيح، والعباس بالسقاية، فقال علي: ما أدري ما تقولان ؟ لقد صليت ستة أشهر قبل الناس: وأنا صاحب الجهاد، فنزلت الآية، وذكره في الجمع بين الصحاح رزين العكبري (2) في الجزء الثاني من صحيح النسائي مسندا إلى القرظي وأسند نحو ذلك الشافعي ابن المغازلي من طريقين فلا سبيل إلى مشابهته لأن الله تعالى نوه بعظيم ذكره ونبه على علو قدره، مضافا إلى ما آتاه الله من وجوب ولايته، كولاية نفسه ورسوله. وأسند ابن جرير الطبري في كتاب المناقب إلى النبي صلى الله عليه وآله: امتحن الله قلب أبي بكر بالصبر فلم يجده صابرا وبالشجاعة فوجده خوارا (3) وبالسبق إلى


(1) براءة: 20. (2) العبدري خ. (3) أي جبانا.

[ 234 ]

الإيمان فوجده لم يكن مسارعا، وهذه من أعظم صفات الإمامة فالموصوف بأضدادها موصوف بضد استحقاقها. وأسند ابن مردويه إلى ابن عباس في قوله تعالى: (اركعوا مع الراكعين (1)) قال: نزلت في النبي صلى الله عليه وآله وعلي وإنهما أول من صلى وركع. قال الجاحظ: لو كان إسلامه ذلك معتبرا لاحتج به في السقيفة. قلنا: قد كانت الصحابة تناظر النبي وترد عليه في غير أسباب الإمامة فكيف بأمير المؤمنين في ذلك، وهم في مقام طرده وصرفه. قال: ولقي أبو بكر من الأزدي ما يفوق سبق علي ولم يلق مثله علي. قلنا: المشهور خلاف ذلك كيف والنبي صلى الله عليه وآله وعلي أصل القاعدة في تغيير الشرك، و إسقاط كل غوى، ولو سلم فلا يدل ذلك على شرف إسلامه إلا بعد علمه أو ظنه أنه يؤذى، وعلم علي أو ظنه أنه لا يؤذى. قال: إسلام زيد وخباب أفضل من إسلامه إد لا ظهر لهما كأبي طالب قلنا: هذا كله واه لأن هاشما كلها لم يكن فيها مقاومة قريش كيف ذلك وقد طردوا إلى الشعب ونالهم ألم السغب. إن قيل: هذا رجوع منكم من أن أبا طالب كان يحمي النبي صلى الله عليه وآله. قلنا: جاز أن يحميه من الواحد والاثنين ونحو ذلك أما إذا اجتمعت قريش فظاهر عدم قدرته على منعها. وأسند سبق إسلامه جماعة من أهل المذاهب ستأتي، وبها تسقط رواية الشعبي النادرة أن أول من أسلم أبو بكر مع أنه منحرف عن علي وضعفه الشافعي. وأي عاقل يقبل إسلام البعيد عنه في حال كبره، على من رباه النبي صلى الله عليه وآله في حجره وكيف لا يبدء في هذا الأمر المهم بالمختصين، مع قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين (2)).


(1) البقرة: 43. (2) الشعراء: 214.

[ 235 ]

1 - سلمة بن كهيل قال علي عليه السلام: اللهم إني لا أعرف عبدا لك عبدك من هذه الأمة قبلي غير نبيها، ولقد صليت قبل أن يصلي أحد سبعا. 2 - المنهال قال علي عليه السلام: لقد أسلمت قبل الناس بسبع سنين. 3 - جابر الحضرمي قال علي عليه السلام: لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاث سنين لم يصل فيها أحد غيري. قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: المراد أنه عليه السلام صلى سبع سنين بعد بلوغه إلى ثمان سنين ولم يكن للنبي صلى الله عليه وآله دعوى رسالة بل كان يتعبد في الاسلام بدين إبراهيم عليه السلام وكان إسلام علي صغيرا كإسلام إبراهيم فقد ذكر أهل العلم أن أمة حملته وهو صغير في سرب لئلا يطلع عليه فلما نشأ قال لأمه: من ربي ؟ قالت: أبوك، فقال: ومن رب أبي، فزبرته فتطلع من شق السرب فرأى كوكبا الآية. 4 - بعادة العدوية، قال [ علي ] عليه السلام على منبر البصرة: أنا الصديق الأكبر آمنت قبل أن يؤمن أبو بكر، وأسلمت قبل أن يسلم. 5 - البختري، قال [ علي ] عليه السلام صليت قبل الناس بسبع سنين. 6 - خالد الخفاف: قال عثمان بن عفان: أبو بكر وعمر خير منك، فقال علي عليه السلام: كذبت والله لأنا خير منك ومنهما، عبدت الله تعالى قبلهما وبعدهما. 7 - الحارث الأعور قال علي عليه السلام: لا أعرف عبدا من عبادك عبدك قبلي وقال عليه السلام حين بلغه أنه يكذب: على من أكذب ؟ أعلى الله فأنا أول من عبده أم على رسول الله فأنا أول من صدقه. 8 - أبو أيوب قال النبي صلى الله عليه وآله: صلت الملائكة علي وعلى علي سبع سنين وذلك أنه لم يصل معي رجل غيره. ومثله عن ابن عباس من طريقين، وعن مجاهد وعن أنس وفي آخره: لم ترفع الشهادتان إلى السماء إلا مني ومنه. 9 - سلمان قال النبي صلى الله عليه وآله: أولكم ورودا على الحوض أولكم إسلاما: علي ابن أبي طالب.

[ 236 ]

10 - أبو ذر قال النبي صلى الله عليه وآله لعلي: أنت أول من آمن بي. 11 - حذيفة: علي أقدم الناس سلما وأرجحهم علما. 12 - جابر الأنصاري: بعث النبي يوم الاثنين، وأسلم علي يوم الثلثاء. 13 - زيد بن أرقم: أول من صلى مع النبي صلى الله عليه وآله علي ابن أبي طالب. 14 - أم سلمة: والله لقد أسلم علي ابن أبي طالب أول الناس وما كان كافرا وقد نقل ذلك عن جماعة منهم الأشتر، وسعيد بن قيس، وعمرو بن الحمق، و هاشم بن عبيد، ومحمد بن كعب، ومالك بن الحارث، وأبو بكر، وعمر، وأبو مخلد، وأنس، وابن العاص، والأشعري، والحسن بن أبي الحسن البصري، و قتادة، ومالك بن الحارث، ومحمد بن إسحاق، والحسن بن زيد، وأسند ذلك ابن جنبل من عدة طرق وابن المغازلي من عدة طرق والثعلبي في تفسيره قال: وهو قول ابن عباس وجابر وزيد بن أرقم وابن المنكدر وربيعة الرأي وابن حبان و المزني وذكره ابن عبد ربه في الجزء التاسع والعشرين من كتاب العقد. وروى ابن مردويه وهو من أعيانهم قول أبي ذر: دخلنا على النبي صلى الله عليه وآله و قلنا: يا رسول الله من أحب إليك فإن كان أميرا كنا معه ؟ قال صلى الله عليه وآله: هذا علي أقدمكم سلما وإسلاما وقد أنشد في ذلك من الأشعار، ما يغني عن الاكثار، قال خزيمة في أبيات له: إذا نحن بايعنا عليا فحسبنا * أبو حسن مما نخاف من الفتن إلى قوله: وأول من صلى مع الناس كلهم * سوى خيرة النسوان والله ذو منن وقال كعب بن زهير: صهر النبي وخير الناس كلهم * فكل من رامه بالفخر مفخور صلى الصلاة مع الأمي أولهم * قبل العباد ورب الناس مكفور وقال ربيعة بن الحارث عند البيعة:

[ 237 ]

ما كنت أحسب أن الأمر منصرف * عن هاشم ثم منها عن أبي حسن أليس أول من صلى لقبلتهم * وأعلم الناس بالآثار والسنن وآخر الناس عهدا بالنبي ومن * جبريل عاونه في الغسل والكفن من فيه ما فيهم لا يمترون به * وليس في القوم ما فيه من الحسن ما ذا الذي ردكم عنه فنعلمه * ها إن بيعتكم من أول الفتن وقال مالك بن عبادة: رأيت عليا لا يلبث قرنه * إذا ما دعاه حاسرا أو مزملا فهذا وفي الاسلام أول مسلم * وأول من صلى وصام وهللا وقال زفر بن زيد: فحوطوا عليا واحفظوه فإنه * وصي وفي الاسلام أول مسلم وقال قيس بن عبادة: هذا علي وابن عم المصطفى * أول من أجابه حين دعى وقال في ذلك: الفضل، وعبد الله بن أبي سفيان، والنجاشي، وابن الحارث وجرير بن عبد الله، وعبد الله بن حكيم، وعبد الرحمن بن حنبل، وأبو الأسود الدؤلي، وهاشم بن عتبة تركنا أشعارهم خوف الإطالة، وقد روى المنحرفون روايات شاذة ضعيفة في تقدم إسلام أبي بكر سنذكرها في باب الروايات المختلقة و نجيب عنها ونبين ندورها. تذنيب: قالت البكرية: إسلام علي لا على النظر والمعرفة، بل على وجه التلقين، فليس كإسلام البالغين، فإنه كان ابن سبع سنين. قلنا: من المعلوم أنه صحب النبي صلى الله عليه وآله ثلاثا وعشرين منها عشرا بعد الهجرة، ومات سنة أربعين فعلم أن عمره عند المبعث يزيد على سبع سنين وقد اشتهرت الأخبار بأن عمره ثلاث و ستين وخمس وستين وأما ما سواهما فشاذ مطروح بعيد، لا يؤثره من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. وقد قال بصفين لما بلغه قول أعدائه أنه شجاع لكن لا بصيرة له بالحروب: (لله أبوهم وهل أحد أبصر بها مني ؟ لقد قمت فيها وما بلغت

[ 238 ]

العشرين، وها أنا قد ذرفت على الستين ولكن لا رأي لمن لا يطاع) (1) فأخبر أنه قد نيف على الستين ثم عاش بعد ذلك دهرا. فممن روى الثالث والستين محمد بن الحنفية وأبو نعيم عن شريك عن إسحق ويحيى ابن أبي بكر عن مسلمة عن الخدري وأحمد بن زكريا عن عائشة وممن روى الخمس والستين الكواسجي عن الوليد بن هاشم وروى قتادة عن الحسن وغيره أنه أول من آمن وهو ابن خمس عشر سنة وقال خباب بن الأرت: أسلم وهو ابن خمس عشر سنة، ولقد رأيته يصلي مع النبي صلى الله عليه وآله وهو يومئذ بالغ مستحكم البلوغ، وروى الحسن بن زيد أنه أول من أسلم وهو ابن خمس عشر سنة، وذكره محمد بن عبد البر منهم وقال ابن عمر: قال إبراهيم: هذا أصح ما قيل وعلى هذا قال عبد الله بن أبي سفيان بن عبد المطلب: وصلى علي مخلصا بصلاته * لخمس وعشر من سنيه كوامل وخلى أناسا بعده يتبعونه * له عمل أمصل به صنع عامل (2) قال الجاحظ: لو كان بالغا كان إسلام زيد وخباب أفضل منه حيث تركا المألوف من عبادة الأصنام، قلنا: بل إسلامه طفلا أشرف وقد كان يخالط الكفار وينفر عن أفعالهم ثم ما يدريه أنهما أظهرا الاسلام. وأن إظهاره جازا لمجاورتهما رؤساء كفارا تمنع


(1) أما كلامه هذا فهو نص على أن إسلامه كان في السادسة أو السابعة من عمره الشريف فإنه أول ما قام بالحرب كان في بدر السنة الخامسة عشر من المبعث وأما حديث صلاته مع النبي صلى الله عليه وآله قبل الناس سبعا فلأنه كان يصلي معه جماعة في المسجد الحرام وأصحابه المسلمون لا يقدرون على ذلك خوفا من المشركين بل يصلون فرادى خفية في دورهم حتى إذا حوصروا في الشعب للسنة السابعة من المبعث وحرم النبي صلى الله عليه وآله من الصلاة في المسجد صلى معه بنو هاشم وسائر أصحابه هناك جماعة مع النبي، فصح أنه كان يصلي قبل الناس معه سبعا ولا يصلي معهما أحد من الرجال. (2) كذا، وقد صحح في إحدى النسختين (أفضل به)، يقال: مصل ماله: أفسده وصرفه في ما لا خير فيه، وامصل به صيغة تعجب. كأفضل به.

[ 239 ]

منهما كما جرى لغيرهما، على أنه ليس الحد في التكليف بالمعارف بلوغ الحلم بل ذلك في الشرعيات وقد كمل الله عقل الطفل حتى برأ يوسف وقال الله في يحيى: (وآتيناه الحكم صبيا (1)) وقال في عيسى: (وجعلني نبيا (2)). ولعلهم يقولون: ما ذكرتم في الطفل بمعجزة ليوسف، ويحيى وعيسى معجزة لهما أيضا فإسلام علي صبيا خارقا للعادة لا يجوز أن يكون معجزا له، وإلا لكان نبيا، ولا للنبي لأنه لم يعد في معاجزه، ولا نقله المسلمون في دلائله. قلنا: بل إسلامه صغيرا كرامة له، ولا يلزم منها نبوة، وأنتم تجوزون الكرامات لمشايخ الطريقة وليس لهم نبوة، بل وربما لا عدالة لهم مع جواز كونه معجزة للنبي، وإن لم يشع ذلك في العوام، إذ ليس كل معاجزه عليه السلام أعلام ولو استشهد على حال صغره بتصديق النبي صلى الله عليه وآله لشهد كما شهد ليوسف الطفل ببراءته، ونطق عيسى ببراءة أمه، ويحيى بتقرير نبوة أبيه، والمعاجز التي هي أعلام تدل على نبوته بظواهرها، فاستغني به عن غيرها، ولما تقررت نبوته أخبر بإسلامه صغيرا فكان معجزا لكنه غير مقرون بالدعوة، ومن الجايز أن يكون الله تعالى أعلم نبيه الكف عن ذكر إسلامه لعلمه بما في ذلك من مصلحة خلقه. ثم نرجع ونقول: كيف يكون إسلامه علي على وجه التلقين، وقد تمدح به بين أعدائه، وجعله من أعظم فضائله، وذلك كله في معنى الشهادة بصدق نبيه ولم يرد أحد من خصومه ما تمدح به من سبق إسلامه، ولا ذكروا أن ذلك لا فضيلة له فيه، لأنه حال صغره، وقد اشتهر ذلك في شعره عليه السلام: سبقتكم إلى الاسلام طرا * على ما كان من فهمي وعلمي وكذا وجدناه في العيون والمحاسن للشيخ المفيد رحمه الله وقد قال وصليت الصلاة وكنت طفلا * صغيرا ما بلغت أوان حلمي


(1) مريم: 11. (2) مريم: 30.

[ 240 ]

وقد أظهرنا وجه فضيلته على القولين. قالوا: لو سلم سبق إسلامه فإسلام أبي بكر أفضل منه، لحصول الشوكة و القوة للاسلام به دونه، لأنه كان شيخا من الشيوخ محترما، ودعى الناس إلى الاسلام. قلنا: نمنع احترامه، ودعاءه إلى الاسلام، وحصول الشوكة، ففي إسلام علي صغيرا فضيلة لا تعادل إذ الميل إلى الأبوين في طباع الصبيان، وكثير اللعب مع الأخدان، فالعدول عن ذلك بصحيح النظر، لم يكن لغيره من البشر، فكانت التقوى المستلزمة للكرامة، ثابتة له لسبق إسلامه، لا لمن مضى على الكفر أكثر أعوامه، وكيف لا يكون إسلامه بالاستدلال، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وآله في مناقبه حيث قال لفاطمة: أما ترضين أني زوجتك أقدمهم سلما، وقال في حديث سلمان: أول هذه الأمة ورودا على الحوض أولها إسلاما علي بن أبي طالب ونحو ذلك قد سلف. وأيضا فالنبي صلى الله عليه وآله لم يستكتمه على سره و [ لا ] يثق بعقله وأمانته إلا وهو عالم بصدق سريرته، وعلمه وحكمته، وحصول عصمته، وإلا لكان مضيعا لحرمته ومفرطا بوضع الشئ في غير موضعه، ومتشاغلا عما يجب عليه من المهم بغيره ولأن حاله بعد الاسلام ليس كما كان من قبله، وإلا لم يصدق الاسلام عليه. إن قيل: قد يصدق الاسم بمجازه دون حقيقته كإسلام الطفل تبعا لأبيه وسابيه (1) قلنا: الأصل في الاطلاق الحقيقة وعندكم لا إسلام لأبيه، ومن المعلوم نفي سابيه ولو صدق بمجازه لصدق السلب فيه، ويلزم صدق الكفر حقيقة عليه، وذلك قول فنيد، لم يذهب إليه رشيد، والحمد لله القوي الحميد.


(1) أي الذي سباه في دار الحرب.

[ 241 ]

(الفصل الثالث والعشرون) في كونه عليه السلام بمنزلة: (قل هو الله أحد)، والبئر المعطلة، والحسنة، و أبو الأمة. [ روى ذلك ] وأسند بن جبر في نخبه قول النبي صلى الله عليه وآله: مثل علي في هذه الأمة مثل (قل هو الله أحد) وأسنده الشافعي ابن المغازلي إلى النعمان بن بشير وإذا كان علي مماثلا لنسبة الرب تعالى إلا ما أخرجه العقل، فمن يطمع في مساواته أو مداناته. وأسند ابن جبر في نخبه إلى الصادق عليه السلام: البئر المعطلة والقصر المشيد علي بن أبي طالب. وأسند إلى الكاظم عليه السلام: البئر المعطلة: الإمام الصامت، والقصر المشيد: الإمام الناطق. قال العوني: هو القصر والبئر المعطلة التي * متى فتحت تروي الأنام عن السغب فمن دخل القصر المشيد بناءه * فلا ظمأ يلقا هناك ولا نصب وقال آخر: علي هو البئر المعطلة التي * مياها شفاء للغليل من الظما إذا كشفت للخلق فاضت علومها * كفيض مياه البحر في البر إذ طما وأما الحسنة، فأسند صاحب النخب إلى الباقر عليه السلام في قوله تعالى: (و من يقترف حسنة (1)) قال عليه السلام: هي المودة لعلي بن أبي طالب، وروى زادان عن السبيعي، عن الجدلي أن عليا عليه السلام قال: في قوله تعالى: (من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها (2)) الحسنة حبنا أهل البيت والسيئة بغضنا.


(1) الشورى: 23. (2) الأنعام: 160.

[ 242 ]

وفي تفسير الثعلبي: إني أنبئك بالحسنة التي من جاء بها دخل الجنة وبالسيئة التي من جاء بها دخل النار، ولم يقبل معها عملا ؟ فقلت: بلى، قال: الحسنة حبنا أهل البيت والسيئة بغضنا. وأما الأبوة فأسند ابن جبر في نخبه إلى النبي صلى الله عليه وآله: أنا وعلي أبوا هذه الأمة. وروى الثعلبي في ربيع المذكرين، والخركوشي في شرف النبي، والديلمي في الفردوس، والطوسي في الأمالي قول النبي صلى الله عليه وآله: حق علي على هذه الأمة كحق الوالد على الولد، وفي الخصائص عن أنس: حق علي على المسلمين كحق الوالد على الولد، وفي مفردات الراغب قال النبي صلى الله عليه وآله: يا علي أنا وأنت أبوا هذه الأمة. ومن حقوق الآباء على المسلمين أن يترحم عليهم في أوقات الإجابات. والمراد بالأبوة وجوب شكر نعمتها كما وجب للوالدين على ولدهما وقد روى أبان بن تغلب عن الصادق عليه السلام أن قوله تعالى (أن اشكر لي ولوالديك (1)) نزلت فيه، وروى هو أيضا عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى: (وبالوالدين إحسانا (2)) الوالدين رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين. وروي عن الرضا عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله قال: أنا وعلي الوالدان. وذكر ميثم في شرح نهج البلاغة ما يقرب من هذا المعنى حيث روى قول النبي صلى الله عليه وآله: كل نبي هو آدم وقته فصدقت الأبوة عليه وعلى علي عليه السلام بالمجاز ولم يخص النبي صلى الله عليه وآله غير علي عليه السلام بمثل ذلك الاعزاز. قلت: لما كانت الرحمة توجب السرور، فأي ترحم ممن قتلوا ذريتهم وصرفوا بنت نبيهم عن حقها بغصبهم وسبوا إمامهم على رؤس منابرهم. وقد روينا عن شيخنا زين الدين علي بن محمد التوليني أن الأصبغ بن نباته دخل على علي عليه السلام حين ضربه ابن ملجم اللعين فأخذ علي عليه السلام بأصبعه وقال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله فأخذ بأصبعي هكذا وقال: اخرج فناد: ألا من عق


(1) لقمان: 14. (2) البقرة: 83.

[ 243 ]

والديه فعليه لعنة الله، ألا من أبق من مواليه فعليه لعنة الله، ألا من ظلم أجيرا أجرته فعليه لعنة الله، فخرجت فناديت فلم يفهموا، فرجعت فقلت له: يا رسول الله لم يفهموا، فقال: يا علي أنا وأنت أبوا هذه الأمة، فمن عقنا فعليه لعنة الله، وأنا وأنت مولا هذه الأمة فمن أبق منا فعليه لعنة الله، وأنا وأنت أجيرا هذه الأمة فمن ظلمنا أجرنا فعليه لعنة الله، فخرجت فأوضحت ذلك. (الفصل الرابع والعشرون) أسند الخطيب في الأربعين إلى محمد بن الحنفية قول النبي صلى الله عليه وآله: لما عرج بي رأيت في السماء ملكا مكتوب على جبهته: أيد الله محمدا بعلي. فتعجبت فقال الملك: إنه مكتوب قبل الدنيا بألفي عام، وفي الكتاب المذكور أيضا أن النبي صلى الله عليه وآله قال: مكتوب على جناح جبرائيل: (لا إله إلا الله محمد النبي) وعلى الآخر: (لا إله إلا الله علي الوصي). وأسند ابن جبر في نخبه إلى ابن عباس وابن مسعود قول النبي صلى الله عليه وآله: مكتوب على وجه القمر الذي يلي السماء: الله نور السماوات، وعلى الوجه الذي يلي الأرض محمد وعلي نور الأرضين. وأسند الفحام وهو علمي إلى أنس قول النبي صلى الله عليه وآله وقد ركب إلى موضع كذا: خذ البغلة وأت عليا في موضع كذا تجده يسبح بالحصى فاحمله عليها إلي فلما جاء قال له: اجلس هنا فقد جلس في هذا الموضع سبعون مرسلا ما جلس فيه نبي إلا وأنا أكرم على الله منه، وجلس موضع كل نبي أخ له ما جلس منهم أكرم على الله منك ثم أظلتنا غمامة فأكلنا منها عنبا ثم قال: يا أنس والذي يخلق ما يشاء، لقد أكل منها ثلاث مائة وثلاثة عشر نبيا ما فيهم أكرم على الله مني و أوصياؤهم ما فيهم أكرم على الله من علي. وفي أمالي النيسابوري: دخل الكاظم على الصادق، والصادق على الباقر والباقر

[ 244 ]

على زين العابدين، وزين العابدين على الحسين الشهيد عليهم السلام، وكلهم فرحون قائلون: ناول النبي عليا (1) تفاحة فسقطت من يده، فانفلقت فخرج فيه مكتوب: من الغالب الطالب لعلي بن أبي طالب. وأسند الخوارزمي إلى ابن عباس أن جبرائيل أتى النبي باترنجة وقال: هذه هدية لعلي بن أبي طالب فدفعها إليه فسقطت فإذا فيها: هذه هدية من الطالب الغالب لعلي بن أبي طالب ويقال: إن ذلك كان لما قتل علي عمرو بن عبد ود. وفي أحاديث ابن الجعد أن النبي صلى الله عليه وآله ليلة المعراج رأى تحت العرش ملكا على صورة علي يسبح فقال: يا جبرائيل من هذا الملك ؟ فقال جبرائيل: اشتاق العرش إلى علي لإكثار الله تعالى الثناء والصلاة عليه، فخلق هذا على صورته يسبح وثوابه لأهل بيتك. وأسند ابن جبر في نخبه إلى ابن عباس أنه صلى الله عليه وآله رأى صورة علي في السماء فقال: سبقتني يا أبا الحسن ؟ قال جبرائيل: هذا ملك على صورته لأن الملائكة اشتاقت إلى صورته فسألت ربها فخلقه ليزورونه قال العبدي: يا من شكت شوقه الأملاك إذ شغفت * بحبه وهواه غاية الشغف فصاغ شبهك رب العالمين فما * تنفك من زائر منها ومعتكف (الفصل الخامس والعشرون) في قوله تعالى: (واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا (2)) قال ابن عبد البر: أخرج أبو نعيم الحافظ من كبار الجمهور قول النبي صلى الله عليه وآله: لما أسري بي [ إلى ] السماء جمع الله تعالى بيني وبين الأنبياء وقال: سلهم على ما بعثتم فسألتهم فقالوا: على شهادة أن لا إله إلا الله والاقرار بنبوتك والولاية لعلي ابن أبي طالب. دل هذا الحديث على أن من لم يواله في جميع الأزمان كان عاريا عند الله تعالى من


(1) على، خ ل. (2) الزخرف: 45.

[ 245 ]

الإيمان، وخارقا لعهده المأخوذ على أنبيائه، وهذا نص الكتاب المجيد، وقول النبي الرشيد. لا يحتمل الترديد ولا يقبل التفنيد، ولو اجتهد في رده المتعصب العنيد، إذ هو تنزيل من حكيم حميد. وأسند ابن قرطة في كتابه مراصد العرفان إلى أنس قول النبي صلى الله عليه وآله: الجنة مشتاقة إلى أربعة من أمتي قال أنس: فهممت أن أسأله عنهم فجئت إلى أبي بكر ثم إلى عمر ثم إلى عثمان فأخبرتهم وطلبت منهم سؤاله فكل يقول: أخاف أن أسأله فلا أكون منهم فيعيرني قومي فأخبرت عليا عليه السلام فقال: والله لأسأله فإن كنت منهم حمدت الله إذ جعلني منهم، وإن لم أكن منهم سألت الله أن يجعلني منهم، فأتيت معه إلى النبي صلى الله عليه وآله فوجدت رأسه في حجر دحية الكلبي فقام وسلم عليه، فقال: يا أمير المؤمنين خذ رأس ابن عمك فأنت أولى به مني فلما انتبه النبي صلى الله عليه وآله أعلمه أنه كان جبرائيل فقال: يا رسول الله أعلمني أنس أنك قلت: الجنة مشتاقة إلى أربعة من أمتي فمن هم ؟ فأومى إليه بيده وقال: والله أنت أولهم - ثلاثا - قلت: فمن الباقي ؟ قال صلى الله عليه وآله: المقداد وسلمان وأبو ذر. وفي هذا الحديث نص النبي صلى الله عليه وآله باشتياق الجنة إليه ونص جبرائيل أنه أولى بالنبي منه وبأنه أمير المؤمنين، ومتى كان أولى بالنبي من جبرائيل، كان أولى من الثلاثة وغيرهم بالتقدم للتفضيل. وأسند إلى جابر من طرق عديدة أن النبي صلى الله عليه وآله ناجى عليا بالطائف فأطال فرأى في وجوده بعض الصحابة تغيرا - وقيل: هما أبو بكر وعمر - فقال صلى الله عليه وآله: ما أنا ناجيته ولكن الله انتجاه. وأسند إلى أبي ذر قول النبي صلى الله عليه وآله لعلي: أنت أول من يصافحني يوم القيامة، وأنت الصديق الأكبر والفاروق بين الحق والباطل، وأنت يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب الكفار. وأسند إلى عمرو بن الحمق قول النبي صلى الله عليه وآله له: هل أريك آية الجنة ؟ قلت: بلى، قال: هذا وقومه وأشار إلى علي ابن أبي طالب. هل أريك آية من

[ 246 ]

النار ؟ قلت: بلى، فأشار إلى رجل. فلما وقعت الفتنة ذكرت ذلك فبرزت من آية النار إلى آية الجنة. وأسند إلى علي عليه السلام من طرق عديدة قول النبي صلى الله عليه وآله له: إذا اجتمع الناس في صعيد وقطع العطش أمعاءهم كان أول من يدعى إبراهيم فيكسى ويقام عن يمين العرش ثم ينفجر لي شعب من الجنة إلى حوض أعرض مما بين بصرى و صنعاء فأشرب أنا والوصي وأكسى وأقام عن يمين العرش، ثم تدعى وتشرب وتتوضأ وتكسى وتقوم معي، فلا أدعى لخير إلا وأنت معي تدعى له. وأسند إلى الصادق عليه السلام إلى جابر قول النبي صلى الله عليه وآله: ما اعتصم أهل ملة من المشركين علي إلا رميتهم بسهم الله علي ابن أبي طالب وما بعثته إلى سرية إلا و رأيت جبرائيل عن يمينه وميكائيل عن يساره وملك الموت أمامه وسحابة تظله حتى يعطي الله حبيبي النصر. وأسند إلى علي قول النبي صلى الله عليه وآله: يؤتى بك ويدفع إليك قضيبا من الدر ويقول لك: غرست هذا لك في جنة عدن فخذه بيدك، وقف عند الحوض، واسق من شئت بإذني ورد من شئت بعلمي. وأسند النيسابوري إلى ابن عباس قول النبي صلى الله عليه وآله لعلي بعد فتح مكة: قم فانظر كرامتك على الله وكلم الشمس، فقام وسلم عليها فقالت: وعليك السلام يا أخا رسول الله ووصيه وحجة الله على خلقه. (الفصل السادس والعشرون) أسند الطبري إلى الخدري قول النبي المختار: أعطاني الله مفاتيح الجنة والنار، وقال تعالى: سلمها لعلي ابن أبي طالب ليدخل من شاء ويخرج من شاء. وأسند جلاد بن هيثم إلى ابن عباس قول النبي صلى الله عليه وآله له: عليك بعلي ابن أبي طالب فإن الحق ينطق على لسانه وإن النفاق في مجانبته وإن هذا قفل الجنة ومفاتيحها وقفل النار ومفاتيحها، بيده، يدخل من شاء، ويعذب من شاء.

[ 247 ]

وفي مسند ابن حنبل والجمع بين الصحيحين وبين الصحاح الستة من صحيح أبي داود وصحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وآله قال لعلي: لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق، وقيل لبعض العلماء: إن الرفضة يقولون علي قسيم الجنة و النار ؟ قال: ألستم رويتم قول النبي صلى الله عليه وآله فيه لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا كافر ؟ قال: بلى. قال: فالمؤمن أين ؟ قال: في الجنة قال: فالكافر ؟ قال: في النار، قال فصار علي قسيم الجنة والنار. وهذا خبر قسيم الجنة والنار ذكره الشافعي ابن المغازلي في كتابه وذكر فيه أيضا عن النبي صلى الله عليه وآله لم يجز عن الصراط إلا من كان معه كتاب بولاية علي بن أبي طالب وفيه حدث الأعمش عن النبي صلى الله عليه وآله أن الله تعالى يقول لي ولعلي يوم القيامة: أدخلا الجنة من أحبكما والنار من أبغضكما فيجلس علي على شفير جهنم فيقول: هذا لي وهذا لك. قلت: فكيف يقاس به من لا يقطع بنجاة نفسه، ويدعو بالويل والثبور عند موته، وما ذلك إلا لما عاين من سوء عاقبته. إن قلت إن عليا عند خالقه * خير غدا من أبي بكر ومن زفر عجبت عصايب من قولي وساءهم * ولست منهم وإن عجبوا بمعتذر وقال آخر: تراءت لأحداق العيون شهوده * فأكرم بها من شاهد لا يكذب فلو أن أفواه الرجال عواطل * من القول قال المجد هاأنا معرب وأسند ابن حنبل عن زادان قول النبي صلى الله عليه وآله: كنت أنا وعلي نورا بين يدي الله قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام فلما خلقه قسم النور جزئين فجزء أنا و جزء علي وروى نحوه الديلمي في فردوسه، وابن المغازلي الشافعي في مناقبه من هذا الطريق، ومن طريق جابر الأنصاري وفي آخره: فلم نزل شيئا واحدا حتى افترقنا في صلب عبد المطلب ففي النبوة، وفي علي الخلافة، وفي حديث آخر: فأخرجني نبيا وعليا وصيا.

[ 248 ]

وفي مناقب ابن المغازلي حديث زيدة عن أمها أن النبي صلى الله عليه وآله وأبا طالب أخذا فاطمة بنت أسد حين اشتد عليها الطلق إلى الكعبة فولدت عليا. قال علي ابن الحسين عليهما السلام ما سمعت بشئ قط إلا وهذا أحسن منه. وأسند الجاحظ بن ثابت إلى النبي صلى الله عليه وآله قال: رأيت على باب الجنة في الإسراء [ مكتوب ] لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي حبيب الله، الحسن والحسين صفوة الله، وفاطمة أمة الله، على باغضيهم لعنة الله. شعر لمؤلفه: يفنى المديح ولا يحيط بوصفه * أيحيط ما يفنى بما لا ينفد فجزاء من قاس الوصي بغيره * نار تؤجج حرها لا يبرد إذ حط مرتفعا وأعلى خافضا * بفضيلة ورذيلة لا تجحد روت الثقاة لهذه ولهذه * من وامق أو مارق يتفند

[ 249 ]

(الباب الثامن) * (فيما جاء في تعيينه من كلام ربه) * ويندرج فيه شئ من كلام نبيه لأنه يوكد ذلك ويزيده تعيينا وهو آيات كثيرة غزيرة نضع منها في هذا المختصر آيات يسيرة، كافية في الدلالة لذي بصيرة لا يجحده إلا كل ذي نفس شريرة، قبيحة السيرة خبيثة السريرة، لأنها آيات الكتاب المجيد، المفحم للمتعصب العنيد، السالك إلى الضلال البعيد، العادل بغيه الشديد، عن القرآن المجيد السديد، أولم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد. وقد أسند أبو علي الأشعري إلى أبي جعفر عليه السلام: نزل القرآن ربع فينا وربع في عدونا، وربع سنن وأمثال، وربع فرائض وأحكام. وأسند الكلبي وجماعة إلى الأصبغ قول علي عليه السلام: نزل القرآن ثلث فينا وفي عدونا، وثلث سنن وأمثال، وثلث فرائض وأحكام، منها قوله تعالى في آية المباهلة (وأنفسنا وأنفسكم) سماه نفسه وقد اجتمعت الأمة على دلالتها على أفضلية أهل البيت. قال الزمخشري: خرج النبي صلى الله عليه وآله بأعزته وأفلاذ كبده، ليهلك خصمه مع أحبته، وفيه دليل لا شئ أقوى منه على فضل أصحاب الكساء على غيرهم، وقد لاح ذلك للأسقف حيث قال: أرى وجوها لو سألوا [ الله ] أن يزيل جبلا لأزاله وذكر خطيب دمشق وصاحب جامع الأصول ما أخرجه مسلم في الكراس الثالث من الجزء الرابع، وأخرجه في آخره أيضا على حد كراسين، ورواه عن الحميدي في الجمع بين الصحيحين والترمذي في حديث سعد بن أبي وقاص حين لامه معاوية على تركه سب علي فقال: ثلاث قالهن له النبي صلى الله عليه وآله: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى. وقوله صلى الله عليه وآله: لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله و

[ 250 ]

يحبه الله ورسوله، فأعطاها عليا. ولما نزلت آية المباهلة دعا به وبزوجته وابنيه وقال: اللهم هؤلاء أهلي. وفي تفسير الثعلبي مسندا إلى مقاتل والكلبي: لما نزلت الآية وخرج النبي صلى الله عليه وآله بهم قالت النصارى للعاقب: ما ترى ؟ قال: والله لقد عرفتم أنه نبي والله ما لاعن قوم نبيا فعاش كبيرهم، ولا نبت صغيرهم. وقال الأسقف: إن باهلتموه لم يبق على وجه الأرض نصراني فطلبوا المصالحة على ألف حلة في صفر وألف حلة في رجب كل عام فوادعهم وقال: والذي نفسي بيده إن العذاب قد تدلى عليهم، ولو لاعنوا لمسخوا ولاضطرم الوادي عليهم نارا. ولا حال الحول على نجران وأهله ونحو ذلك ذكر ابن المغازلي في مناقبه والثعلبي والسدي وفي تفسير الحافظ أبو نعيم إلى غيره واكتفينا بقليله عن كثيره. اعترض الواسطي الغوي بأن جميع قريش نفس النبي صلى الله عليه وآله في قوله تعالى: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم (1)) فلا خصوصية بالفضل في ذلك لعلي فلا يختص بالإمامة دون كل قريش. قلنا: قد سلم أن عليا نفس النبي صلى الله عليه وآله فيلتزم بهبوط الصحابة عن منزلة علي لتخصيص النبي له ولولديه وزوجته بالمباهلة دون كل قريش، والمعارض خص بها عليا بعد الثلاثة لأفضليته دون كل قريش ولم يأت لأحد من الفضائل ما أتى لعلي لحديث سعد وغيره. قال صاحب الوسيلة في المجلد الخامس: قالت عايشة: قالت فاطمة: لما ذكر النبي صلى الله عليه وآله فضل [ بعض ] الصحابة لم يقل في علي شيئا فقيل له في ذلك فقال: علي نفسي فمن رأيت يقول في نفسه شيئا. وروى ابن جبر في نخبه أن النبي صلى الله عليه وآله سئل عن بعض الصحابة فقال فيه ما قال، فقيل له وعلي ؟ فقال صلى الله عليه وآله: سألتني عن الناس ولم تسألني عن نفسي، فلو كان الذين قال فيهم نفسه كعلي لما قال فيهم شيئا ومعنى النفس في الآية: أي من نسبكم ؟ ؟ وقد قرئت (من أنفسكم) بفتح الفاء أي من أعلاكم وسيأتي البحث في


(1) براءة: 129.

[ 251 ]

معاني (من) في الفصل التاسع من الباب الثامن. إن قالوا: يلزم على ما ذكرتم أن لا يقول النبي في نفسه ولا في علي شيئا ألبتة، وهو خلاف المشهور باعترافكم. قلنا: ذلك لا يلزمنا لكون المقام يقتضي هذا دون غيره فإن النبي صلى الله عليه وآله قال في مقام: أنا سيد ولد آدم [ آدم ] ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة، وقال في آخر: لا تفضلوني على يونس. على أن النفس لو صحت لكل قريش لم يبق لتخصيص الأبناء والنساء بالذكر فائدة لدخولهم في ذكر النفس. إن قيل: أفردوا بالذكر لترجيح الخاص على العام. قلنا: ذلك هو مطلوبنا في أول الكلام. فإن قيل: المراد بأنفسنا نفس النبي صلى الله عليه وآله. قلنا: ظاهر (ندع) يقتضي المغايرة إذ لا يكون الانسان داعيا لنفسه. إن قيل: ذهب الجبائي إلى أن القائل لسليمان (أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك (1)) هو سليمان فقد صح أن يخاطب الانسان نفسه. قلنا: هذا قول شاذ لم يذهب إليه سواه فدل على أن قانون اللغة يوجب المغايرة. إن قيل: فقد يأمر الانسان نفسه (إن النفس لأمارة بالسوء (2)) فالآمر هنا هو المأمور والأمر كالدعاء. قلنا: لا، فإن الآمر هو القلب، والدعاء يقتضي مدعوا فافترقا. ولأن النصارى فهموا أن عليا نفسه ولهذا لم يقولوا: جئت بزيادة عمن شرطت. وحكى الواحدي في الوسيط عن ابن حنبل أنه أراد بالأنفس بني العم والعرب تسمي ابن العم نفسا وقال تعالى: (ولا تلمزوا أنفسكم (3)) أي المؤمنين من إخوانكم. قلنا: مجاز لا يحمل عليه. إن قيل: كون علي نفس النبي صلى الله عليه وآله مجازا أيضا. قلنا: مسلم ولكنه


(1) النحل: 40. (2) يوسف: 53. (3) الحجرات: 11.

[ 252 ]

أقرب إلى الحقيقة فتعين الحمل عليه. بيان القرب قول النبي صلى الله عليه وآله له في رواية ابن سيرين: يا علي أنت مني و أنا منك. وذكره البخاري وفي فضائل السمعاني وتاريخ الخطيب وفردوس الديلمي عن ابن عباس: علي مني مثل رأسي من بدني وقوله: أنت مني كروحي من جسدي، وقوله: أنت مني كالصنو من الصنو. ويؤيد ما قلناه أن النبي صلى الله عليه وآله قال لعلي: أنا وأنت من شجرة واحدة، رواه الخركوشي والثعلبي في الكشف والبيان وكذا رواه في أماليه ابن شاذان و النطنزي في الخصائص وشيرويه في الفردوس وفي تفسير عطاء الخراساني والفلكي الطوسي، ونحوه أبو صالح المؤذن والسمعاني وقد أخرج صاحب المراصد قول النبي صلى الله عليه وآله لزيد بن حارثة: علي كنفسي لا فرق بيني وبينه إلا النبوة فمن شك فقد كفر. ونحو ذلك كثير من جنسه وغير جنسه. إن قيل: لم يقصد في المباهلة الأفضل بل النسب ولهذا أحضر الحسنين و كانا طفلين. قلنا: لولا إرادة الفضل لدعا عقيلا وعباسا وولده فإنهم انضموا إلى النبي صلى الله عليه وآله وأسلموا قبل المباهلة بمدة والمباهلة كانت في سنة عشر من الهجرة وقد كان الحسنان في حد العقل والعرفان، وإن لم يبلغا حد التكليف على أنه يجوز اختصاصهما بما يخرق العادة فيهما لثبوت إمامتهما وقد شهرت في عيون الزمان مدائحهم في كل أوان قال الحماني: وأنزله منه النبي كنفسه * رواية أبرار تأدت إلى البر فمن نفسه منكم كنفس محمد * ألا بأبي نفس المطهر والطهر وقال ابن حماد: فسماه رب العرش في الذكر نفسه * فحسبك هذا القول إن كنت ذا خبر وقال لهم: هذا وصيي ووارثي * ومن شد رب العالمين به أزري وله أيضا: وقال ما قد رويتم حين ألحقه * بنفسه عند تأليف يؤلفه

[ 253 ]

ونفس سيدنا أولى النفوس بنا * حقا على باطل النصاب نقذفه العلوي: وألحقه يوم البهال بنفسه * بأمر أتى من رافع السموات فمن نفسه منكم كنفس محمد * بني الإفك والبهتان والفجرات وأسند أبو العلاء القطان أن النبي صلى الله عليه وآله أتاه قنوموز فجعل يقشره ويضعه في فم علي فقيل: إنك تحبه فقال صلى الله عليه وآله: أو ما علمت أنه مني وأنا منه. الحميري: أنت ابن عمي الذي قد كان بعد أبي * إذ غاب عني أبي لي حاضنا وأبا ما إن عرفت سوى عمي أبيك أبا * ولا سواك أخا طفلا ولا شيبا كم فرجت كفك اليمنى بذي شطب * في مارق حرج عن وجهي الكربا وهؤلا أهل شرك لا خلاق لهم * من مات كان لنار وقدت حطبا الصاحب: أما عرفتم سمو منزله * أما عرفتم علو مثواه أما رأيتم محمدا حدبا * عليه قد حاطه ورباه واختصه يافعا وآثره * واعتامه مخلصا وآخاه زوجه بضعة النبوة إذ * رآه خير امرء وأتقاه وقال آخر: بمن باهل الله أعداءه * وكان الرسول به أبهلا وهذا الكتاب وإعجازه * على من وفي بيت من أنزلا ؟ وقال آخر: أنت يوم الغدير أمرك الله وهم أمرتهم الغوغاء أين كانوا يوم نجران إذ قيل تعالوا وكلكم شهداء أين كانت فلانة وفلان * بان ثم الدناة والشرفاء

[ 254 ]

وقال آخر: يا من يقيس به سواه جهالة * دع عنك هذا فالقياس مضيع لو لم يكن في النص إلا أنه * نفس النبي كفاه هذا الموضع فقد بان في هذا بلوغ علي أعلى غايات الكمال، وأقصى نهايات الجلال و الجمال، وجعله الله وولديه حجة على تصديق نبيه، فهم كالقرآن الذي تحدى العرب به، فلزم وجوب متابعته، وإذا كان رفع الصوت على النبي يحبط العمل بنص الكتاب، فالمقدم بين يدي الله ورسوله بتأخير وصيه ذاهب عن الصواب. ومنها قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) (1) فقد روي أن جابرا لما نزلت هذه الآية قال للنبي: قد عرفنا الله و رسوله، فمن (أولي الأمر) ؟ قال: خلفائي وأئمة المسلمين بعدي: أولهم علي بن أبي طالب. وقد أسند الشيخ العالم الإصفهاني الأموي إلى الصادق عليه السلام أن عليا عليه السلام من أولي الأمر فسأله أبو مريم: هل كانت طاعته مفروضة ؟ فقال: والله ما كانت لأحد إلا لرسول الله صلى الله عليه وآله ولآله، فمن أطاع الرسول فقد أطاع الله، وطاعة أمير المؤمنين من طاعة الله (2) وروي من طريق آخر نزولها في علي بن أبي طالب وآل محمد عليهم السلام. قالوا: لا عموم لطاعة أولي الأمر بعد تكرير لفظ (أطيعوا) فيها فإن أمروا بما يدخل في طاعة الله ورسوله أطيعوا وإلا فلا، ولهذا لم يأمر بالرد إليهم عند النزاع في قوله: (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله وإلى الرسول) ولم يقل: و إلى أولي الأمر. قلنا أولا: واو العطف للجمع المطلق كما قرر في الأصول فلا يدل على المتقدم من المتأخر.


(1) النساء: 59. (2) ومن أطاع أمير المؤمنين فقد أطاع الله. خ.

[ 255 ]

وثانيا: عدم تكرير (أطيعوا) لا يدل على عدم عموم الطاعة وإلا لدل في حق الرسول فإنه تعالى قال في موضع آخر: (أطيعوا الله ورسوله (1)) فلم يجب طاعته في كل شئ وهو باطل بالاجماع. إن قيل: فهذه وإن لم تدل على عموم الطاعة، لكن الأولى دلت فبها عمت قلنا: الآية الخالية من التكرير سواء تقدمت على هذه أو تأخرت لزم منها تبعيض طاعة الرسول في بعض الأوقات وهو باطل بالاجماع وإنما لم يقل في آية النزاع و إلى أولي الأمر منكم إيماء إلى أن طاعتهم قسم من طاعة الرسول ويؤيده: (إن كنتم تؤمنون) على الشك والإمام ليس في إيمانه شك. وثالثا: أن طاعة الله ورسوله واجبة دائما، والمعطوف عليهما بحكمهما، ولا يجب طاعة غير المعصوم دائما. قالوا: أولوا الأمر أمراء السرايا. قلنا: لم يجتمع العلم فيهم الذي أمر الله بالرجوع فيه إليهم في قوله (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) (2) على أن أول أمراء السرايا علي بن أبي طالب كما رواه الشعبي عن ابن عباس في تفسير مجاهد أن الآية نزلت في علي حين استخلفه في المدينة النبي، وفي إبانة الفلكي أنها نزلت حين شكا أبو بردة من علي. قالوا: هم علماء العامة. قلنا: لا يأمر الله باتباعهم لوجود الاختلاف بينهم بل التناقص فيهم. ومنها قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين (3)) ثم بين الصادقين في الآية الأخرى وهي قوله تعالى: (والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا (4) وحين البأس اشتداد الحرب، وتواتر الطعن والضرب، وقد هرب من لا خفاء فيه، ولزب من لا غطاء


(1) الأنفال: 1 و 20 و 47. (2) النساء: 86. (3) براءة: 120. (4) البقرة: 177.

[ 256 ]

عليه، ومن المعلوم الضروري أنه لم يكن لأحد من الثبات والقتل ما لعلي حتى قالت عايشة مع شدة بغضها له لما بلغها قتله: لتفعل الحرب ما شاءت، فليس لها من ينهاها. وقد أمر الله تعالى بالكون معه ومع ذريته الداخلين في صفته فوجب الانحراف والتخلف عمن ليس ذلك من نعته، بل هرب عن رسول الله في أكابر حروبه. وأيضا قوله تعالى: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا (1)) روى المفسرون أنها نزلت في علي وحمزة ولا ريب أنه لما قتل حمزة اختصت بعلي فأمن منه التبديل بحكم التنزيل وروى اختصاصها بعلي: ابن عباس، والصادق، وأبو نعيم الحافظ، وصدق ذلك طائفة ما روي عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى: (واجعل لي لسان صدق في الآخرين (2)) قال هو علي بن أبي طالب لأن الله تعالى عرض على إبراهيم ولايته فسأله أن يجعلها في ذريته ففعل. شعر: فهذي المزايا بعض ما حلى به * وجيئ من الخيرات والبركات نطقت بها آي الكتاب وحسبها * أن جاء شاهدها من الآيات إن قيل: (صدقوا) و (ما بدلوا) ماضيان، فلا يدلان على عدم التبديل في مستقبل الأزمان قلنا: قد أريد بالماضي الاستقبال كما في قوله تعالى (ونادوا يا مالك (3)) (ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة (4)) (وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار (5)). إن قيل: هو من المجاز. قلنا: يتعين الحمل عليه لقول النبي صلى الله عليه وآله فيه: علي يدور مع الحق حيث دار، وغيره، وقد بلغ في الاشتهار إلى حد يمتنع فيه الانكار. قال إمامهم الرازي: ليس المراد بالصادقين من كان صادقا في بعض الأمور


(1) الأحزاب: 23. (2) الشعراء: 74. (3) الزخرف: 77. (4) الأعراف: 49. (6) ص: 62.

[ 257 ]

وإلا لزم الأمر بمتابعة الخصمين، إد كل واحد صادق في أمر ما، فالصادق في الكل إن وجبت متابعته في بعض فهو غير معين فيلزم التعطيل، فتجب المتابعة في الكل وهذا الصادق إما كل الأمة وهو باطل، إذ التقدير حينئذ: كونوا معكم. وهو مناف للبلاغة فهو بعض الأمة فهو الإمام المعصوم، إذ لا صادق في الكل غيره. ولا يستوحش مما ذكرنا بما نقل عن الضحاك أنها نزلت في أبي بكر وعمر فقد ذكر محمد بن حبان صاحب كتاب المجروحين أن الضحاك ضعيف ونزولها في علي أسنده أبو نعيم الحافظ وهو من القوم برجاله إلى ابن عباس وكذا الثعلبي رواه عن ابن عباس فإذا أمر الله بالكون معهم على الاطلاق اقتضى عصمتهم عن ذميم الأخلاق. إن قيل: يخص بمنفصل عقلي الكون معهم، وهو ما علم فيه صدقهم، فلا يدل على عصمتهم. قلنا: غير المعصوم لا يعلم الصدق فيه، وحسن الظاهر لا يوصلنا إليه، لظهور النفاق في كثير ممن يعتمد عليه. إن قيل: لم لا يكون الصادق أبو ذر الذي قال النبي صلى الله عليه وآله فيه: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء ذا لهجة أصدق من أبي ذر، قلنا: هذا عام مخصوص أفتراه أصدق من النبي صلى الله عليه وآله فيختص بغير من ثبتت عصمته. إن قيل: إن أفعل التفضيل يرجحه على غيره، قلنا: جاءت لغير التفضيل مثل قوله تعالى (وسيجنبها الاتقى (1)) وفي الشريعة الحدث الأصغر أو الأكبر وفي الشعر: تمنت سليمى أن أموت وإن أمت * فتلك سبيل لست فيها بأوحد على أنه قد أورد ابن قرطة في مراصد العرفان زيادة هي أنه لما قيل ذلك لأبي ذر وعلي عليه السلام مقبل، إلا هذا المقبل، والمقر في الأصول قبول الزيادة و تقديمها على ما فيها مع أن الله قد بين الصادق في قوله تعالى (ولكن البر من


(1) الليل: 17.

[ 258 ]

آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون (1)) وهذه النعوت لم يحوها أحد غير علي، فدلت على ثبوت إمامته وإمامة المتصفين بصفته من ذريته. فأول النعوت الإيمان بالله، وقد سبق في الفصل الثاني والعشرين من الباب السابع. وثانيها إيتاء الزكاة وهو مشهور في قصة الخاتم وسيأتي قريبا إن شاء الله، و الوفاء بالعهد وغيره وقد كفى ما أتى في هل أتى من مديحه وقد أورد الزمخشري في كشافه والثعلبي في تفسيره وزاد محمد بن علي الغزالي في كتاب البلغة نزول المائدة عليهم بعد تصدقهم بالطعام، وقيامهم بالصيام، فأكلوا منها سبعة أيام، و رواه أخطب خوارزم في كتابه. وثالثها الرقاب فإن عليا عليه السلام عمر أرضا وباعها واشترى بها رقابا وأعتقها. ورابعها حين البأس، وهو حال الفرار من الزحف ومعلوم ثبوت علي عليه السلام في جميع أوقاته حتى تعجبت الملائكة من حملاته، وقال فيه ملك يقال له رضوان: لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي. فوضع في أوله حسان أبياته الحسان: جبريل نادى في السما * والنقع ليس بمنجلي والخيل تعثر بالجماجم والوشيح الذبل والمسلمون قد أحدقوا * حول النبي المرسل هذا النداء لمن له * الزاهراء ربة منزل لا سيف إلا ذو الفقار * ولا فتى إلا علي إن قلت: كيف ذكر جبرائيل حسان مع أن المنادي رضوان ؟ قلت: جاز


(1) البقرة: 177.

[ 259 ]

كون النداء من جبرائيل وأصل المدح من رضوان، وقد اعترف له عمرو بن العاص في قوله: وضربته كبيعته بخم * معاقدها من الناس الرقاب هو النبأ العظيم وفلك نوح * وباب الله وانقطع الخطاب واعترف له المأمون الخليفة في قوله: ألام على شكر الوصي أبي الحسن * وذلك عندي من عجائب ذي المنن خليفة خير الناس والأول الذي * أعان رسول الله في السر والعلن وقد روى ابن قتيبة في المعارف وهو منهم فرار الشيخين بوقعة حنين وفي بدر قتل علي عليه السلام خمسة وثلاثين بطلا عرف ذلك من اتحاد ضرباته وتكثر ضربات غيره، ومن المستحيل عد أبي بكر من الشجعان، وقد فر في أحد يوم التقى الجمعان، وثبت علي للطعان، ومكابدة الأقران، وكتب هذا الفن تجعل الخبر فيها كالعيان، وإذا اجتمعت النعوت في علي، وجب الكون معه بالأمر الإلهي. ومنها قوله تعالى (بلغ ما أنزل إليك من ربك (1)) قالوا: قلتم: كانت في المصحف (في علي) فأسقطها أهل السنة كيف ذلك والله تعالى يقول: (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه (2)). قلنا: هذه الدعوى لم يذهب إليها إمامي كيف وقد أجمعوا على أن من قرأ بتلك الزيادة في صلاته بطلت، وإنما قلنا: إنها نزلت في علي وقد قال ابن المرتضى في تفسيره: نقل الثعلبي عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام أن المراد بقوله تعالى (بلغ ما أنزل إليك) في فضل علي عليه السلام ونقله أيضا عن الفراء فأقامه بغدير خم وسيأتي إن شاء الله محررا ونقل نزولها فيه أيضا الثعلبي وأبو القاسم الحسكاني عن ابن عباس ونقلها ابن البطريق في الخصائص عن أبي القاسم، ومن تفسير الثعلبي كل منها بطرق عديدة. ومنها قوله تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون


(1) المائدة: 70. (2) فصلت: 42.

[ 260 ]

الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون (1)) ذكر الزمخشري في كشافه أنها نزلت في علي حين تصدق بخاتمه وذكره الثعلبي في تفسيره عن السدي وعتيبة وغالب ورواه الثعلبي أيضا من طرق عدة منها عن أبي ذر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله بهاتين وإلا صمتا ورأيته بهاتين وإلا فعميتا يقول: علي قائد البررة، وقاتل الكفرة منصور من نصره، مخذول من خذله. أما إني صليت يوما مع النبي صلى الله عليه وآله فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد فأومى [ علي ] عليه السلام إليه راكعا فأخذ الخاتم من خنضره اليمنى، فلما فرغ قال النبي صلى الله عليه وآله: اللهم إن موسى قال: اللهم اجعل لي وزيرا من أهلي [ هارون ] فأنزلت: (سنشد عضدك بأخيك (2)) الآية وأنا نبيك وصفيك، فاجعل لي وزيرا من أهلي عليا أشدد به ظهري فما استتم كلامه حتى نزل جبرائيل عليه السلام ب‍ (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون). وروى نزولها فيه رزين في الجزء الثالث من الجمع بين الصحاح، وذكره في صحيحه النسائي عن ابن سلام، ورواه الفقيه الشافعي ابن المغازلي من طرق خمسة، والماوردي، والقشيري، والنيسابوري، والقزويني، والفلكي في الإبانة، والطوسي والإصفهاني في تفاسيرهم، عن السدي، ومجاهد، والحسن والأعمش، وعتيبة، وغالب، وابن الربيع، وعباية، وابن عباس. وابن البيع في معرفة أصول الحديث، والواحدي في أسباب النزول، و السمعاني في فضائل الصحابة، وأبو بكر الرازي في أحكام القرآن، وسليمان بن أحمد في المعجم الأوسط. والبيهقي في الشعب، ومحمد بن فتال في التنزيل والروضة وابن أبي رافع وذكر أن هذان إمامان وابن عباس، والثقفي، وأبو صالح ومجاهد، والشعبي، والنطنزي في الخصائص وناصح التميمي، والكلبي.


(1) المائدة: 55. (2) القصص: 35.

[ 261 ]

ورواه من الفرقة المحقة زرارة عن الباقر عليه السلام في روايات مختلفة المباني متفقة المعاني. والحسين بن جبر في كتابه نخب المناقب، وابن البطريق في كتاب الخصائص من عدة طرق، ومحمد بن جرير الطبري وابن بابويه القمي في الأمالي مسندا إلى عمر بن الخطاب قال: تصدقت بأربعين خاتما وأنا راكع لينزل في ما نزل في علي فلم ينزل. وأسنده صاحب الكافي إلى الصادق عن آبائه عليهم السلام: لما نزلت (إنما وليكم الله ورسوله) الآية اجتمع نفر في المسجد فقالوا: هذا ذل حين سلط علينا علي بن أبي طالب وقد علمنا صدق محمد ولكن نتولاه ولا نطيع عليا فنزلت: (يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها - يعني ولاية علي - وأكثرهم الكافرون (1)) لولاية علي. فقد ظهر بنقل الفريقين وإطباق الخصمين نزولها في علي عليه السلام. قالوا: كان بين علي وأسامة بن زيد بعد الغدير كلام فقال له علي: ألست مولاك بالأمس ؟ قلنا: قد ولاه عليه النخاس وولاه الله عليه في جملة الناس، كما رويتم في الآيات المنتزعة عن ابن عباس على أن المقرر في الأصول أن السبب لا يخص. قالوا: أسند الثعلبي عن ابن عباس نزولها في عبادة بن الصامت وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله: كان بينه وبين اليهود حلف فلما أسلم قطعوه فنزلت تسلية له. قلنا: أكثر روايتها في علي منكم ومن ولايتهم عليكم فلا يعدل عنها إلى رواية نادرة و كيف تكون في الأصحاب وقد حدثت المناكير من أكثرهم. فنقول حينئذ: لفظة (إنما) تفيد الحصر، ومنه قوله تعالى (إنما إلهكم الله (2)) أراد تعالى إثبات الإلهية لنفسه ونفيها عن غيره وكذا (إنما أنت منذر (3)) وفهم ابن عباس اختصاص الربا بالنسبة في قوله صلى الله عليه وآله (إنما الربا في النسية) وقال الشاعر: * (النحل: 83. (2) طه: 98. (3) الرعد: 8.

[ 262 ]

أنا الزائد الحامي الذمار وإنما * يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي وقال: (إنما العزة للكاثر (1)) وإنما مركبة من (إن) وهي للاثبات و (ما) وهي للنفي، فإن تواردا على محل اجتمع المتنافيان فلا بد من محلين فإن ورد الاثبات على غير المذكور والنفي عليه فباطل بالاجماع، فتعين العكس وهو إثبات المذكور ونفي المهجور. قالوا: جاءت إنما لغير الحصر في قوله تعالى (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم (2)) وقولهم: إنما الناس العلماء مع وجود الإيمان في غيرهم. قلنا: ذلك للمبالغة في مدحهم، لا لنفي الإيمان والناس عن غيرهم، ولهذا إن الجهال وناقصي الإيمان تنفر طبايعهم عند هذا الكلام، ولولا إفادة الحصر لم يحصل ذلك. إن قالوا: فما المانع من أن يكون ذكرها في آية الولاية للمبالغة لا لنفي الولاية عن غيره. قلنا: فلا بد للمبالغة من زيادة معنى لامتناع العبث فأصل الولاية ثابت لكل مؤمن في قوله تعالى: (والمؤمنون بعضهم أولياء بعض (3)) ولا زيادة في المعنى توجب المبالغة سوى الولاية العامة وهي المطلوبة هنا إذ هي الإمامة. قالوا: (إنما أنت منذر) ليس فيها حصر لوجود الانذار لغيره. قلنا: بلى إذ التقدير إنما أنت منذر لا مجبر ولم يقل الله تعالى: (إنما أنت المنذر). قالوا: إذا أفادت الحصر لزم منه سلب إمامة أولاده وأنتم لا تقولون به. قلنا: إذا قام الدليل الخارج على إمامتهم كان كافيا فيهم وستأتي الكرامات منهم والنصوص من جدهم عليهم ولأن الصدقة إذا وقعت من أبيهم جازت نسبتها إليهم مثل قوله تعالى في متأخري اليهود: (فلم تقتلون أنبياء الله (4)) والقتل من أسلافهم


(1) أوله: ولست بالأكثر منهم حصى. (2) الأنفال: 2. (3) براءة: 71. وفيه: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم الخ. (4) البقرة: 91.

[ 263 ]

قال بعض الأدباء: هذه إنما وليكم الله أتت بالولاية من الله فيه فإذا ما اقتضى من اللفظ معنى * فيه كانت من بعده لبنيه ولئن خصصنا الخطاب بالحاضرين كما هو ظاهر الآية، تم الحصر أيضا و نستفيد إمامتهم من غيرها. إن قيل: (يقيمون) و (يؤتون) للاستقبال فيصح لكل من يفعل ذلك. قلنا: قد نقلنا من طرقكم نزولها في علي ونقلنا أن عمر تصدق مرارا فلم ينزل فيه شئ وصيغة الاستقبال لا تستلزمه كقوله تعالى (يريدون أن يبدلوا كلام الله) (يريدون ليطفئوا نور الله (1)) ونحوها كثير وإنما تخلص اللفظ للاستقبال السين وسوف، وهنا تخلص للحال بقوله تعالى (وهم راكعون) كما يقال: رأيت الأمير وهو آكل، ولقيته وهو راكب، ولو كان (وهم راكعون) استينافا لزم التكرار لدخوله في ذكر الصلاة وإذا كانت الولاية هي التصرف وهي ثابتة لبعض الأمة تعينت لعلي بالاجماع على أن الآية لا تقتضي إمامة غيره فلو لم تثبت ألغيت الآية ولو فر من عمومها الناس دخل علي فيها بالاجماع ويلزم من ذلك ثبوت إمامته لوجوب اتحاد الإضافة. وربما قيل: إن كل واحد منهم زكا راكعا لتعميم الآية وفيه نظر إذ قد بينا أن المراد بيؤتون الحال دون الاستقبال إلا أن يقال لم يرد بالحال الزمان الحال، بل حال الركوع فيذهب الإشكال. قالوا: الذين لفظ جمع فلا يحمل على الواحد. قلنا: في العرف والاستعمال موضوع للواحد للتعظيم والتفخيم مثل (إنا أنزلناه في ليلة القدر) (إنا نحن نزلنا الذكر) (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس (2) أراد إبراهيم أو النبي عليهما السلام


(1) الفتح: 15. الصف: 8. (2) القدر: 1، الحجر: 9. البقرة: 199.

[ 264 ]

وقوله تعالى: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم (1)) أراد تعالى نعيم بن مسعود ولو حمل لفظ (الذين) على العموم لزم أن يكون كل واحد وليا لنفسه فكأنه قال إنما وليكم بعد الله ورسوله أنتم هذا وقد ذهب جماعة من الأصوليين إلى أنه لا صيغة تختص بالعموم. قالوا: ذكرتم أن عليا كانوا يخرجون النصول من جسده في سجوده لانجذاب نفسه إلى ملاحظة عظمة ربه فكيف شعر بالسائل في صلاته ؟ قلنا: ذلك من خصائصه عليه السلام ليجمع بين العبادتين وليس في ذلك انصراف عن عظمته تعالى بل انصراف إليها من جهة أخرى فإن الساقي لا يضل مع سكره عن أن يشرب ويسقي ندماءه قال بعضهم: يسقي ويشرب لا تلهيه سكرته * عن النديم ولا يلهو عن الكأس أطاعه سكره حتى تمكن من * فعل الصحاة فهذا أفضل الناس قالوا: المشهور بين الفريقين (2) أن عليا عليه السلام قال: الفخر بالفقر ولا زكاة مع الفقر. قلنا: الفقر هنا هو سلب الاعتماد على غير الله ولو سلم أنه فقير المال لم يناف الزكاة المستحبة وهي مطلق التطوع وعلى تقدير وجوبها لا يلزم نفي الفقر عمن كلف به لجواز حصول نصابها مع دين يستغرقها فإنه لا يمنعها قال الخوارزمي: مؤد في الركوع زكاة مال * جرايب قد حواها بالجراب قالوا: هو جواد وهل تجب الزكاة على الجواد ؟ قلنا: كلام الجواد خطابي مع أن دفع الزكاة جود فكيف ينافي الجود، بل كيف يتحقق الجود مع نفي ما به يجود على أن الاعطاء يتعلق بالحكمة والمصلحة وإلا لنسب عدم الجود إلى الله في منع الفقراء. قالوا: الركوع لغة الخضوع فمعنى (وهم راكعون) أي وهم متواضعون قلنا: لا بل الركوع هو التطأطؤ قال صاحب كتاب العين: كل من ينكب لوجهه


(1) آل عمران: 172. (2) المشهور عن علي الفخر بالفقر، خ.

[ 265 ]

سواء مست ركبتاه الأرض أو لا فهو راكع ومثله قال ابن دريد وإن حمل الركوع على التواضع فهو من المجاز. قالوا: فالزكاة الواجبة تفتقر إلى نية وهي مبطلة للصلاة. قلنا: نمنع إبطالها إذ هي قلبية ولا منافاة بينها وبين الصلاة للاكتفاء بالاستمرار الحكمي ولجواز أن يكون أومأ إلى الفقير فأخذ الخاتم ولم ينو الزكاة حتى فرغ وكان الايماء فعلا قليلا، ولو فرضت كثرته جاز أن يكون جايزا نسخ كما كان الكلام في الصلاة جايزا ثم نسخ فإنه قد روي عن زيد بن أرقم قال: كنا نتكلم في الصلاة فلما نزل قوله تعالى: (وقوموا لله قانتين (1)) أمسكنا عن الكلام. وبالجملة فعلي أفقه الأمة والحجة الكبرى في فعله فلا وصمة وقد أسلفنا إثبات عصمته، وقد ذكر ابن حنبل في مسنده عن سعيد: لم يكن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله يقول: سلوني. غير علي عليه السلام وقد مدحه الله على ذلك، فلو كان مفسدا للصلاة لم يثن الله تعالى عليه على فعله، وقد أسند الحافظ أبو نعيم وصاحب النخب أنه كان يصلي النافلة. وإذا تخلصت هذه الأمور لعلي عليه السلام ثبتت ولايته بالعطف على ولاية الرسول المعطوفة على ولاية الله تعالى وإذا ثبت ولايته حكم بحصول عصمته لإطلاق وجوب طاعة خليفته فلو وقع منه قبيح كان الله قد أوجب فعله على خليقته هذا وقد نظمت في ذلك الأعيان، على اختلاف البلدان والأزمان، فقال فيه حسان أبياته الحسان: أبا حسن تفديك نفسي وأسرتي * وكل بطئ في الهوي ومسارع أيذهب مدحا من محبيك ضايعا * وما المدح في جنب الإله بضايع فأنت الذي أعطيت إذ كنت راكعا * زكاة فدتك النفس يا خير راكع فأنزل فيك الله خير ولاية * وثبتها في محكمات الشرائع ذكر ذلك صاحب المنهاج بإسناده وسيأتي في باب رد الشبهات أطراف أخر في هذا.


(1) البقرة: 238.

[ 266 ]

وقال دعبل الخزاعي، الساعي بنشر فضائله أحسن المساعي: نطق القرآن بفضل آل محمد * وولاية لعليه لم تجحد بولاية المختار من خير الورى * بعد النبي الصادق المتودد إذ جاءه المسكين حال صلاته * فامتد طوعا بالذراع وباليد فتناول المسكين منه خاتما * هبة الكريم الأجودي الأجود فاختصه الرحمن في تنزيله * من حاز مثل فخاره فليعدد إن الإله وليكم ورسوله * والمؤمنون ومن يشأ فليجحد يكن الإله خصيمه فيها غدا * والله ليس بمخلف في الموعد وقال السيد الرضي في جملة مدائحه لأمير المؤمنين عليه السلام: ومن سمحت بخاتمه يمين * تضن بكل عالية الكعاب أهذا البدر يكسف بالدياجي * وعين الشمس تعمش بالضباب وقال العوني: تصدق بالختام لله راكعا * فأثنى عليه الله في محكم الذكر وأنزل فيه الله وحيا مفصلا * لدى هل أتى إذ قال يوفون بالنذر وقال أيضا: أبن لي من في القوم جاد بخاتم * على السائل المعتر إذ جاء قانعا ؟ وجاد به سرا فأفشاه ربه * وبين من كان المصدق راكعا وقال آخر: أيمن بخاتمة تصدق راكعا * يرجو بذاك رضا القريب الداني حتى تقرب منه بعد نبيه * بولاية وشواهد ومعاني بولاية في آية لأولي النهى * جاءت حصاهم واحد واثنان الأول الصمد المقدس ذكره * ونبيه ووصيه التبعان هل في تلاوتها بأن ذوي هدى * من قبل ثالث أهلها يليان ومنها قوله تعالى لإبراهيم عليه السلام (إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي

[ 267 ]

قال لا ينال عهدي الظالمين (1)) وقد قال الرب العليم (إن الشرك لظلم عظيم (2)) وأبو بكر وعمر وعثمان عبدوا الأوثان، برهة من الزمان. إن قيل: توبتهم ترفع الظلم عنهم. قلنا: اللفظ مطلق فتخصيصه بوقت ترجيح بغير مرجح، ولأنه قد تقرر في الأصول عدم اشتراط بقاء المعنى في صدقه. إن قيل: فعلى هذا يطلق على أكابر الصحابة الذين أسلموا أنهم ظلمة. قلنا: سلمنا ذلك لغة ونمنع منه شرعا. إن قيل: فعلي يدخل في ذلك لتجدد إسلامه قلنا: لا، بل أظهر الاسلام لانعقاد إجماع الأنام، أنه لم يسجد للأصنام، ولهذا اختص وحده بكرم الله وجهه. إن قيل: (لا ينال عهدي الظالمين) مهملة وهي كالجزئية فيصير التقدير لا ينال عهدي بعض الظالمين ولا يدل هذا في الثلاثة على خروجهم من وصول العهد إليهم. قلنا: عهدي مضاف وهي للعموم والألف واللام للاستغراق وذلك يدل على أنها كلية وقد قيل بسقوط المهملة في كلام العرب لأن القضية إن وجد فيها الألف واللام فكلية وإن عدما فجزئية فلا مهملة، على أن (لا ينال) نكرة منفية فهي للعموم كما قرر في العربية وأيضا (ينال عهدي الظالمين) موجبة جزئية على رأي الخصم فنقيضها (لا ينال عهدي) سالبة كلية ولأنه يصح استثناء كل زمان منه وهو معيار العموم فما يهول به كلام موهوم. إن قيل: تقديم حرف النفي دل على السلب الجزئي. قلنا: كلام المنفرد بالجلال، أصدق من هذا الخيال، إذ قال (ولا تقتلوا النفس. ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل. ولا تقربوا الزنى، ولا تأكلوا الربى (3)). وغيرها. إن قالوا: هذه نواهي وما نحن بصدده خبر، فلا قياس. قلنا: فقوله: لا إله إلا الله خبر ولا تدركه الأبصار خبر مع جواز أن يراد بالخبر في قوله (لا ينال


(1) البقرة: 124. (2) لقمان: 13. (3) الأنعام: 151، البقرة: 188، أسرى: 32، آل عمران: 130.

[ 268 ]

عهدي الظالمين) النهي كما في لا تجتمع أمتي على ضلال على رأي من ضم عينها و يكون ذلك نهيا لإبراهيم عليه السلام أن يجعل الإمامة في ظالم. إن قيل: إمامة إبراهيم هي النبوة ونحن نسلم اشتراط النبوة بعدم الظلم ولا يلزم ذلك في الإمامة. قلنا: الإمامة فرع النبوة فالمانع منها مانع منها، مع أن صريح الآية في الإمامة ولما استلزمت النبوة الإمامة ذكر الله سبحانه اللازم ثم نفاه عن الظالم. إن قيل: إنما نفي الملزوم وهو النبوة فلا يلزم من نفيه نفي اللازم وهو الإمامة، قلنا: هذا خلاف ظاهر الآية. إن قيل: نمنع كون مانع الأصل مانع الفرع كما ذكرتم، فإن القاضي فرع النبي والإمام وليس مانعهما مانعه. قلنا: بينهما فرقان فإن وجود النبي والإمام عليه السلام يمنع النائب من ارتكاب الآثام، خوفا من عزله والضرب على يده بخلاف الإمام، إذ قيامه بمصالح الأنام بعد موت النبي صلى الله عليه وآله. إن قيل: لا يتعين العهد لكونه للإمامة. قلنا: تالي الكلام مبني على مقدمته ومقدمته الإمام، ألا ترى لو قال الملك لشخص: إني جاعلك وزيرا. فقال: ومن ذريتي فقال الملك: لا يصل عهدي إلى من كان شريرا، فهم السامعون من غير تأخير عدم وصول الوزارة إلى الشرير ولو سلمنا اشتراك لفظ العهد لم يضرنا لوجوب حمل اللفظ على عمومه، فتدخل الإمامة فيه، وهذا مثل قول القائل لا ينال عطائي الفاسق فإنه يقتضي نفي جنس عطائه عنهم بالاطلاق. قال فخر الدين الرازي: هذه الآية كما دلت على أن عليا هو الإمام بعد الرسول دلت على أنه لم يكفر طرفة عين لأنه لو كان قد كفر للزم بحكم الآية أن لا يكون أهلا للإمامة وثبت أيضا أن أبا بكر والعباس ليسا أهلا لها بمقتضى الآية، فلو جاز الكفر عليه لزم خروج الثلاثة عن مقتضى الآية وهي أهليته للإمامة، وكان إجماع الأمة على أن الإمامة بعد الرسول لأحد الثلاثة باطلا، و بطلان الاجماع باطل، وأبو بكر والعباس كانا كافرين، فثبت أن عليا لم يكفر

[ 269 ]

طرفة عين لئلا يلزم الطعن في الاجماع انتهى ملخصا. وقد أسند الفقيه الشافعي عن علي بن المغازلي في كتاب المناقب أن النبي صلى الله عليه وآله قال: انتهت دعوة إبراهيم عليه السلام وهي قوله (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام) إلى وإلى علي فأنا وعلي لم يسجد أحدنا لصنم فاتخذني نبيا واتخذ عليا وصيا وقد طلب النبي صلى الله عليه وآله غلاما لم يعبد صنما فأتوه بزيد بن ثابت فجعل إليه كتابة الوحي فالنبي لم يجوز كتابة الوحي لمن عبد وثنا ولو آية فكيف يجوز أن يحكم في دين الله من كان أكثر عمره في الشرك بالله. وأسند ابن المغازلي في الكتاب من طرق عدة قول النبي صلى الله عليه وآله: يا علي إنك سيد المسلمين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، ويعسوب المؤمنين وأسند في طرق آخر قوله صلى الله عليه وآله: أوحى الله إلي ليلة الإسراء في علي أنه سيد المرسلين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين. وأسند نحوه من طريق آخر وفي آخره: قائد الغر المحجلين إلى جنات النعيم. وأسند إليه صلى الله عليه وآله في طريق آخر: أن الله تعالى عهد إلي في علي عهدا فقلت يا رب بينه لي فقال: اسمع، قلت: سمعت قال: إن عليا راية الهدى، و إمام أوليائي، ونور من أطاعني، وهو الكلمة التي ألزمتها للمتقين، من أحبه أحبني، ومن أطاعه أطاعني، فبشره بذلك، فبشرته، فقلت: اللهم أجل قلبه واجعل ربيعه الإيمان، فقال عز وجل: فقد فعلت. وأسند الخطيب في تاريخه إلى النبي صلى الله عليه وآله: ما في القيامة راكب غير أربعة أنا وصالح وحمزة وأخي علي بن أبي طالب على ناقة من الجنة، بيده لواء الحمد ينادي بالشهادتين، فتقول الخلائق هذا نبي مرسل، أو ملك مقرب ؟ فينادون هذا علي بن أبي طالب وصي رسول رب العالمين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين. وأسند ابن مردويه وهو من ثقاتهم إلى أبان بن تغلب عن مسلم ! قال: سمعت أبا ذر والمقداد وسلمان يقولون: كنا قعودا عند النبي صلى الله عليه وآله إذ أقبل ثلاثة من المهاجرين، فقال صلى الله عليه وآله: تفترق أمتي بعدي ثلاث فرق فرقة أهل حق لا يشوبونه

[ 270 ]

بباطل، مثلهم كالذهب كلما فتنته النار زاد جودة وطيبا وإمامهم هذا وأشار إلى أحد الثلاثة، وهو الذي أمر الله في كتابه إماما ورحمة وفرقة أهل باطل لا يشوبونه بحق مثلهم كخبث الحديد كلما فتنته النار زاد خبثا وإمامهم هذا، فسألتهم عن أهل الحق وإمامهم فقالوا: علي بن أبي طالب إمام المتقين، وأمسكوا عن الآخرين فجهدت في الآخرين أن يسموهما فلم يفعلوا. هذه رواية أهل المذهب، وأما الفرقة المحقة فروى الحسين بن جبر في نخبه مرفوعا إلى الباقر عليه السلام قال: لما نزل قوله تعالى: (وكل شئ أحصيناه في إمام مبين (1)) قيل: يا رسول الله هو التورية والإنجيل أو القرآن ؟ فقال صلى الله عليه وآله: لا فأقبل علي فقال النبي صلى الله عليه وآله: هذا هو الإمام المبين الذي أحصى الله فيه كل شئ. وروى الفقيه ابن بابويه في أماليه وذكره عدة مشايخ في كتبهم عن ابن عباس قال: صعد النبي صلى الله عليه وآله المنبر فخطب واجتمع الناس فقال: إن الله تعالى أوحى إلي أني مقبوض وأن ابن عمي مقتول وإني أخبركم ما إن عملتم به سلمتم وإن تركتموه هلكتم إن ابن عمي هذا علي أخي ووزيري، وهو خليفتي، وهو المبلغ عني، وهو إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، إن استرشدتموه أرشدكم، وإن اتبعتموه نجوتم، وإن خالفتموه ضللتم، وإن أطعتموه فالله أطعتم، وإن عصيتموه فالله عصيتم، وإن بايعتموه فالله بايعتم، وإن نكثتم بيعته فبيعة الله نكثتم، إن الله تعالى أنزل علي القرآن فمن خالفه ضل، ومن ابتغى علمه عند غير علي هلك. وهذا الخبر رواه أبو الفرج المعافا بن زكريا وأخطب خوارزم وفي آخر رواية الخطيب: علي بن أبي طالب إمام أمة محمد، وحجة الله بعد النبي صلى الله عليه وآله فقد ظهر بنقل الفريقين المتعاديين، والخصمين المتباينين، لنقل لا يحتمل التأويل والابهام أن علي بن أبي طالب هو الإمام. إن قيل: لا يلزم من قوله (خليفتي) ومن وقوله (هو الإمام) وغير ذلك نفي


(1) يس: 12. (*)

[ 271 ]

خلافة غيره لما تقرر في الأصول من عدم الدلالة للتقييد بالوصف على عدم الحكم. قلنا: بل قد ذهب جماعة إلى نفي الحكم عند نفي الوصف لئلا يلزم العبث في القيد بالوصف، وهو قوي. على أن النص على الإمام إما من قبل نفسه وتبطله (وما ينطق عن الهوى) أو من الله تعالى فإن أمره بالنص على الكل جار إذ لم ينص على البعض، وإن أمره بالنص على البعض لزم الترجيح بلا مرجح لمساواة الكل في العلة، وأيضا فالإمام ينصب لكشف حيرة الأمة لزيادة علومه، وليس في أبي بكر كشف حيرة الأمة لنقيصة علومه. ولهذا لما قال هشام بن الحكم لعمرو بن عبيد: ألك عين ؟ قال: نعم أبصر بها قال: ألك أنف ؟ قال: نعم أشم به. قال: ألك أذن ؟ قال نعم أسمع بها، قال: ألك فم ؟ قال: نعم أذوق به، قال: ألك قلب ؟ قال: نعم أحقق كلما ورد على هذه الجوارح ويزول شكها قال: فلا غناء لها عنه مع سلامتها قال: نعم، قال: لم يترك الله جوارحك من إمام يزيل شكها ويترك الخلق في حيرتها بغير إمام يزيل اختلافها. ومما سنح لجامع الكتاب: نفسي الفداء لمن قال النبي له * أنت الإمام بلا شك ولا خلل وأنت يعسوب أهل الدين قائدهم * غرا إلى الجنة الغري ذوي حجل وأنت كلمته التقوى التي لزمت * إليك حمل اللوا في الموقف الوحل إليك دعوة إبراهيم قد وصلت * روى المعادي لها عن سيد الرسل من ذكره جاء في الذكر الحكيم هلا * سوى الإمام أمير المؤمنين علي فالويل والخزي للغاوين عن رجل * له المزايا التي لم تلق في رجل مع أن أعداءه يخفونها حسدا * والأولياء له يخفون من وجل ومنها قوله تعالى (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) (1) صنف أحمد بن محمد بن


(1) الرعد: 7.

[ 272 ]

سعيد كتابا في نزولها في علي وذكرها الحسكاني في شواهد التنزيل والمرزباني فيما أنزل في علي والثعلبي في تفسيره عن ابن عباس أنها لما نزلت وضع النبي صلى الله عليه وآله يده على صدره وقال: أنا المنذر وأومأ بيده إلى منكب علي وقال: وأنت الهادي يهتدي بك المهتدون، من بعدي. وذكره ابن مردويه في المناقب ورواه الثعلبي عن علي عليه السلام أيضا وعن جابر مسندة وعن ابن المسيب مسندة وأسندها الحسين بن جبر في كتاب نخب المناقب إلى علي عليه السلام وإلى ابن عباس أيضا وإلى الضحاك والزجاج وأبي بردة أيضا أنه قال دعا النبي صلى الله عليه وآله بالطهور وعنده علي فأخذ بيده بعد ما تطهر وألصقها بصدره وقال: (إسما أنت منذر)، ثم ردها إلى صدر علي وقال: (ولكل قوم هاد) فقد بان بنقل الموالي والمعادي أن عليا هو الهادي وإطلاق كونه هو الهادي بإجمال الله و تفصيل رسول الله، يقتضي كونه هاديا في سائر أوقاته وذلك مستلزم لعصمته. إن قيل: فكون علي هاديا لا يستلزم سلب هداية غيره، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم. قلنا: الألف واللام في الهادي دليل الاستغراق، ولولا اختصاصه من الهداية بما لا يوجد في غيره، لخلت الفايدة عن نزول الآية فيه، وإفراد النبي له بذكره دون غيره، وإنما ذلك ليتقرر في قلوب المسلمين زيادة مرتبته الموجبة للتقديم، كما جرت عادت فصحاء الأنام بترجيح الخاص على العام، وقد نطق القرآن (بفاكهة ونخل ورمان) وقال عز من قائل (الملائكة وجبريل وميكال). إن قيل: يجوز أن يكون الهادي هو النبي أي أنت منذر وأنت لكل قوم هاد ويكون ذلك دليل عموم نبوته. قلت: ترد هذا الاحتمال، ويلحقه بالمحال، شهرة المفسرين وكتب الراسخين، وأشعار السالفين: وقد أنشد الحميري في ذلك: هما أخوان: ذا هاد إلى ذا * وذا فينا لأمته نذير

[ 273 ]

فأحمد منذر وأخوه هاد * دليل لا يضل ولا يجور وأيضا فعموم نبوته قد جاء في قوله تعالى (وما أرسلناك إلا كافة للناس) (1) وهي أعم من قوله (ولكل قوم هاد) على تقدير تخصيص القوم بالذكران كما ورد به القرآن في قوله تعالى (لا يسخر قوم من قوم ولا نساء من نساء) (2) فعلى الاحتمال إحدى الآيتين تؤكد الأخرى، وعلى المشهور تفيد آية الهادي تأسيسا وهو مقدم على التأكيد، لزيادة فائدته دون التأكيد. ومنها قوله تعالى (أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق) (3) أسند ابن جبر في نخبه إلى أبي جعفر عليه السلام قال: الحق علي بن أبي طالب. وذكره محمد ابن مروان عن السدي، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. وعنه عليه السلام أيضا في قوله تعالى (يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا لكم ((4) يعني بولاية علي بن أبي طالب عليهما السلام. وعن الباقر عليه السلام في قوله تعالى (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر (5)) يعني بولاية علي. وعنه عليه السلام أيضا في قوله تعالى (ويستنبؤنك أحق هو قل إي وربي (6)) أي يسألونك علي وصيك ؟ قل إي وربي. وعن أبي بن كعب: نزلت سورة العصر في علي وأعدائه فإن (إلا الذين آمنوا) فيه عليه السلام لقوله تعالى (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا (7)) و (عملوا الصالحات) فيه لقوله (الذين يقيمون الصلاة) (8) الآية (وتواصوا بالحق) أيضا فيه لقوله صلى الله عليه وآله (الحق مع علي وعلي مع الحق) و (تواصوا بالصبر) لقوله


(1) السبأ: 28. (2) الحجرات: 11. (3) الرعد: 21. (4) النساء: 169. (5) الكهف: 29. (6) يونس: 53. (7 و 8) المائدة: 55.

[ 274 ]

تعالى (والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس (1)) وقد سلف ذلك. وسئل أبو ذر عند اختلاف الناس عنه فقال عليك بكتاب الله والشيخ علي بن أبي طالب فإني سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: علي مع الحق والحق مع علي وعلى لسانه، يدور حيث ما دار علي. وذكر ابن جبر في نخبه أن محمد بن أبي بكر قال لعايشة: أليس قلت: الزم عليا فإني سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: إنه مع الحق والحق معه لا يفترقان حتى يردا على الحوض ؟ قالت: بلى، وناشدها عبد الله ومحمد بن أبي بكر ذلك فاعترفت به وذكره السمعاني في فضائل الصحابة وفي تفسير (طسم تلك آيات الكتاب) (2) الآية للثمالي أن الآيات مناد ينادي من السماء آخر الزمان ألا إن الحق مع علي و شيعته. وأما المخالف فرواه سعد بن أبي وقاص وروى عبيد الله بن عبد الله حليف بني أمية أنه كان بين سعد ومعاوية كلام فروى سعد هذا الخبر، فقال له معاوية: لتأتيني لمسموعك بالمؤيد وإلا قتلتك فدخلوا على أم سلمة فقالت: في بيتي قاله وروى مالك العربي (3)، نحوه، هذا كله ذكر صاحب النخب وروى مثله الجرجاني القاضي والخوارزمي الخطيب في تاريخه وأسند الآجري في الجزء الثاني من كتاب الشريعة أن عمارا دخل على النبي صلى الله عليه وآله فرحب به فقال: سيكون في أمتي بعدي هناة واختلاف حتى يقتل بعضهم بعضا ويتبرأ بعضهم من بعض، فإذا رأيت ذلك فعليك بعلي إن سلك الناس كلهم واديا وعلي واديا فاسلك وادي علي يا عمار إنه لم يزل عن هدى، يا عمار طاعة علي من طاعتي وطاعتي من طاعة الله. وفي تاريخ الخطيب أن علقمة والأسود عاتبا أبا أيوب الأنصاري لقتاله المسلمين مع علي في صفين فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أمرنا بقتال ثلاث فرق مع علي: الناكثين وهم أصحاب الجمل، وقد قاتلناهم، والقاسطين وهم أصحاب معاوية


(1) البقرة: 176. (2) الشعراء: 1. (3) العوفي خ ل.

[ 275 ]

وهذا منصرفنا عنهم، والمارقين والله ما أدري أين هم ولكن لا بد من قتالهم، لأني سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول لعمار: تقتلك الفئة الباغية، وأنت إذ ذاك مع الحق و الحق معك إن سلك علي واديا والناس كلهم واديا فاسلك وادي علي فإنه لن يدخلك في ردى ولن يخرجك من هدى، يا عمار من تقلد سيفا وأعان عليا على عدوه قلده الله يوم القيامة وشاحين من در ومن تقلد سيفا أعان به عدوه قلده الله يوم القيامة وشاحين من نار فقالا: حسبك رحمك الله. وروى ابن مردويه في كتاب الأربعين بطريق عائشة قول النبي صلى الله عليه وآله: الحق مع علي وعلي مع الحق لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، ورواه أيضا بطريق أم سلمة. وروى هو أيضا عن الأصبغ بن نباتة لما أصيب زيد بن صوحان بالجمل وقف عليه علي وبه رمق وقال: يرحمك الله ما عرفتك إلا خفيف المؤنة كثير المعونة فقال: وأنت يرحمك الله ما عرفتك إلا بالله وبآياته عارفا والله ما قاتلت معك عن جهل ولكني سمعت من حذيفة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: علي أمير البررة، وقاتل الكفرة، منصور من نصره مخذول من خذله ألا وإن الحق معه يتبعه ألا فميلوا معه. إذا عرفت هذا فقد علم بنقل الفريقين تأخيره عن بيعة أبي بكر فإن كان الحق في التأخر فالباطل في البيعة، وإن كان في البيعة فقد فارق علي الحق و بطل الخبر. إن قالوا: تأخر علي كان لعذر هو جمع القرآن فلا يلزم خروجه عن الحق ولا خروج البيعة عن الحق وإلا لبطلت إمامة علي حين تأخر عن النهوض فيها لعذر قلنا: لا، بل الصواب إن كان في العجلة في البيعة فالخطأ في التأخير وإلا ففيها وجمع القرآن ليس عذرا مانعا عنها مع استدراكه بعدها، ولو كان تأخره لذلك لم يخرج من بيته مكرها إليها وجلوسه عن طلب حقه بالسيف ليس جلوسا عن إمامته، فإنه طلب الإمامة بلسانه وذكر تظلماته، ولو لم يرد في ذلك رواية لكان في نصوص النبي عليه كفاية.

[ 276 ]

إن قالوا: فالبيعة صارت حقا بموافقته. قلنا: أما عندنا فإنه لم يوافق عليها أبدا والسكوت لا يدل على الرضا باطنا. على أنها لو كانت إنما صارت حقا ببيعته عليه السلام لزم الدور لأن البيعة لا تجوز لغير مستحقها فلو توقف استحقاق الخلافة عليها دار. إن قالوا: يلزم مثله في النص إذ يقال: لا يجوز النص بالخلافة لغير مستحقها ثم إنه لا يستحقها إلا بالنص فدار. قلنا: لا نقول إنما يستحقها بالنص بل النص كاشف عن سبق استحقاقها لأجل الصفات والمزايا الموجبة لها، التي علم الله في علي حصولها، وليس لهم جعل البيعة كاشفة لأنهم قالوا صارت حقا بالبيعة، فكانت باطلا قبلها، ولا إجماع للرعية على الخواص الموجبة لها من أن البيعة لم تصر حقا ببعض الأمة لعدم الاجماع فيها وعلي عندكم ليس بمعصوم حتى يلزم صحتها بدخوله فيها. إن قالوا: هو عندكم معصوم فيلزمكم صحتها بدخوله فيها، قلنا عندنا أنه لم يدخل فيها فلم نحكم بصحتها فلا إلزام لكم علينا فيها، وأما كل الأمة فلم تجتمع عليها لاشتهار بني هاشم وغيرهم على خلافها وإنشاء أشعارهم بتهجينها، قال بريدة الأسلمي: يا بيعة هدموا بها * أسا وحيث دعائم أتكون بيعتهم هدى * وتغيب عنها هاشم ويكون رائدها إذا * مولى حذيفة سالم فليصبحن وكلهم * أسف عليها نادم أمر النبي معاشر * هم أسوة ولهاذم أن يدخلوا ويسلموا * تسليم من هو عالم إن الوصي له الإمامة بعده بالناس فيها قائم والعهد لا مخلولق * منه ولا متقادم ونحو هذا كثير نكتفي عنه بعنوانه، من أراده طلبه من مكانه.

[ 277 ]

ومنها قوله تعالى: (قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى (1)) و القربى علي وفاطمة وابناهما لما أسنده ابن حنبل إلى ابن عباس أنهم قالوا: من ؟ ابتك الذين وجبت محبتهم ومودتهم ! قال: علي وفاطمة وابناهما. ونحوه في تفسير الثعلبي وفي الجزء الخامس من صحيح مسلم والسادس من صحيح البخاري عن ابن جبير: القربى آل محمد، قلت: من آله ؟ قال: أهله، وقد قيل معنى (إلا) في الآية (غير) وأراد بها التعظيم للقربى. كما قال الشاعر: فلا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب أراد المبالغة في مدحهم والقرابة نسبا في علي أصدق وبه ألصق، فإنه أول من ولد بين هاشميين وقال عليه السلام: محمد النبي أخي وصنوي * وحمزة سيد الشهداء عمي وبنت محمد سكني وعرسي * وممتزج بها لحمي ودمي وسبطا أحمد ولداي منها * فمن منكم له سهم كسهمي وأما القرابة حكما فليس لأحد سواه ما حواه [ من ] الجوار، والأخوة، و المصاهرة، والنفوسية، والغدير، والوصية، وبراءة، والعشيرة، وتبوك، والراية والوراثة للعلوم والسلاح والبغلة والمتاع والعمامة. وأبو بكر احتج في السقيفة لخلافته بالقرابة فإن كان له القليل منها فلعلي مجموعها فإن كانت الحجة فيها فعلي أولى بها ولأنه أنقذهم من النار بسيفه دون غيره كما أنقذهم النبي صلى الله عليه وآله بهداه فإرادة الله تعالى بمودتهم وجعلها أجر سفارة نبيهم دليل على أن مودتهم أوجب من غيرهم، ولهذا فهموا أنها واجبة حيث سألوا عن قرابته صلى الله عليه وآله فقالوا: من قرابتك الذين أوجبت علينا مودتهم ؟ وإذا كانت أوجب فالخلافة فيهم إذ لو كانت في غيرهم كانت مودته أولى منهم. إن قالوا: ففاطمة تلك المودة تتناولها ولا خلافة لها. قلنا: خرجت من الخلافة بالنصوص المتواترة على غيرها فلا ينتقض حكم الآية بها.


(1) الشورى: 23.

[ 278 ]

ومنها قوله تعالى: (ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون (1)) روى ابن جبر في نخبه عن الباقر عليه السلام أنها نزلت في علي وأسند في نخبه أيضا إلى الصادق عليه السلام أن أهل كل سماء ليلة الأسرى أقروا بولاية محمد وعلي وفضيلة شيعتهما وأسند في نخبه إلى حذيفة أن الله تعالى فرض على الخلق خمسة: الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والولاية لعلي بن أبي طالب عليه السلام فأخذوا الأربعة وتركوا الخامسة وهي الولاية الواجبة من الله تعالى قال المهلبي. فرض الولاية للوصي * أهم من كل الفروض لا عذر فيه مستفيض للمسافر والمريض وأسند في نخبه إلى النبي صلى الله عليه وآله: من سره أن يحيى حياتي، ويموت ميتتي ويدخل جنة عدن منزلتي، فليتول علي بن أبي طالب وليأتم بالأوصياء من ولده ونحو ذلك ذكر في حلية الأولياء وفضائل أحمد وخصائص النطنزي. وأسند في نخبه أن رجلين تشاجرا في الإمامة فأتيا شريكا فأسند إلى النبي صلى الله عليه وآله أن الله تعالى خلق عليا قضيبا من الجنة فمن تمسك به كان من أهل الجنة فاستعظم الرجل ذلك، فأتيا دراجا فأخبراه بذلك فقال: أتعجبان من ذلك ثم أسند حديثا إلى النبي صلى الله عليه وآله أن الله خلق قضيبا من نور فعلقه ببطنان عرشه لا يناله إلا علي ومن تولاه من شيعته، فقال الرجل: هذه أخت تلك فأتيا وكيعا فأخبراه فقال: أتعجبان من هذا ثم أسند إلى النبي صلى الله عليه وآله: أن أركان العرش لا ينالها أحد إلا علي ومن تولاه من شيعته، فاعترف الرجل المنازع بولايته. وفي أسباب النزول عن الواحدي (ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا) يعني بهم عليا وفي الكافي: ولاية علي مكتوبة في جميع صحف الأنبياء لم يبعث الله رسولا إلا بنبوة محمد ووصية علي. ويعضده ما رواه جماعة أهل البيت، وابن إسحق، والشعبي، والأعمش، و الإصفهاني، وابن جبر في نخبه، والحسكاني، وابن عباس، والنطنزي أن قوله


(1) المائدة: 59. (*)

[ 279 ]

تعالى (وقفوهم إنهم مسؤلون (1)) عن ولاية علي بن أبي طالب ورواه الديلمي عن الخدري وقال صاحب شرح الأخبار: (ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون (2)) يعني بولاية علي بن أبي طالب. وفي تفسير الثعلبي لما صلى محمد بالأنبياء ليلة الإسراء بعث الله إليه ميكائيل أن يقول للأنبياء: على ما أرسلتم ؟ فقالوا: على ولايتك وولاية علي بن أبي طالب ونحوه روى أبو نعيم المحدث، وروى صاحب النخب أنهم كانوا تسعين نبيا منهم موسى وعيسى. وأسند الشافعي ابن المغازلي من طرق عدة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: لا يمر على الصراط إلا من معه كتاب بولاية علي بن أبي طالب ونحوه روى جماعة من الأصحاب وفي كتاب الكليني في قوله تعالى (ومن يطع الله ورسوله - في ولاية علي بن أبي طالب - فقد فاز (3) وفيه أن اسم علي مذكور في عشرة مواضع من القرآن قال ابن شهرآشوب رأيته في مصحف ابن مسعود في ثمانية مواضع. وأسند الشيرازي في تفسيره إلى السدي قال صخر بن حرب للنبي صلى الله عليه وآله: يا رسول الله هذا الأمر من بعدك لنا أم لغيرنا ؟ فقال صلى الله عليه وآله: لمن هو مني بمنزلة هارون من موسى، فأنزل الله تعالى: (عم يتساءلون - عن خلافة علي - عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون كلا سيعلمون - أن خلافته حقا تكون - ثم كلا سيعلمون (4)) حين عن ولايته يسألون في قبورهم فلا يبقى ميت إلا ويسئل عن ربه ودينه ونبيه وإمامه. وأسنده ابن جبر في نخبه إلى علي عليه السلام وفي رواية الأصبغ: أنا النبأ العظيم أقف بين الجنة والنار وأقول: هذا لي وهذا لك، وذكر نحوه في نخبه أيضا من طريقين آخرين وفي السؤال عن ولايته أدل دليل على وجوبها على كل شخص في


(1) الصافات: 24. (2) آل عمران: 102. (3) الأحزاب: 71. (4) النبأ: 4.

[ 280 ]

حياته، لامتناع أن يسئل عمن لم يؤمر باتباعه. وأسند الشيرازي إلى ابن عباس أن الله تعالى يأمر مالكا يوم القيامة بإسعار النيران، ورضوان بزخرف الجنان، وميكائيل بمد الصراط على جهنم، وجبرائيل بنصب ميزان العدل تحت العرش، وينادي: يا محمد ! قرب أمتك للحساب ثم يقعد على الصراط سبعة قناطر طول كل قنطرة سبعة عشر ألف فرسخ، على كل قنطرة سبعون ألف ملك قيام يسألون نساء هذه الأمة ورجالها على القنطرة الأولى عن ولاية أمير المؤمنين وحب أهل بيت محمد فمن أنى بها دخلها كالبرق الخاطف، ومن لا [ يأت بها ] سقط على أم رأسه في قعر جهنم ولو كان معه من أعمال الثقلين عمل سبعين صديقا. وأما كون حزب علي هم الغالبون فأسند المفيد في إرشاده قول النبي صلى الله عليه وآله أن عليا وشيعته هم الغالبون ألا إن شيعة علي هم الفائزون وأسند أيضا قول النبي صلى الله عليه وآله: يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا لا حساب عليهم ولا عذاب، ثم التفت إلى علي فقال: هم شيعتك وأنت إمامهم. وروى هو أيضا أن عليا اشتكى إلى النبي صلى الله عليه وآله حسد الناس له، فقال صلى الله عليه وآله: أول من يدخل الجنة أنا وأنت والحسنان وذريتهما خلف ظهورهما وأحباؤنا خلف ذريتنا وشيعتنا عن أيماننا وشمائلنا. وفي مسند ابن حنبل: يا علي من فارقني فقد فارق الله، ومن فارقك فقد فارقني، وفي مسنده أيضا من أحبك فقد أحبني وحبيبك حبيبي وحبيبي حبيب الله، وعدوك عدوي، وعدوي عدو الله، فالويل الويل لمن أبغضك بعدي. وقد روى الفريقان كون الحق لا يفارقه، فهو أمير حزب الله ورسوله، و ليس بعد حزب الله الغالب الفاخر إلا حزب إبليس الناكب الفاجر وقد سلف منا أن الله تعالى بعث الأنبياء على ولايته، وأن الناس لا يجوزون الصراط إلا بإجازته وذلك يوجب حتم اعتقاد إمامته بغير فصل لإطلاق لفظ النبي وإشارته، ولم يوجد لمن تأمر عليه قطرة من هذه المدائح ولا ذرة من هذه المنائح، وقد ارتجل مؤلف

[ 281 ]

الكتاب فقال في هذا الباب: نزل الكتاب مبينا * فرض الوصي على العموم وأتى الحديث مؤكدا * ومنافيا جحد الخصوم يا للرجال لأمة * مالت إلى رجل ظلوم وتناكبت في تركها * وجه الصراط المستقيم ميلا إلى دنيا دنية * فعل شيطان رجيم فغدا الذي كتم النصوص يكب في نار الجحيم ومنها قوله تعالى (والذين آمنوا بالله ورسوله أولئك هم الصديقون (1)) أسند ابن جبر في نخبه إلى ابن عباس قال: صديق هذه الأمة علي بن أبي طالب والشهداء علي وحمزة وجعفر. وأسند أيضا في روايات من كتابه إلى الباقر والصادق والكاظم والرضا عليهم السلام وزيد بن علي أن قوله تعالى (والذي جاء بالصدق وصدق به (2)) هو علي بن أبي طالب. وأسند أيضا إلى ابن عباس قوله تعالى (أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين (3)) يعني محمدا (والصديقين) يعني عليا (والشهداء) يعني عليا وجعفر وحمزة والحسنين عليهم السلام. وفي شرف النبي صلى الله عليه وآله عن الخركوشي والكشف والبيان عن الثعلبي قال: قال أبو جعفر عليه السلام (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه (4)) حمزة و علي وجعفر ونحوه أسند الشيرازي وزاد أن عليا هو الصديق الأكبر.


(1) الحديد: 19. (2) الزمر: 33. (3) النساء: 68. (4) الأحزاب: 23.

[ 282 ]

وروى ابن بطة في الإبانة وأحمد في الفضائل وشيرويه الديلمي في الفردوس قول النبي صلى الله عليه وآله: الصديقون ثلاثة: علي بن أبي طالب وحبيب النجار وحزقيل مؤمن آل فرعون. وفي أربعين الخطيب وفضائل أحمد وكشف الثعلبي قال النبي صلى الله عليه وآله: سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين ثم ذكر الثلاثة وقال: وعلي أفضلهم ورواه ابن حنبل مسندا إلى ابن أبي ليلى بطريقين ورواه الشافعي ابن المغازلي عن ابن حنبل وقد قال عليه السلام: أنا الصديق الأكبر، والفاروق الأعظم، آمنت قبل أن يؤمن أبو بكر وأسلمت قبل أن يسلم ورواه المفيد في إرشاده ونحوه أسند الثعلبي في تفسيره وزاد: أنا عبد الله وأخو رسول الله وأنا الصديق الأكبر لا يقولها بعدي إلا كذاب مفتر، ومثله روى ابن حنبل في مسنده. وأسند الخوارزمي في الأربعين إلى النبي صلى الله عليه وآله أن عليا عليه السلام ينادى يوم القيامة بسبعة أسماء: يا صديق، يا دال، يا عابد، يا هادي، يا مهدي، يا فتى، يا علي، مر أنت وشيعتك بغير حساب. وفي الخبر قال ابن سلام للنبي صلى الله عليه وآله: ما اسم علي فيكم ؟ قال: الصديق الأكبر قال: الله أكبر، ثم أسلم، فقال: إنا نجد في التورية محمد نبي الرحمة، علي مقيم الحجة، قال العبدي: أبوكم هو الصديق آمن واتقى * وأعطى وما أكدى وصدق بالحسنى وأنشأ المؤلف مضاهيا لهذا المولى: علي هو الصديق جاء به الذكر * وأخبار أقوام به لهم خبر فمن ينكر النص الجلي مبادرا * إليه فلا يعدوه في حشره خسر لما أنه أبدا عداوة ربه * فقد لزم التعذيب إذ لزم الكفر إذا عرفت هذا فقد نص الجوهري والفارسي على أن الصديق هو الملازم للصدق الدائم عليه، الذي صدق فعله قوله، والصديقون نبيون وغيرهم، و

[ 283 ]

الصالحون صديقون وغيرهم، فكل نبي صديق، ولا ينعكس، وكل صديق صالح ولا ينعكس. ونعني بعدم العكس عدم الشمول لا ما اصطلح عليه المنطقيون فإن العكس هنا صادق عندهم إذ الموجبة الكلية تنعكس موجبة جزئية فكل نبي صديق ينعكس في المنطق إلى بعض الصديق نبي وهو حق. وقد علم من ذلك أن مرتبة الصديق متوسطة بين مرتبة النبي ومطلق الصالح فالصديق ينقسم إلى ثلاثة: نبي (يوسف أيها الصديق) إمام: (كونوا مع الصادقين) وقد مضى ذلك قريبا ومن ليس بأحدهما كحبيب وحزقيل ونحوهما. وقد أفرده اللفظ النبوي بأنه أفضلهما فدل على اختصاصه بالإمامة. إن قلت: لا يلزم من الأفضلية الانتهاء إلى الإمامة إذ التفاضل واقع في الأشياء مع عدم الإمامة. قلت: فيلزم ذلك في قوله عليه السلام: أنا الصديق الأكبر فلو لم يكن هو الإمام لم يكن الأكبر لأنه انطلق له لفظ الأكبر. إن قلت: فيلزم كونه أكبر من النبي. قلت: قد أخرجه الدليل، فيختص به دون غيره، هذا وقد أقسم عليه السلام مع كونه للصدق ملازما وللمين مجانبا على ما صح في اللغة بقول ذينك الإمامين ونقل في الأحاديث من الفريقين في خطبته الشقشقية وغيرها قال عليه السلام: وأيم الله لقد تقمصها ابن أبي قحافة وهو يعلم أن محلي منها محل القطب من الرحا، ينحدر عني السيل، ولا يرقى إلي الطير. وسيأتي جانب من ذلك في شئ من تظلماته عليه السلام. إن قلت: فالقطب لا يستقل بنفسه في منفعة الرحا، فيكون المتقدم عليه مكملا لمنفعة الرحا قلت: هذا وهم لا يغني من الحق شيئا لأن القطب يستقل في الحركة الدورية بنفسه وحركة الرحا لا تكون إلا به وكلامه عليه السلام يدل على أن فلانا وضع نفسه في محل القطب وليس أهلا لها ولا يخفى ذلك على من له أدنى بصيرة إلا أن ترده نفسه الشريرة الأمارة بخبث السريرة. ومنها قوله تعالى (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل

[ 284 ]

فتفرق بكم عن سبيله (1)) أسند إبراهيم الثقفي إلى الأسلمي قول النبي صلى الله عليه وآله سألت الله أن يجعلها لعلي ففعل. وأسند الشيرازي من أعيانهم إلى قتادة عن الحسن البصري في قوله (هذا صراطي مستقيما) قال: يقول: هذا طريق علي بن أبي طالب وذريته طريق مستقيم ودين مستقيم فاتبعوه، تمسكوا به فإنه واضح لا عوج فيه. وفي تفسير وكيع عن السدي ومجاهد عن ابن عباس في قوله (اهدنا الصراط المستقيم) معناه أرشدنا إلى حب النبي وأهل بيته. وفي تفسير الثعلبي وكتاب ابن شاهين: الصراط محمد وآله وأسند ابن جبر في نخبه إلى ابن عباس في قوله تعالى (وستعلمون من أصحاب الصراط السوي و من اهتدى (2)) الصراط السوي هو والله محمد وأهل بيته. وأسند أيضا عن حمزة بن عطا عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى: (هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل (3)) قال: هو علي بن أبي طالب يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم. وأسند أيضا إلى ابن عباس وزيد بن علي في قوله: (ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (4)). يعني ولاية علي بن أبي طالب. وأسند إلى جابر الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وآله أشار إلى علي وقال: هذا صراط مستقيم فاتبعوه، وأسند أيضا إلى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله كان يحكم وعلي بين يديه ورجل عن يمينه وآخر عن يساره فقال: اليمين والشمال مضلة والطريق المستوي الجادة، هذا - وأشار إلى علي بيده - فاتبعوه. وأسند عن الحسن أن ابن مسعود وعظ فسئل عن الصراط المستقيم فقال: طرفه في الجنة وناحيته عند محمد وعلي وأسند إلى أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى


(1) الأنعام: 153. (2) طه: 135. (3) النحل: 76. (4) يونس: 25.

[ 285 ]

(فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم (1)) يعني على ولاية علي وهو الصراط المستقيم. وفي الخصائص عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى: (إن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون (2)) قال: عن ولايتنا. وأسند محمد بن جعفر المشهدي إلى عبد الله بن عباس قول النبي صلى الله عليه وآله لعلي: أنت صاحب حوضي ولوائي، وزوج ابنتي، ووارث علمي، ومستودع مواريث الأنبياء، وأمين الله في أرضه، وحجته على خلقه، وركن الإيمان، ومصباح الدجى، ومنار الهدى، والعلم المرفوع لأهل الدنيا، من تبعك نجا، ومن تخلف عنك هلك، وأنت الطريق الواضح و الصراط المستقيم. وأسند أيضا إلى عبد الله ابن عمر أنه قال: قال لي أبي: اتبع هذا الأصلع فإنه أول الناس إسلاما والحق معه فإني سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول في قوله تعالى: (أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم (3)) علي صراط مستقيم فالناس مكبون على الوجوه غيره، لأنهم يحتاجون إلى هداه وفقهه، فإذا كان هو الصراط المستقيم إلى الله وأهل البيت هو أعلاهم كان أولى بالاتباع والتقديم وأحرى من غيره بالتحكيم، عند كل ذي عقل سليم، و هذه غاية لا مزيد عليها، ولا يمكن المحيد عنها، والطعن فيها، قال أبو الفتح الواسطي: هذا علي النبأ العظيم تفهموا * وهو الصراط المستقيم إلى الهدى هذا علي دنيا وديني فاعلموا * فليستحيد لجيده المستنقدا تذنيب: ذكر صاحب المصالت عن الباقر عليه السلام في قوله تعالى: إنهم عن الصراط لناكبون. قال عليه السلام: الأول والثاني والثالث عن الولاية معرضون.


(1) الزخرف: 43. (2) المؤمنون: 75. (3) الملك: 22.

[ 286 ]

ومنها قوله تعالى: (فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى (1)) أسند ابن جبر في نخبه إلى الرضا عليه السلام قول النبي صلى الله عليه وآله من أحب أن يتمسك بالعروة الوثقى، فليتمسك بحب علي بن أبي طالب وروى أيضا في نخبه: العروة الوثقى ولاية علي بن أبي طالب. إن قلت: إن الله تعالى جعلها الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، ولم يذكر عليا ؟ قلت: رد ذلك إلى الرسول أوجب حيث يقول: (ولو ردوه إلى الرسول و إلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم (2)) ولو كان من كفر بالطاغوت وآمن بالله حسب حصل بالعروة الوثقى، لم يبق بالاقرار بالنبوة فائدة وهو باطل بالاجماع، وحيث وجب التمسك بالنبي وجب بمن عينه النبي. قال ابن حماد: علي المعلى القدر عند مليكه * وإن أكثرت فيه الغواة ملامها وعروته الوثقى التي من تمسكت * يداه بها لم يخش قط انفصامها ومنها قوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا (3)) أسند ابن جبر في نخبه إلى العبدي أن أعرابيا سأل النبي صلى الله عليه وآله عن هذه الآية فأخذ بيد علي وقال: هذا حبل الله فاعتصموا به، وأسند مثله إلى الباقر عليه السلام. وأسند أيضا إلى الباقر عليه السلام في قوله تعالى: ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس (4)). قال عليه السلام: حبل من الله كتابه، وحبل من الناس علي ابن أبي طالب. وأسند الثعلبي في تفسيره إلى الصادق عليه السلام: نحن حبل الله الذي قال فيه (واعتصموا بحبل الله) وإذا أمر الله ورسوله بالاعتصام به فقد هلك من لم يعتصم به، ومن تأمر عليه لم يعتصم به، فهلك من تأمر عليه، قال الحميري: إنا وجدنا له فيما نخبره * بعروة العرش موصولا بها سببا حبلا متينا بكفيه له طرف * شد العراق إليه العقد والكربا


(1) البقرة: 256. (2) النساء: 82. (3) آل عمران: 103. (4) آل عمران: 122.

[ 287 ]

من يعتصم بالعرى من حبله فله * أن لا يكون غدا في الحال منعطبا ومنها قوله تعالى: (وصالح المؤمنين (1)) أسند ابن جبر في نخبه إلى ابن عباس قول النبي صلى الله عليه وآله: علي باب الهدى بعدي، والداعي إلى ربي، وصالح المؤمنين. وأسند إلى زيد بن علي أن الناصر للحق وصالح المؤمنين علي بن أبي طالب، وروى نحوه السدي عن ابن عباس والخضرمي عن أبي جعفر والثعلبي عن أبي جعفر وعن الباقر عن علي عن النبي صلى الله عليه وآله وذكره الثعلبي في تفسيره. إن قيل: فصالح لا يدل على الأصلح، قلنا: بل العرف يوجب ذلك لأن قولنا فلان عالم قومه وزاهد بلده، يراد به أعلم وأزهد، ولأنه أخبر أنه ناصر نبيه، وجبرائيل عند وقوع التظاهر ذكر [ مع ] صالح المؤمنين ولا يذكر في النصر إلا من كان في الدفاع أمنعهم وفي الذب عنه أنفعهم إذ لا يليق ذكر ضعيف ولا متوسط في النصرة فإن الملك لا يهدد من يروم سلطانه بمثلها بل بمن هو الأعلى في مرتبة النصرة، ولهذا إن عليا هدد معاوية بمالك الأشتر حيث إنه معروف بالشجاعة مشهور بالبراعة، وإذا كان علي أصلح، فتقديمه أنجح، لأنه الأرجح، فالقول بإمامته الأربح. ومنها (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم (2)) روت الفرقة المحقة أنها في علي عليه السلام ورواه الثعلبي في تفسيره. قالوا: الآية في أبي بكر وأصحابه لأنهم الذين قاتلوا المرتدين. قلنا: تنزيل الآية على اليقين المستقيم أولى من تنزيلها عن الظن والترخيم، والمحبة (3)


(1) التحريم: 4. (2) المائدة: 57. (3) والحجة، خ ل.

[ 288 ]

له سنذكرها عند فتح خيبر، والمبالغة فيها عند خبر الطائر المشوي والذلة على المؤمنين لم تصدق على أبي بكر وصاحبيه. بما أحدثوا في فاطمة وبنيها ورد جماعة من المؤمنين بالسيف عن شهادتها، والعزة على الكافرين إنما هي نعتا له، ولم يكن لأبي بكر حظا في جهادهم إذ لم نعرف له قتيلا بل ولا جريحا منهم وإنما شاع ذلك من علي فيهم، فإذا كذبت هذه الأوصاف عليهم، كيف يقال إن الآية نزلت فيهم، وإذا اجتمعت لعلي عليه السلام كيف يقال إنه معزول عن هذا المقام. والمشهور في اللسان أن [ زمان ] سوف أنفس من زمان السين، وزمان حرب علي بعد أبي بكر أنفس من زمان أبي بكر، وقد روي عن عمار وحذيفة وغيرهما قوله عليه السلام في البصرة: والله ما قوتل أهل هذه الآية حتى اليوم وتلا (ومن يرتد منكم عن دينه) الآية. ومنها: (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحمل الانسان (1)) روى محمد بن الحسن برجاله إلى الصادق عليه السلام أن الأمانة في الآية هي الولاية لعلي ابن أبي طالب عليه السلام. ومنها: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم (2)) أسند محمد بن يحيى إلى الصادق عليه السلام قال: (آمنوا) بما جاء به محمد من الولاية (ولم يلبسوا أيمانهم بظلم) لم يخلطوه بولاية فلان وفلان. ومنها: (يا أيها الذين أتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا (3)) أسند علي بن إبراهيم إلى الصادق عليه السلام أنها كانت آمنوا بما نزلناه في علي. ومنها: (ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به - في علي - لكان خيرا لهم (4) هكذا أسندها علي بن إبراهيم إلي أبي جعفر عليه السلام. ومنها: (هذان خصمان اختصموا في ربهم (5) أسند البخاري في آخر كراس


(1) الأحزاب: 72. (2) الأنعام: 82. (3) النساء: 47. (4) النساء: 65. (5) الحج: 19.

[ 289 ]

من الجزء الخامس من صحيحه أن عليا عليه السلام قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة. ومنها: (بل تؤثرون الحياة الدنيا (1)) يعني ولايتهم (والآخرة خير وأبقى) ولاية علي، هكذا أسنده معلى إلى الصادق عليه السلام. ومنها: (أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم (2)) ولاية علي (استكبرتم ففريقا كذبتم) من آل محمد (وفريقا تقتلون) أسنده إلى أبي جعفر عليه السلام. ومنها: (كبر على المشركين ما تدعوهم إليه (3)) من ولاية علي هكذا أسنده الحسين بن محمد إلى الرضا عليه السلام. ومنها: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض (4)) قال الشيرازي في كتابه المستخرج من التفاسير الاثني عشر عن ابن مسعود: الخلافة من الله لثلاثة: آدم (إني جاعل في الأرض خليفة (5)) داود: (إنا جعلناك خليفة (6)) علي عليه السلام (ليستخلفنهم في الأرض (7)). ومنها: (وربك يخلق ما يشاء ويختار (8)) وسيأتي أيضا قال في الكتاب المذكور قال النبي صلى الله عليه وآله اختارني وأهل بيتي فجعلني الرسول وجعل عليا الوصي. ومنها: (وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا (6) أسند أحمد بن مهران إلى أبي جعفر عليه السلام الطريقة هي ولاية علي والأوصياء. ومنها: (إنما أعظكم بواحدة (10)) أسند الحسين بن محمد إلى أبي جعفر عليه السلام أنها ولاية علي عليه السلام. ومنها: (الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا (11))


(1) الأعلى: 16. (2) البقرة: 87. (3) الشورى: 13. (4) النور: 55. (5) البقرة: 30. (6) ص: 26. (7) النور: 55. (8) القصص: 68. (9) الجن: 16. (10) السبأ: 46. (11) النساء: 137.

[ 290 ]

أسند معلى ابن محمد إلى الصادق عليه السلام أنها نزلت في فلان وفلان آمنوا بالنبي فلما قال: (من كنت مولاه فعلي مولاه) كفروا ثم آمنوا بالبيعة لعلي عليه السلام ثم كفروا بعد مضي النبي ثم ازدادوا كفرا بأخذهم من تابعه بالبيعة وهؤلاء لم يبق فيهم من الإيمان شئ. ومنها: (إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى (1)) بإسناد معلى إلى الصادق عليه السلام أنها في فلان وفلان ارتدوا عن ولاية علي عليه السلام. ومنها: (ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله (2) قال الصادق عليه السلام: نزلت والله فيهما وفي أتباعهما كرهوا ما أنزل الله في علي عليه السلام. ومنها: (ومن يرد فيه بالحاد بظلم (3)) نزلت فيهم حيث تعاقدوا في الكعبة على جحودهم ما أنزل في علي عليه السلام. ومنها: (فلنجزين الذين كفروا (4)) أسند الحسين بن محمد إلى الصادق عليه السلام: كفروا بولاية علي عليه السلام. ومنها: (إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك (5)) أسند محمد بن يحيى إلى أبي جعفر عليه السلام القول المختلف الولاية يؤفك عن الجنة من قد أفك عنها. ومنها: (فلا اقتحم العقبة وما أدريك ما العقبة فك رقبة (6)) أسند الحسين ابن محمد إلى الصادق عليه السلام أن ولاية أمير المؤمنين فك رقبة. ومنها: (فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار (7)) أسند علي بن إبراهيم إلى أبي جعفر عليه السلام كفروا بولاية علي عليه السلام. ومنها: (هنالك الولاية لله الحق (8)) أسند الحسين بن محمد إلى الصادق عليه السلام أنها ولاية علي عليه السلام.


(1) القتال: 25. (2) القتال: 26. (3) الحج: 25. (4) فصلت: 27 فيه: ولنذيقن الذين كفروا. (5) الذاريات: 9. (6) البلد: 13. (7) الحج: 19. (8) الكهف: 45.

[ 291 ]

ومنها: (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة (1)) أسند محمد بن يحيى إلى الصادق عليه السلام أن الله تعالى أصبغ المؤمنين بالولاية في الميثاق. ومنها: (فأبى أكثر الناس إلا كفورا (2)) أسند عبد العظيم إلى أبي جعفر عليه السلام: فأبى أكثر الناس إلا كفورا بولاية علي قال: وهكذا نزلت. قال: ونزلت: (فقل الحق من ربكم) في ولاية علي عليه السلام. ومنها: (وحبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم (3) فعن الصادق عليه السلام يعني به أمير المؤمنين [ عليا ] عليه السلام. ومنها: (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك (4)) عن الصادق عليه السلام أي لئن أشركت في ولاية علي عليه السلام غيره وسيأتي في حديث الغدير. ومنها: (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته (5)) قال: جحدوا ولاية أمير المؤمنين عليه السلام فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. ومنها: (لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا (6)) أسند محمد ابن يحيى إلى الصادق عليه السلام العهد ولاية أمير المؤمنين عليه السلام والأئمة من بعده. ومنها: (من يطع الله ورسوله (7) أسند الحسين بن محمد إلى الصادق عليه السلام يطع الله ورسوله في ولاية علي والأئمة من بعده قال: وهكذا نزلت. ومنها: (يا أيها الذين آمنوا لا تؤذوا رسول الله (8) روى الحسين بن محمد عنهم عليهم السلام لا تؤذوا رسول الله في ولاية علي والأئمة من بعده.


(1) البقرة: 138. (2) أسرى: 89، الفرقان: 50. (3) الحجرات: 7. (4) الزمر: 65. (5) البقرة: 81. (6) مريم: 87. (7) النور: 52. (8) الآية ليست هكذا بل في القرآن: وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده. الأحزاب: 33.

[ 292 ]

ومنها: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات) الآية (1) أسند الحسين بن محمد إلى الصادق عليه السلام الآيات المحكمات هو أمير المؤمنين والأئمة والأخر المتشابهات فلان وفلان [ وفلان ] (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) أمير المؤمنين والأئمة عليهم السلام. ومنها: (فأقم وجهك للدين حنيفا (2)) أسند علي ابن إبراهيم إلى أبي جعفر عليه السلام أنه الولاية. ومنها: (وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم (3)) عن أبي جعفر عليه السلام هو الولاية لعلي عليه السلام. ومنها: (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم (4)) أسند علي بن محمد إلى أبي الحسن الماضي يريدون ليطفئوا نور الله ولاية أمير المؤمنين والله متم نوره قال: متم الإمامة له. ومنها: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق (5)) قال: أرسله بالولاية لوصيه وهي دين الحق (ليظهره على الدين كله) عند قيام القائم (ولو كره الكافرون) لولاية علي عليه السلام. ومنها: (وقفوهم إنهم مسؤولون (6) بطريق الحافظ أبي نعيم إلى ابن عباس وابن سلام ومجاهد أي مسؤلون عن ولاية علي ابن أبي طالب عليه السلام ومثله في الفردوس للديلمي عن الخدري ومثله في الآيات المنتزعات عن ابن عباس. وعن الحافظ أبي نعيم في قوله تعالى: (ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم (7)) قال: عن ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام ومن مناقب ابن المغازلي (وإنه لذكر


(1) آل عمران: 7. (2) الروم: 30. (3) يونس: 2. (4) الصف: 8. (5) براءة: 33. (6) الصافات: 24. (7) التكاثر: 8.

[ 293 ]

لك ولقومك وسوف تسئلون (1)) عن ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام وغير الإمام لا يسئل عن ولايته، ولهذا إن ابن عباس عند موته كان يتقرب إلى الله بولايته، و يجعلها خاتمة ما يكتسب له من عمله، مع كونه كنيفا مملوءا علما كما قال علي عليه السلام فيه. وفي كتاب أبي نعيم الذي استخرجه من كتاب الاستيعاب لابن عبد البر الأندلسي في قوله تعالى: (واسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا (2)) أن النبي صلى الله عليه وآله قال: لما أسري بي إلى السماء جمع الله تعالى بيني وبين الأنبياء وقال: سلهم على ما بعثتم ؟ فسألتهم فقالوا: على شهادة أن لا إله إلا الله وعلى الاقرار بنبوتك و الولاية لعلي بن أبي طالب، وإذا كان الله تعالى بعث الأنبياء على ذلك كيف يرضى لنفسه بالعدول عن ذلك، وفي هذا كفاية لمن أراد نجاته وعدل مألوف آبائه و وهمياته وقد سلف ذلك في الفصل الخامس والعشرين من الباب السابع. ومنها: (والذي جاء بالصدق وصدق به (3)) روى ابن المغازلي عن مجاهد أن الذي صدق به علي بن أبي طالب ورواه غير واحد وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أول أهل الجنة دخولا علي بن أبي طالب وقال لأبي دجانة: أما علمت أن لله لواءا من نور، وقصورا من ياقوت، مكتوب بالنور لا إله إلا الله محمد رسول الله محمد خير البرية. صاحب اللواء وإمام القيامة هذا، وضرب بيده على علي بن أبي طالب. ومنها: (في بيوت أذن الله أن ترفع (4)) أسند الثعلبي إلى أنس وبريدة أنها بيوت الأنبياء فقال أبو بكر يا رسول الله هذا البيت منها ؟ - يعني بيت علي وفاطمة - قال: نعم، من أفاضلها. قلت: المقصود من البيوت أهلها إذ لا فضيلة لها بمجردها قال شاعر: ألا يا بيت في العلياء بيت * ولو لا حب أهلك ما أتيت


(1) الزخرف: 44 (2) الزخرف: 45. (3) الزمر: 33. (4) النور: 36.

[ 294 ]

ألا يا بيت أهلك أوعدوني * بأني كل ذنبهم جنيت فظاهر حديث النبي صلى الله عليه وآله أنه جعل عليا من أفاضل الأنبياء فيستحق التقدم وهو بين لمن ترك الهوى. ومنها: (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه (1)) أسند ابن المغازلي إلى ابن عباس أنه سأل الله بحق الخمسة ولولا أنه علم أشرفيتهم عند ربهم لما توسل إليه بهم. ومنها: (ولتعرفنهم في لحن القول (2)) أسند الحافظ إلى الخدري: لحن القول بغض علي عليه السلام. ومنها: (هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين (3)) أسند أبو نعيم إلى أبي هريرة مكتوب على العرش: لا إله إلا الله محمد رسول الله أيدته بعلي ابن أبي طالب. قلت: فمن عدل عنه عدل عن تأييد دينه وإيمانه، وسقط في غي قرينة و شيطانه. ومنها: (يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين (4)) في طريق أبي نعيم الحافظ أنها نزلت في علي بن أبي طالب. ومنها: (ومن عنده علم الكتاب (5)) أسند بطريق أبي نعيم وتفسير الثعلبي أنما هو علي بن أبي طالب، وهذا نص يوجب التقديم لإحاطته بعلم الكتاب دون غيره، فيستحق التقديم على جاهل ميراث الجد وغيره (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع) الآية وقد استوفيت الكلام على هذه الآية في الفصل الثامن عشر من الباب السابع فليطلب منه. ومنها: (وأورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا (6)) أسند ابن مردويه


(1) البقرة: 37. (2) القتال: 30. (3) الأنفال: 63. (4) الأنفال: 64. (5) الرعد: 43. (6) فاطر: 32.

[ 295 ]

إلى علي عليه السلام أنه قال: نحن هم. ومنها: (يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه (1)) أسند أبو نعيم إلى ابن عباس: أول من يكسى من حلل الجنة إبراهيم ومحمد ثم علي يزف بينهما ثم قرء الآية. قلت: ولا يساويهما في الكرامة، إلا من له منزلة الإمامة. ومنها: (ألقيا في جهنم كل كفار عنيد (2)) قيل: سئل النبي صلى الله عليه وآله عن ذلك فقال صلى الله عليه وآله: أنا وعلي نقوم على يمين العرش فيقول الله لنا: ألقيا في جهنم كل كفار عنيد. أي من أبغضكما وكذبكما. وقد كذبه من اعتقد إمامة غيره لأنه ادعاها لنفسه ونصبه النبي صلى الله عليه وآله عن أمر ربه. ومنها: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى (3)) أسند ابن مردويه أن من بعد ما تبين له الهدى في أمر علي. ومنها (وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم) (4) قال الإمام الطبرسي: أسند الحسكاني إلى الأصبغ بن نباتة أن ابن الكواء سأل عليا عليه السلام عن هذه الآية فقال عليه السلام: ويحك نحن نقف بين الجنة والنار فمن ينصرنا عرفناه بسيماه وأدخلناه الجنة ومن أبغضنا عرفناه بسيماه وأدخلناه النار. وقد أسند ابن البطريق في العمدة قول النبي صلى الله عليه وآله ينصب الصراط على شفير جهنم ثم يجز عليه إلا من معه كتاب بولاية علي بن أبي طالب. فهذه قطرة مما منحت به * على مزايا خواص أنت منطبع فكن بها منقذي من هول مطلعها * يوما وأنت على الأعراف تطلع ومنها: (وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (5)) قال علي بن


(1) التحريم: 8. (2) ق: 24. (3) النساء: 114. (4) الأعراف: 180. (5) الأعراف: 45.

[ 296 ]

أبي طالب عليه السلام: هم أنا وشيعتي. ومنها: (فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا (1)) أسند أبو جعفر الطبري إلى ابن عباس أن النور ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام. ومنها: (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم (2)) الآية أسند أبو جعفر الطبري إلى ابن عباس أن سادات قريش كتبت صحيفة تعاهدت فيها على قتل علي ودفعوها إلى أبي عبيدة الجراح أمير قريش فنزلت الآية فطلبها النبي صلى الله عليه وآله منه فدفعها إليه فقال: أكفرتم بعد إسلامكم فحلفوا بالله لم يهموا بشئ منه فأنزل الله (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا (3)) ولما حكم الله بكفرهم عند الهم على قتله علم أن الله اختاره للولاية على خلقه، إذ المقرر في الشريعة أن الهم بقتل غيره غير موجب لتكفيره. ومنها: (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد (4)) الآية روى سلمان بن عبد الله عن الصادق عليه السلام هم الذين كذبوا بولاية علي بن أبي طالب الوصي) والله يشهد إن المنافقين لكاذبون) لتكذيبهم بولاية علي عليه السلام (فصدوا عن سبيل الله) والسبيل وصي رسول الله) ذلك بأنهم آمنوا) برسالتك (ثم كفروا) بولاية وصيك. ومنها: (كمشكوة فيها مصباح (5)) أسند ابن المغازلي إلى أبي الحسن: المشكاة فاطمة، والمصباح الحسن، والزجاجة الحسين، والشجرة إبراهيم (يكاد زيتها يضئ) قال: يكاد العلم ينطق منها إمام بعد إمام (يهدي الله لنوره من يشاء) قال يهدي لولايتنا من يشاء. ومنها (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة (6)) روى الإصفهاني الأموي من عدة طرق إلى علي عليه السلام أنه قال: السلم، ولايتنا أهل البيت، وعن


(1) التغابن: 8 (2) المجادلة: 7. (3) براءة: 75. (4) المنافقون: 1. (5) النور: 35. (6) البقرة: 208. (*)

[ 297 ]

الباقر والعابد عليهما السلام نحوه، وعن الباقر: أمروا والله بولاية علي بن أبي طالب. ولقد قال بعض الأعيان في هذا الشأن: أصغ واستمع آيات وحي تنزلت * بمدح إمام بالهدى خصه الله ففي آل عمران المباهلة التي * بإنزالها أولاه بعض مزاياه وأحزاب حم وتحريم هل أتى * شهود بما أثنى عليه وزكاه وإحسانه لما تصدق راكعا * بخاتمه يكفيه من نيل حسناه وفي آية النجوى التي لم يفز بها * سواه سنا رشد به تم معناه وأزلفه حتى تبوأ منزلا * من الشرف الأعلى وآتاه تقواه وأكنفه لطفا به من رسوله * بوارق إشفاق عليه ورباه وأرضعه أخلاف أخلاقه التي * هداه بها نهج الهدى فتوخاه وأنكحه الطهر البتول وزاده * بأنك مني يا علي وآخاه وشرفه يوم الغدير وخصه * بأنك مولى كل من كنت مولاه ولو لم يكن إلا قضية خيبر * كفت شرفا فيما تراءت سجاياه

[ 298 ]

(الباب التاسع) فيما جاء في النص عليه من رسول الله صلى الله عليه وآله المستلزم لإبطال إمامة المتقدم عليه، ويندرج فيه شئ من كلام الله سبحانه لشدة الملازمة بينهما وهو قسمان جلي وخفي: فالجلي مثل قوله صلى الله عليه وآله: سلموا عليه بإمرة المؤمنين، هذا خليفتي عليكم اسمعوا له وأطيعوا، والخفي مثل حديث الغدير والمنزلة وربما علم مدلوله بالاستدلال الموجب لليقين وموافقة المخالف على نقله وتلقي الأمة له بقبوله وهو أمور كثيرة نذكر منها نبذة يسيرة من طريق الخصم أولا ليكون ألزم للحجة وأثبت للنفس على المحجة، وفيه نصوص وسيأتي بعدها فصول. فالنصوص: منها: ما أخرجه ابن الأثير في جامع الأصول قال وأخرجه الترمذي قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: رحم الله عليا اللهم أدر الحق معه حيث دار، وهو عليه السلام دار عن بيعة الأول بيقين فتكون مبائنة للحق بدعوة سيد المرسلين، وليس لأحد أن يقول: لا يلزم من الدعاء وقوع المدعو به. للزوم رد دعاء النبي صلى الله عليه وآله ولا يقول بذلك إلا الغوي، ولأنه صلى الله عليه وآله لا يدعو إلا بالإذن له في الدعاء لقوله تعالى: (وما ينطق عن الهوى). ومنها: ما أخرجه الملا في المجلد الخامس من الوسيلة فيما خص به علي من حديث الغدير نادى النبي صلى الله عليه وآله الصلاة جامعة وأخذ بيد علي وقال: ألست بأولى من كل مؤمن من نفسه ؟ قالوا: بلى، قال صلى الله عليه وآله: هذا مولى من أنا مولاه اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، فلقيه عمر بعد ذلك وهنأه بأنه مولى كل مؤمن ومؤمنة. قالوا: لفظ المولى يشتمل على العتق والنصرة وغيرهما فلا تتعين ولاية

[ 299 ]

المؤمنين بها، قلنا: تالي الخبر يبني على مقدمة وفي مقدمته ولاية النبي صلى الله عليه وآله على المؤمنين، ولأن صاحب الوسيلة ذكر ذلك فيما يختص بأمير المؤمنين ولو أريد غيره لشاركه كثير من المسلمين ولو أريد ما قالوه من نصرته لم يكن عمر ناصرا لهم بحكم تهنيته. إن قيل: إن عليا كان له مبالغة في النصرة دون عمر وغيره فليكن الاختصاص لأجلها لا لعدم المشاركة في أصلها. قلنا: مبالغته معلومة لكل أحد فالنص عليها بعد ذلك في مثل الحر الشديد، وما أتى عليه من التوكيد، يجري مجرى إيضاح الواضحات، ولا شك أن ذلك من أعظم العبثات. وقد قيل: إن ذلك الحديث من وضع ابن الراوندي ولو كان صحيحا أو صريحا لاحتج به ولما عدل عنه علي عليه السلام يوم الشورى إلى ذكر فضائله من سبقه إلى الاسلام، وإفنائه الطغام، ومبيته على فراش خير الأنام، وتجهيزه لرسول الملك العلام، وتخصيصه بالأسهام بأنه أحب الخلق إلى الله تعالى في خبر الطائر المشوي عنه عليه السلام إلى غير ذلك مما ذكر من صفات الاكرام. قلنا: إنما عدل عن ذكر النص لوجهين: 1 - لو ذكره فأنكروه حكم بكفرهم حيث أنكروا متواترا. 2 - إنهم قصدوا في الشورى الأفضل فاحتج عليهم بما يوجب تقديمه في زعمهم. قالوا: طلب العباس مبايعة علي دليل عدم النص. قلنا: إنما طلبها لما جعلوها طريقا فأراد أن يسبقهم إلى بيعته بما يلتزمون بصحته. قالوا: طلب علي بيعة أصحابه دليل على عدم نصه قلنا: الخلافة حقه فله التوصل إليها بما يمكنه. قالوا: بويع أبو بكر ولم يدع أحد لعلي نصا. قلنا: جاء من وجوه ذكره البخاري والإصفهاني وغيرهم. قالوا: طلبت الأنصار منهم أميرا ومنهم أميرا فلا نص. قلنا: علي لم يحضرهم

[ 300 ]

فيدعيه بل كان مشغولا بمصيبة النبي صلى الله عليه وآله فسارع غيره إلى فرجة خلافته وما أحسن قول بعضهم في يوم السقيفة: حملوها يوم السقيفة أثقالا * تخف الجبال وهي ثقال ثم جاؤا من بعدها يستقيلون * وهيهات عثرة لا تقال قالوا: جهل الأول والصحب الوصية لعلي. قلنا: فكيف نقلوها في صحاحهم عن النبي وإنما ذلك لجحودهم بعد عرفانهم كما قال تعالى في الكفار: (و جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا)) (1) وسيأتي تكميل ذلك في رد الشبهات والمعترفون بوجود حديث الغدير وهم الجل والجمهور كما ستعرفه في كتبهم طعنوا بما هو أوهن من بيت العنكبوت في دلالته لما لم يتمكنوا من الطعن في متنه. فرواه أحمد بن حنبل في مسنده بطريق ثمانية: علي بن أبي طالب، والبراء ابن عازب، وزيد بن أرقم، وشعبة، وأبي الطفيل، وبريدة، والفضل، وعبد الله ابن الصقر، ورواه عبد الله بن أحمد بن حنبل في مسنده بطريق ثمانية أيضا رباح، و زاذان، وابن أرقم بطريقين، وسعيد بن وهب، وشعبة، والبراء، وعبد الرزاق. وأورده أحمد ابن عبد ربه في الجزء التاسع والعشرين من كتاب العقد، و أورده مسلم في الجزء الرابع من صحيحه على حد ثمان قوائم من أوله وذكره الثعلبي في مواضع من تفسيره وذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين من أفراد مسلم وذكره رزين العبدري في الجزء الثالث من الجمع بين الصحاح الستة وفي سنن أبي داود السجستاني وصحيح الترمذي. ورواه في المناقب في اثني عشر طريقا الفقيه الشافعي علي بن المغازلي وقال: حديث صحيح رواه مائة نفس وهو ثابت لا أعرف له علة تفرد علي بهذه الفضيلة لم يشركه فيها أحد. هذا آخر كلامه. وأسنده في كتاب الخصائص محمد بن علي النظنزي الذي قال فيه محمد بن النجار


(1) النمل: 14.

[ 301 ]

أنه نادرة الفلك وكان أوحد أهل زمانه، ورواه ابن إسحاق، وابن مردويه، وابن أبي شيبة، وابن الجعد، وشعبة، والأعمش، وابن عباس، وابن الفلاح، وابن البيع، وابن ماجة، والبلاذري، والإصفهاني، والدارقطني، والمروزي، و الباقلاني، والجويني، والخركوشي، والسمعاني، والشعبي، والزهري، و الأقيلشي، والجعابي، واللالكاني، وشريك القاضي، والنسائي، والموصلي من عدة طرق وابن بطة من ثلاثة وعشرين طريقا، وصنف فيه المهلبي كتابا و ابن سعد كتابا والشجري كتابا والرازي كتابا وهؤلاء كلهم من أهل المذاهب الأربعة. شعر فأنت الإمام بما قد رووه * وأنت الوصي وأنت الخليفة ومن لا يدين بما قد رووه * يخالف جهد الدين الحنيفة أما غيرهم فجماعة كثيرة أيضا منهم ابن عقدة أورده من مأة وخمسين طريقا وأفرد له كتابا، وأبو جعفر الطوسي من مأة وخمسة وعشرين طريقا، ورواه صاحب الكافي عن الجعابي في كتاب نخب المناقب برواة عدتهم سبعة وثمانون نفسا. وقال محمد بن شهرآشوب: سمعت الهمذاني يقول: أروي هذا على مائتين وخمسين طريقا. وقال: جدي سمعت الجويني يقول: شاهدت مجلدا ببغداد في رواة هذا الخبر مكتوب عليه المجلد الثامنة والعشرون ويتلوها التاسعة والعشرون وقال برهان الدين القزويني: إنه سمع ذلك من بعض أصحاب أبي حنيفة، و أسنده في الشافي بما يزيد على مائة إسناد. ومنهم الشيخ أبو جعفر محمد بن جرير الطبري فقد أورده من نيف وسبعين طريقا وأفرد له كتابا سماه كتاب الولاية. منها: بإسناده إلى زيد بن أرقم لما نزل النبي صلى الله عليه وآله بغدير خم في حر شديد أمر بالدوحات فقممت ونادى: الصلاة جامعة فاجتمعنا فخطب خطبة بالغة ثم قال إن الله تعالى أنزل إلي: (بلغ ما أنزل إليك [ من ربك ] وإن لم تفعل فما بلغت

[ 302 ]

رسالته والله يعصمك من الناس وقد أمرني جبرائيل عن ربي أن أقوم في هذا المشهد واعلم كل أبيض وأسود أن علي بن أبي طالب أخي ووصيي وخليفتي والإمام بعدي. فسألت جبرائيل أن يستعفيني من ربي لعلمي بقلة المتقين، وكثرة المؤذين لي واللائمين، لكثرة ملازمتي لعلي وشدة إقبالي عليه، حتى سموني أذنا فقال تعالى فيهم: (الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم) ولو شئت أن أسميهم وأدل عليهم لفعلت، ولكني بسترهم قد تكرمت، فلم يرض الله إلا بتبليغي فيه. فاعلموا معاشر الناس ذلك فإن الله قد نصبه لكم إماما وفرض طاعته على كل أحد، ماض حكمه جائز قوله، ملعون من خالفه مرحوم من صدقه، اسمعوا وأطيعوا فإن الله مولاكم وعلي إمامكم ثم الإمامة في ولدي من صلبه إلى يوم القيامة لإحلال إلا ما حلله الله وهم، ولا حرام إلا ما حرمه الله وهم، فصلوه فما من علم إلا وقد أحصاه الله في ونقلته إليه. لا تضلوا عنه، ولا تستنكفوا منه، فهو الذي يهدي إلى الحق ويعمل به، لن يتوب الله على أحد أنكره، ولن يغفر له، حتم على الله أن يفعل ذلك، وأن يعذبه عذابا نكرا أبد الآبدين فهو أفضل الناس بعدي ما نزل الرزق وبقي الخلق، ملعون من خالفه. قولي عن جبرائيل عن الله (فلتنظر نفس ما قدمت لغد) افهموا محكم القرآن ولا تتبعوا متشابهه، ولن يفسر لكم ذلك إلا من أنا آخذ بيده، شائل بعضده، ألا وقد أديت، ألا وقد بلغت، ألا وقد أسمعت، ألا وقد أوضحت. إن الله قال، وأنا قلت عنه، لا تحل إمرة المؤمنين بعدي لأحد غيره، ثم رفعه إلى السماء حتى صارت رجله مع ركبته صلى الله عليه وآله وقال: معاشر الناس ! هذا أخي ووصيي، وواعي علمي، وخليفتي على من آمن بي وعلى تفسير كتاب ربي، اللهم إنك أنزلت عند تبيين ذلك في علي: (اليوم أكملت

[ 303 ]

لكم دينكم) بإمامته فمن لم يأتم به وبمن كان من ولدي من صلبه إلى القيامة (فأولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون) إن إبليس أخرج آدم من الجنة مع كونه صفوة الله الحسد، فلا تحسدوا فتحبط أعمالكم، وتزل أقدامكم في علي نزلت سورة والعصر إن الانسان لفي خسر إلا الذين آمنوا ووصى بالحق و الصبر. معاشر الناس ! آمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزل معه من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت. النور من الله في ثم في علي ثم في النسل منه إلى القائم المهدي. معاشر الناس ! سيكون من بعدي أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون وإن الله وأنا بريئان منهم إنهم وأنصارهم وأتباعهم في الدرك الأسفل من النار، و سيجعلونها ملكا واغتصابا، فعندها يفرغ لكم أيها الثقلان، ويرسل عليكما شواظ من نار، ونحاس فلا تنتصران. معاشر الناس ! عدونا كل من ذمه الله ولعنه، وولينا كل من أحبه الله ومدحه. ثم ذكر صلى الله عليه وآله الأئمة من ولده، وذكر قائمهم، وبسط يده وأوصاهم بشعائر الاسلام، ودعاهم إلى مصافقة البيعة للإمام، وقال: إن ذلك بأمر الملك العلام. معاشر الناس ! قولوا أعطيناك على ذلك عهدا من أنفسنا وميثاقا بألسنتنا و صفقة بأيدينا نؤديه إلى من رأينا وولدنا، لا نبغي بذلك بدلا وأنت شهيد علينا، و كفى بالله شهيدا. قولوا ما قلت لكم، وسلموا على علي بإمرة المؤمنين، وقولوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، فإن الله يعلم كل صوت، وخائنة كل عين، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما. قولوا ما يرضى الله عنكم، وإن تكفروا فإن الله غني عنكم.

[ 304 ]

فعند ذلك بادر الناس بقولهم: نعم سمعنا وأطعنا على ما أمر الله ورسوله بقلوبنا وكان أول من صافق النبي صلى الله عليه وآله وعليا أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير و باقي المهاجرين وباقي الناس إلى أن صلى الظهرين في وقت واحد وامتد ذلك إلى أن صلى العشائين في وقت واحد واتصل ذلك ثلاثا. وبالجملة فهذا أمر لشهرته لا يحتاج الولي إلى إثباته لمن جحد، ولا يستطيع المولي نفيه وإن جهد، وقد فهم كل من حضر ذلك المشهد السني، ما أراده النبي صلى الله عليه وآله لعلي فلا يخرجه إلى التأويل سوى الغبي الغوي. وفي رواية ابن مردويه وهو من أعيانهم إنهما لم يفترقا حتى نزلت (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) الآية فقال النبي صلى الله عليه وآله الله أكبر على كمال الدين وتمام النعمة، ورضى الرب برسالتي، والولاية لعلي بن أبي طالب وروى نزولها فيه أبو نعيم أيضا. قالوا: لو دل على الإمامة لكان إماما في حياة النبي صلى الله عليه وآله لإطلاق الخبر ولعموم ولاية النبي الأوقات، فكذا هنا. قلنا: الاطلاق لا يقتضي العموم، وقد قال تعالى (المؤمنون بعضهم أولياء بعض) وذلك في بعض الأحوال وبعض الأزمان، وقد علم كل أحد أن الخليفة لا يكون حال حياة من نصبه، بل بعد ذلك، فلم يجب تصرفه في حياته بالأمر والنهي. إن قيل: فإذا خرج عن عمومه حال الحياة، فليحرج ما بعدها إلى آخر ولاية عثمان، قلنا إنما أخرجنا من العموم حياة الموصي للعرف أما بعدها فلا رافع للعموم. إن قيل: لولا ثبوت عموم الولاية لبطل قول عمر أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة، قلنا: التهنية في الحال تقتضي ثبوت الاستحقاق في الحال لا ثبوت الأمر والنهي في الحال. وقد استأذن حسان بن ثابت في ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله أن يقول فيه فأذن له فقال:

[ 305 ]

يناديهم يوم الغدير نبيهم * بخم وأسمع بالنبي مناديا بأني مولاكم نعم ووليكم * فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا إلهك مولانا وأنت نبينا * ولن تجدن منا لك اليوم عاصيا فقال له قم يا علي فإنني * رضيتك من بعدي إماما وهاديا وقد أسند ذلك إلى حسان سبط [ ابن ] الجوزي في الخصائص والفقيه حميد في المحاسن. قالوا: ذلك لواقعة زيد بن حارثة حين قال له علي عليه السلام: تنازعني وأنا مولاك فشكى زيد ذلك إلى النبي فقال صلى الله عليه وآله: من كنت مولاه فعلي مولاه. قلنا: مات زيد قبل الغدير بسنتين كما أخرجه في جامع الأصول فلما لزمتهم بذلك الفضيحة إلى القيامة، نقلوا واقعة زيد إلى أسامة، وللقرينة الحالية من النزول في الهاجرة، وإقامة الرحال، والمقالية من الخطبة والتحريص وإثبات الولاية لنفسه أولى بمنع ذلك الاحتمال. وحكى سبط [ ابن ] الجوزي في الباب الثالث من كتاب خواص الأئمة عن كتاب سر العالمين للغزالي حين أورد الغزالي حديث الغدير وبخ بخ عمر قال: هذا رضى وتسليم، وولاية وتحكيم، وبعد ذلك غلب الهوى، وحب الرئاسة، وعقود البنود، وازدحام الجنود، فحملهم على الخلاف، فنبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمنا قليلا، فبئس ما يشترون انتهى كلامه وفيه تبصرة لذي بصيرة. على أنه لو كان المراد واقعة زيد لم يحتج علي في الشورى بخبر الغدير في جملة فضائله بل كانوا قالوا وأي فضيلة لك في ذلك ؟ وإنما هو لكذا وكذا، و لأن تهنئة عمر تبطل ذلك، ولو سلم أن السبب ذلك لكن جاز أن يعم كغيره من الآيات التي نزلت على أسباب ثم عمت. إن قيل: فإذا كان معنى (مولى) فرض الطاعة فأطلقوه على الأب والمستأجر ؟ قلنا: لا مانع منه لغة لولا أغلبية الاستعمال عرفا فإن الوالد أولى بتدبير ابنه و المستأجر أولى باستعمال أجيره.

[ 306 ]

قال الجاحظ: من كنت مولاه فعلي مولاه، ومن كنت وليه فعلي وليه شركه فيه سعد بن معاذ. قلنا: هذا خلاف الاجماع إذ لم يسغ لبشر أن يقول كل من كان الرسول أولى به فسعد أولى به. وإن أريد النصرة فلا يصح أن يقال كل من كان النبي ناصره فسعد ناصره. اعترض المخالف بمنع صحة الحديث ودعوى العلم الضروري به ممنوعة لمخالفتنا قلنا: قد شرط المرتضى في قبول الضروري عدم سبق شبهة تمنع من اعتقاده وهو حق فإن اعتقاد أحد الضدين يمنع من اعتقاد الآخر والمخالف تمكنت في قلبه الشبهة فمنعته من ذلك. قالوا: نجد الفرق بينه وبين الوقائع العظام. قلنا: يجوز التفاوت في الضروريات. قالوا: لم ينقله مسلم والبخاري والواقدي، قلنا: عدم نقلهم لا يدل على بطلانه ولو نقلت الرواة كل خبر لم يختلفوا في خبر أصلا. قالوا: لم يكن علي حاضرا يوم الغدير، بل كان في اليمن. قلنا: نقل حضوره كل من نقل الخبر ويعضده شعر حسان وبخبخة عمر. قالوا: فنحن نقلنا تواتر فضائل الشيخين. قلنا: لا يلزم من ذكر الفضيلة فيهما ليستميلهما ثبوت إمامتهما كما ذكر فضائل غيرهما. قالوا: نقلنا أخبارا في خلافتهما. قلنا: نجزم بردها لمناقضتها ما تواتر لعلي وامتناع التناقض في حديث النبي صلى الله عليه وآله. إن قالوا: ليس الحكم بثبوت نقيضكم وحذف نقيضنا أولى من العكس. قلنا: نحن وأنتم نقلنا نقيضا فما وقع فيه الخلف أولى بالحذف. قالوا: لم يكن لكم كثرة تفيد التواتر ابتداء. قلنا: لا نسلم عدمها، على أنكم شاركتمونا فيها وليس كل مقبول مشروط بالكثرة كالمحتف بالقرائن. قالوا: وليس لكم أن تسندوا صحة هذا الخبر إلى الاجماع لاعتبار الإمام فيه عندكم، فلو أثبتم الإمام فيه عندكم لزم الدور. قلنا: هو من المتلقى بالقبول

[ 307 ]

الموجب للجزم به، ونقله المخالف مع شدة معاندته، فالاجماع معتبر به فيما بعد ثبوته. قالوا: يجوز أن يعلم الإمام كذبه ويكتمه للخوف من إظهاره. قلنا: مرادنا بالاجماع إطباق الخلق عليه وقد وقع فعلمت صحته ولأنه إن كان الحق كذبه فلا خوف على الإمام في إظهاره لموافقته طبع الجمهور المنكرين له إذ كان يريحهم من التعسف في تأويله. قالوا: قلتم احتج به في المناشدة ولا نعلم صحة ذلك قلنا: علمت بالضرورة كما علم أصل الخبر. قالوا: يجوز أن لا تصل المناشدة به إلى كل الصحابة، ولو وصلت لا نكره كلهم أو بعضهم. قلنا: لا يشك في حضور المعتبرين من الصحابة يوم الشورى وإذا لم ينكره أحدهم مع طمعهم في الإمرة فبالأولى أن لا ينكره غيرهم. قالوا: قد يحصل الانكار ولم ينقل. قلنا: هو من الوقائع العظام فتتوفر الدواعي إلى نقلها لو وقعت. قالوا: يجوز منهم ترك الانكار تقية. قلنا: لا يتصور خوف الأمير من قوم قليلين، وأراهم ما خافوا عند سلبه لمنصبه، مع اطلاعهم على موجبه. قالوا: قلتم: مقدمة الخبر وهي (ألست أولى منكم بأنفسكم) تدل على الإمامة في تاليه، فنحن نمنع وصول المقدمة، قلنا: كل من نقله نقلها. قالوا: لم يذكرها علي في الشورى، قلنا: لا نسلمه، وعدم نقلها عنه لا يدل على عدمها منه، ولجواز تركها للغناء عنها. قالوا: ولو قالها فلا دلالة فيها على بناء تاليه عليها، لحسن التوكيد والاستفهام بعد، فإن من قال عند جماعة: (عبدي زيد حر) حسن الاستفهام منهم أن يقولوا وقت إشهادهم: أي عبيدك تريد ؟ وحسن منه أن يقول عبدي الذي هو زيد. قلنا: نمنع حسن الاستفهام إلا للغافل، ونمنع حسن التوكيد لامتناع فهم غير المذكور.

[ 308 ]

قالوا: لا يدل لفظة (مولى) على (أولى) لأن مفعل موضوعه لغة للحدث وأفعل موضوعة للتفضيل. قلنا: إن مفعل مع وضعها للحدث لا تنفي ؟ غيرها، وإلا لما أطلقت على باقي معاني مولى كالمعتق وغيره، وقد أجمع أهل اللغة على اشتراكها فيها، ولو وضعت مفعل للحدث لغة لا يمتنع وضعها للتفضيل عرفا. على أن المبرد والفراء وابن الأنباري وغيرهم ذكروا أنها بمعنى أفعل التفضيل. قالوا: لم يذكرها الخليل وأضرابه بمعنى أفعل التفضيل. قلنا: لا نسلم عدم ذكره، وعدم وجدانكم لا يدل على عدمه. قالوا: الأصل عدمه. قلنا: فلا يلزم من عدمه بطلان نقل غيره، لجواز التسهل في تركه، والاكتفاء بنقل غيره، أو تركه لشهرته، على أنه لو صرح بإنكاره لم يبطل لكونه شهادة على نفي فكيف مع سكوته. قالوا: من ذكره من أهل اللغة في التفسير ذكره مرسلا لم يسند إلى أصل قلنا: اكتفوا بإرساله لظهور الرواية. قالوا: لو كان (مولى) بمعنى (أولى) لصح أن يقترن بإحداهما ما يقترن بالأخرى وليس كذلك إذ لا يقال مولى من فلان كما يقال أولى منه. قلنا: لا نسلم أن كل لفظة ترادف الأخرى، يصح أن يقترن بها ما يقترن بالأخرى، فإن صحة الاقتران من عوارض الألفاظ لا من لوازمها، فإن الأوتاد والجبال مترادفة ويقال ضربت الوتد وسرت في الجبل دون العكس فيهما. قالوا: أهل اللغة قسمان قسم حملها على معنى القرب كما يقال فلان يلي كذا أي قريب منه، وقسم حملها على جميع معانيها فمن قال بحملها على معنى واحد منها، وهو ولاية النصرة خرق الاجماع. قلنا: لا نسلم الحصر في القسمين، فإن منهم من جعلها للقدر المشترك، على أنا لا نسلم إجماع القسمين على ذلك، ومعنى القرب غير مراد هنا وإلا كسر لام

[ 309 ]

المولى، على أنه وإن احتمله، فما حملناه عليه وهو الإمارة أكثر فائدة ترجح قالوا: إن دلت مقدمته على أولوية التصرف، دلت مؤخرته على النصرة في قوله صلى الله عليه وآله: (وانصر من نصره). قلنا: لا يتبادر إلى الذهن إلا ولاية التصرف فإنه غير لائق إلا بسلطان له أولياء وأعداء وخذال وأنصار. قالوا: قد كان الغدير بعد عام الفتح فأراد النبي صلى الله عليه وآله أن يبين به لمن هو قريب الاسلام عظم منزلة علي، ليذهب ما في نفوسهم من الحقد له، لقتله أقاربهم. قلنا: لم يشك أحد من المسلمين وغيرهم في عظم منزلته من رسوله، لقيام الدين بسيفه دون غيره، فلم يحسن من النبي صلى الله عليه وآله مع شدة الحر، تعريف ما يعترف كل أحد به. قالوا: إمامته عندكم ثابتة بالنص الجلي فلا فائدة بعده بالنص الخفي. قلنا: لم يكن النص الجلي بمثل هذا الجمع العظيم، فقصد النبي صلى الله عليه وآله شهرته لقرب وفاته منه، فصار إظهاره مضيقا عليه، لمسيس الحاجة إليه. قالوا: في القرآن لفظة أولى لغير الولاية (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه (1)) وفي العرف التلامذة أولى بالأستاذ، والرعية أولى بالسلطان. قلنا: ذلك لا ينافي ما قلناه إذ معناه الذين اتبعوا إبراهيم أولى بالتصرف في خدمته دون غيرهم، وكذا الآخران. وبالجملة فاللفظة لا تحتمل غير ما فهم منها الحاضرون، ولو تركت هذه الاعتراضات، وخلي العاقل عن النظر فيها، لم يفهم سوى ما ذكرناه، والماء الصافي إذا خضخض في منبعه تكدر، وإذا ترك صفا، فكذا في هذه ونحوها وبالله العصمة من ذلك، وهذه الوجوه وإن تكررت ألفاظها فإنما هي للاستيناس بها. إذا شعرت بهذا الباب، فلنورد فيه شيئا مما شعرت أولوا الألباب فقال علي عليه السلام:


(1) آل عمران: 68.

[ 310 ]

أنا البطل الذي لن تنكروه * ليوم كريهة أو يوم سلم وأوجب لي ولايته عليكم * رسول الله يوم غدير خم وقال كميت: ويوم الدوح دوح غدير خم * أبان له الولاية لو أطيعا ولكن الرجال تبايعوها * فكم لك مثلها خطبا منيعا ولم أر مثل ذاك اليوم يوما * ولم أر مثله حقا أضيعا وروي أن ابن الكميت رأى النبي صلى الله عليه وآله في المنام فقال أنشدني قصيده أبيك ! فلما وصل إلى هذا بكى بكاء شديدا وقال صلى الله عليه وآله: صدق أبوك رحمه الله، إي والله لم أر مثله حقا أضيعا. وقال عمرو بن العاص: وضربته كبيعته بخم * معاقدها من الناس الرقاب هو النبأ العظيم وفلك نوح * وباب الله وانقطع الخطاب وقال الزاهي: من قال أحمد في يوم الغدير له * بالنقل عن خبر بالصدق مأثور قم يا علي فكن بعدي لهم علما * واسعد بمنقلب في البعث محبور مولاهم أنت والموفي بأمرهم * نصا بوحي على الأفهام مسطور وذاك أن إله الحق قال له * بلغ وكن عند أمري خير مأمور فإن عصيت ولم تفعل فإنك ما * بلغت أمري ولم تصدع بتذكير وقال الصاحب: وقالوا: عليا علا قلت لا * فإن العلى بعلي علا وما قلت فيه بقول الغلا * ة ولا كنت أحسبه مرسلا ولكن أقول بقول النبي * وقد جمع الخلق كل الملا ألا إن من كنت مولى له * يوالي عليا وإلا فلا

[ 311 ]

وقال أبو الفرج: تجلى الهدى يوم الغدير عن الشبه * وبرز إبريز البيان عن الشبه وأكمل رب العرش للناس دينهم * كما نزل القرآن فيه فأعربه وقام رسول الله في الجمع جاذبا * بضبع علي ذي التعالي على الشبه وقال ألا من كنت مولى لنفسه * فهذا له مولى فيا لك منقبه وقال الملك الصالح: ويوم خم وقد قال النبي له * بين الحضور وشالت عضده يده من كنت مولى له هذا يكون له * مولى أتاني به أمر يؤكده من كان يخذله فالله يخذله * أو كان يعضده فالله يعضده وقال الجوهري: أما أخذت عليكم إذ نزلت بكم * غدير خم عقودا بعد أيمان وقد جذبت بضبعي خير من وطئ * البطحاء من مضر العليا وعدنان وقلت والله يأبى أن أقصر أو * أعفي الرسالة من شرح وتبيان هذا علي لمولى من بعثت له * مولى وطابق سري فيه إعلاني هذا بن عمي ووالي منبري وأخي * ووارثي دون أصحابي وإخواني محل هذا إذا قايست من بدني * محل هارون من موسى بن عمران وقال السيد الحميري: وقال في الناس النبي الذي * كان بما قيل له يصدع فقام مأمورا وفي كفه * كف علي لهم تلمع رافعها للناس أكرم بها * كفا وبالكف التي ترفع من كنت مولاه فهذا له * مولى فلم يرضوا ولم يقنعوا وذكر ذلك في إحدى وعشرين موضعا من شعره ومنها: قد قال يوم الدوح خير الورى * بوجهه للناس مستقبل من كنت مولاه فهذا له * مولى فلم يرضوا ولم يقبلوا

[ 312 ]

لكن تواصوا لعلي الهدى * أن لا يوالوه وأن يخذلوا وقال العوني: حتى لقد قال ابن خطاب له * لما تنوص (1) من هناك وقاما أصبحت مولاي ومولى كل من * صلى لرب العالمين وصاما وقال أبو تمام: ويوم الغدير استوضح الحق أهله * بفيحاء ما فيها حجاب ولا ستر أقام رسول الله يدعوهم بها * ليقريهم عرف وينهاهم نكر يمد بضبعيه ويعلم أنه * ولي ومولاكم فهل لكم خبر وقال أبو نواس (2): قام النبي بها يوم الغدير لهم * والله يشهد والأملاك والأمم حتى إذا أنكر الشيخان صاحبها * باتت تنازعها الذئبان والرخم وصيرت بينهم شورى كأنهم * لا يعلمون ولاة الأمر أين هم تالله ما جهل الأقوام موضعها * لكنهم ستروا وجه الذي علموا وقال محسن بن داود: فيما نظرت إلى كلام محمد * يوم الغدير وقد أقيم المحمل من كنت مولاه فهذا حيدر * مولاه لا يرتاب فيه محصل نص النبي عليه نصا ظاهرا * بخلافة غراء لا تتأول وقال غيره: وسماه مولى بإقرار من * لو اتبع الحق لم يجحد فملتم بها حسد الفضل منه * ومن يك مولى الورى يحسد فهذه نبذة من أقوال العلماء والشعراء، وكل خبير نحرير غني عن تطويل


(1) أي شمخ برأسه وتنحى، ويحتمل أن يكون (تقوض) من تقوض الصفوف بمعنى تفرقت. (2) أبو فراس، خ.

[ 313 ]

وتحرير، فلورود ذلك على مرور الأزمان في علي لا يمكن جحده العدو الغوي ويؤكد إيمان الولي الوفي. وبالجملة لو أمكن إنكار هذا الحديث، لم يعلم صحة كل حديث، وقد روى أن يوم الغدير شهد فيه لعلي ستون ألفا وقيل ستة وثمانون ألفا من الأمصار والقبائل المتفرقات، وإذا بلغ الخبر دون هذا انتظم في سلك المتواترات، فالمرتاب فيه ممن طبع على فؤاده، جزاء لانحرافه عن الحق وعناده. وقد ذكر الرازي والقزويني والنيشابوري والطبرسي والطوسي وأبو نعيم أنه لما شاع ذلك في البلاد، أتى الحارث إلى النبي صلى الله عليه وآله وقال: يا رسول الله هذا شئ منك أم من الله ؟ فقال صلى الله عليه وآله: والله إنه من أمر الله تعالى فولى يريد راحلته، فقال حينئذ: اللهم إن كان ما يقول محمد حقا فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فرماه الله تعالى بحجر على هامته فخرج من دبره فقتله، فأنزل الله تعالى حينئذ: (سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع (1)). وروى معاوية بن عمار عن الصادق عليه السلام أن رجلا قال: إنما هو شئ يتقوله فأنزل الله تعالى: (ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين) (2). وفي الحديث أنه لما نص على علي بالإمامة في ابتداء الأمر، جاءه قوم من قريش وقالوا: يا رسول الله الناس قريبوا عهد بالاسلام، ولا يرضوا أن تكون النبوة فيك، والإمامة في علي ابن عمك، فقال صلى الله عليه وآله: ما فعلته برأيي فأتخير فيه، ولكن الله أمرني به وفرضه علي، قالوا: فأشرك معه رجلا من قريش لئلا تخالف الناس عليك، فنزلت: (لئن أشركت ليحبطن عملك، ولتكونن من الخاسرين (3)). ونحوه خبر آخر عن الصادق عليه السلام.


(1) المعارج: 2. (2) الحاقة: 46. (3) الزمر: 65.

[ 314 ]

وعن أبي الحسن الماضي عليه السلام وعن الباقر عليه السلام أن ابن هند قام وتمطى وخرج مغضبا، وقال: والله لا نصدق محمدا على مقالته، ولا نقر لعلي بولايته فهم النبي صلى الله عليه وآله بقتله فقال له جبرائيل عليه السلام: (لا تحرك به لسانك لتعجل به (1)) وأنزل الله: (وقال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله (2)) يعنون: اجعل لنا أئمة دون علي فهذا كله حسدا منهم لعلي الأطهر، وما تخفي صدورهم أكبر. وقد روى أبان بن تغلب أن الصادق عليه السلام قال: إن أبا بكر وعمر هزا رأسهما وقالا: لا نسلم له أبدا فسمعهما رجل فأعلم النبي صلى الله عليه وآله بذلك، فأحضرهما فأنكرا قولهما، فنزلت قوله تعالى (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر - إلى قوله - فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما (3)) قال الصادق عليه السلام: والله توليا وماتا وما تابا. وروي عن الباقر عليه السلام نحو ذلك. ومن هذا وغيره استحقا العذاب واللعن في الدنيا والآخرة، كما قال و فعل الحارث الفهري وقد أسلفناه. وفي المقنع أن سالما مولى أبي حذيفة، وأبا عبيدة لما رأيا النبي صلى الله عليه وآله رافعه قال بعضهم: انظروا إلى عينيه تدوران كأنهما عينا مجنون، فنزلت (وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون وما هو إلا ذكر للعالمين (4). تذنيب: إن قيل: إن الإمامة إن كانت ركنا في الدين، فقد أخل لله ورسوله بها


(1) القيامة: 16. (2) يونس: 15. (3) براءة: 75. (4) القلم: 52.

[ 315 ]

قبل يوم الغدير، إذ فيه أنزل: (اليوم أكملت لكم دينكم (1)) ولزم أن من مات قبل ذلك، لم يكن مؤمنا لفوات ركن من إيمانه، وفيه تأخير البيان عن [ وقت ] الحاجة، وإن لم تكن ركنا لم يضر تركها. قلنا: هي ركن من بعد موت النبي صلى الله عليه وآله لقيامه مقامه، فلا تأخير عن الحاجة ولا شك أن دين النبي صلى الله عليه وآله إنما تكمل تدريجا بحسب الحوادث، أو أنه كمل قبل فرض التكليف، والميتون قبل الغدير كمل الدين لهم بالنبي صلى الله عليه وآله، والخطاب للحاضرين، وليس فيه تكميل الدين لغيرهم. على أن النبي صلى الله عليه وآله نص على علي في مواضع شتى في مبدأ الأمر، وسيأتي شئ منها في آخر هذا الباب. تذنيب آخر: قد سلف [ أن ] لفظة مولى مرادفة للأولى، لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: ألست أولى، ثم قال: فمن كنت مولاه فعلي له مولى، وقال الله تعالى: (النار مولاكم) (2) وذكر ذلك أبو عبيدة وابن قتيبة ولبيد في قوله: (مولى المخافة خلفها وأمامها (3)) والأخطل في قوله) فأصبحت مولاها من الناس كلهم) (4) وذكر ذلك القول في كتاب معاني القرآن وابن الأنباري في كتاب مشكل القرآن. وقد روي أن ابن مسعود قرأ: (إنما مولاكم الله ورسوله) (5) وقد فهم كل من حضر أن المراد بالمولى الإمامة، ولو أراد غيرها لما أقرهم النبي صلى الله عليه وآله عليها إذ نوهوا في أشعارهم بها، وكذا القيام في ذلك الحر الشديد، والتهنئة والبخبخة وقد استعفى النبي صلى الله عليه وآله ثلاثا فلم يعفه، وخاف أن يقتله الناس، فبشره بالعصمة منهم.


(1) المائدة: 3. (2) يريد قوله تعالى: (مأواكم النار هي مولاكم) في سورة الحديد: 15. (3) أوله: فغدت كلا الفرجين تحسب أنه. (4) وبعده: واحرى قريش أن تهاب وتحمدا. (5) يريد قوله تعالى: إنما وليكم الله ورسوله في المائدة: 58.

[ 316 ]

سؤال: كيف يستعفي وهو لا ينطق عن الهوى، فكأن الله أمره بشئ و أمره بالاستعفاء منه. جواب: لا محال في ذلك، وتكون الفائدة فهم الحاضرين شدة التأكيد من الرب المجيد، ليعلمهم أنه لا بدل له ولا عنه محيد، ويماثله ما فعله النبي صلى الله عليه وآله من إرساله لأبي بكر بسورة براءة وذلك بأمر الله لعموم الآية ثم أمره الله بعزله لينبه به على عدم صلاحه، ولو لم يبعثه أولا لم يكن فيه من التأكيد، ما كان في بعثه وعزله، وأما لفظ (ألست) فهي للتقرير والايجاب، منه: ألستم خير من ركب المطايا * وأندى العالمين بطون راح وفي يوم الغدير نصب موسى يوشع وعيسى شمعون وسليمان آصف فأمر الله تعالى محمدا صلى الله عليه وآله أن ينصب فيه عليا وهذا يسقط كل ما يهولون به من أنه أراد غير معنى الإمامة. تذنيب آخر: قال الجوزي لأبي هارون الخارجي أمروا - الناس - بخمسة فعملوا بأربع: الصلاة، والزكاة، والحج، والصيام، وتركوا الخامسة وهي الولاية لعلي قال الخارجي وإنها لمفترضة ؟ قال: نعم، قال الخارجي: فقد كفر الناس إذا قال فما ذنبي أنا ؟ ومنها قوله صلى الله عليه وآله حين خرج إلى تبوك فقال المنافقون: إنما خلفه استثقالا به، فلحقه فأخبره فقال صلى الله عليه وآله: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، ولا يرتاب عاقل أن منزلة هارون من موسى أعظم من غيره من أصحابه، فكذا علي من النبي صلى الله عليه وآله فهو أولى بالإمامة من غيره. وقد أخرج صاحب جامع الأصول في صحيح النسائي عن علي عليه السلام (كان لي من النبي صلى الله عليه وآله منزلة لم تكن لأحد) ولو عرف النبي صلى الله عليه وآله مسد غيره عنه مما عساه يعرض من أعدائه في المدينة، لاستخلف غيره، ولو عرف مسد غيره في غزواته، لاستخلفه دائما ولو علم في تبوك حربا لم يتركه.

[ 317 ]

قيل لابن الجوزي: هل جرى في تبوك قتال ؟ فقال: فقدت الحرب الشجاع فمن يقاتل ؟ فلما استخلفه في آخر مرة ولم يعزله عمت خلافته الأيام والأنام، وهذا أقوى من استدلالهم على خلافة أبي بكر بصلاته لو ثبتت. قالوا: إنما كان قول النبي صلى الله عليه وآله ذلك فيه تسلية له، فلا يدل على خلافته قلنا: لا، بل ذلك دال على فضيلته، فلا وجه لتخصيصه بتسليته، ولئن سلم فهو دليل على عظم شفقته، لكبر منزلته الموجبة لاستحقاق إمامته، وأنتم جعلتم قول النبي صلى الله عليه وآله لأبي بكر: لا تحزن، دليلا على كبر منزلته. قالوا: استخلف على المدينة ابن أم مكتوم أحد عشر مرة وهو لا يصلح للإمامة لكف بصره، قلنا كفى بعلي شرفا توليته وعزل غيره، ولولا أن الله أراد لعلي إبراز فضيلته، لم يذكر الناصب عزل غيره في حجته. وإذا أراد الله نشر فضيلة * طويت أتاح لها لسان حسود قالوا: هارون مات قبل موسى، فلم يكن له إمامة بعده، فكذا علي بعد النبي صلى الله عليه وآله. قلنا: دلالته على أفضلية علي عليه السلام توجب الخلافة له بعد النبي صلى الله عليه وآله ولو عاش هارون لكان خليفة له إذ لو عزله لكان لانحطاط منزلته ولا موجب لها. ولا يلزم من نفي خلافة هارون لمانع الموت نفي خلافة المشبه به، فإن قال أحد لوكيله (أعط زيدا كذا إذا حضرك وأنزل عمرا منزلته) فإذا لم يأت زيد لم يمنع عمرو، وقد عاش علي بعد النبي صلى الله عليه وآله فهو خليفة له. وقول النبي صلى الله عليه وآله: لا نبي بعدي دال على أنه يفارق هارون في هذه الخصلة وإلا لخلا الاستثناء عن الفائدة. قالوا: أخوة موسى لهارون بالقرابة، وليست أخوة النبي صلى الله عليه وآله لعلي بالقرابة فكيف يشبه به، قلنا: لا شك أنه من المجاز لأجل المشاكلة، وهو مشهور قال تعالى: (وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها (1)) والمقصود


(1) الزخرف: 48.

[ 318 ]

المشاكلة في الأوصاف المستحسنة فإن قولهم زيد كالأسد يقتضي المناسبة في أعلى الرتب، لا أن يكون له ناب وذنب. قالوا: لم يحصل من خلافة هارون إلا الفتنة العظيمة بعبادة العجل، ومثله في خلافة علي حيث قامت الفتن بقتال الفرق الثلاث، حتى وهن الاسلام، وطعنت الأعداء فيه بمسئ الكلام، فلم لا يكون التشبيه لهذه الوصمة الواقعة في الأنام. قلنا: ليس وقوع الفتنة عند خلافة هارون بسبب هارون، وإن كانت عندها وقد أضاف الله في الوحي الإلهي زيادة الرجس إلى السورة، والنفور إلى النبي صلى الله عليه وآله وإنما حصلت بالسامري وقد قال هارون (إنما فتنتم به (1)). ولو كان ذلك هو المراد لم يكن في قول النبي صلى الله عليه وآله تسلية لعلي لأنه حينئذ إعلام له بأنه سبب المحنة، وموجب الفتنة. وأي رذيلة في قتال الفرق الثلاث، وقد بشره النبي صلى الله عليه وآله بها، ومدحه عليها، فقد نقل الفراء في كتابه شرح السنة مسندا إلى الخدري قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله، فقال أبو بكر: أنا ؟ قال: لا، قال عمر: أنا. قال: لا، ولكن خاصف النعل وكان علي عليه السلام يخصف نعل النبي صلى الله عليه وآله. وأخرج البخاري قول النبي صلى الله عليه وآله: طوبى لمن قتلهم وقتلوه، وأخرج صاحب الوسيلة في المجلد الخامس دخول علي على النبي صلى الله عليه وآله في منزل أم سلمة وقوله لها: هذا علي أخي، لحمه من لحمي، ودمه من دمي، وعيبة علمي ومحيي سنتي يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين بعدي، اسمعي يا أم سلمة واشهدي لو أن رجلا عبد الله ألف عام ثم لقيه وهو يبغض عليا وعترته [ أ ] كبه الله على أم رأسه في النار. ونقل خطيب دمشق الشافعي عن الشافعي: أخذ المسلمون قتال المشركين


(1) طه: 90.

[ 319 ]

من النبي صلى، الله عليه وآله وقتال البغاة من علي عليه السلام. وأخرج أيضا قتاله الفرق الثلاث صاحب شرح السنة مسندا إلى ابن مسعود إلى النبي صلى الله عليه وآله وأخرجه نظام الدين الشافعي في شرح الطوالع، وابن حنبل في مسنده. فقد بان لك أن قتاله لهم حسنة وأنه تمهيد للدين في زمان ولايته، كما كان في ابتدائه، وكل من أخرج الحديث أخرجه في فضائله والمعاند الشقي يقول: إن الدين وهن بتوليته، فما أحسن قول بعضهم: إذا محاسني اللاتي أمن بها * صارت ذنوبا فقل لي كيف أعتذر على أنا نرجع ونقول: النبي صلى الله عليه وآله ذكر حديث المنزلة في عدة مواطن آخرها ما أكده له في خروجه إلى تبوك، وذكره ابن حنبل في مسنده عن الخدري وعن سعد بن أبي وقاص بطريقين. وذكره عبد الله بن أحمد بن حنبل بطرق آخر والحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الثامن من المتفق عليه من طرق عدة، والبخاري في الربع الأخير من الجزء الرابع من صحيحه، وفي الجزء الخامس أيضا في الكراس السادس ومسلم في صحيحه في أول الجزء الرابع، وعلى حد كراسين في آخره منه. ومجاهد في تفسيره والنطنزي في خصائصه والخطيب في تاريخه، والعكبري في فضائله وابن التلاج وابن المغازلي وعلي بن الجعد والتنوخي - حتى أن التنوخي وأحمد بن سعيد صنفا كتابين في طرقه - وابن عبد ربه في عقده والجوزي في تحقيقه وفي الجزء الثالث من أجزاء ثلاثة من الجمع بين الصحاح الستة وفي صحيح أبي داود والترمذي وذكر ابن حنبل أيضا أنه قال له ذلك يوم إيخائه له. فهذه أخبار أئمة القوم واضحة، وأعلام الحق اليقين عليها لائحة، وهي لفساد اعتقادهم فاضحة، ورواه من الصحابة والقرابة نحو من ستة وعشرين ذكرهم التنوخي في كتابه وأسانيده وابن قرطة في مراصد عرفانه.

[ 320 ]

قالوا: لفظة (بمنزلة) تقتضي واحدة فلا تعم إذ لو أراد أكثر لقال منازل. قلنا: الاستثناء معيار العموم إلا الشركة في النبوة والأخوة من الأبوين، وبقيت الخلافة، وفرض الطاعة، وشد الأزر. ولأن الأمة بين قائلين فمنهم من قال: أراد جميع المنازل، ومنهم من قال: خرج على سبب، فلا يعم. قلنا: قد صح في الأصول أن السبب لا يخص، على أن المسبب المذكور غير معلوم بالتواتر، فلا يقصر الخبر المتواتر في عدة مواضع عن سبب مظنون فذهب ما يهولون به من أن خلافته تختص بالمدينة فإنه متى كان إماما على البعض كان إماما على الكل إذ لا قائل بجمع إمامين. تذنيب: قيل: ابن أم مكتوم (1) كان يصلي بالناس، فلا عموم لخلافة علي على المدينة فضلا عن غيرها. قلنا: إنما أراد الله أن يفضح المخلفين عن النبي صلى الله عليه وآله بجعل الأعمى الذي لا يتحرز من النجاسات وغيرها إماما لهم، ونزه عليا عن كونه إماما لهؤلاء الصم البكم الذين لا يعقلون، فلا يظن بذلك في إمامته إلا الملحدون. إن قيل: استثناء النبوة، يتبعه استثناء الخلافة، لأن هارون إنما كان خليفة لكونه نبيا، فإذا خرجت النبوة خرج ما يقتضيه وهو الخلافة. قلنا: لا نسلم التبعية، ولهذا لو صرح النبي صلى الله عليه وآله بقوله: أنت مني بمنزلة هارون من موسى في خلافته إلا أنك لست بنبي) لم يكن مناقضا، ولو خرجت الخلافة من النبوة كان مناقضا. إن قيل: إنه شبه خلافة علي بخلافة هارون، ولم تحصل الخلافة لهارون بعد الموت، فالتشبيه بها دليل نفيها. قلنا: لا ملازمة لحصول مانع الموت في الأولى دون الثانية، فإن من أوصى إلى غيره حصل له في حياته استحقاق تصرفه بعد وفاته.


(1) ابن أم كلثوم خ.

[ 321 ]

إن قيل: القيام بأمر أمة موسى كان واجبا على هارون، من حيث الشركة في النبوة، وقوله (اخلفني) (1) توكيد لذلك، لا أنه خليفة حقيقة. قلنا: لا خلاف بين الأمة أنه كان خليفة، وظاهر [ لفظ ] (اخلفني) ينافي أنه ليس خليفة حقيقة، إذ لا يقال للشخص (اخلفني في مصالحك). إن قيل: فلعل لفظ (اخلفني) حكاية من الله عن موسى، لا نفس كلام موسى، فلا يدل ظاهره على الخلافة. قلنا: لو كان كذلك لم يفهم بحكايته عن موسى شيئا، إذ يجوز طلبه وزارته وشركته، حكاية عن الفضلاء تقتضي ذلك. على أنا نقول وإن كان شريك موسى في النبوة، جاز اختصاص موسى بإقامة الحدود وغيرها، فليكن استخلافه لها. إن قيل: فقوله (اخلفني) أمر لا يقتضي التكرار قلنا: المراد بيان أهلية هارون للخلافة واستحقاقه لها، وهو حاصل بذلك. إن قيل: قوله (لا نبي بعدي) معناه لا نبي بعد نبوتي، وهارون لم يكن له منزلة النبوة بعد موت موسى، فكأن النبي استثنى ما ثبت من منزلة هارون و هو النبوة حال حياة موسى، فيكون لعلي الخلافة حال حياة النبي خاصة. قلنا: بل لفظة (بعدي) حقيقة فيما بعد الوفاة، فإن من قال لغيره (أنت وصيي تتصدق على الفقراء بعدي) فهم منه بعد الوفاة، ولم يقصد النبي صلى الله عليه وآله منزلة هارون من موسى في زمانها بل التشبيه بين المنزلتين لا بين أوقاتهما، فكأنه قال أنت مني بمنزلة هارون من موسى بعدي إلا أنه لا نبي بعدي واستغنى بالبعدية الثانية عن الأولى، وهذا من أفصح الكلام ولو صرح بقوله (بعد وفاتي) أو (في حياتي وبعد وفاتي) لم يكن خارجا عن الاستقامة. إن قيل: الخبر دال على نفي خلافة علي لأنه شبهه بمن لا خلافة له. قلنا: لا يصح التشبيه بالمسلوب، إذ لا يحسن أن يقال: فلان مني بمنزلة فلان في كونه


(1) الأعراف: 141.

[ 322 ]

ليس أخي ولا وكيلي، على أن ذلك أورده أئمة القوم في فضائله، فلو أراد نفي الخلافة، تنافى الأمران. إن قيل: فهارون لو بقي بعد موسى لم يتجدد له منزلة لم يكن حال حياة موسى، فكذا علي لم يتجدد له منزلة بعد النبي لم تكن حال حياة النبي صلى الله عليه وآله وقد علمنا أنه لم يكن إماما في حياة النبي فكذا بعده. قلنا: لا يمتنع أن يكون إماما حال حياة، وإن لم نسمه بها لعدم تصرفه على أنه يجوز خلافة علي بإحدى شقي خلافة هارون وهو ما بعد الوفاة. لمانع هو الحياة، فإن من قال لغيره: (أنت مني بمنزلة وكيلي) يقتضي كونه بمنزلته في المستقبل دون الماضي. قالوا: لو أراد الإمامة لقال: بمنزلة يوشع. قلنا: اقتراح الأدلة فاسد، إذ يلزم أن يقال لكل من استدل بأمر هلا استدللت بغيره، فالدليل على هارون كاف عن يوشع بن نون، وخلافة يوشع لا تعلم صحتها لأنها من نقل اليهود وقد قيل إنه كان نبيا، وكانت الخلافة في أولاد هارون ولأن النبي أراد أن يثبت لعلي جميع منازل هارون من الاستخلاف حال الحياة وبعد الوفاة. على أن النبي صلى الله عليه وآله إنما ذكر هارون لورود القرآن به المزيل للشبهة فيه بخلاف يوشع إذ ليس ذلك حاصلا ليوشع بن نون. على أن ابن جبر في نخبه وعلي بن مجاهد في تاريخ أسند إلى النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لعلي عليه السلام عند وفاته: أنت مني بمنزلة يوشع من موسى. قال الجاحظ: لا يجوز أن يستثني ما لا يملكه وهو النبوة مما يملكه وهو الخلافة. قلنا: بلى ولأنه لا يملك الخلافة بل هي من الله أيضا وإنما استثنى النبوة لئلا يتوهم الشركة فيها كهارون. قالوا: الخبر يوجب إمامته في حال حياة النبي، قلنا: الظاهر ذلك لولا الاجماع، فيبقى على مقتضاه بعد وفاته صلى الله عليه وآله. قالوا: فيحمل على ما بعد عثمان. قلنا: لم يقل به أحد لأن المخالف أثبتها

[ 323 ]

له بعد عثمان بالبيعة، والمؤالف بالنص من الله ورسوله، وهي له بعد النبي صلى الله عليه وآله بلا فصل. قالوا: فرجوع النبي إلى المدينة يقتضي عزله. قلت: ليس الرجوع عزلا عادة كيف ذلك وقد يجتمع الخليفة والمستخلف في البلد الواحد، ولأن الحضور لم يكن عزلا إلا مع شرطه، ولم ينقل أحد أن النبي شرط ذلك لعلي. تذنيب: لما بغض عبدة العجل هارون ومن معه، سموهم رافضة، فأجري ذلك الاسم على شيعة علي عليه السلام لمناسبته لهارون وشيعته، وهموا بقتل هارون، فكذلك العمران واطئا خالدا على قتل علي فبعثت أسماء بنت عميس زوجة أبي بكر خادمتها تقول له: إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك، فقال عليه السلام: رحمها الله ومن يقتل الطوائف الثلاث قبل ذلك، فندم أبو بكر وأطال الجلوس، ثم نهاه فرأى علي السيف مع خالد، فقال له: أو كنت فاعلا ؟ قال خالد: إي والله، قال علي عليه السلام: كذبت أنت أجبن خلقه، لست من ذلك، أما والله لولا سبق به القضاء لعلمت أي الفريقين شر مكانا وأضعف جندا. ثم قال عليه السلام أفبعد قول النبي: (من كنت مولاه فعلي مولاه - أنت مني بمنزلة هارون من موسى) ؟ قال: نعم. فقبض على صدره فرغا كالبكر (1) وانساغ في المسجد ببوله. فاجتمع الناس ليخلصوه فقال الأول: والله لو تمالأ عليه أهل الأرض لما استنقذوه، ولكن نادوه بحق صاحب هذا القبر، ففعلوا فخلى عنه وقال عليه السلام: لو عزمت على ما هممت به لشققتك شقين. روى ذلك الحسن بن صالح، ووكيع، وعباد عن أبي المقدام عن إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: سفيان وابن جبير ووكيع وكان ذلك سيئة


(1) أي ضج وصاح.

[ 324 ]

لم تتم وأسند نحو ذلك العرفي إلى الصادق عليه السلام. وأسند العرفي إلى خالد بن عبد الله القسري قال على المنبر: لو كان في أبي تراب خيرا ما أمر أبو بكر بقتله، وهذا يدل على كون الخبر مستفيضا، ولولا وصية النبي صلى الله عليه وآله لكان علي بالقبض على رؤوس أعدائه، وضرب بعضها في بعض حتى ينشر دماغها مليا. [ وفي رواية أبي ذر أنه عصر حلقه بين الوسطى والسبابة حتى صاح صيحة منكرة ] وفي رواية البلاذري شاله بهما، وضرب به الأرض فدق عصعصه، فأحدث مكانه، وبقي يقول: هما والله أمراني، فقال عبد اللات لزفر: هذه مشورتك المنكوسة قال ابن حماد في ذلك: تأمل بعقلك ما أزمعوا * وهموا عليه بأن يفعلوه بهذا فسل خالدا عنهم * على أي ما خطة وافقوه وقال الذي قال قبل السلام * حديثا رووه فلم ينكروه حديثا رواه ثقاة الحديث * فما ضعفوه وما عللوه أتى ابن معوية في الصحيح * وركى الرواة الذي أسندوه هذا، وقد أسلفنا نصوصا في الباب الثامن فيما جاء في تعيينه من كلام ربه عند قوله تعالى (إني جاعلك للناس إماما (1)) وغيره. نكتة: اتصاف علي عليه السلام بهذه المنازل، ليس سلبيا ولا نقيض الاتصاف، فهو ثبوتي فمحله ليس غير علي برواية الفريقين، فقد بان الحق من المين، لكل ذي قلب وعين، وفي ذلك قال علي بن الحسين، وقد سمع من يقدم الشيخين: فمن شرف الأقوام يوما برأيه * فإن عليا شرفته المناقب وقول رسول الله والحق قوله * وإن رغمت منه أنوف كواذب


(1) البقرة: 124.

[ 325 ]

بأنك مني يا علي معالنا * كهارون من موسى أخ لي وصاحب وقال الحماني: وأنزله منه على رغمة العدى * كهارون من موسى على قدم الدهر فمن كان من أصحاب موسى وقومه * كهارون لا زلتم على طلل الكفر وقال منصور: رضيت حكمك لا أبغي به بدلا * لأن حكمك بالتوفيق مقرون آل الرسول خيار الناس كلهم * وخير آل رسول الله هارون ومنها قوله صلى الله عليه وآله يوم الدار: (أنت أخي ووصيي وخليفتي) لما نزلت (وأنذر عشيرتك الأقربين (1)) فجمع النبي صلى الله عليه وآله منهم أربعين رجلا وقال: قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، من يوازرني ؟ قال ذلك ثلاثا وعلي يقوم في كل مرة ويقول: أ ؟ ا ذكر ذلك الفراء في معالمه وهو بهذا الفن أعلم الصحابة، و الثعلبي بإسناده في تفسيره، وغيره من طرق كثيرة. وقد ذكر ابن حنبل في مسنده قول النبي صلى الله عليه وآله لسلمان: وصيي ووارثي علي بن أبي طالب، وأسنده إلى ابن عباس أيضا وإلى علي عليه السلام أيضا وذكره ابن إسحاق في كتابه وأبو رافع والشيرازي والخركوشي ورواه الطبري في موضعين من تاريخه والجرجاني في صفوته وابن جبر في نخبه. وفي مناقب ابن المغازلي: لما انقض الكوكب في دار علي قال النبي صلى الله عليه وآله من انقض في داره فهو الوصي بعدي، قالوا: غوي في حب علي، فنزلت (والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى) (2). وفي مجمع البيان للإمام الطبرسي أخبر السيد أبو الحمد عن الحاكم الحسكاني عن جماعة تاسعهم الضحاك ابن مزاحم أنه لما رأت قريش تقديم النبي عليا قالوا: فتن به، فنزلت (فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون (3)).


(1) الشعراء: 214. (2) النجم: 1 و 2. (3) القلم: 6. (*)

[ 326 ]

وقال البخاري ذكروا عند عائشة أن عليا كان وصيا، وقال صاحب الوسيلة عن بريدة لكل نبي وصي ووارث، وعلي وصيي ووارثي، وذكر في الوصية أيضا أن الوصية من خصائص علي. وفيها أيضا: اختارني نبيا واختار عليا وصيا، وفيها عن أنس قال النبي صلى الله عليه وآله: إن خليلي، ووزيري، وخليفتي في أهلي، وخير من أترك بعدي، ينجز موعدي، ويقضي ديني، علي بن أبي طالب. قال الحميري: وقيل له أنذر عشيرتك الأولى * وهم من شباب أربعين وشيب فقال لهم إني رسول إليكم * ولست أراني عندكم بكذوب وقد جئتكم من عند رب مهيمن * جزيل العطايا للجزيل وهوب فأيكم يقفي مقالي وأمسكوا * فقال ألا من ناطق مجيب ففاز بها منهم علي وسادهم * وما ذاك من عاداته بغريب وقال أيضا: ويوم قال لهم جبريل قد علموا * أنذر عشيرتك الأدنين إن نذروا فقام يدعوهم من دون أمته * فما تخلف عنه منهم بشر ومنهم آكل في مجلس جذعا * وشارب ملء عس وهو محتقر فصدهم عن نواحي قصعة شبع * فيها من الحب صاع فوقه الوذر فقال يا قوم إن الله أرسلني * إليكم فأجيبوا الله وادكروا فأيكم يجتبي قولي ويؤمن بي * أني نبي رسول فانبرى عذروا فقال تبا أتدعونا لتلفتنا * عن ديننا ثم ثاب القوم واشتمروا من ذا الذي قال منهم وهو أحدثهم * سنا وخيرهم في الذكر إن سطروا آمنت أنك قد أعطيت نافلة * لم يعطها أحد جن ولا بشر وإن ما قلتها حق وإنهم * إن لم يجيبوا فقد خابوا وقد خسروا ففاز منهم بها والله أكرمه * فكان سباق غايات إذا ابتدروا

[ 327 ]

ومع هذه الشهرة ينكر الواسطي الغوي رواية نصب النبي في يوم الدار لعلي عليه السلام قال: لأنه عليه السلام أمر في الآية بإنذار الأقربين لا بطلب من يوازره فكيف يخص واحدا منهم دون الباقين. قلنا: قد أنذرهم ثم خص بطلب الوزارة واحدا منهم، زيادة في ترغيبهم لوفور علمه أن الرسالة يسارع إليها كل منهم، ولا منافاة بين إنذارهم وطلب الوزارة من بعضهم. قال: الايصاء والاستخلاف على قوم، لا يكون إلا بعد انقيادهم، وهم كانوا حينئذ بخلاف ذلك. وكيف يليق من النبي تحكيم واحد عليهم، ويقول: استمعوا له وأطيعوا وهم حينئذ لم يسمعوا للنبي ولم يطيعوا وهل هذا إلا كالمثل المضروب، فمن قال لآخر: أعطني دينارا بعلامة أن استادي طلب منك فلسا فلم تعطه. قلنا: النبي لا ينطق عن الهوى، وإنما فعل ذلك بوحي من الله تعالى، ولا منافاة بين أن ينذرهم ثم يقول هذا خليفتي عليكم، وأما ذكر (اسمعوا وأطيعوا) فمختلف منهم، فإن نازع في اختلافه أحد قلنا له قد أنكرت أصل الرواية الواردة به، و حيث عارض بالمثل قول النبي صلى الله عليه وآله فهو بإثمه يبوء، قال تعالى (للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء (1)) فقد تبع رؤساء الشياطين الذين حذر العلماء عنها طلاب اليقين، شوائب الطبيعة، ووساوس العادة، ونواميس الأمثلة. قال: ذكر صاحب المعالم عن علي عليه السلام أن الرواية التي فيها ذكر الوصية لعلي مرسلة وليس فيها ذكر الانذار المطابق للآية، فهي مضادة لها، وذكر ثلاث روايات عن غيره مسندة وخالية عن ذكر الوصية فهن معارضات لها. قلنا: تقرر في الأصول قبول الزيادة، وقد جاز العمل بالمرسل إذا علم من طريق آخر أنه مسند كمراسيل ابن المسيب، وقد جاء في صحيح البخاري مراسيل


(1) النحل: 60.

[ 328 ]

وعدم ذكر الانذار لا يدل على عدم المطابقة للآية، فلا معارضة في تلك الروايات للرواية. ومن العجب أنه يضعف قول أصحابه طلبا للشبهة ونحن لا نذكر قول أصحابنا طلبا للزوم الحجة. قال: رويتم أن عليا لم يزل مسلما أو أسلم قبل يوم الدار، وهو المأمور بجمع العشيرة الكفار، فلا معنى لإجابته إلى الموازرة، والخطاب ليس له مع بلاغته، بل للكفار. قلنا: أما أنه لم يزل مسلما، فلا معنى لاختصاصنا به إذ أجمع المسلمون عليه وجاءت روايات الخصم فيه، قال الزمخشري في كشافه قال النبي: صلى الله عليه وآله سباق الأمم ثلاثة، لم يكفروا بالله طرفة عين: علي بن أبي طالب، وصاحب يس، و مؤمن آل فرعون. ورواه صاحب الوسيلة وزاد: أكرمهم وأفضلهم علي بن أبي طالب وبهذا يندفع قولهم إن أبا بكر صديق لأنه أول من صدق، وقد سبقه علي وخديجة وورقا وغيرهم. قوله: لم يحسن جوابه بالموازرة إذ لم يتناوله الخطاب، قلنا: فقد رويتم قول النبي صلى الله عليه وآله يوم الخندق: من يبرز إلى عمرو بن [ عبد ] ود ويكون جاري في الجنة فلم يجبه أحد، فقام علي فقال له: إنه عمرو، فقال علي: وإن كان عمرا، فقد أجاب ولم يتناوله الخطاب. وقد ذهب أكثر المحققين إلى أن إبليس لم يكن من الملائكة، وتناوله الأمر بالسجود، لأجل حضوره فيهم، وجاز أن كلام علي بالموازرة ابتداء لا جواب قول النبي، فلا منافاة للبلاغة. قال: شرط الوصية والاستخلاف، الجزم بهما، لا تعليقهما بشرط يوجد ولا يكونان إلا لمعين، والنبي صلى الله عليه وآله قال: من يوازرني ؟ فلا تعيين، قلنا: ذلك وعيد بالوصية، فلا يشترط الجزم بالوعيد، ولا التعيين، ولم تحصل الوصية لأحد في حال الخطاب، بل لعلي خاصة بعد الجواب.

[ 329 ]

قال: فلو أجابه أكثر من واحد جاز أن يقع الشقاق، قلنا: جاز أن يكون الله تعالى أمره بذلك مع علمه بعدم قبولهم، ويكون فعل النبي صلى الله عليه وآله توكيدا عليهم كما أمره بإنذار كفار مع علمه بعدم إيمانهم. قال: إجابة واحد تنفير الباقين، قلنا: لا تنفير مع الانقياد التام، وعندكم أن الله يفعل لا لغرض، فلم نفيتموه هنا. قال: جمعهم يقتضي ترغيبهم، فطلب الوزارة من بعضهم يقتضي تزهيدهم، فلا فائدة في جمعهم، قلنا: إيمانهم يرغبهم فيه بما يعمهم، وهو قوله جئتكم بخير الدنيا والآخرة ونحوه. قال: الوصية هي الاستخلاف، فكيف عطفه عليها. قلنا: لا ترادف إذ بينهما عموم من وجه، ولو سلم الترادف جوزنا العطف مثل (صلوات من ربهم ورحمة (1)) على أن كتبهم قد نطقت بالوصية فإذا سلم الترادف التزم بالاستخلاف. قال: علي كان مؤمنا فلا معنى لوزارته في ذلك اليوم. قلنا: أليس كل مؤمن خليفة. قال: إن كان غرض النبي صلى الله عليه وآله الوصية لأحدهم استحال أن يكون لعلي ويلزم تحصيل الحاصل إن كان الغرض ثبوتها لعلي. قلنا: قد يكون الغرض لهم ولم يقع وقد أراد شيئا ولم يقع، ويجوز أن يكون الغرض إظهار أن الوصية لعلي لجواز التأكيد مرة بعد مرة. قال: من الحاضرين من آمن كالعباس، وقد بايع أبا بكر. قلنا: قد تركها أولا فجاز وقوعها تقية. قالوا: رواية الاستخلاف لم ترد إلا من علي فهو متهم، قلنا: قد جاءت من طرقكم عن ابن حنبل، والبراء بن عازب وغيرهما، وليس ذلك شهادة بل رواية ولم يفرق أحد بين الروايتين لنفسه وغيره، بعد ثبوت عدالته، فضلا عن الثابتة


(1) البقرة: 157.

[ 330 ]

بآية التطهير وغيرها، ومن طرقهم رواية جامع الأصول عن النبي صلى الله عليه وآله علي مع الحق والحق معه، وغيرها في مصابيح الفراء وغيره وقد شهدت عائشة لأبيها بصلاته وجعلوها سببا لخلافته. قال: إن سلمت الرواية، اقتضت كونه خليفة على العشيرة، قلنا: لا قائل بالفرق، ويلزم اجتماع إمامين، ولم يقل به أحد، ولهذا قال عمر للأنصار (سيفان في غمد لا يجتمعان) ولا يلزم من تخصيصهم بالانذار تخصيصهم بالاستخلاف إذ أحدهما غير الآخر. قال: كان علي صبيا فإسلامه غير معتبر ولا بالتبعية لأصلية الكفر من أبويه، والاستخلاف لا يكون إلا للبالغ. قلنا: لم يشترط أحد من المسلمين البلوغ في استخلاف الله ورسوله، وقد قال تعالى (وآتيناه الحكم صبيا (1)) وقال (ففهمناها سليمان (2)) وقد كان حينئذ ابن أحد عشر سنة، وعند أصحابنا أن عليا أسلم و هو ابن خمسة عشر سنة أو أربعة عشرة، وروى الخمس عشرة العاقولي منهم في شرحه للمصابيح، وروى الأربعة عشرة منهم شارح الطوالع، وقد ذكر البخاري عن المغيرة قال: احتلمت وأنا ابن اثنى عشر سنة. ولأن النبي صلى الله عليه وآله دعاه إلى الاسلام صبيا فلو لم يكن يحكم بإسلامه، لزم العبث في دعائه، وإن لم يكن بدعائه كان إسلامه من خصائصه، لكمال عقله حال صغره دون غيره، وقد عرف أن التكليف العقلي لم يشترط فيه البلوغ الشرعي وقد أخرج صاحب الوسيلة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: صلت الملائكة علي وعلى علي سبع سنين قبل أن يسلم بشر. وأخرج أبو نعيم في حليته قول النبي صلى الله عليه وآله لعلي: لك سبع خصال لا يحاجك أحد فيهن يوم القيامة، أنت أول المؤمنين بالله إيمانا، وأوفاهم بعهد الله، وأقومهم


(1) مريم: 11. (2) الأنبياء: 79.

[ 331 ]

بأمر الله، وأرأفهم بالرعية، وأقسمهم بالسوية، وأعلمهم بالقضية، وأعظمهم يوم القيامة مزية. فقد مدحه على سبق إيمانه، ودل على عظم شانه، والمعاند يقول لا يحكم بإيمانه، مع انتشار ذلك في كتب إخوانه، وقد سلف ذلك في الفصل الثاني والعشرين من الباب السابع مستوفى، اخترنا هنا إيراد طرف منه فإن لكل مقام مقالا. قوله: (لكفر أبويه) مردود بما أخرجه صاحب كتاب بشائر المصطفى أن أمه فاطمة بنت أسد انشق لها ظهر الكعبة، فدخلت إليها وولدت عليا فيه، فلما خرجت قالت: فضلت على آسية ومريم، بدخول البيت الحرام، والأكل من ثمار الجنة، دون كثير من الأنام، وهتف بي هاتف سميه عليا فهو علي والله العلي شققت له اسما من اسمي، وأوقفته على غامض علمي، وهو الذي يكسر الأصنام عن بيتي، ويؤذن فوق ظهره، ويقدسني ويمجدني، فطوبى لمن أحبه وأطاعه وويل لمن أبغضه. هذا وقد ربت أمه النبي صلى الله عليه وآله ورأت كراماته حال صغره، والنبي بقميصه كفنها، ونزل بنفسه إلى قبرها، وشفع إلى الله فيها، وكان ذلك من دلائل إيمانها وأما أبوه فربما تمسك في كفره بقوله تعالى (وهم ينهون عنه وينأون عنه (1)) قيل: المراد أبو طالب ينهى عن أذى النبي وينأى عنه، فلا يؤمن به، والمخالف يزعم أن لفظ الجمع لا يطلق على الواحد، حيث قالوا (الذين يقيمون الصلاة (2)) هو علي، وهنا يطلقه على أبيه. وفي تفسير الثعلبي أن قريشا تنهى أبا طالب عن نصر النبي صلى الله عليه وآله وكلامه في الذب عنه مشهور، حتى أتوه بعمارة بن الوليد يتخذه خادما عوضه، فقال: ما أنصفتموني تعطوني ابنكم أربيه وأغذوه، وأعطيكم ابني تقتلونه، رواه الواقدي وغيره ثم قام إليه وأنشأ الأبيات الآتية.


(1) الأنعام: 26. (2) المائدة: 58.

[ 332 ]

قال الزمخشري في كشافه: الكناية للكفار، لأن قوله تعالى (ومنهم من يستمع إليك (1)) فيهم فالعطف عليهم، ونحوه قال القطب في حاشية الكشاف قال: ولأن الأبيات المنقولة عنه تنافي وصفه بما سلف في الآيات، من الصفات المذمومة، والأبيات هذه: والله لا يصلوا إليك بجمعهم * حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة * وابشر بذاك وقر منه عيونا ودعوتني وزعمت أنك ناصح * ولقد صدقت وكنت ثم أمينا وعرضت دينا لا محالة أنه * من خير أديان البرية دينا وقد اتفق على نقلها مقاتل والثعلبي وابن عباس وابن دينار وزاد أهل الضلال فيها بيتا ظلما وزورا إذ لم يكن في جملتها مسطورا: لولا الملامة أو حذاري سبة * لوجدتني سمحا بذاك مبينا (2) والعجب من صاحب الكشاف كيف ضمه إليها، ولم يتنبه لمنافاته لها، و إذا أخذ الله قوما بما يظلمون أتاح لبهم تناقض الكلام، من حيث لا يعلمون. وحث أخاه حمزة على نصره، فقال: فقد سرني إذ قلت أنك مؤمن * جهارا وقل ما كان أحمد ساحرا وحض النجاشي على نصرة النبي صلى، الله عليه وآله فقال: ليعلم مليك الحبش أن محمدا * وزير لموسى والمسيح بن مريم أتى بهدي مثل الذي أتيا به * وكل بأمر الله يهدي ويعصم وإنكم تتلونه في كتابكم * بصدق حديث لا حديث المترجم فلا تجعلوا لله ندا وأسلموا * فإن طريق الحق ليس بمظلم


(1) المائدة: 25. (2) قوله (مبينا) حال من قوله (سمحا) أي لولا مخافة قريش ومعرتهم لوجدتني أعلن بالاقرار، وهذا يقتضي بمفهومه أن الإيمان كامن في قلبه لم يبرزه لأجل التقية ليتمكن بذلك من حفظ النبي صلى الله عليه وآله. كما ؟ لا يخفى.

[ 333 ]

وقد أخرج صاحب الوسيلة في المجلد الخامس، قوله في النبي: ألا بلغا عني على ذات بيننا * قصيا وخصا من قصي بني كعب ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا * نبيا كموسى خط في أول الكتب أليس أبونا هاشم شد أزره * وأوصى بنيه بالطعان وبالحرب وهل يصف هذا العالم الشاعر بالكفر إلا كافر، وهم لما أخرجوا النبي صلى، الله عليه وآله من قوله تعالى (وسيجنبها الأتقى الذي (1)) الآية لأن عليه تربية أبي طالب وهي نعمة تجزى، والتربية سبيل، وقد نفى الله سبيل الكافرين على المؤمنين لزم ذلك إيمان أبي طالب. إن قلت: فيلزم على هذا أن يكون أبو طالب مؤمنا قبل مبعث النبي. قلت: نعم كان على دين إبراهيم، وقد تمدح به في قوله: نحن آل الله في كعبته، لم يزل ذلك على عهد إبراهيم، وسيأتي ذلك في التذنيب إن شاء الله تعالى عن قريب. وفي مسند أحمد بن حنبل لما مرض للموت بعث إلى النبي صلى، الله عليه وآله ادع لي ربك أن يشفيني فإنه يطيعك وابعث إلي بقطف من الجنة فأرسل إليه: إن أطعت الله أطاعك. فقد اعترف لله بوجوده، ووجود جنته، وقبول دعاء نبيه. إن قالوا: قوله إن أطعت الله أطاعك دل على أنه لم يكن طائعا قلنا: بل هو ترغيب في الاستمرار مثل قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله (2)) فلا يدل ذلك أيضا على ترك الدعاء له، وقد نقل إيمانه الحافظ القدسي في سيرة النبي وفي تفسير الثعلبي أنه قال لابنه علي: ما هذا الدين الذي أنت عليه ؟ قال: آمنت بالله ورسوله، قال إن محمدا لا يدعوك إلا إلى خير فالزمه. وفي الجمع بين الصحيحين من أفراد البخاري من مسند عبد الله بن عمر ذكرت قول الشاعر حين استسقى: [ وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامل ]


(1) الليل: 17. (2) النساء: 135.

[ 334 ]

لعمري لقد كلفت وجدا بأحمد * وأحببته حب الحبيب المواصل وجدت بنفسي دونه وحميته * ودارأت عنه بالذرى والكلاكل فما زال في الدنيا جمالا لأهلها * وشين على الأعدا وزين المحافل حليما رشيدا حازما غير طائش * يوالي إله الخلق ليس بما حل وأيده رب العباد بنصره * وأظهر دينا حقه غير باطل ألم تعلموا أن ابننا غير مكذب * لدينا ولا يعنى بقول الأباطل وأبيض يستستقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامل تلوذ به الهلاك من آل هاشم * فهم عنده في نعمة وفواضل كذبتم وبيت الله نبزى محمدا * ولما نقاتل دونه ونناضل ونسلمه حتى نصرع حوله * ونذهل عن أبنائنا والحلائل ففي هذا عدة شواهد على إيمانه، يظهرها من سبره، على من جحده وستره وإنما حداهم على جحدهم قصدهم مشاركة علي لأصحابهم في بعض رذائلهم ولاغرو في ذلك، وقد سب ألف شهر على منابرهم، لم يكن فيهم من يغار للاسلام بمنابزتهم وقد ألف كتاب في الحجة على الذاهب، إلى تكفير أبي طالب، فيه: ولولا أبو طالب وابنه * لما مثل الدين يوما وقاما فهذا بمكة آوى وحامى * وهذا بيثرب سام الحماما وما ضر مجد أبي طالب * جهول لغى وبصير تعاما وقد أخرج ابن مسكويه وغيره افتخار علي بأبيه، وتفضيله على أبي سفيان واعترف له معوية بذلك وأخرج الكراجكي في كتابه كنز الفوائد قول العباس للنبي صلى، الله عليه وآله ما ترجو لبي طالب ؟ قال: رحمة ربي. وقد عاب المحدثون على مسلم والبخاري حيث أخرجا في كتابيهما حديث المسيب في وفاة أبي طالب (1) مع أنه لا راوي له غير أبيه شدة حرصهما على تكفير أصل علي عليه السلام حسدا له والفرقة تتمحل كفر أبي طالب، كما تمحلت إيمان محاربي علي الثابت كفرهم بقول النبي صلى، الله عليه وآله: (حربك حربي). وقد رووا قول النبي


(1) راجع صحيح البخاري ج 2 ص 326.

[ 335 ]

صلى الله عليه وآله: ما قال أحد لأحد كافر إلا باء به أحدهما. قالوا: نزل فيه: (إنك لا تهدي من أحببت (1) قلنا: لا بل هي لكل كافر كيف ذلك وقد نزلت يوم حنين وهو بعد موت أبي طالب بست سنين وأشهر ولو نزلت الآية فيه، وفيها أن النبي يحبه، دلت على إيمانه لأنه صلى الله عليه وآله نهاه الله تعالى عن محبة الكفار في قوله تعالى: (لا تجد قوما يؤمنون بالله و اليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله (2)) وقد قيل معنى (ولكن الله يهدي من يشاء) أن هدايتنا لأبي طالب يا محمد، سبقت دعوتك له، وفي هذا أن أحدا لم يدركه في فضيلته إن كان الله تعالى بنفسه متوليا لهدايته. قالوا: نزل فيه (ما كان للنبي والذين آمنوا معه أن يستغفروا للمشركين (3)) قلنا: ذكر صاحب جامع الأصول، وصاحب التقريب موت أبي طالب قبل الهجرة ونزول الآية سنة تسع منها، والنبي صلى، الله عليه وآله لا يستغفر لمن مات على كفر لإخبار القرآن بتخليده مع نفي الهوى عن نطقه. قالوا: لم ينقل له صلاة حتى يحكم بإيمانه، قلنا: عدم العلم بها لا يدل على عدمها على أن عدمها لا يوجب كفر تاركها. قالوا: حرصه النبي على الاسلام عند موته، وحرصه أبو جهل على دين الأشياخ، فكان آخر كلامه أنه على دين الأشياخ عبد المطلب ثم مات. قلنا: لا بل نقل رؤساء الاسلام أنه جمع أهله وأوصاهم بمحمد ونصرته، و أخبرهم بتملكه، وأنه جاء بأمر عظيم عاقبته الجنان، والأمان من النيران، و قال: لو كان في أجلي فسحة لكفيته الكوافي، ودفعت عنه الدواهي، فهذا الذي هو يجب اعتماده، لا ما ذكروه لمناقضته لأقواله وأشعاره. قالوا: كتب الأولاد الأول إلى المنصور يرد عليهم الملك، وافتخروا بأشياء


(1) القصص: 58. (2) المجادلة: 22. (3) براءة: 114.

[ 336 ]

منها أن أبانا أبا طالب أخف أهل النار عذابا وفي قدميه نعلان يغلى منهما دماغه فكتب: دعوا الأسد تربغ في غابها * ولا تدخلوا بين أنيابها سلبنا أمية في دارها * فنحن أحق بأسلابها قلنا: هذا كذب صريح، وكيف يفتخر برجل كافر يعذب بنوع من العذاب والشعر الأول المذكور للمعتز وهو بعد المنصور بثمانية وستين سنة سيما ذكره صاحب المنتظم في المجلد الثامن والخبر لم يروه سوى المغيرة بن شعبة، وهو عندكم فاسق مشهور بالزنا وبعداوة بني هاشم، وهو الذي حث عائشة على حرب علي عليه السلام بالبصرة. ومن أحاديث كتاب الحجة أن رجلا قال لعلي: أبوك يعذب في النار فقال له: مه والله لو شفع أبي في كل مذنب لشفعه الله كيف ذلك وأنا قسيم الجنة والنار، وقال الرضا عليه السلام: إن لم تقر بإيمان أبي طالب، لكان مصيرك إلى النار. وزوجته فاطمة بنت أسد مؤمنة صالحة، لم تزل عنده حتى مات، مع نهي الله رسوله في غير آية أن [ تبقى ] مؤمنة عند كافر. وعن الأئمة عليهم السلام أن النبي صلى، الله عليه وآله قال: أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة يعني أبا طالب لأنه كفله صلى، الله عليه وآله. وقد أخرج في جامع الأصول أنه لما مات أوحى الله تعالى إلى نبيه محمد صلى، الله عليه وآله أن اخرج، فقد مات ناصرك، ولما نثروا الكروش عليه، غضب أبو طالب وخرج إلى الأبطح ونادى بعد جمع الناس: من أرى فعل بمحمد هذا وقد خرست الألسن من هيبته، فلم يجبه أحد فدفع كرشا إلى عبيدة فلطخ بها شواربهم ثم حلف برب البيت لئن أقمتم على إنكاركم لأفعلن بكم أشد من هذا، فجاؤه بالفاعل فنكل به، و أطاف به بلد مكة ثم قطعه قطعا ورماه بينهم. فهذه جمل من رواية المخالف وغيره، تمنع ملأ تقول بكفره وتجمع بكفر من قال بكفره، ولو كانت مدافعته لا تدل على إسلامه، لا تدل مدافعة جيوش النبي

[ 337 ]

على إسلامهم إذ لم ينقل تلفظهم بكلمة الاسلام ولا فعل أكثرهم لصلاة ولا صيام ولا يخفى ما في ذلك من الاهتضام. وقد ذكر الدينوري الحنبلي في غاية السؤول أن أبا طالب حدث عن أبيه أنه قال: إن من صلبي لنبيا ولوددت أني أدركته [ ولو أدركته ] لآمنت به، فمن أدركه من ولدي فليؤمنوا به. تذنيب: نعني بإيمان أبي طالب الولي إيمانه بالنبي الأمي صلى، الله عليه وآله لأنه قد كان في ابتدائه على دين إبراهيم، معترفا بالرب القديم، وقد أخرج صاحب روضة الواعظين أن فاطمة بنت أسد حضرت مولد النبي صلى، الله عليه وآله فأخبرت أبا طالب بما رأت من حضور الملائكة وغيره من العجائب، فقال: أنتظرك تأتين بمثله فولدت عليا عليه السلام بعد ثلاثين سنه. وعن ابن بابويه أن أبا طالب نام في الحجر حول البيت، فرأى في منامه بابا انفتح من السماء، ونزل منه نور شمله فأتى راهب الجحفة يقص عليه، فقال له: أبشر أبا طالب عن قليل * بالولد الخالي عن المثيل [ يا آل قريش اسمعوا تأويلي ] * هذان نوران على السبيل كمثل موسى وأخيه السؤل فرجع أبو طالب فرحا وطاف بالكعبة، وهو يقول: أطوف لله حوالي البيت * أدعوه بالرغبة محي الميت بأن يريني السبط قبل الموت * أغر نوريا عظيم الصوت مصليا يقتل أهل الجبت * وكل من دان بيوم السبت ثم نام في الحجر ثانية فرأى كأنه ألبس إكليلا من ياقوت، وسر بالأمن عبقر، وكأن قائلا يقول له: يا أبا طالب ! قرت عيناك، وظفرت يداك، وحسنت رؤياك، فأنى لك بالولد، ومالك البلد، وعظيم التلد، على رغم الحسد، فانتبه فرحا وطاف قائلا:

[ 338 ]

أدعوك رب البيت والطواف دعاء عبد بالذنوب واف تعينني بالمنن اللطاف * والولد المحبو بالعفاف وسيد السادات والأشراف ثم نام في الحجر فرأى عبد مناف قائلا: ما يبطئك عن بنت أسد، فانتبه فنكحها، وطاف بالكعبة قائلا: قد صدقت رؤياك بالتعبير * ولست بالمرتاب في الأمور أدعوك رب البيت والنذور * دعاء عبد مخلص فقير فأعطني يا خالقي سروري بالولد الحلاحل الذكور يكون للمبعوث كالوزير * يا لهما يا لهما من نور قد طلعا من هاشم البدور * في فلك عال على النحور فيطحن الأرض على الكرور * طحن الرحى للحب بالتدوير إن قريشا بان بالنكير * منهوكة بالغي والثبور وما لها من موئل مجير * من سيفه المنتقم المبير وصنوه الناموس بالشفير * حسامه الخاطف للكفور ومن شعره فيه: يكلم نبي جاء يدعو إلى الهدى * وأمر أتى من عند ذي العرش قيم فلا تحسبونا مسلميه ومثله * إذا كان في يوم فليس بمسلم ومنه: أخلتم بأنا مسلمون محمدا * ولما تقاذف دونه ونراجم أمين محب للعباد مؤمن * بخاتم رب قاهر للخواتم يرى الناس برهانا عليه وهيبة * وما جاهل في فعله مثل عالم نبي أتاه الوحي من عند ربه * فمن قال لا تقرع بها سن نادم ومنه: فلا تحسبونا مسلمين محمدا * لذي غربة فينا ولا متقرب

[ 339 ]

فلا والذي تحدي إليه قلائص * لا دراك نسك من منى والمحصب نفارقه حتى نفرق حوله * وما بال تكذيب النبي المقرب ولما قام عثمان بن مظعون يدعو قريشا إلى اتباعه ضربه سفهاؤها ففقأوا عينيه فنهض أبو طالب في أمره وأخذ بحقه فقال: أمن تذكر دهر غير مأمون * أصبحت مكتئبا إني لمحزون أمن تذكر أقوام بذي سفه يغشون بالظلم من يدعو إلى دين ألا يرون أقل الله خيرهم * أن غضبنا لعثمان بن مظعون إلى قوله: أو يؤمنوا بكتاب منزل عجب * على نبي كموسى أو كذي النون وقال يحثه على إظهار دعوته: لا يمنعنك من حق تقوم به * أيد تصول ولا أضعاف أصوات فإن كفك كفي إن مننت بها * ودون نفسك نفسي في الملمات ومنه: زعمت قريش أن أحمد ساحر * كذبوا ورب الراقصات إلى الحرم ومنه: وقد حل مجد نبي هاشم * فكان النعايم والعترة وخير بني هاشم أحمد * رسول الإله على فترة ومنه: لقد أكرم الله النبي محمدا * فأكرم خلق الله في الناس أحمد ومنه: إن ابن آمنة النبي محمد * عندي بمنزلة من الأولاد ومنه: صدق ابن آمنة النبي محمد * فتميزت غيظا به وتقطعوا إن ابن آمنة النبي محمد * سيقوم بالحق الجلي ويصدع

[ 340 ]

ومنه: إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر * فبعد مناف سرها وصميمها وإن حصلت أشراف عبد منافها * بني هاشم أشرافها وقديمها وفيهم نبي الله أعني محمدا * هو المصطفى من سرها وكريمها فهذا اعتراف أبي طالب بتصديق نبيه، ووزارة علي وليه، ولعل قعوده يوم الدار عن البيعة في جملة عشيرته إنما كان لعلمه السابق من اختصاص ابنه بوزارته لما تلوناه عليك من أشعاره وإشارته. تذنيب آخر: إيمان أبي طالب بالله سبحانه مسطور في كتب العلماء، وتعاليق الأدباء فمن [ ثبوته و ] شعره فيه: مليك الناس ليس له شريك * هو الجبار والمبدي المعيد ومن فوق السماء له بحق * ومن تحت السماء له عبيد ومنه: لا تيئسن لروح الله من فرج * يأتي به الله في الروحات والدلج فما تجرع كأس الصبر معتصم * بالله إلا أتاه الله بالفرج وأما سبب كتمان إيمانه برسول الله صلى، الله عليه وآله، فإنه كان مطاعا في قومه، وهم على إنكار نبوته، فلو أظهر لهم إيمانه لخالفوه فلم يتم غرضه من نصرته، وتدبير أمره، وتمهيد قاعدته، ولأشركته قريش في عداوته وخصومته، فلم يقبل شيئا من مقالته، فكان يحضر مجالسهم، ويظهر لهم أنه منهم، وهو مع ذلك يشوب منه الفعل والكلام، بتصديقه عليه السلام. ولهذا أنشد شعرا يستعطف فيه أبا لهب بالرحم، ليخدعه به حيث رأى منه النهي عن قتل النبي خوف عموم الفتنة، فكان بإظهار كفرانه كمؤمن آل فرعون يكتم إيمانه، وكأهل الكهف وغيرهم كتموا إيمانهم عن قومهم، وليس كتمان الإيمان خوفا بمخرج عنه حقيقة، وإلا لكان من شهد بالله بإيمانه كافرا بكتمانه.

[ 341 ]

تذنيب آخر: قالوا بكفر أبوي النبي لقول قريش، لا نرغب من ملة عبد المطلب. قلنا: نقل باطل، فقد روى الثعلبي في التفسير (وتقلبك في الساجدين) (1) أن محمدا لم يلده إلا نبي أو وصي نبي أو مؤمن، وقال أبو عمر الزاهد منهم في كتاب الياقوت قال النبي لعلي عليه السلام: لم أزل أنا وأنت نركض في الأصلاب الطاهرة، إلى عبد الله وأبي طالب لم تدنسنا الجاهلية بأرجاسها وسفاحها. وأخرج الكراجكي قول عبد المطلب لأبرهة: إن لهذا البيت ربا يدفع عنه وتمدح بكونه على ملة إبراهيم، وقد سلف. وظاهر قوله تعالى (وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا (2)) أنه خطاب للنبي صلى، الله عليه وآله مع قوله تعالى: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين (3)). وفي كتاب البشائر مسندا إلى الصادق عليه السلام أن الله أوحى إلى النبي صلى، الله عليه وآله أني قد حرمت النار على ظهر وضعك، وبطن حملك، وحجر كفلك، وثدي أرضعك. قالوا: قال الله تعالى: (ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان (4)) فمن أين لأبويه إيمان ؟ قلنا: يلزم من هذا تكفيره بالتبعية لكفرهما، وهو خلاف الاجماع من علماء الاسلام، والإيمان المنفي هو العبادة الشرعية، (وما كان الله ليضيع إيمانكم (5)) أي صلاتكم إلى البيت المقدس. وقد ذكر جماعة أنه كان قبل النبوة على دين إبراهيم، والحق أن تعبده بإلهام الرب الحكيم. قالوا: زعمتم أن عليا دحى أصنام قريش عن الكعبة، وعبد الله من أكابرها فمن أين علمتم منه عدم عبادتها ؟ قلنا: علمناه من الأدلة التي أسلفناها.


(1) الشعراء: 219. (2) أسرى: 24. (3) براءة: 114. (4) الشورى: 52. (5) البقرة: 143. (*) بإلهام الرب الحكيم. قالوا: زعمتم أن عليا دحى أصنام قريش عن الكعبة، وعبد الله من أكابرها فمن أين علمتم منه عدم عبادتها ؟ قلنا: علمناه من الأدلة التي أسلفناها.

(1) الشعراء: 219. (2) أسرى: 24. (3) براءة: 114. (4) الشورى: 52. (5) البقرة: 143.

[ 342 ]

قالوا: تولد النبي من كافر كإبراهيم من آزر. وتولد منه كافر ككنعان من نوح، قلنا: لا خلاف بين النسابين أن اسم أبي إبراهيم تارخ. قالوا: نطق القرآن بأنه آزر. قلنا: قيل كان عمه وقيل خاله، وقد نطق القرآن بكونهما أبوين (واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسمعيل) (1) وإسمعيل عم يوسف (ورفع أبويه على العرش) (2) والمراد أبوه وخاله. قالوا مجاز. قلنا: يجب إليه المصير، حذرا من التنفير. وأما تولد كافر من النبي فلا محال فيه وقد قيل إن كنعان كان لنوح ربيبا ولم يكن ابنا. وروي عن الحسن ومجاهد أنه ولد على فراشه، وهذا بالإعراض عنه حقيق قال ابن عباس ما زنت امرأة نبي قط.


(1) يوسف: 38 والآية هكذا: (واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب) فليس فيها وجه للاستشهاد بها والآية التي يستشهد بها العلماء لذلك هو قوله تعالى في سورة البقرة: 134 (قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا). (2) يوسف: 100. (*)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية