الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الطرائف- السيد ابن طاووس الحسني

الطرائف

السيد ابن طاووس الحسني


[ 1 ]

الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف تأليف العالم العابد الزاهد رضي الدين أبي القاسم علي بن موسى ابن طاوس الحلي المتوفى سنة 664 ه‍

[ 2 ]

مطبعة الخيام - قم 1399 ه‍

[ 3 ]

بسم الرحمن الرحيم الحمد لله كما يستحقه لذاته، ويستوجبه باحسانه الى مخلوقاته، ونشهد أن لا اله إلا هو كما دل عليه بواضح دلالاته، وانه بعث رسلا مشيده بحججه وبيناته، واوضح الطريق إليه لئلا يكون لاحد حجة عليه. وبعد: فانى رجل من أهل الذمة ولي بذلك على أهل الاسلام ثبوت حرمة فيجب أن لا يعجلوا بذمي على ما أسطره، بل يتفكروا في حقيقة ما أذكره، فرب ملوم منا لا ذنب له. وذلك انى مذ نشأت سمعت اختلاف أهل الملل في كل زمان، فسافرت بنفسى وخاطري وناظرى في العقائد والاديان، لاحصل لنفسي السلامة وأفوز برضا الله ودار المقامه، وأسلم من الندامة وخطر يوم القيامة. واننى عرفت ما بلغ إليه محمد صلى الله عليه وآله ومن أتبعه على ملته، فأحبت أن اقدم النظر فيما جاء به وفي حال اتباعه وشريعته، فوجدت اكثر أهل الاسلام المالكيه والحنفيه والشافعية والحنبليه، وهم الاربعة المذاهب مذهب مالك ومذهب الشافعي ومذهب أبي حنيفه ومذهب احمد بن حنبل ولم ارتب

[ 4 ]

ذكرهم ههنا على حسب ترتبهم في أزمانهم لأن المقصود غير ذلك. فسالت: هل كان هؤلاء الاربعة من اصحاب نبيهم محمد صلى الله عليه وآله وأهل زمانه ؟ فقيل: لا. فقلت: هل كانوا جميعا من التابعين الذين لقوا أصحابه فسمعوا منهم ورووا عنهم ؟ فقيل لا بل هؤلاء الاربعة تكلموا فيما بعد وتعلموا العلم وقلدهم اكثر المسلمين. فقلت: هذا عجيب من هذه الامه، كيف تركوا ان يسموا أنفسهم محمديه وينسبوا الى اسم نبيهم محمد صلى الله عليه وآله، وكان ذلك أشرف لهم وأقرب الى تعظيم نبوته واظهار حرمته، وليتهم جعلوا مذاهبهم باسم أحد من أهل بيته وعترته أو باسم أحد من صحابته أو باسم أحد شاهد آثارهم وأعلامهم فكيف عدلوا عن ذلك كله وسموا أنفسهم باتباع هؤلاء الاربعة الانفس ؟ ! ثم سألت: هل كان هؤلاء الاربعة المذاهب في زمان واحد وعلى دين واحد ؟ فقيل: لا بل كانوا في أزمان متفرقه وعلى عقائد مختلفه وبعضهم يكفر بعضا. فقلت: هذا ايضا عجيب من هذه الامه التي تذكر أن نبيهم أشرف الانبياء وان أمته أشرف الامم، فكيف اتفق اكثرهم على الاقتداء باربعة أنفس على هذا الاختلاف الذي خرجوا به عن طريق نبيهم محمد صلى الله عليه وآله في الاتفاق والايتلاف وتباعدوا بذلك عما يذكرونه من قواعد (1) الاسلاف. ثم سألت: عن معنى ما تضمنه كتابهم " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا " (2) فقالوا: هذه الايه نزلت على نبيهم في أواخر عمره حيث كمل الله دينه. فقلت: كان دينه قد تكمل في حياته فما هذا الاختلاف العظيم بعد وفاته


(1) وفي نسخة أخرى (عوائد الاسلام). (2) المائدة: 30.

[ 5 ]

مع قرب بعض هؤلاء الاربعة المذاهب من الصدر الاول ؟. فان كان هذا الاختلاف من الرواة الذين رووا عنهم فقد شهدوا على رواة أحاديثهم بالكذب أو الغفلة أو الضلال وتبديل الاسلام، فكيف يوثق بهم فيما نقلوه عنهم. وان كان هذا الاختلاف من هؤلاء الاربعة المذاهب لحاجه دعتهم الى ذلك أو لطلب ما ضاع والتبس من شرع نبيهم فهذا يدل على أن هؤلاء الاربعة المذاهب قد شهدوا على أن دين نبيهم ما كان محفوظا ولاترك لهم من يقوم مقامه، ويحفظ شرعه ويحتج به عليهم، فكيف يجوز الاقتداء بمن يشهد على ربه تعالى ونبيه وشريعته بمثل ذلك. وان كان قد كان تاما محفوظا فأي شئ ضاع منهم غير دينهم وشريعة نبيهم حتى فتشوا عليه واختلفوا لاجله هذا الاختلاف ؟. وان كانوا اختلفوا من غير حاجة لهم الى الاختلاف فقد قبحوا ذكر نبيهم وأساؤا سمعته وزهدوا الناس في اتباع شريعته وزادوا ونقصوا بذلك ما لم يكن في زمانه، فكيف يجوز الاقتداء بمن يكون بهذه الصفات ؟. وان كان هؤلاء الاربعة أنفس يزعمون أو يزعم بعضهم انهم أعرف بالشريعة من ربهم ونبيهم وانهم يزيدون وينقصون بحسب اختيارهم وانهم قد اتوا بما لم يات به نبيهم من الهداية فهذا خلاف عقول العقلاء وضد مذاهب أمم الانبياء. ثم قلت لبعض أتباعهم: إذا كانوا هؤلاء الاربعة أنفس في أزمان متفرقة وعلى مذاهب مختلفه فلاي حال كانوا جميعا على صواب مع أن بعضهم يلعن بعضا ويكفر بعضهم بعضا، وهلا كان بعضهم على الحق وبعضهم على الباطل أو جميعهم على الباطل. فيكون الحق مع من كان قبلهم من الصحابة والتابعين الذين لزموا بمحمد صلى الله عليه وآله وشريعته وتبعوا طريقته التي هي طريقة واحده ؟ ثم قلت لبعض اتباعهم كيف اقتصرتم على أربعة أنفس تقتدون بهم ؟ فهلا كان الذين يقتدون اكثر عددا أو أقل ؟ ومن حدد هذا التحديد ؟ وجعل رؤساء

[ 6 ]

المذاهب أربعة أنفس فحسب، وليس هذا التحديد في كتابكم ولا شريعة نبيكم. ثم ومن العجب انى رأيت في اتباع هؤلاء الاربعة من هو أعلم منهم بكثير. وما أدى كيف صار الاقتداء والاسم لاولئك الاربعة. وهلا كان كل واحد من علماء الاسلام الذين مثل أولئك الاربعة أو أفضل منهم يكون قوله والاقتداء به مثل هؤلاء ؟ ثم أيها المسلمون ان كان اصحاب كل واحد من هؤلاء الاربعة ما اهتدوا إلا بهم ولا عرفوا الشريعة حتى ظهر الذي اقتدوا به. فكيف كانت حال آبائهم وأسلافهم ؟ فيلزم أن يكون سلف هؤلاء الاتباع قد كانوا ضالين حيث لم يكن لهم واحد من هؤلاء الاربعة. وان كان قد كان لسلفهم مثل واحد هؤلاء الاربعة أو أفضل فهلا كان اقتداء باولئك الاوائل والاسم لهم ؟ ثم قد وقفت على ذم كل فرقه منهم لرئيس الفرقة الاخرى ولفتاويه ولوم جماعته بما أن لو ذكرته طال شرحه، فلينظر ذلك في مواضعه، ويسال كل فرقة عن الاخرى. ومما دل أنهم تبعوا هؤلاء الاربعة الائمة عندهم عصبية ومراقبة لطلب الخبز واللحم والوظائف التي في المدارس المنسوبه إليهم والربط قول الموصوف عندهم بأنه حجة الاسلام محمد بن محمد بن أحمد الغزالي في كتاب (الجام العوام عن علم الكلام)، وهو كتاب وجدته واصله في وقف الزيدى ببغداد، ويذكر أنه آخر كتاب صنفه الغزالي، ولاشبهه بأنه آخر العمر وقرب الموت يكون الانسان اقرب الى الحق فقال في خطبته ماهذا لفظه: اعلم أن الحق الصريح الذي لا مراء فيه عند أهل البصائر هو مذهب السلف أعنى الصحابة والتابعين. أولا تراه قد نبه على اسقاط الاقتداء بالاربعة المذاهب المذكورة. ثم قلت لبعض المسلمين: فهل ههنا مذهب خامس أو اكثر ؟ فقيل: بل

[ 7 ]

ههنا مذاهب كثيره فقلت: من اكثرها عددا بعد هذه الاربعة المذاهب وأظهرها احتجاجا في الاصول والشريعة ؟ فقيل: قوم يعرفون بالشيعة منتسبون الى نبيهم محمد صلى الله عليه وآله وأهل بيته خاصه، إلا ان هؤلاء الاربعة المذاهب متفقون أو اكثرهم على بغض أهل هذا المذهب المذكور وعلى عداوتهم في اكثر الامور. فقلت: والله ان أهل هذا المذهب المنسوب بنبيهم وأهل بيته أجمل كل حال وأفضل وأوجب من التلزم باولئك الاربعة أنفس الذين ليسوا كذلك، وأرى أهل هذا المذهب أقرب الى الاحتياط في دينهم والاستظهار في معرفه نبيهم ومعرفه جاء به، لأن خواص كل نبى لم يزالوا أعرف بدينه وشريعته واقرب الى الحق من اكثر امته. فتشوقت الى تعجيل معرفة اعتقاد هذه الفرقة المعروف بالشيعة، ثم أنظر بعد ذلك في اعتقاد كل واحد من الاربعة المذاهب واختار لنفسي ما يكون أقرب الى الصواب واسلم لي عند الله في الدنيا ويوم الحساب ان شاء الله تعالى. ولم يصرفني عن هذا العزم كثرة الاربعة المذاهب وكون هذه الفرقه قليله، لانى رأيت ان هذه الفرقة الشيعة وان كانت ما هي اقل من كل واحد من أولئك الاربعة وان كان كلهم اكثر منها، ولكن ليس الاعتبار بمجرد الكثره عند ذوى الالباب بل الاعتبار بالحق والصواب، لانه لو كان الاعتبار بالكثرة ما وجب اتباع الانبياء ولا ثبت شرائعهم، لأن كل نبى ظهر فان الناس كانوا وقت ظهوره كلهم أو اكثرهم مجتمعين على مخالفته، ولم يدل ذلك على بطلان نبوته ولما بايعه بعضهم فان اكثرهم كانوا في اول الامر مخالفين لهم في ذلك ولم يدل كثرة مخالفيهم على بطلان مذهب القليلين التابعين له. ولاننى رأيت خيار كل شئ في الدنيا وجيده أقله حتى من كل صامت وناطق ورطب ويابس، وإذا اعتير العاقل ذلك وجده كما قلت.

[ 8 ]

ومما حملني على تقديم النظر في اعتقاد هذه الفرقة الشيعة انى ما رأيتهم أحدثوا لانفسهم ولاديانهم من يقتدون به، وإنما حفظوا الطريق الاول واقتدوا بنبيهم وخواص أهل بيته، وقد استحسنت هذا الاختيار من الفرقة. ولقد لقيت جماعة من علمائهم وسألتهم عن اعتقادهم، فقالوا: ما نكلفك تقليدنا بغير حجة وقد حكمناك في حال انصافك أن تنظر في كتبنا وتلقى من تقوم به الحجة من علمائنا، فان كتبنا المصنفة في أصول الدين واصول الفقه وفي الشريعة وفي العبادات والاداب والدعوات واللغة والسير وتفاسير القرآن والاخبار وغير ذلك في سائر العلوم والاثار الدينية ما لا نقدر على حصرها لك بقلم ولا بلسان لافتراقها في البلدان وكثرة المصنفين لها في كل زمان. ولنا كتب مجلدة كبار فيها أسماء المصنفين من أصحابنا المتقدمين وعدد بعض تصانيفهم أو كلها وفيهم من له الف مصنف وفيهم من له اقل أو أكثر، وإذا كان اسماء مصنفي كتبنا مجلدات فكم يكون عدد تصانيفهم وعدد من لم يصنف من علمائهم، فاطلب ما تريد من تلك التصانيف فانك تجد فيها من الادلة الواضحة والبراهين اللائحه ما يصونك عن خطر التقليد ويوجب لك الاعتقاد بها والعمل بها. فاننا رجعنا في الامور العقلية الاستعانة بالله ونزهناها عن الاهواء المضلة والاغراض المزلة ومن حب المنشأ وتقليد الرجال وطلبنا الحق أين كان وعلى كل حال، فظفرنا الله وله الحمد بالحق الذي يشهد ظاهره لباطنه ومفصله لمجمله، وما كنا لنهتدي لو لا ان هدانا الله بالطافه المتواترة وعنايته المتظاهرة وأما ما كان من علم الشريعة المحمدية فاننا أخذناه عن نبينا وخواص أهل بيته الذين عرفنا حقيقة عصمتهم وطهارتهم وأمنا من غلطهم وسهوهم واختلافهم، وأمرنا الله ورسوله بالقبول منهم والاخذ عنهم، فأرشدونا الى سبيل الصالح

[ 9 ]

وأوردونا على منهل الحق الواضح. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (1). وان كان مقصودك الان سؤالنا أن تسمع صورة اعتقادنا قبل النظر في دلائلنا، فاعلم اننا نعتقد: أن لنا ربا واجب الوجود بذاته، متفردا في صفاته، قادرا على كل مقدور مختارا في سائر الامور، عالما بكل معلوم، سميعا بصيرا مدركا منزها عن الجسمية والتشبيه وعن ظلم العباد وعن الرضا بما يقع منهم من الفساد، غنيا واحدا أبديا سرمديا حكيما لا يفعل قبيحا ولا يخل بواجب، مريدا لما تقتضيه الحكمة والاحسان، كارها لما تكره الحكمة والعدل من الظلم والكفر والعدوان متكلم بكلام أحدثه بقدرته وأنزله على ملائكته ورسله وأنبيائه وخاصته. وان افعالنا صادره عنا بحسب دواعينا وأن كل قبيح أو فساد أو نقص فانه منا، وان ربنا جل جلاله منزه عن أفعالنا الذميمة وعما نختاره نحن من الاختيارات السقيمة، وأننا مختارون ولسنا مكرهين ولا مضطرين ولا مقهورين. وانه سبحانه خلقنا رحمة لنا وعناية بنا وجودا وتكرما علينا واحسانا الينا، " من عمل صالحا فلنفسه ومن اساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد " (2). وانه جعل لنا عقولا سليمة تشهد عندنا بجملة ما كلفنا اياه وتدلنا على مسالك رضاه. وانه بعث الانبياء حجة على من أطاعه وعصاه، حيث علم ان رسله أهل لتحمل رسالته وأداء امانته، وعلم أن عباده محتاجون الى معرفة تفصيل مراد الله منهم، فجعل رسله سفراء يأخذ عباده تلك التفاصيل عنهم، ولئلا يقول الناس


(1) جمعة: 4. (2) فصلت: 46.

[ 10 ]

يوم القيامة " ربنا لو لا ارسلت الينا رسولا فنتبع آياتك " (1) ونكون من المؤمنين ونعتقد أن رسله عليهم السلام معصومون من الخطأ والزلل، ومأمون منهم وقوع السهو والخطأ بحيث تحصل الثقة بما يقولون انه منه ولا يقع شك فيما يذكرونه عنه. وانه ما قبض رسولا حتى أمره أن يوصى الى من يقوم مقامه في أمته وفيما يجب له في حفظ كتابه وشريعته، وان القائم مقامه صفات نبيه في العصمة وكلما يجب له يجب للنائب من صفات الكمال ليوثق به في كل ما يتركه أو يفعله ويقتدى به فيه وفي سائر الاحوال، لأن الله تعالى علم أن الخطأ جائز على رعية من يقوم مقام نبيه، فلم يكن لهم يد من معصوم يرجعون إليه ويحتج به عليهم ويكون تماما للاحسان إليهم، وهذا واجب في عدل الله وحكمته وجوده وكرمه ورحمته وهو من تمام التكليف وصفات المالك الرحيم اللطيف. وكيف يريد سبحانه منا مثل مراده من صحابة نبيه ! ويجعل لهم كتابا ونبيا حافظا للكتاب والشريعة ومبينا لهما ويقتصر بنا على الكتاب وحده وهو محتمل للتأويلات، وقد بلغ الاختلاف فيه الى بعيد الغايات. فيقتضى العدل والانصاف أن يكون لنا مع الكتاب المجيد خليفة للنبى يقوم مقامه ويحفظ كتابه وشريعته وأحكامه. ولما عرفنا ان نبينا محمد صلى الله عليه وآله كان في اته وصفاته على غاية تامة من الدلالة على صدق نبوته وأن الله تعالى زاده تصديقا بالمعجزات الشاهدة بثبوت رسالته، واننا رأينا مدة حياته قد أخرجنا الله به من الذل الى العز، ومن الفقر الى الغنى، ومن الهوان الى الكرامة، ومن الكفر الايمان، ومن الخلود في النار الى الخلود في نعيم دار القرار، ومن كل شر كنا عليه الى كل خير اهتدينا به إليه،


(1) طه 134.

[ 11 ]

وانه عليه السلام آثرنا بالدنيا على نفسه الشريفة وعياله، وأحسن الينا احسانا يعجز اللسان والبيان حصر أوصاف كماله وانه كان من شفقته علينا واحسانه الينا إذا أراد سفرا أو بعث عسكرا عين لنا وأوصى بنا الى من يخلفه في سفره ومن ينوبه في عسكره، وانه ما زال مدة حياته يوصى في كثير من أوقاته بعترته وذريته، ويدلنا على انهم خلفاؤه في أمته، ووجدنا أسلافنا قد نقلوا الينا ذلك خلفا عن سلف نقلا متواترا موجبا للعلم اليقين. وان نبينا محمدا صلى الله عليه وآله لم يهمل أمور المسلمين كما يقول عنه بعض الجهال، بل دل على من يقوم مقامه في الانام كما يجب في العقول السليمة والعوائد المستقيمة. فإن شئت أن نورد لك شيئا من أخبارنا في ذلك أوردنا منها طرفا، فانها اكثر من أن تحصى أو تستقصى لامثالنا. وان شئت ان نورد لك بعض ما أورده ورواه مخالفونا من الاربعة المذاهب في كتبهم التي سموها صحاحا واعتمدوا عليها. (قال عبد المحمود بن داود) مؤلف هذا الكتاب: فقلت للشيعة: ما أريد الاخبار التي أوردتموها من طريقكم، لانى لا أقتنع ان تزكوا أنفسكم بأخباركم ولا ان يكون شاهدكم منكم، بل اريد أن أسمع شيئا من الاخبار التي رواها لكم مخالفوكم من الاربعة المذاهب، فان شهادتهم لكم وروايتهم لتزكيتكم أبلغ في الحجة عليهم وأوضح في الحجة لكم. فذكرو القائل لذلك أن بعض شيعة أهل بيت نبيهم قد نقل في كتاب سماه (العمدة) (1) تسع مائه وثمانية حديثما وصل إليه تصفحه من كتب


(1) للشيخ الجليل يحيى بن الحسن بن الحسين بن علي بن محمد بن البطريق، قال: في أمل الامل المطبوع بايران سنة 1305: كان عالما فاضلا محدثا محققا ثقة صدوقا له كتب منها العمدة - انتهى موضع الحاجة. وهذا الكتاب قد طبع بايران سنة 1309.

[ 12 ]

صحاح المخالفين التي يعتمدون عليها، وقال اننى اورد لك مما وقفت عليه شيئا يسيرا، لانه ذكر أن الذي وجد في كتبهم مما يحتج به عليهم شيئا كثيرا وقال: ينبغى أن تعلم وتحقق انه ما يلزمنا العمل بما انفردوا به عنا فزكوا به أنفسهم وشهدوا به لمذاهبهم كما اننا ما ألزمناهم ولا احتججنا عليهم بما انفردنا به عنهم. (قال عبد المحمود): وسأذكر بعض ما حدثني به عن مشائخ هؤلاء الاربعة المذاهب الثقاة عندهم من كتبهم الصحاح بينهم، ومن شك في ذلك فلينظر في كتبهم وفي رواياتهم التي أشير إليها، ولا ينبغى الشك في شئ منها فانه اوقفني على كتبهم المتضمنة لما رواه الشيعي عنهم وحكاه فرأيت الامر كما ذكره محققا إلا أحاديث يسيرة تختص بمناقبة حكاها عنهم صاحب كتاب العمدة التي تقدمت الاشارة إليها فربما ذكرت بعضها واعتمدت على امانته والدرك فيما ضمن تحقيقه عليه. وان نظرت أيها المعتبر شيئا مما اعتمدنا فيه على المذكور ووجدت بعض نسخ أصل ذلك المسطور يخالف ما نقله، فلا تعجل بسوء الظن به فلعل النسخة التي نقل منها أصح أو أتم من النسخة التي وقفت عليها، فانا تحققنا أن هذا الشيخ ما ظهر كتابه في حياته وتحدى بصحة ما نقله كل من وقف عليه، ولكتابه نسخة بالنظاميه ببغداد. ويدلك على أن بعض النسخ تختلف أو يكون للناقلين عنها عذر في النقل، ما ذكره الثقة عند الاربعة المذاهب أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدى في كتاب الجمع بين الصحيحين في مواضع كثيرة يطول ذكرها. ولقد اتفق مطالعتي في مسند عبد الله بن مسعود لاعتبار هذا المعنى فوجدت فيه عدة مواضع فمن ذلك في الحديث الرابع والثلاثين من مسند عبد الله بن مسعود من المتفق عليه، قال في آخر الحديث المذكور ما هذا لفظه: قال

[ 13 ]

أبو مسعود في الاطراف في حديث عبد الواحد " ولقد رآه نزلة أخرى " (1) قال: قال النبي صلى الله عليه وآله رأيت جبرئيل في صورة له ستمائة جناح. وليس ذلك فيما رأيناه من النسخ ولا ذكره البرقانى فيما أخرجه من الكتابين. (قال عبد المحمود): ألا ترى الحميدى قد جعل هذا من المتفق على صحته عند البخاري ومسلم في صحيحيهما، ومع ذلك فانه قال: وليس فيما رأيناه من النسخ. ومن ذلك ما ذكره الحميدى في أواخر الحديث السابع من مسند عبد الله ابن مسعود من افراد البخاري ما هذا لفظه: ذكر هذا الحديث البرقانى وقال ان البخاري اخرجه، وقال قال علقمة واغفله صاحب الاطراف. (قال عبد المحمود) ألا ترى قد أثبته في صحيح البخاري وجعله من افراده ثم حكى أن صاحب الاطراف أغفله. ومن ذلك ما ذكره الحميدى في الحديث العاشر من افراد مسلم من مسند عبد الله ابن مسعود قال في آخره ما هذا لفظه: عن علقمة عن ابن مسعود ان النبي " ص " قال: ليلنى منكم اولو الاحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثلاثا واياكم وهيشات الاسواق. ذكر ابن مسعود هذا الحديث في افراد مسلم فحكى فيه " ثم الذين يلونهم مرتين ولا تختلفوا فيختلف قلوبكم "، وليس ذلك في كتاب مسلم (2). (قال عبد المحمود): هذا اللفظ الذي ذكره الحميدى أفلا تراه قد اختلف حكايته عن كتاب مسلم وحكاية ابن مسعود. ومن ذلك ما ذكره أيضا الحميدى في مسند عبد الله بن مسعود في اوسط


(1) النجم 13. (2) وكذلك غير موجود في المطبوع منه صحيح مسلم: 1 / 323.

[ 14 ]

الحديث الثلاثين من افراد مسلم " ولا يعد صبيه ثم لا ينجزه الوعد " وكذا قال أبو مسعود الدمشقي (1) ان مسلما أخرج هذه الزيادة من هذا الحديث وليس ذلك فيما عندنا من كتاب مسلم. هذا آخر لفظ الحميدى. (قال عبد المحمود): فيكفى هذا في التنبيه على ما حكيناه، وإذا كان هذا قد تجدد في نسخ صحيح البخاري ومسلم كما نقلناه، وهم الاربعة المذاهب مصروفة الى ضبطهما وحفظهما، وكان الممكن ان البخاري ومسلما كانا يزيدان في النسخ بحسب ما يصح عندهما فيخرج عنهما نسخة ناقصة ثم يخرج نسخة تامة. فكذا يجب أن يعتذر فيما نقله صاحب كتاب العمدة. واعتمدنا على نقله عنهما وعن الثعلبي ومسند أحمد بن حنبل وابن المغازلى وغير ذلك مع اننا اعتبرنا اكثره فكان كما ذكره. وما نقلناه مما تركناه مستدركا (2) في صحه نقلنا عنهم وتحقيقنا منهم، وذكر بعض ما رواه وأورده من طريق المخالفين له من الاربعة المذاهب والاشارة الى الكتب التي يتضمن ذلك، وهي من صحيح مسلم بن الحجاج النيسابوري، ومن صحيح أبي عبد الله محمد بن اسماعيل البخاري، ومن الجمع بين الصحيحين لابي عبد الله محمد بن نصر الحميدى، ومن مسند أحمد بن حنبل، ومن الجمع بين الصحاح الستة تأليف أبي الحسن رزين بن معاوية بن عمار العبدرى السرقسطى الاندلسي وهو موطأ مالك بن الانس الاصبحي وصحيح مسلم وصحيح البخاري وكتاب السنن لابي داود السجستاني، وصحيح الترمذي، والنسخة الكبيرة من كتاب صحيح النسائي، ومن رواية


(1) وفي النسخة المخطوطة (أبو سعيد الدمشقي). (2) وفي الترجمة (مختصر) والذاكر هو صاحب كتاب العمدة ولعل المشير هو أيضا صاحب كتاب العمدة.

[ 15 ]

محمد بن سليمان بن داود النيسابوري، الذي قال الخطيب في تاريخ بغداد انه كان ثقه وانه من الاولياء وانه فاضل وانه من المقبولين بمصر والحجاز والشام والعراقين، ومن كتاب الولاية، ومن رواية الشيخ المتفق على صدقه وورعه وحفظه أبي سعيد مسعود بن أبي ناصر بن أبي زيد السجستاني الحافظ، ومن كتاب الفقيه الشافعي أبي الحسن علي بن محمد الخطيب الجلابى المعروف بابن المغازلى الواسطي، ومن كتاب الكشف والبيان في تفسير القرآن لابي اسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، ومن كتاب الفردوس لابن شيرويه الديلمى. وقال: ان أوردت احاديث من غير هذه الكتب المذكورة فسوف اسمى الكتاب الذي فيه الحديث أو التاريخ وأحذف الاسانيد التي ارويها بها اختصارا ولأن المقصود لفظ الحديث دون اسناده، مذكور في الكتب التي أشرت إليها، وسوف ابدأ بايراد الحديث من أحد الكتب المذكورة واذكر من واقف (1) منهم عليه أو على بعضه، وإذا كان الحديث طويلا اقتصرت على المراد منه ونبهت على ما عدلت عنه. * قوله صلى الله عليه وآله " كنت أنا وعلى نورا بين يدى الله " * 1 - فمن ذلك ما رواه أحمد بن حنبل مسنده عن زاذان عن سلمان قال: سمعت حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: كنت أنا وعلى نورا بين يدى الله عز وجل قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام، فلما خلق الله تعالى


(1) في (خ‍) وافق.

[ 16 ]

آدم قسم ذلك النور جزئين فجزء أنا وجزء علي (1) وروى هذا الحديث في كتاب الفردوس (2) لابن شيرويه الديلمى، ورواه الفقيه الشافعي ابن المغازلى في كتابه الذي سماه بالمناقب (3). قالا فيه: فلما خلق الله آدم ركب ذلك النور في صلبه فلم يزل في شئ واحد حتى افترقنا صلب عبد المطلب، ففى النبوة وفي على الخلافة ورواه ابن المغازلى أيضا في طريق آخر عن جابر بن عبد الله الانصاري عن النبي صلى الله عليه وآله وقال في آخره: حتى قسمها جزئين جزءا في صلب عبد الله وجزءا صلب أبي طالب، فأخرجني نبيا وأخرج عليا وصيا (4). * (كيفية ولادة على عليه السلام " وانه عليه السلام لم يزل حين ولادته مع رسول الله صلى الله عليه وآله حتى بعث نبيا " 2 - ومن ذلك ما رواه الفقيه الشافعي ابن المغازلى في كتاب المناقب في حديث يرفعه الى على بن الحسين عليهما السلام قال: كنت جالسا مع أبي ونحن زائرون قبر جدنا عليه السلام وهناك نسوان كثيرة، إذ أقبلت امرأة منهن فقلت لها: من أنت يرحمك الله ؟ قالت: أنا زيدة بنت قريبة بن العجلان من بني ساعدة. فقلت لها: فهل عندك شئ تحدثينا ؟ فقالت: أي والله حدثتني امى


(1) رواه أحمد بن حنبل في فضائل الصحابة ص 205 المخطوط (على ما في احقاق الحق 5 / 243). (2) كتاب الفردوس في باب الخاء المخطوط (على ما في احقاق الحق 4 / 92) (3) المناقب ط طهران ص 79. (4) رواه العلامة المجلسي عن الطرائف في البحار 35 / 24، وابن بطريق في العمدة 44. (*)

[ 17 ]

ام عمارة بنت عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان الساعدي أنها كانت ذات يوم في نساء من العرب أذ أقبل أبو طالب كئيبا حزينا، فقلت له: ما شأنك يا أبا طالب ؟ قال: ان فاطمة بنت أسد في شدة المخاض. ثم وضع يديه على وجهه فبينا هو كذلك، إذ أقبل محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقال له ما شأنك يا عم ؟ فقال: ان فاطمة بنت أسد تشتكى المخاض، فأخذ بيده وجاء وهي معه فجاء بها الى الكعبة فأجلسها في الكعبة، ثم قال: أجلسي على اسم الله. قالت: فطلقت طلقة فولدت غلاما مسرورا نظيفا منظفا لم أر كحسن وجهه، فسماه أبو طالب (عليا) وحمله النبي صلى الله عليه وآله حتى أداه الى منزلها. قال على بن الحسين عليهما السلام: فو الله ما سمعت بشئ قط الا وهذا أحسن منه (1). يريد بذلك انه ما سمع بشئ في شرح ولادة على عليه السلام إلا وهذا أحسن منه. 3 ومن ذلك ما رواه الثعلبي في كتاب تفسيره للقرآن في قوله تعالى " والسابقون الاولون " (2) عن مجاهد قال: كان من نعم الله على على بن أبي طالب عليه السلام وما صنع الله له وزاده من الخير، ان قريشا أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للعباس عمه وكان من أيسر بني هاشم: يا عباس اخوك أبو طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الازمة، فانطلق بنا فلنخفف عنه من عياله، آخذا أنا من بيته رجلا وتأخذ أنت من بيته رجلا فنكفيهما عنه من عياله. قال العباس: نعم فانطلقا حتى أتيا أبا طالب، فقالا له: نريد أن نخفف عنك من


(1) المناقب ص 6 والعمدة: 14. (2) التوبة: 100.

[ 18 ]

عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه. فقال أبو طالب: ان تركتما لي عقيلا فاصنعا ما شئتما. فاخذ النبي صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام فضمه إليه، وأخذ العباس جعفرا فضمه إليه، فلم يزل على عليه السلام مع رسول الله صلى الله عليه وآله حتى بعثه الله نبيا وأتبعه على عليه السلام فامن به وصدقه، ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه (1) ان عليا عليه السلام (اول من اسلم وصلى) 4 - ومن ذلك ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده يرفعه الى عبد الله بن عباس انه قال: ان عليا عليه السلام أول من أسلم (2) ورواه أحمد بن حنبل من عده طرق ايضا (3). ورواه ايضا الشافعي ابن المغازلى في كتاب المناقب (4). والثعلبي في تفسيره. 5 - وروى أيضا أحمد بن حنبل في مسنده عن زيد بن ارقم انه قال: أول من صلى مع رسول الله صلى الله عليه وآله على بن أبي طالب (5).


(1) الكشف والبيان المخطوط، ورواه العلامة المجلسي عن الطرائف في البحار 35 / 24. (2) رواه أحمد بن حنبل في المناقب (مخطوط) (على ما في احقاق الحق 7 / 501). (3) منها ما رواه في مسنده ج 4 / 38 ط مصر، والبحار: 38 / 250 عن زيد بن أرقم قال أول من أسلم مع رسول الله (ص) على رضي الله تعالى عنه. (4) المناقب ص 15. 5) رواه أحمد بن حنبل في المناقب (مخطوط) (على ما في احقاق الحق 7 / 515)، والبحار 38 / 251، والنسائي في الخصائص: 2.

[ 19 ]

6 - وروى أيضا أحمد بن حنبل في مسنده ان عليا عليه السلام صلى مع النبي (ص) سبع سنين قبل أن يصلى معه أحد (1). 7 - وروى أيضا الفقيه الشافعي ابن المغازلى عن ايوب الانصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله صلت الملائكة على وعلى على عليه السلام سبع سنين، وذلك أنه لم يصل معى أحد غيره (2). 8 - ورواه أيضا ابن المغازلى في كتاب المناقب عن انس بن مالك: قال رسول الله صلى الله عليه وآله، صلت الملائكه علي وعلى على عليه السلام سبعا، وذلك أنه لم يرفع الى السماء شهادة أن لا اله إلا الله وان محمدا عبده ورسوله الامني ومنه (3). 9 - وروى الثعلبي في تفسيره: ان اول ذكر آمن بالنبي (صلى الله عليه وآله) وصدقه على بن طالب عليه السلام (4). قال الثعلبي: وهو قول ابن عباس وجابر وزيد بن ارقم ومحمد بن المنذر (5) وربيعة الرأى وأبي حيان والمزنى. 10 - روى الثعلبي في تفسيره ان أبا طالب قال لعلى عليه السلام: أي بني ما هذا الدين الذي أنت عليه ؟ قال: يا أبت آمنت بالله ورسوله، وصدقته فيما جاء به، وصليت معه لله تعالى. فقال له: أما ان محمدا صلى الله عليه وآله لا يدعو


1) البحار 38 / 251. وراه المحب الطبري في ذخائر العقبى: 60. 2) المناقب ص 14. البحار 38 / 251. 3) نفس المصدر. وكذا البحار. والعيون والمحاسن 2 / 66. والارشاد للمفيد: 14. 4) البحار 38 / 251. والعيون والمحاسن للمفيد 2 / 67 ط أولى نجف. 5) في (ط) محمد بن المنكدر وهو الصحيح.

[ 20 ]

الا الى خير فالزمه (1). 11 - وروى الشافعي ابن المغازلى في تفسير قوله تعالى " والسابقون السابقون " (2) عن ابن عباس قال: سبق يوشع بن نون الى موسى عليه السلام وصاحب يس الى عيسى وسبق على بن أبي طالب أمير المؤمنين عليه السلام الى محمد صلى الله عليه وآله (3). 12 - وروى الثعلبي في تفسيره في تفسير قوله تعالى " والسابقون السابقون أولئك المقربون " عن عباد بن عبد الله قال: سمعت عليا يقول: انا عبد الله وأخو رسول الله، وانا الصديق الاكبر، لا يقولها بعدى إلا كذاب مفتر، صليت قبل الناس بسبع سنين (4). حديث يوم الدار 13 - ومن ذلك ما رواه الثعلبي في تفسيره في تفسير قوله تعالى " وأنذر عشيرتك الاقربين " (5) يرفع الحديث الى البراء بن عازب قال: لما نزلت " وأنذر عشيرتك الاقربين " جمع رسول الله صلى الله عليه وآله بني عبد المطلب، وهم يومئذ أربعون رجلا، الرجل منهم يأكل المسنة ويشرب العس، فأمر عليا أن يدخل شاة فادمها ثم قال: أدنوا بسم الله. فدنى القوم عشرة عشرة فأكلوا


1) البحار: 38 / 251، وذخائر العقبى: 60. 2) الواقعة: 10. 3) المناقب ص 320، والبحار 38 / 251. 4) الكشف والبيان (مخطوط) على ما في احقاق الحق 3 / 386، والبحار 38 / 253، وأحمد بن حنبل في فضائل الصحابة (مخطوط) (على ما في احقاق الحق 4 / 209.) 5) الشعراء: 214.

[ 21 ]

حتى صدروا، ثم دعا بقعب من لبن فجرع منه جرعة ثم قال لهم: اشربوا بسم الله. فشربوا حتى رووا، فبدرهم أبو لهب فقال: هذا ما سحركم به الرجل. فسكت النبي صلى الله عليه وآله فلم يتكلم، ثم دعاهم من الغد على مثل ذلك الطعام والشراب، ثم أنذرهم رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا بني عبد المطلب انى أنا النذير اليكم من الله عز وجل، والبشير بما لم يجئ به أحدكم، جئتكم بالدنيا والاخرة فأسلموا وأطيعوا تهتدوا، ومن يؤاخينى ويؤازرني ويكون وليى ووصيي بعدى وخليفتي ويقضى دينى. فسكت القوم، فأعاد ذلك ثلاثا، كل ذلك يسكت القوم ويقول على عليه السلام أنا فقال: أنت. فقام القوم وهم يقولون لابي طالب عليه السلام: أطع ابنك فقد أمر عليك (1). 14 - ورواه أحمد بن حنبل في مسنده ورفع الحديث قال: لما نزلت هذه الايه " وانذر عشيرتك الاقربين " جمع النبي صلى الله عليه وآله أهل بيته، فاجتمعوا ثلاثين فأكلوا وشربوا ثلاثا، ثم قال لهم: من يضمن عنى دينى ومواعيدى ويكون خليفتي ويكون معى في الجنة ؟ فقال رجل لم يسمه شريك: يا رسول الله أنت كنت تجد من يقوم بهذا. ثم قال الاخر يعرض ذلك على أهل بيته، فقال على عليه السلام: أنا. فقال: أنت (2).


1) الكشف والبيان (مخطوط) على ما في احقاق الحق 4 / 62 نقله عن مناقب عبد الله الشافعي ص 75 (مخطوط). والبحار 38 / 251. والعمدة ص 38. 2) المسند 1 / 111 ط مصر. وابن البطريق في العمدة ص 42.

[ 22 ]

ورواه ايضا احمد بن حنب لمن طريق آخر (1). والفقيه ابن المغازلي (2). ظهور التسمية (لعلى عليه السلام بأنه وصى) 15 - ومن مسند أحمد بن حنبل يرفعه الى سلمان انه قال: يا رسول الله من وصيك ؟ فقال: يا سلمان من كان وصى أخى موسى ؟ قال: يوشع بن نون. قال: فإن وصيى ووارثى ومن يقضى دينى وينجز موعدى على بن أبي طالب عليه السلام (3). 16 - ومن كتاب المناقب تأليف الشافعي ابن المغازلى في تفسير قوله تعالى " والنجم إذا هوى " يرفعه الى ابن عباس قال: كنت جالسا مع فتية من بني هاشم عند النبي صلى الله عليه وآله أذا انقض كوكب، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من انقض هذا النجم في منزله فهو الوصي من بعدى. قال: فقام فتية من بني هاشم فنظروا فإذا الكوكب قد انقض في منزل على بن


1) رواه في مسنده 1 / 159 ط مصر: عن ربيعة بن ناجذ عن علي رضي الله عنه قال جمع رسول الله صلى الله عليه وآله أو دعا رسول الله صلى الله عليه وآله بني عبد المطلب، فيهم رهط كلهم يأكل الجذعة ويشرب الفرق، قال فصنع لهم مدا من طعام، فأكلوا حتى شبعوا، قال: وبقى الطعام كما هو كأنه لم يمس، ثم دعا بغمر فشربوا حتى رووا وبقي الشراب كأنه لم يمس أو لم يشرب، فقال: يا بني عبد المطلب إني بعثت لكم خاصة والى الناس عامة، وقد رأيتم من هذه الاية ما رأيتم، فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ؟ قال: فلم يقم إليه أحد. قال فقمت إليه وكنت أصغر القوم قال: فقال أجلس، قال ثلاث مرات كل ذلك أقوم إليه فيقول لي اجلس حتى كان في الثالثة ضرب بيده على يدي. 2) لم نجده في المصدر المطبوع. 3) البحار: 38 / 19، والعمدة: 37.

[ 23 ]

أبي طالب فقالوا: يا رسول الله قد غويت في علي (1)، فأنزل الله تعالى " والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى " الى قوله " وهو بالافق الاعلى " (2). 17 - ويدل على ظهور التسمية لعلى عليه السلام بأنه وصي ما ذكر الحميدى في الجمع ببن الصحيحين في مسند عائشة عن الاسود بن يزيد (3) قال: ذكروا عند عائشة ان عليا عليه السلام كان وصيا. وفي رواية ازهر انهم قالوا: انه وصي فلم تكذبهم، بل ذكرت انها ما سمعت ذلك من النبي صلى الله عليه وآله حين وفاته. 18 - ومن كتاب المناقب رواه ابن المغازلي عن أبي ذر الغفاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من ناصب عليا الخلافة بعدي فهو كافر، وقد حارب الله ورسوله، ومن شك في علي فهو كافر (4). 19 - وروى ابن المغازلي عن عبد الله بن بريدة قال: سمعت رسول الله " ص ": لكل نبي وصي ووارث، وأن وصيي ووارثي علي بن بن أبي طالب (5). 20 - ومن ذلك ما رواه أبو بكر بن موسى بن مردويه في كتاب المناقب، وهو من مخالفي أهل البيت باسناده الى عبد الله بن صامت عن أبي ذر قال: دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وآله فقلنا: من أحب أصحابك اليك، فان كان أمر كنا معه، وان كانت نائبة كنا من دونه. قال: هذا علي أقدمكم مسلما


1 - في المصدر " حب علي " وفي البحار " حب ابن عمك ". 2 - المناقب: 310، والبحار: 35 / 283، والعمدة: 38. 3 - وفي (خ‍) الاسود بن بريد. 4 - المناقب: 46، والبحار 38 / 155. 5 - المناقب: 201. وفي (ط) و (ت) من ناصبني وصيي ووارثي الخ.

[ 24 ]

واسلاما (1). 21 - ومن ذلك ما رواه أيضا أبو بكر بن مروديه في كتابه المشار إليه باسناده الى داود بن أبي عوف، حدثني معاوية بن ثعلبة الليثي قال: ألا أحدثك بحديث لم يخلط ؟ قلت: بلى. قال: مرض أبو ذر فأوصى الى علي عليه السلام، فقال بعض من يعوده: لو أوصيت الى أمير المؤمنين حقا أمير المؤمنين، والله انه البديع (2) الذي يسكن إليه، ولو قد فارقكم لقد أنكرتم الناس وأنكرتم الارض قال: قلت: يا أبا ذر لنعلم أن أحبهم الى رسول الله صلى الله عليه وآله أحبهم اليك. قال: أجل. قلنا: فأيهم أحب اليك ؟ قال: هذا الشيخ المظلوم المضطهد حقه يعني علي بن أبي طالب عليه السلام (3). هذا آخر لفظ الحديث المذكور. 22 - ومن رواية الحافظ أبي بكر بن موسى بن مردويه وهو الحجة عند الاربعة المذاهب ما رواه بهذا الاسناد، قال أخبرنا أحمد بن محمد السري بن يحيى التميمي، حدثنا المنذر بن محمد بن المنذر، حدثنا أبي، عن عمى الحسين ابن يوسف بن سعيد بن أبي الجهم، حدثني أبي، عن أبان بن تغلب، عن على ابن محمد بن المنكدر، عن أم سلمة زوجة النبي (ص) وكانت من الطف نسائه وأشدهن له حبا، قال: وكان لها مولى يحضنها ورباها، وكان لا يصلى صلاة إلا سب عليا وشتمه، فقالت: يا أبة ما حملك على سب على ؟ قال: لانه قتل عثمان وشرك في دمه. قالت له: لو لا أنك مولاى وربيتنى وانك عندي


1) ابن مردويه في المناقب (مخطوط)، البحار: 38 / 252، والعلامة في كشف الحق 101. 2) في (خ‍) الربيع. 3) كشف اليقين: 15.

[ 25 ]

بمنزلة والدى ما حدثتك بسر رسول الله (ص)، ولكن اجلس حتى أحدثك عن على وما رأيته في حقه. قالت: أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان يومى، وإنما كان يصيبني في تسعة أيام يوم واحد، فدخل النبي وهو يخلل أصابعه في أصابع على عليه السلام واضعا يده عليه، فقال: يا أم سلمة أخرجي من البيت وأخليه لنا، فخرجت وأقبلا يتناجيان واسمع الكلام ولا أدرى ما يقولان، حتى إذا قلت قد انتصف النهار وأقبلت فقلت: السلام عليكم ألج ؟ فقال النبي (ص): لا تلجى وأرجعى مكانك، ثم تناجيا طويلا حتى قام عمود الظهر، فقلت: ذهب يومى وشغله علي، فأقبلت أمشى حتى وقفت على الباب، فقلت: السلام عليكم ألج ؟ فقال النبي: لا تلجى. فرجعت فجلست مكاني حتى إذا قلت: قد زالت الشمس، الان يخرج الى الصلاة فيذهب يومى، ولم أر قط يوما أطول منه، فأقبلت أمشى حتى وقفت فقلت: السلام عليكم ألج ؟ فقال النبي (ص): نعم تلجي، فدخلت وعلي واضع يده على ركبتي رسول الله قد أدنى فاه من أذن النبي وفم النبي (ص) على أذن علي يتساران، وعلي يقول: أفأمضى وأفعل ؟ والنبي يقول: نعم، فدخلت وعلي معرض وجهه حتى دخلت وخرج. فأخذني النبي (ص) وأقعدني في حجره، فأصاب منى ما يصيب الرجل من أهله من اللطف والاعتذار، ثم قال: يا أم سلمة لا تلوميني فإن جبرئيل أتانى من الله بما هو كائن بعدى وأمرني أن أوصى به عليا من بعدى وكنت جالسا بين جبرئيل وعلى وجبرئيل عن يمينى وعلى عن شمالى، فأمرني جبرئيل أن آمر عليا بما هو كائن بعدى الى يوم القيامة، فأعذريني ولا تلوميني، ان الله عز وجل اختار من كل أمة نبيا واختار لكل نبى وصيا، فأنا نبى هذه الامة وعلى وصيى في عترتي وأهل بيتى وأمتى من بعدى

[ 26 ]

فهذا ما شهدت من على الان يا أبتاه فسبه أو فدعه فاقبل أبوها يناجى الليل والنهار ويقول: اللهم اغفر لي ما جهلت من أمر على، فإن وليى ولى علي وعدوى عدو على، وتاب المولى توبة نصوحا، وأقبل فيما بقى من دهره يدعو الله تعالى أن يغفر له (1). (قال عبد المحمود): وهذه شهادة صريحه منهم بوصيه علي عليه السلام وكمال لم يبلغ إليه أحد من القرابة والصحابه، ولا ادعاه ولا أدعى له. ورأيت في كتاب غريب قد احتوى على مجالس عجيبه للشيعه مع علماء من الاربعة المذاهب، اسم الكتاب (العيون والمحاسن) (2)، وفيه أن شيخا من الاربعة المذاهب سأل مؤلف الكتاب، لو كان النص على علي بن أبي طالب عليه السلام ظاهرا لاشتمل عليه شعر السيد الحميرى فقال له الشيعي: قد ذكره الحميرى في قصيدة رائيه يقول فيها: الحمد لله حمدا كثيرا * * ولي المحامد ربا غفورا حتى انتهى الى قوله رضى الله عنه: وفيهم على وصي النبي * * بمحضرهم قد دعاه أميرا وكان الخصيص به في الحياة * * وصاهره واجتباه عشيرا قال: أفلا ترى أنه قد أخبر في نظمه أن رسول الله (ص) دعا عليا " ع " في حياته بامرة المؤمنين، واحتج بذلك فيما ذكره من مناقبه. قال: فسكت الشيخ وكان منصفا


1) احقاق الحق 4 / 76، البحار عن الطرائف 38 / 310 و 18، والخوارزمي في المناقب 89. 2) للشيخ الفقيه المتكلم أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان البغدادي الشهير بالمفيد ط أولى: 5.*

[ 27 ]

ومما يدل على ظهور النص من النبي (ص) على علي بن أبي طالب عليه السلام بالخلافة بعده، أن الحديث بذلك اشتهر حتى عرفت النساء وأحتججن عند أعدائه عليه السلام. فمن ذلك ما ذكره العلماء في تواريخهم وكتبهم من أخبار الوافدات على معاوية. وقد ذكر ابن عبد ربه في الجزء الاول من كتاب العقد الفريد طرفا من ذلك، فقال قصة دارميه الحجونيه مع معاويه: أن معاويه قال لها: أتدرين لم بعثت اليك ؟ قالت: لا يعلم الغيب الا الله. قال: بعثت اليك لاسالك علام أحببت عليا وأبغضتني وواليته وعاديتني ؟ قالت: أو تعفيني ؟ قال: لا أعفيك. قالت: أما إذا أبيت فانى أحببت عليا عليه السلام على عدله في الرعيه وقسمته بالسوية وأبغضتك على قتالك من هو أولى بالامر منك وطلبك ما ليس لك بحق، وواليت عليا على ما عقد له رسول الله (ص) من الولاية وعلى حبه للمساكين واعظامه لاهل الدين، وعاديتك على سفكك الدماء وجورك في القضاء وحكمك في الهوى (1). هذا لفظها في المعنى المذكور. ومن ذلك ما ذكره أيضا في حديث وقادة أم سنان بنت جشمة بن خرشة المذحجيه: قالت في شعرها ما هذا لفظه تمدح علي بن أبي طالب " ع ": أما هلكت أبا الحسين فلم تزل * * بالحق تعرف هاديا مهديا فاذهب عليك صلاة ربك ما دعت * * فوق الغصون حمامة قمريا قد كنت بعد محمد خلفا لنا * * أوصى اليك بنا فكنت وفيا اليوم لا خلف يؤمل بعده * * هيهات يؤمل بعده انسيا (2)


1) العقد الفريد: 1 / 115 ط مصر 1316. 2) المصدر: 1 / 114.

[ 28 ]

فهذا تصريح منها بقولها جهارا بأن محمدا (ص) أوصى لعلى عليه السلام وكان على وفيا بذلك وأنه كان بعد محمد خلفا منه. ومن ذلك ما ذكره أيضا في وفود أم الخير بنت الحريش بن سراقة البارقى على معاوية في شرح ما كانت تقوله في صفين في وصف علي بن أبي طالب عليه السلام: هلموا رحمكم الله الى الامام العادل والوصى التقى والصديق الاكبر، انها أحن بدريه وأحقاد جاهليه وثب بها معاوية حين الغفلة ليدرك بها ثارات بني عبد الشمس (1). ومن ذلك ما ذكرة أيضا في الجزء المذكور من كتاب العقد في وفود أروى بنت الحرث عبد المطلب على معاوية، فقال لها: كيف كنت بعدنا ؟ فقالت: (2) بخير يا أمير المؤمنين، لقد كفرت النعمة واسات لابن عمك الصحبه، وتسميت بغير اسمك وأخذت غير حقك من غير دين كان منك ولا من آبائك ولا سابقه لك في الاسلام بعد أن كفرتم برسول الله (ص) فاتعس الله منكم الجدود وأضرع منكم الخدود ورد الحق الى أهله ولو كره المشركون، وكانت كلمتنا هي العليا ونبينا هو المنصور، فوليتم علينا من بعده فاصبحتم تحتجون على سائر الناس بقرابتكم من رسول الله (ص) ونحن أقرب منكم وأولى بهذا منكم، فكنا فيكم بمنزلة بني اسرائيل في آل فرعون وكان علي عليه السلام بعد نبينا (ص) بمنزلة هارون من موسى، فغايتنا الجنة وغايتكم النار (3). ومما يدل على ظهور النص على علي بن أبي طالب عليه السلام واشتهارة ما ذكره جماعه أصحاب التواريخ والعلماء


1) المصدر: 1 / 116. 2) في الاصل فقالت: يابن أخي. 3) العقد الفريد 1 / 116.

[ 29 ]

وقد ذكرة أيضا أبو الفرج الاصفهانى في كتاب الاغانى مما يدل على أنه بلغ ظهور العلم بالنص وتالم بني هاشم من المتقدمين على علي بن أبي طالب عليه السلام في الخلافه الى أن صار ذلك يروى بمحضرهم رؤس الاشهاد ويروى ويستحسن من قائله ويتبع قوله. وذكر أبو الفرج في الاغانى باسناده قال: حدثني أبو سليمان التاجى، قال: جلس المهدى يوما يعطى قريشا صلات أمر لهم بها وهو ولى عهد، فبدأ ببنى هاشم ثم بسائر قريش، فجاء السيد الحميرى فدفع الى الربيع رقعه مختومه وقال: أن فيها نصيحة للامير فاوصلها إليه، فأوصلها فإذا فيها مكتوب: قل لابن عباس سمى محمد * * لا تعطين بني عدى درهما أحرم بني تيم بن مرة أنهم * * شر البريه آخرا ومقدما أن تعطهم لا يشكروا لك نعمه * * ويكافئوك بان تذم وتشتما وأن أئتمنتهم أو استعملتهم * * خانوك واتخذوا خراجك مغنما ولئن منعتهم لقد بدؤكم * * بالمنع إذ ملكوا وكانوا أظلما منعوا تراث محمد أعمامه * * وبنيه وابنته عديلة مريما وتامروا غير أن يستخلفوا * * وكفى بما فعلوا هناك ماثما (1) لم يشكرو المحمد أنعامه * * أفيشكرون لغيره أن أنعما والله من عليهم بمحمد * * وهداهم وكسا الجنوب (2) وأطعما ثم انبروا لوصيه ووليه * * بالمنكرات فجرعوه العلقما قال: وهي قصيدة طويله حذفت باقيها لقبيح ما فيه. فرمى بها الى أبن عبيد الله الكاتب للمهدى ثم قال: اقطع العطاء فقطعه، وانصرف الناس، ودخل


1) في (خ) و (ط) مغرما. 2) في (خ) و (ط) الجلود.

[ 30 ]

السيد إليه، فلما رآه ضحك وقال قد قبلنا نصيحتك يا اسماعيل ولم يعطهم شيئا (1) (قال عبد المحمود): أفما ترى هذا قد كان مشهورا بين بني هاشم وغيرهم. ومما يدل على ظهور النص واشتهارة ما ذكره جماعه أصحاب التواريخ والعلماء أيضا، وهو أن المأمون الخليفه العباسي جمع أربعين رجلا من علماء المخالفين لاهل البيت وناظرهم بعد أن أبسطهم ووثقهم من الانصاف، وأثبت عليهم الحجه بان على بن طالب وصى رسول الله (ص) وخليفته والمستحق للقيام مقامه في أمته، وأورد نصوصا كثيرة قد نقلها المسلمون، وتفصيلها في مناظرته، فاعترف له الاربعون نفسا أن عليا عليه السلام هو المنصوص له بالخلافه (2). وللمامون أبيات كثيرة في ذلك وسياتى ذكر بعضها في هذا الكتاب مما ذكره الصولى في كتاب الاوراق من جملتها: ألام على شكر (3) الوصي أبا الحسن * * وذلك عندي من عجائب ذا الزمن خليفة خير الناس والاول الذي * * أعان رسول الله في السر والعلن وأما مناظرات آل أبي طالب وعلماء شيعتهم في مجالس الملوك والوزراء ومقالاتهم في النص من نبيهم على علي بن أبي طالب عليه السلام بخلافته، فهو أمر لا يقدر الانسان أن يحصر تفصيله، ويكفى الاشارة الى جملته. وقد ذكر شيخ لهم اسمه المفيد محمد بن بن النعمان له تصانيف كثيرة مشتمله على ثبوت النص على علي بن أبي طالب بأمور عقليه ونقليه. وكذلك ذكر رجل علوى من علمائهم اسمه على بن الحسين ويعرف بالمرتضى الموسوي له تصانيف منها كتاب اسمه الشافي وغيره يتضمن ذلك أيضا.



1) الاغاني 7 / 253، والغدير 2 / 255. 2) راجع العقد الفريد: 3 / 35، والغدير 1 / 210 وهي مناظرة طويلة. 3) في (خ) حب.

[ 31 ]

وكذلك ذكر رجل من علمائهم اسمه أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسى في كتاب الاستيفاء (1) وغيره بثبوت النص بحجج قاهرة وأمور واضحه باهرة. فلينظر من هناك ومن غيرها كتبهم وتصانيفهم ومناظراتهم. ولئن جحد أحد المخالفين لاهل البيت عليهم السلام وشيعتهم ذلك أو بعضه فقد جحد ما نقلوه في صحاح أخبارهم، وسياتى طرف من ذلك. ولو جحدوا ذلك ولم ينقلوه اصلا ما ضر ذلك أهل البيت وشيعتهم، لأن أهل البيت ومن تمسك بهم قد ملؤا الشرق والغرب، وببعضهم يقوم الحجه لله رب العالمين على كافه المسلمين، كما لم يضر أهل الاسلام انكار مخالفيهم لمعجزات نبيهم ونبوته وآياته، وسياتى طرف من النصوص من النبي (ص) بانه استخلف على بن أبي طالب عليه السلام في أمته وخاصته عند ايراد ما نقلوه عن النبي أن الحق مع على بن أبي طالب عليه السلام يدور حيث ما دار، وأنه لا يفارق القرآن ولا يفارق الحق حتى يرد عليه الحوض، وعند ذكر ما أوردوه في صحاحهم وأخبار الثقلين، وعندما أوردوه عند تفسير " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " (2) وعند أخبار يوم الغدير، وأخبار اختصاص على بالنبي الى حين وفاته. ولو أوردنا كلما رواه رجال الاربعة المذاهب من الامور الداله على نص النبي (ص) على علي عليه السلام بالخلافه طال الكتاب، ولكنهم عموا عنه وما اليق ما تضمنه كتابهم بهذا المعنى، " فلما جائهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين " (3).


1) غير موجود في مصنفاته. 2) الاحزاب: 33. 3) البقرة: 89.

[ 32 ]

قال الشيعي: ولو نظر المخالفون لاهل البيت بعقول صحيحه وقلوب سليمه الى حال على بن أبي طالب " ع " لعلموا قطعا أنه لو لم ينص النبي (ص) عليه بالخلافه لكانت ذاته الطاهرة وصفاته الباهرة ومناقبه العاليه ومذاهبه الشافيه قاضيه بأنها نصوص صريحه عليه بالخلافة. ولقد بلغت خصائصه الى أن التبس على خلق كثير العقلاء فاعتقدوا أنه فاطر السماوات والأرض وخالق الاموات والاحياء كما بلغ الامر الى عيسى عليه السلام، وقد كان النبي (ص) قال: له أن فيك مثلا من عيسى. وسياتى الرواية فيما بعد انشاء الله. ومن عجيب الامر أنه ما التبس الحال بين رسول الله (ص) وبين الله جل جلاله وقد كان النبي الاصل فيما وصل على عليه السلام إليه، وللنبى الفضيلة عليه، ومع هذا التبس الامر في على بن أبي طالب عليه السلام هل هو اله معبود أو عبد محدود ؟ ولعل الله جل جلاله لما سبق في علمه ما يجرى حاله عليه من كثرة الباغضين والمعاندين وما يبلغون إليه من مساواته بمن لا يجرى مجراه كساه من حلل أنوارة وجليل مناره ما يبلغ به حد يقوم به الحجه على الخلايق ولا يبقى عذر لمنافق أو مفارق. ولبعض الشعراء أبيات في هذا المعنى، وهي هذه: تبا لنصابة الانام لقد * * تهافتوا في الضلال بل تاهوا قاسوا عتيقا بحيدر سخنت * * عيونهم بالذى به فاهوا كم بين من شك في هدايته * * وبين من قيل أنه الله ولو أردنا ذكر ما رواه أهل البيت وشيعتهم لاحتاج الى مجلدات وضاق عنه كثير من الاوقات، ولكن كيف يستطرف من قوم كانوا في الجاهلية لا يفرقون بين الصنم والخشب والحجر، بل يفضلون أصنامهم ويتعوضون بها عن الله

[ 33 ]

الذي كماله أشهر من كل مشتهر أن يجهلوا الفرق بين على بن أبي طالب عليه السلام وبين أبي بكر وعثمان، أو يفضلون على علي عليه السلام من هو دونه من البشر وذلك لأن معهم تلك العقول السقيمه، فلا يستبعد أن توقعهم في المهالك الذميمه. ومن يك ذا فم مر مريض * * يجد مرا به الماء الزلالا * (مبيت على عليه السلام في فراش رسول الله (ص)) * ومن آيات الله ورسوله في على بن أبي طالب عليه السلام التي انفرد بها عن سائر المسلمين وكانت سببا لانتظام الرساله وبقاء الدين بمقتضى روايه رجال الاربعة المذاهب وروايتهم لحديث من يؤازرني وينصرني يكون وصيى، وقد تقدم فانه لم يقم بذلك أحد سواه. ومن ذلك مبيته عليه السلام على فراش النبي الامي (ص) يفديه بمهجته ولولا هذا المبيت وفكاكه من الاعداء ما تمكن من هجرته ولاتمام رسالته، ومن المعلوم أن أتباع الانبياء والرؤساء والامراء متى انكسر الرئيس أو اندفع النبي أو هرب الامير لم يبق لمن تبعه قوة على ثبوت قدم ولا رفع علم ويكلف ما عجز عنه رئيسه ومتقدمه، وعلى بن أبي طالب عليه السلام يقف ويبيت في الوقت الذي اندفع فيه رئيسه ونبيه ومتقدمه. ثم العجب أنه حكى ما كان الامر مقصورا على أنه يبيت في موضع النبي صلى الله عليه وآله بعض الليل أو كل الليل فحسب حتى يبعد النبي عن مكه، فانه لو كان الامر كذلك كان أهون ولكنه تكلف أنه يفديه بنفسه ويصبح بين

[ 34 ]

الاعداء وقد جنى عليهم هذه الجنايه وفوتهم من يعتقدون انه أعدى عدو لهم، وكان سبب هجرته وسلامته منهم. ثم العجب أنه ما يكفيه اقامته حتى أصبح بينهم ظاهرا ساكنا ثابت الجنان مع خذلان البشر له وقلة الاعوان، ويكون مع ذلك على صفة قوة القلب واللسان، حتى أن الكفار لما هجموا عليه ولم يجدوا النبي (ص) وسألوه عنه فما قال ما أدرى أين مشى كما يقوله المعتذر الخائف. بل قال في حفظ الله تعالى كانه قصد اظهار العداوة لهم والقوة عليهم ثقه بالله وتثبيتا لمقام النبوة وكسر شوكة الكفار والرد عليهم في مثل ذلك الوقت الهائل، أن هذا مما يتعجب منه كل عاقل. ثم العجب أنه ما كفاه ذلك كله حتى يقيم ثلاثه أيام بمكة بعد النبي (ص) يرد الودائع ويقضى الديون ويجهز عياله ويسد مسده ويحمل حرمه الى المدينة بقلب راسخ ورأى شامخ، أن هذا مما يعجز عنه قوة الطباع البشريه إلا بمواد قوية من القدرة الالهيه. فسبحان من خص على بن أبي طالب عليه السلام بهذه الخصائص الالهيه، فكل خير جاء بعد ذلك في الاسلام والمسلمين الى يوم الدين فهو ببركه تلك الفدية والمبيت على الفراش، وحصلت لعلى عليه السلام فضيلة حفظ النبي (ص) والمشاركة في فوائد نبوته ورسالته وفي سعادة من اهتدى الى يوم القيامة من أمته. وهو أعجب من استسلام اسماعيل لذبح إبراهيم عليه السلام، لأن اسماعيل استسلم الذبح لوالد شفيق كان يمكن أن ينظر الله الى قلب والده فيعفيه من ذبحه كما جرى، أو كان يجوز أن يموت أحدهما قبل ذبح اسماعيل، أو كان يذبح بغير تألم اكراما لكون الذبح بأذنه على يد والد لولده، وغير ذلك من أسباب تجويز السلامه اشفاقا من الله تعالى. وعلى بن أبي طالب عليه السلام استسلم للاعداء بعد وفاة والده أبي طالب وتفرق الاولياء، فهل ترى كان يجوز

[ 35 ]

التقدم عليه بعد النبي (ص) في شئ من الاشياء، وكم وقى النبي والاسلام وحفظ ذلك لما وهبه الله تعالى من العناية والاكرام. مثل يوم بدر وأحد وخيبر وحنين ويوم قتل عمرو بن عبد ود كما قال النبي (ص) برز الايمان كله الى الشرك كله، وغيرها من المقامات التي ما قام أحد مقامه كتادية سورة براة وما يضيق الوقت عن ذكرة ونشره. ولو أردنا ذكر ما رواه أهل البيت وشيعتهم من النصوص على علي بن أبي طالب عليه السلام والائمه من العترة النبويه لاحتاج ذلك الى مجلدات وضاق عنه كثير من الاوقات، وسأذكر طرفا من رواية رجال الاربعة المذاهب في هذا الموضع غير ما تقدم ذكره. 23 - فمن ذلك ما رواه ابن المغازلى عن عبد الله بن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لكل نبى وصى ووارث، وأن وصيى ووارثي على بن أبي طالب عليه السلام (1) * نزول قوله تعالى (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) في على عليه السلام 24 - ومن كتاب شواهد التنزيل باسناده الى عبد الله بن عباس في تأويل قوله تعالى " واتقوا فتنه لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة " الايه، قال: لما نزلت هذه الاية قال النبي صلى الله عليه وآله: من ظلم عليا مقعدي هذا بعد وفاتي فكانما جحد نبوتى ونبوة الانبياء قبلى (2).


1) المناقب: 200، والذخائر: 71. 2) شواهد التنزيل: 1 / 206. والبحار: 38 / 155.

[ 36 ]

25 - ومن كتاب أبي عبد الله محمد بن علي السراج في تأويل هذه الايه باسناده الى عبد الله بن مسعود أنه قال: قال النبي (ص) يابن مسعود أنه قد أنزلت على آية " واتقوا فتنة " (1) الايه، وأنا مستودعكها، ومسم لك خاصة الظلمة، فكن لما أقول لك واعيا وعنى له مؤديا، من ظلم عليا مجلسي هذا كمن جحد نبوتى ونبوة من كان قبلى. فقال له الراوى: يا أبا عبد الرحمان أسمعت هذا من رسول الله (ص) ؟ قال: نعم. قال قلت: فكيف وليت للظالمين ؟ قال: لا جرم جلبت عقوبة عملي، وذلك انى لم أستاذن امامى كما أستاذنه جندب وعمار وسلمان، وأنا أستغفر الله وأتوب إليه (2) نزول قوله تعالى (ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضاة الله) في على عليه السلام 26 - ومن ذلك ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده في حديث طويل يرويه عن عمر بن ميمون يشتمل على عشرة مناقب لعلى بن أبي طالب عليه السلام شهد له بها النبي (ص) يقول في بعضه في تفسير قوله تعالى " ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤف بالعباد " (3) قال: وشرى علي نفسه لبس ثوب رسول الله (ص) ثم نام مكانه. قال: وكان المشركون يتوهمون انه رسول الله، ثم قال فيه: وجعل علي يرمي بالحجارة كما كان يرمى نبى الله وهو يتضور قد لف رأسه بالثوب لا يخرجه حتى أصبح، ثم كشف رأسه فقالوا: لما كان صاحبك


1) الانفال: 25. 2) البحار: 38 / 156. 3) البقرة: 207.

[ 37 ]

كنا نرميه بالحجارة فلا يتضور وقد استنكرنا ذلك (1). 27 - وذكر الثعلبي في تفسير هذه الاية باسناد رفعه قال: أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما أراد الهجرة خلف على بن أبي طالب عليه السلام بمكه لقضاء ديونه ورد ودائعه التي كانت عنده، وأمره ليله خرج الى الغار، وقد أحاط المشركون بالدار أن ينام على فراشه. ثم قال الثعلبي بعد كلام ذكره: (2) ففعل ذلك علي عليه السلام فأوحى الله الى جبرئيل وميكائيل عليهما السلام: اني آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الاخر، فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة ؟ فاختارا كلاهما الحياة، فأوحى الله عز وجل اليهما: أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب آخيت بينه وبين محمد فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة، اهبطا الى الارض فاحفظاه من عدوه فنزلا فكان جبرئيل عند رأسه وميكائيل عند رجليه، فقال جبرئيل: بخ بخ من مثلك يابن أبي طالب، يباهى الله بك الملائكه، فأنزل الله عز وجل على رسوله وهو متوجه الى المدينة في شأن على بن أبي طالب: " ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضاة الله " الايه (3). وروى الشافعي ابن المغازلى في كتاب المناقب حديث مبيت على عليه السلام على فراش النبي صلى الله عليه وآله مسندا أيضا (4).


1) مسند أحمد بن حنبل: 1 / 331، والبحار: 36 / 41، والعمدة: 123. 2) وهو (وقال له: أتشح ببردي الحضرمي الاخضر فانه لا يخلص اليك منهم مكروه انشاء الله تعالى). 3) احقاق الحق عن الثعلبي: 6 / 479، بحار: 36 / 41، العمدة: 124. 4) لم نجده في المصدر المطبوع.

[ 38 ]

رد أبي بكر عن ابلاغ سورة التوبه 28 - ومن ذلك ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده من طرق جماعه، فمنها عن أنس بن مالك أن رسول الله (ص) بعث ببرائه مع أبي بكر الى أهل مكه فلما بلغ الى ذى الحليفه بعث إليه فرده فقال: لا يؤدي عنى إلا رجل من أهل بيتى، فبعث عليا " ع " (1) 29 - ومن مسند أحمد بن حنبل عن سماك عن حبيش يرفعه قال: لما نزلت عشر آيات من سورة برائه على النبي (ص) دعى النبي أبا بكر فبعثه بها ليقرأها على أهل مكه، ثم دعى النبي عليا عليه السلام فقال له: أدرك أبا بكر فحيث ما لحقته فخذ الكتاب منه، فاذهب به الى مكه واقرأه عليهم. قال: فلحقه بالجحفه فأخذ الكتاب منه، فرجع أبو بكر الى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله نزل في شئ. فقال: لا ولكن جبرئيل جاءني فقال: لن يؤدى عنك إلا أنت أو رجل منك (2). 30 - وروى البخاري في صحيحه في نصف الجزء الخامس في باب " وأذان من الله ورسوله الى الناس يوم الحج الاكبر أن الله برئ من المشركين ورسوله " حديث سورة براءة، وزاد فيه: قال فأذن على في أهل منى يوم النحر: ألا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان (3). 31 - ورواه أيضا في الجمع بين الصحاح السته في الجزء الثاني في تفسير سورة براءة من صحيح أبي داود وصحيح الترمذي في حديث ابن معاوية


1) مسند أحمد بن حنبل: 3 / 283، واحقاق الحق عن الفضائل لاحمد بن حنبل المخطوط: 3 / 428، والبحار 35 / 305 وفيه (لا يذهب بها) وذخائر العقبى: 69. 2) رواه ابن كثير عن أحمد بن حنبل في تفسيره: 2 / 322، والبحار 35 / 305. 3) البحار: 35 / 306، والبخاري في صحيحه: 5 / 202.

[ 39 ]

يرفعونه الى عبد الله بن عباس قال: بعث رسول الله (ص) أبا بكر وأمره أن ينادى في الموسم ببراءة، ثم أردفه عليا عليه السلام، فبينما أبو بكر في بعض الطريق إذ سمع رغاء ناقه رسول الله (ص) العضباء، فقام أبو بكر فزعا فظن أنه حدث أمر، فدفع إليه على كتابا من رسول الله فيه ان عليا ينادى بهؤلاء الكلمات فانه لا ينبغى أن يبلغ عنى الا رجل من أهل بيتى. فانطلقا، فقام على (ع) ايام التشريق ينادى: ذمة الله ورسوله بريئه من كل مشرك، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، ولا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت بعد اليوم عريان، ولا ى دخل الجنة إلا نفس مؤمنة (1). 32 - ورواه الثعلبي في تفسيره في تفسير سورة برائه، وشرح الثعلبي كيف نقض المشركون العهد الذي عاهدهم النبي (ص) في الحديبيه، ثم قال الثعلبي في أواخر حديثه ما هذا لفظه: فبعث رسول الله (ص) أبا بكر في تلك السنه على الموسم ليقيم للناس الحج، وبعث معه أربعين آيه من صدر براءة ليقرأها على أهل الموسم، فلما سار دعا رسول الله (ص) عليا عليه السلام فقال: أخرج بهذه القصه واقرأ عليهم من صدر براءة، وأذن بذلك في الناس إذا اجتمعوا، فخرج علي على ناقة رسول الله (ص) العضباء حتى أدرك أبا بكربذى الحليفه، فأخذها منه، فرجع أبو بكر الى النبي (ص) فقال: يا رسول الله بأبى أنت وأمي أنزل في شأني شئ ؟ فقال: لا ولكن لا يبلغ عنى الا أنا أو رجل منى. ثم ذكر الثعلبي صورة نداء علي وابلاغه لما أمره الله به ورسوله (2).


1) البحار: 35 / 306. 2) احقاق الحق عن تفسير الثعلبي المخطوط: 3 / 430، والبحار: 35 / 307.

[ 40 ]

نزول آيه النجوى (في علي عليه السلام) 33 - ومن ذلك ما رواه في الجمع بين الصحاح السته في الجزء الثالث من أجزاء ثلاثة في تفسير سورة المجادلة (1). ورواه الفقيه الشافعي ابن المغازلى (2). ورواه الثعلبي في تفسير قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدى نجواكم صدقه " (3) فمن ذلك عن مجاهد قال: نهى عن مناجاة النبي (ص) حتى يتصدقوا، فلم يناجه إلا علي بن أبي طالب عليه السلام قدم دينارا فتصدق به ثم نزلت الرخصة، وقال علي عليه السلام: ان في كتاب الله آيه ما عمل بها أحد قبلى ولا يعمل بها أحد بعدى وهي " يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدى نجواكم صدقه الايه وقال علي عليه السلام: بى خفف الله عن هذه الامه أمر هذه الايه فلم ينزل في أحد قبلى ولا ينزل في أحد بعدى (4). قال ابن عمر: كان لعلى عليه السلام ثلاثه لو كانت لي واحدة منهن كانت أحب الى من حمر النعم: تزويجه فاطمة عليها السلام، واعطاؤه الرايه يوم الخيبر، وآيه النجوى. (5)


1) رواه الحاكم النيسابوري في المستدرك 2 / 481 عن مجاهد. 2) المناقب: 325 رواه عن علي بن أبي طالب عليه السلام وعن مجاهد ورواه الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل 2 / 231 عن مجاهد. 3) المجادلة: 12. 4) احقاق الحق عن الثعلبي: 3 / 132 و 14 / 205، والعمدة: 93. 5) احقاق الحق عن الثعلبي: 4 / 449، والمناقب للخوارزمي: 196 ط نجف.

[ 41 ]

34 - ومن رواياتهم المشار إليها في الجمع بين الصحاح السته، قال أبو عبد الله البخاري: قوله تعالى " إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدى نجواكم صدقه " نسختها آيه " فإذ لم تفعلوا فتاب الله عليكم " قال أمير المؤمنين على بن أبي طالب عليه السلام: ما عمل بهذه الايه غيرى، وبى خفف الله تعالى عن هذه الامه أمر هذه الايه (1). 35 - ووجدت في كتاب عتيق روايه أبي عمير الزاهد في تفسير كلام لعلى عليه السلام قال: لما نزلت آيه الصدقة مع النجوى دعا النبي (ص) عليا عليه السلام فقال: ما تقدمون من الصدقة بين يدى النجوى ؟ قال: يقدم أحدهم حبة من الحنطه فما فوق ذلك. قال: فقال له المصطفى: انك لزهيد - أي فقير - فقال ابن عباس: فجاء علي في حاجه بعد ذلك الوقت والناس قد اجتمعوا، فوضع دينارا ثم تكلم وما كان يملك غيره. قال: تخلى الناس ثم خفف عنهم برفع الصدقة (2)، فقال أبو العياش: فهذه القصه يستادبها علي عليه السلام الخلق. 36 - ومن ذلك ما رواه ابن مردويه في كتاب المناقب في تفسير آية النجوى من أربع طرق هذه احدها يرفعه الى سالم بن أبي الجعد عن علي عليه السلام قال: لما نزلت آيه المناجاة قال: قال لي رسول الله (ص) ما تقول في دينار ؟ قلت: ما يطيقونه. قال: فكم ؟ قلت: شعيرة. قال: انك لزهيد، ونزلت " ءأشفقتم " الايه، قال علي عليه السلام: بى خفف الله تعالى عن هذه الامه فلم تنزل في أحد قبلى ولا بعدى (3).


1) احقاق الحق رواه عن الجمع بين الصحاح الستة: 3 / 133، البحار: 35 / 379. 2) البحار: 35 / 379. 2) البحار: 35 / 378.

[ 42 ]

آية المباهلة 37 - وقد ذكر الزمخشري في كتاب الكشاف في تفسير سورة آل عمران عند تفسير آيه المباهلة فقال ما هذا لفظه: وروى أنه لما دعاهم الى المباهلة قالوا: حتى نرجع وننظر فنأتيك غدا، فلما تخالوا قالوا للعاقب وكان ذا رأيهم: يا عبد المسيح ما ترى ؟ فقال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمدا نبى مرسل، ولقد جاءكم بالفضل من أمر صاحبكم، والله ما باهل قوم نبيا قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم لتهلكن، فإن أبيتم إلا ألف دينكم والاقامة على ما أنتم عليه فوادعوا الرجل وانصرفوا الى بلادكم. فاتوا رسول الله (ص) وقد غدا محتضنا الحسين آخذا بيد الحسن وفاطمة تمشى خلفه وعلي خلفها وهو يقول: إذا أنا دعوت فأمنوا. فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى انى لارى وجوها لو شاء الله أن يزيل جبلا من مكانه لازاله بها فلا تباهلوا فتهلكوا، فلا يبق على وجه الارض نصراني الى يوم القيامة فقالوا: يا أبا القاسم رأينا أن لانباهلك وأن نقرك على دينك ونثبت على ديننا. قال: فإذا أبيتم المباهلة فاسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم. فابوا قال: فانى أناجزكم. فقالوا: ما لنا بحرب العرب طاقه ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تخيفنا ولا تردنا عن ديننا على أن نؤدى اليك كل عام ألفى حله ألف في صفر وألف في رجب وثلاثين درعا عاديه من حديد، فصالحهم النبي (ص) على ذلك وقال: والذي نفسي بيده أن الهلاك قد تدلى على أهل نجران، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ولاضطرم الوادي نارا، ولاستأصل الله نجران

[ 43 ]

وأهله حتى الطير على رؤوس الشجر، ولما حال الحول النصارى كلهم حتى يهلكوا. وعن عائشة أن رسول الله (ص) خرج وعليه مرط مرجل من شعر أسود، فجاء الحسن فأدخله ثم جاء الحسين فأدخله ثم جاءت فاطمه ثم علي، ثم قال: " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ". فإن قلت: ما كان دعاؤه الى المباهلة إلا ليتبين الكاذب منه ومن خصمه، وذلك أمر يختص به وبمن يكاذبه، فما معنى ضم الابناء والنساء ؟ قلت: كان ذلك آكد في الدلاله على ثقته بحاله واستيقانه بصدقه، حيث استجر أعلى تعريض أعزته وأفلاذ كبده وأحب الناس إليه ذلك، ولم يقتصر على تعريض نفسه له وعلى ثقته أيضا بكذب خصمه حتى يهلكه مع أحبته وأعزته هلاك الاستئصال ان تمت المباهلة، وخص الابناء والنساء لانهم أعز الاهل وألصقهم بالقلوب، وربما فداهم الرجل بنفسه وحارب دونهم حتى يقتل، ومن ثم كانوا يسوقون مع أنفسهم الظعائن في الحروب لتمنعهم من الهرب ويسمون الذادة عنها حماة الحقائق، وقدمهم في الذكر على الانفس لينبه على لطف مكانهم وقرب منزلتهم وليؤذن بانهم مقدمون على الانفس مفدون بها، وفيه دليل لا شئ أقوى منه على فضل أصحاب الكساء عليهم السلام. وفيه برهان واضح على صحه نبوة النبي (ص) لانه لم يرو أحد من موافق ولا مخالف أنهم أجابوا الى ذلك. هذا آخر كلام الزمخشري فانظر بعين الانصاف تعرف منه أهل الصراط السوى (1). 38 - قال (عبد المحمود) وقد ذكر النقاش في تفسيره شفاء الصدور ما هذا لفظه، قوله عز وجل " قل تعالوا ندع أبنائنا وأبنائكم " (2) قال أبو بكر:


1) الكشاف: 1 / 434. 2) آل عمران: 61.

[ 44 ]

جاءت الاخبار بان رسول الله (ص) أخذ بيد الحسن وحمل الحسين عليهما السلام على صدره، ويقال: بيده الاخرى وعلى عليه السلام معه وفاطمة عليها السلام من ورائهم، فحصلت هذه الفضيلة للحسن والحسين من بين جميع أبناء اهل بيت رسول الله (ص) وأبناء أمته، وحصلت هذه الفضيلة لفاطمه بنت رسول الله (ص) من بين بنات النبي وبنات أهل بيته وبنات أمته، وحصلت هذه الفضيلة لامير المؤمنين علي عليه السلام من بين أقارب رسول الله ومن أهل بيته وأمته بان جعله رسول الله (ص) كنفسه، يقول: " وأنفسنا وأنفسكم ". جرير عن الاعمش قال: كانت المباهلة ليلة أحدى وعشرين من ذى الحجه، وكان تزويج فاطمه لعلي بن ابي طالب عليهما السلام يوم خمسه وعشرين من ذى الحجه، وكان يوم غدير خم يوم ثمانيه عشر من ذى الحجه، هذا آخر كلام النقاش. وقد ذكر الخطيب في تاريخ بغداد فضل أبي بكر محمد بن الحسن ابن زياد النقاش وكثرة رجاله وأن الدارقطني وغيره رووا عنه، وذكر أنه قال عند موته " لمثل هذا فليعمل العاملون " ثم مات في الحال (1). 39 - ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه من طرق: فمنها في الجزء الرابع فضائل أمير المؤمنين على بن أبي طالب عليه السلام في ثالث كراس من أوله من الكتاب الذي نقل الحديث منه في تفسير قوله تعالى " فمن حاجك فيه من بعد ما جائك من العلم فقل تعالوا ندع أبنائنا وأبنائكم ونسائنا ونسائكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنه الله على الكاذبين " فرفع مسلم الحديث النبي (ص) وهو طويل يتضمن عدة فضائل لعلى بن أبي طالب عليه السلام خاصه، يقول في آخره: ولما نزلت هذه الايه دعا رسول الله (ص) عليا


1) البحار: 35 / 361.

[ 45 ]

وفاطمة وحسنا وحسينا وقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي (1). ورواه ايضا مسلم أواخر الجزء المذكور على حد كراسين من النسخة المنقول منها. ورواه ايضا الحميدى في الجمع بين الصحيحين في مسند سعد بن أبي وقاص في الحديث السادس من افراد مسلم (2). 40 - ورواه الثعلبي في تفسير هذه الاية عن مقاتل والكلبي قال: لما قرأ رسول الله (ص) هذه الاية على وفد نجران ودعاهم الى المباهلة، قالوا له: حتى نرجع وننظر في امرنا ونأتيك غدا، فخلا بعضهم الى بعض، فقالوا للعاقب وكان ديانهم: يا عبد المسيح ما ترى ؟ فقال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى ان محمدا نبي مرسل، ولقد جاءكم بالفضل من عند ربكم، والله مالا عن قوم قط نبيا فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم ذلك لتهلكن، وان أبيتم إلا الف دينكم والاقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل وانصرفوا الى بلادكم، فأتوا رسول الله (ص) وقد غذا رسول الله محتضنا للحسن وآخذا بيد الحسين وفاطمة تمشي خلفه وعلي خلفها، وهو يقول لهم: إذا أنا دعوت فأمنوا، فقال اسقف نجران: يا معشر النصارى اني لارى وجوها لو سألوا الله ان يزيل جبلا لازاله من مكانه، فلا تبتهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني الى يوم القيامة. فقالوا: يا أبا القاسم قد رأينا ألا نلاعنك، وان نتركك على دينك ونثبت على ديننا، فقال رسول الله (ص): ان أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم، فأتوا، فقال: فاني انابذكم الحرب. فقالوا: ما لنا بحرب العرب


1) مسلم في صحيحه: 4 / 1871، والبحار: 35 / 261، وذخائر العقبي: 25 والترمذي في جامعه: 4 / 82. 2) رواة الحاكم في المستدرك: 3 / 150، وأحمد بن حنبل في مسنده 1 / 185.

[ 46 ]

طاقة، ولكنا نصالحك على ان لا تغزونا ولا تخيفنا ولا تردنا عن ديننا على أن نؤدي اليك في كل عام ألفي حلة: الف في صفر والف في رجب، فصالحهم النبي (ص) على ذلك (1). ورواه ايضا أبو بكر بن مردويه بأجمل من هذه الالفاظ والمعاني عن ابن عباس والحسن والشعبي والسدي. وفي رواية الثعلبي زيادة في آخر حديثه وهي: قال والذي نفسي بيده ان العذاب قد تدلى على أهل نجران، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ولاضطرم عليهم الوادي نارا، ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على الشجر. ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى هلكوا، فأنزل الله تعالى (2): " ان هذا لهو القصص الحق وما من اله إلا الله وان الله لهو العزيز الحكيم * فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين " (3). 38 - ورواه الشافعي ابن المغازلي في كتاب المناقب عن الشعبى عن جابر ابن عبد الله قال: قدم وفد نجران على النبي (ص) العاقب والطيب فدعاهما الى الاسلام فقالا: أسلمنا يا محمد قبلك. قال: كذبتما ان شئتما أخبرتكما بما يمنعكما من الاسلام ؟ قالا: هات، قال: حب الصليب، وشرب الخمر، وأكل الخنزير، فدعاهما الى الملاعنة فواعداه أن يغادياه بالغدوة، فغدا رسول الله (ص) وأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ثم أرسل اليهما: فأبيا أن يجيبا فأقرا بالخراج، فقال النبي (ص): والذي بعثني بالحق نبيا لو فعلا لامطر الله عليهما الوادي نارا. قال جابر: فيهم نزلت هذه الاية " ندع


1) ابن بطريق في العمدة عن تفسير الثعلبي: 95، والبحار: 35 / 261. 2) آل عمران: 62 - 63. 3) العمدة عن الثعلبي: 95، والبحار: 35 / 261، وفخر الرازي في تفسيره: 8 / 85.

[ 47 ]

ابنائنا وابنائكم " الاية. قال الشعبي: ابناؤنا الحسن والحسين، ونساؤنا فاطمة وأنفسنا علي بن أبي طالب عليهم السلام (1). نزول آية " إنما وليكم الله " في شأن علي عليه السلام 39 - ومن ذلك ما رواه الثعلبي في تفسير قوله تعالى " إنما وليكم الله ورسوله " الاية (2) قال: السدي وعتبة بن أبي الحكيم وغالب بن عبد الله: إنما عنى بهذه الاية عليي بن أبي طالب عليه السلام لانه مر به سائل وهو راكع في المسجد فأعطاه خاتمه (3). ورواه أيضا الزمخشري في كتاب الكشاف في تفسير الاية (4). 40 - ورواه الثعلبي من عدة طرق: فمنها ما رفعه الى عباية بن الربعي قال: بينا عبد الله بن عباس جالس على شفير زمزم يقول: قال رسول الله (ص) إذ أقبل رجل معتم بعمامة، فجعل ابن عباس لا يقول قال رسول الله الا وقال الرجل قال رسول الله، فقال ابن عباس: سألتك بالله من أنت. فكشف العمامة عن وجهه وقال: يا أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا جندب بن جنادة البدرى أبو ذرالغفاري سمعت رسول الله (ص) بهاتين وإلا فصمتا ورأيته بهاتين والا فعميتا وهو يقول: علي قائد البررة وقاتل الكفرة، منصور من نصره، مخذول من خذله أما اني صليت مع رسول الله (ص) يوما من الايام صلاة الظهر فسأل سائل


1) المناقب: 263، والبحار: 35 / 262، ودر المنثور: 4 / 38. 2) المائدة: 55. 3) احقاق الحق عنه: 2 / 402 والبحار، 35 / 195. 4) الكشاف: 1 / 624.

[ 48 ]

في المسجد فلم يعطه أحد شيئا، فرفع السائل يده الى السماء وقال: اللهم اشهد أني سألت في مسجد رسول الله فلم يعطني أحد شيئا، وكان علي عليه السلام راكعا فأومأ إليه بخنصره اليمنى وكان يتختم فيها، فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره وذلك بعين رسول الله (ص)، فلما فرغ من صلاته رفع رأسه الى السماء وقال: اللهم ان موسى سألك فقال: " رب اشرح لي صدري ويسر لي أمرى واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي أشدد به أزري واشركه في أمري "، فأنزلت عليه قرآنا ناطقا " سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون اليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون " (1) اللهم وانا محمد نبيك وصفيك، اللهم فاشرح لي صدري ويسر لي أمري واجعل لي وزيرا من اهلي عليا اشدد به ظهري. قال أبو ذر: فما استتم رسول الله (ص) الكلمة حتى نزل جبرئيل عليه السلام من عند الله تعالى فقال: يا محمد اقرأ. قال: وما اقرأ ؟ قال: اقرأ " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون " (2). 41 - ومن كتاب الجمع بين الصحاح الستة من الجزء الثالث من آخر ثلثه في تفسير سورة المائدة قوله تعالى " إنما وليكم الله ورسوله " الاية، من صحيح النسائي عن ابن سلام قال: أتيت رسول الله (ص) فقلت: ان قومنا حادونا لما صدقنا الله ورسوله، وأقسموا لا يكلمونا، فأنزل الله تعالى " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ". ثم اذن بلال لصلاة الظهر، فقام الناس يصلون فمن بين ساجد وراكع وسائل إذا سأل فأعطى علي عليه السلام خاتمه السائل وهو راكع،


1) القصص: 35. 2) احقاق الحق عنه: 4 / 59، والبحار: 35 / 194.

[ 49 ]

رسول الله " انما وليكم الله ورسوله " الى قوله " الغالبون " (1). 42 - ورواه الشافعي ابن المغازلي من خمس طرق: فمنها عن عبد الله ابن عباس قال: مر سائل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي يده خاتم قال: من اعطاك هذا الخاتم ؟ قال: ذاك الراكع - وكان علي عليه السلام يصلي - فقال: الحمد لله الذي جعلها في وفي أهل بيتي (2). 43 - ومن روايات الشافعي ابن المغازلي في المعنى يرفعه الى علي بن عابس قال: دخلت أنا وأبو مريم على عبد الله بن عطاء، قال أبو مريم: حدث عليا بالحديث الذي حدثتني عن أبي جعفر، قال: كنت عند أبي جعفر جالسا إذ مر ابن عبد الله بن سلام، قلت: جعلت فداك هذا ابن الذي عنده علم الكتاب. قال: لا ولكنه صاحبكم علي بن أبي طالب عليه السلام الذي نزلت فيه آيات من كتاب الله عز وجل " ومن عنده علم الكتاب " (3)، " أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه " (4)، " إنما وليكم الله ورسوله " (5) الاية. وذكر السدي في تفسيره ان هذه الاية نزلت في علي (ع)


1) احقاق الحق مثله عن المختار في مناقب الاخيار: 14 / 22، وذخائر العقبى: 102، وينابيع المودة: 218، والبحار: 35 / 199. 2) المناقب: 321 وفيه زيادة وهي: (إنما وليكم الله ورسوله) وكان على خاتمه الذي تصدق به (سبحان من فخري بأني له عبد). 3) الرعد: 43. 4) هود: 17. 5) المناقب: 314.

[ 50 ]

نزول قوله تعالى " أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام " 44 - ومن ذلك ما رواه كتاب الجمع بين الصحاح الستة في الجزء الثاني من صحيح النسائي في تفسير قوله تعالى " أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الاخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله (1) عن محمد بن كعب القرظي، قال: افتخر شيبة بن أبي طلحة (2) ورجل ذكر اسمه (3) وعلي بن أبي طالب عليه السلام. فقال شيبة بن أبي طلحة معي مفتاح البيت ولو أشاء بت فيه، وقال ذلك الرجل: أنا صاحب السقاية والقائم عليها ولو أشاء بت في المسجد، وقال علي (ع): ما أدرى ما تقولان لقد صليت الى القبلة قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد، فأنزل الله تعالى: " أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام " الاية (4). ورواه الثعلبي كذلك تفسير هذه الاية عن الحسن والشعبي ومحمد ابن كعب القرظي (5). ورواه الشافعي ابن المغازلي عن اسماعيل بن عامر وعن عبد الله بن عبيدة


1) التوبة: 19. 2) وفي النسخ طلحة بن شيبة وهو مصحف والصحيح هو الذي ذكرناه راجع الاصابة: 161 ط بيروت. 3) وهو عباس عم النبي (ص) قال العلامة المجلسي لعل السيد اتقى في عدم التصريح بذكر العباس من خلفاء زمانه. 4) رواه الطبري في جامع البيان: 10 / 68 ط بيروت، والبحار: 36 / 37، والدر المنثور: 3 / 218. 5) العمدة عن الثعلبي: 98، والفخر الرازي في تفسيره: 16 / 11.

[ 51 ]

البريدى (1) وان عليا عليه السلام هو المشهود له بالفضل، وهو المقصود بالايمان واليوم الاخر والجهاد في سبيل الله تعالى. قول النبي صلى الله عليه وآله " أنت مني بمنزلة هارون من موسى " 45 - ومن ذلك ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده من عدة طرق فمنها ما يرفعه الى سعيد بن المسيب قال حدثنا مصعب بن سعد بن ابي وقاص عن أبيه سعد قال: دخلت على سعد فقلت: حديث حدثته عنك حدثنيه حين استخلف النبي (ص) عليا (ع) على المدينة. قال فغضب سعد وقال: من حدثك به ؟ فكرهت أن أحدثه أن ابنه حدثنيه فيغضب عليه، ثم قال: ان رسول الله حين خرج في غزوة تبوك استخلف عليا على المدينة، فقال علي: يا رسول الله ما كنت احب ان تخرج في وجه إلا وانا معك. فقال: أو ما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون موسى غير انه لا نبي بعدى (2). ومن بعض روايات أحمد ابن حنبل " إلا النبوة ". وروى في الجمع بين الصحيحين للحميدي في مسند سعد بن أبي وقاص في الحديث الثامن المتفق عليه من عدة طرق (3). 46 - ومن صحيح البخاري من الجزء الخامس في الكراس السادس وهو


1) المناقب: 321 - 322. 2) احقاق الحق عن الفضائل لاحمد بن حنبل: 5 / 157، والعمدة: 62، والبحار: 37 / 261. 3) رواه النسائي في الخصائص: 15، والخوارزمي في المناقب: 83 ط نجف.

[ 52 ]

نصف الجزء من النسخة المنقول منها، أن النبي (ص) خرج الى تبوك واستخلف عليا، فقال: أتخلفني في النساء والصبيان ؟ فقال: ألا ترضى ان تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا انه ليس نبي بعدى (1). ورواه البخاري ايضا في صحيحه في الجزء الرابع على حد ربعه الاخير من النسخة المنقول منها (2). 47 - ورواه مسلم في صحيحه في الجزء الرابع على حد كراسين من آخره من النسخة المنقول منها، وأسنداه معا من عدة طرق، وفي بعض روايتهما للحديث المذكور أن سعيد بن المسيب قال لسعد بن أبي وقاص: أنت سمعته من النبي (ص) يقول ذلك لعلي بن أبي طالب عليه السلام ؟ فوضع أصبعيه في أذنيه فقال: نعم وإلا فاستكتا (3). 48 - ورواه أيضا مسلم في صحيحه في الجزء الرابع في أوله من مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) من عدة طرق، وقيل للراوى: أنت سمعته - يعني من رسول الله - فقال: نعم وإلا فصمتا (4). 49 - ورواه الشافعي ابن المغازلي في كتاب المناقب من اكثر من عشر طرق، فمنها ما اتفق على لفظه هو وأحمد بن حنبل يرفعانه الى اسماعيل بن أبي خالد عن قيس قال: سأل رجل معاوية بن أبي سفيان عن مسألة فقال: سل عنها علي بن أبي طالب عليه السلام فانه أعلم. قال: يا معاوية قولك فيها أحب الي من قول علي، فقال: بئس ما قلت، ولؤم ما جئت به، كيف كرهت رجلا كان رسول الله (ص) يغره بالعلم غرا، ولقد قال له رسول الله: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا انه لا نبى بعدى، ولقد كان عمر بن الخطاب


1) البخاري في صحيحه 5 / 129 والعمدة عن البخاري: 63، وذخائر العقبى: 63. 2) رواه البخاري في صحيحه: 4 / 208، وفي تاريخه: 1 / 115. 3) مسلم في صحيحه: 4 / 1870 و 1871. 4) مسلم في صحيحه 2 / 19 ط محمد علي صبيح بمصر.

[ 53 ]

يسأله فيأخذ عنه، ولقد شهدت عمر إذا أشكل عليه شئ قال هاهنا علي، قم لا أقام الله رجليك. وزاد ابن المغازلي قال: ومحى اسمه من الديوان (1). وفي بعض روايات ابن المغازلي ان سعد بن أبي وقاص قيل له مرة: أسمعت هذا من رسول صلى الله عليه وآله وسلم ؟ قال: نعم، لا مره ولا مرتين، يقول ذلك لعلي عليه السلام (2). ورواه في الجمع بين الصحاح الستة في الجزء الثالث من أجزاء ثلاثة في ثلثه الاخير في باب مناقب أمير المؤمنين علي عليه السلام من صحيح أبي داود وصحيح الترمذي (3). 50 - ورواه أحمد بن حنبل عن النبي (ص) انه قال لعلي أيضا يوم المؤاخاة أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا انه لا نبي بعدى (4). وقد صنف القاضي أبو القاسم علي بن المحسن بن علي التنوخي - وهو من أعيان رجالهم - كتابا سماه " ذكر الروايات عن النبي انه قال لامير المؤمنين علي بن أبي طالب أنت مني بمنزلة هارون من موسى من إلا انه لا نبي بعدى وبيان طرقها واختلاف وجوهها ". رأيت هذا الكتاب من نسخة نحو ثلاثين ورقة عتيقة عليها رواية، تاريخ الرواية سنة خمس وأربعين واربعمائة، وروى التنوخي حديث النبي (ص)


1) المناقب: 34، وذخائر العقبي عن أحمد بن حنبل في المناقب: 79. 2) المناقب: 33. 3) الترمذي في صحيحه: 13 / 175 ط الصاوي مصر. 4) احمد بن حنبل في مسنده: 3 / 32 و 56 و 74 و 88 و 94 و 338 و 1 / 170 و 173 و 230 و 6 / 438.

[ 54 ]

لعلي عليه السلام " أنت منى بمنزلة هارون من موسي "، عن عمر بن الخطاب وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وسعد بن أبي وقاص وعبد الله ابن مسعود وعبد الله بن عباس وجابر عبد الله الانصار وأبي هريرة وأبي سعيد الخدرى وجابر بن سمرة ومالك بن حويرث والبراء بن عازب وزيد بن ارقم وأبي رافع مولى رسول الله وعبد الله بن أبي أوفى واخيه زيد بن أبي أوفى وأبي سريحة وحذيفة بن اسيد وانس بن مالك وأبي بريدة الاسلمي وأبي ايوب الانصاري وعقيل بن أبي طالب وحبشي بن جنادة السلولي ومعاوية بن أبي سفيان وأم سلمة زوجة النبي واسماء بنت عميس وسعيد بن المسيب ومحمد بن علي بن الحسين عليهم السلام وحبيب بن أبي ثابت وفاطمة بنت علي وشرحبيل بن سعد. قال التنوخي: كلهم عن النبي (ص)، ثم شرح الروايات بأسانيدها وطرقها محررا. فصل وقد ذكر الحاكم أبو نصر الحربي في كتاب " التحقيق لما احتج أمير المؤمنين عليه السلام يوم الشورى " وهذا الحاكم المذكور من أعيان الاربعة المذاهب، وقد كان أدرك حياة أبي العباس ابن عقده الحافظ، وكان وفاة ابن عقدة سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، فذكر أنه روى قول النبي (ص) في علي عليه السلام " أنت مني بمنزلة هارون من موسى " عن خلق كثير، ثم ذكر انه رواه عن أبي بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص والحسن بن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر بن الخطاب وابن المنذر وأبي بن كعب وأبي اليقظان وعمار بن ياسر وجابر

[ 55 ]

ابن عبد الله الانصاري وأبي سعيد الخدرى ومالك بن حويرث وزيد بن أرقم والبراء بن عازب وأنس بن مالك وجابر بن سمرة وحبشي بن جنادة ومعاوية بن أبي سفيان وبريدة الاسلمي وفاطمة بنت رسول (ص) وفاطمة بنت حمزة وأسماء بنت عميس وأروى بنت الحارث بن عبد المطلب (1). ما ظهر من فضله صلوات الله عليه (في غزوة خيبر) 51 - ومن ذلك ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده من أكثر من ثلاثة عشر طريقا، فمن ذلك عن عبد الله بن بريدة قال: سمعت ابي يقول حضرنا خيبر فأخذ اللواء أبو بكر فانصرف ولم يفتح له، ثم أخذها من الغد عمر فرجع ولم يفتح له، ثم اخذها عثمان ولم يفتح له، فأصاب الناس يومئذ شدة وجهد، فقال رسول الله: اني دافع الراية غدا الى رجل يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله، ولا يرجع حتى يفتح الله له، فبتنا طيبة أنفسنا ان الفتح غدا، ثم قام قائما ودعا باللواء والناس على مصافهم فدعا عليا وهو أرمد، فتفل في عينه ودفع إليه اللواء وفتح له (2). ورواه البخاري في صحيحه في أواخر الجزء الثالث منه عن سلمة بن الاكوع (3) ورواه أيضا البخاري في الجزء المذكور عن سهل (4).


1) روى عن هؤلاء الرواة من كتب القوم في ذيل احقاق الحق: 5 / 132 إلى 235 وفي تاريخ ابن عساكر في ترجمة الامام علي بن أبي طالب: 1 / 282 إلى 364. 2) احمد بن حنبل في مسنده: 5 / 353. 3) البخاري في صحيحه: 5 / 76، والبحار: 39 / 7. 4) البخاري في صحيحه: 5 / 76 - 77.

[ 56 ]

ورواه أيضا البخاري في الجزء الرابع في رابع كراس من النسخة المنقول منها (1). ورواه أيضا في الجزء الرابع في ثلثه الاخير من صحيحه في مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام (2). ورواه أيضا البخاري في الجزء الخامس من صحيحه في رابع كراس من أوله من النسخة المنقول منها (3). ورواه مسلم في صحيحه في الجزء الرابع في نصف الكراس الا ومن من النسخة المنقول منها (4). ورواه أيضا مسلم في صحيحه في آخر كراس من الجزء المذكور من النسخة المشار إليها (5). 52 - فمن رواية البخاري ومسلم في صحيحيهما من بعض طرقهما ان رسول الله (ص) قال يوم خيبر: لاعطين هذه الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، فبات الناس يذكرون ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله كلهم يرجون أن يعطاها، فقال: أين علي بن أبي طالب ؟ فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه. قال: فأرسلوا إليه فأتى به فبصق رسول الله (ص) في عينيه ودعا له، فبرئ كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية فقال علي: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا ؟ فقال: أنفذ على رسلك تنزل بساحتهم، ثم ادعهم الى الاسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله


1) البخاري في صحيحه: 5 / 8 و 47. 2) البخاري في صحيحه: 4 / 207، وكذا في تاريخه: 4 / 262. 3) البخاري في صحيحه: 4 / 47. 4) مسلم في صحيحه: 4 / 1871. 5) مسلم في صحيحه: 4 / 1872.

[ 57 ]

تعالى فيه، فو الله لأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم (1). ورواه في الجمع بين الصحاح الستة من الجزء الثالث في غزوة خيبر من صحيح الترمذي (2). ورواه في الجمع بين الصحيحين للحميدي في مسند سهل بن سعد وفي مسند سعد بن أبي وقاص وفي مسند أبي هريرة وفي مسند سلمة بن الاكوع (3). 53 - ورواه الفقيه الشافعي ابن المغازلي أيضا من طرق جماعة، فمن روايات الشافعي ابن المغازلي في كتاب المناقب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: بعث رسول الله (ص) أبا بكرالى خيبر فلم يفتح عليه، ثم بعث عمر فلم يفتح عليه، فقال: لاعطين الراية رجلا كرار غير فرار يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، فدعا علي بن أبي طالب عليه السلام وهو أرمد العين، فتفل في عينيه ففتح عينيه كأنه لم يرمد قط، فقال: خذ هذه الراية فامض بها حتى يفتح الله عليك. فخرج يهرول وأنا خلف أثره حتى ركز رايته في أصلهم تحت الحصن، فاطلع رجل يهودى من رأس الحصن وقال: من أنت ؟ قال علي بن أبي طالب، فالتفت الى أصحابه وقال: غلبتم والذي أنزل التوراة على موسى، قال: فما رجع حتى فتح الله عليه (4).


1) البخاري في صحيحه: 4 / 207، وأحمد بن حنبل في مسنده: 5 / 333، ومسلم في صحيحه: 4 / 1872. 2) احقاق الحق عن الجمع بين الصحاح: 5 / 374، والترمذي في صحيحه: 13 / 171. 3) احقاق الحق عن الجمع بين الصحيحين: 5 / 394. 4) المناقب: 181.

[ 58 ]

ورواه علماء التاريخ مثل محمد بن يحيى الازدي وابن جرير الطبري (1) والواقدى ومحمد بن اسحاق وأبي بكر البيهقي في دلائل النبوة (2) وأبي نعيم في كتاب حلية الاولياء (3) والاشبهي في الاعتقاد عن عبد الله بن عمر وسهل بن سعد وسلمة بن الاكوع وأبي سعيد الخدرى وجابر بن عبد الله الانصاري أن النبي صلى الله عليه وآله بعث أبا بكر برايته مع المهاجرين وهي راية بيضاء فعاد يؤنب قومه ويؤنبونه، ثم بعث عمر بعده فرجع يجبن أصحابه ويجبنونه حتى ساء ذلك " ص " فقال: لاعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرار غير فرار لا يرجع حتى يفتح الله على يديه، فأعطاها عليا ففتح على يديه (4). 55 - ورواه الثعلبي في تفسير قوله تعالى: " ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا " (5) وذلك في فتح خيبر قال: حاصر رسول الله " ص " أهل خيبر حتى أصابتنا مخمصة شديدة، وان النبي أعطى اللواء عمر بن الخطاب ونهض من نهض معه من الناس، فلقوا أهل خيبر فانكشف عمر وأصحابه ورجعوا الى رسول الله يجبنه أصحابه ويجبنهم، وكان رسول الله (ص) قد أخذته الشقيقة فلم يخرج الى الناس. فأخذ أبو بكر راية رسول الله ثم نهض فقاتل، ثم رجع فأخذها عمر فقاتل ثم رجع، فأخبر بذلك رسول الله (ص) فقال: أما والله لاعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يأخذها عنوة،


1) تاريخ الطبري: 3 / 93 ط بيروت. 2) رواه البيهقي في السنن الكبرى: 9 / 106، وكذا في الاعتقاد: 151. 3) حلية الاولياء: 1 / 62 و 4 / 356، والحاكم النيسابوري في المستدرك: 3 / 38. 4) محب الدين الطبري في ذخائر العقبي: 82، وابن حجر في الصواعق المحرقة: 72. 5) الفتح: 3.

[ 59 ]

وليس ثم علي، فلما كان الغد تطاول إليها أبو بكر وعمر ورجال من قريش رجاء كل واحد منهم أن يكون هو صاحب ذلك، فأرسل رسول الله " ص " سلمة ابن الاكوع الى علي عليه السلام، فجاءه على بعير له حتى أناخ قريبا من رسول الله (ص) وهو أرمد قد عصب عينيه بشقة برد قطرى. قال سلمة: فجئت به أقوده الى رسول الله، فقال رسول الله: مالك ؟ قال: رمدت. قال: ادن مني. فدنا منه فتفل في عينيه، فما شكا وجعهما بعد حتي مضى لسبيله، ثم أعطاه الراية فنهض بالراية. ثم ذكر الثعلبي صورة حال الحرب بين علي وبين مرحب، وكان على رأسه مغفر مصفر وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه، ثم قال: فاختلفا ضربتين فبدره علي عليه السلام بضربة فقد الحجر والمغفر وفلق رأسه حتى أخذ السيف في الاضراس، وأخذ المدينة وكان الفتح على يده (1). (قال عبد المحمود) مؤلف هذا الكتاب: ورأيت في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه في الموضع الذي تقدمت الاشارة إليه وهو في أواخر كراس من الجزء الرابع زيادة وهي: ان عمر بن الخطاب قال: ما أحببت الاماره الا يومئذ، فتشاوقت لها رجاء أن أدعى لها. قال: فدعا رسول الله (ص) علي بن أبي طالب فأعطاه الراية وقال: امش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك. قال: فسار علي شيئا ثم وقف ولم يلتفت، فصرخ يا رسول الله على ماذا أقاتل ؟ قال: قاتلهم حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله وان محمدا رسول الله، فإن فعلوا فقد منعوا منك دماءهم واموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله (2).


1) احقاق الحق عن الثعلبي: 5 / 373، وأحمد بن حنبل في مسنده: 5 / 358، والخوارزمي في المناقب: 103 ط نجف. 2) مسلم في صحيحه: 4 / 1872، والبحار: 39 / 9، وابن عساكر في تاريخه في ترجمة الامام علي بن أبي طالب: 1 / 156 - 225.

[ 60 ]

ما ظهر من فضله صلوات الله عليه يوم الخندق 56 - ومن ذلك ما ذكره أبو هلال العسكري في كتاب الاوائل قال: أول من قال " جعلت فداك " علي، لما دعا عمرو بن عبد ود الى البراز يوم الخندق ولم يجبه أحد قال علي عليه السلام: جعلت فداك يا الله أتاذن لي ؟ قال: انه عمرو بن عبد ود. قال: وأنا علي بن أبي طالب، فخرج إليه فقتله، وأخذ الناس منه (1). 57 - ومن غير كتاب الاوائل ان النبي (ص) لما أذن لعلي عليه السلام في لقاء عمرو بن عبد ود وخرج إليه قال النبي: برز الايمان كله الى الشرك كله (2). 58 - ومن كتاب صدر الائمة عندهم موفق بن أحمد المكي أخطب خوارزم باسناده ان النبي (ص) قال: لمبارزة علي بن أبي طالب لعمرو بن عبد ود أفضل من أعمال امتي الى يوم القيامة (3). ان النبي (ص) امر بسد الابواب الا باب علي عليه السلام 59 - ومن ذلك ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده من طرق، فمنها عن زيد بن أرقم قال: كان لنفر من أصحاب رسول الله (ص) أبواب شارعة في المسجد، فقال يوما: سدوا هذه الابواب إلا باب علي. قال: فتكلم في


1) البحار: 39 / 1، واخطب خوارزم في المناقب: 104. 2) نفس المصدر من البحار. 3) اخطب خوارزم في المناقب: 58، وابن شيرويه في الفردوس (مخطوط).

[ 61 ]

ذلك الناس قال: فقام رسول الله (ص) فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فأني أمرت بسد الابواب إلا باب على وقال فيه قائلكم، واني والله ما سددت شيئا ولا فتحته ولكني امرت بشئ فاتبعته (1). ورواه أيضا أحمد بن حنبل عن عمر بن الخطاب عن النبي (ص). ورواه ايضا أحمد بن حنبل عن عبد الله بن عمر عن النبي (ص) من عدة طرق (2). 60 - ورواه أبو زكريا بن مندة الاصفهانى الحافظ في مسانيد المأمون عن إبراهيم بن سعيد الجوهرى قال: حدثني المأمون، قال: حدثني الرشيد، قال: حدثني المهدى، قال: حدثني المنصور، قال: حدثني أبي عن عبد الله ابن العباس قال: قال النبي (ص) لعلي " ع " أنت وارثي. وقال: ان موسى سأل الله تعالى أن يطهر له مسجدا لا يسكنه إلا موسى وهارون وابنا هارون، واني سألت الله تعالى أن يطهر مسجدا لك ولذريتك من بعدك. ثم أرسل الى أبي بكر أن سد بابك، فاسترجع وقال: فعل هذا بغيرى ؟ فقيل: لا، فقال: سمعا وطاعة، فسد بابه، ثم أرسل الى عمر فقال: سد بابك، فاسترجع وقال: فعل هذا بغيرى ؟ فقيل: بأبى بكر، فقال: ان في أبي بكر أسوة حسنة، فسد بابه، ثم ذكر رجلا آخر فسد بابه وذكر كلاما له ثم قال: فصعد رسول الله (ص) المنبر فقال: ما أنا سددت أبوابكم ولا أنا فتحت باب علي ولكن الله سد أبوابكم وفتح باب علي (3). 61 - ورواه الشافعي ابن المغازلي من ثمانية طرق، فمنها عن حذيفة ابن أسيد الغفاري قال: لما قدم النبي (ص) واصحاب النبي المدينة لم يكن لهم بيوت يسكنون


1) أحمد بن حنبل في مسنده: 4 / 369، وكشف الغمة عنه: 331. 2) أحمد بن حنبل في مسنده: 2 / 26 وكذا رواه عن عمرو بن ميمون في مسنده: 1 / 330. 3) البحار: 39 / 34.

[ 62 ]

فيها، وكانوا يبيتون في المسجد، فقال لهم النبي: لا تبيتوا في المسجد فتحتلموا، ثم ان القوم بنوا بيوتا حول المسجد وجعلوا أبوابها الى المسجد، وان النبي (ص) بعث إليهم معاذ بن جبل فنادى أبا بكر فقال: ان رسول الله (ص) يأمرك أن تخرج من المسجد وتسد بابك، فقال: سمعا وطاعة، فسد بابه وخرج من المسجد، ثم أرسل الى عمر فقال: ان رسول الله (ص) يأمرك أن تسد بابك الذي في المسجد وتخرج منه، فقال: سمعا وطاعة لله ولرسوله غير اني أرغب الى الله تعالى في خوخة في المسجد، فأبلغه معاذ ما قاله عمر، ثم أرسل الى عثمان وعنده رقية، فقال: سمعا وطاعة فسد بابه وخرج من المسجد، ثم أرسل الى حمزة رضي الله عنه فسد بابه وقال: سمعا وطاعة لله ولرسوله، وعلي عليه السلام على ذلك يتردد لا يدرى أهو فيمن يقيم أو فيمن يخرج، وكان النبي (ص) قد بنى له بيتا في المسجد بين ابياته فقال له النبي اسكن طاهرا ومطهرا فبلغ رجلا (1) سماه ابن المغازلي قول النبي (ص) لعلي فقال: يا رسول الله تخرجنا وتمسك غلمان بني عبد المطلب ؟ فقال له نبي الله: لو كان الامر لي ما جعلت من دونكم من أحد، والله ما أعطاه اياه الا الله وانك لعلى خير من الله ورسوله، ابشر، فبشره النبي (ص) فقتل يوم أحد شهيدا، ونفس ذلك رجال علي عليه السلام فوجدوا في أنفسهم، وتبين فضله عليهم وعلى غيرهم من أصحاب النبي (ص)، فبلغ ذلك النبي فقام خطيبا فقال: ان رجالا لا يجدون في أنفسهم في أن أسكنت عليا في المسجد، والله ما أخرجتهم ولا أسكنته، ان الله عز وجل أوحى الى موسى وأخيه " أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة (2) وأمر موسى


1) وهو حمزة على ما في المناقب. 2) يونس: 87.

[ 63 ]

أن لا يسكن مسجده ولا ينكح فيه ولا يدخله إلا هارون وذريته، وان عليا مني بمنزلة هارون من موسى، وهو أخي دون أهلي، ولا يحل مسجدي لاحد ينكح فيه النساء الا علي وذريته، فمن ساءه ههانا - وأومأ بيده نحو الشام (1). ان عليا أخو النبي صلى الله عليه وآله 62 - ومن ذلك ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده من أكثر من ستة طرق فمنها عن عمر بن عبد الله عن أبيه عن جده ان النبي (ص) آخى بين الناس وترك عليا عليه السلام حتى بقى آخرهم لا يرى له أخا، فقال: يارسول الله آخيت بين الناس وتركتني ؟ قال: ولم تراني تركتك ؟ إنما تركتك لنفسي، أنت أخي وأنا أخوك، فإن ذاكرك أحد فقل: أنا عبد الله وأخو رسول الله لا يدعيها بعدك الا كذاب (2). 63 وروى أحمد بن حنبل أيضا عن زيد بن أبي أوفى من طريقين قال: قال رسول الله (ص) لعلي عليه السلام: والذي بعثني بالحق نبيا ما اخترتك إلا لنفسي، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا انه لا نبي بعدى، وأنت أخي ووارثي (3). تمام الخبر. 64 - وروى أحمد بن حنبل وابن المغازلي عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وآله قال: قال رسول الله: مكتوب على باب الجنة " محمد


1) المناقب: 253 - 255 والعمدة: 91، وكشف الغمة: 1 / 331 - 332، والبحار: 39 / 31 - 32. 2) الطبري في الرياض النضرة عن مناقب أحمد بن حنبل: 2 / 168. 3) ابن شهر آشوب في المناقب عن أحمد بن حنبل: 2 / 186.

[ 64 ]

رسول الله على أخو رسول الله " قبل أن يخلق السماوات بألفي عام (1). ورواه في الجمع بين الصحاح الستة في الجزء الثالث في باب مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام من صحيح أبي داود وصحيح الترمذي (2). 65 - وروى الحافظ أبو بكر بن ثابت الخطيب، قال: أخبرنا أبو الفتح هلال بن محمد بن جعفر الحفار، قال حدثني أبو الحسن علي بن أحمد بن ميمونة الحلواني المؤدب، قال حدثني محمد بن اسحاق المقرى، حدثنا علي بن حماد الخشاب، حدثنا علي بن المديني، حدثنا وكيع بن الخراج، حدثنا سليمان بن مهربان، حدثنا جابر، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله (ص) ليلة عرج بي الى السماء رأيت على باب الجنة مكتوبا: لا اله إلا الله، محمد رسول الله، علي حبيب الله، الحسن والحسين صفوة الله، فاطمة أمة الله، على باغضيهم لعنة الله (3). 66 - فمن ذلك عن ابن عمر قال: لما آخى النبي (ص) بين أصحابه، جاء علي عليه السلام تدمع عيناه، فقال: يا رسول الله آخيت بين اصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحد من أخواني ؟ قال: سمعت النبي يقول: أنت أخي في الدنيا والاخرة (4). ورواه الفقيه الشافعي ابن المغازلي من أكثر من خمس طرق، وزاد فيه تفضيلا لعلي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله. وسيأتي حديث في


1) ابن المغازلي في المناقب: 91، والعمدة: 121، وذخائر العقبى: 66. 2) في مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب عن الترمذي: 2 / 185. 3) الذهبي في ميزان الاعتدال: 2 / 217. 4) رواه ابن المغازلي في المناقب: 37، وابن الصباغ في الفصول المهمة: 38 ط نجف.

[ 65 ]

المواخاة رواه حذيفة بن اليمان. قوله صلى الله عليه وآله: علي مني وأنا منه 67 - ومن ذلك ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده اخبارا كثيرة في قول النبي " علي مني وأنا منه " منها عن عبد الله بن خطيب قال: قال رسول الله (ص) لوفد ثقيف حين جاؤوه: لتسلمن أو لابعثن اليكم رجلا مني - أو قال: مثل نفسي - فليضربن أعناقكم وليسبين ذراريكم وليأخذن اموالكم ؟ قال عمر: فوالله ما اشتهيت الامارة الا يومئذ، فجعلت أنصب صدري له رجاء أن يقول هذا فالتفت الى علي عليه السلام فأخذ بيده ثم قال: هو هذا، هو هذا - مرتين (2). 68 - ورواه أحمد بن حنبل أيضا عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وآله وزاد فيه: ان عليا مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدى (3). 69 - ورواه أيضا أحمد بن حنبل عن حبشي بن جنادة السلولي من طريقين يقول في أحدهما عن النبي (ص) انه قال: علي منى وأنا منه، لا يؤدى عني إلا أنا أو علي (4). ورواه الشافعي ابن المغازلي في كتابه بهذه الالفاظ (5). 70 - وروى أيضا أحمد بن حنبل في مسنده عن أبي رافع عن أبيه عن جده قال: لما قتل علي عليه السلام اصحاب الالوية يوم أحد قال جبرئيل:


1) المناقب: 37 - 39، رواها عن خمس طرق. 2) البحار: 38 / 325، وذخائر العقبي: 64. 3) أحمد بن حنبل في المناقب على ما في احقاق الحق: 5 / 293، والترمذي في صحيحه: 13 / 164. 4) أحمد بن حنبل في مسنده: 4 / 165 و 145. 5) المناقب: 222 ورواها عن عشر طرق فراجع.

[ 66 ]

يا رسول الله ان هذه لهى المواساة. فقال النبي (ص): انه مني وأنا منه، قال جبرئيل: وأنا منكما يا رسول الله (1). ورواه أيضا من طريق آخر. 71 - وروى ايضا أحمد بن حنبل في مسنده عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: بعث رسول الله (ص) بعثين على أحدهما علي بن أبي طالب عليه السلام وعلى الاخر خالد بن الوليد، فقال: إذا التقيتم فعلي على الناس وإذا افترقتما فكل واحد منكما على جنده. فلقينا بني زيد من اليمن فاقتتلنا فظفر المسلمون على المشركين، فقتلنا المقاتلة وسبينا الذرية، فاصطفى علي عليه السلام من السبي امرأة لنفسه. قال بريدة: وكتب معي خالد بن الوليد الى رسول الله (ص) يخبره بذلك، فلما أتيت النبي دفعت الكتاب إليه فقرئ عليه، فرأيت الغضب في وجه رسول الله، فقلت: يا رسول الله هذا مكان العائذ بك، بعثتني مع رجل وأمرتني أن أطيعه، ففعلت ما أرسلت به. فقال رسول الله (ص): يا بريدة لا تقع في علي، فانه مني وأنا منه وهو وليكم بعدى (2). 72 - وروى أبو بكر بن مردويه وهو من رؤساء المخالفين هذا الحديث من عدة طرق: وفي رواية بريدة له زيادة وهي: ان النبي (ص) قال لبريدة: أيه عنك يا بريدة، فقد أكثرت الوقوع بعلي، فو الله انك لتقع برجل هو أولى الناس بكم بعدى. وفي الحديث زيادة اخرى: ان بريدة قال: يا رسول الله استغفر لي، فقال النبي: حتي يأتي علي فلما جاء علي طلب بريدة أن يستغفر له، فقال النبي لعلي ان تستغفر له أستغفر له فاستغفر له. وفي الحديث زيادة أخرى: ان بريدة امتنع من مبايعة أبي بكر بعد وفاة النبي (ص) وتبع عليا لاجل ما كان سمعه من نص النبي بالولاية بعده (3).


1) ذخائر العقبى عن أحمد بن حنبل في المناقب: 68، والطبري في تاريخه 3 / 17. 2) أحمد بن حنبل في مسنده 5 / 356، والبحار 38 / 325. 3) رواه النسائي في الخصائص 33، وذخائر العقبى 68.

[ 67 ]

73 - ومن ذلك حديث الولاية رواية أبي سعيد مسعود بن ناصر في صحيح السجستاني وهو من المتفق على ثقته رواية بريدة هذا الحديث من عدة طرق، وفي بعضها زيادات مهمات: من ذلك أن بريدة قال: ان رسول الله (ص) لما سمع ذم علي غضب غضبا لم أره غضب مثله قط إلا يوم قريظة والنضير، فنظر الي وقال: يا بريدة ان عليا وليكم بعدى فأحب عليا، فقمت وما أحد من الناس أحب الي منه. ومن ذلك زيادة اخرى: قال عبد الله بن عطاء: حدث بذلك حرب بن سويد بن غفلة فقال: كتمك عبد الله بن بريدة بعض الحديث: أن رسول الله (ص) قال: أنافقت بعدي يا بريدة ؟ ومن ذلك زيادة أيضا معناها: ان خالد بن الوليد أمر بريدة فأخذ كتابه يقرأ على رسول الله (ص) ويقع في علي. قال بريدة: فجعلت أقرا وأذكر عليا، فتغير وجه رسول الله، ثم قال: يا بريدة ويحك أما علمتم ان عليا وليكم بعدي ؟ (1) 74 - وروى البخاري في صحيحه في الجزء الرابع من أجزاء ثمانية في ثلثه الاخير في باب مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ان عمر بن الخطاب قال: توفى رسول الله (ص) وهو عنه راض - يعني علي ابن أبي طالب - وقال له رسول الله: أنت مني وأنا منك (2). ورواه أيضا البخاري في صحيحه في الجزء الخامس في رابع كراس من أوله من النسخة المنقول منها (3).


1) رواه النيشابوري في المستدرك: 3 / 110. 2) البخاري في صحيحه: 4 / 207. 3) البخاري في صحيحه: 5 / 141 ط الاميرية.

[ 68 ]

ورواه في الجمع بين الصحاح السته في الجزء الثاني من باب مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام من عده طرق، فمنها عن أبي جناده عن رسول الله (ص) انه قال: على منى وأنا من على لا يؤدى عنى إلا انا أو على (1). 76 - ورواه الشافعي ابن المغازلى من عده طرق، وزاد في مدائحه هذا المعنى على كثير من الروايات، ومن ذلك ما رواه ابن المغازلى من عده طرق باسانيدها في كتابه بمعنى واحد، فمنها قال قال النبي (ص): على منى مثل راسى من بدنى (2). اختصاص علي عليه السلام بمناقب جليله 77 - ومن ذلك ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده وابن المغازلى الشافعي في كتابه ان النبي (ص) قال: يا على ان الله جعل فيك مثلا من عيسى عليه السلام، أبغضته اليهود حتى بهتوا امه، واحبته النصارى حتى انزلوه المنزل الذي ليس له باهل (3). (قال عبد المحمود بن داود): ولقد جرى لعلى عليه السلام ما يناسب هذا، ابغضته الخوارج حتى بهتوه وهم اكرهوه، واحبته النصيرية حتى جعلوه الها من دون الله. 78 - ومن ذلك ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده، ورواه الحميدى في الجمع بين الصحيحين في مسند على بن أبي طالب (ع) في الحديث


1) احقاق الحق عن الجمع بين الصحاح: 5 / 295 و 310. 2) المناقب: 92 والخوارزمي في المناقب: 87، والبحار: 38 / 327. 3) المناقب: 71، وأحمد بن حنبل في مسنده: 1 / 160.

[ 69 ]

التاسع من افراد مسلم ورواه في الجمع بين الصحاح السته في الجزء الثاني على حد ثلثه في باب مناقب امير المؤمنين على (ع) من صحيح أبي داود، ومن الباب المذكور ايضا من صحيح البخاري، ويليه ايضا من صحيح أبي داود ان النبي (ص) قال لعلى عليه السلام: ولا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق. وفي بعض رواياتهم أبي سعيد الخدرى: إنما كنا نعرف منافقي الانصار ببغصهم عليا (1). 79 - ومن مسند أحمد بن حنبل عن عمار بن ياسر انه سمع النبي (ص) يقول لعلى: يا على طوبى لمن احبك وصدق فيك، وويل لمن ابغضك وكذب فيك (2). 80 - ومن ذلك ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده عن أبي ليلى عن أبيه قال: قال رسول الله (ص): الصديقون ثلاثه: حبيب بن موسى النجار وهو مؤمن آل يس، وخربيل مؤمن آل فرعون، وعلى بن أبي طالب وهو افضلهم. ورواه ايضا ابن شيرويه في باب الصاد من كتاب الفردوس. ورواه ايضا الشافعي ابن المغازلى في كتابه كما رواه أحمد بن حنبل وابن شيرويه سواء (3). 81 - وروى الثعلبي في تفسير قوله تعالى " والسابقون السابقون * اولئك المقربون " (4) عن عباد بن عبد الله قال: سمعت عليا (ع) يقول: انا عبد الله


1) أحمد بن حنبل في مسنده: 6 / 292، ومسلم في صحيحه: 1 / 86، وذخائر العقبى: 91، والنسائي في خصائصه: 27، واحقاق الحق عن الجمع بين الصحيحين: 7 / 200. 2) رواه الطبري في الرياض النضرة: 215، والخطيب في تاريخه: 9 / 71. 3) المناقب: 246، وأخرج في ذيله عن مناقب أحمد بن حنبل. 4) الواقعة: 10.

[ 70 ]

واخو رسول الله، وانا الصديق الاكبر لا يقولها بعدى إلا كذاب مفتر صليت قبل الناس بسبع سنين (1). 82 - ومن ذلك ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده عن أبي سعيد الخدرى قال: كنا جلوسا في المسجد فخرج الينا رسول الله (ص) وعلى في بيت فاطمه عليها السلام فانقطع شسع نعل رسول الله (ص) فاعطاها عليا يصلحها ثم جاء به فقام علينا فقال: ان منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله قال أبو بكر: انا هو يا رسول الله. قال: لا قال عمر: انا هو يا رسول الله. قال: لا ولكنه خاصف النعل. 83 - ومن حديث آخر من مسند أحمد بن حنبل: لتنتهين معشر قريش أو ليبعثن الله عليكم رجلا منكم امتحن الله قلبه للايمان يضرب رقابكم على الدين قيل: يا رسول الله أبو بكر قال: لا قيل: فعمر قال: لا ولكنه خاصف النعل في الحجره. ورواه في الجمع بين الصحاح السته في الجزء الثالث في اواخره في باب ذكر غزوه الحديبيه من سنن أبي داود وصحيح الترمذي (2). 84 - ومن ذلك من مسند أحمد بن حنبل عن زيد بن منيع قال: قال رسول الله (ص): لتنتهين بنو وليعه أو لابعثن إليهم رجلا يمضى فيهم امرى يقتل المقاتلة ويسبي الذريه. قال: فقام أبو ذر فما راعني إلا برد كف عمر في حجرتي من خلفي قال: من تراه يعنى ؟ قلت: ما يعنيك به ولكن خاصف النعل - يعنى عليا (3).


1) احقاق الحق عنه: 4 / 211. 2) مسند أحمد بن حنبل: 3 / 33 ط الميمنية، والنسائي في الخصائص: 40. 3) البحار: 38 / 87، روى نحوها في المناقب للخوارزمي: 86.

[ 71 ]

85 - ومن ذلك ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده عن مخدوج بن زيد الهذلى: ان رسول الله (ص) آخى بين المسلمين ثم قال: يا على أنت اخى بمنزله هارون من موسى غير انه لا نبى بعدى. ثم قال بعد كلام ذكره في وصف حال الانبياء عليهم السلام يوم القيامة: ألا وانى اخبرك يا على ان امتى اول الامم يحاسبون يوم القيامة ثم أنت اول من يدعى بك لقرابتك ومنزلتك عندي ويدفع اليك لوائى وهو لواء الحمد فتسير بين السماطين آدم وجميع خلق الله تعالى يستظلون به. ثم ذكر صفه اللواء ثم قال: فتسير باللواء والحسن عن يمينك والحسين عن يسارك حتى تقف بينى وبين ابراهيم (ع) في ظلل العرش ثم تكسى حله خضراء من الجنة ثم ينادى مناد من تحت العرش: نعم الاب ابوك ابراهيم ونعم الاخ اخوك على ابشر يا على انك تكسى إذا كسيت وتدعى إذا دعيت وتحيى إذا حييت حديث الطائر وانه (ع) احب الخلق الى الله تعالى 86 - ومن ذلك ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده يرفعه الى سفينه مولى رسول الله (ص) قال: اهدت امراه من الانصار الى رسول الله طيرين بين رغيفين فقدمت إليه الطيرين فقال رسول الله: اللهم ائتنى باحب خلقك اليك والى رسولك. فجاء علي (ع) فرفع صوته فقال رسول الله (ص): من هذا ؟ قلت: على قال افتح له ففتحت له فاكل مع النبي حتى فنيا (2).


1) البحار: 39 / 318، الرياض النضرة عن أحمد بن حنبل في المناقب 2 / 201. 2) رواه سبط بن الجوزي في تذكرة الخواص عن أحمد بن حنبل: 44، والبحار: 38 / 355.

[ 72 ]

87 - ومما يدل على ان هذا المعنى قد تكرر من النبي (ص) في عده اطيار وعده مجالس ما رووه غير هذا الطريق في الجمع بين الصحاح السته في باب مناقب أمير المؤمنين (ع) من صحيح أبي داود وهو كتاب السنن باسناد متصل عن انس بن مالك قال: كان عند النبي (ص) طائر قد طبخ له فقال اللهم ائتنى باحب خلقك اليك ياكل معى، فجاء علي (ع) فاكل معه منه (1). 88 - ورواه الشافعي ابن المغازلى في كتابه من نحو اكثر من ثلاثين طريقا فمنها ما يدل على ان ذلك قد وقع من النبي (ص) في طائر آخر قال: باسناده الى الزبير بن عدى عن انس قال: أهدى الى رسول الله (ص) طير مشوى فلما وضع بين يديه قال: اللهم ائتنى باحب خلقك اليك حتى ياكل معى من هذا الطائر قال: فقلت في نفسي: اللهم اجعله رجلا من الانصار. قال: فجاء على (ع) فقرع الباب قرعا خفيفا فقلت: من هذا ؟ فقال على فقلت: ان رسول على حاجه. فانصرف قال: فرجعت الى رسول الله (ص) وهو يقول الثانيه: اللهم ائتنى باحب خلقك اليك ياكل معى من هذا الطائر. قال: فقلت في نفسي: اللهم اجعله رجلا من الانصار. قال: فجاء على (ع) فقرع الباب فقلت: الم اخبرك ان رسول الله على حاجه ؟ فانصرف قال: فرجعت الى رسول الله (ص) وهو يقول الثالثه: اللهم ائتنى باحب خلقك اليك ياكل معى من هذا الطائر. قال فجاء على (ع) فضرب الباب ضربا شديدا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: افتح افتح افتح ثلاثا. قال: نظر إليه رسول الله (ص) قال: اللهم والى، اللهم والى


1) احقاق الحق عن الجمع بين الصحاح: 5 / 320، والترمذي في صحيحه: 13 / 170.

[ 73 ]

اللهم والى قال فجلس مع رسول الله فاكل معه الطير (1). وفي بعض الروايات عن ابن المغازلى ان النبي (ص) قال لعلى (ع): ما ابطاك ؟ قال: هذه ثالثه ويردني انس قال النبي (ص): يا انس ما حملك على ما صنعت ؟ قال: رجوت ان يكون رجلا من الانصار فقال لي: يا انس اوفي الانصار خير من على ؟ اوفي الانصار افضل من على (2). علم على (ع) بالفتن وقوله سلونى قبل ان تفقدوني 89 - ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه في اول كراس من جزء منه في النسخة المنقول منها في تأويل " غافر الذنب " اعني " حم تنزيل الكتاب (3) " عن ابن عباس قال: كان على (ع) يعرف بها الفتن قال واراه زاد في الحديث: وكل جماعه كانت في الأرض ومن كل قريه كانت أو تكون في الارض (4). 90 - وروى ان عليا (ع) قال على المنبر: سلونى قبل ان تفقدوني سلونى عن كتاب الله تعالى فما من آيه إلا وانا اعلم حيث نزلت بحضيض جبل أو سهل ارض وسلوني عن الفتن فما من فتنه إلا وقد علمت من كسبها ومن يقتل فيها (5) قال: وقد روى عنه نحو هذا كثير (6) وروى مسلم في صحيحه في الجزء الخامس منه (7).


1) المناقب: 163 - 164، والبحار: 38 / 355 - 356، والفصول المهمة: 37. 2) المناقب: 166، والعمدة: 130، والخوارزمي في المناقب: 59، وذخائر العقبى 61. 3) المؤمن: 1. 4) البحار: 40 / 189. 5) رواه القندوزي في ينابيع المودة عن أحمد بن حنبل: 74 ط نجف. 6) روى العسقلاني في الاصابة عن أبي الطفيل: 2 / 509. 7) روى الخوارزمي في المناقب: 47 ط نجف.

[ 74 ]

91 - وروى أحمد بن حنبل في مسنده عن سعيد قال لم يكن أحد من اصحاب النبي (ص) يقول " سلونى " إلا على بن أبي طالب (ع) (1). ما جاء في فضائله (ع) 92 - ومن ذلك ما رواه ابن شيرويه الديلمى في كتاب الفردوس في قافيه الواو عن أبي سعيد الخدرى عن النبي صلى الله عليه وآله " وقفوهم انهم مسؤلون (2) " عن ولايه على بن أبي طالب (ع) (3). 93 - ومن مسند أحمد بن حنبل عن السدى عن أبي صالح قال: لما حضرت عبد الله بن عباس الوفاه قال اللهم انى اتقرب اليك بولاية على بن أبي طالب عليه السلام (4). 94 - ومن ذلك ما رواه الشافعي ابن المغازلى في كتاب المناقب قال: قال رسول الله (ص): إذا كان يوم القيامة يضرب الله لي عن يمين العرش قبه من ذهب حمراء ويضرب الله لابي إبراهيم (ع) قبه من ذهب حمراء ويضرب لعلى (ع) قبه من زبرجد خضراء فما ظنك بحبيب بين خليلين ؟ (5). 95 - ومن ذلك ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده في حديث ليله بدر قال قال رسول الله (ص) من يستقى لنا من الماء ؟ فاحجم الناس فقام على (ع)


1) روى الطبري في ذخائر العقبى عن مناقب أحمد بن حنبل: 83، والاستيعاب: 3 / 40. 2) الصافات: 24. 3) احقاق الحق عن الديلمي في الفردوس: 3 / 105، والعمدة: 157، والبحار: 36 / 78. 4) البحار: 40 / 68. 5) المناقب: 220، والبحار: 39 / 234.

[ 75 ]

فاحتضن قربه ثم اتى بئرا بعيده القعر مظلمه فانحدر فيها فأوحى الله تعالى الى جبرئيل وميكائيل واسرافيل تأهبوا لنصره محمد وحزبه فهبطوا من السماء لهم لغط يذعر من سمعه فلما حاذوا البئر سلموا على على (ع) من عند ربهم عن آخرهم اكراما وتبجيلا (1). قوله صلى الله عليه وآله " من آذى عليا فقد آذانى " 96 - ومن ذلك ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده والشافعي ابن المغازلى في كتاب المناقب من عده طرق ان النبي (ص) قال يا ايها الناس من آذى عليا فقد آذانى وزاد فيه ابن المغازلى عن النبي (ص): يا ايها الناس من آذى عليا بعث يوم القيامة يهوديا أو نصرانيا. فقال جابر بن عبد الله الانصاري: يا رسول الله وان شهدوا ان لا اله إلا الله وانك رسول الله ؟ فقال يا جابر كلمه يحتجزون بها ان لا تسفك دماؤهم وتؤخذ اموالهم وان لا يعطوا الجزيه عن يد وهم صاغرون (2). 97 - وروى أحمد في مسنده باسناده عن عمرو بن شاس الاسلمي وكان من اصحاب الحديبيه قال خرجنا مع على (ع) الى اليمن فجفاني في سفري ذلك حتى وجدت عليه في نفسي فلما قدمت اظهرت شكايته في المسجد حتى بلغ ذلك رسول الله فدخلت المسجد غداه غدا رسول الله (ص) في اناس من اصحابه فلما رأني حدد الى النظر حتى إذا جلست قال يا عمرو


1) البحار: 39 / 113. 2) مسند أحمد: 3 / 483، ومناقب ابن المغازلي: 52.

[ 76 ]

أما والله لقد آذيتنى فقلت اعوذ بالله ان اؤذيك يا رسول الله فقال بلى من آذى عليا آذانى (1). تزويج على (ع) بفاطمة عليها السلام وقول الرسول كل نسب منقطع ما خلا نسبي وعده مناقب لعلى عليه السلام 98 - ومن ذلك ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده باسناده من عده طرق فمنها عن عبد الله بن بريده عن أبيه ان أبا بكر وعمر خطبا الى رسول الله (ص) فاطمه عليها السلام فقال انها صغيره فخطبها على (ع) فزوجها منه (2). 99 - ومما يناسب ذلك ما رواه أحمد بن حنبل ايضا في مسنده باسناده الى المستطيل قال ان عمر بن الخطاب خطب الى على (ع) ام كلثوم فاعتل بصغرها فقال له: لم أكن اريد الباه ولكن سمعت رسول الله (ص) يقول: كل حسب ونسب منقطع يوم القيامة ماخلا حسبى ونسبي وكل قوم فإن عصبتهم لابيهم ما خلا ولد فاطمه فانى انا ابوهم وعصبتهم (3). 100 - ومن ذلك ما رواه ابن المغازلى في كتابه باسناده قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلى (ع): انك قسيم الجنة والنار وانك تقرع باب الجنة وتدخلها بغير حساب (4). 101 - ومن ذلك ما رواه ابن المغازلى ايضا في كتابه عن انس وغيره


1) مسند أحمد: 3 / 483، والمستدرك: 3 / 122، والبحار: 39 / 334. 2) البحار: 40 / 68. 3) ذخائر العقبى عن مناقب أحمد: 121، وابن المغازلي في المناقب: 108، البحار: 42 / 97. 4) المناقب: 67، والبحار: 39 / 209.

[ 77 ]

قال كنت عند النبي (ص) فأتى علي عليه السلام مقبلا فقال أنا وهذا حجة على امتي يوم القيامة (1). 102 - ومن ذلك ما رواه ايضا الشافعي ابن المغازلى باسناده عن ابن عباس قال قال رسول الله (ص): اتانى جبرئيل (ع) بدرنوك من درانيك الجنة فجلست عليه فلما صرت بين يدى ربى كلمني وناجاني فما عملنى شيئا إلا وعلمت عليا فهو باب مدينه علمي ثم دعاه إليه فقال يا على سلمك سلمى وحربك حربى وأنت العلم بينى وبين امتى بعدى (2). 103 - ومن ذلك ما رواه الشافعي ابن المغازلى ايضا في كتابه من عده طرق باسانيدها ان النبي (ص) قال لعلى عليه السلام: لو لاك ما عرف المؤمنون بعدى (3). 104 - ومن ذلك ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده عن أبي الزبير قال قلت لجابر: كيف كان على بن أبي طالب فيكم ؟ قال ذاك من خير البشر ما كنا نعرف المنافقين الا ببغضهم اياه (4). 105 - ومن ذلك ما رواه الحميدى في الجمع بين صحيح مسلم والبخاري في الحديث الحادى والعشرين من المتفق عليه من مسند سهل بن سعد أن رجلا جاء الى سهل بن سعد فقال هذا فلان أمير المدينة يذكر عليا (ع) عند المنبر. قال فيقول ماذا ؟ قال يقول له أبو تراب فضحك وقال ما سماه به إلا النبي (ص) وما كان له اسم احب إليه منه. فاستعظمت الحديث وقلت يا


1) المناقب: 45 و 197. 2) المناقب: 50. 3) المناقب: 70. 4) العمدة: 111.

[ 78 ]

أبا عباس كيف كان ذلك ؟ قال دخل علي (ع) على فاطمه عليها السلام ثم خرج فاضطجع في المسجد فدخل رسول الله (ص) على ابنته فاطمه عليها السلام وقبل راسها ونحرها وقال لها اين ابن عمك ؟ قالت في المسجد. فخرج النبي (ص) فوجد رداءه قد سقط عن ظهره وخلط التراب الى ظهره فجعل يمسح التراب عن ظهره ويقول: اجلس أبا تراب - مرتين (1) ومن ذلك ما رواه الشافعي ابن المغازلى من عده طرق باسانيده في كتابه بمعنى واحد فمنها: قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: علي منى مثل راسى من بدنى (2). آيات في شان علي (ع) 106 - ومن ذلك ما رواه الشافعي ابن المغازلى في كتاب المناقب باسناده يرفعه الى عبد الله مسعود قال قال رسول الله (ص): انا دعوه أبي إبراهيم قال قلنا يا رسول الله كيف صرت دعوه ابيك إبراهيم ؟ قال اوحى الله عز وجل الى ابراهيم (ع) " انى جاعلك للناس اماما " فاستخف الفرح قال يا رب ومن ذريتي ائمه مثلى ؟ فأوحى الله تعالى إليه: ان يا إبراهيم انى لا اعطيك عهدا لا أفى لك به. قال يا رب ما العهد الذي لا تفى به ؟ قال لا اعطيك لظالم من ذريتك عهدا. قال ابراهيم عندها: يا رب ومن الظالم من ذريتي ؟ قال له: من يسجد للصنم من دوني يعبدها. قال إبراهيم عندها: " فاجنبنى وبني ان نعبد الاصنام رب انهن اضللن كثيرا من الناس " قال النبي (ص) فانتهت


1) البخاري في صحيحه: 1 / 114، ومسلم في صحيحه: 4 / 1874، والفصول المهمة: 39، والاستيعاب: 3 / 54، والبحار: 35 / 64. 2) المناقب: 38 / 87، والخوارزمي في المناقب: 87.

[ 79 ]

الدعوة الي والى علي، لم يسجد أحدنا لصنم قط، فاتخذني نبيا واتخذ عليا وصيا (1) 107 - ومن ذلك ما رواه الثعلبي في تفسير قول تعالى " إنما أنت منذر ولكل قوم هاد " عن عباس قال لما نزلت هذه الايه ضرب رسول (ص) يده على صدره وقال انا المنذر واوما بيده الى صدر علي فقال وأنت الهادى يا على بك يهتدى المهتدون من بعدى (2). 108 - ومن ذلك ما رواه ابن المغازلى من عده طرق باسانيدها عن النبي صلى الله عليه وآله ومعناها واحد ان النبي (ص) قال على سيد العرب (3). 109 - ومن ذلك ما رواه ابن المغازلى باسانيده عن مجاهد قال في تفسير قوله تعالى " والذي جاء بالصدق وصدق به " قال والذي جاء بالصدق محمد صلى الله عليه وآله وصدق به على (ع) (4). 110 - ومن ذلك ما رواه ابن المغازلى في قوله تعالى " أفمن كان على بينه من ربه ويتلوه شاهد منه " قال رسول (ص): انا على بينه من ربه وعلى الشاهد منه (5). ورواه ايضا الثعلبي في تفسير قوله تعالى " انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا " 111 - ومن ذلك ما رواه الفقيه ابن المغازلى في كتابه من عده طرق باسانيدها عن النبي (ص) ان النبي قال: ان ملكى على بن أبي طالب ليفتخران على سائر الاملاك لكونهما مع على لانهما لم يصعدا الى الله منه قط بشئ يسخطه


1) المناقب: 276. 2) احقاق الحق عنه: 14 / 149، وتفسير الطبري 13 / 63. 3) المناقب: 214. 4) المناقب: 269، البحار: 35 / 412. 5) المناقب: 270، والبحار: 35 / 393. 6) المناقب: 127، وعلل الشرائع: 14.

[ 80 ]

112 - ومن ذلك ما رواه الشافعي ابن المغازلى من عده طرق باسانيدها عن النبي (ص) ايضا معناه واحد ان النبي ناجى عليا يوم الطائف فطالت مناجاته اياه فقيل له: لقد طالت مناجاتك اليوم عليا ؟ فقال ما انا ناجيته ولكن الله ناجاه (1). صعوده على منكب النبي (ص) 113 - ومن ذلك ما رواه ابن المغازلى في كتاب المناقب من جمله حديث عن أبي هريره قال قال رسول الله (ص) يوم فتح مكه لعلى: أما ترى هذا الصنم باعلى الكعبه ؟ قال بلى يا رسول الله قال فاحملك فتناوله قال بل انا احملك يا رسول الله. فقال لو ان ربيعه ومضر جهدوا ان يحملوا منى بضعه وانا حى ما قدروا ولكن قف يا على فضرب رسول الله (ص) بيده الى ساقى علي فوق القربوس ثم اقتلعه من الأرض بيده فرفعه حتى تبين بياض ابطيه ثم قال له: ما ترى يا على ؟ قال ارى ان الله عز قد شرفني بك حتى لو اردت ان امس السماء بيدى لمسستها. فقال له: تناول الصنم يا على فتناوله ثم رمى به (2). وروى هذا الحديث الحافظ عندهم محمد بن موسى في كتابه الذي استخرجه من التفاسير الاثنى عشر في تفسير قوله تعالى " قل جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا " (3) ياتي من هذه الالفاظ والمعاني وارجح في تعظيم على بن أبي طالب (ع). وذكر محمد بن على المازندرانى في كتاب البرهان في اسباب نزول


1) المناقب: 124 ورواه عن خمسة طرق. 2) المناقب: 202. 3) بني اسرائيل: 18.

[ 81 ]

القرآن: تخصيص النبي (ص) لعلى (ع) بحمله على ظهره ورميه الاصنام وتشريفه بذلك على غيره من سائر الانام. ورواه أحمد بن حنبل (1) وأبو يعلى (2) الموصلي في مسنديهما وأبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد (3) ومحمد بن صباح الزعفراني في الفضائل والحافظ أبو بكر البيهقى (4) والقاضى أبو عمر وعثمان بن احمد في كتابيهما والثعلبي في تفسيره (5) وابن مردويه في المناقب وابن منده في المعرفة والطبري في الخصائص والخطيب الخوارزمي (6) في الاربعين وأبو أحمد الجرجاني في التاريخ ورواه شعبه عن قتاده عن الحسن (7) وقد صنف في صحته أبو عبد الله الجعل وأبو القاسم الحسكاني وأبو شاذان مصنفات (8) واجتمع أهل البيت عليهم السلام على صحتها. هذا آخر لفظ ما ذكره محمد بن على المازندرانى في كتابه المذكور في هذا المعنى وجميع هؤلاء من علماء الاربعة المذاهب.


1) في مسنده: 1 / 84 و 151. 2) كنز العمال عن أبي يعلى: 6 / 407. 3) تاريخ بغداد: 13 / 302. 4) البيهقي في سننه: 3 / 247. 5) الكشف والبيان (مخطوط) في قوله تعالى (جاء الحق وزهق الباطل). 6) الخوارزمي في المناقب: 71. 7) الحسكاني في شواهد التنزيل: 1 / 350. 8) ورواه النسائي في الخصائص: 31، والقندوزي في ينابيع المودة: 139 ط نجف وذخائر العقبى: 85، والحاكم في المستدرك: 2 / 367. ومن طريق الامامية: ابن شهر آشوب في المناقب: 1 / 135، والعمدة: 191، وأمالى الصدوق: 330.

[ 82 ]

لا يجوز على الصراط أحد إلا بولاية علي عليه السلام 114 - ومن ذلك ما رواه الشافعي ابن المغازلى في كتابه من عده طرق باسانيدها عن النبي (ص) والمعنى متقارب فيها ان النبي قال إذا يوم القيامة ونصب الصراط على شفير جهنم لم يجز عليه إلا من معه كتاب بولاية على بن أبي طالب عليه السلام (1). وفي بعض رواياتهم من عده طرق باسانيدها الى النبي (ص): لم يجز على الصراط إلا من معه جواز من علي بن أبي طالب (ع) (2). 115 - وروى ايضا ابن المغازلى في كتاب المناقب عن شريك قال لما مرض الاعمش مرضه الذي مات فيه دخل عليه ابن شبرمه وابن أبي ليلى وأبو حنيفه فقالوا يا محمد هذا آخر يوم من ايام الدنيا واول يوم من ايام الاخرة وقد كنت تحدث عن على بن أبي طالب (ع) باحاديث كان السلطان يعترضك عليها وفيها تعيير بني اميه ولو كنت اقتصرت لكان الراى. فقال لهم: الى تقولون هذا اسندوني فسندوه فقال حدثني أبو المتوكل التاجى عن أبي سعيد الخدرى قال قال رسول الله (ص) إذا كان يوم القيامة قال الله تعالى لي ولعلى: ادخلا الجنة من اجبكما وادخلا النار من ابغضكما فيجلس على (ع) على شفير جهنم فيقول هذا لي وهذا لك (3).


1) المناقب: 242 ونظيره في 131. 2) المناقب: 119، ورواه الطبري في ذخائر العقبى: 71. 3) غير موجود في المناقب المطبوع، ورواه أبو الحسن الكلابي في مسند المطبوع في آخر كتاب المناقب لابن المغازلي ص 427 في الحديث الثالث عن شريك مثل ما مر الى قوله قال رسول الله (ص): إذا كان يوم القيامة قال الله تبارك وتعالى لي ولعلى: ألقيا في

[ 83 ]

حديث البساط والتسليم على اصحاب الكهف 116 - ومن ذلك ما رواه الفقيه ابن المغازلى في كتاب المناقب والثعلبي في تفسيره عن انس بن مالك قال اهدى لرسول الله (ص) بساط من بهندف فقال لي: يا انس ابسطه فبسطته ثم قال ادع العشرة فدعوتهم فلما دخلوا امرهم بالجلوس على البساط ثم دعا عليا (ع) فناجاه طويلا ثم رجع على فجلس على البساط ثم قال يا ريح احملينا فحملتنا الريح قال فإذا البساط يدف بنا دفا ثم قال يا ريح ضعينا ثم قال اتدرون في أي مكان انتم ؟ قلنا لا قال هذا موضع الكهف والرقيم قوموا فسلموا على اخوانكم. قال فقمنا رجلا رجلا فسلمنا فلم يردوا علينا فقام على بن أبي طالب عليه السلام فقال السلام عليكم يا معشر الصديقين والشهداء فقالوا وعليك السلام ورحمه الله وبركاته قال فقلت ما بالهم ردوا عليك ولم يردوا علينا ؟ فقال على عليه السلام: ما بالكم لم تردوا على اخواني ؟ فقالوا انا معشر الصديقين والشهداء لا نكلم بعد الموت إلا نبيا أو وصيا. ثم قال يا ريح احملينا فحملتنا تدف بنا دفا ثم قال يا ريح ضعينا فوضعتنا فإذا نحن بالحره قال فقال على (ع): ندرك النبي (ص) في آخر ركعه فتوضينا واتينا وإذا النبي صلى الله عليه وآله يقرا في آخر ركعه (1) " ام حسبت ان اصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا " (2)


النار من أبغضكما وأدخلا في الجنة من أحبكما، فذلك قوله تعالى (ألقيا في جهنم كل كفار عنيد). قال: فقال أبو حنيفة: قوموا لا يجئ بشئ أشد من هذا. 1) الكهف: 9. 2) المناقب: 232 - 234.

[ 84 ]

وزاد الثعلبي في هذا الحديث على ابن المغازلى: قال فصاروا الى رقدتهم الى آخر الزمان عند خروج المهدى (ع) فقال ان المهدى يسلم عليهم فيحييهم الله عز وجل له ثم يرجعون الى رقدتهم فلا يقومون الى يوم القيامة (1). في رجوع الشمس له (ع) 117 - ومن ذلك ما رواه ابن المغازلى في كتاب المناقب ايضا باسناده ان النبي (ص) كان يوحى إليه وراسه في حجر على فلم يصل العصر حتى غربت الشمس فقال رسول الله (ص): يا رب ان عليا كان على طاعتك وطاعه رسولك فاردد عليه الشمس فرأيتها غربت ثم رايتها طلعت بعد ما غابت (2). 118 - وفي مناقب ابن المغازلى ايضا عن أبي رافع قال فردت الشمس على على بعد ما غابت حتى رجعت لصلاه العصر في الوقت فقام على عليه السلام فصلى العصر فلما قضى صلاه العصر غابت الشمس فإذا النجوم مشتبكه (3). وربما قال بعض الجاهلين بقدره الله: كيف تعاد الشمس وهذا ممكن من طرق كثيره عند الله سبحانه وتعالى منها ان يخلق مثل الشمس في الموضع الذي اعادها إليه ابتداء أو يهبط بعض الأرض فتظهر الشمس أو يخلق مثل الشمس في صورتها ويجعل حكمها في صلاه على كحكم تلك الشمس وغير ذلك من مقدوراته التي يعلمها سبحانه ورووا ايضا ان الشمس حبست لبعض الانبياء فيما سلف.


1) البحار: 39 / 150، والعمدة: 195، وكذا البحار: 51 / 105. 2) المناقب: 96. 3) المناقب: 98، والبحار: 41 / 184، والخوارزمي في المناقب: 217 ط نجف والقندوزي في ينابيع المودة: 287 ط نجف.

[ 85 ]

119 - فمن ذلك ما رواه الحميدى في الجمع بين الصحيحين من المتفق عليه في الحديث الحادى والسبعين بعد المائتين من مسند أبي هريره قال قال النبي (ص) غزا نبى من الانبياء فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع امراه وهو يريد ان يبنى بها ولما يبن بها ولا أحد بني بيوتا ولم يرفع سقفها ولا أحد اشترى غنما أو خلفات وهو ينتظر اولادها فغزافدنا من القرية صلاه العصر أو قريبا من ذلك فقال للشمس: انك ماموره وأنا مامور اللهم احبسها علينا فحبست حتى فتح الله عليه (1). نزول الماء لغسله (ع) من السماء 120 - ومن ذلك ما رواه الشافعي ابن المغازلى باسناده الى انس بن مالك قال قال رسول الله (ص) لابي بكر وعمر: امضيا الى على حتى يحدثكما ما كان منه في ليلته وانا على اثركما. قال انس: فمضيا ومضيت معهما فاستاذن أبو بكر وعمر على علي فخرج اليهما فقال يا أبا بكر حدث شئ ؟ قال لا وما يحدث الاخير قال لي النبي (ص) ولعمر: امضيا الى على يحدثكما ما كان منه في ليلته وجاء النبي (ص) وقال يا على حدثهما ما كان منك في الليل. فقال استحى يا رسول الله فقال حدثهما ان الله لا يستحيى من الحق فقال على: اردت الماء وأصبحت للطهارة وخفت ان تفوتنى الصلاه فوجهت الحسن في طريق والحسين في طريق في طلب الماء فابطئا على فاحزننى ذلك فرايت السقف قد انشق ونزل على منه سطل مغطى بمنديل فلما صار في الارض نحيت المنديل عنه فإذا فيه ماء فتطهرت للصلاه واغتسلت وصليت ثم ارتفع السطل والمنديل والتام السقف فقال النبي (ص) لعلى (ع): أما السطل فمن الجنة


1) ذكر هذا الحديث مؤيدا للمقام، رواه مسلم في صحيحه: 3 / 1366.

[ 86 ]

وأما الماء فمن نهر الكوثر وأما المنديل فمن استبرق الجنة من مثلك يا على في ليلتك وجبرئيل يخدمك (1). (قال عبد المحمود) لعل ابن المغازلى اختصر هذا الحديث وكان له عذر في اتمامه أو كان قد جرى المعنى لعلى بن أبي طالب مره اخرى فاخبر انس بالحالين وإلا فقد رواه صدر الائمه عندهم اخطب خوارزم في المناقب فقال انبانى مهذب الائمه واخبرني أبو عبد الله أحمد بن محمد بن على بن أبي عثمان ويوسف الدقاق اخبرنا أبو المظفر هناد بن ابراهيم النسفى حدثني أبو الحسن على بن يوسف بن محمد بن الحجاج الطبري بساريه طبرستان حدثني أبو عبد الله الحسين بن جعفر بن محمد الجرجاني اخبرني أبو عيسى اسماعيل بن اسحاق بن سليمان النصيبى حدثني محمد بن على الكفرثوثى حدثني حميد بن زياد الطويل عن انس بن مالك قال صلى بنا رسول الله (ص) صلاه العصر وابطا في ركوعه حتى ظننا انه قد سها وغفل ثم رفع راسه فقال سمع الله لمن حمده ثم اوجز في صلاته وسلم ثم اقبل علينا بوجهه كانه القمر ليله البدر في وسط النجوم ثم جثا على ركبتيه وبسط قامته حتى تلالا المسجد بنور وجهه ثم رمى بطرفه الى الصف الاول يتفقد اصحابه رجلا رجلا ثم رمى بطرفه الى الصف الثاني ثم رمى بطرفه الى الصف الثالث يتفقدهم رجلا رجلا ثم كثرت الصفوف على رسول الله (ص) ثم قال مالي لا ارى ابن عمى على بن أبي طالب ؟ فاجابه علي من آخر الصفوف وهو يقول لبيك لبيك يا رسول الله فنادى النبي (ص) باعلى صوته: ادن منى يا على فمازل على يتخطى رقاب المهاجرين والانصار حتى دنا المرتضى من المصطفى فقال له النبي (ص): يا على ما الذي خلفك عن الصف الاول ؟


1) المناقب 94 - 95.

[ 87 ]

قال شككت انى على غير طهر فاتيت منزل فاطمه عليها السلام فناديت: يا حسن يا حسين يا فضه فلم يجبنى احد فإذا بهاتف يهتف بى من ورائي وهو ينادى: يا ابا الحسن يا بن عم النبي التفت فالتفت فإذا انا بسطل من ذهب وفيه ماء وعليه منديل فاخذت المنديل ووضعته على منكبي الايمن واومات الى الماء فإذا الماء يفيض على كفى فتطهرت واسبغت الطهر ولقد وجدته في لين الزبد وطعم الشهد ورائحة المسك ثم التفت ولا ادرى من وضع السطل والمنديل ولا ادرى من اخذه فتبسم رسول الله (ص) في وجهه وضمه الى صدره وقبل ما بين عينيه ثم قال يا أبا الا ابشرك ؟ ان السطل من الجنة والماء والمنديل من الفردوس الاعلى والذي هياك للصلاه جبرئيل والذي مندلك ميكائيل والذي نفس محمد بيده ما زال اسرافيل قابضا على منكبي بيده حتى لحقت معى الصلاه وادركت ثواب ذلك افيلومني الناس على حبك ؟ والله تعالى وملائكته يحبونك من فوق السماء (1). على (ع) خير البريه وخير البشر وخير الفتى 121 - ومن ذلك ما رواه ابن مردويه باسناده عن ابن عباس قال نزلت هذه الايه في على (ع) " الذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك هم خير البريه " (2). 122 - ومن ذلك ما رواه ابن مردويه الفقيه عندهم في كتابه قال حدثنا أبو بكر أحمد بن كامل وأحمد بن محمد بن عمر وبن سعيد الا خمس قال


1) الخوارزمي في المناقب: 216 ط نجف، والبحار: 39 / 116 - 117. 2) احقاق الحق عن ابن مردويه: 3 / 290، وشواهد التنزيل: 2 / 357، والاية في سورة البينة: 7.

[ 88 ]

حدثنا عبيد بن كثير العامري قال حدثنا محمد بن على الصيرفى قال حدثنا إبراهيم بن اسماعيل اليشكرى عن شريك عن الاعمش عن أبي وائل عن حذيفه اليماني رضى الله عنه قال قال رسول الله (ص): علي خير البشر فمن أبي فقد كفر (1). 123 - ومن ذلك ما رواه الفقيه الشافعي ابن المغازلى ايضا في كتابه باسناده الى النبي (ص) انه قال ان المنادى نادى يوم احد: لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا على (2). وروى ايضا ان المنادى كان قد نادى بذلك يوم بدر. 124 - وروى ايضا باسناده الى محمد بن على الباقر عليهما السلام قال نادى ملك من السماء يوم بدر ويقال له رضوان: لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي (3). 125 - ومن ذلك ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده باسناده الى عبد الله ابن عباس رضوان الله عليه قال سمعت رسول الله (ص) يقول ليس من آيه في القرآن " يا ايها الذين آمنوا " إلا وعلي راسها واميرها وشريفها ولقد عاتب الله تعالى اصحاب محمد (ص) في القرآن وما ذكر عليا إلا بخير (4). 126 - ومن ذلك ما روى عن عطيه قال سئل جابر بن عبد الله الانصاري عن علي (ع) قال ذاك خير البشر ولا يشك فيه إلا منافق (5).


1) الخوارزمي في المناقب: 66. 2) المناقب: 197. 3) المناقب: 199، والبحار: 42 / 46. 4) الرياض النظرة عن أحمد: 207، وشواهد التنزيل: 1 / 21، ومناقب الخوارزمي 188، وينابيع المودة: 125. 5) احقاق الحق عن مناقب ابن مردويه: 4 / 357.

[ 89 ]

ومن ذلك ما روى عن عطاء عن عائشة حيث سئلت عن على (ع) فقالت على خير البشر لا يشك فيه إلا كافر (1). 127 - ومن ذلك ما روى باسناد محمد بن محمد النيسابوري باسناد متصل الى جعفر بن محمد الصادق يقول جعفر عن أبيه عن جده ان عليا كان في حلقه من رجال قريش ينشدون الاشعار ويتفاخرون حتى بلغوا الى أمير المؤمنين عليه السلام فقالوا قل يا امير المؤمنين فقد قال اصحابك فقال أمير المؤمنين: الله وفقنا لنصر محمد وبنا اقام دعائم الاسلام وبنا اعز نبيه وكتابه واعزنا بالنصر والاقدام في كل معركه تطير سيوفنا فيها الجماجم عن فراش الهام ينتابنا جبرئيل في ابياتنا بفرائض الاسلام والاحكام فنكون اول مستحل حله ومحرم لله كل حرام نحن الخيار من البريه كلها وامامها وامام كل امام الخائضون غمار كل كريهه والضامنون حوادث الايام انا لنمنع من اردنا منعه ونجود بالمعروف والانعام فقالوا يا أبا الحسن ما تركت شيئا إلا تقوله (2). 128 - وعن عروه يرفعه الى محمد بن على عليه السلام يعنى محمد بن الحنفيه وكان في دمشق وسمع رجلا يقول هذا ابن أبي تراب فاستند ظهره الى الجدار المحراب في جامع دمشق ثم قال اخسئوا ذريه النفاق وحشوه النيران وحصبه جهنم عن البدر الزاهر والنجم الثاقب واللسان الناقد وشهاب المؤمنين والصراط المستقيم من قبل ان نطمس وجوها فنردها على


1) رواه الكنجي في كفاية الطالب: 119، والبحار: 38 / 14. 2) البحار: 8 / 722 ط الكمباني.

[ 90 ]

ادبارها أو نلعنهم كما لعنا اصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا اتدرون أي عقبه تقتحمون اخو رسول الله تستهدفون ويعسوب الدين تلمزون فباى سبيل رشاد بعد ذلك تسلكون وأي حرف (1) بعد ذلك تدفعون هيهات برز الله (2) في السيف وفاز بالخصل واستولى على الغاية (3) واحرز الحظ وانحسرت عنه الابصار وانقطعت دونه الرقاب وقوع (4) الذروه العليا وكبرت والله من الامه التبعه (5) وعناه الطلب وانى لهم التناوش من مكان بعيد اقيلوا عليهم لا أبا لابيكم من اللوم وسدوا المكان الذي سدوا وأبي يسد ثلمه اخيه رسول الله (ص) إذ سفعوا وشفيق نبيه إذ حصلوا ونديد هارون من موسى (ع) إذ مثلوا وذى قربى كبيرها إذا امتحنوا والمصلى للقبلتين إذا انحرفوا والمشهور (6) له بالايمان إذا كفروا والمدعو الى الخير إذا نكلوا والمندوب لعهد المشركين إذا نكثوا والخليفه على المهاجرين إذا جزعوا والمستودع الاسرار ساعه الوداع إذا حجبوا: هذا المكارم لا قعبان من لبن شينا بماء فعادا بعد أبو إلا وأبى يبعد من كل علاء وشناء. وفيه كلام طويل ما هذا مكانه. ثم قال فباى آلاء أمير المؤمنين تختبرون (7) وعن أي أمر من حديثه تأثرون وربنا المستعان على ما تصفون والحمد لله رب العالمين.


1) في خ: صرف. 2) لعل الصحيح لله. 3) في الترجمة: على الغايب. 4) في خ: وقرع. 5) في خ: السعي. 6) لعل الصحيح المشهود له. 7) في خ: تجترون.

[ 91 ]

(قال عبد المحمود): فهذه قول محمد بن الحنفيه في على (ع) في بلاد الاعداء وفي محافل الحساد ذوى الاعتداء واعداء الدين لا يقول مثله لمثلهم ما عرفوه وتحققوه وكان على اليقين انه إذا قال ذلك انهم صدقوه والخلافه إذ ذلك في يد اعداء الدين الذين يجاهرون بلعن أمير المؤمنين عليه السلام فهل تجد مثل هذه الاوصاف في أحد من القرابة والصحابه أو اجتمع مثلها لاحد بعد محمد (ص) فكيف عميت العيون وجهل الجاهلون لو لا انها قد عميت عن الله جل جلاله وهو اعظم من كل عظيم وعن رسوله وهو اشرف من كل رسول كريم. 129 - ومن ذلك ما ذكره الحاكم النيسابوري وهو من ثقات الاربعة المذاهب في تاريخ النيسابوري في ترجمه هارون الرشيد وبدا بذكر هارون الرشيد رفعه الى ميمون الهاشمي الى الرشيد قال جرى ذكر آل أبي طالب عند الرشيد فقال يتوهم على العوام اني ابغض عليا وولده والله ما ذلك كما يظنونه وان الله تعالى يعلم شده حبى لعلى والحسن والحسين عليهم السلام ومعرفتي بفضلهم ولكنا طلبنا بثأرهم حتى افضى الله هذا الامر الينا فقربناهم وخلطناهم فحسدونا وطلبوا ما في ايدينا ! وسعوا في فسادا ! ولقد حدثني أبي عن أبيه عن جده عبد الله بن عباس قال كنا ذات يوم مع رسول الله (ص) إذ اقبلت فاطمه وهي تبكى فقال لها: فداك ابوك يبكيك قالت ان الحسن والحسين عليهما السلام خرجا فما ادرى اين باتا. فقال لها رسول الله (ص): يا يبنيه الذي خلقهما هو الطف بهما منى ومنك ثم رفع النبي راسه ويده فقال اللهم ان كانا اخذا برا أو بحرا فاحفظهما وسلمهما فهبط جبرئيل (ع) فقال يا محمد لا تغتم ولا تحزن هما فاضلان في الدنيا والاخره وابوهما خير منهما وهما في حظيره بني النجار نائمين وقد وكل الله تعالى ملكا لحفظهما.

[ 92 ]

فقام رسول الله (ص) ومعه اصحابه حتى اتوا الحظيره فإذا الحسن معانق الحسين وإذا الملك الموكل بهما احدى جناحيه تحتهما والاخرى فوقهما قد اظلهما فانكب رسول الله (ص) عليهما يقبلهما حتى انتبها من نومهما فجعل الحسن على عاتقه الايمن والحسين على عاتقه الايسر وجبرئيل معه حتى خرجا من الحظيره وقال النبي (ص): والله لاشرفتكما كما اشرفكما الله تعالى فلقيه أبو بكر فقال يا رسول الله ناولنى أحد الصبيين حتى احملها فقال النبي (ص): نعم المطى مطيهما ونعم الراكبان هما وابوهما خير منهما حتى اتى المسجد وأمر بلالا فنادى بالناس واجتمع الناس في المسجد فقام رسول الله (ص) على قدميه وهما على عاتقه. فقال يا معشر الناس الا ادلكم على خير الناس جدا وجده ؟ قالوا بلى يا رسول الله قال الحسن والحسين جدهما رسول الله سيد المرسلين وجدتهما خديجه بنت خويلد سيده نساء اهل الجنة الا ادلكم على خير الناس أبا وأما ؟ قالوا بلى يا رسول الله قال الحسن والحسين ابوهما على بن أبي طالب (ع) وامهما فاطمه بنت خديجه سيده نساء العالمين ايها الناس الا ادلكم على خير الناس عما وعمه ؟ قالوا بلى يا رسول الله قال الحسن والحسين عمهما جعفر بن أبي طالب وعمتهما ام هاني بنت أبي طالب ايها الناس الا اخبركم بخير الناس خالا وخاله قالوا بلى يا رسول الله قال والحسين خالهما القاسم بن رسول الله وخالتهما زينب بنت رسول الله ثم قال اللهم انك تعلم ان الحسن والحسين في الجنة واباهما في وامهما في الجنة وعمهما في الجنة وعمتهما في الجنة وخالهما في الجنة وخالتهما في الجنة ومن احبهما في الجنة ومن ابغضهما في النار

[ 93 ]

قال سليمان: وكان هارون يحدثنا وعيناه تدمعان وتخنقه العبره (قال عبد المحمود): إذا كان الرشيد قد حدث فضل آل أبي طالب بهذا الحديث فهؤلاء المحسودون على هذا الفضل فكيف يحسدون على من لم يذكر عنه مثل هذا المدح وإنما لما عرف آل أبي طالب ان بني عمهم من بني العباس يمدحون أبا بكر وعمر وعثمان قالوا فهؤلاء الثلاثه الذين يمدحونهم لم يرونهم اهلا للخلافه والولاية فاحتجوا عليهم بذلك وان عمر جعل عليا (ع) في الشورى ولم يجعل العباس فارادوا منهم ان يكون الفضل لبنى هاشم على بني تيم وعدى وبني اميه ودخل الحساد بينهم الى البطاله ففرقوا شمل الفتهم المرضية. ما نزل من الايات في شان على (ع) 130 - ومن ذلك ما رواه الثعلبي في تفسير قوله تعالى " وتعيها اذن واعيه " (2) قال رسول الله (ص): سالت الله عز وجل ان يجعلها اذنك يا على. قال على عليه السلام: فما نسيت شيئا بعد ذلك وما كان لي ان انساه (3). وروى نحو ذلك ابن المغازلى في كتابه باسناده الى النبي (ص) (4). 131 - ومن ذلك ما رواه محمد بن مؤمن الشيرازي مما اورده في كتابه واستخرجه من تفاسير الاثنى عشر وهو من علماء الاربعة المذاهب وثقاتهم في


1) البحار: 27 / 94. 2) الحاقة: 12. 3) ابن بطريق في العمدة عن الثعلبي: 151، والطبري في تفسيره: 29 / 31. 4) المناقب: 265 و 319، والخوارزمي في المناقب: 199.

[ 94 ]

تفسير قوله تعالى " فاسئلوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون " (1) باسناده الى ابن عباس قال " فاسئلوا أهل الذكر " يعنى أهل بيت محمد وعلى وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام هم أهل الذكر والعلم والعقل والبيان وهم أهل بيت النبوه ومعدن الرساله ومختلف الملائكه والله ما سمى المؤمن مؤمنا إلا كرامه لامير المؤمنين. ورواه ايضا من طريق آخر عن سفيان الثوري عن السدى عن الحارث باتم من هذه الالفاظ (2). 132 - ومن ذلك ما رواه الحافظ محمد بن مؤمن في كتابه المذكور في تفسير قوله تعالى " والذين آمنوا بالله ورسوله اولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم اجرهم ونورهم " (3) باسناده عن قتاده عن ابن عباس " والذين آمنوا " يعنى صدقوا " بالله " انه واحد: على بن أبي طالب (ع) وحمزه ابن عبد المطلب وجعفر الطيار " اولئك هم الصديقون " قال رسول الله (ص) صديق هذه الامه أمير المؤمنين على بن أبي طالب وهو الصديق الاكبر والفاروق الاعظم. ثم قال " وشهداء عند ربهم " قال ابن عباس: فهم صديقون وهم شهداء الرسل على انهم قد بلغو االرساله ثم قال " لهم اجرهم " يعنى ثوابهم على التصديق بالنبوة والرسالة لمحمد " ونورهم " يعنى على الصراط (4). 133 - ومن ذلك ما رواه ايضا محمد بن مؤمن الشيرازي في كتابه المشار


1) النحل: 43. 2) رواه الشهيد التستري عن محمد بن مؤمن الشيرازي في احقاق الحق: 3 / 482. وشواهد التنزيل: 1 / 335، واحقاق الحق عن الثعلبي: 14 / 371، والبحار: 36 / 167. 3) الحديد: 19. 4) البحار: 35 / 413، واحقاق الحق 3 / 243، وشواهد التنزيل: 2 / 223.

[ 95 ]

إليه في تفسير قوله تعالى " عم يتسائلون عن النبا العظيم " باسناده الى السدى يرفعه قال اقبل صخر بن حرب حتى جلس الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال محمد هذا الامر من بعدك لنا ام لمن ؟ قال يا صخر الامر من بعدى لمن هو منى بمنزله هارون من موسى فانزل الله تعالى " عم يتسائلون " يعنى يسالك أهل مكه عن خلافه على بن أبي طالب (ع) " عن النبا العظيم الذي هم فيه مختلفون " منهم المصدق بولايته وخلافته ومنهم المكذب بهما ثم قال " كلا " وهو رد عليهم " سيعلمون " أي سيعرفون خلافته بعدك انها حق يكون " ثم كلا سيعلمون " يقول يعرفون خلافته وولايته إذ يسالون عنها في قبورهم فلا يبقى ميت في شرق ولا في غرب ولا في بر ولا في بحر إلا ومنكر ونكير يسالانه عن ولايه أمير المؤمنين (ع) بعد الموت يقولان للميت: من ربك ؟ وما دينك ؟ ومن نبيك ؟ ومن امامك (1). 134 - ومن ذلك ما رواه محمد بن مؤمن الشيرازي في كتابه المذكور في تفسير قوله تعالى " واذ قال ربك للملائكة انى جاعل في الأرض خليفه (1) " باسناده عن علقمه عن ابن مسعود قال وقعت الخلافه من الله عز وجل في القرآن لثلاثة نفر: لادم (ع) لقول الله تعالى " واذ قال ربك للملائكة انى جاعل في الارض " يعنى خالق في الأرض خليفه يعنى آدم (ع) " قالوا اتجعل فيها " يعنى اتخلق فيها " من يفسد فيها " يعنى يعمل فيها بالمعاصى بعد ما صلحت بالطاعة نظيرها " ولا تفسدوا في الأرض بعد اصلاحها (3) " يعنى لا تعملوا بالمعاصى بعد ما صلحت بالطاعة نظيرها " وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها " (4)


1) احقاق الحق: 3 / 485، والبحار: 36 / 2، وشواهد التنزيل: 2 / 317. 2) البقرة: 30. 3) الاعراف: 85. 4) البقرة: 205.

[ 96 ]

يعنى ليعمل فيها بالمعاصى ويسفك الدماء يعنى يهريقها بغير حلها " ونحن نسبح بحمدك " يعنى نذكرك " ونقدس لك " يعنى ونطهر الأرض لك " قال انى اعلم ما لا تعلمون " يعنى سبق في علمي ان آدم وذريته سكان الارض وانتم سكان السماء. والخليفه الثاني داود (ع) لقوله تعالى: " يا داود انا جعلناك خليفه في الأرض " (1) يعنى ارض بيت المقدس والخليفه الثالث على بن طالب (ع) لقول الله تعالى في السوره التي يذكر فيها النور " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات " (2) يعنى على بن أبي طالب (ع) " ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم " آدم وداود " وليمكنن لهم دينهم - يعنى الاسلام - الذي ارتضى لهم " أي رضيه لهم " وليبدلنهم من بعد خوفهم " يعنى من أهل مكه " امنا " يعنى في المدينة " يعبدونني " يوحدونني " لا يشركون بى شيئا ومن كفر بعد ذلك " بولاية علي بن أبي طالب (ع) " فاولئك هم الفاسقون " يعنى العاصين لله ولرسوله (ص) (3). 135 - ومن ذلك ما رواه الحافظ عندهم محمد بن مؤمن الشيرازي في كتابه المشار إليه باسناده الى قتاده عن الحسن البصري قال كان يقرا هذا الحرف " صراط على مستقيم " فقلت للحسن: وما معناه ؟ قال يقول هذا طريق على بن أبي طالب (ع) ودينه طريق ودين مستقيم فاتبعوه وتمسكوا


1) ص: 26. 2) النور: 55. 3) شواهد التنزيل: 1 / 76، والبحار: 36 / 96.

[ 97 ]

به فانه واضح لا عوج فيه (1). 136 - ومن ذلك ما رواه محمد بن مؤمن في كتابه المذكور في تفسير قوله تعالى " وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيره (2) " باسناده الى انس بن مالك قال سالت رسول الله (ص) عن معنى قوله " وربك يخلق ما يشاء " ؟ فقال ان الله عز وجل خلق آدم من طين كيف شاء ثم قال " ويختار " ان الله تعالى اختارني وأهل بيتى على جميع الخلق فانتجبنا فجعلني الرسول وجعل على بن أبي طالب (ع) الوصي ثم قال " ما كان لهم الخيره " يعنى ما جعلت للعباد ان يختاروا ولكني اختار من اشاء فانا وأهل بيتى صفوته وخيرته من خلقه. ثم قال " سبحان الله عما يشركون " يعنى الله منزه عما يشركون به كفار مكه. ثم قال " وربك يعلم " يعنى يا محمد " ما تكن صدورهم " من بغض المنافقين لك ولاهل بيتك " وما يعلنون " بالسنتهم من الحب لك ولاهل بيتك (3). 137 - ومن ذلك ما رواه الثعلبي في تفسيره ورواه الواحدى في اسباب النزول عن البخاري ومسلم صاحبي كتاب الصحيحين عندهم في تفسير قوله تعالى " يا ايها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم اولياء تلقون إليهم بالموده " (4) الايه وفي روايتهم زياده لبعض على بعض ومختصر ذلك ان حاطب بلتعه كتب مع ساره مولاة أبي عمرو بن صافى كتابا الى أهل مكه يخبرهم بتوجه النبي إليهم ويحذرهم منه فعرفه جبرئيل (ع) عن الله تعالى بذلك قال:


1) البحار: 35 / 373، وشواهد التنزيل: 1 / 60، والبحار أيضا: 36 / 167، واحقاق الحق: 3 / 543. 2) القصص: 67. 3) البحار: 36 / 167، واحقاق الحق: 3 / 564، والبحار: 23 / 74. 4) الممتحنة: 1.

[ 98 ]

فبعث عليا وعمارا وعمر والزبير وطلحه والمقداد بن الاسود وأبا مرثد في ذلك وعرفهم ما عرفه الله تعالى به وان الكتاب مع الجارية سارة فوجدوها في بطن خاخ على ما وصفه رسول الله (ص) لهم فحلفت انه ليس معها كتاب ففتشوها فلم يجدوا معها كتابا فهموا بالرجوع فقال علي (ع): والله ما كذبنا وسل سيفه وقال: اخرجي الكتاب وإلا والله لاجردنك ولاضربن عنقك فلما رات الجد اخرجت الكتاب فاخذه فاتى به النبي (ص) (1). (قال عبد المحمود): انظر رحمك حال على (ع) وحال عمر وطلحه والزبير الذين نازعوا عليا (ع) على الخلافه وتعجب من قول مسلم والبخاري على ما رواه الثعلبي والواحدي عنهما، وقد شهد غيرهما ممن روى الحديث ان عمر وطلحه والزبير هموا بالرجوع. ليت شعرى باى وجه كانوا يقدمون على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد كذبوه وصدقوا امرأة ناقصه العقل والدين وباى وجه كانوا يقدمون على الله تعالى وقد جعلوا خبر امرأة واحده اصدق من خبره وهو قوله تعالى " وما ينطق عن الهوى * ان هو إلا وحى يوحى " وهل ترى لهؤلاء يقينا سليما أو دينا مستقيما وأما المقداد وعمار وأبو مرثد فقد روت الشيعه انهم ما كانوا في هذه الواقعة وما كانوا يتقدمون على علي (ع) في شئ. 138 - ومن ذلك ما رواه من طريقهم برجالهم ما ذكره شيخ المحدثين ببغداد في تقديمه على تاريخ الخطيب في المجلد الثالث عشر عن محمد بن حماد الطهراني قال خيرنى هشام بن عبد الملك من ارض الحجاز الى ارض الشام فاخترت البلقاء فوجدت فيها جبلا اسود مكتوب عليه بالاندر ما هو من سلب آل عمران فسالت عمن يقرؤه فجاؤا بشيخ قد كبرت سنه قال ما اعجب ما عليه


1) أسباب النزول: 315، والبحار 36 / 168، والبخاري في صحيحه 6 / 60.

[ 99 ]

بالعبرانى مكتوب " باسمك اللهم جاء الحق من ربك بلسان عربي لا اله إلا الله محمد رسول الله علي ولى الله وكتب موسى بن عمران بيده " (1). 139 - ومن ذلك ما رواه الثعلبي في تفسير قوله تعالى " فإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير " (2) فقال قال رسول الله (ص): وصالح المؤمنين هو على بن أبي طالب (ع) (3). ورواه الشافعي بن المغازلى في كتابه باسناده (4). 140 - ومن ذلك ما رواه الثعلبي في تفسير قوله تعالى " ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بينى وبينكم ومن عنده علم الكتاب " قال هو على بن ابي طالب (ع) (5). 141 - وروى الثعلبي من طريقين ان المراد بقوله تعالى ومن عنده علم الكتاب على (ع) وقد تقدم نحو ذلك. 142 - ومن ذلك ما رواه الثعلبي ايضا في تفسير قوله تعالى " الذين ينفقون اموالهم بالليل والنهار سرا وعلانيه فلهم اجرهم عند ربهم ولا خوف علهيم ولا هم يحزنون " (7) فرواه الثعلبي باسناده الى ابن عباس قال كان عند على بن أبي طالب (ع) اربعه دراهم لا يملك سواها فتصدق بدرهم


1) البحار: 38 / 57. 2) التحريم: 4. 3) احقاق الحق: 3 / 311، والبحار: 36 / 30. 4) المناقب: 269. 5) احقاق الحق عنه: 3 / 281. 6) نفس المصدر، وينابيع المودة: 102 - 104. 7) البقرة: 274.

[ 100 ]

سرا وبدرهم علانيه وبدرهم ليلا وبدرهم نهارا فنزلت هذه الايه (1). ورواه ابن المغازلى في كتابه المناقب باسناده (2). 143 - ومن ذلك ما رواه الثعلبي في تفسيره رفعه الى ابن عباس في قوله تعالى " طوبى لهم وحسن ماب " (3) قال قال رسول الله (ص) طوبى شجر أصلها في دار على بن أبي طالب وفي دار كل مؤمن منها غصن فقال " طوبى لهم وحسن ماب " يعنى حسن مرجع (4). 144 - ورواه الثعلبي ايضا في حديث آخر باسناده الى النبي (ص) انه سئل عن قوله تعالى " طوبى لهم وحسن ماب " ؟ فقال شجره في الجنة اصلها في دارى وفرعها على أهل الجنة. فقيل له يا رسول الله سالناك عنها فقلت شجره في الجنة أصلها في دار على (ع) وفرعها على أهل الجنة ؟ فقال ان دارى ودار على غدا واحده في مكان واحد (5) وروى ابن المغازلى في كتابه نحو هذا (6). 145 - ومن ذلك ما رواه الثعلبي في تفسير تعالى " ولقد كنتم تمنون الموت من قبل ان تلقوه فقد رأيتموه وانتم تنظرون " (7) قال كانوا يتمنون الموت - يعنى قريشا - من قبل ان يلقوا على بن أبي طالب عليه السلام (8).


1) احقاق الحق عن الثعلبي: 3 / 247، والبحار: 32 / 61. 2) المناقب: 280، والخوارزمي في المناقب: 198. 3) الرعد: 29. 4) احقاق الحق: 3 / 441. 5) ينابيع المودة عن الثعلبي: 131 - 132، وشواهد التنزيل: 1 / 304. 6) المناقب: 268، والبحار: 36 / 70. 7) آل عمران: 143. 8) البحار: 3 / 26.

[ 101 ]

146 - ومن ذلك ما رواه الثعلبي في تفسير قوله تعالى " افمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون " (1) قال نزلت في على (ع) والوليد بن عقبه ابن ابي معيط اخى عثمان لامه وذلك انه كان بينهما تنازع كلام في شئ فقال الوليد لعلى (ع) اسكت انك صبى وأنا والله ابسط منك لسانا وأحد سنانا واشجع جنانا واملا منك حشوا في الكتيبة فقال له على عليه السلام: اسكت فانك فاسق فانزل الله تعالى " افمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون " يعنى بالمؤمن عليا وبالفاسق الوليد (2). 147 - ومن ذلك ما ذكره أبو نعيم المحدث في كتابه الذي استخرجه من كتاب الاستيعاب في تفسير قوله تعالى " واسئل من ارسلنا من قبلك من رسلنا " (3) قال النبي (ص) ليله اسرى بى جمع الله بينى وبين الانبياء عليهم السلام ثم قال يا محمد سلهم على ماذا بعثتم ؟ قالوا بعثنا على شهاده ان لا اله إلا الله والاقرار بنبوتك والولاية لعلى بن أبي طالب (ع) (4). في انه (ع) مع الحق والحق معه 148 - ومن ذلك ما رواه أبو بكر محمد بن الحسن الاجرى تلميذ أبي بكر والد ابي داود السجستاني في الجزء الثاني من كتاب الشريعه باسناده


1) السجدة: 18. 2) احقاق الحق عن الثعلبي: 14 / 308، والطبري في تفسيره: 21 / 61، والبحار: 35 / 343، والخوارزمي في المناقب: 197، وينابيع المودة: 212، وشواهد التنزيل: 1 / 445، وابن المغازلي في المناقب: 324. 3) الزخرف: 45. 4) احقاق الحق: 3 / 144.

[ 102 ]

الى علقمه بن قيس والاسود بن يزيد قالا اتينا ابا ايوب الانصاري فقلنا يا أبا ايوب ان الله تعالى اكرمك بمحمد إذ اوحى الى راحلته فنزلت الى بابك وكان رسول الله (ص) ضيفك فضيله فضلك الله تعالى بها ثم خرجت تقاتل مع على بن أبي طالب (ع) فقال مرحبا بكما واهلا وسهلا اننى اقسم بالله لكما لقد كان رسول الله في هذا البيت الذي انتما فيه وما في البيت غير رسول الله وعلى جالس عن يمينه وانا قائم بين يديه وانس إذ حرك الباب فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا انس انظر من بالباب فخرج انس فنظر ورجع فقال هذا عمار بن ياسر قال أبو ايوب سمعت رسول الله يقول يا انس افتح لعمار الطيب المطيب ففتح انس الباب فدخل عمار فسلم على رسول الله (ص) فرد عليه السلام ورحب به ثم قال له يا عمار سيكون في امتى بعدى هناه واختلاف حتى يختلف السيف فيما بينهم حتى يقتل بعضهم بعضا ويتبرا بعضهم من بعض فإذا رايت ذلك فعليك بهذا الذي عن يمينى - يعنى على بن أبي طالب (ع) - فإن سلك الناس كلهم واديا وسلك على واديا فاسلك وادى علي وخل الناس طرا يا عمار ان عليا لا يزال على هدى يا عمار طاعه على طاعتي وطاعتي طاعه الله عز وجل (1). 149 - وروى العبدرى في الجمع بين الصحاح السته في الجزء الثالث منه في مناقب المؤمنين على بن أبي طالب (ع) من صحيح البخاري عن النبي (ص) قال رحم الله عليا اللهم ادر الحق معه حيث دار (2). 150 - ومن ذلك ما رواه احمد بن موسى بن مردويه في كتاب المناقب


1) البحار: 38 / 37، والخوارزمي في المناقب: 124. 2) الخوارزمي في المناقب: 56، والبحار 38 / 38، واحقاق الحق عن العبدري 5 / 626.

[ 103 ]

من عده طرق فمنها باسناده الى محمد بن أبي بكر قال حدثتني عائشة ان رسول الله قال الحق على وعلى مع الحق لن يفترقا حتى يردا على الحوض (1) 151 - ومنها باسناده الى أبي بكر أحمد بن موسى بن مردويه الى اصبغ ابن نباته قال لما ان اصيب زيد بن صوحان يوم الجمل اتاه على عليه السلام وبه رمق فوقف عليه وهو يتالم لما به فقال رحمك الله يا زيد فو الله ما عرفتك إلا خفيف المؤنة كثير المعونة قال فرفع راسه وقال وأنت مولاى يرحمك الله فو الله ما عرفتك إلا بالله عالما وباياته عارفا والله ما قاتلت معك من جهل ولكني سمعت حذيفه بن اليمان يقول سمعت رسول الله (ص) يقول علي أمير البرره وقاتل الفجرة منصور من نصره ومخذول خذله ألا وان الحق معه ويتبعه الا فميلوا معه (2). 152 - ومنها في كتاب المناقب ايضا لابن مردويه باسناده الى ثابت مولى أبي ذر عن ام سلمه قالت سمعت رسول الله (ص) يقول على مع القرآن والقرآن معه لا يفترقان حتى يردا على الحوض (3). 153 - وذكر الخطيب في تاريخه ما يدل على ان علقمه والاسود كررا معاتبه أبي ايوب على نصرته لعلى (ع) فزادهما ايضا حال عذره بما كان سمعه من رسول الله (ص) فقال الخطيب ان علقمه والاسود اتيا أبا ايوب الانصاري عند منصرفه من صفين فقالا له يا أبا ايوب ان الله اكرمك بنزول محمد (ص) في بيتك وبمجيئ ناقته تفضلا من الله تعالى واكراما لك حتى اناخت ببابك دون الناس جميعا ثم جئت بسيفك على عاتقك تضرب أهل لا


1) البحار: 38 / 38، وتاريخ ابن عساكر من ترجمة الامام علي بن أبي طالب عليه السلام: 3 / 117، واحقاق الحق عن مناقب ابن مردويه: 5 / 640. 2) الخوارزمي في المناقب: 111. 3) الكنجي في كفاية الطالب: 253، وتاريخ ابن عساكر: 2 / 120.

[ 104 ]

اله إلا الله فقال يا هذا ان الرائد لا يكذب اهله ان رسول الله امرنا بقتال ثلاثه مع على عليه السلام بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين فاما الناكثون فقد قاتلناهم وهم أهل الجمل وطلحه والزبير وأما القاسطون فهذا منصرفنا عنهم يعنى معاويه وعمرو بن عاص وأما المارقون فهم أهل الطرفاوات وأهل السقيفات وأهل النخيلات وأهل النهروانات والله ما ادرى اين هم ولكن لا بد من قتالهم انشاء الله تعالى ثم قال سمعت رسول الله (ص) يقول لعمار تقتلك الفئه الباغيه وأنت إذ ذاك مع الحق والحق معك يا عمار ان رايت عليا سلك واديا وسلك الناس كلهم واديا فاسلك مع على فانه لن يدليك في ردى ولن يخرجك من هدى يا عمار من تقلد سيفا واعان به عليا على عدوه قلده الله يوم القيامة وشاحين من در ومن تقلد سيفا اعان به عدو على قلده الله تعالى يوم القيامة وشاحين من نار قلنا يا هذا حسبك يرحمك الله حسبك يرحمك الله (1). فيما اخبره رسول الله من قتاله وقتله 154 - وروى محمود الخوارزمي في كتاب الفائق في الاصول في باب ذكر سائر معجزاته - يعنى معجزات النبي (ص) - قال وقال يعنى النبي (ص) لعلى عليه السلام ستقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين فقاتل طلحه والزبير بعد ما نكثا بيعته وقاتل معاويه وهم القاسطون أي الظالمون وقاتل الخوارج وهم المارقون هذا لفظ الخوارزمي (2). 155 - ومن ذلك ما رواه الخوارزمي محمود في كتاب الفائق المذكور في


1) تاريخ بغداد: 13 / 186، والبخار: 39 / 37، وصحيح مسلم: 4 / 2236. 2) البحار: 8 / 458 ط أمين الضرب.

[ 105 ]

باب ذكر سائر معجزاته (ص) في قصه ذى الثديه الذي قتل مع الخوارج (1) وقد رواها الحميدى في الحديث الرابع من المتفق عليه من مسند أبي سعيد الخدرى في حديث ذى الثديه واصحابه الذين قتلهم على بن أبي (ع) بالنهروان قال قال رسول الله (ص) تمرق مارقه عند فرقه من المسلمين يقتلها اولى الطائفتين بالحق وفي روايه الاوزاعي في صفه ذى الثديه ان احدى ثدييه مثل البضعه تدر درا يخرجون على خير فرقه من المسلمين قال أبو سعيد الخدرى فاشهد انى سمعت هذا من رسول الله (ص) واشهد ان على بن أبي طالب (ع) قاتلهم وانا معه فامر بذلك الرجل فالتمس فوجد فاتى به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله (ص) الذي نعت. هذا لفظ ما رواه الحميدى في حديثه (2). 156 - ومن ذلك ما رواه الخوارزمي في كتاب الفائق ايضا في باب ذكر سائر معجزاته (ص) قال قال رسول الله (ص) لعلى (ع) ا لا اخبرك باشقى الناس رجلان حمير ثمود ومن يضربك يا علي على هذا - ووضع يده على قرنه - فيبتل منه هذا - واخذ بلحيته - فكان كما اخبره هذا لفظ الخوارزمي واحمير (3) ثمود عاقر ناقه صالح وقاتل على (ع) عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله عليه (4).


1) الفائق: 2 / 241. 2) البحار: 8 / 458 ط أمين الضرب، صحيح البخاري 4 / 200، ذخائر العقبى: 110. 3) وفي النسخ الموجودة هو ا حيم - وصحيح مسلم: 2 / 745. 4) نفس المصدر، وتاريخ ابن عساكر: 3 / 285.

[ 106 ]

انه (ع) امام المتقين وقائد الغر المحجلين 157 - ومن ذلك ما ذكره الخطيب في تاريخه باسناده الى أبي جعفر بن ربيعه عن عكرمه عن عبد الله بن عباس قال قال رسول الله (ص) ما في القيامة راكب غيرنا نحن اربعه فقال له عمه العباس ومن هم يارسول الله قال أما انا فعلى البراق ووصفها بوصف طويل قال العباس ومن يا الله الله قال واخى صالح على ناقه الله وسقياها التي عقرها قومه قال العباس ومن يا رسول الله قال وعمى حمزه اسد الله واسد رسوله سيد الشهداء على ناقتي قال العباس ومن يا رسول الله قال: واخى على بن أبي طالب (ع) على ناقه من نوق الجنة زمامها من لؤلؤ رطب عليها محمل من ياقوت احمر قضبانها من الدر الابيض على راسه تاج من نور لذلك التاج سبعون ركنا ما من ركن إلا وفيه ياقوته حمراء تضيئى للراكب المحث عليه حلتان خضراوان وبيده لواء الحمد وهو ينادى " اشهد ان لا اله إلا الله وان محمدا رسول الله " فيقول الخلائق ما هذا إلا نبى مرسل أو ملك مقرب أو حامل عرش فينادى مناد من بطنان العرش ليس هذا ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا ولا حامل عرش هذا علي بن أبي طالب (ع) وصى رسول رب العالمين وامام المتقين وقائد الغر المحجلين (1). 158 - ورى الفقيه الشافعي ابن المغازلى من عده طرق ومعناها واحد فمنها قال قال رسول الله (ص) يا علي انك سيد المسلمين وامام المتقين وقائد الغر المحجلين ويعسوب المؤمنين (2). 159 - ومن روايات ابن المغازلى في كتابه المذكور باسناده الى حذيفه


1) البحار: 39 / 234. 2) المناقب 65 و 104، والبحار: 38 / 144.

[ 107 ]

بن اليمان قال آخى رسول الله (ص) بين المهاجرين فكان يواخى بين الرجل ونظيره ثم اخذ بيد علي بن أبي طالب (ع) فقال هذا اخى قال حذيفه فرسول الله (ص) سيد المرسلين وامام المتقين ورسول رب العالمين الذي ليس له شبيه ولا نظير وعلي اخوه (1). نزول سوره هل اتى في شانه (ع) 160 - ومن ذلك ما ذكره الثعلبي في تفسيره ورواه من عده طرق في تفسير سوره " هل اتى على الانسان حين من الدهر " (2) باسانيدها ومن ذلك باسناده الى ابن عباس رضى الله عنه قال مرض الحسن والحسين عليهما السلام فعادهما جدهما رسول الله (ص) ومعه أبو بكر وعمر وعادهما عامه العرب فقالوا يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك نذرا وكل نذر لا يكون له وفاء فليس بشئ فقال على (ع) ان برئ ولداى مما بهما صمت لله ثلاثه ايام شكرا لله عز وجل وقالت فاطمه وجاريتهم فضه مثل ذلك فالبس الغلامان العافية وليس عند آل محمد (ص) قليل ولا كثير فانطلق على (ع) الى شمعون بن حانا الخيبري - وكان يهوديا - فاستقرض منه ثلاثه اصوع من شعير. وفي حديث المزني عن مهران الباهلى فانطلق الى جار له من اليهود يعالج الصوف يقال له شمعون بن حانا فقال له هل لك ان تعطيني جزه من صوف تغزلها لك بنت محمد بثلاثة اصوع من شعير ؟ قال نعم فاعطاه فجاء بالصوف والشعير فاخبر فاطمه عليها السلام بذلك فقبلت واطاعت قالوا


1) المناقب: 39، والبحار: 38 / 346. 2) الدهر: 1.

[ 108 ]

فقامت فاطمه الى صاع فطحنته واختبزت منه خمسه اقراص لكل واحد منهم قرص وصلى على مع النبي (ص) المغرب ثم اتى المنزل فوضع الطعام بين يديه إذ اتاهم مسكين فوقف بالباب وقال السلام عليكم يا أهل بيت محمد مسكين من مساكين المسلمين اطعموني اطعمكم الله من موائد الجنة فسمعه على (ع) فامر باعطائه فاعطوه الطعام باجمعه ومكثوا يومهم وليلتهم لم يذوقوا شيئا إلا الماء القراح فلما ان كان اليوم الثاني قامت فاطمه عليها السلام الى صاع فطحنته واخبزته وصلى على (ع) مع النبي (ص) المغرب ثم اتى المنزل فوضع الطعام بين يديه فأتاهم يتيم فوقف بالباب فقال السلام عليكم يا آل محمد يتيم من اولاد المهاجرين استشهد والدى يوم العقبه اطعموني اطعمكم الله من موائد الجنة فسمعه على (ع) فامر باعطائه فاعطوه الطعام باجمعه ومكثوا يومين وليلتين لم يذوقوا شيئا إلا الماء القراح فلما كان اليوم الثالث قامت فاطمه الى الصاع الباقي فطحنته واختبزته وصلى على (ع) مع النبي (ص) المغرب ثم اتى المنزل فوضع الطعام يديه إذ اتاهم اسير فوقف بالباب فقال السلام عليكم يا أهل بيت محمد تأسرونا ولا تطعمونا ؟ فسمعه علي عليه السلام فامر باعطائه قال فاعطوه الطعام باجمعه ومكثوا ثلاثه ايام ولياليها لم يذوقوا شيئا إلا الماء القراح. فلما ان كان اليوم الرابع وقد وفوا نذرهم اخذ على (ع) بيده اليمنى الحسن وبيده اليسرى الحسين واقبل نحو رسول الله (ص) وهم يرتعشون كالفراخ شده الجوع فلما بصر به النبي (ص) قال يا أبا الحسن ما اشد ما يسوءني ما ارى بكم ؟ فانطلق بنا الى منزل فاطمه فانطلقوا إليها وهي في محرابها تصلى قد لصق بطنها بظهرها من شده الجوع وغارت عيناها فلما رآها النبي (ص) قال واغوثاه بالله يا أهل بيت محمد تموتون جوعا ؟ فهبط جبرئيل

[ 109 ]

فقال يا محمد خذ ما هناك الله في أهل بيتك قال وما آخذ يا جبرئيل ؟ فاقرأه " هل اتى على الانسان حين من الدهر " الى قوله " إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا " الى آخر السوره. وزاد محمد بن على الغزالي على ما ذكره الثعلبي في كتابه المعروف بالبلغه انهم عليهم السلام نزلت عليهم مائده من السماء فاكلوا منها سبعه ايام قال وحديث المائدة ونزولها عليهم مذكور في سائر الكتب (قال عبد المحمود بن داود) فسئل بعض رواه الحديث عن معنى قوله " انه مذكور في سائر الكتب " فقال انه اشاره الى الكتب المعتبرة التي يعرفها سامع الحديث. قال وقد روى حديث المائدة المسمى صدر الائمه اخطب خطباء خوارزم موفق بن أحمد المكى في كتابه وروى الواحدى وهو من اعيان العلماء الاربعة المذاهب في كتاب اسباب النزول ان سبب نزول الايه ايثار على بن أبي طالب (ع) المسكين واليتيم والاسير وشرح ما رواه في خصوص ذلك (1). 161 - ومن ذلك ايضا في تفسير هل اتى ما ذكره الزمخشري في كتابه الكشاف ما هذا لفظه وعن ابن عباس رضى الله عنه ان الحسن والحسين عليهما السلام مرضا فعادهما رسول الله (ص) في ناس معه فقالوا يا أبا الحسن لو نذرت على ولدك وكل نذر ليس له وفاء فليس بنذر فنذر على وفاطمة وفضه جاريه لهما ان برآ مما بهما ان يصوموا ثلاثه ايام شكرا لله تعالى فشفيا وما معهم شئ فاستقرض على من شمعون الخيبرى اليهودي ثلاثه اصوع من شعير


1) الخوارزمي في المناقب: 188، والواحدي في أسباب النزول: 331، ورواه ابن المغازلي في المناقب: 272، وشواهد التنزيل: 2 / 303 والكنجي في كفاية الطالب: 201، وينابيع المودة: 93، والبحار: 35 / 248.

[ 110 ]

فطحنت فاطمه عليها السلام صاعا واختبزت خمسه اقراص على عددهم فوضعوها بين ايديهم ليفطروا فوقف عليهم سائل فقال السلام عليكم أهل بيت محمد مسكين من مساكين المسلمين اطعموني اطعمكم الله من موائد الجنة فاثروه وباتوا لم يذوقوا إلا الماء واصبحوا صياما فلما امسوا ووضعوا الطعام بين ايديهم وقف عليهم يتيم فاثروه ووقف عليهم اسير في الثالثه ففعلوا مثل ذلك فلما اصبحوا اخذ على بيد الحسن والحسين واقبلوا الى رسول الله (ص) فلما ابصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شده الجوع قال ما اشد ما يسوءني ما ارى بكم وقام فانطلق معهم فراى فاطمه في محرابها قد التصق ظهرها ببطنها وغارت عيناها فساءه ذلك فنزل جبرئيل وقال ها يا محمد هناك الله في أهل بيتك فاقرأه السوره (1). (قال عبد المحمود): وهذا الزمخشري من ازهدهم واعلم علمائهم ترك الدنيا عن قدره وجاور مكه وقد رواه عن ابن عباس خبر هذه الايه وقوله حجه على المفسرين ولا يجوز الطعن عليه أحد من المسلمين. مناقب اصحاب الكساء وفضلهم عليهم السلام 162 - ومن طريف ما رواه رجالهم في فضل على عليه السلام وفاطمة عليها السلام ونسلهما ما ذكره شيخ المحدثين ببغداد في المجلد العاشر باسناده عن اسماء بنت واثله قالت سمعت اسماء بنت عميس تقول سمعت سيدتي فاطمه عليها السلام تقول ليله دخل بى على (ع) افزعني في فراشي قلت: بما افزعك يا سيده نساء العالمين ؟ قالت سمعت الارض تحدثه ويحدثها


1) الكشاف: 4 / 197.

[ 111 ]

فاصبحت وانا فزعه فاخبرت والدى فسجد سجده طويله ثم رفع راسه وقال يا فاطمه ابشرى بطيب النسل فان الله فضل بعلك على سائر خلقه وأمر به الارض ان يحدثه باخبارها وما يجرى على وجهها من شرقها الى غربها (1). (قال عبد المحمود): هذا لفظه في كتابه. 163 - ومن طرائف ما وجدته في حديث سفيان الثوري تأليف سليمان بن أحمد الطبراني عن هشام بن عروه عن عائشة قالت كنت ارى رسول الله (ص) يفعل بفاطمة عليها السلام شيئا من التقبيل والالطاف فقلت يا رسول الله تفعل بفاطمة لم ارك تفعله قبل ؟ فقال يا حميراء انه لما كانت ليله اسرى بى الى السماء دخلت الجنة فوقفت على شجره من شجر الجنة لم ار شجره في الجنة احسن منها حسنا ولا انضر منها ورقا ولا اطيب منها ثمرا فتناولت ثمره من ثمرها فاكلتها فصارت نطفه في ظهرى فلما هبطت الى الأرض واقعت خديجه فحملت بفاطمة فانا إذا اشتقت الى الجنة سمعت ريحها من فاطمه يا حميراء ان فاطمه ليست كنساء الادميين ولا تعتل كما يعتللن - يعنى به الحيض - (2). 164 - ومن ذلك ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده باسناده ان النبي (ص) اخذ بيد الحسن والحسين وقال من احبني واحب هذين واباهما وامهما كان معى في درجتي يوم القيامة (3). 165 - ومن ذلك ما رواه الشافعي ابن المغازلى في كتابه باسناده الى جابر ابن الله الانصاري قال قال رسول الله (ص) ذات يوم بعرفات وعلى عليه


1) البحار: 41 / 271. 2) الخوارزمي في مقتل الحسين: 63، وذخائر العقبى: 36، والبحار: 37 / 65. 3) ذخائر العقبى: 123، وأحمد بن حنبل في مسنده: 1 / 77، وابن المغازلي في المناقب: 370.

[ 112 ]

السلام تجاهه ادن منى يا على خلقت انا وأنت من شجره فانا اصلها وأنت فرعها والحسن والحسين اغصانها فمن تعلق بغصن منها ادخله الله الجنة (1). 166 - ومن ذلك ما رواه الشافعي ابن المغازلى في كتاب المناقب باسناده الى عبد الله بن عباس رضى الله عنه قال سئل النبي (ص) عن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه قال ساله بحق محمد وعلى وفاطمة والحسن والحسين إلا تبت علي فتاب عليه (2). 167 - ومن ذلك ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده الى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما نزل قوله تعالى " قل لا اسئلكم عليه اجرا إلا الموده في القربى " (3) قالوا يا رسول الله من قرابتك الذين وجبت مودتهم ؟ قال على وفاطمة وابناهما عليهم السلام (4). ورواه الثعلبي في تفسيره في تفسير هذه الايه بهذه الالفاظ والمعاني (5). 168 - وروى البخاري في صحيحه في الجزء السادس على حد كراسين ونصف من اوله من النسخة المنقول منها في قوله تعالى " قل لا اسئلكم عليه اجرا إلا الموده في القربى " باسناده الى طاووس عن ابن عباس انه سئل عن قوله تعالى " قل لا اسئلكم عليه اجرا إلا الموده في القربى " قال سعيد بن جبير قربى آل محمد (ص) (6). 169 - وروى مسلم في صحيحه في الجزء الخامس على حد كراسين


1) المناقب: 297 و 90. 2) المناقب: 63، وينابيع المودة: 97. 3) الشورى: 23. 4) ذخائر العقبى عن أحمد: 25، وابن المغازلي في المناقب: 309. 5) احقاق الحق عنه: 9 / 92. 6) البخاري في صحيحه: 6 / 37.

[ 113 ]

من اوله من النسخة المشار إليها في تفسير قوله تعالى " قل لا اسئلكم عليه اجرا إلا الموده في القربى " قال وسئل ابن عباس عن هذه الايه فقال ابن جبير: قربى آل محمد (ص) - الخبر (1). ورواه في الجمع بين الصحاح السته في الجزء الثاني من اجزاء اربعه في تفسير حم من عده طرق (2). 170 - وروى الثعلبي في تفسير هذ الايه تعيين آل محمد عليهم السلام من عده طرق فمنها عن ام سلمه عن رسول الله (ص) انه قال لفاطمه عليها السلام: ايتنى بزوجك وابنيك فاتت بهم فالقى عليهم كساء ثم رفع يديه عليهم فقال اللهم هؤلاء آل محمد فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد فانك حميد مجيد قالت فرفعت الكساء لادخل معهم فاجتذبه وقال انك على خير. وسياتى في تفسير قوله تعالى " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت " من روايه أحمد بن حنبل تعيين آل محمد (ص) ايضا وروى الثعلبي نحو ذلك عن مشايخه عن على بن الحسين المعروف بزين العابدين عليه السلام وعن غيره (3). حديث الثقلين 171 - ومن ذلك ما صرح النبي (ص) بالوصية الواضحة والدلاله المحققه على من يقوم مقامه بعده ويخلفه في امته الى يوم القيامة ولم يجعل لاحد عذرا في


1) العمدة: 25، والبحار: 23 / 250. 2) الطبري في تفسيره: 25 / 15. 3) البحار: 23 / 250.

[ 114 ]

مخالفته فروى أحمد بن حنبل في مسنده باسناده الى أبي سعيد الخدرى قال: قال رسول الله (ص) انى قد تركت فيكم الثقلين ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدى واحدهما اكبر من الاخر كتاب الله حبل ممدود من السماء الى الأرض وعترتي أهل بيتى الا وانهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض (1). وقد روى ان أبا بكر قال عتره النبي على. 172 - ومن ذلك في المعنى ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده باسناده الى اسرائيل بن عثمان بن المغيره بن ربيعه قال لقيت زيد بن ارقم وهو داخل على المختار أو خارج من عنده فقلت له سمعت رسول الله يقول انى تارك فيكم الثقلين ؟ قال نعم (2). 173 - ومن ذلك في المعنى ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده الى زيد بن ثابت قال قال رسول الله (ص) اني تارك فيكم الثقلين خليفتين كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء الى الأرض وعترتي أهل بيتى وانهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض (3). 174 - ومن ذلك في المعنى ما رواه مسلم في صحيحه من عده طرق فمنها في الجزء الرابع منه من اجزاء سته في آخر كراس الثانيه من اوله من النسخة المنقول منها باسناده الى يزيد بن حيان قال انطلقت انا وحصين بن سبره وعمر بن مسلم الى زيد بن ارقم فلما جلسنا عنده قال له حصين لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا رايت رسول الله (ص) وسمعت حديثه وغزوت معه وصليت خلفه لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول


1) احقاق الحق عن أحمد بن حنبل في المناقب: 9 / 311، والبحار: 23 / 106. 2) نفس المصدر عنه: 9 / 322، وأحمد بن حنبل في مسنده: 4 / 371، والبحار 23 / 107، والعمدة: 34. 3) أحمد بن حنبل في مسنده: 5 / 181، والبحار: 23 / 107. (*)

[ 115 ]

الله (ص) قال يا ابن اخى والله لقد كبر سنى وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنت اعى من رسول الله (ص) فما حدثتكم فاقبلوه وما لا احدثكم فلا تكلفونيه ثم قال قام رسول الله (ص) يوما فينا خطيبا بماء يدعى خما بين مكه والمدينة فحمد الله واثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال أما بعد ايها الناس فانما انا يوشك ان ياتيني رسول ربى فاجيب وتارك فيكم الثقلين اولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال وأهل بيتى اذكركم الله في أهل بيتى اذكركم الله في أهل بيتى - الخبر (1). ورواه ايضا مسلم في صحيحه بهذه المعاني في الجزء الرابع المذكور على حد ثانيه عشر قائمه من اوله من تلك النسخة (2) 175 - ومن ذلك في المعنى من كتاب الجمع بين الصحاح السته من الجزء الثالث من اجزاء اربعه من صحيح أبي داود وهو كتاب السنن ومن صحيح الترمذي باسنادهما عن رسول الله (ص) قال انى تارك فيكم الثقلين ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدى احدهما اعظم من الاخر وهو كتاب الله حبل ممدود من السماء الى الارض وعترتي أهل بيتى لن يفترقا حتى يردا على الحوض فانظروا كيف تخلفوني في عترتي (3). 176 - ومن ذلك في هذا المعنى ما رواه الفقيه الشافعي ابن المغازلى عن عده طرق في كتابه باسانيدها فمنها قال: ان رسول الله (ص) قال انى اوشك ان ادعى فاجيب واني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله حبل ممدود


1) مسلم في صحيحه 4 / 1873، والبحار: 23 / 107 - 108. 2) راجع ص 1874، ورواه أحمد بن حنبل في مسنده: 4 / 366. 3) الترمذي في صحيحه: 13 / 200، والبحار: 23 / 108، والعمدة: 36.

[ 116 ]

من السماء الى الأرض وعترتي أهل بيتى وان اللطيف الخبير اخبرني انهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض فانظروا ماذا تخلفوني فيهما (1). (قال عبد المحمود): لقد اثبت في عده طرق وقد تركت من الحديث بالمعنى مقدار عشرين روايه لئلا يطول الكتاب بتكرارها مسنده من رجال الاربعة المذاهب المشهور حالهم بالعلم والزهد والدين. (قال عبد المحمود): كيف خفى عن الحاضرين مراد النبي باهل بيته (ص) وقد جمعهم لما انزلت آيه الطهاره تحت الكساء وهم وعلى وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام وقال اللهم هؤلاء أهل بيتى فاذهب عنهم الرجس. وقد وصف أهل بيته الذين قد جعلهم خلفا منه بعد وفاته مع كتاب الله تعالى بانهم لا يفارقون كتاب الله تعالى حتى يردوا عليه الحوض فينظر من كان من العتره معصوما لا يفارق كتاب الله تعالى في سر ولا جهر ولا في غضب ولا رضى ولا غنى ولا فقر ولا خوف ولا امن فاولئك الذين اشار إليهم جل جلاله. 177 - ومن ذلك باسناده الى ابن أبي الدنيا من كتاب فضائل القرآن قال قال رسول الله (ص) انى تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتى وقرابتي. قال: آل عقيل وآل جعفر وآل عباس (2). 178 - ومن ذلك باسناده الى على بن ربيعه قال لقيت زيد بن ارقم وهو يريد ان يدخل على المختار فقلت بلغني عنك شئ فقال ما هو ؟ قلت: سمعت رسول الله (ص) يقول انى قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتى قال اللهم نعم (3).


1) المناقب: 235، والبحار: 23 / 108. 2) البحار: 23 / 109. 3) نفس المصدر.

[ 117 ]

179 - ومن ذلك باسناده ايضا قال قال رسول (ص) انى فرطكم على الحوض فاسالكم حين تلقوني عن الثقلين كيف خلفتموني فيهما. فاعتل علينا لا ندرى ما الثقلان حتى قام رجل من المهاجرين فقال يا نبى الله بابى أنت وامى ما الثقلان ؟ قال الاكبر منهما كتاب الله طرف بيد الله تعالى وطرف بايديكم فتمسكوا به وتزلوا ولا تضلوا والاصغر منهما عترتي من استقبل قبلتى واجاب دعوتي فلا تقتلوهم ولا تغزوهم فانى سالت اللطيف الخبير فاعطاني ان يردا على الحوض كهاتين - واشار بالمسبحة والوسطى - ناصرهما ناصرى وخاذلهما خاذلي وعدوهما عدوى ألا وانه لن تهلك امه قبلكم حتى تدين باهوائها وتظاهر على نبيها وتقتل من يامر بالقسط فيها (1). (قال عبد المحمود): فهذه عده احاديث برجال متفق على صحه اقوالهم يتضمن الكتاب والعترة - فانظروا وانصفوا هل جرى من التمسك بهما ما قد نص عليهما وهل اعتبر المسلمون من هؤلاء من أهل بيته الذين ما فارقوا الكتاب ؟ وهل فكروا في الاحاديث المتضمنة انهما خليفتان من بعده ؟ وهل ظلم أهل بيت نبى من الانبياء مثل ما ظلم أهل بيت محمد (ص) بعد هذه الاحاديث المذكورة المجمع على صحتها ؟ وهل بالغ نبى أو خليفه أو ملك من ملوك الدنيا في النص على من يقوم مقامه بعد وفاته ابلغ مما اجتهد فيه محمد رسول الله ؟ لكن له اسوه بمن خولف من الانبياء قبله وله اسوه بالله الذي خولف في ربوبيته بعد هذه الاحاديث المذكورة المجمع على صحتها. 180 - ومن ذلك ما رواه عن المسمى عندهم جار الله فخر خوارزم أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري باسناده الى محمد بن على بن شاذان قال حدثنا الحسن بن حمزه عن على بن محمد بن قتيبه عن الفضل بن شاذان عن


1) البحار: 23 / 110.

[ 118 ]

محمد بن زياد عن حميد بن صالح يرفع الحديث باسماء رواته وتركت ذلك اختصارا قال قال النبي (ص): فاطمه بهجه قلبى وابناها ثمره فؤادى وبعلها نور بصرى والائمه من ولدها امناء ربى وحبل ممدود بينه وبين خلقه من اعتصم بهم نجا ومن تخلف عنهم هوى. هذا لفظ الحديث المذكور (1). 181 - ومن ذلك باسناد الشيخ مسعود السجستاني ايضا في كتابه عن ابن زياد مطرف قال سمعت النبي (ص) يقول من احب أن يحيى حياتي ويموت ميتتى ويدخل الجنة التي وعدني ربى بها وهي جنه الخلد فليتوال على ابن أبي طالب وذريته من بعده فانهم لن يخرجوهم من باب الهدى ولن يدخلوهم في باب ضلاله (2). 182 - وفي روايه اخرى عن السجستاني الى زيد بن ارقم عن النبي (ص) قال من احب يتمسك بالقضيب الياقوت الاحمر الذي غرسه الله في جنه عدن فليتمسك بحب على بن أبي طالب وذريته الطاهرين (3). 183 - ومن ذلك باسناد الحافظ مسعود بن ناصر السجستاني عن ربيعه السعدى قال اتيت حذيفه بن اليمان وهو في مسجد رسول الله (ص) فقال لي من الرجل ؟ قلت ربيعه السعدى فقال لي: مرحبا مرحبا باخ لي قد سمعت به ولم أر شخصه قبل اليوم حاجتك ؟ قلت ما جئت في طلب غرض من الاغراض الدنيوية ولكني قدمت من العراق من عند قوم قد افترقوا خمس فرق فقال حذيفه: سبحان الله تعالى وما دعاهم الى ذلك والامر واضح بين وما يقولون ؟


1) البحار: 23 / 110. 2) البحار: 23 / 110. 3) البحار: 23 / 111.

[ 119 ]

قال قلت فرقه تقول أبو بكر احق بالامر واولى بالناس لأن رسول الله (ص) سماه الصديق وكان معه في الغار وفرقه تقول عمر بن الخطاب لأن رسول الله (ص) قال اللهم اعز الدين بابى جهل أو بعمر بن الخطاب. فقال حذيفه الله تعالى اعز الدين بمحمد ولم يعزه بغيره وقال فرقه: أبو ذر الغفاري رضى الله عنه لأن النبي قال ما اظلت الخضراء ولا اقلت الغبراء على ذى لهجه اصدق من أبي ذر فقال حذيفه: ان رسول الله (ص) اصدق منه وخير وقد اظلته الخضراء واقلته الغبراء وفرقه تقول سلمان الفارسى لأن رسول الله (ص) يقول فيه: ادرك العلم الاول وادرك العلم الاخر وهو بحر لا ينزف وهو منا أهل البيت. ثم انى سكت فقال حذيفه: ما منعك من ذكر الفرقه الخامسه ؟ قال قلت لانى منهم وإنما جئت مرتادا لهم وقد عاهدوا الله على ان لا يخالفوك وان ينزلوا عند امرك. فقال لي يا ربيعه اسمع منى وعه واحفظه وقه وبلغ الناس عنى انى رايت رسول الله (ص) وقد اخذ الحسين بن على ووضعه على منكبه وجعل يقى بعقبه وهو يقول ايها الناس انه من استكمال حجتى على الاشقياء من بعدى التاركين ولايه على بن أبي طالب (ع) إلا وان التاركين ولايه على بن أبي طالب هم المارقون من دينى ايها الناس هذا الحسين بن على خير الناس جدا وجده: جده رسول الله سيد ولد آدم وجدته خديجه سابقه نساء العالمين الى الايمان بالله وبرسوله وهذا الحسين خير الناس أبا وأما ابوه على بن أبي طالب وصى رسول رب العالمين ووزيره وابن عمه وامه فاطمه بنت محمد رسول الله وهذا الحسين خير الناس عما وعمه عمه جعفر بن أبي طالب المزين بالجناحين يطير بهما في الجنة حيث يشاء وعمته ام هانئ بنت أبي طالب وهذا الحسين خير الناس خالا وخاله خاله القاسم بن رسول الله وخالته زينب بنت محمد رسول الله ثم وضعه عن منكبه ودرج بين

[ 120 ]

يديه ثم قال ايها الناس وهذا الحسين جده في الجنة وجدته في الجنة وابوه في الجنة وامه في الجنة وعمه في الجنة وخاله في الجنة وخالته في الجنة وهو في الجنة واخوه في الجنة ثم قال: ايها الناس انه لم يعط أحد من ذريه الانبياء الماضين ما اعطى الحسين ولا يوسف بن يعقوب بن اسحاق بن إبراهيم خليل الله ثم قال ايها الناس لجد الحسين خير من جد يوسف فلا تخالجنكم الامور بان الفضل والشرف والمنزلة والولاية ليست إلا لرسول (ص) وذريته وأهل بيته فلا يذهبن بكم الاباطيل. قال الشيخ مسعود بن ناصر الحافظ السجستاني: هذا الحديث حسن (1) (قال عبد المحمود) وقد وقفت على كتاب اسمه كتاب العمدة في الاصول اسم مصنفه محمد بن محمد بن النعمان ويلقب بالمفيد قد اورد فيه الاحتجاج على صحه الامامه بحديث نبيهم محمد صلى الله عليه وآله " انى تارك فيكم الثقلين " وهذا لفظه: لا يكون شئ ابلغ من قول القائل: قد تركت فيكم فلانا كما يقول الامير إذا خرج من بلده واستخلف من يقوم مقامه لاهل البلد قد تركت فيكم فلانا يرعاكم ويقوم فيكم مقامي وكما يقول من اراد الخروج عن اهله واراد ان يوكل عليهم وكيلا يقوم بامرهم قد تركت فيكم فلانا فاسمعوا له واطيعوا. فإذا كان ذلك كذلك هو النص الجلى الذي لا يحتمل غيره إذا خلف في جميع الخلق أهل بيته وامرهم بطاعتهم والانقياد لهم بما اخبر به عنهم من العصمه وانهم لا يفارقون الكتاب ولا يتعدون الحكم بالصواب هذا لفظه في المعنى ولعمري اننى ارى عقلي شاهدا ان من نعى نفسه الى قومه وقال كما قال نبيهم اني بشر يوشك ان ادعى فاجيب ثم قال بعد ذلك " اني تارك


1) البحار: 23 / 111 - 112.

[ 121 ]

فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتى " كما رووه في كتبهم فانه لا يشك عاقل انه قصد ان كتاب الله وعترته الذين لا يفارقون كتابه يقومان مقامه بعد وفاته وان التمسك بهم امان من الضلال والله اننى قد قلت هذا المقال وليس لي غرض فاسد بحال وقد ذكروا اخبارا كثيره بهذا المعنى. 184 - ومن ذلك في تصريح النص على على (ع) بالخلافه بعده ما رواه أبو سعيد مسعود السجستاني واتفق عليه مسلم في صحيحه والبخاري وأحمد ابن حنبل في مسنده من عده طرق باسانيد متصله الى عبد الله بن عباس والى عائشة قال لما خرج النبي (ص) الى حجه الوداع نزل بالجحفه فاتاه جبرئيل (ع) فأمره ان يقوم بعلى (ع) فقال (ص) ايها الناس الستم تزعمون أني اولى بالمؤمنين من انفسهم ؟ قالوا بلى يا رسول الله قال فمن كنت مولاه فهذا على مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه واحب من احبه وابغض ابغضه وانصر من نصره واعز من اعزه واعن من اعانه قال ابن عباس: وجبت والله في اعناق القوم (1). 185 - ومن ذلك ما رواه مسعود السجستاني باسناده الى عبد الله بن عباس ايضا قال اراد رسول (ص) ان يبلغ بولاية على (ع) فانزل الله تعالى " يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك الايه فلما كان يوم غدير خم فحمد الله واثنى عليه وقال الست اني اولى بكم من انفسكم ؟ قالوا بلى يا رسول الله قال فمن كنت مولاه فعلى مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه تمام الحديث (2). ومن ذلك في المعنى ما رواه الثعلبي في تفسير سوره آل عمران في قوله


1) الغدير عن السجستاني: 1 / 52، والبحار: 37 / 180. 2) البحار: 37 / 108 - 181.

[ 122 ]

تعالى واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا " (1) باسانيده فمنها قال قال رسول الله (ص) ايها الناس انى قد تركت فيكم الثقلين خليفتين ان اخذتم بهما لن تضلوا بعدى احدهما اكبر من الاخر كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض - أو قال الى الأرض - وعترتي اهل بيتى ألا وانهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض (2). 186 - ومن ذلك ما رواه الحميدى في المعنى في الجمع بين الصحيحين في مسند زيد بن ارقم من عده طرق فمنها: باسناده الى النبي (ص) قال قام رسول الله فينا خطيبا بماء يدعى خما بين مكه والمدينة فحمد الله واثنى عليه ووعد ووعظ وذكر ثم قال أما بعد ايها الناس فانما انا بشر يوشك ا ن ياتيني رسول ربى فاجيب وانا تارك فيكم الثقلين اولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به - فحث على كتاب الله ورغب فيه - ثم قال وأهل بيتي اذكركم الله في أهل بيتى. وفي احدى روايات الحميدى فقلنا: من أهل بيته نساؤه ؟ قال لا وايم الله ان المراه تكون مع الرجل من الدهر ثم يطلقها فترجع الى ابيها وقومها الخبر (3). نزول آيه التطهر في آل محمد 178 - ومن ذلك في تعيين النبي (ص) لاهل بيته المشار إليهم: فمن


1) آل عمران: 103. 2) ينابيع المودة عن الثعلبي: 241 و 119، والبحار: 23 / 117. 3) البحار: 23 / 117، والعمدة: 35، واحقاق الحق عن الجمع بين الصحيحين 9 / 323، ومسلم في صحيحه: 4 / 1874.

[ 123 ]

ذلك من صحيح البخاري في الجزء الرابع من ثمانيه اجزاء ومن صحيح مسلم في الجزء الرابع منه ايضا من اجزاء سته عن عائشة قالت خرج رسول الله صلى الله عليه وآله غداه وعليه مرط مرحل من شعر اسود فجاء الحسن بن علي فادخله ثم جاء الحسين فدخل معه ثم جاءت فاطمه فادخلها ثم جاء على فادخله ثم قال " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " (1). 188 - ومن ذلك ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده والثعلبي في تفسيره باسنادهما الى شداد بن عمار قال دخلت على واثله بن الاسقع وعنده قوم فذكروا عليا فشتموه فشتمته معهم فلما قاموا قال لي لم شتمت هذا الرجل ؟ قلت رايت القوم يشتمونه فشتمته معهم فقال الا اخبرك بما رايت من رسول الله (ص) قلت بلى قال اتيت فاطمه اسالها عن على عليه السلام فقالت توجه الى رسول الله فجلست انتظر حتى جاء رسول الله فجلس ومعه على والحسن والحسين عليهم السلام اخذ كل واحد منهما بيده حتى دخل فادنى عليا وفاطمة فاجلسهما بين يديه واجلس حسنا وحسينا كل واحد منهما على فخذه ثم لف عليهم ثوبه - أو قال كساءا - ثم تلا هذه الايه " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " (2) ثم قال اللهم هؤلاء أهل بيتى وأهل بيتى احق (3)


1) صحيح مسلم: 7 / 130، ولم نجده في صحيح البخاري، ذخائر العقبى: 24 والطبري في تفسيره: 22 / 5. 2) احزاب: 33. 3) أحمد بن حنبل في مسنده: 4 / 107، واحقاق الحق عن تفسير الثعلبي: 9 / 2 والبحار: 35 / 217، وابن المغازلي في المناقب: 305، والطبري في تفسير: 22 / 6، والحسكاني في شواهد التنزيل: 2 / 41 - 42.

[ 124 ]

189 - ومن ذلك في المعنى ما يدل على ان واثله بن الاسقع راى ذلك من النبي (ص) عده دفعات فمن اخرى روايه واثله بن الاسقع في دفعه اخرى من مسند أحمد بن حنبل باسناده الى واثله بن الاسقع قال طلبت عليا عليه السلام في منزله فقالت فاطمه ذهب ياتي برسول الله (ص) قال فجاءا جميعا فدخلا ودخلت معهما فاجلس عليا عن يساره وفاطمة عن يمينه والحسن والحسين بين يديه ثم الالتقع عليهم بثوبه وقال " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " (1) 190 - ومن ذلك في المعنى دفعه اخرى عن واثله مما رواه أحمد بن حنبل في مسنده باسناده الى شداد بن عبد الله عن واثله بن الاسقع قال رأيتني ذات يوم وقد جئت رسول الله (ص) وهو في بيت ام سلمه فجاء الحسن فاجلسه على فخذه الايمن وقبله وجاء الحسين فاخذه واجلسه على فخذه اليسرى وقبله وجاءت فاطمه فاجلسها بين يديه ثم دعا عليا فجاء ثم اغدف عليهم كساءا خيبريا كانى انظر إليه ثم قال " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " (2). 191 - ومن ذلك ما روته ام سلمه رضى الله عنها في تعيين أهل بيت محمد (ص) وانه ذكر اسماءهم وحققهم لامته في عده مجالس وعده اوقات فمن ذلك ما في مسند أحمد بن حنبل باسناده الى عطيه الطفاوى عن أبيه ان ام سلمه حدثته قالت بينما رسول الله (ص) في بيتى يوما إذ قال الخادم ان عليا وفاطمة في السده قالت فقال لي قومي فتنحى لي عن أهل بيتى. قالت فقمت فتنحيت في البيت قريبا فدخل على وفاطمة والحسن والحسين


1) ذخائر العقبى عن أحمد: 23، والبحار: 35 / 218. 2) ينابيع المودة عن أحمد: 129، والعمدة، 17، والبحار: 35 / 219، شواهد التنزيل: 2 / 44.

[ 125 ]

عليهم السلام وهما صبيان صغيران قالت فاخذ الصبيين فوضعهما حجره وقبلهما واعتنق عليا باحدى يديه وفاطمة باليد الاخرى وقبل فاطمه واغدف عليهم خميصه سوداء ثم قال اللهم اليك لا الى النار انا وأهل بيتى قالت فقلت فانا يا رسول الله ؟ قال وأنت على خير (1). 192 - ومن ذلك في المعنى من مسند احمد بن حنبل عن ام سلمه دفعه اخرى عن عطاء بن ابي رياح قال حدثني من سمع ام سلمه تذكر ان النبي (ص) كان في بيتها فاتت فاطمه ببرمه فيها حريره فدخلت بها عليه قال ادعى لي زوجك وابنيك قالت فجاء على وحسن وحسين عليهم السلام فدخلوا وجلسوا ياكلون من تلك الحريره وهو وهم على منامه له ولي وكان وتحته كساء خيبرى. قالت وانا في الحجره اصلى فانزل اله تعالى هذه الايه " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " قالت فاخذ فضل الكساء وكساهم به ثم اخرج يده فالوى بها الى السماء وقال هؤلاء أهل بيتى وخاصتي اللهم فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا قالت فادخلت راسى البيت وقلت وأنا معكم يا رسول الله ؟ قال انك لعلى خير انك لعلى خير (2) وروى الثعلبي هذا الحديث بهذه الالفاظ والمعاني في تفسير هذه الايه غير الرواية المتقدمه. 193 - ومن ذلك في مسند أحمد بن حنبل في المعنى قول النبي (ص) دفعه اخرى باسناده الى شهر بن حوشب عن ام سلمه ان رسول الله قال لفاطمه ايتينى بزوجك وابنيك فجاءت بهم فالقى عليهم كساء فدكيا قالت ثم وضع


1) العمدة: 16. والبحار: 35 / 219، وأحمد بن حنبل في مسنده 6 / 304، وذخائر العقبى: 22. 2) أحمد بن حنبل في مسنده: 6 / 292، والبحار: 35 / 220، وشواهد التنزيل 2 / 83.

[ 126 ]

يده عليهم وقال اللهم ان هؤلاء آل محمد (ص) فاجعل صلواتك وبركاتك على محمد وآل محمد انك حميد مجيد قالت ام سلمه فرفعت الكساء لادخل معهم فجذبه من يدى وقال انك على خير 194 - ومن ذلك قوله (ص) دفعه اخرى من مسند أحمد بن حنبل باسناده الى سهل قال قالت ام سلمه زوجه النبي (ص) حين جاء نعى الحسين بن على لعنت أهل العراق وقالت قتلوه قتلهم الله غروه واذلوه لعنهم الله فانى رايت رسول الله ص) وقد جاءته فاطمه غدوه ببرمه قد صنعت عصيده تحملها في طبق حتى وضعتها بين يديه فقال لها اين ابن عمك ؟ قالت هو في البيت قال اذهبي فادعيه وائتيني بابنيه قالت فجاءت تقود ابنيها كل واحد منهما بيد وعلى يمشى في اثرهم حتى دخلوا على رسول فاجلسهما في حجره وجلس على (ع) عن يمينه وجلست فاطمه عن يساره قالت ام سلمه فاجتذب من تحتي كساء خيبريا كان بساطا لنا على المثابه في المدينة فلفه النبي واخذ طرفي الكساء والوى بيده اليمنى الى ربه عز وجل وقال اللهم هؤلاء أهل بيتى اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا قلت يا رسول الله ا لست من اهلك ؟ قال: بلى قالت فادخلني في الكساء بعد ما قضى دعاؤه لابن عمه على وابنيه وابنته فاطمه عليهم السلام (2). اقول ورايت في بعض روايه هذا الحديث عن ام سلمه وقالت: وكنا على منامه فلا اعلم ايها اصح منامه أو المثابه (3) ؟


1) أحمد بن حنبل في مسنده: 6 / 296، والبحار: 35 / 220، والحسكاني في شواهد التنزيل: 2 / 78. 2) أحمد بن حنبل في مسنده: 6 / 298، والبحار: 45 / 199، والطبري في تفسيره 2 / 7، وشواهد التنزيل: 2 / 69 و 74، وذخائر العقبى: 22. 3) اختار الاولى العلامة المجلسي حيث قال: وأقول: في أكثر نسخ الطرائف في حديث سهل: كان بساطا لنا على المثابة، وفي بعضها: على المنامة، وهو أظهر.

[ 127 ]

195 - ومن ذلك في المعنى في تفسير الثعلبي عن أبي سعيد الخدرى عن النبي (ص) قال نزلت الايه في خمسه في وفي على وفي حسن وحسين وفاطمة عليهم السلام " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا " (1). ورواه أبو الحسن علي بن أحمد الواحدى في الجزء الرابع من التفسير الوسيط بين المقبوض والبسيط - وهو معتبر عندهم - عند تفسيره لايه الطهاره وهو من علماء المخالفين لاهل البيت (2). 196 - ومن ذلك في المعنى ايضا من تفسير الثعلبي في تأويل هذه الايه ايضا باسناده الى مجمع من بني حارث بن تيم الله قال دخلت مع امى على عائشة فسألتها امى قالت ارايت خروجك يوم الجمل قالت انه كان قدرا من الله تعالى فسألتها عن على عليه السلام قالت سألتني عن احب الناس كان الى رسول الله (ص) لقد رايت عليا وفاطمة وحسنا وحسينا وقد جمع رسول الله يغدف عليهم ثم قال اللهم هؤلاء أهل بيتى وخاصتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا (3). 197 - ومن ذلك في المعنى في تفسير الثعلبي في تأويل هذه الايه باسناده الى جعفر بن أبي طالب الطيار رضى الله عنه قال لما نظر رسول الله (ص) الى الرحمه هابطه من السماء قال من ؟ - يدعو مرتين - قالت زينب انا يا رسول الله فقال ادعى لي عليا وفاطمة والحسن والحسين قال فجعل حسنا عن يمينه وحسينا عن شماله وعليا وفاطمة تجاهه ثم غشيهم كساء خيبريا


1) الطبري في تفسيره: 22 / 5، واحقاق الحق عن الثعلبي: 9 / 43. 2) رواه في أسباب النزول: 266، واحقاق الحق عنه في الوسيط: 14 / 47. 3) احقاق الحق عن تفسير الثعلبي: 9 / 10، والبحار: 35 / 222، والحسكاني في شواهد التنزيل: 2 / 38 - 39.

[ 128 ]

ثم قال اللهم ان لكل نبى اهلا وهؤلاء أهل بيتى فانزل الله عز وجل " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " فقالت زينب يا رسول الله الا ادخل معكم ؟ فقال رسول الله: مكانك فانك الى خير انشاء الله تعالى (1). 198 - ومن ذلك في المعنى من تفسير الثعلبي ايضا في تأويل هذه الايه باسناده الى أبي داود عن أبي الحمراء قال اقمت بالمدينة تسعه اشهر كيوم واحد وكان رسول الله (ص) يجئ في كل غداه فيقوم على باب على وفاطمة عليهما السلام فيقول الصلاه " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " (2). 199 - ومن ذلك في المعنى من صحيح أبي داود - وهو من كتاب السنن - وموطا مالك عن انس بن مالك ان رسول الله (ص) كان يمر بباب فاطمه إذا خرج الى صلاه الفجر لما نزلت هذه الايه قريبا من سته اشهر يقول الصلاه يا أهل البيت " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " (3). 200 - ومن ذلك في نحو هذا المعنى في مسند عائشة في الجمع بين الصحيحين للحميدي في الحديث الرابع والستين من افراد مسلم من طريقين


1) احقاق الحق عن تفسير الثعلبي: 9 / 52، والبحار: 35 / 222، وشواهد التنزيل 2 / 32. 2) احقاق الحق عن تفسير الثعلبي: 9 / 63، والبحار: 35 / 223، والطبري في تفسيره: 22 / 6. 3) أحمد بن حنبل في مسنده: 3 / 259، والطبري في تفسيره: 22 / 5 - 6، والحسكاني في شواهد التنزيل: 2 / 11 و 12، والبحار: 35 / 222، والترمذي في صحيحه: 2 / 29، وأحمد بن حنبل في مسنده: 3 / 252.

[ 129 ]

احدهما ان النبي (ص) خرج ذات غداه وعليه مرط مرحل من شعر اسود فجاء الحسن بن على فادخله ثم جاء الحسين فدخل معه ثم جاءت فاطمه فادخلها جاء على فادخله ثم قال " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " (1). 201 - ومن ذلك في صحيح أبي داود في الجزء الثالث في باب مناقب الحسن والحسين (ع) باسناده عن النبي (ص) مثل هذه الالفاظ والمعاني المنقولة في الجمع بين الصحيحين للحميدي سواء. ومن ذلك في صحيح ابي داود في موضع آخر منه في تفسير قوله تعالى " انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " باسناده الى النبي (ص) مثل لفظه في الجمع بين الصحيحين للحميدي وزاد في آخره: اللهم هؤلاء اهل بيتى فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا (2). 202 ومن ذلك في صحيح مسلم في الجزء الرابع في ثالث كراس من اوله من النسخة المنقول منها في باب فضائل امير المؤمنين على بن أبي طالب (ع) باسناده سعد بن أبي وقاص يذكر في الحديث عن النبي (ص) عده فضائل لعلى بن أبي طالب (ع) خاصه ويقول في اواخره: لما نزلت هذه الايه " فقل تعالوا ندع ابنائنا وابنائكم ونسائنا ونسائكم وانفسنا وانفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنه الله على الكاذبين " دعا رسول الله (ص) عليا وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام وقال اللهم هؤلاء أهل بيتى.


1) احقاق الحق عن الجمع بين الصحيحين: 9 / 13، ومسلم في صحيحه: 4 / 1882، والحسكاني في شواهد التنزيل: 2 / 33، وينابيع المودة: 107، والكشاف: 1 / 193. 2) ابن المغازلي في المناقب: 302، وشواهد التنزيل: 2 / 92، والاستيعاب: 2 / 37.

[ 130 ]

ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه في الجزء الرابع ايضا اواخره في حد كراسين من النسخة المنقول منها قال: دعا رسول الله (ص) عليا وفاطمة والحسن والحسين وقال اللهم هؤلاء أهل بيتى (1). (قال عبد المحمود): قال لي الشيعي عند هذا انظر الى تصريح النبي (ص) في اخبار الثقلين التي اجتمع المسلمون تصحيحها انه خلف لامته بعد وفاته كتاب ربه وعترته واهل بيته وان أهل بيته لا يفارقون كتابه وان التمسك بهم امان من الضلال ثم انظر الى تعيين النبي (ص) لاهل بيته في هذه الاحاديث التي اطبق علماء المسلمين كافه على تصديقها وان أهل بيته على وفاطمة والحسن والحسين (ع). ثم انظر الى علم المسلمين واطباقهم واتفاقهم على ان فاطمه والحسن والحسين عليهم السلام متفقون على ان امامهم ورئيسهم والذى يوجبون الاقتداء به هو على بن أبي طالب (ع) بلا خلاف بينهم فقد صارت هذه الاحاديث التي اطبق المسلمون على تصحيحها داله دلاله صريحه على ان النبي (ص) عين لهم على استخلافه لعلى بن أبي طالب (ع) ووجوب التمسك به وبمن يعينه للخلافه من ذريته (ع) وظهرت الحجه للنبى (ص) على امته. فهل ترى النبي (ص) ابقى عذرا لمسلم في ترك خلافته وركوب مخالفته وقد تقدمت عده احاديث من صحيح البخاري وغيره يتضمن ان الحق مع


1) الطبري في تفسيره: 22 / 7، والحسكاني في شواهد التنزيل: 2 / 16 و 17، ومسلم في صحيحه: 4 / 1871، والبحار: 35 / 227، والنسائي في الخصائص: 4، وممن روى آية التطهير في أهل البيت القندوزي في ينابيع المودة: 107 - 109، والخوارزمي في المناقب: 22 - 25.

[ 131 ]

علي يدور معه حيث ما دار وانه لا يفارق الحق ولا يفارق كتاب الله حتى يردا الحوض على رسول الله (ص) (1). آيه الموده واهدنا الصراط المستقيم 203 - ومن ذلك في تصريح النبي (ص) بالدلالة على وجوب لزوم أهل بيته ما رواه الثعلبي في تفسير قوله تعالى " قل لا اسالكم عليه اجرا إلا الموده في القربى " باسناده قال ان رسول الله نظر الى على وفاطمة والحسن والحسين فقال انا حرب لمن حاربتم وسلم لمن سالمتم (2). 204 - ومن ذلك ما رواه الثعلبي ايضا في تفسير " اهدنا الصراط المستقيم " (3) قال قال مسلم بن حيان: سمعت أبا بريده يقول صراط محمد وآل محمد (4). الائمه امان لاهل الأرض 205 - ومن ذلك ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده قال: قال رسول الله (ص) النجوم امان لاهل السماء فإذا ذهبت النجوم ذهب أهل السماء وأهل بيتى امان لاهل الارض فإذا ذهب أهل بيتى ذهب أهل الأرض (5). ورواه ايضا المعروف عندهم بصدر الائمه موفق بن أحمد المكي في كتابه باسناده الى على (ع) وابن عباس عن النبي (ص) بهذه الالفاظ


1) تقدم تحت الرقم: 145 - 150. 2) احقاق الحق عن الثعلبي: 3 / 6، والخوارزمي في المناقب: 91. 3) الفاتحة: 6. 4) احقاق الحق عن الثعلبي: 3 / 534. 5) العمدة: 161، والبحار 27 / 310، وينابيع المودة: 20، وذخائر العقبى: 17.

[ 132 ]

قوله (ص) مثل أهل بيتى مثل سفينه نوح 206 - ومن ذلك في تصريحه (ص) بوجوب التلزم باهل بيته من كتاب المناقب للفقيه الشافعي ابن المغازلى في عده احاديث فمنها باسناده الى بشر ابن المفضل قال سمعت الرشيد يقول سمعت المهدى يقول سمعت المنصور يقول حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قال قال رسول الله (ص) مثل أهل بيتى كمثل سفينه نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك (1). 207 - ورواه ابن المغازلى ايضا باسناده الى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قال رسول الله (ص) مثل أهل بيتى كمثل سفينه نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق (2). 208 - ومن ذلك روايه ابن المغازلى في كتابه ايضا في هذا المعنى باسناده من طريقين الى ابن المعتمر والى سعيد بن المسيب بروايات معا عن أبي ذر قال قال رسول الله (ص) مثل أهل بيتى كمثل سفينه نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق (3). 209 - ومنها روايه ابن المغازلى باسناده الى سلمه بن الاكوع عن أبيه قال قال رسول الله (ص) مثل اهل بيتى كمثل سفينه نوح من ركبها نجا (4).


1) المناقب: 132، والبحار: 23 / 124، والعمدة: 187. 2) المناقب: 134، وذخائر العقبى: 20. 3) المناقب: 133 - 134، وفي رواية ابن المسيب زيادة وهي: ومن قاتلنا في آخر الزمان فكأنما قاتل مع الدجال. 4) المناقب: 132 - 133، ورواه القندوزي في ينابيع المودة: 27 - 28، والبحار: 23 / 124.

[ 133 ]

قوله (ص) ان عليا وصيى ووزيرى ومن ذلك في تصريح النبي (ص) ان عليا وصيه ووزيره وقد تقدم طرف من ذلك عند ذكر ابتداء خلق النبي (ص) (1) وطرف منه ايضا عند تفسير قوله تعالى " وانذر عشيرتك الاقربين " (2) وفي موضع قوله (ص) على منى (3) وغير ذلك مما تقدم ذكره. 210 - فمن ذلك من مسند أحمد بن حنبل باسناده الى اسماء بنت عميس قالت سمعت رسول الله (ص) يقول اللهم اني اقول كما قال اخى موسى: اللهم اجعل لي وزيرا من اهلي عليا اخى اشدد به ازرى واشركه في امرى كى نسبحك كثير أو نذكرك كثيرا انك كنت بنا بصيرا (4). 211 - ومن ذلك ما رواه الفقيه الشافعي ابن المغازلى في المناقب باسناده الى نافع مولى ابن عمر قال: قلت لابن عمر: من خير الناس بعد رسول الله (ص) قال ما أنت وذاك لا ام لك ثم قال استغفر الله خيرهم بعده من كان يحل له ما يحل له ويحرم عليه ما يحرم عليه قلت من هو ؟ قال على بن أبي طالب (ع) سدابواب المسجد وترك باب على وقال له لك في هذا المسجد ما لي وعليك فيه ما علي وأنت وارثي ووصيي تقضى دينى وتنجز عداتي وتقتل على سنتى كذب من زعم أنه يبغضك ويحبنى (5).


1) تحت الرقم: 2. 2) تحت الرقم: 13. 3) تحت الرقم: 64. 4) احقاق الحق عن أحمد في فضائل الصحابة: 4 / 56، والبحار: 38 / 144، وذخائر العقبى: 63. 5) المناقب: 261، والبحار: 39 / 33.

[ 134 ]

212 - ومن ذلك في المعنى ما رواه ابن المغازلى باسناده ايضا في كتاب المناقب يرفعه الى ايوب الانصاري ان رسول الله (ص) مرض مرضه فدخلت عليه فاطمه عليها السلام تعوده وهو ناقه من مرضه فلما رات ما برسول الله من الجهد والضعف خنقتها العبره حتى جرت دمعتها فقال لها: يا فاطمه ان الله عز وجل اطلع الى الأرض اطلاعه فاختار اباك فبعثه نبيا ثم اطلع إليها الثانيه فاختار بعلك فأوحى الى فانكحته واتخذته وصيا اما علمت ان لكرامه الله اياك زوجك اعظمهم حلما واقدمهم سلما واعلمهم علما ؟ فسرت بذلك فاطمه عليها السلام واستبشرت ثم قال لها رسول الله (ص) يا فاطمه له ثمانيه اضراس ثواقب ايمانه بالله ورسوله وحكمته وتزويجه فاطمه وسبطاه الحسن والحسين عليهما السلام وامره بالمعروف ونهيه عن المنكر وقضاؤه بكتاب الله يا فاطمه انا أهل بيت اعطينا سبع خصال لم يعطها احد من الاولين والاخرين قبلنا - أو قال الانبياء - ولا يدركها احد من الاخرين غيرنا نبينا افضل الانبياء وهو ابوك ووصينا افضل الاوصياء وهو بعلك وشهيدنا خير الشهداء وهو حمزه عمك ومنا من له جناحان يطير بهما في الجنة حيث يشاء وهو جعفر ابن عمك ومنا سبطا هذه الامه وهما ابناك ومنا والذي نفسي بيده مهدى هذه الامه (1). 213 - ومن ذلك ما رواه الشافعي ابن المغازلى ايضا باسناده قال دخل الاعمش على المنصور وهو جالس للمظالم فلما بصر به قال له يا سليمان تصدر ؟ قال انا صدر حيث جلست ثم قال حدثني الصادق عليه السلام قال حدثني الباقر (ع) قال حدثني السجاد عليه السلام قال حدثني الشهيد أبو عبد الله (ع) قال حدثني أبي وهو الوصي على بن أبي طالب (ع)


1) المناقب: 101، والبحار: 37 / 65.

[ 135 ]

قال حدثني النبي (ص) قال اتانى جبرئيل آنفا فقال تختموا بالعقيق فانه اول حجر شهد لله بالوحدانيه ولمحمد بالنبوة ولعلى بالوصنه ولولده بالامامه ولشيعته بالجنه قال: فاستدار الناس بوجوههم نحوه فقيل له: تذكر قوما فتعلم من لا نعلم فقال الصادق جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبي طالب والسجاد علي بن الحسين والشهيد الحسين بن علي والوصي وهو التقي علي بن ابي طالب عليه السلام (1). قوله تعالى " كمشكاة فيها مصباح " 214 - ومن ذلك ما رواه الشافعي ابن المغازلي باسناده قال: سألت أبا الحسن (ع) عن قوله عز وجل " كمشكاه فيها مصباح " الايه قال " المشكاه " فاطمه (ع) والمصباح الحسن والحسين والزجاجه كأنها كوكب درى قال كانت فاطمه كوكبا دريا من نساء العالمين " يوقد من شجره مباركه " الشجره المباركه إبراهيم " لا شرقيه ولا غربيه " لا يهودية ولا نصرانيه " يكاد زيتها يضئ " قال فيها امام بعد امام " يهدى الله لنوره من يشاء " (2) قال: يهدي الله لولايتنا من يشاء " (3). ومن ذلك ما ذكره الثعلبي في تفسير قوله تعالى " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا " وقد تقدم طرق منه (4).


1) البحار: 38 / 94 - 95، والمناقب: 281 - 282. 2) النور: 35. 3) المناقب: 317، والبحار: 23 / 416. 4) تقدم تحت الرقم: 141 - 144.

[ 136 ]

اعترافات في فضائل على (ع) 215 - قال الثعلبي سمعت أبا منصور الجمشاذى يقول سمعت محمد بن عبد الله الحافظ يقول سمعت أبا الحسن على بن الحسن يقول سمعت أبا حامد محمد بن هارون الحضرمي يقول سمعت محمد بن منصور الطوسى يقول سمعت أحمد بن حنبل يقول ما جاء لاحد من اصحاب رسول الله (ص) من الفضائل ما جاء لعلى (ع) (1). ومن ذلك ما ذكره الغزالي في كتاب المنقذ من الضلال ما هذا لفظه والعاقل يقتدى بسيد العقلاء على عليه السلام حيث قال لا يعرف الحق بالرجال اعرف الحق تعرف اهله فشهد ان عليا سيد العقلاء وفي ذلك ما فيه. ومن ذلك عن الغزالي في رساله العلم اللدنى قال ما هذا لفظه وقال أمير المؤمنين (ع) ان رسول الله (ص) ادخل لسانه في فمى فانفتح في قلبى الف باب من العلم وفتح لي كل باب الف باب وقال ايضا لو ثنيت لي الوسادة وجلست عليها لحكمت بين أهل التوراه بتوراتهم وأهل الانجيل بانجيلهم واهل الفرقان بفرقانهم وهذه المرتبة لا تنال بمجرد التعلم بل يتمكن المرء في هذه المرتبة بقوه العلم اللدنى وكذا قال (ع) لما حكى عن عهد موسى (ع) ان شرح كتابه كان اربعين حملا: لو اذن الله تعالى ورسوله (ص) لاشرح في شرح الفاتحة حتى يبلغ اربعين وقرا. قال الغزالي وهذه الكثره والسعه والافتتاح في العلم لا يكون إلا من لدن الهى سماوي. اقول انا: فهل كان ذلك لاحد من الصحابة أو القرابة أو بلغ إليه أحد من


1) الخوارزمي في المناقب: 3، والاستيعاب: 3 / 51.

[ 137 ]

علماء الاسلام وكيف في العقول والافهام تقديم أبي بكر وعمر وعثمان على على (ع) لو لا جهل الجاهلين وغلط القائلين (1). (قال عبد المحمود): رايت كتابا كبيرا مجلدا في مناقب أهل البيت عليهم السلام تأليف أحمد بن حنبل فيه احاديث جليله قد صرح فيها نبيهم محمد (ص) بالنص على على بن أبي طالب (ع) بالخلافه على الناس ليس فيها شبهه عند ذوى الانصاف وهي حجه عليهم وفي خزانه مشهد علي بن أبي طالب (ع) بالغرى من هذا الكتاب المذكور نسخه موقوفه من اراد الوقوف عليها فليطلبها من خزانته المعروفة. ومن ذلك ما رواه أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري في كتاب الاستيعاب فانه ذكر لعلى بن أبي طالب (ع) فضائل ونصوصا صريحه عليه من نبيهم بالخلافه والتفضيل على الاصحاب ثم اعترف بالعجز عن حصر فضائله وذكر فواضله (2). ومن ذلك ما رواه أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه في كتابه كتاب المناقب من الاخبار الشاهده تواترا وتصريحا بفضائل على بن أبي طالب (ع) وتحقيق النص عليه ولقد تصفحت شيئا يسيرا من كتاب أبي بكر بن مردويه وهو من اعيان رجال الاربعة المذاهب فوجدت فيه مائه واثنين وثمانين منقبه رواها عن نبيهم محمد (ص) في على بن أبي طالب (ع) فيها تصريح بالنص على خلافته وانه القائم مقامه في امته ثم ظفرت باصل لكتا ب المناقب لابن مردويه فوجدت ثلاث مجلدات وهي عندي ويتضمن نصوصا صريحه على مولانا على بن أبي طالب (ع).


1) راجع البحار: 40 / 125. 2) الاستيعاب: 3 / 26 - 67 المطبوع على هامش الاصابة.

[ 138 ]

ومن ذلك ما ذكره الحافظ محمد بن مؤمن الشيرازي في الكتاب الذي استخرجه من التفاسير الاثنى عشر وهو من رجال الاربعة المذاهب وعلمائهم وسياتى التفاسير التيي استخرجه منها (1) وقد ذكر في الكتاب المذكور تصريحاتهم من نبيهم محمد (ص) بالنص على على بن ابي طالب (ع) بالخلافه وفضائل عظيمه. ومن ذلك ذكره ما ذكره الاصفهانى اسعد بن عبد القاهر بن شفروه في كتاب الفائق فانه تضمن نصوصا صريحه من نبيهم محمد (ص) على على بن أبي طالب (ع) بالخلافه ايضا ومناقب جليله وقد رايت منه نسخه بخزانه مشهد علي بن أبي طالب (ع) بالغرى. ومن ذلك ما ذكره موفق بن أحمد الخوارزمي اخطب الخطباء وهو من اعيان علماء الاربعة المذاهب في كتاب الاربعين في مناقب أمير المؤمنين (ع) فانه متضمن نصوصا من نبيهم (ص) على على بن أبي طالب (ع) وفضائل عظيمه جليله ولا يسع تسميه الكتب في ذلك والفضائل 216 - ومن ذلك ما رواه المعروف بحجه الاسلام ناصر بن ابي المكارم المطرزى الخوارزمي - وهو من اعيان أهل السنه صاحب الكتاب المعروف (الغرب والمغرب) والايضاح في شرح المقامات في شرح كتاب المناقب فقال في اول الكتاب ما هذا لفظه: ذكر فضائل أمير المؤمنين على بن ابي طالب (ع) بل ذكر شئ منها إذ ذكر جميعها يقصر عنها باع الاحصاء بل


1) وهي 1 - تفسير أبي يوسف. 2 - تفسير ابن حجر. 3 - تفسير مقاتل بن سليمان 4 - تفسير وكيع. 5 - تفسير القطان 6 - تفسير قتادة 7 - تفسير حرب الطائي 8 - تفسير السدى 9 - تفسير مجاهد 10 - تفسير مقاتل بن حيان 11 - تفسير أبي صالح 12 - تفسير الشيرازي.

[ 139 ]

ذكر اكثرها يضيق عنه نطاق طاقه الاستقصاء يدل على صدق ما ذكرته ما انبانى به صدر الحفاظ الحسن بن العطاء الهمداني رفعه الى ان قال حدثنا صدر الائمه اخطب الخطباء موفق بن أحمد المكى ثم الخوارزمي قال اخبرني السيد الامام المرتضى شرف الدين أبو الفضل الحسينى في كتابه الي من مدينه الرى جزاه الله عنى خيرا اخبرنا السيد أبو الحسن على بن أبي طالب الحسينى الشيباني بقراءتي عليه اخبرنا الشيخ العالم أبو النجم محمد بن عبد الوهاب ابن عيسى السمان الرازي اخبرنا الشيخ العالم أبو سعيد محمد بن أحمد بن الحسين النيسابوري اخبرنا محمد بن على بن جعفر الاديب بقراءتي عليه حدثني المعافى بن زكريا أبو الفرج عن محمد بن أبي الثلج عن الحسن ابن محمد بن بهرام عن يوسف بن موسى القطان عن جرير عن ليث عن مجاهد عن ابن عباس قال قال رسول الله (ص): لو ان الغياض اقلام والبحر مداد والجن حساب والانس كتاب ما احصوا فضائل على بن أبي طالب (ع) (1). حديث الغدير ومن ذلك ما ذكره النبي (ص) لعلى بن أبي طالب عليه السلام بمنى ويوم غدير خم من التصريح بالنص عليه والارشاد إليه في مقام يشهد له بيان المقال ولسان الحال بانه الخليفه والقائم مقامه في امته. وقد صنف العلماء بالاخبار كتبا كثيره في حديث يوم الغدير ووقائعه في الحروب وذكر فضائل اختص بها من دون غيره وتصديق ما قلناه. وممن صنف تفصيل ما حققناه أبو العباس احمد بن محمد بن سعيد الهمداني


1) الخوارزمي في المناقب: 1 - 2، والبحار: 40 / 73 - 74 - 75.

[ 140 ]

الحافظ المعروف بابن عقده وهو ثقه عند ارباب المذاهب وجعل ذلك كتابا محررا سماه " حديث الولاية " وذكر الاخبار عن النبي (ص) بذلك واسماء الرواه من الصحابة والكتاب عندي وعليه خط الشيخ العالم الربانى ابي جعفر الطوسى وجماعه من شيوخ الاسلام لا يخفى صحه ما تضمنه على أهل الافهام وقد اثنى على ابن عقده الخطيب صاحب تاريخ بغداد وزكاه. وهذه اسماء من روى عنهم حديث يوم الغدير ونص النبي (ص) على على عليهما الصلاه والسلام والتحيه والاكرام بالخلافه واظهار ذلك عند الكافه ومنهم من هنأ بذلك: أبو بكر عبد الله بن عثمان عمر بن الخطاب عثمان بن عفان على بن أبي طالب (ع) طلحه بن عبيد الله الزبير بن العوام عبد الرحمن بن عوف سعيد بن مالك العباس بن عبد المطلب الحسن بن علي بن أبي طالب (ع) الحسين بن على بن أبي (ع) عبد الله بن عباس عبد الله بن جعفر بن أبي طالب عبد الله بن مسعود عمار بن ياسر أبو ذر جندب بن جناده الغفاري سلمان الفارسى اسعد بن زراره الانصاري خزيمه بن ثابت الانصاري أبو ايوب خالد بن زيد الانصاري سهل بن حنيف الانصاري حذيفه بن اليمان عبد الله بن عمر بن الخطاب البراء بن عمر بن عازب الانصاري رفاعة بن رافع سمره بن جندب سلمه بن الاكوع الاسلمي زيد ثابت الانصاري أبو ليلى الانصاري أبو قدامه الانصاري سهل بن سعد الانصاري. عدى بن حاتم الطائى ثابت بن زيد بن وديعه كعب بن عجره الانصاري أبو الهيثم بن التيهان الانصاري هاشم بن عتبه بن أبي وقاص الزهري المقداد بن عمرو الكندى عمر بن أبي سلمه عبد الله بن أبي عبد الاسد المخزومى عمران بن حصين الخزاعى يزيد بن الخصيب الاسلمي جبله

[ 141 ]

بن عمرو الانصاري أبو هريره الدوسى أبو برزه نضله بن عتبه الاسلمي أبو سعيد الخدرى جابر بن عبد الله الانصاري حريز بن عبد الله زيد بن عبد الله زيد بن ارقم الانصاري أبو رافع مولى رسول الله (ص) أبو عمره ابن عمرو بن محصن الانصاري انس بن مالك الانصاري ناجيه بن عمرو الخزاعى أبو زينب بن عوف الانصاري يعلى بن مره الثقفى سعيد بن سعد بن عباده الانصاري حذيفه بن اسيد أبو شريحه الغفاري عمرو بن الحمق الخزاعى زيد بن حارثة الانصاري ثابت بن وديعه الانصاري مالك بن حويرث أبو سليمان جابر بن سمره السوانى عبد الله بن ثابت الانصاري جيش بن جناده السلولى ضميره الاسدي عبد بن عازب الانصاري عبد الله بن أبي اوفى الاسلمي يزيد بن شراحيل الانصاري عبد الله بن بشير المازنى النعمان بن العجلان الانصاري عبد الرحمان بن يعمر الديلمى أبو حمزه خادم رسول الله (ص) أبو الفضاله الانصاري عطيه بن بشير المازنى عامر بن ليلى الغفاري أبو الطفيل عامر بن واثله الكنانى عبد الرحمان بن عبد رب الانصاري حسان بن ثابت الانصاري سعد بن جناده العوفى عامر بن عمير النميري عبد الله بن ياميل حبه بن جوين العرنى عقبه بن عامر الجهنى أبو ذؤيب الشاعر أبو شريح الخزاعى أو جحيفه وهب بن عبد الله النسوي أبو امامة الصدى بن عجلان الباهلى عامر بن ليلى بن جندب بن سفيان الغفلى البجلى اسامه بن زيد بن حارثه الكلبى وحشى بن حرب قيس بن ثابت بن شماس الانصاري عبد الرحمان بن مديح حبيب بن بديل بن ورقاء الخزاعى فاطمه بنت رسول الله (ص) عائشة بنت أبي بكر ام سلمه ام ام المؤمنين ام هاني بنت أبي طالب فاطمه بنت حمزه بن عبد المطلب اسماء بنت عميس الخثعميه

[ 142 ]

ثم ذكر ابن عقده ثمانيه وعشرين رجلا من الصحابة لم يذكرهم ولم يذكر اسماءهم ايضا (قال عبد المحمود): وهذا ابلغ ما انتهى إليه من الانبياء فيما بلغني مع امته في الكشف عن خلافته ووصيته وسياتى طرق من اخبار يوم الغدير وكان هذا المقام من نبيهم محمد (ص) في حجه الوداع وهي آخر ما كان له من المواقف والاسفار التي تضمنت الاخبار ان نبيهم (ص) اظهر فيه ما أمر الله تعالى باظهاره ونعى الى المسلمين نفسه الشريفه وعرفهم انه قد قرب انتقاله الى ربه فكان ذلك يوم ثامن عشر من ذى الحجه وقدم المدينة فاقام باقى ذى الحجه والمحرم وتوفى في صفر وقيل في ربيع الاول. وقد روى الحديث في ذلك محمد بن جرير الطبري صاحب التاريخ من خمس وسبعين طريقا وافرد له كتابا سماه " حديث الولاية " ورواه ايضا أبو عباس أحمد بن محمد بن سعيد المعروف بابن عقده بخبر يوم الغدير من مائه وخمس طرق وافرد له كتابا سماه حديث الولاية وقد تقدم تسميه من روى عنهم وذكر محمد بن الحسن الطوسى في كتاب الاقتصاد وغيره ان قد روى خبر الغدير غير المذكورين من مائه وخمس وعشرين طريقا ورواه ايضا أحمد بن حنبل في مسنده اكثر من خمسه عشر طريقا ورواه الفقيه ابن المغازلى الشافعي في كتابه اكثر من اثنى عشر طريقا قال ابن المغازلى الشافعي بعد رواياته خبر يوم الغدير: هذا حديث صحيح عن رسول الله (ص) وقد روى حديث غدير خم نحو مائه نفس منهم العشرة وهو حديث ثابت لا اعرف له عله تفرد على (ع) بهذه الفضيلة لم يشركه فيها أحد هذا لفظ ابن المغازلى. 217 - ومن روايات ابن المغازلى في كتاب المناقب باسناده الى جابر بن


1) المناقب: 27.

[ 143 ]

عبد الله الانصاري قال قال رسول الله (ص) بمنى وانى لادناهم إليه في حجه الوداع حين قال: لا الفينكم ترجعون بعدى يضرب بعضكم رقاب بعض وايم الله لئن فعلتموها لتعرفني في الكتيبة التي تضاربكم ثم التفت الى خلفه فقال أو على أو على ثلاثا فراينا ان جبرئيل غمزه وانزل الله تعالى على اثر ذلك " فاما نذهبن بك فانا منهم منتقمون " (1) بعلى بن أبي طالب أو نرينك الذي وعدناهم فانا عليهم مقتدرون " (2) ثم نزلت قل رب أما ترينى ما يوعدون رب فلا تجعلني في القوم الظالمين (3) ثم نزلت فاستمسك بالذى اوحى اليك في أمر على انك على صراط مستقيم (4) وان عليا لعلم للساعه وانه لذكر لك ولقومك ولسوف تسألون (5) عن على بن أبي طالب (ع) (6) هذا آخر الحديث كان اللفظ المنزل المذكور في ذلك على النبي (ص) (7). 218 - ومن ذلك ايضا ما رواه الفقيه الشافعي ابن المغازلى في كتاب المناقب باسناده الى الوليد بن صالح عن ابن امراه زيد بن ارقم قال اقبل نبى الله (ص) من مكه في حجه الوداع حتى نزل بغدير بين مكه والمدينة فامر بالدوحات فقم ما تحتهن من شوك ثم نادى الصلاه جامعه فخرجنا الى رسول الله (ص) في يوم شديد الحر وان منا لمن يضع رداءه على راسه وبعضه تحت قدميه من شدة الحر حتى انتهينا الى رسول الله (ص) فصلى بنا الظهر ثم انصرف الينا بوجهه ثم ذكر تحميده لله وتوحيده وشهادته برسالته ثم قال:


1 و 2) الزخرف: 41 - 42. 3) المؤمنون: 94. 4 و 5) الزخرف: 43 - 44. 6) المناقب: 275، والبحار: 37 / 183. 7) بعضه قرآن وبعضه تأويل. وقد روى السدي في كتاب تفسير القرآن قال في قوله تعالى (فاما تذهبن بسك ناما منتقمون) قال: بعلي بن أبي طالب عليه السلام.

[ 144 ]

ايها الناس انه لم يكن لنبى من العمر إلا نصف عمر من قبله وان عيسى بن مريم لبث في قومه اربعين سنه وانى قد اسرعت في العشرين إلا وانى يوشك ان افارقكم إلا وانى مسؤول وانتم مسؤولون هل بلغتكم فما ذا انتم قائلون فقام من كل ناحيه من القوم مجيب نشهد انك عبد الله ورسوله قد بلغت رسالته وجاهدت في سبيله وصدعت بامره وعبدته حتى اتاك اليقين جزاك الله عنا خير ما جزى نبيا عن امته ثم تفصيل ما بلغ إليهم من الوحدانية والرسالة ووالنار وكتاب الله ثم قال إلا وانى فرطكم وانتم تبعى توشكون ان تردوا على الحوض فاسالكم حين تلقوني ثقلى كيف خلفتموني فيهما قال فاعيل علينا ما ندرى الثقلان حتى قام رجل من المهاجرين فقال بابى وامى يا نبى الله ما الثقلان قال الاكبر منهما الله تعالى سبب طرفه بيد الله وطرف بايديكم فتمسكوا ولا تزلوا ولا تشكوا ولا تضلوا والاصغر منهما عترتي ثم ذكر وصيته (ص) بعترته ثم قال فانى قد سالت لهما اللطيف الخبير فاعطاني ناصرهما لي ناصر وخاذلهما خاذل ووليهما لي ولى وعدوهما لي عدو ألا وانها تهلك امه قبلكم حتى تدين باهوائها وتظاهر على نبوتها وتقتل من قام بالقسط منها ثم اخذ بيد على أبي طالب (ع) فرفعها فقال من كنت مولاه فعلى مولاه ومن كنت وليه فهذا وليه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه قالها ثلاثا آخر الخطبه وقد تقدمت روايه ابن المغازلى عن جابر بن عبد الله فيما سمعه رسول الله (ص) في حجه الوداع بمنى


1) المناقب: 16 - 18، والعمدة: 51 - 52، والبحار: 37 / 184.

[ 145 ]

219 - وذكر ايضا الفقيه ابن المغازلى في كتاب المناقب باسناده الى جابر بن عبد الله الانصاري فيما حضره وسمعه من النبي (ص) يوم غدير خم في المعنى مما يمكن ان يكون قد وقع وتكرر من النبي (ص) في ذلك اليوم حين تنحى اصحابه عنه بعد فراغه عن تعيينه على على (ع) بالامامه بعده فخاف (ص) ان يكونوا كرهوا ذلك. وسياتى في روايه الثعلبي في تفسيره ما يدل على كراهه بعض من بلغه في حياه النبي (ص) فقال جابر ان رسول الله (ص) نزل بخم فتنحى الناس عنه ونزل معه على بن أبي طالب فشق على النبي تأخر الناس فامر عليا فجمعهم فلما اجتمعوا قام فيهم وهو متوسد على علي بن أبي طالب (ع) فحمد الله واثنى عليه ثم قال ايها الناس انى قد كرهت تخلفكم عنى حتى خيل لي بانه ليس شجره ابغض اليكم من شجره تليني ثم قال لكن على ابن أبي طالب قد انزله الله منى بمنزلتي منه فرضى الله عنه كما انا عنه راض فانه لا يختار على قربى ومحبتى شيئا ثم رفع يديه وقال من كنت مولاه فعلى مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه قال فابتدر الناس الى رسول الله (ص) يبكون ويتضرعون ويقولون يا رسول ما تنحينا عنك إلا كراهيه ان نثقل عليك فنعوذ بالله من سخط الله وسخط رسوله فرضى رسول الله (ص) عنهم عند ذلك (1). 220 - ومن ذلك ما رواه ايضا الفقيه الشافعي ابن المغازلى باسناده الى عطيه العوفى قال رايت ابن أبي اوفى وهو في دهليز له بعد ما ذهب بصره فسألته عن حديث فقال انكم يا اهله الكوفه فيكم ما فيكم قال قلت اصلحك الله اني لست منهم ليس عليك عار قال أي حديث قال: قلت


1) المناقب: 25 - 26، والعمدة: 53.

[ 146 ]

حديث على يوم غدير خم قال خرج علينا رسول الله (ص) في حجته يوم غدير خم وهو آخذ بعضد على (ع) فقال ايها الناس الستم تعلمون انى اولى بالمؤمنين من انفسهم قالوا بلى يا رسول الله قال من كنت مولاه فهذا على مولاه (1). 221 - ومن ذلك ما رواه أبو بكر بن مردويه الحافظ عندهم باسناده الى ابي سعيد الخدرى ان النبي (ص) دعا الناس الى على في غدير خم أمر بما كانت تحت الشجره من شوك فقم وذلك يوم الخميس ثم دعا الناس الى على فاخذ بضبعيه فرفعهما حتى نظر الناس الى بياض ابطى رسول الله (ص) ثم لم يتفرقا حتى نزلت هذه الايه " اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا ". فقال رسول الله (ص) الله اكبر على اكمال الدين واتمام النعمة ورضى الرب برسالتى والولاية لعلى ثم قال اللهم من كنت مولاه فعلى مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله فقال حسان بن ثابت: يا رسول الله اتاذن لي ان اقول ابياتا فقال قل على بركه الله فقال حسان يا معشر مشيخه قريش اسمعوا شهاده رسول الله (ص) ثم انشا يقول: يناديهم يوم الغدير نبيهم بخم واسمع بالنبي مناديا الست انا مولاكم ووليكم ؟ فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا الهك مولانا وأنت ولينا ولا تجدن في الخلق للامر عاصيا فقال له قم يا على فانني رضيتك من بعدى اماما وهاديا قال فلقيه عمر بن الخطاب بعد ذلك فقال هنيئا لك يا بن أبي طالب


1) المناقب: 24، والبحار: 37 / 185، وأحمد بن حنبل في مسنده: 4 / 368.

[ 147 ]

اصبحت وامسيت مولاى ومولى كل مؤمن ومؤمنه (1). ومن ذلك روايه الشيخ أبي عبد الله محمد بن عمران المرزبانى لهذا الحديث ايضا بالفاظه في اواخر الجزء الرابع من كتاب مرقاه الشعر الى آخر الابيات التي انشدها حسان بن ثابت (2). 222 - ومن ذلك ما رواه ابن المغازلى في كتابه ايضا باسناده الى أبي هريره قال من صام يوم ثمانى عشره خلت من ذى الحجه كتب له صيام ستين شهرا وهو يوم غدير خم لما اخذ النبي (ص) بيد على بن أبي طالب (ع) فقال الست اولى بالمؤمنين من انفسهم ؟ قالوا بلى يا رسول الله قال فمن كنت مولاه فعلى مولاه فقال عمر بن الخطاب بخ بخ لك يا بن ابي طالب اصبحت مولاى ومولى كل مؤمن فانزل الله تعالى " اليوم اكملت لكم دينكم " (3). ومن طرائف ما رووه في فضيله يوم نزول آيه اليوم اكملت لكم دينكم الايه ما ذكروه في صحاحهم وقد رواه مسلم في صحيحه ايضا في المجلد الثالث عن طارق بن شهاب قال قالت اليهود لعمر لو علينا معشر اليهود نزلت هذه الايه " اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا " نعلم اليوم الذي انزلت فيه لاتخذنا ذلك اليوم عيدا - الخبر (4). (قال عبد المحمود) وكذا كان يجب على اهل الاسلام ان يكون ذلك اليوم عظيما عند الأنام فاضاعه المخالفون لاهل البيت (ع) أما


1) الخوارزمي في مقتله: 1 / 47، والمناقب: 80، والغدير عن ابن مردويه: 2 / 35 وذيل احقاق الحق: 6 / 275. 2) راجع الغدير: 2 / 34، وأحمد بن حنبل في مسنده: 4 / 281. 3) المناقب: 19، والبحار: 37 / 108. 4) مسلم في صحيحه: 4 / 2313.

[ 148 ]

عداوه أو حسدا أو لغير ذلك وما رايت من أهل الاسلام يحفظ ذلك ويعين السنه التي كان فيها ويعين الشهر والاسبوع واليوم المذكور إلا أهل البيت وشيعتهم التحقيق والله ولى التوفيق ومن ذلك ما ذكره ايضا الخطيب المخالف لاهل البيت في كتابه تاريخ بغداد باسناده الى أبي هريره كما رواه ابن المغازلى لحديث يوم الغدير ونزول آيه " اكملت لكم دينكم " (1). 223 - ومن ذلك ما ذكره ابن المغازلى باسناده الى عميره بن سعد قال شهدت عليا (ع) على المنبر ناشدا اصحاب رسول الله (ص) يقول من سمع رسول الله (ص) يوم غدير يقول ما قال فليشهد فقام اثنا عشر رجلا منهم أبو سعيد الخدرى وأبو هريره وانس بن مالك فشهدوا انهم سمعوا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من كنت مولاه فعلى مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه (2). (قال عبد المحمود بن داود) مؤلف هذا الكتاب وقد تركت باقى الروايات عن الفقيه ابن المغازلى في يوم الغدير خوف الاطاله وقد روى روايات تدل على ان النبي (ص) قد يقرر هذا المعنى عند اصحابه قبل يوم الغدير بما يناسب هذه الالفاظ. 224 - فمن روايات الفقيه الشافعي ابن المغازلى في ذلك في كتاب المناقب باسناده الى انس بن مالك قال لما كان يوم المباهلة وآخى النبي (ص) بين اصحابه المهاجرين والانصار وعلي واقف يراه ويعرف مكانه لم يواخ بينه وبين أحد فانصرف على (ع) باكى العين فافتقده النبي (ص) فقال:


1) تاريخ بغداد: 8 / 290. 2) المناقب: 26، والبحار: 37 / 186، والغدير: 1 / 181.

[ 149 ]

ما فعل أبو الحسن ؟ قالوا: انصرف باكى العين يا رسول الله قال يا بلال اذهب فاتني به فمضى بلال الى على (ع) وقد دخل الى منزله باكى العين فقالت فاطمه ما يبكيك لا ابكى الله عينيك ؟ قال: يا فاطمه آخى النبي (ص) بين المهاجرين والانصار وانا واقف يرانى ويعرف مكاني ولم يؤاخ بينى وبين أحد قالت لا يحزنك انه لعله إنما ادخرك لنفسه قال بلال يا على اجب النبي فاتى على الى النبي فقال النبي ما يبكيك يا أبا الحسن ؟ قال آخيت بين المهاجرين والانصار يارسول الله وانا واقف تراني وتعرف مكاني ولم تؤاخ بينى وبين أحد قال إنما ادخرتك لنفسي الا يسرك ان تكون ا خا نبيك ؟ قال بلى يا رسول الله انى لي بذلك ؟ فاخذ بيده وارقاه المنبر وقال اللهم هذا منى وانا منه إلا انه منى بمنزله هارون من موسى الا من كنت مولاه فهذا على مولاه (1). 225 - ومما يدل على ذلك ما اتفق على نقله أحمد بن حنبل في مسنده والفقيه ابن المغازلى في كتابه باسنادهما الى عبد الله بن عباس عن بريده قال غزوت مع (ع) اليمن فرايت منه جفوه فلما قدمت على رسول الله (ص) فذكرت عليا فتنقصته فرايت وجه رسول الله (ص) يتغير قال يا بريده الست اولى بالمؤمنين من انفسهم ؟ قلت بلى يا رسول الله قال فمن كنت مولاه فعلى مولاه (2). 226 - وأما روايات أحمد بن حنبل في مسنده لحديث يوم الغدير فمنها ما اتفق على معناه الثعلبي في تفسير قوله تعالى " يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك " الايه باسنادهما الى البراء بن عازب قال اقبلنا مع رسول الله (ص)


1) لم نجده في المناقب المطبوع. البحار: 37 / 186، والعمدة: 46. 2) المناقب: 25، وذيل احقاق الحق عن أحمد في المناقب 6 / 261، والخوارزمي في المناقب: 79.

[ 150 ]

في حجته التي حج فنزلنا بغدير خم فنودى فينا الصلاه جامعه وكسح لرسول الله (ص) بين شجرتين فصلى بنا الظهر واخذ بيد على (ع) وقال الست اولى بالمؤمنين من انفسهم قالوا بلى يا رسول الله قال الست اولى بكل مؤمن من نفسه قالوا بلى قال من كنت مولاه فعلى مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه قال فلقيه عمر بن الخطاب فقال هنيئا لك يا بن أبي طالب اصبحت مولاى ومولى كل مؤمن ومؤمنه (1). 227 - ومن روايات احمد بن حنبل في مسنده باسناده الى زيد بن ارقم عن ميمون بن عبد الله قال قال زيد بن ارقم وانا اسمع: نزلنا مع رسول الله (ص) بواد يقال له وادى خم فامر بالصلاة فصلاها قال فخطبنا وظلل لرسول الله (ص) بثوب على شجره من الشمس فقال النبي الستم تعلمون ؟ اولستم تشهدون انى اولى بكل مؤمن من نفسه ؟ قالوا بلى قال فمن كنت مولاه فعلى مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه (2). 228 - ومن روايات أبي ليلى الكندى من مسند أحمد بن حنبل انه سال زيد بن ارقم عن قول النبي النبي (ص) لعلى عليه السلام: من كنت مولاه فعلى مولاه اللهم وال من والاه فقال زيد نعم قالها رسول الله اربع مرات (3). 229 - ومن روايات أحمد بن حنبل في مسنده باسناده الى شعبه عن أبي اسحاق قال انى سمعت عمر وزاد فيه: ان رسول الله (ص) قال اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واحب من احبه وابغض من ابغضه (4).


1) أحمد بن حنبل في مسنده: 4 / 281، والبحار: 37 / 149، والغدير: 1 / 18 و 272. 2) أحمد بن حنبل في مسنده: 4 / 372، والعمدة: 46، والغدير: 1 / 30. 3) البحار: 37 / 187. 4) البحار: 37 / 187، وذخائر العقبى: 67. (*)

[ 151 ]

ومن روايات أحمد بن حنبل في مسنده باسناده الى سفيان عن أبي نجيح عن أبيه وربيعه الجرشى انه ذكر على عند رجل وعنده سعد بن أبي وقاص فقال سعد: اتذكر عليا ؟ ان له مناقب اربعا لان يكون لي واحده منهن احب الى من كذا وكذا - وذكر حمر النعم - قوله لاعطين الرايه غدا وقوله أنت منى بمنزلة هارون من موسى وقوله من كنت مولاه فعلى مولاه ونسى سفيان واحده (1). 231 - ومن روايات احمد بن حنبل في مسنده الى زاذان أبي عمر قال سمعت عليا (ع) في الرحبة وهو ينشد الناس: من سمع رسول الله (ص) وهو يقول ما قال ؟ فقام ثلاثه عشر رجلا فشهدوا انهم سمعوا رسول الله (ص) يقول من كنت مولاه فعلى مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه (2). 232 - ومن روايات أحمد بن حنبل في مسند باسناده الى أبي الطفيل قال خطب على الناس في الرحبة ثم قال انشد الله كل امرئ مسلم سمع رسول الله (ص) يوم غدير خم ما سمع لما قام فقام ثلاثون رجلا من الناس قال أبو نعيم فقام اناس كثير فشهدوا حين اخذ بيده فقال للناس اتعلمون انى اولى بالمؤمنين من انفسهم ؟ قالوا نعم يا رسول الله قال من كنت مولاه فعلى مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره (3). (قال عبد المحمود): وقد تركت باقى روايات أحمد بن حنبل في مسنده لخبر يوم الغدير ففى اليسير دلاله على الكثير. 233 - ومن روايات الثعلبي في تفسيره لخبر يوم الغدير غير ما تقدمت الاشاره إليه في تأويل قوله تعالى " يا ايها الرسول بلغ انزل اليك من ربك "


1) البحار: 37 / 188، والغدير: 1 / 38. 2) العمدة: 47، والبحار: 37 / 88، وأحمد بن حنبل في مسنده: 1 / 84. 3) البحار 37 / 188، والعمدة: 46، وأحمد بن حنبل في مسنده: 4 / 370. (*)

[ 152 ]

الايه قال قال أبو جعفر محمد بن على عليهما السلام معناه: بلغ ما انزل اليك من ربك في فضل علي بن أبي طالب (ع) وفي روايه اخرى معناه: بلغ انزل اليك في على (ع) (1). 234 - ومن ذلك باسناد الثعلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضى الله عنه في قوله تعالى " يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك " الايه قال نزلت في على بن أبي طالب (ع) أمر النبي (ص) ان يبلغ فاخذ رسول الله بيد على فقال من كنت مولاه فعلى مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه (2). 235 - ومن ذلك باسناد الثعلبي ايضا قال سئل سفيان بن عيينه عن قوله عز وجل " سال سائل بعذاب واقع " فيمن نزلت ؟ فقال للسائل لقد سألتني عن مساله ما سألني عنها أحد قبلك حدثني أبي عن جعفر بن محمد عن آبائه صلوات الله عليهم قال لما كان رسول الله (ص) بغدير خم نادى الناس فاجتمعوا فاخذ بيد علي (ع) فقال من كنت مولاه فعلى مولاه فشاع ذلك وطار في البلاد فبلغ ذلك الحرث بن النعمان الفهرى فاتى رسول الله (ص) على ناقه له حتى اتى الابطح فنزل عن ناقته فاناخها وعقلها ثم اتى النبي (ص) وهو في ملا من اصحابه فقال يا محمد امرتنا عن الله ان نشهد ان لا اله إلا الله وانك محمد رسول الله فقبلناه منك وامرتنا ان نصلى خمسا فقبلناه منك وامرتنا بالزكاه فقبلناه منك وامرتنا نصوم شهرا فقبلناه منك وامرتنا ان نحج البيت فقبلناه منك ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعى ابن عمك ففضلته علينا وقلت من كنت مولاه فعلى مولاه فهذا شئ منك ام من الله ؟ فقال والذي نفسي


1) البحار: 37 / 188، الغدير عن تفسير الثعلبي: 1 / 217. 2) البحار: 37 / 189، الغدير عن تفسير الثعلبي: 1 / 218.

[ 153 ]

بيده ولا اله إلا هو انه من أمر الله فولى الحرث بن النعمان الى راحلته وهو يقول اللهم ان كان ما يقول محمد حقا فامطر علينا حجاره من السماء أو ائتنا بعذاب اليم فما وصل إليها حتى رماه الله بحجر فسقط على هامته وخرج من دبره فقتله فانزل الله " سال سائل بعذاب واقع " الاية (1). 239 - ومن الروايات في صحيح أبي داود السجستاني وهو كتاب السنن وصحيح الترمذي وهو في جزء الثالث من الجمع بين الصحاح السته في باب مناقب أمير المؤمنين على بن ابي طالب (ع) على حد ثلث الكتاب قال عن ابن سرحه وزيد بن ارقم ان رسول الله (ص) قال من كنت مولاه فعلى مولاه (2). ورواه في الكتاب المذكور من الصحاح السته من الجزء الثالث المشار إليه حديث زيد بن ارقم المقدم ذكره في احاديث وصيه النبي بالثقلين يوم غديم خم وقد تقدم هناك ايضا بعض ما رواه مسلم في صحيحه والحميدي في الجمع بين الصحيحين في ذكر حديث يوم الغدير ايضا فلا حاجه الى اعادته. في انه (ع) كان اقرب الناس برسول الله ومن جمله الروايات الداله على ان عليا (ع) كان المنصوص عليه بتخصيص النبي (ص) بامور الاوصياء الى حين لقاء الله تعالى. 240 - فمن ذلك ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده الى ام سلمه انها قالت والذي احلف به ان عليا كان اقرب الناس عهدا برسول الله (ص) قالت


1) الغدير عن تفسير الثعلبي: 1 / 240، والحسكاني في شواهد التنزيل: 2 / 286. 2) الغدير عن الترمذي: في صحيحه: 1 / 32، والترمذي في صحيحه 2 / 298، والبحار: 37 / 189.

[ 154 ]

انى سمعت رسول الله غداه بعد غداه يقول جاء على (ع) - مرارا - قالت فاطمه كان بعثه في حاجه قالت فجاء بعد قالت ام سلمه فظننت ان له إليه حاجه فخرجنا من البيت فقعدنا عند الباب وكنت ادناهم الى الباب فاكب عليه على (ع) وجعل يساره ويناجيه ثم قبض رسول الله من يومه ذلك فكان على (ع) اقرب الناس به عهدا (1). 241 - ومن ذلك ما رواه ايضا أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه المخالف لاهل البيت في كتاب المناقب باسناده الى علقمه والاسود عن عائشة قالت قال رسول الله (ص) وهو في بيتى لما حضره الموت: ادعوا لي حبيبي فدعوت أبا بكر فنظر إليه رسول الله ثم وضع راسه ثم قال ادعوا لي حبيبي فقلت ويلكم ادعوا له على بن أبي طالب (ع) فو الله ما يريد غيره فلما رآه استوى جالسا وفرج الثوب الذي كان عليه ثم ادخله فيه فلم يزل يحتضنه حتى قبض ويده عليه. هذا لفظ الحديث المذكور من كتاب ابن مردويه (2). وروى ايضا هذا الحديث جماعه من علمائهم منهم الطبري في كتابه الولاية والدار قطني في صحيحه والسمعاني في الفضائل وموفق بن أحمد خطيب خوارزم عن عبد الله بن عباس وعن أبي سعيد الخدرى وعن عبد الله بن حارث وعن عائشة وروى بعضهم في الحديث: ان عمر دخل على النبي (ص) بعد دخول أبي بكر فلم يلتفت إليه النبي وفعل معه من الاعراض عنه كما فعل مع ابي بكر. (قال عبد المحمود): ثم نظرت فإذا هذه المحبه من النبي الله عليه وآله لعلى (ع) قد كانت عظيمه ووجدت اسبابها قديمه وان هذا بامر


1) أحمد بن حنبل في مسنده: 6 / 300، والبحار: 38 / 311. 2) الخوارزمي عن ابن مردويه: 29 ط نجف، والبحار: 38 / 312.

[ 155 ]

الهى وسر ربانى والاتحاد بين النبي (ص) وعلي قد كان سالفا مستمرا وآنفا ومن ذلك الاحاديث المتقدمه في اوائل هذا الكتاب انهما كانا نورا واحدا قبل خلق آدم وروى ايضا هذا الحديث أحمد بن مردويه في كتاب المناقب من عده طرق ومن ذلك حديث خيبر وانه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله في مقام ان من كان قد هرب في خيبر لم يكن كذلك لأن الحديث ورد على هذه الواقعة ومن ذلك حديث الطائر وانه احب العباد الى الله تعالى واحبهم الى رسول الله (ص) وقد تقدم وسياتى من الاحاديث الداله على هذا الاتحاد بين النبي (ص) والمحبة الخاصه بينهما ما لم يبلغ إليه أحد من رواه رجال الشيعه رحمهم الله 242 - ومن ذلك حديث الاسراء رواه رجال الاربعة المذاهب عن شيوخهم الصادقين عندهم فرواه صدر الائمه موفق بن أحمد المكى اخطب خوارزم عن المهذب قال اخبرنا أبو القاسم نصر بن محمد بن على بن زيرك المقرئ اخبرنا والدى أبو بكرى محمد قال اخبرنا أبو علي عبد الرحمن ابن محمد بن محمد النيسابوري حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الله النانجى البغدادي من حفظه بدينور حدثنا محمد بن جرير الطبري حدثنا محمد بن حميد الرازي حدثنا العلاء بن الحسين الهمداني حدثنا أبو مخنف لوط ابن يحيى الازدي عن عبد الله بن عمر قال سمعت رسول الله (ص) - وسئل باى لغه خاطبك ربك ليله المعراج ؟ قال خاطبني بلغه على بن أبي طالب فالهمني ان قلت يا رب خاطبتني انت ام علي. فقال يا أحمد انا شئ لا كالاشياء لا اقاس بالناس ولا أو صف بالشبهات خلقتك من نوري وخلقت عليا من نورك فاطلعت على سرائر قلبك فلم اجد في قلبك احب اليك من على بن أبي طالب فخاطبتك بلسانه كيما يطمئن قلبك (1).


1) الخوارزمي في المناقب: 37، والمقتل: 42 ط نجف، والبحار: 38 / 312، وينابيع المودة: 83.

[ 156 ]

(قال عبد المحمود): انظر الى هذا الاتحاد بين النبي (ص) وعلى (ع) قبل الولادة الى الوفاه فهل تجد احدا من القرابة أو الصحابة قاربه أو داناه فقربهم من النبي على قدر هذه المضافات واستحقاقهم بخلافته بحسب حالهم عند الله تعالى وعند رسوله (ص) في حياه رسوله والى الوفاه. ان حب على (ع) نجاه من النار 243 - ومن عجيب ما بلغ إليه رواه الاربعة المذاهب في حب على بن أبي طالب (ع) والامر بذلك ما رواه أحمد بن مردويه الحافظ الثقه عندهم قال حدثنا أحمد بن عبد الله بن الحسين حدثنا عبد العزيز بن يحيى البصري أبو أحمد حدثنا مغيره بن محمد المهلبى حدثنا عبد الرحمن بن صالح الازدي حدثنا على بن هاشم بن البريد حدثنا جابر الجعفي عن صالح ابن ميثم عن أبيه قال سمعت ابن عباس يقول سمعت رسول الله (ص) يقول من لقى الله تعالى وهو جاحد ولايه على بن أبي طالب (ع) لقى الله وهو عليه غضبان لا يقبل الله منه شيئا من اعماله فيوكل به سبعون ملكا يتفلون في وجهه ويحشره الله تعالى اسود الوجه ازرق العين قلنا يا بن عباس اينفع حب على بن أبي طالب في الاخرة ؟ قال قد تنازع اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله في حبه سالنا رسول الله فقال دعوني حتى اسال الوحى فلما هبط جبرئيل (ع) ساله فقال اسال ربى عز وجل عن هذا فرجع الى السماء ثم هبط الى الأرض فقال يا محمد ان الله تعالى يقرا عليك السلام وقال احب عليا فمن احبه فقد احبني ومن ابغضه فقد ابغضنى يا محمد حيث تكن يكن على وحيث يكن على يكن محبوه وان اجترحوا (1). (قال عبد المحمود) فاى ذنب للشيعه في تمسكهم بعلى بن أبي طالب


1) البحار: 39 / 293 - 294.

[ 157 ]

عليه السلام وقد صدقهم المسلمون كافه بما رووا في كتبهم من الامر بولايته ومحبته ومتابعته وطاعته. في انه (ع) كان اخص الناس بالرسول 244 - ومن ذلك ما رواه الشافعي ابن المغازلى في كتاب المناقب باسناده الى عائشة انها سئلت: من كان احب الناس الى رسول الله (ص) ؟ قالت فاطمه (ع) فقلت إنما سألتك عن الرجال ؟ قالت زوجها وما يمنعه والله ان كان صواما قواما ولقد سالت نفس رسول الله (ص) في يده فردها الى فيه (1). 245 - ومن ذلك ما رواه الفقيه ابن المغازلى ايضا من عده طرق معناها واحد باسانيد متصله فمنها عن ابي السائب بن يزيد قال قال رسول الله (ص) لا يحل لمسلم يرى مجردى - أو عورتى - إلا على (2). 246 ومن ذلك ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده باسناده الى أبي سعيد الخدرى قال قال رسول الله (ص) لقد اعطيت في على خمس خصال هي احب الي من الدنيا وما فيها ثم ذكر ثلاثه وقال وأما الرابعة فساتر عورتى ومسلمي الى ربى (3). (قال عبد المحمود بن داود) مؤلف هذا الكتاب: لما سمعت هذه الاحاديث ورايت اصولها وثبت عندي انها منقوله من كتب الاربعة المذاهب ومن رجالهم الذين يزكونهم ويشهدون بصدقهم ووجدت هذه الاحاديث تتضمن المدائح العظيمه والمناقب الجسيمه لبنى هاشم والدلاله على تفضيلهم وعلى تخصيص


1) البحار: 38 / 313. 2) المناقب: 93، والبحار: 38 / 313. 3) البحار: 28 / 313.

[ 158 ]

آل محمد بينهم وتعظيم شانهم وتعيين من يقوم مقامه بعد وفاته وتحققت ان هذه الاحاديث مصدقه وموافقه لما روته فرقه الشيعه عن رجالهم لم يبق عندي شبهه في صدق هذه الفرقه وصحه مقالتها وعرفت وتيقنت ان المسلمين الذين عدلوا عنهم الى تيم وعدى وآل حرب وبني اميه كانوا أما قد ارتدوا عن الاسلام أو شكوا فيه أو باعوا الاخرة بالدنيا ورغبوا في الجاه وحطام الدنيا الفانيه كما جرت عاده كثير من امم الانبياء. وقد ساء ظنى بما ينفرد بروايته وحكايته هؤلاء الاربعة المذاهب لأن من اقدم على مثل هذه المكابرة والبهت مع كونهم يشهدون بصدق رواه هذه الاخبار وما تدل عليه من جلاله بني هاشم وتعظيم آل محمد وتعيين من يقوم مقامه ثم يستحسنون لانفسهم مخالفتها بالتمويه والمحال فلا يستبعد منهم الكذب والبهت والتغفل فيما ينفردون بروايته من الاقوال والاحوال ثم لا ادرى كيف اشتبه على الاحياء منهم ضلال امواتهم وكيف يقلدونهم فيما انفردوا من رواياتهم نعوذ بالله من العمى بعد الهدى الى هذه الغاية. وهذا من عجيب ما سمعناه ورايناه وهؤلاء في تيههم وضلالهم اعجب من أهل الذمه لان هؤلاء ابتلاهم الله بالتيه بغير اختيارهم عقوبة لهم وهؤلاء المسلمون قد اضلوا انفسهم مع ظهور حجه ورسوله عليهم ومع كمال اختيارهم ثم وأهل الذمه كان تيههم اربعين سنه وهؤلاء قد زاد تيههم على مده خمسمائه سنه. وعند ذلك قال بعض علماء فرقه الشيعه هل ترى الان علينا ملامه لاحد من المسلمين في تمسكنا باعتقادنا وكتاب ربنا وعتره نبينا ؟ وهل كان يسعنا أو يسع غيرنا من سائر المسلمين غير ما اعتقدناه وحققناه ؟ فنحن مستمرون على اعتقاد وجوب حفظ نبينا محمد في مخلفه وعترته من بني هاشم والوفاء لذلك الحق

[ 159 ]

اللازم والاعتراف بحقوق اياديه والاجتهاد في امتثال كلما تقدم به واوصى فيه ونقول لهؤلاء الاربعة المذاهب: والله لو كان محمد ملكا من الملوك وقد احسن الينا كاحسانه لوجب ان نحفظه في عترته ونجازيه في بيته وجماعته وكيف وهو عندنا سبب النجاه في الدنيا والاخره وحافظ نعم الله علينا الباطنه والظاهره فباى وجه يقدم هؤلاء الاربعة المذاهب على الله وعلى رسوله يوم القيامة وقد اعرضوا عن امثال الاوامر الالهيه والوصايا المحمدية في العتره المباركه الهاشمية وقد تقدم من وصاياه بهم وتاكيدها ما لا ينكره ولا يهمله إلا جاهل أو غافل فيما أمر النبي من محبه أهل بيته (ع) 247 - ومن ذلك ما رواه في الجمع بين الصحاح السته عن عبد الله بن عباس قال قال رسول الله (ص): احبوا الله تعالى لما يغذوكم به من نعمه واحبوني لحب الله تعالى واحبوا أهل بيتى لحبي (1). 248 - ومن ذلك مما لم يتقدم ذكره ما رواه الثعلبي في تفسير قوله تعالى " قل لا اسئلكم عليه اجرا إلا الموده في القربى " باسناده الى جرير بن عبد الله البجلى قال سمعت رسول الله (ص) يقول من مات على حب آل مات مات شهيدا ألا ومن مات على حب آل محمد مات مغفورا له ألا ومن مات على حب آل محمد مات تائبا ألا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمنا مستكمل الايمان ألا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنه ثم منكر ونكير ألا ومن مات على حب آل محمد يزف الى الجنة كما تزف العروس الى بيت زوجها ألا ومن مات على حب آل محمد فتح له في قبره بابان الى الجنة


1) رواه ابن المغازلي في المناقب: 136 - 137، وذخائر العقبى: 18، وينابيع المودة: 192 و 271.

[ 160 ]

ألا ومن مات على حب آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكه الرحمه ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنه والجماعه ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه: آيس من رحمه الله ألا ومن مات على بغض آل محمد مات كافرا ومن مات على بغض آل محمد لم يشرائحه رائحة الحنة (1). في كيفيه الصلاه عليهم (ع) ومن طرائف ما انتهى إليه اعراضهم عن آل محمد انهم يروون في صحاحهم وعن رجالهم ان النبي (ص) علمهم إذا صلوا عليه يصلون على آله معه إذا اعتبرت كتبهم المجلدات وما يجرى على السنتهم في المحاورات رايت اكثر ذلك قد اطرحوا فيه ذكر آل محمد فكيف استحسنوا لانفسهم ان يبخلوا عليهم بهذا المقدار وهل يحسن ان يبلغ التعصب عليهم الى هذه الغاية. 249 - فمن الروايات الداله على تعليم النبي (ص) لهم كيفيه الصلاه عليهم ما رواه مسلم في صحيحه في اواسط الجزء الرابع باسناده الى كعب بن عجره قال قلنا يا رسول الله قد عرفنا كيف نسلم عليك فكيف نصلى عليك ؟ قال قولوا " اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على آل ابراهيم انك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم انك حميد مجيد " (2) 250 - ومن ذلك ما رواه البخاري في الجزء السادس في اول كراس من اوله باسناده الى أبي سعيد الخدرى قال قلنا يا رسول الله هذا التسليم فكيف * (هامش) 1) رواه الزمخشري في الكشاف: 3 / 467، والبحار: 23 / 233. 2) مسلم في صحيحه 1 / 305، والبحار: 27 / 257، والعمدة: 25.

[ 161 ]

فكيف نصلى عليك ؟ قال قولوا " اللهم صل على محمد عبدك ورسولك كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم " قال أبو صالح: عن الليث " على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم " (1). وروى البخاري نحو ذلك ايضا في هذا الموضع من الجزء المذكور عن كعب بن عجره عن النبي (ص) (2). ورواه ايضا البخاري في الجزء الرابع من صحيحه الكراس الرابع منه وكان الجزء تسع كراريس من النسخة المنقول منها (3) 251 - ومن ذلك ما رواه الحميدى في الجمع بين الصحيحين في مسند أبي سعيد الخدرى في الحديث الخامس من افراد البخاري قال قلنا يا رسول الله هذا السلام عليك فكيف نصلى عليك ؟ قال قولوا " اللهم صل على محمد عبدك ورسولك كما صليت على إبراهيم وآل ابراهيم وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم " (4). 252 - ومن ذلك ما رواه الحميدى ايضا في الجمع بين الصحيحين في مسند أبي مسعود عقبه بن عمرو الانصاري في الحديث الثاني من افراد مسلم قال قال بشير: امرنا الله ان نصلى عليك يا رسول الله فكيف نصلى عليك ؟ فسكت رسول الله حتى تمنينا انه لم نساله ثم قال قولوا " اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم وبارك على محمد


1) البخاري في صحيحه: 6 / 27، وذخائر العقبى: 19. 2) البخاري في صحيحه: 6 / 27. 3) البخاري في صحيحه: 4 / 146. 4) احقاق الحق: 9 / 577 عن الجمع بين الصحيحين: 2 / 502 مخطوط، والبحار: 27 / 257.

[ 162 ]

وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين انك حميد مجيد (1). 253 - ومن ذلك ما رواه الثعلبي باسناده في تفسير قوله تعالى " ان الله وملائكته يصلون على النبي يا ايها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما " (2) قلنا يا رسول الله قد علمنا السلام عليك فكيف الصلاه عليك ؟ قال قولوا " اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل ابراهيم انك حميد مجيد وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم انك حميد مجيد " (3). (قال عبد المحمود بن داود): ومن عجيب ما رايت اننى وقفت على هذه الاحاديث في كتبهم المذكورة ولما ذكروا النبي (ص) قالوا صلى الله عليه وسلم ولم يذكروا وآله ! وهذا هو العناد القبيح والجهل الصريح وأما كتبهم فانى قد وقفت على شئ كثير من مجلداتهم وسمعت محاوراتهم فما رايت في شئ مما وقفت عليه بخطوطهم ذكر الصلاه على آله عند الصلاه عليه إلا عند خاتمه المجلدات والمكاتبات في بعض دون بعض ومن طرائف امورهم انهم قد رووا مثل هذه الاحاديث وصحت عندهم وهي تتضمن ان محمدا (ص) قد اجرى آله مجرى نفسه في تعظيم الصلاه عليه وقال الشافعي في روايه التنوخى عنه: ان الصلاه على النبي وآله فريضه في الصلاه وقال أبو حنيفه: الصلاه على النبي وآله فريضه في الصلاه فاين


1) رواه مسلم في صحيحه: 1 / 305، والبحار: 27 / 258، ومالك في الموطأ: 1 / 138. 2) الاحزاب: 56. 3) احقاق الحق عن الثعلبي: 9 / 540، والبحار: 27 / 258، والطبري في تفسيره: 22 / 31 و 32.

[ 163 ]

الاهتمام بمعرفه هؤلاء آل محمد ؟ وهل هذا التعظيم لجميعهم الصالح منهم والطالح ام لا ؟ فإن كان المراد الصالحين منهم فاين التعرف بهم ؟ والمعرفة لهم ؟ والتعظيم لشانهم ؟ والتخلق باخلاقهم ؟ وان اهمال هؤلاء الاربعة المذاهب لال محمد نبيهم مع ما قد شهدوا لهم به من الطرائف العجيبه والغرائب المريبة في زياره قبور أهل البيت عليهم السلام ومن طرائف ما سمعت عن جماعه من مخالفى أهل البيت انهم ينكرون زياره قبور علماء أهل بيت نبيهم ويعيبون شيعتهم في تردادهم لزيارتها وقد رووا هؤلاء المنكرون في صحاحهم ضد ما انكروه وخلاف ما اظهروه. 254 - وروى مسلم في صحيحه في المجلد الثالث باسناده عن أبي بريده عن أبيه عن النبي (ص) قال نهيتكم عن زياره القبور فزوروها ونهيتكم عن ادخار لحوم الاضاحي فوق ثلاث فامسكوا ما بدا لكم - الخبر (1). ورواه ايضا الحميدى في الجمع بين الصحيحين في مسند بريده بن الخضيب في الحديث الاول من افراد مسلم (2). (قال عبد المحمود): كيف يحسن من قوم يروون عن نبيهم الامر بزيارة كافه القبور ثم ينكرون على من زار قبور أهل بيت نبيه وهم لحم رسولهم ودمه وبضعه منه ؟ وان ادعى أحد منهم انه ما ينكر زياره قبورهم فعلام ينقطع عنها وينفر منها ويتردد الى قبور أبي حنيفه ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل


1) رواه مالك في الموطأ: 1 / 321 ط مصطفى الحلبي، ومسلم في صحيحه: 3 / 1564. 2) رواه مسلم في صحيحه: 2 / 672.

[ 164 ]

وجماعه من اتباعهم وهؤلاء الاربعة انفس قوم من عوام المسلمين لم يرووا عن نبيهم في تسميتهم وفضلهم خبرا ماثورا ولا وجدوا بذلك اثرا مسطورا وقد رووا في فضائل أهل البيت وتعظيمهم في الحياه وبعد الوفاه قد ذكرنا عنهم بعضه في كتابنا هذا من صحاح اخبارهم فهلا كان لعلماء أهل البيت وصلحائهم وائمتهم اسوه باحد الاربعة انفس المشار إليهم ؟ أما هذا لعداوه النبي أو لاهل بيته أو حسد لهم أو ميل وضلال من قوم قد بلغوا الى هذه الغاية. والعجب انهم يقصدون محمدا نبيهم عند حجرته ويلوذون بتربته ومع ذلك يتجنبون قبور اهل بيته وعترته ! اين هذا من الوفاء لما اثبت عليهم نبيهم من الانعام ما كان هذا جزاؤه من أهل الاسلام. (قال عبد المحمود بن داود) قال الشيعي: واعجب من ذلك انهم آثروا الدنيا الفانيه المكدره عليهم وعلى تأديه حق الله وحق رسوله فيهم وقدموا غيرهم عليهم وكانت عتره نبينا احق بالتقديم وابعدوهم عن مقامهم وخلافتهم وكانوا احق بها واهلها واذلوهم وكانوا احق بالعز واختاروا عليهم تيما وعديا وآل حرب وبني اميه وما كان هذا جزاء محمد (ص) من أهل الاسلام وما كان في بني هاشم نقص عن تيم وعدى وآل حرب وبني اميه وغيرهم من الانام وما عرفنا بني هاشم إلا اعيان الناس في الجاهلية والاسلام. وانى لاستطرف من الاربعة المذاهب اقدامهم تاره على ترك العمل بوصايا نبيهم محمد (ص) التي تضمنتها اخبارهم الصحاح المقدم ذكر بعضها واقدامهم تاره اخرى على تقبيح ذكر نبيهم فيما نسبوه به صلوات الله عليه وآله الى اهمال رعيته وامته وانه توفى وتركهم بغير وصيه بالكليه. 255 - وقد روى مسلم في صحيحه في الجزء الثالث من الاجزاء السته في الثلث الاخير منه في كتاب الفرائض باسناده الى ابن شهاب عن أبيه انه سمع

[ 165 ]

رسول الله (ص) يقول ما حق امرئ مسلم له شئ يوصى فيه يبيت ثلاث ليال إلا ووصيته عنده مكتوبه (1). وروى نحو ذلك من عده طرق فكيف تقبل العقول ان النبي يقول ما لا يفعل ؟ وقد تضمن كتاب الله تعالى " أتأمرون الناس بالبر وتنسون انفسكم وانتم تتلون الكتاب افلا تعقلون " (2). وقال الله تعالى عمن هو دون محمد (ص) من الانبياء " وما اريد ان اخالفكم الى ما انهاكم عنه " (1). فكيف يامر نبينا (ص) بالوصية ولو في الشئ اليسير ويتركها هو في الامر الكبير والجم الغفير ؟ لا سيما وقد رووا ان الله تعالى عرفه ما يحدث في امته من الاختلاف العظيم وسياتى اخبارهم ببعض ذلك في هذا الكتاب انشاء الله تعالى ما هكذا تقتضي صفات السياسه المرضية وعموم الرحمه الالهيه وثبوت الشفقه المحمدية وكيف يصدق عاقل أو جاهل ان محمدا (ص) يترك الامه باسرها كبيرها وصغيرها غنيها وفقيرها عالمها وجاهلها في ظلمه الحيره والاختلاف والاهمال والضلال ؟ لقد اعاذه الله من هذه الحال ولقد نسبوه الى غير صفاته الشريفه وما عرفوا أو عرفوا وجحدوا حقوق ذاته المعظمه المنيفه ومن الحوادث التي حدثت بطريق ذلك القول وبطريق يلزم الاربعة المذاهب في الامامه بالاختيار من بعض الامه ان الناس لما ارادوا دفع بني هاشم عن حقوقهم ومقام نبيهم واطراح وصايا النبي بهم تعصب قوم لال حرب وبني


1) مسلم في صحيحه: 3 / 1250، ورواه مالك عن عبد الله بن عمر مثله إلا أن فيه بدل ثلاث ليال (ليلتين) في الموطأ: 2 / 130. 2) البقرة: 44. 3) هود: 88.

[ 166 ]

اميه واختاروا منهم خلفاء وبايعوهم وتاسوا في ذلك بمن جعل الخلافه بالاختيار فكان ذلك ايضا سبب وصول الخلافه الى معاويه الذي قاتل خليفه المسلمين ووصى رسول رب العالمين وقاتل وجوه بني هاشم والصحابه والتابعين وفعل ما فعل وكان ذلك ايضا سبب وصول الخلافه الى يزيد بن معاويه الذي قتل في اول خلافته الحسين بن على بن أبي طالب وابن فاطمه بنت رسول اللله (ص) ولد رسول الله وأحد سيدى شباب اهل الجنة وقد تقدم في رواياتهم من كتبهم الصحاح بعض ما اثبتوه من وصايا النبي (ص) فيه وفي اخيه وابيه وتعظيم الله لهم ودلالته عليهم ما لا حاجه الى تكراره. وبلغ يزيد بن معاويه الى منع الحسين (ع) وحرمه على يد عمر بن سعد من شرب الماء وقتل خواصه وجماعه من أهل بيته ثم قتله عليه السلام بعدهم ونهب رحاله وسلب عياله وحمل راسه رماح أهل الاسلام وسير حرم رسول الله من العراق الى الشام على الاقتاب مكشفات الوجوه بين الاعداء وبين أهل الارتياب واتبع يزيد ذلك بنهب مدينه الرسول وقد رووا في صحاحهم في مسند أبي هريره وغيره ان النبي (ص) لعن من يحدث في المدينة حدثا وجعلها حرما وكان ذلك على يد مسلم بن عقبه نائبه الذي نفذه إليهم وسبى أهل المدينة وبايعهم على انهم عبيد قن ليزيد بن معاويه واباحها ثلاثه ايام حتى ذكر جماعه من اصحاب التواريخ انه ولد منهم في تلك المده اربعه آلاف مولود لا يعرف لهم اب وكان في المدينة وجوه بني هاشم والصحابه والتابعين وحرم خلق كثير من المسلمين. واتبع يزيد ذلك في وصيته لمسلم بن عقبه بانفاذ الحصين بن نمير السكوني لقتال عبد الله بن الزبير بمكه فرمى الكعبه بخرق الحيض والحجاره ! وهتك حرمه حرم الله تعالى وحرم رسوله (ص) وتجاهر بالفساد في العباد والبلاد

[ 167 ]

وكان ذلك الاختيار سبب وصول الخلافه الى سفهاء بني اميه والى هرب بني هاشم منهم خوفا على انفسهم والى قتل الصالحين والاخيار والى احياء سنن الجبابره والاشرار حتى وصل الامر الى خلافه الوليد بن يزيد الزنديق الذي تفال يوما بالمصحف فخرج فاله واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد (1) فرمى المصحف من يده وامر ان يجعل هدفا ورماه بالنشاب ! وانشد يقول تهددني بجبار عنيد فها انا ذاك جبار عنيد إذا ما جئت ربك يوم حشر فقل يا رب مزقني الوليد ولو كان المسلمون قد قنعوا باختيار الله ورسوله لهم وما نص النبي (ص) عليه من تعيين الخلافه في عترته ما وقع هذا الخلل والاختلاف في امته وشريعته فصرنا نحن على موالاه بني هاشم ومواساتهم بانفسنا وراينا الذل بالوفاء لله ولرسوله معهم خيرا من العز بمخالفتهم والفقر بحفظ مخلفي نبينا (ص) خيرا من الغنى باضاعتهم والخوف بقضاء حق احسانه خيرا من الامن بكفرانه والقتل معهم خيرا من الحياه مع اعداء الله واعداء رسوله واعدائهم ومضى اعمار سلفنا على هذا ونحن على ذلك الان ولما وجد اسلافنا قدره على نصره بني هاشم ايام مروان وقضاء بعض حقوق الله تعالى فيهم وحقوق رسوله (ص) تعاهدنا على قتل النفوس في خدمتهم وهلاك اعدائهم وشفينا صدورهم من بني اميه ورددنا العز العتره الهاشمية. فهل كان معنا أحد من رؤساء هؤلاء الاربعة المذاهب أو اتباعهم ؟ لأن فيهم من تأخر زمانه أو تقدم اوانه فظفرنا نحن بهذه الفضيلة في خدمتهم ونصرتهم ولئن غلبنا اصحاب الاربعة المذاهب الان بالكثره واختصوا في الظاهر بتالف خلفاء بني هاشم لهم وصرنا نحن البعداء في ظاهر الامر فلا تعتقد


1) ابراهيم: 15.

[ 168 ]

ان ذلك لعزه اولئك عليهم ولا لهواننا عندهم بل مداراه للاربعة المذاهب وتالفا لهم على عاده النبي (ص) مع المؤلفه قلوبهم الذين عرف ضعف دينهم وطلبهم للدنيا وكان يعطيهم الكثير ويعطى من يرتضيه اليسير. ويدلك على ان ذلك تالف ومداراه من بني هاشم لهؤلاء المشار إليهم ما قد حكمت به الضرورة من انهم يذكرون على المنابر في الجمع والاعياد بعد ذكر الله ورسوله (ص) بعض الخلفاء الذين تقدموا على بني هاشم وما كان ذكرهم مشروعا في زمن الصحابة والتابعين ولا زمن بني اميه وانما اوجب اختلاف الامه على بني هاشم ولزوم التقيه تالف اتباع اولئك الخلفاء بذكر اسمائهم على المنابر ولو كان ذكر الخلفاء مشروعا بعد ذكر الرسول (ص) لوجب ذكر الحسن بن على بن أبي طالب عليهما السلام فانه لا شبهه عند هؤلاء الاربعة المذاهب في ثبوت خلافته ثم كان يجب ذكر خلفاء بني اميه عند من يعتقد خلافتهم أو ذكر بني هاشم من السفاح الى الان فما بال خلفاء بني هاشم لا يذكر امواتهم جميعا ولا بعض من مات منهم لولا ما ذكرناه. تنصيص الرسول (ص) على ان الخلفاء بعده اثنا عشر كلهم من قريش ومن طرائف ما رايت من مناقضات الاربعة المذاهب تجويزهم ان يكون الخلفاء من غير قريش. 256 - وقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما باسنادهما الى عبد الله بن عمر قال قال رسول الله (ص): لا يزال هذا الامر في قريش ما بقى من

[ 169 ]

الناس اثنان (1). ورواه الثعلبي في تفسير قوله تعالى وانه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون (2). 257 - وذكر الحميدى في الجمع بين الصحيحين في المتفق عليه من مسند عبد الله بن عمر في الحديث التاسع وستين بعد المائه عن النبي (ص) انه قال لا يزال هذا الامر في قريش ما بقى منهم اثنان (3). 258 - وروى الحميدى في عده احاديث عن النبي (ص) انه قال الناس تبع لقريش (4). 259 - ومن طرائف ما رايت من عداوتهم لقريش ما ذكره الحميدى في الجمع بين الصحيحين في الحديث الخامس والعشرين بعد الماتين من مسند أبي هريره قال قال النبي (ص): يهلك الناس بهذا الحى من قريش قالوا فما تأمرنا ؟ قال ان الناس اعتزلوهم (5). هذا لفظ الحديث فكيف يصدق عاقل ان النبي (ص) يامر باعتزال قريش فكيف يبقى الاسلام ؟ واين ذلك من رواياتهم المتواتره بالوصايا في حقهم. ومن طرائف ما رايت من مناقضات هؤلاء الاربعة المذاهب ومكابراتهم وظلمهم لقريش ان خلقا كثيرا من المسلمين ينكرون على من يقول انه يكون بعد نبيهم محمد (ص) اثنا عشر خليفه من قريش وفي بعضها اثنا عشر اميرا وقد رووا في كتبهم التي سموها صحاحا تصديق ما كذبوه


1) مسلم في صحيحه: 3 / 1452، والبخاري في صحيحه: 8 / 105. 2) الزخرف: 44. 3) نفس المصدر من الصحيحين. 4) مسلم في صحيحه: 3 / 1451. 5) رواه مسلم في صحيحه: 4 / 2236.

[ 170 ]

وتحقيق ما انكروه. 260 - فمن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه في الجزء الثاني من اجزاء ثمانيه باسناده الى جابر بن سمره قال سمعت النبي (ص) يقول يكون من بعدى اثنا عشر اميرا فقال كلمه لم اسمعها قال أبي: انه قال كلهم من قريش (1). 261 - ومن ذلك في حديث يرفعه البخاري في صحيحه باسناده الى ابن عيينه قال قال رسول الله (ص) لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا ثم تكلم النبي (ص) بكلمه خفيت علي فسالت أبي ماذا قال رسول الله (ص) ؟ فقال كلهم من قريش (2). 262 - ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه في الجزء الرابع من اجزاء سته قال عن النبي (ص): ان هذا الامر لا ينقضى حتى يمضى فيهم اثنا عشر خليفه قال ثم تكلم بكلام خفى على فقلت ماذا قال ؟ قال كلهم من قريش (3). ورواه مسلم في صحيحه من طريق آخر مثل روايه البخاري عن ابن عيينه بالفاظه ومعانيه (4). 263 - ومن ذلك ما رواه مسلم ايضا في صحيحه في روايه سماك بن حرب يرفعه الى النبي (ص) قال لا يزال الاسلام عزيزا الى اثنى عشر خليفه ثم قال كلمة لم يفهمها الراوى فسال عنها من سمع الحديث من النبي (ص)


1) البخاري في صحيحه: 8 / 127، ورواه أحمد في المسند: 5 / 92. 2) البخاري في صحيحه: 9 / 81 ط أميرية، ورواه أحمد في مسنده: 5 / 92. 3 - 4) مسلم في صحيحه: 3 / 1452.

[ 171 ]

فقال له: ان النبي قال: كلهم من قريش (1). 264 - وفي روايه الشعبى من صحيح مسلم نحوه الا انه قال لا يزال هذا الامر عزيزا الى اثنى عشر خليفه (2). 265 - ومن ذلك في روايه سعد بن ابي وقاص من صحيح مسلم باسناده ان النبي (ص) قال يوم جمعه عشيه رجم الاسلمي: لا يزال الدين قائما حتى تقوم الساعه ويكون عليهم اثنا عشر خليفه كلهم من قريش (3). وفي روايه عامر بن سعد من صحيح مسلم نحو هذه الرواية (4). 266 - ومن ذلك في الجمع بين الصحاح السته في باب ان اكرمكم عند الله اتقاكم باسناده ان النبي (ص) قال ان هذا الامر لا ينقضى حتى يمضى فيهم اثنا عشر خليفه قال كلهم من قريش (5). 267 - ومن ذلك في الجمع بين الصحاح السته ايضا قال ان النبي (ص) قال لا يزال الاسلام عزيزا الى اثنى عشر خليفه كلهم من قريش (6). 268 - ومن ذلك في صحيح أبي داود من الجزء الثاني من اجزاء اثنين باسناده الى النبي (ص) قال لا يزال هذا الدين ظاهرا حتى تقوم الساعه ويكون عليهم اثنا عشر خليفه كلهم من قريش (7). ومن ذلك رواية الحميدى في الجمع بين الصحيحين لهذه الاحاديث بروايه عبد الملك بن عمير وطريق شعبه وطريق ابن عيينه وطريق عامر بن سعد وطريق سماك بن حرب وطريق عدى بن حاتم وطريق عامر بن الشعبى وطريق حصين بن عبد الرحمن وجميع هذه الطرق يتضمن ان عدتهم اثنا عشر


1 - 4) مسلم في صحيحه: 3 / 1453 - 1454. ورواه أحمد في مسنده: 5 / 90. 5 - 6) احقاق الحق عنه: 7 / 478. 7) رواه السجستاني في سننه 4 / 150 ط السعادة مصر.

[ 172 ]

خليفه واثنا عشر اميرا وكلهم من قريش (1). 269 - ومن كتاب تفسير القرآن للسدى - وهو من قدماء المفسرين عندهم ومن ثقاتهم - قال لما كرهت ساره مكان هاجر اوحى الله تعالى الى ابراهيم الخليل (ع) فقال انطلق باسماعيل وامه حتى تنزله ببيت التهامى - يعنى مكه - فانى ناشر ذريته وجاعلهم ثقلا على كفر بى وجاعل منهم نبيا عظيما ومظهره على الاديان وجاعل من ذريته اثنى عشر عظيما وجاعل ذريته عدد نجوم السماء (2). (قال عبد المحمود) مؤلف هذا الكتاب: وقد رايت تصنيفا لابي عبد الله محمد بن عبد بن عياش اسمه " كتاب مقتضب الاثر في امامه الاثنى عشر " وهو نحو من اربعين ورقه في النسخة التي رايتها يذكر فيها احاديث عن نبيهم محمد (ص) بامامه الاثنى عشر من قريش باسمائهم. في تنصيص الرسول على اسماء الائمه الاثنى عشر 270 - ومن ذلك ما رواه المسمى عندهم صدر الائمة اخطب خطباء خوارزم موفق بن احمد المكي في كتابه قال حدثنا فخر القضاة نجم الدين أبو منصور محمد بن الحسين البغدادي فيما كتب الي من همدان قال انبانا امام الائمة محمد بن احمد بن شاذان قال حدثنا احمد بن احمد بن محمد بن عبد الله


1 - راجع احقاق الحق: 13 / 48. 2 - رواه القاضي التستري عن تفسير السدي في احقاق الحق: 7 / 478، والبحار 36 / 214، والعمدة: 218 - 219.

[ 173 ]

الحافظ، قال حدثنا على بن شاذان الموصلي عن أحمد بن محمد بن صالح عن سليمان بن محمد عن زياد بن مسلم عن عبد الرحمن عن زيد بن جابر عن سلامه عن أبي سليمان راعى رسول الله (ص) قال سمعت رسول الله يقول ليله اسرى بى الى السماء قال لي الجليل جل جلاله " آمن الرسول بما انزل إليه من ربه " فقلت: " والمؤمنون " قال صدقت يا محمد من خلفت لامتك ؟ قلت خيرها. قال على بن أبي طالب ؟ قلت نعم يا رب قال يا محمد انى اطلعت الى الأرض اطلاعه فاخترتك منها فشققت لك اسما من اسمائي فلا اذكر في موضع إلا ذكرت معى فانا المحمود وأنت محمد ثم اطلعت الثانيه فاخترت منها عليا وشققت اسما من اسمائي فانا الاعلى وهو على يا محمد انى خلقتك وخلقت عليا وفاطمة والحسن والائمه من ولد الحسين من شبح نور من نوري وعرضت ولايتكم على أهل السماوات والأرض فمن قبلها كان عندي من المؤمنين ومن جحدها كان عندي من الكافرين، يا محمد لو ان عبدا من عبادي عبدنى حتى ينقطع يصير كالشن البالى ثم اتانى جاحدا لولايتكم ما غفرت له حتى يقر بولايتكم يا محمد تحب ان تراهم ؟ قلت: نعم يا رب فقال التفت عن يمين العرش فالتفت فإذا انا بعلى وفاطمة والحسن والحسين وعلى بن الحسين ومحمد بن على وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلى بن موسى ومحمد بن على وعلي بن محمد والحسن بن على والمهدى في ضحضاح من نور قيام يصلون والمهدى في وسطهم كانه كوكب درى بينهم وقال يا محمد هؤلاء الحجج وهذا الثائر من عترتك يا محمد وعزتي وجلالى انه الحجه الواجبة لاوليائي والمنتقم من اعدائي (1). 271 - ومن ذلك ما رواه اخطب خوارزم موفق بن أحمد المكى في كتابه


(1) ينابيع المودة عن الخوارزمي: 3 / 160، ط بيروت، والبحار: 36 / 262.

[ 174 ]

باسناده عن الامام محمد بن أحمد بن شاذان قال حدثنا محمد بن على بن الفضل عن محمد بن قاسم عن عباد بن يعقوب عن موسى بن عثمان عن الاعمش قال حدثني أبو اسحاق بن الحارث وسعيد بن بشير عن على بن أبي طالب (ع) قال قال رسول (ص): انا واردكم على الحوض وأنت يا علي الساقى والحسن الرائد والحسين الامر وعلى بن الحسين الفارط ومحمد بن على الناشر وجعفر بن محمد السائق وموسى ابن جعفر محصى المحبين والمبغضين وقامع المنافقين وعلى بن موسى مزين المؤمنين ومحمد بن على منزل أهل الجنة درجاتهم وعلي بن محمد خطيب شيعته ومزوجهم الحور العين والحسن بن على سراج أهل الجنة يستضيئون به والمهدى شفيعهم يوم القيامة حيث لا ياذن الله إلا لمن يشاء ويرضى (1). 272 - ومن ذلك ما رواه الخطيب الخوارزمي في كتابه باسناده عن ابن شاذان قال حدثني أبو محمد الحسن بن على العلوى الطبري عن أحمد بن عبد الله حدثني جدى أحمد بن محمد عن أبيه عن حماد بن عيسى عن عمرو بن اذينه قال حدثني ابان بن أبي عياش عن سليم بن قيس الهلالي عن سلمان المحمدى قال دخلت على النبي (ص) وإذا الحسين على فخذه وهو يقبل عينيه ويلثم فاه ويقول: أنت سيد ابن السيد أبو السادات أنت امام ابن الامام أبو الائمه أنت حجه بن الحجه أبو الحجج تسعه من صلبك تاسعهم قائمهم (2). (قال عبد المحمود): فهذا تصريح عظيم بموافقة الشيعه في تعداد ائمتهم


(1) الخوارزمي في مقتل الحسين: 94، والبحار: 36 / 270. (2) الخوارزمي في مقتله: 145، والبحار: 36 / 241.

[ 175 ]

وتسميتهم وشهاده بتعيين النص عليهم من الله ورسوله فكيف حسنت المكابرة للشيعه والعداوه لهم واول راضى سنه من يشيعها. (قال عبد المحمود): ورايت ايضا كتابا تصنيف رجال الاربعة المذاهب ورواتهم اسم التصنيف المذكور " تاريخ أهل البيت من آل رسول الله " روايه نصر بن الجهضمى يتضمن تسميه الاثنى عشر من آل محمد المشار إليهم. (قال عبد المحمود): ورايت كتابا آخر من تصنيف رجال الاربعة المذاهب ورواتهم ترجمه الكتاب المذكور تاريخ مواليد ووفاه أهل البيت واين دفنوا روايه ابن الخشاب الحنبلى النحوي يتضمن تسميه الاثنى عشر المشار إليهم والتنبيه عليهم. (قال عبد المحمود): ورايت في كتبهم وتصانيفهم وروايتهم غير ذلك مما يطول تعداده يتضمن الشهادة للفرقه الشيعه بتعيين ائمتهم الاثنى عشر واسمائهم (ع) بشاره الرسول (ص) بالمهدي عليه السلام (قال عبد المحمود): قال لي الشيعي: واعلم اننا روينا نحن واكثر أهل الاسلام ايضا ان نبينا محمدا (ص) قال لا بد من مهدى من ولد فاطمه ابنته (ع) يظهر فيملا الأرض عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا وقد روى ايضا جماعه من رجال الاربعة المذاهب في كتبهم واجمع عليه أهل الاسلام. 273 - فمن رواياتهم في ذلك ما رواه في الجمع بين الصحاح السته باسنادهم الى أم سلمه قالت سمعت رسول الله (ص) يقول المهدى من عترتي من ولد

[ 176 ]

فاطمه (ع) (1). وروى هذا الحديث بالفاظه ابن شيرويه الديلمى في كتاب الفردوس في باب الالف واللام ورواه أبو محمد حسين بن مسعود الفراء في كتاب المصابيح في باب اخبار المهدى (2). 274 - ومن ذلك من صحيح أبي داود باسناده قال قال رسول الله (ص): لو لم يبق من الدهر إلا يوم واحد لبعث الله رجلا أهل بيتى يملا الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا (3). 275 - ومن ذلك ما ذكره الثعلبي في تفسير قوله تعالى قل لا اسالكم عليه اجرا إلا الموده في القربى باسناده الى انس عن النبي (ص) انه قال نحن ولد عبد المطلب ساده أهل الجنة وذكر نفسه الشريفه وخمسه سماهم من أهل بيته ثم قال والمهدى (ع) (4). 276 - ومن ذلك ما ذكره الثعلبي ايضا في تفسيره حمعسق باسناده قال: السين سناء المهدى عليه السلام والقاف قوه عيسى (ع) حين ينزل فيقتل النصارى ويخرب البيع (5). 277 - ومن ذلك ما تقدم من روايه الثعلبي في تفسيره في قصه اصحاب الكهف ورواه عن النبي (ص) ان المهدى (ع) يسلم عليهم فيحييهم الله


(1) رواه أبو داود السجستاني في سننه: 4 / 151، والبحار: 51 / 102. (2 و 3) راجع البحار: 36 / 370 و 51 / 105 ورواه البخاري في تاريخه: 4 / 406 أبو داود السجستاني في سننه: 4 / 151، والعمدة: 224، وراجع الفصول المهمة: 294 فانه روى الحديثين عنهم. 4) البحار عن الثعلبي: 51 / 103، وابن بطريق في المستدرك على ما في البحار: 36 / 369، وابن المغازلي في المناقب: 48. 5) البحار عنه: 51 / 105.

[ 177 ]

عزوجل ثم يرجعون الى رقدتهم فلا يقومون الى يوم القيامة (1). 278 - ومن ذلك ما رواه ايضا في الجمع بين الصحاح السته عن أبي سعيد الخدرى قال قال رسول الله (ص): المهدى منى اجلى الجبهه اقنى الانف يملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا ويملك سبع سنين وفي روايه عن هشام تسع سنين وفي روايه الفراء في كتاب المصابيح مثل الحديث بهذه الالفاظ إلا انه قال يملك تسع (2). 279 - ومن ذلك ما رواه في الجمع بين الصحاح السته عن أبي اسحاق قال على (ع) ونظر الى ابنه الحسين وقال ان ابني هذا سيد كما سماه رسول الله (ص) وسيخرج من صلبه رجل باسم نبيكم يشبهه في الخلق ولا يشبهه في الخلق يملا عدلا (3). ومن ذلك ما رواه الفقيه ابن المغازلى في كتاب المناقب من عده طرق باسانيدها الى النبي (ص) يتضمن البشاره بالمهدي (ع) وذكر فضائله ودولته (4). 280 - ومن ذلك ما ذكره أبو محمد ابن مسعود الفراء في كتاب المصابيح في حديث يرفعه الى النبي (ص) انه ذكر بلاء يصيب هذه الامه حتى لا يجد الرجل ملجا يلجا إليه من الظلم فيبعث الله رجلا من عترتي أهل بيتى فيملا الأرض قسطا وعدلا بعد ما ملئت ظلما وجورا يرضى عنه ملائكه السماء والارض


(1) تقدم في حديث البساط والتسليم على أصحاب الكهف تحت الرقم: 111. (2) احقاق الحق عنه: 13 / 133 و 140، وابن داود في سننه، 4 / 152، والعمدة: 225. (3) العمدة عنه: 225، والبحار: 51 / 116. 4) غير موجود هذا الباب في المناقب المطبوع، ولعل نسخة السيد كانت أتم من هذا المطبوع.

[ 178 ]

لا يدع السماء من قطرها شيئا إلا صبه مدرارا ولا يدع الارض من نباتها شيئا إلا اخرجته حتى يتمنى الاحياء الاموات يعيش في ذلك سبع سنين أو تسع سنين (1). 281 - ومن ذلك في كتاب المصابيح المقدم ذكره في قصه المهدى عليه السلام يرفعه الى النبي (ص) انه قال فيجئ الرجل فيقول يا مهدى اعطني اعطني فيحثى له في ثوبه ما استطاع ان يحمله (2). 282 - ومن ذلك في كتاب الفردوس لابن شيرويه الديلمى باسناده الى ابن عباس رضى الله عنه عن النبي (ص) قال المهدى طاووس اهل الجنة (3). 283 - ومن ذلك في الكتاب المذكور باسناده الى حذيفه بن اليمان عن النبي (ص) انه قال: المهدى من ولدى وجهه كالقمر الدرى واللون منه لون العربي والجسم جسم اسرائيلي يملا الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا يرضى بخلافته أهل السماوات والارض في الجو ويملك عشرين سنه (4). 284 - ومن ذلك في الكتاب المشار إليه باسناده ايضا الى النبي (ص) انه قال المهدى منا أهل البيت يصلحه الله عز وجل في ليله (5). (قال عبد المحمود بن داود): ان هذه الاحاديث بعض ما اورده رجال الاربعة المذاهب وعلماء الاسلام.


(1) البحار: 51 / 104، وينابيع المودة: 431، وابن حجر في الصواعق: 97. (2) البحار: 51 / 104، وروى نحوه ابن صباغ في الفصول المهمة: 297، والصواعق: 99. (3) فصول المهمة عنه: 293، والبحار: 51 / 105، وينابيع المودة: 181. (4) فصول المهمة عنه: 294، وذخائر العقبى: 136، وينابيع المودة: 188. (3) أحمد بن حنبل في مسنده: 1 / 84، وينابيع المودة: 188.

[ 179 ]

وقد جمع الحافظ أبو نعيم كتابا في ذلك نحو ست وعشرين ورقه من اربعين حديثا وسماه كتاب ذكر المهدى ونعوته وحقيقه مخرجه وهذا من اعيان علماء الاربعة المذاهب وقد كان بعض العلماء من الشيعه قد صنف كتابا ووجدته ووقفت عليه وفيه احاديث احسن مما اوردناه وسماه كتاب كشف المخفي في مناقب المهدى (1) وروى فيه مائه وعشره احاديث من طرق رجال الاربعة المذاهب فتركت نقلها باسانيدها والفاظها كراهيه التطويل ولئلا يمل ناظرها ولأن بعض ما اوردنا يغنى عن زياده التفصيل لاهل الانصاف والعقل الجميل وساذكر اسماء من روى المائه وعشره احاديث التي في كتاب المخفي عن اخبار المهدى (ع) لتعلم مواضعها على التحقيق وتزداد هدايه أهل التوفيق فمنها من صحيح البخاري ثلاثه احاديث ومنها من صحيح مسلم أحد عشر حديثا ومنها من الجمع بين الصحيحين للحميدي حديثان ومنها من الجمع بين الصحاح السته لرزين بن معاويه العبدرى أحد عشر حديثا ومنها من كتاب فضائل الصحابة مما اخرجه الشيخ الحافظ عبد العزيز العكبرى من مسند أحمد بن حنبل سبعه احاديث ومنها من تفسير الثعلبي خمسه احاديث ومنها من غريب الحديث لابن قتيبه الدينورى سته احاديث ومنها من كتاب الفردوس لابن شيرويه الديلمى اربعه احاديث ومن كتاب مسند سيده نساء العالمين فاطمه الزهراء عليها السلام تأليف الحافظ أبي الحسن على الدارقطني سته احاديث ومنها من كتاب الحافظ ايضا من مسند أمير المؤمنين على بن أبي طالب (ع) ثلاثه احاديث ومن كتاب المبتدا للكسائي حديثان يشتملان ايضا على ذكر المهدي عليه السلام


(1) وهو للشيخ يحيى بن الحسن بن بطريق صاحب العمدة والمستدرك وقد مضى ترجمته في أوائل الكتاب.

[ 180 ]

وذكر خروج السفياني والدجال ومنها من كتاب المصابيح لابي الحسين بن مسعود الفراء خمسه احاديث ومنها من كتاب الملاحم لابي الحسن أحمد بن جعفر بن محمد بن عبيد الله المنارى اربعه وثلاثون حديثا ومنها من كتاب الحافظ محمد بن عبد الله الحضرمي المعروف بابن مطيق ثلاثه احاديث ومنها من كتاب الرعايه لامل الرواية لابي الفتح محمد بن اسماعيل بن إبراهيم الفرغانى ثلاثه احاديث ومنها خبر سطيح روايه الحميدى ايضا ومنها من كتاب الاستيعاب لابي عمر يوسف بن عبد البر النمري حديثان (1). (قال عبد المحمود): ووقفت على الجزء الثاني من كتاب السنن روايه محمد بن يزيد ماجه قد كتب في زمان مؤلفه تاريخ كتابته وبعض الاجازات عليه ما هذا لفظها: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فقد اجزت ما في هذا الكتاب من اوله الى آخره وهو آخر كتاب السنن لابي عمرو محمد بن سلمه وجعفر والحسن ابني محمد بن سلمه حفظهم الله وهو سماعي من محمد بن يزيد ماجه نفعنا الله واياكم به وكتب إبراهيم بن دينار بخطه وذلك في شهر شعبان سنه ثلاثمائة وقد عارضت به وصلى على محمد وسلم كثيرا. وقد تضمن هذا الجزء المذكور الموصوف كثيرا من الملاحم فمنها باب خروج المهدى وروى في هذا الباب من هذه النسخة سبعه احاديث باسانيدها في خروج المهدى وانه من ولد فاطمه (ع) وانه يملا الارض عدلا كما ملئت جورا وذكر كشف الحاله وفضلها يرفعها الى النبي (ص) و (قال عبد المحمود): ووقفت ايضا على كتاب المقتص على محدثي الاعوام لنبا ملاحم غابر الايام تلخيص أبي الحسين أحمد بن جعفر بن محمد


(1) ومن أراد الوقوف على أحاديث هؤلاء القوم فعليه بكتاب احقاق الحق: 13.

[ 181 ]

المنارى قد كتب في زمان مؤلفه في آخر النسخة التي وقفت عليها ما هذا لفظه فكان الفراغ من تأليفه سنه ثلاثمائة وثلاثين وعلى الكتاب اجازات وتجويزات تاريخ بعض اجازاته في ذى قعده سنه ثمانين واربعمائة من جمله هذا الكتاب ما هذا لفظه: سيأتي بعض المأثور في المهدى (ع) وسيرته ثم روى ثمانيه عشر حديثا باسانيدها الى النبي (ص) بتحقيق خروج المهدى (ع) وظهوره وانه من ولد فاطمه (ع) وانه يملا الأرض عدلا وذكر كماله وسيرته وجلاله وولايته. (قال عبد المحمود): وقد وقفت على كتاب قد الفه ورواه وحرره أبو نعيم الحافظ واسمه أحمد بن أبي عبد الله بن أحمد وهذا المؤلف من اعيان رجال الاربعة المذاهب وله تصانيف وروايات كثيره وقد سما أبو نعيم الكتاب المشار إليه كتاب ذكر المهدى ونعوته وحقيقه مخرجه وثبوته ثم ذكر في صدر الكتاب تسعه واربعين حديثا اسندها الى النبي (ص) يتضمن البشاره بالمهدي (ع) وانه من ولد فاطمه (ع) وانه يملا الأرض عدلا وانه لابد من ظهوره ثم ذكر بعد ذلك حديثا معنى بعد معنى وروى في كل معنى احاديث باسانيدها الى النبي (ص). فقال أبو نعيم بعد روايه التسعه والاربعين حديثا مشارا إليها في حقيقه ذكر المهدى ونعوته وخروجه وثبوته ما هذا لفظه: وبخروجه يرفع عن الناس تظاهر الفتن وتلاطم المحن ويمحق الهرج وروى في صحه هذا المعنى عن النبي (ص) اثنين واربعين حديثا باسانيدها ثم قال أبو نعيم ايضا ما هذا لفظه: اعلام النبي (ص) ان المهدى سيد من سادات أهل الجنة وروى عن النبي في صحه هذا المعنى ثلاثه احاديث ثم ذكر أبو نعيم ايضا ما هذا لفظه: ذكر جيشه وصورته وطول مدته وايامه وروى

[ 182 ]

في صحه هذا المعنى عن النبي (ص) أحد عشر حديثا ثم ذكر ما هذا لفظه: بالعدل وفى وبالمال سخى يحثوه حثوا ولا يعده عدا وروى في صحه هذا المعنى عن النبي (ص) باسناده تسعه احاديث. ثم ذكر أبو نعيم ايضا ما هذا لفظه: ذكر البيان عن الروايات الداله على خروج المهدى وظهوره ثم روى عن النبي (ص) في صحه هذا المعنى اربعة احاديث ثم ذكر ما هذا لفظه: ذكر البيان في ان توطئه أمر المهدى وخلافته وجيشه من قبل المشرق فروى في هذا المعنى وصحته عن النبي (ص) حديثين ثم ذكر أبو نعيم الحافظ ايضا ما هذا لفظه: ذكر بيان القرية التي يكون منها خروج المهدى وروى في صحه ذلك حديثين يرفعهما الى النبي (ص). ثم ذكر أبو نعيم ايضا ما هذا لفظه: ذكر بيان ان من تكرمة الله لهذه الامه ان عيسى بن مريم يصلى خلف المهدى ثم روى في صحه هذا المعنى ثمانية احاديث عن النبي (ص). ثم ذكر أبو نعيم ايضا ما هذا لفظه ذكر ما ينزل الله عز وجل من الخسف والنكال على الجيش الذين يرمون الحرم تكرمه للمهدى ثم روى في صحه هذا المعنى خمسه احاديث عن النبي (ص) باسانيدها. ثم ذكر أبو نعيم الحافظ ما هذا لفظه: ذكر المهدى انه من ولد الحسين وذكر كنيته وموته حين يبعث وروى أبو نعيم في صحه هذا المعنى تسعه احاديث عن النبي (ص) باسانيدها. ثم ذكر أبو نعيم ايضا ما هذا لفظه: ذكر فتح المهدى المدينة الرومية ورد ما سبا ملكها من بني اسرائيل الى بيت المقدس وروى في صحه هذا المعنى عن النبي (ص) خمسه احاديث باسانيدها

[ 183 ]

ثم ذكر أبو نعيم الحافظ ما هذا لفظه ما يكون في زمان المهدى من الخصب والامن والعدل وفي صحه هذا المعنى عن النبي (ص) باسناده سبعه احاديث. فجمله الاحاديث المذكورة في كتاب ذكر المهدى عليه السلام ونعوته وحقيقه مخرجه وثبوته المختصة بهذا المعنى المقدم ذكرها مائه وسته وخمسون حديثا وأما طرق هذه الاحاديث فهى كثيره تركت ذكرها في هذا الكتاب كراهيه الاكثار والاطناب. (قال عبد المحمود): قال الشيعي وأما الذي ورد من طريق الشيعه وأهل البيت (ع) في ذلك مجملا ومفصلا لا يسعه إلا مجلدات وقد تضمن كتاب اكمال الدين واتمام النعمة تأليف أبي جعفر محمد بن بابويه القمى " ره " طرفا جيدا من الروايات فمن اراد سلامه نفسه من الهلاك فلينظر ايضا ما هناك. قال ونقل الينا سلفنا نقلا متواترا ان المهدى (ع) المشار إليه ولد ولاده مستوره لأن حديث تملكه ودولته وظهوره على كافه الممالك والعباد والبلاد كان قد ظهر للناس فخيف عليه كما جرت الحال في ولاده إبراهيم وموسى عليهما السلام وغيرهما ممن اقتضت المصلحة ستر ولادته وان الشيعه عرفت ذلك لاختصاصها بابائه (ع) وتلزمها بمحمد نبيهم وعترته فإن كل من تلزم بقوم كان اعرف باحوالهم واسرارهم من الاجانب كما ان اصحاب الشافعي اعرف اصحاب غيره من رؤساء الاربعة المذاهب. قال الشيعي: وقد كان المهدى (ع) ظهر لجماعه كثيره من اصحاب والده العسكري ونقلوا عنه اخبارا واحكاما شرعيه واسبابا مرضيه وكان له وكلاء ظاهرون في غيبته معروفون باسمائهم وانسابهم واوطانهم يخبرون عنه بالمعجزات والكرامات وجواب امور المشكلات بكثير مما ينقله عن آبائه

[ 184 ]

عن رسول الله (ص) عن الله تعالى من الغائبات منهم عثمان بن سعيد العمرى المدفون بقطقطان من الجانب الغربي ببغداد ومنهم ولده أبو جعفر بن عثمان بن سعيد العمرى ومنهم أبو القاسم الحسين بن روح النوبختى ومنهم على بن محمد السمرى رضوان عليهم. وقد ذكر نصر بن على الجهضمى في تاريخ اهل البيت وقد تقدم ذكره قبل هذا الموضع بروايه رجال الاربعة المذاهب حال هؤلاء الوكلاء واسمائهم وانهم كانوا وكلاء المهدى عليه السلام وامرهم اشهر من ان يحتاج الى الاطاله في هذا الكتاب وكان هؤلاء الوكلاء من اعيان الصالحين وخيار المسلمين وكان كلما قرب وفاه أحد منهم عين المهدى عليه السلام على من يقوم مقامه بايات وكرامات شاهده بتصديق ذلك ورواياتهم منقوله وانسابهم وسيرتهم وقبورهم معلومه ولو خالط هؤلاء الاربعة المذاهب علماء الشيعه واطلعوا على كتبهم ورواياتهم في المعنى علموا صحه ما قلنا ضروره وتواترا. ولما بلغ الامر الى على بن محمد السمرى ذكر ان المهدى (ع) قد عرفه ان ينتقل الى الله وكشف له عن يوم وفاته وانه قد تقدم إليه ان لا يوكل احدا غيره وان قد جاءت الغيبة التامه التي يمتحن فيها المؤمنون وهذه سنه من الله تعالى قد كان امثالها في عباده وبلاده يشهد بها التواريخ واخبار الانبياء وقال سبحانه في كتابه الم احسب الناس ان يتركوا ان يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين فتوفى على محمد السمرى رضى الله عنه في الوقت الذي اشار إليه. ولقد لقى المهدى (ع) خلق كثير بعد ذلك من شيعته وغيرهم وظهر لهم على يده من الدلائل ما ثبت عندهم وعند من اخبروه انه هو عليه وعلى

[ 185 ]

آبائه السلام ونقلوا عنه اخبارا متظاهره واذ كان (ع) غير ظاهر الان لجميع شيعته فلا يمتنع ان يكون جماعه منهم يلقونه وينتفعون بمقاله وفعاله ويكتمونه كما جرى الامر في جماعه من الانبياء والاوصياء والملوك حيث غابوا عن كثير من الامه لمصالح دينيه أو دنيويه اوجبت ذلك. وأما من يشك في هذا من مخالفينا ويقولون انه ما ولد فلو خالطونا وسمعوا اخبارنا الصحيحه عن الثقات تحققوا ما نقلناه. وأما استبعاد من استبعد منهم ذلك لطول عمره الشريف فما يمنع من ذلك إلا جاهل بالله وبقدرته وباخبار نبينا وعترته أو عارف ويعاند بالجحود كما حكى الله تعالى عن قوم فقال: " وجحدوا بها واستيقنتها انفسهم ظلما وعلوا " (1). فكيف يستبعد بطول الاعمار وقد تواتر كثير من الاخبار بطول عمر جماعه من الانبياء وغيرهم من المعمرين وهذا الخضر (ع) باق على طول السنين وهو عبد صالح من بني آدم ليس بنبى ولا حافظ شريعه ولا بلطف في بقاء التكليف فكيف يستبعد طول حياه المهدى عليه السلام وهو حافظ شريعه جده محمد (ص) ولطف في بقاء التكليف وحجه في أحد الثقلين اللذين قال النبي (ص) فيهما: انهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض والمنفعة ببقائه في حال ظهوره وخفائه اعظم من المنفعة بالخضر. وكيف يستبعد طول عمره الشريف من يصدق بالقرآن وقد تضمن قصه اصحاب الكهف اعجب من هذا لانه مضى لهم على ما تضمنه القرآن ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا وهم احياء كالنيام يقلبهم الله ذات اليمين وذات الشمال لئلا تبلى جنوبهم بالارض فهؤلاء محتاجون الطعام والشراب قد بقوا هذه المده بنص القرآن بغير طعام ولا شراب مما ياكل الناس وبمقتضى ما تقدم من الخبر


(1) النمل: 14.

[ 186 ]

السالف عن ذكر قصه أصحاب الكهف الى زمن محمد نبيهم (ص) حيث بعث الصحابة على البساط ليسلموا عليهم، ويبقون كما رواه الثعلبي فيما سلف عنه الى زمن المهدي (ع) على الصفة التي تضمنها القرآن والحياة بغير طعام ولا شراب، فايما أعجب هؤلاء أو بقاء المهدى (ع) وهو ياكل ويشرب وله مواد يصح معها استمرار البقاء ؟ فكيف استبعدت حياته نفوس السفهاء وعقول الجهلاء. (قال عبد المحمود): رايت تصنيفا لابي حاتم سهل بن محمد السجستاني من أعيان الاربعة المذاهب سماه " كتاب المعمرين " وذكرهم بأسمائهم. وبعد هذا فليس على أحد من الملوك والخلفاء وغيرهم من الاتباع والاقوياء والضعفاء ضررا في اعتقادنا، هذا لان المسلمين كافة متفقون على البشارة بالمهدي (ع)، وانما خالفونا في وقت ولادته وتعيين أبيه، ولاننا نعتقد أن المهدي (ع) أذا أراد الله ظهوره نادى مناد من السماء باسمه ووجوب طاعته، وحدث من الايات ما يدل على فرض متابعته. فممن روى أن الملك المنادي من السماء ينادي باسم المهدى عليه السلام أحمد بن المناوى في كتاب الملاحم، وأبو نعيم الحافظ في كتاب أخبار المهدى، وابن شيرويه الديلمى في كتاب الفردوس، وأبو العلاء الحافظ في كتاب الفتن، وابن التميمي في كتاب الفتن أيضا، وهؤلاء كلهم من أعيان رجال الاربعة المذاهب. وأما روايه الشيعة بالملك الذي ينادي فهى كثيرة يضيق الكتاب عن ذكر مواضعها وعن تسمية رواتها، وهذه معجزات إذا وقعت كما قلنا فما يمكن دفعها وربما لا يخالف أحد في العمل بها ممن يكون عارفا بها وموافقا لها. ولقد قيل عنا كلام لبعض الخلفاء من بني هاشم يحملونه على أذيتنا، فقال: والله ما علينا من هؤلاء الشيعة ضرر، لأن مذهبهم يقتضي تعظيم بنى هاشم كافة

[ 187 ]

لما يرونه ويعملون به من وصايا النبي " ص " لهم، ولان الامام الذي يشيرون إليه الان هو المهدي لا يخالف أحد من المسلمين في البشارة به وفي امامته وظهوره ودولته، وانما الخلاف في وقت ولادته، ولا يجيزون القدح في دولته وولايته فاتفق كافة أهل الاسلام على البشارة بامامته، ولا سل سيف قبل ظهوره لان هؤلاء الشيعة يذكرون انه ينادي مناد باسمه من السماء وانه من ولد علي وفاطمة عليهما السلام كما روى كافة المسلمين، وإذا كان فما يمكن جحوده وهو ابن عمنا والدولة أيضا يكون لنا ونحن أحق بنصره، وما يرى الشيعة في هذا الاعتقاد الا على حكم الوفاء لنا، وأنما أعداؤنا الذين يذكرون ويعتقدون انه يجوز اختيار الائمة والخلفاء في كل وقت ومن أي القبائل كان كما فعلوا أولا في ابعادنا خلافتنا وميراث نبينا " ص "، فهؤلاء الذين يعتقدون ذلك هم اعداؤنا وأعداء ربنا ونبينا وأعداء ولينا ولا نؤمن ضررهم ولا يجوز رفع شأنهم. قال الشيعي: وسمعت أن جماعة من الاربعة المذاهب ينكرون علينا ترك المخالطة لهم والاقتداء بهم، وما فعلنا ظلما ولا تعديا ولا عنادا، وانما قد عرفنا بعض ما أنعم الله به علينا من الهداية التي أمر الله ورسوله " ص " بالتمسك بهم، فنحن بذلك متمسكون وبهم مقتدون، وراينا ان هؤلاء الاربعة المذاهب قد فارقوا رضى الله ورضى رسوله " ص " وعترته الذين أوصاهم بالتمسك بهم، وابتدعوا لانفسهم عقائد وسننا وأمورا ما كانت في زمان نبينا، وكان ذلك سبب فراقنا لهم، وكان الذنب منهم والعتب عليهم، ولو عادوا الى معرفة حق الله وحق رسوله وعترته عليه وعليهم السلام كنا معهم كما أمرنا الله ورسوله " ص ". وسمعت عنهم أنهم يقولون ما يحضرون معنا في الجماعات والجمعات في الصلوات، وإذا نظر منصف عقائدهم ومذاهبهم وما يقولون عن الله تعالى وعن رسوله " ص " وعن عترته عليهم السلام وما يعتقدون في حقهم ويعتقدونه

[ 188 ]

في الانبياء، ويروونه في تقبيح ذكر صحابه نبيهم ويشهدون به عليهم في كتبهم الصحاح عندهم عرف عند ذلك صحة عذرنا في التأخر عنهم وترك المخالطة لهم والاقتداء بهم. وما يخفى أن الانسان لو أراد يودع شيئا من ماله عند انسان فانه كان يسال عن دينه وورعه وأمانته ولا يودعه الا لمن يثق إليه ويعتمد إليه، والمال حقير والضرر بضياعه يسير، فكيف نقتدي نحن في صلواتنا التى هي من اعظم أركان الاسلام ونودع القراءة وأسرارها لقوم قد تحققنا أنهم على ما حكيناه عنهم، وقد قال جل جلاله " ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار " وقال تعالى في معرض المدح " وما كنت متخذ المضلين عضدا "، ولو لا ذلك كنا قد زاحمناهم في الصف الاول، لاننا نروى عن عترة نبينا " ص " في فضل صلاة الجماعة ووجوب صلاة الجمعه ما لعلهم لا يعرفونه ولا يروونه. ومن طرائف مارووا عن ائمتهم في ترك صلاة الجماعة وترك الجمعة بالكلية ما سيأتي ذكره، فهلا كان للشيعة من الاعذار ما اعتذروا به لائمتهم. فمن ذلك ما رواه القاضي أبو العباس أحمد بن محمد الجرجاني في كتاب مختصر المعارف ونقلت روايته لذلك من نسخة عتيقة صحيحة تاريخ كتابتها في جمادى الاولى سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة، قال في أواخرها عند ذكر آخر التابعين ما هذا لفظه: مالك بن أنس بن ابى عامر من حمير وعداده من بنى تيم بن مرة من قريش، قال الواقدي: كان مالك ياتي المسجد ويشهد صلاة الجمعة والجنائز ويعود المرضى ويقضى الحقوق ويجلس في المسجد ويجتمع إليه أصحابه، ثم ترك الجلوس في المسجد وكان يصلي ثم ينصرف الى منزله، ثم ترك ذلك كله فلم يكن يصلي الصلاة في المسجد ولا الجمعة ولا ياتي أحدا يعزيه ولا يقضى له حقا، واحتمل له ذلك حتى مات عليه، وكان ربما كلم في

[ 189 ]

ذلك فيقول: ليس كل أحد يقدر أن يتكلم بعذره (1) وروى حديث مالك بن أنس وعزلته من الجماعة والجمعة وغيرها بهذه الالفاظ والمعاني أيضا الغزالي في كتاب الاحياء في كتاب العزلة في الباب الاول منه. ومن ذلك ما رواه الغزالي في الكتاب المذكور أيضا من الباب المشار إليه: ان سعد بن أبى وقاص وسعيد بن زيد لزما بيوتهما بالعقيق ولم يكونا ياتيان المدينة لجمعة وغيرها حتى ماتا بالعقيق، هذا صورة لفظه (2). فهلا كان للشيعة أسوة بمالك امام المالكية من الاربعة المذاهب، وهلا كان للشيعة عذرا إذا اقتدوا بمثل سعد وسعيد وهما من الصحابة المعظمين عند الاربعة المذاهب. ومن ذلك ما رواه الغزالي في كتاب الاحياء أيضا في كتاب الحلال والحرام في المجلد الاول من العبادات أن احمد بن حنبل قيل له: ما حجتك في ترك الخروج الى الصلاة ونحن بالعسكر ؟ فقال حجتي الحسن البصري وابراهيم التيمي. هذا لفظ الحديث من كتاب الغزالي (3). فهلا كان أيضا للشيعة أسوة عند الحنابلة إذا اقتدوا في ذلك بأمامهم احمد بن حنبل، بل لو لا وسع للشيعة من العذر عند الاربعة المذاهب ما وسع من تقدم ذكره من أئمتهم وصحابة نبيهم " ص " في ترك صلاة الجمعة وصلاة الجماعة. في مستطرفات وقعت من المخالفين (قال عبد المحمود) مؤلف هذا الكتاب: وقد وقفت على أشياء مستطرفة


(1) راجع ترجمة مالك في مقدمه كتاب الموطأ (2) احياء العلوم 2 / 222. (3) احياء ا لعلوم: 2 / 152.

[ 190 ]

وقعت من هؤلاء الاربعة المذاهب في حق أهل بيت نبيهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع ما تقدمت به رواياتهم من وصاياه بالتمسك بهم والمحبة والاتباع لهم. ومن طرائف ذلك أنهم رووا تقدم ذكره عن نبيهم " ص " أنه مخلف فيهم الثقلين كتاب الله وعترته ما ان تمسكوا بهما لن يضلوا، وانهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض، وان أهل بيته مثل سفينة نوح من ركب فيها نجا ومن تخلف عنها هلك، وغير ذلك مما تقدم ذكر بعضه، فاعرض الاربعة المذاهب عن ذلك جميعه حتى فارقوا العترة المذكورة وصاروا يتعلقون في المعنى باذيال مالك وأبى حنيفة والشافعي واحمد بن حنبل مع شدة اختلاف هؤلاء الاربعة المذاهب في الامور العقلية والنقلية، ومع اتفاق علماء العترة المحمدية " ص " في المعقول والمنقول، ومع ما يشهد به لسان الحال على هؤلاء الاربعة أنهم وجدوا شريعة نبيهم غير كاملة في حياته، ويجحدون معنى ما تضمنه كتابهم " اليوم اكملت لكم دينكم " ويزعمون أنهم تمموها بالقياس والاستحسان بآرائهم بعد وفاته، ومع ان علماء العترة قد تضمنت كتبهم النصوص والاخبار المروية عن جدهم محمد " ص " في جميع شريعته، فيتركون العترة مع ذلك كله ويلتزمون بمن لم يثبت له قدم ولا يقوم لهم به حجة عند الله تعالى ولا عند رسوله. ومن طرائف ما رأيت من التعصب على بيت نبيهم وشيعتهم أن جماعة من مخالفيهم قبلوا رواية من روى الطعن في الله تعالى وفى رسوله وفى أنبيائه وفى الصحابة كما تقدم ذكره، وتركوا قبول اخبار زهاد شيعتهم الذين لم يجر لهم ما جرى للرواة الذين قبلوا أخبارهم. ومما يدل على ذلك ما رواه جماعة سبب أطراحهم لاخبار أهل البيت وشيعتهم، ورواه مسلم في صحيحه في أوائل الجزء الاول باسناده الى الجراح بن

[ 191 ]

مليح قال: سمعت جابرا يقول: عندي سبعون الف حديث عن أبى جعفر عليه السلام عن النبي كلها (1). ثم ذكر مسلم في صحيحه باسناده الى محمد بن عمرو الرازي قال: سمعت جرير يقول: لقيت جابر بن يزيد الجعفي فلم اكتب عنه كان يؤمن بالرجعة (2). وكذلك روى مسلم في الجزء المذكور باسناده الى عبد الله بن المبارك انه يقول على رؤس الاشهاد: دعوا حديث عمرو بن ثابت فانه كان يسب السلف (3). (قال عبد المحمود): انظر رحمك كيف حرموا أنفسهم الانتفاع برواية سبعين ألف حديث عن نبيهم برواية أبي جعفر عليه السلام الذى هو من أعيان اهل بيته الذين امرهم بالتمسك بهم، ثم وان اكثر المسلمين أو كلهم قد رووا احياء الاموات في الدنيا وحديث احياء الله تعالى الاموات في القبور للمسالة وقد تقدمت روايتهم عن اصحاب الكهف وهذا كتابهم يتضمن " ألم تر الى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم احياهم " (4) والسبعين الذي أصابتهم الصاعقة مع موسى، وحديث العزير ومن أحياه عيسى، وحديث جريح الذى اجمع على صحته، وحديث الذين يحييهم الله تعالى في القبور للمسالة، فاي فرق بين هؤلاء الاربعة وبين ما رواه أهل البيت وشيعتهم من الرجعة، فاي ذنب كان لجابر في ذلك حتى يسقط حديثه، وهلا كان له ولعمرو بن ثابت أسوة بمن رووا عنهم ممن ظهرت العداوة منهم. ومن طرائف ذلك أنهم يعدون أولئك الاربعة الانفس من الفقهاء والعلماء، بل يجعلونهم ائمة العلماء والفقهاء، وعلماء العترة وفقهاؤها وعلماء شيعتهم


(1) مسلم في صحيحه: 1 / 20. (2) مسلم في صحيحه: 1 / 20، والذهبي في ميزان الاعتدال: 1 / 176. (3) مسلم في صحيحه: 1 / 61. (4) البقرة: 243.

[ 192 ]

وفقهاؤهم لا يجرونهم مجرى واحد من أولئك. ومن طرائف ذلك أنهم يقولون كل مجتهد مصيب، بل زادوا على ذلك فذكر الحميدى في الجمع بين الصحيحين في الحديث الثالث من مسند عمرو بن العاص انه سمع رسول الله " ص " يقول: إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم واجتهد فأخطأ فله أجر (1). ففتحوا باب اباحة الخطا والتطرق الى نقض الشريعة، ومع ذلك إذا وجدوا لبعض علماء العترة وفقهائها وفقهاء شيعتهم قولا في مسالة لا يجرونه مجرى أحد من أهل الاجتهاد، ولا يثبت من الاعتذار ما يثبت ما ادعوه لعلمائهم وفقهائهم، وهذا يدل على اختلاف عظيم ومناقضة قبيحة وسوء توفيق وعدم تحقيق. ومن طرائف مناقضاتهم أنهم يروون وجوب العمل في الشريعة باخبار الاحاد، فإذا سمعوا الاخبار التى ياتي من جهة عترة نبيهم سواء كانت آحادا أو متواترة أعرضوا عنها ونفروا منها مع ما تقدم من شهادة نبيهم ان عترته لا يفارقون كتاب الله وان المتمسك بهما لا يضل أبدا. ومن طرائف ذلك أنهم لا يجرون أخبار علماء العترة مجرى أخبار جماعة من الصحابة والرواة الذين كفر بعضهم بعضا وسفك بعضهم دم بعض واستباحوا فيما بينهم المحارم وارتكبوا العظائم كما قدمناه، فان كان ذلك الاختلاف لا يضر فهلا كان لعلماء العترة وعلماء شيعتهم أسوة في ذلك، وان كان يضر ويكون فيهم مبطل ومحق فكيف قبلوا أخبار الجميع ورووها في جملة صحاحهم وحللوا بها وحرموا، ان هذا تظاهر عظيم بعداوة أهل بيت نبيهم ومعاندة هائلة لنبيهم فيما اوصى فيه باهل بيته وتكذيب لانفسهم فيما رووه في صحاحهم وعن


(1) رواه مسلم في صحيحه: 3 / 1342.

[ 193 ]

رجالهم من الوصية بالعترة ووجوب التلزم بهم والتعظيم لهم. ومن طرائف ذلك أننى سالت جماعة من علماء الاربعة المذاهب عن سبب تركهم العمل باخبار شيعة أهل بيت نبيهم، فقالوا: لانهم يذمون جماعة من الصحابة ولاننا ما نثق بهم، فقلت لهم: اما اعتذاركم بانهم يذمون بعض الصحابة فقد فعل الصحابة ذلك وذم بعضهم بعضا فكان يجب أن يترك العمل باخبارهم كافة، وأيضا فانكم أنتم أيتها الاربعة المذاهب قد ذممتم كثيرا من أعيان الصحابة بل جماعة من الانبياء، وساذكر بعض ما ذموا به الانبياء والصحابة فكان يجب أن يتركوا أخباركم أيضا، وأما قولكم انكم ما تثقون باخبار الشيعة فان كان هذا العذر فقد عرفتكم أنه عذر غير صحيح، بل تعلل قبيح، لانكم قد رويتم عمن يجوز الوثوق به وعن قوم يقدح بعضهم عدالة بعض، وقد سالت علماء منكم وقرات كتبكم فما رايت لكم عذرا في ترك العمل باخبار شيعة أهل البيت الا ان يكون عندكم عداوة لاهل البيت أو حسد أوجب ذلك عداوتكم لشيعتهم وترككم لاخبارهم، وقد نظرت الاختلاف بينكم فرأيته ما ينقص في التكفير والتضليل عما بينكم وبين شيعة أهل بيت نبيكم فكيف صرتم أولياء فيما بينكم وأعداء لهذه الفرقة الشيعة، ان ذلك من الطرائف. ومن طرائف ما قلت لبعض علماء الاربعة المذاهب إذا كنتم تتركون العمل باخبار شيعة أهل بيت نبيكم لانكم ما تثقون بهم، فكذا يقول لكم أهل الذمة أننا ما نثق باخبار المسلمين فيما نقلوه من معجزات نبيهم وشريعته، وكل شئ تجيبون به أهل الذمة فهو جواب الشيعة لكم. ومن طرائف ما سمعت عن بعض علماء الاربعة المذاهب انه قال: لو تحققنا أن هذه الاخبار التي ترويها الشيعة عن أهل البيت صحيحة عملنا بها. فقلت: كذا يقولون لكم أهل الذمة لو وثقنا أو تحققنا أن نبيكم أتى بما تذكرون

[ 194 ]

من المعجزات والشرائع عملنا بها. ثم وإذا لم يكن شيعة عتره نبيكم وخواصهم وأتباعهم أعرف برواياتهم ومذاهبهم وعقائدهم فكيف يعرف ذلك من أهل البيت البعداء عنهم والغرباء منهم، ومعلوم ان كل فرقة فان أتباع رئيسها اعرف بمذهبه ورواياته وعقائده ممن بعد عنه ونفر منه، وأنتم تعلمون ان خواص أبى حنيفة اعرف بمذهبه ممن أعرض عنه، واصحاب الشافعي كذلك خواصه أعرف بمذهبه ممن أعرض عنه، واصحاب احمد بن حنبل كذلك وسائر المذاهب. ومن طرائف ما يقال لعلماء الاربعة المذاهب انكم وغيركم من أهل المعرفة تعلمون بالتواتر أن هذه الفرقة الشيعة كانوا يخالطون أهل بيت نبيكم ويختصون بهم، وهم على العقائد ويروون عنهم في تلك الاحوال هذه الروايات، وأهل البيت يعظمون الشيعة مع ذلك ويصفونهم بالهداية والورع والامانات، فهل يبقى شك عند عاقل ممن يعرف هذه الاحوال أن أهل بيت نبيكم كانوا موافقين لشيعتهم في العقائد وصواب الروايات والاقوال والافعال. ومن طرائف ما يقال لهم قد عرفتم أن البواطن لا طريق إليها الا من عند علام الغيوب وانما نوالي ونعادي على الظاهر من الاعتقادات والاعمال الصالحات وقد رأينا عبادات شيعة أهل بيت نبيكم " ص " واجتهادهم وورعهم وتنزههم عن الشبهات على أفضل ما يبلغ إليه أهل الديانات، فان كانوا مع ذلك متهمين فيما نقلوه أو قالوه أو كاذبين فكيف يكون حال من هو دونهم من المسلمين. ولقد عرفت من ورع جماعة من شيعة أهل البيت عليهم السلام ورواتهم ومن أماناتهم وعباداتهم ما لم اعرفه من سائر الرواة، وقرات في كتاب لا يتهم مصنفه ان صفوان بن يحيى من رجال على بن موسى الرضا عليه السلام ومحمد ابن على الجواد عليه السلام روى عنهما وعن اربعين رجلا من أصحاب الصادق

[ 195 ]

عليه السلام، وكان قد تعاهد هو وعبد الله بن جندب وعلى بن نعمان في بيت الله الحرام ان مات منهم يعمل من يبقى ما كان يعمله من مات مدة حياته، فمات صاحباه وبقى صفوان فكان كلما حج أو أدى زكاة أو عبادة أو شيئا من الخير مدة حياته يعمل عمل صاحبيه ويعمل عنهما مثل الذى يعمل لنفسه الى ان مات. وهذا ابلغ ما عرفت من أمانات أهل الروايات. وقرات أيضا ان من جملة شيعة علي بن ابى طالب عليه السلام سبعين رجلا كانت بطون أكفهم قد صارت كثفنات البعير من كثرة صلواتهم وكانوا يعرفون بالمثفنين، وقرات ان علي بن مهزيار كانت جبهته مثل ركبة البعير. وأمثال هؤلاء شئ كثير، فكيف كان يحل ترك الرواية عن هؤلاء وترك العمل بما نقلوه وباي عذر يعتذرون الى الله تعالى ورسوله " ص " إذا لقوه إذا لم يرووا حديثهم ويقبلوه. ويقال لعلماء الاربعة المذاهب: ما أعتقد ان قد أو قعكم في هذه الشبهة الا أنكم تركتم مخالطة أهل البيت ومخالطة شيعتهم، فضللتم عن معرفه أحوالهم وأفعالهم وأقوالهم، ولو خالطتم القوم وجدتم من صفات العلم والورع والامانة والصيانة ما يشهد به عندكم لسان الحال وبيان المقال أن القوم ممن يوثق بهم ويعتمد عليهم. ومن طرائف ما بلغ إليه جماعة كثيرة من المسلمين من رجال الاربعة المذاهب أنهم رووا ما قدمنا بعضه وسيأتي منه طرف آخر تعظيم أهل البيت عليهم السلام وخاصة علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام. فاما علي عليه السلام فقد عرفت ما جرى عليه من الدفع عن خلافته ومنزلته وما بلغوا إليه من القصد لاحراقه بالنار وكسر حرمته. وأما فاطمة عليها السلام فقد اشتهر ما ظهر من اذيتهم لها حتى هجرتهم الى ان ماتت وسيأتي طرف من ذلك انشاء الله تعالى.

[ 196 ]

العلة التى من أجلها صالح الحسن عليه السلام معاوية وأما الحسن عليه السلام فقد جرى عليه من خذلانه بعد قتل أبيه علي بن ابى طالب عليه السلام حتى اضطر الى صلح معاوية، ثم بعد ذلك يتفق له من يلومه على صلح معاوية، ويقال عن بعض جهالهم وسفهائهم أنه يقول: ان الحسن عليه السلام باع الخلافة. والجواب عن صلحه عليه السلام لمعاوية من وجوه: (أحدها) أنه ما أجاب هو به كما رواه عنه أبو سعيد عقيصا قال: قلت للحسن ابن على بن أبى طالب عليهما السلام: يابن رسول الله لم داهنت معاوية وصالحته وقد علمت أن الحق لك دونه وان معاوية ضال باغ ؟ فقال: يا أبا سعيد ألست حجة الله على خلقه وأماما عليهم بعد ابى عليه السلام ؟ قلت: بلى. قال: ألست الذي قال رسول الله " ص " لي ولاخي هذان ولداي امامان قاما أو قعدا ؟ قلت: بلى قال: فانا اذن امام لو قمت وأنا أمام لو قعدت، يا أبا سعيد علة مصالحتي لمعاوية علة مصالحة رسول الله " ص " لبني ضمرة وبنى اشجع ولاهل مكة حين انصرف من الحديبية أولئك كفار بالتنزيل ومعاوية وأصحابه كفار بالتأويل، يا أبا سعيد إذا كنت أماما من قبل الله تعالى لم يجز أن يسفه رايى فيما أتيته من مهادنة أو محاربة وان كان وجه الحكمة فيما أتيته ملتبسا، ألا ترى الخضر عليه السلام لما خرق السفينة وقتل الغلام وأقام الجدار سخط موسى عليه السلام فعله لاشتباه وجه الحكمة عليه حتى أخبره فرضى هكذا أنا، سخطتم علي بجهلكم بوجه الحكمة، ولو لا ما أتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الارض أحد الا قتل (1).


1) رواه الصدوق في علل الشرائع: 1 / 211 ط نجف.

[ 197 ]

ولعل بعض من يقف على هذا الحديث يقول: فيكون الذين عابوا على الحسن معذورين كما كان موسى معذورا. والجواب ان الخضر عليه السلام ما عذر لموسى عليه السلام فيما وقع منه ولذلك فارقه فلا عذر لمن عاب على الحسن عليه السلام أو انه عذره، ولكن ليس رعيه الحسن كموسى مع الخضر ولا الحسن مكلفا باتباع الخضر في قبوله لعذر موسى. ومن الجواب أن موسى ما كان رعيه للخضر يجب عليه طاعته وانما كان رفيقا وصاحبا موافقا وكان موسى نبيا والخضر غير نبى، فكان للخضر أن يعمل بعلمه بباطن الحال وكان لموسى عليه السلام أن ينكر لان الذى وقع في الظاهر كالمنكر فكانا معذورين، فلعل موسى ما كان يعلم أن الخضر معصوما أيضا، وأما رعية الحسن فلا عذر لهم في العيب عليه وسوء الظن به لانهم مكلفون باتباعه ان صالح وان حارب، ومتى عابوا عليه أو خالفوه كان حكمهم حكم من خالف امام عدل، ولو لم يكن للحسن من العذر في صلح معاوية الا أن اكثر أصحابه كانوا بهذه الصفة في صحبته غير متفقين معه على سداد رأيه فكيف كان يحصل من هؤلاء نصرة على أعدائه. ومن الجواب ان رجال الاربعة المذاهب رووا باطباقهم واتفاقهم أن نبيهم ذكر أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، فكيف يقع من أحدى سيدي شباب أهل الجنة ما يعاب به وفي الجنة من الشباب مثل عيسى بن مريم ويحيى ابن زكريا عليهم السلام وغيرهما مما لا يعاب من الاولياء. ومن الجواب أنه لا يصح العيب على الحسن الا بعد عيب النبي " ص " الذي أثنى عليه، ولا يصح عيب النبي الا بعد عيب الله الذى قال " وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى " (1).


(1) النجم: 4.

[ 198 ]

ومن الجواب أنهم رووا في آية الطهارة أن الله قد طهره من الرجس ولو كان معيبا ما كان مطهرا. والله الذي شهد له بالطهارة كان عالما انه سوف يصالح معاوية، لان صفات الحسن وأفعاله باطنها وظاهرها وأولها وآخرها كانت بالنسبه الى علم الله كلها جميعها حاضرة، فإذا حكم له بطهارة اقتضى ذلك طهارة الحسن باطنا وظاهرا واولا وآخرا وحاضرا ومستقبلا. ومن الجواب أنهم رووا في عدة من الروايات المتقدمة عدة مدائح له غير ما ذكرناه يدل على أنه من الكمال في الفعال والمقال الى غايه لا يتطرق عليها نقصان في بيان ولا جنان ولا لسان. ومن الجواب أنهم اتفقوا أن نبيهم محمدا " ص " الذي هو القدوة صالح بنى قريظة وبنى النضير (1) وهم كفار، فلا عيب في صلح من يظهر الاسلام. ومن الجواب أنهم اتفقوا على أن النبي " ص " صالح اليهود والنصارى وأخذ الجزية منهم وأقرهم على الكفر والضلال ولعنه ولعن المسلمين وعداوة الدين، فلولده الحسن أسوة به في صلح معاوية كما تضمن كتابهم " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة (2). ومن الجواب ما ذكره ابن دريد في كتاب المجتنى من خطبة لمولانا الحسن عليه السلام في عذره لصلحه معاوية، فقال ما هذا لفظه في الكتاب المذكور: قام الحسن عليه السلام بعد أمير المؤمنين عليه السلام فقال بعد حمد الله تعالى: انا ما بنا لاهل الاسلام شك ولا ندم، وانما كنا نقاتل اهل الشام بالسلامة والصبر، فشتت السلامة بالعداوة والصبر بالجزع، وكنتم في مبدئكم الى الصفين دينكم امام دنياكم، وقد أصبحتم اليوم دنياكم امام دينكم، ألا وانا كنا لكم ولستم لنا


(1) راجع تاريخ الطبري: 3 / 38 و 54. (2) الاحزاب: 21.

[ 199 ]

ثم اصبحتم بين قبيلتين قتيل بصفين يبكون له وقتيل بالنهروان يطلبون بثاره، وأما الباكي فخاذل واما الثائر فباغ وان معاوية قد دعى الى امر ليس فيه عز ولا نصفة فإذا اردتم الموت رددناه وحكمنا الى الله تعالى، وان أردتم الحياة قبلنا واخذنا لكم الرضا، فناداه القوم التقية التقية. ومن الجواب انهم اجمعوا أيضا ان نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم صالح سهل بن عمر وكفار قريش، ولما كتب الصلح يوافقوا حتى محي اسمه من ذكر الرسالة، وهذا أبلغ من صلح الحسن عليه السلام لمعاوية، وقد تقدم هذا في الحديث المروي عنه. ومن الجواب أنهم رووا في كتبهم الصحاح عندهم، ورواه الحميدي في كتاب الجمع بين الصحيحين في مسند أبي بكرة بقيع بن الحرث قال: رايت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر والحسن بن علي عليهما السلام الى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه مرة أخرى ويقول: ان ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين. هذا لفظ الحديث المذكور (1). وقد تضمن ان نبيهم محمدا " ص " قال ما يدل على أنه أسند صلح الحسن الى الله تعالى، فإذا كان الله تعالى سبحانه هو الذي أصلح بين هاتين الفئتين على يد الحسن، فكل من أعاب الحسن فانما يعيب على الله تعالى. ثم ان الحديث قد ورد مورد المدح للحسن عليه السلام على ذلك، ولهذا أبتداه نبيهم بقوله " ابني " وقوله " انه سيد " وغير ذلك مما يقتضيه معنى الحديث


(1) رواه البخاري في صحيحه في كتاب الصلح بعينه 3 / 170، والنسائي في صحيحه 1 / 208، وأبو داود السجستاني في صحيحه: 29 / 173، والترمذي في صحيحه: 2 / 306 وأحمد في مسنده: 5 / 44، وذخائر العقبى: 125، والمغازلي في المناقب: 372، وأحمد في كتاب الفضائل في ترجمة الحسين: 11 ط ايران.

[ 200 ]

المذكور، فاي عيب على الحسن في شئ من الامور. ومن الجواب أنهم يعيبون على الشيعة ويقولون: انهم يذمون بعض السلف فكيف استعظموا ذم بعض السلف والحسن عليه السلام عندهم من الصحابة أو جاذم من قدمه نبيهم على من ذكروه من السلف في آية المباهلة وآية الطهارة وجميع ما تقدم من رواياتهم الدالة على تقديمه عليهم. ومن الجواب أن الله تعالى لما باهل به كان عالما أنه يصالح معاوية فلو كان ممن يعاب ما باهل به وبجماعته وترك غيرهم من الشيوخ والشباب كما تقدم تمامه في آية الطهارة. ومن الجواب أنه ان كان قد باع الخلافة كما تجاهل به بعض سفهائهم وله هذه المنزلة القريبة من الله ورسوله كما قد رووه، فقد أوجبوا البيع للخلافات وصار بيعها أفضل من القيام بها، وهذا خلاف المعقولات والمنقولات. ومن الجواب أن الخلافة لا يصح عليها بيع لانها اختيار من الله تعالى لبعض العباد وأنه نائبه في عباده وبلاده كما تقدمت الدلالة عليه، وتلك الولاية لا يصح الخروج عنها سواء كان الخليفة مطاعا أو وحيدا، ولو كان الله يعلم أنه ممن يبيع خلافته ما استخلفه تقتضيه حكمته. ومن الجواب أن معاوية كان قد استغوى أهل الدنيا بالدنيا، ولا ريب أن طالبي أضعاف طالبي الاخرة، ولذلك رووا جميعا أن نبيهم قال: يفترق أمتي ثلاث وسبعين فرقة، فكيف يقوم فرقة واحدة بجهاد اثنين وسبعين فرقة. ومن الجواب أن معاوية أخذ هذا الامر صلحا وبايمان مغلظة أن لا يؤذي أحدا من أهل البيت وشيعتهم، وفعل ما فعل من قتل شيعة على عليه السلام ولعنه على المنابر، فلو أخذه قهرا كيف يكون الحال. ومن الجواب أن معاوية لو أخذه قهرا وقتل كافة أهل البيت وشيعتهم بطل

[ 201 ]

حكم الاسلام لما تقدم من رواياتهم والدلالة عليهم، ولما كان صلحا بقي منهم من يقوم به الحجة على العباد والبلاد. ومن الجواب أن قتل الحسين عليه السلام كان آية وحجة في عذر الحسين عليه السلام في صلح معاوية وبيانا لذلك. فهذه جملة ما قالوه وفعلوه بالحسين عليه السلام وجملة من الجواب عنه. فيما جاء في الحسين عليه السلام وأنه قتل مظلوما وأما أخوه الحسين عليه السلام: فمن طرائف ما بلغوا إليه من عداوتهم أيضا لاهل البيت عليهم السلام أنهم قد رووا جميعا أن الحسين عليه السلام قتل مظلوما يوم عاشوراء قتلا فظيعا، انهتكت به حرمة الاسلام والمسلمين وانكسرت به حرمة نبيهم وحرمة الدين، وان الحسين عليه السلام كان عظيما عند الله وعند جده محمد " ص "، وقد تقدم بعض ما رووه في هذا المعنى وسيأتي انشاء الله تعالى ايضا طرف من رواياتهم في ذلك وذكر الفقيه الشافعي ابن المغازلي عن نبيهم من المدائح له ولاخيه الحسن شيئا عظيما (1). 288 - ورايت في كتاب الجمع بين الصحاح السته عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله " ص ": الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة (2). ورووا في كتبهم أن الحسين عليه السلام كان يركبه نبيهم " ص " على كتفه (3) وعلى صدره وانه كان يركب على ظهر نبيهم في الصلاة فيبلغ به التعظيم للحسين


(1) راجع كتاب المناقب: 370 الى 379. (2) رواه أحمد في مسنده: 3 / 3 و 62 و 64 و 82، والترمذي في صحيحه 13 / 191، والنسائي في الخصائص: 36، وذخائر العقبى: 129، وأحمد في الفضائل: 16. (3) ذخائر العقبى: 132، وينابيع المودة: 222.

[ 202 ]

عليه السلام الى أن يطيل في صلاته السجود حتى ينزل عن ظهره باختياره (1). 289 - وبلغوا في رواياتهم الى أن روى بعض الحنابلة في كتاب سماه " نهايه الطلب وغايه السؤال " وذكر فيه باسناده الى سفيان الثوري، عن قابوس ابن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس قال: كنت عند النبي " ص " وعلى فخذه الايسر ابنه ابراهيم، وعلى فخذه الايمن الحسين بن علي، تارة يقبل هذا وتارة يقبل هذا، إذ هبط عليه جبرئيل عليه السلام بوحي من رب العالمين، فلما سرى عنه قال: أتاني جبرئيل من ربي عز وجل فقال: يا محمد ان ربك يقرأ عليك السلام ويقول: لست أجمعهما لك فافد أحدهما بصاحبه، فنظر النبي الى ابراهيم فبكى، ونظر الى الحسين فبكى، فقال: ان ابراهيم أمه أمة ومتى مات لم يحزن عليه غيري، وأم الحسين فاطمة وأبوه علي ابن عمي لحمي ودمي، ومتى مات حزنت ابنتي وحزن ابن عمي وحزنت أنا عليه، وأنا أوثر حزني على حزنهما، يا جبرئيل تقبض ابراهيم فقد فديت الحسين به. قال: فقبض بعد ثلاثة أيام، فكان النبي " ص " إذا راى الحسين عليه السلام مقبلا قبله وضمه الى صدره ورشف ثناياه وقال: فديت من فديته بابني ابراهيم (2). 290 - وذكر صاحب الكتاب المذكور باسناده الى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أوحى الله عزوجل الى محمد " ص " اني قد قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفا واني قاتل بابن ابنتك سبعين ألفا وسبعين ألفا (2). 291 - ومن ذلك ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده: ان من دمعت عيناه


(1) رواه أحمد في مسنده: 3 / 493، والحاكم في المستدرك: 3 / 165. (2) رواه الخطيب البغدادي في تاريخه: 2 / 204، والبحار: 22 / 153. (3) رواه الخطيب البغدادي في تاريخه: 1 / 141، والحاكم في المستدرك 2 / 290 وذخائر العقبى: 150.

[ 203 ]

لقتل الحسين دمعة أو قطرت قطرة بوأه الله عز وجل الجنة (1). 292 - ومن ذلك ما رواه في الجمع بين الصحاح الستة في باب مناقب الحسن والحسين عليهما السلام قال: ان النبي رئي في المنام وهو يبكي فقيل له: ما يبكيك يا رسول الله ؟ قال: قتل الحسين آنفا (3). 293 - ومن ذلك ما رواه في أول الجزء الخامس من صحيح مسلم في تفسير قوله تعالى " فما بكت عليهم السماء والأرض " (3) قال: لما قتل الحسين ابن علي عليهما السلام بكت السماء وبكاؤها حمرتها (4). 294 - ومن ذلك ما رواه الثعلبي في كتابه في تفسير هذه الاية ان الحمرة التي مع الشفق لم يكن قبل قتل الحسين (5). 295 - ومن ذلك ما رواه الثعلبي ايضا يرفعه قال: مطرنا دما بايام قتل الحسين عليه السلام (6). (قال عبد المحمود): فهذه بعض رواياتهم ومقالاتهم في الحسين عليه السلام، وقد رايتهم مع ذلك قد جعلوا يوم عاشوراء عيد وسرور وفرح وكحل أعينهم وتجملهم بالثياب والنفقات وأنواع المبرات، وهذه الاحوال


(1) ذخائر العقبى عن أحمد: 19. (2) رواه الترمذي في صحيحه: 2 / 306، والحاكم في المستدرك: 4 / 19، وذخائر العقبى: 148، والبحار: 45 / 232. (3) الدخان: 29. (4) روى نحوه السيوطي في ذيل هذه الاية، والبحار: 45 / 217، والطبري في تفسيره: 25 / 74. (5) الخوارزمي في مقتله: 2 / 90، وينابيع المودة: 322، والبحار: 45 / 217. (6) الصواعق المحرقة عنه: 116، وذخائر العقبى: 145، والخوارزمي في مقتله: 2 / 89.

[ 204 ]

التي تقع منهم في يوم عاشوراء يغنى فيها العيان الخبر وهي مناقضة لما رووه من وجوب الحزن عليه والمواساة لنبيهم والوفاء لعترته والاحترام لنبوته فهؤلاء الاربعة الانفس علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام الذين رووا أن نبيهم جمعهم تحت الكساء وقال: هؤلاء أهل بيتى، واجتهد في النص عليهم والوصية بهم قد جرى عليهم من الاذى والضرر ما قد ظهر واشتهر فكيف يستبعد من قوم فعلوا بابن بنت نبيهم مثل هذا أن يتركوا نقل كثير من النصوص عليهم بالخلافة ينقلوها كما رويناه عنهم، ثم يتركوا العمل بها عنادا، أو كيف يستبعد منهم نقل الخلافة عنهم. ومن طرائف ما رايت من اعتذار بعض من عاتبته على ذلك أنه قال: روى لنا تعظيم يوم عاشوراء وثواب صومه، فقلت: لو نظرت في الحقائق عندكم لكان من جمله تعظيم يوم عاشوراء تعظيم الحزن على الحسين، لان تعظيم الايام انما يكون بقبول ما يقع فيها من القربات ويتضاعف به ثواب الحسنات، وكان التقرب الى ربكم ورسولكم بالحزن على ابن بنت نبيكم وعلى ما تجدد على الاسلام أولى وأوجب عند ذوي الافهام، واما صومه فقد رويتم في كتبكم الصحاح أن صومه متروك. 296 - ومن ذلك ما رواه الحميدي في كتاب الجمع بين الصحيحين في مسند عبد الله بن عباس قال: ذكر عند النبي " ص " يوم عاشوراء فقال: ذلك يوم يصومه أهل الجاهلية فمن شاء صامه ومن شاء تركه (1). 297 - ومن ذلك ما رواه الحميدى أيضا في كتابه في مسند عبد الله بن مسعود في الحديث التاسع عشر عن الاشعث بن قيس قال: دخلت على ابن مسعود وهو ياكل يوم عاشوراء، فقلت: يا أبا عبد الرحمن ان اليوم يوم عاشوراء فقال: قد كان يصام قبل أن


(1) رواه مسلم في صحيحه: 2 / 793، ومالك في موطاه: 1 / 219.

[ 205 ]

ينزل رمضان، فلما نزل رمضان ترك فان كنت مفطرا فاطعم (1). ورواه عبد الله بن عمر عن نبيهم (2). وجه تسميتهم باهل السنة والجماعه ومن طرائف أمورهم بعد هذا كله انهم يسمون أنفسهم أهل السنة والجماعة، وقد اختلفوا بينهم أشد اختلاف وكفر بعضهم بعضا وعملوا في شريعتهم بما أحدثوه من الاراء والقياسات، وقد تقدم بعض ذلك فيما سلف من الروايات، مع انني رايت في كتبهم ما يدل هذا الاسم وسببه. فمن ذلك ما ذكره ابن بطة في كتابه المعروف بالابانة أنه قال الحجاج سمى السنة الجماعة وكانت سنة اربعين لان كان الاجتماع على معاوية. ومن ذلك ما ذكره الكرابيسى وهو من أهل الظاهر فقال: انما سمى هذا الاسم يزيد بن معاوية لما دخل راس الحسين عليه السلام وكان كل من دخل من ذلك الباب سمي سنيا. ومن ذلك ما ذكره الشيخ العسكري في كتاب الزواجر وهو من علماء السنة قال ان معاوية سمى العام عام السنة. ومن ذلك ما ذكر ابن عبدربه في كتاب العقد قال: لما صالح الحسن معاوية سمى ذلك العام عام الجماعة (3). (قال عبد المحمود مؤلف الكتاب: ان كان هذا هذا أصل تسميتهم فبئس الاصل وغاية الجهل، وان كان لدعواهم أنهم ملتزمون بسنة نبيهم


(1) رواه مسلم في صحيحه: 2 / 794. (2) نفس المصدر. (3) راجع الصراط المستقيم للبياظى.

[ 206 ]

فاين الالتزام مع هذا الاختلاف والافتراق وما يقع بينهم مساوئ الاخلاق. في قبولهم رواية اعداء اهل البيت عليهم السلام ومن طرائف امورهم استكثارهم من قبول رواية أعداء أهل بيت نبيهم، ثم قبول رواية أعداء أهل البيت فيما ينكرونه اهل البيت وقد منعت العقول والشرائع من قبول رواية العدو المبطل في كل ما يطعن به على عدوه المحق، فكان يجب في العقول والاعتبار والشريعة ان كل من عرفت منه عداوة لاهل بيت نبيهم أما أن يسقطوا روايته على كل حال، أو إذا يسقطوها على كل حال فكان يجب ان يسقطوها فيما يطعن به على أهل بيت نبيهم، أو فيما يخالف أهل بيت نبيهم، أو فيما يتضمن مدح أعدائهم، أو مدح المفارقين لهم، وأن يقبلوا رواية أعداء أهل البيت فيما كان منقبة لاهل البيت، أو موافقا لمذهبهم، أو منقصة لاعدائهم، أو المفارقين لهم، لان التهمة من عدوهم في مثل مرتفعة، فاما أعداء أهل البيت الذين تظاهروا بعداوتهم فكثيرون. وساذكر بعض من استكثروا في الرواية عنه وقبلوا كثيرا مما لم يجز قبوله منه. الاول - فمن أولئك عبد الله بن عمر بن الخطاب: قد نقلوا عنه في صحاحهم على ما ذكره الحميدى في الجمع بين الصحيحين مائتي حديث وأثنين وثمانين حديثا اكثرها بطرق مختلفة وألفاظ متباعدة ومعان مضطربة، مع ما تواتر وثبت عند المسلمين من انكشاف سره بعداوة على بن أبى طالب وبنى هاشم وقعوده من مبايعتهم ونصرتهم وما أوجبه الله ورسوله من التمسك بهم، وهذا لا يحتاج الى رواية، لانه لا خلاف بين المسلمين في قعود عبد الله بن عمر عن بيعة على بن أبى طالب عليه السلام والحسن والحسين عليهما السلام وعن نصرة بنى هاشم.

[ 207 ]

ثم قد روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين من تلزمه ببيعة يزيد بن معاوية الذي قد تقدم نقص أفعاله المنكرة مما يتعجب منه العاقل، فانه ما يعتقد صحة مبايعة يزيد أو خلافته الا سفيه أو جاهل أو معاند لاهل البيت عليهم السلام. 300 - فمن ذلك في المتفق عليه من مسند عبد الله بن عمر في الحديث الحادى والثمانين عن نافع قال: لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية، جمع ابن عمر حشمه وولده وقال: اي سمعت رسول الله " ص " يقول: ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة، وانا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، لم ينصب له القتال وانى لا اعلم عذرا اعظم من ان يبايع رجل على بيع الله ورسوله ثم ينصب له القتال، وانى لا أعلم أحدا منكم خلفه ولا بايع في هذا الامر الا وانه الفصل بيني وبينه. هذا لفظه، فما كان على بن أبى طالب وولده وأحد من بنى هاشم يجرون مجرى يزيد في أن يبايعهم أو واحدا منهم ويفي لهم. ان هذا من الطرائف. 301 - ومن ذلك ما رواه الحميدى في الجمع بين الصحيحين في مسند ابن عمر في الحديث الخامس والخمسين من أفراد البخاري أن عبد الله بن عمر كتب الى عبد الملك بن مروان ان يبايعه، وأقر له بالسمع والطاعة على سنة الله وسنة رسوله فيما استطعت (1). وفي رواية من جملة الحديث المذكور وان بنى اقروا بمثل ذلك، هذا لفظه. فسبحان الله ما كان في واحد من بنى هاشم مثل عبد الملك بن مروان الذي هو عند عقلاء المسلمين من الملوك المتغلبين، ان ذلك من عجائب امور الاربعة المذاهب. 302 - ومن ذلك ما رواه الحميدى في الجمع بين الصحيحين في مسند


(1) رواه مالك في الموطا: 2 / 250، البخاري في صحيحه 8 / 122.

[ 208 ]

عبد الله بن عمر بن الخطاب في الحديث الثالث من المتفق عليه قال: صلى بنا رسول الله " ص " ذات ليلة صلاة العشاء في آخر حياته، فلما سلم قام فقال: أرأيتكم ليلتكم هذه، فان على راس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الارض أحد (1). هذا لفظ حديث عبد الله بن عمر. (قال عبد المحمود): كيف حسن هؤلاء القوم مثل هذا الحديث من عبد الله ابن عمر، وكيف استجازوا روايته، ومن المعلوم عندهم ان الخضر وغيره من الذين شهدت أخبارهم بانهم عمروا من ذلك الوقت اكثر من مائة سنة. 303 - ومما يدل على ان عبد الله بن عمر قد شهد على نفسه بالطعن فيما يرويه ما ذكره الحميدي في الحديث السابع والخمسين من أفراد البخاري من مسند ابن عمر قال: كنا نتقى الكلام والانبساط الى نسائنا على عهد النبي " ص " خوفا ان ينزل فينا شئ فلما توفي النبي " ص " تكلمنا وانبسطنا (2). 304 - ومما يدل على طعنهم على عبد الله بن عمر وعائشة ما رواه الحميدى في الجمع بين الصحيحين في الحديث الخامس والستين بعد المائة من مسند عائشة من المتفق عليه، عن عمرة أنها سمعت عائشة وذكر لها أن عبد الله بن عمر يقول: ان الميت ليعذب ببكاء الحي فقالت عائشة: يغفر الله لابي عبد الرحمن أما انه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطا، انما مر رسول الله " ص " على يهورية يبكى عليها فقال: انهم ليبكون عليها وانها لتعذب في قبرها (3). (قال عبد المحمود): هذا حديث لا يخلو من الطعن على عبد الله بن عمر أو عائشة، وعلى كل حال فاني اعجب من عائشة واقدامها على الطعن على عبد الله


(1) رواه مسلم في صحيحه 4 / 1965. (2) البخاري في صحيحه: 6 / 146. (3) رواه مسلم في صحيحه: 2 / 643، ومالك في الموطأ: 1 / 182.

[ 209 ]

ابن عمر، ومن تصحيح البخاري ومسلم لذلك، وأين عائشة من هذا المقام، فانما كانت امراة من وراء حجاب، فهلا جوزت أن يكون النبي " ص " قد قال ما قاله عبد الله بن عمر في وقت لم تحضر عائشة ولا بلغها ذلك، فما كانت تدعى ولا يدعى لها عاقل أنها تحيط بجميع أقوال نبيهم. ومن ذلك ما ذكره أبو هلال العسكري في كتاب الاوائل طرفا من معتقدات عبد الله بن عمر، فمن ذلك انه ذكر عنه انه كان إذا اغتسل من الجنابة غسل داخل عينيه حتى ذهب بصره، وإذا توضأ للصلاة غسل يديه الى منكبيه، ودخل على بعض الامراء فاحضر له بربطا وقال: أتعرف يا ابا عبد الرحمن ؟ قال: نعم هذا مراني وجراني. أقول: فانظر هذه الاحاديث واعترف الحق لاهله. ومن طريف ما نقله أصحاب التواريخ في ذم عبد الله بن عمر ما ذكره ابن مسكويه في كتاب نديم الفريد فقال ما هذا لفظه: ومما يؤثر في الكلام الواقع موقعه شدة شكيمة المتكلم ما يحكى عن عبد الله بن الحرث المعروف ببته، وذلك أنه دخل مسجد رسول الله " ص " فراى عبد الله بن عمر جالسا في نفر من أصحابه، فسلم عليه وجلس عنده فلم يهش له عبد الله ولا أحسن مسائلته ولا نهض إليه لما رآه، قال: كانك لم تثبتنى يا ابا عبد الرحمن ؟ فقال: بلى ألست ببته، فقال: ما حملك على ذكر اللقب وترك الاسم. قد كنت احسب أن السنين أفادتك رايا غير ما كنت تعرف به وتنسب إليه ما اشبهت اباك امير المؤمنين ولكنك ورثت جدك وخالك. ثم أقبل على القوم فقال: ان جد هذا الخطاب ابتاع من رجل ذهبا ثم اقتضاه اليماني فعمد ابتاع من رجل خمرا على حلته ذهبا، ثم اقتضاه اليماني فعمد فكتب فيه ذهب (1) حتى ملاها ثم دفعها الى اليماني، فاستعدى عليه عند


(1) وفي الترجمة: اذهب حتى املاأها.

[ 210 ]

الزبير بن عبد المطلب فضربه وأغرم. واما خاله قدامة بن مظعون شرب الخمر على عهد عمر فلما أراد أن يجلده قال: أمسك فان الله تعالى يقول " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا " فظن عمر ان هذه الايه تبطل الحدود فورثتهما اشارة الى هذا، وكان أيضا يجالس النبي " ص " صباحا ومساءا، فاراد أن يطلق امراة فلم يحسن فردها رسول الله " ص " حتى يعلم طلاقها. ثم أقبل عليه فقال له: أتيت علي بن أبي طالب وله قرابة وسابقة وفضائل عديدة فبايعته طائعا غير مكره قاصدا إليه، ثم جئته فقلت: أقلني بيعتي فاقالك ثم أتيت تدق الباب على أصحاب الحجاج تقول: خذوا بيعتي فاني سمعت النبي " ص " يقول: من بات ليلة وليس في عنقه بيعة امام مات ميتة جاهلية، ثم اضطرب الحيل بالناس فزعمت انك لا تعرف حقا فتنصره ولا باطلا فتقاتل أهله. فقال عبد الله بن عمر: حسبك يا أبا محمد فما أردت الا خيرا وكلمته الجماعه ان يكف. ومن ذلك ما رواه الحميدي في الحديث الثاني عشر بعد المائة من المتفق عليه من مسند عائشة عن عروة بن الزبير قال: كنت أنا وابن عمر مستندين الى حجرة عائشة، وانا لنسمع ضربها بالسواك تستن، قال فقلت: يا أبا عبد الرحمن اعتمر النبي " ص " في رجب ؟ قال: نعم. فقلت لعائشة: أي أمتاه ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن ؟ قالت: وما يقول ؟ قلت يقول: اعتمر النبي " ص " في رجب. فقالت: يغفر الله لابي عبد الرحمن، لعمري ما اعتمر في رجب، وما اعتمر من عمرة الا وأنا معه. قال: وابن عمر يسمع فما قال: لا ولا نعم، سكت (1).


(1) رواه مسلم في صحيحه: 2 / 916.

[ 211 ]

وفي رواية مجاهدان عائشة قالت: وما اعتمر في رجب قط. (قال عبد المحمود): فلعل نبيهم أعتمر في رجب قبل تزويجها في مدة مقامه بمكة، فكيف قالت ما اعتمر قط في رجب، وكيف قالت ما اعتمر الا وأنا معه، وهذا أيضا طعن أما عليها أو على ابن عمر. الثاني - ومن أولئك أبو هريرة: وقد روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين عنه ستمائة حديث وسبعة أحاديث، أكثرها تراه وهو حديث واحد بالفاظ مختلفه أو معان مضطربه، أو طرق يكذب بعضها بعضا، ومن المعلوم ان أبا هريرة فارق علي بن أبي طالب وبني هاشم وظهر عداوته لهم وانضمامه الى معاوية ما لا يحتاج الى رواية، لظهوره في التواريخ وعند علماء الاسلام مع ما رووه في صحاحهم ان التهمة له بالكذب كانت معلومة بين الاصحاب. 306 - فمن ذلك ما رواه الحميدي في الحديث السادس والستين بعد المائة من المتفق عليه من مسند أبي هريرة عن أبي رزين قال: خرج الينا أبو هريرة فضرب بيده على جبهته فقال: ألا أنكم تحدثون أني أكذب على رسول الله " ص " - الخبر (1). 307 - ومن ذلك في الجمع بين الصحيحين للحميدي في مسند عبد الله ابن عمر بن الخطاب في الحديث الرابع والعشرين بعد المائة من المتفق عليه، ان رسول الله " ص " أمر بقتل الكلاب الا كلب صيد أو كلب غنم ماشية فقيل لابن عمر: ان أبا هريرة يقول أو كلب زرع، فقال ابن عمر: أن لابي هريرة زرعا (2). 308 - ومن ذلك في الجمع بين الصحيحين في الحديث الستين بعد


(1) رواه مسلم في صحيحه: 3 / 1660، وأبو رية في أبى هريرة: 152. (2) رواه مسلم في صحيحه: 3 / 1200.

[ 212 ]

المائة من المتفق عليه من مسند أبي هريرة أنه قيل لابن عمر أن أبا هريرة يقول سمعت رسول الله " ص " يقول من تبع جنازة فله قيراط من الاجر. فقال ابن عمر: لقد أكثر علينا أبو هريرة (1). ومن ذلك في اعتذار أبي هريرة وروايتهم فيما يعد لكذبه في الاعتذار فروى الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث التاسع والخمسين من المتفق عليه من مسند أبي هريرة قال: انكم تقولون ان أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله " ص " ويقولون: ما بال المهاجرين والانصار لا يحدثون عن رسول الله " ص " بمثل حديث أبي هريرة، وان اخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالاسواق وكنت ألزم رسول الله " ص " حتى ملئ بطني، فاشهد إذا غابوا واحفظ إذا نسوا. ثم ذكر الانصار بعد كلام له فقال: وكان يشغل اخواني من الانصار عمل أموالهم فكنت أمرءا مسكينا من مساكين الصفة أعي حين ينسون (2). وفي رواية سفيان: فما نسيت شيئا سمعت منه. (قال عبد المحمود بن داود): فاشهد أيها السامع على أبي هريرة انه قد طعن في المهاجرين والانصار بانهم كانوا يشتغلون عن حديث رسولهم بالدنيا الفانية، ثم اشهد عليه بانه ما نسي شيئا قط. 310 - وقد روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين أيضا في المتفق عليه في الحديث التاسع والثمانين من مسند أبي هريرة عن النبي " ص " أنه قال: لا عدوى ولا صفر ولا هامة. فقال أعرابي: يا رسول الله فما بال الابل تكون في الرمل كأنها الظباء، فيجئ البعير الاجرب فيدخل فيها فيجربها كلها ؟ قال:


(1) رواه مسلم في صحيحه: 2 / 653. (2) رواه مسلم في صحيحه: 4 / 1940.

[ 213 ]

فمن أعدى الاول (1). ثم روى الحميدي في جملة الحديث التاسع والثمانين من مسند أبي هريرة من المتفق عليه عن أبي سلمة أن رسول الله " ص " قال لا عدوى، ويحدث أن رسول الله " ص " قال: لا يورد ممرض على مصح وأنكر أبو هريرة حديثه الاول قلنا ألم تحدث انه لا عدوى، فوطن بالحبشة، قال أبو سلمة: فما رايته نسي حديثا غيره (2). ومن ذلك في جملة الحديث التاسع والثمانين المقدم ذكره أن أبا هريرة صمت عن حديث " لا عدوى " وأقام على ان لا يورد ممرض على مصح (3). ثم روى الحميدي بعد ذلك في الحديث التاسع والثمانين المشار إليه من مسند أبي هريرة من رواية سهل ان رسول الله " ص " قال: لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر وفر من المجذوم كما تفر من الاسد (4). 311 - ومن ذلك ما رووه من ملاعبه بالدين في الحديث الثاني والتسعين بعد المائة من المتفق عليه من مسند أبي هريرة عن أبي حازم انه قال: كنت خلف أبي هريرة وهو يتوضا للصلاة، فكان يمد يده حتى تبلغ ابطه، فقلت له يا أبا هريرة ما هذا الوضوء ؟ فقال: يا بني فروخ أنتم ههنا ؟ لو علمت أنكم ههنا ما توضأت هذا الوضوء، سمعت رسول الله " ص " يقول: تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء (5).


(1) روى مسلم في صحيحه: 4 / 1742، والبخاري في صحيحه: 8 / 19. (2) رواه مسلم في صحيحه: 4 / 1743، والبخاري في صحيحه: 8 / 31. (3) نفس المصدر من صحيح مسلم. (4) رواه مسلم في صحيحه: 4 / 1742 - 1744. (5) رواه مسلم في صحيحه: 1 / 219.

[ 214 ]

وروى الحميدي في الحديث السادس والثلاثين من مسند أبي هريرة من المتفق عليه: أن أبا هريرة دعا بتور من ماء فغسل يديه حتى بلغ ابطيه، فقلت يا أبا هريرة ما هذا ؟ فقال: انني سمعت رسول الله " ص " قال: هو منتهى الحليه (1). (قال عبد المحمود): ما رايت أحدا من المسلمين يتوضا للصلاة ويغسل يديه الى أبطيه، فما هذا الحديث الذي قد صححوه عن نبيهم وكذبوا المسلمين كافة بقول أبي هريرة ان هذا الطرائف. الثالث - ومن أولئك أنس بن مالك: وقد روى الحميدي عنه في الجمع بين الصحيحين ثلاثمائة واثنين وعشرين حديثا، كما تقدم ذكر أكثرها ترى الحديث وهو واحد وروايته عن أنس بن مالك يكذب بعضها بعضا وأكثر الالفاظ مختلفة والمعاني مضطربة. وهذا أنس قد روى من طريق شيعة أهل البيت: أن علي بن أبي طالب استشهده مرة في شئ كان قد سمعه من نبيهم " ص " من فضائل علي عليه السلام فلم يشهد فدعا عليه فأصابه برص، ثم اعترف أنس بما كان كتمه من الفضيلة، وكان يقول: هذا البرص بدعوة علي بن أبي طالب (2). وأما ما رواه رجال الاربعة المذاهب عن أنس بن مالك من الامور التي يشهد كتابهم وشرائعهم بكذبها، وجعلوها من صحاحهم. 313 - فمن ذلك في الجمع بين الصحيحين في الحديث الخامس عشر بعد المائة من المتفق عليه من مسند أنس بن مالك أن رجلا من أهل البادية


(1) رواه البخاري في صحيحه: 7 / 65. (2) راجع رجال الكشى: 46 ط نجف، وفيه بعد ما برص: فحلف أنس بن مالك أن لا يكتم منقبة لعلى بن أبي طالب ولا فضلا أبدا.

[ 215 ]

أتى النبي " ص " فقال: يا رسول الله متى الساعة قائمة ؟ قال: ويلك ما أعددت لها ؟ قال: ما أعددت لها الا اني أحب الله ورسوله. قال: انك مع من أحببت قال: ونحن كذلك. قال: نعم ففرحنا يومئذ فرحا شديدا، فمر غلام للمغيرة ابن شعبة وكان من أقراني، فقال النبي: ان أخر هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة (1). 314 - وفى حديث آخر عن الحميدي في الموضع المشار إليه عن أنس ان رجلا سال رسول الله " ص ": متى تقوم الساعة ؟ وعنده غلام من الانصار يقال له محمد، فقال رسول الله: ان يعيش هذا الغلام، فعسى أن لا يدركه الهرم حتى تقوم الساعة (2). 315 - وفي رواية أخرى عن أنس من موضع الحديث الخامس عشر بعد المائة أيضا من المتفق عليه عن أنس أن رجلا سال النبي " ص " قال: متى تقوم الساعه ؟ قال: فسكت رسول الله هنيئة، ثم نظر الى غلام بين يديه من أزد شنوءة فقال: ان عمر هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة. قال: انس ذلك الغلام من أقراني (3). (قال عبد المحمود): وقد ذكر محمد بن سعد في كتاب الطبقات الكبير في الجزء العاشر عند ذكر أنس بن مالك أمورا تقتضي تهمة أنس بن مالك ومضايقة لملوك الدنيا له. ومن ذلك باسناده الى انس بن مالك قال: استعملني أبو بكر على الصدقات فقدمت وقد مات أبو بكر وجئت عند عمر فقال عمر: يا أنس أجئتنا بظهر. قال: قلت:


(1) رواه مسلم في صحيحه: 4 / 2270. (2) نفس المصدر. (3) رواه مسلم في صحيحه: 4 / 2269.

[ 216 ]

نعم. قال: جئنا بالظهر والمال لك. قال: قلت هو اكثر من ذلك. قال: وان كان هو لك. قال: وكان المال أربعة آلاف دينار. (قال عبد المحمود): أنظر المضايقة لانس باموال المسلمين ولم يساله كم المال وقد عرفه أنس كثرة المال فاعطاه اياه. ومن ذلك ما ذكر أيضا محمد بن سعد عن انس بن مالك قال: شهدت فتح تستر مع الاشعري فلم يصل صلاة الصبح انتصف النهار، ثم قال: وما نشري بتلك الصلاة الدنيا وما فيها. (قال عبد المحمود): قد عرفنا أن شريعة الاسلام ما عذر أحدا من عقلاء القادرين في ترك الصلاة، وما كفاه تركها حتى يدرج تركه لها وتاخرها الى نصف النهار. ومن ذلك ما ذكره محمد بن سعد أيضا الى عبد السلام بن شداد قال: رايت على أنس عمامة من حرير وجبة من خز ومطرف ثوب خز فقال: ما لك تنهانا عن الحرير وتلبسه أنت ؟ فقال: ان امراءنا يكون فيجب أن يرده علينا. (قال عبد المحمود): ان كان كما عنه ذكر فقد بالغ في الطعن عليه ان يكون أنس يراعي نظر الامراء اكثر من نظر الله الى تحريمه عليه ونظر رسول الله " ص ". ومن ذلك ما رواه محمد بن سعد أيضا الى عبد الله بن عمر عن عبد الكريم قال: رايت انس بن مالك يطوف بالبيت وعليه مطرف خز أصفر، قال: فذكرت ذلك لسعيد بن جبير فقال: أما ان السلف لو راوه لاوجعوه. ومن ذلك ما ذكره محمد بن سعد أيضا باسناده الى محمد بن سبرين انه سمع انس بن مالك يقول: انا لنلبس الحرير وانا لنعلم ما فيه ولو ددنا انه لم يخلق. ومن ذلك ما رواه أيضا محمد بن سعد باسناده عن سعيد بن بشير يذكر

[ 217 ]

عن قتادة قال: كنا نرى على خاتم انس بن مالك صورة رجلين. (قال عبد المحمود): وما كان الصحابة يختارون الصور خواتيمهم وقد رووا تحريمها. ومن ذلك ما رواه محمد بن سعد باسناده الى ابى القاسم قال: رايت على انس خاتما من ذهب. (قال عبد المحمود): فكيف اكثروا النقل عن انس بن مالك وقد بلغوا من القول فيه الى ما ذكرنا بعضه، وليتهم حيث نقلوا كثرة أحاديثه تركوا نقل الطعن عليه أو حيث طعنوا عليه تركوا نقل كثرة أحاديثه، ولقد صار نقل القدح فيه عندهم إذا أنصفوا طعنا فيما يرويه. ومن طرائف ما قدمناه من طعنهم عليه حديثه الرجل الذي لا يدركه الهرم حتى تقوم الساعة. (قال عبد المحمود): كيف يليق لعاقل أن يبلغ به حسن الظن بمن يجانب أهل البيت عليهم السلام الى نقل مثل هذه الاحاديث التي يقتضي دين الاسلام كذب من رواها، لان كتابهم يتضمن " يسئلونك عن الساعة أيان مرساها * قل علمها عند ربى لا يجليها لوقتها الا هو " (1) وفي كتابهم أيضا " يسئلونك عن الساعة أيان مرساها * فيم انت من ذكراها * الى ربك منتهاها " (2) ولا شبهة عندهم أن الله تعالى سترها عن نبيهم وغيره. فكيف حسن الاقدام على مثل هذه الاحاديث وكيف جعلوها في صحاحهم لا سيما وقد رووا نبيهم " ص " من الاخبار للمسلمين وتعريفهم بما يحدث بعده من الاختلاف في دولة بنى امية ودولة بني هاشم والمهدى عليه السلام


(1) الاعراف: 187. (2) النازعات: 43 - 44.

[ 218 ]

وغيره من الامور التى تقتضي ان القيامة أبعد من أعمار كثيرة، فكيف ينقلون أو يصدقون أو يصححون مثل هذا الحديث المتقدم ذكره. أقول: وذكر أبو هلال في كتاب الاوائل عن انس بن مالك ان الحجاج ولاه في سابور من أرض فارس، فاقام بها سنين يقصر الصلاة ويفطر في شهر رمضان ويقول ما أدرى كم مقامي ومتى ياتيني العزل، وهذا أعجب ما يروى من الجهل بالشرائع. الرابع - ومن أولئك عائشة بنت أبى بكر، ومعلوم عداوتها لاهل بيت نبيهم، وخروجها لمحاربة بنى هاشم بالبصرة واجتهادها في استيصالهم، وقد نقل الحميدي في الجمع بين الصحيحين عنها مائة وخمسة وتسعين حديثا في صحاحهم غير ما نقلوه عنها في غير تلك الكتب، واكثر أحاديثها كما قلت الحديث واحد ورواية تكذب بعضها بعضا وألفاظه مختلفة والمعاني مضطربة. (قال عبد المحمود بن داود): وقد اعتبرت ما نقلوه في الصحيحين عن نساء نبيهم محمد " ص "، فرايت قد ذكر الحميدى في كتاب الجمع بين الصحيحين (مسلم والبخاري) فرووا عن زوجته ام سلمه البصرية عندهم التى امتثلت ما أمرت به في كتابهم في قوله " وقرن في بيوتكن " (1) وهى ممدوحة عند الجميع ثلاثة عشر حديثا متفقا عليها عندهم وثلاثة وعشرين مختلفا فيه، ورووا عن حفصة زوجته ثلاثة احاديث متفقا عليها وستة عشر احاديث مختلفا فيها ورووا عن ام حبيبة زوجته حديثين متفقا عليهما وحديثين مختلفا فيهما، وعن زوجته ميمونة بنت الحارث الهلالية سبعة احاديث متفقا عليها وستة احاديث مختلفا فيها وعن زينب بنت جحش التى زوجه الله بها عند المسلمين بقوله " فلما قضى زيد منها


(1) الاحزاب: 33.

[ 219 ]

وطرا زوجناكها " (1) حديثين متفقا عليهما، وعن زوجته صفية بنت حي بن أخطب حديثا واحدا متفقا عليه، وعن سودة بنت زمعة زوجته حديثا واحدا مختلفا فيه، وعن ابنته فاطمة التي شهدوا لها بتلك المدائح التى تقدم ذكرها وأنها سيدة نساء العالمين التى صاحبت نبيهم من حين ولادتها الى حين وفاته حديثين فحسب مع شهادتهم أن نبيهم كان يفضلها على نسائه وغيرهن ويختص بها مع كمال عقلها، فكيف اختصوا بعائشة دون نساء نبيهم ورووا عنها واستمعوا منها واستكثروا في صحاحهم من رواياتها، مع ما رووا من كون نبيهم كان قد استوعب أكثر أوقاته الرجال، وكان ليلة عائشة كليلة غيرها واوقاتة في الليلة موزعة في غير ذلك. 316 - فروى الحميدي في الجمع بين الصحيحين في المتفق عليه في الحديث الثلاثين من مسند أبى سعيد الخدري قال: قالت النساء للنبى " ص ": غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا يوما من نفسك، فوعدهن يوما لقاهن فيه فوعظهن وأمرهن هذا لفظ الحديث. (قال عبد المحمود): ثم قد رووا عنها انها كانت من النقصان الى حد أنها تلعب باللعب (2) بحضرة نبيهم، وتقف تتفرج على الحبشة إذا لعبوا بحرابهم (3). 317 - فمن رواياتهم في ذلك ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الثاني والثمانين من المتفق عليه من مسند عائشة قالت: كنت ألعب بالبنات (4) رسول الله " ص " وكان لي صواحب يلعبن معي، وكان


(1) الاحزاب: 37. (2) قال: في أقرب الموارد: اللعبة بالضم اسم من اللعب، يقال لمن اللعبة والتمثال وجرم ما يلعب به كالشطرنج ونحوه - انتهى موضع الحاجة. (3) راجع صحيح مسلم: 2 / 609. (4) قال في أقرب الموارد: البنات التماثيل الصغار تلعب بها الجوارى، وفى حديث عائشة " كنت ألعب مع الجواري بالبنات ".

[ 220 ]

رسول الله إذا دخل ينقمعن منه فيسربهن الي فيلعبن معى (1). وفى حديث جرير كنت ألعب بالبنات في بيته وهن اللعب (2). (قال عبد المحمود): وقد رووا عنها في الحديث السادس من المتفق عليه من مسندها في عدة طرق انكار نبيهم لعمل الصور والامر بابطالها والانكار على من يدخرها أو يجعلها في منزله وان الملائكة لا يدخل بيتا فيه صورة مجسمة أو تماثيل. ورووا نحو ذلك في الحديث الثالث والتسعين من مسند عبد الله بن عباس. 318 - ورووا في مسند ابى طلحة زيد بن سهل الانصاري في الحديث الاول من المتفق عليه قال: سمعت رسول الله " ص " يقول: لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة (3). وفى رواية: ولا تماثيل (4). 319 - ورووا في الحديث العاشر من افراد البخاري من مسند عبد الله بن عمر: ان جبرئيل قال للنبى " ص ": انا لا ندخل بيتا فيه صور ولا كلب (5). 320 - ورووا في مسند أبى هريرة في الحديث التاسع والستين من أفراد البخاري عن النبي " ص " قال: لا تدخل الملائكة بيتا فيه تماثيل أو تصاوير (6). فكيف استجازوا لانفسهم أن ينقلوا حديث تلك اللعب عن عائشة ويجعلوه صحيحا ويصدقوها عن نبيهم ويكذبوا هؤلاء الرواة كلهم ؟ وكيف استحسنت


(1) رواه مسلم في صحيحه: 4 / 1890. (2) رواه مسلم في صحيحه: 4 / 1891. (3) رواه مسلم في صحيحه: 3 / 1665، والبخاري في صحيحه: 7 / 64. (4) رواه مسلم في صحيحه: 3 / 1666. (5) رواه مسلم في صحيحه: 3 / 1666. (6) رواه مسلم في صحيحه: 3 / 1672، والبخاري في صحيحه: 7 / 66.

[ 221 ]

عائشة أن تناقض بين حديثها الثامن والثمانين من المتفق عليه من مسندها وبين حديثها السادس ؟ ولم يدع أحد من المسلمين ان اللعب كانت مباحه نسخ تحليلها، وأي فائدة أو مصلحة كانت لهم أو لنبيهم أو للاسلام في نقل ذلك والشهاده بصحته وكان يجب لو نقل هذا الخلق الكثير ان يكذبونهم ويسقطون رواياتهم ويقولون ان نبينا أجل من ان يقع ذلك عنده وفى بيته الذى قد أسس للعبادات وبني على انكار المنكرات وهو محل نزول جبرئيل عليه السلام وغيره من الملائكة، أو كان نبيهم يؤثر منع جبرئيل والملائكة من دخول بيته لما رووا عنه انهم لا يدخلون بيتا فيه تماثيل أو تصاوير ويطلب بذلك كله رضا قلب عائشة 321 - ومن العجب في ذلك أنهم رووا في الحديث التاسع عشر من افراد البخاري من الجمع بين الصحيحين في مسند عبد الله ان النبي " ص " لما راى الصور في الكعبة لم يدخل حتى أمر بمحيها فمحيت (1). (قال عبد المحمود): هذا يرووته عن نبيهم في امتناعه من دخول الكعبة حتى محيت منها التصاوير ولم يدخل لانه بيت ربه، ويحتمل ذلك لاجل عائشة مثلا، فكيف يقال عن مثل هذا انه كان يختار أن تلعب زوجته عائشة في بيته باللعبة ويجمع لها النساء يلعبن معها، بئس الامة أمة تقول نبيها مثل هذا. 332 - ومن ذلك ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الخامس والعشرين من المتفق عليه من مسند عائشة قالت: رايت النبي " ص " يسترني وأنا أنظر الى الحبشة وهم يلعبون في المسجد، فزجرهم عمر فقال النبي: امنا يا بنى أرفده، يعنى من الامن. ومن الحديث المذكور عن عروه عن عائشة ان أبا بكر دخل عليها وعندها


(1) البخاري في صحيحه: 7 / 66.

[ 222 ]

جاريتان في ايام منى تدفان وتضربان والنبى " ص " يتغشى بثوبه، فانتهر هما أبو بكر فكشف النبي وجهه دعهما فقال: يا أبا بكر فانها أيام عيد وتلك الايام أيام منى. ومن الحديث المذكور عن عروة عن عائشة قالت: دخل علي رسول الله " ص " وعندي جاريتان تغنيان بغناء، فاضطجع رسول الله على الفراش وحول وجهه ودخل أبو بكر فانتهرني وقال: مزمار الشيطان عند النبي، فاقبل عليه رسول الله فقال: دعهما فلما غفل غمزتهما فخرجتا (1). (قال عبد المحمود): مؤلف هذا الكتاب: كيف حسن من هؤلاء المسلمين نقل مثل هذه الاحوال نبيهم وتصحيحهم وهم قد ذكروا عنه انه أعقل العقلاء وأكمل الانبياء، وتالله اننا نحن نعلم أن نبيهم ما كان على صفة يرضى بمثل ما قد ذكرته عائشة عنه، فان كل عاقل يعلم ان مثل هذا اللعب واللهو والاشتغال عن الله لا يليق بمن يدعى صحبة نبى من الانبياء. فكيف يروونه عمن يعتقد أنه أفضل الانبياء. ومن أعجب ما تضمنه بعض هذه الاحاديث انه كان يفرج زوجته على الذين يلعبون ويطرق لنسائه وحرمه الانبساط في مثل هذه الروايات التي تقدح في الاماثل والافاضل، ولا سيما وقد ذكر أنه كان أعظم الناس غيرة، ورووا في غيرته أخبارا تضمنها صحاحهم. 324 - فمن ذلك في كتاب الحميدي في الحديث الثالث والستين من أفراد مسلم من مسند أبى هريرة قال: قال سعد بن عبادة: يا رسول الله " ص " لو وجدت مع أهلى رجلا، لم أمسه حتى آتى باربعة شهداء ؟ قال رسول الله: نعم. قال: كلا، والذي بعثك بالحق ان كنت لاعاجله بالسيف قبل ذلك. قال رسول الله:


(1) رواه مسلم في صحيحه: 2 / 608 - 609، والبخاري في صحيحه: 3 / 228.

[ 223 ]

اسمعوا الى ما يقول سيدكم انه لغيور، وأنا أغير منه والله أغير مني (1). 325 - ومن ذلك ما ذكره الحميدي أيضا في كتاب الجمع بين الصحيحين في الحديث الخامس من المتفق عليه من مسند المغيرة بن شعبة، انه قال عن نبيهم: أتعجبون من غيرة سعد ؟ فو الله لانا أغير منه، والله أغير مني، من أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن - الخبر (1). وروى المسلمون في ذلك " شعرا ": ان سعدا لغيور والنبي أغير منه * واله العرش اوفى غيرة بالنقل عنه فإذا ما بانت الغيرة من راس فبنه * مستحل العانه تحصي العفو خوفا ان تخنه خلق السيف لراس خلت النخوة منه فكيف هذه المناقضات في رواياتهم ومقالاتهم ؟. ومن طرائف ذلك أنهم ذكروا أن الحبشة كانوا يلعبون في المسجد، وقد رووا أن نبيهم صان مسجده عن غير العبادات، حتى أن رجلا ضلت له ضالة فنادى عليها في المسجد فانكر عليه ذلك. 326 - فمن ذلك ما ذكره الحميدي في الحديث السادس من أفراد مسلم من مسند بريدة بن الحصين أن رجلا نشد في المسجد فقال: من دعا الى الجمل الاحمر: فقال النبي " ص ": لا وجدت، انما بنيت المساجد لما بنيت له (2). 327 - ومن ذلك ما رواه الحميدى أيضا في الحديث التاسع والستين بعد المائة من مسند أبي هريرة من أفراد البخاري قال رسول الله " ص ": من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك، فان المساجد لم


(1) رواه مسلم في صحيحه 2 / 1135. (1) رواه مسلم في صحيحه: 2 / 1136. (2) رواه مسلم في صحيحه: 2 / 497.

[ 224 ]

تبن لهذا (1). 328 - ومن ذلك ما ذكره الحميدى أيضا في بعض الحديث الخامس والاربعين من مسند ابن مالك عن النبي " ص " قال: ان هذه المساجد انما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن. فمن أنكر انشاد الضالة في مسجده والحديث في غير ذكر الله، كيف ينسب إليه الرضا باللعب في المسجد وتفريج زوجته على ذلك. ومن طرائف هذه الاحاديث ان أبا بكر وعمر ينكران عليه وعلى المغنيات، وينكر عمر على الحبشة (2)، ويستقبحان له ذلك، فيمنعهما عن الانكار ويستحسن هو لنفسه ولدينه ولزوجته مثل ذلك، ثم ان كتابهم يتضمن " في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والاصال * رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله واقام الصلاة وايتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والابصار " (3) فكيف يكون بيوت جعلها الله تعالى للارتفاع وذكر اسمه، موضعا للمغنيات واللعب واللهو ؟ ثم كيف يكون رجال قد وصفهم الله ان التجارة والبيع المباحين لا تلهيهم عن ذكره فكيف يقال عن نبيهم الذى هو سيد هؤلاء الرجال أنه يتلهى عن ذكر الله بسماع المغنيات وتفريج زوجته. ومن طرائف ذلك أنه يكون أبو بكر وعمر يعتقدان نقص نبيهم محمد " ص " وأنهما أعرف منه بالاداب الدينية والدنيوية حيث أنكرا على المغنيات والحبشة، وهلا اقتديا به وكان لهما فيه أسوة حسنة ؟ فكانا يسكتان كما سكت وحيث لم يسكتا فهلا قالا يا رسول الله ما سبب سكوتك عن الانكار ؟ وان كانا لا يعرفان محل الانبياء ولا ما يجب من التادب معهم، وكانا مثلا يعتقدانه ملكا من الملوك، فاين الادب مع الملوك ؟ والتلطف في حسن صحبتهم ؟


(1) رواه مسلم في صحيحه: 1 / 397. (2) راجع صحيح مسلم: 2 / 610 حديث: 893. (3) النور: 36 - 37.

[ 225 ]

وان كان المقصود من انكارهما المشورة عليه بترك المغنيات وترك الرضا بذلك، فكان يليق أن يقولا كما جرت عادة المشير علي من هو أعظم منه، ولا يبدءا بالانكار قبل المشورة، ثم واين هذا الانكار مما تضمن كتابهم " يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله " (1) أما هذا تقدم بين يدى الله ورسوله وتهجم عليهما واعتقاد لنقص تدبيرهما. والله لقد فضح هؤلاء المسلمون أنفسهم بهذه الروايات وقبحوا ذكر ما بلغوا في وصفه الغايات. ومن طرائف رواياتهم أيضا عن عائشة ما يخالف فيه أهل بيت نبيهم. 329 - ما ذكره الحميدي في الحديث الرابع بعد المائة من المتفق عليه من مسند عائشة من حديثها قالت: سحر رسول الله حتى انه ليخيل إليه انه فعل الشئ وما فعله، وفي الحديث المذكور من حديث ابن عيينة قال: ومن طبه يعني سحره ؟ قال: لبيد بن الاعصم رجل من زريق حليف اليهود وكان منافقا. قال الحميدي: عن هشام عن عروة عن أبيه عن عائشة ان النبي " ص " سحر حتى كان يخيل إليه انه يصنع الشئ ولم يصنعه، وفي رواية ابى اسامة عن هشام عن عروة عن عائشة مثل هذا أيضا (2). (قال عبد المحمود): كيف استجازوا رواية مثل هذا الحديث ؟ وكيف قبلوا شهادة عائشة على نبيهم بمثل ذلك ؟ ثم وكيف صححوه وقد رووا في كتبهم ان نبيهم كان مصونا بالالطاف الربانية والعناية الالهية عن تأثير السحر فيه، وأيضا فقد رووا عنه " ص " أنه كان يعلم الناس كيف يحرسون أنفسهم من السحر، فكيف يترك نفسه ويعلم غيره ؟ وكيف يقال عنه أنه يقول ما لا يفعل ؟ وكيف يمكن الله من سحر انبيائه الذين يبلغون عنه ؟ وما يؤمن أن يقع وهم مسحورون ما ينفر الناس عنهم ويوجب ترك القبول منهم، وأن يزيدوا في شريعته أو ينقصوا


(1) الحجرات: 1. (2) رواه مسلم في صحيحه: 4 / 1719 - 1721، والبخاري في صحيحه: 7 / 88.

[ 226 ]

منها شيئا وهم لا يعلمون. ثم لو وقع ذلك كيف جاز تقبيح ذكر نبيهم واساءة سمعة الاسلام بنقل مثل هذا وتصحيحه ؟ ثم وكيف تقبل شهادة عائشة وهي امراة، وقد تقدم بعض أحوالها المنكرة، في مثل هذا الامر العظيم الذى يجرح به النبوة والاسلام ويقدح به في عناية الله بنبيهم وحراسته له ؟ ثم وكيف يعارضون بهذا الحديث السخيف ما قد تضمنه كتابهم من ان الله كفاه شر من لم يؤمن به في قوله " فان آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وان تولوا فانما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم (1) ". والله ما جاز أن يقولوا ذلك عن نبيهم ولا أن يجعلوا بذلك طريقا لاهل الذمه وأعداء الاسلام. ولله در القائل حيث يقول: ما يبلغ الاعداء من جاهل * ما يبلغ الجاهل من نفسه ومن طرائف روايات عائشة: 330 - ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الثاني والسبعين من المتفق عليه من مسند عائشة من حديث الزهري عن عبد الله بن مسعود عن عائشة زوج النبي " ص " قالت: لما ثقل النبي " ص " واشتد به وجعه استاذن ازواجه أن يمرض في بيتي، فاذن له، فخرج بين رجلين تخط رجلاه في الارض، بين عباس بن عبد المطلب وبين رجل آخر. وفى رواية بين الفضل بن عباس ورجل آخر. قال عبيد الله في الروايتين: فاخبرت عبد الله بن عباس بالذى قالت عائشة، فقال أتدرى من الرجل الاخر الذى لم تسم عائشة ؟ قال: قلت: لا، قال ابن عباس: هو علي (2).


(1) البقرة: 137. (2) رواه مسلم في صحيحه: 1 / 313 و 413 حديث: 91 و 92، والبخاري في صحيحه: 7 / 18.

[ 227 ]

331 - ثم روى الحميدي في مسند عائشة أيضا في الحديث الثالث والسبعين من المتفق عليه في رواية أبي أسامة ومحمد بن حرب عن عائشة قالت: كان رسول الله " ص " ليتفقد في مرضه يقول: أين أنا اليوم ؟ أين أنا غدا ؟ استبطا ليوم عائشة، قالت: فلما كان يومي قبضه الله بين سحري ونحرى (1). (قال عبد المحمود): أرى الحديث الاول يدل علي أن انتقاله الي بيتها ما كان في يومها وان أزواجه آثروه بايامهن، وأرى الحديث الثاني يدل علي انتقاله الي بيتها كان في يومها، وجميعه انتقال واحد، فاي الحديثين كذب وأيهما صحيح فاراهما معا في الصحاح. ومن طرائف رواياتها في الحديث الثاني والسبعين المقدم ذكره من مسند عائشة فيما أخرجه البخاري ومسلم من حديث ما ادعته من صلاة أبيها أبي بكر بالناس في مرض نبيهم، وفي هذا الحديث عدة طرائف تدل علي أنه مجعول أو زائف. 332 - فروى مسلم والبخاري من حديث موسي بن أبي عائشة عن عبيد الله بن عبد الله قال: دخلت على عائشة فقلت لها: ألا تحدثيني عن مرض رسول الله " ص " قالت: بلي، ثقل النبي فقال: أصلي الناس ؟ قلنا: لا، وهم ينتظرونك يا رسول الله. قال: ضعوا لى ماء في المخضب، ففعلنا، فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق فقال: أصلي الناس ؟ قلنا لا وهم ينتظرونك يا رسول الله. فقال: ضعوا لي ماء في المخضب ففعلنا، فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق فقال: أصلي الناس ؟ قلنا: لا، وهم ينتظرونك رسول الله. فقال: ضعوا لي ماء في المخضب، ففعلنا، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق فقال: أصلي الناس: فقلنا: لا، وهم ينتظرونك يا رسول الله. قالت: والناس عكوف


(1) رواه في صحيحه: 4 / 1893.

[ 228 ]

في المسجد ينتظرون رسول الله لصلاة العشاء الاخرة. قالت: فارسل رسول الله " ص " الي أبي بكر أن يصلي بالناس، فاتاه الرسول فقال: ان رسول الله يامرك أن تصلي بالناس، فقال أبو بكر وكان رجلا: رقيقا: يا عمر صل بالناس قال. فقال عمر: أنت أحق بذلك. قالت: فصلي بهم أبو بكر تلك الايام. ثم ان رسول الله " ص " وجد من نفسه خفة فخرج بين رجلين، أحدهما العباس لصلاة الظهر وأبو بكر يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتاخر فاوما إليه أن لا يتاخر وقال لهما: أجلساني ألى جنبه، فاجلساه الى جنب أبى بكر، وكان أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة النبي والناس يصلون بصلاة أبي والنبى قاعد. هذا لفظ حديثيهما في صحيحيهما على ما ذكره الحميدى (1). (قال عبد المحمود): في هذا الحديث عدة طرائف، فمن طرائف هذا الحديث أنه يدل على أن نبيهم محمدا صلى الله عليه وآله كان يكره ان يصلي بالناس غيره لما تضمنة من معالجته لمرضه ثلاث مرات ليخرج إليهم. ومن طرائف هذا الحديث المذكور أن نبيهم محمدا صلى الله عليه وآله كان يسئ الظن باصحابه ومعتقدا لاقدامهم على ترك مراقبته، لانه في كل مرة في معالجته يقول: أصلى الناس ؟ فلو كان حسن ظنه بهم وأنهم ما يصلون الا باذنه ولا يقدمون أماما الا برايه، ما قال كل مرة أصلى الناس ؟ فيقال: لا. ومن طرائف الحديث المذكور أن الحميدي ذكر في الحديث الثاني والسبعين المقدم ذكره من طريق آخر غير ما قدمناه، وهي ان البخاري ومسلما أخرجا حديث الصلاة من حديث الاسود بن يزيد بن قيس النخعي عن عائشة: فذكرت ان نبيهم محمدا " ص " لما اذن بالصلاة قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، فخرج أبو بكر يصلي فوجد النبي من نفسه خفة فخرج يتهادى بين رجلين


(1) رواه مسلم في صحيحه: 1 / 311 - 312.

[ 229 ]

الخبر. ولم يذكر معالجته للخروج ولا توقفا عن الامر لابيها بالصلاة. ومن طرائف الحديث المذكور أنها ذكرت في الحديث المقدم ان أباها صلى بالناس أياما، وفي حديث الاسود بن يزيد ان نبيهم محمدا " ص " خرج عقيب أمره لابي بكر بالصلاة بما ذكرتها من فاء التعقيب، ومضمون الحديث يقتضي أن أباها لم يكن دخل في الصلاة. ومن طرائف الحديث المذكور أنها ذكرت في الحديث الاول أن النبي " ص " لما أمر لابيها بالصلاة كان عكوفا في المسجد، وذكرت في الحديث الاسود بن يزيد أن النبي " ص " لما أمر لابي بكر بالصلاة خرج يصلي، فمفهوم ذلك أن أباها كان في المسجد، ومفهوم هذا ان أباها كان عند النبي أو في داره. ثم فهذا الرسول الذي كان بين نبيهم وبين أبي بكر يامره بالصلاة من هو ومن أي القبائل ؟ فما نرى له اسما قط في شئ من هذه الروايات مع كونه عندهم من المهمات. ومن طرائف الحديث المذكور ان أباها أتاه الرسول عن نبيهم " ص " بالصلاة، فاشار الى عمر أن يصلي بالناس، وهذا يدل على أن أباها عرف أن الرسالة ما كانت عن النبي، أو انه علم أن التقدم في الصلاة لا فضيلة فيه وان الناس في التقدم سواء، أو انه عرف فضيلة وكان يعتقد جواز مخالفة النبي فيما يامر به، أو كان يعتقد عدم جواز مخالفته وخالف معاندة، فاي فائدة لابيها في ذلك مع سوء هذه المسالك. ومن طرائف الحديث المذكور أن عائشة هب انها تحدث بما حضرته من قول نبيهم ومرضه وأمره بالصلاة، فهذا الحديث الاخر الذي تجدد في المسجد بعد خروج النبي " ص " للصلاة عمن روته ؟ ولم تحضره ؟ فما هذا الاختلاط والافراط.

[ 230 ]

ومن طرائف الحديث المذكور أنه لم يتضمن ان أحدا راجع النبي " ص " لما أمر أن يصلي أبوها بالناس. 334 - وقد ذكر الحميدي في جملة الحديث الثاني والسبعين في رواية هشام بن عروة عن أبيه عنها أنها راجعت النبي " ص " وقالت ان أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء (1). 335 - وذكر الحميدي في جملة الحديث المذكور من رواية ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، ان عائشة قالت: وما حملني على كثره مراجعته الا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس بعده رجلا قام مقامه أبدا (2). 336 - وذكر الحميدي في الحديث المذكور من روايه الزهري عن ابي حمزه بن عبد الله بن عمر، عن عائشة انها قالت: ما بي إلا كراهية أن يتشاءم الناس باول من يقوم في مقام رسول الله " ص " (3). (قال عبد المحمود): هذا عدة اعذار ومقالات تحتاج الى عدة مقامات، ولا خلاف بين أهل الصدق منهم أن مقام الامر بالصلاة كان مقاما واحدا، ففى أي ذلك صدقت عائشة، فارى الجميع قد صححوه. ومن طرائف الحديث المذكور ان عائشة تعتقد ان رأيها لابيها أصلح من راي النبي " ص " له، وتتهم النبي في الامر له بالصلاة. ومن طرائف الحديث المذكور الذى يضحك الناس أن يكون نبيهم لما خرج على تلك الضرورة يتهادى بين رجلين ليمنع أبا بكر أن يصلي بالناس ويصلي هو بهم، فلما صلى نبيهم محمد " ص " كان أبو بكر وحده يصلي بصلاته


(1) رواه مسلم في صحيحه: 1 / 313 حديث: 93. (2) رواه البخاري في صحيحه: 5 / 140. (3) رواه مسلم في صحيحه: 1 / 313 حديث: 94.

[ 231 ]

والناس كلهم يصلون بصلاة أبي بكر، فان العقل ما يقتضي أن مسلما عارفا يكون بين يديه النبي وأبو بكر فيقتدي بابي بكر ويترك الاقتداء بالنبي، ومن فعل ذلك من المسلمين فهو معدود من السفهاء الغافلين الذين لا يعتقد عاقل بايتمامهم وانفرادهم. ومن طرائف ذلك شهادة عائشة ومن تابعها بان المسلمين كانوا يقتدون في هذه الصلاة بابى بكر، وهذا الاقتداء راجع نيات القلوب، فمن أين عرفت عائشة وأتباعها بواطن المصلين ممن اقتدوا لما خرج نبيهم محمد " ص " للصلاة ؟ ثم ان تحكيم عائشة وأتباعها في ذلك ودعواها للاطلاع على بواطن المصلين من أعظم طرائف هؤلاء المسلمين، والمصدقين لها على صفات من الغفلات. ومن طرائف الحديث المذكور أن كلما ذكره الحميدي في هذا الحديث من رواياتها يتضمن كتمانها لاسم علي بن أبي طالب عليه السلام حيث خرج نبيهم محمد " ص " يتوكا عليه، وهذا تعصب عظيم عليه، فما سبب الحقد منها على علي بن أبى طالب عليه السلام ؟ ان ذلك مما يقدح في روايتها عند ذوى البصائر والتجارب. ومن طرائف الحديث المذكور أنها ذكرت أن نبيهم لما وجد في نفسه خفة خرج ليصلي بالناس، وهذا من العجائب، فانه كيف جاز أن يقول عن نبيهم أو يصدقها أحد بانه قد دخل وقت الصلاة وصلى أبو بكر والمسلمون ونبيهم لم يصل هو ولا العباس ولا الرجل الذى أخبر عبد الله بن العباس وغيره انه علي بن أبى طالب، أفترى أن عائشة وأتباعها يقولون ان نبيهم محمد " ص " علم هو والذين كانوا معه دخل وقت الصلاة وصلى الناس ولم يصل بحسب حاله في مرضه ولا صلى العباس وعلى، أو يقولون ان المسلمين يعرفوه

[ 232 ]

بوقت دخول الصلاة ولم يستاذنوه في صلاتهم، وفي ذلك مناقضة لما تقدم من رواياتهم. ومن طرائف الحديث المذكور قولهم ان النبي " ص " خرج ليصلى بالناس ثم قولهم ان الناس كانوا بعد خروجه يقتدون في صلاتهم بابى بكر، تراهم ما استصوبوا راي نبيهم في الصلاة بهم، أو اعتقدوا ان الصلاة خلف ابى بكر بعد خروج نبيهم افضل من الصلاة خلف نبيهم، أو عرفوا ان الواجب أو الافضل الصلاة خلف نبيهم فتركوا ذلك عمدا واستخفافا بالاسلام، ان هذا مما يستطرفه ذوي البصائر والافهام وقد تقدم بعض معناه. ومن طرائف الحديث المذكور أن تقبل شهادة عائشة برواية هذا الحديث وأمثالة وأعظم منه في اقامة حرمة أبيها وتعظيم شانه وهي تجر الجاه وغيره بذلك الى نفسها، ويطعنون شهادة على بن أبى طالب والحسن والحسين لفاطمة عليهم السلام بفدك والعوالي، وقد شهدت رواياتهم بطهارتهم وعصمتهم، ويكون اولئك ممن يجر النفع الى نفسة ويتهم في روايته وشهادته، وعائشة لا تتهم في روايتها ولا يطعن في شهادتها، ان هذا من أعظم طرائف هؤلاء الطوائف. ومن طرائف الحديث المذكور انهم جعلوه من الاسباب الموجبة لتعظيم أبى بكر على الصحابة مع ما تضمنه من الاضطراب والمناقضة في الاسباب، وربما جعلوه سببا لخلافته مع ما يروون أن نبيهم محمدا " ص " قال: صلوا خلف كل بر وفاجر، ومع ما يذهبون إليه من كون شريعتهم يقضى الاذن العام من الله ورسوله لكل مسلم في التقدم للصلاة بالناس. ومما يدل على أن الامر بالصلاة خلف كل أحد من الصحابة لا يقتضي خلافة ولا أمارة ولا نحو ذلك، ان النبي " ص " كان يخرج في الغزوات والاسفار، ورووا

[ 233 ]

انه ما خرج أبدا الا وأمر من يصلى بالناس. من ذلك ما رووا أن رسول الله " ص " خرج وعين للصلاة ابا لبابه المكنى بابى منذر، وكان يصلى بالناس حتى رجع رسول الله من غزاة بدر، واستخلف عام الفتح ابن ام مكتوم الاعمى فلم يزل يصلى بالناس حتى رجع النبي، واستخلف في غزاة أحد أبا ذر الغفاري، واستخلف في غزاة الحديبية ساع بن عرقطه واستخلف في غزاة تبوك على بن ابى طالب عليه السلام وأمر ابن ام مكتوم ان يصلي بهم، واستخلف في غزاة وردان سعد بن عبادة، واستخلف في غزاة نواط سعد بن معاذ، وفى طلب كرب بن جابر الفهرى زيد حارثة وفى عزاة الفترة أبا سلمة بن الاسد المخزومى، وفى غزاة قيقاع أبا لبابة وهي غزاة المبلك ابن ام مكتوم، وفى غزاة رادم عثمان بن عفان، وفي غزاة البدر الموعد عبد الله بن رواحة، فهل اقتضى خلافة أو أمارة ؟ ولو كان ذلك يقتضي خلافة أو أمارة لكان المسلمون يحكمون بالخلافات والامارات لكل من أمره أن يكون اماما في الصلاة، ولكانوا ما يرجعون عن ذلك الا أن يقول لهم النبي " ص " ما قصدت بذلك، ولو كان ذلك تقتضي خلافة أو أمارة لذكره أبو بكر يوم السقيفة أو ذكره احد غيره، فاي فضيلة تبقى في هذا الحديث لو صح وسلم من الخلل والفساد ؟ وكيف خفى عن أهل النظر والانتقاد. ومن طرائف يدل على أن أولئك المسلمين ما كانوا يراعون اذن نبيهم " ص " في القيام مقامه في الصلاة بالناس، أو انهم كانوا يعتقدون ذلك ويقدمون على ترك اذنه، ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين في المتفق عليه من مسند المغيرة بن شعبة في الحديث الاول قال المغيرة: برز رسول الله " ص " قبل الغائط فحملت معه أداوة قبل صلاة الفحر، فلما رجع رسول الله توضأ للصلاة، ووصف المغيرة الوضوء ثم قال المغيرة: فاقبلت معه حتى نجد الناس قد قدموا

[ 234 ]

عبد الرحمن بن عوف يصلي بهم، فادرك رسول الله احدى الركعتين، فصلى، مع الناس الركعة الاخرة، فلما سلم عبد الرحمن بن عوف قام رسول الله " ص " فتمم صلاته، فافزع ذلك المسلمين، فاكثروا التسبيح - الخبر (1). 338 - وفي رواية أخرى من الحديث المذكور عن عروة بن المغيرة عن أبيه يذكر فيه انفراد رسول الله " ص " للتأهب للصلاة والوضوء، الى أن قال: ثم ركب وركبت معه فانتهينا الى القوم وقد قاموا في الصلاة يصلى بهم عبد الرحمن بن عوف وقد ركع بهم ركعة - الخبر. وذكر الحميدي في هذا الحديث أيضا رواية الزهري ان هذه الحال تجددت بين المسلمين في غزاة تبوك (2). (قال عبد المحمود): في هذا الحديث عدة طرائف: فمن طرائف ما فيه انه يشهد بتصديق الشيعة في كون أبي بكر ما كانت صلاته بالناس في مرض نبيهم باذنه، إذا صحت الرواية بذلك لان من أقدموا على التقديم على النبي والقيام مقامة في محرابه وهو صحيح من المرض يخاف ويرجى ولم يترقبوه حتى يتوضا للصلاة، فلا يستبعد منهم بل هو الذي يليق عنهم أنهم وقت مرضه وعند الياس منه يتقدمون في محرابه بغير اذنه. لا سيما وصورة الحال في خروجه على تلك الصفة من المرض تدل على أنه ما كان اذن في الصلاة بهم قبل خروجه. ومن طرائف ما فيه عزل أولئك المسلمين لنبيهم عن مقام الصلاة وقلة الاحترام له وعدم التادب معه. ومن طرائف ما فيه أنه قد كان يمكن أن يكون تأخيره لما يقتضى نسخ تلك


(1) رواه مسلم في صحيحه: 1 / 317 - 318. (2) رواه مسلم في صحيحه: 1 / 230، ومالك في الموطأ: 1 / 45.

[ 235 ]

الصلاة بالكلية أو تأخيرها أو تغيير بعض أوصافها، فان مثله لا يتهم انه يتاخر عن الصلاة في محرابه ومقامه بعد دخول وقتها الا لعذر واضح، فهلا صبروا حتى يعلموا عذره ؟ واستكشفوا عن سبب تأخره. ومن طرائف ما فيه يشهد انهم قد كانوا يعلمون ان ذلك لا يجوز واقدموا بدليل قولهم في الحديث فافزع ذلك المسلمين. ومن طرائف ما فيه أن يكون عبد الرحمن صلى بالنبي " ص " وبالمسلمين ولا يكون ذلك دالا على استحقاق الفضيلة على أبى بكر وعمر وغيره ولا سببا لخلافته بعد النبي، ويكون شهادة عائشة لابيها بالاذن في صلاة صلى أبوها بعضها وعزل عن بعض، وكان الدعوى للاذن في الصلاة مظنونا وعزل نبيهم عن مقام الصلاة معلوما، ثم يدل ذلك عندهم فضيلة أبي بكر أو خلافتة، ان ذلك مما يتعجب العقلاء منه وينفرون عنه. ومن طرائف ما فيه انهم كانوا لا يفترقون بين فضيلة الايتمام بنبيهم وبين الايتمام بابي بكر أو كانوا يفرقون ويتعمدون ترك ذلك، وكلاهما قدح في صحابة نبيهم. ومن طرائف ما فيه أنه يدل على ما تقدم من أنه لا يستبعد من أكثر الصحابة مخالفة نبيهم بعد وفاته في أوامره وتقدماته حيث أقدموا على اهماله في حياته. ومن طرائف ما فيه انه يشهد للشيعة أن ذلك لما وقع ما كان علي بن أبي طالب في جملة أولئك المسلمين، لانه لا خلاف بينهم ان نبيهم محمدا " ص " استخلفه في تلك الغزاة - أعني غزاة تبوك - وكان على مقيما بالمدينة (1). ومن طرائف ما يدل على ان أبا بكر خاصة ما كان يراعى ايضا اذن نبيهم


(1) وقد ذكر العلامة المجلسي " ره " وجوها أخر، من أراد الوقوف عليها فليراجع البحار: 28 / 130 الى 174.

[ 236 ]

محمد " ص " في القيام مقامه في الصلاة، ولا يجد في نفسة توقفا عن عزل نبيهم عن المقام الذي جعله الله لنبيهم، ولا استحيى من الله ولا من نبيهم ولا من المسلمين، ويقتضى ايضا ان اقدامه على ذلك يدل على أنه لا يستبعد منه التقدم في الصلاة في مرض نبيهم بغير اذن منه كما تقدم في حال عافيته بغير اذنه. 339 - ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما يرفعانه الى محمد بن عبد الله الى أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي، ان رسول الله ذهب الى بنى عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فحانت الصلاة فجاء المؤذن الى أبي بكر فقال: أتصلي بالناس فاقيم ؟ قال: نعم. قال: فصلى أبو بكر. فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله فخرق الصفوف حتى قام عند الصف المقدم ورجع أبو بكر القهقرى (1). (قال عبد المحمود): اما تفكر عاقل منصف في هذا الاقدام من أبى بكر على عزل رسولهم عن مقام صلاته، وعن منزل نبوته ورسالته، أما يعرف العقلاء ان منازل الانبياء ومقاماتها لا ينزلها أحد، ولا يقام فيها الا باذن الله ورسوله، أما قراوا في كتابهم " لا تقدموا بين يدي ورسوله " ؟ فهل ترى في هذا الحديث الصحيح عندهم ان أبا بكر توقف عن التقدم ؟ أو اعتذر وشاور المسلمين ؟ أيستبعد منه بعد وفاة النبي ان يقدم على طلب الرياسة والملك العقيم بغير اذن من الله ورسوله وبغير استحقاق لذلك ؟ أو يستبعد منه ان يقوم مقامه في الصلاة في مرضه بغير اذن من الله ورسوله وبغير استحقاق لذلك، وقد تقدم في الطريفة التى قبل هذا من التعجب والاعتراض ما فيه تمام الاغراض وشفاء للعقول من الامراض.


(1) مسلم في صحيحه: 1 / 317.

[ 237 ]

ما شهد به العامة على انهم خالفوا وصايا نبيهم ومن طرائف أكثر المسلمين وما شهدوا به على أنفسهم من مخالفتهم لوصايا نبيهم " ص " بعترته واقرارهم بما فعلوا من كسر حرمتهم وحرمته: 340 - ما ذكر الحميدي في الجمع بين الصحيحين في ثامن حديث من مسند عمر بن الخطاب يذكر فيه ما تجدد نبيهم محمد صليه الله عليه وآله في الخلافة، يقول فيه عمر ما هذا لفظه: ثم انه بلغني أن قائلا منكم يقول: لو مات عمر بايعت فلانا، فلا يغترن أمرء أن يقول انما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ألا وانها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى المسلمين شرها ان الانصار خالفونا واجتمعوا باسرهم في سقيفة بني ساعدة وخالف عنا علي والزبير ومن معهما، ثم قال: بعد كلام لا حاجة الى ذكره، فقلت: يا أبا بكر انطلق بنا الى اخواننا هؤلاء من الانصار، وذكر اتيانهم إليه. وحكى في الحديث عمر عن أبي بكر انه قال: قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيهما شئتم، قال عمر: فاخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا. ثم قال بعد كلام: فقال قائل من الانصار: منا أمير ومنكم أمير، فكثر اللغط وارتفعت الاصوات حتى فرقت من الاختلاف، فقلت أبسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته، ثم قال عمر بعد كلام له: ونزونا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة، فقلت: قتل الله سعد بن عبادة. قال عمر: انا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمرنا أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا ان فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلا منهم بعدنا، فاما بايعناهم على ما لا ترضى واما نخالفهم فيكون فسادا، فمن بايع رجلا

[ 238 ]

على غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن قتلا (1). (قال عبد المحمود): حكى عمر بن شيبة في كتاب السقيفة عن أبى عبيدة ان قول عمر تغرة يقتلا، يعنى أرى في بيعتهما تغريرا لانفسهما بالقتل. 341 - وروى الحميدي في سادس حديث من المتفق عليه من مسند أبى بكر قال: ومكثت فاطمة بعد رسول الله " ص " ستة أشهر ثم توفيت، قالت عائشة: وكان لعلي وجهة بين الناس في حياة فاطمة، فلما توفيت فاطمة انصرفت وجوه الناس عن على عليه السلام. وفي حديث عروة فلما راى علي انصراف وجوه الناس عنه ضرع الى مصالحة أبى بكر فقال رجل للزهري: فلم يبايعه علي ستة أشهر، فقال: لا والله ولا أحد من بني هاشم حتى بايعه على. قال: فارسل الى ابى بكر: ءأتنا ولا تاتنا معك احد فكره ان ياتيه عمر لانه علم من شدة عمر فقال عمر: لا تاتهم وحدك. 342 - وذكر الطبري في تاريخه قال: أتى عمر بن الخطاب منزل علي وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين فقال: والله لاحرقن عليكم أو لتخرجن الى البيعة، فخرج عليه الزبير مصلتا بالسيف فعثر فسقط السيف من يده فوثبوا عليه فاخذوه (3). 343 - وذكر الواقدي: ان عمر جاء الى علي في عصابة منهم أسيد بن


(1) رواه البخاري في صحيحه: كتاب المحاربين أهل الكفر والردة باب رجم الحبلى في الزنا 8 / 25 - 28، والطبري في تاريخه: 3 / 200، وابن أبى الحديد في الشرح: 2 / 24، والشهرستانى في الملل والنحل: 1 / 24، وابن الاثير في النهاية: 3 / 467. (2) رواه مسلم في صحيحه: 3 / 1380، والبخاري في صحيحه: 5 / 139، واحقاق الحق عنه: 2 / 369. (3) الطبري في تاريخه: 3 / 198.

[ 239 ]

الحصين وسلمة بن سلامة الاشهلى فقال: أخرجوا أو لنحرقنها عليكم (1). 344 - وذكر ابن جيرانة في غرره قال زيد بن أسلم: كنت ممن حمل الحطب مع عمر الى باب فاطمة حين امتنع علي وأصحابه عن البيعة أن يبايعوا، فقال عمر لفاطمة: أخرجي من في البيت والا أحرقته ومن فيه، قال: وفي البيت علي والحسن والحسين وجماعة من أصحاب النبي، فقالت فاطمة: أفتحرق على ولدى ؟ فقال: اي والله أو ليخرجن وليبايعن (2). 345 - وروى ابن عبد ربه وهو رجل معتزلي من أعيان المخالفين وممن لايتهم في روايته عن أبى بكر وعمر قال في الجزء الرابع في كتاب العقد الفريد عند ذكر أسماء جماعة تخلفوا عن بيعة أبى بكر فقال ما هذا لفظه: واما علي والعباس والزبير فقعدوا في بيت فاطمة حتى بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجهم من بيت فاطمة، وقال: له ان أبوا فقاتلهم، فاقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار، فلقيته فاطمة فقالت: يا بن الخطاب أجئت لتحرق دارنا ؟ قال: نعم أو تدخلوا فيما دخلت فيه الامة (3). وروى مثل ذلك صاحب كتاب انفاس المحامل ونفائس الجواهر عن ابن سهلوه وقد ذكر عمر بن شيبة وهو من أعيان علمائهم في كتابه الذى سماه كتاب السقيفة طرفا من القبائح العظام التى جرت على بنى هاشم وعلى وفاطمة والحسنين عليهم السلام في ذلك المقام (قال عبد المحمود): في هذه الاحاديث عدة طرائف: فمن طرائف الاحاديث المذكورة شهادتهم بصحة ما شهد به عمر من كون


(1) رواه الشهيد التسترى في احقاق الحق عنه: 2 / 370. (2) رواه الشهيد التسترى في احقاق الحق: 2 / 373. (3) العقد الفريد: 3 / 63 ط مصر، وروى هذا الحديث ابن قتيبة في الامامة والسياسة 1 / 19.

[ 240 ]

بيعة أبى بكر كانت فلتة بغير مشورة في المتفق عليه من صحيح مسلم والبخاري وإذا كانت قد وقعت فلتة بغير مشورة من المسلمين ولا اتفاق كما شهد عمر وكما تضمنه الاحاديث المذكورة، فكيف صحت في مذهب القائلين بالاختيار ؟ لو لا عمى القلوب وفساد الاعتبار. ومن طرائف الاحاديث المذكورة ذم عمر لبيعة أبى بكر ووصفها بانها كانت ذات شر ولكن الله وقى شرها، وعمر هو الذى عقدها، وتقدم رواياتهم لذلك. ومن طرائف الاحاديث المذكورة أن يكون بايع تلك البيعة يستحق القتل (1) والانكار عليه، ويكون عمر مصيبا مشكورا في مبايعته لابي بكر. ومن طرائف ذلك ان هذا كله لا يكون طعنا على أبى بكر ولا عمر ولا ذكر الصحابة بسوء، ولو كان قد وقع هذا الكلام في حق أبى بكر من العباس أو علي عليه السلام أو بعض بنى هاشم أو أتباعهم، لحكموا بضلال من وقع ذلك منه وعداوته لابي بكر وخروجه عن حكم الاسلام " ولله در القائل ": وعين الرضا عن كل عيب كليلة * ولكن عين السخط تبدي المساويا ومن طرائف الاحاديث المذكورة شهادتهم ان الانصار خالفوه باسرهم وعلي عليه السلام ومن معه ثم بايع عمر وحده لابي بكر، وتقدم على ذلك قبل حضور علي والزبير ومن معهما وقبل اتفاق الانصار، فكيف يكون ذلك صحيحا عند عاقل ؟ ليت شعري من جعل لعمر هذا الحكم والتقدم على المسلمين من غاب ومن حضر، وأي بلاء جرى على الاسلام بهذه العجلة وأي ضرر ؟ وان دعواهم بصحة بيعتة من أعظم البهت الهائل عند كل عاقل. ومن طرائف الاحاديث المذكورة شهادتهم وتصديقهم أن الصحابة ضلوا بعد نبيهم محمد " ص " على ثلاث فرق أو ضل منهم فرقتان، فليت شعرى أيها


(1) اشارة الى قوله حيث قال " فمن عاد الى مثلها فاقتلوه ".

[ 241 ]

الضالة ؟ الانصار حين خالفوهم باسرها أو عمر أو المهاجرون حين خالفوهم أو على عليه السلام وبنو هاشم حين خالفوا وتاخروا البيعة ستة أشهر، ولو كان قد عمل هاهنا بقول نبيهم في الثقلين والتمسك بهما وان عترته لا تفارق كتابه وكان قد وافق بنى هاشم كان قد حصل الامان من الضلال وسلمت الاخبار الصحاح من الاختلاف والاختلال. ومن العجب انهم رووا في كتبهم المعتبرة أن نبيهم محمدا صلى الله عليه وآله قد شهد بضلال الفريقين المخالفين لعلي بن أبى طالب عليه السلام. 346 - فمن ذلك ما رواه أبو بكر بن مردويه، قال أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد السرى بن يحيى التميمي، حدثنا المنذر بن محمد بن المنذر، حدثنا أبى، حدثنا عمي الحسين بن سعيد بن أبى الجهم، حدثنى أبى عن أبان بن تغلب عن مسلم قال: سمعت أبا ذر والمقداد بن الاسود وسلمان الفارسي قالوا: كنا قعودا عند رسول الله " ص " ما معنا غيرنا، إذ أقبل ثلاثة رهط من المهاجرين البدريين، فقال رسول الله: تفترق أمتي بعدى ثلاث فرق، فرقة أهل حق لا يشوبونه بباطل مثلهم كمثل الذهب كلما فتنته بالنار ازداد جودة وطيبا وامامهم هذا احد الثلاثة وهو الذى أمر الله به في كتابه " اماما ورحمة "، وفرقة أهل باطل لا يشوبونه بحق مثلهم كمثل خبث الحديد كلما فتنته بالنار ازداد خبثا وأمامهم هذا أحد الثلاثة، وفرقة أهل ضلالة مذبذبين بين ذلك لا الى هؤلاء ولا الى هؤلاء وامامهم هذا أحد الثلاثة. فسألتهم عن أهل الحق وامامهم. فقال: هذا علي أبى طالب امام المتقين، وأمسك عن الاثنين فجهدت أن يسميهما فلم يفعل (1). وروى هذا الحديث أخطب خوارزم موفق بن أحمد، ورواه أيضا أبو الفرج المعافا ابن زكريا وهو شيخ البخاري.


(1) رواه السيد عنه في اليقين: 181 - 182.

[ 242 ]

(قال عبد المحمود): فهل ترى نبيهم ترك لهم عذرا مقبولا في مخالفة علي بن ابى طالب عليه السلام ؟ وهل ترى أقبح من ضلالهم وسوء حالهم ؟ ومن طرائف الاحاديث المذكورة شهادة عمر ومن تابعه على الصحابة بانهم كلهم على دين واحد ومجمعين على أمر واحد في عدم امتثال قول نبيهم " ص " في عترته عليهم السلام ولا كان فيهم مروة ولا حياء حيث سارعوا الى تعجيل مخالفته وتغيير أقواله وشريعته. ومن طرائف الاحاديث المذكورة شهادة عمر ومن صحح الحديث، على أن الحاضرين في السقيفة كانوا يشهدون ان جميعهم مجمعون على أن الخلافة يستحقها غير أبى بكر، وأنه لم يكن عندهم بمنزلة من يصلح للخلافة ولا يشاور فيها، بدليل انهم شرعوا فيها وجرى حديث عقدها لبعض من حضر منهم (1)، ولم يبعثوا الى أبى بكر يحضرونه ولا استشاروه، وهذا يلزم من اعتقد ان مبايعتهم حجة وأنهم كانوا على صواب، فان كان أجماعهم وشهادتهم حقا فقد تقدمت اجماعهم وشهادتهم على ان الخليفة منهم وان أبا بكر خارج عنهم، وان كان يصح انهم يشهدون ويجمعون على محال فكذا يمكن ان يكون مبايعتهم على فساد واختلال، فلا يكون اجماعهم حجة في شئ من الاحوال والاعمال. ومن طرائف الاحاديث المذكورة شهادة عمر انه لم يطلب له ولا لابي بكر أحد ولا اختارهما ولا قصدهما، وانهما مضيا بانفسهما يطلبان الملك والخلافة ويتوصلان فيهما، ولو كانا ثقة من أنفسهما أنهما يصلحان للخلافة أو يوصلهما أحد لذلك للزما منازلهما حتى ياتيهما الناس كما فعل على " ع " وبنو هاشم. ومن طرائف الاحاديث شهادته وشهادة من يشهد بصحة الحديث ان أبا بكر وحده ابتدء باختيار خليفة اما عمر أو أبى عبيدة.


(1) وهو سعد بن عبادة حيث أجمع الانصار كلهم على مبايعته.

[ 243 ]

ومن طرائف ذلك تعيين أبى بكر على عمر وأبى عبيدة واختياره لهما ثم موافقته لعمر على ان يرجع عنهما ويعتقد الخلافة لنفسه، فليت شعرى حيث اختارهما اما كان يعلم انهما اصلح لامة نبيهم " ص " واقوم بالخلافة منه فان كان اختارهما لانهما اصلح للامة منه فكيف خان الامة وعدل عنهما وهما أصلح، وان كان اختارهما مع أنه يعلم أنه اصلح للامة منهما فقد خان الله ورسوله والمسلمين كيف اختار لهما غير الاصلح وعدل عن نفسه وقد كان يجب ان يسكت أو يحتج لنفسه بانه أقوم للخلافة ولا يعين بالخلافة على عمر ولا على أبى عبيدة لانه على بصيرة من باطنه ولا يعلم بباطن غيره، فكيف رضوا بهذه المناقضة والاختلاف وشهدوا على خليفتهم بعدم الانصاف وخيانة الله ورسوله والمسلمين. ومن طرائف ذلك أن أبا بكر يختار لخلافة المسلمين عمر وأبا عبيدة، فيرد عمر ومن وافقه على خلافة أبى بكر اختيار أبى بكر ويطعنون على اختياره لهم ويرون اختيارهم له أحسن من اختياره، فكان طعنهم وردهم الاختيار لهم طعنا عليهم في اختيارهم له، ويزيد ذلك بيانا ان الذين ذهبوا الى ان سبب خلافة أبى بكر اختيار السقيفة له يلزمهم انه إذا بطل اختيار أهل السقيفة أو كان فاسدا ان يفسد خلافة أبى بكر، وقد أوضحت لك ان اختيارهم له كان خلاف اختياره لهم فكان ذلك مشهودا بسوء اختيارهم له وبسوء اختياره لهم حيث قبل اختيارهم ومبايعتهم له فبطل اختيارهم واختياره وبطل بذلك حكم خلافته، وهذا واضح لمن اطلع على الحقيقة. ومن طرائف الاحاديث المذكورة ان الانصار كرهت ذلك ولم تقنع الا ان يكون منهم أمير ومن المهاجرين أمير. ومن طرائف الاحاديث المذكورة أن عمر شهد أنه بايع أبا بكر خوفا من الاختلاف، ولم يكن ذلك لانه احق ممن غاب أو حضر.

[ 244 ]

ومن طرائف الاحاديث المذكورة شهادة عمر على الانصار بانهم قد كانوا من الجهالة والضلالة الى أنهم يجيزون ان يكون للناس امامان في وقت واحد. ومن طرائف الاحاديث المذكورة انهم يطفرون وينزون على سعد بن عبادة كفعل السفهاء والطغام، وان مجلسهم قد كان خاليا من آداب ذوي العقول و الاحلام. ومن طرائف الاحاديث المذكورة دعاء عمر على سعد بن عبادة بالقتل وهو رجل مسلم من أعيان الصحابة، وقد أمر الاسلام ان يحب المسلم لاخيه ما يحب لنفسة ويكره لاخيه ما يكره لنفسه. 347 - ومع ما رواه الحميدى في الحديث الخامس والخمسين بعد المائة من مسند عبد الله بن عمر من المتفق عليه، ان النبي " ص " سال عن سعد بن عبادة وكان سعد مريضا وقال: كيف أخي سعد بن عبادة، وان النبي عاده في مرضه وبكى عليه وأبكى الصحابة (1). فاين هذا الاكرام بسعد بن عبادة من النبي " ص " من استخفاف عمر به ودعائه عليه. ومن طرائف الاحاديث المذكورة شهادة عمر وشهادة من صحح حديثه أن عمر كان يعلم ان الانصار غير راضية بابى بكر وانه لو فارقهم خاف أن يبايعوا غيره، وأنه لو بايعوا غيره ما كان راضيا بذلك، فمن جعل له هذا الحكم على المسلمين وهذا الاختلاف مما لا يليق بالورع والدين. ومن طرائف الاحاديث المذكورة شهادتهم على الصحابة انهم ما يعرفون حق علي، أو كانوا يعرفون ولا يعملون بما أمرهم نبيهم محمد " ص " في تعظيمه، وقد تقدمت بعض الروايات عنهم بتعظيم علي وبالغوا في ذلك، ثم رووا ههنا انهم كانوا يراقبونه لمكان جاه فاطمة فحسب، وهذه شهادة عظيمة وأساءة جسيمة إليه. ومن طرائف الاحاديث المذكورة شهادتهم ان عليا عليه السلام وبنى هاشم


(1) رواه مسلم في صحيحه: 2 / 637.

[ 245 ]

ما بايعوا أبا بكر الا عجزا عن الانتصار ومع عدم الانصار من غير اتفاق ولا رضى بمبايعة أبى بكر. ومن طرائف الاحاديث المذكورة شهادتهم أن بنى هاشم تأخروا ستة أشهر عن بيعته، ولو كان تأخرهم لشبهة أو غير حق ما كان يبلغ التاخر الى هذه المدة الطويلة التى يشهد لسان حالها ان بنى هاشم كانوا يعتقدون ويتحققون ان الخلافة لهم وأنهم مظلومون وفيهم أحد الثقلين الذين أوصى نبيهم بالتمسك بهما. ومن طرائف الاحاديث المذكورة شهادتهم أن بنى هاشم كانوا كلهم عارفين ان الحق لعلي عليه السلام وموافقين له، وانهم ما بايعوا أبا بكر ولا واحد منهم حتى بايعه على عليه السلام. ومن طرائف الاحاديث المذكورة انفاذ علي الى أبى بكر ان ياتيه ولم يكن عنده اهلا يمضى إليه، ولو كان يعتقد خلافته لمضى إليه. ومن طرائف الاحاديث المذكورة شهادة البخاري ومسلم بما كان عند بنى هاشم من سوء الاعتقاد في عمر وكراهيتهم لامامته وانه على خلاف ابى بكر وعلى خلافهم. ومن طرائف الاحاديث المذكورة خوف عمر على أبى بكر القتل وسوء الظن ببنى هاشم وقوله لا تأتيهم وحدك، فاى صفاء يدعيه أحد بين بنى هاشم وأبى بكر وعمر وقد بلغ الامر بينهم الى هذه الاكدار والعداوة بشهادة البخاري ومسلم اللذين يتهمان عندهم في نقل الاخبار والاثار. ومن طرائف الاحاديث المذكورة ما ذكره الطبري والواقدي وصاحب الغرر المقدم ذكرهم من القصد الى بيت فاطمة وعلي والحسن والحسين عليهم السلام بالاحراق، اين هذه الافعال المنكرة من تلك الوصايا المتكررة من نبيهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ؟ وأين ما تقدم ذكره من رواياتهم في صحاحهم

[ 246 ]

ولا اعتقد أن امة بلغت بعد نبيها في الاستخفاف بدينه وأهل بيته الى ما بلغ هؤلاء القوم، وأنا ما اعتقد نبيا بالغ في الوصية باهل بيته ومدحهم أعظم مما بالغ فيه محمد " ص " نبيهم. ومن أطرف الطرائف قصدهم لاحراق علي والعباس بالنار في قوله: فاقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهما وقد كان في البيت فاطمة. وفي رواية اخرى انه كان معهم في البيت الزبير والحسن والحسين عليهما السلام وجماعة من بنى هاشم لاجل تأخرهم عن بيعة أبى بكر وطعنهم فيها، أما ينظر أهل العقول الصحيحة من المسلمين ان محمدا " ص " كان أفضل الخلائق عندهم ونبوته أهم النبوات ومبايعته أوجب المبايعات، ومع هذا فانه بعث الى قوم يعبدون الاصنام والاحجار وغيرهم من أصناف الملحدين والكفار، وما سمعناه أنه استحل ولا استجاز ولا رضي ان يامر باحراق من تأخر عن نبوته وبيعته، فكيف بلغت العداوة لاهل بيته والحسد لهم والاهمال لوصيته بهم الى ان يواجهوا ويتهددوا أن يحرقوا بالنار، وقد شهدت العقول أن بيعة كانت على هذه الصفات وان اكراه الناس عليها بخلاف الشرائع والنبوات والعادات لبيعة محكوم بفساد أهلها ووجوب حلها، فهل ترى يوم السقيفة وما جرى فيه كان من شيم الابرار أو من مغالبة الجاهلية الاشرار. ومن عجيب ما رووه من المناقضة لذلك ما رواه أحمد بن حنبل في الجزء الرابع من مسند عبد الله بن مسعود قال: كنا مع رسول الله " ص " فمررنا بقرية نمل فاحرقت فقال النبي: لا ينبغى لبشر أن يعذب بعذاب الله تعالى. (قال عبد المحمود): وكيف كان أهل بيت النبوة أهون من النمل ؟ وكيف ذكروا أنهم يعذبونهم بعذاب الله تعالى من الحريق بالنار ؟ والله ان هذه الامور من أعظم عجائب الدهور.

[ 247 ]

(قال عبد المحمود): فهل يشك عاقل مع هذا أن بيعة أبى بكر كانت فلتة كما قال عمر ومغالبة ومنافسة في طلب الدنيا، ولم يكن بمشاورة من المسلمين ولا مراعاة لاوامر الشرع والدين وما أقرب هذه الاحوال بما تضمنه كتابهم " وما محمد الا رسول قد خلت قبله الرسل أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين " (1). ومن طرائف ما يوضح ان ظلم عمر لاهل البيت قد كان محققا مشهورا بين الولي والعدو. 348 - ما ذكره البلاذري في تاريخه قال: لما قتل الحسين بن على بن أبى طالب كتب عبد الله بن عمر الى يزيد بن معاوية " أما بعد: فقد عظمت الرزية وجلت المصيبة وحدث في الاسلام حدث عظيم ولا يوم كيوم الحسين ". فكتب إليه يزيد: " يا احمق ! فانا جئنا الى بيوت متخذة وفرش ممهدة ووسائد منضدة فقاتلنا عليها، فان يكن الحق لنا فعن حقنا قاتلنا، وان يكن الحق لغيرنا فأبوك اول من سن هذا وآثر واستاثر بالحق على أهله ". فيما جرى على فاطمة عليها السلام من الاذى والظلم ومنعها من فدك ومن الطرائف العجيبة ما تجددت على فاطمة عليها السلام بنت محمد " ص " نبيهم من الاذى والظلم وكسر حرمتها وحرمة أبيها والاستخفاف بتعظيمه لها وتزكيتها، كما تقدمت رواياتهم عنه في حقها من الشهادة بطهارتها وجلالتها وشرفها سائر النسوان وأنها سيده نساء أهل الجنة.


(1) آل عمران: 144. (*)

[ 248 ]

فذكر أصحاب التواريخ في ذلك رسالة طويلة تتضمن صورة الحال أمر المأمون الخليفة العباسي بانشائها وقراءتها في موسم الحج. وقد ذكرها صاحب التاريخ المعروف بالعباسي وأشار الروحي الفقيه صاحب التاريخ الى ذلك في حوادث سنة ثمانى عشرة ومائتين جملتها، ان جماعة من ولد الحسن والحسين عليهما السلام رفعوا قصة الى المأمون الخليفة العباسي من بنى العباس يذكرون أن فدك والعوالي كانت لامهم فاطمة بنت محمد " ص " نبيهم، وان ابا بكر أخرج يدها عنها بغير حق، وسالوا المأمون انصافهم وكشف ظلامتهم، فاحضر المأمون مائتي رجل من علماء الحجاز والعراق وغيرهم وهو يؤكد عليهم في أداء الامالة واتباع الصدق، وعرفهم ما ذكره ورثة فاطمة في قضيتهم وسالهم عما عندهم من الحديث الصحيح في ذلك. فروى غير واحد منهم عن بشير بن الوليد والواقدي وبشر بن عتاب في أحاديث يرفعونها الى محمد " ص " نبيهم لما فتح خيبر اصطفى لنفسه قرى من قرى اليهود، فنزل عليه جبرئيل عليه السلام بهذه الاية " وآت ذا القربى حقه " فقال محمد " ص ": ومن ذو القربى وما حقة ؟ قال: فاطمة عليها السلام تدفع إليها فدك، فدفع إليها فدك ثم أعطاها العوالي بعد ذلك، فاستغلتها حتى توفى أبوها محمد " ص " فلما بويع أبو بكر منعها أبو بكر منها، فكلمته فاطمة عليها السلام في رد فدك والعوالى عليها وقالت له: انها لى وان أبى دفعها إلى. فقال أبو بكر: ولا أمنعك ما دفع اليك ابوك. فاراد ان يكتب لها كتابا فاستوقفه عمر بن الخطاب وقال: انها امراة فادعها بالبينة على ما ادعت، فامر أبو بكر أن تفعل، فجاءت بام أيمن وأسماء بنت عميس مع علي بن أبى طالب عليه السلام فشهدوا لها جميعا بذلك، فكتب لها أبو بكر، فبلغ ذلك فاتاه فاخبره أبو بكر الخبر، فاخذ الصحيفة فمحاها فقال: ان فاطمة امراة وعلي بن أبى طالب زوجها وهو جار الى نفسه ولا يكون

[ 249 ]

بشهادة امراتين دون رجل. فارسل أبو بكر الى فاطمة عليها السلام فاعلمها بذلك، فحلفت بالله الذي لا اله الا هو انهم ما شهدوا الا بالحق. فقال أبو بكر: فلعل ان تكوني صادقة ولكن احضري شاهدا لا يجر الى نفسه. فقالت فاطمة: ألم تسمعا من أبى رسول الله " ص " يقول: أسماء بنت عميس وأم أيمن من أهل الجنة ؟ فقالا: بلى. فقالت: امراتان من الجنة تشهدان بباطل ! فانصرفت صارخة تنادي أباها وتقول: قد أخبرني أبى باني أول من يلحق به، فو الله لاشكونهما، فلم تلبث أن مرضت فاوصت عليا أن لا يصليا عليها وهجرتهما فلم تكلمهما حتى ماتت، فدفنها علي عليه السلام والعباس ليلا. فدفع المأمون الجماعة عن مجلسه اليوم، ثم أحضر في اليوم الاخر ألف رجل من أهل الفقه والعلم وشرح لهم الحال وأمرهم بتقوى الله ومراقبته، فتناظروا واستظهروا ثم افترقوا فرقتين، فقالت طائفة منهم: الزوج عندنا جار الى نفسه فلا شهادة له ولكنا نرى يمين فاطمة قد أوجبت لها ما ادعت مع شهادة الامرأتين، وقالت طائفة: نرى اليمين مع الشهادة لا توجب حكما ولكن شهادة الزوج عندنا جائزة ولا نراه جارا الى نفسه، فقد وجب بشهادته مع شهادة الامرأتين لفاطمة عليها السلام ما ادعت، فكان اختلاف الطائفتين اجماعا منهما على استحقاق فاطمة عليها السلام فدك والعوالي. فسألهم المأمون بعد ذلك عن فضائل لعلى بن أبى طالب عليه السلام، فذكروا منها طرفا جليلة قد تضمنه رسالة المأمون، وسالهم عن فاطمة عليها السلام فرووا لها عن أبيها فضائل جميلة، وسالهم عن ام أيمن وأسماء بنت عميس فرووا عن نبيهم محمد " ص " انهما من أهل الجنة، فقال المأمون: أيجوز أن يقال أو يعتقد أن علي بن أبي طالب مع ورعه وزهده يشهد لفاطمة بغير حق ؟ وقد

[ 250 ]

شهد الله تعالى ورسوله بهذه الفضائل له، أو يجوز مع علمه وفضله ان يقال انه يمشي في شهادة وهو يجهل الحكم فيها ؟ وهل يجوز أن يقال ان فاطمة مع طهارتها وعصمتها وانها سيدة نساء العالمين وسيده نساء أهل الجنة كما رويتم تطلب شيئا ليس لها تظلم فيه جميع المسلمين وتقسم عليه بالله الذي لا اله الا هو ؟ أو يجوز أن يقال عن أم ايمن وأسماء بنت عميس انهما شهدتا بالزور وهما من أهل الجنة ؟ ان الطعن على فاطمة وشهودها طعن على كتاب الله والحاد في دين الله، حاشا الله ان يكون ذلك كذلك. ثم عارضهم المأمون بحديث رووه أن علي بن ابى طالب عليه السلام أقام مناديا بعد وفاة محمد " ص " نبيهم ينادي: من كان له على رسول الله " ص " دين أو عدة فليحضر، فحضر جماعة فاعطاهم على بن ابي طالب عليه السلام ما ذكروه بغير بينة، وان أبا بكر أمر مناديا ينادي بمثل ذلك فحضر جرير بن عبد الله وادعى على نبيهم عدة فاعطاها أبو بكر بغير بينة، وحضر جابر بن عبد الله وذكر أن نبيهم وعده أن يحثو له ثلاث حثوات من مال البحرين، فلما قدم مال البحرين بعد وفاة نبيهم اعطاه أبو بكر الثلاث الحثوات بدعواه بغير بينة. (قال عبد المحمود): وقد ذكر الحميدي هذا الحديث في الجمع بين الصحيحين في الحديث التاسع من أفراد مسلم من مسند جابر وان جابرا قال: فعددتها فإذا هي خمسمائة فقال أبو بكر خذ مثليها (1). قال رواة رسالة المأمون: فتعجب المأمون من ذلك وقال: أما كانت فاطمة وشهودها يجرون مجرى جرير بن عبد الله وجابر بن عبد الله، ثم تقدم بسطر الرسالة المشار إليها وأمر أن تقرا بالموسم على رؤوس الاشهاد، وجعل فدك والعوالي في يد محمد بن يحيى بن الحسين بن على بن الحسن بن على بن ابى


(1) مسلم في صحيحه: 4 / 1807.

[ 251 ]

طالب عليه السلام يعمرها ويستغلها ويقسم دخلها بين ورثة فاطمة بنت محمد " ص " نبيهم. ومن طرائف صحيح الاجوبة في ترك علي بن ابى طالب عليه السلام لاستعادة فدك لما بويع له بالخلافة. 349 - ما ذكره ابن بابويه في أوائل كتاب العلل في باب العلة التى من أجلها ترك أمير المؤمنين " ع " فدك ولى الناس باسناده الى أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام يعنى جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام قال: قلت له لم لم ياخذ أمير المؤمنين عليه السلام فدك لما ولى الناس ولاي علة تركها ؟ فقال: لان الظالم والمظلومة قد كانا قدما على الله عز وجل، واثاب الله المظلومة وعاقب الظالم، فكره أن يسترجع شيئا قد عاقب الله عليه غاصبه وأثاب عليه المغصوبة. وذكر أيضا في الباب المذكور جوابا آخر، ورواه باسناده الى ابراهيم الكرخي قال: سالت أبا عبد الله عليه السلام فقلت له: لاي علة ترك أمير المؤمنين فدك لما ولي الناس فقال: للاقتداء برسول الله " ص " لما فتح مكة وقد باع عقيل أبى طالب داره، فقيل له: يا رسول الله ألا ترجع الى دارك ؟ فقال " ص " وهل ترك عقيل لنا دارا، انا أهل بيت لا نسترجع شيئا يؤخذ منا ظلما، فلذلك لم يسترجع فدك لما ولى. وذكر أيضا في الباب المذكور جوابا ثالثا باسناده الى علي بن فضال عن أبيه عن أبى الحسن يعنى موسى بن الكاظم عليهما السلام قال: سألته عن أمير المؤمنين لم لم يسترجع فدك لما ولي الناس ؟ فقال: لانا أهل بيت لا ناخذ حقوقنا ممن ظلمنا الا هو (يعني الا الله) ونحن اولياء قوله المؤمنين انما نحكم لهم

[ 252 ]

وناخذ حقوقهم ممن ظلمهم ولا ناخذ لانفسنا (1). (قال عبد المحمود): ما زلت أسمع علماء اهل البيت عليهم السلام يتالمون من أبى بكر وعمر باخذ فدك من أمهم وقد وقفت على كتب لهم وروايات كثيرة عن سلفهم حتى أنهم يراعون حفظ حدود فدك كما يراعي المظلوم حفظ حدود ضيعته وملكه إذا غصب منه. 350 - ومن ذلك ما رواه علي بن اسباط سئل أنه موسى بن جعفر عليه السلام عن حدود فدك فقال: حدها الاول عرش مصر والحد الثاني دومة الجندل والحد الثالث تيما والحد الرابع جبال أحد من المدينة (2) 351 - ومن ذلك ما رواه على بن اسباط رفعه الى الرضا عليه السلام ان رجلا من أولاد البرامكة عرض لعلي بن موسى الرضا عليه السلام فقال له: ما تقول في أبى بكر ؟ قال له: سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله أكبر، فالح السائل عليه في كشف الجواب، فقال عليه السلام: كانت لنا أم صالحة ماتت وهى عليهما ساخطة ولم ياتنا بعد موتها خبر أنها رضيت عنهما. (قال عبد المحمود): وعلماء أهل البيت عليهم السلام لا يحصى عددهم وعدد شيعتهم الا الله تعالى، وما رايت ولا سمعت عنهم انهم يختلفون في ان أبا بكر وعمر ظلما امهم فاطمة عليها السلام ظلما عظيما. وذكر أبو هلال العسكري في كتاب أخبار الاوائل ان أول من رد فدكا على ورثة فاطمة عليها السلام عمر بن عبد العزيز، وكان معاوية أقطعها لمروان ابن الحكم وعمرو بن عثمان ويزيد بن معاوية وجعلها بينهم أثلاثا، ثم قبضت من ورثة فاطمة فردها عليهم السفاح، ثم قبضت فردها عليهم المهدى، ثم قبضت فردها عليهم المأمون كما تقدم شرحه.


(1) علل الشرائع: 1 / 154 - 155. (2) راجع الكافي للكليني: 1 / 456.

[ 253 ]

ومن غير كتاب أبى هلال العسكري بل في تواريخ متفرقة أنها قبضت منهم بعد المأمون فردها عليهم الواثق، ثم قبضت فردها عليهم المستعين ثم قبضت فردها عليهم المعتمد، ثم قبضت فردها المعتضد، ثم قبضت فردها عليهم الراضي. (قال عبد المحمود): ومن طريف ما رايت المناقضة في ذلك ان أبا بكر وعمر يردان شهادة على بن ابى طالب عليه السلام ويقولان انه يجر الى نفسه، وقد عرف أهل الملل والعارفون باحوال الاسلام ان علي بن ابى طالب عليه السلام ما كان طالبا للدنيا ولا راغبا فيها ولا متكلا عليها كما فعل أبو بكر وعمر حتى يقال انه يجر الى نفسه. ومن طريف أن يكون الله العالم بالسرائر يشهد لعلى بن أبى طالب عليه السلام على لسان رسولهم على ما ذكروه في صحاحهم وقد تقدم بعضه أن على بن أبى طالب عليه السلام ممدوح مزكى في الحياة وبعد الوفاة وأنه أفضل الصحابة، فان جاز الشك في علي عليه السلام الموصوف بتلك الصفات فانما هو شك فيمن أسندوا إليه تلك الروايات وتكذيب لانفسهم فيما صححوه، ونقص للاسلام الذي مدحوه. ومن طريف ذلك أن تسقط شهادة علي عليه السلام بدعوى أنه يجر الى نفسه، ويشهد أبو بكر ان ميراث محمد " ص " للمسلمين، فإذا كان أبو بكر من المسلمين فله في ميراثه حصة ولكل من وافقه في الشهادة بذلك، فكيف لا يكونون جارين الى انفسهم ؟ وكيف لا يبطل شهادة أبي بكر وهو في تلك الحال يزعم انه وكيل المسلمين وشاهد لهم وشاهد لنفسه ومدع لثبوت يده على فدك والعوالي، ولا يكون بعض هذه الامور القادحة في الشهادات مبطلا لشهادته ولا جارا الى نفسه ولا مسقطا لروايته. ان ذلك من طرائف ما ادعاه المسلمون

[ 254 ]

وعجائب السلف الماضين. 352 - ومن طريف مناقضاتهم ما رووه في كتبهم الصحيحة عندهم برجالهم عن مشايخهم حتى أسندوه عن سيد الحفاظ يعنون ابن مردويه قال: أخبرنا محيى السنة أبو الفتح عبدوس بن عبد الله الهمداني اجازة قال: حدثنا القاضى أبو نصر شعيب بن على قال: حدثنا موسى بن سعيد قال: حدثنا الوليد بن علي قال: حدثنا عباد بن يعقوب عن ابن عباس عن فضيل عن عطية عن أبى سعيد قال: لما نزلت هذه الاية " وآت ذا القربى حقه " (1) دعا رسول الله " ص " فاطمة فاعطاها فدكا (2). (قال عبد المحمود): فهل ترى عذرا في منع فاطمة عليها السلام من فدك ؟ وهل تراهم الا قد شهدوا بتصديقها ثم منعوها وكذبوها ؟ وهل ترى شكا فيما ترويه الشيعة من ظلمها ودفعها من حقها ؟. ومن طريف مناقضتهم ايضا في ذلك واقرارهم بظهور حجة الله وحجة رسوله وحجة فاطمة عليهم، ومبالغتهم في اعترافهم ببطلان أعذارهم في منع فاطمة من فدك. 353 - ما ذكره المسمى صدر الائمة عندهم فخر خوارزم موفق بن احمد المكي في كتابه قال ما هذا لفظه: ومما سمعت في المقادير باسنادى عن ابن عباس رضى الله عنه قال: قال رسول الله " ص ": يا علي ان الله تعالى زوجك فاطمة وجعل صداقها الارض، فمن مشى عليها مبغضا لها مشى حراما (3). (قال عبد المحمود): فإذا كان الامر قالوه وان الارض صداقها


(1) الاسرى: 26. (2) رواه الحسكاني في شواهد التنزيل: 1 / 338، وينابيع المودة: 119. (3) البحار: 43 / 141، والخوارزمي في المقتل: 66.

[ 255 ]

أفما كان يحسن أن تعطى من جملة صداقها فدكا ؟ وهل رواياتهم لمثل هذا الا زيادة في الحجة عليهم ؟ فان من قد شهدتم ان الارض صداقها فكيف جاز أن تكذب وتمنع من فدك، ان هذا من عجائب ما نقلوه ومناقض ما قالوه. ومن طريف مناقضتهم أيضا ما رواه أبو بكر بن مردويه في كتابه باسناده قال: نابت اصحاب محمد " ص " نائبة فجمعهم عمر فقال لعلى عليه السلام تكلم فانت خيرهم وأعلمهم هذا لفظ الحديث. ومن طريف مناقضتهم أيضا في ذلك روايتهم في صحاحهم بان عليا أقضاهم وأعلمهم. 354 - وقد ذكر الحميدى في كتاب الجمع بين الصحيحين في الحديث الاول من افراد البخاري في مسند ابى بن كعب طرفا من ذلك ورووا في كتبهم كان عمر يقول: لا عاش عمر لمعضلة ليس لها أبو الحسن - يعنى عليا عليه السلام (1). وان لو لا علي لهلك عمر (2). فكيف يقال: عن علي عليه السلام وهو بهذا العلم وهذه الاوصاف وقد بلغ من الامانة والورع والزهادة الى الغايات، بانه يترك زوجته المعظمة في الاسلام تطلب حكما وشيئا لا يثبت لها، ولا تقبل فيه شهادة شهودها، وانه ممن لا يقبل شهادته في ذلك، ثم يشهد لها ثم يوافقها ويعاضدها في الحياة ويزكيها الوفاة. ومن طريف الامور الدالة على تهوينهم بفاطمة بنت نبيهم وبوصايا أبيها فيها وعدم طلبهم لمراضيها أنها تبقى ستة أشهر على ما تقدمت الرواية عنهم في صحاحهم هاجرة لابي بكر فلا يقع توصل في رضاها، وقد كان يمكن أبو بكر


(1) رواه في احقاق الحق عنه: 8 / 194، ونحوه الخوارزمي في المناقب: 51. (2) رواه القندوزى في ينابيع المودة: 70، ورواه جمع من الرواة وهو مشهور.

[ 256 ]

إذا عجز عن كل شئ ان يهب لها ما يخصها من الحصة التى ادعاها بشهادة في ميراث أبيها ويستوهب لها باقى فدك والعوالى من المسلمين أو يشترى ذلك منهم، أفما كان لحق أبيها وحقها ما يوجب عليه وعلى المسلمين أن يؤثروها بذلك، أو يبعثوا من يشتري لها ذلك. ومن طريف ما رايت من اعتذارهم لابي في ظلم فاطمة عليها السلام بنت نبيهم ان محمود الخوارزمي ذكر في كتاب الفائق في الاصول لما استدلوا عليه بان فاطمة صادقة وانها من أهل الجنة، فكيف يجوز الشك في دعواها لفدك ؟ وكيف يجوز أن يقال عنها انها أرادت ظلم جميع المسلمين وأصرت على ذلك الى الوفاة ؟ فقال الخوارزمي ما هذا لفظه: ان كون فاطمة صادقة في دعواها وأنها من أهل الجنة لا توجب العمل بما تدعيه الا ببينة. قال الخوارزمي: وان أصحابه يقولون لا يكون حالها أعلى من حال نبيهم محمد " ص "، ولو أدعى نبيهم محمد مالا على ذمي وحكم حكما ما كان للحكم أن يحكم له لنبوته وكونه من أهل الجنة الا ببينة. (قال عبد المحمود): أما تضحك العقول الصحيحة من هذا الكلام ! كيف يعدون هؤلاء من أهل الاسلام ويزعمون انهم قد صدقوا نبيهم في التحريم والتحليل والعطاء والمنع وكل شئ ذكره لنفسه أو لغيره، ويكذبونه أو يشكون في صدقه في الدعوى على ذمى حتى يقوم ببينة، ان هذا عقل ضعيف ودين سخيف. ومن طريف ذلك ان البينة ما عرفوا ثبوتها وصحة العمل بها الا من نبيهم ويكون ثبوت صدقه الان في الدعوى على الذمي بالبينة. ومن طريف ما تجدد في هذا المعنى أن فاطمة بنت نبيهم المشهود لها بالفضائل وأنها سيدة نساء أهل الجنة، يكذبونها ويكذبون شهودها ويطعنون

[ 257 ]

فيهم وفيها مع ما تقدم في رواياتهم من مدائح الله ورسوله لهم، ويدعى بنو صهيب مولى بنى جزعان ببيتين وحجرة من بيوت نبيهم وحجراته ويطلبون ذلك بعد وفاته بمدة طويلة تقتضي ان لو كان لهم حق فيما ادعوه لظهر فيعطون ذلك بشهادة عبد الله بن عمر وحده، ولا ينكر ذلك مسلم منهم، ولا يجرى عند هؤلاء الاربعة المذاهب حال فاطمة وشهودها مجرى عبد الله بن عمر وحده. وقد روى الحديث في ذلك جماعة. 355 - ورواه الحميدي في مسند عبد الله بن عمر في الحديث الثامن والستين من أفراد البخاري من كتاب الجمع بين الصحيحين بهذه الالفاظ: ان بنى صهيب مولى بنى جزعان ادعوا ببيتين وحجرة أن رسول الله " ص " أعطى ذلك صهيبا، فقال مروان: من يشهد لكم على ذلك ؟ قالوا: عبد الله ابن عمر، فشهد لهم بذلك، فقضى مروان بشهادته وحده لهم. ومن طريف ما تجدد لفاطمة عليها السلام منهم أنها لما رات تكذيبهم لها وشكهم فيها وفى شهودها بان أباها وهبها ذلك في حياته أرسلت الى أبى بكر ورووا أنها حضرت بنفسها تطلب فدكا بطريق ميراث أبيها، لان المسلمين لا يختلفون في أن فدكا كانت لابيها محمد " ص " فمنعها أيضا أبو بكر من ميراثها وهان عليه ظلمها وتكذيبها، وادعى في منعها قولا من أبيها لو كان قد قاله ما كان خفي عنها وعن جماعة من أهل الاسلام، وأذاها وقبح ذكر صدقها وأساء الخلافة لابيها فيها، وطعن في تزكيته لها فهجرته حتى ماتت. 356 - فمن الرواية في ذلك ما ذكره البخاري في صحيحه في الجزء الخامس من اجزاء ثمانية في رابع كراس من أوله من النسخة المنقول منها باسناده عن عائشة ان فاطمة عليها السلام بنت رسول الله " ص " أرسلت الى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله مما أفاء عليه بالمدينة وفدك وما بقى من

[ 258 ]

خمس خيبر، فقال أبو بكر: ان رسول الله " ص " قال: نحن معاشر الانبياء لا نورث ما تركناه فهو صدقة، انما ياكل آل محمد من هذا المال، وانى والله لا اغير شيئا من صدقة رسول الله عن حالها التى كانت عليها في عهد رسول الله ولاعملن فيها بما عمل به رسول الله، فابى أبو بكر أن يدفع فاطمة منها شيئا، فوجدت فاطمة على أبى بكر في ذلك فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت، وعاشت بعد رسول الله ستة أشهر، فلما توفيت دفنها زوجها علي بن أبي طالب ليلا، ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها علي - الخبر (1). 357 - ومن الرواية في ذلك ما رواه مسلم في صحيحه في الجزء الثالث من أجزاء ستة في أواخره على نحو ثلاث كراريس من النسخة المنقول منها باسناده ان فاطمة بنت رسول الله " ص " أرسلت الى أبى بكر تسأله ميراثها من رسول الله مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقى من خمس خيبر، فقال أبو بكر: ان رسول الله قال: لا نورث ما تركناه صدقة، انما ياكل آل محمد من هذا المال، وانى والله لا اغير شيئا من صدقة رسول الله عن حالها التى كانت عليها في عهد رسول الله ولاعملن فيها بما عمل رسول الله، فابى أبو بكر ان يدفع فاطمة شيئا، فوجدت فاطمة على أبى بكر في ذلك فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت وعاشت بعد رسول الله ستة أشهر، فلما توفيت دفنها زوجها علي ابن أبى طالب ليلا ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها علي عليه السلام (2). (قال عبد المحمود): في هذين الحديثين عدة طرائف: فمن طريف ذلك أنهم نسبوا محمدا " ص " نبيهم الى انه أهمل أهل بيته


(1) البخاري في صحيحه: 5 / 177. (2) مسلم في صحيحه: 3 / 1380.

[ 259 ]

الذين قال الله تعالى عنهم " وأنذر عشيرتك الاقربين " (1) وقال في كتابهم " يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجاره " (2) ومع هذا ينقلون أنه لم ينذر عشيرته ولا وقى أهله ولا عرفهم انهم لا يرثونه ولا عرف عليا عليه السلام ولا العباس ولا أحدا من بنى هاشم ولا أزواجه ولا سمعوا ولا أحد منهم بذلك مدة حياة نبيهم ولا بعد وفاته حتى خرج بعضهم يطلب ميراثه وبعضهم يرضى بذلك الطلب وتبذلوا وتبذلت ابنته فاطمة المعظمة سيدة نساء العالمين فطلبت على قولهم ظلم جميع المسلمين. 358 - لا سيما وقد روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند أبى بكر من المتفق عليه في الحديث السادس ان فاطمة عليها السلام والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله " ص "، وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك وسهمه من خيبر - الخبر (3). 359 - وروى ايضا الحميدي في الجمع بين الصحيحين من مسند عائشة في الحديث الثالث والاربعين من المتفق عليه أنها قالت: ان ازواج النبي " ص " حين توفي رسول الله " ص "، أردن أن يبعثن عثمان بن عفان الى أبى بكر فيسالنه ميراثهن - الحديث (4). (قال عبد المحمود): كيف يقبل العقول ويقتضى العوائد أن نبيهم يعلم انه لا يورث ويكتم ذلك عن وراثه ونسائه وخاصته ان ذلك دليل واضح على انه قد كان موروثا على اليقين، وانهم دفعوا فاطمة عليها السلام ووراثه بالمحال الذى لا يخفى على أهل البصائر والدين.


(1) الشعراء: 214. (2) التحريم: 6. (3) رواه مسلم في صحيحه: 3 / 1381. (4) رواه مسلم في صحيحه: 3 / 1379.

[ 260 ]

ومن طريف ذلك أن يكون بنو هاشم وأزواجه وابنته مشاركين لمحمد " ص " نبيهم في سره وجهره ومطلعين على أحواله، ويستر عنهم أنهم لا يستحقون ميراثه ويعلم ذلك أبو بكر ومن وافقه من الاباعد، و ليس لهم ما لبنى هاشم من الاختصاص به والمخالطة له ليلا ونهارا وسرا وجهرا، ان ذلك من طرائف ما يقال عن هؤلاء القوم من ارتكاب المحال. ومن طريف ذلك ان محمدا " ص " نبيهم يبلغ الغايات من الشفقة على الاباعد وقد تضمن كتابهم " لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم " (1) فيصفه الله بهذه الرافة والرحمة ويشهدون بتصديق ذلك، فكيف يقال عن هذا الشفيق الرؤف الرحيم أنه ترك الشفقة على مثل ابنته وعمه وأزواجه وبنى هاشم ولم يعرفهم أنهم لا يستحقون ميراثه ويعرف بذلك الاباعد حتى يجري ما جرى، ان ذلك من عجيب المناقضات وطريف المقالات. ومن طريف ذلك ان ابا بكر قد اقسم في الحديثين المذكورين انه لا يغير ما كان من ذلك على عهد رسول الله " ص ". 360 - وقد روى الحميدى في الجمع بين الصحيحين من مسند جبير بن مطعم في الحديث الثالث من افراد البخاري قال: جاء جبير بن مطعم وعثمان ابن عفان الى النبي " ص " يكلمانه فيما فيه من خمس خيبر من بنى هاشم وبنى عبد المطلب، فقالا: يا رسول الله قسمت لاخواننا بنى عبد المطلب ولم تعطنا شيئا، وقرابتنا مثل قرابتهم بهما، فقال رسول الله: انما أرى هاشما وعبد المطلب شيئا واحدا ؟ قال جبير: ولم يقسم رسول الله لبنى عبد شمس ولا لبنى نوفل من ذلك الخمس شيئا (2).


(1) التوبة: 128. (2) البخاري بهذا المضمون في صحيحه: 4 / 155.

[ 261 ]

وزاد حرملة عن ابن وهب عن يونس قال ابن شهاب: وكان أبو بكر يقسم الخمس نحو قسم النبي " ص " غير انه لم يكن يعطي قرابة رسول الله كما كان رسول الله يعطيهم. ثم رايت في نسخة الحميدى وان هذه صورتها ثم قال: أظنة كان يزيدهم، قال ابن شهاب: وكان عمر يعطيهم منه وعثمان بعده. (قال عبد المحمود بن داود): وقد استطرفت واستعظمت يمين أبى بكر ودفعه لفاطمة عليها السلام أنه يعمل في خمس خيبر كما عمل رسول الله " ص " وأنه لا يغير ذلك، ثم شهادتهم على أبي بكر في الحديث الصحيح أنه غير ذلك وما كان يقسم خمس خيبر بعد نبيهم محمد في قرابته كما كان يقسمها نبيهم في حياته، وهذا من عظائم الامور التي تدل على سوء أحوال الفاعلين والراضين بالامور المذكورة. ومن طريف ذلك اعتذار الحميدي لابي بكر وقوله " أظنه كان يزيدهم "، فهب انه كان يزيدهم أما ذلك خلاف ما كان يفعل رسول الله في خمس خيبر، ثم ان كان لابي بكر ان يفعل ذلك فهلا أعطى لفاطمة عليها السلام فدكا والعوالى بالحجة التى يزيد بها قرابة نبيهم بعد وفاته وغير ما ذكر انه لا يغيره من عاداته، أما لهؤلاء المسلمين عقول يفكرون في مناقضات المنقول. ومن طريف الحديثين المذكورين وما رووه وصححوه في ضد ذلك. 361 - ما رواه الحميدى في الجمع بين الصحيحين في الحديث الحادى والثلاثين من المتفق عليه من مسند عبد الله بن عباس، في جواب ما كتب إليه نجدة بن عامر الحروري وهو من رؤساء الخوارج، قال: وكتبت تسألني عن الخمس لمن هو ؟ وانا كنا نقول: هو لنا، فابى علينا قومنا ذلك (1). (قال عبد المحمود): فهذه شهادة عبد الله بن عباس فيما صححوه ان فاطمة


(1) رواه مسلم في صحيحه: 3 / 1444.

[ 262 ]

وعليا والحسنين علي عم السلام قد منعوا من الخمس وفى ذلك ما فيه لمن كان له قلب عاقل ونظر فاضل. ومن طريف الحديثين المذكورين انهما قد تضمنا ان فاطمة بنت نبيهم هجرت أبا بكر وانه اغضبها، وتاذت بذلك وبقيت على هجرانها له ستة أشهر حتى ماتت. 362 - وقد روى مسلم في صحيحه في الجزء الرابع في ثلثه الاخير باسناده قال: قال رسول الله " ص ": انما فاطمة بضعة مني، يؤذيني ما آذاها (1). 363 - وروى مسلم في صحيحه في الجزء الرابع على حد كراسين في آخره من باب مناقب فاطمة باسناده ان رسول " ص " قال: فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها أغضبني (2). وروى الحميدي في الجمع بين الصحيحين هذين الحديثين باسناده الى نبيهم محمد " ص ". 364 - وروى صاحب كتاب الجمع بين الصحاح الستة في الجزء الثالث من أجزائه الثلاثة في باب مناقب فاطمة باسناده عن نبيهم محمد " ص " قال: قال رسول الله " ص ": فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني. وانه قال: فاطمة سيدة نساء أهل الجنة (3). 365 - وروى صاحب كتاب الجمع بين الصحاح الستة ايضا في الجزء الثالث من جزئين من الكراس الخامس من النسخة المنقول منها من باب مناقب فاطمة من صحيح أبى داود باسناده ان النبي " ص " أشار الى فاطمة فقال


(1) مسلم في صحيحه: 4 / 1903. (2) البخاري في صحيحه: 5 / 36. (3) احقاق الحق عنه: 10 / 215.

[ 263 ]

ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الامة أو نساء العالمين، قالت: يا أبة فاين مريم ابنة عمران وآسية امراة فرعون ؟ فقال: مريم سيدة نساء عالمها وآسية سيدة نساء عالمها (1). 366 - وروى البخاري في صحيحه في الجزء الرابع في مناقب فاطمة باسناده قال: قال النبي " ص ": فاطمة سيدة نساء أهل الجنة (2). 367 - وروى مسلم في صحيحه في الجزء الرابع على حد كراسين في آخره من النسخة المنقول منها باسناده عائشة ان محمدا " ص " نبيهم قال: ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الامة (3). ورواه الثعلبي في تفسير قوله تعالى " واني سميتها مريم ". (قال عبد المحمود) مؤلف هذا الكتاب: انني لاعجب ويحق لي أن أعجب من شهادة هؤلاء الاربعة المذاهب بصحة هذه الروايات، ثم يهونون ما جرى على فاطمة عليها السلام من المظالم الهايلات ! فليتهم حيث هان عندهم تالمها وظلمها كانوا تركوا الروايات بتزكيتها أوليتهم حيث صححوا رووه في تعظيمها في الدنيا والاخرة كانوا قد استعظموا ظلمها. ومن طرائف ما رووه في حضورها بنفسها عند أبى بكر وتالمها وطلبها لحقها. 368 - ما ذكره الشيخ أسعد بن سقروة في كتاب الفائق عن الاربعين عن الشيخ المعظم عندهم الحافظ الثقة بينهم أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه الاصفهاني في كتاب المناقب قال: أخبرنا اسحاق بن عبد الله بن ابراهيم قال: حدثنا أحمد بن عبيد بن ناصح النحوي قال: حدثنا الزيادي محمد بن زياد


(1) أبو داود في مسنده: 196، وأبو نعيم في حلية الاولياء: 2 / 42. (2) البخاري في صحيحه: 5 / 36. (3) مسلم في صحيحه: 4 / 1906.

[ 264 ]

قال: حدثنا شرفي بن قطامي عن صالح بن كيسان عن الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت: لما بلغ فاطمة عليها السلام ان أبا بكر قد أظهر منعها فدك لاثت خمارها على راسها واشتملت بجلبابها وأقبلت في لمة من حفدتها ونساء من قومها تطا ذيولها ما تخرم مشيتها مشية رسول الله " ص " حتى دخلت على أبي وهو في حشد من المهاجرين والانصار وغيرهم فنيطت دونها ملاءة، فجلست ثم أنت أنة أجهش القوم لها بالبكاء فارتج المجلس، ثم أمهلت هنيئة حتى سكنت فورتهم افتتحت كلامها بحمد الله واثنت عليه ثم قالت: لقد جائكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم، فان تعزوه وتعرفوه تجدوه أبي دون آبائكم وأنا ابنته دون نسائكم وأخوه ابن عمي دون رجالكم، فبلغ الرسالة صادعا بالنذارة مائلا عن مدرجة المشركين ضاربا ثبجهم آخذا باكظامهم وينكث الالهام، يدعو الى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة حتى تفرى الليل عن صبحه، وأسفر الحق عن محضه، ونطق زعيم الدين، وخرست شقاشق الشياطين، وتمت كلمة الاخلاص وكنتم شفا حفرة من النار فانقذكم منها، نهزة الطامع، ومذقة الشارب، وقبسة العجلان، وموطا الاقدام، تشربون الطرق، وتقتاتون القد، أذلة خاسئين، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم. حتى استنقذكم الله برسوله " ص " بعد اللتيا والتي، وبعد ان مني ببهم الرجال وذؤبان العرب ومردة أهل الكتاب، كلما أوقدوا نارا للحرب أطفاها الله، أو نجم قرن الشيطان أو فغرت فاغرة من المشركين، قذف أخاه في لهواتها، فلا ينكفئ حتى يطا صماخها باخمصه، ويطفئ عادية لهبها بسيفه، مكدودا في ذات الله، وأنتم في رفاهية فكهون آمنون وادعون، حتى إذا اختار الله لنبيه دار أنبيائه أطلع الشيطان راسه فدعاكم فالفاكم لدعوته مستجيبين، وللغرة فيه ملاحظين، ثم استنهضكم

[ 265 ]

فوجدكم خفافا، وأحمشكم فالفاكم غضابا، فوسمتم غير ابلكم، ووردتم غير شربكم، هذا والعهد قريب، والكلم رحيب، والجرح لما يندمل، إنما زعمتم ذلك خوف الفتنة، ألا في الفتنة سقطوا وان جهنم لمحيطة بالكافرين ثم لم تلبثوا الا ريث ان تسكن نفرتها، تسرون حسوا في ارتغاء، ونحن نصبر منكم على مثل حز المدى، وأنتم الان تزعمون ألا ارث لنا، أفحكم الجاهله تبغون ومن احسن من الله حكما لقوم يوقنون، يابن أبى قحافة، أترث أباك ولا أرث أبى لقد جئت شيئا فريا، فدونكها مخطومة مرحولة، تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم الله، والزعيم محمد، والموعد القيامة وعند الساعة يخسر المبطلون، ثم انكفات الى قبر أبيها عليه السلام فقالت: قد كان بعدك انباء وهنبثة * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب انا فقدناك فقد الارض وابلها * واختل قومك فاشهدهم فقد نكبوا (1) وفى بعض الروايات من المشار إليه زيادة هذه ألفاظها: أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم ؟ إذ يقول الله تعالى " وورث سليمان داود " (2) وقال فيما اقتص من خبر يحيى بن زكريا إذ قال " فهب ليس من لدنك وليا يرثنى ويرث من آل يعقوب " (3) وقال: " واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله " (4) وقال: " يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين " (5) ثم عطفت على قبر أبيها وبكت وتمثلت بقول صفية بنت اثاثة وقيل أنابه:


(1) الى هنا رواه ابن ابى الحديد في الشرح: 249 16 - 251. (2) النمل: 16. (3) مريم: 6. (4) الانفال: 75. (5) النساء: 11.

[ 266 ]

وكان جبريل بالايات يونسنا * فقد فقدت وكل الخير محتجب وكنت بدرا ونورا يستضاء به * عليك ينزل من ذى العزة الكتب تجهمتنا رجال واستخف بنا * لما فقدت وكل الارض مغتصب أبدت رجال لنا فحوى صدورهم * لما مضيت وحالت دونك الترب انا رزئنا بما لم يرز ذو شجن * من البرية لا عجم ولا عرب وسوف نبكيك ما عشنا وما بقيت * منا العيون بتهمال لها سكب (1) (قال عبد المحمود): أنظر رحمك الله وفكر فيما قد رووه عن رجالهم وثقاتهم من هذا التالم العظيم من فاطمة عليها السلام وما تقدم من روايتهم له في صحاحهم من هجرانها لابي بكر ستة أشهر حتى ماتت، فهل ترى هذا حديث من كان عندها شبهة في انهم ظلموها عمدا وقصدا ؟ وهل ترى هذا الكلام منها كلام من قد قبلت لهم عذرا ؟ وهل ترى هذا حديث من لا يعرف صحة دعواها وثبوت حجتها ؟ وهل كان يحسن ان يسمع مثل هذا الكلام منها وتمنع مما طلبت، أو العوض عنه، ولو كانت قد وفدت بهذا الكلام والاسترحام على أعظم ملوك الكفار، أما كان تشهد العقول انه كان يرفع شانها ويشرف مقامها ويحسن جايزتها، أفيليق بمسلم ان يكون جواب هذا الكلام منعها وسوء معاملتها وتهوين حضورها وخطابها والقساوة عليها وترك التلطف بها على كل حال، ما يقولون لو أن محمدا " ص " أباها رآها وهى تبكى وتقول مثل هذا الكلام، أكان يغضب لغضبها كما رووه في صحاحهم أو كان يرضى عنهم ؟ انما تشهد العقول انه كان يشق عليه غضبها ويهجرهم بهجرانها ويستعظم اقدامهم على تكذيبهم لها وظلمها وكسرها واسقاط منزلتها، فاختر لنفسك أيها المشفق على


(1) رواه العلامة المجلسي في البحار: 8 / 109 ط كمپانى، والطبرسي في الاحتجاج 1 / 131، والاربلى عن كتاب السقيفة في كشف الغمة: 2 / 480.

[ 267 ]

نفسه، هل توافق رسول الله في ذلك ويكون لك فيه أسوة حسنة، أو تكون في زمرة من أغضبها واغضبه. (قال عبد المحمود) مؤلف هذا الكتاب: ومن طريف ما اكثر التعجب ويحق لي أن أعجب من شهادة هؤلاء الاربعة المذاهب بتصديق هذه الاحاديث وما تقدم منهم في مدح فاطمة عليها السلام وأنها سيدة نساء العالمين وان من أغضبها فقد أغضب أباها محمدا " ص " ومن آذاها آذاه وكتابهم يتضمن " ان الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والاخرة " (1) ثم يشهدون ويصححون أن أبا بكر أغضبها وآذاها وهجرته ستة أشهر حتى ماتت، ثم وكيف تصدق العقول ان سيدة نساء العالمين وسيدة نساء أهل الجنة تدعى باطلا وتطلب محالا وتريد ظلم جميع المسلمين وتاخذ صدقتهم وتموت مصرة على ذلك، ما يقبل هذا عقل صحيح ولا يعتقده ذو بصيرة. وخاصة فان على بن أبى طالب عليه السلام وأهل بيت نبيهم رووا عنه فيهم أنهم أحد الثقلين الذين لا يفارقون كتابه وأن من تمسك بهم وبالكتاب سلم من الضلالة، تقدم بيان ان فاطمة عليها السلام منهم، وإذا كان التمسك بها يؤمن من الضلالة فكيف يقول أبو بكر واتباعه هي قد ضلت في دعواها، واما على بن ابى طالب الذى هو امام أهل بيت نبيهم فتارة يكون شاهدا لفاطمة عليها السلام كما تقدم وتارة موافقا لها على الغضب على أبى بكر ويدفنها ليلا ولا يعلم بها أبو بكر، ثم لا يسترضيها في مدة هذه الستة الاشهر ويهون عليه غضبها وأذيتها وهى اذية للنبى " ص " كما رووه، ان ذلك كله شهادة منهم صريحة بضلال خليفتهم أبى بكر وخروجه عن حدود الاسلام وفضيحته بين الانام. ومن طريف ذلك رواية من روى منهم " نحن معاشر الانبياء لا نورث ما


(1) الاحزاب: 57.

[ 268 ]

تركناه فهو صدقة ": وما يخفى على ذوى البصائر ان هذا حديث محال قالوه ليدفعوا به حق فاطمة عليها السلام عن ميراث أبيها، والا فان كتابهم يتضمن " وورث سليمان داود " (1) ويتضمن ان زكريا قال " فهب لى من لدنك وليا يرثنى ويرث من آل يعقوب " (2) فكيف استحسنوا لانفسهم ان يبلغوا في الرد على كتاب ربهم ونبيهم الى هذه الغاية من المكابرة. ومن طريف ذلك قبول هذا ممن رواه ونقله في الاخبار، وهذه كتب التواريخ وسير الانبياء تشهد أن الانبياء كانوا في المواريث أسوة لامتهم فيما توجبه شرائعهم، ولو قال قائل هذا الحديث عن نبيهم: أنا من دون الانبياء لا أورث ما تركته فهو صدقة. كان فيه بعض الحيلة على منع فاطمة عليها السلام عن ميراثها وكان أقوى في التمويه والمحال، ولعل البغى منهم عليها منعهم من هذا الحال. ومن طريف ذلك أن كتابهم يتضمن " انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " وقد تقدمت رواياتهم ان فاطمة عليها السلام بنت نبيهم من جملة أهل البيت المشار إليهم، ولا خلاف بين المسلمين في ذلك، ومن المعلوم عند كل عاقل أن هذه الاية تقتضي حصول ازالة الرجس عنها وتطهيرها والا ما كان يحصل بذلك لاهل البيت مزية غيرهم، لان الله تعالى يريد اذهاب الرجس عن جميع الخلايق وتطهير جمع الامة. ومن طريف ذلك ان نبيهم محمدا " ص " قال: من أغضبها فقد أغضبني ومن آذاها فقد آذانى كما تقدم، وذلك يقتضى أن لا يقع منها ما يستحق به عقابا ولا عتابا، لانه لو جاز أن يقع منها ذلك أذيتها بالعقاب واجبة أو جائزة ويحصل بذلك غضبها وأذيتها اللذان هما غضب نبيهم واذيته، فثبت انه لا يقع


(1) النمل: 16. (2) مريم: 6. (*)

[ 269 ]

منها معصية، فكيف يقال عنها انها تطلب محالا وتدعى باطلا. ومن طريف ذلك أنه لا خلاف بين المسلمين أنه لو شهد واحد على فاطمة عليها السلام بما يوجب حدا تأديبا، انهم كانوا يبطلون شهادته ويكذبونه، لانه يكون قد شهد بتكذيب كتابهم في ذهاب الرجس عنها وفى تطهيرها وكان طعنا في شهادة نبيهم " ص " لها بانها سيدة نساء العالمين وسيدة نساء أهل الجنة، فكيف خفي هذا على عقلاء المسلمين ؟ وكيف استجازوا تكذيبها أو الشك فيها برواية من يجوز عليه الخطاء والعصيان والزور والبهتان ؟ ومن طريف الجواب أيضا عن عفتها واصطفائها أن الروايات وردت من طريق الاربعة المذاهب وغيرهم ان فاطمة عليها السلام افضل من مريم بنت عمران وقد قال الله تعالى عن مريم " ان الله اصطفاك وطهرك على نساء العالمين " (1) فان مريم عليها السلام دون فاطمة عليها السلام في الاصطفاء والطهارة، فكيف يكون اصطفاء الله لفاطمة عليها السلام ليس يكون أعظم وأبلغ بصريح هذه الاشارة. ومن طريف الامور الشاهدة بما جرى على فاطمة وعلي عليه السلام والعباس وبنى هاشم من الظلم المشهور ان الامر بلغ الى ان فاطمة عليها السلام تحضر عند أبى بكر بنفسها والعباس معها يطلبان ميراث نبيهم محمد " ص " فيمنعها فتغضب عليه فاطمة وهجرته ستة أشهر كما تقدم ذكره في الصحيحين عندهم الى أن ماتت، فلما توفيت يعود العباس وعلي عليه السلام يحضران مجلسه ويطلبان ميراث نبيهم فيمنعهما فيموت أبو بكر، فيحضر العباس وعلى عليه السلام يطلبان ميراث نبيهم من عمر، فكيف تقبل العقول الصحيحة والقلوب السليمة ان مثل علي والعباس وفاطمة يبالغون في هذه المطالبة بامر باطل أو يطلبون محالا يظلمون به جميع المسلمين، ثم لو كانت فاطمة قد صدقت أبا بكر فيما دفعها به


(1) آل عمران: 42.

[ 270 ]

عن ميراثها من أبيها أو عرفت أو جوزت ان له عذرا مقبولا أو شبهة عذر عقلا أو شرعا كانت قد عذرته وما هجرته. ثم لو كان العباس وعلى عليه السلام قد صدقا أبا بكر فيما قاله لفاطمة عليها السلام من ان النبي " ص " لا يورث أو كانا قد عذراه ما عادا بعد وفاة فاطمة عليها السلام حضرا عنده وطالباه بذلك الميراث. ثم لو كان العباس وعلى عليه السلام قد صدقا ابا بكر في اعتذاره اليهما أيضا ما كانا عادا حضرا عند عمر بعد وفاة أبى بكر يطلبان ذلك الميراث، أما تشهد القلوب والعقول ان فاطمة والعباس وعليا ومن كان قد حفظ وصية محمد نبيهم كانوا جميعا يعلمون قطعا ويقينا أنهم منعوا ميراث نبيهم محمد " ص " ظلما وعدوانا، وكانوا يراجعون المطالبة لعل من ظلمهم يتوب أو يرجع أو يقلع أو يخاف الله أو يستحيى منهم أو من الناس أو يحذر من النار أو العار، فابى الظالمون لهم الا الاصرار فما أصبرهم على النار. وأما حضور فاطمة والعباس عند أبى بكر فقد تقدمت الرواية بذلك من المتفق عليه من صحيح البخاري وصحيح مسلم كما ذكره الحميدى عنهما. وأما حضور العباس وعلى عليه السلام عند أبى بكر بعد وفاتها وحضورهما بعد وفاة أبى بكر عند عمر. 369 - فقد ذكره الحميدي في المتفق عليه وحذف من كلام عمر واستخفافه بالعباس وعلي عليه السلام كلمات عظيمة، وها أنا أذكر المراد من صحيح البخاري وصحيح مسلم بالفاظهما روياه عن مالك بن أوس حيث ذكر ارتفاع العباس وعلي عليه السلام الى فقال عمر للعباس وعلى عليه السلام ما هذا لفظه: فلما توفي رسول الله " ص " قال أبو بكر: أنا ولي رسول الله فجئتما تطلب أنت ميراثك من ابن أخيك، ويطلب هذا ميراث امراته من أبيها،

[ 271 ]

فقال أبو بكر: قال رسول الله: نحن معاشر الانبياء لا نورث فما تركناه صدقة، فرايتماه كاذبا آثما غادرا خائنا، والله يعلم انه لصادق بار راشد تابع للحق. ثم توفى أبو بكر فقلت: أنا ولى رسول الله " ص " وولى أبى بكر، فرأيتماني كاذبا آثما غادرا خائنا، والله يعلم انى لصادق بار راشد تابع للحق ثم جئتني أنت وهذا وأنتما جميع وأمركما واحد فقلتما: ادفعها الينا - الخبر (1).


(1) رواه مسلم في صحيحه: 3 / 1378 في كتاب الجهاد، وصدر الحديث: ان مالك بن أوس حدثه قال: أرسل إلي عمر بن الخطاب، فجئته حين تعالى النهار قال: فوجدته في بيته جالسا على سرير، مفضيا الى رماله، متكئا على وسادة من أدم، فقال لى: يا مال ! انه قد دف أهل أبيات من قومك، وقد أمرت فيهم برضخ فخذه فاقسمه بينهم. قال، قلت: لو أمرت بهذا غيرى ؟ قال: خذه يا مال ! فجاء يرفا، فقال: هل لك يا أمير المؤمنين في عثمان وعبد الرحمن ابن عوف والزبير وسعد ؟ فقال عمر: نعم فأذن لهم فدخلوا، ثم جاء فقال: هل لك في عباس وعلي ؟ قال نعم، فأذن لهما، فقال عباس: يا أمير المؤمنين ! أقض بينى وبين هذا الكاذب الاثم الغادر الخائن ! فقال القوم أجل يا أمير المؤمنين فاقض بينهم وأرحهم (فقال مالك بن أوس: يخيل الي انهم قد كانوا قدموهم لذلك) فقال عمر: اتئا أنشدكم بالله الذى باذنه تقوم السماء والارض أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لا نورث، ما تركناه صدقة ؟ قالوا: نعم، ثم أقبل على العباس وعلي فقال: أنشدكما بالله الذى بأذنه تقوم السماء والارض، أتعلمان أن رسول الله قال: لا نورث ما تركناه صدقة ؟ قالا: نعم. فقال عمر: ان الله جل وعز كان خص رسوله " ص " بخاصة لم يخصص بها أحدا غيره. قال: ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول (ما

[ 272 ]

هذا المقصود من الحديث قد نقلناه بالفاظه. (قال عبد المحمود): كيف حسن من رجال الاربعة المذاهب وعلمائهم أن يشهدوا على خليفتهم عمر بمثل هذه الافعال والاقوال في صحاح أخبارهم، فانك إذا نظرت الى هذا الحديث بعقل صحيح وقلب سليم ظهر لك ما جرت الحال عليه وتحققت ما تقدمت الاشارة إليه. ثم تفكر في أمور تضمنها حديثهم هذا عنه ما كنت ذكرتها لك قبل. منها قول عمر: ان أبا بكر قال: أنا ولي رسول الله " ص " سبحان الله من جعل لابي بكر أن يقول مثل هذا القول ؟ وكيف جاز له مثل هذه الدعوى العظيمة ويشهد لنفسه بهذا المقام يحتاج الى تصديق من الله ورسوله ؟ ومن شيم الاولياء ان لا يزكوا أنفسهم لما تضمنه كتابهم " ولا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى " وهل أبو بكر الا رجل مات رسولهم محمد " ص " وقد جعله رعية من جملة رعايا أسامة زيد، وقد شهدوا على أبى بكر بافعال وأقوال


أدرى هل قرأ الاية التي قبلها أم لا). قال: فقسم رسول الله " ص " بينكم أموال بني النضير، فوالله ما استأثر عليكم ولا أخذها دونكم حتى بقى هذا المال، فكان رسول الله " ص " يأخذ منه نفقة سنة، ثم يجعل ما بقي أسوة المال، ثم قال: أنشدكم بالله الذي باذنه تقوم السماء والارض أتعلمون ذلك ؟ قالوا: نعم، ثم نشد عباسا وعليا بمثل ما نشد به القوم: أتعلمان ذلك ؟ قالا: نعم. وأما بقية الحديث فقلت: ان شئتم دفعتهما اليكما على ان عليكما عهد الله أن تعملا فيها بالذي كان يعمل رسول الله " ص " فأخذتماها بذلك، قال: أكذلك ؟ قالا: نعم. قال ثم جئتماني لاقضى بينكما، ولا والله لا أقضى بينكما بغير ذلك حتى تقوم الساعة فان عجزتما عنها فرداها الي. ورواه البخاري في صحيحه: 8 / 146 - 147.

[ 273 ]

منكرة مستنكرة، وقد تقدم ذكر بعضها عنهم، فكيف لا يمنع جميعها ان يكون ولي رسول الله " ص ". ومنها قوله في هذا الحديث للعباس: تطلب انت ميراثك من ابن اخيك، أهكذا يعبر ممن هو عندهم خير الانبياء ويسمى بهذه الالفاظ الوضيعة ويقال ابن أخيك وقد تقدم في كتابهم " لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا " (1). ومنها قول عمر عن علي عليه السلام: ويطلب هذا ميراث امراته، أهكذا يقال عن فاطمة عليها السلام التى شهدوا في صحاحهم أنها سيدة نساء العالمين وسيدة نساء أهل الجنة ؟ أترى هذا الكلام الذى قد شهدوا به على خليفتهم عمر يصدر عن قلب يعترف بتعظيم الله تعالى واطلاعه على كلامه ومع هذا تهوين بذكر رسول الله " ص " أيضا أو يصدر هذا ممن عنده وفاء لنبيهم أو قضاء لحقوق صحبته أو مجازاة لاحسانه أو حياء من نعمته عليهم وشفقته إليهم. ومنها اعتراف عمر أن العباس وعليا عليه السلام كان اعتقادهما في أبى بكر في حياته وبعد وفاته واعتقادهما في عمر انهما كانا كاذبين آثمين غادرين خائنين، وهذا كتابهم يتضمن " انما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون " (2) ويتضمن " ان الله لا يحب من كان خوانا أثيما " (3) ويتضمن من التهديدات والوعيد بنقض العهود ما يدل على ان الغدر كالكفر. أفتقبل العقول الصحيحة والقلوب السليمة ان هذين الرجلين العظيمين العباس وعليا عليه السلام اللذين أجمع المسلمون ان الله ورسوله شهدا لهما بالصدق والفضائل والمناقب، يعتقدان في أبى بكر وعمر غير الحق ويقولان


(1) النور: 63. (2) النحل: 105. (3) النساء: 107.

[ 274 ]

فيهما غير الصدق وهما اخص بنبيهم " ص " وأعرف باسراره وأخباره، ولا سيما ان البخاري ومسلما ذكرا في صحيحيهما ان هذا القول جرى من عمر للعباس وعلي عليه السلام بمحضر مالك بن أوس وعثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد، وما عرفنا أن أحدا ذكر عن العباس وعلى عليه السلام أنهما اعتذرا الى عمر من هذا القول ولا نقل من أحد من هؤلاء الجماعة الذين سمعوا من عمر انهم اعتذروا لعلي والعباس من هذا الاعتقاد في أبى بكر وعمر، وهذا من عجيب ما اعترف بصحته رجال أربعة المذاهب وقبحوا به ذكر خليفتيهم وشهدوا عليهما بالمطاعن والمعايب. ومن طريف الامور أن يدعى أحد من الاربعة المذاهب ان قد كان بين على عليه السلام والعباس منازعة في ميراث نبيهم. وأول ما يقال في ذلك: انه لا يجوز تصديق رجال الاربعة المذاهب في الطعن على بنى هاشم ولا في ما يقتضى نقصا ولا تفريقا بينهم، لان الاربعة المذاهب فارقوا التمسك باهل البيت الذين رووا في صحاحهم ان رسولهم محمدا " ص " أمرهم بالتمسك بهم وتظاهروا بالبعد عنهم، فلا يقبل العقل والنقل شهادة العدو المتهم على من يعاديه ظلما ويميل عليه تعديا. وأما ثانيا فان العلماء بالتواريخ وغيرهم رووا ان العباس وسائر بنى هاشم كانوا مع علي عليه السلام بعد وفاة نبيهم " ص " كنفس واحدة وقد تقدم ذكر بعض ذلك من صحاحهم عند ذكر تأخرهم مع علي عليه السلام عن بيعة أبى بكر وعند ذكر اجتماعهم لما أراد أبو بكر وعمر تحريق على والعباس بالنار. وروى جماعة العلماء أن العباس سال عليا عليه السلام أن يمد يده ليبايعه بالخلافة عقيب وفاة نبيهم، فاعتذر إليه بقلة الناصر لهما وخوف ارتداد كثير من المسلمين، وطمع الكفار في الاسلام وان الله أمره بالصبر كما جرت عليه

[ 275 ]

سنة جماعة من الانبياء والاوصياء حتى يجدوا أنصارا تقوم بهم الحجة. وأما ثالثا فقد روى كثير من علماء الاسلام دوام اتحاد العباس مع علي عليه السلام حتى روى ابن سعد وهو من أعيان المخالفين لاهل البيت في كتابه المعروف بالطبقات ان عليا هو الذى غسل العباس وتولى أمره لما مات، وقد كان من اختصاص على باولاد العباس قبل تمكنه في خلافته وبعد انبساط يده ومبايعته ما يدل على دوام الصفاء والوفاء، وقد ذكر ذلك جماعة من علماء التاريخ حتى كانوا في خواصه في حروبه وولاياته وفى أسراره واحتجاجاته. ما قاله المأمون العباسي من فضائل على عليه السلام وقد ذكر الصولي في كتاب الاوراق مديحا للمأمون الخليفة العباسي في علي بن أبى طالب عليه السلام يتضمن بعض ما ذكرناه، وهو " شعر ": ألام على شكر الوصي أبا الحسن * وذلك عندي من عجائب ذا الزمن خليفة خير الناس والاول الذى * أعان رسول الله في السر والعلن ولولاه ما عدت لهاشم امرة * وكانت على الايام تقضى وتمتهن فولى بنى العباس ما اختص غيرهم * ومن منه اولى بالكرامة والمنن فاوضح عبد الله بالبصرة الهدى * وفاض عبيد الله جودا على اليمن وقسم اعمال الخلافة بينهم * فلا زلت مربوطا بذا الشكر مرتهن (1) ومن الطرائف المشهورة ما بلغ إليه المأمون في مدح أمير المؤمنين على بن ابى طالب عليه السلام وفى مدح أهل بيته عليهم السلام ذكره ابن مسكويه صاحب التاريخ بحوادث الاسلام في كتاب سماه نديم الفريد يقول فيه حيث


(1) تذكرة الخواص: 357.

[ 276 ]

ذكر كتابا كتبه بنو هاشم يسالون جوابهم (1) ما هذا لفظه: فقال المأمون: " بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآل محمد على رغم أنف الراغمين. اما بعد عرف المأمون كتابكم، وتدبير أمركم، ومخض زبدتكم، وأشرف على قلوب صغيركم وكبيركم، وعرفكم مقبلين ومدبرين، وما آل إليه كتابكم قبل كنابكم في مراوضة الباطل، وصرف وجوه الحق عن مواضعها ونبذكم كتاب الله تعالى والاثار، وكلما جاءكم به الصادق محمد " ص " حتى كانكم من الامم السالفة التى هلكت بالخسفة والغرق والريح والصيحة والصواعق والرجم، أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها، والذى هو اقرب الى المأمون من حبل الوريد لو لا ان يقول قائل: ان المأمون ترك الجواب عجزا لما أجبتكم من سوء أخلاقكم، وقلة أخطاركم، وركاكة عقولكم، ومن سخافة ما تاوون إليه من آرائكم، فليستمع مستمع فليبلغ شاهد غائبا. أما بعد فان الله تعالى بعث محمدا " ص " على فترة من الرسل، وقريش في أنفسها وأموالها لا يرون أحدا يساميهم ولا يباريهم، فكان نبينا " ص " أمينا من أوسطهم بيتا وأقلهم مالا، وكان أول من آمنت به خديجة بنت خويلد فواسته بما لها ثم آمن به أمير المؤمنين على بن أبى طالب ابن سبع سنين لم يشرك بالله شيئا طرفة عين، ولم يعبد وثنا ولم ياكل ربا، ولم يشاكل الجاهلية في جهالاتهم، وكانت عمومة رسول الله " ص " اما مسلم مهين أو كافر معاند الا حمزة فانه لم يمتنع من الاسلام ولا يمتنع الاسلام منه، فمضى لسبيله على بينة من ربه


(1) وفى نسخة الترجمة زيادة وهى: ويسألونه البيعة مع ولده العباس بولاية العهد وعاتبوه على اتخاذه على بن موسى الرضا ولى عهده فأجابهم ما هذا لفظه.

[ 277 ]

واما أبو طالب فانه كفله ورباه، ولم يزل مدافعا عنه ومانعا منه، فلما قبض الله أبا طالب هم القوم واجمعوا عليه ليقتلوه فهاجر الى القوم الذين تبوؤا الدار والايمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون، فلم يقم مع رسول الله " ص " أحد من المهاجرين كقيام علي ابن أبى طالب عليه السلام فانه آزره ووقاه بنفسه ونام في مضجعه، ثم لم يزل بعد متمسكا باطراف الثغور وينازل الابطال، ولا ينكل عن قرن، ولا يولي عن جيش منيع القلب، يامر على الجميع ولا يؤمر عليه أحد، أشد الناس وطاة على المشركين وأعظمهم جهادا في الله، وأفقههم في دين الله، وأقرأهم لكتاب الله وأعرفهم بالحلال والحرام، وهو صاحب الولاية في حديث خم، وصاحب قوله " أنت منى بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبى بعدى "، وصاحب يوم الطائف. وكان أحب الخلق الى الله تعالى والى رسول اله " ص "، وصاحب الباب فتح له وسد أبواب المسجد، وهو صاحب الراية يوم خيبر، وصاحب عمرو ابن عبدود في المبارزة، وأخو رسول الله حين آخى بين المسلمين، وهو متبع جزيل (1)، وهو صاحب آية " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا " وهو زوج فاطمة سيدة نساء العالمين وسيدة نساء أهل الجنة، وهو ختن خديجة عليها السلام وهو ابن عم رسول الله " ص " رباه وكفله وهو ابن أبي طالب عليه السلام في نصرته وجهاده، وهو نفس رسول الله في يوم المباهلة، وهو الذى لم يكن أبو بكر وعمر ينفذان حكما حتى يسالانه عنه، فما راى انفاذه انفذاه، وما لم يره رداه. وهو دخل من بنى هاشم في الشورى، ولعمري لو


(1) وفى نسخة البحار: وهو منيع جزيل.

[ 278 ]

قدر أصحابه على دفعه عنه كما دفع العباس رضوان الله عليه ووجدوا الى ذلك سبيلا لدفعوه. فاما تقديمكم العباس عليه فان الله تعالى يقول: " أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الاخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله " (1) والله لو كان ما في أمير المؤمنين من المناقب والفضائل والاى المفسرة في القرآن خلة واحدة في رجل واحد من رجالهم أو غيره، لكان مستاهلا متاهلا للخلافة، مقدما على اصحاب رسول الله " ص " بتلك الخلة، ثم لم يزل الامور تتراقى به الى أن ولي امور المسلمين، فلم يعن باحد من بنى هاشم الا بعبد الله بن عباس تعظيما لحقه، وصلة لرحمه وثقة به، فكان من أمره الذى يغفر الله له، ثم نحن وهم يد واحدة كما زعمتم حتى قضى الله تعالى بالامر إلينا فاخفناهم وضيقنا عليهم وقتلناهم أكثر من قتل بنى امية أياهم، ويحكم ان بني أمية انما قتلوا منهم من سل سيفا وانا معشر بنى العباس قتلناهم جملا فلتسالن اعظم الهاشمية باى ذنب قتلت، ولتسالن نفوس ألقيت في دجلة والفرات ونفوس دفنت ببغداد والكوفة احياء، هيهات انه من يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره. وأما ما وصفتم في أمر المخلوع: وما كان فيه من لبس فلعمري ما لبس عليه أحد غيركم إذ هويتم عليه النكث، وزينتم له الغدر، وقلتم له ما عسى ان يكون من أمر اخيك، وهو رجل مغرب، ومعك الاموال والرجال تبعث إليه فيؤتى فكذبتم ونسيتم قول الله تعالى " ثم بغى عليه لينصرنه الله " (2). وأما ما ذكرتم من استبصار المأمون في البيعة لابي الحسن الرضا عليه


(1) التوبة: 19. (2) الحج: 60.

[ 279 ]

السلام فما بايع له المأمون الا مستبصرا في أمره عالما بانه لم يبق أحد على ظهرها أبين فضلا ولا أظهر عفة، ولا اورع ورعا ولا أزهد زهدا في الدنيا، ولا اطلق نفسا ولا ارضى في الخاصة والعامة، ولا أشد في ذات منه، وان البيعة له لموافقة رضى الرب عز وجل، ولقد جهدت وما أجد في الله لومة لائم، ولعمري ان لو كانت بيعتى معه محاباة لكان العباس ابني وسائر ولدى احب الى قلبى وأجلى في عينى، ولكن أردت أمرا وأراد الله أمرا، فلم يسبق امرى أمر الله. وأما ما ذكرتم مما مسكم من الجفاء في ولايتى، فلعمري كان ذلك الا منكم بمظافرتكم عليه، ومما يلتكم اياه، فلما قتلته تفرقتم عباديد فطورا اتباعا لابن أبى خالد، وطورا اتباعا لاعرابي، وطورا اتباعا لابن شكلة، ثم لكل من سل سيفا علي، ولو لا ان شيمتي العفو وطبيعتي التجاوز ما تركت على وجهها منكم أحدا، فكلكم حلال الدم محل بنفسه. وأما ما سألتم من البيعة للعباس ابني، أتستبدلون الذى هو أدنى بالذى هو خير، ويلكم ان العباس غلام حدث السن، ولم يؤنس رشده ولم يمهل وحده ولم تحكمه التجارب، تدبره النساء وتكفله الاماء، ثم لم يتفقه في الدين، ولم يعرف حلالا من حرام، الا معرفة لا تأتى به رعية، وتقوم به حجة، ولو كان مستاهلا قد احكمته التجارب، وتفقه في الدين، وبلغ مبلغ أمير العدل في الزهد في الدنيا وصرف النفس عنها ما كان له عندي في الخلافة الا ما كان لرجل من عك وحمير (1) فلا تكثروا في هذا المقال، فان لساني لم يزل مخزونا عن امور


(1) قال العلامة المجلسي: والعكة: الاناء الذى يجعل فيه السمن والحمير: في بعض النسخ بالخاء المعجمة وهو الخبز البائت والذى يجعل في العجين. وقال بعض: هما قبيلتان من القحطانية.

[ 280 ]

وانباء، كراهية ان تخنث النفوس عند ما تنكشف، علما بان الله بالغ امره، ومظهر قضاه يوما. فإذا أبيتم الا كشف الغطاء وقشر العظاء، فالرشيد أخبرني آبائه وعما وجد في كتاب الدولة وغيرها ان السابع من ولد العباس لا تقوم لبنى العباس بعده قائمة ولا تزال النعمة متعلقة عليهم بحياته، فإذا أودعت فودعها، فإذا أودع فودعاها، وإذا فقدتم شخصي فاطلبوا لانفسكم معقلا وهيهات، ما لكم الا السيف ياتيكم الحسني الثائر البائر، فيحصدكم حصدا، أو السفياني المرغم والقائم المهدي لا يحقن دمائكم الا بحقها. وأما ما كنت أردته من البيعة لعلي بن موسى بعد استحقاق منه لها في نفسه واختيار منى له، فما كان ذلك منى الا ان اكون الحاقن لدمائكم، والذائد عنكم باستدامة المودة بيننا وبينهم، وهى الطريق أسلكها في اكرام آل أبى طالب، ومواساتهم في الفيئ بيسير ما يصيبهم منه، وان تزعموا انى أردت أن يؤول إليهم عاقبة ومنفعة فاني في تدبيركم والنظر لكم ولعقبكم وأبنائكم من بعدكم، وأنتم ساهون لاهون تائهون في غمرة تعمهون لا تعلمون ما يراد بكم، وما أظللتم عليه من النقمة، وابتزاز النعمة، همة أحدكم ان يمسى مركوبا ويصبح مخمورا تباهون بالمعاصى، وتبتهجون بها وآلهتكم البرابط مخنثون مؤنثون، لا يتفكر متفكر منكم في اصلاح معيشة ولا استدامة نعمة ولا اصطناع مكرمة، ولا كسب حسنة يمد بها عنقه يوم لا ينفع مال وبنون الا من أتى الله بقلب سليم. أضعتم الصلاه، واتبعتم الشهوات، وأكببتم على اللذات وأعرضتم عن الغنيمات فسوف تلقون غيا، وأيم الله لربما افكر في أمركم، فلا أجد امة من الامم استحقوا العذاب حتى نزل بهم لخلة من الخلال الا اصيب تلك الخلة

[ 281 ]

بعينها فيكم، مع خلال كثيرة لم أكن اظن ان ابليس اهتدى إليها ولا أمر بالعمل عليها، وقد أخبر الله في كتابه العزيز عن قوم صالح انه كان فيهم تسعة رهط يفسدون في الارض ولا يصلحون فايكم ليس معه تسعة وتسعون من المفسدين في الارض قد اتخذتموهم شعارا ودثارا استخفافا بالمعاد وقلة يقين بالحساب، وأيكم له راى يتبع أو روية تنفع فشاهت الوجوه وعفرت الخدود. وأما ما ذكرتم من العثرة كانت في أبى الحسن عليه السلام نور الله وجهه فلعمري انها عندي للنهضة والاستقلال الذى أرجو به قطع الصراط، والامن والنجاة من الخوف يوم الفزع الاكبر، ولا اظن عملت عملا هو عندي أفضل من ذلك الا ان أعود بمثلها الى مثله، وأين لى بذلك وأنى لكم بتلك السعادة. وأما قولكم انى سفهت آراء آبائكم وأحلام أسلافكم، فكذلك قال مشركوا قريش " انا وجدنا آبائنا على امة وانا على آثارهم مقتدون " (1) ويلكم ان الدين لا يؤخذ الا من الانبياء، فافقهوا وما أراكم تعقلون. وأما تعييركم اياي بسياسة المجوس اياكم فما أذهبكم الانفة من ذلك ولو ساستكم القردة والخنازير ما أردتم الا امير المؤمنين، ولعمري لقد كانوا مجوسا فاسلموا كابائنا وامهاتنا في القديم، فهم المجوس أسلموا وأنتم المسلمون الذين ارتدوا، فمجوسي أسلم خير مسلم ارتد، فهم يتناهون عن المنكر ويامرون بالمعروف، ويتقربون من الخير ويتباعدون من الشر، ويذبون عن حرم المسلمين، يتباهجون بما نال الشرك وأهله من النكر، ويتباشرون بما نال الاسلام وأهله من الخير، منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا، وليس منكم الا لاعب بنفسه مافون (2) في عقله وتدبيره، اما مغن أو ضارب دف أوزامر.


(1) الزخرف: 23. (2) قال العلامة المجلسي: والافن بالتحريك ضعف الرأى.

[ 282 ]

والله لو أن بنى امية الذين قتلتموهم بالامس نشروا فقيل لهم لا تانفوا في معائب تنالونهم بها، لما زادوا على ما صيرتموه لكم شعارا ودثارا وصناعة وأخلاقا. ليس فيكم الا من إذا مسه الشر جزع وإذا مسه الخير منع، ولا تانفون ولا ترجعون الا خشية. وكيف يانف من يبيت مركوبا ويصبح باثمه معجبا كانه قد اكتسب حمدا غايته بطنه وفرجه، لا يبالي أن ينال شهوته بقتل ألف نبى مرسل أو ملك مقرب أحب الناس إليه من زين له معصية أو اعانه في فاحشة تنظفه المخمورة وتربده المطمورة، فشتت الاحوال فان ارتدعتم مما أنتم فيه من السيئات والفضائح، وما تهذرون به من عذاب ألسنتكم، والا فدونكم تعلموا بالحديد ولا قوه الا بالله وعليه توكلي وهو حسبى (1). في عدم الاختلاف بين العباس وعلى عليه السلام وسائر بنى هاشم ومن طرائف ما رواه مصنف زهد على بن أبى طالب انه كان قبل وفاته بايام يفطر ليلة عند الحسن وليلة عند الحسين وليلة عند عبد الله بن عباس وروى ذلك ايضا المسمى عندهم صدر الائمة أخطب خطباء خوارزم موفق بن أحمد المكي، وأين موضع الاختلاف بينهم. ولعل رجال الاربعة المذاهب وعلمائهم أرادوا أو أراد غيرهم من أعداء


(1) رواه العلامة المجلسي في البحار: 49 / 208 - 214. وقال من بعده أقول: كان هذا الخبر في بعض نسخ الطرائف ولم يكن في أكثرها وكانت النسخ سقيمة. (2) الخوارزمي في المناقب: 283.

[ 283 ]

أهل البيت ان يجعلوا اختلافا بين العباس وعلى عليه السلام ليعتذروا لابي بكر وعمر في مخالفة بنى هاشم لهما، ولو قدرنا ان قد كان بين بنى هاشم خلاف في الظاهر في أمر يخص أحوالهم اما لشبهة أو لغير شبهة. أليس قد كانوا مع ذلك كله مجمعين على ان أبا بكر وعمر ظالمان لهم كما تقدمت روايتهم واتفقوا عليه في صحاحهم، واجماع بنى هاشم حجة لا يدفع لان المسلمين كافة الذين يعتبر بهم رووا أن محمدا " ص " نبيهم جعل التمسك باهل بيته حجة وأمانا من الضلال. ومن طريف ما يشتبه على رجال الاربعة المذاهب انهم يتوهمون أو يعتقدون ان العباس حضر مع فاطمة وعلى عليهما السلام عند طلب الميراث ويطلب ميراثا لنفسه، وهذا غلط من قبل الاربعة المذاهب وانما حضر العباس مع فاطمة عليها السلام اما ليصل جناحها فانه كان كالوالد أو ليزيل حجة أبى بكر فيما يقوله ان العم يرث مع البنت، وكذلك يكون حضوره مع علي عليه السلام يمكن أن يكون لهذا الحال والدليل على ذلك ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما. 370 - وقد ذكره الحميدي في مسند عمر في الحديث الثامن عشر من المتفق عليه في الصحيحين وانه لما سلم عمر الى العباس وعلي صدقات نبيهم الذى بالمدينة خاصة، وكان على والعباس قد طلباها من عمر بطريق الميراث من نبيهم. ولعل أبا بكر وأتباعه هم سموها صدقات، فدفعها العباس الى علي عليه السلام خاصة، وكانت في يده ثم لما توفى على عليه السلام كانت يد ولده الحسن، ثم لما توفى الحسن كانت في يد أخيه الحسين، ثم في يد على بن الحسين، قم كانت في يد الحسن بن الحسن، ثم في يد زيد بن الحسن، ثم بيد عبد الله بن الحسن بن الحسن فهل يخفى على عاقل عارف مع هذا ان العباس انما كان يطلب ميراث نبيهم

[ 284 ]

وصدقاته مساعدة لعلي بن أبى طالب عليه السلام وقطعا لحجة أبى بكر. وربما ترى بعضهم يقول: ان عليا غلب العباس على صدقات نبيهم الذى سلمها عمر اليهما (1). وهذا لا يخفى انه غير صحيح لاستمرار يد علي عليه السلام وولده على صدقات نبيهم وترك منازعة بنى العباس لهم، مع ان العباس ما كان ضعيفا عن منازعة علي عليه السلام ولا كان أولاد العباس ضعفاء عن المنازعة لاولاد على عليه السلام في الصدقات المذكورة. ومما يقتضي ان منازعة العباس لعلي عليه السلام في الميراث كانت مساعدة لعلي عليه الاسلام، ما رواه محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي وهو من أعيان المخالفين في مسند على عليه السلام فيما رواه قثم بن عباس ما هذا لفظه رفع الحديث قال: قيل لقثم بن عباس كيف ورث على عليه السلام رسول الله " ص " دون الناس ؟ قال: لانه أقدمنا به لحوقا وأشدنا به لزوقا. وروى الحضرمي المذكور رفع الحديث انه قيل لعبد الله بن عباس ما شان علي عليه السلام ورث رسول الله " ص " دون أبيك وهو عمه قال: لانه كان أقدمنا به لحوقا وأشدنا به لزوقا. (قال عبد المحمود): فهذا تصريح من قثم وعبد الله ابني العباس وهما أعرف بباطن حال ميراث نبيهم " ص " ان عليا عليه السلام ورثه دونهم، وهذان الحديثان حجة على من منع عليا عليه السلام من ميراث نبيهم وحجة على من زعم ان العباس كان ينازع عليا في باطن الحال. ومن طريف ما ذكره بعض الشيعة ان جارية قد وصفت للرشيد بانها عالمة زكية، وأحضر لها النظام وقال له الرشيد أقطعها، فعجز النظام عن قطعها


(1) راجع صحيح مسلم 3 / 1382.

[ 285 ]

فاراد تنفير الرشيد عنها فقال لها: ما تقولين ؟ أيما أفضل العباس أو علي ؟ فقالت: الروح واحدة وان اختلف الجسد، فان فضيلة هذا لهذا وفضيلة هذا لهذا، فقال لها النظام كما يرويه أعداء أهل البيت فما تقولين في حكومتهما عند أبى بكر وعمر أيهما كان على الحق وأيهما كان على الباطل ؟ فقالت: كانا كالملكين اللذين نزلا على داود يتحاكمان في الغنم وانما أراد الملكان تعريف داود وجه الحكم فكذلك أراد العباس وعلي يعرفان أبا بكر وعمر انهما ظالمان لهما بمنع ميراث نبيهما. فهذا جواب امراة لم يكن عندها عداوة لاهل البيت، عرفت الحق واعتذرت عذرا جميلا، فاستحسن الرشيد ذلك منها واشتراها بالوف كثيرة. في عدم مساعدتهم لفاطمة عليها السلام ومساعدتهم لعائشة ومن طريف الامور أن سيدتهم فاطمة عليها السلام المشهود لها بالطهارة والعصمة والفضائل التي لم يخلف نبيهم من ظهره ولدا في الدنيا سواها وكانت بقيته في المسلمين وتذكرته بين الصحابة والعارفين يجرى عليها ما تقدم ذكر بعضه، ثم ان الحال تحوجها الى أن تخرج بنفسها والعباس معها كما تقدم في احدى روايتي الحميدي وعلي بن أبي طالب عليه السلام كما تقدم في رسالة المأمون وأم ايمن وأسماء بنت عميس، وتخاطب أبا بكر فلا يسعدها من جلساء أبي بكر وأتباعه من كان حاضرا منهم حين مخاطبتها ومن حضر بعد ذلك مسعد ولا ينطق بكلمة ولا ينقل ان أحدا منهم قال في مجلسه، وقد كان مجلسا عاما كلمة تعضدها ولا مشورة تطيب قلبها ولا وساطة بخير، أين نساء المهاجرين والانصار ؟ وهلا كن جميعا في خدمتها وصحبتها ومعونتها وأين بقايا المهاجرين والانصار ؟ وما بالهم لم يسعدوا بنت نبيهم ويرغبوا في الوفاء لخاتم الانبياء ؟ وهلا استحيوا من حقوقه عليهم واحسانه إليهم ؟ وهلا وصلوا جناحها أو عضدوا خطابتها ؟ فقد كان بين أبيها وبين مجلس أبي بكر خطوات يسيرة، وهب انهم

[ 286 ]

شكوا فيها أما كان في شهودها المشار إليهم حجة وعذر توجب عليهم المساعدة لها بقول أو فعل ؟. ومن طريف ذلك ان عائشة بنت أبي بكر تخرج من مكة الى البصرة لقتال علي بن أبي طالب عليه السلام وقتل بني هاشم وسفك دماء جماعة من الصحابة والتابعين والصالحين، فيخرج لنصرتها وصحبتها وصلة جناحها ومساعدتها على الظلم والعدوان الخلق الكثير والجم الغفير، مع ما تقدم ذكره من سوء أحوالها ومع ما كانوا يعلمون ان عائشة هتكت حجاب الله تعالى وحجاب رسوله في قوله تعالى " وقرن في بيوتكن وتبرجن " (1) فلم تقر في البيت وتبرجت، ويعلم كل عاقل وكل أهل ملة ان الجهاد واقامة الخلفاء لا يجوز الاقتداء فيه بالنساء. 371 - ومع روايتهم في الجمع بين الصحيحين للحميدي في مسند أبي بكر انه عرف ضلالة عائشة ومن اتبعها الى البصرة بما رواه عن نبيهم أنه قال لن يفلح قوم ولوا أمرهم أمراة. 372 - ومع ما رواه في الجمع بين الصحيحين للحميدي ايضا في مسند عبد الله بن عباس انه سال عمر بن الخطاب فقال: من المراتان من أزواج النبي " ص " اللتان قال الله عز وجل " ان تتوبا الى الله فقد صغت قلوبكما (2) فقال عمر: هما عائشة وحفصة (3). ان هذا الاتباع لعائشة والخذلان لفاطمة عليه السلام مما يتعجب منه ذووا الالباب، ويدل على ان القوم العادلين عن بني هاشم كانوا على غاية من الضلال والارتياب.


(1) الاحزاب: 33. (2) التحريم: 4. (3) رواه البخاري في صحيحه: 6 / 70 - 71.

[ 287 ]

ومن طريف تصديقهم لعائشة وعداوتهم لفاطمة 373 - انه روى الحميدى في الجمع بين الصحيحين وغيره ان نبيهم لما هاجر الى المدينة أقام ببعض دور اهلها واستقرض مريدا (1) للثمن وكان لسهل وسهيل كانا يتيمين في حجر سعد بن زرارة ليشتريه فوهبها له، وروى انه اشتراه وبنى فيه مسجده وبنى فيه بيوتا ومساكن لنفسه ليسكن عياله وازواجه فيها، فرغت انتقل إليها. 374 - وروى الحميدى في الحديث الرابع والثلاثين بعد المالة في المتفق عليه من مسند انس بن مالك في موضع المسجد خاصة وفي رواية أخرى قال: ان النبي " ص " أراد أن يشترى موضع المسجد من قوم بني النجار، فوهبوه وكان فيه نخل وقبور المشركين، فقلع النخل وخربت القبور (2) وقد تضمن كتابهم ان البيوت لنبيهم في قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي الا أن يؤذن لكم " (3). ومن المعلوم ان زوجته عائشة لم يكن لها دار بالمدينة ولا بيت ولا لابيها ولا لقومها، لانهم كانوا مقيمين بمكة ولا روى أحد أنها بنت لنفسها دارا في المدينة ولا بنى لها أحد من قومها منزلا بها، ومع كله فانها ادعت حجرة نبيهم بعد وفاته التي دفن فيها، فسلمها أبوها أبو بكر إليها بمجرد سكناها أو دعواها، ويمنع فاطمة عليها السلام عن فدك والعوالي مع طهارتها وجلالتها وطهارة شهودها وشهادتهم بان اباها وهبها ذلك في حياته ويمنع ايضا فاطمة عليها السلام من ميراثها مع عموم آيات قرآنهم وكتابهم في المواريث، فان كانت


(1) الظاهر كذا واستقرض لثمن مكان نخل كان الخ. (2) رواه مسلم في صحيحه: 1 / 373. (3) الاحزاب: 53.

[ 288 ]

عائشة ملكت الحجرة بالسكنى فقد مات نبيهم عن تسع زوجات في تسع بيوت فهلا ملك جميع نسائه جميع بيوته التي كانوا فيها، وان كان بالميراث فلاي حال ترث عائشة نبيهم " ص " ولا ترثه فاطمة عليها السلام ؟ ثم كيف تفردت عائشة بالحجرة ولها تسع الثمن من ميراثه ومن قسم لها وخصصها بها ؟ ان هذا من عجائب الامور. ومن طريف ذلك تهجم جماعة من المسلمين على حجرة نبيهم وترك الامتثال بقرآنهم في قوله تعالى " لا تدخلوا بيوت النبي الا ان يؤذن لكم " ودفنوا امواتهم فيها، فليت شعرى من أذن للاموات وفاته في دخول حجرته وضرب المعاول عنده ونبش التراب حوله وأن يجعلوا داره مقبرة وان كانت داره ميراثا كما تضمن كتابهم ؟ فهلا استاذنوا جميع الورثة ؟ فكيف يكون ميراثا عندهم وقد ادعوا أنه لا يورث ؟ وان كانت أمواله وتركته للمسلمين فهل أستاذنوا جميع المسلمين من بعد منهم أو قرب ؟ وان كان ذلك تهيا فيه اذن جميع المسلمين فهل استاذنوا جميع المسلمين في تسليم فدك والعوالى الى ابنته فاطمة عليها السلام فقد كان يجب لابيها على المسلمين من الحقوق أعظم من ذلك. ومن طريف ذلك أن أبو بكر قد سلم حجرة نبيهم الى ابنته عائشة دون ورثته ودون المسلمين وكان يتمكن كثير من المسلمين من الانكار عليها وعليه فيداهنون ويتغافلون، انا لله وانا إليه راجعون. ومن طريف ذلك أن بعض جهالهم معتقدا وقائلا ان البيت لعائشة، لما لعله يجده من لفظ مجمل أو محتمل في تسمية بيوت نبيهم باسم نسائه، فيتوهم ان ذلك يدل على أن البيوت ملك لنساء نبيهم، ومن المعلوم للعقلاء أن لو كان البيوت ملكا لنسائه لكان نزيلا على نسائه بالمدينة وفي سكناهن. ولا خلاف بين المسلمين في تكذيب ذلك وان نبيهم استانف بيوته وعمرها بعد قدومه بالمدينة.

[ 289 ]

وقد تقدم ما يدل على ان عائشة لم يكن بيت تملكه بالمدينة، وإذا كن الزوجات ساكنات في بيوت الازواج فيقال للنساء على سبيل الاستعارة والمجاز أنها بيوتهن لاجل سكناهن بها كما يقال بيت النملة وبيت الدواب ونحو ذلك وان كانت النملة ونحوها لا تملك بيتا ولا شيئا، وقد تضمن كتابهم تصديق ذلك فقال: " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن الا ان ياتين بفاحشة مبينة " (1) ومعلوم أن البيوت كانت للازواج، فلو كانت البيوت للمطلقات ما جاز اخراجهن منها سواء أتين بفاحشة أو لم ياتين، فبطل أن يكون البيوت لنساء نبيهم على كل حال، وان دعوى عائشة لذلك كان ظلما لا يحل بحبلة محتال. 375 - وذكر الحميدي في الجمع بين الصحيحين من المتفق عليه من مسند عبد الله بن زيد بن عاصم الانصاري عن النبي " ص " أنه قال: ما بين بيتي ومنبري روضة رياض الجنة (2). وما قال نبيهم: ما بين بيت عائشة ومنبري. وروى الحميدي أيضا هذا الحديث بالفاظه عن نبيهم في مسند أبي هريرة في المتفق عليه في الحديث السابع عشر بعد المائة (3). (قال عبد المحمود): ورايت هذا الحديث في صحيح مسلم من نبيهم " ص " في المجلد الثاني بلفظ آخر وهو: ما بين منبرى وبيتي روضة من رياض الجنة. وفي جميع ذلك يقول: بيتي ولم يقل بيت عائشة، أفتراهم لا يصدقونه في قوله انه بيته أو يجعلون دعوى عائشة في البيت أصدق من قول نبيهم وأصدق من تزكية الله تعالى له.


(1) الطلاق: 1. (2 و 3) رواهما مسلم في صحيحه: 2 / 1010 في كتاب الحج، والبخاري في صحيحه: 2 / 57.

[ 290 ]

وقد ذكر صاحب كتاب الطبقات محمد بن سعد عن ابن عباس قال: لما فرغ من جهاز رسول الله " ص " وضع على سرير في بيته. اقول فهذه شهادة ابن عباس بعد وفاته ولم يقل بيت عائشة. وذكر الطبري في تاريخه ان النبي " ص " قال: إذا غسلتموني وكفنتموني فضعوني على سريري في بيتي هذا على شفير قبري - الخبر (1). وما قال في بيت عائشة وهذا آخر عهده بالدنيا سوء أدب عائشة مع النبي " ص " وشدة حسدها وبخلها ومن طرائف ما رايت من تعصبهم لعائشة بالمحال حتى يختاروا نقص نبيهم ليشهدوا لها بالكمال. 376 - ما رواه الغزالي في كتاب الاحياء في كتاب النكاح في الباب الثالث في ذكر حسن صحبة نبيهم لعائشة فقال: روى أنه " ص " كان يسابق عائشة في العدو فسبقته يوما، وسبقها في بعض الايام، فقال عليه السلام هذه بتلك (2). (قال عبد المحمود): كيف يحسن من هذا الشيخ وغيره نقل هذا الحديث على وجه التصديق به، وقد عرف أهل الملل والالباب والتجارب ان وقار النبوة وحرمة الرسالة والسكينة الالهية على تضمنه كتابهم يمنع محمدا " ص " نبيهم ان يعدو مع عائشة برجله مثل الاطفال والجهال، وان العقل يشهد أن هذه الحكاية من جملة المحال، لان نبيهم إذا كان كما وصفوه من الجلال والنبوة والكمال فما يقع هذا منه، ولا كان يجوز لهم تصديق عائشة ولا غيرها في نقل


(1) الطبري في تاريخه: 3 / 193. (2) الغزالي في احياء علوم الدين: 2 / 44، وأخرجه في ذيله عن أبى داود والنسائي وابن ماجة بسند صحيح.

[ 291 ]

ذلك عنه وان كان غير نبي، فما كان ينبغي حسن التدبير وحفظ منزلته أن تسقط حرمته بذلك العدو عند زوجته وصحابته، ولو فعل ذلك من هو دونه من العقلاء سقطت منزلته بين الفضلاء، فكيف استجاز هؤلاء القوم تصديق مثل هذا البهتان وتسهيل اللعب والباطل على الجهال بايراد هذا الخبر لا يخفى انه من الهذيان ؟. ومن طريف تعصبهم لعائشة بالكذب تعظيمهم لها بلسان الحال والمقال على خديجة زوجة نبيهم وسائر أزواجه، ومن المعلوم المسلمين ان خديجة أول من آمن بنبيهم من النساء، واول من صلى منهن معه، وأنها عاونته بمالها ونصرته حين خذله اكثر الناس وآنسته حين أوحشوه وصدقته حين كذبوه، وجعل الله ذريته منها وشهد لها في حياتها وبعد وفاتها بالجنة، وكان يكثر من مدحها ويثني عليها حتى حسدتها عائشة وعاتبته على ذلك فاعتذر إليها باحسان خديجة إليه وحسن صحبتها له، وجميع ذلك قد رووه في صحاحهم. 377 - فمن ذلك ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الثمانين في المتفق عليه من مسند عائشة قالت: ما غرت أحد من نساء النبي " ص " ما غرت على خديجة، وما رايتها قط، ولكن كان يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلت له: كانه لم تكن في الدنيا أمراة الا خديجة فيقول " ص ": انها كانت، وكانت لي منها ولد، وقالت عائشة: ولقد أمره ربه عز وجل أن يبشرها ببيت من قصب في الجنة (1). وأجمع المسلمون على ان خديجة من أهل الجنه وان الشك في بشارة النبي


(1) رواه مسلم في صحيحه: 4 / 1888 في فضائل خديجة، ورواه البخاري في صحيحه: 4 / 231.

[ 292 ]

" ص " لها بذلك كفر، واختلف المسلمون في عائشة اختلافا عظيما فذهب كثير من المسلمين الى تكفيرها بخروجها على بني هاشم وحربها لهم وطعنها في امامة على بن أبى طالب عليه السلام بعد صحة امامته عند كافة المسلمين و ثبوت مبايعته، وقتلها بسبب ذلك الخروج نحو ستة عشر ألفا ما بين صحابي الى مسلم ومؤمن، ومع ما رووا أنها من جملة من أفشى سر رسول الله " ص " وآذاه وقد تضمن كتابهم في قوله تعالى " فان تظاهرا عليه فان الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين " (1). وقد تقدم في رواية الحميدى في الجمع بين الصحيحين ان عمر بن الخطاب خليفة أبيها قد شهد عليها بذلك. وإذا كانت قد آذت نبيهم بافشاء سره والتظاهر عليه فكيف يكون حالها مع ما تضمنه كتابهم " ان الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والاخرة " (2) وذكر الغزالي في كتاب النكاح من سوء صحبتها أشياء: منها انه جرى بينه وبين عائشة كلام حتى أدخلا بينهما أبا بكر حكما واستشهده، لها رسول الله " ص ": تكلمين أو اتكلم. فقالت: بل تكلم ولا تقل الا حقا - الخبر (3). (قال عبد المحمود): فهل يجوز أن يشك عاقل قد قرء الاخبار وعرف الاحوال في سقوط منزلة عائشة عن درجة خديجة بل عن درجات سائر نسائه ؟ بل كيف يثبت قدم في مدحها بالاسلام. وأما رواية الغزالي فكيف يجوز ان تجيب نبيهم بهذا الجواب ؟ وهل يقول نبيهم غير الحق ؟ أما سمعوا في كتابهم


(1) التحريم: 4. (2) الاحزاب: 57. (3) الغزالي في احياء علوم الدين: 2 / 43، وأخرجه في ذيله عن الطبراني في الاوسط والخطيب في التاريخ بسند ضعيف.

[ 293 ]

" لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض ان تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون " (1) أما سمعوا كتابهم يتضمن " ان الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والاخرة " أما تضمن كتابهم " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما " (2) أما وجدت عائشة في نفسها حرجا ؟ وأين تسليمها ؟ وكيف يبقى لها ايمان مع مخالفتها ؟ أما نهاها كتابها ان تتبرج ؟ كما تقدم في قوله تعالى " وقرن في بيوتكن ولا تبرجن " أما تبرجت وخرجت لحرب البصرة وقتل المسلمين وسفك دماء الصحابة والتابعين ؟ اما قاتلت من قد أجمعوا على خلافته ؟ أماما ادخلت الشبهة على المستضعفين ؟ وكانت سبب هلاكهم الى يوم الدين ؟ ولقد أعجبني حديث وقفت عليه في المعنى، وهو ان امراة من الكوفيات دخلت على عائشة فقالت: يا أم المؤمنين ما تقولين في امراة قتلت ولدها عمدا وهو مؤمن ؟ فقالت: تكون كافرة لان الله يقول " " ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه وأعد له عذابا عظيما " (2). فقالت لها الكوفية: فما تقولين في أم قتلت ستة عشر ألفا من أولادها المؤمنين ؟ ففهمت عائشة أنها واقفتها على قتل من قتل بطريقها وحربها في البصرة من الاخيار والصالحين فقالت: أخرجوا عدوة الله عني. ومما رووه في اعتراف عائشة ببعض ما فعلت: ومما رواه الحميدي في كتاب الجمع بين الصحيحين في مسند عبد الله بن عباس في جملة الحديث السادس من أفراد البخاري ان ابن الزبير دخل على


(1) الحجرات: 2. (2) النساء: 65. (3) النساء: 93. (*)

[ 294 ]

عائشة في مرضها فقالت له: ان فلانا - وسمت له القائل - دخل علي فاثنى علي وقال: ولوددت اني كنت نسيا منسيا. فهل يجوز لعاقل عارف من المسلمين أن يساوى عائشة بخديجة أو بادون نساء نبيهم ؟ أو أن يجعل عائشة قريبة من منزلة خديجة ؟ وهل يشك في سقوط منزلتها وسوء طريقتها الا جاهل بالحق وجاحد للصدق ؟. وقد أنكر الجاحظ في كتاب الانصاف غاية الانكار على من يساوي عائشة بخديجة أو يفضلها عليها. ومن طرائف روايتهم الشاهدة بذم عائشة ايضا: 379 - ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الثاني بعد المائة من مسند عائشة في المتفق عليه قالت: ان النبي " ص " كان يمكث عند زينب بنت جحش فيشرب عندها عسلا، قالت: فتواطيت أنا وحفصة، ان أيتنا ما دخل عليها النبي فلتقل: اني أجد منك ريح مغافير، أكلت مغافير ؟ فدخل على احداهما فقالت ذلك له، فقال: بل شربت عسلا زينب بنت جحش ولن أعود له، فنزل: لم تحرم ما أحل الله لك الى قوله ان تتوبا الى الله لعائشة وحفصة فقد صغت قلوبكما، واذ أسر النبي الى بعض أزواجه حديثا لقوله بل شربت عسلا (1). قال البخاري في صحيحه: وقال ابراهيم بن موسى عن هشام: ولن أعود له وقد حلفت فلا تخبري بذلك أحدا (2). (قال عبد المحمود): أما يعجب العاقل من تصحيحهم لهذا الحديث في حق عائشة ثم يدعون تعظيمها ؟ ما أقبح التعصب بالمحال وكيف ذلك باهل


(1) رواه مسلم في صحيحه: 2 / 1100 في كتاب الطلاق. (2) البخاري في صحيحه: 6 / 68. (*)

[ 295 ]

الكمال ؟ ومما رووه في سقوط منزلتها. 380 - ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الرابع من أفراد البخاري في مسند مسور مخرمة ان عائشة حدثتنا أن عبد الله بن الزبير قال في بيع أو عطاء أعطته عائشة: والله لتنهين عائشة أو لاحجرن عليها - الخبر. أما هذه شهادة من عبد الله بن الزبير واتفاق من الصحابة الذين سمعوا منه ولم ينكروا عليه ان عائشة قد وقع منها ما يبيح الحجر عليها كالسفيه والمجنون ان في روايتهم لذلك عدة عجائب وفنون. ومن ذلك ما رووه في الدلالة على سوء صحبتها لابن عباس الذى هو من أعيان عترة نبيهم الذين أوصى بهم ومعرفة عبد الله بن عباس باستحقاقها للهجران وهجرانه لها. 381 - ومن ذلك ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الخامس عشر من المتفق عليه من مسند عائشة أن زياد بن أبى سفيان كتب الى عائشة أن عبد الله بن عباس قال: من أهدى هديا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى بنحر الهدى وقد بعثت بهديى. فاكتبي الي بامرك. قالت عمرة: قالت عائشة: ليس كما قال ابن عباس، أنا فتلت قلائد هدى رسول الله " ص " بيدي، ثم قلدها رسول الله بيده، ثم بعث بها مع أبى، فلم يحرم على رسول الله شئ احله الله له حتى نحر الهدى (1). (قال عبد المحمود): ألا تعجب من جراتها ابن عباس ؟ ولعل زيادا أكذب عليه أو لم يفهم ما قال أو لعل ابن عباس قال ذلك عما يقوله المسلمون من ان من مرض وهو محرم أو حبس عن الحج ومحرم فلا يحل


(1) مسلم في صحيحه: 2 / 959.

[ 296 ]

له ما يحرم عليه حتى ينحر هديه، فكيف أقدمت على تكذيب عبد الله بن عباس والرد عليه ؟ دو هو أحق بالعلم ومن قومها، وهلا اعتذرت له، ومتى وصل أبوها مكة بعد الهجرة وقبلها أو الى منى ولم يكن نبيها حاضرا حتى تقول انه كان يبعث بها مع أبي، ويؤمنها أن يكون الامر كما قال زياد عن ابن عباس ويكون الافضل ان من بعث هديا وهو غير محرم انه يمتنع ما يمتنع منه المحرم أدبا ويكون لفظ يحرم بمعنى يكره كما يتداولون أمثال ذلك، وهلا كانت رواية ابن عباس عن نبيهم إذا كان قد صححوها حجة في تكذيب عائشة. 382 - ومن ذلك في هجران ابن عباس لها ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين في جملة حديث السادس والاربعين من أفراد مسلم من مسند عائشة في أواخر الحديث المذكور المتضمن لصلاة رسول الله " ص " في وتره قال: فانطلقت الى ابن عباس فحدثته بحديثها فقال: صدقت، لو كنت أقربها أو ادخل عليها لاتيتها حتى تشافهنى به، قال قلت: لو علمت انك لا تدخل عليها ما حدثتك حديثها (1). (قال عبد المحمود): في هذا الحديث عدة طرائف: أحدها ما يدل على سوء حالها بما يثبت عند مثل هذا العالم المجمع عليه - أعنى عبد الله بن العباس - من استحقاقها الهجران وهجره لها. ومن طرائف الحديث المذكور قول الراوي عن ابن عباس أنه كان يحضر عند عائشة لتشافهه بذلك. 383 - وقد ذكر الحميدي في مسند عبد الله بن عباس في الحديث الثالث والاربعين من المتفق عليه أن عبد الله بن عباس بات عند نبيهم وشاهد صلاتة في وتره. ورواها الناس عنه.


(1) مسلم في صحيحه: 1 / 514.

[ 297 ]

أفكان عبد الله بن العباس شاهد صلاة الوتر مع نبيهم ويخبرها الناس ثم تحتاج الى ان تشافهه عائشة بذلك، ان هذا من البهتان والكذب على ابن عباس الذى لا يليق روايته وتصحيحه عند عقلاء الناس. ومن طرائف الحديث المذكور تصديقهم لهذا الراوي وهو يقول لعبد الله ابن عباس: لو علمت انك لا تدخل عليها ما حدثتك حديثها، وذلك يدل على تعلقه وميله مع عائشة على ابن عباس ولو كان موافقا عاقلا لقال: لو علمت انك لا تدخل عليها ما قبلت حديثها ولا دخلت إليها. 384 - ومن ذلك فيما رووه مما يحتمل تحذير الناس منها ومن أبيها في الحديث الثلاثين من المتفق عليه من مسند عبد الله بن عمر من كتاب الجمع بين الصحيحين للحميدي عن نافع عن ابن عمر قال: قام النبي " ص " خطيبا فاشار نحو مسكن عائشة وقال: هاهنا الفتنة (ثلاثا) من حيث يطلع قرن الشيطان (1). في ايمان أبى طالب رضى الله عنه ومن طرائف ما بلغت إليه عداوة جماعة من المسلمين لاهل بيت نبيهم انهم يوالون قوما قد حاربوهم واستحلوا دماءهم مثل هذه عائشة، فانها قد وقع في حق نبيهم منها ما قد تقدم بعضه وقالت عنه بعده ما لا يحل لاحد أن يقبله عمن هو دونه، وقد تقدمت أيضا رواية بعضه، وتظاهرت بحرب أهل بيته في حرب البصرة وسفكت دماء جماعة من الصحابة والتابعين وقد تضمن كتابهم " ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له


(1) رواه مسلم في صحيحه: 4 / 2229 في كتاب الفتنة.

[ 298 ]

عذابا عظيما ". ورووا في حقها مثل هذه الاخبار المتقدم ذكرها التى يحتمل الشهادة عليها بالذم. (قال عبد المحمود): انني لاعجب ممن يدعى ان عائشة تائبة فيما جرى على يديها من سفك دماء من قتل في حرب البصرة، وهذا المدعى يعلم يقينا أنها ما طافت على أولياء المقتولين والمظلومين بطريق المصانعة، ولا أرسلت إليهم ولا التفتت الى ابراء ذمتها مما جرت الحال عليه من تلف النفوس والاموال وخراب ما خرب من الاموال والمزارع. أفهكذا تكون التوبة من الدماء والانفس والاموال والحقوق الربانية وحقوق المسلمين ؟ ان دعوى توبتها من الفضائح المظهرة للمعصية التي لا تليق بالعقل والدين، وانهم لم يلتفتوا الى ذلك كله وشهدوا لها بالايمان ومدحوها. ثم تظاهروا بالشهادة على ابى طالب عليه السلام عم نبيهم وكفيله بانه مات كافرا، وكذبوا الاخبار الصحيحة المتضمنة لايمانه، وردوا شهادة عترة نبيهم صلوات الله عليهم الذين رووا أنهم لا يفارقون كتاب ربهم، واننى وجدت علماء هذه العترة مجمعين على أيمان أبى طالب عليه السلام، وما رايت هؤلاء الاربعة المذاهب كابروا فيمن قيل عنه انه مسلم مثل هذه المكابرة، وما زال الناس يشهدون بالايمان لمن يخبر عنه مخبر بذلك، أو يرى عليه صفة تقتضي الايمان وسوف أورد لك بعض ما أوردوا في كتبهم برواية رجالهم من الاخبار الدالة لفظا أو معنى تصريحا أو تلويحا بايمان أبى طالب عليه السلام، ويظهر لك أن شهادتهم عليه بالكفر ليست الا عداوة لولده على بن ابى طالب عليه السلام أو لبنى هاشم.


(1) النساء: 93.

[ 299 ]

385 - فمن ذلك ما ذكروه ورووه في كتاب أخبار أبى عمرو محمد بن عبد الواحد الزاهد الطبري اللغوي، عن أبى العباس أحمد بن يحيى بن تغلب عن ابن الاعرابي ما هذا لفظه: واخبرنا تغلب عن أبن الاعرابي قال: العور: الردئ من كل شئ، والوعر: الموضع المخيف الوحش، قال ابن الاعرابي: ومن العور خبر ابن عباس قال: لما نزلت " وأنذر عشيرتك الاقربين " قال على عليه السلام (وقال ابن عباس: كان النبي يربيه وعبق من سمته وكرمه وخلائقه ما أطاق) فقال " ص " لى: يا على قد أمرت أن أنذر عشيرتي الاقربين، فاصنع لى طعاما واطبخ لى لحما، قال على عليه السلام: فعددتهم (بنى هاشم بحتا) فكانوا أربعين، قال: فصنعت الطعام طعاما يكفى لاثنين أو ثلاثة، قال: فقال لى المصطفى " ص " هاته، قال: فاخذ شظية من اللحم فشظاها باسنانه وجعلها في الجفنة، قال: وأعددت لهم عسا من لبن. قال: ومضيت الى القوم فاعلمتهم أنه قد دعاهم لطعام وشراب، قال: فدخلوا وأكلوا ولم يستتموا نصف الطعام حتى تضلعوا، قال ولعهدي بالواحد منهم ياكل مثل ذلك الطعام وحده، قال: ثم اتيت باللبن، قال: فشربوا حتى تضلعوا، قال: ولعهدي بالواحد منهم وحده يشرب مثل ذلك اللبن، قال: وما بلغوا نصف العس، قال: ثم قام فلما أراد أن يتكلم اعترض عليه أبو لهب لعنة الله، فقال: ألهذا دعوتنا ؟ ثم أتبع كلامه بكلمه ثم قال: قوموا، فقاموا وتفرفوا كلهم. قال: فلما كان من الغد قال لي: يا علي اصنع لي مثل ذلك الطعام والشراب، قال: فصنعته ومضيت إليهم برسالته، قال: فاقبلوا إليه فلما اكلوا وشربوا قام رسول الله " ص " ليتكلم فاعترضه أبو لهب لعنه الله، قال: فقال له أبو طالب رضي الله عنه: اسكت يا أعور ما أنت وهذا ؟ قال: ثم قال أبو طالب رضي الله

[ 300 ]

عنه: لا يقومن أحد، قال: فجلسوا، ثم قال للنبي " ص ": قم يا سيدي فتكلم بما تحب وبلغ رسالة ربك فانك الصادق المصدق. قال: فقال " ص " لهم: أرايتم لو قلت لكم: ان وراء هذا الجبل جيشا يريد أن يغير عليكم أكنتم تصدقوني ؟ قال: فقالوا كلهم: نعم انك لانت الامين الصادق. قال: فقال لهم: فوحدوا الله الجبار واعبدوه وحده بالاخلاص واخلعوا هذه الانداد الانجاس وأقروا وأشهدوا باني رسول الله اليكم والى الخلق فاني قد جئتكم بعز الدنيا والاخرة قال: فقاموا وانصرفوا كلهم وكان الموعظة قد عملت فيهم. هذا آخر لفظ حديث أبي عمرو الزاهد (1). (قال عبد المحمود): ولو لم يكن لابي طالب رضي الله عنه الا هذا الحديث وأنه سبب في تمكين النبي " ص " من تادية رسالته وتصريحه بقوله: وبلغ رسالة ربك فانك الصادق المصدق، لكفاه شاهدا بايمانه وعظيم حقه على أهل الاسلام وجلالة أمره في الدنيا وفي دار المقام، وما كان لنا حاجة الى ايراد حديث سواه، وانما نورد الاحاديث استظهارا في الحجة لما ذكرناه. 386 - فمن ذلك أيضا ما ذكره الحميدي في كتاب الجمع بين الصحيحين في مسند عبد الله بن عمر في الحديث الثاني عشر من افراد البخاري تعليقا قال: وقال عمر بن حمزة عن سالم عن أبيه قال: ربما ذكرت قول الشاعر: وأبيض يستسقي الغمام بوجهه * ربيع اليتامى عصمة للارامل وهو قول أبي طالب رضي الله عنه، وقد أخرجه بالاسناد من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه قال: سمعت ابن عمر يتمثل بشعر أبي طالب حيث قال: - وذكر البيت - وهي قصيدة مشهورة بين الرواة لابي طالب رضي الله عنه وهي هذه:


(1) نقله في البحار: 35 / 144 - 145.

[ 301 ]

لعمري لقد كلفت وجدا باحمد * وأحببته حب الحبيب المواصل وجدت بنفسي دونه فحميتة * ودافعت عنه بالذرى والكواهل فلا زال في الدنيا جمالا لاهلها * وشينا لمن عادى وزين المحافل حليما رشيدا حازما غير طايش * يوالي اله الخلق ليس بما حل فايده رب العباد بنصره * وأظهر دينا حقة غير باطل ألم تعلموا أن ابننا لا مكذب * لدينا ولا نرضى بدين الا باطل وابيض يستسقي الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للارامل يلوذ به الهلاك من آل هاشم * فهم عنده في نعمة وفواضل كذبتم والبيت نبرى محمدا * ولما نطاعن دونه ونناضل ونسلمه حتى نصرع حوله * ونذهل عن أبنائنا والحلائل (1) 387 - ومن ذلك ما رواه الثعلبي في تفسيره قال في تفسير قوله تعالى " وهم ينهون عنه وينؤن عنه وان يهلكون الا أنفسهم وما يشعرون " (2). عن عبد الله بن عباس قال: اجتمعت قريش الى أبى طالب رضى الله عنه وقالوا له: يا أبا طالب سلم الينا محمدا فانه قد أفسد أدياننا وسب آلهتنا، وهذه أبناؤنا بين يديك تبن بايهم شئت، ثم دعوا بعمارة بن الوليد وكان مستحسنا فقال لهم: هل رأيتم ناقة حنت الى غير فصيلها، لا كان ذلك أبدا، ثم نهض عنهم فدخل على النبي " ص " فرآه كئيبا وقد علم بمقالة قريش، فقال رضى الله عنه: يا محمد لا تحزن ثم قال: والله لن يصلوا اليك بجمعهم * حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بامرك ما عليك غضاضة * وابشر وقر بذاك منك عيونا


(1) نقل بعضه الشهرستاني في الملل والنحل: 2 / 240. (2) الانعام: 26.

[ 302 ]

ودعوتني وذكرت انك ناصحى * ولقد نصحت وكنت قبل أمينا وذكرت دينا قد علمت بانه * من خير أديان البرية دينا وروى الثعلبي أنه قد اتفق على صحة نقل هذه الابيات عن أبى طالب مقاتل وعبد الله بن عباس والقسم بن محيصرة وعطاء بن دينار (1). 388 - ومن ذلك ما رواه باسناده في كتاب اسمه " نهاية الطلب وغاية السؤل في مناقب آل الرسول " رجل من فقهائهم وعلمائهم حنبلي المذهب اسمه: ابراهيم بن على بن محمد الدينورى يرفعه الى الحسن بن على بن أبى عبد الله الازدي الفقيه، قال: حدثنا محمد بن صالح قال: حدثنى أبى عن عبد الكريم الجزرى، وقال الحسن بن على المذكور: وحدثنا أيضا عبد الله بن عمر البرقى عن عبد الكريم الجزرى عن طاووس عن ابن عباس والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة يقول فيه - ان النبي قال للعباس ان الله قد أمرنى باظهار أمرى وقد أنباني واستنباني فما عندك ؟ فقال له العباس: يابن أخى تعلم ان قريشا أشد حسدا لولد أبيك، وان كانت هذه الخصلة كانت الطامة الطماء والداهية العظماء ورمينا عن فوس واحدة وانتسفونا نسفا صلتا، ولكن اقترب بنا الى عمك أبى طالب فانه كان اكبر أعمامك، فان لا ينصرك لا يخذ لك ولا يسلمك. فاتياه فلما رآهما أبو طالب قال: ان لكما لظنة وخبرا، ما جاء بكما في هذا الوقت ؟ فعرفه العباس ما قال له النبي " ص " وما أجابه به العباس، فنظر إليه أبو طالب رضي الله عنه وقال له: أخرج يابن أخي فانك المنيع كعبا والمنيع حزبا والاعلى أبا، والله لا يسلقك لسان الا سلقته ألسن حداد واجتذبته سيوف حداد، والله لتذللن لك العرب ذل البهم لحاضنها، ولقد كان أبي يقرأ الكتاب


(1) رواه الاميني عنه وعن غيره في الغدير: 7 / 334، والبحار: 35 / 146.

[ 303 ]

جميعا، ولقد قال: ان من صلبي لنبيا لوددت انى أدركت ذلك الزمان فامنت به، فمن أدركه من ولدي فليؤمن به. ثم ذكر صفة اظهار نبيهم للرسالة عقيب كلام أبي طالب له وصورة شهادته وقد صلى وحده وجاءت خديجة فصلت معه، ثم جاء علي فصلى معه (1). وزاد الزمخشري في كتاب الاكتاب بيتا آخر رواه عن أبى طالب: وعرضت دينا لا محالة أنه * من خير أديان البرية دينا لو لا الملامة أو حذاري سبة * لوجدتني سمحا بذاك مبينا (2) 389 - ومن ذلك ما ذكره الحنبلي صاحب الكتاب المذكور باسناره الى محمد بن اسحاق عن عبد الله بن مغيرة بن معقب قال: فقد أبو طالب رضي الله عنه رسول الله " ص " فظن ان بعض قريش اغتاله فقتله، فبعث الى بنى هاشم فقال: يا بني هاشم أظن بعض قريش اغتال محمدا فقتله، فليأخذ كل واحد منكم حديدة صارمة وليجلس الى جنب عظيم من عظماء قريش، فإذا قلت: أبغى محمدا فليقتل كل واحد منكم الرجل الذي الى جانبه. وبلغ رسول الله " ص " جمع أبي طالب وهو في بيت عند الصفا، فاتى أبا طالب وهو في المسجد، فلما رآه أبو طالب أخذ بيده ثم قال: يا معشر قريش فقدت محمدا فظننت ان بعضكم اغتاله، فأمرت كل فتى من بني هاشم أن ياخذ حديدة ويجلس كل واحد منهم الى عظيم منكم فإذا قلت: أبغى محمدا قتل كل واحد منهم الرجل الذي الى جنبه فاكشفوا لي عما في أيديكم يا بني هاشم فكشف بنو هاشم عما في أيديهم فنظرت قريش الى ذلك، فعندها هابت قريش رسول الله " ص " ثم أنشا أبو طالب يقول:


(1) رواه الاميني عنه في الغدير: 7 / 348، والبحار: 35 / 147. (2) راجع الغدير: 7 / 334، والبحار: 35 / 148.

[ 304 ]

ألا أبلغ قريشا حيث حلت * وكل سرائر منها غرور فانى والضوابح غاديات * وما تتلو السفافرة الشهور لال محمد راع حفيظ وود الصدر مني والضمير فلست بقاطع رحمى وولدى * ولو جرت مظالمها الجزور أيامر جمعهم أبناء فهر * بقتل محمد والامر زور فلا وأبيك لاظفرت قريش * ولا لقيت رشادا إذ تشير بنى أخى ونوط القلب منى * وأبيض ماؤه غدق كثير ويشرب بعده الولدان ريا * وأحمد قد تضمنه القبور أيا ابن الانف أنف بنى قصى * كان جبينك القمر المنير (1) 390 - ومن ذلك ما رواه الحنبلي صاحب كتاب نهاية الطلب وغاية السؤال باسناده قال: سمعت أبا طالب رضي الله عنه يقول: حدثنى محمد ابن أخى - وكان والله صدوقا - قال: قلت له: بم بعثت يا محمد ؟ قال: بصلة الارحام واقام الصلاة وايتاء الزكاة (2). 391 - ومن ذلك ما رواه صاحب كتاب نهاية الطلب وغاية السؤل باسناده الى عروة بن عمر الثقفى قال: سمعت أبا طالب رضى الله عنه قال: سمعت ابن أخى الامين يقول: اشكر ترزق، ولا تكفر فتعذب (3). 392 - ومن ذلك ما رواه صاحب الكتاب المزبور باسناده الى سعيد بن جبير عن ابن عباس ان أبا طالب مرض فعاده النبي " ص ".


(1) رواه الاميني عنه في الغدير: 7 / 349، والبحار: 35 / 149. (2) راجع البحار: 35 / 151. (3) نفس المصدر. (4) نفس المصدر.

[ 305 ]

393 - ومن ذلك ما رواه ايضا الحنبلي في الكتاب المشار إليه باسناده الى عطاء بن أبي رياح عن ابن عباس قال: عارض النبي " ص " جنازة أبى طالب قال: وصلتك رحم وجزاك الله يا عم خيرا (1). 394 - ومن ذلك ما رواه باسناده الى ثابت البنانى عن اسحاق بن عبد الله ابن الحارث عن العباس بن عبد المطلب قال: قلت: يا رسول الله ما ترجو لابي طالب ؟ قال: كل خير أرجوه من ربي (2). 395 - ومن ذلك ما رواه ايضا صاحب الكتاب المذكور باسناده الى عائشة تذكر صفة سقيا نبيهم للاعرابي وزوال الغيث فقال فيه: وقال رسول الله " ص ": اللهم حوالينا ولا علينا، فانسحب السحاب عن المدينة كالاكليل فضحك رسول الله حتى بدت نواجده، ثم قال لله در أبي طالب لو كان حيا قرت عيناه، من ينشدنا قوله ؟ فقام علي عليه السلام فقال: يا رسول الله لعلك أردت: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ربيع اليتامى عصمة للارامل وأنشد الابيات الى آخرها (3). 396 - ومن ذلك ما ذكره أبو هلال العسكري في كتاب الاوائل قال: أول صلاة صلاها رسول الله " ص " جماعة قال: مر أبو طالب ومعه جعفر، على نبي الله وهو يصلي وعلي على يمينه، فقال لجعفر: صل لجناح ابن عمك، فتأخر علي وقام معه جعفر وتقدمهما رسول الله " ص " فانشأ أبو طالب شعرا يقول: ان عليا وجعفرا ثقتى * عند اخترام الزمان والكرب


(1) راجع البحار: 35 / 151. (2) نفس المصدر. (3) راجع نهاية ابن الاثير: 1 / 464.

[ 306 ]

لا تخذلا وانصرا ابن عمكما * أخى لامى من بينهم وأبى والله لا أخذل النبي ولا * يخذله من بني ذو حسب (1) ومن عجيب ما بلغت إليه العصبية على أبي طالب من أعداء أهل البيت عليهم السلام أنهم زعموا أن المراد بقوله تعالى لنبيه " ص " " انك لا تهدي من أحببت " (2) أنها في أبي طالب رضى الله عنه. وقد ذكر أبو المجد بن رشادة الواعظ الواسطي في مصنفه كتاب أسباب نزول القرآن ما هذا لفظه: قال: قال الحسن بن مفضل في قوله عز وجل " انك لا تهدي من أحببت " كيف يقال انها نزلت في أبى طالب رضي الله عنه وهذه السورة من آخر ما نزل من القرآن بالمدينة وأبو طالب مات في عنفوان الاسلام والنبي " ص " بمكة وانما هذه الاية نزلت في الحارث بن نعمان بن عبد مناف وكان النبي يحب اسلامه، فقال يوما للنبي: انا نعلم انك على الحق وان الذي جئت به حق ولكن يمنعنا من اتباعك ان العرب تتخطفنا من أرضنا لكثرتهم وقلتنا ولا طاقة لنا بهم، فنزلت الاية، وكان النبي يؤثر اسلامه لميله إليه. (قال عبد المحمود): فكيف استجاز أحد من المسلمين العارفين مع هذه الروايات ومضمون الابيات أن ينكروا ايمان أبى طالب، وقد تقدمت روايتهم لوصية أبى طالب أيضا لولده على عليه السلام بملازمة محمد " ص " وقوله: انه لا يدعو الا الى خير، وقول نبيهم جزاك الله خيرا، وقوله " ص ": لو كان حيا قرت عيناه. ولو لم يعلم نبيهم ان أبا طالب مات مؤمنا ما دعا له، ولا كان يقر نبيهم عينه ولو لم يكن الا شهادة عترة نبيهم له بالايمان لوجب تصديقهم لما شهد نبيهم انهم لا يفارقون كتاب الله، ولا ريب ان العترة أعرف بباطن أبى طالب


(1) راجع الغدير: 7 / 356، والبحار: 35 / 68. (2) القصص: 56.

[ 307 ]

من الاجانب، وشيعة أهل البيت عليهم السلام مجمعون على ذلك ولهم فيه مصنفات، وما رأينا ولا سمعنا أن مسلما أحوجوا فيه الى مثل ما أحوجوا في أيمان أبى طالب، والذي نعرفه منهم أنهم يثبتون ايمان الكافر بادنى سبب وبادنى خبر واحد وبالتلويح، فقد بلغت عداوتهم لبنى هاشم الى انكار ايمان ابى طالب مع ثبوت ذلك عليه بالحجج الثواقب، ان هذا من جملة العجائب. ومن طريف ما رووه في عناية أبى طالب نبيهم محمدا واحسانه و ثنائه عليه. 397 - ما ذكره الفقية الشافعي ابن المغازلى في كتاب المناقب قال: لما زوج أبو طالب النبي " ص " بخديجة خطب فقال: الحمد لله الذي جعلنا من ذرية ابراهيم، وزرع اسماعيل وجعل لنا بلدا حراما وبيتا محجوبا، وجعلنا الحكام على الناس، ثم ان محمد بن عبد الله ابن أخى ممن لا يوازن به فتى من قريش الا رجح به برا وفضلا وكرما وعقلا ونبلا، وان كان في المال قلة فانما المال ظل زائل وعارية مسترجعة، وله في خديجة بنت خويلد رغبة، ولها فيه مثل ذلك، وما أحببتم من الصداق فهو علي (1). تم الجزء الاول ويليه الجزء الثاني انشاء الله تعالى.


(1) المناقب: 333.

[ 308 ]

بسم الرحمن الرحيم بيان أقوال الطائفة المجبرة وردها (قال عبد المحمود): لما اعتبرت مقالة الفرقة الشيعة رايت عقائدهم وقواعدهم موافقة للعقول المرضية والشرائع السالفة الالهية، وشرعت أنظر في ظواهر عقائد المذاهب الاربعة، فرأيتها كما قالت الشيعة على صفات عجيبة، أما أصحاب مالك واصحاب الشافعي وأصحاب أحمد بن حنبل ومن وافقهم على اعتقاد المجبرة، فانهم اتفقوا جميعا على أن جميع ما في العالم من حركات

[ 309 ]

وسكنات ومكروهات ومحبوبات ومستحسنات ومستقبحات فانها من فعل الله في العباد، وقوم منهم ذكروا أن الله سبحانه قهرهم ومنعهم من الاختيار في كل مكروه أو مراد، ويلحق بهؤلاء من كان منهم يقول: ان الله يخلق الاعمال والعبد يكتسبها منه الكسب عندهم لا يوجبها ولا يوجدها وانما يوجبها ويوجدها على قولهم الله تعالى وهى صادرة عنه. ويقال لهم: هل يقدر العبد على ترك الكسب ؟ فان قالوا: نعم فقد قالوا بالاختيار وحصل الوفاق، وان قالوا: لا يقدر على ترك الكسب، فقد ساووا المجبرة في تصريحهم بان العباد مجبورون ومقهورون. ثم يقال لمن قال منهم ان العباد مجبرون: ما معنى قولكم انهم مجبرون ؟ فان العقلاء ما يعرفون حقيقة الجبر للعبد الا إذا كان العبد مختارا فجبره غيره ومنعه من اختياره، وأنتم تزعمون ان العبد ما كان مختارا قط ولا كان له فعل على الحقيقة، فما معنى قولكم ان العباد مجبرون ؟ أفلا يتفكرون فيما يقولون ؟ فما نراه الا خلاف اصطلاح العقلاء وضد تحقيق الفضلاء. وزاد عليهم من كان يذهب من اتباع أحمد بن حنبل الى ان الله جسم مستقر على عرشه بجوارح بشرية، وقال قوم منهم: ان الله تعالى ينزل الى الارض في صورة شاب، ورووا في ذلك أخبارا يكذبها العقول الصحيحة. فاما ذهبوا الى ان الله جبر العباد وقهرهم على معصيته ومنعهم عن طاعته ! وان كلما ظهر أو وقع منهم فانه منه وانه لا فاعل سواه، فما أدرى كيف التبس عليهم انهم فاعلون بالاختيار ؟ وكل عاقل يعلم من نفسه بل من غيره أيضا ضرورة بديهية انه فاعل بالايثار، وإذا جهل الانسان هذا من نفسه وهو أوضح من جميع البديهيات فكيف يبقى له طريق الى شئ من العلوم والدلالات. ويدل على أن الجاحدين لما قلناه مكابرون ان الانسان إذا رماه انسان بحجر

[ 310 ]

فانه يذم الرامى متى علم منه القصد لاذاه ويذمه من علم ذلك منه من العقلاء، ولو كان يعلم أحد العقلاء أو يجوز ان الله قد أكره الرامى على الرمي كما أن الحجر مكره على الرمى لكان الحجر والرامي سواء، والمعلوم عند جميع العقلاء خلاف ذلك، ويغلب الظن ان أبليس ما كان يطمع ان يبلغ هذه الغاية من اضلالهم والتلبيس عليهم، ولا أعلم من أي طريق دخل عليهم ولاي ذنب أعمى أبصارهم وأفسد عقولهم حتى قالوا هذا واحتملوا ما لا يرضى أحد بقوله ويستبعد ممن يعتقد ذلك أو يلزم به قولا أن ينفعه دلالة أو هداية، وإذا كان عقول هؤلاء قد بلغت من النقصان أو المرض الى أنهم يعرفون من أنفسهم ان أفعالهم منهم أو يستحسنون المكابرة والجحود لذلك مع العلم به. فباي سبيل يفهمون أو يقبلون ما يقال لهم، أو باي دين يرجعون الى الحق إذا ورد عليهم شبهة. ومما يستدل به على اختلاف عقولهم أو مكابرتهم للحق، أنه لو كان الامر كما ذكروه من انه لا فاعل في العالم سوى الله كان يلزمهم ان يكون الله قد أرسل الرسل الى نفسه وأنزل الكتب على نفسه وكان كل وعد ووعيد وتهديد صدر على لسان الملائكة والانبياء والرسل والاوصياء وفى كتبه فانه يكون على قول المجبرة قد وعد بذلك نفسه وتوعد لنفسه وتهدد نفسه، وهذا قول ما صرح به أحد من العقلاء وذوي الالباب. وهذا الالزام يلزم المجبرة اكثر من سائر الالزامات لانه إذا ما كان في العالم فاعل سوى الله تعالى، فالى من أرسل الرسل، وعلى من أنزل الكتب، ولمن تهدد ولمن وعد وتوعد، ولمن يامر وينهى، فقد بان لك أن كل من قال بقول المجبرة واعتقده على غاية من الضلال واختلال الاحوال. ثم إذا كان عندهم يجوز يضل العباد ويجبرهم على الفساد ويلبس عليهم

[ 311 ]

بالمحال ويصدق بالمعجزات الكذابين ويظهر الدلالات الباهرات على يد المبطلين فكيف يبقى لهم طريق الى اثبات نبوة نبيهم وغيره من الانبياء ؟ ومن أين يعرفون صحة شريعته ؟ (ولو أن العبد ليس له فعل فما معنى قوله تعالى " لم تكفرون بايات الله " (1) " كيف تكفرون بالله " (2) " لم تصدون عن سبيل الله " (2) " لم تلبسون الحق بالباطل " (4). وعلى هذا فكفر الكافر موافق لرضا الله ومبرز لفعله، والرضا بقضاء الله وقدره واجب، ويلزم تعطيل الحدود والقصاص، وان المعاصي لا نهى عنها لا الزنا ولا اللواط ولا الشرب ولا القذف ولا السرقة ولا سفك الدماء ولا الطنبور والنرد وغيرها وكلها برضا الله وقدره. وحكي أن سارقا من المجبرة أرادوا قطع يده فقال: أعوذ بالله من قضائه، فقال العدلى: اخرجوه فان قوله هذا أقبح من سرقته. وكان ينبغي أن لا ينهى عن المنكر على مذهب الجبري، وكان قول ابليس " رب بما أغويتني " صحيحا على مذهب الجبرى). ولقد رايت بعضهم يعتذر عن هذا الطعن ويدعي أنهم يعلمون بالضرورة والبديهة ان معجزات نبيهم كانت حقا لتصديقه، فقلت له: أيها الشيخ هذا من جملة البهت والمكابرة التي أقدمتم عليها، وقلتم انكم ما تعلمون ان افعالكم منكم والا إذا كان الله تعالى يجوز ان يضل ويلبس، بل تذكرون عنه انه قد اضل ولبس ومنع من الاسلام والطاعات وقهر العباد على الضلال والمعاصي،


(1) آل عمران: 70 و 98. (2) البقرة: 28. (3) آل عمران: 99. (4) البقرة: 42 وآل عمران: 71.

[ 312 ]

فكيف يصح على قولكم أن يوثق منه انه فعل المعجزات للتصديق ؟ أو كيف يبقى لاحد منكم طريق الى ان الله تعالى فعل شيئا من أفعاله سبحانه لغرض من الاغراض، فما أقبح هذه المكابرة منكم. ثم ولو قدرنا أنه يترجح في نفوسكم ان المعجزات للتصديق فمن أين لكم ان ذلك الترجح علم ضروري ؟ أليس في مقدور الله تعالى أن يكون قد ركب في طبائعكم وعقولكم على ما قد وصفتموه به من الاضلال للعباد والتلبيس عليهم ؟ وإذا كان عندكم ان التلبيس يقع منه فلا تأمنوا أن يجعل اعتقادكم الباطل كانه علم ويكون قد أضلكم بذلك، أو لستم تجدون النائم يرى في منامه كان جسده في بلاد بعيدة وكانه في مهمات ومسار وأكدار ويكون في حال نومه معتقدا لذلك حتى كانه عالم علما ضروريا، ثم لما استيقظ عرف أن ذلك ما كان علما ضروريا ولا ظنا صحيحا ولا ممكنا، فلعلكم في الحياة نيام وكلما تعتقدونه يكون محالا وتلبيسا أو أضلكم الله به كما ذكرتم عنه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وهذا ما يلزم الا من قال بقولكم واعتقد اعتقادكم، وأما غيركم من المسلمين الذين يعتقدون ان الله على أكمل غاية من العدل والحكمة فانهم يعلمون ان عدله وحكمته يقتضي عدم التلبيس على عباده ويمنعه سبحانه ان يظلمهم. وأما أنتم أيها المجبرة وكل من وصف الله تعالى بذلك واعتقد فيه أنه يضل العباد ويلبس عليهم وعلم أنه سبحانه قادر على كل مقدور فانه يلزم لهذا القائل المجبر ألا يثق بشئ من عقائده ولا أحواله وظنونه ولا شكوكه، فقد ظهر لكل عاقل أن المجبرة لا طريق لهم الي شئ من العلوم البديهية ولا المكتسبة ولا الى معرفة الثواب ولا الشرائع ما داموا على اعتقادهم، وأنهم اما ناقصوا

[ 313 ]

العقول أو مكابرون وأنهم لا دين لهم وان الذى يظهرونه من الاديان اما تقية أو على غير قاعدة مرضية. قال الخوارزمي: - وهو من أعيان علماء الاسلام - في كتابه الفائق: فاما المجبرة فان شيوخنا كفروهم، وان قاضي القضاة حكى عن الشيخ أبى علي أنه قال: المجبر كافر، ومن شك في كفرهم فهو كافر. ثم شرح تصديق القول وتحقيقه. ومن طرائف ما تعتقده المجبرة انهم يعتقدون انه يجوز من الله في عقولهم مع عدله وحكمته أن يجمع الانبياء والمرسلين والملائكة المقربين وعباده الصالحين فيخلدهم في الجحيم والعذاب الاليم أبد الابدين، ويجمع الكفار والملحدين والزنادقة والمنافقين والاباليس والشياطين ويخلدهم في الجنة والنعيم أبد الابدين، وزعموا ان ذلك يكون انصافا منه وعدلا وركبوا في ذلك مكابرة وجهلا، ولعل قد كان للمجبرة سلف في عقولهم نقص أوجب مثل هذا الاعتقاد وجاء الخلف مقلدا للسلف ومحبا للمنشأ وسنة الاباء، فان كان ذلك كذلك فاي عذر للمتأخرين من الاحباء والابناء في اتباع السلف والاباء على الضلال في أمر لا يخفى على أدنى العقلاء. وان كانت المجبرة قصدت بقولها ان أفعالهم من فعل اللة تعالى فيهم وأنهم بريئون منها بحيث لا يلومهم العقلاء على يقع منهم من القبائح والفضائح والظلم والعدوان وحتى يعذرهم الانبياء في ترك القبول منهم، فقد كان للمجبرة في غير الله متسع ان يعبدوا كل من ارادوه، ما أحسن ما يقرؤنه في كتابهم " ما قدروا الله حق قدره " (1) ولا كان هذا قدر جلالته وعظمته ولا جزاء لاحسانه ونعمته.


(1) الانعام: 91.

[ 314 ]

ومن طرائف ما رايت في كتبهم وسمعته عنهم ان المجبرة قالوا: متى اعتقدوا ان أفعالهم منهم صار العباد شركاء الله تعالى فاقتضى التعظيم لله ان يكون الافعال كلها من بنى آدم وغيرهم من الله. فاقول: أيها القوم سود الله وجوهكم كما سودتم وجه ما وهبكم الله من البصائر أي شركة يكون لعبد لم يكن شيئا مذكورا فاوجده الله بعد العدم، وأي تعظيم لله في أن ينتسب خسائس العبيد ورذائلهم إليه، ومتى كانت العقول تشهد ان الملك يتكمل بان يكون همته كهمة عبده وتدبيره مثل تدبير عبده، وأى نسبة بين جلالة الله وحقارة عبده حتى يتكمل سبحانه بنسبة أفعالهم القاصرة وتدبيراتهم الناقصة إليه. ومن عجيب ما يفهمونه ويتفوهون به أن يقال لهم: عرفونا مرادكم بقولكم ان العبد يصير شريكا لله، فان أردتم ما ادعيتموه من الكسب فانتم قد أثبتم الشركة على قولكم بين العبد وبين الله عند من ذهب منكم الى ذلك، فلاي حال عدلتم عن الانكار على أنفسكم وعدتم الى قول من يقول أن العبد مستقل بالفعل ولم يجعل الفعل مشتركا بينه وبين الله تعالى، وأما من ذهب منكم الى انه لا فاعل سوى الله تعالى فقد تقدم وسياتى من الجواب له ما لا يقدر على دفعه بحجة أبدا. وان قصدتم بالرد على أهل العدل التمويه منكم بانه إذا انفرد الله تعالى بافعال نفسه وانفرد العباد بافعالهم ان ذلك يكون شركة، فما عرفنا أن العقل يقتضي أن مع الانفراد في الاحوال والاعمال يكون شركة في تلك الافعال في حال انفراد كل فاعل بفعله، ولو لا سوء توفيقكم وفساد طريقكم ما كان هذا مما ينسبه عاقل الى نفسه. وان كان مرادكم بطريق ان العبد يقع منه فعل الرب، فلو فكرتم عرفتم ان

[ 315 ]

هذا لا يقع أبدا، وكيف يكون فعل فاعل لذاته وهو الله سبحانه كفعل فاعل لغيره وهر العبد ؟ ولو قدرنا وهو تقدير لا يقع أن العبد يقع منه فعل مثل فعل الله تعالى ما اقتضى كونه يفعل مثل فعل الله ان يكون شريكا لله تعالى، فان العقلاء المتفرقين والمنفردين والمتقاطعين نجد في أفعالهم مثل افعال من فارقوه وقاطعوه وما اقتضى التماثل في الافعال الشركة بينهم بحال من الاحوال، عافاكم الله من هذا الاختلال. ومن طرائف ما رايت للمجبرة أنهم يذكرون أنه متى اعتقدوا ان العباد يقدرون ان يفعلوا شيئا باختيار هم كان ذلك دليلا على عجز الله حيث يقع منهم ما لا يريد المعاصي، فاقول: ما أحوجكم الى طبيب يداوى ما أمرضتموه من عقولكم، والى متى لا ينجلى هذه الظلمة عن بصائركم، أي عجز يلحق بالمالك إذا كان عبده مختارا سواء فعل العبد ما يكره المولى أو ما يحب، ومن المعلوم انه لو اراد المولى قهر عبده قهره أو موته أماته فاى عجز هاهنا للمولى وأى مقاهرة أو مغالبة للعبد. ومما يدل على غلطهم في ذلك أيضا ان كل عاقل يعلم ان سلطان الاسلام يؤثر أن يكون اليهودي الوحيد الضعيف مظهرا للاسلام ومع هذا فان اليهودي على خلاف ما يريد السلطان، ولا يدل ذلك على عجز سلطان الاسلام عن قهر اليهودي عن اظهار الاسلام ولا يعتقد عاقل ان السلطان عاجز لاجل بقاء ذلك اليهودي على اظهار كفره. ومما يدل على غلطهم أيضا ان كل عاقل يعلم أن السلطان إذا أقطع مملوكا له أقطاعا وقال له: قد مكنتك في هذه الاقطاع والرعية مدة معلومة عندي فان أحسنت إليهم جازيتك بالاحسان وان اسات إليهم عاقبتك، فمضى المملوك الى أقطاعه فظلم الرعية وسار فيهم بخلاف ما يريد السلطان أفيكون ذلك

[ 316 ]

دليلا على عجز السلطان عن عزل المملوك ومؤاخذته. أو يشك عاقل أن صبر السلطان على ذلك حتى ياتي وقت المدة التى عينها للمجازاة على الاحسان أو المؤاخذة على العصيان مما يدل على قوة قدرة السلطان واتساع الامكان حيث أنه يقدر على تعجيل المؤاخذة والنقمة ويصبر مع القدرة، فكيف جعلوا ما يدل على القوة وسعة القدرة دليلا لهم على العجز ؟ أعاذنا الله وكل عاقل من مثل جهلهم السخيف النازل. ومن طرائف أمر المجبرة أنهم يدعون الاعتراف بصدق نبيهم وثبوت كتابهم، وقد اعتبرت القرآن فما رايت الا متضمنا لاعتذار الكفار والظالمين الى الله يوم القيامة بانهم أضلهم غير الله، وما وجدت أحدا منهم اعتذر الى الله تعالى وقال له: يا رب أنت قضيت علينا معصيتك وأنت منعتنا عن طاعتك، فانه في يوم القيامة ينكشف الامور كشفا واضحا لا يبقى فيها شبهة، وما نراهم الا أنهم تارة أقروا ان المعاصي منهم فقالوا: " ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل " (1) وما قالوا: ربنا فارجعنا تعمل غير الذي كنت تعمل، وقالوا وهم في النار " ربنا أخرجنا منها فان عدنا فانا ظالمون " (2) وما قالوا فان عدت وقال بعضهم " رب ارجعون لعلي اعمل صالحا فيما تركت " (3) وما قال لعلك تعمل صالحا فيما تركت أنت، وقال " ان تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وان كنت لمن الساخرين " (4) وما قال ما فرطت في جنبى وإذا كان العباد ما فعلوا شيئا.


(1) الفاطر: 37. (2) المؤمنون: 107. (3) المؤمنون: 100. (4) الزمر: 56.

[ 317 ]

فممن هذا التحسر والتفريط والتقصير وعلى ما ذا يندم النادمون ويبكى الباكون، ومثل هذا في كتابهم كثير، ومن العجب أن الشيطان يعترف لهم أنه أضلهم وغرهم ويشهد الله لهم عليه بذلك وينزهون الشيطان من اعترافه ولا يقبلون شهادة الله تعالى عليه. أما اعتراف الشيطان فهو في مواضع كثيرة منها قوله " ان الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فاخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان الا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم " (1) وأما شهادة الله لهم عليه بذلك فهو في مواضع منها قوله تعالى " الشيطان سول وأملى لهم " (2) فردوا على الله شهادته ونزهوا الشيطان عن اعترافه بضلالهم وغرورهم وقالوا: ما أضلهم الا لله. ومن طرائف اعذارهم يوم القيامة بما يدل على تنزيه الله من أفعال عباده قولهم " ربنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فاضلونا السبيلا ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا " (3) فلو كان هؤلاء قد وجدوا يوم القيامة ان الذين أضلهم في الدنيا هو الله وحده ما كانوا اعترفوا به على أنفسهم ولا ادعوه على ساداتهم وكبرائهم، ثم لو كانوا قد علموا ان الله تعالى هو المضل لهم فعلى من يدعون ومن يلعنون. ومن طرائف اعذارهم الدالة تنزيه الله تعالى قولهم " ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والانس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الاسفلين " (4) فان


(1) ابراهيم: 22. (2) محمد: 25. (3) الاحزاب: 67 و 68. (4) فصلت: 29.

[ 318 ]

كانوا قد علموا أن الله أضلهم فمن يجعلون تحت أقدامهم، وعلى من هذا التظلم وممن هذا التالم. ومن طرائف أعذارهم الدالة ايضا على تنزيه الله سبحانه عن افعال عبيده قولهم " وما أضلنا الا المجرمون " (1) فإذا كانت هذه أعذارهم وأقوالهم يوم يكشف الاسرار وتحقق الاخبار فهلا اعتذرت المجبرة في الدنيا بذلك وقالوا الان من الاعذار ما يريدون ان يقولوه يوم القيامة، ولو كانت أعمالهم من الله جل جلاله كانوا قد اعتذروا إليه سبحانه تعالى بذلك أو كان يعتذر به بعضهم ويقولون يا ربنا أنت منعتنا من الايمان وخلقت فينا الظلم والعدوان، فاي ذنب لنا، فان كتابكم يشهد أن بعض الخلائق يكابرون الله ويجحدونه حتى يقولوا " والله ربنا ما كنا مشركين " فقال " انظر كيف كذبوا على أنفسهم " (2) وقال في كتابهم " يحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شئ " (3) فمن أقدم على هذه المكابرة لله بالكذب ؟ لو كان يعلم ان الله تعالى فعل ذلك، ما كان يحتاج الى هذه المكابرة، وكان يقدر أن يقول له يا رب أنت فعلت ونحن ما فعلنا شيئا. ومن طرائف ذلك قوله تعالى " أنظر كيف كذبوا على أنفسهم " يدل على تعجبه منهم كيف انكروا أنهم أشركوا، فلو كان هو الذى فعل فيهم الشرك وقضاه عليهم فممن كان يتعجب، وان كان هو الذي قهرهم يوم القيامة على هذا الجحود والانكار فهل كان يقع من أحكم الحاكمين وأعدل العادلين أنه يتعجب منهم ؟ وهو الذى فعله ؟ وهل يكون التعجب على قولهم الا من نفسه


(1) الشعراء: 99 (2) الانعام: 23 و 24. (3) المجادلة: 18.

[ 319 ]

تعالى الله عما سلكته المجبرة من سوء المسالك وعظيم المهالك. ومن طرائف ما يدل على بطلان قول المجبرة ما تضمنه كتابهم في قوله " ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما " (1) فان كان هو الذي قتل المؤمن وقضاه وقهر عليه فعلى من يغضب ولمن يتهدد ويلعن، وكذا قوله " فلما آسفونا انتقمنا منهم " (2) يعنى أغضبونا، فلو كان هو الذي فعل أفعالهم لكان هو الذي أغضب نفسه والا فمن اغضبه وآسفه، فما أقبح قول المجبرة وما اسخفه. (قال عبد المحمود): والله أيها المجبرة اني أستقبح لكم أن تجحدوا حقوق الله عليكم واحسانه اليكم وتتركوا ما يلزمكم من لتعظيم الالهيته وما يجب من العبودية في خدمته، وتنزهون أنفسكم والشيطان وساداتكم وكبراءكم ومن أضلكم من الجن والانس والمجرمين وتبرئونهم من الكفر والمعاصي والرذائل وتنسبوها الى الله جل جلاله، لا تفعلوا واستحيوا من ربكم وتادبوا معه وتوبوا إليه من هذا الاعتقاد قبل يوم المعاد فانه يقبل التوبة عن عباده ويحب التوابين، فانكم على خطر عظيم في الدنيا والدين. وقد شمت بكم أهل الذمة وسائر من عرف حالكم من أهل الملل الشاهدة لله بالعدل وصرتم مضحكة لهم وزهدتم أعدائكم في الاسلام، وصاروا يعتذرون اليكم بما ذكرتموه عن الله من كونه يضل عباده ويقولون لكم ما يخلينا ربكم نتبع ما تريدون ونقبل ما تشيرون، وإذا خلا أهل الذمة وجماعة من أهل العدل في مجالسهم فكثيرا بكم يستهزؤن وعليكم يضحكون. ولله در ابن الحجاج حيث يقول:


(1) النساء: 93. (2) الزخرف: 55.

[ 320 ]

المجبرون يجادلون بباطل * وخلاف ما يجدونه في القرآن كل مقالتها الاله أضلني * وأرادني ما كان عنه نهاني أيقرل ربك للخلائق آمنوا * جهرا ويجبرهم على العصيان ان صح ذا فتعوذوا من ربكم وذروا تعوذكم من الشيطان ومن طرائف ما تكثر المجبرة الاحتجاج به لانفسها قوله تعالي " لا يسئل عما يفعل وهم يسالون " (1) وما أرى لهم في ذلك عذرا ولا حجة لانه لا يسال عما يفعل وكذلك يقول أهل العدل لانهم يقولون ان الافعال التي يفعلها سبحانه فانه لا يسال عنها، فمن أين ثبت ان أفعال العباد المنكرة التي يقع منهم عيانا و مشاهدة أنها في ى باطن الحال واقعة من الله ؟ وأن عباده منزهون عنها ؟ حتى يحتجون لكفرهم وظلمهم وقبائحهم بقوله لا يسئل عما يفعل ثم والى من اشار بقوله وهم يسالون وعند المجبرة لا فاعل سواه، فمن هم الذين يسالون ؟ وهذا الكلام المحكم يشهد تصريحا وتحقيقا ان ما يختص به من الافعال لا يسال عنها، وما تختص به عباده من الافعال فانهم يسالون عن ذلك، ولو كان هو فاعلا لافعال عباده كافعال نفسه لكانت متساوية في أنها لا يسال عما يفعل عن جميعها، وهذا واضح لمن كان له أدنى عقل وسلم من ظلمة الجهل. ومن طرائف أخبار المجبرة الشائع بينهم الذي يعتمد كثير منهم عليه، وقد رووه وسبروه وسطروه عن نبيهم ويشهد العقل والاعتبار أن نبيهم ما قاله ولا سمعه منه أحد، ولان كان قاله ليكون له تأويل غير ما يذكرونه، وهو أنهم ذكروا ان الله قبض من ظهر آدم ذريته وقال: هؤلاء الى النار ولا أبالي، وقبض قبضة أخرى وقال: هؤلاء الى الجنة ولا أبالي. وقد ذكر الغزالي الحديث في كتاب احياء علوم الدين في عدة مواضع،


(1) الانبياء: 23.

[ 321 ]

فمنها في الكتاب المذكور في كتاب الرجاء والخوف في أواخر قول الغزالي بيان اقسام الخوف بالاضافة الى ما يخاف منه، فقال الغزالي في تشبيه عدم رحمة الله بعباده وقسوته عليهم وقلة مبالاته بهلاكهم ما هذا لفظه: ان السبع يخاف لا لجناية سبقت إليه منك بل لصفته وبطشته وسطوته وكبره وهيبته، ولانه يفعل ما يفعل ولا يبالي، فان قتلك لم يرق قلبه ولا يتالم بقتلك وان خلاك لم يخلك شفقة عليك وابقاء على روحك بل أنت عنده أخس من ان يلتفت اليك حيا كنت أو ميتا، بل اهلاك ألف مثلك واهلاك نملة عنده على وتيرة واحدة، إذ لا يقدح ذلك في عالم سبعيته وما هو موصوف به من قدرته وسطوته، ولله المثل الاعلى، ولكن من عرفه عرف بالمشاهدة الباطنة التي هي أقوى وأوثق وأجلى من المشاهدة الظاهرة أنه صادق في قوله: هؤلاء الى الجنة ولا أبالي وهؤلاء الى النار ولا أبالي، ويكفيك من موجبات الهيبة والخوف المعرفة بالاستغناء وعدم المبالاة (1). (قال عبد المحمود): أنظر رحمك الله الى هذا الخبر الذى قد تلقاه هذا الشيخ الموصوف بالعقل والفضل بالقبول، ثم ما كفاه ذلك حتى ادعى أنه يعلم ذلك بالباطن، وما أدري كيف التبس بطلان الخبر عليه وعلى هؤلاء الاربعة المذاهب وكل العقلاء مجمعون مع اختلاف مللهم وعقائدهم ان الله تعالى أرحم الراحمين، وشهد المسلمون أن الانبياء يشهدون ان الله ارحم الراحمين، فمن ذلك في كتابهم قول موسى عليه السلام " رب اغفر لى ولاخى وادخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين " (2). ومن ذلك قول يوسف عليه السلام " اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين " (3)


(1) احياء علوم الدين: 4 / 159 - 160. (2) الاعراف: 151. (3) يوسف: 92.

[ 322 ]

ومن ذلك قول أيوب عليه السلام " رب اني مسنى الضر وأنت أرحم الراحمين " (1). فكيف صدق هؤلاء الاربعة المذاهب ان نبيهم ياتي بهذه الصفة العظيمة في الرحمة عن الله ويقول عن أرحم الراحمين انه خلق خلقا لم يعصوه فيما مضى ولا يعصونه فيما يستقبل ولم يجعل لهم اختيارا في أنفسهم كما زعمت المجبرة بل كلما يقع منهم فانه منه، ثم يحملهم الى النار ليعذبهم على غير الذنب أبد الابدين ويقول هؤلاء الى النار ولا أبالي، ان لا يليق ذكره من رحيم فكيف من أرحم الراحمين. ويدل على بطلان هذا الخبر ما رواه هؤلاء القوم في صحاحهم عن ثقات رجالهم. فمن ذلك ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الحادى والعشرين من أفراد مسلم في مسند عمر بن الخطاب قال: قدم على رسول الله " ص " بسبي، فإذا امراة من السبي تسعى، إذا وجدت صبيا في السبي أخذته فالصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا رسول الله " ص ": أترون هذه المراة طارحة ولدها في النار ؟ قلنا: لا والله وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال رسول الله: الله أرحم بعباده من هذه المراة بولدها (2). (قال عبد المحمود): من يروى مثل هذا الخبر في وصف الله تعالى بهذه الرافة والرحمة كيف يصدق قائلا ينقل هؤلاء الى النار ولا أبالي على ما فسروه. ومن ذلك ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين أيضا في الحديث السادس عشر من المتفق عليه من مسند أبي هريرة من حديث عطاء بن أبي رياح عن أبي هريرة عن النبي " ص " قال: ان لله مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة


(1) الانبياء: 83. (2) مسلم في صحيحه: 4 / 2109 كتاب التوبة.

[ 323 ]

بين الجن والانس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون وبها يتراحمون وبها تعطف الوحش على ولدها، وأخر الله تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة (1). (قال عبد المحمود): فهل ترى أيها العاقل هذه صفة من يقول هؤلاء الى النار ولا ابالي. ومن ذلك ما روا الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث السادس والعشرين بعد المائة من أفراد مسلم من مسند أبي هريرة قال: قال رسول الله " ص " ان الله عز وجل يقول يوم القيامة: يابن آدم مرضت فلم تعدني، قال: يا رب كيف أعودك ؟ وأنت رب العالمين. قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده، أما علمت انك لو عدته لوجدتني عنده ؟ يابن آدم استطعمتك فلم تطعمني. قال: يا رب وكيف أطعمك ؟ وأنت رب العالمين. قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه ؟ أما علمت انك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي يابن آدم استسقيتك فلم تسقنى. قال: يا رب كيف أسقيك ؟ وأنت رب العالمين قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما علمت انك لو سقيته وجدت ذلك عندي (2). (قال عبد المحمود): أنظر أيها العاقل كيف بلغت رحمة الله بعباده الى أن جعل ما يصل الى مريضهم وجائعهم وعطشانهم كانه واصل إليه، أما هذا من كمال رحمته لهم وعنايته بهم وشفقته عليهم، أفيليق أن يقال عن هذا الرب الرحيم انه قال هؤلاء الى النار ولا ابالي. ومن ذلك ما رواه الحميدي في الجمع الصحيحين في الحديث الحادى


(1) روا مسلم في صحيحه: 4 / 2108. (2) مسلم في صحيحه: 4 / 1990 كتاب البر والصلة.

[ 324 ]

والثلاثين من المتفق عليه من مسند عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله " ص " يقول: لله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن من رجل نزل في أرض دوية مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه، فوضع راسه فنام نومة فاستيقظ وقد ذهبت راحلته، فطلبها حتى أدركه العطش، ثم قال: أرجع الى مكاني الذى كنت فيه، فانام حتى أموت، فوضع راسه على ساعده ليموت، فاستيقظ وعنده راحلته وعليها زاده وطعامه وشرابه، فالله أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته عنده عليها زاده (1). ورواه أيضا الحميدى من مسند براء بن عازب في الحديث السادس من أفراد مسلم (2). وروى الحميدي أيضا نحو ذلك من مسند النعمان بن بشير في الحديث الاول من أفراد مسلم (3). وروى الحميدي أيضا نحو ذلك في الحديث الثالث بعد المائة من المتفق عليه من مسند أنس بن مالك (4). (قال عبد المحمود): فمن تبلغ رحمته الى هذه الغاية كيف يقال عنه انه قال: هؤلاء الى النار ولا ابالى، ما أقبح مناقضة هؤلاء الاربعة المذاهب في أقوالهم وما أطرف استمرارهم على ضلالهم. ومن طرائف ما وقفت عليه في الجمع بين الصحيحين للحميدي في مسند عمر بن الخطاب في الحديث الرابع من أفراد مسلم المتضمن ان أول من قال بالقدر بالبصرة معبد الجهنى، وان يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن الحميدي لقيا عبد الله بن عمر بن الخطاب فسالاه فصدق المعبد الجهنى. وفي أواخر الحديث عن ابن عمر قال: حدثني عمر بن الخطاب ان


(1 - 4) رواه مسلم في صحيحه: 4 / 2103 الباب الاول من كتاب التوبة.

[ 325 ]

رسول الله " ص " قال: التقى آدم وموسى فقال موسى: أنت يا آدم الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة ؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وكلامه وأنزل عليك التوراة. قال: نعم. فقال: فوجدت قدره علي قبل أن يخلقني فحج آدم موسى. ورواه الحميدي من عدة طرق لهذا الحديث من مسند أبي هريرة في الحديث الخامس والتسعين (1). (قال عبد المحمود): قد استطرفت رواية عمر لهذا الحديث عن نبيهم، لانه ينقض بعضه بعضا، ويشهد حال نبيهم انه ما قال ذلك، واهل بيت نبيهم الذين امر بالتمسك بهم ينكرون تصديق هذا الحديث لانه إذا كانت الافعال والاقوال عند آدم وموسى كما يقوله المجبرة من الله وحده وليس لاحد من عباده فيها شئ، وان آدم وموسى ما فعلا شيئا، فكيف انكر موسى على آدم ؟ وكيف تكلف آدم جواب موسى ؟ وكيف يقول محمد " ص " نبيهم فحج آدم وموسى ويستحسن محمد " ص " ذلك. هذا لا يصدقه عارف بمحمد " ص " انه قاله أو تحدث به، لانه إذا كان لا فاعل سوى الله فكلام آدم وفعله من الله وكلام موسى وفعله من الله تعالى، فاي معنى لقولهم من نبيهم فحج آدم موسى. وانما يكون على قولهم قد حج الله نفسه وغلب نفسه، وان كانت المجبرة تتجاهل الى ان تقول ان الله قهر الثلاثة الانبياء آدم وموسى ومحمد " ص " ا عليهم السلام على ترك الرضا بقضائه وقدره، وقهر محمدا " ص " على ان يقول فحج آدم موسى، وما يكون قد حجه فقد اقدموا على تكذيب نبيهم وادعوا ان الله قهره على ان يقول غير الحق، وكفى المجبرة بذلك فضيحة في الدنيا


(1) راجع صحيح مسلم: 4 / 2042 كتاب القدر.

[ 326 ]

والاخرة، وكفانا شماتة بهم بمثل هذا فثبت ان الحديث ما قاله نبيهم وانه كذب عليه وكتابهم يتضمن " وما ينطق عن الهوى * ان هو الا وحى يوحى " (1) فالكاذب عليه كاذب على الله، وكتابهم يتضمن " ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة " (2) وكيف حسن من هؤلاء الاربعة المذاهب الذين يصححون هذا الخبر ان يقولوا عن خليفتهم عمر مثل ذلك. حكايات من المجبرة واحتجاجات عليهم ومن طريف محاسن حكايات جرت لبعض أهل العدل ما روى عن شيخ الاسلام بعد نبيهم وسيفه امته وحافظ ناموسه على بن أبى طالب عليه السلام فيما حكاه في القضاء والعدل عنه الخوارزمي في كتاب الفائق، وهذا الخوارزمي من جملة علماء الاربعة المذاهب قال: عن أصبغ بن نباتة قال: قام الى علي بن أبى طالب عليه السلام شيخ بعد انصرافه من صفين، فقال: أخبرنا يا أمير المؤمنين عن مسيرنا الى الشام أكان بقضاء الله وقدره ؟ قال علي عليه السلام: والذى فلق الحبة وبرئ النسمة ما وطئنا موطئا ولا هبطنا واديا ولا علونا تلعة الا بقضاء وقدر. فقال الشيخ: عند الله احتسب عناي، ما أرى لى من الاحر شيئا. فقال له: مه ! أيها الشيخ، بل الله أعظم أجركم في مسيركم وأنتم سائرون وفى منصرفكم وانتم منصرفون، ولم تكونوا في حال من حالاتكم مكرهين ولا إليها مضطرين. فقال الشيخ وكيف والقضاء والقدر ساقنا ؟ فقال: ويحك ظننت قضاء


(1) النجم 3. (2) الزمر: 60.

[ 327 ]

لازما وقدرا حتما، لو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب والوعد والوعيد والامر والنهى، ولم يات لائمة من الله لمذنب ولا محمدة لمحسن، ولم يكن المحسن أولى بالمدح من المسئ ولا المسئ أولى بالذم من المحسن، تلك مقالة عبدة الاوثان وجنود الشيطان وشهود الزور وأهل العمى عن الصواب، وهم قدرية هذه الامة ومجوسها، ان الله تعالى أمر تخييرا ونهى تحذيرا وكلف يسرا، ولم يكلف عسرا ولم يعص مغلوبا ولم يطع مكرها ولم يرسل الرسل الى خلقه عبثا ولم يخلق السماوات والارض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار. فقال الشيخ: وما القضاء والقدر اللذان ما سرنا الا بهما. قال: هو الامر من الله تعالى والحكم، ثم تلا قوله " وقضى ربك ألا تعبدوا الا اياه " (1) فنهض الشيخ مسرورا وهو يقول: أنت الامام الذى نرجو بطاعته * يوم النشور من الرحمن رضوانا أوضحت من ديننا ما كان ملتبسا * جزاك ربك عنا فيه أحسانا (2) ومن الحكايات المذكورة ما رواه كثير من المسلمين عن الامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام من عترة نبيهم أنه قال يوما لبعض المجبرة: هل يكون أحد أقبل للعذر الصحيح من الله ؟ فقال: لا. فقال له: فما تقول فيمن قال ما أقدر وهو لا يقدر، أيكون معذورا أم لا ؟ فقال المجبر: يكون معذورا. قال له: فإذا كان الله يعلم من عباده أنهم ما قدروا على طاعته وقال لسان حالهم أو مقالهم لله يوم القيامة: يا رب ما قدرنا على طاعتك لانك منعتنا منها، أما يكون قولهم وعذرهم صحيحا على قول المجبرة ؟ قال: بلى والله. قال: فيجب


(1) الاسراء: 23. (2) نقله الصدوق في عيون أخبار الرضا: 1 / 139، والبحار: 5 / 75 عن الشافي.

[ 328 ]

على قولك ان الله يقبل هذا العذر الصحيح ولا يؤاخذ أحدا أبدا، وهذا خلاف قول أهل الملل كلهم فتاب المجبرة من قوله بالجبر في الحال (1). ومن الحكايات المشار إليها ما روى في كتب المسلمين ان أبا حنيفة صاحب المذهب اجتاز على موسى بن جعفر المعروف بالكاظم عليه السلام وهو من علماء عترة نبيهم وكان يكتب، فاراد أبو حنيفة أمتحانه فقال له: المعصية ممن ؟ فقال له موسى عليه السلام: اجلس حتى أخبرك، فجلس أبو حنيفة بين يديه: فقال موسى بن جعفر عليهما السلام: لا بد أن يكون المعصية من العبد أو من ربه تعالى أو منهما جميعا، فان كانت من الله فهو أعدل وأنصف من أن يظلم عبده الضعيف ويأخذه بما لم يفعله، وان كانت المعصية منهما فهو شريكه والقوى أولى بانصاف عبده الضعيف، وان كانت المعصية من العبد وحده فعليه وقع الامر واليه توجه النهى وله حق الثواب والعقاب ووجبت له الجنة أو النار. فقال أبو حنيفة: ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم. وقد نظم بعض شعراء أهل البيت ذلك فقال: لم تخل أفعالنا اللاتى نذم بها * أحدى ثلاث خصال حين ناتيها أما تفرد بارينا بصنعتها * فيسقط اللوم عنا حين نبديها أو كان يشركنا فيها فيلحقه * ما سوف يلحقنا من لائم أو لم يكن لالهى في جنايتها * ذنب فما الذنب الا ذنب جانيها (2) ومن الحكايات المشهورة المشار إليها ما روى عن بعض أهل العدل ان رجلا من المجبرة ساله عن آية في كتابهم ظاهرها ان الله أضلهم، فقال له العدلي: ان تفصيل الجواب يطول عليك وربما لا تفهمه ولا تحفظه، ولكن عرفني


(1) راجع البحار: 5 / 58. (2) نقل نحوه الصدوق في عيون أخبار الرضا: 1 / 138.

[ 329 ]

ما تعتقد أنت وسائر المسلمين ان القرآن الذى نزل عليكم حجة لمحمد " ص " نبيكم على الكافرين والعاصين. فقال: بلى. فقال العدلي: فلو كان باطن الايات التى يتعلق بها المجبرة مثل ظاهره وان الله تعالى منع الكفار من الايمان والاسلام ومنع العصاة من الطاعة، فكان يكون القرآن حجة للكفار والعصاة على محمد " ص " نبيكم، وكانوا يستغنون بهذه الايات عن محاربته وقتل أنفسهم، ويقولون ان ربك الذي جئت برسالته وكتابك الذى جئت به يشهدان أن الله قد منعنا من الاسلام والطاعة، فلا تظلمنا وقل لربك يتركنا ان نقبل منك ونسلم لك، فكان القرآن حجة الكفار على المسلمين وعليه فتقطع حجته وهذا خلاف مذهب الاسلام، فاذعن العقل أن لهذه الايات معنى يليق بالعدل ويناسب الرحمة والانعام، فانقطع المجبر. ومن الحكايات المشار إليها ما رواه جماعة من العلماء أن الحجاج بن يوسف كتب الى الحسن البصري والى عمر وبن عبيد والى واصل بن عطاء والى عامر الشعبى، أن يذكروا ما عندهم وما وصل إليهم في القضاء والقدر، فكتب إليه الحسن البصري: ان أحسن ما سمعت من أمير المؤمنين علي بن أبى طالب عليه السلام أنه قال: يا بن آدم أتظن ان الذى نهاك دهاك، وانما دهاك أسفلك وأعلاك والله برئ من ذلك. وكتب إليه عمرو بن عبيد: أحسن ما سمعت في القضاء والقدر قول علي بن أبى طالب عليه السلام: لو كان الوزر في الاصل محتوما كان الموزور في القصاص مظلوما. وكتب إليه واصل بن عطاء: أحسن ما سمعت في القضاء والقدر قول أمير المؤمنين على بن أبى طالب عليه السلام انه قال: أيدلك على الطريق وياخذ عليك المضيق. وكتب إليه الشعبى: أحسن ما سمعت في القضاء والقدر قول أمير المؤمنين على بن أبى طالب عليه السلام انه قال: كلما

[ 330 ]

استغفرت الله تعالى منه فهو منك وكل ما حمدت الله تعالى فهو منه، فلما وصلت كتبهم الى الحجاج ووقف عليها قال: لقد أخذوها من عين صافية، مع ما كان عند الحجاج معه من العداوة والامور الواهية. ومن الحكايات المشار إليها ما روى ان رجلا سال جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام عن القضاء والقدر فقال: ما استطعت ان تلوم العبد عليه فهو منه ولم تستطع ان تلوم العبد عليه فهو من فعل الله، يقول الله تعالى للعبد: لم عصيت ؟ لم فسقت: لم شربت الخمر ؟ لم زنيت ؟ فهذا فعل العبد، ولا يقول له: لم مرضت، لم علوت ؟ لم قصرت ؟ لم ابيضضت ؟ لم اسوددت ؟ لانه من فعل الله تعالى (1). ومن الحكايات أيضا ما روي ان الفضل بن سهل سال على بن موسى الرضا عليه السلام بين يدي المأمون فقال: يا أبا الحسن الخلق مجبورون ؟ فقال: الله أعدل من أن يجبر خلقه ثم يعذبهم، قال: فمطلقون ؟ قال: الله أحكم من أن يهمل عبده ويكله الى نفسه (2). ومن الحكايات ايضا ما روى أنه قيل للمجبرة نرى الله تعالى قد استعظم في القرآن قول المشركين والكافرين فقال " تكاد السماوات يتفطرن وتنشق الارض وتخر الجبال هدا " (3) ونحو ذلك مما استعظمه في الكتاب العزيز الذي لا يستطيع الجبرية له دفعا ولا ردا، فإذا كان كل فعل وقول وقع منه وصدر عنه فكيف تقبل العقول السليمة والاذهان المستقيمة انه جل جلاله يستعظم فعل نفسه على صورة الانكار والاستكبار ويبلغ الى هذه الغاية من الاستعظام والاستكبار فلم يكن لاحدهم جوابا.


(1 - 2) البحار: 5 / 59. (3) مريم: 90.

[ 331 ]

ومن الحكاية في ذلك ما روي أن بعض أهل العدل وقف على جماعة من المجبرة فقال لهم ما معناه هذا: أنا ما أعرف المجادلة والاطالة، لكني أسمع في القرآن قوله تعالى " كلما أوقدوا نارا للحرب أطفاها الله " (1) ومفهوم هذا الكلام عند كل عاقل ان الموقد للنار غير الله تعالى وان المطفئ لها هو الله، فكيف تقبل العقول ان الكل منه ؟ وان الموقد هو المطفئ لها. فانقطعوا ولم يردوا جوابا. ومن الحكايات أيضا أنه قيل للمجبرة: اننا نرى الله تعالى يقول " قد أفلح من زكها * وقد خاب من دسيها " من هذا الشخص الذي يكون مصداقا لقوله قد خاب ؟ فما كان له جواب. ومن الحكايات المأثورة ما يقال أن بعض أهل العدل اجتاز على بعض المجبرة والعدلي راكب، فقال له الجبري: انزل حتى أسالك مسالة، فقال له العدلي: أفتقدر أن تسألني ؟ قال: لا. قال: افاقدر ان أسالك أو أجيبك ؟ قال لا. قال: فكيف يطلب نزولي من لا يقدر على سؤالي ولا أقدر على نزولي عنده ولا جوابه، فانقطع الجبري. ومن الحكايات المأثورة ان عدليا قال لمجبر: ممن الحق ؟ قال: من الله فقال له: فمن هو المحق. قال: هو الله. قال له: فممن الباطل ؟ قال: من الله. قال: فمن هو المبطل ؟ فانقطع الجبري ولم يقدر على أن يقول ان الله تعالى هو المبطل، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فكان يلزمه ذلك على راي المجبرة. ومن الحكايات المأثورة ان مجبرا وعدليا اجتمعا للمناظرة وجعلا بينهما حكما، فقال العدلي للجبري: هل من شئ غير الله وما خلق ؟ قال الجبري: لا. قال العدلي: فهل يعذب الكفار والعصاة على أنه خلقهم. قال الجبري: لا. قال: يعذبهم على أنه ما خلقهم ؟ قال: لا. قال: فعلا م يعذبهم ؟ قال:


(1) المائدة: 64.

[ 332 ]

لمعصيتهم اياه. قال العدلي: فقد جعلت ههنا شيئا ثالثا وأنت قلت انه ليس في الوجود شئ غير الله وما خلق فهذا قولك يعصى من هو العاصى، فانقطع الجبري وحكم الحاكم بينهما بانقطاع الجبري. ومن الحكايات المأثورة ان جماعة من اليهود اجتمعوا الى أبى بحر الخاقاني وقالوا له ما معناه: أنت سلطان عادل ومنصف من المسلمين وفي بلدك المجبرة وهم الذين يعولون عليهم في الاقوال والافعال. وهم يشهدون لنا اننا لا نقدر على الاسلام ولا على الايمان، فكيف تؤخذ الجزية من قوم لا يقدرون على الاسلام ولا الايمان ؟ فجمع المجبرة وقال لهم: ما تقولون فيما قد ذكره اليهود من احتجاجهم عليكم ؟ فقالوا: كذا نقول وانهم لا يقدرون على الاسلام والايمان، فطالبهم بالدليل على قولهم فلم يقدروا عليه، فنفاهم (1). (قال عبد المحمود) مؤلف هذا الكتاب: ومما يقال للمجبرة انا نسمع الله جل جلاله قد طلب التوبة من العباد، وقد تاب قوم وامتنع آخرون والقرآن والاخبار مملوءة من ذلك وشاهدة به، فان كانت الافعال فلم يطلب التوبة من غيره ؟ وان كانت التوبة منه أو كان شريكا للعبد في الافعال جل وعلا عن قول الظالمين فليت شعري مما ذا تاب ؟ وان لم يكن التوبة منه ولا من غيره من العباد فمن هذا التائب النادم ؟ ومن هذا المصر الممتنع من التوبة ؟ انني أرى المجبرة على صفة عجيبة من الجهالة وغريبة عظيمة من الضلالة. ومما يقال للمجبرة: قد رحمناكم لشدة غفلتكم، وخاصة الذين يقولون منكم لا فاعل سوى الله تعالى، ثم يقولون ان العبد غير مختار وانه مضطر فيما يصدر عنه، ويا لله والعجب من جهالاتكم إذا كان لا فاعل سوى الله تعالى وعندكم وعند كافة أهل الاسلام ان الله تعالى مختار غير مضطر ولا ملجا، وكيف صارت


(1) البحار: 5 / 60.

[ 333 ]

أفعاله الصادرة عن العباد في الصورة وهي صادرة عنه في التحقيق خارجة عن حكم اختياره وبطل على قولكم كونه مختارا وصرتم الى مذهب الفلاسفة في انه جل وعلا غير مختار. ومما يقال: لمن قال ان الفعل مقضي على العباد تفسير المجبرة أوضح معنى قولك انه مقضي، أتريد ان الفعل من الله تعالى في التحقيق وقضاه على عبده أم لا ؟ فان أردت ان الله قضاه وهو فعل له سبحانه فإذا كان العبد ما استقل بالفعل ولا قام به وان الله تعالى هو الفاعل له حقيقة، فكيف يصير مقضيا لانه ليس ههنا عبد فاعل عندهم أصلا حتى يكون فعل هذا العبد مقضيا عليه الا هو عندهم فعل الله، فليت شعرى ومن قضى الفعل على الله حتى يسمى مقضيا وان أردت أن الله ما انفرد بالفعل فقد تركت مذهبك وعدت الى العدل والحمد لله، وما يصير الفعل مقضيا بالتفسير يفسرونه، لانه لا يصح أن يقال ان العبد جعل نفسه مجبرا مقهورا في حال كونه مختارا وقضاه على نفسه - فسره المجبرة. ومما يقال للمجبرة: وهو من طرائف ما يحتج به عليهم أنه لو كان الامر كما تقول المجبرة من أن كلما في الوجود من الافعال والاحوال الصادرة عن بني آدم انها أفعال الله خاصة ما كان قد ورد في القرآن ولا في السنة لفظ ضلال أحد ولا كفره وفاحشة ولا منكر ولا فساد ولا ظلم ولا عناد ولا غير ذلك من أنواع النقائص والرذائل، ولا كان يوجد كافر ولا جاحد ولا معاند ولا كان يقع في الكفار سب لله تعالى ولا لانبيائه، بل ما كان يقع بين اثنين والاكثر سباب ولا افتراق ولا منازعة ولا شقاق، لانه إذا كان كل ذلك من الله تعالى فكله هدى وايمان وصلاح ووفاق وتمام واتفاق ولانه ما كان الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا يسب نفسه ولا يجحد نفسه ولا يعاند نفسه ولا يعاقب نفسه ولا يخالف نفسه ولا يعادى

[ 334 ]

نفسه ولا ينازع نفسه ولا يذم نفسه، لانه إذا كان الكل منه فهذه المنازعات والمناقضات بين من ومن ولمن، وإذا اعتبرت أفعال العباد وما جرى منها ويجرى فيها من الفساد والنقائص والتضاد علمت على اليقين انها ليست أفعال اله واحد وفاعل واحد قد أطبق العارفون به انه أحكم الحاكمين فكيف التبس ذلك على من يقال انه من عقلاء المسلمين. ومن عجيب ما يقطع به المجبرة عن المناظرة أن يقال له: هذه المناظرة بينى وبينك في التحقيق أو بين الله تعالى وبين نفسه، فان كانت بينى وبينك فقد بطل ما تدعونه من انه لا فاعل سوى الله تعالى، وان كانت المناظرة بين الله تعالى وبين نفسه فهل تقبل العقول ان الله تعالى يناظر نفسه ليغلب نفسه ويعجز نفسه، ولان المناظرين إذا كان أحدهما محقا والاخر مبطلا وأحدهما عالما والاخر جاهلا وكانت المناظرة كما زعموا بين الله تعالى ونفسه فكيف يتصور أن يكون الله تعالى عما يقولون علوا كبيرا، من جانب مبطلا ومن جانب محقا ومن جانب يوصف بجهل ومن جانب يوصف بعلم وهو عالم لذاته، أن هذا قول المجبرة مما لا يقدم عليه عارف بالله تعالى وبذاته وبصفاته. ومن عجيب ما يقطع المجبرة المذكورة به أن يقال لهم: هذه الشكوك والجهالات التى تحصل للعباد حتى تحوج المناظرة أو اليقين لا ريب انها أفعال، فان كانت لنا ومنا فقد بطل ما تدعونه من أنه لا فاعل سوى الله تعالى فان قلتم انها من الله تعالى فيكون كفرا صريحا واختلاطا قبيحا. ومن عجيب ما يقحم به المجبرة الذين يقولون انه لا فاعل سوى الله تعالى وان كل فعل يظهر عن العباد فهو فعل الله تعالى على التحقيق، ان يقال لهم: ان كل انسان يعلم من نفسه أنه يكون جاهلا ثم يصير عالما ثم يكون شاكا فيصير متيقنا ثم يكون ظانا فيصير عالما، ولا شبهة عند العقلاء ان الجهل

[ 335 ]

والعلم والشك واليقين والظن والعلم أفعال، فمن هذا الجاهل ومن هذا الشاك ومن هذا الظان ؟ فان قلتم انه ربكم فقد كفرتم تحقيقا وصار كل منكم بهذا الاعتقاد زنديقا، وان قلتم انه العبد - وهو الحق - فقد تركتم مذهبكم ورجعتم الى الصدق. ومن عجيب ما يقحم به المجبرة ان يقال لهم: قد أطبق أهل العقل والفضل من سائر أهل الملل على أن الوجود مشتمل على عبد ومعبود وان العبد مشتق من التعبد والتذلل لمعبوده، وإذا كان جميع الاعمال والعبادات من فعل الله تحقيقا فاين العبد أيها الجاهلون فلا يبقى على قولهم في الوجود سوى الله تعالى وفعله وذهبت بل استحال الحقيقة للعبد. (قال عبد المحمود) مؤلف هذا الكتاب: ولعل بعض من يقف على المبالغة مني في الرد على المجبرة الذين يقولون انه لا فاعل سوى الله تعالى ليقول أو يتوهم ان هذا الاعتقاد لا يعتقد أحد منهم أو يعتقد عوامهم، وسوف أذكر ما ذكره أعظم علمائهم من الاعتقاد في بالفاظه. فمن ذلك محمد الخطيب الرازي وهو من أعظم علمائهم مذهبه انه لا يخرج الى الوجود شئ الا بقدرة الله تعالى وان الله تعالى مريد لجميع الكائنات، وقد وقفت على ما وصل الينا من تصانيفه فوجدتها جميعا تشهد بذلك وقد ذكر في كتاب الاربعين وكان قد صنفه لولده العزيز فقال فيه ما هذا لفظه: المسالة الثالثة والعشرون في انه لا يخرج شئ من العدم الى الوجود الا بقدرة الله تعالى (1). هذا لفظه. ثم شرع يتحدث في ذلك ويريد تصحيحه ولا ينكر في انه على قوله يريد النقض على الله بالله والنقص على الله بالله سبحانه وتعالى، لانه شرع ان المسالة فييها


(1) الاربعين: 237.

[ 336 ]

تنازع، قوم يقولون بقول الرازي وذلك القول من الرازي من الله جل جلاله وقوم يقولون بخلاف قوله ويريدون نقض قوله ونقصانه وهذا النقض والنقصان عند الرازي ايضا من الله. فعلى قوله هذا يكون الله تعالى قد نقض على نفسه بنفسه ونقص كماله وكمال حجته بنفسه، ولو فكر فيما بنى عليه زال عن المعارضة لقول أحد ومذهب أحد واعتقاد أحد لان ذلك عنده قول الله ومذهب الله واعتقاد الله، ولكن الرازي ومن وافقه وتقدمه من القائلين بانه لا فاعل سوى الله تعالى ربما يقولون في الجواب عما ذكرته الان ما يريد النقض على الله بالله تعالى ولا يلزمه الزوال عن المعارضة، لانه يزعم ان الذي ينقض على نفسه وينقض نفسه ليس هو الرازي ولا من وافقه ولا من تقدمه من القائلين بقوله، لان الناقض والمنقوض به منه لانها كلها أفعال والافعال كلها منه. وإذا بلغوا الى هذه الغاية من ان الله تعالى ينقض على نفسه وينقص نفسه شهد ذلك عليهم بالخروج عن ملة الاسلام واظهار الكفر والالحاد والطعن على الله تعالى وعلى رسوله " ص " لان رسول الله ما جاء رسولا عن رب ينقض على نفسه وينقص نفسه بغير خلاف عند أهل ملته والمصدقين برسالته، فان قال أحد منهم ينقض أحدى الدعويين بالاخرى ويثبت أحد ان هذا النقص ما يمكن أن يكون تاما وان ذلك النقص كله لا يسمى نقصا ولا نقضا كابروا العيان وأثروا البهتان. ومن ذلك قول الرازي ايضا في كتاب الاربعين ما هذا لفظه: المسالة الرابعة والعشرون في بيان ان الله تعالى مريد لجميع الكائنات، مذهب المعتزلة ان الارادة توافق الامر، فكل ما أمر الله تعالى به فقد أراده وكل ما نهى عنه فقد كرهه، ومذهبنا ان الارادة توافق العلم، فكل ما علم الله وقوعه فهو مراد

[ 337 ]

الوقوع وكل ما علم عدمه فهو مراد العدم، فعلى هذا ايمان أبى جهل مامور به وغير مراد وكفره منهي عنه وهو مراد. هذا لفظه وقد حكيناه بصورته (1). (قال عبد المحمود): لو صح ما قاله الرازي لكان أبو جهل غلب محمدا " ص " وأبطل رسالته إليه، وكل كافر أيضا بان يقولوا لمحمد ربك ما يريد منا الاسلام وأنت تريده، واتباع ارادة ربك أوجب من اتباع ارادتك، وكان قد انقطع محمد وبانقطاعه ينقطع حجة مرسله، وان كان الرازي المثكل يزعم أن محمدا " ص " ما يريد أيضا من الكفار الايمان فتكون حجتهم قد ازدادت قوة ويقولون له إذا كان الله الذى أرسلك ما يريد الايمان منا وأنت ما تريده منا فنحن أيضا ما نريد خلاف أرادتكما، فعلام تحاربنا وتعادينا وقد وافقت ارادتنا ارادتك وارادة من أرسلك، فكان أبلغ في ظهور حجة الكفار عليه وانقطاع حجته وحجة مرسله. وكان أهل الجاهلية أقل كفرا من هذا الاعتقاد، والجاحدون لله والجاهلون به ما بلغوا الى هذه الغاية من الكفر والفساد، لان أولئك ما عرفوه فما نسبوا إليه خيرا ولا شرا وهؤلاء المجبرة ادعوا معرفته ونسبوا كل شر وكفر وخير إليه، فيعز على الله تعالى وعلى رسوله ما جنى هؤلاء عليه، وكيف يقبل عقل الذين يعتقدون ان الله تعالى هو الفاعل لافعال العباد ان يكون الله تعالى يبعث رسولا خلقه ويبعث معه ما يقيم أعذارهم في مخالفتهم فعل من أرسله وانهم بريؤن منها، وهل كان يبقى للرسل حكم أو حجة. ومن عجيب طرائف المجبرة ان كتبهم بالمهور والديون تتضمن أن المقرين أقروا طوعا في صحة من أمرهم غير مجبرين ولا مكرهين ويكتبون هذا الوصف للمقرين في شريعة الاسلام ومجلس قضائهم بشهادة معدليهم، ثم يكتبون


(1) الاربعين: 244.

[ 338 ]

في آخر كتب المهور أن هذا القادر صالح والقادر هو المختار، ثم إذا جرى حديث عقيدتهم انكروا ما قد أقروا به وجحدوا ما اعترفوا باثباته وادعوا ان المقرين مجبرون ومكرهون وما لهم اختيار ولا فعل، ولا يفكرون في هذه المناقضات ولا لهم من يغافلهم عليها. ومن طرائف ما يلزم الرازي واهل مذهبه القائلين بانه لا فاعل سوى الله تعالى ان يكون قولهم مثل قول النصارى في عيسى بن مريم عليه السلام والنصيرية في علي بن أبى طالب عليه السلام، لان عقلاء النصارى وعقلاء النصيرية ما كان يخفى عنهم ان لحم عيسى ولحم على عليه السلام وعظمهما وجسدهما هو الله جل جلاله، ولا أن الله تعالى صورة مجسمة، بل لما راوا الاعمال الصادرة عن عيسى وعلى عليه السلام الخارقة للعادات يستحيل وقوعها من نفس البشر وانها افعال اله قادر بالذات، فنسبوا تلك الافعال الصادرة من عيسى وعلي عليه السلام الى أنها فعل الله تعالى، فيلزمهم التصديق للنصارى والنصيرية في أن أفعال عيسى وافعال علي عليه السلام فعل الله تعالى ولا فاعل سوى الله تعالى الذى يستحق العبادة. فهل ترى قول الرازي وأهل مذهبه في انه لا فاعل سوى الله الا قول النصارى والنصيرية وان حالهم كحالهم. ومن عجيب ما بلغني ان محمد بن الخطيب الرازي المذكور تحدى يوما على علماء العالمين وأعجبته نفسه لحفظه للالفاظ وصياغته للمباني، وما أدري انه ليس كل من حفظ لفظا عرف معناه واستوفاه، وقد سمى الله تعالى الذين حفظوا الالفاظ ولم يراعوا المعاني بالحمار فقال " مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا " (1).


(1) الجمعة: 5.

[ 339 ]

وما علم الرازي أيضا انه ليس كل من صاغ حلية أو بني بناء عرف قيمة الجواهر وسائر الات البناء ومن حررها ودبرها وبدأها بالانشاء، فلما تحدى الرازي العلماء بلغ ذلك الى بعض الزهاد من لسان بعض تلامذة الرازي فقال له الزاهد للتلميذ استادك الرازي لا يعرف الله، فثقل على التلميذ ذلك وقال للزاهد: عن اذنك اعرفه. فقال الزاهد: نعم، فعرفه التلميذ الرازي فركب في جمعه ومماليكه وكان صاحب دنيا وسيعة وجاء الى الزاهد فقال له: قد بلغني عنك أنك انني لا أعرف الله تعالى. فقال الزاهد: نعم قلت. فقال له الرازي من أين عرفت اننى لا أعرف الله تعالى ؟ فقال له الزاهد: لانك لو عرفته كما تدعي كمال المعرفة والتحقيق شغلتك معرفته وخدمته ومراقبته عن هذه الدنيا الفانية التى تعبدها من دونه، فانقطع الرازي وعرف لزوم الحجة له. قلت أنا: ومن وقف وصية الرازي عند موته ان كتبه التي صنفها جميعا ما اكتسب منها دينا ولا حصل منها يقينا زهده ذلك في ترك التعلم منها ووجب عليه الاعراض عنها. ومن علماء المجبرة أبو حامد محمد بن محمد الغزالي وهو من أعظم علمائهم ومن الذين صنفوا لهم في علم الكلام وعلم الجدل وعلم أصول الفقه وفي الفقه، وكان له ثلاثمائة تلميذ، وعاد وصنف في الزهد فقال في أعظم كتاب صنفه في ذلك وسماه كتاب (احياء علوم الدين) في كتاب قواعد العقائد وهو الكتاب الثاني من كتاب احياء علوم الدين في الاصل الثالث منه ما هذا لفظه: ولا يجري في الملك والملكوت طرفة عين ولا لفتة خاطر ولا فلتة ناظر الا بقضاء الله وقدره وبارادته ومشيته، ومنه الخير والشر والنفع والضر والاسلام والكفر والعرفان والمنكر والفوز والخسران والغواية والرشد والطاعة والعصيان

[ 340 ]

والشرك والايمان (1) هذا لفظ الغزالي. وصنف في آخر عمره كتابا سماه منهاج العابدين وهو آخر كتاب صنفه وما خص به الا خواص اصحابه، فقال في اواخر الباب الاول منه ما هذا لفظه: ولا يكون في الملك والملكوت فلتة خاطر ولا لفتة ناظر الا بقضاء الله وقدره ومشيته، فمنه الخير والشر والنفع والضر والايمان والكفر والعز والشكر والفوز والخسر والغواية والرشد والطاعة والعصيان والشرك والايمان. هذا لفظه في المعنى. (قال عبد المحمود): وإذا اعتبرت كلام هذا الشيخ في كتب الزهد وخاصة كتاب الاحياء وجدته يشهد صريحا وتلويحا انه يعلم من سريرته ان العباد مختارون وفاعلون وانما غلب عليه حب المذهب والمنشأ فانه في كتاب الاحياء يصف اسقام الدين ويذكر الترغيب والحث على استعمال الدواء والتحريص بذلك ويظهر انه يعتقد كونهم مختارين فاعلين يقدرون على الفعل وعلى الترك، فان شككت فاعتبر مقالاته لانك تجده يوافق اهل العدل فعلا وقولا ويخالفهم قولا غفلة وجهلا. ومما يدل على ذلك منه قوله في العارض الثاني من الباب الرابع من كتاب منهاج العابدين ما هذا لفظه: فان قيل: هل يكون المفوض مختارا ؟ فاعلم ان الصحيح عند علمائنا أنه يكون مختارا ولا يقدح في تفويضه ذلك. هذا لفظه تصريح بالاختيار وتصديق لاهل العدل والاعتبار. بل قد زاد على القائلين بالاختيار لان المفوض معناه ان يعزل نفسه عن الاختيار ويجعل الاختيار لنفسه الى الله، فإذا كان من يعزل نفسه عن اختيارها ويجعل الاختيار لله يكون مختارا، فيجب ان يكون من لم يفوض الى الله تعالى


(1) احياء علوم الدين: 1 / 111.

[ 341 ]

مختارين قطعا على سائر الاسباب وهذا واضح لذوى الالباب. وقال الغزالي في المجلد الثامن من الاحياء في كتاب النية والاخلاص ما هذا لفظه: بيان أن النية غير داخلة تحت الاختيار (1)، ثم شرع يستدل على صحة هذا المقال وهذا موافقة لاهل العدل بغير اشكال. وقال: في كتاب حماقة أهل الاباحة في الجواب عن شبهتهم الاولى ما هذا لفظه: فان الله تعالى ما كلفنا لاجل ان ينتفع بذلك، بل لاجل انتفاعنا نحن بذلك. وضرب الغزالي لذلك مثل الطبيب والمريض، ثم قال: وكذا الرب تعالى أمرنا بالطاعة ونهانا عن المعصية للراحة لنا وفائدة راجعة الينا وهو مقدس منزه عن أفعالنا طاعة كانت أو معصية. أقول: أما تراه عند ترك المعصية كيف يشهد بتنزية الجلالة الالهية من افعال العباد ؟ وهذا واضح لمن ترك منهم سبيل المكابرة والعناد وكان من أهل السداد وقد تقدم من الرد أهل هذه الاعتقادات ما في بعضه كفاية وشفاء لاهل العقول والديانات فاعتبر ما قلناه وقدمناه واحفظ نفسك من تقليد المجبرة وغيرهم ممن ترك الحق والصدق والذى حققناه. ومن مناظرات أهل العدل للمجبرة ما روى ان ثمامة كان في مجلس المأمون وابو العتاهية حاضر فسال أبو العتاهية المأمون ان ياذن له في مناظرة ثمامة والاحتجاج عليه فاذن له، فحرك أبو العتاهية يده وكان مجبرا وقال: من حرك هذه ؟ ثمامة: وكان يقول بالعدل: حركها من امه زانيه. فقال أبو العتاهية شتمنى يا مامون في مجلسك. فقال ثمامه: ترك مذهبه يا مامون، لانه يزعم أن الله حركها فلاي سبب غضب أبو العتاهية وليس لله أم فانقطع أبو العتاهية. ومن عجيب ما تقحم به المجبرة الذين يقولون انه لا فاعل سوى الله وان


(1) احياء علوم الدين: 4 / 373.

[ 342 ]

كل فعل أو ترك يقع من العباد فانه فعل الله على الجملة، والتفصيل ان يقال لهم قد رحمناكم من شدة مصيبة هذا التفصيل، ويحكم ان هذا الاعتقاد أقبح نكرا وأوضح كفرا من الذين اعتقدوا أن عيسى وعلى بن ابى طالب عليه السلام الاهان من دون الله ومن الذين عبدوا العجل والاصنام وغيرها من المعبودات لان اولئك حيث عبدوها عظموها وقبلوا ما توهموا انه منها وتركوا ما اعتقدوا ان يبعدهم عنها، وأنتم إذا كنتم على هذا الاعتقاد الفاسد السخيف، فكل قول أو أمر أو نهي يقع لكم من قوى أو ضعيف فهو أمر الله ونهيه، فاين امتثالكم لاوامر بعضكم لبعض وترككم لمناهي بعضكم لبعض ؟ فان قلتم ايها المشككون فنحن أيضا ارادتنا وكراهتنا هي ارادة الله وكراهته وفعله، فيقال لكم: إذا كان الامر كذلك فسقطت العبادات والاوامر والنواهي وما بقى الوجود مامور ومنهي، لانه كله على قولكم وجهلكم فعل آله واحد ورب واحد. ومن عجيب ما يقال لهم أيضا: إذا كانت الافعال كلها التى تقع منكم هي فعل الله على التحقيق، فقد صار كلامكم وأمركم ونهيكم كالقران وكالوحي وكلام الله تعالى لموسى عليه السلام من الشجرة وكلام الانبياء عن الله وما بينهم وبينكم فرق وحصل القدح في الرسل والطعن على الرسل. ومن عجيب ما يقال لهم أيضا: إذا كان الامز كما قلتموه من ان جميع افعالكم فعل الله تعالى فيكم وليس لكم فعل تختصون به، فكيف اشتمل الوجود على تابع ومتبوع ورئيس ومرؤوس ونبى وامته وامام ورعيته، لانه لا يصح ان يكون الله جل جلاله وذاته واحدة وافعاله صادرة عنها منقسمة في نفسه وفى افعاله كانقسام التابع والمتبوع والرئيس والمرؤوس والنبى والامة والرعية، ويجتمع في ذاته تابع ومتبوع ورئيس ومرؤوس ونبى وامته وامام ورعيته، أما لكم من

[ 343 ]

ينظر في حالكم ؟ فان كنتم متعمدين للضلال أقام عليكم حدود النكال، أو جاهلين ارشدكم وخلصكم من هذا الهلاك والاهمال، أو مرضى حملكم الى المارستان وداواكم من هذا المرض والاختلال. ومن عجيب الايات الصريحة في بطلان دعوى المجبرة انه لا فاعل سوى الله تعالى قوله " الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الى النور والذين كفروا أوليائهم الطاغوت يخرجونهم من النور الى الظلمات " (1). وهذا كما ترى تصريح عظيم لا يحتمل التأويل بان الطاغوت غير الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا والمجبرة تزعم ان الطاغوت هو الله تعالى. ومن عجيب الايات الصريحة بتكذيبهم والرد عليهم قوله تعالى " سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آبائنا ولا حرمنا من شئ كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا باسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ان تتبعون الا الظن وان انتم الا تخرصون " (2) وهذه دعوى المجبرة بعينها وقد كذبكم تكذيبا صريحا وقال: إن انتم الا تخرصون، وقال الله تعالى " لو استطعنا لخرجنا معكم ثم قال الله يشهد انهم لكاذبون " (3) وقوله " ولهم اعمال من دون ذلك هم لها فاعلون. ومن عجيب جواب بعض العقلاء لما سئل من اعتقاد المجبرة في أنه يجوز أن يكلف الله العباد ما لا يطيقون. فقال العدلى: إذا كلف المولى عبده ما لا يطيق فقد بسط عذره في مخالفته. ومن عجيب جواب بعض أهل العدل لبعض المجبرة ان المجبر قال له: انت ما ترضى من خلق المعاصي أن يكون لك ربا فقال: لا والله ولا عبدا، يعنى لو كان لي عبد يخلق المعاصي ما رضيته يكون عبدي ولو عرض علي


(1) البقرة: 257. (2) الانعام: 148. (3) التوبة: 42. (*)

[ 344 ]

عبد يعمل المعاصي ويخلقها ما رضيت أن يكون في خدمتي ولا عندي. (قال عبد المحمود): ومن الحكايات المأثورة في ذلك ما رواه جماعة من علماء الاسلام عن نبيهم محمد " ص " أنه قال: لعنت القدرية على لسان سبعين نبيا. قيل ومن القدرية يا رسول الله ؟ فقال: قوم يزعمون ان الله سبحانه قدر عليهم المعاصي وعذبهم عليها (1). ومن الحكايات المأثورة عن نبيهم محمد " ص " في ذلك ما رواه صاحب الفائق محمود الخوارزمي وغيره من علماء الاسلام عن محمد بن على المكى باسناده قال: ان رجلا قدم على النبي " ص " له النبي " ص ": أخبرني باعجب شئ رايت. قال: رايت قوما ينكحون أمهاتهم وبناتهم وأخواتهم، فإذا قيل لهم: لم تفعلون ذلك ؟ قالوا: قضاه الله تعالى علينا وقدره، فقال النبي: سيكون في أمتي أقوام يقولون مثل مقالتهم اولئك مجوس أمتى (2). ومن الحكايات المذكورة في ذلك ما ذكره صاحب كتاب الفائق أيضا وغيره من علماء الاسلام عن جابر بن عبد الله صاحب نبيهم انه قال: يكون في آخر الزمان قوم يعملون المعاصي ويقولون ان الله تعالى قد قدرها عليهم، الراد عليهم كالشاهر سيفه في سبيل الله (3). ومن الحكايات المذكورة في ذلك ما روى عن القاسم بن زياد الدمشقي انه قال: كنت في حرس عمر بن عبد العزيز فدخل غيلان فقال: يا أمير المؤمنين ان أهل الشام يزعمون ان المعاصي قضاء الله تعالى وانك تقول ذلك فقال: ويحك يا غيلان أو لست تراني اسمى مظالم بنى مروان ظلما وأردها، افتراني اسمى قضاء ظلما الله وأرده. (قال عبد المحمود) مؤلف هذا الكتاب: فهذا آخر ما رايت ذكره في هذا الباب.


(1 - 3) نقله في البحار: 5 / 47.

[ 345 ]

في عقائد المجسمة وردها وأما حكي عن أحمد بن حنبل الاصفهانى لا الشيباني وقيل انه مذهب الشيباني أيضا ومن أتبعه وشابهه ممن قال ان الله تعالى جسم لا كالاجسام أو جسم وله جوارح مثل جوارح البشر، فقد عرفت أن لهم كتابا تصنيف ابن الفراء الحنبلى يذكر جوارح ربهم على التفصيل، فمن أراد الوقوف عليه فليطلبه من حيث أشرت إليه، فانني لا أقدم على شرح ذلك لعظم جراتهم على الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وقد وقفت على كتاب في اعتقاداتهم أسمه كتاب الاعتقاد تأليف أبى اسماعيل عبد الله بن محمد بن على الاخباري الهروي، وهو يصرح فيه بان أعتقادهم ان الله تعالى له جوارح كالبشر فقال ما هذا لفظه: ان الله عاب الاصنام " ألهم ارجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركائكم " (1) وقال حاكيا عن ابراهيم خليله إذ قال لقومه إذ حاجوه " قال هل يسمعونكم إذ تدعون " (2) وقال لابيه " لم تعبد ما لا يسمع ولا


(1) الاعراف: 195. (2) الشعراء: 72.

[ 346 ]

يبصر ولا يغني عنك شيئا " (1) وقال عز وجل " ان تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم " (2) وقال ابراهيم لقومه " فاسئلوهم ان كانوا ينطقون " (3) وعاب العجل فقال " ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا " (4) وقال أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا " (5) فلما عاب الطواغيت بعدم تلك الصفات تبين أنه يمدح بها نفسه وأنها حقائق فيه، فهذا صورة لفظ صاحب الاعتقادات الحنبلى. (قال عبد المحمود): فهؤلاء قد بلغوا غاية عظيمة من الضلال وفارقوا العقول وكتابهم ونبيهم بكل حال، أما العقول فانها شاهدة ان كل مركب من الاعضاء فانه لا بد له ممن يركبه ويؤلفه فيجب أن يكون المركب محدثا فيحتاج الى صانع قديم أحدثه وألفه، هكذا يشهد العقول الصحيحة بحدوث المركبات والمؤلفات والمحدودات بالحدودات أو بالجهات. وأما كتابهم فانه قال في وصف الله تعالى " ليس كمثله شئ " (6) وغير ذلك من التنزيه التام، فلو كان لله أعضاء كما ذكروا كانت لها أمثال كثيرة. وأما نبيهم محمد صلى الله عليه وآله فلا يحصى أخباره بتنزيه الله وكذلك أخبار عترته المترجمون عنه. وقد تضمن كتاب نهج البلاغة من كلام علي بن أبى طالب عليه السلام طرفا بليغا في تنزيه الله عن صفات المحدثات. وأما قول صاحب كتاب اعتقاد الحنابلة من أن الله تعالى عاب الطواغيت.


(1) مريم: 42. (2) فاطر: 14. (3) الانبياء: 63. (4) الاعراف: 148. (5) طه: 89. (6) الشورى: 11.

[ 347 ]

فهذا عجيب منه، لان الله ليس حديثه في مع الاصنام ولا قصد تعيبها وانما عاب من عبدها واتخذها آلهة وهى على صفات يستحيل معها أن تكون مستحقة للعبادة، وكيف يعتقد عاقل أن هذا الكلام الذى ذكره صاحب الاعتقاد عن كتابهم دالا على ان لله رجلا ويدا وعينا وغير ذلك من الاعضاء ؟ لانه تعالى ليس بجسم وما هو مراي في ذاته أصلا ولا ادعى عاقل أنه راى الله باعضاء وجوارح حتى يكون مراده أفلا يرون الطواغيت بغير جوارح وأنا لى جوارح وأعضاء، ولا يخفى على العاقل ان هذا الكلام خرج على وجه الاستعظام لما فعلوه وقالوه من عبادة الاصنام. وكيف اقتضت عقولهم ان يعدلوا عن الله مع ظهور دلالته وآياته وحيث عدلوا عن الله فلم يتعوضوا بمن ينفعهم أن عبدوه أو يضرهم لم ان لام يعبدوه، ولا بينه وبين الالهية نسبة ولا يقدر ان ينفع نفسه بيد يبطش بها ولا رجل يمشى بها أو جوارح ينتفع بها أو ينفع غيره، وكان هذا موضع التعجب والاستعظام. ومن طريف ما رايت الذي قد ذكره الحنبلي صاحب كتاب الاعتقاد المشار إليه أنه قال ما هذا لفظه: ولا يقال ان الاسم غير المسمى فان هذا القول من الالحاد. (قال عبد المحمود): ان كان هذا اعتقاد للحنابلة كلهم أو أكثرهم أو اعتقاد هذا المصنف واتباعه وأمثاله فهذا قول من مريض العقل أو مكابر أو مجنون بالكلية، لانه ما يشتبه على أحد من أهل العقول الصحيحة ان الاسم غير المسمى فما أقبح هذه الاحوال وأوضح هذا الضلال. و ومن الطرائف ما وقفت عليه من أخبارهم التى نقلوها في كتبهم المعتبرة عندهم ونقلت بعضها كما وجدته. فمن طريف ذلك ما ذكره الحميدي في مسند جابر بن عبد الله في الحديث

[ 348 ]

الثاني والخمسين من أفراد مسلم من كتاب الجمع بين الصحيحين (من صحيح مسلم والبخاري) عن ابن جريح عن أبي الزبير انه سمع جابر بن عبد الله يسال عن الورود فقال: نجئ نحن يوم القيامة عن كذا وكذا أنظر أي ذلك فوق الناس قال: فتدعى الامم باوثانها وما كانت تعبد الاول فالاول، ثم ياتينا ربنا بعد ذلك فيقول: من تنظرون ؟ فيقولون: ننظر ربنا. فيقول: أنا ربكم. فيقولون: حتى ننظر اليك. فيتجلى لهم بضحك. قال: فينطلق بهم ويتبعونه، ويعطى كل انسان منهم منافق أو مؤمن نورا، ثم يتبعونه وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك تأخذ من شاء الله، ثم يطفئ نور المنافقين، ثم ينجو المؤمنين - الخبر (1). (قال عبد المحمود): كيف حسن من هؤلاء الذين يدعون أنهم مسلمون أن يرووا مثل هذا الحديث والضحك ربهم، ثم يجعلونه صحيحا ؟ وكيف قبلت عقولهم ذلك ؟ والعجب أنهم ربما أسقطوا حديث بعض من يقولون أنه حكي عن فلان ما هو كذب ومع هذا فلا يسقط مثل هذا الحديث الذي يشهد العقول انه كذب فيه على الله تعالى ! وظاهر حالهم انهم كذبوا على جابر، فان حاله في الاسلام كانت أفضل وأكمل من هذا النقصان، وهذا تصريح منهم بان الله جسم أو على صفات الاجسام. ومن طريف هذا أنه قال: انه يعطى المنافقين نورا، الذي يشهد كتابهم أنهم في الدرك الاسفل من النار. ومن طرائف روايتهم ما ذكره أيضا الحميدى في كتاب الجمع بين الصحيحين من مسند أبي سعيد الخدري في الحديث الثاني والعشرين من المتفق عليه ورواه عن نبيهم يذكر فيه كيفية تساقط الكفار في النار، ثم ما هذا لفظه: حتى


(1) مسلم في صحيحه: 1 / 177 - 178.

[ 349 ]

إذا لم يبق الا من كان يعبد الله تعالى من بر وفاجر، أتاهم الله في أدنى صورة من التي راوه فيها قال: فما تنتظرون ؟ تتبع كل أمة ما كانت تعبد، قالوا: يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم فيقول: أنا ربكم فيقولون: نعوذ بالله منك نشرك بالله شيئا (مرتين أو ثلاثا) حتى ان بعضهم ليكاد أن ينقلب فيقول: هل بينكم وبينه علامة فتعرفونه بها ؟ فيقولون: نعم فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه الا اذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد آنفا أو رياءا الا جعل الله ظهره طبقة واحدة، كلما أراد أن يسجد خر على قفاه، ثم يرفعون رؤسهم قد تحول في الصورة التي راوه فيها أول مرة فيقول: أنا ربكم فيقولون: أنت ربنا - الخبر (1). (قال عبد المحمود): اني لابكى على هذه العقول ثم أضحك منها وهو على مقتضى الحديث المتقدم في الاشارة الى ان ربهم جسم وانهم ينكرونه يوم القيامة ويتعوذون منه، وهذا من العجائب التى يضحك منها أهل الملل كافة ويزهدون بطريقة الاسلام، معاذ الله من قوم يصدقون ذلك. ومن طرائف رواياتهم في ذلك ما ذكره محمد عمر الرازي صاحب كتاب نهاية العقول وهو أعظم علماء الاشعرية في كتاب تأسيس التقديس فقال: انهم يروون أن الله ينزل كل ليلة جمعة لاهل جنة على كثيب من كافور. ومن طرائف رواياتهم ما ذكره الرازي في الكتاب المذكور وذكر الحميدى في الجمع بين الصحيحين في الحديث التاسع والتسعين من المتفق عليه من مسند أنس بن مالك يروونه عن نبيهم ويشهد العقل بانه ما قاله قالوا أنه قال: لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد حتى يضع رب العرش - وفى رواية رب العزة - قدمه فتقول: قط قط وعزتك، ويزوى بعضها الى بعض (2)


(1) رواه مسلم في صحيحه: 1 / 168 - 169. (2) رواه مسلم في صحيحه: 4 / 7.

[ 350 ]

ومن كتاب الجمع بين الصحيحين للحميدي ايضا في الحديث الثاني والثمانين بعد المائتين من المتفق عليه من مسند أبى هريرة رواه عن نبيهم قال فاما النار تمتلئ حتى يضع الله تبارك وتعالى رجله فيها فتقول: قط قط فهنالك تمتلئ ويزوى بعضها الى بعض - الخبر (1). ومن كتاب الجمع بين الصحيحين للحميدي أيضا في مسند أبى هريرة عن نبيهم قال: إذا قاتل أحدكم اخاه فلا يلطمن الوجه، وفي رواية فليتجنب الوجه، فان الله خلق آدم على صورته (2). (قال عبد المحمود): أما تعجب العاقل من هذه الاحاديث التى قد نقلوها في صحاحهم، ومن قوم يذكرون أنهم من المسلمين وقد بلغوا هذه الغاية من تقبيح ذكر رب العالمين ومن أساءة سمعة نبيهم، وهل بلغ أعداؤهم من تقبيح ذكرهم النبي " ص " الى ما قد بلغ هؤلاء ؟ وما أحسن قول بعض العلماء: عدو عاقل خير من صديق جاهل. والعجب ممن راى فساد ظاهر هذه الاخبار لو أرجع الضمير في صورته الى الله سبحانه كما ظاهرها فاعتذر بان الضمير راجع الى آدم وفساده ظاهر. ومن طرائف رواياتهم ما ذكره الرازي عنهم كتاب في كتاب تأسيس التقديس وذكر انه رواه صاحب شرح السنة ورواه الحميدى في الجمع بين الصحيحين فيمن يخرجه الله من النار، قالوا عن نبيهم انه قال: فيسمع أصوات أهل الجنة فيقول: أي رب أدخلنيها فيقول: يا بن آدم يرضيك أن أعطيك الدنيا وما فيها فيقول: أي رب أتستهزئ منى وأنت رب العالمين - وفي الجمع بين الصحيحين للحميدي في بعض روايات هذا الحديث أتسخر بي أو تضحك بي


(1) نفس المصدر. (2) رواه مسلم في صحيحه 4 / 2017.

[ 351 ]

وأنت الملك - فضحك ابن مسعود وقال: ألا تسألوني مم أضحك ؟ فقالوا: مم تضحك ؟ قال: هكذا ضحك رسول الله " ص " فقالوا: مم تضحك يا رسول الله ؟ قال: من ضحك رب العالمين حين قال: أتستهزئ منى وأنت رب العالمين ؟ فيقول الله تعالى: أني لا أستهزي منك وأنا ما أشاء قادر (1). قال الرازي: وذكر حديثا طويلا عن أبى هريرة الى أن قال: ثم يقول: أي أدخلني الجنة. فيقول: أو لست قد زعمت ألا تسألني غيرها، ويلك يا بن آدم ما أغدرك وأمكرك، فيقول: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك، فلا يزال يدعو حتى يضحك، فإذا ضحك منه أذن له بالدخول الى الجنة. (فال عبد المحمود): ورايت في الجمع بين الصحيحين للحميدي في مسند أبي هريرة في الحديث الستين من المتفق عليه هذا الحديث بلفظ آخر قال: فيقول: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك، فيضحك الله منه ثم ياذن له بدخول الجنة. وروى الحميدى ايضا في مسند أبى هريرة في الحديث الثالث والتسعين بعد المائتين ان الله يضحك لرجلين - الخبر (2). (قال عبد المحمود): أما خاف الله من يذكر أنه من المسلمين في رواية هذه الاحاديث وشهادته بصحتها، وهل كان يجوز ان تضاف هذه الامور الى أدنى عاقل ؟ فكيف تضاف الى الله عز وعلا ويوصف بهذه الصفات الشنيعة، ان هذا لكما تضمنه كتابهم " تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الارض وتخر الجبال هدا " (3).


(1) رواه مسلم في صحيحه: 1 / 175. (2) رواه مسلم في صحيحه: 3 / 1505. (3) مريم: 90.

[ 352 ]

ومن طرائف روايتهم ايضا ما ذكره الرازي عنهم في كتابه المشار إليه: ان بعضهم قد ذهب الى ان الله بكى على أهل طوفان نوح. ومن ذلك ما ذكره أيضا الرازي عنهم في الكتاب المذكور: أنهم زعموا ان نبيهم محمدا " ص " قال: لما قضى الله بين خلقه استلقى قفاه ثم وضع أحدى رجليه على الاخرى ثم قال: لا ينبغى لاحد أن يجلس بهذه الكيفية. (قال عبد المحمود): يا لله ويا للعقول ممن يذكر ان رواة مثل هذا الحديث والمصدقين بها مسلمون أو عقلاء أو مستبصرون، لقد قبحوا ذكر ربهم ونبيهم بما لم يبلغ إليه أعداؤهم، فهل يقتدى بهؤلاء عاقل أو يثق بهم فاضل. ومن ذلك ما ذكره الرازي أيضا عنهم في الكتاب المذكور: أن اعرابيا جاء الى نبيهم فقال: يا رسول الله هلكت الانفس وجاعت العيال وهلكت الاموال فاستسق لنا ربك، فانا نستشفع بالله عليك وبك على الله. فقال: سبحان الله سبحان الله فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجهه أصحابه، ثم قال: ويحك أتدري ما الله ؟ الله شانه أعظم من ذلك انه لا يستشفع به على أحد، انه لفوق سماواته عرشه وانه عليه لهكذا وأشار وقب بيده مثل القبة، قال: الرازي وأشار أبو الازهر أيضا ياط به أطيط بالراكب. (قال عبد المحمود): وروى في الجمع بين الصحيحين للحميدي في مسند أبى هريرة في الحديث الثامن بعد الثلاث مائة من المتفق عليه قال أبو هريرة عن نبيهم: ان يد الله ملاء لا يغيضها نفقة سخاء الليل والنهار. وقال: أرايتم ما انفق منذ خلق السماوات والارض، فانه لم يغض ما في يده وكان عرشه على الماء وبيده الاخرى الميزان يخفض ويرفع (1). وروى الحميدى في كتاب الجمع بين الصحيحين في المتفق عليه مسند


(1) رواه البخاري في صحيحه: 8 / 173. لا تغيضها: أي لا تنقصها.

[ 353 ]

عبد الله بن عمر في الحديث السادس بعد المائة رواه عن نبيهم انه قال: ان أحدكم إذا كان في الصلاة فان الله حيال وجهه فلا يتنخع حيال وجهه في الصلاة (1). وروى الحميدى أيضا في كتابه المذكور في الحديث السادس والخمسين من المتفق عليه من مسند أنس بن مالك انه قال عن نبيهم في حديث الشفاعة قال: فيأتوني فاستاذن على ربى فيؤذن لى، فإذا أنا رايته وقعت ساجدا الخبر (2). وروى ابن مقاتل في كتاب الاسماء في حديث يرفعه وأسنده قال: قيل يا رسول الله " ص ": مم ربنا ؟ قال: من ماء روي لا من أرض ولا من سماء، خلق خيلا فاجراها فعرقت فخلق نفسه من عرقها. وذكر سليمان بن مقاتل في كتاب الاسماء أيضا فقال: روت جماعة تكثر عددهم وتوفر جمعهم عن رسول الله " ص " أنه قال: ان الله عز وجل ينزل كل ليلة الى سماء الدنيا. وذكر سليمان بن مقاتل في الكتاب المذكور عن بعضهم أنهم يروون عن نبيهم: ان ربهم رمدت عيناه فعادته الملائكة. قال سليمان بن مقاتل: ومنهم من يذكر ان البحر من بزاق الله وان على راسه شعرا قططا. (قال عبد المحمود): أما حديث الخيل والعرق فكيف حسن من هؤلاء الذين يذكرون أنهم مسلمون أن ينقلوا مثل هذا عن نبيهم ؟ وقد عرف أعداؤه أن نبيهم ما كان بصفة من يقول ذلك، وكيف قبلوا هذا المحال عن ربهم ؟ وكيف يجوز لعاقل أن يقتدى بهؤلاء ؟ أو يثق بروايتهم. سبحان الله يقولون في أول الحديث ان الله خلق خيلا، ثم يقولون في


(1) روى نحوه مسلم في صحيحه: 1 / 388. (2) رواه مسلم في صحيحه: 1 / 181.

[ 354 ]

آخرة انه خلق نفسه من عرقها، ليت شعرى من خلق الخيل التى أجراها، فان كان موجودا قبل خلق الخيل فاي شئ خلق عرقها ؟ وان كان غير موجود فكيف يصح في العقول ان يخلق المعدوم خيلا أو شيئا. وأما الاحاديث الاخر فلا شبهة أنها من جملة الزور والبهتان المخالفة للعقول والاديان، فكيف ينقلها أو يصدقها من يدعى أنه من أهل الاسلام والايمان ؟ وذكر سليمان بن مقاتل في كتاب الاسماء في حديث أسنده قال: قلت يا رسول الله: أين كان ربنا قبل ان يخلق خلقه ؟ قال كان في غمام تحته هواء وفوقه هواء ثم خلق عرشه على الماء. (قال عبد المحمود): إذا كان ربهم قد أحاط به الهوى فقد صار متحيزا وفي جهة دون جهة، فيلزم ان يكون مخلوقا حادثا فان العقول يشهد ان كل متحيز أو في جهة فانه محتاج الى من جعله في ذلك الحيز أو الجهة، وإذا كان ربهم على قولهم محدثا، فقد ساووا أصحاب الاصنام ورجعوا الى ما كانوا قبل الاسلام وفارقوا العقول وكتابهم ورسولهم، والحمد لله على السلامة من الاقتداء بهم والمنشا فيهم والولادة بينهم. وذكر محمد عمر الرازي وهو من اكبر علماء الاشعرية وأعظم علماء الاربعة المذاهب في كتاب تأسيس التقديس ما هذا لفظه: من أثبت كونه تعالى جسما متحيزا مختصا بجهة فانه يكون المعتقد لذلك كافرا، لان كل من يكون مختصا بجهة وحيز فانه مخلوق ومحدث وله اله أحدثه، والقائلون بالجسمية والجهة أنكروا وجود موجود سوى هذه الاشياء التى يمكن الاشارة إليها، فهم منكرون لذات الموجود الذى يعتقدون انه الاله، وإذا كانوا منكرين لذاته كانوا كفارا لا محالة. قال: وهذا بخلاف المعتزلي فانه يثبت موجودا وراء هذه الاشياء التى

[ 355 ]

يشار إليها بالحس الا انه يخالفنا في صفات ذلك الموجود، والمجسمة يخالفون في اثبات ذلك المعبود المعبود ووجوده فكان هذا الخلاف أعظم، ويلزمهم كونهم منكرين لذات المعبود الحق ولوجوده والمعتزلة في صفته لا في ذاته، هذا لفظ الرازي. فاى عاقل يرضى باتباع المجسمة والاقتداء بهم أو قبول روايتهم والعمل بمذاهبهم معاذ الله من ذلك. وذكر الخوارزمي محمود في كتاب الفائق وهذا محمود من أعظم علماء المعتزلة وعلماء شيوخ الاربعة المذاهب قال ما هذا لفظه: وأما المشبهة من هذه الامة المصرحون بان الله تعالى جسم ذو ابعاد فقد اختلفوا في تكفيرهم فذهب شيوخنا الى تكفيرهم. (قال عبد المحمود): وقد تقدم قول شيخ الاشعرية الشافعية في الحنابلة المشبهة، وهذا قول شيوخ المعتزلة في تكفيرهم، فهل يرغب ذو ملة أو بصيرة في مشاركتهم في ذلك الضلال ؟ وهل يشتبه ضلالهم على أحد من أهل الكمال ؟ وقد اقتصرت على تلك الاحاديث مع ان احاديثهم في ذلك كثيرة، وانما خفت الله من استيفاء ذلك، ويكفى العاقل بعض ما ذكرته مما ذكروه ففيه تنبيه ما أضمروه. في جملة من اعتقادات الاربعة المذاهب في الانبياء وخاصة نبينا ومن طرائف ما وقفت عليه في شرح حال أحمد بن حنبل الشيباني الذى شهد الخليفة المعتصم من بنى العباس وعلماء أيامه بالضلال وضربوه وحبسوه، وقد تضمنت كتب التواريخ شرح ذلك، وهو المدفون على شاطئ الجانب الغربي من بغداد عند الحربية، وشرح حال اصحابه ما شهد عليه والراضي بالله أيضا

[ 356 ]

الخليفة من بنى العباس المدفون بين يدى الرصافة المعروف، وقد ذكر ذلك جماعة من أصحاب التواريخ فمنهم ثابت بن سنان ذكره في الجزء السابع من تاريخه الخبر في كثير من ربطهم ومدارسهم فقال ما هذا لفظه: وروى أن يوم السبت لعشر خلون من جمادى الاخرة ركب بدر الحرسى صاحب الشرطة فنادى في جانبى بغداد في أصحاب أبى محمد البربهازي الحنابلة لا يجتمع منهم نفسان في موضع واحد وحبس جماعة واستتر أبو البربهازى. ووقع الخليفة الراضي بالله الى الحنابلة توقيعا نسخته: " بسم الله الرحمن الرحيم. من نافق باظهار الدين وتوثب على المسلمين وأكل به أموال المعاهدين كان قريبا من سخط رب العالمين وغضب الله عليه وجعله من الضالين وقد تأمل الراضي بالله جماعتكم وكشفت له الخبرة عن مذهب صاحبكم فوجده كاللعين ابليس يزين لحزبه المحظور ويركب بهم صعاب الامور ويدنى لهم حبل الغرور، فمن ذلك تشاغلهم بالكلام في رب العزة تباركت أسماؤه وفي نبيه وفي عرشه وفي كرسيه، وكطعنكم على خيار الامة ونسبتكم شيعة اهل بيت نبيكم الى الضلال وارصادكم لهم بالمكابرة في الطرقات والمحال وأستدعائكم المسلمين الى الدين بالبدع الظاهرة والمذاهب الفاجرة التي لا يشهد بها القرآن ولا يقتضيها فرائض الرحمن، وانكاركم لزيارة قبور الائمة عليهم الاسلام وتشنيعكم على زوارها بالبدع وأنكم مع ذلك تتفقون وتجتمعون لقصد رجل من العامة - يعني احمد بن حنبل - ليس بذى شرف ولا نسب برسول الله " ص " وتامرون بزيارته والخشوع لدى تربته والخضوع حضرته، فلعن الله رايا حملكم على هذه المنكرات ما أرداه وشيطانا زينها لكم ما أغواه، والراضي بالله يقسم بالله قسما بتة يلزمه الوفاء به لان لم تنصرفوا عن مذموم مذهبكم ومعوج طريقتكم ليوسعنكم

[ 357 ]

ضربا وتشريدا وقتلا وتبددا وتعذيرا ولتعملن السيوف في عواتقكم والنار في منازلكم ومحالكم فليبلغ الشاهد منكم الغائب، ومن أعذر لنفسه لعاتب (لغائب خ ل) وما توفيق الراضي بالله الا بالله عليه يتوكل واليه ينيب ". وأما أصحاب أبى حنيفة وأتباعه ومن تقدم منهم أو تأخر عنهم من المعتزلة فقد ذكر أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي في فضايح المعتزلة وكتاب الفرق بين الفرق عنهم أمورا عظيمة، فان كانت كما ذكره فهي من أعظم الفضائح في الاسلام وأتم القبائح عند الله وعند الانام. وذكر الخطيب في تاريخ بغداد من طعون أبى حنيفة وفضائحه ما هتك مستورات مذهبه. وذكر أيضا الجويني في كتاب مغيث الخلق في معرفة الاحق طعونا كثيرة على أبى حنيفة المذكور، من أراد الوقوف عليها فليراجع الكتاب المذكور. وأما أنا فلا أشهد بها جميعا، لانني وقفت على كتبهم ولقيت علماءهم فرأيتهم يذكرون من صفات الله وتوحيده وتنزيهه ما تشهد به العقول الصحيحه، لكن ذكروا عن الانبياء وائمتهم أمورا قبيحة، مع أني رايت القائلين منهم باثبات الجواهر والاعراض في العدم. قد ذكروا في ذلك اعتقادا يقتضي موافقتهم للفلاسفة في قدم العالم و موافقتهم للمجبرة في بعض الوجوه في ان أفعالنا حركاتنا وسكناتنا ليست منا، بل زادوا على الفلاسفة والمجبرة في سوء الاعتقاد وقبح القول، لان الفلاسفة قالت: ان الهيولى قديمة وأنها أصل العالم وان الله ليس له في وجود الهيولى قدرة ولا أثر، لانهم ذكروا أنها لا أول لوجودها وهى عندهم مشاركة لله في القدم، وقالوا: ان الله يصور منها الصور، فليس له الا التصوير فحسب،

[ 358 ]

وقد بطل قولهم بما ثبت من حدوث العالم وحدوث كل ما سوى الله تعالى، مع ان كلام الفلاسفة في ذلك ومرادهم مفهوم غير متناقض وان كان باطلا. وأما القائلون بثبوت الجواهر والاعراض في العدم فانهم قالوا أنها ثابتة في العدم ولا أول لثبوتها وليس لله فيها الا صفة الوجود، ومن المعلوم أن هذا القول هذيان ومتناقض، لان الشئ اما ثابت موجود أو معدوم منفي، فان كانت الجواهر والاعراض معدومة فاى معنى لقولهم أنها ثابتة في العدم وأنها قديمة وان كان معنى قولهم أنها ثابتة في العدم وقديمة أي أنها موجودة في القدم ومتحققة ومتعينة ولا أول لوجودها، فاي شئ أوجدها الله إذا كان الثبوت هو الوجود قديما مع الله ومستغنيا عنه، فقد ناقض قول هؤلاء في اللفظ والمعنى وصاروا أقبح قولا واعتقادا من الفلاسفة. وأما كونهم اقبح قولا واعتقادا من المجبرة فلان المجبرة ادعت ان العالم وسائر حركاتنا وسكناتنا فانها ليست منا وقالوا: ان ذلك جميعه من الله، فابطلنا قولهم بما تقدم ذكره وبغيره من الادلة الاخر. وأما الذين أثبتوا الجواهر والاعراض في العدم وأنها لا أول لثبوتها، فان كان الحركات والسكنات التى تقع منا تسمى شيئا فهى عندهم ثابتة في العدم قديمة فليست على قولهم من الله ولا منا، ومن المعلوم ان أفعالنا وحركاتنا وسكناتنا تسمى شيئا فان الانسان وكل عاقل يقول: مثلا ما فعلت شيئا أو يقول: فعلت شيئا جيدا أو رديا، وان كانت أفعالنا ليست بشئ عندهم فما فعلنا على قولهم شيئا أبدا، فقد صارت أفعالنا لا منا ولا من الله، فكان قولهم أقبح من قول المجبرة واخس من سوء اعتقادهم. (قال عبد المحمود بن داود) مؤلف هذا الكتاب: لما وقفت على هذه الاحوال وعرفت اعتقادات الاربعة المذاهب مذهب مالك ومذهب أبى حنيفة

[ 359 ]

ومذهب الشافعي وأحمد بن حنبل، ورايت ظهور ضلالتهم ومناقضاتهم واختلافهم واختلالهم تعوذت بالله من اتباعهم على تلك العقائد المذمومة وضرعت الى الله سبحانه في دوام السلامة مما أوقعوا أنفسهم فيه من فضيحة الدنيا وهلاك يوم القيامة. ثم رايت هؤلاء الاربعة المذاهب قد اتفقوا واجمعوا على ان الانبياء عليهم السلام يصح ان يقع منهم الذنوب وان يكون لهم عيوب، وخالفوا عترة نبيهم الذين امروا بالتمسك بهم فان العترة وأتباعها مجمعون على تنزيه الانبياء وعصمة رسل اله والسماء. بل رايت أولئك الاربعة المذاهب قد رووا في كتبهم المعتبرة ان قد وقعت من الانبياء ذنوب عظيمة وعيوب ذميمه، فزادني ذلك نفورا من اتباع هؤلاء الاربعة المذاهب، واستعظمت تقبيحهم لذكر انبياء الله ورسله وخاصته، وقد تقدم من الكلام ما يدل على ان الانبياء لو كانوا كذلك ما كانت تحصل الثقة بهم والتصديق لهم والطمانينة الى ما يقولون من الشرايع ويخبرون به من الله من مصالح الخلائق، وكان يقع النفور عنهم والشك فيما يقع منهم، وكيف يجوز في العقول ان يكون نواب الله المترجمون عنه على صفات توجب الشك فيما يقولون أنه منه. ولقد قال هشام بن عبد الملك لغيلان: أنت الذى تزعم ان الله لم يولنى ولم يرض ما أنا فيه ؟ فقال له غيلان: وهل رايت أمينا يولى الخائنين أمانته، أم رايت مصلحا يولى المفسدين اصلاحه، أم رايت كريما يدعو الى أمر ثم يصد عنه أم رايت حكيما يقضى بما يعيب أم يعيب بما يقضى، أم رايت حكيما يكلف فوق الطاقة ؟ فصريح العقول يشهد أن رسل الله والمترجمين عنه يجب ان يكونوا معصومين منزهين عن الخطاء والسهو والغلط وكل منفر عنهم وحايل

[ 360 ]

بين الخلائق وبين القبول منهم (قال عبد المحمود): من جملة ما وقفت عليه من تقبيح هؤلاء الاربعة المذاهب لذكر رسل الله وأنبيائه أنهم ينسبون آدم وحوا الى الشرك، ورووا في ذلك أخبارا ذكروها في كتبهم وتواريخهم ونقلوا منها طرفا في الجمع بين الصحيحين للحميدي في مسند أبي هريرة وغيره، وذكروا في الجمع بين الصحيحين أخبارا في تقبيح ذكر الانبياء عليهم السلام والرسل جملة وتفصيلا تنكرها عتره نبيهم، بل تنكرها أعداء الاسلام من أهل الملل ويشهدون بتنزيههم عنها. فمن ذلك ما ذكره الحميدى في الجمع بين الصحيحين في مسند أبى هريرة في الحديث التاسع والثمانين بعد المائة من المتفق عليه ان ملك الموت لما جاء لقبض روح موسى لطمه موسى فقلع عينه. واسنده البخاري ومسلم في صحيحيهما الى نبيهم (1). (قال عبد المحمود): أفيجوز لذوى الالباب ان يعتقدوا في انبياء الله ونوابه وخاصته وصفوته مثل هذا الاعتقاد، ويصححون الاخبار بذلك ؟ وهل يجوز ان يقال عن موسى عليه السلام مثل هذا ؟ هكذا أدب الانبياء مع رسل اله والسماء، والله لو كان الرسول الذى جاء لموسى عليه السلام من بعض ملوك الدنيا أو من بعض رعيته ويعلم ان فيه مصلحته، كما يعلم ان ملك الموت ما جاء الا لمصلحته ما كان موسى عليه السلام يتلقى الرسول بقلع عينه وسوء الادب معه ومع من أرسله ان عقول الذين يعتقدون بهذه الرواية سقيمة وأديانهم ذميمة. (وما يليق بالعقل هو ما روى عن موسى عليه السلام وذكره وهب بن منبة في كتاب المبتداء فقال: لما فقد بنو اسرائيل موسى عليه السلام، وتجسسوا عنه تجسسا شديدا واختلطوا واجتمعوا، وما يدرى من خلق الله أحد أين ذهب


(1) رواه مسلم في صحيحه: 4 / 1842.

[ 361 ]

موسى عليه السلام وما صار أمره وما شانه، فبقوا في هذه الحالة ثلاثة أيام، ثم أنشاء الله علا شانه سحابا سمعوا منه انه ينادى: مات موسى واي نفس لا تموت فعلموا ان الله قبضه). ومن ذلك ما رواه الحميدى في الجمع بين الصحيحين في الحديث الحادى والعشرين بعد الماتين من المتفق عليه من مسند أبى هريرة يرويه عن نبيهم قال في صفة حال الخلق يوم القيامة: وأنهم ياتون آدم ويسالونه الشفاعة فيعتذر إليهم، فيأتون نوحا فيعتذر إليهم، فيأتون إبراهيم فيقولون يا أبراهيم أنت نبى الله وخليله من أهل الارض، أشفع لنا الى ربك ألا ترى الى ما نحن فيه فيقول لهم ابراهيم: ان ربى قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله، واني كنت كذبت ثلاث كذبات. قال الحميدى: فذكرها أبو كتان يحيى بن سعيد بن كنانى في الحديث: نفسي نفسي اذهبوا الى غيرى (1). (قال عبد المحمود): كيف جاز لهؤلاء الاربعة المذاهب ان يذكروا عن نبيهم مثل هذه ويصححوه ؟ وقد ذكروا عنه انه ما كان يقبح ذكر أحد من رعيته وامته ويستر على الخلائق بجهده، فكيف صدقوا عنه انه يقول ذلك عن ابراهيم خليل الله ورسوله وجد محمد " ص " والذى احال في كتابهم الاسلام إليه، فقال " ملة أبيكم ابراهيم " (2)، ويقولون في توجههم: على ملة ابراهيم وقال في كتابهم " قد كانت لكم أسوة حسنة في ابراهيم " (2). ومع ذلك تراهم قد بلغوا من الجهل الى أن يقولوا على الله أنه أمرهم باتباع ملة ابراهيم والتاسى به فيما لفقوه عليه من الكذب، أتراهم لو سمعوا


(1) رواه مسلم في صحيحه: 1 / 185. (2) الحج: 78. (3) الممتحنة: 4.

[ 362 ]

أحدا يقول عن أبى بكر وعمر أو أحد الصحابة أنه كذب ثلاث كذبات أما كانوا يكذبون الحديث في ذلك ؟ ويقدحون في القائل ؟ ويسقطون رواية من يرويه ؟ فكيف استجازوا ان يصححوا عن الانبياء ما يكذبونه عن بعض الصحابة ؟ ان هذا من تناقضهم الهائل واختلافهم الباطل. ومن ذلك في المعنى ما رواه الحميدى في الجمع بين الصحيحين في الحديث السابع والاربعين بعد الماتين من المتفق عليه من مسند أبى هريرة أن رسول الله " ص " قال: لم يكذب أبراهيم النبي عليه السلام قط الا ثلاث كذبات ثم شرحها أبو هريرة في حديثه عن نبيهم (1). (قال عبد المحمود): سوءة لمستمع الحديث هذا على وجه التصديق به، وسوءة لراويه ومصححه، والله ما كان نبيهم بهذه الصفات، ولقد رايت في كتابهم وأحاديثهم عنه انه نهى عن ذم الدواب التى لا تعقل، وأنه ما ذم طعاما قط ولو كان مذموما، فكيف يقال عن من تنزه عن ذم طعام مذموم ونهى أصحابه عن الغيبة وعن ذم الدواب والناس، أنه يصرح بالشهادة على ابراهيم أنه كذب معاذ الله من سوء عقائد هؤلاء الاربعة المذاهب. ومن ذلك ما رواه الحميدى في الجمع بين الصحيحين في الحديث الثامن والخمسين من المتفق عليه من مسند أبى هريرة قال: ان النبي " ص " قال: نحن أحق بالشك من ابراهيم إذ قال: رب أرنى كيف تحيى الموتى قال: أو لم تؤمن قال: بلى ولكن ليطمئن قلبى، قال ويرحم الله لوطا لقد كان ياوى الى ركن شديد، ولو لبثت في السجن طول لبث يوسف لاجبت الداعي (2). (قال عبد المحمود): وكيف يجوز لاهل الملة ان يصححوا عن نبيهم


(1) رواه مسلم في صحيحه: 4 / 1840. (2) رواه مسلم في صحيحه: 1 / 133 و 4 / 1839.

[ 363 ]

قدحه في الانبياء وتقبيحه لذكرهم ؟ وكيف يجوز تصديق من يروى مثل ذلك عنه ؟ وكيف يجوز لعاقل ان يقتدى بقوم هذه صفاتهم أو يثق برواياتهم. ومن ذلك ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين أيضا في الحديث السادس والستين من المتفق عليه من مسند أبى هريرة قال: ان رسول الله " ص " قال: قرصت نملة نبيا من الانبياء، فامر بقرية النمل فاحرقت، فأوحى الله تعالى إليه ان قد قرصتك نملة احرقت امة من الامم تسبح (1). (قال عبد المحمود): هل يليق بعاقل يعرف سنة الانبياء أن يصدق عن أحد منهم الطعن في بعضهم، وخاصة من قد شهدوا أنه أكمل الانبياء، فكيف يصدق عن اكملهم أنه يجاهر بذمهم ويذكر لهم عيوبا وهو الذى صدقهم وزكاهم ومدحهم وعرف امته بهم ؟ وهل كان يقع من نبى مثل هذه الحركات التى لا تقع إلا من الملوك الجبارين ؟ والذين لا يفكرون في سخط مالك يوم الدين حتى يقولوا عن نبيهم مثل هذه المقالة. ومن ذلك ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند أنس بن مالك في الحديث السادس والخمسين من المتفق عليه وهو حديث طويل يتضمن ذم هؤلاء الاربعة المذاهب لجماعة من الانبياء وغلطهم في ذلك على من وصفوه بانه أكمل الانبياء. ومن ذلك ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الرابع والاربعين من المتفق عليه من مسند أبى هريرة قال: بينما الحبشة يلعبون عند النبي " ص " بحرابهم إذ دخل عمر بن الخطاب فاهوى الى الحصباء يحصبهم بها، فقال له رسول " ص ": دعهم يا عمر (2).


(1) رواه مسلم في صحيحه: 4 / 1759. (2) رواه مسلم في صحيحه: 2 / 610.

[ 364 ]

وروى الغزالي في كتاب احياء علوم الدين حديثا في المعنى مثل هذا، وهو أن محمدا نبيهم " ص " كان جالسا وعنده جوار يتغنين ويلعبن، فجاء عمر فاستاذن فقال النبي " ص ": اسكتن فسكتن، فدخل عمر فقضى حاجته ثم خرج، فقال لهن محمد نبيهم: عدن الى الغناء فعدن الى الغناء، فقلن: يا رسول الله " ص " من هذا الذى كل ما جاء قلت اسكتن وكلما خرج قلت عدن الى الغناء، فقالوا عن نبيهم محمد " ص " أنه قال: هذا رجل لا يؤثر سماع الباطل ونحو ذلك. ورووا في صحاحهم عدة أحاديث يتضمن امثال ذلك تركنا ذكرها كراهية الاطالة. وقد روى مسلم منها في صحيحه سبعة أحاديث في المجلد الاول بنحو هذه المعاني تنفر منها عقول العارفين بالانبياء ولا يثبت مثلها عن أكمل العقلاء. (قال عبد المحمود): يا اهل العقول يا ذوى البصائر انظروا في عقول هؤلاء الذين رووا مثل هذا عن نبيهم وصدقوا قائله، وتفكروا هل يجوز ان يقتدى عاقل بهم ؟ أو يثق برواياتهم، أو يسكن الى بصائرهم ؟ ويغلب الظن أنه ما حملهم على الكذب في ذلك على نبيهم الا قصدهم لمدح عمر وكونه أنكر على النبي " ص " وأرشده الى الصواب في هذه الاسباب. ولئن كان عمر يعتقد في نفسه أو يعتقد له أحد منهم أنه أكمل من النبي المبعوث إليه فانه كفر صريح من معتقد ذلك وتقبيح لذكر الله والاسلام وبهت للعقول والافهام. أبعد الله من رحمته قوما بلغوا من الجهل وتعمد الكذب الى هذه الغاية وما سمعنا عن امة من الامم أنها تبلغ في حق نبيها وتقبيح ذكره الى هذه المقالة السخيفة مع اعتقادهم لنبوته. ومن ذلك ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين قال: ان النبي

[ 365 ]

صلى الله عليه وآله صلى بالناس صلاة العصر ركعتين، ودخل حجرته ثم خرج لبعض حوائجه فذكره بعض أصحابه فاتم الصلاة. ومن كتاب الحميدي في الجمع بين الصحيحين أيضا في الحديث السبعين من المتفق عليه من مسند أبى هريرة قال: أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قياما وفي رواية هارون بن معروف وحرملة بن يحيى فعدلنا الصفوف قبل ان يخرج الينا رسول الله " ص " فخرج الينا رسول الله " ص " فلما قام في مصلاه ذكر أنه جنب، فقال لنا: مكانكم. وفي حديث محمد بن يوسف عن الاوزاعي فمكثنا على هيئتنا يعنى قياما ثم رجع فاغتسل ثم خرج الينا وراسه تقطر فكبر وصلينا معه (1). (قال عبد المحمود): أنظر رحمك الله الى هؤلاء القوم السفهاء كيف شهدوا لرجل أنه اكمل الانبياء وأعقل العقلاء، وان عنده من الفطنة والبصيرة ما لم يبلغ إليه أحد ممن كان قبله ولا ياتي بعده مثله، ثم يصدقون مثل هذه الغفلة عنه ويصححون ان ذلك وقع منه ؟ ولو سمعوا مثل ذلك عن ابى بكر وعمر كذبوا قائله ولعنوا ناقله أحمد الله على السلامة من الاقتداء بهم والاتباع لهم، ولا سيما عترة نبيهم الذين أمرهم الله بالتمسك بهم متفقون ان هذا ما جرى منه وان نبيهم منزه عنه فلم تلتفت الاربعة المذاهب الى من زكاه وصدقوا من ذمه ورووا عنه ما حكيناه. ومن ذلك ما رواه في الجمع بين الصحيحين للحميدي في الحديث الخامس والاربعين، بعد الماتين من المتفق عليه من مسند ابى هريرة في حديث يزيد بن ابراهيم عن محمد أبى هريرة قال: صلى بنا رسول الله " ص " احدى صلاتي العشى - قال محمد يعني ابن سيرين واكثر ظنى العصر - فسلم في ركعتين،


(1) رواه مسلم في صحيحه: 1 / 422 - 423.

[ 366 ]

ثم قام الى خشبة في مقدم المسجد فوضع يده عليها مغضبا، وفيهم أبو بكر وعمر فهابا ان يكلماه، وخرج سرعان الناس فقالوا أقصرت الصلاة ؟ وهناك رجل يدعوه النبي ذا اليدين فقال: يا نبى الله أنسيت أم قصرت الصلاة ؟ فقال: لم أنس ولم تقصر الصلاة، قال: بلى قد نسيت، قال: صدق ذو اليدين، فقام فصلى ركعتين ثم سلم ثم كبر فسجد مثل سجوده وأطول ثم رفع راسه وكبر (1). ورووا نحوه في الحديث السابع من كتاب الجمع بين الصحيحين في مسند عمران بن حصين (2) (قال عبد المحمود): يا بشرى لمن فارق هؤلاء الاربعة المذاهب القائلين عن نبيهم مثل هذه المقالات المصدقين عنه لهذه الروايات. ومن طريف هذا الحديث ان أبا بكر وعمر كانا ذاكرين أنه غلط وسهى، ليت شعري من عرف من الرواة باطنهما حتى شهد لهما بذلك، أو من شهد لهما بالعصمة حتى يصدقهما أنهما كانا أكمل من نبيهم وأحضر فكرا وأشد بصيرة، وليت شعرى من اين لهما أنه غلط وسهى وهلا جوزا ان يكون قد قصرت الصلاة وصارت ركعتين ونسخت منها ركعتان ؟ وكيف استجازا سوء الظن به بما قالا فيه انه سهى وغلط قبل ان يعترف به كما زعموا ؟ وليت شعرى كيف استحسن رواة هذا الحديث ومصححوه ان يذكروا عن نبيهم أنه غلط وسهى ؟ ثم يذكرون أن ابا بكر وعمر من دون الصحابة ودون بنى هاشم وعترة نبيهم على وجه التزيه لهما بانهما هاباه ان يكلماه، يعني أنهما كانا منزهين في هذه عن السهو، وليت شعرى من يروى عنهما ما تقدم وما سيأتي ذكره انشاء الله تعالى من الاقدام الانكار على نبيهم في عدة مقامات ومقالات، وكيف يستحسن ان يكذبوا


(1) رواه مسلم في صحيحه: 1 / 403 - 404، والبخاري في صحيحه: 2 / 66 و 1 / 123.

[ 367 ]

انفسهم وينافضوا ويباهتوا ويقولوا في هذه الرواية انهما هاباه. ومن طريف الحديث المذكور أنهم صدقوا أبا هريرة في ان نبيهم قال ما قصرت ولا سهوت، وان ذا اليدين كذبه ورد عليه، وما أنكر على ذى اليدين منكر، وان نبيهم عاد وعرف ان ذا اليدين صادق في تكذيبه، ما رايت ولا سمعت عن قوم يقتدى بهم في الاسلام قد بلغوا من الاختلاط الى هذه الغاية، وليس العجب لهم فحسب بل العجب لمن يقتدى أو يثق بهم. ومن ذلك ما رواه في الجمع بين الصحيحين للحميدي في مسند عمران بن حصين في الحديث الاول من المتفق عليه ما تضمن معناه لان ألفاظه فيها تكرار واسماء الرواة تطويل لا حاجة الى ذكره ها هنا قال: ان النبي " ص " كان في سفر فنام هو وأصحابه في آخر الليل الى ان طلعت الشمس، فاول من استيقظ أبو بكر ثم عمر فكبر عمر تكبيرا عاليا وأيقظ رسول الله " ص " فامرهم بالارتحال وسار غير بعيد ثم نزل وصلى الصبح قضاء. وروى نحوه في كتاب الجمع بين الصحيحين أيضا في الحديث الثاني من أفراد البخاري من مسند أبى قتادة الحرث بن ربعى وروى نحوه ايضا في مسند أبى هريرة في الحديث الثاني من أفراد مسلم (1). (قال عبد المحمود): إذا نظرت أيها العاقل في وصفهم لعناية الله بنبيهم وأنه سبحانه جل وعلا لا يصح ان ينام وان جبرئيل ما كان شفقته على نبيهم دون عناية عمر حتى كان يوقظه دون الله أو جبرئيل، وإذا نظرت الى رواياتهم عن نبيهم محمد " ص " أنه تنام عيناه ولا ينام قلبه وتفسيرهم ذلك بان نومه لا يمنعه من معرفة الاحوال، ونظرت في رواياتهم بوجوب قضاء ما فات من الصلاة عقيب ذكره، ثم يذكرون عنه في هذه الرواية أنه أخر القضاء الى بعد الارتحال


(1) رواه مسلم في صحيحه 1 / 475.

[ 368 ]

وأنه قد نام قلبه حتى لم يحس بخروج الوقت، وكل ذلك يشهد عليهم بالمناقضة في رواياتهم وسوء مقالاتهم وتكذيب أنفسهم. ومن ذلك ما رواه في الجمع بين الصحيحين للحميدي أيضا في الحديث الخامس من المتفق عليه من مسند جابر بن عبد الله ان عمر جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس، فجعل يسب كفار قريش وقال: يا رسول الله ما كدت أصلى العصر حتى كادت الشمس تغرب فقال النبي " ص ": ما صليتها: قال: فقمنا الى بطحان فتوضأ للصلاة وتوضانا لها فصلى العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب (1). (قال عبد المحمود): هل كان يحسن من مسلم أو من يتبع المسلمين أو من يلزم التقية المسلمين أو من يريد للاسلام خيرا ان يروى مثل الحديث ويصدق رواته ويصححه ومذهب المسلمين ان من تعذر عليه الصلاة على الاختيار فليصلها صلاة الخوف وصلاة شدة الخوف، ولهم في أداء الصلاة وأنها لا تسقط مع بقاء التكليف بها تفصيلات طويلة حتى أن فيهم من يقول انه تصلى عند اضطراب السيوف وذهاب الارواح بالتسبيح فقط، فكيف استجازوا مع ذلك ان يصدقوا عن نبيهم ويشهدوا عليه انه ترك الصلاة بالكلية حتى خرج وقتها، مع ان عمر ما تركها أما كان لعمر أسوة برسول الله " ص " في ترك الصلاة ان كان تركها، وهذه رواية يكذبها عترة نبيهم وينكرها خاصة. ومن ذلك ما رواه الجمع بين الصحيحين للحميدي أيضا في الحديث الرابع والاربعين من أفراد مسلم من مسند عائشة قالت: دخل على رسول الله " ص " رجلان، فكلماه بشئ لا أدري ما هو، فاغضباه، فلعنهما وسبهما، فلما خرجا قلت: يا رسول الله ما أصاب أحد من الخير شيئا ما أصابه هذان، قال:


(1) رواه مسلم في صحيحه: 1 / 438.

[ 369 ]

وما ذاك ؟ قلت: لعنتهما وسببتهما قال: أو ما علمت ما شارطت عليه ربى ؟ قلت: اللهم انما أنا بشر فاى المسلمين لعنته أو سببته فاجعله له زكاتا وأجرا (1). (قال عبد المحمود): اعتبروا رحمكم الله في هذا الحديث فان فيه طرائف فمن طرائفه كونه يخالف كتابهم في وصف نبيهم بالرحمة والشفقة عليهم وأنه لعلى خلق عظيم، وأنه ما فظا غليظ القلب، فكيف جاز أن يصدقوا أو يصححوا يخالف كتابهم ويردوا على كتاب نبيهم بقول عائشة. ومن طرائفه ان يكون لعن نبيهم وسبه مصلحة لمن يلعنه ويسبه وخيرا وزكاة ومعلوم أنه لا ينطق عن الهوى ان هو الا وحى يوحى، فكيف قبلت عقولهم قول عائشة في ذلك ووصفوا نبيهم بهذه المقالات التى لا تليق به ومن طرائفه انهم يشهدون لهما أنهما من المسلمين برواية عائشة، وانه يجوز مع ذلك ان يسبهما ويلعنهما وهذه امور يستحى ذووا البصائر من تصحيحها عن أدنى العقلاء، فكيف جاز ان ينسبوها الى أكمل الانبياء ؟ لقد بلغ التعجب من هؤلاء القوم الى أبعد الغايات، ورحمتهم من شدة هذه الغفلات. ومن ذلك ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين أيضا في الحديث الرابع عشر من أفراد البخاري من مسند عبد الله بن عمر أنه كان يحدث عن رسول الله " ص " انه لقى زيد بن عمربن نفيل باسفل بلدح وذاك قبل ان ينزل الوحى على رسول الله " ص " فقدم إليه رسول الله سفرة فيها لحم، فابى ان ياكل منها، ثم قال: انى لا اكل مما تذبحون على أنصابكم ولا آكل مما لم يذكر اسم الله عليه (2). (قال عبد المحمود): انظروا رحمكم الله الى هذه الرواية التى شهدوا بصحتها وان نبيهم ممن يذبح على الانصاب وياكل منه، وقد ذكروا في


(1) رواه مسلم في صحيحه: 4 / 2007 في كتاب البر والصلة. (2) رواه البخاري في صحيحه 6 / 225.

[ 370 ]

كتبهم ان الله كان يتولى تربيته وتاديبه وجبرئيل يلازم تهذيبه، وانه ما كانت له متابعة للجاهلية ولا رضي شيئا من امورهم، فكيف كذبوا أنفسهم في ذلك كله وفى مدح الله تعالى له ومدحهم له لاول أمره وآخره وظاهره وباطنه، ثم مع هذا يشهدون عليه ان زيد بن عمر بن نفيل كان أعرف بالله منه وأتم حفظا لجانب الله، فكيف أقتدي أنا وغيري من العقلاء بقوم يروون مثل هذا ويصححونه، ولقد سالت علماء أهل العترة من شيعتهم فرأيتهم ينكرون تصديق ذلك غاية الانكار. ومن ذلك ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين أيضا في الحديث العشرين بعد المائتين من المتفق عليه من مسند أبى هريرة قال: قال رسول الله " ص " لبلال في صلاة الغداة: يا بلال حدثنى بارجى عمل عملته عندك في الاسلام منفعة، فانى سمعت الليلة خشف نعليك بين يدى في الجنة، قال بلال: ما عملت عملا في الاسلام أرجى عندي منفعة من أنى لم أتطهر طهورا تاما في ساعة من ليل نهار الا صليت بذلك الطهور ما كنت أقدر أن اصلي (1). (قال عبد المحمود): قد تعجبت من تصديقهم وتصحيحهم ان بلالا سبق رسول الله " ص " الى الجنة ودخلها قبل ان يدخلها، ما هذا الا اختلاط شنيع واضطراب بديع، فاين رواياتهم انه أول داخل الى الجنة واول شافع، وانه لا يدخلها أحد الا باذنه أو جواز منه ؟ فكيف استحسنوا ان يرووا هاهنا انه ما كان علم من بلال انه قد سبقه الى الجنة حتى سمع خشفة نعليه ؟ وليت شعرى أي حاجة لبلال الى تلك النعلين اللتين توجهت الاشارة اليهما حتى يلبسهما في الجنة. ان هذا من المحال الذى لا يخفى على أهل الكمال. ومن ذلك ما رواه الحميدى في الجمع بين الصحيحين أيضا في الحديث السادس من المتفق عليه من مسند حذيفة بن اليمان قال: كنت مع النبي " ص "


(1) رواه مسلم في صحيحه: 4 / 1910 فضائل بلال.

[ 371 ]

فانتهى الى سباطة قوم، فبال قائما فتنحيت فقال: ادنه فدنوت حتى قمت عند عقبيه فتوضأ فمسح على خفيه. وفي رواية حتى فرغ (1). (قال عبد المحمود): انظر ايدك الله الى قوم رووا في كتبهم ان نبيهم علم الناس الاداب في البول والخلاء وسائر الامور الدينية والدنيوية، وانه لا يبول قائما كما يفعله السفهاء ويتباعد عن الناس وقت بوله ثم يصدقون ويصححون أنه بال قائما كما يفعل السفهاء والاراذل، والله ما بلغ أعداؤهم الى هذه الحال، وانى سمعت جماعة من أهل الملل يشهدون ان محمدا " ص " ما كان بهذه الصفات، وانه كان مؤدبا منزها عن هذه الامور المنقصات. ثم العجب من هذا الحديث أن حذيفة يعلم ان الادب في التباعد عن نبيهم فكيف يقال أن النبي " ص " أمره بالدنو منه عند عقيبه وان يترك الادب، ثم واي غرض يمكن أن يكون للنبى في الاطلاع عليه عند هذه الحال، اما استحيى أما خاف أهل الاسلام في رواية هذا المحال. ومن ذلك ما رواه الحميدى في الجمع بين الصحيحين ايضا في الحديث الخامس والخمسين من أفراد البخاري من مسند أبى هريرة قال: واتى النبي " ص " بني حارثة فقال أراكم يا بنى حارثة قد خرجتم من الحرم، ثم التفت فقال: بل أنتم فيه (2). (قال عبد المحمود): يا لله وللعقول كيف يقول هؤلاء عن رجل ذكروا أنه لا ينطق عن الهوى ان هو الاوحي يوحى، ولو لم يات في قرآنهم هذه الاية فان نبيهم ما كان بصفة من يستعجل في أمر قبل تحقيقه، فكيف صدقوا وصححوا أنه قال ما ليس بحق ثم رده على نفسه وكشف لهم عن غلطه ؟ وهل كان يجوز


(1) رواه مسلم في صحيحه: 1 / 228. (2) البخاري في صحيحه 2 / 221. (*)

[ 372 ]

أن يقبل عليه في ذلك شهادة مسلم، ولو ان مسلما ادعى عليه مثل هذا وجب ان يحكم عليه بالردة أو نحوها ويستتاب، الحمد لله على التنزه مما حصل لهؤلاء في رسوله، ونساله ان يوفقنا لمراضبه. ومن ذلك ما رواه الحميدي في كتاب الجمع بين الصحيحين أيضا في الحديث الثالث من أفراد مسلم من مسند رافع بن خديج قال: قدم نبى الله " ص " المدينة وهم يابرون النخل فقال: ما تصنعون ؟ قالوا: كنا نصنعه قال: لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا منه، فتركوه فنفضت أو فنقصت ثمارها قال: فذكروا ذلك له. فقال: انما أنا بشر مثلكم أذا أمرتكم بشئ من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشئ من راى فانما أنا بشر (1). ومن مسند طلحة بن عبد الله في الحديث الثالث من افراد مسلم قال: مررت مع رسول الله " ص " بقوم على رؤس النخل، فقال ما يصنع هؤلاء ؟ فقالوا: يلقحونه يجعلون الذكر في الانثى فقال رسول الله " ص ": ما أظن يغنى ذلك شيئا قال: فاخبروا بذلك فتركوه، فاخبر بذلك رسول الله " ص " فقال: ان كان ينفعهم ذلك فليصنعوه فانى انما ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به فانى لن اكذب على الله عز وجل (2). (قال عبد المحمود): كيف صدقوا مثل هذا الحديث وصححوه وقد شهدوا في عدة مواضع ان نبيهم " ص " ما كان بصفة من يخفى عليه مثل هذا الامر الذى ما يخفى على الصبيان والنساء، وانه ما تربى ولا عاش الا مع قوم يعرفون عادة النخل في التلقيح، ولو لم يكن تربى معهم فان هذا ما هو من الامور الخفية على الخلائق، ولو كان ذلك قد خفى عليه ما كان بصفة من يستعجل السؤال والتحقيق، وكيف يفعل ذلك من يتضمن كتابه انه ما ينطق عن الهوى ؟


(1 - 2) مسلم في صحيحه: 4 / 1835.

[ 373 ]

وكيف يقتدى عاقل بقوم هذه رواياتهم ومقالاتهم ؟ لقد استحييت لهؤلاء الاربعة المذاهب من هذه الامور العجائب. (ومن طريف ما قبحوا به ذكر نبيهم بما لو ذكر أحد منهم أو من واحد من الصحابة كذبوه، ما ذكره عبد الرحمن بن جوزي في كتاب مرآة من الجياد في باب السبق بالمصارعة قال ما هذا لفظه ورفعه الى أبي عبد الله بن حرب قال: صارع رسول " ص " أبا دكانه في الجاهلية وكان شديدا شاة بشاة، ودنى فصرعه النبي ثلاث مرات، فقال أبو دكانه ما اقول لاهلي شاة أكله الذئب وشاة تسرق فما أقول للثلاث فقال " ص " ما كنا لنصرعك لنجمع عليك ان نصرعك ونغرمك، خذ غنمك. (قال عبد المحمود): كيف تلزمونا أيها المسلمون إذا أنكرنا نبوة نبيكم. وأنتم تقولون عنه مثل هذه الروايات التى لا تليق بالفضلاء ولا بالعقلاء فكيف عن الانبياء، وهل بلغتم من الجهل الى ان تقولوا أنه كان في الجاهلية مثل بعضهم في المصارعة واللعب وأحوال أهل السفه، أعنت يابن الجوزى على هدم الاسلام وبطلان النبوة وأشمت قلوب الاعداء وجعلت الحجة للزنادقة على مخالفة المسلمين، فان لم يكن لكم دين أما كان لك عقل يردك عن هذه الفضائح التى نسبتها الى دين الاسلام). (قال عبد المحمود): فقد عرفتك طرفا مما ذكروه عن الانبياء وعن نبيهم من الامور التى ما كان يجوز تصديقها عنهم، ولا كان يحل ان يقبلوا ممن ينقل ما يقتضى النفور منهم، ومع هذا فقد قبلوا ونقلوا وصححوا فكيف يقتدى بقوم يصفون نبيهم بهذه الصفات ويصدقون عنه مثل هذه الروايات. اخبار النبي " ص " عن ارتداد بعض أصحابه بعد وفاته ومن طرائف ما رايت من مناقضاتهم في نحو ذلك أني سمعت جماعة من هؤلاء الاربعة المذاهب ورايت في كتبهم أنهم يستعظمون ذكر أحد من الصحابة

[ 374 ]

بسوء حتى أنهم لو علموا ان رجلا ذكر عن أبى بكر وعمر وأمثالهم نقصا أو روى لهم عيبا أو يلعنهم أو غلب على ظنهم ان أحدا نسب الى أحد هؤلاء الصحابة خطيئة فانهم يضللون القائل والناقل والمستمع، ويبيح كثير منهم دم من يعتقد ذلك. فمن اعتقاداتهم في ذلك ما ذكره أبو أسماعيل عبد الله بن محمد الانصاري الهروي وهو من علماء الاربعة المذاهب في كتاب الاعتقاد ما هذا لفظه: ان الصحابة كلهم عدول رجالهم ونسائهم، ثم قال عقيب ذلك: فمن تكلم فيهم بتهمة أو تكذيب فقد توثب على الاسلام بالابطال. ومن ذلك ما ذكره الغزالي في كتاب الاحياء في قواعد العقائد في الاصل التاسع قال: واعتقاد أهل السنة تزكية جميع الصحابة (1). (قال عبد المحمود): سأذكر لك طرفا من ذمهم للصحابة فيما بعد انشاء الله تعالى، ثم يا لله أما يجرون أحد الصحابة مجرى أحد الانبياء، كيف سهل عليهم ذم بعض الانبياء وخاصة نبيهم الذى عندهم أكملهم، وعظم عندهم ذم بعض الصحابة وقالوا كلهم عدول، ثم كيف يجوز أن يرغب عاقل في دين قوم هذه رواياتهم وعقائدهم وهذه مقالاتهم عن نبيهم المشفق عليهم المحسن إليهم. ومن طريف ما سمعت عن جماعة منهم بل رايت أنهم يرجحون أهل الذمة على فرقة من المسلمين يسمونها الرافضة، ومودتهم لاهل الذمة اكثر من مودتهم لهذه الفرقة لانهم يعتقدون في هذه الفرقة أنها تعتقد بخطيئة بعض الصحابة أو ضلال بعضهم. وهذا من طرائف هؤلاء وفضائحهم وسوء توفيقهم، لان هذه الفرقة المسماة عندهم بالرافضة أقصى ما رايت منهم وسمعت عنهم ما حكيت من اعتقادهم لضلال بعض الصحابة، وقد كان الصحابة يضلل بعضهم بعضا في حياتهم وقد


(1) احياء علوم الدين: 1 / 93.

[ 375 ]

جرى بينهم من الاختلاف واستباحة بعضهم دم بعض وذم بعضهم بعضا ما قد عرفه اكثر أهل الملل، وقد تقدمت رواياتهم عن نبيهم انه قال لعلى بن ابى طالب عليه السلام: يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، فقاتلهم بامر نبيهم وكانوا من الصحابة وسفكت الدماء بين الفريقين. ومن طريف ما رايت من المناقضة لهم شهادتهم بتزكية الصحابة جميعهم ثم شهادتهم بان نبيهم امر بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين منهم. وروى الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند أبى بكر في الحديث الثامن من المتفق عليه قال عن النبي " ص " أنه: أذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار (1). (قال عبد المحمود): فانظر رحمك الله في هذه المناقضات واعجب وابعد من اعتقاد أهل هذه المقالات، ثم كيف لم يكن لهذه الفرقة الرافضة أسوة بالصحابة فيما فعلوا في أنفسهم ؟ وكيف صار أهل الذمة أخف على قلوبهم وأقرب إليهم من هذه الفرقة ؟ وأهل الذمة يقولون عن نبيهم وصحابته وأهل بيته وخاصته كل عظيمة ويرمونهم بكل قبيحة، وإذا خلى الذمي مع مثله في اكثر أوقاته فلعله يلتذ بتقبيح ذكر نبيهم وصحابته وأهل ملته ويدينون بذلك، ويعتقدون أنهم لو وجدوا من ينصرهم عليهم سفكوا دماءهم وتملكوا نساءهم وزالوا خلافتهم وممالكهم واستعبدوهم وجعلوهم تحت أقدامهم وانتقموا منهم لاحيائهم وأمواتهم. فكيف صارت الرافضة باعتقاد خطا بعض الصحابة أبعد الى هؤلاء المسلمين من أهل الذمة ؟ وكيف صار أهل الذمة أقرب الى هؤلاء المسلمين من الرافضة، لو لا ان هؤلاء المعتقدين لذلك من هؤلاء الاربعة المذاهب معاندون أو جهال بالمعقول


(1) رواه مسلم في صحيحه: 4 / 2214 كتاب الفتن.

[ 376 ]

والمنقول، فلا يجوز لاحد ان يلتفت إليهم ولا يعول عليهم سواء قلوا أو كثروا ارتفعوا في الدنيا أو اتضعوا. (قال عبد المحمود): ومما رايت من تكذيب هؤلاء الاربعة المذاهب لانفسهم ودينهم ولكثير من صحابة نبيهم جملة وتفصيلا، وشهادتهم ان نبيهم ذمهم وشهد عليهم بالضلال. ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين أيضا في مسند سهل بن سعد في الحديث الثامن والعشرين من المتفق عليه قال سمعت النبي " ص " يقول: أنا فرطكم على الحوض، من ورد شرب ومن شرب لم يظما أبدا، وليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بينى وبينهم. قال أبو حازم: فسمع النعمان بن أبى عياش وأنا احدثهم هذا الحديث، فقال: هكذا سمعت سهلا يقول ؟ قال: فقلت: نعم قال: وأنا أشهد على سعيد أبى سعيد الخدرى لسمعته يزيد فيقول: انهم امتى فيقال: انك لا تدرى ما أحدثوا بعدك فاقول: سحقا سحقا لمن بدل بعدى وغير (1). ومن ذلك ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الستين من المتفق عليه من مسند عبد الله بن عباس قال: ألا وأنه سيجاء برجال من امتى فيؤخذ بهم ذات الشمال فاقول: يا رب أصحابي فيقال: انك لا تدرى ما أحدثوا بعدك فاقول كما قال العبد الصالح: " وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتنى كنت انت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ شهيد * ان تعذبهم فانهم عبادك وان تغفر لهم فانك أنت العزيز الحكيم " (2) قال: فيقال


(1) رواه مسلم في صحيحه: 4 / 1793، والبخاري: 28 / 26، والبخاري في صحيحه 7 / 208. (2) مائدة: 117 و 118.

[ 377 ]

لى: انهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم (1). ومن ذلك ما رواه الحميدى في الجمع بين الصحيحين في الحديث الحادى والثلاثين بعد المائة من المتفق عليه من مسند أنس بن مالك قال: ان النبي " ص " قال: ليردن على الحوض رجال ممن صاحبني، حتى إذا رايتهم ورفعوا الى اختلجوا دوني فلا قولن: رب أصحابي أصحابي فليقالن لى: انك لا تدرى ما أحدثوا بعدك (2). ومن ذلك ما رواه الحميدى أيضا في الجمع بين الصحيحين في الحديث السابع والستين بعد المائتين من المتفق عليه من مسند أبى هريرة عن عطاء بن يسار عن أبى هريرة قال: قال النبي " ص ": بينما أنا قائم فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بينى وبينهم فقال: هلم فقلت: الى أين ؟ قال: الى النار والله. قلت: ما شانهم ؟ قال: انهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بينى وبينهم فقال: هلم. فقلت: الى أين ؟ فقال: الى النار والله. قلت: ما شانهم. قال: انهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى، فلا أراه يخلص منهم الا مثل همل النعم (3). ورووا مثل ذلك من عدة طرق من مسند عائشة. ورووا نحو ذلك من عدة طرق من مسند أسماء بنت أبى بكر. ورووا نحو ذلك من عدة طرق من مسند أم سلمة. ورووا نحو ذلك من مسند سعيد بن المسيب. وجميع هذه الروايات في الجمع بين الصحيحين للحميدي.


(1) رواه مسلم في صحيحه: 4 / 2195 كتاب الجنة. (2) رواه مسلم في صحيحه: 4 / 1800، والبخاري في صحيحه: 7 / 207. (3) رواه البخاري في صحيحه: 7 / 208.

[ 378 ]

ومن ذلك ما رواه أحمد بن حنبل في مسند عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله " ص " أنا فرطكم على الحوض وليرفعن الي رجال منكم، حتى إذا أهويت إليهم لاناولهم اختلجوا دوني فاقول: أي رب أصحابي. فيقال: انك لا تدري ما أحدثوا بعدك (1). وروى نحوه الحميدى في ميند الجمع بين الصحيحين في مسند عبد الله بن مسعود. وروى نحوه الحميدى أيضا في مسند حذيفة بن اليمان في الحديث السابع من المتفق عليه (2). ومن ذلك ما رواه الحميدى في الجمع بين الصحيحين في مسند أبى الدرداء في الحديث الاول من صحيح البخاري قالت ام الدرداء في الحديث: دخل علي أبو الدرداء وهو مغضب فقلت: ما اغضبك ؟ فقال: والله ما أعرف من أمر محمد " ص " شيئا الا انهم يضلون جميعا (3). ومن ذلك ما رواه الحميدي أيضا في الجمع بين الصحيحين في الحديث الاول من صحيح البخاري من مسند أنس بن مالك عن الزهري قال: دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكى فقلت: ما يبكيك ؟ فقال: لا أعرف شيئا مما أدركت الا هذه الصلاة وهذه الصلاة قد ضيعت. وفي حديث آخر منه ما أعرف شيئا مما كان على عهد رسول الله " ص " قيل الصلاة قال: أليس ضيعتم ما مضيعتم فيها (4). ومن ذلك ما رواه الحميدى ايضا في الجمع بين الصحيحين في مسند


(1) مسند احمد بن حنبل: 1 / 253 و 258. (2) راجع صحيح مسلم: 4 / 1796. (3) البخاري في صحيحه: كتاب الاذان رقم الحديث 31: 1 / 159. (4) البخاري في صحيحه: كتاب المواقيت رقم الحديث 7: 1 / 134.

[ 379 ]

أبي مالك وأبي عامر كذا ذكره الحميدى بهذا اللفظ ان النبي " ص " قال: أول دينكم نبوة ورحمة، ثم ملك ورحمة، ثم ملك وجبرية، ثم ملك عض يستحل فيه الخز والحرير. ومن ذلك ما رواه الحميدى ايضا في الجمع بين الصحيحين في الحديث السادس بعد الثلاث ماة من المتفق عليه من مسند أبي هريرة قال عن النبي " ص " في أواخر الحديث المذكور: ان مثلى كمثل رجل استوقد نارا، فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب التى في النار يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها قال: فذلك مثلى ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار هلم عن النار هلم عن النار فتغلبوني وتقتحمون فيها (1). ومن ذلك ما رواه الحميدي أيضا في الجمع بين الصحيحين في الحديث العاشر من مسند ثوبان مولى رسول الله من حديث أبي الربيع عن الزهري عن النبي " ص " قال: انما أخاف على امتى الائمة المضلين، وأذا وقع عليهم السيف لم يرفع عنهم الى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من امتى بالمشركين وحتى تعبد قبائل من أمتى الاصنام والاوثان (2). ومن ذلك ما رواه الحميدي أيضا في الجمع بين الصحيحين في الحديث التاسع والاربعين من أفراد البخاري من مسند أبي هريرة انه قال: لا تقوم الساعة حتى تأخذ امتى ماخذ القرون قبلها شبرا بشبر، وذراعا بذراع فقيل له: يا رسول الله كفارس والروم ؟ قال: من الناس الا اولئك (3). ومن ذلك ما رواه الحميدي أيضا في الجمع بين الصحيحين في الحديث


(1) رواه مسلم في صحيحه: 4 / 1789، والبخاري في صحيحه: كتاب الانبياء رقم 40. (2) رواه جامع الاصول عنه: 12 / 62. (3) رواه جامع الاصول عنه: 10 / 409.

[ 380 ]

الحادي والعشرين من المتفق عليه من مسند أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله " ص ": لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا في جحر ضب لا تبعتموهم قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى ؟ قال: فمن ؟ (1). ومن ذلك ما ذكره صاحب الكشاف في تفسير قوله تعالى " ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الكافرون (2). عن حذيفة عن النبي " ص " انه قال: وأنتم أشبه الامم سمتا ببنى أسرائيل لتركبن طريقهم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة، غير انى لا أدرى أتعبدون العجل أم لا ؟ (3). (قال عبد المحمود): هذه بعض أحاديثهم الصحاح مما ذكروه عن صحابة نبيهم وعن امته، وما يقع منهم من الضلال بعد وفاته، وساذكر فيما بعد طرفا من أحاديثهم الصحاح المتضمنة لمخالفتهم له وذمه لهم في حياته. فإذا كان قد شهد نبيهم على جماعة من أصحابه بالضلال والهلاك، وأنهم ممن كان يحسن ظنه بهم في حياته، ولحسن ظنه بهم قال أي رب أصحابي، ثم يكون ضلالهم قد بلغ الى حد لا تقبل شفاعة نبيهم فيهم ويختلجون دونه وتارة يبلغ غضب نبيهم عليهم الى ان يقول سحقا سحقا، وتارة يقول: انهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم، وتارة يشهد عليهم أبو الدرداء وأنس بن مالك وهما من أعيان الصحابة عندهم بانه ما بقى من شريعة محمد " ص " الا الاجتماع في الصلاة ثم يقول أنس وقد ضيعوا الصلاة، وتارة يشهد نبيهم انه بعد وفاته


(1) رواه مسلم في صحيحه: 4 / 2054 كتاب العلم. (2) المائدة: 44. (3) الكشاف: 1 / 616، ورواه العلامة المجلسي عن صحيح الترمذي: 28 / 30.

[ 381 ]

يكون دينهم ملكا ورحمة وملكا وجبرية على عادة الملوك المتغلبين ففيهم الرحيم والمتجبر، وتارة يشهد على قوم من الصحابة يشفق عليهم وياخذ بحجزهم عن النار، وينهاهم مرارا بلسان الحال والمقال فيغلبونه ويسقطون فيها، وتارة يخاف على امته من أئمة مضلين يولون عليهم، وتارة يشهد عليهم باتباع ما أتى به القرون السالفة في الضلال واختلال الاحوال. ثم قد أوردوا عنه بغير خلاف من المسلمين أن امة موسى افترقت بعده احدى وسبعين فرقة واحدة ناجية والباقون في النار، وامة عيسى افترقت اثنتين وسبعين فرقة واحدة ناجية والباقون في النار، وامته تفترق ثلاثا وسبعين فرقة واحدة ناجية واثنتان وسبعون في النار، وقد تضمن كتابهم وممن حولكم من الاعراب منافقون ومن اهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين " (1) فكيف يجوز لمسلم ان يرد شهادة الله وشهادة رسوله عندهم بضلال كثير من صحابة نبيهم، وهلاك أكثر امته واختلاف امورهم بعد وفاته، وهل يرد ذلك من المسلمين الا من هو شاك في قول الله وقول نبيهم، أو مكابر للعيان، وكيف يلام أو يذم من صدق الله ورسوله في ذم بعض أصحابه واكثر امته أو اعتقاد ضلال بعضهم، وكيف استحسنوا لانفسهم أن يرووا مثل هذه الاخبار الصحاح ثم ينكروا على الفرقة المعروفة بالرافضة ما أقروا لهم باعظم منه، وكيف يرغب ذو بصيرة في اتباع هؤلاء الاربعة المذاهب، وقد بلغوا الى هذه الغايات من المناقضات واضطراب المقالات والروايات. في ان النبي " ص " لم يترك امته بغير وصية ومن طرائف الامور التى أقدم عليها هؤلاء الاربعة المذاهب وأمثالهم،


(1) التوتة: 101.

[ 382 ]

وكابروا فيها المعقول والمنقول، وناقضوا بها العادات، وما قدموه من الروايات التى اجمعوا على صحتها، وانهم مع قولهم ان نبيهم محمدا " ص " كان أعقل العقلاء وأفضل الانبياء، وأنه كان شفيقا على امته ورحيما لاهل ملته، وأنه ما كان يسافر عنهم حتى يجعل لهم من ينوبه فيهم وينظر في مصالحهم، وانه كان إذا نفذ سرية أو جيشا يقول ان قتل أميركم فالامير فلان فان قتل فلان ففلان الاخر عوضه، ورووا في ذلك أخبارا في صحاحهم. فمنها ما ذكره الحميدى في الجمع بين الصحيحين في الحديث الخامس والخمسين من أفراد مسلم من مسند عبد الله بن عمر قال: أمر النبي " ص " في غزوة موتة زيد بن حارثة وقال: ان قتل زيد فجعفر، فان قتل جعفر فعبد الله بن رواحة. وكل ذلك فعله نبيهم لئلا يقع بينهم اختلاف ولئلا ينشر أمرهم، وان شفقته عليهم بلغت الى انه أمرهم الا يبيت أحد منهم ألا ووصيته تحت رأسه، وانه من مات بغير وصية مات ميته جاهلية، ورووا في ذلك أخبارا. فمنها في بعض ما ذكرناه ما ذكره الحميدى في الجمع بين الصحيحين في الحديث الثامن والستين بعد المائة من المتفق عليه من مسند عبد الله بن عمر بن الخطاب ان رسول الله " ص " قال: ما حق أمرء مسلم له شئ يريد أن يوصى فيه، يبيت ليلتين الا ووصيته مكتوبة عنده. (1). وقد تقدم من روايتهم عنه " ص " في صحاحهم أنه أوصى ان الامر في قريش، ثم عين على بنى هاشم وأهل بيته، وجعلهم خلفاء بعد وفاته، وتقدم أيضا رواياتهم عنه في تعيينة على بن ابى طالب عليه السلام في عدة مقامات بروايات متواتره.


(1) رواه مسلم في صحيحه: 3 / 1249.

[ 383 ]

وروى الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الثاني والسبعين من المتفق عليه من مسند عائشة قال: كانت عائشة تحدث ان النبي " ص " قال بعد ما دخل بيتى واشتد وجعه: أهريقوا علي من سبع قرب لم تحل أو كيتهن لعلي ان أعهد الى الناس، فاجلسناه في مخضب لحفصة زوجة النبي " ص " ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب حتى طفق يشير الينا ان قد فعلتن. قالت: ثم خرج الى الناس فصلى بهم وخطبهم. (قال عبد المحمود): ومع هذا كله فان الاربعة المذاهب كابروا وباهتوا وقالوا ان نبيهم ما أوصى بهم، وانه ترك امته جميعا بغير وصية منه فيهم، ولا اختار لهم أحدا يقوم مقامه، ولا قال لهم اختاروا أنتم، وأنه تركهم حتى اختلفوا بعده، واختلط أمورهم غاية الاختلال وشهد بعضهم على بعض بالضلال. (قال عبد المحمود): لقد ركب القائلون بذلك مركبا عظيما من البهتان لا يجوز أن يستحسنه أحد من أهل العقول والاديان، فانه لو لم يصفوه بما وصفوه من الشفقة عليهم والاحسان إليهم ولا رووا ما رووا من وصاياه وكانوا لا يعرفون على الجملة ما جرت الحال عليه، وجب أن يعتقدوا أنه أوصى وأنه لا يجوز وصفه أنه مات بغير وصية وقبل تعيين من يقوم مقامه سواء كان نبيا أو ملكا من الملوك، فاننا ما عرفنا وما سمعنا أن نبيا قبله مات بغير وصية، وما مات نبي الا بعد أن عين على من يقوم مقامه، وكذلك الملوك إذا لم يحل بينهم وبين وصيتهم حائل، فكيف أقدموا على تقبيح ذكر نبيهم ؟ ووصفوه بانه ترك ما شهد بوجوبه كافة الانبياء وأعقل العقلاء. لا سيما وقد ذكروا عنه أنه ما مات فجاة وما مات الا بعد أن ظهر له ولهم أنه يموت في ذلك المرض، وقد كان يجب عليهم في حكم الوفاء له أنه إذا

[ 384 ]

أورد عليهم حديث يتضمن أنه أوصى بهم وعين لهم عالى من يقوم مقامه أن يفرحوا بذلك الحديث لموافقته للعقول السليمة والاديان المستقيمة والعوائد الصحيحة، ولا يبدئوا قائله وناقله بالبهتان ويقابلوا الحديث بالهجران. فكيف وقد روت عترته الذين أمرهم بالتمسك بهم وصية نبيهم بالاسلام والمسلمين وتعيينه على من يقوم مقامه فيهم الى يوم الدين ويصدقوا العترة في تلك الروايات بما تقدم ذكره من رواياتهم في صحاحهم. ومن طريف بهتهم للمعقول والشرائع والعوائد أنهم يقولون لو كان نبيهم قد أوصى الى أحد أو عين على من يقوم مقامه ما خالفه أحد من الصحابة، وقد عرفوا وعرف أهل الملل أن أكثر أصحاب نبيهم خالفوه في حياته في حال الشدة وزمان الرخاء. أما الشدة فانهم فارقوه في غزوات جماعة وخذلوه واختاروا أنفسهم عليه، فمنها غزاة حنين واحد وخيبر وغيرهن، وقد تضمن كتابهم " ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم يغن عنكم وضاقت عليكم الارض بما رحبت ثم وليتم مدبرين " (1) وكانوا في تلك الحال نحو عشرة آلاف فلم يتخلف معه أحد الا أقل من عشرة أنفس. وروى سبعة أنفس فحسب وهم علي بن أبى طالب عليه السلام والعباس والفضل بن العباس وربيعة وأبو سفيان بن حرث بن عبد المطلب واسامة بن زيد وعبيدة بن ام أيمن، وروى ايمن بن ام أيمن، وأسلمة الباقون للقتل وشماتة الاعداء وابطال كثير من شريعته، لان هذه الغزوات كانت قبل اكمال شريعتهم كما يذكرون وآثروا الحياة الفانية على الحياة الباقية وعلى الله وعلى نبيهم وهو يراهم عيانا ولم يستحيوا منه ولا من الله ولا من العار.


(1) التوبة: 25.

[ 385 ]

وأما مخالفة أصحابه له في الرخاء والامن فقد تضمن كتابهم ذلك فقال " وإذا راوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين " (1) فكانوا كما روى إذا سمعوا بوصول تجارة تركوا الصلاة معه والحياء منه وتركوا المراقبة لله الذي يذكرون أنه أمرهم بالصلاة معه، ولم يلتفتوا الى حرمة ربهم ولا حرمة نبيهم ولا صلاتهم معه وباعوا ذلك كله بمشاهدة تجارة أو طمع في مكسب منها، فكيف يستبعد من هؤلاء ان يخالفوه بعد وفاته في طلب الملك والخلافة والجاه والمال، وقد انقطعت مشاهدته لهم وحياؤهم منه، ان استبعاد مخالفتهم له من عجائب الامور وطرائف الدهور. ومن طرائف ما يدل على ان أكثر الصحابة لا يستبعد منهم مخالفة نبيهم بعد وفاته. ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند أنس بن مالك في الحديث الحادي عشر من المتفق عليه قال: ان ناسا من الانصار قالوا يوم حنين حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء، فطفق رسول الله " ص " يعطي رجلا من قريش المائة من الابل، فقالوا: يغفر الله لرسوله يعطى قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم. وقال الحميدي في الحديث المذكور في حديث هاشم بن زيد عن أنس ان الانصار قال: إذا كانت الشدة فنحن ندعى وتعطى الغنائم غيرنا، قال ابن شهاب عن أنس: فحدث ذلك رسول الله " ص " فعرفهم. وفي حديث ذكره: أنه فعل ذلك تالفا لمن أعطاه، ثم يقول في رواية الزهري عن أنس ان النبي " ص " قال للانصار: انكم ستجدون بعدى أثره شديدة، فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله على الحوض قال أنس: فلم يصبروا


(1) الجمعة: 11.

[ 386 ]

ومن ذلك ما رواه في صحاحهم باتفاقهم، وقد ذكر مسلم في صحيحه أيضا في المجلد الثالث من حديث عائشة في قصة الافك فقال فيه ما هذا لفظه قالت: فقام رسول الله " ص " على المنبر فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول قالت: فقال رسول الله " ص " وهو على المنبر: يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتى، فوالله ما علمت على أهل بيتى الا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه الا خيرا وما كان يدخل على أهلي الا معي. فقام سعد بن معاذ الانصاري فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله ان كان من الاوس ضربنا عنقه، وان كان من اخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك قالت: فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان رجلا صالحا ولكن اجتهلته الحمية. فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله. فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة: لعمر الله لنقتله فانك منافق تجادل عن المنافقين، فثار الحيان الاوس والخزرج حتى هموا ان يقتتلوا ورسول الله " ص " قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله يخفضهم حتى سكتوا وسكت - الخبر (1). (قال عبد المحمود): أنظر رحمك الله نظر منصف في هذه الاحاديث المتفق على صحتها عندهم، وفكر فيما بلغوا إليه من تقبيح ذكر الانصار كافة، وما ذكروه عنهم وشهدوا به عليهم من سوء معاملتهم ومصاحبتهم لنبيهم في حال حياته بمحضره وقلة احترامهم له وترك الموافقة في حالتى غضبه ورضاه، ووقوفهم مع الحسد بنبيهم أو أغراض جاهلية وأحقاد دنيوية، فكذلك يكون قد حضروا وحضر من حضر منهم يوم السقيفة بمثل هذه الاراء السقيمة والاغراض الذميمة، واختلفوا فيمن يولونه منهم أو من غيرهم الامارة حتى حضر أبو بكر وعمر


(1) مسلم في صحيحه: 4 / 2133 - 2134 كتاب التوبة.

[ 387 ]

وأبو عبيدة واغتنموا اختلاف الانصار ومن حضر السقيفة وتوسلوا الى مبايعة أبي بكر، وبالله عليك هل ترى يستبعد من هؤلاء الانصار وأمثالهم ان يتركوا النص على علي بن ابى طالب عليه السلام بالخلافة حسدا له ولبني هاشم ويبايعوا أبا بكر لاغراض دنيوية، وانهم كانوا يطمعون من أبى بكر بما لا يرجون من على ابن أبى طالب عليه السلام من التماس الولايات والاموال منه بغير حقها. وانظر رحمك الله كيف أحوجوا نبيهم الى ان قطع الخطبة ومنعوه مما كان قد شرع فيه من التالم من المنافق عبد الله بن أبى سلول ولم يتمكن من الانتصاف من رجل واحد، حيث كان لهم أغراض فاسدة في منعه من ذلك واختلفوا عليه فاقتصر على الامساك، فهلا كان حال على عليه السلام معهم وحالهم معه كما جرت الحال مع نبيهم في اختلافهم واختلالهم. (ومن طريف ما يدل على أن الصحابة يختارون الدنيا على الله والرسول قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدى نجواكم صدقه " (1)، وتقدم روايات الاربعة المذاهب بان هذه الاية لم يعمل بها غير على ابن أبى طالب عليه السلام، فانظر مضمون تلك الروايات ومضمون قوله تعالى " ءأشفقتم ان تقدموا بين يدى نجواكم صدقات " (2) وكيف لا يعلم بيقين من هذه الايات ان هؤلاء اختاروا طلب المال الحقير الفاني على ما أتاهم ويأتيهم من معرفة دينهم وآخرتهم من المخاطبات معه صلوات الله عليه، وكان قيمة دينهم وسعادة آخرتهم أقل من قيراط وأقل منه ان يصدقوا ويناجوا مع رسولهم، فكيف يستبعد من هؤلاء الجماعة ان يخالفوا رسولهم بعد وفاته في طلب الملك العقيم والولايات وبلوغ الشهوات واللذات.


(1) المجادلة. 12. (2) المجادلة: 13.

[ 388 ]

ثم انظر قوله تعالى " وتاب الله عليكم " فهو يكشف لك انه وقع منهم بالتأخر من المناجاة والبخل بالصدقات ما يقتضى الخيانات ويحتاج الى ان يتوبوا حتى يتوب الله عليهم، وهذا واضح من ايثارهم الدنيا على الله والرسول المحسن إليهم، ثم ذكر الله تعالى انه تاب عليهم شفقتا بهم لا لانهم تابوا لان التوبة له طرفان طرف من الله تعالى ان يفتح باب قبول التوبة وطرف من العبد بان يتوب ألا ترى قوله تعالى انه قال في موضع آخر " ثم تاب عليهم ليتوبوا ". وفي آية اخرى قوله تعالى " ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر فإذا عزمت فتوكل على الله ان الله يحب المتوكلين " (1). فانظر في قوله تعالى لنبيه أنهم أقسياء القلوب ان لو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا، ألا تعلم ان مضمونه يقتضى عقلا ان الباعث لجمعهم واجتماعهم لم يكن الالين جناح النبي صلى الله عليه وآله ولطفه معهم، لا لا طاعة حكم النبوة واطاعة حكم رسالته وقوله تعالى " لانفضوا من حولك " يوضح لك هذا المعنى أنه لو كان فظا وغليظ القلب لم يصبروا على نبوته " ص " ولم يقيموا على حكم رسالته، وقوله تعالى " فاعف عنهم " يكشف لك أنهم كانوا على صفات مهلكة وجنايات مفضحة التي تحتاج الى العفو عنهم، وقوله تعالى " واستغفر لهم " يؤكد ذلك الى نهاية الغاية. وقوله تعالى " وشاورهم في الامر " يدل على ضعف دينهم وأنهم كانوا مؤلفة يحتاجون الى تأليف قلوبهم، وقوله تعالى " فإذا عزمت " حيث جعل المدار على عزمه ولم يقل وإذا قالوا لك أو إذا عزموا كلها يدل بوضوح ان حالهم كان حال المؤلفة، وكل واحد منها يشهد بضعف ايمانهم وسخافة رأيهم، فكيف


(1) آل عمران: 159.

[ 389 ]

يليق باحد منهم ان يقتدي به أهل الفهم أو يعتمد الى حديثهم بعد هذا الايضاح والاعلام وخاصة أنهم يزعمون ان الذين شاورهم محمد " ص " كان أبو بكر وعمر منهم وكانوا في حكم الاسلام. وقال الزمخشري في كتاب الكشاف في تفسير قوله تعالى " ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك " قال: لتفرقوا عنك حتى لا يبقى حولك أحد منهم (1). وقال الزمخشري في تفسير قوله تعالى " لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الامور " (2) روى عن ابن جريح انه قال: وقفوا لرسول الله " ص " على الثنية ليلة العقبة وهم اثنا عشر رجلا ليفتكوا به (3). وقال الزمخشري في تفسير قوله تعالى " وهموا بما لم ينالوا " (4) وهو الفتك برسول الله صلى الله عليه وآله وذلك عند مرجعه من تبوك، تواثق خمسة عشر منهم على أن يدفعوه عن راحلته الى الوادي إذا تسنم العقبة بالليل، فاخذ عمار بن ياسر بخطام راحلته يقودها وحذيفة خلفها يسوقها، فبينما هما كذلك إذ سمع حذيفة بوقع أخفاف الابل وبقعقعة السلاح فالتفت فإذا قوم متلثمون فقال: اليكم اليكم يا أعداء الله فهربوا) (5). ومن ذلك ما رواه الحميدي أيضا في مسند أبى هريرة في الحديث الرابع والثمانين بعد المائة من أفراد مسلم ان النبي لما فتح مكة وقتل جماعة من


(1) الكشاف: 1 / 474. (2) التوبة: 48. (3) الكشاف: 2 / 194. (4) التوبة: 74. (5) الكشاف: 2 / 203.

[ 390 ]

أهلها، فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله أبيدت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم فقال: من دخل دار أبى سفيان فهو آمن ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن. فقالت الانصار بعضهم لبعض: أما الرجل فادركته رغبة في قومه ورافة بعشيرته، وفي رواية اخرى: أما فقد أخذته رافة بعشيرته ورغبة في قريته (1). ومن ذلك ما رواه الحميدي أيضا في مسند عائشة الحديث التاسع عشر من المتفق عليه من عدة طرق قالت: ان النبي " ص " قال لها: يا عائشة لو لا ان قومك حديثو عهد بجاهلية. وفي رواية اخرى حديثو عهد بكفر، وفي رواية حديثو عهد بشرك، فاخاف أن تنكر قلوبهم، لامرت بالبيت فهدم، فادخلت فيه ما أخرج منه، وألزقتها بالارض، وجعلت لها بابين بابا شرقيا وبابا غربيا، فبلغت به أساس ابراهيم (2) وقد ذكروا ان كتابهم يتضمن وصف جماعة من صحابة نبيهم قال فيهم " ومنهم من يلمزك في الصدقات فان أعطوا منها رضوا وان لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ". (قال عبد المحمود): فإذا كانت الانصار كلهم أو اكثرهم وهم من أعيان الصحابة يجاهرون في الشك بنبيهم وسوء الظن به لاجل قسمة غنيمة هوازن، ويمنعونه من التالم من المنافق عبد الله بن ابى سلول، ويتهمونه في العفو عن بعض قريش، وكان نبيهم في تقية من قوم عائشة وهم من أعيان المهاجرين والصحابة، ويخاف من سوء سرائرهم في هدم الكعبة واصلاح بنائها، وان جماعة من صحابته يسخطهم المنع من الصدقات ويرضيهم وصول شئ منها


(1) رواه مسلم في صحيحه: 3 / 1406 و 1408 كتاب الجهاد. (2) رواه مسلم في صحيحه: 2 / 968 - 973 كتاب الحج. (*)

[ 391 ]

إليهم، وهذا جميعه قد وقع منهم في حياة نبيهم ووقت المراقبة له والخوف منه والرجاء له، فكيف يستبعد من هؤلاء ان يخالفوه بعد وفاته ؟ بل كيف يثق عاقل من هؤلاء أنهم يتركون أغراضهم الدنيوية وأحقادهم وحسدهم لاهل الفضائل وطلبهم الدنيا بعد نبيهم، ما يستبعد ذلك مع معرفته بهذه الاسباب الا من لا يعد من ذوى الالباب. ومن ذلك ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند عبد الله بن عمرو بن العاص في الحديث الحادى عشر من أفراد مسلم قال: ان النبي " ص " قال: إذا فتحت عليكم خزائن فارس والروم أي قوم أنتم ؟ قال عبد الرحمن بن عوف: نكون كما أمرنا الله فقال رسول الله ص ": تتنافسون ثم تتحاسدون ثم تتدابرون ثم تتباغضون، وفى رواية ثم تنطلقون الى مساكن المهاجرين، فتجعلون بعضهم على رقاب بعض (1). (قال عبد المحمود): انظر رحمك الله الى ما قد شهدوا به من ذم نبيهم لاصحابه، فكيف يستبعد من قوم يكونون بهذه الصفات ان يخالفوا نبيهم في الحياة وبعد الوفاة. ومن ذلك ما رواه الحميدى أيضا في الجمع بين الصحيحين في مسند المسيب بن حزن بن أبى وهب من أفراد البخاري أن سعيد بن المسيب حدث ان جده حزنا قد قدم على النبي " ص " فقال: ما اسمك ؟ قال: اسمى حزن ابن أبى وهب. قال بل أنت سهل. قال: لست اغير أسما سمانيه أبى. وفي رواية اخرى من الحديث المذكور لا أغير أسما سمانيه أبى. قال المسيب: فما زالت فينا الحزونة بعد (2).


(1) رواه مسلم في صحيحه: 4 / 2274 كتاب الزهد. (2) البخاري في صحيحه: 7 / 117 وفيه " أباه " بدل جده.

[ 392 ]

(قال عبد المحمود): انظر كيف شهدوا على هذا الصحابي بالمخالفة لرسولهم فيما لا يدخل عليه به ضرر بل فيه منفعة، ثم اعتبر بذلك كيف كان الاقدام من الصحابة على مخالفة نبيهم لا يضر فكيف لا يخالفونه في الخلافة والملك العقيم. ومن ذلك ما رواه الحميدي أيضا في كتابه المذكور في الحديث الرابع بعد المائتين من المتفق عليه من مسند أبى هريرة من حديث مالك عن أبى الزياد عن الاعرج عن أبى هريرة ان رسول الله " ص " قال: والذى نفسي بيده لقد هممت أن آمر أن يجمعوا حطبا ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلا يؤم الناس ثم اخالف الى رجال يتخلفون عنها فاحرق عليهم بيوتهم، والذى نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقا سمينا ما تأخر أن يشهد معنا العشاء (1). (قال عبد المحمود): انظر الى ما في هذا الحديث من بلوغ ذم نبيهم لجماعة من أصحابه الى هذه الغاية، ثم تعجب من مخالفتهم له في هذا الامر اليسير من الصلاة معه جماعة حتى بلغ الغضب من الله ومنه الى هذا الحد، فكيف يستبعد من هؤلاء المخالفة بعد الوفاة. ومن ذلك ما رواه الحميدي أيضا في الجمع بين الصحيحين في مسند حذيفة بن اليمان في الحديث السادس عشر عن يزيد بن زيد قال: كنا حذيفة فقال رجل: لو أدركت رسول الله " ص " قاتلت معه وأبليت. فقال حذيفة: أنت كنت تفعل ذلك ؟ لقد رايتنا مع رسول الله ليلة الاحزاب وأخذتنا ريح شديدة وقر، فقال رسول الله: ألا رجل ياتيني بخبر القوم جعله الله معى يوم القيامة ؟ فسكتنا فلم يجبه منا أحد. ثم قال: ألا رجل ياتينا بخبر القوم جعله


(1) رواه مسلم في صحيحه: 1 / 451.

[ 393 ]

الله معى يوم القيامة ؟ فسكتنا فلم يجبه منا أحد. فقال: قم يا حذيفة فاتنا بخبر القوم، فلم أجد بدا إذ دعاني باسمى الا ان أقوم. فقال: اذهب فاتني بخبر القوم ولا تذعرهم علي، فلما وليت من عنده جعلت كانما أمشى في حمام حتى أتيتهم فرايت أبا سفيان يصلي ظهره بالنار، فوضعت سهما في كبد القوس فاردت أن أرمية فذكرت قول رسول الله " ص " ولا تذعرهم علي ولو رميته لاصبته، فرجعت وأنا أمشى في مثل الحمام، فلما أتيته فاخبرته بخبر القوم وفرغت، قررت فالبسني رسول الله " ص " من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها، فلم أزل نائما حتى أصبحت، فلما أصبحت قال: فم يا نومان (1). (قال عبد المحمود): فهذه شهادة البخاري ومسلم في صحاحهما وشهادة من صدقهما على الصحابة بالخذلان والاعراض وقلة القبول منه وترك الحياء وترك المراقبة لله، وايثارهم الحياة الفانية على الله ورسوله والجهاد في سبيله فكيف يستبعد من هؤلاء المخالفة لنبيهم بعد وفاته وقد جاهروه بالمخالفة في حياته ؟ وكيف يستبعد اهمال كثير من المسلمين لوصايا نبيهم وتركهم العمل باقواله والاقتداء بافعاله ؟ وقد اختلفوا غاية الاختلاف في فرائض كانت مشهورة في زمانه وكان يكررها عليهم كالاذان والوضوء وتفصيل الصلوات، وغيرها من الفرائض التى كانت تتكرر بينهم أكثر الاوقات، فاضاعوها وفرطوا فيها حتى صار المعلوم مجهولا والصحيح معلولا. عدم صلاحية الامم لاختيار الخليفة ومن طرائف إمرهم أنهم يقولون أو يعتقدون ان نبيهم ترك الوصية ولم


(1) رواه مسلم في صحيحه: 3 / 1414 كتاب الجهاد.

[ 394 ]

يعين على من يقوم مقامه في أمته، وان صلحاء الامة وخيارهم يختارون من يقوم مقام نبيهم بتعيينهم، وما أدرى كيف استحسنوا لانفسهم ودينهم ذلك مع تضمنه كتابهم وأخبارهم من كون جماعة من الانبياء الذين ينظرون بنور النبوة وبصيرة الرسالة والمكاشفة الالهية والمخالطة للملائكة، ومع هذا كله فانهم اختاروا رجالا من قومهم بعد الاختبار والتجربة والصحبة، فظهر ضرر لهم اختيارهم وان الصواب كان في خلاف اختيارهم. فمنهم يعقوب عليه السلام اختار أولاده لحفظ ولده يوسف عليه السلام فظهر له ضرر اختياره. ومن ذلك موسى عليه السلام أختار قومه وهم ألوف سبعين رجلا لميقات ربه فلما حضروا معه قالوا: أرنا الله جهرة فاخذتهم الصاعقة، وبلغ حالهم الى ان ظهر له أنهم سفهاء فقال موسى عليه السلام: أفتهلكنا بما فعل السفهاء منا. ومن ذلك ان نبيهم اختار خالد بن الوليد ونفذه الى بنى جذيمة ليصلح أمرهم فقتلهم واسرهم، وقتل فيهم باحقاد كانت بينه وبينهم في الجاهلية، حتى بعث نبيهم على بن أبى طالب عليه السلام فاستدرك ما فعل خالد وأرضاهم، وقال نبيهم: اللهم انى أبرئ مما فعل خالد. وقد روى حديث خالد الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الثالث من افراد البخاري من مسند ابن عمر قال: بعث رسول الله " ص " خالد ابن الوليد الى بنى جذيمة، فدعاهم الى الاسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فجعلوا يقولون صبانا صبانا، فجعل خالد يقتل منهم وياسر، ودفع الى كل رجل منا اسيره حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره، فقلت والله لا اقتل أسيري ولا يقتل رجل من اصحابي أسيره، حتى قدمنا على رسول الله " ص " فذكرناه له فرفع يديه فقال: اللهم انى ابرئ اليك مما صنع خالد

[ 395 ]

مرتين. (قال عبد المحمود): فلو كان خالد معذورا فيما اعتذر به من قتلهم لما قال نبيهم: اللهم انى أبرأ اليك مما صنع خالد، ثم انظر الى اقدام خالد على مخالفة نبيهم في حياته وما ظهر منه، وكان الصواب ترك ولاية خالد ومحبته عند من يقول بصحة الخبر المذكور. ومن ذلك ما تقدمت روايتهم في صحاحهم ان نبيهم اختار أبا بكر ونفذه الى خيبر، فرجع هاربا أو معتذرا وظهر ضرر اختياره له، وفي رواية اخرى انه اختار ايضا عمر بعد انكسار أبى بكر، فرجع أيضا ولم يفتح له. ومن ذلك ما تقدمت روايتهم في تادية أبى بكر سورة البرائة عند من يقول ان انفاذ نبيهم أبا بكر بالايات من البرائة كان لحسن ظنه به، وكيف رد الله اختياره وكشف ان الصواب في ترك انفاذه. (قال عبد المحمود): فإذا كان الانبياء مع كمالهم وعصمتهم قد ظهر ضرر اختيارهم لكثير من الرجال، فكيف تحصل الثقة باختيار بعض الصحابة ممن يمكن أن يكونوا وقت اختيارهم في باطن حالهم غير صالحين ولا مامونين ؟ ان تفضيل اختيار قوم غير مقطوع على عصمتهم عندهم من الصحابة على اختيار الانبياء المعصومين غلط هائل وتدبير آفل. ومن طريف مناقضتهم في ذلك ما رواه الثعلبي وغيره في تفسير قوله تعالى " له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله " (1) فقال: ان عامر بن الطفيل جاء الى النبي " ص " فقال: ما لى ان أسلمت ؟ قال: لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم فقال: تجعل لي الامر من بعدك ؟ فقال: ليس ذلك الى انما ذلك الى الله عز وجل يجعله حيث يشاء.


(1) البخاري في صحيحه: 5 / 107. (2) الرعد: 11.

[ 396 ]

(قال عبد المحمود): فما أرى نبيهم قال لعامر بن الطفيل ان ذلك الى اختيار الامة، فإذا كان الامر في تعيين من يكون قائما مقام نبيهم الى الله وحده يجعله حيث يشاء وان ذلك ليس الى غير الله، فكيف انفردوا باختيارهم من يقوم مقامه ؟ وجعلوا لانفسهم ما لم يجعله الله لهم ولا لنبيهم ؟ ان ذلك من عجائب المناقضات. [ (قال عبد المحمود): واعلم أيضا أنى اعتبرت كتبهم في الزهد في ذكر ترك العصبية، فرأيتهم موافقين مع الامامية في ان اختيار الامام من الله تعالى، وان كانوا مخالفين لهم في العلة وهي اعتقادهم أنهم مجبورون. فمن ذلك ما ذكره الغزالي في كتاب منهاج العابدين عند التفويض قال: وأما التفويض فتأمل فيه في أصلين، أحدهما أنك تعلم ان الاختيار لا يصلح الا لمن كان عالما بالامور بجميع جهاتها ظاهرها وباطنها وحالها وعاقبتها، والا فلا يامن أن يختار الفساد والهلاك على ما فيه الخير والصلاح. ألا ترى أنك لو قلت لبدوي أو قروى أو راعى غنم أنقد لى هذه الدراهم وميز لى بين جيدها ورديها، فانه لا يهتدى لذلك بيقين وكذا لو قلت لسوقي غير صراف فربما هو أيضا لم يهتد، فلا تأمن الا ان تعرضه على صيرفي خبير بالذهب والفضة وما فيهما من الخواص والاسرار، والعلم المحيط بجميع الوجوه لا يصلح الا لله رب العالمين، فلا يستحق أحد أن يكون له الخيرة والتدبير الا الله وحده لا شريك له. فلذلك قال الله تعالى " وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة " (1) هذا لفظ الغزالي. وهذا مذهب الامامية كثرهم اللة تعالى وبعض حجتهم في ان اختيار الائمة عليهم السلام راجع الى الله تعالى، فكيف يحسن من هؤلاء الاربعة المذاهب


(1) القصص: 68.

[ 397 ]

المناقضة في المقالات ؟ والحال أنهم موافقون للامامية بمثل هذا القول الى هذا الحد ]. في ان من لم يصلح لتدبير حرب ولا ولاية جيش لا يصلح للخلافة ومن طرائف الامور أنهم اختاروا لخلافتهم أبا بكر، وتقدمت رواياتهم أنه هرب يوم خيبر ويوم حنين وفى كثير من مواقف الحروب وكتابهم يتضمن " ومن يولهم يومئذ دبره الا متحرفا لقتال أو متحيزا الى فئة فقد باء بغضب من الله وماواه جهنم وبئس المصير " (1) فمن لم يصلح لتدبير حرب ولا ولاية جيش ولا لتدبير نفر يسير من المسلمين ولا لامتثال أمر الله ورسوله في الوقوف في الحروب التي هرب فيها مع حياة نبيهم وتسديده الامة وخوفهم من مؤاخذته وحيائهم منه، كيف صلح للخلافة المشتملة على سائر الحروب وجمع الجيوش وتدبير كافة العباد والبلاد بعد وفاة نبيهم " ص "، ان ذلك من طرائف ما وقع منهم ونقل عنهم. ومن طرائف أمرهم أيضا أنهم شهدوا كما تقدم في رواية أحمد بن حنبل وفي الجمع بين الصحاح الستة وفي تفسير الثعلبي وغير ذلك ان أبا بكر لم يصلح لتادية سورة برائة، مع ان نبيهم حى موجود من ورائه، وأعاده من الطريق ونفذ على بن أبى طالب عليه السلام عوضه، وقال نبيهم ان الله أمره باعادة أبي بكر وانفاذ على عليه السلام، فكيف استصلحوا للخلافة جميعها من لم يستصلحه ورسوله للقيام ببعضها ؟ وكيف صار أبو بكر بانفراده بعد النبي " ص "


(1) الانفال: 16.

[ 398 ]

أقوم بالامور كلها مع نقصه في حياته عن القيام ببعضها. ومن طرائف ذلك ان الله تعالى يكون عالما ان أبا بكر لا يصلح لتادية سورة برائة، ثم يتركه يتورط في الطريق ويظهر للناس توجهه، ثم يامر نبيه باعادته وعزله وأظهار أنه لا يصلح، وقد كان يمكن قبل تسليم الايات إليه ان يوحى الى نبيهم فيقال له: أنفذها مع علي أبي طالب عليه السلام، ولسان الحال يشهد أن في ترك الله لابي بكر حتى يتوجه واعادته من الطريق واظهار انه لا يصلح دليلا على ان الله أراد كشف حال أبي بكر ونقصه عن المراتب اليسيرة لئلا يستصلحه أحد للولاية الكبيرة وليحتج الله عليهم بذلك يوم الحساب، فكيف خفى هذا عند ذوى الالباب. ومن طرائف الامور أنهم ذكروا ان نبيهم أعقل العقلاء وأفضل الانبياء، ومع ذلك ادعوا أنه ما اختار لهم من يقوم مقامه، ولا قال لهم اختاروا أنتم كما تقدم ذكره عنهم، والعقول تشهد أنه لو أراد أن يختاروا لانفسهم لقال لهم ذلك، ثم ما رأيناهم علموا هذا ايضا لانا رأينا كتبهم التى يسمونها صحاحا تشهد عليهم ان جماعة من المهاجرين والانصار اجتمعوا في سقيفة بنى ساعدة بالمدينة. وقد ذكر ذلك الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند عائشة من جملة الحديث الحادى والعشرين وقالت الانصار: منا أمير ومنكم أمير، فحضر أبو بكر وعمر وأبو عبيدة ومنعوهم من ذلك، وقال أبو بكر في كلام للانصار: نحن الامراء وأنتم الوزراء. فقال حباب بن منذر: لا والله لا نفعل منا أمير ومنكم أمير. فقال أبو بكر: لا ولكنا الامراء. وأنتم الوزراء. ثم بادر أبو بكر واختار هو وحده عمر بن الخطاب أو أبا عبيدة الجراح، وقال: بايعوا عمر أو أبا عبيدة فقال عمر بل نبايعك، فبايعه عمر وأبو عبيدة وعقد عمر وحده الخلافة لابي بكر واختاره.

[ 399 ]

فيا لله والعجب أيها المسلمون وأيها العقلاء، أنظروا الى هذا الاختلاط والاختلاف، تارة يقولون ان الاختيار الى صلحاء الامة وعلمائها وتارة يقنعون باختيار وحده لابي بكر، وتارة يروون ان أبا بكر اختار وحده عمر وأبا عبيدة في ذلك اليوم، ان ذلك من عظائم الافراط وقبيح الاختلاط. ومن طريف ذلك أن هذه الرواية التى قد شهدوا بصحتها تشهد ان أبا بكر توصل الى الخلافة بخديعة للانصار والمكر بهم والغرور والخيانة بهم، وأطمعهم أنهم الوزراء، فلما تمكن مما أراد غدر بهم وقدح في شهادته لهم باستحقاق الوزارة ودفعهم عنها، ولم يستوزر أحدا منهم. ومن طريف ذلك ان المعلوم من دين المسلمين أنه لا يجوز أن يكون لهم في وقت واحد الا امام واحد، فتجب ان يكون المجتمعون في السقيفة الذين قالوا منا أمير ومنكم أمير والراضون بقولهم ضالين، وإذا كانوا ضالين فكيف انعقدت بيعة أبى بكر بقوم ضالين، وذلك لا يصح عند كافة المسلمين، فانهم كانوا بين قائل بذلك وبين تارك للانكار الى ان حدث من المكر بهم والمغالبة بهم. مبادرة أبى بكر وعمر الى طلب الخلافة قبل تجهيز نبيهم ومن طرائف المتجدد في تلك الاوقات أن الخليفتين عندهم أبا بكر وعمر يتركان نبيهما ومن كان سببا فيما بلغا إليه من الدنيا ميتا بين بنى هاشم، ولم يصبرا لقضاء بعض حقوقه ولا مواساة بني هاشم ولا مشاركتهم في تجهيزه، ويبادر الخليفتان المذكوران الى طلب الدنيا الفانية قبل فراغ بنى هاشم من تجهيز نبيهم، ولا يكون عندهما من المراقبة لله والحياء من أهل بيت نبيهم وحسن الصحبة ان يصبروا عن طلب الخلافة حتى يدفن نبيهم، ان هذا مما يتعجب منه أهل

[ 400 ]

الاديان والعقول وهو من طرائف آرائهم القبيحة المنقولة. ومن الطرائف في ذلك الوقت ترك أبى بكر وعمر ومن وافقهما لمشاورة بني هاشم في الخلافة، فهب أن بني هاشم ما كانوا يصلحون عند أبي بكر وعمر للخلافة أما كانوا يصلحون للمشاورة كبعض المسلمين، وهب أنهم ما كانوا يصلحون جميعهم للمشاورة أما كان فيهم واحد يصلح للمشاورة، وهب أن بنى هاشم ما كانوا يقدرون على الحضور في السقيفة لاشتغالهم بتجهيز نبيهم " ص " أما كان يحسن مراسلتهم وتعريفهم ما قد عزموا عليه من البيعة في السقيفة واستعلام ما عند بني هاشم من الراى في ذلك. ليت شعرى أي عذر للخليفتين وأتباعهما في عزل بنى هاشم عن الخلافة وعن المشاورة والمراسلة في ذلك اليوم، وقد كان في بنى هاشم من قد استصلحه الله باتفاق المسلمين ورسوله للامور الكبار العظام وشاركوه في أكثر الاحوال مثل على بن ابى طالب عليه السلام، ومن قد أجمع المسلمون على تعظيمه وتفضيله مثل العباس وعبد الله بن العباس والفضل بن العباس وعقيل بن أبى طالب وعبيد الله بن العباس. ولا سيما وقد روى أحمد بن حنبل في مسنده عن عائشة قالت: قال رسول الله " ص " قال: لى جبرئيل عليه السلام: يا محمد قلبت الارض مشارقها ومغاربها فلم أجد انسانا أفضل من بنى هاشم (1). فهل بقي عدولهم عن بنى هاشم الا من جملة المصائب والعظائم. ومن طريف الامور ما ذكروه في رواياتهم من كون أبى بكر احتج يوم السقيفة على الانصار بان الائمة من قريش لانهم أقرب الى نبيهم، وقد روى


(1) رواه محب الطبري في ذخائر العقبى عنه: 14.

[ 401 ]

الحميدى في الحديث الثامن من مسند عمر، فإذا كان القرب من الانبياء هو سبب استحقاق الخلافة والامامة، فكيف استجازوا استخلاف أبى بكر وتركوا العباس وعليا وغيرهما من بنى هاشم، وبنو هاشم أقرب الى نبيهم من بنى تيم وعدى، وقد تقدم في رواية أحمد بن حنبل وغيره ان بنى هاشم افضل، فكيف صار الاقرب الافضل أقل منزله من الا بعد الارذل. ومن طرائف أمورهم ومناقضاتهم ان خليفتهم أبا بكر يظهر عنه وعن أتباعه أنهم يعتقدون ان رأيهم وتدبيرهم أكمل من راي نبيهم وتدبيره، لانهم يذكرون ان نبيهم راى المصلحة في ترك النص على خليفة المسلمين، وأبو بكر وأتباعه راوا ان المصلحة في النص على عمر وتعيين خلافته على المسلمين، ثم ان خليفتهم حيث استصوب مخالفة نبيهم في ترك النص أقدم أيضا واستصوب مخالفة اتباعه في ان الامامة باختيار الامة، وانفرد هو وحده باختيار عمر للخلافة ولم يلتفت الى حصول اتفاق الامة، ثم تجاوز ذلك الى انه لم يلتفت أيضا الى كراهة المسلمين بخلافة عمر على ما رواه المسلمون. وقد ذكر المبرد في كتابه الكامل عن الرحمن بن عوف: قال دخلت على أبى بكر في علته التى مات فيها، فقلت: أراك بارئا يا خليفة رسول الله، فقال: أما انى على ذلك لشديد الوجع ولما لقيت منكم يا معشر المهاجرين أشد على من وجعى، انى وليت أموركم خيركم في نفسي فكلكم ورم أنفه. قال المبرد: معنى ورم أنفه أي امتلى من ذلك غيظا. وروى كراهتهم لخلافته عمر أيضا جماعة من العلماء، وابن عبد ربه المغربي في الجزء الرابع من كتاب العقد، فلم يلتفت أبو بكر الى ذلك كله. فكيف صار اختياره وحده يقوم مقام اختيار علماء الامة وصلحائها ؟ وكيف صار راية في تعيين من يقوم مقام نبيهم أفضل من راى نبيهم ؟ وكيف صار كراهتهم لا تؤثر في رأيه وحده ؟

[ 402 ]

ان هذا من أعجب الطرائف. ومن الطرائف ان نبيهم مات وقد جعل عمر رعية لاسامة بن زيد محكوما عليه بلا خلاف بين المسلمين، فيعكسون ذلك ويجعل أبو بكر عمر هو الوالى على أسامة وعلى جميع المسلمين، ولا يلتفت الى ما دبره نبيهم وارتضاه، ان ذلك من طرائف ما عرفناه. ومن طرائف ما رواه في سبب بيعة أبى بكر لعمر وذكره جماعة من أصحاب التواريخ وحكاه ابن عبدربه في المجلد الرابع من كتاب العقد فقال ما هذا لفظه: ان أبا بكر حين حضرته الوفاة كتب عهده، وبعث به مع عثمان بن عفان ورجل من الانصار ليقراه على الناس، فلما اجتمع الناس قاما فقالا: هذا عهد أبى بكر فان تقروا به نقراه وان تنكروه نرجعه، فقال طلحة بن عبيد الله: أقراه وان كان فيه فقال عمر له عمر: بما علمت ذلك فقال: وليته أمس وولاك اليوم (1). (قال عبد المحمود): فلم ينكر عمر هذا القول ولا أحد من الصحابة على طلحة فكأنه اجماع على سبب ولاية أبى بكر لعمر لاجل أنه ولاه يوم السقيفة، وفي ذلك ما فيه من الشناعة. في استقالة أبى بكر من الخلافة ومن طرائف ما رايت في كتبهم أن أبا بكر استقال من الخلافة فقال: أقيلوني اقيلوني فلست بخيركم وعلى فيكم، فيالله ما أعجب ذلك ممن يكون مستقيلا منها في حياته كيف يقلدها غيره بعد وفاته وينص على عمر، وقد كان يستصوب عمر غير ما يستصوبه أبو بكر، فمن ذلك انه اختار لعمر أو لابي عبيدة الخلافة


(1) العقد الفريد: 2 / 208 ط الازهرية بمصر.

[ 403 ]

يوم السقيفة فراى عمر ان الصواب في مخالفته وخلافته. ومن ذلك انهم رووا كما تقدم في خبر الصلاة ان أبا بكر لما جاءه رسول نبيهم يامره بالصلاة في مرضه فقال أبو بكر لعمر: تقدم أنت فصل بالناس، فاستصوب عمر مخالفة أبى بكر في ذلك ولم يتقدم. ومن ذلك ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الثامن من أحاديث البخاري في عبد الله بن الزبير عن رسول الله " ص " قال: قدم ركب من بنى تيم على النبي " ص " فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد بن زرارة، فقال عمر: بل أمر الاقرع بن حابس، قال أبو بكر: ما أردت الا خلافي، وقال عمر: ما أردت الا خلافك قال: فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما - الخبر (1). فكيف تقلد أبو بكر خلافة عمر مع ما شاهده من اختلاف الاراء وما يجوز بعده من المناقضة في الاهواء، ان ذلك من طرائف الاشياء وشهادتهم على اعيان خلفائهم انهم يرفعون أصواتهم فوق صوت نبيهم ويقدمون بين يديه وكتابهم يتضمن " يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا اصواتكم فوق صوت النبي " ويتضمن " لا تقدموا بين يدى الله ورسوله ". ومن طريف استقالة أبى من الخلافة انه ان كان استقال منها وهو يعلم انه أقوم بها وأصلح للمسلمين فقد خان الله ورسوله والامة، وان كان استقال وهو يعلم ان غيره أصلح للامة فهلا عين على الاصلح للامة ؟ وكيف دخل فيها وهو يعلم ان غيره أصلح للمسلمين، وان كان لا يعلم هل هو اصلح أو غيره فكيف يتقلد هذا الامر مع شكه هل يصلح له أو لا يصلح، ان هذا من أعجب ما شهدوا به على خليفتهم من الاضطراب والعدول عن الصواب.


(1) البخاري في صحيحه: 5 / 116 تمام الخبر: فنزلت في ذلك " يا ايها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدى الله ورسوله " حتى انقضت.

[ 404 ]

في تخصيصهم ابا بكر باسماء لا اختصاص له بها ومن طرائف أمر جماعة من المسلمين انهم سموا أبا بكر خليفة رسول الله ورايت في بعض كتبهم انهم خاطبوه أولا يا خليفة الله فاختار هو ان يقال له يا خليفة رسول الله " ص "، وقد ذكر ذلك الحميدى، فما أعجب حال هؤلاء فانه قد تقدمت رواياتهم في شرح حال بيعته انه ما دعاه أحد الى الحضور وانه توصل وحضر وبايعه عمر وابو عبيدة قبل مشورة المسلمين، فكيف صار خليفة رسولهم ؟ ولو سمى خليفة عمر أقرب الى الصدق لانه هو بايعه على الخلافة في ذلك اليوم. ثم لو أن المسلمين جعلوه خليفة كان يجب أن يقال خليفة المسلمين، والعجب أنهم يقولون ان نبيهم مات ولم يخلف أحدا، ثم مع ذلك تقدموا مكابرة وقالوا أبو بكر خليفة رسول الله " ص " فكيف استحسنوا لانفسهم هذه المناقضة الظاهرة والاحوال المضطربة. ومن طريف ذلك أنه لو جاز أن يسمى كل من يدخل في أمر من أمور الرسول خليفة، فكان يجب أن يكون كل أمير وقاض ووال من قبل الرسول أمير رسول الله وقاضي رسول الله ووالى رسول الله، فكيف اختص أبو بكر بهذا الاسم دون كافة من يستحق عندهم التسمية به. ومن طريف ذلك ان يكون خلفاء بنى اميه استخلفهم جماعة من المسلمين كما استخلفوا أبا بكر وما أراهم يجيزون تسمية واحد منهم ولا من غيرهم ممن استخلفه المسلمون أنه خليفة رسول الله. ومن طريف ذلك أن عمر بن الخطاب خالف أبا بكر وخالف اتباعه في هذه التسمية وسمى نفسه امير المؤمنين، ووجد من تابعه على ذلك من المسلمين،

[ 405 ]

ولم يعرفوا ان ذلك من جملة الاضطراب الشنيع والاختلاط البديع. ومن طريف امورهم انهم رووا في صحاحهم ان نبيهم قال: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبى ذر، ولم يرووا مثل لاحد من الصحابة ومع ذلك فلم يسموه صديقا، وسمعت في كتابهم وصف جماعة بالصديقين فقال " أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم " (1) ولم يسموا كل واحد من اولئك صديقا. ورووا فيما تقدم من هذا الكتاب من أحمد بن حنبل وكتاب ابن شيرويه وكتاب ابن المغازلي عن نبيهم ان الصديقين ثلاثة حبيب النجار مؤمن آل يس، وخربيل مؤمن آل فرعون وعلي بن أبى طالب عليه السلام وهو أفضلهم (2). وما تراهم خصصوا هؤلاء الثلاثة واطلقوا عليهم أو على أحد منهم لفظ الصديق، والعجب ان يكون علي بن ابى طالب عليه السلام أفضل الصديقين ولا يسمونه صديقا، ومع انه كان أول من صدق نبيهم وآمن به كما تقدم في رواياتهم وانه كان يقول على رؤس المنابر ومجمع الاشهاد كما رووا أنا الصديق الاكبر، ولم يسموه مع ذلك الصديق وخصصوا هذه اللفظة بابى بكر دون غيره سائر من سائر الصديقين، ان هذا مما تنفر منه عقول المستبصرين. في ان قولهم ان ابا بكر اغنى النبي " ص " بماله مكابرة ومن طرائف بهت جماعة من المسلمين ان كتابهم يتضمن ان الله يقول لنبيهم " ووجدك عائلا فاغنى " (3) فكابروا هذا القول وردوا عليه وقالوا: بل


(1) الحديد: 19. (2) المغازلى في المناقب: 246، والبحار: 35 / 412. (3) الضحى: 8.

[ 406 ]

أغناه أبو بكر بماله، وما استقبحوا لانفسهم الرد على كتابهم ولا النقص لقرآنهم مع ان أصحاب التواريخ ذكروا انه لم يكن لابي بكر ثروة سالفة ولا رئاسة متقدمة ولا لابيه ولا جده، وان محمدا " ص " نبيهم لم يزل قومه وجماعته أهل الثروة والرئاسة، وان محمدا " ص " لما كان بمكة كان له مع ماله ومال كفيله وعمه ابى طالب مال خديجة التي يضرب بكثرة مالها الامثال، ولما هاجر الى المدينة فتحت عليه الفتوح والغنائم، ففي أي الوقتين كان لابي بكر مال يغنيه بماله. ومن طريف ما يؤكد ذلك ان أباه أبا قحافة كان شديد الفقر حتى كان يؤجر نفسه للناس في أمور خسيسة، فاين كان غناه وايثاره مع سوء حال أبيه لو لا البهتان الذي لا شبهة فيه. فمن روايتهم في ذلك ما ذكره صاحب كتاب المثالب المنذر بن هشام بن محمد بن السائب الكلبي وهو من علمائهم فقال في الكتاب المذكور ما هذا لفظه: ومن كان ينادي على طعام ابن جذعان سفيان بن عبد الاسد المخزومى ولده بمكة، وأبو قحافة عثمان ابن عامر بن سعد بن تيم ولده بالمدينة، وفيه يقول أمية بن أبي الصلت في مرثية عبد الله بن جذعان: له داع بمكة مشمعل * وآخر فوق دارته ينادي الى ردح من الشيزى عليها * لباب البر علئ بالشهاد فالمشمعل سفيان بن عبد الاسد والاخر أبو قحافة. هذا آخر لفظه. فهل ترى لابي قحافة آثار غنى أو ثروة ؟ فمن أين انتقل الغناء الى أبي بكر حتى صار يغنى رسول الله " ص " بماله ؟ ليطعن بذلك على الله تعالى شانه. ومن طريف طعن عبد الله بن عباس على قولهم في ذلك ما روى عنه في تفسير قوله تعالى " ووجدك عائلا فاغنى " قال ابن عباس: أغناه بان جعل دعوته مستجابة، فلو شاء أن يصير الجبال ذهبا لصارت باذن الله، فمن يكون

[ 407 ]

كذلك كيف يحتاج الى مال أبى بكر وكيف يقال ان أبا بكر أغناه. ومن طريف مناقضتهم في ذلك ما يحتمل ان نبيهم كان يختبر أصحابه في مواساتهم له بمالهم فتجوع نفسه لذلك، أو كان يريد أن يكونوا اسوته في الصبر على الضيق، وكشف الحال في ان أبا بكر وعمر لم يكونا صاحبي ثروة ليواسياه، ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الثالث بعد المائة من أفراد مسلم في مسند أبي هريرة قال: خرج رسول الله " ص " ذات يوم أو ليلة فإذا هو بابى بكر وعمر، فقال ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة ؟ قالا: الجوع يا رسول الله قال: وأنا والذي نفسي بيده لاخرجني الذي أخرجكما ثم ذكر ان رجلا من الانصار أطعمهم بسرا ورطبا (1). (قال عبد المحمود): فهل ترى لابي بكر وعمر ثروة مع هذه الرواية التى شهدوا بصحتها وما يلتزم بها أحد من المسلمين الا من رواها وصححها. ومن طريف الامر في الجواب عن ذلك ان علي بن أبي طالب عليه السلام يتصدق بخاتمه فينزل فيه " انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون " وقد تقدمت رواياتهم لذلك. ويتصدق ايضا علي وفاطمة عليها السلام باقراص يسيرة على يتيم ومسكين وأسير فينزل فيهم سورة هل أتى كما تقدمت رواياتهم، ويكون أبو بكر على قولهم قد انفق مالا عظيما على نفس نبيهم فلم ينزل فيه آية ولا يشكره ربهم في كتابهم بكلمة ان هذا مما يدل على بطلان ما ادعوه وقبيح ما أبدعوه. حديث الغار وعدم فضيلة في مجرد مصاحبة النبي " ص " ومن طرائف مناقضتهم قولهم واعتقادهم ان أبا بكر صحب نبيهم الى الغار


(1) مسلم في صحيحه: 3 / 1609 كتاب الاشربة.

[ 408 ]

وقد رووا في مسند أحمد بن حنبل في حديث ابن عباس وهو حديث يتضمن عشر خصال جليلة دل بها نبيهم على منزلة علي بن أبي طالب عليه السلام يقول في جمله الحديث المذكور وشرا علي نفسه لبس ثوب رسول الله " ص " ثم نام مكانه قال: وكان المشركون يتوهمون انه رسول الله فجاء أبو بكر وعلي عليه السلام نائم، قال أبو بكر: فحسبت انه رسول الله فقال له علي: ان نبي الله قد انطلق الى بئر ميمون فادركه. قال: فانطلق أبو بكر فدخل معه الغار. وقد ذكر محمد بن جرير الطبري وهو من أعيان رجال المخالفين لاهل البيت عليهم السلام نحو هذا في تاريخه في الجزء الثالث ان أبا بكر أتى عليا فسأله عن نبى الله " ص " فاخبره انه لحق بالغار من ثور وقال ان كان لك فيه حاجة فالحقه فخرج أبو بكر مسرعا فلحق نبي الله " ص " في الطريق فسمع رسول الله جرس أبي بكر في ظلمة الليل فحسبه من المشركين فاسرع رسول الله المشي، فانقطع قبال نعله ففلق ابهامه حجر فكثر دمها وأسرع السعي فخاف أبو بكر أن يشق على رسول الله فرفع صوته وتكلم، فعرفه رسول اللة فقام حتى أتاه فانطلقا ورجل رسول الله " ص " تستن دما حتى انتهى الى الغار مع الصبح فدخلاه (1). أقول: فاول دم سفك من رسول الله " ص " بعد الهجرة على هذه الرواية هذا الدم الذي قد خرج من قدمه الشريف بجناية أبي بكر عليه، ولو كان توصل في اشارة يعرف بها رسول الله " ص " انه صاحبه ما كان قد أسرع المشي ولا خاف منه ولا جرى دمه. وقد رايت جماعة قد ادعوا أن قوله تعالى " إذ يقول لصاحبه لا تحزن " (2)


(1) الطبري في تاريخه: 2 / 245. (2) التوبة: 40.

[ 409 ]

يقتضي تفضيل أبى بكر حيث سمى بلفظ لفظ الصحبة، ولم اجد في ذلك فضيلة لان القرآن قد تضمن تسمية الصحبة من الكفار للنبى " ص " ولغيره من الانبياء بل ذكر المصاحبة مع الحيوان أيضا ولا ينافيه اللغة كما يقولون بئس الصاحب الحمار، وفي الاخبار ذكرت صاحبات نوح ولوط ويوسف، وقد ذكر الكافر مصاحبا للمؤمن قال الله تعالى " إذ قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذى خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا " (1). ومن نظائره انه قال " قل انما أعظكم بواحدة ان تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة ان هو الا نذير لكم بين يدى عذاب شديد (2) وقال تعالى في صحبه الكفار للنبى " أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة " (3). وانما ذكرنا تصريح القرآن بصحبة الكفار للنبى " ص " لاننا وجدنا الاحتجاج بمثل هذا في كثير مما وقفنا عليه، ألا ترى رواية الطبري وهو غير متهم على أبى بكر يتضمن انه ما كان عنده علم من توجه النبي " ص " من مكة الى المدينة وان النبي " ص " ستر ذلك عنه كما ستره عن أعداء الاسلام وانه ما عرف بتوجه النبي " ص " ولا موضع الاستتار الا من على بن أبى طالب عليه السلام ولم يمكن المقام بمكة بعد النبي " ص " خوفا من الكفار. (قال عبد المحمود) مؤلف هذا الكتاب: فهذا الحديث (4) يشهد أن نبيهم " ص " ما عرف أبا بكر بامره ولا اطلعه على سره ولا صحبه الى الغار ولا كان اتباعه الى الغار باذنه ولا دخوله معه فيه بقوله، فما أحسن هذه الرواية


(1) الكهف: 37. (2) سبأ: 46. (3) الاعراف: 184. (4) في الترجمة الحديثان وهو الصحيح وهما حديث أحمد والطبري.

[ 410 ]

عند الشيعة، واما قولهم فيها ان عليا عليه السلام اشار على أبى بكر بادراكه فلا تصدق الشيعة ذلك وتروى خلاف هذا. ومن طريف الروايات في ان النبي " ص " ما صحب أبا بكر الى الغار خوفا منه ان يدل الكفار عليه ما ذكره أبو هاشم بن الصباغ في كتاب النور والبرهان فقال في باب ما انزل الله تعالى على نبيه " ص " قم فانذر " (1) وقوله تعالى " فاصدع بما تؤمر " (2) وما ضمن رسول الله صلى الله عليه وآله لمن أجابه وصدقه، رفع الحديث عن محمد بن اسحاق قال: قال حسان: قدمت مكة معتمرا واناس من قريش يقذفون اصحاب رسول الله " ص " فقال ما هذا لفظه: فامر رسول الله عليا عليه السلام فنام على فراشه، وخشى ابن ابى قحافة ان يدل القوم عليه فاخذه معه ومضى الى الغار. وقال صاحب هذا الكتاب في باب هجرة النبي " ص " الى المدينة رفعه الى سعيد بن المسيب عن على بن الحسين عليه السلام قال في بعض هذا الحديث ما هذا لفظ لنظه: قال سعيد قلت لعلي بن الحسين عليه السلام قد كان أبو بكر مع رسول الله " ص " حين انتقل الى المدينة فاين فارقة ؟ فقال: ان أبا بكر لما قدم رسول الله " ص " الى قبا فنزل بها ينتظر قدوم على بن ابى طالب عليه السلام قال له أبو بكر انهض بنا الى المدينة فان القوم يستبشرون بقدومك وهم يسترهبون اقبالك إليهم فانطلق بنا ولا تقم هاهنا تنتظر عليا فما اظنه يقدم عليك شهرا ولا دهرا فقال له رسول الله: كلا بفيك الحجر، ما أسرعه يقدم ولا أزيل قدما عن قدم حتى يقدم على بن ابى طالب ابن عمى وأخى في الله واحب أهل بيتى الي، فقد وقانى بنفسه من المشركين وخفت غيره ان يدلهم على، فغضب


(1) المدثر: 2. (2) الحجر: 94.

[ 411 ]

عند ذلك أبو بكر واشماز وجهه ودخله من ذلك حسد لعلى بن أبى طالب عليه السلام وكان اول عداوة بدت منه لرسول الله " ص " في على وأول خلاف على رسول الله واسترها في نفسه حقدا، فانطلق حتى دخل المدينة وحده وتخلف رسول الله ينتظر قدوم على بن ابى طالب عليه السلام (قال عبد المحمود): في هذا الحديث ما يكشف لك عن السرائر وينبهك عن الحق الباهر ان كنت من أهل البصائر وتخاف من يوم الاخر. ومن طرائف مناقضاتهم انهم يقولون لو كان على بن ابى طالب عليه السلام يعلم انه أحق بالخلافة بعد نبيهم لنازع أبا بكر واظهر كراهيته لبيعته، وانهم ينسون أو يتناسون ما تقدم بعضه من رواياتهم في صحاحهم ان على بن ابى طالب عليه السلام بقى ممتنعا من مبايعة أبى بكر هو وسائر بنى هاشم مدة ستة أشهر، وجاهروا بالكراهة لبيعته والانكار لمتابعته. شكاية على بن ابى طالب عليه السلام عمن تقدمه وحديث الشورى ومن طرائف ما رووه من طرقهم عن اعيان ائمتهم وثقات رجالهم في طعن على بن ابى طالب عليه السلام على من تقدم عليه في الخلافة واظهار انه أحق بها ولم ينكر أحد ممن سمع ذلك منه. ما رواه أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه في كتابه وهو من اعيان ائمتهم، ورواه أيضا المسمى عندهم صدر الائمة أخطب خطباء خوارزم موفق بن أحمد المكى ثم الخوارزمي في كتاب الاربعين قال عن الامام الطبراني حدثنا سعيد الرازي قال حدثنا محمد بن حميد قال حدثنا زافر بن سليمان قال حدثنا الحرث ابن محمد عن أبى الطفيل عامر بن واثلة قال: كنت على الباب يوم الشورى

[ 412 ]

فارتفعت الاصوات بينهم، فسمعت عليا عليه السلام يقول: بايع أبا بكر وأنا والله أولى بالامر منه وأحق به منه، فسمعت وأطعت مخافة ان يرجع القوم كفارا ويضرب بعضهم رقاب بعض بالسيف، ثم بايع ابا بكر لعمر وأنا أولى بالامر منه، فسمعت وأطعت مخافة ان يرجع الناس كفارا، ثم أنم تريدون ان تبايعوا عثمان اذن لا أسمع ولا أطيع. وفى رواية اخرى رواها ابن مردويه أيضا وساق قول على بن أبى طالب عليه السلام عن مبايعتهم لابي بكر وعمر كما ذكره في الرواية المتقدمة سواء الا انه قال في عثمان: ثم انتم تريدون ان تبايعوا عثمان اذن لا أسمع ولا أطيع ان عمر جعلني في خمسة نفر أنا سادسهم لا يعرف لى فضلا في الصلاح ولا يعرفونه لى كانما نحن فيه شرع سواء، وأيم لو أشاء أن اتكلم لتكلمت ثم لا يستطيع عربيكم ولا عجميكم ولا المعاهد منكم ولا المشرك رد خصلة منها ثم قال: أنشدكم الله أيها الخمسة أمنكم أخو رسول الله غيرى ؟ قالوا: لا قال: أمنكم أحد له عم مثل عمى حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله غيرى ؟ قالوا: لا قال: أمنكم أحد له أخ مثل أخى المزين بالجناحين يطير مع الملائكة في الجنة ؟ قالوا: لا قال: أمنكم أحد له زوجة مثل زوجتى فاطمة بنت رسول الله " ص " سيدة نساء هذه الامة ؟ قالوا: لا قال: أمنكم أحد له سبطان مثل ولدى الحسن والحسين سبطى هذه الامة ابني رسول الله " ص " غيرى ؟ قالوا: لا قال: أمنكم أحد قتل مشركي قريش غيرى: قالوا: لا قال: أمنكم أحد وحد الله قبلى ؟ قالوا: لا قال: أمنكم أحد صلى الى القبلتين غيرى ؟ قالوا: لا قال: أمنكم أحد أمر الله بمودته غيرى ؟ قالوا: لا قال: أمنكم أحد غسل رسول الله غيرى ؟ قالوا: لا قال: أمنكم أحد سكن المسجد يمر فيه جنبا غيرى ؟ قالوا: لا قال: أمنكم أحد ردت عليه الشمس بعد غروبها حتى صلى العصر غيرى ؟

[ 413 ]

قالوا: لا قال: أمنكم أحد قال رسول الله حين قرب إليه الطير فاعجبه: اللهم أءتنى باحب خلقك اليك ياكل معى هذا الطير، فجئت وأنا لا أعلم ما كان من قوله فدخلت فقال: والي يا رب الي يا رب غيرى. قالوا: لا. قال: أمنكم أحد كان اقتل للمشركين عند كل شديدة تنزل برسول الله غيرى ؟ قالوا: لا قال: أمنكم أحد كان أعظم غناء عن رسول الله منى حتى اضطجعت على فراشه ووقيته بنفسى وبذلت مهجتي غيرى ؟ قالوا: لا قال: امنكم أحد كان ياخذ الخمس غيرى وغير زوجتى فاطمة ؟ قالوا: لا قال: أمنكم أحد كان له سهم في الخاص وسهم في العام غيرى ؟ قالوا: لا قال: أمنكم أحد يطهره كتاب الله غيرى حتى سد النبي " ص " أبواب المهاجرين جميعا وفتح بابى إليه حتى قام إليه عماه حمزة والعباس فقالا: يا رسول الله سددت أبوابنا وفتحت باب على فقال النبي: ما أنا فتحت بابه ولا سددت أبوابكم بل الله فتح بابه وسد أبوابكم قالوا: لا قال: أمنكم أحد تمم الله نوره من السماء حين قال وآت ذى القربى حقه قالوا: اللهم لا قال: أمنكم أحد ناجى رسول الله " ص " ستة عشر مرة غيرى ؟ حين نزل جبرئيل " يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدى نجواكم صدقة " أعمل بها أحد غيرى ؟ قالوا: اللهم لا قال: أمنكم أحد ولى غمض رسول الله غيرى ؟ قالوا اللهم لا قال: أمنكم أحد آخر عهده برسوله " ص " حين وضعه في حفرته غيرى ؟ قالوا: لا (1). (قال عبد المحمود): وفى رواية أخرى عن صدر الائمة عندهم موفق ابن أحمد المكى يرويها عن فخر خوارزم محمود الزمخشري باسناده الى أبى ذر زيادة في مناشدة على بن أبى طالب عليه السلام لاهل الشورى


(1) الخوارزمي في المناقب: 224، والمغازلي في المناقب: 112، والقندوزى في ينابيع المودة: 114، والعلامة المجلسي في البحار: 8 / 344 ط قديم.

[ 414 ]

وهذا لفظها: ناشدتكم الله هل تعلمون معاشر المهاجرين والانصار ان جبرئيل أتى النبي " ص " فقال: يا محمد لا سيف الا ذو الفقار ولا فتى الا على هل تعلمون كان هذا ؟ قالوا: اللهم نعم قال: فانشدكم الله هل تعلمون ان جبرئيل عليه السلام نزل على النبي " ص " فقال: يا محمد ان الله تبارك وتعالى يامرك أن تحب عليا وتحب من يحبه فان الله يحب عليا ويحب من يحب عليا قالوا: اللهم نعم قال: فانشدكم الله هل تعلمون ان رسول الله قال: لما أسرى بى الى السماء السابعة دفعت الى رفاف من نور ثم دفعت الى حجب من نور فوعد النبي " ص " الجبار لا اله الا هو اشياء، فلما رجع من عنده نادى مناد من وراء الحجاب نعم الاب أبوك ابراهيم ونعم الاخ أخوك على فاستوص به، أتعلمون معاشر المهاجرين والانصار كان هذا ؟ فقال من بينهم: أبو محمد يعنى عبد الرحمن ابن عوف سمعتها من رسول الله " ص " والا فصمتا قال: فانشدكم الله هل تعلمون ان أحدا كان يدخل المسجد جنبا غيرى ؟ اللهم قالوا: لا قال فانشدكم الله هل تعلمون ان أبواب المسجد سدها وترك بابى ؟ قالوا: اللهم نعم قال: هل تعلمون انى كنت إذا قاتلت عن يمين رسول الله قال: أنت منى بمنزلة هارون من موسى الا أنه لا نبى بعدى ؟ قالوا: اللهم نعم قال: فهل تعلمون ان رسول الله حين أخذ الحسن والحسين جعل يقول هي يا حسن فقالت فاطمة: ان الحسين أصغر وأضعف ركنا منه فقال لها رسول الله: ألا ترضين ان أقول أنا هي يا حسن ويقول جبرئيل هي يا حسين فهل لاحد منكم مثل هذه المنزلة ؟ نحن الصابرون ليقضى الله في هذه البيعة أمرا كان مفعولا. ثم قال: وقد علم موضعي من رسول الله " ص " والقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا وليد فضمني الى صدره ويلفني في فراشه ويمسنى جسده ويشمني عرقه، وكان يمضغ الشئ ثم يلقمنيه، وما وجد لي

[ 415 ]

كذبة في قول ولا خطا في فعل، ولقد قرن (1) الله به من لدن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته يسلك به سبيل المكارم ومحاسن الاخلاق العالم ليله ونهاره، ولقد كنت اتبعه اتباع الفصيل اثر امه، يرفع كل يوم لى علما من اخلاقه ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاوز في كل سنة بحرا فاراه ولا يراه غيرى، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الاسلام غير رسول الله " ص " وخديجة وانا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة وأشم ريح النبوة، ولقد سمعت رنة الشيطان حتى نزل الوحي عليه فقلت: يا رسول الله ما هذه الرنة ؟ فقال: هذا الشيطان قد ايس من عبادته انك تسمع ما أسمع وترى ما أرى الا أنك لست بنبي ولكنك وزير وانك لعلى خير، ولقد كنت معه " ص " لما أتاه الملا من قريش فقالوا له: يا محمد انك قد ادعيت عظيما لم يدعه آباؤك ولا أحد من بيتك ونحن نسالك أمرا ان اجبتنا إليه وأريتناه، علمنا انك نبي ورسول، وان لم تفعل علمنا انك ساحر كذاب فقال لهم " ص ": وما تسألون ؟ قالوا: تدعو لنا هذه الشجرة حتى تنقلع بعروقها وتقف بين يديك فقال " ص " ان الله على كل شئ قدير فان فعل الله ذلك لكم تؤمنون وتشهدون بالحق ؟ قالوا: نعم فقال " ص ": ساريكم ما تطلبون وانى لا علم انكم ما تفيئون الى خير وان فيكم من يطرح في القليب ومن يحزب الاحزاب، ثم قال: يا أيتها الشجرة ان كنت تؤمن بالله واليوم الاخر وتعلمين انى رسول الله فانقلعي بعروقك حتى تقفى بين يدى باذن الله، فو الذي بعثه بالحق لانقلعت بعروقها وجاءت ولها دوى عظيم شديد وقصف كقصف اجنحة الطير حتى وقفت بين يدى رسول الله " ص " والقت بعضها الاعلى على رسول الله وبعض اغصانها على منكبي وكنت عن يمينه، نظر القوم الى ذلك قالوا: علوا وستكبارا فمرها فلياتك نصفها ويبقى نصفها فأمرها بذلك فاقبل إليه نصفها كاعجب


(1) وفى الترجمة قرنى الله به من لدن كنت فطيما مع اعظم ملك من ملائكته يسلك بى - الخ.

[ 416 ]

اقبال وأشد دويا وكادت تلطف (1) برسول الله قالوا كفرا وعتوا: فمر هذا النصف يرجع الى نصفه كما كان فأمره رسول الله فرجع فقلت أنا: لا اله الا الله انى أول مؤمن آمن بك يا رسول الله وأول من آمن بان الشجرة فعلت ما فعلت بامر الله تصديقا لنبوتك وأجلالا لكلمتك، فقال القوم كلهم: بل ساحر كذاب عجيب السحر حقيق به، وهل يصدقك في أمرك الا مثل هذا يعنوني وانى لمن القوم الذين لا ياخذهم في الله لومة لائم، سيماهم سيما الصديقين وكلامهم كلام الابرار عماد الليل ومنار النهار متمسكون بحبل الله القرآن يحبون سنن الله وسنن رسوله لا يستكبرون ولا يقلبون (2) ولا يفسدون قلوبهم في الجنان وأجسادهم في العمل. (قال عبد المحمود): وقد روى صدر الائمة عندهم موفق بن أحمد المكى الخوارزمي ان على بن أبى طالب عليه السلام زاد على هذا يوم الشورى في المناظرة لهم والاحتجاج عليهم، وانه احتج بسبعين منقبة من مناقبه وساذكرها وطرفا مما رووه من اسباب مدح على عليه السلام عند ايراد ما ذكروه عن نبيهم في ذم من مدحوه من الاصحاب مما لم يتقدم ذكره في هذا الكتاب. ومن طرائف ما نقلوه في كتبهم المعتبرة برواية رؤسائهم من اظهار على بن ابى طالب عليه السلام للتالم من تقدم أبى بكر وعمر وعثمان عليه في الخلافة، وانه كان احق بها منهم بمحضر الخلق الكثير على المنابر وعلى رؤوس الاشهاد ما ذكره جماعة من أهل التواريخ والعلماء، وذكره ابن عبدربه في الجزء الرابع من كتاب العقد وابو هلال العسكري في كتاب الاوائل في الخطبة التى خطب بها على بن أبى طالب عليه السلام عقيب مبايعة الناس له، وهى اول خطبة خطبها فقال بعد اشارات ظاهرة وباطنة بالتالم ممن تقدمه وممن وافقهم ما هذا لفظه:


(1) وفى المطبوع تلتف. (2) وفى الترجمة: ينقلبون.

[ 417 ]

وقد كانت أمور ملتم فيها عن الحق ميلا كثيرا كنتم فيها غير محمودين أما اني لو أشاء أن أقول لقلت عفا الله عما سلف سبق الرجلان وقام الثالث كالغراب همته بطنه ويله لو قص جناحه وقطع راسه لكان خيرا له، انظروا فان أنكرتم فانكروا وان عرفتم فاعرفوا. هذا آخر المراد من اللفظ وهي خطبة كاشفة عما تجدد في حقه من ظلم المتقدمين عليه في الخلافة، فمن أرادها فليقف عليها من هناك يقول في آخرها ما هذا لفظه على ما حكاه صاحب كتاب العقد: ألا ان الابرار من عترتي وأطائب ارومتى أحلم الناس صغارا وأعلمهم كبارا، ألا وانا أهل بيت من علم الله علمنا وبحكم الله حكمنا ومن قول صادق سمعنا فان تتبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا معنا راية الحق من تبعها لحق ومن تأخر عنها غرق، ألا وبنا يرد ترة كل مؤمن وبنا يخلع ربقة الذل من اعناقهم وبنا فتح وبنا يختم (1). ورايت خطبة لعلي بن أبي طالب عليه السلام قد فسرها الحسن بن عبد الله ابن سعيد العسكري صاحب كتاب المواعظ والزواجر وهو من رؤساء مخالفي أهل البيت، والخطبة في كتاب اسمه كتاب معاني الاخبار تاريخ الفراغ من نسخة سنة احدى وثلاثين وثلاثمائة، قال صاحب كتاب معاني الاخبار ما هذا لفظه: باب معاني خطبة أمير المؤمنين عليه السلام محمد بن ابراهيم الطالقاني قال: حدثنا عبد العزيز بن يحيى الجلودى قال: حدثنا أبو عبد الله أحمد بن عمار بن خالد قال: حدثنا عبد الجليل يحيى بن عبد الحميد الحملي قال: حدثنا عيسى بن راشد عن أبي خزيمة عن عكرمة عن ابن عباس وحدثنا محمد بن علي بن ما جيلويه قال: حدثني عمي محمد بن أبى القاسم عن أحمد بن أبي عبد الله البرقى عن أبيه عن ابن أبي عمير عن أبان بن عثمان عن أبان بن تغلب عن


(1) العقد الفريد: 2 / 133.

[ 418 ]

عكرمة عن ابن عباس. قال: ذكرت الخلافة عند أمير المؤمنين عليه السلام فقال: والله لقد تقمصها أخو تيم وانه ليعلم ان محلي منها محل القطب من الرحى، ينحدر عنى السيل ولا يرقى الى الطير -، فسدلت دونها ثوبا، وطويت عنها كشحا، وطفقت أرتاى بين ان أصول بيد جذاء، أو أصبر على طخية عمياء، يشيب فيها الصغير ويهرم فيها الكبير، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى الله، فرايت ان الصبر على هاتا أحجى، فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجا، أرى تراثي نهبا، حتى إذا مضى الاول لسبيله، عقدها لاخى عدي بعده، فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لاخر بعد وفاته، فصيرها والله في حوزه خشناء، يخشن مسها ويغلظ كلمها، ويكثر العثار فيها والاعتذار منها، فصاحبها كراكب الصعبة ان أعنف بها خرم، وان أسلس لها تقحم، فمنى الناس لعمر الله بخبط وشماس وتلون واعتراض، وبلوامع هن وهن، فصبرت على طول المدة، وشدة المحنة حتى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم اني منهم، فيالله وللشورى ! متى اعترض الريب في مع الاول منهم، حتى صرت أقرن بهذه النظائر، فمال رجل لضغنه، وأصغى آخر لصهرة. وقام ثالث القوم نافجا حضنية، بين نثيله ومعتلفة، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الابل نيتة الربيع الى أن انتكث عليه فتله، وأجهز عليه عمله، وكبت به بطنته. فما راعني الا والناس كعرف الضبع الى، ينثالون علي من كل جانب، حتى لقد وطئ الحسنان، وشق عطفاى، مجتمعين حولي كربيضة الغنم، فلما نهضت بالامر نكثت طائفة، ومرقت أخرى، وقسط آخرون، كأنهم لم يسمعوا الله سبحانه يقول " تلك الدار الاخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض ولا فسادا والعاقبة للمتقين " بلى والله لقد سمعوها ووعوها، ولكن حليت الدنيا

[ 419 ]

في أعينهم وراقهم زبرجها، أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لو لا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء ألا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم، لالقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكاس أولها، ولالفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز. قال: فناوله رجل من أهل السواد كتابا فقطع الحديث وتناول الكتاب فقلت: يا أمير المؤمنين لو أطردت مقالتك حيث بلغت فقال: هيهات يابن عباس تلك شقشقة هدرت ثم قرت، فقال: ما أسفت على كلام قط أسفى على كلام أمير المؤمنين عليه السلام حيث أراد. وقد تركت تفسير الخطبة لئلا يطول بذكره، ولانه واضح في مراد نامنها وقد حكى هذه الخطبة مؤلف نهج البلاغة وفيها هناك ألفاظ أفصح وأوضح (1). [ (قال عبد المحمود): هذه الخطبة موجودة في نهج البلاغة الذي جمعه السيد الرضي العلوي الموسوي، وانما عدلت عن النقل من نهج البلاغة الى النقل عن معاني الاخبار لاسباب شتى: أحدها أنها في نهج البلاغة محذوفة الاسانيد وفي معاني الاخبار مسندة كما ذكر، ثانيها انها في كتاب معاني الاخبار مفسرة بتفسير حسن بن سعيد العسكري من اعيان رجال الاربعة المذاهب، فلو كان له شبهة أو شك ما فسرها ولا اهتم بها، وفي الرواية من الطعون على أئمة الضلال الذين تقدموا على علي بن أبي طالب عليه السلام وانما تركت نقل تفسير الكلمات اللغوية التي فيها الموافقة للقواعد العربية لان الغرض لم يكن في ذلك. وثالثها ان تاريخ نسخة معاني الاخبار مقدم على ولادة السيد الرضي الموسوي مؤلف نهج البلاغة، لان مولد المرتضى علي بن الحسين الموسوي


(1) نهج البلاغة الخطبة الثالثة المعروفة بالشقشقية: 48 صبحى صالح.

[ 420 ]

في شهر رجب سنة ثلاثمائة وخمسة وخمسين وهو أكبر من أخيه محمد بن الحسين الرضي الموسوي مؤلف نهج البلاغة لان تاريخ ولادته سنة ثلاثمائة وتسع وخمسين وتاريخ وفاته شهر المحرم سنة ستة وأربعمائة، وتاليف كتاب معاني الاخبار أقدم على ولادة أخيه المرتضى علي بن الحسين، فاحببت نقل هذه الخطبة من الكتاب الذي هو أقدم تأليفا وأوضح برهانا، مع ان تاريخ وفاة مصنف كتاب معاني الاخبار أقدم من ولادة المرتضى الذى هو أكبر من الرضي الموسوي مؤلف كتاب نهج البلاغة. (قال عبد المحمود): ولقد وجدت هذه الخطبة ايضا في كتاب بخزانة كتب المدرسة النظامية العتيقة الذى سماه صاحب كتاب الغارات في الجزء الثاني منه في كتاب مقتل على بن أبي طالب عليه السلام تاريخ الفراغ منه يوم الثلاثاء ثلاث عشر مضين من شوال سنة ثلاثمائة وخمسة وخمسين وهذا هو سنة ولادة السيد المرتضى الموسوي قبل ولادة أخيه الرضي مؤلف نهج البلاغة، وهذه ألفاظ الرواية من كتاب الغارات في مدرسة النظامية: قال: حدثنا محمد قال حدثنا حسن بن على الزعفراني قال: حدثنا محمد ابن زكريا القلابى قال: حدثنا يعقوب بن جعفر بن سليمان عن أبيه عن جده عن ابن عباس قال: أبو محمد حدثنى به قبل ذهاب بصره وقال أبو بكر محمد بن وثيق حدثنا محمد بن زكريا بهذه الاسناد عن ابن عباس انه قال: كنت عند أمير المؤمنين عليه السلام في الرحبة إذ تنفس الصعداء، ثم قال: أما والله لقد تقمصها ابن أبى قحافة وانه ليعلم ان محلى منها محل القطب من الرحى، ينحدر عنى السيل، ولا يرقى الى الطير. ولكن سدلت دونها ثوبا، وطويت عنها كشحا، وطفقت أرتاى من ان أصول بيد جذاء، أو أصبر على طخية عمياء، ترضع فيها الصغير ويذب فيها الكبير، ويكدح فيها مؤمن

[ 421 ]

حتى يلقى ربه، فرايت الصبر على هاتين أحجى، فصبرت وفى العين قذى وفى الحلق شبحى من مزار، أرى تراثي نهبا، الى ان حضرته الوفاة، فادلى بها الى عمر بعد وفاته، لشد ما شطر ضرعاها، شتان ما يومى على كورها ويوم حيان أخى جابر، فصيرها والله في ناحية خشناء، يخفق مسها ويغلظ كلمها، ويكثر العثار، ويقل الاعتذار، صاحبها منها كراكب الصعبة ان أشنق لها خرم، وان أسلس لها تقحم، فمنى الناس لعمر الله بخبط وشماس وتلون واعتراض، الى ان حضرته الوفاة فجعلها شورى بين يدى جماعة زعم انى أحدهم، فيا للشورى ولله بهم، متى اعترض في الريب مع الاول، حتى انى لان يقرن بى هذه النظائر لكن سففت إذ سفوا وطرت إذ طاروا، وأصبر على طول المحنة وانقضاء المدة، فمال رجل لضغنه واصغى آخر لصهره مع هن وهنات، الى ان قام ثالث القوم، نافجا حضنيه بين نثيله ومعتلفه، وشرع معه بنو أبيه يهضمون مال الله هضم الابل نبتة الربيع، الى ان ترب به مصيله فاجهز عليه سوء عمله فما راعني من الناس الا وهم رسل الى كعرف الضبع، فسئلوني ان أبايعهم، وانثالوا على حتى لقد وطئ الحسنان، وانشق عطفاهما، فلما نهضت بالامر نكثت شرذمة ومرقت طائفة وفسق آخرون، كأنهم لم يسمعوا الله تبارك وتعالى يقول " تلك الدار الاخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض ولا فسادا والعاقبة للمتقين " بلى والله لقد سمعوا، ولكن احلولت دنياهم في أعينهم وراقهم زبرجها، أما والذى فلق الحبة وبرى النسمة، لو لا حضور الناصر ولزوم الحجة، وما أخذ الله على الاولياء الامراء الا يقاروا على كظه أو سغب مظلوم، لارسلت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكاس أولها، ولالفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز. قال: قام إليه رجل من أهل السواد فناوله فقطع كلامه، قال ابن عباس:

[ 422 ]

فما اسفت على كلام ولا تفجعت كتفجعى على ما فاتني من كلام أمير لمؤمنين عليه السلام، فلما فرغ من حاجة السوادى فقلت له: يا أمير المؤمنين لو اطردت مقالتك من حيث أفضت إليها، قال هيهات هيهات يابن عباس كانت شقشقة هدرت ثم قرت (1) (قال عبد المحمود): ما يوجد في هذه الرواية ورواية صاحب الغارات من اختلاف الالفاظ أو الالحان في اعراب أو نقصان شئ فهو كما وجدناه في مدرسة النظامية البغدادي ]. وقد تضمن كتاب عن علماء أهل البيت فيه عبادات يعمل بها شيعتهم، أسمه كتاب مصباح المتهجد في عبادات السنة خطبة لامير المؤمنين على بن ابى طالب عليه السلام خطب بها في خلافته في يوم اتفق أنه يوم الجمعة، ويوم نص نبيهم بالخلافة في يوم غدير خم، وهي خطبة جليلة قد كشف فيها ما جرى من المتقدمين عليه بالخلافة وظلمهم له، فليقف عليها من أرادها من هناك فانها طويلة تشهد أنه كلامه حقا. وقد تضمن كتاب عن أهل البيت يسمى كتاب الرسائل لمحمد بن يعقوب الكليني، فيه كتب من أهل البيت الى شيعتهم، وذكر شئ من أحوالهم، ويتضمن كتابا أملا على بن ابى طالب عليه السلام في شرح ظلم المتقدمين عليه بالخلافة من اوضح في المعنى، وانه جمع عشرة من خيار المسلمين وأملاه بحضورهم (2). وقد شهد البخاري ومسلم في صحيحيهما الذين تعتقد علماء الاربعة المذاهب بصحة ما اتفقا عليه، ان العباس وعلي بن أبى طالب عليه السلام يعتقدان في ابى


(1) في هامش الترجمة هنا هذه العبارة " قابلت مع النسخة هكذا كان ". (2) وقد نقله بطوله السيد ابن طاووس في كشف المحجة: 189 - 193.

[ 423 ]

بكر وعمر أنهما كاذبان آثمان غادران خائنان، وقد تقدم هذا الحديث في هذا الكتاب عند ذكر مطالبة فاطمة بميراث أبيها نبيهم، وتقدمت الاشارة الى موضع الحديث من صحيح البخاري ومسلم. وقد ذكر ابن عبدربه المقدم ذكره في كتاب العقد في المجلد الرابع حديث كتاب كتبه معاوية الى علي بن أبي طالب عليه السلام وجواب على له، وفي جملة الجواب ما هذا لفظه: وذكرت أبطائى عن الخلفاء وحسدي أياهم والبغى عليهم، فاما البغى فمعاذ الله ان يكون، وأما الكراهية لهم فو الله ما اعتذر الى الناس من ذلك. وذكر ابن عبدربه في المجلد الرابع المذكور عدة أحاديث تتضمن تصديق جماعة من الصحابة لمن يعتقد ان بني هاشم احق بالخلافة ممن تقدم عليهم، فمن ذلك حديث هذا لفظه: وقال ابن عباس: ماشيت عمر بن الخطاب يوما فقال لى: يابن عباس ما منع قومكم منكم، وأنتم أهل البيت خاصة قلت: لا أدري قال: لكنى أدري انكم فضلتموهم بالنبوة فقالوا: ان فضلونا بالخلافة مع النبوة لم يبقوا لنا شيئا، وان أفضل النصيبين بايديكم، بل ما أخالها الا مجتمعة فيكم وان نزلت على رغم انف قريش (1)، هذا آخر لفظه في المعنى. وقد تقدم عند ذكر يوم السقيفة ما أجمع عليه البخاري ومسلم في صحيحيهما من ان بنى هاشم كافة كانوا في الخلافة تبعا لعلي عليه السلام، ومجتمعين على استحقاق تقدمه عليهم، وانه ما بايع أحد منهم أبا بكر حتى اضطر الى البيعة كرها، أو لعدم الناصر له، فاي ذنب للشيعة ان اعتقدوا أو اعتقد أحد منهم ضلال المتقدمين على علي بن ابى طالب عليه السلام، وقد شهد علماء الاربعة المذاهب بتصديقهم واعترفوا لهم بمثل ذلك.


(1) العقد الفريد: 2 / 214.

[ 424 ]

ومن طريف ما رووه في المعنى الموصوف ما هو موجود في خزانة الكتب بالرباط المعروف بتربة الاختلاطية (1) بالجانب الغربي من بغداد في ورقة من رق ملصقة باخره كتاب أعلام الرسول تأليف المأمون من خلفاء بنى العباس وتاريخ الكتاب المذكور شوال سنة احدى وخمسين وماتين ما نسخته عن الحكم بن مروان عن جبير بن حبيب قال: نزلت بعمر بن الخطاب نازلة قام لها وقعد وتريح وتعظوا (2)، ثم قال: يا معشر المهاجرين ما عندكم فيها ؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين أنت المفرع والمترع، فغضب ثم قال: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا أما والله انى واياكم لنعرف اين بجدتها الخبير بها فقالوا: كانك أردت ابن أبى طالب قال: وانى يعدل بي عنه وهل طفحت حرة بمثله قالوا: لو بعثت إليه فال: هيهات هنات شمخ من بنى هاشم ولحمة من رسول الله " ص " وأثرة من علم يؤتى إليه ولا ياتي، امضوا بنا إليه فانصفوا وافضوا نحوه وهو في حائط له عليه تبان يتوكا على مسحاته وهو يقول " أيحسب الانسان أن يترك سدى ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى " (3) ودموعه تجرى على خديه، فاجهش القوم لبكائه، ثم سكن وسكنوا وساله عمر عن مسالة فاصدر إليه جوابها، فلوى عمر يديه ثم قال: والله لقد أرادك الحق ولكن ابي قومك. فقال له: يا أبا حفص خفض عليك من هنا ومن هنا ان يوم الفصل كان ميقاتا، فانصرف عمر وقد اظلم وجهه كانما ينظر من ليل. (قال عبد المحمود): هذا يوضح لاهل التوفيق والتصديق ان عمر والصحابة كانوا يعرفون ان على بن أبي طالب عليه السلام احق بالامر على التحقيق،


(1) وفى المخطوط: الاخلاطية. (2) كذا في المخطوط ولعله " تمطى " كما يستفاد من الترجمة. (3) القيامة: 36.

[ 425 ]

ويكشف ان عليا عليه السلام كان عارفا انه مظلوم، وانه يتهدد عمر بيوم القيامة وان عمر يعلم ذلك ولا يسهل عليه ترك الخلافة وتسليمها الى صاحبها بن أبي طالب عليه السلام، وفي ذلك ما يطول ذكره من الطرائف والعجائب. ومن طريف الامر أن يتعجب أحد من صبر علي بن ابي طالب عليه السلام عن المحاربة والمنازعة، ويقال كيف اقتصر على الانكار باللسان ؟ وقد عرفوا ان جماعة من الانبياء وخلفاء الانبياء صبروا على منازعة الفراعنة والملوك لعدم الانصار والاولياء، فهلا كان عذر علي بن ابى طالب عليه السلام كعذر الانبياء وأوصيائهم، وكفى شاهدا بذلك انه لما اعتزل عن بيعة أبى بكر لم يكن معتزلا معه وموافقا له كما رووا الا بنو هاشم خاصة، والباقون مختلفون في الاراء فكيف يقوى بنو هاشم وحدهم بمن خالفهم أو اختلف فيهم وأي عذر أوضح من ذلك. ومن طريف الجواب عن ذلك وظهور المناقضة من اولئك المسلمين انهم اعترفوا ان اعيان الصحابة والمسلمين امسكوا في بعض خلافة معاوية ويزيد عن المحاربة والمجاهدة بالانكار، وبايع كثير منهم ومع ذلك فلا تجعلون أمساك المسلمين عن استمرار محاربة معاوية ويزيد دليلا على الرضا بخلافتهما، فهلا كان لعلي بن ابي طالب عليه السلام وبني هاشم من العذر في استمرار ترك المنازعة لابي بكر ما كان للمسلمين في ترك المنازعة لمعاوية ويزيد وبني امية. ومن طريف صواب الجواب على التفصيل ما رايته في بعض كتب المسلمين انه لما اتصل بعلي بن أبي طالب عليه السلام ان الناس قالوا ما له لم ينازع ابا بكر وعمر وعثمان كما نازع طلحة وزبير قال: فخرج مرتديا ثم نادى الصلاة جامعة فلما اجتمع الصحابة قام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا معاشر الناس بلغني أن قوما قالوا ما له لم ينازع أبا بكر وعمر وعثمان كما

[ 426 ]

نازع طلحة وزبير وعائشة، وان لي في سبعة أنبياء عليهم السلام أسوة: أولهم: نوح عليه السلام فقال الله تعالى مخبرا عنه " رب اني مغلوب فانتصر " (1) فان قلتم ما كان مغلوبا فقد كذبتم القرآن وان كان ذلك كذلك فعلي أعذر. الثاني: ابراهيم خليل الرحمن عليه السلام حيث يقول " واعتزلكم وما تدعون من دون الله " (2) فان قلتم انه ما اعتزلهم من غير مكروه فقد كفرتم وان قلتم انه راى المكروه منهم فاعتزلهم فعلي أعذر. الثالث: لوط ابن خال عليه السلام إذ قال لقومه " لو أن لي بكم قوة أو آوي الى ركن شديد " (3) فان قلتم كان له قوة واعتزلهم فقد كفرتم وان قلتم انه لم يكن له بهم قوة فاعتزلهم فالوصى أعذر. الرابع: يوسف عليه السلام إذ قال " رب السجن احب الى مما يدعونني إليه " (4) فان قلتم انه دعى الى غير ما يسخط فقد كفرتم وان قلتم انه دعى الى ما يسخط الله عز وجل فاختار السجن فالوصي أعذر. والخامس: موسى بن عمران عليه السلام إذ قال " ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين " (5) فان قلتم انه فرمنهم من دون خوف فقد كفرتم وان قلتم انه فر منهم خوفا فالوصى أعذر. والسادس: هارون عليه السلام إذ قال " يابن أم ان القوم استضعفوني وكادوا


(1) القمر: 10. (2) مريم: 48. (3) هود: 52. (4) يوسف: 33. (5) الشعراء: 21.

[ 427 ]

يقتلونني فلا تشمت بي الاعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين " (1) فان قلتم انهم ما استضعفوه ولم يشرفوا على قتله فقد كفرتم وان قلتم انهم استضعفوه واشرفوا على قتله فالوصي أعذر. والسابع: محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ هرب الى الغار خوفا فان قلتم انه هرب من غير خوف أخافوه فقد كفرتم وان قلتم انهم أخافوه فلم يسعه الا الهرب فالوصي أعذر. فقال الناس: صدق أمير المؤمنين عليه السلام وهذا هو الحق والعذر الواضح. ومن طريف ما رووه عن نبيهم محمد " ص " في ان المسلمين يغدرون مع علي بن ابي طالب عليه السلام بعد وفاة نبيهم، وتصديقهم علي بن ابى طالب عليه السلام فيما ذكره من غدرهم به. ما رواه الشافعي ابن المغازلي في كتاب المناقب باسناده قال: قال النبي " ص " لعلي بن ابى طالب عليه السلام: ان الامة ستغدر بك من بعدي (2). ومن كتاب المناقب تأليف ابى بكر احمد بن موسى بن مردويه الحافظ وهو من اعيان مخالفى أهل البيت باسناده الى ابن عباس قال: خرجت أنا وعلى والنبى " ص " في جنان المدينة فمررنا بحديقة، فقال على: ما أحسن هذه الحديقة يا رسول الله فقال: حديقتك في الجنة احسن منها، ثم مررنا بحديقة فقال: ما احسن هذه يا رسول الله حتى مررنا بسبع حدائق فقال النبي " ص " حدائقك في الجنة أحسن منها، ثم ضرب بيده على راسه ولحيته وبكى حتى علا بكاؤه فقال: ما يبكيك يا


(1) الاعراف: 150. (2) غير موجود في المناقب المطبوع، ورواه البخاري في تاريخه: 1 / 174، والحاكم في المستدرك: 3 / 140، والخطيب البغدادي في تاريخه: 11 / 216، وفضل ابن شاذان في الايضاح: 452، والعلامة المجلسي في البحار: 28 / 65 و 76.

[ 428 ]

رسول الله ؟ قال: ضغائن في صدور قوم لا يبدونها لك حتى يفقدوني. ورواه من طريق اخرى وزاد فيه: ان عليا قال للنبى " ص ": في سلامة من دينى فقال نعم في سلامة من دينك (1). (قال عبد المحمود): ورايت في التواريخ والكتب شيئا كثيرا يقتضى ان نبيهم عرف لعلي بن ابى طالب عليه السلام ما جرت الحال عليه وأمره بالصبر كما انتهى أمره إليه، ومما يصدق ذلك اتفاقهم في صحاحهم على ما تقدم من وصف نبيهم حال أكثر أصحابه، وأنهم يختلفون بعده ويرتدون وأنهم يفترقون الى ثلاثة وسبعين فرقة، وحديثه مع عمار بن ياسر وان ضلالهم ينتهى الى حد الاشتهار، فلا عجب لو كان علي بن ابى طالب عليه السلام في تقية منهم ويعرض عنهم. وقد ذكر مسلم أيضا في صحيحة في المجلد الثالث عن سعيد بن ابى بردة عن أبيه قال في الحديث ما هذا لفظه: عن نبيهم فرفع راسه الى السماء، وكان كثيرا ما يرفع راسه الى السماء فقال: النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى اهل السماء ما يوعدون، وأنا أمنة لاصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون (2). هذا المراد من الحديث نقلناه بالفاظه، فهل ترى من نبيهم الا وقد شهد عليهم بالاضطراب والاختلاف بعد وفاته كما ذكره على بن ابى طالب عليه السلام عنهم مكررا. مخالفة ابى بكر وعمر لامر رسول الله " ص " ومن أعظم طرائف الاربعة المذاهب أنهم رووا أن ابا بكر وعمر خالفا


(1) رواه الخوارزمي في المناقب: 26، ومجمع الزوائد: 9 / 118، وذخائر العيبي: 9، والحاكم في المستدرك: 3 / 139، وتاريخ بغداد: 12 / 398، والعلامة الكركي في النفحات: 85، البحار: 28 / 75. (2) مسلم في صحيحه: 4 / 1961 فضائل الصحابة.

[ 429 ]

رسول الله " ص " في ازالة الضلال عن امته، وان مخالفتهما كان سبب هلاك من هلك وضل من المسلمين. فمن ذلك ما رواه الشيخ الحافظ محمد بن مؤمن الشيرازي فيما أورده في كتابه الذى استخرجه من التفاسير الاثنى عشر، تفسير أبى يوسف يعقوب بن يوسف بن سفيان، وتفسير ابن جريح، وتفسير مقاتل بن سليمان، وتفسير وكيع ابن جراح، وتفسير يوسف ابن موسى القطان، وتفسير قتادة، وتفسير ابى عبيدة قاسم بن سلام، وتفسير على بن حرب الطائى، وتفسير السدى وتفسير مجاهد، وتفسير مقاتل بن حيان، وتفسير أبى صالح، قال: حدثنا يحيى بن الحسين بمكة: حدثنا أبو شعيب الحرابى، حدثنا يحيى بن عبد الله البابلي عن سلمة بن وردان عن أنس بن مالك قال: كنا جلوسا عند النبي " ص " فتذاكرنا رجلا يصلى ويصوم ويتصدق ويزكى فقال لنا رسول الله: لا أعرفه. فقلنا يا رسول الله انه يعبد الله ويسبحه ويقدسه ويوحده. فقال: لا أعرفه، فبينما نحن في ذكر الرجل إذا طلع علينا، فقلنا: هو هذا، فنظر إليه رسول الله " ص " وقال لابي بكر: خذ سيفى هذا واذهب الى هذا الرجل واضرب عنقه فانه أول من رايته من حزب الشيطان، فدخل أبو بكر المسجد فرآه راكعا فقال: والله لا اقتله فان رسول الله نهانا عن قتل المصلين، فرجع أبو بكر فقال: يا رسول انى رايت الرجل راكعا وانك نهيتنا عن قتل المصلين، فقال رسول الله: اجلس يا أبا بكر فلست بصاحبه، قم يا عمر وخذ سيفى من ابى بكر وادخل المسجد فاضرب عنقه، قال: فاخذت السيف من يد ابى بكر ودخلت المسجد فرايت الرجل ساجدا فقلت: والله لا أقتله فقد استاذنه من هو خير منى، فرجعت الى رسول الله " ص " فقلت: يا رسول الله انى رايت الرجل ساجدا فقال: يا عمر أجلس فلست بصاحبه، قم يا على فانك انت قاتله ان وجدته

[ 430 ]

فاقتله فانك ان قتلته لم يقع الضلال والاختلاف بين امتى أبدا. قال علي: فاخذت السيف ودخلت المسجد فلم أره، فرجعت الى رسول الله " ص " وقلت: ما رايته فقال: يا أبا الحسن ان أمة موسى افترقت أحد وسبعين فرقة فرقة ناجية والباقون في النار، وان أمة عيسى افترقت على اثنين وسبعين فرقة فرقة ناجية والباقون في النار، وان أمتي ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة فرقة ناجية والباقون في النار. فقال: يا رسول الله من الناجي ؟ قال: المتمسك بما أنت عليه وأصحابك، فانزل الله في ذلك الرجل " ثانى عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق " (1) يقول: هو أول من كان ظهر من أصحاب البدع والضلالات: قال ابن عباس: والله ما قتل ذلك الرجل الا أمير المؤمنين عليه السلام يوم صفين، ثم قال له " في الدنيا خزي " قال: القتل " ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق " بقتاله علي ابن أبي طالب عليه السلام يوم صفين. (قال عبد المحمود): انظر رحمك الله الى هذا الحديث فان مفهومه ان النبي " ص " قد كان عرف ان الرجل يصلى ويصوم ويتصدق ويزكى، ومع ذلك فانه أمر أبا بكر بقتله فلم يقتله، فكيف يقبل العقل ان هذا الامر أشتبه على أبي بكر ؟ فان أمر الانبياء بقتل أحد لا يكون الا بامر الله ويتضمن القرآن المجيد قوله تعالى " وما ينطق عن الهوى * ان هو الا وحي يوحى " ثم تعجب من عمر وقد أمره النبي بقتله بعد ان سمع ان أبا بكر ذكر انه يصلى ويصوم وبعد ظهور الانكار على أبي بكر من النبي " ص " وقوله له لست بصاحبة، فلا يقتله أيضا عمر ولا يقبل أمر الرسول مع ان الله تعالى يقول " فليحذر الذين يخالفون عن أمره ان تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ".


(1) الحج: 9.

[ 431 ]

ثم انظر كيف ذكر النبي " ص " في ذلك الوقت افتراق أمته ثلاثا وسبعين فرقة، هل ترى هذا الا شهادة ممن يروي هذا الحديث وصدقه ان ترك أبي وعمر لامتثال أمر رسول الله وعدولهم من قتل ذلك الرجل كان سبب ضلال من ضل من أهل الاسلام، وتنبيه من النبي " ص " للانام انهما سببا الضلال ليكون حجة على أمته يوم الحساب والسؤال، وكيف حسن من رجال الاربعة المذاهب ذكره هذا الاحوال. منع عمر النبي " ص " عند وفاته ان يكتب كتابا لا يضل بعده امته ابدا ومن أعظم طرائف المسلمين أنهم شهدوا جميعا ان نبيهم أراد عند وفاته أن يكتب لهم كتابا لا يضلون بعده أبدا، وان عمر بن الخطاب كان سبب منعه من ذلك وسبب ضلال من ضل من أمته وسبب اختلافهم وسفك الدماء بينهم وتلف الاموال واختلاف الشريعة وهلاك اثنين وسبعين فرقة من أصل فرق الاسلام وسبب خلود من يخلد في النار منهم، ومع هذا كله فان أكثرهم أطاع عمر ابن الخطاب الذي قد شهدوا عليه بهذه الاحوال في الخلافة وعظموه، وكفروا بعد ذلك من يطعن فيه وهم من جملة الطاعنين، وضللوا من يذمه وهم من جملة الذامين، وتبرأوا ممن يقبح ذكره وهم من جملة المقبحين. فمن الرواية في ذلك ما ذكره محمد بن علي المازندراني في كتاب أسباب نزول القرآن في تفسير قوله تعالى " كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت " (1) فقال في مسند أحمد بن حنبل عن جابر الانصاري ان النبي " ص " دعى عند موته


(1) البقرة: 180.

[ 432 ]

بصحيفة ليكتب فيها كتابا لا يضلون بعده قال: فخالف عمر حتى رفضها (1). ورووا عن سعيد بن جبير وعن عكرمة وعن سفيان بن عيينة وعن عمرو ابن دينار وعن الحكم بن أبان ثم روى أحمد بن حنبل عن سعيد بن جبير وعكرمة وعن ابن عباس الحديث وذكر فيه ان عمر بن الخطاب قال للنبي " ص " انه يهجر (2). فمن روايتهم في ذلك ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الرابع من المتفق عليه في صحته من مسند عبد الله بن عباس قال: لما احتضر النبي " ص " وفى بيته رجال فيهم عمر بن الخطاب فقال النبي " ص ": هلموا اكتب لكم لن تضلوا بعده أبدا فقال عمر بن الخطاب: ان النبي " ص " قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبكم كتاب ربكم (3). وفي رواية ابن عمر من غير كتاب الحميدى قال عمر: ان الرجل ليهجر وفي كتاب الحميدى قالوا ما شانه هجر. وفي المجلد الثاني من صحيح مسلم فقال: ان رسول الله " ص " يهجر (4). فقال أهل اللغة في تفسيرها: ان معنى قوله هجر أي هذى. قال الجوهرى في كتاب الصحاح في اللغة في باب الراء فصل الهاء، الهجر: الهذيان، وقال ألم تر الى المريض إذا هجر قال غير الحق (5). قال الحميدى: فاختلف الحاضرون عند النبي " ص " فبعضهم يقول: القول ما قاله النبي فقربوا إليه كتابا يكتب لكم، ومنهم من يقول: القول ما قاله عمر


(1 - 2) احمد بن حنبل في مسند: 3 / 346. (3 - 4) مسلم في صحيحه: 3 / 1257 - 1259 كتاب الوصية، والبخاري في صحيحه: 5 / 127. (5) الصحاح: 2 / 851.

[ 433 ]

فلما اكثروا اللغط والاختلاط قال النبي " ص ": قوموا عني فلا ينبغى عندي التنازع، فكان ابن عباس يبكى حتى تبل دموعه الحصى ويقول: يوم الخميس وما يوم الخميس ! قال راوي الحديث فقلت: يابن عباس وما يوم الخميس ؟ فذكر عبد الله بن عباس يوم منع رسول الله " ص " من ذلك الكتاب، وكان ابن عباس يقول: الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله " ص " وبين كتابه (1). (قال عبد المحمود) مؤلف هذا الكتاب: لقد صدق ابن عباس عند كل عاقل مسلم، والله لو لبس المسلمون السواد وأقاموا الماتم وبلغوا غاية الاحزان كان ذلك يسيرا لما أدخل عمر عليهم من المصيبات وأوقعهم فيه من الهلاك والضلال والشبهات. وليت شعرى اي اختلال في هذا كلام نبيهم محمد " ص " حتى يقول عمر انه يهجر أو قد غلب عليه المرض، أهكذا يجب ان يكون أدب الامم مع الانبياء ؟ أو هكذا يجب ان يكون أدب الرعية مع الملوك ؟ وأي ذنب كان لنبيهم عندهم ؟ وأي تقصير قصر في حقهم ؟ حتى يواجهه عمر عند وفاته ويجبهه في وجهه ويقول انه يهذى، وأين هذا مما تضمنه كتابهم " يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض ان تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون " (2) ما هذا الا بئس الامتثال من عمر لامر ربه، فلقد رفع صوته وجهر له أقبح مما يجهر بعضهم لبعض. ومن أعجب ذلك أنهم ذكروا أن كتابهم يتضمن وصف نبيهم بقوله " وما ينطق عن الهوى * ان هو الا وحي يوحى " (3) وخاصة مثل هذا الكتاب الذى


(1) رواه مسلم في صحيحه: 3 / 1259، والبحار: 8 / 274 ط كمپانى، والبخاري في صحيحه: 1 / 37. (2) الحجرات: 2. (3) النجم: 3.

[ 434 ]

أرادان يكتبه لهم أنهم لا يضلون بعده أبدا، فان هذا لا يمكن ان يكون الا بوحى، وان كان هذا بوحى أفما يكون عمر قد نسب الهجر الى ربه، سوءة له من هذا الهجر (1) القبيح والكفر الصريح وسوءة لمن هان عنده هذا. ومن طريف هذا الحديث أن عمر لما قدح في عقل نبيهم وشهد عليه أنه يهذى يقول بعد ذلك حسبنا كتاب ربنا، وهذا القول من عمر يدل على انه عرف ان كلام نبيهم ما كان هذيانا ولا مختلا وأنما ادعى عمر ان كتاب الله يغنى عن الكتاب الذى أراد نبيهم ان يكتب لهم، كان عمر في ذلك يزعم أنه أعرف من ربهم ونبيهم في تدبير أمته وحفظ شريعته. (قال عبد المحمود): وهب أنهم شكوا في حال نبيهم وظنوا أنه طلب الكتابة لهم على سبيل الاختلال، فليتهم أذنوا لنبيهم بالكتاب فان كتب ما يليق بالصواب عملوا به وان كتب شيئا مختلا كما ذكر عمر ستروه كما جرت عادة المشفقين مع من يوالونه ويعظمونه، وما كان يجوز ان يتركوا نبيهم يتوفى وهذه الامنية في نفسه لم يبلغها منهم وهو آخر العهد بهم ووقت الحاجة الى رضاه عنهم. ومن طريف ذلك ان عمر يقول مثل هذا الكلام ويسمعه الحاضرون منه وينقلونه الى المتأخرين عنه، ويشهد لسان الحال والمقال أنه سبب كل ما تجدد في الامة من الاختلاف والضلال والاختلاط، ومع هذا فلا ينسب عمر الى انه يرد على نبيهم ولا انه أخطا ولا يذم ولا يعتب، بل يتفق له في تلك الحال باولى ما يقال من أن القول ما قاله عمر، ويتفق له الان من يعذره ويتغافل عن عظيم جنايته ويتقرب الى الله بحبه وولايته، ان هذا من أعظم ما بلغ إليه أهل الجهالة وأطم ما نقل عن ذوى الضلالة. (قال عبد المحمود): وإذا كان قول خليفتهم عمر في نبيهم وهذا قول جماعة


(1) في المخطوط: التجاهر بالقبيح.

[ 435 ]

من صحابته فيه، فاعذروا أهل الذمة وغيرهم فيما يقولون عنكم. ومن طريف ما في هذا الحديث المذكور وأسراره أنه يشهد أن الطعن في قول نبيهم والرد عليه والقدح فيه انما كان من عمر وحده، وأنه هو ابتدا به، بدليل قوله فقال قوم: القول ما قاله النبي " ص " وقال قوم: القول ما قاله عمر، فما أطرف هذه الغفلة من القوم الذين قالوا القول ما قاله عمر، ان هذا مما يبكى الاولياء ويضحك الاعداء. ويؤكد صحة ذلك وأن عمر كان سبب منع نبيهم من الكتاب ما رواه الحميدي في كتاب الجمع بين الصحيحين ايضا في الحديث السادس والتسعين من أفراد مسلم من مسند جابر بن عبد الله قال: فدعا رسول الله " ص " بصحيفة عند موته، فاراد أن يكتب لهم كتابا لا يضلون بعده، فكثر اللغط وتكلم عمر فرفضها رسول الله صلى الله عليه وآله. وذكر ابن اثير في تاريخه عن ابن عباس أنه قال: يوم الخميس وما يوم الخميس، وجرى دموعه على خده وقال: اشتد برسول الله وجعه قال: ائتوني بالكتف والدواة اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا، فكثر اللغط. قال: فتكلم عمر وترك رسول الله " ص " وقال: لا تنازعوا عند النبي فانه لا ينبغى التنازع عند النبي. قالوا: النبي يقول الحق، فذهبوا يعيدون عليه فقال: دعوني فالذي انا فيه خير مما تدعوني إليه (1). استحلال أبى بكر دماء من منع الزكاة عنه ومن طريف مناقضاتهم أن قوما من المسلمين بعد وفاة نبيهم قالوا: اننا ما نعطي زكاتنا لابي بكر، لان الله يقول لنبيه " خذ من أموالهم صدقة تطهرهم


(1) رواه احمد بن حنبل في مسنده: 1 / 222، وابن سعد في طبقاته: 2 / 36.

[ 436 ]

وتزكيهم بها وصل عليهم ان صلاتك سكن لهم " (1) واننا ما نؤدى زكاتنا الا من كانت صلاته سكنا لنا. وبالجملة فانهم ما استحلوا منع الزكاة وانما تاولوا تأويلا، وكان يمكن أن يكشف لهم، فيستباح دماؤهم واموالهم، ويقول أبو بكر: لو منعوني عقالا مما كانوا يعطونه رسول الله " ص " لقاتلتهم عليه: ويقول عمر: ان الله شرح صدري لما قال أبو بكر، فليت شعرى من جعل لابي بكر المساواة لنبيهم حتى يكون عطاء المسلمين له مثل عطاياهم لابي بكر ومنعهم له مثل منعهم لابي بكر وهل هو الا رجل من المسلمين والمسلمون مختلفون، فكيف صارت له المساواة لمن يذكرون انه سيد المرسلين وخيرة رب العالمين ؟ ومع ذلك فتحكم الاربعة المذاهب على اولئك المسلمين المانعين الزكاة من أبى بكر بالردة عن الاسلام، ويصير أموالهم ودماؤهم وقتالهم مباحا ولعنهم وتقبيح فعلهم وذكرهم جايزا بل واجبا، مع انه كره أكثر المسلمين على ما ذكر الحميدى فيما ذكره ونقلناه عنه في هذا الكتاب كون النبي " ص " يعطى المؤلفة قلوبهم في وقعة هوازن اكثر ما يعطى غيرهم، ومع ذلك فما رأينا ولا سمعنا منكم ولا ممن سبقكم أن يحكم على من خالف النبي " ص " في تفضيله عطاء المؤلفة قلوبهم أنهم مرتدين ولا استباح نبيهم قتالهم ولا أموالهم، ولقد كان ينبغي أن يقتدى أبو بكر بنبيهم في هذا فكيف صار مخالفة أبى بكر أعظم في منع الزكاة منه من مخالفة نبيهم ؟ ان هذا من الضلال العظيم. ومن طريف ما تضمن حديث منع عمر نبيهم من كتابة الصحيفة وقوله في النبي " ص " انه يهجر أن مثل هذا الكلام يصدر من عمر بمحضر نبيهم ويواجهه بهذا الكلام القبيح، ويصير منعه عن الصحيفة سبب هلاك من هلك من المسلمين


(1) التوبة: 103.

[ 437 ]

وسبب ردة هذه الجماعة الذين حكموا عليهم بالردة، حيث قالوا لهم: لم منعتم أبا بكر من الزكاة، ولذا نقول ان الباعث لردتهم كان عمر، لانه لو لم يمنع النبي " ص " أن يكتب الكتابة ما ضل أحد وما قال أحد ردة، فكان عمر سبب شماتة أهل الذمة وسائر الملل بالمسلمين: ومع هذا لا يقول كافة المسلمين ولا أكثرهم ان عمر ارتد ولا أخطأ مع اتفاقهم على صحة هذا الحديث عن عمر، ان ذلك من عظيم الطرائف. ان عمر يتلقى أمر النبي " ص " بالانكار ومن طريف ما تجدد من عمر في حق نبيهم محمد صلى الله عليه وآله وشهدوا في صحاحهم بذلك. ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند أبى هريرة في الحديث التاسع والسبعين بعد المائة من أفراد مسلم قال: كنا قعودا حول رسول الله " ص " ومعنا أبو بكر وعمر في نفر، فقام رسول الله من بين أظهرنا فابطا علينا، وخشينا أن يقتطع دوننا وفزعنا فقمنا، فكنت أول من فزع، فخرجت أبتغي رسول الله " ص " حتى أتيت حائطا للانصار لبني النجار، فدرت به هل أجد له بابا فلم أجد، فإذا ربيع يدخل في جوف حائط من بئر خارجة (والربيع الجدول). قال: فاحتفزت كما يحتفز الثعلب فدخلت على رسول الله " ص " فقال: أبو هريرة ؟ فقلت: نعم يا رسول الله. قال: ما شأنك ؟ قلت: كنت بين أظهرنا فقمت فابطات علينا فخشينا أن تقتطع دوننا ففزعنا، فكنت أول من فزع فاتيت هذا الحائط فاحتفزت كما يحتفز الثعلب وهؤلاء الناس ورائي. فقال: يا أبا هريرة (وأعطاني نعليه) قال: اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت من وراء

[ 438 ]

هذا الحائط يشهد أن لا اله الله مستقيما بها قلبه فبشره بالجنة، فكان اول من لقيت عمر بن الخطاب فقال: ما هاتان النعلان أبا هريرة ؟ فقلت: هاتان نعلا رسول الله " ص " بعثني بهما من لقيت يشهد أن لا اله الا الله مستقيما بها قلبه بشرته بالجنة، فضرب عمر بيده بين ثديى فخررت لاستى فقال: ارجع يا أبا هريرة، فرجعت الى رسول الله " ص " فاجهشت بكاءا وركبني عمر فإذا هو على أثري، فقال لي رسول الله: ما لك يا أبا هريرة ؟ قلت: لقيت عمر فاخبرته بالذى بعثتني به فضرب بين ثديى ضربة فخررت لاستي. قال: أرجع. فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: يا عمر ما حملك على ما فعلت ؟ قال: يا رسول الله بابى أنت وأمي أبعثت أبا هريرة بنعليك من لقي يشهد أن لا اله الا الله مستقيما بها قلبه بشره بالجنة ؟ قال: نعم. قال: فلا تفعل فاني أخشى أن يتكل الناس عليها فخلهم يعملون، قال رسول الله " ص ": فخلهم (1). (قال عبد المحمود) مؤلف هذا الكتاب: انظر رحمك الله الى ما قد تضمنه هذا الحديث الصحيح عندهم من كون خليفتهم عمر يتلقى أوامر النبي " ص " بالانكار والاستكبار والحرج، وقد تضمن كتابهم " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما " (2) فيشهد هذا الحديث ان عمر قد وجد في نفسه حرجا مما قضى رسول الله " ص "، وانه ما سلم إليه ولا تأدب معه، وهذه شهادتهم صريحة بالطعن على خليفتهم عمر والقدح في ايمانه. ومن طريف ذلك ضربه لرسول رسولهم حتى يقعده على أسته ورجوع الرسول باكيا شاكيا الى رسولهم، فيالله لو كان عمر شريكا لنبيهم في الرسالة


(1) مسلم في صحيحه 1 / 59 - 61. (2) المائدة: 43.

[ 439 ]

ما جاز في العقل والشرع والادب ان يبلغ في الاستخفاف بنبيهم وسوء الصحبة له الى هذه الغاية. وقد كان يمكن أن يمنع أبا هريرة من أداء الرسالة بدون هذا الضرب والاستخفاف، ثم وأي ذنب لابي هريرة في تحمل هذه الرسالة عن نبيهم حتى يضرب على ذلك، وليته كان قد نهى أبا هريرة عن أداء الرسالة فان امتنع يعود الى الانكار عليه أو ضربه وان كان لا بد لعمر من الانكار على نبيهم فلم ضرب رسوله ؟ ومن طريف ذلك انكار عمر لهذه الرسالة، فاي قبيح فيها حتى ينكرها، وهي من البشارات يجب على كل مسلم أن يحمد الله ورسوله عليها ويجعلوا يوم وقوعها كيوم عيد، وأي ضرر كان على عمر وعلى الاسلام إذا قنع الله من عباده باخلاص الشهادة لله بالوحدانية، فاي جناية عظيمة قد جنا عمر بذلك على الاسلام والمسلمين وحال بينهم وبين رحمة رب العالمين. ومن طريف ذلك أن مثل هذه الرسالة لا يمكن أن يقولها نبي من الانبياء إلا عن الله، لانها اخبار بما يريد الله من عباده وأخبار بما يستحقون على ذلك ولا يطلع على ما يريد الله من العباد الا الانبياء، فكيف استجاز عمر أن يرى راية وتدبيره أكمل من تدبير الله ورسوله ؟ وأنه أعرف منهما بمصلحة الخلائق ؟ وهذا جهل عظيم بالرسول والمخلوق والخالق ومن طريف ذلك أنهم ذكروا أن نبيهم وافق لعمر على ترك العمل بما أمر الله بادائه وأنه سد باب الرحمة عنهم، وقد تضمنت كتبهم الصحاح خلاف ذلك. فمن ذلك ما رواه الحميدى في كتابه المذكور في مسند أبى ذر في الحديث الثالث من المتفق عليه من عدة طرق قال: أتانى جبرئيل عليه السلام فبشرني

[ 440 ]

أنه من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، وفي رواية: ولم يدخل النار (1). ومن ذلك في مسند أنس بن مالك في الحديث السادس والخمسين من المتفق عليه نحو ذلك. ومن ذلك في مسند غسان بن مالك حديث واحد متفق عليه قال: ان النبي قال: ان الله حرم النار على من قال: لا اله الا الله يبتغي بذلك وجهه. شهادتهم على عمر انه ما كان يوافق نبيهم " ص " ومن طريف ما يقبحون ذكر خليفتهم عمر ويشهدون عليه بالعظائم، ما رواه عبد الله بن عباس وجابر وسهل بن حنيف وأبو وائل والقاضي عبد الجبار وأبو علي الجبائى وأبو مسلم الاصفهانى ويوسف القزويني والثعلبي والطبري والواقدى والزهرى والبخاري، وقد ذكر الحميدى في الجمع بين الصحيحين بعض الحديث في ذلك من مسند المسور بن مخرمة في حديث الصلح بين سهيل ابن عمرو وبين نبيهم بالحديبية يقول فيه: قال عمر بن الخطاب: فاتيت رسول الله " ص " فقلت: ألست برسول الله حقا ؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطى هذه الدنية في ديننا إذا ؟ قال: انى رسول الله ولست أعصيه وهو ناصرى. قلت: أو ليس كنت تحدثنا انا سناتى البيت فنطوف به ؟ قال: بلى. قال: فاخبرتك انك تأتيه العام ؟ قلت: لا. قال: فانك آتيه وتطوف به. قال فاتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر أليس هذا نبى الله حقا ؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟


(1) رواه مسلم في صحيحه: 1 / 94.

[ 441 ]

قال: بلى. قلت: فلم نعطى هذه الدنية في ديننا إذا ؟ قال أيها الرجل انه رسول الله وليس يعصي ربه وهو ناصره فاستمسك بعروته، فو الله انه على الحق. قلت: أو ليس كان يحدثنا أنه سناتى البيت ونطوف به. قال: فاخبرك انه ياتيه العام ؟ قلت: لا. قال: فانك آتيه وتطوف به. وزاد الثعلبي في تفسيره عند ذكر سورة الفتح وغيره من الرواة ان عمر بن الخطاب قال: ما شككت منذ أسلمت الا يومئذ (1). (قال عبد المحمود) مؤلف هذا الكتاب: أي ضرورة كانت لهؤلاء المسلمين الى ايراد مثل هذا الحديث وتصحيحه وشهادتهم على عمر انه ما كان يوافق نبيهم ويعارضه في اموره، ويخالفه في تدبيره ويرى أنه أعرف منه ومن الله بالصواب، وقد كان النبي " ص " بوصف " وما ينطق عن الهوى * ان هو الا وحي يوحى " وهذا مما يتعجب منه ذووا الالباب. ومن طريف ذلك قول عمر: فلم نعطى هذه الدنية في ديننا، فهلا كانت هذه الشجاعة منه في يوم حنين وخيبر وغيرهما من الغزوات التى هرب فيها وخالف الله ورسوله والوفاء للرسول والحياء من ذم الخيانات به. ومن طريف ذلك شهادته على نفسه بالردة عن الاسلام والشك في دين الله، وما كان معه ومع اتباعه من الحجة على أسلامه الا اظهار الشهادة فإذا اعترف ان ذلك الظاهر قد صار شكا وقدحا في الاسلام فاي طريق يبقى له أو لهم في الظاهر الى زوال ذلك الشك، والناس بين قائلين فقائل من المسلمين يقول: انه ما ارتد منذ أسلم، وقائل يقول انه ارتد أسلامه ولم يعد الى الاسلام، فالقول بانه ارتد وعاد الى الاسلام خلاف اجماع المسلمين، وقد شهدوا في رواياتهم بانه ارتد فيلزمهم أنه ما عاد الى الاسلام من الردة، وفى ذلك من


(1) رواه مسلم عن ابى وائل صدر الحديث في صحيحه: 3 / 1411.

[ 442 ]

الطرائف ما يتعجب منه أهل المعارف. ومن طريف ذلك أن عمر بعد ما أخبره نبيهم بالجواب عن سؤاله واعتذر عن دخول مكة، لا يلتفت عمر الى جواب نبيهم ولا اعتذاره وياتي الى أبى بكر فيعبد عليه تلك المواقفة وشكه في الاسلام ويلتمس من أبى بكر الجواب فاعاد عليه أبو بكر ما سمعه من نبيهم من الاعتذار ولزم الادب على سائر الاسباب فلو كان عمر قد قنع بجواب نبيهم أو اعتذاره ما أعاد المواقفة عند أبى بكر. ومن طريف ذلك اقدامه على نبيهم بهذه المواقفة في مثل تلك الحال من الصلح وشدة الحاجة الى عون المسلمين لنبيهم بالقول والفعل، أو كان ذلك الموقف موقف تعنيف وتخجيل وفتح لابواب الشك في النبوة وتقوية حجة سهيل بن عمرو والكفار ؟ أما يدل هذا على ضلال هائل وجهل خاذل. ومن طريف ذلك أنه بعد قول نبيهم لعمر أنى رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري، يقول له عمر: أو ليس كنت تحدثنا انا سناتى البيت ونطوف به، أما هذا تكذيب صريح لنبيهم واستخفاف لنبوته وكسر لحرمته. ومن طريف ما رووه وصححوه من انكار عمر على نبيهم ومعارضته له ما ذكره الحميدي أيضا في الجمع بين الصحيحين في الحديث الرابع والثلاثين من مسند عائشة من المتفق عليه على صحته في حديث عروة عنها قالت: أعتم (1) النبي " ص " بالعشاء حتى ناداه عمر للصلاة فقال: نام الصبيان والنساء، فخرج. وفى رواية ابن شهاب ان رسول الله قال: وما كان لكم ان تنزروا (2) رسول الله " ص " على الصلاة وذاك حين صاح عمر بن الخطاب (3).


(1) اعتم أي اخرها حتى اشتدت عتمة الليل وهى ظلمته. (2) ان تنزروا أي لا تلحوا عليه. (3) رواه مسلم في صحيحه: 1 / 441.

[ 443 ]

(قال عبد المحمود) مؤلف هذا الكتاب: قد عرفت ما تضمنه كتابهم في قوله " لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض ان تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون " وقوله " ان الذين ينادونك من وراء الحجرات اكثرهم لا يعقلون * ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم " وقوله " لا تقدموا بين يدى الله ورسوله "، أفما كان يحسن من عمر ان يمتثل آية من الايات أو يستحيى أو يكون عنده من الاحترام لله ولرسوله ما يقتضى اقامة عذر نبيهم في تأخره، أما هذا اقدام لمن يعتقد ان رأيه وعقله وتدبيره أكمل من تدبير الله ورسوله أو شك في نبوة نبيهم، ويدل على قبح ذلك من عمر انكار نبيهم عليه وقوله: ما كان لكم ان تنزروا رسول الله، أتراه ما سمع ما تضمنه كتابهم " ان الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والاخرة " (1). ومن طريف ما رووه ايضا في معارضته لنبيهم وانكاره عليه ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين من المتفق عليه على صحته عندهم في مسند عبد الله ابن عمر بن الخطاب في الحديث الخامس والتسعين، أنه لما توفى عبد الله يعنى ابن أبى سلول جاء ابنه عبد الله بن عبد الله الى رسول الله " ص "، فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه، فاعطاه ثم ساله أن يصلي عليه، فقام رسول الله ليصلي عليه فقام عمر فاخذ بثوب رسول الله فقال: يا رسول الله أتصلي عليه وقد نهاك ربك ان تصلي عليه ؟ فقال رسول الله: أنما خيرني الله فقال: " استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ان تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم (2) " وسازيد على سبعين قال: انه منافق، فصلى عليه رسول الله " ص " فانزل الله عز وجل: ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبرة انهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم


(1) الاحزاب: 57. (2) التوبة: 80.

[ 444 ]

فاسقون " (1). (قال عبد المحمود): في هذا الحديث عدة طرائف: فمن طرائف هذا الحديث المذكور اقدام عمر على منع نبيهم محمد " ص " ولزومه بثوبه، وكتابهم يتضمن " فامنوا بالله ورسوله النبي الامي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون " (2) وما قال قرآنهم فامنعوه وعارضوه. ومن طرائف الحديث المذكور تهجمه علي المواقفة له بقوله: أتصلي عليه وقد نهاك ربك ان تصلي عليه ؟ وكتابهم يتضمن " انا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه بكرة وأصيلا " (3) فهذا قرآنهم يتضمن الامر لهم أن توقروا رسولهم، وما قال: تواقفوه وتخجلوه وقال " ان الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والاخرة " أما هذا من الاذى الفظيع والاعتراض الشنيع، ألم يتضمن كتابهم " ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض ان تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون " (4) وقوله " لا تقدموا بين يدى الله ورسوله، ولا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي " (5) أما هذا تقدم بين يدى الله ورسوله ؟ أما رفع صوت على صوت نبيهم. ومن طرائف الحديث المذكور اعتراضه عليه بعد هذا كله وقوله أنه منافق، أما كان يكتفى بالمعارضة الاولى والمواقفة الثانية حتى يتم ذلك بمعارضة ثالثة، وكتابهم يتضمن " وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم " (6) فكيف جعل عمر لنفسه الخيرة ؟ وكيف كره وأنكر


(1) رواه مسلم في صحيحه كتاب المنافقين: 4 / 2141. والاية التوبة: 84. (2) الاعراف: 158. (3) الفتح: 9. (4 - 5) الحجرات: 1 - 2. (6) الاحزاب: 36.

[ 445 ]

ما قد قضاه ؟ ان هذا مما يستعظمه أهل الاديان ويقدحون به في الايمان. ومن طرائف الحديث المذكور دعوى عمر أن الله نهاه عن الصلاة على المنافقين، وهذا الحديث يتضمن ان الاية بالنهي عن الصلاة انما انزلت بعد ذلك، ثم كيف تقبل عقول أهل البصائر ان يكون قد نهاه الله عن الصلاة فيعلم ذلك عمر ولا يعلمه نبيهم محمد " ص " حتى يذكره ويواقفه ؟. سبب نزول آية الحجاب ومن طرائف ما نقلوه وصححوه عن خليفتهم عمر ما رواه الحميدى في الجمع بين الصحيحين في الحديث الثامن والاربعين من المتفق عليه من مسند عائشة قالت: كانت أزواج النبي " ص " يخرجن ليلا الى قبل المصانع، فخرجت سودة بنت زمعة فرآها عمر وهو في المجلس، فقال: عرفتك يا سودة، وفى رواية: فنزل الحجاب عقيب ذلك (1). (قال عبد المحمود): أي ضرورة كانت قد أحوجت الى ايراد هذا الحديث وشهادتهم أنه صحيح وهو يتضمن ان خليفتهم عمر كشف ستر زوجة نبيهم، فدل عليها أعين الناظرين وأخجلها، وما خرجت ليلا الا قصدا لسترها وصيانة لنفسها، فاي مصلحة كانت لها أو لنبيهم في تعريف الحاضرين ان هذه المجتازة زوجة نبيهم ؟ لاسيما وقد ذكروا ان هذه الواقعة من عمر أوجبت نزول الحجاب، وذلك يدل على الكراهة لما وقع من التعرض لحرمة نبيهم.


(1) رواه مسلم في صحيحه: 4 / 1709 كتاب السلام، والبخاري في صحيحه: 7 / 129.

[ 446 ]

معرفة النبي " ص " باطن عمر ومن طرائف أحاديثهم الدالة على أن نبيهم كان يعرف من عمر الشك في نبوته ومعرفة عمر ذلك من نبيهم، ما ذكره الحميدي في كتاب الجمع بين الصحيحين في مسند جابر بن عبد الله الانصاري في الحديث الرابع عشر من المتفق عليه على صحته. قال جابر: ان أباه قتل يوم احد شهيدا، فاشتد الغرماء في طلب حقوقهم، فاتيت رسول الله " ص " فكلمته فسألتهم أن يقبلوا ثمن حايطى ويحللوا أبي، فلم يوافقوا فلم يعطهم رسول الله حايطى ولم يكسر عليهم، ولكن قال: ساغدوا عليكم، فغدا علينا رسول الله " ص " حين أصبح فطاف في النخل ودعا في ثمرها بالبركة، فجذذتها فقضيتهم حقوقهم وبقى لنا من ثمرها بقية، ثم جئت رسول الله " ص " فاخبرته بذلك، قال رسول الله لعمر وهو جالس: اسمع يا عمر. فقال عمر: ان لا يكون نكن قد علمنا أنك رسول الله فو الله انك رسول الله - هذا لفظ الحديث. (قال عبد المحمود) مؤلف هذا الكتاب: أنظر الى تقدير نبيهم لعمر وافهامه أنه يعرف سوء باطنه وتركيب الحجة عليه في ظهور معجزاته الدالة على نبوته بقوله اسمع يا عمر، وتعجب من معرفة عمر لمراد نبيهم من ذلك وقول عمر له ان لا يكون نكن فوالله قد علمنا انك لرسول الله، فو الله انك رسول الله ثم انظر الى يمين عمر ليزيل سوء اعتقاد رسولهم فيهم وتفكر في جهل عمر ان رسل الله لا يطعنون في باطن أحد الا بطريق ان الله أعلمهم بذلك وان هذا لا يدفع بيمين، ثم تعجب من اقدام عمر على رسولهم وطعنه في اعتقاده فيه، وقد كان يجب على عمر ان كان قد تحقق صحة رسالته بعد سوء اعتقاد نبيهم فيه ان يوافق رسولهم على سوء الاعتقاد فيه ثم يتوب ويعود الى الاعتراف برسالته

[ 447 ]

أو يسكت عن مكابرته. فما أطرف أقدام هذا عمر على كسر حرمة رسولهم وأذيته، وما أعجب احتمال كثير من المسلمين له على سوء صحبته. اعراض النبي " ص " عن ابى بكر وعمر ومن طريف رووه في اعراض نبيهم عن أبي بكر وعمر وعدم اهتمامه بحديثهما في حديث حرب بدر ما ذكره الحميدي أيضا في الجمع بين الصحيحين في الحديث السادس والعشرين من افراد مسلم في مسند أنس بن مالك قال: ان رسول الله " ص " شاور حين بلغه اقبال أبي سفيان، قال: فتكلم أبو بكر فاعرض عنه، ثم تكلم عمر فاعرض عنه - الخبر (1). (قال عبد المحمود): هذه روايتهم في صحاحهم تشهد بسقوط منزلة هذين الرجلين في هذه غزوة بدر التي كانت أصل الاسلام، فمن يروى عنهما ويشهد عليها بمثل هذه الشهادة كيف استصلحهما للخلافة بعد نبيهم ؟ وقد عرفت أن هذه منزلتهما عنده، ولا يقال ان أبا سفيان ما حضر بدرا فان الحديث المذكور يتضمن ان نبيهم بلغه أولا اقبال أبي سفيان فلما بلغ الى بدر بلغه حال أبي جهل، وانما اقتصرت على بعض الحديث لانه طويل وفيه تكرار. ومن طريف ما رايت من المناقضة لهم في ذلك ان بعض جهالهم إذا قيل له ما ترى لابي بكر وعمر أسما مشكورا في حرب بدر ولا جريحا ولا قتيلا فيقولون انهما كانا أو أحدهما في عريش مع نبيهم يشاورهما ويستضيئ برأيهما. وهذه الرواية عن أنس بن مالك في صحيح مسلم يكذب هذه الدعوى، لان من أعرض عنهما قبل وقت الحرب ولم يستصلحهما للحديث في ذلك ولا


(1) مسلم في صحيحه: 3 / 1403.

[ 448 ]

لاستماع قولهما ولا يحسن الجواب لهما، وقد كان يمكن ان يجيبهما بقول لطيف ولا يعرض عنهما، فكيف يستصلحهما للمشورة في وقت الحرب، وقد كشف أنهما لا يصلحان لدون ذلك. ومن طرائف ما ذكروه من سوء ظن نبيهم لعمر مقتضى تصحيحهم للحديث المذكور (1)، والا فان عترة نبيهم وأهل بيته يكذبون هذا الحديث وينكرونه. وذلك أن الحميدى ذكر في كتاب الجمع بين الصحيحين في مسند جابر في الحديث الثاني والثلاثين من المتفق عليه على صحته قال: قال رسول الله " ص " رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميضاء زوجة أبي طلحة وسمعت خشفة نعل، فقلت: من هذا ؟ فقيل: هذا بلال، ورايت قصرا بفنائه جارية فقلت: لمن هذا ؟ فقالوا: لعمر بن الخطاب، فاردت ان أدخله فانظر إليه، فذكرت غيرتك فوليت مدبرا، فبكى عمر وقال: عليك أغار يا رسول الله، وروى حديث القصر المذكور الحميدي أيضا في مسند أبي هريرة في حديث الثاني والثلاثين من المتفق عليه (2). (قال عبد المحمود): أي حاجة كانت لهم الى ايراد هذا الحديث وتصحيحه أترى عقولهم تصدق ان الرميضاء وبلالا بلغا من الاعمال أن يستحقا دخول الجنة قبل دخول نبيهم إليها، ان هذا من الطرائف والاعتقاد الزائف. ومن طريف الحديث المذكور قولهم أن النبي " ص " خاف من غيرة عمر فولى مدبرا ولم يدخل القصر، أما قرؤا كتابهم " النبي أولى بالمؤمنين من


(1) أي الاتى. (2) روى نحوه مسلم في صحيحه: 4 / 1863، ورواه البخاري في صحيحه: 4 / 198.

[ 449 ]

أنفسهم " أما يوضح هذا الحديث شهادتهم وشهادة نبيهم انه كان يسئ الظن بعمر وان عمر ممن يعتقد جواز وقوع الزنا والفواحش من نبيهم في الجنة، أترى في الجنة تكليفا أو أمورا تقتضي وقوع غيرة عمر من نبيهم ؟ ان هذا من عظيم ما قبحوا به ذكر خليفتهم عمر وشهدوا عليه بالضلال وسوء الظن. تخلف عمر عن جيش اسامة ومن طرائف ما رايت من شهادة علماء الاربعة المذاهب عمر أنهم ذكروا ان نبيهم جعله قبل وفاته من جملة جيش أسامة بن زيد، وأمره بالخروج معه في ذلك الجيش وشهدوا أنه خالف نبيهم وعاد عن صحبة أسامة ولم يمتثل أمر نبيهم. ومما وقفت عليه في ذلك ما ذكره أبو هاشم شيخ المعتزلة في كتابه الذي سماه بالجامع الصغير قال: فان قيل: أيجوز أن يخالف النبي " ص " فيما يامر به في حال الحياة ؟ قيل له: أما ما كان من ذلك من طريق الوحي فليس يجوز مخالفته على وجه من الوجوه، وأما ما كان من ذلك على طريق الراي فسبيله سبيل الائمة في أنه لا يجوز أن يخالف في ذلك في حال حياته، فاما بعد وفاته فقد يجوز ان يخالف فيه ويدلك على ذلك أنه قد أمر أسامة بن زيد أن يخرج باصحابه في الوجه الذى بعثه فيه فاقام أسامة عليه وقال: لم أكن لاسال عنك الركب، ثم ان أبا بكر استرجع عمر وقد كان في أصحابه، ولو كان ذلك لوحى لم يكن لاسامة أن يقيم ويقول لم أكن لاسال عنك الركب ولا كان لابي بكر استرجاع عمر.


(1) الاحزاب: 6.

[ 450 ]

(قال عبد المحمود) مؤلف هذا الكتاب: يا عجبا من هؤلاء القوم تارة يقولون ان نبيهم ما ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى، وتارة يقولون انه يقول ويامر تارة بوحي وتارة بغير وحي، ثم وكيف يجوز ان يكون تدبير الجيوش بغير الوحي وهو يشتمل على سفك الدماء وتملك الانفس والاموال وغير ذلك من الاحوال ؟ ثم وان كان فعل اسامة حجة على جواز مخالفة نبيهم فقد حكى في كلامه ان ذلك القول من اسامة كان في حياة نبيهم، فانه قال: لم أكن لاسال عنك الركب فعلى قول ابى هاشم وأتباعه يجوز لهم مخالفة نبيهم في حياته وبعد وفاته، فإذا صح لهم ذلك فقد عزلوا نبيهم عن نبوته وذهب حكم الاسلام بجملته، وأين أمتثال هؤلاء لما تضمنه كتابهم من الاوامر المطلقة كقوله " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول " (1) وقوله " واتبعوه " (2) وقوله " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " (3). فكيف استجاز أبو هاشم وأتباعه ان يتركوا هذه الاوامر وامثالها ؟ ويجعلوا فعل اسامة وأبى بكر وعمر حجة على جواز مخالفة نبيهم، وهلا قالوا ما جازت لهم مخالفة نبيهم في حياته ولا بعد وفاته فيما أمرهم به كما يقتضى حق النبوة وأدب العارفين لحرمة الرسل، فلو كان ملكا من الملوك أو رجلا محترما عند أصحابه ما استحسن أحد منهم ان كانوا من أهل الوفاء ان ينقضوا وصيته بتلك السرعة ويفسدوا اصلاح الامة ويهدموا ما بناه لهم من تدبيره، بل كان يجب ان يقتدوا بمشورته ويتبركوا بشريعة نبوته ويغتنموا ذلك الراى الذى يذكرون انه صدر عن أعظم النبي المؤيد بالالطاف والوحى والاتصال بالعناية الالهية والاطلاع


(1) النساء: 59. (2) الاعراف: 158. (3) الحشر: 7.

[ 451 ]

على الاسرار الربانية والمصالح الدينية والدنيوية. [ ومن طريف مناقضاتهم ان محمدا " ص " رسول الله الذي هو أكمل الخلائق يجوز مخالفته في رأيه بعد موته، ويرى عمر قتل أصحاب الشورى الذين ذكروا ان محمدا " ص " نبيهم شهد لهم بالجنة ان مضت ثلاثة أيام ولم يبايعوا واحدا منهم، فيقوم الوكيل بقتلهم ومن وافقهم ويهددهم بالقتل وانه لا بد من العمل برأي عمر بعد موته واستباحة دماء أفضل الصحابة عندهم، ان هذا الا أختلاط هائل واختلال ذاهل ]. ولله در القائل فيهم: الناس للعهد ما لاقوا وما قربوا * وللجناية ما غابوا وان شنعوا هذا وصايا رسول الله مهملة * وما أظنكم ترضون ما صنعوا باي حكم بنوه يتبعونكم * وفخركم انكم صحب له تبع وكيف ضاقت عن الاهلين تربته * وللاجانب من جنبيه متسع وفيم صيرتم الاجماع حجتكم * والناس ما اتفقوا طورا ولا اجتمعوا أمر علي بعيد عن مشاورة * مستكره فيه والعباس يمتنع وتدعيه قريش بالقرابة والانصار * لا رفعوا فيه ولا وضعوا فاي خلف كخلف كان بنيهم * لو لا تلفق اخبار وتصطنع قول عمر يوم مات رسول الله " ص " ما مات رسول الله ومن طرائف الخلاف بعد وفاة نبيهم ما ذكره الحميدى في كتاب الجمع بين الصحيحين في فصل منفرد في أواخر الكتاب المذكور قال: ان عمر قال يوم مات رسول الله " ص ": ما مات رسول الله ولا يموت حتى يكون آخرنا، حتى قرئت عليه " انك ميت وانهم ميتون " فرجع عن ذلك.

[ 452 ]

وروى الحميدي أيضا في الكتاب المذكور في مسند عائشة في الحديث الحادى والعشرين من افراد البخاري قالت: ان رسول الله " ص " مات وأبو بكر بالسبخ يعني بالعالية، فقام عمر فيقول: والله ما مات رسول الله " ص " قالت: وقال عمر: ما كان يقنع في نفسي الا ذاك وليبعثه الله فليقطعن أيدى قوم وأرجلهم فجاء أبو بكر فكشف عن وجه رسول الله " ص " وعرف أنه قد مات. وذكر الحميدي أيضا في كتابه المذكور في الحديث الثامن في مسند أبى بكر ان أبا بكر لم يكن حاضرا عند وفاة نبيهم وانه كان بالسنح (1). (قال عبد المحمود) مؤلف هذا الكتاب: أي ضرورة دعت الى ايراد هذه الاحاديث وتصحيحها وهي تقتضي ان أبا بكر خليفتهم لم يك حاضرا عند وفاة نبيهم وكان مشغولا بغير وفاته وملازمة خدمته، وما كان مرضيا عند من يعرف ما يجب للانبياء من حسن الصحبة والوفاء، وتقتضي الاحاديث المذكورة ان عمر خليفتهم ما كان يعرف هذا الامر اليسير الذى لا يخفى على من له معرفة من صغير وكبير وان كل آدمى فانه يموت، ولا كان يعرف كتاب ربهم يقول فيه " انك ميت وانهم ميتون " (2) وقوله تعالى " كل نفس ذائقة الموت " (3) ثم ما كفاه جهله بهذا الحال كيف جهل ما رواه المسلمون كافة من كون نبيهم نعى إليه نفسه في ذلك المرض، وأوصى بما أمر الله، وعرفهم أنه يموت فيه وكرر الاشارة الى ذلك. ومن عرف كتب الاسلام تحقق ان نبيهم كشف أنه يموت في ذلك المرض


(1) وهو موضع قرب المدينة. (2) الزمر: 30. (3) آل عمران: 185.

[ 453 ]

كشفا واضحا، وكيف لا يفهم خليفتهم عمر ذلك كله ولا حضره ولا أخبره أحد ثم هب أنه اشتبه الامر في وفاة نبيهم فهلا قال يمكن أن يكون ما مات رسول الله، فمن أين قطع على أنه ما مات ولا يموت ؟ وهب أنه اعتقد ذلك بسوء نظره، فمن أين حكم انه يبعث ويقطع أيدى قوم وأرجلهم ؟ وكيف استحسن لنفسه هذه الاقوال التى لا يعلمها الا الله أو من يوحى الله إليه ؟ أتراه كان يدعى انه يوحى إليه ؟ أو كان يعلم انه ما سمع ذلك من نبيهم وتعمد الكذب عليه. ومن طريف ما رايت من اعتذار عمر عن ذلك ما ذكره الحميدي في كتاب الجمع بين الصحيحين في مسند عمر في سادس عشر حديثا من أفراد البخاري من رواية الزهري عن أنس انه سمع خطبة عمر ابن الخطاب الاخيرة حين جلس على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وذلك في الغد من يوم توفى رسول الله " ص "، فشهد أبو بكر صامت لا يتكلم، قال عمر: أما بعد فاني قلت لكم أمس مقالة وأنها لم تكن كما قلت، وانى والله ما وجدت المقالة التى قلتها لكم في كتاب انزلها الله ولا في عهد عهده الي رسول الله " ص " ولكني كنت أرجو ان يعيش رسول الله حتى يدبرنا ويكون آخرنا (1). (قال عبد المحمود) مؤلف هذا الكتاب: انظر كيف اعترف عمر أنه تعمد الكذب في امور يسندها الى الله ورسوله، وأقدم على المجاهرة بذلك من غير ضرورة وترك المراقبة لله ولرسوله والحياء من الصحابة والمسلمين، وكيف يحصل الثقة بعد ذلك باخباره وأقواله وأفعاله ؟ أتراه ما فهم ان هذه الاقوال كذب على الله ورسوله فانه قال: ما مات ولا يموت وقد قال الله ورسوله خلاف ذلك وقال: ليبعثن وليقطعن أيدي قوم وأرجلهم وما قال الله ورسوله ذلك، ولقد رايت في كتبهم الصحاح تعظيم الكذب على الله ورسوله.


(1) وروى نحوه في العقد الفريد: 2 / 209 ط الازهرية.

[ 454 ]

فمن ذلك ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند المغيرة ابن شعبة في الحديث الثامن من المتفق عليه قال: سمعت النبي " ص " يقول ان كذبا علي ليس ككذب على أحد، فمن كذب على متعمدا فليتبوء مقعده من النار. ومن ذلك ما رواه الحميدي في كتابه أيضا في مسند طلحة بن عبد الله في الحديث الثالث قال: سمعت رسول الله " ص " يقول من كذب على متعمدا فليتبوء مقعده من النار. ورواه أيضا سلمة بن أكوع في الحديث الاول من أفراد البخاري، وذكر أيضا في مسند على بن أبى طالب عليه السلام في الحديث الرابع عشر، ورواه أيضا في مسند أبى سعيد الخدرى في الحديث الرابع من افراد مسلم. فكيف جمعوا بين تصحيح الدم لخليفتهم عمر وبين مدحه على وجوه متضادة وأمور متناقضة ؟ فليتهم حيث عرفوا أنه بتلك الصفات المذمومات وشهدوا عليه بهذه الشهادات لم يستخلفوه، وانهم حيث استخلفوه لا يروون عنه ما ينفر عنهم وعنه. ابداع عمر وقوله نعمت البدعة ومن طرائف ما رايت من تغيير عمر خليفتهم لشريعة نبيهم ما ذكره الحميدى في الجمع بين الصحيحين في مسند أبى هريرة في الحديث الثامن والثمانين من المتفق عليه قال: كان رسول الله " ص " يرغب في قيام رمضان من غير أن يامرهم فيه بعزيمة فيقول: من قام رمضان ايمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، فتوفى رسول الله " ص " والامر على ذلك، ثم كان الامر على


(1) رواه مسلم في صحيحه: 1 / 10.

[ 455 ]

ذلك في خلافة أبى بكر وصدرا من خلافة عمر على ذلك (1). (قال عبد المحمود): فغير عمر ما كان في عهد نبيهم وعهد أبي بكر وأبدع. ومن ذلك ما رواه الحميدى في الجمع بين الصحيحين في جملة الحديث الثامن والثمانين من مسند أبي هريرة من المتفق عليه عن عبد الرحمن بن القاري قال: خرجت مع عمر ليلة في رمضان الى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلى الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلى بصلاته الرهط، فقال عمر: لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب. قال: ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر: نعمت البدعة هذه، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون لها يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله (2). (قال عبد المحمود) مؤلف هذا الكتاب: أما يتعجب العاقل من هؤلاء، تارة يذكرون ان كتابهم يتضمن " اليوم أكملت لكم دينكم " وان نبيهم ما مات الا بعد اكمال دينه، وتارة يجيزون لعمر ان يبتدع ويعمل في شريعة نبيهم ما لم يكن في زمانه ولا زمان أبي بكر، وتارة يشهد عمر أنها بدعة ولا يستحى من ذلك ولا يمتنع منه ثم يقول نعمت البدعة. وقد رووا في الجمع بين الصحيحين للحميدي في مسند جابر بن عبد الله الانصاري قال النبي " ص " كل بدعة ضلالة. فيعكس عمر هذا القول على نبيهم ويقول: نعمت البدعة أرايتم بصيرا متدينا يقول ان هذه نعمت الضلالة، وكيف صبر المسلمون على الرضا بذلك ؟ انه من طريف الاحوال وعجائب الاعمال.


(1) رواه مسلم في صحيحه: 1 / 523، والبخاري في صحيحه: 2 / 251. (2) رواه مالك في الموطأ: 1 / 104 - 105، والبخاري في صحيحه: 2 / 252.

[ 456 ]

ومن طريف ذلك أن عمر تقدم على تغليط ربهم ونبيهم ويستدرك عليهما أترى ما كان الله عالما بالصواب والمصلحة بالاجتماع على قارئ واحد في نوافل شهر رمضان ؟ أو ان الله أهمل ذلك مع العلم بان الاجتماع أفضل وأنه من تمام الشرع فكان عمر أشفق على المسلمين وأعرف بمصلحتهم من ربهم ونبيهم. أترى ان الله أوحى الى نبيهم فكتمه عنهم أو انه لم يكتمه وأداه إليهم فاهملوه ولم يعمل به أبو بكر ولا المسلمون حتى غلطهم عمر واستدرك عليهم وان لعمر أن يزيد في شريعة نبيهم وينقص منها بحسب ما يراه، أتراهم نسوا ما تضمنه كتابهم " ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الكافرون " (1) وفي موضع آخر " فاولئك هم الفاسقون " وفي موضع آخر " فاولئك هم الظالمون ". أما رووا في صحاحهم في كتاب الجمع بين الصحيحين للحميدي من مسند عائشة في الحديث الثاني عشر من المتفق عليه قالت: قال رسول الله " ص ": من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فهو رد، وفي الحديث المذكور من حديث سعد بن ابراهيم: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (2). ومن طريف ما رووه في امتناع نبيهم في الاجتماع في نوافل شهر رمضان ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين ايضا في مسند أنس بن مالك في الحديث التاسع بعد المائة من المتفق عليه قال: كان رسول الله " ص " يصلى في رمضان، فجئت فقمت الى جنبه، وجاء رجل آخر فقام أيضا حتى كنا رهطا، فلما أحس النبي أنا خلفه جعل يتجوز في الصلاة، ثم دخل رحله فصلى صلاة لا يصليها عندنا قال: فقلنا له حين أصبحنا أفطنت لنا الليلة ؟ فقال:


(1) ثا المدة: 44 و 45 و 47. (2) رواه مسلم في صحيحه: 3 / 1343 و 1344.

[ 457 ]

نعم ذاك الذي حملني على الذى صنعت (1). (قال عبد المحمود): فهذه روايتهم عن نبيهم أنه امتنع من أن يكون اماما في نافلة رمضان، فكيف أقدموا على تحريم ما أحل الله وأباحة ما منع الله منه ؟ ان هذا من طرائف المذكورين ومنكرات المسلمين. ومن طريف ذلك أن عمر المبتدع لذلك يشهد أنه بدعة، ومع هذا يستمر عمل أكثر المسلمين على بدعته والاقتداء به فيها، فيتركون ما كان في شريعة نبيهم وفي خلافة أبى بكر الى وقتنا هذا. نهى عمر عن المتعة ومن طرائف ما شهدوا به على خليفتهم عمر أنه أبدعه وغير فيه شريعة نبيهم ما ذكره الحميدى في الجمع بين الصحيحين في مسند عبد الله بن عباس قال: كان ابن عباس يامر بالمتعة وكان ابن الزبير ينهى عنها، قال فذكرت ذلك لجابر بن عبد الله فقال: على يدى دار الحديث، تمتعنا مع رسول الله " ص " فلما قام عمر قال: ان الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء وان القرآن قد نزل منازله، فاتموا الحج والعمرة لله كما أمركم الله، وأبتوا نكاح هذه النساء فلن أوتى برجل نكح امراة الى أجل الا رجمته بالحجارة. ورواه الحميدى في كتابه لهذا الحديث بالفاظه من مسند جابر بن عبد الله في الحديث الخامس والعشرين من أفراد مسلم (2). (قال عبد المحمود): ومن طريف ما رايت من استخفاف ابن الزبير لعبد الله


(1) رواه مسلم في صحيحه: 2 / 775. (2) رواه مسلم في صحيحه 2 / 885.

[ 458 ]

ابن عباس وثبوت ابن عباس على الفتوى بالمتعة والاخبار بها عن نبيهم، ما ذكره الحميدى في الجمع بين الصحيحين ايضا في حديث سيرة بن معبد الجهنى عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير عن عبد الله بن زبير أنه قام بمكة فقال: ان أناسا أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم يفتون بالمتعة يعرض برجل، فناداه فقال: انك لجلف جاف فلعمري لقد كانت المتعة تفعل في عهد امام المتقين - يريد رسول الله " ص " - فقال ابن الزبير: فجرب نفسك فو الله ان فعلتها لارجمنك بالحجارة (1). (قال عبد المحمود): هو والله عبد الله بن عباس بغير شك، وقد ذكر الحكاية جماعة من أهل التواريخ وغيرهم. ومن طريف ما رايت في سبب منع عمر من المتعة ما ذكره الحميدى ايضا في مسند جابر بن عبد الله من طريق آخر قال: كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الايام على عهد رسول الله " ص " وأبي بكر حتى نهى عمر عنه في شان عمرو بن حريث (2). وروى جماعة عن عبد الرزاق وهو من ائمة أهل الحديث عن ابن جريح وهو من أئمة فقهائهم ونقله الحديث، عن عطاء بن أبى رياح وهو من سادات فقهاء التابعين، عن صفوان بن يعلى عن أبيه ان معاوية استمتع أمراة بالطائف فدخلنا على ابن عباس فذكرنا له ذلك فقال: نعم قال: ثم قدم علينا جابر بن عبد الله معتمرا، فجئناه فذكرنا له المتعة فقال: استمتعنا عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وعهد أبى بكر وعمر حتى إذا كان في خلافة عمر استمتع عمرو بن حريث بامراة، فسأله عمر من أشهدت فقال: امي وامها - أو قال


(1) رواه مسلم في صحيحه: 2 / 1026. (2) رواه مسلم في صحيحه: 2 / 1023.

[ 459 ]

اخاها - فقال: فهلا غيرها أخشى أن يكون ذلك دغالا ونهى عنها يؤمئذ. ومن ذلك ما رواه عبد الرزاق عن ابن جريح أيضا عن عطاء بن أبى رياح قال: سمعت عبد الله بن عباس يقول: ما كانت المتعة الا رحمة رحم الله بها أمة محمد " ص " ولو لا نهيه عنها ما أحتاج الى الزنا الا شقى (1). ومن ذلك ما رواه أيضا الحميدى في الجمع بين الصحيحين في مسند سلمة بن الاكوع في الحديث السادس من المتفق عليه عن الحسن محمد ابن على عن سلمة وجابر قالا: كنا في جيش فاتانا رسول الله " ص " وقال: أنه قد أذن لكم ان تستمتعوا فاستمتعنا، يعنى متعة النساء (2). ورواه الحميدي في كتاب الجمع بين الصحيحين أيضا في مسند عمرو ابن دينار. ورواه أيضا الحميدي في كتاب الجمع بين الصحيحين في مسند عبد الله ابن مسعود قال: كنا نغزو مع رسول الله " ص " ليس معنا النساء الا نستخصي فنهانا عن ذلك ثم رخص لنا ان ننكح المراة بالثوب الى اجل، ثم قرء عبد الله يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين " (3). ومن ذلك ما رواه أبو نعيم في كتاب الحلية وأحمد بن حنبل في مسنده عن عمران بن الحصين في متعة النساء واللفظ له قال: انزلت المتعة في كتاب الله وعلمناها وفعلناها مع النبي " ص " ولم ينزل قرآن بتحريمها ولم ينه عنها حتى مات رسول الله " ص ".


(1) رواه صاحب كتاب السبعة من السلف عنه: 71. (2) رواه مسلم في صحيحه: 2 / 1022. (3) رواه مسلم في صحيحه: 2 / 1022.

[ 460 ]

ومن ذلك ما رواه الترمذي في صحيحه عن عمر ابن وقد ساله رجل من إهل الشام عن متعة النساء فقال " هي حلال. فقال: ان أباك قد نهى عنها فقال ابن عمر: أرايت ان كان أبى نهى عنها وصنعها رسول الله " ص " يترك السنة وتتبع قول أبى. ومن ما رواه الثعلبي في تفسيره عن حبيب بن أبى ثابت قال: أعطاني عبد الله بن عباس مصحفا فقال: هذا قراءة ابى ابن كعب، فرايت في المصحف " فما استمتعتم به منهن الى أجل مسمى " ورواه الثعلبي أيضا في تفسيره عن سعيد بن جبير وأبى نصرة. ومن ذلك ما رواه أبو على حسين بن على بن زيد من كبار رجال الاربعة المذاهب في كتابه الاقضية ان ستة من الصحابة وستة من التابعين ذكرهم باسمائهم كانوا يفتون باباحة متعة النساء في حياة النبي " ص " وبعد وفاته. ومن ذلك ما رواه محمد بن حبيب النحوي في كتاب المحبر أيضا ان ستة من الصحابة وستة من التابعين كانوا يفتون باباحة متعة النساء. (قال عبد المحمود بن داود): أنظر ما في هذه الاحاديث الصحاح من الدلالة الواضحة على أباحة نكاح المتعة، ولو نقلت كلما وقفت عليه في ذلك لاطلت وفى هذا كفاية ودلالة على غيره، ثم انظر الى اقدام خليفتهم عمر على تغيير ذلك وتبديل شريعة نبيهم، ثم انظر في موافقة من أطاعه ووافقه على ذلك، فهل يجوز في شرائع الانبياء أو عقل أتباعهم ان ينسخ أصحاب نبى شيئا من شريعته بقول واحد من صحابته أو يختاروا لانفسهم غير سنته ؟ اين هذا مما تضمنه كتابهم " ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الكافرون " " هم الظالمون " " هم الفاسقون ". وأعجب من ذلك استمرار عمل أكثر المسلمين بما أحدثه عمر في هذه

[ 461 ]

البدعة وتحريمهم لما أباحه نبيهم وانكارهم لما كان جائزا في زمن نبيهم وزمن أبى بكر، ان اقدام هؤلاء على المجاهرة بذلك عجيب ما سمعناه وعرفناه. نهى عمر عن متعة الحج ومن طرائف ما شهدوا به أيضا على خليفتهم عمر أنه قد غير من شريعة نبيهم أنه نهى عن متعة الحج أيضا ثم تابعه كثير منهم على ذلك. فمن ذلك ما رواه الحميدى في الجمع بين الصحيحين في مسند أبى موسى الاشعري ابراهيم بن أبى موسى ان أباه كان يفتى بالمتعة فقال له: رويدك ببعض فتياك فانك لا تدري ما أحدث امير المؤمنين في النسك بعد فلقيه بعد فسأله فقال عمر: ان النبي " ص " قد فعله وأصحابه ولكن كرهت ان يظلوا معرسين بهن في الاراك ثم يروحون في الحج تقطر رؤوسهم (1). ومن ذلك ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين أيضا في مسند عمران بن حصين في متعة النساء قال: أنزلت آية المتعة في كتاب الله ففعلناها مع رسول الله ولم ينزل قرآن يحرمه ولم ينه عنها رسول الله " ص " حتى مات قال رجل برايه ما شاء، قال البخاري في صحيحه في المجلد الثاني من ثلاث المجلدات ما هذا لفظه: يعني انه عمر ولم يقل يقال انه عمر (2). (قال عبد المحمود): ألا تعجب أيها العاقل من اقدام هذا عمر خليفتهم على تغيير شريعة نبيهم، وأنه يعتقد رأيه وتدبيره أصلح من تدبير الله ورسوله أتراه ما يعلم ان الله كان يعلم ان المسلمين يظلوا بنسائهم معرسين في الاراك ؟


(1) رواه مسلم في صحيحه: 2 / 896. (2) البخاري في صحيحه 2 / 153، ومسلم في صحيحه: 2 / 898.

[ 462 ]

فإذا كان الله علم ذلك وأمر بمتعة الحج فكيف كره عمر ما أنزل الله ؟ أما يقرؤن في كتابهم " وكرهوا ما أنزل الله فاحبط أعمالهم " (1). وكيف يجوز الاقتداء بقوم هذا مقدار عقولهم ومقدار أماناتهم في رواياتهم وشريعتهم ؟ وقد روى أعيان أهل البيت الذين أمر نبيهم بالتمسك بهم أن نبيهم أمر بمتعة الحج وعملها المسلمون في حياته وبعد وفاته حتى نهى عمر عنها، وقد روى ذلك أيضا خلق كثير من الصحابة. فمن ذلك ما رواه الحميدي في كتاب الجمع بين الصحيحين في مسند جابر ابن عبد الله في الحديث الخامس والعشرين من المتفق عليه على صحته. ومن ذلك ما رواه الحميدي في كتابه المذكور في الحديث التاسع والثمانين من مسند جابر من أفراد مسلم. وروى الحميدي أيضا في مسند أبى سعيد الخدرى في الحديث الثالث والثلاثين من أفراد مسلم. وروى الحميدي أيضا من مسند أسماء بنت عميس في الحديث الرابع عشر من المتفق عليه. ورواه أيضا الحميدي في مسند عبد الله بن عمر في الحديث السابع والعشرين بعد المائة من المتفق عليه. ورواه الحميدي أيضا في مسند عبد الله بن عباس في الحديث السادس والثلاثين، ورواه أيضا في مسند عائشة. (قال عبد المحمود) مؤلف هذا الكتاب: فلم يلتفت عمر ولا أتباعه الى ما تضمنه كتاب ربهم في متعة الحج ولا الى شريعة نبيهم ولا الى شهادة هؤلاء الصحابة الرواة لحديث متعة الحج، وجميعهم قد صرح ونقل ذلك عن نبيهم في عدة مجالس ونقله غيرهم على جهة التواتر، ونسخوا بقول عمر شريعة


(1) محمد: 9.

[ 463 ]

نبيهم وكتاب ربهم وصار التمتع بالحج عند كثير منهم منكرا ومستنكرا، وتركوا ما يقرؤنه في كتابهم " ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الكافرون ". تغيير عمر طلاق الثلاث ومن طرائف ما شهدوا به أيضا على خليفتهم عمر من تغييره لشريعة نبيهم وزيادته فيه ما لم يامر به ربهم ولا رسولهم ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين من عدة طرق من مسند عبد الله بن عباس فمنها في الحديث الرابع من أفراد مسلم قال: كان الطلاق على عهد رسول الله " ص " وأبى بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة فقال عمر بن الخطاب: ان الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم فامضاه عليهم (1). ورواه أيضا الحميدي من غير مسند عبد الله بن عباس من عدة طرق. (قال عبد المحمود): أترى عمر كان يعتقد ان الله ما كان عالما ان الناس يستعجلون في أمر يكون لهم أناة، فان كان عمر يعلم ان الله كان عالما بذلك وما جعل الثلاث التطليقات الا واحدة فكيف استجاز عمر لعقله ودينه وشريعة نبيه ان يزيد في الشريعة ما لم يرده الله ورسوله ؟ وكيف جعل اختيارة وتدبيره للامة أصلح من اختيار الله ورسوله وتدبيرهما ؟ وكيف رضى أتباعه عنه بذلك ؟ وان كان عمر علم ان الله ما كان عالما بذلك ولا عرف الله ولا رسوله المصلحة التى عرفها عمر في لزوم الطلاق الثلاث فحسب المسلمين بذلك عارا وشنارا ان يكون خليفتهم بهذه الصفات، لقد شمت بهم والله أهل العقول والديانات.


(1) مسلم في صحيحه: 2 / 1099، ورواه أحمد بن حنبل في مسنده: 1 / 314.

[ 464 ]

نهى عمر عن الصلاة لمن اجنب ولم يجد ماء ومن طرائف ما شهدوا به أيضا على خليفتهم عمر من تغييره لشريعة نبيهم وجهله بها ما ذكره الحميدى في كتاب الجمع بين الصحيحين في مسند عمار بن ياسر في الحديث الثاني من المتفق عليه قال: ان رجلا أتى عمر فقال: انى أجنبت فلم أجد ماءا. فقال: لا تصل فقال عمار: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية فاجنبنا فلم نجد ماء، فاما أنت فلم تصل وأما أنا فتمعكت في التراب وصليت. فقال النبي " ص ": انما كان يكفيك أن تضرب بيديك الارض ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك فقال عمر: اتق الله يا عمار قال: ان شئت لم أحدث به، فقال عمر: نوليك ما توليت (1). (قال عبد المحمود): فهذه خليفتهم عمر قد عاشر نبيهم وخالطه كثيرا من نبوته في حياته وبقى مدة بعد وفاته الى أن صار يخاطب بامير المؤمنين، ومع هذا فلم يكن يعلم ان من فقد الماء للطهارة يتيمم بالتراب، وقد كان الحكم في ذلك مشهورا في كتابهم في قوله " فان لم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا " (2) وكان معلوما في شريعة نبيهم يعرفه أوليائهم وأعدائهم ولعل نساء أهل المدينة وكثيرا من أطفالهم يعرفون ذلك من شريعة الاسلام، فكيف بلغ الجهل بخليفتهم عمر الى هذه الغاية ؟ وكيف حسن منهم ان يستصلحوا لخلافتهم من يكون كذلك ؟.


(1) رواه مسلم في صحيحه: 1 / 280، والبخاري في صحيحه 1 / 87. (2) النساء: 43.

[ 465 ]

معارضة عمر للنبى " ص " في قسمة الاموال ومن طرائف ما صححوا عن خليفتهم عمر ورووه في صحاحهم، وقد رواه مسلم في المجلد الثاني من صحيحه باسناده الى سلمان بن ربيعة قال: قال عمر بن الخطاب: قسم رسول الله " ص " قسما فقلت: والله يا رسول الله لغير هؤلاء كان أحق به منهم فقال: انهم خيرونى بين ان يسئلونى بالفحش أو يبخلوني فلست بباخل (1). (قال عبد المحمود): أكان يحسن من قوم يعتقدون في خليفتهم عمر مثل اعتقادهم ثم يروون عنه أنه يعارض نبيهم في قسمة الاموال ووجوه استحقاق أهلها وهو لا يعلم أسرار الله ولا أسرار رسوله في ذلك، ويشهد المعقول والمنقول ان الانبياء أعرف بقسمة الاموال والاحكام من رعاياهم، وخاصة نبيهم فان كتابهم يتضمن " وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحى يوحى ". ثم ما كفى لعمر المعارضة لنبيهم والطعن في أمانته وقسمته ونبوته حتى يحلف على ذلك بالله فهلا كان عمر قد سال نبيهم عن القسمة سؤالا واستعلم منه وجه المصلحة في ذلك، ان هذا الذى قد صححوه عن خليفتهم عمر مما يكثر التعجب منه ومنهم كيف صححوا ذلك عنه. قول رسول الله صلى الله عليه وآله ان لعمر واصحابه هجرة ولاهل السفينة هجرتان ومن طرائف ما صححوا عن خليفتهم عمر أيضا وذكروه في صحاحهم


(1) رواه مسلم في صحيحه: 3 / 730.

[ 466 ]

وقد رواه مسلم في النصف الثاني من المجلد الثالث من صحيحه باسناده الى أبى موسى الاشعري قال: دخل عمر على حفصة وأسماء عندها فقال عمر حين راى أسماء: من هذه ؟ قالت: أسماء بنت عميس قال عمر: الحبشية هذه ؟ البحرية هذه ؟ فقالت أسماء: نعم. فقال عمر: سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله " ص " منكم، فغضبت وقالت كلمة: كذبت يا عمر كلا والله كنتم مع رسول الله " ص " يطعم جائعكم ويعظ جاهلكم، وكنا في دار أو أرض البعداء البغضاء في الحبشة، وذلك في الله وفي رسوله وأيم الله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أذكر ما قلت لرسول الله، ونحن كنا نؤذى ونخاف وساذكر ذلك لرسول الله وأساله، والله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد على ذلك قال: فلما جاء النبي قالت: يا نبى الله ان عمر قال كذا وكذا فقال رسول الله " ص " ليس باحق بى منكم، له ولاصحابه هجرة واحدة ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان، هذا المراد من الحديث قد نقلناه بالفاظه (1). (قال عبد المحمود): أي ضرورة كانت لهم الى ايراد مثل هذا الحديث وتصحيحه وهو يتضمن عن خليفتهم عمر اشياء منكرة ما كان لهم حاجة الى ايرادها. فمن ذلك أن عمر ادعى المعرفة بالتفاضل في الهجرة وكان ذلك مما يعلمه الله ورسوله، وما كان يحسن منه التهجم بمنازعة الله في أمر قد أظهر رسول الله " ص " خطا عمر فيه. ومن ذلك ان الهجرة والتفاضل فيها يرجع الى قصد الانسان بالهجرة، كما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث السادس عشر من المتفق عليه من مسند عمر بن الخطاب قال ما هذا لفظه: سمعت رسول الله " ص " يقول:


(1) رواه مسلم في صحيحه: 4 / 1946 و 1947.

[ 467 ]

انما الاعمال بالنية - وفي رواية بالنيات - وأنما لكل أمرء ما نوى، فمن كانت هجرته الى الله ورسوله، فهجرته الى الله ورسوله، ومن كانت هجرته الى دنيا يصيبها أو أمره يتزوجها فهجرته الى ما هاجر إليه، هذا آخر الحديث (1) فمن أين لعمر علم بقصد المهاجرين الى الحبشة حتى يقدم نفسه عليهم. ومن ذلك ان النبي " ص " جعل هجرة أمراة أفضل من هجرته. ومن ذلك تنبيه أسماء على ان عمر أنما تبع نبيهم طمعا في الدنيا ليطعمه من الجوع كما قالت. ومن ذلك أنه إذا كان أصحاب السفينة أحق برسول الله " ص " من عمر فبما ذا تقدم عليهم أبو بكر وعمر في الخلافة. ومن ذلك ان يكون امراة أحق برسول الله منه وليس للمراة مقام الخلافة على المسلمين، فينبغي ان يكون أبو بكر وعمر دونها في أنه لا تحل خلافتهم، وهذا كله مما يلزمهم لتصحيحهم لهذا الحديث. سابقة عمر قبل الاسلام ومن طرائف ما رووه في كتبهم المعتبرة الصحاح، وقد ذكره ابن عبدربه في كتاب العقد في المجلد الاول في حديث استعمال عمر بن الخطاب لعمرو ابن العاص في بعض ولاياته قال: فقال عمرو بن العاص ما هذا لفظه وعمرو بن العاص ممن لا يتهم بنقله في حق عمر، قبح الله زمانا عمل فيه عمرو بن العاص لعمر بن الخطاب: والله اني لاعرف الخطاب يحمل على راسه حزمة من حطب وعلى ابنه مثلها وما ثمنها الا في تمرة لا تبلغ رضيعة.


(1) رواه مسلم في صحيحه: 3 / 1515، والبخاري في صحيحه: 1 / 1.

[ 468 ]

وذكر مؤلف كتاب نهاية الطلب الحنبلي المقدم ذكره ان عمر بن الخطاب كان قبل الاسلام نخاس الحمير. (قال عبد المحمود): انظر رحمك الله الى ما قد وصفوا به منزلة خليفتهم عمر وما كان عليه الرذالة والدنائة وسياسة الحمير، فكيف يعدل هو وأبو بكر وأتباعهما عن بني هاشم ملوك الجاهلية والاسلام ؟ واختاروا عمر وهذه حاله على ما شهدوا به عليه ؟ ثم انظر كيف كان خلاص عمر من حمل الحطب وعرى الجسد ونخس الحمير بطريق نبيهم محمد " ص " بعد وفاته، ثم تفكر فيما كان يجبهه به في حياته من سوء المعاملة وقبح الصحبة، وما جازى به أهل بيت نبيهم بعد وفاته، ففى ذلك عجائب لذوى الالباب يعرف منها حقايق ما جرى عليهم من التعصب في الاسباب. ومن ذلك ما ذكره ابن عبد ربه في المجلد الثاني من كتاب العقد قال: وخرج عمر بن الخطاب ويده على المعلى بن جارود، فلقيته امراة من قريش فقالت: يا عمر ! فوقف لها فقالت: كنا نعرفك مرة عميرا ثم صرت من بعد عمير عمر، ثم صرت من بعد عمر أمير المؤمنين، فاتق الله يابن الخطاب وانظر في امورك وامور الناس، فانه من خاف الوعيد قرب عليه البعيد ومن خاف الموت خشى الفوت (1). ومن طرائف ما قبحوا به ذكر خليفتهم عمر انهم ذكروا عنه ان الله تعالى فرض في المواريث ما لا يقوم المال الموروث به، وطرقوا للزنادقة والملحدين الطعن على الله والرسول، وشهدوا ان عمر كان سبب ذلك وسموها مسالة العول. وقد ذكر أبو هلال العسكري في كتاب الاوائل: أول من فعل هذا وأحدث


(1) نقله العسقلاني في الاصابة: 4 / 290، وابن عبد البر في الاستيعاب: 4 / 291.

[ 469 ]

هذه المسالة عمر بن الخطاب، ورووه في غير كتاب الاوائل بما هذا لفظه: عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن مسعود انه قال: التقيت أنا وزفر بن اويس النظرى فقلنا نمضى الى ابن عباس فمضينا يحدثنا فكان مما تحدث قال: سبحان الله الذي احصى رمل عالج عددا جعل في المال نصفا ونصفا وثلثا ذهب النقصان بالمال فاين الثلث انما جعل نصفا ونصفا واثلاثا وأرباعا، وايم الله لو قدموا من قدمه الله واخروا من اخره ما عالت الفريضة قط قلت: من الذي قدمه الله ومن الذى اخره الله ؟ قال: الذى اهبط الله من فرض الى فرض فهو الذى قدمه، ومن اهبطه من فرض الى ما بقى فهو الذى اخره الله فقلت: من اول من اعال الفرائض قال: عمر بن الخطاب. (قال عبد المحمود): كيف حسن رضاهم بخليفة يشهدون عليه انه بلغ من النقصان وعدم علم القرآن والطعن على الله ورسوله الى هذه الغايات، ليتهم أما ما كانوا رضوه أو حيث رضوه اسقطوا عنه مثل هذه الروايات. ومن طريف ما بلغوا إليه من القدح في أصل خليفتهم، وان جدته صهاك الحبشية ولدته من سفاح يعنى من زنا، ثم يروون ان ولد الزنا لا ينجب، ثم مع هذا التناقض يدعون أنه أنجب ويكذبون أنفسهم ولو عقلوا لاستقبحوا أن يولوا خليفة، ثم شهدوا أنه ولد الزنا. فمن روايتهم في ذلك ما ذكره أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبى وهو من رجالهم في كتاب المثالب فقال ما هذا لفظه في عدد جملة من ولدوا من سفاح: روى هشام عن أبيه قال: كانت صهاك أمة حبشية لهاشم بن عبد مناف ثم وقع عليها عبد العزى بن رياح فجاءت بنفيل جد عمر بن الخطاب. فهل بلغت الشيعة أقبح من هذه الاسباب. ومن طرائف ما قصدوا به مدح عمر بن الخطاب وحصلوا في ذمه ما ذكره

[ 470 ]

صاحب احياء علوم الدين الغزالي في الجزء الاول من الاحياء في الفصل الرابع من قواعد العقايد في الوجه الثالث من الفصل المذكور في أواخره فقال ما هذا لفظه: حتى كان عمر بن الخطاب يسال حذيفة عن نفسه وانه هل ذكر في المنافقين (1). (قال عبد المحمود): هذا شئ عجيب لان حذيفة كان صاحب سر رسول الله " ص " في المنافقين والكفار، كذا روى رواتهم ونقلة الاخبار فسؤال عمر هل ذكره رسول الله " ص " فيهم من عجيبات المسائل، لانه ان كان ذكره رسولهم في المنافقين وهو يعلم من نفسه ذلك فلا معنى للسؤال. على أنه يقال لو لا انه يعلم من نفسه ما يليق بهذه الحال ما سال عنها، فرايت في موضع آخر ان حذيفة قال له: أنت اعلم بنفسك. ولو كان حذيفه يعلم انه ما هو منهم قال: لا ما أنت منهم لانه خليفة يخاف ويرجى، فتقية حذيفة تشهد له بالطعن عليه وقد كان مستغنيا بما أشار إليه. ومن طرائف ذلك ما ذكره الغزالي أيضا في كتاب اسرار الطهارة فقال ما هذا لفظه: حتى ان عمر مع علو منصبة توضأ من ماء في جرة نصرانية (2). (قال عبد المحمود): أي فضيلة في ان يكون عمر يتوضا للصلاة من ماء أعداء الله ورسوله المشركين الذين أنجاس بمضمون كتابهم " انما المشركون نجس " (3) ولقد بلغ القوم في ذم خليفتهم عمر بغاية الاجتهاد وأراحوا اعداءهم من النقل والايراد.


(1) احياء علوم الدين: 1 / 124. (2) احياء علوم الدين: 1 / 126. (3) التوبة: 28.

[ 471 ]

نهى عمر عن المغالاة في صداق النساء ومن طرائف ما شهدوا به على خليفتهم عمر أيضا من الجهل بشريعة نبيهم واقدامه على الفتوى بما لا يعلم وقلة مراقبته لربهم ولرسوله في ذلك، ما رواه الحميدى في الجمع بين الصحيحين في فصل منفرد في أواخر كتابه المذكور فقال: ان عمر بن الخطاب أمر على المنبر أن لا يزاد في مهور النساء على قدر ذكره فذكرته امراة من جانب المسجد بقول الله تعالى " وان أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم أحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا " (1) فقال: كل الناس أعلم من عمر حتى النساء. وذكر الزمخشري في كتاب الكشاف عن عمر أنه قام خطيبا فقال: أيها الناس لا تغالوا بصداق النساء، فلو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله " ص "، ما أصدق أمراة اكثر من أثنى عشر أوقية، فقامت إليه أمراة فقالت له: يا أمير المؤمنين لم تمنعنا حقا جعله الله لنا والله يقول " وآتيتم احداهن قنطارا ". فقال عمر: كل أحد أعلم من عمر، ثم قال لاصحابه تسمعوننى أقول مثل هذا القول فلا تنكرونه علي حتى ترد علي امراة ليست من أعلم النساء (2). (قال عبد المحمود): ليت شعري أي فضيلة كانت لعمر في هذا الحديث حين يورده أولياؤه ويشهدوا بصحته وقد شهد على نفسه ان كل أحد أعلم منه حتى النساء، ومثله في منزلته وخلافته لا يجوز أن على المنبر الا ما كان


(1) النساء: 20. (2) الكشاف: 1 / 514.

[ 472 ]

معتقدا له، ولا ينسبونه الى الاقدام على الكذب، فكيف خفى عليه مع طول صحبته لنبيهم مثل هذه الايات المشهورة في كتابهم. ومن طريف ذلك اقدامة على الامر بخلاف شريعتهم وجرئته على ذلك بمحضر المسلمين وعلى رؤس المنابر من غير فكر في عاقبته في دنيا أو آخرة، وليتة حيث كان لا يعلم قد شاور قبل الامر به واستعلم الحكم في ذلك، أو ليته توقف عن هذه المحافل والمنابر التى لا تصلح أن يسلكها من يكون بهذه الصفات من قلة العلم وشدة الغفلات، وكان قد أراح المسلمين من سوء السمعة بان خليفتهم تقدم في التحليل والتحريم على ما لا يعلمه ويامر ما لا يتحققه، وقد تكرر في كتابهم " ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الكافرون " وفي موضع آخر " فاولئك هم الفاسقون " وفي موضع آخر فاولئك هم الظالمون ". ان عمر امر برجم امراة ولدت لستة اشهر ومن طرائف ما شهدوا به على خليفتهم عمر ايضا من اقدامه على قتل النفوس وتغيير شريعة نبيهم وتبديله لاحكامها، ما ذكره الحميدى في كتاب الجمع بين الصحيحين في فصل منفرد في آخر الكتاب المذكور قال: ان عمر أمر برجم امراة ولدت لستة أشهر، فذكره علي عليه السلام قول الله تعالى " وحمله وفصاله ثلاثون شهرا " مع قوله " والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين " فرجع عمر عن الامر برجمها (1). (قال عبد المحمود): أنظر رحمك الله الى عجلة هذا خليفتهم عمر بالامر برجم هذه المراة المظلومة عندهم واستحلاله لدمها واشاعته لتقبيح ذكرها


(1) رواه البيهقى في سننه: 7 / 442، ومحب الطبري في الرياض: 2 / 194. والاية الاحقاف: 15، والبقرة: 233.

[ 473 ]

واساءة سمعتها، وكتابهم يتضمن " ان الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والاخرة " (1) فكيف استجاز عمر لخلافته ودينه ومنزلته أن يقدم على الامر بقتل النفس المحترمة قبل السؤال ؟ وكيف يكون متدينا أو مامونا من تقدم العجلة بهذه الاحوال، ما أكثر التعجب من الاختلاط والاختلال. امر عمر برجم المجنونة ومن طرائف ما شهدوا به ايضا على خليفتهم عمر ومخالفته للعقل والشرع وجهله بما لا يكاد يخفى على صبيان مدينة نبيهم، ما ذكره أحمد بن حنبل في مسنده عن قتادة عن الحسن البصري أن عمر بن الخطاب أراد أن يرجم مجنونة فقال له على عليه السلام: ما لك ذلك أما سمعت رسول الله " ص " يقول: رفع القلم عن ثلاثة نفر عن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يبرء ويعقل وعن الطفل حتى يحتلم (2). وذكر أحمد بن حنبل في مسنده عن سعيد بن المسيب قال: كان عمر يتعوذ من معضله ليس بها أبو الحسن حاضرا يعنى عليا عليه السلام (قال عبد المحمود)، ليت شعرى أي عقل دل لخليفتهم عمر على رجم المجنونة وعقوبتها وسفك دمها على أمر ما يعقله ولا جعل الله لها في حال جنونها طريقا الى العلم به، وأي تكليف راى المجانين قد كلفوا به في حال جنونهم يبيح قتل نفوسهم حتى يفتى بذلك ويقدم عليه، وأي مصيبة حملت لهذا الرجل على العجلة بهذه الامور الهائلة والخطايا الذاهلة، اما يعلم أي


(1) النور: 23. (2) احمد بن حنبل في مسنده: 1 / رجم المجنون، والبخاري في صحيحه 8 / 21.

[ 474 ]

فضيحة قد جلب للاسلام وأي عار ألبس من أتبعه من المسلمين، وأين حسن تدبير أمور الدنيا والدين ؟ هكذا تكون الخلفاء والرؤساء ؟ ان هذا مما يتعجب منه الرجال بل النساء. مخالفة عمر للنبى " ص " في حد شارب الخمر ومن طرائف ما شهدوا به أيضا على خليفتهم عمر من تغييره لشريعة نبيهم وقلة معرفته بمقام الانبياء، ما ذكره الحميدى في الجمع بين الصحيحين في مسند أنس بن مالك في الحديث الحادى والتسعين من المتفق عليه قال: ان النبي " ص " ضرب في الخمر بالجريد والنعال وجلد أبو بكر أربعين، وفى رواية ابن عبدربه عن شعبة عن قتادة عن أنس أن النبي " ص " أتى برجل قد شرب الخمر فجلده بجريدتين نحو أربعين قال: وفعله أبو بكر فلما كان عمر استشار الناس فقال عبد الرحمن: أخف الحدود ثمانين فامر به عمر (1). وذكر الحميدي في كتاب الجمع بين الصحيحين في مسند السايب بن يزيد في الحديث الرابع من افراد البخاري قال: كنا نؤتى بالشارب على عهد رسول الله " ص " وامرة أبي بكر وصدرا من خلافة عمر فنقوم إليه بايدينا ونعالنا وأرديتنا، حتى كان آخرامرة عمر فجلد أربعين حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين (2). (قال عبد المحمود): إذا كان الحد كما ذكروه في عهد نبيهم وأبى بكر أربعين فكيف استجاز عمر ان يجعله ثمانين ؟ وكيف جاز ان يستشير في ذلك ؟ وكيف أقدم عبد الرحمن على المشورة بخلاف سنة رسولهم وزمان أبي بكر ؟


(1) رواه مسلم في صحيحه: 3 / 1330، والبخاري في صحيحه: 8 / 13. (2) البخاري في صحيحه: 8 / 14.

[ 475 ]

أهكذا يكون محل الانبياء وشرايع الرسل أنها تغير بعدهم بالاراء والاهواء ؟ ان هذا من عجايب الاشياء. سؤال عمر عما قرأ به رسول الله " ص " في يوم عيد ومن طرائف ما شهدوا به على خليفتهم عمر من جهله للامور المشهورة من شريعة نبيهم، ما ذكره الحميدى في كتاب الجمع بين الصحيحين ايضا في مسند ابن أبى أوفى من أفراد مسلم عن أبى أوفي قال: سألني عمر بن الخطاب عما قرأ به رسول الله " ص " في يوم العيد فقلت: باقتربت الساعة وقاف والقرآن المجيد. ومن مسند ابن أبى أوفى أيضا في كتاب الجمع بين الصحيحين في حديث مالك بن أنس عن ضمرة بن سعيد عن عبيد الله بن عبد الله ان عمر بن الخطاب سال أبا واقد الليثى ما كان يقرء به رسول الله " ص " في الاضحى والفطر ؟ فقال: كان يقرا فيهما بقاف والقرآن المجيد واقتربت الساعة وانشق القمر (1). (قال عبد المحمود): ألا تعجب أيها العاقل من رجل قد صحب نبيهم مدة صلاتة لعيد الاضحى والفطر، قد كان يسمع قراءته أو يسمع من الناس لانها من الصلوات الشائعة عندهم، ومع ذلك فلم يحفظ الصلاة بصفتها ولم يحفظ اسم ما كان يقرء فيها، وكان على هذه الجهالة بهذا المقدار اليسير كان يتلوه نبيهم على رؤوس الاشهاد مدة حياة نبيهم ومدة خلافة أبى بكر والى حين سال في خلافته عن ذلك، وقد شرح الحال غير الحميدى وانما اقتصرت على رواية الحميدى خاصة، ألا تعجب من قوم يرضون ان يكون خليفتهم على هذه الغفلة والجهالة، ان ذلك من الضلال القبيح.


(1) مسلم في صحيحه: 2 / 607.

[ 476 ]

اعتراف عمر بانه كان مشغولا عن معرفة الشريعة بالصفق بالاسواق ومن طرائف ما رووه وشهدوا على خليفتهم عمر واعترافه بانه كان مشغولا عن نبيهم وعن معرفة شريعته بالبيع والشراء ومطامع دار الفناء، ما ذكره الحميدى في كتاب الجمع بين الصحيحين أيضا في مسند أبى سعيد الخدري في الحديث الثامن والعشرين من المتفق عليه ما معناه: أن أبا موسى استاذن على عمر بن الخطاب ثلاث فلم ياذن له فانصرف فقال عمر: ما حملك على ما صنعت ؟ قال: كنا نؤمر بهذا، قال: لتقيمن على هذا بينة أو لافعلن. فشهد له أبو سعيد الخدرى بذلك عن النبي " ص " فقال عمر: خفى على هذا من أمر رسول الله ألهانى عنه الصفق بالاسواق (1). (قال عبد المحمود): أتراه ما كان يستحيى من أبى موسى الاشعري أو من الله تعالى حيث يستعظم منه روايته صورة الاذن عن نبيهم، وقد قال عمر عن نبيهم كثيرا من الاحكام بخلاف شريعته ولم يستعظم لنفسه ذلك، وما هذا الاستعظام وقد قبلوا روايات أبى موسى وصححوها فهلا كان هذه الرواية أيضا يقتدى بغيره من الروايات، ومن كان يعلم من نفسه أنه كان مشغولا عن نبيهم وعن شريعته بالبيع والشراء كيف يستبعد ان يعلم أبو موسى وغيره ما لم يعلم، ومن كان يجهل أمورا مشهورة من شريعة نبيهم كما تقدم شهادتهم عليه كيف يستبعد جهله بصورة حال الاذن المذكور، ان هذا من عجائب الامور.


(1) رواه مسلم في صحيحه: 3 / 1696، والبخاري في صحيحه: 7 / 130.

[ 477 ]

ذكرهم عن عمر انه زاد في الاذان الصلاة خير من النوم ومن طرائف ما تناقضت به الرواية خليفتهم عمر كونهم يذكرون عنه أنه زاد في الاذان الصلاة خير من النوم، مع روايتهم لاخبار بخلاف ذلك، فمن روايتهم في ذلك ما ذكره الحميدى في كتاب الجمع بين الصحيحين في مسند عمر بن الخطاب عن حفص بن عاصم عن أبيه عن جده عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله " ص ": إذا قال المؤذن الله أكبر الله أكبر أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد ان لا اله الا الله قال: أشهد ان لا اله الا الله، ثم قال: أشهد ان محمدا رسول الله قال: أشهد ان محمدا رسول الله، ثم قال: حى على الصلاة قال: لا حول ولا قوة الا بالله، ثم قال حى على الفلاح قال: لا حول ولا قوة الا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر قال: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: لا اله الا الله قال: لا اله الا الله من قلبه دخل الجنة (1). ومن ذلك ما ذكره الحميدي أيضا في كتاب الجمع بين الصحيحين في حديث أبى محذورة وسمرة بن مغيرة ان نبى الله " ص " علمه هذا الاذان: الله أكبر الله أكبر، أشهد ان لا اله الا الله أشهد ان لا اله الا الله، أشهد أن محمدا رسول الله أشهد ان محمدا رسول الله، ثم يعود فيقول: أشهد ان لا اله الا الله الا الله أشهد ان لا اله الا الله أشهد ان محمدا رسول الله أشهد ان محمدا رسول الله، حى على الصلاة (مرتين) حى على الفلاح (مرتين) الله اكبر الله اكبر، لا اله الا الله (2). (قال عبد المحمود) مؤلف هذا الكتاب: فهل ترى في صفة الاذان عن


(1) رواه مسلم في صحيحه: 1 / 289. (2) رواه مسلم في صحيحه: 1 / 287.

[ 478 ]

نبيهم الصلاة خير من النوم ؟ فكيف استجاز عمر ان كان الرواية عنه في ذلك حقا أن يزيد في الاذان ما لم يزده الله ولا رسوله ؟ وكيف قبل مسلم منه ذلك ؟ وكيف استمر العمل به الى الان لو لا ضعف العقول وقلة الاديان. وقد رووا أن الشافعي قال في كتاب الام: ولا أحب التثويب في الصبح ولا غيرها قال: لان أبا محذروة لم يحك عن النبي أنه امر بالتثويب فاكره الزيادة في الاذان وأكره التثويب بعده (1). العلة التى من اجلها اندرس سنن النبي " ص " ومن طرائف ما رايت في سبب اند راس سنن نبيهم التى غيرها عمر وظهور سنن عمر ما ذكره بعض المسلمين العارفين بضلال من ضل منهم قال ان السب في ذلك ما تقدم بعض الدلالة على ايضاحه من تعصب كثير من المسلمين على أهل بيت النبي " ص " الذين تقدمت روايتهم في صحاحهم عن نبيهم ان أهل بيته لا يفارقون كتابه، وان التمسك بهم أمان من الضلال، واطراح المتعصبين وأتباعهم للاقتداء باهل بيت نبيهم، وكون كثير من البلاد فتح في خلافة عمر، وتلقن أصحاب تلك البلاد سنن عمر في خلافته من نوابه رهبة ورغبة، كما تلقنوا شهادة ان لا اله الا الله وشهادة ان محمدا رسول الله، فنشا عليهما الصغير ومات عليهما الكبير، ولم يعتقد أصحاب البلاد التى فتحت ان عمر تقدم على تغيير شيئ من سنن نبيهم، ولا ان أحدا من المسلمين يوافقه على ذلك، فاضل عمر نوابه التابعين له وأضل نوابه من تبعهم، فما أقرب وصفهم يوم القيامة بما تضمنه كتابهم " إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا وراوا العذاب وتقطعت بهم الاسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة


(1) الام 1 / 73 - 74 ط مصر.

[ 479 ]

فنتبرء منهم كما تبراوا منا كذلك يريهم الله اعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار " (1). اعترافات عمر على نفسه ومن طرائف ما رووه وصححوه من اعتراف عمر خليفتهم وشهادته على نفسه بقبيح ما أحدثه بعد وفاة نبيهم، ما ذكره الحميدي أيضا في كتاب الجمع بين الصحيحين في مسند أبى موسى الاشعري قال: قال أبو عامر بن موسى: قال لى عبد الله بن عمر هل تدري ما قال أبى لابيك ؟ قال: قلت: لا قال: قال فان أبى قال لابيك: يا أبا موسى هل يسرك ان اسلامنا مع رسول الله " ص " وهجرتنا معه وجهادنا معه وعملنا كله معه ويرد لنا كل عمل عملناه بعده، نجونا منه كفافا راسا براس فقال أبوك لابي: لا والله قد جاهدنا بعد رسول الله وصلينا وصمنا وعملنا خيرا كثيرا، وأسلم على أيدينا بشر كثير وأنا أرجو ذلك. قال أبى: لكن أنا والذي نفس عمر بيده لوددت ان ذلك يرد لنا كل شئ عملناه وبعده نجونا منه كفافا راس براس. فقلت أنا: ان أباك والله كان خيرا من أبى. ومن كتاب الجمع بين الصحيحين من مسند عبد الله بن عباس من جملة الحديث الاول من أفراد البخاري أنه لما طعن عمر بن الخطاب كان يتالم فقال له ابن عباس: ولا كل ذلك عمر بعد كلام: والله أما ما ترى من جزعى فهو من أجلك وأجل أصحابك، والله لو أن لي طلاع الارض ذهبا لافتديت به من عذاب الله قبل ان أراه. وقد رووا نحو هذا عنه في أحاديث كثيره. (قال عبد المحمود): هل يقوم أحد من المسلمين المعتقدين لخلافة عمر


(1) البقرة: 166 و 167.

[ 480 ]

ان يقول هذا القول وقع من عمر على سبيل الكذب، وصريح لفظه يشهد أنه ما قال عن نفسه الا حقا، ولو لا ذلك ما فرق بين ما وقع منه في حياة نبيهم وبين ما وقع منه بعد وفاته، ولا قال لابن عباس من أجلك وأصحابك، ولا يخفى على كل عاقل أن هذا الكلام يقتضى شهادة عمر على نفسه بانه قد وقع منه بعد وفاة نبيهم من الامور ما أوجب مثل هذا القول المذكور وهو أعرف بنفسه وسريرته، فما ترك لاحد طريقا تزكيته ولا عذرا يحتج به في تصحيح خلافته. مخالفة عمر للنبى " ص " ولابي بكر في جعله الخلافة شورى بين ستة ومن طرائف الامور ان عمر خليفتهم لما حضرته الوفاة يترك تدبير الله ورسوله على ما زعمت الاربعة المذاهب من ان اختيار الخلفاء الى الامة، ويترك تدبير أبى بكر في نصبه بالخلافة ويختار هو ستة أنفس للخلافة ويقول ان رسول الله " ص " مات وهو عنهم راض ثم يذم كل واحد منهم بسبب من الاسباب، وقد ذكر ذلك أصحاب التواريخ والعلما. ومع ذلك كله فانه يلتفت الى ما يشهد به من مدحهم وذمهم في مجلس واحد حتى يقول ان مضت ثلاثة أيام ولم يبايعوا واحدا منهم فاضربوا أعناقهم جميعا، فتارة يشهد لهم بالجنة، وتارة يشهد أن الله عنهم راض، وتارة يعدلهم ذنوبا أو عيوبا، وما تفكر في انه إذا كان الله ورسوله راضيين عن عبد فلا يكون ذلك العبد مذموما، وتارة يزيد عمر على ذمهم ويعرض عن شهادتهم بتزكيتهم ويامر باستباحة دمائهم وقتلهم ان تأخرت البيعة ثلاثة أيام. ولا ريب أنه قد كان يجوز في العقل أن يحدث بعد وفاته من الاعذار الصحيحة ما يقتضى جواز تأخير البيعة لاحدهم الى بعد ثلاثة أيام، بل كان

[ 481 ]

يمكن ان يحدث من الحوادث ما يصير تأخير البيعة واجبا لا جائزا، فكيف جاز منه الاقدام على اطلاق الامر بقتلهم ؟ وهم كانوا من أعيان الصحابة عند اكثر المسلمين، ما هذا الا الاستخفاف بالدين. وذكر ابراهيم بن محمد الثقفي في الجزء الثالث من كتاب المعرفة بروايته عن رجال الاربعة المذاهب قد وحا كثيرة وطعونا عظيمة في الخمسة الذين ضمهم عمر الى على بن أبى طالب عليه السلام في الشورى وكلها قدوح في دين هؤلاء الخمسة وفى أنسابهم، فلينظر كل من شك في ذلك الى الكتاب المذكور. ومن طرائف مناقضتهم في كثير من أفعالهم واقوالهم ما ذكره الحميدى في كتاب الجمع بين الصحيحين في الحديث الرابع من المتفق عليه من مسند عمربن الخطاب عن ابن عمر من رواية سالم عنه قال: دخلت على حفصة ونوساتها تتنظف فقالت: أعلمت ان أباك غير مستخلف ؟ قال: قلت: ما كان ليفعل. قالت: انه فاعل. قال: فحلفت ان أكلمه في ذلك، فسكت حتى غدوت ولم أكلمه قال: فكنت كانما أحمل بيمينى حبلا، حتى رجعت فدخلت عليه فسألني عن حال الناس وأنا أخبره، قال: ثم قلت له: أنى سمعت الناس يقولون مقالة فاليت أن أقولها لك، زعموا أنك غير مستخلف وأنه لو كان لك راعى ابل أو راعى غنم ثم جاءك وتركها رايت ان قد ضيع فرعاية الناس أشد قال: فوافقه قولى فوضع راسه ساعة ثم رفعه الى فقال: ان الله عز وجل يحفظ دينه وأني لئن لا استخلف، فان رسول الله " ص " لم يستخلف، وان استخلف فان أبا بكر قد استخلف قال: فو الله ما هو الا ذكر أن رسول الله " ص " وأبا بكر فعلمت أنه لم يكن ليعدل برسول الله أحدا وأنه غير مستخلف (1).


(1) رواه مسلم في صحيحه: 3 / 1455.

[ 482 ]

(قال عبد المحمود): انظر رحمك الله في هذا الحديث الصحيح عندهم ففيه عدة طرائف. فمن طرائفه اقرار عبد الله بن عمر وشهادته ان العقول تقتضي ان المتولي لامور إذا تركهم بغير وصية الى من يقوم مقامه يكون قد ضيعهم، وقد شهدوا على رسولهم أنه قبض ولم يستخلف وضيع امور الناس، وفى ذلك ما فيه. ومن طرائفه شهادته على أبيه ان هذا القول وافقه واستصلحه ثم عدل عنه. ومن طرائفه قول عمر ان الله يحفظ دينه وما في هذا القول من المغالطة، أتراه يريد ان الله يحفظ دينه وان لم يكن للناس راع وسائس أم لا بد من راع وسائس، فان كان يحفظ دينه من غير راع وسائس فقد ذم أبا بكر حيث نص عليه وذم نفسه حيث عين ستة أنفس، فان كان لا بد من سائس فقد عابوا على نبيهم إذا كان قد ترك الامة بغير راع وسائس كما زعموا. ومن طرائفه قوله ما يستخلف، وليت شعرى كيف يكون الاستخلاف ؟ فان عمر وان كان قد خالف تدبير رسولهم وتدبير أبا بكر فانه أيضا استخلف وأوصى وعين الخلافة في ستة نفر ويقلد الامر حيا وميتا وزاد على ذلك أنه عرض الاسلام للفتنة. ومن طرائفه التنبيه على ان الشورى كانت سبب الاختلاف بين المسلمين وافتراقهم، والشاهد على ذلك ما ذكره جماعة من أهل التواريخ والعلماء، وذكره ابن عبدربه في كتاب العقد في المجلد الرابع عند ذكره ان معاوية سال ابن حصين فقال له معاوية: أخبرني ما الذى شتت أمر المسلمين وجماعتهم وفرق ملاهم وخالف بينهم ؟ فقال: نعم قتل الناس عثمان قال: ما صنعت شيئا قال: فمسير على اليك وقتاله اياك قال: ما صنعت شيئا قال: ما عندي غير هذا

[ 483 ]

يا أمير المؤمنين قال: فانا أخبرك انه لم يشتت بين المسلمين ولا فرق أهوائهم الا الشورى التى جعلها عمر في ستة نفر. ثم فسر معاوية ذلك في آخر الحديث فقال ما هذا لفظه: فلم يكن من الستة رجل الا رجاها لنفسه ورجاها لقومه، وتطلعت الى ذلك نفسه، ولو ان عمر استخلف عليهم كما استخلف أبو بكر ما كان في ذلك اختلاف (1). (قال عبد المحمود): فاراهم قد شهدوا ان عمر كان سبب المنع لنبيهم من الصحيفه التى أراد أن يكتبها لهم عند وفاته حتى لا يضلوا بعده أبدا وكان عمر سبب ضلال من ضل منهم لما تقدم شرحه، وقد شهدوا عليه الان ان ما عمله في الشورى كان سبب افتراق المسلمين واختلافهم فقد صار أصل الضلال وفرعه في الاسلام من عمر على ما شهد به علماؤهم. ومن طرائف مناقضاتهم أنهم رووا السقيفة مع المهاجرين والانصار ان الائمة من قريش، وقد روى الحميدى في كتاب الجمع بين الصحيحين في الحديث السادس في مسند عمر بن الخطاب ان أبا بكر قال ذلك اليوم: ولن يعرف العرب هذا الامر الا لهذا الحى من قريش. ثم رووا في كتبهم ان عمر يترك هذه الموافقة لابي بكر يوم السقيفة، وقال يوم الشورى لما ذكر أصحاب الشورى وذم كل واحد بشئ يكرهه وقال: لو كان سالم مولى ابى حذيفة حيا ما تخالجتنى فيه الشكوك، ومن المعلوم بلا خلاف ان سالما ما كان من قريش، فكيف هذه المناقضة في الاحوال والاختلاف في الافعال ؟ وقد ذكر النظام في كتاب الفتيا حديث المناقضة في ذلك. ومن طرائف ما رايت في كتب المسلمين وقد ذكره عالم من علمائهم يقال قطب الدين الراوندي في كتاب منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة قال: ان


(1) العقد الفريد: 2 / 203 ط مصر.

[ 484 ]

عمر لما نص على ستة أنفس استصلحهم للخلافة بعده فقال: ان اختلفوا فالحق في القوم الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، فقال العباس لعلي بن أبي طالب عليه السلام: ذهب الامر منا لان عبد الرحمن كانت بينه وبين عثمان مصاهرة وأمور توجب انه لا يختار عليه أحدا فقال علي عليه السلام للعباس: أنا أعلم ذلك ولكن أدخل معهم في الشورى لان عمر قد استصلحني الان للامة وكان من قبل يقول ان رسول الله " ص " قال النبوة والامامة لا يجتمعان في بيت واحد وانى لادخل معهم في ذلك ليظهر انه كذب نفسه لما راى أولا، وذكر مقالة العباس مع علي عليه السلام وجوابه أحمد بن أبي طاهر الكاتب. ومن طريف مناقضاتهم العجيبة ومباهتاتهم الغريبة أنهم قد ذكروا عن خليفتهم عمر ما قد تقدم ذكر بعضه من الحوادث المخالفة لشريعة نبيهم ولتدبير العقلاء ومع ذلك كله فان جماعة كثيرة من المسلمين يسمونه بعمر الفاروق، ويصفونه بذلك على رؤوس الاشهاد والمنابر، ويعنون انه فاروق بين الحق والباطل ولا يستحيون من هذا التناقض الهائل. ومن طريف المناقضة منهم في ذلك انهم لا ينحصرون هذا الاسم في نبيهم الذي اتفقوا على أنه فاروق عند جميع المسلمين، أو في علي بن أبي طالب عليه السلام وقد تقدم رواياتهم بانه فاروق بين المؤمنين والمنافقين وبين أمور كثيرة في أمر الدنيا والاخرة، وتواتر أخبارهم يشهد ان عليا عليه السلام فاروق بين الحق والباطل ببيانه ولسانه وسيفه وسنانه. في طرائف خلافة عثمان ومن طرائف الامور شهادة من شهد منهم بصحة خلافة عثمان بن عفان، وهي مبنية على خلافة عمر وعبد الرحمن، أما عمر فانهم قد ذكروا عنه أنه

[ 485 ]

خالف في تدبير الخلافة رسولهم محمدا " ص " وأبا بكر الذي كان أصل خلافته فكيف تثبت له وصيبة الخلافة مع هذه المخالفة ؟ وأيضا فقد ذكروا عنه ما قد تقدم شرح بعضه من هدم كثير من شريعة نبيهم ونقضه أركان شريعته، فكيف يصح وصيته بالخلافة لسواه، وهو على ما ذكروه من الذم الذى شرحنا بعضه عنهم ورويناه ومن شهدوا عليه أنه على صفات لا تصح خلافته في نفسه، فكيف يكون وصيته موجبة لخلافة غيره ؟ ان هذا من البهت الشنيع والاختلاط البديع وإذا كانت خلافة عثمان على هذا الاساس الخراب كيف تصح له خلافته عند ذوي الالباب. ومن طرائف فساد الاذهان والاديان تعويلهم بعد هذا على ما دبره عبد الرحمن لعثمان بن عفان، وقد تقدمت روايتهم في مسند المغيرة بن شعبة ان عبد الرحمن ما رعا حرمة نبيهم في حياته وانه عزل رسولهم عن مقام صلاته ولم يصبر عليه حتى يتوضا للصلاة، وقد كان عند عبد الرحمن من الجهل وسوء النظر والتصرفات الى الحد الذى ذكرناه، فكيف يصلح هذا للخلافة أو لاختيار الخلفاء لو لا الغفلة الشديدة التي لا تخفى على العقلاء. وأيضا فان عبد الرحمن ما كان من أهل زهادة في الدنيا ولا بصفة من يكون حاكما على سائر المسلمين في شرق الارض وغربها ويصير رأيه وقوله قائما مقام رأيهم ومشورتهم جميعا، ليت شعري من جعل ذلك له ومن أثبت له هذا المقام وهو قد أقر على نفسه أنه لا يصلح للخلافة أو كان يصلح وغش المسلمين وعزل نفسه، فكيف يكون زاهدا في الدنيا ومامونا على اختيار الخلفاء قائما مقام سائر المسلمين. وقد ذكر أصحاب التواريخ وصاحب كتاب الاستيعاب انه لما مات قسمت تركته على ورثته وكان له ثلاث زوجات وقيل أربع، فاصاب كل واحدة منهن

[ 486 ]

عن ربع الثمن أو ثلثه ثلاثة وثمانين ألف دينار (1). فهل يقبل العقل ان رجلا من الرعايا من عرض المسلمين يدعى له عاقل زهدا أو ورعا أو صلاحا وقد خلف تركة يبلغ ربع ثمنها ثلاثة وثمانون ألف دينار، أين هذا من شمائل الزهاد والاخيار من هذا الاحتكار للدنيا والبخل بها والجمع لها والمنافسة فيها، أما لهؤلاء عقل ينفعهم أو دين يردعهم عن هذه المناقضات المتراكمة والروايات المتضادة. ومن طرائف صحيح ما شهد به العقلاء على نقص عبد الرحمن وذموه بذلك ما ذكره الغزالي الذي يذكرون أنه حجة الاسلام في كتابه المسمى باحياء علوم الدين في المجلد الثاني من المهلكات في كتاب ذم البخل وذم حب الدنيا ان عبد الرحمن أثنى عليه كعب الاحبار فبلغ ذلك أبا ذر - الذي قال فيه نبيهم ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذى لهجة أصدق من أبي ذر ولا خلاف بين المسلمين في صلاح ابى ذر - قال: فغضب أبو ذر من ذلك وأخذ عظما وتبع كعب الاحبار ليعزره ويؤدبه على شكره عبد الرحمن، ولم ينكر على أبى ذر أحد في ذلك، فصار كالاجماع من المسلمين على ذم عبد الرحمن وذم من يمدحه (2). ومن طريف ما يدل على اختلاط عبد الرحمن أو تعمده لترك الصواب ما أحدثه في الشورى من قبيح الاسباب، فمن ذلك انه بنى الامر على ان يخلع أحد الستة الانفس نفسه من الخلافة ويختار خليفة وألجاهم هو واتباعه على ذلك، وما كان ذلك انصافا ولا حقا ولا عدلا، لانه يمكن ان يكون فيهم من يعتقد انه لا يقوم احد مقامه في الخلافه بل قد كان فيهم من يعتقد ذلك، فما كان يجوز لذلك ان يخلع نفسه ويختار غيره، وما جاز لعبد الرحمن ان يكلفهم ذلك ولا يلزمهم ابدا


(1) الاستيعاب: 2 / 396 هامش الاصابة. (2) احياء علوم الدين: 3 / 266.

[ 487 ]

ومن ذلك ان هذا ما تضمنه وصية عمر التى عولوا عليها في تعيين أصحاب الشورى، فقد خالف عبد الرحمن الحق والعدل وخالف وصية عمر فكيف يصح تعيينه لعثمان. ومن ذلك أنه اختص هو وانفرد بالاختيار وحده ولم يجعل عمر أيضا لاحد من الشورى أن ينفرد بالاختيار وحده ولا ان يرضى بالانفراد في ذلك، ثم ولو كان عبد الرحمن يكفى عند عمر في اختيار خليفة للمسلمين كان قد اقتصر عليه ولم يحتج الى تعيين ستة أنفس، فلا لما رووه من أمر نبيهم لهم باتباع أهل بيته والتمسك بهم امتثلوا، ولا بوصية خليفتهم عمر عملوا، ولا الى ترك وصيته بالكلية بتعيين ستة أنفس ومشاركتهم لسائر المسلمين ومشاورتهم عدلوا، وكيف يصح خلافة عثمان عندهم وعند من عرف شناعة ما فعلوا. ومن ذلك أن عبد الرحمن لما تفرد بالعزم على عثمان لم يذكر لاهل الشورى ولا للمسلمين اسم من قد وقع اختياره عليه، وينظر رأيهم وراى المسلمين في ذلك. ومن ذلك أنه بنى الامر في استخلافه لعثمان على المخادعة والمكر بالجماعة ومن وقف على ما رووه في الشورى عرف ذلك محققا. عثمان يامر برجم امراة لا تستحق الرجم ومن طرايف ما شهدوا به على عثمان بعد استخلافه ما ذكره مسلم في صحيحه في الجزء الخامس أوايله على حد كراسين من النسخة المنقول منها في تفسير سورة الاحقاف ان امراة دخلت على زوجها فولدت منه لستة أشهر فذكر ذلك لعثمان بن عفان فامر برجمها، فدخل علي عليه السلام فقال ان الله عز وجل يقول " وحمله وفصاله ثلاثون شهرا " وقال تعالى " وفصاله في عامين " قال: فو الله كنا عند

[ 488 ]

عثمان ان بعث إليها فردت. (1) (قال عبد المحمود): ما هذه الا جراة عظيمة من عثمان أنه يامر بقتل امراة مسلمة متعمدا مع عدم علمه باباحة ذلك، وهلا تبين أو سال، أين الورع والاستظهار للدين أو الاحتياط في حفظ دماء المسلمين، أما سمع ان عمر أراد مثل ذلك فعرفه علي بن أبى طالب عليه السلام حقيقة شرعهم في ذلك وقد تقدمت روايتهم في هذا، أما كان عثمان في المدينة في تلك الواقعة الشايعة والحادثة الذايعة. نهى عثمان عن متعة الحج ومن طرائف ما ذكروه أيضا عن عثمان واستخفافه بالشرائع والاديان ما ذكره الحميدى في كتاب الجمع الصحيحين في الحديث السابع من مسند علي بن أبي طالب عليه السلام عن مروان بن حكم من رواية على الحسين عن سعيد بن المسيب أنه شهد عثمان وعليا بين مكة والمدينة وعثمان ينهى عن المتعة وان يجمع بينهما، فلما راى ذلك علي اهل بهما وقال: لبيك بعمرة وحجة فقال عثمان: تراني انهي الناس وانت تفعله قال: ما كنت لادع سنة رسول الله " ص " لقول واحد (قال عبد المحمود): انظر الى انكار على عليه السلام على عثمان وشهادته جهارا ان المتعة في الحج هي سنة رسول الله " ص " ولا. ولا يقول له انه قد أباح رسولهم غير التمتع في الحج في تلك الحجة ثم انظر مع هذا كيف اقدم


(1) رواه مالك في الموطا: 168 - 169، والطبري في تفسيره. (2) رواه مسلم في صحيحه: 2 / 897، والبخاري في صحيحه: 2 / 151.

[ 489 ]

عثمان على البدعة في شريعة نبيهم وتغييرها ثم انكاره على من عمل بسنة رسولهم، ثم تعجب من اولئك المسلمين الحاضرين كيف لم ينكروا جميعا على عثمان قولا وفعلا، ان هذا مما يتعجب منه العاقل وينفر منه. ومن طريف الامور ان عثمان يقبل قول علي بن أبي طالب عليه السلام في ترك رجم الحامل المقدم ذكرها ويخالفه في متعة الحج، وقد عرف أنها سنة نبيهم، ان هذا من بديع استخفاف عثمان بالشرائع والاديان. عثمان اتم الصلاة بمنى أربعا ومن طرائف اقدام عثمان على مخالفة رسولهم في شريعته ومخالفة أبى بكر وعمر في سيرته ما ذكره الحميدي في كتاب الجمع بين الصحيحين في مسند عبد الله بن عمر قال: صلى النبي " ص " صلاة المسافر بمنى وغيره ركعتين وأبو بكر وعمر وعثمان ركعتين صدرا من خلافته ثم أتمها أربعا، فكان ابن عمر إذا صلى مع الامام صلى أربعا، وإذا صلاها وحده صلى ركعتين (1). وذكر الحميدي في كتابه المشار إليه في مسند عبد الله بن مسعود في الحديث الرابع عشر عن عبد الرحمن بن يزيد - وهو أخو الاسود - قال: صلى بنا عثمان بمنى أربع ركعات، فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود فاسترجع ثم قال: صليت مع رسول الله " ص " بمنى ركعتين وصليت مع أبى بكر بمنى ركعتين وصليت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين، فليت حظى من أربع ركعات ركعتان متقبلتان، ورواه احمد بن حنبل في مسنده عن عبد الله بن مسعود (2).


(1) رواه مسلم في صحيحه: 1 / 482، والبخاري في صحيحه: 2 / 34. (2) رواه مسلم في صحيحه: 1 / 483، والبخاري في صحيحه: 2 / 35، واحمد بن حنبل في مسنده: 1 / 378 و 425.

[ 490 ]

وذكر الحميدي في كتابه أيضا في مسند حارثة بن وهب الخزاعى في الحديث الاول قال: صلى بنا النبي " ص " بمنى والناس أكثر ما كانوا، فصلى ركعتين (1). ثم ذكر الحميدي في كتابه المشار إليه في مسند أبى حجيفة وهب بن عبد الله في الحديث الثاني من المتفق عليه، وفي مسند عبد الله بن عباس في الحديث السادس عشر من أفراد مسلم، وفي مسند انس بن مالك في الحديث السابع والثلاثين بعد المائة، وفى غير ذلك من الاسانيد عدة روايات عن نبيهم يتضمن ان الصلاة في السفر ركعتين وفي الحضر أربع ركعات (2). (قال عبد المحمود): أما يتعجب العقلاء من هذا عثمان خليفة عبد الرحمن كيف يقدم على تغيير شريعة نبيهم وسيرة أبى بكر وعمر وتجاهره بذلك بين المسلمين ! ان هذا من عجيب ما عرفناه وسمعناه، ليت شعرى ما عذر أتباعه في تزكيته وامامته مع ما قد شهدوا عليه أنه مبدع، وكيف ارتضوه وكيف يثق عاقل بروايات قوم كانوا بهذه الصفات ويستهزؤن بالاسلام الى هذه الغايات. قول عثمان ان في القرآن لحنا ومن طرائف ما ذكروه عن عثمان من سوء اقدامه على القول في ربهم ورسولهم ما ذكره الثعلبي في تفسير قوله تعالى " ان هذان لساحران " (3) روى عن عثمان أنه قال: ان في المصحف لحنا واستسقمه العرب بالسنتهم فقيل له:


(1) رواه مسلم في صحيحه: 1 / 484، والبخاري في صحيحه: 2 / 35. (2) راجع صحيح مسلم: 1 / 478 - 481. (3) طه: 63.

[ 491 ]

ألا تغيره ؟ فقال: دعوه فانه لا يحلل حراما ولا يحرم حلالا، وذكر نحو هذا الحديث ابن قتيبة في كتاب المشكل في تفسير قوله " ان هذان لساحران ". (قال عبد المحمود): كيف جاز لاولياء عثمان نقل مثل هذا الحديث عنه، وليت شعري هذا اللحن في المصحف ممن هو ؟ ان كان عثمان يذكر أنه من الله فهو كفر جديد لا يخفى على قريب ولا بعيد، وان كان من غير الله فكيف نزل كتاب ربه مبدلا مغيرا. لقد ارتكب بذلك بهتانا عظيما ومنكرا جسيما. ومن طريف ذلك قوله انه لا يحلل حراما ولا يحرم حلالا إذا كان كتاب ربهم بينهم أمانة من الله ورسوله أما يجب عليهم ان يؤدوها كما ائتمنوا عليها، وكتابهم يتضمن " ان الله يامركم ان تؤدوا الامانات الى أهلها " ومن المعلوم في دين الاسلام ان من نقل القرآن ملحونا فانه يكون قد كذب على الله بالنقل، وقد تضمن كتابهم " ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة " (1). ثم قد رووا فيما نقلناه عنهم في هذا الكتاب عن صحاحهم ان نبيهم قال: من كذب على متعمدا فليتبوء مقعده من النار. فإذا كان هذا حال من كذب عليه فكيف يكون حال من كذب على الله ورسوله، وإذا كان يجب عليهم نقل كتابهم وتلاوته كما سمعوه من نبيهم فكيف لا يكون تركه على خلاف ذلك حراما، وإذا كان عثمان لا يؤدي الامانة في كتاب ربهم ولا يراقبه ولا يراقب رسوله ولا يستحيى من المسلمين في ذلك كيف يكون مامونا على دماء سائر اهل الاسلام وأموالهم وما بينهم من الوقائع التى يكاد يخلو من اختلاف اغراض الانام. حال عثمان عند خواص الصحابة ومن طرائف ما بلغ إليه حال عثمان من النقص عند خواص الصحابة، ما


(1) الزمر: 60.

[ 492 ]

رواه مسلم أيضا في المجلد الثالث من صحيحه عن همام بن الحارث أن رجلا جعل يمدح عثمان فعمد المقداد فجثا على ركبتيه وكان رجلا ضخما، فجعل يحثوا في وجهه الحصباء فقال له عثمان: ما شأنك ؟ فقال: ان رسول الله " ص " قال: إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب (1). هذا لفظ الحديث. (قال عبد المحمود): في هذا الحديث عدة طرائف. فمن طرائفه ان الصحابة قد كان يمدح بعضهم بعضا وما نقل عن أحد منهم انه حثى في وجه المادحين التراب، فلو لا ان عثمان ما بلغ الى حال من النقص لم يبلغ إليه أحد من الصحابة لم يحث التراب في وجه مادحه. ومن طرائفه ان المقداد ممن أجمع المسلمون على صلاحه وصواب ما يعمله. ومن طرائفه ان عثمان لما كان عالما ان هذا لم يعمل مع أحد قال للمقداد: ما شأنك ؟. ومن طرائفه ان هذا قد جرى من المقداد وشاع الى زماننا هذا وما سمعنا ان أحدا من المسلمين أنكر على المقداد ولا خطاه. ومن طرائفه ان هذا يقتضى ان من مدح عثمان كذا ينبغى ان يحثو التراب في وجهه اقتداء برسول الله " ص " والمقداد الذي أجمع المسلمون على صلاحه. نزول آيات في عثمان وطلحة ومثالبهما ومن طرائف ما شهدوا به على عثمان وطلحة ما ذكره السدى في تفسير القرآن في تفسير سورة الاحزاب في قوله تعالى " وما كان لكم ان تؤذوا رسول الله ولا ان تنكحوا أزواجه من بعده أبدا ان ذلكم كان عند الله عظيما ".


(1) مسلم في صحيحه: 4 / 2297 كتاب الزهد.

[ 493 ]

قال السدى: لما توفى أبو سلمة وخنيس بن حذيفة وتزوج رسول الله " ص " بامراتيهما ام سلمة وحفصة، قال طلحة وعثمان: أينكح محمد نساءنا إذا متنا ولا ننكح نساءه إذا مات، والله لو قد مات لقد أجلنا على نسائة بالسهام، وكان طلحة يريد عائشة وعثمان يريد أم سلمة فانزل الله " وما كان لكم تؤذوا رسول الله ولا ان تنكحوا أزواجه من بعده أبدا " الاية (1) وأنزل الله تعالى " ان تبدوا شيئا أو تخفوه فان الله كان بكل شئ عليما " (2) وانزل " الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والاخرة وأعد لهم عذابا مهينا " (3). ومن طرائف ما شهدوا به على عثمان وأرتداده عن ظاهر الايمان وان الله قد شهد عليه بذلك، ما ذكره السدي أيضا في كتاب تفسيره للقرآن في تفسير قوله تعالى " ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين " (4). قال السدي نزلت في عثمان بن عفان قال: لما فتح رسول الله " ص " بنى النضير وقسم أموالهم قال عثمان لعلي عليه السلام: أئت رسول الله فاسأله أرض كذا وكذا فان أعطاكها فانا شريكك فيها، أو آتيه أنا فاسأله اياها فان أعطانيها فانت شريكي فيها، فسأله عثمان فاعطاه اياها فقال له علي فاشركني فابى عثمان الشركة فقال: بيني وبينك رسول الله " ص "، فابى أن يخاصمه الى النبي " ص " فقيل له: لم لا تنطلق معه الى النبي ؟ فقال: هو ابن عمه فاخاف أن يقضي له، فنزل قوله تعالى " وإذا دعوا الى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون * وان لم يكن لهم الحق ياتوا إليه مذعنين أفي قلوبهم مرض أم


(1 - 2) الاحزاب: 53 و 54. (3) الاحزاب: 57. (4) النور: 47.

[ 494 ]

ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون " (1) فلما بلغ عثمان ما أنزل الله فيه أتى النبي " ص " فاقر لعلي بالحق وشركه في الارض. ومن طرائف ما شهدوا به على طلحة وعثمان من شكهما في الاسلام وشهادة الله عليهما بالكفر بعد اظهار الايمان ما ذكره السدي في كتاب تفسيره في تفسير قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فانه منهم ان الله لا يهدي القوم الظالمين " (2). قال السدي لما أصيب أصحاب النبي " ص " باحد قال عثمان: لالحقن بالشام فان لي به صديقا من اليهود يقال له دهلك فلاخذن منه أمانا فاني أخاف أن يدال علينا اليهود، وقال طلحة بن عبيد الله لاخرجن اي الشام فان لي صديقا من النصارى فلاخذن منه أمانا فاني أخاف أن يدال علينا النصارى قال السدى فاراد أحدهما أن يتهود والاخر أن يتنصر قال: فاقبل طلحة على النبي " ص " وعنده علي بن أبي طالب عليه السلام فاستاذنه طلحة في المسير الى الشام وقال: ان لي بها مالا آخذه، ثم انصرف فقال له النبي " ص " عن مثل هذا الحال تخذلنا وتخرج وتدعنا، فاكثر على النبي " ص " من الاستيذان فغضب علي فقال يا رسول الله ائذن لابن الخضرمية فوالله ما عز من نصر ولا ذل من خذل فكف طلحة عن الاستيذان عند ذلك فانزل الله عز وجل فيهم " ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد ايمانهم انهم لمعكم حبطت أعمالهم " (3) يعني أولئك يقول انه يحلف لكم انه مؤمن معكم فحبط عمله بما دخل فيه من أمر


(1) النور: 48 - 50. (2) المائدة: 57. (3) المائدة: 53.

[ 495 ]

الاسلام حين نافق فيه. (قال عبد المحمود): وفى كتاب تفسير السدى أشياء عجيبة تشهد بتزكية فرقة الشيعة والطعن على من خالفها تركنا ذكرها خوف الاطالة فمن أرادها فليقف عليها هناك. ومن أراد البسط تقدم ذكره في ظلم علي بن أبي طالب عليه السلام والتقدم عليه وشرح عيوبهم وخاصة عيوب عثمان بن عفان فعليه بتاريخ الثقفي وتاريخ الواقدي. ومن طرائف ما بلغوا إليه من ذم أصل طلحة بن عبيد الله وطعنهم في نسبه وكونهم جعلوه ولد زناء ما ذكره جماعة من الرواة، وذكره أيضا أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي في كتاب المثالب فقال: وذكر من جملة البغايا من ذوى الرايات صعبة فقال: وأما صعبة فهي بنت الحضرمية كانت لها راية بمكة واستبضعت بابي سفيان فوقع عليها أبو سفيان وتزوجها عبيد الله بن عثمان بن عمر بن كعب بن سعد بن تيم فجاءت بطلحة بن عبيد الله لستة أشهر فاختصم أبو سفيان وعبيد الله في طلحة فجعلا أمرهما الى صعبة فالحقته بعبيد الله فقيل لها: كيف تركت أبا سفيان ؟ فقالت يد عبيد الله طلقة ويد أبي سفيان كرة، فقال حسان بن ثابت وعاب على طلحة يقول: فيا عجبا من عبد شمس وتركها أخاها * زنايا بعد ريش القوادم ثم ذكر صاحب كتاب المثالب المشار إليه هجاءا لبني طلحة بن عبيد الله من جملته: فاصدقونا قومنا أنسابكم * وأقيمونا على الامر الجلي لعبيد الله أنتم معشرى * أم أبي سفيان ذاك الاموى

[ 496 ]

وذكر أيضا في الكتاب المذكور ما هذا لفظه: وممن كان يلعب به ويتخنث عبيد الله أبو طلحة ابن عبيد الله. (قال عبد المحمود): ألا تعجب من قوم شهدوا على قوم بهذه الشهادات ثم زكوهم وبلغوا بهم غاية عظيمة من المدح وقاتلوا معهم علي بن أبي طالب عليه السلام المشهود له بما ذكر من جميل الصفات. ومن طرائف عثمان ما ذكره صاحب لطائف المعارف واسم صاحب الكتاب القاضي أبو بكر عبد الله بن محمد بن طاهر يقول فيه ذكر أشياء التي احدثها حتى نقموا منه: منها ضربه عبد الله بن مسعود وانه كان سبب موته (1). ومنها ضربه عمار بن ياسر حتى اندق ضلع من أضلاعه وغشى عليه الغشية التي ترك منها الصلاة. ومنها أنه وهب خمس افريقية لمروان بن حكم ومبلغه خمسمائة ألف درهم. ومنها كتابه الذى وجه بخطه وختمه في المصريين يامر بقطع أيديهم، ومنها تيسيره لابي ذر الغفاري من دار هجرته الى الربذة. ومنها دفعه الى الحكم بن العاص في دفعة واحدة مائتي ألف درهم. ومنها استعماله الوليد بن عقبة بن أبي معيط وكان أخاه لامه على الكوفة وصلاته بهم الغداة وهو سكران وقال لهم أزيدكم. وقد ذكر صاحب الكتاب المذكور أشياء يطول ذكرها ومن أرادها فليقف عليها في الكتاب المذكور. في اختيار عثمان القتل على خلع نفسه ومن طرائف ما اجتمع عليه علماء الاسلام وخالفهم عثمان أنه يجوز اظهار


(1) راجع الغدير: 9 / 4 و 15.

[ 497 ]

كلمة الكفر مع الخوف على النفس، وكتابهم ينطق بذلك في قوله تعالى " الا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان " (1). وذكر علماء الاربعة المذاهب وغيرهم انه لما اجتمع المسلمون على خلع عثمان من الخلافة قالوا له: اما أن تخلع نفسك أو نقتلك، فاختار القتل على خلع نفسه وقال: لا أخلع قميصا ألبسنيه الله. فيدل ذلك على ان خلع الانسان لنفسه من الخلافة عند عثمان أعظم من اظهار كلمة الكفر، والعجب من قوله البسنيه وقد علم هو وأهل العلم والتواريخ انما ألبسه اياه عبد الرحمن بن عوف، ثم قد رووا بلا خلاف بينهم ان أبا بكر قام على المنبر وقال: أقيلوني فلست بخيركم وفعل ذلك من غير اكراه أحد له على الخلع ولا خوف من القتل. وهذا يدل على تخطئة عثمان أو أبي بكر وان أبا بكر قد وقع منه أعظم من الكفر باستقالته من الخلافة على مذهب عثمان، أو يكون عثمان قد ألقى بنفسه الى الهلاك الذي تضمن كتابهم النهي عنه فقال " ولا تلقوا بايديكم الى التهلكة " (2). ومن طريف وعجائبه قولهم لعثمان أخلع نفسك وقول أبي بكر أقيلوني لانه ان كان خلع الخليفة من الخلافة الى الامة، فلاي حال قالوا لعثمان اخلع نفسك وقد كان يجب أن يخلعوه، وان كان الخلع الى الخليفة فلاي حال يقول أبو بكر أقيلوني بل كان ينبغى ان يستقيل بنفسه ويقعد عن الخلافة وهذا يدل على ما يقال من الاختلاط والاختلال. ومن طريف عصبية القائلين بخلافة عثمان أنهم قد علموا ان أهل المدينة


(1) النحل: 106. (2) البقرة: 195.

[ 498 ]

وكثيرا ممن حضرها كانوا لما قتل عثمان بين معين قتله أو مظهر للرضى بقتله أو خاذل له ومستبيح لدمه، حتى انه ذكر علماء التواريخ وصاحب كتاب الاستيعاب ان عثمان بقي بعد قتله ثلاثة أيام لا يستحل أحد دفنه ولا يقدم على ذلك خوفا من المهاجرين والانصار (1). ثم يزعم بعضهم أن هذا الاجماع لا يقتضي استحقاق عثمان القتل ولا خلعه من الخلافة ويبايعه في اليوم الاول عبد الرحمن كما تقدم ذكره فيصير خليفة واماما، ان هذا من قبيح الاعتقاد وفضيح العناد. ومن طريف ذلك أن يكون مبايعة عمر وأبي عبيدة لابي بكر حجة على خلافته، ولم يكن اجماع أهل المدينة وكثير من أعيان أهل الاسلام على خلع عثمان وقتله قادحا في خلافته ولا ارتداده ولا نقصه، ان هذا من البهتان الذى لا يجوز أن يستحسنه هل الاديان. تسمية عثمان ذا النورين وعدم تسمية على ذا النور ونسب عثمان ومن طرائف عصبية بعضهم لعثمان انهم يسمونه بعد هذا الاجماع على خلعه وقتله واستحلال دمه ذا النورين أي أنه تزوج بابنتي رسولهم، مع اختلاف الناس في أن اللتين تزوج بهما هل كانتا ابنتي رسولهم أو ربيبتين لخديجة ورباهما نبيهم، ويكون علي بن أبي طالب عليه السلام قد تزوج بفاطمة سيدة نساء العالمين بلا خلاف بينهم وولد منها الحسن والحسين عليهما السلام وهما سيدا شباب أهل الجنة كما شهدوا، ويكون علي عليه السلام ايضا أول هاشمي ولد من هاشميين وانه أحد الثقلين المقدم ذكرهما، ومع ذلك كله فلا يكون


(1) الاستيعاب: 3 / 80.

[ 499 ]

علي بن أبي طالب عليه السلام ذا النورين ولا ذا النور، ان ذلك من طرائف العصبية وسوء الاغراض الدنيوية. ومن طرائف ما بلغوا إليه من الطعن في أصل عثمان ونسبه ما رواه علماؤهم وذكره أبو المنذر هشام بن محمد بن السايب الكلبي في كتاب المثالب ما هذا لفظه: وممن كان يلعب به ويتخنث، ثم ذكر من كان كذلك قال: وعفان بن أبي العاص بن أمية ثم قال: وفى عفان بن أبي العاص يقول عبد الرحمن بن حنبل يعير عثمان بن عفان وكان عفان يضرب بالدف: زعم ابن عفان وليس بهازل * ان الفرات وما حواه المشرق خرج له من شاء أعطى فضله * ذهبا وتيك مقالة لا تصدق أنى لعفان أبيك سبيكة * صفرا فاطعم العتاب الازرق وورثته دفا وعودا يراعة * جوعا يكاد بلبسها يستنطق يودنا لو كنت تأتى مثله * فيكون دف فتاتكم لا تفتق (1) (قال عبد المحمود): أنظر الى هذا الذم القبيح فكيف رضوا مثل هذا أن يكون نائبا لله ولرسوله ومقدما على بنى هاشم وسائر المسلمين لو لا الغفلة الشديدة على الراضين به. مطاعن معاوية بن أبى سفيان ومن طرائف عصبية كثير من المسلمين وجهلهم بامور الدين رضاهم بخلافة معاوية بن أبي سفيان واعتقادهم بصحة خلافته، وقد عرفوا ان أصلها المغالبة والقتال مع علي عليه السلام الذى هو بلا خلاف بينهم من العظماء من


(1) هذه الاشعار موجودة في المطبوعة والمخطوطة والترجمة وفى هامش الترجمة ان هذه الاشعار موجودة في خمس نسخ ولكنها لا تقرأ.

[ 500 ]

الخلفاء الراشدين، وقتل معاوية للصحابة والاخيار والصالحين وسيرته بسيرة الجبابرة واستخفافه بامور الاسلام والدنيا والاخرة. ومن طريف ما رايت من ذم معاوية لعمر بن الخطاب وانه أحق بالخلافة منه ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند عبد الله بن عمر في الحديث الثامن من افراد البخاري قال: دخلت على حفصة ونوساتها تنظف، قلت: قد كان من أمر الناس ماترين ولم يجعلوا لي من الامر شيئا. فقالت: ألحق فانهم ينتظروك وأخشى ان يكون في احتسابك عنهم فرقة فلم تدعه حتى ذهب، فلما تفرق الناس خطب معاوية فقال: من كان يريد ان يتكلم في هذا الامر فليطلع لنا قرنه فلنحن أحق به منه ومن أبيه، ثم ذكر الحميدى ان عبد الله بن عمر أراد ان يجيب معاوية عن ذلك فامسك الجواب. (قال عبد المحمود): فإذا كان معاوية يتغلب على الخلافة بقتال الخليفة بالحق علي بن ابي طالب عليه السلام وبقتال بني هاشم وأعيان الصحابة والتابعين واستباحته لمحارم الدنيا والدين، ويزعم مع ذلك أنه أحق بالخلافة من عمر ابن الخطاب، فقد خرج بهذه الاسباب عن مذاهب علماء الاسلام، فمن أين يبقى له اسلام أو خلافة عند ذوى الافهام. ومن طريف شهادتهم على ضلال معاوية ما ذكره الحميدى في كتاب الجمع بين الصحيحين في مسند أبى سعيد الخدرى في الحديث السادس عشر من افراد البخاري قال: ان رسول الله " ص " قال: ويح لعمار تقتله الفئة الباغية يدعو هم الي الجنة ويدعونه الى النار (1)، فقتله معاوية وعمار من أصحاب علي عليه السلام. وذكر ذلك محمود الخوارزمي في كتاب الفائق في باب سائر معجزات نبيهم فقال: أنه قال لعمار: ستقتلك الفئة الباغية، فقتله أصحاب معاوية. قال


(1) البخاري في صحيحه: 1 / 115، ورواه مسلم في صحيحه: 4 / 2236.

[ 501 ]

الخوارزمي: ولشهرة الحديث ما انكره معاوية وما رده بل قال: قتله من جاء به، فقال ابن عباس: فقد قتل رسول الله " ص " حمزة لانه جاء به الى الكفار فقتلوه. ومن طرائف معاوية ادعاؤه لاخيه زياد ومخالفته في ذلك لشريعة نبيهم، فان زيادا كان له مدع فيقال له أبو عبيد عبد بنى علاج من سقيف، فاقدم معاوية على تكذيب ذلك الرجل وقد ولد زياد على فراشه، ورد على نبيهم في قوله الولد للفراش، وادعى معاوية ان أبا سفيان زنا بوالدة زياد وهى عند زوجها المذكور وان زيادا من أبى سفيان، فاستحل ما حرم الله وحرم ما أحل الله وخرج عن احكام الاديان وكفر بجميع الاديان من أحكام الاديان. ومن طريف ما بلغوا إليه من القدح في ولادة معاوية بن أبى سفيان وكونه ولد زنا، ما رووه في كتبهم، ورواه أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبى في كتاب المثالب فقال: كان معاوية لاربعة نفر لعمار بن الوليد بن المغيرة المخزومى ولمسافر بن ابى عمر ولابي سفيان ولرجل سماه. قال: وكانت هند امه من المغيلمات وكانت أحب الرجال إليها السودان، وكانت إذا ولدت أسود قتلته (1). وقال في موضع آخر من الكتاب: وأما حمامة فهى من بعض جدات معاوية، وكان لها راية بذي المجاز - يعنى من ذوى الرايات في الزنا. (قال عبد المحمود): ألا تعجب من قوم رووا مثل هذه الامور الشنيعة. والاعراق الخبيثة عن معاوية ثم ارتضوه خليفة على الاسلام والمسلمين وقاتلوا معه عليا وأعيان بنى هاشم والصحابة والتابعين، ان هذا مما يوجع الصدر ويقلقل الصبور.


(1) نقله في تذكرة الخواص: 203.

[ 502 ]

في تسميتهم معاوية كاتب الوحى وخال المؤمنين ومن طرائف اتباع معاوية أنهم يدعون له فضيلة ويقولون انه كاتب الوحي لنبيهم، وقد نقلوا في تواريخهم وكتبهم أن الذين يكتبون الوحي كانوا أربعة عشر نفرا، وأقدمهم في الكتابة للوحي والتنزيل علب بن أبى طالب عليه السلام بلا خلاف، وما أراهم سموا كل واحد منهم كاتب الوحي ولا سموا عليا بذلك ولا خصصوا به غير معاوية، مع أنهم يروون أن معاوية كان اسلامه بعد فتح مكة وقبل وفاة نبيهم بستة أشهر زائدا أو ناقصا، فكيف يقبل العقول أن يوثق في كتابة الوحي بمعاوية مع قرب عهده بالكفر وقصوره في الاسلام حيث دخل فيه، وحسبهم في ترك الفضيلة في كتابة الوحي لو كان معاوية كاتبا له ما رووا في كتبهم المعتبرة أن من جملة كتاب الوحي ابن أبى سرح الذي ارتد عن الاسلام ودفن فلم تقبله الارض. وقد ذكر الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند أنس بن مالك في الحديث الثامن والاربعين بعد المائة من المتفق عليه قال: كان منا رجل من بنى النجار قد قرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب لرسول الله " ص " فانطلق هاربا حتى لحق باهل الكتاب قال: فرفعوه. قالوا: هذا قد كان يكتب لمحمد فاعجبوا به، فما لبث أن قصم الله عنقه فيهم فحفروا له فواروه، فاصبحت الارض قد نبذته على وجهها ثم عادوا فحفروا له فواروه، فاصبحت الارض قد نبذته على وجهها فتركوه منبوذا (1). (قال عبد المحمود): فإذا كان قد صححوا ان كتابة الوحي قد تحصل لمثل هذا المنبوذ فاى فضيلة تبقى لمعاوية ؟ وقد أظهر من مخالفة قواعد المسلمين


(1) رواه مسلم في صحيحه: 4 / 2145.

[ 503 ]

وقتل الصالحين ما يزيد على أحوال المرتدين. [ وفي كتاب أوائل الاشتباه ان معاوية أول من ركب بين الصفا والمروة، وأول من أعلن بشرب النبيذ والغناء وأول من أكل الطين واستباحه، وكان على منبر رسول الله " ص " ياخذ البيعة ليزيد فاخرجت عائشة راسها من حجرتها وقالت: صه صه هل استدعى الشيوخ بنيهم البيعة ؟ فقال معاوية: لا. فقالت: فبمن اقتديت. فخجل معاوية ونزل من المنبر وحفر حفيرة لعائشة واحتال لها وألقاها فيه فماتت. وفي رواية اخرى ان عائشة ذهبت الى منزل معاوية وهي راكبة على حمار، فجاءت بحمارها على بساط معاوية وعلى سريرها، فبالت الحمار وراثت على بساطها وما راعت حرمة معاوية، فشكى معاوية الى مروان وقال له لا طاقة لي الى تحمل بلاء هذه العجوزة، فتولى مروان باذن معاوية أمر عائشة ودبر لها حفر البئر فوقعت فيه في آخر ذي الحجة سنة ثمان وخمسين، قال الشاعر: لقد ذهب الحمار بام عمرو * فلا رجعت ولا رجع الحمار قيل لعبد الله بن يحيى: هل تصلي مع معاوية ؟ قال: لا والله لا أجد فرقا بين الصلاة خلفه وبين الصلاة خلف امراة يهودية حائض، ولذا لو صليت خلفه تقية أعدتها. وسئل شريك عن فضائل معاوية فقال: ان أباه قاتل النبي " ص "، وهو قاتل وصي النبي، وأمه أكلت كبد حمزة عم النبي وابنه قتل سبط النبي، وهو ابن زنا فهل تريد منقبة بعد ذلك ]. ومن طرائف جماعة من المسلمين أنهم يسمون معاوية خال المؤمنين ويقولون ان ذلك لاجل اخته أم حبيبة بنت ابى سفيان كانت من أزواج نبيهم، ومن المعلوم انه قد كان لنبيهم زوجات جماعة فيجب أن يكون أخوة الزوجات

[ 504 ]

كلهم أخو الا للمؤمنين، وما تراهم سموهم بذلك، وخاصة محمد بن أبى بكر فقد كان أخا لعائشة وعائشة عندهم من أعظم الزوجات فكيف لا يسمون أخاها بخال المؤمنين وكيف لم يسموا عبد الله بن عمر خال المؤمنين وقد كان هو أخا حفصة. ولو كان يلزم أن يكون انساب الزوجات قرابات المؤمنين للزم أن يسموا ذلك في كل قرابة للزوجات، وكان أيضا يحرم على معاوية وجميع أخوة زوجات نبيهم أن يتزوجوا باحد من المؤمنات لانهم أخوال لهن، وهذا من الهذيان الذي قالوه بالعصبية والبهتان. (قال عبد المحمود): وقد رايت ووجدت طرائف عثمان ومعاوية كثيرة، وأعيان المسلمين يشهدون بما ظهر عنهما من قبيح السريرة وسوء السر، فاغنى ذلك عن الاكثار مما لهما من الطرائف والوصف الزائف. في قول النبي " ص " في معاوية: لا أشبع الله بطنه وقد خطر لي طريفة أيضا شهدوا بها معاوية مع أن طرائفه المنكرات يحتاج الى مجلدات، رووه في صحاحهم وروى مسلم أيضا في صحيحه في المجلد الثالث عن ابن عباس قال: كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله " ص " فتواريت خلف باب قال: فجاء فحطانى حطاة وقال: اذهب وادع لي معاوية. قال: فجئت فقلت: هو ياكل. فقال: لا أشبع الله بطنه. قال ابن المثنى: قلت لامية: ما معنى قوله حطاني ؟ قال: قفدنى قفدة (1). (قال عبد المحمود): هذا لفظ الحديث وفيه عدة طرائف:


(1) مسلم في صحيحه: 4 / 2010 كتاب البر والصلة والاداب.

[ 505 ]

فمن طرائفه ان كتابهم يتضمن " لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم " (1). فلو كان معاوية عند نبيهم من المؤمنين لكان به رؤفا رحيما، فدعاؤه عليه يدل على أنه ما كان عنده من المؤمنين. ومن طرائفه أنهم رووا في تفسير ما تضمنه كتابهم " وانك لعلى خلق عظيم " (2). ان نبيهم كان كلما آذاه الكفار من قومه يقول: اللهم اغفر لقومي فانهم لا يعلمون، فلو لا أن معاوية كان عنده من المنافقين الذين هم أنزل درجة من الكافرين الذين تضمن كتابهم وصفهم فقال " ان الله جامع الكافرين والمنافقين في جهنم جميعا " (3) و " ان المنافقين في الدرك الاسفل من النار " (4) لم يكن يدعو عليه وكان قد اجراه مجرى من دعى له من الكفار أو كان لا يدعو عليه. ومن طرائفه ان ابن عباس كان صبيا كما تضمنه الحديث غير معصوم، فلو لم يكن عند نبيهم علم من جانب الله بفساد باطن معاوية وكفره ونفاقه ما دعا عليه بقول صبي غير بالغ ولا معصوم. ومن طرائفه ان دعاء الانبياء لا يصدر الا عن اذن من الله، وخاصة لما تضمنه كتابهم " وما ينطق عن الهوى * ان هو الا وحي يوحى "، فلو كان الله عالما أن معاوية يتجدد منه ايمان وحميد عاقبته في دين وصلاح في سريرة الاخيار ما كان قد أذن لنبيه في الدعاء عليه. ومن طرائفه أنهم رووا أن المؤمن ياكل في امعاء واحد والكافر ياكل في


(1) التوبة: 128. (2) القلم: 4. (3) النساء: 140. (4) النساء: 145.

[ 506 ]

سبعة أمعاء، ورواه الحميدى في مسند ابن عمر في الحديث الثاني والتسعين من المتفق عليه على صحته (1)، وقد رواه مسلم في صحيحه في المجلد الثالث (2). وهذا الحديث يتضمن أن نبيهم قد دعا على معاوية بصفات الكفار. ومن طرائفه أن مفهوم الحديث ان ابن عباس قد كان يدعو معاوية الى نبيهم وانه يطلبه فيعتذر بالاكل، وقد رووا في كتبهم ان نبيهم قال: لا يؤمن عبد حتى اكون احب إليه من نفسه وأهله وماله وولده، ونحو ذلك فكيف يثبت ايمان لمن لا يؤثر أكلة واحدة ويجعل اعتذاره عن ذلك مراسلة، اين هذا من شمائل أهل الايمان والمصدقين بالرسول والقرآن ؟. (قال عبد المحمود): فهذا عدة طرف مما شهدوا به على أبى بكر وعمر وعثمان ومعاوية قد ذكرته، فتفكر فيه وتعجب من قوم يشهدون على قوم بهذه المنكرات ثم جعلوهم أئمة لهم وبلغوا بهم عظيم الغايات، واحذر من اتباع من يكون بهذه الصفات. ثم انظر فيما رويناه عنهم أولا وآخرا من فضائل أهل بيت نبيهم وتخصيص علي بن أبى طالب عليه السلام من ذلك بما لم يبلغ إليه أحد من الصحابة والقرابة والنصوص الدالة الصريحة في أنه القائم مقام نبيهم في امته، واستطرف عدو لهم عنهم وعنه وكيف يبلغ الحسد لاهل الفضائل والعداوة من الجاهل الى هذا العمى الشديد والضلال البعيد. ولعمري قد جرى مثل هذا أو نحوه في الامم السالفة بعد الانبياء، وقد تقدمت روايتهم في صحاحهم عن نبيهم أنهم يضلون كما ضلت الامم الماضية على السواء.


(1) رواه البخاري في صحيحه: 6 / 201 ومسلم في صحيحه: 3 / 1631.

[ 507 ]

في وصف على بن ابى طالب عليه السلام وعجيب آيات الله فيه ومن طرائف ما رووه في وصف علي بن ابى طالب عليه السلام ومدحه غير ما قدمناه عنهم ما ذكره صاحب كتاب نهاية الطلب الحنبلي المقدم ذكره بطريق رواية مخالفى أهل البيت باسناده الى أبى عبد الله محمد بن ابى نصير ابن عبد الله الحميدى، قال أخبرنا أبو طالب محمد بن أحمد سهل النحوي المعروف بابن بشران الواسطي بقراءتي عليه، قال حدثنى على بن منصور الاخباري الحلبي، قال حدثنا على بن محمد الشمشاطى، قال حدثنا محمد بن عثمان أبى شيبة، قال حدثنا هاشم بن محمد الهلالي، قال حدثنا أبو عامر الاسدي، قال حدثنا موسى بن عبد الملك بن عمير، عن أبيه، عن ربعى بن حراش قال: سال معاوية عبد الله بن عباس فقال: ما تقول في علي بن ابى طالب فقال " صلوات الله على أبى الحسن، كان والله علم الهدى وكهف التقى ومحل الحجى وبحر الندى وطود النهى علما للورى ونورا في الظلم الدجى وداعيا الى المحجة العظمى ومتمسكا بالعروة الوثقى وساميا الى الغاية القصوى وعالما بما في الصحف الاولى وعاملا بطاعة الملك الاعلى وعارفا بالتأويل والذكرى ومتعلقا باسباب الهدى وحائدا عن طرقات الردى وساميا الى المجد والعلى وقائما بالدين والتقوى وسيد من تقمص وارتدى بعد النبي المصطفى وأفضل من صام وصلى وأفضل من ضحك وبكى وصاحب القبلتين، فهل يساويه مخلوق يكون أو كان كان والله للاسد قاتلا ولهم في الحرب حائلا على مبغضيه لعنة الله ولعنة العباد الى يوم التناد. (قال عبد المحمود): هذا لفظ الحديث المذكور، وهذا مدح ابن عباس

[ 508 ]

الذي هو من أعيان القرابة والصحابة لعلي بن أبى طالب عليه السلام بعد وفاة نبيهم وبعد وفاة علي وبعد انقطاع الوحي وبعد انقطاع الخوف والرجاء منه في الدنيا بمحضر أعداء له من العباد وعلى رؤوس الاشهاد، فاين هذا من وصف المتقدمين عليه لو لا عمى القلوب وظهور العناد والفساد. وروى أيضا هذا الحديث أبو بكر بن مردويه وهو من أعيان علمائهم. وروى أيضا ابن مردويه عن ضرار وعن الاعمش نحو حديث ابن عباس في مدح على بن ابى طالب عليه السلام أو أبلغ من ذلك. ومن عجيب آيات الله تعالى في علي بن أبى طالب عليه السلام ما ذكره الرضي الموسوي محمد بن الحسين في خطبة نهج البلاغة فقال ما هذا لفظه: ومن عجائبه " ع " التي انفرد بها وأمن المشاركة فيها ان كلامه الوارد في الزهد والمواعظ والتذكير والزواجر، إذا تأمله المتأمل وفكر فيه المتفكر، وخلع من قلبه انه كلام مثله ممن عظم قدره ونفذ أمره وأحاط بالرقاب ملكه، لم يعترضه الشك في انه كلام من لا حظ له في غير الزهادة ولا شغل له بغير العبادة، قد قبع في كسر بيت أو انقطع الى سفح جبل، لا يسمع الا حسه ولا يرى الا نفسه، ولا يكاد يوقن بانه كلام من ينغمس في الحرب مصلتا سيفه، فيقط الرقاب ويجدل الابطال ويعود به ينطف دما ويقطر مهجا، وهو مع تلك الحال زاهد الزهاد وبدل الابدال، وهذه من فضائله العجيبة وخصائصه اللطيفة، التى جمع بها بين الاضداد وألف بين الاشتات، وكثيرا ما أذاكر الاخوان بها واستخرج عجبهم منها، وهى موضع للعبرة بها والفكرة فيها (1). هذا آخر لفظ الكلام السيد الرضى في المعنى. (قال عبد المحمود (: ومن عجيب آيات الله جل جلاله في مولانا على بن


(1) نهج البلاغة: 35 ط صبحى صالح.

[ 509 ]

ابى طالب عليه السلام ومعجزات رسول الله " ص " ان أصحاب التواريخ وجماعة من علماء الاسلام ذكروا ان علي بن ابى طالب عليه السلام قال على رؤوس الاشهاد بمحضر الاعداء والحساد: سلوني قبل أن تفقدوني فوالله لا تسألوني عن شئ فيما بينكم وبين الساعة الا أخبرتكم به. وقد تقدم في قريب من الكراس الثاني من هذا الكتاب حديث أبى بكر بن مردويه المخالف لاهل البيت تصديق ذلك، وتقدم أيضا من رواية أحمد بن حنبل وصحيح مسلم وغيره. وذكر أيضا صاحب نهج البلاغة في أواخر الجزء الاول منه في جملة خطبة خطبها علي بن أبى طالب عليه السلام ما هذا لفظه: والله لو شئت أن أخبرت كل رجل منكم بمخرجه ومولجه وجميع شانه لفعلت، ولكن أخاف ان تكفروا برسول الله " ص " ألا واني مفضيه الى الخاصة ممن يؤمن ذلك منه. والذى بعثه بالحق واصطفاه على الخلق ما أنطق الا بالحق صادقا، ولقد عهد الي ذلك كله ويهلك من هلك وينجو من ينجو، وما آل هذا الامر وما ابقى شيئا يمر على راسي الا اقرعه في اذنى وافضى بها الي. ايها الناس انى والله ما احثكم على طاعة الا وأسبقكم عليها، ولا أنهاكم عن معصية الا واتناهى قبلكم عنها. هذا آخر الخطبة المذكورة. وفي ذلك عدة عجائب: (منها) ان هذا مقام لا يبلغه ولا ادعاه أحد من القرابة والصحابة قبله ولا بعده، بل ما تحققنا مثله عن نبى سابق ولا وصي لاحق، وأقصى ما عرفناه عن أحد من الانبياء والاولياء في نحو ما علمه على بن ابي طالب عليه السلام من الاشياء قول عيسى عليه السلام " وانبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم " (1).


(1) آل عمران: 49. (*)

[ 510 ]

وما وصل الينا من عيسى عليه السلام مثل عموم قول علي، وهذه حجة على اهل المشارق والمغارب، وهذه منقبة لعلي بن ابي طالب عليه السلام باهرة ومعجزة للرسول قاهرة. ومن عجائبه في هذا القول المذكور انه قال ذلك على رؤس الاشهاد وبمحضر الاعداء والحساد، فكأنه تحدى به من سمعه ومن سيبلغه من العباد وجعله حجة لله ولرسوله الى يوم المعاد. ومن عجائب هذا القول ان علي بن أبى طالب عليه السلام كان مع علمه بتفصيل الاحوال، يسير في الناس بالمقال والفعال سيرة لا يعتقد من يراه انه عارف ببواطن تلك الاعمال والافعال والاقوال، وقد عرف العقلاء ان كل من عرف واطلع على يتجدد من حركة من حركات نفسه أو حركات من يصحبه أو يطلع على اسرار الناس فانه يظهر على وجهه وفعله اثر علمه بذلك قبل سماعه من غيره وعلي عليه السلام مع علمه بذلك يكون كمن لا يعلم، وما هذا الا من الايات الباهرات والجمع بين المشكلات. ومن عجائب علي بن ابي طالب عليه السلام انه بمقتضى علمه المشار إليه قد علم أيضا ما يتجدد من معاوية وما يجري الحال عليه في حروبه له وبقاء معاوية بعده واستقامة الامر لمعاوية بعده، ومع هذا فكان إذا شاهده الناظرون في حروبه مع معاوية واقدامه وتهجمه وحثه على الجهاد واهتمامه بالاصدار والايراد لا يشك الناظر إليه ان علي بن ابي طالب عليه السلام يعتقد انه يغلب معاوية وياخذ الامارة وينزع الملك عنه. وقد عرف اولوا الالباب انه متى عرف احدهم انه إذا خاصم عدوا أو حارب انسانا غلبه العدو أو كان العاقبة لخصمه انه يضعف جنانه ويذل لسانه ولا تساعده همته ولا تعاضده شجاعته، وان نهض مع ذلك الى عدوه وخصمه فبقلب مسلم للعطب والذلة وحركات تشهد عليه بالضعف عمن قصد إليه، وعلى بن ابي طالب

[ 511 ]

عليه السلام كان على ما يشهد به تواريخ العلماء من سائر أرباب المذاهب إذا كان في حروبه لا يظهر عليه الا انه يقهر معاوية ويكون هو في غاية الظافرية والغالبية وهذا جمع منه صلوات الله عليه بين الاضداد وخلاف سجايا من هو دونه من العباد. ومن عجائب ذلك انه كان قد صار بحيث لا يتصرف في ذاته ولا في صفاته وحركاته وسكناته لارادته بل بحسب ارادة ربه ومولاه الذى يعلمه كانه يراه، وهذه آية باهرة وسر عظيم لمن عرف معناه. ومن عجيب تصديق ما قلناه ما رايت من جوابه عليه السلام لما سئل عن شئ من الامور المتجددة له، وهو أن محمد بن علي الرازي ذكر في كتاب الشفاء والجلاء في أوائل النصف الثاني من الكتاب فقال ما هذا لفظه: أخبرنا أحمد بن ادريس، عن أحمد بن محمد بن عيسى الاشعري، عن علي بن بلال عمن ذكره، عن عبد الله بن أبي رافع، عن أبيه قال: لما أحضرني أمير المؤمنين عليه السلام وقد وجه أبا موسى الاشعري فقال له: احكم بكتاب الله ولا تجاوزه، فلما أدبر قال: كانى به وقد خدع. قلت: يا أمير المؤمنين فلم توجهه وأنت تعلم أنه مخدوع ؟ فقال: يا بني لو عمل الله في خلقه بعلمه ما احتج عليهم بالرسل هذا آخر الحديث المذكور. أفلا ترى علمه بالاحوال وكمال جوابه عند السؤال وقوله لو عمل الله في خلقه بعلمه ما احتج عليهم بالرسل ولم يقل لو عملت أنا بعلمي، يريد انني أتصرف في نفسي وغيري بالله وفى الله ومن الله ولله، وان قد جعل ارادته ارادة الله وكراهيته كراهية الله، وهو أكمل مقام العبد في الادب مع الله، فهل تجد في أمة محمد " ص " أحدا يقاربه أو يقارنه في الكمال. ومن عجيب شريف آيات الله تعالى في علي بن أبي طالب عليه السلام انك

[ 512 ]

إذا اعتبرت القرآن والصحيح من الاخبار وجدت الانبياء بل وجدت اولى العزم من الرسل المتقدمين على نبوة محمد " ص "، قد عاتب الله جل جلاله بعضهم على مخالفة في مندوب أو قد أهملوا في بعض الاداب، وبعضهم قد صرح مع الله تعالى بالخطاب وأظهر الخوف من بعض الاسباب أو طلب النصرة من الناس باللسان أو الجنان أو اعتزل عن الكفار ولم يقف في مقام المجاهرة والشدة عليهم في بعض الاوان، وان كانوا عليهم السلام منزهين عن خلل ذلك وكدره بكثرة صفوة واصطفاء وزائل عنهم عتابه بكمال مقامهم في الصفاء لله والوفاء، وكانت الاوامر والخطاب من الله جل جلاله إليهم بغير واسطة أصلا أو بغير واسطة من البشر. وعلي بن أبي طالب عليه السلام ما ثبت عنه مدة صحبته لمحمد " ص " رسول الله شئ يقارب ما جرى لادم عليه السلام في الاكل من الشجرة والخروج من الجنة والتوبة والندم، ولا شئ يقارب ما جرى لنوح عليه السلام لما اعتذر عن طلبه لتخليص ولده من الغرق، وقال " انى مغلوب فانتصر " (1) ولا اعتزل الى الكفار بمفارقة محمد " ص " كما اعتزل ابراهيم النبي عليه السلام في قول الله تعالى عنه " واعتزلكم وما تدعون من دون الله " (2) ولا قال نحو ما قال " رب أرني كيف تحيى الموتى قال أولم تؤمن قال بلي ولكن ليطمئن قلبي " (3) بل قال: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا. ولا جرى له نحو ما جرى لموسى عليه السلام لما أمره الله تعالى بالتوجه الى


(1) القمر: 10. (2) مريم: 48. (3) البقرة: 260.

[ 513 ]

فرعون " قال رب اني قتلت منهم نفسا فاخاف أن يقتلون " (1) ونحو قوله " فارسل الى هارون ولهم علي ذنب فاخاف أن يقتلون " (2) بل كان علي بن أبى طالب عليه السلام يفدى للنبى محمد " ص " بمهجته كما تقدم شرحه أوائل هذا الكتاب لما بات على فراشه وفى غيره من حروبه، ولا يتوقف ولا يتعذر عن شئ من أوامره له في واجب أمره ومندوبه، ولا يتعرض لمكروهه ومحظوره وعتابه وكان يتبعه ومعه في سائر أسبابه. ولا جرى لعلي بن أبي طالب عليه السلام نحو قول عيسى عليه السلام فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري الى الله قال الحواريون نحن أنصار الله " (3) فان عيسى عليه السلام لما أحس منهم الكفر طلب النصرة، وعلي بن أبي طالب عليه السلام تيقن الكفر من قريش ومن أعداء محمد " ص " وجاهروه به وبات على فراشه كما تقدم وصفه وفداه بمهجته ورمى نفسه في كتائبهم عند الحروب وبذلها لعلام الغيوب وفرح كلما دخل عليه وباشره من الكروب، ولم يطلب منه نصرة ولا استعفى ولا استعان بغير الله من سائر بريته مدة حياة محمد " ص " وفي كل وقت يريد منه الانفراد والاجتهاد وقاه بمهجته، مع انهم رووا كما قدمناه ان عيسى بن مريم يصلي مؤتما بصلاة المهدى عليه السلام، ومن المعلوم ان علي بن أبي طالب عليه السلام أفضل من المهدى عليه السلام الذى هو امام لعيسى عليه السلام. وقد تقدمت الاخبار من صحاح الاربعة المذاهب باوصاف علي بن أبي طالب عليه السلام، وأقروا بالعجز عن حصر ما جمع له من المناقب، ومما بلغ إليه


(1) القصص: 33. (2) الشعراء: 14. (3) آل عمران: 52.

[ 514 ]

الخطيب صاحب تاريخ بغداد وهو من أعيان المخالفين لاهل البيت عليهم السلام روايته في التاريخ المشار إليه ما هذا لفظه: عن لؤلؤ بن عبد الله القيصري يرفعه عن النبي " ص " انه قال: لمبارزة علي بن أبى طالب عليه السلام لعمرو ابن عبدود يوم الخندق أفضل من أعمال أمتى الى يوم القيامة. فهل كان يقتضي عقل عاقل أو فضل فاضل أن يقدم على علي بن أبى طالب عليه السلام من لا يقارنه ولم يقاربه في شئ من تلك المواهب والمراتب والمناصب والمناقب، وقد أريتك حاله على التحقيق مع أولى العزم من الرسل عدا محمد " ص " وهم القدوة في كمال التوفيق، فما ظنك بحاله مع من ليس من أولى العزم من الانبياء، وما ظنك بحاله مع الاولياء، ولست أقول انه أفضل من أولى العزم على التفصيل بل اقول ان فضيلتهم عليه يحتاج الى تعسف وتاويل. وقد تقدم بعض الروايات بان علي بن ابى طالب عليه السلام نفس محمد " ص " وهو أشرف أهل النبوات والرسالات في قوله تعالى " فقل تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسكم " (1). فاختر لنفسك أيها الخائف على نفسه من الهلاك، واحذر من يوم لا تقدر فيه على الاستدراك، وانظر أيما أسلم لك، واحفظ لنفسك ودينك ويقينك ان تكون مقتديا ومؤتما بعلي بن ابى طالب عليه السلام الذى هو نفس رسول الله أو بمن عرفت حاله ممن تقدم عليه في الخلافة، أو قد عدل عنه وحصل في المخالفة. وقد كشف الله لك بهذا الكتاب ما قد ذكره عنهم اولياؤهم من المصائب وسقوط المنازل والمراتب، وهذا من أطراف طرائف الذين رووا أو شهدوا لعلي بن ابى طالب عليه السلام بالمناقب التى فضل بها على سائر الصحابة ثم قدموا عليه غيره.


(1) آل عمران: 61.

[ 515 ]

وقد ذكر محمد بن عمر الرازي المعروف بابن خطيب الري وهو من أعظم علماء الاشعرية صاحب التصانيف الكثيرة طرفا منها أيضا، يقول في الكتاب الذي صنفه وجعله دستورا لولده وسماه كتاب الاربعين في الفصل الخامس من المسالة التاسعة والثلاثين في بيان أفضل الصحابة بعد رسول الله " ص " ويورد عشرين حجة في أن علي بن ابى طالب افضل الصحابة بعد رسول الله، يقول في الحجة الثالثة منها ما هذا لفظه: ان عليا كان أعلم الصحابة والاعلم أفضل، وانما قلنا ان عليا كان اعلم الصحابة للاجمال والتفصيل. أما الاجمال فهو أنه لا نزاع ان عليا كان في أصل الخلقة في غاية الذكاء والفطنة والاستعداد للعلم وكان محمد " ص " أفضل العقلاء وأعلم العلماء وكان علي في غاية الحرص في طلب العلم وكان محمد صلوات الله عليه وآله في غاية الحرص في تربية علي وفى أرشاده الى اكتساب الفضائل، ثم ان عليا عليه السلام نشا من أول صغره في حجر محمد " ص " وفي كبره صار ختنا له وكان يدخل عليه في كل الاوقات، ومن المعلوم أن التلميذ إذا كان في غاية الذكاء والحرص على النقل وكان الاستاذ في غاية الفضل وفي غاية الحرص على التعليم، ثم اتفق لمثل هذا التلميذ أن يتصل بخدمة هذا الاستاذ من زمان الصغر وكان ذلك الاتصال بخدمته حاصلا في كل الاوقات فانه يبلغ التلميذ في العلم مبلغا عظيما. وهذا بيان أجمالي ان عليا كان أعلم الصحابة، وأما أبو بكر فانه اتصل بخدمته صلى الله عليه وآله وسلم في زمان الكبر، وأيضا ما كان يصل الى خدمته في اليوم والليلة الا زمانا يسيرا، أما علي فانه اتصل بخدمته في زمان الصغر وقد قيل: العلم في الصغر كالنقش في الحجر والعلم في الكبر كالنقش في المدر، فثبت بما ذكرنا ان عليا كان أعلم من أبى بكر.

[ 516 ]

وأما الفصيل فيدل على ذلك وجوه: (الاول) قوله عليه السلام " أقضاكم علي "، والقضاء يحتاج الى جميع العلوم، فلما رجحه على الكل في القضاء لزم انه رجحه عليهم في جميع العلوم، وأما سائر الصحابة فقد رجح كل واحد منهم على غيره في علم واحد كقوله أفرضكم زيد بن ثابت وأقراكم ابي. (الثاني) ان أكثر المفسرين سلموا أن قوله تعالى " وتعيها اذن واعية " نزل في حق علي بن ابى طالب عليه السلام، وتخصيصه بزيادة الفهم يدل على اختصاصه بمزيد العلم. (الثالث) روي ان عمر أمر برجم امراة ولدت لستة أشهر فنبهه علي عليه السلام بقوله تعالى " وحمله وفصاله ثلاثون شهرا " مع قوله تعالى " والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين " على ان أقل مدة الحمل ستة أشهر فقال عمر: لو لا علي لهلك عمر، وروى ان امراة أقرت بالزناء وكانت حاملا فامر عمر برجمها فقال: ان كان لك سلطان عليها فما سلطانك على ما في بطنها، فترك عمر رجمها وقال: لو لا علي لهلك عمر. فان قيل لعل عمر أمر برجمها من غير تفحص عن حالها فظن أنها ليست بحامل فلما نبهه علي ترك رجمها قلنا: هذا يقتضي أن عمر ما كان يحتاط في سفك الدماء وهذا اشر من الاول. وروي أيضا ان عمر قال يوما على المنبر: ألا تغالوا في مهور النساء فمن غالى في مهر امراة جعلته في بيت المال، فقامت عجوز وقالت: يا أمير المؤمنين أتمنع عنا ما جعله الله لنا، قال الله تعالى " وان أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم احداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا واثما مبينا " فقال عمر: كل الناس أفقه من عمر حتى المخدرات في البيوت، فهذه الوقائع وقعت لغير

[ 517 ]

علي ومثلها لم يتفق لعلى عليه السلام. (الرابع) نقل عن علي عليه السلام أنه قال: والله لو كسرت لى الوسادة ثم جلست عليها لقضيت بين أهل التوراة بتوراتهم وبين أهل الانجيل بانجيلهم وبين أهل الزبور بزبورهم وبين أهل الفرقان بفرقانهم، والله ما من آية نزلت في بحر ولا بر ولا سهل ولا جبل ولا سماء ولا أرض ولا نهار الا وأنا أعلم فيمن نزلت وفي أي شئ نزلت. طعن أبو هاشم وقال: التوراة منسوخة فكيف يجوز الحكم بها ؟ الجواب عنه من وجوه: الاول - لعل المراد شرح كمال علمه بتلك الاحكام المنسوخة على التفصيل وبالاحكام الناسخة الواردة في القرآن. والثانى - لعل المراد ان قضاة اليهود والنصارى متمكنون من الحكم والقضاء على وفق أديانهم بعد بذل الجزية فكان المراد أنه لو جاز للمسلم ذلك لكان هو قادرا عليه. والثالث - لعل المراد ان يستخرج من التوراة والانجيل نصوصا دالة على نبوة محمد " ص " وكان ذلك أقوى في التمسك بها على اليهود والنصارى. (الخامس) أنا نتفحص عن أحوال العلوم وأعظمها علم الاصول وقد جاء في خطب أمير المؤمنين على بن ابى طالب عليه السلام من أسرار التوحيد والعدل والنبوة والقضاء والقدر وأحوال المعاد ما لم يات في كلام سائر الصحابة. وأيضا فجميع فرق المتكلمين ينتهى آخر نسبهم في هذا العلم إليه، أما المعتزلة فهم ينسبون أنفسهم إليه، وأما الاشعرية فكلهم منتسبون الى الاشعري وهو كان تلميذا لابي على الجبائى المعتزلي وهو منتسب الى أمير المؤمنين، وأما الشيعة فانتسابهم إليه ظاهر، وأما الخوارج فهم مع غاية بعدهم منتسبون

[ 518 ]

الى أكابرهم واولئك الاكابر كانوا تلامذة علي بن ابى طالب عليه السلام، فثبت ان جمهور المتكلمين من فرق الاسلام كلهم تلامذة على بن أبى طالب وأفضل فرق الامة الاصوليون وكان هذا منصبا عظيما في الفضل. ومنها علم التفسير وابن عباس كان رئيس المفسرين وهو كان تلميذ علي بن ابى طالب، ومنها علم الفقه وكان في الدرجة العالية ولهذا قال عليه السلام: أقضاكم علي وقال على بن أبى طالب: لو كسرت لي الوسادة لحكمت لاهل التوراة بتوراتهم على ما نقلناه، ومنها علم الفصاحة ومعلوم ان واحدا من الفصحاء الذين بعده لم يدركوا درجته ولا القليل من درجته، ومنها علم النحو ومعلوم انه انما ظهر منه وهو الذى أرشد أبا الاسود الدؤلى إليه، ومنها علم تصفية الباطن ومعلوم ان نسب جميع الصوفية ينتهى إليه، ومنها علم الشجاعة وممارسة الاسلحة ومعلوم ان نسبة هذه العلوم ينتهى إليه، فثبت بما ذكرنا انه عليه السلام كان استاذ العالمين بعد محمد " ص " في جميع الخصال المرضية والمقامات الحميدة الشريفة، وإذا ثبت انه كان أعلم الخلق بعد رسول الله " ص " وجب ان يكون أفضل الخلق بعده لقوله تعالى " قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون " وقوله تعالى " يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ". ثم ذكر الرازي المقدم ذكره في آخر الفصل المذكور ما هذا لفظه ومعناه: (الحجة العشرون) اعلم ان الفضائل اما نفسانية واما بدنية واما خارجية، اما الفضائل النفسانية: فهى محصورة في نوعين العلمية والعملية، أما العلمية: فقد دللنا على ان علم علي كان أكثر من علم سائر الصحابة ومما يقوى ذلك ما روي ان عليا عليه السلام قال: علمني رسول الله " ص " ألف باب من العلم فانفتح لي من كل باب ألف باب. وأما الفضائل النفسانية فاقسام: منها العفة والزهد وقد كان في الصحابة جمع

[ 519 ]

من الزهاد كابى ذر وسلمان وأبى الدرداء وكلهم كانوا فيه تلامذة على عليه السلام ومنها الشجاعة وقد كان في الصحابة جماعة شجعان كابى دجانة وخالد بن الوليد وكانت شجاعته أكثر نفعا من شجاعة الكل، ألا ترى ان النبي " ص " قال يوم الاحزاب: لضربة علي خير من عبادة الثقلين، وقال علي عليه السلام: والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسمانية لكن بقوة الهية، ومنها السخاوة وقد كان في الصحابة جمع من الاسخياء وقد بلغ أخلاصه في سخاوته الى ان أعطى ثلاثة أقراص فانزل الله تعالى في حقه " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا " ومنها حسن الخلق وقد كان مع غاية شجاعته وبسالته حسن الخلق جدا وقد بلغ فيه الى حيث نسبه أعداؤه الى الدعابة، ومنها البعد عن الدنيا وظاهر أنه كان مع انفتاح أبواب الدنيا عليه لم يظهر التنعم والتلذذ، وكان مع غاية شجاعته إذا شرع في صلاة التهجد وشرح في الدعوات والتضرعات الى الله تعالى بلغ مبلغا لا يوازيه أحد ممن جاء بعده من الزهاد، ولما ضربه ابن ملجم قال: فزت ورب الكعبة. وأما الفضائل البدنية: فمنها القوة والشدة وكان فيهما عظيم الدرجة حتى قيل انه كان يقطع الهام قطع الاقلام، ومنها النسب العالي ومعلوم ان أشرف الانساب هو القرب من رسول الله " ص " وهو كان أقرب الناس في النسب الى رسول الله " ص "، وأما العباس فانه وان كان عم رسول الله الا ان العباس كان أخا لعبد الله والد رسول الله من الاب لا من الام، وأما أبو طالب فانه كان أخا لعبد الله والد رسول الله من الاب والام، وأيضا فان عليا عليه السلام كان هاشميا من الاب والام لانه على بن أبى طالب بن عبد المطلب بن هاشم، وأيضا ام علي بن ابى طالب فاطمة بنت أسد بن هاشم، ومنها المصاهرة ولم يكن لاحد من الخلق مصاهرة مثل ما كانت له، وأما عثمان فهو وان شاركه في كونه صهر

[ 520 ]

للرسول " ص " الا ان أشرف اولاد الرسول هي فاطمة ولذلك قال عليه السلام: سيدة نساء العالمين أربع وعد منهن فاطمة، ولم يحصل مثل هذا الشرف للبنتين اللتين هما زوجتا عثمان، ومنها أنه لم يكن لاحد من الصحابة أولاد يشاركون اولاده في الفضيلة كالحسن والحسين وهما سيدا شباب أهل الجنة ولداه، ثم انظر الى اولاد الحسن مثل الحسن المثنى والمثلث وعبد الله بن المثنى والنفس الزكية، والى اولاد الحسين مثل زين العابدين والباقر والصادق والكاظم والرضا فان هؤلاء لاكابر يقر بفضيلتهم وعلو درجتهم كل مسلم، ومما يدل على علو شانهم ان أفضل المشايخ واعلاهم درجة أبو يزيد البسطامى وكان سقاء في دار جعفر الصادق وأما معروف الكرخي فانه أسلم على يدي على بن موسى الرضا وكان بواب داره وبقي على هذه الحالة الى آخر عمره، ومعلوم ان امثال هذه الاولاد لم يتفق لاحد من الصحابة، ولو أخذنا في الشرح والاطناب لطال الكلام (1). (قال عبد المحمود): فهذا آخر كلام الرازي، وقد روى في هذا الكتاب من الفضائل لعلي بن أبى طالب عليه السلام والمناقب والخصائص الجليلة ما قد تقدم شرح بعضها عنهم من كتبهم، وانه أسبقهم ايمانا وأعظمهم جهادا وأفضلهم علما وأرجحهم زهدا وأقربهم الى رسول الله " ص " نسبا واكثرهم به امتزاجا وآخرهم به عهدا وأفضلهم في كل فضيلة، ومع ذلك فان أكثرهم استحسنوا لانفسهم ودينهم ان يقدموا عليه الثلاثة الخلفاء الذين قد ذكروا عنهم وشهدوا عليهم انه وقع منهم ما قد تقدم ذكر بعضه. والعجب ايضا أن يحصل لمعاوية من المسلمين من يسعده على محاربة علي


(1) الاربعين: 465 - 468 ومن 474 - 476. قال في آخره: فهذا مجموع دلائل من قال بتفضيل أمير المؤمنين على بن ابى طالب عليه السلام.

[ 521 ]

عليه السلام المشهود له عندهم بتلك الفضائل وان ينازعه معاويه في الخلافة ان هذا من أعجب الامور الهائلة. ومن طرائف ما رايت في شرح حال علي بن أبى طالب عليه السلام ما رواه صدر الائمة عندهم موفق بن احمد المكى ثم الخوارزمي أخطب خطباء خوارزم فيما صنفه من المناقب قال: أنباني مهذب الائمة أبو المظفر عبد الملك بن علي ابن محمد الهمداني اجازة، أخبرني محمد بن الحسين بن على البزاز، أخبرني أبو منصور محمد بن علي بن علي بن عبد العزيز، اخبرني هلال بن محمد بن جعفر، حدثنى أبو بكر محمد بن عمرو الحافظ، حدثنى أبو الحسن علي بن موسى الخزاز من كتابه، حدثنى الحسن بن علي الهاشمي، حدثنى اسماعيل بن ابان، حدثنى أبو مريم، عن ثويرة بن أبى فاختة، عن عبد الرحمن بن أبى ليلى قال: قال أبي: دفع النبي " ص " الراية يوم خيبر الى علي بن أبى طالب عليه السلام، ففتح الله تعالى على يده، وأوقفه يوم غدير خم فاعلم انه مولى كل مؤمن ومؤمنة، وقال له: أنت مني وأنا منك، وقال له: تقاتل على التأويل كما قاتلت على التنزيل، وقال له: أنت منى بمنزلة هارون من موسى، وقال له: انا سلم لمن سالمت وحرب لمن حاربت، وقال له: أنت تبين لهم ما يشتبه عليهم من بعدي، وقال له: أنت العروة الوثقى التى لا انفصام لها، وقال له: أنت امام كل مؤمن ومؤمنة وولي كل مؤمن ومؤمنة بعدى، وقال له: أنت الذى أنزل الله فيك " وأذان من الله ورسوله الى الناس يوم الحج الاكبر "، وقال له: أنت الاخذ بسنتى والذاب عن ملتى، وقال له: انا أول من تنشق الارض عنه وأنت معى، وقال له: انا عند الحوض وأنت معى. والحديث طويل الى أن قال: وقال له: ان الله اوحى الي أن أقوم بفضلك فقمت به في الناس وبلغتهم ما أمرنى الله بتبليغه، وقال له: اتق الضغائن التى

[ 522 ]

لك في صدور من لا يظهرها الا بعد موتى اولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون. ثم بكى " ص " فقيل مما بكاؤك يا رسول الله ؟ فقال: اخبرني جبرئيل عليه السلام انهم يظلمونه ويمنعونه حقه ويقاتلونه ويقتلون ولده ويظلمونهم بعده، واخبرني جبرئيل عن الله عز وجل أن ذلك الظلم يزول إذا قام قائمهم وعلت كلمتهم واجتمعت الامة على محبتهم وكان الشانئ لهم قليلا والكاره لهم ذليلا وكثر المادح لهم، وذلك حين تغير البلاد وضعف العباد والياس من الفرج فعند ذلك يظهر القائم فيهم قال النبي " ص ": اسمه كاسمى واسم أبيه كاسم أبى هو من ولد ابنتى فاطمة يظهر الله الحق بهم ويخمد الباطل باسيافهم ويتبعهم الناس راغبا إليهم وخائفا منهم. قال: وسكن البكاء عن رسول الله " ص " فقال: معاشر الناس أبشروا بالفرج فان وعد الله لا يخلف وقضاؤه لا يرد وهو الحكيم الخبير، وان فتح الله قريب، اللهم انهم أهلى فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، اللهم اكلاهم وارعهم وكن لهم وانصرهم واعزهم ولا تذلهم واخلفني فيهم انك على ما تشاء قدير (1). فيما رووا في العشرة المبشرة ومن طرائف الامور المتناقضة انهم يذكرون ان سعيد بن نفيل روى عن نبيهم انه شهد له ولابي بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وأبى عبيدة بن الجراح ولعلي بالجنة، مع ما وقع من أبي بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن وأبى عبيدة من المخالفات لعلي بن ابي طالب عليه السلام وظهور العداوة بينهم، مع ما بلغ إليه طلحة


(1) الخوارزمي في المناقب: 24.

[ 523 ]

والزبير من استحلال دمه ودماء بنى هاشم وأعيان الصحابة والتابعين بعد مبايعتهما لعلي واقرارهما بصحة خلافته وقتلهما الالوف من المؤمنين، وقد تضمن كتابهم " ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ". ومن طريف هذه الرواية أن سعيد بن يزيد بن نفيل راوي هذه الرواية وهو من جملة العشرة، روى هذه الرواية لتزكية نفسه ولم يسقط شهادته بالتهمة وشهود فاطمة عليها السلام بنت نبيهم جارون النفع الى أنفسهم ومتهمون في شهادتهم مع انه لم يكن نفع فيما شهدوا به، وهذه من المتناقضات. في عدم صحة ما رووا عن النبي " ص " أصحابي كالنجوم ومن طريف رواياتهم انهم قالوا عن نبيهم انه قال أصحابي كالنجوم بايهم اقتديتم اهتديتم، وقد علمنا ان الصحابة كان يكفر بعضهم بعضا ويشهد بعضهم على بعض بالضلال ويستحل بعضهم دماء بعض، وقد تقدم بعض ذلك وكما جرى في قتل عثمان وحرب البصرة وصفين وغيرهما من المناقضات والاختلافات فلو كان الاقتداء بكل واحد منهم صوابا لكان الاقتداء بكل واحد منهم خطا لشهادة بعضهم على بعض بالخطا ولكان ذلك يقتضى وجوب ضلالهم أو قتلهم جميعا، فما أقبح هذه الروايات وأبعدها من عقول أهل الديانات. ومن طريف مكابراتهم انهم يذكرون ان الامام قدوة لرعيته مع جواز جهله ببعض ما يقتدى به فيه حتى انهم يجيزون أن يكون الامام جاهلا باكثر الشريعة وانه يقتدى فيما يجهله منها برعيته، ولا فرق في العقول بين جواز جهله ببعضها

[ 524 ]

أو جميعها ومن فرق بينهما فقد كابر الضرورة وعدل عن العقول المشكورة. ومن طريف مكابراتهم ايضا تجويزهم ان يكون امامهم فاسقا مصرا على المنكرات في الباطن ولا يجيزون ان يكون كافرا في الباطن مظهرا للاسلام. في عملهم بالقياس والطعن عليه ومن طرائف غلطهم الذي خرجوا به عن شريعتهم عملهم بالقياس، مع ان شريعتهم أباحت ما قد حرمت مثله وحرمت ما اوجب مثله، فاي طريق لهم مع ذلك الى القياس ؟ ثم لو كان الله قد جعل للاحكام عللا يقاس عليها لكانت دلالة واضحة يهتدى إليها وبها كل طالب للقياس، ومن المعلوم انهم مع اجتهادهم في استخراج علل القياس يختلفون في العلل الى غاية الاختلاف وفى وجوهها وكيفية التحريم والتحليل بها. ثم قد يحكم أحدهم بالعلة ووجه تعلقها في وقت ويبين له ضد ذلك في الوقت الاخر، ثم من المعلوم الذي لا يخالف فيه عاقل منصف انه قد كان جائزا من الله التعبد في الحادثة بخلاف ما دلت عليه العلة من تحريم أو تحليل مع كون الحادثة على حقيقتها وبجميع صفاتها، فلو كان القياس صحيحا جاز في العقول التعبد في الحادثة بخلاف حكمها الا مع اختلاف كل حالها أو بعضه أو تغير جميع اوصافها أو بعضها، وإذا كان جاز في العقول التعبد في الحادثة بخلاف ما اقتضته العلة والحادثة على ما هي عليه دل ذلك على بطلان القياس في الشرائع، لان العلة لو كانت علة لازمة للتحليل والتحريم استحال خروجها عن ذلك والحادثة على ما هي عليه كما يستحيل خروج صفة الحركة عن المتحرك مع كونه متحركا، ومعلوم ان ذلك غير مستحيل في الحادثة مع وجود العلة

[ 525 ]

بخلاف ما يعتقدونه علة فلا يبقى لهم طريق ولا وثوق بعلة ولا قياس أصلا. ثم يقال للاشعرية خاصة فيما ذهبوا إليه من القياس من الشرعي عندهم: نراكم في كتب الاصول تدعون القطع على ان أفعال الله يستحيل تعليلها بامور لاجلها كانت كذلك، والقياس انما يصح لكم بعد ثبوت العلل في القياس واستعمالها، فان ادعى ذو جهالة منهم ان ثبوت العلل انما يحتاج فيه الى غلبة الظن دون القطع قيل له: إذا ثبت ما تدعون من استحالة التعليل على الله تعالى كيف يبقى مجال الظن أو غيره، وهذا لا جواب لهم عنه الا بابطال القياس أو جواز التعليل على الله تعالى. وقد روى الخطيب في تاريخه وابن شيرويه الديلمى قالا: ان النبي " ص " قال: ستفترق امتى على بضع وسبعين فرقة أعظمها فتنة على امتى قوم يقيسون الامور، فيحرمون الحلال ويحللون الحرام. وقد وقفت على كتب علماء عترة نبيهم وهم مجمعون على تحريم العمل بالقياس، وأخبار هؤلاء الاربعة المذاهب في كتبهم الصحاح تشهد أن عترة نبيهم لا يخالفون كتاب ربهم الى يوم القيامة. ثم وقد روى علماء الاسلام أخبارا متظاهرة في المنع من القياس والراي. فمن ذلك ما رووه عن أبى بكر انه قال: أي سماء تظلنى وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برايى. ومن ما ذلك ما روى عن عمر بن الخطاب قال: اياكم وأصحاب الراي فانهم أعداء السنن أعيتهم الاحاديث ان يحفظوها فقالوا بالراي فضلوا وأضلوا. ومن ذلك ما رووه عن عمر انه كتب الى شريح القاضى وهو يومئذ نائبه على القضاء: اقض بما في كتاب الله فان جاءك ما ليس في كتاب الله فاقض بما في سنة رسول الله، فان جاءك ما ليس في سنة رسول الله " ص " فاقض بما أجمع عليه أهل العلم، فان لم تجد فلا ان لا تقضى. ومن ذلك ما رووه عن عبد الله بن عباس انه قال: لو جعل الله لاحد أن يحكم

[ 526 ]

برايه لجعل ذلك لرسول الله، قال الله له " وان احكم بينهم بما أنزل الله " (1) وقال " انا أنزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله " (2) ولم يقل بما رايت. وروى النهى عن القياس عن عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر ومسروق بن سيرين وأبى سلمة بن عبد الرحمن، فلو كان القياس مشروعا في زمن نبيهم ما خفي عن هؤلاء وعن عترة نبيهم وأتباعهم من العلماء. في حجية الاجماع عندهم والطعن عليه ومن طرائف الاربعة المذاهب أنهم يذكرون ان كل واحد من المسلمين يجوز عليه الخطا والكذب وكل قبيحة، ومع هذا يقولون إذا اجتمع هؤلاء الذين يجوز عليهم ذلك على شئ، فان اجماعهم يجعل ذلك صدقا، وتصير التجويز مرتفعا في الذي يجمعون عليه مع استمرار تجويز الكذب من كل واحد في حال افتراقهم واجتماعهم، وهذا بهت عظيم لا يستحسنه من عقله سليم ودينه مستقيم. ومن طريف استدلالهم على ذلك أن واحدا منهم أو أكثر ممن لم يبلغ حد التواتر قد أورد لهم عن نبيهم ان أمتى لا يجتمع على ضلال، وما أدري كيف يثبت بهذا الحديث حجية الاجماع والرواة له من جملة أهل الاجماع لانه لا يثبت الاجماع الا بهذا الحديث عند من يعتقد ذلك ولا يثبت الحديث الا بالاجماع عند من أثبته بهذا الطريق فيقف صحة كل واحد منهما على صحة الاخر فلا يثبت شئ منهما، وبعد ذلك كيف يدعون وقوع اجماع الامة شئ مع ما تقدم


(1) المائدة: 49. (2) النساء: 105.

[ 527 ]

من روايتهم في صحاحهم واطباق المسلمين تواترا على ان نبيهم قال: ان أمته تفترق ثلاثا وسبعين فرقة فرقة ناجية والباقي في النار، فإذا كان حصول الاجماع متوقفا على ثبوت اجماع هذه الثلاث وسبعين فرقة، وقد شهدوا أن هذه الفرق لا تجتمع فيجب على رواياتهم أن لا يقع اجماع أصلا. في تسميتهم الطلاق يمينا ومن طرائف ما سمعت من جماعة منهم أنهم يسمون الطلاق يمينا، وكتابهم يتضمن لفظ الطلاق فقال " الطلاق مرتان " (1) وقال " والمطلقات يتربصن " (2) وما رايت في كتابهم أن الطلاق يمين من جملة كافية، ثم قد تضمن كتابهم " لا يؤاخذكم الله باللغو في ايمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان فكفارته اطعام عشرة مساكين " (3) فان كان الطلاق يمينا فكان يجب إذا كان لغوا ان لا يثبت به عندهم تفريق بين الزوجين سواء كان ثلاثا أو غير ثلاث، وان كان غير لغو وكان منعقدا وتركه فكان يجب أن يلزم فيه الكفارة وما أوجبوا فيه كفارة، فما أعجب ما يرتضونه لانفسهم من المناقضات ومكابرة الضرورات. في مقالاتهم في الصوم ومن طريف أمورهم في صومهم تقديم أفطارهم قبل دخول الليل من جهة


(1) البقرة: 229. (2) البقرة: 228. (3) المائدة: 89.

[ 528 ]

المشرق، ومخالفتهم لما تضمنه كتابهم " وأتموا الصيام الى الليل " (1) وفى موضع آخر " ولا تبطلوا أعمالكم " (2) وتهوينهم بهذه الفريضة التي هي من أظهر أركان الاسلام، وقد رووا في صحاحهم ضد ما عملوا عليه. ورواه مسلم أيضا في صحيحه من المجلد الثاني باسناده عن ابن أبى أوفى قال عن نبيهم في أواخر حديثه ما هذا لفظه: إذا رأيتم الليل قد أقبل من هاهنا - وأشار بيده نحو المشرق - فقد أفطر الصائم (3). (قال عبد المحمود): هذا لفظ الحديث يتضمن ان وقت الافطار اقبال الليل من المشرق، وذلك انما يكون عند ذهاب الشفق الاحمر من ناحية المشرق وهو أول دخول الليل كما ذهب إليه أهل بيت نبيهم، فعلام وقعت المخالفة لهم وقد أمروا بالتمسك بهم. ومن طرائف ما سمعت عن جماعة كثيرة من المسلمين أنهم إذا راوا من يفطر منهم في السفر في صوم شهر رمضان جعلوه مبدعا وأنكروا عليه، وان بعض المسلمين يعتذر إليهم بان يقول أنه من أهل الذمة، وقد رايت في صحاحهم ما يدل على خلاف ما ينكرونه. فمن ذلك ما ذكره الحميدى في كتاب الجمع بين الصحيحين في مسند عبد الله بن عباس في الحديث الثاني من المتفق عليه قال: ان النبي " ص " خرج من المدينة ومعه عشرة آلاف من المسلمين، وذلك على راس سنة ثمان سنين ونصف من مقدمة المدينة، فسار بمن معه من المسلمين الى مكة يصوم ويصومون حتى بلغ الكديد - وهو ما بين عسفان وقديد - أفطر وأفطروا، قال


(1) البقرة: 187. (2) محمد: 33. (3) مسلم في صحيحه: 2 / 773، ورواه البخاري في صحيحه: 2 / 237.

[ 529 ]

الزهري: وإنما يؤخذ من أمر رسول الله " ص " بالاخر فالاخر فكان الفطر آخر الامرين. وفى بعضها: فلم يزل مفطرا حتى انسلخ الشهر (1). ومن ذلك في كتاب الجمع بين الصحيحين في مسند عبد الله بن عباس ايضا في جملة الحديث من المتفق عليه قال: خرج النبي " ص " في رمضان الى خيبر والناس مختلفون فصائم ومفطر، فلما استوى على راحلته دعا باناء من لبن أو ماء فوضعه على راحلته أو راحته، وفى رواية حتى رآه الناس ثم شرب وشرب الناس في رمضان فقال المفطرون للصوام: أفطروا. ومن ذلك في كتاب الجمع بين الصحيحين أيضا في مسند جابر بن عبد الله الانصاري ان النبي " ص " خرج عام الفتح الى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: ان بعض الناس قد صام فقال: أولئك العصاة أولئك العصاة (2). (قال عبد المحمود): فكيف يحسن مع هذه الروايات التي قد جعلوها من جملة الصحاح أن ينكروا أو يكرهوا أو يتوقفوا في الافطار في السفر في صوم شهر رمضان ؟ وكيف استحسنوا هذه المكابرة وتكذيب أنفسهم فيما رووه وشهدوا بصحته. وذكر الحميدى أيضا في كتابه في مسند جابر بن عبد الله في الحديث الحادى عشر قال: قال النبي " ص ": ليس من البر أن تصوموا في السفر، وفي رواية ليس من البر الصوم في السفر (3).


(1) رواه مسلم في صحيحه: 2 / 784، والبخاري في صحيحه: 2 / 238. (2) رواه مسلم في صحيحه: 2 / 785. (3) رواه مسلم في صحيحه: 2 / 786.

[ 530 ]

ومن طريف ما رايت من كثير من المسلمين تعظيم ليلة خمس وعشرين من شهر رمضان ومن بعضهم ليلة تسع وعشرين، وما رايت لهم اهتماما ولا اكراما لليلتى احدى وعشرين ولا ليلة ثلاث وعشرين من الشهر المذكور، وقد رووا تعظيم الليلتين المهملتين. فمن ذلك ما ذكره الحميدى في مسند أبى سعيد الخدرى في الحديث الرابع من المتفق عليه عن أبى سلمة عن أبى سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وآله اعتكف في العشر الاولى من رمضان، ثم اعتكف العشر الاوسط في قبة تركية على سدتها حصير. قال: فاخذ الحصير بيده فنحاها في ناحية القبة، ثم أطلع راسه فكلم الناس فدنوا منه فقال: انى أعتكف العشر الاول ألتمس هذه الليلة ثم اعتكف العشر الاوسط ثم أتيت فقيل لي: انها في العشر الاواخر. فمن أحب منكم أن يعتكف فليعتكف، فاعتكف الناس معه قال: واني أريتها ليلة وتر وانى أسجد صبيحتها في طين وماء، فاصبح من ليلة احدى وعشرين وقد قام الى الصبح، فمطرت السماء فوكف المسجد فابصرت الطين والماء، فخرج حين فرغ من صلاة الصبح وجبينه وروثة أنفه فيهما الطين والماء وإذا هي ليلة احدى وعشرين من العشر الاواخر (1). ومن ذلك ما رواه الحميدى أيضا في كتابه في مسند عبد الله بن أنيس الجهني ان رسول الله " ص " قال: أريت ليلة القدر ثم انسيتها وأرانى صبحها أسجد في ماء وطين. قال: فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين، فصلى بنا رسول الله " ص " فانصرف وان أثر الماء والطين على جبهته وأنفه قال: وكان عبد الله بن أنيس يقول: ثلاث وعشرين أكثر ظنه بليلة القدر (2).


(1) رواه مسلم في صحيحه: 2 / 825، والبخاري في صحيحه. 2 / 256. (2) رواه مسلم في صحيحه: 2 / 827.

[ 531 ]

ورواه الحميدى ايضا في مسند أبى نصير نحو ذلك. (قال عبد المحمود): فهلا كان لهاتين الليلتين اسوة باحدى الليالي التي عظموها وجعلوا ليلة القدر فيها. ومن طريف ما غيروا من سنة نبيهم ما ذكره الحميدي في كتابه في مسند أبى سعيد الخدري في الحديث السابع والثلاثين من المتفق عليه ان النبي " ص " كان يخرج يوم الفطر والاضحى الى المصلى، فاول شئ يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس والناس جلوس على صفوفهم فيعظهم ويوصيهم ويامرهم، فان كان يريد أن يقطع بعثا قطعه أو يامر بشئ أمر به ثم ينصرف، قال أبو سعيد: فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان وهو أمير المدينة في أضحى أو فطر، فلما أتينا المصلى إذا منبر قد بناه كثير بن الصلت فإذا مروان يريد ان يرتقيه قبل ان يصلى فجذبت بثوبه فجذبني فارتفع فخطب قبل الصلاة، فقلت له: غيرتم والله. فقال: أبا سعيد قد ذهب ما تعلم. فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم فقال ان الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة فجعلتها قبل الصلاة (1). (قال عبد المحمود): انظر الى مثل هذه السنة المشهورة بينهم كيف غيروها في تحصيل دنيا طلبوها، ولم ينكر من الحاضرين غير أبى سعيد أما هذا من الضلال الوكيد ؟. في لبسهم الخواتيم في اليد اليسار ومن طريف ما سمعت ورايت أن جماعة من المسلمين يلبسون خواتيمهم في اليد اليسار وهو خلاف ما ذكروه من الشرع والاعتبار، أما شرعهم فقد


(1) رواه البخاري في صحيحه: 2 / 4، ومسلم في صحيحه: 2 / 605.

[ 532 ]

روى الترمذي والسجستاني وابن ماجة وأحمد بن حنبل وأبو يعلى الموصلي ومسلم والبخاري والسلمى والبيهقي ومحمد بن يحيى عن مشائخهم الى علي ابن أبى طالب عليه السلام وزين العابدين وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله الانصاري وأنس بن مالك وأبو امامة وعائشة وابن شهاب والضحاك وعكرمة ومجاهد وهشام بن سعد وأبى رافع وهشام بن عروة وعروة بن الزبير وجعفر بن الزبير ونافع في روايات مختلفات ومؤتلفات ان نبيهم كان يتختم في يمينه وتوفى والخاتم في يمينه ونهى عن لبسه في اليسار. فمن الروايات في ذلك ما ذكره الحميدي في مسند. أنس بن مالك في الحديث السادس عشر من المتفق عليه قال: ان رسول الله " ص " لبس خاتم فضة في يمينه فيه فص حبشي كان يجعل فصه مما يلى كفه (1). ومن ذلك ما رواه الحميدي في كتابه أيضا في مسند عبد الله بن عمر في الحديث الثالث والتسعين من المتفق عليه قال: ان النبي " ص " كان خاتمه في يمينه. ومن ذلك ما رواه الجاحظ في نقوش الخواتيم ان ثلاثين نفرا منهم أحد وعشرين نفسا أنبياء وتسعة من الاوصياء والائمة المختلف في نبوتهم كانوا جميعا يلبسون الخواتيم في اليمين، وقد ذكر أسماءهم من جملتهم نبيهم محمد صلى الله عليه وآله وعلى بن ابى طالب عليه السلام. ومن ذلك ما ذكره أبو عبد الله السلامى في كتاب السيف قال: ان النبي " ص " والخلفاء الاربعة كانوا يتختمون في أيمانهم، فنقلها معاوية الى اليسار وأخذ الناس بذلك. ومن ذلك ما ذكره الثعلبي في كتاب يتيمة الدهر أن عمرو بن العاص غير


(1) رواه مسلم في صحيحه: 3 / 1658.

[ 533 ]

الخاتم من يمينه الى شماله، فاقتدى العامة به الى يومنا هذا. وذكر غير الثعلبي في ذلك شعرا: سن التختم في اليمين محمد * للقائلين بدعوة الاخلاص وسعى ابن هند في ازالة رسمه * وأعانه في ذلك ابن العاص (قال عبد المحمود): انظر كيف درست سنة نبيهم وتركها أكثرهم عمدا أو جهلا وصار الاقتداء بعمرو بن العاص ومعاوية، ان هذا من الامور المنكرة الواهية. وأما الاعتبار فلان الصواب في لبس الخواتيم في اليمين لان اليسار محل استعمال الاقذار والغائط والنجاسات، فلا يؤمن ان يتخلف في غصون الخاتم إذا كان في اليسار شئ من النجاسات فيمنع من طهارة موضع الغائط أو طهارة اليد والاسنان، ولان غالب العادة أن يكون في الخاتم اسم الله أو اسم بعض الانبياء وفى تركه يصيب النجاسة وهو خطر عظيم، ومنكر في خلفه كلما أراد الاستنجاء عناء ومشقة. في مخالطتهم أهل الذمة وقولهم انهم طاهرون ومن طريف ما رايت من المناقضة لهم أو لاكثرهم أنهم يخالطون أهل الذمة ويقولون انهم طاهرون وقد رووا في كتبهم الصحاح خلاف ذلك. فمن ذلك ما ذكره الحميدي في كتابه في مسند ابى ثعلبة الخشنى قال: أتيت رسول الله " ص " فقلت: يا رسول الله انا بارض قوم من أهل الكتاب ناكل في آنيتهم، وبارض صيد أصيد بقوسي وبكلبي الذي ليس بمعلم وبكلبي المعلم، فما يصلح لى ؟ قال: أما ما ذكرت يعني من آنية أهل الكتاب فان وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها وان لم تجدوا فاغسلوا وكلوا فيها، وما صدت

[ 534 ]

بقوسك فذكرت اسم الله عليه فكل وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله عليه فكل وما صدت بكلبك غير معلم فادركت ذكاته فكل (1). (قال عبد المحمود): فهذا تصريح من نبيهم بالمنع من الاكل في اناء أهل الذمة حتى تغسل، وما رايتهم يعملون بذلك بل رايت جماعة منهم ياكلون مع أهل الذمة في أناء واحد. وأعجب من ذلك ان أهل الذمة لا ياكلون ذبائح المسلمين، وأكثر المسلمين ياكلون ذبائح أهل الذمة، وجماعة منهم يشترطون في اباحة الذبائح تسمية ربهم الذي بعث نبيهم محمدا " ص " ومن المعلوم أن أهل الذمة ما يوجبون التسمية على الذبائح وان سموها فما يقصدون الا الله الذي يبعث محمدا " ص " الى العباد، وفي ذلك ما فيه من المناقضة والتضاد. في اباحة جماعة منهم اللعب بالنرد شير ومن طرائف ما سمعت عن جماعة منهم اباحة اللعب بالنرد شير ومخالفتهم لنبيهم وأهل بيته في تحريم ذلك، وقد رووا في صحاحهم تحريمه، ورواه مسلم ايضا في صحيحه في المجلد الثالث باسناده عن سليمان بن بريدة عن أبيه ان النبي " ص " قال: من لعب بالنرد شير فكانما صبغ يده في لحم خنزير ودمه. ورواه الحميدى في الجمع بين الصحيحين في مسند بريدة في الحديث الحادى عشر من أفراد مسلم (2). (قال عبد المحمود): ألا ترى نبيهم كيف جعل اللعب بالنرد شير مثل صبغ اليد في لحم الخنزير، وهو أعظم المحرمات، فكيف صار بعد نبيهم عند أحد


(1) رواه البخاري في صحيحه: 6 / 219، ومسلم في صحيحه: 3 / 1532. (2) مسلم في صحيحه: 4 / 1770.

[ 535 ]

من امته من جملة المباحات ؟ في مقالاتهم في الوضوء والصلاة ومن طرائف ما أقدم عليه كثير من المسلمين مخالفتهم لصريح ما تضمنه كتابهم في صفة الوضوء، فانه قال " يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم الى الكعبين " (1) وهذا كلام محكم واضح لا يشتبه على من له عقل راجح، أن الوجه واليدين تغسلان والراس والقدمين تمسحان، وقد رووا ان هذا يرويه عن نبيهم محمد " ص " جماعة من الصحابة وغيرهم منهم عبد الله بن عباس وأنس بن مالك وعكرمة وأبو العالية والشعبى، وأما عترة نبيهم الذين أمروا بالتمسك بهم ولا يفارقونهم وانهم لا يفارقون كتابه الى يوم القيامة فانى تحققت انهم مجمعون على ان الوضوء على الصفة التى تضمنها صريح كتابهم، فاقدم جماعة من المسلمين على ترك العمل بذلك وجعلوا مسح الارجل في الوضوء بدعة وحراما وأوجبوا غسلها وهو مما لا يجر لهم في كتابهم ذكر، وتاولوا تأويلات ضعيفة ورووا روايات سخيفة. وليتهم قالوا ان هذه الاية منسوخة فكان يكون لهم بعض العدل، ولكن قد اتفق المسلمون كافة على انها غير منسوخة فصار العدول الى غسل الارجل في الوضوء مع انها غير منسوخة من قبيح مكابراتهم وعظيم مناقضاتهم وتكذيبا لما رووه وصححوه من كون عترة نبيهم لا يفارقون كتاب ربهم. ومن طرائف ما رايت من اختلاف مقالاتهم ورواياتهم انهم ينكرون على


(1) المائدة: 6.

[ 536 ]

من يعدل عن الوضوء بعد الغسل للجنابة وقد ذكر أحمد بن حنبل في مسنده قال: ان النبي " ص " كان لا يتوضا بعد الغسل. وقد روى صاحب كتاب الحلية قال: ان النبي " ص " قال: من توضأ بعد الغسل فليس منا. وذكر ذلك ايضا أبو داود السجستاني في صحيحه. ومن طريف ما سمعت ووقفت عليه ان أبا داود السجستاني وابن ماجه ذكروا في كتاب السنن ان النبي " ص " قد هم بالبوق وأمر بالناقوس فراى عبد الله بن زيد في المنام فعلمه رجل عليه ثوبان أخضران الاذان (1). (قال عبد المحمود): كيف جاز نقل مثل هذا الحديث وتصديقه مع ما تضمنه كتابهم " وما ينطق عن الهوى * ان هو الا وحي يوحى " وما كان عبد الله بن زيد ممن يدعى انه يوحى إليه ولا يجيزون ان ياتيه الوحى لنبيهم على لسان عبد الله، ولا ريب الاذان من جملة شريعتهم فكيف ثبتت الشريعة بمنام بعض أصحاب نبيهم ؟ ان هذا من جملة الاضلال الذى لا يجوز تصديقه لاهل الكمال، وقد رووا في كتبهم ضد ما قالوه وتصديق ما أنكروه. فمن ذلك ما ذكره الحميدي في كتابه في مسند أنس بن مالك في الحديث الخامس والستين من المتفق عليه قال: لما كثر الناس وذكروا ان يعلموا وقت الصلاة بشئ يعرفونه، فذكروا أن يوروا نارا أو يضربوا ناقوسا، فامر بلال ان يشفع الاذان وان يؤتر الاقامة (2). وذكروا في تفسير قوله تعالى " يا أيها المدثر * قم فانذر " فقالوا: ان جبرئيل عليه السلام جاء الى النبي " ص " في مبدا الامر فقال: يا أيها المدثر قم فانذر، فقام وجعل يؤذن والاصبع في اذنه.


(1) السجستاني في سننه: 1 / 134. (2) رواه البخاري في صحيحه: 1 / 150، ومسلم في صحيحه: 1 / 286.

[ 537 ]

فهل ترى في حديث الحميدي أن نبيهم أمر بالناقوس كما قال أبو داود ؟ وهل ترى لعبد الله بن زيد حديثا أو أصلا في الاذان ؟ ان هذه الاقوال منهم طريفة عند أهل الاديان. ومن طرائف ما عرفت ان جماعة كثيرة من المسلمين منهم أبو حنيفة ومالك والاوزاعي وداود وأصحابهم يسقطون بسم الله الرحمن الرحيم من السورة التي يسمونها فاتحة الكتاب، وقد تضمنت مصاحفهم ان هذه البسملة من جملة السورة وشهدت بذلك محفوظاتهم لقرائتهم وتلاوتهم لهذه السورة، ونقلهم لها خلفا عن سلف بل نقل المسلمون كافة ذلك، فكيف كانت آية من سورة الفاتحة في المصاحف والافواه وبين الرواة ولم تكن آية من السورة في قراءة الصلاة ؟ ان ذلك من المتناقضات المتضاهرة وخلاف أخبارهم المتواترة، وقد رووا في كتبهم الصحاح عن نبيهم وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة وبسم الله الرحمن الرحيم منها، فكيف يجوز مع ذلك العدول عنها ؟ فمن ذلك ما ذكره الحميدي في مسند عبادة بن الصامت في الحديث الثالث من المتفق عليه ان النبي " ص " قال: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب (1). ومن ذلك في كتاب الجمع بين الصحيحين للحميدي أيضا في مسند أبي هريرة في الحديث السابع والثلاثين بعد المائة من أفراد مسلم قال: قال رسول الله " ص ": من صلى صلاة يقرا فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج - يقولها ثلاثا (2). ومن طرائف أمورهم انكار جماعة منهم على من ترك قول ربنا ولك الحمد عند رفع راسه من الركوع ويقول سمع الله لمن حمده.


(1) رواه مسلم في صحيحه: 1 / 295، والبخاري في صحيحه: 1 / 184. (2) مسلم في صحيحه: 1 / 297.

[ 538 ]

وقد روى الحميدي في كتاب الجمع بين الصحيحين في مسند البراء بن عازب في الحديث الثاني قال: كنا نصلي خلف النبي " ص " فإذا قال: سمع الله لمن حمده لم يحن أحد منا ظهره حتى يضع النبي جبهته على الارض (1). وروى الحميدي في الكتاب المذكور في مسند أبي هريرة في الحديث الثاني والخمسين من المتفق عليه قال: ان النبي " ص " كان يقول سمع الله لمن حمده ويدعو لقوم ويدعو على آخرين (2). وروى أبو داود في صحيحه نحو ذلك. (قال عبد المحمود): فهلا جعلوا هذين الروايتين الصحيحتين عندهم وأمثالهما عذرا لمن يقتدى بنبيهم ويقصر على قول سمع الله لمن حمده ويترك قول ربنا ولك الحمد، لا سيما وكتابهم ينطق " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ". ومن طرائف ما رايت منهم تشديد جماعة من المسلمين في الامر بوضع اليمين على الشمال في حال القيام في الصلاة، وينكرون على فرقة يسمونها الرافضة ترك ذلك غاية الانكار. (قال عبد المحمود): وما رايت الانكار منهم لذلك في موضعه لانى سالت علماء هذه الفرقة المسماة بالرافضة، فذكروا أنهم يروون أخبارا متواترة عن نبيهم وعن عترته ان المصلي لا يجوز أن يضع يمينه على شماله ولا احدى يديه على الاخر حال في حال الصلاة، قالوا فامتثلنا قول نبينا واتبعنا عترته الذين شهد المسلمون كافة أنهم لا يفارقون كتابه، وما كان يجب أن يكون لنا أسوة لمن تبع الشافعي أو احد الائمة الاربعة المذاهب، قالوا وقد حكى الطحاوي في كتاب


(1) رواه مسلم في صحيحه: 1 / 345، والبخاري في صحيحه: 1 / 197. (2) رواه البخاري في صحيحه: 1 / 194.

[ 539 ]

اختلاف الفقهاء عن مالك ان وضع اليدين احداهما على الاخرى انما تفعل في صلاة النوافل من طول القيام وتركه أحب الي، وحكى الطحاوي عن الليث ابن سعد انه قال: شد اليدين في الصلاة احب الي إلا ان يطول القيام ويتعب فلا باس بوضع اليمين على اليسرى. مع ان الشافعي وأبا حنيفة وسفيان وأحمد حنبل وأبا ثور وداود يذهبون الى أن وضع اليمين على اليسار في الصلاة مستحب، وفي احدى الروايتين عن مالك لا يفعل ذلك في الفريضة كما تقدم وانما يفعل ذلك في النافلة إذا طالت وأعيى من القيام للاستراحة. (قال عبد المحمود): فهذا قول جماعة من أئمتهم فاي ذم يتوجه على من أنكروا عليه ترك وضع اليمين على الشمال، لو لا قلة الانصاف في كثير من الاقوال والافعال، وهب انه مستحب فهل يستحق الذم بترك المستحب ؟ وما أراهم ينكرون على أصحاب مالك إذ لم يضعوا اليمين على الشمال، فهلا كان لهذه الفرقة أسوة بهم في هذه الحال. ومن طرائف ما رايت منهم ايضا تعظيمهم لترك قول آمين في الصلاة بعد قراءة السورة التي يسمونها الفاتحة، ورايت كتبهم تتضمن أنها مستحبة ومندوبة فاي انكار أو قبيح يتوجه على من ترك المندوب لو لا العداوة وعمى القلوب، وذكروا في احدى الروايتين عن مالك ان الامام لا يقول آمين أصلا، وقد سالت جماعة من الشيعة الذين يتركون قول آمين عقيب قراءة الحمد، فذكروا أنها ليست من جملة القرآن ولا التسبيح ولا عذر لهم في قولهم ان معناها الدعاء، لانهم لا يشترطون فيها ما يشترطون في الدعاء من القصد وحضور القلب بل يقولون أنه يقولها سواء كان داعيا في قراءة أو تاركا لقصد الدعاء وأوقفني التاركون لقول آمين في الصلاة على أخبار كثيرة قد نقلوها عن عترة نبيهم بان قول آمين

[ 540 ]

في الصلاة بعد قراءة الحمد تبطل الصلاة، وذكرت العترة الذينهم أعرف بحال نبيهم انه ما فعل ذلك بل منع منه، فرايت عذر هذه الفرقة واضحا على مذهب المسلمين وانه لا يجوز العدول عنه. ومن طرائف اختلاف رواياتهم ومقالاتهم كونهم يجعلون القنوت في الصلاة بعد الركوع، وقد رووا في صحاحهم أنه قبل الركوع. فمن ذلك ما ذكره الحميدي في كتاب الجمع بين الصحيحين في مسند أنس بن مالك في الحديث التاسع والثلاثين من المتفق عليه قال: ان النبي صلى الله عليه وآله بعث سبعين رجلا لحاجة يقال لهم القراء، فعرض لهم حيان ابن سليمان ورعل وذكوان عند بئر يقال لها بئر معونة، فقال القوم: والله اياكم ما أردنا انما نحن مجتازين في حاجة النبي فقتلوهم فدعا النبي عليهم شهرا في صلاة الغداة وذلك بدو القنوت وما كنا نقنت، قال عبد العزيز: فسال رجل انسانا عن القنوت بعد الركوع أو عند الفراغ من القراءة فقال: لا بل عند فراغ القراءة. ومن طرائف ما رايت انكار بعض المسلمين على بعضهم السجود في الصلاة على سجادة صغيرة تعمل من سعف النخل وتشديدهم في انكار ذلك، وقد رايت في كتبهم الصحاح عندهم ان نبيهم فعل ذلك وكتابهم يتضمن " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ". فمن ذلك ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند ميمونة بنت الحارث الهلالية في الحديث الثالث من المتفق عليه وهي من أزواج نبيهم المشكورات بلا خلاف بينهم قالت: كنت حائضا لا أصلي وأنا مفترشة بحذاء مسجد رسول الله " ص " وهو يصلي على خمرته (2).


(1) رواه مسلم في صحيحه: 1 / 468، والبخاري في صحيحه: 2 / 14. (2) رواه البخاري في صحيحه: 1 / 85.

[ 541 ]

ومن ذلك ما رواه الحميدى في كتابه المشار إليه في مسند أم سلمة بنت ملحان أم أنس بن مالك في الحديث الثاني من أفراد مسلم قالت: وكان النبي صلى الله عليه وآله يصلي على خمرة. وروى نحو ذلك في مسند عائشة وفى مسند أبي سعيد الخدري (1). (قال عبد المحمود) مؤلف هذا الكتاب: قد أجمع أهل اللغة على أن الخمرة سجادة تعمل من النخل، وقد ذكر ذلك أيضا الجوهري في كتاب الصحاح في اللغة في الجزء الثالث في الفصل الخامس باب الراء (2). فهل يبقى الانكار لذلك الا العناد واتباع الفساد. ومن طرائف ما سمعت انكار جماعة من المسلمين على جماعة منهم الفضيلة في أن يكبر الانسان ويحمد الله ويسبحه عقيب الصلاة تكبيرا وتحميدا وتسبيحا معلوما. وقد روى الحميدى في الجمع بين الصحيحين في مسند كعب بن عجرة عن رسول الله " ص " قال: معقبات لا يخيب قائلهن أو فاعلهن دبر كل صلاة مكتوبة ثلاث وثلاثون تسبيحة وثلاث وثلاثون تحميدة وأربع وثلاثون تكبيرة (3). وروى البخاري في صحيحه قال: جاء الفقراء الى النبي " ص " فقالوا: ان الاغنياء شاركونا في أعمالنا ولهم فضل من أموال يحجون بها ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون، قال: ألا أحدثكم بما ان أخذتم ادركتم من سبقكم ولم يدرككم أحد بعدكم، وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيه الا من عمل مثله، تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين - الخبر (4).


(1) مسلم في صحيحه: 1 / 458. (2) الصحاح: 2 / 649. (3) رواه مسلم في صحيحه: 1 / 418. (4) البخاري في صحيحه: 1 / 205.

[ 542 ]

وذكر الحميدي أيضا في كتابه في مسند أبي هريرة في الحديث السادس عشر بعد المائتين ما يدل على تعيين هذا التكبير والتحميد والتسبيح وفضله. وروى الحميدي في كتابه في مسند على بن ابى طالب عليه السلام في الحديث الخامس عشر ان فاطمة أتت النبي " ص " تسأله خادما وأنه قال: ألا أخبرك بما هو خير لك منه، تسبحين ثلاثا وثلاثين وتحمدين الله ثلاثا وثلاثين وتكبرين الله أربعا وثلاثين (1). قال الحميدى في كتابه: وفى رواية ان عليا عليه السلام قال: فجاءنا النبي " ص " وقد أخذنا مضاجعنا، فقعد بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدري فقال: ألا اعلمكما خيرا مما سألتماني، إذا أخذتما مضاجعكما ان تكبرا أربعا وثلاثين. فذكره وقال: هذا خير لكما من خادم. ورواه ايضا في مسند أبى هريرة في الحديث التاسع والاربعين من أفراد مسلم. ورواه البخاري في الجزء الرابع من صحيحه. وروى نحو بعض هذه الاحاديث صاحب كتاب حلية الاولياء (2). ومن طرائف ما سمعت من جماعة من الاربعة المذاهب ايضا انهم ينكرون على من يسجد على سبيل الشكر لله، وقد رووا انكار ذلك عن مالك في احدى الروايتين عن ابى حنيفة والرواية الاخرى انه غير مشروع. وقد ذكر أبو داود السجستاني في صحيحه من كتاب السنن عن أبى بكرة عن النبي " ص " انه كان إذا جاءه أمر سرور أو بشر به خر ساجدا شاكرا لله (3).


(1) روى مسلم عن ابى هريرة نحوه في صحيحه: 4 / 2092. (2) البخاري في صحيحه: 7 / 149. (3) السنن للسجستاني: 3 / 89 كتاب الجهاد.

[ 543 ]

وروى ابن ماجة في كتاب السنن باسناده قال: ان النبي " ص " قال: ما من عبد يسجد لله سجدة الا رفعه الله بها درجة وحط بها عنه سيئة أو قال خطيئة. وروى الحميدي ذلك في كتابه في مسند ثوبان. ورواه الحميدي أيضا في المسند المذكور عن أبى الدرداء وعبد الرحمن بن عوف قال: ان النبي " ص " سجد لله شكرا. وروى ذلك عن أبى بكر لما بلغة قتل مسيلمة الكذاب. وروى مثله عن علي عليه السلام لما ظفر بذى الثدية. ومن طرائف امور جماعة من الاربعة المذاهب انهم ينكرون على من يعفر وجهه في سجوده، وقد رووا في صحاحهم عن نبيهم خلاف ما أنكروه وضد ما كذبوه. وروى أيضا مسلم في صحيحه في المجلد الثالث باسناده عن أبى هريرة قال في الحديث ما هذا لفظه: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم قال فقيل: نعم. فقال: واللات والعزى لئن رايته يفعل لاطان على رقبته أو لاعفرن وجهه في التراب. ثم قال في الحديث ما هذا معناه: أنه رآه ذلك فاراد أبو جهل أن يفعل به ما عزم عليه فحالت الملائكة بينه وبينه (1). (قال عبد المحمود): فهل ترى التعفير بدعة كما يزعمون ؟ وهل تراه الا من سنن نبيهم التى لم يمنعه منها التهديد والوعيد ؟ وهل ترى انكار التعفير الا بدعة من أبى جهل ؟ فكيف صارت سنة نبيهم بدعة وبدعة عدوه الكافر سنة ؟ ان هذا من العجائب التى لا يليق اعتقادها بذوى الراى الصائب. ومن طرائف ما سمعت ايضا انكار جماعة منهم على من يجمع بين الفريضتين في وقت واحد من صلواتهم الخمس من غير خوف ولا مطر ولا سفر، وقد


(1) مسلم في صحيحه: 4 / 2154.

[ 544 ]

رووا جواز ذلك في صحاحهم. فمن ذلك ما ذكره الحميدي في كتابه في الجمع بين الصحيحين من عدة طرق في مسند عبد الله بن عباس في الحديث الثامن والمائتين من المتفق عليه قال: صلى رسول الله " ص " الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء جميعا من غير خوف ولا سفر. وفي رواية زهير بالمدينة. وفي رواية ابى الزبير فسالت سعيدا لم فعل ذلك ؟ فقال سالت ابن عباس كما سألتني فقال: أراد أن لا يحرج أحدا من امته (1). وروى مسلم في صحيحه في حديث حبيب بن أبى ثابت نحو حديث زهير عن أبى الزبير قال: من غير خوف ولا مطر. وفي رواية جابر بن يزيد في مسند ابن عباس قال: ان رسول الله " ص " صلى بالمدينة سبعا وثمانيا الظهر والعصر والمغرب والعشاء (2). ومن طرائف ما رايت في كتبهم التى يشهدون بصحتها ان صلاة الضحى ما كان في زمن نبيهم ولا زمن أبى بكر ولا زمن عمر، ثم رايتها الان من جملة شريعتهم ووكيد سنتهم وما بعث نبى بعد نبيهم. فمن روايتهم في ذلك ما ذكره الحميدي في كتاب الجمع بين الصحيحين في مسند عبد الله بن عمر بن الخطاب من رواية مرزوق العجلى قال: قلت لابن عمر: تصلى الضحى ؟ قال: لا: قلت: فعمر قال: لا قلت فأبو بكر قال: لا قلت: فالنبى " ص " قال: لا أخاله. ومن ذلك ما رواه الحميدي أيضا في مسند عائشة قالت: ان النبي " ص " ما صلى صلاة الضحى (3).


(1 - 2) رواهما مسلم في صحيحه: 1 / 490 - 491. (3) راجع صحيح مسلم 1 / 496.

[ 545 ]

ومن ذلك ما رواه ايضا الحميدي في مسند عائشة عن عبد الله بن عمر انه قال لما سئل عن صلاة الضحى: انها بدعة. ومن ذلك ما رواه احمد بن حنبل في مسنده ان أبا بشير الانصاري وأبا سعيد بن نافع رايا رجلا يصلي صلاة الضحى فعابا ذلك عليه ونهياه عنها. ومن طريف ما سمعت عن جماعة منهم انكار الفضيلة في قراءة السورة التى يسمونها سورة الجمعة والسورة التى يسمونها المنافقين في صلاة يوم الجمعة وقد روى تفضيل ذلك وتخصيص هاتين السورتين بيوم الجمعة الشافعي في المسند وأبو نعيم الحافظ النعار في مسند أبى حنيفة وأحمد بن حنبل في مسنده، رووا جميعا وقالوا: ان النبي " ص " كان يقرء في الجمعة سورة الجمعة وإذا جاءك المنافقون. ومن ذلك ما رواه الحميدي في كتابه في مسند عبد الله بن عباس في الحديث الحادى والعشرين من أفراد مسلم قال: ان النبي " ص " كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة الجمعة والمنافقين (1). ومن ذلك ما رواه الحميدي أيضا في كتابه في مسند أبى هريرة في الحديث الثامن والثلاثين من أفراد مسلم قال: استخلف مروان أبا هريرة على المدينة وخرج الى مكة فصلى لنا أبو هريرة الجمعة، فقرا بعد سورة الجمعة في الركعة الاخرة إذا جاءك المنافقون، قال: فادركت أبا هريرة حين انصرف فقلت له: انك قرات بسورتين كان على بن أبى طالب يقرا بهما بالكوفة، فقال أبو هريرة: انى سمعت رسول الله " ص " يقرأ بهما يوم الجمعه (2).


(1) مسلم في صحيحه: 2 / 599. 2) مسلم في صحيحه: 2 / 597.

[ 546 ]

مقالاتهم في احكام الاموات ومن طرائف ما عرفت عن جماعة من الاربعة المذاهب أنهم لا يجعلون في بعض أغسالهم شيئا من الكافور وينكرون على من يفعل ذلك، وقد رووا في صحاحهم من عدة طرق ان نبيهم أمر به وكتابهم يتضمن " لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة " (1) ويتضمن " واتبعوا النور الذي أنزل معه " (2). فمما في روى في ذلك ما رواه مسلم صحيحه في الجزء الاول في كتاب الجنائز من عدة طرق، فمنها عن محمد بن سيرين عن ام عطية قالت: دخل علينا النبي " ص " ونحن نغسل ابنته فقال: أغسلنها ثلاثا أو خمسا أو اكثر من ذلك ان رايتن ذلك بماء وسدر واجعلن في الاخرة كافورا أو شيئا من كافور: هذا المراد من الحديث قد نقلناه بلفظه (3). (قال عبد المحمود): اما ترى حديثهم عن نبيهم في أخبارهم التى اقروا بصحتها يتضمن الكافور في غسل الاموات. وقد خالفوا على كل حال ما صححوا من الروايات. ومن طرائف أمور جماعة من الاربعة المذاهب انكارهم ان يكون في جملة ما يلبس به الميت برد حبرة، وقد روى الحميدي في كتاب الجمع بين الصحيحين في مسند أبى بكر أنه دخل على النبي " ص " بعد وفاته وهو محبى ببرد حبرة. ومن ذلك ما رواه الحميدى في الجمع بين الصحيحين في مسند أنس بن


(1) الاحزاب: 21. (2) الاعراف: 157. (3) رواه مسلم في صحيحه: 2 / 646، والبخاري في صحيحه: 2 / 74.

[ 547 ]

مالك في الحديث الخامس والتسعين من المتفق عليه قال: كان أحب الثياب الى رسول الله " ص " الحبرة (1). ومن ذلك ما رواه الحميدى أيضا في كتابه في مسند عائشة أنها قالت: ان رسول الله " ص " كان يلبس الحبرة (2). ومن ذلك ما رواه الحميدي في كتابه ايضا في مسند عبد الرحمن بن عوف في الحديث الثالث من المتفق عليه قال: اتى عبد الرحمن بطعام وكان صائما فقال: قتل مصعب بن عمير وهو خير منى، كفن في بردة ان غطى راسه بدت رجلاه وان غطى رجلاه بدا راسه (3). ومن ذلك ما رواه الحميدي ايضا في كتابه في مسند سهل بن سعد في الحديث الثامن من أفراد البخاري في حديث أخذنا منه موضع الحاجة إليه، قال: ان النبي " ص " أهدت له امراة بردا، فاستحسنها رجل فاعطاه اياها فلامه الناس فقال: انما سألته ليكون كفني قال سهل بن سعد: فكانت كفنه (4). ومن طرائف ما رايت من جماعة منهم انهم ينكرون على من يجعل مع الميت أو عنده عسيب رطب وقالوا انه بدعة. وقد روى الحميدي في كتاب الجمع بين الصحيحين في مسند عبد الله بن عباس في الحديث الثاني والعشرين من المتفق عليه قال: مر رسول الله " ص " على قبرين فقال: أما انهما ليعذبان وما يعذبان في كبير وفى حدث وكيع عن الاعمش ثم قال: أما أحدهما فكان يمشى بالنميمة وأما الاخر فكان لا يستبرئ من البول


(1) رواه مسلم في صحيحه: 3 / 1648. 2) رواه مسلم في صحيحه: 2 / 651. 3) رواه البخاري في صحيحه: 2 / 77. 4) البخاري في صحيحه: 2 / 78.

[ 548 ]

قال فدعا بعسيب رطب فشقه باثنين، ثم غرس على هذا واحدا وعلى هذا واحدا ثم قال: لعله ان يخفف عنهما ما لم ييبسا. وفى حديث معلى عن الاعمش: أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول (1). وروى الحميدي نحو ذلك أيضا في كتابه في مسند كعب بن عمرو السلمى وجابر بن عبد الله الانصاري قال: ان النبي " ص " أمر جابرا ان يقطع غصنين من شجرتين يجعل كل واحد منهما على موضع عينه إليه ففعل ذلك قال: وجاء الى النبي " ص " فاخبره، فقال: قال رسول الله " ص ": اني مررت بقبرين يعذبان فاحببت بشفاعتي أن يرفه عنهما ما دام الغصنان رطبين (2). ومن ذلك ما ذكره البخاري قال: ان بريدة الاسلمي أوصى ان يجعل في قبره جريدتان. ومن ذلك ما ذكره أبو القاسم الاصفهاني في كتاب الترهيب والترغيب وقال قد أخرجه مسلم والبخاري عن يعلى بن سبابه أنه راى النبي " ص " أتى الى قبر يعرف صاحبه فقال: ان صاحب هذا القبر كان ياكل لحوم الناس، ثم دعا بجريدة فوضعها على قبره وقال: لعله أن يخفف عنه ما دامت رطبة. وفي حديث سفيان الثوري قال ان النبي " ص " قال للانصار: خضروا صاحبكم فما أقل المخضرين يوم القيامة. قالوا: وما التخضير ؟ قال: جريدة خضراء توضع من أصل اليدين الى أصل الترقوة. ومن طرائف ما رايت من جماعة كثيرة من المسلمين أنهم يمشون بين يدى الجنازة، ويتركون المشى ورائها وعن يمينها وشمالها ويرون أنهم يشيعونها وأرى الاعتبار والاخبار الواردة في صحاحهم يقتضى أن يكون الجنائز متبوعة


(1) رواه مسلم في صحيحه: 1 / 240، والبخاري في صحيحه: 1 / 61. (2) رواه مسلم في صحيحه: 4 / 2307 كتاب الزهد.

[ 549 ]

صورة ومعنى. أما الاعتبار فلانهم يذكرون أنهم يشيعونها وان اسم ذلك عندهم تشييع الجنازة، ومعلوم ان المشيع يتبع من يشيعه ولا يكون أمامه في التحقيق، وكل قوم كانوا شيعة لنبى أو غيره فانهم يتبعونه. وأما الاخبار في صحاحهم وغيرها فكثيرة. فمن ذلك ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند البراء ابن عازب في الحديث الخامس من المتفق عليه قال: أمرنا رسول الله " ص " بسبع ونهانا عن سبع، أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وأبرار القسم، أو المقسم، ونصر المظلوم، واجابة الداعي، وافشاء السلام، ونهانا عن خواتيم، أو عن التختم بالذهب، وعن شرب بالفضة، وعن المياثر، وعن القسى، وعن لبس الحرير والاستبرق والديباج (1). ومن ذلك ما ذكره الحميدي في كتابه المشار إليه في مسند أبى هريرة في الحديث الحادى والعشرين من المتفق عليه قال: حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنازة، واجابة الدعوة، وتشميت العاطس. ومن ذلك ما ذكره الحميدي في كتابه المشار إليه في مسند أبى هريرة أيضا في الحديث الستين بعد الماتين من المتفق عليه فضيلة اتباع الجنائز في عدة مواضع وألفاظه عن نبيهم (2). (قال عبد المحمود): ورايت في مسند عبد الله بن مسعود الذى اتفقوا على


(1) رواه مسلم في صحيحه: 3 / 1635. (2) رواها مسلم في صحيحه: 4 / 1704، والبخاري في صحيحه: 2 / 70.

[ 550 ]

زهده وصدقه في تأليف أحمد بن حنبل في الجزء الاول منه قال: سالت رسول الله " ص " أيسر بالجنازة ؟ فقال: الجنازة متبوعة وليست بتابعة. ورواه بنحو هذه الالفاظ في الجزء الخامس أيضا. أقول: هذا تصريح بان الجنازة متبوعة وينكرون على من يسير وراءها. ومن طريف ما رووه أن من يسير بين يدي الجنازة لم يكن تابعها ما ذكره الخطيب في تاريخه في حديث سهل بن مغيرة ان ثابت بن قيس أتى النبي " ص " فقال له ان أمي ماتت وهى نصرانية وأحب ان أشهدها، فقال النبي: أركب وتقدمها فانك إذا تقدمتها لم تكن معها. (قال عبد المحمود): ولقد رايت في الجزء الخامس من مسند على ابن أبى طالب عليه السلام تأليف أبى عبد الله بن سليمان الحضرمي باسناده ان أبا بكر وعمر كانا يمشيان أمام الجنازة وان عليا كان يمشى خلفها، فقيل لعلي: يسيران أمامها فقال: قد علمنا ان المشى خلفها أفضل ولكنهما يسيران يمتازان بين أعلى الناس. (قال عبد المحمود): فهذه روايتهم ان عليا عليه السلام قال في حياة أبى بكر وعمر ان السير وراء الجنازة أفضل وأنه عمل بذلك، واليوم (1) يواقفهما واعتذر لهما. وفى رواية ان عليا عليه السلام روى عن النبي " ص " ان فضل المشى خلف الجنازة على من يسير أمامها كفضل الفريضة على النافلة. ومن طرائف ما رايت من جماعة منهم أنهم ينكرون الصلاة على الجنائز بخمس تكبيرات، وان ذلك عندهم من البدع والمنكرات وأخبارهم الصحاح عندهم يتضمن ضد ما أنكروه وتحقيق ما جهلوه.


(1) ليست هذه الجملة في المخطوط ولا الترجمة بل في المطبوع فقط.

[ 551 ]

فمن ذلك ما ذكره الحميدي في كتاب الجمع الصحيحين في مسند زيد بن أرقم عن عبد الرحمن بن أبى ليلى قال: كان زيد يكبر على جنائزنا أربعا وانه كبر على جنازة خمسا، فسألته فقال: كان رسول الله " ص " يكبرها (1). ومن ذلك ما ذكره جماعة من أصحاب التواريخ باسنادهم ان علي بن ابى طالب عليه السلام صلى على سهل بن حنيف وكبر خمسا. ومن ذلك ما رواه الخطيب أيضا في تاريخه وابن شيرويه الديلمى ان النبي " ص " كان يصلى على الميت بخمس تكبيرات. ومن ذلك ما رواه ابن بطة قال: ان النبي " ص " كبر على حمزة خمس تكبيرات. ومن ذلك ما ذكره الروحي الفقيه في تاريخه قال: ان عيسى بن موسى الهاشمي صلى على جنازة السفاح أول خلفاء بنى هاشم فكبر عليها خمس تكبيرات. ومن ذلك ما ذكره جماعة من اصحاب التواريخ ان الخلفاء من بنى هاشم الى زمن الخليفة القائم بالله كانت الصلاة على جنائزهم خمس تكبيرات وممن حكى هذا الحديث وصححه صاحب التاريخ المسمى بالمنتظم. ومما يصدق ذلك ما ذكره أيضا محمد بن عبد الملك بن ابراهيم الهمداني في كتاب غرر المعارف ويسمى عنوان السير فقال عند ذكر الخليفة الطايع لله ما هذا لفظه: ومات ليلة عيد الفطر سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة وصلى عليه القادر بالله وكبر عليه خمسا، وقال: هكذا يصلى الخلفاء. وروى الخطيب في تاريخه في ترجمة عبد الكريم حديث تكبير القادر بالله


(1) رواه مسلم في صحيحه: 2 / 659.

[ 552 ]

على الطائع لله خمس تكبيرات. وأيضا مما يشهد أن الصلاة على الجنائز باربع تكبيرات حدث بعد النبي " ص " وبعد زمان أبى بكر وأنها من البدع التى يخالف شريعة محمد " ص " رسولهم، ما ذكره أبو هلال العسكري صاحب كتاب الاوائل فقال فيه: ان اول من جمع الناس في صلاة الجنائز على أربع تكبيرات عمر ابن الخطاب. ومن طرائف ما رايت من جماعة كثيرة من المسلمين أيضا أنهم ينكرون على من يسوى القبور ويسطحها، وصارت السنة عند هؤلاء في تسنيم القبور وهو مذهب أبى حنيفة وجماعة غيره، وقد تضمنت كتبهم المعتبرة تسطيح القبور وتسويتها. فمن ذلك ما ذكره الحميدي في كتاب الجمع بين الصحيحين في حديث فضالة بن عبيد الله الانصاري قال: كنا مع فضالة بن عبيد الله بارض الروم فتوفى صاحب لنا فامر فضالة بقبره فسوى، ثم قال: سمعت رسول الله " ص " يامر بتسويتها (1). ومن ذلك ما ذكره الحميدي أيضا في كتابه في مسند أمير المؤمنين على ابن أبى طالب عليه السلام في الحديث الرابع عشر من أفراد مسلم عن أبى الهياج حيان بن حصين الاسدي قال: قال لى علي بن أبى طالب: ألا ابعثك على ما بعثنى عليه رسول الله " ص " أن لا تدع تمثالا الا طمسته ولا قبرا مشرفا الا سويته (2). ومن ذلك ما ذكره الطبري في تاريخه عن المطلب بن عبد الله بن حنطب


(1) رواه مسلم في صحيحه: 2 / 666. (2) مسلم في صحيحه: 2 / 666.

[ 553 ]

قال جعل قبر أبى بكر مثل قبر النبي " ص " مسطحا ورش عليه الماء (1). ومن ذلك ما ذكروه في صفة قبر ابراهيم بن نبيهم وأنه كان مسطحا، وان ذلك فعلوه بامر نبيهم وهو مذهب الشافعي وأصحابه، قالوا هو المذهب الا ان أبا هريرة قال التسنيم أحب الي وكذلك ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم. قال: لانه صار شعار أهل البدع. (قال عبد المحمود) مؤلف هذا الكتاب: فانظر رحمك الله تعالى الى قوة أخبارهم وفتوى شافعيهم وأصحابه بتسوية القبور وتسطيحها، ثم ناظر الى قبورهم ومخالفتهم لسنة رسولهم وتسنيمها، فانظر في عذر من اعتذر منهم بانه ترك سنة رسولهم وعمل بخلافها من البدعة حيث قد صار شعار قوم من أهل البدع وما عنده وعند من اتبعه من البصيرة وما يفهمون أنهم قد عابوا ما دخلوا فيه، لانهم أيضا قد أبدعوا بتسنيمها فلهم أسوة بمن أبدع، ولانه لو جاز ترك كل ما وقع فيه خلاف من شريعتهم وخالف فيه قوم بغير الحق لوجب ان يتركوا جميع الشريعة، ففى الجميع خلاف يعرفه اهل البصائر والانصاف.


(1) الطبري في تاريخه: 4 / 49.

[ 554 ]

خاتمة الكتاب (قال عبد المحمود) مؤلف هذا الكتاب رحمه الله تعالى: هذا آخر ما أردت ذكره في هذا الباب، لانني رايت أن استيفاء طرائف هؤلاء الاربعة المذاهب ومخالفتهم للمعقول والمنقول يكثر ويطول، وفي القليل دلالة على الكثير، وفى معرفة ظواهرهم اشارة الى ما في الضمير. وقد ضمنت هذا الكتاب طرفا من الاحتجاج الحق الذى لا شبهة فيه ليعذرني من يقف على معانيه في ترك الاقتداء بهؤلاء الاربعة المذاهب وبكل من يذهب ما يشهد المعقول والمنقول بخلافه وبطلانه وفساده ويابى كل بصير أن يلقى الله بتصديق قول قائلهم وسوء اعتقادهم. وما رايت في فرق الاسلام أقرب الى لزوم الادب مع الله تعالى وأنبيائه عليهم السلام وخاصته والتعظيم لنبيهم وأهل بيته عليهم السلام وخواص أصحابه من الفرقة الشيعة، فانها تنكر الاحاديث الكاذبة الباطلة والاقوال الافكة وتنفر منها وتنزه نبيهم وأهل بيته عليهم السلام وصحابته عنها، فسلمت عن هذه المناقضات والمعارضات عند من ينظر بعين الانصاف الى تحقيق أمور أهل الديانات ولله در القائل: وان كنت أرضى ملة غير ملتى * فما أنا الا مسلم أتشيع

[ 555 ]

وفي رواية أخرى علي أمير المؤمنين زعيمه * وما لسواه في الخلافة مطمع له النسب الاعلى واسلامه الذى * تقدم فيه والفضائل أجمع وان كنت أرضى ملة غير ملتى * فما أنا الا مسلم أتشيع

[ 555 ]

وفي رواية أخرى علي أمير المؤمنين زعيمه * وما لسواه في الخلافة مطمع له النسب الاعلى واسلامه الذى * تقدم فيه والفضائل أجمع ولو كنت أهوى ملة غير ملتي * لما كنت الا مسلما أتشيع * * * قال في آخر النسخة المخطوطة: قد فرغت من مشقة مشق هذا الكتاب يوم السبت خمس والعشرون شهر رجب المرجب سنة أربع وسبعون بعد الالف من الهجرة النبوية. * * * وقال في آخر النسخة المطبوعة: ووافق الفراغ من نسخه يوم الثلاثاء خامس عشر من ذي الحجة الحرام سنة احدى وسبعمائة. " تم بحمد الله تصحيحه والتعليق عليه في ثاني عشر من الجمادى الاولى سنة 1399 ".

[ 556 ]

ملاحظة: ان المؤلف " ره " نقل جملة من أخبار هذا الكتاب عن الجمع بين الصحيحين للحميدي، ولكنه لم يكن بأيدينا لنستخرج الاخبار منه، وقد أخرجناها من صحيح مسلم وصحيح البخاري، وربما لم يكن الخبر الموجود فيهما بعين الالفاظ المنقولة وكان فيه زيادة أو نقيصة.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية