الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




عدة الداعي- ابن فهد الحلي

عدة الداعي

ابن فهد الحلي


[ 1 ]

عدة الداعي ونجاح الساعي كتاب: علمي، دينى، اخلاقي، عبادي لمولفه: احمد بن فهد الحلى المتوفى سنة 841 هجري صححه وعلق عليه احمد الموحدي القمى يطلب من مكتبة الوجداني بقم حق الطبع بهذه الصورة الموشحة والفهارس وغيرها محفوظ للمصحح

[ 3 ]

بسمه تعالى شانه لما كان كتاب (عدة الداعي) لمؤلفه العالم الكامل احمد بن فهد الحلى (ره) كتاب وحيدا في موضوعه وقد اعتمد عليه فحول الرجال وكان مستغنيا عن التوصيف والتمجيد ولا يزال تحن إليه قلوب الطالبين، ولكن كان صعب التناول للمراجعين لفقدانه علامة يهتدى بها الى مطالبه والى اخباره المستشهدة بها لمسائلة عمدنا إليه على قدر وسعنا ففصلنا كل باب منه فصولا عديدة وجعلنا عنوان كل منها مرتسما فوق الصحيفة، ثم ذيلناه بما يفسر بعض لغاته ومطالبه الغامضة. مقتبسا من الكتب المتناسبة لذلك مع كلام حول المؤلف قدام الكتاب وفهرس لمطالبه في آخره. ولقد قابلناه بنسخ متعددة مصححة بعضها مخطوط وبعضها مطبوع بعون الله الملك الوهاب. (احمد الموحدي القمي)

[ 5 ]

بسمه تعالى كلام حول المولف ترجمة المؤلف: هو أبو العباس احمد بن محمد بن فهد الحلى الاسدي (1) وهو غير ابى العباس الحنفي المتوفى سنة: 672. (2)، وغير الشيخ العلامة النحرير شهاب الدين احمد بن فهد بن ادريس الاحسائي وان اتفق توافقهما في العصر والاسم، والنسبة الى فهد الذي هو جد في الاول (المترجم) واب في الثاني ظاهرا (3) ومن غريب الاتفاق ان لكل منهما شرح على (ارشاد) العلامة (4). شخصيته العلمية والعملية: له من الاشتهار بالفضل والاتقان والذوق والعرفان والزهد والاخلاق والخوف والاشفاق، وغير اولئك من جميل السياق ما يكفينا مؤنة التعرف ويغنينا عن مرارة التوصيف وقد جمع بين المعقول والمنقول والفروع والاصول والقشر واللب واللفظ والمعنى والظاهر والباطن والعلم والعمل باحسن ما كان يجمع ويكمل (5) حكى انه رأى في الطيف امير المؤمنين (ع) اخذا بيد السيد المرتضى (رضى الله عنه) يتما شيان


(1) (الكنى والالقاب للقمى) ج 1 ص 380 ط نجف. (2) (مقتبس الاثر) ج 3 ص 209 (3) (روضات) ج 1 ص 71 ط طهران (4) (الكنى والالقاب). (5) (روضات) (*).

[ 6 ]

في الروضة المطهرة الغروية وثيابهما من الحرير الاخضر، فتقدم الشيخ (احمد بن فهد) وسلم عليهما فأجاباه فقال لسيد له: اهلا بناصرنا اهل البيت، ثم سئاله السيد عن تصانيفه فلما ذكر هاله قال السيد: صنف كتابا مشتملا على تحرير المسائل وتسهيل الطرق والد لائل واجعل مفتتح ذلك بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله المقدس بكماله عن مشابهة المخلوقات. فلما انتبه الشيخ شرع في تصنيف كتاب (التحرير) وافتتحه بما ذكره السيد (1) وقد كان احد تلامذته وهو السيد محمد الموسوي الملقب بالمهدي (يأتي ذكره بعيد هذا) مشتهرا بمعرفة العلوم الغريبة، وانه قد اخذ ذلك كله من استاذه ابن فهد الحلى المذكور. (2) وان المترجم (ره) ناظر اهل السنة في زمان الميرزا اسبند التركان في الامامة - قد كان والى على عراق العرب - فتصدى لاثبات مذهبه، وابطال مذاهب اهل السنة وغلب على جميع علماء اهل العراق، فغير الميرزا مذهبه وخطب باسم امير المؤمنين واولاده الائمة عليهم السلام. (3) مشايخه في الرواية: وله الرواية بالقرائة والاجازة عن جملة من تلامذة الشهيد الاول وفخر المحققين: كالشيخ مقداد السيورى، وعلى بن خازن الحائري، وابن المتوج البحراني وعن السيد الجليل النقيب بهاء الدين ابى القاسم على بن عبد الحميد النيلى النسابة صاحب كتاب (الانوار الالهية) وغيرهم. (4) الرواة عنه: ويروى عنه جماعة من العلماء الثقات الاجلة:


(1) (الكنى والالقاب) (2) (روضات) (3) (روضات). (4) (روضات) (*).

[ 7 ]

منهم الشيخ على بن هلال الجزائري شيخ الشيخ على بن عبد العالي الكركي ومنهم: الشيخ الامام العالم الفقيه عز الدين حسن بن على بن احمد بن يوسف الشهير بابن العشرة الكروانى العاملي ومنهم: الشيخ عبد السميع بن فياض الاسدي الحلى صاحب كتاب (تحفة الطالبين في اصول الدين) وكتاب (الفرائد الباهرة) وكان من اكابر تلامذة احمد بن فهد الحلي. ومنهم: السيد محمد بن فلاح بن محمد الموسوي (1) آثاره: مصنفاته في الفقه: كتاب (المهذب البارع الى شرح النافع) (المقتصر) (شرح الارشاد) (الموجز الحاوى) (المحرر) (فقه الصلوة) (مصباح المبتدى وهداية المهتدى) (شرح الالفية) (اللمعة في النية) (كفاية المحتاج في مسائل الحاج) (منافيات نية الحج) (رسالة في التعقيبات) (المسائل الشاميات) (المسائل البحريات) (الدر النضيد) في فقه الصلوة ايضا (الهداية في فقه الصلوة) وفى سائر المراتب: كتاب (عدة الداعي ونجاح الساعي) (2) (اسرار الصلوة) (التحصين وصفات العارفين) (رسالة في العبادات الخمسة) (الفصول في الدعوات) (3) مولده ووفاته. ولد سنة: 757 وتوفى (ره) سنة: احدى واربعين وثمانمأة فيكون مبلغ عمره اربعا وثمانين سنة. وقبره معروف بكربلاء المشرفة وسط بستان (وصار البستان مدرسة علمية دينية في العصر الحاضر) بجنب المخيم الطاهر وكان صاحب الرياض يتبرك بمزاره كثيرا، ويكثر الورود عليه. ومن جملة من رثاه في مصيبته هو الشيخ أبو القاسم على بن جمال الدين محمد بن طى العاملي صاحب كتاب المسائل الذى يدعى: (مسائل ابن طى) (4) ومن اراد الزيادة فليراجع المطولات.


(1) (روضات). (2) الذى بين يدى القارى. (3) (روضات) ومنها كتاب (التحرير) الذى تقدم ذكرها في (شخصيته العلمية والعملية). (4) (روضات) (*).

[ 8 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله سامع الدعاء ودافع البلاء ومفيض الضياء وكاشف الظلماء (1) وباسط الرجاء وسابغ النعماء (2) ومجزل العطاء (3) ومردف الالاء سامك السماء (4) و ماسك (5) البطحاء (6) والصلوة على خاتم الانبياء وسيد الاصفياء محمد المخصوص بعموم الدعا وخصوص الاصطفاء والحجة على من في الارض والسماء وعلى آله الفائزين بخلوص الانتماء (7) ووجوب الاقتداء ما اظلت الزرقاء (8) واقلت الغبراء (9) صلوة باقية الى يوم البعث والجزاء وبعد فان الله تعالى من وفور كرمه علم الدعا وندب (10) إليه والهم السؤال وحث (11) عليه ورغب في معاملته والاقدام عليه وجعل في مناجاته سبب النجاة وفى سؤاله مقاليد (12) العطايا ومفاتيح الهبات وجعل لاجابة الدعا اسبابا من خصوصيات الدعوات واصناف الداعين والحالات والامكنة والاوقات. فوضعنا هذه الرسالة على ذلك وسميناه (عدة الداعي (13) ونجاح الساعي (14)) وفيها مقدمة وستة ابواب...


(1) الظلماء بفتح الظاء وسكون اللام: الظلمة (2) سابغ النعم أي كاملها وتامها (3) اجزلت لهم في العطاء: اكثرت. (4) سمك الله السماء سمكا: رفعها. (5) مسكه: قبضه. (6) الابطح: سبيل واسع فيه دقاق الحصى ومنه البطحاء ومنه ايضا بطحاء مكة (7). وفى الحديث: من انتمى الى غير مواليه فعليه لعنة الله أي من انتسب الى غيرهم. (المجمع) (8) الزرقاء: لقب السماء (9) الغبراء: الارض (اقرب) (10) ندبته الى الامر ندبا: دعوته. (11) حثه على الامر حثا: حضه (اقرب) (12) المقليد: المفتاح ج المقاليد والمقالد (13) العدة كغرفة: ما اعددته لحوادث الدهر من المال والسلاح ج عدد كغرف (14) النجاح بالفتح والنجح بالضم: الظفر بالحوئج (المجمع)

[ 9 ]

اما المقدمة ففى تعريف الدعا والترغيب فيه (1) وهذا أو ان الشروع (2) فنقول: الدعا لغة (3): النداء والاستدعاء تقول: دعوت فلانا إذا ناديته وصحت به واصطلاحا: طلب الادنى للفعل من الاعلى على جهة الخضوع والاستكانة. ولما كان المقصود من وضع هذا الكتاب الترغيب في الدعا والحث عليه وحسن الظن بالله وطلب مالديه، فاعلم انه قد ورد في الاخبار عن الائمة الاطهار ما يؤكد ذ لك ويدل عليه ويرغب فيه ويهدى إليه. روى الصدوق عن محمد بن يعقوب بطرقه الى الائمة عليهم السلام: ان من بلغه شئ من الخير فعمل به كان له من الثواب ما بلغه وان لم يكن الامر كما نقل إليه. وروى ايضا باسناده الى صفوان عن ابى عبد الله عليه السلام: ان من بلغه شئ من الخير فعمل به كان له اجر ذلك وان كان رسول الله لم يقله. وروى محمد بن يعقوب عن على بن ابراهيم عن ابيه عن ابن ابى عمير عن هشام بن سالم عن ابى عبد الله عليه السلام قال: من سمع شيئا من الثواب على شئ فصنعه كان له اجره وان لم يكن على ما بلغه. ومن طريق العامة ما رواه عبد الرحمن الحلوان مرفوعا الى جابر بن عبد الله الانصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: من بلغه عن الله فضيلة فاخذها وعمل بما فيها ايمانا بالله ورجاء


(1) رغب في الشئ: إذا حرص عليه وطمع فيه. (2) الاوان قيل: هو جمع الان اسم للوقت الذى انت فيه وقيل: هو اصل لالان. (3) ان الامر: عكس الدعا وهو طلب ا لاعلى للفعل من الادنى، والالتماس طلب المساوى من المساوى مرة بعد اخرى. (4) الخضوع: تواضع في البدن كما ان الخشوع في القلب، وفى الحديث يابن عمران هب لى من قلبك الخشوع ومن بدنك الخضوع (*).

[ 10 ]

ثوابه اعطاه الله تعالى ذلك وان لم يكن كذلك. فصار هذا المعنى مجمعا عليه عند الفريقين. (1)


(1) فايدة جليلة: اعلم ان اصحابنا رضوان الله عليهم كثيرا ما يستدلون بالاخبار الضعيفة والمجهولة على السنن والاداب، ويحكمون بها بالكراهة والاستحباب، واورد عليه: ا ن الاستحباب ايضا حكم شرعى كالوجوب فلاوجه للفرق بينهما والاكتفاء فيه بالاخبار الضعفا والمجاهيل، وكذا الكراهة والحرمة لافرق بينهما في ذلك، واجيب عنه بان الحكم بالاستحباب فيما ضعف مستنده ليس في الحقيقة بذلك الخبر الضعيف بل بالروايات الواردة في هذا الباب - كالروايات التى نقلها المؤلف (ره) في المتن - وغيره انتهى موضع الحاجة (مرآت) (*).

[ 11 ]

(الباب الاول) في الحث على الدعا ويبعث عليه العقل والنقل اما العقل فلان دفع الضرر عن النفس مع القدرة عليه والتمكن منه واجب وحصول الضرر ضروري الوقوع لكل انسان في دار الدنيا (1) إذ كل انسان لا ينفك عما يشوش (2) نفسه ويشغل عقله ويضر به اما من داخل كحصول عارض يغشى (3) مزاجه، اومن خارج كاذية ظالم، أو مكروه يناله من خليط (4) أو جارو لو خلا من الكل بالفعل فا لعقل يجوز وقوعه فيها واعتلاقه بها. كيف لا ؟ وهو في دار الحوادث التى لا تستقر على حال ففجايعها لا ينفك عنها آدمى اما بالفعل أو بالقوة فضررها اما حاصل واقع أو متوقع الحصول وكلاهما يجب ازالته مع القدرة عليه والدعا محصل لذلك وهو مقدور فيجب المصير إليه


(1) رأيت نقل هذه الخطبة الشريفة مناسبا للمقام عن امير المؤمنين (ع) في توصيف الدنيا: ما اصف من دار اولها عناء واخرها فناء في حلالها حساب وفى حرامها عقاب من استغنى فيها فتن ومن افتقر فيها حزن ومن ساعاها فاتته ومن قعد عنها واتته ومن ابصر بها بصرته ومن ابصر إليها اعمته ؟ !. (النهج) خطبة: 79. واتته: اطاعته (اقرب) (2) شوش عليه الامر: اختلط. (3) الغشاء: الغطاء. (4) الخليط: الشريك الذى لا يتميز ملكه عن ملك شريكه (*).

[ 12 ]

وقد نبه امير المؤمنين وسيد الوصيين صلوات الله عليه واله على هذا المعنى حيث قال: ما من احد ابتلى وان عظمت بلواه باحق بالدعا من المعافى الذى لا يأمن من البلاء (1) فقد ظهر من هذا الحديث احتياج كل احد الى الدعا معافا ومبتلى، وفايدته رفع البلاء الحاصل ودفع السوء النازل (2) أو جلب نفع مقصود أو تقرير خير موجود ودوامه ومنعه من الزوال لانهم عليهم السلام وصفوه بكونه سلاحا، والسلاح مما يستجلب (يجلب) به النفع ويستدفع به الضرر وسموه ايضا ترسا (3) والترس: جنة يتوقى بها من المكاره (4). قال رسول الله صلى الله عليه واله: الا ادلكم على سلاح (5) ينجيكم من اعدائكم ويدر ارزاقكم ؟ (6) قالوا: بلى يا رسول الله قال: تدعون ربكم بالليل والنهار فان سلاح المؤمن الدعا. وقال امير المؤمنين عليه السلام: الدعا ترس المؤمن ومتى تكثر قرع الباب يفتح لك. وقال الصادق (ع): الدعا انفذ من السنان الحديد. (7) وقال الكاظم (ع): ان الدعا يرد ما قدر وما لم يقدر قال: قلت: وما قد قدر فقد عرفته فما لم يقدر ؟ حتى لا يكون. (8)


(1) ما المبتلى الذى اشتد به البلاء باحوج الى الدعا من المعافى ا لذى لا يأمن البلاء (النهج) خطبة: 294 (2) رفع البلاء ازالته بعد حصوله ودفع السوء منعها من النز ول وبهذا تبين الفرق بينهما. (3) الترس بالضم وفى الحديث التقية ترس الله بين خلقه وتترس بالشئ: تستر به. (4) الجنة بالضم: ما تسترت به من سلاحونحوه وسمى بالفارسية (سپر) وفى الحديث الامام جنة أي يتى به ويستدفع به الشر (المجمع). (5) قوله: سلاح المؤمن أي حربته لدفع الاعادي الظاهرة ولباطنة. (6) الادرار: الاكثار. (7) السنان: الحاد النافذ (المجمع) (8) قوله: ما قدر أي كتب في لوح المحو والاثبات أو في ليلة القدر أو تسببت اسبابه القريبة. قوله: عرفته أي فايدة الدعا وتأثيره قوله فما لم يقدر ؟ أي لم اعرف فايدة الدعا فيه. قوله: حتى لا يكون الضمير راجع الى التقدير أي لا يحصل التقدير. قيل: ايجاده تعالى للشئ يتوقف على علمه بذلك الشئ ومشيته وارادته وتقديرة وقضائه وامضائه وفى مرتبة المشية الى الامضاء تجرى البداء فيمكن الدفع بالدعا، وا لامضاء مقارن للحصول فلا يمكن دفعه. انتهى موضع الحاجة ملحضا (مرآت)

[ 13 ]

وقال (ع): عليكم بالدعا فان الدعا والطلب الى الله تعالى يرد البلاء وقد قدر وقضى فلم يبق الا امضائه فإذا دعى الله وسئل صرفه صرفه. وروى زرارة عن ابى جعفر (ع) قال: الا ادلكم على شئ لم يستثن (1) فيه رسول الله صلى الله عليه واله ؟ قلت: بلى قال: الدعا يرد القضاو قد ابرم ابراما وضم اصابعه. وعن سيد العابدين (ع) ان الدعا والبلاء ليتوافقان (2) الى يوم القيمة ان الدعا ليرد البلاء وقد ابرم ابراما. وعنه (ع) الدعا يرد البلاء النازل وما لم ينزل (3) فقد صح بهذه الاحاديث وما في معناها وهو كثير لم نورده حذر الاطالة ظن دفع الضرر بل علمه للقطع بصحة خبر الصادق (الصادقين). واما النقل فمن الكتاب والسنة اما الكتاب فايات: منها قوله تعالى: (قل ما يعبؤبكم (4) ربى لو لا دعائكم).


(1) قوله: لم يستثن أي لم يقل: انشاء الله لانحلال الوعد وعدم لز وم العمل به. المراد بالقضاء المبرم هو الحكم بالنيام اجزاء المقضى وانضمام بعضها ببعض كما يرشد إليه ضم الاصابع. (2) قوله: ليترافقان كذا في اكثر النسخ بالراء: أي هما متلازمان قررهما الله تعالى معا ليكون البلاء داعيا الى الله والدعا صار فاللبلاء فكأنهما رفيقان (مرآت) (3) عن النبي (ص) انه قال: لايرد القضا الا الدعا، والقضا: الامر المقدر، والمراد به اماما يخافه العبد من نزول المكروه ويتوقاه فإذا وافق الدعا دفع الله عنه فيكون تسميته بالقضا على المجاز، واماما يراد به الحقيقة فيكون معنى رد الدعا بالقضا تهوينه وتيسير ا لامر فيه حتى كانه لم ينزل به ويؤيده الحديث: ان الدعا ينفع مما نزل ومما لم ينزل. اما نفعه مما نزل فصبره عليه ورضاه به واما نفعه مما لم ينزل فهو ان يصرفه عنه أو يمده قبل النزول بتأييد من عنده حتى يخف معه اعباء ذلك إذا نزل به انتهى ملخصا (مرآت). (4) قوله تعالى: ما يعبؤا قال في (المجمع): قيل: أي ما يبالى بكم ربى لو لا دعائكم. قال في (الميزان): قيل: دعائكم من اضافة المصدر الى المفعول وفاعله ضمير راجع الى ربى انتهى اقول: فعلى هذا يصير المعنى: ما يصنع بكم ربى لولا دعائه اياكم للاسلام وبناء عليه لا يستدل بها في باب الدعا ولكن سيأتي - في الامر الرابع - استشهاد الامام (ع) بذلك الاية الشريفة على افضلية الدعا من قرائة القرآن الفرقان: 77 (*).

[ 14 ]

وقوله تعالى: (وقال ربكم ادعوني استجب لكم ان الذين يستكبرون عن عبادتي سيد خلون جهنم داخرين) (1) فجعل الدعا عبادة والمستكبر عنها بمنزلة الكافر. وقوله تعالى: (وادعوه خوفا وطمعا) وقوله تبارك وتعالى: (وإذا سئلك عبادي عنى فانى قريب اجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لى وليؤمنوا بى لعلهم يرشدون) واعلم ان هذه الاية قد دلت على امور: (2) الاول تعريضه (3) تعالى لعباده بسؤاله بقوله: (وإذا سئلك عبادي عنى فانى قريب) الثاني غاية عنايته بمسارعة اجابته ولم يجعل الجواب موقوفا على تبليغ الرسول بل قال: (فانى قريب) ولم يقل: قل لهم: انى قريب. الثالث خروج هذا الجواب بالفاء المقتضى للتعقيب بلا فصل الرابع تشريفه تعالى لهم برد الجواب بنفسه لينبه بذلك على كمال منزلة الدعا وشرفه عنده تعالى ومكانه منه. قال الباقر (ع): ولا تمل (4) من الدعا فانه من الله بمكان (5) وقال (ع) لبريد بن معاوية بن وهب وقد سئله كثرة القرائة افضل ام كثرة الدعا ؟ فقال (ع) كثرة الدعا افضل ثم قرء (قل ما يعبوء بكم ربى لولا دعائكم).


(1) قال في (المرآت) بعد تفسير الاية: فان قيل: فعلى هذا يلز م وجوب الدعإ وكونه من الفرائض وكون تركه من الكبائر لو عبد النار عليه قلت: لا استبعاد في ذلك فا ن الدعا في الجملة واجب واقله في سورة الحمد، فترك الدعا رأسا من الكبائر على ان الوعيد مترتب على الاستكبار وهو في درجة الكفر كما في الصحيفة الكاملة: فسميت دعائك عبادة وتركه استكبارا وتوعدت على تركه دخول جهنم داخرين انتهى موضع الحاجة. المؤمن: 63. الا عراف: 55. البقرة. 173. (2) وفى (ئل) ب 3 من ابواب الدعا روايات دالة على افضلية الدعا. (3) التعريض خلاف التصريح وهو الايماء والتلويح (4) مللته ومللت منه: ضجرت (المجمع) (5) قوله: بمكان أي قدر ومنزلة (*).

[ 15 ]

الخامس دلت هذه الاية على انه تعالى لامكان له إذ لو كان له مكان لم يكن قريبا من كل من يناجيه. السادس امره تعالى لهم بالدعا في قوله: (فليستجيبوا لى) أي فليدعوني. السابع قوله تعالى (وليؤمنوا بي) وقال الصادق (ع) أي وليتحققوا انى قادر على اعطائهم ما سئلوه فامرهم باعتقادهم قدرته على اجابتهم. وفيه فايدتان: اعلامهم باثبات صفة القدرة له. وبسط رجائهم في وصولهم الى مقترحاتهم (1) وبلوغ مراداتهم ونيل سؤالاتهم فان الانسان إذا علم قدرة معامله ومعاوضه على دفع عوضه كان ذلك داعياله الى معاملته ومرغباله في معاوضته كما ان علمه بعجز ه عنه على الضدمن ذلك، ولهذا تريهم يجتنبون معاملة المفلس. الثامن تبشيره تعالى لهم بالرشاد (2) الذى هو طريق الهداية المؤدى الى المطلوب فكأنه بشرهم باجابة الدعا. ومثله قول الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام: من تمنى شيئا وهو لله رضا لم يخرج من الدنيا حتى يعطاه. ويروى هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وقال (ع): إذا دعوت (3) فظن حاجتك بالباب. فان قلت: نرى كثيرا من الناس يدعون الله فلا يجيبهم فما معنى قوله تعالى: (اجيب دعوة الداع) ؟ (4) فالجواب: سبب منع الاجابة الاخلال بشرطها (بشروطها) من طرف السائل اما


(1) اقترحت عليه شيئا: سئلته اياه من غير روية. (2) الرشد هو خلاف المعي والضلال (المجمع) (3) قوله: فظن فعل من ظن يظن. (4) ولقد اجاب في (المرات) عن هذه الشبهة بوجوه عديدة ومن اراد يرجع بالدعا شفاء كل داء منه البقرة: 182

[ 16 ]

بان يكون قد سئل الله عزوجل غير متقيد باداب الدعا ولا جامع لشرايطه، وللدعا ادا ب وشروط لابد منها تأتى انشا الله تعالى. روى عثمان بن عيسى عمن حدثه، عن ابى عبد الله (ع) قال: قلت: آيتين في كتاب الله اطلبهما (1) ولا اجدهما قال (ع): ما (وما) هما ؟ قلت: قول الله عزوجل: (ادعوني استجب لكم) فندعوه فلا (ولا) نرى اجابة قال (ع): افترى الله اخلف وعده ؟ قلت: لا قال: فلم (فمم) ذلك ؟ قلت: لا ادرى. فقال (ع): ولكني (لكنى) اخبرك من اطاع الله فيما امره ثم دعاه من جهة الدعا اجابه قلت: وما جهة الدعا ؟ قال (ع): تبدء فتحمد الله وتذكر نعمه عندك ثم تشكره، ثم تصلى على النبي وآله (ص)، ثم تذكر ذنوبك فتقربها ثم تشتغفر الله (تستغفر) منها فهذه (فهذا) جهة الدعا. ثم قال (ع): وما الاية الاخرى ؟ قلت: قول الله عزوجل: (وما انفقتم من شئ فهو يخلفه (2) وهو خير الرازقين) وانى لانفق ولا ادرى خلفا قال: افترى الله اخلف وعده ؟ قلت: لاقال: فلم (فمم) ذلك ؟ قلت: لا ادرى قال (ع): لوان احدكم اكتسب المال من حله (3) وانفقه في حقه (حله) لم ينفق رجل درهما الا اخلف عليه. واما ان يكون قد سئل ما لاصلاح فيه ويكون مفسدة له أو لغيره إذ ليس احد يدعو الله سبحانه وتعالى على ما توجبه الحكمة فيما فيه صلاحه الا اجابه، وعلى الدا عى ان يشترط (4) ذلك بلسانه أو يكون منو يافى قلبه فالله يجيبه البتة ان اقتضت ا لمصلحة اجابتها، أو يؤخر له ان اقتضت المصلحة التأخير. قال الله تعالى: (ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضى إليهم اجلهم). وفى دعائهم السلام يامن لا يغير حكمته الوسائل.


(1). قوله: اطلبهما أي اطلب مضمونهما (2). يق: اخلف الله عليه وله إذا ابدله ما ذهب عنه (3) الحل بالكسر: الحلال ضد الحرام (المجمع) (4) قوله: ان يشرط ذلك أي يشترط ما فيه صلاحه. سبا: 38

[ 17 ]

ولما كان علم الغيب منطويا عن العبد، (1) وربما تعارض عقله قوى الشهوية وتخا طه الخيالات النفسانية فيتوهم امرا فيه فساده صلاحا فيطلبه من الله سبحانه ويلح في السؤال عليه، ولو يعجل الله اجابته ويفعله به لهلك البتة (2). وهذا امر ظاهر العيان غنى عن البيان كثير الوقوع، فكم نطلب امر اثم نستعيذ منه، وكم نستعيذ من امر ثم نطلبه، وعلى هذا خرج (3) قول على عليه السلام: رب امر حرص الانسان عليه فلما ادركه ود ان لم يكن ادركه. وكفاك قوله تعالى: (وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى ان تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وانتم لا تعلمون) فان الله تعالى من وفور كرمه وجزيل نعمه لا يجيبه الى ذلك اما لسابق رحمته به فانه هو الذى سبقت رحمته غضبه وانما انشأه (4) رحمة به وتعريضا (تعرضا) لاثابته (5) وهو الغنى عن خلقه ومعاقبته أو لعلمه سبحانه بان المقصود للعبد من دعائه هو اصلاح حاله، فكأن ما طلبه ظاهرا غير مقصود له مطلقا بل بشرط نفعه له فالشرط المذكور حاصل في نيته وان لم يذكره بلسانه بل وان لم يخطر بقلبه حالة الدعا هذا الشرط، فهو كالأعجمي الذى لقن لفظا لايعرف معناه أو سمع لفظا توهمه علما على شئ ثم طلبه من عارف يقصده فانه يعطيه ما علم قصده إليه لا مادل ظاهر لفظة عليه، وهذا هو معنى الدعا الملحون الذى لا يقبله الله على ما ورد في بعض الاخبار.


(1) طوى الحديث: كتمه (ق). (2) الالحاح أن يلازم المسئول حتى يعطيه. (المجمع) (3) خرج المسألة بالتشديد: وجهها أي بين لها وجها (اقرب) (4) قوله: انشأه الضمير راجع الى الدعا وكونه رحمة واضح لانه عبادة جليلة يثاب عليه وان لم يستجب. (5) الثواب: جزاء الطاعة. البقرة. 216 (*).

[ 18 ]

فان قلت: قد ورد عن ابى جعفر الجواد (ع) انه قال: ما استوى رجلان في حسب (1) ودين قط الا كان افضلهما عند الله عزوجل ادبهما (2) قال: قلت: جعلت فداك قد علمت فضله عند الناس في النادى (3) والمجالس فما فضله عند الله عزوجل ؟ قال (ع): بقر ائة القران كما انزل ودعائه الله عزوجل من حيث لا يلحن (4) وذلك ان الدعاء الملحون لا يصعد ا لى الله عزوجل (5). ويقرب منه قول الصادق (ع) نحن قوم فصحاء إذا رويتم عنا فاعربوها (6). فان كان المراد من هذين الحديثين مادل عليه ظاهرهما فكثيرا ما نرى من اجابة الدعوات غير المعربات، وكثيرا ما نشاهد من اهل الصلاح والورع ومن يرجى اجابة دعائهم لا يعرفون شيئا من النحو. وايضا إذا لم يكن دعائه مسموعا فلا فايدة فيه فلا يكون مأمورا به لانتفاء فائدته ح، ولا يتوجه الامر بالدعا الا الى حذاق (7) النحاة بل النحوي ايضا ربما يلحن في بعض الادعية لافتقارها الى الاضمار والتقدير والحذف، واستغاله حالة الدعا بالخشوع والتوجه الى الله تعالى عن استحضار ادلة النحو وقوانينه، وكل هذه الامور باطلة خلاف المشا هد من العالم (العلم) وضد المعلوم من اخبارهم عليهم السلام ووصاياهم فانهم دلوا على كل شئ يتعلق بمصالح العباد، وقد ذكروا في آداب الدعا وشروطه امورا كثيرة ستقف عليها في هذا الكتاب انشا الله تعالى (8) ولم يذكروا الاعراب ولا معرفة النحو فيها، وإذا لم يكن المراد منهما ذلك فما فعنا هما ؟


(1) الحسب بفتحتين: الشرف بالاباء وما يعدمن مفاخرهم (2) الادب: حسن الاخلاق. (3) النادى والندى: المجلس. (4) اللحن: الميل عن جهة الاستفامة، ولحن في كلامه إذا مال عن صحيح النطق. (5) إليه يصعد الكلم الطيب أي يقبله (6) الاعراب بكسر الهمزة: الابانة والايضاح (7) حذق الرجل في صنعته: مهر فيها وعرف غوامضها (المجمع) (8) قد يأتي آداب الدعا في باب الرابع بتفصيله (*).

[ 19 ]

فاعلم ايدك (1) الله انه لما كان الواقع خلاف ما دل عليه ظاهر الخبرين عدل الناس الى تأويلهما، فبعض قال: الدعاء الملحون دعاء الانسان على نفسه في حالة ضجرة بما فيه ضررها واستشهد على ذلك بقوله تعالى: (ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم للخير لقضى إليهم اجلهم) قال المفسرون: أي ولو يعجل الله للناس الشراى اجابة دعائهم في الشر إذا دعوا به على انفسهم واهليهم عند الغيظ (2) والضجر مثل قول الانسان: رفعني الله من بينكم. استعجالهم بالخير أي كما يعجل لهم اجابة الدعوة بالخير إذا استعجلوه بالخير لقضى إليهم اجلهم لفرغ من اهلاكهم، ولكن سبحانه تعالى لا يعجل لهم الهلاك بل يمهلهم (3) حتى يتوبوا وقال بعضهم: الدعاء الملحون دعاء الوالد على ولده في حال ضجره منه لان النبي صلى الله عليه واله سئل الله عزوجل: ان لا يستجيب دعاء محب على حبيبه. وبعضهم قال: الذى لا يكون جامعا لشرايطه والكل بمعزل عن التحقيق لان مقدمة الخبر لا تدل على ذلك لان الكلام قدورد في معرض مدح النحو. بل التحقيق ان نقول: اما الخبر الاول فالمراد من قوله عليه السلام: ان الدعاء الملحون لا يصعد الى الله عزوجل أي لا يسمعه ملحونا، ويجازى عليه جاريا على لحنه مقابلا له بما دل ظاهر لفظة عليه بل يجازى على قصد الانسان من دعائه. كما سمع من بعضهم يقول عند زيارته المعصوم عليهم السلام: واشهد انك قتلت وظلمت وغصبت بفتح اول الكلمة، ومن المعلوم بالضرورة ان هذا الدعا لو سمع منه جاريا على لحنه لحكمنا بارتداده ووجوب تعزيره ولم يقل: به احد، فدل ذلك على ا ن الدعا لا يجزى (يجرى) على ظاهر لفظة إذا كان المقصود منه غير ذلك. ويدل عليه ايضا اجماع الفقها اعلى الله تعالى درجاتهم على ان الانسان (انسانا) لو قذف (4)


(1) الايد: الصلب والقوة يق ايدته: قويته (ق) (2) الغيظ: الغضب. يونس: 11 (3) مهلته وامهلته: انظرته. (4) قذف المحصنة: رماها بالفاحشة (المجمع)

[ 20 ]

اخرا بلفظ لا يفيد القذف في عرف القائل لم يكن قاذفا ولم يتوجه عليه عقوبة وان كان ذلك اللفظ مفيد اللقذف في عرف غيره، فعلم ان اعراب الالفاظ في الدعاليس شرطا في اجابته والاثابة عليه، بل هو شرط في تمامية فضيلته وكمال منزلته وعلو مرتبته. وخرج (1) قول الجواد عليه السلام: ودعائه الله من حيث لا يلحن مخرج المدح، وذلك ان الدعا إذا لم يكن ملحونا كان ظاهر الدلالة في معناه، والالفاظ الظاهر الدلالة في معانيها افضل من الالفاظ المتأولة ولهذا كانت الحقيقة افضل (2) من المجاز والمبين اولى من المجمل. وايضا فانه افصح والفصاحة مرادة في الدعا وخصوصا إذا كان مقولا عن الائمة عليهم السلام ليدل على فصاحة المنقول عنه وفيه اظهار لفضيلة المعصوم. وايضا فان اللفظ إذا كان معربا لم ينفر عنه طبع السامع إذا كان نحويا وإذا سمعه ملحونا نفر طبعه عنه وربما تألم منه قيل: سمع الاعمش (3) رجلا يتكلم ويلحن في كلامه فقال: من هذا الذى يتكلم وقلبي منه يتألم ؟. وروى ان رجلا قال لرجل: اتبيع هذا الثوب ؟ فقال: لاعافاك الله فقال: لقد علمتم لو تعلمون قل: لاوعافاك الله. وروى ان رجلا قال لبعض الاكابر وقد سئله عن شئ فقال: لا واطال الله بقاك فقال: ما رأيت واوا احسن موقعا من هذه. وقوله عليه السلام: ان الدعاء الملحون لايصعدا لى الله: أي لا يصعد ملحونا إليه يشهد عليه الحفظة بما يوجبه اللحن إذا كان مغيرا للمعنى، ويجازى عليه كذلك بل بجازيه على قدر قصده ومراده من دعائه. ويؤيد ذلك ما رواه محمد بن يعقوب عن على بن ابراهيم عن ابيه عن النوفلي


(1) خرج المسألة: وجهها أي بين لها وجها. (المجمع) (2) كون استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي افضل منه في المجاز عدم احتياجه الى ا لقرينة. (3) الاعمش نحوى هو اسماعيل بن مهران (*).

[ 21 ]

عن السكوني عن ابى عبد الله (ع) قال: قال النبي صلى الله عليه واله: ان الرجل الاعجمي (1) من امتى ليقرء القرآن بعجمية فترفعه الملائكه على عربيته. مع انا نجد في ادعية اهل البيت عليهم السلام الفاظ لا تعرف معانيها، وذلك كثير: فمنه اسماء واقسامات (2)، ومنه اغراض وحاجات وفوائد وطلبات (3)، فنسئل عن الله بالاسماء ونطلب منه تلك الاشياء ونحن غير عارفين بالجميع، ولم يقل احد: ان مثل هذا الدعا إذا لم يكن معربا يكون مرد ودامع ان فهم العامي لمعان الالفاظ المحلونة اكثر من فهم النحوي لمعاني دعوات عربية لم يقف على تفسيرها ولغاتها بل عرف مجرد اعرابها، بل الله يجازيه على قدر قصده ويثيبه على نيته. لقوله صلى الله عليه واله: الاعمال بالنيات. وقوله (ص): نية المؤمن خير من عمله (4) وهذا نصفى هذا الباب لان الجزاء وقع على النية فانتفع به الداعي، ولو وقع على العمل الظاهر لهلك. ولقوله (ص): ان سين بلال عند الله شين. وجاء رجل الى امير المؤمنين عليه السلام فقال: يا امير المؤمنين ان بلا لا كان يناظ ر اليوم فلانا فجعل يلحن في كلامه، وفلانا يعرب ويضحك من بلال فقال امير المؤمنين: يا عبد الله انما يراد اعراب الكلام وتقويمه لتقويم الاعمال وتهذيبها، ما ينفع فلانا اعرابه وتقويمه لكلامه إذا كانت افعاله ملحونة اقبح لحن ؟ وماذا يضر بلالا لحنه في كلامه إذا كانت افعاله


(1) الاعجم: الذى في لسانه عجمة بضم العين وهى لكنة وعدم فصاحة (المجمع (2) اقسامات هي جمع الاقسام وهو جمع القسم محركة أي اليمين (اقرب) (3) الطلبة ككلمة: الحاجة ج طلبات المجمع) (4) سئل عن الصادق (ع) عن معنى الحديث قال (ع): لان العمل ربما كان رياء للمخلوقين والنية خالصة لرب العالمين فيعطى عزوجل على النية مالا يعطى على العمل (ئل) ج 1 ابواب مقدمة العبادات ب 6 (*).

[ 22 ]

مقومة احسن تقويم ومهذبة (1) احسن تهذيب. فقد ثبت بهذا الحديث ان اللحن (2) قد يدخل في العمل كما يدخل في اللفظ، وان الضرر فيه عائد الى وقوعه في العمل دون اللفظ. واما الخبر الثاني فالمراد به في الاحكام. وهذا مثل قول النبي (ص): رحم الله (نضر الله) (3) من سمع مقالتي فوعا ها وأداها كما سمعها، فرب حامل علم ليس بفقيه. وهو قول الصادق (ع): إذا رويتم عنا فاعربوها لان الاحكام تتغير بتغير الاعراب في الكلام. ألا ترى الى قوله (ص) حين سئل انا نذبح الناقة والبقرة والشاة وفى بطنه الجنين (4) أنلقيه أم ناكله ؟ قال صلى الله عليه واله: كلوه ان شئتم فان ذكاة امه فبعض الناس يروى ذكاة الثاني بالرفع فيكون معناه ان ذكاة امه تبيحه وهى كافية عن تذكيته (5) وبعض رواها بالنصب (6) فيكون معناه: ان ذكاة الجنين مثل ذكاة ا مه فلابد فيه من تذكية له بانفراده ولا تبيحه ذكاة امه فافهم ذلك فانه من مغاص (7) الفهم ور قيق العلم. فان قلت: قد ظهر ان الباري سبحانه لا يفعل خلاف مقتضى الحكمة، وانه الذى لا تبدل حكمته الوسائل فما اشتمل على خلاف المصلحة لا يفعله مع الدعا، وما اشتمل على المصلحة فانه يفعله وان لم يسئل لانه انما انشأ الانسان وخلقه رحمة به


(1) رجل مهذب: مطهر الاخلاق (ص) (2) لحن فلان في كلامه: إذا مال عن صحيح النطق ويق: عرب بالضم إذا لم يلحن (ا لمجمع) (3) نضر وجهه: حسن (المجمع) (4) الجنين: الولد في البطن ج أجنة. (5) النذكية: الذبح كالذكاء والذكاة (6) قوله: بالنصب أي بناء على كونه منصوبا بنزع الخافض وكونه كلمة (مثل)، واما إذا قدر كلمة (في). يصير المعنى مثل صورة الرفع. (7) الغوص: النزول تحت الماء وا لمغاص موضعه (ق) (*).

[ 23 ]

واحسانا إليه فما معنى الدعا إذا انتفت فايدته ؟ فالجواب من وجوه: الاول لا يمتنع ان يكون وقوع ما سئله انما صار مصلحة بعد الدعا ولا يكون مصلحة قبله. وقد نبه على ذلك الصادق (ع) في قوله لميسر بن عبد العزيز: يا ميسر ادع الله ولا تقل: ان الامر (1) قد فرغ منه ان عند الله منزلة لا تنال الا بمسألة ولو أن عبد اسدفاه ولم يسئل لم يعط شيئا، فاسئل تعط يا ميسر انه ليس يقرع (2) باب الا يوشك ان يفتح لصاحبه. وروى عمرو بن جميع عنه (ع) من لم يسئل الله من فضله افتقر. وعن على عليه السلام ما كان الله ليفتح باب الدعا ويغلق عنه (عليه) باب الاجابة. وقال عليه السلام: من اعطى الدعا لم يحرم الاجابة. الثاني ان الدعا عبادة في نفسه تعبد الله عباده به لما فيه من اظهار الخشوع والافتقار إليه وهو امر مطلوب لله عزوجل من عبيده. قال الله تعالى: (وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون (3) والعبادة في اللغة هي الذلة يقال: طريق معبداى مذلل بكثرة الوطى عليه، وفى الاصطلاح العبادة أو في ما يكون من التذلل والخشوع للمعبود.


(1) والنهى عن هذا القول يحتمل الوجهين: احدهما بطلانه فانه قول اليهود وبعض الحكماء بل لابد من الايمان بالبداء. الثاني ان يكون المراد بالفراغ من الامر تعلق علمه سبحانه بما هو كائن وهذا الكلام صحيح لكن ذلك لا يمنع الامر بالدعا والاتيان به وترتب الثواب عليه فالمراد بالنهي عن هذا القول جعل ذلك مانعا عن الدعا وسببا للاعتقاد بعدم فائدته (مرات). (2) قرع الباب: طرق (المجمع) (3) الذاريات: 56 (*).

[ 24 ]

وعن النبي (ص) انه قال: الدعا مخ العبادة (1). وفيما وعظ الله تعالى به عيسى (ع) يا عيسى أذل لى قلبك واكثر ذكرى في الخلوات، واعلم ان سروري ان تبصبص الى، وكن في ذلك حيا ولا تكن ميتا (2). الثالث روى ان دعاء المؤمن يضاف الى عمله ويثاب عليه في الاخرة كما يثاب على عمله. الرابع ان الاجابة ان كانت مصلحة والمصلحة في تعجيلها عجلت، وان اقتضت المصلحة تأخيرها الى وقت اجلت الى ذلك الوقت، وكانت الفايدة من الدعا مع حصول المقصود زيادة الاجر بالصبر في هذه المدة، وان لم يوصف بالمصلحة في وقت ما وكان في الاجابة مفسدة استحق بالدعا الثواب، أو يدفع عنه من السوء مثلها ويدل على هذه الجملة: ما رواه أبو سعيد الخدرى قال: قال رسول الله (ص): ما من مؤمن دعا الله سبحانه وتعالى دعوة ليس فيها قطيعة رحم ولا اثم الا اعطاه الله بها احدى (احد) خصال ثلاث: اما ان يعجل دعوته، واما أن يؤخر له، واما ان يدفع عنه من السوء مثلها قالوا: يا ر سول الله اذن نكثر قال: الله (اكثروا) اكثر. وفى رواية انس بن مالك أكثر واطيب ثلاث مرات. وعن امير المؤمنين (ع) ربما اخرت عن العبد اجابة الدعا ليكون أعظم لاجر السائل


(1) وفى (المجمع) ومخ كل شئ خالصه، وفى الحديث الدعا مخ العبادة لانه اصلها وخالصها لما فيه من امتثال امر الله تعالى يقول: (ادعوني استجب لكم)، ولما فيه من قطع الامل عما سواء، ولانه إذا راى نجاح الامور من الله تعالى قطع نظره عمن سواه ودعاه لحاجته وهذا هو ا صل العبادة، ولان الغرض من العبادة الثواب عليها وهو المطلوب بالدعا. (2) قوله وكن في ذلك حيا اه أي كن حاضر القلب ولا تكن ساهيا غافلا فان القلب الساهي الغافل عن ذكره تعالى وعن ادراك الحق ميت، والقلب العاقل الذاكر حى، وقوله تعالى: (أو من كان ميتا فاحييناه) الانعام: 122 - (وانك لا تسمع الموتى) - ا لنمل: 82. اشارة الى هذين القلبين (مرآت) التبصبص تحريك الكلب ذنبه خوفا أو طمعا (المجمع)

[ 25 ]

وأجزل لعطاء الامل. الخامس بما اخرت الاجابة عن العبد لزيادة صلاحه وعظم منزلته عند الله عزوجل ان الله انما أخر اجابته لمحبته سماع صوته. روى جابر بن عبد الله قال: قال النبي (ص): ان العبد ليد عو الله وهو يحبه فيقول لجبرئيل: اقض لعبدي هذا حاجته واخرها فانى احب ان لا ازال اسمع صوته، وان العبد ليدعو الله عزوجل وهو يبغضه فيقول: يا جبرئيل اقض لعبدي هذا حاجته وعجلها فانى اكره ان اسمع صوته. تنبيه وانت إذا دعوت فلا يخلوا ما ان ترى آثار الاجابة، اولا، فان رأيت آثار الاجابة فمهلا لا تعجب (1) بنفسك وتظن أن دعوتك انا اجيبت لصلاحك وطهارة نفسك. فلعلك ممن كره الله نفسه وابغض صوته، والاجابة حجة عليك يوم القيامة يقول لك: الم تكن دعوتني وانت مستحق للاعراض عنك فاجبتك ؟ بل ينبغى ان يكون همك بالشكر والزيادة في العمل والصلاح لما اولاك الله من الطافه الباسطة لرجائك المرغبة لك في دعائك، وتسئل الله ان يجعل ما عجله لك بابامن ابواب لطفه ونفحة من نفحات (2) رحمته، وان يلهمك زيادة الشكر على ما اولاك من تعجيل اجابة لست لها باهل وهو اهل لذلك، وان لا يكون ذلك منه استدراجا، (3) وعليك بالاكثار من الحمد والاستغفار، فالحمد مقابل النعمة والمنة ان كان سبب الاجابة الرحمة، والاستغفار ان كان سببها الاستدراج والبغضة.


(1) اعجب بنفسه بالبناء المجهول: إذا تكبر وترفع فهو معجب والا سم العجب. (2) نفحت الريح: هبت فشبه الرحمة بالرياح في كثرتها وهبوبها كل ساعة. (3) استدراج الله للعبد انه كلما جدد خطيئته جدد له نعمة وانساء الاستغفار فيأخذه قليلا ولا يباغته. (المجمع)

[ 26 ]

وان لم تر آثار الاجابة فلا تقنط (1) وابسط (2) رجائك في كرم مولاك فانه ربما اخرت اجابتك لان الله تعالى يحب ان يسمع دعائك وصوتك فعليك بالالحا ح اما اولا فلتحوز (3) نصيبا من دعائه (ع) حيث يقول: رحم الله عبدا طلب من الله شيئا (حاجة) فالح عليه. وأما ثانيا فلتصادف محبة الله تعالى لانه انما اخرك بحبه سماع صوتك فلا تقطع ذلك. وأما ثالثا فلتعجيل قضاء الحاجة بتكرار الدعا على ما ورد (4) واقبض نفسك الاما رة بالخوف من الله تعالى جل جلاله. وقل: لعلى انما لم يستجب لى جل جلاله لان دعائي محجوب وعملى لا ترفعه الملائكة لكثرة ذنوبي، أو لكثرة المظالم والتبعات (5) قبلى أو لان قلبى قاس (6) اولاه (7) أو ظني غير حسن بربي، وكل هذه الامور حاجبة للدعا على ما سيجيئ (8) اولان هذا الكمال لست له اهلا فمنعته ولو كنت له اهلا لافاضه الكريم الرحيم عليك من غير سؤال فاذن يحصل لك الخوف تعرف انك في محل التقصير، وان مقامك مقام العبد الحقير الذى ابعدته عيوبه وطردته ذنوبه وقعدت به اعماله وحبسته آماله وحرمته شهواته واثقلته تبعاته ومنعته من الجرى في ميدان السالكين وعاقته عن الترقي الى درجات الفائزين.


(1) القنوط: الياس. (2) بسط الشئ: نشرة (3) وكل من ضم الى نفسه شيئا فقد حازه (المجمع). (4) وفى الحديث ان المؤمن يسئل الله حاجة فيؤخر عنه اجابتها حبا لصوته واستماع نحيبه الحديث (الاصول) ج 2 ص 488. (5) التبعة والتباعة: المظلمة. (6) قست قلوبهم: يبست وصلبت عن ذكر الله. (7) لاهية قلوبهم: ساهية غافلة مشغولة بالباطل عن الحق. (8) ياتي في ب 3 ذيل عنوان (اقوام لا يستجاب دعائهم) امور الحاجبة عن الاجابة. بتفصيله (*).

[ 27 ]

وتحقق انك مع هذا البعد والحقارة عن مولاك وقعودك بأثقالك متخلفا عن السابقين ومنفردا عن المخذولين (1) ان تخاذلت ساكتا عن الاستغاثة بمولاك ومتقاعسا (2) عن الاستقامة في طلب هداك يوشك ان ينهز (3) بك الشيطان فرصة الظفر، فتعلق بك مخالبه (4) فتنشب (5) في حبائله فلا تقدر على الخلاص وتلحق بالاشقياء المعذبين. بل عليك بكثرة الاستغاثة والصراخ (6) قبل ان تعلق بك الفخاخ (7) ولازم قرغ الباب عسى ان يرفع بك الحجاب، وقل بلسان الخجل والانكسار في مناجات ملك الجبار: الهى وسيدي ومولاى ان كان ما طلبته من جودك وسئلته من كرمك غير صالح لى في دينى ودنيا وان المصلحة لى في منع اجابتي فرضنى مولاى بقضائك وبارك لى في قدرك حتى لا احب تعجيل ما أخرت ولا تأخير ما عجلت، واجعل نفسي راضية مطمئنة بما يرد على منك، وخرلى واجعله احب الى من غيره وآثر (8) عندي مما سواه. وان كان منعك اجابتي واعراضك عن مسئلتي لكثرة ذنوبي وخطاياى فانى اتوسل اليك بانك ربى وبمحمد نبيى وباهل بيته الطيبين الطاهرين ساداتي، وبغناك عنى وبفقرى اليك وباني عبدك، وانما يسئل العبد سيده والى من حينئذ منقلبنا عنك ؟ والى اين مذهبنا عن بابك ؟ وانت الذى لا يزيده المنع ولا يكيده (9) الاعطاء وانت اكرم الاكرمين وأرحم الراحمين.


(1) خذله خذلا إذا ترك عونه ونصرته (2) يتقاعس: يتأخر. (3) النهزة: الفرصة. (4) مخلب الطائر بكسر الميم وفتح اللام بمنزلة الظفر للانسان. (5) نشب في الشيئ: وقع فيما لا مخلص منه. (6) الصراخ: الصياح بالاستغاثة. (7) الفخ: آلة يصطاد بها، والمراد بالفخاخ الشيطان الصياد للانسان (المجمع) (8) آثره ايثارا: اختاره واكرمه (اقرب). (9) لايتكائدك عفواى لا يصعب عليك. (المجمع) (*).

[ 28 ]

ثم تذكر ما قاله على بن الحسين زين العابدين (ع) في مناجاته، وتفكر فيما تضمنته من بسط الرجا: (الهى وعزتك وجلالك لو قرنتنى في الاصفاد (1) ومنعتني سيبك (2) من بين الاشهاد ودللت على فضائحي عيون العباد وامرت بى الى النار وحلت حلت بينى وبين الابرار ما قطعت رجائي منك ولا صرفت تأميلى للعفو عنك ولاخرج حبك عن قلبى انا لا انسى اياديك عندي وسترك على في دار الدنيا وحسن صنيعك الى). وتبسط بهذا وامثاله (3) رجاك لئلا يميل به جانب الخوف فيؤدى الى القنوط، (ولا يقنط من رحمة ربه الا الضالون)، ولا يميل به جانب الرجا فتبلغ الغرور والحمق. قال رسول الله (ص): الكيس (4) دان (5) نفسه وعمل لما بعد الموت، والاحمق والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله المغفرة. وعنهم عليهم السلام انما المؤمن كالطائر وله جناحان الرجا والخوف. وقال لقمان لابنه نامان (ما ثان): يا بنى لو شق جوف المؤمن لوجد على قلبه سطران من نور لو وزنا لم يرجع احدهما على الاخر مثقال حبة من خردل احدهما الرجا والاخر الخوف. نعم في حالة المرض خصوصا مرض الموت ينبغى ان يزيد الرجا على الخوف ورد بذلك الاثر عنهم عليهم السلام. مناجات لدفع الفقر والشدائد: يامن يرى ما في الضمير ويسمع = أنت المعد لكل ما يتوقع


(1) الاصفاد: القيود والاغلال واحدها صفد بالتحريك (المجمع) (2) السيب: العطاء (اقرب). (3) مثل ما ناجى به زين العابدين (ع) في دعائه: (اللهم انى اجد سبل المطالب اليك مشرعه ومناهل الرجال اليك مترعة والاستعانة بفضلك لمن املك مباحة وابواب الدعا اليك للصارخين مفتوحه اه. (4) الكيس: العاقل. (5) دانه: اذله واستبعده (*).

[ 29 ]

يامن يرجى للشدائد كلها = يامن إليه المشتكى والمفزع يامن خزائن ملكه في قول كن = امنن فان الخير عندك اجمع مالى سوى فقرى اليك وسيلة = بالافتقار اليك فقرى ادفع مالى سوى قرعى لبابك حيلة = ولئن رددت فاى باب اقرع ومن الذى ادعو واهتف (1) باسمه = ان كان فضلك عن فقير يمنع حاشا لمجدك ان تقنط عاصيا = والفضل اجزل والمواهب (2) اوسع مناجات اخرى: اجلك عن تعذيب مثلى على ذنبي = ولا ناصر لى غير نصرك يا رب انا عبدك المحقورفى عظم شأنكم = من الماء قد أنشأت اصلى وترب (3) ونقلتني من ظهر آدم (4) نطفة = احذر (5) في قعر جريح من الصلب وأخرجتني من ضيق قعر بمنكم = واحسانكم اهويمن الواسع الرحب (6) فحاشاك في تعظيم شأنك والعلى = تعذب محقورا باحسانكم ربى لانار أينا في الانام معظما = يخلى عن المحقور في الحبس والضرب وارفده مالا ولو شاء قتله = لقطعه بالسيف اربا على ارب (7) وايضا إذا عذبت مثلى وطائعا = تنعمه فالعفو منك لمن تحبى (8) فما هو الالى فمنذ رأيته = لكم شيمة (9) أعددته المحو للذنب


(1) الهتف: الصوت. (2) لهبة: العطية والاسم الموهب والموهبة (نهاية) (3) التربة أي التراب ج ترب كغرفة وغرف (المجمع) (4) النطفة: ماء الرجل ج نطف (ص) (5) احدر بالبناء على المفعول أي انزل. (6) الرحب بالضم: السعة. (7) الارب بالكسر: العضو. (8) حبى الماء في الحوض حبيا: جمعه (القاموس) (9) الشيمة: الغريزة والطبيعة والجبلة التى خلق الانسان عليها (*).

[ 30 ]

وأطمعتني لما رأيتك غافرا = ووهاب قد سميت نفسك في الكتب فان كان شيطاني اعان جوارحي = عصتكم فمن توحيدكم ما خلا قلبى فتوحيد كم فيه وآل محمد = سكنتم به في حبة القلب واللب وجيرانكم هذا الجوارح كلها = وانت فقد اوصيت بالجارذى الجنب وايضا رأينا العرب تحمى نزيلها (1) = وجيرانها التابعين من الخطب (2) فلم لا ارجى فيك يا غاية المنى = حما مانعا إذ صح هذا من العرب نصيحة: وينبغى لك مع تأخر الاجابة الرضا بقضاء الله تعالى وان تحمل عدم الاجابة على الخيرة وان الحاصل بك هو عين الصلاح لك فانه غاية التفويص الى الله تعالى وحق له عليك فانه روى عن رسول الله (ص) انه قال: لا تسخطوا نعم الله ولا تقترحوا (3) على ا لله واذ ابتلى احدكم في رزقه ومعيشته فلا يحدثن شيئا يسئله لعل في ذلك حتفه (4)


(1) حميت حماية إذا دفعت عنه. (ص) (2) الخطب بالمعجمة: الامر الجسيم. وفى (المجمع) كان زين العابدى (ع) ليلة من الليالى متعلقا باستار الكعبة وهو يتململ ويقول: يا ذا المعالى عليك معتمدي = طوبى لعبد تكون مولاه طوبى لمن بات خائفا وجلا = يشكو الى ذى الجلال بلواه إذا خلا في الظلام مبتهلا = اكرمه ربه ولباه نقل ان هاتفا اجابه يقول: لبيك لبيك انت في كنفى = وكلما قلت قد سمعناه صوتك تشتاقه ملائكتي = وعذرك اليوم قد قبلناه اسئل بلاد هشة ولا وجلا = فلا تخف اننى الله (3) اقترحت عليه شيئا: سئلته اياه من غير روية. (4) الحنف: الموت (*).

[ 31 ]

كن ليقل: (اللهم بجاه محمد وآله الطيبين ان كان ما كرهته من امرى هذا خير الى وافضل في دينى فصبرني عليه وقونى على احتماله ونشطني (1) بثقله، وان كان خلاف ذلك خيرا لى فجد على به ورضني بقضائك على كل حال فلك الحمد). وفى هذا المعنى ما روى عن الصادق (ع) فيما اوحى الله الى موسى بن عمران (ع): يا موسى ما خلقت خلقا احب الى من عبدى المؤمن، وانى انما ابتليته لما هو خير له واعافيه لما هو خير له، وانا اعلم بما يصلح عبدى عليه فليصبر على بلائى وليشكر على نعمائي اثبته في الصديقين عندي إذا عمل برضائى واطاع امرى. وعن امير المؤمنين (ع) قال: قال الله عزوجل من فوق عرشه: يا عبادي اطيعونى فيما امرتكم به، ولا تعلموني بما يصلحكم فانى اعلم به ولا ابخل عليكم بمصالحكم. وعن النبي (ص): يا عباد الله انتم كالمرضى ورب العالمين كالطبيب فصلاح المرضى بما يعلمه الطبيب ويدبره لا فيما يشتهيه المريض ويقتره الا فسلموا الله امره تكونوا من الفائزين. وعن الصادق (ع) عجبت للمرء المسلم لا يقضى الله (له) بقضائه الا كان خيرا له (و) ان قرض بالمقاريض (2) كان خيرا له، وان ملك مشارق الارض ومغاربها كان خيرا له. وعنه (ع) يقول الله سبحانه: ليحذر عبدى الذى يستبطئ (3) رزقي ان أغضب فافتح عليه بابا من الدنيا. وفيما اوحى الله تعالى الى داود (ع): من انقطع الى كفيته ومن سئلني اعطيته ومن دعاني اجبته، وانما اؤخر دعوته وهى معلقة وقد استجبتها له تى يتم قضائي فإذا


(1) نشط في عمله: خف واسرع فهو نشيط (المجمع) (2) المقراض: ما يقرض بها أي يقطع بها ج المقاريض (المجمع). (3) استبطا: وجده قد ابطاء، أو قال له قد ابطأت (اقرب) (*).

[ 32 ]

ثم قضائي انفذت (1) ما سئل قل للمظلوم: انما اؤخر دعوتك وقد استجبتها لك على من ظلمك حتى يتم قضائي لك على من ظلمك لضروب كثيرة غابت عنك وانا احكم الحاكمين. اما ان تكون قد ظلمت رجلا فدعا عليك فتكون هذه بهذه لالك ولا عليك، واما ان تكون لك درجة في الجنة لا تبلغها عندي الا بظلمه لك لانى اختبر عبادي في اموالهم وانفسهم، وربما امرضت العبد فقلت صلوته وخدمته، ولصوته إذا دعاني في كربته (2) احب الى من صلوة المصلين، ولربما صلى العبد فاضرب بها وجهه واحجب عنى صوته اتدرى من ذلك يا داود ؟ ذلك الذى يكثر الالتفات الى حرم (3) المؤمنين بعين الفسق، وذلك الذى حدثته نفسه لو ولى امرا لضرب فيه الاعناق ظلما. يا داود نح على خطيئتك كالمرئة الثكلى على ولدها لو رأيت الذين يأكلون الناس بالسنتهم وقد بسطتها بسط الاديم وضربت نواحى السنتهم بمقامع من نار (4) ثم سلطت عليهم موبخا لهم (5) يقول: يا اهل النار هذا فلان السليط فاعرفوه، كم ركعة طويلة فيها بكاء بخشية قد صليها صاحبها لاتساوى عندي فتيلا (6) حين (حيث) نظرت في قلبه وجدته ان سلم من الصلوة وبرزت له امرئة وعرضت عليه نفسها اجابها، وان عامله مؤمن خاتله (7) (خانه)


(1) امره نافذاى مطاع. (المجمع) (2) الكربة كغرفة: الغم الذى يأخذ بالنفس ج كرب كغرف. (3) حرم بضم الاول وفتح الثاني جمع الحرمة بمعنى المرئة. (4) المقامع ج المقمعة بالكسر وهى شئ من حديد يضرب به. (5) وفى بعض النسخ (موبخا) بلا تشديد وبخه توبيخا إذا لامه وهدده على عدم الفعل. (6) الفتيل: قشر يكون في بطن النواة وهو ونقير وقطمير امثال (7) ختله: خدعه (المجمع)

[ 33 ]

واما مادل عليه من السنة فكثير يفضى استقصائه الى السهاب (1) واضجار فلنقتصر منه على اخبار: الاول روى حنان بن سدير قال: قلت لابي جعفر (ع): أي العبادة افضل ؟ فقال: ما من شئ احب (افضل) الى الله (عند الله) من ان يسئل ويطلب ما (مما) عنده، وما احدا بغض الى الله ممن يستكبر عن عبادته ولا يسئل ما عنده. الثاني روى زراره عن ابى جعفر (ع) قال: ان الله عزوجل يقول: (ان الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) (2) قال: هو الدعاء، وافضل العبادة الدعا قال: قلت: (ان ابراهيم لاواه حليم) قال: الاواه هو الدعاء. الثالث روى ابن القداح عن ابى عبد الله (ع) قال: قال امير المؤمنين (ع): ا حب الاعمال الى الله في الارض الدعا، وافضل العبادة العفاف (3) قال: وكان امير ا لمؤمنين (ع) رجلا دعاء. الرابع روى عبيد بن زرارة عن ابيه عن رجل عن ابى عبد الله (ع): الدعا هو العبادة التى قال الله: (ان الذين يستكبرون عن عبادتي) الاية ادع الله (ادع) ولا تقل: ان الامر قد فرغ (منه). الخامس روى عبد الله بن ميمون القداح عن ابي عبد الله (ع) قال: الدعا كهف الاجابة


(1) اسهب الرجل إذا اكثر من الكلام (ص) (2) المؤمن 62. (3) والمراد بالعفا ف اما العفة عن السؤال عن المخلوقين، اوعفة البطن والفرج عن الحرام، أو مطلق العفة عن الحرام، وربما يتوهم التنافى بينه وبين كون الدعا احب الاعمال والجواب من وجوه: الاول ان الدعا افضل الاعمال الوجودية والعفا افضل التروك. الثاني ان تكون افضلية كل منهما بالنسبة الى غير الاخر. الثالث ان تكون افضلية كل منهما من جهة خاصة فان لكل منهما تأثيرا خاصا لا يقوم الاخر مقامه كما ان للماء تأثيرا في قوام البدن لا يقوم غيره مقامه، وبمثل تلك الوجوه يمكن الجمع بين هذه الاخبار وبين ما ورد في افضلية غيرهما من الاعمال انتهى موضع الحاجة ملخصا (مرات) (*).

[ 34 ]

كما أن السحاب كهف المطر. (1) السادس روى هشام بن سالم قال: قال أبو عبد الله (ع): اتعرفون طول البلاء من قصره ؟ قلنا: لاقال: إذا ألهم احدكم الدعا (عند البلاء) فاعلمو أن البلاء قصير. (2) السابع ولاد قال: قال أبو الحسن (ع): ما من بلاء نزل على عبد مؤمن فيلهمه الله الدعا الا كان كشف ذلك البلاء وشيكا (3) وما من بلاء ينزل على عبد مؤمن فيمسك عن الدعا الا كان البلاء طويلا، فإذا نزل البلاء عليكم بالدعا والتضرع الى الله عزوجل الثامن عن النبي (ص): افزعوا الى ا لله في حوائجكم وألجئوا إليه في ملماتكم (4) وتضرعوا إليه وادعوه فان الدعامخ (5) العبادة، وما من مؤمن يدعو الله الا استجا ب له فاما ان يعجل له في الدنيا أو يؤجل له في الاخرة واما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا ما لم يدع بمأثم (6) التاسع عنه (ص): أعجز الناس من عجز عن الدعا وأبخل الناس من بخل بالسلام (7). العاشر وعنه (ص) الا ادلكم على أبخل الناس وأكسل الناس وأسرق الناس وأجفأ الناس واعجز الناس ؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: أما أبخل الناس فرجل يمر بمسلم ولم يسلم عليه، وأما أكسل الناس فعبد صحيح فارغ لا يذكر الله بشفة ولا بلسان، وأما أسرق الناس فالذي يسرق من صلوته تلف كما تلف الثوب الخلق (8) فيضربها وجهه، وأما أجفأ


(1) أي الاجابة تأوى إليه فيكون مظنة لها كالمطرمع السحاب (المجمع) (2) الهام الدعا: اخطاره بباله وتوفيقه لاتيانه بشرائطه (مرات) (3) وشيك: سريع. (4) الملمات بضم الميم الاولى وتشديد الثانية وكسر اللام بينهما: الشدائد. (5) قوله: الدعا مخ العبادة قد تقدم معناه ذيل عنوان (في الاشكال بانه تعالى فاعل اه). (6) المأثم: الامر الذى يأثم به الانسان. (7) البخيل، ضد الجواد. (المجمع). (8) خلق الثوب بضم العين إذا بلى فهو خلق بفتحتين (المجمع) (*).

[ 35 ]

الناس فرجل ذكرت بين يديه فلم يصل على، وأما أعجز الناس فمن يعجز (عجز) عن الدعا. الحادى عشر عنه (ص): افضل العبادات الدعاء، وإذا اذن الله للعبد (لعبد) في الدعا فتح له باب الرحمة انه لن يهلك مع الدعا احد. الثاني عشر معاوية بن عمار قال: قلت لابي عبد الله (ع): في الرجلين افتتحا الصلوة في ساعة واحدة فتلا هذا القران فكانت تلاوته اكثر من دعائه، ودعا هذا (اكثر) فكان دعائه اكثر (من تلاوته) ثم انصرفا في ساعة واحدة ايهما افضل ؟ قال: كل فيه فضل وكل حسن قلت (فقلت): انى قد علمت ان كلا حسن وان كلافيه فضل لكن ايهما افضل ؟ فقا ل الدعا افضل اما سمعت قول الله عزوجل ؟: (وقال ربكم ادعوني استجب لكم ان الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) هي والله العبادة هي والله افضل (هي والله افضل (اليست هي العبادة ؟ هي والله العبادة) هي والله العبادة (اليست هي أشدهن ؟ هي والله أشدهن والله أشدهن) هي والله أشدهن. (1) الثالث عشر يعقوب بن شعيب قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: ان الله اوحى الى آدم (ع) انى سأجمع لك الكلام (الخير كله) في اربع كلمات قال: يا رب (و) ماهن ؟ قال: واحدة لى (و) واحدة لك (و) واحدة فيما بينى وبينك (و) واحدة بينك وبين الناس فقال آدم (ع) بينهن لى يا رب (حتى اعلمهن) فقال الله تعالى: اما التى هي لى فتعبدني ولا تشرك بى شيئا، واما التى لك فاجزيك بعملك احوج ما تكون إليه، وأما التى بينى وبينك فعليك الدعا وعلى الاجابة، وأما التى بينك وبين الناس فترضى للناس ما ترضى (ترضيه) لنفسك


(1) قال في (وافى): قيل: لعل المراد به الدعا بقلب حاضر وتو جه كامل وانقطاع تام الى الحق جل ثنائه كما يرشد إليه قوله: هي والله اشدهن، والظاهر عود ضمير هي الى الدعا وتأنيثه باعتبار الخبر أو الدعوة، وضمير اشدهن للعبادات أو الامور التى يتكلم بها في الصلوة والله اعلم بمقاصد اوليائه. المؤمن: 62 (*).

[ 36 ]

الرابع عشر من كتاب الدعا لمحمد بن حسن الصفار يرفعه الى الحسين بن سيف من اخيه على عن ابيه عن سليمان بن عثمان بن الاسود عمن رفعه قال: قال رسول - الله (ص): يدخل الجنة رجلان كانا يعملان عملا واحد افيرى احدهما صاحبه فوقه فيقول: يا رب بما اعطيته ؟ وكان عملنا واحدا فيقول الله تبارك وتعالى: سئلني ولم تسئلنى ثم قال (ص): اسئلوا الله واجزلوا (1) فانه لا يتعاظمه شئ. الخامس عشر بهذا الاسناد قال: حدثنى عثمان عمن رفعه قال: قال النبي (ص): ليسئلن الله (لتسلن الله) أو ليقضين (ليغضبن) عليكم ان لله عبادا يعملون فيعطيهم، واخرين يسئلونه صادقين فيعطيهم ثم يجمعهم في الجنة فيقول الذين عملوا: ربنا عملنا فاعطيتنا فيما اعطيت هؤلاء ؟ فيقول هؤلاء عبادي اعطيتكم اجوركم ولم ألتكم (2) من اعمالكم شيئا، وسئلني هؤلاء فاعطيتهم (واغنيتهم) وهو فضلى اوتيه من اشاء.


(1) اجزلت لهم في العطاء: اكثرت: (2) والالت: النقصان يق النه يألته أي نقصه (المجمع) (*).

[ 37 ]

(الباب الثاني في اسباب الاجابة) وينقسم الى سبعة اقسام: لانها أما ان ترجع الى نفس الدعا، اوالى زمان الدعا، اوالى مكانه، أو الحالات وهى قسمان حالات الداعي، وحالات يقع فيها الدعا فهذه خمسة اقسام، وما يتركب من المكان والدعا، وما يتركب من الزمان والدعا صارت سبعة اقسام: القسم الاول ما يرجع الى الوقت كليلة الجمعة ويومها قال الصادق عليه السلام: ما طلعت الشمس بيوم افضل من يوم الجمعة وان كلام الطير فيه إذا لقى بعضها بعضا سلام سلام يوم صالح. وروى ان رسول الله (ص) كان إذا خرج من البيت في دخول الصيف خرج يوم الخميس، وإذا اراد ان يدخل عند دخول الشتاء دخل يوم الجمعة. وعن ابن عباس قال: كان يخرج ليلة الجمعة ويدخل ليلة الجمعة وعن الباقر (ع) إذا اردت ان تتصدق بشيئ قبل الجمعة فاخره الى يوم الجمعة. وعن الباقر (ع) (ابى جعفر انه قال) ان الله تعالى لينادي كل ليلة جمعة من فوق عرشه من اول الليل الى آخره: ألا عبد مؤمن يدعوني لدينه أو دنياه (لاخرته ودنياه) قبل طوع الفجر فاجيبه ؟ ألا عبد مؤمن يتوب الى من ذنوبه قبل طلوع الفجر فاتوب إليه ؟ ألا عبد مؤمن قدقتر عليه رزقه فيسئلني الزيادة في رزقه قبل طلوع الفجر فازيده واوسع عليه ؟ ألا عبد مومن سقيم يسئلنى ان اشفيه قبل طلوع الفجر فاعافيه ؟ ألا عبد مؤمن محبوس مغموم يسئلنى ان اطلقه من سجنه (حبسه قبل طلوع الفجر فاطلقه من حبسه) فا خلى

[ 38 ]

سربه (1) ؟ ألا عبد مؤمن مظلوم يسئلنى ان آخذ بظلامته قبل طلوع الفجر فانتصر له وآخذله بظلامته ؟ (2) قال: فلا (فما) يزال ينادى بهذا حتى يطلع الفجر. وعن احدهما (ع) ان العبد المؤمن يسئل (ليسئل) الله الحاجة فيؤخر الله عزوجل قضاء حاجته التى سئل الى يوم الجمعة (ليخصه بفضل يوم الجمعة) وعن النبي (ص) ان يوم الجمعة سيد الايام واعظمها عند الله تعالى (وهو) واعظم (عند الله) من يوم الفطر ويوم الاضحى وفيه خمس خصال: خلق الله فيه ادم، واحبط (الله) فيه ادم الى الارض، ويه توفى الله ادم، وفيه ساعة لا يسئل الله تعالى فيها احد شيئا الا اعطاه ما لم يسئل حراما (محرما) وما من ملك مقرب ولا سماء ولا ارض ولا رياح ولا جبال ولا شجر الا وهو يشفق (مشفق من) يوم الجمعة ان تقوم الساعة (القيامة) فيه. وعن الصادق (ع) في قول يعقوب (ع) لبنيه: (سوف استغفر لكم ربى) قال (ع): اخره (اخرهم) الى السحر من ليلة الجمعة. وفى نهار الجمعة ساعتان ما بين فراغ الخطيب من الخطبة الى ان تستوى الصفوف بالناس، واخرى من اخر النهار، وروى إذا غاب نصف القرص وقال الباقر (ع): اول وقت الجمعة ساعة تزول (زوال) الشمس الى ان تمضى ساعة يحافظ (فحافظ) عليها فان رسول الله (ص) قال: لا يسئل الله تعالى فيها عبد خيرا الا اعطاه. روى جابر بن عبد الله قال: دعا النبي (ص) على الاحزاب (3) يوم الاثنين ويوم الثلثا واستجيب له يوم الاربعاء بين الظهر والعصر فعرف السرور في وجهه قال جابر: فما نزل بى امر غائظ (4) فتوجهت في تلك الساعة الا وجدت الاجابة.


(1) وفى الحديث من اصبح معافا في بدنه مخلافى سربه: أي في نفسه. (2) الظلامة والظليمة والمظلمة بفتح اللام وكسرها: اشهر ما تطلبه عند الظالم (المجمع). (3) الاحزاب: الطوايف التى تجمع على محاربة الانبياء. (4) الغائظ والغيظ: الغضب المحيط بالكبد (المجمع (*).

[ 39 ]

وعن النبي (ص): من كان له حاجة فليطلبها في العشاء الاخرة فانها لم يعطها احد من الامم قبلكم يعنى: العشاء الاخرة. وفى رواية في السدس الاول من النصف الثاني من الليل ويعضدها ما ورد من الترغيب والفضل لمن صلى الليل والناس نيام، وفى الذكر في الغافلين (1). ولاشك في استيلاء النوم على غالب الناس في ذلك الوقت بخلاف النصف الاول فانه ربما يستصحب الحال فيه النهار، واخر الليل ربما انتشروا فيه لمعايشهم (شهم) واسفارهم، وانما مخ الليل هو وقت الغفلة وفراغ القلب للعبادة، ولاشتماله على مجاهدة النفس ومهاجرة الرقاد ومباعدة وثير المهادو الخلوة بمالك العباد وسلطان الدنيا والمعاد، وهو المقصود من جوف الليل. وهى ما رواه عمر بن اذينه قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: ان في الليل ساعة (لساعة) ما يواقف فيها (لا يواقها) عبد مؤمن (مسلم) (ثم) يصلى ويدعو الله فيها الا استجاب (استجيب) له (في كل ليلة) قلت: اصلحك الله واى ساعة الليل هي ؟ (فاية ساعة هي من الليل) قال: إذا مضى نصف الليل وبقى (وهى) السدس الاول مناول النصف (الثاني) (2). واما الثلث الاخير فمتواتر (3)


(1) تأتى في ب 5 - ذيل عنوان (ان الذكر في الغافلين مستحب) ر واياته. (2) قال في (المرات) بعد نقل الحديث: وظاهره ان المراد سدس النصف لاسدس الكل. عن عبيدة الشابورى قال: قلت لابي عبد الله (ع): جعلت فداك ان الناس يروون عن النبي (ص) ان في الليل الى الثلث الباقي قلت: ليلة من الليالى ؟ فقال: كل ليلة. قوله: الى الثلث الباقي أي الى تمام الثلث الثاني وهو السدس الرابع (وافى) ج 2 أبو اب مواقيت الصلوة ب 42. وفى (مرآت) ايضا ان هذا الحديث دال على ان المراد به سدس الكل. (3) ويدل عليه الروايتان الاتى (*).

[ 40 ]

قال (ص): إذا كان اخر الليل يقول الله سبحانه وتعالى: هل منداع فاحبيه ؟ هل من سائل فاعطيه سؤله ؟ هل من مستغفر فاغفر له ؟ هل من تائب فاتوب عليه ؟ وروى ابراهيم بن ابى محمود قال: قلت الرضا (ع): ما تقول في الحديث الذى يرويه الناس عن رسول الله (ص) ؟ انه قال: أن الله تعالى ينزل في كل ليلة الى السماء الدنيا فقال (ع): لعن الله المحرفين (1) الكلم عن مواضعه والله ما قا ل رسول الله: كذلك انما قال (ص): ان تبارك وتعالى ينزل ملكا الى السماء الدنيا كل ليلة في الثلث الاخير، وليلة الجمعة من (في) اول الليل فيأمره فينادى هل من سائل فاعطيه سؤله ؟ هل من تائب فاتوب عليه ؟ هل من مستغفر فاغفر له ؟ يا طالب الخير أقبل يا طالب الشر أقصر فلا يزال ينادى ابى عن جدى عن ابائه عن رسول الله (ص) نصيحة: ينبغى لذى الايمان الصريح والاعتقاد الصحيح في تصديق الرسول، وأبناء الزهراء البتول (2) فيما يخبرون به من معالم التنزيل ويؤدونه عن الرب الجليل أن يبعث في تلك الساعات مع ذلك المنادى حوائجه في جواب ندائه كما لو وقف على بابه رسول ملك من ملوك الدنيا واستعرض حوائجه. وقال: ان الملك قد اذن لى في اعلامك برفع حوائجك إليه ليقضيها لك فانه يغتنم ذلك الاستعراض ويذكر ما اهمه من الحوائج والاغراض، ولا يبقى له حاجة ولا لاهل عناية الا ذكرها على التفصيل خصوصا إذا كان ذلك الملك موصوفا بالعطاء الجزيل ومعروفا بالثناء (بالفعل) الجميل، ولا يعرض عن منادى الملك مع حاجته الى مرسله


(1) قال في (الوافى): لعله (ع) اراد بالمحرفين الكلم عن موا ضعه: الذين يأولونها على غير معناها المطلوب منها وان ضبطوا الفاظها وعلى هذا يكون لفظ الحديث صحيحا ويكون معناه غير الذى فهموه من التجسم. (2) وفى المجمع وقد سئل (ص) انا سمعناك يا رسول الله تقول: ان مريم بتول وان فاطمة بتول ما البتول ؟ فقال: البتول التى لم ترحمرة قط (*).

[ 41 ]

وينفصل عنه بغير جواب ويضيع المقصود من هذا الخطاب أعراض المتهاونين، فيستحق سخط الملك ويبوء بجواب (ان الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) أو اعراض الغافلين فيقع في عساكر المحرومين ويبوء بثقله وما وزر، وما ورد: ومن ترك مسألة الله افتقر (1). قال رضى الدين على بن موسى بن الطاوس (قدس الله روحه الزكية): وأن شئت فقل في ذلك الوقت (2): اللهم قد صدقت بربوبيتك وبمحمد خاتم رسالتك وبهذا المنادى عن جودك وان لم تسمعه اذنى فقد سمعه عقلي المصدق بالاخبار المتضمنة لوعدك. فانا اقول: ايها الملك الوارد علينا من مالك الحكيم الكريم الجواد المحسن الينا قد سمعنا بلسان حال عقولنا قولك عن معدن نجاح مسئولنا: هل من سائل فاعطيه سؤله ؟ وانا سائل لكل ما احتاج إليه مما يقتضى به دوام اقباله على ودوام توفيقي للاقبال له وتمام احسانه الى وكمال ادبى بين يديه وان يحفظني ويحفظ على كلما أحسن به الى. وسمعنا قولك عن سيدنا ومولانا الذى هو اهل لبلوغ مأمولنا: هل من تائب فاتوب إليه ؟ (3) وانا تائب اختيار أو اضطرار الاتى عاجز ضعيف عن غضبه وعقابه ومضطر


(1) عن ابى عبد الله (ع) قال: من لم يسئل الله عزوجل من فضله (فقد) افتقول (الاصول) كتاب الدعا. (2) ولا بأس بقرائة هذه الابيات في هذا الوقت للمناجاة طرقت باب الرجا والناس قد رقدوا = وجئت اشكو الى مولاى ما اجد وقلت يا املى في كل نائبه = ومن عليه بكشف الضر اعتمد اشكو اليك امورا انت تعلمها = مالى على حملها صبر ولاجلد وقد مددت يدى بالذل خاضعة = اليك يا خير من مدت إليه يد يا من يغيث الورى من بعد ما قنطوا = ارحم عبيدا اتى بالذل قد بسطوا (3) التوب والتوبه: الرجوع من الذنب (المجمع) (*).

[ 42 ]

الى مرضاه وثوابه. فان صدقت نفسي في التوبة على التحقيق والافلسان حال عقلي تائب إليه بكل طريق من طرق التوفيق، وسمعنا قولك ايها الملك عن سيدنا وسلطاننا الذى هو اهل لرحمتنا وقبولنا: هل من مستغفر فاغفر له ؟ وانا مملوكه المستغفر من كل ما يكرهه منى المستجير به في العفو عنى فان صدق قلبى ولساني في الاستغفار والا فلسان حال عقلي وما انا عليه بالاضطرار والاعسار والانكسار يستغفر عنى بين يدى جلالته وعفوه ورحمته وانا ذليل حقير بين عزته ورأفته. وقد جعلت ايها الملك ما قد ذكرته من سئوالى وتوبتى واستغفاري وافتقاري وذلى وانكساري امانة مسلمة اليك تعرضها من باب الحلم والكرم والرحمة والجود على من أنعم علينا وبعثك وأرسلك الينا، وفتح بين يدينا ابواب التوصل إليه فيما تعرضه إليه. قال: وان لم تحفظ ما ذكرناه ولا تهيأ لك ان تتلوه من هذا فاكتبه في رقعة وتكون معك أو تحت رأسك وتحفظها كما تحفظ عزيز قماشك، فإذا كان في الثلث الاخير من كل ليلة تخرجها بين يديك، وتقول: ايها الملك المنادى عن ارحم الراحمين وأكرم الاكرمين هذه قصتي قد سلمتها اليك مالى لسان ولا جنان يصلح لكلام اعرضه عليك وهذا اخر كلامه ورحمة الله عليه. وانا اقول: ان تيسر لك ا تدعو في ذلك الوقت بما وظفه اهل البيت عليهم السلام وعلموك من ادعيتهم فبخ بخ، وان لم يتفق لك ذلك فقل: اللهم انى آمنت بك وصدقت رسولك وآل رسولك صلواتك عليه وعليهم فيما اخبروا به عن مكارم لطفك واوانس عفوك اللهم فصل على محمد واهل بيته وأشركني في صالح (صلاح) ما دعيت به في هذه الليلة من عاجل الدنيا وآجل الاخرة ثم افعل بى ما انت اهله ولا تفعل بى ما انا اهله يا أرحم الراحمين وصل على محمد وآله الطاهرين.

[ 43 ]

واعلم انه قد روى عن الصادق (ع) انه قال: لا تعطوا العين حظها (من النوم) فانها أقل شئ شكرا (1). وعن النبي صلى الله عليه واله: إذا قام العبد من لذيذ مضجعه (2) والنعاس (3) في عينيه ليرضى ربه عزوجل لصلوة ليله باهى (4) الله به ملائكته فقال (فيقول): أما ترون عبدى هذا ؟ قد قام من (لذيذ) مصجعه (وترك لذيذ منامه) الى (ما لم افرضه) صلوة لم افرضها عليه اشهدوا أنى قد غفرت له. فايدة قد عرفت ان النهار اثنتا عشر ساعة: (5) يتوجه كل ساعة منها ويتوسل الى الله تعالى بامام من الائمة الهدى عليهم السلام على ما رواه شيخنا في (المصباح) بالدعاء


(1) لا تعطوا اه: أي لا ندعوا العين ان تنام جميع الليل بل تنام بعضها واحيى بعضها لانها خلقت لملاحظة آثار مصنوعاته وملاحظة كتابه وامثال ذلك مما لا يحصل الا بالسهر (عن بعضهم). ايقطان انت اليوم ام انت نائم = وكيف يلذ النوم حيران هائم فلو كنت يقظان الغداة لحرقت = مدامع عينيك الدموع السواجم نهارك يا مغرور لهو وغفلة = وليلك نوم والردى لك لازم وسعيك مما سوف تكره عنده = وعيشك في ا لدنيا تعيش البهائم تسربما يفنى وتفرح بالمنى = كما سر باللذات في النوم حالم فلا انت في اليقظان يقظان ذاكر = ولا انت في النوام ناج وسالم (لله درقائلها). (2) ضجع الرجل: وضع جنبه بالارض. (3) النعاس بالضم: الوسن واول النوم وهى ريح لطيفة تأتى من قبل الدماغ تغطى العين ولا تصل الى الدماغ فإذا وصلت إليه كان نوما. (4) وفى الحديث: ان الله ليباهي بالعبد الملائكة: أي يحله قربه وكرامته بين ا ولئك الملاء محل الشئ المباهى به. وذلك لان الله تعالى غنى عن التعزز بما اخترعه ثم تعبده (المجمع) (5) اريد بها تقسيم النهار باثنا عشرة جزء لا الساعة المتعارفة حتى يناقض عليه بايام الطوال بانها ازيد من اثنتى عشر ساعة، وبالقصيرة بانها اقل منها (*).

[ 44 ]

المأثور لذلك (1). وذكر السيد رضى الدين (رحمه الله): ان كل يوم من الاسبوع يختص بضيافة احد من الائمة عليهم السلام واجارته، ولكل يوم منه زيارة يختص ظهور الضيافة والاجارة عنه: فيوم السبت للنبى صلى الله عليه واله، ويوم الاحد لمولينا على عليه السلام، ويوم الاثنين للحسن والحسين عليهما السلام، ويوم الثلثا لعلى بن الحسين، والباقر والصادق، ويوم الاربعاء للكاظم والرضا والجواد والهادي عليهم السلام، ويوم الجمعة للمهدى عليه السلام (2). وليلة القدر وهى مجهولة في شهر رمضان وربما انحصرت في ليالى الافراد الثلاث، وتاكدت في ليلة الجهني وهى ليلة ثلاث وعشرين منه (3)


(1) قد ذكر الشيخ (ره) في (المصباح) في (ادعية الساعات) لكل ساعة من ساعات النهار دعاء ناسبا كل ساعة منها الى امام من الائمة عليهم السلام. (2) عن الصقر بن ابى دلف الكرخي قال: لما حمل المتوكل سيدنا ابا الحسن العسكر ى (ع) جئت اسئل عن خبره - الى ان قال -: فدخلت فإذا هو (ع) جالس على صدر حصير وبحذائه بر محفور - الى ان قال -: ثم قلت: يا سيدى حديث يروى عن النبي (ص) لا اعرف معناه قال: وما هو ؟ فقلت: قوله: (لا تعادو الايام فتعاديكم) ما معناه ؟ فقال: نعم الايام نحن ما قامت السماوات والارض: فالسبت اسم رسول الله (ص)، والاحد كناية عن امير المؤمنين (ع) - ا لى ان قال - والجمعة ابن النبي (ع) وساق الحديث الى - فهذا معنى الايام فلا تعادوها في الدنيا فيعادوكم في الاخرة الحديث (سفينة) ص 741. (3) قوله: وليلة القدر عطف على قوله: ليلة الجمعة ويومها، ولابد هيهنا من بيان امور ثلاثة: 1 - الوجه في تسميتها بالقدر. 2 - استمرارها. 3 - اية ليلة هي ؟ قال في (المجمع) بعد ما لخصناه: وقيل: سميت ليلة القدر لانها الليلة التى يحكم الله فيها ويقضى بما يكون في السنة باجمعها من كل امر، وهى الليلة المباركة في قوله تعالى: (انا انزلناه في ليلة مباركة). وقيل: لان للطاعات فيها قدرا عظيما وثوابا جزيلا، وقيل: سميت ليلة القدر لانه ا نزل فيه كتاب

[ 45 ]

وليالي الاحياء: وهى اول ليلة من رجب، وليلة النصف من شعبان، وليلتا العيدين فان امير المؤمنين (ع) كان يعجبه أن يفرغ نفسه في هذه الليالى (1). ويوم عرفة فانه يوم دعاء ومسألة ولهذا كان الفطر فيه افضل من الصوم لمن يضعفه


عن اسماعيل بن موسى بن جعفر عن ابيه قال: كان على (ع) يقول: يعجبنى ان يفرغ الرجل نفسه في السنة اربع ليال: ليلة الفطر، وليلة الاضحى، وليلة النصف من شعبان واول ليلة من رجب (ئل) ج 5 كتاب لصلوة.

ذو قدر الى رسول ذى قدر. وقال: ذهب قوم الى انها انما كانت على عهد رسول الله (ص) ثم رفعت، وقال آ خرون: لم ترفع بل هي الى يوم القيمة. اقول: ويؤيد قول الثاني ما ورد عنهم عليهم السلام من تنزل الملائكة والروح فيها على امام الزمان (ع) فيعرضون عليه ما قدر في تلك السنة فلا نطيل بايراده. ثم قال فيه: وجمهور العلما على انها في شهر رمضان في كل سنة يعلم ذلك من مذهب اهل البيت (ع) بالضرورة وهى منحصرة في ليلة تسعة عشر، واحدى وعشرين، وثلاث وعشرين، وقيل: انها في فرادى العشر الاواخر. تنبيه قد استشكل في معرفة ليلة القدر، ونزول الملائكة فيها بسبب اختلافها بحسب اختلاف الاهلة في اقطار الارض، وأجاب عنه في (المجمع) بوجوه: منها ان يكون المدار على بلد الامام في نزول الملائكة والروح، ويكون للاخرين ثواب عبادة ليلة القدر إذا عبدوا الليلة الاخرى. ومنها أن يكون الامام في كل ليلة في اقليم، وتنزل الملائكة في الليلتين معا. الثالث أن يكون الامام في بلد لكن تنزل عليه الملائكة في كل ليلة باحوال اصحاب البلد التى تلك الليلة ليلة قدرهم. والجهني بالضم ثم الفتح اسم عبد الله بن انيس الانصاري منسوب الى الجهينة وهى قر ية بموصل (مقتس بالاثر) قال في (المجمع) ومنه ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان ليلة الجهنى وحديثه: أنه قال لرسول الله (ص) ان منزلي ناء من المدينة فمرنى بليلة أدخل فيها فأمره بليلة ثلاث وعشرين.

[ 46 ]

عن الدعا، مع ما ورد من الترغيب العظيم في صيامه. (1) وعند هبوب الرياح (2)، وزوال الافياء (3) ونزول المطر، واول قطرة من دم الشهيد. لرواية زيد الشحام عن الصادق (ع) قال: اطلبوا الدعا في اربع ساعات: عند هبوب الرياح، وزوال الافياء، ونزول المطر (القطر)، واول قطرة من دم القتيل ا لمؤمن فان ابواب السماء تفتح عند هذه الاشياء. وعنه (ع): إذا زال الشمس فتحت ابواب السماء وابواب الجنان، وقضيت الحوائج العظام فقلت: من أي وقت ؟ فقال (ع): مقدار (بمقدار) ما يصلى الرجل اربع ركعات مترسلا (4). ومن طلوع الفجر الى طلوع الشمس وقت اجابة، وروى: والفجر طالع. وروى أبو الصباح الكنانى عن ابى جعفر (ع) قال: ان الله عزوجل يجيب (يحب) من عباده (المؤمنين) كل (عبد) دعاء، فعليكم بالدعا في السحر الى طلوع الشمس فانه ساعة تفتح (5) فيها ابواب السماء، وتقسيم فيها الارزاق، وتقضى فيها الحو ائج العظام


(1) عن حنان بن سدير عن ابيه قال: سئلته عن صوم يوم عرفة فقلت: جعلت فداك انهم يزعمون انه يعدل صوم سنة قال: كان ابى لا يصومه قلت: ولم جعلت فداك ؟ قال: يوم عرفة يوم دعا ومسألة فاتخوف ان يضعفني عن الدعا لحدث (بمج) ج 20 كتاب الصوم ب 61. (2) عطف على قوله: ليلة الجمعة ويومها. (3) الفيئى: الرجوع، ومنه قيل للظل الذى بعد الزوال: فيئى لرجوعه من المغرب الى الشمرق ج افياء وفيوء. (4) يق: ترسل في قرائته إذا تمهل فيها ولم يعجل (المجمع) (5) وفتح ابواب السماء اما حقيقة، أو كناية عن قرب الاستجابة وفتح ابواب الر حمة (مرآت) (*).

[ 47 ]

القسم الثاني ما يرجع الى المكان (1) كعرفه: وفى الخبر ان الله سبحانه وتعالى يقول للملئكة في ذلك اليوم: يا ملائكتي ألا ترون الى عبادي وامائي ؟ جاؤا من اطراف البلاد شعثاء (2) غبراء (3) اتدرون ما يسئلون ؟ فيقولون: ربنا انهم يسئلونك المغفرة فيقول: اشهدوا أنى قد غفرت لهم. وروى ان من الذنوب ما لا يعفو (يغفر) الا بعرفة (4)، والمشعر الحرام قال الله تعالى: (فإذا افضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام)، وليلة من ليا لى الاحياء والحرم والكعبة وروى عن الرضا (ع): ما وقف احد بتلك الجبال الا استجيب له، فاما المؤمنون فيستجاب لهم في آخرتهم (اخريهم)، واما الكفار فيستجاب لهم في دنياهم. والمسجد مطلقا فانه بيت الله والقاصد الى الله زائر له (5).


(1) قال في (بمج) ج 19 ب الاوقات والحالات التى يرجى فيها الاجابة: اجابة الدعا للوقت والمكان (الى ان قال): وأما المكان فخمسة عشر موضعا: منه بمكة عند الميزاب، وعند المقام، وعند الحجر الاسود، وبين المقام والميزاب وجوف الكعبة، وعند بئر زمزم، وعلى الصفا والمروة، وعند المشعر، وعند الجمرات الثلاث. وعند رؤية الكعبة. (2) سعث الشعر: تغير وتلبد لقلة تعهده بالدهن. (3) الغبراء بالمد: الارض سميت بذلك لانها مغبرة والمغبر شئ فيه غبار (المجمع) (4) محمد بن على بن الحسين قال: سمع على بن الحسين (ع) يوم عرفة سائلايسئل الناس فقال له: ويحك اغير الله تسئل هذا اليوم ؟ انه ليرجى لما في بطون الحبالى (الجبال) في هذا اليوم ان يكون سعيدا (ئل) ج 10 كتاب الحج باحرام الحج. (5) ويأتى في ب 6 في (خواص متفرقة للقران) ما يؤيد ذلك من اجابة الدعا في المسجد (*).

[ 48 ]

وفى الحديث القدسي: الا ان بيوتي في الاض المساجد، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتى. وهو اكرم من ان يخيب (1) زائره وقاصده وروى سعيد بن مسلم عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: كان (ابى) إذا طلب الحاجة طلبها عند زوال الشمس، فإذا اراد ذلك قدم شيئا فتصدق به، وشم شيئا من الطيب (2) (طيب) وراح الى المسجد فدعا (ودعا) في حاجته بما شاء. فقد دلت هذه الرواية على امور رابعة: الاول كون الزوال وقتا لطلب الحوائج. الثاني استحباب تقديم الصدقة. الثالث شم الطيب. الرابع كون المسجد مكانا لطلب الحاجة. ومن اماكن الدعابل اشرفها عند قبر الحسين عليه السلام. فقد روى ان الله سبحانه وتعالى عوض الحسين (ع) من قتله باربع خصال: جعل الشفاء في تربته، واجابة الدعا تحت قبته، والائمة من ذريته، وان لا يعد ايام زائريه من اعمارهم. وروى ان الصادق (ع): اصابه وجع فأمر من عنده ان يستأجروا له اجيرا يدعو له عند قبر الحسين (ع)، فخرج رجل من مواليه فوجد آخرا على الباب فحكى له ما امر به، فقال الرجل: انا امضى لكن الحسين (ع) امام مفترض الطاعة، وهو ايضا امام مفترض الطاعة كيف ذلك ؟ فرجع الى مولاه وعرفه قوله فقال: هو كما قال لكن


(1) الخيبة: الحرمان، الخسران (المجمع). (2) والمراد من الشم هنا كناية عن استعمال قليل من الطيب والتطيب به لا الاكتفاء بمحض الشم (مرآت) (*)

[ 49 ]

ما عرف ان لله تعالى بقاعا يستجاب فيها الدعا، فتلك البقعة من تلك البقاع (1). القسم الثالث ما يرجع الى الدعا من اسباب الاجابة وهو ما كان متضمنا للاسم الاعظم سواء علم بشخصه ام لم يعلم. ولا يعلم بعينه الامن اطلعه الله تعالى عليه من انبيائه واوليائه عليهم السلام وقد ورد تلويحات عليه واشارات إليه، مثل ما روى: في اخر الحشر، وما روى: من انه في آية الكرسي، واول آل عمران، فقيل: يكون في (الحى القيوم) لانه الجامع بينهما والموجود فيهما (2) وعن النبي صلى الله عليه واله: بسم الله الرحمن الرحيم اقرب الى الاسم الاعظم من سواد العين الى بياضها (3). وقيل: هو في قولنا: (يا حى يا قيوم) وقيل: يا ذا الجلال والاكرام). وقيل: في


(1) أبو هاشم الجعفري قال: دخلت على ابى الحسن على بن محمد عليهما السلام وهو محموم عليل فقال: يا ابا هاشم ابعث رجلا من موالينا الى الحائر يدعو الله لى فخر جت من عنده فاستقبلني على بن بلال فاعلمته ما قال لى، وسئلته ان يكون الرجل الذى يخرج فقال: السمع والطاعة، ولكننى اقول: انه افضل من الحائر إذ كان بمنزلة من في الحائر، ودعائه لنفسه افضل من دعائي له بالحائر فاعلمته (ع) ما قال، فقال لى: قل له. كان رسول الله افضل من البيت والحجر وكان يطوف بالبيت ويستلم الحجر، وان لله تعالى بقاعا يحب ان يدعى فيها فيستجيب لمن دعاه والحائر منها (كامل الزيارة) ب 90 اقول: الراوى أبو هاشم، الجعفري وهو كما قال في (جامع الرواة): قد شاهد الجواد والهادي، والعسكري. وما وجدنا ما نقله المتن عن الصادق (ع). (2) عن رسول الله (ص): اسم الله الاعظم في ست آيات من آخر الحشر (بمج) ج 19 ب الاسم الاعظم. وايضا فيه برواية ابى امامة قال رسول الله (ص): اسم الله الاعظم الذى إذا دعى به اجاب في سور ثلاث: في البقرة، وآل عمران، وطه قال أبو امامة: في البقرة آية الكرسي، وفى آل عمران (الم الله لا اله الا هو الحى القيوم)، وفى طه (وعنت الوجوه للحى القيوم). (3) وفى (بمج) في الباب المتقدم ما يؤيد المتن (*).

[ 50 ]

قولنا: (يا هو يا من لا هو الا هو) (1). وقيل هو الله (2)، وهو اشهر اسماء الرب، واعلاها محلا في الذكر، والدعا، وجعل امام سائر الاسماء، وخصت به كلمة الاخلاص، ووقعت به الشهادة. واعلم أن هذا القول قريب جدا لان الوارد في هذا المعنى كثير. ثم اعلم أن هذا الاسم المقدس قد امتاز عن ساير الاسماء بخواص: الاولى انه علم على الذات المقدسة يختص بها فلا يطلق بها على غيره تعالى: حقيقة ولا مجازا قال الله تعالى: (هل تعلم له سميا) أي هل تعلم أحدا يسمى الله غيره (3) الثانية انه دال على الذات، وباقى الاسماء لا يدل آحادها الاعلى آحاد المعاني. كالقادر على القدرة، والعالم على العلم وغير ذلك.


(1) وفى (بمج) في الباب المتقدم ما يدل على ان ياحى يا قيوم ا سم الله الاكبر وان يا هواه اسم الاعظم من اراد يرجع. (2) والله: اسم علم للذات المقدسة الجامعة لجميع الصفات العليا، والاسماء الحسنى، وهو غير مشتق من شئ بل هو علم لزمته الالف واللام، وقيل: هو مشتق واصله اله دخلت عليه الالف واللام فبقى الاله ثم نقلت حركة الهمزة الى اللام وسقطت فبقى اللاه، فاسكنت اللام الاولى وادغمت - ويؤيد قول الثاني ما في الحديث التالى - وفى الحديث: يا هشام الله مشتق من اله، والا له يقتضى مألوها كان الها إذ لا مألوه: أي لم تحصل العبادة، وسئل عن معنى الله فقال (ع): استولى على مادق وجل، وايضا في الحديث: الله معنى يدل عليه بهذه الاسماء وكلها غيره. انتهى موضع الحاجة ملخصا (المجمع). (3) قال في (الميزان) في كلام له: الثاني ان المراد بالسمى المشارك في الاسم، والمراد بالاسم هو الرب لان مقتضى بيان الاية ثبوت الربوبية المطلقة له تعالى على كل شئ فهو يقول: هل تعلم من اتصف بالربوبية فسمى لذلك رباحتى تعدل عنه إليه فتعبده دونه، وبذلك يظهر عدم استقامة عامة ما قيل في معنى السمي انتهى موضع الحاجة مريم: 66 (*).

[ 51 ]

الثالثة ان جميع الاسماء يتسمى بذلك الاسم المقدس، ولا يتسمى هو بها فيقال الصبور اسم من اسماء الله، ولا يقال: الله اسم من اسماء الصبور أو الرحيم أو الشكور، وتقدم ستة فصار امتيازه بتسعة اشياء. روى ان سليمان عليه السلام لما علم بقدوم بلقيس وقد بقى بينها فرسخ قال: ايكم يأتيني بعرشها قبل ان يأتوني مسلمين ؟ قال عفريت من الجن أي مارد قوى داهية (1): انا آتيك به قبل ان تقوم من مقامك أي من مجلسك الذى تقضى فيه، وكان يجلس غدوة الى نصف النهار، وانى على حمله لقوى وعلى ما فيه من الذهب امين فقال سليمان: اريد اسرع من هذا قال الذى عند علم من الكتاب وهو آصف بن برخيا، وكان وزير سليمان وابن اخته، وكان صديقا يعرف الاسم الاعظم الذى إذا دعى به اجاب: انا آتيك به قبل ان يرتد اليك طرفك قيل: معناه ان يصل اليك من كان منك على قدر مد البصر، وقيل: ارتداد ادامة النظر حتى يرتد طرفه خائسا، (2) فعلى هذا يكون معناه: ان سليمان مد بصره الى اقصاه ويديم النظر، فقبل ان ينقلب إليه بصره حسيرا (3) يكون قداتى بالعرش (4). قال الكلبى (5): فخر آصف ساجداو دعا باسم الله الاعظم فغار عرشها تحت الارض حتى نبع عند كرسى سليمان وقيل: انخرق مكانه حيث هو ونبع بين يدى سليمان عليه السلام وقيل: ان الارض طويت له، وهو مروى عن ابى عبد الله (ع) (6)، فقيل: ان ذلك الاسم


(1) وفى الخبر: كان رجلا دهيا أي فطنا جيد الرأى (2) خاسئا أي مبعدا. (3) الحسين: الذى حسره السفراى ذهب بلحمه وقوته فلا انبعاث فيه (المجمع). (4) قال في (الميزان): الطرف على ما قيل: اللحظ والنظر، وارتداد الطرف وصل المنظور إليه الى النفس وعلم الانسان به، فالمراد انا آتيك به في اقل من الفاصلة الزمانية بين النظر الى الشئ والعلم به انتهى موضع الحاجة. (5) الكلبى هو أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكوفى (سفينة). ص 489. (6) عن زرارة قال: سمعت ابا عبد الله (ع) (الى ان قال) فقال له حمران: كيف هذا اصلحك الله فقال: ان ابى كان يقول: ان الارض طويت له إذا اراد طواها (بمج) ج 5 ب قصة سليمان (*).

[ 52 ]

هو الله، والذى يليه الرحمن. وقيل: هو يا حى يا قيوم بالعبرانية: آهيا شراهيا. وقيل: هو يا ذا الجلال والاكرام. وقيل: يا الهنا واله كل شئ الها واحدا لا اله الا انت (1). وقد ورد اجابة الدعا في خصوصيات الفاظ ودعوات لخصوصيات حاجات: مثل ما روى عن الصادق عليه السلام فيمن قال: يا الله يا الله عشر مرات قيل له: لبيك عبدى سل حاجتك تعط. وكذا روى فيمن قال: يا رباه يا رباه عشرا. ومثله يا رب يا رب. ومثله يا سيداه يا سيداه. وروى ان من قال في سجوده: يا الله يا رباه يا سيداه ثلاثا اجيب له بمثل ذلك. ومثل ما رواه سماعة قال: قال لى أبو الحسن (ع): إذا كانت لك يا سماعة حاجة فقل (اللهم انى اسئلك بحق محمد وعلى فان لهما عندك شأنا من الشأن وقدرا من القدر فبحق ذلك الشأن وبحق ذلك القدر ان تفعل بى كذا وكذا) فانه إذا كان يوم القيمة لم يبق ملك مقرب ولا نبى مرسل ولا عبد مؤمن امتحن الله قلبه للايمان الا وهو محتاج اليهما في ذلك اليوم. ومثل ما رواه ابن ابى عمير عن معاوية بن عمار قال من قال في دبر الفريضة: (يا من يفعل ما يشاء ولا يفعل ما يشاء احد غيره) ثلاثا، ثم يسئل الله اعطى ما سئل.


(1) عن ابى جعفر (ع) قال: ان اسم الله الاعظم على ثلاثة وسبعين حرفا وانما كان عند آصف حرف واحد فتكلم به فخسف الارض ما بينه وبين سرير بلقيس ثم تناول السرير بيده، ثم عادت الارض كما كانت اسرع من طرفة عين، وعندنا نحن من الاسم اثنان وسبعون حرفا وحرف عند الله استاثر به في علم الغيب عنده ولا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم (بصائر الدرجات) ص 208 وقال في (الميزان): ولا ينبغى ان يرتاب في ان كونه مفرقا الى ثلاث وسبعين حرفا أو مؤلفا من حروف لا يستلزم كونه بحقيقته مؤلفا من حروف الهجاء. فانه يعد الاسم وهو واحد، ثم يفرق حروفه بين الانبياء ويستثنى واحدا، ولو كان من قبيل الاسماء اللفظية الدالة بمجموع حروفه على معنى واحد لم ينفع منهم عليهم السلام ما ا عطيه شيئا انتهى موضع الحاجة (*).

[ 53 ]

ومثل ما روى لقضاء الدين: (اللهم اغنني بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك) يوم الجمعة، ورووا مطلقا (1). ولسعة الرزق في دبر الصبح (سبحان الله العظيم وبحمده استغفر الله (واتوب إليه) واسئله من فضله) عشرا (2). ومثله بعد العشاء الاخرة (اللهم انه ليس لى علم بموضع رزقي وانا اطلبه بخطرات تخطر على قلبى فاجول في طلبه البلدان وانا فيما اطلب كالحيران لا ادرى افي سهل هوام في جبل ام في ارض ام في سماء ام في برام في بحر وعلى يدى من ومن قبل من وقد علمت ان علمه عندك واسبابه بيدك وانت الذى تقسمه بلطفك وتسببه برحمتك اللهم صل على محمد وآل محمد واجعل لى يا رب رزقك واسعا ومطلبه سهلا ومأخذه قريبا ولا تعيينى بطلب ما لم تقدر لى فيه رزقا فانك غنى عن عذابي وانا فقير الى رحمتك فصل على محمد وآل محمد وجد على عبدك انك ذو فضل عظيم). ولدفع خوف الظالم، والدخول على السلطان ما قاله الصادق (ع) عند دخوله على


عن عبد الله بن الفضل الهاشمي قال: قلت لابي عبد الله (ع): ان على دينا كثيرا ولى عيال ولا اقدر على الحج: فعلمني دعاء ادعو به فقال: قل: في دبر كل صلوة مكتوبة (اللهم صل على محمد وآل محمد واقض عنى دين الدنيا ودين الاخرة) فقلت له: اما دين الد نيا فقد عرفته، فما دين الاخرة ؟ فقال: دين الاخرة الحج. (2) عن معاوية بن عمار قال: سئلت ابا عبد الله (ع) ان يعلمنى دعاء للرزق فعلم دعاء ما رايت اجلب منه للرزق قال: قل: (اللهم ارزقني من فضلك الواسع الحلال الطيب رزقا واسعا حلالا طيبا بلاغا للدنيا والاخره صبا صبا هنيئا مريئا من عير كدو لامن من احد من خلقك الاسعة من فضلك الواسع فانك قلت واسئلوا الله من فضله فمن فضلك اسئل ومن عطيتك اسئل ومن يدك الملاء اسئل) (الاصول) كتاب الدعا ب الدعا للرزق. اقول ولقد جربناه كثيرا ورأيناه كما قاله العمار (*).

[ 54 ]

المنصور) يا عدتي (1) عند شدتي ويا غوثي عند كربتي (2) احرسني (3) بعينك التى لا تنام واكنفنى بركنك الذى لا يرام) (4). ولقضاء الدين ايضا ما رواه معاذ بن جبل قال: احتبست (احبست) عن رسول الله صلى الله عليه واله يوما لم اصل معه الجمعة فقال صلى الله عليه واله: يا معاذ ما منعك (يمنعك) عن الصلوة الجمعة ؟ قلت: يا رسول الله ليوحنا اليهودي على اوقية من بر (التبر) (5) وكان على بابى يرصدنى، فاشفقت ان يحبسنى دونك فقال (ص): اتحب يا معاذ ان يقضى الله دينك ؟ قلت: نعم يا رسول الله قال: قل: (اللهم مالك الملك) (6) الى قوله: (بغير حساب) (يا رحمن الدنيا والاخرة ورحيمهما تعطى منهما ما تشاء وتمنع منهما ما تشاء صل على محمد وآل محمد اقض عنى دينى يا كريم) فلو كان عليك ملاء الارض ذهبا لاداه الله عنك والاوقية عندهم ثلاثة عشر رطلا عراقية (7). وللحفظ ما روى عن قوله (ص): يا على إذا اردت ان تحفظ كلما تسمع فقل في دبر كل صلوة: (سبحان من لا يعتدى على اهل مملكته سبحان من لا (لم) يؤاخذ (يأخذ) اهل الارض بانواع العذاب سبحان الرؤف الرحيم اللهم اجعل لى في قلبى نو را وبصرا وفهما وعلما انك على كل شئ قدير.


(1) العدة: ما اعددته لحوادث الدهر من المال والسلاح. (2) الغوث: تكرار في طلب الاعاثة أي الاعانة. (3) حرسه حرسة: حفظه. (4) رامه يريمه ريما: برحه (المجمع) (5) التبر بكسر النا فالسكون: هوما كان من الذهب غير مضروب (المجمع). (6) واليك بالبقية (تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخيراتك على كل شئ قدير تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحى من الميت وتخرج الميت من الحى وترزق من تشاء بغير حساب). آل عمران: 25 - 26 (7) الرطل العراقى عبارة عن مأة وثلثين درهما هي احدى وتسعون مثقالا (المجمع) (*).

[ 55 ]

وشكى رجل الى الحسن بن على (ع) جارا يؤذيه فقال له الحسن (ع): إذا صليت المغرب فصل ركعتين ثم قل (يا شديد المحال يا عزيزا ذللت بعزتك جميع ما خلقت اكفني شر فلان بما شئت) ففعل الرجل ذلك، فلما كان في جوف الليل مع الصراخ، وقيل: فلان مات الليله. ومثل هذا القسم كثير لانطول بذكره يستخرج من كتب الادعية لمن يقف عليها. القسم الرابع ما يتركب من الدعا والزمان (1) كدعاء السمات لاخر ساعة من نهار الجمعة، ويستحب ان يقول عقيبه: (اللهم انى اسئلك بحرمة هذا الدعا وبما فات منه من السماء وبما يشتمل عليه من التفسير والتدبير الذى لا يحيط به الا انت ان تفعل بى كذا وكذا (2). مثل ما روى عن ابى جعفر (ع) في الثلث الثاني من شهر رمضان تأخذ المصحف وتنشره وتقول: (اللهم انى اسئلك بكتابك المنزل وما فيه وفيه اسمك الاعظم الاكبر (اسمك الاكبر) واسمائك الحسنى وما يخاف ويرجى ان تجعلني من عتقائك من النار) وتدعو بما بدالك من حاجة (3)


(1) يريد به ان هذا القسم في بيان ادعية الزمانيه فبعض الازمنة له دخل واثر في اجابة الادعية الواقعة فيها. (2) يأتي في باب 5 (في الادعية المختصة بالاوقات) ما يؤيد ذلك. وفى (المصباح) باب عبادات ايام وليالي جمعات: روى عن النبي (ص) في الساعة التى يستجاب فيها الدعا يوم الجمعة ان يقول (سبحانك يا لا اله انت يا حنان يا منان يا بديع السماوات والارض يا ذا الجلال والاكرام). (3) وفى (المصباح) باب عبادات ايام وليالي جمعات: ويستحب ان يدعو ليلة ا لجمعة ويوم الجمعة وليلة عرفة ويوم عرفة بهذا الدعا (اللهم من تهيأ وتعبأ واعد واستعد لوفادة الى مخلوق) الدعا بطوله (*).

[ 56 ]

ومثل ما ورد لمن قرء في الثلث الاخير من ليلة الجمعة سورة القدر خمس عشرة مرة، ثم يدعو بما يريد (1). القسم الخامس ما يتركب من الدعا والمكان (2) مثل ما روى عن الصادق (ع) من كان له حاجة الى الله عزوجل فليقف عند رأس الحسين عليه السلام وليقل: (يا ا با عبد الله اشهد انك تشهد مقامي وتسمع كلامي وانك حى عند ربك ترزق فاسئل ربك وربى في قضاء حوائجى) فانها تقضى انشاء الله تعالى. وروى ان رجلا كان له شيئ موظف على الخليفة كل سنة فغضب عليه وقطعه عدة سنوات، فدخل الرجل على مولا ابى الحسن على بن محمد الهادى (ع) فحكى له صدوده عنه، وطلب منه (ع) إذا اجتمع به ان يذكره عنده ويشفع له برد جائزته، ثم خرج الرجل فلما كان الليل بعث إليه الخليفة ويستدعيه، فتاهب الرجل وخرج الى منزل الخليفة فلم يصل حتى وافاه عدة رسل كل يقول: احب الخليفة، فلما وصل الى البواب قال له: جاء على بن محمد هنا ؟ قال له البواب: لا، فلما دخل على الخليفة قربه وادناه وامر له بكل ما انقطع له من جائزته، فلما خرج قال له البواب (3) - ويسمى الفتح - (4): قل له (ع): يعلمنى الدعا الذى دعالك به ثم فيما بعد دخل الرجل على ابى الحسن (ع) فلما بصربه قال (ع): هذا وجه


(1) وفى تفسير البرهان ج 4 سورة القدر: وقال الصادق (ع) من قر أها بعد عشاء الاخرة خمس عشرة مرة كان في امان الله الى تلك الليلة الاخرى الحديث. (2) والمراد ان هذا القسم في بيان ادعية المكانيه لان بعض الامكنة لها آثار توثر بها في اجابة الدعاء الواقع فيها وستقف على بعضها في المتن. (3) البواب: اللازم للباب (4) المراد بالفتح فتح بن خاقان (*).

[ 57 ]

الرضا (1) قال: نعم، ولكن قالوا: انك ما جئت إليه فقال أبو الحسن (ع): ان الله عودنا ان لا نلجأ في المهمات الا إليه ولا نسئل سواه، فخفت ان اغير فيغير ما بى فقال: يا سيدى الفتح يقول: يعلمنى الدعاء الذى دعالك به فقال (ع): ان الفتح يوالينا بظاهره دون باطنه، الدعا لمن دعا به بشرط ان يوالينا اهل البيت، لكن هذا الدعا كثير اما ا دعو به عند الحوائج فتقضى، وقد سئلت الله عزوجل ان لا يدعو به بعدى احد عند قبري الا استجيب له وهو: (يا عدتي عند العدد ويا رجائي والمتعمد ويا كهفي والسند ويا واحد يا احد ويا قل هو الله احد اسئلك اللهم بحق من خلقته من خلقك ولم تجعل في خلقك مثلهم احدا ان تصلى عليهم وان تفعل بى كذا وكذا) ومثل هذا القسم كثير نقتصر منه على هذه الاشارة. واعلم ان قوله (ع): الدعا لمن يدعو به بشرط ولا يتنا اهل البيت اشارة الى شرط قبول الدعا، بل بشرط قبول العمل فرضه ونفله. وفى هذا المعنى ما رواه محمد بن مسلم عن احدهما (ع) قال: يا ابا محمد انما مثلنا اهل البيت مثل اهل بيت كانوا في بنى اسرائيل فكان لا يجتهد احد منهم اربعين ليلة الادعا فاجيب، وان رجلا منهم اجتهد اربعين ليلة ثم دعا فلم يستجب له، فاتى عيسى (ع) يشكو إليه ما هو فيه ويسئله الدعا، فتطهر عيسى وصلى ثم دعا فأوحى الله إليه يا عيسى ان عبدى اتانى من غير الباب الذى اوتى منه انه دعاني وفى قلبه شك منك، فلو دعاني حتى ينقطع عنقه وينثر (ينتثر) (2) انامله (3) ما استجبت له، فا لتفت عيسى (ع) فقال: تدعو ربك وفى قلبك شك من نبيه قال: يا روح الله وكلمته قد كان


(1) قوله هذا وجه الرضا يقال: عند بروز آثار السرور في الوجه (المجمع). (2) نثرت الشيئ نثرا: رميت به متفرقا (3) الانامل هي رؤس الاصابع (المجمع) (*).

[ 58 ]

والله ما قلت، فاسئل الله ان يذهب به عنى فدعاله عيسى (ع) فتفضل الله عليه، وصار في اهل بيته، وكك نحن اهل البيت لا يقبل الله عمل عبد وهو يشك فينا (1) القسم السادس ما يرجع الى الفعل (2) كأعقاب الصلوة. قال امير المؤمنين (ع): قال رسول الله (ص): من ادى لله مكتوبة فله في اثرها (3) دعوة مستجابة. قال ابن الفحام: رأيت امير المؤمنين عليه السلام في النوم فسئلته عن الخبر فقال: صحيح إذا فرغت من المكتوبة فقل وانت ساجد: (اللهم انى اسئلك بحق من رواه وبحق من روى عنه صل على جماعتهم، وافعل بى كيت وكيت). وعن الصادق (ع): ان الله فرض عليكم الصلوة في احب الاوقات (افضل الساعات) إليه فاسئلوا الله حوائجكم عقيب فرائضكم (فعليكم بالدعا في ادبار الصلوة). وعن امير المؤمنين (ع): لا ينفتل (4) العبد من صلوته حتى يسئل الله الجنة، ويستجير به من النار، وان يزوجه حور العين (من الحور). وعن ابى حمزة قال: سمعت ابا جعفر (ع) يقول: إذا قام المؤمن في الصلوة بعث الله حور العين حتى يحدقن به فإذا انصرف ولم يسئل الله منهن شيئا تفرقن متعجبات (انصرفن متعجبات) وروى فضل البقباق عن الصادق (ع) قال: يستجاب الدعا في اربعة مواطن.


(1) وفى (الاصول) ج 2 ص 400 باب الشك روايات بهذا المضمون، وقال في (المرآت) بعد نقل الحديث: ثم اعلم ان هذه الاخبار مما يدل على اعتبار العلم اليقيني في الا يمان، وان الشاك في العقائد الايمانية كافر بل الظان ايضا انتهى موضع الحاجة. (2) أي كون الدعا بعد بعض الافعال له اثر خاص في اجابته. (3) خرجت في اثره بفتحتين وبكسر الهمزة فالسكون أي تبعته عن قريب (4) انفتل من الصلوة: انصرف عنها (المجمع) (*).

[ 59 ]

في الوتر وبعد الفجر وبعد الظهر وبعد المغرب. وفى رواية انه يسجد بعد المغرب ويدعو في سجوده ومما يرجع الى الفعل دعاء السائل ليعطيه عند العطاء (1) ولا يستجاب له في نفسه لو دعا في تلك الحال. وكان زين العابدين عليه السلام يقول للخادم: امسك قليلا حتى يدعو. وقال (ع): دعوة السائل الفقير لاترد. وكان (ع): يأمر الخادم إذا أعطيت السائل ان تأمره ان يدعو بالخير وعن احدهما عليهما السلام: إذا اعطيتموهم فلقنوهم الدعا (2)، فانه يستجاب لهم فيكم ولا يستجاب لهم في انفسهم. وكان زين العابدين (ع) يقبل يده عند الصدقة وسئل عن (في) ذلك فقال (ع): انها تقع في يد الله قبل ان تقع في يد السائل. وقال امير المؤمنين (ع): إذا ناولتم (3) السائل فليرد الذى يناوله يده الى فيه فيقبلها فان الله عزوجل يأخذها قبل ان تقع في يد السائل، فانه عزوجل ياخذ الصدقات. وقال رسول الله صلى الله عليه واله: ما تقع الصدقة (صدقة) المؤمن في يد السائل حتى تقع


(1) الظرف متعلق بقوله: دعاء السائل والجار متعلق بمقدر وتقدير الكلام: ومما يرجع الى الفعل دعاء السائل عند العطاء كائنا هذا الدعا لاعطائه اياه، ويريد به ان لبعض الافعال اثرا خاصا في اجابة الدعا بعدها ومنها الصدقة. (2) وفى الحديث: لقنوا موتاكم أي ذكروا من حضره الموت (المجمع). (3) نولته: اعطيته نوالا والنوال: العطاء (المجمع) (*).

[ 60 ]

في يد الله تعالى ثم تلا هذه الاية (الم تعلموا ان الله هو يقبل التوبة عن عبادة ويأخذ الصدقات وان الله هو التواب الرحيم) (1) وعن ابى عبد الله (ع) قال: ان الله تبارك وتعالى يقول: ما من شئ الا وقد وكلت (به) من يقبضه غيرى الا الصدقة فانى اتلقفها بيدى تلقفا حتى ان الرجل ليتصدق أو المرئة لتصدق بالتمرة أو بشق تمرة فاربيها له كما يربى الرجل فلوه (2) وفصيله (3) فيلقاني (فيأتى) يوم القيامة وهى (هو) مثل جبل احد (واعظم من احد). وقال الصادق (ع) استنزلوا الرزق بالصدقة. وقال (ع) لابنه محمد: يا بنى كم فضل (معك) من تلك النفقة ؟ فقال: اربعون دينارا قال: اخرج فتصدق بها قال: انه لم يبق معى غيرها قال: تصدق (فتصدق) بها فان الله تعالى يخلفها اما علمت ان لكل شئ مفتاحا ؟ ومفتاح الرزق الصدقة فتصدق بها ففعلت (ففعل) فما لبث أبو عبد الله (ع) الا عشرة ايام حتى جائه من موضع اربعة آلاف دينار. وقال (ع): الصدقة تقضى الدين وتخلف بالبركة. وقال (ع): إذا أملقتم (4) فتاجروا الله بالصدقة. وقال الباقر (ع): ان الصدقة لتدفع سبعين علة (بلية) من البلايا (بلايا) الدنيا مع ميتة السوء ان صاحبها لا يموت ميتة السوء ابدا (5).


(1) عن ابى عبد الله (ع) في قوله تعالى: وياخذ الصدقات قال: يقبلها من اهلهإ ويثيب عليها (الميزان) التوبة: 105. (2) الفلو بتشديد الواو كغلو: المهر يفصل عن امه، والمهر ولد الفرس (المجمع). (3) الفصيل: ولد الناقة إذا فصل عنه امه (المجمع). (4) املق املاقا: إذا فتقر واحتاج (المجمع). (5) الميتة بالكسر المحال والهيئة وميتة السوء بفتح السين هي الحالة التى يكون عليها الانسان عند الموت كالفقر المدقع والوصب الموجع والالم المغلق والاعلال التى تفضى به الى كفران النعمة ونسيان الذكر، والاحوال التى تشغله عماله وعليه (المجمع) (*).

[ 61 ]

وقيل: بينا عيسى (ع) مع اصحابه جالسا إذ مر به رجل فقال: هذا ميت أو يموت. فلم يلبثوا ان رجع عليهم وهو يحمل حزمة حطب، فقالوا يا روح الله اخبرتنا انه ميت وهو ذا نراه حيا فقال عيسى (ع): ضع حزمتك فوضعها ففتحها وإذا فيها اسود قد القم حجرا، فقال له عيسى (ع): أي شئ صنعت اليوم ؟ فقال: يا روح الله وكلمته كان معى رغيفان فمر بى سائل فاعطيته واحدا (1). وقال الصادق (ع): ما احسن عبد الصدقة الا أحسن الله الخلافة (2) على ولده من بعده وقال (ع): القانع الذى يسئل، والمعتر صديقك (3). وكان الصادق (ع) بمنى فجائه سائل، فامر له بعنقود (4)، فقال، لا حاجة لى


(1) عن سالم بن مكرم عن ابى عبد الله (ع) قال: مر يهودى بالنبي (ص) فقال: السلم عليك فقال رسول الله (ص): عليك فقال اصحابه: انما سلم عليك بالموت فقال: المو ت عليك قال النبي (ص): وكذلك رددت، ثم قال النبي: ان هذا اليهودي يعضه اسود في قفائه فيقتله قال: فذهب اليهودي فاحتطب حطبا كثيرا، واحتمله ثم لم يلبث ان انصرف، فقال رسول الله (ص): ضعه فوضع الحطب فإذا اسود في جوف الحطب عاض على عود: فقال: يا يهودى أي شئ عملت اليوم ؟ فقا ل: ما عملت عملا الا حطبي هذا احتملته وجئت به، وكان معى كعكان فاكلت واحدة وتصدقت بواحدة على مسكين، فقال رسول الله (ص): بها دفع الله عنه وقال: ان الصدقة تدفع ميتة السوء عن الانسان (وافى) ج 6 باب فضل الصدقة. اقول: تأمل في هذه الرواية كيف دفعت الصدقة ميتة السوء عن رجل يهودى مع ان البلاء المتوجهة إليه من قبل هتكه رسول الله (ص) فكيف إذا تصدق رجل مسلم مع نية صافية. (2) يق: خلف الله لك خلفا بخير واخلف عليك خيرا أي ابدلك بما ذهب منك وعوضك عنه (المجمع). (3) قوله تعالى: (فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها واطعموا القانع والمعتر) الحج: 37 القانع هو الفقير الذى يقنع بما اعطيه سواء سئل ام لا، والمعتر هو الذى اتاك وقصدك من الفقراء (الميزان) (4) العنقود بالضم واحد عناقيد: العنب (المجمع) (*).

[ 62 ]

في هذا ان كان درهم فقال (ع): يسع الله لك، فذهب ولم يعطه شيئا، فجائه آخر فاخذ أبو عبد الله ثلاثة حبات من عنب فناوله اياه فاخذها السائل، ثم قال: الحمد لله رب العالمين الذى رزقني فقال (ع): مكانك، فحثى (1) له ملا كفيه فناوله اياه، فقال السا ئل: الحمد لله رب العالمين فقال أبو عبد الله (ع): مكانك يا غلام أي شئ معك من الدراهم ؟ قال: فإذا معه نحو من عشرين درهما فيما حرزناه (2) أو نحوها فقال (ع): ناولها اياه فاخذها، ثم قال: الحمد لله رب العالمين هذا منك وحدك لا شريك لك، فقال (ع): مكانك فخلع قميصا كان عليه فقال: البس هذا فلبسه ثم قال: الحمد لله الذى كسانى وسرني يا عبد الله جزاك الله لم يدع له (ع) الا بذا، ثم انصرف فذهب، فظننا انه لو لم يدع له (ع) لم يزل يعطيه لانه كان كلما حمد الله تعالى اعطاه. وقال الصادق (ع): من تصدق ثم ردت (عليه) فلا يبعها. ولا يأكلها لانه لا شريك له (لله) في شئ مما جعل له انما هي (هو) بمنزلة العتاقة (3) لا يصلح له ردها بعد ما يعتق وعنه (ع) في الرجل يخرج بالصدقة (الصدقة) ليعطيها (يريدان يعطيها) السائل فيجده قد ذهب (فلا يجده) قال (ع): فليعطها غيره ولا يردها في ماله. تتمة الصدقة على خمسة اقسام: الاول صدقة المال وقد سلفت الثاني صدقة الجاه، وهى الشفاعة. قال رسول الله صلى الله عليه واله: افضل الصدقة صدقة اللسان قيل: يا رسول الله وما صدقة اللسان ؟ قال: الشفاعة تفك بها الاسير، وتحقن بها الدم، وتجربها المعروف الى اخيك، وتدفع بها


(1) حثا الرجل التراب يحثوه: إذا اهاله بيده (المجمع) (2) الحرز بالكسر: الموضع الحصين المنجد) (3) عتق العبد خرج من الرق العبودية (المنجد) (*).

[ 63 ]

الكريهة. وقيل: المواساة في الجاه والمال عوذة (1) بقائها. الثالث صدقة العلم والرأى (2): وهى المشورة. وعن النبي (ص): تصدقوا على اخيكم بعلم يرشده ورأى يسدده. الرابع صدقة اللسان وهى واسطة بين الناس، والسعى فيما يكون سببا لاطفاء النائرة (3) واصلاح ذات البين قال الله تعالى: (لاخير في كثير من نجويهم الامن امر بصدقة أو معروف أو اصلاح بين الناس). الخامس صدقة العلم، وهى بذله لاهله ونشره على مستحقه. وعن النبي (ص): من الصدقة ان يتعلم الرجل العلم ويعلمه الناس. وقال (ص): زكاة العلم تعليمه من لا يعلمه. وعن الصادق (ع) لكل شئ زكاة وزكاة العلم ان يعلمه اهله. روى صاحب كتاب منتقى البواقبت (مناقب) فيه مرفوعا الى محمد بن على بن الحسين بن زيد بن على بن الحسين بن على بن ابي طالب قال: حدثنى الرضا (ع) عن ابيه موسى بن جعفر عن ابيه جعفر عن ابيه محمد عن ابيه على بن الحسين عن ابيه ا لحسين عن ابيه امير المؤمنين عليهم السلام قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، فاطلبوا العلم من مظانه واقتبسوه من اهله فان تعليمه لله سبحانه حسنة، وطلبه عبادة والمذاكرة به تسبيح، والعمل به جهاد، وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وبذله لاهله قربة الى الله تبارك وتعالى لانه من معالم الحلال والحرام، ومنار سبيل الجنة، وا لمونس في الوحشة، والصاحب في الغربة والوحدة، والمحدث في الخلوة، والدليل على


(1) العوذ بفتح العين والواو: الملجأ (اقرب). (2) الرأى: الاصابة في التدبر (المنجد). (3) النائرة: العداوة يق: سعيت في اطفاء النائرة أي تسكين الفتنة من النار (اقرب) (*).

[ 64 ]

السراء والضراء والسلاح على الاعداء والزين على (عند) الاخلاء، يرفع الله به اقواما فيجعلهم في الخير قادة يقتبس آثارهم، ويهتدى بفعالهم، وينتهى الى رأيهم، وترغب الملائكة في خلتهم، وباجنحتها تمسحهم، وفى صلاتهم تبارك عليهم، ويستغفر لهم كل رطب ويابس حتى حيتان البحر وهوامه، وسباع البر وانعامه، وان العلم حياة القلو ب من الجهل، وضياء الابصار من الظلمة، وقوة الابدان من الضعف يبلغ بالعبد منازل الاخيار، ومجالس الابرار، والدرجات العلى في الدنيا والاخرة، والفكر (ة) فيه يعدل بالصيام، ومدارسته بالقيام، وبه يطاع الرب عزوجل ويعبد، وبه توصل الارحام، ويعرف الحلال والحرام، والعلم امام العمل، والعمل تابعه، يلهمه السعداء، ويحر مه الاشقياء فطوبى لمن لا يحرمه الله منه حظه (1). تنبيه انظر رحمك الله الى قوله (ص): العمل تابعه كيف جعلهما قرينين مقترنين وانه لانفع لاحدهما بدون صاحبه وانه لابد للعالم من العمل، وليس العلم وحده بمنج لصاحبه.


(1) عن ابى بصير قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: كان امير المؤمنين يقول: يإ طالب العلم ان العلم ذو فضائل كثيرة: فرأسه النواصع، وعينه البرائة من الحسد، واذنه الفهم، ولسانه الصدقة وحفظه الفحص، وقلبه حسن النية، وعقله معرفة الاشياء والامور، ويد ه الرحمة، ورجله زيارة العلما، وهمته السلامة وحكمته الورع، ومستقره النجاة، وقايده العافية ومركبه الوفا، وسلاحه لين الكلمة، وسيفه الرضا، وقوسه المداراة، وجيشه محاورة العلماء، وماله الادب، وذخيرته اجتناب الذنوب، وزاده المعروف، ومأواه الموادعة ودليله الهدى، ورفيقه محبة الاخيار. قال في (المرآت): اقول: لما اراد (ع) التنبيه على فضائل العلم شبهه بشخص كامل روحاني له اعضاء وقوى وكلها روحانية بعضها ظاهرة وبعضها باطنه، فالظاهرة كالرأس والعين والاذن واللسان واليد والرجل، والباطنة كالحفظ والعقل والقلب والهمة والحكمة، وله مستقر روحاني ومركب وسلاح وسيف وقوس وجيش ومال وذخيرة وزاد ومأوى ودليل ورفيق كلها معنوية روحانية. ثم شرع (ره) في بيان هذه التشبيهات اللطيفة ولكن تركناه لافضا ئه الى الاسهاب ومن اراد يرجع نوادر ابواب العلم منه ويطلب حديث المتن من مقدمة (مجمع البيان) (*).

[ 65 ]

وصرح بذلك في قوله (ع): من ازداد علما ولم يزدد من الله الابعدا (1). والعلم بغير علم لا ينتفع به لقوله (ص): والعامل على غير بصيرة كالسائر على غير طريق لا يزيده سرعة السير من الطريق الا بعدا (2). فكان العلم والعمل قرينين مقترنين لاقوام لاحدهما الا بالاخر وهذان الجوهران اعني العلم والعمل لاجلهما كان كلما تراه من تصنيف المصنفين ووعظ الواعظين ونظر الناظرين، بل لاجلهما انزلت الكتب، وارسلت الرسل، بل لاجلهما خلقت السماوات والارض وما بينهما من الخلق، وتأمل آيتين من كتاب الله تعالى تدلان (نك) على ذلك احديهما قوله عزوجل: (الذى خلق سبع سموات ومن الارض مثلهن يتنزل الامر بينهن لتعلموا ان الله على كل شئ قدير وان الله قد احاط بكل شئ علما) (3) وكفى بهذه الاية دليلا على شرف العلم لاسيما على التوحيد. والثانية قوله تعالى: (وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون) (4) وكفى بهذه الاية دليلا على شرف العبادة، فحق العبدان لا يشتغل الا بهما ولا يتعب الا لهما ولا ينظر الا فيهما، وما سواهما باطل لا خير فيه ولغو لا حاصل له، وإذا علمت ذلك فاعلم ان العلم اشرف الجوهرين وافضلهما. قال النبي (ص): فضل العلم احب الى الله من فضل العبادة. وقال (ص): فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر.


(1) قال على بن الحسين (ع) في حديث: مكتوب في الانجيل لا تطلبوا علم ما لا تعلمون ولما تعلموا بما علمتم، فان العلم إذا لم يعمل به لم يزدد صاحبه الا كفرأ ولم يزد د من الله الا بعدا (الاصول) باب استعمال العلم. (2) عن ابى عبد الله (ع): والعامل على غير بصيرة اه (الاصول) باب من عمل بغير علم. (3) الطلاق: 12. (4) الذاريات: 56 (*).

[ 66 ]

وقال (ص): يا على نوم العالم افضل من عبادة العابد يا على ركعتين يصليهما العالم افضل من سبعين ركعة يصليهما العابد. وقال (ص): يا على ساعة العالم يتكى على فراشه ينظر في العلم (علم) خير من عبادة سبعين سنة وجعل النظر الى وجه العالم عبادة، بل والى باب العالم عبادة. وعن على (ع): جلوس ساعة عند العلماء احب الى الله من عبادة الف سنة والنظر الى العالم احب الى الله من اعتكاف سنة في بيت الحرام، وزيارة العلما احب الى الله تعالى من سبعين طوافا حول البيت وافضل من سبعين حجة وعمرة مبرورة مقبولة، ورفع الله تعالى له سبعين درجة وانزل الله عليه الرحمة، وشهدت له الملئكة ان الجنة وجبت له. لكن لابد للعالم من العبادة مع العلم والا كان هباء (1) منثورا (2) فان العلم بمنزلة الشجرة والعبادة بمنزلة الثمرة، فالشرف للشجرة إذ هي الاصل لكن الانتفاع بثمرتها، ولو لم يكن لها ثمرة لم يكن لها شرف، ولم يصلح الا للوقود (3)، فإذا لابد للعبد د منهما جميعا لكن العلم اولى بالتقديم لشرفه ولكونه اصلا. ولقوله (ع): والعلم امام العمل والعمل تابعه وانما صار العلم اصلا متبوعا يلزمك تقديمه لامرين: احدهما ان تعرف معبودك ثم تعبده، وكيف تعبد من لا تعرفه ؟ وهذا يستفاد من الادلة العقلية. الثاني ان تعرف ما يلزمك من العبادات الشرعية وكيفية ايقاعها لئلا يقع شى من هذه في غير محله، أو يخل بشرطه فلا تقبل، وهذا يستفاد من الادلة السمعية، وسئل بعض العلما ايما افضل العلم أو العمل ؟ فقال العلم لمن جهل والعمل للعالم. وقد عرفت ان العلم لا ينتفع به صاحبه في الاخرة إذا لم يعمل به فيكون هباء بل وبالا.


(1) الهباء: ما يخرج من الكوة مع ضوء الشمس شبيه الغبار (المجمع). (2) منثورا أي متفرقا (المجمع). (3) الوقود: ما توقد به النار (المنجد) (*).

[ 67 ]

الا تسمع الى قول النبي (ص): ان اهل النار ليتأذون من ريح العالم التارك لعلمه، وان اشد اهل النار ندامة وحسرة رجل دعا عبدا الى الله فاستجاب له وقبل منه فاطاع الله فادخله الجنة، وادخل الداعي النار بتركه عمله واتباعه الهوى. وروى هشام بن سعيد قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: (فكبكبوا فيها هم والغاون) (1) قال (ع) الغاون هم الذين عرفوا الحق وعملوا بخلافه. وقال (ع): اشد الناس عذا با عالم لا ينتفع من عمله (عمله) بشئ (2). وقال (ع): تعلموا ما شئتم ان تعملوا فلن ينفعكم الله بالعلم حتى تعملوا به لان العلماء همتهم الرعاية، والسفهاء همتهم الرواية. واعلم ان العلم ممدوح فيما رأيت من الكتاب والسنة مثل قوله تعالى: (شهد الله انه لا اله الا هو والملئكة واو العلم) (3) وقوله تعالى (هل يستوى ا لذين يعلمون والذين لا يعلمون) (4). وقول الصادق (ع): إذا كان يوم القيامة جمع الله الناس في صعيد، ووضعت الموازين، فيوزن دماء الشهداء مع مداد العلماء فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء. قال بعض العلماء: والسر فيه ان دم الشهيد لا ينتفع به بعد موته، ومدا د العالم ينتفع به بعد موته.


(1) الشعراء: 94 (2) عن جميل بن دراج قال سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: إذا بلغت النفس ها هنا - واشار بيده الى حلقه - لم يكن للعالم توبة، ثم قرء (انما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة) النساء 21 قال في (المرآت): أي العالم بامور الاخرة فيكون المراد بعد ظهور احو ال الاخرة لانه ح عالم بعلم العيان لا ينفعه التوبة، ويحتمل ان يكون المراد قبل ظهور احوال الا خرة، وبالعالم العالم مطلقا ويكون المراد ان الجاهل تقبل توبته في هذه الساعة انتهى ملخصا. (3) آل عمران: 18 (4) الزمر: 9:

[ 68 ]

ومثله قوله (ص): إذا مات المؤمن وترك ورقة واحدة عليها علم تكون تلك الورقة سترا بينه وبين النار، واعطاه الله بكل حرف عليها مدينة اوسع من الدنيا سبع مرات ليس هو عبارة عن استحضار المسائل وتقرير البحوث والدلائل، بل هو ما زاد في خوف العبد من الله تعالى، ونشطه في عمل الاخرة، وزهده في الدنيا. وقال العالم (1): اولى العلم بك ما لا يصلح لك العمل الا به، واوجب العلم عليك ما انت مسئول عن العمل به، والزم العلم لك ما دلك على صلاح قبلك واظهر لك فساده، واحمد العلم عاقبة ما زادك في عملك العاجل، فلا تشغلن بعلم ما لا يضرك جهله، ولا تغفلن عن علم ما يزيد في جهلك تركه. ثم انظر الى الايات الواردات بمدح العلم تجدها واصفات للعلماء بما ذكرناه قال الله تعالى: (انما يخشى الله من عباده العلماء) (2) فوصفهم بالخشية وقال الله تعالى: (امن هو قانت آناء لليل ساجدا وقائما يحذر الاخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوى الذين يعملون والذين لا يعلمون) (3) فوصفهم باحياء الليل بالقيام ومواصلة الركو ع والسجود والخوف والرجا وقال الله تعالى: (ذلك بان منهم قسيسين ورهبانا وانهم لا يستكبرون) (4) والقسيس: العالم، فوصفهم بترك الاستكبار. وقال الصادق (ع): الخشية ميراث العلم، والعلم شعاع المعرفة وقلب الايمان، ومن حرم الخشية لا يكون عالما وان شق الشعر بمتشابهات العلم كما قال الله تعالى: (انما يخشى الله من عباده العلماء).


(1) المراد بالعالم كلما اطلق في كتب الامامية (رض): الامام ا بو الحسن الاول، والامام موسى الكاظم عليهما السلام. (2) فاطر: 28. (3) الزمر: 9. (4) المائد: 82

[ 69 ]

وقال النبي (ص): لا تجلسوا عند كل داع مدع (1) يدعوكم من اليقين الى الشك، ومن الاخلاص الى الريا، ومن التواضع الى التكبر، ومن النصيحة الى العداوة، ومن الزهد الى الرغبة، وتقربوا من عالم يدعوكم من الكبر الى التواضع، ومن الريا الى الاخلاص، ومن الشك الى اليقين، ومن الرغبة الى الزهد، ومن العداوة ا لى النصيحة. وقال عيسى (ع): اشقى الناس من هو معروف عند الناس بعلمه مجهول بعمله وعنه (ع) قال رأيت حجرا مكتوبا عليه اقلبني فقلبته، فإذا عليه من باطنه من لا يعمل بما يعلم مشوم عليه طلب ما لا يعلم، ومردود عليه ما علم. واوحى الله تعالى الى داود (ع): ان اهون ما انا صانع بعبد غير عامل بعلمه من سبعين عقوبة باطنية ان اخرج من قلبه حلاوة ذكرى. وعن النبي (ص): العلم الذى لا يعمل به كالكنز الذى لا ينفق منه اتعب صاحبه نفسه في جمعه، ولم يصل الى نفعه. وعن على (ع): العلم مقرون الى العمل، فمن علم عمل، ومن عمل علم. والعلم يهتف بالعمل فان اجابه والا ارتحل (2).


(1) الدع: الدفع بعنف والعنف: الشدة ضد الرفق (المجمع). (2) قال في (مرات): قوله: مقرون الى العمل أي قرن العلم مع العمل في كتاب الله كقوله تعالى: (الذين آمنوا وعملوا الصالحات) وعلق المعرفة والنجاة عليهما. قوله: فمن علم عمل ومن عمل علم امر في صورة الخبر أي يجب ان يكون العلم مع العمل بعده والعمل مع العلم قوله: والعلم يهتف بالعمل أي يصيح ويدعو صاحبه بالعمل على طبقه، فان اجابه وعمل استقر وتمكن والا ارتحل عنه بدخول الشك والشبهة عليه، أو بنسيانه ويحتمل ان يكون المرا د بمقرونية العلم من العمل عدم افتراق الكامل من العلم عن العمل بحسب مراتب كماله، وعدم ا فتراق بقاء العلم واستكماله عن العمل على وفق العلم، فقوله: فمن علم أي علما كاملا باقيا عمل، ومن عمل علم أي ابقى علمه واستكمله تفصيل لما اجمل قبله. قوله: والعلم يهتف أي مطلقا، فان اجابه وعمل قوى واستقر وتمكن في قلبه والاضعف وزال عن قلبه. باب استعمال العلم منه (*).

[ 70 ]

وعن الصادق (ع) قول الله عزوجل: (انما يخشى الله من عباده العلماء) قال: يعنى من يصدق قوله فعله، ومن لم يصدق قوله فعله فليس بعالم (1). وعن النبي (ص) قال: اوحى الله الى بعض انبيائه قل للذين يتفقهون لغير الدين ويتعلمون لغير العمل، ويطلبون الدنيا لغير الاخرة، يلبسون للناس مسوك (2) الكباش (3)، وقلوبهم كقلوب الذئاب، السنتهم احلى من العسل، واعمالهم امر من الصبر: ايا يخادعون ؟ ولا تيحن (4) لكم فتنة تذر الحكيم حيرانا (5). وقال النبي (ص): مثل الذى يعلم ولا يعمل به مثل السراج يضيئ للناس


(1) قوله: من صدق قوله فعله المراد به من يكون ذاعلم ومعرفة ثابته مستقره استقرارا لا يغلبه معه هواه والمعرفة الثابتة المستقرة كما تدعوا لى القول والاقرار باللسان تدعو الى الفعل والعمل بالاركان، والعالم بهذا المنى له خشية من ربه تؤديه الى الطاعة والانقياد قولا وفعلا (مرآت). فاطر: 28. (2) مسوك جمع المسك وهى الجلد (المجمع). (3) الكبش: فحل الضأن ج كباش ككتاب (المجمع). (4) تاح له الشئ: قدر له. (5) على بن ابراهيم رفعه الى ابى عبد الله (ع) قال: طلبة العلم ثلاثة، فاعرفهم باعيانهم وصفاتهم: صنف يطلبه للجهل والمراء، وصنف يطلبه للاستطالة والختل، وصنف يطلبه للفقه والعقل: فصاحب الجهل والمراء موذممار متعرض للمقال في اندية الرجال بتذاكر العلم وصفة الحلم قد تسر بل بالخشوع، وتخلى من الورع، فدق الله من هذا خيشومه وقطع منه حيزومه. وصاحب الاستطالة والختل ذوخب وملق يستطيل على مثله من اشباهه، ويتواضع للاغنياء من دونه فهو لحلوائهم هاضم، ولدينه حاطم، فاعمى الله على هذا خبره، وقطع من آثار العلماء اثره. وصاحب الفقه والعقل ذو كأبة وحزن وسهر قد تهنك في برنسه، وقام الليل في حندسه، ويخشى وجلا داعيا مشفقا مقبلا على شأنه عارفا باهل زمانه مستوحشا من اوثق اخوانه، فشد الله من هذا اركانه واعطاه يوم القيامة امانه. - الختل: الخداع الخب: الخدعة الملق: المداهنة والملاينة والاعطا باللسان مالليس في القلب. البرنس بضم الباء والنون: فلنسوة طويلة يلبسها النساك. الحندس: الليل المظلم - (مرآت) نوادر ابواب العلم (*).

[ 71 ]

ويحترق نفسه. فصل وإذا عرفت ادب العالم مع ربه وكيف يجب ان يكون بعد ما علم، فاعلم ادبه حال تعلمه مع استاده، وكيف ينبغى ان يكون حال تعلمه وبعد ما علم. روى عبد الله بن الحسن عن ا بيه عن جده عليهم السلام انه قال: ان من حق المعلم على المتعلم ان لا يكثر السؤال عليه، ولا يسبقه في الجواب، ولا يلح عليه ا ذا اعرض عنه، ولا يأخذ ثوبه إذا كسل، ولا يشير إليه بيده، ولا يخزره (1) بعينه، ولا يشاور في مجلسه، ولا يطلب عوراته (2) وان لا يقول: قال فلان: خلاف قولك، ولا يفشى له سرا، ولا يغتاب عنده، وان يحفظه شاهدا وغائبا، ويعم القوم بالسلام ويخصه بالتحية، ويجلس بين يديه. وان كان له حاجة سبق القوم الى خدمته، ولا يمل من طول صحبته، فانما هو مثل النخلة ينتظر متى تسقط عليك منها منفعة، والعالم بمنزلة الصائم القائم المجاهد في سبيل الله، وإذا مات العالم انثلم في الاسلام ثلمة (3) لاتنسدا لى يو م القيامة، وان طالب العلم ليشيعون سبعون الفا من مقربى السماء. وقال ابن عباس: ذللت طالبا فعززت مطلوبا. وقال بعض الحكماء: من لم يتحمل ذل الطلب ساعة بقى في ذل الجهل ابدا. وعن النبي (ص): ليس من اخلاق المؤمن الملق (4) الافى طلب العلم. فصل وقال الصادق (ع): وجدت علوم (علم) الناس كلها في اربع خصال: اولها


(1) الخزر محركة: ان يفتح عينه ويغمضها (ق) (2) العور: العيب (ص) (3) الثلمة: الخلل في الحائط وغيره (ص). (4) الملق بالتحريك: الزيادة في النودد والدعا والتضرع فوق ما ينبغى (ص) (*).

[ 72 ]

ان تعرف ربك. والثانية ان تعرف ما صنع بك. والثالثة ان تعرف ما اراد منك. والرابعة ان تعرف ما يخرجك من دينك (1) وعنه عليه السلام: ما بعث الله عزوجل نبيا قط حتى يأخذ عليه ثلاثا: الاقرار بالعبودية، وخلع الانداد (2) وان الله تبارك وتعالى يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء. فصل وإذا عرفت نفاسة هذين الجوهرين فاعلم ان ما سواهما باطل لاخير فيه، ولغو لا حاصل له لان ما سواهما اما ما لابد منه كالقوت (3) أو فضلا عن ذلك فهنا قسمان: الاول القوت ولا حرج في طلبه، بل هو من العبادة. قال رسول (ص): الكاد (4) على عياله كالمجاهد في سبيل الله. وقال امير المؤمنين (ع): اتجروا بارك الله لكم فانى سمعت رسول الله صلى الله عليه واله: يقول: ان الرزق عشرة اجزاء تسعة في التجارة وواحدة في غيرها. وقال الصادق (ع): كفى بالمرء اثما ان يضيع من يعول (5). وقال النبي (ص): ملعون ملعون من يضيع من يعول.


(1) قال في (المرآت) في شرح الحديث: اولها ان تعرف ربك بو جوده وصفاته الكمالية الذاتية والفعلية بحسب طاقتك. وثانيها معرفتك بما صنع بك من اعطاء العقل والحواس والقدرة، واللطف بارسال الرسل وانزال الكتب، وساير نعمه العظام. وثالثها معر فتك بما اراد منك وطلب فعله أو الكف عنه. وبما اراد من طريق معرفته. واخذه من مأخذه المعلومة بالعقل والنقل. ورابعها انتعرف ما يخرجك من من دينك كاتباع ائمة الضلال، والاخذ من غير المأجذ، وانكار ضروري الدين، ويدخل في هذا القسم معرفة ساير اصول الدين سوى معرفة الله تعالى انتهى موضع الحاجة. (2) الندبا لكسر: المثل ج انداد (ق). (3) قات اهله يقوت والاسم القوت: هو ما يقوم به بدن الانسان من الطعام (ص). (4) الكد: الشدة في العمل. (5) عيال الرجل من يعوله ويثقل امرهم عليه (ص) (*).

[ 73 ]

وعليه ان يعتمد امورا: الاول الطلب من الحلال، وترك الحرام بل وترك الشبهة لان الاقدام عليها يوقع في الحرام. قال رسول الله (ص): من لم يبال من اين اكتسب المال لم يبال الله من اين ادخله النار. الثاني ان يقنع بما يكفيه، فإذا كان صانعا يعمل جملة النهار بدينار مثلا ويعلم ان كفايته ثلثه يقتصر على العمل ثلث النهار، ويصرف باقى النهار في ا لعبادة، وان رجا ان يعمل جملة النهار بدينار ويصرف يومين تامين في العبادة لم يكن به بأس، وكذا إذا كان تاجرا واستفضل منه ما يزيد به عن قوت يومه صرف فاضله في العبادة، ويجوز ادخار مؤنة السنة، وما زاد عليه خطر. وروى الصدوق باسناده الى انى الدرداء قال رسول الله (ص) من اصبح معافا في جسده امنا في سربه (1) وعنده قوت يومه وليلته فكانما حيزت (2) له الدنيا يا بن جعشم يكفيك منها ما سد جوعتك، ووارى عورتك، فان يكن بيت يكنك (3) فذاك، وان تكن دابة تركبها فبخ بخ والا فالخبز وماء الحرة (4) وما بعد ذلك حساب عليك أو عذاب. الثالث ان يترك الحرص فان الحرص مذموم يجمع (5) بصاحبه الى الشبهة وربما اوقعه في الحرام، والرزق مقسوم لا يزيده قيام حريص، ولا ينقصه قعود مجمل. فعنهم عليهم السلام: من لم يعط قاعدا لم يعط قائما. وقال (ص) في حجة الوداع: ايها الناس ما اعلم عملا يقربكم الى الجنة ويباعدكم


(1) في سربه أي في نفسه (المجمع). (2) الحوز: الجمع، وكل من ضم الى نفسه شيئا فقد حازه (المجمع). (3) كنه: ستره (4) الجرة بالفتح والتشديد: اناء معروف من خزف ج جرار مثل كلبة وكلاب (المجمع). (5) يجمع: يسرع (*).

[ 74 ]

من النار لا وقد نبأتكم به وحثثتكم على العمل به، وما من عمل يقربكم من النار ويباعدكم من الجنة الا وقد حذرتكموه ونهيتكم عنه الاوان روح الامين نفث في روعى (1) انه لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء شئ من الرزق ان نطلبوه بمعصية الله ان الله قسم الارزاق بين خلقه حلالا، ولم يقسم حراما، فمن اتقى وصبر اتاه رزق الله، ومن هتك حجاب الستر وعجل فاخذه من غير حله قوصص (2) به من رزقه الحلال وحوسب به يوم القيامة. وقال (ص) لبعض اصحابه: كيف بك إذا بقيت في قوم يجمعون (يخبئون) رزق سنتهم ويضعف اليقين ؟ فإذا اصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء، وإذا امسيت فلا تحدث نفسك بالصباح فانك لا تدري ما اسمك غدا. ثم اعمل فيما يحصل لك من الكسب على قانون السنة والكتاب، واياك والتبذير فان الله تعالى يقول: (ان المبذرين كانوا اخوان الشياطين). وقال رسول الله (ص): من بذر افقره الله (3). وقال (ص): ما عال من اقتصد (4) ! وتجب البدأة في الانفاق بالنفس وليجتنب التملى (5) فانه يروى عنه (ص) انه قال: حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فان كان ولابد فليكن الثلث للطعام، والثلث للشراب، والثلث الاخر للنفس (6). وقال (ع): اكثر الناس شبعا اطولهم جوعا يوم القيامة.


(1) النفث: نفخ بلا ريق والمعنى: ان جبرئيل القى في قلبى كذا (المجمع). (2) بالبناء على المفعول من القصاص. (3) التبذير: الانفاق فيما لا ينبغى (المجمع). (4) الاقتصاد بين الاسراف والتقتير (المجمع). (5) التملى مطاوع ملاء يق: تملاء من الطعام (اقرب). (6) ذكر هذا الحديث لبعض الفلاسفة فقال: ما سمعت كلاما احكم من هذا، ولاشك في ان اثر الحكمة في الحديث المذكور واضح (*).

[ 75 ]

وايضا فان التملى يسم القلب بالقسوة، ويثقل الاعضاء عن العبادة، وحسب الشبعان من الخساسة نومه عن التهجد، وقيام المخففين، ودورانه حول المزابل والمخففون في المساجد، ثم ينفق على عياله مقتصدا من غير تقتير (1) ويستحب التوسعة عليهم، وسرورهم بانجاز وعودهم. وعن ابى الحسن موسى (ع): إذا وعدتم الصغار فاوفوالهم فانهم يرون انكم انتم الذين ترزقونهم، وان الله عزوجل ليس يغضب لشئ كغضبه للنساء والصبيان. وبادخال الفاكهة عليهم خصوصا في الجمع. قال امير المؤمنين: اطرقوا (2) اهاليكم في كل ليلة جمعة بشئ من الفاكهة كى يفرحوا بالجمعة. ويستجب اكرام الوالدين (3) خصوصا ألام قال الصادق (ع): افضل الاعمال الصلاة لوقتها، وبر الوالدين، والجهاد في سبيل الله. وروى ان موسى لما ناجى ربه رأى رجلا تحت ساق العرش قائما يصلى فغبطه (4)


(1) قتر على عياله تقتيرا: ضيق عليهم. (2) يقال لكل آت بالليل: طارق. (3) عن ابى ولاد الحناط قال: سئلت ابا عبد الله (ع) عن قول الله تعالى: (وبا لوالدين احسانا) ما هذا الاحسان ؟ فقال: الاحسان ان تحسن صحبتهما، وان لا تكلفهما ان يسئلا ك شيئا مما يحتاجون إليه وان كانا مستغنين أليس يقول الله تعالى: (ان تنالوا البر حتى تنقوا مما تحبون) ثم قال أبو عبد الله: (اما يبغلن عندك الكبر احدهما أو كلاهما فلا تقل لهما اف ولا تنهرهما) ان ضرباك قال: (وقل لهما قولا كريما) قال: ان ضرباك فقل لهما: غفر الله لكما فذلك منك قول كريم قال: (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة) قال: لا تمل عينيك من النظر اليهما الا برحمة ورقة، ولا ترفع صوتك فوق اصواتهما، ولا يدك فوق ايديهما، لا تقدم قدامهما. ومن اراد شرح الحديث يرجع باب البر بالوالدين من (مرآت) (4) الغبطة ا يتمنى مثل حال المغبوط من غير ان يريد زوالها عنه (ص) (*).

[ 76 ]

بمكانه وقال: يا رب بما بلغت عبدك هذا ما ارى ؟ قال: يا موسى انه كان بارا بوالديه ولم يمش بالنميمة (1). وجاء رجل الى النبي (ص): وقال: يا رسول الله لم اترك شيئا من القبيح الا وقد فعلته فهل لى من توبة ؟ فقال له: هل بقى من والديك احد ؟ فقال: نعم ابى فقال (ع): اذهب وابرره، فلما ولى قال النبي (ص): لو كانت امه. وقال (ع): من سره ان يمد له في عمره، ويبسط له في رزقه فليصل ابويه فان صلتهما من طاعة الله. وقال رجل لابي عبد الله (ع): ان ابى قد كبر فنحن نحمله إذا اراد الحاجة فقال عليه السلام: ان استطعت ان تلى ذلك منه فافعل فانه جنخ لك غدا ! وقال (ع): ما يمنع احدكم ان يبر والديه حيين وميتين ؟ يصلى عنهما ويصوم عنهما، ويتصدق عنهما، فيكون الذى صنع لهما، وله مثل ذلك فيزيده الله ببره خير ا كثيرا. ومن حق الوالد على الولد ان لا يسميه باسمه، ولا يمشى بين يديه، ولا يجلس قبله. وقال رجل: يا رسول الله ما حق ابني هذا ؟ قال: تحسن اسمه وادبه، وتضعه موضعا حسنا (2). فصل قال رسول الله (ص): من سعادة الرجل الولد الصالح. وقال (ص): الولد للوالد ريحانة من الله يشمها (قسمها) بين عباده، وان


(1) النميمة: نقل الحديث من قوم الى قوم على جهة الفساد والشر (نهاية). (2) قوله: تضعه موضعا حسنا: يمكن ان يراد به ان ينكح له زوجة صالحة (عن بعضهم) (*).

[ 77 ]

ريحانتي الحسن والحسين عليهما السلام سميتهما باسم سبطى (1) بنى اسرائيل شبرا وشبيرا (1). وروى الفضل بن ابى قرة عن ابى عبد الله (ع) قال: قال رسول الله (ص): مر عيسى بن مريم (ع) بقبر يعذب صاحبه، ثم مربه من قابل (3) فإذا هو لا يعذب يقال: يا رب مررت بهذا القبر عام اول وكان يعذب، ومررت به العام فإذا هو ليس يعذب فأوحى الله إليه: انه ادرك له ولد صالح فاصلح طريقا، وآوى يتيما فلهذا غفرت له بما عمل ا بنه، ثم قال رسول الله (ص): ميراث الله عزوجل من عبده المؤمن ولد يعبده من بعده ثم تلا أبو عبد الله (ع): آية ذكريا (ع) (رب هب لى من لدنك وليا يرثنى ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا) (4). وعن النبي (ص): من ولدله اربعة اولاد ولم يسم احدهم باسمى فقد جفاني (5) وعن سليمان الجعفري قال: سمعت ابا الحسن (ع) يقول: لايدخل الفقر بيتا فيه اسم محمد أو احمد أو على أو الحسن أو الحسين أو طالب أو عبد الله، أو فاطمة من النساء. وعن ابى جعفر (ع): ان الشيطان إذا سمع مناديا ينادى يا محمد يا على ذاب كما يذوب الرصاص. وقال الرضا (ع): لا يولد لنا مولود الا سميناه محمدا فإذا مضى سبعة ايام فان


(1) الاسباط: اولاد الولد، وقيل اولاد البنات. (2) الشبر: عبرانية بمعنى العطاء. (3) يق: عام قابل أي مقبل. (4) مريم: 6. (5) في حديث النبي (ص) تسموا باسمى ولا تسموا بكنيتي يعنى ابا القاسم، وفى عدم الحل مطلقا أو لعن اسمه محمد أو نسخ عدم الحل اقوال (المجمع) (*).

[ 78 ]

شئنا غيرنا والا تركنا وقال (ع): استحسنوا اسمائكم فانكم تدعون بها يوم القيامة قم يا فلان بن فلان الى نورك، قم يا فلان بن فلان لا نور لك. روى محمد بن يعقوب (ره) يرفعه الى الحسن بن احمد المنقرى عن بعض اصحابنا عن ابى عبد الله قال: إذا كان بامرئة احدكم حمل (حبل) فاتى لها اربعة اشهر فليستقبل بها القبلة وليضرب على جنبها وليقل: اللهم انى قد سميته محمدا فانه يجعله ذكرا، فان وفى بالاسم بارك الله فيه، وان رجع عن الاسم كان لله في الخيار ان شاء اخذه وان شاء تركه. وعن سهل بن زياد عن بعض اصحابه رفعه قال: قال رسول الله (ص): من كان له حمل فنوى ان يسميه محمدا أو عليا ولد له غلام. وكان زين العابدين (ع) إذا بشر بولا لا يسئل اذكر هوام انثى ؟ حتى يقول اسوى (1) ؟ فإذا كان سويا قال: الحمد لله الذى لم يخلق منى شيئا مشوها (2). وكان الكاظم (ع) يقول: سعد امرء لم يمت حتى يرى خلفه (3) من نفسه ولدا ثم قال: فقد ارانى الله خلفي من نفسي - واشار بيده الى ابى الحسن (ع). وقال الصادق (ع): ان الله ليرحم الوالد لشدة حبه لولده. وقال رجل من الانصار لابي عبد الله (ع) من ابر ؟ قال: والديك قال: قد مضيا قال: برولدك. وعن الصادق قال: قال رسول الله (ص): احبوا الصبيان، وارحموهم،


(1) السوى: التمام الاعضاء (المجمع). (2) قوله مشوها: غير مستوى الخلقة (المجمع). (3) الخلف بالتحريك والسكون: من يجئ بعد من مضى (المجمع) (*).

[ 79 ]

عدوتموهم شيئا فاوفوا لهم فانهم لا يرون الا انكم ترزقونهم. وقال (ع): من قبل (1) ولده كان له حسنة، ومن فرحه فرحه الله يوم القيامة ومن علمه القران دعى الابوان فكسيا حلتين يضئ من نورهما وجوه اهل الجنة. وجاء رجل الى النبي (ص) فقال: ما قبلت ولدا قط، فلما ولى قال النبي (ص) هذا رجل عندنا من اهل النار. وراى (ص) رجلا من الانصار ووله ولدان قبل احدهما وترك الاخر فقال (ع): هلاواسيت (2) بينهما ؟ ! وقال بعضهم: شكوت الى ابى الحسن موسى ابنا لى فقال: لا تضربه، واهجره، ولا تطل. وكان النبي (ص) إذا اصبح مسح على رؤس ولده وولد ولده، وصلى بالناس يوما فخفف في الركعتين الاخيرتين فلما انصرف قال له الناس: يا رسول الله رأينا ك خففت هل حدث في الصلاة امر ؟ فقال: وما ذاك ؟ قالوا: خففت في الركعتين الاخير تين فقال (ص): أو ما سمعتم صراخ (3) الصبى ؟ وفى حديث آخر خشيت ان يشتغل به خاطر ابيه وقال الصادق (ع): ان ابراهيم سئل ربه ان ترزقه بنتا تبكيه وتندبه بعد الموت.


(1) عنه (ص): ! اكثروا من قبلة اولادكم فان لكم بكل قبلة درجة في الجنة ما بين كل درجة خمسمأة عام (بمج) ج 13 ب فضل الاولاد - القبلة كغرفة: اسم من قبلت الولد وقبلت الشئ تقبلا (المجمع) (2) المواساة: المساواة: (المجمع) (3) الصراخ: الصياح باستغاثة (المجمع) (*).

[ 80 ]

وقال النبي صلى الله عليه واله: نعم الولد البنات ملطفات (متلطفات) مجهزات مونسات مباركات مفليات (1). وقال أبو عبد الله عليه السلام: من تمنى موتهن حرم اجرهن، ولقى الله عاصيا. وقال (ع): ايما رجل دعاعلى ولده اورثه الله الفقر. وقال (ع): البنات حسنات، والبنون نعمة، وانما يثاب على الحسنات، ويسئل عن النعمة. وقال النبي (ص): من عال ثلاث بنات، أو ثلاث اخوات وجبت له الجنة، قيل: يا رسول الله واثنتين فقال واثنتين، فقيل: يا رسول الله وواحدة فقال: وواحدة. وقال (ص): من عال ثلاث بنات، أو مثلهن من الاخوات، وصبر على ايوائهن (2) حتى يبن (3) (يأتين) الى ازواجهن، اويمتن فيصرن الى القبور كنت انا وهو في الجنة كهاتين - واشار بالسبابة والوسطى - فقلت (فقيل): يا رسول الله واثنتين قال (ص): واثنتين قلت: وواحدة قال (ص): وواحدة. وولد لرجل جارية فرآه أبو عبد الله مستخطا فقال له: ارأيت (4) لو ان الله تبا رك وتعالى اوحى اليك انى اختار لك أو تختار لنفسك ما كنت تقول ؟ قال: كنت اقول: يا رب (ما) تختار لى قال (ع): فان الله قد اختار لك، ثم قال: ان الغلام الذى قتله العالم الذى كان مع موسى في قوله عزوجل: (فاردنا ان يبدلهما ربهما خيرا منه زكوة واقرب رحما) قال (ع): ابدلهما منه جارية ولدت سبعين نبيا. وقال النبي (ص): اوصى الشاهد من امتى والغائب منهم، ومن في اصلاب الرجال، وارحام النساء الى يوم القيامة ان يصل الرحم وان كان منه على مسيرة سنة فان


(1) فليت رأسي: نقيته عن القمل (المجمع) (2) آويته ايواء: إذا نزلته بك (المجمع) (3) يبن بصيغة الجمع من ا لبين: الفراق، الوصول وهو من الاضداد (نهاية). (4) ارأيت كلمة يقول العرب عند الاستخبار أي اخبر (نهاية) (*).

[ 81 ]

ذلك من الدين (1) وقال (ع): حافتا (2) الصراط يوم القيامة الامانة، والرحم فإذا مر الوصول (3) للحرم المؤدى للامانة نفذ (4) الى الجنة، وإذا مر الخائن للامانة القطوع للرحم لم ينفعه معهما عمل، ويكفأ (يلقى) به الصراط في النار. وقال (ص): ما زال جبرئيل يوصى بالمرئة حتى ظننت انه لا ينبغى طلاقها الامن فاحشة مبينة. وقال (ع): اتقوا الله في الضعيفين النساء، واليتيم. وقال (ع): حق المرئة على زوجها ان يسد جوعتها، وان يستر عورتها، ولا يقبح لها وجها، فإذا فعل ذلك فقد ادى والله حقها فصل وإذا قد عرفت ما يجب على المكتسب، وصاحب العيال من الاقتصار في الاكتساب، والاخراج، وهذا هو القانون الكلى الذى امر به الشرع على العموم. روى عمر بن يزيد عن ابى عبد الله (ع) قال: انى اركب (5) في الحاجة التى


(1) عن جميل بن دراج قال سئلت ابا عبد الله (ع) عن قول الله عزوجل: (واتقوا الله الذى تسائلون به والارحام ان الله كان عليكم رقيبا) قال: فقال: هي ارحام الناس ان الله تعالى امر بصلتها، واعظمها الا ترى انه جعلها منه. قال: في (المرآت): قوله (ع) هي ارحام الناس أي ليس المراد هنا رحم آل محمد (ص) كما في اكثر الايات امر بصلتها فيها، والامر باتقاء الارحام امر بصلتها وقوله (ع): الا ترى انه جعلها منه أي قرنها بنفسه انتهى ملخصا. (2) حافتا الوادي: جانباه ج حافات (اقرب). (3) الوصول بفتح الواو: الكثير الوصل (اقرب). (4) النفاذ: جواز الشئ عن الشئ والخلوص منه (ق). (5) قوله: اركب: أي ارتكب. (ق) (*).

[ 82 ]

كفاها الله ما اركب فيها الا التماس ان يرانى الله اضحى (1) في طلب الحلال اما تسمع قول الله عزوجل ؟: (فإذا قضيت الصلوة فانتشروا في الارض وابتغوا من فضل الله) (2) أرايت لو ان رجلا دخل بيتا وطين عليه بابه ثم قال: رزقي ينزل على (من السماء) كان يكون هذا اما انه احد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم دعوة قال: قلت: من هؤلاء ؟ فقال (ع): رجل تكون عنده المرئة فيدعو عليها فلا يستجاب له لان عصمتها (3) في يده لو شاء ان يخلى سبيلها، والرجل يكون له الحق على الرجل فلا يشهد عليه فيجحده حقه، فيدعو عليه فلا يستجاب له لانه ترك ما امر به، والرجل يكون عند الشئ فيجلس في البيت فلا ينتشر، ولا يطلب، ولا يلتمس حتى يأكله، ثم يدعو فلا يستجاب له (4). فهذا التكليف العام للجمهور من الخلائق. واما الخواص فمنهم من تعبد بالاكتساب، ومنهم المتوكل وهو درجة عظيمة، وصفة من صفات الصديقين ومن وصل إليها بطل عنه قيد الاهتمام، وانحل عنه زمام الطلب، واضمحل عنه داعية الاكتساب، وتقشعت عنه سحائب الغم وسجلت (سحت) عليه مزن الامن، وجلس على موائد الرضا، وارتوى من حياض الطمأنينة. قال الله تعالى عز ذكره: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) (5) وقال الله تعالى:


(1) واضحى يفعل كذا: صار فاعله في النهار (ق) (2) الجمعة: 10 (3) العصمة: الحفظ (ص). (4) يأتي في باب 3 ذيل عنوان (اقوام لا يستجاب دعائهم) ما يؤيد هذه الرواية. (5) عن على بن سويد عن ابى الحسن الاول قال: سئلته عن قول الله عزوجل: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) فقال: التوكل على الله درجات: منها ان تتوكل على الله في امورك كلها، فما فعل بك كنت عنه راضيا تعلم انه لا يألوك خيرا وفضلا، وتعلم ان الحكم في ذلك له، فتوكل على الله بتفويض ذلك إليه وثق به فيها وفى غيرها. قال في (المرات) قو له: منها ان تتوكل الظاهر ان هذا آخر افراد التوكل، وساير درجات التوكل ان يتوكل على الله في بعض اموره دون بعض، وتعددها بحسب كثرة الامور المتوكل فيها وقلتها قوله: فما فعل بك اه بيان للوازم التوكل وآثاره واسبابه. والا لو: التقصير واذ اعدى الى مفعولين ضمن معنى المنع. قوله: فيها أي في امورك كلها. وقوله: وفى غيرها أي في امور غيرك من عشايرك واتباعك وغيرهم. الطلاق: 3

[ 83 ]

(الذين قال لهم الناس ان الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ايمانا قالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء) (1). وفى الوحى القديم: يابن آدم خلقتك من تراب ثم من نطفة فلم اعى (2) بخلقك، أو يعيينى رغيف اسوقه اليك في حينه. وفيما اوحى الله الى غيسى (ع): انزلني من نفسك كهمك، واجعل ذكرى لمعادك، وتقرب الى بالنوال، وتوكل على اكفك، ولا تول غيرى فاخذ لك يا عيسى اصبر على البلاء وارض بالقضاء، وكن لمسرتي فيك فان مسرتي ان اطاع فلا اعصى يا عيسى احى ذكر بلسانك، وليكن في قلبك. وقال الصادق عليه السلام: من اهتم لرزقه كتب عليه خطيئة. وروى ان دانيال (ع): كان في زمان ملك جبارعات (3) فأخذه وطرحه في حب (4) وطرح معه السباع فلم تدن منه ولم تجرحه، فأوحى الله تعالى الى نبى من انبيائه ان آت دانيال بطعام فقال: يا رب واين دانيال ؟ قال: تخرج من القرية فتستقبلك ضبع، فاتبعه فانه يدلك عليه قال: فاتت به الضبع الى ذلك الجب وإذا فيه دانيال فادلى (5) إليه الطعام، فلما راى دانيال الطعام بين يديه قال: الحمد لله الذى لا ينسى من ذكره والحمد لله الذى لا يخيب من دعاه والحمد الله الذى من توكل عليه كفاه والحمد لله الذى من وثق به لم يكله الى غيره والحمد لله الذى يجزى بالاحسان احسانا وبالسيئات غفرانا وبالصبر نجاة


(1) آل عمران: 173 (2) قوله: فلم اعى هو افعل من عيى من باب تعب: عجز عنه (المجمع). (3) عتا عتيا وعتوا، استكبر وجاوز الحد (ق). (4) الجب: البئر الكثيرة الماء البعيدة القمر. (5) ادلى: ارسل (*).

[ 84 ]

ثم قال الصادق عليه السلام: ان الله ابى الا ان يجعل ارزاق المتقين من حيث لا يحتسبون (1)، ولا يقبل لاوليائه شهادة في دولة الظالمين. وفيما اوحى الله الى داود (ع): من انقطع الى كفيته. وعن ابى عبد الله (ع) في حديث مرفوع الى النبي (ص) قال: جاء جبرئيل الى النبي (ص) فقال: يا رسول الله ان الله ارسلني بهدية لم يعطها احدا قبلك فقال رسول الله (ص): فقلت وما هي ؟ قال: الصبر واحسن منه قلت: وما هو ؟ قال: القناعة واحسن منها قلت: وما هو ؟ قال: الرضا واحسن منه قلت: وما هو ؟ قال: الزهد واحسن منه قلت: وما هو ؟ قال: الاخلاص واحسن منه قلت: وما هو ؟ قال: اليقين واحسن منه قلت: وما هو ؟ قال: ان مدرجة ذلك كله التوكل على الله قلت: يا جبرئيل وما تفسير التوكل على الله ؟ قال: العلم بان المخلوق لا يضر ولا ينفع، ولا يعطى ولا يمنع، واستعمال ا لياس من المخلوق فإذا كان العبد كذلك لم يعمل لاحد سوى الله، ولم يزغ قلبه ولم يخف سوى الله، ولم يطمع الى احد سوى الله فهذا هو التوكل. قال: قلت: يا جبرئيل فما تفسير الصبر ؟ قال: يصبر في الضراء (2) كما يصبر في السراء، وفى الفافة كما يصبر في الغنى، وفى الغنى كما يصبر في العافية ولا يشكو خالقه عند المخلوق بما يصيبه من البلاء قلت: فما تفسير القناعة ؟ قال: يقنع بما يصيب من


(1) عن ابى ولاد الحناط عن ابي عبد الله (ع) في حديث، فان الرز ق لا يسوقه حرص حريص ولا يرده كراهية كاره ولو ان احدكم فرمن رزقه كما يفر من الموت لادركه رزقه كما يدركه الموت الحديث قال في (المرآت): قوله: فان الرزق لا يسوقه حرص حريص ا ه أي لا يحتاج في وصوله الى حرص بل يأتيه بادنى سعى امر الله به ولا يرد هذا الرزق كراهة كاره لرزق نفسه لقلته أو للزهد، أو كاره لرزق غيره حسدا انتهى ملخصا. وفى شمول الرزق رزق الحلال والحرام أو الحرام فقط اختلاف بين العلما ومن اراد تفصيله يرجع باب فضل اليقين منه. (2) الضراء: النقص في الاموال والانفس نقيض السراء (اقرب) (*).

[ 85 ]

الدنيا يقنع بالقليل ويشكر باليسير قلت: فما تفسير الرضا ؟ الراضي الذى لا يسخط على سيده اصاب من الدنيا ام لم يصب، ولم يرض من نفسه باليسير (من العمل) قلت: يا جبرئيل فما تفسير الزهد ؟ قال: الزاهد يحب ما (من) يحب خالقه، ويبغض ما (من) يبغض خالقه، ويتحرج (1) من حلال الدنيا، ولا يلتفت الى حرامها فان حلالها حساب وحرا مها عقاب، ويرحم جميع المسلمين كما يرحم نفسه، ويتحرج من (كثرة) الكلام فيما لا يعنيه كما يتحرج من الحرام، ويتحرج من كثرة الاكل كما يتحرج من الميتة التى قد اشتدنتنها (2)، ويتحرج من حطام الدنيا وزينتها كما يتجنب الناران يغشاها، وان يقصراماله وكان بين عينيه اجله. قلت: يا جبرئيل فما تفسير الاخلاص ؟ قال: الخلص الذى لا يسئل الناس شيئا حتى يجد وإذا وجد رضى، وإذا بقى عنده شئ اعطاه لله فان لم يسئل المخلوق فقد اقر الله بالعبودية وإذا وجد فرضى فهو عن الله راض والله تبارك وتعالى عنه راض، وإذا ا عطاه الله فهو جدير به قلت فما تفسير اليقين ؟ قال: الموقن (الذى) يعمل لله كانه يراه وان لم يكن يرى الله فان الله يراه، وان يعلم يقينا ان ما اصابه لم يكن ليخطئه وان ما اخطئه لم يكن ليصيبه (3) وهذا كله اعضان التوكل ومدرجة الزهد (4)


(1) تحرج من الامر: تأثم حقيقته جانب الحرج أي الاثم (اقرب). (2) نتن الشئ نتنا فهو نتن: ضدفاح أي خبثت رائحته (اقرب). (3) عن زراره عن ابي عبد الله (ع) قال: قال امير المؤمنين (ع) على المنبر: لا يجد طعم الايمان حتى يعلم ان ما اصابه لم يكن ليخطئه وما اخطأه لم يكن ليصيبه. قال في (المرآت): وحاصل المعنى ان ما اصابه في الدنيا كان يجب ان يصيبه ولم يكن بحيث يتجاوزه إذا لم يبالغ السعي فيه، وما لم يصبه في الدنيا لم يكن يصبه إذا بالغ في السعي، أو المعنى ان ما اصابه في التقدير الازلي لا يتجاوزه وان قصر في السعي وكذا العكس، وهذا الخبر بظاهره مما يوهم الجبر ولذا اول وخص بما لم يكلف العبد به فعلا وتركا أو بما يصل إليه بغير اختيار من النعم والبلايا والصحة والمرض واشبهها (4) المدرج: الطريق (اقرب) (*).

[ 86 ]

فانظر رحمك الله الى حسن هذا الحديث وما دل عليه من الفوائد وقد ذكر ان الصبر والقناعة والرضا والزهد والاخلاص واليقين امور متشعبة (منشعبة) عن التوكل وكفى بهذا مدحا للتوكل، ثم ذكر في حد التوكل بان المخلوق لا يضر ولا ينفع ولا يعطى ولا يمنع واستعمال اليأس من الناس فهذه خمس دعائم للتوكل اربعة علمية وواحدة عملية (1) ولاقوام للاربعة بدون الخامس بل هو ملاكها، وعنده تظهر ثمرتها وتحمد جناها ومن هذا يعلم انه لاقوام للعلم بدون العمل، وانه لا يزكو ولا ينتفع به صاحبه ما لم يعمل به وهذا ظاهر، فان من اشتكى وجع ضرسه وهو يعلم ان الحامض يضره ثم اكل حامضا فانه يوجعه ضرسه قطعا ولم يكن علمه بذلك نافعا له حيث ترك العمل به. ثم انظر الى النتيجة الحاصلة من الدعائم في قوله صلى الله عليه واله: فإذا كان ا لعبد كذلك لم يعمل لاحد سوى الله ولم يزغ قلبه الخ وهو ثلاثة امور: الاول الاخلاص لانه إذا تحقق كون المخلوق لا يضر ولا ينفع لم يعمل له ولم يطلب المنزلة في قلبه، فانحسم (2) عنه داعية الريا فلم يزغ قلبه وبقى مستقيما باخلاصه وايقاعه لعبادته على وجهها اللايق بها. الثاني العزة بتمام الغنى عن الناس في قطع الطمع منهم لان من تحقق ان لا معطى من الخلق لم يرجه واعتمد برجائه على ربه لانه المعطى لاغيره. الثالث نيل الامن وعدم الخوف من ساير المخلوقات، وعامة الموذيات ولهذا كان المخلصون والعباد والسياح يمرون على السباع غير مكترثين (3) بها فان من تيقن ان المخلوق لا يضر لم يخف منه وكان اعتقاده في السبع كاعتقاده في البقيه. وحدث أبو حازم عبد الغفار بن الحسن قال: قدم ابراهيم بن ادهم الكوفة وانا معه


(1) العلمية منها هو العلم بان المخلوق لا يضر، ولا ينفع، ولا يعطى، ولا يمنع، والعملية عبارة عن استعمال اليأس من الناس. (2) حسمه حسما: قطعه (المجمع). (3) لا يكترث لهذا الامر أي لايعبا به ولا يباليه (المجمع) (*).

[ 87 ]

وذلك على عهد المنصور، وقدمها أبو عبد الله جعفر بن حمد بن على العلوى فخرج جعفر بن محمد الصادق (ع) يريد الرجوع الى المدينة فشيعه العلماء واهل الفضل من الكوفة، وكان فيمن شيعه الثوري وابراهيم بن ادم فتقدم المشيعون له (ع) فإذا هم باسد على الطريق فقال لهم ابراهيم بن ادهم: قفوا حتى يأتي جعفر (ع) فننظر ما يصنع فجاء جعفر (ع) فذكروا له حال الاسد، فاقبل أبو عبد الله (ع) تى دنا من الاسد فاخذ باذنه حتى نحاه عن الطريق ثم اقبل عليهم فقال: اما ان الناس لو اطاعوا الله حق طاعته لحملوا عليه اثقالهم. وقال جويرية بن مسهر: خرجت مع امير المؤمنين نحو بابل لا ثالث لنا فمضى وانا سائر في السبخة (1) فإذا نحن بالاسد جاثما (2) (في) بالطريق، ولبوته (3) خلفه، وشبال (4) اللبوة خلفها فكبحت (5) دابتي لان اتأخر فقال: اقدم يا جويرية فانما هو كلب الله، وما من دابة الا الله (هو) آخذ بنا صيتها لا يكفى شرها الاهو، فإذ ا انا بالاسد قد اقبل نحوه يبصبص له بذنبه فدنا منه فجعل يمسح قدمه بوجه، ثم انطقه الله عزوجل فنطق بلسان طلق ذلق (6) فقال: السلام عليك يا امير المؤمنين ووصى خاتم النبيين فقال (ع): وعليك السلام يا حيدرة ما تسبيحك قال اقول: سبحان ربى سبحان الهى سبحان مناوقع المهابه والمخافة في قلوب عباده منى سبحانه سبحانه فمضى امير المؤمنين وانا معه، واستمرت بنا السبخة وضاقت وقت العصر ووافت صلوة العصر فاهوى فوتها ثم قلت في نفسي مستخفيا: ويلك يا جويرية اأنت اظن ام احرص من امير المؤمنين ؟ وقد رأيت


(1) السبخة بالفتح: ارض مالحة (المجمع) (2) جثم جثما فهو جاثم وجثوم: لزم مكانه ولم يبرح (المجمع). (3) اللبوة بضم الباء، الانثى من الاسد (المجمع). (4) الشبل: ولد الاسدج اشبال (ص). (5) كبحت الدابة إذا جذبتها اليك باللجام (ص). (6) طلق ذلق: فصيح بليغ (المجمع) (*).

[ 88 ]

من امر الاسد ما رأيت. فمضى وانا معه حتى قطع السبخة فثنى رجليه (1) ونزل عن دابته وتوجه فاذن مثنى مثنى واقام مثنى مثنى، ثم همس (2) بشفتيه واشار بيده فإذا الشمس قد طلعت في موضعها في (من) وقت العصر وإذا لها صرير عند مسيرها في السماء فصلى بنا العصر فلما انفتل رفعت رأسي فاذأ الشمس بحالها، فما كان الاكلمح البصر فاذأ النجوم قد طلعت فاذن واقام وصلى المغرب ثم ركب واقبل على فقال: يا جويرية اقلت: هذا ساحر مفتر ؟ وقلت لما رأت طلوع الشمس وغروبها: افسحر هذا ام زاغ بصرى ؟ سأحرف (3) ما ا لقى الشيطان في نفسك ما رأيت من امر الاسد ؟ وما سمعت من منطقة ؟ الم تعلم ان الله عزوجل يقول: (ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها) يا جويرية ان رسول الله (ص) كان يوحى إليه وكان رأسه في حجري، فغربت الشمس ولم اكن صليت العصر فقال (ص) لى صليت العصر ؟ فقلت: لا قال (ص): اللهم ان عليا كان في طاعتك وحاجة نبيك ودعا بالاسم الاعظم فردت على الشمس فصليت مطمئنا ثم غربت بعد ما طلعت فعلمني - بابى هو وامى - ذلك الاسم الذى دعا به، فدعوت به الان يا جويرية ان الحق اوضح في قلوب المؤمنين من قذف الشيطان فانى قد دعوت الله بنسخ ذلك من قلبك فماذا تجد ؟ فقلت: يا سيدى قد محى ذلك من قلبى (4). فصل واعلم ان في قوله: فإذا لم يسئل المخلوقين فقد اقربا لعبودية لله دليل على ضعف ايمان السائل، وقوة ايمان الراجى لانه لما نفى ان يكون هناك معط غير


(1) يثنى رجليه: يعطفهما (المجمع) (2) الهمس: الصوت الخفى (ص). (3) تحريف الكلام: تغييره عن مواضعه (المجمع). (4) وفى بصائر الدرجات للصفار ص 217 ب (ان الامام عنده اسم الله الاعظم) روا يات بهذا المضمون وتدل على رد الشمس له (ع) الا انها خالية عن ذكر الاسد (*).

[ 89 ]

الله اعرض بمسئلته عن غير الحق فخلص توحيده وتمت عبوديته. وفى هذا المعنى ما ورد عن ابى عبد الله (ع) في قول الله تعالى: (وما يؤمن اكثرهم بالله الاوهم المشركون) (1) قال: هو قول الرجل: لو لا فلان لهلكت، ولو لا فلان لما اصبت كذا وكذا، ولو لا فلان لضاع عيالي الا ترى انه قد جعل لله شريكا في ملكه يرزقه ويدفع عنه ؟ قلت: فيقول: لو لا ان الله من على بفلان لهلكت قال: نعم لا بأس بهذا ونحوه. قال (ع): شيعتنا من لا يسئل الناس شيئا ولو مات جوعا ولهذا السر ردت شهادته قال النبي صلى الله عليه واله: شهادة الذى يسئل في كفه ترد. ونظر على بن الحسين (ع) يوم عرفة الى رجال يسئلون الناس فقال: هؤلاء شرار من خلق الله الناس مقبلون على الله، وهم مقبلون على الناس. وقال أبو عبد الله: لو يعلم السائل ما عليه من الوزر ما سئل احد احدا، ولو يعلم المسئول ما عليه إذا منع ما منع احد احدا. فصل في كراهية السؤال ورد السؤال. قال الصادق (ع): من يسئل من غير فقر فكانما يأكل الجمر (2). وقال الباقر (ع): اقسم بالله وهو حق ما فتح رجل على نفسه باب المسألة الا فتح الله عليه باب فقر. وقال سيد العابدين (ع): ضمنت على ربى انه لا يسئل احد احدا من غير حاجة الا اضطرته حاجة المسألة يوما الى ان يسئل من حاجة. وقال النبي (ص) يوما لاصحابه. الا تبايعوني فقالوا: قد بايعناك يا رسول الله (ص)


(1) يوسف: 106 (2) الجمر: النار. وفى بعض الروايات (الخمر).

[ 90 ]

قال: تبايعوني على ان لا تسئلوا الناس شيئا، فكان بعد ذلك تقع المحضرة (1) من يد احدهم فينزل لها ولا تقول لاحد: ناولنيها. وقال (ص: لو ان احدكم ياخذ حبلا فيأتى بحزمة حطب على ظهره فيبيعها فيكف بها وجهه خير له من ان يسئل. وقال الصادق (ع): اشتدت حال رجل من اصحاب رسول الله (ص) فقالت له امرئته: لو اتيت النبي (ص) فسئلته فجاء الى النبي (ص) فسمعه يقول: من سئلنا اعطيناه ومن استغنى اغناه الله فقال الرجل: ما يعنى غيرى، فرجع الى امرئته فاعلمها فقالت: ان رسول الله (ص) بشر، فاعلمه فاتاه فلما راه قال (ص): من سئلنا اعطيناه ومن استغنى اغناه الله حتى فعل ذلك ثلاث مرات، ثم ذهب الرجل فاستعار فأسا (2) ثم اتى الجبل فصعده وقطع حطبا ثم جاعبه فباعه بنصف مد من دقيق، ثم ذهب من الغد فجاء باكثر منه فباعه ولم يزل يعمل ويجمع حتى اشترى فأسا ثم جمع حتى اشترى بكرين (3) وغلاما، ثم اثرى (4) وحسنت حاله فجاء الى النبي (ص) فاخبره واعلمه كيف جاء يسئله وكيف سمعه يقول: فقال (ص): قلت لك: من سئلنا اعطيناه ومن استغنى اغناه الله. وقال الباقر (ع): طلب الحوائج الى الناس استسلاب للعزة (5) ومذهبة للحياء، واليأس مما في ايدى الناس عز المؤمنين (وهو الغنى الحاضر) والطمع هو الفقر الحاضر. وعن النبي (ص): من استغنى اغناه الله، ومن استعف اعفه الله، ومن سئل اعطاه


(1) المحضرة: ما يتوكأ عليها كالعصاء ونحوه. (2) الفأس: آلة ذات هراوة قصيرة يقطع بها الخشب وغيره (اقرب) (3) البكر: الفتى من الابل (المجمع). (4) اثرى الرجل: كثرت امواله (المجمع). (5) الاستيلاب والاستسلاب: الاختلاس (*).

[ 91 ]

الله، ومن فتح على نفسه باب المسألة فتح الله عليه سبعين بابا من الفقر لا يسداد ناه شئ. وسئله رجل فقال: اسئلك بوجه الله قال: فامر النبي (ص) بضرب خمسة اسواط ثم قال: سل بوجهك اللئيم، ولا تسئل بوجه الله الكريم. وقال (ع): لا تقطعوا على السائل مسئلته، فلو لا ان المساكين يكذبون ما افلح من ردهم. وقال (ع): ردوا السائل ببذل يسيرا وبلين رحمة فانه يأتيكم من ليس بانس (1) ولا جان لينظر كيف صنعكم فيما خولكم الله (2) وقال بعضهم: كنا جلوسا على باب دارابى عبد الله عليه السلام بكرة فدنى سائل الى باب الدار فسئل فردوه فلا مهم لائمة شديدة وقال: اول سائل قام على باب الدار فسئل فردد تموه ؟ اطعموا ثلاثة ثم انتم بالخيار عليه ان شئتم ان تزدادوا فازدادوا، والا فقد اديتم حق يومكم وقال: اعطوا الواحد والاثنين والثلاثة ثم انتم بالخيار. وعن النبي صلى الله عليه واله: إذا طرقكم (3) سائل ذكر بليل فلا تردوه. وقال (ع): انا لنعطى غير المستحق حذرا من رد المستحق. وقال على بن الحسين عليهما السلام: صدقة الليل تعطئ غضب الرب وقال (ع): لابي حمزة إذا (ان) اردت يطيب الله ميتتك ويغفر لك ذنبك يوم تلقاه فعليك بالبر وصدقة السر، وصلة الرحم فانهن يزددن في العمر، وينفين الفقر: ويدفعن عن صاحبهن سبعين ميتة سوء (4)


(1) قوله ليس بانس المراد منه الملائكة (2) خوله نعمة: اعطاه (المجمع). (3) يق لكل آت بالليل: الطارق (المجمع) (4) قدمر معنى ميتة السوء في (فضيلة الصدقة) ذيلا (*).

[ 92 ]

وسئل النبي صلى الله عليه واله أي الصدقة افضل ؟ فقال: على ذى الرحم الكاشح (1) وسئل الصادق (ع) عن الصدقة على من يتصدق على الابواب أو يمسك عنهم ويعطيه ذو قرابته ؟ فقال (ع): لا يبعث بها الا الى من بينه وبينه قرابة فهو اعظ م للاجر. وقال (ع): من تصدق في رمضان صرف (الله) عنه سبعين نوعا من البلاء وعن الباقر (ع): إذا ارادت ان تتصدق بشى قبل الجمعة بيوم فاخره الى يوم الجمعة. وقال (ع): من سقى ظمآنا ماء سقاه الله من الرحيق المختوم. وقال الصادق (ع): افضل الصدقة ابراد الكبد الحرى (2)، ومن سقى كبد احدى من بهيمة أو غيرها اظله الله يوم لا ظل الا ظله. القسم الثاني في الفاضل عن القوت هو وبال على صاحبه إذ في حرامه العقاب وفى حلاله الحساب. روى عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول: تكون امتى في الدنيا ثلاثة اطباق: اما الطبق الاولى فلا يحبون جمع المال وادخاه: ولا يسعون في اقتنائه واحتكاره وانما رضاهم من الدنيا سد جوعة، وستر عورة، وغناهم منها ما بلغ بهم الاخرة فاولئك هم الامنون الذين لاخوف عليهم ولا هم يحزنون. واما الطبق الثاني فانهم يحبون جمع المال من اطيب وجوهه، واحسن سبله يصلون به ارحامهم ويبرون به اخوانهم، ويواسون به فقرائهم، ولبعض (3) احدهم على


(1) الكاشح هو الذي يضمر لك العداوة (المجمع). (2) الحران الشديد العطش وهى حرى بتشديد الرا (اقرب). (3) عض عليه بالنواحد: مثل في شدة الاستمساك به، والتواجد: هي اواخر الاسنان (المجمع) (*).

[ 93 ]

الرصف (1) ايسر عليه من ان يكتسب درهما من غير حله أو يمنعه من حقه أو يكون له خازنا الى يوم موته فاولئك الذين ان نوقشوا عذبوا وان عفى عنهم سلموا. واما الطبق الثالث فانهم يحبون جمع المال مماحل وحرم، ومنعه مما افترض ووجب ان انفقوا اسرافا وبدرا، وان امسكوه بخلا واحتكارا اولئك الذين ملكت الدنيا زمام قلوبهم حتى اوردتهم النار بذنوبهم (2). وعنه (ص): لا يكتسب العبد مالا حراما فيتصدق منه فيوجر عليه ولا ينفق منه فيبارك (الله) له فيه، ولا يتركه خلف ظهره الا كان راده (زاده) الى النا ر. وسئل امير المؤمنين من اعظم (العظيم) الشقاء قال: رجل ترك الدنيا للدنيا ففاتته الدنيا وخسر الاخرة، ورجل تعبد واجتهد وصام رياء الناس فذلك الذى حرم (لذات) الدنيا من دنايا (دنياه) ولحقه التعب الذى لو كان به مخلصا لاستحق ثوابه فورد الاخرة وهو يظن انه قد عمل ما يثقل به ميزانه فيجده هباء منثورا قيل: فمن اعظم الناس حسرة ؟ قال: من رأى ماله في ميزان غيره فادخله الله به النار وادخل وارثه به الجنة. قيل: فكيف يكون هذا ؟ قال كما حدثنى بعض اخواننا عن رجل دخل إليه وهو يسوق (3) فقال له: يا فلان ما تقول في مأة الف في هذا الصندوق ؟ ما اديت منها زكاة قط قال: قلت: فعلى م جمعتها ؟ قال: لحقوق السلطان، ومكاثرة (4) العشيرة ولخوف


(1) الرصف محركة: الحجارة المرصوف بعضها الى بعض في مسيل الماء (اقرب). (2) عن ابى جعفر (ع) قال: ماذئبان ضاريان في غنم ليس لها راع هذا في اولها وهذا في آخرها باسرع فيها من حب المال (الدنيا) والشرف في دين المؤمن. قوله: باسرع أي في القتل والافناء (مرآت) باب حب الدنيا والحرص عليها. (3) يسوق: أي ينزع عند الموت (ص). (4) كاثره: فاخره بكثرة المال والعدد (اقرب) (*).

[ 94 ]

لفقر على العيال، ولروعة الزمان قال (ع): ثم لم يخرج من عنده حتى فاضت (1) نفسه، ثم قال على (ع): الحمد لله الذى اخرجه منها ملوما مليما بباطل جمعها ومن حق منعها فاوكاها (2) فقطع المفاوز (3) والقفار ولجج البحار ايها الواقف لا تخدع كما خدع صويحبك بالامس ان من اشد الناس حسرة يوم القيامة من راى ماله في ميزان غيره ادخل الله هذا به الجنة وادخل (الله) هذا به النار. وقال الصادق عليه السلام: واعظم من هذا حسرة رجل جمع مالا عظيما بكد شديد ومباشرة الاهوال وتعرض الاخطار، ثم افنى ماله بصدقات ومبراث وافنى شبابه وقوته في عبادات وصلوات، وهو مع ذلك لا يرى لعلى بن ابى طالب (ع) حقه ولا يعرف له من الاسلام محله ويرى ان من لا بعشره ولا بعشر عشر معشاره افضل منه، يواقف على الحجج فلا يتأملها ويحتج عليه بالايات والاخبار فيأبى الا تماديا في غيه فذاك اعظم من كل حسرة ويأتى يوم القيامة وصدقاته ممثلة له في مثال الافاعى نهشه وصلواته وعبا داته ممثلة له في مثال الزبانية تدفعه حتى تدعه الى جهنم دعا. يقول يا ويلتا الم اك من المصلين ؟ الم اك من المزكين ؟ الم اك عن اموال الناس ونسائهم من المتغفين ؟ فلما ذا دهيت بما دهيت ؟ فيقال له: يا شقى ما ينفعك ما عملت وقد ضعيت اعظم الفروض بعد توحيد الله والايمان بنبوة محمد صلى الله عليه واله، وضيعت ما الزمتك من معرفة حق على ولى الله (ع) والتزمت عليك من الايتمام بعد والله فلو كان لك بدل اعمالك هذه عبادة الدهر من اوله الى آخره وبدل صدقاتك الصدقة بكل اموال الدنيا، بل بملأ الارض ذهبا لما ازدادك ذلك من الله، الا بعدا ومن سخطه الاقربا (4)


(1) فاضت نفسه: خرجت روحه. (2) اوكوا السقاء: شدوا رأسه. (3) المفازة: الفلاة لاماء فيهاج مفازات ومفاوز (اقرب). (4) قدمر في ب 2 في القسم الخامس ما يدل على ان ولاية اهل البيت عليهم السلام شرط في قبول الاعمال فرضه ونفله وان الشاك فيهم لا يقبل الله عمله من اراد يرجع (*).

[ 95 ]

وعن النبي (ص): احذروا المال فانه كان فيما مضى رجل قد جمع ما لا وولدا واقبل على نفسه (وعياله) وجمع لهم فاوعى فاتاه ملك الموت فقرع بابه وهو في ذى مسكين فخرج إليه الحجاب فقال لهم: ادعوا الى سيدكم قالوا: أو يخرج سيدنا الى مثلك ؟ ودفعوه حتى نحوه عن الباب، ثم عاد إليهم في مثل تلك الهيبة وقال: ادعوا الى سيدكم واخبروه انى ملك الموت فلما سمع سيدهم هذا الكلام قعد (خائفا) فرقا وقال لاصحابه: لينوا له في المقال وقولوا له: لعلك تطلب غير سيدنا بارك الله فيك قال لهم: لا ودخل عليه وقال له: قم فاوص ما كنت موسيا فانى قابض روحك قبل ان اخرج فصاح اهله وبكوا فقال: افتحوا الصناديق واكتبوا (اكبوا) ما فيه من الذهب والفضة. ثم اقبل على المال يسبه ويقول له: لعنك الله يا مال انسيتني ذكر ربى واغفلتي عن امر آخرتي حتى بغتنى من امر الله ما قد بغتنى، فانطق الله تعالى المال فقال: لم تسبنى ؟ وانت ألام (1) منى الم تكن في اعين الناس حقيرا ؟ فرفعوك لما رأو عليك من اثرى الم تحضر ابواب الملوك والسادة ؟ ويحضرها الصالحون فتدخل قبلهم ويؤخرون الم تخطب بنات الملوك والسادات ؟ ويخطبهن الصالحون فتنكح ويردون، فلو كنت تنفقنى في سبيل الخيرات لم امتنع عليك ولو كنت تنفقنى في سبيل الله لم انقص عليك، فلم تسبنى ؟ وانت ألام منى، وانما خلقت انا وانت من تراب فانطلق (تر ابا بريئا) ومنطلق انت باثمى هكذا يقول المال لصاحبه (2). فصل واعلم ان جامع المال والساعى له مغبون الصفقة ومدخول العقل ولنبين


(1) الام افعل التفضيل من اللوم. (2) ابى عبد الله (ع) قول: من كثر اشتباكه بالدنيا كان اشد لحسرته عند فراقها قال في (المرآت) من كثر اشتباكه بالدنيا أي اشتغاله وتعلق قلبه بها والغرض الترغيب في رفض الدنيا وترك محبتها لئلا يشتد الحزن والحسرة في مفارقتها. باب حب الدنيا

[ 96 ]

ذلك في وجوه: الاول ظلمه لنفسه بحمله عليها هما قد كفيته فان محمل المال ثقيل والهم به طويل، فصاحبه ان كان في الملاء شغله الفكر فيه وان كان وحيدا ارتقه حراسته. قال بعض العلماء: اختار الفقراء ثلاثة: اليقين وفراغ القلب وخفة الحساب، اختار الاغنياء ثلاثة: تعب النفس وشغل القلب وشدة الحساب. الثاني شغل باطنه ببسط آماله فيه وفيما يصنع به وكيف ينميه ويحفظه من لص أو ظالم وكيف تنعم به إذ لو لم يكن له فيه امل لم يجمعه، ثم يخترمه اجله ويبطله آماله ويورث اهواله. قال عيسى (ع): ويل لصاحب الدنيا كيف يموت ويتركها ويأمنها وتغره وثيق بها وتخذله. الثالث ان جمع مال الدنيا يولد الامل، ويورث ظلمة القلب، ويخرج حلاوة العبادة وهى من المهلكات. قال عيسى (ع): بحق اقول لكم كما ينظر المريض الى الطعام فلا يلتذ به من شدة الوجع كك صاحب الدنيا لا يلتذ بالعبادة، ولا يجد حلاوتها مع ما يجد من حلاوة الدنيا، وبحق اقول لكم: كما ان الدابة إذا لم تركب تمتهن (1) وتصعب وتغير خلقها كك القلوب إذا لم ترقق بذكر الموت ونصب العبادة تقسو وتغلظ، وبحق اقول لكم: ان الزق إذا لم ينخرق يوشك ان يكون ودعاء العسل كك القلوب إذا لم تخرقها الشهوات أو يدنسها الطمع، أو يقسها النعم فسوف تكون اوعية الحكمة. الرابع وقوعه في عكس مراده ومقصوده فانما سعى وحصل المال ليستريح به فزاده في همه وتعبه، وعاد (ما) يحاذر عليه من الاسود الضارية والكلاب العاوية. وقال بعض العلماء: استراح الفقير من ثلاثة اشياء وبلى به الغنى قيل: وما هن ؟


(1) امتهنه بتشديد الئون: اضعفه (المجمع) (*).

[ 97 ]

قال: جور السلطان وحسد الجيران وتملق الاخوان. (قال امير المؤمنين (ع): الفقر خير من حسد الجيران وجور السلطان وتملق الاخوان). شعر: وطالب المال في الدنيا ليحرسه = ولم يخف عنه جمع المال عقباها كدودة القز ظنت ان سترتها = تعينها والذى ظنته ارادها الخامس انه اشتريها بعمره وهو انفس منها عاجلا وآجلا فانه لو قيل للعاقل: تبيع عمرك بملك الدنيا وما فيها لابي ولم يقبل ذلك بل عند معاينة ملك الموت وتجليه لقبض روحه لو تقبل منه المفادات والمصالحة على يوم واحد يبقى فيه ويستدرك مافا ته بجميع ماله لافتدى به. ثم انت تبيعه على التدريج باشياء حقيرة يسيرة ليس لها وقع ولا قيمة اولا تنظر وتتفكر في ان الانسان غاية ما يعيش في الاغلب مأة سنة ؟ فلو خير وسوم على بيعها بملاء الارض ذهبا لابي ولم يبعها فانظر كم يكون قيمة كل سنة، ثم انظر كم يكون قيمة كل شهر، ثم انظر كم يكون قيمة كل يوم وقسطه تجده الوفا كثيرة لا تحصى ولا تعد ثم تبيعه بدرهم ودينار وبنصف دينار فاى غبن اعظم من هذا ؟. فان قلت: الانسان يحتاج الى الطعام ليقيم صلبه ولا يتم ذلك الا بالتكسب وغاية ما يحصل من الحلال من (مع) التعفف في اليوم الدرهم والدينار فالغبن ضروري الوقوع. قلت: إذا كان مقصود العبد من التكسب قدر قوته الذى يستعين بقوته في بدنه على العمل لاخرته لم يكن ذلك اليوم قد بيع بدرهم أو بدينار وكان يوم عبادة لان الطلب على هذا الوجه عبادة والعبادة لا يقوم قليلها باضعاف الدنيا لان نعيم الاخرة دائم، والد نيا

[ 98 ]

ونعيمها منقطع واى نسبة للدائم الى المنقطع (1) ؟. الا ترى قول النبي (ص) من قال: سبحان الله غرس الله بها عشر شجرات في الجنة فيها من انواع الفواكه فهذه العشر شجرات لو خرجت الى الدنيا على ما وصف من طيب طعمها واختلاف اكلها، على ما روى ان الرطب يكون بين يدى آكله فإذا قضى غرضه من الرطب تحول عنبا فإذا قضى غرضه منه تحول تينا أو رمانا، وهكذا يتحو ل الوانا بين يدى الانسان وانها تأتى الى باغيها على منيته من غير تكلف اقتطاف (2) وتعب تأتيه على ما يشتهى في نفسه ان اراد ان يحضر بين عنبا جائته عنبا وان ارادها رمانا جائته رمانا. فلو تخرج شجرة واحدة من هذه الى الدنيا ويطلب بيعها ما ظنك بما كان يبذل الملوك في ثمنها ؟ وكيف إذا وصفت مع ذلك بانها لا يحتاج الى سقى ولا رفاق ولا تعب بل كيف إذا وصفت بانها تبقى عشرة آلاف سنة، وما نسبة عشرة آلاف سنة في ابد الابدين ودهر الداهرين ؟ !


(1) قال في (المرآت): اعلم ان معرفة ذم الدنيا لا يكفيك ما لم تعرف الدنيا المذمومة ما هي ؟ فكل مالك فيه حظ وغرض ونصيب وشهوة ولذة في عاجل الحال قبل الوفاة فهى الد نيا في حقك الا ان جميع مالك إليه ميل وفيه نصيب وحظ فليس بمذموم بل هي تنقسم الى ثلاثة اقسام: الاول ما يصحبك في الدنيا ويبقى معك ثمرته بعد الموت وهو العلم والعمل ولم نعد هذا من الدنيا المذمومة اصلا. الثاني هو المقابل للقسم الاول وهو كل ما فه حظ عاجل ولا تمرة له في الاخرة كالتلذذ بالمعاصى والتنعم بالمباحات الزايدة على قدر الضرورات والحاجات كلها هي الدنيا المذمومة. الثالث وهو متوسط بين الطرفين كل حظ في العاجل معين على اعمال الاخرة وهذا ليس من الدنيا، وان كان باعثه الحظ العاجل دون الاستعانة على ا لتقوى التحق بالقسم الثاني وصار من جملة الدنيا. انتهى ملخصا ومن اراد تفصيله يرجع باب حب الدنيا والحرص عليها. (2) اقتطف العقب: قطعه (اقرب) (*).

[ 99 ]

قال رسول الله (ص): لو ان ثوبا من ثياب اهل الجنة القى الى اهل الدنيا لم تحتمله ابصارهم ولما توامن شهوة النظر إليه، فإذا كان هذا حال الثواب فما ظنك بلا بسه ؟. ومن هذا قول امير المؤمنين عليه السلام: لو رميت ببصر قلبك نحو ما يوصف لك من نعيمها لزهقت نفسك ولتحملت من مجلسي هذا الى مجاورة اهل القبور استعجالا لها وشوقا إليها، وهذه المبالغة حاصلة من الوصف فكيف المشاهدة ؟ (1). وقد ورد عنهم عليهم السلام: كل شئ من الدنيا سماعه اعظم من عيانه وكل شى من الاخرة عيانه اعظم من سماعه. وقال الله تعالى: (وإذا رأيت ثم أيت نعيما وملكا كبيرا) (2). وفى الوحى القديم: اعددت لعبادي مالاعين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر بقلب بشر (3). يا هذا ان تاقت نفسك الى النعيم فاترك الدنيا فان ترك الدنيا مهر الاخرة، وانما


(1) في (لى) ج 4 ص 377: وعن رسول الله (ص) إذا دخل المؤمن منازله في الجنة وضع على رأسه تاج الملك والكرامة، والبس حلل الذهب والفضة والياقوت والدر المنظومات في الا كليل تحت التاج، والبس سبعين حلة حريرا بالوان مختلفة منسوجة بالذهب وا لفضة واللؤلؤ والياقوت الاحمر وذلك قوله تعالى: (يحلون فيها من اساور من ذهب ولؤلؤ ا ولباسهم فيها حرير) الحج: 22). (2) الانسان: 20 (3) وفى (لى) ج 4 ص 397: وقال (ص): ان الله كرامة في عباده المؤمنين في كل جمعة فيقول: لكم مثل ما في ايديكم سبعين ضعفا فيرجع المؤمن في كل جمعة سبعين ضعفا مثل ما في يديه وهو قوله تعالى: (ولد نيامز يدق 50) وفسر ايضا مما لا يخطر ببالهم مما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر (*).

[ 100 ]

مثل الدنيا والاخرة كالضرتين (1) بقدر ما ترضى احديهما تسخط الاخرى، ومثل المشرق والمغرب بقدر ما تقرب من احدهما تبعد من الاخر (2). ومن هذا قول الصادق (ع): انا لنحب الدنيا وان لا نؤتاها خير لنا من ان نؤتاها، وما اوتى ابن آدم منها شيئا الانقص حظه من الاخرة، ومعنى قوله (ع): انا لنحب اشارة الى نوع الانسان وهذا لسان حال المكلفين في الدنيا وليس ذلك اشارة إليه ولا الى آبائه وابنائه صلوات الله عليم اجمعين لانهم لا ينقص حظهم من الاخرة بما يأتونه من الدنيا، وانى يكون ذلك ؟. وقد نزل جبرئيل الى النبي (ص) ثلاث مرات بفاتيح كنوز الدنيا وفى كلها يقول: هذه مفاتيح كنوز الدنيا ولا ينقص من حظك عند ربك شى فيأبى (ص)، ويحب تصغير ما احب الله تصغيره وما ايام ديناك هذه التى تشترى بها هذا النعيم العظيم الا عبادة عن ساعة واحدة لان الماضي لاتجد لنعيمه لذة، ولا لبؤسه (3) الما، والمستقبل قد لا تدركه، وانما الدنيا عبارة عن ساعة التى انت فيها. ومن هذا قول على عليه السلام لسلمان الفارسى: وضع عنك همومها لما ايقنت من فراقها. مع اناما رأينا قط احدا باع الدنيا بالاخرة الاربجهما، ولا رأينا من باع الاخرة بالدنيا الا خسر هما كيف لا ؟ وهو تعالى يقول للدنيا: اخدمي من خدمني ؟ واتعبي من خدمك.


(1) ضرة المرئة: امرئة زوجها وهما ضرتان (اقرب). (2) عن ابى عبد الله (ع) قال: رأس كل خطيئة حب الدنيا. قال في (المرآت) لان خصال الشر مطوية في حب الدنيا وكل ذمايم القوة الشهوية والغضبية مندرجة في الميل إليها، ولا يمكن التخلص من حبها الا بالعلم بمقابحها ومنافع الاخرة وتصفية النفس وتعديل القوتين. باب حب الدنيا والحرص عليها. (3) اصابه بؤس: شدة (*).

[ 101 ]

وإذا كنت في شغل من تكسب فاستغنم ذكر الله، وارفع كتابك مملوا من الحسنات أو ما سمعت حكاية العابد الحداد ؟ وما صار من جلالة قدره مع كونه مشغولا في السوق بالحدادة، وستقف عليها في كتابنا هذا في باب الذكر انشا الله تعالى (4) وكذا يرو عن سيدنا امير المؤمنين عليه السلام انه لما كان يفرغ من الجهاد يتفرغ لتعليم الناس والقضاء بينهم فإذا يفرغ من ذلك اشتغل في حائط (1) له يعمل فيه بيده وهو مع ذلك ذاكر لله جل جلاله. روى الحكم بن مروان عن جبير بن حبيب قال: نزل بعمر بن خطاب نازلة قام لها وقعد تربح لها (ترنح) وتقطر، ثم قال: معشر المهاجرين ما عندكم فيها ؟ قالوا: يا امير المؤمنين انت المفزع والمنزع (2) فغضب وقال: (يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا) (3) اما والله انا واياكم لنعرف ابن بجدتها، (4) والخبير بها قالوا: كانك اردت ابن ابي طالب (ع) قال: وانى يعدل بى عنه ؟ وهل طفحت (5) جرة (6) (نفحت حرة) بمثله ؟ قالوا: فلو بعثت إليه قال: هيهات هناك شمخ (7) من هاشم، ولحمة (8) من الرسول، واثرة (9) من علم يؤتى لها ولا يأتي امضوا إليه، فاقصفوا


(4) يأتي في باب 5 ذيل عنوان (في الحث على الذكر بالدليل النقلي) قصة موسى مع الحداد. (1) الحائط: البستان. (2) المنزعة بالفتح: ما يرجع إليه الرجل من امره (اقرب). (3) الاحزاب: 70. (4) يق للدليل الحاذق. هو ابن بجدتها أي عالم بالارض (اقرب). (5) طفح الاناء طفوحا: امتلا حتى يفيض. (6) الجرة بالفتح: اناء خزف له بطن كبير وهذا كناية عن كثرة علمه (ع) (7) نسب شامخ: شريف. (8) اللحمة بالضم: القرابة. (اقرب). (9) الاثرة: البقية من العلم. (اقرب) (*).

[ 102 ]

نحوه وافضوا إليه وهو في حايط له عليه تبان (1) تيركل على مسحاته (2) وهو يقو ل: (ايحسب الانسان ان يترك سدى الم يك من نطفة من منى يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى) (3) ودموعه تهمى على خديه، فاجهش القوم لبكائه، ثم سكن وسكنوا، وسئله عمر عن مسئلته فاصدر إليه جوابها، فلوى عمر يديه ثم قال: اما والله لقد ا رادك الحق ولكن ابى قومك فقال (ع) له: يا ابا خفض خفض (4) عليك من هنا ومن هنا (ان يوم الفصل كان ميقاتا) (5) فانصرف وقد اظلم وجهه وكانما ينظر إليه من ليل. فصل ثم ان لم تبع ساعتك بنعيم الاخرة خ بعتها بثمن بخس (6) دراهم معدودة، ثم تجمع جميع عمرك الذى لو اعطيت في ثمنه الدنيا باجمعها لم تبعه تلقى نفسك قد بعته بثمن زهيد لا يفي ببيت ذهب بل من فضة بل اقل من ذلك. شعر: الدهر ساومني (7) عمرى وقلت له = ما بعت عمرى بالدنيا وما فيها ثم اشتريه بتديج بلا ثمن = تبت يدا صفقة قد خاب شاريها (8)


(1) تبان: سراويل صغير (ص). (2) تركل الحافر بالمسحاة أو عليها: ضربها برجله لتغيب في الارض. والمسحاة آ لة من السحو تقول: سحوت الطين عن وجه الارض إذا خرقته بالمسحاة (اقرب). (3) القيامة: 36 - 37 - 38. (4) خفض الرجل صوته إذا لم يجهر به (المجمع). (5) النبأ: 17. (6) البخس مثلثة: النقصان (المجمع) (7) ساوم السلعة: غالى بها أي عرضها بثمن ودفع له المشترى اقل منه (اقرب). (8) شعر: يا صاح انك راحل فتزود = فعساك في ذا اليوم ترحل اوغد لاتغفلن فالموت ليس بغافل = هيهات بل هو للانام بمرصد فليأتين منه عليك بساعة = فتودانك قبلها لم تولد ولتخرجن = الى القبور مجردا = مما شقيت بجمعه صفر اليد ولله در قائلها = وعليك بالرواية المتقدمة المذكورة في ب 2 في (اوصاف الخواص) وفيها يفسر الجبرئيل للنبى (ص) معنى الزهد (*).

[ 103 ]

وفى الخبر النبوى (ص): انه يفتح للعبد يوم القيامة على كل يوم من ايام عمره اربع وعشرون خرانة عدد ساعات الليل والنهار، فخزانة يجدها مملوة نورا وسرورا فيناله عند مشاهدتها من الفرح والسرور ما لو وزع على اهل النار لادهشهم عن الاحساس بالم النار وهى الساعة التى اطاع فيها ربه، ثم يفتح له خزانة اخرى فيراها مظلمة منتنة مفزعه فيناله منها عند مشاهدتها من الفزع والجزع ما لو قسم على اهل الجنة لنقص عليهم نعيمها وهى الساعة التى عصى فيها ربه، ثم يفتح له خزانة اخرى فيراها خالية ليس فيها ما يسره ولا يسوئه وهى الساعة التى نام فيها، أو اشتغل فيها بشى من مباحات الدنيا فيناله من الغبن والاسف على فواتها حيث كان متمكنا من ان يملاها حسنات ما لا يوصف، ومن هذا قوله تعالى: (ذلك يوم التغابن) (1) فصل ولا تأخذ بقول من يقول انا اتنعم في الدنيا بما اباحه الله تعالى واقوم بالواجبات واخراج الحقوق و (من حرم زينة الله التى اخرج لعباده والطيبات من الرزق) (2) فاتنعم بما اباحه الله من طيب المآكل اللذيذة، والملابس السنيه والمراكب الفاخرة والدور العامرة والقصور الباهرة، ولا يمنعنى ذلك من الاستباق الى الجنة مع السابقين بل ينبغى ان تعلم ان هذا مقالة اهل حمق وغرور (3) وذلك من وجوه: الاول ان المنوغل (4) في فضول الدنيا لا ينفك عن الحرص المهلك الموقع


(1) التغابن: 9. (2) الاعراف: 30. (3) عن ابى عبد الله (ع) قال: خرج النبي (ص) وهو محزون فاتاه ملك ومعه مفاتيح خزائن الارض فقال: يا محمد هذه مفاتيح خزائن الدنيا يقول لك ربك: افتح وخذ منها ما شئت من غير ان تنقص شيئا عندي فقال رسول الله (ص): الدنيا دار من لا دار له، ولها يجمع من لا عقل له. الحديث (مرآت) باب ذم الدنيا والزهد فيها (4) توغل في الارض: ذهب فابعد فيها (اقرب)

[ 104 ]

في الشبهات، ومن تورط (1) في الشبهات هلك لا محالة (2). الثاني ان سلم من الحرص - وانى له بالسلامة عنه ؟ - لم يسلم من الفظاظة وقساوة القلب، والتكبر كيف لا ؟ وهو تعالى يقول: (كلا ان الانسان ليطغى ان رآه استغنى) (3). وقال النبي (ص): اياكم وفضول المطعم فانه يسم القلب بالقسوة. وروى حسان بن يحيى عن ابى عبد الله (ع) قال: ان رجلا فقيرا اتى رسول الله (ص) وعنده رجل غنى فكف ثيابه وتباعد عنه فقال له رسول الله (ص): ما حملك على ما صنعت اخشيت ان يلصق فقره بك، أو يلصق غناك به ؟ فقال يا رسول الله اما إذ ا قلت هذا فله نصف مالى قال رسول الله (ص) للفقير: أتقبل منه ؟ قال: لا قال (ص): ولم ؟ قال: اخاف ان يدخلنى ما دخله. وعنه عليه السلام قال في الانجيل: ان عيسى (ع) قال: اللهم ارزقتى غدوة رغيفا من شعير وعشية رغيفا من شعير ولا ترزقني فوق ذلك فاطغى، وكما ان الخائض في الماء يجد بللا لا محالة كك صاحب الدنيا يجد على قلبه رينا (4) وقسوة لا محالة: الثالث ان يخرج من قلبه حلاوة العبادة والدعا وقد نبه عليه عيسى (ع) فيما عرفت. الرابع شدة الحسرة عند مفارقة الدنيا والفقير على العكس من ذلك.


(1) تورطت الماشية تورطا: وقعت في موحل ومكان لا تتخلص منه (اقرب) (2) عن ابى عبد الله (ع) قال: قال أبو جعفر: مثل الحريص على الدنيا مثل دو دة القز كلما ازدادت من القر على نفسها لفا كان ابعد لها من الخروج حتى تموت غما قال في (المرآت): هذا من احسن التمثيلات للدنيا وقد انشد بعضهم فيه. الم تران المرء طول حيوته = حريص على ما لا يزال يناسجه كدود كدود القز ينسج دائما = فيهلك غما وسط ما هو ناسجه (3) العلق: 6 - 7. (4) الرين: الحجاب الكثيف (المجمع)

[ 105 ]

وعن الصادق (ع): من كثر اشتباكه بالدنيا اشد حسرة عند فراقها. (1) الخامس كون الفقراء هم السابقون الى الجنة والاغنياء في عرصات القيامة للحساب. قال امير المؤمنين (ع): تخففوا تلحقوا انما ينتظر باولكم آخركم. وتحسر سلمان الفارسى رضوان الله عليه عند موته فقيل له: على ما تأسفك يا ابا عبد الله ؟ قال: ليس تأسفي على الدنيا ولكن رسول الله (ص) عهد الينا وقال: لتكن بلغة احدكم كزاد الراكب، واخاف ان نكون قد جاوزنا امره وحولي هذه الاساود واشار الى ما في بيته وإذا هو دست (2) وسيف وجفنة (3) وقال أبو ذر (رض): يا رسول الله صلى الله عليه واله الخائفون الخاشعون المتواضعون الذاكرون الله كثيرا يسبقون الناس الى الجنة قال (ص): لا ولكن فقراء المؤمنين يأتون فيتخطون رقاب الناس فيقول لهم خزنة الجنة: كما انتم حتى تحاسبوا فيقولون: بم نحاسب ؟ فو الله ما ملكنا فنجور ونعدل ولا افيض علينا فنقبض ونبسط ولكن عبدنا ر بنا حتى اتانا اليقين. روى محمد بن يعقوب عن ابى عبد الله (ع) قال: ان الفقراء المؤمنين ليتقلبون في رياض الجنة قبل اغنيائهم باربعين خريفا (4)، ثم قال: سأضرب لكم مثلا انما مثل ذلك مثل سفينتين مربهما على باخس فنظر في احديهما فلم يجد فيها شيئا فقال: اسر بوها (5)، ونظر في الاخرى فإذا هي موقره (6) فقال: احبسوها


(1) أي اشتغاله وتعلق قلبه بها والغرض الترغيب في رفض الدنيا وترك محبتها لئلا يشتد الحزن والحسرة في مفارقتها (مرآت) باب حب الدنيا. (2) الدست بفتح دال: الوسادة (اقرب): (3) الجفنة بالفتح: القصعة (اقرب). (4) وفى معنى الخريف اختلاف كثير في اللغة من اراد يرجع (5) السرب بفتح السين وسكون الراء: الطريق وفى بعض الروايات (اسيروها). (6) الوقر بالكسر: الحمل الثقيل (اقرب). وفى بعض الاخبار (موفورة) (*).

[ 106 ]

روى داود بن النعمان عن اسحاق بن عمار عن ابى عبد الله (ع) قال: إذا كان يوم القيامة وقف عبدان مؤمنان للحساب كلاهما من اهل الجنة فقير في الدنيا، وغنى في الدنيا فيقول الفقير: يا رب على ما اوقف ؟ فوعزتك انك لتعلم انك لم تولني ولاية فاعدل فيها أو اجور ولم تملكني ما لا فاؤدى منه حقا أو منع، ولا كان رزقي يأتيني فيها الا كفافا أعلى ما علمت وقدرت لى ؟ فيقول الله تبارك وتعالى: صدق عبدى خلوا عنه حتى يدخل الجنه ويبقى الاخر حتى يسيل منه العرق ما لو شر به اربعون بعيرا لاصدرها، ثم يدخل الجنة فيقول له الفقير: ما حبسك ؟ فيقول: طول الحساب ما زال يحبسنى (يجيئنى) الشئ فيغفر الله بى، ثم اسئل عن شى آخر حتى تغمدنى الله منه برحمته والحقني بالتائبين، فمن انت ؟ فيقول له: انا الفقير الذى كنت معك آنفا فيقول: لقد غيرك النعيم بعدى. السادس مصادفة اكرام الله الفقير يوم القيامة وتعطفه عليه. وقال الصادق (ع): ان الله عزوجل ليتعذر الى عبده المؤمن المحوج كان في الدنيا كما يعتذر الاخ الى اخيه فيقول: فوعزتي وجلالى ما افقرتك لهو ان كان بك على فارفع هذا الغطاء فانظر الى ما عوضتك من الدنيا فيكشف فينظر ما عوضه عزوجل من الدنيا فيقول: ما ضرنى يا رب مازويت عنى مع ما عوضتني (1) السابع ان الفقر حلية الالياء وشعار الصالحين ففيما اوحى الله تعالى الى موسى: إذا رأيت الفقر مقبلا فقل: مرحبا بشعار الصالحين، وإذا رأيت الغنى مقبلا فقل: ذنب عجلت عقوبته.


(1) وقال أبو عبد الله (ع) والله ما اعتذر الى ملك مقرب ولا نبى مرسل الا الى فقراء شيعتنا قبل: وكيف يعتذر إليهم ؟ قال: نادى مناد اين فقراء المؤمنين ؟ فيقوم عنق من الناس فتجلى لهم الرب فيقول: وعزتي وجلالى وعلوى والآئي وارتفاع مكاني ما حبست عنكم هوانا بكم على ولكن ادخرته لكم لهذا اليوم الحديث (لى) ج 2 ص 14 (*).

[ 107 ]

ثم انظر في قصص الانبياء عليهم السلام: وخصاصتهم وما كانوا فيه من ضيق العيش، فهذا موسى كليم الله (ع) الذى اصطفاه بوحيه وكلامه كان يرى خضرة البقل من صفاق (1) بطنه من هزاله (2) وما طلب حين آوى الى الظل بقوله: (رب انى لما انزلت الى من خير فقير) الا خبزا ياكله لانه كان ياكل بقلة الارض ولقد كان يرى شفيف صفاق بطنه لهزاله وتشذب لحمه. ويروى انه (ع) قال يوما: يا رب انى جائع فقال الله تعالى: انا اعلم بجوعك قال: يا رب اطعمني قال: الى ان اريد (3). وفيما اوحى الله إليه (ع): يا موسى الفقير من ليس له مثلى كفيل، والمريض من ليس له مثلى طبيب، والغريب من ليس له مثلى مونس، ويروى حبيب، يا موسى ارض بكسيرة من شعير تسد بها جوعتك وبخرقة تواراى بها عورتك واصبر على المصائب، وإذا رأيت الدنيا مقبلة عليك فقل: انا لله وانا إليه راجعون عقوبة قد عجلت في الدنيا، وإذا رأيت الدنيا مدبرة عنك فقل: مرحبا بشعار الصالحين يا موسى لا تعجبن بما اوتى فرعون وما تمتع به فانما هي زهرة الحيوة الدنيا. واما عيسى (ع) روح الله وكلمته فانه كان يقول: خادمي يداى ودابتي رجلاى وفراشى الارض ووسادى الحجر، ودفئى في الشتاء مشارق الارض، وسراجى بالليل


(1) الصفاق بالكسر: الجلد الاسفل الذى تحت الجلد الذى عليه الشعر وقيل: جلد البطن كله (اقرب). (2) الهزال بالضم: قلة اللحم والشحم نقيض السمن (اقرب). (3) وفى (لى) وفى حديث ولقد كان خضرة البقل ترى من شفيف صفاق بطنه لهزال وتشدب لحمه، وكان مع نبوته واليا وسلطانا على بنى اسرائيل ستة وثلاثين سنة ولم يكن له بيت ولاغذاء ومتى جنه الليل يات فيه، ويتكفل بنو اسرائيل غذائه بالمناوية، فابطئ يوما رجل بغذائه فقال يا رب: لى مذلة ان يكون رزقي في يد غيرى هكذا، فأوحى إليه لا تغتم انى جعلت رزق احبائى في يد البطالين من خلقي ليوجروا به ويسعدوا (*).

[ 108 ]

القمر، وادامي الجوع، وشعار الخوف، ولباسي الصوف، وفاكهتي وريحاني ما انبتت الارض للوحوش والانعام ابيت وليس لى شى، واصبح وليس لى شى، وليس على وجه الارض احد اغنى منى (1). واما نوح (ع) مع كونه شيخ المرسلين وعمر في الدنيا مديدا ففى بعض الروايات انه عاش الفى عام وخمس مأة عام، ومضى من الدنيا ولم يبن فيها بيتا وكان إذا اصبح يقول: لا امسى، وإذا امسى يقول: لا اصبح (2) وكك نبينا محمد (ص) فانه خرج من الدنيا ولم يضع لبنة على لبنة. وراى (ص) رجلا من اصحابه يبنى بيتا بجص وآجر فقال (ص): الامرا عجل من هذا. واما ابراهيم أبو الانبياء (ع) فقد كان لباسه الصوف واكله الشعير. واما يحيى بن زكريا (ع) فكان لباسه الليف واكله ورق الشجر. واما سليمان (ع) فقد كان مع ما هو فيه من الملك يلبس الشعر وإذا جنه الليل شد يديه الى عنقه فلا يزال قائما حتى يصبح باكيا، وكان قوته من سفايف الخوص (3)


(1) وفى (لى) وقال يوما لامه: يا اماه انى وجدت مما علمني الله ان هذه الدار دار فناء وزوال، ودار الاخرة هي التى لا تخرب ابدا، اجيبيني يا اما نأخذ من هذه الدنيا الفانية الى الاخرة الباقية ؟ فانطلقا الى جبل لبنان وكانا فيه يصومان النهار، ويقومان الليل يأكلان من ورق الاشجار ويشربان من ماء الامطار فمكثا في ذلك زمانا طويلا حتى ماتت امه الحديث. (2) قال في (لى): وفى خبر في الكافي عاش الفى سنة وثلاث مأة سنة ومضى من الدنيا ولم يبن فيها بيتا وكان يستظل هو وعياله بالاشجار، وكان إذا اصبح يقول: لا امسى وإذا امسى يقول: لا اصبح فلما كبر قال: يا رب ائذن لى ببناء بيت يقيني الحر والبرد فاذن الله له ان يصنع بيتا من سعف النخل إذا نام فيه يكون نصفه في الظل ونصفه في الشمس، وروى انه من قصب، فقيل له: لو بنيت دارا فقال: هذا لمن يموت كثير. (3) السفيفة من الخوص: النسيجة منه، والخوص بالضم ورق النخل (اقرب) (*).

[ 109 ]

يعملها بيده. واما سيد البشر محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقد عرفت ما كان من لباسه وطعامه (1). وروى انه (ص) اصابه يوما الجوع فوضع صخرة على بطنه ثم قال (ص): الا رب مكرم لنفسه وهو لهامهين لنفسه وهو لها مكرم الا رب نفس جايعة عارية في الدنيا طاعمة في الاخرة ناعمة يوم القيامة، الارب نفس كاسية ناعمة في الدنيا جايعة عاوية يوم القيامة الا رب متخوض متنعم فيما افاء الله على رسوله ماله في الاخرة من خلاق الا ان عمل اهل الجنة حزنة (2) بربوة (3) الا ان عمل اهل النار سهلة (4) بسهوة، الا رب شهوة ساعة اورثت حزنا طويلا يوم القيامة. واما على سيد الوصيين وتاج العارفين ووصى رسول رب العالمين عليه السلام فحاله في الزهد والتقشف اظهر من ان يحكى (5). قال سويد بن غفلة: دخلت على امير المؤمنين (ع) بعد ما بويع بالخلافة وهو جالس على حصير صغير ليس في البيت غيره فقلت: يا امير المؤمنين بيدك بيت المال ولست ارى في بيتك شيئا مما يحتاج إليه البيت فقال (ع): يابن غفلة ان البيت (العاقل) لايتأثث في دار النقلة، ولنا دارا من قد نقلنا إليها خير متاعنا، وا نا عن قليل


(1) وفى (لى) وقال امير المؤمنين (ع) لما قدم عدى بن حاتم الى النبي (ص) ادخله النبي بيته ولم يكن في البيت غير خصفة ووسادة اديم فطرحها رسول الله (ص) لعد ى، وخرج من الدنيا ولم يضع لبنة على لبنة، ولا حجرا على حجر، ولم يأكل خبز البرقط ولا شبع من خبز شعير قط. (2) الحزنة بالضم: الجبل الغليظ (اقرب). (3) الربوة: الرابية وهى ما ارتفع من الارض (اقرب). (4) السهل من الارض: ضد الحزن. (اقرب). (5) وفى (لى) وقال على بن الحسين (ع) سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: حدثنى امير المؤمنين (ع)

[ 110 ]

إليها صائرون. وكان (ع) إذا اراد ان يكتسى دخل السوق فيشترى الثوبين فيخير قنبرا اجورهما ويلبس الاخر ثم يأتي النجار فيمد له احدى كميه (1) ويقول له خذه (جزه) بقدومك (2) ويقول هذه نخرج في مصلحة اخرى، ويبقى الكم الاخرى بحالها ويقول: هذه نأخذ فيها من السوق للحسن والحسين عليهما السلام.


(1) الكم بالضم: مدخل اليد ومخرجها من الثوب (اقرب). (2) القدوم بالفتح: آلة للنجر والنحت (اقرب)

قال انى كنت بفدك في بعض حيطانها وقد صارت لفاطمة عليها السلام، فإذا انابا مرئة قد قحمت على وفى يدى مسحات وانا اعمل بها فلما نظرت إليها طار قلبى مما تداخلنى من جمالها فشبهتها بثبينه بنت عامر الجهمى، وكانت من اجمل نساء قريش فقالت: يابن ابي طالب هل لك ان تزوجني فاغنيت عن هذه المسحات ؟ واذ لك على خزائن الارض فيكون لك الملك ما بقيت ولعقبك من بعدك فقال لها: من انت ؟ حتى اخطبك من اهلك قالت: انا الدنيا قال لها: فارجعي واطلبي زوجا غيرى، فاقبلت على مسحاتي وانشات اقول: لقد خاب من غرته دنيا دنية = وما هي ان غرت قروبا بنائل اتتنا على زى العزيز ثبينه = وزينتها في مثل تلك الشمائل فقلت لها غرى سواى فانني = عروف من الدنيا ولست بجاهل وما انا والدنيا فان محمدا = احل صريعا بين تلك الجنادل وهيهات امني بالنكوز وودها = واموال قارون وملك القبائل أليس جميعا للفناء مصيرنا ؟ = ويطلب من خزانها بالطوائل فغرى سواى أننى غير راغب = بما فيك من عز وملك ونائل فقد قنعت نفسي بما قد رزقته = فشأنك يا دنيا واهل الغوائل فانى اخاف الله يوم لقائه = واخشى عذابا دائما غير زائل فخرج من الدنيا وليس في عنقه تبعة لاحد حتى لقى الله تعالى محمودا غير ملوم ولا مذ موم (*).

[ 111 ]

فلينظر العاقل بعين صافية وفكرة سليمة ويتحقق انه لو يكون في الدنيا والاكثار منها خير لم يفت هولاء الاكياس الذين هم خاصة (خلاصة) الخلق وحجج الله على ساير الناس، بل تقربوا الى الله بالبعد عنها حتى قال امير المؤمنين (ع): قد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها. وقال رسول الله (ص): ما يعبد الله بشئ مثل الزهد في الدنا وقال عيسى (ع) للحواريين: ارضوا بدنى الدنيا مع سلامة دينكم كما رضى اهل الدنيا بدنى الدين مع سلامة دنياهم وتحببوا الى الله بالبعد منهم، وارضوا الله في سخطهم فقالوا: فمن نجالس يا روح الله ؟ فقال: من يذكر كم الله رؤيته ويزيد في علمكم منطقه ويرغبكم في الاخرة عمله. فصل وكيف يرغب العاقل عن حب المسكنة والمساكين وهو يرى الاولياء والاوصياء على هذه الاوصاف ؟ بل وظيفة القيام بخدمة الصانع وامتثال اوامر الرسل والشرايع واحياء دين الله واعزاز كلمته ونصرة الرسل وانتشار دعواهم من لدن آدم (ع) الى زمان نبينا محمد (ص) لم يقم الا باولى الفقر والمسكنة، أو لا تسمع ما قص الله سبحانه وتعالى عليك في كتابه العظيم على لسان نبيه الكريم ؟ وابان لك ان المتصد ى لانكار التشرايع، والمقدم على جحود الصانع انماهم الاغنياء المترفون، والاشراف المتكبرو ن فقال مخبرا عن قوم نوح إذ عيروه وازدرؤا (1) العصابة الذين اتبعوه وهم فيما قالوه متبجحون: (انؤمن لك واتبعك الارذلون) (2) (وما نريك اتعبك الا الذين هم اراذلنا بادى الرأى) (3) وقالوا لشعيب: (انا لنريك فينا ضعيفا ولو لا رهطك لرجمناك وما انت علينا بعريز) (4) وقال المستكبرون من قوم صالح للذين استضعفوا لمن آمن


(1) الازدراء: افتعال من زرى عليه إذا عاب عليه فعله (المجمع). (2) الشعراء: 111. (3) هود: 29. (4) هود: 93 (*).

[ 112 ]

منهم: (اتعلمون ان صالحا مرسل من ربه قالوا انا بما ارسل به مؤمنون قال الدين استكبروا انا بالذى امنتم به كافرون) (1). وقال بنو يعقوب: (وجئنا ببضاعة مزجاة فاوف لنا الكيل وتصدق علينا ان الله يجزى المتصدقين) (2) وقال فرعون مزدريا لموسى ومفتخرا عليه: (فلو لا القى عليه اسورة من ذهب) (3) وقالوا لمحمد (ص): (لو لا القى عليه كنز أو جاء معه ملك أو تكون له جنة يأكل منها اوله جنة من نخيل وعنب فتفجر الانهار خلالها تفجيرا) وقالوا لو لا نزل هذا القران على رجلين من القريتين عظيم) (4). يعنون مكة والطائف، والرجلان احدهما المغيرة من مكة، وقيل: الوليد ابنه، وابو مسعود عروة بن مسعود الثقفى من الطائف وقيل: حبيب بن عمر والثقفي من الطائف، وانما قالوا ذلك لان الرجلين انما كانا عظيمى قومهما وذوى الاموال الجسيمة (الجمه) فيمها فكفى بهذا وامثاله مدحا وفخرا للمسكنة والقلة، وذما للشرف والكثرة (5). كيف لا وهو تعالى يقول لعيسى: يا عيسى انى قد وهبت لك حب المساكين ورحمتهم تحبهم ويحبونك يرضون بك اماما وقائدا وترضى بهم صحابة وتبعا، وهما خلقان من لقيني بهما لقيني بازكى الاعمال واحبها الى (1).


(1) الاعراف: 73. (2) يوسف: 88. (3) الزخرف: 53. (4) الزخرف: 30. (5) عن ابى عبد الله (ع) في حديث قال: ان الله عزوجل يقول: (ويفرح عبدى ا لمؤمن وان سعت عليه وذلك ابعد له منى. (مرآت) باب الكفاف. وقال السجاد (ع) اللهم حبب الى صحبة الفقراء واعننى على صحبتهم بحسن الصير. (لى) ج 2 قال بعض المحققين: الفقر عبارة عن فقد ما يحتاج إليه مع عدم القدرة عليه (*).

[ 113 ]

وقال نبينا محمد صلى الله عليه وآله: الفقر فخري وبه افتخر (1) وعن عيسى (ع) بحق اقول لكم ان اكناف السماء لخالية من الاغنياء، ولدخول جمل في سم الخياط ايسر من دخول غنى في الجنة. وعن النبي (ص) اطلعت في الجنة فوجدت اكثر اهلها الفقراء والمساكين، وإذا ليس فيها احد اقلمن الاغنياء والنساء (2). ولو لم يكن في الغنا الا الخطر من ترك مواساة الفقراء ومساعدة الضعفاء لكان كافيا، وان هو قام بسد كل خلة يجدها واماطة (3) كل ضرورة يشرف عليها ويعلم بها ذهب بما معه وقعد ضعيفا محسورا، وصار في الناس فقيرا، ومن هذا قول اويس القرنى (ره): وان حقوق الله لم يبق لنا ذهبا ولا فضة. وباع على (ع) حديقته التى غرسها له النبي (ص) وسقاها هو بيده باثنى عشر الف درهم وراح الى عياله وقد تصدق باجمعها، فقالت له فاطمة عليها السلام: تعلم ان لنا اياما لم نذق فيها طعاما وقد بلغ بنا الجوع، ولا اظنك الا كاحدنا فهلا تركت لنا


(1) وقال رسول الله (ص): كلمني ربى فقال يا محمد: إذا احببت عبدا اجعل معه ثلاثة اشياء: قلبه حزينا. وبدنه سقيما. ويده خالية من حطام الدنيا الحديث (لى) ج 2. (2) قال في (مرآت) ولله درمن نظم الحديثين فقال الشاعر: اخص الناس بالايمان عبد = خفيف الحال مسكنه القفار له في الليل حظ من صلوة = ومن صوم إذا طلع النهار وقوت النفس يأتي من كفاف = وكان له على ذلك اصطبار وفيه عفة وبه خمول = إليه بالاصابع لا يشار وقل الباكيات عليه لما = قضى نحبا وليس له يسار فذاك قد نجى من كل شر = ولم تمسسه يوم البعث نار. باب الكفاف. (3) اماط عنى الاذى: ابعده عنى ونحاه وازاله واذهبه (المجمع) (*).

[ 114 ]

من ذلك قوتا ؟ فقال (ع): منعنى عن ذلك وجوه اشفقت ان ارى عليها ذل السؤال. وقيل: ان السبب الموجب لنزول معاوية بن يزيد بن معاوية عن الخلافة انه سمع جاريتين له تتباحثان وكانت احديهما بارعة الجمال، فقالت الاخرى لها قد اكسبك جمالك كبر الملوك، فقالت الحسناء: واى ملك يضاهى ملك الحسن ؟ وهو قاض على الملوك فهو الملك حقا، فقالت لها الاخرى: واى خير في الملك ؟ وصاحبه اما قائم بحقوقه، وعامل بشكر فيه فذاك مسلوب اللذة والقرار منغص العيش، واما منقاد لشهواته بحقوقه، وعامل بشكر فيه فذاك مسلوب اللذة والقرار منغص العيش، واما منقاد لشهواته ومؤثر للذاته مضيع للحقوق، ومضرب عن الشكر فمصيره الى النار، فوقعت الكلمة في نفس معاوية موقعا مؤثرا، وحملته على الانخلاع من الامر فقال له اهله: اعهد الى احد يقوم بها مكانك فقال: كيف اتجرع مرارة قدها ؟ واتقلد تبعة عهدها، ولو كنت مؤثرا بها احدا لاثرت بها نفسي، ثم انصرف واغلق بابه ولم يأذن لاحد، فلبث بعد ذلك خمس وعشرين ليلة ثم قبض، وروى ان امه قالت له عندما سمعت منه ذلك: ليتك كنت حيضة فقال: ليتنى كنت كما تقولين، ولا اعلم ان للناس جنة ونار. وانما خرجنا في هذا الباب عن مناسبة الكتاب لوقوع ذلك باقتراح بعض الاصحاب حيث راى اول الكتاب فاحب الاستكثار فكر هنا خلافه. فصل: ومن مواطن الدعا عقيب قرائة القران (1) وبين الاذان والاقامة (2) وعند رقة القلب وجريان الدمعة. روى أبو بصير عن ابى عبد الله (ع) إذا رق (قلب) احدكم فليدع فان القلب لا ير ق حتى يخلص (3).


(1) يأتي في باب 6 عند (اجابة الدعا بالقران) ما يدل على ذلك. (2) عن ابى عبد الله (ع) قال: قال امير المؤمنين: اغتنموا الدعا عند اربع: عند قرائة القران، وعند الاذان الحديث (الاصول) (3) قوله: لا يرق الخ ان الرقة علامة خلوص القلب من الحقد والحسد والافكار البا طلة والخيالات الشاغلة وتوجهة الى الله، والخلوص علامة الاجابة وسببها (مرآت) (*).

[ 115 ]

القسم السابع حال الداعي كالغازي، والحاج، والمعتمر، والمريض. لرواية عيسى بن عبد الله القمى قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول ثلاثة دعوتهم مستجابة: الحاج، والمعتمر، والغازي في سبيل الله فانظر واكيف تخلفونهم (1)، والمريض فلا تقرضوه ولا تضجروه. فصل ودعاء المريض لعايده مستجابة. عن النبي (ص): للمريض اربع خصال: يرفع عنه القلم، ويامر الله الملك فليكتب (فيكتب) له افضل ما كان يعمله في صحته، وينفى عن كل عضو من جسده ما عمله من ذنب، فان مات مات مغفورا له، وان عاش عاش مغفورا له، وإذا مرض المسلم كتب الله له كاحسن ما كان يعمله في صحته، وتساقطت ذنوبه كما يتساقط ورق الشجر، ومن عاد مريضا في الله لم يسئل المريض للعايد شيئا الا استجاب له، ويوحى الله تعالى الى ملك الشمال ان لا تكتب على عبدى شيئا مادام في وثاقي، والى ملك اليمين ان اجعل انين عبدى حسنات، وان المرض ينقى الجسد من الذنوب كما يذهب الكير (2) خبث الحديد، وإذا مرض الصبى كان مرضه كفارة لوالديه (3).


(1) تخلفون بضم اللام أي احسنوا خلافتهم في اهلهم ومالهم ودارهم وعقارهم ليدعوا لكم فان دعائهم مستجاب. خلفت فلانا على اهله وماله: صرت خليفته. (مرآت). (2) الكير كفلس: كير الحداد وهو زق أو جلد غليظ ذو حافات ينفخ فيه، واما المبنى من الطين فكور لا كيرج كيرة كعنبة (المجمع). (3) وقال النبي (ص): قال الله تعالى: ما من عبد اريد ادخله الجنة الا ابتليته في جسده فان كان ذلك كفارة لذنوبه والاشده عليه عند موته حتى يأتي ولا ذنب له ثم ادخله الجنة (لى) ج 1 (*).

[ 116 ]

وعن الصادق (ع) قال: قال رسول الله (ص): الحمى رائد الموت (1) وسجن الله في ارضه، وحرها من جهنم. وهى حظ كل مؤمن من النار، ونعم الوجع الحمى تعطى كل عضو حظه من البلاء، ولا خير فيمن لا يبتلى، وان المؤمن إذا حم حمى واحدة تناثرت الذنوب عنه كورق الشجر فان أن على فراشه فانينه تسبيح، وصياحه تهليل، وتقلبه على فراشه كمن يضرب بسيفه في سبيل الله فان اقبل يعبد الله كان مغفورا له وطوبى له، وحمى يوم كفارة سنة فان ألمها يبقى في الحسد سنة، وهى كفارة لما قبلها وما بعدها، ومن اشتكى (2) ليلة فقبلها بقبولها وأدى الى الله شكرها كانت له كفارة سنتين سنة لقبولها وسنة للصبر عليها، والمرض للمؤمن تطهير ورحمة، وللكافر تعذيب ولعنة، ولا يزال المرض بالمؤمن حتى لا يبقى عليه ذنبا، وصداع ليلة يحط كل خطيئة الا الكبائر (3). وعن ابى جعفر (ع): لو يعلم المؤمن ماله في المصائب من الاجر لتمنى انه (ان) يقرض بالمقاريض. وعن النبي (ص): إذا كان العبد على طريقة من الخير فمرض أو سافر أو عجز عن العمل بكبر كتب الله له مثل ما كان يعمله ثم قرء (فلهم اجر غير ممنون). وعن الصادق (ع): إذا مات المؤمن صعده ملكان فقالا يا ربنا امت فلانا فيقول: انزلا فصليا عليه عند قبره، وهللاني وكبرانى واكتباما تعملان له. (4)


(1) واصل الرائد الذى يتقدم القوم ليبصر لهم الكلاء ومساقط الغيث يق: راد يريد ريدا ومنه الحمى رائد الموت لشدتها على التشبيه: أي رسوله الذى يتقدم (المجمع). (2) اشتكى: تألم (اقرب) (3) وفى (لى) ج 1: وروى ايضا الحمى قيح جهنم قال: وذلك لان نوعا من النار تحت الارض فإذا فارت خرجت حرارتها فاصابت المياه سيما رؤس الجبال ما فيها من المياه. (4) وفى (لى) ج 1 وقال امير المؤمنين: المؤمن على أي حال مات وفى أي ساعة قبض هو شهيد ولقد سمعت رسول الله (ص) يقول: لوان المؤمن خرج من الدنيا وعليه مثل ذنوب اهل الارض لكان الموت كفارة لتلك الذنوب (*).

[ 117 ]

وعن جابر قال: اقبل رجل أصم وأخرس حتى وقف على رسول الله (ص) فأشار بيده فقال رسول الله (ص): اكتبوا له كتابا تبشرونه بالجنة فانه ليس من مسلم يفجع بكريمته (1) أو بلسانه أو بسمعه أو برجله أو بيده يحمد الله على ما اصابه ويحتسب من عند الله ذلك الانجاه الله من النار وادخله الجنة، ثم قال رسول الله (ص): ان لاهل البلايا في الدنيا درجات، وفى الاخرة ما لا تنال بالاعمال حتى ان الرجل ليتمنى ان جسده في الدنيا كان يقرض بالمقاريض مما يرى من حسن ثواب الله لاهل البلاء من الموحدين فان الله لا يقبل العمل في غير الاسلام. ومن الحالات الصيام قال الصادق (ع): نوم الصائم عبادة، وصمته تسبيح، وعمله متقبل، ودعائه مستجاب. وقال النبي (ص): لاترد دعوة الصائم. وقال الباقر (ع): الحاج والمعتمر والصائم وفد الله (2) ان سئلوه اعطاهم، وان دعوه اجابهم، وان شفعوا شفعهم الله، وان سكتوا ابتدائهم، ويعوضون بالدرهم الف الف درهم. ومن دعا لاربعين من اخوانه بأسمائهم وأسماء آبائهم (3) ومن كان في يده خاتم فيروزج أو عقيق. عن ابى عبد الله (ع) قال: قال رسول الله (ص): قال الله تعالى: انى لاستحيى من عبد


(1) فجعه فجعا: أو جعه ان يوجع الانسان بشى يكرم عليه فيعدمه والكريمة: العين (أقرب). (2) الوفد بالفتح: قوم يفدون على الملك أي ياتون ج وفود (اقرب). (3) ياتي في باب الرابع عند (في بيان التعميم في الدعا) ما يدل على هذا (*).

[ 118 ]

يرفع يده وفيها خاتم فيروزج فارها خائبة (1). وقال الصادق (ع): ما رفعت كف الى الله عزوجل احب إليه من كف فيها خاتم عقيق. وسيأتى كثير من هذا الباب متداخلا فيمن يستجاب دعائه في الاداب (2). فصل وعن الرضا عليه السلام قال أبو عبد الله (ع): من اتخذ خاتما فصه عقيق لم يفتقر، ولم يقض له الا بالتى هي احسن. ومر به رجل من اهله مع غلمان الوالى فقال (ع): اتبعوه بخاتم عقيق فاتبع فلم ير مكروها (3). وقال (ع): العقيق حرزفى السفر. وعنه (ع): من اصبح وفى يده خاتم فصه عقيق متختما به في يده اليمنى، واصبح من قبل ان يراه احد فقلب فصه الى باطن كفه وقرءانا انزلناه الى آخرها ثم يقول: امنت بالله وحده لا شريك له وكفرت بالجبت والطاغوت امنت بسر آل محمد (ص) وعلانيتهم وولايتهم وفاه الله تعالى في ذلك اليوم (من) مر ما ينزل من السماء وما يعرج فيها وما يلج في الارض وما يخرج منها وكان في حرز الله وحرز رسوله حتى يمسى. وقال امير المؤمنين عليه السلام: تختموا بالعقيق يبارك الله عليكم وتكونوا في امن من البلاء. وشكى رجل الى النبي (ص) انه قطع عليه الطريق فقال له (ص): هلا تختمت


(1) قال عبد المؤمن الانصاري: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: ما افتقرت كف تختمت بالفيروزج (لى) ج 4 ص 162. (2) يأتي في باب الرابع آداب كيفية الدعا بتفصيلها. (3) قال الاعمش: كنت مع جعفر بن محمد (ع) على باب ابى جعفر المنصور فخرج من عنده رجل مجلود بالسوط فقال لى: يا سليمان انظر ما فص خاتمه ؟ فقلت يابن رسول الله فصه غير عقيق فقال: يا سليمان انه لو كان عقيقا لما جلد بالسوط قلت: يابن رسول الله زد نى قال: يا سليمان هو امان من قطع اليد قلت: يابن رسول الله زدنى قال: هو امان من اراقة الدم قلت: زدنى قال: ان الله يحب ان ترفع إليه فيه الدعا يد فيها فص عقيق قلت: زدنى قال: ا لعجب كل العجب من يدفيها فص عقيق كيف تخلو من الدنانير والدراهم قلت: زدنى قال: انه امان من كل بلاء قلت: زدنى قال: انه امان من الفقر الحديث (لى) ج 4 ص 159 (*).

[ 119 ]

بالعقيق ؟ فانه يحرس من كل سوء، ومن تختم بالعقيق لم يزل ينظر في الحسنى مادام في يده ولم يزل عليه من الله واقية، ومن صاغ خاتما من عقيق ونقش فيه محمد نبى الله وعلى ولى الله وقاه الله ميتة السوء (1) ولم يمت الاعلى الفطرة، وما رفعت كف الى الله احب إليه من كف فيه عقيق، وهن ساهم بالعقيق كان حظه فيه الاوفر. ولما ناجى الله موسى (ع) وكلمه على طور سينا ثم اطلع على الارض اطلاعا فخلق العقيق فقال سبحانه: آليت على نفسي ان لا اعذب كفا لبسته بالنار إذا يوالى عليا صلوات الله عليه. وقال (ع): صلوة ركعتين بفص عقيق تعدل الف ركعة بغيره. وقال (ع): التختم بالفيروزج ونقشه الله الملك النظر إليه حسنة وهو من الجنة اهداه جبرئيل الى النبي (ص) فوهبه لامير المؤمنين واسمه بالعربية الظفر. وقال امير المؤمنين (ع): تختموا بالجزع اليماني فانه يرد كيد مردة الشياطين (2). وقال عليه السلام: التختم بالزمرد يسر لا عسر فيه، والتختم باليواقيت ينفى الفقر، وقال: نعم الفص البلور (3).


(1) قدمر معنى ميتة السوء ذيلا عند عنوان (في فضيلة الصدقة). (2) في حديث وقال (ص): يا على تختم به - أي بالجزع اليماني - في يمينك وصل فيه اما علمت ان الصلوة في الجزع سبعون صلوة وانه يسبح ويستغفر واجره لصاحبه (لى) ج 4 ص 162. (3) وفى رواية كان لعلى (ع) اربعة خواتيم يتختم بها: ياقوت لنيله. وفيروزج لنصره. والحديد الصينى لقوته. وعقيق لحرزه. (لى) ج 4 ص 162 (*).

[ 120 ]

((الباب الثالث في الداعي وهو قسمان)) القسم الالول من يستجاب دعائه: وهو الصائم، والحاج، والمعتمر (1) والغازي، والمريض (2) والامام المقسط، والمظلوم والداعى لاخيه بظهر الغيب (3). روى عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (ع) قال: خمس دعوات لا يحجبن عن الرب تبارك وتعالى: دعوة الامام المقسط، ودعوة المظلوم يقول الله عزوجل: لا نتقمن لك ولو بعد حين (4) والولد الصالح لوالديه، والوالد الصالح لولده، ودعوة المؤمن لاخيه بظهر الغيب فيقول: ولك مثله. وروى ان الله سبحانه قال لموسى: ادعنى على لسان لم تعصنى به فقال: يا رب انى لى بذلك ؟ فقال: ادعنى على لسان غيرك. والمعمم بدعائه (5) - والمتقدم في الدعا قبل نزول البلاء


(1) وقد مر عند عنوان (في اجابة دعاء الصائم) ما يدل على اجابة دعاء الصائم والحاج والمعتمر ولم ينقل ذيل عنوان المتن رواياته. (2) وقد مضى ذيل عنوان (في اجابة دعاء المريض لعايده) ما يدل على اجابة دعائه ولكن لم يذكره هيهنا مع ذكره عنوانه، وكذلك الغازى وقد مضى في باب الثاني في القسم السابع ما يدل على اجابة دعائه. (3) وتاتى ايضا عند عنوان (في الدعا للاخوان والتماسه منهم) روايات الباب بتفصيلها. (4) قوله: لا يحجبن الحجب كناية عن عدم الاستجابة. قوله المقسط: العادل والمرا د امام الصلوة ويحتمل امام الكل قوله بعد حين أي مدة طويلة (مرآت) (5) تأتى في باب الرابع عند عنوانين: (في بيان التعميم في الدعا) - (في الدعا للاخوان والتماسه منهم) روايات التعميم في الدعا ولم يذكر روايات العنوان هيهنا (*).

[ 121 ]

روى هارون بن خارجة عن ابى عبد الله (ع) قال: ان الدعا في الرخا ليستخرج الحوائج في البلاء (1). وروى محمد بن مسلم عنه (ع) قال: كان جدى يقول: تقد موافى الدعا فان العبد العبد إذا دعا فنزل به البلاء فدعا قيل: صوت معروف فإذا لم يكن دعا فنزل به البلاء قيل: اين كنت قبل اليوم ؟ وعنه (ع) من تخوف من البلاء يصيبه فتقدم فيه بالدعا لم يره الله ذلك البلاء ابد ا. وعن النبي (ص): يا ابا ذر الا اعلمك كلمات ينفعك الله بها ؟ قلت: بلى يا رسول الله قال: احفظ الله يحفظك الله احفظ الله تجده امامك تعرف الى الله في الرخاء (2) يعرفك في الشدة، وإذا سئلت فاسئل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله فقد جرى القلم بما هو كائن (3) ولو ان الخلق كلهم جهد وان ينفعوك بشئ لم يكتبه الله لك ما قد روا عليه. روى السكوني عن الصادق عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه واله: اياكم ودعوة المظلوم فانها ترفع فوق السحاب (4) حتى ينظر الله إليها، فيقول: ارفعوها حتى استجيب له، واياكم ودعوة الوالد فانها احد من السيف. وعن الصادق (ع): ثلاث دعوات لا يحجبن عن الله عزوجل: دعاء الوالد لولده إذا بره، وعليه إذا عقه (5) ودعاء المظلوم على ظالمه، ودعائه لمن انتصر له منه،


(1) قوله ليستخرج يعنى من القوة الى الفعل، (مرآت) (2) الرخا: سعة العيش. (3) وجرى القلم بما فيه أي مضى على ما ثبت عليه حكمه في اللحوح المحفوظ (المجمع). (4) وقوله: فانها ترفع فوق السحاب: كان السحاب كناية عن موانع اجابة الدعاء أو الحجب المعنوية الحائلة بينه وبين ربه، أو هي كناية عن الحجب فوق العرش، أو تحته على اختلاف الاخبار، ويمكن حمله على السحاب المعروف على الاستعارة التمثيلية لبيان كمال الاستجابة، والمراد بالنر نظر الرحمة والعناية وارادة القبول. (مرآت) (5) في الحديث ادنى العقوق اف، يق: عق الولد اباه عقوقا إذا آذاه وعصاه وتر ك الاحسان إليه واصله من العق وهو الشق والقطع (المجمع) (*).

[ 122 ]

ورجل مؤمن دعا لاخيه المؤمن إذا واساه فينا، ودعائه عليه إذا لم يواسه مع القدرة عليه واضطرار اخيه إليه. وفى حديث آخر اتقوا دعوة الوالد فانها ترفع فوق السحاب (1) واتقوا دعوة الوالد فانها احد من السيف. وروى ان الولد إذا مرض ترقى امه (الى) السطح، وتكشف عن قناعها حتى يبرز شعرها نحو السماء فتقول: اللهمانت اعطيتنيه وانت وهبته لى اللهم فاجعل هبتك اليوم لى جديدة انك قادر مقتدر، ثم تسجد فانها لا ترفع راسها الا قدبرء ابنها. فصل ومن المجابين من لا يعتمد في حوائجه على غير الله سبحانه، قال الله تعالى: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه ان الله بالغ امره قد جعل الله لكل شئ قدر ا) (2). روى حفص بن غياث عن ابى عبد الله (ع) قال: إذا اراد احدكم ان لا يسئل ربه شيئا الا اعطاه فلييأس من الناس كلهم ولا يكون له رجاء الا من عند الله فإذا علم ا لله ذلك من قلبه لم يسئله شيئا الا اعطاه. وفيما وعظ الله تعالى به عيسى: يا عيسى ادعنى دعاء الحزين الغريق الذى ليس له مغيث يا عيسى سلنى ولا تسئل غيرى فيحسن منك الدعا ومنى الاجابة، ولا تدعني الا متضرعا الى وهمك هما واحدا فانك متى تدعني كذلك اجبك. تنبيه وينبغى ان يرجع في كل حوائجه الى ربه وينزلها به سواء كانت جليله أو حقيرة ولا يأنف من رفع المحقرات إليه فانه غاية التوكل عليه.


(1) قد مر آنفا في الخبر السكوني معنى هذه الجملة ذيلا. (2) الطلاق: 3. قوله تعالى ومن يتوكل الخ أي ومن يفوض اموره الى الله ووثق بحسن تذبيره وتقديره فهى كافية يكفيه امر دنياه ويعطيه ثواب الجنة بحيث لا يحتاج الى غيره. انتهى موضع الحاجة (مرآت) (*).

[ 123 ]

ففى الحديث القدسي: يا موسى سلنى كلما تحتاج إليه حتى علف شاتك، وملح عجينك وعن الصادق عليه السلام عليكم بالدعا فانكم لا تتقربون الى الله بمثله، ولا تتركوا صغيره لصغرها ان تدعو بها فان صاحب الصغار هو صاحب الكبار (1). نصيحة وإذا قد عرفت ان الاعتماد على الله تعالى منوط بالنجاح، ومقود بازمة الفلاح، فاعلم ان التعلق بغيره والاعراض عنه مقرون بالخزى والافتضاح وموجب للخذ لان ومعد للحره مان أو لا تنظر الى حكاية محمد بن عجلان ؟ حين فجعته صروف الزمان قال: اصابتني فاقة شديدة واضافة، ولا صديق لمضيقي، ولزمنى دين ثقيل، وغريم يلح في المطالبة، فتوجهت نحو دار الحسن بن زيد وهو يومئذ امير المدينة لمعرفة كانت بينى وبينه، وشعر بذلك (من حالى) ابن خالي محمد بن عبد الله بن على بن الحسين عليه السلام وكانت بينى وبينه قديم معرفة فلقينى في الطريق فاخذ بيدى وقال: قد بلغني ما انت بسبيله فمن تأمل لكشف ما نزل بك ؟ قلت: الحسن بن زيد فقال: إذا لا يقضى حاجتك ولا يسعف (2) مطلبك فعليك بمن يقدر على ذلك وهو اجود الاجودين والتمس ما تأمله من قبله. فانى سمعت ابن عمى جعفر بن محمد يحدث عن ابيه عن جده عن ابيه الحسين بن على عن ابيه على بن ابي طالب عليهم السلام عن النبي (ص) قال: اوحى الله الى بعض انبيائه في بعض وحيه: وعزتي وجلالى لاقطعن امل كل آمل امل غيرى بالاياس، ولا كسونه ثوب المذلة في الناس ولا بعدنه من فرجى وفضلي اعبدي يامل في الشدائد غيرى ؟ والشدائد بيدى ويرجو سواى ؟ وانا الغنى الجواد بيدى مفاتيح الابواب وهى


(1) قوله: تدعو بها بدل اشتمال لصغيرة، والصغيرة الحاجات الحقيرة السهلة الحصول، والغرض رفع توهم ان الانسان مستقل في الحاجات الصغيرة ويمكنه تحصيلها بدون تقديره وتيسيره تعالى، ويدل على ان الدعا اعظم وسايل القرب إليه تعالى (مرآت) (2) الاسعاف: الاعانة وقضاء الحاجة (المجمع) (*).

[ 124 ]

المغلقة، وبابى مفتوح لمن دعاني. الم تعلموا ان من دهته (1) نائبة لم يملك كشفها عنه غيرى ؟ فما لى اراه يأمله معرضا عنى وقد اعطيته بجودى وكرمى ما لم يسئلنى، فاعرض عنى ولم يسئلنى وسئل في نائبته غيرى، وانا الله ابتدء بالعطية قبل المسألة افاسئل فلا اجود ؟ كلا اليس الجود والكرم لى ؟ اليس الدنيا والاخرة بيدى ؟ فلو ان اهل سبع سماوات وارضين سئلوني جميعا واعطيت كل واحد منهم مسئلته ما نقص ذلك من ملكى مثل جناح البعوضة، وكيف ينقص ملك انا قيمه ؟ فيا بؤسا لمن عصاني ولم يراقبني (2) فقلت له: يا ابن رسول الله اعد على هذا الحديث فاعاده ثلاثا فقلت: لا والله ما سئلت احدا بعدها حاجة فما لبثت ان جائنى الله برزق من عنده وعن النبي (ص) قال: قال الله عزوجل: ما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني الا قطعت اسباب السماوات واسباب الارض من دونه، فان سئلني لم اعطه وان دعاني لم اجبه، وما من مخلوق يعتصم به دون خلقي الا ضمنت السماوات والارض رزقه فان دعاني اجبته وان سئلني اعطيته وان استغفرني عفرت له وعن ابى محمد العسكري (ع): ارفع المسألة ما وجدت التحمل يمكنك فان لكل يوم رزقا جديدا (3) واعلم ان الالحاح في المطالب يسلب البهاء، ويورث التعب


(1) يق: دهاه الامر إذا نزل به (المجمع). (2) قوله: ثوب المذلة الاضافة اضافة المشبه به الى المشبه قوله: والشدائد بيد ى أي تحت قدرتي قوله: وهى مغلقة أي ابواب الحاجات مغلقة ومفاتيحها بيده سبحانه وهو استعارة على التمثيل للتنبيه على ان قضاء الحاجة المرفوعة الى الخلق لا يتحقق الا باذنه قوله: والنائبة أي المصيبة قوله: فيا بؤسا البؤس: الشدة والفقر والحزن والنداء مجاز لبيان ان القانط والعاصي هو محل ذلك مستحقه قوله: ولم يراقبني أي لم يخف عذابي أو لم يحفظ حقوقي انتهى ملخصا (مرآت). (3) وقال عليها السلام: الرزق رزقان رزق تطلبه، ورزق يطلبك فان لم تاته اتاك فلا تحمل

[ 125 ]

والعناء فاصبر حتى يفتح الله لك بابا يسهل الدخول فيه. فيما اقرب الصنع من الملهوف (1) والامن من الهارب المخوف، فربما كانت الغير (2) نوعا من ادب الله، والحظوظ مراتب، فلا تعجل على ثمرة لم تدرك فانما تنالها في اوانها واعلم ان المدبر لك اعلم بالوقت الذى يصلح حالك فيه، فثق بخيرته في جميع امورك يصلح حالك، ولا تعجل بحوائجك قبل وقتها فيضيق قلبك وصدرك ويغشيك القنوط، واعلم ان للحياء مقتدرا فان زاد عليه فهو سرف، وان للحزم مقدارا (3) فان زاد عليه فهو تهور (4) واحذر كل زكى ساكن الطرف، ولو عقل اهل الدنيا خربت. فانظر الى هذا الحديث وما اشتمل عليه من الاداب الغريزة واشتمل ايضا على التزهيد في الدنيا بقوله: ولو عقل اهل الدنيا خربت، فدل على ان العقل السليم يقتضى تخريب الدنيا وعدم الاعتناء بها، فمن عنى بها أو عمر هادل ذلك على انه لا عقل له (5).


(1) الملهوف ذهب له مال أو فجع بحميم والحميم: القريب الذى يهتم بامره (اقرب). (2) الغير: تغير الحال وانتقالها عن السلاح: لى الفسادج اغيار (اقرب). (3) تحزم في امرك أي اقبله بالحزم والوثاقة (اقرب). (4) تهور لرجل: وقع في الامر بقلة مبالاة (اقرب). (5) قال في (مرآت) في كلام طويل له: وانما الناجى منها فرقة واحدة وهى السالكة ما كان عليها رسول الله (ص) واصحابه وهو ان لا يترك الدنيا بالكلية، ولا يقمع الشهوات بالكلية اما الدنيا ياخذ منها قدر الزاد، واما الشهوات فيقمع منها ما يخرج عن طاعة الشرع والعقل، فلا يتبع كل شهوة، ولا يترك كل شهوة بل يتبع العدل، ولا يترك كل شى من الدنيا

هم سنتك على يومك، وكفاك كل يوم ما هو فيك فان تكن السنة من عمرك فان الله سيأتيك في كل غد بجديد ما قسم لك، وان لم تكن السنة من عمرك فما تصنع بهم وغم ما ليس لك، واعلم انه لا يسبقك الى رزقك طالب ولن يغلبك عليه غالب، ولن يحتجب عنك ما قدر لك، وكم رأيت من طالب متعب نفسه مقتر عليه رزقه. (لى) ج 2 ص 56 (*).

[ 126 ]

القسم الثاني من لا يستجاب دعائه. روى جعفر بن ابراهيم عن ابى عبد الله (ع) قال: اربعة لا يستجاب له دعوة: رجل جالس في بيته يقول: اللهم ارزقني فيقال له: الم آمرك في الطلب ؟ ورجل كا نت له امرئة فاجرة فدعا عليها فيقال له: الم اجعل امرها اليك ؟ ورجل كان له مال فا فسده فيقول: اللهم ارزقني فيقال له: الم آمرك بالاصلاح (بالاقتصاد) ثم قال: (والذين إذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقترو أو كان بين ذلك قواما) (1) ورجل كان له مال فادانه رجلا ولم يشهد عليه فجحده فيقال له الم آمرك بالاشهاد ؟ (2) وفى رواية الوليد بن صبيح: ورجل يدعو على جاره وقد جعل الله له السبيل الى ان يتحول عن جواره ببيع دارده. وروى يونس بن عمار قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: ان العبد ليبسط يديه ويدعو الله ويسئله من فضله ما لا فيرزقه قال: فينفقه فيما لا خير فيه، ثم يعود ويدعو الله فيقول: الم اعطك ؟ الم افعل بك كذا وكذا ؟ ومن دعا بقلب قاس اولاه روى سليمان بن عمر قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: ان الله لا يستجيب دعاء بظهر قلب ساه فإذا دعوت فاقبل بقلبك ثم استيقن بالاجابة. وعن سيف بن عميرة عمن ذكره عن ابى عبد الله (ع) قال: ان الله عزوجل لا يستجيب


(1) الفرقان: 67 الاسراف: صرف المال زايدا على القدر الجايز شرعا وعقلا، والقتر والقتور، التضييق، والاقتصاد: التوسط بين الاسراف والتقتير (مرآت). (2) أي الاشهاد على الدين كما في آية المداينة وغيرها (مرآت)

ولا يطلب كل شى من الدنيا بل يعلم مقصود كل ما خلق من الدنيا ويحفظ ه على حد مقصوده، فيأخذ من القوت ما يقول به البدن على العبادة، ومن المسكن ما يحفظ به من اللصوص والحر والبرد والكسوة كذلك ولا يعلم تفصيل ذلك الا با لاقتداء بالفرقة الناجية الذين صحت عقايدهم واتبعوا الرسول والائمة الهدى عليهم السلام ومن اراد تفصيل الكلام يرجع باب حب الد نيا والحرص عليها (*).

[ 127 ]

دعاء بظهر قلب قاس (1) ومن لم يتقدم في الدعا لم يسمع منه إذا نزل به البلاء. روى هشام بن سالم عن ابى عبد الله (ع) قال: من تقدم في ا لدعا استجيب له إذا انزل به البلاء، وقيل: صوت معروف ولم يحجب عن السماء (2) ومن لم يتقدم في الدعا لم يستجب له إذا نزل به البلاء وقالت الملائكة: ان ذا (3) الصوت لا نعرفه ومن دعا وهو مصر على المعاصي (4) لا يستجاب دعائه قال رسول الله (ص): مثل الذى يدعو بغير عمل كمثل الذى يرمى بغير وتر. وعن الصادق (ع) كان رجل من بنى اسرائيل يدعوا الله تعالى ان يرزقه غلاما ثلاث سنين فلما راى ان الله لا يجيبه قال: يا رب ابعيد انا منك فلا تسمعني ام قريب فلا تجيبني ؟ فاتاه آت في منامه قال: انك تدعوا الله منذ ثلاث سنين بلسان بذى وقلبي عات غير نقى، ونية غير صافيه (صادقة) فاقلع عن بذائك وليتق الله قلبك ولتحسن نيتك ففعل الرجل ذلك عاما فولد له غلام. فقد اشتمل هذا الحديث على اربعة شروط: الاول الا قلاع عن البذاء، الثاني عدم قساوة القلب. الثالث حسن النية، وهى هنا عبارة عن حسن الظن. الرابع التو بة عن المعصية بقوله: فاقلع عن بذائك وليتق الله قلبك.


(1) قوله تعالى: ثم قست قلوبهم: أي يبست وصلبت عن قبول ذكر الله والخوف والرجا وغيرها من الخصال الحميدة (المجمع). (2) الحجب بفتح الحاء وهو كناية عن عدم الاستجابة (مرآت) (3) كلمة ذا بمعنى صاحب وهو في حالة النصب. (4) اصر على الشى لزمه وداومه واكثر ما يستعمل في الشر والذنوب، ومنه: ما اصر من استغفر أي من اتبع ذنبه بالاستغفار فليس بمصر وان تكرر منه، ومنه لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الاصرار، قيل: المراد بالاصرار، على الصغيرة العزم على فعلها بعد الفراغ منها سواء كان المعزوم من جنس المفعول ام لا هذا هو الاصرار الحكمى، واما المداومة على واحد ة من الصغاير بلا توبة والاكثار منها فيعرف بالاصرار الفعلى (المجمع) (*).

[ 128 ]

والدعا مع اكل الحرام لا يستجاب وفى الحديث القدسي فمنك الدعا وعلى الاجابة فلا تحتجب (1) عنى دعوة الادعوة آكل الحرام. وعن النبي (ص): من احب ان يستجاب دعائه فليطيب مطعمه (2) وكسبه. وقال (ع) لمن قال له: احب ان يستجاب دعائي قال له: طهر مأكلك، ولا تدخل بط نك الحرام (3). وروى على بن اسباط عن ابى عبد الله (ع): من سره ان يستجاب دعائه فليطيب مكسبه. وقال (ع): ترك لقمة الحرام احب الى الله من صلوة الفى ركعة تطوعا


(1) الحجب بالفتح وهو كناية عن عدم الاستجابة. (2) قال من (مرآت): اعلم ان المشهور بين الفقهاء ان الحلال والطيب مترادفان، أو الحلال ما احله الشارع ولم يرد فيه نهى، والطيب ما تستطيبه النفس وتستلذه، وقيل: الطيب يقال لمعان: الاول المستلذ الثاني ما حلله الشارع الثالث ما كان طاهرا الرابع ما خلا عن الاذى في النفس والبدن، والخبيث يقابل الطيب بمعانيه. (3) وهيهنا كلام في الحلال والحرام والشبهة قال في (مرآت) ثم اعلم انه اختلف الاصحاب في انه هل بين الحلال والحرام منزلة ام لا فذهب جماعة الى انه لا منزلة بينهما فكلمادل الدليل على حرمته فهو حرام. ليسا الا بظاهر الشريعة كالطهارة والنجاسة فانهما تابعتان لظاهر الشرع فما لم يعلم نجاسته فهو طاهر وان كان نجسا عند من علم نجاسته ولا معنى للنجاسة الواقعية ولذا كان النبي (ص) والائمة (ع) يعاشرون من المنافقين ولا يعملون بما علموا بغير ظاهر الشريعة منهم. وذهب جماعة الى ان بينهما منزلة وهى الشبهات كما ورد في الاخبار حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات ومن اخذ بالشبهات ارتكب المحرمات وهلك من حيث لا يعلم. ومن اراد تفصيل الكلام يرجع باب الدعا للرزق (*).

[ 129 ]

وعنه (ع): رددانق (1) حرام يعدل عند الله سبعين حجة مبرورة. والمتحمل لمظالم العباد وتبعات المخلوقين مردود الدعا. فعنهم عليهم السلام فيما وعظ الله به عيسى (ع) يا عيسى قل لظلمة بنى اسرائيل: غسلتم وجوهكم ودنستم قلوبكم ابى تغترون ام على تجترئون ؟ تتطيبون بالطيب لاهل الدنيا واجوافكم عندي بمنزلة الجيف المنتنة كانكم اقوام ميتون يا عيسى قل لهم: قلموا اظفاركم من كسب الحرام، واصموا اسماعكم عن ذكر الخنا (2) (الفحشاء) واقبلوا على بقلوبكم فانى لست اريد صوركم يا عيسى قل لظلمة بنى اسرائيل: لا تدعو نى والسحت (3) تحت اقدامكم والاصنام في بيوتكم فانى آليت (4) ان اجيب من دعاني، وان اجابتي اياهم لعنا لهم حتى يتفرقوا (5) وعن النبي (ص) قال: اوحى الله الى ان يا اخا المرسلين ويا اخا المنذرين انذر قومك لا يدخلوا بيتا من بيوتي ولاحد من عبادي عند احد منهم مظلمة فانى العنه ما دام قائما يصلى بين يدى حتى يرد تلك المظلمة فاكون سمعه الذى يسمع به، واكون بصره الذى يبصر به ويكون من اوليائي ويكون جارى مع النبيين والصديقين والشهداء


(1) الدانق بالفتح: سدس الدرهم (اقرب). (2) الخناء مقصورا: الفحش من القول (المجمع). (3) السحت بضمتين واسكان الثاني تخفيفا: كل ما لا يحل كسبه (المجمع). (4) آلى ايلاء: حلف (اقرب). (5) وقال (ص): ان احدكم ليرفع يديه الى السماء فيقول: يا رب يا رب ومطعمه حرام وملبسه حرام فاى دعاء يستجاب لهذا، واى عمل يقبل منه وهو ينفق من غير حل ان حج حج حراما، وان تصدق تصدق بحرام، وان تزوج تزوج بحرام، وان صام افطر على حرام فيا ويحه اما علم أن الله طيب لا يقبل الا الطيب وقد قال في كتابه: (انما يتقبل الله من المتقين) المائدة: 30 (لى) ج 5 ص 88 (*).

[ 130 ]

(والصالحين) في الجنة. وعن امير المؤمنين (ع): اوحى الله الى عيسى قل لبنى اسرائيل: لا يدخلوا بيتا من بيوتي الا بابصار خاشعة، وقلوب طاهرة، وايدتقية، واخبرهم انى لا استجيب لاحد منهم دعوة ولاحد من خلقي لديه مظلمة (1).


(1) وقال (ع): من اكل لقمة حرام لم يقبل له صلوة اربعين ليلة، ولم يستجب له دعوة اربعين صباحا وكل لحم ينبته الحرام فالنار اولى وان اللقمة الواحدة تنبت اللحم. (لى) ج 5 ص 88. المظلمة بكسر اللام: ما تطلبه عند الظالم، واسم ما اخذ منك ظلما (*).

[ 131 ]

الباب الرابع في كيفية الدعا وله آداب ينقسم الى ثلاثة اقسام فمنها ما يكون قبل الدعا كالطهارة، وشم الطيب، واستقبال القبلة، والصدقة (1). قال الله تعالى: (فقدموا بين يدى نجويكم صدقة) (2) ولقوله تعالى: (فليومنو ابى) (3) أي وليتحققوا انى قادر على اعطائهم ما سئلوا وعن رسول الله (ص) يقول الله عزوجل: من سئلني وهو يعلم انى اضروا نفع استجيب له. فصل ومن الاداب حسن الظن بمالك العباد في اجابته (4).


(1) ومن الاداب ايضا اعتقاد الداعي قدرته سبحانه على فعل مطلوبه، ولم يذكر هذا العنوان مع ذكره روايته وقد مضى في الباب الثاني عند (بيان فضيلة المسجد) ما يدل على استحباب تقديم الطهارة، والطيب، والصدقة عند الدعا ولم يذكرها في المقام مع تعرضه لعنا وينها واما لاستحباب استقبال القبلة عند الدعا فما وجدنا في الكتاب اثرا. (2) المجادلة: 13 (3) البقرة: 182. (4) قال في (مرآت) في بيان حسن الظن به تعالى: قيل: معناه حسن ظنه بالغفرا ن إذا ظنه حين يستغفر، وبالقبول إذا ظنه حين يتوب، وبالاجابة إذا ظنه حين يدعو، وبالكفاية إذا ظنه حين يستكفى لان هذه صفات لا تظهر الا إذا حسن ظنه بالله تعالى، وكذلك تحسين الظن بقبول العمل عند فعله اياه، فينبغي للمستغفر والتائب والداعى والعامل ان ياتوا بذلك موقنين بالاجابة بوعد الله الصادق فان الله تعالى وعد بقبول التوبة الصادقة والاعما ل الصالحة واما لو فعل هذه الاشياء وهو يظن ان لا يقبل ولا ينفعه فذلك قنوط من رحمة الله تعالى والقنوط كبيرة مهلكة (*).

[ 132 ]

قال الله تعالى: (وادعوه خوفا وطمعا) ففى الحديث القدسي انا عند ظن عبدى بى فلا يظن عبدى (1) بى الاخيرا. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ادعوا ا لله وانتم موقنون بالاجابة وفيما اوحى الله الى موسى (ع) يا موسى ما دعوتني ورجوتني فانى ساغفر لك. وروى سليمان بن الفراء عمن حدثه عن ابى عبد الله عليه السلام قال: إذا دعوت فظن حاجتك بالباب (2) وفى رواية اخرى فاقبل بقلبك وظن حاجتك بالباب. فصل (3) وكيف لا يحسن الظن به وهو اكرم الاكرمين وارحم الراحمين وهو الذى سبقت رحمته غضبه. وروى ان الله سبحانه لما نفخ في آدم من روحه وصار بشرا فعند ما استوى جالسا عطس فالهم ان قال: الحمد لله رب العالمين فقال الله تعالى: يرحمك الله يا آدم فكا ن اول خطاب توجه إليه منه بالرحمة. وروى ان الله سبحانه قال لموسى حين ارسله الى فرعون يتوعده واخبره انى الى العفو والمغفرة اسرع منى الى الغضب والعقوبة. وروى انه استغاث بموسى عليه السلام حين ادركه الغرق ولم يستغث بالله فأوحى إليه يا موسى لم تغث فرعون لانك لم تخلقه، ولو استغاث بى لاغثته. وروى محمد بن خالد في كتابه عن النبي صلى الله عليه واله قال: لما صار يونس (ع) الى


(1) قال في (مرآت): معناه انا عند ظن عبدى في حسن عمله وسوء عمله لان من حسن عمله حسن ظنه ومن ساء عمله ساء ظنه. (2) قال في (مرآت): حمل الكليني الظن على اليقين. ويمكن حمله على معناه الظاهر فان اليقين بالاجابة مشكل الا ان يقال: المراد اليقين بما وعد الله من اجابة الدعا إذا كان مع شرايطه واعم من ان يعطيه أو عوضه في الاخرة. (3) ليس هذا الفصل في محله لما ترى من الكلام قبله وكذلك بعده في مساق واحد وهو حول حسن الظن بالله تعالى (*).

[ 133 ]

اسمعه ؟ البحر الذى فيه قارون قال القارون للملك الموكل به: ما هذا الدوى والهو ل الذى اسمعه ؟ قال له الملك هذا يونس الذى حبسه الله في بطن الحوت فجالت به البحار السبعة حتى صارت الى هذا البحر فهذا الدوى والهول لمكانه فقال: أتاذن لى في مكالمته ؟ فقال قد اذنت لك فقال له قارون: ان توبتي جعلت الى موسى وقد تبت الى موسى فلم يقبل منى، وانت لو تبت الى الله لوجدته عند اول قدم ترجع بها إليه، أو لا تنظر الى حسن صنايعه بعباده ؟ وكيف تعلقت عنايته بالاحسان إليهم والرحمة لهم: فمن ذلك ماندب إليه ورغب فيه من دعاء بعضهم لبعض حيث قال: ادعنى على لسان لم تعصنى به وهو لسان غيرك، واجاب الداعي لاخيه ولك اضعافه (1) وسيأتى مفصلا في موضعه (2) ومن ذلك ما رغب فيه من اهداء ثواب الطاعات للاموات وما جعل عليه من تضاعف الحسنات. حتى روى عن النبي صلى الله عليه واله: من دخل المقابر فقرء سورة يس خفف الله عنهم يومئذ


(1) عن ابى خالد القماط قال: قال أبو جعفر (ع): اسرع الدعا نجحا للاجابة دعاء الاخ لاخيه بظهر الغيب يبدأ بالدعا لاخيه فيقول له ملك موكل به آمين ولك مثلاه. قال في (مرآت) ولاينا في ذلك ما سيأتي انه نودى من العرش ولك مأة الف ضعف لان الضعف بمقتضى دعائه والزايد تفضل منه تعالى لمن يشاء كما قيل، اولان الضعف اقل المراتب ومأة الف ضعف اكثرها وبينهما مراتب متفاوتة بحسب تفاوت مراتب الداعي والمدعوله، وقيل: ويحتمل ان تكون علة الضعف ان الدعا للغير يتضمن عملين صالحين احدهما الدعا والثانى دعائه لاخيه ومحبته له وطلب الخير له ولذلك كان هذا الدعا مستجابا يوجر عليه مرتين انتهى مو ضع الحاجة باب الدعا للاخوان بظهر الغيب. (2) تأتى في باب الرابع عند (في الدعاء للاخوان والتماسه منهم) روايات الباب بتفصيلها (*).

[ 134 ]

وكان له بعدد من فيها حسنات (1). وقال الصادق (ع): تدخل على الميت في قبره الصلوة والصوم والحج والصدقة والدعا والبر ويكتب اجره للذى يفعله وللميت (2). وقال (ع): من عمل من المسلمين عن ميت عمل (عملا) خيرا ضعف الله له اجره ونفع الله به الميت. ومن ذلك ما امر به نبيه (ص) في قوله: (فاعلم انه لا اله الا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) (3) فانظر كيف قرن الامر بالاستغفار مع شهادة التوحيد التى هي اس الاسلام وعليها مدار الاحكام وهل هذا الاغاية العناية واتم الرحمة واكمل الفضل ؟ ثم اكد البيان بالمقال في هذا المثال مع ما اظهر من شواهد الحال: انا عند ظن عبد ى بى. وتوعد من اساء ظنه به وغضب عليه (4) ومن اوضح الادلة على وفور كرمه ومحبته لحسن الظن به، وانه يحقق ظن عبده به إذا كان حسنا لا يخلفه لا محالة ما امر به سبحانه من التوكل عليه فقال عزمن قائل (وعلى الله فتوكلوا ان كنتم مؤمنين) (5) وكفاك بهذه الاية حثا على التوكل وتر غيبا فيه حيث جعله شرط الايمان، ثم اكد سبحانه ذلك بتبشيره لهم بالمجازات والكفاية والافضال والرعاية لما ثابوا (6) الى هذا النداء الجليل (وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل


(1) وقال الرضا (ع): ما من عبد زار قبر مؤمن فقرأ عنده انا انزلناه في ليلة القدر سبع مرات الاغفر الله له ولصاحب القبر (لى) ج 4 ص 272. (2) وقال (ع): إذا قرء المؤمن آية الكرسي وجعل ثوابها لاهل القبور جعل الله من كل حرف ملكا يسبح الله له الى يوم القيامة ويعطيه اجر ستين نبيا. (لى) ج 4 ص 273. (3) محمد: 21. (4) قد مر في اول الفصل ذيلا معنى ظن العبد به تعالى راجع. (5) المائدة: 26. (6) ثاب الرجل يثوب: إذا رجع بعد ذهابه (المجمع) (*).

[ 135 ]

فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء وتبعوا رضوان الله) (1) ثم زاد في سرورهم بالبشارة لهم بمصادفة قبوله ومحبته فقال: (ان الله يحب المتوكلين) (2). وسئل الصادق (ع) عن حد التوكل فقال الايخاف مع الله شيئا فكان عقد التوكل ومداره على حسن الظن بالله لان الذى لا يخاف شيئا مع الله شيئا فكان عقد التوكل ومداره على حسن الظن بالله لان الذى لا يخاف شيئا مع الله لابد وان يكون حسن الظن به، ثم انظر الى ما ورد عن سادات الانام في هذا المعنى من الكلام. روى عن العالم (ع) انه قال: والله ما اعطى مؤمن قط خير الدنيا والاخرة الا بحسن ظنه بالله عزوجل ورجائه له، وحسن خلقه، والكف عن اغتياب المؤمنين، والله تعا لى لا يعذب عبدا بعد التوبة والاستعفار الا بسوء ظنه وتقصيره في رجائه الله عزوجل، وسوء خلقه، واغتيابه المؤمنين، وليس يحسن ظن عبد مؤمن بالله عزوجل، الا كان الله عند ظنه لان الله كريم يستحيى ان يخلف ظن عبده ورجائه فاحسنوا الظن بالله وارغبوا إليه فان الله تعالى يقول: (الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم) (3). وروى ان الله تعالى إذا حاسب الخلق يبقى رجل قد فضلت سيئاته على حسناته فتأخذه الملئكة الى النار وهو يلتفت فيأمر اله تعالى برده فيقول له، لم تلتفت ؟ - وهوا اعلم به - فيقول: يا رب ما كان هذا حسن ظنى بك فيقول له، لم تلتفت ؟ - وهوا اعلم به - فيقول: يا رب ما كان هذا حسن ظنى بك فيقول الله تعالى:


(1) آل عمران: 167 - 168. (2) آل عمران: 153. وقد مر تفسير التوكل في باب الثاني عند (اوصاف الخواص ووظائفهم). (3) الفتح: 6. عن سفيان بن عيينة قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: حسن الظن بالله ان لا ترجوا الا الله ولا تخاف الا ذنبك قال في (مرآت) وفيه اشارة الى ان حسن الظن بالله ليس معناه ومقتضاه ترك العمل والاجتراء على المعاصي اتكالا على رحمة الله بل معنا ه انه مع العمل لا يتكل على عمله، وانما يرجو قبوله من فضله وكرمه، ويكون خوفه من ذنبه وقصور عمله لامن ربه، فحسن الظن لا ينافي الخوف بل لابد من الخوف وضمه مع الرجا وحسن الظن. باب حسن الظن (*).

[ 136 ]

ملائكتي وعزتي وجلالى ما احسن ظنه بى يوما، ولكن انطلقوا به الى الجنة لادعائه حسن الظن بى. روى عطاء بن يسار قال: قال امير المؤمنين (ع) يوقف العبد يوم القيامة بين يدى الله سبحانه وتعالى فيقول قيسوا بين نعمتي عليه وبين عمله فيستغرق النعم العمل فيقول الله: قد وهبت له نعمتي عليه، فقيسوا بين الخير والشرفان استوى العملان ا ذهب الله تعالى الشر بالخير وادخله الجنة وان كان له فضل اعطاه الله بفضله وان كان عليه فضل وهو من اهل التقوى لم يشرك بالله تعالى واتقى الشرك فهو من اهل المغفر يغفر له ربه برحمته ويدخله الجنة ان شاء بعفوه. وروى ان الله سبحانه وتعالى يجمع الخلق يوم القيامة ولبعضهم على بعض حقوق وله تعالى قلبه تبعات فيقول: عبادي ما كان لى قبلكم فقد وهبته لكم، فهبوا بعضكم تبعات بعض وادخلوا الجنة جميعا برحمتي (1). وعن النبي صلى الله عليه واله انه قال: ينادى مناد يوم القيامة تحت العرش يا ا مة محمد صلى الله عليه واله ما كان لى قبلكم فقد وهبته لكم وقد بقيت التبعات بينكم فتواهبوا وادخلوا الجنة برحمتي. روى محمد بن خالد البرقى عن بعض اصحابنا عن الصادق عليه السلام قال: كان في بنى اسرائيل عابد فأوحى الله تعالى الى داود (ع) انه مرائى قال: ثم انه مات فلم يشهد جنازته داود (ع) قال: فقام اربعون من بنى اسرائيل فقالوا: اللهم انا لا نعلم منه الاخيرا وانت اعلم به منا. فاغفر له قال: فلما غسل اتى اربعون غير الاربعين الاول وقالوا: اللهم انا لا نعلم منه الا خيرا وانت اعلم به منا فاغفر له فلما وضع في قبره قام اربعون غيرهم فقالوا: اللهم انا لا نعلم منه الا خيرا وانت اعلم به منا فاغفر له قال: فأوحى ا لله تعالى الى داود (ع) ما منعك ان تصلى عليه ؟ فقال: داود بالذى اخبرتني من انه مرائى


(1) وقال (ع): ان الله خلق المحبة على مأة جزء قسم واحدا منها بين الخلائق به يحب الرجل ولده والام طفلها، وابقى تسعة وتسعين جزء يرحم بها الخلائق يوم القيامة. (لى) ج 4 ص 313 (*).

[ 137 ]

قال: فأوحى الله إليه انه شهد له قوم فاجزت (1) لهم شهادتهم وغفرت له ما علمت مما لا يعلمون. نصيحة وينبغى ان يكون الرجا مشوبا بالخوف (2) قال امير المؤمنين ان استطعتم ان يحسن ظنكم بالله ويشتد خوفكم منه فاجمعوا بينهما فانما يكون حسن ظن العبد بربه على قدر خوفه منه، وان احسن الناس بالله ظنا لاشدهم خوفا منه (3). روى الحسن بن ابى سارة قال: سمعت عليه السلام يقول: لا يكون العبد مؤمنا حتى يكون راجيا خائفا، ولايكون راجيا خائفا حتى يكون عاملا لما يخاف ويرجو (4).


(1) اجاز امره يجيزه: إذا امضاه وانفذه (المجمع) (2) قال في (مرآت) في كلام طويل: ان كان خطر ببالك وجود شئ الاستقبال وغلب ذلك على قلبك سمى انتظارا وتوقعا، فان كان المنتظر مكروها حصل منه الم في القلب سمى خوفا واشقاقا، وان كان محبوبا حصل من انتظاره وتعلق القلب به واخطار وجوده بالبال لذة في القلب وارتياح يسمى ذلك الارتياح رجاء ولكن لابد وان يكون له سبب فان كان انتظاره لاجل حصول اكثر اسبابه قاسم الرجا عليه صادق، وان كان ذلك انتظارا مع عدم تهيئي اسبابه واضطرا بها قاسم الغرور والحمق عليه اصدق انتهى موضع الحاجة ملخصا. (3) ينبغى ان يكون الخوف والرجا كاملين في النفس ولاتنافى بينهما، فان ملاحظة سعة رحمة الله وغنائه وجوده ولطفه على عباده سبب للرجا والنظر الى شدة بأس الله وبطشه وما اوعد العاصين من عباده موجب للخوف مع ان اسباب الخوف ترجع الى نقص العبد وتقصيره وسوء اعماله وقصوره عن الوصول الى مراتب القرب والوصال وانهما كه فيما يوجب الخسران والوبال، واسباب الرجا تؤل الى لطف الله ورحمته وعفوه وغفرانه ووفورا حسانه وكل منهما في اعلا مدارج الكمال انتهى موضع الحاجة (مرآت). (4) يدل هذا الحديث على ان كمال الايمان منوط بالخوف والرجا، والخوف والرجا لا يصدقان الا بالعمل (مرآت) (*).

[ 138 ]

وروى على بن محمد رفعه قال قلت لابي عبد الله عليه السلام: ان قوما من مواليكم يلمون بالمعاصى ويقولون: نرجو فقال (ع): كذبوا اولئك ليسوالنا بموالي اولئك قوم رجحت بهم الامانى، ومن رجا شيئا عمل له، ومن خاف شيئا هرب منه (1). وقد روى ان ابراهيم (ع) كان يسمع تأوهه (2) على حدميل (3) حتى مدحه الله تعالى بقوله (ان ابراهيم لحليم اواه منيب) وكان في صلوته يسمع له ازيز كا زيز المرجل (4) وكذا يسمع من صدر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله مثل ذلك (5). وكان امير المؤمنين عليه السلام إذا اخذا الوضوء يتغير وجهه من خيفة الله


(1) قوله: يلمون الم: باشر اللمم وبه نزل واللمم صغار الذنوب قوله: ليسوالنا بموال لان الموالات ليست مجرد القول بل هي اعتقاد ومحبة في الباطن، ومتابعة وموافقة في الظاهر لا ينفك احدهما عن الاخر - ثم قال - والحاصل ان الاحاديث الواردة في سعة عفو الله سبحانه وجزيل رحمته ووفور مغفرته كثيرة جدا ولكن لابد لمن يرجوها ويتوقعها من العمل الخالص المعد لحصولها، وترك الانهماك في المعاصي المفوت لهذا الاستعداد، فاحذران يغرك الشيطان ويثبطك عن ا لعمل ويقنعك بمحض الرجاد والامل، وانظر الى حال الانبياء والاولياء اجتهادهم في الطاعا ت وصرفهم العمر في العبادات ليلا ونهارا اما كانوا يرجون عفو الله ورحمته بلى والله انهم كانوا ا علم بسعة رحمته وارجابها منك ومن كل احد ولكن علموا ان رجاء الرحمة من دون العمل غرور محض وسفه بحت فصرفوا في العبادات اعمارهم وقصروا على الطاعات ليلهم ونهارهم انتهى كلامه رفع مقامه. (2) كل كلام يدل على حزن يق له: التأوه (المجمع). (3) الميل، مسافة مقدرة بمد البصر أو باربعة آلاف ذراع بناء على ان الفرسخ اثنا عشر الف ذراع (المجمع). (4) الازيز: صوت الرعد وصوت غليان القدر ايضا (المجمع) وقال في (لى) ج 4 وكان ابراهيم الخليل (ع) عند ذكر الله يسمع ازيز صدره من رأس ميل وكان صدره يغلى كغليان القدر الحديث. (5) قد روى ان النبي (ص) كان يصلى وقلبه كالمرجل يغلى من خشية الله. (لى) ج 4 المرجل: قدر من نحاس (المجمع) (*).

[ 139 ]

تعالى (1) وكانت فاطمة عليها السلام تنهج في الصلوة من خيفة الله تعالى، وكان الحسن عليه السلام إذا فرغ من وضوئه تغير لونه، فقيل له في ذلك فقال: حق على ذى العرش ان يتغير لونه، وروى مثل هذا عن زين العابدين عليه السلام (2). وروى المفضل بن عمر عن الصادق عليه السلام قال: حدثنى ابى عن ابيه عليه السلام ان الحسن بن على عليهما السلام كان اعبد الناس في زمانه وازهدهم وافضلهم. وكان إذا حج حج ماشيا، ربما مشى حافيا، وكان إذا ذكر الموت بكى، وإذا ذكر البعث والنشور بكى، وإذا ذكر المرور (الممر) على الصراط بكى، وإذا ذكر العرض على ا لله شهق شهقة يغشى عليه منها وكان إذا قام في صلوته ترتعد فرائصه بين يدى ربه عزوجل وكان إذا ذكر الجنة والنار اضطرب اضطرب السليم، وسئل الله الجنة وتعوذ بالله من النار. وقالت عايشة: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يحدثنا ونحدثه، فإذا حضرت الصلوة فكأنه لم يعرفنا ولم نعرفه، وإذا كان هذا حال المقربين والانبياء والمرسلين وشهداء الله على الخلق اجمعين فما ظنك باهل العيوب ومقترف الذنوب ؟ فصل ومن الشروط ان لا يسئل محرما، ولا قطيعة رحم (3) ولا يتضمن قلة الحياء واسائة الادب.


(1) وفى الغوالى ان عليا (ع) إذا حضر وقت الصلوة يتململ ويتزلزل ويتلون فيقال له مالك يا امير المؤمنين ؟ فيقول: جاء الصلوة وقت أمانة عرضها الله على السما وات والارض والجبال فابين ان يحملنها واشفقن منها. (لى) ج 4. (2) وكان السجاد (ع) إذا حضر للوضوء اصفر لونه فيقل له: ما هذا الذى يعتادك عند الوضوء ؟ قال: ما تدرون بين يدى من اقوم (لى) ج 4. (3) لم ينقل لهذا العنوان رواية الا ان يقال: انه داخل تحت عنوان سؤال المحرم وذكره له من باب ذكر الخاص بعد العام فح تشمله رواية الاتية (*).

[ 140 ]

قال المفسرون في قوله تعالى (ادعوا ربكم تضرعا وخفية) (1) أي تخشعا وتذللا سرا (انه لا يجب المعتدين) أي لا يتجاوز الحدفى دعائه كأن يطلب في دعائه منازل الانبياء. وقال امير المؤمنين عليه السلام: يا صاحب الدعا لا تسئل ما لا يكون، ولا يحل. وقال عليه السلام: من سئل فوق قدره استحق الحرمان. ومن الاداب تنظيف البطن بالصوم، والجوع، وتجديد التوبة (2). فعن النبي صلى الله عليه وآله: من اكل الحلال اربعين يوما نور الله قلبه (3). وقال صلى الله عليه وآله: ان لله ملكا ينادى على بيت المقدس كل ليلة من اكل حر اما لم يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، والصرف: النافلة والعدل: الفريضة. وقال عليه السلام: لو صليتم حتى تكونوا كاوتاد (ر)، وصمتم حتى تكونوا كالحنايا لم يقبل الله منكم الا بورع حاجز (4).


(1) الاعراف: 53. (2) وقد اكتفى (ره) في الاستدلال على تنظيف البطن بالصوم والجوع وتجديد التوبة بما نقله من الروايات الناهية عن اكل الحرام والرواية المحضضة على اكل الحلال ولم ينقل لكل من هذه العناوين رواية عليحدة كما هو دأبه في كل فصل. (3) عن ابى بصير قال: قال رجل لابي جعفر: انى ضعيف العمل قليل الصيام ولكني ارجو ان لااء كل الا حلالا قال: فقال له: أي الاجتهاد افضل من عفة بطن وفرج. الاجتهاد: بذل الوسع في طلب الامر والمراد هنا المبالغة في الطاعة (مرآت) باب العفة. (4) عن عمرو بن الثففى عن ابى عبد الله (ع) قال: قلت له: انى لا القاك الا في السنين فاخبرني بشئ آخذ به فقال: اوصيك بتقوى الله والورع والاجتهاد واعلم انه لا ينفع ا جتهاد لاورع فيه. المراد بالتقوى ترك المحرمات وبالورع الشبهات وبالاجتهاد بذل الجهد في فعل الطاعات (مرآت) باب الورع (*).

[ 141 ]

وعنه عليه السلام العبادة مع اكل الحرام كالبناء على الرمل، وقيل: على الماء. وقال عليه السلام: يكفى من الدعا مع البرما يكفى الطعام من الملح. واعلم ان بعض هذه الشروط كما يجب تقدمه كذا يجب استمراره واستدامته بعد الدعاء (1). القسم الثاني فيما يقارن حال الدعا من الاداب وهى امور: الاول التلبث بالدعا وترك الاستعجال فيه. لما ورد في الوحى القديم ولا تمل من الدعا فانى لا امل من الاجابة (2). وروى عبد العزيز الطويل عن ابى عبد الله عليه السلام قال: ان العبد إذا دعا لم يز ل الله تعالى في حاجته ما لم يستعجل (3). وعنه عليه السلام قال: ان العبد إذا عجل فقام لحاجته يقول الله تبارك وتعالى: أ ما يعلم عبدى أنى انا الله الذى اقضي الحوائج ؟ (4) وفى رواية إذا استعجل العبد في صلوته


(1) تأتى في باب الرابع في القسم الثالث منه آداب المتأخرة عن الدعا بتفصيلها. (2) وفى الخبر ان الله لا يعمل تى تملوا أي حتى تسأموا وتضجروا (المجمع) (3) قوله: في حاجته أي في تقديره وتيسيره وتسبيب اسبابه ما لم يستعجل أي ما لم يطلب العجله فيه فييئس إذا ابطات حاجته فيعرض عن الله تعالى زاعما انه لا يستجيب لابطائه في حقه، والحاصل انه لابد للداعى من ان يبالغ في الدعا ويحسن الظن برب الارض والسماء ولا ييأس، من رحمة الله بتأخر الاجابة فانه يمكن ان يكون لحب صوته، أو لعدم مصلحته في وصول الحاجة إليه عاجلا ولا يستعجل في ذلك فان العجلة من الشيطان وقد ذمها الله تعالى في مواضع من القران انتهى موضع الحاجة (مرآت). (4) قوله: إذا عجل أي في تعقيب الصلوة فتركه أو اكتفى فيه بقليل للتوجه الى حوائجه فقام إليها، أو اقتصر بقليل من الدعا ثم توجه الى الحاجة التى يدعو لها، أو المر اد به ما ذكرناه في الخبر السابق أي يئس للابطاء في الاجابة وترك الدعا وتوجه الى الحاجة ليحصلها بسعيه والاول اظهر وترتب الجزاء على جميع المحتملات ظاهر (مرآت) (*).

[ 142 ]

يقول الله سبحانه: استعجل عبدى ايراه يظن ان حوائجه بيد غيرى ؟ وعن الباقر عليه السلام: يا باغى العلم صل قبل ان لا تقدر على ليل ولانهار تصلى فيه انما مثل الصلوة لصاحبها كمثل رجل دخل على ذى سلطان فانصت له حتى فرغ من حاجته، فكذلك المرء المسلم باذن الله عزوجل مادام في الصلوة لم يزل الله عزوجل ينظر إليه حتى يفرغ من صلوته (1). وقال الصادق عليه السلام: إذا صليت فريضة فصلها لوقتها مودع يخاف ان لا يعود إليها ابدا، ثم اصرف بصرك الى موضع سجودك، فلو تعلم من عن يمينك وشمالك لاحسنت صلوتك، واعلم انك بين يدى من يراك ولا تراه. وقال النبي صلى الله عليه واله: يا اباذر مادمت في الصلوة فانك تقرع باب الملك ومن يكثر قرع باب الملك يفتح له يا اباذر ما من مؤمن يقوم الى الصلوة الا تناثر عليه البر ما بينه وبين العرش، ووكل الله به ملكا ينادى يابن آدم لو تعلم مالك في صلوتك ولمن تناجى لما سأمت، ولا التفت الى شئ. وفيما اوحى الله تعالى الى ابن عمران يا موسى عجل التوبة واخر الذنب، وتأن في المكث بين يدى في الصلوة، ولا ترج غيرى، واتخذني جنة للشدائد، وحصنا لملمات الامور (2).


(1) قال أبو عبد الله (ع): احب الاعمال الى الله الصلوة وهى آ خر وصايا الانبياء. وقال معاوية: سئلت ابا عبد الله (ع) عن افضل ما يتقرب العباد الى ربهم، واحب ذ لك الى الله تعالى ما هو ؟ فقال (ع): ما اعلم شيئا بعد المعرفة افضل من هذه الصلوة الا ترى الى العبد الصالح عيسى بن مريم ؟ قال (واوصاني بالصلوة والزكوة مادمت حيا) وقال (ص): اول ما يحاسب به العبد الصلوة فان قبلت قبل ساير عمله، وإذا ردت رد ساير عمله. وكفى في فضل الصلوة وعظم قدرها انها ذكرت في القرآن المجيد في اثنين ومأة موضع (لى) ج 4. (2) الملمة: النازلة الشديدة من نوازل الدنيا (اقرب) (*).

[ 143 ]

الثاني الالحاح في الدعاء: قال رسول الله صلى الله عليه واله: ان الله يحب السا ئل اللحوح (1). وروى الوليد بن عقبة الهجرى قال: سمعت ابا جعفر عليه السلام يقول: والله لا يلح عبد مؤمن على الله في حاجته الاقضاها الله له (2). وروى أبو الصباح عن ابى عبد الله عليه السلام: ان الله كره الحاح الناس بعضهم على بعض في المسألة، واحب ذلك لنفسه ان الله يحب ان يسئل ويطلب ما عنده (3). الثالث تسمية الحاجة: روى ابن عبد الله الفراء عن الصادق عليه السلام قال: ان ا لله تبارك وتعالى يعلم ما يريد العبد إذا دعا، ولكنه يحب ان يبث إليه الحوائج (4). وعن كعب الاخبار مكتوب في التورية: يا موسى من احبني لم ينسنى، ومن رجا معروفى الح في مسئلتي يا موسى انى لست بغافل عن خلقي ولكن احب ان تسمع ملائكتي ضجيج الدعا من عبادي وترى حفظتي تقرب بنى آدم الى بما انا مقويهم عليه ومسببه لهم. الرابع الاسرار بالدعا: لبعده عن الريا ولقوله تعالى (ادعوا ربكم تضرعا وخفية) (5). ولرواية اسماعيل بن همام عن ابى الحسن الرضا عليه السلام قال: دعوة العبد سرا دعوة واحدة تعدل سبعين دعوة علانية، وفى رواية اخرى دعوة تخفيها افضل من سبعين دعوة تظهرها (6).


(1) الح في السؤال: الحف، والسحاب دام مطره (ق). (2) قوله: الا قضاها الله له محمول على الغالب، أو على ما إذا تحققت الشرايط (مرآت) (3) قوله: ما عنده أي ما هو تحت قدرته ويحصل بقضائه وقدره لكن بشرط ان يكون مشروعا (مرآت). (4) قوله: ان يبث إليه الحوائج أي تذكر وتظهر فانها إذا ذكرت انتشرت لانه يسمعها الملائكة وغيرهم والتعدية بالى لتضمين معنى التوجة أو التضرع (مرآت). (5) الاعراف: 53. (6) يدل على ان الاخفاء في الدعا افضل من الاعلان، والحكم بالمساواة في الخبر

[ 144 ]

وعن النبي صلى الله عليه واله: ان ربك يباهى الملائكة بثلاثة نفر: رجل يصبح في ا رض قفر فيأذن ويقيم ثم يصلى، فيقول ربك للملائكة انظروا الى عبدى يصلى ولا يراه احد غيرى فينزل سبعون الف ملك يصلون ورائه ويستغفرون له الى الغد من ذلك اليوم، ورجل قام من الليل يصلى وحده فسجد ونام وهو ساجد فيقول: انظروا الى عبدى روحه عندي وجسده ساجد لى، ورجل في زحف (1) فيفر اصحابه ويثبت وهو يقاتل حتى قتل. الخامس التعميم في الدعا روى ابن القداح عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قال ر سول الله صلى الله عليه واله: إذا دعا احدكم فليعمم فانه اوجب للدعا (2). السادس الاجتماع في الدعا. قال الله تبارك وتعالى (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم) (3) وامر الله تعالى بالاجتماع للمباهلة. وروى أبو خالد قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: ما من رهط اربعين رجلا اجتمعوا فدعوا الله في امر الا استجاب الله لهم فان لم يكونوا اربعين فأربعة يدعون الله عشر


(1) الزحف: الجيش يزحف الى العدو (اقرب). (2) قوله فليعمم أي يدخل المؤمنين في دعائه وظاهره الدخول في اللفظ، ففيه رخصة لتغيير الدعوات المنقولة من لفظ المتكلم مع الغير، ويمكن الاكتفاء بالقصد، أو يدعو بعد تلاوة الدعاء المنقول تشريكهم في دعائه قوله: فانه اوجب للدعا اللام للتعدية وهو من الوجوب لا من الجوب والاجابة أي الزم للدعا ولزوم الدعا استحقاقه للاجابة انتهى موضع الحاجة (مرآت). (3) الكهف: 37.

الاول والافضلية في الثاني - أي النسبة بينهما في الرواية الاولى نسبة الواحد الى السبعين وفى الثانية نسبته الى الازيد من السبعين - اما باختلاف مراتب الاخفاء والاعلان، أو المراد بالاول الاخفاء عند الدعا وبالثانى الاخفاء بعده، فيدل على ان الثاني اهم وافضل، واما الجمع بينهما وبين ما ورد من فضل الاجتماع في الدعا فسيأتي الكلام فيه - في الامر السادس -: الاجتماع في الدعا - ثم الظاهر ان هذه النسبة انما هي إذا لم يكن الاعلان مشوبا بالرياء والسمعة والا فلا نسبة بينهما ( مرآت) (*).

[ 145 ]

مرات الا استجاب الله عزوجل لهم، فان لم يكونوا اربعة فواحدة يدعوا الله اربعين مرة يستجيب الله العزيز الجبار له (1). وروى عبد الاعلى عنه عليه السلام: ما اجتمع اربعة قط على امر فدعوا الله تعالى الا تفرقوا عن اجابة (2). تذنيب والمؤمن شريك في الدعا. قال الله سبحانه (قد اجيبت دعوتكما) وكان الداعي موسى، وهارون يؤمن على دعائه فنسب الدعا اليهما وقال (قد اجيبت


(1) الرهط ما دون العشرة من الرجال لست فيهم امرأة وهو جمع لا واحد له من لفظة، واربعين بدل من الرهط قوله: فأربعة مجرور بدلا من الرهط المحذوف بتقدير فما من ر هط اربعة أو مرفوع بالابتداء ويدعون خبره والمستثنى منه في قوله: الا استجاب محذوف أي ماد عوا الا استجاب قوله: فواحدة مرفوع بالابتداء ولا ينافى تنكيره مثل قولهم: كوكب انقض الساعة ويدعو خبره. وربما يتوهم التنافى بين هذا وبين ما مر - في الامر الرابع ذيلا - من كون دعاء السر اكثر ثوابا ويمكن ان يجاب بوجهين: الاول ان كون الاجتماع ادعى للاجابة لا ينافي كونه اقل ثوابا والثانى ان يكون هذا لمن امن الرياء وما مضى لمن لم يأمن والظاهر انه لا بد من دعاء كل واحد سواء كان الدعا واحدا أو متعددا فإذا اجتمعوا في طلب الرزق مثلا ودعا كل منهم دعاء مأثورا غير مادعا الاخرون يتحقق الاجتماع، وكذلك إذا دعا واحد وأمن الباقون كما يدل عليه خبر آخر - ويأتى في الامر السادس - ثم الظاهر ايضا انه يعتبر في دعاء الاربعة عشر مرات ودعاء الواحد اربعين مرة ان يكون ذلك في مجلس واحد لان ذلك قائم مقام اجتماع الاربعين انتهى بعد ما لخصناه (مرآت) (2) وفى بعض الروايات (اربعة رهط) قال في (مرآت): ولا ينافى ذلك كون مظ نة الاجابة في الاربعين اكثر، أو يحمل على ماذا دعا كل منهم عشر مرات، وقد يحمل الر هط على العشرة فيصير المجموع اربعين (*).

[ 146 ]

دعوتكما) (1). وروى على بن عقبة عن رجل عن ابى عبد الله عليه السلام قال: كان ابى إذا حزنه امر جمع النساء والصبيان، ثم دعاوامنوا (2). وروى ؟ السكوني عن ابى عبد الله عليه السلام قال: الداعي والمؤمن شريكان (3). السابع اظهار الخشوع. قال الله تعالى (ادعوا ربكم تضرعا وخفية) (4). وفى دعائهم عليهم السلام: ولا ينجى منك الا التضراع اليك. وفيما اوحى الله الى موسى عليه السلام يا موسى كن إذا دعوني خائفا مشفقا وجلا وعفر وجهك في التراب، واسجد لي بمكارم بدنك، واقنت بين يدى في القيام، وناجني حيث تناجيني بخشية من قلب وجل. والى عسى عليه السلام يا عيسى ادعنى دعاء الغريق الحزين الذى ليس له مغيث يا عيسى اذل لى قلبك واكثر ذكرى في الخلوات، واعلم ان سروري ان تبصبص الى وكن في ذلك حيا ولا تكن ميتا (5) واسمعني منك صوتا حزينا.


(1) عن السكوني عن ابى عبد الله (ع) قال: قال رسول الله (ص): دعا موسى وأمن هارون وأمنت الملائكة فقال تعالى: (قد اجيبت دعوتكما) - يونس: 89 - الحديث (الاصول) باب من يستجاب دعائه. (2) آمين وأمين بالمد والقصر والمد اكثر وهو اسم مبنى على الفتح ومعناه اللهم ا ستجب لى وقال بعضهم: التشديد لغة وهو وهم قديم (مرآت). (3) وفى بعض النسخ (في الاجر) شريكان. (4) الاعراف: 53. (5) بصبص الكلب بذنبه إذا حركه وانما يفعل ذلك من خوف أو طمع قوله: وكن في ذلك حيا أي كن حاضر القلب ولا تكن ساهيا غافلا فان القلب الساهي الغافل عن ذكره تعالى وعن ادراك الحق ميت، والقلب العاقل الذاكرحى وقوله تعالى (اومن كان ميتا فاحييناه) (وانك لا تسمع الموتى) اشارة الى هذين القلبين (مرآت) باب ذكر ا لله في السر (*).

[ 147 ]

وروى انه لما بعث الله موسى وهارون عليهما السلام الى فرعون قال لهما: لا يروعكما (1). لباسه فان ناصيته بيدى ولا يعجبكما ما متع به من زهرة الحيوة الدنيا وزينة المترفين، فلو شئت زينتكما بزينة يعرف فرعون حين يراها ان مقدرته يعجز عنها، ولكني ارغب بكما عن ذلك فازوى (2) الدنيا عنكما وكك افعل باوليائى انى لازودهم عن نعيمها كما يزود الراعى غنمه عن مراتع الهلكة، وانى لاجنبهم سلوكها كما يجنب الراعى الشفيق ابله عن موارد العثرة، وما ذاك لهوانهم على ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالما موفرا، انما يتزين لى اوليائي بالذل والخشوع والخوف الذى يثبت في قلوبهم فيظهر من قلوبهم على اجسادهم فهو شعارهم ودثارهم الذى به يستشعرون، ونجاتهم الذى بها يفوزون درجاتهم التى لها يأملون ومجدهم الذى به يفتخرون، وسيماهم التى بها يعرفو ن، فإذا لقيتهم يا موسى فاخفض لهم جناحك والن لهم جانبك وذلل لهم قلبك ولسانك، واعلم انه من اخاف لى وليا فقد بارزنى بالمحاربة ثم انا الثائر (3) لهم يوم القيامة. الثامن تقديم المدحة لله والثناء عليه قبل المسألة، روى الارث به مغيرة قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: اياكم إذا اراد ان يسئل احدكم ربه شيئا من حوائج الدنيا حتى يبدء بالثناء على الله عزوجل والمدحة له، والصلوة على النبي (وآله) ثم يسئل الله حوائجه (4).


(1) راعني الشئ: اعجبني (المجمع). (2) زوى الشى: نحاه وصرفه ومنعه (المجمع). (3) الثائر فاعل يقال: ثار ثائره وفار فائره أي غضب (المنجد). (4) كلمة اياكم للتحذير ومفعول اراد محذوف يدل عليه شيئا من حوائج الدنيا وان يسئل منصوب وهو المحذر منه، ويحتمل ان يكون ان يسئل مفعول اراد ويكون المحذر منه محذوفا مثله بقرينة والاول اظهر وكلمة حتى للاستثنا وقوله: ثم يسئل منصوب معطوف على يبدء، وكان الثناء بتعداد النعم، والمدح بذكر الصفات الذاتية (مرآت) (*).

[ 148 ]

وقال عليه السلام: ان رجلا دخل المسجد وصلى ركعتين ثم سئل الله عزوجل فقال رسول الله صلى الله عليه واله: اعجل العبد ربه، وجاء آخر فصلى ركعتين ثم اثنى على الله عزوجل وصلى على النبي صلى الله عليه واله فقال رسول الله صلى الله عليه واله: سل تعطه (1) وروى محمد بن مسلم قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: ان في كتاب امير المؤمنين عليه السلام ان المسألة بعد المدحة، فإذا دعوت فمجده قال: قلت: كيف نمجده ؟ قال: تقول (يا من هو اقرب الى من حبل الوريد يا من يحول بين المرء وقلبه يا من هو بالمنظر الاعلى يا من ليس كمثله شئ) (2). وروى معاوية بن عمار عن الصادق عليه السلام قال: انما هي المدحة ثم الثناء ثم الاقرار


(1) وفى بعضها (عجل) العبد سئله قبل ان يمجده ويثنى عليه وتعديته الى المفعول به لتضمين معنى السؤال، وفيه دلالة على ان الحمد والثناء والصلوة على النبي (ص) في الصلوة غير كافية للسؤال عقيبها قوله: سل تعطه كان الهاء للسكت - ويمكن ان يكون مفعولا ثانيا لتعط - وفى بعض النسخ بدونها (مرآت). (2) مدحته مدحا: اثنيت عليه بما فيه من الصفات الجميلة خلقية كانت أو اختيا رية، ولهذا كان المدح اعم من الحمد قوله: يا من هو اقرب مأخوذ من قوله تعالى (ونحن اقرب إليه من حبل الوريد) أي نحن املك له من حبل وريده مع استيلائه عليه وقربه منه قو له: يا من يحول اشارة الى قوله (واعلموا ان الله يحول بين المرء وقلبه) وهو تمثيل لغاية قربه تعالى من العبد، فان الحائل بين الشئ وغيره اقرب الى ذلك الشى من ذلك الغير قوله: يا من هو بالمنظر الاعلى لعله (ع) شبه المكانة والدرجة الرفيعة المعنوية بالامكنة المرتفعة الصورية فهو اما كناية عن اطلاعه على جميع المخلوقات، أو عن عدم وصول العقل والافهام الى ساحة عرفانه قوله: يا من ليس كمثله شئ المراد من مثله ذاته كقولهم: مثلك لا يفعل كذا على قصد المبالغة في نفيه عنه فانه إذا نفى عمن يناسبه ويسد مسده كان نفيه عنه اولى (مرآت) وله (ره) هيهنا معاني دقيقة لطيفة وانما تركناه لافضائه الى التطويل ومن اراد يرجع باب البدئه بالثناء (*).

[ 149 ]

بالذنب ثم المسألة انه والله ما خرج عبد من الذنب الا بالاقرار (1). روى عيص بن ابى القاسم قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا طلب احدكم الحا جة فليثن على ربه وليمدحه فان الرجل منكم إذا طلب الحاجة من سلطان هيأله من الكلام احسن ما يقدر عليه، فإذا طلبتم الحاجة فمجدوا الله العزيز الجبار وامدحوه واثنوا عليه تقول (يا اجود من اعطى ويا خير من سئل ويا ارحم من استرحم يا واحد يا احد (يا فرد) يا صمد يا من لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد يا من لم يتخذ صاحبة ولا ولدا يا من يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ويقضى ما احب (2) يا من يحول بين المرء وقلبه يا من هو بالمنظر الاعلى يا من ليس كمثله شئ (3) يا سميع يا بصير) واكثر من اسماء الله عزوجل فان اسماء الله تعالى كثيرة، وصل على محمد وآل محمد وقل (اللهم اوسع على من رزقك الحلال ما اكف به وجهى واؤدى به امانتي واصل به رحمى ويكون لى عونا على الحج والعمرة). التاسع تقديم الصلوة على النبي وآله عليهم السلام: روى أبو بصير عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: من ذكرت عنده فنسى ان يصلى على حظي الله به طريق الجنة (4). وروى ابن القداح عنه عليه السلام قال: سمع ابى رجلا متعلقا بالبيت يقول: اللهم


(1) ولعل المراد بالمدحة ما يدل على عظمة ذاته وصفاته بلا ملاحظة نعمه، وبالثناء: الاعتراف بنعمائه وآلائه والشكر عليها، وضمير هي راجع الى آداب الدعا بقرينة المقام قوله: انه والله الخ هذا مبنى على ان الخروج من الذنوب من شرايط اجابة الدعا، ويؤيده قوله تعالى (انما يتقبل الله من المتقين) - المائدة: 27. - (مرآت). (2) يأتي في خاتمة الكتاب تفسير هذه الاسماء الحسنى بتفصيلها (3) قد مر آنفا معنى هذه الجملات الثلاث عند رواية محمد بن مسلم ذيلا. (4) أي جعله الله مخطئا طريق الجنة غير مصيب اياه، ثم النسيان ان كان كناية عن الترك فالامر ظاهر، وان حمل على معناه الحقيقي فلعل ذلك لعدم الاهتمام به (مرآت) (*).

[ 150 ]

صل على محمد فقال: لا تبترها ولا تظلمنا (تصلمنا) حقنا قل (اللهم صل على محمد واهل بيته) (1). وروى عبد الله بن نعيم قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: انى دخلت البيت ولم يحضرني شئ من الدعا الا الصلوة على محمد وآله فقال عليه السلام: اما انه لم يخرج أحد بافضل مما خرجت به (2). روى جابر عن ابى جعفر عليه السلام: ان عبدا مكث في النار يناشد الله (3) سبعين خريفا واهل بيته لما رحمتني قال عليه السلام: فأوحى الله الى جبرئيل عليه السلام ا ن اهبط الى عبدى فاخرجه الى قال: يا رب كيف لى بالهبوط في (الى) النار ؟ قال: انى قد ا مر مها ان تكون عليك بردا وسلاما قال: يا رب فما علمي بموضعه ؟ قال: انه في جب من سجين قال: فهبط إليه وهو معقول على وجهه بقدومه قال: قلت: كم لبثت في النار ؟ قال: ما احصى كم تركت فيها خلفا قال: فاخرجه إليه قال: فقال له: يا عبدى كم كنت تناشدني في النار ؟ قال: ما احصى يا رب قال: اما وعزتي وجلالى لو لا ما سئلتنى به لأطلت هو انك في النار لكنه حتم حتمته على نفسي


(1) البتر: القطع أو مستأصلا. والظلم: وضع الشى في غير موضعه، والمراد بالبتر هنا اما الاستيصال - أي القطع من اصله - للاشعار بان الصلوة على النبي بدون آله باطل فكأنه لم يصل اصلا، أو النقص وعدم الاتمام، ويدل الخبر على حرمة الصلوة على النبي (ص) بدون الصلوة على الال لانه عده ظلما عليهم والظلم عليهم حرام باجماع المسلمين وقد اختلف في انه هل تنفعهم عليهم السلام الصلوة شيئا ام ليست الصلوة عليهم الا لانتفاعنا ولقد اطال الكلام فيه (مرآت) وانا تركناه لافضائه الى الاسهاب ومن اراد يرجع باب الصلوة على محمد وآله. (2) والمراد بالبيت الكعبة قوله: لم يخرج احداى لم يخرج من البيت مع ثواب ا فضل مما خرجت معه أو لم يخرج احد من البيت فضلا وغنيمة افضل بما اخرجته منه أي الامن كان دعائه متضمنا للصلوة على النبي وآله، والحاصل انه افضل الدعوات (مرآت). (3) يق نشدتك الله وبالله وناشدتك أي سئلتك واقسمت عليك (المجمع) (*).

[ 151 ]

لا يسئلني عبد بحق محمد واهل بيته الاغفرت له ما كان بينى وبينه، فقد غفرت لك اليوم. وعن سلمان الفارسى (رض) قال: سمعت محمدا صلى الله عليه واله يقول: ان الله عزوجل يقول: يا عبادي أو ليس من له اليكم حوائج كبار لا تجودون (1) بها الا ان يتحمل عليكم بأحب الخلق اليكم تقضونها كرامة لشفيعهم ؟ ألا فاعلموا أن اكرم الخلق على وافضلهم لدى محمد واخوه على ومن بعده الائمة الذين هم الوسائل الى ألا فليدعني من همته حاجة يريد نفعها، اودهته داهية يريد كشف ضررها بمحمد وآله الطيبين الطاهرين اقضها له احسن ما يقضيها من يستشفعون باعز الخلق عليه، فقال له قوم من المشركين والمنافقين وهم المستهزئون به: يا ابا عبد الله فمالك لا تقترح على الله بهم ان يجعلك اغنى اهل المدينة ؟ فقال سلمان (رض) دعوت الله وسئلته ما هو أجل وأنفع وأفضل من ملك الدنيا بأسرها سئلته بهم عليهم السلام أن يهب لى لسانا ذاكرا لتحميده وثنائه وقلبا شاكرا لآلائه وبدنا على الدواهي الداهية صابرا، وهو عزوجل قد أجابنى الى ملتمسي من ذلك وهو أفضل من ملك الدنيا بحذافيرها (2) وما أشتمل عليه من خيراتها مأة ألف ألف مرة (3).


(1) جاد بماله بذله (المجمع) (2) أخذه بحذافيره أي بأسره (اقرب) (3) عن العسكري (ع) عن آبائه عليهم السلام عن النبي (ص) انه قال: ان الله سبحانه يقول: عبادي من كانت له اليكم حاجة فسئلكم بمن تحبون أجبتم دعائه الا فاعلموا أن أحب عبادي الى وأكرمهم لدى محمد وعلى حبيبي ووليى، فمن كانت له الى حاجة فليتوسل الى بهما فانى لا أرد سؤال سائل يسئلنى بهما وبالطيبين من عترتهما، فمنسئلنى بهم فانى لا أرردعائه. وكيف أرددعاء من سئلني بهما وبالطيبين من عترتهما ؟ فمن سئلني بهم فانى لا أرددعا ئه وكيف أرددعاء من سئلى بحبيبي وصفوتي ووليى وحجتي وروحي ونورى وآيتى وبابى ورحمتي ووجهى ونعمتي، آلاوانى خلقتهم من نور عظمتي، وجعلتهم اهل كرامتي وولايتي، فمن سئلني بهم عارفا بحقه ومقامهم أوجبت لهم نمى الاجابة وكان ذلك حقا. (لى) ج 4 ص 110 (*).

[ 152 ]

وروى محمد بن على بن بابويه مرفوعا الى الصادق عليه السلام قال: استأذنت زليخا على يوسف فقيل لها: يا زليخا انا نكره ان نقدم بك عليه لما كان منك إليه قالت: انى لا أخاف ممن يخاف الله فلما دخلت قال لها: يا زليخا مالى أراك قد تغير لونك ؟ قالت: الحمد لله الذى جعل الملوك بمعصيتهم عبيدا وجعل العبيد بطاعتهم ملوكا قال لها: يا زليخا ما دعاك الى ما كان منك ؟ قالت: حسن وجهك يا يوسف قال: فكيف لو رأيت نبيا يقال له: محمد صلى الله عليه واله يكون في آخر الزمان ؟ أحسن منى وجها وأحسن منى خلقا وأسمح (1) منى كفا قالت: صدقت قال: وكيف علمت أنى صدقت ؟ قالت: لانك حين ذكرته وقع حبه في قلبى، فأوحى الله عزوجل الى يوسف انها قد صدقت، وانى احببتها لحبها محمدا وآله، فأمره الله تعالى أن يتزوجها. وروى جابر عن ابى عبد الله عليه السلام: ان ملكا من الملائكة سئل الله أن يعطيه سمع العباد فأعطاه الله، فذلك الملك قائم حتى تقوم الساعة ليس احد من المؤمنين يقول: صل على محمد واهل بيته الا وقال الملك: وعليك السلام، ثم يقول الملك: يا رسول الله ان فلانا يقرئك السلام فيقول رسول الله صلى الله عليه واله: وعليه السلام. وقال امير المؤمنين عليه السلام: اعطى السمع اربعة: النبي صلى الله عليه واله، والجنة، والنار والحور العين، فإذا فرغ العبد من صلوته فليصل على النبي صلى الله عليه واله، وليسئل الله الجنة وليستجر بالله من النار، وليسئله أن يزوجه من الحور العين، فانه من صلى على النبي صلى الله عليه وآله رفعت دعوته، ومن سئل الله الجنة قالت الجنة يا رب أعط عبدك ما سئلك، ومن ا ستجار بالله من النار قالت النار: يا رب أجر عبدك مما استجار منه، ومن سئل الحور ا لعين قلن: يا رب أعط عبدك ما سئل. وروى محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السلام قال: ما في الميزان شئ أثقل من الصلوة على محمد وآل محمد ان الرجل ليوضع عمله في الميزان فيميل به فيخرج النبي صلى الله عليه واله


(1) السماح بالفتح: الجود (المجمع) (*).

[ 153 ]

الصلوة عليه وآله يضعها في ميزانه فيرجح به (1). وروى هشام بن سالم عن ابى عبد الله عليه السلام قال: لا يزال الدعا محجوبا حتى يصلى على محمد وآل محمد (2).


(1) فيميل به الباء للمصاحبة وفى بعض النسخ بالتاء فإذا كان بالتاء فضمير الفاعل يعود الى الاعمال والمجرور الى الميزان أي فتميل الاعمال الحسنة مع الميزان - أي الكفة ا لتى فيها الحسنات - الى الفوت، وعلى نسخة الياء ايضا يحتمل ذلك بتأويل العمل، ويحتمل ان يكون المرفوع عائد الى الميزان فالمجرور راجع الى الرجل بالاسناد المجازى، أو بتقدير العمل وقيل: المجرور راجع الى مصدر ليوضع، وكذا في يرجح به، والمراد بالاعمال هي بدون الصلوة والباء تحتمل السببية في الموضعين، وثقل الميزان كناية عن كثرة الحسنات ورجحانها على السيئات، واختلف في وزن الاعمال من انه هل هو كناية عن العدل والانصاف والتسوية أو الوزن الحقيقي من اراد الاطلاع يرجع باب الصلوة على محمد واهل بيته من (مرآت). (2) والسر في حجب الدعا بدون الصلوة امور: الاول ان العبد إذا ضم الصلوة مع دعائه وعرض بالمجموع على الله سبحانه والصلوة غير محجوبة فالدعا ايضا غير محجوب. الثاني ان من كانت له حاجة الى سلطان فمن آدابه المقررة في العقول والعادات ان يهدى تحفا الى المقربين لديه لكى يشفعوا له عنده وعلم السلطان ذلك يقضى حاجته. الثالث ان الصلوة عليه وآله يصير سببا لتكفير السيئات المانعة عن قبول الدعوات. الرابعان حبهم وولائهم والاقرار بفضلهم من اعظم اركان الايمان، فبالصلوة عليهم و التوسل بهم يكمل الايمان، ولا ريب ان كمال الايمان يوجب مزيد القرب من الرحمن. الخامس ان المقصود من ايجاد الثقلين هو رسول الله واهل بيته عليهم السلام، وبواسطتهم تفيض الرحمات وهم القابلون لجميع الفيوض القدسية، فإذا ايض عليهم فبتطفلهم يفيض على ساير الموجودات، فإذا اراد الداعي استجلاب رحمة من الله يصلى عليهم، ولا يرد هذا الدعا لان المبدأ فياض والمحل قابل وببركتهم يفيض على الداعي بل على جميع الخلق. السادس انهم عليهم السلام وسائط بيننا وبين ربنا في ايصال الاحكام لعدم ارتباطنا بساحة جبروته، فلابد ان يكون بيننا وبينه سفراء وحجب ذو وا جهات

[ 154 ]

وعنه عليه السلام: من دعا ولم يذكر النبي صلى الله عليه واله رفرف الدعا على رأسه فإذا ذكر النبي صلى الله عليه واله رفع الدعا (1). وعنه عليه السلام: من كانت له الى الله حاجة فليبدء بالصلوة على محمد وآله صلى ا لله عليه واله ثم يسئل حاجته، ثم يختم بالصلوة على محمد وآله فان الله عزوجل أكرم من ان يقبل الطرفين ويدع السوط إذ كانت الصلوة على محمد وآل محمد لا تحجب عنه (2). العاشر البكاء حالة الدعا وهو سيد الاداب وذروة سنامها أما اولا فلدلالته على رقة القلب الذى هو دليل الاخلاص الذى عنده تحصل الاجابة. قال الصادق عليه السلام: إذا اقشعر جلدك ودمعت عيناك ووجل قلبك فدونك دونك فقد قصد قصدك (3). ولان جمود العين من قسارة القلب على ما ورد به الخبر وهو يؤذن بالبعد من


(1) قوله: ولم يذكر النبي (ص) أي قولا وشموله للذكر القلبى بعيد قوله: رفرف الدعا رفرف الطائر إذا حرك جناحيه حول الشئ يريدان يقع عليه واستعير هنما لانفصال الدعا عن الداعي وعدم وصوله الى محل الاجابة (مرآت). (2) قوله: لا تحجب عنه أي هي مرفوعة الى الله مقبولة ابدا لا يحجبها ويمنعها عن القبول الشئ، ويدل على استحباب افتتاح الدعا واختتامه بالصلوات على محمد وآله (مرآت). (3) الظاهر ان قصد على بناء المفعول وقصدك مفعول مطلق نائب مناب الفاعل والاضافة الى المفعول أي إذا ظهر تلك العلامات فعليك بطلب الحاجات والاهتمام في الدعا للمهمات فقد اقبل الله عليك بالرحمة، وتوجه نجوك للاجابة، أو اقبلت الملائكة اليك للشفاعة أو لقضاء الحاجة بامره سبحانه (مرآت) (*).

[ 155 ]

الله سبحانه وتعالى. وفيما اوحى الله تعالى الى موسى عليه السلام يا موسى لا تطول في الدنيا أملك فيقسو قلبك (وقاسى القلب منى بعيد) وقاسى القلب مردود الدعا لقوله عليه السلام: لا يقبل الله دعاء بظهر قلب قاس (1). وأما ثانيا فلما فيه من الانقطاع الى الله تعالى وزيادة الخشوع. قال رسول الله صلى الله عليه واله: إذا أحب الله عبدا نصب في قلبه نائحة من الحزن فان الله يحب كل قلب حزين، وانه لا يدخل النار من بكامن خشية الله تعالى حتى يعود اللبن الى الضرع، وانه لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في منخرى (2) المؤمن ابدا. وإذا ابغض الله عبدا جعل في قلبه مزمارا (3) من الضحك وان الضحك يميت القلب والله لا يحب الفرحين. وأما ثالثا فلموا فقته امر الحق سبحانه وتعالى في وصاياه لانبيائه حيث يقول لعيسى: يا عيسى هب لى من عينيك الدموع ومن قلبك الخشية وقم على قبور الاموات فنادهم بالصوت الرفيع فلعلك تأخذ موعظتك منهم وقل: انى لاحق في اللاحقين صب لى من عينيك الدموع واخشع لى بقلبك يا عيسى استغث بى في حالات الشدة فانى اغيث المكروبين واجيب المضطرين وانا أرحم الراحمين. وفيما اوحى الله تعالى الى موسى عليه السلام: يا موسى كن إذا دعوتني خائفا مشفقا ووجلا وعفر وجهك في التراب، واسجد لي بمكارم بذلك: واقنت بين يدى في القيام، وناجني حيث ناجيتنى بخشية من قلب وجل واحى بتوراتي ايام الحيوة، وعلم الجهال محامدي، وذكرهم آلائى ونعمى، وقل لهم: لايتما دون في غى ماهم فيه فان اخذي اليم شديد، يا موسى لا تطول في الدنيا املك فيقسو قلبك وقاسى القلب منى


(1) وقد مر في باب الثالث ص 126 ما يؤيد المتن. (2) المنخر بتثليث الميم والخاء والمنخور: الانف وقيل ثقبه (اقرب) (3) زمر زمرا غنى بالفتح في القصب ونحوه والمزما: الالة التى يزمر فيها (المنجد) (*).

[ 156 ]

بعيد، وأمت قلبك بالخشية، وكن خلق (1) الثياب جديد القلب تخفى على اهل الا رض الصابرين، وصح الى من كثرة الذنوب صياح الهارب من عدوه، واستعن بى على ذلك فانى نعم العون ونعم المستعان ومنه يا موسى اجعلني حرزك، وضع عندي كنزك من الباقيات الصالحات. واما رابعا فلما فيه من الخصوصيات والفضائل (2) التي لا توجد في غيره من اصناف الطاعات. وقد روى ان بين الجنة والنار عقبة لا يجوزها الا البكائون من خشية الله تعالى. وروى عن النبي صلى الله عليه واله انه قال: ان ربى تبارك وتعالى أخبرني فقال: وعزتي وجلالى ما أدرك العابدون مما أدرك البكائون (درك البكاء) عندي شيئا، وانى لابنى لهم في الرفيع الاعلى قصرا لا يشاركهم فيه غيرهم. وفيما أوحى الله الى موسى عليه السلام: وابك على نفسك مادمت في الدنيا، وتخوف العطب (3) والمهالك ولا تعزنك زينة الحيوة الدنيا وزهرتها. والى عيسى عليه السلام: يا عيسى ابن البكر البتول ابك على نفسك بكاء من قد ودع الاهل وقلى (4) الدنيا وتركها لاهلها وصارت رغبته فيما عند الهه (5)


(1) خلق الثوب بالضم: إذا بلى فهو خلق بفتحتين (أقرب) (2) وهى عبارة من اجابة الدعا به، وقرب صاحبه من الله تعالى، ومحبة الله له، وعدم دخوله النار، واغاثة الله اياه، وعدم بكائه يوم القيامة، وامثالها مما صر حت به روايات الباب (3) العطب بفتحتين: موضع العطب والمعاطب: المهالك (المجمع). (4) قلى الدنيا أي تركها (المجمع). (5) يا عيسى ابك على نفسك في الخلوات وانقل قدميك الى مواقيت الصلوة يا عيسى اكحل عينك بميل الحزن إذا ضحك البطالون (روضة) ص 132 (*).

[ 157 ]

وعن امير المؤمنين لما كلم الله موسى عليهما السلام قال: الهى ما جزاء من دمعت عيناه من خشيتك ؟ قال: يا موسى أقى وجهه من حر النار، وآمنه يوم الفزع الاكبر. وقال الصادق عليه السلام: كل عين باكية يوم القيامة الا ثلاث عيون عين غضت عن محارم الله، وعين سهرت في طاعة الله وعين بكت في جوف الليل من خشية الله (1). وعنه عليه السلام: ما من شئ الاوله كيل أو وزن الا الدموع فان القطرة يطفى بحارا من النار فإذا اغرورقت العين بمائها لم يرهق وجهه قتر ولاذلة فإذا فاضت حرمه الله على النار ولو أن باكيا بكافى امة لرحموا (2) وعنه عليه السلام ما من عين الاوهى باكية يوم القيامة الاعين بكت من خوف الله، وما اغر ورقت عين، بمائها من خشية الله الاحرم الله سائر جسده ب (على) النار، ولا فاضت


(1) قوله: غضت على بناء المجهول غض طرفه: خفضه، والمحارم جمع المحرم على بناء المفعول من التحريم أي ما حرم الله النظر إليه، وعين سهرت أي تركت النوم قدرا معتدا به زيادة عن العادة في طاعة الله كالصلوة والتلاوة والدعا ومطالعة العلوم الدينية، وفى طريق الجهاد والزيارات وكل طاعة لله، وجوف الليل: وسطه الذى يعتاد اكثر الناس النوم فيه (مرآت). (2) قوله: الاوله كيل أو وزن لعل المراد ان ثواب العبادات وان كان كلها يجرى على جهة التفضل وزايدا على ما يظن انه يستحقه لكن يناسبة في ميزان العقل والقياس بحسب كثرة العمل وقلته وسهولته وصعوبته وغير ذلك بخلاف البكاء، فان القليل منه يترتب عليه آثار عظيمة ومثوبات جسيمة لا يحطى به ميزان العقل ومكيال القياس، قوله: اغرورقت أي دمعت كأنها غرقت في دمعها والمراد هنا امتلاء العين قبل ان يجرى على الوجه قوله: رهقه أي غشيه والقتر جمع القترة وهى الغبار قوله: فاض، فاض الماء: كثر حتى سال وضمير فاضت اما راجع الى الدموع أو العين بالاسناد المجازى وضمير حرمه اما راجع الى الباكى أو الوجه قوله: في امة أي يكون فيهم أو في حقهم فالرحمة تشمل الدارين ان كانوا مؤمنين أو في الدنيا ان لم يكونوا مؤمنين انتهى ملخصا (مرآت) (*).

[ 158 ]

على خده فرهق ذلك الوجه قتر ولاذلة، وما من شئ الاوله كيل أو وزن الا الدمعة فان الله يطفئ باليسير منها البحار من النار، ولو أن عبدا بكى في امة لرحم الله تلك الامة ببكاء ذلك العبد (1). وعن معاوية بن عمار قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: كان في وصية رسول الله صلى الله عليه واله لعلى عليه السلام انه قال: يا على اوصيك في نفسك بخصال فاحفظها، ثم قال: اللهم اعنه، وعد خصالا، والرابعة كثرة البكاء من خشية الله عزوجل يبنى لك بكل دمعة الف بيت في الجنة (2). وروى أبو حمزة عن ابى جعفر عليه السلام: ما من قطرة احب الى الله من قطرة دموع في سواد الليل مخافة من الله لايراد بها غيره (3) وقال كعب الاحبار: والذى نفسي بيده لئن أبكى من خشية الله وتسيل دموعي على وجنتي أحب الى من ان أتصدق بجبل من ذهب. وروى ابن ابى عمير عن رجل من اصحابه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام أوحى الله عزوجل الى موسى عليه السلام ان عبادي لم يتقربوا الى بشئ أحب الى من ثلاث خصال قال موسى: يا رب وما هن ؟ قال: يا موى الزهد في الدنيا، والورع عن معاصي، والبكاء من خشيتي قال موسى: يا رب فما لمن صنع ذا ؟ فأوحى الله إليه يا موسى اما الزاهدون في الد نيا ففى الجنة، واما البكائون من خشيتي ففى الرفيع الاعلى لا يشاركهم فيه احد (غيرهم)


(1) ومضمون هذا لحديث قريب من الخبر السابق، والتفاوت بينهما في شيئين: احدهما التقييد بالخشية من الله في هذا الخبر دون السابق وثانيهما ترتب عدم الرهق على ا لاغر يراق والتحريم على الفيضان فيدل على ان التحريم اعلى واكثر نفعا من عدم الرهق وهنا بالعكس (مرآت) وتقدم ايضا في الخبر السابق ذيلا معنى الكيل والوزن في الاعمال. (2) يا موسى الق كفيك ذلابين يدى كما يفعل العبد المستضرخ المتضرع الى سيده فإذ ا فعلت ذلك رحمت وانا اكرم القادرين (جواهر السنية) ص 36. (3) قوله: لايراد بها غيره أي غير الله، أو غير الاحتراز من عذابه (مرآت) (*).

[ 159 ]

واما الورعون عن معاصي فانى افتش الناس ولا افتشهم (1). وفى خطبة الوداع لرسول الله صلى الله عليه واله: ومن ذرفت عيناه من خشية الله كان له بكل قطرة من دموعه مثل جبل اجد تكون في ميزانه من الاجر، وكان له بكل قطرة عين من الجنة على حافتيها من المدائن والقصور ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر ب (على) قلب بشر.


(1) والزهد في الدنيا عدم الرغبة في اموال الدنيا واعتباراتها، وما يشغل عن الله فيها ولنذكر هنا معنى الدنيا وما هو مذموم منها فان ذلك قد اشتبه على اكثر الخلائق، فكثير منهم يسمون امرا حقا بالدنيا ويذمومه ويختارون شيئا هو عين الدنيا المذمومة ويسمونه زهدا. ويشبهون ذلك على الجاهلين اعلم ان الدنيا تطلق على معان: الاول حيوة الدنيا، وهى ليست بمذمومة على الاطلاق، وليست مما يحب بغضه وتركه بل المذموم منها ان يحب البقاء في الدنيا للمعاصي، والامور الباطلة، أو يطول الامل فيها، ويعتمد عليها فبذلك يسوف التوبة والطاعات، وينسى الموت، ويبادر بالمعاصى والملاهي اعتمادا على انه يتوب في آخر عمره عند مشيبه، ولذلك يجمع الاموال الكثيرة ويبنى الابنية الرفيعة ويكره الموت لتعلقه بالاموال وحبه للازواج والاولاد ويكره الجهاد والقتل في سبيل الله لحبه للبقاء أو يتر ك الصوم وقيام الليل وامثال ذلك لئلا يصير سببا لنقص عمره والحاصل ان من يحب العرش والبقاء والعمر. للاغراض الباطلة فهو مذموم ومن يحبه للطاعات وكسب الكمالات وتحصيل السعادات فهو ممدوح وهو عين الاخرة فلذا طلب الانبياء والاوصياء عليهم السلام طول العمر والبقاء في الدنيا. الثاني الدينار والدرهم وأموال الدنيا وامتعتها، وهذه ايضا ليست مذمومة بأسرها بل المذ موم منها ما كان من حرام أو شبهة، أو وسيلة إليها وما يلهى عن ذكر الله ويمنع عبادة الله أو يحبها حبا لا يبذلها في الحقوق الواجبة والمستحبة، وفى سبيل طاعة الله كما مدح الله تعالى جماعة حيث قال (رجال لا تلهيهم تجارة ولابيع عن ذكر الله واقام الصلوة وايتاء الزكوة) النور: 2 4 الثالث التمتع بملاذ الدنيا من المأكولات والمشروبات والمنكوحات والملبوسات والمركوبات والمساكن ا لواسعة (*).

[ 160 ]

وعن ابى جعفر عليه السلام ان ابراهيم النبي عليه السلام قال: الهى ما لعبد بل وجهه بالدموع من مخافتك ؟ قال الله تعالى: جزائه مغفرتي ورضواني يوم القيامة (1). روى اسحاق بن عمار قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ادعو واشتهى البكاء فلا يجينئ وربما ذكرت من مات من بعض اهلي فأرق وأبكى فهل يجوز ذلك ؟ فقال: نعم تذكرهم فإذا رققت فابك لربك تبارك وتعالى (2). تقريب وتخفيف وان لم يكن بك بكاء فلتتباك لقول الصادق عليه السلام: وان لم يكن بك بكاء فلتتباك (فتباك) (3). وعن سعيد بن يسار قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أتباكى في الدعا وليس لى بكاء ؟


وأشباه ذلك، وقد وردت أخبار كثيرة في استحباب التلذذ بكثير من ذلك ما لم يكن مشتملا على حرام أو شبهة أو اسراف وتبذير وفى ذم تركها والرهبانية فإذا عرفت ذلك فاعلم ان الذى يظهر من مجموع الايات ولاخبار على ما نفهمه ان الدنيا المذمومة مركبة من مجموع امور يمنع الانسان من طاعة الله وحبه وتحصيل الاخرة فالدنيا والاخرة ضرتان متقابلتان فكلما يوجب رضى الله سبحانه وقربه فهو من الاخرة وان كان بحسب الظاهر من اعمال الدنيا، والر ياضيات المتبدعة والاعمال الريائية وان كان مع الترهب وانواع المشقة فانها من الدنيا انتهى موضع الحاجة بعد التلخيص (مرآت).

(1) ان ابراهيم (ع) سئل ربه فقال: يا رب ما جراء من يبل الدمع وجهه من خشيتك ؟ قال: صلواتي ورضواني (جواهر السنية) ص 26. (2) يدل على استحباب حمل النفس على البكاء ولو بذكر من مات اولاده واقاربه واحبائه بل ما فات عنه من امواله ونزل به من البلايا وباطلاقه يشمل حال الصلوة ويمكن حملها على غيرها (مرآت) وله (ره) في التعميم والتخصيص بحال الصلوة كلام طويل من اراد الاطلاع يرجع باب البكاء منه. (3) التباكي حمل النفس على البكاء والسعى في تحصيله وقيل: المراد به اظهار البكاء والتشبه بالباكين في الهيئة وهو ايضا حسن فان من تشبه يقوم فهو منهم والاول اظهر (مرآت) (* ).

[ 161 ]

قال: نعم ولو مثل رأس الذباب (1). وعن ابى حمزه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام لابي بصير: ان خفت امرا يكون أو حاجة تريدها فابدأ بالله فمجده، واثن عليه كما هو اهله، وصل على النبي وآله عليهم السلام وتباك ولو مثل رأس الذباب ان أبى كان يقول: (ان) أقرب ما يكون العبد من الرب وهو ساجد يبكى (2). وعنه عليه السلام ان لم يجبك البكاء فتباك فان خرج منك مثل رأس الذباب فبخ بخ (3). نصيحة وإذا وفقت للدعا وساعدتك العينان على البكاء وجادت لك بارسال


(1) قوله: أتباكى الاستفهام مقدر وقد لا يقدر فيقرء نعم بكسر النو ن وسكون العين وفتح الميم فعل مدح وهذا مما يشعر بالمعنى الاول (مرآت) ويحتمل ان يكون نعم كلمة جوا ب فعلى هذا يقدر الاستفهام. (2) قوله: ان خفت امرا أي خفت وقوع امر مكروه يحدث بعد ذلك قوله: أو حاجة منصوب وهو من قيل ما اضمر عامله على شريطة التفسير والتقدير تريد حاجة والفاء في قوله فمجده للبيان، والتمجيد ذكر مجده سبحانه ووصفه بالصفات الحسنة قوله: كما هو اهله متعلق بالتمجيد والاثناء معا والمراد بحسب الطاقة والقدرة لا بحسب الواقع فانه خارج عن طاقة البشر قوله: ولو مثل منصور على المفعولية أي ولو ان تبكى مثل، واقرب اسم ان وما مصدرية، واضافة اقرب الى الكون مع انه وصف الكائن على المجاز من متعلق بالقرب وليست تفضيلية والوا وفى قوله: وهو ساجد حالية والجملة الحالية قائمة مقام خبران المحذوف بتقد ير في زمان السجود والبكاء (مرآت). (3) قوله: بخ هي كلمة يقال عند المدح والرضا بالشئ وتكرره للمبالغة وهى مبنية على السكون فان وصلت جررت ونونت وبخبخت الرجل إذا قلت له ذلك (مرآت) (*).

[ 162 ]

الدموع السجام (1) عند تذكارك الذنوب العظام والفضائح في يوم القيامة واشفاق الخلائق من الملك العلام وتمثل ما يحل بالخلائق وقد خرست الالسن وخمدت الشقاشق (2) وكانت الجوارج هي الشاهد والناطق وعظم هنالك الرخام فالجمهم العرق وبلغ شحوم الاذان يوم تبلى السرائر وتظهر فيه الضماير وتنكشف فيه العوراة ويؤمن فيه النظر والالتفات وكيف وانى لهم بالنظر ؟ ومنهم المسحوب على وجهه (3) والماشي على بطنه ومنهم من يوطى بالاقدام مثل الذر ومنهم المصلوب على شفير النار حتى يفرغ الناس من الحساب ومنهم والمطوق بشجاع في رقبته تنهشه حتى يفرغ الناس من الحساب، ومنهم من تسلط عليهم الماشية ذوات الاخفاف فتطأه باخفافها، وذوات الاظلاف فتنطحه بقرونها وتطأه باظلافها. قال رسول الله صلى الله عليه واله: يحشر الناس يوم القيامة حفاتا عراتا عزلي (4) قد الجمهم العرق وبلغ شحوم الاذان قالت سودة زوجة النبي صلى الله عليه واله: واسوأتاه ينر بعضنا الى بعض فقال صلى الله عليه واله: شغل الناس عن ذلك (لكل امرء منهم يومئذ شأن بغنيه) (5) وكيف وانى لهم بالنظر ؟ ومنهم المسحوب على وجهه، والماشي على بطنه ومنهم من يوطئ بالاقدام مثل الذر (الدق) ومنهم المصلوب على شفير النار حتى يفرغ الناس من الحساب ومنهم المطوق بشجاع في رقبته تنهشه حتى يفرغ الناس من الحساب ومنهم من تسلط عليه الماشية ذوات الاخفاف فتطأه باخفافها وذوات الاظلاف (6) فتنطحه بقرو نها


(1) سجم الدمع سجوما وسجاما: سال (المجمع) (2) الشقشقة جمع شقاشق: شئ كالرئة يخرجه البعير من فيه إذا هاج، شقشق الطير صوت (المنجد). (3) سحبه سحبا: جره على وجه الارض (اقرب). (4) الاعزل الذى لا سلاح معه والعز لي مؤنثه (اقرب). (5) عبس: 37. (6) الظلف بالكسر ثم السكون: ظفر كل ما اجترج ظلوف واظلاف (اقرب) (*).

[ 163 ]

وتطأه بأظلافها (1). وامعن النظر والفكر في أحوال الناس في ذلك اليوم وما قبله وما بعده من شقاوة أو سعادة فانه يحصل لك باعث الخوف لا محالة وداعية البكاء والرقة واخلاص القلب فانتهز فرصة الدعا (ح) واعلم أنه من أنفس ساعات العمر وعليك بالاشتغال في تلك الحال بصاحب الجلال عن طلب الآمال والتعرض للسؤال وإذا سئلت فليكن مسئلتك وطلبتك دوام اقباله عليك (واقبالك عليه) وحسن تأدبك بين يديه واسئل ما يبقى لك جماله وينفى عنك وباله والمال لا يبقى لك ولا تبقى له (2). تنبيه واعلم أن البكاء والعجيج الى الله سبحانه فرقا من الذنوب، وصف محبوب لكنه غير مجد مع عدم الاقلاع عنها والتوبة منها. قال سيد العابدين على بن الحسين عليه السلام: وليس الخوف من بكى وجرت دموعه


(1) عن ابى عبد الله (ع) قال: مثل الناس يوم القيامة إذا قاموا لرب العالمين مثل السهم في القرب ليس له من الارض الا موضع قدمه كالسهم في الكنانة لا يقدر ان يزول هيهنا ولاهيهنا: الكنانة: جعبة من جلد لاخشب فيها أو بالعكس (ق) وقال أبو عبد الله (ع) في حديث: فحاسبوا انفسكم قبل ان تحاسبوا عليها فان للقيامة خمسين موقفا كل موقف مقدار الف سنة ثم تلا (في يوم كان مقداره الف سنة مما تعدون) التنزيل: 7. (روضة) ص 143. (2) عن ابى عبد الله (ع) قال: ان الشيطان يدبر ابن آدم في كل شى فإذا اعياه جثم له عند المال فاخذ برقبتة. أي ان الشيطان يدبرا بن آدم في كل شى أي يبعثه على ار تكاب كل ضلالة ومعصية أو يكون معه ويلازمه عند عروض كل شبهة أو شهوة لعله يضله أو يزله، فإذا اعياه الضمير المستر راجع الى ابن آدم والبارز إلى الشيطان أي لم يقبل منه حتى اعياه ترصد له واختفى عند المال فإذا أتى المال أخذ برقبته فيه بالحرام أو الشبهة والحاصل ان المال أعظم مصايد الشيطان إذ قل من لم يفتتن به عند تيسره له وكانه محمول على الغالب ا ذ قد يكون لا يفتتن بالمال ويفتتن بحب الجاه وبعض الشهوات الغالبة (مرآت) باب حب الدنيا والحرص عليها (*).

[ 164 ]

ما لم يكن له ورع يحجزة عن معاصي الله وانما ذلك خوف كاذب (1) وعن النبي صلى الله عليه واله مر موسى برجل من اصحابه وهو ساجد وانصرف من حاجته وهو ساجد فقال عليه السلام لو كانت حاجتك بيدى لقضيتها لك، فأوحى الله عزوجل ا ليه يا موسى لو سجد حتى ينقطع عنقه ما قبلته أو يتحول عما اكره الى ما احب. ومن طريق آخر ان موسى مر برجل وهو يبكى ثم رجع وهو يبكى فقال: الهى عبدك يبكى من مخافتك قال الله تعالى: يا موسى لوبكى حتى نزل دماغه (2) مع دموع عينيه لم أغفر له وهو يجب الدنيا (3). وفيما اوحى الله إليه: يا موسى ادعنى بالقلب التقى النقى واللسان الصادق. وعن امير المؤمنين على بن ابى طالب عليه السلام الدعا مفاتيح النجاح ومقاليد الفلا ح، وخير الدعا ما صدر عن صدر نقى وقلب تقى. وفى المناجات: وبالاخلاص يكون الخلاص فإذا اشتد الفزع فالى الله المفزع.


(1) عن ابى عبد الله (ع) في قول الله عزوجل (ولمن خاف مقام ر به جنتان) قال: من علم ان الله يراه ويسمع ما يقول، ويعلم ما يعمله أو يفعله من خير أو شر فيحجزه ذ لك عن القبيح من الاعمال فذلك الذى خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى (الاصول) باب الخوف والرجا. (2) الدماغ: مخ الرأس وام الرأس (اقرب). (3) عن ابن ابى يعفور قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: من تعلق قلبه بالد نيا تعلق قلبه بثلاث خصال: هم لا يفنى، وأمل لا يدرك، ورجاء لا ينال. قوله: هم لا يفنى لانه لا يحصل له ما هو مقتضى حرصه وأمله في الدنيا ولا يمكنه الاحتراز عن آفاتها ومصايبها فهو في الدنيا دا ئما في الغم لما فات، والهم لما لم يحصل والفرق بين الامل والرجا ان متعلق الامل العمر والبقاء في الدنيا، ومتعلق الرجا ما سواه. أو متعلق الامل بعيد الحصول، ومتعلق الرجا قر يب الوصول انتهى بعد التلخيص (مرآت) (*).

[ 165 ]

الحادى عشر الاعتراف بالذنب قبل السؤال لما فيه من الانقطاع الى الله سبحانه ووضع النفس، ومن تواضع رفعه الله (1) وهو عند المنكسرة قلوبهم روى: ان عابدا عبد الله سبعين عاما صائما نهاره قائما ليله، فطلب الى الله حاجة فلم تقض فأقبل على نفسه وقال: من قبلك اتيت لو كان عندك خير قضيت حاجتك فأنزل الله إليه ملكا فقال (له): يا ابن آدم ان ساعتك التى أزريت فيها على نفسك خير من عبادتك التى مضت (2). وعن الباقر عليه السلام قال: أوحى الله تعالى الى موسى عليه السلام أتدر لم اصطفيتك بكلامي (من) دون خلقي ؟ قال: لا يا رب قال: يا موسى انى قلبت عبادي ظهرا لبطن فلم أراذل نفسا منك انك إذا صليت وضعت خديك على التراب. وفى رواية اخرى انى قلبت عبادي ظهرا لبطن فلم أراذل لى نفسا منك فاحببت ان أرفعك من بين خلقي (3).


(1) عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (ع) قال: سمعته يقول: ان في السماء ملكين موكلين بالعباد فمن تواضع لله رفعاه ومن تكبر وضعاه. قال في (مرآت): رفعاه ا ى بالثناء عليه أو باعانته في حصول المطالب وتيسير اسباب العزة والرفعة في الدارين وفى التكبر بالعكس فيهما. (2) عن الحسن بن الجهم قال: سمعت ابا الحسن (ع) يقول: ان رجلا في بنى اسرائيل عبد الله اربعين سنة ثم قرب قربانا فلم يقبل منه، فقال لنفسه: ما اتيت الا منك وما الذنب الا لك قال: فأوحى الله إليه ذمك لنفسك أفضل من عبادة اربعين سنة. القربان: ما يتقرب به الى الله من هدى أو غيره وكانت علامة القبول في بنى اسرائيل ان تجيئ نار فتحرقه قوله اتيت أي دخل عليك (مرآت). (3) قوله، بكلامي أي بان اكلمك بلا توسط ملك قوله: انى قلبت عبادي أي اختبرتهم بملاحظة ظواهرهم وبواطنهم كناية عن احاطة علمه سبحانه بهم وبجميع صفاتهم واحوالهم قلبت الشئ عللا بتياع: تصفحته فرأيت داخله وباطنه قوله: ظهرا بدل من عبادي واللام في لبطن للغاية فهى بمعنى الواو مع مبالغة ويدل على استحباب وضع الخد على التراب أو الارض بعد الصلوة (مرآت) (*).

[ 166 ]

روى ان الله سبحانه وتعالى أوحى الى موسى عليه السلام ان اصعد الجبل لمناجاتي، وكان هناك جبال فتطاولت الجبال وطمع كل ان يكون هو المصعود عليه عدا جبلا صغيرا احتقر نفسه وقال: انا اقل ان يصعدني نبى الله لمناجات رب العالمين، فأو حى الله إليه أن اصعد ذلك الجبل، فانه لا يرى لنفسه مكانا (1). وعن النبي صلى الله عليه واله: ثلاثة لا يزيد الله بهن الا خيرا: التواضع لا يزيد الله به الا ارتفاعا، وذل: النفس لا يزيد الله به الاعزا، والتعفف لا يزيد الله به الا غنا. وايضا ففى وضع النفس وكسرها واسخاطها رضى الله سبحانه. ففيما اوحى الله تعالى الى داود: يا داود انى وضعت خمسة في خمسة والناس يطلبونها في خمسة غيرها فلا يجدونها: وضعت العلم في الجوع والجهد وهم يطلبونها في الشبع والراحة فلا يجدونه، ووضعت الغرفى طاعتي وهم يطلبونها في خدمة السلطان فلا يجدونه، ووضعت الغنى في القناعة وهم يطلبونه في كثرة المال فلا يجدونه، ووضعت رضائي في سخط النفس وهم يطلبونه في رضى النفس فلا يجدونه، ووضعت الراحة في الجنة وهم يطلبونها في الدنيا فلا يجدونها. ولما في ذكر الذنوب من الخوف والرقة. قال الصادق عليه السلام: إذا رق احدكم فليدع فان القلب لا يرق حتى يخلص (2). وربما كان سببا للبكاء وارسال الدموع وهو من الاداب، وتأهبك بأدب يكون


(1) عن ابى بصير في حديث قال: دخلت على ابى الحسن موسى (ع) فقال: ان نوحا كان في السفينة وكان فيها ما شاء الله وكانت السفينة مأمورة فطافت بالبيت وهو طواف النساء وخلى سبيلها نوح فأوحى الله الى الجبال: انى واضع سفينة نوح عبدى على جبل منكن فتطاولت وشمخت وتواضع الجودى وهو جبل عندكم فضربت السفينة بجؤجؤها الجبل. الحديث. تطاول: امتد وارتفع وتفضل. شمخ الجبل: علا وطال. الجؤجؤ كهدهد: الصدر (مرآت) باب التواضع. (2) قد مضى هذا الحديث مع شرحه ذيلا في ص 114 (*).

[ 167 ]

سببا لاداب آخر. ولقول الصادق عليه السلام: انما هي المدحة ثم الثناء ثم الاقرار بالذنب ثم المسألة انه والله ما خرج عبد من الذنب الا بالاقرار (1). فكان في الاقرار بالذنب خمس فوائد: الاول الانقطاع الى الله تعالى. الثاني انكسار القلب وقد عرفت ما فيه من الفضيلة. الثالث ربما يحصل عنده الرقة وهى دليل الاخلاص وعنده تكون الاجابة. الرابع ربما كان سبب البكاء وهو سيد الاداب (2). الخامس موافقة امر الصادق عليه السلام. الثاني عشر الاقبال بالقلب لان من لا يقبل عليك لا يستحق اقبالك عليه كما لو حادثك من تعلم غفلته عن محادثتك واعراضه عن محاورتك فانه يستحق اعراضك عن خطابه واشتغالك عن جوابه (واستثقالك لجوابه) وقال الصادق عليه السلام: من اراد ان ينظر منزلته عند الله فلينظر منزلة الله عند ه فان الله ينزل العبد مثل ما ينزل العبد الله من نفسه. وقال امير المؤمنين عليه السلام: لا يقبل الله دعاء قلب لاه (3).


(1) قد تقدمت الرواية وشرحها ذيلا عند عنوان (تقديم المدحة لله والثناء عليه) وعن معاوية بن عمار قال سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: انه والله ما خرج عبد من ذنب باصرار: وما خرج عبد من ذنب الا بالاقرار: قوله: من ذنب أي من اثره واستحقاق العقوبة بسببه والاصرار اما فعلى وهو المواظبة على نوع ذلك الذنب أو مطلقا أو حكمي وهو العزم على فعله ثانيا وان لم يفعل والحديث محمول على الخروج على سبيل القطع والاستحقاق (مرآت). (2) قد ذكر في الامر العاشر من القسم الثاني من هذا الباب فضيلة البكا عند الدعا بتفصيلها. (3) قد ذكر (ره) في ص 126 عنوان (من دعا بقلب لاه) ولم ينقل له رواية هناك ولكن تعرض لنقله هنا وفى (مرآت) عن الترمذي عن ابى هريره قال: قال رسول الله (ص): ادعوا الله وانتم موقنون بالاجابة، واعلموا ان الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاء. قال في قوله: وانتم

[ 168 ]

وروى سيف بن عميرة عن الصادق عليه السلام: إذا دعوت الله فاقبل بقلبك. وفيما اوحى الله الى عيسى عليه السلام لا تدعني الا متضرعا الى وهمك هما واحدا، فانك متى تدعني كك اجبك. وعنهم عليهم السلام: صلوة ركعتين بتدبر خير من قيام ليلة والقلب ساه (1). وعنهم عليهم السلام: ليس لك من صلوتك الا ما احضرت فيه قلبك (2). ومن سنن ادريس عليه السلام: إذا دخلتم في الصلوة فأصرفوا إليها خواطركم. وافكاركم، وادعوا الله دعاء ظاهرا متفرجا، واسئلوه مصالحكم ومنافعكم بخضوع وخشو ع وطاعة واستكانة. ومنها إذا دخلتم في الصيام فطهروا انفسكم من كل دنس ونجس، وصومو الله بقلوب خالصة صافية منزهة (متنزهة) عن الافكار السيئة، والهواجس المنكرة (3) فان الله يستنجس القلوب اللطخة (4) والنيات المدخولة (5).


موقنون بالاجابة وجهان: احدهما ان يقال: كونوا وان الدعا على حالة تستحقون منها الاجابة وذلك باتيان المعروف واجتناب المنكر وغير ذلك من مراعاة اركان الدعا وآدابه حتى تكون الاجابة على قلبه اغلب من الرد. وثانيهما ان يقال، ادعوه معتقدين لوقوع الاجابة. قوله قلب لاه أي غافل أو مشتغل باللهو وقوله تعالى (لاهية قلوبهم) أي ساهية مشتغله بما لا يعنيها انتهى بعد التلخيص.

(1) قوله: ساه أي غافل عن المقصود وعما يتكلم به غير مهتم به، ا وغافل عن عظمة الله وجلاله ورحمته غير متوجه إليه بشر اشره وعزمه وهمته (مرآت). (2) قد سلفتع اخبار دالة على استعظام الصلوة والمواظبة عليها في ص 142 من اراد يرجع (3) الهاجس: ما وقع في الخلد، والخلد محركة: البال والقلب ج هو احبس (اقرب). (4) لطخه: لوثه (اقرب). (5) النية هي القصد الى الفعل وهى واسطة بين العلم والعمل إذ ما لم يعلم الشى لم يمكن

[ 169 ]

الثالث عشر التقديم في الدعا قبل الحاجة: قال رسول الله صلى الله عليه واله لابي ذر (ره): يا ابا ذر الا اعلمك كلمات ينفعك الله عزوجل بهن قال: بلى يا رسول الله قال: احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده امامك تعرف الى الله في الرخا يعرفك في الشدة، وإذا سئلت فاسئل الله وإذا استعنت فاستعن بالله فقد جرى القلم بما هو كائن الى يوم القيامة ولو ان الخلق كلهم جهدوا على ان ينفعوك بما لم يكتبه الله لك ما قدروا عليه (1). وروى هارون بن خارجة عن ابى عبد الله عليه السلام قال: ان الدعا في الرخا ليستخرج الحوائج في البلاء. وعنه عليه السلام: من تخوف بلاء يصيبه فتقدم فيه بالدعا لم يره الله عزوجل ذلك البلاء ابدا. وقال سيد العابدين عليه السلام: الدعا بعد ما ينزل البلاء لا ينتفع به (2).


قصده، وما لم يقصده لم يصدر عنه ثم لما كان غرض العامل الى مقصد كامل على الاطلاق وهو الله تعالى لابد من اشتماله على قصد التقرب الى الله تعالى والدار الاخرة اعني يقصد به وجه الله سبحانه، أو التوصل الى ثوابه، أو الخلاص من عقابه وبالجملة امتثال امر الله تعا لى فيما ندب عباده إليه ووعدهم الاجر عليه، وانما ياجرهم على حسب اقدارهم ومنازلهم ونياتهم فمن عرف الله بجماله وجلاله فاحبه واخلص عبادته له لكونه اهلا للعبادة احبه الله وادناه قربا معنويا. ومن لم يعرف من الله سوى كونه الها صانعا قادرا، وان له جنة ينعم بها المطيعين ونار ا يعذب بها العاصين فعبده ليفوز بجنته، أو يكون له النجاة من ناره ادخله الله بعبادته الجنة وانجاه من النار فلا تضع الى قول من ذهب الى بطلان العبادة إذا قصد بفعلها تحصيل الثواب أو الخلاص من العقاب فان هذا قول من لا معرفة له بحقائق التكليف ومراتب الناس. فان اكثر الناس يتعذر منهم العبادة ابتغاء جه الله انتهى موضع الحاجة بعد ما لخصناه (مرآت) با ب النية.

(1) قد تقدم هذا الحديث وتالييه في ص 121 وراجع لمعنى بعض جملا تها. (2) محمول على ما إذا لم يتعود بالدعا قبله، وكان المعنى عدم الانتفاع التام (مرآت) (*).

[ 170 ]

الرابع عشر الدعا للاخوان والتماسه منهم: روى ابن ابى عمير عن هشام بن سالم عن ابى عبد الله عليه السلام قال: من قدم اربعين من المؤمنين ثم دعا استجيب له (1). ويتأكد بعد الفراغ من صلوة الليل ويقول وهو ساجد: اللهم رب الفجر والليالي العشر والشفع والوتر والليل إذا يسر ورب كل شى واله كل شى ومليك كل شى صل على محمد وآله وافعل بى وبفلان وفلان ما انت اهله ولا تفعل بناما نحن اهله يا اهل التقو ى واهل المغفرة. وروى ان الله سبحانه وتعالى أوحى الى موسى يا موسى ادعنى على لسان لم تعصنى به فقال عليه السلام: انى لى بذلك فقال: ادعنى على لسان غيرك (2). وقال رسول الله صلى الله عليه واله: ليس شى اسرع اجابة من دعوة (دعاء) غائب لغائب. وروى الفضل بن يسار عن ابى جعفر عليه السلام: أوشك دعوة وأسرع اجابة دعوة المومن لاخيه بظهر الغيب (3). وعنه عليه السلام: اسرع الدعا نجاحا للاجابة دعاء الاخ لاخيه بظهر الغيب وإذا بدء (يبدء) بالدعا لاخيه فيقول له ملك موكل به آمين ولك مثلاه (4). وروى عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام قال: دعاء الرجل لاخيه بظهر الغيب يدر (5) الرزق ويدفع المكروه.


(1) تقدم في ص 144 ما يويد الحديث مع بيان له ذيلا (2) قد مضت الرواية في ص 120 (3) واوشك مبتدأ واسرع معطوف عليه والمضاف محذوف أي واسرعها اجابة قوله بظهر الغيب المراد نفس الغيب لكنه اضيف للايضاح والبيان، وانما كان اسرع اجابة لانه اقرب الى الاخلاص ويعينه الله في دعائه لا الله تعالى في عون العبد ما دام في عون اخيه هذا ما لخصناه مما في (مرآت). (4) قد تقدم في القسم الثاني من الباب ذيل عنوان (والمؤمن في الدعا) ما يؤيد الرواية، ومعنى التأمين والضعف في الاجر ذيلا. (5) اردت الريح السحاب: حلبته (ق) (*).

[ 171 ]

وعنه عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: ما من مؤمن (احد) دعا للمؤمنين الارد الله عليه مثل الذى دعالهم به من كل مؤمن ومؤمنة مضى من اول الدهر الى ما هو آت الى يوم القيامة، وان العبد ليؤمر به الى النار يوم القيامة فيسحب، فيقول المؤمنون والمؤمنات: يا رب هذا الذى كان يدعو لنا فيشفعوا فيه فيشفعهم الله فيه فينجو (1). وروى على بن ابراهيم عن ابيه قال: رأيت عبد الله بن جندب بالموقف فلم أر موقفا اجسن من موقفه، فما زال مادا يديه الى السماء ودموعه يسيل على خديه حتى تبلغ الارض فلما صدر الناس قلت: يا ابا محمد ما رأيت موقفا قط احسن من مو قفك فقال: والله ما دعوت الا لاخواني، وذلك ان ابا الحسن عليه السلام اخبرني ان من د عا لاخيه بظهر الغيب تودي من العرش ولك مأة الف ضعف فكرهت ان ادع مأة الف مضمونة لو احد لا ادرى يستجاب ام لا (2). روى ابن ابى عمير عن زيد النرسى قال: كنت مع معاوية بن وهب في الموقف وهو يدعو فتفقدت دعائه فما رأيته يدعو لنفسه بحرف، ورأيته يدعو لرجل رجل من الافاق ويسميهم ويسمى آبائهم حتى أفاض الناس قلت له: يا عم لقد رأيت منك عجبا قال: وما الذى اعجبك مما رأيت ؟ قلت: ايثارك اخوانك على نفسك في مثل هذا الموضع وتفقدك رجلا رجلا، فقال لى: لا تعجب (لا يكون تعجبك) من هذا يا ابن اخى، فانى سمعت مولاى ومولاك ومولى كل مؤمن ومؤمنة، وكان والله سيد من مضى وسيد من


(1) قوله الا رد الله أي يتضاعف ما سئل لهم بعدد جميع المؤمنين ا لذين كانوا في الدنيا ويكونون بعد ذلك فيعطى جميع ذلك. سحبة: جره على وجه الارض (مرآت). (2) والموقف في الاول اسم مكان والمراد به عرفات، وفى البقية مصدر ميمى، وعبد الله بن جندب - بضم الجيم وسكون النون وضم الدال وفتحها - من ثقات اصحاب الصادق والكاظم والرضا عليهم السلام ولجلالته وعلو شأنه قال (ع) مناسبا لحاله ان دعائه يضاعف مأ ة الف ضعف (مرآت) (*).

[ 172 ]

بقى بعد آبائه عليهم الصلوة والسلام، والاصمتا اذنا معاوية وعميتا عيناه ولانالته شفاعة محمد صلى الله عليه واله ان لم يكن سمعته منه وهو يقول: من دعا لاخيه في ظهر الغيب ناداه ملك من السماء الدنيا يا عبد الله ولك مأة الف ضعف مما دعوت، وناداه ملك من السماء الثانية يا عبد الله ولك مأتا الف ضعف مما دعوت (1). وناده ملك من السماء الثالثة يا عبد الله ولك ثلاثمأة ضعف مما دعوت، وناداه ملك من السماء الرابعة يا عبد الله ولك اربعمأة الف ضعف مما دعوت، وناده ملك من السماء الخامسة يا عبد الله ولك خمس مأة الف ضعف مما دعوت وناداه ملك من السماء السادسة يا عبد الله ولك ستمأة الف ضعف مما دعوت، وناداه ملك من السماء السابعة يا عبد الله ولك سبعمأة الف ضعف مما سئلت، ثم يناديه الله تبارك وتعالى انا الغنى الذى لا افتقر يا عبد الله لك الف الف ضعف مما دعوت. فاى الخطرين اكبريا ابن اخى ما اخترته انا لنفسي أو ماتأ مرنى به ؟ تنبيه وينبغى ان تكون مع دعائك لاخيك محبا له بباطنك ومخلصا له في دعائك متمنيا ان يرزقه الله ما دعوت له بقلبك فانك إذا كنت كذلك كنت جديرا ان يستجاب لك فيه ويعوضك اضعافه لان حب المؤمن حسنة على انفراده، وارادة الخير له حسنة اخرى، فيكون دعائك مشتملا على ثلاث حسنات: المحبة، وارادة الخير، والدعا وايضا إذا طلبت له شيئا تحبه له بقلبك وتشفعت له فيه بدعائك ا لى اكرم الاكرمين واجود الاجودين وهو اكرم واقدر واولى بنفع عبده منك اجابك بكرمه لا محالة. وفيما رواه جابر عن ابى جعفر عليه السلام في قوله تعالى (ويستجب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله) الشورى: 62. قال: هو المؤمن يدعو لاخيه بظهر الغيب فيقول له الملك ولك مثل ما سئلت وقد اعطيت لحبك اياه. ايماء لما ذكرناه (2).


(1) معاوية بن وهب البحلى كوفى روى عن ابى عبد الله وابى الحسن عليهما السلام (جامع الرواة). (2) قوله: ولك مثل ما سئلت أي لاخيك فيكون امتنانا عليه باستجابة دعائه في حق

[ 173 ]

وحكى ان بعض الصالحين كان في المسجد يدعو لاخوانه بعد ما فرغ من صلوته فلما خرج من المسجد وافى اباه قد مات، فلما فرغ من جهازه اخذ يقسم تركته على اخوانه المؤمنين الذين كان يدعو لهم، فقيل له في ذلك فقال: كنت في المسجد ادعو لهم بالجنة (ا) وابخل عليهم بالفانى ؟. وتفكر في قول الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام إذا تصافح المؤمنان قسم بينهما مأة رحمة تسع وتسعون منها لاشدهما حبا لصاحبه (1) فانظر عناية الله سبحانه وتعالى للمؤمن ومحبته لمحبته، ولايكون دعائك لاخيك قصدا للمتاجرة أي ليحصل لك من الثواب ما اعد لداعى المؤمن من غير رحمة له وقطعا للنظر عن محبة الاستجابة لهم فيما دعوت، فاخشى عليك ان كنت كذلك ان يفوتك ما اعد الله من الاجر (لك) لذلك أو لا تنظر الى رواية جابر ؟ حيث يقول الملك: لحبك اياه. فصل وكيف لا تحبه ؟ وهو عونك على عدوك، وعاضدك على دينك، وموافقك على موالاة اوليائك ومعاداة اعدائك. وعنهم عليهم السلام لا يكمل عبد حقيقة الايمان حتى يحب اخاه (2).


اخيه، أو المعنى اعطيناك ما سئلت لاخيك مضاعفا لحبك اياه، وقيل: الاخ شامل للواحد والجماعة من المؤمنين احياء كانوا ام امواتا، والظاهر من الملك هو الموكل به لكتب اعماله وحفظة عن الشياطين - كما دل عليه الخبر المذكور في باب الدعا للاخوان من (الاصول) بقوله (ع): فيقول له ملك موكل به: آمين - (مرات).

(1) يأتي عن قريب بعض روايات المصافحة في هذا الفصل. (2) عن ابى عبيدة الحذاء عن ابى عبد الله (ع) قال: من احب لله وابغض لله واعطى لله فهو مومن كمل ايمانه. قوله: من احب لله أي احب من احب لان الله يحبه من الانبياء والاوصياء (ع) والصلحاء من المؤمنين لا للاغراض الدنيوية والاطماع الدنية قوله: كمل ايمانه لان ولاية اولياء الله ومعادات اعدائه واخلاص العمل له عمدة الايمان واعظم اركانه (مرآت) (*).

[ 174 ]

وعنه عليه السلام شيعتنا المتحابون المتباذلون فينا. وقال عبد المؤمن الانصاري: دخلت على ابى الحسن موسى بن جعفر عليه السلام وعنده محمد بن عبد الله الجعفري فتبسمت إليه، فقال عليه السلام: اتحبه ؟ فقلت: نعم وما احببته الالكم فقال عليه السلام هو أخوك والمؤمن اخ المؤمن لابيه وامه، ملعون ملعون من اتهم اخاه، ملعون ملعون من غش اخاه، ملعون ملعون من لم ينصح اخا، ملعون ملعون من استأثر على اخيه، معلون لعون من احتجب عن اخيه، ملعون ملعون من اغتاب اخيه (1) وعنه عليه السلام: اوثق عرى الايمان الحب في الله، والبغض في الله (2). وقال الصادق عليه السلام: لكل شئ شئ يستريح إليه، وان المؤمن يستريح الى اخيه المؤمن كما يسترح الطير الى شكله أو ما رأيت ذلك ؟ وقال عليه السلام: المؤمن اخ المؤمن وهو عينه، ومرآته، ودليلة لا يخونه ولا يخدعه ولا يظلمه ولا يكذبه ولا يغتابه (3).


(1) عن حفص البخترى قال: كنت عند ابى عبد الله (ع) ودخل عليه رجل فقال لى: تحبه ؟ فقلت: نعم فقال لى. ولم لا تحبه ؟ وهو اخوك وشريكك في دينك وعونك على عدوك ورزقه على غيرك. (الاصول) باب اخوة المؤمنين قال في (مرآت): المراد بالاب روح الله الذى نفخ منه في طينة المؤمن وبالام الماء العذب والتربة الطيبة انتهى وهذا بعض اقواله في الرواية. (2) عن ابى عبد الله (ع) قال رسول الله (ص): أي عرى الايمان اوثق ؟ فقالوا: الله ورسوله اعلم، وقال بعضهم، الصلوة، وقال بعضهم: الزكوة، وقال بعضهم: الصيام وقال بعضهم: الحج والعمرة فقال رسول الله (ص): لكل ما قلتم فضل وليس به ولكن اوثق عرى الايمان الحب في الله والبغض في الله الحديث (الاصول) باب الحب في الله. العرى جمع العروة كمدية ومدى وهى العقد ا لوثيق (المجمع). (3) قوله: عينه أي جاسوسه يدله على المعايب قوله: ومرآته أي يبين محاسنه ليركبها ومساوية ليجتنبها كما هو شأن المرآة أو ينظر الى ما فيه من المعايب فيتركها فان الانسان في غفلة عن عيوب نفسه قوله: ودليله أي الى الخيرات الدنيوية والاخروية لا يخونه في مال ولا سر ولا عرض ولا يظلمه في نفسه وماله واهله وساير حقوقه (مرآت) (*).

[ 175 ]

وقال الصادق عليه السلام: ايما مؤمنين أو ثلاثة اجتمعوا عند اخ لهم يأمنون بوائقة. ولا يخافون غوائله، ويرجون ما عنده ان دعوا الله اجابهم، وان سئلوه اعطاهم، وان استزادوا (ا) زادهم، وان سكتوا ابتدئهم. وقال الصادق عليه السلام: من زار اخاه لله لالشى غيره بل لالتماس ما وعد الله وتنجز ما عنده وكل الله به سبعين الف ملك ينادونه ألا طبت وطابت لك الجنة (1). وعنه عليه السلام يرفعه الى النبي صلى الله عليه واله: من عامل الناس فلم يظلمهم وحدثهم فلم يكذبهم ووعدهم فلم يخلفهم كانت ممن حرمت غيبته، وكملت مروته، وظهرت عدالته، ووجبت اخوته. وعن ابى جعفر عليه السلام: ان لله جنة لا يدخلها الا ثلاثة: رجل حكم على نفسه بالحق، ورجل زار اخاه المؤمن في الله، ورجل آثر اخاه المؤمن في الله (2) وعنه عليه السلام ان المؤمنين إذا التقيا وتصافحا ادخل الله يده بين ايديهما فيصافح اشدهما حبا لصاحبه (3).


(1) قوله: لا لشئ غيره كحسن صورة أو صوت أو مال أو رياء أو جاه وغير ذلك من الاغراض الدنيوية واما إذا كان بجهة دينية كحق تعليم أو هداية أو علم أو صلاح أو ز هد أو عبادة فلا ينافي ذلك، والغاية قسمان: قسم هو علة ومقدم في الخارج نحو قعدت عن الحرب جبنا وقسم آخر هو متأخر في الخارج ومترتب على الفعل نحو ضربته تأديبا فقوله (ع): لله من قبيل الاول أي لاطاعة امر الله وقوله: لالتماس ما وعد الله من قبيل الثاني فلاتنا في بينهما ويدل على ان طلب الثواب الاخروي لا ينافي الاخلاص - وتقدم كلام في القربة والاخلاص في الامر الثاني عشر ذيل قوله: والنيات المدخولة - قوله: طبت وطابت لك الجنة أي طهرت من الذنوب والادناس الروحانية وحللت لك الجنة ونعيمها أو دعاء له بالطهارة من الذنوب تيسر الجنة له انتهى بعد التلخيص (مرآت): (2) قوله: حكم على نفسه أي إذا علم ان الحق مع خصمه قوله: آثر اخاه أي اختاره على نفسه فيما احتاج إليه (مرآت). (3) المراد باليد هنا الرحمة كما هو انشايع أو استعارة تمثيلية (مرآت) (*).

[ 176 ]

وعنه عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله إذا تلاقيتم فتلاقوا بالتسليم، والتصافح، وإذا تفرقتم فتفرقوا بالاستغفار (1). وعن امير المؤمنين عليه السلام: عن النبي صلى ا لله عليه واله قال: لقى ملك رجلا على باب دار كا ربها غائبا فقال له الملك: ما جاء بك الى باب هذه الدار ؟ فقال: لى اخ اردت زيارته قال: لرحم ماسة بينك وبينه ام نزعتك (ترغبك) إليه حاجة ؟ قال: ما بيننا رحم ماسة. اقرب من رحم الاسلام، وما نزعتني (ترغبني) إليه حاجة ولكن زرته في الله رب العالمين قال: فابشر فانى رسول الله اليك وهو يقرئك السلام، ويقول لك: اياى قصدت، وما عند ى اردت بصنيعك فانى اوجبت لك الجنة، وعافيتك من غضبى، واجرتك من النار حيث اتيته (2). وعنه عليه السلام: النظر الى العالم عبادة، والنظر الى الامام المقسط عبادة والنظ ر الى الوالدين برأفة ورحمة عبادة، والنظر الى الاخ بوده (يوده) في الله عبادة. وعنه عليه السلام: ما احدث الله اخاء (3) بين مؤمنين الا احدث لكل منهما درجة. وعنه عليه السلام: من استفاد في الله اخا استفاد بيتا في الجنة. وعنه عليه السلام: من اكرم اخاه فانما يكرم الله فما ظنكم بمن يكرم الله ان يفعل الله به ؟. روى عمرو (عمر) بن حريث (شمر) عن جابر عن ابيه عن ابى جعفر عليه السلام قال: ان المؤمنين المتواخين في الله ليكون احدهما في الجنة فوق الاخر بدرجة فيقول:


(1) المراد بالاستغفار هوان يقول: غفر الله لك (مرآت). (2) ويدل الحديث على جواز رؤية الملك لغير الانبياء والاوصياء عليهم السلام وربما ينافى ظاهرا بعض الاخبار في الفرق بين النبي والمحدث - من ان المحدث لا يشاهده - والجواب نه يحتمل ان يكون الزائد نبيا، أو محدثا وغاب عنه عند ا لفاء الكلام ولما كانت زيارته خا لصا لوجه الله نسب الله سبحانه زيارته الى ذاته المقدسة (مرآت). (3) آخى بين الرجلين: جعل بينهما اخوة (المجمع) (*).

[ 177 ]

يا رب انه اخى وصاحبى قد كان يأمرنى بطاعتك، ويثبطنيعن معصيتك (1) ويرغبنى فيما عندك - يعنى الاعلى منهما يقول ذلك - فاجمع بينى وبينه في هذه الدرجة فيجمع الله بينهما وان المنافقن ليكون احدهما اسفل من صاحبه بدرك من (في) النار فيقول: يا رب ان فلانا كان يأمرنى بمعصيتك ويثبطنى عن طاعتك ويزهدني فيما عندك ولا يحذرني لقائك فاجمع بينى وبينه في هذا الدرك فيجمع الله بينهما وتلا هذه الاية (الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو الا المتقين) (2). روى ابان بن تغلب عن ابى عبد الله عليه السلام: ايما مؤمن سئل اخاه المؤمن حاجة وهو يقدر على قضائها فرده عنها سلط الله عليه شجاعا في قبره ينهش من اصابعه (3). وعن اسماعيل بن عمار قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: المؤمن رحمة قال: نعم وايما مؤمن اتاه اخوه في حاجة فانما ذلك رحمة ساقها الله إليه وسببها له (4) فان قضاها كان قد قبل الرحمة بقبولها، وان رده وهو يقدر على قضائها فانما رد على نفسه الرحمة التى ساقها الله إليه وسببها له، وادخرت الرحمة للمردود عن حاجته، ومن مشى في حاجة اخيه ولم يناصحه بكل جهده (5) فقد خان الله ورسوله والمؤمنين، وايما رجل


(1) ثبطه عن الامور إذا حبسه وشغله عنها ومنه الدعا: ان هممت بصالح ثبطني (المجمع). (2) الزخرف: 43. (3) الشجاع كغراب وكتاب: الحية ج شجعان بالكسر والضم نهشه: نهسه ولسعه وعضه أو اخذه. باضراسه. وصيرورة الاصابع ترابا لا يأبى عن قبول النهش لان تراب الاصابع كالاصابع في قبوله العذاب ولعل الله تعالى يخلق فيه ما يجدبه الالم، ويحتمل ان يكون النهش في الاجساد المثالية، أو يكون النهش اولا وبقاء الا لم للروح الى يوم القيامة (مرآت). ملخصا. (4) قوله: سببها له أي جعلها سببا لغفران ذنوبه ورفع درجاته، أو اوجد اسبابه له (مرآت). (5) النصح لله في خلقه: الخلوص في طاعة الله فيما امر به في خلقه من اعانتهم، وهدايتهم وكف الاذى عنهم، وترك الغش معهم (مرآت) (*).

[ 178 ]

من شيعتنا اتاه رجل من اخوتة واستعان به في حاجته فلم يعنه وهو يقدر ابتلاه الله تعالى بقضاء حوائج اعدائنا ليعذبه بها، ومن حقر مؤمنا فقيرا أو استخف به واحتقر ه لقلة ذات يده وفقره شهره الله (1) يوم القيامة على رؤس الخلائق وحقره ولا يزال ماقتاله، ومن اغتيب عنده اخوه المؤمن فنصره اعانه نصره الله في الدنيا والاخرة، ومن لم ينصره ولم يدفع عنه وهو يقدر خذله الله وحقره في الدنيا ووالاخرة. وحدث الحسين بن ابى العلاء قال: خرجنا الى مكة نيفا وعشرين رجلا فكنت اذبح لهم في كل منزل شاة فلما اردت ان أدخل على ابى عبد الله عليه السلام قال: واها يا حسين ! (و) أتذل المؤمنين قلت: اعوذ بالله من ذلك فقال عليه السلام: بلغني انك كنت تذبح لهم في كل منزل شاة قلت: يا مولاى والله ما اردت بذلك الا وجه الله تعالى فقال عليه السلام: اما كنت ترى ان فيهم من يحب ان يفعل مثل فعالك ؟ فلا يبلغ مقدرته ذلك فيتقاصر إليه نفسه (2) قلت: يابن رسول الله وعليك استغر الله ولا اعود، وقال عليه السلام: لا تزال امتى بخير ما تحابوا، وادوا الامانة، وآتوا الزكوة، وإذا لم يفعلوا ابتلوا بالقحط والسنين، وسيأتى على امتى زمان تخبث فيه سرائرهم. وتحسن فيه علانيتهم طمعا في الدنيا يكون عملهم رياء لا يخالطهم خوف، ان يعمهم الله ببلاء فيدعونه دعاء الغريق فلا يستجيب لهم. وعن ابراهيم التيمى قال: كنت بالبيت الحرام فاعتمد على أبو عبد الله عليه السلا م: فقال الا اخبرك يا ابراهيم مالك في طوافك هذا ؟ قال: قلت: بلى جعلت فداك قال عليه السلام: من جاء الى هذا البيت عارفا بحقه فطاف به اسبوعا (3) وصلى ركعتين في مقام ابراهيم كتب الله له عشرة آلاف حسنة، ورفع له عشرة آلاف درجة (4) ثم قال: الا اخبرك بخير من


(1) الشهرة ظهور الشئ في شنعة حتى يشهره الناس، ومنه الحديث من لبس ثوبا يشهره البسه الله ثوب مذلة أي يصغره في العيون ويحقره في القلوب (المجمع). (2) تقاصر نفسه: تضائلت، تضائل: صغر وضعف (اقرب). (3) الاسبوع من الطواف سبع طوافات والجمع اسبوعات (المجمع). (4) الدرجات اما درجات ا لقرب المعنوية، أو درجات الجنة لان في الجنة درجات بعضها فوق بعض كما قال الله تعالى (لهم غرف من فوقها اغرف مبنية) الزمر. 20 (مرآ ت) (*).

[ 179 ]

ذلك ؟ قال: قلت: بلى جعلت فداك فقال عليه السلام: من قضى اخاه المؤمن حاجة كان كمن طاف طوافا وطوافا حتى عد عشرا، وقال: ايما مؤمن سئل اخوه المؤمن حاجة وهو يقدر على قضائها ولم يقضها له سلط الله عليه في قبره شجاعا ينهش اصابعه (1). وعن ابن عباس قال: كنت مع الحسن بن على عليه السلام في المسجد الحرام وهو معتكف وهو يطوف حول الكعبة، فعرض له رجل من شيعته فقال: يا ابن رسول الله ان على دينا لفلان فان رأيت ان تقضيه عنى فقال عليه السلام: ورب هذا البيت ما اصبح وعندي شئ، فقال: ان رأيت ان تستمهله عنى فقد تهددني بالحبس فقال ابن عباس: فقطع الامام الطواف وسعى معه فقلت: يا ابن رسول الله ألست (أنسيت) انك معتكف ؟ فقال: بلى (2) (لا) ولكن سمعت ابى يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول: من قضى اخاه المؤمن حاجة كان كمن عبد الله تسعة آلاف سنة صائما نهاره وقائما ليله. فصل وإذا عرفت عناية الله بارادة محبة الاخوان بعضهم لبعض وانه يجب تباذلهم فيه، فاعلم أن من افضل الاعمال عند الله ادخال السرور عليهم. حدث الحسين بن يقطين عن ابيه عن جد، قال: ولى علينا بالاهواز رجل من كتاب يحيى بن خالد، وكان على بقايا خراج كان فيها زوال نعمتي وخروجي عن ملكى فقيل لى: انه ينتحل هذا الامر (3) فخشيت ان ألقاه مخافة ان لا يكون ما بلغني حقا، فيكون فيه خروجي عن ملكى وزوال نعتي فهربت منه الى الله تعالى وأتيت


(1) قد تقدم في ص 177 معنى النهش والشجاع ذيلا. (2) اعلم ان قضاء الحاجة من المواضع التى جوز الفقهاء خروج المعتكف فيها عن محل اعتكافه الا انه لا يجلس بعد الخروج، ولا يمشى تحت الظل اختيارا على المشهور، ولا يجلس تحته على قول (مرآت). (3) يق ينتحل مذهب كذا وقبيلة كذا إذا انتسب إليها (المجمع) ومراده بهذا الا مر ولاية اهل البيت عليهم السلام (*).

[ 180 ]

الصادق عليه السلام مستجيرا، فكتب إليه رقعة صغيرة فيها بسم الله الرحمن الرحيم ان لله في ظل عرشة ظلا لا يسكنه الامن نفس عن اخيه كربته أو أعانه بنفسه أو صنع إليه معروفا ولو بشق تمرة، وهذا اخوك والسلام، ثم ختمها ودفعها الى وأمرني ان اوصلها إليه، فلما رجعت إليه، فلما رجعت الى بلدي صرت ليلا الى منزله فاستأذنت عليه، وقلت: رسول الصادق عليه السلام بالباب فإذا أنا به قد خرج الى حافيا، ومنذ نظر نى سلم على وقبل ما بين عينى، ثم قال: يا سيدى، انت رسول مولاى ؟ فقلت: نعم فقال: قد اعتقتني من النار ان كنت صادقا، فأخذ بيدى وأدخلني منزله وأجلسني في مجلسه وقعد بين يدى. ثم قال: يا سيدى كيف خلفت مولاى ؟ فقلت بخير فقال: الله فقلت: الله حتى أعادها ثلاثا، ثم ناولت الرقعة فقرئها وقبلها ووضعها على عينيه، ثم قال: يا اخى مر بأمرك قلت: في جريدتك على كذا وكذا الف الف درهم وفيه عطبى وهلاكي فدعا بالجريدة فمحى عنى كلما كان فيها وأعطاني برائة منها، ثم دعا بصناديق ماله فناصفني عليها، ثم دعا بدوا به فجعل يأخذ دابة ويعطيني دابة، ثم دعا بغلمانه فجعل يعطينى غلاما ويأخذ غلاما، ثم دعا بكسوته فجعل يأخذ ثوبا ويعطيني ثوبا حتى شاطرني (1) في جميع ملكه ويقول: هل سررتك ؟ فأقول: أي والله وزدت على السرور، فلما كان في الموسم قلت: والله ما كان هذا الفرح يقابل بشئ أحب الى الله ورسوله من الخروج الى الحج والدعاله والمصير الى مولاى وسيدي الصادق عليه السلام وشكره عنده وأسئله الدعا له، فخرجت الى مكة وجعلت طريقي الى مولاى فلما دخلت عليه رأيت السرور في وجهه، فقال عليه السلام: ما كان خبرك مع الرجل فجعلت اورد عليه خبرى وجعل يتهلل


(1) قد يجئى الشطر بمعنى النصف والجزء ومنه الحديث السواك شطر الوضوء (المجمع) (*).

[ 181 ]

وجهه ويسر السرور فقلت: يا سيدى هل سررت بما كان منه الى ؟ سره الله في جميع ا موره فقال عليه السلام: أي والله لقد سرنى ولقد سر آبائى، والله لقد سر امير المؤمنين عليه السلام، والله لقد سر رسول الله صلى الله عليه واله والله لقد سر الله في عرشه (1). فانظر رحمك الله الى هذا المؤمن كيف تلقى رسول امامه، وكيف مبالغته في اكرامه عند مواجهته وسلامه، ثم انظر كيف لم يرض له من الاكرام بدون مشاطرته في كل ما يملك، وحمله على هذا قوله عليه السلام وهذا اخوك، وحكم الاخوين التسوية في كل الملك، وقد دل هذا الحديث على امور: منها ان سرور المؤمن سرور الله تعالى ورسوله وائمته، ومنها ان المؤمن إذا احتاج إليه اخوه يساعده بما يقدر عليه حتى بجاهه ودعائه كما فعل الصادق عليه السلام وقال: أو اعانه بنفسه، ومنها ان الانسان ينبغى له ان يفرغ في مهماته الى الله تعالى والى الابواب إليه وهم آل محمد عليهم السلام لقول الراوى: فهربت الى الله والى الصادق عليه السلام ومنها ان ذلك موجب للنجاح كما رأيت ما حصل له. واوحى الله الى داود عليه السلام: ان العبد من عبادي يأتيني بالحسنة فابيحه جنتي فقال داود: يا رب وما تلك الحسنة ؟ قال: يدخل على عبدى المؤمن سرورا ولو بتمر ة فقال داود عليه السلام: حقا على من عرفك ان لا يقطع رجائه منك (2). وقال رسول الله صلى الله عليه واله: ايما مؤمن عاد مريضا خاض في الرحمة فإذا قعد عنده استنقع فيها (3) فإذا عاده غدوة صلى عليه سبعون الف ملك حتى يمسى وإذا عاده عيشة


(1) عن ابى حمزة الثمالى قال: سمعت ابا جعفر يقول: قال رسول ا لله (ص): من سر مؤمنا فقد سرنى ومن سرنى فقد سر الله تعالى (الاصول) باب ادخال السرور على المؤ من. (2) قوله: يدخل يحتمل ان يكون هذا على المثال ويكون المراد كل حسنة مقبولة كما ورد ان من قبل الله منه عملا واحدا لم يعذبه (مرآت). (3) استنقع: ثبت وطال مكثه (المجمع) (*).

[ 182 ]

صلى عليه سبعون الف ملك حتى يصبح (1). وعن ابى عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: قال الله تبارك وتعا لى: ليأذن بحرب منى (2) من اذى عبدى المؤمن، وليأمن من غضبى من اكرم عبدى المؤمن، ولو لم يكن في خلقي من الارض بين المشرق والمغرب الا مؤمن واحد مع امام عادل لاستغنيت بعبادتهما عن جميع ما خلقت في ارضى، ولقامت سبع ارضين وسبع سماوات بهما، ولجعلت لهما من ايمانهما انسالا يحتاجان الى انس سواهما. الخامس عشر رفع اليدين بالدعا كان رسول الله صلى الله عليه واله يرفع يديه إذا ا بتهل ودعا كما يستطعم المسكين. وفيما اوحى الله الى موسى عليه السلام: ألق كفيك ذلا بين يدى كفعل العبد المستصرخ


(1) عن على بن عقبة عن ابى عبد الله (ع) قال: للمسلم على اخيه المسلم من الحق: ان يسلم عليه إذا لقيه ويعوده إذا مرض الحديث (الاصول) باب حق المؤمن على اخيه. (2) قوله: ليأذن بحرب منى وهذا كما قال الله تعالى (فان لم تفعلوا فاذنوا بحرب من الله ورسوله) البقرة: 279 أي فايقنوا واعلموا بقتال من الله ورسوله، ومعنى الحرب عداوة الله ورسوله وهذا اخبار بعظم المعصية ويحتمل الخبر ان يكون كناية عن شدة الغضب بقرينة المقابلة، أو المعنى انه يحاربه أي ينتقم منه في الدنيا والاخرة، أو من فعل ذلك فليعلم أنه محارب لله، وقيل: الامر بالعلم ليس على الحقيقة بل هو خبر عن وقوع المخبر به على التأكيد: وبالامن من الاخبار عن عدم وقوع ما يحذر منه على التأكيد، والمراد بالمؤمن مطلق الشيعة أو الكامل منهم كما يؤمى إليه عبدى، والمراد بالايذاء الذى لم يأمر به الشارع كالامر بالمعرو ف والنهى عن المنكر، والمراد بالاكرام الرعاية والتعظيم خلقا وقولا وفعلا، والمراد بالاستغناء بعبادة مؤمن واحد مع انه سبحانه غنى مطلق لا حاجة له الى عبادة احد قبول عبادتهما والاكتفاء بهما لقيام نظام العالم انتهى ملخصا (مرآت) باب من اذى المؤمنين (*).

[ 183 ]

الى سيده فإذا فعلت ذلك رحمت وانا أكرم الاكرمين وأقدر القادرين يا موسى سلنى من فضلى رحمتى فانهما بيدى لا يملكها غيرى، وانظر حين تسئلنى كيف رغبتك فيما عندي لكل عامل جزاء وقد يجزى الكفور بما سعى. وسئل أبو بصير الصادق عليه السلام عن الدعا ورفع اليدين ؟ فقال: (على خمسة اوجه): اما التعوذ فتستقبل القبلة بباطن كفيك، واما الدعا في الرزق فتبسط كفيك وتفضي بباطنهما الى السماء، واما التبتل فايمائك باصبعك السبابة، واما الابتهال فترفع يديك مجاوزا (تجاوز) بهما رأسك، واما التضرع ان تحرك اصبعك السبابة مما يلى وجهك وهو الدعا الخيفة (الخفية) (1). وعن محمد بن مسلم قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: مربى رجل وانا أدعو في صلوتى بيساري فقال: يا (ابا) عبد الله بيمينك فقلت: يا عبد الله ان لله تبارك وتعالى حقا على هذه كحقه على هذه (2).


(1) الظاهر المراد بالتعوذ التحرز من شر الاعادي، ويمكن تعميمه بحيث يشمل شر الاعادي الباطنة ايضا من النفس والشيطان بل من العقوبات الاخروية وهى حالة غاية ا لاضطرار فان من رأى حجرا أو سيفا أو سنانا يتترس بيديه هكذا عن كرايم بدنه. ويحتمل ان ذ كر الرزق في الثاني على المثال والتخصيص لكون غالب رغبات عامة الخلق له، وتفضي بباطنهما الى السماء أي تجعل باطنهما نحوها، ويحتمل ان يكون المراد بقوله: مما يلى وجهك ان يستر وجهه بهما وهو يناسب الخيفة (مرآت). (2) قوله (ع): بيساري أي برفع يسارى، وكان السائل الجاهل نظر الى ان اليمين أشرف وغفل ان لجميع البدن قسطا من العذاب والاستعاذة منه، ولكلها حاجة الى الرب في الوجود والبقاء والتربية بل الشمال انسب في هذا المقام إذا كاتب السيئات في جهة الشمال، والمعاصي كلها تأتى من جهة شمال النفس وهى جهة الميل الى الشهوات واللذات والاعمال الدنية الخسيسة ترتكب بها وجوابه (ع) كان بعد الصلوة، ويحتمل ان يكون المراد بقوله: في صلوتى في تعقيب صلوتى (مرآت) (*).

[ 184 ]

وقال (ع): الرغبة تبسط يديك وتظهر باطنهما، والرهبة تبسط يديك وتظهر ظاهرهما، والتضرع تحرك السبابة اليمنى يمينا وشمالا، والتبتل تحرك السبابة اليسرى ترفعها الى السماء رسلا وتضعها رسلا (1) والابتهال تبسط يديك وذراعيك الى السماء، والابتهال حين ترى اسباب البكاء. وعن سعيد بن يسار قال الصادق عليه السلام: هكذا الرغبة وابن زباطن راحتيه الى السماء، وهكذا الرهبة وجعل ظهر كفيه الى السماء، وهكذا التضرع وحرك اصابعه يمينا وشمالا، وهكذا التبتل يرفع اصابعه مرة ويضعها اخرى، وهكذا الابتهال ومديده تلقاء وجهه، وقال: لا تبتهل حتى ترى (تجرى) الدمعة، وفى حديث آخر الاستكانة في الدعا ان يضع يديه على منكبيه (2). تنبيه هذه الهيئات المذكورة: اما لعلة لا نعلمها، أو لعل المراد ببسط كفيه في الرغبة كونه أقرب الى حال الراغب في بسط آماله وحسن ظنه بافضاله ورجائه لنواله، فالراغب يسئل بالامال فيبسط كفيه لما يقع فيهما من الاحسان - والمراد في الرهبة بجعل ظهر الكفين الى السماء كون العبد يقول بلسان الذلة والاحتقار لعالم الخفيات والاسرار: انا ما اقدم على بسط كفى اليك وقد جعلت وجههما الى الارض ذلا وخجلا بين يديك. والمراد في التضرع فانها تقلب يديها وتنوح بهما ا قبالا وادبارا ويمينا وشمالا. والمراد في التبتل برفع الاصابع مرة ووضعها اخرى بان معنى التبتل الانقطاع فكأنه يقول بلسان حاله لمحقق رجائه وآماله: انقطعت اليك وحدك لما انت أهله من الا لاهية فيشير باصبعه وحدها من دون الاصابع على سبيل الوحدانية. والمراد في الابتهال بمد يديه تلقاء وجهه الى القبلة أو مد يده وذراعيه الى السماء أو رفع يد يه


(1) الرسل بالكسر: الرفق وبالفتح: السهل من السير (ق). (2) المنكب بكسر الكاف: مجتمع رأس الكنف والعضد (اقرب) (*).

[ 185 ]

وتجاوز هما رأسه بحسب الروايات انه نوع من انواع العبودية والاحتقار والذلة والصغار، أو كالغريق الرافع يديه الحاسر عن ذراعيه المتشبث باذيال رحمته، والمتعلق بذوائب رأفته التى أنجت الهالكين اغاثت المكروبين ووسعت العالمين، وهذا مقام جليل فلا يدعيه العبد الا عند العبرة وتزاحم الانين والزفرة ووقوفه موقف العبد الذليل واشتغاله بخالقه الجليل عن طلب الامال والتعرض للسؤال. والمراد في الاستكانة برفع يديه على منكبيه انه كالعبد الجاني إذا حمل على مولاه وقد أوثقه قيد هواه وقد تصفد بالاثقال وناجى بلسان الحال هذه يد أي قد غللتهما بين يديك بظلمي وجرأتي عليك (1). واعلم أن بعض اهل العلم يقول: ينبغى للداعى إذا مجد الله سبحانه وأثنى عليه ان يذكر من اسمائه الحسنى ما يناسب مطلوبه، مثلا إذا كان مطلوبه الرزق يذكر من اسمائه تعالى مثل الرزاق والوهاب والجواد والغنى والمنعم والمفضل والمعطى والكريم


(1) قال في (مرآت) في معنى هذه الالفاظ والهيئات المذكورة: ا لرغبة ونظائرة يحتمل وجهين: الاول ان يكون المعنى انه إذا كان الغالب عليه في حال الدعا الرغبة والرجا ينبغى ان يفعل هكذا - أي كما ذكر في الرواية - فانه يظن ان يد الرحمة انبسطت فيبسط يده ليأخذه، وإذا كان الغالب عليه الخوف وعدم استيهاله للاجابة يجعل ظهر كفيه ا لى السماء اشارة الى انه لكثرة خطاياه مستحق للحرمان. الثاني ان يكون المعنى انه إذا كان مطلوبه طلب منفعة ينبغى ان يبسط بطن كفيه الى السماء وان كان مطلوبه دفع ضرر وبلاء يخاف نزوله من السماء يجعل ظهرها إليها كانه يدفعها بيديه ولا يخفى ان فيما عدا الاولين - أي التضرع والتبتل والابتهال والاستعاذه والمسألة والمراد بالاولين الرغبة والرهبه - الاول انسب ويمكن المجمع بين المعنيين بحمل الاولين على الثاني والبقية على الاول ويحتمل حمل الاولين على المطالب الدنيوية وما بعدهما على المناجاة والمطالب الاخروية. والحمل - وهو قوله: الرغبة تبسط يديك وكذلك نظائره - اما بتقدير مضاف أي ادب الرغبة مثلا أو هذه الاسماء صوت في عرف الشرع اسماء لتلك ا لافعال أو اطلق عليها مجازا (*).

[ 186 ]

والواسع ومسبب الاسباب والمنان ورازق من يشاء بغير حساب وان كان مطلوبه المغفرة والتوبة يذكر مثل التواب والرحمن والرحيم والرؤف والعطوف والصبور والشكور والعفو والغفور والستار والغفار والفتاح والمرتاح وذى المجد والسماح والمحسن والمجمل والمنعم والمفضل. وان كان مطلوبه الانتقام من العدو يذكر مثل العزيز والجبار والقهار والمنتقم والبطاش وذى البطش الشديد والفعال لما يريد ومدوح الجبابرة وقاصم المردة والطالب الغالب المهلك المدرك الذى لا يعجزه شى والذى لا يطاق انتقامه وعلى هذا القياس. ولو كان مطلبه العلم يذكر مثل العالم والفتاح والهادي والمرشد والمعز والرافع وما اشبه ذلك (1). القسم الثالث في الاداب المتأخرة عن الدعا وهى امور: الاول معاودة الدعا وملازمته مع الاجابة وعدمها اما مع الاجابة فلان ترك الدعا مع الاجابة من الجفاء بل ينبغى المقابلة بتكرار المدحة والثناء لا الله سبحانه عنف (2) من فعل ذلك في مواضع من القرآن كقوله تعالى (وإذا مس الانسان ضردعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسى ما كان يدعو إليه من قبل) (3) وقال الله تعالى (وإذا مس الانسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مركان لم يدعنا الى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون) (4). وعن الباقر عليه السلام: ينبغى للمؤمن ان يكون دعائه في الرخانحوا من دعائه في


(1) تأتى معاني اسماء الحسنى في خاتمة الكتاب بتفصيلها (2) عنفه تعنيفا: لامه وعتب عليه (المجمع). (3) الزمر: 11. (4) يونس: 12 (*).

[ 187 ]

الشدة ليس إذا اعطى فترو لا يمل من الدعا فانه من الله بمكان (1). واما مع عدم الاجابة فلانه ربما كان التأخير لان الله سبحانه يحب صوته والاكثار من دعائه فينبغي له ان لا يترك ما يحبه الله. اولا تنظر الى رواية احمد بن محمد بن ابى نصر قال: قلت لابي الحسن: جعلت فداك انى قد سئلت الله حاجة منذ كذا وكذا سنة، وقد دخل في قلبى من ابطائها شى فقال عليه السلام: يا احمد اياك والشيطان ان يكون له عليك سبيل حتى يقنطك ان ابا جعفر عليه السلام كان يقول: ان المؤمن ليسئل الله حاجة فيؤخر عنه تعجيل اجابته حبا لصوته واستماع نحيبه، ثم قال: والله ما اخر الله عن المؤمنين ما يطلبون في هذه الدنيا خير لهم مما عجل لهم فيها واى شى الدنيا ؟ (2). وعن الصادق عليه السلام: ان العبد الولى لله يدعو الله في امر ينويه (به) فقال للملك الموكل به: اقض لعبدي حاجته ولا تعجلها فانى اشتهى ان أسمع ندائه وصوته، وان العبد العدو لله ليدعوا الله في امر ينويه (به) فقال للملك الموكل به: اقض لعبدي حاجته وعجلها فانى اكره ان اسمع دعائه وصوته قال: فيقول الناس: ما اعطى هذا الا لكرامته وما منع هذا الالهوانه (3).


(1) قوله: فانه من الله بمكان أي بمنزلة عظيمة رفيعة يجب اشتغا ل عبده المومن به في جميع الاحوال (مرآت). (2) أبو الحسن هو الرضا: وابو جعفر هو الباقر عليهما السلام قوله: من ابطائها شئ أي شهبة في وعده تعالى مع عدم الاجابة. أو خفت ان لا اكون مستحقا للاجابة لشقاوتي أو حصول اليأس من روح الله قوله: ان يكون بدل اشتمال للشيطان قوله (ع): فيأخر عنه على بناء المعلوم ونسبة التأخير الى التعجيل مع ان الظاهر نسبته الى الاجابة اما باعتبار ان المراد بتعجيل الاجابة اعطاء اثر القبول في الدنيا. أو باعتبار ان المراد بالتأخير المنع، أو باعتبارهما معا (مرآت). (3) نابه امر: اصابه والنائبة: المصيبة قوله: وعجلها أي قد يكون التعجيل لذلك فلا

[ 188 ]

وعنه عليه السلام لا يزال المؤمن بخير ورجاء ورحمة من الله ما لم يستعجل فيقنط فيترك الدعا فقلت له: كيف يستعجل ؟ قال: يقول: قد دعوت الله منذ كذا وكذا ولا ارى حاجة (1). وعنه عليه السلام: ان المؤمن ليدعو الله عزوجل في حاجته فيقول عزوجل: اخروا اجابته شوقا الى صوته ودعائه، فإذا كان يوم القيامة قال الله تعالى: عبدى دعوتني واخرت اجابتك وثوابك كذا وكذا، ودعوتني في كذا وكذا فاخرت اجابتك وثوابك كذا وكذا قال عليه السلام: فيتمنى المؤمن انه لم يستجب له دعوة في الدنيا مما يرى من حسن الثواب (2). وعنه عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: رحم الله عبدا طلب الى الله حاجة فالح في الدعا استجيب له أو لم يستجب له وتلا هذه الاية (وادعو ربى عسى ان لا اكون بدعاء ربى شقيا) (3).


يعجب المرء بتعجيل ظهور اثر دعائه، ولا يقنط من تأخيره والافكثيرا ما يظهر اثر دعاء الانبياء والاوصياء والاولياء من غير تأخير لظهور كرامتهم ولكونه معجزا لهم (مرآت).

(1) ينبغى ان لا يفتر الداعي عن الدعا لبطوء الاجابة فانه اما ان يكون التأخير لعدم المصلحة في هذا الوقت فسيعطى ذلك في وقت متأخر في الدنيا أو سوف يعطى عوضه في الاخرة، وعلى التقديرين فهو في خير لانه مشغول بالدعاء الذى هو اعظم العبادات ويترتب عليه اجزل المثوبات ورجاء رحمة في الدنيا والاخرة (مرآت). (2) قوله: شوقا مفعول له لقوله: فيقول وقيل: الشوق انما يتعلق بشئ ادرك من وجه ولم يدرك من وجه آخر فان غير المدرك اصلا والمدرك من جميع الوجوه لا يتصور ا لشوق إليه. فالشوق نقص ممتنع عليه سبحانه واجيب بان الشوق يستلزم المحبة وإذا نسب إليه سبحانه يراد به ذلك اللازم - ثم قال: - المحبة ايضا فيه عزوجل مجاز وحاصل الجواب انه سبحانه يعلم صلاح العبد في تأخير الاجابة وكثرة الدعا فيؤخرها ليكثر دعائه ويثيبه على ذلك انتهى موضع الحاجة بعد التلخيص (مرآت). (3) مريم: 40 وقد تقدم في ص 143 روايات الالحاح في الدعا راجع (*).

[ 189 ]

وعنه عليه السلام: ان الله يحب السائل اللحوح. وقال كعب الاحبار: في التورية يا موسى من احبني لم ينسنى، ومن رجا معروفى الح في مسئلتي يا موسى انى لست بغافل عن خلقي ولكن احب ان تسمع ملائكتي ضجيج الدعاء من عبادي وترى حفظتي تقرب بنى آدم الى بما انا مقويهم عليه ومسببه لهم يا موسى قل لبنى اسرائيل: لا تبطرنكم (1) النعمة فيعاجلكم السلب، ولا تغفلو ا عن الشكر فيقارعكم (2) الذل، والحوا في الدعاء تشملكم الرحمة بالاجابة وتهنيكم العافية. وعن الباقر عليه السلام: لا يلح عبد مؤمن على الله في حاجته الاقضاها له (3). وعن منصور الصيقل قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ربما دعا الرجل فاستجيب له ثم اخر ذلك الى حين ؟ قال: فقال: نعم قلت: ولم ذلك ليزداد من الدعا قال نعم (4). وعن اسحاق بن عمار قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ايستجاب للرجل الدعا ثم يأخر ؟ قال: نعم عشرون سنة (5). وعن هشام بن سالم عنه عليه السلام: قال كان بين قول الله عزوجل (قد اجيبت دعوتكما) (6). وبين اخذ فرعون اربعون عاما.


(1) البطر هو كما قيل سوء احتمال الغنى والطغيان عند النعمة (المجمع). (2) القارعة: البلية التى تقرع القلب بشدة المخافة (المجمع). (3) قد تقدمت الرواية وشرحها ذيلا في ص 143. (4) قوله: ربما دعا الرجل فيه تقدير استفهام وثم للتعجب، وكان المراد بالاستجا به هنا تقديرها وذلك اشارة الى حصولها وظهور آثارها، وهو والاجابة بمعنى قوله: ليز داد بتقدير الاستفهام والازدياد لازم قوله: من الدعا من في مقام التميز كقولهم عزمن قائل، وقيل للسببية أي ليزيد قدرهم ومنزلتهم بسبب الدعا (مرآت). (5) عدم الذكر الزائد عن العشرين لندرته (مرآت). (6) يونس: 89 (*).

[ 190 ]

وعن ابى بصير عنه عليه السلام: ان المؤمن ليدعو فيؤخر باجابته الى يوم الجمعة (1). نصيحة: ينبغى للعاقل ان يكون دعاء ولا يقطع الدعا اصلا لوجوه: الاول لما عرفت من فضيلة الدعا، وانه عبادة، بل هو مخ العبادة (2). الثاني ان تفوز بمزية تقديم الدعا على البلاء فجاز ان يكون هناك بلاء مقدر لاتعلمه فيرده الدعاء عنك (3). الثالث انك إذا أكثرت في الدعا صار صوتك معروفا في السماء فلا يحجب عند احتياجك إليه (4). الرابع ان تنال نصيبا من دعائه صلى الله عليه واله: رحم الله عبدا طلب من الله الخبر (5). الخامس ان صوتك ان كان محبوبا لله فقد وافقت ارادته سبحانه وفعلت ما يحبه، وان لم يكن محبوبا (6) اولم تكن للاجابة اهلا فهو كريم رحيم فلعله يرحمك بتكرارك لدعائه ولا يخيب رجائك لنعمائه وينعش (7) استغاثتك ويجيب دعوتك كيف لا ؟ ومناديه في كل ليلة ينادى: هل من داع فاجيبه ؟ يا طالب الخير أقبل (8) أو ما ترى الى قوله عليه السلام: ومتى تكثر قرع الباب يفتح لك (9).


(1) قوله: الى يوم الجمعة ليخصه بفضل الدعا يوم الجمعة ويضاعف له فيه (مرآت) (2) قد مضت روايته مع شرحها ذيلا في ص 24. (3) قد تقدم ما يدل على تقديم الدعا من الاخبار في ص 121. (4) قد ذكر في ص 121 ما يؤيد المتن من الرواية. (5) قد تقدم في ص 188 هذا الخبر. (6) قد ذكر في ص 188 رواية دالة على هذه الجملة (7) وفى الدعا اسئلك نعمة تنعشني بها وعيالي أي ترفعني بها عن مواطن الذل (المجمع) (8) ان ماتين الجملتين بعض من خبر المتقدم في ص 40. (9) هذا جزء من الرواية المذكورة في ص 12 (*).

[ 191 ]

وعن النبي صلى الله عليه واله: ان العبد ليقول: الهم اغفر لى وهو معرض عنه ؟ ثم يقول: اللهم اغفر لى وهو معرض عنه، ثم يقول: اللهم اغفر لى، فيقول (الله) سبحانه للملائكة: ألا ترون الى عبدى سئلني المغفرة وانا معرض عنه ؟ ثم سئلني المغفرة وانا معرض عنه، ثم سئلني المغفرة علم عبدى انه لا يغفر الذنوب الا أنا اشهدكم انى قد غفرت له. السادس ان صوتك على تقدير كونه محبوبا يحبس عنك الاجابة لتداوم فإذا كنت مداوما لم تبق لحبس الاجابة عنك فائدة لعلمهم باستمرا دعائك، والتأخير انما كان لاجل الاستمرار، اللهم الا ان يكون لادخار ما اعده لك من الثواب في يوم الجزاء والحساب فح يكون فرحك وسرورك اعظم لان ما كان من عطاء الاخرة فهو دائم وما كان من خير الدنيا فهو منقطع وما أعظم تفاوت ما بين الدائم والمنقطع ان كنت تعقل ! ؟. السابع ان تفوز بمحبة الله تعالى لقوله عليه السلام: ان الله يحب من عباده كل دعاء. الثامن التأسي بامامك لقول الصادق عليه السلام: وكان امير المؤمنين رجلا دعاء. فان قلت يمنعنى عن الدعا ما ذكرت من اشتراط الاقبال بالقلب (1) والانتصاب الى مناجات الرب، وما ذكرت من قوله عليه السلام: لا يقبل الله دعاء قلب لاه (2) وقوله عليه السلام: لا يقبل الله دعاء قلب قاس (3) وأرانى لا يتيسر لى الاقبال في غالب الاحوال، والقساوة مستولية على قلبى وهى موجبة للبعد عن ربى. فاعلم انك مع اتصافك بما ذكرت من الاوصاف متى تركت ذلك كان أعون لعدوك عليك وأحرى (اجرى) لظفره بك وتعينه عليك نفسك الامارة المستوخمة (4). للدعا المستثقلة للبكاء الميالة الى الشهوات، وانما مثلك ومثله كقرينين (قرنين).


(1) اشارة الى ما تقدم ص 167 في الامر ا لثاني عشر من اقبال القلب عند الدعا. (2) قد مرت هذه الرواية في ص 167 مع شرحها ذيلا. (3) قد ذكر هذا الخبر في ص 126 مع معنى القساوة ذيلا. (4) في الحديث: من اضله الله واعمى قلبه استوخم الحق أي استثقله فلم يستعذبه وصار الشيطان وليه (المجمع) (*).

[ 192 ]

تصاولا (1) فإذا عرفت من نفسك الكسل والجبن عن محاربته فاياك اياك ان تلقاه مع ذلك بغير سلاح فانه ينتهز فرصة الظفر بك ويصرعك لا محالة بل تسلح وتجلد وأظهر له انك قادر على قتاله غير مول عنه فلعله يجبن فيولى عنك فيسلم، أو لعلك إذا تجلدت قوى قلبك ونشطت نفسك وذهب عنك ما كنت تجده من التكاثل والتخاذل، أو لعلك إذا فعلت ذلك رحمك الله فايدك بنصره. ولهذا السر سماه النبي صلى الله عليه واله بالسلاح حيث يقول: الا ادلكم على سلاح ينجيكم من أعدائكم ويدر أرزاقكم قالوا، بلى يا رسول الله قال: تدعون ربكم بالليل والنهار فان سلاح المؤمن الدعا (2). واعلم ان أعدائك اربعة: الهوى، والدنيا، والشيطان، ونفسك الامارة، وهذه الاربعة مجموعة في دعائهم عليهم السلام (فيا غوثاه ثم واغوثاه بك يا الله من هوى قد غلبنى، ومن عدو استكلب على، ومن دنيا قد تزينت لى، ومن نفس امارة بالسوء الا ما رحم ربى) فانظر الى هذا الدعا كيف خرج عند ذكر هؤلاء مخرج الاستغاثة، ولا تكون الاستغاثة ابدا الا ممن يخاف على نفسه من أشد الاعداء القهر والابتلاء، ومن استسلم في قبض عدوه هلك لا محالة، فعليك بالدعا والتضرع وان لم يكن لك اقبال، ولا تنتظر خلو البال فان ذلك قليل الوجود عزيز المثال، فادع كيفما أمكنك وعلى كل حال فان مجرد الدعا وذكر الله سبحانه مطردة للشيطان عنك. وقد روى عن النبي صلى الله عليه واله: على كل قلب جاثم من الشيطان فإذا ذكر اسم الله خنس الشيطان وذاب، وإذا ترك الذكر التقمه الشيطان فجذبه واغواه واستزله واطغا ه (3).


(1) تصاولا: تواثبا (اقرب). (2) قد تقدم ذكر هذا الخبر مع مع معنى بعض جملاته ذيلا في ص 12. (3) وستطلع على فضيلة الذكر ورواياته بتفضيلها في باب الخامس، جثم: لزم مكا نه فلم يبرح فهو جاثم. قوله: الوسواس الخناس يعنى الشيطان لانه يخنس إذا ذكر الله أي يذهب ويستر (المجمع) (*).

[ 193 ]

وكم نشرع في الدعاء بالتكلف من غير اقبال ويكون آخره البكاء والابتهال والالحاح في السؤال، بل ترك الدعا والسؤال مقس للقلب ومظلم له حتى لا يكاد على طول تركه تميل النفس إليه اصلا، وإذا اعتيد الفته وعشقته وعاد هواها ومشتهاها. وقال النبي صلى الله عليه واله: الخير عادة. وكثيرا ما نرى من تتوق (1) نفسه في اوقات الى البكاء والدعا كما تتوق نفس المريض الى العافية والشفاء، والعطشان الى لذيذ الشراب والماء، وإذا جلس متخليا بربه يلقى ذلك راحة لنفسه، وفراغا لسره وراحة لعقله، وطمأ نينة لقلبه، ونورا مشرقا قد جلله، وتاج تكلله، وصار جليسا لربه، ومحادثا لخالقه ومقترحا على رازقه. ومناديا لمالك دار الفناء ودار البقاء ومشرفا بحضرت سلطان السماء. سئل الصادق عليه السلام: ما بال المجتهدين (المجتهدين) انهم من أحسن الناس وجها ؟ قال: لانهم خلوا بالله سبحانه فكساهم من نوره. عن الصادق عن ابيه الباقر عليهما السلام قال: كان فيما اوحى الله الى موسى بن عمر ان عليه السلام: كذب من زعم انه يحبنى فإذا جنه الليل نام، يابن عمران لو رأيت الذين يصلون لى في الدجى وقد مثلت نفسي بين اعينهم يخاطبوني وقد جليت عن المشاهدة، وتكلموني وقد عززت عن الحضور، يابن عمران هب لى من عينيك الدموع من قلبك الخشوع ومن بدنك الخضوع، ثم ادعنى في ظلم الليالى تجدني قريبا مجيبا. وعن على بن محمد النوفلي قال: سمعته عليه السلام: يقول: ان العبد ليقوم في الليل فيميل به النعاس يمينا وشمالا وقد وقع ذقنه على صدره فيأمر الله ابواب السماء فتفتح، ثم يقول للملئكة انظروا الى عبدى ما يصيبه من (في) التقرب الى بما لم افترضه عليه راجيا منى ثلاث خصال: ذنب اغفر له، أو توبة اجد دهاله، أو رزقا ازيده فيه اشهدوا


(1) تاق يثوق إليه: اشتاق إليه (اقرب) (*).

[ 194 ]

يا ملائكتي انى قد جمعتهن له (1). وقال الصادق عليه السلام يوما للمفضل بن صالح: يا مفضل ان لله عبادا عاملوه بخالص من سره فعاملهم بخالص من بره فهم الذين تمر صحفهم يوم القيامة فرغا، وإذا وقفوا بين يديه تعالى ملاهامن سر ما اسروا إليه فقلت: يا مولاى ولم ذلك ؟ فقال: اجلهم ان تطلع الحفظة على ما بينه وبينهم. يا هذا لا تغفل عن هذه المقامات الشريفة التى هي انفس من الجنة كيف لا ؟ وهى السبب في الوصول إليها، والى ما هو اكبر منها انها سبب لرضوان الله (رضى الله عنهم ورضوا عنه) (2) (ورضوان من الله اكبر ذلك هو الفوز العظيم) (3). وفى حديث القدسي عبادي الصديقين تنعموا بعبادتي في الدنيا فانكم بها تتنعمون في الجنة. وقال سيد الاوصياء عليه السلام: الجلسة في الجامع خير لى من الجلسة في الجنة فان الجلسة فيها رضى نفسي والجامع فيها رضى ربى. وقيل لراهب: ما اصبرك على الوحدة ؟ قال: انا جليس ربى إذا شئت ان يناجيني قرئت كتابه، وإذا شئت ان اناجيه صليت. وعن العسكري عليه السلام: من انس بالله استوحش من الناس، وعلامة الانس بالله الوحشة من الناس (4). أولا تنظر الى ما وصفه ضرار بن ضمرة الليثى ؟ من مقامات سيد الاوصياء عليه السلام حين دخل على معاوية (لعنة الله) فقال: صف لى عليا فقال: أو تعفيني من ذلك ؟ فقا ل: لا أعفيك


(1) قد تقدم في ص 43 ما بمضمونه يؤيد هذه الرواية وعنده يذكر ذيلا معنى مباهات الله تعالى الملائكة. (2) المائدة: 120. (3) التوبة: 73. (4) وفى الحديث: ان اوحشتهم الغربة انسهم ذكرك أي سرهم ذكرك (المجمع) (*).

[ 195 ]

فقال: كان والله بعيد المدى (1) شديد القوى يقول: فصلا ويحكم عدلا يتفجر العلم من جوانبه وتنطق الحكمة من نواحيه يستوحش من الدنيا وزهرتها ويستأنس بالليل ووحشته، وكان والله غزير العبرة (2) طويل الفكرة يقلب كفيه ويخاطب نفسه ويناجى ربه، يعجبه من اللباس ما خشن ومن الطعام ما جش (3) كان والله فينا كأ حدنا يدنينا إذا أتيناه ويجيبنا إذا سئلناه، وكنامع دنوه منا وقربنا منه لا نكلمه لهيبته ولا نرفع أعيننا إليه لعظمته، فان تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، يعظم أهل الدين ويحب المساكين لا يطمع القوى في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله. وأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله (4) وغارت نجومه وهو قائم في محرابه قابض على لحيته يتململ تململ السليم (5) ويبكى بكاء الحزين، فكأني الآن أسمعه وهو يقول: يا دنيا يا دنيا أبى تعرضت ام الى تشوقت ؟ هيهات هيهات (لاحان حينك) غرى غيرى لا حاجة لى فيك قد طلقتك ثلاثا لا رجعة (لى فيك) فيها، فعمرك قصير وخطرك يسير وأملك حقير آه آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق وعظيم المورد فوكفت دموع معاوية (لعنة الله) على لحيته فنشفها بكمه واختنق القوم بالبكاء، ثم قال: كان والله أبو الحسن كك، فكيف كان حبك اياه ؟ قال: كحب ام موسى


(1) المدى بفتحتين: الغاية والنهاية، ومنه الحديث من اوصى بثلث ماله فقد بلغ المدى (المجمع). (2) العبرة بالفتح فالسكون: تحلب الدمع، أو تردد البكاء في الصدر ج عبرات (المجمع). (3) في الحديث كان رسول الله (ص) يأكل الجشب - هو بفتح الجيم وسكون الشين - الغليظ الخشن (المجمع). (4) أرخيت الستر: أرسلته. السدول جمع سدل - بفتحتين - هو ما اسبل على الهودج (پرده) (المجمع). (5) يتململ على فراشه إذا لم يستقر من الوجع (ص) السليم: اللديغ أو الجريح الذى اشرف على الهلاك (المجمع) (*).

[ 196 ]

لموسى وأعتذر الى الله من التقصير قال: فكيف صبرك عنه يا ضرار ؟ قال: صبر من ذبح ولدها على صدرها فهى لا ترقئ (1) عبرتها ولا تكن حرارتها (2) ثم قام وخرج وهو باك فقال: معاوية: أما انكم لو فقدتموني لما كان فيكم من يثنى على من هذا الثناء فقال له بعض من كان حاضرا: الصاحب على قدر صاحبه. الثاني من الاداب المتأخرة عن الدعا: ان يمسح الداعي بيديه وجهه. روى ابن القداح عن الصادق عليه السلام قال: ما أبرز عبديده الى الله العزيز الجبا ر الا استحيى الله عزوجل ان يردها صفرا، فإذا دعا احدكم فلا يرد يده حتى يمسح على وجهه ورأسه (3). وعن الباقر عليه السلام: ما بسط عبديده الى الله عزوجل الا استحيى الله ان يردها صفرا حتى يجعل فيها من فضله ورحمته ما يشاء، فإذا دعا احدكم فلا يرد يده حتى يمسح بها على ر أسه ووجهه (4) وفى خبر آخر على وجهه وصدره. وفى دعائهم عليهم السلام: ولم ترجع بد طالبة صفرا من عطائك ولا خائبة من نحل هباتك. الثالث: ان يختم دعائه بالصلوة على النبي صلى الله عليه واله (وآله).


(1) رقأ الدمع رقاء: جف وسكن (ق). (2) كن العلم كنا: اسره (اقرب). (3) قوله: استحيى الحياء انقباض النفس عن القبيح خوفا من الذم وإذا نسب إليه تعالى يراد به الترك اللازم للانقباض. قوله: صفرا لشئ بالكسر: خلا والمصدر صفر بالتحر يك ويستوى فيه المذكر والمؤنث والتثنية والجمع، وفيه اشعار بانه تعالى اما يستجيب هذه الحاجة ان علم صلاحه فيه أو يجعل في يده ما هو خير له من تلك الحاجة ويدل الحديث على استحباب مسح الرأس والوجه باليدين بعد رفعهما بالدعاء، وقد ورد النهى عنه في صلوة الفريضة فهو محمول على غيره (مرآت). (4) هذا الحديث كسابقه مضمونا وتقدم معناه ذيلا (*).

[ 197 ]

لقول الصادق عليه السلام: من كان له الى الله حاجة فليبدء بالصلوة على محمد وآله صلى الله عليه واله، ثم يسئل حاجته، ثم يختم بالصلوة على محمد وآله، فان الله عزوجل أكرم من ان يقبل الطرفين ويدع الوسط إذ كانت الصلوة على محمد وآله لا تحجب عنه (1). الرابع: ان يعقب دعائه بما روى. عن الصادق عليه السلام إذا دعا الرجل فقال بعدما يدعو (ما شاء الله لاقوة الا بالله العلى العظيم) قال الله: استبتل عبدى واستسلم لامرى اقضوا حاجته. وفى خبر آخر عن على امير المؤمنين عليه السلام: من أحب ان يجاب دعائه فليقل بعد ما يفرغ (ما شاء الله استكانة لله ما شاء الله تضرعا الى الله ما شاء الله توجها الى الله ما شاء الله لاحول ولا قوة الا بالله العلى العظيم. الخامس: ان يكون بعد الدعا خيرا منه قلبه فان الذنوب الواقعة بعد الدعا ربما منعت من تنفيذه أولا تسمع ما في دعائهم ؟ (وأعوذ بك من الذنوب التى ترد الدعاء وأعوذ بك من الذنوب التى تحبس القسم). روى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه واله انه قال: اتقوا الذنوب فانها ممحقة للخيرات ان العبد ليذنب الذنب فينسى به العلم الذى كان قد علمه، وان العبد ليذنب الذنب فيمتنع به من قيام الليل، وان العبد ليذنب الذنب فيحرم به الرزق (2) وقد كان هينا له، ثم تلاهذه (انابلونا هم كما بلونا اصحاب الجنة) الى آخر الآيات (3).


(1) قوله لا تحجب عنه أي هي مرفوعة الى الله مقبولة ابدا لا يحجبها ويمنعها عن القبول شئ، ويدل الحديث على استحباب افتتاح الدعا واختتامه بالصلوات على محمد وآله (مرآت). وقد مرت روايات الصلوات في ص 149 بتفصيلها وذكرنا في ص 153 سبب حجب الدعاء بدون الصلوة عليهم ذيلا راجع. (2) قد يكون تقتير الرزق بسبب الذنب أو لتكفير ذنبه، وليس هذا كليا بل هو بالنسبة الى غير المستدرجين فان كثيرا من اصحاب الكباير يوسع عليهم الرزق (مرآت) وستط لع على اقسام الذنوب وعقوباتها وآثارها عن قريب. (3) القلم: 17 (*).

[ 198 ]

وروى في زبور داود عليه السلام يقول الله تبارك وتعالى: يابن آدم تسئلنى وأمنعك لعلمي بما ينفعك، ثم تلح على بالمسألة فاعطيك ما سئلت فتستعين به على معصيتى فأهم بهتك سترك فتدعوني فأستر عليك، فكم من جميل أصنع معك وكم من قبيح تصنع معى ! يوشك ان أغضب عليك غضبة لا أرضى بعدها ابدا (1). وفيما أوحى الى عيسى عليه السلام: ولا يغرنك المتمرد على بالعصيان يأكل رزقي ويعبد غيرى ثم يدعوني عند الكرب فاجيبه، ثم يرجع الى ماكان عليه فعلى يتمرد ام لسخطى يتعرض ؟ فبى حلفت لآخذته أخذة ليس منها منجا، ولا دوني ملجأ اين يهرب ؟ من سمائي وارضى. عن ابى جعفر عليه السلام: ان العبد ليسئل الله تعالى حاجة من حوائج الدنيا فيكون من شأن الله تعالى قضائها الى أجل قريب، أو بطئ فيذنب العبد عند ذلك الوقت ذنبا فيقول للملك الموكل بحاجته: لا ينجزها فانه قد تعرض لسخطى وقد استوجب الحر مان منى (2).


(1) عن ابن بكير عن عبد الله (ع) قال: من هم بسيئة فلا يعملها فانه ربما عمل العبد السيئة فيراه الرب فيقول: وعزتي وجلالى لااغفر لك بعد ذلك ابدا. قوله: السيئة أي نوعا من السيئة تكون مع تحقيرها والاستهانة بها أو غير ذلك. قوله: لا اغفر لك أي يستحق لمنع اللطف وعدم التوفيق للتوبة ولا يستحق المغفرة وفيه تحذير عن جميع السيئات فان كل سيئة يمكن ان تكون هذه السيئة (مرآت) باب الذنوب. (2) قال في (مرآت): لا يقال: هذا ينافى ما في بعض الروايات من ان العاصى إذا دعاء اجابه بسرعة كراهة صوته وهى تناسب سرعة الاجابة، فربما ينظر الى الاول - أي التعر ض لسخطه - فلا يجيبه، وربما ينظر الى الثاني - أي الكراهية لاستماع صوته - فيجيبه وليس في الاخبار ما يدل على ان العاصى يجاب دائما، ولو سلم لا مكن حمل هذا الخبر على ان ا لمؤمن الصالح إذا أذنب وتعرض لسخط ربه استوجب الحرمان ولا يقضى الله حاجته تأديبا له لينزجر عما يفعله (*).

[ 199 ]

فصل واعلم انه قد ورد في ادعيتهم عليهم السلام الاستعاذة من انواع الذنوب وقد ورد تفسيرها عن مولانا زين العابدين على بن الحسين عليهما السلام فقال: ان الذ نوب التى تغير النعم: البغى على الناس (1) والزوال عن العادة في الخير، واصطناع المعروف (2) وكفران النعم، وترك الشكر قال الله تعالى (ان الله لا يغير ما بقوم تى يغير واما بأنفسهم) (3). والذنوب التى تورث الندم: قتل النفس التى حرم الله قال الله تعالى في قصة قابيل حين قتل اخاه فعجز عن دفنه (فاصبح من النادمين) (4) وترك صلة الرحم حين يقدر، وترك الصلوة حتى يخرج وقتها، وترك الوصية ورد المظالم، ومنع الزكوة حتى يحضر الموت وينغلق اللسان. والذنوب التى تزيل النعم: عصيان المعارف، والتطاول على الناس، والا ستهزاء بهم، والسخرية منهم والذنوب التى تدفع القسم: اظهار الافتقار، والنوم عن صلوة العتمة (5) وعن صلوة الغداة، واستحقار النعم. والشكوى (على) المعبود عزوجل والذنوب التى تهتك العصم: شرب الخمر، ولعب القمار، وتعاطى ما يضحك الناس، واللغو، والمزاح، وذكر عيوب الناس، ومجالسة اهل الريب. والذنوب التى تنزل البلاء: ترك اغاثة الملهوف، وترك اعانة (معاونة) المظلوم، وتضييع الامر بالمعروف والنهى عن المنكر والذنوب التى تديل الاعداء، المجاهرة بالظلم، واعلان الفجور، واباحة المحظور، وعصيان الاخيار، والانقياد الى الاشرار. والذنوب التى تعجل الفناء: قطيعة الرحم،


(1) حمل البغى على الذنوب باعتبار كثرة افراد وكذلك نظائره، والبغى في اللغه تجاوز الحد ويطلق غالبا على التكبر والتطاول وعلى الظلم قال تعالى (يبغون في الار ض بغير الحق) الشورى: 42 وعنه (ع) ولو بغى جبل على جبل لهد الله الباغى (مرآت). (2) الاصطناع افتعال من الصنعة وهى: العطية والكرامة والاحسان (المجمع). (3) الرعد 12. (4) المائدة 34. (5) العتمة هي بفتحتين: وقت صلوة العشاء (المجمع) (*).

[ 200 ]

واليمين الفاجرة والاقاويل الكاذبة، والزنا، وسد طرق المسلمين، وادعاء الامامة بغير حق. والذنوب التى تقطع الرجا: اليأس من روح الله، والقنوط من رحمة الله، وا لثقة بغير الله تعالى، والتكذيب بوعد الله. والذنوب التى تظلم الهواء: السحر، وا لكهانة، والايمان بالنجوم، والتكذيب ب (وعد الله) القدر وعقوق الوالدين. والذنوب التى تكشف الغطاء: الاستدانة بغير نية الاداء، والاسراف في النفقة، والبخل على الاهل والاولاد وذوى الارحام، وسوء الخلق، وقلة الصبر، واستعمال الضجر والكسل، والاستهانة (الا هانة) ب (ل) اهل الدين. والذنوب التى ترد الدعا: سوء النية، وخبث السريرة، والنفاق مع الاخوان، وترك التصديق بالاجابة، وتأخير الصلوات المفروضة حتى تذهب اوقاتها. (والذنوب التى تحبس غيث السماء: جور الحكام في القضاء، وشهادة الزور، وكتمان الشهادة، ومنع الزكوة والقرض والماعون (1) وقساوة القلب على اهل الفقر والحاجة، وظلم اليتيم والارملة (2) وانتهار السائل ورده بالليل) نعوذ بالله من ذلك كله بلطفه وكرمه. فصل في المباهلة (3): اما وقتها فيتوخى المروى ان أمكن. وهو ما رواه أبو حمزة الثمالى عن ابى جعفر عليه السلام قال: الساعة التى تباهل فيها ما بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس. واما كيفيتها فما رواه محمد بن ابى عمير عن محمد بن حكيم عن ابى مسروق عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قلت انا نكلم الناس فنحتج عليهم بقول الله تعالى (اطيعوا


(1) الماعون اسم جامع لمنافع البيت كالقدر والدلو والملح والسرا ج والخمرة ونحو ذلك مما جرت العادة بعاريته واصل الماعون معونة والالف عوض الهاء المحذوفة (ا لمجمع). (2) الارامل: المساكين من رجال ونساء والواحد أرمل وأرمله (المجمع). (3) المباهلة: الملاعنة وهوان يجتمع القوم إذا اختلفوا في شئ فيقولون: لعنة الله على الظالم منا (مرآت) (*).

[ 201 ]

الله واطيعوا الرسول واولى الامر منكم) فيقولون: نزلت في امراء السرايا (1) فنحتج عليهم بقول الله (انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلوة) (2). الخ فيقولون: نزل في المؤمنين، فنحتج عليهم بقول الله تعالى (قل لا اسئلكم عليه اجرا الا المودة في القربى) (3) فيقولون: نزلت في القربى المسلمين قال: فلم ادع شيئا مما حضرني ذكره الا ذكرته له فقال عليه السلام: لى إذا كان لكم ذلك فادعهم الى المباهلة قلت: وكيف أصنع ؟ فقال: أصلح نفسك ثلاثا، واظنه قال: صم واغتسل، وابرزانت وهوالى الجبان فشبك أصابعك من يدك اليمنى في أصابعه، وابدء بنفسك فقل: (اللهم رب السماوات والارض ورب الارضين السبع عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم ان كان مسروق جحد حقا وادعى باطلا فانزل عليه حسبانا من السماء أو عذابا اليما) ثم رد الدعوة فقل: (وان كان فلان جحد حقا وادعى باطلا فانزل عليه حسبانا من السماء أو عذابا اليما) ثم قال لى: فانك لا تلبث ان ترى ذلك فيه فو الله ما وجدت خلقا يجيبنى إليه.


(1) النساء: 58. السرية: طايفة من الجيش يبلغ اقصاها اربع مأ ة تبعث الى العدوو جمعها السرايا سموا بذلك لانهم يكون خلاصة العسكر وخيارهم، من الشئ السرى النفيس. قوله: أصلح نفسك ثلاثا أي ثلاث ليال بأيا مهن، والاصلاح بالتوبة والاستغفار والدعاء والاشتغال بالاعمال الصالحة ولخصوص الثلاثة مدخلا عظيما في ذلك كما اعتبرت في أقل الاعتكاف، والكفا رات وصوم الحاجة، والاستسقاء وغيرها قوله: وأظنه قال: صم واغتسل أي صم في الايام الثلاثة واغتسل على المقبرة. قوله: يجيبنى إليه أي يرضى بان يباهلني لخوفهم على أنفسهم وعلمهم أو ظنهم بانى على الحق كما امتنع نصارى نجران عن المباهلة لذلك (مرآت) بعد التلخيص. (2) المائدة 60. (3) الشورى: 22 (*).

[ 202 ]

وعن ابن عباس فشبك أصابعك في أصابعه وحل، ثم تقول (اللهم ان كان فلان جحد حقا أو اقر بباطل فأصبه بحسبان من السماء أو بعذاب اليم من عندك وتلا عنه سبعين مرة. خاتمة وإذا قد عرفت الشرايط المتقدمة والمقارنة والمتأخرة، ومن جملتها اخفاء الدعاء والاسرار به (1) وهو سلطان الآداب وحافظها لان به يتحفظ من عدو الاعمال وما حقها، وجاعلها هباء بل جاعلها وبالا وهو الرياء، فليته إذا فاته الثو اب سلم من العقاب، ويضاهيه في الآفة العجب فانه يحبط العمل ويوجب المقت فهنا قسمان: الاولى الرياء (2) وحقيقته التقرب الى المخلوقين باظهار الطاعة وطلب المنزلة


(1) قد مضى في ص 143 الاسرار بالدعاء ورواياته. (2) اعلم ان الرياء من الرؤية واصله طلب المنزلة في قلوب الناس بارائتهم خصا ل الخير، والمرائي به كثيرة يجمعها خمسة اقسام: وهى ما يتزين العبد به للناس، وهو البدن، والزى، والقول، والعمل، والاتباع والاشياء الخارجة. والرياء في الدين من جهة البدن، وذلك باظهار النحول والصغار ليوهم بذلك شدة الاجتهاد وعظم الحزن على امر الدين وغلبة خوف الآخرة - ونحوها - واما اهل الدنيا فيرائون باظهار السمن وصفاء اللون واعتدل القامة. والرياء بالزى والهيئة - لاهل الدين - بتشعث شعر الرأس وحلق الشارب واطراق الرأس في المشى وابقاء اثر السجود على الوجه - ونحوها - واما اهل الدنيا فريائهم بالثياب النفيسة وانواع التوسع. والرياء بالقول لاهل الدين بالوعظ والتذكير والنطق بالحكمة وحفظ الاخبار والآثار لاجل الاستعمال في المحاورة - وامثالها - واما اهل الدنيا فمراياتهم بالقول بحفظ الا شعار والامثال والتفاصح في العبارات - ونظائرها - والرياء بالعمل لاهل الدين كرياء المصلى بطول القيام واطراق الرأس وتسوية

[ 203 ]

في قلوبهم، والميل الى (اعطائهم) اعظامهم له وتوقيرهم اياه، واستجلاب تسخيرهم لقضاء حوائجه، والقيام بمهماته، وهو الشرك الخفى. قال رسول الله صلى الله عليه واله: من صلى صلوة يرائى بها فقد أشرك (1) ثم قرء هذه الآية (قل انما انا بشر مثلكم يوحى الى انما الهكم اله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه احدا) (2). وعنه عليه السلام قال: يقول الله سبحانه: انا خير شريك، ومن أشرك معى شريكا في عمله فهو لشريكي دوني لانى لا أقبل الاما خلص لى (3) وفى حديث آخر انى أغنى الشركاء فمن عمل عملا، ثم أشرك فيه غيرى فأنا منه برئ، وهو للذي أشرك به دوني. وقال صلى الله عليه واله: ان لكل حق حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الاخلاص حتى لا يحب أن يحمد على شى من عمل الله فاعلم أن الاسرار كما ندب إليه في الابتداء كك ندب إليه فيما بعد الدعاء فعليك ببقائه على اخفائه، ولا تمحقه باعلانه، وتوخ الخلوة (4) عن الناس فانها عون عظيم


القدمين والوقار في الكلام - ونحوها - واما اهل الدنيا فريائهم بالتبختر والاختيال وتحريك اليدين - وأمثالها -. والمراياة بالاتباع والاصحاب لاهل الدين كالذى يتكلف ان يزور عالما ليقال: ان فلانا زار فلانا أو عابدا من العباد لذلك - وغير ذلك - واهل الدنيا من يقصد التوصل بذلك الى جمع حطام الدنيا وكسب مال ولو من الاوقاف واموال اليتامى هذا ملخص الكلام ومن اراد تفصيله ومزيد الاطلاع يرجع باب الرياء من (مرآت).

(1) هذا هو الشرك الخفى فانه لما أشرك في قصد العبادة غيره تعا لى فهو بمنزلة من أثبت معبودا غيره سبحانه كالصنم (مرآت). (2) مريم: 110. (3) قوله: أنا خير شريك لانه سبحانه غنى لا يحتاج الى الشركة فلا يقبل العمل المخلوط لرفعته وغناه والاستثناء في قوله الا ما خلص منقطع (مرآت). (4) الوخى: القصد (*).

[ 204 ]

على ذلك وان كنت مع الناس ترى نفسك ايضا مخلصا لا يشوبك شائبة قط فذلك أعلى درجات المخلصين ان يستوى غيبة الخلق وحضورهم عنده، وانما يتم ذلك بحقيقة المعرفة بالله وبالخلق، وشرف النفس وعلو الهمة، فاستوى عنده وجودهم وعدمهم. ولعل الى هذا اشار صلى الله عليه واله بقوله: يا أبا ذر لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يرى الناس أمثال الاباعر فلا يحفل بوجودهم (1) ولا يغيره ذلك كما لا يغيره وجود بعير عنده هكذا قيل، وتمام الخبر يدل على معنى آخر، وهو ان المراد بذلك وضع النفس لان تمام الخبر: ثم يرجع الى نفسه فيكون أعظم حاقر لها. ومثل هذا ما حدثني به بعض اصحابنا ان الله سبحانه أوحى الى موسى عليه السلام: إذا جئت للمناجاة فاصحب معك من تكون خيرا منه، فجعل موسى لا يعترض (يعرض) احدا الا وهو لا يجسر (يجترى) ان يقول: انى خير منه، فنزل عن الناس وشرع في اصناف الحيوانات حتى مر بكلب أجرب (2) فقال: أصحب هذا فجعل في عنقه حبلا ثم مر (جر) به فلما كان في بعض الطريق شمر الكلب من الحبل وأرسله، فلما جاء الى مناجات الرب سبحانه قال: يا موسى اين ما أمرتك به ؟ قال: يا رب لم أجده فقال الله تعالى: وعزتي وجلالى لو أتيتني بأحد لمحوتك من ديوان النبوة (3). توضيح وتقسيم: خطرات الرياء ثلاثة: الاول ما يدخل قبل العمل فيبعث على الابتداء لرؤية المخلوقين، وليس له باعث الدين فهذا يجب أن يترك لانه معصية لاطاعة فيها اصلا، وهو المشار إليه بقوله صلى الله عليه واله


(1) الا باعر جمع البعير. يقال: ما احفل بفلان أي ما ابالى به (اقرب). (2) الجرب بالتحريك داء معروف فهو اجرب (المجمع). (3) يأتي عن قريب ما يؤيد بمضمونه ما يستفاد من هذا الحديث من الروايات المذ كورة في فصل العجب (*).

[ 205 ]

الرياء شرك (1) (خفى) فان قدر الانسان على ان يدفع عن نفسه باعث الرياء ويستنخر (2) النفس بالعمل لله تعالى عقوبة للنفس على خاطر الرياء وكفارة عليه فليشغل بالعمل، والا فالترك أسلم. الثاني أن ينبعث العزم على العمل لله تعالى لكن يعترض مع عقد العبادة في اولها فلا ينبغى أن يترك العمل لانه وجد باعثا دينيا فليشرع في العمل وليجاهد نفسه في دفع الرياء وتحصيل الاخلاص بالمعالجة التى نذكرها فيما يأتي، ولان في ترك العمل موافقة للشيطان وسرورا له وهذا كان مقصوده باعتراضه لك فيكون قد حصلت له مقصوده، وأظفرته بمقترحه ومراده. الثالث ان يعقد على الاخلاص قلبه ثم يطرء الرياء ودواعيه، فينبغي أن يجاهد في الدفع ولا يترك العمل لكن يرجع الى عقد الاخلاص ويرد نفسه إليه برادع العقل والدين حتى يتم العمل لان الشيطان يدعو أولا الى ترك العمل فإذا لم تجب ودفعته واشتغلت به فيدعوك الى الرياء، واتذا لم تجب ودفعته يقول لك: هذا العمل ليس بخالص وانت مرائى، وتعبك ضايع فأى فايدة لك في عمل لا اخلاص فيه ؟ وان كل عمل ليس بخالص وبال على صاحبه وتركه انفع ويزين لك تركه مثل هذه الاقوال، ويدخل عليك بهذا المثال (المقال) حتى يحملك بذلك على ترك العمل فإذا تركته فقد حصلت غر ضه. ومثال من يترك العمل خوفا من الرياء كمن سلم إليه مولاه حنطة فيها قليل من المباين اما شعير أو مدر وقال: خلصها من التراب مثلا ونقها منه تنقية جيدة بالغة فيترك اصل العمل ويقول: أخاف ان اشتغلت به ألا يخلص خلاصا صافيا فيترك العمل من أصله، ومن هذا القبيل من يترك العمل خوفا من الناس ان يقولوا: انه مرائى وهذا رياء خفى لانه يدفع عن نفسه بترك العمل


(1) ولعل هذا اشارة الى ما يستفاد من الرواية المتقدمة في الفصل ا لسابق وهو قوله (ص) من صلى صلوة يرائى بها الحديث. وعن ابى عبد الله (ع) في حديث كل رياء شرك (الاصول) باب الرياء. (2) نخر الحالب الناقة: ادخل يده في منخرها ودلكه لتدر أي لتحلب (اقرب) (*).

[ 206 ]

مذمة الناس له، فهو كمن ينبعث على العمل لئلا يقولوا: انه بطال، وما عليه من قولهم ؟ بل هذا أبلغ في ثوابه فيكون كاخفائه واحتجابه (1) بل إذا وصل الى كونهم رموه بذ لك ولم يثبتوا له عملا بل ازرئو (2) عليه في ذلك العمل كان مجهولا عندهم ومعروفا في السماء فينال نصيبا من وصفه عليه السلام: أحب العباد الى الله الاتقياء الاخفياء ا لذين إذا ذكروا لم يعرفوا، ويكون كمن عمل في السر ولم يطلعوا عليه، وانما هذا الخيال من مكائد الشيطان وله فيه مصايد (3). الاول انه أساء الظن بالمسلمين وما كان من حقه أن يظن بهم ذلك (4) الثاني انه يوقعه في الرياء الذى فر منه ان كان الامر كما ظن، والا فلا يضره قولهم وتركه العبادة وحرمانه ثوابها خوفا من قولهم: انه مراء وهو بعينه الرياء، فلو لا حبه لمدحهم، وخوفه في ذمهم والافماله ولقولهم ؟ قالوا: انه مراء أو مخلص، واى فرق


(1) ويؤيده ما ذكر في ص 143 من فضيلة اسرار الدعاء واخفائها من الروايات. (2) الازراء: التهاون بالشئ (ص). (3) المصيدة بكسر الميم وسكون الصاد والمصيد بحذف الهاء ايضا: آلة الصيدج: مصايد (المجمع). (4) عن ابى عبد الله (ع) قال: قال امير المؤمنين في كلام له: ضع امر اخيك على احسنه حتى يأتيك ما يغلبك منه ولا تظنن بكلمة خرجت من اخيك سوء وانت تجد لها في الخير محملا قال في (مرآت): قوله ضع امر اخيك أي احمل ما صدر عن اخيك من قول أو فعل على احسن محتملاته وان كان مرجوعا من غير جسس حتى يأتيك منه امر لا يمكنك تأويله فان الظن قد يخطى، والتجسس منهى عنه كمال قال تعالى (ان بعض الظن اثم) وقال (لا تجسسو ا)، الحجرات: 12 - ثم قال - اعلم انه كما يحرم على الانسان سوءؤ القول في المؤمن كذلك يحرم عليه سوء الظن وان يحدث نفسه بذلك والمراد من سوء الظن المحرم عقد القلب وحكمه عليه بالسوء من غير يقين، واما الخواطر وحديث النفس فهو معفو عنه كما ان الشك ايضا كك انتهى موضع الحاجة ملخصا (مرآت) (*).

[ 207 ]

بين أن يترك العمل خوفا من أن يقولوا: انه مراء، وبين أن يحسن العمل خوفا من أن يقولوا: انه غافل مقصر ؟. الثالث طاعة الشيطان فيما دعا إليه وحصول سرور له لان همه أن يطاع. واعلم أن للنفس هنا مكيدة خبيثة من مكائد الشيطان الخبيث فتحفظ منها وتفطن لها وهو ان يقول لك: اترك العمل اشفاقا على المؤمنين من وقوعهم في الاثم بظن السوء، وإذا كان ترك العمل على جهة الاشفاق عليهم ونظرا لهم من الوقوع في الاثم كنت مثابا، وقام ذلك مقام العمل لان نظر المصلحة للمسلمين حسنة فيعادل الثواب الحاصل من الدعاء بل هذا نفع متعد الى الغير فكان أفضل. والجواب ان هذا الخيال من غوايل (1) النفس الامارة المايلة ! الى الكسل والبطا لة ومكيدة عظيمة من الشيطان الخبيث لما لم بجداليك مسلكا قصدك من هذا الطريق وزين لك هذا التنميق (2) ووجه فساده يظهر من وجوه: الاول انه عجل لك الوقوع في الاثم المتيقن فانك ظننت ان يظنوا بك أنك مراء وهذا ظن سوء، وعلى تقدير وقوعه منهم يلحقهم به اثم، وظنك هذا بهم ايضا ظن سوء يلحقك به الاثم إذا لم يكن مطابقا لما ظننت بهم (3) وتركت العمل من أجله فعدلت من ظن موهوم الى اثم معلوم، وحذرا من لزوم اثم لغيرك أوقعت فيه نفسك. الثاني انك إذا وافقت ارادة الشيطان بترك العمل الذى هو مراده، وترك العمل والبطالة موجب لاجتراء الشيطان عليك وتمكنه منك لان ذكره تعالى والتولى (المثول) (4) في خدمته يقربك منه، وبقدر ما تقرب منه تبعد من الشيطان، وا ن فيه موافقه للنفس الامارة بميلها الى الكسل والبطالة وهما ينبوع آفات كثيرة تعرفها ان كان لك بصيرة.


(1) الغوائل جمع غايلة وهى الحقد (المجمع). (2) نمق الكتاب تنميقا: زينه بالكتابة (المجمع). (3) قد مر آنفا في ص 206 معنى ظن السوء وحرمته ذيلا. (4) مثل بين يديه مثولا: انتصب قائما (ص) (*).

[ 208 ]

الثالث مما يدلك ان هذا من غوائل النفس وميلها الى البطالة انك لما نظرت الى فوات الثواب الحاصل لك من البطالة والى فوات وقوعهم في الاثم آثرتهم (1) على نفسك بتخفيف ما يلزمهم من الاثم بسوء الظن. وحرمت نفسك الثواب، وتفكر في نفسك وتمثل في قلبك بعين الانصاف ولو حصل بينك وبينهم في شى من حظوظ العاجلة منازعة اما في دار أو مال، أو ظهر لك نوع معيشة تظن فيها فايدة وحصول مال كنت تؤثرهم على نفسك وتتركه لهم ؟ كلا والله بل كنت تناقشهم مناقشة المشاقق وتستأثر عليهم (2) فيما يظهر لك من انواع المعيشة ان أمكنك فرصة الاستيثار وتقلى (3) الحبيب وتقصى القريب، وكم رأينا من هاجر قرينه وجفاه، وابعد ابنه وخلاه وكم من صديقين تطاولت لهما الصداقة وتمادت بهم الملاطفة والاخوة برهة مديدة من الزمان حتى دخلت الدنيا بينهما بمعاملة أو مشاركة فرقت بينهما. وسبب ذلك محبة الاستيثار، فدل ذلك على ان تركك العمل ليس شفقة عليهم ورحمة لهم، وانما هو نزعة من نزعات الشيطان، وميل النفس الى الدعة والراحة، وإذا لم ترض بترك حطام الدنيا لهم كيف تترك عمل الآخرة ؟ ! وهو أنفس وانت إليه احوج في فاقة القيامة وهو أبقى لك من حظوظ ا لدنيا فهل هذا الاستثقا لامنك للعمل ؟ وميلا الى الدعة، وتتعلل بما زين لك الشيطان من مخائله الباطلة ونعاته المعطلة، وإذا اشتغلت بالعمل نفعت نفسك وعصيت عدوك ونفعت عباد الله، فانهم ربما وافقوك عليها فيحصل لك مثل ثوابهم إذا كنت السبب فيها، ومن سن سنة حسنة كان له أجر من يعمل بها، وما يدريك ؟ لعل فيهم من يريد العمل فقد ظن مثل ما ظننت فبادر الى سد باب الشيطان ونشر عبادة الرحمن، وقد ور د عنهم عليهم السلام في معنى هذا الكلام: العاقل لا يفعل شيئا من الخير رياء ولا يتركه حياء.


(1) آثره: اختاره (اقرب). (2) استأثر بالشئ على غيره: خص به نفسه (اقرب) (3) قلا الابل: طردها (اقرب) (*).

[ 209 ]

وهنا مكيدة اخرى للشيطان أضيق من الاولى فاجهد في سدها ولا تسلطه على فتح بابها فيفتحها فإذا فتحها قوى على غيرها، وهو ان يقول لك الشيطان: اترك ا لعمل لئلا يظن الناس بك خيرا وتشتهربه وأحب العباد الى الله الاتقياء الاخفياء (1) وإذا عرفت بين الناس بالعبادة لم يكن لك حظ في هذا الوصف. فاعلم أن الواجب عليك مراعاة قلبك ولا عليك إذا رأوك أو شهرت وقلبك واحد من علمهم بك وعدمه، وكيف لا تشتهر وهو تعالى يقول: عليك ستره وعلى اظهاره بل عليك التحفظ من قلبك ان لا يكون فيه ميل لمحبة ذلك بالتفكر في قلة الجدوى بمدحهم وذمهم والزهد فيهم، والنظر الى احتياجك في عرصة القيامة الى عملك، والفكر في نعيم الاخرة فلا تترك العمل فان الآفة كل الآفة في ترك العمل فان العمل مطردة للشيطان، وسبب الخشوع وتنشط النفس، وتشوقها الى عمل الاخرة، وترك العمل على الضد من ذلك. فان قلت: يمنعنى عن الدعاء وعن كثير من الافعال البر تعذر الاتيان بها على حقيقة الاخلاص على ما عرفت الاخلاص بقوله: ما بلغ عبد حقيقة الاخلاص حتى لا يحب ان يحمد على شى من عمل الله (2) وان الانسان يعمل لله مخلصا لكن إذا عرفه الناس ربما اثنى عليه بذلك فيسره ولا يكاد ينفك عن هذا الا فيما يقل، وكذا الانسان يكون في الصلوة والدعاء مخلصا الله سبحانه فربما يطلع عليه مطلع فيسره ذلك، وقد ذكرت ان الرياء مع ما فيه من فوات الثواب يؤدى الى اليم العذاب. فاعلم أن رسول الله صلى الله عليه واله سئل عن ذلك فيما رواه المفسرون عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل الى النبي صلى الله عليه واله فقال: انى أتصدق وأصل الرحم، ولا أ صنع ذلك الا لله،. فيذكر منى واحمد عليه فيسرني ذلك واعجب به (3) فكست رسول صلى الله عليه واله ولم يقل:


(1) اشارة الى الرواية المتقدمة في ص 206. (2) وذكر الحديث بتمامه في اول فصل الرياء ص 203 (3) اعجب بنفسه بالبناء للمجهول: إذا تكبر وترفع فهو معجب (المجمع) (*).

[ 210 ]

شيئا فنزل قوله تعالى (قل انما انا بشر مثلكم يوحى الى انما الهكم اله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه احدا) (1) والتحقيق ان السرور باطلاع الناس الى قسمين محمود ومذموم والمحمود ثلاثة: الاول ان يكون من قصده اخفاء الطاعة والاخلاص لله سبحانه، ولكن لما اطلع عليه الخلق علم ان الله تعالى اطلعهم عليه واظهر لهم الجميل من عمله تكرما منه وتفضلا وهو من صفاته تعالى الا تراه يدعى ؟ (يا من أظهر الجميل وستر القبيح) وفى بعض وحيه جل جلاله عملك الصالح عليك ستره وعلى اظهاره، فيستدل بذلك على حسن صنع الله به ونظره له ولطفه به، فان العبد يستر الطاعة والمعصية، والله بكرمه ستر المعصية وأظهر الطاعة، ولا لطف أعظم من ستر القبيح واظهار الحسن فيكون فرحه بجميل صنع الله لا بحمد الناس وحصول المنزلة في قلوبهم (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا) (2). الثاني ان يستدل باظهار الجميل وستر القبيح في الدنيا انه تعالى كذلك يفعل به في الآخرة إذا قال رسول الله صلى الله عليه واله ما ستر الله على عبد في الدنيا الاستر عليه في الآخرة الثالث ان يحمده المطلعون عليه فتسره طاعتهم لله في ذلك ومحبته لمحبتهم طاعة الله، ومن اطاعه وميل قلوبهم الى الطاعة، فان من الناس من يرى اهل الطاعة فيمقتهم ويحسدهم ويهز لهم وينسبهم الى التصنع فهذا النوع من الفرح حسن ليس بمذموم، وعلامة الاخلاص في هذا النوع بان لا يزيده اطلاعهم هزة في العمل بل يستوى حالتاه في اطلاعهم وعدمه، وان وجده من (في) النفس هزة وزيادة في النشاط فليعلم انه مراء فليجتهد في ازالته برادع العقل والدين، والا فهو من الهالكين (3).


(1) مريم: 110. (2) يونس: 58. (3) عن زرارة عن ابى جعفر (ع) قال: سئلته عن الرجل يعمل الشئ من الخير فيراه انسان فيسره ذلك قال: لا بأس ما من احدالا وهو يحب ان يظهر له في الناس الخير ا ذا لم يكن

[ 211 ]

واما المذموم فهو ان يكون فرحه لقيام منزلته عندهم ليمدحوه ويعظموه ويقوموا بقضاء حاجاته، ويقابلوه بالاكرام والتوقير فهذا رياء حقيقي، وانه محبط للعمل وناقله من كفة الحسنات الى كفة السيئات، ومن ميزان الرجحان الى ميزان الخسران، ومن درجات الجنان الى دركات النيران. واعلم ان اصل الرياء حب الدنيا ونسيان الآخرة، وقلة التفكر فيما عند الله، وقلة التأمل في آفات الدنيا وعظيم نعم الآخرة واصل ذلك كله حب الدنيا وحب الشهوات، وهو رأس كل خطيئة، ومنبع كل ذنب لان العبادة إذا كانت لله تعالى كانت خالية من كل مشوب (شوب) لا يريد بها الاوجهالله تعالى والدار الآخرة، وميل الانسان الى حب ا لجاه، والمنزلة في قلوب الناس، والرغبة في نعيم الدنيا، هو الذى يعطب القلب، ويحول بينه وبين التفكر في العاقبة والاستظائة بنور العلوم الربانية. فان قلت: فمن صادف في نفسه كراهة الرياء وحملته الكراهة على الاباء والبغض له فانه لا يريد بعمله الا الله فقط، ولا يزيده اطلاع الناس عليه هزة ونشاطا في عمله (1).


يصنع ذلك لذلك. قال في (مرآت) قوله: ما من احد أي الانسان مجبول على ذلك لا يمكنه رفع ذلك عن نفسه فلو كلف به لكان تكليفا بما لا يطاق قوله: إذا لم يكن الخ أي لم يكن باعثه على اصل الفعل أو على ايقاعه على الوجه الخاص ظهوره في الناس وقيل: هذا ينافى ماروى: ما بلغ عبد حقيقة الاخلاص حتى لا يحب ان يحمد على شئ من عمل الله - ثم قال في المجمع بينهما -: وقد جمع بينهما صاحب العدة - وهو الوجوه الثلاثة، لمذكورة في المتن ثم قال: واقول: يمكن ان يكون ذلك باعتبار اختلاف درجات الناس ومراتبهم فان تكليف مثل ذلك بالنظر الى اكثر الخلق تكليف بما لا يطاق، ولارب في اختلاف التكاليف بالنسبة لى اصناف الخلق بحسب اختلاف استعدادتهم وقابليتهم.

(1) قال امير المؤمنين (ع): ثلاث علامات للمرائي: ينشط إذا ر أي الناس، ويكسل إذا كان وحده ويحب ان يحمد في جميع اموره. قوله: ينشط أي طابت نفسه للعمل وغيره والنشاط يكون قبل العمل وباعثا للشروع فيه ويكون بعده وسببا لتطويله وتجويده قوله: في جميع اعوره أي في جميع طاعاته وتركه للنهيات أو الاعم منهما ومن امور الدنيا (مرآت) (*).

[ 212 ]

بل وجود الناس وعدمهم واحد عنده بالنسبة الى مقدار العمل وكيفيته، وانه يكره بعقله اطلاعهم عليه، لكنه مع ذلك غير خال عن ميل الطبع إليه، وحبه له وسروره به الا انه كاره لحبه وميله، ومبغض له بعقله وزار في ذلك على نفسه، فهل يكون بذ لك في زمرة المرائين ؟ فالجواب ان الله سبحانه لم يكلف العبد الاما يطيق، وليس في طاقة العبد منع الشيطان عن نزعاته، ولاقمع الطبع عن مقتضياته حتى لا يميل الى الشهوات اصلا، ولا ينازع إليها البتة فان ذلك غير مقدور للانسان، ولهذا بشر النبي صلى الله عليه واله بالعفو عنها حذرا من القنوط، ودفعا للحرج وتقريبا الى الله تعالى وطمعا في رحمته الواسعة حيث يقول صلى الله عليه واله: عفى الله لامتي عما حدثت به انفسها ما لم تنطق به أو تعمل به (1) لان حركة اللسان والجوارح مقدوران بخلاف خطرات الاوهام ووساوس القلب، وهذا امر بين يجده كل عاقل، نعم يجب مقابلة هذه الخطرات بأضدادها ومقابلة شهواتها بكراهتها، وينشاء ذلك من معرفة العواقب وعلم الدين ورادع العقل، فإذا فعل ذلك فهو الغاية في اداء ما كلف به لان الخواطر المهيجة للرياء من الشيطان، والميل بعد ذلك من خواطر النفس الامارة، والكراهة من الايمان ورادع القلب.


(1) قال بعض المحققين في بيان ما يوآخذ العبد به من الوساوس وما يعفى عنه: اعلم ان هذا امر غامض وقد وردت فيه آيات واخبار متعارضة يلتبس طريق الجمع بينهما فالحق في هذه المسألة عندنا انه لا يتوقف عليه ما لم يقع الاحاطة بتفصيل اعمال القلوب من مبدء ظهورها الى ان يظهر العمل على الجوارح فنقول: اول ما يرد على القلب الخاطر كما لو خطر له مثلا صورة امرئة. الثاني هيجان الرغبة وهو حركة الشهوة التى في الطبع وهذا يتولد في الخاطر الاول ونسمية ميل الطبع، والاول يسمى حديث النفس، والثالث حكم القلب بان هذا ينبغى ان يفعل فان الطبع إذا مال لم تنبعث المهمة والنية ما لم تندفع الصوارف ويسمى هذا اعتقا دا وهو يتبع

[ 213 ]

علاج الرياء اعلم ان اصل الاخلاص استواء السريرة العلانية (1) كما قيل لبعضهم، عليك بعمل العلانية قال: وما عمل العلانية ؟ قال: ما إذا اطلع (لله) الناس


الخاطر والميل. الرابع تصميم العزم على الالتفات وجزم النية فيه وهذا نسميه هما بالفعل ونية وقصدا، وهيهنا احوال للقلب قبل العمل بالجارحة: الخاطر وهو حديث النفس، ثم الميل، ثم الاعتقاد ثم الهم فيقول اما الخاطر فلا نوآخذ به لانه لا يدخل تحت الاختيار وكذلك الميل والهيجان لانهما ايضا لا يدخلان تحت الاختيار وهما المراد ان بقوله (ص): عفى عن امتى ما حد ثت به نفوسها، واما الثالث وهو الاعتقاد وحكم القلب فهذا مرددين ان يكون اضطرارا أو ا ختيارا والاحوال تختلف فيه. فالاختيارى منه يوآخذ به، والاضطراري لا يوآخذ به والرابع وهو الهم بالفعل الا انه ان لم يفعل نظر فان تركه خوفا من الله تعالى كتبت له حسنة لان همه سيئة وامتناعه ومجاهدته نفسه حسنة، وان تعوق الفعل لعائق أو تركه لعذر لاخوفا من الله تعالى لكتبت عليه سيئة لان همه فعل اختياري للقلب، هذا ما لخصناه من الكلام ومن ا راد مزيد الاطلاع يرجع باب الوسوة من (مرآت).

(1) قال في (مرآت) في كلام له في كيفية خلوص النية ان النية ليست مجرد قولك عند الصلوة أو الصلوم أو التدريس اصلى أو أصوم أو ادرس قربة الى الله تعالى ملاحظا معاني هذه الالفاظ بخاطرك ومتصورا لها بقلبك هيهات انما هذا تحريك لسان وحديث نفس، وا نما النية المعتبرة انبعاث النفس وميلها وتوجهها الى ما فيه غرضها ومطلبها اما عاجلا واما آجلا وهذا الانبعاث والميل إذا لم يكن حاصلا لها لا يمكنها اختراعه واكتسابه بمجرد النطق بتلك الالفاظ وتصور تلك المعاني وما ذلك الا كقول الشبعان: أشتهى الطعام وأميل إليه قاصدا حصول الميل والاشتهاء، بل لا طريق الى اكتساب صرف القلب الى الشئ وميله إليه واقباله عليه الا بتحصيل الاسباب الموجبة لذلك الميل، واجتناب الامور المنافية لذلك المضادة له، فإذا غلب على قلب المدرس مثلا حب الشهرة فلا يتمكن من التدريس بنية لتقرب الى الله تعالى بنشر العلم بل لا يكون تدريسه الا لتحصيل تلك المقاصد الواهية وان قال بلسانه: ادرس قربة الى الله والحاصل انه لا يحصل لك النية الكاملة الا إذا صرفت قلبك عن الامور الدنيوية وطهرت نفسك عن الصفات الذ ميمة الدنية وقطعت نظرك عن حظوظك العاجلة بالكلية (مرآت) بعد التلخيص (*).

[ 214 ]

عليك لم تسحى منه، وهذا مأخوذ من كلام سيد الاوصياء ومكمل الاولياء ومرشد العلماء وامام الاتقياء ووالد الائمة الامناء امير المؤمنين على بن ابى طالب صلوات الله عليه وآله الطيبين حيث يقول: اياك وما تعتذر منه فانه لا يعتذر من خير، واياك وكل عمل في السر تسحيى منه في العلانية، واياك وكل عمل (في السر) إذا ذكر لصاحبه انكره. وقال رسول الله صلى الله عليه واله: ان اعلى منازل الايمان درجة واحدة من بلغ إليها فقد فاز وظفر، وهو ان ينتهى بسريرته في الصلاح الى ان لا يبالى بها إذا ظهرت، ولا يخاف عقباها إذا استترت. وقال صلى الله على واله وقد سئل فيما النجاة ؟ قال: ان لا يعمل العبد بطاعة الله يريد بها الناس. وعنه عليه السلام: ان الله لا يقبل عملا فيه مثقال ذرة من رياء. وعنه صلى الله عليه واله في حديث الثلاثة: المقتول في سبيل الله، والمتصدق بماله في سبيل الله، والقارى لكتاب الله، وان الله عزوجل يقول لكل واحد منهم: كذبت بل اردت ان يقال: فلان جواد، كذبت بل اردت ان يقال: فلان شجاع، كذبت بل اردت ان يقال: فلان قارى، فاخبر رسول الله صلى الله عليه واله انهم لم يثابوا على ذلك. وقال رسول الله صلى الله عليه واله: ان أخوف ما أخاف عليكم الشرك الاصغر قالوا: وما الشرك الاصغر يا رسول الله ؟ قال: الرياء يقول الله عزوجل يوم القيامة إذا جازى العباد بأعمالهم: اذهبوا الى الذين كنتم ترائون في الدنيا هل تجدون عندهم ثواب أعمالكم ؟. وقال رسول الله صلى الله عليه واله: ان أخوف ما أخاف عليكم الشرك الاصغر قالوا: وما الشرك الاصغر يا رسول الله ؟ قال: الرياء يقول الله عزوجل يوم القيامة إذا جازى العباد بأعمالهم: اذهبوا الى الذين كنتم ترائون في الدنيا هل تجدون عندهم ثواب أعمالكم ؟. وفى الحديث انه يؤمر برجال الى النار فيوحى الله سبحانه الى مالك خازن النار: يا مالك قل للنار: لا تحرق لهم أقداما فقد كانوا يمشون بها الى المساجد، وقل للنار: لا تحرق لهم وجوها فقد كانوا يسبغون الوضوء، وقل للنار: لا تحرق لهم أيديا فقد كانوا يرفعونها الى بالدعاء وقل للنار: لا تحرق لهم ألسنة فقد كانوا يكثرون تلاوة القران، فيقول لهم مالك: يا اشقياء ما كانت اعمالكم في الدنيا ؟ فيقولون: كنا نعمل لغير

[ 215 ]

الله فيقول لهم: خذوا (لتأخذوا) ثوابكم ممن عملتم له. والرياء موجب للمقت من الله ومعرض للخزى في الدنيا والآخرة حيث ينادى عليهم يوم القيامة على رئوس الاشهاد: يا فاجر يا غادر يا مرائى اما استحييت إذا اشتريت بطاعة الله عرض الحيوة الدنيا راقبت قلوب العباد، واستخففت بنظر سلطان المعاد، وتحببت الى المخلوقين بالتبغض الى رب العالمين، وتزينت لهم بعمل الله وتقربت إليهم بالبعد من الله، وطلبت رضاهم، وتعرضت لسخطه اما كان اهون عليك من الله ؟ فمهما تفكر العبد في هذا الخزى، وقابل ما يحصل له من العباد، والتزين لهم في الدنيا بما يهدم علهى من ثواب اعماله التى كانت ترجح ميزانه لو خلصت لله وقد فسدت بالرياء، وقد حولت الى كفة السيئات، فلو لم يكن في الرياء الا تحويل العمل من الثواب الى العقاب لكان كافيا في معرفة ضرره ورادعا عن الالمام به وقد كان ينال بهذه الحسنات (الحسنة) رتبة الصديقين وقد حط الى درك السافلين، فيالها حسرة لا تزال، وعثرة لاتستقال مع ما يناله من الخزى والتوبيخ في المعاد على رئوس الاشهاد مضافا الى ما يعرض له في الدنيا من تشنب (تسبب) الهم بسبب ملاحظة قلوب الحلق، فان رضا الناس غاية لا تدرك كلما رضى به فريق يسخط به فريق، ورضا بعضهم في سخط بعض، ومن طلب رضاهم في سخط الله سخط الله عليه واسخطهم ايضا عليه ثم أي غرض له في مدحهم وايثار ذم الله تعالى لاجل حمدهم ؟ ولا يزيده حمدهم حمدهم رزقا ولا أجلا، ولا ينفعه يوم فقره وفاقته في شدة القيامة، واما الطمع بما في أيديهم فالله هو الرزاق وعطائه خير العطاء، ومن طمع في الخلق لم يخل من الذل والخيبة وان وصل الى المراد لم يخل من المنة والمهانة، وكيف يترك العا قل ما عند الله برجاء كاذب ووهم فاسد ؟ وقد يصيب وقد يخطى، وان أصاب فلاتقى لذته بألم منته ومذلته وهو من قسم الله له ومحسوب عليه من رزقه، فينبغي ان يقرر العاقل في

[ 216 ]

نفسه هذه الاسباب وضررها وما يصير إليه مآلها فيقل رغبته عنها، ويقبل الى الله بقلبه فان العاقل لا يرغب فيما يكثر عليه ضرره، ويكفيه ان الناس لو علموا ما في باطنه من قصد الرياء واظهاره الاخلاص لمقتوه، وسيكشف الله تعالى عن سره حتى يبغضه إليهم ويعرفهم انه مراء ممقوت عند الله، ولو أخلص لله لكشف الله لهم اخلاصه وحببه إليهم وسخرهم له وأطلق السنتهم بحمده. روى ان رجلا من بنى اسرائيل قال: لأعبدن الله عبادة اذكر بها فمكث مدة مبالغا في الطاعات، وجعل لا يمر بملاء من الناس الا قالوا: متصنع مراء، فأقبل على نفسه وقال: قد أتعبت نفسك وضيعت عمرك في لا شئ، فينبغي ان تعمل لله سبحانه، فغير نيته وأخلص عمله لله تعالى (1) فجعل لا يمر بملاء من الناس الا قالوا: ورع تقى. ومثل هذا ا لحديث ما سبق من قوله عليه السلام: عليك ستره وعلى اظهاره. وقولهم عليهم السلام ان الله يقسم الثناء كما يقسم الرزق (2). مع ان مدح الناس لا ينفعه وهو مذموم عند الله ومن اهل النار، وذمهم لا يضره وهو محمود عند الله في زمرة المقربين وكيف يضره ذمهم أو كيدهم والنبى صلى الله عليه واله يقول: من آثر محامد الله على محامد الناس كفاة الله مؤنة الناس. وقال النبي صلى الله عليه واله: من أصلح امر آخرته أصلح الله امر دنياه، ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس. وينبغى ان يذكر شدة حاجته وقوة فاقته يوم القيامة الى ثواب أعماله فانه (يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون الامن اتى بقلب سليم) (3) (ولا يجزى والدعن


(1) قدمر آنفا في ص 213 معنى النية وكيفية خلوصها لله ذيلا راجع إليه. (2) هذا جزء من الحديث الآتى في ص 220. (3) فسر ذلك اليوم بان قال (يوم لا ينفع مال ولا بنون الشعراء) 88. إذ لايتهياء لذى مال مال ان يفتدى من شدائد ذلك اليوم به، ولا يتحمل من صاحب البنين بنوه شيئا من معاصيه قوله: الا من اتى الله بقلب سليم أي من الشرك والشك وقيل: سليم من الفساد والمعاصي، وانما

[ 217 ]

ولده) (1) ويشتغل فيه الصديقون بأنفسهم ويقول كل واحد نفسي نفسي فضلا من غيرهم، فلا ينبغى ان يصحب معه غير الخالص من العمل، فكما ان المسافر الى البلد البعيد المشفق لا يصحب معه الا خالص الذهب طلبا للخفه وكثرة الانتفاع به عند الحاجة إليه، ولا حاجة أعظم من فاقة القيامة، ولاعمل أنفع من الخالص لله، فهو أنفس الذخائر وأحفظها حملا بل هو يحمل صاحبه على ما ورد في تفسير قوله تعالى (وينجى الله الذين اتقوا بمفازتهم) (2) ان العمل الصالح يقول لصاحبه عند اهوال القيامة: اركبني ولطال ما ركبتك في الدنيا فيركبه ويتخطى (3) به شدايدها. وروى داود بن فرقد عن ابى عبد الله عليه السلام قال: ان العمل الصالح ليمهد لصاحبه في الجنة كما يرسل الرجل غلامه بفراشه فيفرش له، ثم قرء (ومن عمل صالحا فلا نفسهم يمهدون) (4) فمن أحضر في قلبه الآخرة واهوالها ومنازلها الرفيعة عند الله استحقر ما يتعلق بالخلق ايام الحيوة مع ما فيه من الكدورات والمنغصات جمع همه، وصرف الى الله قلبه وتخلص من مذلة الرياء ومقاسات قلوب الخلق، وانعطف من اخلاصه انوار على قلبه ينشرح بها صدره وينطق بها لسانه، وينفتح له من الطاف الله ما يزيده الله انسا ومن الناس وحشة، واحتقارا للدنيا واعظاما للاخرة، وسقط محل الخلق عن قلبه، وانحل عنه داعية الرياء، وآثر الوحدة وأحب الخلوة، وهطلت (5) عليه سحائب ا لرحمة، ونطق لسانه بطرائف الحكمة.


خص القلب بالسلامة لانه إذا سلم القلب سلم ساير الجوارح من الفساد من حيث ان الفساد بالجارحة لا يكون الاعن قصد بالقلب الفاسد.

(1) لقمن: 32. (2) الزمر: 62. (3) تخطيب الشى: تجاوزته (المجمع). (4) الروم: 43. (5) الهطل: تتابع المطر (المجمع) (*).

[ 218 ]

وفى الخبر عن النبي صلى الله عليه واله: من أخلص لله اربعين يوما فجر الله ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه (1). وروى عبيد بن زرارة عن الصادق عليه السلام: مامن مؤمن الا وقد جعل الله له من ايما نه انسا يسكن عليه حتى لو كان على قلة جبل لم يستوحش. روى الحلبي عز ابى عبد الله عليه السلام قال: خالط الناس تخبرهم ومتى تخبرهم تقلهم (2) وعن ابى محمد الحسن بن على عليه السلام: الوحشة من الناس على قدر الفطنة بهم (3) وروى كعب الاحبار قال: اوحى الله تعالى الى بعض انبيائه: ان اردت لقائي غدا في حظيرة القدس فكن في ا لدنيا غريبا فريدا وحيدا محزونا مستوحشا كالطير الوحداني الذى يطير في الارض المقفرة، ويأكل من رئوس الاشجار المثمرة فإذا كان الليل اوى الى وكره، ولم يكن مع الطير الا استبناسا بى واستيحشا من النا س. وروى عن البضعة الزهراء سيدة النساء حبيبة المختار ووالدة الائمة الاطهار صلوات عليها وعلى ابيها وبعلها وبنيها: من أصعد الى الله خالص عبادته أهبط الله عزوجل إليه أفضل مصلحته.


(1) عن ابى جعفر قال: ما أخلص عبد الايمان بالله اربعين يوما أو قال: ما اجمل عبد ذكر الله اربعين يوما الازهده الله في الدنيا وبصره دائها ودوائها واثبت الحكمة في قلبه وانطق بها لسانه الحديث قال في (مرآت): ولعل خصوص الاربعين لان الله تعالى جعل انتقال الانسان في اصل الخلقة من حال الى حال في اربعين يوما كالانتقال من النطفة الى العلقة ومن العلقة الى المضغة ومن المضغة الى العظام ومنها الى اكتساء اللحم، ولذا يوقف قبول توبة شارب الخمر الى اربعين يوما. (2) في الحديث: اخبر تقله. من القلى بالكسر والقصر أو القلاء بالمد والفتح: البغض أي لاتغتر بظاهر من تراه فانك إذا اختبرته بغضته (المجمع). (3) فطن به: حذق به وفهم وادرك (اقرب) (*).

[ 219 ]

وعن الباقر عليه السلام: لا يكون العبد عابدا لله ق عبادته حتى ينقطع عن الخلق كلهم إليه فح يقول: هذا خالص لى فيقبله بكرمه. وعن الصادق عليه السلام: ما أنعم الله عزوجل على عبد اجل من ان لا يكون في قلبه مع الله عزوجل غيره (1) وقال عليه السلام لهشام بن الحكم: يا هشام الصبر على الوحدة علامة قوة العقل، فمن عقل عن الله اعتزل عن (من) اهل الدنيا والراغبين فيها، ورغب فيما عند الله وكان الله انيسه في الوحشة وصاحبه في الوحدة، وغناه في القلة (العلية) ومعزه في غير عشيرة، يا هشام قليل العمل مع العلم مقبول مضاعف، و كثير العمل مع الجهل مردود (2). وعن ابى جعفر الجواد عليه السلام افضل العبادة الاخلاص (3) وعن ابى الحسن الهادى عليه السلام: لو سلك الناس واديا وسيعا لسلكت وادى رجل عبد الله وحده مخلصا (خالصا) وعن العسكري عليه السلام لو جعلت الدنيا كلها لقمة واحدة لقمتها من يعبد الله مخلصا (خالصا) لرأيت انى مقصر في حقه، ولو منعت الكافر منها حتى يموت جوعا وعطشا ثم اذقته شربة من الماء لرأيت انى قد اسرفت. فهذه جملة الادوية العلمية القالعة مغارس الرياء السادة مسام الهوى


(1) أي اخرج عن قلبه حب ما سوى الله والاشتغال بغيره سبحانه، أو لم يختر في قلبه على رضا الله رضاء غيره، أو كانت اعماله ونياته كلها خالصة لله لم يشرك فيها غيره (مرآت). (2) قوله: عقل عن الله أي حصل له معرفة ذاته وصفاته واحكامه وشرايعه، أو اعطا ه الله العقل، أو علم الامور بعلم ينتهى الى الله بأن أخذه عن انبيائه وحججه، أو بلغ عقله الى درجة يفيض الله علومه عليه بغير تعليم بشر قوله: وغناه أي مغنيه أو كما ان اهل الدنيا غناهم بالمال هو غناه بالله وقربه ومناجاته، والعيلة: الفقر، والعشيرة: القبيلة (مرآت). (3) قدمر في ص 213 معنى النية وكيفية الاخلاص ذيلا (*).

[ 220 ]

واما الدواء العملي فانه يعود نفسه اخفاء العبادات ويغلق دونها الابواب كما يفعل بالفواحش ويقنع باطلاع الله وعلمه، ولا ينازع نفسه الى طلب علم غير الله فلادواء انجح من ذلك. وكان عيسى عليه السلام يقول للحواريين: إذا صام صوما احدكم فليدهن رأسه ولحيته ويمسح شفتيه بالزيت لئلا يرى الناس انه صائم، وإذا أعطى بيمينه فليخف عن شماله، وإذا صلى فليرخ ستر بابه، فان الله يقسم الثناء كما يقسم الرزق. وقال رسول الله صلى الله عليه واله: ان في ظل العرش (1) ثلاثة يظلهم الله بظله يوم لاظل الا ظله: رجلان تحابا في الله وافترقا عليه، ورجل تصدق بيمينه صدقة فأخفاها عن شماله، ورجل دعته امرئة ذات جمال فقال: انى اخاف الله رب العالمين. وروى حفص بن البخترى قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول. حدثنى ابى عن آبائه عليهم السلام ان امير المؤمنين عليه السلام قال لكميل بن زياد النخعي: تبذل ولا تشهر (تشتهر)، ووار شخصك ولا تذكر، وتعلم واعمل، واسكت تسلم، تسر الابرار وتغيظ الفجار، ولا عليك إذا عرفك الله دينه ان لا تعرف الناس ولا يعرفونك. تذنيب وإذا أسررت العمل وأخفيته، وعرفت خلوصه لله سبحانه فلا تفشه فيما بعد وتقول: انه لم يقع الا مخلصا، وقد كتب في ديوان الحسنات وجعل في الكفات الراجحات، فتعلنه بعد ذلك ويقل همك ومجاهدتك على كتمانه، بل تحقق ان اذاعتك له فيما بعد كاذاعتك له في ابتداء عملك، فاياك اياك ان تضيع ما تعبت فيه وكدحت له، وتنقله من ديوان السر الى ديوان الجهر فان كنت باقيا على اخلاصك فيه فقد نقصت منه تسعة وتسعين ضعفا على ما روى عنهم عليهم السلام ان فضل عمل السر على عمل الجهر سبعون ضعفا.


(1) قد اختلفت الاقوال في معنى الظل هبهنا ولم نورده حذرا من الاطالة ومن اراد يرجع باب الحب في الله من (مرآت) وقد مرت روايات الحب في الله في ص 173 بالتفصيل مع بعض الكلام فيها ذيلا (*).

[ 221 ]

وعن الصادق عليه السلام: من عمل حسنة سرا كتبت له سرا فإذا أقربها محيت و كتبت جهرا فإذا أقربها ثانيا محيت وكتبت رياء. فيالها من كلمة ما أشأمها ورزية ما أعظمها ؟ ليت الخرس في ذلك الوقت دهاك والسكوت حماك. (1) القسم الثاني العجب وهو من المهلكات قال رسول الله صلى الله عليه واله: ثلاث مهلكات: شح (2) مطاع، وهوى متبع، واعجاب المرء بنفسه. وهو محبط للعمل وهو داعية المقت من الله سبحانه. وقال عليه السلام: لو لا ان الذنب للمؤمن خير من العجب ما خلى الله عزوجل بين عبده


(1) قال في (مرآت) في كلام له: ان رعاية العمل وحفظه عند الشر وع وبعده الى الفراغ وبعد الفراغ الى الحروج من الدنيا حتى يخلص عن الشوائب الموجبة لنقصه أو فساده. اشد من العمل نفسه كما عن ابى جعفر (ع) انه قال: الابقاء على العمل اشد من العمل قال: وما الابقاء على العمل ؟ قال: يصل الرجل بصلة وينفق نفقة لله وحده لا شريك له فيكتب له سرا، ثم يذكرها فتمحى وتكتب له علانية ثم يذكرها فتمحى وتكتب له رياء ومن عرف معنى النية وخلوصها علم ان اخلاص النية اشد من جميع الاعمال انتهى موضع الحاجة منه وقد مضى نبذ من الكلام في الاخلاص ذيلا في ص 213. (2) الشح: البخل مع حرص فهو اشد من البخل لان البخل في المال وهو في مال ومعرو ف. وفى الحديث البخيل يبخل بما في يده والشحيح يشح بما في ايدى الناس وعلى ما في يده حتى لا يرى في ايدى الناس شيئا الا تمنى ان يكون له بالحل أو الحرامولا يقنع بما رزقة الله تعالى. ان الشح حالة غريزية جبل عليها الانسان فهو كالوصف اللازم له ومركزها النفس فإذا انتهى سلطانه الى القلب واستولى عليه عرى القلب عن الايمان لانه يشح بالطاعة فلا يسمح بها ولا يبذل الانقياد لامر الله (المجمع) (*).

[ 222 ]

المؤمنين وبين ذنب ابدا (1). وقال امير المؤمنين عليه السلام: سيئة تسوئك خير من حسنة تعجبك. أي تورثك عجبا. وقال عليه السلام: لا حسب أعظم من التواضع، ولا وحدة أوحش من العجب وعن الصادق عليه السلام: عن النبي صلى الله عليه واله أوحى الله تعالى الى داود: يا داود بشر المذنبين وأنذر الصديقين قال: كيف ابشر المذنبين وأنذر الصديقين ؟ قال: يا داود بشر المذنبين بأنى أقبل التوبة وأعفو عن الذنب، وأنذر الصديقين ان لا يعجبوا بأعمالهم، فانه ليس عبد يتعجب بالحسنات الا هلك. وفى رواية اخرى فانه ليس عبد ناقشته (نافسته) الحسنات الا هلك. وعن ابى جعفر عليه السلام عن النبي صلى الله عليه واله قال: قال الله تعالى: انا أعلم بما يصلح به امر عبادي، وان من عبادي المؤمنين لمن يجتهد في عبادته فيقوم من رقاده. ولذيذ


(1) لاريب ان من عمل أعمالا صالحة من صيام الايام وقيام الليالى وا مثال ذلك يحصل لنفسه ابتهاج فان كان من حيث كونها عطية من الله له ونعمة منه تعالى عليه، وكان مع لك خائفا من نفسها مشفقا من زوالها طالبا من الله الازدياد منها لم يكن ذلك الابتهاج، عجبا وان كان من حيث كونها صفة قائمة به ومضافة إليه فاستعظمها وركن إليها ورأى نفسها خارجا عن حد التقصير وصار كأنه يمن على الله سبحانه بسببها فذلك هو العجب ويدل الخبر على ان العجب اشد من الذنب الجوارح فان العجب ذنب القلب، وذلك لان الذنب يزول بالتوبة ويكفر بالطاعات، والعجب صفة نفسانية يشكل ازالتها ويفسد الطاعات ويهبطها عن درجة القبول. ويدعوا لي الكبر، ويدعو ايضا الى نسيان الذنوب فبعض ذنوبه لايذ كرها، وما يتذكرها فيستصغرها فلا يجتهد في تداركها، واما الاعمال والعبادات فانه يستعظمها ويتبجح بها ويمن على الله بفعلها وينسى نعمة الله عليه بالتوفيق منها، ثم إذا عجب بها عمى عن آفاتها، ومن لم يتفقد آفات الاعمال كان اكثر سعيه ضايعا، والمعجب يغتر بنفسه وبربه ويأمن مكر الله ثم ان اعجابه بنفسه ورأيه وعلمه وعقله يمنعه من الاستفادة والاستشارة والسؤال فيستنكف من سؤال من هو اعلم منه وربما يعجب بالرأى الخطاء فيصر عليه وآفات العجب اكثر من ان تحصى (مرآت) (*).

[ 223 ]

وساده فيجتهد ويتعب نفسه في عبادتي فأضربه بالنعاس الليلة والليلتين نظرا منى له وابقائا عليه فينام حتى يصبح فيقوم ماقتا لنفسه وزاريا عليها، ولو اخلى بينه وبين ما يريد من عبادتي لدخله من ذلك العجب بأعماله فيأتيه ما فيه هلاكه لعجبه بأعماله ورضاه عن نفسه حتى يظن ان قد فاق العابدين، وجاز في عبادته حد التقصير، فيتباعد منى عند ذلك، وهو يظن انه قد تقرب الى. ومن طريق آخر رواه صاحب الجواهر بزيادة على هذا الكلام تتمة له: فلا يتكل العاملون على أعمالهم التى يعملونها، فانهم لو اجتهدوا وأتبعوا انفسهم واعمارهم في عبادتي كانوا مقصرين غير بالغين ما يطلبون من كرامتي، والتنعم في جناتى ورفيع درجاتي في جواري، ولكن رحمتى فليبتغوا (فليبغوا) والفضل منى فليرجوا، والى حسن الظن بى فليطمئنوا، فان رحمتى عند ذلك تداركهم وهى تبلغهم رضواني ومغفرتي، والبسهم عفوى، فانى انا الله الرحمن الرحيم بذلك تسميت (1). وعن الباقر عليه السلام قال: قال الله سبحانه: ان من عبادي المؤمنين لمن يسئلنى الشئ من طاعتي فأصرفه عنه مخافة الاعجاب. وقال المسيح: عليه السلام يا معشر الحواريين كم من سراج أطفأته الريح، وكم من عابد أفسدته العجب. واعلم ان حقيقة العجب استعظام العمل الصالح واستكثاره والابتهاج به. فان قلت فمن صادف في نفسه السرور بالطاعة والابتهاج بها لكنه لا يستعظمها بل يفرح بفعلها، ويحب الزيادة منها، وهذا الامر لا يكاد الانسان ينفك عنه، فان ا لانسان إذا قام ليلة أو صام يوما، لو حصل له مقام شريف ودعاء وعبادة فانه يسره ذلك لا محالة. فهل يكون ذلك اعجابا محبطا للعمل وداخلا به في زمرة المعجبين ؟. فالجواب ان العجب انما هو الابتهاج بالعمل الصالح والادلال له واستعظامه،


(1) من اراد الاطلاع على شرح الرواية ومعنى بعض لغاته يرجع الى با ب الرضا بالقضاء من (مرآت) (*).

[ 224 ]

وان يرى نفسه به خارجا من حد التقصير وهذا مهلك لا محالة ناقل للعمل من كفة الحسنات الى كفة السيئات، ومن رفيع الدرجات الى أسفل الدركات (1). روى سعد بن ابى خلف عن الصادق عليه السلام قال: عليك بالجد، ولا تخرجن نفسك من حد التقصير في عبادة الله وطاعته فان الله تعالى لا يعبد حق عبادته. واما السرور مع التواضع لله جل جلاله والشكر له على التوفيق لذلك وطلب الاستزادة منه فحسن محمود. قال امير المؤمنين عليه السلام: من سرته حسنته، وسائته سيئته فهو مؤمن (2). وقال عليه السلام: ليس منا من لم يحاسب نفسه كل يوم، فان عمل خيرا حمد الله وا ستزاده وان عمل سوء استغفر الله وقال عليه السلام: واعملوا عباد الله ان المؤمن لا يصبح ولا يمسى الا ونفسه ظنون عند ه (3). فلا يزال زاريا عليها، ومستزيدا لها، فكونوا كالسابقين قبلكم والماضين أمامكم قوضوا (4) من الدنيا تقويض الراحل: واطووها (على) طى المنازل. علاج العجب ان يتفكر فيما يؤدى إليه العجب: وهو يؤدى الى المقت، واحباط العمل، ويتفكر في الآت التى اكتسب بها الطاعة واقتدر بها عليها، فهل هي الا ملكه ؟ ثم ينظر فيما تناوله من القوت الذى أقام به صلبه فهل هو الارزقه ؟ ثم ينظر في العافية التى


(1) إذا اردت مزيد الاطلاع فارجع الى ص 222 ذيلا (2) السرور بالحسنة لا يستلزم العجب فانه يمكن ان يكون عند نفسه مقصرا في الطاعة لكن يسر بأن لم يتركها رأسا وكان هذا اولى مراتب الايمان مع ان السرور الواقعي با لحسنة يستلزم السعي في الاتيأن بكل حسنة، والمسائة الواقعية بالسيئة يستلزم التنفر عن كل سيئة والاهتمام بتركها وهذان من كمال الايمان (مرآت). (3) قوله: ظون عنده أي متهمة لديه بالخيانة والتقصير في طاعة الله (المجمع). (4) التقويض (خيمه بر كندن) (تاج) (*).

[ 225 ]

هي له شاملة وبها يفرغ لما اراده هل هي الامن نعمه ؟ ولرب مريض لو خير بين العافية وان يقوم بازائها اياما وليالي لاختار العافية، وبذل في ثمنها الليالى الكثيرة وا لعبادة الغزيرة هذا وانت تعجب بقيام بعض ليلة، وكم متعت بالعافية من يوم وليلة بل من شهور وسنة فبما ذا تعجب بقيام بعض ليلة، وكم متعت بالعافية من يوم وليلة بل من شهور وسنة فبما ذا تعجب ؟ وانت تقوم بتوفيقه، وتتمكن بعافيته، وتتقوى برزقه، وتعمل بجوارحه وآلاته، ويقع ذلك في ليله ونهاره، فقس قدر عملك الى ما عليك من نعمه فهل تجده وافيا بذلك ؟ أو بعشر العشير، وهل توفيقك للقيام الا نعمة عليك ؟ يلزمك شكرها، وتخشى ان قصرت فيه ان تكون موآخذا. أوحى الله الى داود يا داود: اشكرني قال: وكيف أشكرك يا رب ؟ والشكر من نعمك تستحق عليه شكرا قال: يا داود رضيت بهذا الاعتراف منك شكرا. (1) بل


(1) واعلم ان الشكر مقابلة النعمة بالقول والفعل والنية، وله ار كان ثلاثة: الاول معرفة المنعم و معرفة النعمة من انها نعمة ولا تتم تلك المعرفة الا بان يعرف ان النعم كلها من الله وان الاوساط كلها مسخرون لامره. الثاني الحال التى هي ثمرة تلك المعرفة وهى الخضوع والتواضع والسرور بالنعم من حيث انها هدية دالة على عناية المنعم بك. الثالث العمل الذى هو ثمرة تلك الحال فان تلك الحال إذا حصلت في القلب حصلت فيه نشاط للعمل الموجب للقرب منه، وهذا العمل يتعلق بالقلب واللسان والجوارح: واما القلب فالقصد الى تعظيمه وتحميده وتمجيده والتفكر في صنايعه وافعاله، والعزم على ايصال الخير الى خلقه. واما عمل اللسان فاظهار ذلك المقصود بالتحميد والتمجيد والتسبيح والامر بالمعروف والنهى عن المنكر وغيرها. واما عمل الجوارح فاستعمال نعمة الظاهرة والباطنة في طاعته وعبادته والتوقى من الاستعانة بها في معصيته كاستعمال نعمة مطالعة مصنوعاته وهكذا، ولما كان الشكر بالجوارح التى هي من نعمه تعالى ولا يتأتى الا بتوفيقه سبحانه فالشكر ايضا نعمة من نعمه ويوجب شكرا آخر فينتهى الى الاعتراف بالعجز عن الشكر فآخر مراتب الشكر الاعتراف بالعجز عنه كما ان آخر مراتب المعرفة والثناء الاعتراف بالعجز عنهما وكذا العبادة. انتهى موضع الحاجة بعدما لخصناه (مرآت) (*).

[ 226 ]

قس عملك جملته الى آحادما تتصرف فيه من نعمه من مأكل ومشرب لا تجده ناهضا باليسير من ذلك. روى ان بعض الوعاظ دخل يوما على هارون الرشيد فقال له: عظني فقال: يا امير المؤمنين أتراك لو منعت شربة من ماء عند عطشك بم كنت تشتريها ؟ قال بنصف ملكى فقال يا امير المؤمنين أتراها لو حبست عنك عند خروجها بم كنت تشتريها ؟ قال: بنصف الباقي، قال: فلا يغرنك ملك قيمته شربة ماء. فياهذاكم تتناول في يومك وليلتك ؟ وانت ترى الاجير يعمل طول النهار بدر همين، والحارس يسهر جملة الليل بدانقين، وكذلك اصحاب الصناعات والحرف كالطباخ والخباز تراهم يعملون جملة النهار وطرفي الليل وقيمة ذلك دراهم معدودة، وإذا صرفت الفعل الى الله تعالى فصمت يوما واحدا قال: الصوم لى وانا اجزى به قال تبارك وتعالى: أعددت لعبادي ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر بقلب بشر (1). هذا يومك الذى قيمته درهمان مع احتمال التعب العظيم صار له هذه القيمة بنسبته الى الله. ولو قمت ليلة لله تعالى قال (فلا تعلم نفس ما اخفى لهم من قر ة اعين جزاء بما كانوا يعملون) (2) فهذا الذى قيمته دانقان، ولو سجدت لله سجدة حتى غشيك فيه النعاس باهى الله بك الملائكة، وكم قيمة زمان السجدة ؟ مع ما حصل فيها من النوم والغفلة، لكن لما نسبت الى الحق جل جلاله بلغت قيمته من الجلالة والنفاسة هذا المقدار بل لو جعلت لله ساعة تصلى فيها ركعتين حفيفتين، بل نفسا تقول فيه، لا اله الا الله قال الله تعالى (ومن يعمل من الصالحات من ذكرا وانثى فاولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب) (3).


(1) قد تقدمت الرواية ونظائرها في ص 99 عند توصيف الجنة ونعيمها. (2) السجدة: 17. (3) المؤمن: 43 (*).

[ 227 ]

وقال رسول الله صلى الله عليه واله: من قال: سبحا الله غرس الله له شجرة في الجنة (1) فهذه ساعة من نفاسك، وكم تضيع مثلها في لا شئ، وكم يمر عليك بلا فايدة، فحق عليك ان ترى حقارة عملك وقلة مقداره من حيث هو، وان لا ترى الامنة الله عليك فيما شر ف من قدر (ك) واعظم من جزائك، وان تحاذر عليه من ان يقع على وجه لا يصلح لله ولا يقع منه موقع الرضا، فتذهب عنه القيمة التى حصلت له ويعود الى ما كان عليه في الاصل من الثمن الحقير من درهمين اودانقين أو احقر، لابل لم تسلم من المقت والعقوبة، فألزم نفسك المراقبة لله والمنة له والازدراء بنفسك لعلك تفوز برحمة الله فانه روى عن النبي صلى الله عليه واله انه قال: من مقت نفسه دون مقت الناس آمنه الله تعالى من فزع يوم القيامة. وروى ان عابدا عبد الله سبعين عاما صائما نهاره قائما ليله فطلب الى الله تعالى حاجته فلم تقض فأقبل على نفسه وقال: من قبلك اتيت لو كان عندك خير قضيت حاجتك، فانزل الله إليه ملكا فقال: يابن آدم ساعتك التى أزريت فيها على نفسك خير من عبادتك التى مضت. وقد روى انه يبيت احدكم نادما على ذنبه زاريا على نفسه خير له من ان يصبح مبتهجا بعمله. فعليك ايها العاقل بتحصين عملك من العجب والرياء والغيبة والكبر فانهما يشاركان الرياء والعجب في الاضرار بالاعمال (2). أو لا تنظر الى خبر معاذ ؟: روى الشيخ أبو جعفر محمد بن احمد بن على القمى


(1) قد ذكر هد الحديث في ص 98 وياتى ايضا نظائرة في باب الذكر. (2) وعليك بالرواية الآتية وفيها يكشف القناع عن كل ما يضر بالاعمال ويمنعها عن القبول من المعاصي (*).

[ 228 ]

نزيل الرى في كتابه المنبئ عن زهد النبي صلى الله عليه واله عن عبد الواحد عمن حد ثه عن معاذ بن جبل قال: قلت: حدثنى بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه واله وحفظته من دقة ما حدثك به قال: نعم وبكى معاذ ثم قال: بابى وامى حدثنى وانا رديفه فقال بينا نسير إذ رفع بصره الى السماء فقال: الحمد لله الذى يقضى في خلقه ما أحب، ثم قال: يا معاذ قلت: لبيك يا رسول الله وسيد المؤمنين قال: يا معاذ قلت: لبيك يا رسول الله امام الخير ونبى الرحمة فقال: احدثك شيئا ما حدث به نبى امته ان حفظته نفعك عيشك، وان سمعته ولم تحفظه انقطعت حجتك عند الله، ثم قال: ان الله خلق سبعة املاك قبل ان يخلق السماوات فجعل في كل سماء ملكا قد جللها بعظمته، وجعل على كل باب من ابواب السماوات فجعل في كل سماء ملكا قد جللها بعظمته، وجعل على كل باب من ابواب السماوات ملكا بوابا، فتكتب الحفظة عمل العبد من حين يصبح الى حين يمسى، ثم ترتفع الحفظة بعمله وله نور كنور الشمس حتى إذا بلغ سماء الدنيا فتزكيه وتكثره فيقول الملك: قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه، انا ملك الغيبة فمن اغتاب لا أدع عمله يجاوزني الى غيرى أمرنى بذلك ربى قال صلى الله عليه واله: ثم تجئ الحفظة من الغد ومعهم عمل صالح فتمر به فتزكيه وتكثره حتى تبلغ السماء الثانية فيقول الملك الذى في السماء الثانية: قفوا واضربوا بهذ ا العمل وجه صاحبه انما اراد بهذا عرض الدنيا انا صاحب الدنيا لا أدع عمله يتجاوزني الى غيرى قال: ثم تصعد الحفظة بعمل العبد مبتهجا بصدقة وصلوة فتعجب به الحفظة وتجاوز به الى السماء الثالثة، فيقول الملك: قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه وظهره انا ملك صاحب الكبر فيقول: انه عمل وتكبر على الناس في مجالسهم امرني ربى ان لا أدع عمله يتجاوزني الى غيرى قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد يزهر كالكوكب الدرى في السماء له دوى بالتسبيح والصوم والحج، فتمر به الى السماء الرابعة فيقو ل له الملك: قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه وبطنه انا ملك العجب انه كان يعجب بنفسه انه عمل وأدخل نفسه العجب امرني ربى ان لا أدع عمله يتجاوزني الى غيرى قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد كالعروس المزفوفة الى اهلها، فتمر به الى ملك ا لسماء الخامسة بالجهاد والصلوة (والصدقة) ما بين الصلوتين، ولذلك العمل رنين كرنين الابل عليه

[ 229 ]

ضوء كضوء الشمس، فيقول الملك: قفوا انا ملك الحسد، واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه، واحملوه على عاتقه انه كان يحسد من يتعلم أو يعمل لله بطاعته، وإذا راى لاحد فضلا في العمل والعبادة حسده ووقع فيه، فيحمله على عاتقه ويلعنه عمله قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد من صلوة وزكوة وحج وعمرة فيتجاوزون به الى السماء السادسة، فيقول الملك: قفوا انا صاحب الرحمة واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه، واطمسوا عينيه لان صاحبه لم يرحم شيئا إذا اصاب عبدا من عباد الله ذنب للاخرة أو ضرفى الدنيا شمت به امرني به ربى ان لا أدع عمله يجاوزني قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد بفقه واجتهاد وورع وله صوت كالرعد، وضوء كضوء البرق، ومعه ثلاثة آلاف ملك، فتمر به الى ملك السماء السابعة، فيقول الملك: قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه انا ملك الحجاب أحجب كل عمل ليس لله انه اراد رفعة عند القواد وذكرا في المجالس وصيتا في المدائن امرني ربى ان لا أدع عمله يتجاوزني الى غيرى ما لم يكن لله خالصا قال وتصعد الحفظة بعمل العبد مبتهجا به من صلوة وزكوة وصيام وحج وعمرة وحسن الخلق وصمت وذكر كثير تشيعه ملائكة السماوات والملائكة السبعة بجماعتهم، فيطؤن الحجب كلها حتى يقوموا بين يديه سبحانه فتشهدوا له بعمل ودعاء فيقول: انتم حفظة عمل عبدى، وانا رقيب على ما في نفسه انه لم يردنى بهذا العمل عليه لعنتي، فيقول الملائكة: عليه لعنتك ولعنتنا قال: ثم بكى معاذ قال: قلت: يا رسول الله ما أعمل وأخلص فيه ؟ قال: اقتد بنبيك يا معاذ في اليقين قال: قلت: انت رسول الله وانا معاذ قال: وان كان في عملك تقصير يا معاذ فاقطع لسانك عن اخوانك، وعن حملة القرآن، ولتكن ذنوبك عليك لا تحملها على اخوانك، ولا تزك نفسك بتذميم اخوانك، ولا ترفع نفسك بوضع اخوانك، ولا تراء بعملك، ولا تدخل من الدنيا في الاخرة، ولا تفحش في مجلسك لكى يحذروك لسوء خلقك، ولاتناج مع رجل وانت مع آخر، ولا تعظم على الناس فتنقطع عنك خيرات الدنيا، ولا تمزق الناس فتمزقك كلاب اهل النار قال

[ 230 ]

الله تعالى (والناشطات نشطا) (1) أفتدرى ما الناشطات ؟ انه كلاب اهل النار تنشط اللحم والعظم قلت: ومن يطيق هذه الخصال ؟ قال: يا معاذ انه يسير على من يسره الله تعالى عليه قال: وما رأيت معاذا يكثر تلاوت القرآن كما يكثر تلاوت هذا الحديث (2).


(1) النازعات: 2. (2) عن سليمان خالد قال: سئلت ابا عبد الله (ع) عن قول الله عزوجل (وقدمنا الى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا) الفرقان: 23. قال: اما والله وان كانت اعمالهم اشد بياضا من القباطى ولكن كانوا إذا عرض لهم حرام لم يدعوه قال في (مرآت): وفيه دلالة على حبط الطاعات بالفسوق، والاحباط عبارة عن ابطال الحسنة بعدم ترتب ما يتوقع منها عليها ويقابله التكفير وهو اسقاط السيئة بعدم جريان مقتضاعا عليها - واختلف العلماء فيهما شدة الاختلاف وبين آرائهم ثم قال: - ان اصل الاحباط والتكفير مما لا يمكن انكاره لاحد من المسلمين ولا خلاف بين من يعتد به من اهل الاسلام في ان كل مؤمن صالح يدخل الجنة خالد ا فيها حقيقة، وكل كافر يدخل النار خالدا فيها كذلك، واما المؤمن الذى خلط عملا صالحا بغير عمل صالح فاختلفوا فيه - وساق الكلام الى ان قال - لا يقول: باذهاب كل معصية كل طاعة وبالعكس كما ذهب إليه المعتزلة بل نتبع في ذلك النصوص الواردة في ذلك فكل معصية وردت في الكتاب أو في الآثار الصحيحة انها ذاهبة أو منقصة لثواب جميع الحسنات أو بعضها نقول به وبالعكس تابعين للنص في جميع ذلك انتهى بعض كلامه في المقام بعد التلخيص باب اجتناب الحارم. ولقد استوفى البحث في الحبط، واحكام الاعمال كمال الاستيفاء في (الميزان) ج 2 ص 157 - 180. ولم يكن هذا المختصر موضع اطالة الكلام (*).

[ 231 ]

الباب الخامس فيما الحق بالدعاء وهو الذكر ولما كان المقصود من هذا الكتاب التنبيه على فضل الدعاء والاشارة الى ما يستهظر به الداعي، واشتمل من ذلك على نبذة مقنعة وجملة كافية أجبنا ان نردف ذلك بما يساوى الدعاء في الفضل والتحثيث عليه، وقيامه مقامه في تحصيل المراد ودفع الاهوال الشداد، وهو الذكر وقد ظهر مما ذكرناه من فوائد الدعاء انه يبعث عليه العقل والنقل من الكتاب والسنة، وانه يرفع البلاء الحاصل، ويدفع السوء النازل، ويحصل به المراد من جلب النفع وتقرير الحاصل منه ودوامه، فاشتمل الذكر على كل هذه الامور وستري ذلك فيما نبينه فنقول: الذكر محثوث عليه ومرغوب فيه، ويدل عليه العقل والنقل: اما الاول فبما دل عليه من وجوب شكر المنعم، والشكر قسم من أقسام الذكر ولانه دافع للضر المظنون، وكل ضرر ظن حصوله وجب دفعه مع القدرة عليه. اما الاولى فلما رواه الحسين بن زيد عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله ما من قوم اجتمعوا في مجلس فلم يذكروا الله ولم يصلوا على نبيهم الا كان ذلك المجلس حسرة ووبالا عليهم يوم القيامة (1).


(1) قوله: الا كان ذلك المجلس حسرة لا يدل على الوجوب لان ترك كل ما يوجب الاجر في الاخرة سبب للحسرة والندامة في القيامة، والمراد بالذكر كل ما يصير سببا لخطو ر الله سبحان بالبال واطاعة اوامر الله وترك نواهيه، وذكر اوامر الله ونواهيه، والتفكر في كل ما يجوز التفكر فيه من صفات الله سبحانه ومحامده، وتذكر جميع ذلك بالقلب واللسان، وذ كرا صفياء

[ 232 ]

وعن الصادق عليه السلام: ما اجتمعه قوم في مجلس لم يذكروا الله، ولم يذكرونا الا كان ذلك المجلس حسرة عليهم يو القيامة. وقال عليه السلام: يموت المؤمن بكل ميتة الا الصاعقة لا تأخذه وهو يذكر الله (1) واما الثانية فضرورية. واما النقل: فمن الكتاب والسنة، اما الكتاب فآيات: منها قوله تعالى لنبيه (قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون) (2) وقوله تعالى (واذكر ربك في نفسك تضرعا وخفية) (3) وقوله تعالى (فاذكروني اذكركم) (4) وقوله تعالى (يا ايها الذين آمنوا اذكرو الله ذكر كثيرا وسبحوه بكرة واصيلا) (5) واما السنة فكثيرة يفضى استقصائه الى تطويلات فلنقتصر منه على روايات: الاول روى محمد بن ابى عمير عن هشام بن سالم عن ابى عبد الله عليه السلام قال:


الله من انبيائه وحججه وذكر مناقبهم وفضائلهم ودلائل امامتهم فقد ور د في الاخبار إذا ذكرنا ذكر الله وإذا ذكر اعدائنا ذكر الشيطان، وذكر المعاد والحشر والحساب والصراط والميزان وا لجنة والنار، وذكر احكام الله تعالى، وما يدل عليها من الكتاب والسنة، وحفظ آثار ا لرسول والائمة عليهم السلام ونشر اخبارهم وجميع الطاعات والعبادات كل ذلك من ذكر الله إذا كان موافقا لما امر الله به مع تصحيح النية، واما العبادات المبتدعة والاذكار المخترعة وما لم يكن خالصا لله فليس من ذكر الله في شئ بل هي اسباب للبعد من الله واستحقاق اللعنة (مرآت).

(1) قوله: الميتة: الحال والهيئة، والصاعقة: النازلة من الرعد ويدل الحديث على ان الصاعقة في حال الذكر لا يصيب المؤمن (مرآت). (2) الانعام: 91. (3) الاعراف: 204. (4) البقرة: 152. (5) الاحزاب: 41 (*).

[ 233 ]

ان الله تعالى يقول: من شغل بذكرى عن مسئلتي أعطيته افضل ما اعطى من سئلني (1) واعلم ان هذا الخبر وحده كاف فيما نحن بصدده لانه قدسد مسد الدعاء وفضل عليه، فكلما قاد إليه الدعاء من الفوائد فالذكر قائد إليه. الثاني روى هاورن بن خارجة عن ابى عبد الله عليه السلام: ان العبد ليكون له الحاجة الى الله عزوجل فيبدء بالثناء والصلوة على محمد وآل محمد حتى ينسى حاجته فيقضيها الله من غير ان يسئله. الثالث روى عن النبي صلى الله عليه واله: انه قال: من شغلته عبادة الله عن مسئلته أعطاه الله افضل ما يعطى السائلين. الرابع عن الصادق عليه السلام قال: قال الله تعالى. من ذكرني في ملاء الناس ذكرته في ملاء من الملائكة. الخامس روى ابن القداح عنه عليه السلام: ما من شئ الاوله حد ينتهى إليه الا الذكر فليس له حد ينتهى إليه، فرض الله الفرائض فمن أداهن فهو حدهن، وشهر رمضان فمن صامه فهو حده، والحج فمن حج فهو حده الا الذكر فان الله لم يرض فيه بالقليل، ولم يجعل له حدا ينتهى إليه ثم تلا (يا ايها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة واصيلا) فلم يجعل الله له حدا ينتهى إليه قال: وكان ابى كثير الذكر لقد كنت أمشى معه، وانه ليذكر الله، وآكل معه الطعام وانه ليذكر الله، ولو كان يحدث ا لقوم ما يشغله ذلك عن ذكر الله، وكنت أرى لسانه لاصقا بحنكه يقول: لا اله الا الله، وكان يجمعنا فيأمرنا بالذكر حتى تطلع الشمس، وكان يأمر بالقرائة من كان يقرء منا، ومن كان لا يقرء منا امره بالذكر، والبيت الذى يقرء فيه القرآن ويذكر الله فيه تكثر بركته وتحضره الملائكة وتهجره الشياطين ويضئ لاهل السماء كما يضئ الكواكب للسؤال عن حاجته وقضائها قضى الله حاجته، ويمكن التعميم بحيث يشمل ايضا من اراد السؤال ونسيه ويمكن حمله على انه بعد النسيان صارت نية خالصة (مرآت) (*).

[ 234 ]

لاهل الارض، والبيت الذى لايقرء فيه القرآن ولا يذكر الله فيه تقل بركته وتهجره الملائكة. وتحضره الشياطين (1). وقال عليه السلام: جاء رجل الى النبي صلى الله عليه واله فقال: من خير اهل المسجد ؟ فقال: اكثرهم ذكرا. السادس روى أبو بصير عن ابى عبد الله عليه السلام قال: شيعتنا الذين إذا خلو اذكروا الله كثيرا (2). السابع عنه عليه السلام قال: قال الله تعالى لموسى عليه السلام: اكثر ذكرى بالليل والنهار، وكن عند ذكرى خاشعا. الثامن عنه عليه السلام قال: قال الله تعالى: يا ابن آدم اذكرني في ملاء اذكرك في ملاء خير من ملائك (3). التاسع عن النبي صلى الله عليه واله اربع لا يصيبهن الا مؤمن: الصمت وهو اول العبادة،


(1) قوله ما من شى أي مما كلف الانسان به قوله: الا الذكر في الاو ل استثناء متصل من ضمير له، وفى الثاني استثناء منقطع من قوله: الفرائض وشهر رمضان والحج، والمراد بالفرايض الصلوات الخمس قوله: فهو حدهن الضمير راجع الى مصدر أداهن وهو مبتداء وقائم مقام عايد الموصول بتقدير فتأديته اياهن قوله: فهو حده الضمير فيه راجع الى مصدر صامه بتقدير فصومه اياه، وكذا في الثالث بتقدير فحجه، والحد خبر في الجميع - ثم اختلف في معنى الذكر الكثير فقيل: - ان لا ينساه ابدا وقيل: ان يذكره سبحانه بصفاته العلى واسمائه الحسنى وينزهه عمالا يليق به - وقيل: اقوال اخر يطول بذكرها ومن اراد التفصيل يرجع باب الذكر من (مرآت). (2) قد تقدم آنفا معنى الذكر الكثير ذيلا راجع. (3) المراد بالملاء الاول: الجماعة من الناس، وبالملاء الثاني الملائكة، ولعل المراد بذكر الله في الملاء الثناء عليه بحيث يسمعهم لا الذكر فيما بينهم لتصح المطابقة بين القرينتين (مرآت) (*).

[ 235 ]

والتواضع لله سبحانه وتعالى، وذكر الله على كل حال، وقلة الشئ. يعنى قلة المال. العاشر عن الصادق عليه السلام: يموت المؤمن بكل ميتة: يموت غرقا، ويموت بالهدم ويبتلي بالسبع، ويموت بالصاعقة، ولا يصيب ذاكر الله. وفى رواية اخرى ولا يصيبه وهو يذكر الله (1). الحادى عشر في بعض الاحاديث القدسية ايما عبد اطلعت على قلبه فرأيت الغالب عليه التمسك بذكرى توليت سياسته، وكنت جليسه ومحادثه وانيسه. الثاني عشر عن النبي صلى الله عليه واله قال: قال الله سبحانه: إذا علمت ان الغالب على عبدى الاشتغال نقلت شهوته في مسئلتي ومناجاتي، فإذا كان عبدى كك فأراد ان يسهو حلت بينه وبين ان يسهو اولئك اوليائي حقا اولئك الابطال حقا: اولئك الذين إذا أردت ان اهلك الارض عقوبة زويتها عنهم من اجل اولئك الابطال. الثالث عشر عنه عليه السلام قال: مكتوب في التورية التى لم تغيران موسى سئل ربه فقال: يا رب أقريب انت منى فاناجيك ام بعيد فاناديك ؟ فأوحى إليه يا موسى ا نا جليس من ذكرني فقال موسى: فمن في سترك يوم لاستر الاسترك ؟ فقال: الذين يذكروني فأذكرهم، ويتحابون في فاحبهم، فاولئك الذين إذا أردت ان اصيب اهل الارض بسوء ذكرتهم فدفعت عنهم بهم (2). الرابع عشر روى شعيب الانصاري وهارون بن خارجة قالا: قال أبو عبد الله عليه السلام:


(1) قد مضى نظير الحديث في ص 232 مع معناه ذيلا (2) قوله: في التورية التى لم تغير يدل على ان التورية التى في ايدى اهل الكتا ب مغيرة محرفة وان كتب الله كما انزلت عندهم عليهم السلام كالقرآن المجيد. أقريب انت كان الغرض السؤال عن آداب الدعا مع عمله بانه أقرب الينا من حبل الوريد بالعلم والقدرة والعلية أي أتحب ان اناجيك كما يناجى القريب أو اناديك كما ينادى البعيد وبعبارة اخرى إذا نظرت اليك فأنت أقرب، من كل قريب وإذا نظرت الى نفسي أجدني في غاية البعد فلا أدرى في دعائي لك أنظر الى حالى أو الى حالك ويحتمل ان يكون السؤال للغير، أو من قبلهم كسؤال الرؤية (مرآت) (*).

[ 236 ]

ان موسى انطلق ينظر في اعمال العباد فأتى رجلا من أعبد الناس، فلما امسى الرجل حرك شجرة الى جنبه فإذا فيها رمانتين قال: فقال: يا عبد الله من انت ؟ انك عبد صالح انا هيهنا منذما شاء الله ما اجد في هذه الشجرة الا رمانة واحدة، ولو لا انك عبد صالح ما وجدت رمانتين قال: انا رجل أسكن ارض موسى بن عمران قال: فلما أصبح قال: تعلم احدا أعبد منك ؟ قال: نعم فلان الفلاني قال: فانطلق إليه فإذا هو أعبد منه كثيرا، فلما أمسى اوتى برغيفين وماء فقال: يا عبد الله من انت ؟ انك عبد صالح انا هيهنا منذ ما شاء الله وما اوتى الا برغيف واحد، ولو لا انك عبد صالح ما اتيت برغيفين فمن انت ؟ قال: انا رجل أسكن ارض موسى بن عمران، ثم قال موسى: هل تعلم احدا أعبد منك ؟ قال: نعم فلان الحداد في مدينة كذا وكذا قال: فأتاه فنظر الى رجل ليس بصاحب العبادة بل انما هو ذاكر لله تعالى، وإذا دخل وقت الصلوة قام فصلى، فلما أمسى نظر الى غلته فوجدها قد اضعفت. فقال: يا عبد الله من انت ؟ انك عبد صالح انا هيهنا منذ ما شاء الله غلتي قريب بعضها من بعض والليلة قد اضعفت فمن انت ؟ قال: انا رجل أسكن ارض موسى بن عمران قال: فأخذ ثلث غلته فتصدق بها وثلثا أعطى مولى له وثلثا أشترى به طعاما فأكل هو وموسى قال: فتبسم موسى، فقال من أي شى تبسمت ؟ قال دلنى نبى بنى اسرائيل على فلان فوجدته من أعبد الخلق، فدلني على فلان فوجدته أعبد منه، فدلني فلان عليك وزعم انك أعبد منه ولست أراك شبه القوم قال: انا رجل مملوك أليس تراني ذاكر الله ؟ أو ليس تراني اصلى الصلوة لوقتها، وان أقبلت على الصلوة أضررت بغلة مولاى وأضررت بعمل الناس أتريدان تأتى بلادك ؟ قا ل: نعم قال: فمرت به سحابة فقال الحداد: يا سحابة تعالى فجائت قال: اين تريدين ؟ قالت: اريد ارض كذا وكذا قال: انصرفي، ثم مرت به اخرى فقال: يا سحابة تعالى فجائت: فقال: ا ين تريدين ؟ فقالت: اريد ارض كذا وكذا قال: انصرفي، ثم مرت به اخرى فقال: يا سحابة تعالى فجائته فقال: اين تريدين ؟ قالت: اريد ارض موسى بن عمران قال: فقال: احملي هذا

[ 237 ]

حمل رقيق وضعية في ارض موسى بن عمران وضعا رقيقا قال: فلما بلغ موسى بلاده قال: يا رب بما بلغت هذا ما أرى ؟ قال تعالى: ان عبدى هدا يصبر (1) على بلائى ويرضى (2) بقضائي ويشكر على نعمائي (3) الخامس عشر روى الحسن بن ابى الحسن الديلمى في كتابه عن وهب بن منية (منبه) قال: اوحى الله تعالى الى داود يا داود من أحب حبيبا صدق قوله، ومن ر ضى بحبيب رضى بفعله، ومن وثق بحبيب اعتمد عليه، ومن اشتاق الى حبيب جدفى السير إليه، يا داود ذكرى للذاكرين، وجنتي للمطيعين، وحبى، للمشتاقين، وانا خاصة للمحبين.


(1) عن ابى يعفور عن ابى عبد الله (ع) قال: الصبر رأس الايمان. قال: في (مرآت): الصبر حبس النفس عن الجزع عند المكروه، وهو يمنع الباطن عن الاضطراب واللسان عن الشكاية والاعضاء عن الحركات الغير المعتادة، وان الصبر يكون على البلاء وعلى فعل الطاعة، وعلى ترك المعصية وعلى سوء اخلاق الخلق قوله: رأس الايمان هو من قبيل تشبيه المعقول بالمحسوس، ووجه الشبه: ان الانسان ما دام في تلك النشأة هو مورد للمصائب ومحل للحوادث ومبتلى بتحمل الاذى من بنى نوعه في المعاملات ومكلف بفعل الطاعات وترك المنهيات والمشتهيات وكل ذلك ثقيل على النفس لا تشتهيها بطبعها فلابد ان يكون فيه قوة ثابتة وملكة راسخة بها يقتدر على حبس النفس على هذه الامور الشاقة وهى المسماة بالصبر، ومن البين ان الايمان الكامل بل نفس التصديق ايضا يبقى ببقائه ويفنى بفنائه فلذلك هو من الايما ن بمنزلة الرأس من الجسد (مرآت). بعد التلخيص. (2) عن ابى عبد الله (ع) قال: ان أعلم الناس بالله أرضاهم بقضاء الله تعالى قال في (مرآت) في معنى الحديث: يدل على ان الرضا بالقضاء تابع للعلم والمعرفة، وانه قابل للشدة والضعف مثلهما، وذلك لان الرضا مبنى على العلم بانه سبحانه قادر قاهر عدل حكيم لطيف بعباده لا يفعل بهم الا الاصلح وانه المدبر للعالم وبيده نظامه فكلما كان العلم بتلك الامور أتم كان الرضا بقضائه أكمل وأعظم، وايضا الرضا من ثمرات المحبة والمحبة تابعة للمعرفة فإذا كملت المحبة كلما أتاه من محبوبه التذبه هذه أعلى مدارج الكمال (مرآت). (3) قد ذكرنا معنى الشكر في ص 225 عند ذكر علاج العجب ذيلا بالتفصيل (*).

[ 238 ]

وقال سبحانه: اهل طاعتي في ضيافتي، واهل شكرى في زيادتي، واهل ذكرى في نعمتي، واهل معصيتى لا ائيسهم من رحتمى ان تابوا فأنا حبيبهم، وان دعوا فأنا مجيبهم، وان مرضوا فأنا طبيبهم اداويهم بالمحن والمصائب، ولا طهرهم من الذنوب والمعايب. السادس عشر عن النبي صلى الله عليه واله ما جلس قوم يذكرون الله الا ناداهم مناد من السماء قوموا فقد بدلت سيئاتكم حسنات (1) وغفرت لكم جميعا، وما قعد عدة من أهل الار ض يذكرون الله الا قعد معهم عدة من الملائكة. السابع عشر روى ان رسول الله صلى الله عليه واله خرج على اصحابه فقال: ارتعوا في رياض الجنة قالوا: يا رسول الله وما رياض الجنة ؟ قال: مجالس الذكر اغدوا وروحوا (2) واذكروا، ومن كان يحب ان يعلم منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله عنده فان الله تعالى ينزل العبد حيث أنزل العبد الله من نفسه، واعلموا أن خير اعمالكم وازكاها وارفعها في درجاتكم وخير ما طلعت عليه الشمس ذكر الله سبحانه فانه أخبر عن نفسه فقال: انا جليس من ذكرني، وقال سبحانه (فاذكروني أذكركم) (3) بنعمتي، واذ كرونى بالطاعة والعبادة أذكركم بالنعم والاحسان والرحمة والرضوان.


(1) قال في (الميزان): والذى يفيده ظاهر قوله تعالى (فاولئك يبدل الله سيتآتهم حسنات) الفرقان: 70 وقد ذيله بقوله (وكان الله غفورا رحيما) ان كل سيئة منهم نفسها تتبدل حسنة، وليست السيئة، هي متن الفعل الصادر من فاعله وهو حركات خاصة مشتركة بين السيئة والحسنة كعمل المواقعة مثلا المشترك بين الزناء النكاح، بل صفة الفعل من حيث موافقته لامر الله ومخالفته له مثلا من حيث انه يتأثر به الانسان ويحفظ عليه، دون الفعل الذى هو مجموع حركات متصرمة متقضية فانية وكذا عنوانه القائم به الفاني بفنائه وهذه ا لاثار السيئة التى يتبعها العقاب اعني السيئآت لازمة للانسان حتى يؤخذ بها يوم تبلى السرائر ولو لا شوب من الشقوة والمسائة في الذات لم يصدر عنها عمل سيرء وإذا تطهرت بالتوبة وا لعمل الصالح فتبدلت ذاتا سعيدة تتبدل آثارها اللازمة التى كانت سيئات انتهى موضع الحاجة منه ملخصا (2) قوله: اغدوا وروحوا: اريد بهما الدوام أي اصبحوا وامسوا ذاكرين (المجمع). (3) البقرة: 152 (*).

[ 239 ]

الثامن عشر عنهم عليهم السلام ان في الجنة قيعانا (1) فإذا أخذ الذاكر في الذكر أخذت الملائكة في غرس الاشجار، فربما وقف بعض الملائكة فيقال له: لم وقفت ؟ فيقول: ان صاحبي قد فتر يعنى عن الذكر. فصل ويستحب الذكر في كل وقت ولا يكره في حال من الاحوال: روى الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام قال: لا بأس بذكر الله وانت تبول فان ذكر الله حسن علبى كل حال ولا تسأم من ذكر الله (2). وعنه عليه السلام فيما اوحى الله تعالى الى موسى يا موسى لا تفرح بكثرة المال ولا تدع بذكرى على حال فان كثرة المال (تنشأ) تنسى الذنوب، وان ترك ذكرى يقسى القلب (3) وعن ابى حمزة عن ابى حمزة عن ابى جعفر عليه السلام قال مكتوب في التورية التى لم تغير ان موسى سئل ربه فقال: الهى يأتي على مجالس اعزك واجلك ان أذكرك فيها فقال: يا موسى ان ذكرى حسن على كل حال. واعلم ان الله سبحانه ربما ابتلى العبد ليذكره ويدعوه إذا كان يحب ذكره كما تقدم في الدعاء (4).


(1) القاع والقيعة بمعنى وهو المستوى من الارض وجمع القاع اقوع واقواع وقيعان بقلب الواو ياء (المجمع). (2) يدل الحديث على استحباب الذكر في حال الجنابة والخلاء وساير الاحوال الخسيسة وربما يستدل به على جواز قرائة القران للجنب والحائض (مرآت). (3) قوله: فان كثرة المال تنسى الذنوب لان الانسان يطغى إذا استغنى، وكثرة المال موجبة لحسبة والغفلة عن ذنوبه بل يسول له الشيطان ان وفور المال لقربه من ربه فلا يبالى بكثرة ذنوبة: وترك الذكر على أي ال كان موجب لقساوة القلب وغلطته والقلب القاسي بعيد عن ربه (مرآت). (4) وتقدمت في ص 25 رواية مصرحة بذلك (*).

[ 240 ]

روى أبو الصباح قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما أصاب المؤمن من بلاء أفبذنب ؟ قال: لا ولكن يسمع الله أنينه وشكواه ودعائه ليكتب له الحسنات ويحط عنه السيئات، وان الله ليعتذر الى عبده المؤمن كما يعتذر الاخ الى اخيه فيقول: لا وعزتي ما أفقرتك لهوانك على، فارفع هذا الغطاء فيكشف فينظر ما في عوضه فيقول: ما ضرنى يا رب مازويت عنى، وما أحب الله قوما الا ابتلاهم. وان عظيم الاجر لمع عظيم البلاء، وا ن الله يقول: ان من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح لهم امر دينهم الا بالغنى والصحة في البدن فأبلوهم به، وان من العباد لمن لا يصلح لهم امر دينهم الا بالفاقة والمسكنة والسقم في أبدانهم فأبلوهم فيه فيصلح لهم امر دنيهم، وان الله أخذ ميثاق المؤمن على ان يصدق في مقالته ولا ينتصر من عدوه، وان الله إذا أحب عبدا غته بالبلاء غتا فإذا د عا قال له لبيك عبدى انى على ما سئلت لقادر وان ما ادخرت لك فهو خير لك (1). وان حواريين عيسى شكوا إليه ما يلقون من الناس فقال: ان المؤمنين لا يزالون في الدنيا منغصين. وعن النبي صلى الله عليه واله ان في الجنة منازل لا ينالها العباد بأعمالهم ليس لها علاقة من فوقها ولا عماد من تحتها قيل: يا رسول الله من اهلها ؟ فقال صلى الله عليه واله: هم اهل البلاء والهموم (2).


(1) قوله: ان عظيم الاجر لمع عظيم البلاء يدل على ان عظيم البلاء سبب لعظيم الاجر وعلامة لمحبة الرب الرحيم إذا كان في المؤمن الكريم قوله: غته بالبلاء غنا أي يغمسه فيه غمسا متتابعا والبلاء اسم مثل سلام من بلاه يبلوه أي امتحنه (مرآت) (2) يدل على ان بعض درجات الجنة يمكن البلوغ إليها بالعمل والسعى، وبعضها لا يمكن الوصول إليها الا بالابتلاء فيمن الله تعالى على من أحب من عباده بالابتلاء ليصلوا إليها (مرآت) (*).

[ 241 ]

فصل ولا ينبغى ان يخلو للانسان مجلس عن ذكر الله ويقوم منه بغير ذكر. وروى أبو بصير عن ابى عبد الله عليه السلام: ما اجتمع قوم في مجلس لم يذكروا الله لم يذكرونا الا كان ذلك المجلس حسرة عليهم يوم القيامة، ثم قال أبو جعفر عليه السلام: ان ذ كرنا من ذكر الله وذكر عدونا من ذكر الشيطان (1). وعنه عليه السلام من اراد ان يكتال بالمكيال الا وفى فليقل إذا أراد القيام من مجلسه (سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين) (2). وروى الحسن بن ابى الحسن الديلمى عن النبي صلى الله عليه واله ان الملائكة يمرون على حلق الذكر، فيقومون على رئوسهم ويبكون لبكائهم ويأمنون لدعائهم، فإذا صعدوا السماء يقول الله تعالى: يا ملائكتي اين كنتم ؟ وهو أعلم فيقولون: يا ربنا انا حضرنا مجلسا من مجالس الذكر فرأينا اقواما يسبحونك ويمجدونك ويقدسونك ويخافون نارك فيقول الله سبحانه: يا ملائكتي ازووها عنهم واشهدكم انى قد غفرت لهم وآمنتهم مما يخافون، فيقولون ربنا: ان فيهم فلانا وانه لم يذكرك فيقول: قد غفرت له بمجالسته لهم فان الذاكرين من لا يشقى بهم جليسهم. فصل ويتأكد استحباب الذكر إذا كان في الغافلين تحصينا من قارعة ينزل بهم فينجوا بذكره ولعلهم ينجون به.


(1) قال في (مرآت): وقيل: الواوفى قوله: ولم يذكرونا حالية اشارة الى ان ذكر الله لا يتصور بدون ذكرنا قوله: ثم قال كلام أبو بصير والحاصل ان من لم يعرفهم لم يعرف الله تعالى. (2) قوله: ان يكتال على بناء المعلوم والمكيال ما يكال به والمعنى من اراد ان يأخذ الثواب من الله على الوجه الاكمل من غير نقص فليقرء هذه الآية فهو كناية عن كثرة الثواب وعظمته وكأنه - أي الكيل - على التمثيل واحتمل الحقيقة كما يوزن بالميزان في القيامة (مرآت) الصافات: 180 (*).

[ 242 ]

ولقول الصادق عليه السلام الذاكر لله في الغافلين كالمقاتل عن (في) الهاربين (في المحاربين) (1). وعنه عليه السلام قال: قال رسول الله: ذاكر الله في الغافلين كالمقاتل في الفارين، والمقاتل في الفارين له الجنة. وعن النبي صلى الله عليه واله من ذكر الله في السوق مخلصا عند غفلة الناس وشغلهم بما (هم) فيه كتب الله له الف حسنة ويغفر الله له يوم القيامة مغفرة لم تخطر على قلب بشر. فصل وافضل اوقاته عند الاصباح والامساء وبعد الصبح والعصر. قال رسول الله: صلى الله عليه واله: قال الله تعالى: يا ابن آدم اذكرني بعد الصبح ساعة وبعد العصر ساعة أكفك ما أهمك. وقال الباقر عليه السلام: ان ابليس عليه لعاين الله يبث جنود الليل من حين تغيب الشمس وحين تطلع فأكثر واذكر الله حين هاتين الساعيتن، وتعوذوا بالله من شر ابليس وجنوده. وعوذ واصغاركم في تلك الساعتين فانهما ساعتا غفلة (2)


(1) قوله: في المحاربين أي الهاربين أو الحاضرين في الحرب الذين لم يحاربوا: وقيل: كلمة في الاول ظرفية وفى الثاني للسببية أي كما ان حرب غير الفارين يدفع ضرر العدو عن الفارين لئلا يعاقبوهم، كذلك ذكر الذاكرين يدفع ضرر الشيطان عن الغافلين واقول: كان الغرض التشبيه في كثرة الثواب، أو رفع نزول العذاب عن الغافلين واقول: كان الغرض التشبيه في كثرة الثواب، أو رفع نزول العذاب عن الغافلين وهو من قبيل تشبيه الهيئة بالهيئة أو المفرد بالمفرد (مرآت). (2) قوله: يبث جنود الليل كان فيه حذفا أي وجنود النهار بقرينة السياق: فانهما ساعتا غفلة أي يغفل الناس فيهما عن ذكر الله فائدة اعلم ان الآيات المتكاثرة والاخبار المتواتره تدل على فضيلة الدعاء والذكر في هذين الوقتين وفيه علل كثيرة: الاولى شكر النعم ا لتى مضت على الانسان في اليوم الماضي أو الليلة الماضية. الثانية انه يستقبل يوما أو ليلة يمكن

[ 243 ]

وقال الصادق عليه السلام في قول الله تبارك وتعالى (وظلالهم بالغدوو الآصال) قال: هو الدعاء قبل طلوع الشمس وقبل غروبها وهى ساعة اجابة (1). فصل ويستحب الاسرار بالذكر لانه أقرب الى الاخلاص وأبعد من الرياء قال رسول الله صلى الله عليه واله لابي ذر: يا اباذر اذكر الله ذكرا خاملا قلت: ما الخامل ؟ قال: الخفى. وقال امير المؤمنين من ذكر الله في السر فقد ذكر الله كثيرا ان المنافقين كانوا يذكرون الله علانية ولا يذكرونه في السر فقال الله (يرائون الناس ولا يذكرون الله


نزول البلاء فيه أو يحصل له فيه صنوف الخيرات فلا بدله من تمهيد ما يستجلب له الخيرات ويدفع عنه الآفات. الثالثة ان في هذين الوقتين الفراغ للعبادة والذكر اكثر من ساير الا وقات. الرابعة ان فيهما تظهر قدرة الله الجليلة من اذهاب الليل والاتيان بالنهار وبالعكس فيستحق بذلك ثناء طريفا. الخامسة انه يظهر في الوقتين ظهورا بينا ان جميع الممكنات في معرض التغير والتبدل وهو سبحانه باق على حال لايعتر به الزوال فيتنبه العارف انه سبحانه المستحق للتسبيح. السادسة انه ينبغى للانسان ان يحاسب نفسه كل ساعة سيما في هذين الوقتين اللذين هما وقتا صعود ملائكة الليل والنهار. هذا ملخص الكلام مما في (مرآت) ومن اراد تفصيله يرجع باب الذكر منه.

(1) والآية هكذا (ولله يسجد من في السماوات والارض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو ولآصال) الرعد: 16 وأطال الكلام عند نقل الاقوال في معناها في (مرآت) ونقلنا واحدا منها فقط حذرا من الاطالة قال: وقال الراغب: السجود اصله التطامن والتذلل وذلك ضربان سجود باختيار وليس ذلك الا للانسان وبه يستحق الثواب، وسجود بتسخير وهو للانسان والحيوان والنبات وعلى ذلك الآية الشريفة، وقوله تعالى: يتفيؤا ظلاله الآية وهو الدلالة الصامتة الناطقة المنبهة على كونها مخلوقة لفاعل حكيم انتهى ملخصا (*).

[ 244 ]

الا قليلا) (1). وقال الصادق عليه السلام: قال الله تعالى: من ذكرني سرا ذكرته علانية (2). وروى زرارة عن احدهما عليهما السلام قال: لا يكتب الملك الا ما سمع وقال الله (وا ذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة) فلا يعلم ثواب ذلك الذكر في نفس الرجل غير الله لعظمته (3) روى ان رسول الله صلى الله عليه واله كان في غزاة فاشرفوا على وادفجعل الناس يهللون ويكبرون ويرفعون أصواتهم فقال صلى الله عليه واله يا ايها الناس اربعوا على انفسكم (4) اما انكم لا تدعون أصما ولا غائبا وانما تدعون سميعا قريبا معكم. فصل وينقسم الذكر اقساما: فمنه التحميد: روى سعيد القماط عن الفضل قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام:


(1) قوله: الا قليلا أي ذكرا قليلا ومعناه لا يذكرون الله عن نية خا لصة ولو ذكروه مخلصين لكان كثيرا وانما وصف بالقلة لانه لغير الله وقيل: انما وصف الذكر بالقلة لانه سبحانه لم يقبله وكلما يرد الله فهو قليل - وقيل: اقوال اخر تركناها لئلا طول - (مرآت) الرعد: 16. (2) قوله: من ذكرني سرا أي في قلبه أو في الخلوة أو بالاخفات الذى يقابل الجهر: ذكرته علانية أي في القيامة باظهار شرفه وفضله، أو وفير ثوابه، أو في الملاء الاعلى، أو ذكره بالجميل في الدنيا على السن العباد (مرآت) وقد مر تفصيل الكلام في الذكر في ص 231 ذيلا. (3) قوله: لا يكتب الملك الا ما سمع أي من الاذكار فان الملك يكتب غير المسموعا ت من افعال الجوارح ايضا، والغرض بيان عظمة ذكر القلب لبعده عن الرياء فانه لا يط لع عليه الملك ولا ينافى ذلك ما روى: الملك يعرف قصد الحسنة والسيئة بريح نفس الانسان لانه يمكن ان يكون ذلك لتعلقه بالافعال الظاهرة الصادرة من الجوارح (مرآت) الانفال: 204. (4) يقال: اربع عليك أو على نفسك: أي توقف (اقرب) (*).

[ 245 ]

جعلت فداك علمني دعاء جامعا فقال لى: احمد الله فانه لا يبقى احد يصلى الا دعا لك يقول: سمع الله لمن حمده (1). وروى عن النبي صلى الله عليه واله: كل كلام لايبدء فيه بالحمد فهو اقطع (2). وروى أبو مسعود عن ابى عبد الله قال: من قال اربع مرات إذا أصبح (الحمد لله رب العالمين) فقد أدى شكر يومه، ومن قالها إذا أمسى فقد أدى شكر ليلته. وعن الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله من قال (الحمد لله كما هو اهله) فقد شغل كتاب السماوات فيقولون: اللهم لا نعلم الغيب فيقول الله: اكتبوها كما قالها عبدى وعلى ثوابها. صورة التمجيد: روى على بن حسان عن بعض أصحابه عن ابى عبد الله عليه السلام كل دعاء لا يكون قبله تمجيد فهو أبترانما التمجيد ثم الثناء قلت: وما أدنى ما يجز ى من التمجيد ؟ قال: تقول (اللهم انت الاول فليس قبلك شئ وانت الآخر فليس بعد ك شى وانت الظاهر فليس فوقك شى وانت الباطن فليس دونك شى وانت العزيز الحكيم) (3).


(1) عدى سمع باللام مع انه متعد بنفسه لانه ضمن معنى استجاب تعدى بما تعدى به وفى هذه الرواية تصريح بكونها دعاء يقال: أسمع دعائي أي أجب لان غرض السائل الاجابة والقبول، والحمد هو الثناء على الجميل الاختياري من نعمة أو غيرها (مرآت). (2) والمراد بالقطع النقص أو القطع النقص أو القطع من اصله أو القطع من القبو ل، أو الصعود (مرآت). (3) قوله: انت الاول أي السابق على الاشياء كلها فانه موجدها ومبدعها: والآخر الباقي وحده بعدان يفنى الخلق كلها وقيل: الآخر الذى هو منتهى السلوك فانه منه بدأ واليه يعود وقيل: الآخر بحسب الغايات فدل على انه منتهى كل غاية ومرجع كل حاجة: وانت الظاهر أي الغالب القادر على جميع الاشياء فلما حصره فيه قال فلا شى فوقك يغلبك ويقدر عليك وقيل: أي الظاهر بالدلائل والآثار: وانت الباطن أي المحتجب عن ابصار الخلائق واوهامهم وقيل: هو العالم بما بطن، أو ان المعنى ليس اقرب منك شى من الاشياء هذا ما لخصناه ويطلب التفصيل من باب الذكر في (مرآت) (*).

[ 246 ]

وبهذا الاسناد قال: سئلت ابا عبد الله عليه السلام ما أدنى ما يجزى من التحميد (التمجيد) قال: تقول (الحمد لله الذى علافقهر والحمد لله الذى بطن فخبر والحمد لله الذى يحيى الموتى ويميت الاحياء وهو على كل شى قدير). ومنه التهليل والتكبير: روى ربعى عن فضيل عن احدهما عليهما السلام: أكثر وامن التهليل والتكبير فانه ليس شى أحب الى الله من التكبير والتهليل (1) - وعن النبي صلى الله عليه واله: خير العبادة قول (لا اله الا الله). ومنه التسبيح: روى يونس بن يعقوب قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: من قا ل (سبحان الله) ماة مرة كان ممن ذكر الله كثيرا ؟ قال: نعم. روى ان سليمان بن داود عليه السلام كان معسكره مأة فرسخ في مأة فرسخ: خمس وعشرون للجن، وخمس وعشرون للانس، وخمس وعشرون للطير، وخمس وعشرون للوحش، وكان له الف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلاثمأة منكوحة، وسبع مأة سرية، وقد نسجت الجن له بساطا من ذهب وابريسم فرسخان في فرسخ وكان يوضع منبره في وسطه وهو من ذهب، فيقعد عليه وحوله ستمأة الف كرسى من ذهب وفضة، فيقعد الانبياء على كراسي الذهب والعلماء على كراسي الفضة، وحوله الناس، وحول الناس الجن والشياطين، وتظله الطير بأجنحتها حتى لا تقع عليه الشمس، وترفع ريح الصبا البساط فتسير به مسيرة شهر في يوم. وروى انه كان يأمر الريح العاصف يسيره والرخاء يحمله، فأوحى الله إليه وهو يسير بين السماء والارض انى قد زدت في ملكك ان لا يتكلم احد بشئ الا ألقته الريح في سمعك، فيحكى انه مر بحراث فقال: لقد اوتى ابن داود ملكا عظيما فألقاه الريح في اذنه، فنزل ومشى الى الحراث وقال: انما مشيت اليك لئلا تتمنى ما لا تقدر عليه،


(1) قال في (مرآت): وافضلية التهليل لدلالتها على التوحيد الكامل: والتكبير لدلالتها على الاتصاف بجميع الصفات الكمالية والتنزه عن جميع صفات النقص على وجه لا يصل إليه العقول والافهام فهما متضمنان لمعرفة الله على وجه الكمال والتمام (*).

[ 247 ]

ثم قال: لتسبيحة واحدة يقبلها الله تعالى خير مما اوتى آل دواد. وفى حديث آخر لان ثواب التسبيحة يبق وملك سليمان يفنى. ومنه التسبيح والتحميد: عن الصادق عليه السلام قال: قال امير المؤمنين عليه السلا م: التسبيح نصف الميزان والتحميد يملاء الميزان، و (لا اله الا الله والله اكبر) (والله اكبر) يملاء ما بين السماوات والارض (1). ومنه (اشهد ان لا ال الا الله وحده لا شريك له الها واحدا أحدا فردا صمدا لم يتخذ صاحبة ولاولدا) قال عليه السلام: من قالها خمسا واربعين مرة كتب الله له خمسا وا ربعين الف الف حسنة، ومحى عنه خمسا واربعين الف الف سيئة، ورفع له خمسا واربعين الف الف درجة، وكان كمن قرء القرآن في يومه اثنى عشر الف مرة، وبنى الله له بيتا في الجنة (2). ومنه الكلمات الخمس قال النبي صلى الله عليه واله: ألا اعلمكم خمس كلمات ؟ خفيفات على اللسان ثقيلات في الميزان يرضين الرحمن ويطردن الشيطان وهن من كنوز الجنة ومن تحت العرش وهن الباقيات الصالحات قالوا: بلى يا رسول الله فقال صلى الله عليه واله: قولوا (سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر ولاحول ولا قوة الا بالله العلى العظيم) وقال عليه السلام: خمس بخ بخ لهن ما أثقلهن في الميزان !.


(1) قال في (مرآت): قيل: لعل السر في ذلك ان لله سبحانه صفات ثبوتية جمالية وصفات سلبية جلالية وانما يملاء ميزان العبد بالاتيان بهما جميعا، والتسبيح اتيان بالثانية فهو نصف الميزان، والتحميد اتيان بهما جميعا لوروده على كل ما كان كما لا فهو يملاء الميزان وهما لا يتجاوزان ميزان العبد لانهما انما يكونان بقدر فهمه وعلمه ومعرفته، واما التكبير فلما كان تفضيلا مجملا يكفى فيه العلم الاجمالي بالمفضل عليه فهو يملاء ما بين السماء والارض انتهى موضع الحاجة منه. (2) يمكن ان تكون نسبة الكتابة الى الله على المجاز لانه الآمر بذلك والكاتب هو الملك (مرآت) (*).

[ 248 ]

ومنه التسبيحات الاربع عن ابى جعفر عليه السلام قال: مر رسول الله صلى الله عليه واله برجل يغرس غرسا في حائط له فوقف عليه وقال: ألا أدلك على غرس أثبت اصلا وأسرع ايناعا وأطيب ثمرا وابقى ؟ قال: فدلني يا رسول الله فقال: إذا اصبحت وامسيت فقل (سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر) فان لك بذلك ان قلته بكل تسبيحة عشر شجرات في الجنة من انواع الفاكهة وهن من الباقيات الصالحات قال: فقال الر جل فانى اشهدك يا رسول الله ان حايطى هذا صدقة مقبوضة على فقراء المسلمين اهل الصدقة فأنزل الله تبارك وتعالى آيات من القرآن (فاما من اعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى) (1) روى محمد بن خالد البرقى عن الصادق عن ابيه عن جده عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: من قال: (سبحان الله) غرس الله له بها شجرة في الجنة، ومن قال (الحمد لله) غرس الله له بها شجرة في الجنة، ومن قال (لا اله الا الله) غرس الله له بها شجرة في الجنه، ومن قال (الله اكبر) غرس الله له بها شجرة في الجنة فقال له رجل من قريش إذا شجرنا في الجنة لكثير قال صلى الله عليه واله: نعم ولكن اياكم ان ترسلوا عليها نيرانا فتحرقوها، وذلك قول الله عزوجل (يا ايها الذين آمنوا اطيعوا لله واطيعوا الرسول ولا تبطلوا اعمالكم) (2). وعنه عليه السلام ان النبي صلى الله عليه واله قال لاصحابه ذات يوم: ارأيتم لو جمعتهم ما عندكم من الثياب والانية والامتعة ثم وضعتم بعضه على بعض أكنتم ترون انه يبلغ السماء ؟ قالوا: لا يا رسول الله قال: افلا أدلكم على شى اصله في الارض وفرعه في السماء ؟ قالوا: بلى قال يقول احدكم إذا فرغ من الفريضة (سبحان الله والحمد لله


(1) الحائط: البستان. ينعت الثمار: ادركت، والاسم النع بالضم فهى يانعة. ونسبة الايناع هنا الى الشجرة مجاز، أو استعير لوصول الشجرة حد الاثمار. وأبقى: أي أبقى ثمرا أو اصل الشجرة. على فقراء المسلمين اما متعلق بالصدقة أو بالمقبوضة. اهل الصدقة: بدل من الفقراء اوصفة لها أي ممن يستحق اجذ الزكوة انتهى موضع الحاجة (مرآت) الليل: 7. (2) محمد: 33. وعن بعضهم ان الرجل القرشى هو عمر بن الخطاب (*).

[ 249 ]

ولا اله الا الله والله اكبر) ثلاثين مرة فان اصلهن في الارض وفرعهن في السماء وهن يدفعن (الهم) والهدم والحرق والغرق والتردى في البئر واكل السبع وميته السوء والبلية التى تنزل من السماء في ذلك اليوم على العبد، وهن (من) الباقيات الصالحات (1). وروى حماد بن عثمان عن جعفر بن حمد عن آبائه عن على عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: لما اسرى بى الى السماء دخلت الجنة فر أيت فيها قيعانا بقعا (يققا) (2) من مسك، ورأيت فيها ملائكة يبنون لبنة ذهب ولبنة فضة وربما امسكوا، فقلت لهم: مالكم ربما بنيتم وربما أمسكتم ؟ فقالوا أمسكنا حتى تجيئنا النفقة قلت: وما نفقتكم ؟ قالوا: قول المؤمن (سبحان الله والحمد لله ولا اله ا لا الله والله اكبر) وإذا قالهن بنينا، وإذا سكت وأمسك أمسكنا. ومنه الاستغفار: روى السكوني عن ابى عبد الله عليه السلام: قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: خير الدعاء الاستغفار (3). وقال عليه السلام: ان للقلوب صداء كصداء النحاس فاجلوها بالاستغفار (4). وقال عليه السلام: من اكثر الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب.


(1) وتقدم معنى ميتة السوء في ص 60 ذيلا. (2) القاع: المستوى من الارض ج قيعان واقواع بقع جمع البقعة: وهى القطعة من ا لارض اليقق: المتناهى في البياض (المجمع). (3) قوله: خير الدعاء الاستغفار: لان الغفران اهم المطالب، أو لانه يصير سببا لرفع السيئات التى هي اعظم حجب اجابة الدعوات (مرآت). (4) صداء الحديد: وسخه، وفى الحديث ان هذا القلب يصدء كما يصدء الحديد أي يركبه الرين بمباشرة المعاصي (المجمع) (*).

[ 250 ]

وروى زرارة عن ابى عبد الله عليه السلام: إذا أكثر العبد من الاستغفار رفعت صحيفته وهى تتلألأ. وعن الرضا عليه السلام مثل الاستغفار مثل ورقة على شجرة تحرك فتناثر، والمستغفر من ذنب وهو يفعله كالمستهزء بربه. وقال عليه السلام: كان رسول الله صلى الله عليه واله لا يقوم من مجلس وان خف حتى يستغفر الله خمسا وعشرين مرة (1). وعنه عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله يستغفر الله غداة كل يوم سبعين مرة، ويتوب الى الله سبعين مرة قلت: وكيف كان يقول (استغفر الله واتوب إليه) ؟ فقال عليه السلام: كان يقول (استغفر الله) سبعين مرة ويقول (اتوب الى الله) سبعين مرة. وعنه عليه السلام: الاستغفار وقول (لا اله الا الله) خير العبادة قال الله العزيز الجبار (فاعلم انه لا اله الا الله واستغفر لذنبك) (2). فصل وأفضل اوقاته الأسحار وبعد الصبح والعصر. روى عن الصادقين عليهما السلام املئوا اول صحايفكم خيرا واخرها خيرا يغفر لكم ما بينهما.


(1) وفى معنى استغفارهم عليهم السلام مع عصمتهم كلمات شتى للعلماء نقلها في (مرآت). ثم قال: ان احسن الوجوه في ذلك وجهان خطر اببالى الاول انهم عليهم السلام لما كانوا ابدا مترقين فيمراتب القرب ولعله يحصل لهم ذلك في كل يوم سبعين مرة أو اكثر، فلما صعدوا د رجة استغفر ومن الدرجة السابقة. والثانى انه كان لممكن واعماله واحواله كلها في درجة النقص، وكل كمال حصل فيهم فهو من مفيض الخيرات، فإذا نظروا الى عظمته سبحانه على ما تجلت لهم في مراتب عرفانهم، والى عجزهم عن الاتيان بما يليق بذاته الاقدس عد وا انفسهم مقصرين في المعرفة والعبادة فاستغفروا لجميع ذلك انتهى ما لخصناه من كلامة (2) محمد: 19 قيل: انه (ص) ضيق الصدر من أذى قومه فقيل له: فاعلم انه لا كاشف لذلك الا الله: واستغفر لذنبك، الخطاب له والمراد به الامة وانما خوطب بذلك لتستن امته بسنته. (مرآت) وقد مر آنفا ذيل الرواية السادسة من الاستغفار معنى استغفاره (ص) (*).

[ 251 ]

روى هارون بن موسى التلعكبرى بأسناده الى الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: من قال بعد العصر في كل يوم مرة واحدة (استغفر ا لله الذى لا اله الا هو الحى القيوم ذو الجلال والاكرام وأسئلة ان يتوب على توبة عبد ذليل خاضع فقير بائس (1) مستجير (مسكين) مستكين لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا حيوة ولا موتا ولا نشورا) امر الله الملكين بتحريق صحيفته كائنا ما كانت وعنهم عليهم السلام: ألا صلوات الله على المتسحرين والمستغفرين بالأسحار (2) وروى ان أبا القمقام أتى ابا الحسن وكان رجلا محارفا (3) فشكى إليه حرفته، وانه لا يتوجه في حاجة فتقضى له، فقال له، أبو الحسن: قل في دبر الفجر (سبحان الله العظيم وبحمده أستغفر الله وأسئله من فضله) عشر مرات قال: أبو القمقام: فلزمت ذلك فو الله ما لبثت الا قليلا حتى ورد على قوم من البادية فأخبروني ان رجلا من قومي ما ت ولم يعرف له وارث غيرى، فانطلقت وقبضت ميراثه، ولم أزل مستغنيا. فصل في ذكر دعوات مختصة بالاوقات: الاول كان امير المؤمنين عليه السلام يقول: إذا أصبح (سبحان الملك القدوس) ثلاثا (اللهم انى أعوذ بك من زوال نعمتك وتحويل عافيتك ومن فجأة نقمتك ومن درك


(1) الفقير: المحتاج الذى لا يطوف بالابواب. المسكين: الذى يطوف ويسئل. البائس: هو الذى لا يخرج لزمانته والزمانة عرض يدوم زمانا (المجمع). (2) الاستغفار بالاسحار يستلزم قيام آخر الليل والاستغفار فيه، والسنة تفسره بصلو ة الليل والاستغفار في قنوت الوتر، وقد ذكر الله انه سبيل، الانسان الى ربه كما في سورتي المزمل والدهر من قوله تعالى بعد ذكر قيام الليل والتهجدبه: (ان هذه تذكرة فمن شاء اتخذ الى ر به سبيلا) المزمل - 19، الدهر - 29 (الميزان). (3) المحارف بفتح الرا: المحروم الذى إذا طلب لا يرزق: أو يكون لا يسعى في الكسب وفى الحديث لا تشتر من محارف فان صفقته لابركة فيها (المجمع) (*).

[ 252 ]

الشقاء من سوء القضاء ومن شر ما سبق في الكتاب اللهم انى اسئلك بعزة ملكك وشدة قوتك وبعظيم سلطانك وبقدرتك على خلقك) ثم سل حاجتك (1). الثاني وكان عليه السلام يقول: إذا أصبح (مرحبا بكما من ملكين حفيظين كريمين أملى عليكما ما تختاران انشاء الله) فلا يزال في التسبيح والتهليل حتى تطلع الشمس وكك بعد العصر. الثالث عن الباقر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: من سره ا ن يلقى الله يوم القيامة وفى صحيفته شهادة (ان لا اله الا الله (وحده لا شريك له) وان محمدا رسول الله ويفتح له ثمانية ابواب الجنة فيقال له: ياولى الله ادخل الجنة من ايها شئت فليقل إذا أصبح وإذا أمسى (اكتبا بسم الله الرحمن الرحيم أشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له (واشهد) ان محمدا عبده ورسوله واشهد ان الساعة آتية لا ريب فيها وان الله يبعث من في القبور على ذلك احيى وعلى ذلك أموت وعلى ذلك ابعث (حيا) انشاء الله اقرء محمدا منى السلام صلى الله عليه واله الحمد لله الذى اذهب الليل (مظلما) بقدرته وجاء بالنهار (مبصرا) برحمته خلقا جديدا مرحبا بالحافظين) ويلفت عن يمينه (وحيا كما الله من كاتبين) ويلتفت عن شماله. الرابع روى حماد بن عثمان عن الصادق عليه السلام: من قال في دبر كل صلوة الفجر قبل كلامه (رب صل على محمد و (على) اهل بيته) وقى الله وجهه من نفحات النار. الخامس عن الرضا عليه السلام من قال في دبر صلوة الغداة لم يلتمس حاجة الا تيسرت له وكفاه الله ما أهمه (بسم الله وصلى الله على محمد وآله وافوض امرى الى الله ان الله بصير بالعباد فوقاه الله سيئات ما مكروا لا اله الا انت سبحانك انى كنت من الظالمين


(1) وليس في هذا الدعاء على ما نقله الكافي هذه الجملة (ومن سوء القضاء) وايضا فيه هكذا) ومن شرما سبق في الليل). الفجأة بالضم والمد: وقوع الشئ بغتة من غير تقدم سبب. النقمة مثل الكلمة والرحمة والنعمة: العقوبة. من شرما سبق في الكتاب أي قدر في اللوح (مرآت) (*).

[ 253 ]

فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبو ا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء ما شاء الله لاحول ولا قوة الا بالله ما شاء الله لا ما شاء الناس ما شاء الله وان كره الناس حسبى الرب من المربوبين حسبى الخالق من المخلوقين حسبى الرازق من المرزوقين حسبى الله رب العالمين حسبى من هو حسبى حسبى من لم يزل حسبى حسبى من كان منذ (قط) كنت لم يزل حسبى حسبى الله لا اله الا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم) (1). السادس أفضل ما دعى به عند الزوال (اللهم انك لست باله استحد ثناك) (2) وأفضل ما دعى به آخر ساعة من نهار الجمعة دعاء السمات، ويدعو بعده بما تقدم (3). السابع عن ابى جعفر عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله إذا احمرت الشمس على رأس قلة الجبل هملت عيناه دموعا ثم قال (أمسى ظلمي مستجيرا بعفوك وأمست ذنوبي مستجيرة بمغفرتك وأمسى خوفى مستجيرا بأمانك وأمسى ذلى مستجيرا بعزك وأمسى فقرى مستجيرا بغناك وأمسى وجهى البالى الفاني مستجيرا بوجهك الدايم الباقي اللهم البسنى عافيتك وغشني رحمتك وجللنى كرامتك وقنى شر خلقك من الجن


(1) قوله: افوض قيل: التفويض نوع لطيف من التوكل وهو ان يفعل العبد ما امره الله به، ويكل اموره الدنيوية والاخروية ولا يبالي بما وقع عليه من البلايا. لا اله الا انت سبحانك انى كنت من الظالمين. فيه اقرار بتوحيده المطلق واعتراف بالظلم لنفسه المشعر بأن ما لحقه من البلية والغم من اجل عمله وكسبه وهذا الاقرار مقتض لازالة البلية والغم كما قال: فاستجينا الخ. ما شاء الله: أي كان قطعا لما فيه من المصلحة لاجميع ما شاء الناس إذ قد لا تكون فيه مصلحة. ما شاء الله وان كره الناس: كالامراض والبلايا والمصائب والفقر وغيرها، وفيه ا شارة الى الرضا بالقضاء، ودلالة على ان استجابة الدعوات تابعة للمصالح. من المربو بين أي عوضهم. منذ قط: كان فيه تقدير أي منذ كنت أو خلقت، وقط تأكيد انتهى موضع الحاجة ملخصا (مرآت). (2) يطلب هذا الدعاء من مصباح المتهجدين. (3) قد تقدم في ص 55 الدعاء الذى يدعى به بعد دعاء السمات (*).

[ 254 ]

والانس يا الله يا رحمن يا رحيم). الثامن عن سليمان الجعفري قال: سمعت ابا الحسن عليه السلام يقول: إذا أمسيت فنظرت الى الشمس في غروب وادبار فقل (بسم الله وبالله والحمد لله الذى لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولى من الذل وكبره تكبيرا والحمد لله الذى يصف ولا يوصف (والحمد لله الذى) يعلم ولا يعلم يعلم خائنة الاعين وما تخفى الصدور واعوذ بوجه الله الكريم وبسم الله العظيم من شر ما ذرء وبرء ومن شر ما تحت الثرى ومن شر ما ظهر وما بطن ومن شر ما وصفت وما لم أصف والحمد لله رب العالمين) ذكرانها أمن من كل سبع ومن الشيطان الرجيم ومن ذريته، وكل ما عض ولسع، ولا يخاف صاحبها إذا تكلم بها (به) لصا ولا غولا قال قلت: انى صاحب صيد سبع وانى ابيت بالليل في الخرابات واتوحش فقال عليه السلام: قل إذا دخلت (بسم الله وبالله) وادخل رجلك اليمنى، وإذا خرجت فأخرج رجلك اليسرى وسم الله فانك لا ترى مكروها (1). التاسع روى الصدوق باسناده الى عبده الانصاري عن الخليل البكري قال: سمعت بعض اصحابنا يقول ان على بن ابى طالب عليه السلام كان يقول في كل يوم من ا يام عشر ذى الحجة: هذه الكلمات الفاضلات أو لهن (لا اله الا الله عدد الليالى والدهو ر لا اله الا الله عد امواج البحور لا اله الا الله ورحمته خير مما يجمعون لا اله الا الله عدد


(1) قوله: يصف ولا يوصف أي يصف الاشياء بصفاتها وحقايقها ولا يوصف كنه ذاته وصفاته، اولا يتصف بصفات المخلوقات، أو بصفات زايدة على الذات، ويعلم الاشياء، ولا يعلم على بناء المجهول بالتخفيف أي لا يقدر احد ان يعلم كنه ذاته ولا حقيقة صفاته، أو بالتشديد أي لا يحتاج في العلم الى تعليم. الخائنة بمعنى الخيانة وهى من المصادر التى جائت على لفظ ا لفاعل كالعافية واعوذ بوجه الله أي بذاته، أو بحججه، ويحتمل ان يكون المراد بما تحت الثرى الحشرات التى في الارض أو الجن، أو خلق آخر يكونون تحت الثرى، الغول: واحد الغيلان وهو جنس من الجن والشياطين كانت العرب تزعم ان الغول يقر آى في الفلاة فيتلون في صورشتى يغولهم أي يضلهم عن الطريق (مرآت) (*).

[ 255 ]

الشوك والشجر لا اله الا الله عدد الشعر والوبر لا اله الا الله عدد القطر والمطر لا اله الا الله عدد الحجر والمدر لا اله الا الله عدد لمح العيون (والبصر) لا اله الا الله في الليل إذ ا عسعس و (في) الصبح إذا تنفس لا اله الا الله عدد الرياح في البراري والصخور لا اله الا الله من اليوم الى يوم ينفخ في الصور). ثم قال: من قال: ذلك في كل يوم من ايام العشرة عشر مرات اعطاه الله بكل تهليلة درجة في الجنة من الدرو الياقوت ما بين كل درجتين مسيرة مأة عام للراكب المسرع في كل درجة مدينة فيها قصر من جوهر واحد لا فصل فيها فيكل مدينة من تلك المدائن من الدورو الحصون والغرف والبيوت والفرش وازواج والسرر والحور العين، ومن النمارق والزرابى والموائد والخدم والانهار والاشجار والحلى والحلل ما لا يصف خلق من الواصفين، فإذا خرج من قبره أضائت كل شعرة منه نورا وابتدره سبعون الف ملك تمشون امامه وعن يمينه وشماله حتى ينتهى الى باب الجنة، فإذا دخلها قاموا خلفه وهو أمامهم حتى ينتهى الى مدينة ظاهرها ياقوت حمراء وباطنها زبرجد خضراء فيها من جميع اصناف ما خلق الله عزوجل في الجنة، وإذا انتهوا إليها قالوا: يا ولى الله هل تدرى ما هذه المدينة بما فيها ؟ قال: لا قال: فمن انتم ؟ قالوا: نحن الملائكة الذين شهدناك في الدنيا يوم هللت الله عزوجل بالتهليل هذه المدينة بما فيها ثوابا لك، وابشر بأفضل من هذا ثواب الله عزوجل حين ترى ما اعد الله لك في داره دار السلام في جواره عطاء لا ينقطع الله ابدا. قال الخليل: فقولوا اكثر ما تقدرون عليه ليزداد لكم. العاشر روى عن ابن الدرداء انه قيل له ذات يوم: احترقت دارك فقال: لم تحرق فجائه مخبر آخر فقال: احترقت دارك فقال: لم تحرق، فجائه ثالث فجابه بذلك، ثم انكشف الامر عن احتراق جميع ما حولها سواها فقيل له: بما علمت

[ 256 ]

بذلك ؟ قال: سمعت النبي صلى الله عليه واله يقول: من قال: هذه الكلمات صبيحة يومه لم يصبه سوء فيه ومن قالها في مساء ليلته لم يصبه سوء فيها وقد قلتها وهى هذه (اللهم انت ربى لا اله الا انت عليك توكلت وانت رب العرش العظيم ولاحول ولا قوة الا بالله العلى العظيم ما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن أعلم أن الله على كل شئ قدير وان الله قد احاط بكل شى علما اللهم انى اعوذ بك من شر نفسي (ومن شر قضاء السوء ومن شر كل ذى شر ومن شر الجن والانس) ومن شر كل دابة انت آخذ بناصيتها (1) ان ربى على صراط مستقيم). فصل في الاستشفاء بالدعاء والاسترقاء وهو أقسام: الاول لدفع العلل وهى ادعية: الاول روى أبو نجران، وابن فضال عن بعض اصحابنا عن ابى عبد الله عليه السلام قال: كان يقول عند العلة (اللهم انك قد عيرت اقواما فقلت (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا) (2) فيامن لا يملك كشف ضرى ولا تحويله عنى أحد غيرك صل على محمد وآل (ه) محمد واكشف ضرى وحوله الى من يدعو معك الها آخر لا اله غيرك) الثاني روى يونس بن عبد الرحمن عن داود بن زيد قال: مرضت بالمدينة مرضا شديدا فبلغ ذلك ابا عبد الله عليه السلام فكتب الى قد بلغني علتك، فاشتر صاعا من برثم استلق على قفاك وانثره على صدرك كيف ما انتثر وقل (اللهم انى اسئلك باسمك ا لذى إذا اسئلك به المضطر كشفت ما به من ضر ومكنت له في الارض وجعلته خليفتك على خلقك ان تصلى


(1) وفى الدعا: والنواصى كلها بيك هو من باب التمثيل أي كل شئ في قبضتك وملكك وتحت قدرتك وسلطاتك، الناصية: قصاص الشعر فوق الجبهة ج نواصى (المجمع) (2) الاسراء: 56. أي ادعوا الذين زعمتم من دونه انها آلهة عند ضرر نزل بكم ليكشفوا ذلك عنكم ويحولوا تلك الحالة الى حالة اخرى (مجمع البيان)

[ 257 ]

على محمد و (على) اهل بيته وان تعافينى من علتى) ثم استو جالسا واجمع البرمن حولك وقل: مثل ذلك، واقسمه مدا مدا لكل مسكين وقل: مثل ذلك قال داود: ففعلت ذلك فكانما نشطت من عقال، وقد فعله غير واحد فانتفع به (1). الثالث (بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين حسبنا الله ونعم الوكيل تبارك الله احسن الخالقين لاحول ولا قوة الا بالله العلى العظيم) يدعى بهذا اربعين مرة عقيب صلوة الصبح ويمسح به على العلة كائنا ما كانت خصوصا الفطر برء باذن الله تعالى وقد صنع بذلك فانتفع به. الرابع يونس بن عمار قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك هذا الذى ظهر بوجهي يزعم الناس ان الله لم يبتل به عبدا له فيه حاجة فقال لى: قد كان مؤمن آل فرعون مكنع الاصابع، وكان يقول: هكذا ويمديده ويقول (يا قوم اتبعوا المرسلين) (2). قال: ثم قال عليه السلام لى: إذا كان الثلث الاخير من الليل في اوله فتوضوء وقم الى صلوتك التى تصليها فإذا كنت في السجدة الاخيرة من الركعتين الاوليين فقل وانت ساجد (يا على يا عظيم يا رحمن يا رحيم يا سامع الدعوات يا معطى الخيرات صل على محمد وآل محمد واعطني ومن خير الدنيا والآخرة ما انت اهله واصرف عنى من شر الدنيا والآخرة ما انت اهله وأذهب عنى هذا الوجع فانه قد اغاظني وأحزنني) والح في الد عاء قال: فما وصلت الى الكوفة حتى أذهب الله به عنى كله.


(1) قوله المضطر الى قوله: خليفتك قال في (مرآت): والاظهر ا نه اشارة الى قوله تعالى (ام من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الارض) النمل: 62. والمراد بالخلافة في الاية الخلافة العامة فان المولى خليفة الله على العبد وكذا الو لد على الولد (مرآت). (2) قال في مرآت: الاظهر مؤمن آل يس كما ورد في غيره من الاخبار فان قوله (يا قوم اتبعوا المرسلين) يس: 20 انما وقع في قصته ولعله من الرواة. الا كنع: من رجعت اصابعه الى كفه وظهر واجبه) والرواجب مفاصل اصول الاصابع أو بواطن مقاصلها (*).

[ 258 ]

الخامس روى داود بن زربى عن ابى عبد الله عليه السلام قال: تضع يدك على الموضع الذى فيه الوجع وتقول ثلث مرات (الله الله الله ربى حقا لا اشرك به شيئا اللهم انت لها ولكل عظيمة ففرقها عنى). السادس روى المفضل عن ابى عبد الله عليه السلام (قل) للاوجاع (بسم الله وبالله كم من نعمة لله في عرق ساكن وغير ساكن على عبد شاكر وغير شاكر) وتأخذ بلحيتك بيدك اليمنى بعد صلوة المفروضة وتقول (اللهم فرج عنى كربتي وعجل عافيتي واكشف ضرى) ثلاث مرات واحرص ان يكون ذلك مع بكاء ودموع. السابع أبو حمزة قال: عرض لى وجع في ركبتي، فشكوت ذلك الى ابى جعفر عليه السلام فقال: إذا انت صليت فقل (يا اجود من أعطى ويا خير من سئل ويا ارحم (راحم) من استرحم ارحم ضعفى وقلة حيلتى واعفني من وجعى قال: فقلته فعوفيت. الثامن أبو جعفر عليه السلام قال: مرض على عليه السلام فاتاه رسول ا لله صلى الله عليه واله فقال له: قل (اللهم انى اسئلك تعجيل عافيتك أو صبرا على بليتك أو خروجا الى رحمتك. التاسع ابراهيم بن عبد الحميد عن رجل قال: دخلت على ابى عبد الله عليه السلام فشكوت إليه جعا بى وفقال عليه السلام: قل (بسم الله) ثم امسح يدك عليه ثم قل (أعوذ بعزة الله وأعوذ بقدرة الله وأعوذ برحمة الله وأعوذ بجلال الله وأعوذ بعظمة الله وأعوذ بجمع الله وأعوذ برسول الله وأعوذ بأسماء الله من شر ما أحذرو من شرما أخاف على نفسي) تقو لها سبع مرات قال: ففعلت فأذهب (الله) الوجع عنى. العاشر ابراهيم بن اسرائيل عن الرضا عليه السلام قال: خرج بجارية لنا خنازير (1) في عنقها فأتاني آت فقال لى: يا على قل لها: فلتقل (يا رؤف يا رحيم يا رب يا سيدى) قال: فقالته فأذهب الله عنها قال: وقال هذا الدعاء الذى دعا به جعفر بن سليمان.


(1) الخنازير: غدد صلبة تكون غالبا في العنق ويظهر على سطحها دو ن شبيه بالعقد (المنجد) (*).

[ 259 ]

القسم الثاني ما يستدفع به المكاره وهو ادعية: الاول روى ابن مسكان عن ابى حمزة قال: قال محمد بن على عليه السلام: يا ابا حمزة مالك إذا أنابك امر تخافه الا تتوجه الى بعض زوايا بيتك يعنى القبلة ؟. فتصلى ركعتين ثم تقول (يا ابصر النارين ويا أسمع السامعين ويا أسرع الحاسبين ويا أرحم الراحمين) سبعين مرة كلما دعوت الله مرة بهذه الكلمات سل حاجتك (1). الثاني عن الباقر عليه السلام قال: جاء رجل الى النبي صلى الله عليه واله يقال له: شيبة الهذلى فقال: يا رسول الله انى شيخ قد كبرت سنى وضعفت قوتي عن عمل كنت عودته نفسي من صلوة وصيام وحج وجهاد، فعلمني يا رسول الله كلاما ينفعني الله به، وخفف على يا رسول الله فقال: أعدها فأعادها ثلاث مرات فقال رسول الله: ما حولك من شجرة ولا مدرة الا وقد بكت رحمة لك، فإذا صليت الصبح فقل (سبحان الله العظيم وبحمده ولاحول ولا قوة الا بالله العلى العظيم) فان الله عزوجل يعافيك بذلك من العمى والجنون والجذام والفقر (والهدم والهرم) فقال: يا رسول الله هذا للدنيا فما للاخرة ؟ قال: تقول: في دبر كل صلوة (اللهم اهدني من عندك وافض على من فضلك وانشر على من رحمتك وانزل على من بركاتك) قال:، فقبض عليهن بيده فقال رجل لابن عباس: ما أشد ما قبض عليها خالك ؟ فقال النبي صلى الله عليه واله: أما انه ان وافى بها يوم القيامة لم يدعها متعمد ا فتحت له ثمانية ابواب الجنة يدخلها من ايها شاء. الثالث محمد بن يعقوب رفعه الى ابى عبد الله عليه السلام قال: كان من دعاء ابى عبد الله عليه السلام في امر يحدث (اللهم صل على محمد وآل محمد واغفر لى وارحمني وزك عملي ويسر منقلبي واهد قلبى وآمن خوفى وعافنى في عمرى كله وثبت حجتى واغسل خطاياى وبيض وجهى واعصمني في دينى وسهل مطلبي ولا تفجعني بنفسى ولا تفجع بى حميمي وهب لى يا الهى لحظة من لحظاتك تكشف بها ما به ابتليتنى وترد نى بها


(1) (الاصول) باب الدعاء للكرب والهم والخوف، وفيه بدل انا بك: اتى بك (*).

[ 260 ]

الى (على) احسن عباداتك (عاداتك) عندي فقد ضعفت قوتي وقلت حيلتى وانقطع من خلقك رجائي ولم يبق لى الا رجائك وتوكلى عليك وقدرتك يا رب على ان ترحمني وتعافيني كقدرتك على ان تعذبني وتبتليني الهى ذكر عوائدك يونسنى والرجا لانعامك يقوينى ولم أخل من نعمتك مند خلقتني فأنت ربى وسيدي ومفزعى وملجائى والحافظ لى والذاب عنى والرحيم بى والمتكفل برزقى وعن قضائك وقدرك (قدرتك) كلما (انافيه) قدرت لى فليكن سيدى ومولاى فيما قضيت وقدرت وحتمت تعجيل خلاصى مما انا فيه جميعه والعافية فانى لا أجد لدفع ذلك احدا غيرك ولا اعتمد فيه الا عليك فكن يا ذا الجلال والاكرام عند حسن ظنى بك ورجائي لك وارحم ترعى واستكانتي وضعف ركني وامنن بذلك على وعلى كل داع دعاك يا ارحم الراحمين وصلى الله (صل) على محمد وآله (الجمعين) (1) الرابع روى عاصم بن حميد عن اسماء قالت: قال رسول الله صلى الله عليه واله: من اصابه هم اوغم أو كرب أو بلاء أو لاواء فليقل (الله ربى لا اشرك به شيئا توكلت على الحى الذى لا يموت) (2). الخامس روى هشام بن سالم عن ابى عبد الله عليه السلام قال: إذا نزلت برجل نازلة أو شديدة أو كربة امر فليكشف عن ركبتيه وذراعيه، وليلصقهما بالارض، وليلصق جؤجؤئه بالارض ثم ليدع بحاجته وهو ساجد (3). السادس لطلب الرزق عن الصادق عليه السلام (يا الله يا الله يا الله اسئلك بحق من حقه عليك عظيم ان تصلى على محمد (وآله) وآل محمد وان ترزقني العمل بما علمتني


(1) (الاصول) باب الدعاء للكرب قوله: زك عملي اما من الزكوة بمعنى الطهارة أي طهرهمن مفسدات العمل، أو بمعنى النمو أي ضاعفه، أو ذاكره بالطهارة كناية عن القبول: ولا تفجعني الفجيعة، الرزية وقد فجعته المصيبة أي أو جعته (مرآت). (2) (الاصول) باب الدعاء للكرب اللا واء من لأى: الشدة والمحنة (المنجد). (3) (الاصول) باب الدعاء للكرب. الجؤجؤ كهدهد: الصدر (*).

[ 261 ]

من معرفة حقك وان تبسط على ما حظرت من رزقك (1). السابع سعيد بن زيد قال: قال أبو الحسن عليه السلام: إذا صليت المغرب فلا تبسط رجلك، ولا تكلم احدا حتى تقول مأة مرة (بسم الله الرحمن الرحيم (و) لاحول ولا قوة الا بالله العلى العظيم) مأة مرة في المغرب، ومأة مرة في الغداة، فمن قالها دفع عنه مأة نوع من انواع البلاء أدنى نوع منها البرص والجذام والشيطان والسلطان (2) الثامن لدفع عاقبة الرؤيا المكروهة ان تسجد عقيب ما تستيقظ منها بلا فصل وتثنى على الله بما تيسر لك من الثناء، ثم تصلى على محمد وآله، وتتضرع الى الله وتسئله كفايتها وسلامة عاقبتها فانك لا ترى لها أثرا بفضل الله ورحمته. التاسع روى أبو قتادة الحرث بن ربعى قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول: الرؤيا الصالحة من الله، فإذا راى احدكم ما يحب فلا يحدث بها الامن يحب، وإذا راى رؤيا مكروهة فليتفل (3) عن يساره وليتعوذه من شر الشيطان وشرها، ولا يحدث بها أحدا فانها لن تضره.


(1) قيل: كرر الجلالة لان من شأن المستصرخين تكر يراسم الصريخ للاشعار بشدة النارلة. بحق من حقه عليك عظيم أي النبي واهل بيته صلوات الله عليهم، ويدل على ان لهم عليهم السلام حقوقا عظيمة على الله ببذل ابدانهم ونفوسهم واعراضهم في طاعة الله ونصرة دينه، ولاريب ان حقهم على الله وعلى الخلق اعظم الحقوق وان كان بسبب جعله تعالى على نفسه. ومن في قوله: من معرفة حقك للبيان أو للتبعيض، وحقه وجوب طاعته فيما امر به ونهى عنه. والحظر: المنع والحبس (مرآت). (2) (الاصول) باب القول عند الاصباح والامساء، وفى الباب المذكور ايضا روايات اخرى امثاله غير انها تختلف مع هذه الرواية في تعداد القرائة وهكذا في الاثار قال في (مرآت) قوله: فلا تبسط رجلك كناية عن القيام أو مدها أو تغييرها عن هيئة التشهد، والفاء في فمن للبيان. (3) التفل: نفح معه ادنى بزاق (المجمع) (*).

[ 262 ]

وعنه عليه السلام الرؤيا (الصالحة) من الله، والحلم من الشيطان (1). وعنه عليه السلام: الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة واربعين جزء من النبوة. العاشر عن اهل البيت عليهم السلام: إذا راى (احد) الرؤيا المكروهة فليتحول عن شقه الذى كان عليه، وليقل: (انما النجوى من (عمل) الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا الا باذن الله واعوذ بالله بما عاذت به الملائكة المقربون وانبيائه المرسلون والائمة الراشدون المهديون وعباده الصالحون من شرما رأيت ومن شر رؤياي ان تضرني في دينى أو دنياى ومن الشيطان الرجيم). الحادى عشر على بن مهزيار قال: كتب محمد بن حمزة العلوى الى يسئلنى ان أكتب الى ابى جعفر عليه السلام في دعاء يعلمه يرجو به الفرج، فكتب الى أما ما سئلك محمد بن حمزة العلوى من تعليم دعاء يرجو به الفرج، فقل له: يلزم (يا من يكفى من كل شئ ولا يكفى منه شئ اكفني ما أهمنى) فانى أرجو ان يكفى ما هو فيه من الغم انشاء الله تعالى (2). الثاني عشر الصدوق قال: حدثنى ابى عن ابيه عن امير المؤمنين عليه السلام قال: رأيت الخضر في المنام قبل البدر بليلة فقلت له: علمني شيئا أنر به على الاعداء فقال:


(1) الحلم بالضم: واحد الاحلام في النوم، وحقيقته على ما قيل: ا ن الله تعالى يخلق بأسباب مختلفة في الاذهان عند النوم صورا علمية منها مطابق لما مضى ولما يستقبل، ومنها غير مطابق، ومنها ما يكون من الشيطان (المجمع) وفى (مرآت) الرؤيا والحلم عبارة عما يراه النائم في نومه من الاشياء لكن غلبت الرؤيا على ما يراه من الخير والشئ الحسن وغلب الحلم على ما يراه من الشر والقبيح ومنه قوله تعالى (اضغاث احلام) يوسف: 43 ومن ارا د الاطلاع على حقيقة الرؤيا والتميزبين المنامات الحقة وبين غيرها وعلى كيفية تأويلها فلير جع الى (الميزان) ج 11 ص 295. (2) (الاصول) باب الدعاء للكرب وفيه زيادة وهو هكذا: ما اهمنى مما انا فيه) (*).

[ 263 ]

قل (يا هو يا من لا هو) فلما أصبحت قصصتها على رسول الله صلى الله عليه واله فقال: يا على علمت الاسم الاعظم فكان على لساني في يوم بدر، وان امير المؤمنين عليه السلام قرء (قل هو الله احد) فلما فرغ قال: (يا هو يا من لا هو الا هو اغفر لى وانصرني على القوم الكافرين) وكان عليه السلام يقول ذلك في يوم صفين ويطارد (1) القسم الثالث العوذ وهى ادعية: الاول روى عبد الله بن يحيى الكاهلى قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا لقيت السبع فاقرء في وجهه آية الكرسي وقل: عزمت عليك بعزيمة الله وعزيمة محمد صلى الله عليه واله وعزيمة سليمان بن داود وعزيمة امير المؤمنين والائمة من بعده) فانه ينصرف عنك انشاء الله قال: فخرجت فإذا السبع قد اعترضني، فغرمت عليه الا نتحيت عن طريقنا ولم تؤذنا قال: فنظرت إليه قد طأطأ، وأدخل رأسه تحت رجليه، وتنكب الطريق راجعا (2). وروى عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قال امير المؤمنين عليه السلام: إذا لقيت السبع فقل: (أعوذ برب دانيال والجب من شركل أسد متأسد (مستأسد) (3).


(1) قال في (بمج) ج 19 باب الاسم الاعظم بعد نقله هذا الحديث، ونظيره وهو الحديث الذى يدل على تعليم رسول الله (ص) على بن الحسين (ع) في المنام دعاء فيه الاسم الاعظم ما هذا لفظه اقول انا: ان الذى رويناه وعرفناه ان على بن الحسين كان عالما بالاسم الاعظم هو وجده رسول الله والائمة من العترة الطاهرين ولكنا ذكرنا ما وجدنا انتهى اقول: إذا اردت كمال الاطلاع والمعرفة بمقامهم عليهم السلام فارجع الى روايات مذكورة في ص 208 من بصائر الدرجات حتى يظهر لك انهم عليهم السلام اعلم من الانبياء المرسلين عليهم السلام باسم الله الاعظم وان حظهم منه أو فرمما اعطوا بدرجات. ومضى في ص 50 ان اسم الله الاعظم في (يا هو الخ) (2) (الاصول) باب الحرز والعوذة لعل المراد بالعزيمة ما يقسم به أي أقسمت عليك بالله أو باسمائه أو بعهود الله أو حقوقه اللازمة عليك (مرآت). (3) كان دانيال محبوسا في الجب في زمن بخت نصر وطرحت معه السباع فلم تكون منه يقال، اسد واستأسد إذا اجترأ (مرآت) باب الحرز (*).

[ 264 ]

الثاني قال الصادق عليه السلام: ألا اعلمك كلمات ؟ إذا وقعت في ورطة فقل: بسم الله الرحمن الرحيم لاحول ولاقوة الا بالله (العلى العظيم) فان الله يصرف بها عنك ما يشاء من أنواع البلاء (1). الثالث محمد بن يعقوب رفعه قال: كتب محمد بن هارون الى ابى جعفر عليه السلام يسئله عوذة للرياح التى تعرض للصبيان، فكتب إليه بخطه (الله اكبر أشهد ان محمدا رسول الله الله اكبر لا اله الا الله ولا رب لى الا الله له الملك وله الحمد لا شريك له سبحان الله ما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن اللهم يا ذا الجلال والاكرام رب موسى وعيسى وابراهيم الذى وفى اله ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والاسباط (ان) لا اله الا انت سبحا نك مع ما عددت من آياتك (آلاتك) وبعظمتك وبما سئلك به النبيون وبأنك رب الناس كنت قبل كل شى وانت بعد كل شى أسئلك بكلماتك التى تمسك السماء ان تقع على الارض الا باذنك وبكلماتك التى تحيى الموتى ان تجير عبدك فلانا من شر ما ينزل من السماء وما يعرج فيها وما يخرج من الارض وما يلج فيها والسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين (2). الرابع محمد بن يعقوب رفعه قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله في بعض مغاز يه إذ شكوا إليه البراغبث انها تؤذيهم فقال: إذا أخذ احدكم مضجعه فليقل: (ايها ا لاسود الوثاب الذى لا يبالى غلقا ولا بابا عزمت عليكم بأم الكتاب ألا تؤذوني واصحابي الى ان يذهب الليل ويجئى الصبح بما جاء والذى نعرفه: الى ان يؤب الصبح بما آب) (5).


(1) (الاصول) باب الحرز الورطة: الهلكة، وكل امر تعسر منه النجاة (ق). (2) (الاصول) باب الحرز بزيادة وهو هكذا: (الله اكبر الله اكبر اشهد ان لا ا له الا الله الخ وهذا الريح هوام الصبيان وفى الفارسية (باد - جن). (3) قوله: والذى نعرفه هذا كلام الراوى أي على بن الحكم يقول: المشهور بيننا هذه العبارة مكان الى ان يذهب الليل الخ (مرآت) باب الحرز (*).

[ 265 ]

الخامس عنه عليه السلام ايضا بخطه (بسم الله وبالله والى الله وكما شاء الله وبعزة الله وجبروت الله وقدرة الله وملكوت الله هذا الكتاب اجعله يا الله شفاء لفلان بن فلان عبدك وابن امتك عبد الله صلى الله على رسول الله (1). السادس قال امير المؤمنين عليه السلام: رقى النبي صلى الله عليه واله حسنا وسينا فقال: (اعيذ كما بكلمات الله التامة وأسمائة الحسنى عامة من شر السامة والهامة ومن شر عين لامة ومن شر حاسد إذا حسد) ثم التفت الينا فقال: هكذا كان يعوذ ابراهيم اسحاق واسماعيل (2). السابع عن ابى جعفر عليه السلام من قال: (لاحول ولا قوة الا بالله العلى العظيم) دفع الله بها عنه سبعين نوعا من انواع البلاء أيسرها الجنون، ومن خرج من بيته فقال: (بسم الله (الرحمن الرحيم) قال له الملكان: هديت، وإذا قال (لا حول ولا قوة الا بالله (العلى العظيم)) قالا له: وقيت، وإذا قال: (توكلت على الله) قا لا له: كفيت فيقول الشيطان: كيف أصنع بمن هدى ووقى وكفى ؟ (3) الثامن أبو حمزة قال: استأذنت على ابن جعفر عليه السلام فخرج الى وشفتاه تتحركان فقلت له: ما الذى تكلمت به ؟ أفطنت يا ثمالى ؟ قلت: نعم جعلت فداك قال: انى


(1) (الاصول) باب الحرز وفيه هكذا (اعيذه بعزة الله. وايضا عبدك ابن عبدك وابن امتك عبد الله صلى الله على محمد وآله. (2) (الاصول) باب الحرز قدوردت الكلمات في الادعية والآيات بمعنى تقديرات الله، ومواعيده، وصفاته وفي اخبارنا المراد بها في الايات الائمه (مرآت). (3) عن ابى حمزة الثمالى في حديث قال: قال على بن الحسين: يا ابا حمزة ان العبد إذا خرج من منزله عرض له الشيطان فإذا قال: (بسم الله) قال الملكان: كيفيت فإذا قال: (آمنت بالله) قالا له: هديت فإذا قال: (توكلت على الله) قالا: وقيت فيتنحى الشيطان فيقول بعضهم لبعض: كيف لنا بمن هدى وكفى ووقى الحديث (الاصول) باب الدعاء إذا خرج الانسا ن من منزله (*).

[ 266 ]

والله تكلمت بكلام ما تكلم به احد الاكفاه الله ما أهمه من امر دنياه وآخرته قال: قلت له: أخبرني به قال: نعم ثم قال: من قال حين يخرج من منزله: (بسم الله حسبى الله توكلت على الله اللهم انى أسئلك خير اموري كلها وأعوذ بك من خزى الدنيا وعذاب الآخرة) كفاه الله ما أهمه من امر دنياه وآخرته (1). التاسع قال اميرمؤمنين عليه السلام: إذا أراد أحدكم النوم فلا يضعن جنبه حتى يقول: (اعيد نفسي وديني واهلى وولدى وخواتيم عملي وما رزقني ربى وما خولنى بعزة الله وجبروت الله وسلطان الله ورحمة الله ورأفة الله وغفران الله وقوة الله وقدر ة الله وجلال الله وبصنع الله وأركان الله وبجمع الله وبرسول الله صلى الله عليه واله (وسلم) وقدرة الله على ما يشاء من شر السامة والهامة ومن شر الجن والانس وشر كل مادب على الارض وما يخرج منها ومن شر ما نزل من السماء وما يعرج فيها ومن شر كل دابة ربى آخذ بناصيتها ان ربى على صراط مستقيم وهو على كل شئ قدير ولا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم) فان رسول الله صلى الله عليه واله كان يعوذ الحسن والحسين بذلك وبذلك امر رسول الله. العاشر عن امير المؤمنين عليه السلام: إذا أراد احدكم النوم فليضع يده اليمنى تحت خده الايمن وليقل: (بسم الله وضعت جنبى لله على ملة ابراهيم ودين محمد وولاية من افترض الله طاعته ما شاء الله كان وما لم يشألم يكن) فمن قال: ذلك عند منامه حفظ من اللص المغير والهدم وتستغفر له الملائكة. الحادى عشر أبو بصير عن ابى جعفر عليه السلام قال: من قال حين يخرج من باب داره: (أعوذ بما عاذت به ملائكة الله ومن شر هذا اليوم الجديد الذى إذا غابت شمسه لم يعدو من شر نفسي ومن شر غيرى ومن شر الشيطان ومن شر من نصب لاولياء الله ومن شر الجن والانس ومن شر السباع والهوام ومن شر ركوب المحارم كلها اجبر نفسي بالله ومن كل


(1) (الاصول) باب الدعاء إذا خرج من منزله قوله: أفطنت كان ا لاستفهام ليس على الحقيقة بل الغرض اظهار فطانة المخاطب (*).

[ 267 ]

سوء) غفر الله له وتاب عليه وكفاه المهم وحجزه عن السوء وعصمه من الشر (1). الباب السادس في تلاوة القرآن (2) وهو قسم من أقسام الذكر وقائم مقام الذكر والدعاء في كل ما اشتملا عليه من الحث والترغيب واستجلاب المنافع، ودفع المضار، وستري ذلك فيما يأتي، وزاد عليهما شرفا بامور: الاول كونه كلام الله الثاني ان فيه الاسم الأعظم. الثالث انه ينبوع العلم. روى حفص بن غياث عن الزهري قال: سمعت على بن الحسين عليه السلام يقول: آيات القرآن خزائن العلم، فكلما فتحت خزانة فينبغي لك ان تنظر ما فيها. الرابع ان تلاوته والاكثار منها نشر لمعجزة الرسول صلى الله عليه واله، وابقاء لها على التواتر. الخامس حصول الثواب على كل حرف منه على ما يأتي، ولم يرد مثل ذلك في غيره ولنورد من ذلك جملة يسيرة في اخبار:


(1) قوله: بما عاذت به ملائكة الله أي بأسمائه الحسنى، أو بالنبي واوصيائه صلوات الله عليهم كما يؤمى إليه بعض الاخبار (مرآت) (2) القرآن مصدر من قرء كغفران وهو اسم لكتاب الله خاصة لا يسمى به غيره، وانما سمى قرآنا لانه جمع لقصص والامر والنهى والوعد والوعيد والآيات والسور بعضها الى بعض (المجمع)

[ 268 ]

الاول روى عن النبي صلى الله عليه واله انه قال: قال الله تبارك وتعالى: من شغله قرائة القرآن عن دعائي ومسئلتي أعطيته أفضل ثواب الشاكرين. الثاني محمد بن يعقوب رفعه الى النبي صلى الله عليه واله قال: من أعطاه الله القرآن فراى ان احدا اعطى أفضل مما اعطى فقد صغر عظيما وعظم صغيرا. الثالث عنه صلى الله عليه واله: إذا التبست عليكم الامور كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن فانه شافع مشفع، وشاهد مصدق، من جعله امامه قاده الى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه الى النار وهو اوضح دليل الى خير سبيل، من قال به صدق ووفق، ومن حكم به عدل، ومن أخذ به اجر (اوجر) (1): الرابع ليث بن سليم رفعه قال: قال النبي صلى الله عليه واله: نوروا بيوتكم بتلا وة القرآن، ولا تتخذوها قبورا كما فعلت اليهود والنصارى صلوا في البيع والكنايس وعطلوا بيوتهم، فان البيت إذا اكثر فيه تلاوة القرآن كثر خيره، وامتع اهله، وأضاء لاهل السماء كما تضيئ


(1) الشفاعة: هي السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرايم، والشفع بكسر الفا الشمددة الذى يقبل الشفاعة، وبالفتح الذى يقبل شفاعته قوله: شافع يعنى من اتبعه وعمل بما فيه فانه شافع له مقبول الشفاعة ومصدوق عليه فيما يرفع من مساويه إذا ترك العمل بما فيه (مرآت) عن ابى جعفر (ع) في حديث طويل انه قال: تعلموا القرآن فان القرآن يأتي يوم القيامة في أحسن صورة نظر إليها الخلق والناس صفوف - وساق الحديث الى ان قال -: ثم يجاوز حتى ينتهى الى رب العزة تعالى فيخر تحت العرش فيناديه تعالى يا حجتى في الارض، وكلامي الصادق والناطق ارفع رأسك وسل تعط، واشفع تشفع فيرفع رأسه فيقول الله تعالى كيف رأيت عبادي ؟ فيقول: يا رب منهم من صائتى وحافظ على ولم يضيع شيئا، ومنهم من ضميمنى واستخف واسخف بحقى وكذب بى وانا حجتك على جميع خلقك، فيقول الله تعالى: وعزتي وجلالى وارتفاع مكاني لاثيبن عليك اليوم احسن الثواب ولا عاقبن عليك اليوم اليم العقاب الحديث (الاصول) كتاب فضل القران (*).

[ 269 ]

نجوم السماء لاهل الدنيا (1). الخامس عن الصادق عليه السلام: ان البيت إذا كان فيه المسلم يتلوا القرآن يترائاه اهل السماء كما يترائا اهل الدينا الكواكب الدرى في السماء (الدنيا). السادس عن الرضا عليه السلام رفعه الى النبي صلى الله عليه واله: اجعلوا لبيوتكم نصيبا من القرآن، فان البيت إذا قرء فيه تيسر (يسر) على اهله وكثر خيره، وكان سكانه في زيادة، وإذا لم يقرء فيه القرآن ضيق على اهله، وقل خيره، وكان سكانه في نقصان. السابع قال الصادق عليه السلام: ينبغى للمؤمن ان لا يموت حتى يتعلم القرآن، أو يكون في تعلمه. الثامن روى الحسن بن ابى الحسين الديلمى في كتابه قال: قال عليه السلام: قرائة القرآن افضل من الذكر، والذكر أفضل من الصدقة، والصدقة أفضل من الصيام، والصيا م جنة من النار. وقال عليه السلام: لقارى القرآن بكل حرف يقرء في الصلوة قائما مأة حسنة، وقاعدا خمسون حسنة ومتطهرا في غير الصلوة خمس وعشرون حسنة، وغير متطهر عشر حسنات، أما انى لا أقول: المرحرف بل له بالالف عشر وباللام عشر وبالميم عشر وبالراء عشر. التاسع روى بشر بن غالب الاسدي عن الحسين بن على عليه السلام قال: من قرء آية من كلام الله تعالى عزوجل في صلوته قائما يكتب الله له بكل حرف مأة حسنة،


(1) قال في (مرآت). ومنه: ولا تجعلوا بيوتكم قبورا أي لا تجعلوها كالقبور فلا تصلوا فيها كالميت لا يصلى في قبره لقوله: واجعلوا من صلوتكم في بيوتكم، ولا تجعلوها قبورا قوله: ولا تتخذوها قبورا معناه لا تجعلوا البيوت خالية عن الصلوة شبه المكان الخالى عن ا لعبادة بالقبر، والغافل عنها بالميت، ثم اطلق القبر على مقره (*).

[ 270 ]

فان قرئها في غير الصلوة كتب الله له بكل حرف عشرا، فان استمع القرآن كان له بكل حرف حسنة، وان ختم القرآن ليلا صلت عليه الملائكة حتى يصبح، وان ختمه نهارا صلت عليه الحفظة حتى يمسى، وكانت له دعوة مجابة، وكان خيرا له مما بين السماء الى الارض قلت: هذا لمن قرء القرآن فمن لم يقرئه ؟ قال: يا اخا بنى اسد ان الله جواد ما جد كريم إذا قرء ما سمعه (معه) أعطاه الله ذلك. العاشر عبد الله بن سليمان عن ابى جعفر عليه السلام: من قرء القرآن قائما في صلوته كتب الله له بكل حرف مأة حسنة، ومن قرئه في صلوته جالسا كتب الله له بكل حرف خمسين حسنة، ومن قرئه في غير الصلوة كتب الله له بكل حرف عشر حسنات. الحادى عشر عن الصادق عليه السلام: من قرء حرفا وهو جالس في صلوته كتب الله له به خمسين حسنة، ومحى عنه خمسين سيئة، ورفع له خمسين درجة، ومن قرء حرفا وهو قائم في صلوته كتب الله له مأة حسنة ومحى عنه مأة سيئة ورفع له مأة درجة ومن ختمه كانت له دعوة مستجابة مؤخرة أو معجلة قال: قلت: جعلني الله فداك ختمه كله: قال: ختمه كله. وعن منصور عن ابى عبد الله عليه السلام: قال: سمعت ابى قال: يقول رسول الله صلى الله عليه واله ختم (القرآن) الى حيث علم. الثاني عشر: عن ابى عبد الله عليه السلام من استمع حرفا من كتاب الله من غير قرا ئة كتب الله له حسنة، ومحى عنه سيئة، ورفع له درجة. الثالث عشر خالد بن مارد القلانسى عن ابى حمزة عن ابى جعفر عليه السلام قال: من ختم القرآن بمكة من جمعة الى جمعة، أو أقل من ذلك، أو أكثر وختمه في يوم الجمعة كتب الله له من الاجر والحسنات من اول جمعة كانت في الدنيا الى آخر جمعة تكون فيها، وان ختمه في ساير الايام فكك (1).


(1) ولعل التعبير بهذا النحو للاشعار باختلاف مراتب الفضل وان اشترك الكل في ذلك الثواب مثلا الختم من الجمعة الى الجمعة أفضل مما كان الختم فقط في الجمعة، وهو افضل مما إذا كان الابتداء والختم في ساير الايام (مرآت) (*).

[ 271 ]

الرابع عشر سعيد (سعد) بن طريف (ظريف) عن ابى جعفر قال: قال رسول الله صلى اله عليه واله: من قرء عشر آيات في ليلة لم يكتب من الغافلين، ومن قرء خمسين آية كتب من الذاكرين، ومن قرء مأة آية كتب من القانتين، ومن قرء ماتى آية كتبمن الخاشعين، ومن قرء ثلاث مأة آية كتب من الفائزين، ومن قرء خمس ماة آية كتب من المجتهدين، ومن قرء الف آية كتب له (الف) قنطار من برو القنطار خمس عشرة الف مثقال من الذهب والمثقال اربعة وعشرون قيراطا أصغرها مثل جبل احد، وأكبرها مابين السماء و (الى) الارض (1). فصل وينبغى للانسان ان لا ينام حتى يقرء شيئا من القرآن. روى الفضيل بن يسار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: ما يمنع التاجر منكم المشغو ل في سوقه إذا رجع الى منزلة أن لاينام حتى يقرء سورة من القرآن ؟ فيكتب له مكان كل آية يقرئها عشر حسنات ويمحى عنه عشر سيئات. فصل ويستحب اتخاذ المصحف في البيت لقول الصادق عليه السلام: انه ليعجبنى ان يكون في البيت مصحف يطرد الله عزوجل به الشيطان، وينبغى ان يقرء فيه وان كان يحسن القرائة (القرآن) عن ظهر القلب ولا يهجر (2).


(1) قوله: من القانتين يرد القنوت في الحديث لمعان متعددة: كالطاعة، والخشوع، والصلوة، والدعاء والعبادة والقيام، وطول القيام، والسكوت قوله: قنطار من بر أي ثواب من انفق قنطارا، أو من باب تشبيه المعقول بالمحسوس والفنطار هو الف ومأتا اوقيه - وقيل فيه اقوال آخر - قوله: أصغرها لعل الصغير والكبير باعتبار اختلاف الرجال والاحوال (مرآت). (2) ظهر القلب أي نفس القلب قال في (المجمع) وهذا من اضافة الشى الى نفسه لتأكيد هجر هجرا: إذا هذى وخلط في كلامه (المجمع) (*).

[ 272 ]

ولقول الصادق عليه السلام: ثلاثة تشكو الى الله العزيز الجليل: مسجد خراب لا تصلى فيه اهله، وعالم بين جهال، ومصحف معلق قد وقع عليه الغبار لايقرء فيه وعن اسحاق بن عمار قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك انى احفظ القرآن عن ظهر قلب فأقرئه عن ظهر قلبى أفضل أو أنظر في المصحف قال: فقال لى: لابل اقرئه وانظر في المصحف فهو أفضل اما علمت ان النظر في المصحف عبادة ؟ وعنه عليه السلام: من قرء في المصحف متع ببصره، وخفف عن والديه ولو كانا كافرين. وعنه عليه السلام يرفعه الى النبي صلى الله عليه واله ليس شئ أشد على الشيطان من القرائة في المصحف نظرا والمصحف في البيت يطرد الشيطان. فصل وينبغى لمن حفظ القرآن ان يدوام تلاوته حتى لا ينساه كيلا يلحقه بذلك تأسف وتحسر يوم القيامة. روى عبد الله بن مسكان عن يعقوب الاحمر قال: قلت لابي عبد الله: جعلت فداك انه قد اصابني هموم واشياء لم يبق شى من الخير الا وقد تفلت (1) (تلفت) منى طائفة منه حتى القرآن لقد تفلت (تلفت) منى طائفة منه قال: ففزع عند ذلك حين ذكرت القرآن، ثم قال: ان الرجل لينسى السورة من القرآن فتأتيه يوم القيامة حتى تشرف عليه من درجة من بعض الدرجات، فنقول: السلام عليك فيقول: وعليك السلام من انت ؟ فتقول: انا سورة كذا وكذا ضيعتني وتركتني اما لو تمسكت بى بلغت بك هذه الدرجة، ثم أشار باصبعه. ثم قال: عليكم بالقرآن فتعلموه. فان من الناس من يتعلم ليقال: فلان قارى، ومنهم من يتعلمه ويطلب به الصوت ليقال: فلان حسن الصوت وليس في ذلك خير، ومنهم من يتعلمه فيقوم به في ليله ونهاره، ولا يبالي من علم ذ لك ومن لم يعلمه.


(1) قوله: تفلت بتشديد اللام من فل يقال: تعلل القوم: انكسروا، وانهزموا (المنجد)

[ 273 ]

وعنه عليه السلام: من نسى سورة من القرآن مثلث له في سورة حسنة، ودرجة رفيعة في الجنة فإذا رآها قال: من انت ؟ ما أحسنك ! ليتك لى فتقول: اما تعرفني ؟ ا نا سورة كذا وكذا لو لم تنسنى لرفعتك الى هذا. وعن الصادق عليه السلام: القرآن عهد الله الى خلقه فينبغي للمسلم ان ينظر في عهده وان يقرء في كل يوم خمسين آية. روى الهيثم بن عبيد قال: سئلت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل قرء القرآن ثم نسيه ثم يتذكر فرددت عليه ثلاثا أعليه فيه حرج ؟ قال: لا (1). فصل واعلم ان في القرآن الترياق الأكبر، والكبريت الاحمر، والخواص الغريبة، والمعجزات العجيبة ولا يمثل بالطود الاشم بل هو أفخم، ولا بالبحر الخضم بل هو أعظم، فهو ان نظرت الى المواعظ والزواجر فمنه يأخذ الخطيب المصقع والواعظ المبلغ، وان نظرت الى الاحكام ومعالم الحلال والحرام فمن بحره يغترف الفقيه الحاذق والمفتى الصادق، وان نظرت الى البلاغة والفصاحة فمنه يأخذ البلغاء، وبتو جيه معانيه ومعرفة اساليبه ومبانيه يفتخر الاديب الكاسر والكيس الماهر، وما عسى ان يقول فيه المادحون ويثنى عليه المثنون بعد قوله تعالى (فباى حديث بعده يؤمنون) وقوله تعالى (ما فرطنا في الكتاب من شى) وان نظرت الى الاستشفاء والاسترقاء وفيه الشفاء والدواء، وهو سبيل الى الكفاية والغناء، ووسيلة الى الاجابة والدعاء وسنبين ذلك وينقسم الى ثلاثة اقسام: (2).


(1) قال في (مرآت) وحمل هذا الخبر على الجواز - أي جواز النسيان - والاخبار الآخر على الكراهة - وهى الاخبار المذكورة قبل هذا الخبر - أو تلك على ما إذا كان على وجه الاستخفاف وعدم الاعتناء وهذا على الضرورة، أو تلك على النسيان مع ترك العمل أو ترك العمل فقط، وهذا على النسيان والله يعلم (مرآت) (2) الطود: الجبل العظيم. الشميم: المرتفع. المصقع بكسر الميم القاف: البليغ

[ 274 ]

القسم الاول الاستشفاء من العلل، ولنورد منه شيئا يسيرا لاجل الاستشهاد على ما ادعيناه إذ كثيره كثير يعجز عنه غير النبي صلى الله عليه واله واوصيائه عليهم السلام الذينهم تراجمة وحى الله تعالى. الاول قال الصادق جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام يرفعه الى النبي صلى الله عليه واله انه شكى إليه وجعا في صدره فقال عليه السلام: استشف بالقرآن فان الله عزوجل يقول: (وشفاء لما في الصدور) (1). الثاني الصدوق رفعه الى النبي صلى الله عليه واله قال: شفاء امتى في ثلاث: آية من كتاب الله العزيز، أو لعقة من عسل (2) أو شرطة حجام. الثالث عن الباقر عليه السلام: من لم يبرئه الحمد لم يبرئه شئ الرابع عن ابى الحسن عليه السلام: من قرء آية الكرسي عند منامه لم يخف الفالج ومن قرئها في دبر كل صلوة لم بضره ذوحمة (3). الخامس حدث الاصبغ بن نباته في حديث طويل فقام إليه رجل يعنى امير المؤمنين عليه السلام فقال: ان في بطني ماء اصفر فهل من شفاء ؟ قال: نعم بلا درهم ولا دينار ولكن تكتب على بطنك آية الكرسي وتكتبها وتشربها، وتجعلها ذخيرة في بطنك فتبرء باذن الله تعالى، ففعل الرجل فبرء باذن الله تعالى.


ج مصاقع. الكاسر: عقاب يكسر ما يصيده كسرا (المنجد) الاعراف: 184. الانعام 38.

(1) يونس: 58. يدل على ان ما في الصدور اعم من الامراض الظاهر ة والباطنة والجسمانية والروحانية (مرآت) (2) اللعقة بالفتح: المرة من لعقت الشى أي لحسته، ولس القصعة: اخذ ما علق بجوانبها بالاصبع أو باللسان (اقرب) (3) الحمة بالتشديد والتخفيف: السم، ويطلق على ابرة العقرب للمجاورة واصلها حمو أو حمى بوزن صردوالهاء عوض عن اللام (*).

[ 275 ]

القسم الثاني في الاستكفاء وهو كثير فلنقتصر منه على يسير: الاول روى الحسين بن احمد المنقرى قال: سمعت ابا ابراهيم عليه السلام يقول: من استكفى بآية من القرآن من المشرق الى المغرب كفى إذا كان له يقين. الثاني المفضل بن عمر عنه عليه السلام قال: يا مفضل احتجب من الناس كلهم ب - (بسم الله الرحمن الرحيم)، و (قل هو الله احد) اقرئها عن يمينك وشمالك ومن بين يديك ومن خلقك ومن تحتك ومن فوقك، وإذا دخلت على سلطان جاير حين تنظر إليه فاقرئها ثلاث مرات، واعقد بيدك اليسرى ثم لا تفارقها حتى تخرج من عنده (1) الثالث للحفظ من السراق يقرء حين يأوى الى فراشه (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن) (2) الى آخر السورة وردت به الرواية عن على عليه السلام: وعنهم عليهم السلام: من قرء هاتين الآيتين حين يأخذ مضجعه لم يزل في حفظ الله تعالى من كل شيطان مريد وجبار عنيد الى ان يصبح. الرابع قرائة (انا انزلناه في ليلة القدر) على مايد خرو يخبى حرزله وردت بذلك الرواية عنهم عليهم السلام. الخامس للحفظ من الشيطان إذا اخذ مضجعه يقرء آية السخرة (ان ربكم الله الذى خلق السماوات والارض) الى قوله: رب العالمين). روى ان رجلا تعلم ذلك عن امير المؤمنين عليه السلام ثم مضى فإذا هو بقرية خراب فبات فيها ولم يقرء هذه الاشياء فتغشاه الشياطين فإذا هو أخذ بلحيته (بخطمه) فقال له صاحبه انظره فاستيقظ الرجل، فقرء هذه الآية فقال الشيطان لصاحبه ارغم الله انفك احرسه الان حتى يصبح، فلما رجع الى امير المؤمنين عليه السلام فاخبره وقال له عليه السلام رأيت في كلامك الشفاء والصدق، ومضى بعد طلوع الشمس فإذا هو بأثر شعر الشيطان


(1) قوله: من فوقك أي يرفع راسه الى السماء ويقرء. قوله: لاتفا رقها أي عقد اليسرى. أو قرائة السورة (مرآت). (2) الكهف: 110 (*).

[ 276 ]

منجزا (مجتمعا) في الارض (1). السادس عن النبي صلى الله عليه واله: من قرء اربع آيات من اول البقرة، وآية الكرسي وآيتين بعدها، وثلاث آيات من آخرها لم ير في نفسه وماله شيئا يكرهه ولا يقربه شيطان، ولا ينسى القرآن. السابع عن الصادق من دخل على سلطان يخافه فقرء عند ما يقابله (كهيعص) ويضم يده اليمنى كلما قرء حرفا ضم اصبعا، ثم يقرء (حمعسق) ويضم اصابع يده اليسرى كك، ثم يقرء (وعنت الوجوه للحى القيوم وقد خاب من حمل ظلما) ويفتحهما في وجهه كفى شره (2). الثامن عن ابى الحسن عليه السلام: إذا خفت أمرا فاقرء مأة آية من القرآن من حيث شئت، ثم قل (اللهم ادفع عنى البلاء) ثلاث مرات. التاسع حدث أبو عمران موسى بن عمران الكسروى قال: حدثنا عبد الله بن كلب قال: حدثنى منصور بن العباس عن سعد بن جناح عن سليمان بن جعفر الجعفري عن الرضا عليه السلام عن ابيه قال: دخل أبو المنذر هشام السائب الكلبى على ابى عبد الله عليه السلام فقال: انت الذى تفسر القرآن ؟ قال: قلت: نعم قال: اخبرني عن قول الله عزوجل لنبيه صلى الله عليه واله (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا) ماذلك القرآن الذى كان إذا قرئه رسول الله صلى الله عليه واله حجب عنهم ؟ قلت: لا ادرى قال: فكيف ؟ قلت: انك تفسير القرآن ؟ قلت: يابن رسول الله ان رأيت ان تنعم على وتعلمنيهن قال عليه السلام: آية في الكهف، وآية في النحل، وآية في الجاثية وهى (افرأيت من اتخذ الهه هواه واضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله افلا تذكرون) وفى النحل (اولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم


(1) الاعراف: 53. الخطم من كل طاير منقاره، ومن كل دابة مقدم انفعه وفمه (ق). (2) مريم: 1. الشورى: 1. طه: 110 (*).

[ 277 ]

وابصارهم واولئك هم الغافلون) وفى الكهف (ومن اظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسى ما قدمت يداه انا جعلنا على قلوبهم اكنة ان يفقهوه وفى آذانهم وقرا وا ن تدعهم الى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا). قال الكسروى: فعلمتها رجلا من اهل همدان كانت الديلم أسرته، فمكث فيهم عشرين سنة، ثم ذكر الثلاث الآيات قال: فجعلت أمر على محالهم وعلى مراصدهم فلا يرونى ولا يقولون: شيئا حتى خرجت الى ارض الاسلام قال أبو المنذر: وعلمتها قوما خرجوا في سفينة من الكوفة الى بغداد، وخرج معهم سبع سفن، فقطع على ستة وسلمت سفينة التى قرء فيها هذه الآيات وروى ايضا: ان الرجل المسئول عن هذه الآيات ما هي من القرآن ؟ هو الخضر عليه السلام (1). العاشر لحل المربوط يكتب في رقعة، ويعلق عليه (بسم الله الرحمن الرحيم انا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما) ثم يكتب سورة النصر، ثم يكتب (ومن آياته ان خلق لكم من انفسكم ازواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ان في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) (اذخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فانكم غالبون) (ففتحنا ابواب السماء بماء منهمر وفجرنا الارض عيونا فالتقى الماء على امر قد قدر) (قال رب اشرح لى صدري ويسر لي امرى واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولى) (وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا) كذلك حللت فلان بن فلانة عن فلانة بنت فلانة (لقد جائكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم) (فان تولوا فقل حسبى الله لا اله الا هو عليه توكلت وهو رب


(1) قوله: قطع على ستة أي سلبها قاطع الطريق. الاسراء، 47. الجاثية: 23. النحل: 108. الكهف: 57 (*).

[ 278 ]

القسم الثالث فيما يتعلق باجابة الدعاء وكل القرآن صالح لاجابة الدعاء بعده وقد تقدم ذكر ذلك في آداب الدعاء (2) ويتأكد منه مواضع فلنذكر بعضها: الاول روى جعفر بن محمد عن ابيه عن آبائه عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه واله قال: لما اراد الله عزوجل ان ينزل فاتحة الكتاب، وآية الكرسي، و (شهد الله)، (قل اللهم مالك الملك) الى قوله (بغير حساب) تعلقن بالعرش، وليس بينهن وبين الله حجاب فقلن: يا رب تهبطنا الى دار الذنوب، والى من يعصيك ونحن بالطهور والقد س متعلقات فقال سبحانه: وعزتي وجلالى ما من عبد قرئكن في دبر كل صلوة الا أسكنته حظيرة القدس على ما كان فيه، والا نظرت إليه، والانظرت إليه بعينى المكنونة في كل يوم سبعين نظرة، والاقضيت له في كل يوم سبعين حاجة أدناها المغفرة، والا اعذته من كل عدو ونصرته عليه، ولا يمنعه دخول الجنة الا الموت (3). الثاني رأيت في بعض الروايات: ان الدعاء بعد قرائة الجحد عشر مرات عند طلوع الشمس من يوم الجمعة مستجاب.


(1) الفتح: 1 - 2. الروم: 21، المائدة، 23. القمر: 12. طه 27 الكهف 99 التوبة 128. التوبة 129. (2) لم نجد عند ذكر آداب الدعاء السالفة في باب الرابع بالتفصيل أثرا من هذا، بل تقدم في باب الثاني ص 114 الاشارة إليه من غير نقل للدليل ولكنا ذيلناه برواية دالة على ذلك. (3) قوله: تعلقن بالعرش هذا اما كناية عن تقدسهن وبعدهن عن دنس الخطايا، أو المراد تعلق الملائكة الموكلين بهن، وارواح الحروف كما اثبتها جماعة، والحق ان تلك الا مور من اسرار علومهم وغوامض حكمهم ونحن مكلفون بالتصديق بها اجمالا، وعدم التفتيش عن تفصيلها والله يعلم. قوله: بعينى المكنونة أي الالطاف الخاصة (مرآت) (*).

[ 279 ]

الثالث عن امير المؤمنين: من قرء مأة آية من أي آى القرآن شاء، ثم قال: (يا الله) سبع مرة فلودعا على صخرة لفلقها الله تعالى. فصل في خواص متفرقة: الاول درست عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: من قرء (الهيكم التكاثر) عند النوم وفى فتنة القبر. الثاني عن الصادق عليه السلام وقع مصحف في البحر فوجدوه وقد ذهب ما فيه الا هذه الاية (الا الى الله تصير الامور). الثالث سئل عن الصادق عليه السلام عن القرآن والفرقان أهما شيئان ام شئ واحد ؟ فقال: القرآن جملة الكتاب، والفرقان المحكم الواجب العمل به. الرابع اول ما نزل (بسم الله الرحمن الرحيم اقرء باسم ربك) وآخره (إذا جاء نصر الله والفتح) (1). الخامس قال امير المؤمنين: عليه السلام من قرء (قل هو الله احد) حين يأخذ مضجعه (ثلاث مرات) وكل الله به خمسين الف ملك يحرسونه (طول) ليلته. وروى الصدوق في كتاب التوحيد انها كفارة خمسين سنة. السادس الوبكر الخضرمى عن ابى عبد الله عليه السلام قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع ان يقرء في دبر الفريضة ب (قل هو الله احد) فانه من قرئها جمع الله له خير الدنيا وخير الآخرة، وغفر له ولوالديه وما توالدا (ولدا). السابع حماد بن عيسى رفعه الى امير المؤمنين عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: الا اعلمك دعاء لا تنسى القرآن ؟ قل (اللهم ارحمنى بترك معاصيك ابدا ما أبقيتنى،


(1) قال في (مرآت): قوله: وآخره إذا جاء نصر الله لعل المرا د انه لم ينزل بعد ها سورة كاملة فلا ينافي نزول بعض الآيات بعدها كما هو المشهور

[ 280 ]

وارحمني من تكلف ما لا يعنينى، وارزقني حسن النظر فيما يرضيك (عنى)، والزم قلبى حفظ كتابك كما علمتني، وارزقني ان أتلوه على النحو الذى يرضيك عنى اللهم نور بكتابك بصرى، واشرح به صدري، وأطلق به لساني، واستعمل به بدنى، وقونى به على ذلك، وأعنى عليه انه لا يعين عليه الا انت لا اله الا انت) قال: ورواه بعض اصحا بنا عن الوليد بن صبيح عن حفص الاعور عن ابى عبد الله عليه السلام. الثامن عن الصادق عليه السلام من مضى عليه يوم واحد، ولم يصل فيه (قل هو الله احد) قيل له يوم القيامة يا عبد الله لست من المصلين. التاسع عنه عليه السلام: من مرت له جمعة لم يقرء فيها ب (قل هو الله احد) ثم مات مات على دين ابى لهب. العاشر عنه عليه السلام من اصابه مرض أو شدة ولم يقرء في مرضه أو شدته (قل هو الله احد) ثم مات في مرضه أو شدته فهو من اهل النار. الحادى عشر روى أبو القاسم بن سليمان عن ابى عبد الله قال: قال ابى عليهما السلام ما ضرب رجل القرآن بعضه ببعض الاكفر. (1) الثاني عشر عامر بن عبد الله بن حزاعة عن ابى عبد الله عليه السلام قال: ما من عبد يقرء آخر الكهف الا يتيقظ (2) في الساعة التى يريد.


(1) قال في (الميزان) في كلام له: قال الصدوق: سئلت ابن الوليد عن معنى هذا الحديث فقال: هو ان تجيب الرجل في تفسير آية بتفسير آية اخرى. اقول: ما اجابه لا يخلو عن ابهام فان اراد به الخلط المذكور - أي اختلاف الآيات بعضها ببعض ببطلان ترتيبها ودفع مقاصد بعضها ببعض ويبطل ذلك المراد ان جميعا - وما هو المعمول عند الباحثين في مناظراتهم من معارضة الآية بالآية، وتأويل البعض بالتمسك بالبعض فحق، وان اراد به تفسير الآية با لآية والاستشهاد بالبعض للبعض فخطاء انتهى موضع الحاجة منه. (2) والآية هذه (قل انما انا بشر مثلكم يوحى الى أنما الهكم اله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه احدا)

[ 281 ]

الثالث عشر عن الزهري قال: قلت لعلى بن الحسين عليه السلام: أي الاعمال أفضل ؟ قال: الحال المرتحل قلت: وما الحال المرتحل ؟ قال: فتح القرآن وختمه كلما حل بأوله ارتحل في آخره (1). الرابع عشر عن ابى جعفر عليه السلام: من قرء بنى اسرائيل في كل ليلة جمعة لم يمت حتى يدرك القائم عليه السلام ويكون معه ومن قرء سورة الكهف كل ليلة جمعة لم يمت الا شهيدا وبعثه الله مع الشهداء الخامس عشر عنه عليه السلام: من اوتر بالمعوذتين و (قل هو الله احد) قيل له: يا عبد الله ابشر فقد قبل وترك (2). السادس عشر: عمر بن يزيد قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: من قرء (قل هو ا لله احد) حين يخرج من منزله عشر مرات لم يزل من الله في حفظ (ه) وكلائه حتى يرجع الى منزله السابع عشر رقية الدود الذى يأكل المباطخ والزرع يكتب على اربع قصبات أو اربع رقاع، ويجعل على اربع قصبات في اربع جوانب المبطحة أو الزرع = ايها الدود ايها الدواب والهوام والحيوانات اخرجوا من هذه الارض والزرع الى الخراب كما خرج ابن متى من بطن الحوت فان لم تخرجوا ارسلت عليكم - (شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران) (الم ترالى الذين خرجوا من ديارهم وهم الوف حذر الموت فقا ل لهم الله موتوا) فماتوا (اخرج منها فانك رجيم) (فخرج منها خائفا يترقب) (سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى) (كأنهم يوم يرونها


(1) قال في (مرآت) قوله الحال المرتحل أي عمله، وفى النهاية قيل: وما ذلك ؟ قال: الخاتم المفتتح وهو الذى يختم القرآن بتلاوته ثم يفتتح التلاوة من اوله، شبهه بالمسافر يبلغ المنزل فيحل فيه، ثم يفتتح السيراى يبتدئه. (2) الوتر بالكسر وقد يفتح: الفرد أو ما لم يتشفع من العدد (اقرب) قوله: وترك هو من الوتر ونائب مناب فاعل قبل (*).

[ 282 ]

لم يلبثوا الاعشية اوضحيها) (فاخر جناهم من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين) (فما بكت عليهم السماء والارض وما كانوا منظرين) (اخرج منها فما يكون لك ان تتكبر فيها فاخرج انك من الصاغرين) (اخرج منها مذموما مدحورا) (فلنأتينهم بجنود لاقبل لهم بها ولنخرجنهم منها اذلة وهم صاغرون) (1) الثامن عشر عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: من توضأ ثم خرج الى المسجد فقال حين يخرج من بيته (بسم الله الذى خلقني فهو يهدين) هداه الله الى الصواب من الايمان، وإذا قال (والذى هو يطعمنى ويسقين) اطعمه الله عزوجل من طعام الجنة وسقاه من شراب الجنة، وإذا قال (وإذا مرضت فهو يشفين) جعله الله عزوجل كفارة لذنوبه، وإذا قال: (والذى يميتني ثم يحيين) اماته الله عزوجل ميتة الشهداء واحياه حيوة السعداء وإذا قال (والذى اطمع ان يغفر ليخطيئتى يوم الدين غفر الله عزوجل خطاياه كلها وان كان أكثر من زبد البحر (رب هب لى حكما والحقني بالصالحين) وهب الله تعالى له حكما والحقه بصالح من مضى وصالح من بقى، وإذا قال (واجعل لى لسان صدق في الاخرين) كتب الله عزوجل له ورقة بيضاء ان فلان بن فلان من الصادقين وإذا قال (واجعلني من ورثة جنة النعيم) اعطاه الله عزوجل منازل في الجنة وإذا قال (واغفر لابي انه كان من الضالين) غفر الله عزوجل لابويه (2). التاسع عشر روى عن النبي صلى الله عليه واله انه قال: من قرء هذه الاية عند منامه (قل انما انا بشر مثلكم) الى آخر السورة سطع له نور الى المسجد الحرام حشو ذلك النو ر ملائكة تستغفرون له حتى يصبح.


(1) المبطخة: موضع نبت اليقطين ج المباطخ، ولعل المراد من قصبات الاولى اربع عظام ومن الثانية القطعات من المكان وترتيب الآيات من قوله: شواظ هكذا: الرحمن: 35. البقرة 243. الحجر: 34. القصص: 21. الاسرى: 1. النازعات: 46، الشعراء: 57. الدخان: 29. الاعراف: 13. الاعراف: 18. النمل: 37. (2) والآيات المذكورة في الحديث هي الآيات التسعة من سورة الشعراء من الرقم 78. الى 86 (*).

[ 283 ]

ختم وارشاد وإذا قد عرفت فضل الدعاء والذكر، وعرفت ان الافضل من كل منهما ما كان سرا وانه يعدل سبعين ضعفا من الجهر، فاعلم ان قول احدهما فيما رواه زرارة: فلا يعلم ثواب ذلك الذكر في نفس الرجل غير الله لعظمته (1) ايماء الى قسم ثالث من اقسام الذكر اعلى من الاولين اعني الجهر والسر، وهو الذى يكون في نفس الرجل لا يعلمه غير الله. ثم اعلم ان وراء هذه الاقسام الثلاثة قسم رابع من اقسام الذكر وهو افضل منها بأجمعها وهو ذكر الله سبحانه عند اوامره ونواهية فيفعل الاوامر ويترك النواهي خوفا منه ومراقبة له. روى أبو عبيدة الخزاعى عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قال لى: ألا اخبرك بأشد ما فرض الله على خلقه ؟ قال: بلى ثم قال: من اشد ما فرض الله انصافك الناس من نفسك. ومواساتك اخاك المسلم في مالك وذكر الله كثيرا أما انى لا اعني (سبحان الله وا لحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر) وان كان منه، ولكن ذكر الله تعالى عندما احل وحرم ا ن كان طاعة عمل بها وان كان معصية تركها. ومثل هذا قول جده سيد المرسلين: من اطاع الله فقد ذكر الله كثيرا وان قلت صلوته وصيامه وتلاوته القرآن. فقد جعل طاعة الله هي الذكر الكثير مع قلة الصلوة والصيام والتلاوة (2). ومثل قوله صلى الله عليه واله: ان الله جل ثنائه يقول: لست كل كلام الحكيم أتقبل ولكن هواه وهمه، وان كان هواه فيما احب وارضى جعلت صمته حمدا لى ووقارا وان لم يتكلم. فانظر كيف جعل مدار القبول، والثواب ما في النفس من ذكر الله والطمأنينة إليه والمراقبة له، وانه لا يقبل كل الكلام، بل انما يقبل منه ما كان مطابقا لما في القلب


(1) وتقدمت رواية زرارة في ص 244 مع معناه ذيلا (2) وقد مضى معنى الذكر الكثير في ص 234 ذيلا من اراد يرجع (*).

[ 284 ]

من الميل الى الله سبحانه بالقيام بأوامره، واجتناب مساخطه فانه إذا كان موصوفا بهذه جعل صمته حمدا، وهذا مثل قوله عليه السلام: وان قلت صلوته. ويقرب من هذا قوله عليه السلام: يكفى من الدعاء مع البر ما يكفى الطعام من الملح فقد اتكفى باليسير من الدعاء مع افعال الخير، واخبر ان الكثير من الدعاء والذكر مع عدم اجتناب النواهي غير مجد كما في قوله عليه السلام مثل الذى يدعو بغير عمل كمثل الذى يرمى بغير وتر. وفى قوله عليه السلام الدعاء مع اكل الحرام كالبناء على الماء. وفى الوحى القديم: والعمل مع اكل الحرام كنا قل الماء في المتخل (1). وقال عليه السلام: واعلم انكم لو صليتم حتى تكونوا كالحنايا، وصمتم حتى تكونوا كالاوتار ما نفعكم ذلك الا بورع حاجز (2). وقال عليه السلام: اصل الدين الورع كن ورعا تكن أعبد الناس كن بالعمل بالتقوى أشد اهتماما منك بالعمل بغيره فانه لا يقل عمل بالتقوى وكيف يقل عمل يتقبل ؟ لقول الله عزوجل (انما يتقبل الله من المتقين) فكان التقوى مدار قبول العمل (3). واعلم أن الصادق عليه السلام سئل عن تفسير التقوى فقال عليه السلام: ان لا يفقدك الله حيث


(1) المنخل: ما ينخل به الدقق يقال: نخلت الدقيق: غربلته (ا لمجمع). (2) الحنايا: هي جمع حنيئة يقال: حتى يده حناية، لواها أي أعوجها (اقرب) الوتر بالتحريك واحد اوتار القوس (المجمع) (3) المائدة: 30. قال في (مرآت): قيل للورع اربع درجات: الاولى ورع التا ئبين وهو ما يخرج به الانسان من الفسق وهو المصحح لقبول الشهادة. الثانية ورع الصالحين وهو الاجتناب عن الشبهات خوفا منها ومن الوقوع في المحرمات. الثالثة ورع المتقين وهو ترك الحلال خوفا من ان ينجر الى الحرام مثل ترك التحدث بأحوال الناس مخافة ان ينجر الى الغيبة. الرابعة ورع السالكين وهو الاعراض عما سواه تعالى خوفا من صرف ساعة من العمر فيها لا يفيد زيادة القرب منه تعالى وان علم انه لا ينجر الى الحرام (*).

[ 285 ]

امرك ولا يراك حيث نهاك. وهذا هو بعينه قوله عليه السلام في اول الباب: ولكن ذكر الله عندما احل وحرم، فان كان طاعة عمل بها، وان كان معصية تركها. وهذا هو حد التقو ى وهى العدة الكافية في قطع الطريق الى الجنة، بل هي الجنة الواقية من متالف الدنيا والآخرة، وهى الممدوحة بكل لسان. والمشرفة لكل انسان، ولقد شحن بمدحها القرآن، وكفاها شرفا قوله تعالى (ولقد وصينا الذين اوتوا الكتاب من قبلكم وايا كم ان اتقوا الله) ولو كان في العالم خصلة اصلح للعبد واجمع للخير واعظم في القدر، واولى بالايجال، وانجح للامال من هذه الخصلة التى هي التقوى لكان الله سبحانه اوحى بها. عباده لمكان حكمته ورحمته، فلما أوصى بهذه الخصلة الواحدة جمع الاولين وآخرين واقتصر عليها علم أنها الغاية التى لا يتجاوز عنها ولا مقتصر دونها (1). والقرآن مشحون بمدحها وعد في مدحها خصالا: الاول المدحة والثناء (وان تصبروا وتتقوا فان ذلك من عزم الامور) الثاني الحفظ والتحصين من الاعداء (وا تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا). الثالث التأييد والنصر (ان الله مع المتقين). الرابع اصلاح العمل (يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا لاسديد أيصلح لكم اعمالكم). الخامس غفران الذنوب (ويغفر لكم ذنوبكم) السادس محبة الله (ان الله يحب المتقين) السابع القبول (انما يتقبل الله من المتقين) الثامن الاكرام (ان اكرمكم عند الله اتقيكم) التاسع البشارة عند الموت (الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحيوة الدنيا وفى الاخرة). العاشر النجاة من النار (ثم ننجي الذين اتقوا).


(6) المتالف: المفازة هي المهلكة يقال: وقعوا في متلفة ومتالف (اقرب) النساء: 131 (*).

[ 286 ]

الحادى عشر الخلود في الجنة (اعدت للمتقين). الثاني عشر تيسير الحساب (وما على الذين يتقون من حابهم من شئ). الثالث عشر النجاة من الشدائد والرزق الحلال (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه ان الله بالغ امره قد جعل ا لله لكل شى قدرا) (1). فانظر ما جمعت هذه الخصلة الشريفة من السعادات فلا تنس نصيبك منها، ثم انظر الى الآية الأخيرة، وما اشتملت عليه وقد دلت على امور: الاول ان التقوى حصنا منيعا وكهفا حريزا (2) لقوله تعالى (يجعل له مخرجا) ومثله قوله عليه السلام: لو ان السماوات والارض كانتا رتقا على عبده المؤمن ثم اتقى الله لجعل الله له منهما فرجا ومخرجا الثاني كونها كنزا كافيا لقوله تعالى (ويرزقه من حيث لا يحتسب) الثالث دلت ايضا على فضيلة التوكل وان الله تعالى يضمن للمتوكل بكفايته بقوله (فهو حسبه) (ومن اصدق من الله قيلا) ومن هذا قال النبي صلى الله عليه وا له: لو ان الناس اخذوا بهذه الآية لكفتهم. الرابع تعريفه تعالى لعبيده انه قادر على ما يريد لا يعجزه شى ولا يمتنع من ارادته مطلوب بقوله (ان الله بالغ امره) ليثقوا وعدهم على تقواه من الاستكفاء والاعطاء، وعلى توكله بالكلائة والارعاء (3).


(1) آل عمران: 183 - 116 - البقرة: 194. الاحزاب: 70. الانفا ل: 29. التوبة: 4. المائدة: 30. الحجرات: 13. يونس: 63. مريم 72. آل عمران 133. الانعام: 69. الطلاق: 3 - 4. (2) الكهف: الملجأ: ومنه في وصف على (ع) كنت للمؤمنين كهفا. الحرز: الموضع الحصين فهو حريز (المجمع). (3) كلئه كلاثا: حفظة (المجمع) ارعى فلان على فلان: ابقى عليه وترحم (اقرب) النساء: 122 (*).

[ 287 ]

وسئل الصادق عليه السلام عن حد التوكل فقال: ان لا يخاف مع الله شيئا. وان في هذه الآية لبلغة للعباد وكفاية لمطالب الاسترشاد (1). روى احمد بن الحسين الميثمى عن رجل من اصحابه قال: قرأت جوابا من ابى عبد الله عليه السلام الى رجل من أصحابه: اما بعد فانى اوصيك بتقوى الله عزو جل فان الله قد ضمن لمن اتقاء ان يحوله عما يكره الى ما يحب ويرزقه من حيث لا يحتسب ان الله عزوجل لا يخدع عن جنبه، ولا ينال ما عنده الا بطاعته (2). وعن الباقر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: يقول الله عزوجل: وعزتي وجلالى وعظمتي وكبريائي ونورى وعلوى وارتفاع مكاني لا يؤثر عبد هواه على هواى الاشتت عليه امره ولبست عليه دنياه، واشتغلت قلبه بها، ولم ارزقه منها الا ما قدرت له، وعزتي وجلالى وعظمتي وكبريائي ونورى وعلوى وارتفاع مكاني لا يؤثر عبد هواى على هواه الا استحفظته ملائكتي، وكفلت السماوات والارض رزقه، وكنت له من وراء تجارة كل تاجر، وأتته الدنيا وهى راغبة (راغمة) (3).


(1) وقد ذكر معنى التوكل في ص 82 متنا وذيلا بالتفصيل (2) في (المجمع) وفى الحديث عن ابى عبد الله (ع) عن آبائه عليهم السلام ان رسول الله (ص) سئل فيما النجاة غدا ؟ قال: النجاة ان لا تخادعوا الله فيخدعكم فانه من يخادع الله يخدعه فقيل له: كيف يخادع الله ؟ قال: يعمل ما امر الله ثم بريد به غيره الحديث. (3) قال في (مرآت) اقول: ينبغى ان يعلم ان ما تهواه النفس ليس كله مذموما، وما لا تهواه النفس ليس كله ممدوحا بل المعيار هو ان كل يرتكبه الانسان لمحض الشهوة ا لنفسانية ولم يكن الله مقصودا له في ذلك فهو من الهوى المذموم وان كان مشتملا على زجر النفس عن بعض المشتهيات ايضا كمن يترك لذيذ المأكل والمطعم مثلا للاشتهار بالعبادة وجلب قلوب الجهال، وما يرتكبه الانسان لاطاعة امره سبحانه وان كان مما تشتهيه نفسه فليس هو من الهوى المذموم كمن يأكل ويشرب لامره تعالى أو لتحصيل القوة على العبادة فهولاء وان حصل لهم الالتذاذ بهذه الامور لكن ليس مقصودهم محض اللذة بل لهم في ذلك اغراض صحيحة هذا ملخص كلامه رفع مقامه باب اتباع الهوى (*).

[ 288 ]

وروى أبو سعيد الخدرى قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول عند منصرفه من احد، والناس محدقون به، وقد اسند ظهره الى طلحة هناك: ايها الناس أقبلوا على ما كلفتموه من اصلاح آخرتكم واعرضوا عما ضمن لكم من دنياكم ولا تستعملوا جوارحا غذيت بنعمته في التعرض لسخطه بمعصيته، واجعلوا شغلكم في التماس مغفرته، واصر فوا همتكم (هممكم) بالتقرب الى طاعته من بدء بنصيبه من الدنيا فانه نصيبه من الآخرة ولم يدرك منها ما يريد، ومن بدء بنصيبه من الاخرة وصل إليه نصيبه من الدنيا، وادرك من الآخرة ما يريد (1). وروى عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام قال: أيما مؤمن أقبل قبل ما يحب الله أقبل الله عليه قبل كل ما يحب، ومن اعتصم بالله بتقواه عصمه الله، ومن اقبل الله قبله وعصمه لم يبال لو سقطت السماء والارض، وان نزلت نازلة على اهل الارض فشملتهم بلية كان في حرز الله بالتقوى من كل بلية أليس الله تعالى يقول (ان المتقين في مقام امين) ؟ (2). فصل محمد بن يعقوب (ره) يرفعه الى اسحاق بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال: كان ملك في بنى اسرائيل وكان له قاض، وللقاضي اخ، وكان رجل صدق، وكانت له امرئة قد ولدتها الانبياء فأراد الملك ان يبعث رجلا في حاجته فقال للقاضى: ابعثنى رجلا ثقه فقال: ما أعلم احدا أوثق من اخى فدعاه ليبعثه فكره ذلك الرجل وقال لاخيه: انى اكره ان اضيع امرئتى فعزم عليه فلم يجد بدا من الخروج فقال لاخيه: يا اخى انى لست اخلف شيئا اهم الى من امرئتى فاخلفني فيها وتول قضاء حاجتها قال: نعم، فخرج الرجل وقد كانت امرئته كارهة لخروجه، وكان القاضى يأتيها ويسئلها عن حوائجها


(1) الطلح: شجر عظام من شجر العضاه يرعاها الابل الواحدة طلحة (اقرب). (2) قبل بالكسر ثم الفتح يقال: اتانى من قبله رسالة: أي من عنده وجهته (اقرب) الدخان: 51 (*).

[ 289 ]

ويقوم بها فأعجبته فدعيها الى نفسه فأبت عليه، فحلف عليها لان لم تفعلي لاخبرن الملك انك فجرت، فقالت اصنع ما بدء لك لست اجيبك الى شئ مما طلبت، فأتى الملك فقال: ان امرئة اخى قد فجرت وقد حق ذلك عندي فقال له الملك: طهرها فجاء إليها فقال لها: ان الملك فقد امرني برجمك فما تقولين ؟ تجيبني والارجمتك، فقالت: لست اجيبك فاصنع ما بدء لك، فأخرجها فحفر لها فر جمها ومعه الناس، فلما ظن انها قد ماتت تركها وانصرف، وجنها الليل وكان بها رمق فتحركت وخرجت من الحفرة ثم مشت على وجهها حتى خرجت من المدينة فانتهت الى دير فيه ديرانى فباتت على باب الدير، فلما أصبح الديرانى فتح الباب فرآها فسئلها عن قصتها فخبرته فرحمها وأدخلها الدير، وكان له ابن صغير لم يكن له غيره وكان حسن الحال فداواها حتى برئت من علتها واندملت، ثم دفع إليها ابنه فكانت تربيه، وكان للديراني قهرمان يقوم بأوامره فأعجبته فدعيها الى نفسه فأبت فجهد بها فأبت فقال: لان لم تفعلي لاجهدن في قتلك فقالت: اصنع ما بدء لك فعمد الى الصبى فدق عنقه فأتى الديرانى فقال له: عمدت الى فاجرة قد فجرت فدفعت إليها ابنك فقتلته، فجاء الديرانى فلما راى ابنه قتيلا قال لها: ما هذا ؟ فقد تعلمين صنيعى بك فأخبرته با لقصة، فقال لها ليس تطيب نفسي ان تكون عندي فاخرجى، فأخرجها ليلا ودفع إليها عشرين درهما، وقال لها: تزودي هذه الله حسبك فخرجت ليلا فأصبحت في قرية فإذا فيها مصلوب على خشبة وهو حى فسئلت عن قصته فقالوا: عليه دين عشرون درهما، ومن كان عليه دين عندنا لصاحبه صلبه حتى يؤدى الى صاحبه فأخرجت العشرين درهما ودفعتها الى غريمه وقالت: لا تقتلوه فأنزلوه عن الخشبة فقال لها: ما أحد اعظم على منة منك نجيتنى من الصلب ومن الموت فأنا معك حيثما ذهبت، فمضى معها ومضت حتى انتهيا الى ساحل البحر،

[ 290 ]

فرأى جماعة وسفنا فقال لها: اجلسي حتى أذهب وأنا أعمل لهم واستطعم وآتيك به فأتاهم وقال لهم: ما في سفينتكم هذه ؟ قالوا: في هذه تجارات وجواهر وعنبر واشياء من التجارة، واما هذه فنحن فيها قال: وكم يبلغ ما في سفينتكم هذه ؟ قالوا: كثيرا لانحصيه قال: فان معى شيئا خطيرا هو خير مما في سفينتكم قالوا: وما معك قال: جارية لم ترو مثلها قط قالوا: فبعناها قال: نعم على شرط ان يذهب بعضكم فينظر إليها ثم يجيئنى فيشتريها ولا يعلمها ويدفع الى الثمن، ولا يعلمها حتى أمضى أنا فقالوا لك ذلك، فبعثوا من نظر إليها فقال: ما رايت مثلها قط فاشتروها منه بعشرة الألف درهم، ودفعوا ا ليه الدراهم فمضى (بها) فلما امضى اتوها فقالوا لها: قومي وادخلي السفينة قالت: لم ؟ قالوا: قد اشتريناك من مولاك قالت: ما هو بمولاي قالوا تقومين ؟ والا لنحملنك فقامت ومضت معهم فلما انتهوا الى الساحل لم يأمن بعضهم بعضا عليها، فجعلوها في السفينة التى فيها الجواهر والتجارة وركبوا في السفينة الاخرى فدفعوها، فبعث الله عزوجل عليهم رياحا فغرقهم ونجت السفينة التى كانت فيها حتى انتهت الى جزيرة من جزائر البحر، وربطت السفينة ثم دارت في الجزيرة فإذا فيها ماء وشجر فيه ثمر فقالت: هذا ماء أشرب منه وثمرا آكل منه واعبد الله في هذا الموضع فأوحى الله عزوجل الى نبى من أنبياء بنى اسرائيل عليهم السلام ان يأتي ذلك الملك فيقول له: ان في جزيرة من جزائر البحر خلقا من خلقي فاخرج انت ومن في مملكتك حتى تأتوا خلقي هذا وتقر واله بذنوبكم، ثم تسئلوا ذلك الخلق ان يغفر لكم فان غفر لكم غفرت لكم فخرج الملك بأهل مملكته الى تلك الجزيرة فرأوا امرئه فتقدم إليه الملك فقال لها: ان قاضى هذا أتانى فخبرني ان امرئة أخيه قد فجرت فأمرته برجمها ولم يقم عندي البينة فأخاف ان اكون قد تقدمت على ما لا يحل لى فأحب ان تستغفر لى فقالت غفر الله لك اجلس ثم أتى زوجها ولا يعرفها فقال: انه كان لى امرئة وكان من فضلها وصلاحها وانى خرجت عنها وهى كارهة لذلك فاخبرني

[ 291 ]

أخى انها فجرت فرجمها وانا أخاف ان أكون قد ضيعتها فاستغفري لى غفر الله لك فقالت: غفر الله لك اجلس، فأجلسته الى جنب الملك، ثم اتى القاضى فقال لها: انه كان لاخى امرئة وانها أعجبتني فدعوتها الى الفجور فأبت فأعلمت الملك انها قد فجرت وأمرني برجمها فرجمتها وانا كاذب عليها فاستغفري لى فقالت غفر الله لك ثم اقبلت على زوجها فقالت: اسمع، ثم تقدم الديرانى فقص قصته وقال: أخرجتها بالليل وانا اخاف ان يكون قد لقيها سبع فقتلها فاستغفري لى فقالت غفر الله لك اجلس، ثم تقدم القهرمان وقص قصته وقالت للديراني: اسمع غفر الله لك، ثم تقدم المصلوب فقص قصته فقالت: لاغفر الله لك، ثم اقبلت على زوجها فقالت: انا ا مرئتك وكلما سمعت فأنما هو قصتي وليست لى حاجة في الرجال فأنا احبا تأخذ هذه السفينة وما فيها وتخلى سبيلى فأعبد الله عزوجل في هذه الجزيرة فقد ترى ما قد لقيت من الرجال فافعل واخذ السفينة وما فيها، وانصرف الملك واهل مملكته. فانظر رحمك الله الى تقوى هذه المرئة كيف عصمها الله من ثلاثة اهوال شداد: خلصها الله من الرجم، وتهمة القهرمان، ومن رق التجار، ثم انظر ما بلغ من كرامتها على الله تعالى بأن جعل رضاه مقرونا برضائها، ومغفرته مقرونة بمغفرتها، وكيف جعل من نصب لها مكرا وهيأ لها مكروها خاضعا لها وطالبا منها المغفرة والرضا، وكيف رفع من قدرها ونوه بذكرها حيث أمر نبيها بأن يحشر إليها الملوك والقضاة والعباد ويجعلونها بابا الى الله تعالى، وذريعة الى رضوانه (1). وفى هذا المعنى ما ورد في الحديث القدسي: يا ابن آدم أنا فقير لا أفتقر أطعنى فيما أمرتك أجعلك غنيا لاتفتقر يا ابن آدم اناحى لا أموت أطعنى فيما أمرتك أجعلك حيا لا تموت يا ابن آدم أنا أقول للشئ: كن فيكون أطعنى فيما أمرتك أجعلك تقول للشى: كن فيكون.


(1) القهرمان: الوكيل أو امين الدخل والخرج (اقرب) يق: نوهت باسمه بالتشديد: إذا رفعت ذكره (المجمع) (*).

[ 292 ]

وعن ابى حمزة قال: أوحى الله تعالى الى داود: يا داود انه ليس عبد من عبادي يطيعني فيما آمره الا أعطيته قبل أن يسئلنى، وأستجيب له قبل ان يدعوني. وعن ابى جعفر عليه السلام قال: ان الله تعالى اوحى الى داود ان بلغ قومك انه ليس عبد منهم آمره بطاعتي فيطيعنى الا كان حقا على ان اطيعه واعينه على طاعتي وان سئلني أعطيته، وان دعاني أجبته، وان اعتصم بى عصمته، وان استكفاني كفيته، وان توكل على حفظته من وراء عوراته، وان كاده جميع خلقي كنت دونه وعن ذرعة بن محمد قال: كان رجل بالمدينة وكانت له جارية نفيسة فوقعت في قلب رجل واعجب بها، فشكى ذلك الى ابى عبد الله عليه السلام فقال: تعرض لر ؤيتها، فكلما رايتها فقل (اسئل الله من فضله) ففعل فما لبث الا يسيرا حتى عرض لوليها سفر فجاء الى الرجل فقال: يا فلان انت جارى واوثق الناس عندي، وقد عرض لى سفر، وانا احب ان اودعك جاريتي تكون عندك فقال الرجل: ليس لى امرئة، ولا معى في منزلي امرئة، وكيف تكون جاريتك عندي ؟ فقال: اقومها عليك بالثمن، وتضمنه لى وتكون عندك فإذا أنا قدمت فبعنيها أشتريها، وان نلت منها نلت ما يحل لك، ففعل وغلظ عليه بالثمن، وخرج الرجل فمكثت عنده، ومعه ما شاء الله حتى قضى وطره منها، ثم قدم رسول لبعض خلفاء بنى امية يشترى له جواري، وكانت هي فيمن سمى ان تشترى فبعث الوالى إليه فقال له: بع جارية فلان قال: فلان غائب فقهره الى بيعها وأعطا ه الثمن ما كان فيه ربح، فلما أخذت الجارية واخرج بها من المدينة قدم مولاها، فاول شئ سئله عن الجارية كيف هي ؟ فأخبره بخبرها وأخرج إليه المال كله الذى قومه عليه، والذى ربح فقال: هذا ثمنها فخذه فأبى الرجل وقال: لا آخذ الا ما قومته عليك وما كان من فضل فخذه لك هنيئا فصنع الله له بحسن نيته (1)


(1) قوله: وطره الوطر: الحاجة أو حاجة لك فيها هم وعناية ج أو طار (اقرب)

[ 293 ]

واعلم ان التقوى شطران شطر الاكتساب، وشطر الاجتناب، والاكتساب فعل الطاعات، والاجتناب ترك المنهيات، وشطر الاجتناب أسلم وأصلح للعبد وأهم عليه من شطر الاكتساب لان الاجتناب يفيد مع حصوله، ويزكو معه ما يحصل من شطر الاكتساب وان قل، وقد عرفت ذلك فيما تلوناه عليك من قوله عليه السلام: يكفى من الدعاء مع البر ما يكفى الطعام من الملح. ونظائره فلا نطول بتكريره، وشطر الاكتساب لا ينفع مع تضييع شطر الاجتناب وقد عرفت ذلك من كتابنا هذا، وفيما رأيت من خبر معاذ كفاية، وفى قول القرشى ان شجر نافى الجنة لكثيرة قال، نعم ولكن اياكم ان ترسلوا عليها نيرانا فتحرقوها (1).


(1) قال في (الميزان): يحصل التقوى الدينى بأحد امور ثلاثة: الخوف والرجاء والحب قال تعالى (وفى الاخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحيوة الدنيا الا متاع الغرور) الحديد: 20 فعلى المؤمن ان يتنبه لحقيقة الدنيا وهى انها متاع الغرور وعليه ان لا يجعلها غاية لاعماله، وان يعلم ان له ورائها دارا فيها ينال غاية أعما له. وهى عذاب شديد للسيآت يجب ا يخافه، ومغفرة من الله يحب ان يرجوها، وطباع الناس مختلفة فبعضهم وهو الغالب يغلب على نفسه الخوف، ويساق بذلك الى عبادته تعالى خوفا من عذابه، وبعضهم يغلب على نفسه الرجاء وكلما فكر فيما وعده الله من النعمة والكرا مة زاد رجاء وبالغ في التقوى والتزام الاعمال الصالحة. وطائفة ثالثة وهم العلماء بالله لا يعبدون خوفا من عقابه ولا طمعا في ثوابه وانما يعبدونه لانه اهل للعبادة وذلك لانهم عرفوه بما يليق به من الاسماء الحسنى والصفات العليا فهم يعبدون الله ولا يريدون الا وجهه ولا يلتفتو ن فيها الى عقاب يخوفهم ولا الى ثواب يرجيهم انتهى موضع الحاجة بعد التلخيص ج 11 ص 173. قوله: فيما تلوناه عليك يريد به ما تقدم ذكره في اول الخاتمة من الروايات. وقد مضى خبر معاذ في ص 227 قوله: قول القرشى الخ هذا جزء من الرواية المذكورة في ص 248 (*).

[ 294 ]

وعنه عليه السلام: الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب (1) وعنهم عليهم السلام: جدوا واجتهدوا، وان لم تعملوا فلا تعصوا، فان من يبنى ولا يهدم يرتفع بنائه وان كا يسيرا، وان من يبنى ويهدم يوشك ان لا يرتفع له بناء. فعليك بالاجتهاد في تحصيل الطرفين لتستكمل حقيقتها وتكون قد سلمت، وغنمت، وان لم تبلغ الا الى احدهما فليكن ذلك شطر الاجتناب فتسلم ان لم تغنم، والاخسرت الشطرين جميعا، فلا ينفعك قيام الليل وتعبه مع تضمضك بأعراض الناس (2). وقد روى عن النبي صلى الله عليه واله اياكم وفضول الطعام فانه يسم القلب بالقسوة ويبطئ بالجوارح عن الطاعة، ويصم الهمم عن سماع الموعظة، واياكم وفضول النظر فانه يبذر الهوى ويولد الغفلة، واياكم واستشعار الطمع فانه يشوب القلب بشدة الحرص، ويختم القلب بطابع حب الدنيا، وهو مفتاح كل معصية، ورأس كل خطيئة وسبب احباط كل حسنة. وهذا مثل قوله عليه السلام: فيما تقدم: اياكم ان تر سلوا عليها نيرانا فتحرقوها. وروى محمد بن يعقوب يرفعه الى ابى حمزة قال: كنت عند على بن الحسين عليهما السلام فجائه رجل فقال له: يا ابا محمد انى مبتلى بالنساء فأزني يوما وأصوم يوما فيكون ذا كفارة لذا، فقال على بن الحسين عليه السلام انه ليس شى أحب الى الله عزوجل من ان يطاع فلا


(1) واعلم انه لاحسد الاعلى نعمة فإذا أنعم الله على اخيك نعمة فلك فيها حالتان: احدهما ان تكره تلك النعمة وتحب زوالها سواء أردت وصولها اليك ام لا فهذه الحالة تسمى حسدا. والثانية ان لا تحب زوالها ولا تكره وجودها ورواجها ولكنك تشتهى لنفسك مثلها، وهذه تسمى غبطة وقد يخص باسم المنافسة، فاما الاول فهو حرام مطلقا كما هو المشهور، ا واظهارها كما يظهر من بعض الاخبار واما المنافسة فليست حرام وفى (مرآت) تفصيل الكلام با ب الحسد. (2) الاعراض: جمع العرض بالكسر هو موضع المدح والذم من الانسان في نفسه أو من يلزمه امره، وقيل: هو جانبه الذى يصونه من نفسه وحسبه ويحامى عنه ان ينتقص ويعاب (المجمع) (*).

[ 295 ]

يعصى، فلا تزني ولا تصوم، فاجتذبه أبو جعفر عليه السلام بيده إليه فقال له: تعمل عمل اهل النار وترجو ان تدخل الجنة. وعن النبي صلى الله عليه واله ليجيئن أقوام يوم القيامة لهم من الحسنات كجبال تهامة فيأمر بهم الى النار فقيل: يا نبى الله أمصلون ؟ قال: كانوا يصلون ويصومون ويأخذ ون وهنا من الليل لكنهم كانوا إذا لاح لهم شئ من الدنيا وثبوا عليه (1) واعلم انك لن تبلغ ذلك الا بالمجاهدة لنفسك الامارة فانها أضر الاعداء كثيرة البلاء مرمية في المهالك كثيرة الشهوات قال الله تعالى (فأما من طغى وآثر الحيو ة الدنيا فان الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فان الجنة هي المأوى) (2). وقال صلى الله عليه واله: أعدا عدوك نفسك التى بين جنبيك. فلا تغفل عنها وأوثقها بقيد التقوى. وأكثرها بثلاثة اشياء: الاول منع الشهوات فان دابة الحرون تلين إذا نقص من علفها. الثاني تحمل أثقال العبادات فان الدابة إذا ثقل حملها وقلل علفها ذلت وانقادت الثالث الاستعانة بالله والتضرع إليه بأن يعينك عليها أولا ترى الى قول الصديق (ان النفس لامارة بالسوء الا مارحم ربى) ؟ فإذا وطنت (وظبت) على هذه الامور الثلاثة انقادت لك باذن الله تعالى فح تبادر الى ان تملكها، وتلجمها وتأمن من شرها، وكيف تأمن أو تسلم مع اهمالها ؟ مع ما تشاهد من سوء اختيارها وردائة أحوالها ألست تراها وهى في حالة الشهوة بهيمة ؟ وفى حال الغضب سبع، وفى حال المصيبة طفل، وفى حال النعمة فرعون، وفى حال الشبع تراها مختالة، وفى حال الجوع تراها مجنونا ان أشبعتها بطرت، وان جوعتها صاحت وجزعت، فهى كالحمار السوء ان اقضمته رمح وان جاع نهق (3).


(1) الوهن: نحو نصف الليل قال الاصمعي: هو حين يدبر الليل. لاح الشى: بدا. (2) النازعات: 38 -: 42. (3) الفرس الحرون: الذى لا ينقاد وإذا اشتد به الحرى وقف. البطر. هو كما قيل:

[ 296 ]

قال بعض العلماء: ومن ردائة هذه النفس جهلها انها إذا همت بمعصية، أو انبعث لها شهوة لو تشفعت إليها بالله تعال ثم برسوله وبجميع أنبيائه، وكتبه وبجميع الملائكة المقربين، وتعرض عليها الموت والقبر والقيامة والجنة والنار لا تعطى القياد ولا تسكن، ولا تترك الشهوة، ثم استقبلها بمنع رغيف أو اعطاء رغيف تسكن وتترك شهوتها لتعلم خستها وجهلها. واياك ان تغفل عنها طرفة عين فانها كما قال خالقها (ان النفس لا مارة بالسوء الاما رحم ربى) وكفى بهذا تنبيها لمن عقل، فألجمها بالتقوى، وقدها بزمام الرجا، وسقها بسوط الخوف واما التقوى فلتتقيد بها عن الجموع والنفار، واما الخوف فانما يجب التزامه لامرين: الاول لتزجربه عن المعاصي فانها أمارة بالسوء ميالة الى الشر، ولا تنتهي عن ذلك الا بتخويف عظيم وتهديد. الثاني لئلا تعجب بالطاعة والعجب من المهلكات بل تقمعها بالذم والعيب والنقص وما اكتسب به من الاوزار والخطايا التى توجب الخزى والنار. واما الرجاء فانما يلزم لامرين: الاول ليبعث على الطاعات لان الخير ثقيل والشيطان عنه زاجر، والنفس ميالة الى الكسل والبطالة، الثاني ليهون عليك احتمال المشقات والشدائد لان من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل ألا ترى مشتار العسل ؟ لا يتفكر بلسع النحل لما يتذكر من حلاوة العسل، والفاعل يعمل طول نهاره بالجهد الشديد ويجد لذلك لذة من اجل أخذ الاجرة، والفلاح لا يتفكر بمقاساة الحر والبرد ومباشرة الشقاء والكد طول السنة لما يتذكر من البذر (البيدر) فاجهد ايها الواعي على الغاية القصوى، واصبر على الالم والبلوى. (1)


سوء احتمال الغنى والطغيان عند النعمة. (المجمع) اقضم الدابة: علفها القضيم وهو شعير الدابة (اقرب) يوسف: 53.

(1) القياد: حبل يقاد به الدابة. المجموع من الرجال: الذى ير كب هواه فلا يمكن رده. شرت العسل: استخرجته من موضعه (المجمع) البيدر: الموضع الذى يداس فيه الطعام (اقرب) (*).

[ 297 ]

شعر ماضر من كانت الفردوس مسكنه = ماذا تحمل من بؤس واقتار تراه يمشى كئيبا خائفا وجلا = الى المساجد يمشى بين أطمار. ثم إذا كان أثر العبودية وهو القيام بالطاعة والانتهاء من المعصية وذلك لايتم مع هذه النفس الامارة بالسوء الا بترغيب وترهيب وتخويف وترحيب، فان الدابة الحرو ن تحتاج الى قايد يقودها، والى سايق يسوقها، وإذا وقعت في مهواة، فربما تضرب بالسوط من جانب، ويلوح لها بالشعير من جانب آخر حتى تنهض و تتخلص مما وقعت فيه، فان الصبى الغر لا يمر الى المكتب الا بترحيبه من الابوين وتخويفه من المعلم، وكك هذه النفس دابة حرون وقعت في مهمات الدنيا، فالخوف سوطها وسايقها، والرجاء شعيرها وقايدها، وانما يغدو الصبى الغرالى المكتب رغبة في الرجاء ورهبة في الخوف، فذكر الجنة وثوابها ترحيب النفس وترغيبها، والنار وعقباها تخويف النفس وترهيبها.

[ 298 ]

خاتمة الكتاب في أسماء الله الحسنى فصل وقد أحببت ان أختم هذه الرسالة بذكر أسمائه الحسنى بوجهين: أما أولا فلان المقصود من وضع هذا الكتاب التنبيه على ما يكون سببا لاجابة الدعاء وقال الله تبارك وتعالى (ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها) (1). وقد روى الصدوق باسناده مرفوعا الى عبد السلام بن صالح الهروي عن على بن موسى الرضا عليه السلام عن آبائه عن على عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: ان لله عزوجل تسعة وتسعون أسما من دعا الله بها استجاب له، ومن أحصاها دخل الجنة. وأما ثانيا فلنشرف هذه الرساله وليكون ختامها مسك، ثم أردفها بشرحها على وجه وجيز لا باختصار مخل ولا باطناب ممل ليكون ذلك كالعقيدة لسامعها وقاريها وحافظها وواعيها وكاتبها فيبلغ بذلك حقيقة التوحيد، ولعل الى هذا أشار الصدوق (ره) بقوله: معنى احصاها: هو الاحاطة لها والوقوف على معانيها وليس معنى الاحصاء عدها (2).


(1) الاعراف: 179. قال في (المجمع): الاسماء الحسنى هي أحسن الاسماء لانها تتضمن معاني حسنة بعضها يرجع الى صفات ذاته: كالعالم والقادر والحى والا له، وبعضها يرجع الى صفات فعله: كالخالق والرزاق والبارى والمصور، وبعضها يفيد التمجيد وا لتقديس كالقدوس والغنى والواحد. (2) قال في (الميزان): والمراد بقوله: من أحصاها دخل الجنة: الايمان باتصافه تعالى بجميع ما تدل عليه تلك الاسماء بحيث لا يشذ عنها شاذ (*).

[ 299 ]

وروى الصدوق ايضا باسناده الى سليمان بن مهران عن الصادق جعفر بن محمد عن ابيه محمد بن على عن ابيه على بن الحسين عن ابيه الحسين بن على عن ابيه على بن ابي طالب عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: ان لله تبارك وتعالى تسعة وتسعين اسما مأة الا واحدا من أحصاها دخل الجنة (صدق رسول الله صلى الله عليه واله) وهى: ألله، الواحد، الاحد، الصمد، الاول، الآخر، السميع، البصير، القدير، القاهر، العلى، ألاعلى، الباقي، البديع، الباري، الأكرم، الظاهر، الباطن، ألحى، الحكيم، ألعيم، الحليم، أ لحفيظ، ألحق، الحسيب، الحميد، ألحفى، الرب، الرحمن، الرحيم، ألذارى، الرازق، الرقيب الرؤف، الرائي، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، السيد السبوح الشهيد، الصادق، الصانع، الطاهر، العدل، العفو، الغفور، الغنى، الغياث، الفاطر، الفرد الفتاح، الفالق، القديم، الملك، القدوس، القوى، القريب، ألقيوم، القابض، الباسط، قاضى الحاجات، المجيد، ألولى، المنان، المحيط، المبين، المقيت، المصور الكريم، الكبير، الكافي، كاشف الضر، الوتر، النور، الودود، الوهاب، الناصر، الواسع الهادي، الوفى، الوكيل، الوارث، ألبر، الباعث، ألتواب، الجليل، الجواد، الخبير، الخالق، خير الناصرين، الديان، الشكور، العظيم، أللطيف، الشافي. (1).


(1) في توقيفية اسمائه تعالى في (المجمع) الاسماء بالسنبة الى ذ اته المقدسة على أقسام ثلاثة: الاول ما يمنع اطلاقه عليه تعالى وهو كل ما يدل على معنى يحيل العقل نسبته الى ذاته الشريفة كالاسماء الدالة على الامور الجسمانية أو ما اشتمل على النقص والحاجة الثاني ما يجوز عقلا اطلاقه عليه وورد تسميته به فذلك لاحرج في تسميته به ويجب امتثال الامر الشرعي في كيفية اطلاقه بحسب الاحوال والاوقات والتعبدات اما وجوبا أو ندبا الثالث ما يجوز اطلاقه عليه ولكن لم يرد ذلك في الكتاب والسنة كالجوهر فان أحد معانيه كون الشئ قائما بذاته غير مفتقر الى غيره. وهذا المعنى ثابت له تعالى لكنه ليس من الادب لانه وان كان جايزا عقلا لكنه جازان لا يناسبه من جهة اخرى لا نعلمها إذا العقل لم يطلع على كافة ما يمكن أن يكون معلوما، وهذا معنى قول العلماء ان اسمائه تعالى توقيفية يعنى موقوفة على النص انتهى ملخصا (*).

[ 300 ]

1 - فألله: أشهر اسماء الله تعالى واعلاها محلا في الذكر والدعاء وتسمت به سائر الاسماء 3 - 2 - الواحد - الاحد: هما اسمان يشملهما نفى الابعاض عنهما، والاجزاء والفرق بينهما من وجوه: الاول ان الواحد هو المنفرد بالذات، والاحد هو المنفرد بالمعنى الثاني ان الواحد أعم موردا لكونه يطلق على من يعقل وغيره، ولا يطلق الاحد الاعلى من يعقل. الثالث ان الواحد يدخل في الضرب والعدد، ويمتنع دخول الاحد في ذلك. 4 - الصمد: هو السيد الذى يصمد إليه في الامور، ويقصد في الحوائج والنوازل. واصل الصمد القصد تقول: صمدت صمد هذا الامر أي قصدت قصده، وقيل: الصمد الذى ليس بجسم ولا جوف. 5 - الأول: هو السابق للاشياء الكائن الذى لم يزل قبل وجود الخلق لا شئ قبله 6 - الآخر: هو الباقي بعد فناء الخلق، وليس معنى الآخر ماله الانتهاء كما ليس معنى الاول ماله الابتداء فهو الاول والاخر. 7 - السميع: بمعنى السامع يسمع السرو النجوى سواء عنده الجهر والخفوت. والنطق والسكوت، وقد يكون السماع بمعنى القبول والاجابة (وهو الذى يقبل التوبة عن عباده) ويسمع الدعاء وقيل: السميع العالم بالمسموعات وهى الاصوات والحروف وثبوت ذلك له ظاهر لانه لا يغيب عنه شى من اصوات خلقه، اولانه عالم بكل شئ معلوم فيدخل في ذلك البصير. 8 - البصير: وهو المبصر أي عالم بالخفيات، وقيل: البصير العالم بالمبصرات. 9 - القدير: بمعنى القادر وهو من القدرة على الشئ والتمكن منه فلا يطيق الامتناع عن مراده ولا يستطيع الخروج عن اصداره وايراده. 10 - القاهر: هو الذى قهر الجبابرة، وقهر عباده بالموت، ولا يطيق الاشياء الامتناع منه مما يريد الانفاذ فيها (*).

[ 301 ]

11 - العلى: المتنزه عن صفات المخلوقين تعالى ان يوصف بها، وقد يكون بمعنى العالي فوق خلقه بالقدرة عليهم، أو الترفع بالتعالي عن الاشباه والانداد وعما خاضت يه وساوس الجهال، وترامت إليه فكر الضلال فهو متعال عما يقول الظالمون علوا كبيرا. 12 - ألاعلى: بمعنى الغالب كقوله تعالى (لا تخف انك انت الاعلى) وقد يكون بمعنى المتنزه عن الامثال والاضداد والاشباه والانداد. 13 - الباقي: هو الذى لا تعرض عليه عوارض الزوال، وبقائه غير متناه ولا محدود وليست صفة بقائه ودوامه كبقاء الجنة والنار ودوامهما لان بقائه أزلى أبدى وبقائهما ابدى غير أزلى، ومعنى الازل ما لم يزل ومعنى الابد ما لا يزال والجنة والنار مخلوقتان بعد ان لم تكونا فهذا فرق ما بين الامرين. 14 - البديع: هو الذى فطر الخلق مبتدعا لها لاعلى مثال سابق، وهو فعيل على مفعل كاليم بمعنى مؤلم، والبدع هو الذى يكون اولا في كل شى كقوله تعالى (قل ما كنت بدعا من الرسل) أي لست باول مرسل. 15 - الباري: الخالق، ويقال: برء الله الخلق أي خلقهم كمايق: بارئ النسم، وهو الذى فلق الحبة وبرء النسمة، وبارء البرايا أي خالق الخلايق، والبرية الخليقة. 16 - الأكرم: معناه الكريم، وقد يجئ أفعل في معنى فعيل كقوله تعالى (وهو أهون عليه) ان هين عليه (ولا يصلاها الا الاشقى) (وسيجنبها الاتقى) يعنى الشقى والتقى، وانشد في هذا المعنى شعر: ان الذى سمك السماء بنالنا - بيتا قوائمه أعزو أطول. 17 - الظاهر: بحججه الباهرة وبراهينه النيرة، وشواهد أعلامه الدالة على ثبوت ربوبيته وصحة وحدانيته فلا موجود الا وهو يشهد بوجوده، ولا مخترع الا وهو يعرب عن توحيده شعر: وفى كل شى له آية - تدل على انه واحد. وقد يكون بمعنى

[ 302 ]

الغالب القادر كقوله تعالى (فاصبحوا ظاهرين) (1) 18 - الباطن: المحتجب عن ادراك الابصار وتلوث الخواطر والافكار، فهو الظاهر الخفى الظاهر بالدلايل والاعلام والخفى بالكنه عن الاوهام احتجب بالذات وظهر بالايات، فهو الباطن بلا حجاب والظاهر بلا اقتراب، وقد يكون بمعنى البطون وهو الخبر، وبطانة الرجل وليجته الذين يداخلهم ويداخلونه في امره والمعنى انه عالم بسرائرهم فهو عالم بسراير القلوب والمطلع على ما بطن من الغيوب 19 - ألحى: هو الفعال المدرك وهو حى بنفسه لا يجوز عليه الموت والفناء وليس بمحتاج الحيوة بها يحيى. 20 - الحكيم: هو المحكم لخلق الاشياء ومعنى الاحكام لخلق الاشياء اتقان التدبير وحسن التصوير والتقدير، وقيل: الحكيم العالم والحكم في اللغة العلم لقو له تعالى (يعطى الحكمة من يشاء) والحكيم ايضا الذى لا يفعل القبيح ولا يخل بالواجب والحكيم هو الذى يضع الاشياء في مواضعها فلا يعترض عليه في تقديره ولا يتسخط عليه في تدبيره. 21 - العليم: هو العالم بالسراير والخفيات التى لا يدركها عالم الخلق لقوله تعالى (وهو عليم بذات الصدور) (ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الارض) عالم بتفاصيل المعلومات قبل حدوثها وبعد وجودها. 22 - الحليم: ذو الصفح والاناة الذى لا يغيره جهل جاهل ولاغضب غاصب ولا عصيان عاص. 23 - الحفيظ: هو الحافظ يحفظ السماوات والارض وما بينهما ويحفظ عبده من المهالك والمعاطب ويقيه مصارع السوء. 24 - ألحق: هو المتحقق كونه ووجوده، وكل شئ يصح وجوده وكونه فهو حق


(1) الآية المذكورة في الرقم 7 الشورى: 25. و 12 طه: 71 و 14 والاحقاف: 8. و 16 الروم: 26. الليل 15: 17. و 17 الصف: 15 (*)

[ 303 ]

كما يقال الجنة حق كائنة والنار حق كائنة. 25 - الحسيب: هو الكافي تقول: حسبك درهم أي كفاك كقوله تعالى (حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين) أي هو كافيك، والحسيب ايضا بمعنى المحاسب كقوله تعا لى (كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا) أي محاسبا والحسيب ايضا المحصى والعالم. 26 - الحميد: هو المحمود الذى استحق الحمد بفعاله أي يستحق الحمد في السراء والضراء وفى الشدة والرخاء. 27 - ألحفى: معناه العالم قال الله تعالى (يسئلونك عن الساعة كأنك حفى عنها) أي عالم بوقت مجيئها. وقد يكون الحفى بمعنى اللطيف ومعناه المحتفى بك يبرك ويلطفك 28 - الرب: المالك وكل من ملك شيئا فهو ربه ومنه قوله (ارجع الى ربك) أي سيدك ومليكك، وقال قائل يوم حنين، لان يربنى رجل من قريش أحب الى من ان يربنى رجل من هو ازن يريد يملكني ويصير لى ربا ومالكا، ولا يدخل الالف واللام على غير المعبود سبحانه تعالى لانهما للعموم وهو المالك لكل شئ، وانما يطلق على غيره بالنسبة الى ما يملكه ويضاف إليه، والربانيون نسبوا الى التأله و العبادة للرب لانقطاعهم إليه والمامهم بحضرت خدمته، والربانيون الصابرون مع الانبياء الملازمون لهم. 29 - الرحمن: بجميع خلقه إذ هوذو الرحمة الشاملة التى وسعت الخلق في أرزاقهم وأسباب معاشهم، وعمت المؤمن والكافر والصالح والطالح. 30 - الرحيم: بالمؤمنين يخصهم برحمته قال الله تعالى (وكان بالمؤمنين رحيما) والرحمن والرحيم اسمان موضوعان للمبالغة ومشتقان من الرحمة وهى النعمة قال الله تعالى (وما ارسلناك الا رحمة للعالمين) أي نعمة عليهم وقد يتسمى بالرحيم غيره تعالى ولا يتسمى بالرحمن سواه لان الرحمن هو الذى يقدر على كشف البلوى، والرحيم من خلقه قد لا يقدر على كشفها، ويقال للقرآن: رحمة والغيث رحمة ويقال لرقيق القلب من الخلق: رحيم لكثرة وجود الرحمة منه بسبب رقة القلب واقلها الدعاء

[ 304 ]

للمرحوم والتوجع له، وليست في حقه تعالى بمعنى الرقة بل معناها ايجاد النعمة للمرحوم وكشف البلوى عنه فالحد الشامل ان تقول هي التخلص من أقسام الافات وايصا ل الخيرات الى ارباب الحاجات (1). 31 - ألذارى: الخالق والله ذرء الخلق وبرئهم أي خلقهم، وأكثرهم على ترك الهمزة 32 - الرازق: المتكفل بالرزق والقائم على كل نفس بما يقيمها من قوتها وسع الخلق كلهم رزقه ولم يخص بذلك مؤمنا دون كافر ولابرا دون فاجر. 33 - الرقيب: الحافظ الذى لا يغيب عنه شئ ومنه قوله تعالى (ما يلفظ من قول الالديه رقيب عتيد). 34 - الرؤف: هو العاطف برأفته على عباده، وقيل: الرأفة أبلغ من الرحمة، ويقال: الرأفة أخص من الرحمة والرحمة أعم. 35 - الرائي: معناه العالم والرؤية العلم ومنه قوله تعالى (الم تركيف فعل ربك بعاد) أراد ألم تعلم، وقد يكون الرائى بمعنى المبصر والرؤية الابصار. 36 - السلام: معناه ذو السلام والسلام في صفته تعالى هو الذى سلم من كل عيب وبرء من كل آفة ونقص وقيل: معناه المسلم لان السلامة تنال من قبله والسلام والسلامة مثل الرضاع والرضاعة وقوله تعالى (لهم دار السلام) يجوز ان يكون مضافة إليه ويجوز ان يكون قد سمى الجنة سلاما لان الساير إليها تسلم فيها من كل آفات الدنيا فهى دار السلام. 37 - المؤمن: اصل الايمان في اللغة التصديق فالمؤمن المصدق أي يصدق وعده ويصدق ظنون عباده المؤمنين عليه السلام: سمى الباري عزوجل مؤمنا لانه يؤمن عذ ابه من أطاعه، وسمى العبد مؤمنا لانه يؤمن على الله عزوجل فيجير الله أمانه. 38 - المهيمن: هو الشهيد ومنه قوله تعالى (مصدقا لما بين يديه من الكتاب


(1) وترتيب هكذا: في الرقم 20 البقرة: 21 269 الحديد: 6 - سباء: 25 3 الانفال: 64 - الاسراء: 27 14 الاعراف: 28 187 يوسف: 30 50 الاحزاب: 43 - الانبياء: 107 (*).

[ 305 ]

مهيمنا عليه) فالله المهيمن أي الشاهد على خلقه بما يكون منهم من قول وفعل، واذ لا يغيب عنه مثقال ذرة في الارض ولا في السماء، وقيل: المهيمن الامين، وقيل: الرقيب على الشى الحافظ له، وقيل: انه اسم من اسماء الله عزوجل في الكتب. 39 - العزيز: هو المنيع الذى لا يغلب، وهو ايضا الذى لا يعادله شى، وانه لامثال له ولا نظير له، ويقال: من عزيز أي من غلب سلب وقوله تعالى حكاية عن الخصم (وعزنى في الخطاب) أي غلبنى في مجاوبة الكلام، وقد يقال: للملك كما قال اخوة يوسف (يا ايها العزيز) أي يا ايها الملك (1). 40 - الجبار: هو الذى جبر مفاقر الخلق وكسرهم وكفاهم اسباب المعاش والرزق وقيل الجبار العالي فوق خلقه، والقامع لكل جبار وقيل القاهر الذى لا ينال يقال للنخلة التى لا تنال: جبارة، والجبر أن تجبر انسانا على ما تلزمه قهرا على امر من الامور، وقال الصادق عليه السلام لاجبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين، عنى بذلك ان الله لم يجبر عباده على المعاصي ولم يفوض إليهم امر الدين حتى يقولوا فيه بآرائهم ومقائيسهم فالله عزوجل قد حدو وصف وشرع وفرض وسن وأكمل لهم الدين فلا تفويض مع التحديد والتوصيف. 41 - المتكبر: هو المتعالى عن صفات الخلق ويق: المتكبر على عتات خلقه إذ نازعوه العظمة وهو مأخوذ من الكبرياء وهى اسم للتكبر والتعظم. 42 - السيد: معناه الملك ويقال لملك القوم وعظيمهم: سيد وقد سادهم، وقيل للقييس بن عاصم: بم سدت قومك قال: ببذل الندى وكف الاذى ونصر المولى، وقال النبي صلى الله عليه واله: على سيد العرب فقالت عايشة: يا رسول الله ألست سيد العرب ؟ فقال: أنا سيد ولد آدم وعلى عليه السلام سيد العرب فقالت: يا رسول الله: وما السيد ؟ فقال: هو من افترضت طاعته كما افترضت طاعتي، فعلى هذا الحديث السيد هو الملك الواجب الطاعة، 43 - السبوخ: هو المنزه عن كل ما لا ينبغى ان يوصف به، وهو حرف مبنى على فعول وليس في كلام العرب فعول بضم الفاء الاسبوح وقدوس معناهما واحد.


(1) الآيات بترتيب ارقام المتن: 33 ق: 35 17 الفجر: 36 6 الا نعام: 127 38 ص: 39 22 يوسف: 29 - 78 (*).

[ 306 ]

44 - الشهيد: هو الذى لا يغيب عنه شى يقال: شاهد وشهيد وعالم وعليم أي كانه الحاضر الشاهد الذى لا يعزب عنه شئ، ويكون الشهيد بمعنى العليم لقوله تعالى (شهد الله انه لا اله الا هو والملائكة) (1) قيل: معناه أي علم. 45 - الصادق: معناه الذى يصدق في وعده ولا يبخس ثواب من يفى بعهده 46 - الصانع: الصانع المطلق هو الصانع لكل مصنوع أي خالق لكل مخلوق ومبدع جميع البدايع، وفى هذا دلالة على انه لا يشبهه شى لانالم نجد فيما شاهدنا فعلا يشبه فاعلا البتة، وكل موجود سواه فهو فعله وصنعته، وجميع ذلك دليل على وحدانيته شاهد على انفراده، وعلى انه بخلاف خلقه، وانه لا شريك له، وقال بعض الحكماء في هذا المعنى يصف النرجس. شعر عيون في جفون في فنون = بدت وأجاد صنعتها المليك بأبصار التغنج طامحات = كان حد اقها ذهب سبيك على قصب الزمرد مخبرات = بان الله ليس له شريك 47 - الطاهر: معناه المتنزه عن الاشباه والانداد والامثال والاضداد والصاحبة والاولاد والحدوث والزوال والسكون والانتقال والطول والعرض والدقة والغلظة والحرارة والبرودة، وبالجملة هو طاهر عن معاني المخلوقات متعال عن صفات الممكنات مقدسعن نعوت المحدثات، فتعالى وتكرم وتقدس وتعظم ان يحيط به علم أو يتخيله وهم. 48 - العدل: هو الذى لا يميل به الهوى فيجور في الحكم، والعدل من الناس المرضى قوله وفعله وحكمه. 49 - العفو: هو المحاء للذنوب الموبقات ومبدلها بأضعافها من الحسنات والعفو فعول من العفو وهو الصفح عن الذنب وترك مجازاة المسيئى، وقيل: هو مأخوذ من عفت الرح الاثر إذا درسته ومحته.


(1) آل عمران: 18 (*).

[ 307 ]

50 - الغفور: هو الذى يكثر المغفرة ويكون معناه منصرفا الى مغفرة الذنوب في الاخرة والتجاوز عن العقوبة، واشتقاقه من الغفر وهو الستر والتغطية، ومنه سمى المغفر لستره الرأس، والمبالغة في العفو أعظم من المبالغة في الغفور لان ستر الشئ قد يحصل مع بقاء اصله بخلاف المحوفانه ازالة له رأسا وقلع لاثره جملة. 51 - الغنى: هو المستغنى عن الخلق بذاته فلا تعرض له الحاجات وبكماله وقدرته عن الآلات والادوات وكل ما سواه محتاج ولو في وجوده فهو الغنى المطلق. 52 - الغياث: معناه المغيث سمى بالمصدر توسعا لكثرة اغاثته الملهوفين واجابته دعاء المضطرين. 53 - الفاطر: الذى فطر الخلق أي خلقهم وابتدء صنعة الاشياء وابتدعها فهو فاطرها أي خالقها ومبدعها. 54 - الفرد: معناه المتفرد بربوبيته وبالامر دون خلقه، وايضا فانه موجود وحده ولا شريك موجود معه. 55 - الفتاح: الحاكم بين عباده يقال: فتح الحاكم بين الخصمين إذا قضا بينهما ومنه قوله تعالى (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وانت خير الفاتحين) أي احكم بيننا، ومعنى الفتاح ايضا الذى يفتح الرزق والرحمة لعباده. 56 - الفالق: الذى فلق الارحام فانشقت عن الحيوان، وفلق الحب والنوى فانفلقت عن النبات، وفلق الارض فانفلقت عن كل ما يحرج منها وهو كقوله تعالى (والارض ذات الصدع) وفلق الظلام عن الصباح والسماء عن القطر، وفلق البحر لموسى (فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم). 57 - القديم: هو المتقدم للاشياء بكل تقدم وليس لوجوده اول ولا يسبقه عدم 58 - الملك: التام الملك الجامع لاصناف المملوكات، والملكوت ملك الله عزوجل زيدت فيه التاء كما زيدت في رهبوت ورحموت يقول العرب: ورهبوت خير من رحموت أي لان ترهب خير من ان ترحم. 59 - القدوس: فعول من القدس وهو الطهارة، والقدوس الطاهر من العيوب المنزه عن الانداد والاولاد، والتقديس التطهير والتنزيه، وقوله تعالى حكاية عن الملائكة

[ 308 ]

(ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك) أي ننسبك الى الطهارة، ونسبحك ونسبح لك بمعنى واحد، وحظيرة القدس موضع الطهارة من الادناس التى تكون في الدنيا والاوصاب والاوجاع، وقد قيل: ان القدوس اسم من أسماء الله عزوجل في الكتب (1). 60 - القوى: قد يكون بمعنى القادر ومن قوى على الشئ فقد قدر عليه. ويكون معناه التام للقوى الذى لا يستولى عليه العجز وهو القوى بلا معاياة ولا استعانة. 61 - القريب: المجيب كقوله تعالى (اجيب دعوة الداع) وقد يكون بمعنى العالم بوساوس القلوب لاحجاب بينه وبينها ولا مسافة كقوله تعالى (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) فهو قريب بغير مماسة بائن من خلقه بغير طريق ولا مسافة بل هو على المفارقة في المخالطة، والمخالفة لهم في المشابهة، وكك التقرب إليه ليس من جهة الطريق والمسائف بل انما هو من جهة الطاعة وحسن الاعتقاد، فالله تبارك وتعالى قريب ان دنوه من غير تنقل لانه ليس باقتطاع المسائف يدنو ولا باجتياز الهواء يعلو كيف ؟ وقد كان قبل السفل والعلو وقبل ان يوصف بالعلو والدنو. 62 - القيوم: هو القائم الدائم بلا زوال ويقال: هو القيم على كل شئ بالرعاية ومثله القيام وهما من فعول وفيعال من قمت بالشئ إذا توليته بنفسك وتوليت حفظة واصلاحه وتدبيره، وقالوا: ما فيها من ديور ولاديار. 63 - القابض: معناه الذى يقبض الارزاق عن الفقراء بحكمته ولطفه ابتلاهم بالصبر وذخر النفيس الاجر، وقيل: القابض الذى يقبض الارواح بالموت، وقيل: ا شتقاقه من القبض وهو الملك كما يقال: فلان في قبض فلان أي في ملكه وهذا الشئ في قبضي ومنه قوله تعالى (والارض جميعا قبضته يوم القيامة) وهذا كقوله تعالى (وله الملك يو م ينفخ في الصور) (والامر يومئذ لله).


(1) ترتيب آيات المندرجة هكذا: 55 الاعراف: 87. 56 الطارق: 13 - الشعراء: 63. 59 البقرة: 28 (*).

[ 309 ]

64 - الباسط: هو الذى يبسط الارزاق حتى لا يبقى فاقة برحمته وجوده وكرمه وفضله 65 - القاضي: هو الحاكم على عباده بالانقياد في أوامره ونواهيه وزواجره ومراضيه، واشتقاقه من القضاء وهو من الله على ثلاثة اوجه: الاول الحكم والالزام كقوله تعالى (وقضى ربك ان لا تعبد والا اياه) ويقال: قضى القاضى عليه بكذا أي حكم عليه بكذا والزمه اياه. الثاني الخبر والاعلام كقوله عزوجل (وقضينا على بنى اسرائيل في الكتاب) أي أخبرناهم بذلك على لسان نبيهم. الثالث الاتمام كقو له تعالى (فقضيهن سبع سماوات في يومين) ويقال قضى فلان حاجته يريد أتم حاجته على ما سئله. 66 - المجيد: هو الواسع الكريم يقال: رجل ماجد إذا كان سخيا واسع العطاء وقيل: معناه الكريم العزيز ومنه قوله تعالى (قرآن مجيد) أي كريم عزيز والمجد في اللغة نيل الشرف، وقد يكون بمعنى ممجد أي مجده خلقه وعظموه. 67 - ألولى: معناه الناصر للمؤمنين ثوابهم واكرامهم قال الله (الله ولى الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الى النور) وقد يكون بمعنى الاولى ومنه قوله عليه السلام ألست اولى منكم بانفسكم قالوا: بلى يا رسول الله قال: من كنت مولاه فعلى مولاه أي من كنت اولى منه بنفسه فعلى عليه السلام اولى منه بنفسه، وقد يكون بمعنى الولى وهو المتولي للامر والقائم به، وولى الطفل الذى يتولى اصلاح شأنه ويقوم بأمره والله والى المؤمنين لانه المتولي لاصلاح شئونهم باليقين والقائم بمهماتهم في امور الدنيا والدين. 68 - المنان: معناه هو المعطى المنعم ومنه قوله تعالى (فامنن أو أمسك بغير حساب) 69 - المحيط: هو المستولي المتمكن من الاشياء الواسع لها علما وقدرة فهو محيط أي مستولى على جميع الاشياء علما (فلا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الارض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر الا في كتاب مبين) (قل لو كان البحر مداد ا لكلمات ربى لنفد البحر قبل ان تنفذ كلمات ربى ولو جئنا بمثله مددا) (ولو ان ما في الارض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله) وقد رة

[ 310 ]

فلا يخرج عن قدرته مقدور وان جل فاستوى عنده النملة والنحلة والطفل الفطيم والعرش العظيم واللطيف والجسيم والجليل والحقير (وهو على كل شئ قدير) (ما خلقكم ولا بعثكم الا كنفس واحدة) (انما امره إذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون) (1). 70 - المبين: الظاهر البين بآثار قدرته وآياته المظهر حكمته بما أبان من تدبيره واوضح من بيانه. 71 - المقيت: هو المقتدر، وانشد للزبير بن عبد المطلب. شعر وذى ضغن كففت النفس عنه = وكنت على مسائته مقيتا فهذه لغة قريش، وقيل الحفيظ الذى يعطى الشئ على قدر الحاجة من الحفظ وقيل المقيت الذى يعطى القوت، وقيل معناه الحافظ الرقيب. 72 - المصور: هو الذى أنشاء خلقه على صور مختلفة ليتعار فوابها قال سبحانه (وصوركم فأحسن صوركم) 73 - الكريم: الجواد المفضل يق: رجل كريم أي جواد وقيل: العزيز كما يق: فلان اكرم على من فلان أي أعزمنه ومنه قوله تعالى (انه لقرآن كريم) أي عزيز. 74 - الكبير: السيد يقال لكبير القوم: سيدهم، والكبر اسم للتكبر والتعظم 75 - الكافي: لمن توكل عليه فيكفيه ما يحتاج إليه ولا يلجئه الى غيره قال الله تبارك وتنعالى (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) أي كافيه. 76 - كاشف الضر: معناه المفرج (يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء). 77 - الوتر: الفرد، وكل شى كان فردا قيل له: وتر. 78 - النور: هو الذى بنوره يبصر ذوالعماية، وبهدايته يرشد ذو الغوية، والنور الضياء سمى بالمصدر ومعناه المنير توسعا، اولان به اهتدى اهل السماوات والارضين


(1) الآيات التى في ارقام المتن هكذا: 61 البقرة: 182 - ق: 63 1 5 الزمر: 67 - الانعام: 73 - الانفطار 65 20 الاسراء: 24 - بنى اسرائيل: 4 - فصلت: 66 11 البروج: 67 21 البقرة: 68 285 ص: 69 38 سباء: 3 - الكهف: 109 - لقمن: 26 -

[ 311 ]

الى مصالحهم ومراشدهم كما يهتدى بالنور، اولانه منور النور، وخالقه فاطلق عليه اسمه. 79 - الوهاب: الكثير الهبة والمفضال في العطية. 80 - الناصر والنصير: بمعنى واحد، والنصرة: المعونة. 81 - الواسع: هو الذى وسع غناه مفاقر عباده، ووسع رزقه جميع خلقه، وقيل: الواسع الغنى، والسعة: الغناء وفلان يعطى من سعته أي من غنائه، والوسع: جد الرجل ومقتدرته يقول: انفق على قدر وسعك. 82 - الودود: مأخوذ من الود أي يود عباده الصالحين أي يرضى عنهم ويقبل أعمالهم، وقد يكون بمعنى ان يوددهم الى خلقه كقوله تعالى (سيجعل لهم الرحمن ودا) فقد يكون فعول هنا بمعنى مفعول كما يقال: مهيب بمعنى مهيوب يريد انه مود ود أي محبوب. 83 - الهادي: معناه الذى من بهدايته على جميع خلقه وأكرمهم بنور توحيده إذ فطرهم عليه ودلهم على قصد مراده، وأقدرهم عليه بالعقول والالهام والدلايل والاعلام، والرسل المؤيدة بالحجج المؤكدة (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حى عن بينة) واما بيان هدايته لساير العباد فما حكاه سبحانه (فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى) واما اكرامه لهم بنور توحيده فطرهم عليه اولا (فطرة الله التى فطر الناس عليها) وقال صلى الله عليه واله: كل مولود يولد على الفطرة وانما ابواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، وانفاذ الرسل واقامة النار الدين والهدى ثانيا، والحث والترغيب والترهب ثالثا، والامداد والالطاف والاسعاد والاسعاف بالتوفيق رابعا، وهو الذى هدى ساير الحيوانات الى مصالحها والهمها كيف تطلب الرزق وتجتلب المسار وكيف يحترز عن الافات والمضار. 84 - الوفى: معناه انه يفى بعهده ويوفى بوعده. 85 - الوكيل: المتولي لنا أي القائم بحفظنا وهذا معنى الوكيل على المال. وقد يكون بمعنى المعتمد والملجأ والتوكل والاعتماد والالتجاء وقيل: المتكفل

[ 312 ]

بأرزاق العباد والقائم عليهم بمصالحهم ويقول (حسبنا الله ونعم الوكيل) أي نعم ا لكفيل بامورنا القائم بها (1) 86 - الوارث: هو الذى ترجع إليه الاملاك بعد فناء الملاك، والله الباقي بعد فناء الخلق، والمسترد أملاكهم ومواريثهم بعد موتهم. 87 - البر: هو العطوف على عباده المحسن عليهم عم ببره جميع خلقه وقد يكون بمعنى الصادق كما يقال: برت يمين فلان إذا صدقت، وصدقت فلان وبر 88 - الباعث: هو الذى يبعث الخلق بعد الممات ويعيدهم بعد الوفاة ويحييهم للجزاء والبقاء. 89 - التواب: الذى يقبل التوبة ويعفو عن الحوبة إذا تاب العبد منها وكلما تكرر ت التوبة تكرر منه القبول. 90 - الجواد: هو المنعم المحسن الكثير الانعام والاحسان، والفرق بينه وبين الكريم ان الكريم الذى يعطى مع السؤال والجود الذى يعطى من غير السؤال: وقيل: بالعكس الجود: السخاء ورجل جواداى سخى ولايقال: الله تعالى السخى لان اصل السخاوة راجع الى اللين يقال: ارض سخاوية وقرطاس سخاوى إذا كان لينا وسمى السخى سخيا للينه عند الحوائج. 92 - الخبير: العالم بدقايق الاشياء وغوامضها يق: فلان عالم خبير أي عالم بكنه الشئ ومطلع على حقيقته والخبر: العلم تقول: لى به خبر أي علم. 93 - الخالق: المبدء للخلق والمخترع لهم على غير مثال سبق قال الله سبحانه (هل من خالق غير الله) وقد يراد بالخلق التقدير كقوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام (انى اخلق لكم من الطين كهيئة الطير) اراد أقدر لكم والله خالقه في الحقيقة ومكونه.


(1) اليك بآيات المندرجة بترتيبها: 72 المؤمن: 73 66 الواقعة: 75 76 الطلاق: 76 3 النمل: 82 63 مريم: 83 96 الانفال: 44 - فصلت: 16 - الروم: 85 29. آل عمران: 167 (*).

[ 313 ]

94 - خير الناصرين: معناه كثرة تكرار النصر منه كما قيل: خير الراحمين لكثرة رحمته. 95 - الديان: هو الذى يدين العباد ويجزيهم بأعمالهم، والدين: الجزاء يقال: كما تدين تدان أي كما تجزى تجزى. شعر كما يدين الفتى يوما يدان به = من يزرع الثوم لا يقلعه ريحانا 96 - الشكور: هو الذى يشكر اليسير من الطاعة فيثيب عليه الكثير من الثواب ويعطى الجليل الجزيل من النعمة ويرضى باليسير من الشكر قال الله تعالى (ان ربنا لفغور شكور) ولما كان الشكر في اللغة هو الاعتراف بالاحسان والله سبحانه هو المحسن الى عباده والمنعم عليهم لكنه سبحانه لما كان مجازيا للمطيع على طاعته بجزيل ثوابه جعل مجازاته شكرا لهم على سبيل المجاز كما سميت المكافات شكرا 97 - العظيم: ذو العظمة والجلال، وهو منصرف الى عظيم الشأن وجلالة القدر 98 - اللطيف: هو البر بعباده الذى يلطف بهم من حيث لا يعلمون أي يرفق بهم واللطف: البر والتكرمة وفلان لطيف بالناس باربهم يبرهم ويلطفهم، وقد يكول بمعنى اللطف في التدبير والفعل يقال: فلان صانع لطيف الكف إذا كان حاذقا، وفى الخبر معنى اللطيف هو انه خالق للخلق اللطيف كما انه سمى العظيم لانه خالق للخلق العظيم، ويقال: اللطيف فاعل اللطف وهو ما يقرب معه العبد من فعل الطاعة، ويبعد عن فعل المعصية. 99 - الشافي - هو رازق العافية والشفاء من غير توسط الدواء، ورافع البلاء باليسير من الدعاء، وواهب عظيم الجزاء على صغير الابتلاء قال تعالى حكاية عن ابرا هيم عليه السلام (وإذا مرضت فهو يشفين) فهذه جملة الاسماء الحسنى (1).


(1) اعلم ان اسمائه تعالى اما ان تدل على الذات فقط من غير اعتبار امر أو مع اعتباره. وذلك الامر اما اضافية ذهنية فقط أو سلب فقط، أو اضافة وسلب فالاقسام اربعة: ا لاول ما يدل على الذات فقط وهو لفظ الله فانه اسم للذات الموصوفة بجميع الكمالات الربانية. الثاني ما يدل

[ 314 ]

واعلم ان تخصيص هذه الاسماء المكرمة بالذكر لا يدل على نفى ما عداها لان في أدعيتهم أسماء كثيرة لم تذكر في هذه الاسماء المعدودة ولعل تخصيص هذا بالذكر لاختصاصها بمزية الشرف على باقى الاسماء. ثم اعلم ان هذه الاسماء المتعددة الدالة على المعاني المتكثرة ان التكثر والتعدد انما هو في الاضافات لافى الذات المقدسة بل هي واحدة من جميع الجهات والاعتبارات والتحقيق ان صفاته تعالى قسمان، حقيقية، واضافية، فالحقيقية هي التى تلحقه بالنظر الى ذاته مثل كونه حيا موجودا قديما ازليا باقيا ابديا سرمديا فهذه الصفات تلحقه بالنظر الى ذاته تعالى، والصفات الاضافية هي التى تلحقه بالنظر الى الغبر مثل كو نه قادرا خالقا رحيما فانها بالنظر الى الخلوق والمقدور والمرحوم، والتعدد الحاصل


(1) على الذات مع اضافة كالقادر فانه بالاضافة الى مقدور تعلقت به القدرة بالتأثير - وهكذا ما يشبهه - الثالث ما يدل على الذات باعتبار سلب الغير عنه كالواحد باعتبار سلب النظير والشريك - وهكذا أمثاله - الرابع باعتبار الاضافة والسلب معا كالحى فانه المدرك الفعال الذ ى لا تلحقه الافات وكك نظيره انتهى ملخصا (المجمع) هذا رقم الآيات المذكورة: في 93 فاطر: 3 - آل عمران 96 43 فاطر: 99 31 الشعراء: 80. واعلم ان هيهنا نكتة مهمة لا بأس بالاشارة إليه قال في (الميزان) ج 8 في كلام طويل له: والألسماء الالهية، واسمه الاعظم خاصة وان كانت مؤثرة في الكون، ووسائط وأسبابا لنزول الفيض من الذات المتعالية في هذا العالم المشهود لكنها انما تؤثر بحقائقها لا با لالفاظ الدالة في لغة كذا عليها ولا بمعانيها المفهومة من الفاظها المتصورة في الاذهان، ومعنى ذلك ان الله سبحانه هو الفاعل الموجد لكل شئ بماله من الصفة الكريمة المناسبة له التى يحويها الاسم المناسب لا تأثير اللفظ أو صورة مفهومة في الذهن أو حقيقة اخرى غير الذات المتعالية الا انا الله سبحانه وعد اجابة دعوة من دعاه كما في قوله اجيب دعوة الداع إذا دعان) البقرة: 186 وهذا يتوقف على دعاء وطلب حقيقي وان يكون الدعاء والطلب منه تعالى لامن غيره فمن انقطع من كل سبب واتصل بربه لحاجة من حوائجه فقد اتصل بحقيقة الاسم المناسب لحاجته فيؤ ثر الاسم بحقيقته ويستجاب له وذلك حقيقة الدعاء بالاسم فعلى حسب حال الاسم الذى انقطع إليه الداعي يكون حال التأثير خصوصا وعموما ولو كان هذا الاسم هو الاسم الاعظم انقاد لحقيقته كل شى واستجيب للداعى به دعائه على الاطلاق وعلى هذا يجب ان يحمل ما ورد من الروايات والادعية في هذا الباب دون الاسم اللفطى أو مفهومه ومعنى تعليمه تعالى نبيا من انبيائه أو عبدا من عباده اسما من اسمائه أو شيئا من الاسم الاعظم هو ان يفتح له طريق الانقطاع إليه تعالى باسمه ذلك في دعائه ومسئلته فان كان هناك اسم لفظي وله معنى مفهوم فانما ذلك لاجل ان الالفا ظ او معانيها وسائل واسباب تحفظ بها الحقائق نوعا من الحفظ فافهم ذلك انتهى موضع ا لحاجة منه (*).

[ 315 ]

عند الاضافة انما كان عند اعتبار امور خارجة عن ذاته ولا يوجب له تعددا وتكثيرا في ذاته تعالى عن ذلك علوا كبيرا. فصل عن على بن رئاب عن غير واحد عن ابى عبد الله عليه السلام قال: من عبد الله بالوهم فقد كفرو من عبد الاسم ولم يعبد المعنى فقد كفر، ومن عبد الاسم والمعنى فقد أشرك، ومن عبد المعنى بايقاع الاسماء عليه بصفات التى وصف بها نفسه فعقد عليه قلبه ونطق به لسانه في سرايره وعلانيته فاولئك اصحاب امير المؤمنين عليه السلام وفى حد يث آخر فاولئك المؤمنون حقا (1). وقال لهشام بن الحكم في حديث: لله عزوجل تسعة وتسعون اسما فلو كان الاسم هو المعنى لكان كل اسم هو اله، ولكن الله معنى واحد يدل عليه بهذه الاسماء. فصل عمر بن شعيب عن ابيه عن جده عن النبي صلى الله عليه واله: ان جبرئيل نزل عليه بهذا الدعاء من السماء ونزل عليه ضاحكا مستبشرا فقال: السلام عليك: يا محمد صلى الله عليه واله قال: وعليك السلام يا جبرئيل فقال: ان الله عزوجل بعث اليك بهدية فقال. وما تلك الهدية يا جبرئيل ؟ قال: كلمات مع كنوز العرش اكرمك الله بها قال، وما هن يا جبرئيل ؟ قال: قل (يا من أظهر الجميل وستر القبيح يا من لم يوآخذ بالجريرة ولم يهتك الستر يا عظيم العفو يا حسن التجاوز يا واسع المغفرة يا باسط اليدين بالرحمة يا صاحب كل نجوى ويا منتهى كل شكوى يا كريم الصفح يا عظيما لمن يا مبتدئا بالنعم قبل استحقاقها يا سيدنا يا ربنا يا مولانا يا غاية رغبتنا أسئلك يا الله ان لا تشوه خلقي بالنار) فقال رسول الله صلى الله عليه واله لجبرئيل: ما ثواب هذه الكلمات ؟ قال: هيهات هيهات انقطع العمل لو اجتمع ملائكة سبع سماوات وسبع ارضين على ان يصفوا ثواب ذلك الى يوم القيامة ما وصفوا من كل جزء جزئا واحدا فإذا قال العبد (يا من اظهر الجميل وستر


(1) يرجع للاطلاع على شرح الحديث ونظائره الى باب المعبود وباب معاني الاسماء من (مرآت) (*).

[ 316 ]

القبيح) ستره الله ورحمه في الدنيا وجمله في الآخرة وستر الله عليه ألف ستر في الدنيا والآخرة، وإذا قال (يا من لم يوآخذ بالجريرة ولم يهتك الستر) لم يحاسبه الله يوم القيامة ولم يهتك ستره يوم تهتك الستور، وإذا قال (يا عظيم العفو) غفر الله له ذنوبه ولو كانت خطيئته مثل زبد البحر، وإذا قال (يا حسن التجاوز) تجاوز الله عنه حتى السرقة وشرب الخمر وأهاويل الدنيا وغير ذلك من الكبائر وإذا قال (يا واسع المغفرة) فتح الله عزوجل له سبعين بابا من الرحمة فهو يخوض في رحمة الله عزوجل حتى يخرج من الدنيا، وإذا قال (يا باسط اليدين بالرحمة) بسط الله يده عليه بالرحمة، وإذا قال (يا صاحب كل نجوى ويا منتهى كل شكوى) اعطاه الله من الاجر ثواب كل مصاب وكل سالم وكل مريض وكل ضرير وكل مسكين وكل فقير وكل صاحب مصيبة الى يوم القيامة، وإذا قال (يا عظيم المن) اعطاه يوم القيامة نيته ومنية الخلائق (1). وإذا قال (يا كريم الصفح) اكرمه الله تعالى كرامة الانبياء، وإذا قال (يا مبتد ئا بالنعم قبل استحقاقها) اعطا الله من الاجر بعدد من شكر نعماه وإذا قال (يا ربنا ويا سيدنا) قال الله تبارك وتعالى: اشهد واملائكتى انى قد غفرت له وأعطيته من الاجر بعدد من خلقته في الجنة والنار والسماوات السبع والارضين السبع والشمس والقمر والنجوم وقطر الامطار وانواع الخلق والجبال والحصى والثرى وغير ذلك والعرش والكرسي، خلقته في الجنة والنار والسماوات السبع والارضين السبع والشمس والقمر والنجوم وقطر الامطار وانواع الخلق والجبال والحصى والثرى وغير ذلك والعرش والكرسي، وإذا قال (يا مولانا) ملاء الله قلبه من الايمان، وإذا قال (يا غاية رغبتاه) اعطاه الله يوم القيامة رغبته ومثل رغبة الخلايق، وإذا قال (اسئلك يا الله ان لا تشوه خلقي بالنار) قال الجبار جل جلاله: استعتقني عبدى من النار اشهدوا ملائكتي انى قد أعتقته من النار واعتقت أبويه وأخواته وأهله وولده وجيرانه، وشفعته في ألف رجل ممن وجبت لهم النار وأجرته من النار، فعلمهن يا محمد المتقين، ولا تعلمهن المنافقين فانها دعوة مستجابة لقائلهن انشاء الله تعالى. وهود عاء اهل البيت المعمور حوله إذا كانوا يطوفون به


(1) عن على بن زياد قال: كتب على بن نصير (بصير) يسئله ان يكتب له في اسفل كتابه دعائا يعلمه اياه يدعو به فيعصم به من الذنوب جامعا للدنيا والآخرة فكتب (ع) بخطه بسم الله الرحمن الرحيم يا من اظهر الجميل الخ (الاصول) باب دعوات الموجزات

[ 317 ]

وليكن هذا آخر ما نمليه في هذه الرسالة ونسئل الله سبحانه ان يجعلنا من اول المنتفعين بها، والمتأدبين بما اشتملت عليه من آدابها ومن أحرص خطابها وموصوفين بما اشتملت عليه فصولها وأبوابها، وان يشترك معنا في ذلك كل من وقف عليها من اخواننا المسترشدين والسالكين طريق السالمين، والمستكثرين من زاد الغانمين، وان يجعلها لنا ولهم سلاحا، وعدة ونجاحا لكل مطلب، ونجاة من كل شدة انه ولى الخيرات بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على محمد أشرف النفوس الطاهرات، وعترته البررة السادات ما اختلف الصباح والمساء واعتقت الظلام والضياء والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين. فرغ من تسويدها الفقير الى الله تعالى احمد بن فهد ليلة الاثنين المسفر صباحها عن سادس عشر من جمادى الاولى من سنة احدى وثمانمأة والحمد لله وحده وصلوته على محمد وآله وسلامه.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية