الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




مثير الأحزان- ابن نما الحلي

مثير الأحزان

ابن نما الحلي


[ 1 ]

مثير الاحزان للشيخ الجليل ابن نما الحلي تأليف نجم الدين محمد بن جعفر بن أبي البقاء هبة الله بن نما الحلي المتوفى سنة 645 هج‍ ويليه " قرة العين في أخذ ثار الحسين (ع) " منشورات المطبعة الحيدرية في النجف 1369 ه‍ - 1950 م

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 3 ]

ترجمة المؤلف (ابن نما صاحب مثير الاحزان) تمهيد الحلة مدينة من مدن العراق الشهيرة، وحاضرة مهمة، وهي واقعة على ضفتي نهر الفرات قرب آثار (بابل القديمة). وقد كانت هذه المدينة على عهد (الدولة المزيدية) التي قامت بضواحيها 403 - 545 هج‍ من أجمل مدن العراق بهجة، وأطيبها تربة، وأنقاها هواء، وأحسنها مناخا، وكان قد مصرها أحد أمراء (الدولة البويهية) الامير العربي صدقة بن منصور بن دبيس الاسدي الملقب بسيف الدولة وذلك في شهر محرم سنة 495 للهجرة (وهو غير سيف الدولة بن حمدان ممدوح المتنبئ الذي كان في ذلك العهد أحد ملوك الشام) بعد أن ولي إمرة المزيدية سنة 479 هج‍ بعد وفاة أبيه منصور بن دبيس الاسدي (كما حدث عنه ابن الاثير في كامله) وقد وصفها (صفى الدين الحلي شاعر الجزيرة) بقوله:

[ 4 ]

ما حلة ابن دبيس * إلا كحصن حصين للقلب فيها قرار * وقرة للعيون إن أصبح الماء غورا * جاءت بماء معين وحولها سور طين * كأنه طور سنين وكانت أرضها قبل أن ينزل بها سيف الدولة مرتفعة، ذات أكمات وفيها بعض الغارات، تأوى إليها الحيوانات المفترسة وغيرها من الوحوش ولما نزل بها سيف الدولة (في التاريخ المذكور) هو وقومه، أحدث فيها المباني الحجرية، وأنشأ فيها الدور الفاخرة، وعمر فيها القصور الفخمة، وقد تأنق أصحابه بمثل ذلك، فقصدها التجار والزراع، وأمها العلماء والفقهاء، وتوطن بها الشعراء والادباء فأصبحت على عهد سيف الدولة مهد النهضة الفكرية، وكعبة العلم والفلسفة، واللغة والشعر والادب، وموردا عذبا سائعا لانتهال العلوم الدينية، والفلسفية والعربية، وغيرها من العلوم الاسلامية، والاداب العربية الراقية، وقد حدث عنها الدكتور البصير في (نهضته) بقوله: (وكانت الحلة مركز نهضة ثقافية عظيمة بزغت شمسها في أوائل القرن السادس للهجرة، وما زالت مشرقة حتى أوائل القرن العاشر، حيث انتقلت الثقافة الاسلامية إلى كربلاء، ثم ما لبثت أن انتقلت إلى النجف الذي لم يزل مركزا عظيما من مراكز الثقافة العربية الاسلامية) اه‍ وقد نبغ في الحلة فريق عظيم، من العلماء والفقهاء والاطباء والفلاسفة

[ 5 ]

والادباء والشعراء ما لا يحصون عدا لكثرتهم، فطبقت شهرتهم الذائعة الافاق، وخدموا العلوم الاسلامية والفنون والاداب العربية، خدمات جلى، تذكر فيشكرون عليها، وقد ذكر الخونساري في كتابه (الروضات) نقلا عن بعض الرواة الثقاة منهم الشيخ مرزا عبد الله الاصبهاني الافندي في كتابه (رياض العلماء) ما مضمونه أنه عاش في الحلة خمسمائة مجتهد في قرن واحد، فضلا عن سائر القرون، وهذا الاحصاء دليل من الادلة الواضحة الناصعة التي تثبت لنا رواج سوق العلم والادب والثقافة الاسلامية في هذه المدينة التاريخية في القرون المتقدمة، وممن نبغ فيها من أساطين علماء الامامية في القرن السابع الهجري (آل نما) وهي الاسرة العلمية الدينية القديمة الكريمة التي ظهرت ولمعت في الحلة واشتهر من أعلامها (1) هبة الله بن نما جد نجيب الدين (2) وجعفر بن نما والد المترجم (3) وعلي بن نما عمه وغيرهم كثير، أما المقصود بهذه الترجمة من تلك الاسرة الكريمة المعروفة الحلية المولد والمسكن والنشأة، والربعية الحسب والنسب هو صاحب المقتل المعروف (بمثير الاحزان):


(1) نما مثلثة النون مخففة الميم أو بكسر الاول وتخفيف الثاني: هو إسم رجل جد صاحب الترجمة.

[ 6 ]

" محمد بن جعفر " هو نجم الملة والدين الملقب (بنجيب الدين) والمكنى (بأبي ابراهيم) محمد بن جعفر بن أبي البقاء هبة الله بن نما بن علي بن حمدون الحلي الربعي (نسبة إلى قبيلة ربيعة العربية الشهيرة في التأريخ) ولد في الحلة سنة 567 ه‍ ونشأ نشأة علمية ودرس على أبيه وعلى غيره من الاعلام المعاصرين له منهم فخر الدين محمد بن إدريس الحلي العجلي، والشيخ محمد بن المشهدي وله الرواية عنهم، وأخذ عنه الشيخ سديد الدين والد العلامة، والسيد أحمد بن طاووس الحسني ورضي الدين بن طاووس الحسني وغيرهم، وقال المحقق الكركي عنه: (وأعلم العلماء بفقه أهل البيت الشيخ الفقيه السعيد الاوحد محمد بن نما الحلي) وقال المحدث المجلسي في إجازات البحار عن خط الشيخ الشهيد محمد بن مكي صاحب اللمعة الدمشقية قال كتب ابن نما الحلي إلى بعض الحاسدين له: أنا ابن نماء إن نطقت فمنطقي * فصيح إذا ما مصقع القوم أعجما وإن قبضت كف امرئ عن فضيلة * بسطت لها كفا طويلا ومعصما بنى والدي نهجا إلى ذلك العلا * بأفعاله كانت إلى المجد سلما كبنيان جدي جعفر خير ماجد * فقد كان بالاحسان والفضل مغرما

[ 7 ]

وجد أبي الحبر الفقيه أبي البقا * فما زال في نقل العلوم مقدما يود أناس هدم ما شيد العلى * وهيهات للمعروف أن يتهدما يروم حسدوي نيل شأوي سفاهة * وهل يقدر الانسان يرقى إلى السما ؟ منالي بعيد ويح نفسك فابتدء * فمن للاجداد مثل التقي (نما) ؟ فظهرت من هذه الابيات المذكورة التي أرسلها إلى حساده ومناوئيه عظمة نفسه، وروحيته القدسية، ومنزلته الروحانية وترفعه عن المساوي والدنايا، توفي سنة 645 هج‍ النجف كما حدث عنه صاحب نخبة المقال في تأريخه ودفن بها، وخلف له آثارا علمية مفيدة قيمة أشهرها كتاب (مثير الاحزان) وهو الكتاب المعروف الذي مثل فيه مؤلفه واقعة الطف العظيمة التي رن صداها في أجواء العالم الشرقي والغربي منذ القرن الاول للهجرة حتى القرن الرابع عشر، ولا يزال يتجدد صداها، وتعاد ذكرياتها المؤلمة، ومؤاساتها المحزنة على مر الايام، وتوالي الزمن، وقد وسعى بنشره وقام بطبعه الكامل المهذب محمد كاظم الكتبي في مطبعته الحيدرية، كما سبق له أن طبع كتاب المنتخب لجدنا الطريحي، وكتاب اللهوف لابن طاووس ومقتل الحسين للمقرم وغيرها من الكتب العلمية والتأريخية النافعة التي ملئت القماطير وفقه الله لخدمة العلم والدين بالنبي وآله الميامين.. عبد المولى الطريحي

[ 1 ]

مثير الاحزان للشيخ الجليل ابن نما الحلي منشورات المطبعة الحيدرية في النجف 1369 هج‍ - 1950 م

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الكاشف لعباده اسرار مراده، الواصف نفسه في كتابه بانجاز ميعاده، الراقم على جباه البشر محتوم اشقائه واسعاده، الذي اشرق قلوب اوليائه بنور هدايته، وفتق اذهانهم لاقتفاء معرفته، فخفيت عن بصائرهم حقيقه ذاته، وظهرت لابصارهم بدائع مصنوعاته، وحارت في احكام قدره افكار الالباء، وقصرت وصف مقدس ذاته الفاظ البلغاء، وباعد اولياءه دار الاثام، وقربهم الى دار السلام فتنافسوا في الوصول الى الراد، وتناصلوا بالسبق الى سلطان المعاد، بما اريهم من آياته ومعجز رسله ورسالاته، فخرجوا من اصداء القلوب، ووعثاء الذنوب، الى مراد علام الغيوب، فكان كاشفا للاسرار، رافعا للاستار، مزيلا للحجاب عن المورد المستعذب المستطاب، دالا على الهداية الكبرى، ناشرا أعلام المسرة والبشرى، فدعاهم حينئذ الى طاعته، لجهاد من صرف عن سنن سنته، وتجلى لهم من مطالع بصائرهم، فغسلوا

[ 3 ]

بماء الصفا كدر ضمائرهم، فعزفت نفوسهم، عن الدخول في حزب اهل الضلال، واشتاقوا الى حرب جيش القتال، باقتحام الاهوال، فيالها نعمه اهدت الى انصار الله جل جلاله مسرة، والقت على أعينهم قرة، فنهضوا الى لقاء العدو بشفاه ظامية الى ارتشاف مرن السعادة، وارواح تايقة الى الشهادة، فرحين بانعقاد بيعهم الرابح، يوم تريق الجوائز والمنائح، وعلموا انهم لن يصلوا الى خلعه السنية، إلا بخلع الحياة ولبس المنية فبذلوا النفوس لقاء العدو ومجاهدته، والمبالغة في قتاله ومجالدته وفي هذه الرتبة العالية، والبيعة الغالية، تنافس أهل الطفوف، في احتمال الحتوف، والصبر على نقط الرماح وشكل السيوف، وكانوا كما قلت شعرى هذا وصفا لحالهم في نزالهم لهم جسوم بحر الشمس ذائبة * وانفسن جاورت جنات باريها كأن مفسدها بالقتل مصلحها * أو أن هادمها بالسيف بانيها فيا ذوى البصائر والافهام، ويا ارباب العقول والاحلام اظهروا شعار الاحزان، والبسوا الجزع على سادات الايمان، واقتدوا بالرسول، في محبة بني الزهراء البتول، وتعظيم ذوى القربى فقد وعده، جل جلاله لعظمهم باحسن العقبى ولقد كشفت امية سره، المضروب على سبطه بهتك حرمته ورهبه، ونقضوا ما برمه، وحلوا من عقد الدين ما أحكمه، وانا مورد من نظمى هذه الابيات، في صفه هذه الحركات. يا أمة نقضت عهود نبيها * وغدت مقهقرة على الاعقاب

[ 4 ]

كنتم صحابا للرسول وإنما * بفعالكم نبتم عن الاصحاب ونبذتم حكم الكتاب على جهالة * ودخلتم في جمله الاحزاب بؤتم بقتل السبط واستحللتم * دمه بكل منافق كذاب فكما تدينوا قد تدانوا مثله * في يوم مجمع محشر وحساب فكم يومئذ من كبد مقروحة، ودموع مسفوحة، ولاطمة خدها، ومستندبة جدها، وناشرة شعرها، وهاتكة سترها، وقد ذل الايمان، وقل الاعوان، وعطلت المراتع بفراقهم، وهصرت الاغصان بانتشار اوراقهم، واظلم الاسلام بعد اشراقه، وأمر الدين بعد حلو مذاقه، فلو كان للنبى وابنته عين تنظر الى الشهيد من عترته، والاطائب من اسرته، وجثثهم عن الثياب عارية، وجوارح الطير إليها هاوية، وافواه الوحوش لوجوههم هاشمة، وثغور الاعداء لما حل بهم باسمة، والاجساد الطاهرة مرملة بالتراب، مجردة عن الاسلاب، فلا قرح ذلك قلبه، واذاب بانهمال الدموع غرته، ونح ايها المحب لال الرسول، نوح الفاقدة الثكول، وابك بالدموع السجام، على ائمة الاسلام، لعلك تواسيهم بالمصاب، باظهار الجزع والاكتئاب، والاعلان بالحنين والانتحاب، فواخيبة من جهل فضلهم، وقد ذكر جل جلاله في كتابه العزيز نبلهم، لانهم الادلة على النجاة في المعاد، الهداة الى طرق الرشاد، ولقد احسن الشاعر بقوله اضلوا في مفارز طمسوا الاعلام (منها) بفاحش التمويه واراقوا دم الادلة فالقوم الى الحشر في ضلال وتيه

[ 5 ]

وقد قلت في ابياتى هذه ما ينبه الغافل على شرفهم وفي الجنة على علو غرفهم ان كنت في آل الرسول مشككا * فاقرا هديت النص بالقرآن فهو الدليل على علو محلهم * وعظيم علمهم وعظم الشان وهم الودائع للرسول محمد * بوصية نزلت من الرحمن فاسعدوني بالنياحة والعويل، واندبوا لمن اهتز لفقده عرش الجليل، واسكبوا العبرات على الغريب القتيل. فليتني اذود عنهم خطوب الحمام. وادر مواقع تلك الالام. وارفع بنفسى عن نفوسهم. واكون فداء شيخهم ورئيسهم. حتى اقضي حق جدهم المرسل. واحول بينهم وبين القدر المنزل. فقد رويت عن والدى رحمة الله عليه ان الصادق (ع) قال من ذكرنا عنده في مجلس فقد غيبنا بشطر كلمة أو فاضت عيناه رحمة لنا ورقة لمصابنا مثل جناح بعوضة غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر وكان زين العابدين (ع) يقول ايما مؤمن ذرفت عيناه لقتل الحسين (ع) حتى تسيل على خده بوأه الله بها في الجنة غرفا يسكنها احقابا وايما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين (ع) وحزنا على ما مسنا من الاذى من عدونا بوأه منزل صدق وايما مؤمن مسه فينا اذى صرف الله عن وجهه الاذى وآمنه يوم القيامة من سخط النار ورويت عن الائمة الصادقين (ع) قالوا من بكى أو ابكى غيره ولو واحدا ضمنا له على الله الجنة ومن لم يتات له البكاء فتباكى فله الجنة

[ 6 ]

وقال جعفر بن محمد بن نماء مصنف هذا الكتاب ان الذي بعثني على عمل هذا المقتل انى رايت المقاتل قد احتوى بعضها على الاكثار والتطويل. وبعضها على الاختصار والتقليل. فهى بين طويل مسهب. وقصير قاصر عن الفوايد غير معرب. والنكت فيها قليلة. ومرابعها من الطرف والغرائب محيلة. فوضعت هذا المقتل متوسطا بين المقاتل. قريبا من يد المتناول. لا يقصى لملالة وهذر. ولا يجفى لنزارة وقصر. ترتاح القلوب الى عذوبة الفاظه. ويوقظ الراقد من نومة وإغماظه. وتسرح النواظر في رياضه وينبه الغافل. عن هذا المصاب والذاهل عن الجزع والاكتئاب واودعته ما أهمله كثير من المصنفين. واغفلته خواطر المؤلفين وسميته " مثير الاحزان " أو " منير سبل الاشجان " ورتبته على ثلاث مقاصد فإن كنتم أيها السامعون قد فاتكم شرف تلك النصرة. وحرمتم مصادمة خيول تلك الكسرة. فلم تفتكم ارسال العبرة. على السادة من العترة. ولبس شعار الاحزان على الاسرة. والرغبة الى الله جل جلاله في المكافاة يوم الحساب. وتوفير قسطنا من الثواب. انه الكريم الوهاب.

[ 7 ]

المقصد الاول (على سبيل التفصيل للاحوال السابقة لقتال) (آل الرسول عليهم السلام) كان مولد الحسين عليه السلام لخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة وقيل الثالث منه وقيل أواخر شهر ربيع الاول سنة ثلاث وقيل لثلاثة أو لخمس خلون من جمادي الاولى سنة أربع من الهجرة وكانت مدة حمله ستة أشهر ولم يولد لستة سواه وعيسى وقيل يحيى بن زكريا عليهم السلام ولما ولد هبط جبرئيل عليه السلام ومعه ألف ملك يهنؤنه النبي صلى الله عليه وآله بولادته وجاءت به فاطمة عليها السلام الى النبي فسر وسماه حسينا وقد روي عن زوجة العباس بن عبد المطلب وهي ام الفضل لبابة بنت الحارث قالت رايت في النوم قبل مولده كان قطعة من لحم رسول الله صلى الله عليه وآله قطعت ووضعت في حجري فقصصت الرؤيا على رسول الله (ص) فقال ان صدقت رؤياك فإن فاطمة ستلد غلاما وادفعه اليك لترضعيه فجرى الامر على ذلك فجئت به يوما فوضعته في حجره فبال فقطرت منه قطرة على ثوبه صلى الله عليه وآله فقرصته فبكى فقال كالمغضب مهلا يا أم الفضل فهذا ثوبي يغسل وقد اوجعت ابني

[ 8 ]

فتركته ومضيت لاتيه بماء فجئت فوجدته صلى الله عليه وآله يبكى فقلت مم بكاؤك يا رسول الله فقال ان جبرئيل أتاني فاخبرني ان امتي تقتل ولدى هذا وحدث ابن أبي ليلى عن اخيه عن عيسى بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله فجاء الحسين يحبو حتى صعد على صدره فبال فابتدرنا لنأخذه فقال (ص) ابني ابني ثم دعا بماء فصبه عليه قال اصحاب الحديث فلما اتت على الحسين سنة كاملة هبط على النبي (ص) اثنا عشر ملكا على صور مختلفة احدهم على صورة بني آدم يعزونة ويقولون انه سينزل بولدك الحسين بن فاطمة ما نزل بهابيل من قابيل وسيعطى مثل أجر هابيل ويحمل على قاتله مثل وزر قابيل ولم يبق ملك إلا نزل الى النبي (ص) يعزونه والنبي (ص) يقول اللهم اخذل خاذليه واقتل قاتليه ولا تمتعه بما طلبه وعن اشعث بن عثمان عن أبيه عن انس بن أبي سميم قال سمعت رسول (ص) يقول ان ابني هذا يقتل بارض العراق فمن ادركه منكم فلينصره فحضر انس مع الحسين كربلاء وقتل معه ورويت عن عبد الصمد بن أحمد بن أبي الجيش عن شيخه أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزى عن رجاله عن عائشة قالت دخل الحسين على النبي (ص) وهو غلام يدرج فقال أي عائشة الا اعجبك لقد دخل علي ألفا ملك ما دخل علي قط فقال أن ابنك هذا مقتول وان شئت اريتك من تربته التي يقتل بها فتناول ترابا احمر فاخذته ام سلمه فخزنته في قارورة فاخرجته يوم قتله وهو دم وروى مثل هذا عن زينب بنت جحش وعن عبد الله

[ 9 ]

ابن يحيى قال دخلنا مع علي (ع) الى صفين فلما حاذى نينوا نادى صبرا أبا عبد الله فقال دخلت على رسول الله (ص) وعيناه تفيضان فقلت بابى انت وامى يا رسول الله ما لعينيك تفيضان اغضبك احد قال لا بل كان عندي جبرئيل فاخبرني ان الحسين يقتل بشاطئ الفرات فقال هل لك ان اشم من تربته قلت نعم فمد يده فاخذ قبضة من تراب واعطانيها فلم املك عيني ان فاضت واسم الأرض كربلاء فلما اتت عليه سنتان خرج النبي صلى الله عليه وآله مع سفر الى سفر فوقف في بعض الطريق واسترجع ودمعت عيناه فسئل عن ذلك فقال هذا جبرئيل يخبرني عن ارض بشط الفرات يقال لها كربلاء يقتل فيها ولدي الحسين فقيل ومن يقتله قال رجل يقال له يزيد وكانى انظر إلى مصرعه ومدفنه فرجع عن سفره حزينا وصعد وخطب ووعظ والحسن والحسين بين يديه فلما فرغ وضع يده اليمنى على رأس الحسن واليسرى على راس الحسين ورفع رأسه الى السماء وقال اللهم ان محمدا عبدك ورسولك ونبيك وهذان أطائب عترتي وخيار ذريتي وأرومتي ومن اخلفهما في أمتي وقد اخبرني جبرئيل ان ولدى هذا مقتول مخذول اللهم فبارك له في قتله واجعله من سادات الشهداء اللهم ولا تبارك في قاتله وخاذله فضج الناس بالبكاء في المسجد فقال النبي صلى الله عليه وآله اتبكون ولا تنصرونه ثم رجع وهو متغير اللون محمر الوجه فخطب خطبة ثانية موجزة وعيناه تهملان دموعا ثم قال أيها الناس انى خلفت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي لن يفترقا حتى يردا علي

[ 10 ]

الحوض وانى انتظرهما ولا أسالكم في ذلك إلا ما أمرنى ربى ان اسئلكم المودة في القربى فانظروا الا تلقوني غدا على الحوض وقد ابغضتم عترتي وظلمتموهم والله سترد على يوم القيامة ثلاث رايات من هذه الامة راية سوداء مظلمة قد فزعت لها الملائكة فتقف علي فاقول من انتم فينسون ذكرى ويقولون نحن أهل التوحيد من العرب فاقول انا أحمد نبى العرب والعجم فيقولون نحن من امتك يا أحمد فاقول كيف خلفتموني من بعدي في اهلي وعترتي وكتاب ربى فيقولون أما الكتاب فضيعناه وأما عترتك فحرصنا ان نبيدهم عن جديد الأرض فاولى عنهم فيصدرون ظماء عطاشا مسودة وجوههم ثم ترد علي راية أخرى أشد سوادا من الاولى فاقول لهم كيف خلفتموني في الثقلين الاكبر والاصغر كتاب ربى وعترتي فيقولون أما الاكبر فخالفنا وأما الاصغر فخذلنا ومزقناهم كل ممزق فاقول اليكم عنى فيصدرون ظماء عطاشا مسودة وجوههم ثم ترد علي راية اخرى تلمع نورا فاقول لهم من انتم فيقولون نحن أهل كلمة التوحيد والتقوى ونحن بقيه الحق حملنا كتاب الله فاحللنا حلاله وحرمنا حرامه واحببنا ذرية محمد (ص) فنصرناهم من كل ما نصرنا منه انفسنا وقاتلنا معهم من ناواهم فاقول لهم ابشروا فانا نبيكم فلقد كنتم في دار الدنيا كما وصفتم ثم اسقيهم من حوضى فيصدرون مرويين وروى عن سفيان الثوري عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس قال كنت عند النبي (ص) وعلى فخذه الايمن الحسين وعلى

[ 11 ]

فخذه الايسر ولده إبراهيم بن مارية بنت شمعون القبطية تارة يقبل هذا وتارة يقبل هذا إذ هبط إليه جبرئيل بوحى من رب العالمين فلما سرى عنه روعة الوحى قال أتانى جبرئيل (ع) من ربي فقال يا محمد ان الله يقرء عليك السلام ويقول لست اجمعهما لك قال فافدى احدهما بصاحبه فنظر النبي الى إبراهيم فبكى ونظر الى الحسين فبكى ثم قال ان إبراهيم امه امة ومتى مات لم يحزن عليه غيرى وام الحسين فاطمة وابوه علي ابن عمي ولحمي ودمي ومتى مات حزنت عليه ابنتى وحزن ابن عمى وحزنت انا عليه وانا اؤثر حزني على حزنهما فقلت يا جبرئيل يقبض ابراهيم فقد فديته للحسين به فقبض بعد ثلاث فكان صلى الله عليه وآله إذا راى الحسين مقبلا قبله وضمه الى صدره ورشف ثناياه وقال فديت من فديته بابنى ابراهيم ونقلت من اخبار تاريخ البلاذري حدث محمد بن يزيد المبرد النحوي في اسناد ذكره قال انصرف النبي (ص) الى منزل فاطمة فرآها قائمة خلف بابها فقال ما بال حبيبتي هاهنا فقالت ابناك خرجا غدوة وقد غبى علي خبرهما فمضى رسول الله (ص) يقفو آثارهما حتى صار الى كهف جبل فوجدهما نائمين وحية مطوقة رأسهما فاخذ حجرا واهوى إليها فقالت السلام عليك يا رسول الله والله ما نمت عند رأسهما إلا حراسة لهما فدعا لها بخير ثم حمل الحسن على كتفه اليمنى والحسين على كتفه اليسرى فنزل جبرئيل فاخذ وحمله فكانا بعد ذلك يفتخران فيقول

[ 12 ]

الحسن حملني خير اهل الأرض ويقول الحسين حملني خير أهل السماء وفي ذلك قال حسان بن ثابت: فجاء وقد ركبا عاتقيه * فنعم المطية والراكبان وروي عن عبد الله بن عباس رضى الله عنه انه قال لما اشتد برسول الله صلى الله عليه وآله مرضه الذي مات فيه وقد ضم الحسين (ع) الى صدره يسيل من عرقه عليه وهو يجود بنفسه ويقول مالي وليزيد لا بارك الله فيه اللهم العن يزيد ثم غشى عليه طويلا وافاق وجعل يقبل الحسين وعيناه تذرفان ويقول أما ان لي ولقاتلك مقاما بين يدى الله عز وجل ورويت الى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كنت عند رسول الله صلى الله عليه وآله جالسا إذ اقبل الحسن فلما رآه بكى وقال الى الي فاجلسه على فخذه اليمنى ثم اقبل الحسين فلما رآه بكى وقال مثل ذلك فاجلسه على فخذه اليسرى ثم أقبلت فاطمه فرآها فبكى وقال مثل ذلك فاجلسها بين يديه ثم اقبل علي فرآه فبكى وقال مثل ذلك واجلسه الى جانبه الايمن فقال له اصحابه يا رسول الله ما ترى واحدا من هؤلاء إلا بكيت أو ما فيهم من تسر برؤيته فقال والذي بعثنى بالنبوة واصطفانى على جميع البرية ما على وجه الأرض نسمة احب الي منهم وإنما بكيت لما يحل بهم من بعدي وذكرت ما يصنع بهذا ولدى الحسين كانى به وقد استجار بحرمى وقبري فلا يجار ويرتحل الى ارض مقتله ومصرعه ارض كرب وبلاء تنصره عصابة من المسلمين اولئك سادة شهداء امتي يوم القيامة فكانى انظر إليه وقد رمى بسهم فخر عن فرسه صريعا ثم يذبح كما يذبح الكبش

[ 13 ]

مظلوما ثم انتحب وبكى وابكى من حوله وارتفعت اصواتهم بالضجيج ثم قام وهو ويقول اللهم انى اشكو اليك ما يلقى أهل بيتى بعدي ورويت ان الحسين دخل (على) اخيه الحسن سلام الله عليهما فلما نظر إليه بكى فقال ما يبكيك يا ابا عبد الله فقال ابكي لما يصنع بك فقال له الحسن ان الذي يؤتي الى سم فاقتل به ولكن لا يوم كيومك يزدلف اليك ثلاثون الف رجل يدعون انهم من امة جدنا فيجتمعون على قتلك وسفك دمك وانتهاك حرمك وسبى ذراريك ونسائك وانتهاك ثقلك فعندها تحل ببنى امية اللعنة وتمطر السماء دما ويبكي عليك كل شئ حتى الوحوش في الفلوات والحيتان في البحار وكان الناس يتذاكرون مقتل الحسين (ع) ويستعظمونه ويرتقبونه فلما مات معاوية بن أبي سفيان (لع) في النصف من رجب سنة ستين من الهجرة واستخلف ولده يزيد (لع) فبايع الناس على بيعة عامله بالمدينة وهو الوليد بن عتبة بن أبي سفيان واتاه بموته مولى معاوية يقال له ابن أبي زريق وكتب يزيد الى الوليد يأمره باخذ البيعة على اهلها وخاصة على الحسين ويقول ان امتنع عليك فاضرب عنقه وابعث برأسه الي فاحضره لمروان بن الحكم واخذ رأيه فاشار باحضار الحسين وعبد الله ابن الزبير وعبد الله بن مطيع وعبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر واخذ بيعتهم فان اجابوا وإلا فاضرب اعناقهم فقال الوليد ليتنى لم اك شيئا مذكورا لقد امرتني بامر عظيم وما كنت لافعل ثم بعث الوليد إليهم فلما حضر رسوله قال الحسين للجماعة اظن ان طاغيتهم هلك رايت البارحة

[ 14 ]

أن منبر معاوية منكوس وداره تشتعل بالنيران فدعاهم الى الوليد فحضروا فنعى إليهم معاوية وامرهم بالبيعة فبدرهم بالكلام عبد الله بن الزبير فخافه ان يجيبوا بما لا يريد فقال انك وليتنا فوصلت ارحامنا واحسنت السيرة فينا وقد علمت ان معاوية اراد منا البيعة ليزيد فابينا ولسنا (نأمن) أن يكون في قلبه علينا ومتى بلغه انا لم نبايع إلا في ظلمة ليل وتغلق علينا بابا لم ينتفع هو بذلك ولكن تصبح وتدعو الناس وتأمرهم ببيعة يزيد ونكون أول من يبايع قال وانا انظر الى مروان وقد اسر الى الوليد ان اضرب رقابهم ثم قال جهرا لا تقبل عذرهم واضرب رقابهم فغضب الحسين وقال ويلي عليك يابن الزرقاء أنت تامر بضرب عنقي كذبت ولؤمت نحن أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ويزيد فاسق شارب الخمر وقاتل النفس ومثلي لا يبايع لمثله ولكن نصبح وتصبحون وننظر وتنظرون اينا احق بالخلافة والبيعة فقال الوليد انصرف يا أبا عبد الله مصاحبا على اسم الله وعونه حتى تغدو علي فلما ولوا قال مروان بن الحكم والله لئن فارقك القوم لاقدرت عليهم حتى تكثروا القتلى فخرجوا من عنده وركبوا ولحقوا بمكة وتخلف الحسين فلما اصبح الوليد استدعى مروان واخبره فقال امرتك فعصيتني وستري ما يصير امرهم إليه فقال ويحك انك اشرت الي بذهاب ديني ودنياى والله ما احب ان ملك الدنيا لي وانى قتلت حسينا والله ما اظن ان احدا يلقى الله بدمه إلا هو خفيف الميزان فلما اصبح الحسين لقيه مروان فقال اطعني ترشد قال قل قال بايع أمير المؤمنين يزيد فهو

[ 15 ]

خير لك في الدارين فقال الحسين وعلى الاسلام السلام إذ قد بليت الامة براع مثل يزيد ولقد سمعت جدي يقول الخلافة محرمة على آل أبي سفيان وكان توجه الحسين الى مكة لثلاث مضين من شعبان سنة ستين من الهجرة ورويت لما بلغ أهل الكوفة موت معاوية وان الحسين (ع) بمكة اجتمعت الشيعة في دار سليمان بن صرد الخزاعى فقال لهم ان معاوية هلك وان الحسين قد تعيص على القوم ببيعته وخرج الى مكة هاربا من من طواغيت آل أبي سفيان وانتم شيعته وشيعة أبيه فإن كنتم تعلمون انكم ناصروه ومجاهدوا عدوه فاكتبوا إليه وان خفتم الوهن والفشل فلا تغروا الرجل بنفسه قالوا بل نقاتل عدوه ونقتل انفسنا دونه ورويت الى يونس بن أبي اسحاق قال خرج وفد إليه من الكوفة وعليهم أبو عبد الله الجدلي ومعهم كتب شبث بن ربعى وسليمان بن صرد والمسيب بن نجية ورفاعة بن شداد وحبيب بن مظاهر وعبد الله وال وقيس بن مسهر الاسدي أحد بني الصيداء وعمارة بن عتبة السلولى وهانى بن هاني السبيعى وسعيد بن عبد الله الحنفي ووجوه الكوفة يدعونه الى بيعته وخلع يزيد وقالوا انا تركنا الناس قبلنا وانفسهم منطلقة اليك وقد رجونا ان يجمعنا الله بك على الهدى فانتم اولى بالامر من يزيد الذي غصب الامة فيئها وقتل خيارها واتخذ مال الله دولا في شرارها وهذه كتب اماثلهم واشرافهم والنعمان بن بشير في قصر الامارة ولسنا نجتمع معه في جمعة ولا جماعة ولا عيد ولو بلغنا اقبالك اخرجناه حتى يلحق بالشام

[ 16 ]

وتواترت الكتب حتى تكملت عنده اثنى عشر الف كتاب وهو مع كل ذلك لا يجيبهم ثم قدم بعد ذلك هاني بن هاني السبيعى وسعيد بن عبد الله الحنفي بكتاب هو آخر الكتب بسم الله الرحمن الرحيم للحسين بن أمير المؤمنين من شيعته وشيعة أبيه أمير المؤمنين أما بعد فإن الناس ينتظرونك لا رأى لهم غيرك فالعجل العجل فقد اخضرت الجنات واينعت الثمار واعشبت الأرض واورقت الاشجار فاقدم إذا شئت فانما تقدم على جند مجند لك والسلام عليك ورحمة الله وبركاته فقال لهما من اتفق على هذا الكتاب فقالا اعيان أهل الكوفة منهم شبث بن ربعى ويزيد بن الحرث وحجار بن ابحر وعروة بن قيس ويزيد بن رويم ومحمد بن عمير بن عطارد وعمر بن الحجاج فقام (ع) وصلى ودعا مسلم بن عقيل وعرفه ما في نفسه واطلعه على امره ورويت الى حصين بن عبد الرحمن ان اهل الكوفة كتبوا إليه انا معك مائه الف وعن داود بن أبي هند عن الشعبى قال بايع الحسين عليه السلام اربعون الفا من أهل الكوفة على ان يحاربوا من حارب ويسالموا من سالم فعند ذلك ورد جواب كتبهم يمنيهم بالقبول ويعدهم بسرعة الوصول وانه قد جاء ابن عمي مسلم بن عقيل ليعرفني ما انتم عليه من راى جميل ولعمري ما الامام إلا العامل بالكتاب القائم بالقسط الداين بدين الحق الحابس نفسه في ذات الله وامر مسلم بالتوجه بالكتاب الى الكوفة وكتب (ع)

[ 17 ]

كتابا الى وجوه أهل البصره منهم الاحنف بن قيس وقيس بن الهيثم والمنذر بن الجارود ويزيد بن مسعود النهشلي وبعث الكتاب مع ذراع السدوسى وقيل مع سليمان المكنى بابى رزين فيه اني ادعوكم الى الله والى نبيه فإن السنة قد أميتت فإن تجيبوا دعوتي وتطيعوا امري اهدكم سبيل الرشاد فلما وصل الكتاب كتموا على الرسول إلا المنذر بن الجارود فانه اتى عبيد الله بالكتاب ورسول الحسين لانه خاف ان يكون الكتاب قد دسه عبيد الله إليهم ليختبر حالهم مع الحسين لان بحرية بنت المنذر زوجة عبيد الله فلما قرء الكتاب ضرب عنق الرسول وأما الاحنف فانه كتب الى الحسين عليه السلام أما بعد فاصبر ان وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون وأما يزيد بن مسعود النهشلي فانه احضر بني تميم وبني حنظلة وبني سعد وقال يا بني تميم كيف ترون موضعي منكم وحسبي فيكم فقالوا أنت فقرة الظهر وراس الفخر حللت في الشرف وسطا وتقدمت فرطا قال قد جمعتكم لامر اشاوركم فيه واستعين بكم عليه قالوا نمحضك النصيحة ونجهد لك الراى قال ان معاوية هلك فاهون به هالكا ومفقودا انكسرت باب الجور وكان قد عقد لابنه بيعة ظن انه احكمها وقد قام يزيد شارب الخمور وراس الفجور وانا اقسم بالله قسما مبرورا لجهاده على الدين افضل من جهاد المشركين وهذا الحسين بن علي ابن رسول الله صلى الله عليه وآله ذو الشرف الاصيل والعلم والسابقة والسن والقرابة يعطف على الصغير ويحنو على الكبير فاكرم به راعي رعيته وامام قوم وجبت لله به المحجة وبلغت

[ 18 ]

به الموعظة فلا تعشوا عن نور الحق ولا تسكعوا في وهد الباطل فقد كان صخر ابن قيس انخذل بكم يوم الجمل فاغسلوها مع ابن رسول الله ونصرته ولا يقصر أحد عنها إلا ورثه الله الذل في ولده والقلة في عشيرته وها اناذا قد لبست للحرب لامتها وادرعت بدرعها من لم يقتل يمت ومن يهرب لم يفت فاحسنوا رحمكم الله رد الجواب فتكلم بنو حنظلة فقالوا يا أبا خالد نحن نبل كنانتك وفرسان عشيرتك ان رميت بنا اصبت وان غزوت بنا فتحت لا تخوض والله غمرة إلا خضناها ولا تلقى والله شدة إلا لقيناها ننصرك باسيافنا ونقيك بابداننا إذا شئت فقم وتكلمت بنو سعد بن يزيد فقالوا يا أبا خالد ان ابغض الاشياء الينا خلافك والخروج من رايك وقد كان صخر بن قيس امرنا بترك القتال فحمدنا رأيه وبقى عزنا فينا فامهلنا نراجع الراى ونحسن المشورة وياتيك خبرنا واجتماع رأينا وتكلمت بنو عامر بن تميم فقالوا أبا خالد نحن بنو ابيك وحلفاؤك لا نرضى ان غضبت ولا نغضب ان رضيت ولا نقطن ان ظعنت ولا نظعن ان قطنت والامر اليك والمعول عليك فادعنا نجبك وامرنا نطعك والامر لك إذا شئت فقال والله يا بني سعد لئن فعلتموها لا رفع عنكم السيف ابدا ولا زال سيفكم فيكم ثم كتب الى الحسين عليه السلام بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فقد وصل الينا كتابك وفهمت ما ندبتنى إليه ودعوتني له من طاعتك وبنصيبى من نصرتك وان الله لم يخل الأرض قط من عامل عليها بخير أو دليل سبيل نجاة وانتم حجة الله على خلقه ووديعته في ارضه تفرعتم من ديونية احمدية هو اصلها

[ 19 ]

وانتم فرعها فاقدم سعدت باسعد طائر فقد ذللت لك اعناق بني تميم وتركتهم اشد تهافتا في طاعتك من الابل الظماء لورود الماء يوم خامسها وقد ذللت لك بنو سعد وغسلت درن صدورها بماء سحابة مزن حتى استهلت برقها فلمع فلما قرء الحسين (ع) الكتاب قال ما لك آمنك الله يوم الخوف واعزك وارواك يوم العطش الاكبر فلما تجهز المشار إليه للخروج الى الحسين صلوات الله وسلامه عليه بلغه قتله قبل ان يسير فجزع لذلك جزعا عظيما لما فاته من نصرته واما المنذر بن الجارود فانه لما جائه كتاب الحسين (ع) حملها الى عبيد الله بن زياد لأن المنذر خاف ان يكون الكتاب دسيسا من عبيد الله بن زياد وكانت بحرية بنت المنذر بن الجارود زوجه بعبيد الله بن زياد فاخذ عبيد الله بن زياد الرسول فصلبه ثم صعد المنبر فخطب وتوعد الناس على الخلاف واثارة (أهل البصره) الارجاف ثم بات تلك الليلة فلما اصبح استناب عليهم عثمان بن زياد أخاه وأسرع هو الى قصد الكوفة فلما اشرف عليها نزل حتى امسى لئلا تظن اهلها انه الحسين ودخلها مما يلى النجف فقالت امرأه لله اكبر ابن رسول الله ورب الكعبه فتصايح الناس قالوا انا معك اكثر من اربعين الفا وازدحموا عليه حتى اخذوا بذنب دابته وظنهم انه الحسين فحسر اللثام وقال انا عبيد الله فتساقط القوم ووطئ بعضهم بعضا ودخل دار الامارة وعليه عمامة سوداء فلما اصبح قام خاطبا وعليهم عاتبا ولرؤسائهم مؤنبا ولاهل الشقاق معاتبا ووعدهم بالاحسان على لزوم طاعته وبالاساءة على

[ 20 ]

معصيته والخروج عن حوزته ثم قال يا أهل الكوفة ان امير المؤمنين يزيد ولانى بلدكم واستعملني مصركم وامرني بقسمة فيئكم بينكم وانصاف مظلومكم من ظالمكم واخذ الحق لضعيفكم من قويكم والاحسان الى السامع المطيع والتشديد على المريب فابلغوا هذا الرجل الهاشمي مقالتي ليتقى غضبى ونزل يعنى بالهاشمي مسلم بن عقيل وافترق الناس ولما بلغ مسلم بن عقيل قوله خرج من الموضع الذي كان فيه ونزل دار هاني بن عروة واختلف إليه الشيعة والح عبيد الله في طلبه ولا يعلم اين هو وكان شريك بن الاعور الهمداني قدم من البصرة مع عبيد الله بن زياد ونزل دار هاني بن عروة وكان شريك من محبى أمير المؤمنين عليه السلام وشيعته عظيم المنزلة جليل القدر فمرض وسئل عبيد الله عنه فاخبر انه موعوك فارسل ابن زياد إليه انى رايح اليك في هذه الليلة لعيادتك فقال شريك لمسلم ابن عقيل يابن عم رسول الله ان ابن زياد يريد عيادتي فادخل بعض الخزائن فإذا جلس فاخرج واضرب عنقه وانا اكفيك أمر من بالكوفة مع العافية وكان مسلم رحمه الله شجاعا مقداما جسورا ففعل ما اشار به شريك فجاء عبيد الله وسئل شريكا عن حاله وسبب مرضه وشريك عينه الى الخزانة وامقة وطال ذلك فجعل يقول (ما الانتظار بسلمى لا تحييها) يكرر ذلك فانكر عبيد الله القول والتفت الى هاني بن عروة وقال ابن عمك يخلط في علته وهانى قد ارتعد وتغير وجهه فقال هاني ان شريكا يهجر منذ وقع في المرض ويتكلم بما لا يعلم فثار عبيد الله خارجا نحو قصر الامارة

[ 21 ]

مذعورا فخرج مسلم والسيف في كفه وقال شريك يا هذا ما منعك من الامر قال مسلم لما هممت بالخروج تعلقت بى امرأة قالت ناشدتك الله ان قتلت ابن زياد في دارنا وبكت في وجهى فرميت السيف وجلست قال هاني يا ويلها قتلتنى وقتلت نفسها والذي فرت منه وقعت فيه ثم ان عبيد الله بن زياد حيث خفى عليه حديث مسلم دعا مولى يقال له معقل فاعطاه اربعة آلاف درهم كما في كتاب اعلام الورى باعلام الهدى وامره بحسن التوصل الى من يتولى البيعة وقال اعلمه انك من أهل حمص جئت لهذا الامر فلم يزل يتلطف حتى وصل الى مسلم بن عوسجة الاسدي فادخله الى مسلم فبايعه وكتب مسلم بن عقيل الى الحسين عليه السلام كتابا أما بعد فإن الرائد لا يكذب اهله وان جميع أهل الكوفة معك وقد بايعني منهم ثمانية عشر الفا فعجل الاقبال حين تقرا كتابي والسلام عليك ورحمة الله وبركاته وحمله مع عابس بن أبي شبث الشاكرى وقيس بن مسهر الصيداوي وأما عبيد الله فانه لما علم باحوال مسلم دعا محمد بن الاشعث واسماء بن خارجة وعمرو بن الحجاج الزبيدي وقال ما يمنع هاني بن عروة من اتياننا فقالوا ما ندري وقيل انه يشتكى فقال قد بلغني انه برأ يجلس على باب داره ولو اعلم انه شاك لعدته فالقوه ومروه الا يدع ما يجب عليه من حقنا فلقوه وهو على باب داره فقالوا ما يمنعك من لقاء الامير فقد ذكرك وقال لو اعلم انه شاك لعدته فقال الشكوى تمنعني قالوا بلغه انك تجلس على باب دارك كل عشية وقد استبطاك ونحن نقسم عليك

[ 22 ]

إلا ما ركبت معنا فدعا بثيابه فلبسها وببغلته فركبها فلما دنا من القصر قال لحسان بن اسماء بن خارجه يا بن اخى اني والله لخائف من هذا الرجل ولم يك حسان يعلم في أي شئ بعث إليه فقال ولم تجعل على نفسك سبيلا فدخل هاني وهم معه على عبيد الله فلما رآه مقبلا قال اتتك بخائن تسعى رجلاه ثم انشد بيت عمرو بن معدى كرب الزبيدي اريد حباءه ويريد قتلى * عذيرك من خليلك من مراد فقال هاني وما ذاك ايها الامير فقال ايه يا هاني ما هذه الامور التي تربص في دورك لامير المؤمنين وعامة المسلمين جئت بمسلم عقيل وادخلته دارك وجمعت له السلاح والرجال وظننت ان ذلك يخفى علي فقال ما فعلت فقال علي بمعقل مولاى وكان عينا على الاخبار وقد احاط بكثير من الاسرار فلما حضر عرف هاني انه كان عينا قال اصلح الله الامير اسمع منى وصدق مقالتي والله ما دعوت لمسلم ولكن جاءني مستجيرا فاستحييت من رده وضيفته والان لما علمت خل سبيلي حتى آمره بالخروج من دارى الى حيث شاء لاخرج من ذمامه قال ابن زياد والله لا تفارقني حتى تأتيني به فقال والله لو انه تحت قدمى ما رفعتها عنه ولا اجيئك به فلما طال بينهما الكلام وكثر الخصام قام مسلم بن عمرو الباهلي ناحية فقال يا هاني انى انشدك الله ان لا تقتل نفسك وتدخل البلاء على اهلك وعشيرتك وانى لانفس بك من القتل فليس مجزاة ولا منقصة بدفعه إليهم فقال والله وان علي في ذلك العار ان ادفع ضيفي ورسول ابن رسول الله وانا صحيح

[ 23 ]

الساعدين كثير الاعوان فاخذ يناشده وهو يقول لا ادفعه ابدا فقال ابن زياد ادنوه منى فادنى فقال لتاتني به أو لاضربن عنقك فقال هاني اذن تكثر البارقة حول دارك وهو يظن ان عشيرته سيمنعونه فاعترض وجهه بالقضيب فكسر انفه وخده وجبينه واسال الدماء على لحيته وثيابه فضرب هاني يده على قائم سيف شرطى فجاذبه الرجل فصاح فصرخ عبيد الله خذوه فجروه حتى القوة في بيت من بيوت الدار واغلقوا بابه عليه وجعلوا الحرس عليه فقام اسماء بن خارجة قال ارسل غدر ساير القوم امرتنا ان نجيئك به حتى إذا جاءك هشمت وجهه وسيلت الدماء على لحيته فغضب ابن زياد وقال انت ها هنا فامر به فضرب حتى ترك وقيد فقال انا لله وانا إليه راجعون الى نفسي انعاك يا هاني وبلغ عمرو بن الحجاج حديث هاني انه قتل لأن رويحة بنت عمرو زوجة هاني بن عروة اقبل ومعه جماعة من مذحج فلما علم عبيد الله اخرج شريحا القاضى بعد ان شاهده لهانى حيا فاخبرهم فرضوا وانصرفوا ولما بلغ مسلم بن عقيل خبره خرج بجماعة ممن بايعه الى حرب عبيد الله بعد ان راى اكثر من بايعه من الاشراف نقضوا البيعه وهم مع عبيد الله فتحصن بدار الامارة واقتتلوا قتالا شديدا الى ان جاء الليل فتفرقوا عنه وبقى معه اناس قليل فدخل المسجد يصلي وطلع متوجها نحو باب كندة فإذا هو وحده لا يدري اين يذهب حتى وصل الى دور بني جبلة فتوقف على باب امراة اسمها طوعة وهي تنتظر ولدها واسمه بلال فاستسقاها فسقته واشعرها بامره فادخلته وكان بلال مولى

[ 24 ]

لاشعث بن قيس فلما حضر في الليل ارتاب الى كثرة اختلافها الى البيت الذي فيه مسلم فاخبره مولاه ووصل الخبر الى عبيد الله فاخبر محمد بن الاشعث وقيل عبد الله بن عباس السلمي في سبعين رجلا من قيس حتى اتوا دار طوعة فسمع مسلم وقع حوافر الخيل علم انه قد اتى فلبس لامته وركب فرسه وضربهم بسيفه حتى اخرجهم الدار ثم عادوا فشدوا عليه فقتل منهم جماعة ثم اشرفوا عليه فوق البيت ورموه بالحجارة فقال له محمد بن الاشعث لك الامان لا تقتل نفسك وهو يقاتلهم ويرتجز بابيات حمران بن مالك الخثعمي يوم القرن اقسمت لا اقتل إلا حرا * وان رايت الموت شيئا نكرا اكره ان اخدع أو اغرا * أو اخلط البارد سخنا مرا رد شعاع الشمس فاستقرا * كل امرئ يوما يلاقى شرا اضربكم ولا اخاف ضرا فقال له محمد بن الاشعث انك لا تكذب ولا تغر وكان قد اثخن بالجراح وكل عن القتال فاعاد محمد بن الاشعث القول فقال افا امن نعم فانتزعوا سيفه فاتى ببغلة فركبها فكأنه عند ذلك يئس من نفسه فدمعت عيناه فقال له عبيد الله بن العباس ان من يطلب مثل ما تطلب لا يجزع فقال والله ما لنفسي اجزع وان كنت لا احب لها ضرا طرفة عين ولكن جزعى للحسين وأهل بيته المغترين بكتابي وقال هذا اوان الغدر فاقبلوا به اسيرا حتى دخل على عبيد الله فلم يسلم عليه فقال له بعض الحرس سلم

[ 25 ]

على الامير فقال ان كان يريد قتلى فما سلامي عليه وان كان لا يريد قتلي ليكثرن سلامى عليه وقيل انه قال اسكت ويحك ما هو لي بامير فقال عبيد الله لا عليك سلمت ام لم تسلم فانك مقتول قال ان تقتلتنى فلقد قتل من هو شر منك من هو خير مني فانك لا تدع سوء القتلة وقبح المثلة لا أحد اولى بها منك فقال ابن زياد يا عاق يا شاق خرجت على امامك وشققت عصا المسلمين والقحت الفتنة فقال مسلم كذبت يا بن زياد إنما شق عصا المسلمين أنت وابوك زياد عبد بني علاج من ثقيف وانا ارجو ان يرزقنى الله الشهادة على ايدى شر البرية فقال ابن زياد منتك نفسك أمر احال الله دونه وجعله لاهله فقال مسلم ومن اهله يا بن مرجانه قال يزيد بن معاوية فقال مسلم الحمد لله رضينا بالله حكما بيننا وبينكم فقال ابن زياد اتظن ان لك شيئا من الامر قال والله ما هو الظن وإنما هو اليقين فقال ابن زياد ما كان في قيان المدينة ما يشغلك عن السعي في فساد امة محمد اتيتهم وكلمتهم واحدة ففرقتهم فقال ما للفساد اتيت ولكن اهل المصر زعموا ان اباك قتل خيارهم وان معاوية ظلمهم وحمل فيئهم إليه فجئت لامر بالمعروف وانهى عن المنكر واقوم بالقسط وادعو الى حكم الكتاب وان كنت لا بد قاتلي دعني اوصى فنظر الى عمر بن سعد فقال لي اليك حاجة وبيني وبينك رحم قال عبيد الله انظر الى حاجة ابن عمك فتنحيا بحيث لا يراهما أحد فقال ان علي دينا مذ دخلت الكوفه فاقضه عني واطلب جثتي من ابن زياد ووارها وابعث الى الحسين من يرده ويحذره من اهل الكوفة فانى

[ 26 ]

لا اراه إلا مقبلا فاخبر عمر بن سعد لعبيد الله بن زياد ما قال فقال ماله له لا نمنعه ان يصنع به ما شاء وأما الحسين ان تركنا لم نرده وأما جثته فإذا قتلناه لا نبالي ما صنع بها وامر بقتله فاغلظ له مسلم في الكلام والسب فاصعد على القصر فضرب عنقه بكير بن حمران الاحمري القى جسده الى الناس وأمر بهانى بن عروة فسحب الى الكناسة فقتل وصلب هناك وقيل ضرب عنقه في السوق غلام لعبيد الله اسمه رشيد ورويت هذه الابيات عن عبد الله بن الزبير الاسدي إذا كنت لا تدرين بالموت فانظري * الى هاني بالسوق وابن عقيل الى بطل قد هشم السيف وجهه * وآخر يهوى من طمار قتيل اصابهما أمر الامير فاصبحا * احاديث من يسعى بكل سبيل ايركب اسماء الهماليج آمنا * وقد طلبته مذحج بذحول ترى جسدا قد غير الموت لونه * ونضخ دم قد سال كل مسيل تطيف حفافيه مراد وكلهم * على رقبة من سائل ومسول فان انتم لم تثاروا باخيكم * فكونوا بغايا ارضيت بقتيل وبعث عبيد الله بن زياد براس مسلم وهاني الى يزيد بن معاوية مع الزبير بن الا روح التميمي أحد بني مالك بن سعد ومع هاني بن أبي حية الوداعى واخبره بامرهما وكان خروج مسلم في الكوفة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذى الحجة يوم التروية وهذا اليوم كان فيه خروج الحسين (ع) من مكة الى العراق بعد مقامه بها بقيه شعبان وشهر رمضان وشوالا

[ 27 ]

وذا القعدة ولما اراد الخروج من مكة طاف وسعى واحل من احرامه وجعل حجه عمرة لانه لم يتمكن من اتمام الحج مخافة ان يقبض عليه ورويت ان عبد الملك بن عمير قال لما خرج الحسين (ع) من المسجد الحرام متوجها الى العراق يقول اسماعيل بن مفزع الحميرى لا ذعرت السوام في فلق الصب‍ * - ح مغيرا ولا دعوت يزيدا حين اعطى مخافة الموت ضيما * والمنايا ترصدننى أن احيدا وروى هذا الشعر بن جرير الطبري عن عبد الملك بن نوفل بن ماحق عن أبي سعيد المنقرى وقيل العبرى وتحدث الناس عند الباقر (ع) تخلف محمد بن الحنفية عنه فقال يا أبا حمزه الثمالى ان الحسين (ع) لما توجه الى العراق دعا بقرطاس وكتب بسم الرحمن الرحيم من الحسين بن علي الى بني هاشم أما بعد فانه من لحق بى استشهد ومن تخلف عنى لم يبلغ الفتح والسلام وجاء إليه (ع) أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام فاشار إليه بترك ما عزم عليه وبالغ في نصحه وذكره بما فعل بابيه واخيه فشكر له وقال قد اجتهدت رايك ومهما يقض الله يكن فقال انا عند الله نحتسبك ثم دخل أبو بكر على الحارث بن خالد بن العاص بن هشام المخزومى وهو يقول كم ترى ناصحا يقول فيعصى * وظنين المغيب يلفى نصيحا قال فما ذاك فاخبره بما قال للحسين (ع) قال نصحت له ورب الكعبة حدث عقبة بن سمعان قال خرج الحسين (ع) مكة فاعترضته رسل

[ 28 ]

عمرو بن سعيد بن العاص عليهم يحيى بن سعيد ليردوه فابى عليهم وتدافع الفريقان وتضاربوا بالسياط ثم امتنع عليهم الحسين واصحابه امتناعا شديدا ومضى الحسين على وجهه فبادروه وقالوا يا حسين الا تتقى الله تخرج من الجماعة وتفرق بين هذه الامة فقال لي عملي ولكم عملكم انتم بريئون مما اعمل وانا برئ مما تعملون ورويت ان الطرماح بن حكم قال لقيت حسينا وقد امترت لاهلي ميرة فقلت اذكرك في نفسك لا يغرنك أهل أهل الكوفة فوالله لئن دخلتها لتقتلن وانى لاخاف ان لا تصل إليها فإن كنت مجمعا على الحرب فانزل اجاء فانه جميل منيع والله ما نالنا فيه ذل قط وعشيرتي يرون جميعا نصرك فهم يمنعونك ما اقمت فيهم فقال ان بينى وبين القوم موعدا اكره ان اخلفهم فإن يدفع الله عنا فقديما ما انعم علينا وكفى وان يكن ما لا بد منه ففوز وشهادة ان شاء الله ثم حملت الميرة الى اهلي واوصيهم بامورهم وخرجت اريد الحسين فلقينى سماعة بن زيد النبهاني فاخبرني بقتله فرجعت وذكر الطبري وغيره ان عبيد الله بن سليم والمدرى قالا اقبلنا حتى اتينا الى الصفاح فلقينا الفرزدق الشاعر بن غالب وهو حاج في سنة ستين قال بينما انا اسوق العير إذ دخلت الحرم لقيت الحسين خارجا من الحرم ومعه اسيافه وتراسه فسلمت عليه وقلت اعطاك الله سؤلك واملك فيما تحب يا بن رسول الله ما اعجلك عن الحج فقال لو لم يعجل لاخذت ثم قال لي من أنت فقلت رجل من العرب فما فتشني اكثر من ذلك ثم قال اخبرني عن الناس خلفك فقلت الخبير سالت قلوب الناس

[ 29 ]

معك واسيافهم عليك ثم حرك راحلته ومضى وكتب يزيد بن معاوية الى عبيد الله بن زياد قد بلغني ان حسينا قد سار الى الكوفة وقد ابتلى به زمانك من بين الازمان وبلدك من بين البلدان وابتليت به من بين العمال وعندها تعتق أو تعود عبدا كما تعبد العبيد وعن الشعبى عن عبد الله بن عمر انه كان بماء له فبلغه ان الحسين (ع) قد توجه الى العراق فجاء إليه واشار عليه بالطاعة والانقياد وحذره من مشاققة اهل العناد فقال يا عبد الله اما علمت ان من هوان الدنيا على الله ان راس يحيى بن زكريا (ع) اهدى الى بغى من بغايا بني اسرائيل اما تعلم ان بني اسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس سبعين نبيا ثم يبيعون ويشترون كان لم يصنعوا شيئا فلم يعجل الله عليهم بل اخذهم بعد ذلك اخذ عزيز مقتدر ذى انتقام ثم قال له اتق الله يا أبا عبد الرحمن ولا تدعن نصرتي ثم قام خطيبا فقال الحمد لله وما شاء الله ولا قوه إلا بالله خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة وما اولهنى الى اسلافي اشتياق يعقوب الى يوسف وخير لي مصرع انا لاقيه كأني وأوصالي يتقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء فيملان منى اكراشا جوفا واجربة سغبا لا محيص عن يوم خط بالقلم رضى الله رضانا أهل البيت نصبر على بلائه ويوفينا اجور الصابرين لن تشذ على رسول الله لحمته وهي مجموعة له في حظيرة القدس تقر بهم عينه وينجز بهم وعده من كان باذلا فينا مهجته وموطنا على لقاء الله نفسه فليرحل فانى راحل مصبحا ان شاء الله ثم اقبل الحسين حتى مر

[ 30 ]

بالتنعيم فلقى ابلا عليها هدية مع بحير بن ويسار الحميرى الى يزيد بن معاوية وكان عامله على اليمن وعليها الورس والحلل فاخذها الحسين (ع) وقال لاصحاب الابل من احب ان ينطلق منكم معنا الى العراق وفيناه كراه واحسنا صحبته ومن احب ان يفارقنا من مكاننا هذا اعطيناه من الكراء بقدر ما قطع من الطريق فمضى قوم وامتنع آخرون ثم سار (ع) حتى بلغ الى وادى العقيق ذات عرق فراى رجلا من بني اسد اسمه بشر بن غالب فسأله عن أهل الكوفة فقال القلوب معك والسيوف مع بني امية قال صدقت يا اخا بني اسد فلما بلغ عبيد الله اقبال الحسين (ع) من مكة الى الكوفة بعث الحصين بن تميم صاحب شرطته حتى نزل القادسية ونظم الخيل بين القادسية الى خفان وما بين القطقطانية الى القلع ولما بلغ الحسين ع الحاجز من بطن الرملة بعث قيس بن مسهر الصيداوي الى الكوفة وكتب معه بسم الرحمن الرحيم من الحسين الى اخوانه المؤمنين سلام عليكم فانى أحمد اليكم الله الذي لا اله هو أما بعد فإن كتاب مسلم بن عقيل جاءني يخبرني بحسن رايكم واجتماع ملاكم على نصرتنا والطلب بحقنا فسالت الله ان يحسن لنا الصنيع وان يثيبكم ذلك اعظم الاجر وقد شخصت اليكم من مكة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذى الحجة يوم التروية فإذا قدم عليكم رسولي فالتموا امركم وجدوا فانى قادم عليكم في ايامي هذه شاء الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته فاقبل قيس بن مسهر الصيداوي حتى انتهى الى القادسية فاخذه الحصين بن تميم وبعث به الى

[ 31 ]

عبيد الله بن زياد فاخرج الكتاب ومزقه فلما حضر بين يدى عبيد الله قال من أنت قال رجل من شيعة أمير المؤمنين (ع) قال فلماذا مزقت الكتاب قال لئلا تعلم ما فيه قال ممن الكتاب والى من قال من الحسين (ع) الى قوم من أهل الكوفة لا اعرف اسمائهم فغضب ابن زياد قال اصعد فسب الكذاب ابن الكذاب الحسين بن علي بن أبي طالب فصعد قيس القصر فحمد الله واثنى عليه وقال ايها ان هذا الحسين بن علي خير خلق الله ابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وانا رسوله وقد فارقته الحاجز فاجيبوه ثم لعن عبيد الله بن زياد واباه واستغفر لعلي بن أبي طالب فامر عبيد الله فالقي من فوق القصر فمات فبيت الحسين (ع) في الطريق إذ طلع عليه ركب اقبلوا من الكوفة فإذا فيهم هلال بن نافع الجملي وعمرو بن خالد فسألهم عن خبر الناس فقالوا أما والله الاشراف فقد استمالهم ابن زياد بالاموال فهم عليك وأما سائر الناس فافئدتهم لك وسيوفهم مشهورة عليك قال فلكم علم برسولي قيس بن مسهر قالوا نعم قتله ابن زياد فاسترجع واستعبر باكيا وقال جعل الله له الجنة ثوابا اللهم اجعل لنا ولشيعتنا منزلا كريما انك على كل شئ قدير قال عتبه بن أبي العبران ثم قام الحسين (ع) خطيبا بذى حسم اسم موضع وقال انه قد نزل بنا من الامر ما ترون وان الدنيا قد تحيزت وتنكرت وادبر معروفها واستمرت حذاء ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الاناء وخسيس عيش كالمرعى الوبيل الا ترون الى الحق لا يعمل به والى الباطل لا يتناهى عنه

[ 32 ]

ليرغب المؤمن في لقاء الله محقا فانى لا ارى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما ثم سار (ع) حتى وصل الثعلبية نصف النهار فرقد واستيقظ فقال قد رايت هاتفا يقول انتم تسرعون والمنايا تسرع بكم الى الجنة فقال له ابنه علي يا ابه افلسنا على الحق قال بلى يا بني والذي إليه مرجع العباد فقال اذن لا نبالي بالموت ورويت ان عبد الملك بن عمير قال كتب عمرو بن سعيد وهو والى المدينة بامر الحسين (ع) الى يزيد فلما قرا الكتاب تمثل بهذا البيت فإن لا تزر قبر العدو وتاته * يزرك عدو أو يلومنك كاشح ولما ورد خبر مسلم وهاني ارتج الموضع بالنوح والعويل وسالت العزوب بالدموع الهمول ونقلت من كتاب احداق العيون في اعلاق الفنون انه قال هذه الابيات وتروى لعلي (ع) لئن كانت الدنيا تعد نفيسة * فإن ثواب الله اعلى وانبل وان كانت الابدان للقتل انشئت * فموت الفتى في الله اولى وافضل وان كانت الارزاق قسما مقدرا * فقلة حرص المرء في الكسب اجمل وان كانت الاموال للترك جمعها * فما بال متروك به المرء يبخل ثم اراد عليه السلام الرجوع حزنا وجزعا لفقد احبته والمضى الى بلدته ثم ثاب إليه رأيه الاول وقال على ما كنت عليه المعول وقال متمثلا سامضى وما بالموت عار على الفتى * إذا ما نوى حقا وجاهد مسلما وواسى الرجال الصالحين بنفسه * وفارق مثبورا وخالف مجرما

[ 33 ]

فإن مت لم اندم وان عشت لم الم * كفى بك موتا ان تذل وترغما ولقيه أبو هرة الاسدي فسلم عليه ثم قال يا ابن رسول الله ما الذي اخرجك عن حرم جدك محمد صلى الله عليه وآله فقال عليه السلام ويحك يا أبا هرة ان بني امية اخذوا مالي وشتموا عرضى فصبرت وطلبوا دمى فهربت وايم الله لتقتلني الفئة الباغية وليلبسنهم الله ذلا شاملا وسيفا قاطعا وليسلطن الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا اذل من قوم سبا إذ ملكتهم امراة فحكمت في اموالهم ودمائهم قال جماعة من فزارة وبجيلة كنا مع زهير بن القين نساير الحسين عليه السلام ناحية فنزلنا منزلا لا نجد بدا من ان ننازله فيه فبينما نحن نتغدى من طعام لنا إذ اقبل رسول الحسين (ع) حتى سلم وقال يا زهير بن القين ان أبا عبد الله بعثنى اليك لتاتيه فطرح كل انسان ما في يده حتى كانما على رؤوسنا الطير فقالت له زوجته ديلم بنت عمرو سبحان الله يبعث اليك ابن رسول الله ثم لا تأتيه فلو اتيته وسمعت من كلامه فمضى إليه وما لبث ان جاء مستبشرا قد اشرق وجهه فامر بفسطاطه فقوض وثقله ومتاعه فحول الى الحسين (ع) وقال لامراته أنت طالق فانى لا احب ان يصيبك بسببي الا خيرا وقد عزمت على صحبة الحسين لافديه بروحى واقيه بنفسى ثم اعطاها مالها وسلمها الى من يوصلها الى اهلها فقامت إليه وبكت وودعته وقالت خارا الله لك اسالك ان تذكرني في القيامة عند جد الحسين (ع) ثم قال لاصحابه من احب منكم ان يصحبني وإلا فهو آخر العهد به اني سأحدثكم حديثا

[ 34 ]

غزونا بالبحر ففتح الله علينا واصبنا غنائم فقال لنا سلمان رضى الله عنه فرحتم بما فتح الله عليكم واصبتم من الغنائم قلنا نعم قال إذا ادركتم قتال شباب آل محمد فكونوا اشد فرحا بقتالكم معهم مما اصبتم اليوم من الغنائم وأما انا فانى استودعكم الله ثم مشى الى الحسين (ع) فسار معه وأما عبيد الله بن زياد فانه ارسل الحر بن يزيد الرياحي ومعه الف فارس فكان الحر يساير الحسين ولا تعرض له فنزل (ع) قصر أبي مقاتل قال جابر بن عقبه بن سمعان ارتحلنا من قصر أبي مقاتل وقد اخذ الحسين (ع) طريق عذيب الهجانات فخفق براسه ثم انتبه يسترجع فسألته فقال رايت في المنام آنفا يعنى الان فارسا يسايرنا وهو يقول القوم يسيرون والمنايا تسير معهم ثم ان الحر اخذ يسير يدى الحسين (ع) ويقول يا ناقتي لا تذعري من زجري * وشمري قبل طلوع الفجر بخير ركبان وخير سفر * حتى تجلى بكريم النجر بماجد الجد رحيب الصدر * اثابه الله بخير أمر وإذا بفسطاط مضروب فقال (ع) لمن هذا الفسطاط قيل لعبيد الله بن الحر الجعفي حدث المجالد بن سعيد عن عامر الشعبى ان الحسين عليه السلام قال ادعوه لي فاتاه الرسول فقال هذا الحسين يدعوك فقال عبيد انا لله وانا إليه راجعون والله ما خرجت من الكوفة إلا كراهية ان يدخلها الحسين وانا والله اريد ان لا اراه ولا يرانى فاتى الرسول فاخبره فقام الحسين ع حتى دخل عليه ودعاه الى الخروج معه فاعاد عليه ابن الحر مقالته قال فان

[ 35 ]

لا تنصرنا فاتق الله ان تكون ممن يقاتلنا فو الله لا سمع واعيتنا احد ثم لا ينصرنا إلا هلك فقال ابن الحر أما هذا فلا يكون ابدا قال جابر بن عبد الله بن سمعان ومضينا حتى إذا قربنا من نينوى وإذا رجل من كندة اسمه مالك ابن بشير معه كتاب من عبيد الله بن زياد الى الحر ان جعجع بالحسين ولا تنزله إلا بالعراء في غير خصب ولأنه عات ظلوم فقرء الكتاب واخذ حسينا بالنزول فسأله عليه السلام عن الأرض قيل كربلاء فقال ارض كرب وبلاء وكان اليوم الثاني من المحرم فقال انزلوا ها هنا محط ركابنا وسفك دمائناك فنزلوا واقاموا بها وجلس الحسين (ع) يصلح سيفه يا دهر اف لك من خليل * كم لك بالاشراق والاصيل من طالب وصاحب قتيل * والدهر لا يقنع بالبديل وكل حى سالك سبيل * ما اقرب الوعد من الرحيل وإنما الامر الى الجليل فلما سمعت زينب ايراده للابيات وان قولهم هذا يدل على رميهم بسهم الشتات فلم تملك نفسها ان وثبت تجر ذيلها وانها لحاسرة حتى انتهت إليه فقالت هذا كلام من ايقن بالقتل واثكلاه ليت الموت اعدمني الحياة اليوم ماتت امى فاطمة وأبي علي واخى الحسن يا خليفة الماضين وثمال الباقين فقال عليه السلام يا اختاه لا يذهبن حلمك الشيطان تعزي بعزاء الله فإن أهل السموات والأرض يموتون وكل شئ هالك إلا وجهه أبي خير مني واخى خير مني ولكل مسلم برسول الله صلى الله عليه واله اسوة ولطم

[ 36 ]

النساء الخدود وشققن الجيوب فترقرقت عيناه بالدموع وقال لو ترك القطا لغفا ونام ليلا لنام المقصد الثاني في وصف موقف النزال وما يقرب من تلك الحال ثم ان عمر بن سعد دعا قومه الى القتال فأجابوه وندبهم الى محاربة الحسين عليه السلام وأهل بيته فلم يخالفوه فقد رويت ان عبيد الله بن زياد قال لعمر بن سعد اكفني امر الحسين وقتاله وقد وليتك بلاد الرى وروى ان عليا (ع) لقى عمر بن سعد يوما فقال له كيف تكون يا عمر إذا قمت مقاما تخير فيه بين الجنة والنار فتختار النار ثم ان الحسين (ع) لما علم انهم مقاتلوه وسئل عمر بن سعد المهادنة وترك القتال بواحدة من ثلاث ان يرجع الى موضعه الذي جاء منه أو يمضى الى بعض البلاد يكون كاحدهم أو يمضى الى يزيد فيرى فيه رأيه فقال عمر بن سعد اخاف ان تهدم داري فلما قامت الحرب على ساقها ومدت على اصحاب الحسين (ع) صافى رواقها واظلمت الايام بعد اشراقها ومد عمر بن سعد بالعساكر حتى تكملت العدة لست خلون

[ 37 ]

من المحرم عشرين الفا وضيق على الحسين واصحابه قام (ع) فاتكا على سيفه ثم حمد الله واثنى عليه وقال أما بعد ايها الناس انسبوني وانظروا من انا ثم ارجعوا الى انفسكم فعاتبوها هل يحل لكم سفك دمي وانتهاك حرمتي الست ابن بنت نبيكم وابن ابن عمه وابن اولى الناس بالمؤمنين من انفسهم اوليس حمزة سيد الشهداء عم أبى اولم يبلغكم قول رسول الله صلى الله عليه واله مستبشرا لي ولاخى انا سيد شباب الجنة اما في هذا حاجز لكم عن سفك دمى وانتهاك حرمتي قالوا ما نعرف شيئا مما تقول فقال ان فيكم من لو سالتموه لاخبركم انه سمع ذلك من رسول (ص) في وفي اخى سلوا زيد بن ارقم والبراء بن عازب وانس بن مالك وجابر بن عبد الله الانصاري وسهل بن سعد الساعدي يخبروكم عن هذا القول فان كنتم تشكون افتشكون انى ابن نبيكم والله ما تعمدت كذبا منذ عرفت ان الله يمقت عليه اهله فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن نبى غيرى هل تطالبوني بقتيل قتلته أو بمال استهلكته أو بقصاص من جراحه فسكتوا فقال شمر بن ذي الجوشن هو يعبد الله على حرف ان كان يعرف شيئا مما يقول فقال حبيب بن مظاهر انى اراك تعبد الله على الف حرف وانى اشهد انك لا تعرف شيئا مما يقول ان الله قد طبع على قلبك قالوا لا نخليك حتى تضع يدك في يد عبيد الله بن زياد قال لا والله لا اعطى بيدى اعطاء الذليل ولا افر فرار العبيد انى عذت بربي وربكم ان ترجمون انى عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب فلما كان التاسع من

[ 38 ]

المحرم دعاهم عمر بن سعد الى المحاربة فارسل الحسين (ع) العباس يلتمس منهم التاخير تلك الليله فقال عمر لشمر ما تقول قال اما انا لو كنت الامير لم انظره فقال عمرو بن الحجاج بن سلمة بن عبد يغوث الزبيدى سبحان الله والله لو كان من الترك والديلم وسالوك عن هذا ما كان لك ان تمنعهم حينئذ امهلهم فكان لهم في تلك الليله دوي كالنحل من الصلاة والتلاوة فجاء إليهم جماعة من اصحاب عمر بن سعد وجمع الحسين (ع) اصحابه وحمد الله واثنى عليه ثم قال واما بعد فاني لا اعلم لي اصحابا اوفى ولا خيرا من اصحابي ولا أهل بيت ابر ولا اوصل من أهل بيتي فجزاكم الله عني خيرا إلا وانى قد اذنت لكم فانطلقوا انتم في حل ليس عليكم منى ذمام هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا فقال له اخوته وابناؤه وابناء عبد الله بن جعفر ولم نفعل ذلك لنبقى بعدك لا ارانا الله ذلك وبدأهم العباس اخوه ثم تابعوه وقال لبنى مسلم بن عقيل حسبكم من القتل بصاحبكم مسلم اذهبوا فقد اذنت لكم فقالوا لا والله لا نفارقك ابدا حتى نقيك باسيافنا ونقتل بين يديك فاشرقت عليهم باقوالهم هذا انوار النبوة والهداية وبعثتهم النفوس الابية على مصادمة خيول أهل الغواية وحركتهم حمية النسب وسنة اشراف العرب على اقتناص روح المسلوب ورفض السلب فكانوا كما وصفهم بعض أهل البصائر بانهم امراء العساكر وخطباء المنابر نفوس ابت الا تراث ابيهم * فهم بين موتور لذاك وواتر لقد الفت ارواحهم حومة الوغى * كما انست اقدامهم بالمنابر

[ 39 ]

ثم قال مسلم بن عوسجه نحن نخليك وقد احاط بك العدو لا ارانا الله ذلك ابدا حتى اكسر في صدورهم رمحي واضاربهم بسيفي ولو لم يكن لي سلاح لقذفتهم بالحجارة ولم افارقك وقام سعيد بن عبد الله الحنفي وزهير بن القين فاجملا في الجواب واحسنا في الماب وعبا عمر بن سعد اصحابه فجعل على ربع أهل المدينة عبد الله بن زهير بن سليم بن مخنف العامري وعلى كندة وربيعة قيس بن الاشعث وعلى مذحج واسد عبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفي وعلى تميم وهمدان رجلا من بني تميم وعلى ميمنته عمرو بن الحجاج الزبيدى وعلى ميسرته شمر بن ذى الجوشن وعلى الخيل عروة بن قيس الاحمسي وعلى الرجالة شبث بن ربعى والراية مع دريد مولى لعبيد الله بن زياد وفي ذلك الوقت وصل الخبر الى محمد بن بشير الحضرمي ان ابنه قد اسر بثغر الرى فقال عند الله احتسبه ونفسي ما كنت اؤثر ان يؤسر وابقى بعده فسمع الحسين عليه السلام قوله فاذن له في المضى فقال اكلتني السباع حيا ان فارقتك فاعطاه خمسة اثواب برودا قيمتها الف دينار وقال احملها مع ولدك هذا لفك اخيه فحملها معه ودخل (ع) ليطلى ووقف على باب الفسطاط برير بن خضير الهمداني وعبد الرحمن ابن عبد ربه الانصاري فجعل برير يضاحك عبد الرحمن فقال يا برير ما هذه ساعة باطل فقال برير والله ما احببت الباطل قط وإنما فعلت ذلك استبشارا بما نصير إليه وعبا الحسين (ع) اصحابه للقتال وكانوا خمسة واربعين فارسا ومائة راجل وركب ناقته وامرهم بالاستماع فانصتوا فقال تبا لكم ايها

[ 40 ]

الجماعة وترحا احين استصرختمونا ولهين فاصرخناكم موجفين سللتم علينا سيفا لنا في ايمانكم وحششتم علينا نارا اججناها على عدوكم فاصبحتم البا لاوليائكم ويدا عليهم لاعدائكم لغير عدل افشوه فيكم ولا اهلا اصبح لكم فيهم فهلا لكم الويلات تركتمونا والسيف مشيم والجاش طامن والراى لما يستحصف ولكن اسرعتم إليها كطيرة الدبا وتداعيتم إليها كتهافت الفراش فبعدا وسحقا لطواغيت الامة ونبذة الكتاب وشذاذ الاحزاب الذين جعلوا القرآن عضين ولبئس ما قدمت لهم انفسهم في العذاب وهم خالدون إلا وان الدعى بن الدعى قد ركز بين اثنتين السلة والذلة وهيهات منا الذلة يابى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون وحجور طابت وحجور طهرت ونفوس أبية وانوف حمية من ان نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام إلا واني زاحف بهذه الاسرة مع قلة العدد وكثرة العدو وخذلة الناصر ثم وصل هذا الكلام بشعر فروة بن مسيك المرادى فإن نهزم فهزامون قدما * وان نغلب فغير مغلبينا وما ان طبنا جبن ولكن * منايانا ودولة آخرينا إذا ما الموت رفع عن اناس * كلا كله اناخ بآخرينا فافنى ذلكم سروات قوم * كما افنى القرون الاولينا فلو خلد الملوك إذا خلدنا * ولو بقى الكرام إذا بقينا فقل للشامتين بنا افيقوا * سيلقى الشامتون كما لقينا ثم لا تلبثون إلا كريث ما يركب الفرس حتى تدور بكم دور الرحى

[ 41 ]

وتقلقون قلق المحور عهد عهده الي أبي عن جدي فاجمعوا امركم وشركائكم ثم لا يكن امركم عليكم غمة ثم اقضوا الى ولا تنظرون انى توكلت على الله ربى وربكم ما من دابة الا هو آخذ بناصيتها ان ربى على صراط مستقيم ثم نزل عن ناقته وأمر عطية بن سمعان فعقلها ثم تهيأ للقتال فنادي الشمر يا بني اختى لا تقتلوا انفسكم مع اخيكم الحسين والزموا طاعة أمير المؤمنين يزيد فقال له العباس بن علي تبت يداك يا عدو الله اتامرنا ان نترك سيدنا واخانا وندخل في طاعة اللعناء واولاد اللعناء واقبلوا يزحفون الى الحسين (ع) ثم رمى عمر بن سعد الى اصحاب الحسين عليه السلام وقال اشهدوا لي عند الامير اني اول من رمى فقال (ع) قوموا الى الموت الذي لا بد منه فنهضوا جميعا والتقى العسكران الرجالة من الفرسان واشتد الصراع وخفى لاثارة العثير الشعاع والسمهرية ترعف نجيعا والمشرفية يسمع لها في الهام رقيعا ولا يجد الحسين عليه السلام في مساقط الحرب لوعظه سميعا وقد كفروا بالرسول ولا يميلون الى الصوارم والنصول ولم يبقى بينهم سوى اللهازم الرزق والصوارم الذلق والسهام تترى كالغيث الغدو والشرار المحرق فقلت في وصف الحال ابياتا لما علمت ان القتال يصيرهم رفاتا ولما رأينا عثير النقع ثائرا * وقد مد فوق الأرض اردية حمرا وسالت عن الخرصان انفس فتية * عن العنصر الزاكى واعلى الورى قدرا وشدوا لقتل السبط عمدا واشرعوا * مع المرهفات البيض خطية شمرا

[ 42 ]

تيقن حزب الله ان ليس ناجيا * من النار الا من راى الاية الكبرى ومن رفض الدنيا وباع حياته * من الله نعم البيع والفوز والبشرى وكان اول من قتل مولى لعبيد الله بن زياد اسمه سالم فصل من الصف فخرج إليه عبد الله بن عمير الكلبى وكان طويلا بعيدا ما بين المنكبين فنظر إليه الحسين (ع) وقال اني احسبه للاقران قتالا فقتله سالم ثم رجع وعطف عليه مولى لابن زياد فصاح قد رهقك الرجل فانعطف عليه وضربه فاتقى بيده فقطعها وجال عليه فقتله ورجع وهو يقول ان تنكروني فإنا ابن كلب * حسبى ببيتى من عليم حسبى انى امرؤ ذو مرة وعضب * ولست بالخوار عند النكب انى زعيم لك ام وهب * بالطعن فيهم صادقا والضرب وفي يده سيف تلوح المنية في شفرتيه فكأن ابن المعتز وسيفه يقوله في بيته ولي صارم فيه المنايا كوامن * فما ينتضى إلا لسفك دماء ترى فوق متنيه الفرند كانه * بقيه غيم رق دون سماء حدث مهران مولى بني كاهل قال شهدت كربلا مع الحسين (ع) فرايت رجلا يقاتل قتالا شديدا لا يحمل على قوم إلا كشفهم ثم يرجع الى الحسين (ع) ويرتجز ويقول ابشر هديت الرشد تلقى احمدا * في جنة الفردوس تعلو صعدا فقلت من هذا فقالوا أبو عمر النهشلي وقيل الخثعمي فاعترضه عامر

[ 43 ]

ابن نهشل أحد بني تيم اللات من ثعلبة فقتله واحتز راسه وكان أبو عمرو هذا متهجدا كثير الصلاة فما احق لهذا الشجاع الماهر بقول عرقلة بن حسان الدمشقي الشاعر ويرد صدر السمهرى بصدره * ماذا يؤثر ذابل في يذبل وكانه والمشرفي بكفه * بحر يكر على الكماة بجدول وتقدم عبد الله وعبد الرحمن الغفاريان واحدهما يقول قد علمت حقا بنو غفار * وخندف بعد بني نزار لنضربن معشر الفجار * بالمشرفى والقنا الخطار فقاتلا حتى قتلا رحمة الله عليهما واقتتل العسكران الى ان علا النهار قال عدى بن حرملة لما زحف عمر بن سعد الى الحسين (ع) ضرب يده على لحيته وقال اشتد غضب الله على اليهود إذ جعلوا له ولدا وعلى النصارى إذ جعلوه ثالث ثلاثة وعلى المجوس إذ عبدوا الشمس والقمر دونه واشتد غضبه على قوم اتفقت على قتل ابن بنت نبيهم والله اجيبهم الى شئ مما يطلبون حتى القى الله تعالى وانا مخضب بدمى مغلوب على حقى فلما راى الحر بن يزيد اقبال عمر بن سعد على الحسين (ع) قال اصلحك الله أمقاتل انت هذا الرجل قال أي والله قتالا أيسره ان تسقط الرؤوس وتطيع الايدى فتنحى حتى وقف من الناس موقفا ومعه قرة بن قيس فقال له المهاجر بن اوس يا بن يزيد لو قيل لي من اشجع أهل الكوفة ما عدوتك وانى لمرتاب بك فقال انى خيرت نفسي بين الجنة والنار وانى لا اختار على

[ 44 ]

الجنة شيئا قال الحر لقرة بن قيس التميمي يا قرة سقيت فرسك قال لا قال فما تريد ان تسقيه قال فظننت انه يريد ان يتنحى ولا يشهد القتال وكره ان اراه يضع ذلك فارفعه عليه وانا منطلق ساسقيه واعتزل الحر المكان الذي فيه ولو اطلعني على سره لخرجت معه الى الحسين (ع) واخذ يدنو قليلا فقال له المهاجرين أو تريد ان تحمل فسكت فاخذته الرعدة ثم لحق بالحسين (ع) وقال له جعلني الله فداك يا بن رسول الله انا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع وسايرتك في الطريق وجعجعت بك الى هذا المكان وما ظننت ان القوم يبلغون منك هذه المنزلة فهل لي توبة قال نعم يتوب الله عليك ثم قال يا أهل الكوفة لامكم الهبل دعوتموه حتى إذا اتاكم خرجتم تقاتلونه وتمنعونه الماء الذي تشربه الكلاب والخنازير لا سقاكم الله الماء فقال انا لك فارسا خير من ان اكون راجلا والى النزال آخر امرى ثم حمل على القوم وهو يتمثل بقول عنترة ما زلت ارميهم بغرة وجهه * ولبانه حتى تسربل بالدم ورويت باسنادى انه قال للحسين (ع) وجهنى عبيد الله اليك خرجت من القصر فنوديت من خلفي ابشر يا حر بخير فالتفت فلم ار احدا فقلت والله ما هذه بشارة وانا اسير الى الحسين عليه السلام وما احدث نفسي باتباعك فقال عليه السلام لقد اصبت اجرا وخيرا ثم خرج الى القتال فبرز إليه زيد بن سفيان فقتله الحر ثم بعث عمر بن سعد بعض الرماة فعقر فرس الحر فكان يقاتل ويقول

[ 45 ]

ان تعقرونى فانا ابن الحر * اشجع من ذى لبد هزبر فلم يزل يقاتل الى ان قتل رحمه الله فقال عبيد الله بن عمرو البذائى من بني البذاء وهم من كندة سعيد بن عبد الله لا تنسينه * ولا الحر إذ آسى زهيرا على قسر وخرج نافع بن هلال المرادى فبرز إليه واجم بن حريث الرشدى فتطاعنا فقتل نافع واجما فقال عمرو بن الحجاج يا حمقى اتدرون من تقاتلون مبارزة فرسان الحر وقوما مستميتين فصاح عمر بن سعد فرجعوا الى مواقفهم وقاتل عمرو بن أبي قرظة الانصاري دون الحسين (ع) وهو يقول قد علمت كتيبة الانصار * ان سوف احمى حوزة الذمار ضرب غلام ليس بالفرار * دون حسين مهجتي ودارى قوله ودارى اشار الى عمر بن سعد لما التمس الحسين (ع) المهادنة قال تهدم دارى فقاتل قتال الباسل وصبر على الخطب الهائل وكان يلتقى السهام بمهجته فلم يصل الى الحسين (ع) سوء حتى اثخن بالجراح فقال له (ع) اوفيت قال نعم أنت امامى في الجنة فاقرا رسول الله صلى الله عليه وآله السلام واعلمه انى في الاثر فقتل وخرج برير بن خضير وكان زاهدا يقال له سيد القراء فخرج إليه يزيد بن المغفل فاتفقا على المباهلة الى الله تعالى في ان يقتل المحق منهما المبطل فقتله برير فلم يزل يقاتل حتى قتل وخرج يزيد بن المهاجر فقتل خمسة من أصحاب عمر بالنشاب وصار مع الحسين وهو يقول

[ 46 ]

انا يزيد وأبي المهاجر * كأنني ليث بغيل خادر يا رب انى للحسين ناصر * ولابن سعد تارك وهاجر وكان يكنى أبا الشعثاء من بني بهدلة من كندة وبرز حصين بن تميم فخرج إليه حبيب بن مظاهر فضرب وجه فرسه بالسيف فوقع عليه اصحابه فاستنقذوه ثم شدوا على حبيب فقتل رجلا منهم وهو يقول انا حبيب وأبي مظاهر * فارس هيجاء وحرب تسعر ونحن اوفى منكم واصبر * ونحن اعلى حجة واظهر * حقا واتقى منكم واعذر وخرج وهب بن جناب الكلبى واحسن في القتال وصبر على الم النصال ومعه امراته ووالدته فرجع اليهما وقال امه ارضيت ام لا قالت ما رضيت حتى تقتل بين يدى الحسين قالت امراته بالله لا تفجعني بنفسك وقد اجبتها انا بلسان حاله متمثلا لا بلسان مقاله ذريني ادر وجها وقاحا الى العدلى * فما لاخى الاحقار ان يتجملا متى قر في غمد حسام وبان عن * حصان لجام والفتى غرض البلا فقالت له امه يا بني اعزب عن قولها وقاتل بين يديه لتنال شفاعة جده يوم القيامة فلم يزل يقاتل حتى قطعت يداه فاخذت امراته عمودا واقبلت نحوه وقالت فداك أبي وامى قاتل دون الطيبين حرم رسول الله فاقبل يردها فامتنعت فقال (ع) جزيتم من أهل البيت خيرا ارجعي فرجعت ولم يزل يقاتل ثم قتل ثم خرج انس بن الحارث الكاهلى

[ 47 ]

وهو يقول قد علمت كاهلنا وذودان * والخندفيون وقيس غيلان بان قومي آفة للاقران * يا قوم كونوا كاسود خفان واستقبلوا القوم بضرب الان * آل على شيعة الرحمن وآل حرب شيعة الشيطان وخرج مسلم بن عوسجة فبالغ في الجهاد وصبر على الجلاد حتى سقط وبه رمق فرق له الحسين وقال رحمك الله يا مسلم فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا عز على مصرعك يا مسلم ابشر بالجنة فقال له قولا ضعيفا بشرك الله بخير فقال حبيب لولا انى في الاثر لاحببت ان توصى الى بما يهمك فقال اوصيك بهذا يعنى الحسين (ع) ثم تقدم جون مولى أبي ذر وكان عبدا اسودا فقال له (ع) أنت في اذن منى فانما تبعتنا للعافية فلا تبتل بطريقنا فقال يا بن رسول انا في الرخاء الحس قصاعكم وفي الشدة اخذلكم والله ان ريحى لمنتن وحسبي للئيم ولوني لاسود فتنفس علي بالجنة فيطيب ريحى ويشرف حسبى ويبيض وجهى لا والله لا افارقكم حتى يختلط هذا الدم الاسود مع دمائكم ثم قاتل حتى قتل وجاء رجل فقال اين الحسين فقال ها انا ذا قال ابشر بالنار تردها الساعة قال ابشر رب رحيم وشفيع مطاع من أنت قال انا محمد بن الاشعث قال اللهم ان كان عبدك كاذبا فخذه الى النار واجعله اليوم آية لاصحابه فما هو إلا ان ثنى عنان فرسه فرمى به وثبتت رجله في الركاب فضربه حتى قطعه

[ 48 ]

ووقعت مذاكيره في الارض فوالله لقد عجبنا من سرعة اجابة دعائه (ع) ثم جاء آخر فقال اين الحسين فقال ها انا ذا قال ابشر بالنار قال ابشر برب رحيم وشفيع مطاع من انت قال انا شمر بن ذى الجوشن قال الحسين (ع) الله اكبر قال رسول الله صلى الله عليه وآله رايت كان كلبا ابقع يلغ دماء أهل بيتى وقال الحسين (ع) رايت كان كلابا تنهشني وكان فيها كلبا ابقع كان اشدهم على وهو أنت وكان ابرص ونقلت عن الترمذي قيل للصادق (ع) كم تتأخر الرؤيا فذكر منام رسول الله صلى الله عليه وآله فكان التأويل بعد ستين سنة وبرز عمرو ابن خالد الصيدائى فقاتل فقال له (ع) تقدم فانا لاحقون بك عن ساعة فتقدم فقتل وجاء حنظلة بن اسعد الشامي فوقف يدى الحسين (ع) يقيه الرماح والسهام والسيوف بوجهه ونحره ثم التفت الى الحسين (ع) فقال افلا نروح الى ربنا ونلحق فقال رح الى ما هو خير لك من الدنيا وما فيها فقاتل قتال الشجعان وصبر على مضض الطعان حتى قتل والحقه الله بدار الرضوان وتقدم زهير بن القين فقاتل بين يدى الحسين وهو ويقول انا زهير وانا ابن القين * اذودهم بالسيف عن حسين قال وحضرت صلاه الظهر فامر عليه السلام لزهير بن القين وسعيد بن عبد الله الحنفي ان يتقدما امامه بنصف من تخلف معه وصلى بهم صلاة الخوف بعد ان طلب منهم الفتور عن القتال لاداء الفرض قال ابن حصين انها لا تقبل منك قال حبيب بن مظاهر لا يقبل من آل رسول الله

[ 49 ]

وانصارهم وتقبل منك وأنت شارب الخمر وقيل صلى الحسين (ع) واصحابه فرادى بالايماء وقاتل زهير قتالا شديدا حتى قتل ولما وصل القتال إليه (ع) تقدم امامه رجل من بني حنيفة يقيه بنفسه حتى سقط بين يدى الحسين (ع) فقال الحنفي اللهم لا يعجزك شئ تريده فابلغ محمدا صلى الله عليه وآله نصرتي ودفعي عن الحسين وارزقني مرافقته في دار الخلود ووجه عمر بن سعد في جماعة الرماة فرموا من تخلف من اصحاب الحسين (ع) فعقروا خيولهم وبقى الحسين (ع) وليس معه فارس ولسان حاله يقول اتمسى المذاكى تحت غير لوائنا * ونحن على اربابها امراء وأي عظيم رام أهل بلادنا * فانا على تغييره قدراء وما سار في عرض السماوة بارق * وليس له من قومنا خفراء وتقدم سيف بن أبي الحرث بن سريع ومالك بن عبد الله بن سريع الجابريان بطن من همدان يقال لهم بنو جابر امام الحسين ثم التقيا فقالا عليك السلام يا بن رسول الله فقال وعليكم السلام ثم قاتلا حتى قتلا وجاء عابس بن أبي شبيب الشاكرى مولى بني شاكر فقال له الحسين يا أبا شوذب ما في نفسك قال اقاتل معك فدنا من الحسين وقال لو قدرت ان ارفع عنك بشئ هو اعز من نفسي لفعلت ثم تقدم فلم يقدم عليه أحد فقال زياد بن الربيع بن أبي تميم الحارثى هذا ابن شبيب الشاكرى القوى لا يخرجن إليه أحد ارموه بالحجارة فرموه حتى قتل وتقدم سويد بن أبي

[ 50 ]

المطاع فقاتل قتالا شديدا حتى سقط بين القتلى فسمع الناس يقولون قتل الحسين فتحامل واخرج من خفه سكينا فقاتلهم حتى قتل رضوان الله عليه وكان اصحاب الحسين (ع) يتسابقون الى القتال بين يديه وكانوا كما قلت شعرى هذا قوتهم على المصاع والذب عن السبط والدفاع: إذا اعتلفوا سمر الرماح وتمموا * اسود الشرى فرت من الخوف والذعر كماة رحى الحرب العوان وان سطوا * فاقرانهم يوم الكريهة في خسر إذا اثبتوا في مازق الحرب ارجلا * فموعدهم منه الى ملتقى الحشر قلوبهم فوق الدروع وهمهم * ذهاب النفوس السائلات على البشر ثم رمى عمر بن صبيح عبيد الله بن مسلم بن عقيل بسهم ثم طعنه اخرى في قلبه فقتله وحمل عبد الله بن قطنة الطائى على عون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فقتله وشد عثمان بن خالد الهمداني على عبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب فقتله ورمى عبد الله بن عقبة أبا بكر بن الحسن بن على بن أبي طالب فقتله فلما راى العباس بن على (ع) كثرة القتلى في اهله قال لاخوته من امه وهم عبد الله وجعفر وعثمان بابى انتم وامى تقدموا حتى اراكم قد نصحتم لله ولرسوله فانه لا ولد لكم فاقدموا على عسكر عمر ابن سعد اقدام الشجعان واملاؤا صدورهم ووجوههم بالضرب والرمى والطعان فكانوا كما قال ابن نباتة السعدى لقوا نبلنا مرد العوارض فانثنوا * لا وجههم منه لحى وشوارب

[ 51 ]

خلفنا باطراف القنا في ظهورهم * عيونا لها وقع السيوف حواجب واعجب من ذى اختلاس نفوسهم * وهن عليهم بالحنين نوادب وجدوا في القتال حتى قتلوا فلما لم يبق معه الا الاقل من أهل بيته خرج على بن الحسين (ع) وكان من احسن الناس وجها وله يومئذ اكثر من عشر سنين فاستاذن اباه في القتال فاذن له ونظر إليه وارخى عبرته ثم قال اللهم اشهد انه قد برز إليهم غلام يشبه رسول الله خلقا وخلقا ومنطقا فقاتل وهو يقول انا على بن الحسين بن على * نحن وبيت الله اولى بالنبي والله لا يحكم فينا ابن الدعى فقاتل قتالا شديدا وقتل جمعا كثيرا ثم رجع الى الحسين (ع) وقال يا ابه العطش قتلني وثقل الحديد قد اجهدني فبكى وقال واغوثاه قاتل قليلا فما اسرع الملتقى بجدك محمد صلى الله عليه وآله ويسقيك بكاسه الاوفى فرجع الى موقف نزالهم ومازق مجالهم فرماه منقذ بن مرة العبدى فصرعه واحتويه القوم فقطعوه فوقف (ع) وقال قتل الله قوما قتلوك فما اجراهم على الله وعلى انتهاك حرمة الرسول واستهلت عيناه بالدموع ثم قال على الدنيا بعدك العفاء وخرجت زينب اخت الحسين تنادى يا حبيباه وجاءت فاكبت عليه فاخذها الحسين فردها الى الفسطاط وكانت عترة الحسين في طعانهم ونجابتهم والاقدام على الكماة وشجاعتهم كما قال الشاعر ابن حيوس

[ 52 ]

وخيطة يلقى الردى تبعا لها * إذا مرقت في الاسد منها الثعالب اسافلها في ابحر من اكفهم * طمت واعاليها نجوم ثواقب تضئ مثار النقع وهي طوالع * وتبنى منار العز وهي غوارب قال حميد بن مسلم وخرج غلام كان وجهه شقة قمر فقال لي عمرو ابن سعيد بن نفيل الازدي لاشدن عليه فقلت وماذا تريد منه فشد عليه وضربه فوقع الغلام على وجهه ونادى يا عماه فجلى الحسين عليه كما يجلى الصقر وضربه بالسيف فاتقاه بالساعد فابانها من المرفق فصاح صيحة سمعها أهل العسكر ثم تنحى عنا الحسين (ع) وحملت خيول أهل الكوفة ليستنقذوه فوطاته بارجلها حتى مات ورايت الحسين (ع) قائما على راس الغلام وهو يفحص برجله وهو يقول بعدا لقوم قتلوك ومن خصمهم يوم القيامة فيك جدك ثم قال عز والله على عمك ان تدعوه فلا يجيبك أو يجيبك فلا ينفعك صوت والله كثر واتره وقل ناصره ثم حمله على صدره والقاه بين القتلى من اهله قال الراوى فسالت عنه فقيل القاسم بن الحسن بن على بن أبي طالب فلما راى (ع) انه لم يبق من عشيرته واصحابه إلا القليل فقام ونادى هل من ذاب عن حرم رسول الله هل من موحد هل من مغيث هل من معين فضج الناس بالبكاء ثم تقدم الى باب الفسطاط ودعا بابنه عبد الله فجئ به ليودعه فرماه رجل من بني اسد سهم فوقع في نحره فذبحه فتلقى الحسين عليه السلام الدم بكفيه حتى امتلاتا ورمى بالدم نحو السماء ثم قال رب ان كنت حبست عنا النصر من

[ 53 ]

السماء فاجعل ذلك لما هو خير وانتقم لنا من هؤلاء الظالمين قال الباقر (ع) فلم تسقط من الدم قطرة الى الأرض ثم حمله فوضعه مع قتلى أهل بيته ولما اشتد بالحسين عليه السلام واصحابه العطش وبلغ منه اللغوب فرويت الى القسم بن اصبغ بن نباتة قال حدثني من شاهد الحسين عليه السلام وقد لزم المسناة يريد الفرات والعباس بين يديه فجاء كتاب عبيد الله بن زياد الى عمر بن سعد ان حل بين الحسين واصحابه وبين الماء فلا يذوقوا منه قطرة فبعثه لعمرو بن الحجاج بخمسمائة فارس فنزلوا على الشريعة ومنعوهم الماء فناداه عبد الله بن حصين الازدي يا حسين الا تنظر الى الماء كانه كبد السماء والله لا تذوق منه قطرة حتى تموت عطشا أنت واصحابك فقال زرعة بن ابان بن دارم حولوا بينه وبين الماء ورماه بسهم فاثبته في حنكه فقال (ع) اللهم اقتله عطشا ولا تغفر له ابدا وكان قد اتى بشربة فحال الدم بينه وبين الشرب فجعل يتلقى الدم ويقول هكذا الى السماء ورويت عن الشيخ عبد الصمد عن الشيخ أبي الفرج عبد الرحمن ان الابانى كان بعد ذلك يصيح من الحر في بطنه والبرد في ظهره وبين يديه المراوح والثلج وخلفه الكانون وهو يقول اسقوني اهلكني العطش فيؤتى بالعس فيه الماء واللبن والسويق يكفى جماعة فيشربه ثم يقول اسقوني فما زال كذلك حتى انقدت بطنه كانقداد البعير ثم اقتطعوا العباس عنه واحاطوا به من كل جانب وقتلوه فبكى الحسين (ع) لقتله بكاءا شديدا وقد قلت هذه الابيات حين فرق بينهما سهم الشتات

[ 54 ]

حقيقا بالبكاء عليه حزنا * أبو الفضل الذي واسى اخاه وجاهد كل كفار ظلوم * وقابل من ضلالهم هداه فداه بنفسه لله حتى * تفرق من شجاعته عداه وجادله على ظمإ بماء * وكان رضى اخيه مبتغاه ثم انه (ع) دعا الناس الى البراز فتهافتوا إليه وانثالوا عليه فلم يزل يقتل كل من برز إليه حتى اثر في ذلك الجيش الجم وهو يقول القتل اولى من ركوب العار * والعار اولى من دخول النار قال عبد الله بن عمار بن عبد يغوث ما رايت مكثورا قط قد قتل ولده وأهل بيته اربط جاشا منه وان كانت الرجال لتشد عليه فيشد عليها بسيفه فتنكشف عنه انكشاف المعزى شد فيها السبع وكانوا ثلاثين الفا فيحمل عليهم فينهزمون كأنهم الجراد المنتشر ثم يرجع الى مقامه فكان عليه السلام كما قال الشاعر إذا الخيل جالت في القنا وتكشفت * عوابس لا يسئلن غير طعان وكرت جميعا ثم فرق بينهما * سعى رمحه فيها باحمر قان فتى لا يلاقى الرمح إلا بصدره * إذا ارعشت في الحرب كف جنان ولم يزل يقاتل حتى جاء شمر بن ذي الجوشن فحال بينه وبين رحله فقال (ع) رحلى لكم عن ساعة مباح فامنعوه جهالكم وطغاتكم وكونوا في الدنيا احرارا ان لم يكن لكم دين ويعز على محبى العترة الطاهرة كيف تصير اموالهم فيئا للامة الفاجرة والى المعني اشرت بشعري

[ 55 ]

المقول في آل الرسول ولما طعنتم نازحين وضمكم * مقام به الجلد العزيز ذليل وصرتم طعاما للسيوف ولم يكن * لما رمتموه منهج ووصول واموالكم فئ لال امية * وبدركم قد حان منه افول تيقنت ان الدين قد هان خطبه * وان المراعى للنبي قليل فقال له شمر ما تقول يا بن فاطمة قال اقول انى اقاتلكم وتقاتلوني والنساء ليس عليهن جناح قال لك ذلك ثم قصدوه (ع) بالحرب وجعلوه شلوا من كثرة الطعن والضرب وهو يستقى شربة من ماء فلا يجد وقد اصابته اثنتان وسبعون جراحه فوقف وقد ضعف عن القتال اتاه حجر على جبهته هشمها ثم اتاه سهم له ثلاث شعب مسموم فوقع على قلبه فقال بسم الله وعلى ملة رسول الله ثم رفع راسه الى السماء وقال الهى تعلم انهم يقتلون ابن بنت نبيهم ثم ضعف من كثرة انبعاث الدم بعد اخراج السهم من وراء ظهره وهو ملقى في الأرض فكلما جاءه رجل انصرف عنه كراهية ان يلقى الله بدمه فجاء مالك بن النثر فسبه وضربه بالسيف على راسه فقطع القلنسوة ووصل الى راسه فامتلات دما فقال (ع) لا اكلت بيمينك وحشرك الله مع الظالمين واستدعى قلنسوة فلبسها فلبثوا قليلا ثم كروا عليه فخرج إليه عبد الله بن الحسن وهو غلام لم يراهق من عند النساء يشتد حتى وقف الى جنب الحسين (ع) فلحقته زينب بنت علي (ع) لتحبسه فامتنع امتناعا شديدا وقال لا افارق عمي فاهوى بحر بن كعب

[ 56 ]

وقيل حرملة بن كاهل الى الحسين فقال له الغلام ويلك يا بن الخبيثة اتقتل عمي فضربه بالسيف فاتقاها بيده فبقيت على الجلد معلقة فنادي يا عماه فاخذه وضمه إليه وقال يا بن اخى اصبر ما نزل بك واحتسب في ذلك الخير فإن الله يلحقك بابائك الصالحين فرماه حرملة فذبحه فقال الحسين (ع) اللهم ان متعتهم الى حين ففرقهم فرقا واجعلهم طرائق قددا ولا ترض عنهم ابدا وحمل الرجالة يمينا وشمالا على من بقى معه فقتلوهم فلم يبق معه سوى ثلاثة نفر فلما راى ذلك دعا بسراويل يلمع فيه البصر ففزره لئلا يسلب بعد قتله فلما قتل سلبها بحر بن كعب فكانت يداه تيبسان في الصيف كأنهما عودا وتترطبان في الشتاء فتنضحان دما وقيحا الى ان هلك وجدير بهذه الامة لاخذهم على هذه المصيبة الغراء وان يكثر لها البكاء وانا مورد ما سمحت به قريحتي من الشعر لعلمي بالمكافاة يوم الحشر بغلو السعر لقد فتكت فيهم سهام امية * واصرعهم منها سيوف سوافك وضاقت بهم رحب الفضاء فاصبحوا * بدوية بهماء فيها مهالك وامسوا بارض الطف قتلى جواثما * كأنهم صرعى قلاص بوارك فان عيون الباكيات سواكب * وان ثغور الشامتات ضواحك ولما اثخن بالجراح ولم يبق فيه حراك أمر شمر ان يرموه بالسهام وناداهم عمر بن سعد ما تنتظرون بالرجل وأمر سنان بن انس ان يحتز راسه فنزل يمشى إليه وهو يقول امشى اليك واعلم انك سيد القوم وانك خير الناس أبا واما فاحتز رأسه ورفعه الى عمر بن سعد فاخذه فعلقه في لبب

[ 57 ]

فرسه وفي ذلك قلت لقد فجع الدين الحنيف بما جرى * على السبط والهادي النبي سفيره وأي امرئ يلقاه في عظم رزئه * غداة غدت كفا سنان تبيره وهذا سنان اخذه المختار فقطع يديه ورجليه واغلى قدرا ملئت زيتا وطرحه فيه وهو حى قال هلال بن نافع انى لواقف في عسكر عمر بن سعد إذ صرخ صارخ ابشر ايها الامير قد قتل الحسين فبرزت بين الصفين وانه ليجود بنفسه فوالله ما رايت احسن منه ولقد شغلني نور وجهه وجمال هيبته عن الفكرة في قتله وطلب منهم ماء فقال له رجل والله لا تذوقه حتى ترد الحامية فتشرب من حميمها فقال بل ارد على جدي رسول الله واسكن معه في مقعد صدق عند مليك مقتدر واشرب من ماء غير آسن واشكو إليه ما ارتكبتم مني وفعلتم بى فغضبوا باجمعهم حتى كأن الرحمة سلبت من قلوبهم ورويت ان غاضرة بن فرهد قال ان أبا بكر الهذلى لما قتل الحسين (ع) بكى حتى اختلج منكباه وقال واذلاه لامة قتل ابن دعيها ابن نبيها ولما قتل مال الناس الى سلبه ينهبونه فاخذ قطيفته قيس بن الاشعث فسمي قيس القطيفة واخذ عمامته جابر بن يزيد وقيل اخنس بن مريد ابن علقمة الحضرمي فاعتم بها فصار معتوها واخذ برنسه مالك بن بشير الكندي وكان من خز واتى امراته فقالت له اسلب الحسين (ع) يدخل بيتى واختصما قيل لم يزل فقيرا حتى هلك واخذ قميصه اسحاق بن حوية فصار ابرص وروي انه وجد في القميص مائة وبضع عشر ما بين

[ 58 ]

رمية وطعنة وضربة قال الصادق (ع) وجد به ثلاث وثلاثون طعنة واربع وثلاثون ضربة واخذ درعه البتراء عمر بن سعد واخذ خاتمه بجدل بن سليم الكلبى وقطع اصبعه واخذ سيفه الفلافس النهشلي وقيل جميع بن الحلق الاودى ثم اشتغلوا بنهب عيال الحسين ونسائه حتى تسلب المراة مقنعتها من راسها أو خاتمها من اصبعها أو قرطها من اذنها وحجلها من رجلها وجاء من سنبس الى ابنة الحسين (ع) وانتزع ملحفتها من راسها وبقين عرايا تراوجهن رياح النوائب وتعبث بهن اكف المصائب قد غشيهن القدر النازل وساورهن الخطب الهائل ولما بلين بكل كفور سفاك وظلوم فتاك وغشوم افاك حسن الاستشهاد بشعر الحسن بن الضحاك ومما شجا قلبى وكفكف عبرتي * محارم من آل النبي استحلت ومهتوكة بالطف عنها سجونها كعاب كقرن الشمس لما تبدت إذا حفزتها وزعة من منازع * لها المرط غارت بالخضوع ورنت وسرب ظباء من ذوابة هاشم * هتفن بدعوى خير حي وميت ارد يدا منى إذا ما ذكرته * على كبد حرى وقلب مفتت فلا بات ليلا شامتين بغبطة * ولا بلغت آمالها ما تمنت ولما رات امرأة من بني بكر بن وايل وقد توزعوا سلب النساء قالت يا آل بكر اتسلب بنات رسول الله لا حكم الا لله يا لثارات المصطفى فردها زوجها وخرج بنات سيد الانبياء وقرة عين الزهراء حاسرات مبديات للنياحة والعويل يندبن على الشباب والكهول واضرمت النار

[ 59 ]

في الفسطاط فخرجن هاربات وهن كما قال الشاعر فترى اليتامى صارخين بعولة * تحثو التراب لفقد خير امام وتقمن رباب الخدور حواسرا * يمسحن عرض ذوائب الايتام وترى النساء اراملا وثواكلا * تبكين كل مهذب وهمام ومررن على جسد الحسين (ع) وهو معفر بدمائه مفقود من احبائه فندبت عليه زينب بصوت مشج وقلب مقروح يا محمداه صلى عليك مليك السماء هذا حسين مرمل بالدماء مقطع الاعضاء وبناتك سبايا الى الله المشتكى والى علي المرتضى والى فاطمة الزهراء والى حمزة سيد الشهداء هذا حسين بالعراء تسفي عليه الصبا قتيل اولاد الادعياء واحزناه واكرباه اليوم مات جدي رسول الله يا اصحاب محمداه هذا ذرية المصطفى يساقون سوق السبايا فاذابت القلوب القاسية والجبال الراسية قال الهروي الكاتب سمعت منصور بن مسلمة الهروي ينشد ببغداد في شهر رمضان سنة احدى عشر وثلثمائة شعرا من جملته تصان بنت الدعى في كلل المل‍ * - ك وبنت الرسول تبتذل يرجى رضى المصطفى فواعجباه * تقتل اولاده ويحتمل ثم نادى عمر بن سعد من ينتدب الحسين فيوطئ الخيل ظهره فانتدب منهم عشرة وهم اسيد بن مالك وهانى بن ثبت الحضرمي وواخط ابن ناعم وصالح بن وهب الجعفي وسالم بن خثيمة الجعفي ورجاء بن منقذ العبدي وعمر بن صبيح الصيداوي وحكيم بن الطفيل السنبسى واخنس

[ 60 ]

ابن مرثد واسحاق بن حوية فوطاته خيولهم حتى رضوه وقال بعض الشعراء لسنا نبالي إذا ارواحنا نعمت * ماذ فعلتم باجساد واوصال فلما دخلوا على عبيد الله قال أحد العشرة نحن رضضنا الصدر بعد الظهر * بكل يعبوب شديد الاسر قال من انتم قالوا نحن وطانا بخيولنا ظهر الحسين حتى طحنا حناجر صدره فامرهم بشئ يسير ويحق لي ان اترنم بابياتى هذه ترنم الفاقدة الثكول على بني الزهراء البتول بنو امية مات الدين عندهم * واصبح الحق قد وارته اكفان اضحت منازل آل السبط مقوية * من الانيس فما فيهن سكان بلؤا بمقتله ظلما فقد هدمت * لفقده من ذرى الاسلام اركان رزية عمت الدنيا وساكنها * فالدمع من اعين الباكين هتان لم يبق من مرسل يوما ولا ملك * إلا عرته صبابات واحزان واسخطوا المصطفى الهادي بمقتله * فقلبه من رسيس الوجد ملان قال أبو عمرو الزاهد سبرنا احوال هؤلاء العشرة وجدناهم اولاد الزنا والعشرة اخذهم المختار بن أبي عبيدة الثقفى فعذبهم حتى هلكوا وذكر البلاذري ان راس الحسين اول راس حمل على خشبة عن ميمون بن شيبان بن محرم وكان عثمانيا قال انا لنسير مع علي (ع) إذ اتى كربلاء فقعد على تل فقال يقتل في هذا الموضع شهداء الاشهداء قال وثم حمار

[ 61 ]

ميت فقلت لغلامي خذ رجل الحمار اوتده في موضع مقعده الذي عينه ومضينا وضرب الدهر ضربه فلما قتل الحسين (ع) انطلقنا انا وصاحبى فإذا جثة الحسين على رجل الحمار واصحابه مريضة حوله حدث أبو العباس الحميرى قال رجل من عبد القيس قتل اخوه مع الحسين (ع) فقال يا فرو قومي فاندبي خير البرية في القبور وابكى الشهيد بعبرة من فيض دمع ذى درور ذاك الحسين مع التفجع والتاوه والزفير قتلوا الحرام من الائمة في الحرام من الشهور وروي ابن رياح قال لقيت رجلا اعمى قد حضر قتل الحسين (ع) فسئل عن ذهاب بصره قال كنت عاشر عشرة غير انى لم اضرب ولم ارم فلما رجعت الى منزلي وصليت فأتاني آت في منامي فقال اجب رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت ما لي وله فاخذني يقودنى إليه فإذا هو جالس في صحراء حاسر عن ذراعيه آخذ بحربة وملك قائم بين يديه وفي يده سيف من نار فقتل اصحابي فكلما ضرب ضربة التهبت انفسهم نارا فدنوت وجثوت بين يديه وقلت السلام عليك يا رسول الله فلم يرد علي ومكث طويلا ثم رفع راسه وقال يا عبد الله انتهكت حرمتي وقتلت عترتي ولم ترع حقى فقلت يا رسول الله والله ما ضربت بسيف ولا طعنت برمح ولا رميت بسهم قال صدقت ولكنك كثرت السواد ادن مني فدنوت فإذا طشت مملوء دما فقال هذا دم ولدي الحسين فكحلني منه

[ 62 ]

فانتبهت لا ارى شيئا وذكر الخطيب في تاريخه والبلاذري في تاريخه ان ابن عباس قال رايت النبي فيما يرى النائم في نصف النهار واشعث اغبر وبيده قارورة فيها دم فقلت بابي انت وامى يا رسول الله ما هذه القارورة قال دم الحسين لم ازل التقطه منذ اليوم فحفظ اليوم فإذا هو يوم قتله وفي التاريخين المذكورين ان هذه الحمرة التي هي الشفق فلم تكن قبل قتل الحسين (ع) وروي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال إذا كان يوم القيامة نصب لفاطمة قبة من نور ويقبل الحسين (ع) وراسه في يده فإذا راته شهقت شهقة فلا يبقى في الموقف ملك ونبى إلا بكى لبكائها فيمثله الله عز وجل في احسن الصورة فيخاصم قتلته بلا راس فيجمع الله لي قتلته والمجهزين عليه ومن شرك في دمه فاقتلهم حتى آتى على آخرهم ثم ينشرون فيقتلهم أمير المؤمنين (ع) وكذلك يفعل الحسن والائمة (ع) عن آخرهم ثم يكشف الله الغيظ وينسى الحزن وقال الصادق (ع) رحم الله شيعتنا شيعتنا والله المؤمنين فقد شركونا في المصيبة بطول الحزن والحسرة وعن النبي صلى الله عليه وآله انه قال إذا كان يوم القيامة جاءت فاطمة في لمة أي جماعة من نسائها فيقال لها ادخلي الجنة فتقول لا ادخل حتى اعلم ما صنع بولدي من بعدي فيقال لها انظري فتنظر الى الحسين (ع) قائما ليس عليه راس فتصرخ واصرخ لصراخها وتصرخ الملائكة لصراخنا فتنادي يا ولداه قال فيغضب الله عز وجل لنا عند ذلك فيأمر نارا اسمها هبهب قد اوقد عليها الف عام حتى اسودت لا يدخلها روح ولا يخرج

[ 63 ]

منها غم ابدا فيقال لها التقطى قتلة الحسين فتلتقطهم فإذا صاروا في حوصلتها صهلت وصهلوا بها وشهقت وشهقوا بها وزفرت وزفروا بها فينطقون بالسن ذلقة يا ربنا بما اوجبت لنا النار قبل عبدة الاوثان فيأتيهم الجواب ان من علم ليس كمن لم يعلم ورويت ان راس الجالوت بن يهوذا قال ما مررت مع يهوذا بكربلاء إلا وهو يركض دابته حتى يجاوزه فلما قتل الحسين جعل يمر بها فقلت له فقال يا بني كنا نحدث انه سيقتل بكربلاء رجل من ولد نبي فكنت اخاف اكون انا فلما قتل الحسين (ع) علمت انه هو وروى هذا الحديث محمد بن جرير الطبري في تاريخه عن العلاء بن أبي عائشة عن راس الجالوت عن يهوذا عن أبيه قال البلاذري في مختاره مطرت السماء دما يوم قتله وما قلع حجر بالشام إلا وتحته دم عبيط قال عبد الملك بن مروان للزهري أي رجل أنت ان اخبرتني أي علامة كانت يوم قتل الحسين بن علي (ع) قال لا يرفع حصاة ببيت المقدس إلا وجد تحتها دم عبيط فقال عبد الملك انى واياك في هذا الحديث غريبان ونحرت الابل التي كانت مع الحسين فلم يؤكل لحمها لانه كان من الصبر وعن عبد الكريم ابن يعفور الجعفي انه لما جعل اللحم في القدر صار نارا وكان مع الحسين (ع) ورس وطيب فاقتسموه فلما صاروا الى بيوتهم صار رمادا وعن مشايخ طى قالوا وجد شمر بن ذي الجوشن في رحل الحسين (ع) ذهبا فدفع بعضه الى ابنته فدفعه الى صائغ يصوغ منه حليا فلما ادخله النار صار نحاسا وقيل نارا وما تطيب امراة من ذلك الطيب إلا برصت

[ 64 ]

المقصد الثالث في الامور اللاحقة لقتله وشرح سبى ذريته واهله ثم ان عمر بن سعد اقام بقية يوم عاشوراء والثانى الى الزوال ثم أمر حميد بن بكير الاحمري فنادى في الناس بالرحيل الى الكوفة وحمل معه بنات الحسين واخواته ومن معه من الصبيان وعلي بن الحسين عليهم السلام مريض بالدرب قال قرة بن قيس التميمي نظرت الى النسوة لما مررن بالحسين (ع) صحن ولطمن خدودهن فاعترضتهن على فرس فما رايت منظرا من نسوة قط احسن منهن ويحسن ايراد شعر السيد الحميرى في سبط النبي امرر على جدث الحسين * وقل لاعظمه الزكية يا اعظما لا زلت من * وطفاء ساكبة روية وإذا مررت بقبره * فاطل به وقف الطية وابك المطهر للمطهر * والمطهرة المتقية كبكاء معولة اتت * يوما لواحدها المنية ولقد احسن عقبة بن عمر السهمى بقوله إذا العين قرت في الحياة وانتم تخافون في الدنيا فاظلم نورها

[ 65 ]

مررت على قبر الحسين بكربلاء * ففاض عليه من دموعي غزيرها فما زلت ارثيه وابكي لشجوه * ويسعد عيني دمعها وزفيرها وبكيت من بعد الحسين عصائبا * اطافت به من جانبيها قبورها سلام باصال العشى وبالضحى * تؤديه نكباء الرياح ومورها ولا برح الوفاد زوار قبره * يفوح عليهم مسكها وعبيرها قال قرة بن قيس فلم انس قول زينب ابنة علي (ع) حين مرت باخيها صريعا وهي تقول يا محمداه صلى عليك مليك السماء هذا حسين بالعراء مرمل بالدماء مقطع الاعضاء يا محمداه وبناتك سبايا وذريتك قتلى تسفى عليهم الصبا فابكت كل صديق وعدو ويحق لي ان اورد بيتين نظمتهما ولهذا المعنى عملتها يصلى الاله على المرسل * ويذكر في المحكم المنزل ويغزى الحسين وابنائه * وهذا من المعجب المعضل ثم سرح راس الحسين مع خولى بن يزيد الاصبحي وحميد بن مسلم الازدي الى عبيد الله بن زياد وأمر برؤوس الباقين من اصحابه فنظفت وكانت اثنين وسبعين راسا وسرح بها مع شمر بن ذى الجوشن وقيس بن الاشعث وعمرو بن الحجاج ولما انفصل الناس من كربلاء خرج قوم من بني اسد كانوا نزولا بالغاضرية فصلوا على الجثث النبوية ودفنوها في تلك التربة الزكية فلما قاربوا الكوفة كان عبيد الله بن زياد بالنخيلة وهي العباسية ودخل ليلا ورويت ان النوار ابنة مالك زوجة خولى بن يزيد

[ 66 ]

الاصبحي قالت اقبل خولى براس (ع) فدخل البيت فوضعه تحت اجانة وآوى الى فراشه فقلت ما الخبر قال جئتك بغناء الدهر براس الحسين قلت ويحك جاء الناس بالذهب والفضة وجئت براس الحسين بن رسول الله والله لا جمع راسى وراسك ابدا ووثبت من فراشي وقعدت عند الاجانة فوالله ما زلت انظر الى نور مثل العمود يسطع من السماء الى الاجانة ورايت طيورا بيضاء ترفرف حولها فلما اصبح غدا بالراس الى ابن زياد واجتمع الناس للنظر الى سبى آل الرسول وقرة عين البتول فاشرفت امرأة من الكوفة وقالت من أي الاسارى انتن فقلن نحن اسارى محمد صلى الله عليه وآله فنزلت وجمعت ملاءا وازارا ومقانع واعطتهن فتغطين وعلي بن الحسين عليهما السلام معهن والحسن بن الحسن المثنى وكان قد نقل من المعركة وبه رمق ومعهم زيد وعمر ولدا الحسن (ع) فجعل اهل الكوفة يبكون وروي اسحاق السبيعي عن خديم الاسدي قال رايت زين العابدين (ع) وهم يبكون فقال تبكون علينا ومن قتلنا غيركم ورايت زينب بنت علي (ع) فلم ار خفرة انطق منها كانما تفرغ عن لسان ابيها فاومات الى الناس ان اسكتوا فسكنت الانفاس وهدات الاجراس فقالت الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد خاتم المرسلين أما بعد يا أهل الختل والخذل اتبكون فلا رقات العبرة ولا هدات الرنة إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة انكاثا تتخذون ايمانكم دخلا بينكم وان فيكم إلا الصلف النطف وذل العبد الشنف وملق الاماء

[ 67 ]

وغمز الاعداء أو كمرعى على دمنة أو كفضة على ملحودة الا ساء ما تزرون أي والله فابكوا كثيرا واضحكوا قليلا فلقد ذهبتم بعارها وبؤتم بشنارها فلن ترحضوها بغل وانى ترحضون قتل من كان سليل خاتم النبوة ومعدن الرسالة ومدرة حجتكم ومنار محجتكم وسيد شباب أهل الجنة يا أهل الكوفة الا ساء ما قدمت لكم انفسكم ان سخط الله عليكم وفي العذاب انتم خالدون اتدرون اي كبد لرسول الله فريتم وأي دم سفكتم وأي كريمة ابرزتم لقد جئتم بها شوهاء خرقاء فلا يستخفنكم المهل فانه لا تخفره البدرة ولا يخاف فوت الثار وفي رواية فوت النار كلا انه لبالمرصاد فضج الناس بالبكاء والنحيب قال الراوي ورايت شيخا واقفا يبكى ويقول بابى انتم وامى كهولكم خير الكهول وشبابكم خير الشباب ونساؤكم خير النساء ونسلكم خير النسل لا يخزى ولا يبزى وخطبت فاطمة الصغرى فقالت الحمد لله عدد الرمل والحصى وزنة العرش الى الثرى احمده واؤمن به واتوكل عليه واشهد لا اله إلا الله وان محمدا عبده ورسوله وان ذبحوا بشط الفرات من غير ذحل ولا ترات اللهم انى اعوذ بك ان افترى عليك الكذب أو ان اقول خلاف ما انزلت عليه من اخذ العهود لوصيه علي بن طالب المقتول كما قتل ولده بالامس في بيت من بيوت الله فيه معشر مسلمة بالسنتهم تعسا لرؤوسهم ما رفعت عنه ضيما في حياته وبعد وفاته حتى قبضته اليك محمود النقية طيب العريكة معروف المناقب مشهور المذاهب لم تأخذه فيك لومة لائم زاهدا

[ 68 ]

في الدنيا مجاهدا في سبيلك فهديته الى صراطك المستقيم أما بعد يا اهل الكوفة يا أهل المكر والغدر والخيلاء فانا اهل بيت ابتلانا الله بكم وابتلاكم بنا فجعل بلاءنا حسنا وجعل علمه عندنا وفهمه لدينا فنحن عيبة علمه اكرمنا بكرامته وفضلنا بمحمد نبيه صلى الله عليه على كثير ممن خلق تفضيلا فكذبتمونا ورأيتم قتالنا حلالا واموالنا نهبا كانا اولاد ترك أو كابل فلا تدعونكم انفسكم الى الجذل بما اصبتم من دمائنا ونالت ايديكم من اموالنا فكان العذاب قد حل بكم واتت نقمات إلا لعنة الله على الظالمين تبا لكم يا أهل الكوفة أي ترات لرسول الله صلى الله عليه قبلكم وذحول له لديكم بما عندتم باخيه علي بن أبي طالب وافتخر مفتخر فقال نحن قتلنا عليا وبني علي * بسيوف هندية ورماح وسبينا نساءه سبى ترك * ونطحناهم فاي نطاح بفيك الكثكث والاثلب افتخرت بقتل قوم زكاهم الله في كتابه وطهرهم واذهب عنهم الرجس فاقع كما اقعى ابوك وإنما لكل امرئ ما اكتسب احسدتمونا على ما فضل الله به فما ذنبنا ان جاش دهرا بحورنا * وبحرك ساج ما يواري الدعامصا ذلك فضل الله يؤتيه يشاء ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور فضج الموضع بالبكاء والحنين وقال حسبك يا ابنة الطيبين احرقت قلوبنا واضرمت اجوافنا فسكتت قال وخطبت ام كلثوم بنت علي عليه السلام من وراء كلة وقد غلب

[ 69 ]

عليها البكاء فقالت يا أهل الكوفة سوءة ما لكم خذلتم حسينا وقتلتموه وسبيتم نساءه ونكبتموه ويلكم اتدرون أي دواه دهتكم وأي وزر على ظهوركم حملتم وأي كريمة اصبتموها وأي اموال انتهبتموها قتلتم خير رجالات بعد النبي صلى الله عليه وآله الا ان حزب الله هم الفائزون وحزب الشيطان هم الخاسرون ثم قالت قتلتم اخي صبرا فويل لامكم * ستجزون نارا حرها يتوقد سفكتم دماءا حرم الله سفكها * وحرمها القرآن ثم محمد الا فابشروا بالنار انكم غدا * لفى سقر حقا يقينا تخلدوا وانى لابكى في حياتي على اخى * على خير من بعد النبي سيولد بدمع غزير مستهل مكفكف * على الخد منى ذايبا ليس يحمد فضج الناس بالبكاء والنوح ثم ان زين العابدين عليه السلام أومى الى الناس ان اسكتوا وقام قائما فحمد الله واثنى عليه وقال ايها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فانا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب انا ابن المذبوح بشط الفرات بغير ذحل ولا ترات انا ابن من افتهك جريمة نعيمه وانتهب ماله وسبى عياله وقتل صبرا وكفى بذلك فخرا فانشدتكم الله هل تعلمون انكم كتبتم الى أبي واعطيتموه العهد والميثاق فخذلتموه فتبا لما قدمتم وسوأة لرايكم باية عين تنظرون الى رسول الله صلى الله عليه وآله إذ يقول قتلتم عترتي وانتهكتم حرمتي فلستم من امتى فارتفعت اصوات الناس من كل ناحية وقال

[ 70 ]

بعضهم لبعض هلكتم وما تعلمون فقال عليه السلام رحم الله امرأ قبل نصيحتي ووصيتي في الله وفي رسوله وأهل بيته فإن لنا في رسول الله اسوة حسنة فقالوا جميعا نحن سامعون مطيعون حافظون لذمامك زاهدين فيك ولا راغبين عنك فمرنا بامرك يرحمك الله فانا حرب لحربك وسلم لسلمك لنأخذن يزيد ونبرا ممن ظلمك وظلمنا فقال عليه السلام هيهات هيهات ايها الغدرة المكرة حيل بينكم وبين شهوات انفسكم اتريدون ان تأتون الي كما اتيتم الى أبي من قبل كلا ورب الراقصات فإن الجرح لما يندمل قتل أبي بالامس واهل بيته معه ولم ينسنى ثكل رسول الله صلى الله عليه وآله وثكل أبي وبني ابي ووجده بين لهاتي ومرارته بين حناجري وغصصه في فراش صدري ومسئلتي ان لا تكونوا لنا ولا علينا ثم قال غر وان قتل الحسين فشيخه * قد كان خيرا من حسين واكرما فلا تفرحوا يا أهل كوفان بالذي * اصيب حسين كان ذلك اعظما قتيل بنهر الشط روحي فداؤه * جزاء الذي ارداه نار جهنما ثم قال (ع) رضينا منكم رأسا برأس فلا يوم لنا ولا علينا قال حميد بن مسلم لما ادخل رهط الحسين (ع) على عبيد الله بن زياد لعنهما الله اذن للناس اذنا عاما وجئ بالرأس فوضع بين يديه وكانت زينب بنت علي عليه السلام قد لبست اردأ ثيابها وهي متنكرة فسأل عبيد الله عنها ثلاث مرات وهي لا تتكلم قيل له انها زينب بنت علي بن أبي طالب فاقبل

[ 71 ]

عليها وقال الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم واكذب احدوثتكم فقالت الحمد الذي اكرمنا بمحمد صلى الله عليه وآله وطهرنا تطهيرا إنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر وهو غيرنا فقال كيف رايت صنع الله باهل بيتك قالت ما رايت إلا جميلا هؤلاء قوم كتب عليهم القتل فبرزوا الى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم فانظر لمن الفلج هبلتك امك يا ابن مرجانة فغضب ابن زياد وقال له عمرو بن حريث انها امرأة ولا تؤاخذ بشئ من منطقها فقال ابن زياد لقد شفاني الله من طغاتك والعصاة المردة من أهل بيتك فبكت ثم قالت لقد قتلت كهلى وقطعت فرعى واجتثثت اصلي فإن تشفيت بهذا فقد اشتفيت فقال عبيد الله هذه سجاعة ولعمري كان ابوك شاعر سجاعا قالت ان لي عن السجاعة لشغلا واني لاعجب ممن يشتفى بقتل ائمته ويعلم انهم منتقمون منه في آخرته وقد سمحت قريحتي بهذا يا ايها المتشفى في قتل ائمته * قلبى من الوجد على مثل الجمر لا بلغتك الليالى ما تؤمله * منها وبل سداك المالح المقر قوم هم الدين والدنيا فمن * قلاهم فمأويهم اذن سقر لهم نبي الهدى جد وجدهم * يوم المعاد بنصر الله تنتصر ثم قال لعلى بن الحسين عليه السلام من أنت قال علي بن الحسين قال اليس قتل الله علي بن الحسين قال كان لي اخ يسمى عليا قتله الناس قال ابن زياد بل الله قتله فقال علي بن الحسين الله يتوفى الانفس حين

[ 72 ]

موتها فغضب ابن زياد وقال وبك حراك لجوابي اذهبوا به فاضربوا عنقه فتعلقت به زينب عمته وقالت حسبك من دمائنا فاعتنقته وقالت ان قتلته فاقتلني معه فنظر إليها ابن زياد وقال عجبا للرحم لاظنها ودت ان نقتلها معه دعوه ورويت ان انس بن مالك قال شهدت عبيد الله بن زياد وهو ينكت بقضيب على لسان الحسين ويقول انه كان حسن الثغر فقلت ام والله لاسؤنك لقد رايت رسول الله (ص) يقبل موضع قضيبك من فيه وعن سعيد بن معاذ وعمر بن سهل انهما حضرا عبيد الله يضرب بقضيبه انف الحسين وعينيه ويطعن في فمه فقال له زيد بن ارقم ارفع قضيبك انى رايت رسول الله صلى الله عليه وآله واضعا شفتيه على موضع قضيبك ثم انتحب باكيا فقال له ابكى الله عينيك يا عدو الله لولا انك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك فقال زيد لاحدثنك حديثا هو اغلظ عليك من هذا رايت رسول الله صلى الله عليه وآله اقعد حسنا على فخذه اليمنى وحسينا على فخذه اليسرى فوضع يده على يافوخ كل واحد منهما وقال انى استودعكما وصالح المؤمنين فكيف كانت وديعتك لرسول الله صلى الله عليه وآله ثم قام عبيد الله خطيبا وقال الحمد لله الذي اظهر الحق واهله ونصر أمير المؤمنين وحزبه وقتل الكذاب بن الكذاب وشيعته فقام عبد الله بن عفيف الازدي وكانت احدى عينيه ذهبت يوم الجمل والاخرى يوم صفين مع على (ع) وقال يابن مرجانة ان الكذاب أنت وابوك والذي ولاك اتقتلون اولاد النبيين وتتكلمون بكلام

[ 73 ]

الصديقين فامر به ابن زياد فمنعه الازد وانتزعوه من ايدى الجلاوزة فاتى منزله فقال ابن زياد اذهبوا الى اعمى الازد اعمى الله قلبه فاتوني به فلما بلغ الازد اجتمعوا وقبائل اليمن معهم فبلغ ذلك ابن زياد فجمع قبائل مضر وضمهم الى ابن الاشعث وامره بالقتال فاقتتلوا وقتل بينهم جماعة ووصل اصحاب عبيد الله الى دار عبد الله بن عفيف فكسروا الباب واقتحموا عليه فصاحت ابنته اتاك القوم من حيث تحذر فقال لا عليك ناوليني سيفى فناولته فجعل يذب نفسه ويقول انا ابن ذى الفضل عفيف الطاهر * عفيف شيخي وابن ام عامر كم دارع من جمعكم وحاسر فقالت ابنته ليتنى كنت رجلا اخاصم بين يديك هؤلاء الفجرة قاتلي العترة البررة والقوم محدقون كلما جاؤه من جهه اشعرته وهو يذب عن نفسه ويقول اقسم لو فرج لي عن بصرى * ضاق عليكم موردي ومصدري فتكاثروا عليه فاخذوه فقالت ابنته واذلاه يحاط بابى وليس له ناصر وادخلوه على عبيد الله فقال الحمد لله الذي اخزاك فقال يا عدو الله فماذا اخزاني والله لو فرج لي عن بصري * ضاق عليكم موردي ومصدري قال يا عدو الله ما تقول في عثمان فقال يا عبد بني علاج يا ابن مرجانة ما أنت وعثمان اساء ام احسن فقد لقى ربه وهو ولي خلقه يقضى بينهم

[ 74 ]

بالعدل ولكن سلنى عن ابيك وعن يزيد وأبيه فقال له والله لا سألتك عن شئ حتى تذوق الموت عطشا فقال الحمد لله رب العالمين أما انى كنت اسال الله ربى ان يرزقنى الشهادة قبل ان تدرك لتك وسيلته ان يجعلها على يدي العن خلقه وابغضهم إليه فلما كف بصرى يئست من الشهادة والان فالحمد لله الذي رزقنيها بعد الياس فأمر ابن زياد فضرب عنقه وصلب في السبخة ثم دعا بجندب بن عبد الله الازدي وكان شيخا فقال يا عدو الله الست صاحب أبي تراب قال بلى لا اعتذر منه قال ما ارانى الا متقربا الى الله بدمك قال اذن لا يقربك الله منه بل يباعدك قال شيخ قد ذهب عقله وخلي سبيله وبعث عبيد الله بن زياد الى المدينة عبيد الله بن الحرث السلمي وكان واليها إذ ذاك عمرو بن سعيد بن العاص وقال له لا يسبقنك الخبر إليه قال فلقينى رجل قال ما الخبر قلت الخبر عند الامير تسمعه فقال انا لله قتل الحسين فدخلت على عمرو وقال ما وراءك فاخبرته فاستبشر وأمر ان ينادي بقتله ثم تمثل ببيت عمرو بن معدي كرب الزبيدي عجت نساء بني زياد عجة * كعجيج نسوتنا غداة الارنب ويحسن ان اورد شعرى هذا في معناه مسفها له في بشراه يستبشرون بقتله وبسبه * وهم على دين النبي محمد والله ما هم مسلمون وانما * قالوا باقوال الكفور الملحد قد اسلموا خوف الردى وقلوبهم * طويت على غل وحقد مكمد وروى ان يزيد بن معاوية بعث بمقتل الحسين الى المدينة محرز بن

[ 75 ]

حريث بن مسعود الكلبي من بني عدى بن حباب ورجلا من بهراء وكانا من افاضل أهل الشام فلما قدما خرجت امراة من بنات عبد المطلب قيل هي زينب بنت عقيل ناشرة شعرها واضعة كمها على راسها تتلقاهم وهي تبكى وتقول ماذا تقولون إذ قال النبي لكم * ماذا فعلتم وانتم آخر الامم بعترتي وباهلي بعد مفتقدي * منهم اسارى ومنهم ضرجوا بدم ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم * ان تخلفوني بسوء في ذوى رحمى قال شهر بن حوشب بينما انا عند ام سلمة إذ دخلت صارخة تصرخ وقالت قتل الحسين قالت ام سلمة فعلوها ملا الله قبورهم نارا ووقعت مغشيا عليها ونقلت عن تاريخ البلاذرى انه لما وافى راس الحسين عليه السلام المدينة سمعت الواعية من كل جانب قال مروان بن الحكم ضربت دوسر فيهم ضربة * اثبتت اوتاد حكم فاستقر ثم اخذ ينكت وجهه بقضيب ويقول يا حبذا بردك في اليدين * ولونك الاحمر في الخدين كانه بات بمجسدين * شفيت منك النفس يا حسين ومما انفرد به النطنزى في كتاب الخصائص عن أبي ربيعة عن أبي قبيل قيل سمع في الهواء بالمدينة قائل يقول يا من يقول بفضل آل محمد * بلغ رسالتنا بغير توانى قتلت شرار بني امية سيدا * خير البرية ماجدا ذا شان

[ 76 ]

ابن المفضل في السماء وارضها * سبط النبي وهادم الاوثان بكت المشارق والمغارب بعد ما * بكت الانام له بكل لسان ثم ان عبيد الله ابن زياد أمر بنساء الحسين (ع) وصبيانه فجهزوا وأمر بعلي بن الحسين (ع) فغل الى عنقه وسرح بهم مع مخفر بن ثعلبة ابن مرة العايذي من عايذة قريش ومع شمر بن ذي الجوشن واصحابهما فروى النطنزى عن جماعة عن سليمان بن مهران الاعمش قال بينما انا في الطواف ايام الموسم إذا رجل يقول اللهم اغفر لي وانا اعلم انك لا تغفر فسألته عن السبب فقال كنت أحد الاربعين الذين حملوا راس الحسين الى يزيد على طريق الشام فنزلنا اول مرحلة رحلنا من كربلاء على دير للنصارى والراس مركوز على رمح فوضعنا الطعام ونحن ناكل إذا بكف على حائط الدير يكتب عليه بقلم حديد سطرا بدم اترجو امة قتلت حسينا * شفاعة جده يوم الحساب فجزعنا جزعا شديدا واهوى بعضنا الى الكف لياخذها فغاب فعاد اصحابي وعن مشايخ من بني سليم انهم غزوا الروم فدخلوا بعض كنايسهم فإذا مكتوب هذا البيت فقالوا لهم منذ متى مكتوب قالوا قبل ان يبعث نبيكم بثلاث مائة عام وحدث عبد الرحمن بن مسلم عن أبيه انه قال غزونا بلاد الروم فاتينا كنيسة من كنايسهم قريبة من قسطنطينية وعليها شئ مكتوب فسالنا اناسا من اهل الشام يقراون بالرومية فإذا هو مكتوب هذا البيت وذكر أبو عمرو الزاهد في كتاب الياقوت قال قال عبد الله

[ 77 ]

ابن الصفار صاحب أبي حمزة الصوفى غزونا غزاة وسبينا سبيا وكان فيهم شيخ من عقلاء النصارى فأكرمناه واحسنا إليه فقال لنا اخبرني أبي عن آبائه انهم حفروا في بلاد الروم حفرا قبل ان يبعث النبي العربي بثلاثمائة سنة فأصابوا حجرا عليه مكتوب بالمسند هذا البيت من الشعر اترجو عصبة قتلت حسينا * شفاعة جده يوم الحساب والمسند كلام اولاد شيث فانطلقوا جميعا فلما قربوا من دمشق دنت ام كلثوم من شمر وقالت لي اليك حاجة قال ما هي قالت إذا دخلت البلد فاحملنا في درب قليل النظارة وتقدم ان يخرجوا هذه الرؤوس من بين المحامل وينحونا عنها فقد خزينا من كثرة النظر الينا ونحن في هذه الحال فامر بضد ما سألته بغيا منه وعتوا وسلك بهم على تلك الصفة حتى وصلوا باب دمشق حيث يكون السبى ولقد اقرح فعله هذا حناجر الصدور واسخن عين المقرور حتى قلت شعري هذا من القلب الموتور فوااسفا يغزى الحسين ورهطه * ويسبي بتطواف البلاد حريمه الم يعلموا ان النبي لفقده * له عزب جفن ما يخف سجومه وفي قلبه نار يشب ضرامها * وآثار وجد ليس ترسى كلومه ولم يكن زين العابدين عليه السلام يكلم احدا في الطريق حتى بلغوا باب يزيد فروي عن روح بن زنباع الجذامي عن أبيه عن العذري ابن ربيعة بن عمرو الجرشى قال انا عند يزيد بن معاوية إذ اقبل زحر بن قيس المذحجي على يزيد فقال ويلك ما وراءك قال ابشر فتح الله ونصره

[ 78 ]

ورد علينا الحسين بن علي في ثمانية عشر من أهل بيته وستين رجلا من شيعته فسرنا إليهم وسألناهم ان يستسلموا أو ينزلوا على حكم الامير عبيد الله أو القتال فاختاروا القتال على الاستسلام فعدونا عليهم من شروق الشمس فاحطنا بهم من كل ناحية حتى إذ اخذت السيوف ماخذها جعلوا يلجاون الى غير وزر ويلوذون بالاكمام والحفر لوذا كما لاذ الحمام من الصقر فوالله يا أمير المؤمنين ما كان إلا جزر جزور أو نومة قائل حتى اتينا على آخرهم فهاتيك اجسادهم مجردة ووجوههم معفرة وثيابهم بالدماء مرملة تصهرهم الشمس وتسفى عليهم الريح زوارهم العقبان والرخم بقاع قرقر سبسب لا مكفنين ولا موسدين فقال كنت ارضى من طاعتكم بدون قتله ونقلت من تاريخ دمشق عن ربيعة بن عمرو الجرشى قال انا عند يزيد إذ سمعت صوت محفر يقول هذا محفرة بن ثعلبة اتى أمير المؤمنين باللئام الفجرة فاجابه يزيد ما ولدت ام محفز شر والأم قال على بن الحسين عليهما السلام ادخلنا على يزيد ونحن اثنا عشر رجلا مغللون فلما وقفنا بين يديه قلت انشدك الله يا يزيد ما ظنك برسول الله لو رآنا على هذه الحال قال يا أهل الشام ما ترون في هؤلاء قال رجل لا تتخذن من كلب سوء جروا فقال له النعمان بن بشير اصنع ما كان رسول الله يصنع بهم لو رآهم بهذه الخيبة فقالت فاطمة بنت الحسين يا يزيد بنات رسول الله سبايا فبكى الناس وبكى أهل داره حتى علت الاصوات فقال علي بن الحسين (ع) وانا مغلول فقلت اتاذن لي في الكلام فقال قل ولا تقل هجرا قلت

[ 79 ]

لقد وقفت موقفا لا ينبغى لمثلى ان يقول الهجر ما ظنك برسول الله لو رأني في غل فقال لمن حوله حلوه ثم وضع راس الحسين عليه السلام بين يديه والنساء من خلفه لئلا ينظرن إليه فرآه علي (ع) فلم ياكل بعد ذلك الراس حدث عبد الملك بن مروان لما اتى يزيد برأس الحسين (ع) قال لو كان بينك وبين ابن مرجانة قرابة لاعطاك ما سالت ثم انشد يزيد نفلق هاما من رجال اعزة * علينا وهم كانوا اعق واظلما قال علي بن الحسين عليهما السلام ما اصاب من مصيبة في الأرض ولا في انفسهم إلا في كتاب من قبل ان نبراها ان ذلك على الله يسير واما زينب فانها لما رات راس الحسين (ع) اهوت الى جيبها فشقته ثم نادت بصوت حزين يقرح الكبد ويوهى الجلد يا حسيناه يا حبيب جده الرسول ويا ثمرة فؤاد الزهراء البتول يا ابن بنت المصطفى يا ابن مكة ومنى يا ابن علي المرتضى فضج المجلس بالبكاء ويزيد ساكت وهو بذاك شامت ثم دعا بقضيب فجعل ينكت ثنايا الحسين فاقبل عليه أبو برزة الاسلمي وقال ويحك اتنكت بقضيبك ثغر الحسين بن فاطمة اشهد لقد رايت النبي صلى الله عليه وآله يرشف ثناياه وثنايا اخيه ويقول انتما سيدا شباب أهل الجنة فقتل الله قاتلكما ولعنه واعد له جهنم وساءت مصيرا فغضب يزيد وأمر باخراجه سحبا وروي ان الحسن بن الحسن لما رآه يضرب بالقضيب موضع فم رسول الله قال واذلاه سمية امسى نسلها عدد الحصى * وبنت رسول الله ليس لها نسل

[ 80 ]

وكان قد دخل أهل الشام يهنونه بالفتح فقام منهم احمر ازرق فنظر الى فاطمة بنت الحسين وكانت وضيئة فقال يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية فقالت فاطمة لعمتها يا عمتاه أو تمت وأستخدم فقالت زينب لا والله ولا كرامة لك ولا له إلا ان يخرج من ديننا فاعاد الازرق الكلام فقال له يزيد وهب الله لك حتفا قاطعا ثم تمثل بابيات ابن الزبعرى ليت اشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الاسل فاهلوا واستهلوا فرحا * ثم قالوا يا يزيد لا تشل قد قتلنا القوم من ساداتهم * وعدلناه ببدر فاعتدل فقامت زينب بنت علي عليه السلام وقالت الحمد لله رب العالمين وصلى الله على رسوله وآله اجمعين صدق الله كذلك يقول (ثم كان عاقبة الذين اساؤا السوئ ان كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤن) اظننت يا يزيد حيث اخذت علينا اقطار الارض وآفاق السماء فاصبحنا نساق كما تساق الاسراء ان بنا على الله هوانا وبك على الله كرامة فشمخت بانفك ونظرت الى عطفك حين رايت الدنيا ستوثقا حين صفا لك ملكنا وسلطاننا فمهلا مهلا نسيت قوله تعالى (ولا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم خير لانفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا اثما ولهم عذاب مهين) ثم تقول غير متأثم: فاهلوا واستهلوا فرحا * ثم قالوا يا يزيد لا تشل متنحيا على ثنايا أبي عبد الله سيد شباب أهل الجنة تنكتها بمخصرتك وكيف لا تقول ذلك وقد نكأت القرحة واستأصلت الشافة باراقتك دماء

[ 81 ]

الذرية الطاهرة وتهتف باشياخك لتردن موردهم اللهم خذ بحقنا وانتقم لنا من ظالمنا فما فريت الا جلدك ولا حززت إلا لحمك بئس للظالمين بدلا وما ربك بظلام للعبيد فالى الله المشتكى وعليه المتكل فوالله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا والحمد لله الذي ختم لاولنا بالسعادة ولاخرنا بالشهادة ويحسن علينا الخلافة انه رحيم ودود فقال يزيد يا صيحة تحمد من صوائح * ما اهون الموت على النوائح ودعا يزيد الخاطب وامره ان يصعد المنبر ويذم الحسين واباه فصعد وبالغ في ذم أمير المؤمنين والحسين سلام الله عليهما والمدح لمعاوية ويزيد فصاح به علي بن الحسين (ع) ويلك ايها الخاطب اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق فتبوا مقعدك من النار ولقد اجاد ابن سنان الخفاجي بقوله يا امة كفرت وفي افواها * القرآن فيه ضلالها ورشادها اعلى المنابر تعلنون بسبه وبسيفه نصبت لكم اعوادها تلك الخلائق بينكم بدرية * قتل الحسين وما خبت احقادها وكانت النساء مدة مقامهم بدمشق ينحن عليه بشجو وانة ويندبن بعويل ورنة ومصاب الاسرى عظم خطبه والاسى لكم الثكلى عال طبه أو سكن في مساكن لا يقيهن من حر ولا برد حتى تقشرت الجلود وسال الصديد بعد كن الخدور وظل الستور والصبر ظاعن والجزع مقيم والحزن لهن نديم ووعد يزيد لزين العابدين عليه السلام بقضاء ثلاث

[ 82 ]

حاجات وعن أبي عبد الرحمن بن عبد الله بن عقبة بن لهيعة الحضرمي عن أبي الاسود محمد بن عبد الرحمن قال لقيني راس الجالوت بن يهوذا فقال والله ان بينى وبين داود سبعين أبا واليهود تلقاني فتعظمني وانتم ليس بين ابن النبي وبينه إلا اب واحد قتلتم ولده وكان يزيد يتخذ مجالس الشراب واللهو والقيان والطرب ويحضر راس الحسين بين يديه فحضر مجلسه رسول ملك الروم وكان من اشرافهم فقال يا ملك العرب هذا راس من قال مالك ولهذا الراس قال انى إذا رجعت الى ملكنا يسالنى عن كل شئ شاهدته فاحببت ان اخبره بقضية هذا الراس وصاحبه ليشاركك في الفرح والسرور قال هذا راس الحسين بن علي قال ومن امه قال فاطمة بنت رسول الله فقال النصراني اف لك ولدينك لي دين احسن من دينكم ان أبي من حفدة داود عليه السلام وبيني وبينه آباء كثيرة والنصارى يعظمون قدري ويأخذون من تراب قدمى تبركا بانى من الحوافد وقد قتلتم ابن بنت نبيكم وليس بينه وبينه إلا ام واحدة فقبح الله دينكم ثم قال ليزيد ما اتصل اليك حديث كنيسة الحافر قال قل قال بين عمان والصين بحر مسيرة سنة فيه جزيرة ليس بها عمران إلا بلدة واحدة في الماء طولها ثمانون فرسخا في ثمانين ما على وجه الأرض مدينة مثلها منها يحمل الكافور والعنبر والياقوت اشجارها العود وهي في اكف النصارى فيها كنايس كثيرة اعظمها كنيسة الحافر في محرابها حقة ذهب معلقة فيها حافر حمار ويقولون كان يركبه عيسى (ع) وحول الحقة مزين

[ 83 ]

بانواع الجواهر والديباج يقصدها في كل عام عالم من النصارى وانتم تقتلون ابن بنت نبيكم لا بارك الله فيكم ولا في دينكم فقال يزيد اقتلوه لئلا يفضحنى في بلاده فلما احس بالقتل قال تريد ان تقتلني قال نعم قال اعلم انى رايت البارحة نبيكم في المنام يقول يا نصراني أنت من أهل الجنة فتعجبت من كلامه وانا اشهد ان لا اله إلا الله وان محمدا رسوله ثم نهض الى الراس فضمه الى صدره وقبله وبكى ورات سكينة في منامها وهي بدمشق كان خمسة نجب من نور قد اقبلت وعلى كل نجيب شيخ والملائكة محدقة بهم ومعهم وصيف يمشى فمضى النجب واقبل الوصيف الي وقرب مني وقال يا سكينة ان جدك يسلم عليك فقلت وعلى رسول الله السلام يا رسول رسول الله من أنت قال وصيف من وصايف الجنة فقلت من هؤلاء المشيخة الذين جاؤا على النجب قال الاول آدم صفوة الله والثانى إبراهيم خليل الله والثالث موسى كليم الله والرابع عيسى روح الله فقلت من هذا القابض على لحيته يسقط مرة ويقوم اخرى فقال جدك رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت واين هم قاصدون قال الى ابيك الحسين فاقبلت اسعى في طلبه لاعرفه ما صنع بنا الظالمون بعده فبينما انا كذلك إذ اقبلت خمسة هوادج من نور في كل هودج امراة فقلت من هذه النسوة المقبلات قال الاولى حواء ام البشر والثانية آسيه بنت مزاحم والثالثة مريم بنت عمران والرابعة خديجة بنت خويلد والخامسة الواضعة يدها على راسها تسقط مرة وتقوم اخرى فقلت من فقال جدتك فاطمة

[ 84 ]

بنت محمد ام ابيك فقلت والله لاخبرنها ما صنع بنا فلحقتها ووقفت بين يديها ابكي واقول يا امتاه جحدوا والله حقنا يا امتاه بددوا والله شملنا يا امتاه استباحوا والله حريمنا يا امتاه قتلوا والله الحسين ابانا فقالت كفى صوتك يا سكينة فقد اقرحت كبدي وقطعت نياط قلبى هذا قميص ابيك الحسين معى لا يفارقنى حتى القى الله به ثم انتبهت واردت كتمان ذلك المنام وحدثت به اهلي فشاع بين الناس ودعا يزيد يوما بعلي بن الحسين وعمر بن الحسن وكان عمر صغيرا فقال له اتصارع ابني خالد فقال لا ولكن اعطني سكينا واعطه سكينا ثم اقاتله فقال يزيد ما تتركون عداوتنا صغارا وكبارا ثم قال شنشنة اعرفها من احزم * هل تلد الحية إلا حية وخرج يوما زين العابدين عليه السلام يمشى في اسواق دمشق فلقيه المنهال بن عمرو فقال كيف امسيت يا ابن رسول الله قال امسينا كمثل بني اسرائيل في آل فرعون يذبحون ابناءهم ويستحيون نسائهم يا منهال امست العرب تفتخر على العجم بان محمدا وامست قريش تفتخر على سائر العرب بان محمدا منها وامسينا معشر أهل بيته ونحن مقتولون مشردون فانا لله وانا إليه راجعون مما امسينا فيه يا منهال ولله در مهيار بقوله في العترة الطاهرة يعظمون له اعواد منبره * وتحت ارجلهم اولاده وضعوا باى حكم بنوه يتبعونكم * وفخركم انكم صحب له تبع

[ 85 ]

ثم قال يزيد لعلي بن الحسين وعدتك بقضاء ثلاث حاجات اذكرها فقال الاولى ترينى وجه سيدى الحسين عليه السلام لاتزود والثانية ترد علينا ما اخذ منا لأن فيه مغزل فاطمة وقميصها وقلادتها والثالثة ان كنت عزمت على قتلي فوجه مع النسوة من يوصلهن الى حرم جدهن قال أما وجه ابيك فلن تراه ابدا وأما قتلك فقد عفوت عنك فما يوصلهم الى المدينة غيرك وأمر برد المأخوذ وزاد عليه مائتي دينار ففرقها زين العابدين عليه السلام على الفقراء والمساكين ثم أمر يزيد بمضي الاسارى الى اوطانهم مع نعمان بن بشير وجماعة معه الى المدينة وأما الراس الشريف اختلف الناس فيه قال قوم ان عمرو بن سعيد دفنه بالمدينة وعن منصور ابن جمهور انه دخل خزانة يزيد بن معاوية لما فتحت وجد به جونة حمراء فقال لغلامه سليم احتفظ بهذه الجونة فانها كنز من كنوز بني امية فلما فتحها إذا فيها راس الحسين عليه السلام وهو مخضوب بالسواد فقال لغلامه آتنى بثوب فاتاه فلفه ثم دفنه بدمشق عند باب الفراديس عند البرج الثالث مما يلي المشرق وحدثني جماعة من اهل مصر ان مشهد الراس عندهم يسمونه مشهد الكريم عليه من الذهب شئ كثير يقصدونه في المواسم ويزورونه ويزعمون انه مدفون هناك والذي عليه المعول من الاقوال انه اعيد الى الجسد بعد ان طيف به في البلاد ودفن معه ولقد احسن نايح هذه المرثية في فادح هذه الرزية راس بن بنت محمد ووصيه * للناظرين على قناه يرفع

[ 86 ]

والمسلمون بمنظر وبمسمع * لا منكر فيهم ولا متفجع كحلت بمنظرك العيون عماية * واصم رزأك كل اذن تسمع ايقضت اجفانا وكنت لها كرى * وانمت عينا لم تكن بك تهجع ما روضة الا تمنت انها * لك حفرة ولخط قبرك مضجع ولما مر عيال الحسين (ع) بكربلاء وجدوا جابر بن عبد الله الانصاري رحمة الله عليه وجماعة من بني هاشم قدموا لزيارته في وقت واحد فتلاقوا بالحزن والاكتياب والنوح على هذا المصاب المقرح لاكباد الاحباب وناحت عليه الجن وكان نفر من اصحاب النبي صلى الله عليه وآله منهم المسور بن مخرمة ورجال يستمعون النوح ويبكون وذكر صاحب الذخيرة عن المحشر عن عكرمة انه سمع ليلة قتله بالمدينة مناد يسمعونه ولا يرون شخصه ايها القاتلون جهلا حسينا * ابشروا بالعذاب والتنكيل كل أهل السماء تبكى عليكم * من نبى وملائك وقبيل قد لعنتم على لسان ابن داو * د وموسى وصاحب الانجيل وروى ان هاتفا سمع بالبصرة ينشد ليلا ان الرماح الواردات صدورها * نحو الحسين تقاتل التنزيلا ويهللون بان قتلت وإنما * قتلوا بك التكبير والتهليلا فكانما قتلوا اباك محمدا * صلى عليه الله أو جبريلا وعن ام سلمة قالت ما سمعت نوح الجن على أحد منذ قبض رسول

[ 87 ]

الله صلى الله عليه وآله حتى قتل الحسين (ع) فسمعت قائلة تنوح إلا يا عين فاحتملي بجهدي * ومن يبكى على الشهداء بعدى على رهط تقودهم المنايا * الى متجبر في الملك عبد وعن أبي حباب لما قتل الحسين عليه السلام ناحت عليه الجن فكان الجصاصون يخرجون بالليل الى الجبانة فيسمعون الجن يقولون مسح النبي جبينه * فله بريق بالخدود وابوه من اعلى قريش * وجده خير الجدود وناحت عليهن الجن فقالت لمن الابيات بالطف على كره بنينا * تلك ابيات الحسين يتجاوبن رنينا وذكر ابن الجوزي في كتاب النور في فضائل الايام والشهور نوح الجن عليه فقالت لقد جئن نساء الجن يبكين شجيات ويلطمين خدودا كالدنانير نقيات ويلبسن ثياب السود بعد القصبيات وعن أبي السدى عن أبيه قال كنا غلمة نبيع البر في رستاق كربلا بعد مقتل الحسين (ع) فنزلنا برجل طئ فتذاكرنا قتلة الحسين ونحن على الطعام وانه ما بقى من قتله الا من اماته الله ميتة سوء وقتله قتلة سوء والشيخ قائم على رؤوسنا فقال هذا كذبكم يا أهل العراق والله اننى لمن

[ 88 ]

شهد قتل الحسين وما بها اكثر مالا منى ولا اثرى فرفعنا ايدينا من الطعام والسراج تتقد بالنفط فذهبت الفتيلة تنطفئ فجاء يحركها باصبعه فاخذت اصبعه فاهوى بها إلى فيه فاخذت النار لحيته فبادر الى الماء ليلقى نفسه فيه فلقد رايته يلتهب حتى صار حممة ولما اجتمع عبيد الله بن زياد وعمر ابن سعد بعد قتل الحسين (ع) قال عبيد الله لعمر اتنى بالكتاب الذي كتبته اليك في معنى قتل الحسين ومناجزته فقال ضاع قال لتجيئني به اتراك معتذرا في عجائز قريش قال عمر والله لقد نصحتك في الحسين نصيحة لو استشارني ابها ابي سعد كنت قد اديت حقه فقال عثمان بن زياد اخو عبيد الله بن زياد صدق والله لوددت انه ليس من بني زياد رجل إلا وفي انفه خزامة الى يوم القيامة وان حسينا لم يقتل قال عمر بن سعد والله ما رجع أحد بشر مما رجعت اطعت عبيد الله وعصيت الله وقطعت الرحم ورويت الى ابن عائشة قال مر سليمان بن قتيبة العدوى ومولى بني تميم بكربلاء بعد قتل الحسين عليه السلام بثلاث فنظر الى مصارعهم فاتكا على فرس له عربية وانشا مررت على ابيات آل محمد * فلم ارها امثالها يوم حلت الم تر ان الشمس اضحت مريضة * لفقد حسين والبلاد اقشعرت وكانوا ارجاءا ثم اضحوا رزية * لقد عظمت تلك الرزايا وجلت وتسالنا قيس فنعطي فقيرها * وتقتلنا قيس إذا النعل زلت وعند غني قطرة من دمائنا * سنطلبهم يوم بها حيث حلت

[ 89 ]

فلا يبعد الله الديار واهلها * وان اصبحت منهم برغم تخلت فإن قتيل الطف من آل هاشم * اذل رقاب المسلمين فذلت وقد اعولت تبكى النساء لفقده * وانجمنا ناحت عليه وصلت وقيل الابيات لابي الرمح الخزاعي حدث المرزبانى قال دخل أبو الرمح الى فاطمة بنت الحسين بن علي عليهم السلام فانشدها مرثية في الحسين (ع) وقال اجالت على عينى سحائب عبرة * فلم تصح الدمع حتى ارمعلت تبكى على آل النبي محمد * وما اكثرت في الدمع لا بل اقلت اولئك قوم لم يشيموا سيوفهم * وقد نكأت اعداؤهم حين سلت وان قتيل الطف من آل هاشم * اذل رقابا من قريش فذلت فقالت فاطمة يا أبا رمح اهكذا تقول قال فكيف اقول جعلني فداك قالت قل (اذل رقاب المسلمين فذلت) فقال لا انشدها بعد اليوم إلا هكذا قالت الرواة كنا إذ اذكرنا عند محمد بن علي الباقر عليهما السلام قتل الحسين (ع) قالوا قتلوا سبعة عشر انسانا كلهم ارتكض من بطن فاطمة بنت اسد ام علي عليه السلام والى هذا اشار شاعرهم يقول واندبى تسعة لصلب علي * قد اصيبوا وستة لعقيل وابن عم النبي عونا اخاهم * ليس فيما ينوبهم بخذول وسمى النبي غودر فيهم * قد علوه بصارم مسلول ولما رجع صحب آل الرسول من السفر بعد طول الغيبة وعدم

[ 90 ]

الظفر لفقد حملاة الكتاب وحماة الاصحاب وقد خلفوا للسبط مفترشا للتراب بعيدا من الاحباب بقفرة بهماء وتنوفة شوهاء لا سمير لمناجيها ولا سفير لمفاجيها واعينهم باكية ليتم البقية الزاكية فاسفت إلا اكون رائد اقدامهم ورافد خدى لموطئ اقدامهم وقلت هذه الابيات بلسان قالى ولسان حالهم ولما وردنا ماء يثرب بعدما * اسلنا على السبط الشهيد المدامعا ومدت لما نلقاه من الم الجوى * رقاب المطايا واستكانت خواضعا وجرع كاس الموت بالطف انفسا * كراما وكانت للرسول ودايعا وبدل سعد الشم من آل هاشم * بنحس فكانوا كالبدور طوالعا وقفنا على الاطلال نندب اهلها * اسى وتبكى الخاليات البلاقعا فلما وصل زين العابدين (ع) الى المدينة نزل وضرب فسطاطه وانزل نساءه وارسل بشير بن حذلم لاشعار أهل المدينة بايابه مع اهله واصحابه فدخل وقال يا أهل يثرب لا مقام لكم بها * قتل الحسين فادمعى مدرار الجسم منه بكربلاء مضرج * والراس منه على القناة تدار ثم قال هذا علي بن الحسين عليهما السلام قد نزل بساحتكم وحل بعقوتكم وانا رسوله اعرفكم مكانه فلم يبق في المدينة مخدرة ولا محجبة إلا برزت وهن بين باكية ونائحة ولاطمة فلم ير يوم أمر على أهل المدينة منه وخرج الناس الى لقائه واخذوا المواضع والطرق قال بشير فعدت

[ 91 ]

الى باب الفسطاط وإذا هو قد خرج وبيده خرقة يمسح بها دموعه وخادم معه كرسى فوضعه وجلس وهو مغلوب على لوعته فعزاه الناس فاومى إليهم ان اسكتوا فسكنت فورتهم فقال الحمد لله رب العالمين مالك يوم الدين بارئ الخلائق اجمعين الذي بعد فارتفع في السموات العلى وقرب فشهد النجوى نحمده على عظائم الامور وفجائع الدهور وجليل الرزء وعظيم المصائب ايها القوم ان الله وله الحمد ابتلانا بمصيبة جليلة وثلمة في الاسلام عظيمة قتل أبو عبد الله وعترته وسبى نسائه وصبيته وداروا برأسه في البلدان من فوق عالى السنان ايها فاى رجالات منكم يسرون بعد قتله ام أي عين تحبس دمعها وتصن عن انهمالها فلقد بكت السبع الشداد لقتله وبكت البحار والسموات والأرض والاشجار والحيتان والملائكة المقربون وأهل السموات اجمعون ايها الناس أي قلب لا ينصدع لقتله ام أي فؤاد لا يحن إليه ام أي سمع يسمع هذه الثلمة التي ثلمت في الاسلام ايها الناس اصبحنا مطرودين مشردين مذودين شاسعين كأنا اولاد ترك أو كابل من غير جرم اجترمناه ولا مكروه ارتكبناه ما سمعنا بهذا في آبائنا الاولين ان هذا إلا اختلاق والله لو ان النبي تقدم إليهم في قتالنا كما تقدم إليهم في الوصاة بنا لما زادوا على ما فعلوه فانا لله وانا إليه راجعون فقام إليه صوخان بن صعصعة بن صوحان وكان زمينا فاعتذر إليه فقبل عذره وشكر له وترحم على أبيه ثم دخل زين العابدين (ع) وجماعته دار الرسول فرآها مقفرة الطلول خالية

[ 92 ]

من سكانها خالية باحزانها قد غشيها القدر النازل وساورها الخطب الهايل واطلت عليها عذبات المنايا وظلتها جحافل الرزايا وهي موحشة العرصات لفقد السادات للهام في معاهدها صياح وللرياح في محو آثارها الحاح ولسان حالها يندب ندب الفاقدة وتذرى دمعا من عين ساهدة، وقد جالت عواصف النعامى والدبور، في تلك المعالم والقصور، وقالت يا قوم اسعدوني باسالة الغروب، على المقتول المسلوب، وعلى الازكياء من عترته، والاطائب من امرته، فقد كنت آنس بهم في الخلوات، واسمع تهجدهم في الصلوات، فذوي غصنى المثمر، واظلم ليلى المقمر، فما يحف جفنى من التهيام، ولا يقل قلقي لذلك الغرام، وليتني حيث فاتتني المواساة عند النزال، وحرمت معالجة تلك الاهوال، كنت لاجسادهم الشريفة مواريا، وللجثث الطواهر من ثقل الجنادل واقيا، لقد درست باندراسهم سنن الاسلام، وجفت لفقدهم مناهل الانعام، وانمحت آثار التلاوة والدروس، وعطلت مشكلات الطروس، فوا أسفا على خيبة بعد انهدام اركانه، وواعجبا من ارتداد الدهر بعد ايمانه، وكيف لا اندب الطلال الدوارس، وأوقظ الاعين النواعس، وقد كان سكانها سماري، في ليلى ونهارى، وشموسي واقمارى، ابية على الايام بجوارهم، واتمتع بوطئ اقدامهم وآثارهم، واشرف على البشر يسيرهم وانشق ريا العبير من نشرهم، فكيف يقل حزنى وجزعي، ومخمد حرقي وهلعي،

[ 93 ]

قال جعفر بن محمد بن نما مصنف هذا الكتاب وقد رثيتها بابياتى هذه للدار وجعلتها خاتمة ما قلته من الاشعار وقفت على دار النبي محمد * فالفيتها قد اقفرت عرصاتها وامست خلاءا من تلاوة قارئ * وعطل منها صومها وصلاتها وكانت ملاذا للعلوم وجنة * من الخطب يغشى المعتقين صلاتها فأقوت من السادات من آل هاشم * ولم يجتمع بعد الحسين شتاتها فيعنى لقتل السبط عبرى ولوعتي * على فقده ما تنقضي زفراتها فيا كبدي كم تصبرين على الاذى * اما آن ان يغنى اذن حسراتها فلذ ايها المفتون بهذا المصاب ملاذ الحماة من سفرة الكتاب بلزوم الاحزان على ائمة الايمان فقد رويت عن والدي رحمة الله عليه ان زين العابدين عليه السلام كان مع حلمه الذي لا توصف به الرواسى وصبره الذي لا يبلغه الخل المواسى شديد الجزع والشكوى لهذه المصيبة والبلوى بكى اربعين سنة بدم مسفوح وقلب مقروح يقطع نهاره بصيامه وليله بقيامه فإذا احضر الطعام لافطاره ذكر قتلاه وقال واكرباه ويكرر ذلك ويقول قتل ابن رسول الله جائعا قتل ابن الله عطشانا حتى يبل ثيابه قال أبو حمزة الثمالى سئل عليه السلام عن كثرة بكائه فقال ان يعقوب فقد سبطا من اولاده فبكى عليه حتى ابيضت عيناه وابنه حى في الدنيا ولم يعلم انه مات وقد نظرت الى أبي وسبعة عشر من أهل بيتي قتلوا في ساعة واحدة فترون حزنهم يذهب من قلبي

[ 94 ]

(وقد ختمت كتابي هذا بابيات ابن زيدون المغربي فهى) (تنفذ في كبد المحزون نفوذ السمهرى) بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا * شوقا اليكم ولا جفت ماقينا تكاد حين تناجيكم ضمائرنا * يقضى الاسى لولا تاسينا حالت لبعدكم ايامنا فغدت * سودا وكانت بكم بيضا ليالينا ليسق عهدكم عهد السرور فما * كنتم لارواحنا إلا رياحينا من مبلغ الملبسينا بانتزاحهم * ثوبا من الحزن لا يبلى ويبلينا ان الزمان الذي قد كان يضحكنا * انسا بقربكم قد عاد يبكينا غيظ العدى من تساقين الهوى فدعوا بان نغص فقال الدهر آمينا فانحل ما كان معقودا بانفسنا * وانبت ما كان موصولا بايدينا ولا نكون ولا يخشى تفرقنا * واليوم نحن ولا يرجى تلاقينا لا تحسبوا نأيكم عنا يغيرنا * أن طال ما غير الناى المحبينا وما طلبت اهواؤنا بدلا من‍ * - كم ولا انصرفت عنكم امانينا لم نعتقد بعدكم إلا الوفاء لكم * رأيا ولم نتقلد غيره دينا يا روضة طال ما اجنت لواحظنا * وردا جلاه الصبى غضا ونسرينا ويا نسيم الصبا بلغ تحيتنا * من لو على البعد حيا كان يحيينا لسنا نسميك اجلالا وتكرمة * وقدرك المعتلى في ذاك يكفينا إذا انفردت وما شوركت في صفة * فحسبنا الوصف ايضاحا وتبيينا

[ 95 ]

لم نجف افق كمال انت كوكبه * سالين عنه ولم نهجره قالينا عليك منا سلام الله ما بقيت * صبابة بك نخفيها فتخفينا والى ها هنا انتهت مقاصدنا وعلى الله جل جلاله في المكافاة معتمدنا وإليه ملاذنا ومردنا ونسأله أن لا يخلى قاريه ومستمعيه من لطفه ويقرينا وإياهم من عفوه وعطفه ويجعل حزننا عليهم وجزعنا لهم دائما لا يتغير وعرفا لا يتنكر حتى نلقى محمدا صلى الله عليه وآله وقد واسيناه في أهل بيته بالمصاب والبعد عن ظالميهم والاغتراب وان كان فينا من استهوته الغفلة واستغوته الاسائة عن لبس شعار الاحزان وإسالة الدمع الهتان حتى فانحل ما كان معقودا بانفسنا * وانبت ما كان موصولا بايدينا ولا نكون ولا يخشى تفرقنا * واليوم نحن ولا يرجى تلاقينا لا تحسبوا نأيكم عنا يغيرنا * أن طال ما غير الناى المحبينا وما طلبت اهواؤنا بدلا من‍ * - كم ولا انصرفت عنكم امانينا لم نعتقد بعدكم إلا الوفاء لكم * رأيا ولم نتقلد غيره دينا يا روضة طال ما اجنت لواحظنا * وردا جلاه الصبى غضا ونسرينا ويا نسيم الصبا بلغ تحيتنا * من لو على البعد حيا كان يحيينا لسنا نسميك اجلالا وتكرمة * وقدرك المعتلى في ذاك يكفينا إذا انفردت وما شوركت في صفة * فحسبنا الوصف ايضاحا وتبيينا

[ 95 ]

لم نجف افق كمال انت كوكبه * سالين عنه ولم نهجره قالينا عليك منا سلام الله ما بقيت * صبابة بك نخفيها فتخفينا والى ها هنا انتهت مقاصدنا وعلى الله جل جلاله في المكافاة معتمدنا وإليه ملاذنا ومردنا ونسأله أن لا يخلى قاريه ومستمعيه من لطفه ويقرينا وإياهم من عفوه وعطفه ويجعل حزننا عليهم وجزعنا لهم دائما لا يتغير وعرفا لا يتنكر حتى نلقى محمدا صلى الله عليه وآله وقد واسيناه في أهل بيته بالمصاب والبعد عن ظالميهم والاغتراب وان كان فينا من استهوته الغفلة واستغوته الاسائة عن لبس شعار الاحزان وإسالة الدمع الهتان حتى فارق هذا المقام ويداه صفر من عطائك خالية من رجائك فاسهم اللهم له من ثواب الباكين ما يوصله الى درجة الخاشعين واحشرنا مع النبيين والمرسلين والصديقين وفي زمرة الشهداء والصالحين وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية