الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




كشف المحجة لثمرة المهجة- السيد ابن طاووس الحسني

كشف المحجة لثمرة المهجة

السيد ابن طاووس الحسني


[ 1 ]

كشف المحجة لثمرة المهجة تأليف العالم العامل العابد الزاهد رضي الدين أبي القاسم علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن طاووس الحسني الحسيني المتوفى 664 هج حقوق الطبع محفوظة للناشر منشورات المطبعة الحيدرية في النجف 1370 هج - 1950

[ 2 ]

كلمة في المؤلف (أصله ونسبه كما في عمدة الطالب) السيد الشريف الطاهر جمال السالكين نقيب الطالبيين رضي الدين أبو القاسم علي بن سعد الدين أبي إبراهيم موسى بن جعفر بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي عبد الله محمد الطاووس أول من ولي النقابة (بسورا) وهو ابن إسحاق بن الحسن بن محمد بن سليمان بن داود بن الحسن المثنى بن الحسن السبط عليه السلام الحسني الداودي أبا الحسيني أما لان والدة جده سليمان كانت أم كلثوم بنت علي بن الحسين السجاد عليه السلام وكانت أمه بنت الشيخ (وارم بن أبي فراس) فهو جده لامه كما صرح به في تصانيفه وكانت أم والده سعد الدين موسى بنت ابنة الشيخ الطوسي ولذا يعبر في تصانيفه كثيرا عن الشيخ الطوسي (بالجد) أو (جد والدي) وعن الشيخ أبي علي الحسن بن الشيخ الطوسي (بالخال) أو (خال والدي) وبالجملة: هو الحسني نسبا، المدني أصلا، الحلي مولدا ومنشأ، والبغدادي مقاما، والغروي جوارا ومدفنا.

[ 3 ]

تاريخه وسيرته ومدفنه ولد في الحلة في منتصف المحرم سنة تسع وثمانين وخمسمائة ونشأ بها سنين وأقام ببغداد خمسة عشر عاما في زمن العباسيين ثم رجع إلى الحلة وجاور العتبات النجف وكربلا والكاظمية في كل واحدة ثلاث سنين وكان عازما على مجاورة سامراء أيضا ثلاث سنين وكان يومئذ سامراء كصومعة في برية كما يظهر من كلامه ولم يزل في تلك التحولات على قدم الخير في العادات والعبادات والتنزه عن الزخارف واللذات والاجتهاد في تذكية النفس وتهذيب الاخلاق وتمام المراقبة لحضرة الخلاق كما يشهد به تصانيفه، وأخيرا عاد إلى بغداد باقتضاء المصالح في دولة المغول وولى نقابة الطالبيين في ثلاث سنين وأحد عشر شهرا من قبل (هولاكو) مع امتناعه الشديد عن ولاية النقابة في زمان (المستنصر) الذي توفى (640) قال في الحوادث الجامعة أنه ولى نقابة الطالبيين بالعراق في (661) وقال أيضا أنه توفى السيد النقيب الطاهر رضي الدين بن طاووس (664) وحمل إلى مشهد جده علي بن أبي طالب (ع) أقول: بقيت النقابة بعده في ولده كما في عمدة الطالب فوليها ابنه الاكبر صفي الدين محمد الملقب بالمصطفى المتوفى دارجا في (680) ووليها بعد موته

[ 4 ]

أخوه الاصغر منه رضي الدين علي مؤلف (زوائد الفرائد) ثم ابنه النقيب قوام الدين أحمد بن علي ثم ابنه النقيب نجم الدين عبد الله بن أحمد ثم أخوه النقيب عمر بن أحمد. مشايخه (1) الشيخ الحسين بن أحمد السوراوي أجازه في ج 2 (607) (2) الشيخ أبو الحسن علي بن يحيى الحناط أجازه في ع 1 (609) (3) الشيخ أبو السعادات أسعد بن عبد القاهر الاصفهاني مؤلف (رشح الولاء) أجازه (635) (4) الشيخ نجيب الدين بن نما (5) السيد شمس الدين فخار بن معد الموسوي (6) السيد صفي الدين محمد بن معد الموسوي (7) الشيخ تاج الدين الحسن الدربي (8) الشيخ سديد الدين سالم بن محفوظ بن غزيرة السوراوي (9) السيد أبو حامد محيي الدين محمد بن عبد الله بن زهرة الحلبي ابن أخ صاحب (الغنية) (10) الشيخ نجيب الدين يحيى بن محمد السوراوي وقد ذكر تفاصيل هؤلاء العشرة في خاتمة المستدرك في ص (472) وممن فات عنه هو السيد كمال الدين حيدر بن محمد بن زيد بن محمد بن عبد الله الحسيني قرأ عليه السيد رضي الدين علي بن طاووس في يوم السبت السادس عشر من جمادى الثانية (620) كما ذكر في الباب (194) من كتابه (اليقين) ومن مشايخه من العامة محب الدين محمد بن محمود المعروف بابن النجار البغدادي المتوفى (643) صاحب (ذيل تاريخ بغداد) وغيره

[ 5 ]

فيروي عنه في تصانيفه كثيرا تلاميذه الرواة عنه (1) الشيخ سديد الدين يوسف بن علي بن المطهر والد العلامة الحلي (2) الشيخ جمال الدين يوسف بن حاتم الشامي (3) آية الله العلامة الحلي جمال الدين حسن بن يوسف (4) ابن أخيه السيد غياث الدين عبد الكريم ابن أبي الفضائل أحمد بن طاووس (5) الشيخ تقي الدين الحسن بن داود الحلي مؤلف (الرجال) (6) الشيخ محمد بن أحمد بن صالح القسيني (7) و (8) و (9) أبناء الشيخ القسيني المذكور وهم " 1 (الشيخ إبراهيم) 2 (الشيخ جعفر) 3 (الشسخ علي) وقد كتب لهم الاجازة في سنة وفاته (ج 2 - 664) (10) السيد أحمد بن محمد العلوي (11) السيد نجم الدين محمد بن الموسوي (12) الشيخ محمد بشير، وجعل هؤلاء الثلاثة شريكا مع المذكورين في تلك الاجازة، وقد أجاز في هذا الكتاب ولديه النقيبين صفي الدين محمد ورضي الدين علي وأختيهما آثاره الثمينة وتصانيفه القمينة بما تفضل الله تعالى عليه من صفاء ذاته وخلوص عمله وحسن نيته قد هيأ الله له أيضا من الكتب وغيرها من أسباب التصنيف والتأليف ما لم يهيئه لاحد في عصره وما بعده حيث جرى ملكه على ألف وخمسمائة

[ 6 ]

مجلد من الكتب عند تأليفه لكتاب الاقبال في (650) كما ذكرناه في ج 2 من الذريعة والله أعلم بما زيد عليها في مدة أربعة عشر عاما بعدها فإنه ذكر في هذا الكتاب المقدم للطبع ثانيا والمؤلف في (649) ما هيأه الله تعالى له من الكتب وصرح أن خصوص كتب الدعاء الموجودة عنده في التاريخ أكثر من ستين مجلدا ثم بعد هذا التاريخ حصلت عنده عدة كتب أخرى من كتب الدعاء ذكرها في أواخر مهج الدعوات الذي ألفه قبل وفاته بسنتين يعني في (662) فقال في خزانة كتبنا في هذه الاوقات أكثر من سبعين مجلدا من كتب الدعاء، ومع ما هيأه الله تعالى له من الاسباب وفقه أيضا للاشتغال بالتأليف والتصنيف وإملاء ما فيه رضاء الله ورسوله وأوصيائه مما فيه الشفاء لعامة البشر عن الامراض المزمنة الروحية، والعاهات والبليات الجسيمة، فجعله الله تعالى بذلك قدوة لعباده وجعلهم رهين منته، وأطعمهم من موائد نعمته، حيث يحصل لهم من العمل بدستوراته في تصانيفه العملية، الشفاء الكامل عن كافة العلل الدنيوية، والوصول ببركة تلك الاعمال إلى السعادة الابدية، وكذلك يرسخ في قلوبهم من التدبر في كتبه العلمية، من قوة اليقين والجزم بعقايد الدين، ما لا يزيله شبه المعاندين، وضلالات المبدعين وبالجملة قد ثبت للسيد بن طاووس حق عظيم على كافة المسلمين بما دلهم في تصانيفه إلى معرفة رب العالمين، ورسوله النبي الامين، وأوصيائه الائمة الميامين عليهم السلام وبما أرشدهم إلى طريق العبودية، وكيفية السير والسلوك إلى الله تعالى، وبما علمهم من المحاسبة والمراقبة وتهذيب النفس وغير ذلك

[ 7 ]

من مكارم الاخلاق آخذا جميع هذه التعليمات عن معادن العلوم الدينية وأهل بيت الوحي والعصمة المروية عنهم في الاصول والكتب المعتبرة التي هيأها الله تعالى له ولم يصل إلينا منها إلا النذر اليسير فلو لم يكن جمعه وتدوينه لها في تأليفاته لكنا صفر اليد ومحرومين عن فوائد تلك التعليمات وقد ذكر السيد بعض تصانيفه في كتاب سماه كتاب الاجازات لكشف طرق المفازات المذكور بعضه في مجلد إجازات البحار في ص (18) ومما لم يذكره فيه بل ولم يذكره أحد ممن ترجمه هو كتاب سماه (ري الظمآن) من مروي محمد بن عبد الله بن سليمان (الحضرمي الكوفي) المولود (202) والمتوفى (297) فقد أحال إليه السيد نفسه في الباب الثامن والثمانين بعد المائة من كتابه (اليقين) وقال قد ذكرنا تفصيل المدح والثناء عليه في كتابنا المسمى (بري الظمآن من مروي محمد بن سليمان. أقول هو المعروف بمطين الحافظ الكبير مصنف المسند ترجمة تذكرة الحفاظ ج 2 ص (234)، ونحن نحمد الله تعالى على ما من علينا بحفظ جملة من تصانيفه عن الافات والتلفات حتى وصلت تلك التصانيف إلينا على قلة نسخها كما أنا نشكره على طبع بعض منها في الاواخر ونشر نسخه مثل (الاقبال) و (مضمار السبق) و (اللهوف) و (جمال الاسبوع) و (مهج الدعوات) و (المجتنى) و (محاسبة الملائكة الكرام) وقطعة من كتاب الاجازات، وهذا الكتاب المطبوع رديا مغلوطا ولقد كنا كثير الاسف على حرماننا عن الاستفادة من بقية تصانيفه لعلمنا بأن كل واحدة منها جدير بأن

[ 8 ]

يشد إليه الرحال قمين بأن نبذل في تحصيله الاموال لكثرة ما يحتوي دفتاه من مبتكرات أفكاره التي هي إلهامات إلهية كما يشاهده المطالع في هذا الكتاب الذي هو على صغر حجمه يفضل على كبار الكتب المصنفة في الاخلاق والسير والسلوك ولعمري إنه في نظر الانصاف مغن للسالك إلى الله تعالى عن أحمال من الكتب الموسومة بالاحياء والشفاء والاسفار، ولكن الان فنجدد حمد الله تعالى على كشف هذه الغمة وسد هذه الثلمة وإزالة الاسفات بأزاحة العلة وبلوغ الامنية لما وفق الله تعالى خير فتيان الزمان والمقدم في طليعة الاقران أعني الشاب الصالح والتاجر الفالح محمد كاظم بن الحاج الشيخ صادق الكتبي المحب للعلم والعلماء والساعي بجده وجهده في نشر آثارهم ولا سيما القدماء فأقدم بكمال الاشتياق وتمام الرغبات على بذل الاموال وصرف الاوقات في طبع ما ظفر به من بقية تصانيف هذا السيد الطاهر وسليل الاطياب طلبا للاجر والثواب وقد خرج منها من مطبعته حتى اليوم ما تلي: (1) فرج المهموم (2) الملاحم والفتن (3) الملهوف (4) الطرف (5) سعد السعود (6) هذا الكتاب الموسوم (بكشف المحجة) لثمرة المهجة الذي كتبه بعنوان الوصية لولده، قال في كتاب إجازاته (وجعلت له اسما آخر: كتاب إسعاد ثمرة الفؤاد على سعادة الدنيا والمعاد). أقول: وحق الحقيقة أنه اسم أنزل من السماء لان هذا الكتاب كافل لسعادة الدارين فالعامل بمضامينه لا محالة سعيد سعيد جعلنا الله من العاملين به والمنتفعين منه بحق محمد وآله الطاهرين. 25 محرم سنة 1370 محمد محسن المدعو بأقا بزرگ الطهراني

[ 1 ]

بسم الله الرحمن الرحيم يقول عبد الله ومملوكه، السيد الجليل الامام النبيل العالم العامل الفقيه الكامل العلامة الفاضل الزاهد المتورع المجاهد أوحد دهره وفريد عصره رضي الدين ركن الاسلام والمسلمين افتخار آل طه ويس جمال العارفين أفضل السادة سيد الشرفاء أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن طاووس العلوي الفاطمي الداودي السليماني بلغه الله في الدارين مناه وكبت أعداه بمحمد وآله، أحمد الله جل جلاله ببيان المقال ولسان الحال حمدا دائم الاتصال والكمال، وله جل جلاله المنة في معرفة القلب واعترافه بإفضاله وعلى إطلاق اللسان بالثناء على جلاله الذي ذكرني جل جلاله في الاول في مقدس اختياره لا يجادي ثم زاد جل جلاله في إسعادي وإنجادي بأن أخرجني من العدم إلى الوجود في ذخائر أرض صان لسان حالها من هوان الحجود حيث قال لها وللسماوات ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ثم أكرم خلقي بأن جعله في حمى حرمة أول من اصطفاه من النبيين وأسجد له ملائكته أجمعين، ثم نقلني في خزائن السلامة والعناية التامة من أصلاب الاباء إلى بطون الامهات ملحوظا بالعنايات محفوظا من الافات التي جرت على الامم الهالكات مصونا عن طعن الانساب بدليل أنه جل

[ 2 ]

جلاله جعلني من ذرية سيد المرسلين وخاتم النبيين وأفضل العالمين ومن فروع أكمل الوصيين وإمام المتقين والكاشف بالاذن المقدس المكين أسرار رب العالمين ومن ثمرة فؤاد سيدة نساء الاولين والاخرين الذين تولى الله جل جلاله بتزكية أعراقهم الطاهرة وتنمية أخلاقهم الباهرة فكل شرف سبق لهم صلوات الله عليهم بالولادات وكمال الاباء والامهات فقد دخلنا معهم عليهم السلام في تحت تلك السعادات والعنايات ومن جملة فوائد تلك الاصول ما سيأتي في الفصول. الفصل الاول: اعلم أنني ما أقول هذا غفولا عن الشرف بالتقوى (إن أكرمكم عند الله أتقيكم) ولكن سلامة الاعقاب من الطعن والبلوى من أفضل نعم الله جل جلاله التي أمر جل جلاله بالاعتراف بقدرها وحث القرآن الشريف على الحديث (وأما بنعمت ربك فحدث). الفصل الثاني: وقد تضمنت كتب الاخبار ومقالات الاخيار أن تعداد النعم بطهارة الاصول وسلامتها من الوهن المرذول من مهمات المأمول ودلالات الاقبال بشهادة المعقول والمنقول. الفصل الثالث: وليس هذا من باب التزكية لنفس الانسان التي منع منها القرآن لاننا اعترفنا بها لله جل جلاله صاحب الاحسان ولان لو منع عقل أو نقل عن أمثال هذا المقال كان قد حرم على أهل الاسلام مدح أبيهم آدم على نبينا وآله وعليهم السلام وكان قد حرم على ذرية محمد صلى الله عليه وآله مدحه وتعظيمه على فعاله ومقاله لانه جدهم والمدح له مدح

[ 3 ]

لاعراقهم الجميلة وتزكية لاصولهم الجليلة. الفصل الرابع: فترى كل ذي حسب ونسب يود لو أن حسبه ونسبه من أحسابنا وأنسابنا النبوية ولا نجد أبدا حسبا ولا نسبا خيرا من أحسابنا وأنسابنا الزكية فنتمنى أو نرضى أن تكون جميع أعراقنا منه أو أننا تفرعنا عنه الفصل الخامس: ثم شرفني الله جل جلاله من لدن سلفي الاطهار محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين وزين العابدين ومن ولدني من الابرار بآباء وأمهات وأجداد وجدات، وجدت أهل العلم والامانات ممن يعتمد عليهم وقد أطبقوا على الثناء عليهم وقد ذكرت من ذلك الثناء طرفا جليلا في كتاب (الاصطفاء). الفصل السادس: ثم أخرجني الله جل جلاله إلى الوجود الحاضر بفضله الباهر على سبيل الاكرام في دولة الاسلام التي هي أشرف دول الانام بعد أن أشرقت بجدي محمد صلوات الله وسلامه عليه وآله أنوار شموسها وأطلقت بيد نبوته من قيود نحوسها وعتقت بهدايته من رق ضرها وبؤسها. الفصل السابع: ثم جعل الله جل جلاله إخراجي إلى هذا الوجود بين آبائي ظافرين من العقائد بمراد المعبود وفي بلد منشأ أهله من الفرقة الناجية ويقرب من أعلام تعظيم المشاهد المعظمة السامية. الفصل الثامن: وكان من النعم التي أمر الله جل جلاله بالحديث بها والتعظيم لها أنه جل جلاله ألهمني معرفته بطريق لا يحتمل خطر التلبيس ولا يشتمل على كدر التدليس ومن عرفني بالعيان ونور الايمان وجد لسان

[ 4 ]

الحال مصدقا هذا المقال واستغنى بالوجدان عن إقامة البرهان وقد أشرت في بعض كتب اغترفتها من بحار كرم المالك اللطيف إلى طرف من كيفية ذلك التعريف وله جل جلاله الحمد الكامل السرمد حمدا كما هو جل جلاله له أهل لا يحصى ولا يعد. الفصل التاسع: فلما دخلت سنة تسع وأربعين وستمائة هجرية ويوم النصف من محرمها قبيل الظهر يكون ابتداء دخولي في سنة إحدى وستين من عمري هلالية لاني ولدت قبل ظهر يوم الخميس نصف محرم سنة تسع وثمانين وخمسمائة في بلدة (الحلة السيفية) وكان ولدي (محمد) قد دخل في السنة السابعة من عمره الموهوب بلغه الله جل جلاله نهايات المطلوب لانه أطال الله جل جلاله في حياته ولد بعد مضي ساعتين وخمس دقائق من يوم الثلاثاء تاسع محرم سنة ثلاث وأربعين وستمائة ببلدة (الحلة السيفية) كمله الله جل جلاله بدوام عنايته وكان ولدي (علي) شرفه الله جل جلاله طول مدته وأتحفه بكرامته قد دخل في السنة الثالثة من عمره وولادته ولد بعد مضي ثانيتين وست عشرة دقيقة من يوم الجمعة ثامن محرم سنة سبع وأربعين وستمائة بمشهد مولانا علي صلوات الله عليه وهما وديعتي عند الله جل جلاله وتسليمي إليه فوجدت في خاطري في شهر محرم من السنة المقدم ذكرها البالغة بعمري إلى إحدى وستين، باعثا رجوت أن يكون من مراحم أرحم الراحمين أنني أصنف كتابا على سبيل الرسالة مني إلى ولدي (محمد) وولدي (علي) ومن عساه ينتفع به من جماعتي وذوي مودتي قبل أن يحول بيني وبين أمنيتي ما لا

[ 5 ]

بد من لقائه من انتقالي إلى آخرتي واعتبرت هذا الخاطر بالاستخارة الصادرة عن الاشارة الالهية فرأيته موافقا لما رجوت من المراحم الربانية. الفصل العاشر: وكنت قد رأيت ورويت في تواريخ الانبياء والاوصياء وصايا لمن يعز عليهم صلوات الله وسلامه عليهم ووجدت سيدنا محمد الاعظم ورسوله الاكرم قد أوصى مولانا وأبانا عليا المعظم صلوات الله عليهما وآلهما وأوصى كل منهما جماعة ممن يعز عليهما ووجدت وصايا مشهورة لمولانا علي صلوات الله عليه إلى ولده العزيز عليه السلام وإلى شيعته وخاصته ووجدت جماعة ممن تأخر زمانهم عن لقائه قد أوصوا بوصايا إلى أولادهم دلوهم بها على مرادهم، منهم محمد بن أحمد الصفواني، ومنهم علي بن الحسين ابن بابويه، ومنهم محمد بن محمد بن النعمان تغمدهم الله برحمته ورضوانه، ومنهم مصنف كتاب الوسيلة إلى نيل الفضيلة وهو كتاب جيد فيما أشار إليه رحمة الله عليه، فرأيت ذلك سبيلا مسلوكا للانبياء والاوصياء والاولياء والعلماء فامتثلت أمر الله جل جلاله في متابعتي لهم والاقتداء بهم والاهتداء بنورهم الفصل الحادي عشر: ووجدت الله جل جلاله قد آثر ولدي الاكبر (محمدا) على سائر ولدي بمهمات مما جعله جل جلاله ملكا في يدي وخصه بمصحفي وسيفي وخاتمي وثياب جسدي فرأيت أن هذا الايثار والاختصاص تنبيه من عند من يريد المعاملة لله جل جلاله بالاخلاص على أنني أوثر ولدي هذا (محمدا) وأخصه من ذخائر واهب العقول والقلوب مما أرجو أن يكون مرادا لعلام الغيوب وجامعا بينه وبين كل محبوب فمما يكون مناسبا

[ 6 ]

لما خصه الله جل جلاله من تركتي على سائر ورثتي فإن له في هذه الرسالة على ما يدل المصحف الشريف عليه من معرفة صاحب الجلالة والمؤيد بالرسالة وما يريد منه وله السعادة الباهرة وحفظ النعم الباطنة والظاهرة وأخصه في هذا الكتاب بما يكون كالسيف الذي يدفع به أعداء مولاه الذين يريدون أن يشغلوه عن رضاه وبما يكون كالخاتم الذي يختم به على أفواه قدرة الناطقين بالشواغل عن معاده ويختم به على جوارحه أن تسعى في غير مراده وبما يكون منها كالخلع التي خلعها الله جل جلاله على مهجتي ليسلمني بها من الحر والبرد ويصون بها ضرورتي فأوثره من الخلع الشريفة والملابس المنيفة التي خلعها الله جل جلاله على الالباب وجعلها جننا ودروعا واقية من العذاب والعار وجعل منها ألوية للملوك الركاب إلى دوام نعيم دار الثواب ومن خلع السرائر والخواطر والقلوب ما يبقى جمالها عليه مع فناء كل ملبس مسلوب. الفصل الثاني عشر: ووجدت أولادي الذكور قد وفر الله جل جلاله نصيبهم من تركتي على البنات فوفرت نصيبهم من ذخائر السعادات والعنايات. الفصل الثالث عشر: وقد سميته كتاب (كشف المحجة لثمرة المهجة) وإن شئت فسمه كتاب إسعاد ثمرة الفؤاد على سعادة الدنيا والمعاد، وإن شئت فسمه كتاب كشف المحجة بأكف الحجة، وسوف أرتبه بالله جل جلاله في فصول بحسب ما يجريه على عقلي وقلبي ولساني وقلمي واهب العقول فأقول مستمليا من فائض بحور علمه جل جلاله لذاته الزاخرة الباهرة ما أرجو به لي ولاولادي ولغيرهم من سعادة الدنيا والاخرة.

[ 7 ]

الفصل الرابع عشر: فيما أذكره من العذر في الاقتصار في الوصية على المواهب العقلية دون استيفاء الاحكام الشرعية، اعلم أن جماعة ممن عرفته من المصنفين اقتصروا على المعروف والمألوف من آداب وأسباب في وصايا أولادهم يتعلق بالدنيا والدين، ورأيت أن متابعتهم في ذلك تضيع لوقتي إذ كان يكفي أن أدلهم على تلك الكتب وما فيها من الاداب وما كنت أن أحتاج إلى أن أتكلف تصنيف كتاب وإنما أذكر ما أعتقد أنه أو أكثره مما لا يوجد في رسائل من ذكرت من أصحابنا العلماء في تصانيفهم لاولادهم مما أخاف أن أولادي لا يظفرون من غير كتابي هذا بمرادهم لدنياهم ومعادهم إلا أن يتداركهم الله جل جلاله الذي هو بهم أرحم وعليهم أكرم من خزانته (وعلم الانسان ما لم يعلم). الفصل الخامس عشر: فيما أذكره من تنبيه على معرفة الله جل جلاله والتشريف بذلك التعريف، اعلم يا ولدي (محمد) وجميع ذريتي وذوي مودتي أنني وجدت كثيرا ممن رأيته وسمعت به من علماء الاسلام قد ضيقوا على الانام ما كان سهله الله جل جلاله ورسوله صلى الله عليه وآله من معرفة مولاهم ومالك دنياهم وآخرتهم فإنك تجد كتب الله جل جلاله السالفة والقرآن الشريف مملوا من التنبيهات والدلالات على معرفة مولاهم ومالك دنياهم محدث الحادثات ومغير المتغيرات ومقلب الاوقات وترى علوم سيدنا محمد خاتم الانبياء وعلوم من سلف من الانبياء صلوات الله عليه وآله وعليهم على سبيل كتب الله جل جلاله المنزلة عليهم في التنبيه اللطيف والتشريف

[ 8 ]

بالتكليف ومضى على ذلك الصدر الاول من علماء المسلمين وإلى أواخر أيام من كان ظاهرا من الائمة المعصومين عليهم السلام أجمعين، فإنك تجد من نفسك بغير إشكال أنك لم تخلق جسدك ولا روحك ولا حياتك ولا عقلك ولا ما خرج عن اختيارك من الامال والاحوال والاجال ولا خلق ذلك أبوك ولا أمك ولا من تقلبت بينهم من الاباء والامهات لانك تعلم يقينا أنهم كانوا عاجزين عن هذه المقامات ولو كان لهم قدرة على تلك المهمات ما كان قد حيل بينهم وبين المرادات وصاروا من الاموات فلم يبق مندوحة أبدا عن واحد منزه عن إمكان المتجددات خلق هذه الموجودات وإنما تحتاج إلى أن تعلم ما هو عليه جل جلاله من الصفات. أقول: ولاجل شهادات العقول الصحيحة الصريحة والافهام الصحيحة بالتصديق بالصانع أطبقوا جميعا على فاطر وخالق وإنما اختلفوا في ماهيته وحقيقة ذاته وصفاته بحسب اختلافها الطرائق. أقول: وإنني وجدت قد جعل الله جل جلاله في جملتي حكما أدركته عقول العقلاء فجعلني من جواهر وأعراض وعقل روحاني ونفس وروح فلو سألت بلسان الحال الجواهر التي هي في صورتي هل كان لها نصيب من خلقي وفطرتي لوجدتها تشهد لي بالعجز والافتقار وأنها لو كانت قادرة على هذا المقدار ما اختلف عليها الحادثات والتغيرات والتقلبات ووجدتها معترفة أنها ما كان لها حديث يفترى في تلك التدبيرات وأنها ما تعلم كيفية ما فيها من التركيبات ولا عدد ولا وزن ما جمع فيها من المفردات ولو سألت بلسان

[ 9 ]

الحال الاعراض لقالت أنا أضعف من الجواهر لانني فرع عليها فأنا أفقر منها لحاجتي إليها ولو سألت بلسان الحال عقلي وروحي ونفسي لقالوا جميعا أنت تعلم أن الضعف يدخل على بعضنا بالنسيان وبعضنا بالموت وبعضنا بالذل والهوان وأننا تحت حكم غيرنا ممن ينقلنا كما يريد من نقص إلى تمام ومن تمام إلى نقصان وينقلنا كما يشاء مع تقلبات الازمان فإذا رأيت تحقيق هذا من لسان الحال وعرفت تساوي الجواهر والاعراض وتساوي معنى العقول والارواح والنفوس وفي سائر الموجودات والاشكال تحققت أن لها جميعا فاطرا، وخالقا منزها عن عجزنا وافتقارنا وتغيراتنا وانتقالاتنا وتقلباتنا ولو دخل عليه نقصان في كمال أو زال كان محتاجا ومفتقرا مثلنا إلى غيره بغير إشكال وقد تضمن ما ذكرت لك كتاب الله جل جلاله وكتبه التي وصلت إلينا وكلام جدك رسول الله رب العالمين، وكلام أبيك أمير المؤمنين، وكلام عترتهما الطيبين الطاهرين من التنبيه على دلائل معرفة الله جل جلاله بما في بعضها كفاية لذوي الالباب وهداية إلى أبواب الصواب. الفصل السادس عشر: فانظر إلى كتاب (نهج البلاغة) وما فيه من الاسرار، وانظر كتاب (المفضل بن عمر) الذي أملاه مولانا الصادق عليه السلام فيما خلق الله جل جلاله من الاثار، وانظر كتاب الاهليلجة وما فيه من الاعتبار فإن الاعتناء بقول سابق الانبياء والاوصياء والاولياء عليهم أفضل السلام موافق لفطرة العقول والاحلام. الفضل السابع عشر: وإياك وما عقدت المعتزلة ومن تابعهم على طريقتهم

[ 10 ]

البعيدة من اليقين فإنني قرأتها فوجدتها كثيرة الاحتمال لشبهات المعترضين إلا قليل منها سلكه أهل الدين، وبيان ذلك أنك تجد ابن آدم إذا كان له نحو من سبع سنين وإلى قبل بلوغه إلى مقام المكلفين لو كان جالسا مع جماعة فالتفت إلى ورائه فجعل واحد منهم بين يديه شيئا موكولا أو غيره من الاشياء فإنه إذا رآه سبق إلى تصويره وإلهامه أن ذلك الموكول أو غيره ما حضر بذاته وإنما أحضره غيره ويعلم ذلك على غاية عظيمة من التحقيق والكشف والضياء والجلاء ثم إذا التفت مرة أخرى إلى ورائه فأخذ الحاضرين ذلك من بين يديه فإنه إذا عاد والتفت إليه ولم يره موجودا فلا يشك أنه أخذه أحد سواه ولو حلف له كل من حضر أنه حضر ذلك الطعام بذاته وذهب بذاته كذب الحالف ورد عليه دعواه، فهذا يدلك على أن فطرة ابن آدم ملهمة معلمة من الله جل جلاله بأن الاثر دلك دلالة بديهية على مؤثره بغير ارتياب والحادث دلك على محدثه بدون حكم أولي الالباب فكيف جاز أن يعدل ذوو البصائر عن هذا التنبيه الباهر القاهر عند كمال العقول إلى أن يقولوا للانسان الكثير الغفول وقد علموا أنه قد نشأ في بلاد الاسلام ورسخ في قلبه حب المنشأ لدين محمد صلى الله عليه وآله وأنس بسماع المعجزات والشرائع والاحكام وصار ذلك له عادة ثانية قوية معاضدة لفطرته الازلية، لانك مالك طريق إلى معرفة المؤثر والصانع الذي قد كان عرفه معرفة مجملة بأثره بفطرته قبل إرشاده إلا بنظره في الجوهر والجسم والعرض وتركيب ذلك على وجه يضعف عنها كثير من اجتهاده، ثم إن أستاده أو الذي يقول له

[ 11 ]

هذا القول معتقد لدين الاسلام ويدعي أنه من العلماء والمعلمين وهو يجد في القرآن الشريف (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله الذي فطر الناس عليها) هل ترى يا ولدي محمد أنه يجوز لمسلم أن يطعن بعد هذه الدلالة المشار إليها ويسترها عمن هو يحتاج إلى التنبيه عليها ويعلم من ولد على الفطرة ولا يعرفه المنة عليه في تلك الهداية التي من الله عليها ثم يتلو ويسمع ويعلم أن الله جل جلاله يقول لسيد المرسلين صلى الله عليه وآله (يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للايمان إن كنتم صادقين) وقال الله جل جلاله (ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا) فهل ترى يا ولدي المعرفة بالله إلا من الله وبالله وأنه جل جلاله هو الذي هدى (يهدي خ ل) للايمان بمقتضى القرآن وأنه هو صاحب المنة في التعريف وأنه لولا فضله ورحمته ما زكى من أحد في التكليف. الفصل الثامن عشر: ومما يدلك يا ولدي حملك الله جل جلاله بإلهامك وإكرامك وجعلك من أعيان دار دنياك ودار مقامك أن المعرفة محكوم بحصولها للانسان دون ما ذكره أصحاب اللسان لانهم لو عرفوا من مكلف ولد على الفطرة حر عاقل عقيب بلوغه ورشده بأحد أسباب الرشاد أنه قد ارتد بردة يحكم فيها ظاهر الشرع بأحكام الارتداد وأشاروا بقتله وقالوا قد ارتد عن فطرة الاسلام وتقلدوا إباحة دمه وماله وشهدوا أنه كفر بعد إسلام فلولا أن العقول قاضية بالاكتفاء والغناء بإيمان الفطرة ودون ما ذكروه من طول الفكرة كيف كان يحكم على هذا بالردة وقد عرفوا أنه ما يعلم حقيقة من حقائقهم ولا

[ 12 ]

سلك طريقا من طرائقهم ولا تردد إلى معلم من علماء المسلمين ولا فهم شيئا من ألفاظ المتكلمين ولو اعتذر إليهم عن معرفة الدليل بالاعذار التي أوجبوها عليه من النظر الطويل ما قبلوها منه ونقضوا ما كانوا أوجبوه وخرجوا عنه. الفصل التاسع عشر: وكيف كان الله جل جلاله يبيح دمه وماله وما أحسن به إليه وما مضى عليه من الزمان بعد بلوغ رشاده ما يكفيه لتعلمه من أستاده ومن ملازمته وتردده والله جل حلاله أرحم من الخلق كلهم بعباده وما أباح دمه إلا وقد اكتفى منه بما فطره عليه وبما يسعه بأقل زمان بعد إرشاده لاعتقاده. الفصل العشرون: ومما يدلك يا ولدي محمد شرفك الله بأجمل العناية بمثلك ووصل حبله المقدس بحبلك على أن القوم يتوافقون وأنما يقولون قولا ما أعلم عذرهم فيما يقولون أننا رأينا وسمعنا وعرفنا عنهم إذا بقوا بعد البلوغ والتكليف مدة من أعمارهم على الفطرة الاولية والمعرفة الصادرة عن التنبيهات العقلية والنقلية ثم اشتغلوا بعد مدة طويلة بعلم الكلام وبما تجدد بعد الصدر الاول من قواعدهم في صدر الاسلام وعلموا منه ما لم يكونوا يعلمونه فإننا نراهم ونعلم من حالهم أنهم لا يبطلون شيئا من تكليفهم الاول بالشرعيات ولا ينقضونه فلو كانت معرفتهم بالله جل جلاله ما صحت إلا بنظرهم الانف كان مقتضى جهلهم بالله مع تفريطهم الاول في معرفته مع إظهارهم بشعار الاسلام يلزم منه قضاء ما عملوا من التكليف السالف. الفصل الحادي عشر: ومما يدلك يا ولدي على أن معرفة الله جل

[ 13 ]

جلاله من جوده لتطلبها من باب الزيادة عليه مع وفوده أنك تجد أكثر العارفين لا يعرفون وقت معرفتهم به جل جلاله ولا يوم ذلك ولا ليله ولا شهره ولا سنته ولو كان بمجرد كسبهم ونظرهم قد عرفوه لكان وقت ذلك أو ما يقاربه قد فهموه لانك تجد العقل شاهدا أن من عرف سلطانا عظيما بعد أن كان جاهلا بمعرفته وكان وجه التعريف به من جهة لا يدركها الانسان باجتهاده وهمته فإنه يعرف وقت المعرفة بذلك السلطان أو ما قارب ذلك الزمان وإنما الله جل جلاله يسلك بالعبد الضعيف تسليكا يقصر فهمه عنه فلذلك لا يعرف وقت المعرفة ولا ما قارب منه. الفصل الثاني والعشرون: واعلم يا ولدي يا محمد أيدك الله جل جلاله بجلال التأييد وكمال المزيد أن قولي هذا هو مما أقصد به أن النظر في الجواهر والاجسام والاعراض لا يجوز أو أنه ما هو طريق إلى المعرفة على بعض الوجوه والاعراض بل هو من جملة الطرق البعيدة والمسالك الخطيرة الشديدة التي لا يؤمن معها ما يخرج بالكلية منها. الفصل الثالث والعشرون: وقد كان لنا صديق فاضل من المتعلمين بعلم الكلام رحمه الله ورضي عنه يحضر عندنا ونحدثه ونعرفه أن طرق المعرفة بالله جل جلاله بحسب معلوماته ومقدوراته على الانام ولا ينحصر عددها بالافهام فتعجب لاجل ما قد ألفه من أن معرفة الله جل جلاله لا طريق إليها إلا بنظر العبد فقلت له يوما ما تقول في عيسى بن مريم (ع) لما قال في المهد (إني عبد الله أتاني الكتاب وجعلني نبيا) كانت معرفته بالله جل جلاله في

[ 14 ]

مهده بنظره فتحير وعجز عن الجواب وقلت له يوما ما تقول في الناظر في معرفة الله جل جلاله إما أن يكون في أول نظره شاكا في الله عز وجل قال بلى قلت أفتقول أن النبي محمدا ووصيه عليا عليهما السلام مضى عليهما زمان شك في الله جل جلاله فقال غلبتني ما أقدر أقول هذا وهو خلاف المعلوم من حالهما فقلت له وأقول زيادة هب أنك توقفت عن موافقتي لاجل اتباع عادتك أما تعلم أن العقل الذي هو النور الكاشف عن المعارف ما هو من كسبك ولا من قدرتك وأن الاثار التي تنظر إليها ما هي من نظرتك وأن العين التي تنظر بها ما هي من خلقك وأن البقاء الذي تسعى فيه لنظرك وكل ما أعانك على نظرك ما هو من تدبيرك ولا من مقدورك وأنه من جل شأنه قال بلى ثم قال ولكن متى قلت إن المعرفة بالله جل جلاله لا يكون بنظر العبد ما يبقى له عليها ثواب فقلت وإذا كانت المعرفة بالله جل جلاله بنظر العبد فيلزم أيضا أنه لا ثواب عليها فاستعظم ذلك وقال كيف فقلت له ما معناه لانك قبل أن تعرفه وشرعت تنظر في المعرفة بنظرك في الجواهر والاجسام والاعراض ما تدري نظرك هل يفضي إلى الاقبال على تصديق المعرفة أو الادبار عنها والاعراض فلا تكون قاصدا بنظرك التقرب إلى الله جل جلاله لانك ما تعرفه وإنما تعرفه على قولك في آخر جزء من أجزاء نظرك وقد فات نظرك كله بغير معرفة وغير ثواب، فانقطع عن الجواب. الفصل الرابع والعشرون: وقلت له إن المعرفة بالله عز وجل سواء كانت من الله جل جلاله أو من العبد أو منهما فإنما يكون الثواب على استمرار العبد

[ 15 ]

عليها ولزوم ما يراد منه بها ولها ولقد كان ينبغي يا ولدي محمد إذا أراد العالم بالله جل جلاله وبرسوله صلوات الله عليه وآله وبالائمة عليهم السلام من عترته وبشريعته أن يعرف المبتدي ممن ولد على فطرة الاسلام ما يقوى عنده ما في فطرته ويوثقه من كرم الله جل جلاله ورحمته وتعلق أمله بفضله ويدخله تحت ظله ويقول له قد عرفت محققا قبل بلوغك وبعد بلوغك أنك عالم ببديهيات وعالم بكليات وجزئيات ما سعيت في تحصيلها ولا عرفت كيف كان تدبير الله جل جلاله في وصولها إلى عقلك وقلبك وحلولها ولا ساعة ورودها على سرائرك ولا بأي الطريق سلك الله جل جلاله بها إلى ضمائرك فكن واثقا بذلك الواهب وعلق به آمالك وسؤالك به في طلب المواهب وقل له يا من أنعم علي بنور العقل قبل سؤاله وابتدأني بنواله وإفضاله هب لي مع السؤال والوفادة بالامال ما يزيد مني معرفتك ولزوم حرمتك وشرفني بمراقبتك وعرفني أن ذلك صادر عن ابتدائك لي برحمتك ونعمتك حتى أنهض بك إليك وأقف بك بين يديك وأقبل بك عليك وأقدم بك إليك. الفصل الخامس والعشرون: واعلم يا ولدي محمد بصرك الله جل جلاله بمراده منك ونصرك بكف أيدي الحساد والاعداء عنك أن لسان حال من ترحم بالانشاء ووهب العقول بما فيها من الضياء ونصب من عصمه من الادلاء يقتضي أنه يغضب على من ابتدأ عبيده بقطع رجائهم منه وشغلهم بما يشغلهم عنه وصرف خاطرهم عن مقدس أبوابه إلى تعلق اجتهادهم بما خلقهم منه من ترابه وكم عسى أن يبلغها اجتهاد من خلق من التراب وما الذي يحمل

[ 16 ]

على التشبث بذلك والعزل في تدبيره لرب الارباب وفاطر تلك الاسباب وما عذر المبتدي بقبول ذلك من أستاده ومن قد اختاره من عباد الله جل جلاله لارشاده وهو يعلم من نفسه على اليقين أنه ما خلق في نفسه حقيقة النظر ولا حقيقة ترتيبه وإنما وجد نفسه على الصفة التي هي عليها مع إدراك حقائق النظر وطرائق الفكر مع علمه البديهي أن ذلك التصور والادراك الذي وجد نفسه عليه ما هو من كسبه ولا اجتهاده وإنما هو من غيره وما يعلم حقيقة ذلك الغير الذي أوصله إليه فيحتاج أن يعرف من غيره على من يجري مجراه من الحيوانات على الوجه الذي يريد منه من معرفة الحقيقة والصفات وما الذي قصد بتسليم هذا النور إليه فصار النظر الاول دالا قبل الترتيب على واهبه دلالة مجملة حجة لله جل جلاله عليه مع ما كنا قد نبهنا عليه من كون الانسان قد مضى له قبل البلوغ عدة سنين يعرف أن الاثر دال على المؤثر دلالة خلق عليها وهداية هداه صاحبها إليها فيلزم مع اشتغاله إن كان لا بد له من الاشتغال على العلماء ذلك الهادي الاول واهب العقل والضياء ومطلق لسان أستاده بالكلام وقد كان أخرس ومسلك الهوى في مجاريه وبه عاش وتنفس وماسك ذات أستاذه وواهب حياته وماسك ما يحتاج إليه في مطلوباته وإرادته والذي أقام أستاذه وقد كان في صغره يزحف على بطنه ومن فتح أقفال فهمه وذهنه حتى صار يعرف ما ينفعه فيسعى إليه ويضره فينفر عنه ولا يقبل عليه. الفصل السادس والعشرون: واعلم يا ولدي محمد ومن يقف على هذا

[ 17 ]

الكتاب أنني ما قلت هذا جهلا بعلم الكلام وما فيه من السؤال والجواب بل قد عرفت ما كنت أحتاج إلى معرفته منه وقرأت منه كتبا ثم رأيت ما أغنى عنه وقد ذكرت في خطبة كتاب البهجة لثمرة المهجة كيف اشتغلت فيه وعلى من اشتغلت في معانيه وما الذي صرفني من ضياع عمري في موافقة طالبيه ولكن اعرف يا ولدي محمد بارك الله جل جلاله في بقائك وتعريفه وتشريفه لك في دار فنائك وبقائك، أن المبتدي إذا قال له الاستاذ لا طريق لك إلى معرفة الله جل جلاله إلا بنظرك في الجوهر والجسم والعرض كما كنا أشرنا إليه وأن حدوث الجسم لا يثبت إلا بالحركة والسكون فإن المبتدي أيضا ما يفهم بفطرته زيادة هذه الاعراض على الاجسام ولا له دربة بهذا الكلام ولا يرى بعين رأسه وإحساسه زيادة الحركة والسكون على الجسم المنتقل في الجهات إلا بأن يتعب في إنفاق كثير من الاوقات في تصور حد الجسم وتصور العرض وتحقيق زيادتهما على الاجسام وحفظ ما يتعلق بذلك كله من معنى وكلام وربما وجد الاستاذ عاجزا في حدود هذه المعاني المذكورة من أن تغير بألفاظها المعهودة المذخورة حتى يكاد أن يقلد قائلها وناقلها ويحتج بأنها قول فلان وفلان وقولهم كالحجة في معانيها ثم إذا فهم من أستاذه زيادة الحركة على الاجسام فإنه ما يكاد يفهم زيادة السكون على الجسم في ظاهر أوائل الافهام ولا يدرك على التعجيل من أن يلزم من حدوث الحركة والسكون حدوث الجسم العريض العميق الطويل فلا يزال غالب حاله يخبط خبط عشواء في أدلتهم ومعارضتها بشبهات احتمالات الاهواء حتى يتمخض في اجتهاده عن

[ 18 ]

رجحان ظن أو اعتقاد ضعيف ومتى عرض له طعن قوي أعاده ذلك الطعن إلى الاستدلال والتكشيف فتراه مترددا في العقائد بين وساكن وعائد إلى أن يموت لعله يجوز حدوث القوادح وقد كان قبل ذلك التعليم لسكونه إلى معرفته المؤثر جملة سكون اعتقاد قوي راجح وكان آمنا مما صار لا يأمن من تجدد المطاعن والمعارضات والقوادح. الفصل السابع والعشرون: ومما ينبهك يا ولدي على ما ذكرت بالعقل من طريق النقل عن سلفك الطاهرين أئمة الفضل ما رويته من كتاب أبي محمد عبد الله بن حماد الانصاري من أصحاب مولانا الكاظم عليه السلام ونقلته من أصل قرئ على الشيخ الصدوق الذي ذكر جدك أبو جعفر الطوسي أنه لم يكن له نظير في زمانه وهو هارون بن موسى التلعكبري تغمده الله جل جلاله برضوانه تاريخه سنة ست وسبعين وثلثمائة وهو أستاذ الشيخ المفيد محمد بن محمد ابن النعمان ضاعف الله جل جلاله لهما تحف الرضوان أروي كلما رواه بعدة طرق منها من أصل كتاب عبد الله بن حماد المشار إليه ما هذا لفظه عن عبد الله ابن سنان قال أردت الدخول على أبي عبد الله فقال له مؤمن الطاق استأذن لي على أبي عبد الله عليه السلام فقلت له نعم فدخلت عليه فأعلمته مكانه فقال لا تأذن له علي فقلت له جعلت فداك تعلم انقطاعه إليكم وولائه لكم وجداله فيكم ولا يقدر أحد من خلق الله جل جلاله أن يخصمه فقال عليه السلام بل يخصمه صبي من صبيان الكتاب فقلت له جعلت فداك هو أجل من ذلك وقد خاصم جميع أهل الاديان فخصمهم فكيف يخصمه غلام من الغلمان وصبي

[ 19 ]

من صبيان الكتاب فقال عليه السلام يقول له الصبي أخبرني عن إمامك أمرك أن تخصم الناس فلا يقدر أن يكذب علي فيقول لا فيقول له فأنت تخاصم الناس من غير أن يأمرك إمامك فأنت عاص له فيخصمه، يابن سنان لا تأذن له علي فإن الكلام والخصومات تفسد النية وتمحق الدين. ومن الكتاب المذكور عن عاصم الخياط عن أبي عبيدة الحذاء قال قال لي أبو جعفر عليه السلام وأنا عنده إياك وأصحاب الكلام والخصومات ومجالستهم فإنهم تركوا ما أمروا بعلمه وتكلفوا ما لم يؤمروا بعلمه حتى تكلفوا علم السماء يا أبا عبيدة خالط الناس بأخلاقهم وزاولهم في أعمالهم، يا أبا عبيدة إنا لا نعد الرجل فقيها عالما حتى يعرف لحن القول وهو قول الله تعالى (ولنعرفنهم في لحن القول). الفصل الثامن والعشرون: ووجدت في كتاب عبد الله بن حماد الانصاري في النسخة المقروة على هارون بن موسى التلعكبري رحمهما الله ما هذا لفظه عن جميل بن دراج قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول متكلموا هذه العصابة من شرارهم. الفصل التاسع والعشرون: ويحتمل أن يكون المراد بهذا الحديث يا ولدي المتكلمين الذين يطلبون بكلامهم وعلمهم ما لا يرضاه الله جل جلاله أو يكونون ممن يشغلهم الاشتغال بعلم الكلام عما هو واجب عليهم من فرائض الله جل جلاله ولقد رأيت في عمري ممن ينتسب إلى علم الكلام وقد أعقبهم ذلك العلم شكوكا في مهمات من الاسلام.

[ 20 ]

الفصل الثلاثون: ومما يؤكد تصديق الروايات بالتحذير من علم الكلام وما فيه من الشبهات أنني وجدت الشيخ العالم في علوم كثيرة قطب الدين الراوندي واسمه سعيد بن هبة الله رحمه الله قد صنف كراسا وهي عندي الان في الخلاف الذي تجدد بين الشيخ المفيد والمرتضى، وكانا من أعظم أهل زمانهما وخاصة شيخنا المفيد، فذكر في الكراس نحو خمس وتسعين مسألة قد وقع الاختلاف بينهما فيها من علم الاصول وقال في آخرها لو استوفيت ما اختلفا فيه لطال الكتاب وهذا يدلك على أنه طريق بعيد في معرفة رب الارباب. الفصل الحادي والثلاثون: يقول السيد الامام العالم العامل الكامل العلامة الفاضل العابد رضي الدين ركن الاسلام جمال العارفين أفضل السادة أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن الطاووس بلغه الله أمانيه وكبت أعاديه، إنني وجدت مثال شيوخ المعتزلة ومثال الانبياء عليهم السلام مثل رجل أراد أن يعرف غيره أن في الدنيا نارا موجودة وذلك الرجل الذي يريد أن يعرف وجودها قد رأى النار في داره وفي البلد ظاهرة كثيرة بين العباد ما يحتاج من رآها إلى المعرفة بها ولا اجتهاد فقال له هذا يحتاج معرفته إلى إحضار حجر النار وهو في طريق مكة لان كل حجر ليس في باطنه نار ويحتاج إلى مقدمة ويحتاج إلى محراق وأن يكون الانسان في موضع سليم من شدة الهواء لئلا يذهب بالحراق ويطفي ما يخرج من الحجر من النار فاحتاج المسكين إلى تحصيل هذه الالات من عدة جهات وبعدة توسلات ولو كان قد قال له من مبدء الامر هذه النار الظاهرة بين العباد هي

[ 21 ]

النار الكائنة في الحجر والشجر كان قد عرف وجود النيران على العيان والوجدان واستغنى عن ترتيب الالات وتحصيل البرهان. الفصل الثاني والثلاثون: أقول وكل من عدل في التعريف عن الامر المكشوف إلى الامر الخفي اللطيف فهو حقيق أن يقال قد أضل ولا يقال قد هدى ولا قد أحسن فيما استدل، وتبيان هذه الجملة أن المكان الذي يكون فيه الجسم قبل الجسم وكل ما كان له أول وهو محدث والاجسام بعد المكان وهي محدثة بغير شك ولان كل عاقل يعلم فيما عاينه من زيادات الاجسام في الانسان والشجر وكلما يزداد عظما وكبرا في الانام مثل النطفة التي يصير منها إنسان ومثل النواة التي يكون منها نخلة عظيمة الشأن ومثل نوى الشجر يكون منها شجرة كبيرة عظيمة الاغصان فكل عارف بها بالمشاهدة يعلم أن هذه الزيادات حادثة بالضرورة فكيف يعدل عن تعريف حدوثها بمثل هذا التحقيق إلى الحركة والسكون وهما عرضان غير مشاهدين ولا يعرف حقايقها ولا يلزم من حدوثهما إلا بنظر دقيق وقطع عقبات قليلة التوفيق. الفصل الثالث والثلاثون: أقول وإنما كان يحتاج الانسان مع ما يعرفه من حدوث الاجسام الظاهرة بالعيان الزائدة إلى ثبوت تماثل الاجسام ليعلم أن الذي حضر منها وغاب كله حادثة بشهادة العقول والافهام وذلك يعرف بأدنى تعريف ولا يحتاج إلى التطويل في التكشيف لان العقل يدرك أن كل جسم مؤلف وكل مؤلف فإنه لابد أن يكون عريضا عميقا بحسب تأليفه ومتى خرجت حقيقة الاجسام عن حقيقة التأليف كانت غير أجسام ولم يدخل في

[ 22 ]

اسم الجسم بعرف ولا عقل ولا شرع ولا بوصف، ثم كل جسم محتاج إلى مكان يحل فيه ويكون المكان متقدما عليه كما قدمناه فالجسم بالضرورة متأخر عن المكان وهل يبقى شك في أن كل جسم حادث عند كل من له أدنى نظر يعتمد عليه. الفصل الرابع والثلاثون: أقول فكان ثبوت الاجسام على هذا الوصف الواضح كافيا في الدلالة على أن لها مؤلفا جل جلاله محدثا لها ومدبرا لامرها بحسب المصالح فأشار الانبياء صلوات الله عليهم والكتب المنزلة عليهم عليهم السلام إلى نحو هذه التنبيهات على هذه الدلالات الظاهرات فعدل شيوخ المعتزلة بالخلائق إلى غير تلك الصراط وضيقوا عليهم سبل الحقائق كما عدل من أراد تعريف حقيقة النار المعلومة بالاضطرار إلى استخراجها من الشجر أو الحراق أو الاحجار وهذا مثال يعرف أهل الانصاف أنه حق صحيح وما يحتاج إلى زيادة استكشاف. الفصل الخامس والثلاثون: وكان مثالهم مع المتعلم منهم ومثله معهم أيضا كمثل إنسان كان من بين يديه شمعة مضيئة إضائة باهرة فأخذها أستاذه من بين يديه وأبعدها عنه مسافة بعيدة كثيرة الحوائل والموانع من نظره بتلك الشمعة التي كانت حاضرة عنده وقال له تجهز للسفر بالزاد والرفقاء والعدة والادلاء حتى تصل إلى معرفة تلك الشمعة وتنظر حقيقة ما هي عليه من الضياء فقبل ذلك المغتر المعترف من ذلك الاستاذ المتكلف وسافر مدة من الاوقات فتارة يرى جبال وعقبات فلا يظهر له من حقيقة الشمعة كثير ولا قليل، وتارة

[ 23 ]

يرى ضوء ويقول لعله ضوء تلك الشمعة ويستنجد بمساعدة الرفيق والدليل فإن عجز عن إتمام المسافة وقطع الطريق بما يرى فيها من العقبات والتطويل والتضييق هلك المسكين ورجع خاسرا للدنيا والدين، فقد عرفنا من جماعة أنهم أوقعهم ذلك في شكوك وتضليل وكان ضلالهم من سوء توفيق الدليل ولان مشي هذا المسترشد واحتمل مشقة الاسفار وركوب الاخطار وسلم من أن يعجز في الطريق ويترك الشمعة بالكلية أكثر ما يحصل له إذا وجدها من حقيقتها مثل الذي كان يعرفه في الفطرة الاولية فضاع عمره وتعبه في زيادة معرفتها. الفصل السادس والثلاثون: فأوصيك يا ولدي محمد ومن بلغه كتابي هذا ممن يعلم المسترشدين إلى معرفة رب العالمين أن يقوي ما عندهم في الفطرة الاولية بالتنبيهات العقلية والقرآنية والهدايات الالهية والنبوية ويقول للمسترشدين إنما يحتاج إلى معرفة صفات هذا المؤثر والصانع ويثبت صفاته عنده بأسهل ما يريد منه مولاه جل جلاله من تكليفه بتدبير صاحب الشرايع وتسليمه من القواطع ومن خسارة عمر ضائع. الفصل السابع والثلاثون: ثم يسلك به سبيل معرفة النبوة والامامة على قاعدة تعريف النبي والائمة صلوات الله عليهم ومن سلك سبيلهم من أهل الاستقامة فهذا كان كافيا لمن يريد تحصيل السلامة وسعادة الدنيا ويوم القيامة وأما حفظ الالفاظ الحادثة بين المتكلمين وما ذكروا أنه صفات المتجادلين فهو شغل من فرغ من فروض الله جل جلاله المتعينة المتضيقة عليه ويريد أن يخدم الله جل جلاله خالصا لوجهه بالرد على أهل الضلال من الامم الحائلة بين

[ 24 ]

عباده جل جلاله وبين المعرفة به والوصول إليه ويكون حامل هذا العلم العريض العميق لازما سبيل التوفيق ويناظر مخالفيه مناظرة الرفيق الشفيق حتى يسلم من خطر الطريق وإلا فهو هالك على التحقيق. الفصل التاسع والثلاثون: واعلم يا ولدي محمد أراك الله جل جلاله ما يزيدك قربا من جلاله وتوليك ولاية تصون عن أمر يبعدك عن إقباله وإفضاله أن كلما كررته وأكرره من تعريف الله جل جلاله لبعض عباده أو تشريف زيادة إرشاده وإنجاده فما أردت ولا أريد به إسقاط وجوب نظر العبد فيما يجب عليه النظر فيه من التكاليف وقد قدمت الاشارة إلى هذا المعنى فيما مضى من التعريف وإنما أكرره ليفهم كل قوي يفهمه أو ضعيف أنني ما منعت من النظر بل النظر واجب على المكلف في كل ما يجب عليه فيه نظره مما لا يدركه إلا بالنظر والتكشيف. فأقول لو فرضنا أن عبدا من عباد الله جل جلاله ما جعل له في فطرته الاولية أن الاثر دال على المؤثر بالكلية ولا ينبهه جل جلاله بعد بلوغه وكمال عقله على معرفته ولا على ما يجب عليه من المعارف بشئ من ابتداء فضله ورحمته فإنه يجب على هذا العبد النظر فيما يجب عليه من التكليف والتوصل في التعريف بكل طريق من طرق التحقيق وعلى كل وجه وسبيل من سبل التوفيق ومتى وصل إلى غاية هداه على صانع لوجوده فإياه أن يصرف هذا الناظر خاطره أو يخلي سرائره من الاعتماد على مراحم ومكارم صانعه وجوده فإن القادر بذاته يفتح إذا شاء على قدر قدرته القاهرة الباهرة والعبد الناظر

[ 25 ]

القادر بغيره لا يفتح بنفسه إلا بقدر قدرته القاصرة وذلك الفتوح الالهي أقوى اتصالا وأبقى كمالا وأتم نورا وأعم سرورا وأوضح في الاطلاع على الاسرار وأرجح في عمارة الافكار. الفصل التاسع والثلاثون: واعلم يا ولدي محمد أقبل الله جل جلاله عليك وكمل إحسانه إليك، أن العقول المستقيمة والقلوب السليمة شهدت شهادة صحيحة صريحة أنه لا بد من استناد الممكنات والموجودات إلى فاعل لها لا أول لوجوده ويقتضي ظهور هذه الاثار المحكمة الباهرة والدولة المنتظمة القاهرة أن فاعلها حي عالم قادر مختار حكيم وأن وجوده وصفاته بذاته لانه لو كان جل جلاله أو شئ من صفاته بغيره اقتضى ذلك عكس شهادة الالباب بقدمه وأزليته وتمام قدرته. الفصل الاربعون: واعلم حفظك الله يا ولدي محمد وحفظ ما أنعم وينعم به عليك وأوزعك شكر ما أحسن به إليك، أن وجوده جل جلاله وصفاته ليست مناسبة لوجودنا وصفاتنا في شئ من الاشياء لاننا موجودون به جل جلاله ويتصرف فينا تارة بالانشاء وتارة بالافناء وتارة بالحياة وتارة بالموت وتارة بالعافية وتارة بالسقم وتارة بالشباب وتارة بالهرم وتارة بالغنى وتارة بالفقر وتارة بالاقبال وتارة بالادبار وتارة بعجرنا من نيل الامال وتارة بظفرنا بما ليس في حسابنا من الافضال فنحن نرى تصرفه فينا ضرورة ما نحتاج معها إلى الاستدلال وكم قد كرر جل جلاله فنائنا وإعادتنا بعد الفناء بنطف أخذها من ظهور الاباء ثم أمهاتهم وأعاد منهم صورة الابناء وكم قد

[ 26 ]

أنطق العقول بشهاداته وأنه لو كان وجود ذاته أو شئ من صفاته بغير ذاته كان ذلك طعنا في دلالتها على كماله ومقتضيا لزواله فلما دلنا بذلك وأمثاله على أن وجوده بذاته اقتضى ذلك أنه لا أول له ولا آخر له واقتضى علمه بذاته أن لا يبقى معلوم إلا أحاط بكلياته وجزئياته واقتضى كونه قادرا لذاته أن لا يبقى مقدور إلا قدر عليه واقتضى غناه بذاته أنه يستحيل الفقر عليه لان تقدير فقره في شئ يحتاج إليه يضاد فطرة العقول فيما حكمت به وهجمت عليه في كماله لان الفقير مضطر إلى ناظر في فقره وجابر لكسره وإلى مؤثر آخر قام بأمره وكذلك كونه حكيما لان ترتيب الدنيا وما فيها من العجائب الظاهرة وتعلق بعضها ببعض في فوائدها الباطنة والظاهرة دالة دلالة باهرة قاهرة على أن فاطرها ذو حكمة باهرة وكذلك ما نطق به القرآن الشريف من أنه مريد وكاره وسميع وبصير وأنه يغضب ويرضى ويسخط وكل صفة ورد بها كتاب الله من كتبه الشريفة أو صح نقلها عن الانبياء والاوصياء والاولياء العارفين بصفاته المقدسة المنيفة فإنها لا تشبه صفاتنا ولا صفات المحدثات ولو كانت مدركة أو متخيرة أو مشبهة للمتخيرات في حقيقة أو صفة أو جهة من الجهات افتقرت إلى قادر منزه عن تلك النقيصات بل ذاته جل جلاله ليس لها كيفية فتدرك ولا طريق للعقول إليها فتسلك وقد عجز كثير من العقلاء عن فهم حقيقة العقل والروح والنفس وهي أثر من آثاره فمن عجز عن الاثر المصاحب له المختص به في ليله ونهاره كيف يطمع في إدراك ما لم يحصل له المؤثر جل جلاله

[ 27 ]

طريقا إليه من أسراره وقد عجزت العقول عن صفة اقتداره. الفصل الحادي والاربعون: وإذا سمعت يا ولدي من يقول إنه يمكن أن يكون الموجودات صدرت عن علة موجبة فاعلم أنه هذيان اقتضاه جهل الانسان وأنا أقرب عليك تعريف أنه مختار بما لا يشتبه عليك ولا على غيرك من ذوي الاعتبار وهو أنك تعلم أنك مختار وأنت أثر من آثاره ولو كان علة موجبة ما كان يصدر عنها إلا علة مثلها غير مختارة وهذه حجة واضحة ما تحتاج إلى تطويل عبارة. الفصل الثاني والاربعون: وأنت يا ولدي تعلم اختلاف ألوان الناس وألسنتهم وأصواتهم وهيآتهم وصفاتهم وهم من نطفة متناسبة من ذاتهم مذ آدم إلى الان فلا يشتبه في غالب الازمان لا للابن أمه ولا أباه ولا لاخ أخاه وكل ذلك حجج الله عز وجل على عباده أن فاطرهم مختار قادر على مراده. الفصل الثالث والاربعون: ثم ترى يا ولدي الاشجار والثمار تسقى بماء واحد في أرض واحدة وأزمان واحدة وهي مختلفة الالوان والطعوم والروائح والمنافع والمضار ولكل ذلك دلالة واضحة على أن فاعلها مختار. الفصل الرابع والاربعون: ومتى اشتبه عليك شئ من نتائج العقول فالزم الصوم والخلوة والتذلل للقادر على كل مأمول فإنك تجده جل جلاله كاشفا لك ما اشتبه عليك وباعثا إلى عقلك وقلبك من أنوار هدايته ما يفتح أبواب الصواب لديك وإياك أن تستبطي إجابته وأن تتهم رحمته فإن العبد ما يخلو من تقصير في مراقبة مولاه ويكفيه أنه يعظم ما ما صغر ويصغر ما عظم من

[ 28 ]

دنياه وأخراه ويكفيه أنه يغضب لنفسه ولمن يعز عليه أكثر مما يغضب لله جل جلاله المحسن إليه ويكفيه أنه ما هو راض بتدبير مالكه جل جلاله بالكلية وأنه يعارضه بخاطره وقلبه وعقله معارضة المماثل أو الشريك أو العبد السئ العبودية وإذا تأخرت عنك إجابة الدعاء وبلوغ الرجاء فابك على نفسك بكاء من يعرف أن الذنب له وأنه يستحق لاكثر من ذلك الجفا فكم رأينا والله يا ولدي عند هذه المقامات من فتوح السعادات والعنايات ما أغنانا عن سؤال العباد وعن كثير من الاجتهاد. الفصل الخامس والاربعون: واعلم يا ولدي محمد حفظك الله جل جلاله عن الخذلان وصانك بخلع الاحسان والامان أن أهل الكهف كانوا مماليك لا يفقهون وسحرة فرعون كانوا سكارى بالكفر ما يعتقد ناظرهم أنهم كانوا يفيقون فتداركهم الله جل جلاله برحمة من رحماته الجميلة فأمسوا عارفين به مخلصين من أهل المقامات الجليلة وقد عرف كل خبير أن امرأة فرعون ومريم بنت عمران وأم موسى عليه السلام نساء ذوات ضعف عن الكشف توليهن الله جل جلاله بيد اللطف والعطف حتى فارقت زوجة فرعون ملك زوجها ودولته وحقرته وهونت عقوبته وبلغت مريم إلى كرامات وسعادات حتى أن النبي المعظم في وقتها زكريا يدخل عليها في المحراب فيجد عندها طعاما يأتيها من سلطان يوم الحساب بغير حساب ويفهم من صورة الحال أن زكريا ما كان يأتيه مثل ذلك الطعام لانه عليه السلام قال أنى لك هذا على سبيل التعجب والاستفهام وهو أقرب منها إلى صفات الكمال وهذه أم موسى يوحي

[ 29 ]

الله تعالى إليها بغير واسطة من الرجال حتى يهون عليها رمي ولدها ومهجة فؤادها في البحر والاهوال، فلا تقصر همتك يا ولدي محمد عن غاية بلغ إليها حال النساء الضعيفات واطلب ذلك ممن قال جل جلاله (أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات) الفصل السادس والاربعون: واعلم يا ولدي محمد ضاعف الله جل جلاله لك شرف عنايته وتحف كرامته أن تشريف الله جل جلاله لك بتكليف معرفته ومعرفة رسوله صلوات الله عليه والائمة من ذريته عليهم السلام ومعرفة شريعته والقيام بوظايف عباداته من أعظم ممنه جل جلاله عليك وإحسانه إليك التي لا يقوم لها شكر الشاكرين ولا يقضي حقوقها اجتهاد المجتهدين فإن الارض التي خلقت وخلقنا منها لو قيل لها وهي تراب تمن أقصى آمالك لعل كان يكون أقصى أمنيتها أن يحييها الله جل جلاله بالماء والنبات والاشجار والازهار فهذا حيات الارض والتراب فبلغ فضل الله جل جلاله على ابن آدم المخلوق منها إلى أن رفع الله جل جلاله عن دنائة تلك الاسباب وجعله أهلا أن يدله على مقدس معرفته وحقوق نعمته ويتشرف بخدمته ويكرمه بمشافهته ومجالسته ويهيئ له السماوات والارض وما فيها من المنافع بيد قدرته ويستخدم في مصالحه وسعادته مقدس علمه وإرادته حتى يبلغ إلى أنه يتولى تدبيره ورحمته في جسده بثوب طهارته. الفصل السابع والاربعون: ثم جعلك الله جل جلاله يا ولدي محمد وساير المكلفين أهلا أن يكتب إليكم كتابا من مقدس جلالته وعظيم ربوبيته مع

[ 30 ]

غنائه لذاته عن خليقته وأن يبعث رسلا من نوابه وأنبيائه وخاصته ولم يكن بنو آدم في مقام أن يبلغ حالهم إلى هذا المقام من كرامة ثم بلغ الامر بين الله جل جلاله القادر القاهر مالك الاوائل والاواخر وبين بني آدم الضعفاء والاذلاء الاصاغر الذين انتظم حال وجودهم من تراب وروح كالهواء إلى أن بنا لهم الدنيا قبل معرفتهم به وخدمتهم له وفيها ما هم إليه محتاجون وما أتعبهم في بنائها وإنشائها ولا كانوا ممن يقدرون، فلا يعترفون ولا يشكرون حتى كأنهم البانون لها والفاطرون ثم يحسن ويسيئون ويقبل فيعرضون ويعدهم فلا يتقون ويتقرب إليهم فيتباعدون ويتحبب إليهم فيكرهون ويؤدي الامانات إليهم فيخونون ويصفو معهم فيتكدرون ويستر عليهم فيجاهرون ويطلع عليهم فلا يستحيون ويتهددهم فلا يخافون ويطلبهم عدوهم فيسارعون ويسئلهم أن يسكنوه في قلوبهم التي هي من جملة ما وهبهم فلا يفعلون ويبذل أجرى السكنى أولا وحاضرا ومستقبلا فلا يقبلون ويطلب منهم بعض ما أعطاهم ليدخرها لهم فلا يجيبون وفرض عليهم ما ينفعهم فيعرضون ويريهم الايات في أنفسهم وفي الافاق فلا يبصرون ويوثقهم من دار قد عمرها لهم كاملة الصفاء دائمة البقاء ويريد انتقالهم إليها فلا يوافقون ولو أعطيهم غيره من بني آدم بعض ما في يده شكروه أكثر من شكرهم لمولاهم ولو أعرض عنهم سلطان بلدهم تلافوه وتداركوا غضبه بغاية قواهم ولو صاحبهم صديق نافسوا في حسن صحبته أكثر من صحبة الله جل جلاله وموافقته ولو ستر عليهم أحد عورة وجدوا عندهم من الاعتراف أكثر ما يجدون لستر الله جل جلاله ولو اطلع عليهم بعض مماليك

[ 31 ]

سيدهم استحيوا منه أكثر من اطلاع مالكهم عليهم ولو طلب سلطان قربهم ما سامحوا ببعده ولو أسخطهم آدمي يحتاجون إليه ما هونوا سخطه ولو وعدهم كريم من بني آدم وثقوا به أكثر من وثوقهم بوعد الله ولو تهددهم آدمي بعقاب خافوا من تهديده أگثر من تهديد الله جل جلاله ولو طالب مجاورتهم من يرجون منفعته الفانية اجتهدوا في مجاورته وهم لا يريدون مجاورة الله جل جلاله وشريف صحبته ولو غلب على ظنهم في الاقطار أو البحار من ينفع عوض القيراط أكثر من دينار سافروا إليه واحتملوا عظيم الاخطار في الاسفار ولا يسهل عليهم السفر إلى رضاء الله جل جلاله لطلب أعظم من تلك المنافع والمسار فهل تعرف أن ملكا أو مالكا أو راعيا أو سلطانا أو أحدا جرى له مع مماليكه المحتاجين إليه ما جرى لله جل جلاله مع بني آدم المتجرئين عليه، فإنا لله وإنا إليه راجعون مما جرت حالهم عليه. الفصل الثامن والاربعون: وينبغي يا ولدي محمد أسعدك الله جل جلاله بإقباله ومكاشفة جلاله أن تعتقد أن يوم تشريفك بالتكليف كان من أعظم أيام الاعياد وأن وقت تعريفه لك بعظمته واستخدامك في طاعته كان من أشرف أوقات الاسعاد والارفاد كما قدمناه وإياك أن يخطر ببالك ثواب أو جزاء على طاعتك أو خدمتك فإنك ترى العقول قاضية بأن السلطان الكامل الذي يرجى إحسانه بالتقرب إليه يرشى وتبذل النفوس والرؤوس في التقرب منه والانفاق عليه فتعلم أن كل من أحسن إحسانا كثيرا إلى عبد من العباد فإنه يجد من نفسه لزوم خدمته والوفاء له ومتابعة إرادته بغاية الاجتهاد فلاي

[ 32 ]

حال كان الحال مع الله جل جلاله في العقول دون هذه الحال، تعالى الله جل جلاله عن المقابلة بهذه الضلال. الفصل التاسع والاربعون: وقد كشفت لك في كتاب المهمات والتتمات فتقف عليه يا ولدي من ذخائر تلك العنايات واخدم الله جل جلاله كما كان يخدمه آبائك العارفون والسلف المكاشفون لانه جل جلاله أهل أن يعبد ومن أحق منه ببذل النفوس والرؤوس والقوة والاقتدار وجميع ذخائر الاختيار وهو واهبها وجالبها وبه جل جلاله استقام نظامها وحصل تمامها. واعلم يا ولدي أنك لو عبدته بقوة الاولين والاخرين وإخلاص الملائكة والانبياء والمرسلين والصالحين في مقابلة اختياره في الازل لايجادك وإسعادك وتأهيلك لمعرفته وخدمته ما قمت بما في ذلك من حقوق رحمته ونعمته. الفصل الخمسون: واعلم يا ولدي محمد نور الله جل جلاله سرائرك وطهر بصائرك أن معرفة جدك محمد سيد المرسلين وتصديقه بما جاء به من رب العالمين ما تحتاج الان فيها من الدلالة إلى ما كان يحتاج الناس إليه أولا عند أول الرسالة لان أنوار رسالته وآثار نبوته وهدايته في هذه الست مائة سنة قد امتلات بها أقطار كثيرة من البلاد وتواتر بجملة معجزاته وآياته ما لا تحصيه قوة العباد وصار تصديقه صلوات الله عليه وآله واضحا كإشراق شمس النهار وأعظم منها عند ذوي البصائر والابصار لان الشمس مستورة بالليل وبالسحاب وبغيرها من الاسباب ونور آيات الله جل جلاله في جدك محمد صلى الله عليه وآله الداعية إليه ضياؤها تشرق مع إشراق الالباب وباق مع بقاء مالك يوم الحساب

[ 33 ]

الفصل الحادي والخمسون: وأنت تعلم يا ولدي محمد من نفسك ومن غيرك أن العقول ما تقوم بذاتها بكشف مراد الله جل جلاله منها على التفصيل وأنها لا بد لها من واسطة بين الله جل جلاله وبينها يدلها إلى مراده جل جلاله في كل ما يحتاج إلى معرفته به من كثير أو قليل أفلا ترى أن العقول كانت مع أصحابها قبل إرسال الله جل جلاله جدك محمدا صلوات الله عليه إليهم كانوا عاكفين على عبادة الاصنام والاحجار والاخشاب يضحك الشيطان بها عليهم وبلغوا إلى أخس وأدبر من الدواب لان الدابة لو تركت بغير سائق ولا قائد ما مشت إلا إلى ما يعتقد فيه نفعا بسبب من الاسباب والذين عبدوا الاصنام ما كانت نافعة لهم ولا دافعة عنهم وهي مساوية لسائر الاحجار والاخشاب حتى تفضل الله جل جلاله عليهم بجدك محمد صلوات الله وسلامه عليه وآله فأيقظ العقول من رقدتها وكشف عنها غطاء جهالتها فأبصرت ما كان مستورا عنها ووجدت ما كان عمياء عنه فهو أقرب قريب منها فعلمهم آداب الدنيا والاخرة وفتح لهم كنوز العلوم الباهرة فصنفوا الكتب في عجائب الالباب التي كانت دارسة وأوضحوا عن طرق الاداب التي كانت طامسة وكفى بذلك دلالات ضروريات على وجوب رسالته وصحتها وثبوت ما اشتملت عليه من الايات. الفصل الثاني والخمسون: وكيف يحتاج يا ولدي محمد الان من يخالط أهل الافهام ومن نشأ في بلاد الاسلام إلى طلب دلالة على نبوة جدك محمد العظيم الشأن أو إطالة النظر في التحدي بالقرآن وقد وجد المسلمون صدقه صلوات

[ 34 ]

الله عليه وآله فيما أخبر به من الغائبات ومن الايات الباهرات ومن فتوح البلاد ومن شرحه لمن يملك بعده من الملوك وتقلبات أحوال العباد وجد العارفون على مائدة ضيافة رسالته تصديقه بإجابة الدعوات وتفريح الكربات وما ظهر بعده على يد مولانا وهادينا علي بن أبي طالب وعترته الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين من المعجزات وما اشتهر على أيدي الخلق العظيم من أمته من الكرامات الخارقات للعادات فهل يحتاج بعد هذه الهدايات الواضحات إلى طلب أشارات أو دلالات إلا معدود من ذوي الغفلات والجهالات. الفصل الثالث والخمسون: وإن طلبت نفسك عمرها الله جل جلاله بالطهارة وقدسها بما هو أهله من الاشارة والبشارة ومعرفة تفصيل معجزات جدك محمد صلوات الله عليه وآله وما نقل من آياته وصفاته وفعاله ومقاله فعليك بأخبار من تعتقد عصمته وأنه على أبلغ صفات الكمال وتعترف بحقوقه وترى المنة لله جل جلاله وله فيما فتح على الاسلام من أبواب السعادات والاقبال فإنك تجد في كتبهم وعند مخالطة أهل الاخلاص منهم شفاء للصدور وتماما للسرور وقد جمعت لك من كتب النبوة والامامة كتبا كثيرة تتضمن معجزات وآيات منيرة. الفصل الرابع والخمسون: بل قف يا ولدي على الكتب المتضمنة آيات الله جل جلاله على يد مولانا علي بن محمد الهادي ومولانا الحسن بن علي العسكري عليهم السلام وما كتبت في كتاب (الاصطفاء والبشارات) وأكتب لك من

[ 35 ]

التوقيعات على يد مولانا المهدي صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين وقف على آثار الواردات من الثقات على يد وكلائه صلوات الله عليه المتقدمين فإن زمانها أقرب من زمان جدك صلوات الله عليه وآله فإنك ترى من الايات الباهرات ما لم ينقل مثلها عن جدك محمد عليه أفضل الصلوات وتلك جميعها من معجزاته وآيات نبوته ودلالات ثبوت شريعته لان عترته الطاهرة دعاة وهداة إلى رسالته فانظر، في كتاب الحجة وما في معناه، من كتاب الكافي لمحمد بن يعقوب الكليني، وكتاب المعرفة لابراهيم بن إسحاق الثقفي، وكتاب الدلائل لمحمد بن رستم بن جرير الطبري الامامي، وكتاب الدلائل لعبد الله ابن جعفر الحميري، وكتاب الاحتجاج لابي منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي، وكتاب المعجزات لهبة الله الراوندي، وكتب أهل اليقين مثل الشسخ السعيد أبي جعفر محمد بن بابويه، وكتب الشسخ المسعود المفيد محمد بن محمد بن النعمان، وكتب الشيوخ الثقات المتضمنة ما ذكروه من الايات والمعجزات فقد دخرتها بالله جل جلاله وسوف أقفها عليك وعلى أخيك ومن يهبني الله جل جلاله من الذكور فإنهم أحوج إليها من البنات فقد رويت بإسنادي إلى جدي أبي جعفر الطوسي بإسناده إلى محمد بن الحسن بن الوليد رحمه الله من كتاب الجامع بإسناده إلى المفضل بن عمر قال قال أبو عبد الله عليه السلام اكتب وبث علمك في إخوانك فإن مت فورث كتبك بنيك فإنه يأتي على الناس زمان هرج ما يأنسون فيه إلا بكتبهم، وقد أذنت وأجزت ما رويته لك ولاخوتك أن يرووا عني جميع ما رويته أو صنفته من سائر الكتب

[ 36 ]

والرويات وإن جاز الاذن لمن عساه يولد لي من الذكور والبنات بعد هذه الاوقات فقد أذنت لهم أيضا في الرواية عني لكل ما أذنت لكم في روايته نشرا لتعظيم الله ورسالته وشكرا لنعمته. الفصل الخامس والخمسون: وأما معرفة جملة الائمة من عترة جدك سيد المرسلين صلوات الله عليه وعليهم أجمعين. فاعلم يا ولدي محمد أن الطريق إلى معرفتهم أسهل مما يتوهمه كثير من الخلائق وقد كشفت لك الامور في كتاب الطرائف فأوضحت عن طرق الحقائق وأذكر ها هنا جملا يسيرة تغني عن التفصيل والتطويل. الفصل السادس والخمسون: منها أن العقول قاضية أن كمال رحمة الله جل جلاله بعباده يقتضي أن يكون لهم في كل زمان وأوان من يدلهم على مراده دلالة تغني عن التأويل وعن الاختلاف وتصون عن التضليل. الفصل السابع والخمسون: ومنها أن كمال نبوة جدك محمد صلى الله عليه وآله أرحم العباد وشفقته على أمته إلى آخر أيام النفاد يقتضي أن يكون نظره الشريف صلوات الله عليه في الهداية والدلالة لمن قرب منه وبعد عن أيام الرسالة على عد واحد وهذا ما يصح إلا بمن يقوم بمقامه كل زمان على نحو وصفه الكامل بالعصمة في السراء والضراء والسر والاعلان. الفصل الثامن والخمسون: ومنها أن جدك محمدا صلوات الله وسلامه عليه وآله كان ما يخرج في غزوة إلا ويجعل في المدينة نائبا ومدة الغزاة قصيرة في حياته فكيف يقبل العقل أنه ترك الامة مهملة من نائب ينص عليه

[ 37 ]

والمدة طويلة خطيرة كثيرة بعد وفاته. الفصل التاسع والخمسون: ومنها أن جدك محمد صلى الله عليه وآله أفضل السلام والتحية ما كان ينفذ عسكرا أو سرية إلا ويجعل فيهم رئيسا عليهم يضم شملهم ويصلح فاسدهم ويحسن إليهم فكيف تقبل العقول أنه يترك الامة كلها بعد وفاته إلى الله جل جلاله في مسافة مدتها إلى الان ست مائة وتسع وثلاثون سنة وبعدها إلى يوم القيامة ولا يجعل لهم رئيسا يصلح حالهم ويصونهم عن الذي جرى عليهم من الاختلاف والندامة. ومنها نصوص الله جل جلاله وتقدس كماله على جدك مولانا علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه بالايات الباهرات في ذاته وصفاته وفي مقاماته وتعريف الامة بكرامته وما أخبرها من أسرار الله جل جلاله ورسوله صلوات الله عليه وآله الدالة على أنها نصوص عليه بأن مرجع الامة في جميع أمورهم إليه فإن الصفات الكاملة للرئيس في رئاسته نصوص على إمامته والصفات الناقصة لرعيته نصوص عليهم أنهم في حكم شريعته وتبع لارادته. ومنها أن جدك محمدا صلوات الله عليه وآله حرم على من حرم عليه من أمته أن يتركوا الوصية وقال من مات بغير وصية فقد مات موتة جاهلية فكيف قبلت العقول أن من يعلم الناس الوصية لمن يخلفونه يترك الوصية بهم بالكلية وقد علم أنهم يختلفون بعد وفاته ويخالفونه. ومنها أن كل منصف عاقل فاضل من أهل الاسلام بعيد أن يقبل عقله أن محمدا جدك عليه وآله أفضل الصلاة والسلام يتلوا عليهم قرآنا يتضمن (اليوم

[ 38 ]

أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا) ثم يدعي مدع أنه عليه السلام مات وترك أمته متحيرين في الامامة وهي من أهم أمور الاسلام والمسلمين حتى ضرب بعضهم رقاب بعض وكذب بعضهم بعضا وتفرقوا ثلاثا وسبعين فرقة وافتضحوا بين أهل الملل أين هذا الاختلاف والنقصان من وصف دينه بالكمال بصريح القرآن لولا أنهم افتضحوا وخالفوا دليلهم على الاسلاف بالغلط والبهتان يا ولدي محمد إن هذه الاية نزلت يوم نص رسول الله صلى الله عليه وآله على أبيك علي بن أبي طالب صلوات الله عليه وآله النص العام يوم الغدير كما رواه جميع أهل الفضل من المسلمين للتعصب لستر هذا اليوم الذي كان ينبغي أن يعرف تاريخه جمهور العارفين ويكون عيدا عظيما واضحا مبينا حيث أكمل الله جل جلاله فيه الدين وأتم النعمة ورضي لنا الاسلام دينا ولقد ذكرت في الطرايف من صحاحهم أن بعض اليهود قال لو كان مثل هذا اليوم في التوراة كان عيدا لهم مسنونا. ومنها يا ولدي محمد صانك الله جل جلاله بدروعه الواقية وعناياته الكافية أنه كان ينبغي لاهل الاسلام أن يعتقدوا جميعا أن محمدا جدك صلى الله عليه وآله وصى بهم إلى من يقوم مقامه ولم يعرفوه باسمه لان ذلك مناسب لصفات كماله المعلومة التي لا يدخلها طعن ولا نقص في خصاله فكيف بلغ التعصب إلى تكذيب ما يروى متواترا من النصوص بالوصية وهي من جملة صفاته عليه السلام الكاملة النبوية وهان الرضا بالطعن على صفاته الكاملة بنقصه بترك الوصية إن هذا من عجيب المكابرة والعصبية.

[ 39 ]

ومنها أننا لو فرضنا أنها قد بلغت العقلاء وفاة جدك محمد صلى الله عليه وآله قبل أن يختلف المسلمون في أن هل نص على أحد يقوم مقامه أم لا وإلا قد شاع أنه قال كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته أليس كان يعتقد كل عاقل بعيد المكان عن مدينته أنه ما مات إلا وقد نص على من يقوم مقامه في أمته فإنه ما هون بما يحتاج الناس من وصيته وترتيب سائس لرعيته فكيف جاز جحود ما سبق إلى فطرة العقول من كمال الرسول صلى الله عليه وآله وهو الذي يتلقاه الالباب بالقبول. ومنها أنه لو سئل سائل القوم الذين كانوا يدعون على أنه ما نص على من يقوم مقامه في الامة وقال لهم ما تقولون أنه لو نص على أحد كما يعتقده أهل العصمة هل كنتم تقبلون منه أو تعرضون عنه فلا بد أنهم يقولون إنهم كانوا يقبلون من نصه على من يقوم مقامه للعباد فإذا قالوا إنهم كانوا يقبلون فيقال لهم فعلى قولكم هذا يكون الذنب واللوم في كل ما وقع بترك النص من التفريق والعناد والفساد عليه أو على من أرسله على مقتضى قولكم الذي بعدتم فيه من العقل والسداد فهل بقي إلا أنه نص على من يقوم مقامه وركب الحجة على العباد وكان الذنب واللوم لمن خالف نصه من الاعداء والحساد. ومنها أن يقال لمن زعم أن الائمة عليهم السلام لا يحتاجون إلى العصمة هل تقبل عقولكم أن نبينا علم الله تعالى أنه يفتح في حياته قريات وحصونا صغيرة ويسلم على يديه نفوس يسيرة فيجعله الله جل جلاله معصوما ويريد الوحي إليه ويكلمه فيما يحتاج أمته إليه ثم يعلم أن بعد وفاته يحتاج الناس إلى رئيس يفتح

[ 40 ]

أضعاف ما فتحه من البلاد ويسلم من الامم أضعاف من أسلم على يده من العباد وينتشر حيلهم ويقع الخلف بينهم وينقطع الوحي عنهم ولا يكون الذي يقوم مقامه فيهم معصوما حتى يقوم في الاثقال الزائدة ويوثق منه بالعدل وترك الاعمال الفاسدة هذا ما يدعيه على الله جل جلاله وعلى جدك محمد صلى الله عليه وآله إلا عقول غافلة أو جاهلة أو معاندة. ومنها أن بني آدم قد خلقوا من أخلاط متضادة من حار وبارد ورطب ويابس وجواهر وأجسام ترابية وعقول وأرواح روحانية فمتى لم يكن لهم إمام على صفات صاحب النبوة صلوات الله عليه وآله قد اصطلحت الامور المتضادة فيه وصار فعاله موافقا لمقاله مكملا في سائر أحواله كان له شغل شاغل بالمتصادات في ذاته وصفاته عن تقويم الخلايق المتنازعين له في إرادته. ومنها النصوص الصريحة من طرق المخالف والمؤالف التي قد عمي العدو عنها حتى نقلها كما عمي اليهود والنصارى على نصوص الله جل جلاله ونصوص عيسى وموسى عليهما السلام على محمد صلى الله عليه وآله بالنبوة ونقلوها مع الجحود لها والغفلة عنها المتضمنة لامامة أبيك أمير المؤمنين عليه السلام بغير فصل بعد جدك سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وعليهم وإمامة الاثني عشر من عترتهما الطاهرين صلوات عليهم أجمعين ومن واحد منهم إلى واحد على حد واحد من العدد والتسمية والتعيين وانتظام كمال كل واحد منهم في العلم وجواب السائلين وما يحتاج إليه أهل وقته من المكلفين وتعظيمهم عند العدو والولي في الحياة وتعظيم قبورهم مع كثرة الاعداء لهم بعد الوفاة وفي ذلك

[ 41 ]

الاطباق والاتساق آيات بينات باهرات للناظرين وحجج لرب العالمين ولسيد المرسلين لئلا يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين، وقد أشرت في كتاب الطرائف إلى تفاصيل منها على الوجه الواضح الكاشف وسيأتي في فصول هذا الكتاب زيادة تنبيه وتفصيل شاف لذوي الالباب إنشاء الله تعالى. ومنها أن علوم أئمتك صلوات الله عليهم كانت آية لله جل جلاله فيهم ومعجزة دالة على إمامتهم لانهم لم يعرف لهم أستاذ يترددون إليه ولا يشتغلون عليه ولا رآهم شيعتهم ولا أعداؤهم أنهم يقرؤن تلك العلوم على آبائهم على عادة المتعلمين ولا على صفات المدرسين ولا عرف لهم كتاب مصنف اشتغلوا فيه ولا تأليفا دروا حفظ معانيه ولم يعرف عنهم إلا إذا مات الحي منهم قام الباقي بعده من ولده الذي أوصى إليه بالامامة مقامه في علمه وكلما يحتاج إليه من الخصائص والكرامة. ومنها أن رواة الشيعة الامامية أجمعوا على الاطباق والوفاق من حياة جدك محمد وأبيك علي صلوات الله عليهما وآلهما أن الائمة من ذريتهما يكونون عددا معينا بالاسماء وتعيين الاباء والابناء وكمال الصفات ثم صدق الله جل جلاله تلك الروايات بوجودهم على ما تقدم الخبر به من الاوقات السالفات وكان هذا من آيات الله جل جلاله فيهم ومعجزات رسوله إكراما لهم عليهم السلام ومعجزات إمامتهم. ومنها أنك لا تجد أحدا من القرابة والصحابة اتفق له اتفاقا ولا استحقاقا وجود العدد الذي أجمعت عليه الامامية من ولد عن والد وطارف

[ 42 ]

عن تالد، وموصوف كل واحد منهم بعلم باهر وزهد ماهر وله شيعة يدينون الله جل جلاله بإمامته قد طبقوا الارض لا يزيدهم كثرة العدو وقتل نفوسهم وتغلب الملوك عليهم إلا قوة في عقيدتهم. ومنها أنك لا تجد الائمة من قومك الطاهرين عجزوا عن شئ من جوابات السائلين أو رجعوا إلى كتب المصنفين ولا الاستعانة بغيرهم من علماء المسلمين وإن سئلوا عن أخبار الملا الاعلى بادروا بالجواب وأخبروا بالصواب وإن سئلوا عن أسرار من مضى من الامم السالفة أخبروا بغير توقف ولا ارتياب وإن سئلوا عن تفسير الكتاب أو الشريعة وما يتبعها من أسرار يوم الحساب أجابوا جواب العالم بتفصيل الاسباب وهذا من آيات الله جل جلاله فيهم ومعجزات رسوله صلوات الله عليه وعليهم ومعجزات أبيهم. ومنها أنك تجد كتب الشيعة ورواياتهم متواترة ومتظافرة بتعريف خلق كثير منهم بأوقات وفاتهم وإنفاذ أكفان لهم لتلك الاوقات في حياتهم وتصديق من أخبروا به وكل ذلك من آيات الله جل جلاله الباهرة وحججه القاهرة. ومنها أنك تجد كتب الشيعة ورواياتهم متظافرة بتعريف جماعة كثير منهم كم يولد لهم من الاولاد وأسماء من يولد له وسطر الجواب عن السؤال عن هذه الاسرار الالهية والمعجزات النبوية والدلالات على الامامة المرضية على رؤوس الاشهاد وهي من الحجج الواضحة والدلائل الباهرة. ومنها أنك تجد كتب الشيعة وغيرهم مما ناظروا به أهل الاديان وكيف خاطبوا كلا منهم بكتابه إن كان يهوديا قرؤا له من التوراة وإن كان

[ 43 ]

نصرانيا قرؤا له بالانجيل وما عرف لهم أبدا تردد ولا اتحاد ولا وداد لأهل تلك الكتب بالكلية وكان ذلك من الايات اللازمة لمن عرفها من البرية وقد اقتصرت على يسير من كثير من الدلالة لئلا أطيل عليك في الرسالة. الفصل الستون: وأما ما تشبث به من ضل عن سواء السبيل بحديث يوم السقيفة وما جرى فيه من التأويل فقد كان ينبغي لهم أن يجتهدوا في ستر الحال على أولئك الجماعة وتغطية ما فضحوا به أنفسهم من ترك نبيهم صلى الله عليه وآله المفروض الطاعة الذي أمرهم الله جل جلاله بتعظيمه وتوقيره كان سبب ما وصلوا إليه من خير الدنيا والاخرة قليله وكثيره ولم يصبروا حتى يغسل ويكفن ويقضى حق المصيبة بفقده بل سارعوا إلى تركه على المغتسل واشتغلوا بطلب ما زهدهم فيه من الدنيا كأنهم كانوا يتمنون موته والتمكن من الدنيا بعده وكان يليق بالتوفيق أن يشغلوا أولياءهم بالفكر هل يعفو الله عن ذلك التفريط الهائل والاستخفاف الذاهل وهل يقبل الله جل جلاله التوبة من ذلك القبيح الخاطل فكيف صار مقام الخطأ والاعتذار والاستغفار من مقامات الاحتجاج والانتصار إن في ذلك لعبرة لاولي الابصار وفضيحة من فضائح دار الاغترار. الفصل الحادي والستون: واعلم يا ولدي محمد وصل الله جل جلاله بينك وبين معرفة مراده صلة تكمل لك شرف إسعاده وإنجاده أنه لو كان الاجتماع في السقيفة لغير الحيلة على مراسم مخالفة جدك صلوات عليه وآله المقدسة المنيفة ولغير منافسة نافس من الانصار لمن خافوا تغلبه على أبيك أمير المؤمنين

[ 44 ]

من المهاجرين كان يكون اجتماعهم في مسجد جدك محمد صلى الله عليه وآله فإنه كان محل اجتماع المسلمين وموضع المشاورة وتدبير المختلفين ومجلس إصلاح أمور الدنيا والدين وكانوا تناصحوا أو تواسلوا وسمع بعضهم من بعض على عادة المناصحين والمتفقين والمشفقين وهذا والله لا يخفى يا ولدي على من له اطلاع على ما جرى من أحوال أولئك المحتالين والمتغلبين ولذلك تأخر بنو هاشم وغيرهم من متابعيهم وأعقب الهلاك إلى يوم يظهر الاسلام على جميع أعداء الدين وصار ذلك التحيل والتغلب سنة حتى وصلت خلافة الاسلام إلى ملوك بني أمية الظالمين وإلى الخوارج وغيرهم من المتأولين واظلمت الطرق بين الامة وبين سيد المرسلين وعترته الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين. الفصل الثاني والستون: ومما يدلك يا ولدي محمد شرفك الله جل جلاله بزيادة دلالته وسعادة عناياته على كذب من زعم أن جدك محمدا صلى الله عليه وآله انتقل إلى جوار الله جل جلاله ولم ينص على إمام يقوم مقامه في أمته وأن الذين فتحوا ذكره بذلك قد ردوا على أنفسهم وشهدوا بنصه عليه وآله السلام على إمام معلوم بقبيلته بإجماعهم وتواترهم أن النبي صلى الله عليه وآله قال الائمة من قريش وهذا نص صريح منه على تعيين الامام وأنه من قبيلة قريش دون سائر القبائل فإن كان تعيين القبيلة لئلا يضل الامة عن قبيلته وشفقته على أمته فالعقل يشهد أن تعيين الامام من هذه القبيلة، قريش العزيزة عليه وصيانتها من الضلال والاختلاف الذي بلغ حالها إليه كان أليق بشفقته وأهم عند نبوته وأن المقتضي تعيين القبيلة هو المقتضي تعيين واحد منها

[ 45 ]

عند من أنصف من نفسه وعرف ما عامل الله جل جلاله ورسوله عليه السلام به المسلمون من هدايته ورحمته وإلا فكيف قضى العقل أنه نزه البعداء من قريش عن الضلال وعرفهم أن الامام ما هو منهم بحال من الاحوال وترك قومه قريشا الذين قال الله جل جلاله فيهم على التعيين (وأنذر عشيرتك الاقربين) مختلفين الضالين هالكين بإهمال تعييين الامام منهم، أما يكون ذلك على القول الذين ذكروا أنه ما نص على واحد منهم سبب كل ضلال أو هلاك وقع منهم إن ذلك لمستحيل في العقول ولبهتان في المنقول. الفصل الثالث والستون: وليس بغريب مع قوم قد بلغ اختلاطهم وجهلهم وجنونهم إلى أن عرفوا متواترا لا يختلفون فيه أن جميع من يعتبر بأعماله من أهل المدينة من الصحابة والتابعين والصالحين ومن حضرهم من سائر المسلمين أجمعوا على أن عثمان بن عفان حلال الدم يجب المبادرة إلى قتله ولا يحل تغسيله ولا الصلوة عليه ولا دفنه وقتلوه على هذه الحالة وبقي ثلاثة لا يرى أحد منهم دفنه حتى دفنه بعض بني أمية سرا من الصحابة والتابعين والصالحين ثم بعد الاحتماع والتواتر والبرائة من عثمان وخروجه عن حكم الاسلام والايمان عادوا إلى تكذيب الصحابة وأهل المدينة ومن حضرهم من المسلمين وطعنوا عليهم وفضحوهم في البلاد وشرعوا يمدحون عثمان بن عفان ويشكرونه ويثنون عليه بالبهتان ويطعنون بذلك على أهل المدينة كافة وأعيان الصحابة ويشهدون عليهم أنهم قد يجتمعون على المحال ويستحلون ما حرم الله من الدماء استحلالا وفي ذلك طعن على روايتهم عنهم وهدم لما

[ 46 ]

نقلوه من الاسلام الذي ظهر منهم وزاد حديث التعصب لعثمان حتى يذكر على المنابر بالمدح وتعظيم الشأن وافتضحنا مع اليهود والنصارى وأعداء الدين بهذه المناقصات البعيدة من صفات العارفين والعقلاء وقد كان الواجب قطع حديث عثمان بالكلية وطم جيفة ذكره في الملة النبوية حتى لا يبقى له ذكر إن أمكن بحال من الاحوال تزكية للصحابة والتابعين ومن وافقهم على استحلال دمه وموافقته لهم في الفعل فهل يستبعد من مثل هؤلاء الجهال المخالفة لجدك محمد صلوات الله عليه وآله والتعصب على أبيك علي عليه السلام بما وقع بينهم من الاختلاف. الفصل الرابع والستون: وليس بغريب من أمة كان فيهم علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام أمه بنت كسرى من أعظم ملوك الدنيا وجده محمد صلى الله عليه وآله ملك الدنيا والاخرة، وأبوه علي من أعظم خلفاء الاسلام وهو على صفات فضل بها أهل زمانه ودلت على علو شأنه فيتركونه ترك من لا يلتفتون إليه ولا يعرضون نفوسهم عليه ويطرحون نفوسهم على بني أمية الملاعين ويبايعونهم بالاتفاق والوفاق وترك الشقاق والافتراق ويهدمون بذلك أركان الاسلام والمسلمين فهل يستبعد من هؤلاء وأمثالهم ما وقع من ضلالهم واختلالهم وسوء أفعالهم وتعصبهم لمحالهم. الفصل الخامس والستون: وليس بغريب من قوم أعابوا جدك الحسن عليه السلام على صلح معاوية وهو كان بأمر جده رسول الله صلى الله عليه وآله وقد صالح جده الكفار وكان عذره في ذلك أوضح الاعذار فلما قام

[ 47 ]

أخوه الحسين عليه السلام بنصرهم وإجابة سئوالهم وترك المصالحة ليزيد المارق كانوا بين قاتل وخاذل حتى ما عرفنا أنهم غضبوا في أيام يزيد لذلك القتل الشنيع ولا خرجوا عليه ولا عزلوه عن ولايته وغضبوا لعبد الله بن الزبير وساعدوه على ضلالته وافتضحوا بهذه المناقصة الهائلة وظهر سوء اختياراتهم النازلة فهل يستبعد من هؤلاء ضلال عن الصراط المستقيم وقد بلغوا إلى هذا الحال السقيم العظيم الذميم. الفصل السادس والستون: اعلم يا ولدي محمد أسعدك الله جل جلاله بسعادة خاصته وأيدك بكامل عنايته أنني حادثت يوما بعض أهل الخلاف وكان يرجى منه حصول الانصاف وقلت له أنت تعرف أبا بكر لما حضر في سقيفة بني ساعدة وعمر عن يمينه وأبو عبيدة عن يساره قد اخترت لكم أحد هذين الرجلين يريد أنهما أحق بالخلافة منه ومن سواه فإن كان هذا الاختيار منه لهما عن حقيقة وموافقا لطاعة الله ورضاه فتقديم نفسه بالخلافة عليهما بعد هذا المقال خيانة للامة وخلاف ما كان قد نص عليهما في أنهما أقوم بتلك الاثقال وإن كان هذا الاختيار منه لهما عن حيلة تشاوروا فيها بأن يقول هو هذا ويقولان هما إنا نريدك أو قال هذا وهو يعلم أنه أقوم بأمر الخلافة وأصلح للامة فقد غش المسلمين وخان رب العالمين وسيد المرسلين في تعيينه على عمر وأبا عبيدة بالخلافة فعرف المخالف الحق وعلم أن أمورهم كانت مغالبة وحيلة على الملك من غير مراقبة الله تعالى ولا مخافته منه جل جلاله. الفصل السابع والستون: يا ولدي محمد خلفني الله جل جلاله فيك

[ 48 ]

أحسن الخلافة وكمل لك تحف العناية والرأفة، أنني ذاكرت بعض من يعرف ما جرى يوم السقيفة من التهون بالدين والمنافسة من أولئك الانصار لمن غالبوه ونافسوه من المهاجرين فقلت إن كان اجتماع من اجتمع في السقيفة من الانصار له أثر في الاستقامة والامامة فقد اتفقوا قبل حضور أبي بكر وعمر عندهم على أن الامامة فيهم وأن المهاجرين لا إمامة لهم بتعيينهم على سعد ابن عبادة فإن كان اجماعهم الاول يحتمل الغلط والخطأ بل كان عندهم غلطا وخطأ لتقديمهم على قريش فكذا كان عقد من عقد منهم الخلافة لابي بكر يحتمل الغلط والخطأ بل قد كان غلطا وخطأ لما جرى من سوء عاقبته واختلاف المسلمين وإطباق أهل البيت على غلط ذلك العقد ومضرته ولو لم يكن من دلائل غلطهم إلا سبقهم لشيوخ آل أبي طالب وآل عباس وبني هاشم وأعيان المهاجرين والزهاد من الناس إلى الاختيار لرجل يقدمونه عليهم من غير مشاورة لهم ولا طلب حضورهم ولا مراسلة إليهم ومن عجائب ذلك الاجتماع أن أبا بكر لما غلب الانصار بقوله إن الائمة من قريش فقد صار الحديث حجة في الامامة مع قريش كلها على قوله فهلا رجعوا من السقيفة إلى قريش فشاوروها في الامة وحيث قد شهدوا أن قد تعينت الامامة لهم فكيف تقدم أبو بكر عليهم قبل مشاورتهم لهم. الفصل الثامن والستون: وليس بغريب يا ولدي محمد اجتماع الحساد والاضداد على خلاف الصلاح والسداد وهذه حال قد جرت لها العادات قد حسد إبليس لعنه الله لآدم عليه السلام وحسد قابيل لهابيل وحسد أهل

[ 49 ]

الدنيا لأهل الاخرة ونفورهم عن أنبيائهم والناصحين لهم ورضاهم بالمهلكات وما أحتاج أن أحيلك على ما سلف من الاوقات فإنك إن اعتبرت حال أهل زمانك وجدت بينهم من الحسد والعداوة ما قد أعمى العيون من الحاسدين على الصواب ورضوا بمعادات سلطان الحساب وفوات دار الثواب. الفصل التاسع والستون: وليس بغريب يا ولدي محمد عمي من عمي عن نص الله جل جلاله على أبيك علي بن أبي طالب عليه السلام بالامامة وقد عمي كثير منهم من نص الله جل جلاله على وجود ذاته المقدسة الالهية بوجود آثاره ودلائله الباهرة في جميع البرية. الفصل السبعون: وليس بغريب يا ولدي محمد أن يقع من أكثر أصحاب جدك محمد صلوات الله عليه وآله مخالفة له في نصه على أبيك علي صلوات الله عليه بعد وفاته وقد خالفوه في أمور كثيرة في حياته وعند مماته وقد كان في وقت الحياة يرجى ويخاف فالوحي ينزل إليه بأسرارهم ولما مات انقطع الرجا والخوف وانسد باب الوحي واستمروا في طلب شهواتهم وفساد اختياراتهم أما علمت أنهم فارقوه في حنين، وفي أحد، وعند الحاجة إليهم وخذلوه في خيبر، وفارقوه وهو يتلو كلام الله جل جلاله ومواعظه عليهم وبادروا إلى نظر تجارة انفضوا إليها وطلب الله جل جلاله عند مناجاته صدقة يسيرة فتركوا مناجته حتى عاتبهم الله تعالى عليها وسيأتي تفصيل هذه المقامات في جملة مناظرة لنا مع فقيه من أهل المخالفات في بعض هذه الرسالة وانتفع الفقيه ورجع عن الضلالة.

[ 50 ]

الفصل الحادي والسبعون: وليس بغريب من قوم لم يحفظوا ألفاظ الاذان وهي تتلى عليهم في كل يوم وليلة مرات على سبيل الاعلان حتى اختلفوا في صفاتها أن يضعوا كثيرا من نصوص الامامة مع ميلهم وحسدهم وعداوتهم إلى جحودها، وقطعهم لروايتها، وقد رأيناهم أهملوا ما هو عندهم من المهمات مثل موضع قبر عثمان وقد كان قتله من الامور المشهورات، ومثل جهلهم بقبر عائشة التي هي عندهم من أفضل الامهات، وغير ذلك من الامور المهمات فكذا أهملوا النصوص على أبيك عليه السلام كإهمالهم أمثالها لاجل الحسد والعدوان. الفصل الثاني والسبعون: واعلم يا ولدي محمد ملأ الله جل جلاله قلبك نورا ووهبك تعظيما لقدره ونعيما وملكا كبيرا، أن الانبياء عليهم السلام ما بعث أحد منهم بعبادة الاصنام ولا عبادة شمس ولا قمر ولا نور ولا ظلمة ولا حجر ولا شجر ولا عبادة غير فاطرهم وخالقهم ورازقهم وورد النقل عنهم أنهم كانوا مائة ألف نبي وأربعة وعشرين ألف نبي صلوات الله عليهم كل واحد منهم كان هاديا وداعيا إليهم ومع هذا كله فإن أكثر الخلايق ضلوا عن هؤلاء الانبياء الماضين وعبدوا غير رب العالمين فلا عجب أن تضل أكثر هذه الامة عن واحد من جملة مائة ألف وأربعة وعشرين ألف نبي قد وقع الضلال عنهم وادعى عليهم أتباعهم ما لم يقع منهم بل لو لم تضل أكثر هذه الامة كان ذلك ناقضا للعادات وخلاف ما يقتضيه طباع البشر واختلافهم في الاعتقادات.

[ 51 ]

الفصل الثالث والسبعون: وليس بغريب من قوم كابروا أو اشتبه عليهم الحال بين الله جل جلاله وبين خشبة عبدوها من دونه أو حجر أن يكابروا أو يشتبه عليهم الحال بين جدك علي بن أبي طالب عليه السلام ومن تقدمه من البشر وما كان يحصل لهم من الانام ذهب ولا فضة ولا ولاية ولا أنعام فكيف لا يفارقون جدك عليا عليه السلام وقد حصل لهم من يعطيهم ويرجون منه ما لا يرجون من جدك علي عليه السلام من الامال والاموال والله إن بقاءه بينهم صلى الله عليه وآله فيهم إلى الوقت الذي بقي إليه صلوات الله عليه آية الله جل جلاله يعرفها المطلعون على تلك الاحوال. الفصل الرابع والسبعون: وأما تفصيل معرفة صحة الامامة الاثني عشر من عترة سيد البشر، رسول رب العالمين، صلوات الله عليه وعليهم أجمعين فقد تقدم التنبيه عليها والهداية إليها ونزيدك بيانا أن كل من ادعى له أحد من المسلمين الامامة في زمان واحد من أئمتك عليهم السلام فاعتبر حاله في الكتب والتواريخ فإنك تجده لا يصلح لرعاية بلد واحد ولا تدبير جيش واحد ولا تدبير نفسه على وجه واحد وأن الذين اختاروه قد رووا الطعون عليه وهدموا ما بنوه فانظر كتاب (الطرايف) تجد الامور كلها كما أشرت إليه. الفصل الخامس والسبعون: وقد كشف الله جل جلاله لك يا ولدي محمد على لسان المخالف والمؤالف أن جدك محمدا صلوات الله عليه وآله قال على رؤوس الاشهاد لا يزال الاسلام عزيزا ما وليهم اثني عشر خليفة كلهم من قريش وهذا العدد ما عرفنا أن أحدا اعتقده غير الامامية وهو تصديق لما

[ 52 ]

أنت عليه وسلفك من اعتقاد إمامة الاثني عشر من الصفوة النبوية وقد تضمن كتاب الطرائف ذكر الاحاديث بذلك وأمثاله على وجه لا يشك فيه عقل العارف. الفصل السادس والسبعون: وما أوضح الله جل جلاله على يدي في كتاب (الطرائف) من النصوص الصحيحة الصريحة على أبيك علي بن أبي طالب صلوات الله عليه وآله ما لا يخفى على أهل الاستقامة مثل قول جدك محمد صلوات الله وسلامه عليه وآله على المنابر وعلى رؤوس الاشهاد (وإني بشر يوشك أن أدعى فأجيب) إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، وإنما كان أهل بيته في ذلك الوقت جماعة أنزل الله جل جلاله في القرآن تعيين أهل بيته في قوله جل جلاله (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) فجمع جدك محمد صلوات الله عليه وآله أباك عليا وأمك فاطمة سيدة نساء العالمين وأباك الحسن وعمك الحسين وهو جدك أيضا من جهة أمك أم كلثوم بنت زين العابدين عليهم السلام أجمعين، وقال هؤلاء أهل بيتي وما أبقى عذرا في مخالفته للمعتذرين وكفى سلفك الطاهرين حجة على المخالفين وحجة للموافقين التابعين عليهم يوم المباهلة مباهلة المسلمين للكافرين وكان ذلك اليوم من أعظم الايام عند جدك محمد سيد المرسلين صلوات الله عليه وآله (ومعجزاته) وكشف الحجة للسامعين ولمن يبلغهم إلى يوم الدين، فإن كل من عرف تلك الاصول عرف عدد الاثني عشر على اليقين وهل كان كمال صفات رب العالمين وكمال صفات

[ 53 ]

رسول المفضل على الاولين والاخرين أن يكون نوابهما غير كاملين معصومين وهما يريدان أن يحفظوا أسرارهما وشريعتهما ويقوموا بأمور الدنيا والاخرة قياما مستمرا بغير تهوين ولا توهين. الفصل السابع والسبعون: واعلم يا ولدي محمد ألهمك الله ما يريده منك ويرضى به عنك أن غيبة مولانا (المهدي) صلوات الله عليه التي حيرت المخالف والمؤالف هي من جملة الحجج على ثبوت إمامته وإمامة آبائه الطاهرين صلوات الله على جده محمد وعليهم أجمعين، لانك إذا وقفت على كتب الشيعة أو غيرهم مثل كتاب الغيبة لابن بابويه، وكتاب الغيبة للنعماني، ومثل كتاب الشفاء والجلاء، ومثل كتاب أبي نعيم الحافظ في أخبار المهدي ونعوته وحقيقة مخرجه وثبوته، والكتب التي أشرت إليها في كتاب (الطرائف) وجدتها أو أكثرها تضمنت قبل ولادته أنه يغيب عليه السلام غيبة طويلة حتى يرجع عن إمامته بعض من كان يقول بها فلو لم يغب هذه الغيبة كان طعنا في إمامة آبائه وفيه فصارت الغيبة حجة لهم عليهم السلام وحجة على مخالفيه في ثبوت إمامته وصحة غيبته مع أنه عليه السلام حاضر مع الله جل جلاله على اليقين وإنما غاب من لم يلقه عنهم لغيبتهم عمن حضره للمتابعة له ولرب العالمين. الفصل الثامن والسبعون: فإن أدركت يا ولدي موافقة توفيقك لكشف الاسرار عنك عرفتك من حديث المهدي صلوات عليه ما لا يشتبه عليك وتستغني بذلك عن الحجج المعقولات ومن الروايات، فإنه صلى الله عليه حي

[ 54 ]

موجود على التحقيق ومعذور عن كشف أمره إلى أن يؤذن له تدبير الله الرحيم الشفيق كما جرت عليه عادة كثير من الانبياء والاوصياء، فاعلم ذلك يقينا واجعله عقيدة ودينا فإن أباك معرفته أبلغ من معرفة ضياء شمس النهار. الفصل التاسع والسبعون: ولقد جمعني وبعض أهل الخلاف مجلس منفرد فقلت لهم ما الذي تأخذون على الامامية عرفوني به بغير تقية لأذكر ما عندي وفيه غلقنا باب الموضع الذي كنا ساكنيه فقالوا نأخذ عليهم تعرضهم بالصحابة، ونأخذ عليهم القول بالرجعة، والقول بالمتعة، ونأخذ عليهم حديث المهدي وأنه حي مع تطاول زمان غيبته، فقلت لهم أما ما ذكرتم من تعرض من أشرتم إليه بذم بعض الصحابة فأنتم تعلمون أن كثيرا من الصحابة استحل بعضهم دماء بعض في حرب طلحة والزبير وعائشة لمولانا علي عليه السلام وفي حرب معاوية له أيضا واستباحوا أعراض بعضهم لبعض حتى لعن بعضهم بعضا على منابر الاسلام فأولئك هم الذين طرقوا سبيل الناس للطعن عليهم وبهم اقتدى من ذمهم ونسب القبيح إليهم، فإن كان لهم عذر في الذي عملوه من استحلال الدماء وإباحة الاعراض فالذين اقتدوا بهم أعذر وأبعد من أن تنسبوهم إلى سوء التعصب والاعراض فوافقوا على ذلك، وقلت لهم وأما حديث ما أخذتم عليه من القول بالرجعة فأنتم ترون أن النبي صلى الله عليه وآله قال إنه يجري في أمته ما جرى في الامم السابقة وهذا القرآن يتضمن (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم) فشهد جل جلاله أنه قد أحيا الموتى في الدنيا وهي رجعة

[ 55 ]

فينبغي أن يكون في هذه الامة مثل ذلك فوافقوا على ذلك، فقلت لهم وأما أخذتم عليهم القول بالمتعة فأنتم أحوجتم الشيعة إلى صحة الحكم بها لانكم رويتم في صحاحكم عن جابر بن عبد الله الانصاري، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وسلمة بن الاكوع، وعمران بن الحصين وأنس بن مالك، وهم من أعيان الصحابة أن النبي صلى الله عليه وآله مات ولم يحرمها فلما رأت الشيعة أن رجالكم وصحاح كتبكم قد صدقت رجالكم ورواتهم أخذوا بالمجمع عليه وتركوا ما انفردتم به فوافقوا على ذلك، وقلت لهم وأما ما أخذتم عليه من طول غيبة المهدي عليه السلام فأنتم تعلمون أنه لو حضر رجل وقال أمشي على الماء ببغداد فإنه يجتمع لمشاهدته لعل كل من يقدر على ذلك منهم فإذا مشى على الماء وتعجب الناس منه فجاء آخر قبل أن يتفرقوا وقال أيضا أنا أمشي على الماء فإن التعجب منه يكون أقل من ذلك فمشى على الماء فإن بعض الحاضرين ربما يتفرقون ويقل تعجبهم فإذا جاء ثالث وقال أنا أيضا أمشي على الماء فربما لا يقف للنظر إليه إلا قليل فإذا مشى على الماء سقط التعجب من ذلك فإن جاء رابع وذكر أنه يمشي أيضا على الماء فربما لا يبقى أحد ينظر إليه ولا يتعجب منه وهذه حالة المهدي عليه السلام لانكم رويتم أن إدريس حي موجود في السماء منذ زمانه إلى الان، ورويتم أن الخضر حي موجود مذ زمان موسى عليه السلام أو قبله إلى الان، ورويتم أن عيسى حي موجود في السماء وأنه يرجع إلى الارض مع المهدي عليه السلام فهذه ثلاثة نفر من البشر قد طالت أعمارهم وسقط التعجب بهم من طول أعمارهم

[ 56 ]

فهلا كان لمحمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه وآله أسوة بواحد منهم أن يكون من عترته آية الله جل جلاله في أمته بطول عمر واحد من ذريته فقد ذكرتم ورويتم في صفته أنه يملأ الارض قسطا وعدلا بعد ما ملئت جورا وظلما، ولو فكرتم لعرفتم أن تصديقكم وشهادتكم أنه يملأ الارض بالعدل شرقا وغربا وبعدا وقربا أعجب من طول بقائه وأقرب إلى أن يكون ملحوظا بكرامات الله جل جلاله لاوليائه وقد شهدتم أيضا له أن عيسى بن مريم النبي المعظم عليهما السلام يصلي خلفه مقتديا به في صلوته وتبعا له ومنصورا به في حروبه وغزواته وهذا أيضا أعظم مقاما مما استبعدتموه من طول حياته فوافقوا على ذلك، وفي حكاية الكلام زيادة فاطلب من الطرائف وغيرها. الفصل الثمانون: واعلم يا ولدي محمد كشف الله جل جلاله لك عن مراده بيد كمال إسعاده وإنجاده وأوفاده، أنني وجدت خلقا من المتعصبين على أبيك علي عليه السلام أو الجاهلين بإنعام الله جل جلاله عليه يعتقدون أن الذين فتحوا بعض بلاد الكفر بعد جدك محمد صلوات عليه وآله قد بلغوا بذلك مبلغا لم يبلغ جدك محمد صلوات الله عليه وآله إليه وينبغي أن تتحقق يا ولدي أن فتح البلاد والتسلط على العباد قد جرى أكثره على يد أهل الفساد وعلى يد من لم يقصد به رضى سلطان العباد وقد روي أن الدنيا ملكها بأسرها كافر يقال له شداد بن عاد وغيره من ذوي العناد وقد كانت البلاد التي فتحها المسلمون قبل فتحها لهم في يد ملوك الكفار والاشرار وما دل على صلاح من كانت في يده من الفجار والذي دلت عليه تواريخ العلماء أن الغالب في دار

[ 57 ]

الفناء للانبياء والاولياء والاتقياء الملوك الظالمون والولاة المتغلبون وقد فتح جهال ملوك بني أمية وسفهاؤهم الذين كانوا عارا على الاسلام والمسلمين من بلاد الكفر ما لم تبلغ إليه الذين تقدموا على أبيك أمير المؤمنين عليه السلام ولم يدل ذلك على صلاح بني أمية المفتضحين الجاهلين. الفصل الحادي والثمانون: واعلم يا ولدي يقينا إنما فتح بلاد الاسلام بعد جدك محمد صلى الله عليه وآله تأييد الله جل جلاله ونصره وما وعده أن يبلغ إليه نبوته وأمره وقد كان جدك صلى الله عليه وآله أخبر جماعة من المسلمين أنه يفتح على يد نبوته بلاد كسرى وقيصر وكلما فتحوه بعده وكان المسلمون قد جربوا عليه صدقه ووعده وسمعوا القرآن يتضمن (ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) وقد ذكر جماعة من أصحاب التواريخ تصديق ما أشرت إليه وعلى خاطري مما وقفت عليه ما ذكره أعثم في تاريخه ما معناه أن أبا بكر لما بدء بإنفاذ أبي عبيدة والجيوش إلى الروم ومات قبل أن يفتحها وفتحها المسلمون بعده في ولاية عمر قال له قوم لا تخرج مع العسكر وقال قوم اخرج معهم فقال لأبيك علي عليه السلام ما تقول أنت يا أبا الحسن فقال له علي عليه السلام إن خرجت نصرت وإن أقمت نصرت لان النبي صلى الله عليه وآله وعدنا بالنصر للاسلام فقال له صدقت وأنت وارث علم رسول الله صلى الله عليه وآله، فهل ترى يا ولدي ما كان فتح البلاد إلا بقوة تلك الوعود الصادقة والعناية الالهية الفائقة وأن الذين كانوا خلفاء بالمدينة كان وجودهم كعدمهم كما قال لهم أبوك علي عليه السلام إن خرجت نصرت وإن أقمت نصرت

[ 58 ]

وأقول: اعلم يا ولدي محمد أن ذلك الفتوح كان مقتضيا للجموح والعمى الذي يحتاج إلى قدوح لانهم فتحوها وقادوا أهلها إلى طاعة المتقدمين على أبيك علي أمير المؤمنين عليه السلام الباعدين عن معرفة أسرار رب العالمين وأسرار سيد المرسلين فانتقل أهل تلك البلاد من ضلال الكفر والبهتان إلى ضلال ما جرى بتقدم الناس على أبيك علي عليه السلام من الضلال المستمر إلى الان فأي فتح تفوقوا به غير هذا لولا عمى القلوب، ولقد رأيت في تاريخ لمن لا يتهمه المخالفون في مطلوب أن المسلمين لما اجتمعت عليهم الروم للاستيصال كان المقوي لقلوب كثير من المسلمين مقامات رواها تدل على النصرة في تلك الحال لقصور علمهم وعلم من ولوه عليهم من أسرار ما بين أيديهم. وأقول: يا ولدي محمد لو كانوا قد ولوا أمور الاسلام والمسلمين أباك عليا عليه السلام الذي دلهم عليه جدك سيد المرسلين صلى الله عليه وآله كان قد فتحت البلاد على الاستقامة وكانت مفتوحة إلى يوم القيامة وكان قد عرفهم من أسرار فتوحها وما ينتهي حالهم إليه ما كان قد أودعه جدك محمد صلى الله عليه وآله وكان قد كشف لعلماء الروم من أسرارهم وأسرار الاسلام ما كان يرجى به فتوح البلاد بدون قتل من قتل من المسلمين والكفار وسلموا من الضلال والظلام فإنه قال عليه السلام وأيم الله لو ثني لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم وبين أهل الانجيل بإنجيلهم وبين أهل الزبور بزبورهم وبين أهل القرآن بقرآنهم حتى يزهر كل كتاب ويقول حكم فيه علي بن أبي طالب عليه السلام بحكم الله أما ترى كيف كان عارفا بحروبه في

[ 59 ]

البصرة وقتل الخوارج وبقاء معاوية بعده وأنه عرف خواص أصحابه ما جرى حالهم عليه. الفصل الثاني والثمانون: ويدلك يا ولدي على أن خلفاءهم الذين تقدموا على أبيك أمير المؤمنين عليه السلام ما كانوا من أهل الجهاد في الدين أن جدك محمدا صلى الله عليه وآله ما استصلحهم في حياته لشئ من حروبه وفتوحه وغزواته ولما نفذ أبا بكر ليؤدي سورة براءة إلى المشركين عزله الله جل جلاله عن ذلك وولى مكانه أباك عليا أمير المؤمنين صلوات الله عليه بإطباق أهل الصدق من المسلمين ولما أدخلهم جدك محمد رسول الله صلى الله عليه وآله في فتح خيبر رجعوا منهزمين وكادت أن تذهب حرمة سيد المرسلين بل حرمة مرسله رب العالمين وأن ينكسر ناموس الدين فتلافاه جدك محمد صلى الله عليه وآله بإنفاذ أبيك أمير المؤمنين عليه السلام فظفر بفتح باب خيبر ودفع أهواله ووصل بمراده. الفصل الثالث والثمانون: ويكفيك يا ولدي محمد جملك الله جل جلاله بإقباله ومكاشفة جلاله أن ابتداء قوة رسالة جدك محمد صلى الله عليه وآله حديث بدر الكبرى وقد عزل جدك أبا بكر وعمر عن ذلك المقام وكان قد احتاج فيه إلى المساعدة بصبيان الانصار وإمداد الملائكة وما تخلف عن مباشرة تلك الواقعة ممن حضرها أو قدر على المساعدة من المسلمين إلا النساء ومن يجري مجراهن ممن يخاف وقوع الهرب والخذلان والانكسار منه فكان عزل هذين الرجلين في ذلك المقام من مباشرة الحرب والوقوف بالصف من

[ 60 ]

غير قتل ولا ضرب نصا عليهما أنهما لا يصلحان لرياسة الامة وكشف الغمة ولا لمقام يحتاج إلى علو همة. الفصل الرابع والثمانون: وما اكتفى جدك محمد صلى الله عليه وآله بهذا الكشف حتى ختم حياته وولى عليهما أسامة بن زيد قبل وفاته وهو صبي من صبيان المسلمين وجعلهما رعية له بنص من الله (إنه ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) عند العارفين وهو نص عظيم على أنهما من جملة الرعية لصبي من جملة المستضعفين وهل كان يجوز بعد علمهم بهذا الاختيار من رسول الله صلى الله عليه وآله أن يعكسوا اختياره ويختار أحد منهم تقديمه على كافة أهل الاسلام وقد كان غلطا عظيما ممن ابتدأه من الانام ومصيبة على هذه الامة وبلية على المسلمين وذلك حجة عظيمة على الناس لرب العالمين ولسيد المرسلين يوم اجتماع الاولين والاخرين في أنهما خالفوهما في النص والتعيين. الفصل الخامس والثمانون: واعلم يا ولدي محمد كرمك الله جل جلاله بكمال آلائه وجعلك من خلصائه، أن الذي اقتضى تدبير جدك محمد صلى الله عليه وآله من عزل الذين تقدموا على أبيك أمير المؤمنين عليه السلام عن مقام الجهاد ومبارزة الاقران أيام حياته يقتضي أن من سعادة الاسلام والمسلمين مقامهم في المدينة بعد وفاته ولم يباشروا فتوح بلاد الكافرين وإنما كانوا اسما وصورة يخوف بها من بعد عنها من المشركين وكان تخلفهما عن الحروب مع المسلمين آية لجدك محمد صلوات الله عليه وآله ليتم ما وعد به من الفتح الذي دل عليه ولو حضروا شيئا من فتوح البلاد ما كان يؤمن أن يقع

[ 61 ]

منهما ما وقع في خيبر وغيره من الهرب وترك الجهاد وهلاك العباد. الفصل السادس والثمانون: واعلم يا ولدي محمد حرسك الله جل جلاله من الشواغل عنه بنعمة وعافية مستمرة مستقرة منه، أن إسلام الذين تقدموا على أبيك علي عليه السلام وتزويج جدك محمد صلى الله عليه وآله إليهم وتزويجهم إليه كان على صفة يعرفها من نبهه الله جل جلاله عليها، وقد ذكر الطبرسي أحمد ابن علي بن أبي طالب في كتاب الاحتجاج وغيره أن المهدي عليه السلام ذكر أن سبب إسلامهم أنهم كانوا سمعوا من اليهودية أنه سيظهر محمد ويملك العرب والعباد وأنه يستولي على البلاد وجعلوا لذلك دلائل وعلامات فلما رأوها فيه أسلموا معه طلبا للرياسة، ووقفت أنا على كتاب دانيال المختصر من كتاب الملاحم وهو عندنا الان يتضمن ما يقتضي أن أبا بكر وعمر كانا عرفا من كتاب دانيال وكان عند اليهود حديث ملك النبي صلى الله عليه وآله وولاية رجل من تيم ورجل من عدي بعده دون وصيه أبيك علي عليه السلام وصفتهما فلما رأيا الصفة في محمد جدك صلى الله عليه وآله تبعاه وأسلما معه طلبا للولاية التي ذكرها دانيال في كتابه، ويدل يا ولدي محمد على أن الحال كما ذكره المهدي عليه السلام ودانيال (ع) من أن إسلامهما كان طمعا في الدنيا وأنهما ما طلبا من جدك محمد محاربة القبائل ولا وقفا موقفا يورث عداوة بينهما وبين الاماثل كما فعل أبوك علي بن أبي طالب عليه السلام من عداوة كل من أراد الله ورسوله عداوته من قريب وبعيد وضعيف وشديد بل سكنا سكون الفهد حتى تمكنا من الصيد فسارعا إليه وتركا جدك محمدا صلى

[ 62 ]

الله عليه وآله لم يدفن ولم يشتغلا به بالصلاة والسلام عليه. الفصل السابع والثمانون: وأما حديث التزويج إليهم وتزويجهم إليه عند أسلافك يا ولدي محمد فإن الله جل جلاله كان قد عرف جدك محمدا صلى الله عليه وآله ما يحدث بعده في الاسلام ومخالفة من يخالف من أمته لنصه على أبيك علي عليه السلام بإمامته وأن الله جل جلاله يعذب الامة ويبتليها بتسليط من تقدم على أبيك علي بن أبي طالب عليه السلام كما قال الله جل جلاله (وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون) ولقد كشفت في كتاب (الطرائف) عن معرفة جدك محمد صلى الله عليه وآله بما جرت عليه حال أمته بعد انتقاله وقد ذكرت لك في (الطرائف) كيف أرادوا يحرقون بالنار بيت فاطمة عليها السلام ومن فيه وفيه العباس وجدك علي والحسن والحسين وغيرهم من الاخيار، وكيف يحتل عمر في الشورى في قتل جدك علي عليه السلام إن توقف عن قبول وصيته عمر، وكيف كان يوم السقيفة طريقا إلى طلب الخلافة بالتغلب والاحتيال، وكيف اجتهد معاوية في ذهاب أهل بيت النبوة بالاستيصال، وكيف بلغ ابنه يزيد إلى قتل الحسين على السلام ودوس ظهره الشريف بحوافر الخيل ورفع رأسه المقدس ورؤوس الاطهار على الرماح في بلاد الاسلام وحمل حرمه سبايا كأنهن سبي الكفار ووجد معاوية ابنه يزيد من المسلمين وبقايا الصحابة الضالين ومن أعانهم على ذلك الفساد حتى قتل يزيد أهل المدينة وسبى نساء أهلها وبايعوا على أنهم عبيد قن ليزيد بن معاوية وحتى رمى الكعبة بأحجار المنجنيق وسفك دماء

[ 63 ]

أهل الحرم وبلغ ما لم يبلغ إليه الكفار والاشرار ولعنوا أباك صلوات الله وسلامه عليه والصالحين على منابر المسلمين وهو شئ ما فعله ملوك الكافرين وقتلوا من قدروا على قتله من الشيعة الصالحين فكذا ما يكون يؤمن أن يقع ممن تقدم على أبيك علي أمير المؤمنين عليه السلام وهم أرجح من معاوية ويزيد من ملوك بني أمية المارقين أضعاف ما وقع منهم من الهلاك في الدنيا والدين ولولا ما دبر الله لجدك محمد صلى الله عليه وآله من تزويجه إليهم وتزويجهم إليه ومن أمره لجدك الحسن عليه السلام في صلح معاوية على ما كان ما بقي من ذرية النبي صلى الله عليه وآله ومن أمور الاسلام ما قد بقي إلى الان وكان الحال قد زاد على ما كان في أيام الجاهلية من الضلال والعدوان والبهتان وبالله جل جلاله المستعان فأذن له وأمره عليه السلام أن يزوجهم ويتزوج منهم ليكون ذلك من أسباب حفظ ما حفظ به من دينه وذريته والائمة من عترته وسلامتهم من الهلاك والاصطلام وهذه عادة مستمرة في سالف الايام وفي دولة الاسلام وأنهم متى ما خافوا فساد الملوك والاضداد توسلوا في التزويج إليهم في ترك الحروب والجهاد إلى حفظ البلاد وحفظ الاهل والاولاد وبلوغ المراد وهل كان يؤمن من الذين تقدموا على أبيك علي سلام الله عليه إذ تمكنوا بعد جدك محمد صلى الله عليه وآله من كل ما يقدرون عليه من استئصال من يقدرون على استئصاله من أهل بيته عليهم السلام ومحو ما يقدرون على محوه من شريعة الاسلام وقد ذكرت لك في كتاب (الطرائف) من إقدامهم في حياة جدك محمد صلى الله عليه وآله على المعارضة له في فعاله ومقاله

[ 64 ]

والطعن فيما قدروا على الطعن فيه من أفعاله ولما كان عند وفاته طلب أن يكتب لهم كتابا لا يضلوا بعده أبدا فأقدم عمر على جدك صلى الله عليه وآله على أن قال له إنه يهجر كما نشرحه فيما بعد ومعناها عند أهل اللغة الهذيان ومنع عمر جدك محمدا صلى الله عليه وآله في تلك الحال أن يرفع الضلال من أهل الاسلام والايمان حتى هلك من هلك منهم في ذلك الاوان. الفصل الثامن والثمانون: واعلم يا ولدي محمد أعزك الله جل جلاله بعزة السعادتين في الدنيا والدين التي قال الله جل جلاله فيها (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) أن أبا بكر وعمر صنعا أمرين عظيمين كانا سببا لما جرى بين الاسلام والمسلمين وضلال من ضل منهم إلى يوم الدين، واحدة في حياته، وواحدة بعد وفاته، غير أفعالهما التي هلك بها من هلك من الخلق أجمعين. أما التي في حياته فإن البخاري ومسلم في صحيحيهما وكل من له صدق وأمانة من رواة المسلمين ذكروا بلا خلاف أن جدك محمدا صلى الله عليه وآله قال عند وفاته إئتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدي أبدا وأن عمر قال في وجه جدك المعظم واستخف بحقه الاعظم وأقدم على أن قال إنه ليهجر أي يهذي يا ويله وويل لمن وافقه على هذه المصيبة والرزية هذا تفسيرها بغير شبهة عند علماء أهل اللغة العربية فلما سمع النبي صلى الله عليه وآله ما قد بلغ حال حرمته إليه وأن الحجة قد صارت لله جل جلاله وله، عليه وآله السلام في الكتاب الذي دعا الناس إليه بترك الكتاب وقال قوموا عني لا ينبغي عندي التنازع فكل ضلال في الدنيا منذ ذلك اليوم وقع مستورا

[ 65 ]

وشائعا كان بطريق عمر ومن وافقه فما أدري كيف يكون يوم القيامة حال ذلك الاقدام وقد كان عبد الله بن عباس يبكي حتى تبل دموعه الحصى من هول ذلك المقام وما فسد بذلك من الاسلام، ويقول إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين كتابه صلى الله عليه وآله. الفصل التاسع والثمانون: واعلم يا ولدي محمد أن أقصى ما كان يخاف من كتاب جدك محمد صلى الله عليه وآله زوال الضلال فهل كره ذلك إلا من كان يريد بقاء الضلال وأعظم ما في هذه الحال أن جدك محمدا صلى الله عليه وآله قال جل جلاله عنه (وما ينطق عن الهوى إل هو إلا وحي يوحى) وخاصة قوله (ع) عن زوال الضلال إلى يوم الحساب فإن هذا ما يعرفه ويقول إلا عن رب الارباب فصار الاستخفاف بقول من قال ليهجر وأنه هذيان لأعظم من جدك محمد صلى الله عليه وآله وهدما للاسلام والايمان. الفصل التسعون: واعلم يا ولدي محمد أودع الله جل جلاله سرائرك أنوار المكاشفة وديعة مستقرة متضاعفة، أن جماعة من أهل المعرفة بما جرت حال أعداء جدك محمد (ص) وأبيك علي (ع) ذكروا أن الذي منع من هذه الصحيفة التي أراد أن يكتبها بزوال الضلال كان سبب منعه من هذه الحال أنه كان قد عرف أن جدك محمدا صلى الله عليه وآله قد نص على أبيك علي بالخلافة بعده في مقام بعد مقام فلما قال ائتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعدي أبدا فخاف الذي منعه من الكتاب أنه يكتب كتابا ليصرح بأسماء الذين يمنعون أباك عليا عليه السلام من خلافته ويأمر بدفعهم

[ 66 ]

عنه إما قتلا أو طردا أو حبسا أو قهرا ويشهد عليهم في الصحيفة بما يوجب عليهم هلاكا أو حدا فأقدم على ذلك القول الذي (تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الارض وتخر الجبال هدا) فشوش هو ومن وافقه مجلسه الشريف وعرفوا كلامه المقدس المنيف ليتم لهم الحيلة فيما فعلوه من التقدم على أبيك علي عليه السلام وهذه عادة كثير من أهل الظلم من الانام إذا خافوا ركوب الحجة عليهم أو عكس حيلتهم عليهم قطعوا الكلام ومنعوا من إتمامه وشوشوا المجلس قبل انتظامه. الفصل الحادي والتسعون: وأما الذي وقع من أبي بكر من الحادثة في حياته وبعد وفاته عليه السلام التي انتظم بها مصائب الاسلام فإن جدك محمدا صلى الله عليه وآله كان قد جمع الذين يخالفون على أبيك علي (ع) في الخلافة ومن يوافقهم أو يحسده أو يعاديه وجعلهم جميعا في جيش أسامة وتحت رايته وحث على خروجهم من المدينة حثا شديدا زائدا على عادته لتخلو المدينة من المعارضين والمعاندين ويصفو الامر لابيك أمير المؤمنين أو ليكون ذلك حجة له عليه السلام في الاجتهاد في منعهم بكل طريق وليظهر منهم ما يبطنونه من مخالفته بسوء التوفيق فعاد أبو بكر من جيش أسامة وفسخ بذلك ما أراد جدك محمد صلى الله عليه وآله من التوصل في الامامة التي بها سلامة الاسلام والمسلمين وسعادتهم إلى يوم الدين، وقال للنبي (ص) ما كنت لأقف عند أسامة وأسأل عنك الركب ونفذ يلتمس عمر من الجيش، وقال أبو بكر لأسامة تأذن له في العودة إلى المدينة، فكان جواب أسامة أن عمر قد

[ 67 ]

عاد بغير إذني وأذن لنفسه وما كفاه ذلك حتى أخذ الامر لنفسه وهم في السقيفة على حال يحب ذلك حتى غلبها بالانكار فساعدهم على الاصرار وما كفاه ذلك حتى أخذ الامر لنفسه بالحيلة ووعدهم كما ذكره البخاري ومسلم في صحيحيهما وغيرهما أنه يكون الامراء من المهاجرين والوزراء من الانصار ولما تمكن لم يول أحدا منهم وزيرا وأظهر أنه كان محتالا وفضح نفسه بين أهل الاعتبار. أقول: وما كفاه ذلك حتى بعث عمر إلى باب أبيك علي وأمك فاطمة وعندهما العباس وجماعة من بني هاشم وهم مشغولون بموت جدك محمد (ص) والمأتم فأمر أن يحرقوا بالنار إن لم يخرجوا للبيعة على ما ذكره صاحب كتاب العقد في الجزء الرابع منه وجماعة ممن لا يتهم في روايتهم وهو شئ لم يبلغ إليه أحد فيما أعلم قبله ولا بعده من الانبياء والاوصياء ولا الملوك المعروفين بالقسوة والجفاء ولا ملوك الكفار أنهم بعثوا من يحرقوا الذين تأخروا عن بيعتهم بحريق النار مضافا إلى تهديد القتل والضرب. أقول: ولا بلغنا أن أحدا من الملوك كان لهم نبي أو ملك كان لهم سلطان قد أغناهم بعد الفقر وخلصهم من الذل والضر ودلهم على سعادة الدنيا والاخرة وفتح عليهم بنبوته بلاد الجبابرة ثم مات وخلف فيهم بنتا واحدة من ظهره وفال لهم إنها سيدة نساء العالمين وطفلين معها منها لهما دون سبع سنين أو قريب من ذلك فتكون مجازات ذلك النبي أو الملك من رعيته أنهم ينفذون نارا ليحرقوا ولديه ونفس ابنته وهما في مقام روحه ومهجته. وأقول: ثم ما كفاه ذلك حتى أظهر على المنبر أنه يستقيل عن الخلافة

[ 68 ]

ثم فضح نفسه وقلدها بعد وفاته ونص بها على عمر بن الخطاب، وما هذه صفة مستقيل منها عند ذوي الالباب. وأقول: ثم كانت وصيته بالنص على عمر كالطعن على نفسه فيما ادعاه أن جدك محمدا صلى الله عليه وآله اختار لامته ترك النص على أحد عنهم وترك على قولهم مع كماله أمرهم مهملا ليختاروا واحدا منهم أفترى أن أبا بكر كان يعتقد أن رأيه لامة جدك محمد صلى الله عليه وآله أفضل من رأي نبيهم الذي شهد الله جل جلاله في كتابه بالشفقة عليهم أو كان هذا من أبي بكر تكذيبا لنفسه وأن الرئيس لا بد له من نص على من يقوم مقامه أو خاف أنه إن ترك الامر رجع الناس إلى أبيك أمير المؤمنين عليه السلام واعترفوا له بحقه ونص محمد جدك صلوات الله عليه وآله فبادر بالتعيين على عمر ليمنعهم من الرجوع إلى الصراط المستقيم أو كان قصده أن يستر عليه عمر بخلافته بعده ما جرى منه من التدبير السقيم أو كان مكافاة لعمر على مبايعته له يوم السقيفة كما ذكر صاحب كتاب العقد في أخبارهم الطريفة. وأقول: ثم كان نصه على عمر مع علمه أنه متهم على المسلمين وأنه ما يريد لهم خيرا أبدا بدلالة أنه منع جدك محمدا صلى الله عليه وآله عند وفاته أن يكتب لهم صحيفة لن يضلوا معها إلى يوم الدين، ومع معرفته بقساوة عمر وفظاظته وغلظته وعداوته لبني هاشم ولأبيك أمير المؤمنين عليه السلام من أعظم المصائب على كل من هلك أو ضل أو ليضل عن نبوة جدك محمد سيد المرسلين صلوات الله عليه وعلى عترته الطاهرين.

[ 69 ]

الفصل الثاني والتسعون: واعلم يا ولدي محمد سلك الله جل جلاله بك سبيل الصواب وشرفك بسعادة ذوي الالباب، أن الذي جرى يوم السقيفة من تركهم للنبي صلى الله عليه وآله على فراش الممات واشتغالهم بالولايات وما جرى من ترك المشاورة لذوي البصائر وانفرادهم بتلك الفضائح في الموارد والمصادر كاد أن يزيل حكم النبوة ويوجب ذهاب الاسلام بالكلية لان العرب لما سمعوا عن أهل السقيفة اشتغالهم بالامور الدنيوية واستخفافهم بالحرمة النبوية لم يستبعدوا أنهم خرجوا من اعتقاد نبوته وعن وصيته بمن أوصى إليه بإمامته وأن قد صار الامر مغالبة لمن غلب عليه فارتد قبائل العرب واختار كل قوم منهم رأيا اعتمدوا عليه فحكى جماعة من أصحاب التواريخ منهم العباس (بن عبد الرحيم المروزي) فقال ما هذا لفظه: ولم يلبث الاسلام بعد موت النبي صلى الله عليه من طوائف العرب إلا في أهل المدينة وأهل مكة وأهل الطائف ارتد سائر الناس، ثم شرح (المروزي) كيفية ارتداد الخلائق بعد النبي (ص) فقال ارتدت بنو تميم وغيرهم واجتمعوا على مالك ابن نويرة اليربوعي، وارتدت ربيعة كلها وكانت لهم ثلاثة عساكر عسكر باليمامة مع مسيلمة الكذاب وعسكر مع مغرور الشيباني وفيه بنو شيبان وعامة بكر بن وائل، وعسكر مع الحطم العبدي. قال (المروزي) وارتد أهل اليمن وارتد الاشعث بن قيس في كندة وارتد أهل مأرب مع الاسود وارتدت بنو عامر إلا علقمة بن علافة فكان هذا الارتداد يا ولدي (محمد) من جملة موانع أبيك أمير المؤمنين عليه السلام

[ 70 ]

من منازعة أبي بكر وعمر ومن رغب في نيل الدنيا بطريقهما ممن يرجو أن يحصل له منهما إذا حصل لهما ولاية من الحطام ما لا يرجو بولاية أبيك علي (ع) لانهم عرفوا منه (ص) أنه لا يعمل بغير الحق الذي لا تصبر عليه النفوس فلو أن أباك أمير المؤمنين عليه السلام نازع أبا بكر منازعة للمغالبة والمقاهرة لأدى ذلك إلى أن يصير أهل المدينة حربا وأهل الردة ظاهرا وكان أهل مكة الذي ذكر أنهم ما ارتدوا وقد أسلموا لما هجم النبي (ص) بالعساكر التي عجزوا عنها وملكهم قهرا وبغتة على صفة ما كانوا يقدرون على التخلص منها فكان إسلامهم إسلام مقهور فمتى وجدوا من يساعدهم على زوال القهر عنهم ما يؤمن منه ارتداداهم عما قهروا عليه من الاسلام المذكور فما كان يفي على ما ذكر (المروزي) وغيره ممن ارتد من سائر أهل تلك البلاد إلا الطائف وأي مقدار للطائف مع ارتداد سائر الطوائف فلولا تسكين أبيك أمير المؤمنين عليه السلام لذلك البغي والعدوان بترك المحاربة لأبي بكر ومساعدته لأهل المدينة على الذين ارتدوا على الاسلام والايمان وإطفاء تلك النيران كان قد ذهب ذلك الوقت الاسلام بالكلية أو كاد يذهب ما يمكن ذهابه منه بتلك الاختلافات الردية وهذه مصائب وعجائب أوجبها مسارعة أبي بكر وعمر ومن اجتمع في السقيفة لطلب الدنيا السخيفة والتوصل فيها بالمغالبة والحيلة وتركهم جدك محمدا صلى الله عليه وآله بين أهله على فراش وفاته كأنه كان عند أهل السقيفة مثل إمرأة قد ضجر صاحبها منها مما يمتنعه من سوء الارادة ولا ترجى الولادة فصاحبها مستقيل من حياتها وإذا ماتت فرح بمماتها وكان من جملة

[ 71 ]

حقوقه عليه السلام بعد وفاته وخاصة يوم الممات أن يجلس المسلمون كلهم على التراب لا على الرماد ويلبسوا أفضل ما يلبسه أهل المصائب من السواد ويشتغلوا ذلك اليوم خاصة عن الطعام والشراب ويشترك الرجال والنساء في النياحة والبكاء والمصائب ويكون يوما ما كان يوم مثله في الدنيا ولا يكون فما كان يتعذر أن يجمعوا بين طلب الولاية وبين حقوق مصابه العظيم الذي لا يجوز أن يهون فكيف جاز في عقل أو شرع أن ينقضي ذلك اليوم بالمخاصمات على الحطام فيا لها من نكبة وفضيحة عليهم تبكي منها القلوب والعيون. ومن أعجب ما رأيته في كتب المخالفين وقد ذكره الطبري في تاريخه ما معناه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم توفى يوم الاثنين وما دفن إلى ليلة الاربعاء وفي رواية أنه (ص) بقي ثلاثة أيام حتى دفن وذكر إبراهيم الثقفي في كتاب المعرفة في الجزء الرابع تحقيقا أن النبي صلى الله عليه وآله بقي ثلاثة أيام حتى دفن لاشتغالهم بولاية أبي بكر والمنازعات فيها وما كان يقدر أبوك علي عليه السلام أن يفارقه ولا أن يدفنه قبل صلاتهم عليه ولا كان يؤمن أن يقتلوه إن فعل ذلك أو ينشبوا النبي صلى الله عليه وآله ويخرجوه ويذكروا أنه دفنه في غير وقت دفنه أو في غير الموضع الذي يدفن فيه فأبعد الله جل جلاله من رحمته وعنايته نفوسا تركته على فراش منيته واشتغلت بولاية كان هو أصلها بنبوته ورسالته لتخرجها من أهل بيته وعترته والله يا ولدي ما أدري كيف سمحت عقولهم ومروتهم ونفوسهم وصحبتهم مع شفقته عليهم وإحسانه إليهم بهذا التهوين ولقد قال مولانا زين العابدين عليه السلام والله

[ 72 ]

لو تمكن القوم أن طلبوا الملك بغير تعلق باسم رسالته كانوا قد عدلوا عن نبوته وبالله المستعان. الفصل الثالث والتسعون: وقد كشف أبوك مولانا علي عليه السلام هذا كشفا دل ببيان المقال عليه في حديث يشهد لسان حاله أنه من لفظه وشريف مقالته عليه السلام يتواتر بنقله علماء الشيعة الامامية وفيه إيضاح لما جرى من حال أبيك علي مع الفرق الدنيوية وممن ذكره أبو جعفر محمد بن بابويه رحمه الله في الجزء الثاني من كتاب (الخصال) في امتحان الله عز وجل أوصياء الانبياء عليهم السلام في حياة الانبياء في سبعة مواطن وبعد وفاتهم في سبعة مواطن وهو عندنا الان في جملة مجلدات بطرق واضحات فقف على ما فيه من أسرار الاسلام والايمان وشرح لحاله (ع) أيضا مع أهل العدوان في رسالة سوف نوردها في أواخر هذه الرسالة إنشاء الله تعالى ولولا أنني ما قصدت بهذه الرسالة مني إليك إيراد الاخبار وإلا كنت أوردته، ويكفي أني قد دللتك على بعض مواضعه وهو مشهور عند أهل الاعتبار ولقد قاسى أبوك علي عليه السلام في حفظ بيضة الاسلام وبقاء هذا الاذان وحفظ ما في أيديهم من القرآن والصلوة إلى القبلة والاحكام الظاهرة ما لولا أن الله جل جلاله قواه عليه بقدرته الباهرة كان قد عجز عن حمله فسبحان من أقدره على ذلك بعنايته وفضله وما أحق جدك مولانا علي (ع) بقول الخنساء: وما بلغت كف امرء متطاول * به المجد إلا حيث ما نلت أطول وما يبلغ المهدون في القول مدحة * ولو أكثروا إلا الذي فيك أفضل

[ 73 ]

الفصل الرابع والتسعون: واعلم يا ولدي محمد عرفك الله جل جلاله ما تحتاج إلى معرفته وشرفك بزيادات سعادات عنايته، أن العداوة كانت بين أبيك علي عليه السلام وبين الذين تقدموا عليه ظاهرة متواترة فانظرها من كتاب (الطرائف) ومن كتاب (نهج البلاغة) ومن تواريخ أهل الصدق من الناقلين، وقد ذكرت فيه بعض ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما في حديث السقيفة فإنه ذكر أن أباك عليا عليه السلام وجماعة من بني هاشم تخلفوا عن بيعة أبي بكر ستة أشهر بلا خلاف محقق بين المسلمين وذكروا أن عمر شهد أن العباس وأباك عليا عليه السلام كانا يشهدان ويعتقدان أن أبا بكر وعمر كانا كاذبين خائنين غادرين فكيف استحسن بعد رواية مثل هذا أن يدعوا أنهم كانوا متفقين إن ذلك مكابرة في العين ومن أقبح الكذب والبهت والمين. الفصل الخامس والتسعون: واعلم يا ولدي محمد حماك الله جل جلاله مما يباعدك عنه وتولاك بكل ما يقربك منه أن أباك عليا عليه السلام ما كان يحتاج إلى نص عليه بالرياسة على أهل الاسلام لانه كمل في أوصافه كمالا خارقا للعادة عند ذوي الافهام فكان ذلك الكمال نصا صريحا عليه بأن الناس بعد جدك محمد صلى الله عليه وآله تبع له ورعية بين يديه وقد نبهناك على ذلك فيما تقدم وأشرنا إلى ذلك وإن كان بعد جدك محمد صلى الله عليه وآله مثل أبيك علي عليه السلام في الانام كان يحتاج إلى نص بالتعيين هيهات هيهات أن يطفوا نوره وقد كان آية في الارض لمالك يوم الدين ومعجزة لرسوله (ص)

[ 74 ]

بما أودعه من أسراره الباهرة للعالمين. الفصل السادس والتسعون: واعلم يا ولدي محمد عضدك الله جل جلاله معاضدة عباده المقبلين وأسعدك سعادة من أسعده في الدنيا والدين أن الذي تقف عليه في كتب التواريخ أو في كتب الآداب أو كتب الحكمة والخطب فمهما وجدت فيها شيئا منسوبا إلى أبي بكر وعمر وأعداء أبيك علي عليه السلام فاعلم أنها موضوعة وليست من ألفاظ أولئك المتغلبين وإن أكثرها نسب إليهم في زمان معاوية وابنه يزيد وأيام بني أمية وما كان منها في أيامهم فهي من أهل الكتابة والخطابة من الصحابة الذين لهم عادة بالاصابة لأن أبا بكر وعمر وعثمان ما عرفنا أبدا منهم في الجاهلية مقاما ولا مقالا يقتضي تصديق نسبة الفصاحة إليهم ولا كانوا من هذا القبيل ولا عول أحد عليهم فيها. فأما ما ذكر من ألفاظ أو المكاتبات أيام خلافتهم فالعادة جارية في مثلهم ممن لم يعرف الفصاحة أوقات ولايتهم أنهم يستخدمون من ينشئ المكاتبات والجوابات كما ترى المماليك من الامراء والترك والعجم والملوك الذين لا يفقهون ما يكتبون كيف تجد لهم عند ولايتهم كتبا وجوابات منسوبة إليهم ومن المعلوم أن نوابهم وأصحابهم ما عولوا في إنشائها عليهم وأما ما يتعلق بالخطب والحكمة فإن بني أمية لما تظاهروا بلعن أبيك أمير المؤمنين عليه السلام على المنابر تقرب الطالبون للدنيا إليهم بوضع المناقب والفضائل لكل عدو لأبيك عليه السلام من الاواخر والاوائل تقية وطلبا للامور الدنيوية وحسدا لكم على الشرف بالسعادة النبوية والولاية الالهية.

[ 75 ]

الفصل السابع والتسعون: واعلم يا ولدي محمد عرفك الله جل جلاله من العلوم النافعة الباهرة ما تكمل به سعادة الدنيا والاخرة، مما يزيل بعض التعجب من ضلال أكثر هذه الامة عن الصواب وغلبة الباطل على الحق في ظاهر الاسباب أن هذه سنة ماضية في الامم الخالية فإن آدم عليه السلام كان له في حياته ولدان كما قدمنا قابيل وهابيل فغلب قابيل المبطل هابيل المحق وبقيت أمة شيث عليه السلام ومن بعده في تقية وفي مقام مغلوبين بالظالمين إلى أن جاءت نبوة نوح (ع) فلم يزالوا عليه مستظهرين وله معاندين إلى أن أهلكهم الله عز وجل بالغرق الشامل والهلاك الهائل وكذا جرى لصالح (ع) مع أمته، ولهود مع أمته، وللوط في أمته، ولإبراهيم عليه السلام مع نمرود ولموسى عليه السلام مع فرعون، ولامة عيسى عليه السلام حتى أخرجه الله جل جلاله منهم من الارض إلى السماء وما انقادوا لأحد من الانبياء إلا بالايات أو القهر وأنواع البلاء وما استقام أمرهم مع داود عليه السلام إلا بأمور مذهلة للاراء، وما استقام أمرهم مع سليمان (ع) إلا بمعونة الجن والشياطين وطاعة الطير وغيرها وتسخير الهواء، وما استقاموا لذي القرنين إلا بالقتل الذريع وسفك الدماء، فأي أمة استقامت بالسلامة والعافية حتى تستقيم هذه الامة بطاعة الله عز وجل ورسوله عليه السلام وطاعة الائمة الهادية عليهم السلام وحصلت لآخر الامم ونبيها آخر الانبياء فكيف كان تهيأ الاستيصال بها بالفناء وبمثل ما جرى على الامم الهالكة مع الانبياء (ع). الفصل الثامن والتسعون: واعلم يا ولدي أني كنت في حضرة مولانا

[ 76 ]

الكاظم عليه السلام والجواد عليه السلام فحضر فقيه من المستنصرية كان يتردد علي قبل ذلك اليوم فلما رأيت وقت حضوره يحتمل المعارضة له في مذهبه قلت له يا فلان ما تقول لو أن فرسا لك ضاعت منك وتوصلت في ردها إلي أو فرسا لي ضاعت مني وتوصلت في ردها إليك أما كان ذلك حسنا أو واجبا فقال بلى، فقلت له قد ضاع الهدى إما مني وإما منك والمصلحة أن ننصف من أنفسنا وننظر ممن ضاع الهدى فنرده عليه، فقال نعم، فقلت له لا أحتج بما ينقله أصحابي لأنهم متهمون عندك ولا تحتج بما ينقله أصحابك لأنهم متهمون عندي أو على عقيدتي، ولكن نحتج بالقرآن، أو بالمجمع عليه من أصحابي وأصحابك، أو بما رواه أصحابي لك وبما رواه أصحابك لي، فقال هذا إنصاف، فقلت له ما تقول فيما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما فقال حق بغير شك فقلت فهل تعرف أن مسلما روى في صحيحه عن زيد بن أرقم أنه قال ما معناه: أن النبي (ص) خطبنا في (خم) فقال: أيها الناس إني بشر يوشك أن أدعى فأجيب، وإني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي فقال هذا صحيح، فقلت وتعرف أن مسلما روى في صحيحه في مسند عائشة أنها روت عن النبي صلى الله عليه وآله أنه لما نزلت آية (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) جمع عليا وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام فقال هؤلاء أهل بيتي، فقال نعم هذا صحيح، فقلت له تعرف أن البخاري ومسلما رويا في صحيحيهما أن الانصار اجتمعت في سقيفة بني ساعدة

[ 77 ]

ليبايعوا سعد بن عبادة وأنهم ما نفذوا إلى أبي بكر ولا عمر ولا إلى أحد من المهاجرين حتى جاء أبو بكر وعمر وأبو عبيدة لما بلغهم في اجتماعهم، فقال لهم أبو بكر قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين يعني عمر وأبا عبيدة، فقال عمر ما أتقدم عليك فبايعه عمر وبايعه من بايعه من الانصار وأن عليا (ع) وبني هاشم امتنعوا من المبايعة ستة أشهر، وأن البخاري ومسلما قالا فيما جمعه الحميدي من صحيحيهما وكان لعلي عليه السلام وجه بين الناس في حياة فاطمة عليها السلام فلما ماتت فاطمة عليها السلام بعد ستة أشهر من وفاة النبي صلى الله عليه وآله انصرفت وجوه الناس عن علي عليه السلام فلما رأى علي انصراف وجوه الناس عنه خرج إلى مصالحة أبي بكر، فقال هذا صحيح فقلت له ما تقول في بيعة تخلف عنها أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله الذين قال عنهم أنهم الخلف من بعده وكتاب الله جل جلاله، وقال (ص) فيهم أذكركم الله في أهل بيتي وقال عنهم أنهم الذين نزلت فيهم آية الطهارة وأنهم ما تأخروا مدة يسيرة حتى يقال إنهم تأخروا لبعض الاشتغال وإنما كان التأخر للطعن في خلافة أبي بكر بغير إشكال في مدة ستة أشهر ولو كان الانسان تأخر عن غضب يرد غضبه أو عن شبهة زالت شبهته بدون هذه المدة وأنه ما صالح أبا بكر على مقتضى حديث البخاري ومسلم إلا لما ماتت فاطمة عليها السلام ورأى انصراف وجوه الناس عنه خرج عند ذلك إلى المصالحة وهذه صورة حال تدل على أنه ما بايع مختارا وأن البخاري ومسلما رويا في هذا الحديث أنه ما بايع أحد من بني هاشم حتى بايع علي عليه السلام

[ 78 ]

فقال ما أقدم على الطعن في شئ قد عمله السلف والصحابة، فقلت له فهذا القرآن يشهد بأنهم عملوا في حياة النبي صلى الله عليه وآله وهو يرجى ويخاف والوحي ينزل عليه بأسرارهم في حال الخوف وفي حال الامن وحال الصحة والايثار عليه ما لا يقدروا أن يجحدوا الطعن عليهم به وإذا جاز منهم مخالفته في حياته وهو يرجى ويخاف فقد صاروا أقرب إلى مخالفته بعد وفاته وقد انقطع الرجاء والخوف منه وزال الوحي عنه، فقال في أي موضع من القرآن ؟ فقلت قال الله جل جلاله في مخالفتهم في الخوف (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الارض بما رحبت ثم وليتم مدبرين) فروى أصحاب التواريخ أنه لم يبق معه إلا ثمانية أنفس، علي عليه السلام والعباس والفضل بن العباس وربيعة وأبو سفيان ابنا الحارث بن عبد المطلب وأسامة بن زيد وعبيدة بن أم أيمن. وروى أيمن بن أم أيمن وقال الله جل جلاله في مخالفتهم له في الامن (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين) فذكر جماعة من المؤرخين أنه كان يخطب يوم الجمعة فبلغهم أن جمالا جائت لبعض الصحابة مزينة فسارعوا إلى مشاهدتها وتركوه قائما وما كان عند الجمال شئ يرجون الانتفاع به، فما ظنك بهم إذا حصلت خلافة يرجون نفعها ورياستها وقال الله تعالى في سوء صحبتهم ما قال الله جل جلاله (ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر) ولو كانوا معذورين في سوء صحبتهم

[ 79 ]

ما قال الله جل جلاله فاعف عنهم واستغفر لهم وقد عرفت في صحيحي مسلم والبخاري معارضتهم للنبي صلى الله عليه وآله في غنيمة هو أذن لما أعطى المؤلفة قلوبهم أكثر منهم ومعارضتهم له لما أعفى عن أهل مكة وتركه تغيير الكعبة وإعادتها إلى ما كانت في زمن إبراهيم (ع) خوفا من معارضتهم له ومعارضتهم له لما خطب في تنزيه صفوان بن المعطل لما قذف عائشة وأنه ما قدر أن يتم الخطبة أتعرف أن هذا جميعه في صحيحي مسلم والبخاري فقال هذا صحيح، فقلت وقال الله جل جلاله في إيثارهم عليه القليل من الدنيا (يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بيم يدي نجواكم صدقة) وقد عرفت أنهم امتنعوا من مناجاته ومحادثته لأجل التصدق برغيف وما دونه حتى تصدق علي بن أبي طالب عليه السلام بعشرة دراهم عن عشر دفعات ناجاه فيها ثم نسخت الاية بعد أن صارت عارا عليهم وفضيحة إلى يوم القيامة بقوله جل جلاله (ءأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإن لم تفعلوا وتاب الله عليكم) فإذا حضرت يوم القيامة بين يدي الله جل جلاله وبين يدي رسوله (ص) وقالا لك كيف جاز لك أن تقلد قوما في عملهم وفعلهم وقد عرفت منهم مثل هذه الامور الهائلة فأي عذر وأي حجة تبقى لك عند الله وعند رسوله في تقليدهم فبهت وحار حيرة عظيمة، فقلت له أما تعرف في صحيحي البخاري ومسلم في مسند جابر بن سمرة وغيره أن النبي صلى الله عليه وآله قال في عدة أحاديث لا يزال هذا الدين عزيزا ما وليهم اثني عشر خليفة كلهم من قريش وفي بعض أحاديثه عليه وآله السلام من الصحيحين

[ 80 ]

لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنى عشر خليفة كلهم من قريش وأمثال هذه الالفاظ كلها تتضمن هذا العدد الاثني عشر فهل تعرف في الاسلام فرقة تعتقد هذا العدد غير الامامية الاثني عشرية فإن كانت هذه أحاديث صحيحة كما شرطت على نفسك في تصحيح ما نقله البخاري ومسلم فهذه مصححة لعقيدة الامامية وشاهدة بصدق ما رواه سلفهم وإن كانت كذبا فلأي حال رويتموهما في صحاحكم فقال ما أصنع بما رواه البخاري ومسلم من تزكية أبي بكر وعمر وعثمان وتزكية من تابعهم فقلت له أنت تعرف أنني شرطت عليك أن لا تحتج علي بما انفرد به أصحابك وأنت تعرف أن الانسان ولو كان من أعظم أهل العدالة وشهد لنفسه بدرهم وما دونه ما قبلت شهادته ولو شهد في الحال على أعظم أهل العدالة بما شهد من الامور مما يقبل فيه شهادة أمثاله قبلت شهادته والبخاري ومسلم يعتقدان إمامة هؤلاء القوم فشهادتهم لهم شهادة بعقيدة نفوسهم ونصرة لرياستهم ومنزلتهم، فقال والله ما بيني وبين الحق عداوة ما هذا إلا واضح لا شبهة فيه وأنا أتوب إلى الله تعالى بما كنت عليه من الاعتقاد فلما فرغ من شروط التوبة، إذا رجل من ورائي قد أكب على يدي يقبلها ويبكي، فقلت من أنت فقال ما عليك اسمي، فاجتهدت به حتى قلت فأنت الان صديق أو صاحب حق فكيف يحسن لي أن لا أعرف صديقي وصاحب حق علي لأكافيه فامتنع من تعريفي اسمه، فسألت الفقيه الذي من المستنصرية، فقال هذا فلان بن فلان من فقهاء النظامية سهوت عن اسمه الان.

[ 81 ]

الفصل التاسع والتسعون: وحضرني يا ولدي محمد حفظك الله جل جلاله لصلاح آبائك وأطال في بقائك نقيبا، وأتى رجلا حنبليا وقال هذا صديقنا ويحب أن يكون على مذهبنا فحدثه، فقلت ما تقول إذا حضرت القيامة وقال لك محمد صلى الله عليه وآله، لأي حال تركت كافة علماء الاسلام، واخترت أحمد بن حنبل إماما من دونهم هل معك آية من كتاب الله بذلك أو خبر عني بذلك، فإن كان المسلمون ما كانوا يعرفون الصحيح حتى جاء أحمد ابن حنبل وصار إماما فعمن روى أحمد بن حنبل عقيدته وعلمه وإن كانوا يعرفون الصحيح وهم أصل عقيدة أحمد بن حنبل فهلا كان السلف قبله أئمة لك وله، فقال هذا لا جواب لي عنه لمحمد (ص) فقلت له إذا كان لا بد لك من عالم من الامة تقلده فالزم أهل بيت نبيك عليهم السلام فإن أهل كل أحد أعرف بعقيدته وأسراراه من الاجانب فتاب ورجع. الفصل المائة: وقلت لبعض الحنابلة أيما أفضل آباؤك وسلفك الذين كانوا قبل أحمد بن حنبل إلى عهد النبي صلى الله عليه وآله أو آباؤك وسلفك الذين كانوا بعد أحمد بن حنبل فإنه لا بد أن يقول أن سلفه المتقدمين على أحمد بن حنبل أفضل لأجل قربهم إلى الصدر الاول ومن عهد النبي صلى الله عليه وآله فقلت إذا كان سلفك الذين كانوا قبل أحمد بن حنبل أفضل فلأي حال عدلت عن عقائدهم وعوائدهم إلى سلفك المتأخرين عن أحمد بن حنبل وما كان الاوائل حنابلة لأن أحمد بن حنبل ما كان قد ولد ولا كان مذكورا عندهم فلزمته الحجة وانكشفت له المحجة والحمد لله رب العالمين.

[ 82 ]

الفصل الحادي والمائة: وحضر عندي يا ولدي محمد رعاك الله جل جلاله بعنايته الالهية بعض الزيدية وقد قال لي إن جماعة من الامامية يريدون مني الرجوع عن مذهبي بغير حجة وأريد أن تكشف لي عن حقيقة الامر بما يثبت في عقلي. قلت له أول ما أقول أنني علوي حسني وحالي معلوم ولو وجدت طريقا إلى ثبوت عقيدة الزيدية كان ذلك نفعا ورياسة لي دينية ودنيوية وأنا أكشف لك بوجه لطيف عن ضعف مذهبك بعض التكشيف هل يقبل عقل عاقل فاضل أن سلطان العالمين ينفذ رسولا أفضل من الاولين والاخرين إلى الخلائق في المشارق والمغارب ويصدقه بالمعجزات القاهرة والايات الباهرة ثم يعكس هذا الاهتمام الهائل والتدبير الكامل ويجعل عيار اعتماد الاسلام والمسلمين على ظن ضعيف يمكن ظهور فساده وبطلانه للعارفين فقال كيف هذا فقلت لأنكم إذا بنيتم أمر الامامة أنتم ومن وافقكم أو وافقتموه على الاختيار من الامة للامام على ظاهر عدالته وشجاعته وأمانته وسيرته وليس معكم في الاختيار له إلا غلبة الظن الذي يمكن أن يظهر خلافه لكل من عمل عليه كما جرى للملائكة وهم أفضل اختيارا من بني آدم لما عارضوا الله جل جلاله في أنه جعل آدم خليفة وقالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، فلما كشف لهم حال آدم (ع) رجعوا عن اختيارهم لعزل آدم وقالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا وكما جرى لآدم الاكل من الشجرة وكما جرى لموسى في اختياره سبعين رجلا من خيار قومه للميقات ثم قال عنهم بعد ذلك أتهلكنا بما فعل

[ 83 ]

السفهاء منا حيث قالوا أرنا الله جهرة. وكما جرى ليعقوب عليه السلام في اختياره أولاده لحفظ ولده يوسف، وغيره من اختيار الانبياء والاوصياء والاولياء وظهر لهم بعد ذلك الاختيار ضعف تلك الاراء فإذا كان هؤلاء المعصومون قد دخل عليهم في اختيارهم ما قد شهد به القرآن والاجماع من المسلمين فكيف يكون اختيار غيرهم ممن يعرف من نفسه أنه ما مارس أبدا خلافة ولا أمارة ولا رياسة حتى يعرف شروطها وتفصيل مباشرتها فيستصلح لها من يقوم لها وما معه إلا ظن ضعيف بصلاح ظاهر من يختاره وهل يقبل عقل عاقل وفضل فاضل أن قوما ما يعرفون مباشرة ولا مكاشفة تفصيل ما يحتاج إليه من يختارونه فيكون اختيارهم لأمر لا يعرفونه حجة على من حضر وعلى من لم يحضر أما هذا من الغلط المستنكر ومن أين للذين يختارون إمامهم معرفة بتدبير الجيوش والعساكر وتدبير البلاد وعمارة الارضين والاصلاح لاختلاف إرادات العالمين حتى يختاروا واحدا يقوم بما يجهلونه، إنا لله وإنا إليه راجعون ممن قلدهم في ذلك أو يقلدونه. ومما يقال لهم: إن هؤلاء الذين يختارون الامام للمسلمين من الذي يختارهم لهم لتعيين الامام ومن أي المذاهب يكونون فإن مذاهب الذين يذهبون إلى اختيار الامام مختلفة وكم يكون مقدار ما بلغوا إليه من العلوم حتى يختاروا عندها الامام وكم يكون عددهم وهل يكونون من بلد واحد أو من بلاد متفرقة وهل يحتاجون قبل اختيارهم للامام أن يسافروا إلى البلاد يستعلمون من فيها ممن يصلح للامامة أو لا يصلح أو هل يحتاجون أن يراسلوا من بعد

[ 84 ]

عنهم من البلاد ويعرفونهم أنهم يريدون اختيار الامام للمسلمين فإن كان في بلد غير بلدهم من يصلح أو يرجح ممن هو في بلادهم يعرفونهم أم يختارون من غير كشف لما في البلاد ومن غير مراسلة لعلماء بلاد الاسلام فإن كان سؤال من هذه السؤالات يتعذر قيام الحجة على صحته وعلى لزومه لله جل جلاله ولزومه لرسوله صلى الله عليه وآله ولزومه لمن لا يكون مختارا لمن يختارونه من علماء الاسلام أفلا ترى تعذر ما ادعوه من اختيار الامام. الفصل الثاني والمائة: ولقد سمع مني بعض هذا الكلام شخص من أهل العلم من علم الكلام، فقال: إن الناس ما زالوا يعملون في مصالحهم على الظنون فقلت له هب أنهم يعملون في مصالحهم في نفوسهم بظنونهم فكيف تجاوزوا ذلك إلى التحكم على تدبير الله جل جلاله في عباده وبلاده والاقدام بظنونهم الضعيفة على هدم الاهتمام بثبوت أقدام النبوة الشريفة ونقل تدبيرها عن اليقين الشريف إلى الظن الضعيف ومن جعل لهم ولاية على كل من في الدنيا والدين وما حضروا معهم في اختيار الامام ولا شاركوهم ولا أذنوا لهم من سائر بلاد الاسلام ومن وليهم علي وأنا غافل بعيد عنهم حتى يختاروا لي بظنهم الضعيف إماما ما وكلتهم فيه ولا أرضى أبدا بالاختيار منهم فهل هذا إلا ظلم هائل وجور شامل من غير رضى من يدعي وكالته ونيابة ما استنابه فيها من غير رضى من يدعي نيابته، ثم قلت لهم أنتم ما كنتم تتفكرون فساده في أول مرة لما أظهر العدل واجتمعتم عليه فلما تمكن منكم قتلكم وأخذ أموالكم وقد رأيتم ورأينا وسمعتم وسمعنا من اختيار الملوك والخلفاء والاطلاع

[ 85 ]

على الغلط في الاختيار لهم وقتلهم وعزلهم وفساد تلك الاراء، وقلت لهم أنتم تعلمون أنه يمكن أن يكون وقت اختياركم لواحد من ولد فاطمة عليها السلام غير معصوم ولا منصوص عليه أن يكون في ذلك البلد وغيره ممن هو مثله أو أرجح منه ولا تعرفونه فكيف تبايعون رجلا وتقتلون أنفسكم بين يديه ولعل غيره أرجح منه وأقوم مما تريدون، وقلت له أنتم يا بني الحسن لعل ما منعكم من القول بإمامة بني الحسين إلا أنكم ولد الامام الاكبر ولعلكم أبيتم أن تكونوا تبعا لولد الامام الاصغر وما أراكم خلصتم من هذا العار لأنكم قلدتم زيدا وهو حسني فنسبتم مذهبكم إليه وفي بني الحسن والحسين عليهما السلام من هو أفضل منه، قبله كان عبد الله بن الحسن وولداه والباقر والصادق عليهما السلام ما يقصرون عنه ثم إنكم ما وجدتم له فقها أو مذهبا يقوم بالشريعة فتممتم مذهبكم بمذهب أبي حنيفة وأبو حنيفة من العوام والغلمان لجدكم ولكم فإذا رضيتم إماما زيديا وهو حسني مرقع مذهبه بمذهب أبي حنيفة فأنا أدلكم على الباقر والصادق وغيرهما عليهم السلام من بني الحسين (ع) من غير مرقعين وعلومهم كافية في أمور الدنيا والدين، ثم قلت له الناس يعرفون أنا كنا معشر بني هاشم رؤساء في الجاهلية والاسلام وما كنا أبدا تبعا ولا أذنابا للعوام، فلما بعث محمد صلى الله عليه وآله وشرفنا بنبوته وشريعته نصير تبعا لغلمانه وللعوام من أمته وتعجز عناية الله جل جلاله به أن يكون لنا رئيس منا أي مصيبة حملتكم على ذلك وفينا من لا يحسن أبو حنيفة يجلس بين يديه ويحتاج أبو حنيفة وغيره من العلماء أن يقرؤا عليه فعرف

[ 86 ]

الزيدي الحق ورجع عن مذهبه في الحال، وقد اختصرت في المقال. وحيث نبهتك يا ولدي محمد جملك الله جل جلاله بتمام الاوصاف وكمال الالطاف على معرفة الله جل جلاله ومعرفة جدك محمد صلى الله عليه وآله ومعرفة عترته القائمين مقامه في حفظ تأويل كتاب ربه وحفظ شريعته وحفظ ما يحتاج الاسلام إلى حفظ مقاله وفعاله فها أنا أذكر ما يفتحه الله جل جلاله على سرائري ويجريه على خاطري مذ يبعث إليك العقل رسولا وهاديا إليه ودالا عليه ويشرفك بخدمته وطاعته والحضور بين يديه، فطالع ما قدمته على هذا الفصل قبل تشريفك بخلع العقل ليأتي العقل إلى قلبك وهو صالح بمعرفة ربك ومعرفة نوابه الكاملين الكاشفين لك عن مراده وآدابه. الفصل الثالث والمائة: فإذا وصلت إلى الوقت الذي يشرفك الله جل جلاله يا ولدي محمد بكمال العقل وهو جل جلاله أهل من استصلاحك لمجالسته ومشافهته ودخول مقدس حضرته لطاعته فليكن ذلك الوقت عندك مؤرخا محفوظا من أفضل أوقات الاعياد وكلما أوصلك عمرك المبارك إليه في سنة من السنين فجدد شكرا وصدقات وخدمات لواهب العقل الدال لك على شرف الدنيا والمعاد. واعلم أنني أحضرت أختك (شرف الاشراف) قبل بلوغها بقليل وشرحت لها ما أحتمله من حالها من تشريف الله جل جلاله لها بالاذن لها في خدمته جل جلاله بالكثير والقليل وقد ذكرت الحال في كتاب (البهجة لثمرة المهجة).

[ 87 ]

الفصل الرابع والمائة: وإن بقيت حيا على ما عودني الله جل جلاله من رحمته وعنايته فإنني أجعل يوم تشريفك بالتكليف عيدا أتصدق فيه بمأة وخمسين دينارا عن كل سنة بعشرة دنانير إن كان بلوغك بالسنين وأشتغل بذلك في خدمته وإنما هو ماله جل جلاله وأنا مملوك وأنت عبده فتحمل إليه من ماله ما يريد أن تحمله لجلاله وهذا المقدار خطر على قلب تفويضي إليه وبحضوري بين يديه وإن أراد جل جلاله مهما أراد ما أقدرني عليه فيكون قبول ذلك مني رحمة وشرفا لي ولك ولا يبلغ وصفي إليه، وإن أنا انتقلت إليه قبل بلوغ الامل من بقائي حتى تستغني عن الاوصياء فقد أوصيت بك إليه جل جلاله وإلى غيره بأمره جل جلاله وهو أشفق عليك مني وأبلغ في حفظك وبلوغ الرجاء وأن يلهمك الله جل جلاله ذلك ولي بحمايتك ما يليق بكرمه وما وعدني من الالاء وزيادات السعادات والعنايات وأن يعرفني ذلك وأنا في عداد الاموات وإذا حضرت عند قبري فحدثني ما عمله معك سيدي وسيدك ومالك أمرك وأمري فإنني رويت عن السلف الصالحين أن الميت يسمع كلام الزائرين وخاصة من أهل اليقين. الفصل الخامس والمائة: فكن يا ولدي محمد حفظك الله جل جلاله بما حفظ من حفظه ممن يعز عليه وقت بلوغك لخلقه كمال العقل والتشريف بالتكليف في خلوه من الشواغل عن مولاك وتذكر أنه يريك وتطهير قبل تلك الحال بغسل التوبة وما ذكرناه في كتاب المهمات والتتمات من آداب الاغسال والبس أطهر الثياب الخالية من دنس الشبهات على ما أذكره لك

[ 88 ]

من الاداب وقف قائما بين يدي رب العالمين ومالك الاولين والاخرين ويحسن أن يكون على التراب بخضوع وخشوع وما ينبغي ويجب على المخلوق من تراب إذا قام للبس خلع رب الارباب بحضوره وحضور من حضر من ملائكته فإذا حصل وقت ذلك كما عينه جدك محمد صلى الله عليه وآله في شريعته فاستحضر قلبك وجوارحك بالادب والذلة لله والبس ما ألبسك الله جل جلاله بالمعنى الذي يقتضي تعظيم الخلع الالهية على يد صاحب الملة فإن أحسست وجدانا أو عرفت ذلك بالنقل تصديقا وإيمانا فاسجد لمولاك جل جلاله على الثرى ومرغ خديك بين يديه وتذكر أن الله يرى وإن كان وقت فريضة أو نافلة من الصلوات أو غيرها من العبادات فتلقها بالحمد والثناء والبشر والصفاء والوفاء كما ذكرناه في كتاب (التتمات والمهمات) ثم سلم اختيارك الذي أنعم به عليك إليه وتضرع بين يديه أن يكون هو المتولي لاختيارك بما يلهمك ويهديك إليه إنشاء الله تعالى. الفصل السادس والمائة: فإن كان وقت بلوغك إلى خلع شرف الالباب وتحف الاداب ما هو زمان شاغل من الفرائض والنوافل الظاهرة فابدء بذكر ما عمل معك من النعم السالفة والحاضرة، فإني أذكر لك منها جملة عرفني بها جل جلاله بلسان حال عنايته الباهرة فتذكر يا ولدي جملك الله بتذكيره لك وعنايته بك أنه جل جلاله في المعنى خدمك وله المثل الاعلى بشرفك بمعرفته وقبل أن يتحفك بالسعادة بخدمته بأن بنى لك السماوات والارضين بيد قدرته ولم يتكل إكرامه لك بذلك إلى ملائكته ولا بأحد من

[ 89 ]

بريته وأجرى لك البحار وشق الانهار وغرس الاشجار وأخرج الثمار وعمر الديار وجعل الشمس والقمر سراجا لليل والنهار (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الانسان لظلوم كفار). الفصل السابع والمائة: ثم تذكر يا ولدي ذكرك الله جل جلاله بعظمته وملأ قلبك هيبته كيف نقلك من ظهر آدم (ع) إلى بطن حواء ومن آباء إلى أمهات حتى أخرجك في هذه الاوقات وسلمك مما جرى على الامم السالفة من الهلكات كما قدمنا الاشارة إليه وأكمل صورتك وجمل همتك ونزه أعراقك من الادناس وتبرئك من الارجاس وجعل وقت خروجك إلى داره في بلاد الايمان وعند خلوة الزمان من أخطاره وأكداره وبين من يلقنك معرفته وخدمته تلقين الشفيق وبحضرة من يخدمك خدمة البر الرفيق وهيأ لك ثروة تغني عن شواغل الاعسار وكفاك طلب تحصيلها وجعلها من أهنإ المواهب واليسار وجعلك من ذرية قوم مسعودين بطلب رضاء رب العالمين وجعل لك والدا يدعو لك قبل ولادتك بسنين ويهديك بالسعادة بالرفق والشفقة وسعادة الدنيا والدين. الفصل الثامن والمائة: وتذكر يا ولدي ذكر الله جل جلاله بما ينفعك ذكره ويكمل لك بره أنه وما كان من أحد من الخلائق عند ابتداء إنشائك وتنقلك بين أمهاتك وآبائك تقدر على مشاركته فيما اختص به جل جلاله من إكرامك في ذاتك وصفاتك وسعادتك وتقليباتك فلا تأثرن أحدا عليه فاحفظه والزم التقرب إليه والذل بين يديه.

[ 90 ]

الفصل التاسع والمائة: وتذكر يا ولدي محمد ذكرك الله بحرمته وجلاله وهيبته وإقباله أنك مجتمع من الجواهر والاعراض ما لا يقدر غيره أبدا أن يمسك منك ذرة مع ذرة وأنه ماسكك وماسك ما أنت عليه وفيه من السماوات والارض إمساكا هائلا بالقدرة فلو رفع يد إمساكه سقطت السماوات وخسفت الارضون وخشعت الاصوات وهلك العالمون فالله الله يا ولدي في معرفة حق إمساكه ورحمته ونعمته وما لا يحصيه من حقوق العارفون والمكاشفون. الفصل العاشر والمائة: ثم تذكر يا ولدي محمد ذكرك الله جل جلاله بما يغني عن ذكرك وتذكرك من ولاية تدبيره لتذكيرك أنه جل جلاله أشفق عليك، أن لا يخلقك من مارج من نار فكان لعل يجري لك ما جرى لإبليس من التكبر والاستكبار، ولا خلقك من أنوار فلعل كان يجري لك أكثر من ذلك الاخطار، ورتب خلقك من تراب يوطأ بالاقدام، ثم من نطفة حكم بنجاستها تأديبا لك من خطر التكبر والاستعظام، ثم من علقة حكم أيضا أنها نجسة في شريعة الاسلام، ثم من مضغة خالية من تمام الجوارح والعلوم والافهام، ثم كيف كمل لك الجوارح التي تحتاج إليها على التمام وجعلها من أصول ضعيفة مبنية على أساس الانهدام، ثم جعلك في بطن أمك وهو حبس محجوب عن الانام، ثم أول ما غذاك به من الطعام دم الحيض يحكم بنجاسته فيما ارتضاه من الاحكام، ثم جعل مخارج النطفة ومخرجك إلى دنيا كدرة من مجاري البول والدماء النجسة المستقذرة لعل جميع ذلك ليكون عليك أدب العبودية وتسلم من المنازعة والمعارضة للجلالة الالهية، حتى جعلك لا تزال

[ 91 ]

حاملا للعذرة في بطنك، ثم ذلك بأن تجعل غسلها منك بيدك كل يوم وليلة على صفات متنفرة، فتارة عاملك بالإكرام العظيم لعل مراده أن تعرف قدرته ونعمته وترزق كرامته، وتارة عاملك برياضة التأديب لتخاف مؤاخذته وسطوته وإهانته وتفهم ربوبيته. الفصل الحادي عشر والمائة: ثم تذكر يا ولدي محمد جلال مقامه وكمال إنعامه بأن جعلك أهلا لأن يبعث إليك رسلا من ملائكته حفظة بما شرفك به من طاعته وتجميلا لذكرك بإظهار ما يتقرب به من خدمته بين الملإ الاعلى من خاصة وليكونوا شهودا على مقدس حضرته يوم اجتماع الخلائق لمحاسبته وما أجاز في شرعه الذي ارتضاه شهادة عبد على مولاه إلا شهادة ملائكته لك على مقدس حضرة ربوبيته ولمن شرفه بما شرفك من نعمته فوهم يوم بلوغك ورشادك حق فصدهم وخدمتك بغاية اجتهادك وابدء بالتسليم عليهم كما أشرت إليه في كتاب (المهمات والتتمات) وصاحبهم أحسن مصاحبة في سائر الاوقات ولا يسمعوا منك إلا جميلا ولا يحضروا معك مجلسا إلا ويرونك عبدا لمولاك ومولاهم ذليلا ولا تكتب على أيديهم إلى سيدك الذي أنت مفتقر إليه في أمرك كله إلا كتابا يصلح أن يعرض عليه منزها مما يكرهه ويأباه مملوا مما يحبه ويرضاه كما جرت عادة المملوك الضعيف إذا كتب كتابا إلى مالكه الاعظم صاحب المقام العالي الشريف، فإن غفلت في ليلك أو نهارك عنه وآثرت عليه من ليس فيه بدل منه فتب في الحال من غير إهمال وتصدق بصدقة تطفي عنك نيران الذنب، فإن صدقة السر تطفي غضب الرب، ولا

[ 92 ]

يشغلنك الملائكة الحافظون، ولا أحد من بني آدم الحاضرون الذين هم بعد وقت قليل ميتون عن مولاك ومولاهم ومالك دنياك وآخرتك ودنياهم وآخرتهم فإن العقل قضى أنه يقبح من العاقل أن يشتغل بمملوك عن مالك، وهو من أخطر المسالك وطريق المهالك وقد ذكرت في كتاب (المهمات والتتمات) كيف يحاسب الملكين في آخر نهارك وآخر ليلك على تفصيل جليل فاعمل على ذلك فإنه من كنوز كرم الله جل جلاله الجزيل. الفصل الثاني عشر والمائة: ثم تذكر يا ولدي محمد أغناك الله جل جلاله بتذكاره وأنواره وجعل إيثارك متابعا لإيثاره أن الوقت الذي شرفك فيه بالعقل وما هو له أهل، وبعث إليك حفظة ملائكته تحتاج إلى أن تعرف أعداء مولاك وأعدائك الذين يريدون أن يحولوا بينك وبين نعمته وعنايته ويشغلونك عن شرف مراقبته وعن هيبته وعظمته، فمنهم الشيطان الذي أهلك نفسه وحسد الذين يرجى لهم السلامة وقصدهم بالعداوة، وقد جعل الله جل جلاله لك منه حصونا منيعة ودروعا وسيعة فلا تفارقها. منها: الاخلاص في طاعة رب العالمين، قال الله جل جلاله عن هذا العدو اللعين (فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين). ومنها: الايمان والتوكل على الله جل جلاله فإن مولاك قال (إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون) فإن لم تهدم أنت في هذين الحصنين ثلمة لهذا العدو الرجيم بالغفلة عن مولاك العظيم والمعصية لسيدك ومتابعة العدو الذميم وإلا فإنه لا يقدر هو ولا أعوانه على هدم ذلك السور

[ 93 ]

المكين ولا هدم ثلمة فيه أبد الابدين فاحفظ السورين بالاخلاص والتوكل على الله. واعلم أن هذا العدو من أحقر الاعداء لأنه ما قدر أن ينفع بعد الموت من أطاعه ولا يضر من عصاه وهو كالكلب للراعي إذا عرض لك فاطلب من مولاك أن يكفيه عنه ولا تشتغل بمحارته بقدرتك فيبلغ غرضه ويشغلك عن خدمتك لمولاك وسعادتك. ومن الأعداء طبعك ونفسك وما يتفرع عنهما من الهوى وشواغل الدنيا وطبعك تراب وكذا كل شاغل في دار الذهاب يؤل إلى التراب فكيف يجوز أن يهون عند ذوي الالباب الكاملة الاشتغال بالتراب والامور الزائلة عن عظمة مولاك الهائلة ونعمته الشاملة. واعلم أن طبعك ونفسك وكل شاغل لك عن مولاك يستغيث إليك بلسان الحال ويقول لك لا تلتفت إليهم ويحذرونك من الاهوال والعقل من ورائهم يستغيث ويحذرك أعظم التحذير ومولاك من وراء الجميع ينكر عليك إيثارهم عليه أعظم النكير، ويقول لك كل ما يشغلك عني فهو حقير صغير فكيف تشغل بالحقير عن الكبير ويذكرك أن بيده كل ما تحتاج إليه من نفع كثير ويسير. الفصل الثالث عشر والمائة: ثم تذكر يا ولدي محمد ذكرك الله جل جلاله بمواهبه ونور سرائرك بعجائبه ومناقبه أنك في وقت تعريفك بجلاله وتشريفك بإقباله محتاج إلى طعام ومن يعمله من الانام وإلى ريق يسهل الطعام ويلينه وإلى ما تشربه ليحمله على ظهر ذلك إلى مجاري الانهار في الاعضاء. واعلم علمك الله جل جلاله ما عمل معك وعلمك وألهمك التحقيق كيف

[ 94 ]

اصطفاك أن الخبز ما يصل إلى يديك حتى يستخدم لك فيه الافلاك والارضون والليل والنهار والملوك وأعوانهم في الاقطار، النجارين والحدادين والتجار والخبازين ومن يجعله من الادميين، وكيف تعب من تعب منهم في تدبيره وهلك من هلك منهم بالاثام بسوء تغتيره. وأنت يا ولدي محمد سالم عن ذلك الخطر صغيره وكبيره ثم جعل لك من أنواره ومباره عينا تنظر إليه ويدا تمتد نحو الخبز وتقبض عليه وفما وأسنانا وتدبيرا محكما لا يحتوي وصفي عليه، وأجرى لك الريق من حيث لا تعلم من مجاري ما حفرتها ولا حفر لك آباؤك ولا أمهاتك ولا كان من الخلائق من يقدر أن يجريه إلا من بيده حياتك ومماتك وجعل مجاريه بقدر حاجتك إلى تلك اللقمة فلو كان أكثر من حاجتك كان قد جرى إلى خارج فمك وكدر عليك ولو كان دون حاجتك كانت اللقمة يابسة لا تتهنأ بها على عادتك فإياك ثم إياك أن تهون برحمته وحقوق نعمته وعظيم هيبته وحرمته، وأنك تحت قبضته. الفصل الرابع عشر والمائة: ثم تذكر يا ولدي محمد ذكرك الله جل جلاله بما يريد من مراحمه وعرفك بفضل مكارمه كيف أجرى الماء الذي تحتاج إليه من العيون ومن تحت الارضين وفتقها بقدرته وفيها ماء هو بين صخر أصم يعجز عن فتقه قوة العالمين، ثم كيف أنزل ما أنزله من السحاب المسخر بين السماء والارض وجعل السحاب كالمنخل لينزل بنقط متفرقة سهلة النزول من ذلك العلى ولو جعله جاريا من الغمام مثل جريه في البحار والانهار كان قد

[ 95 ]

أهلك بني آدم وأتلف ما خلق لهم من النبات والاشجار وخرب ما بنوه من الديار، وكيف لم تخلط النقطة في طريق نزولها بمصادمة الهواء، وكيف جعله في وقت دون وقت بحسب الحاجات وجعله مباحا مطلقا للعزيز والذليل في سائر الاوقات لما علم أنه من أهم الضرورات لئلا يمنعه الملوك الظالمون عن المحتاجين إليه وكل عدو عن عدوه ويفسد تدبير الدنيا ويموت من منع منه بالمغالبة عليه، فاذكر عند شربك له ما ذكرت من رحمة سيدك عليه واعرف له المنة العظمى واحمده بغاية ما أقدرك عليه وتذكر عند شرب الماء أنك ما صح لك الانتفاع بلذة تلك الشربة اليسيرة حتى عمل الله جل جلاله لأجل شربك مملكة كبيرة لأن شربتك تحتاج إلى وجودك وحياتك وعافيتك وهذه الامور تحتاج إلى جميع ما في الدنيا مما يتعلق وجوده لمصلحة شربتك وإن كنت شربتها من آنية فكل ما يتعلق وجوده بالانية نعمة في حقك بتلك الشربة التي قد هونتها لوجودها بحسب إرادتك ولو منعها عنك وقت حاجتك عرفت قدرها وقدر المنعم بها جل جلاله المتفضل برحمتك وتذكر ترويحه جل جلاله للماء حتى يبرد ويكمل ما تريده من لذتك ولو كان قد روحها حتى يبرد بعض (خدمك) ويد (جاريتك) كنت فضلتها على غيرها وزدتها في محبتك وجازيتها بحسن قدرتك فلأي حال لا تكون القلوب متعلقة بإحسان الله جل جلاله وشفقته كما هي متعلقة بإحسان عبد من عبيده الذين إحسانهم من إحسانه إليك ومن جملة نعمه عليك. الفصل الخامس عشر والمائة: وتذكر يا ولدي محمد ذكرك الله جل جلاله

[ 96 ]

بالمحبة لك والعناية بك في مقدس حضرته، حديث ما تحتاج إليه من كسوة تسترك بها من عيون الناظرين والقيام في خدمة رب العالمين وكيف استخدم لك في ثيابك كما استخدم لك في طعامك وشرابك فإن ثيابك إذا كانت من النبات فكل من استخدمه لك جل جلاله في الماء والخبز فقد استخدمه في الثياب وزاد عليه استخدام من يعالج إصلاحها من الحيوانات والدواب وذوي الالباب، فمن يدق الكتان ويلقط القطن ويصلحهما للنساجة ومن ينسجهما ومن يخيطهما لك ومن يحملهما إليك، فإذا أنعم الله جل جلاله بكسوة عليك فاخل بنفسك مع ربك جل جلاله وطهر جسدك وقلبك من الاثام ووسخ الذنوب بالتوبة وغسل التوبة وما يزال به دنس العيوب، وقم قائما بين يدي المطلع عليك وخذ الثياب من يد حال وجوده ومن لسان حال كرمه وجوده واذكر كيف كنت تكون لو أحضر لك السلطان خلعة قد استخدم لك فيها خواص مملكته ومماليكه وجنده وأهل معرفته وعمل فيها بيد قدرته، وأحضرك لتلبسها بحضرته ويراك كيف تعمل في شكر نعمته فكن على أقل المراتب على تلك الصفة عند لبس خلع الله جل جلاله في تعظيمها والشكر للمحسن الواهب واستبعد أن يكون زمان بني أمية تركت أموال المسلمين خالية من الشبهات وكذلك معاملة العرب ومن يهون بالمحرمات فيحسن أن تقول يا ولدي (محمد) عند لبس الثياب الجديدة (اللهم إن كنت تعلم أن فيها شيئا من المحرمات أو الشبهات فأنت المالك لأصل الحقوق والمالك لمن انتقلت إليه فأسئلك أن تجعل لكل صاحب حق فيها عوضا من فضلك يسد عني باب عدلك وألحقني

[ 97 ]

فيها بمقام من ألبست خلعا طاهرة من كل حق وشبهة باطنة وظاهرة وأن تكون هذه ثيابي من خلع السعادات الباهرة في الدنيا والاخرة) وكذلك تدعو كلما تحتاج إليه في مدة (الغيبة) في استعماله مما لا تأمن اختلاط حرامه بحلاله. الفصل السادس عشر والمائة: واعلم يا ولدي محمد أن الله جل جلاله لو حملنا على عدله ساعة دون ساعة من ليل أو نهار ما أبقانا أبدا وكان أمرنا قد آل إلى الهلاك والدمار، لأننا لا نوفيه حقه أبدا في اطلاعه علينا وحضورنا بين يديه بمقدار التفاوت بين عظمته وجلالته، وبين ما نعمله من اطلاع غيره علينا أو حضورنا بين يدي غيره من مماليكه الفقراء إليه ولا نبذل الجهد في زيادة تعظيمه عليهم وربما اشتغلنا بهم عنه وجعلنا ظهر لسان حالنا إليه ووجهنا إليهم فلو سلبنا نفوسنا وكل ما أحسن به إلينا وقطع خبزنا وكسوتنا وحبسنا في مطمورة الغضب علينا كنا والله لذلك مستحقين فكيف حملنا قوتنا التي هي منه وعقولنا الموهوبة عنه حتى صرنا نقدم أن تكون بحرمته مستخفين، ولمؤاخذته متعرضين، فإياك ثم إياك أن تهون بذلك كما يفعله الجاهلون به والغافلون ولا تتأسى بهم فإنه جل جلاله يقول (ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم إنكم في العذاب مشتركون). وأحدثك يا ولدي بجواب جرى لي مع من ينسب العلم فإنه حضر عندي يوما وأنا جالس على تراب أرض بستان فقال كيف أنت فقلت له كيف يكون من على رأسه جنازة ميت وعلى أكتافه جنازة ميت وعلى سائر جسمه أموات محيطون

[ 98 ]

به، وفي رجليه جسد ميت، وحوله أموات من سائر جهاته وبعض جسده قد مات قبل ممات جسده، فقال كيف هذا فما أرى عندك ميتا، فقلت له ألست تعلم أن عمامتي من كتان وقد كان حيا لما اخضر نباتا في الارض فيبس ومات وهذه صدرتي من قطن حي أخضر فيبس أيضا ومات وهذه (لالجتي) قد كانت من حيوان فمات وهذا حولي نبات قد كان أخضر فيبس ومات وهذا البياض في شعر رأسي وشعر وجهي قد كان حيا بسواده فلما صار أبيض فقد مات وكل جارحة لا أستعملها فيما خلقت له من الطاعات فقد صارت في حكم الاموات فتعجب من هذه العظة وصحيح المقالات فليكن على خاطرك يا ولدي أمثال هذه العظات. الفصل السابع والمائة: ثم تذكر يا ولدي محمد عمر الله جل جلاله قلبك بمكاشفته وجلال نعمته ومراقبته وما أنت محتاج إليه في ساعة تشريفك بالبقاء لخدمته غير ما ذكرناه فإن اللسان والقلم والانسان يعجز، أن يحرز جميع معناه بل كلما احتجت إليه على التفصيل فاذكر عند حاجتك إليه أنه هدية من مولاك الجليل فانظر إلى الهدية بتعظيم واهبها واشكر جالبها جل جلاله تحتاج إلى غلام أو جارية تغنيك بخدمتها على التفرغ لطاعة مولاك وخدمته فلا تشغل بذكر الغلام والجارية والشفقة عليهما من سيدك ومولاك المحسن إليك وإليهما وتذكر أنه ما كان في مقدورك أن تخلقهما ولا تخلق ما يحتاجان وتحتاج إليه أنت من ثمنهما وتذللهما لطاعتك ومؤنتهما وحسن رعايتهما ولا أن تمضي إلى بلاد الكفر فتنهبهما ولا أن يكونا من أمة جدك محمد صلوات الله

[ 99 ]

عليه وآله حتى يحل لك معونتهما لك بخدمتك ولا كنت قادرا أن تبعث ذلك الرسول المعظم إلى العباد وتفتح به ما فتح الله جل جلاله بنبوته من البلاد ولا كنت قادرا أن تؤيده بالمعجزات وتمده بالملائكة من السماوات وغير ذلك من الاسباب التي هي من مولاك رب الارباب فإنك ما قدرت أن تحضر ذلك الغلام والجارية بين يديك إلا بعد أن أنعم مولاك بجميع هذه النعم عليك فكيف يحل أو يليق بعاقل أن ينساه أو يؤثر عليه سواه وما كان يحصل ما حصل مولاه. ومثال ذلك أنك تحتاج إلى دابة تركبها في مهماتك وإرادتك التي تعنيك على سعادة دنياك وآخرتك فأنك لو كنت تتكلف الاسفار بالمشي على قدميك كان في ذلك من الذل والمشقة ما لا يخفى عليك. وتفكر أنه لو لم يخلق الله دابة تركب، إلا دابتك كيف كنت تكون في السرور بها والتعظيم لواهبها، وكيف كان يحسدك الملوك وغيرهم عليها وكيف كان تكون آية الله جل جلاله تنظر الخلائق إليها فكن عافاك الله بتلك المنة الجليلة والايادي العظيمة الجميلة، وإياك أن تكون كثرة الدواب من رب الارباب يهون قدر النعمة بها ويصغر عندك شرف بذله جل جلاله بها، فإن العقل ما قضى أن كلما بالغ المولى الاعظم في الاكرام والاسعاف إن العبد يبالغ في الاحتقار لمولاك والاستخفاف حتى يبلغ الجاهلين إلى مقام الجحود لصاحب الجود والهلاك في اليوم الموعود فاحذر أن تتبعهم على الجهالات فالقوم قد أحاطت بهم مصائب الغفلات وهم في ذل الندامات.

[ 100 ]

ومثال ذلك: يا ولدي محمد أنك تحتاج إلى ما تستعمله من آلات المشي وآلات الركوب وآلات التصرف في الحركات والسكنات وآلات المأكولات والمشروبات وإياك ثم إياك أن يشغلك حضور ذلك بين يديك بغير مشقة عليك من المنعم جل جلاله المحسن به إليك كما أنك تجد في حياتي أو بعدي لك مليكات وجاها عريضا جليلا وكلما تلقى مهيئا على يدي كثيرا كان أو قليلا فلا تشغل بشكري أو ذكري عن الله جل جلاله الذي أمرني به وحبب إلي ومكنني من استعداد ذلك لك ولإخوتك قبل حاجتهم إليه وحاجتك بل اشتغل بذكره عن ذكري وبشكره عن شكري. الفصل الثامن عشر والمائة: وتذكر يا ولدي محمد ملأ الله جل جلاله قلبك من أذكاره ومناره، إذا احتجت إلى زوجة تعينك على تفرغ خاطرك من شغل الشهوات الزاهلة ويسلمك مولاك بها من سموم المعاصي واللذات القاتلة وتكون عونا لك على استخراج عبيد أو إماء من العدم إلى الوجود من صلبك وترائبك يسببكما الله جل جلاله في تحصيل ذلك المقصود ليخدمونه ويسبحونه ويعظمونه جل جلاله ويحيون سنة نبيك محمد صلى الله عليه وآله ويكونون دعاة إليه وليباهي بهم الامم ولو بالسقط من الاولاد وليكون من مات منهم صغيرا ذخيرة لكما يوم المعاد ومن أطاع الله جل جلاله منهم وشرفه بخدمته مكتوبا ذلك لكما في صحائف طاعته إذا كنتما قد قصدتما بالاجتماع والنكاح ما يقربكما إليه وإلى رضاه ومحبته، وإياك ثم إياك أن تقرب من زوجتك أو جاريتك بمجرد الطبع الترابي على عادة الدواب والحمير، فإن

[ 101 ]

ذلك من أقبح التدابير وإنما يكون قاصدا امتثال أمر الله جل جلاله وامتثال أمر رسوله صلى الله عليه وآله فيما أراد منك بذلك النكاح المشار إليه فإن خفت غلبة الشهوة عليك فتمنعك من هذه النية المرضية فاستعن بالاستخارة قبل الشروع في هذه الخلوة بهذه المطالب الصادرة عن المواهب الالهية فإنني قد ذكرت في كتاب (فتح الابواب بين ذوي الالباب وبين رب الارباب) ما لم أعرف أحدا سبقني إلى مثله وكان ذلك من كرم الله جل جلاله وفضله. الفصل التاسع عشر والمائة: وإياك يا ولدي محمد طهر الله جل جلاله في تطهير سرائرك من دنس الاشتغال بغيره عنه وملأها بما يقربك عنه إذا احتجت إلى مخالطة الناس لحاجتك إليهم ولحاجتهم إليك ثم إياك ثم إياك أن تغفل عن التذكر أن الله جل جلاله مطلع عليهم وعليك وأنكم جميعا تحت قبضته وساكنون في داره ومتصرفون في نعمته وأنتم مضطرون إلى مراقبته وأنه قد توعدكم بمحاسبته وليكن حديثك لهم كأنه في المعنى له وبالاقبال عليه كما لو كنت في مجلس خليفة أو سلطان وعنده جماعة فإنك كنت تقصده بحديثك والناس الحاضرون في ضيافة حديثك له وإقبالك عليه. الفصل العشرون والمائة: واعلم يا ولدي محمد ومن بلغه كتابي هذا من ذريتي وغيرهم من الاهل والاخوان علمك الله جل جلاله وإياهم ما يريد منكم من المراقبة في السر والاعلان أن مخالطة الناس داء معضل وشغل شاغل عن الله عز وجل مذهل وقد بلغ الامر في مخالطتهم إلى نحو ما جرى في الجاهلية من الاشتغال بالاصنام عن الجلالة الالهية فاقلل يا ولدي من مخالطتك لهم

[ 102 ]

ومخالطتهم لك بغاية الامكان فقد جربته ورأيته تورث مرضا هائلا في الاديان فمن ذلك أنك تبتلي بالامر بالمعروف والنهي عن المنكرات فإن أقمت بذلك على الصدق وأداء الامانات صاروا أعدائك على اليقين وشغلوك بالعداوة عن رب العالمين وإن نافقتهم وداريتهم صاروا آلهة لك من دون مولاك وافتضحت معه وهو يراك ووجدك تستهزئ به في مقدس حضرته وتظهر خلاف ما تبطن بالاستخفاف بحرمته وأن اطلاعهم عليك كان أهم لديك من اطلاعه عليك وإن غرك الشيطان وطبعك وهواك والحب لدنياك وخيلوا لك أنك ما تقدر على الانكار والمجاهرة فقل لهم إنك تعلم خلاف ما يقولون من هذه المخادعة والمماكرة بدليل أن الذين كسروا حرمة ربك وحرمة رسوله جدك وحرمة أئمتك المعظمين بالمنكر الذي استخفوا بحرمة مالك الاولين والاخرين وحرمة الانبياء والمرسلين وكل ولي لله جل جلاله من العارفين وهتكوا به ناموس الدين لو كانوا قد كسروا به حرمتك وحرمة من يعز عليك من الادميين. مثاله: أن يأخذوا عمامتك من رأسك بين الحاضرين أو أن يسلبوك شيئا قهرا من الذين بين يديك بالاستخفاف بك والتهوين ما كنت تتغافل عنهم ولا تصبر عليهم ولا تعتذر بأنك ما كنت تقدر أن تنكر عليهم بل كنت تخاصمهم لعل بنفسك ومالك وتبالغ بغاية اجتهاد مقالك وفعالك في الانتقام منهم والاعراض عنهم والانكار عليهم والتوصل في الانتصار عليهم فعلى م لا يكون كسر حرمة مولاك فاطر الخلائق ومالك المغارب والمشارق مثل كسر

[ 103 ]

حرمتك اليسيرة بالنسبة إلى حرمته العظيمة الكبيرة وكيف رضيت أن تكون حرمتك أهم من حرمته وأنت غريق نعمته ومملوك ضعيف في قبضته وما الذي هون بهذه الجرأة الهايلة في مقدس حضرته. واعلم أنك تبتلي بمخالطتهم بأن يتفق لك أن تثق بعهودهم أكثر من وعود مولاك وأنت تعلم أنهم يمكن أن يموتوا قبل إنجاز الوعود ويمكن أن يخلفوا ولا يفوا بالعهد ويمكن أن يحول بينك وبين الانتفاع بوعودهم لو أنجزوها حوائل ويشغلك عنها شواغل فكيف رضي عقل العاقل وفضل الفاضل بترجيح وعد المملوك المعود بالجنايات والخيانات وتضييع العهود والامانات على وعد القادر بذاته الكريم لذاته الذي لا حائل بينه وبين سائر مقدوراته. واعلم أنك يا ولدي تبتلي مع مخالطتهم بأن يكون وعيدهم وتهديدهم أرجح من وعيد الله جل جلاله وتهديده وفي ذلك مخاطرة مع الله جل جلاله واستخفاف لأهوال وعيده. واعلم أنه يبتلي المخالط لهم بالانس بهم أكثر من أنسه بمولاه ومالك دنياه وأخراه وإنما حصل الانس بمخالطتهم بوجود العبد وحياته وعافيته وكل ذلك من رحمة مولاك ومن نعمته فكيف جاز تقديم الانس بسواه عليه والعبد الذي بين يديه وسيده مطلع عليه. واعلم: أن الانسان قد يبتلي أيضا بالمخالطة للعباد بحب مدحهم وكراهة ذمهم ويشتغل بذلك عن حب مولاه وذمه له وعن حبه هو لمولاك وعن الخوف من ذمه إذا عصاه.

[ 104 ]

ومما يبتلى به المخالط لهم أن الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وآله ونوابه الطاهرين يريدون منه العدل مع الذين هم مخالطون له أو معاشرون أو مصاحبون وأن يكون تقربه لهم وإقباله عليهم في قوله وإحسانه إليهم على ما يعرف ويظهر له من قربهم من الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وآله وخاصته وعلى قدر رغبتهم في طاعة الله جل جلاله ومراقبته. ومما يبتلى به المخالط بهم أنهم إذا كسروا حرمته بقول أو فعل من معاند أو من يفعل ذلك به على جهل أو يكون كما قدمناه غضبه بذلك لما جرى أكثر من مخالفة الله جل جلاله ورسوله صلى الله عليه وآله قبل غصبه لنفسه ويعدل في غضبه ورضاه عدلا يسلمه من خطر حسابه وسؤاله. ومما بيتلى به في مخالطتهم أنه يراد منه ألا يشتغل بإقبالهم وثنائهم عليه عن إقباله على الله عز وجل وإقبال الله جل جلاله عليه ولا يعطيهم من قلبه إذا أحسنوا إليه أكثر ولا مثل إحسان الله جل جلاله إليه لا يكون له شغل شاغل بإحسان الله جل جلاله في العاجل والآجل عن كل محسن مدة إحسانه فإنه ما دام على ذلك فهو مقدار أوقات قلايل. ومما يبتلى به في مخالطتهم ما قد صار عادة وسبيلا من الغيبة والنميمة والحسد والكبر والاخلاق الذميمة. ولقد رأيت البلوى بمخالطتهم قد سرت إلى فساد العبادات حتى صارت زيارة أكثر الاخوان متعلقة بنفع دنيوي أو دفع خطر دنيوي ويستبعد سلامتها من سقم النيات وصارت عيادة المرضى على سبيل التوجع والتألم للمريض

[ 105 ]

كأن الله جل جلاله قد ظلمه بالمرض وكان حق العايد لأهل الامراض أن يهنيهم بتلك الامراض لأنهم إما مسيئون ويريد الله جل جلاله بمرضهم تكفير السيئات أو ما هم من أهل الجنايات فيريد الله جل جلاله بإمراضهم من ارتفاع الدرجات ما لو اطلعوا عليه وجدوه قد شرفهم بتلك الحادثات وكان الحال عندهم مثل طبيب فصد إنسانا وقت عافيته ليأمن بذلك من سقم أو نقص يتجدد بمهجته أو لحفظ ما هو أهم على المفتصد من سعادته أما يرضى ابن آدم أنه توسخ قلبه وعقله ولسان حاله بجنايات فعاله ومقاله ويأتي الله جل جلاله على صفات غاسل بالامراض لأقذاره ومطهر الارجاس بيد اقتداره. أقول ولقد مرض يا ولدي بعض الولاة وضجر من المرض حتى كاد يعارض مولاه فقلت له مكاتبة ما معناه: أنت تعلم أنك في صف عدو الله جل جلاله المسمى بالشيطان ترمي جناب الله جل جلاله المقدس بأحجار المنجنيق بالمعاصي مجاهرة بالاعلان فإذا سقط من منجنيقك عند ضربك لعظمة مخالفته حجر لطيف غير قاتل لك فضربك به ليكفر عند ضربك لجلالته فهل يكون إحسانا وإكراما أو هوانا وانتقاما، ولقد رأيت يا ولدي كثيرا من تشييع الجنائز والصلوات على الاموات وهو أعظم مقامات العظات التي كان ينبغي أن يشتغل العبد بأهوالها عن الدنيا وأهلها أو عن الغفلات قد صار على سبيل المكافات والتقرب إلى قلوب أوليائهم فلو مات صالح على اليقين وليس له من الاحياء من يتقرب إليه بالصلوات عليه لقل الراغبون في تشييع جنازته وسقطت مراسم سلطان العالمين وأوامر سيد المرسلين وكذلك لو مات أحد ممن له

[ 106 ]

أولياء يرجى نفعهم لو كانوا حاضرين وإن لم يقدروا على إيذاء المشيعين والمصلين رأيت توفير الاجتماع للصلوة عليه حتى ممن هو مستغن عن نفع أولياء المشيع المسكين. الفصل الحادي والعشرين والمائة: واعلم يا ولدي محمد بارك الله جل جلاله في حياتك وشرف مقاماتك أن أصعب المخالطات مخالطة العصاة سواء كانوا ولاة أو غير ولاة إذا لم يكن مخالطتهم للانكار عليه وبأمر الله جل جلاله لإهداء النصيحة المجردة إليهم فإن الله جل جلاله يريد من الانسان إذا خالطهم لغير ما أمره به مولاه المطلع على سره ونجواه أن يكون على أقل المراتب قلبه معرضا عما الله جل جلاله معرض عنه ونافر ممن الله جل جلاله ماقت له أو ساخط عليه وهذا مقام صعب شديد وأنه والله بعيد وخاصة إن كان الذي يخالطه واليا وهو محتاج إليه وقد قضى حاجته أو أحسن إليه فكيف يبقى له قلب مع الله جل جلاله يوافقه في إعراض إقباله هيهات هيهات بل يفسد الوالي على الذي يقضي حاجته من دينه ومفارقة مولاه أكثر مما يصلح بقضاء ما قضاه ويغير كثيرا من حاله في أخراه. ولقد كتب يوما إلي بعض الوزراء يطلب مني الزيارة والورود عليه فكتبت إليه جوابه كيف بقي لي قدرة على مكاتبتك في حوائجي وحوائج الفقراء وأهل الضراء وأنا مكلف من الله جل جلاله ورسوله صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام أن أكره بقائك على ما أنت عليه حتى يصل كتابي إليك ومكلف أن أريد عزلك عن مقامك قبل وصول كتابي وقدومه عليك

[ 107 ]

الفصل الثاني والعشرون والمائة: ولقد قال لي قائل من الفقهاء فقد كانت الائمة عليهم السلام يدخلون على الملوك والخلفاء، فقلت له ما معناه إنهم صلوات الله عليهم كانوا يدخلون والقلوب معرضة عمن دخلوا عليه ساخطة عليه بقدر ما أراد الله جل جلاله من سخطه وإعراضه عنهم، قلت فهل تجد من نفسك هكذا إذا قضوا لك حاجة أو قربوك أو وقع إحسان إليك منهم قال لا، واعترف بتفاوت الحال وأن دخول الضعفاء ما هو مثل دخول أهل الكمال. الفصل الثالث والعشرون والمائة: ولقد كرر مكاتبتي ومراسلتي بعض ملوك الدنيا الكبار في أن أزوره في دار يتنافس في دخولها كثير من أهل الاغترار فقلت له مراسلة انظر المسكن الذي أنت ساكنه الان فإن وجدت فيه حائطا أو طابقة أو أرضا أو فراشا أو سترا أو شيئا من الامة وضع لله جل جلاله وفي رضاه حتى أحضر، وأجلس عليه وأنظر إليه ويهون علي أن أراه. وكتبت إليه غير مرة أن الذي كان يحملني على لقاء الملوك في بداية الاعمار التعويل بالاستخارة وقد رأيت الان بما وهبني الله جل جلاله من الانوار والاطلاع على الاسرار أن الاستخارة في مثل هذه الاسباب بعيدة عن الصواب ومخاطرة مع رب الارباب. ومما يبتلى الانسان في مخالطة الناس يا ولدي محمد أغناك الله جل جلاله عن مخالطتهم بالقوة الالهية والانوار الربانية تنظر بها خطر شواغلهم عن الله جل جلاله بمعاشرتهم أنه يقتضي التصنع لهم في حركاته وسكناته وملبوسه وقيامه وجلوسه والاستغال بإقامة ناموسهم عن حرمة الله جل جلاله

[ 108 ]

وعظيم ناموسه. ولقد قال لي بعض العلماء المشكورين لأي سبب تترك مجالستنا ومحادثتنا وأنت تدعونا وتقربنا إلى رب العالمين فقلت له ما معناه لأنني لو رأيت نفسي قوية كل أوان وزمان على أن أجالسكم وأحدثكم وأنا مشغول في حال مجالستكم ومحادثتكم بمجالسة الله جل جلاله ومحادثته بقلبي وسريرتي وأنكم في ضيافة إقبالي على حرمته بكليتي كنت جالستكم وحدثتكم في كل وقت ممكن من الاوقات ولكن أخاف أن أحدثكم أو أجالسكم وقلبي تارة ملآن منكم ومفرغ من تذكاري أنني بين يدي الله جل جلاله فأعتقد ذلك كالكفر إذا عزلته عن ربوبيته وولايته وولايتكم وأنتم مماليكه عليه وعلى قلبي الذي هو موضع نظره ومسكن معرفته وإن جالستكم وحدثتكم وقلبي تارة معكم وتارة معه اعتقدت ذلك شركا وهلكا حيث جعلت موقعكم من قلبي موقعه. الفصل الرابع والعشرون والمائة: واعلم يا ولدي محمد مكنك الله جل جلاله من مراده وألهمك الانقياد إليه والمنافسة عليه أني عزمت على الانقطاع من كل شئ يشغلني عن رب العالمين عن الخلائق أجمعين وحضرت مشهد جدك أمير المؤمنين عليه السلام واستخرت الله جل جلاله في ذلك استخارة على اليقين فاقتضت الاستخارة أنني لا أترك مخالطتهم في مسكني بالكلية فأنا أخالطهم إذا حضروا بالله عز وجل في أوقات أرجو فيها سلامتي مع الجلالة الربانية وإذا رأيت روحي مشغولا بهم أدنى اشتغال تركت محادثتهم في الحال. الفصل الخامس والعشرون والمائة: واعلم يا ولدي محمد صانك الله جل

[ 109 ]

جلاله عن مواقف إعراضه عنك وزانك بترادف خلع إقباله عليك وقبوله منك أن من جملة ما بليت به بالمخالطة للناس معرفة الملوك بي وحبهم لي حتى كاد أن يفسد علي سعادة الدنيا والاخرة ويحول بيني وبين مالكي صاحب النعم الباطنة والظاهرة وما كنت تدركني إلا وأنني لابس ثياب العار بطلب ولايات دار الاغترار وقائدا لك إلى الهلاك وعذاب النار وما خلصني من خطر إقبال ملوك الدنيا وحبهم وسلمني من السموم القاتلة في قربهم إلا الله جل جلاله على التحقيق فأنا عتيق ذلك المالك الرحيم الشفيق وذاك أن أول ما نشأت بين جدي ورام ووالدي قدس الله أرواحهم وكمل فلاحهم وكانوا دعاة إلى الله جل جلاله وطالبين له جل جلاله فألهمني الله جل جلاله سلوك سبيلهم واتباع دليلهم وكنت عزيزا عليهم وما أحوجني الله جل جلاله بإحسانه إليهم وإلي ما جرت عليه عادة الصبيان من تأديب لي منهم أو من أستاد بسبب من أسباب الهوان وتعلمت الخط والعربية وقرأت في علم الشريعة المحمدية (ص) كما قدمنا ذكره وقرأت كتبا في أصول الدين. وأراد بعض شيوخي أنني أدرس وأعلم الناس وأفتهم وأسلك سبيل الرؤساء المتقدمين فوجدت الله جل جلاله يقول في القرآن الشريف لجدك محمد صلى الله عليه وآله صاحب المقام المنيف ولو تقول علينا بعض الاقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين أفرأيت أن هذا تهديد من رب العالمين لأعز عليه من الاولين والاخرين أن يقول عليه بعض الاقاويل فكرهت وخفت من الدخول في الفتوى حذرا أن يكون

[ 110 ]

فيها تقول عليه وطلب رياسة لا أريد بها التقرب إليه فاعتزلت عن أوايل هذا الحال قبل التلبس بما فيها من الاهوال واشتغلت بما دلني عليه العلم من العمل الصالح ولم أكن عرفت ولا سمعت من أحد ما قد كتبت به إليك يا ولدي من الهدايات وفتح أبواب العنايات لكن كان الامر مبينا على ظاهر العبادة وإيقاعها على مقتضى العادة. ثم اجتمع عندي من أشار إلى أن أكون حاكما بين المختلفين على عادة الفقهاء والعلماء من السلف الماضين ومصلحا لامور المتحاكمين، فقلت لهم إنني قد وجدت عقلي يريد صلاحي بالكلية ونفسي وهواي والشيطان يريدون هلاكي بالاشتغال بالامور الدنيوية وأنا قد دخلت بين عقلي ونفسي والشيطان وهواي على أن أحكم بينهم بمجرد العدل ويتفقون كلهم مع العقل فلم توافقوا على الدوام على صواب هذه الاحكام وقال لسان حال العقل إنه لا يجوز أن يكون تبعا لهم على الهلاك والجهل وما تهيأ في عمر طويل أن أحكم بين هذين الخصمين أو أصالح بينهم مصالحة تقر بها العين وينقطع معهم المنازعات والمخالفات فمن عرف من نفسه الضعف عن حكومة واحدة مدة من الاوقات كيف يقدم على الدخول فيما لا يحصى من الحكومات وقلت لهم انظروا من اتفق عقله ونفسه وطبعه وهواه وقوي على الشيطان وصاروا كلهم يدا واحدة في طلب طاعة الله ورضاه وتفرغ من مهماته المتعينة عليه فتحاكموا عنده فإنه يكون قادرا بتلك القدرة على فصل الحكومات والمصالحات إذا حضر الخصومة بين يديه، فاعتزلت يا ولدي محمد عن رياسة هذا الباب ورأيت في

[ 111 ]

الله جل جلاله ونفسي شغل شاغل بمقتضى حكم الالباب. الفصل السادس والعشرون والمائة: ثم اتفق إيثار والدي قدس الله أرواحهما ونور ضريحيهما لتزويجي كما شرحته في كتاب (البهجة) وكنت كارها لذلك الاتصال خوفا من أن يشغلني عن صواب الاعمال فاقتضى ذلك صحبته لمن اتصلت إليهم ثم دخل بعضهم في ولاية ثم اجتهدت به أن يتركها وتوصلت معه مثلا بكل آية حتى كدت أن أبلغ النهاية فلم يوافق على الاعتزال فأدى ذلك إلى فراقه وكراهة المجاورة لهم في بلد الحلة وقطعت ما جرى به عادة الناس من الاشتغال بالاقوال وتوجهت إلى مشهد مولانا الكاظم (ع) وأقمت به حتى اقتضت الاستخارة التزويج بصاحبتي زهرا خاتون بنت الوزير ناصر بن مهدي رضوان الله عليها وعليه وأوجب ذلك طول الاستيطان ببغداد وهي محل حبائل الشيطان. الفصل السابع والعشرون والمائة: فأول شرك نصبه الشيطان ليفرق بيني وبين الله جل جلاله صاحب الرحمة والاحسان أنه طلبني الخليفة المستنصر جزاه الله عنا خير الجزاء للفتوى على عادة الخلفاء فلما وصلت عند باب الدخول إلى من استدعاني لهذه الحال تضرعت إلى الله عز وجل مالك الامان وسألته أن يستودع مني ديني وكلما وهبنيه ويحفظ علي كل ما يقربني من مراضيه حتى أخرج من عند المشار إليه فحضرت فاجتهد بكل جهد بلغ توصله إليه أنني أدخل في فتواهم فقواني الله جل جلاله على مخالفتهم والتهوين بنفسي وما أملكه في طلب رضاء الله جل جلاله بالامتناع منهم والاعراض عنهم وجرت عقيب ذلك أهوال من السعايات

[ 112 ]

فكفاني الله جل جلاله بفضله وزادني من العنايات وقد شرحت لك بعض تلك الاشياء في كتاب (الاصطفاء) فلو أنني دخلت يا ولدي محمد ذلك اليوم معهم في هذه الفتوة الدنيوية ولعب أهل الدنيا وقواعدهم الردية كنت قد هلكت أبد الابدين وكانوا قد أدخلوني فيما يفرق بيني وبين رب العالمين. الفصل الثامن والعشرون والمائة: وإياك ثم إياك أن تدخل معهم في شئ من هزلهم ولعبهم وبدعهم المخالفة لجدك سيد المرسلين ولأبيك سيد الوصيين ثم عاد الخليفة ودعاني إلى نقابة جميع الطالبين على يد الوزير القمي وعلى يد غيره من أكابر دولتهم وبقي على مطالبتي بذلك عدة سنين فاعتذرت بأعذار كثيرة فقال الوزير القمي ادخل واعمل فيها برضى الله فقلت له فلأي حال ما تعمل أنت في وزارتك برضاء الله تعالى والدولة أحوج إليك منها إلي فلو كان هذا يمكن كان قد عملته أنت ثم عاد يتهددني وما زال الله جل جلاله يقويني عليهم حتى أيدني وأسعدني وعاد المستنصر كلف مخاطبتي بصديق فتحيل معي بكل طريق فقال إما أن تقول إن الرضى والمرتضى كانا ظالمين أو تعذرهما فتدخل في مثل ما دخلا فيه فقلت أولئك كان زمانهم زمان بني بويه والملوك شيعة وهم مشغولون بالخلفاء والخلفاء بهم مشغولون فتم للرضي والمرتضى ما أرادوا من رضاء الله جل جلاله. واعلم: أن هذا الجواب اقتضاه التقية وحسن النية بهمتهما الموسوية وإلا فإنني ما أعرف عذرا صحيحا لدخول المذكورين في تلك الامور الدنيوية فإياك ثم إياك من موافقة أحد الملوك ولا تؤثرن على الله جل جلاله

[ 113 ]

مولاك ومالك دنياك وآخرتك سواه ولا تقبح ذكر سلف الطاهرين بمخالفة رضاه جل جلاله ولا تساعد على هدم ما بنوه من الشرف لك في الدنيا والدين ولا تجعلهم يوم القيامة خصوما لك ومعرضين عنك ونافرين منك. الفصل التاسع والعشرون والمائة: ثم عاد إغرائهم بأبيك حتى طلبه ولد الوزير القمي والتمس أن أكون نديما في البداية فعرفت أن ذلك يفضي إلى هلاكي باشتغالي بالامور الدنيوية فاجتهدت بكل حيلة ذكرتها وهو يراجعني حتى قلت له في آخر كلمات جملتها إنني متى نادمتهم وما أكشف لك ولوالدك أسرارهم وأحكي لك أخبارهم اتهمتموني بأنني أسمع فيكم منهم ما تكرهون وتصيرون أعدائي ويؤدي الامر بيني وبينكم إلى مقاطعة وإلى ما تعلمون وإياك ثم إياك أن تدخل معهم في شئ من هذه الامور فلا تصح والله منادمة أهل دار الغرور إلا بمفارقة مالك يوم النشور وأكثر أمور أهل دار الفناء هزل مفسد ومخرب لدار البقاء وحايل بين العبد وبين مالك الاحياء ولا تصح منادمتهم بالجد والسلامة من يوم القيامة هيهات هيهات كذب والله من يقول لك إن ذلك طريق من طرق السعادات. الفصل الثلاثون والمائة: ثم عاد الشيطان لعنه الله إغرائهم بأبيك أن اختار الخليفة المستنصر جزاه الله خير الجزاء أن أكون رسولا إلى سلطان التتر فقلت لمن خاطبني في هذه الاشياء ما معناه إن أنا نجحت ندمت وإن جنحت ندمت فقال كيف فقلت إن نجاح سعيي يقتضي أنكم ما تبغون تعزلوني من الرسالات إلى أن ألحق بالاموات وتشغلوني عن العبادات وغيرها من المهمات

[ 114 ]

وإن لم ينجح الامر بين يدي سقطت من عينكم سقوطا أدى إلى كسر حرمتي وفتح باب أذيتي واشتغالي عن دنياي وآخرتي وقلت له أبلغ من هذا مما أجراه الله جل جلاله على لسان حال سعادتي. فإياك ثم إياك أن يقول لك أحد أن هذا من المساعدات على الطاعات ولا تقنع بالتأويل والمغالطات فإن كل أمر مخالف يخالف عقيدتك لا يجوز المعونة عليه بحركة من الحركات ولا بإشارة من الاشارات ومن قال لك غير هذا فهو من حبايل الشيطان وكلامه هذيان. ثم عاد الخليفة المستنصر جزاه الله خير الجزاء كلفني الدخول في الوزارة وضمن لي أنه يبلغ بي في ذلك إلى الغاية وكرر المراسلة والاشارة وقد شرحت لك في كتاب (الاصطفاء) هذا الابتلاء والبلاء فراجعت واعتذرت حتى بلغ الامر إلى أن قلت ما معناه إن كان المراد بوزارتي على عادة الوزراء يمشون أمورهم بكل مذهب وكل سبب سواء كان موافقا لرضاء الله جل جلاله ورضاء سيد الانبياء والمرسلين أو مخالفا لهما في الاراء فإنك من أدخلته في الوزارة بهذه القاعدة قام بما جرت عليه العوائد الفاسدة وإن أردت العمل في ذلك بكتاب الله جل جلاله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله فهذا أمر لا يحتمله من في دارك ولا مماليكك ولا خدمك ولا حشمك ولا ملوك الاطراف ويقال لك إذا سلكت سبيل العدل والانصاف والزهد إن هذا علي بن طاووس علوي حسيني ما أراد بهذا الامور إلا أن يعرف أهل الدهور أن الخلافة لو كانت إليهم كانوا على هذه القاعدة من السيرة، وإن في

[ 115 ]

ذلك ردا على الخلفاء من سلفك وطعنا عليهم فيكون مراد همتك أن تقتلني في الحال ببعض أسباب الأعذار والأهوال فإذا كان الامر يفضي إلى هلاكي بذنب في الظاهر فها أنا ذا بين يديك اصنع بي ما شئت قبل الذنب فأنت سلطان قادر وشرعت الرحيل والانتقال عن بغداد بالكلية وما زلت بالله جل جلاله حتى انتقلت إلى الحلة وسلم الله جل جلاله برحمته الاولية وبعنايته بالسلف الصالح وصابهم لجلاله بالذرية. فإياك ثم إياك أن تشمت بي الشيطان بعد وفاتي وأن تجعله يوافيني ويقول قد ظفرت بولدك الذي هو قطعة من كبدك وتأتينا يوم القيامة وعليك لباس الندامة فأنت مفتضح مشهور بين أهل السلامة فبأي رحمة تلقى جدك محمدا صلى الله عليه وآله وأباك عليا عليه السلام وسلفك الاطهار وقد أعنت عليهم وقبحت ذكرهم وكنت عدوا لهم لأجل عار أيام قصار وبأي وجه تلقاني بعد هذه الوصية والرسالة وقد قنعت بالرذالة عوضا عما دعوتك إليه من الجلالة لا بالله لا تفارق هذا الباب الشريف الالهي المقدس المهجور الان والزمه وهون في لزومه بالنفس والاهل والمال وجميع الامكان ونافس فيه أيام الكساد لتأتينا وأنت ملك عظيم من ملوك الدنيا والمعاد ومولاك راض عنك هو ومن سلف لك من الملوك المسعودين من الاباء والاجداد. الفصل الثاني والثلاثون والمائة: واعلم يا ولدي محمد علمك الله جل جلاله ما أنت محتاج إلى تعليمه مما يزيدك من تعظيمه وتكريمه، أن الدخول مع الولاة لو كان شيئا يزيد المسلم في شرف دنياه كنت قد عمرت لك من الشرف

[ 116 ]

بالدخول معهم والقبول منهم نهايات المأمول ولكنه خلاف ما كان عليه سلفك وعار على من دخل فيه ونقص لا يبلغ وصفي إليه ومتى رأيت من أهل عقيدتك وعقيدة آبائك الطاهرين من تعتقد له شرفا بولاية ومعونة أحد من الظالمين فينبغي أن تعرف أنه مسكين مريض القلب سقيم الدين يحتاج إلى من يحمله إلى البيمارستان ويعالجه تارة بالاحسان وتارة بالهوان حتى يفيق من سكرته ويعرف قدر مصيبته فالحق سبيل واضح واحد قد دل القرآن وجدك محمد صلى الله عليه وآله إليه ومن خرج عنه فإلى غضب الله جل جلاله وسخطه وهوانه ونيرانه والفضيحة العظمى إذا قدم عليه ولقد وجدت الابناء يتعصبون للاباء في اعتقاد الباطل حتى تعصبوا لهم في عبادة الاصنام وقتلوا نفوسهم وعرضوا لها للاصطدام فعلام لا يتعصب أبناء القوم المسعودين في الدنيا والدين ويحفظون سبيل آبائهم الطاهرين ويمضون عليه قدما بغير تهوين ولو خاطروا في ذلك بالدنيا كلها كان مقدارها عند العارفين مقدارا هينا وما أقبح ما يأتي أحد من ذرية سيد الانبياء في يوم الجزاء ويكون الغرباء أقرب إلى جده محمد صلى الله عليه وآله منه والعوام قد أقبل عليهم وهو معرض عنه والغلمان له قد صاروا ملوكا بالطاعة والابناء له قد صاروا مضحكة للشيطان بالاضاعة وقد نادى بينهم مناد وهم يسمعون لمثل هذا فليعمل العاملون. الفصل الثالث والثلاثون والمائة: واعلم يا ولدي محمد حفظ الله جل جلاله عليك دينك ودنياك وكمل يقينك وتولاك، أنه لو كان قد عرض لي عمري كله مرض الجنون أو البرص والجذام كان أسهل من الابتلاء بولايات أشوه

[ 117 ]

بياض وجوه الاسلام وأهدم بها شيئا مما بناه الانبياء وجدك محمد صلى الله عليه وآله وأكون عارا عليه وأشمت أعداء دينه بإسائة سمعتي وسمعته والمساعدة عليه ويقولون أو يتوهمون أنه لولا أن دين جدنا محمد صلى الله عليه وآله كان على هذه الصفات من الولايات وما يشتمل عليه من الهزل واللعب والمجاهرة بالمحرمات وإلا ما كان فلان ولده المظهر لناموس الدين قد دخل مع الولاة وسلك سبيلهم في التهوين بمراسم جده وآبائه الماضين وفرح بالعكس عليه وأن ينسب سوء السريرة إليه فكيف يكون مصيبتي وندامتي عند سكرات الموت وكيف كانت تكون موافقتي ومحاسبتي وجهالتي وذلتي يوم الحساب وبأي عين كنت أنظر إلى جدك محمد صلى الله عليه وآله والسلف الابرار وبأي وجه كنت ألقاهم وقد كنت عليهم من أعظم العار ولو رحموني مثلا يوم الحساب وشفعوا في تخليصي من العقاب كنت قد بذلت وجوههم الشريفة المصونة بالسؤال لكل من أظلمه بالولايات في أن يستوهبوا لي تلك الظلامات وما كان جزاء جدك محمد صلى الله عليه وآله مني على هدايته ونبوته وشفاعته وإحسانه أن أصغر من شأنه وأن أشرع في هدم بنيانه وأن أخجله وأنا ولده بالرد لمقدس قرآنه وتقبيح ذكر مرسله وسلطانه القتل المعجل أي ولدي محمد أسهل من ذلك وأجمل وتلك الامراض البرص والجذام والجنون كان ينقضي بالموت فيهون ويكون الثواب منها والعوض عنها قرة للعيون وصحبة ملوك الاخرة والولايات الباقية الباهرة ولبس خلع رضاء جبار الجبابرة وطيب لقاء سلفك من العترة الطاهرة إذا اجتمع الاولون والاخرون وفي ذلك

[ 118 ]

فليتنافس المتنافسون. الفصل الرابع والثلاثون والمائة: ولقد انتهى الحال يا ولدي محمد تولي الله جل جلاله تدبيرك في سائر الأمور إلى نحو ما كنت قد استخرت فيه مالك يوم النشور من ترك المخالطة لأهل دار الغرور ولأنه جل جلاله اختار لي النقلة من الحلة بالعيال إلى مشهد أبيك (أمير المؤمنين علي) عليه السلام فكنت فيه كالمعتزل من الناس إلا في شاذ الاوقات ومفارقا للجماعة نحو ثلاث سنين كما شرحناه في كتاب (الاصطفاء) بعنايات عظيمة في الدين والدنيا ما عرفت الله جل جلاله تفضل على أحد مثلها ممن شرفه بسكنى ذلك المقام المكين، ثم اختار لي الانتقال بالعيال إلى مشهد جدك (الحسين) (ع) وهو جدك من جانب بعض جداتك أم كلثوم بنت زين العابدين عليه السلام وهو موطن أبعد عن الناس والبلاد لأن مشهد مولانا علي عليه السلام قريب من الكوفة وهي ترداد العباد، وكتبت إليك هذه (الرسالة) وأنا مقيم في جوار حرم (الحسين) عليه السلام في ظل تلك الجلالة معتزل عن الشاغلين منفردا أبلغ من ذلك الانفراد عن العالمين ثم قد وقع في خاطري أنني ربما إذا تم لي مجاورته ثلاث سنين أستخير في أن أتشرف بمجاورة مولانا (المهدي) وأبيه وجده (بسر من رأى) صلوات الله عليهم أجمعين وهو أبلغ في العزلة بالكلية لأنه بعيد عن بلادنا ومعارفنا وكأنه صومعة في برية ورجوت إذا أشرفني الله بهذه الامنية أن تكون هذه المجاورة في الثلاثة المشاهد النبوية ما سبقني أحد فيما أعلم إلى مثلها وإلى شرف فضلها فما أعرف أحدا انتقل إلى كل

[ 119 ]

مشهد منها بعياله على ما أمكنني الله جل جلاله من إفضاله ليكون ذلك وسلية إلى أن يسكنونا في جوارهم في دار قرارهم ويشملونا بمبارهم ويشركونا في مسارهم إنشاء الله تعالى. الفصل الخامس والثلاثون والمائة: واعلم يا ولدي محمد حفظ الله جل جلاله فيك عنايته بآبائك الطاهرين وسلفك الصالحين وسلك بهم كامل سبيلهم القوي المكين أن أصل ما أنت فيه أن تكون ذاكرا أنك بين يدي الله جل جلاله وأنه مطلع عليك، وأنك كلما تتقلب فيه من إحسانه إليك وأنه صحبك من ابتداء إنشائك من التراب وتنقلك من الاباء والامهات كما شرحنا فيما فات أحسن الصحبة بالعنايات وصحبك في وقت وجودك بما نبهناك به عليه من السعادات وأنت محتاج إلى جميل صحبته ورحمته مع دوام بقائه بعد الممات ومن ذا يحميك منه إن أعرض عنك أو أعرضت عنه، ومن الذي يحفظ عليك إذا ضيعت نفسك وكل ما في يدك ومن الذي إذا أخرجته من قلبك تتعوض به عن ربك جل جلاله فأريد من رحمته أن يملأ قلبك من معرفته وهيبته ورحمته ويستعمل عقلك وجوارحك في خدمته وطاعته حتى يكون إن جلست فتكون ذاكرا أنك بين يديه وإن قمت تكون ذاكرا أن قوة قدرتك على المشي منه وتتأدب في المشي تأدب الماشي بحضرة ملك الملوك إليه الذي لا غناء عنه. الفصل السادس والثلاثون والمائة: واعلم أن جوارحك بضايع معك لله جل جلاله وأمانات جعلك تاجرا فيها لنفسك ولآخرتك فمتى صرفتها في

[ 120 ]

غير ما خلقت له من الطاعات والمراقبات أو أنفقت وقتا من أوقاتك في الغفلات، كان ذلك الخسران عائدا إليك بالنقصان ومثمرا أن يعاملك سيدك بالهجران واستخفاف الهوان ولا تقل أو تسمع من الجاهلين أو الغافلين أن هذا ما يقدر عليه فإنهم قالوا لنا مثل ذلك وعرفنا بالله جل جلاله أنهم غالطون فيما أشاروا إليه ووجدنا من نفوسنا وعقولنا أنها تتأدب مع الملوك والعظماء في دار الفناء ومع الاصدقاء والرفقاء بل ومع الغلمان والجيران ومن لا نرجوه لنفع وإحسان ولا لدفع أخطار الزمان أدبا بقدر من يجالسه أو يشاهده منهم فكيف جاز أن يكون الادب مع علم الله جل جلاله بنا، وقدرته علينا وإحسانه إلينا دون هؤلاء الذين لا نبالي بالاعراض عنهم. الفصل السابع والثلاثون والمائة: وإن احتجت إلى سفر يا ولدي كان الله جل جلاله لك حافظا في سفرك وجميع ما أحسن به إليك وخلفا لك في كل ما تغيب عنه مما أنعم به عليك فلا تسافر بالطبع والغفلة والاطماع الدنيوية فتكون مخاطرا مع الله جل جلاله ومهونا لجلالته الالهية ومضيعا زمان أسفارك في غير ما ينفعك لدار قرارك بل يكون قصدك أنك تتوجه من الله جل جلاله لأنك حيث كنت فأنت بين يديه، وإلى الله جل جلاله بالتوكل عليه وبالله جل جلاله بالتفويض إليه وإليه جل جلاله بالاقبال عليه فيكون سفرك خدمة له وبه وسفرا إليه وتصير في حماية ورعاية وكفاية ذلك الاخلاص له والتقرب إليه ومهما جرى في ذلك السفر كان بلسان الحال كان دركه عليه لأن العقل قضى أن من سافر إلى سلطان عادل في شغله وتحت ظله ومتمسكا في سفره

[ 121 ]

بحبله وبالوثيق من فضله فإن درك هذا المسافر على ذلك السلطان بمقتضى عدله وإن توقفت نفسك عن السفر على هذه الصفات وطلبت التأسي بأهل الغفلات وتضييع الاوقات فاستعن بالله جل جلاله في قوتك على التوفيق واستعمل ما ذكرناه في كتاب (فتح الابواب) من الاستخارات فإذا عملت بمقتضى تلك الاشارات صار سفرك بأمره جل جلاله وتعظيم قدره وسلمت من الندامات ومتى سافر الانسان بمجرد الطباع والشهوات كان هو والدابة التي يركبها سواء في الحركات والسكنات. الفصل الثامن والثلاثون والمائة: وحيث ذكرت لك يا ولدي بعض ما أجراه الله جل جلاله على خواطري في أدب الحركات والتصرفات فيحسن أن أذكر ما تحتاج إليه عند منامك وجعله الله جل جلاله كنوم ذوي المعارف والمراقبات وقد شرحنا لك شرحا شافيا في كتاب (المهمات والتتمات) فاجلس في فرش منامك بالادب بين يدي مالك وجودك وحياتك وعافيتك وجلوسك وقيامك وتذكر ما جرى منك قبل نومك من غفلتك جل جلاله أو تفريط في طاعتك له وخدمتك وما لم تتب عنه فتب في الحال عنه فإنك بالنوم تصير أسيرا لا تقدر أن تنفع نفسك قليلا ولا كثيرا ولا أن تدفع عنك في وقت منامك شيئا من الاوقات التي لا يمكن التحرز منها وتترك روحك وكل ما أعطاك الله جل جلاله من نعمته مستمرا لا تقدر أن تدفع عنها فصالح مولاك صلح العبد الذليل الحقير الفقير للمولى الجليل العلي الكبير، واخشع بين يديه وسلم نفسك كل ما وهبك الله واستودعه الجميع وقد سلمت من

[ 122 ]

درك التضييع. الفصل التاسع والثلاثون والمائة: واعلم أنك على التحقيق ملكه وما في يدك ملكه وهو أحق بحفظ ملكه منك ولكنه شرفك بأن جعلك أهلا أن تودعه وتجعله كالوكيل لك والنائب عنك وبلغك بذلك مقاما جليلا كما قال (لجدك وسيدك) رسوله صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله واتخذه وكيلا، وتذكر كيف أنت يا ولدى محمد معطل بالنوم عن خدمته وهو جل جلاله بلسان الحال يخدمك بيد رحمته في إمساكك وإمساك وجودك وحياتك وعافيتك وكل ما تحتاج إليه من حفظ العيال والاموال والامان وترويحك في الصيف بالهواء وتمكينك في الشتاء من الدفاء وكيف يتولى في جسدك لتغيير الغذاء في الاعضاء وكيف يحفظ سمعك وبصرك وجميع جوارحك ويهئ لك بعد النوم جميع مصالحك ويعيد عليك كل ما ذهب بالنوم من فوائدك وجميع موائدك فلو فعل هذا معك أو بعضه بعض الادميين أما كنت تعرف له حق ذلك أحسن الاعتراف فالله جل جلاله أحق أن نعامله بالانصاف. الفصل الاربعون والمائة: ولا تكره أنى ما أخلف لك ولإخوتك ذهبا ولا فضة بعد الممات فهذه سيرة جدك محمد ومولاك على صلوات الله عليهما فإننى وجدتهم قد امتنعوا أن يخلفوا لورثتهم ذهبا أو فضة وخلفوا لهم ما يكفيهم ويفضل عليهم من الاملاك والعقار وقال جدك محمد (ص) لسعد بن معاذ وكان يعز عليه أنك إن تترك ولدك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس فأنا قد اقتديت بتلك الاثار ووجدت أيضا في كتاب (من لا يحضره

[ 123 ]

الفقيه) وهو ثقة معتمد عليه، عن زرارة عن الصادق عليه السلام قال ما يخاف الرجل بعد شيئا أشد عليه من المال الصامت، قال قلت كيف يصنع قال يضعه في الحائط والبستان والدار. واعلم يا ولدى أننى كنت أشترى هذه المليكات بالله عز وجل ولله جل جلاله وبنيته أن الاملاك وأنا والاثمان كلنا ملك لله جل جلاله هذا الذى اقتضاه العقل والنقل، إن العبد لا يملك مع مولاه وإنما كلما ملكه شيئا فهو مجاز، وحقيقة التملك لمن أنشأه وأعطاه وعلمت أننى إذا اشتريته بهذه النية فإن كل ما ينفق أحد منه أو يخرج عنه فهو محسوب في ديوان معاملته جل جلاله المرضية في حياتي وبعد وفاتي وذخيرة عند الله جل جلاله لى لأوقات ضرورتي. الفصل الحادى والاربعون والمائة: واعلم يا ولدى محمد أطلعك الله جل جلاله على ما تحتاج إليه وزادك إقبالا عليه أن جماعة ممن أدركتهم كانوا يعتقدون أن النبي جدك محمدا وأباك عليا صلوات الله عليهما كانا فقيرين لأجل ما يبلغهم إيثارهم بالفوت واحتمال الطوى والجوع والزهد في الدنيا فاعتقد السامعون لذلك الان أن الزهد لا يكون إلا مع الفقر وتعذر مع الامكان وليس الامر كما اعتقدوه أهل الضعف المهملين للكشف لأن الانبياء عليهم السلام أغنى أهل الدنيا بتمكين الله جل جلاله لهم ما يريدون منه جل جلاله من الإحسان إليهم ومن طريق نبوتهم كانوا أغنى أممهم وأهل ملتهم ولولا اللطف برسالتهم ما كان لأهل وقتهم مال ولا حال وإنما كانوا عليهم السلام يؤثرون بالموجود ولا يسبقون الله جل جلاله بطلب مال يريد أن يطلبوه من

[ 124 ]

المفقود وقد وهب جدك محمد صلى الله عليه وآله أمك فاطمة صلوات الله عليها فدكا والعوالى من جملة مواهبه، وكان دخلها في رواية الشيخ (عبد الله بن حماد) الانصاري أربعة وعشرون ألف دينار في كل سنة وفى رواية غيره سبعون ألف دينار وهى وزوجها المعظم والواهب الاعظم من أعظم الزهاد والابرار وكان يكفيهم منها أيسر اليسير ولكن العارفين ما ينازعون الله جل جلاله في تملك قليل ولا كثير ولكنهم كالوكلاء والامناء والعبيد الضعفاء فيصرفون في الدنيا وفيما يعطيهم منها كما يصرفهم هو جل جلاله وهم في الحقيقة زاهدون فيها وخارجون عنها، ووجدت في أصل تأريخ كتابته سبع وثلاثين ومأتين، وقد نقلته في أول كتاب عندي الان لطيف ترجمته من أخبار آل أبى طالب وأول رجال روايته (عبيد الله بن محمد أبى محمد) فقال فيه عن مولانا على أبيك أمير المؤمنين عليه السلام تزوجت فاطمة عليها السلام وما كان لى فراش وصدقتي اليوم لو قسمت على بنى هاشم لوسعتهم وقال في الكتاب أنه عليه السلام وقف في أمواله وكانت غلته أربعين ألف دينار، وباع سيفه وقال من يشترى سيفى ولو كان عندي عشاء ما بعته، وروى فيه أنه قال مرة عليه السلام من يشترى سيفى الفلاني ولو كان عندي ثمن إزار ما بعته، قال وكان يفعل هذا وغلته أربعون ألف دينار من صدقته ووالله يا ولدى محمد الذى حضر قسمي به جل جلاله وكتابي هذا وشهدت به ملائكته لقد كان في يد والدك على بن موسى هذه المليكات وغيرها من الموجودات ولا يكون معه في كثير من أوقاته درهم واحد لأنه كان يخرج ما

[ 125 ]

يتفق له من دخل ملك وغيره في معونة عياله ثم في الصدقات والايثار والصلات وكان جماعة من الناس يعتقدون أنه ينفق من ذهب مذخور هيهات هيهات لقد ضلوا عن أبيك ووالدك كما ضل كثير من الخلق عمن هو أعظم حالا وأشرف كمالا وأتم جلالا وهو الله رب العالمين وأنبيائه ومن ضلوا عنه من المرسلين والصالحين حتى قال جل جلاله عن جماعة يشاهدون جدك محمدا (ص) وهم حاضرون وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون، ولو جاءت الدنيا إلى والدك دفعة واحدة خرجت في أسرع الاوقات ولكنها كانت تأتينا كما يريده الله تعالى في أزمان متفرقات، فاقتد يا ولدى محمد وجماعة إخوتك أو ذريتك بمن سلك من آبائك سبيل الحق والصدق وصدق الله جل جلاله في قوله جل جلاله في ضمان الرزق فورب السماء والارض إنه الحق. ورأيت في كتاب (إبراهيم بن محمد الاشعري) الثقة بإسناده عن أبى جعفر عليه السلام قال قبض على عليه السلام وعليه دين ثمان مأة ألف درهم فباع الحسن عليه السلام ضيعة له بخمسمائة ألف درهم، فقضاها عنه وباع ضيعة أخرى له بثلثمائة ألف درهم فقضاها عنه وذلك أنه لم يكن يذر من الخمس شيئا وكان تنوبه نوائب، ورأيت في كتاب (عبد الله بن بكير) بإسناده عن أبى جعفر عليه السلام أن الحسين (ع) قتل وعليه دين، وأن على بن الحسين زين العابدين عليه السلام باع ضيعة له بثلاث مائة ألف ليقضى دين الحسين (ع) وعدات كانت عليه، وقد ذكرت طرفا من يسارهم وإيثارهم صلوات الله عليهم في أوائل الجزء السادس من كتاب (ربيع الالباب) فانظر ففيه أخبار

[ 126 ]

تدل على الصواب، وكان وقف جدك أمير المؤمنين عليه السلام على أولاده خاصة من فاطمة عليها السلام لها عامل من ذريته فكيف وقع للضعفاء أنه كان فقيرا وأن الغنى لا يكون لمن جعله الله جل جلاله من خاصته وهل خلق الله جل جلاله الدنيا والاخرة إلا لأهل عنايته. الفصل الثاني والاربعون والمائة: ومما أرجو به حسن توفيق الله جل جلاله لك يا ولدى محمد وعنايته بك أننى وجدته جل جلاله قد ألهمك الفطام من مرضعتك من غير أن نكلفك نحن ذلك أو نمنعك من داينك، ووجدته قد ألهمك طلب طريق الاستاذ لتعليم الخط والكتابة فرجوت من رحمته ورأفته أن يكمل لك شرف الاجابة والانابة فأوصيك بتعليم الخط على التمام فإنه معونة لك على السلوك إلى الله جل جلاله ودخول غاية رضاه في دار المقام ثم بتعلم العربية بمقدار ما يحتاج إليه مثلك من الطالبين للمراضي الالهية وإحياء السنن النبوية ثم تتعلم من القرآن الشريف ما تحتاج إليه لإقامة الصلوة وما يتعلق بمراد الله جل جلاله من تفسير تلك الايات بعاجل الحال واحفظه جميعه بعد ذلك التعظيم والاجلال. الفصل لثالث والاربعون والمائة: وأريد من الله جل جلاله أن يلهمك ومنك أن تقبل من إلهامه وأن تتعلم الفقه الذي فيه السبيل إلى معرفة الاحكام الشرعية وإحياء سنة جدك المحمدية ويكون قصدك بذلك امتثال أمر الله جل جلاله في التعليم وسلوك الصراط المستقيم ولا تكن مقلدا لغلمان جدك من العوام وذليلا بين أيديهم لأجل الفتوى والاستفهام فما يقنع بالدون إلا مغبون

[ 127 ]

واعلم أن جدك وراما قدس الله روحه كان يقول لي وأنا صبي ما معناه يا ولدي مهما دخلت فيه من الاعمال المنطقة بمصلحتك لا تقنع أن تكون فيه بالدون دون أحد من أهل ذلك الحال سواء كان علما أو عملا ولا تقنع بالدون وذكر أن (الحمصي) حدثه إن لم يبق للامامية مفتى على التحقيق بل كلهم حاك وكان ذلك الزمان فيه جماعة من أصناف العلماء وليس في وقتنا الان من يقاربهم في تلك الاشياء وأنا أعتذر لهم بطول الغيبة وتباعد الزمان عن الادلاء الذين كانوا رحمة الله جل جلاله في حفظ واشتغال وأدراك والان فقد ظهر أن الذي يفتى به ويجاب عنه على سبيل ما حفظ من كلام العلماء المتقدمين وهذا طريق سهل ما يعجز عنه إلا مسكين ومن همته همة ضعيف مهين وإني لأعلم أنني اشتغلت فيه مدة سنتين ونصف على التقريب والتقدير وما بقيت أحتاج إلى ما في أيدي الناس لا قليل ولا كثير وكلما اشتغلت بعد ذلك فيه ما كان لي حاجة إليه إلا لحسن الصحبة والانس والتفرع فيما لا ضرورة إليه ومن يعلم أن عمره يسير وقصير وأن وراءه من يحاسبه على الكبير والصغير والظاهر والمستور فإنه يكفيه من الزاد بقدر السفر والمسير وإذا أردت الاشتغال بالفقه، فعليك بكتب جدك (أبي جعفر الطوسي) فإنه رحمه الله ما قصر فيما هداه الله جل جلاله إليه ودله عليه وقد هيأ الله جل جلاله لك على يدي كتبا كثيرة في كل فن من الفنون الذي رجوت أن تدلك بل على ما يقربك من مولاك ومالك دنياك وأخراك فهيأ الله جل جلاله كتبا في الاصول يكفيك أن تنظر فيها وتعرف ما تريد معرفته من جملة الابواب

[ 128 ]

والفصول، وهيأ الله جل جلاله لك كتبا كثيرة في النبوة والامامة يكفيك منها نظر ما تريد نظره من المعاني المطلوبة التي قد تعب فيها غيرك وكانت من الله جل جلاله لك كالهدية المفرغة الموهوبة، وهيأ الله جل جلاله كتبا كثيرة عندي في الزهد اجعلها عند الجليس الصالح من الجلساء وتأدب بما أدب الله جل جلاله من كان قبلك من الانبياء والاوصياء والاولياء وبما قوى به من كان دونك من الضعفاء حتى جعله بفضله من الاولياء وجمع له بين سعادة دار الفناء ودار البقاء فالسابق والمسبوق من أصل واحد، لكن السابق ذا همة عالية فلم يقنع بدون السعادة الفانية والباقية وكان المسبوق ذا همة واهية فقنع بالحالة الواهية، وهيأ الله جل جلاله كتبا كثيرة عندي في تواريخ الخلفاء والملوك وغيرهم من الذين طلبوا سراب الدنيا الزايل وسودوا وجوه العقل والفضل بخسران العاجل والآجل ورحلوا من الدنيا بأحمال الذنوب وأثقال العيوب، وكانوا كأنهم في أحلام ومنام، وباعوا بتلك الايام ما لا يبيعه ذووا الهمم العالية الباهرة من سعادة الدنيا والاخرة، فاحذرهم على دينك ومولاك فالله الله أن تتقرب إليهم أو تقرب منهم مهما أمكنك ففي قربهم السم الناقع والهلاك، وإنما ذخرت لك تواريخهم بالله جل جلاله لتنظر أول أمورهم وآخرها وظواهرها وسرائرها وترى ما فعلوا بنفوسهم وما رضوا به من نحوسهم وضرهم وبؤسهم بساعات ولذات يسيرة وأعمار قصيرة وكيف خدعهم الشيطان عدوهم وعدو مولاهم وسلبهم دنياهم وأخراهم. واعلم يا ولدي محمد إنني كنت يوما أنظر في كتاب من التواريخ المذكورة

[ 129 ]

فقال لي قائل في أي شئ تنظر فقلت أنا في حياة، وبين قبور أنظر إلى قوم بينا هم في سرور وغرور إذ هجم عليهم هادم اللذات ومفرق الجماعات وصاحب الشتاتات فنقلهم إلى محلة الاموات وقطعهم عما كانوا فيه من اللذات وصاروا في ذل الحسرات وأسر الندامات. وهيأ الله جل جلاله ما كنت أشرت إليه من الفقه المروي عن جدك سيد المرسلين وأبيك أمير المؤمنين وعترتهما المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين، تصنيفا من شيعتهم وأخبارا كبارا من الكتب وصغارا فاشتغل بالقراءة في الفقه بالله جل جلاله ولله جل جلاله على رجل صالح ورع من أهل هذا العلم الموهوب فإنني أرجو من رحمة ربي فاتح أبواب المطلوب أن يغنيك بالمدة اليسيرة عن المدة الكثيرة، وقد تقدم شرح الحال في الاشتغال بهذا العلم المذكور وأنا أريد في وصف الاشتغال بما يسهل عليك طلب هذه الامور فإنني اشتغلت بعلم الفقه وقد سبقني جماعة إلى التعليم بعد، سنين فحفظت في نحو (سنة) ما كان عندهم وفضلت عليهم بعد ذلك بعناية رب العالمين ورحمته لمن يريد جل جلاله من ذرية جدك سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وقد كنت قد ابتدأت بحفظ الجمل والعقود وقصدت معرفة ما فيه بغاية المجهود وكانوا الذين قد سبقوني ما لأحدهم إلا الكتاب الذي يشتغل فيه وكان لي عدة كتب في الفقه من كتب جدي (ورام بن أبي فراس) قدس الله سره وزاده من مراضيه انتقلت إلي من والدتي (رض) بأسباب شرعية في حياتها وهي من بقايا ما تفضل الله جل جلاله به منها، فصرت أطالع بالليل كل شئ

[ 130 ]

يقرء فيه الجماعة الذين تقدموني بالسنين وأنظر كل ما قاله مصنف عندي وأعرف ما بينهم من الخلاف على عادة المصنفين، وإذا حضرت مع التلامذة بالنهار أعرف ما لا يعرفون وأناظرهم وأنشط في القراءة بسرور الاستظهار، وفرغت من الجمل والعقود وقرأت (النهاية) فلما فرغت من الجزء الاول منها استظهرت على العلم بالفقه حتى كتب شيخي (محمد بن نما) خطه لي على الجزء الاول وهو عندي الان بما جرت عادته يكتبه على كتابي من شهادته في إجازته بأمور من الثناء علي أنزه قلبي عنها لأنه لا يليق ذكر ثنائي على اجتهادي بل الثناء الحق لله جل جلاله مالك دنياي ومعادي والهادي إلى إصداري وإيرادي والملهم لي صواب ما يفتحه من مرادي فقرأت الجزء الثاني من (النهاية) أيضا ومن كتاب (المبسوط) وقد استغنيت عن القراءة بالكلية وقرأت بعد ذلك كتبا لجماعة بغير شرح بل للرواية المرضية وسمعت ما يطول ذكر تفصيله وخط من سمعت منه وقرأت عليه في إجازات وعلى مجلدات جملك الله يا ولدي بمعرفة قلبك هذا العلم قليله وجليله واعلم أن الذي حصلته من كتب هذا العلم كثيرة أضعاف ما كان عندي أيام اشتغالي وحالك إنشاء الله جل جلاله أمكن من حالي بلغني الله جل جلاله به وبك ومنك وله جل جلاله أفضل من آمالي واستجاب ما علمني لك من خالص دعائي وابتهالي. وهيأ الله جل جلاله كتبا جليلة في تفسير القرآن لمفسرين مختلفين العقائد والاديان. واعلم يا ولدي محمد دلك الله جل جلاله على مراده منك وشرفك بدوام

[ 131 ]

رضاه عنك أن الناس قد اختلفوا في التفاسير إلى حد ضيعوا المطالب وكادوا أن يغيروه ويحيروه في التدبير بما كان محكما في الايات واستغن بنفس تنزيله المقدس عن الدلالات فذلك حياة القلوب وسعادة نجاتك من رحمة علام الغيوب وما كان متضمنا للاحكام أو لبعض من سلف من الانام ولم يعرف المراد منها من نفس التنزيل ففيما ثبت في تفسير النبي صلوات الله عليه وآله وعترته الذين جعلهم من القرآن لا يفترقان في قليل ولا كثير شفاء للعليل وضياء للدليل، وما كان فيه من المشتبهات وطريق التحقيق فيه من المشكلات فكله إلى الله عز وجل، كما ذكرناه عن أبيك مولانا علي (ع) في خطبة كتاب (فتح الجواب في خلق الكافر) من خطبة له عليه السلام جليلة ضمناها إليه وفيما كلف الله جل جلاله العباد من مراقبته بعد معرفته ومن خدمته بعد تعريفهم بنعمته ما يشغل عقول ذوي الالباب عن كثير من علم ما لم يكلفهم إياه رب الارباب. وهيأ الله جل جلاله عندي عدة مجلدات في الدعوات أكثر من ستين مجلدا فالله الله في حفظها والحفظ من أدعيتها فإنها من الذخائر التي تتنافس عليها العارفون في حياطتها وما أعرف عند أحد مثل كثرتها وفائدتها وهي باب مفتوح بينك وبين مولاك وهي سلاح المؤمن وسبيل إلى سعادة دنياك وأخراك وقد ذكرت في كتاب (المهمات والتتمات) شروط الدعوات فاطلبها من تلك الجهات. وهيأ الله جل جلاله عندي كتبا جليلة من علم أنساب آل أبي طالب

[ 132 ]

ومنها كتاب (ديوان النسب) ثلاث مجلدات ليس عند أحد له نسخة وقد تضمن شيئا عظيما من العجائب والمناقب والمثالب فلا تبذله لأحد غير إخوتك وخاصتك واستر أعراض ذوي الارحام الاجانب من القوم الذين نسبتهم إلى جدك محمد (ص) ومن يمكن أن يكون من ذريته ويحسن أن يكون عارفا بما لا بد منه من هذه الانساب متقربا بمعرفة ذلك إلى مالك الاسباب لتوفي كل ذي مقام من العلويين على قدر ما تعرفه من حقه في طهارة النسب أو العلم بمن له سلف الصالحين وتعلم من ذلك من يطعن عليه ولا تستولده ولا تزوجه ولا تزوج أهلك وذريتك إليه فإن أنسابكم طاهرة من الادناس بكل طريق وقد ذكرت لك طرفا من ذلك في كتاب (الاصطفاء) من كتب وروايات أهل التوفيق. وهيأ الله جل جلاله من كتب المجاميع والاثار المشتملة على فنون مختلفة قد جرت في الاعصار مروجة للاسرار ومذكرة بالمكارم والايثار وصفات الاختيار فقف منها يا ولدي على ما يقرب من المطلع جل جلاله على سريرتك المحاسب لك على إرادتك التي إنك مضطر إلى رضاه في دنياك وآخرتك، وإياك أن تنظر فيها مما يشغلك عن مولاك وعن المراقبة لاطلاعه عليك، وذكر حضورك بين يديه وشكر إحسانه إليك، فيصير ذلك الاطلاع من الاسقام والادواء، ويكون ذلك الكتاب من جملة الاعداء. وهيأ الله جل جلاله عندي كتبا في الطب عن الائمة الطاهرين وعن

[ 133 ]

العلماء المتبحرين فاعتمد في طب الابدان على العالم بباطن ما يتجدد فيها من النقصان قبل أن تظهر أمراضها إلى الاطباء، وفوض إليه وتوكل عليه وسلم ملكه إليه تجده طبيبا للادواء والاسقام مغنيا لك عن طبيب الانام، واستعمل في زوال الامراض ما رويناه عن التربة الشريفة، والدعوات المنيفة، والعوذ المعتبرة عن العترة المطهرة وإن احتجت إلى معالجة الاطباء فاعمل فيما يصفونه لك من أسباب الشفاء على الاستخارة والمشاورة لله جل جلاله كما شرحناه في كتاب (فتح الابواب) فإنه جل جلاله يعلم مقدار المرض ومقدار ما يحتاج إليه من دواء مفترض وكم يكون مدة الدواء، وأما الطبيب من البشر فإنه يعلم ما ظهر، ولا يعلم ما اختفى منه ولا مقدار المرض ومقدار ما يحتاج إليه على صفة لا يكون فيها زيادة ولا نقيصة عنه ولا يعرف كم يبقى المرض من الزمان وإنما يداوي بمقدار غلبة ظنه وكم قتل بغلط ظنونه من إنسان، فقد رأينا من سقاه من شربات فكان الذي سقاه أكثر مما يحتاج إليه في العادات فمات، ومن اشتبه عليه وجه أسقامه فهلك بالمعاني لو كانت سبب طول آلامه وقد عرفت أن هذا الجسد وما يحتاج إليه ملك الله جل جلاله وبقاءه لاجله ولاجل التقرب بالخدمة إليه، وهو أمانة في يد عبده ويحاسبه عليه إذا وقف بين يديه، فإذا استأذنه في وقت استعمال الدواء ومقداره وكيفية العلاج لتحصيل الشفاء كنت قد أمنت من المخاطرة بإتلاف مهجتك، فإنك إذا هونت بمشورته فيما تعمد عليه وجرى إتلاف لما ائتمنك عليه تصير في المعنى كأنك قد قتلت قتيلا عليه وأتلفت ما كنت تخدم به من طاعتك بيد إضاعتك

[ 134 ]

فيكون الدرك عليك ولا يبقى لك عذر صحيح بين يديه. وهيأ الله جل جلاله كتبا في يدي تتضمن ما يحتاج إليه طالب علم اللغة الذي يتقرب إليه. واعلم يا ولدي أراك الله جل جلاله بعين أنواره ما تحتاج إلى معرفته من أسراره أنه قد صار ما في أيدي كثير من الذين يدعون العلم، علم اللغة العربية أصلا وعيارا عندهم لما في القرآن والسنة المحمدية (ص) وهو غلط من ذوي الالباب، فلقد كان الاليق بالصواب أن يجعلوا كلام الله جل جلاله وكلام رسوله (ص) وخاصته ومتقدمي الصحابة من ذوي الطباع العربية المشهور بفصاحته أصلا وعيارا لما يرد عليهم من اللغات ويبطلون ما يخالفه أو يجعلونه وجها آخر على وجه التأويلات وأما ما قد بلغ الامر إليه أن كلام بدوي جاهل بما ينطق به وشعره الذي لا حكم له هو الحجة وبه تعرف المحجة فشئ عجيب لا يرضى به كامل لبيب، وبيانه أن أكثر من يدعى سماعه من هذا البدوي قوم لو شهدوا بباقة بقل ما قبل حكم الشريعة شيئا من شهادتهم ولا معهم تواتر عن لفظ ذلك البدوي يقتضي تصديق مقالتهم فتعلم منه يا ولدي ما يكون شاهده وعاضده الكتاب والسنة وكلام الفصحاء والعلماء من سلفك الذين هم الدروع والجنة. وهيأ الله جل جلاله لك كتبا في الاشعار تكفي ما يريد الناظر في معرفة تلك الاثار، فانظر فيها واحفظ من معانيها ما يدعو إلى الله جل جلاله وإلى رضاه وإلى رسوله صلى الله عليه وآله ومن ارتضاه، مما يبعث على مكارم

[ 135 ]

الاخلاق وحيازة قصبات السباق وطهارة الاعراق، وإياك وتقليد قوم من المنسوبين إلى علم الاديان وكونهم قالوا الشعر ومدحوا به ملوك الازمان فإنهم مخاطرون بل هالكون أو نادمون إن كانوا ما تابوا منه، ويودون يوم القيامة أنهم كانوا أخراسا عنه ولقد تعجبت منهم كيف دونوه وحفظوه وكان يليق بعلومهم أن يذهبوه ويبطلوه أو يرفضوه، أما ترى فيه يا ولدي مدح من الله جل جلاله ورسوله وخاصته ذامون لهم وساخطون عليهم، أما في ذلك مفارقة لله جل جلاله وكسر حرمة الله جل جلاله وأئمتهم الذين هم محتاجون إليهم، فإن فتح الله جل جلاله عليك قول الاشعار فلا تتجاوز به مراد الله جل جلاله ومراد سلفك الاطهار. وهيأ الله جل جلاله لك كتبا جليلة في علم الكيمياء واعلم يا ولدي أن هذا العلم صحيح وقد عرفنا أنه علمه جماعة من العلماء وروينا في كتاب (الطرائف) أن أباك عليا عليه السلام كان عارفا بهذا العلم المشار إليه، وما روينا أبدا أنه استعمله مدة حياته ولا بلغنا أنه استعمله بعده أحد من عترته بعد وفاته، ولكن يقال أن تعبه طويل ولا يحصل المراد منه إلا لمن يكون معه أستاذ ودليل، ولو أن المجتهد في علم الكيمياء يعطي الله عز وجل من اجتهاده بعض تلك التعب والعناء كان كرم الله جل جلاله فاتحا عليه من السعادات ذهبا وفضة وعنايات بدون التعب وتضييع الاوقات، فإن الظفر بالله على اليقين والظفر بالكيمياء قد جربه قوم وخرجوا منه خاسرين خائبين إذ كان الله جل جلاله يجعل في كنوز عقله وذخائر فضله أن الذهب الذي يتعب

[ 136 ]

لاجله مثل الحجر الذي يدوسه برجله وأن حكم معدنه عنده حكم ما لا محل له من التراب فقد رأينا من شرفه جل جلاله جعل الذهب والفضة عنده أهون من التراب بل جعله عنده عدوا يفر منه وإذا حصل له أخرجه عاجلا أو تباعد عنه أو كان يجعل له من الانوار في الاسرار ما يكون كاشفا بجلاله ومتشرفا بإقباله ومشغولا عن كل ما عداه من دنياه وأخراه فكل هذه المواهب شئ منها جربناه وشئ منها عرفناه أو سمعناه. وهيأ الله لك كتبا متعلقة بالتحيل الحلال والطلسمات والعوذ والرقي والرمل بالمجربات. فأما علم الحيل فقد نطق القرآن الشريف أن يوسف (ع) جعل الصواع في رحل أخيه ليأخذه بالحيلة من إخوته وهو سلاح العدو فاعرف منه ما يتحيل به من العدو ومكيدته إن كان مما أباح الشرع الشريف النظر في حقيقته وأما العوذ والرقي والطلسمات فعندنا منها الان عدة مجلدات وقد صنفت في بعضها كتابا سميته كتاب (المنتقى) وضاق وقتي عن تجربة كل ما فيه فجربه مما يليق بطاعة الله ومرضاته فما كان حقا فاحفظه وما كان باطلا فارفضه. وأما كتب الرمل فهو أيضا من الطرق الظنية إلى معرفة ما تعرف به من الاسباب وما منع الشرع من تعريفه ما لا يخالف حكم السنة والكتاب بالظنون إذا تعذر العلم بها بعلم محقق مأمون وقد رأيناهم تارة يخطئون وتارة يصيبون وإن عاملت الله جل جلاله بالصدق والتحقيق جعل قلبك مرآة تنظر بها ما يريده جل جلاله من العلوم من وراء ستر رقيق ففي أخبار صاحب الملة

[ 137 ]

(المؤمن من ينظر بنور الله). وهيأ الله جل جلاله عندي كتبا في النجوم وغيرها من العلوم وقد رأيت طالعك الميمون المبارك يتضمن أنك تعلم ما يكتب بالاقلام ويزيدك الله جل جلاله في الالهام والافهام، وأرجو من رحمته وعنايته تصديق ما رأيت وتمام ما تمنيت، فما هو على الله جل جلاله بعزيز جعلك الله جل جلاله في حصن حريز. واعلم: أن علم النجوم علم صحيح في أصله ولكن قد تعذر المحققون، من أهله، وبعد عليهم تحقيق معرفة الارصاد، وقل الراغبون فيه، وكثر الطاعنون على من يريده من العباد، والصحيح منه أن العقل والشرع لا يمنع من أن تكون النجوم دلالات وأمارات على أمور متجددات، وقد يكون مثل ذلك في المنامات والباطل من حديث النجوم قول من يقول إنها علل موجبات أو أنها فاعلات مختارات وهذا من المحالات المحرمات وسوف أصنف كتابا أكشف فيه بالله جل جلاله ما اختلف الناس فيه وأذكر ما رأيت ورويت من أخبار الائمة عليهم السلام في صحة هذا العلم بطرق أهل الاعتبار وأذكر من صنف فيه أو عرفه من شيعة آبائك الطاهرين وما تحقق العلماء العقلاء من أموره بما يوضحه الطريق على التبيين ويعرف بذلك ما يقرب منه إلى مالك يوم الدين وما يبعد عن رب العالمين. وهيأ الله جل جلاله ما فتح على سرائري وأذن في إظهارها ظواهري من كتب صنفتها بقدس تدبيره وشريف تعريفه جل جلاله وتذكيره. منها كتاب (المهمات والتتمات) وهو يكون إذا تم أكثر من عشرين مجلدات

[ 138 ]

تكمل منه بعد هذه الرسالة أحد عشر مجلدا، وقد تم منه خمس مجلدات في قريب من الاوقات فكم قد اشتمل عليه من الاسرار الكاشفات لأنوار السعادات. ومنها كتاب (البهجة لثمرة المهجة) يتضمن حال بدايتي ومعرفتي وطلبي الاولاد من مالك رحمتي وفضل اختياره جل جلاله لي ولادتهم من أمهات الاولاد وتسليكه جل جلاله لي سبيل سعادات الدنيا والمعاد. ومنها كتاب (الطرائف) في معرفة مذهب الطوائف جليل المقام وهو من بحار ذلك الانعام. ومنها كتاب (غياث سلطان الورى) لسكان الثرى في قضاء الصلوة عن الاموات. ومنها كتاب (فتح الجواب الباهر) في خلق الكافر يعرف حقيقة فوائده من تصنيف بألهام موائده. ومنها كتاب (الملهوف على قتلى الطفوف) في قتل الحسين (ع) غريب الترتيب والتلفيق وهو من فضل الله جل جلاله الذي دلني عليه. ومنها كتاب (ربيع الالباب) قد خرج منه في التأليف ستة مجلدات تشتمل على روايات وحكايات في معاني مهمات ومرادات. ومنها كتاب (الاصطفاء في تاريخ الملوك والخلفاء) يكون لك ولأخيك ولا ينظره إلا من تعلم أنه يحسن ظنه فيك وفي أبيك وبإذن الله جل جلاله بالاستخارة في نظره فيه فهذا أمانة إنما رجوت بتأليفه أن تنتفع ذريتي بمعانيه. ومنها كتاب (فتح الابواب بين ذوي الالباب) وبين رب الارباب

[ 139 ]

في الاستخارة ما عرفت أن أحدا سبقني إلى مثل الذي اشتمل عليه من البشارة. ومنها كتاب (طرف الانباء) والمناقب في شرف سيد الانبياء وعترته الاطائب يتضمن كشف ما جرت الحال عليه في تعيين النبي (ص) لأمته من يرجعون بعد وفاته إليه من وجوه غريبة ورواية من يعتمد عليه. ومنها كتاب (مصباح الزائر) وجناح المسافر في بداية ما شرعت في التأليف يتضمن الزيارات خالية من الاسرار الربانيات بل سلكت فيه سبيل العادات. ومنها كتاب (التوفيق للوفاء) بعد التفريق دار الفناء وغير ذلك من الكتب المختصرات ما حضرني ذكرها الان وأنا أرجو من صاحب الرحمة والاحسان أن يشرفك ببقاء من يغنيك عن كثير من الكتب المصنفات وعن الاختلاف في تفسير الايات وعن التوسط بين تضاد الروايات ويقبل الله جل جلاله بإرشاده وإنجاده على حقيقة مراده ولله در القائل: والذي بالبين والبعد ابتلاني * ما جرى ذكر الحمى إلا شجاني حبذا أهل الحمى من جيرة * شفني الشوق إليهم وبراني كلما رمت سلوا عنهم * جذب الشوق إليهم بعناني أحسد الطير إذا طارت إلى * أرضهم أو أقلت للطيران أتمنى أنني أصحبها * نحوهم لو أنني أعطي الاماني وكأن القلب مذ فارقهم * طائر علق في رأس سنان ذهب العمر ولم أحظ بهم * وتقضى في تمنيهم زماني


(1) أقلعت خ ل.

[ 140 ]

لا تزيدوني غراما بعدكم * حل بي من بعدكم ما قد كفاني يا خليلي اذكرا العهد الذي * كنتما قبل النوى عاهدتماني واذكراني مثل ذكري لكما * فمن الانصاف أن لا تنسياني وبكم منكم إليكم أشتكي * فعسى منكم بكم أعطي الاماني واسئلا من أنا أهواه على * أي جرم صد عني وجفاني واعلم: يا ولدي محمد حمد الله جل جلاله فعالك وبلغك من سعادة الدنيا والاخرة، أن كتاب الاداب الدينية وغيره من كتب الادعية قد تضمنت أدعية عند كثير مما قدمناه من الحركات والسكنات، وقد ذكرت طرفا جميلا وأدبا جليلا في كتاب (المهمات والتتمات) فلو ذكرت كل تلك الدعوات أو ما أحفظه منها في هذه الاوقات مما يتعلق بما ذكرته لك في الحركات والسكنات، أو جميع تلك الاداب المذكورات أطلت في هذا الكتاب وخفت أن تمله أو يمنعك كثرته من الانتفاع بما ذكرته فيه من الاسباب وفيما ذخرته لك من كتب الادعية والاداب كفاية لما تحتاج إليه، وقد دللتك عليه ومن دل فقد قضى ما عليه، وإنما كتابي هذا يتضمن كثيرا مما ليس فيما كنت أشرت إليه. الفصل الرابع والاربعون والمائة: وسوف أذكر في كل وجه من الوجوه الخمسة العبادات كلمات نافعة لأهل السعادات حتى لا يخلو هذا الكتاب بالكلية من جملتها في التنبيهات، وقد بسطنا أسرار ذلك في كتاب (المهمات والتتمات) فأولها الصلوة.

[ 141 ]

فاعلم: أنها تستدعي لك الحضور بين يدي مالك الاحياء والاموات فبادر إليها بالتشريف والاستبشار بتلك العنايات واترك كل شغل لا يعذرك الله جل جلاله في الاشتغال به عنها فإنه يصير ذلك الشغل مخالفة على مولاك وتصغيرا لأمره وتخاطر مخاطرة لا تأمن أنك لا تسلم منها ولا تلتفت إلى قول من يسهل عليك تأخيرها عن أوائل الاوقات وجرب ذلك القائل لو كلفك حاجة وأخرتها عن أوائل قدرتك أفما يكون يلومك ويشهد أنك مستحق للمعاتبات وما تعرف حق المودات، ولكنهم جاهلون بالله جل جلاله وعظمته ونعمته فيريدون منك أن تحترمهم أكثر من احترامك لجلالته وأن تكون محبتك ومودتك لهم أكثر من محبته فإياك أن تقتدي بهم في التهوين بمولاك فقبيح وعظيم وفظيع أن يساوي العبد بالمولى وخاصة وهو يراك، هذا فعل من قد هون بالهلاك أدخل فيها دخول المشتاق إليها، وذوي السباق المنافسين عليها. وخاطب حيا موجودا وأنت أذل ذليل في حضرته وعظم مدحه والثناء عليه فيها أعظم وأبلغ ما تعظم مدح ملك من ملوك الدنيا عند مشافهته وإذا ركعت وسجدت فكن ذاكرا أنك بين يديه وأن ذلك الذل والخشوع خدمة له جل جلاله ومقرب إليه وأن له جل جلاله المنة كيف استخدمك كما قدمناه وأنك لا تطلب منه جزاء عاجلا وآجلا كما نبهنا عليه فيما أسلفناه بل لأنه يستحق الخدمة منك فإنه أهل للعبادة الصادرة عنك وإذا خرجت من صلوتك فكن على قدم الخوف أن تكون فيها من التقصير ما اقتضى ردها عليك فإنك تعلم أنك تعامل بعض بني آدم في حوائجهم بالنشاط والاقبال

[ 142 ]

أكثر ما تعامل به مالك دنياك وأخراك المحسن إليك. الفصل الخامس والاربعون والمائة: وأما حديث الزكاة يا ولدي محمد زكاك الله جل جلاله بتطهيرك من الذنوب والعيوب وتجميلك بأداء الواجب والمندوب. فإنك تعلم أنك وأباك وكل من خرج إلى الدنيا من الخلائق كانوا فقراء وجرى عليهم حكم الفقر المدقع على مقتضى الحقائق، وإنما تقدم غناء قوم منهم وتأخر الغناء عن الاخرين وكلهم في كل حال فقراء إلى الله جل جلاله ومساكين، وما شركه أحد منهم في خلق الارض، ولا خلق المعادن التي فيها، ولا في الاموال، وتدبير حائليها وجالبيها، فإذا بعث إليك جل جلاله جدك محمدا صلى الله عليه وآله بكتاب مقدس قد كتبه إليك على يديه يطلب منك زكاة بعض ماله ليتذخرها ويجعلها عناية بك وحرزا من الافات، وسببا إلى أن يخلف عليك من النفعات في النفقات، فهل يجوز في عقل أو نقل أن تتوقف عن حمل بعض ماله إليه وترديد سؤاله عنك فيما يذخره لك، أو يد تقدمه الاشرف المشتمل على العناية بك فارغة عن حقير ماله في يديك خائبة من مدها إليك، لا بالله يا ولدي لا تفضحني ولا تفضح نفسك مع الله جل جلاله المنعم علي وعليك ولا تخجلنا معه ومع سلفك الطاهرين، واعتقد المنة لله رب العالمين كيف أكرمك وسلم ماله إليك وكيف رضيك مستودعا وكيف جعلك أهلا أن يبعث رسوله صلى الله عليه وآله إليك، فإن العقل قضى أنه إذا كان عندي وديعة لسيدي وأنا عبده وهو جل جلاله يقوم بكل ما أحتاج إليه وطلبها إنني أسلمها إليه ولا أطلب جزاء منه ولا أذل بذلك

[ 143 ]

عليه بل يكون قد خفف عني معونة حفظها ورعايتها وشرفني بجميل ذكري بتأدية أمانتها، وإياك أن تخالف قولي لا تطلب ثوابا أصلا لأن من ابتدأك بالإحسان قبل معرفتك به وخدمتك له وجعلك لذلك أهلا هل يقبل العقل أنه لا يعطيك بعد المعرفة والخدمة جزاء وكرما وفضلا بلى والله ليعطين المخلصين له والمؤدين به عطاء جزيلا حتى يروا أن أعمالهم لا تقوم ببعض عطائه كلا والله كلا لقد كان أبوك علي بن موسى بن جعفر يخرج في أكثر الاوقات التسعة أعشار التي تحصل له مما يجب فيه الزكاة ويبقى له ولعياله نحو العشر وكذا ينبغي للمملوك إذا علم أنه يصير بعد قليل من الاموات ويأخذ سيده ما في يديه ويسلمه إلى غيره ويحاسبه الملكين له عليه وإن توقفت نفسك عن مقام الاخلاص في الايثار فاسمع ما يقول لك لسان حال الدرهم والدينار من كونه قتل فريقا من البخلاء الممتنعين من بذله وخرج فريقا وحبس فريقا وبالغ في غروره وفعله وقد جاءت نوبتك فلا تكن من جملة الهالكين بعد قتله وختله أو النادمين. الفصل السادس والاربعون والمائة: وأما حديث الصيام فإنما صورته أنك تصوم بالليل في المنام فقلب الله جل جلاله تدبير الحال وجعل لك شوقا وذكرا جميلا في الاعمال، فصرت تأكل بالليل وتصوم بالنهار، وهو رياضة الابرار، وبما علمهم الله جل جلاله منه ومن غيره امتلأت قلوبهم من الاموار واطلعوا على ما أراد الله جل جلاله اطلاعهم عليه من الاسرار فابدء يا ولدي بصوم العقل والقلب وعن كل ما يشغل عن الرب وعن الافطار بالذنب

[ 144 ]

وذكر نفسك أنه لو طلب سلطان مثل ذلك منك وأن تتقرب إليه وأنت في حضرته بين يديه بشعار المراقبة بخدمته والامساك عما يبعدك عن حضرته أما كنت تفرح بهذا التكليف وتعتقد أنه من التشريف فلا يكن الله جل جلاله عند عقلك دون هذه الحال فيفتضح العبد بالاقدام على هذا الاهمال وما يؤمن عليه الحصول في الاهوال. فإذا صام عقلك وقلبك عن الشواغل فكلف جوارحك جميعها أن تكون صائمة عما يشغل عن مولاك على ما يليق بك من الصوم الكامل وسوف أشرح تفصيل هذه الاسرار في كتاب سميته كتاب (المضمار) إنشاء الله تعالى فيكون عملك بالله جل جلاله على ما يفتحه جل جلاله من الانوار. الفصل السابع والاربعون والمائة: وأما الحج إلى الله جل جلاله بقصد بيته الحرام أكرمك الله جل جلاله يا ولدي بالحج على التمام إنشاء الله تعالى. فاعلم: أن كل من قصد الحج لأجل سواه فقد ضاع قصده وفسد مسراه وإنما يقصد كل مقصود بالله جل جلاله ولأجل الله جل جلاله ولقد كنا مرة يا ولدي في طريق مشهد الحسين عليه السلام وكنا متيممين فنحتاج أن نصلي بالنوافل والفرائض بحسب ما هدانا الله جل جلاله إليه فصار الرفقاء يستعجلون فقلت لهم نحن نقصد الحسين عليه السلام لأجل الله جل جلاله أو نقصد الله جل جلاله لأجل الحسين عليه السلام فقالوا بل نقصد الحسين لأجل الله تعالى. فقلت لهم فإذا ضيعنا في طريق الله جل جلاله الذي نقصد الحسين عليه السلام لأجله فكيف حالنا عند الحسين عليه السلام وبأي وجه

[ 145 ]

يلقانا هو ويلقانا الله جل جلاله عند الحسين عليه السلام إذا تعرضنا لفضله فعرفوا أنهم غالطون فكل من حج لأجرة أو لنفع عاجل أو آجل أو بطبع أو صورة غافل أو متغافل فحجه إما باطل أو غير كامل، وقد شرعت في تأليف كتاب سميته (مسالك المحتاج إلى مناسك الحاج) وسوف أذكر فيه بالله ومن الله جل جلاله ولله جل جلاله ما ينبغي إذا حججت إنشاء الله تعالى تعمل عليه. وبالجملة: فيكون حجك على صفة أنك حججت وحدك ولا يعلم بك غير الله جل جلاله من البشر، فيعزك في نظر الخلائق إليك ونظرك إليهم، فمتى وجدت نفسك تطالبك بغير نظر مولاك وأطعتها في ذلك الخطر، فاعلم أن الحج فاسد أو ناقص بذلك النظر، فاطلب من الله جل جلاله قوة على أن يشغلك بجلاله وإقباله عن كل من عداه حتى تتوجه منه وبه وإليه وله جل جلاله على بساط الذل لعزته والخضوع لهيبته، وهناك تكون المسعود بالحج إليه فاذكرني يا ولدي بين يديه، فقد ذكرتك والله جل جلاله عظيما وسلمتك من يدي إليه ولا عرفت ولا سمعت أن والدا كرر وأكثر من التضرع إلى الله جل جلاله لأجل ولد يعز عليه أبلغ مما خاطبت في طلبك قبل وجودك وفي مهماتك للدنيا والاخرة بعد وجودك، ولما تحتاج إليه ولأجل إقباله عليك وإقبالك عليه وقدومك عليه. الفصل الثامن والاربعون والمائة: وأما الجهاد يا ولدي شرفك الله جل جلاله بمجاهدة نفسك وكل من يشغلك عنه بل قواك قوة تدفع عنك مشقة

[ 146 ]

الاجتهاد حتى تتلذذ بكل مبذول في القرب منه. فاعلم: أنك إن وجب عليك الجهاد بين يدي من تجب طاعته عليك فهو صلوات الله عليه يعرفك وظائف الجهاد ويكفيك ويكفيني أن أكتب ما عرفني الله جل جلاله من ذلك إليك، وإن ابتليت بجهاد مع غير من يجب طاعته فإن كان فرضا عاما يخاف على الاسلام أن يذهب بيضته وتستأصل شأفته فإنك تعلم أن النفوس والرؤوس وكل ما يعز عليك من الله جل جلاله إليك فأحق مما يذل كل عزيز والدنيا كلها لواهبها وأجمل ما أنفقت ذخاير العقول في مراد جالبها ومن أحق بالاجساد والارواح والعقول بكل ما في الوجود من الله جل جلاله الذي أنت وما في يدك صادر عن ذلك الجود فمتى دعاك إليه فإياك أن تتوقف من حمل نفسك ومالك إليه فإنك إن بخلت بها عليه في بذلها سلبها عزرائيل عليه السلام أو غيره وضاع منك شرف الخدمة بتسليمها إليه وبذلها في إعزاز دينه الذي يعز عليه. الفصل التاسع والاربعون والمائة: واعلم يا ولدي ثبتك الله جل جلاله على طريق الاخلاص وأثبت اسمك في ديوان أهل الاختصاص أنه كان قد غلب التتار على بلاد خراسان وطمعوا في هذا البلاد ووصلت سراياه إلى نحو مقاتلة بغداد في زمن الخليفة المستنصر جزاه الله عني بما هو أهله فكتبت إلى الامير (قشمر) وكان إذ ذاك مقدم العساكر خارج بلد بغداد وهم مبرزون بالخيم والعدد والاستظهار ويخافون أن تأتيهم عساكر التتار وقد نودي في باطن البلد بالخروج إلى الجهاد فقلت له بالمكاتبة استأذن لي الخليفة

[ 147 ]

واعرض رقعتي عليه في أن يأذن لي في التدبير ويكونون حيث أقول يقولون وحيث أسكت يسكتون حتى أصلح الحال بالكلام وقد خيف على بيضة الاسلام وما يعذر الله جل جلاله من يترك الصلح بين الانام وذكرت في المكاتبة أنني ما أسير بدرع ولا عدة إلا بعادتي من ثيابي ولكني أقصد الصلح بكل ما في أيديكم لله جل جلاله ولا أبخل بشئ لا بد منه وما أرجع بدون الصلح فإنه مما يريده الله عز وجل ويقربني منه فاعتذروا وأرادوا غير ما أردناه. أقول: وقد حضرت عند صديق لنا وكان أستاد دار وقلت له تستأذن لي الخليفة في أن أخرج أنا وأخي الرضا وأولاد محمد بن محمد بن محمد الاعجمي ونأخذ معنا من يعرف لغة التتار ونلقاهم ونحدثهم بما يفتح الله جل جلاله علينا لعل الله جل جلاله يدفعهم بقول أو فعل أو حيلة عن هذه الديار فقال نخاف تكسرون حرمة الديوان ويعتقدون أنكم رسل من عندنا فقلت تغدوا معنا ديوانية ومن تختارون ومتى ذكرناكم أو قلنا إننا عنكم يحملون رؤوسنا إليكم فقد أنجاكم ذلك وأنتم معذورون ونحن إنما نقول إننا أولاد هذه الدعوة النبوية والمملكة المحمدية وقد جئنا نحدثكم عن ملتنا وديننا فإن قبلتم وإلا فقد أعذرنا إلى الله جل جلاله وإلى رسوله صلى الله عليه وآله فقال اجلس بي موضع منفرد أشار إليه وظاهر الحال أنه أنهى ذلك إلى المستنصر جزاه الله عني ما هو أهله ثم أطال وطلبني من الموضع المنفرد وقال ما معناه إذا دعت الحاجة إلى مثل هذا أذنا لكم لأن القوم الذين قد أغاروا ما لهم متقدم تقصدونه وتخاطبونه وهؤلاء سرايا متفرقة وغارات غير متفقة فقلت

[ 148 ]

لهم إذا تركتم الاذن لنا في ذلك فقد حصل لنا إخلاص في النية فنخاف أن تطلبونا وقت الاذان وما كان عندنا هذا الاخلاص فلا نوافقكم على الخروج إليهم فلم يأذنوا في ذلك وكذا جرى فإنني كنت استأذنت الخليفة في زيارة مولانا الرضا عليه التحية والثناء بخراسان فأذن وتجهزت وما بقي إلا التوجه إلى ذلك المكان فقال من كان الحديث في الاذن إليه قد رسم أنك تكون رسولا إلى بعض الملوك فاعتذرت وقلت هذه الرسالة إن نجحت ما يتركوني بعدها أتصرف في نفسي إلا لا أزال رسولا وإن جنحت صغر أمري عندكم وانكسرت حرمتي واعتقدتم أنني ما أعرف القيام بمثل هذا ثم لو توجهت كان بعدي من الحساد من يقول لكم إنه يبايع ملك التتر ويجئ به إلى هذه البلاد وتصدقونه وتصير همتكم في إنفاذ من يقتلني بالسم وغيره فقال وما يكون العذر قلت إنني أستخير وإذا جاءت لا تفعل فهو يعلم أنني لا أخالف الاستخارة أبدا فاستخرت واعتذرت وقد تقدم بعض هذا الجواب فيما شرحت. الفصل الخمسون والمائة: وأوصيك يا ولدي محمد وأخاك ومن يقف على كتابي هذا بالصدق في معاملة الله جل جلاله ورسوله صلى الله عليه وآله وحفظ وصيتهما بما بشرا به من ظهور مولانا المهدي عليه السلام فإنني وجدت القول والفعل من كثير من الناس في حديثه عليه السلام مخالفا للعقيدة من وجوه كثيرة. منها: أنني وجدت أنه لو ذهب من الذي يعتقد إمامته عبد أو فرس أو درهم أو دينار تعلق خاطره وظاهره بطلب ذلك الشئ المفقود وبذل في تحصيله

[ 149 ]

غاية المجهود وما رأيت لتأخر هذا المحتشم عظيم الشأن عن إصلاح الاسلام والايمان وقطع دابر الكفار وأهل العدوان مثل تعلق الخاطر بتلك الاشياء المحقرات فكيف يعتقد من يكون بهذه الصفات أنه عارف بحق الله جل جلاله وحق رسوله صلى الله عليه وآله ومعتقدا إمامته على الوجه الذي يدعى المغالات والموالات لشريف معاليه. ومنها: أنني وجدت من يذكر أنه يعتقد وجوب رياسته والضرورة إلى ظهوره وإنفاذ أحكام إمامته لو واصله بعض من يدعي أنه عدو لإمامته من سلطان وشمله بإنعامه كان قد تعلق خاطرة ببقاء هذا السلطان المشار إليه وشغله ذلك عن طلب (المهدي) عليه السلام وعما يجب عليه من التمني لعزل الوالي المنعم عليه. ومنها: أنني وجدت من يدعي وجوب السرور بسروره والتكدر بتكدره صلوات الله عليه يقول إنه معتقد أن كل ما في الدنيا قد أخذ من يد (المهدي) عليه السلام وغصبه الناس والملوك من يديه ومع هذا لا أراه يتأثر بذلك النهب والسلب كتأثره لو أخذ ذلك السلطان منه درهما أو دينارا أو ملكا أو عقارا فأين هذا من الوفاء ومعرفة الله جل جلاله ورسوله صلى الله عليه وآله ومعرفة الاوصياء. ومنها: أنني قلت لبعض من يدعي الحرص على ظهوره والوفاء له والتأسف عليه ما تقول لو نفذ إليك (المهدي) عليه السلام وقال لك إني قد عرفت من جهة آبائي عليهم السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله بطريق

[ 150 ]

محقق اعتمدت عليه أني متى ظهرت الان فإن ساعة ما تقع عينك علي تموت في الحال ومتى تأخرت عن الظهور عشت عشرين سنة ممتعا مسرورا بالاهل والولد والمال أفليس كنت تختار تأخر ظهوره لأجل حياتك الفانية. ومنها أنني قلت لبعض من يدعي مغالى في موالاته (ع) لو أنفذ إليك وقال لك إن سلطان بلادك يعطيك بعد هذا اليوم كل يوم ألف دينار ثم أعطاك السلطان مستمرا على التكرار كل يوم جملة هذا المقدار وقال (ع) هو لك حلال زمن الغيبة، ثم نفذ إليك عليه السلام وقال أنا قد أذن لي في الظهور وهذا العطاء ما كان بإذني ولا تستحقه إلا مع غيبتي فأيما أحب إليك أظهر وأقطع بهذا العطاء وأحاسبك على كل ما فضل عن مؤنتك وأجعل هذا الإدرار لبعض من بينك وبينه عداوة دنيوية ممن منزلته في الظاهر دون منزلتك فأيما كان أحب إليك أن تطول غيبته وتأخذ العطاء كل يوم ألف دينار أو يتعجل ظهوره ويحاسبك عليها ويقطعها ويردها إلى عدوك عرفنا ما يكون في قلبك من الاختيار وأعرف من الوجوه غير ما ذكرته الان، وقلت لبعض الاخوان أن رجال (المهدي) عليه السلام من يريده للوجه الذي أراده الله جل جلاله له سواء كان نفعا بهذا المريد أو غير نافع في العاجلة له وأن يكون الاختيار فيهم جل جلاله وله. وقد كان سألني بعض من يذكر أنه معتقد لإمامته فقال قد عرضت لي شبهة في غيبته فقلت ما هي فقال أما كان يمكن أن يلقى أحدا من شيعته ويزيل الخلاف عنهم في عقايد ويتعلق بدين جده محمد صلى الله عليه وآله وشريعته

[ 151 ]

واشترط علي أن لا أجيبه بالاجوبة المسطورة في الكتب وذكر أنه ما زال الشبهة منه ما وقف عليه ولا ما سمعه من الاعذار المذكورة فقلت أيهما أقدر على إزالة الخلاف بين العباد وأيما أعظم وأبلغ في الرحمة والعدل والارفاد أليس الله جل جلاله فقال بلى فقلت له فامنع الله جل جلاله أن يزيل الخلاف بين الامم أجمعين وهو أرحم الراحمين وأكرم الاكرمين وهو أقدر على تدبير ذلك بطرق لا يحيط بها علم الآدميين أفليس أن ذلك لعذر يقتضيه عدله وفضله على اليقين فقال بلى، فقلت له فعذر نائبه عليه السلام هو عذره على التفصيل لأنه ما فعل فعلا إلا ما يوافق رضاه على التمام فوافق وزالت الشبهة وعرف صدق ما أورده الله جل جلاله على لساني من الكلام. واعلم: يا ولدي محمد زين الله جل جلاله سرائرك وظواهرك بموالاة أوليائه ومعاداة أعداءه، أنني كنت لما بلغني ولادتك بمشهد الحسين (ع) في زيارة عاشورا إلا أنك ولدت بطالع السعد والاقبال يوم تاسع محرم سنة ثلاث وأربعين وستمائة يوم الثلاثاء بعد مضي ساعتين وخمس دقايق من ذلك النهار كما قدمناه في خطبة هذه الرسالة فقمت بين يدي الله جل جلاله مقام الذل والانكسار والشكر لما شرفني به من ولادتك من المسار والمبار وجعلتك بأمر الله جل جلاله عبد مولانا (المهدي) عليه السلام ومتعلقا عليه وقد احتجناكم مرة عند حوادث حدثت لك إليه ورأيناه في عدة مقامات في منامات وقد تولى قضاء حوائجك بإنعام عظيم في حقنا وحقك لا يبلغ وصفي إليه فكن في موالاته والوفاء له وتعلق الخاطر به على قدر مراد الله جل جلاله

[ 152 ]

ومراد رسوله صلى الله عليه وآله ومراد آبائه عليهم السلام ومراده (ع) منك وقدم حوائجه على حوائجك عند صلات الحاجات كما ذكرناه في كتاب (المهمات والتتمات) والصدقة عنه قبل الصدقة عنك وعمن يعز عليك والدعاء له قبل الدعاء لك وقدمه في كل خير يكون وفاء له ومقتضيا لإقباله عليك وإحسانه إليك فاعرض حاجتك عليه كل يوم الاثنين ويوم الخميس من كل أسبوع لما يجب له من أدب الخضوع وقل عند خطابه بعد السلام عليه بما ذكرناه في أواخر الاجزاء من كتاب (المهمات) من الزيارة التي أولها: سلام الله الكامل يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين يا مولانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين، وقل يا مولانا هذه مقامات إخوة يوسف مع أخيهم وأبيهم وقد رحماهم بعد تلك الجنايات فإن كنا غير مرضيين عند الله جل جلاله وعند رسوله صلى الله عليه وآله وعند آبائك وعندك عليكم أفضل الصلوة فأنت أحق أن تسعنا من رحمتك وحلمك وكرمك وشريف شيمك بما وسع إخوة يوسف من تعطفه عليهم ورحمته لهم وإحسانه إليهم، وقل يا مولانا إنني وجدت في النقل أن جدك محمدا صلى الله عليه وآله كان له عدو شديد يقال له النضر بن الحارث فقتله فقالت أخته تخاطب النبي صلى الله عليه وآله في أبيات اعتبر بعض خطابها: أمحمد ولانت نسل نجيبة من قومها * والفحل فحل معرق إن كان يمكن أن تمن وربما * من الفتى وهو المغيض المخنق

[ 153 ]

والعبد أقرب من وصلت قرابة * وأحقهم إن كان عتق يعتق فقال النبي صلى الله عليه وآله ما معناه لو وصلتني هذه الابيات قبل قتله لعفوت عن سوء فعله، وأنت يا مولانا أهل الاقتداء بجميع خصاله وقل له إنني رويت في الحديث أن قارون لما دعى عليه موسى (ع) وخسفت به الارض نادى وارحماه وكان بينه وبين موسى عليه السلام قرابة ورحم ماسة فروى أن الله جل جلاله أمر الارض أن لا تنخسف به ورعى له حق حرمة هذه الاستغاثة، وأنا أقول وارحماه، وقل له غير ذلك مما يجريه الله جل جلاله على خاطرك واذكر له أن أباك قد ذكر لك أنه أوصى بك إليه وجعلك بإذن الله جل جلاله عبده وإنني علقتك عليه فإنه يأتيك جوابه صلوات الله وسلامه عليه. ومما أقول لك يا ولدي محمد ملأ الله جل جلاله عقلك وقلبك من التصديق لأهل الصدق والتوفيق في معرفة الحق أن طريق تعريف الله جل جلاله لك بجواب مولانا (المهدي) صلوات الله وسلامه على قدرته جل جلاله ورحمته فمن ذلك ما رواه محمد بن يعقوب الكليني في كتاب (الوسايل) عمن سماه قال كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام أن الرجل يجب أن يفضى إلى إمامه ما يجب أن يفضى به إلى ربه قال فكتب إن كانت لك حاجة فحرك شفتيك فإن الجواب يأتيك، ومن ذلك ما رواه هبة الله بن سعيد الراوندي في كتاب (الخرائج) عن محمد بن الفرج قال قال لي علي بن محمد عليهما السلام إذا أردت أن تسأل مسألة فاكتبها وضع الكتاب تحت مصلاك ودعه ساعة ثم

[ 154 ]

أخرجه وانظر فيه، قال ففعلت فوجدت جواب ما سألت عنه موقعا فيه وقد اقتصرت لك على هذا التنبيه والطريق مفتوحة إلى إمامك عليه السلام لمن يريد الله جل جلاله شأنه وعنايته به وتمام إحسانه إليه. الفصل الحادي والخمسون والمائة: واعلم يا ولدي محمد كمل الله جل جلاله بلقائه سعادتك وشرف ببقائه وحسن إرادته منزلتك وخاتمتك أنني لولا آية في كتاب الله المقدس (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) لكنت قد عرفتك ووثقتك أنني أدرك أيام ظهوره الكامل وأدخل تحت ظله الشامل فهذا أوان ظهور تلك الشموس وزوال الضر والبؤس إنشاء الله فإن تمم الله جل جلاله لي ما أؤمله من هذه الآمال فقد كمل لي تحف الشرف والاقبال وإن أراد انتقالي فالامر إليه جل جلاله وله جل جلاله في تدبير آمالي. الفصل الثاني والخمسون والمائة: فإن دعيت أنا إلى لقاء الله جل جلاله وتقدمت قبل الظهور ولم تشملني عناية أهل الرجعة والحضور فأوصيك ثم أوصيك ثم أوصي من يلقاه من ذريتي وولدي وولد ولدي وأشهد الله جل جلاله عليكم وملائكته بهذه الوصية إنكم إذا رأيتموه وتشرفتم بتلك السعادة الربانية وأذن لكم في الكلام بين يدي منزلته النبوية أن تقولوا إن والدي عليا عبد الطاعة ومملوك الضراعة ويقبل ما يرضيك أن تقبله بين يديك ويسأل تشريفه بالاذن في إبلاغ التسليم والصلوة عليك ويضرع بين يديك في كل ما هو يحتاج أن يضرع في سؤاله وفي كل ما أنت صلوات الله وسلامه عليك أهل أن تبلغه من آماله وإقباله ويسئل من مراحمك ومكارمك

[ 155 ]

قبول وصيته في هذا العبد المبلغ عنه القايم بين يديك وأن يكون ممن يعز عليك ويبلغ ما هو محتاج من الله جل جلاله ومنك إليه وإليك صلوات الله وبركاته وتحياته وإقباله على آبائك الطاهرين وعليك. الفصل الثالث والخمسون والمائة: وأوصيك يا ولدي محمد أدام الله جل جلاله إقباله عليك وكمال إحسانه إليك بما أوصاك الله به جل جلاله في نفسك والوالدين وذوي الارحام وساير وصايا الاسلام وبالتحنن على إخوتك وأخواتك وخدمك وحشمك وأهل مودتك وما أوصاك به جدك محمد صلى الله عليه وآله ولسان حال آبائك وعترته الطاهرين وبما أوصاك به من مواهبه عليك ولديك من المروة والصفاء والوفاء وجميع صفات أهل الدين وأن تشركني في خلواتك ودعواتك وصدقاتك وتذكرني بين يدي الله جل جلاله بما يجري به جل جلاله على خاطرك عند مناجاتك وتبعث إلي بالسلام أول كل ليلة وأول كل نهار فإنه روي في الاثار أنه يبلغني ويكون من جملة المسار وجمل ذكري لحفظك جانب الله جل جلاله وسلوك سبيل سلفك الطاهرين فإنه من صفات المسعودين إذا وجدوا آباءهم وقد بنوا لهم مجدا لا يسعوا في نقضه بل يكون همتهم الاجتهاد في مراعاته وحفظه وأن يزيدوا على ذلك المجد بغاية الجهد كما قيل: لسنا وإن كبرت أوائلنا * يوما على الاحساب نتكل نبني كما كانت أوائلنا تبني * ونفعل مثل ما فعلوا وأنت يا ولدي وديعة الله جل جلاله ووديعة خاصته وفي حمى حمايته

[ 156 ]

ورعايته وفي أمان حفظه وحياطته والسلام على من يجب تقدم السلام عليه وعليك في الحياة وبعد الممات وأن أسأل الله أن تجتمع في دوام العز والاقبال والجاه وكمال النجاة. أقول: وربما سمعت يا ولدي من غير خبير بالاسرار ولا مطلع على وصول الاخبار أن بني جدك الحسن والحسين عليهما السلام كان الطالبون بهم للامر بالمعروف والنهي عن المنكر جاحدين لأئمتك (وللمهدي) عليهم السلام وذلك غلط ممن يعتمد عليه وقد رويت بعدة أسانيد تعزية الصادق (ع) للجماعة الذين اتهموا بطلب الخلافات وحملوا إلى العراق وحبسوا إلى الممات وفي تعزية الصادق عليه السلام على حملهم والتعظيم لهم والدعاء لهم دلالة على أنهم عارفون بأئمة الاسلام وسأذكر ذلك في الجزء الثاني من كتاب الاقبال بالاعمال الحسنة في عمل شهر المحرم إنشاء الله تعالى ولقد رويت بعدة أسانيد في كتاب أصل أبي الفرج أبان بن محمد أن عبد الله بن الحسن والحسن بن الحسن وجعفر بن الحسن شهدوا جميعا أن مولانا (المهدي) عليه السلام من ذرية الصادق، وسأذكر أيضا الحديث بأسانيده في الكتاب الذي أشرت إليه ورأيت في كتاب تبيين سيرة الخلفاء المصريين وقد طالت خلافتهم كثيرا من السنين ما يدل على معرفتهم (بالمهدي) عليه السلام وإنما كانوا يطلبون الانتصار بشرايع الاسلام فقال عن المعز الخليفة بمصر ما هذا لفظه أن القائم متى أسند ظهره إلى الكعبة البيت الحرام وأقام خطيبا للناس فحينئذ يقوم بكل ما عنده.

[ 157 ]

أقول: ومع هذا القول من المعز فإن أباه تسموا بالمهدي والقائم وغيرهم من ذرية النبي صلى الله عليه وآله وإن كانوا عارفين بالمهدي (ع). الفصل الرابع والخمسون والمائة: وقد وقع في خاطري أن أختم هذا الكتاب بوصية أبيك أمير المؤمنين عليه السلام الذي عنده علم الكتاب صلى الله عليه إلى ولده العزيز عليه وبرسالته إلى شيعته وذكر المتقدمين عليه ورسالته في ذكر الأئمة من ولده (ع) ورأيت أن يكون رواية الرسالة إلى ولده بطريق المخالفين والمؤالفين فهو أجمع على ما تضمنه من سعادة الدنيا والدين فقال أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري في كتاب (الزواجر والمواعظ) في الجزء الاول منه من نسخة تاريخها ذو القعدة من سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة ما هذا لفظه: وصية أمير المؤمنين عليه السلام علي بن أبي طالب لولده ولو كان من الحكمة ما يجب أن يكتب بالذهب لكانت هذه وحدثني بها جماعة فحدثني علي بن الحسين بن إسماعيل قال حدثنا الحسن بن أبي عثمان الادمي قال أخبرنا أبو حاتم المكتب يحيى بن حاتم بن عكرمة قال حدثني يوسف ابن يعقوب بأنطاكية قال حدثني بعض أهل العلم قال لما انصرف علي (ع) من صفين إلى قنسرين كتب إلى ابنه الحسن بن علي (ع) من الوالد الفان المقر للزمان إلخ. وحدثنا أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا سليمان بن الربيع الهندي قال حدثنا كادح بن روحمة الزاهد قال حدثنا صباح بن يحيى المزني. وحدثنا علي بن عبد العزيز الكوفي الكاتب قال حدثنا جعفر بن هارون

[ 158 ]

ابن زياد قال حدثنا محمد بن علي بن موسى الرضا عن أبيه عن جده جعفر الصادق عن أبيه عن جده عليهم السلام أن عليا كتب إلى الحسن بن علي. وحدثنا علي بن محمد بن إبراهيم التستري قال حدثنا جعفر بن عنبسة قال حدثنا عباد بن زياد قال حدثنا عمرو بن أبي المقدام عن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام قال كتب أمير المؤمنين عليه السلام إلى الحسن بن علي (ع). وحدثنا محمد بن علي بن زاهر الرازي قال حدثنا محمد بن العباس قال حدثنا عبد الله بن داهر عن أبيه عن جعفر بن محمد عن آبائه عن علي عليه السلام قال كتب علي إلى ابنه الحسن (ع) كل هؤلاء حدثونا أن أمير المؤمنين عليا كتب بهذه الرسالة إلى ابنه الحسن (ع). وأخبرني أحمد بن عبد الرحمن بن فضال القاضي قال قال حدثنا الحسن ابن محمد بن أحمد وأحمد بن جعفر بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب (ع) قال حدثنا جعفر بن محمد الحسني قال حدثنا الحسن بن عبدل قال حدثنا الحسن بن طريف بن ناصح عن الحسن بن علوان عن سعد بن طريف عن الاصبغ بن نباتة المجاشعي قال كتب أمير المؤمنين (ع) إلى ابنه كذا. واعلم: يا ولدي محمد ضاعف الله جل جلاله عنايته بك ورعايته لك قد روى الشيخ المتفق على ثقته وأمانته محمد بن يعقوب الكليني تغمده الله جل جلاله برحمته رسالة مولانا أمير المؤمنين علي عليه السلام إلى جدك الحسن ولده سلام الله جل جلاله عليهما وروى رسالة أخرى مختصرة عن خط علي

[ 159 ]

عليه السلام إلى ولده محمد بن الحنفية رضوان الله جل جلاله عليه وذكر الرسالتين في كتاب الرسايل ووجدنا في نسخة قديمة يوشك أن يكون كتابتها في زمان حياة محمد بن يعقوب رحمة الله عليه وهذا الشيخ محمد بن يعقوب كان حياته في زمن وكلاء (المهدي) عليه السلام عثمان بن سعيد العمري وولده أبي جعفر محمد وأبي القاسم حسين بن روح وعلي بن محمد السمري وتوفى محمد بن يعقوب قبل وفاة علي بن محمد السمري لأن علي بن محمد السمري توفى في شعبان سنة تسع وعشرين وثلثمائة وهذا محمد بن يعقوب الكليني توفى ببغداد سنة ثمان وعشرين وثلثمائة فتصانيف هذا الشيخ محمد ابن يعقوب ورواياته في زمن الوكلاء المذكورين يجد طريقا إلى تحقيق منقولاته ورأيت يا ولدي بين رواية الحسن بن عبد الله العسكري مصنف كتاب (الزواجر والمواعظ) الذي قدمناه وبين الشيخ محمد بن يعقوب في رسالة أبيك أمير المؤمنين علي (ع) إلى ولده تفاوتا فنحن نوردها برواية محمد بن يعقوب الكليني فهو أجمل وأفضل فيما قصدناه فذكر محمد بن يعقوب الكليني في كتاب الرسائل بإسناده إلى أبي جعفر بن عنبسة عن عباد بن زياد الاسدي عن عمر بن أبي المقدام عن أبي جعفر (ع) قال لما أقبل أمير المؤمنين (ع) من صفين كتب إلى ابنه الحسن عليه السلام: بسم الله الرحمن الرحيم، من الوالد الفان المقر للزمان، المدبر للعمر، المستسلم للدهر، الذام للدنيا، الساكن مساكن الموتى، الظاعن عنها غدا، إلى الولد المؤمل ما لا يدرك السالك سبيل من قد هلك بغرض الاسقام، ورهينة الايام، ورمية المصائب، وعبد الدنيا

[ 160 ]

وتاجر الغرور، وغرير المنايا، وأسير الموت، وحليف الهموم، وقرين الاحزان، ورصيد الافات، وصريع الشهوات، وخليفة الاموات، أما بعد فإن فيما تبينت من إدبار الدنيا عني وجموح الدهر علي وإقبال الاخرة إلى ما يمنعني عن ذكر من سواي والاهتمام بما وراي غير أني حيث تفرد بي دون هموم الناس هم نفسي فصدقني دائي وصرفني عن هواي وصرح لي محض أمري فأفضى بي إلى جد لا يرى معه لعب وصدق لا يشوبه كذب وجدتك بعضي بل وجدتك كلي حتى لو كأن شيئا لو أصابك أصابني حتى وكأن الموت لو أتاك أتاني فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي فكتبت إليك كتابي هذا مستظهرا به إن أنا بقيت لك أو فنيت، فأوصيك بتقوى الله يا بني ولزوم أمره وعمارة قلبك بذكره والاعتصام بحبله وأي سبب أوثق من سبب بينك وبين الله جل وجهه إن أنت أخذت به فأحي قلبك بالموعظة وأمته بالزهد وقوه باليقين ونوره بالحكمة وذلله بذكر الموت وقرره بالفناء وأسكنه بالخشية وأشعره بالصبر وبصره فجائع الدنيا وحذره جولة الدهر وفحش تقلبه وتقلب الليالي والايام وأعرض عليه أخبار الماضين وذكره بما أصاب من كان قبلك من الاولين وسر في ديارهم واعتبر آثارهم وانظر ما فعلوا وأين رحلوا ونزلوا وعما انتقلوا فأنك تجدهم قد انتقلوا عن الاحبة وحلوا دار الغربة وكأنك عن قليل قد صرت كأحدهم فأصلح مثواك ولا تبع آخرتك بدنياك ودع القول فيما لا تعرف والخطاب والنظر فيما لم تكلف وأمسك عن طريق إذا خفت ضلالته فإن الكف عند حيرة الضلالة خير من ركوب

[ 161 ]

الاهوال وأمر بالمعروف تكن من أهله وانكر المنكر بلسانك ويدك وباين من فعله بجهدك وجاهد في الله حق جهاده ولا تأخذك في الله لومة لائم وخض الغمرات إلى الحق حيث كان وتفقه في الدين وعود نفسك بالصبر على المكروه ونعم الخلق الصبر وألجئ نفسك في الامور كلها إلى إلهك فإنك تلجئها إلى كهف حريز ومانع عزيز وأخلص في المسألة لربك فإن بيده العطاء والحرمان وأكثر الاستخارة وتفهم وصيتي ولا تذهبن عنك صفحا فإن خير القول ما نفع، واعلم أنه لا خير في علم لا ينفع ولا ينتفع بعلم لا يحق تعلمه، يا بني إنني لما رأيتك قد بلغت سنا ورأيتني أزداد وهنا بادرت بوصيتي إليك لخصال منها قبل أن يعجل بي أجلي دون أن أفضي إليك بما في نفسي وأن أنقص في رأيي كما نقصت في جسمي أو أن يسبقني إليك بعض غلبات الهوى وفتن الدنيا فتكون كالصعب النفور وإنما قلب الحدث كالارض الخالية ما ألقي فيها من شئ إلا قبلته فبادر بالادب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لبك لتستقبل بجد رأيك من الامر ما قد كفاك أهل التجارب بعينه وتجربته فتكون قد كفيت مؤنة الطلب وعوفيت من علاج التجربة فأتاك من ذلك ما كنا قد ناتيه واستبان لك منه ما ربما اظلم علينا فيه، يا بني إني وإن لم أكن قد عمرت عمر من كان قبلي فقد نظرت في أعمارهم وفكرت في أخبارهم وسرت في آثارهم حتى عدت كأحدهم بل كأنني بما انتهى إلي من أمورهم قد عمرت مع أولهم إلى آخرهم فعرفت صفو ذلك من كدره ونفعه من ضرره فاستخلصت لك من كل أمر جليله وتوخيت لك جميله وصرفت عنك مجهوله ورأيت حيث

[ 162 ]

عناني من أمرك ما يعنى الوالد الشفيق وأجمعت عليه من أدبك أن تكون ذلك وأنت مقبل العمر مقبل الدهر ذو نية سليمة ونفس صافية وأن أبتدأك بتعلم كتاب الله عز وجل وتأويله وشرائع الاسلام وأحكامه وحلاله وحرامه لا أجاوز ذلك بك إلى غيرك ثم أشفقت أن يلتبس عليك ما اختلف الناس فيه من أهوائهم وآرائهم مثل الذي التبس عليهم فكان إحكام ذلك لك على ما كرهت من تنبيهك له أحب إلي من إسلامك إلى أمر لم آمن عليك فيه الهلكة ورجوت أن يوفقك الله لرشدك وأن يهديك فعهدت إليك وصيتي هذه، واعلم مع ذلك يا بني أن أحب ما أنت آخذ به من وصيتي إليك بتقوى الله والاقتصار على ما فرضه الله عليك والأخذ بما مضى عليه الاولون من آبائك والصالحون من أهل بيتك فإنهم لم يدعوا أن ينظروا لأنفسهم كما أنت ناظر وفكروا كما أنت مفكر ثم ردهم آخر ذلك إلى الأخذ بما عرفوا والامساك عما لم يكلفوا فإن أبت نفسك أن تقبل ذلك دون أن تعلم كما علموا فليكن طلبك ذلك بتفهم وتعلم لا بتورط الشبهات وغلو الخصومات وابدأ قبل نظرك في ذلك بالاستعانة بإلهك عليه والرغبة إليه في توفيقك ونبذ كل شائبة أولجتك في شبهة أو أسلمتك إلى ضلالة فإذا أيقنت أن قد صفى لك قلبك فخشع وتم رأيك فاجتمع وكان همك في ذلك هما واحدا فانظر فيما فسرت لك وإن لم يجتمع لك رأيك على ما تحب من نفسك وفراغ نظرك وفكرك، فاعلم أنك إنما تخبط خبط العشواء وتتورط الظلماء وليس طالب الدين من خبط ولا من خلط والامساك عن ذلك أمثل وأن أول ما أبدءك في ذلك وآخره

[ 163 ]

أني أحمد الله إله الاولين والاخرين ورب من في السماوات والارضين بما هو أهله وكما يجب وينبغي له ونسأله أن يصلي على محمد وآل محمد صلى الله عليهم وعلى أنبياء الله بصلوة جميع من صلى عليه من خلقه وأن يتم نعمته علينا بما وفقنا له من مسألته بالاستجابة لنا فإن بنعمته تتم الصالحات، يا بني إني قد أنبأتك عن الدنيا وحالها وانتقالها وزوالها بأهلها وأنبأتك عن الاخرة وما أعد الله فيها لأهلها وضربت لك أمثالا لتعتبر بها وتحذو عليها الامثال إنما مثل من أبصر الدنيا مثل قوم سفر نبا بهم منزل جديب فأموا منزلا خصيبا فاحتملوا وعثاء الطريق وفراق الصديق وخشونة السفر في الطعام والمنام ليأتوا سعة دارهم ومنزل قرارهم فليس يجدون لشئ من ذلك ألما ولا يرون لنفقة مغرما ولا شئ بأحب إليهم مما يقربهم من منزلهم ومثل من اغتر بها كقوم كانوا في منزل خصيب فنبا بهم إلى منزل جديب فليس شئ أكره إليهم ولا أهول لديهم من مفارقة ما هم فيه إلى ما يهجمون عليه ويصيرون إليه ثم فزعتك بأنواع الجهالات لئلا تعد نفسك عالما لأن العالم من عر ف أن ما يعلم فيما لا يعلم قليل فعد نفسه بذلك جاهلا وازداد بما عرف من ذلك في طلب العلم اجتهادا فما يزال للعلم طالبا وراغبا وله مستفيدا ولأهله خاشعا ولرأيه متهما وللصمت لازما وللخطإ حايدا ومنه مستحييا وإن أورد عليه ما لا يعر ف لا ينكر ذلك بما قد قدر به نفسه من الجهالة وأن الجاهل من عد نفسه لما جهل من معرفة العلم عالما وبرأيه مكتفيا فما يزال للعلماء معاندا وعليهم ذاريا ولمن خالفه محبطا ولما لا يعرف من الامور مضللا وإذا أورد عليه من

[ 164 ]

الامر ما لا يعرفه أنكر وكذب به وقال بجهالته ما أعرف هذا وما أراه كان وما أظن أن يكون وأنى كان ولا أعرف ذلك لثقته برأيه وقلة معرفته بجهالته فما ينفعك مما يرى فيما التبس عليه برأيه ومما لا يعرف للجهل مستفيدا وللحق منكرا وفي اللجاجة متحريا وعن طلب العلم مستكبرا، يا بني فتفهم وصيتي واجعل نفسك ميزانا فيما بينك وبين غيرك فأحب لغيرك ما تحب لنفسك واكره له ما تكره لها لا تظلم كما لا تحب أن تظلم وأحسن كما تحب أن يحسن إليك واستقبح لنفسك ما تستقبح من غيرك وارض من الناس بما ترضى لهم منك ولا تقل ما لا تعلم بل لا تقل كل ما علمت مما لا تحب أن يقال لك. واعلم: أن الاعجاب ضد الصواب وآفة الالباب وإذا هديت لقصدك فكن أخشع ما تكون لربك واسع في كدحك ولا تكن خازنا لغيرك. واعلم: يا بني أن أمامك طريقا ذا مسافة بعيدة وأهوال شديدة وأنه لا غنا بك عن حسن الارتباط وقدر بلاغك من الزاد مع خفة الظهر فلا تحملن على ظهرك فوق بلاغك فيكون ثقيلا ووبالا عليك وإذا وجدت من أهل الحاجة من يحمل لك زادك إلى يوم القيامة فيوافيك به غدا حيث تحتاج إليه فاغتنمه واغتنم من استقرضك في حال غناك واجعل يوم قضائك له في يوم عسرتك وحمله إياه وأكثر من تزويده وأنت قادر عليه فلعلك تطلبه ولا تجده. واعلم: أن أمامك عقبة كؤدا لا محالة أن مهبطها بك على جنة أو نار فارتد لنفسك قبل نزولك. واعلم: أن الله بيده خزائن ملكوت الدنيا والاخرة قد أذن لدعائك

[ 165 ]

وتكفل لإجابتك وأمرك أن تسأله ليعطيك وهو رحيم كريم لم يجعل بينك وبينه من يحجبك عنه ولم يلجأك إلى من يشفع لك إليه ولم يمنعك إن أسأت من التوبة ولم يعيرك بالانابة ولم يعاجلك بالنقمة ولم يفضحك حيث تعرضت للفضيحة ولم يناقشك بالجريمة ولم يؤيسك من الرحمة ولم يشدد عليك في التوبة فجعل توبتك التورع من الذنب وحسب سيئتك واحدة وحسنتك عشرا وفتح لك باب المتاب والاستعتاب فمتى شئت سمع ندائك ونجواك فأفضيت إليه بحاجتك وأثبته ذات نفسك وشكوت إليه همومك واستعنته على أمورك ثم جعل في يديك مفاتيح خزائنه بما أذن فيه من مسألته فمتى شئت استفتحت بالدعاء أبواب خزائنه فألحح عليه بالمسألة يفتح لك باب الرحمة ولا يقنطك إن أبطأت عليك الاجابة فإن العطية على قدر المسألة وربما أخرت عنك الاجابة ليكون أطول في المسألة وأجزل العطية وربما سألت الشئ فلم تؤته وأوتيت خيرا منه عاجلا أو آجلا أو صرت إلى ما هو خير لك فلرب أمر قد طلبته وفيه هلاك دينك ودنياك لو أوتيته ولتكن مسألتك فيما يعنيك فيما يبقى لك جماله وينفى عليك وباله والمال لا يبقى لك ولا تبقى له فإنه يوشك أن تؤتى عاقبة أمرك حسنا أو سيئا أو يعفو الغفور الكريم. واعلم: يا بني أنك إنما خلقت للاخرة لا للدنيا وللفناء لا للبقاء وللموت لا للحياة فإنك في منزل قلعة ودار بلغة وطريق إلى الاخرة وأنك طريد الموت لا ينجوها ربه ولا بد أنه مدرك يوما فكن منه على حذر أن يدركك على حمل سيئة قد كنت تحدث نفسك منها بالتوبة فيحول بينك

[ 166 ]

وبين ذلك فإذا أنت قد هلكت نفسك. يا بني: أكثر من ذكر الموت وذكر ما تهجم عليه وتفضي بعد الموت إليه واجعله أمامك حيث تراه حتى يأتيك وقد أخذت منه حذرك وشددت له أزرك ولا يأتيك بغتة فيبهرك ولا يأخذك على غرتك وأكثر ذكر الاخرة وما فيها من النعيم والعذاب الاليم فإن ذلك يزهدك في الدنيا ويصغرها عندك وإياك أن تغتر بما ترى من إخلاد أهل الدنيا إليها وتكالبهم عليها فقد نبأك الله جل جلاله عنها ونعت لك نفسها وتكشفت لك عن مساويها فإنما أهلها كلاب عاوية وسباع ضارية يهر بعضها بعضا ويأكل عزيزها ذليلها ويقهر كبيرها صغيرها وكثيرها قليلها نعم معقلة وأخرى محفلة مهملة قد أضلت عقولها وركبت مجهولها سرح عامهة في واد وعث ليس لها داع يقيمها لعبت بهم الدنيا فلعبوا بها ونسوا ما ورائها رويدا حتى يسفر الظلام كان ورب الكعبة يوشك من أسرع أن يلحق. واعلم: يا بني أن كل من كانت مطيته الليل والنهار فإنه يسار به وإن كان لا يسير إلى الله إلا خراب الدنيا وعمارة الاخرة يا بني فإن تزهد فيها زهدتك فيه وتعزب نفسك منها فهي أهل ذاك وإن كنت غير قابل نصيحتي إياك فيها فاعلم يقينا أنك لن تبلغ أملك ولا تعدوا أجلك فإنك في سبيل من كان قبلك فخفض في الطلب واجمل في المكسب فإنه ربما طلب جر إلى حرب وليس كل طالب بناج ولا كل مجمل بمحتاج وأكرم نفسك عن دنية وإن ساقتك إلى الرغائب فإنك لن تعارض بما تبذل شيئا من دينك وعرضك

[ 167 ]

بثمن وإن جل ومن خير حظ امرئ قرين صالح فقارن أهل الخير تكن منهم وباين أهل الشر تبن عنهم لا يغلبن عليك سوء الظن فإنه لا يدع بينك وبين صديق صفحا بئس الطعام الحرام وظلم الضعيف أفحش الظلم والفاحشة كإسمها والتصبر على المكروه يعصم القلب وإذا كان الرفق خرقا كان الخرق رفقا وربما كان الداء دواء وربما نصح غير الناصح وغش المستنصح إياك والاتكال على المنى فإنها بضايع النوكى وتثبط في الاخرة والدنيا زك قلبك بالادب كما يذكى النار بالحطب لا تكن كحاطب الليل وغثاء السيل وكفر النعمة لوم وصحبة الجاهل شوم والعقل حفظ التجارب وخير ما جربت ما وعظك ومن الكرم لين الشيم بادر الفرصة قبل أن تكون غصة ومن الحزم العزم ومن سبب الحرمان التواني ليس كل طالب يصيب ولا كل راكب غائب يئوب ومن الفساد إضاعة الزاد لكل أمر عاقبة رب مصير بما تصير ولا خير في معين مهين ولا يلين من أمر على عذر من حلم ساد ومن تفهم ازداد ولقاء أهل الخير عمارة القلب ساهل الدهر ما ذل لك قعوده وإياك أن تطيح بك مطية اللجاج وإن فارقت سيئة فعجل محوها بالتوبة ولا تخن من ائتمنك وإن خانك ولا تذع سره وإن أذاع سرك ولا تخاطر بشئ رجاء أكثر منه واطلب فإنه يأتيك ما قسم لك والتاجر مخاطر خذ بالفضل وأحسن البدل وقل للناس حسنا وأحسن كلمة حكم جامعة إن تحب للناس ما تحب لنفسك وتكره لهم ما تكره لها إنك قل ما تسلم ممن تسرعت إليه أو تندم إن أفضلت عليه واعلم أن من الكرم الوفاء بالذمم والصدق آية المقت وكثرة التعلل آية البخل ولبعض

[ 168 ]

إمساكك على أخيك مع لطف خير من بذل مع غف ومن الكرم صلة الرحم ومن يثق بك أو يرجو صلته يرجوك أو يثق بصلتك إذا قطعت قرابتك والتجرم وجه القطيعة احمل نفسك من أخيك من صرمه إياك على الصلة وعند صدوره على عطف المسألة وعند جموده على البذل وعند تباعده على الدنو وعند شدته على اللين وعند تجرمه على الاعذار حتى كأنك له عبد وكأنه ذو النعمة عليك وإياك أن تصنع ذلك في غير موضعه أو تفعله في غير أهله ولا تتخذن عدو صديقك صديقا فتعادي صديقك ولا تعمل بالخديعة فإنها خلق لئيم وامحض أخاك النصيحة حسنة كانت أو قبيحة وساعده على كل حال وزل معه حيث زال ولا تطلبن مجازاة أخيك وإن حثا التراب بفيك وجد على عدوك بالفضل فإنه أحرز للظفر وتسلم من الدنيا بحسن الخلق وتجرع الغيض فإني لم أر جرعة أحلى منها عاقبة ولا ألذ منها مغبة ولا تصرم أخاك على ارتياب ولا تقطعه دون استعتاب وألن لمن غالظك فإنه يوشك أن يلين لك ما أقبح القطيعة بعد الصلة والجفاء بعد الاخاء والعداوة بعد المودة والخيانة لمن ائتمنك والغدر لمن استأمن إليك وإن أنت غلبت قطيعة أخيك فاستبق له من نفسك بقية يرجع إليها إن بدا له ولك يوم ما ومن ظن بك خيرا فصدق ظنه ولا تضيعن حق أخيك اتكالا على ما بينك وبينه فإنه ليس لك بأخ من أضعت حقه ولا يكن أهلك أشقى الناس ولا ترغبن فيمن زهد فيك ولا تكونن أخوك أقوى على قطيعتك منك على صلته ولا تكونن على الاسائة أقوى منك على الاحسان ولا على البخل أقوى منك على

[ 169 ]

البذل ولا على التقصير أقوى منك على الفضل ولا يكبرن عليك ظلم من ظلمك وإنما يسعى في مضرته ونفعك وليس جزاء من سرك أن تسوءه والرزق رزقان رزق تطلبه ورزق يطلبك فإن لم تأته أتاك. واعلم: يا بني أن الدهر ذو صروف فلا تكن ممن يشتد لائمته ويقل عند الناس عذره ما أقبح الخضوع عند الحاجة والجفاء عند الغناء إنما لك من دنياك ما أصلحت به مثواك فأنفق في حق ولا تكن خازنا لغيرك وإن كنت جازما على ما يفلت من بين يديك فاجزع على ما يصل إليك واستدلل على ما لم يكن بما كان فإنما الامور أشباه ولا يكفر ذا نعما فإن كفر النعمة من ألأم الكفر واقبل العذر ولا تكونن ممن لا ينتفع من العظة إلا بما لزمه إزالته فإن العاقل يتعظ بالادب والبهائم لا تتعظ إلا بالضرب، اعرف الحق لمن عونه لك رفيعا كان أو وضيعا واطرح عنك واردات الهموم بعزائم الصبر وحسن اليقين من ترك القصد حاد ونعم حظ المرء القنوع ومن شر ما صحب المرء الحسد وفي القنوط التفريط والشح يجلب الملامة والصاحب مناسب والصديق من صدق غيبه والهوى شريك العمى ومن التوفيق الوقوف عند الحيرة ونعم طارد الهموم اليقين وعاقبة الكذب الندم وفي الصدق السلامة ورب بعيد أقرب من قريب والغريب من لم يكن له حبيب لا يعدمك من شفيق سوء الظن ومن حم ظماء ومن تعدى الحق ضاق مذهبه ومن اقتصر على قدره كان أبقى له نعم الخلق التكرم وألأم اللوم البغي عند القدرة وليحاسب إلى كل جميل وأوثق العرى التقوى وأوثق سبب أخذت به سبب بينك وبين

[ 170 ]

الله سرك من أعتبك والافراط في الملامة يشب نيران اللجاجة كم من دنف قد نجا وصحيح قد هوى وقد يكون الناس إدراكا إذا كان الطمع هلاكا وليس كل عودة تظهر ولا فريضة تصاب وربما أخطأ البصير قصده وأصاب العمى رشده وليس كل من طلب وجد ولا كل من توقى نجا أخر الشر فإنك إذا شئت تعجلته وأحسن إن أحببت أن يحسن إليك واحتمل أخاك على ما فيه ولا تكثر العتاب فإنه يورث الضغينة واستعتب من وجوت عتباه وقطيعة الجهال تعدل صلة العاقل ومن الكرم منع الحزم ومن كاثر الزمان عطب ومن تنقم عليه غضب ما أقرب النقمة من أهل البغي وأخلق بمن غدر أن لا يوافي له زلة، المتوفي أشد زلة وعلة الكذب أقبح علة والفساد سر الكثير والاقتصاد ينمي اليسير والقلة زلة وبر الوالدين من أكرم الطباع والمخافة شر الخاف والزلل مع العجل ولا خير في لذة تعقب ندما العاقل من وعظته التجارب ورسولك ترجمان عقلك والهدى يجلو العمى وليس مع الخلاف ايتلاف من خير خوانا فقد خان لن يهلك من اقتصد ولن يفتقر من زهد ينبئ عن أمر دخيله رب باعث عن حتفه ولا يشوبن بثقة رجاء وما كل ما يخشى يصير ولرب هزل قد عاد جدا من أمن الزمان خانه ومن تعظم عليه أهانه ومن ترغم عليه أرغمه ومن لجأ إليه أسلمه وليس كل من رمى أصاب وإذا تغير السلطان تغير الزمان خير أهلك من كفاك المزاح تورث الضغائن اعذر من اجتهد وربما أكدى الحريص رأس الدين صحة اليقين تمام الاخلاص تجنب المعاصي خير المقال ما صدقه الفعال السلامة مع الاستقامة والدعاء مفتاح الرحمة سل

[ 171 ]

عن الرفيق قبل الطريق وعن الجار قبل الدار وكن عن الدنيا على قلعة أجمل من أذل عليك واقبل عذر من اعتذر إليك وخذ العفو من الناس ولا تبلغ من أحد مكروها وأطع أخاك وإن عصاك وصله وإن جفاك وعود نفسك للسماح وتخير لها من كل خلق أحسنه فإن الخير العادة وإياك أن تكثر من الكلام هذرا وأن تكون مضحكا وإن حكيت ذلك عن غيرك وانصف من نفسك وإياك ومشاورة النساء فإن رأيهن إلى الافن وعزمهن إلى الوهن واكفف عليهن من أبصارهن بحجابك إياهن فإن شدة الحجاب خير لك ولهن من الارتياب وليس خروجهن بأشد من دخول من لا يوثق به عليهن وإن استطعت أن لا يعرفن غيرك من الرجال فافعل ولا تملك المرأة من الامر ما جاوز نفسها فإن ذلك أنعم لحالها وأرخى لبالها وأدوم لجمالها فإن المرأة ريحانة وليست بقهرمانة ولا تعد بكرامتها نفسها ولا تعاطيها أن يشفع لغيرها فيميل من شفعت له عليك معها ولا تطل الخلوة مع النساء فيمللنك وتمللهن واستبق من نفسك بقية فإن إمساكك عنهن وهن يرين أنك ذو اقتدار خير من أن يعثرن منك على انكسار وإياك والتغاير في غير موضع الغيرة فإن ذلك يدعو الصحيحة منهن إلى السقم ولكن احكم أمرهن فإن رأيت عيبا فعجل النكير على الكبير والصغير وإياك أن تعاتب فيعظم الذنب ويهون العتب ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرا وما خير تجبر لا ينال إلا بشر ويسر لا ينال إلا بعسر وإياك أن توجف بك مطايا الطمع وإن استطعت أن لا يكون بينك وبين الله ذو نعمة فافعل فإنك مدرك قسمك وآخذ سهمك وإن اليسير من

[ 172 ]

الله أكرم وأعظم من الكثير من خلقه وإن كان كل منه فإن نظرت فلله المثل الاعلى فما تطلب من الملوك ومن دونهم من السفلة لعرفت أن لك في يسير ما تطلب من الملوك افتخارا وأن عليك في كثير ما تطلب من الزيادة عارا إنك لست بايعا شيئا من دينك وعرضك بثمن والمغبون من غبن نفسه من الله فخذ من الدنيا ما أتاك وتول من تولى عنك فإن أنت لم تفعل فأجمل في الطلب وإياك ومقاربة من رهبته على دينك وعرضك وباعد السلطان لتأمن خدع الشيطان وتقول ما ترى إنك ترغب وهكذا هلك من كان قبلك إن أهل القبلة قد أيقنوا بالمعاد فلو سمعته بعضهم يبيع آخرته بالدنيا لم تطب بذلك نفسا وقد يتحيل الشيطان بخدعه ومكره حتى تورطه في هلكة بعرض من الدنيا يسير حقير وينقله من شئ إلى شئ حتى يؤيسه من رحمة الله ويدخله في القنوط فتجد الراحة إلى ما خالف الاسلام وأحكامه فإن أبت نفسك إلا حب الدنيا وقرب السلطان فخالفتك إلى ما نهيتك عنه ما فيه رشدك فأملك عليه لسانك فإنه لا ثقة للملوك عند الغضب فلا تسأل عن أخبارهم ولا تنطق بأسرارهم ولا تدخل فيما بينهم وفي الصمت السلامة من الندامة وتلافيك ما فرط من صمتك أيسر من إدراك فائدة ما فات من منطقك واحفظ ما في الوعاء بشد الوكاء وحفظ ما في يدك أحب إليك من طلب ما في يد غيرك ولا تحدث إلا عن ثقة فتكون كذابا والكذب ذل وحسن التدبير مع الكفاف أكفى لك من الكثير مع الاسراف وحسن اليأس خير من الطلب إلى الناس والعفة مع الحرفة خير من سرور مع فجور والمرء أحفظ لسره ورب ساع

[ 173 ]

فيما يضره من أكثر هجر ومن تفكر أبصر وأحسن المماليك الادب وأقلل الغضب ولا تكثر العتب في غير ذنب فإذا استحق أحد منك ذنبا فإن العفو مع العدل أشد من الضرب لمن كان له عقل ولا تمسك من لا عقل له وخف القصاص واجعل لكل امرئ منهم عملا يأخذ منه فإنه أحرى أن لا يتواكلوا وأكرم عشيرتك فإنهم جناحك الذي به تطير وأصلك الذي إليه تصير وإنك بهم تصول وبهم تطول اللذة عند الشدة وأكرم كريمهم وعد سقيمهم واشكرهم في أمورهم وتيسر عند معسورهم واستعن بالله على أمورك فإنه أكفى معين واستودع الله دينك ودنياك واسأله خير القضاء في الدنيا والاخرة. الفصل الخامس والخمسون والمائة: واعلم يا ولدي محمد كمل الله جل جلاله هدايتك وفضل ولايتك أنني رويت من طرق كثيرة واضحات قد ذكرت بعضها في الجزء الاول من كتاب (المهمات والتتمات) جميع ما صنفه الشيخ محمد بن يعقوب الكليني ورواه رضي الله عنه وأرضاه في هذا الكتاب الرسائل رسالة أخرى من أبيك علي عليه السلام إلى شيعته وإلى من يعز عليه في ذكر المتقدمين في الخلاف عليه وهي في معنى رسالة إليك كما أن رسالته إلى أبيك الحسن عليه السلام كأنها منهما إليك فانظر بعين المنة عليك قال محمد بن يعقوب في كتاب الرسائل عن علي بن إبراهيم بإسناده قال كتب أمير المؤمنين عليه السلام كتابا بعد منصرفه من النهروان وأمر أن يقرأ على الناس وذلك أن الناس سألوه عن أبي بكر وعمر وعثمان فغضب عليه السلام وقال قد تفر غنم للسؤال عما لا يعنيكم وهذه مصر قد انفتحت وقتل معاوية ابن خديج

[ 174 ]

ومحمد بن أبي بكر فيا لها من مصيبة ما أعظمها بمصيبتي بمحمد فوالله ما كان إلا كبعض بني، سبحان الله بينا نحن نرجو أن نغلب القوم على ما في أيديهم إذ غلبونا على ما في أيدينا وأنا كاتب لكم كتابا فيه تصريح ما سألتم إنشاء الله تعالى فدعا كاتبه عبيد الله بن أبي رافع فقال له أدخل علي عشرة من ثقاتي فقال سمهم لي يا أمير المؤمنين فقال أدخل إصبغ بن نباتة وأبا الطفيل عامر بن وائلة الكناني ورزين بن حبيش الاسدي وجويرية بن مضرب الهمداني والحارث بن عبد الله الاعور الهمداني ومصباح النخعي وعلقمة بن قيس وكميل بن زياد وعمير بن زرارة فدخلوا عليه فقال لهم خذوا هذا الكتاب وليقرأه عبيد الله بن أبي رافع وأنتم شهود كل يوم جمعة فإن شغب شاغب عليكم فانصفوه بكتاب الله بينكم وبينه. بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى شيعته من المؤمنين والمسلمين، فإن الله يقول وإن من شيعته لإبراهيم وهو اسم شرفه الله تعالى في الكتاب أنتم شيعة النبي محمد صلى الله عليه وآله كما أن محمدا من شيعة إبراهيم اسم غير مختص وأمر غير مبتدع وسلام عليكم والله هو السلام المؤمن لأوليائه من العذاب المهين الحاكم عليهم بعدله بعث محمدا صلى الله عليه وآله وأنتم معاشر العرب على شر حال، يغدو أحدكم كلبه ويقتل ولده، ويغير على غيره، فيرجع وقد أغير عليه تأكلون الهلعز والهبيدة والميتة والدم منيخون على أحجار خشن وأوثان مضلة تأكلون الطعام الجشب وتشربون

[ 175 ]

الماء الآجن تسافكون دمائكم ويسبي بعضكم بعضا، وقد خص الله قريشا بثلاث آيات وعم العرب بآية فأما الآيات اللواتي في قريش فهو قوله تعالى (واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الارض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون) والثانية (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنكم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني ولا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) والثالثة قول قريش لنبي الله تعالى حين دعاهم إلى الاسلام والهجرة فقالوا أن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا فقال الله تعالى (أو لم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شئ رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون) وأما الاية التي عم بها العرب فهو قوله تعالى (واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون) فيا لها من نعمة ما أعظمها إن لم تخرجوا منها إلى غيرها ويا لها من مصيبة ما أعظمها إن لم تؤمنوا بها وترغبوا عنها فمضى نبي الله صلى الله عليه وآله وقد بلغ ما أرسل به فيا لها من مصيبة خصت الاقربين وعمت المؤمنين لم تصابوا بمثلها ولن تعاينوا بعدها مثلها فمضى لسبيله صلى الله عليه وآله وترك كتاب الله وأهل بيته إمامين لا يختلفان وأخوين لا يتخاذلان ومجتمعين لا يتفرقان ولقد قبض الله محمدا نبيه صلى الله عليه وآله ولأنا أولى الناس به مني بقميصي هذا وما

[ 176 ]

ألقي في روعي ولا عرض في رأيي، أن وجه الناس إلى غيري فلما أبطأ عني بالولاية لهممهم وتثبيط الانصار وهم أنصار الله وكتيبة الاسلام قالوا ما إذا لم تسلموها لعلط فصاحبنا أحق لها من غيره فوالله ما أدري إلى من أشكو إما أن يكون الانصار ظلمت حقها، وإما أن يكونوا ظلموني حقي بل حقي المأخوذ وأنا المظلوم، فقال قائل قريش إن نبي الله صلى الله عليه وآله قال الائمة من قريش فدفعوا الانصار عن دعوتها ومنعوني حقي منها فأتاني رهط يعرضون علي النصر منهم أبناء سعيد والمقداد بن الاسود وأبو ذر الغفاري وعمار بن ياسر وسلمان الفارسي والزبير بن العوام والبراء بن عازب فقلت لهم إن عندي من نبي الله صلى الله عليه وآله إلي وصية لست أخالفه عما أمرني به فوالله لو خرموني بأنفي لأقررت لله تعالى سمعا وطاعة، فلما رأيت الناس قد انثالوا على أبي بكر للبيعة أمسكت يدي وظننت أني أولى وأحق بمقام رسول الله صلى الله عليه منه ومن غيره وقد كان نبي الله أمر أسامة بن زيد على جيش وجعلهما في جيشه وما زال النبي (ص) إلى أن فاضت نفسه يقول أنفذوا جيش أسامة أنفذوا جيش أسامة فمضى جيشه إلى الشام حتى انتهوا إلى (أذرعات) فلقي جيشا من الروم فهزموهم وغنمهم الله أموالهم، فلما رأيت راجعة من الناس قد رجعت من الاسلام تدعوا إلى محو دين محمد وملة إبراهيم (ع) خشيت إن أنا لم أنصر الاسلام وأهله أرى فيه ثلما وهدما تكون المصيبة علي فيه أعظم من فوت ولاية أموركم التي إنما هي متاع أيام قلائل ثم تزول وتتقشع كما يزول ويتقشع السحاب فنهضت مع القوم في تلك

[ 177 ]

الاحداث حتى زهق الباطل وكانت كلمة الله هي العليا وإن زعم الكافرون ولقد كان سعد لما رأى الناس يبايعون أبا بكر نادى: أيها الناس إني والله ما أردتها حتى رأيتكم تصرفونها عن علي (ع) ولا أبايعكم حتى يبايع علي ولعلي لا أفعل وإن بايع، ثم ركب دابته وأتى (حوران) وأقام في خان حتى هلك ولم يبايع، وقام فروة بن عمر الانصاري وكان يقود مع رسول الله صلى الله عليه وآله فرسين ويصرع ألفا ويشتري ثمرا فيتصدق به على المساكين فنادى: يا معشر قريش أخبروني هل فيكم رجل تحل له الخلافة وفيه ما في علي (ع) فقال قيس بن مخزمة الزهري ليس فينا من فيه ما في علي، فقال له صدقت فهل في علي (ع) ما ليس في أحد منكم قال نعم، قال فما يصدكم عنه قال اجتماع الناس على أبي بكر، قال أما والله لئن أصبتم سنتكم لقد أخطأتم سنة نبيكم، ولو جعلتموها في أهل بيت نبيكم لأكلتم من فوقكم ومن تحت أرجلكم فولى أبي بكر فقارب واقتصد فصحبته مناصحا وأطعته فيما أطاع الله فيه جاهدا حتى إذا احتضر قلت في نفسي ليس يعدل بهذا الامر عني ولولا خاصة بينه وبين عمر أمر كانا رضياه بينهما لظننت أنه لا يعدله عني وقد سمع قول النبي صلى الله عليه وآله لبريدة الاسلمي حين بعثني وخالد بن الوليد إلى اليمن وقال إذا افترقتما فكل واحد منكما على حياله وإذا اجتمعتما فعلي عليكم جميعا فغزونا وأصبنا سبيا فيهم خولة بنت جعفر جار الصفا وإنما سمي جار الصفا من حسنه فأخذت الخيفة خولة واغتنمها خالد مني وبعث بريدة إلى رسول الله محرشا على فأخبره بما كان من أخذي خولة، فقال يا بريدة حظه

[ 178 ]

في الخمس أكثر مما أخذ، إنه وليكم بعدي سمعها أبو بكر وعمر وهذا بريدة حي لم يمت، فهل بعد هذا مقال لقائل فبايع عمر دون المشورة، فكان مرضي السيرة من الناس عندهم حتى إذا احتضر قلت في نفسي ليس يعدل بهذا الامر عني للذي قد رأى مني في المواطن، وسمع من الرسول (ص) فجعلني سادس ستة وأمر صهيبا أن يصلي بالناس ودعا أبا طلحة زيد بن سعد الانصاري فقال له كن في خمسين رجلا من قومك فاقتل من أبى أن يرضى من هؤلاء الستة فالعجب من اختلاف القوم إذ زعموا أن أبا بكر استخلفه النبي صلى الله عليه وآله، فلو كان هذا حقا لم يخف على الانصار فبايعه الناس على الشورى ثم جعله أبو بكر لعمر برأيه خاصة، ثم جعلها عمر برأيه شورى بين ستة فهذا العجب من اختلافهم، والدليل على ما لا أحب أن أذكر قول هؤلاء الرهط الذين قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وهو عنهم راض فكيف يأمر بقتل قوم رضي الله عنهم ورسوله، إن هذا الامر عجيب، ولم يكونوا لولاية أحد منهم أكره منهم لولايتي كانوا يسمعون وأنا أحاج أبا بكر فأنا أقول يا معشر قريش أنا أحق بهذا الامر منكم ما كان منكم من يقرأ القرآن ويعرف السنة ويدين دين الله الحق وإنما حجتي أني ولي هذا الامر من دون قريش، إن نبي الله صلى الله عليه وآله قال الولاء لمن أعتق فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله يعتق الرقاب من النار وأعتقها من الرق فكان للنبي صلى الله عليه وآله ولاء هذه الامة وكان لي بعده ما كان له، فما جاز لقزيش من فضلها عليها بالنبي صلى الله عليه وآله جاز لبني هاشم على قريش وجاز لي على بني هاشم

[ 179 ]

يقول النبي صلى الله عليه وآله يوم (غدير خم): من كنت مولاه فهذا علي مولاه، إلا أن تدعي قريش فضلها على العرب بغير النبي (ص) فإن شاؤا فليقولوا ذلك فخشي القوم إن أنا وليت عليهم أن آخذ بأنفاسهم وأعترض في حلوقهم ولا يكون لهم في الامر نصيب فأجمعوا على إجماع رجل واحد منهم حتى صرفوا الولاية عني إلى عثمان رجاء أن ينالوها ويتداولوها فيما بينهم، فبيناهم كذلك إذ نادى مناد لا يدرى من هو، وأظنه جنيا فأسمع أهل المدينة ليلة بايعوا عثمان، فقال: يا ناعي الاسلام قم فانعه * قد مات وبدا منكر ما لقريش لا على كعبها * من قدموا اليوم ومن أخروا إن عليا هو أولى به * منه فولوه ولا تنكروا فكان لهم في ذلك عبرة ولولا أن العامة قد علمت بذلك لم أذكره فدعوني إلى بيعة عثمان فبايعت مستكرها، وصبرت محتسبا وعلمت أهل القنوت أن يقولوا (اللهم لك أخلصت القلوب وإليك شخصت الابصار وأنت دعيت بالالسن وإليك تحوكم في الاعمال فافتح بيننا وبين قومنا بالحق، اللهم إنا نشكوا إليك غيبة نبينا وكثرة عدونا وقلة عددنا وهواننا على الناس وشدة الزمان ووقوع الفتن بنا اللهم ففرج ذلك بعدل تظهره وسلطان حق تعرفه) فقال غبد الرحمن بن عوف يابن أبي طالب إنك على هذا الامر لحريص، فقلت لست عليه حريصا إنما أطلب ميراث رسول الله صلى الله عليه وآله وحقه وإن ولاء أمته لي من بعده وأنتم أحرص عليه مني إذ تحولون بيني وبينه

[ 180 ]

وتصرفون وجهي دونه بالسيف، اللهم إني أستعديك على قريش فإنهم قطعوا رحمي وأضاعوا أيامي ودفعوا حقي وصغروا قدري وعظيم منزلتي وأجمعوا على منازعتي، حقا كنت أولى به منهم فاستلبونيه ثم قالوا اصبر مغموما أو مت متأسفا، وأيم الله لو استطاعوا أن يدفعوا قرابتي كما قطعوا سببي فعلوا ولكنهم لا يجدون إلى ذلك سبيلا، إنما حقي على هذه الامة كرجل له حق على قوم إلى أجل معلوم، فإن أحسنوا وعجلوا له حقه قبله حامدا وإن أخروه إلى أجله أخذه غير حامد وليس يعاب المرء بتأخير حقه إنما يعاب من أخذ ما ليس له وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله عهد إلي عهدا فقال يابن أبي طالب لك ولاء أمتي، فإن ولوك في عافية وأجمعوا عليك بالرضا فقم بأمرهم، وإن اختلفوا عليك فدعهم وما هم فيه فإن الله سيجعل لك مخرجا فنظرت فإذا ليس لي رافد ولا معي مساعد إلا أهل بيتي فظننت بهم عن الهلاك ولو كان لي بعد رسول الله صلى الله عليه وآله عمي حمزة وأخي جعفر لم أبايع كرها ولكنني بليت برجلين حديثي عهد بالاسلام العباس وعقيل فظننت بأهل بيتي عن الهلاك فأغضيت عيني على القذى، وتجرعت ريقي على الشجا وصبرت على أمر من العلقم وآلم للقلب من حز الشفار. وأما أمر عثمان فكأنه علم من القرون الاولى (علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى) خذله أهل بدر وقتله أهل مصر والله ما أمرت ولا نهيت ولو أنني أمرت كنت قاتلا ولو أنني نهيت كنت ناصرا وكان الامر لا ينفع فيه العيان ولا يشفي منه الخبر غير أن من نصره لا يستطيع أن يقول هو خذله

[ 181 ]

من أنا خير منه ولا يستطيع من خذله أن يقول نصره من هو خير مني وأنا جامع أمره استأثر فأساء الاثرة وجزعتم فأسأتم الجزع والله يحكم بيننا وبينه والله ما يلزمني في دم عثمان تهمة ما كنت إلا رجلا من المسلمين المهاجرين في بيتي فلما قتلوه أتيتموني تبايعوني فأبيت عليكم وأبيتم علي فقبضت يدي فبسطتموها وبسطتها فمددتموها ثم تداككتم علي تداك الابل الهيم على حياضها يوم ورودها حتى ظننت أنكم قاتلي وأن بعضكم قاتل بعض حتى انقطعت النعل وسقط الرداء ووطي الضعيف وبلغ من سرور الناس ببيعتهم إياي أن حمل إليها الصغير وهدج إليها الكبير وتحامل إليها العليل وحسرت لها الكعبات فقالوا بايعنا على ما بويع عليه أبو بكر وعمر فإنا لا نجد غيرك ولا نرضى إلا بك فبايعنا لا نفترق ولا نختلف فبايعتكم على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله ودعوت الناس إلى بيعتي فمن بايعني طائعا قبلت منه ومن أبى تركته فكان أول من بايعني طلحة والزبير فقالا نبايعك على أنا شركاؤك في الامر فقلت لا ولكنكما شركائي في القوة وعوناي في العجز فبايعاني على هذا الامر ولو أبيا لم أكرههما كما لم أكره غيرهما وكان طلحة يرجو اليمن والزبير يرجو العراق فلما علما أني غير موليهما استأذناني للعمرة يريدان الغدر فاتبعا عائشة واستخفاها مع كل شئ في نفسها علي. والنساء نواقص الايمان نواقص العقول نواقص الحظوظ فأما نقصان إيمانهن فقعودهن عن الصلاة والصيام في أيام حيضهن وأما نقصان عقولهن فلا شهادة لهن إلا في الدين وشهادة امرأتين برجل وأما نقصان حظوظهن فمواريثهن على الأنصاف من مواريث الرجال

[ 182 ]

وقادهما عبيد الله بن عامر إلى البصرة وضمن لهما الاموال والرجال فبيناهما يقودانها إذ هي تقودهما فاتخذاها فئة يقاتلان دونها فأي خطيئة أعظم مما أتيا إخراجهما زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله من بيتها فكشفا عنها حجابا ستره الله عليها وصانا حلايلهما في بيوتهما ولا أنصفا الله ولا رسوله من أنفسهما، ثلاث خصال مرجعها على الناس قال الله تعالى (يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم) وقال (ومن نكث فإنما ينكث على نفسه) وقال (ولا يحيق المكر السئ إلا بأهله) فقد بغيا علي ونكثا بيعتي ومكراني فمنيت بأطوع الناس في الناس عايشة بنت أبي بكر وبأشجع الناس الزبير وبأخصم الناس طلحة وأعانهم علي يعلى بن منبه بأصواع الدنانير والله لئن استقام أمري لأجعلن ماله فيئا للمسلمين. ثم أتوا البصرة وأهلها مجتمعون على بيعتي وطاعتي وبها شيعتي خزان بيت مال الله ومال المسلمين فدعوا الناس إلى معصيتي وإلى نقض بيعتي وطاعتي فمن أطاعهم أكفروه ومن عصاهم قتلوه فناجزهم حكيم بن جبلة فقتلوه في سبعين رجلا من عباد أهل البصرة ومخبيتهم يسمون المثفنين كأن راح أكفهم ثفنات الابل وأبى أن يبايعهم يزيد بن الحارث اليشكري فقال اتقيا الله إن أولكم قادنا إلى الجنة فلا يقودنا آخركم إلى النار فلا تكلفونا أن نصدق المدعي ونقضي على الغائب أما يميني فشغلها علي بن أبي طالب (ع) ببيعتي إياه وهذه شمالي فارغة فخذاها إن شئتما فخنق حتى مات رحمه الله وقام عبد الله بن حكيم التميمي فقال يا طلحة من يعرف هذا الكتاب قال نعم هذا كتابي إليك قال هل تدري ما فيه قال اقرأه علي فإذا فيه عيب عثمان دعاؤه

[ 183 ]

إلى قتله فسيروه من البصرة وأخذوا عاملي عثمان بن حنيف الانصاري غدرا فمثلوا به كل المثلة ونتفوا كل شعرة في رأسه ووجهه وقتلوا شيعتي طائفة صبرا وطائفة غدرا وطائفة عضوا بأسيافهم حتى لقوا الله، فوالله لو لم يقتلوا منهم إلا رجلا واحدا لحل لي به دماؤهم ودماء ذلك الجيش لرضاهم بقتل من قتل، دع مع أنهم قد قتلوا أكثر من العدة التي دخلوا بها عليهم وقد أزال الله منهم فبعدا للقوم الظالمين فأما طلحة فرماه مروان بسهم فقتله. وأما الزبير فذكرته قول رسوال الله صلى الله عليه وآله إنك تقاتل عليا عليه السلام وأنت ظالم له. وأما عايشة فإنها كان نهاها رسول الله (ص) عن مسيرها فعضت يديها نادمة على ما كان منها. وقد كان طلحة لما نزل (ذا قار) قام خطيبا فقال: أيها الناس إنا قد أخطأنا في عثمان خطيئة ما يخرجنا منها إلا الطلب بدمه وعلي قاتله وعليه دمه وقد نزل (دارن) مع شكاك اليمن ونصارى ربيعة ومنافقي مضر. فلما بلغني قوله وقول كان عن الزبير قبيح بعثت إليهما أناشدهما بحق محمد وآله ما أتيتماني وأهل مصر محاصرو عثمان فقلتما اذهب بنا إلى هذا الرجل فإنا لا نستطيع قتله إلا بك لما تعلم أنه سير أبا ذر رحمه الله وفتق عمارا وآوى الحكم بن العاص وقد طرده رسول الله صلى الله عليه وآله وأبو بكر وعمر واستعمل الفاسق على كتاب الله الوليد بن عقبة وسلط خالد بن عرفطة العذري على كتاب الله تعالى يمزقه ويحرقه. فقلت كل هذا قد علمت ولا أرى قتله يومي هذا وأوشكت سقاؤه أن يخرج المخيض زبدته فاقرأ بما قلت. وأما قولكما إنكما تطلبان بدم عثمان فهذان ابناه عمرو وسعيد

[ 184 ]

فخلوا عنهما يطلبان دم أبيهما. متى كان أسد وتيم أولياء بني أمية. فانقطعا عند ذلك. فقام عمران بن الحصين الخزاعي صاحب رسول (ص) وهو الذي جاءت فيه الاحاديث. وقال يا هذان لا تخرجانا ببيعتكما من طاعة (علي) ولا تحملانا على نقض بيعته فإنها لله رضا أما وسعتكما بيوتكما حتى أتيتما بأم المؤمنين فالعجب لاختلافها إياكما ومسيرها معكما فكفا عنا أنفسكما وارجعا من حيث جئتما فلسنا عبيد من غلب ولا أول من سبق. فهما به ثم كفا عنه وكانت عائشة قد شكت في مسيرها وتعاظمها القتال فدعت كاتبها عبيد الله ابن كعب النميري فقالت اكتب: من عائشة بنت أبي بكر. إلى علي بن أبي طالب. فقال هذا أمر لا يجري به القلم. قالت ولم قال لأن علي بن أبي طالب في الاسلام أول وله بذلك البداء في الكتاب فقالت اكتب إلى علي ابن أبي طالب من عائشة بنت أبي بكر. أما بعد: فإني لست أجهل قرابتك من رسول الله (ص) ولا قدمك في الاسلام. ولا غناك من رسول الله وإنما خرجت مصلحة بين بني لا أريد حربك إن كففت عن هذين الرجلين في كلام لها كثير. فلم أجبها بحرف. وأخرت جوابها لقتالها فلما قضى الله لي الحسنى. سرت إلى الكوفة. واستخلفت عبد الله بن عباس على البصرة فقدمت الكوفة وقد اتسقت لي الوجوه كلها إلا الشام فأحببت أن أتخذ الحجة وأقضي العذر وأخذت بقول الله تعالى (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين) فبعثت جرير بن عبد الله إلى معاوية معذرا إليه متخذا الحجة عليه فرد كتابي وجحد حقي ودفع بيعتي. وبعث

[ 185 ]

إلي أن ابعث إلي قتلة عثمان، فبعثت إليه ما أنت وقتلة عثمان، أولاده أولى به، فادخل أنت وهم في طاعتي، ثم خاصموا القوم لأحملكم وإياهم على كتاب الله، وإلا فهذه خدعة الصبي عن رضاع الملي فلما يئس من هذا الامر بعث إلي أن اجعل الشام لي حياتك فإن حدث بك حادث من الموت لم يكن لأحد علي طاعة وإنما أراد بذلك أن يخلع طاعتي من عنقه، فأبيت عليه فبعث إلي إن أهل الحجاز كانوا الحكام على أهل الشام فلما قتلوا عثمان صار أهل الشام الحكام على أهل الحجاز، فبعثت إليه إن كنت صادقا فسم لي رجلا من قريش للشام تحل له الخلافة ويقبل في الشورى ونظرت إلى أهل الشام فإذا هم بقية الاحزاب فراش نار، وذئاب طمع تجمع من كل أوب ممن ينبغي له أن يؤدب ويحمل على السنة ليسوا من المهاجرين ولا الانصار ولا التابعين بإحسان، فدعوتهم إلى الطاعة والجماعة فأبوا إلا فراقي وشقاقي، ثم نهضوا في وجه المسلمين ينضحونهم بالنبل ويشجرونهم بالرماح فعند ذلك نهضت إليهم فلما عضتهم السلاح ووجدوا ألم الجراح رفعوا المصاحف يدعوكم إلى ما فيها فأنبأتكم أنهم ليسوا بأهل دين ولا قرآن وإنما رفعوا بها مكيدة وخديعة فامضوا لقتالهم فقلتم اقبل منهم واكفف عنهم فإنهم إن أجابوا إلى ما في القرآن إن حاجونا على ما نحن عليه من الحق فقبلت منهم وكففت عنهم فكان الصلح بينكم وبينهم على رجلين حكمين ليحييا ما أحياه القرآن ويميتا ما أماته القرآن فاختلف رأيهما واختلف حكمهما فنبذا ما في الكتاب وخالفا ما في القرآن

[ 186 ]

وكانا أهله ثم إن طائفة اعتزلت فتركناهم، ما تركونا حتى إذا عاثوا في الارض يفسدون ويقتلون وكان فيمن قتلوه أهل ميرة من بني أسد وقتلوا خبابا وابنه وأم ولده والحارث بن مرة العبدي فبعثت إليهم داعيا فقلت ادفعوا إلينا قتلة إخواننا فقالوا كلنا قتلتهم. ثم شدت علينا خيلهم ورجالهم فصرعهم الله مصارع الظالمين فلما كان ذلك من شأنهم أمرتكم أن تمضوا من فوركم ذلك إلى عدوكم فقلتم كلت سيوفنا ونصلت أسنة رماحنا وعاد أكثرها قصيرا فأذن لنا فلنرجع ولنستعد بأحسن عدتنا وإذا نحن رجعنا زدنا في مقاتلتنا عدة من قتل منا حتى إذا ظللتم على (النخيلة) أمرتكم أن تلزموا معسكركم وأن تضموا إليه نواصيكم وأن توطنوا على الجهاد نفوسكم ولا تكثروا زيارة أبنائكم ونسائكم فإن أصحاب الحرب مصايروها وأهل التشمير فيها والذين لا يتوجدون من سهر ليلهم ولا ظماء نهارهم ولا فقدان أولادهم ولا نسائهم وأقامت طائفة منكم معدة وطائفة دخلت المصر عاصية فلا من دخل المصر عاد إلى ولا من أقام منكم ثبت معي ولا صبر فلقد رابتني وما في عسكري منكم خمسون رجلا فلما رأيت ما أنتم عليه دخلت عليكم فما قدر لكم أن تخرجوا معي إلى يومكم هذا لله أبوكم ألا ترون إلى مصر قد افتتحت وإلى أطرافكم قد انتقصت، وإلى مسالحكم ترقى وإلى بلادكم تغزى وأنتم ذووا عدد جم وشوكة شديدة وأولوا بأس قد كان مخوفا لله أنتم أين تذهبون وأنى تؤفكون ألا إن القوم جدوا وباسوا وتناصروا وتناصحوا وإنكم أبيتم وونيتم وتخاذلتم وتغاششتم ما أنتم إن بقيتم على ذلك سعداء فنبهوا رحمكم الله نائمكم وتحرزوا لحرب

[ 187 ]

عدوكم فقد أبدت الدعوة عن الصريح وأضاء الصبح لذي عينين. فانتبهوا إنما تقاتلون الطلقاء وأبناء الطلقاء وأهل الجفاء ومن أسلم كرها وكان لرسول الله أنفا وللاسلام كله حربا أعداء السنة والقرآن وأهل البدع والاحداث ومن كانت نكايته تتقى وكان على الاسلام وأهله مخوفا وأكلة الرشا وعبيد الدنيا ولقد أنهي إلي أن ابن النابغة لم يبايع معاوية حتى شرط له أن يؤتيه آتية وهي أعظم مما في يديه من سلطانه فصغرت يد هذا البائع دينه بالدنيا. وخزيت أمانة هذا المشتري بنصرة فاسق غادر بأموال المسلمين وأي سهم لهذا المشتري بنصرة فاسق غادر وقد شرب الخمر وضرب حدا في الاسلام وكلكم يعرفه بالفساد في الدين وإن منهم من لم يدخل في الاسلام وأهله حتى رضخ عليه رضيخة فهؤلاء قادة القوم ومن تركت لكم ذكر مساويه أكثر وأنور. وأنتم تعرفونهم بأعيانهم وأسمائهم كانوا على الاسلام ضدا ولنبي صلى الله عليه وآله حربا وللشسطان حزبا لم يتقدم إيمانهم ولم يحدث نفاقهم وهؤلاء الذين لو ولوا عليكم لأظهروا فيكم الفخر والتكبر والتسلط بالجبرية والفساد في الارض وأنتم على ما كان منكم من تواكل وتخاذل خير منهم وأهدى سبيلا. منكم الفقهاء والعلماء والفهماء وحملة الكتاب والمتهجدون بالاسحار ألا تسخطون وتنقمون أن ينازعكم الولاية السفهاء البطاة عن الاسلام الجفاة فيه. اسمعوا قولي يهديكم الله إذا قلت. وأطيعوا أمري إذا أمرت فوالله لئن أطعتموني لا تغووا. وإن عصيتموني لا ترشدوا قال الله تعالى (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف

[ 188 ]

تحكمون) وقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) فالهادي بعد النبي صلى الله عليه وآله هاد لأمته على ما كان من رسول الله صلى الله عليه وآله فمن عسى أن يكون الهادي إلا الذي دعاكم إلى الحق وقادكم إلى الهدى خذوا للحرب أهبتها وأعدوا لها عدتها فقد شبت وأوقدت نارها وتجردوا لكم الفاسقون لكيما يطفؤوا نور الله بأفواههم ويغزوا عباد الله ألا ليس أولياء الشيطان من أهل الطمع والجفاء أولى بالحق من أهل البر والاحسان في طاعة ربهم ومناصحة إمامهم إني والله لو لقيتهم وحدي وهم وأهل الارض ما استوحشت منهم ولا باليت ولكن أسف يريبني وجزع يعتريني من أن بلي هذه الامة فجارها وسفهاؤها يتخذون مال الله دولا وكتابه دخلا والفاسقين حزبا والصالحين حربا وأيم الله لولا ذلك ما أكثرت تأنيبكم وتحريضكم ولتركتكم إذا أبيتم حتى ألقاهم متى حم لي لقاؤهم فوالله إني لعلى الحق وإني للشهادة لمحب وإني إلى لقاء الله ربي لمشتاق. ولحسن ثوابه لمنتظر إني نافر بكم فانفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ولا تثاقلوا في الارض فتعموا بالذل وتقروا بالخسف ويكون نصيبكم الخسران (إن أخ الحرب اليقظان الارق) إن نام لم تنم عينه ومن ضعف أوذي ومن كره الجهاد في سبيل الله كان المغبون المهين. إني لكم اليوم على ما كنت عليه أمس ولستم لي على ما كنتم عليه. من تكونوا ناصريه أخذ بالسهم الاخيب والله لو نصرتم الله لنصركم وثبت أقدامكم إنه حق على الله أن ينصر من نصره ويخذل من خذله. أترون الغلبة لمن صبر بغير نصر وقد يكون الصبر

[ 189 ]

حبنا ويكون حمية وإنما الصبر بالنصر والورود بالصدر، والبرق بالمطر اللهم اجمعنا وإياهم على الهدى وزهدنا وإياهم في الدنيا واجعل الاخرة خيرا لنا من الاولى. الفصل السادس والخمسون والمائة واعلم يا ولدي محمد أراك الله جل جلاله بطرق العقل والنقل والخير ما يخاف عليك مما تحتاج إلى علمه كما حضر وأتاك من نوره ما ترى ما استتر به كما ظهر، أن الشيخ محمد بن يعقوب الكليني ذكر في كتاب الرسائل المعتمد عليه عن أبيك أمير المؤمنين (ع) رسالة تتضمن ذكر الائمة من ذريته صلوات الله عليهم قال محمد بن يعقوب ما هذا لفظه: عن علي بن محمد ومحمد بن الحسن وغيرهما عن سهل بن زياد عن العباس ابن عمران عن محمد بن القاسم بن الوليد الصيرفي عن المفضل عن سنان بن طريف عن أبي عبد الله عليه السلام قال كان أمير المؤمنين (ع) يكتب بهذه الخطبة إلى بعض أكابر أصحابه وفيها كلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بسم الله الرحمن الرحيم، إلى المقربين في الاظلة الممتحنين بالبلية المسارعين في الطاعة المستيقنين بي الكرة تحية منا إليكم سلام عليكم. أما بعد: فإن نور البصيرة روح الحياة الذي لا ينفع إيمان إلا به مع اتباع كلمة الله والتصديق بها فالكلمة من الروح والروح من النور والنور نور السماوات والارض فبأيديكم سبب وصل إليكم مناو تيان نعمة من الله لا تغفلون شكرها خصكم بها واستخلصكم لها وتلك الامثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون إن الله عهد عهدا أن لن يحل عقدة أحد سواه فتسارعوا إلى وفاء

[ 190 ]

العهد وامكثوا في طلب الفضل فإن الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر وإن الاخرة وعد صادق يقضي فيها ملك قادر ألا وإن الامر كما وقع لسبع بقين من صفر تسير فيها الجنود يهلك فيها البطل الجحود خيولها عراب وفرسانها أحزاب ونحن بذلك واثقون ولما ذكرنا منتظرون انتظار المجدب المطر لينبت العشب ويجنى الثمر، دعاني إلى الكتاب إليكم استنقاذكم من العمى، وإرشادكم باب الهدى، فاسلكوا سبيل السلامة فإنها إجماع الكرامة اصطفى الله منهجه وبين حججه وأزف أزفة ووصفه وحده وجعله نصا كما وصفه، قال رسول الله صلى الله عليه وآله إن العبد إذا دخل حفرته يأتيه ملكان أحدهما منكر والاخر نكير فأول ما يسئلانه عن ربه وعن نبيه وعن وليه فإن أجاب نجى وإن تحير عذباه فقال قائل فما حال من عرف ربه وعرف نبيه ولم يعرف وليه فقال ذلك مذبذب لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء قيل فمن الولي يا رسول الله فقال وليكم في هذا الزمان أنا ومن بعدي وصيي ومن بعد وصيي لكل زمان حجج الله كيما لا تقولون كما قال الضلال من قبلكم فارقهم نبيهم (ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى) وإنما كان تمام ضلالهم جهالتهم بالايات وفهم الاوصياء فأجابهم الله: قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى، وإنما كان تربصهم أن قالوا نحن في وسعة عن معرفة الاوصياء حتى يعلن الامام علمه فالاوصياء قوام عليكم بين الجنة والنار لا يدخل الجنة إلا من عرفهم وعرفوه ولا يدخل النار إلا من أنكرهم وأنكروه لأنهم عرفاء العباد عرفهم الله إياهم عند أخذ المواثيق

[ 191 ]

عليهم بالطاعة لهم فوصفهم في كتابه فقال جل وعز (وعلى الاعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم وهم الشهداء على الناس) والنبيون شهداء لهم لأخذه لهم مواثيق العباد بالطاعة وذلك قوله (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الارض ولا يكتمون الله حديثا) وكذلك أوحى الله إلى آدم أن يا آدم قد انقضت مدتك وقضيت نبوتك واستكملت أيامك وحضر أجلك فخذ النبوة وميراث النبوة واسم الله الاكبر فادفعه إلى ابنك هبة الله فإني لم أدع الارض بغير علم يعرف. فلم يزل الانبياء والاوصياء يتوارثون ذلك حتى انتهى الامر إلي وأنا أدفع ذلك إلى علي وصيي وهو مني بمنزلة هارون من موسى وإن عليا يورث ولده حيهم عن ميتهم فمن سره أن يدخل جنة ربه فليتول عليا والاوصياء من بعده وليسلم لفضلهم فإنهم الهداة بعدي أعطاهم الله فهمي وعلمي فهم عترتي من لحمي ودمي أشكوا إلى الله عدوهم والمنكر لهم فضلهم والقاطع عنهم صلتي فنحن أهل بيت شجرة النبوة ومعدن الرحمة ومختلف الملائكة وموضع الرسالة فمثل أهل بيتي في هذه الامة كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك ومثل باب حطة في بني إسرائيل من دخله غفر له فأيما راية خرجت ليست من أهل بيتي فهي دجالة إن الله اختار لدينه أقواما انتجبهم للقيام عليه والنصر له طهرهم بكلمة الاسلام وأوحى إليهم مفترض القرآن والعمل بطاعته في مشارق الارض ومغاربها إن الله خصكم بالاسلام واستخلصكم له وذلك لأنه أمنع سلامة. وأجمع كرامة اصطفى الله منهجه ووصفه ووصف أخلاقه ووصل

[ 192 ]

أطنابه من ظاهر علم وباطن حلم ذي حلاوة ومرارة فمن ظهر باطنه رأى عجائب مناظره في موارده ومصادره ومن فطن لما بطن لما فطر رأى مكنون الفطن وعجائب الامثال والسنن فظهره أنيق وباطنه عميق ولا تفنى غرائبه ولا تنقضي عجائبه فيه مفاتيح الكلام ومصابيح الظلام لا يفتح الخيرات إلا بمفاتيحه ولا تكشف الظلمات إلا بمصابيحه فيه تفصيل وتوصيل وبيان الاسمين الاعلين اللذين جمعا فاجتمعا لا يصلحان إلا معا يسميان فيفترقان ويوصلان فيجتمعان تمامهما في تمام أحدهما حواليها نجوم وعلى نجومها نجوم ليحمى حماه ويرعى مرعاه وفي القرآن تبيانه وحدوده وأركانه ومواضع مقاديره ووزن ميزانه ميزان العدل وحكم الفصل إن رعاة الدين فرقوا بين الشك واليقين وجاؤوا بالحق بنوا الاسلام بنيانا فأسسوا له أساسا وأركانا وجاؤوا على ذلك شهودا بعلامات وأمارات فيها كفى المكتفي وشفاء المستشفي يحمون حماه ويرعون مرعاه ويصونون مصونه ويفجرون عيونه لحب الله وبره وتعظيم أمره وذكره مما يجب أن يذكر به يتواصلون بالولاية ويتنازعون بحسن الرعاية ويتساقون بكأس روية ويتلافون بحسن التحية وأخلاق سنية وقوام علماء وأوصياء لا يسوق فيهم الريبة ولا تشرع فيهم الغيبة فمن استبطن من ذلك شيئا استبطن خلقا سيئا فطوبى لذي قلب سليم أطاع من يهديه واجتنب من يرديه ويدخل مدخل كرامة وينال سبيل سلامة تبصرة لمن بصره وطاعة لمن أطاع يهديه إلى أفضل الدلالة وكشف غطاء الجهالة المضلة المهلكة ومن أراد بعد هذا فلينظر بالمهدي دينه فإن المهدي لا يغلق بابه وقد فتحت أسبابه

[ 193 ]

ببرهان وبيان لأمر استنصح وأقبل نصيحة من نصح بخضوع وحسن خشوع فليقبل امرء بقبولها وليحذر قارعة قبل حلولها والسلام. الفصل السابع والخمسون والمائة: يقول السيد الامام الاوحد العالم العامل الفقيه الكامل العلامة الفاضل العابد العارف المجتهد المحقق المخلص رضي الدين ركن الاسلام والمسلمين افتخار آل طه ويس جمال العارفين أفضل السادات ذو الحسبين أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن محمد الطاووس العلوي الفاطمي الداودي السليماني أدام الله أيامه وكبت أعداءه، اعلم يا من وقف على كتابي هذا من أولادي وذوي ودادي أن هذا آخر ما اقتضت الاستخارة أن أتمم به مضمون هذا الكتاب (من كشف المحجة لثمرة المهجة) واعلم يا ولدي محمد ختم الله جل جلاله عملك برضاه وأدام لك مع دوام بقائه المقام في حفظه وحماه أن كتابي هذا أسئلك عنه يوم نلتقي في حضرت سيد المرسلين وخاتم النبيين وعند الاجتماع بأبيك أمير المؤمنين (ع) والسلف الطاهرين فكرر النظر في معانيه وذكر به إخوتك ومن ترجو به قبوله وانتفاعه بالنظر فيه. الفصل الثامن والخمسون والمائة: ومن عجيب ما اتفق من غير أن أقصد إليه أنني ذكرت بعد تمامه أن مولانا علي بن أبي طالب شرفه الله جل جلاله بكمال صلاته عليه كان إملاء رسالته إلى ولده وخاصته وشيعته بهذه النصائح في نحو الوقت الذي قد انتهى عمري إليه لأنه أملى الوصية إلى مولانا الحسن عليه السلام بعد عودته من صفين وإلى خاصته بعد وقعة النهروان وقتل المارقين وبعدها وصل إلى الكوفة وأقام مدة يسيرة معروفة وقتله أشقى

[ 194 ]

الاخرين عبد الرحمن بن ملجم عليه لعنة الله ولعنة اللاعنين وقد تكمل عمره الشريف نحو ثلاث وستين وأنا قد كتبت هذا الكتاب إليك وإلى إخوتك ومن يعز علينا وعليك وقد دخلت في سنة إحدى وستين من عمر دار الفناء فسنح الله جل جلاله في طول البقاء. الفصل التاسع والخمسون والمائة: وقد مضى في رسالة أبيك علي (ع) إلى شيعته قوله (ع) ما كان يلقى في روعي كذا وكذا من الحوادث التي تجددت عليه وليس ذلك مناقضا لما روي عنه (ع) من تعريف النبي صلى الله عليه وآله وما تجدد بعده عليه لأن قوله صلى الله عليه وآله ما كان يلقى في روعي محتمل أنه ما كان ألقي في روعه ولا في روع غيره لولا كشف ذلك له من جهة النبي صلى الله عليه وآله أن الانصار ومن تابعهم يعلمون من تقديم من قدموا عليه لأن العقول بمجردها ما كان يلقى في روعها أنهم يعدلون عن حقوق من دلهم على الايمان وأعزهم بعد الهوان وكانوا يعبدون أحجارا وأخشابا فنزههم عنها وكانوا على شفا حفرة من النار فأنقذهم منها وجعلهم ملوكا وحكاما على العباد وكشف لهم عن سعادة الدنيا والمعاد. أقول: ويحتمل أيضا أن يكون النبي صلى الله عليه وآله عرفه غدر الامة به عليه السلام وتغلب أبي بكر وعمر وعثمان ولم يعرفه أن أصل ذلك يكون في يوم وفاة النبي صلى الله عليه وآله أو لم يعرفه أن ذلك يكون ابتداؤه بمن وقع من الانصار. أقول: ويحتمل أن يكون مراده عليه السلام بقوله ما كان ألقي في روعي

[ 195 ]

ولا عرض في بالي أن أوجه الناس إلى غيره أي أن وجوه الناس وأعيانهم يرضون بالتقية ويحبون الحياة الدنيوية ويوافقون الرعاع والطغام على ما استعجلوا به في السقيفة مع قرب عهدهم بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وبالاسلام وحقوقه التي لا يحسن حجودها عند ذوي الافهام ولقد رأيت في تواريخ أهل الوفاء أن هرمزا مات ولم يخلف ولدا ذكرا وإنما خلف حملا فوفى أصحابه له حتى وضعوا تاج الملك على بطن امرأته الحامل وترقبوا ولادتها حتى ولدت وملكوا ابنته عليهم ولقد رأيت في التواريخ أن جماعة من الملوك لم يخلفوا ذكرا وخلفوا امرأة فوفوا لمن أحسن إليهم وملكوا ابنته عليهم، ولقد رأيت في التواريخ أن خلفاء بني العباس بايع أوليائهم جماعة من أولادهم بالخلافة وهم أطفال غير بالغين وفاء لأحسان آبائهم الماضين، ولقد رأيت في التواريخ وفي حياتي من أولاد المشايخ المتقدمين في رباط أو مسجد أو مقام من المقامات يراعى أولادهم ويرتبون في مقامهم وإن كانوا غير كاملي الصفات وفاء للأموات فلأي حال كان محمد صلى الله عليه وآله عندهم دون طبقة من تلك الطبقات وهو كما قال (مهيار) رحمه الله: ما برحت مظلمة دنياكم * حتى أضاء كوكب في هاشم بنيتم به وكنتم قبله * سرا بموت في ظلوع كاتم وصار كل ملك مسالم * يقول هل من ملك مقادم وإنهم يتركونه قبل دفنه والصلاة عليه وقبل إقامة حقوق مأتمه ومصيبته والحزن عليه أيجازونه بإهمال حقوق إحسانه وتصغير شأنه والتعصب على عترته

[ 196 ]

العزيزين عليه هذا ما كان ألقي في روعه ولا روع أحد من العارفين وإنما عرفه به سيد المرسلين عن رب العالمين جل جلاله صلوات الله عليه وعلى عترته الطيبين الطاهرين والحمد لله رب العالمين. تم ما أردنا بالله جل جلاله من هذه الرسالة ثم عرضناه على قبول ذكرا وخلفوا امرأة فوفوا لمن أحسن إليهم وملكوا ابنته عليهم، ولقد رأيت في التواريخ أن خلفاء بني العباس بايع أوليائهم جماعة من أولادهم بالخلافة وهم أطفال غير بالغين وفاء لأحسان آبائهم الماضين، ولقد رأيت في التواريخ وفي حياتي من أولاد المشايخ المتقدمين في رباط أو مسجد أو مقام من المقامات يراعى أولادهم ويرتبون في مقامهم وإن كانوا غير كاملي الصفات وفاء للأموات فلأي حال كان محمد صلى الله عليه وآله عندهم دون طبقة من تلك الطبقات وهو كما قال (مهيار) رحمه الله: ما برحت مظلمة دنياكم * حتى أضاء كوكب في هاشم بنيتم به وكنتم قبله * سرا بموت في ظلوع كاتم وصار كل ملك مسالم * يقول هل من ملك مقادم وإنهم يتركونه قبل دفنه والصلاة عليه وقبل إقامة حقوق مأتمه ومصيبته والحزن عليه أيجازونه بإهمال حقوق إحسانه وتصغير شأنه والتعصب على عترته

[ 196 ]

العزيزين عليه هذا ما كان ألقي في روعه ولا روع أحد من العارفين وإنما عرفه به سيد المرسلين عن رب العالمين جل جلاله صلوات الله عليه وعلى عترته الطيبين الطاهرين والحمد لله رب العالمين. تم ما أردنا بالله جل جلاله من هذه الرسالة ثم عرضناه على قبول واهبه صاحب الجلالة نائبه صلى الله عليه وآله وورود الجواب في المنام بما يقتضي حصول القبول والانعام والوصية بأمرك والوعد ببرك وارتفاع أمرك والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيد المرسلين محمد النبي وعترته الطاهرين.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية