الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




شرح مئة كلمة- ابن ميثم البحراني

شرح مئة كلمة

ابن ميثم البحراني


[ 1 ]

شرح العالم الربانى كمال الدين ميثم بن على بن ميثم البحراني قدس سره على المائة كلمة لامير المؤمنين على بن أبى طالب عليه السلام عنى بطبعه ونشره وتصحيحه والتعليق عليه مير جلال الدين الحسينى الارموي المحدث منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية في قم المقدسة

[ 2 ]

مقدمة الناشر بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى اما بعد فهذه مقدمة مختصره تبحث عن ترجمة الشارع وكتابه الحاضر قال العالم الخبير الخائض في تراجم العلماء والسادات السيد محمد باقر الخوانساري (ره) في روضات الجنات (ص 581 - 582 من النسخة المطبوعة): الشيخ كمال الدين ميثم بن على بن ميثم البحراني كان من العلماء الفضلاء المدققين متكلما ماهرا له كتب منها شروح نهج البلاغة، كبير ومتوسط وصغير، وشرح المائة كلمة، ورسالة في الامامة، ورسالة في الكلام، ورسالة في العلم وغير ذلك، يروي عنه السيد عبد الكريم بن أحمد بن طاووس وغيره، كذا في أمل الامل. وقال صاحب اللولوة بعد عدة من جملة مشايخ العلامة أعلى الله مقامه ومقامه: اما الشيخ ميثم المذكور فانه العلامة الفيلسوف المشهور. وقال شيخنا العلامة الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني - عطر الله مرقده - في رسالته المسماة بالسلافة البهية في الترجمة الميثمية: هو الفيلسوف المحقق والحكيم المدقق قدوة المتكلمين وزبدة الفقهاء والمحدثين كمال الدين ميثم بن على بن ميثم البحراني غواص بحر المعارف ومقتنص شوارد الحقائق واللطائف، ضم الى الاحاطة بالعلوم الشرعية واحراز قصبات السبق في العلوم الحكمية

[ 3 ]

والفنون العقلية ذوقا جيدا في العلوم الحقيقية والاسرار العرفانية كان ذا كرامات باهرة ومآثر زاهرة ويكفيك دليلا على جلالة شانه وسطوع برهانه اتفاق كلمة ائمة الاعصار وأساطين الفضلاء في جميع الامصار على تسميته بالعالم الربانى وشهادتهم له بأنه لم يوجد مثله في تحقيق الحقائق وتنقيح المباني، والحكيم الفيلسوف سلطان المحققين واستاذ الحكماء والمتكلمين نصير الملة والدين محمد الطوسي شهد له بالتبحر في الحكمة والكلام ونظم غرر مدائحه في أبلغ نظام، واستاذ البشر والعقل الحادي عشر سيد المحقيق الشريف الجرجاني على جلال قدره في اوائل فن البيان من شرح المفتاح قد نقل بعض تحقيقاته الانيقة وتعليقاته الرشيقة وعبر عنه ببعض مشايخنا ناظما نفسه في سلك تلامذته ومفتخرا بالانخراط في سلك المستفيدين من حضرته المقتبسين من مشكوة فطرته، والسيد السند الفيلسوف الاوحد مير صدر الدين محمد الشيرازي أكثر النقل عنه في حاشية شرح التجريد سيما في مباحث الجواهر والاعراض والتقط فرائد التحقيقات التى ابدعها - عطر الله مرقده - في كتاب المعراج السماوي وغيره من مؤلفاته لم تسمح بمثله الاعصار ما دار الفلك الدوار وفى الحقيقة من اطلع على شرح نهج البلاغة الذى صنفه للصاحب خواجة عطا ملك الجوينى وهو عدة مجلدات شهد له بالتبريز في جميع الفنون الاسلامية والادبية والحكمية والاسرار العرفانية. ومن مآثر طبعه اللطيف وخلقه الشريف على ما حكاه في مجالس المؤمنين انه - عطر الله مرقده - في أوائل الحال كان معتكفا في زاويه العزلة والخمول مشتغلا بتحقيق حقائق الفروع والاصول فكتب إليه فضلاء الحلة والعراق صحيفة تحتوى على عذله وملامته على هذه الاخلاق وقالوا: العجب منك انك مع شدة مهارتك في جميع العلوم والمعارف وحذاقتك في تحقيق الحقائق وابداع اللطائف قاطن في طلول الاعتزال، ومخيم في زاوية الخمول الموجب لخمود نار الكمال، فكتب في جوابهم هذه الابيات: طلبت فنون العلم أبغى بها العلى * فقصرني عما سموت به القل

[ 4 ]

تبن لى أن المحاسن كلها * فروع وأن المال فيها هو الاصل فلما وصلت هذه الابيات إليهم كتبوا إليه انك اخطات في ذلك خطاء ظاهرا وحكمك بأصالة المال عجب بل اقلب تصب، فكتب في جوابهم هذه الابيات وهى لبعض الشعراء المتقدمين: قد قال قوم بغير علم * ما المرؤ الا بأكبريه فقلت قول امرئ حكيم * ما المرؤ الا بدرهميه من لم يكن درهم لديه * لم تلتفت عرسه إليه ثم انه عطر الله مرقده لما علم ان مجرد المراسلات والمكاتبات لا تنفع الغليل ولاتشفى العليل توجه الى العراق لزيارة الائمة المعصومين عليهم السلام واقامة الحجة على الطاعنين ثم انه بعد الوصول الى تلك المشاهد العلية لبس ثيابا خشنة عتيقه وتزيى بهيئة رثة بالاطراح والاحتقار خليقة ودخل بعض مدار س العراق المشحون بالعلماء والحذاق فسلم عليهم فرد بعضهم عليه السلام بالاستثقال والانتقاع التام فجلس - عطر الله مرقده - في صف النعال ولم يلتفت إليه أحد منهم ولم يقضوا واجب حقه وفى اثناء المباحثة وقعت بينهم مسألة مشكلة دقيقة كلت منها أفهامهم وزلت فيها أقدامهم فأجاب - روح الله روحه وتابع فتوحه - بتسعة أجوبة في غاية الجودة والدقة فقال له بعضهم بطريق السخرية والتهكم: إخالك طالب علم ؟ ! ثم بعد ذلك أحضر الطعام فلم يؤاكلوه - قدس سره - بل أفردوه بشئ قليل على حدة واجتمعوا هم على المائدة فلما انقضى ذلك المجلس قام - قدس سره - ثم انه عاد في اليوم الثاني إليهم وقد لبس ملابس فاخرة بهية بأكمام واسعة وعمامة كبيرة وهيئة رائعة فلما قرب وسلم عليهم قاموا له تعظيما واستقبلوه تكريما وبالغوا في ملاطفته ومطايبته واجتهدوا في تكريمه وتوقيره وأجلسوه في صدر ذلك المجلس المشحون بالافاضل والمحققين والاكابر المدققين ولما شرعوا في المباحثة والمذاكرة

[ 5 ]

تكلم معهم بكلمات عليلة لاوجه لها عقلا ولا شرعا فقابلوا كلماته العليلة بالتحسين والتسليم والاذعان على وجه التعظيم فلما حضرت مائدة الطعام بادروا معه بأنواع الادب فألقى الشيخ - قدس سره - كمه في ذلك الطعام مستعتبا على اولئك الاعلام وقال: كل ياكمى، فلما شاهدوا تلك الحالة العجيبة أخذوا في التعجب والاستغراب واستفسروه - قدس سره - عن معنى ذلك الخطاب فأجاب - عطر الله مرقده - بأنكم انما أتيتم بهذه الاطعمة النفيسة لاجل أكمامي الواسعة لا لنفسي القدسية اللامعة والا فانا صاحبكم بالامس وما رايت تكريما مع انى جئتكم بالامس بهيئه الفقراء وسجية العلماء واليوم جئتكم بلباس الجبارين وتكلمت بكلام الجاهلين فقد رجحتم الجهالة على العلم والغنى على الفقر وأنا صاحب الابيات التى في أصالة المال وفروعية الكمال التى أرسلتها اليكم وعرضتها عليكم وقابلتموها بالتخطئة وزعمتم انعكاس القضية فاعترف الجماعة بالخطا في تخطئتهم واعتذروا عما صدر منهم من التقصير في شانه قدس سره. مصنفاته وله من المصنفات البديعة والرسائل الجليلة ما لم يسمح بمثلها الزمان ولم يظفر بنظيرها احد من الاعيان، منها كتاب شرح نهج البلاغة وهو حقيق بان يكتب بالنور على الاحداق لا بالحبر على الاوراق وهو عدة مجلدات، ومنها شرحه الصغير على نهج البلاغة جيد مفيد جدا، رايته في حدود الحادية والثمانين بعد الالف، وكتاب الاستغاثة في بدع الثلاثة، لم يعمل مثله، وكتاب شرح الاشارات اشارات استاذه العالم قدوة الحكماء وامام الفضلاء الشيخ السعيد الشيخ على بن سليمان البحراني وهو في غاية المتانة والدقة على قواعد الحكماء المتألهين وله كتاب القواعد في علم الكلام يعنى به كتابه المسمى بقواعد المرام وعندنا منه نسخة قديمة وقد فرغ من تصنيفه في شهر ربيع الاول من سنة ست وسبعين وستمائه، قال: وكتاب المعراج السماوي، وكتاب البحر الخضم ورسالة في الوحى والالهام وسمعت من بعض الثقات ان له شرحا ثالثا على كتاب نهج البلاغة متوسطا.

[ 6 ]

وفاته مات قدس سره سنة تسع وسبعين وستمائة ذكر ذلك الشيخ البهائي (ره) في المجلد الثالث من الكشكول. انتهى المقصود من نقل كلام الشيخ المتقدم ذكره. أقول: ومن مصنفاته قدس سره كتاب شرح المائة كلمة، كان عندي فذهب منى في بعض الوقائع التى جرت على، وله كما ذكره الشيخ الفاضل الشيخ على بن محمد بن حسن الشهيد الثاني في كتاب الدر المنثور كتاب النجاة في القيامة في تحقيق أمر الامامة قال قدس سره وقال الشيخ ميثم البحراني في كتاب نجاة القيامة في تحقيق أمر الامامة أن اهل اللغة لا يطلقون لفظ الاولى الا فيمن يملك تدبير الامر الى آخر ما نقله. وله أيضا كما ذكره بعض مشايخنا المحققين من متأخرى المتأخرين كتاب استقصاء النظر في امامة الائمة الاثنى عشر. ثم ان ما ذكره شيخنا المذكور من نسبته كتاب الاستغاثة في بدع الثلاثة للشيخ المشار إليه غلط قد تبع فيه بعض من تقدمه ولكن رجع عنه فيما وقفت عليه من كلامه وبذلك صرح تلميذه العالم الشيخ عبد الله بن صالح البحراني (ره) وانما الكتاب المذكور كما صرحا به لبعض قدماء الشيعة من أهل الكوفة وهو على بن أحمد أبو القاسم الكوفى والكتاب يسمى كتاب البدع المحدثة ذكره النجاشي في جملة كتبه ولكن اشتهر في ألسنة الناس تسميته بالاسم الاول ونسبته للشيخ ميثم، ومن عرف سليقة الشيخ ميثم في التصنيف ولهجته واسلوبه في التأليف لا يخفى عليه ان الكتاب المذكور ليس جاريا على تلك اللهجة ولا خارجا من تلك اللجة واما ما ذكرناه من شرحه الصغير فانه قد كان عندي وذهب فيما وقع على كتبي في بعض الوقائع وبقى عندي الشرح الكبير. وذكر بعض العلماء في حواشيه على الخلاصة أن ميثم حيثما وجد فهو بكسر الميم الا

[ 7 ]

ميثم البحراني فانه بفتح الميم. وقبر الشيخ المذكور الان في بلادنا البحرين في قرية هلتامن احدى القرى الثلاثة من الماحوز المتقدم ذكرها وقبر جده ميثم في قرية الدونج وقد قبر شيخنا الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني صاحب الرسالة المذكورة في قربه لانه من قرية الدونج كما تقدم ذكر ذلك في صدر الاجازة عند ذكر ترجمته ونقل بعض أن قبره في نواحى العراق، والاول أشهر. تلامذته ويروى عنه جملة من الاصحاب منهم السيد الاجل السيد عبد الكريم بن السيد أحمد بن طاووس الى أن قال ومنهم الشيخ سعيد الدين محمد بن جهم الاسدي الحلى انتهى كلام صاحب لؤلؤه البحرين في حق هذا الرجل. وقد ذكره أيظا صاحب كتاب مجمع البحرين في مادة مثم فقال: وميثم بن على بن ميثم البحراني شيخ صدوق ثقه له تصانيف منها شرح نهج البلاغة لم يعمل مثله، وله كتاب القواعد في اصول الدين، وله كتاب استقصاء النظر في امامة الائمة الاثنى عشر لم يعمل مثله، وله كتاب الاستغاثة في بدع الثلاثة حسن جدا، وله رسالة في آداب البحث وهو شيخ نصير الدين في الفقه وله مجلس عند المحقق الشيخ نجم الدين (ره) ومباحثه وأقرا له بالفضل وشيخنا أبو السعادات رضوان الله عليهم أجمعين انتهى. وقد عرفت بطلان نسبة كتاب الاستغاثة إليه (ره) من كلام صاحب اللؤلؤة وهو عندنا من القطعيات الاولة لما بينا في ذيل ترجمة مصنف هذا الكتاب على الحقيقة على بن أحمد بن موسى الرضوي الموسوي فاليراجع. واما مجلس مباحثة الرجل مع مولانا المحقق الحلى - فكأنه من جملة مجالسه المنيفة التى قد عرفتها من تقرير صاحب المجالس ثم ان في توضيح الاشتباه نسبة الغلط الى صاحب المجمع في اخذ هذه التسمية من مادة " " مثم " " معللة باتفاق سائر اهل اللغة على ذكرها في مادة " وثم " دون " مثم " و " يثم " فياء ميثم منقلبة عن الواو لكسر ما قبلها ولو كان مفتوحا لقالوا: موثم، لاميثم وفيه ايضا في ذيل ترجمة

[ 8 ]

ميثم التمار الذى هو من جملة حملة الاسرار: وهو بكسر الميم وسكون الياء وقال بعضهم بفتح الميم ولعله سهو فظهر من كل ذلك ايضا ان تفصيل من نقل عن حاشيته على الخلاصة كلام بلا دليل لا يصح على محضه التعويل نعم لم يزد صاحب القاموس في مادة " " وثم " " على قوله: وميثم اسم، فسكت فيه عن ضبط هذه الصيغة اما تعويلا على معروفية كونها مكسورة الميم أو من جهة احتمالها الحركتين وفيه ايضا من الاشارة الى كونها غير ذات معنى اصلى في لغة العرب ما لا يخفى وان كان الظاهر عندنا انها اسم آلة من الوثم الذى هو بمعنى الدق كما ان الميسم الذى هو بالسين المهملة مفعل من الوسم الذى هو بمعنى الكى ونحوه واصله من الواو ايضا بقرينة جمعه على مواسم كما افيد ". أقول: حيث كانت هذه الترجمة اجمع ترجمة للشارح (ره) اكتفى المحدث القمى الحاج الشيخ عباس (ره) عند ذكره لهذا العالم في كتابه " " الكنى والالقاب " " بتلخيصها وقال (ص 419): " " كمال الدين ميثم بن على بن ميثم البحراني العالم الربانى والفيلسوف المتبحر المحقق والحكيم المتأله المدقق جامع المعقول والمنقول استاذ الفضلاء الفحول صاحب الشروح على نهج البلاغة، يروى عن المحقق نصير الدين الطوسى والشيخ كمال الدين على بن سليمان البحراني، ويروى عنه آية الله العلامة والسيد عبد الكريم بن طاوس. قيل: ان الخواجة نصير الدين الطوسى تلمذ على كمال الدين ميثم في الفقه وتلمذ كمال الدين على الخواجة في الحكمة، توفى سنه 679 (خعط) وقبره في هلتا من قرى ماحوز وحكى عن بعض العلماءان ميثم حيثما وجد فهو بكسر الميم الاميثم البحراني فانه بفتح الميم والله تعالى العالم وكتب الشيخ سليمان البحراني رسالة في أحواله سماها السلافة البهية ". أما كتاب القواعد فقد طبع بهامش المنتخب للطريحي المطبوع في بمبئى سنة 1331. كلمة حول هذا الشرح يؤخذ مما مر من كلمات العلماء عند الاشارة الى اسم هذا الشرح والتعبير عنه ان

[ 9 ]

اسمه " شرح المائه كلمة " ولم اقف له على اسم غير ذلك لافى التراجم ولا في الشرح الحاضر لكن السيد الجليل السيد اعجاز حسين النيسابوري الكنتورى - اعلى الله درجته - قال في كشف الحجب والاستار عن اسامى الكتب والاسفار في حرف الشين مانصه (ص 349 من النسخة المطبوعة): " شرح كلام امير المومنين عليه السلام الموسوم بالمائة كلمة للشيخ كمال الدين ميثم بن على بن ميثم البحراني شارح نهج البلاغة اسمه منهاج العارفين ". وقال في حرف الميم (ص 566): " " منهاج العارفين في شرح كلام امير المؤمنين عليه السلام الموسوم بالمائة كلمة للشيخ كمال الدين ميثم بن على بن ميثم البحراني شارح نهج البلاغة " ". فكأنه اسم تعينى لاتعيينى بمعنى ان الشارح (ره) رحمه الله لم يسم شرحه هذا بهذا الاسم لكن الشرح لما كان مشتملا على مطالب عالية ومباحث مهمة وفوائد كثيرة جمة من المطالب العرفانية سمته الفضلاء المستفيدون منه بمنهاج العارفين. أما المؤلف له أعنى الوزير شهاب الدين مسعود بن كرشاسف الذى كتب الشارح (ره) هذا الشرح لاجله وأتحفه اياه فلم أعرفه إذ لم اعثر على شئ فيما عندي من الكتب يدلني على معرفة بحاله. النسخ التى كانت عندي حين طبع الكتاب ورموزها. كانت عندي اربع نسخ من هذا الشرح حين طبعه، ثلاث منها كانت لى وموجودة في مكتبتي وواحدة منها كانت من كتب مكتبة جامعة طهران من الكتب التى أهداها الاستاذ السيد محمد مشكوة الى هذه المكتبة والنسخة مورخة هكذا " " فقد فرغت من نسخته السادس من شهر جمادى الاخر (ى) من الهجرة النبوية في سنة ثلاث وثلاثمائة بعد الف " ". وهى مثبتة ومضبوطة في المكتبة ومفهرسة (انظر فهرس المكتبة، المجلد الثاني تأليف علينقى المنزوى ص 285 - 286 تحت عنوان " منهاج العارفين " رقم 174. وكانت ت عندي باجازة الاستاذ المشار إليه فنشكره شكرا جزيلا وجعلنا حرف الدال " د " رمزا لهذه النسخة.

[ 10 ]

اما النسخة التى جعلنا عليها مدار الطبع هي النسخة التى وضعنا صورة الصفحة الاولى والاخيرة منها مع صورة ما على ظهرها بين يدى القارئين وكانت منتسخة بيد حسن بن محمد بن على مشرف العيثانى ومورخة بشهر ربيع الاول من سنة سبعين وثمانمئين (أي ثمانمائه) فراجع صورة الصفحتين ان شئت وانما جعلناها اساس الامر وبنينا عليها طبع الكتاب لكونها اقدم النسخ المذكورة واصحها واتقنها كما يعرفه من هو أهل الفن من صور الصفحات، وحرف الالف " ا " رمز لهذه النسخة وحرفا الباء " ب " والجيم " ج " رمز النسختين الباقيتين ولا حاجة الى ذكر خصائصها الا انه كما كانت نسخة الالف أعلى النسخ ونسخة الدال أدناها كانت النسختان الباقيتان اعني نسختا " ب " و " ج " متوسطتين بينهما في الجودة والرداءة. حسن اتفاق كتب الى صديقى الفاضل الاجل ميرزا جعفر سلطان القرائى - دام بقاؤه -: مما يجرى مجرى الاتفاقات الحسنة ويصير من مصاديق قولهم: الاسماء تنزل من السماء، هذه العبارة الفارسية " شرح ابن ميثم چاب سيد جلال الدين " فان مجموع اعداد حروفها تاريخ طبع الكتاب. والسلام على من اتبع الهدى. وكان تحرير ذلك في الليلة السابعة والعشرين من المحرم الحرام سنة 1390 = 15 فروردين 1349 مير جلال الدين الحسينى الارموى المحدث يبصوره ما على ظهر النسخة المشار إليها بحرف الالف " ا " التى بنى عليها طبع الكتاب

[ 11 ]

اول صفحة من النسخة المشار إليها بحرف الالف " ا " التى اسس عليها طبع الكتاب 12) اخر صفحة من النسخة المشار إليها بحرف الالف " ا " التى عليها اساس طبع الكتاب

[ 1 ]

بسم الله الرحمن الرحيم اللهم يا ذا الجلال والاكرام يا حي يا قدوس يا سلام، يا مبدأ الجود ومنبعه وغاية كل موجود ومرجعه، يا نور الانوار وعالم خفيات الاسرار، احمدك على عواطف كرمك وسوابغ نعمك، لا مجازاة (1) لفضلك (2) واحسانك بل خضوعا لعزتك وسلطانك، ولا استنكافا من تطولك وامتنانك بل استكانة لعظمتك وعلو شأنك، واخلي ذاتي عن كل معبود بلا اله واحليها بالاانت وبما انت اهله، وأتمم زينتها بشهادة أن محمدا عبدك ورسولك، الجالى لصدء القلوب، الفاتح لخزائن الغيوب، المورى لقبس الهدى بعد ان غشى ظلام الجهل أبصار العقول، الرافع لموضحات الاعلام بعد ان ضل الدليل وتاه المدلول، اللهم وأسلك ان تتحفه شرائف، (3) صلواتك وتمنحه نوامى بركاتك، وان تجعل لآله وخلفائه الراشدين من ذلك اجزل حظ واوفاه واوفر قسط وانماه، وأسلك ان تنور قلبى بلوامع هدايتك وتلحظ وجودي بعين عنايتك، انك انت الوهاب. اما بعد فلما كان اكمل السعادات واتمها واشرف الدرجات واهمها هو الوصول الى الواحد الحق والحصول في المقعد (4) الصدق حيث تنمحق ابصار البصائر في تلك المشارق (5) وتحترق القلوب في تلك المحارق، وكان مولانا وامامنا سيد الوصيين امير المؤمنين


(1) ب " " مجاراة " ". (2) ب " " لتفضلك " ". (3) ج د " بشرائف ف (4) د " " مصعد " ". (5) - سقط ورقتان من نسخة ج، والساقط من الكلمات يبتدأ من هنا. (6) - ا د " المخارق "

[ 2 ]

ذو الايات الجلية والكرامات العلية على بن ابى طالب سلام الله عليه ممن تسنم من تلك الدرجات اعلاها وفاز من تلك المقامات باجلاها (1) واسماها حتى ظهرت ينابيع الحكمة على لسانه وسطع صبح الحق من افق برهانه، فلاحت من وادى كماله اعلامه الزاهرة ولوحت الى شرف قوته القدسية آياته الباهرة حتى لقد كفرت فيه طائفة لما (2) رات من تلك الايات (3) وزعمت انه اله الارض والسماوات، وفسقت الاخرى بمنابذته بغيا عليه وحسدا، ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك احدا (4)، وكان من جملة حكمه البالغة وشموسه البازغة (5) مائه من الكلم جمعت لطائف الحكم، انتخبها من كلماته الامام أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ عفى الله عنه وكان ممن استجمع فضيلتي العلم والادب وحكم بان كل كلمة منها تفى بالف من محاسن كلام العرب ولم يخصها من سائر حكمه (6) لمزيد جلاله بل لضمها (7) الوجازة الى الجزالة ثم اتفق اتصالي بمجلس الصاحب المعظم ملك وزراء العالم العالم العادل ذى النفس القدسية والرياسة الانسية شهاب الدنيا والدين مسعود بن كرشاسف ضاعف الله جلاله وادام اقباله فألفيته منخرطا في سلك الروحانيات معرضا عن الاجسام والجسمانيات موليا بوجهه شطر القبلة الحقيقية متلقيا بقوته العقلية اسرار المباحث اليقينية (8)، احظى جلسائه لديه من نطق بحكم واكرمهم عليه من حاوره في علم، احببت أن اتحف حضرته العلية بكشف استار بعض (9) تلك الكلمات ورموزها وابراز (10) ما ظهر لي من دفائنها وكنوزها، وشرعت في ذلك معتصما بالله وملتمسا للعذر ممن عثر لى على هفوة (11) واطلع منى على زلة فانى مع قصور استعدادي عن درك هذا المقام احوالى الحاضرة جارية على غير نظام، وعلى الله قصد السبيل وهو حسبى ونعم الوكيل.


(1) - " باجلها " (2) - " يمكن قراءتها " لما " (بلام الجر وما الموصلة). (3) - د: " الكرامات ". (4) - ذيل آية 49 سورة الكهف. (5) - في النسخ " الطالعة ". (6) - د: " كلمة ". (7) - د " الالتضمنها ". (8) - د " النفسية ". (9) - ب: " بعض استار ". (10) - د " واظهار ". (11) - د " هبوة ".

[ 3 ]

وقد رتبت هذه الرسالة على ثلاثة اقسام، القسم الاول في المبادى والمقدمات التى يجب تقديمها في اثبات هذا المطلوب، وفيه فصول: الفصل الاول في النفس الحيوانية ولواحقها، وفيه ابحاث: البحث الاول في تحقيقها وبرهان وجودها بقول وجيز: ان العناصر الاربعة قد يبلغ استعداد مزاجها في التمام الى درجة اعلى من مزاج المعدن والنبات كما علمت ذلك في موضع اليق به فيقبل حينئذ كمالا اشرف من كماله وهو النفس الحيوانية، وحدها أنها كمال اول لجسم طبيعي آلى معد لقبول الحس والحركة، والاحتراز بالطبيعي عن الصناعي، وبالاول (1) عن الكمال الثاني كالعلم وغيره وبالالى عن صور العناصر. واما برهان وجودها فقالوا: ان العضو المفلوج فيه قوة نفسانية لان العناصر المتجاذبة الى الانفكاك لا تجتمع الا لقاسر قبل الامتزاج وهو مغاير للمزاج وتوابعه لتأخرها عنه وهو اما ان يكون قوة الحس والحركة وهو باطل لعدمها في (2) العضو المفلوج، أو قوة التغذية وهو أيضا باطل لانها قد تبطل مع بقاء الحيوانية ولان الغاذية موجودة (3) للنبات فلو اعدت لقبول الحس والحركة لكان النبات مستعدا لهما، أو مغايرا (4) لهذين القسمين وهو المطلوب، ولما كانت هذه النفس بعد ما يعمها من القوى (5) النباتية تختص بقوتين، احداهما مدركة والاخرى محركة وكانت بعد المدركات تنقسم الى


(1) - د: " وبالكمال الاول ". (2) - ب د: " من ". (3) - د: " موجودية ". (4) - د: " أو مغاير ". (5) - في النسخ: " قوى ".

[ 4 ]

ظاهرة وباطنة وجب أن نبحث (1) عن ماهية الادراك واقسام المدركات. البحث الثاني في ماهية الادراك ادراك الشئ هو ان تكون حقيقته متمثلة عند المدرك يشاهدها ما به يدرك (2) والمراد بتمثل الحقيقة عند المدرك حضور مثال الحقيقة في ذات المدرك ان لم يكن ادراكة بتوسط آله، أوفى آلته إن كان الادراك بتوسط الآله: وبيان ذلك ان الحقائق المدركة اما كليات أو جزئيات، اما الكليات فالمدرك العقل بذاته فقط من دون توسط آله، واما الجزئيات وان ادركها العقل لكن لا بذاته بل بتوسط ادراكات جزئية لقوى اخرى هي آله له (3) وهى المسماة بالحواس ولكل واحد منها أيضا آلة فحيث حصل مثال الشئ المدرك في آلة الحس ولاقاه وشاهده فتلك المشاهدة هي الاحساس والادراك والمثال الحاصل في آلة الحس هو المحسوس في الحقيقة واما تسمية الشئ الخارجي الذى حصل مثاله في آلة الحس محسوسا فمجاز لكونه سببا لحصول هذا المثال وانما يكون سببا عند حصول نسبة وضعية بينه وبين آلة الحس بحيث لو لم يكن لم يحصل الاحساس، واعتبر عدم (4) تلك النسبة الى حس ابصارنا كالاجسام الغائبة فانا لعدم تلك النسبه لا ندركها بحس البصر، وفى تحقيق ماهيه الادراك وانه حضور مثال الحقيقة في ذات المدرك أو في آلته أو امر اعم مكن ذلك غموض يحتاج الى بحث لا يحتمله موضعنا. البحث الثالث في الحواس الظاهرة وهى خمس فالاول حس اللمس ورسمه انه قوة منبثة في جميع البشرة واللحم بها يدرك ما يماسه ويتصل به،


(1) - د: " وجب البحث ". (2) - هذا التعريف ماخوذ من الاشارات بعين عبارته. (3) - ب " آله للعقل له ". (4) - د " عندهم ".

[ 5 ]

والغرض منه انه لما كان الحيوان الارضى مركبا من العناصر الاربعة وصلاحه بصلاحها وفساده بتغالبها وجب أن يكون له تلك القوة ليدرك بواسطتها المنافي فيحترز (1) عنه والملائم فيطلبه ويقرب منه، والمحسوسات به الكيفيات الاربع (2) وهى الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، وكذلك الصلابة واللين والخشونة والملامسة والثقل والخفة ومن شرط هذا الادراك أن تكون كيفية الملموس مخالفه لكيفيتة فيكون اما ابرد منه مثلا اواحر فانها لو كانت مشابهة لكيفيته لم ينفعل الجلد منه البتة كصاحب الدق فانه لا يدرك حرارة حماه لسخونة مزاج اعضائه. الثاني - حسن الذوق، وهو قوة رتبت في العصبة المفروشة على سطح اللسان التى هي من جملة الزوج الثالث من الاعصاب التى تنبت من الدماغ وتدرك الطعوم من الاجرام المماسة بواسطة مخالطة تلك المطعومات للرطوبة العذبة (3) اللعابية التى تحصل من الملعبة ووجب كون هذه الرطوبة خالية عن الطعم في ذاتها لتكون صالحة لهذه التأدية والتوسط، ولو كان لها طعم في ذاتها أو مركبا من طعمها وطعم غيرها لاستحال ادراك طعم الشئ وحده ولهذا لما عرض لها طعم المرارة في فم المرضى لم تكن مطعوماتهم صادقة الطعوم بالنسبة إليهم ولهذا خلقت خالية عن الطعم وكانت لزجة لئلا يسرع إليها الجفاف بسبب حرارة الحيوان. الثالث - حس الشم وهو قوة رتبت في الزائدتين في (4) مقدم الدماغ الشبيهتين (5) بحلمتي الثدى هما آلة الشم (6) مدركة للروائح بتوسط الهواء المنفعل (7) عن ذى الرائحة اما بأن ينفصل من ذى الرائحة بخار مكيف بتلك الرائحة ويختلط بالهواء اما بان يستعد الهواء بمجاورة ذلك الشئ لقبول رائحة مثل رائحته فتفاض تلك الرائحة من واهبها. فاما ما يقال بان الرائحة تنفصل من ذى الرائحة فتدرك، غلط، إذ العرض


(1) ا: " ليحترز ". (2) - د: " ويعرف منه المحسوسات به المتلقيات الاربع ". (3) - د: " العذية ". (4) - د " من ". (5) - ا: " المشبهتين ". (6) - ا: " آلة للشم ". (7) - د: " المنفصل ".

[ 6 ]

لا ينتقل من جسم الى جسم فإذا وصل ذلك الهواء الى طرف الانف تأدى (1) الى تينك (2) الزائدتين وانفعلتا عن تلك الرائحة وكيفياتها فادركتها القوة المذكورة (3) فكان ذلك شما وادراكا للرائحة. الرابع - حسن السمع وهى قوة نافذة من (4) الدماغ الى الاذن في عصبة نابتة من الدماغ الى الصماخ مبسوطة عليه ممدودة كمد الجلد على الطبل وهذه العصبة آلة تلك القوة وهى مدركة للصوت بتوسط الهواء وهو هيئة تحصل في الهواء بسبب تموج يقع له بحركة عنيفة اما من قرع بعنف (5) يحصل عن اصطكاك جسمين صلبين فينضغط الهواء بينهما وينفلت (6) بشدة واما من قلع بقوة فيدخل الهواء بشدة بين الجسمين المنفصلين ويحصل من هذين السببين (7) تموج الهواء على هيئة مستديرة كما ترى في (8) الدوائر الحاصلة في الماء الراكد عند رمى حجر في وسطه فانها اولا تكون صغيرة ثم تتسع فتضعف قليلا قليلا الى ان تنمحي فإذا انتهى هذا التموج الى الهواء الذي في الاذن حركه حركة مخصوصة على هيئة مخصوصة فتنفعل العصبة المفروشة على الصماخ من تلك الحركة فيحصل هناك طنين فتلاقيه القوة المذكورة فيها وتدركه فيسمى هذا الادراك سماعا، وقد يتفق (9) ان يتصل هذا التموج بجسم صلب فيصكه ويرتد عنه فينعطف ثانيا ويتصل بهواء الاذن فتنفعل العصبة عنه فتدركه قوة السمع ويقع ذلك في الحمامات والجبال والبيوت المجصصة ويسمى صدى. الخامس - حسن البصر وهو قوة مرتبة في العصبتين المجوفتين النابتتين من الدماغ الى كل واحدة من العينين مدركة للصور المنطبعة في الرطوبة الجليدية بتوسط جسم لطيف نوراني ينبعث من الدماغ ساريا في تينك العصبتين المجوفتين الى العين يسمى ذلك الجسم الروح الباصر (10) وهو آله تلك القوة وحاملها كما ستعرف ان شاء الله تعالى


(1) - ا: " فأدى ". (2) في الاصل: " تلك ". (3) - د: " المدركة ". (4) - ا: " في ". (5) - د: " عنيف ". (6) - ب: " ينقلب " د: " ينقلب ". (7) - د: " الشيئين ". (8) - ب د: " من ". (9) - د: " اتفق. (10) - د: " الناظر ".

[ 7 ]

وهذا الرأى اعني ان الابصار بسبب انطباع صورة المرئى في الرطوبة الجليدية هو رأى الحكيم ارسطو وعليه آراء متأخري الحكماء، وفى كيفية الابصار مذهب اخر وهو انه انما يكون بخروج شعاع من العين على شكل مخروط تتصل (1) قاعدته بسطح المرئي وزاويته متصله بنقطة الناظر، وهو مذهب باطل، وعلى بطلانه براهين كثيرة ويكفيك منها ههنا ان تعلم انه لو كان كذلك لاختلف الرؤية عند هبوب الرياح وركودها لممانعة الهواء ولكان ما تحت الممانعات (2) من ذوات الالوان احق بأن يرى مما في الزجاجات الصافية لسهولة نفوذ الشعاع هناك، والتاليان باطلان فالمقدم كذلك، وباقى البراهين مذكورة في المطولات. ثم ان لهذا الانطباع الذى تأخذ عنه القوة شروطا سبعة احدها سلامة الحاسة من الافات، الثاني عدم الحجاب بين الرائى والمرئي، الثالث حصول النسبة الوضعية بينهما وهى المقابلة، الرابع كون المقابل ذالون، الخامس ان لا يكون بينهما بعد مفرط، السادس ان لا يكون بينهما قرب مفرط، السابع ان لا يكون جسم المرئى في غاية الصغر، فإذا فرضنا تمام هذه الشروط فان آلة الحس حينئذ تصير مستعدة لحصول ذلك المرئى فيها أي صورة مطابقة فيها صورة الشئ ومثاله الا ان بينهما فرقا وهو حصول القوة المدركة هناك دون المرآة فادراك القوة لتلك الصورة المنطبعة يسمى ابصارا، والاهم للحيوان من هذه الخمس هو الذوق واللمس واما ما عداهما فقد يتعرى عنها بعض الحيوانات. واعلم ان لهذه القوى حكمين عامين: احداهما - انها لا تزيد على الخمس وبرهانه ان الطبيعة لا تنتقل من درجة الى ما فوقها الابعد استكمال جميع تلك الدرجة فيها فلو كان في الامكان حس آخر لكان حاصلا للانسان وحيث لم يحصل علمنا انه ليس بممكن. الثاني - النوم واليقظة وحقيقتهما أن الجرم اللطيف الحاصل للقوى النفسانية المسمى روحا نفسانيا (3) كما ستعرفه إذا انصب في الحواس حصلت الادراكات


(1) - د: " تستطيل " (2) - ب: " تحجب المانعات ". 3) - ا: " انسانيا ".

[ 8 ]

الظاهرة وهو اليقظة وان لم ينصب إليها أو رجع عنها بعد انصبابه إليها تعطلت الحواس الظاهرة فذلك التعطل هو النوم. واعلم ان الرجوع بعد الانصباب (وعدم الانصباب) (1) قد يكون كل واحد منهما طبيعيا وقد لا يكون، فالاول الرجوع الطبيعي وهو اما بالتبعية لغيره كما إذا رجع الروح الحيوانى الذي ستعرفه ايضا الى الباطن لانضاج الغذاء فتبعها (2) الروح النفساني اولا بالتبعية وهو كما إذا تحلل جوهر الروح في اليقظة فرجع الى الباطن طلبا لبدل ما يتحلل. الثاني الرجوع الغير الطبيعي وهو كما إذا اقبلت الطبيعة على تنضيج العلة فيتبعها الروح النفساني. الثالث - عدم الانصباب الطبيعي وذلك ان يكون الروح في نفسه قليلا لا يفي بأن يبقى منه في الدماغ شئ ويخرج شئ منه الى آلات القوى. الرابع - عدم الانصباب الغير الطبيعي وذلك قد يكون لآفة تعرض للدماغ تنسد (3 معها مجاري الروح فلا يمكن نفوذه، وقد يكون لترطيب جوهر الروح فلا يقوى على البروز (4) كما كان في نوم السكرى وقد يكون لاسباب أخرى. البحث الرابع في الحواس الباطنة وهى ايضا خمسة: الاول - الحس المشترك ويسميه اليونانيون بنطاسيا وهو قوة مرتبة في الجزء الاول من التجويف المقدم من الدماغ مما يلى الوجة فاما فعلها فادراك جميع المحسوسات التى تدركها الحواس الظاهرة وذلك ان لهذه القوة خمس شعب فيها يسرى كل اثر يظهر للحواس وينتهى الى تلك القوة فتدركة واما برهان وجودها فمن وجهين، احدهما - لو لم يكن لنا هذه القوة لما امكننا (5) ان نحكم بان هذا الاصفر هو هذا الحلو فان القاضى على الشيئين لابد ان يحضره المقضى عليهما وليس هذا حكم العقل فان المحسوسات لا تدرك


(1) - ما بين القلابين سقط من نسخة ا. (2) - ب: " فيتبعها ". (3) - ا: " تفسد " د: " ينسد ". (4) - ب " البروزى ". (5) - ب: " لما امكنا " (بتشديد النون).

[ 9 ]

الا بآلة جسمانية ولان البهائم الخالية عن (1) العقل لها هذا الحكم فان صورة العشب وطعمه مدركان لها فإذا للمحسوسات الظاهرة اجتماع في قوة وراء العقل واذ (2) ليس ولا واحد من الحواس الظاهرة كذلك لاختصاص كل منها بمدرك خاص فلابد من قوة اخرى باطنة وهو المطلوب. الثاني - نرى القطر النازل خطا مستقيما مع انه ليس في الخارج الا قطرات متفاصلة فهو إذا في الشعور فيكون في قوة مدركة له وليست القوة الباصرة فان البصر لا ينطبع فيه الشئ الا كما هو في الخارج، ولا النفس لانها لا تدرك الجزئيات فلابد من قوة اخرى وهو المطلوب. الثاني - الخيال وهو قوة مرتبة في الجزء الاخير من التجويف المقدم من الدماغ واما فعلها فحفط الصور المحسوسة بعد غيبتها عن الحس وبقائها فيها، واما برهان مغايرتها فلان الحس مدرك وهذه القوة حافظة والحفظ غير الادراك والقبول فان الماء له قوة قبول الاشكال لرطوبته وليس له قوة الحفظ لعدم اليبوسه، وليسا بقوة واحدة لاستحالة ان يصدر عن القوة الواحدة اثران (3) فإذا الحفظ لقوة اخرى تجرى مجرى الخزانة لقوة الحس المشترك يجتمع (4) فيها ما تقتنصه من صور المحسوسات بالحواس الظاهرة. الثالث - الوهم وهو قوة مرتبة في اخر التجويف الاوسط من الدماغ، وفعلها ادراك المعاني الجزئية الغير المحسوسة الموجودة في المحسوسات كادراك الشاة معنى في الذئب يوجب الهرب ومعنى في التيس (5) يوجب الطلب وهى في سائر الحيوان بمنزلة العقل للانسان وقد تكون هذه القوة في بعض الحيوانات اشد واقوى من بعض، والفرق بينهما وبين مدرك الصور الجزئية ظاهر. الرابع - الحافظة وتسمى الذاكرة باعتبار آخر وهى قوة مرتبة في التجويف


(1) - ب: " من ". (2) - ب: " إذا " (3) - ا: " امران ". (4) - ا: " لقوة الحس يجتمع ". (5) في النسخ: " الطيس ".

[ 10 ]

الثالث من الدماغ فعلها حفظ هذه المعاني الجزئية التى يدركه الوهم، ونسبتها الى الوهم نسبة الخيال الى الحس المشترك وكما ان هناك مبدء هو الحس المشترك وخازنا هو الخيال فكذا هنا مبدء هو الوهم وخازن وهو الحافظة ومغايرته للوهم تعلمها من الفرق بين الحس والخيال الخامس - المتخيلة وهو قوة مودعة في مقدم التجويف الاوسط من الدماغ عند الجسم المسمى بالدودة لشبهه بها، وفعلها الخاص بها تفتيش الخزانتين والتصرف فيهما بتركيب بعض مودعاتهما مع بعض وتفصيل بعضها عن بعض فقد تركب بين صورتين تدركهما من خزانة الصور كتركيب انسان برأس ثور ونحوه، وقد تركب الصور بالمعاني والمعاني بمثلها، وقد يستعين العقل بها في ادراك المعقولات لانها آلة الوهم الذى هو آلة العقل وبها يكون اقتناص الحد (1) الاوسط وهى المحاكية للمدركات العقلية بالهيئات المزاجية وتنتقل الى الضد والشبه (2) فإذا تصرفت في الخزائن باشارة العقل بواسطة الوهم سميت بهذا الاعتبار مفكرة ومن دون استعمال العقل لها تسمى متخيلة، ولما كان فعل هذه القوة تفتيش الخزانتين كان اليق المواضع بها وسط الدماغ لتكون (3) متوسطة لهما قضاء من المدبر الحكيم عز سلطانه، وانما عرفت مواضع هذه القوى باعتبارات ظنية من فساد قوة مخصوصة منها عن آفة تعرض في موضع مخصوص من الدماغ والله ولى الهداية. البحث الخامس في القوى المحركة بالارادة وهى مترتبة بعضها تنسب إليها الحركة لانها باعثة عليها (وبعضها) " 4 " لانها فاعلة لها اما القوى الباعثة فأبعدها عن الحركة هي القوى المدركة المذكورة وهى المتخيلة والوهم في الحيوان والعقل العملي بتوسطهما في الانسان وتليها القوة النزوعية المسماة


(1) - ب: " وبها يكون اقتناص العقل وبها يكون الحد الاوسط ". (2) - ا: " والتشبيه ". (3) - اج: " فتكون ". (4) - هذه الكلمة في نسخه ب فقط.

[ 11 ]

شوقا فانها تبعث عن القوى المدركة اما الى طلب بحسب ادراك الملائمة في الشئ اللذيذ أو النافع سواء كان ادراكا مطابقا أو غير مطابق وتسمى شهوة واما الى دفع ومقاومة لادراك منافاة في الشئ المكروه أو الضاد وتسمى غضبا وتليها القوة المحركة الفاعلة وهى قوة تنبعث في الاعصاب والعضلات من شأنها تشنيج العضلات لجذب الاوتار والرباطات وارخائها وتمديدها وهى المسماة بالقدرة وهى بالحقيقة المحركة وما عداها فيجرى مجرى الامر الباعث باشارته والله الموفق. البحث السادس في الارواح الحاملة لهذه القوى واعلم ان لكل واحدة من القوى المدركة والمحركة روحا يختص به هو الحامل له تسمى روحا نفسانيا وتولده من (1) بطون الدماغ وينفذ في شظايا العصب الى سائر البدن ويقوم القوى النفسانية وينصب الى آلاتها ويحفظها على حالها وتولده يكون من جسم آخر يسمى روحا حيوانيا يتولد في القلب من بخار الدم الصافى اللطيف النقى ومن الهواء الداخل للاستنشاق وكيفية تولد النفساني عنه ان الروح الحيوانى يصعد من القلب الى الدماغ في العرقين الضاربين المعروفين بعرقي السبات (2) الصائرين الى الدماغ وينفذان الى القحف الى الموضع المعروف بقاعدة الدماغ وينقسمان هناك بضروب من القسم (3) ويكثر ما يتفرع منهما (4) من العروق فيصير بعضها فوق بعض ويخالط بعضها بعضا ويلتوى (5) بعضها على بعض ويشتبك حتى ينتسج من ذلك (6) نسيجة تشبه الشبكة ثم بعد انتساجها يصير منها عرقان ضاربان شبيهان بالاولين ويصعدان الى فوق هذا الموضع فيتفرقان (7) فيه فإذا صعد الروح الحيوانى من القلب وصار في هذه النسيجة وجال في عروقها ومكث طويلا


(1) - ب: " في ". (2) - " كذا ". (3) - ب: " القسمة ". (4) - د: " منها ". (5) - ا ج: " يستولى ". (6) - الساقط من النسخة الثالثة كما اشرنا إليه في الصفحة الاولى كان الى هنا. (7) - ج د: " فيفرقان " ولعل الصحيح: " فيفترقان ".

[ 12 ]

نضج غاية النضج وصفا فتولد منه الروح النفساني ولذلك اعدت هذه الشبكة لانضاج هذا الروح وتصييره روحا نفسانيا حتى استعدت به القوى المذكورة للادراك والتحرك فسبحان ناظم الوجود أحكم الحاكمين. الفصل الثاني في النفس الانسانية والفلكية، وفيه ابحاث: البحث الاول في ماهيتهما (1) وبراهين وجودهما (2) اما الماهية على ما يعم النفسين فقيل: انها جوهر غير المادة وغير موجود فيها من شأنه ان يحرك الاجسام ويدرك الاشياء، فإذا اردنا تخصيصها بالفلك قلنا: بالفعل، وإذا اردنا تخصيصه بالانسان قلنا: ويتهيأ لادراك الاشياء، فاحترزنا بالجوهر عن واجب الوجود والاعراض التسعة وبقولنا، غير المادة وغير موجود فيها، عنها وعن سائر الامور المادية، وبقولنا: يتهيا لادراك الاشياء، في الانسانية، عن الفلكية والعقول المجردة، لان كمالاتها حاصلة لها بالفعل من حيث هي: وبقولنا: في الفلكية، عن الانسانية، إذ كمالاتها في الاصل قوية وانما يحصل لها بالفعل بعد تمام استعداداتها لها. واما برهان وجود النفس الانسانية فمن وجهين: الاول - لو كانت القوة العاقلة جسما أو جسمانيا لضعفت بضعف البدن لان القوى الجسمانية في ذاتها وجميع كمالاتها الى اعتدال مزاج الجسم فوجب ان يضعف بضعفه لكن التالى باطل لان الفكر الكثير سبب لضعف الدماغ ولكمال النفس ولان القوة العاقلة تقوى بعد الاربعين مع اخذ البدن في النقصان فوجب ان يكون المقدم باطلا. الثاني - من طريق السمع قوله تعالى: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا


(1) - د: " ماهيتها ". (2) - ج د: " وجودها ".

[ 13 ]

بل احياء عند ربهم يرزقون (1) وقوله عليه السلام في بعض خطبه: حتى إذا حمل الميت على نعشه رفرفت روحه فوق النعش وتقول: يا اهلى ويا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بى، وجه الاستدلال ان نقول: لا شئ من الانسان المقتول والمتكلم بميت بمقتضى الاية والخبر وكل بدن وقوة فيه فميتة بالضرورة ينتج من الشكل الثاني لا شئ من الانسان ببدن ولا قوة فيه بالضرورة وهو (2) المعنى بالجوهر المجرد وعلى هذا المطلوب ادلة كثيرة عقلية ونقلية آثرنا تركها مراعاة للاختصار وهى مذكورة في المطولات. واما برهان وجودها للفلك فقالوا: لاشك ان الفلك متحرك بالاستدارة فحركته اما ان تكون طبيعية أو قسرية أو ارادية فالقسمان الاولان باطلان فتعين (3) الثالث، وانما قلنا: انها ليست طبيعية، لان كل وضع ونقطة متوجه إليها الحركة بالطبع فهى مفارقة لها بالطبع فالمطلوب بالطبع مهروب عنه بالطبع هذا خلف، وانما قلنا: انها ليست قسرية، لان القسر هو ما يكون على خلاف الطبع وحيث لاطبع فلا قسر (4) فبقى ان تكون ارادية فلها إذا ميل مستدير ارادي، وكل فاعل بالارادة فلابد وان يكون له شعور بفعله فللا فلاك قوة على الادراك والفعل وهى النفس، والمشاؤن (5) على ان تلك النفس جسمانية والشيخ على ان ما وراء ما اثبتوه للفلك من النفس نفس مجردة حجته ان الحركة الفلكية انما هي للتشبه بالعقول المجردة والتشبه بالشئ يستدعى ادراكه والمدرك للمجرد مجرد فللفلك نفس مجردة منتقشة بالعلوم الكلية والجزئية على الوجه الكلى نقشا فعليا وكذلك العقول المشبهة لها (6) وتحقيق هذه المقدمات وحل الشكوك التى تتوجة عليها (7) غير لائق بموضعنا فليطلب من مظانه.


(1) - آية 169 سورة آل عمران. (2) - ب د " وهى ". (3) - ج د: " فبقى. (4) - اب: " وحيث لا قسر فلا طبع ". (5) في هامش نسخة ا: " المشاؤون اصحاب المعلم الاول ". (6) - ب: " المتشبهة بها ". (7) - كذا في النسخ والصحيح: إليها.

[ 14 ]

البحث الثاني في قوى النفس الانسانية واعلم ان النفس الانسانية لها قوتان، نظرية وعملية، وكل منهما تسمى عقلا وان كان العقل يطلق على درجات القوة النظرية وعلى معان اخرى بحسب اشتراك الاسم كما تعلمه اما العملية فهى قوة محركة لبدن الانسان الى الافاعيل الجزئية على مقتضى آراء بعضها جزئية محسوسة وبعضها كلية اولية أو جزئية (1) أو ذائعة أو ظنية تحكم بها القوة النظرية من غير ان يختص حكمها بجزئي دون آخر والقوة العملية تستعين بالقوة النظرية في ذلك الى ان تنتهى الى الرأى الجزئي الحاصل فتعمل بحسبه وتحصل مقاصدها في طرفي المعاش والمعاد ولهذه القوة نسبة الى القوة النزوعية وعنهما يتولد كثير من الافاعيل كالضحك والبكاء، ونسبة الى الحواس الباطنة وهي استعمالها في استخراج الامور المصلحية والصناعات ونحوها ونسبة الى القوة النظرية ومنهما (2) تحصل المقدمات المشهورة والعملية هي التى يجب بمقتضى جبلتها ان يتسلط على القوى البدنية فتصرفها كما ينبغى فان اتفق لها أن انفعلت عن تلك القوى كان ذلك موجبا للبعد عن حضرة رب العالمين كما سنبين ان شاء الله تعالى. واما النظرية فهى التى لاجلها يصح من النفس ادراك الاشياء على الوجه (3) الصواب ولها في الاستكمال من الاستعداد مراتب ثلاثة ومثلت (4) في مبدئها بما (5) يكون للطفل من قوة الكتابة، وفى وسطها بما (6) يكون للناشئ المستعد لتعلمها، وفى منتهاها بما يكون للقادر عليها الذى لا يكتب وله أن يكتب متى شاء. فالمرتبة الاولى للنفس من الاستعداد المناسبة للمثال المذكور تسمى عقلا هيولانيا تشبيها لها بالهيولى الخالية في ذاتها عن جميع الصور المستعدة لقبولها وهذه المرتبة حاصلة لجميع اشخاص الناس في مبادئ الفطرة وقد اشير إليها في التنزيل الالهى وعبر عنها بالمشكاة في قوله تعالى:


(1) - ا: " أو الجزئية ". (2) - ج د " منها ". (3) - د: " وجه ". (4) - ج د: " وتنقلب ". (5) - " كما " ج د " مما ". (6) - ج د " مما ".

[ 15 ]

الله نور السماوات والارض مثل نوره كمشكوة فيها مصباح، الاية (1)، ووجه المناسبة بين المشكوة والعقل الهيولانى ان المشكوة مظلمة في ذاتها قابلة للنور لاعلى تساو لاختلاف السطوح والثقب فيها فالعقل الهيولانى اشبهها (2) فأطلق اسمها عليه. المرتبة الثانية وهى المناسبة للمثال المتوسط تسمى عقلا بالملكة وهو الاستعداد الحاصل بعد حصول المعقولات الاولى التى هي العلوم الاولية فتتهيأ لادراك المعقولات الثانية وهى العلوم المكتسبة والمثال المطابق لها من الاية الزجاجة، ووجه المناسبة كون الزجاجة في نفسها شفافة قابلة للنور اتم قبول كما ان النفس في تلك المرتبة كذلك ومراتب الناس


(1) - صدر آية 35 سورة النور وذيلها: (المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب درى يوقد من شجرة مباركة زيتونة لاشرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيئ ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدى الله لنوره من يشاء ويضرب الله الامثال للناس والله بكل شئ عليم). فليعلم ان الشارح (ره) قد اخذ هذا المطلب من الاشارات ونص عبارة ابن سينا فيه هكذا: " " اشارة - ومن قواها مالها بحسب حاجتها الى تكميل جوهرها عقلا بالفعل عباره فاوليها قوة استعدادية لها نحو المعقولات وقد يسميها قوم عقلا هيولانيا وهى المشكوة وتتلوها قوة اخرى تحصل لها عند حصول المعقولات الاولى فيتهيا بها لاكتساب الثواني اما بالفكرة وهى الشجرة الزيتونة ان كانت ضعفى أو بالحدس فهى زيت ايضا ان كانت اقوى من ذلك فيسمى عقلا بالملكة وهى الزجاجة والشريفة البالغة منها قوة قدسية يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار ثم يحصل لها بعد ذلك قوة وكمال اما الكمال فان يحصل لها المعقولات بالفعل مشاهدة متمثلة في الذهن وهو نور على نور واما القوة فان يكون لها ان يحصل المعقول المكتسب المفروغ منه كالمشاهد متى شاءت من غير افتقار الى اكتساب وهو المصباح وهذا الكمال يسمى عقلا مستفادا وهذه القوة تسمى عقلا بالفعل والذى يخرج من الملكة الى الفعل التام ومن الهيولانى ايضا الى الملكة فهو العقل الفعال وهو النار " " ومن اراد التفصيل فيه فليطلبه من شروح الاشارات. فليعلم ان الشارح (ره) قد اخذ مطالب كثيرة من كتاب الشفاء الا انه قد غير عباراتها في موارد وقد اكتفى بنقل عين العبارات ولم نشر إليها الا قليلا فمن اراد التطبيق فعليه ان يطابقهما. (2) - ج د: " يشبهها ".

[ 16 ]

في هذه القوة وفى تحصيل المكتسبة مختلفة فمنهم من حصلها بشوق ينبعث عن النفس فتبعث على (1) الحركة الفكرية الشاقة (2) في طلب تلك العلوم وهولاء هم اصحاب الفكر، ومثال الفكر من الاية الشجرة الزيتونة، ووجه المناسبة كونها مستعدة لان تصير قابلة للنور بذاتها لكن بعد حركة شاقة ولان المفكرة ذات شعب وفنون كما ان الزيتونة ذات شعب وغصون ومنهم من يظفر بها من غير حركة اما مع شوق اولا معه وهومن (3) اصحاب الحدس، ومثاله، من الاية الزيت لكونه اقرب الى الاشتعال من الزيتونة ومراتب صنفي (4) الحدس كثيرة والشريفة (5) من تلك المراتب قوة قدسية وهى من الاية (6) " " يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار " " لانها تكاد تعقل بالفعل ولو لم يكن لها مخرج من القوة الى الفعل. المرتبة الثالثة وهى المناسبة للمثال الاخير تسمى عقلا بالفعل وهو ما يكون عند القدرة على استحضار المعقولات الثانية بالفعل متى شاءت النفس بعد الاكتساب بالفكر أو الحدس والمثال لهذا الاستعداد من الاية المصباح لانة ينير بذاتة من غير حاجة له الى اكتساب نور، وحضور تلك المعقولات بالفعل للنفس تسمى عقلا مستفادا وهو من الاية " نور على نور " إذ النفس نور والمعقولات الحاصلة لها نور آخر، واما النار التى منها اشتعال ذلك المصباح فالعقل الفعال لان النفوس الانسانية وكمالاتها مستفادة منه فهذه مراتب القوة النظرية. تنبيه - واذ (7) ذكرنا الفكر والحدس فلابد من الفرق بينهما وذلك ببيان ماهيتهما، فالفكر حركة للنفس بالالة المسماة بالمفكرة (8) تبتدئ (9) من المطالب طالبة بها (10) مبادئ تلك المطالب كالحدود الوسطى وما يشبهها الى ان يجدها ثم يرجع منها الى المطالب، واما الحدس فهو الظفر حال الالتفات الى المطالب بالحدود الوسطى دفعة تتمثل منها (11) المطالب والحدود الوسطى معا في العقل من غير الحركتين المذكورتين سواء كان مع شوق أو لا معه.


(1) - ب د: " فتنبعث على ". (2) - د: " التامة ". (3) - ا: " في ". (4) - د: " صفوف ". (5) - ب: " الشريفة البالغة " ج: " الرائعة البالغة " د: " السريعة البالغة ". (6) - في النسخ: " من الاية التى ". (7) - ج د: " تذكرة - وإذا ". (8) - ب ج: " الفكرة ". (9) - ا: " تبدئ ". (10) - ا: " لها ". (11) - ب ج: " فيها ".

[ 17 ]

البحث الثالث في الكمالات العقلية الانسانية لما كان للنفس الانسانية قوتان، قوة نظرية وقوة عملية كذلك وجب ان يكون لكل واحدة من هاتين القوتين كمال يخصها، واستكمال النفس بتلك الكمالات في القوتين يسمى حكمة، فرسم الحكمة إذا استكمال النفس الانسانية بتصور الامور والتصديق بالحقائق النظرية والعملية على قدر الطاقة الانسانية، وهى تنقسم الى نظرية وعملية، فالنظرية هي استكمال القوة النظرية في الادراكات التصورية والتصديقية حتى تصير عقلا مستفادا، والعملية هي استكمال القوة العملية بتصور انه كيف يمكن وينبغى ان يكون اكتساب الكمال بالملكة التامة على الافعال الفاضلة حتى يكون الانسان قويما على الصراط المستقيم وكل واحدة منهما تنقسم الى اقسام (1) ثلاثة: اما اقسام الحكمة النظرية فهى هذه حكمة تتعلق بما في الحركة والتغير من حيث هي في الحركة والتغير وهى الحكمة الطبيعية إذ كان البحث الطبيعي لاعن ذات الجسم بل عن كونه متحركا وساكنا، وحكمة تتعلق بامور من شأنها ان يجردها الذهن عن التغير وان كان وجودها مخالطا للتغير وتسمى حكمة رياضيه، وحكمة تتعلق بما وجوده مستغن عن مخالطة التغير فلا يخالطها اصلا وان خالطها فبالعرض لا ان ذاتها مفتقرة في تحقق الوجود إليه وتسمى الفلسفة الاولى والفلسفة الالهية وهى معرفة الاله من هذه وقد يزاد ههنا قسم رابع وهو الحكمة الباحثة عن لواحق الوجود من حيث هو وجود مثل الوحدة والكثرة والكلية والجزئية والعلية والمعلولية والكمال والنقصان وغيرها وقد ادرجناها في الفلسفة الاولى وان اردنا افراز قلنا في القسم الثالث: وحكمة تتعلق بما وجوده مستغن عن مخالطة التغير اصلا وهى الفلسفة الالهية، وحكمة تتعلق بما وجوده مستغن عن


(1) - في النسخ: " باقسام ".

[ 18 ]

مخالطة التغير وقد يخالطها بالعرض من غير ان تكون ذاتها مفتقرة في تحقيق وجودها إليه وهى الحكمة الكلية. واما اقسام الحكمة العملية فهى هذه حكمة خلقية وحكمة منزلية وحكمة سياسية وذلك لان كل عاقل فلابد وان يكون ذا غرض في فعله وذلك الغرض اما يكون مختصا به في نفسه وهو علم الاخلاق، أو يكون مختصا به مع خواصه واهل بيته وهو علم تدبير المنزل، واما ان يكون عائدا الى الانسان مع (1) عامة الخلق وهو علم السياسة وقد يزاد في هذه الاقسام رابع وهو غرض الانسان بالنسبة الى مدينته وتسمى حكمة مدنية وهو تعلم تدبير المدينة بكيفية (2) ضبطها ورعاية مصالحها، وهذا علم لابد منه لان الانسان مدنى بالطبع فما لم يعرف كيفية بناء - المدينة وترتيب اهلها على اختلاف درجاتهم لم يتم مقصوده وعلى القسمة الاولى فان هذا القسم جزء من الحكمة السياسية. اما فائدة الحكمة الخلقية فهو ان يعلم الانسان الفضائل وكيفية انقسامها (3) ليزكى (4) بها نفسه ويعلم الرذائل وكيفية ترتبيها ليطهر نفسه عنها، وفائدة الحكمة المنزلية ان يعلم المشاركة التى ينبغى ان يكون بين أهل المنزل ممن يبتنى عليه ويتم به لينتظم به المصلحة المنزلية، وفائدة الحكمة السياسية ان يعلم كيفية المشاركة التى (5) فيما بين اشخاص الناس (6) ليتعاونوا على مصالح الابدان ومصالح بقاء نوع الانسان. البحث الرابع في تفصيل وجيز لاصول الفضائل الخلقية اعلم انا لما ذكرنا اقسام هذه الحكمة اردنا ان نشير الى اقسام الفضائل والرذائل الخلقية بتفصيل وجيز لتعلق غرضنا بذلك وقبله نقول: ان الخلق ملكة تصدر بها عن النفس افعال بسهولة من غير تقدم روية وتذكر وليس هو نفس القدرة لانها بالنسبة


(1) - ا: " في ". (2) - ج د " هو علم يعرف به كيفية ". (3) - ج: " اقسامها ". (4) - ا ب: " لتزكو ". (5) - ب ج د " التى تقع ". (6) - كلمه " الناس " ليست في ا.

[ 19 ]

الى الطرفين (1) على سواء وليس الخلق كذلك، ولانفس الفعل لان الفعل قد يكون تكليفيا ثم انه ليس شئ من الاخلاق بطبيعى في الاصل سواء كان فضيلة أو رذيلة وانما الطبيعي قبوله وان كان ذلك القبول للفضيلة أو الرذيلة مختلفا (2) بالسرعة والبطوء بحسب اختلاف المزاج (3) في قوة الاستعداد وضعفه لاحدى الجنسين، بيان انه ليس بطبيعى انه لو كان طبيعيا لما امكن نقل الانسان عنه بالتأديب والتعويد وقد أمكن فوجب ان لا يكون طبيعيا، اما الملازمة فظاهرة فان اهل العالم لو اجتمعوا عل تعويد الحجر بالحركة الى فوق لما امكن ذلك بيان بطلان اللازم (4) ما يشاهد من انتقال بعض الخلق (5) عن بعض الاخلاق الى بعض ولولا ذلك الانتقال لما كان لوضع التأديب والشريعة التى هي سياسة الله في خلقة فائدة. واما اصول الفضائل الخلقية (6) فقد اجمع الحكماء على انها ثلاثة وهى الحكمة والعفة والشجاعة بيان ذلك انك قد علمت ان للانسان قوة عقلية وان له قوة بها يكون الغضب والاقدام على الاهوال والتسلط والترفع وظهور الكرامات، وقوة بها تكون الشهوة وطلب الغذاء والنزاع الى الملاذ البدنية واللذات الحسية وقد علمت تباين هذه القوى من جهة ان بعضها إذا قوى اضر بالاخر وربما ابطل احدها فعل الاخر، وقد يقوى احدهما ويضعف الاخر بحسب المزاج والعادة والتاديب فالقوة العقلية بالنسبة الى البدن كالملك بالنسبة الى المدينة ولذلك سميت ملكية وآلتها التى تستعملها من البدن (7) الدماغ، القوة الشهوية تسمى بهيمية وآلتها


(1) - ب: " الطريق ". (2) - ا: " يختلف ". (3) - ب ج " اصل الخراج ". (4) - هذه الكلمه " في د فقط. (5) - متحركا بالفتحة بضبط الفتحة صريحا في ا. (6) - اعلم ان الشارح (ره) قد اخذ ما يتعلق بالفضائل الخلقية من ههنا الى ان ينتهى البحث عن هذا الموضوع من كتاب طهارة الاعراق لابن مسكويه اعلى الله درجته الا ان الشارح (ره) تصرف فيه اما بتلخيص وهو كثير واما باضافة وهو قليل لكن المطلب هو ما ذكره ابن مسكويه حتى ان المطالب مأخوذة غالبا بعين العبارة لكن بالتلخيص بمعنى انه اسقط بعضا من العبارة واكتفى ببعضها الاخر في صورة افادة المرام والا تصرف فيه بما يقتضيه المقام. (7) - ما بين القلابين ليس في نسخ ا ج د.

[ 20 ]

التى تستعملها من البدن) الكبد، والقوة الغضبية تسمى سبعية وآلتها من البدن القلب وإذا عرفت ذلك فاعلم ان اعداد الفضائل الخلقية المذكورة بحسب اعداد هذه القوى وكذلك اضدادها التى هي رذائل اما الحكمة الخلقية فهى من فضائل القوة العقلية وذلك انها ملكة تحصل للنفس عن اعتدال حركتها بحيث يكون شوقها الى المعارف الصحيحة تصدر عنها الافعال المتوسطة بين افعال الجربزة والغباوة، واما العفة فهى فضيلة القوة البهيمية وهى ملكة تحصل عن اعتدال حركة هذه القوة بحسب (1) تصريف العقل العملي (و) بها تكون الافعال المتوسطة بين (2) افعال الحمود (3) والفجور، واما الشجاعة فهى فضيلة القوة السبعية وهى ملكة تحصل عن (4) اعتدال هذه القوة السبعية بحسب تصرف (5) العقل فيما يقسطه لها وبها تصدر الافعال المتوسطة بين افعال الجبن والتهور، ثم ان هذه الفضائل الثلاث إذا نسب بعضها الى بعض حتى اعتدلت في الانسان حدث عنها ملكة رابعة هي تمام الفضائل الخلقية (و) بها تكون الافعال المتوسطة بين الظلم والانظلام تسمى بالعدالة، ومن الناس من ظن ان المراد من الحكمة ههنا هو الحكمة العملية التى تجعل قسيمة للنظرية وقد عرفت ما بينهما من التباين من تصور حديهما. واعلم ان تحت كل واحدة من هذه الفضائل الاربع انواعا من الفضائل ونحن نذكرها. اما الفضائل التى تحت الحكمة: الاولى صفاء الذهن وهو قوة استعدادية للنفس نحو اكتساب الاراء. الثانية الفهم وهو حسن (6) ذلك الاستعداد لتصور ما يرد عليها من غيرها والتفطن لكيفية لزومه عن المبادئ. الثالثة الذكاء وهو شدة تلك القوة وسرعة انقداح النتائج للنفس. الرابعة الذكر وهو ثبات ما يقتنصه العقل والوهم من التصورات والاحكام. الخامسة التعقل وهو موافقة بحث النفس


(1) - ب: " تحت ". (2) - ا ب: " من ". (3) - ا ج: " الجمود وكذا في شرح نهج البلاغة راجع الفصل الثاني الذى عقده لبيان الفضائل النفسانية لامير المؤمنين (ع) ". (4) ا: " عند ". (5) - في غير ا: " تعريف ". (6) - ج د: " " حسن ".

[ 21 ]

عن الاشياء الموضوعة المطلوبة بقدر ماهى (1) عليه. السادسة سهولة التعلم وهى حدة في الفهم بها يدرك الامور النظرية. الفضائل التى تحت العفة (2) فالاولى الحياء وهو انحصار الروح خوف اتيان القبائح والحذر من الذم والسب الصادق. الثانية الدعة وهى سكون النفس عند حركة الشهوات. الثالثة الصبر وهو مقاومة النفس للهوى لئلا تنقاد لقبائح اللذات. الرابعة السخاء وهو التوسط في الاخذ والاعطاء بانفاق المال فيما ينبغى بمقدار ما ينبغى وعلى الوجه الذى ينبغى وتحته فضائل سنذكرها ان شاء الله. الخامسة الحرية وهى فضيلة للنفس بها يكتسب المال من وجهه ويعطى ما يجب في وجهه ويمتنع (3) من اكتساب المال من غير وجهه. السادسة القناعة وهى التساهل في المآكل والمشارب والزينة. السابعة الدماثة وهى حسن انقياد النفس للحمد وتسرعها للجميل. (4) الثامنة الانتظام وهو حال للنفس يقودها الى حسن تقدير الامور وترتيبها على الوجه الذى ينبغى. التاسعة الهدى وهو محبة تكميل النفس بالرتبة الحسنة. (5) العاشرة المسالمة وهى موادعة للنفس (6) عن ملكة لااضطراب فيها. الحادية عشر الوقار وهو ثبات النفس عند الحركات في تحصيل المطالب. الثانية عشر الورع وهو لزوم الاعمال الجميلة محبة لتكميل النفس. الفضائل التى تحت الشجاعة الاولى كبر النفس وهو الاستهانة باليسار (7) والاقتدار على حمل الكرامة والهوان واعداد النفس للامور العظيمة مع تأهلها لها. الثانية عظم الهمة وهى فضيلة للنفس تحتمل معها سعادة الجد وضدها حتى الشدائد التى تكون عند الموت ومقاومتها (8) وفى


(1) - ا: " تبنى عليه ". (2) - هذا العنوان لم يذكر في نسخة ا بل عد فيها الفضائل بعدد ترتيبي بلا فصل. (3) - ا ب: " يمنع ". (4) - في طهارة الاعراق فهى حسن انقياد النفس لما يجمل وتسرعها الى الجميل ". (5) - في الطهارة: " بالزينة الحسنة " (6) - في الطهارة: " موادعة تحصل للنفس ". (7) - في الطهارة: " باليسير ". (8) - ا: " ومفارقتها ".

[ 22 ]

الاهوال (1) الثالثة النجدة وهى ثقة النفس في المخاوف وعدم مخامرة الجزع لها. الرابعة الحلم وهو فضيلة للنفس تكسبها (2) الطمأنينة فلا تكون شغبة ولا يحركها الغضب بسهولة وسرعة. الخامسة الثبات وهو قوة للنفس تكسبها سكونا يعسر معه الحركة عند الخصومات في الحروب التى يذب بها عن الحريم والشريعة لشدتها. السادسة عدم الطيش وهو نفس عسر تلك الحركة لوجود ملكة ذلك السكون. السابعة الشهامة وهى الحرص على الاعمال العظيمة توقعا للاحدوثة الجميلة. الثامنة احتمال الكد وهو قوة تستعمل آلات البدن بالتمرن وحسن العادة في الامور الحسنة (3) الفضائل التى تحت السخاء: فالاولى الكرم وهو انفاق المال الكثير بسهولة من النفس في الامور الجليلة القدر الكثيرة النفع كما ينبغى. الثانية الايثار وهو فضيلة للنفس بها يبذل الانسان (4) بعض حاجاته التى تخصه لمن يستحقها. الثالثة النبل وهو سرور النفس بالافعال العظيمة وابتهاجها بلزوم هذه السريرة (5) الرابعة المواساة وهو معاونة الاصدقاء والمستحقين ومشاركتهم في الاموال والاقوات بالارادة والاختيار. الخامسة السماحة وهى بذل بعض ما لا يجب بذله كذلك. الفضائل التى تحت العدالة: الاولى الصداقة وهى محبة صادقة يعتنى (6) معها بجميع اسباب الصاحب (7) وايثار فعل الخيرات التى بها تكون المحبة. الثانية الالفة وهى اتفاق الاراء عن التواصل فينعقد عندها التظافر على تدبير المعاش (8). الثالثة صلة الرحم وهى مشاركة ذوى اللحمة في


(1) - ج: " في الاحوال " (بلا واو ايضا قبل في). وعبارة طهارة الاعراق بعد: عند الموت: " واما الثبات فهو فضيلة للنفس تقوى بها على احتمال الالام ومقاومتها وفى الاهوال خاصة ". (2) - في الطهارة: " تكسب بها ". (3) - في الطهارة " الحسيه ". (4) - في الطهارة: " بها يكف الانسان عن ". (5) - في الطهارة: " السيرة ". (6) - في الطهارة: " يهتم ". (7) - كذا في النسخ وفى الطهارة: " الصديق ". (8) - في الطهارة: " تدبير العيش ".

[ 23 ]

الخيرات الدنياوية. الرابعة المكافأة وهى مقابلة الاحسان بمثلة أو بزيادة عليه. الخامسة حسن الشركة وهى الاخذ والاعطاء في المعاملات على الاعتدال الموافق للجميع. السادسة حسن القضاء وهى المجازاة بغير من ولاندم. السابعة التردد وهو طلب مودات الاكفاء واهل الفضل بالاعمال التى تستدعى ذلك منهم. الثامنة العبادة وهى الخضوع لله وتعظيمه وتمجيده واكرام اوليائه من الملائكة والنبيين والائمة والصالحين، والعمل بمقتضى الشريعة مكمل لهذة الاشياء وإذا عرفت هذه الاجناس وما تحتها من الفضائل فينبغي ان تعلم ان كل جنس منها مقابل بجنس من الرذيلة. ومحتوش (1) برذيلتين هما طرفا الافراط والتفريط وهو وسط لهما اما المقابلات فالجهل مقابل للحكمة، والشره مقابل للعفة، والجبن مقابل للشجاعة، والجور مقابل للعدالة، والمراد ههنا تقابل التضاد. واما الرذائل المحتوشة لهذه الاجناس فالحكمة (2) محتوشة برذيلتين احداهما البله وهو جانب التفريط منها ونعنى به ههنا تعطيل القوة الفكرية واطراحها ويسمى الغباوة الثانية السفة وهو طرف الافراط منها ونعنى به استعمال تلك القوة فيما لا ينبغى وتسمى الجربزة، واما العفة (3) فمحتوشة برذيلتين كذلك اما رذيلة التفريط فيسمى خمود (4) الشهوة ونعنى به سكون النفس عن اللذة الجميلة التى تحتاج إليها لمصالح البدن مما رخصت فيه الشريعة أو العقل واما رذيلة الافراط فتسمى شرها ونعنى به الانهماك في اللذات والخروج فيها الى


(1) - هو اسم مفعول من: " احتوش القوم فلانا أى جعلوه في وسطهم ". (2) - نص عبارة طهارة الاعراق هكذا: " اما الحكمة فهى وسط بين السفه والبله واعنى بالسفه استعمال القوة الفكرية فيما لا ينبغى وكما لا ينبغى وسماه القوم الجربزة واعنى بالبله تعطيل هذه القوة واطراحها وليس ينبغى ان يفهم ان البله ههنا نقصان الخلقة بل ما ذكرته من تعطيل القوة الفكرية بالارادة ". (3) - نص عبارة طهارة الاعراق هكذا: " واما العفة وسط بين رذيلتين وهما الشره وخمود الشهوة وأعنى الشره الانهماك في اللذات والخروج فيها عما ينبغى وأعنى بخمود الشهوة السكون عن الحركة تسلك نحو اللذة الجميلة التى يحتاج إليها البدن في ضروراته وهى ما رخص فيها صاحب الشريعه والعقل ". (4) - ا: " جمود " (بالجيم).

[ 24 ]

ما لا ينبغى، واما الشجاعة فرذيلة التفريط منهما الجبن وهو الخوف مما لا ينبغى ان يخاف منه واما رذيلة الافراط فالتهور وهو الاقدام على مالا ينبغي ان يقدم عليه واما العدالة فرذيلة التفريط منها الانظلام وهو الاستجابة والاستجداء (1) في المقتنيات لمن لا ينبغى وكما لا ينبغى اما رذيلة الافراط فهو الظلم وهو التوصل الى كثرة المقنيات من حيث لا ينبغى كما لا ينبغى فهذه اطراف الرذائل والاوساط منها هي اجناس الفضائل، وإذا عرفت الرذائل المحتوشة لهذه الاجناس امكنك ان تعرف الرذائل المحتوشة لانواعها والمقابلة لها اعني طرفي الافراط والتفريط من نوع تلك الفضيلة التى هي الوسط وذلك بان تنظر الى حد تلك الفضيلة وتعتبر الزيادة عليه والنقصان عنه وقد عرفت انه هو الوسط الذى ينبغى فتعرف ان الزيادة عليه والتجاوز لحده مما لا ينبغى وهو طرف الافراط وان النقصان عنه والوقوف دونه مما لا ينبغى وهو طرف التفريط وهما رذيلتان بالنسبة الى الفضيلة التى هي وسط لهما وتارة تجد لتلك الاطراف اسماء بحسب اللغة وتارة لاتجد فهذه هي الاشارة الى اصول الفضائل والرذائل الخلقية وتعريف اقسامها. تنبيه - اعلم ان مبدأ هذه العلوم اعني اقسام الحكمة النظرية والعملية مستفاد من الشريعة الالهية وذلك لان المقصود من بعثة الرسل الى الخلق انما هو ارشادهم الى النهج (2) الصواب والطريق الاصلح في اكتساب العلوم والاعمال ولما كانت مناهج الاعمال محصورة في هذه الاقسام وجب ان تكون غاية بعثة الرسل تعريف مبادئ هذه العلوم وتعريف كمالاتها وما تؤدى إليه على الوجه الكلى وضبط هذه الاوامر والنواهي بقوانين كلية لا تخص زيدا دون عمر ولان ذلك مما يزول بزوال الاشخاص والمقصود بقاء ذلك الارشاد ويجب على سائر الخلق تعلم تلك القوانين في الصور الشخصية والوقائع الجزئية وكذلك مبادئ


(1) - في الطهارة: " واما الانظلام فهو الاستحذاء والاستحانة في المقتنيات لمن لا ينبغى وكما لا ينبغى ولذلك يكون ابدا للجائر اموال كثيرة لانه يتوصل إليها من حيث لا يجب ووجوه التوصل إليها كثيرة واما المنظلم فمقتنياته وامواله يسيرة جدا لانه يتركها من حيث يجب ". (الى آخر ما فيه من التحقيق المفيد فمن اراده فليطلبه من هناك). (2) - ج د: " نهج ".

[ 25 ]

العلوم النظرية هي مستفادة من ارباب الشرائع على سبيل التنبية وان كان تحصيل كمالها بالقوة العقلية على سبيل الحجة ثم ان الكمالات الانسانية محصورة في هاتين (1) المرتبتين من الكمال العقلي والعملي والتنزيل الالهى ناطق بذلك قال الله تعالى حكاية عن خليله ابراهيم عليه السلام: رب هب لى حكما والحقني بالصالحين (2) فالحكم تكميل القوة النظرية، والالحاق (3) بالصالحين تكميل القوة العملية، وقال خطابا لموسى (4) عليه السلام: فاستمع لما يوحى اننى انا الله لا اله الا انا فاعبدنى واقم الصلوة لذكرى (5) فالتوحيد كمال القوة النظرية والعبادة كمال القوة العملية وقال حكاية عن عيسى عليه السلام: انى عبد الله آتانى الكتاب وجعلني نبيا (6) فالاعتراف بكمال العبودية لله يستلزم كمال قوته النظرية بمعرفة الله وقال بعده واوصاني بالصلوة والزكاة مادمت حيا (7) اشارة الى كمال القوة العملية وقال خطابا مع محمد صلى الله عليه وآله: فاعلم انه لا اله الا الله (8) وذلك اشارة الى كمال القوة النظرية وقال بعده: واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات (9) وهو اشارة الى كمال القوة العملية فقد تطبق لسان الوحى ولسان الحكمة على ان الكمال الانساني محصور في العلم والعمل وبالله التوفيق. الفصل الثالث في احوال النفس بعد المفارقة، وفيه ابحاث: البحث الاول في ان النفس باقية بعد خراب البدن برهانه ان كل حادث بعدان لم يكن فلا مكان حدوثه قابل لست (10) اعني الامكان


(1) - ا ب: " هذين ". (2) - آية 83 سورة الشعراء. (3) - ا: " والحقان " ب: " واللحاق " (4) - ا ب: " مع موسى ". (5) - ذيل آية 13 وتمام آية 14 سورة طه. (6) - آية 30 سورة مريم. (7) - آية 31 سورة مريم. (8 و 9) - من آية 19 سورة محمد. (10) - ج د: " لشئ ".

[ 26 ]

اللازم للماهية الحادث بل الاستعداد التام لقبول صورته كما تقرر في غير هذا الموضع فلو صح العدم على النفس لوجب ان يكون لامكان عدمها محل وليس هو النفس لوجوب بقاء القابل عند وجود المقبول واستحالة بقائها عند تحقق عدمها فلابد من محل آخر هو المادة فلو طرأ عليها العدم لكانت في مادة وقد فرضت مجردة هذا خلف واما تقرير هذه المقدمات وبيان كون النفوس متحدة بالنوع وحادثة وبيان بطلان التناسخ فمذكور في المطولات. البحث الثاني في بيان ماهية السعادة والشقاوة ونعنى بالسعادة الحالة التى تحصل لذوى الخير والكمال من جهتهما بالشقاوة الحالة التى تكون لذوى الشر والافة من جهتهما واعلم ان المشهور ان السعادة هي اللذة وان الشقاوة هي الالم ثم ان من لم يترق عن حيز البهائم من العوام اعتقدوا انها المحسوسة بالحس الظاهر فقط (1) وربما ترقى بعضهم الى ان اعتقد ان هناك لذة والما يدرك بمدارك اخرى الا انهم ربما انكروا ثبوتها في نفس الامر ونسبوها الى خيالات غير حقيقية


(1) - اصل هذا البيان مأخوذ مما ذكره ابن سيناء في اول النمط الثامن من كتاب الاشارات ونص عبارته: " وهم وتنبيه - انه قد يسبق الى الاوهام العامية ان اللذات القوية المستعلية هي الحسية وان ما عداها لذات ضعيفة وكلها خيالات غير حقيقية وقد يمكن ان ينبه من جملتهم من له تميز ما فيقال له: اليس الذ ما يصفونة من هذا القبيل هو المنكوحات والمطعومات وامور يجرى مجراها وانتم تعلمون ان المتمكن من غلبة ما ولو في امر خسيس كالشطرنج والنرد قد يعرض له مطعوم ومنكوح مع صحة جسمه في صحبة حشمه (الى آخر ما قال فمن اراده فليطلبة من هناك، وقال ايضا بعده بلا فاصلة) تذ نيب - فلا ينبغى لنا ان نستمع الى قول من يقول: انا لو حصلنا على جنة لا نأكل فيها ولا نشرب فيها ولا ننكح فاية سعادة لنا ؟ ! والذى يقول هذا فيجب ان يبصر ويقال له: لعل الحال التى للملائكة وما فوقها الذوابهج وانعم من حال الانعام بل كيف يمكن ان يكون لاحدهما الى الاخر نسبة يعتد بها " ومن طلب التفصيل فليراجع شروح الاشارات.

[ 27 ]

وربما استحقروها بالنسبة الى الحسية وهم مقابلون على غلطهم بأمرين: احدهما - ان لذة الغلبة ولو في امر خسيس كالشطرنج والنرد قد تؤثر على اتم اللذات الحسية مع الحاجة إليها وكل ما يؤثر على غيره مع امكانه فهو اقوى فلذة الغلبة في احد الامور الخسيسة اقوى واتم من اللذات الحسية وكذلك الم الانقهار عند التفطن والاعتبار والمقدمة الاولى وجدانية والثانية اولية. الثاني - حال الملك اتم واطيب من حال البهيمة وهو ضروري مع ان الملك فاقد اللذات الحسية فلو كانت اللذة هي الحسية فقط لكانت البهيمة اتم واسعد من الملك وإذا عرفت ذلك فاعلم ان اللذة هي ادراك لوصول ما هو عند المدرك كمال وخير من حيث هو كذلك ولا شاغل ولا مضاد للمدرك (1) وشرح هذا الرسم اما الادراك فقد عرفته وانما قيدناه بالوصول (2) لان اللذة ليست ادراك اللذيذ بل ادراك وصول اللذيذ وحصوله وانما قلنا ما هو عند المدرك كمال وخير ولم نعتبر ما هو في نفس الامر كذلك لما ان الشئ قد يكون كمالا وخيرا في نفس الامر والمدرك لا يعتقد كماليته وخيريته فلا يلتذ به وقد لا يكون كذلك وهو يعتقد انه كذلك فيلتذ به فالمعتبر إذا ما يكون بالقياس الى المدرك لاما في نفس الامر وانما كان ذلك الوصول كمالا وخيرا باعتبارين لان الشئ الذى من شأنه ان يناسب المدرك ويليق به له اعتباران: احدهما كون حصوله مخلصا من النقصان والقوة وبهذا


(1) - مأخوذ مما ذكره ابن سيناء في اوائل النمط الثامن من كتاب الاشارات بهذا العبارة: " تنبيه - ان اللذة هي ادراك ونيل لوصول ما هو عند المدرك كمال وخير من حيث هو كذلك والالم ادراك ونيل لوصول ما هو عند المدرك آفه وشر ". (2) - يطابق العبارة ما ذكره المحقق الطوسى (ره) ضمن شرح هذا التعريف ونص عبارته: " وانما قال لوصول ما عند المدرك ولم يقل لما هو عند المدرك لان اللذة ليست هي ادراك اللذيذ فقط بل هي ادراك حصول اللذيذ للملتذ ووصوله إليه وانما قال ما هو عند المدرك كمال وخير لان الشئ قد يكون كمالا وخيرا بالقياس الى شئ وهو لا يعتقد كماليته وخيريته فلا يلتذ به وقد لا يكون كذلك وهو يعتقد فيلتذ به فالمعتبر كماليته وخيريته عند المدرك لافى نفس الامر " (الى آخر ما قال فمن اراده فليطلبة من هناك).

[ 28 ]

الاعتبار كان كمالا والثانى كونه مؤثرا وبهذا الاعتبار كان خيرا وانما قلنا: من حيث هو كذلك، لان الشئ قد يكون كمالا وخيرا من جهة دون جهة واللذة بالشئ انما يكون من جهة كونه كمالا وخيرا فلذلك وجب ذكرها، وانما قلنا: ولاشاغل لان اللذيذ قد يصل ولا يلتذ به لوجود الشاغل كما في حق الممتلئ من الطعام جدا اذلا يلتذ بما يحضره من طعام، وقولنا: ولا مضار لان الذى قد يصل ولا يلتذ به لوجود ضده كما في عليل المعدة ومن تغيرت عذوبة رطوبة ذوقه بغلبة المرارة فان الحلو يصل إليه فلا يلتذ به وإذا عرفت معنى اللذة عرفت ان الالم ما يقابلها وهو ادراك لوصول ما هو عند المدرك آفة وشر من حيث هو كذلك ولا شاغل ولا مضاد للمدرك وشرح هذا الرسم بين من الاول. البحث الثالث في اثبات اللذة العقلية للنفوس الانسانية لاشك ان للجوهر العاقل منا كمالا (1) وهو ان يتمثل فيه جلية (2) الحق الاول بقدر ما يستطيعه إذ تعقل الاول كما هو غير ممكن الا له (تعالى) ثم ما يتجلى له من صور معلولاته المرتبة الى آخر الوجود تمثلا يقينيا بريئا عن شائبة الظنون خالصا عن مخالطة الاوهام على وجه لا يكون بين ذات العاقل وبين ما يتمثل فيها تمايز اصلا بل يصير عقلا


(1) - مأخوذ مما ذكره ابن سيناء في النمط الثامن من كتا ب الاشارات ونص عبارته: " تنبيه - كل مستلذ به فهى سبب كمال يحصل للمدرك وهو بالقياس إليه خير ولاشك في ان الكمالات وادراكاتها متفاوته (الى ان قال) وكمال الجوهر العاقل ان يتمثل فيه جلية الحق الاول قدر ما يمكنه ان ينال منه ببهائه الذى يخصه ثم يتمثل فيه الوجود كله على ما هو عليه مجردا عن الشوب مبتدءا فيه بعد الحق الاول بالجواهر العقلية العالية ثم الروحانية السماوية والاجرام السماوية ثم بعد ذلك تمثلا لا يمايز الذات فهذا هو الكمال الذى يصير به الجوهر العقلي بالفعل (الى ان قال) فنسبة اللذة العقلية الى الشهوانية نسبة جلية الاول وما يتلوه الى نيل كيفية الحلاوة (الى آخر ما قال) ". (2) - نذكر معنى الجلية عن قريب في موضع انسب ان شاء الله تعالى.

[ 29 ]

مستفادا على الاطلاق ولاشك ان هذا الكمال خير بالقياس إليه ثم لاشك انه مدرك لهذا الكمال والخير ولحصوله له فإذا هو ملتذ به وهى اللذة العقلية وانت بعد المقايسة بين هذه اللذة واللذة الحيوانية تجد العقلية اشرف من الحسية واقوى في الكيفية واكثر (1) في الكمية اما انها اشرف فلان المدرك بالعقل ذات الله تعالى وصفاته وملائكته وكيفية وضع العالم الاعلى والاسفل والمدرك بالحسن سطوح الاجسام وعوارضها وإذا كانت المدركات العقلية اكمل واعلى كان الابتهاج بوصولها اشرف واسنى، واما انها اقوى كيفية فلان الادراك العقلي ينفذ في باطن الشئ ويميز بين الماهية واجزائها ولواحقها ويميز بين الجزء الجنسى والفصلي ثم يعتبر ذلك التمييز في كل جزء جزء واما الحس فلا شعور له الا بظاهر المحسوس، واما انها اكثر كمية فلان عدد الامور المعقولة لا يكاد يتناهى وذلك ان اجناس الموجودات وانواعها والمناسبات الحاصلة بينها غير متناهية واما الحس فان مدركاته محصورة في اجناس قليلة وان تكثرت فبالاشد والاضعف كالسوادين المختلفين في الحلوكة وإذا كانت الكمالات العقلية اقوى واكثر وادركاتها اتم كانت اللذة التابعة لها اشد لان فرقان ما بين اللذتين فرقان مابين الكمال والادراكين فإذا اللذة العقلية اتم واشرف من الحسية بل لانسبة بينهما، لا يقال: لو كانت المعقولات كمالات للنفس الانسانية لوجب اشتياقها الى حصولها ولتألمت بحصول اضدادها لكن التالى باطل فالمقدم باطل. اما بيان الملازمة فلان كل قوة فانها تشتاق الى كمالاتها المستلزمة للذاتها وتتألم بحصول اضدادها كالباصرة فانها تشتاق الى النور وتتألم بالظلمة، واما بطلان التالى فظاهر لانا نقول: الملازمة ممنوعة فان الاشتياق لا يجب الا بشرط عدم سبب عدمه لكن سبب عدمه هنا موجود وهو ان النفوس مادامت في هذا البدن فهى مشغولة بالمحسوسات والعلائق الجسمانية فيمنعها ذلك عن الالتفات الى المعقولات ويصرف وجوهها عن الاقبال عليها وما لم يقبل عليها لم يحصل لها ذوق فإذا لا يكون لها إليها شوق واما اضدادها فلا ستمرارها


(1) - ب: " اكبر ".

[ 30 ]

في الوجود وعدم تجددها أو اشتغال النفس بغيرها لم تكن مدركة لها فلم تتألم بحصولها. البحث الرابع في درجات السعداء والاشقياء احوال النفوس الانسانية في السعادة والشقاوة اما ان تعتبر في القوة النظرية بحسب العقائد أو في القوة العملية بحسب الاعمال، وعلى التقديرين فالنفس اما ان تكون موصوفة بالعقائد الحقة والاخلاق الفاضلة أو بأضدادها وهى العقائد الباطلة والاخلاق المسترذلة أو موصوفة بالاعتقادات الحقة والاخلاق الردية أو بالعكس أو خاليه عن احدهما أو عنهما معا فهذه تسعة اقسام: اما القسم الاول فالاعتقادات الحاصلة اما ان تكون برهانية أو لا تكون فان كان الاول فاعلي هذه الدرجة نفس شاهدت العالم المعقول وانتقشت بنقوش الجلايا (1) القدسية وصارت عقلا مستفادا وبعد وقوفك على مراتب الاستعداد للانتقال الى المعقولات الثانية (2) تعرف تلك الدرجات وهؤلاء هم اولياء الله الابرار وهم في الغرفات آمنون وان كان الثاني فهى درجة اصحاب التقليد ولهم عذاب يخصهم بسبب انهم علموا باكتساب ما ان لهم كمالا ما فحصل لهم شوق بحسبه ولم يصلوا الى ما اشتاقوا إليه من ذلك الكمال لنقصان اكتسابهم النظرى وقصورهم عن الوصول، وتفاوت ذلك العذاب بحسب تفاوت ذلك الشوق وهو عذاب منقطع ويصلون عنه الى سعادة تخصهم بحسب ادراكهم لما تصوروه من الكمال.


(1) - قال ابن سينا في النمط السابع من الاشارات مانصه: " " تذنيب - فيظهر لك من هذا ان كل ما يعقل فانه ذات موجودة يتقرر فيها الجلايا العقلية تقرر شئ في شئ " قال المحقق الطوسى (ره) في شرحه على الاشارات ضمن شرح العبارة الثانية مانصه " والجلية في اللغة وهو الخبر اليقين وانما عبر عن المعقولات بالجلايا لانها الصور المطابقة لذوات تلك الصور بالقين. " (2) - ا: " الثابتة ".

[ 31 ]

واما القسم الثاني وهو النفوس الموصوفة بالاعتقادات الباطلة والاخلاق الردية فتلك الامور اما ان تكون راسخة فان كانت راسخة فهى التى يدوم بها العذاب لان الجهل المركب مضاد لليقين فإذا كان متمكنا من جوهر النفس اعتقدت حينئذ انه كمالها ورجت الوصول الى ما تمثل (1) فيها انه كمالها المسعد (2) وكانت لا محالة بعد الموت منقطعة بفقدان مارجته فتصير معذبة بعدم الوجدان لما كانت راجية له فيدوم بدوام الجزم بصحة ذلك وان كانت غير راسخة فلهم عذاب منقطع لكون الهيئات الحاصلة لهم بسبب الاشتغال بالمضاد حالات غير متمكنة من تلك النفوس ولا مستحكمة فيها أو لانها مستفادة من احوال وامزجة فتزول بزوالها. واما القسم الثالث وهى الموصوفة بالاعتقادات الحقة والاخلاق الردية فتلك الاعتقادات ان كانت برهانية فالنفوس بها سعيدة الا ان تلك السعادة مكدرة بعذاب يحصل من تلك الاخلاق الردية الا انه زائل بزوال تلك الاخلاق اما لانها غير راسخة أو لكونها مستفادة من الامزجة فتزول بزوالها. القسم الرابع - وهى النفوس الموصوفة بالاعتقادات الباطلة والملكات الفاضلة وعذابها دائم ان كانت تلك الاعتقادات راسخة ومنقطع ان كانت غير راسخة والعلة ما سبق. القسم الخامس - النفوس الخالية عن الاعتقادات الحقة والباطلة الموصوفة بالاخلاق الفاضلة كنفوس كثير من البله، والذى عليه ظاهر نظر المحققين انها بعد المفارقة لا يكون لها عذاب بسبب خلوها عن اسباب العذاب فإذا هي في سعة من رحمة الله وهذا مطابق للاشارة النبوية: اكثر اهل الجنة البله، وان كان ذلك ليس تمام المراد من الاشارة، ثم لا يجوز عندهم ان يتعطل عن الادراك اذلا تعطل (3) في الوجود ولا يمكن ان يدرك الا بآلة جسمانية فذهب بعض الحكماء الى جواز تعلقها باجرام اخرى فلكية (4) ضربا من التعلق لاعلى سبيل انها نفوس لتلك الاجرام مدبرة لها فان ذلك غير ممكن بل قد تستعمل تلك الاجرام


(1) -: " يمثل ". (2) - ا ج د: " المستعد ". (3) - ب ج د: " معطل ". (4) - ا: " ملكية ".

[ 32 ]

فتعدها (1) لامكان التخيل ثم تتخيل الصور التي كانت معتقدة عندها فان كانت انما تتخيل الخير شاهدت الخيرات الاخروية على حسب ما كانت تتخيله (2) والا فشاهدت العقاب والشر وبعضهم جوز ان تكون الاجرام متولدة من الهواء والادخنة ثم جوزوا بعد ذلك ان يكون ذلك التعلق مفضيا (3) لاستعدادهم للكمال المسعد (4) وهذه المواضع غامضة وطريق الجزم فيها صعب نسأل الله تعالى الهداية الى سواء السبيل. القسم السادس - النفوس الخالية عن الاعتقادات الموصوفة بالاخلاق الردية ولهم بعد المفارقة عذاب بسبب شوقهم الى ما فارقوه من اللذات الجسمانية وعدم تمكنهم منها، ويتفاوت ذلك العذاب بحسب تفاوت ذلك الشوق وبحسب شدة تمكن الهيئات البدنية من نفوسهم وضعفها وربما حكم ههنا بان ذلك الشوق ينقطع ويكون حكم هؤلاء بعده حكم الذين قبلهم. القسم السابع - النفوس الموصوفة بالاعتقادات الخالية عن الاخلاق كنفوس كثيرا من الزهاد المنقطعين في رؤس الجبال وفى البراري فتلك الاعتقادات ان كانت برهانية فلهم سعادة تامة هي في التمام دون مرتبة اهل القسم الاول ان كانوا فاقدين للملكات الفاضلة الخلقية المعدة للكمال الاتم، وان كانت تقليدية فحكمهم حكم المقلدين في القسم الاول ولعل للاولين زيادة شرف بسبب الاخلاق الفاضلة. القسم الثامن - النفوس الموصوفة بالاعتقادات الباطلة الخالية عن الاخلاق فتلك الاعتقادات ان كانت راسخة دام بها العذاب والعلة ما سبق، وان كانت غير راسخة دام بها العذاب ريثما (5) يبقى ثم نقطع بانقطاعها، ولعل هذه النفوس بعد ذلك تلحق بنفوس البله لعدم عرفانها بكمالاتها وعدم اشتياقها إليها. القسم التاسع - النفوس الخالية عن الاعتقادات والاخلاق بالكلية وهى كالنفوس * (الهامش) * (1) - ا يبعدها ". (2) - ب ج د: " متخيلة ". (3) - ج د: " مقتضيا ". (4) - ب ج د: " المستعد ". (5) - ج د: " زين ما " وهو قطعا مصحف: " ريث ما ".

[ 33 ]

الهيولانية التى للاطفال، وليس للحكماء فيها مذهب ظاهر الا ان الاليق بحال اصولهم ان - يلحقوها بالنفوس الساذجة كنفوس البله ويكون حكمها حكمها، والله اعلم. الفصل الرابع في الاشارة الى بعض احوال السالكين الى الله تعالى والواصلين من ابناء النوع الانساني وفيه ابحاث: البحث الاول في بيان مسمى الزاهد والعابد والعارف لما كان الكمال الذاتي للطالبين انما هو شروق نور الحق في اسرارهم وكان الطالب لامر عند توفيقه للطلب لابد وان يعرض عما يعتقد انه يبعده عن المطلوب ثم يقبل ويواظب على ما يعتقد انه يقربه الى المطلوب ثم بعد ذلك يصل الى المطلوب لاجرم لزم طالب ذلك الكمال في ابتداء امره ان يعرض عما يشغله عن المطلوب (1) من متاع الدنيا وطيباتها، وصاحب هذا الاعراض يختص (2) باسم الزاهد (3)، ثم يلزمه ان يواظب على ما يعتقد انه مقرب الى الحق من افعال مخصوصة هي العبادات كالصيام والقيام وبهذا الاعتبار يختص (4) باسم العابد، فإذا وجد الحق فاول درجات وجدانه هو المعرفة وحينئذ يختص (5)


(1) - ب ج د: " عن الطلب " (2) - ب ج د: " يخص " (3) - اعلم ان هذه التعريفات ماخوذة من الشفاء لابن سينا (انظر اوائل النمط التاسع الذى في مقامات العارفين) ونص عبارته هناك هكذا: (تنبيه - المعرض عن متاع الدنيا وطيباتها يخص باسم الزاهد، والمواظب على فعل العبادات من القيام والصيام ونحوهما يخص باسم العابد، والمنصرف بفكره الى قدس الجبروت مستديما لشروق نور الحق في سره يخص باسم العارف، وقد يتركب بعض هذه مع بعض ". 4 و 5 - ب ج د: " يخص ".

[ 34 ]

باسم العارف، وقد يتركب بعض هذه الاحوال مع بعض تركبا ثنائيا وثلاثيا فالاول زاهد عابد، زاهد عارف، عابد عارف، واما الثاني فتركب (1) واحد. البحث الثاني في انه كيف يكون الزهد والعبادة مؤديين الى المطلوب الذاتي الزهد والعبادة من الامور المتممة لاغراض المعنى المسمى بالرياضة فلنبين اولا معنى الرياضة وكيفية تأديها (2) الى المطلوب، اما الرياضة في اللغة فهى تمرين البهيمة على الحركات التى ترتضيها (3) الرائض بحسب مقتضى اغراضه وتعويدها بها، ويستلزم ذلك منعها عن الحركات التى لا ترتضيها، ولما كانت النفس الحيوانية التى هي مبدأ الادراكات والحركات الحيوانية قد لا تكون مطيعة للنفس العاقلة باصل جبلتها لاجرم كانت بمنزلة البهيمة التى لم ترض، تقودها الشهوة تارة والغضب اخرى بحسب اثارة الوهم والمتخيلة لهما عما يتصورانه الى ما يلائمها فتتحرك حركات مختلفة حيوانية بحسب اختلاف تلك الدواعى فتستخدم حينئذ القوة العاقلة في تحصيل اغراضها فتكون هي الامارة بالسوء، اما إذا قويت النفس العاقلة على قهر تلك القوة ومنعها عن الحركات والافعال الباعثة للقوة الشهوية والغضبية وطوعتها بحسب ما يقتضيه العقل العملي الى ان تصير متأدبة في خدمتها مؤتمرة بأوامرها منتهية عن مناهيها كانت العاقلة هي المطمئنة التى تصدر عنها الافعال المنتظمة وكانت باقى القوى بأسرها مؤتمرة مستخدمة متسالمة (4 منقادة، ثم ان بين كون هاتين القوتين غالبة ومغلوبة مطلقا حالة تكون القوة الحيوانية فيها متابعة لهواها خارجة عن طاعة القوة العاقلة ثم تفئ الى الحق وتلوم نفسها على ذلك الانهماك فتسمى لوامة، والى القوى الثلاث اشير في الكتاب العزيز، ان النفس لامارة بالسوء (5) يا ايتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك (6) ولا اقسم


(1) - ب ج د: " فتركيب ". (2) - ج ب: " تأديتها ". (3) - ا: " ترضيها ". (4) - ب: " مسالمة ج د: " سالمة ". (5) - وسط آية 53 سورة يوسف. (6) - آية 27 و 28 سورة الفجر.

[ 35 ]

بالنفس اللوامة (1) فإذا الرياضة ههنا نهى النفس عن هواها وامرها بطاعة مولاها، واليهما اشير في التنزيل الالهى: واما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى (2) واما متمماتها فانه لما كان الغرض الاصلى منها هو نيل الكمال الحقيقي، وكان ذلك النيل موقوفا على حصول الاستعداد له، وكان ذلك الاستعداد مشروطا بزوال الموانع، وكانت الموانع داخلية وخارجية كان ذلك الغرض مستلزما لامور ثلاثة (3): احدها - ازالة ما عدا الحق الاول تعالى عن الوجهة المقصودة ازاحته عن سواء السبيل وهى الموانع الخارجية. الثاني - تطويع النفس الامارة للنفس المطمئنة لينجذب الخيال والوهم الى الجنبة (4) العالية مستتبعين لسائر القوى الحيوانية وهى الموانع الداخلية. الثالث - اعداد النفس لان يتمثل فيها (5) الجلايا القدسية بسرعة. ثم لما كان بهذه الاغراض متممات وامور تعين عليها لاجرم كان الزهد الحقيقي مما يعين على الغرض الاول، والعبادات الشرعية مما يعين على الغرض الثاني وذلك هو الغرض منها.


(1) - آية 2 سورة القيامة (2) - آية 40 سورة النازعات. (3) - هذه الامور مأخوذة من النمط التاسع من كتاب الشفاء ونص عبارته هناك: " اشارة - ثم انه ليحتاج الى الرياضة، والرياضة متوجهة الى ثلاثة اغراض، الاول تنحية ما دون الحق عن متن الايثار، والثانى تطويع النفس الامارة للنفس المطمئنة لتنجدب قوى التخيل والوهم الى التوهمات المناسبة للامر القدسي منصرفة عن التوهمات المنصرفة للامر السفلى، والثالث تلطيف السر للتنبيه، والاول يعين عليه الزهد الحقيقي، والثانى يعين عليه عدة اشياء، العبادة المشفوعة بالفكرة ثم الالحان المستخدمة لقوى النفس الموقعة لما لحن به من الكلام موقع القبول من الاوهام، ثم نفس الكلام الواعظ من قائل زكى بعبارة بليغة ونغمة رخيمة وسمت رشيد، واما الغرض الثالث فيعين عليه الفكر اللطيف والعشق العفيف الذى يأمر فيه شمائل المعشوق ليس سلطان الشهوة " فلله در الشارح قدس سره فانه اعرض عن الاشارة الى العشق ولو كان عفيفا فضلا عن الخوض فيه. (4) ج د: " الجنة " (بتشديد النون). (5) - ا " منها ".

[ 36 ]

بيان الاول ان الزهد الحقيقي (1) هو اعراض النفس عما يشغل سرها عن التوجه الى (2) القبلة الحقيقية وظاهر كونه معينا على الغرض الاول، واما كون المواظبة على العبادات معينا على الغرض الثاني فظاهر أيضا لانها رياضة ما لقوى العابد العارف المدركة والمحركة لتجرها بالتعويد عن الجنبة السافلة الى جناب (3) القدس (4) وكسر الهمة المتعلقة بما يضاد الكمال الذاتي، وانما اعتبرنا الزهد الحقيقي دون الظاهرى لان الاعراض عن المشتهيات البدنية إذا كان بحسب الظاهر فقط مع ميل القلب إليها لم ينتفع به لقوله صلى الله عليه وآله ان الله لا ينظر الى صوركم ولا الى اعمالكم ولكن ينظر الى قلوبكم، نعم وان كان لابد للسالك في مبدء الامر من الزهد الظاهرى لان الزهد الحقيقي مشروط به اولا وقد اتفق على ان: الرياء قنطرة الاخلاص، واما العبادات فأجملها (5) ماكان مشفوعا بالفكر المناسب وفائدة ذلك ان الغرض من العبادة تذكر المعبود الحق والمجردين (6) من الملائكة وذلك مما لا يتأتى الا بالفكر فلاجرم وجوب كونها مشفوعة به، وان كان لتلك الاغراض متممات اخر ومعينات كالكلام الواعظ من قائل زكى معتقد فيه، والالحان المناسبة البريئة عن التعود بمخالطة اللذات الخسيسة، وعن الايقاع في مجالس الانذال واجتماعاتهم لقبيح ما يفعل، وغير ذلك مما هو مذكور في مظانه فقد لاح لك حينئذ الغرض من الزهد والعبادة وكيفية تأديهما الى المطلوب الاصلى.


(1) - هذا المبحث مأخوذ من الشفاء (النمط التاسع) ونص عبارته: " تنبيه - الزهد عند غير العارف معاملة ما كأنه يشترى بمتاع الدنيا متاع الاخرة، وعند العارف تنزه ما عما يشغل سره عن الحق وتكبر على كل شئ غير الحق، والعبادة عند غير العارف معاملة ما كأنه يعمل في الدنيا لاجرة ياخذها في الاخرة هي الاجر والثواب، وعند العارف رياضة ما لهممة وقوى نفسه المتوهمة والمتخيلة لتجرها بالتعويد عن جناب الغرور الى الحق فتصير مسالمة للسر الباطن (الى آخر ما قال). (2) - جميع النسخ " عن ". (3) - ا ب: " الجناب ". (4) - ب ج د: " المقدس ". (5) - ب ج: " فاجلها ". (6) - ا: " والمجرد ".

[ 37 ]

البحث الثالث في غرض غير العارف من الزهد والعبادة وغرضه منهما ومن عرفانه الزهد والعبادة عند غير العارف معاملتان، اما الزهد فلان مطلوب غير العارف منه ان يشترى بمتاع الدنيا متاع الاخرة، واما العبادة فلان غرضه منها ان يأخذ الاجرة عليها في الاخرة، واما غرض العارف منهما فقد سبق بيانه، اما من الزهد فالتفات القلب عن (1) ما سوى الله لئلا يمنعه من الاستغراق في محبته، وترك اخس المطلوبين لاشرفهما واجب في اوائل العقول، واما من العبادة فان تصير القوى البدنية مراضة تحت قياد (2) - النفس في توجهها الى مطلوبها الاصلى من الاستغراق في بحور الجلال لئلا يمنعها عن ذلك بالاشتغال بالامور المضادة له، واما غرضه من عرفانه فليس الا الحق لذاته لا غيره حتى العرفان فانه امر اضافي يقال بالنسبة الى المعروف فهو مغاير للمعروف لا محالة، فلو كان غرض العارف نفس العرفان لم يكن من مخلصي التوحيد لانه قد اراد مع الحق غيره وهذه حال المتبجح بزينة في ذاته، فاما من عرف الحق وغاب عن ذاته كما ستعرف فهو لا محالة غائب عن العرفان واجد للمعروف فقط، وهو السابح لجة الوصول وهناك درجات التحلية بالامور الوجودية التى هي النعوت الالهية وهى غير متناهية واليها اشير في الكتاب العزيز: قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربى لنفد البحر قبل ان تنفذ كلمات ربى ولو جئنا بمثله مددا (3) والله ولى الخلاص وله منتهى الاخلاص. البحث الرابع في درجات حركات العارفين فالاولى من تلك الدرجات الحركة التى تسمى في عرف اهل الطريقة بالارادة، وذلك انه إذا حصل للانسان اعتقاد ان السعادة التامة بالاقبال على الله تعالى وبالاعراض عما سواه كان ذلك الاعتقاد برهانيا أو تقليديا أو بحسب الجبلة، فانه


(1) - في جميع النسخ " الى ". (2) - ج د: " مبادى ". (3) - آية 109 سورة الكهف.

[ 38 ]

يحدث عن ذلك الاعتقاد ارادة التوجه الى الله تعالى والفرار والبعد عما سواه، فمهما بقى الانسان كذلك سمى مريدا، ثم إذا توغل في السلوك وبلغت به الارادة والرياضة حدا ما (1) ظهرت عليه انوار الهية لذيذة تشبه البرق اللامع المختفى ويسميها اهل الطريقة بالاوقات وكل واحد منها محفوف بوجدين، وجد إليه وهو الشوق المتقدم عليه، ووجد عليه وهو التأسف على فواته وهو متأخر عنه، لان مفارقة تلك المعارفة (2) بعد حصولها يوجب حنينا وانينا شوقا (3) الى ما فات، واليه اشار صاحب الوجد في قوله: شعر: * إذا ما سقاني شربة من رضا به * ظمئت الى ذاك المدام فلم اروى (4) وقول الاخر (5): فابكى ان نأوا شوقا إليهم * وأبكى ان دنوا خوف الفراق ثم ان هذه اللوامع تكون في مبدء الامر قليلة ثم لا تزال تكثر بحسب الامعان في الرياضة والتوغل فيها وتزداد وتتفاوت ازمانها بحسب زيادة قوة استعداد النفس لها حتى تصير تلك الاحوال ملكات فيظهر عليها في غير حال الارتياض وفى هذه الاحوال ربما عرضت له تلك الغواشى وهو غافل عنها فتستفزه عن مجلسه (6) وتوجب له الهرب والقلق (7) والاضطراب دفعة وذلك لكون النفس غير متأهبة لتلقيه كما نقل عن سيد المرسلين في مبدء الوحى انه كان يضطرب ويقول: زملوني زملوني، وكما اشير إليه في الكتاب العزيز


(1) - مأخوذ من الشفاء (من النمط التاسع) ونص عبارته: " اشارة ثم انه إذا بلغت به الارادة والرياضة حدا ما عنت له خلسات من اطلاع نور الحق عليه لذيذة كأنها بروق تومض إليه ثم تخمد عنه وهو المسمى عندهم اوقاتا، وكل وقت يكتنفه وجدان، وجد إليه ووجد عليه، ثم انه ليكثر عليه هذه الغواشي إذا امعن في الارتياض، ثم انه ليتوغل في ذلك حتى يغشاه في غير الارتياض فكلما لمح شيئا عاج منه الى جناب القدس يتذكر من امره امرا فغشيه غاش فيكاد يرى الحق في كل شئ " وله ذيل في اشاراته الاتية فمن اراده فليطلبه من هناك. (2) - ا: " العارفة " ج د: " المعارف ". (3) - ب ج د: " تشوقا ". (4) - كذا في النسخ. (5) - هاتان الكلمتان والبيت الاتى لم يذكر شئ منها في نسخة ا. (6) - ج: " محله ". (7) - ج: " والقلقة ".

[ 39 ]

حكاية عن موسى عليه السلام: فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى اقبل ولا تخف انك من الامنين (1)، ثم انه ليزداد تعويده بظهور تلك الغواشى الى ان تصير تلك الغواشى مألوفة له فتطمئن بها (2) نفسه ويسكن إليها قلبه وتسمى حينئذ في عرفهم سكينة حتى تصير بعد ان كانت آثار البهجة باشراق تلك الانوار في سره ظاهرة عليه وعلامات الاسف والتلهف على فراقه كثيرة لديه بحيث يقل ذلك الظهور فيراه جليسه حال الاتصال بجناب الحق حاضرا عنده في اوقات السفر مقيما معه وهو في الحالين غائب مسافر ولا يزال يتدرج (3) في ذلك بحسب صفاء جوهره واستعداده بالملكة التامة الى ان يصير له ذلك متى شاء ثم يترقى في ذلك الى ان يتوقف ذلك الامر على مشيته بل يكون له بمطالعة كل شئ عبرة من غير قصد الاعتبار (4) بتلك المطالعة، فإذا عبر مقام السلوك الى النيل صار سره كمرآة (5) مجلوة حوذى (6) بها وجه الحق متسعا باشراقه


(1) - ذيل آية 31 سورة القصص. (2) - ا: " لها ". (3) - ج د: " يندرج ". (4) - ج د: " الاعتقاد ". (5) - ج " مراة ". (6) - النسخ: " حوفى " أوما يشبهه وصححناها بقرينة قول الشارح (ره) في شرح نهج البلاغة ضمن شرح قوله امير المؤمنين (ع): " والله لابن ابى طالب آنس بالموت من الطفل بثدى امه ": " فان علمه بعواقب الامور وادبارها وتطلعه الى نتائج الحركات بعين بصيرته التى هي كمرآة صافية حوذى بها صور الاشياء في المرائى العالية فارتسمت فيهاكما هي " (ص 104 الطبعة الاولى) ونظيره قوله الاخر في وصف التالين للقرآن حق تلاوته (ص 406 من الطبعة الاولى): " حتى صارت نفوسهم كمرائى مجلوة حوذى بها شطر الحقائق الالهية فتحلت وانتقشت بها " الى غيرهما واصل التعبير مأخوذ من كلام ابن سيناء (انظر كتاب الاشارات، النمط التاسع): " اشارة - فإذا عبر الرياضة الى النيل صار سره مرآة مجلوة محاذيا بها شطر الحق ودرت عليه اللذات العلى (الى آخر كلامه) " وقد قال أيضا قبل ذلك في كلام له: " وإذا اعرضت النفس عنه الى ما يلى العالم الجسدانى أو صورة اخرى انمحى المتمثل الذى كان اولا كأن المرآة التي كانت يحاذي بها جانب القدس قد اعرض بها عنه الى جانب الحس أو الى شئ آخر من الامور القدسي " قال المحقق الطوسى (ره) في شرح العبارة الثانية مانصه: " اشاره الى حاجة الذهول وسببه، وتمثل بالمرآة لانها في الجسمانيات اشبه شئ بالنفس المستفيضه عن المجردات ". (*)

[ 40 ]

فيه مبتهجا باعلى اللذات الا انه مع ذلك مبتهج بنفسه لما فيها من اثر الحق فله مع نظره الى الحق نظر آخر الى نفسه فهو بعد واقف دون مقام الاخلاص فإذا غاب عن نفسه (1) يلحظ الجناب المقدس (2) فقط وان لحظ نفسه فبالعرض من حيث هي لاحظة للحق لامن حيث هي متزينة بزينة الحق فهناك يتحقق الوصول، وفى كلمات محققى اهل الطريقة (3): ما رأينا شيئا الا ورأينا الله بعده، فلما ترقوا قالوا: ما رأينا شيئا الا ورأينا الله فيه، فلما ترقوا قالوا: ما رأينا شيئا الا ورأينا الله قبله، فلما ترقوا قالوا: ما رأينا شيئا سوى الله، والكلمة (4) الاولى اشارة الى مقام الاعتبار مع قصده، والثانية اشارة الى مقام حصول تلك البروق غير متوقفة على مشيته، والثالثة اشارة الى مقام النيل مع ملاحظة النفس من حيث هي مبتهجة بزينة الحق فان الشبح الذى في المرآة هو المرئى قبلها، والرابعة اشارة الى مقام الفناء وهو ملاحظة الحق الاول مع الغيبة عن النفس، وقد جمعوا أيضا مراتب السلوك ومقامات الوصول في كلمة اخرى فقالوا: السفر سفران، سفر الى الله، وسفر في الله، والاول اشارة الى انتقالات النفس في مراتب السلوك، والثانى اشارة الى انتقالها في درجات الوصول، والله ولى التوفيق.


(1) - عبارة ابن سيناء هكذا (في النمط التاسع من كتاب الاشارات): " ثم انه ليغيب عن نفسه فيلحظ جناب القدس فقط وان لحظ نفسه فمن حيث هي لاحظة لامن حيث هي بزينتها وهناك يحق الوصول ". (2) - ا: " القدس " والشارح قد يعبر في كتبه بتعبير " جناب القدس " وقد يعبر بتعبير " الجناب المقدس ". (3) - قال الشارح (ره) في شرح نهج البلاغة ضمن ذكر معنى الظهور عند شرح قول امير المؤمنين (ع): " وكل ظاهر غيره باطن " مانصه (ص 180 من الطبعة الاولى): " كما اشار إليه بعض مجردى السالكين: ما رأينا شيئا (فساق الكلام الى آخره فقال) والاولى مرتبة الفكر والاستدلال عليه، والثانية مرتبة الحدس، والثالثة مرتبة المستدلين به لا عليه، والرابعة مرتبة الفناء في ساحل عزته ". (4) - في النسخ " والاية ".

[ 41 ]

البحث الخامس في احكام العارفين واخلاقهم اما الاحكام فالاول - ان كل درجة قبل درجة الوصول فهى ناقصة بالقياس إليها وبيان ذلك اما درجة الزهد فلانه اشتغال بغير الحق لان تحلية الذات عن المنجسات والعلائق البدنية مشروط بالشعور بها والقصد الى اعدامها (1) وذلك التفات الى غير الحق وشغل به. واما العبادة فلان العابد إذا اتكل على تطويع النفس الامارة للمطمئنة فذلك عجز منه إذ لولا الخوف من الغير لم يحصل الاعتداد بطاعة والفرح بها، واما العرفان مع ابتهاج النفس بزينة الحق والسعادة بالوصول إليه فهوتيه، لان الابتهاج بالنفس لقربها من الحق والفرح بكونها واصلة إليه ابتهاج بغير الله وعشق بالذات لا حوال النفس، واما الاشتغال بالحق ورفض كل ما عداه وهو آخر مقامات السلوك إليه فهو الخلاص المطلق والاخلاص المحقق. الثاني - اتفقت كلمة اهل العرفان على ان مقامات السالكين الى الحق لا تخلو من التفريق والجمع فيما سوى الحق تعالى ثم من الجمع فيه، اما التفريق فهو تخلية الذات عما سوى الحق تعالى فلها مراتب اربع، فالاولى لابد ان يكلف السالكون الى الحق بالاعراض عما سواه من اللذات البدنية والشهوات الدنياوية ولن يزالوا في كلفة الى ان تستبعد نفوسهم ارذال الميول الحيوانية إليها وهى المرتبة الثانية، ثم يستعدون بالسعي الى ان يمحقوا (2) ما سوى الحق من قلوبهم ويشموا رائحة النفحات الالهية ويتركوا الالتفات بالكلية الى اللذات الفانية وهى المرتبة الثالثة، ثم لا يزالون يستعدون بالانس بالقديم (3) الاعلى والكأس الاوفى الى ان يصير ما سوى الحق مستحقرا عندهم بالنسبة الى تلك اللذات الكاملة وهى المرتبة الرابعة، فهذه درجات التخلية وهى في لسان الحكماء


(1) - ج: " اعلامها ". (2) - ا: " يمحق " ج: " يمحوا ". (3) - ب " النديم ".

[ 42 ]

درجات الرياضة السلبيه وفى لسان المجردين (1) من الصوفية درجات التخلق بنعوت الجلال، واما الجمع فهو تحلية الذات بدرجات الرياضة الايجابية وذلك بان يصير السالك رؤفا رحيما جوادا كريما وتسمى هذه الحالة في لسان الشريعة التخلق باخلاق الله، وفى لسان المجردين الترقي في مدارج الجلال، واما الجمع في الله فلن يخلص الا بالوقوف عنده بحيث ينقطع نظر الواصل عن نفسه وابتهاجا بزينتها به وبه يتحقق الكمال التام. واما الاخلاق فيجب ان يكون العارف شجاعا (2) وذلك ان الشجاعة فضيلة مطلوبة بالذات، واما السبب المانع من الاقدام على الاهوال فخوف القتل الذى غايته الموت والعارف بمعزل عن (3) تقية الموت، ويجب ان يكون عفيفا لان العفة ملكة مطلوبة لذاتها، والمانع منها غلبة القوى البدنية على مقتضى طباعها وانقهار (4) النفس في قيادها والعارف بمعزل عن ذلك إذ (5) كانت قواه البدنية مقهورة في يد قوته (6) العقلية، ويجب ان يكون جوادا لان الجود فضيلة مطلوبة لذاتها، والمانع منها انما هو حب المال والخوف من الفقر، والعارف منزه عن حب الباطل الزائل وحاصل على الغنى الحقيقي الذى لافقر معه، ويجب ان يكون عدلا لان العدالة ملكة قد عرفت انها تحصل عن الحكمة والعفة والشجاعة وهذه الفضائل الثلاث (7) حاصلة له، ويجب ان يكون صفاحا عن زلات الخلق في حقه لانه لا ينفعل عن شئ سوى الله فهو اشرف عن ان ينفعل عن زلة بشر (8) والاشتغال بالانتقام مستلزم للانفعال، ويجب ان لا يكون حقودا لان اشتغال سره بالله يزيل عنه كل ما عداه، ويجب ان يكون طلق الوجه وذلك انه فرحان بالحق وبكل


(1) - ا: " المحررين ". (2) - عبارة ابن سيناء هكذا (كتاب الاشارات، النمط السابع الذى في مقامات العارفين): " تنبيه - العارف شجاع وكيف لا وهو بمعزل عن تقية الموت، وجواد كيف لا وهو بمعزل عن محبة الباطل، وصفاح وكيف لا ونفسه اكبر من ان تجرحها زلة بشر، ونساء للاحقاد وكيف لا وذكره مشغول بالحق ". (3) - ا ب: " من ". (4) - ا: " انتهار ". (5) - ا ج: " إذا ". (6) - ا: " ترقوته ". (7) - ب " الثلاثة ". (8) - ا: " البشر " ج د: " شر ".

[ 43 ]

شئ يراه فانه يرى فيه الحق فيدوم فرحه بدوام مطالعته لوجه الحق، ويجب ان يكون لين الجناب (1) متواضعا للخلق بحيث يكون نظره إليهم على سواء في ذلك، لانه لا ينظر الى ما سوى الله من حيث انه هو حتى يكون هناك تفاوت بين الهويات بل انما ينظر الى الكل من حيث تساوى نسبتهم الى الله تعالى ويجد جماع (2) الفضائل النفسانية عند اقتصاصها موجودة فيه ظاهرة بينة العلة، واليك الاعتبار والله الموفق. الفصل الخامس في بيان احكام اخرى للنفوس الكاملة والاشارة الى اسبابها وفيه بحثان: البحث الاول (3) في التمكن من الاخبار عن المغيبات وسببه واجب عليك ايها الاخ إذا ذكر ان خليفة من خلفاء الله أو وليا من اوليائه اخبر عن امر سيكون مبشرا به أو منذرا مما لا تفى بدركه قوتك وانت انت قاصاب ان لا تبادر الى التكذيب بامثال (4) ذلك فانك عند اعتبارك مذاهب الطبيعة تجد الى ذلك سبيلا وله محملا ونحن نشير إلى سببه مجملا ومفصلا. اما الاول فلان معرفة الامور الغيبية في النوم ممكنة فوجب ان يكون في اليقظة كذلك، بيان الاول ان الانسان كثيرا ما يرى في النوم شيئا ثم يقع اما صريح تلك الرؤيا أو تعبيرها، وذلك يوضح ما قلناه للرائى، ومن لا يرزق ذلك في حال النوم علمه بالتواتر من الخلق العظيم.


(1) - كذا ولعله " الجانب ". (2) - ب " جملة " (3) - هذا المبحث مأخوذ من اواخر الاشارات فمن اراد التطبيق فليراجعه. (4) - ج د " بامكان ". (*)

[ 44 ]

بيان الثاني ان ذلك لما صح في حال النوم لم يمكن (1) القطع على امتناعه حال اليقظة فان الناس لو لم يجربوا ذلك في حال النوم لكان استبعادهم لوقوعه في النوم اشد من استبعادهم له في اليقظة فانه عند عدم التجربة لو قيل لانسان: ان جماعة من الاولياء الكاملين اجتهدو في تلويح مفكراتهم الصافية في تحصيل حكم غيبي فعجزوا ثم ان واحدا منهم لما نام وصار كالميت عرف ذلك الحكم فلا بد ان يكذب بذلك ويستنكره لعدم حصوله مع كمال الحركة وسلامة الحواس عن العطلة الا ان وقوع هذا الامر كثيرا مما ازال الاستبعاد وصحح الصحة، واما الثاني فمبنى على مقدمتين: فالاولى - انه قد ثبت في موضعه ان العقول والنفوس السماوية عالمة بالجزئيات، اما العقول فعلى وجه كلى واما النفوس فعلى وجهه جزئي لان جميع الجزئيات تنتهى في سلسلة الحاجة الى العقول، والعلم بالعلة مستلزم للعلم بالمعلول، وكذلك ثبت ان للفلك قوة جسمانية هي مدركة للجزيئات وثبت ان الحوادث العنصرية مستندة الى الاتصالات والحركات الفلكية وثبت ان المبدأ لتلك الحركات هي النفوس (2) الجسمانية وثبت ان العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول فيلزم من مجموع ذلك كون النفس الفلكية عالمة بجميع جزئيات هذا العالم وما يحدث فيه، وكذلك ثبت ان للفلك مع هذه النفوس (3) الجسمانية نفسا مجردة ليست علاقتها مع الجسم علاقة انطباع فتكون أيضا منتقشة بجميع الجزئيات التى تحدث في هذا العالم فالعقول والنفوس الفلكية المجردة والجسمانية إذا منتقشة بها. الثانية - ان النفوس الانسانية متمكنة من استفادة العلوم من تلك المبادى، وبيان ذلك بتقديم مقدمات: فالاولى - ان القوى الانسانية متجاذبة فالنفس عند اشتغالها بتدبير القوة الغضبية غير متمكنة (4) الالتفات الى القوة الشهوانية وبالعكس وإذا اشتغل الحس الباطن بالحس


(1) - ب: " لم يكن ". (2) - ب ج: " النفس ". (3) - ب ج د: " هذه النفس ". (4) - ب: " غير ممكنة ".

[ 45 ]

الظاهر لم يتمكن العقل من استعمال الحس الباطن فلم يمكنه استخدام المفكرة (1) وأيضا فإذا اشتغلت النفس بالافعال التى تخصها منعتها من اعانة القوى على افعالها ولذلك تجدها عند مساعدة القوى على فعل قوى تخصها تذهل عن فعلها الخاص بها فتتركه. الثانية - انك علمت ماهية الحس المشترك فيما سبق وعلمت انه يرتسم (2) فيه صور المحسوسات بالحواس الخمس (3) لان (4) هذه المحسوسات عند ارتسامها تصير مشاهدة وان عدمت في الخارج وبينا ذلك بالقطرة النازلة خطا مستقيما. الثالثة - قد يشاهد قوم من المرضى والممرورين صورا محسوسة ويحكمون بصحتها ويصيحون خوفا منها فتلك الصور ليست بمعدومة لان المعدوم لا يشاهد، واذ هي موجودة فليست في الخارج والا لرآها سليم الحس، واذ ليست في الخارج فليس ارتسامها في النفس الناطقة إذ لاترتسم فيها الصور الحسية ولانها لا تدرك الجزئيات بذاتها فهى إذا في قوة جسمانية وليست القوة الباصرة، لان المريض قد يكون اعمى أو بحيث لا يبصر فهى إذا في قوة غيرها ادركت هذه الصور (5) في (6) الحس المشترك ولن (7) ترد عليه هذه الصور من خارج فهى من داخل اما مما انخزن في الخيال فرأى في لوح الحس أو مما تركبه المتخيلة وتخزنه في الخيال فيرتسم نقشه في الحس لانهما بمنزله مرآتين متقابلتين، والسبب ان النفس في حال المرض لاشتغالها بتدبير البدن ضعيفة عن تدبير المتخيلة فاستولت المتخلية وقويت على التشبيح، لا يقال: لو كان كذلك لوجب في كل ما يتخيل ان ان يحس اذلا اختصاص لذلك بوقت دون وقت لانا نقول: المانع من هذا الانتقاش دائما شاغلان، حسى وهو اشتغال لوح الحس بما يرد عليه من الصور الخارجية فلا يتسع للانتقاش بنقش آخر وعقلي أو وهمى وهو ان احدهما عند اشتغال (8) المفكرة تصير المفكرة مستغرقة


(1) - ب: " الفكرة ". (2) - ا: " رسم ". (3) - ب: " الخسمة ". (4) -: " وان ". (5) - ا: " هذه هي ". (6) - ج: " هي " د: " وهى ". (7) - ا ب: " وان ". (8) - ب ج د: " استعمال ".

[ 46 ]

لخدمته (1) فلا تتفرغ لفعلها الخاص بها فلم تتمكن من تركيب الصور وتشبيحها للحس الا انه ربما عجز احدهما عن ضبطها فحينئذ تستولى المحسوسة فتشاهدها (2). الرابعة - النوم شاغل للحس الظاهر شغلا ظاهرا وقد يكون شاغلا للنفس أيضا وذلك عند اشتغال الطبيعة بالهضم فان النفس تكون مظاهرة للقوة الهاضمة على ذلك ومعينة لها لما ثبت ان النفس عند اشتغالها بمهمها تقف سائر القوى عن افعالها فلابد من مظاهرة النفس لها والا لما تم الهضم، وإذا اشتغلت النفس بذلك بقيت المتخيلة خاليه عن المدبر متمكنة من التلويح والتشبيح غير مظبوطة ولوح الحس خال مما يرد عليه من الصور الخارجية لتعطل الحواس حالة النوم، وإذا تم الفاعل والقابل وجد الفعل لا محالة فلا جرم صارت الصور مشاهدة في حال النوم. الخامسة - النفس تقوى على عين ما ادركته وقد تضعف عن ضبط عينه فتنتقل الى شبهه ومحاكيه من وجه ثم من ذلك المحاكى الى محاكى المحاكى الى ان تصل الى ما لا يناسب المدرك الاول بوجه، وانما يكون كذلك لاستيلاء المتخيلة وضعف النفس عن تصريفها كما ينبغى فإذا قويت النفس جدا لم يكن اصلاحها للبدن عائقا لها عن اتصالها بمباديها وانتقاشها بما هناك بل تكون وافية بالجانبين فلا يعوقها الالتفات الى احدهما عن الالتفات الى الاخر فإذا انضم الى ذلك كونها مرتاضة كان تحفظها عن مضادات الرياضة وتصرفها فيما يناسبها اتم. وإذا عرفت هذه المقدمات فاعلم ان السبب في مشاهدة الصور في حال النوم والمرض هو ان النفس إذا اتصلت بالعقول الفعالة انتقشت بامور فركبت المتخيلة صورا جزئية تناسب تلك المعقولات، ولوحت تلك الصور الى الحس المشترك فصارت مشاهدة وقد يعرض للمتخيلة ضعف اما لمرض أو لتحلل الروح الحامل اما عن كثرة حركتها فتميل الى الدعة فتقع للنفس فلتة منها فتتصل بالعالم العقلي فتنتقش بالجلايا القدسية فتنزعج المتخيلة الى تشبيح ذلك المعنى العقلي بصورة جزئية لانها بسبب


(1) - ب ج د: " بخدمته ". (2) - ا: " فتشاهده " ب ج د: " مشاهدة ".

[ 47 ]

الاستراحة زال عنها الكلال والملال ولان النفس تستعين بها في ضبط تلك الاسرار في تلك الصور (1) الخيالية (2) وتحطها الى الحس فتبقى مشاهدة، وإذا علمت في ذلك حالة النوم لم يبعد إذا كانت النفس قوية الجوهر تتسع للجوانب المتنازعة (3) ان يقع لها هذا الانفلات (4) في حال اليقضة فتتصل بالمبادئ فتقتنص امورا قدسية فتركب المتخيلة لها صورا تناسبها ثم تحطها الى الحس المشترك فتكون محسوسة فتارة تكون ابصار صورة، وتارة تكون سماع كلام وان لم يكن لتلك الامور وجود خارجي الا ان تلك الاثار قد تكون ضعيفة فلا تشتثبتها (5) المتخيلة كما ينبغى فتنمحي سريعا، وقد تكون اقوى من ذلك فتحرك الخيال فينتقل بقوة الى ماله تعلق بذلك المعنى من شبيه أو ضد لان الحكمة الالهية اقتضت ان يكون جبلة هذه القوة على هذا الوجه والا لم ينتفع بها في الانتقال من الحاصل الى المستحصل ولن يمنعها من الانتقال الا احد (6) امرين (7) اما استيلاء النفس عليها وضبطها، واما قوة الصور المنتقشة فيها فانه أيضا قد يرتسم فيها الصور ارتساما قويا بينا فيمنعها جلاؤها لها (8) عن الانتقال منها الى الغير، وما كان كذلك في يقظة أو نوم سمى الهاما أو وحيا صريحا أو حلما لا يحتاج الى تعبير، وما كان من القسم الثاني اعني ان تبقى الصورة المنتقل إليها دون عين الاثر فانه يحتاج الوحى الى تأويل والحلم الى تعبير. تذنيب (9): قد عرفت ان النفس قد تعوقها عن الاتصال بمباديها قواها البدنية فلذلك ما يحتاج بعض الناس الى الاستعانة بامور مكتسبة يعرض منها للحس حيرة وللخيال وقفة تنفلت معها النفس لتلقى المغيبات كما حكى عن بعض الكهان من الترك انه كان يستعين بحركة شديدة جدا لا يزال يلهث فيها حتى يكاد يغشى عليه فتلوح له امور غيبية والحفظة يتلقون ما ينطق به ليبنوا عليه آرائهم المصلحية وكمن يشغل ابصار الصبيان والنساء


(1) - ب ج د: " القشور ". (2) - ب: " الخالية ". (3) - ا: " المتنازع ". (4) - ج د: " الالتفات ". (5) - ج د: " فلاتثبتها ". (6) - ب: " لاحد ". (7) - ج د: " من احد الامرين ". (8) - ب: " جلاء حالها ". (9) - مطالب التذنيب كلها من شفاء ابن سيناء، فراجع ان شئت.

[ 48 ]

وذوى القوى الضعيفة باشياء شفافة ترعش الابصار برجرجتها وتدهشه بشفيفها كلطخ من سواد براق في بيضة أو في باطن الابهام وكاستعانة بعض الكهنة بالرقص والتصفيق وبايهام العزائم والتخويف بالجن (1) إذا استنطقوا غيرهم، وان كان ما يستعمله الكهنة من ذلك مما يختل به امر القوى ويفسدها ويؤدى الى تعطيلها ولذلك لم يكن التكهن محمودا من العلماء والله ولى التوفيق (2). البحث الثاني في تمكن النفوس الانسانية من الاتيان بخوارق العادات واجب على من اهله الله لاستشراق انواره (3) إذا خصه بالقوة العاقلة التى هي سر من اسراره ان لا يستبعد عمن ارتقى درجة العرفان التام ان تصدر منه افعال لا يتمكن غيره من الاتيان بمثلها، وذلك كالامساك عن الطعام المدة المديدة التى يعجز الاتيان بمثله ابناء النوع وكالتحريك أو الحركة التى تخرج عن وسع مثله كما يشاهد من طوفانات تقع باستدعائهم وزلازل أو استنزال عقوبات وخسف بقرى حق عليها القول واستشفاء المرضى واستسقاء العطشى وخضوع عجم الحيوانات وغيرها فانه عند الاعتبار يجد تلك امورا ممكنة من الطبيعة ونحن نشير الى وجه امكانها، اما الامساك عن القوت فتأمل امكانه بل وجوده فينا عند عروض عوارض غريبة لنا، اما بدنية كالامراض


(1) - ا: " بالحق " ج د: " بالجزاء ". (2) - ا: " والله الموفق ". (3) - فليعلم ان الشارح (ره) قد ذكر نظائر ما اورده هنا في مقدمة شرح نهج البلاغة في القاعدة الثالثة التى هي في بيان ان عليا عليه السلام كان مستجمعا للفضائل الانسانية بحيث يمكن ان يقال هي بالنسبة الى المطالب المشتملة عليها هذه المباحث في حكم نسخة من هذا الكتاب، استفدنا في التصحيح من تلك القاعدة الا انا لا نشير الى موارد الاختلاف لان الاشارة إليها تستوعب وقتا كثيرا ومجالا وسيعا لا يقتضيه المقام فمن اراد الوقوف عليها فليراجع الكتاب (ص 35 - 30).

[ 49 ]

الحادة (1) واما نفسانية كالخوف والغم، اما البدنية فان القوى الطبيعية (2) تشتغل بسببها بهضم المواد الردية عن تحريك المواد المحمودة فتجد المواد المحمودة حينئذ محفوظة قليلة التحلل غنية عن طلب البدل لما يتحلل فربما انقطع الغذاء عن صاحبها مدة لو انقطع مثله عنه في غير حالته تلك عشر تلك المدة هلك، وهو مع ذلك محفوظ الحيوة، واما النفسانية فكما يعرض بعروض الخوف للخائف من سقوط الشهوة وفساد الهضم والعجز عن الافعال الطبيعية التى كان متمكنا منها قبل الخوف لوقوف القوى الطبيعية عن افعالها بسبب اشتغال النفس بما اهمها عن الالتفات الى تدبير البدن، وإذا عرفت امكان الامساك الخارج عن الوسع بسبب العوارض الغريبة فاعلم ان السبب في تحققه في حق العارف توجه النفس بالكلية الى عالم القدس المستلزم لتشييع القوى البدنية لها وذلك ان النفس المطمئنة إذا راضت القوى البدنية انجذبت القوى خلفها في مهماتها التى تنزعج إليها، واشتداد ذلك الانجذاب بشدة ذلك الجذب فإذا اشتد الاشتغال عن الجهة المولى عنها وقفت الافعال الطبيعية المتعلقة بالقوة النباتية فلم يكن من التحليل الادون ما كان في حال المرض وذلك لان المرض في بعض الصور مختص بما يقتضى الاحتياج الى الغذاء لتحلل رطوبات البدن بسبب عروض الحرارات الغريبة المسماة بسوء المزاج الحار (4) له لان الغذاء انما يكون لسد بدل ما تحلل من تلك الرطوبات وشدة الحاجة الى الغذاء انما تكون بحسب كثرة التحليل وكقصور القوى البدنية بسبب المرض المضاد لها وانما الحاجة الى حفظ تلك الرطوبات لحفظ تلك القوى إذ (3) كانت مادة الحرارة الغريزية المقتضية (5) لتعادل الاركان الذى لا تقوم تلك الا معه وشدة الحاجة الى ما يحفظ تلك


(1) - ج د: " الحارة ". (2) مأخوذ مما ذكره ابن سيناء في اول النمط العاشر من الاشارات ونص عبارته هكذا " تنبيه - تذكر ان القوى الطبيعية التى فينا إذا شغلت عن تحريك المواد المحمودة بهضم المواد الردية انحفظت المواد المحمودة قليلة التحلل غنية عن البدل فربما انقطع عن صاحبها الغذاء مدة طويلة لو انقطع مثله في غير حالته بل عشر مدته هلك وهو مع ذلك محفوظ الحيوة ". (3) ا ج: " إذا ". (4) - كذا ولعله: " الحاد " (5) - " المفضية ".

[ 50 ]

القوى انما هي بحسب شدة فتورها، واما العرفان فانه مختص بامر يوجب الاستغناء عن الغذاء وهو سكون البدن عن اعراض القوى البدنية عن افعالها جال مشايعتها للنفس وانجذابها معها حال توجهها الى الجناب المقدس وتطعمها بلذة معارفة الحق، واليه الاشارة بقوله تعالى حكاية عن خليله عليه السلام: والذى هو يطعمنى ويسقين (1) وبقول سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم: انى لست كاحدكم، ابيت عند ربى يطعمنى ويسقيني. وإذا عرفت ذلك ظهران المرض وان اقتضى الامساك الخارق للعادة الا ان العرفان بذلك الاقتضاء اولى، واما القدرة على الحركة التى تخرج عن وسع مثله فهى ايضا ممكنة وبيان - سببها انك علمت ان مبدأ القوى البدنية هو الروح الحيوانى فالعوارض الغريبة التى تعرض للانسان تارة تقتضي انقباض الروح بحركته الى داخل كالخوف والحزن، وذلك يقتضى انحطاط القوة وسقوطها، وتارة تقتضي حركته الى خارج كالغضب أو انبساطا معتدلا كالفرح المطرب والانتشاء (2) المعتدل وذلك يقتضى ازدياد القوة ونشاطها وإذا


(1) - آية 79 سورة الشعراء. (2) - ب: " الانتشاب " اقول: هذا المطلب مأخوذ من كلام ابن سيناء في اوائل النمط العاشر من كتاب الاشارات ونص عبارته: " تنبيه - قد يكون للانسان وهو على اعتدال من احواله حد من المنة محصور المنتهى (الى ان قال) وكما يعرض له عند الانتشاء المعتدل وكما يعرض له عند الفرح المطرب فلا عجب لو عنت للعارف هزة كما يعن عند الفرح فاولت القوة التى يعرض له سلاطة أو غشيته عزة كما يغشى عند المنافسة فاشتعلت قواه حمية (الى آخر ما قال) " قال المحقق الطوسى (ره) ضمن شرح العبارة مانصه: " والانتشاء السكر (الى ان قال) واعلم ان مبدأ القوى البدنية هو الروح الحيوانى المقتضية لانقباض الروح وحركته الى داخل كالحزن والخوف يقتضى انحطاط القوة والمقتضية لحركته الى خارج كالغضب والمنافسة أو لانبساطه انبساطا غير مفرط كالفرح المطرب والانتشاء المعتدل يقتضى ازديادها وانما قيد الانتشاء بالاعتدال لان السكر المفرط يوهن القوة لاضراره بالدماغ والارواح الدماغية، ثم لما كان فرح العارف ببهجة الحق اعظم من فرح غيره بغيرها وكانت الحالة التى تعرض له وتحركه اعتزازا بالحق أو حمية الهية اشد مما يكون لغيره كان اقتداره على حركة لا يقدر غيره عليها امرا ممكنا ومن ذلك يتعين معنى الكلام المنسوب الى على (ع): والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية ولكن قلعتة بقوة ربانيه ".

[ 51 ]

عرفت ذلك فنقول: لما كان فرح العارف ببهجة الحق اتم واعظم من فرح من عداه بما عداها وكانت الغواشى التى تغشاة وتحركة اعتزازا بالحق أو حمية ربانية اعظم مما يعرض لغيره لاجرم كان اقتداره على حركة غير مقدورة لغيره ممكنا وسنبين وقوعه ان شاء الله تعالى، واما السبب في الامور الباقية على الاصول السابقة هو انك علمت ان تعلق النفس بالبدن ليس بانطباعها فيه انما هو على وجه انها مدبرة له مع تجردها (1) ثم ان الهيئات النفسانية قد تكون مبادئ لحدوث الحوادث وبيانه اما اولا فلانك تشاهد انسانا يمشى على جذع ممدود على الارض ويتصرف عليه كيف يشاء (2) ولو عرض ذلك الجذع بعينه على جدار عال أو موضع عال لوجدته عند المشي عليه راجفا متزلزلا يوعده (3) وهمه بالسقوط مرة بعد اخرى لتصوره وانفعال بدنه عن وهمه حتى ربما سقط. واما ثانيا فلان الامزجة تتغير عن العوارض النفسانية كثيرا كالغضب وكالحزن والخوف والفرح وغير ذلك وهو ضروري. واما ثالثا فلان توهم المرض أو الصحة قد يوجب ذلك وهو ايضا ضروري، إذا عرفت هذا فنقول: ان الامزجة قابلة لهذه الانفعالات عن هذه الافعال النفسانية فلا مانع إذا ان يكون لبعض النفوس خاصية لاجلها يتمكن من التصرف في عنصر هذا العالم بحيث تكون نسبتها الى كلية العناصر كنسبة انفسنا الى ابدانها (4) فيكون لها حينئذ تأثير في اعدادات المواد العنصرية لان يفاض عليها صور الامور الغربية التى تخرج عن وسع مثلها فإذا انضمت الى ذلك الرياضات فانكسرت سورة الشهوة والغضب وبقيا (5) اسيرين في يد القوة العاقلة فلاشك انها حينئذ تكون اقوى على تلك الافعال


(1) - مأخوذ من كلام ابن سيناء في اواخر النمط العاشر من الاشارات ونص عبارتة: " تذكرة وتنبيه - اليس قد بان لك ان النفس الناطقة ليست علاقتها مع البدن علاقة انطباع بل ضربا من علائق اخر، وعلمت ان هيئة تمكن العقد منها وما يتبعه قد يتأدى الى بدنها مع مباينتها له بالجوهر حتى ان وهم الماشي على جذع معروض فوق فضاء يفعل في ازلاقه مالا يفعله وهم مثله والجذع عل قرار (الى اخر ما قال) ". (2) - ب ج: " شاء ". (3) - في النسخ: " يواعده ". (4) - في شرح نهج البلاغة للشارح (ره): " ابداننا ". (5) - في شرح نهج البلاغة: " وبقيتا اسيرتين ".

[ 52 ]

وتلك الخاصية اما بحسب المزاج الاصلى أو بحسب مزاج طار غير مكتسب أو بحسب الكسب والاجتهاد في الرياضة وتصفية النفس، والذى يكون بحسب المزاج الاصلى فذو - المعجزات من الانبياء أو الكرامات من الاولياء، فان انضم إليها الاجتهاد في الرياضة بلغت الغاية في ذلك الكمال، وقد يغلب على مزاج من له هذه الخاصية ان يستعملها في طرف - الشر وفى الامور الخبيثة (1) ولا يزكى نفسه كالساحر فيمنعه خبثه عن الترقي الى درجة - السابقين في الكمال فهذا القدر هو الذى اردنا من المقدمات وبالله التوفيق. القسم الثاني في المقاصد، وفيه فصول: الفصل الاول في المباحث المتعلقة بالعقل والعلم والجهل والظن والنظر وفيه اثنتان وعشرون كلمة: الكلمة الاول قوله عليه السلام: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا. اقول: الغطاء في اصل اللغة هو ما يستر به الشئ ويغطى، واليقين في عرف العلماء هو اعتقاد ان الشئ كذا مع اعتقاد انه لا يمكن ان لا يكون كذا، وهو اخص من العلم الذى هو اخص من الاعتقاد الجازم المطابق الذى هو اخص من الاعتقاد المطابق الذى هو اخص من مطلق الاعتقاد، واعلم انه ليس المراد من لفظ الغطاء والمغطى والتغطية ههنا هو ما يتعارفه افهام الخلق حال اطلاقه والا لم يبق للكلام فائدة بل لابد من مفهوم آخر يحتاج الى تفطن ما زائد على نباهة اهل الظاهر سواء كان اطلاق لفظ الغطاء على ذلك المعنى وعلى غيره حقيقة اما بحسب الاشتراك اللفظى أو المعنوي على سبيل التواطى بان يكون الغطاء حقيقة نوعية ذلك المعنى من جملة اشخاصها التى لا يخالف بعضها الا


(1) - ج د " الخسيسة ".

[ 53 ]

بالعدد (1) أو على سبيل التشكيك على معنى ان في افراد الغطاء ما هو اشد تغطية واقوى من غيره، أو مجازا على معنى ان الغطاء حقيقة عرفية في جسم ستر جسما مجازا في المعنى الذى نريده فان البحث عن ذلك لفظي غير مهم. فاما بيان ذلك المعنى فقبل تقريره نقول: انك قد علمت ان النفوس الانسانية في الكمال والنقصان على مراتب، وعرفت ان اعلى تلك المراتب مرتبة نفوس قدسية استغرقت في محبة الله تعالى وابتهجت بمطالعة أنوار كبريائه غاية الابتهاج، وهى درجة الانبياء ومن يليهم من الاولياء الكاملين في قوتيهم النظرية والعملية المشار إليها بقوله تعالى: السابقون السابقون * اولئك المقربون (2) ثم عرفت ان ذلك الاستغراق مستلزم لاعراضهم عما سوى الحق تعالى من العوائق البدنية واللذات الدنية اعراض استحقار لها واستهانة بها، بل اعراضا لا التفات معه إليها بوجه وإذا عرفت ذلك فنقول: المراد من الغطاء المذكور في الخبر هو البدن والشوائب المادية الحاصلة حال تعلق النفس به وكونها مدبرة له، اما وجه كونه غطاء فلان الاشارات النبوية مشتملة على مواعيد ووعيدات بانواع من الكرامات الاخروية وضروب من العقوبات لاتفى بدركها القوة الانسانية الا لو قد نضت هذا البدن وتجردت الى عالمها فالنفس مادامت ملابسة له فهى ملتحفة مغطاة بالشوائب العارضة والهيئات اللازمة لها من ملابسته، فإذا فارقته وتجردت عنه ابصرت ما اعد لها بعد المفارقة من سعادة أو شقاوة واليه اشير في التنزيل الالهى: فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد (3) وهذا الحكم وان كان عاما للنفوس الانسانية القدسية البالغة في الكمال الى الحد المذكور وان كانت في الظاهر ملتحفة بجلابيب الابدان متغطية بأغطية الشوائب المادية وكأنها (4) لما (5) رزقت من الاعراض عما سوى القبلة الحقيقية ومن التوجه والاقبال


(1) - ب: " بالعداد ". (2) آية 10 و 11 سورة الواقعة. (3) - ذيل آية 22 سورة ق. (4) - ب ج: " فكأنها ". (5) - يمكن قراءة الكلمة بكسر اللام وتخفيف الميم بناء على انها مركبة من لام الجر وما الموصول.

[ 54 ]

عليها بالكلية فصار كل كمال لها بالقوة فعليا قد نضت تلك الاغطية وخلعت تلك الاغشية والقت تلك الجلابيب الحسية وخلصت الى الحضرة القدسية متصلة بالملاء الاعلى، مرتوية بالكأس الاوفى، مشاهدة لامور تعجز عن ادراكها الاوهام وتكل عن بيانها العبارات والافهام مبتهجة بما لاعين رأت ولا اذن سمعت صادرة عن كمالاتها الحاصلة لها آثار هي المعجزات والكرامات حتى انها لو فارقت ابدانها بالكلية لما زاد ذلك الاستغراق وتلك المشاهدة على ماكان قبل المفارقة. ثم لما كان ولى الله امير المؤمنين على عليه السلام متسنما لذروة ذلك المقام رائيا ببصيرته الاسرار الالهية مطلعا بقوته القدسية على الاطوار الورائية لاجرم صدق في مقاله الكاشف عن كماله: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا، ولم يكن ذلك منه دعوى عرية عن البرهان بل دلت على صدقه اخباراته وانذاراته الصادقة ونجوم حكمه (1) الزاهرة (2) وكشفت عن حقيقة مقاله آياته الباهرة وكراماته الظاهرة، وقد اشرنا لك الى اسباب التمكن من تلك الايات وسنبين وقوعها منه ان شاء تعالى. اللهم يا واهب الحياة ويا منتهى طلب الحاجات (3) اذقنا حلاوة العرفان، وملكنا ملكة التجرد عن جلابيب هذه الابدان، واهلنا لاستشراق سنا خواطف انوارك، واجعل ذواتنا من اتم قوابل فيض اسرارك، وهيئ لنا من امرنا رشدا (4). الكلمة الثانية قوله عليه السلام: الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا. اقول: النوم كما يقال بحسب الحقيقة على تعطل الحواس الظاهرة عن الادراك


(1) - ب: " حكمته ". (2) - ج: " الظاهرة ". (3) - كذا في النسخ ولا بأس به الا ان العبارة وردت في الصحيفة السجادية، وهناك هكذا " اللهم يا منتهى مطلب الحاجات (انظر اول الدعاء الثالث عشر وهو من دعائه في طلب الحوائج). (4) - ذيل آية 10 من سورة الكهف.

[ 55 ]

للاسباب التى ذكرناها كذلك قد يقال مجازا على اشتغال النفس بالعلائق الجسمانية ومتابعة القوى البدنية وغفلتها عن مبدئها المفارق وعدم التفاتها إليه وكذلك الانتباه كما يقال حقيقة على استعمال الحواس الظاهرة للاسباب المذكورة كذلك يقال مجازا على اقبال النفس على القبلة الحقيقة وانتقاشها بجلايا القدسية بيان وجه التجوز عن النوم ان عدم انصباب النفس الى الجناب القدسي حين اشتغالها بالعلائق الجسدانية وتعطلها بسببه عن الانتقاش بصور المعقولات مشابه لعدم انصباب الروح النفساني الى الحواس الظاهرة وتعطلها بسبب ذلك عن الانتقاش بصور المحسوسات، بيان وجه التجوز عن الانتباه هو ان الانتباه المحسوس لما كان عبارة عن انتقاش لوح الحس المشترك عن المحسوسات بسبب استعمال (1) الحواس الظاهرة عن انصباب الروح النفساني إليها كذلك الانتباه المعقول هو انتقاش لوح النفس بصور المعقولات عن مباديها بسبب التفاتها واقبالها عليها، وإذا عرفت ذلك فاعلم انه عليه السلام اشار بالموت الى مفارقة الحياة، وبالنوم والانتباه ههنا الى المعنيين المجازيين، وانت بعد وقوفك على وجه التجوز تستفتح (2) بعين بصيرتك سرهذه الكلمة، ثم ان الناس نيام في مرقد الطبيعة لن ينتبهوا الا عند مفارقته، ثم يلوح لك ان القضية مهملة في قوة الجزئية وان الحكم خاص بمن عدا درجة السابقين فانهم ابدا ايقاظ في صورة نيام قد هجروا مضاجع الطبائع فهم في لجة الوصول سابحون، ثم للباقين في النوم درجات متفاوتة فأقربها الى اليقظة نفس كان اشتغالها عن الالتفات الى الجناب المقدس بمجرد مصالح البدن ومتابعتها للقوى البدنية فيما لابد منه في اقامة تدبيره وفى حاجته الى ما يقود الضرورة إليه مما رخصت فيه الشريعة، هذا بعد أن تكون متحلية بالمعرفة عن البرهان مراعية لشرائط الايمان، واشدها فيه اغتمارا وابعدها عن ساحة الرضوان دارا نفس ألقت زمامها الى قواها البدنية وانهمكت في طاعتها، فأعرضت بالكلية عن مباديها، ولم تستيقظها من رقدة الغافلين شدة استماع مناديها، * (هامش) (1) - كذا في النسخ والصحيح: " اشتغال ". (2) - ب: " تستليح " ج د: " تستنتج ".

[ 56 ]

فخوطبت تقريعا بالهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر (1) ومنع (2) مناديها (3) من التكرير عليها إذ (4) كان قد اعذر إليها، فذرهم في غمرتهم حتى حين * آيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين * نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون (5) وما بينهما درجات بعضها فوق بعض، فإذا فارقت النفوس مضاجعها ابصر كل منها بعين بصيرته ماكان قد اعد له وهيئ، فأبصر الاولون بها العزة وجمالها، ولاحظوا جلال الحضرة القدسية وكمالها، وجوه يومئذ ناضره * الى ربها ناظرة (6) ووجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة (7) وشاهد الاخرون سلاسل الهيئات البدنية واغلال الملكات الردية، وجوه يومئذ باسرة، تظن ان يفعل بها فاقرة (8) ووجوه يومئذ عليها غبرة * ترهقها قترة (9) وما بين الدرجتين بحسابه. فانظر الى هذه الالفاظ الخفيفة كيف انطوت على هذه الاسرار اللطيفة.. ! واحسن بهذه العبارات الوجيزة كيف استلزمت هذه التشبيهات العزيزة.. ! وكيف لا وقد قال فيه النبي صلى الله عليه وآله: اعطيت جوامع الكلم، واعطى على جوامع العلم، ولما نزلت وتعيها اذن واعية (10) قال (ص): اللهم اجعلها اذن على، فقال (ع): والله ما نسيت بعدها ابدا. وقال عليه السلام: علمني رسول الله (ص) من العلم الف باب فانفتح لى من كل باب الف باب. وكان مصداق ذلك قوله صلى الله عليه وآله انا مدينة العلم وعلى بابها، فليت شعرى كم في الخزائن التى وراء تلك الابواب من الكنوز والذخائر ؟ ! وكم في بحور اولئك عوامها من زواهر الجواهر ؟ ! شعر اشتاقكم حتى إذا نهض الهوى * بى نحوكم قعدت بى الايام (1 1)


(1) - آية 1 و 2 سورة التكاثر. (2) - ب " وضع ". (3) - ج: " مباديها ". (4) - ا ب د: " إذا ". (5) آية 54 و 55 و 56 سورة المؤمنين (6) - آية 22 و 23 سورة القيامة. (7) آية 38 و 39 سورة عبس. (8) - آية 24 و 25 سورة القيامة. (9) - آية 40 و 41 سورة عبس. (10) - ذيل آية 12 سورة الحاقة وصدرها: لنجعلها لكم تذكرة، وسابقتها: انا لما طغا الماء حملناكم في الجارية. (11) - لم اعرف قائل البيت الا ان في هامش نسخة الالف بيتين هكذا: تمامه: وكانها مع قربكم مرالحيا * وكانها مع بعدكم اعوام ولقد وقفت بربعكم اشكو الجوى * فعليكم منى ومنه سلام "

[ 57 ]

يقولون لو واصلتنا سكن الهوى * بقلبك يا مجنون وانقطع الحزن فها انا قد واصلتهم مثل قولهم * وما هدأ الاشواق والقلب ما سكن الكلمة الثالثة قوله عليه السلام: من عرف نفسه فقد عرف ربه. اقول: المعرفة بحسب عرف العلماء يخص التصور دون التصديق وان قل الفرق بينهما وبين العلم في وضع اللغة ثم ما اسهل ما يتأتى لك الاطلاع على معنى هذه المتصلة بعد احاطتك بالاصول السابقة فانك قد علمت ان للنفس الانسانية قوتين عالمة وعاملة هما في مبدء الامر خاليتان عن الكمال، وعلمت ان العاملة هي التى تكون لها بحسب حاجتها الى تدبير البدن وتكميله، وان العالمة هي التى تكون لها بحسب تأثرها عن مباديها وحاجتها الى تكميل جوهرها عقلا بالفعل (1)، ثم اطلعت على مراتب استعدادات هذه القوة وإذا عرفت ذلك فاعلم ان المراد حينئذ من اطلع على نفسه فعرفها بكثرة عيوبها ونقصاناتها وفقرها الى كمالات خارجة عن ذاتها ليست لها من حيث هي هي بل يحتاج لها الى استعدادات مترتبة حتى يفاض عليها بحسب استحقاقها حالا بعد حال ثم علم كيفية تنقل قوتة العاقلة في المراتب المذكورة اما بحسب ذوق العرفان أو بحسب سوق (2) البرهان فقد استلزم ذلك معرفته لربه بحسبهما استلزاما ضروريا لما ان العلم بالمعلول مستلزم للعلم بعلته الا انه ينبغى ان يعلم ان معرفته بالكنه غير ممكنة الا له إذ كانت حقيقته بريئة عن جهات التركيب العقلية والخارجية المستلزمة للامكان المستلزم للفقر والنقصان، ومعرفة الشئ بكنهه انما تحصل بالاطلاع على اجزاء ماهيته وابعاضها فالمطلع عليه إذا لوازم (3) سلبية أو اضافية تلزم معقوليته وواجبيته لزوما عقليا وعند ذلك المقام تزاحم


(1) راجع ص 17 - 14. (2) - ج د: " شوق " (بالشين المعجمة). (3) - ج د: " لورام ".

[ 58 ]

اقدام العقول وغايتها الغرق في لجة ذلك الوصول. فان قلت: لم لم يقل عليه السلام: من عرف ربه عرف نفسه، ومعلوم ان ترتيب هذه المتصلة على هذا الوجة أولى فان استلزام مقدمها لتاليها يكون اقوى من استلزامه له ان لو كانت (1) على الترتيب المذكور الان لانه استدلال ببرهان لم، ولاشك ان برهان لم اقوى من برهان ان، لما ان العلم بالعلة المعينة مستلزم للعلم بالمعلول المعين واما العلم بالمعلول المعين فلا يدل الا على العلة المطلقة، اما المعينة فلا، لجواز تعليل المعلول النوعى بعلتين فلا يتعين الشخصي (2) لاحديمها ؟ قلت: لا شك فيما ذكرته من ان برهان لم اقوى والاستدلال به اولى الا انا نقول: ان هذه الكلمة خرجت منه عليه السلام مخرج التأديب والحث على جماع مكارم - الاخلاق واقتناء الفضائل، وذلك ان الانسان إذا عرف نفسه بكثرة عيوبها ونقصانها وحاجتها الى التكميل كان ذلك داعيا له على اصلاح قوتيه العملية والنظرية ثم انه نبه على وجوب معرفة النفس بعد ذكرها بانها اقرب قريب الى الانسان بحيث يحتاج في معرفتها الى طلب زائد هي وسيلة الى الغاية المطلوبة للكل الواجبة على الاطلاق وهى معرفة - الصانع وهذا شأن المؤدب الحاذق ان يعين مطلوبه اولا لمن (3) يؤدبه عليه ثم ينبهه على حسنه ووجه وجوبه عليه وليس مقصوده الاول ههنا هو التنبيه على وجوب معرفة الله ولو انه قدم معرفة الله تعالى لفات الغرض المذكور من الكلمة، ولما بقى ذلك الذوق لها، ولما كان ذلك حثا للانسان على الاطلاع على عيب نفسه، وانت بعد مخض هذه الكلمة في سقاء ذهنك وارسال الرائد الفكري في جميع مفهوماتها ستجمع لك زبدتها، والله ولى هدايتنا، وبه حولنا وقوتنا، اللهم اهلنا لاستشراق نفحات عزتك، وملكنا ملكة الاتصال بارباب حضرتك، وانشر لنا جناح الفرح (4) بمطالعة كبريائك، ولمحات جمالك وبهائك، انك انت الوهاب.


(1) - ب: " ان كانت ". (2) - ب الشخص ". (3) - ب ج " ممن ". (4) - " الفرج " بالجيم.

[ 59 ]

الكلمة الرابعة قوله عليه السلام: ما هلك امرؤا عرف قدره (1). اقول: الهلاك في اللغة هو السقوط، وهذه القضية سالبة كليه تقديرها: لا واحد ممن عرف ربه بهالك، ينتج: لا واحد ممن عرف نفسه بهالك، اما الصغرى فقد مر بيانها، واما الكبرى فبيانها انه لما كانت السعادة الابدية والكمال المسعد (2) هو الاتصال بالملاء الاعلى ومطالعة بهاء (3) الاسرار الالهية والمثول بين يدى الواجب الاول، وكان ذلك الكمال هو المستلزم للسلامة المطلوبة للخلق من الهوى في قعر جهنم وحافظا لزلل - اقدام السالكين الواصلين من السقوط عن الصراط المستقيم الى حضيض الجحيم لاجرم صحت كبرى هذا القياس وصحت بصحتها نتيجته، وهذا المطلوب وان حصل لغير هذا الصنف اعني اصحاب النوع الانساني فانما يحصل لهم بحسب الباعث على الحركة المنبعثة في تحصيل الحد الاوسط والتفطن للترتيب، واما حصوله لمثله عليه السلام (فلا) فان قوته الشريفة البالغة غير مفتقرة فيه الى شوق باعث على الحركة في تحصيل الاوسط بل تنساق قوته القدسية إليه طبعا فيحصل المطلوب طبعا. شعر: ذى المعالى فليعلون من تعالى * هكذا هكذا والا فلا لا الكلمة الخامسة قوله عليه السلام: رحم الله امرء عرف قدره ولم يتعد طوره. اقول: قدر الانسان مقداره، وقيمته في كل وقت من فضيلة يكون عليها أو رذيلة أو شرف أو خسة، أو كمال أو نقصان، وطوره حالته القولية أو الفعلية التى ينبغى ان


(1) - هو مذكور في نهج البلاغة هكذا: " هلك امرء لم يعرف قدره " (انظر ص 601 من شرح ابن ميثم من الطبعة الاولى). (2) - ج د: " العد " د: " المعد ". (3) - في النسخ: " بها ".

[ 60 ]

يكون عليها عند كونه في ذلك المقدار من الكمال أو النقصان، وتعداه تجاوزه الى حالة اخرى لا يليق بمقداره ذلك، وإذا عرفت هذا كان المقصود من هذه الكلمة استنزال الرحمة بدعائه عليه السلام لعبد اطلع على مقداره في مدة حياته الدنيا مراعيا لموافقة طوره وهو قوله أو فعله وبالجملة الحال التى يليق بمقداره لمقداره بحيث لا يتعداه الى حالة وطور يكون اليق بمقدار آخر غير مقداره، وذلك كان يكون مثلا من اهل الدناءة فيأخذ في الكبر الفخر بالاباء وغير ذلك، أو يكون شريف العقل عالما فيعمل اعمال الملوك ويقتنى مقتنياتهم، فان ذلك في الحقيقة جور وهو طرف الافراط من فضيلة العدالة وتجاوز منها إليه. ويمكن ان تأول هذه الكلمة على وجه آخر فنقول: ان قدر الانسان مقداره ومبلغه الذى ينبغى ان يصل إليه، وطوره حده الذى ينبغى ان يقف عليه وتعداه تجاوزه، ثم المبلغ الذى ينبغى ان يطلب هو ما عرفت انه الوسط الحقيقي من كل حركة ارادية خيرية وهو الفضيلة النفسانية التى تحدث عنه (1) متسالمة (2) القوى البدنية بعضها لبعض، واستسلامها للقوة المميزة حتى لا يتغالب ولا - يتحرك نحو مطلوباتها على حد (3) طباعها وهى الفضيلة المسماة بالعدالة وقد عرفتها وعرفت انها تحدث عن اجتماع الفضائل الثلاث التى هي امهات الفضائل، وهى الحكمة والعفة والشجاعة وقد عرفت حدودها وانواعها، وإذا عرفت ذلك فنقول: مقصود هذه الكلمة انما هو استنزال الرحمة الالهية بدعائه عليه السلام لعبد عرف هذه الفضيلة المستلرمة لحصول هذه الفضائل ثم وقف عندها فانها طوره الذى ينبغى ان يقف عنده ولم - يتجاوزها الى طرف الافراط فيدخل في زمرة الجائرين (4) الملعونين بلسان الله: الا لعنة الله على الظالمين (5). فان قلت لو اراد ذلك لقال تماما لذلك: ولم يقصر عن طوره، إذ كان تحقق


(1) - ب: " عنها ". (2) - في النسخ: " مسالمة ". (3) - ا: " جد " ج: " حده ". (4) د: " الجابرين " (بالباء الموحدة، من الجبر). (5) - ذيل آية 18 سورة هود.

[ 61 ]

تلك الفضيلة لايتم مع التقصير عنها والوقوف دونها والدخول في المهانة التى هي طرف التفريط من تلك الفضيلة ؟ قلت: انه لا حاجة به عليه السلام الى ذكر هذا القيد إذ يكون تكريرا وقد تنزهت الفاظه الا عن الوجازة المستلزمة للجزالة، إذ المعنى الذى اردت واليه قصدت مذكور في الكلام مدلول عليه بطريق الالتزام، وذلك ان استنزال الرحمة لمن يتجاوز هذه الفضيلة يستلزم النهى عن تجاوزها، والنهى عن التجاوز مستلزم للامر بالوقوف عندها، وهو مستلزم للامر بطلبها وعدم الوقوف دونها فلا جرم ذكر عليه السلام هذا القيد ولم يذكر ذلك، والاول اظهر، والله ولى التوفيق. الكلمة السادسة قوله عليه السلام: قيمة كل امرء ما يحسنه (1). اقول: القيمة يقال بحسب الحقيقة على ما يقوم مقام الشئ ويعوض عنه وهو الثمن ويقال بحسب المجاز على الامور التى تكتسبها النفس الانسانية من الهيئات كالعلوم والاخلاق الفاضلة واضدادها، ووجه المجاز ان التفاوت كما انه حاصل في قيمة الشئ بحسب تفاوت جوهر المثمن في الجودة والرداءة والشرف والخسة، وبحسب تفاوت انظار اهل - التقويم ورغبات الطالبين كذلك هو حاصل فيما يحسنه الانسان مما هو مكتسب له من تلك الهيئات كالاعتقادات المختلفة، فمنها علوم موصولة الى السعادة الابدية، ومنها اعتقادات


(1) - شرحها الشارح (ره) في شرحه على نهج البلاغة هكذا (ص 590 من الطبعة الاولى): " غرض هذه الكلمة الترغيب في اعلى ما يكتسب من الكمالات النفسانية والصناعات ونحوها، وقيمة المرء مقداره في اعتبار المعتبرين ومحله في نفوسهم من استحقاق تعظيم وتبجيل، أو احتقار وانتقاص، وظاهر ان ذلك تابع لما يحسنه المرء ويكتسبه من الكمالات المذكورة، فأعلاهم قيمة وارفعهم منزلة في نفوس الناس اعظمهم كمالا، وانقصهم درجة اخسهم فيما هو عليه من حرفة أو صناعة، وذلك بحسب اعتبار عقول الناس للكمالات ولوازمها ".

[ 62 ]

مخلدة في الشقاوة السرمدية، وما بينهما درجات، وكذلك الحال في باقى الامور المكتسبة للانسان والطبيعية له. ثم ان ذلك التفاوت دل على ان الموصوف باحد هذه الصفات كيف هو مستلزم لتفاوت درجات الاستدلال على احواله في ذاته وكمالها ونقصاهنا بحسب تفاوتها في ذلك فلا جرم صدق عليه السلام ان " قيمة كل امرء ما يحسنه ". واعلم ان في هذا الكلام مع اشتماله على الوجازة والصدق والبلاغة حثا على اكتساب اشرف انواع الثمن المذكور من الكمالات النظرية والعملية واقتناء المكارم، وذلك ان العاقل إذا سمع هذا اللفظ واطلع على سره مع ما في نفسه من محبة ان يكون اشرف ابناء نوعه فلابد وان يجتهد ويبالغ في طلب اقصى المراتب الشريفة فيكون ساعيا في تحصيل القيمة الاوفى حتى إذا حصلت دلت على شرف ذاته وكمالها في نفسها كما تدل القيمة على شرف ماهى قيمة له. واعلم انه يحتمل ههنا ان تفسر القيمة باعتبار الخلق بعضهم لبعض ويكون التقدير ان اعتبار الناظرين ووزنهم للانسان في نفسه بميزان العقل لا بالنظر الى ذاته من حيث هي ذاته بل بالنظر الى ما يحسنه، فيكون اعتبارهم لذاته تابعا لاعتبارهم الهيئات التى اكتسبها والاعمال التى ارتكبها، ويكون رجحان ذاتها وشفافيتها وكمالها في انظارهم ونقصانها وشرفها وخستها الذى هو قيمته في الحقيقة تابعا لشرف احواله وافعاله وما يحسنه من الصناعات الموجبة للتكميل والتنقيص، والاعتبار الاول اظهر، وبالله التوفيق. الكلمة السابعة قوله عليه السلام: الناس ابناء ما يحسنون. اقول، معنى هذه الكلمة قريب من معنى التى قبلها وذلك لان (1) الابن كما يطلق حقيقة على حيوان يتولد عن آخر من نوعه نطفته من حيث هو كذلك وينسب إليه فيما يصدر عنه من الافعال ويشاهد منه من الاخلاق والاقوال وكثيرا ما تختلف تلك


(1) - ب ج د: " ان ".

[ 63 ]

النسبة بحسب اختلاف درجات افعال ابائهم في الخير والشر وتفاوت اخلاقهم في الشرف والخسة حتى لو كان الاب رجلا شريفا أو وضيعا ففعل الابن فعلا مناسبا لفعل ابيه أو تكلم بكلام مناسب لكلامه قيل، فلان ابن ابيه، كذلك يطلق مجازا على من ينسب الى امر شريف أو خسيس يكون عالما به وعاقلا له وذلك من باب الاستعارة والتشبيه حتى إذا تكرر عنه ذلك الامر أو عرف منه فضيلة أو رذيلة نسب إليها وصار معروفا بها كما كان يعرف بانه ابن فلان وينسب (1) إليه وفى هذا الكلام ايضا مافى الاول من الحث على طلب اشرف الرتب واعلى الدرجات الموصلة الى السعادة الدنياوية والاخروية وتنبيه للعاقل على ما عسى ان يكون غافلا عنه من انه يجب ان لا يرضى بناقص الاعمال ودنيها بل يواظب على طلب الاشرف من ذلك والاعلى حتى لا ينتسب الا إليه ولا ينتسب الى اب ساقط وضيع فيعلم حينئذ ان الفخر السنى والكمال البهى والشرف الاصيل والمنصب الجليل انما هو بتخلية الذات عن المنجسات وتحليتها باشرف الصفات لا بشرف القنيات (2) والنسبة الى العظام الرفاة، شعر: وما الفخر بالعظم الرميم وانما * فخار الذي يبغى الفخار بنفسه الكلمة الثامنة قوله عليه السلام: المرء مخبوء تحت لسانه (3). اقول: يقال: خبأت الشئ اخبأه خبئا إذا سترته وحفظته عن النظر، واللسان


(1) - ا: " نسب ". (2) - ب: " القينات " (بتقديم الياء على النون) ج: " العنيات " (بالعين المهملة) د: العينات " (بتقديم الياء على النون). (3) - شرحهاا الشارح (ره) في شرحه على نهج البلاغة بهذه العبارة (انظر ص 601 من الطبعة الاولى): " أي حاله مستورة في عدم نطقه فحذف المضاف للعلم به، وتحت لسانه كناية عن سكوته وذلك ان مقداره بمقدار عقله، ومقدار عقله يعرف من مقدار كلامه لدلالته عليه، فإذا تكلم بكلام الحكماء ظهر كونه حكيما، أو بكلام السفهاء عرف كونه منهم، وما بين المرتبتين بالنسبة ".

[ 64 ]

يطلق حقيقة على اللحمة المخصوصة الموجودة في الفم ويقال مجازا على نفس العبارة كما اشير إليه في التنزيل الالهى: واختلاف الستنكم والوانكم (1) والمعنيان محتملا الارادة وتقدير - الخبر: معرفة المرء مخبو تحت لسانه لان نفس حقيقه المرء لا يظهرها العبارة واعلم انه لما كان الانسان ليس عبارة عن مجرد هذا البدن المحسوس بل لابد في تحقق الانسان من امر اخر كما علمت قبل وكان لا ينفك ذلك الامر عن ان يكون موصوفا بصفة كمال أو صفة نقصان وكان ذلك الجزء منه وما يصحبه من الصفات الكمالية والنقصانية مستورا لا يطلع عليه (2) احد من ابناء نوعه بشئ من الحواس، إذ كان غير محسوس بل لابد في الاطلاع عليه بحسب العقل من دليل يوضح تحققه لاجرم صدق عليه انه مستور مخبوء. ثم ان العناية الالهية اقتضت ان يكون له قوة نطقية معربة عن تلك الصفات بحسب الالتزام كاشفة لستر الجهل بها عن بصائر المبصرين وضمائر المختبرين فلا جرم صدق ان المرء مخبوء " تحت " لسانه، والمقصود من جهة " تحت " انما هي الجهة الوهمية لا المكانية وانما خصصها بجهة " تحت " لان العبارة التى هي المقصود من وضع اللسان لما كان سببا يكشف لذلك الستر ويظهر معرفة المرء من خباء الجهل به الى ظاهره بالانتقاش في اذهان المختبرين وكان السبب اعلى من المسبب لاجرم كان المسبب الذى هو المعرفة تحت سببه الذى هو اللسان المشار إليه. وان حملنا اللسان على حقيقته كان ايضا حسنا فان هذه اللحمة المخصوصة لها سببية في تلك المعرفة واظهارها فانها محل العبارة فهى سبب معدلها وباقى التقرير بحاله، وهذه نكتة لطيفة في باب الاستعارة وهى قطرة من بحر اسرار كلامه عليه السلام فانظر الى عناية الله كيف خصته بهذا القوة القديسة الشريفة البالغة تقريرا وبيانا لقوله تعالى: يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد اوتى خيرا كثيرا وما يذكر الا اولوا الالباب (3).


(1) - من آية 22 سورة الروم. (2) - ب ج: " عليها ". (3) - آية 269 سورة البقرة.

[ 65 ]

الكلمة التاسعة قولة عليه السلام: الشرف بالعقل والادب لا بالحسب والنسب. اقول: الشرف العلو في المرتبة، وما العقل فقد عرفت حقيقته واقسامه ومراتبه، واما الادب فهو اصلاح القوة العملية بجماع مكارم الاخلاق، واما الحسب فهو الكفاية من المال وما يجرى مجراه وان كان قد يراد به ما يؤثر من المكارم ايضا ولكنه بهذا المعنى يكون من اجزاء الشرف، والنسب الاصل. واما بيان هذا الحكم انك قد علمت ان الكمال الذى يخص الانسان على قسمين، وذلك لانك علمت ان لنفسه قوتين، نظرية وعملية فلذلك كان كمال احداهما وهى النظرية تحصيل المعارف الحقيقية والعلوم اليقينية وكان كمال الاخرى وهى العملية وغايتها نظم الامور وترتيبها فإذا حصل للانسان الكمال في هاتين القوتين فقد سعد السعادة التامة، اما كماله النظرى فان يحصل لنفسه المعقولات الاولى التى هي العلوم الاولية المعدة لتحصيل المعقولات الثانية وينتهى في الترقي الى درجة العقل المستفاد كما قررناه، واما كماله بحسب قوته العملية فهو الكمال الخلقى ومبدؤه من ترتيب قواه وافعاله الخاصة بها حتى لا تتغالب (1) وتتسالم فيه بحسب تمييز قوته النظرية مترتبة منظومة كما ينبغى وينتهى الى الترتيب المدينى (2) الذى يترتب فيه الافعال والقوى بين الناس حتى ينتظموا كذلك (3) الانتظام ويسعدوا سعادة مشتركة كما وقع ذلك في الشخص الواحد فإذا الكمال الاول بمنزلة الجزء الصوري والكمال الثاني بمنزلة الجرء المادى ولاتمام لاحدهما دون الاخر (4) فان بالعمل يتم العلم والمبدأ بلا تمام ضائع، والعلم مبدء للعمل والتمام بلا مبدء ممتنع، وفى كلام علي عليه السلام: " العلم مقرون بالعمل فمن علم عمل، والعلم يهتف بالعمل فان اجابه والا ارتحل " وهو يحقق ما قلناه، فإذا بلغ الانسان الى النهاية في هاتين المرتبتين


(1) - ا ج د: " حتى تتغالب ". (2) - ج د: " الدينى. (3) - ج د " ذلك ". (4) - ج د: " الا بالاخر ".

[ 66 ]

فقد فاز الفوز التام إذ (1) صار عالما صغيرا فتصور حقائق الموجودات وتمثلت في ذاته ثم حصل على فضيلة العدالة بجميع اجزائها وانواع اجزائها فحصل على الوسط الحقيقي المعبر عنه في الرموز الالهية بالصراط المستقيم فلم يفته من النعيم شئ إذا استعد بهذا الكمال لجوار رب العالمين إذا عرفت ذلك فاعلم انه عليه السلام عبر بالعقل عن الكمال الاول وبالادب عن الكمال الثاني، وينبغى ان يعلم (2) انه لا فخر ولا مباهاة الا بهذه الفضائل فقط، واما الفخر الوهمي كافتخار من يفتخر بما جمع من مال أو بما سبق له من الاسلاف لانهم كانوا على شئ من انواع الفضائل أو عليها كلها فليس بفخر، اما بالمال فلان الشرف الحقيقي لا يعتبر الا بالكمال النفساني الباقي ابدا فالفخر والمباهاة ليس الا به. والمال ليس كذلك اما اولا فلانه ليس بفضيلة نفسانية فلا يكسب سعادة اخروية بل ربما اكسب ضدها وإذا كان خارجا عن نفس الانسان كان المباهى به مباهيا بأمر خارح عنه، ومن باهى بما هو خارج عنه فقد باهى بما لا يملكه. واما ثانيا فلانه غير باق وكيف يبقى ما هو معرض للافات والزوال في كل لحضة وليس صاحبه منه على ثقة في وقت من الاوقات، وإذا كان كذلك فترى انه مما لا (3) يستحق ان يباهى (4) به ويفخر واصدق الامثال فيه قوله تعالى: واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لاحدهما جنتين من اعناب (الى قوله) فأصبح يقلب كفيه على ما انفق فيها وهى خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم اشرك بربي احدا (5) وقوله: واضرب لهم مثل الحيوة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شئ مقتدرا (6) وقد اشتمل القرآن والسنة النبوية لذلك (7) على امثلة كثيرة.


(1) - ا: " إذا ". (2) - ب د: " تعلم ". (3) - كلمة " لا " ليست في اب. (4) - د: " لا يباهى " فالكلمة في موضع من نسخة " د " زائدة ومن نسختي " اب " ساقطة. (5) - اشارة الى سبعة آيات في سورة الكهف (من آية 32 - 38). (6) آية 45 من سورة الكهف. (7) - ج د: " كذلك ".

[ 67 ]

واما الفخر بالنسب فغاية ما يدعيه المفتخر المتشرف به إذا كان صادقا ان آباءه واسلافه كانوا قد جمعوا الفضائل وحصلوا على الكمالات التى بها الفخر والشرف لكن انظر إليه لو حضر اسلافه وقالوا: الفضل الذى تدعيه فينا هو لنا دونك فنحن مستبدون به فما الذى فيك منه مما ليس في غيرك ؟ فانك تجده حينئذ مفحما مسكتا خجلا غير حاصل على شئ، واليه الاشارة بقوله عليه السلام: لا تأتوني بأنسابكم وائتوني بأعمالكم. وحكى عن مملوك كان لبعض الحكماء انه افتخر عليه بعض رؤساء زمانه فقال له المملوك: ان افتخرت على بفرسك فالحسن والفراهة للفرس لالك، وان افتخرت ببزتك (1) وآلاتك (2)، فالحسن لهما دونك، وان افتخرت بأبائك فالفضل كان لهم (3) دونك، فإذا كانت المحاسن والفضائل كلها خارجة عنك وانت منسلخ منها وقد رددناها على اهلها بل لم تخرج عنهم حتى ترد إليهم (4) فانت من ! ؟ (5) وحكى عن بعض الحكماء انه دخل على بعض الاغنياء وكان يحتشد في الزينة (6) ويفتخر بكثرة ماله وآلاته وحضرت الحكيم بصقة فتنخع بها والتفت في البيت يمينا وشمالا فوجد البيت كله مزينا بالالات المستحسنة فلم يجد لها موضعا فبصق في وجه صاحب البيت، فلما عوتب على ذلك قال: نظرت الى البيت وجميع ما فيه فلم اجد اقبح منه فبصقت عليه، وهذا يكون استحقاق الخالين (7) من الفضائل النفسية المفتخرين بالامور الخارجية الوهمية، شعر: من كان مفتخرا بالمال والنسب * فانما فخرنا بالعلم والادب لاخير في رجل حر بلا ادب * لاخير فيه ولو يمشى على الذهب ولهذا السر صدق عليه السلام في مقاله الصادر عن كماله: الشرف بالعقل والادب لا بالحسب والنسب.


(1) - ج: " بنزلك " د: " بمنزلك ". (2) -: " وبالائك ". (3) - ا ب: " فيهم ". (4) - ب ج د: " عليهم ". (5) - كذا في النسخ: وكان القياس ان يقال: من انت ؟ فكأنه كان اصطلاحا خاصا مستعملا في مقام التحقير هكذا. (6) - ج د: " يحتسد في الرتبة ". (7) - ج د: " استخفاف الحالين "

[ 68 ]

الكلمة العاشرة قوله عليه السلام: لا تنظر الى من قال وانظر الى ما قال. اقول: المراد بالنظر ههنا الاعتبار العقلي لا النظر بالبصر فانه غير لائق ههنا وذلك انه لما كان الفخر الابدي والشرف السرمدي انما هو بالتحلى بالكمالات العقلية والفضائل الخلقيه بعد التخلي عن ادناس اضدادها ونزع اطمار مقابلاتها، وكان ما يعد في العرف كمالا ونقصانا ويظن في الظاهر جمالا وقباحة (1) من حسن البزة ونضارة الوجه وقبح منظرهما وما يعتبر من مشخصات الشخص اللازمه له في الوجود وما يصحبها من عز وذل، وفقر وغنى، وشرف بيت وخسة، ورفعة اصل ودناءه، وغير ذلك امورا وهمية واحكاما خيالية صيراليها من متابعة النفس للقوة الشهوية وغفلتها عن الكمال الحقيقي والنقصان البائر، وكانت العناية الالهية قد اقتضت ان (2) القوة النطقية معربة عما يحصل في ضمير الانسان ومفهمة لما في ذهنه مما لا يطلع عليه غيره من الكمالات والنقصانات النفسانية المدلول عليها بالالتزام من مخاطباته، والمستنبطة بالانتقالات الفكرية من اقواله ومحاوراته، لاجرم حق لذوى العقول ان يلاحظوا بنواظر بصائرهم ما يقول القائل حين يقول، فيستدلوا (3) ينظم قوله وترتيب الفاظه واستلزامها للحكم النفسية والاداب الخلقية على كمال عقله، وبضد ذلك على نقصان عقله، ويكون ذلك سببا لفهم مقداره وادراك وزنه، وانه هل هو في حيز الملائكة المقربين، أو في مرابض البهائم، وبين ذلك، ولا ينظروا الى من قال أي الى الشخص من حيث انه ذلك الشخص والى الامور المشخصة له والكمالات المزينة لذلك الشخص التى انما تعد كمالا في بادى الرأى فإذا اعتبرت حقيقتها كانت وبالا، والمنهى عنه ههنا هو النظر الاول إليها


(1) - ج د: " قباحا " وهو بالضم مصدر بمعنى القباحة. (2) - " ان " ليست في ب ج د، وكان الاولى ان تكون العبارة هكذا " ان تكون ". (3) - ا ج د: " ويستدلوا ".

[ 69 ]

الحاكم بكونها من الكمالات التى ينبغى ان تقتنى فانه يجب على العاقل ان لا ينظر (1) الى الشخص من حيث انه موصوف بتلك الكمالات الوهمية ولا يعتبره ويلتفت (2) إليه (3) من هذه الجهة، وكذلك لا يعتبره من حيث انه ذو فقر ومسكنة أو في اطمار ورثاثه حال أو انه ليس من الاصول الشريفة والاباء المعرقة (4) فيرفضه لذلك ويستنقصه فان المرء بأصغريه، قلبه ولسانه، ولا يغرنك جل تحته دبر (5) فان ما يعد في الظاهر كمالا لو كان هو الكمال الحقيقي لكان الاحق به والاولى سيد المرسلين والكامل من عباد الله ولما منح البعداء عن واهب الكل من ذلك الكمال مثقال خردلة، والتاليان باطلان فالمقدم كذلك اما الملازمة فلان العناية الالهية جلت عن وضع الاشياء الافى مواضعها، واما التاليان فظاهر البطلان بل يعتبره (6) من اقواله المستلزمة لنقصانه أو كماله فيحكم عليه بأحدهما بعد الاختبار فيكبره ويكرمه أو يحتقره ويهينه عن سهام بصيرة خرقت استار غيبه ولمحت اسرار لبه، والله تعالى هو الموفق. الكلمة الحادية عشر قوله عليه السلام: إذا تم العقل نقص الكلام (7) اقول: سر هذه الكلمة ظاهر مما سبق وذلك ان النفس كلما ازدادت علوا في


(1) - ا: " ان ينظر ". (2) - ب: " يلفت ". (3) - في النسخ " عليه " (4) - من قولهم: اعرق فلان أي صار عريقا في الكرم. (5) - ا: " وبر " ب " دبره " وفى كتب اللغة: دبر البعير كفرح فهو دبر أي صار ذا دبرة وهى بالتحريك قرحة الدابة والبعير ومنه المثل المعروف: هان على الاملس ما لاقى الدبر، والانثى دبرة ودبراء. (6) - ج تعتبره " (بصيغة الخطاب) وكذا في الافعال الاتية. (7) نقل السيد الرضى (ره) هذه الكلمة في نهج البلاغة في باب الكلم القصار وشرحها ابن ميثم (ره) ضمن شرحه لذلك الكتاب هكذا (ص 588 من الطبعة الاولى): " تمام العقل يستلزم كمال قوته على ضبط القوى البدنية وتصريفها

[ 70 ]

مراتب الكمال كان ضبطها للقوة المتخيلة اشد فكان الكلام الصادر عنها اقل وجودا إذ لا يصدر عنها حينئذ كلمة الا عن ترو وتثبت ومراجعة لعقلها في كيفية وضع تلك الكلمة واستلاحة ما تؤول إليه وما يلزم عنها من المفهومات وتمييز احتمالاتها وحركة الفكر (1) في استحضار السبب الموجب للكلام حتى تصير الكلمة الخارجة مهذبة مميزة محكمة متقنة لا يكون منها حذر ولا يلحق بسببها ضرر، وإذا كانت كلمة تامة العقل موقوفة الوجود على هذه الشروط الكثيرة والاسباب البعيدة فلابد وان تكون اقلية الوجود وتزداد اقلية وجودها بحسب زيادة درجات العقل الى ان يصير السكوت في موضعه والكلام في موضعه ملكة وخلقا للعاقل، وهذا بخلاف ناقص مراتب العقل فانه كلما كان عقله انقص كان خروج الكلام منه اكثر واقبح، وذلك لقلة ضبط القوة العاقلة للمتخيلة وعدم مراجعة العقل العملي للقوة النظرية في استنباط الاراء الصالحة والاقوال المصلحية وذلك لنقصان درك القوة النظرية وبالجملة لاقلية الشروط الموجبة لقله الكلام، والعلة كلما كانت ابسط كان صدور المعلول عنها اقرب واسرع، وبالله التوفيق الكلمة الثانية عشر قوله عليه السلام: لا داء أعيا من الجهل. اقول الداء المرض والاعيا (2) الذى لا دواء له كأن الاطباء عيوا عن دوائه، والجهل قد يراد به عدم العلم عما من شأنه ان يعلم كالانسان، وقد يراد به الاعتقاد الجازم الغير المطابق الحاصل من شبهة (3) الدليل، والمعنى الاول عدمي ويقابل العلم تقابل العدم


بمقتضى الاراء المحمودة الصالحة ووزن ما يبرز الى الوجود الخارجي عنها من الاقوال والافعال بميزان الاعتبار، وفى ذلك من الكلفة والشرائط ما يستلزم نقصان الكلام بخلاف مالا يوزن ولا يعتبر من الاقوال. " (1) - ب: " خ ل: الفعل ". (2) - ا ب: " العياء ". (3) - ج د: " شبه ".

[ 71 ]

والملكة ويسمى جهلا بسيطا والثانى وجودي ويقابل العلم تقابل التضاد ويسمى جهلا مركبا، واطلاق لفظ الجهل بحسب الاشتراك اللفظى، واعلم ان الداء قد يكون بدنيا وقد يكون نفسانيا وعلى الحالين فقد يكون ذا عياء وقد لا يكون، ثم النفس وان كانت ذات ادواء كثيرة غير ان اشدها عياء واقواها سببية للبعد عن الرحمة الالهية هو داء الجهل المركب خصوصا ما كان منه مضادا للعلم بالصانع تعالى وصفاته فانه لا يرجى له صلاح ولا يتوقع لصاحبه (1) فلاح، وهو المنبع (2) لاكثر الامراض النفسانية وذلك انك لما (3) عرفت ان الكمال الدائم والسعادة التامة للنفس انما هو بحصول العلم بمباديها وتصور الحظرة الالهية كما هي بحسب الامكان فاعرف ان النقصان اللازم والشقاوة الثابته انما هي بحصول الاعتقادات المضادة لذلك اليقين وتمكنها من جوهر النفس لعدم امكان اجتماعهما، واما الجهل البسيط فيمكن علاجه إذا كان غير مناف للعلم الذى هو سبب السعادة وكذلك سائر الامراض النفسانية بعد ان تكون للنفس المسكة (4) التامة بمباديها العالية فان اكثرها تكون اما حالات غير متمكنة من جوهر النفس أو هيئات مستفادة من الامزجة فتزول بزوالها، واما سائر الامراض البدنية فانه وان كان فيها مالا يمكن علاجه لكن تفاوت ما بين الموتين (5) بتفاوت ما بين المريضين (6) وتفاوت ما بين المريضين (7) بتفاوت ما بين الغايتين من صحتهما وعافيتهما، وعرفت ان غاية عافية النفس هو تحصيل الكمال الباقي وغاية صحة البدن في الغالب كمال فان فان بصحته للنفس كمالا ما يكون باقيا (و) كان ذلك مشروطا بصحتها عن داء الجهل حتى لو كان متمكنا من جوهرها لكان كل سعى بدنى عليها وبالا ونقصانا وخيبة وخسرانا ولو كان اشكل مرض بدنى حاصلا (8) مع صحة النفس عن ذلك المرض لما ضرها ذلك في معادها إذ لا تخلو مع ذلك من استفادة كمال ما، والوصول الى سعادة تليق بها لو فقدت (9) بسبب ذلك المرض علما وكمالا ما


(1) -: " لعلاجه ". (2) - في النسخ: " المنع ". (3) - ب: " إذا " (4) - ج د: " الملكة ". (5) -: " الوجهين " د: " المرتبتين ". 6 و 7 - ج د: " المرضين " في كلا الموردين. (8) - كذا. (9) - ب " فقد "

[ 72 ]

فقد تحقق ان داء الجهل أعيا كل داء، واما كان الداء من حيث هو غير ملائم للطبع وكان الداء الذي هو الجهل اعيا الادواء واعسرها برء واكثرها مضرة على الانسان كان في هذه الكلمة تنبيه له على انه يجب عليه ان يجتهد في حسم اسباب هذا الداء في الابتداء قبل استحكامه وتمكنه من جوهر نفسه ويبالغ في ان لا يعرض له فان الصحة قبل المرض انفع منها بعده، وطريق ذلك الحسم ان يلازم الاعمال الجميلة التى توجب كمال النفس من اول زمانه ويتخير لنفسه افضل الاطباء بحسب اجتهاده فان لم يفعل واستعرض شيئا من تلك الاسباب قبل تمكن الداء الذى تلك اسبابه وتنبه لطلب العلاج فليرض نفسه بلجام الصبر وليلفتها بمقود الندم وليجرها بالتمرين والتعويد الى ان ينقى لوح نفسه من مقدمات ذلك المرض ثم ليغذها (1) بالعلوم اليقينية وملازمة الاعمال الجميلة فانها سترجع الى الصحة التامة اللذيذة والسعادة الدائمة ويكون في غاية الغبطة والسرور ابدا فقد صدق بحر العلم والفضائل: لا داء أعيا من الجهل. الكلمة الثالثة عشر قوله عليه السلام: لامرض أضنى من قلة العقل. وفى نسخة: اخفى من قلة العقل. اقول: الضنى مخامرة المرض كلما ظن المريض انه برأ انتكس (2) واما العقل فقد عرفته وهو مقول بحسب الاشتراك اللفظى على القوة التى بها يكون التمييز بين الامور الحسنة والقبيحة والسعى في مصالح البدن وتدبير المعاش وهى المسماة عقلا عمليا، وعلى القوة التى بها يكون تكميل جوهر النفس (وهى المسماة) عقلا بالفعل، وعلى درجات استعداد هذه القوة لتباين حدودها وحقائقها وقد اومأنا الى ذلك غير مرة وإذا عرفت ذلك فنقول: قد تطلق


(1) - ب: " ليعدها ا: " ليبعدها ". (2) - ب ج: " منكس " وفى اللغه: " انتكس المريض عادته العلة بعد النقة ".

[ 73 ]

قلة العقل على النقصان الحاصل من جميع هذه المراتب لكن المقصود الظاهر والنقصان البائر (1) المذموم بحسب العرف هو النقصان في العقل بالملكة اعني الاستعداد الذى يكون لدرك المعقولات وفى العقل العملي اعني الاستعداد للتميز بين الامور الحسنة والقبيحة، وان كان قد يكون النقصان ههنا تابعا للنقصان الاول وهذا التخصيص بحسب المفهوم من هذه الكلمة والا فقد تطلق قلة العقل ايضا على عادم الغريزة وعلى العقل الهيولانى، والسبب في ذلك هو اختلال امر القوى النفسانية، اما لضعف الارواح الحاملة لها وقلة كميتها أو لسوء تركبها وامتزاجها وخروجه عن الاعتدال الذى تتمكن النفس من تصريف القوى معه فيكون سبب عدم تمكن النفس من تصريف تلك القوى فيما يصلحها فيكون بسببه قصور استعدادها لقصور آلتها، وقد يكون السبب في قلة تدبير امر المعاش واصلاح الدنيا ونقصان الاستعداد لذلك هو التفات النفس في غالب احوالها الى الوجهة الحقيقية واصلاح امر المعاد وقطع العلائق الجسمانية فيسمى صاحبها في العرف ابله ومغفلا أي سليم الصدر قليل الاهتمام بشأن الدنيا غافل عن طلبها قليل العقل لكيفية اكتسابها وهم الذين قال صلى الله عليه وآله فيهم: أكثر اهل الجنة البله، لكن هذا المعنى غير مراد ههنا لان المرض ليس بمضن فضلا ان يكون اضنى من غيره إذا عرفت ذلك فنقول: اما اطلاقه عليه السلام المرض على النقصان المذكور من استعداد النفس فاطلاق مجازى لان المرض من الكيفيات المختصة ببدن الحيوان ووجه المناسبة ان الكيفية المسماة بالمرض لما كانت مانعة من السعي في مصالح البدن وما يتعلق به وكان نقصان استعداد النفس في المراتب المذكورة مانعا لها من قبول تمام الفيض الالهى الذى من شرطه تمام الاستعدادات لا جرم اطلق عليه السلام لفظ المرض عليه، وهى استعارة حسنه وانتقال لطيف لا يصدر مثله الا عن مثل ذلك الذهن الصافى المتوقد. واما اثبات المطلوب من هذه الكلمة وهو انه لامرض اضنى من هذا المرض فيستدعى اولا بيان ان الضنى من


(1) - ب ج: " الباتر " د: " الباطن " وفى هامشه: " الباتر ".

[ 74 ]

يطلق على هذا المرض واطلاقه ايضا مجازى وذلك ان الضنى من عوارض الامراض البدنيه وقد بينا وجه التجوز بلفظ المرض فكذلك يطلق عارض المرض البدني على عارض هذا المرض لمكان المشابهة، وبيانها ان المرض البدني كما يشتد ويخامر البدن حتى كلما ظن المريض انه برأ نكس (1) فكذلك للمذكور (2) في درجات الاستعداد (3) مرض قد يشتد ويخامر نفسا قام بها حتى كلما ظنت انه قد كمل عقلها وتم استعدادها فهى منتكسة (4) في ذلك المرض ناقصة العيار عند صحة الاعتبار. واما انه اضنى من سائر الامراض فلان خوف المرض وقوة ضرره تابع لشرف الجزء المريض وخطره وكلما كان المرض اقرب الى جزء شريف كان خوفه اكثر وخطره اكبر وكان اشد واضنى من غيره وعرفت ان النفس هي الجزء الاشرف من الانسان بل هي تمام الانسان وان صحتها وكمالها هو المطلوب الاصلى من خلقها والسبب الغائي من وجودها فاعرف ان مرضها اشد مرض واضناه ونقصانها ارذل نقصان وارداه، وتجد كل مرض بالنسة إليه صحة وكل الم بالقياس الى المه راحة. واما على الرواية الثانية: وهو انه اخفى الامراض فلا شك فيه وخصوصا بالقياس الى من لحقه وتعلق به فان نقصان صاحب هذا المرض به هو الموجب لاعتقاده انه كامل فكل من كان استعداده للفضل انقص كان اعتقاده الوهمي لكماله اقوى وازيد، شعر: كدعواك (5) كل يدعى صحة العقل * ومن ذا الذى يدرى بما فيه من جهل ؟ ! وكل من كان استعداده للفضل ازيد كان اعترافه بالعجز عن الوصول اتم، والسبب في ذلك محبة النفس للكمال من حيث هو وغفلة نفس الاول عن نقصانها فيعتقد ان الكمال لها لازم، واطلاع الثاني على عيب نفسه وحاجتها الى التكميل من نقصانها ومعرفتها


(1) - من قولهم: " نكس المريض مجهولا = عاوده المرض كأنه قلب الى المرض ". (2) ا: " فلذلك المذكور " (بالام بعد الفاء). (3) - ج: " الاستعدادات (4) - ا: " متنسكة " ب ج د: " منكسة ". (5) - ا: " البيت مطلع قصيده للمتنبي (انظر طبعة صادر ص 441).

[ 75 ]

بقدر ما هي محتاجة إليه من الكمال وشرفه وعزته، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك انت الوهاب (1). الكلمة الرابعة عشر قوله عليه السلام: نعمة الجاهل كروضة في مزبلة. اقول: النعمة في الاصل هي المال وقد كثر استعماله حتى قيل في كل كمال يلحق الانسان انه نعمة اما بحسب الاشتراك اللفظى أو المعنوي والروضة مستنقع الماء ومنبت الخضر، والمزبلة موضع الزبل ومرماه والمقصود الذاتي من هذه الكلمة بيان ان الجاهل وان حصل على النعمة (2) الدنياوية بأجمعها فهى غير لائقة به وهو غير صالح لان يكون محلا لها ومع ذلك فلابد ان تزول عنه وتقرير ذلك ان النعمة قد تكون نعمة باقية وهى الكمال النفساني، وقد تكون نعمة فانية وهى الكمال البدني، وعلى التقديرين فقد تحصلان معا للانسان الواحد وقد يخلو منهما وقد يحصل له احداهما دون الاخرى والاول آخذ بطرفي السعادتين، هذا عطاؤنا فامنن أو امسك بغير حساب، وان له عندنا لزلفى وحسن مآب (3)، والثانى حاصل على خسران الصفقتين، خسر الدنيا والاخرة وذلك هو الخسران المبين (4)، والثالث ان حصل على النعمة الباقية فهو في عيشة راضية في جنة عالية (5)، وان اشتمل على النعمة الفانية فقط فامه هاوية (6)، الذى جمع مالا وعدده * يحسب ان ماله أخلده * كلا لينبذن في الحطمة (7)، والاشارة في هذه الكلمة الى صاحب هذه النعمة. واما تشبيهه عليه السلام لهذه النعمة بالروضة الكائنة في المزبلة فبيانه من وجهين:


(1) - آية 8 سورة آل عمران. (2) - ا: " وان حصل له النعمة ". (3) - آية 39 و 40 سورة ص. (4) - ذيل آية 11 سورة الحج وصدرها: " ومن الناس من يعبد الله على حرف فان اصابه خير اطمأن به وان اصابته فتنة انقلب على وجهه ". (5) - آية 21 و 22 سورة الحاقة. (6) - آية 9 سورة القارعة. (7) - آيه 2 و 3 و 4 سورة الهمزه.

[ 76 ]

احدهما - ان المزبلة لا يبقى الماء فيها بل عن قليل تكون يبسا لا نداوة فيها فكذلك الجاهل تكون نعمته معرضة (1) للزوال فهى ان لم تزل في حياته فلابد من زوالها بموتة. الثاني - ان المزبلة لما كانت محل النجاسة كانت غير لائقة لاستنقاع الماء المنتفع به فيها فكذلك الجاهل ذو المال لما كان غير واضع للاشياء مواضعها من حيث انه جاهل وغير مصرف لذلك المال كما ينبغى وفى الوجه الذى ينبغى لعدم العلم بالوجوه والمصارف لاجرم كان غير لائق لان يكون محلا لها إذا كان غير منتفع بها بوجه. ويحتمل وجها آخر وذلك ان العادة في الروضة ان تعشب وتخضر بسبب استنقاع الماء فيها فربما تبقى هذه الاعشاب وتلك الخضرة زمانا لجودة الارض وحفضها للنداوة وانما وزاد ما ينتفع به الحيوان فإذا كانت الروضة في مزبلة لم تكن لائقة للانتفاع بخضرتها في مسرة وابتهاج وغير ذلك ولم يكن للحيوان عليها اعتماد في مرعى فكذلك حال الانسان مع النعمة الحاضرة ان كان عالما بمصارفها واضعا لها في مواضعها كان كروضة في ارض حرة (2) ينتفع هو بها (فيدخر) في الدنيا والاخرة حمدا (3) جميلا وثوابا جزيلا وينتفع غيره بنضارة خضرتها ونداوة (4) عشبتها (5)، وان كان جاهلا غير واضع لها في مواضعها كان كالروضة في مزبلة غير منتفع بها، وهذه الوجود محتملة لبيان هذا المثل وتلك الامثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون (6). الكلمة الخامسة عشر قوله عليه السلام: اغنى الغنى العقل. اقول: الغنى قد يطلق ويراد به عدم الحاجة، وقد يطلق ويراد به حصول الامور


(1) - كذا في جميع النسخ. (2) - ب: " حر ". (3) - ا: " حميدا ". (4) - ب ج: " لذاذة. (5) - ب ج: " عشبها ". (6) - ذيل آية 21 سورة الحشر.

[ 77 ]

المحتاج إليها ويقابله الفقر بمعنين، وعلى التقديرين فانه مقول بحسب التشكيك على جزئياته إذ منه ما هو اشد ومنه ما هو اضعف، اما العقل فقد عرفت اقسامه ومراتبه وحقائق تلك المراتب، وإذا كان كذلك فنقول: المراد من الكلمة بيان ان اشد درجات الغنى العقل، المراد بالغنى حصول الامور المحتاج إليها ههنا، فان اعظم الامور المحتاج إليها واشرفها درجة في حصول الكمال بها هو العقل إذ كان سبب السعادتين وبه تنال المقاصد الكلية وبه تحصل الكمالات الحقيقية دون ما يحتاج إليه من مال وغيره، ويمكن ان يفسر الغنى أيضا ههنا بعدم الحاجة الا انا نحتاج (1) الى زيادة اضمار إذ الاستعداد المسمى عقلا ليس بعدم الحاجة بل مستلزم لعدم الحاجة الى حصوله بعد حصوله فيصير التقدير: اقوى درجات الغنى لازم عن حصول العقل، الا انه جعل المحمول ههنا نفس العقل لما (2) ان حمل الملزوم مستلزم لحمل اللازم واعلم: انا لانعنى ان بمجرد حصول العقل يحصل الغنى المطلق بل يحتاج الى قيد آخر به يحصل ثمرة العقل المطلوبة من افاضته بالعناية الازلية وهو ان يعتنى باصلاح القوى البدنية وتطويعها للقوة العاقلة وتصريفها بحسب اوامرها ونواهيها فانك ان لم تفعل ذلك لم تخلص لذوقك حلاوة ثمرة عقلك من شوب مرارات ثمرات طاعات تلك القوى، ولم تصف لك بها لذة عن كدورات لحقت من متابعة الهوى، والله ولى توفيقنا، واياه نستعين على قهر الشياطين، وهو حسبنا (3). الكلمة السادسة عشر قوله عليه السلام: احمق الحمق الفقر (4). اقول: الحمق نقصان العقل ويقال بحسب التشكيك على درجات النقصان فان


(1) - ا: " الا ان يحتاج " فلعله: " الا انه يحتاج ". (2) - ب ج: " كما ". (3) - ج: " وهو حسبنا ونعم الوكيل ". (4) - يقرب منه قوله (ع) الاخر: " واكبر الفقر الحمق " وهو مما نقله الشريف الرضى (ره) في نهج البلاغة وشرحه ابن ميثم (ره) ضمن ماشرحه فمن اراده فلينظر شرح نهج البلاغة (ص 585 من الطبعة الاولى).

[ 78 ]

منها ما هو اشد، ومنها ما هو اضعف، والفقر يطلق ويراد به الحاجة الى المال، ويطلق ويراد به الحاجة الى الفضائل النفسانية، والاستعداد الذى به يكون ادراك الامور الكلية الاولية وما فوقه من الدرجات وان كانت الحاجة اعم من ذلك، وقد يراد به عدم المحتاج إليه في الوجهين، واعلم ان تقدير القضية على هذا الوجه: اشد درجات العقل نقصانا هو الفقر فموضوع القضية قولنا: اشد درجات العقل نقصانا، ومحمولها: الفقر، والمراد بالفقر ههنا الحاجة الى الفضائل والاستعداد المذكور، وحينئذ يلوح لك صدق هذه القضية فان اشد درجات نقصان العقل عدم الاستعداد المذكور المستلزم للخلو عن الفضائل النفسانية، وقد يحمل الفقر ههنا على المعنى وهو الحاجة الى المال أو عدمه الا ان ذلك المعنى لا يحمل على اشد درجات نقصان العقل بانه هو، فان الحاجة ليس نفس نقصان العقل بل يحتاج الى اضمار شئ آخر في ايضاح هذه القضية حتى يصير التقدير: اشد درجات نقصان العقل لازم عن الفقر الا انه لما كان حمل الملزوم يستلزم حمل اللازم اكتفى في الكلام مراعاة للوجازة بحمل الملزوم. واما علة هذا الحكم فلان العقلاء اتفقوا على ان المال مهذب لصاحبه وموجب لزيادة العقل ومنشط 1) لاكتساب الملكات الفاضلة عند استعماله في الوجوه التى ينبغى ولذلك قالت الحكماء: ان المال انما جعل زيادة في القوة (2) والرأى وضربوا لذلك الامثال كالمثل المشهور في كتاب كليلة ودمنة في الباب الثالث منه على لسان الجرذ الذى زعموا انه كان في بيت الناسك (3) وإذا كان كذلك علمت ان الحاجة الى المال المسمى فقرا عند تحققه في محل يستلزم خلو ذلك المحل عن تلك الكمالات النفسانية مع ما يلزم الفقر من حيث هو فقر من عدم مقاومة النفس للهوى وانقيادها لقبائح اللذات ومن ارتكاب الرذائل الردية كالحسد والمهانة وانقهار (4) النفس وانفعالها فيما يطلب منها مما يوجب السقوط في مواقع (5) التهم والدخول فيما لا ينبغى المستلزم كل ذلك نقصان العقل ورداءته، وحينئذ يتضح المعنى على هذا التقدير الا ان في هذا


(1) - ا د: " ينشط ". (2) - ا: " للقوة ". (3) - انظر باب الحمامة المطوقة. (4) - ا " انتهار ". (5) - في النسخ: " ومواقع ".

[ 79 ]

الوجه تعسفاما، ومع ذلك فان لقائل ان يقول: ان الفقر بالمعنى المذكور وان اوجب نقصانا للعقل الا انه لا يكون اشد نقصان، ويمكن ان يقال: ان الاشدية ههنا اضافية أي ان الدرجة من النقصان التى يوجبها الفقر بالنسبة الى ما هو اضعف منها، وفيه ما فيه من التكلف. الكلمة السابعة عشر قوله عليه السلام: افقر الفقر الحمق (1). اقول: قد عرفت ان الفقر يطلق على الحاجة المذكورة الى طرفي المال والفضيلة النفسانية وعلى عدم الامور المحتاج إليها اطلاقا في كل معنى من هذه الثلاثة على جزئياته بحسب التشكيك فان درجات الفقر متفاوتة بالشدة والضعف، وإذا عرفت ذلك فنقول: المقصود من هذه الكلمة الحكم بان اشد درجات الفقر هو نقصان العقل وعلة هذا الحكم انه لما كان بين درجة الفقر التى هي الحاجة الى المال والتى هي الحاجة الى الفضائل النفسانية من التفاوت بالشدة والضعف ما يكاد يوجب الحكم بانه لانسبة بينهما ولا اشتراك فلا جرم صح حمل الحمق على اشد الفقر حملا بانه هو، إذ الحمق في الحقيقة اشد فقر يفرض كما علمت، وهاتان الكلمتان آخذتان بمجامع الحسن لفظا ومعنى فانظر ايها الاخ الى هذا الامام الفاضل سلام الله عليه كيف جمع في هاتين الكلمتين بين الوجازة والجزالة، شعر: وهل فيه عيب لمن عابه ؟ ! * سوى انه رجل فاضل


(1) - اشرنا في ذيل الكلمة السابقة الى ما في نهج البلاغة مما يقرب من ذلك فان شئت فراجع شرح نهج البلاغة للشارح (ره) ص 585 من الطبعة الاولى.

[ 80 ]

الكلمة الثامنة عشر قوله عليه السلام: الحكمة ضالة المؤمن (1). اقول: قد عرفت اقسام الحكمة وحقائقها، والضالة ما ضاع من البهيمة للذكر والانثى، والايمان في اللغة التصديق، وفى عرف الشريعة عبارة عن التصديق بكل ما علم مجئ الرسول به ضرورة وهو مذهب المحققين من المتكلمين كأبى الحسن الاشعري واتباعه، (والمؤمن من اتصف بصفة التصديق) (2) ويقابله الكافر لمن لم يتحقق (3) فيه هذه الكل وعليه رأى ابى حنيفة، وعند جمهور المعتزلة والسلف الصالحين رضى الله عنهم انه اسم للمطيع. ولما كانت الطاعة عندهم (4) لا يتحقق الا باجزاء ثلاثة، التصديق بالقلب لما جاء به الرسول، والاقرار باللسان، والعمل بالاركان، كان الايمان ايضا كذلك فالمؤمن لا يستحق اطلاق هذا الاسم عندهم الا إذا تحققت فيه هذه الاجزاء الثلاثة فهى اجزاء ماهية الايمان ويقابله الفاسق لمن اخل بشئ من هذه الاجزاء إذ يمتنعون من تسمية التارك لاحدها مؤمنا لعدم ماهية الايمان منه، ويخصون اسم الكافر بتارك الكل أو (5) الجاحد ظاهرا (6) وان عمل لان العمل مترتب على التصديق وعليه الامام الشافعي رضى الله عنه (7) من الفقهاء وإذا عرفت ذلك فاعلم انه عليه السلام حكم بانها ضالة المؤمن وشبهها بالضالة من وجهين: احدهما - ان من شأن الضالة ان صاحبها ينشدها ويطلبها ويجتهد فيها بالجعل وغيره


(1) - نقلها الشريف الرضى (ره) في نهج البلاغة وقال الشارح ابن ميثم (ره) في شرحها (ص 590 من الطبعة الاولى): " استعار لفظ الضالة للحكمة بالنسبة الى المؤمن باعتبار انها مطلوبة الذى يبحث عنه وينشده كما ينشد الضالة صاحبها ". (2) - كأن مثل العبارة سقطت من هنا بقرينة ذكر الكافر بعده بعنوان المقابلة ولعله " والمؤمن من تحققت فيه هذه الصفة ". (3) - ب: " يتحقق فيه ". (4) - ب: " عنهم ". (5) - ج د: " و ". (6) - ب ج: " ظاهر ". (7) - كلمة الترضى في ب فقط.

[ 81 ]

فكذلك طالب الحكمة يجتهد في طلبها بحسب البرهان ويبالغ في التفتيش عن كيفية المسالك في طلبها ويلتمس معرفتها من أفواه الاستاذين من العلماء وأهل المعارف كما يلتمس صاحب الضالة ضالته من أفواه المنشدين والعارفين بها وبمظانها فلا جرم كانت ضالة بالنسبة إليه. الثاني - انه لما كان من شأن الضالة ان لا تنفك عن أحد وجهين، اما ان يجدها طالبها ويفوز بمقاصده وخاصة ان كان متقربا بطلبها الى من هو أعلى منه متوقعا على وجدانها الحباء (1) والمنحة، واما ان لا يجدها فيبقى في الاسف والخوف والحرمان فكذلك الحكمة لما كان من شأنها انه اما انه يجدها طالبها أو ليس، فان وجدها فقد فاز بالمقاصد الكلية وحصل على الاغراض الباقية، وان لم يجدها وهو متقرب بها الى نيل رضا الله تعالى ومستعد بها لقبول نعمه الباقية في جواره المقدس فقد حصل على الخيبة وضياع السعي وحرمان ما الحكمة الى نيله وسيلة فكانت بالحقيقة ضالة واي ضالة. واما تحصيص المؤمن بها فلان غير المؤمن اما غير المصدق واما العاصى، اما غير المصدق فتكذيبه ينافى طلبه لان الجزء الاشرف من الحكمة هو معرفة الصانع والمكذب بوجوده كيف يطلب معرفته ؟ ! وكذلك عصيان العاصى حال عصيانه (2) مناف لطلبه وهو ظاهر، فهذا هو المفهوم من هذه الكلمة، والله تعالى يجعل خاتمة سعينا في طلبها وجدانا لها، ويرشدنا على منشديها، ويدلنا على معرفتها والعارفين (3) بها عن صدق، والمطللعين على اسرارها بيقين وهو (4) الموفق. الكلمة التاسعة عشر قوله عليه السلام: المرء عدو ما جهله. (5) اقول: العداوة بغض صادق يهتم معه بجمع (6) الاسباب الموذية للمبغوض ومحبة فعل


(1) - الحباء بالكسر بمعنى العطاء بالفتح. (2) - " عصيانه " ليس في نسخة ا. (3) - " معرفتها العارفين ". (4) - ا: " والله ". (5) - وفى معناه ما نقله الشريف الرضى (ره) في الباب الثالث من نهج البلاغة بهذه العبارة:

[ 82 ]

الشر الذى يمكن فعلة به، واما الجهل فقد عرفت اقسامه وحقائقها والمقصود اثبات العداوة للجاهل مع ما يجهله بالمعنيين المذكورين للجهل وبيانة هو ان القوة الوهمية غير مدركة للامور المعقولة بل انما تدرك المحسوسات وتوافق الحس وتتبعه في احكامه من (1) المحسوسات حقه (2) ويصدقها العقل فيها ولمطابقتها العقل كانت الهندسيات وما يجرى مجراها سديدة الوضوح لا يكاد فيها اختلاف في الآراء إذ (3) لا يعارض العقل في شئ منها واما المعقولات الصرفة فهى منكرة لها ومكذبة بها لقصورها عن ادراكها، ولذلك كانت احكامها فيها كاذبة يكذبها العقل فيها كحكمها بان كل موجود فلابد وان (4) يكون في جهة لما (5) ان كل محسوس كذلك فكذب العقل ذلك بما ان بعض الموجودات ليس كذلك كالباري تعالى (6) فإذا (7) عرفت ان هذه القوة لاحظ لها في ادراك المعقولات الصرفة وانها منكرة لها ومائلة بمقتضى طبعها وفطرتها الى الامور المحسوسة فنقول: ان الجاهل بالشئ ان كان جهله به بسيطا كان السبب في بغضه له ومقابلته بالانكار قصور قوته العاقلة عن ادراكه ومطاوعتها للقوة الوهمية التى هي بمقتضى جبلتها منكرة له وغير قابلة للتصديق به الا في صورة محسوس 8)، وان كان مركبا كان السبب في ذلك البغض والنفار هو مساعدة القوة


" الناس اعداء ما جهلوا " وقال شارح هذا الكتاب الحاضر في شرح العبارة في شرح نهج البلاغة ما نصه (ص 603 من الطبعة الاولى): " الجهل بالشئ مستلزم لعدم تصور منفعة العلم به فيحصل الجاهل من ذلك على اعتقاد انه لا فائدة في تعلمه فيستلزم ذلك مجانبته له ثم يتأكد تلك المجانبة والبعد بكون العلم اشرف فضيلة يفخر بها اهله على الجهال ويكون لهم بها الحكم عليهم وانتقاصهم وحطهم عن درجة الاعتبار مع اعتقاد الجهال لكما لهم ايضا لذلك فيشتد لذلك مجانبتهم للعلم واهله وعداوتهم لهذه الفضيلة ". (6) ب ج: " بجميع ". (1) - ب ج د: " في ". (2) - كذا في جميع النسخ. (3) - ا: " و ". (4) - ج د: " فلابد ان ". (5) ا: " كما ". (6). ب ج: " عز اسمه ". (7) - ب ج: " وإذا ". (8) - ج د: " محسوسة ".

[ 83 ]

العاقلة للقوة الوهمية على الانكار لقصورها عن الاطلاع على ذلك الامر مع زيادة اقوى وهى تكيف النفس بالاعتقاد الثابت الجازم المضاد لحصول ذلك المعقول ولذلك كانت عداوة من تلبس بظاهر الشريعة ممن يدعى التفقه والزهد وليس به للمحققين واصحاب الانظار الدقيقة وجمع العلوم الجليلة اشد واقوى من عداوة العوام والخالين من العقائد المضادة للعلم حتى ربما أطلقوا الفتيا باباحة دمائهم وأوهموا الملوك بالاباطيل الصادرة عن عقائدهم الفاسدة التى ربما كان اكثرها متأكدا بالحسد في الرتب الحاصلة عن ذلك العلم والكمال انهم كفار يضلون الخلق ويفسدون في الارض بغير الحق، وهؤلاء لا يرجى صلاحهم ولا - ينتظر فلاحهم. واما الاولون فهم وان عادوا ما جهلوا وأبغضوا ما لم يتصوروه فانهم ربما انقادوا بالتعويد والممارسة وجذب المؤدب الحاذق بلطافته الى سبيل الخير إذ (1) كان فطام النفس عن رضاع لبان الوهم وان كان صعبا لكنه ممكن بحسب التدريج والتعويد فقد لاح لك سر قوله عليه السلام: المرء عدو ما جهله. الكلمة العشرون قوله عليه السلام: قلب الاحمق في فيه ولسان العاقل وراء قلبه (2). اقول: قد سبق ان المراد بالقلب في عرف اهل العرفان النفس ثم ليس المقصود


(1) - ا: " إذا ". (2) - في الباب الثالث من نهج البلاغة وهو باب الكلم القصار (انظر شرح ابن ميثم (ره) شارح هذه الكلمات على ذلك الكتاب ص 585 من الطبعة الاولى). " وقال عليه السلام: لسان العاقل وراء قلبه، وقلب الاحمق وراء لسانه، قال السيد (ره): وهذا من المعاني العجيبة الشريفة والمراد به ان العاقل لا يطلق لسانه الابعد مشاورة الروية ومؤامرة الفكرة، والاحمق يسبق حذفات لسانه وفلتات كلامه على مراجعة فكره ومماحضة رأيه فكأن لسان العاقل تابع لقلبه وكأن قلب الاحمق تابع للسانه.

[ 84 ]

ههنا ان القلب نفسه في الفم فإذا هو ما يقوم بالنفس من التصورات وجودها (1) في الفم عبارة عن ظهورها في العبارة اللسانية الخارجه من الفم، وكذلك ليس المقصود من لسان العاقل هو هذه اللحمة المخصوصة فانا لو قلنا: ان المراد بالقلب ايضا اللحمة المخصوصة لم يكن اللسان وراء لها بل المقصود العبارة إذ يطلق عليها انها لسان ايضا كما يقال: اللسان الفارسى مخالف للعربي، واليه الاشارة بقوله تعالى: واختلاف ألسنتكم والوانكم (2) وليس المقصود هو هذا الشكل اللحمى، ثم ليس المقصود من الوراء ايضا الجهة الحسية فان النفس لاجهة لها حتى يتعين لها وراء، بل الجهة العقلية، ولا من النفس ايضا ذاتها بل تصوراتها الصادرة عن الافكار الصادقة، وحينئذ يصير تقدير الكلمة هكذا: الاسرار القائمة بنفس الاحمق وما ينبغى منه ان لا يظهره موجود في فمه اي عبارته اللسانية، واما العاقل فعبارتة بما (3) يتكلم به تابع لتصوراته العقلية الصادرة عن الافكار الصادقة. واما السبب في تكلم الاحمق بالجزاف وبما لا ينبغى هواما عدم الفكر في استنباط الواجب فيما يجب ان يفعل من الامور الانسانية أو رداءة تلك الافكار لقصور استعداد


وروى عنه هذا الكلام بلفظ آخر وهو: قلب الاحمق في فيه ولسان االعاقل في قلبه. واقول: انه استعار لفظ الوراء في الموضعين لما يعقل من تأخر لفظ العاقل عن رويته ومن تأخر روية الاحمق وفكره فيما يقول عن بوادر مقاله من غير مراجعة لعقلة والمعنى ما اشار إليه السيد (ره) وعلى الرواية الاخرى فأراد ان ما يتصوره الاحمق هو في فيه اي يبرز على لسانه من غير فكر واما نطق العاقل فمخزون في عقله لا يخرج الا عن روية صادقة، ولفظ القلب في الاول مجاز فيما يبرز من تصرواته في الفاظه ولفظ اللسان مجاز في الفاظه الذهنية ". (1) - ج: " ووجودها ". (2) - من آية 22 سورة الروم وتمامها: " ومن آياته خلق السماوات والارض واختلاف السنتكم والوانكم ان في ذلك لايات للعالمين ". (3) - ا: " لما ج د: " مما ".

[ 85 ]

النفس عن الترتيب الصحيح فهى لقصورها غير مطلعة على قصورها بل معتقدة للكمال ومع ذلك فإذا لم يتوقف تحريكها وفعلها على فكر ولاترو كان كل ما يتصوره مبذولا مذاعا (1) سواء كان مما يجوز ابداؤه اولا يجوز. واما العاقل فلما كانت افعاله واستنباطه للواجب موقوفا على الافكار الصحيحة والنظر والتروى لاجرم كانت اقواله المعبر عنها بلسانه تابعة لافكار عقله فكان لسانه وراء قلبه، والله الموفق للصواب. الكلمة الحادية والعشرون قوله عليه السلام: ظن العاقل كهانة. اقول: الظن هو الاعتقاد باحد النقيضين فان كان مطابقا للمعتقد كان ظنا صادقا وان لم يطابقه كان كاذبا، وصدق هذا الاعتقاد وكذبه تابعان لصحة ترتيب الامارات و فسادها وصدقها وكذبها، فان ترتيب الامارات الصادقة ترتيبا صحيحا على القانون الذي يجب رعايته في صحة القياس استلزم ذلك الترتيب افاضة الظن الصادق على الذهن وان اختل قيد من تلك القيود لم يحصل اولم يحصل مطابقته للمعتقد وهو قابل للشدة والضعف وتنتهى مراتبه في القوة الى الجزم وفى الضعف الى الشك، ويستعان في طلب قوته بكثرة الامارات وجمعها والنظر فيها، وقد يحصل هذا الاعتقاد عن كثرة التخيلات بسبب اليبس العارض لمزاج الروح الحامل للقوة المتخيلة فتخف حركتها بسبب ذلك ويقل ضبط النفس لها لفساد آلتها ولكنه يكون ظنا كاذبا ولا عبرة به. واما الكهانة فهى ضرب من الاطلاع على الامور الغيبية وقد علمت كيفية السبب في الاطلاع عليها غير ان الاثار الصادرة عن الكاهن ضعيفة قليلة بحسب ضعف استعداده وقلته ولذلك لا تتمكن في الغالب من الاخبار بشئ من غير سؤال بل يحتاج الى سؤال باعث له على التلقى والاعداد لنفسه بالحركة وغيرها مما يدهش الحس ويحير الخيال كما حكيناه عند بيان السبب فعندما يعتنى الوهم ويتوكل بذلك الطلب فكثيراما يعرض


(1) - ا: " مبددا لا مراعى ".

[ 86 ]

للكاهن اتصال ويكون لمح الغيب، تارة بضرب من الظن القوى، وأخرى بجنى خطاف (1) اوهاتف لا يرى (2). واذ قد بان لك ان الكهانة ضرب من تلقى المغيبات فنقول: ان ظن العاقل في اغلب احواله يكون بحسب نظره في الامارات الصادقة الكثيرة فتتعود نفسه بالاستعداد بذلك لسرعة الانتقال من المبادئ الى المطالب، وقد يكون العاقل ذا قوة قدسية فيكون استعداده اتم واقوى فيكاد يخطئ، اولا يكون ظنه مطابقا،


(1) - اشارة الى قوله تعالى: " الا من خطف الخطفة، الاية " (سورة الصافات، 10). (2) - اعلم ان للشارح (ره) كلاما نفسيا في بيان معنى الكاهن والساحر ذكره في شرح نهج البلاغة في شرح قول امير المؤمنين (ع): " فانها تدعوا الى الكهانة " فمن اراده فليراجع الكتاب (ص 195 - 194 من الطبعة الاولى). فليعلم ايضا ان الشارح (ره) يشير بما قال هنا الى ما ذكره ابن سيناء في اشارة من اشارات اواخر الشفاء فلا بأس بذكر كلامه وهو قوله: " اشارة - انه قد يستعين بعض الطبائع بافعال يعرض منها للحس حيرة وللخيال وقفة فتستعد القوة المتلقية للغيب تلقيا صالحا وقد وجه الوهم الى غرض يعينه فيتخصص بذلك قوله مثل ما يؤثر عن قوم من الاتراك انهم إذا فزعوا الى كاهنهم في تقدمة معرفة فزع هو الى شد حثيث جدا فلا يزال يلهث فيه حتى يكاد يغشى عليه ثم ينطق بما يخيل إليه والمستمعة يضبطون ما ينطق له ضبطا حتى نبهوا عليه تدبيرا ومثل ما يستنطق في هذا المعنى بتأمل شيئ شفاف مرعش للبصر برجرجته أو مدهش اياه بشفيفه، ومثل ما يشغل بتأمل لطخ من سواد براق، وباشياء تترقرق وباشياء تمور فان جميع ذلك ما يشغل الحس بضرب من التحير، ومما يحرك الخيال تحركا محيرا كأنه اجبار لاطبع، وفى حيرتهما احتيال فرصة الخلسة المذكورة، واكثر ما يؤثر هذا ففي طباع من هو بطباعه الى الدهش اقرب وبقبول الاحاديث المختلطة اجدر كالبله من الصبيان، وربما اعان على ذلك الاسهاب في كلام المختلط لمسيس الحس وكل ما فيه تحيير وتدهيش فإذا اشتد توكل الوهم بذلك الطلب لم يلبث ان يعرض ذلك الاتصال فتارة يكون لمحان الغيب ضربا من ظن قوى، وتارة يكون شبيها بخطاب من جنى أو هتاف من غائب، وتاره يكون مع تراء من شئ للبصر مكافحة حتى يشاهد صورة الغيب مشاهدة".

[ 87 ]

كما ان الكاهن يكاد ان لا يكون تلقيه للامور الغيبية صادقا، ويختلف ذلك بحسب اختلاف الاستعدادات في الظان والكاهن فأطلق عليه السلام لفظ الكهانة على ظن العاقل تجوزا حسنا للمشاركة في ان كل واحد منهما يتلقى بقوة استعداده الافاضة وان اختلفت اسباب ذلك الاستعداد، والمقصود بيان شرف ظن العاقل بتشبيهة بالكهانه، وتسمى العرب مثل هذا الظان ألمعيا، قال الشاعر (1): الالمعى الذى يظن بك الظن......... كأن قد رأى وقد سمعا والله ولى التوفيق. الكلمة الثانية والعشرون قوله عليه السلام: من نظر اعتبر. اقول: هذه شرطية متصلة قد اثبت عليه السلام فيها ان الاعتبار لازم للنظر ولنبين حقيقة النظر والاعتبار فنقول: النظر والفكر عبارة عن حركة النفس بالقوة الفكرية


(1) - يريد بالشاعر الاوس بن حجر فان البيت من قصيدة له يرثى بها فضالة بن كعب ابن كلدة، اولها: ايتها النفس أجملي جزعا * ان الذى تحذرين قد وقعا (الى ان قال) ان الذى جمع السماحة * والنجدة والبر والتقى جمعا الا لمعى الذى يظن بك * الظن كأن قدر أي وقد سمعا (الى ان قال) اودى فلا تنفع الاشاحة من * امر لمن قد يحاول البدعا والبيت مما استشهد به في المختصر والمطول لاثبات ان " الذى يظن بك، الى آخره " وصف كاشف عن معنى الا لمعى فان معنى الالمعى ما يستفاد من الوصف المذكور.

[ 88 ]

متوجهة بها من المطالب مترددة في المعاني الحاضرة عندها طالبة مبادئ تلك المطالب الموصلة إليها حتى يظفر بالحد الاوسط منها ويضعه (1) مع طرفي المطلوب احد الاوضاع المخصوصة التى يستلزم المطلوب فيرجع منها إليه وان كان قد يطلق على غير هذا المعنى، واما الاعتبار فهو مأخوذ من العبور وهو المجاوزة والتعدى من شئ الى شئ، ولما كان السالك بالنظر متجاوزا بقدم فكره المبادئ الى المطالب لا جرم كان معتبرا وإذا عرفت ذلك لاح لك حينئذ وجه الملازمة بين النظر والاعتبار وان من نظر النظر التام بشروطه الصحيحة فلابد وان (2) يعتبر. فان قلت: المراد من الاعتبار ليس هو العبور بل الاتعاظ والانزجار بدليل قوله تعالى: وان لكم في الانعام لعبرة (3) وقوله تعالى: ان في ذلك لعبرة لاولى الابصار (4) ؟ قلت: لا نسلم بل الاعتبار حقيقة فيما ذكرنا بدليل انه يقال: اعتبر فاتعظ فتعليل (5) الاتعاظ بالاعتبار والناظر في كيفية خلقة الانعام وفى خلق السماوات والارض عابر بحركته الفكرية في ترتيب دليل من خلقها على وجود الصانع وحكمته الى ذلك المطلوب الا ان الاتعاظ لما كان من لوازم ذلك العبور حتى إذا تقررت في النفس حقائق الاشياء وما يجب ان يقتنى فتطلبه وما ينبغى ان يترك فتجتنبه مما هو ضار لها في امر معادها فحينئذ تنزجر عن متابعة هواها فيما يوجب لها العذاب الاليم وذلك معنى اتعاظها، والى ذلك اشير في التنزيل الالهى: انما يخشى الله من عباده العلماء (6) الذين لمحوا بلواحظ افكارهم عواقب الامور ونتائج المقدمات فلازموا خشية الله تعالى وانزجروا عن متابعة الهوى لاجرم اطلق في موضع آخر لفظ العبرة والاعتبار على الاتعاظ مجازا من باب اطلاق اسم الملزوم


(1) - ا: " تضعه ". (2) ج: " فلا بدان ". (3) - صدر آيتين وهما 66 سورة النحل و 21 سورة المؤمنين. (4) - ذيل آيتين، 13 سورة آل عمران و 44 سورة النور. (5) - ا ب د " فتعلل ". (6) - من (وسط) آية 28 سوره الفاطر.

[ 89 ]

على لازمه وصار هذا المجاز لحسنه متداولا كثيرا ما يعتبر به عن الاتعاض لظهور معنى الاتعاظ فربما التبس على من لم يفرق بين المعنيين انه حقيقة في الاتعاظ دون غيره والتحقيق هو ما ذكرناه. وفى هذه الكلمة تنبيه على وجوب النظر إذ (1) كان لا يحصل الاعتبار المؤدى الى نيل المطالب العلية والسعادة الابدية المستلزم للانزجار عن النواهي المردية والاتعاظ (2) عن المطارح الشقية، وما لايتم الواجب الذاتي الا به كان اولى بوجوب الوجود والله الموفق للصواب.


(1) - ب: " إذا ". (2) - يشبه في بعض النسخ: " الايقاظ ".

[ 90 ]

الفصل الثاني في المباحث المتعلقة بالاخلاق الرضية والردية والاداب المتعلقة بها، وفيه اثنتان وثلاثون كلمة. الكلمة الاولى قوله عليه السلام: من عذب لسانه كثر اخوانه. اقول: الغذب الماء الطيب الخالص من الشوب ويقال بحسب المجاز على كل لذيذ خالص من شائبة اذى، والمراد من اللسان ههنا الكلام كما سبقت الاشارة إليه لان جرم اللسان لا ينسب إليه الطيب والعذوبة، والاخوان الاصدقاء والاعوان، والمقصود الصريح ان من لانت كلمته للخلق وتمرن لسانه بالملاطفة الحسنة لهم بطيب الكلام والاستجابة منهم وتواضع لهم فان طباعهم تميل إليه وتشتاق الى مصاحبته ومخالطته فيكون ذلك سببا لكثرتهم وهذه القضية من المجربات من انواع القضايا الواجب قبولها: واما عله تلك الميول الطبيعية فاعلم ان الشهوات والنفرات الطبيعية للحيوان تكون بحسب تصور الوهم أو (1) العقل للامور الموذية الضارة أو (2) المريحة النافعة فان تصور الحيوان ان كذا موذ له فانه ينبعث بسبب ذلك التصور شوق طالب لدفع ذلك الضار اما بالمقاومة أو الهرب، وان تصور ان ذلك نافع أو لذيذ فانه ينبعث عن ذلك الادراك شوق طالب لادراك الملائمة من ذلك النافع اللذيذ وقد اعلمناك ذلك كله وبينا كيفية تحريك القوى وبعث بعضها لبعض على اختلاف طبقاتها، وإذا عرفت ذلك فاعلم ان التودد بالملاطفة الحسنة بطيب الكلام


(1) - ب ج: " و ". (2) - ب ج: " و ".

[ 91 ]

وحلاوتة ولينه قد يكون طبيعيا في الانسان وقد يكون تكليفيا (1) وعلى التقديرين فان ادراك الخلق له من صاحبه داع لهم الى محبته والميل إليه باعث لشوقهم الطالب لادرا ك الملائمة فيما (2) يتوهم فيه أو يعقل من الامور النافعة أو (3) اللذيذة فتنبعث (4) ارادتهم على السعي في مصالحة (5) وطلب اخوته ومصادقته، وفى هذه الكلمة تنبيه على تحصيل هذا المعنى فانه سبب عظيم من الاسباب الداعية الى الالفة المستلزمة للمحبة في الله التي هي مطلوبة من من الشريعة بوضع كثير من السنن وبها تكون السعادة الدنياوية والاخروية فان امر المعاش لا يتم الا بمعاونة أو داء واخوان واعوان ناصحين وذلك امر ظاهر، وكذلك التودد سبب للالفة، والالفة سبب للمحبة والمحبة سبب لاجتماع القلوب والابدان، وهما سببان لاستنزال الرحمة بالدعوات وانزال البركات كما يبين فيما بعد ان شاء الله تعالى، وبالجملة فكلمة الانبياء متطابقة على الامر بتحصيل المودة بهذه الطريق قال عليه السلام: من لانت كلمته وجبت محبته، والتنزيل الالهى ناطق به: وقولوا للناس حسنا (6)، وفى حق الوالدين: وقل لهما قولا كريما (7) وقل لهم قولا ميسورا (8) وفى كلمات على (ع): التودد نصف العقل، واشرف انواع التودد ماكان عن عذوبة الكلام، والاستشهاد في ذلك كثير والله الموفق. الكلمة الثانية قوله عليه السلام: من لان عوده كثفت أغصانه (9). اقول: العود يطلق حقيقة على ساق الشجر وبحسب المجاز على ما يشابهه في امر


(1) - ب: " تكلفا " ج: " تكلفيا " د: " تكليفا ". (2) - ج د: " مما ". (3) - ب ج: " و ". (4) - ج د: " فتلتفت ". (5) - كذا ولعله: " مصاحبته ". (6) - من آية 83 سورة البقرة. (7) - ذيل آية 23 سورة الاسراء. (8) - ذيل آية 28 سورة الاسراء وصدرها: " واما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها ". (9) - قال الشارح (ره) في شرح نهج البلاغة في شرح تلك الفقرة مانصه (انظر ص 607 من الطبعة اولى): " استعار لفظ العود للطبيعة وكنى بلينه عن التواضع، وكذلك استعار لفظ الاغصان

[ 92 ]

ما، وقد أطلقه عليه السلام ههنا على الانسان، وكذلك اللين يقال بحسب الحقيقة على ما قبل الانغماز حسا، فعبر به عن التواضع وكرم الاخلاق وطيبها، والكثافة تقال على كثرة الاجزاء الحسية فعبر بها ههنا عن شدة الشوكة وكثرة الاخوان والاعوان، وهذه القضية متصلة ايضا يحتاج في تحقيقها الى بيان وجوه التجوزات المذكورة ثم الى بيان الملازمة بين تاليها ومقدمها، اما الاول فاما بالعود عن (1) الانسان فلان التجوز يكفى فيه أدنى ملابسة وههنا وجوه من المشاركة في القوة النباتية والنامية وقوة التغذية وفى النمو باستقامة وغيرها، والمشاركة في (بعض (2) هذه الامور توجب المشابهة فظلا عن كلها فكان ذلك التجوز اطلاقا حسنا لاحد الانواع على نوع آخر للمشابهة بينهما وهو استعارة حسنة. واما باللين عن التواضع وطيب الاخلاق فلان اللين كما انه إذا حصل في الجسم دل على وجود الرطوبة التى تقبل معها الانغماز من الغامز كذلك التواضع وطيب الاخلاق إذا حصل في الشخص دل على رطوبة سره ولينه بالاستعداد للرحمة الالهية وقبوله للانغماز بانفعال طباعه واستجابته لمصادقة الاصدقاء، واكرام الخلطاء وتأهله لفيض العناية الالهية بالرغبة في تحصيل شريف الصفات وجميل الاحدوثات، وتصور (3) اللذة والمنفعة في تحصيل الاخوان وتقوية الشوكة بهم، واما بالكثافة عن ازدحام الاخوان فظاهر فانه لا معنى للكثافة الا تراكم الاجزاء وازدحامها وهو ظاهر ههنا، و (4) هذا بيان التجوز في المفردات. اما بيانه في الملازمة والتركيب فلانه كما ان الشجرة انما تكثف وتعظم وتكثر أغصانه وتلتف بكثرة الاوراق عن الرطوبة الحاصلة المنمية (5) المستعدة للانبات كذلك


للاعوان والاتباع وكنى بكثافتها عن اجتماعهم عليه وكثرته وقوته بهم، والمراد ان من كانت له فضيلة التواضع ولين الجانب كثرت اعوانه واتباعه وقوى باجتماعهم عليه ". (1) - ا: " على ". (2) - مابين القوسين زدناها تصحيحا للعبارة. (3) - ج: " بصور اللذة ". (4) - ب ج: ليست الواو فيهما. (5) - ا ج د: " المتمنة " ب: " الممتنة " فالتصحيح نظرى.

[ 93 ]

الانسان يشرف وتشتد شوكته وتكثر اخوانه واعوانه وأحباؤه، الصادر كل ذلك عن تواضعه ولين جانبه وكرم اخلاقه وطيبها في حقهم المعبر عنه في الكلمة بلين العود حتى يتصلوا (1) به اتصال الاغصان ويعظم بهم عظم الشجرة بأغصانها الملتفة الكثيفة، واما صحة الملازمة فأمر ظاهر معلوم بالتجربة والله ولى التوفيق. الكلمة الثالثة قوله عليه السلام: بشر مال البخيل بحادث أو وارث. اقول: اطلاق البشارة ههنا مجاز من باب اطلاق احد الضدين على الاخر والبخل هو طرف التفريط من الرذيلتين اللتين هما طرفان للوسط الذى هو السخاء وقد عرفته، واما سببه فحكم الوهم بان في بذل المال مضرة تلحقه فيكون ذلك سببا لحركة القوة الشهوية الى جمعه فتحرك بسببها الالات الى الجمع والتحصيل وقد يختلف بالشدة والضعف بحسب اختلاف ذلك الادراك فيهما فمن النفس (من هو) مستعد بحسب أصل مزاجه وجبلته لقوة هذا التوهم (2) الموجب لتحريك تلك القوة، ومنهم من يعرض له ذلك بحسب حدوث استعداد قوته الوهمية لادراك سببه الوهمي، وههنا دقيقة وهى ان تخصيص مال البخيل بهذه البشارة المجازية المستلزمة لانذاره لا يدل على ان مال الجواد ليس كذلك فان احد الامرين المبشرين بها لابد منه في المالين وقد عرفت ان تخصيص الشئ بالذكر لا يدل على نفيه عما عداه، وقد ورد في كلامه عليه السلام بلفظ آخر ما يعم البخيل وغيره فقال: لكل امرء في ماله شريكان، الحادث والوارث (3) لكن لابد من فائدة يستلزمها هذا الحكم وهى الاهانة للبخيل إذ كان قد استعمل لفظ التعظيم في الاهانة كقوله


(1) - ا ج د: " حتى يتصلون ". (2) ا: " الوهم ". (3) - شرحه في نهج البلاغة هكذا (ص 620 من الطبعة الاولى): " نفر عن ادخار المال بذكر الشريكين المكروهين " وهناك بذل " الحادث ": " الحوادث ".

[ 94 ]

تعالى: ذق انك انت العزيز الكريم (1) وتبكيته لعدم بذل المال في وجهه وتقريع له وتقرير لما يكرهه ومواجهته بما ينفر طبعه اشد نفار بما لابد منه إذ (2) كانت مفارقة المال عليه اشد من مفارفته على الجواد، ثم لو حمل الجواد على نفسه في ان هذه النذارة واردة عليهما لهون (3) عنده بعض ما يجده من هذه المواجهة لما ان المصيبة إذا عمت هانت لاح له حينئذ الفرق بين الاصل والفرع بما ان بذل المال عن الجواد يكسبه حمدا ومجدا أثيلا في العاجل ونعيما وثوابا جزيلا في الاجل، وهو محروم من ذلك لعدم علة استحقاقه (4) فيه وربما كان ذلك سبب رشده وسبب حرصه على التخلق بضد خلقه واعداد نفسه لاقتناء اسبابه ان كان قد قضى له ذلك ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور (5). الكملة الرابعة قوله عليه السلام: الناس بزمانهم اشبه منهم بآبائهم. اقول: تقدير الخبر: الناس بأهل زمانهم، وانما حذف المضاف للعلم به كما في قوله تعالى: واسأل القرية، إذ لا مشابهة للناس مع ذات الزمان، ثم ليس المراد من مشابهتهم المشابهة في الصور الجزئية أو الشخصية كما يقال: وجه فلان يشبه وجه فلان فانهم بالاباء في ذلك أشبه، بل المراد أنهم أشبه في أفعالهم وعاداتهم وأخلاقهم وحالاتهم العارضة الغالبة. ثم انه عليه السلام نبه بقوله " اشبه " على عدم نفى الشبه بالاباء بالكلية فانهم وان كانوا يشبهون الاباء الا انهم بأهل زمانهم أشبه. واما السبب الغالب في ذل فاعلم انه لما كان الغالب على الخلق الغفلة والجهل البسيط وكانت النفوس الانسانية قد جبلت على محبة البدن وكثيرا ما تكون مطيعة للقوى متبعة للهوى مواظبة على اقتناء الكمالات الوهمية ولم يكن لتلك القوى البدينة.


(1) - آية 49 سورة الدخان. (2) - ب: " إذا ". (3) - ب ج: " ليهون عنه " (4) - آ: " لعدم استحقاقة ". (5) - ذيل آية 40 سورة النور

[ 95 ]

كما علمت حظ في ادراك الامور الكلية بل لا تدرك الا الامور الحاضرة المحسوسة الجزئية أو (1) المتعلقة بالمحسوس وكان الغالب ان وجود الابناء وغالب حياتهم وتصرفاتهم في زمان غير زمان الاباء لا جرم كانت نفوسهم اكثر انفعالا واطوع لاخلاق زمانهم وعاداتهم وزيهم وحالاتهم منها لعادات الاباء وحالاتهم لمكان المشاهدة للحال الحاضرة والمنادمة والاتصال والمعاشرة والغفلة عن حال الاباء لاقلية معاشرتهم ومصاحبتهم لتقضيهم واقلية وجودهم في زمان وجود الابناء حتى ان انسانا لو عاشر ابا صالحا وتأدب بآدابه وتخلق بأخلاقه ثم فقده وعاشر من له ضد تلك الاخلاق فانه ربما استنكرها في اول الصحبة ثم ان نفسه بعد حين تنفعل عن تلك الاخلاق وتكتسبها لكثرة مشاهدتها وتكررها على قوى الحس وعقلة (2) النفس بها وتحلل الاخلاق الاولى على التدريج فربما انسلخ بالكلية عن تلك الاخلاق الصالحة الى التكيف بضدها وبالعكس وكذلك لو كان لابيه صنعة (3) مستحسنة في وجوده أو لباس يليق بحاله من اهل زمانه وكذلك سائر العادات التى يعتادها ذلك الاب ويتخلق بها ويليق بحاله في وقته ثم نشأ ولده في وقت آخر بين آخرين المنكرين للزى الاول ومستحسنين لزى ثان وعادة قد اكتسبوها غير الاولى فانه لا يتزيا الا بذلك الزى ولا يغير تلك العادة ولا يتخلق بغير الاخلاق الحاضرة دون اخلاق آبائه وعاداتهم، ولو فرضنا انه نشأ عليها وتزيا بها مدة وتكلف البقاء عليها فان طبعه لابد وان يقوده الى العادات والاخلاق الحاضرة اما كلها أو بعضها وليس ذلك الا لما قلناه من من كثرة المشاهدة والاطلاع الحسى على الامور الحاضرة التى عليها أهل زمانه وانفعال النفس بها وغفلتها عن الاحتراز بمراجعة العقل في مراعاة أنفع تلك الاخلاق الماضية واحاضرة في امر المعاش والمعاد واكتسابه (4) واعتبار أضر تلك الادات والحالات فيهما


(1) - ج: " و ". (2) - كأنه بضم العين المهملة وسكون القاف ويمكن ان يكون مقلوب ومصحف " علقة " فيكون كالالفة بالشئ وزنا ومعنى وللعقلة ايضا هنا معنى مناسب لانه يقال: " لفلان عقلة يعقل بها الناس، وهى ما يعقل به كالقيد أو العقال. (3) - ج: " صفه ". (4) - في النسخ: " واقتنائة.

[ 96 ]

واجتنابه حتى لو كانت زمان مضى خلة حميدة تقود الى الهدى وهى مستنكرة في الزمان الحاضر لم يلتفت في ارتكابها (1) الى انكار منكريها بل ارتكبها وواضب عليها، ولو كان لاهل زمانة عادة أو حالة تقود الى ردى تركها، وان كانت مستحسنة بينهم، والله ولى الاعانة على الالتفات الى ما يرضية (2) وهو الموفق الكلمة الخامسة قوله عليه السلام: اكرم الحسب حسن الخلق (3). اقول: قد عرفت ان الحسب يقال بحسب الاشتراك اللفظي على ما يعد من المآثر وعلى الكفاية من المال وما يجراه مجراه. واما الخلق فقد عرفت حده وهو ينقسم الى طبيعي يقتضية اصل المزاج كالضحك المفرط من أدنى معجب وكالحزن والغم من ادنى شئ يعرض والى غير طبيعي يستفاد من التمرن (4) والتعود، وقد يكون مبدأه بالروية والفكر ثم يستمر عليه مرة ومرة حتى يصير ملكة وخلقا وعلى التقديرين فاما ان تكون تلك الحال داعية الى افعال الخير وايثار الجميل وهو الخلق الحسن، أو الى عكسه وهو الخلق السئ الردي إذا عرفت ذلك فاعلم انه يحسن تأويل الكلمة على حسب مفهومي الحسب اما على المفهوم الاول فاعلم انه عليه السلام قد وصف حسن الخلق بافضلية كرم ما يعد من المكارم التى تؤثر عن الانسان، وبرهان صدقه انك علمت ان اصول الفضائل الخلقية ثلاثة، الحكمة والعفة والشجاعة، ومجموعها العدالة، ثم ان الملكة التى للنفس المسماة خلقا هي الاصل الذى تصدر عنه هذه الفضائل وانواعها ولا شك ان الاصل اشرف


(1) - في النسخ: " لم يرتكب في التفاتها ". (2) - ب ج د: " يرضينا ". (3) - شرحها الشارح (ره) في شرحه على نهج البلاغة بقوله كلام له (ص 585 من الطبعة الاولى ": " رغب في حسن الخلق بكونه اكرم الحسب لكونه اشرف الكمالات الباقية " (الى آخر ما قال). (4) - في النسخ: " البدن " ويمكن ان يكون " المرن " (بفتح الميم وكسر الراء) وهو العادة.

[ 97 ]

واكرم (1) من الفرع، واما على المفهوم الثاني فهو ان حسن الخلق لما كان منبعا لاصول الفضائل المذكورة كان اكرم كفاية تكون إذ (2) كان كفاية الجزء الباقي من الانسان وكان المال كفاية للجزء (3) الحيوانى الفاني منه، والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير املا (4). وفى هذه الكلمة تنبيه على مراعاة حسن الخلق ان كان موجودا، وعلى الاجتهاد في اكتسابه ان كان مفقودا، إذ بينا انه قد يكون مكتسبا وان اكتسابه ممكن وذلك انه منشأ لجماع مكارم الاخلاق والفضائل التى هي سبب للسعادة الباقية، والله ولى الهداية. الكلمة السادسة قوله عليه السلام: لا ظفر مع البغى. اقول: الظفر الفوز بالمطلوب بغلبة عدو وغيره، والبغى الظلم وحقيقته انه ضرار غير مستحق للتوصل الى كثرة المقتنيات من حيث لا ينبغى والمقصود ان من قهر خصمه على سبيل ظلم لم يعد في الحقيقة ظافرا به، وان كان قد يطلق ذلك بحسب العرف، وذلك لان (5) الظفر الحقيقي انما يكون بمطلوب مستحق فان المطلوب الغير المستحق وان حصل للطالب الا انه في قوة المنتزع وكيف يكون ظفر وفى مقابلته الذم العاجل بألسنه الخلق اجمعين من بعد لسان الوحى: الا لعنة الله على الظالمين (6) مع ان ذلك قد يكون مقربا لاجل الظلم لمقابلة بقائه ودفعه باجتماع همم الصالحين كما جاء في الاثر: الظالم قصير العمر، مع النتيجة الكبرى والطامة العظمى وهو حرمان الرضوان لتحقق الوعيد الصادق في حقه: والظالمين أعد لهم عذابا اليما (7) والظالمون مالهم من ولى ولا نصير (8)، الى غير


(1) - ج د: " واكمل ". (2) ا: " أو ". (3) - ج د: " الجزء ". (4) - ذيل آية 46 سورة الكهف وصدرها: المال والبنون زينة الحيوة الدنيا ". (5) - ج د: " ان ". (6) - ذيل آية 17 سورة هود. (7) - ذيل آية 31 سورة الدهر وصدرها: " يدخل من يشاء في رحمتة " وهى آخر آية تلك السورة. (8) ذيل آية 8 سورة الشورى.

[ 98 ]

ذلك مما اشتمل عليه التنزيل الالهى والسنة النبوية فأى ظفر لمن القى زمام عقله بيد شهوته، فقادته الى حلول (1) دار البوار * جهنم يصلونها وبئس القرار (2) واى فوز لمن أخبر أصدق القائلين بما يلقاه من عدم الولى والحميم ؟ ! وتوعده (3) مالك يوم الدين بما أعد له من العذاب الاليم ؟ ! وتطابقت على خسرانه كلمة النبيين ؟ ! وانطلقت (4) بلعنه (5) وتوبيخه ألسنة اللاعنين ؟ ! نعوذ بالله من سيئات العمل (6) وقبح الزلل وبه نستعين فقد علمت ان الباغى لا يسمى ظافرا وان تصور بصورته، والظالم لا يعد فائزا وان اتسم بسمته، ولذلك قال عليه السلام: ما ظفر من ظفرالاثم به، والغالب بالشر مغلوب، وذلك سر قوله عليه السلام: لا ظفر مع البغى. الكلمة السابعة قوله عليه السلام: لا ثناء مع كبر (7) اقول: الثناء الكلام الجميل، واما الكبر فهو العظمة والترفع على الخلق واستحقارهم وهو لازم للظن الكاذب بالنفس في استحقاق رتبة هي غير مستحقة لها تكون (8) لغيرها من غيران يكذب الانسان نفسه الامارة في ذلك لقهرها القوة العقلية والمقصود ههنا انفي وقوع الكلام الجميل في حق المتكبرين وبان ان (9) الثناء مع الكبر مما لا يجتمعان وصدق هذه القضية بين بعد تقديم ما سلف ونزيده تقريرا فنقول: ان بين الثناء الجميل. الكبر منافاة تقرب من منافاة الضدين وذلك ان الكبر مستلزم لاستحقار الخلق بسبب


(1) - هذه اللفظة ليست في ا. (2) - ذيل آية 28 وتمام آية 29 سورة ابراهيم وصدر الاية الاولى: " الم تر الى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم ". (3) - ب ج: " يوعده " د: " يوعدة " (بتشديد العين). (4) - كذا في النسخ والمعنى ايضا صحيح ومع ذلك يمكن ان يوضع موضعها " ونطقت ". (5) - ب: " بلعنته ". (6) - ا ب: " العقل " ج " الخلق العقل " د: " الخلق " فالتصحيح قياسي. (7) - د: " الكبر ". (8) - ب: " لا تكون ". (9) ب ج د: " وبيان ".

[ 99 ]

اعتقاد الانفراد بالمرتبة التى لا توجد للغير وذلك الاحتقار والاستصغار مستلزم لتنفير طباع الخلق عمن صدر عنه، اما العقلاء فلاستحقارهم اياه وأنه لا مقدار لما يتكبر به عندهم ولا اعتداد به لخساسة (1) ادبه وسوء خلقه ونزارة حظه من السعادة الباقية واطلاعهم على عدم اطلاعه على عيب نفسه فهو وان كان مستحقرا لهم غير ناظر إليهم كبرا فهو في عيونهم أحقر ومن طباعهم أبعد، ومع ذلك كيف يتصور ثناؤهم عليه ومدحهم له، واما الباقون من العوام وغيرهم فانما تميل طباعهم الى من يتواضع لهم ويقربهم الى نفسه بلين الكلمة والاحترام والشفقة وبذل النفع بالمال والجاه وغيره (2) سيما وكثير منهم يعتقد لعجزه عن الاطلاع على نقصانه انه كامل في ذاته فلا يسلم ان لاحد عليه فضلا البته، ومعلوم ان المتكبر عليهم المستحقر لشأنهم المستصغر لهم لا يبذل لهم من نفسه ما ذكرنا (3) وإذا (4) كان كذلك لم يتحقق منهم الميل إليه، فلم يتصور منهم الثناء عليه لعدم الموجب له ولم يصدر منهم مدح له لفقد علة المدح فقد صدق عليه السلام في بيان هذا السلب الكلى، الله ولى التوفيق. الكلمة الثامنة قوله عليه السلام: لا بر مع شح اقول: البر ههنا الاحسان وان كان قد يراد به أيضا الصدق على سبيل الاشتراك اللفظى، والشح البخل مع زيادة حرص، وحده انه منع ما ينبغى بذله عن المستحق مع شدة طلب الجمع، وإذا كان كذلك فاعلم ان المراد من " لابر " ان الاحسان مع الشح


(1) - ج د: " لكناسة ". (2) - د: " وغيرهما ". (3) - ب: " ذكرناه " (4) - ب: " واذ ".

[ 100 ]

مما لا يجتمعان بيانه ان الاحسان بذل بعض ما لا يجب بذله، وبذل بعض ما لا يجب مع منع ما يجب بذله متنافيا الاجتماع في محل عاقل، لان من منع بذل الواجب عن (1) مستحقه كيف يتصور منه بذل ما ليس بواجب فقد تحققت صحة هذا السلب الكلى. وفى هذه الكلمة تنبيه على وجوب ترك الشح إذا كان لا يمكن فعل الواجب من البر الا به، وما لا يتم الواجب الا به كان واجبا: قد يكون الشح ملكة طبيعية وحينئذ لا يمكن زوالها فيخرج عن الوسع فيخرج عن التكليف بتركة ؟ - قلت: ان التجربة شاهدة بامكان زواله لكن لا دفعة بل بالتعويد والتدريج ويؤيدة قوله تعالى: ومن يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون (2)، الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل (3) ذمهم على البخل والشح وعلى الامر به، ولو كان لا يمكن زواله لما مكان متعلق الذم والعقاب، والله ولى التوفيق. الكلمة التاسعة قوله عليه السلام: لااجتناب محرم مع حرص. اقول: الحرص هو بذل الوسع في طلب الامور التى يمكن تحصيلها وهوامر اضافي يختلف في استحقاق الحمد والذم به بحسب اختلاف الامر المطلوب في الشرف والخسة فان كان المطلوب امرا شريفا كاقتناء (4) الامور الباقية والكمالات المسعدة كان الحرص عليه امرا محمودا، وان كان امرا خسيسا كاكتساب الامور الفانية واللذات الوهمية المنقصة (5) كان حرصا مذموما، والحرص المشار إليه في هذه الكلمة هو الحرص على


(1) - ليست في ب. (2) - ذيل آية 9 سورة الحشر و 16 سورد التغابن. (3) صدر آية 37 سورة النساء 24 سورة الحديد. (4) ج د: " كاكتساب ". (5) - ا: " النقيصة " ولكن قال الفيومى في المصباح المنير: " نقص من باب قتل ذهب منه شى بعد تمامه ونقصته يتعدى ولا يتعدى هذه اللغة الفصيحة وبها جاء القرآن في قوله ننقصها من اطرافها، وغير منقوص، وفى لغة ضعيفه يتعدى بالهمزة والتضعيف ولم يأت في كلام فصيح ".

[ 101 ]

اقتناء الامور الفانية من اقتناء الاموال وجمعها والازدياد بها من أي وجه كان وعلى أي وجه كان اعني (1) ان لا يكون مراعيا فيها قانون العقل والحرية ويعلم مما سبق ان الحرص المذموم مستلزم لطرف الافراط من طرفي فضيلة العفة إذ كان مستلزما للخروج في (2) الطلب الى مالا ينبغى وما لا يرخص في طلبه الشريعة ولا العقل فيكون المطلوب من (3) محال الحرمة ومواضعها وإذا تحقق الحرص المذموم في الانسان فقد صدق عليه انه مواقع للحرام لا محالة (4) فهو غير مجتنب لمحرم وبه يخرج عن العفة وبخروجه عنها يخرج عن العدالة ويدخل في زمرة الفجار ولذلك كثيرا ما ذم عليه السلام ارباب التجارات فقال: التاجر فاجر والفاجر في النار الامن أخذ واعطى الحق، فقوله: التاجر فاجراشارة الى ان التاجر لا يخلو في غالب الامر من الحرص المذموم فيخرج به عن ملكة العفة الى طرف الفجور، وقوله: " الامن أخذ الحق وأعطى الحق " أي الخالى عنه الملازم لفضيلة الحرية التى هي نوع من أنواع العفة، ولما كان تعلم الاحكام الشريعة والتحلى بآداب الشريعة كثيرا ما يصدر عن ذلك الحرص كان من الواجب ان يقدم الانسان على السعي في التجارة العلم بتلك الاحكام ليتميز للمتجر ما ترخص الشريعة فيه من غيره، روى انه عليه السلام كان يدور في الاسواق ويقول معاشر الناس الفقه ثم المتجر، الفقه ثم المتجر، والله للربا في هذه الامة أخفى من دبيب النمل على الصفا. وقال عليه السلام: من اتجر بغير علم ارتطم في الربا ثم ارتطم، والارتطام التوحل، وروى عن الصادق عليه السلام انه قال: من لم يتفقه في دينه ثم اتجر تورط في الشبهات، وكل ذلك اشارة الى ان تعلم الاحكام (5) الفقهية والاداب الشرعية مانع للخلق من الحرص المذموم كاف (6) لهم عن الانهماك في الشهوات وذلك يستلزم امتناع اجتماع اجتناب المحارم مع الحرص المذموم.


(1) - ا: " يعنى ". (2) - ا: " عن ". (3) - في النسخ: " هي ". (4) في النسخ: " في محاله ". (5) - ج د: " العلم بالاحكام ". (6) - في النسخ مع تخفيف الكاف.

[ 102 ]

الكلمة العاشرة قوله عليه السلام: لاراحة مع حسد (1) اقول: الراحة السكون عن الحركات المتبعة حسية كانت أو عقلية، واما الحسد فهو انبعاث القوة الشهوية الى تمنى مال الغير أو الحالة التى هو عليها وزوالها عن ذلك الغير وهو مستلزم لحركة القوة الغضبية ولثبات الغضب ودوامه وزيادته بحسب زيادة حال الحسود التى يتعلق بها الحسد ولذلك قيل: الحاسد مغتاظ على من لاذنب له، وهو نوع من أنواع الظلم والجور، وإذا تصورت حقيقة الراحة والحسد فاعلم ان المطلوب بيان عدم اجتماعهما وذلك ظاهر حينئذ فان حركة شهوة الحاسد وفكره في كيفية حصول الحالة المحسود فيها وفى كيفية زوالها عمن هي له المستلزمة (2) لحركة الات البدن في ذلك مستلزم (3 لعدم الراحة والمستلزم لعدم الشئ غير مجامع لوجوده والا لزم اجتماع النقيضين وهو محال واعلم ان العقلاء (4) قد اتفقوا على ان الحسد مع انه رذيلة عظيمة للنفس فهو من الاسباب العظيمة لخراب العالم إذ كان الحاسد كثيرا ما تكون حركاته وسعيه في هلاك ارباب الفضائل واهل الشرف والاموال الذين يقوم بوجودهم عمارة الارض إذ لا يتعلق الحسد بغيرهم من اهل الخسة أو الفقر، ثم لا يقصر في سعيه ذاك دون ان تزول تلك الحالة المحسود بها عن المحسود أو (5) يهلك هو في تلك الحركات الحسية الفعلية والقولية (6) ولذلك قيل: حاسد النعمة لا يرضيه الا زوالها، وما دام الباعث للقوة (7)


(1) - د: " الحسد ". (2) - ب ج د: " المستلزم ". (3) - ا: " المستلزم ". (4) - د: " العلماء ". (5) - ا ج د: " و ". (6) - ج: " والقوائية ". (7) - ج د: " الى القوة ".

[ 103 ]

الغضبية (1) قائما فهى قائمة متحركة ومحركة واكثر ما تؤثر السعاية بين يدى الملوك لعلم الساعي بقدرتهم على تنفيذ أغراضه ولاعتقاده انهم اقرب الى قبول قوله من الغير لغلبة القوى الشهوية والغضبية فيهم، وانما كانت فيهم أقوى لتمرنهم عليها وأكثرية وقوعها منهم لتمكنهم من اعطائها لمطلوباتها من المشتهيات والانتقامات فيصير جريانها منهم (2) سريعا ويحصل لهم من ذلك ملكات ارسال القوى الشهوية والغضبية وتصير الغفلة عن المصالح الكلية ملكة لهم ايضا، وكثيرا ما توثر السعاية معهم لذلك الا من لمحه (3) الله بعين العناية منهم حتى راض نفسه بالاداب الشرعية وساسها بالتعويد بالفضائل الخلقية فيراعى المصالح الكلية والتدبيرات المدنية فملك زمام شهوته وغضبه بكف عقله العملي وصرفه بها فاولئك ما عليهم من سبيل (4) وقليل ماهم. انما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الارض بغير الحق (5) فيصير بغيهم سببا لخراب الارض فيفسد الحرث والنسل والله لا يجب الفساد (6). فقد علمت ان الحسد من أعظم أسباب الخراب ولاح لك ان الحاسد وان أتعب غيره فهو متعب لنفسه بتلك الحركات النفسانية والبدنية وتوابعها من اللوم والذم العاجل والشقاوة التامة في الاجل وذلك مما يستلزم عدم الراحة المستلزم لعدم امكان اجتماع الراحة والحسد وذلك تحقيق لهذا السلب الكلى، والله الموفق.


(1) - ا: " العملية ". (2) - ب ج: " فيهم ". (3) - ا: " منحه ". (4) - ذيل آية 41 سورة الشورى. (5) - صدر آية 42 سورة الشورى. (6) - مأخوذ من قوله تعالى " وإذا تولى سعى في الارض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد " (وهى آية 205 من سورة البقرة).

[ 104 ]

الكلمة الحادية عشر قوله عليه السلام: لا زيارة مع زعارة. اقول: الزعارة بتشديد الراء شكاسة (1) الخلق، والمراد بيان ان الزيارة لا تحصل ولاتصدق مع شكاسة الاخلاق سواء كانت من طرفي المتزاورين أو من طرف احدهما فإذا هما أمران متضادان بيان ذلك ان الزيارة الصادقة انما تكون بين المتؤانسين (2) المتحابين وقد عرفت ان راس أسباب الالفة والانس هو حسن الخلق الذى يحسن معه المعاشرة فإذا كان محل الاخلاق الفاضلة مشغولا باضدادها وهى الاخلاق الشكسة (3) وهى سبب عظيم لتنفير (4) طباع الخلق الذى هو سبب التفرقة والتباين بينهم كان ذلك سببا لقطع الزيارة وامتناعها منهم، وتحققت حينئذ ان الزيارة مع شكاسة الاخلاق مما لا يجتمعان. وفى هذه الكلمة تنبيه على وجوب ترك الزعارة لان الزيارة لما كانت مأمورا بها لما انها سبب المحبة المطلوبة من الشريعة ومحرض (5) على القيام بها ومداومتها لتحصيل الوداد وكان وجود الزيارة منافيا لوجود الزعارة كان وجوب الزيارة والامر بها مستلزما للنهى عن ارتكاب الزعارة ولوجوب تركها، والله ولى التوفيق. الكلمة الثانية عشر قوله عليه السلام: لامروة (6) لكذوب (7). اقول: المروة فضيلة للنفس بها يكون الترفع والاحتشام عن مواقعة (8) القبيح


(1) - الشكاسة معنى الشراسة. (2) لعله " المتونسين " لان " تانس " (من باب التفاعل) لم اجده في كتب اللغه. (3) - ب د: " الشكيسة ". (4) ج د: " لتنفر ". (5) - ج د: " محرص " (بالصاد المهملة ". (6) - اصلها: " مروءه (بالهزة). (7) - ج: " للكذوب ". (8) - ج د: " موافقة ".

[ 105 ]

حذرا من الذم والسب الصادق، والكذب هو القول الغير المطابق لما عليه الامر في نفسه، والكذوب هو متعود الكذب، والمقصود من هذه الكلمة بيان ان المروة والتعود للكذب مما لا يجتمعان وبيانه ان الكذب لما كان من الرذائل المستقبحة إذ كان مضادا (1) لمصلحة العالم ولانه قد يوقع بالمكذوب عليه امورا مكروهة لا يكون شاعرا بها فيكون ذلك سببا منفرا للطباع وعلة لاستقباح (2) العرف والشرع وكان التعود به يكسب النفس ملكة متمكنة من جوهرها بسببها يجترئ على التظاهر بلزوم القبيح وعدم التخفي بفعله واحتمال المكافحة (3) بالذم والسب الصادق وعدم تصديق الخلق له في وجهه (4) ولذلك قيل: ان الكذوب لا يصدق ومنه المثل السائر في العامة: من عرف بالصدق جاز كذبه، ومن عرف بالكذب لم يجز صدقة، قال أبو عبيد: ومما يحقق هذا المثل حكم الله في الشهادة انها مردودة من اهل الفسوق، ولعلهم قد شهدوا بالحق، هذا مع ما يلزم ذلك من جرأته على مقابلة النهى الشرعي وقلة مبالاته والوعيد فسمى وقحا وخسيسا لاجرم كانت المروة منافية لذلك لان ملكة مواقعة القبيح والميل إليه مع الملكة الموجبة للاحتشام والترفع مما لا يجتمعان، ولذلك قال بعض الحكماء: لو لم يترك العاقل الكذب الا للمروة لقد كان حقيقا بذلك (5) فكيف وفيه المأثم والعار، وذلك يدل على ان المروة تسقط مع الكذب فكيف مع تعوده. واعلم ان المروة لما كانت من صفات الكمال الانساني مما يجب طلبه فكان ذلك مستلزما للامر بترك مالا يجتمع معه وهو تعود الكذب وهذا مع ما اتفقت عليه كلمة النبيين وتطابقت عليه مقالات الحكماء الراسخين من قبح الكذب وذمه ووجوب الردع


(1) - د: " مضارا ". (2) - ا: " لاستقباع ". (3) - ب: " المكافى ". (4) - ب ج د: " وجه ". (5) - ا: لذلك ".

[ 106 ]

عنه بالعقوبة (1) وانه مضاد لمصلحة العالم وسبب من الاسباب الموجبة لخرابه إذ كان صاحبه قد ألقى زمام قوته العقلية الى حكم شهوته وغضبه فصرفاه على مقتضى طباعهما فتارة تميل به الشهوة فيهيج به الحرص أو الحسد فيحمله ذلك على القول الباطل في سلب الاموال، وتارة يميل به الغضب فيهيج به شهوة الانتقام فيقوده ذلك على القول الباطل الموجب لسفك الدم بين يدى الملوك وغيرهم وقد عرفت انه لا نظام للعالم الا بهما. واما (2) الذم فقال عليه السلام: الكذب رأس (3) النفاق وذلك لخروج (4) الكاذب عن الصدق الذى هو صنف من اصناف الورع كما يخرج المنافق من ربقة الايمان، واشتقاق النفاق من قولهم: نفق اليربوع إذا خرج من حجره، وقال تعالى: ومن أضلم ممن افترى على الله كذبا (5) فمن أظلم ممن كذب على الله (6) ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة (7) وبالجملة فذم الكذب في الكتب الالهية والسنن الشرعية وبين اهل العالم اكثر من ان يحصى، ولو لم يكن فيه الا ما ذكرناه لكان كافيا في قبحه فيكف وهو من أعظم الاسباب لحرمان الخير الدائم والنعيم في الاخرة إذ كان من يتعود الكذب ملطخا لنفسه بملكة تحدث عنه يحرم (8) معها صحة المنامات (9) وصدق الالهامات ويسود لوحها (10) بتلك الملكة فتشتغل عن قبول الانتقاش بالحق والتحلى (11) بالجلايا القدسية والاستشراق للانوار العلوية فأعظم به سببا لخراب (12) الدارين... ! وعلة لحرمان السعادتين.. ! نعوذ بالله من سوء الاختيار ونستجيره من عذاب النار.


(1) - ا: " بالمعقولية " (2) - د: " اما ". (3) - د: " أس ". (4) - ا ج: " بخروج ". (5) - صدر آية 21 و 93 سورة الانعام و 62 سورة العنكبوت و 18 سورة هود. (6) - صدر آية 32 سورة الزمر. (7) صدر آية 60 سورة الزمر. (8) - في النسخ: " تحرم ". (9) - اج د: " المقامات ". (10) - ا: " لوجهها ج: " اوجها " فلعل الصحيح: " مسودا لوجهه ". (1) - ب: " بالتجلى ". (12) - د: " لخسران ".

[ 107 ]

الكلمة الثالثة عشر قوله عليه السلام: لا وفاء لملول (1). اقول الوفاء فضيلة نفسانية بها يكون حسن اتمام الامور المعاهد عليها والقيام بها والمواظبة عليها وان اشتملت على احتمال كلفة ومشقة وتصدر (2) عن فضائل وهى كبر النفس والشهامة والحياء فان الانسان إذا كان مقتدرا على حمل الكرامة والهوان مؤهلا نفسه للامور العظام حريصا عليها متوقعا (3) للاحدوثة الجميلة يحذر من الذم والسب الصادق بمواقعة القبيح لابد وان يكون وفيا، ويقابله الغدر مقابلة التضاد أو مقابلة العدم والملكة، فيه تردد.. واما الملال فهو انصراف النفس واعراضها عن اتمام ماهى بصدده من الافعال وله اسباب: احدها - تلعب (4) الوهم بالقوة المتخيلة وتشويشه للفكر ومعارضته للعقل عند التفات النفس الى الاعمال وشروعها فيها بتحسين ملذ أو نافع آخر بالتخييل الكاذب هو اشرف مما هي بصدد تحصيله فينحل (5) عزمها عن الحركة فيه أو بتهوين ذلك الفعل (6) واعتقاد سهولته في كل وقت تتشوق (7) فيه الامال أو غير ذلك فينصرف عنه الى البطالة فيتبعها القوى الى التعطيل. وثانيها - ضعف الالة وعجزها عن الحركة أو ضعف القوى المحركة وكلالها وعجزها عن التحريك فينصرف عنه طلبا للراحة كما يعرض عند الافكار الكثيرة فتعتاد


(1) - " للملوك ". (2) - ج د: " يصدر ". (3) - ج د: " توقعا ". (4) - ا: " تلعب " ج د: " باعث ". (5) - د: فيختل ". (6) - ب ج: " العقل ". (7) - ب ج د: " فتشوق.

[ 108 ]

النفس الوقوف عن الاعمال ويصير ذلك ملكة لها الى غير ذلك من الاسباب، والملول هو من حصلت لنفسه ملكة ذلك الانصراف والالتفات وكثرته لكثرة عروض اسبابه، وإذا عرفت ذلك عرفت ان فضيلة الوفاء لا توجد لنفس الملول لانه إذا تكيف بهذه الملكة لم يتمكن من اتمام امر فضلا عن حسن القيام به والمواظبة عليه وكان داخلا في زمرة الغادرين وكان ذلك موجبا لتنفر طباع الخلق عنه في المعاملات حتى انه لو كان صاحب حرفة أو سالكا لطريق (1) العلم لم يمكنه ان يتوصل بشئ من هذه الاسباب الى اصلاح معاش أو معاد بل كان اسوأ حالا من أصحاب البطالة لانهم ربحوا الراحة عن الحركات المتعبة في تعلم تلك الطرق (2) والصنائع. وفى هذه الكلمة تنبيه للملول على وجوب معالجة نفسه والاجتهاد في حل عقدة الملال بتحصيل أضداد أسبابه والتعويد لها والتمرن عليها ليمكن ان تحصل له ملكة الوفاء التى هي من الفضائل العظيمة وهى محمودة بكل لسان ومستحسنة عند كل عاقل ويعترف بها كل انسان وان قل حظه من الانسانية وتجدها موجودة في اصناف الخلق كالروم والحبشة والنوبة وكثير من اجناس (3) العبيد (4). وقابلها الغدر في جميع ما ذكرنا اعني انه مذموم بكل لسان ينفر السامع من ذكره ويانف منه كثير من اجناس العبيد. وشرف الشئ يبين من خساسة ضده وقد أثنى الله تعالى على صاحب هذه الفضيلة في مواضع من كتابه قال تعالى: والذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق (5) وقال: والموفون بعهدهم إذا عاهدوا (6) وقال تعالى في الامر به: واوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها (7) وقد تمدح تعالى باثبات


(1) - ب ج د: " بطريق ". (2) - كذا في النسخ واظن انه: " الحرف ". (3) - ج د: " اصناف ". (4) - ب: " كثير من العبيد ". (5) - آية 20 سورة الرعد. (6) - من آية 177 سورة البقرة. (7) - صدر آية 91 سورة النحل.

[ 109 ]

اشديته وقال: ومن أوفى بعهده من الله (1) وبالجملة فهى من الصفات الكمالية والفضائل النفسانية بحظ وافر، والله الموفق. الكلمة الرابعة عشر قوله عليه السلام: لا كرم أعز من التقى (2). اقول: الكرم هو انفاق المال الكثير بسهولة من النفس في الامور الجليلة القدر الكثيرة النفع بمقدار ما ينبغى على الوجه الذى ينبغى، وهى من انواع فضيلة السخاء، والتقى في اللغة الخوف، وفى العرف الخاص هو خوف النفس من التدنس بأدناس الهيئات البدنية والتكيف بالملكات الردية ورفض المشتهيات البدنية وتباعدها وهربها منها بمقاومة الشسياطين وأبناء الجن الساكنين في القلل (3) وإلهامات المتشبثين (4) باطراف الفطن عن ان يلحق اعلى المقامات مقاومة بمقدار معتدل كما ينبغى موافق لرسم الشريعة غير خارج عن الرسوم الموضوعة للرياضة الحقيقة وكيفيتها فان تعدى الكمال نقصان، والعزة الجلال وعظمة الشان وإذا عرفت ذلك فاعلم ان الكرم كما يطلق حقيقة ويراد به ما ذكرنا فكذلك قد يطلق مجازا ويراد به انفاق النفس وسمحها بالمشتهيات البدنية وقلة الالتفات الى اللذات الحسية التى يخاف من الاشتغال بها الالتفات عن القبلة الحقيقية الموجب لسخط الله وما (5) اعتبرناه من القيود في حقيقة التقى " بسهولة منها وطيب " على


(1) - من آية 111 سورة التوبة. (2) - قريب من ذلك قوله (ع) في باب الحكم من نهج البلاغة: " ولا عز اعز من التقوى " وقال الشارح (ره) في شرحه (ص 624 من الطبعة الاولى): " لان التقوى تستلزم جميع مكارم الاخلاق الجامعة لعز الدنيا فكان عزها اكبر عزا من غيرها ". (3) - ا: " في الفلك ". (4) - ج د: " المتلثين ". (5) - ا: " وقد ".

[ 110 ]

سبيل الاستعارة التى هي اجل انواع المجاز، ووجه المشابهة ان الكريم كما يسمح بالمال الكثير ويفارقه بسهولة من نفسه في تحصيل الامور الجليلة القدر الكثيرة النفع بمقدار ما ينبغى على الوجة الذى ينبغى كذلك المتقى من جهة انه متق يسمح باللذات الحسية والمشتهيات البدنية بسهولة من نفسه في تحصيل الامور الجليلة القدر الكثيرة النفع وهى اللذات العالية والمشتهيات الباقية بمقدار ما ينبغى وعلى الوجه الذى ينبغى مما لا يخالف الرسوم الشرعية والاوضاع الحقيقية ولهذه المشابهة الشريفة والملاحظة اللطيفة أطلق (ع) عن التقى انه كرم. وأما بيان انه اعز ما يطلق عليه اسم الكرم وهو المقصود من هذه الكلمة فلان التقى قد سمح (1) بجميع اللذات المستحسنة الحسية وأعرض عنها فان تناول شيئا منها فلا (يتناوله) لانه ملذ بل مقوم للحياة حتى لو قامت حياته بغير ملذ لكان هو والملذ على سواء بالنسبه إليه، والكريم وان سمح فبالمال الذى هو جزئي من جزئيات تلك الملذات، وقد يكون ذلك البذل منه تحصيلا للذة فانية وشتان مابين اللذتين وفرقان ما بين الكرمين. شعر: إذا ما ظمئت الى ريقه * جعلت المدامة منه بديلا واين المدامة من ربقه * ولكن اعلل قلبا عليلا فقد عرفت ان التقى أعز كرم وأجله وأعظم مسمياته شانا وارفعها مكانا وان صاحبه هو المستفتح لاغلاق سبل الهدى إذا (2) اغلق عن نفسه ابواب مسالك الردى. اللهم خذ بأزمة قلوبنا الى اجابة داعيك حتى لا نلتفت (3) الى غيرك ولا تجترئ (4) على هتك استار ابواب محارمك، فتزل قدم بعد ثبوتها ونذوق (5) السؤ بما صددنا عن سبيلك (6)


(1) - ج د: " يسمح ". (2) - ب ج د: " إذ ". (3) - ا ب: " تلتفت. (4) - ج: " تجترئ ". (5) - ا: " وتذوق ". (6) - هي مأخوذة من آية 94 سورة النحل بتغيير

[ 111 ]

ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك انت الوهاب (1). الكلمة الخامسة عشر قوله عليه السلام: لا معقل احصن من الورع (2) اقول المعقل والعقل الملجأ (3) والحرز، والحصن المكان الذى يحفظ فيه الشئ، والورع في اللغة العفة، وفى عرف العلماء عبارة عن لزوم الاعمال الجميلة التى فيها كمال النفس كما بيناه (4) قبل، وعرفت انه نوع من أنواع العفة وقد اطلق عليه السلام لفظ المعقل (5) الذى هو حقيقة في الملجأ الجسماني على الورع مجازا من باب الاستعارة والتشبيه ووجه المناسبة ان الملجأ كما يتحصن الشخص فيه من الامور التى يخافها ويلجأ إليه من عذاب أو هلاك يلحقه كذلك لزوم الاعمال الجميلة تلجأ إليها النفس وتتحصن بها في الدار الاولى من الذم والعقاب العاجل وفى الدار الاخرى من العذاب بسعير (6) ملكات الرذائل والهلاك الاجل، ولما كاد (7) لا يكون بين العذاب الاول والثانى نسبة لشدة التفاوت بينهما في الشدة والضعف عرفت حينئذ التفاوت بين الحصنين والفرق بين الحرزين، وتحققت ان


يسير ونص الاية: " ولا تتخدوا ايمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم ". (1) - آية 8 من سورة آل عمران. (2) - قال الشارح (ره) في شرحه على نهج البلاغة في شرح الفقرة (ص 624 من الطبعة الاولى): " واستعار له لفظ المعقل باعتبار تحصن الانسان به من عذاب الله، ولما كان عبارة عن لزوم الاعمال الجميلة فلا معقل احصن منه ". (3) - ج د: " المعقل الملجأ " ولعله هو الصحيح. (4) ب د: " بينا ". (5) - ب ج: " العقل ". (6) - ا ج د: " السعير ". ويمكن ان تكون العبارة هكذا: " من عذاب سعير ملكات الرذائل ". (7) - ج د: " كان ".

[ 112 ]

اللاجى الى غير الورع غير لاج الى مفزع ان ولا ناج من الفزع وانه ملحوق بالعقاب (1) مدرك باشد العذاب، وان المتحصن بحصن - الورع لاخوف عليه إذ لا ملجأ من الله الا إليه، وحق للعاقل ان لا يلجا الا الى حرز ينفعه و (2) حصن يمنعه والا لم يكن واضعا للشئ موضعه فكان (3) ساقطا عن درجة العقلاء، والله الموفق. الكلمة السادسة عشر قوله عليه السلام: نفاق المرء ذلة. اقول: قد عرفت حقيقه النفاق واشتقاقه من أي شئ، وأما الذلة فهى المهانة وهى الانظلام والاستجابة لكل احد وقد عرفت ايضا انها طرف التفريط من العدالة والمقصود من هذه الكلمة بيان ان النفاق لازم من (4) الذلة وبيان ذلك ان المنافق لما كان خارجا عن اعتقاد الى اعتقاد (5) متنقلا (6) في احوال لا يجوز التنقل (7) فيها دل ذلك على انقهار نفسه لما يرد عليها من الامور الخيالية واستجابتها للوساوس الشيطانية ولكل ما يرد عليها من ذلك فيوجب ترديدها في العقائد المتضادة واتباعها لهذه تارة ولهذه (8) تارة وذلك معنى المهانة والذلة لا جرم صدق ان نفاق المرء صادر عن ذله وكذا المنافق يتحقق هذه الرذيلة في نفسه التى يخرج بها عن العدالة ويكون سببا لحرمانه سلوك (9) سبيل الخير والانقياد لاسباب السعادة الباقية، ان المنافقين في الدرك الاسفل من النار (10)


(1) - ب: " بالعتاب ". (2) - د: " أو ". (3) - ج د: " وكان ". (4) - ا ج د: " عن ". (5) - ب ج د: " اعتداد ". (6) - ب: " منتقلا " ج د: " منتقل ". (7) - ج د: " النقل ويقال: " تنقل من مكان الى آخر تحول وقيل اكثر الانتقال ". (8) - د: " ولذا ". (9) - د: " عن سلوك ". (10) - العبارة صدر آية 45 من سورة النساء وذيلها: " ولن تجد لهم نصيرا ".

[ 113 ]

وفى هذه الكلمة تجوز حسن في اطلاق اسم الذلة على سببها وهو من اقوى وجوه المجاز وهى مستلزمة للتنبيه على وجوب حسم اصل هذه الرذيلة بالسعي والترفع (1) الى الحصول على العدالة التى هي الوسط ليسلم الانسان من دنس هذه الرذيلة وما يلزمها من النفاق وغيره، وبالله (2) التوفيق. الكلمة السابعة عشر قوله عليه السلام: الجزع أتعب من الصبر. اقول: الجزع ألم نفساني يعرض من تصور فقد محبوب أو فوت مطلوب، واما الصبر فقد عرفت انه فضيلة للنفس بها يكون مقاومتها لهواها لئلا تنقاد الى مقابح (3) اللذات وقد عرفناها (4) فيما قبل بانه مقاومة النفس لهواها، وهو تعريف للشئ ببعض لوازمه الخاصة به إذا عرفت ذلك فاعلم ان المقصود من هذه القضية بيان ان الجزع أشد تعبا على النفس من الصبر وانت عند (5) ادنى تفطن ومراجعة لباطنك ترى ان ذلك امر وجدانى ويزيدك (6) تنبيها على صحة ذلك النظر الى غايتي الجزع والصبر فان الانسان لو لم يقاوم هواه ليسلم من مطاوعته على تعود الجزع لم يزل في حزن دائم وجزع غير منقض وشقاء (7) لا محيص عنه والم دائم لاأتعب من تحمله، وان هو استشعر العادة الجميلة وهو ان يرضى بكل ما يجده حتى يحصل تلك العادة ملكة وخلقا ويكون مقاوما لهواه لئلا يقوده الى الحزن عل مالا يجدى الحزن عليه شيئا اكثر من التألم لم يزل مسرورا مغبوطا فرحا، وكان نسبة ما يعانيه من تعب الصبر الى تعب الجزع كالقطرة بالنسبه الى البحر ولو لم يكن التفاوت الا ان تعب الجزع في زيادة وتعب الصبر في نقصان (8) لكان


(1) - اب: " والرفع ". (2) - ب: " من الله ". (3) - ب ج د: " قبائح ". (4) - ب د: " عرفناه " ج: " عرفنا " (بلا ضمير). (5) - ج د: " بعد ". (6) - ج د: " ونزيدك ". (7) - ج د: " وتعب ". (8) - ب: " النقصان ".

[ 114 ]

ذلك كافيا في تفاوت الشدة فيهما وفارقا في قوة التعب بينهما فان توهمت ان هذا الاستشعار لا يتم أو لا ينتفع به فانظر الى استشعارات الخلق في مطالبهم ومعايشهم تر عيانا فرح المتعيشين بمعايشهم على تفاوتها وسرور المحترفين بحرفهم على تباينها، وتصفح ذلك في كل طبقة منهم فانه لا يخفى عليك فرح كل احد منهم بما هو فيه، وليس ذلك الا لقوة استشعار كل قوم بحسن طريقتهم ولزومهم لها بالعادة الطويلة، فإذا لزم طالب الفضيلة مذهبه وقوى استشعاره وطالت عادته بذلك كان اولى بالسرور من هذه الطبقات الذين يخبطون في الجهالات وأخفهم مؤنة وأقلهم تعبا وأحظاهم بالنعيم المقيم لانه محق وهم مبطلون، ومتيقن وهم ظانون، وهو ولى الله وهم أعداؤه، الا ان اولياء الله لاخوف عليهم ولاهم يحزنون (1) وإذا تبنيت غاية الجازع والصابر فما اظنك بشاك في صحة هذه القضية وصدقها، والله ولى الاعانة. الكلمة الثامنة عشر قوله عليه السلام: الذل مع الطمع. اقول: قد عرفت ان الذل هو المهانة وهى انقهار النفس واستجابتها وانفعالها عن الامور الصادرة (2) عليها، واما الطمع فهو قوة نزوع الشهوة الى طلب شئ مع تصور امكانه للطالب، واعلم ان الطمع قد يكون محمودا وقد يكون مذموما، فالمحمود هو ماكان طمعا في تحصيل أمر باق مما يكون كمالا للنفس أو وسيلة إليه، وعليه يحمل قوله عز وجل حكاية عن الخليل عليه السلام: والذى أطمع ان يغفر لى خطيئتي يوم الدين (3) وأمثاله، والمذموم هو ما كان طمعا في تحصيل ما لا ينبغى من الاستكثار في المقتنيات


1 - اية 62 سورة يونس 2 - ج: " الصادة " والظاهر: عنها. (3) - آية 82 سورة الشعراء.

[ 115 ]

الفانية وما لا يعود بنفع في امر المعاد، والمراد ههنا هو الطمع بالمعنى الثاني، وإذا كان كذلك فلابد وان يكون الذل ملازما للطمع واللازم مع ملزومه في الوجود ثم السبب في ذلك اللزوم ان قوتي الغضب والشهوة تتغالبان (1) فأي القوتين كان أغلب فلابد وان تكون النفس تابعة لها وحينئذ تنجذب القوة خلفها، فإذا فرضنا ان القوة الشهوية ثارت بصاحبها وقويت في الطلب الى حد لا ينبغى فلا بد وان يكون العقل مأسورا في يدها، ويتبعها سائر القوى فتنقهر معها قوته الغضبية وتسكن عن الحركة فيما يجب ان يتحرك فيه، وحينئذ تكون المهانة المستلزمة لزوال الانفة والحمية. وفى هذه الكلمة تنبيه على وجوب ترك رذيلة الطمع بترك متابعة القوة الشهوية وقهرها، لان رذيلة الذل لما كانت مهروبا منها (2) مجتهدا في تحصيل ما يقابلها من الفضائل التى فيها كمال النفس وكان ترك الطمع وسيلة الى تحصيل تلك الفضائل وجب ذلك الترك لوجوبها، والله ولى التوفيق. الكلمة التاسعة عشر قوله عليه السلام: الحرمان مع الحرص. اقول: الحرمان منع العطية، وأما الحرص فقد سبق بيانه وهما لفظان مهملان فالقضية مهملة، والمتيقن منها حكم جزئي وعند ذلك نقول: لما كانت الموهبات والعطايا (3) قد تكون دنيوية وقد تكون أخروية، وكان الحرمان نسبة تستدعى حارما ومحروما ومحروما منه (4) كان الحرمان صادقا على منع الموهبة الاخروية وعلى منع الموهبة الدنيوية، غير ان الاليق بكلامه عليه السلام حمله على منع الموهبة الاخروية: وإذا (5) كان


(1) - ج: " متتابعتان ". (2) - د: " عنها ". (3) - ج د: " والعطيات ". (4) - ب: " يستدعى محرما ومحروما منه " د: " محروما ومحروما منه ". (5) - ب ج: " إذا " د: " أو ".

[ 116 ]

حرمانها لازما من لوازم الحرص المذموم لما عرفت ان المقبل بوجهه على الانهماك في طلب حاضر اللذات منقاد بكف سلطان الشهوة الى دنى المشتهيات، مشغول اللوح عن الانتقاش بالاثار العلوية، غير مستعد لقبول الانوار القدسية، ومن لم يستعد لامر كان محروما منه وهو سبب الحرمان وعلة فوت الاحسان من غير تقصير من الفاعل ولا نقصان، ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك (1)، بمتابعة (2) هواها وعدم الاستعداد لاحسان مولاها، واعتبر ما قلنا (في انه) من لم يستعد لشئ كان محروما منه تجد الحريص على اقتناء أبقى اللذات وهو الحرص المحمود مشغولا بأضداد ما اشتغل به المحروم الشقى محروما (3) بعدم استعداده للملذ الدنى والكمال الوهمي البدني فيصدق حينئذ ان الحرمان مع الحرص في المحرومين الحريصين من الطرفين. وقد تصدق هذه القضية في المتعارف الظاهر على وجه آخر وهو ان الحرص في طلب العطايا والمنح الدنيوية قد يكون مستلزما لحرمان الطالب، وإذا (4) قلنا ان القضية مهملة امكن حملها ايضا على هذا المطلوب وبيانه ان الحرص يسنلزم اللجاج والالحاف (5) في السؤال مما ينفر طباع المطلوب منه لما انهما لازمان للرذيلة المنفور منها طبعا ويولد السأم، والنفرة مستلزمة للبغض المنافى للميل الى العطاء، وحينئذ يصدق ان الحرص سبب الحرمان والمعلول مع علته في الوجود. وانت إذا سبح فكرك في بحر جواهر كلامه علمت ان ينابيع الحكم (6) منبعثة منه، وان علوم كثير العلماء جداول تأخذ (7) عنه، شعر: وإذا قضى في المشكلات ترادفت * حكم تريك الوحى كيف تنزلا


(1) - صدر آية 79 سورة النساء. (2) - ا: " فمتابعة ". (3) ليست في ا. (4) ب: " واذ ". (5) - د: " والالحاح "، اقول: هما بمعنى واحد. (6) - ا: " ان الحكمة ". (7) - ج د: " تؤخذ ".

[ 117 ]

الكلمة العشرون قوله عليه السلام: عبد الشهوة أذل من عبد الرق. اقول: اثبات هذا الحكم ببيان امرين: احدهما - ان المنقاد لشهوته ذليل أي مهين خاضع. والثانى - ان مهانته واستجابته لشهوته أشد من مهانة عبد الرق واستجابته لسيده. اما الاول فلا اشكال فيه إذ لا معنى لانقياده لشهوته وعبوديته لها الا خضوعه وامتهانه في يدها، والضرورة حاكمة بان المنقاد للشئ والخاضع له ممتهن في يده واما الثاني فواضح ايضا ويزيده (1) وضوحا ان خضوع عبدالرق لمولاه وتذلله له قد يكون عن كره وعدم شهوة بل بحسب الغلبة والقهر والخوف من الاذى وحينئذ تكون الاعمال الصادرة عن ذلك كثيرا ما تكون سجعة (2) غير منظومة ولا تامة ومع ذلك لا يخلو من مشاغبة ونفرة طبع يلحقه بحسب ملال يعرض له أو بحسب شرة في طبعه بحيث لا يفي بضبطها السيد فلا يصدق معها الخضوع والامتهان والتذلل، واما خضوع المنقاد لشهوته وامتهانها له فربما خرج به الى حد لو قطع من جلده قطعة لم يحس بها حال انقياده لها، واعتبر ذلك فيمن غلبته (3) شهوته وحكمت عليه بالوصول الى امرأة مستحسنة ممانعة له الى غير ذلك من المشتهيات، فتجده بحسب خضوعه لشهوته وانقياده لها ممعنا في امتهان نفسه في احكام ما يصدر عنه من الافعال واتقان (4) ما يتحرك فيه من الاعمال من غير سأم (5) ونفار ومن دون انفة أو مراعاة حشمة وجاه، ولو كان ما يدعوه إليه الشهوة أقبح الاعمال وأشنعها كبذل اللص نفسه وماله في تحصيل الات السرقة واصلاحها والخروج بها متخفيا في ظلام الليل والامكنة المخوفة والمواضع المخطرة التى يتيقن غيره فيها الهلاك


(1) - ج د: " نزيده ". (2) كذا وفى نسخة ج د: " منتخبة " والظاهر: سمجة. (3) - ج: " غلبت عليه " د " غلب عليه ". (4) - ج: " وانفال " د: وانفعال ". (5) - ا: " تسأم ".

[ 118 ]

لو سلكها ومع ذلك فتجده غير خائف بالنسبة الى حكم شهوتة وطاعة هواه وغافلا عن كل شئ سواه، وربما وقع في الاسر وأشفى على الهلاك مرة ومرة وقطعت يده أو رجله فلا يبقى الا ريثما يبرأ قطعه ثم يعود الى ماكان عليه حتى لو قطعت الات بدنه التى يتمكن بهامن السرقة لكان في خياله بحسب حكم شهوته انه لو كانت له آله يتوصل بها الى صنعته تلك لعاودها، كل ذلك طاعة لشهوته ومهانة وخضوعا في يدها بحيث يجزم الانسان انه لو كلف عبد الرق الذى احسن إليه المدة الطويلة بأقل تلك الاعمال وأيسرها أوفى وقت لم تجر عادته بتكليفه فيه ولم يكن العبد مشتهيا لها لنفر طبعه منها ومانع (1) في عدم قبول امره فيها، وإذا عرفت ذلك ظهر لك ان ذل (2) عبد الشهوة اقوى من ذل الرق بأضعاف وان من ساوى بينهما فقد فقد الانصاف وكابر عقله، وذلك مفهوم مقصده العزيز وسر لفظه الجزيل الوجيز، وفيه تنبيه على وجوب قهر الشهوة وكسرها إذا كانت داعية (3) الى اتباع الشيطان والعدول عن (4) طاعة الرحمن. وكان كثير ممن يدعى الشرف والفضل ويزعم انه كامل العقل ويسخط ويأنف ان ينسب إليه نقصان ورذيلة ويأبى ان يسلب عنه كمال وفضيلة، فضلا عن ان يقال: هو رق لمولى منقادا في اسر الشيطان متهالكا في طاعته وهو عن رشده غافل مذعنا ومشتغلا (5) بقبول (6) اوامر شهوته وهو لما يراد به جاهل، حتى يتنبه بهذه الاشارة اللطيفة على انه إذا كان انفته وعزة نفسه ونفار طبعه من ان يقال: انه رق لفلان العبد الصالح انما كان لما في ذلك من الخضوع والامتهان ولما ينسب إليه من النقصان فلم ارتكب من طاعة شهوته والانقياد لها ما يوجب له الامتهان التام الذى هو اشد والنقصان اللازم الذى هو آكد، بل ما يعده (7) للعذاب الاليم بسبب زيغه عن الصراط المستقيم وهل ذلك الا من جهله بالعواقب وقلة عقله لما يلزمه من المصائب


(1) - ب ج د: " وبالغ ". (2) - ج د: " ذلة ". (3) - في النسخ: " داعيا ". (4) - د: " من ". (5) - ب ج د: " منفعلا ". (6) - في النسخ: " لقبول ". (7) - ا ج: " بعده " (بالباء الموحدة).

[ 119 ]

فنبغى للعاقل كما يأنف ان يقال: انه عبد لمولى ان يأنف بالطريق الاولى من ان يقال: هو رق الهوى فيتقهقر عن متابعة الشيطان ليخلص من (1) اسره، وينقاد لاثار الرحمن وينفعل عن امره، ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا (2) الكلمة الحادية والعشرون قوله عليه السلام: الحاسد مغتاظ على من لاذنب له. اقول: قد سبق بيان ماهية الحسد، واما الغيظ فظاهر والمقصود ههنا اثبات الغيظ للحاسد في حال حسده على من لم يكن له ذنب معه وبيان ذلك انا لما ذكرنا ماهية الحسد اعتبرنا في ماهيته حركة القوة الشهوية وانبعاثها ثم ان تلك الحركة مستلزمة لحركة القوة الغضبية ودوام الغضب وثباته المسمى حقدا بدوام الامر المحسود به لتصور الاذى الحاصل من حركة القوة الشهوية في تحصيل مالا يمكنها تحصيله من حال المحسود وحينئذ يظهر لك المطلوب من هذه القضية وهو اثبات الغيظ الذى هو الغضب للحاسد في حق المحسود. واما ان غيظ الحاسد يتحقق فيمن لاذنب له مع المحسود فظاهر، إذ قد يتفق ذلك بمشاهدة الحاسد للمحسود على حاله معينة مرة واحدة، وقد يتفق الحسد بحسب السماع فلاذنب حينئذ الا ما هو فيه من النعمة والحالة المحسود بها كقوله (3): تعد ذنوبي عند قوم كثيرة * ولاذنب لى الا العلى والفواضل وكقول الامير على بن مقرب في شكايته من قومه (4):


(1) - ج د: " ليتخلص عن ". (2) ذيل آية 119 سورة النساء. (3) - هو البيت الخامس من قصيدة لابي العلاء المعرى تشتمل على واحد واربعين بيتا (انظر سقط الزند، الجزء الاول، ص 110 من النسخة المطبوعة سنة 1286). (4) - هو من قصيدة تشتمل على اثنين وسبعين بيتا والبيت المذكور هو البيت العشرون من تلك القصيدة (انظر ص 372 من ديوان الامير جمال الدين على بن مقرب العيونى الشاعر الفحل المشهور وقد طبع ديوانه

[ 120 ]

ولا ذنب لى الا حجى وبراعة * ومجد وبيت في ربيعة عال وفى هذه الكلمة تنبيه على قبح الحسد ورداءة التخلق به والتكيف بهذا الغضب الخالى عن السبب إذ (1) كان الغضب الذى ينبغى يستدعى تقديم جريمة من المغضوب عليه، اما الغضب الخالى عن السبب فمن باب وضع الاشياء في غير مواضعها وذلك خروج عن مقتضى العقل ومفارقة للانسانية، وبالله التوفيق. الكلمة الثانية والعشرون قوله عليه السلام: منع الموجود سوء الظن بالمعبود. اقول: منع الموجود اشارة الى البخل وهو منع ما ينبغى اخراجه من المال على الوجه الذى ينبغى بحسب القانون المراعى في استكمال فضيلة العفة، وامام سؤ الظن بالمعبود فتصوره على الوجه الذى لا ينبغى ان يتصور عليه في ذاته أو في الحاق ذاته بصفات يجب ان ينزه عنها، والمقصود من هذه الكلمة بيان ان من جملة أسباب منع الموجود وعدم صرفه وفى جهه وبذله لمستحقه هو عدم تصور الخالق الرازق على الوجه الذى ينبغى وتصوره كمالا ينبغى الا انه اطلق لفظ الملزوم وهو سوء الظن على لازمه وهو منع الموجود مجازا


هذا سنة 1383 بمصر بتحقيق وشرح لعبد الفتاح محمد الحلو) فليعلم ان هذا الديوان طبع مرة اخرى قبل ذلك في بمبئى سنه 1310 الا ان فيه نقائص كثيرة فان طلبت البيت من هذه الطبعة (انظر ص 381) وشرح البيت في هكذا " الحجى العقل، وبرع الرجل بضم الراء وفتحها إذ افاق اصحابه في العلم وغيره " ومما يحقق ما ذكرناه من كون الطبعة الاولى ناقصة ان القصيدة المشار إليها بانها اثنان وسبعون بيتا في الطبعة الثانية لم يطبع في الطبعة الاولى منها الا سبعة وخمسون بيتا من دون اشارة الى انها تشتمل على اكثر من ذلك والتفصيل موكول الى ملاحظة الطبعتين وقراءة مقدمة الطبعة الثانية. (1) - ب ج د: " إذا ".

[ 121 ]

وبيان ذلك ان الوجه الذى ينبغى ان تعتقد هو ان صرف المال في وجوهه معد له لاستحقاق امثاله وان معبوده هو الجواد المطلق والكريم المطلق و (1) لا توقف لافاضته العالية على أمر فائت من جهته (2) ولا نقصان عارض لذاته بل على تمام استعداد القابل لاحسانه واستكماله باستعمال العقل في وضع الاشياء مواضعها، فإذا هو عدم ذلك الاعتقاد فقد استلزم ذلك عدم معرفته بالمعبود كما ينبغى، ومن لم يعرفه على الوجه الذى ينبغى ان يعرفه عليه لم يخل (3) في تصوره له من تكيفه (4) بكيفيات غير لائقة بجوده ووصفه بهيئات غير لاحقة لكمال وجوده من تشبيهه (5) بملوك (6) الدنيا واصحاب الاموال الذين ينسب إليهم الاعطاء والمنع والمفاخرة بجميع الاموال وكثرتها وادخارها، ويتضررون بانتقاصها وعدمها، وان من صفات هؤلاء وجاري عاداتهم جمع الاموال التى هي قوام مناصبهم وبها استقامة أمورهم ومنع كثير من المستحقين وعدم الالتفات من كثير منهم الى الفقراء والمساكين وكان هذا التشبيه سوء ظن به إذ (7) كان اعتقادا غير مطابق لما عليه الامر في نفسه (8)، وكان مستلزما لمتابعة النفس الامارة بالسوء الحاكمة بان المال هو الكمال الذى ينبغى ان يطلب ويقتنى، وانه ثمرة الاعمال التى يجب ان تجتنى، وان مطلق الانفاق داعية للفقر وسبب للحاجة (9) الى من للمال عنده حرمة ويجوز ان لا يعطى المستحق ولا يفيض الكمال على المستعد له الناشئ كل ذلك من عدم معرفته كما ينبغى وتصوره على الوجه الذى لا ينبغى وكان (10) ذلك سببا لمنع الموجودات الفانية وسدا لسبل الخيرات الباقية وصدا عن الصعود الى المقامات العالية، ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا (11) وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الاخر (12) بالتصورات المناسبة لمقتضى الاوامر الشرعية " وأنفقوا


(1) - الواو فقط في نسخة ا. (2) - د: " من وجهه ". (3) - ا ب: " ولم يخل " (بواو). (4) - ج د: " تكفيه ". (5) - ج د: " تشبهه ". (6) - ب: " لملوك ". (7) - ب: " إذا ". ا: " عليه الامر نفسه ". (9) - ج د: " وسبب الحاجة ". (10) - ج د: " فكان ". 11 و 12 - ذيل آية 38 وصدر آية 39 سورة النساء.

[ 122 ]

مما رزقهم الله (1) " على وفق تلك المناسبات العقلية " وكان الله بهم عليما " (2) مطلعا على تفاوت درجاتهم ومراتب استحقاقاتهم فينزل بقدر ما يشاء (3) انه حكيم عليم (4). وفى هذه الكلمة اشارة الى وجوب السعي في تحصيل المعرفة الممكنة اللائقة بالمعبود لتحصل بها السلامة عن رذيلة البخل الذى هو سبب الحرمان في الدارين، والله ولى التوفيق. الكلمة الثالثة والعشرون قوله عليه السلام: العداوة شغل القلب. اقول: قد عرفت معنى العداوة وانها رذيلة تقابل فضيلة الصداقة تقابل الضدين، واما اثبات المطلوب من هذه الكلمة وهو انها شغل القلب مستلزمة للغضب الثابت وقد عرفت ان الغضب حركة للنفس (5) يحدث منها حرارة دم القلب وغليانه شهوة للانتقام، فإذا كان الغضب ثابتا دائما كان ذلك الغليان متجددا في كل وقت ولحظة وذلك شغل عظيم للقلب ملفت عن سائر أشغاله الواجبة، وان شئت فاحمل ذلك بنظر آخر أدق من هذا النظر على ما هو ادق من هذا المعنى وذلك انك قد علمت ان القلب قد يعبر به في عرف العارفين عن القوة العاقلة التى هي محل العلوم الكلية ثم قد علمت ان العداوة وبغض صادق يهتم معه بجمع (6) الاسباب الموذية للمبغوض وإذا كان كذلك كان كون العداوة شغلا للقلب ظاهرا لان اهتمام النفس بجمع اسباب الاذى للمغبوض وتحصيلها وفكرها في كيفية التحصيل وفى كيفية الخلاص والسلامة من مماكرة (7) العدو وكيده والاحتراز عن ذلك شغل شاغل لها وملفت عن توجهها الى المقاصد الحقة التى يجب سعيها فيها، وإذا لاح


(1 و 2) - ذيل آية 39 سورة النساء. (3) - مأخوذ من آية 27 سورة الشورى باضافة الفاء على اولها. (4) - ذيل آية 139 سورة الانعام. (5) - ج د: " في النفس ". (6) - في النسخ: " من جميع ". (7) - ا ج د: " والسلامة مما كره ".

[ 123 ]

لك سر هذه الكلمة عرفت انه مستلزم للتنبيه على ترك هذا الشغل وذلك انما يكون بحسم سببه المذكور فانه رذيلة يستلزم وجودها نفى فضيلة الصداقة الموجبة للاتحاد في الواحد الحق (1) الموجب لسعادة الدارين. الكلمة الرابعة والعشرون قوله عليه السلام: لاحياء لحريص. اقول قد علمت ان الحياء هو انحصار النفس خوف اتيان القبائح وحذرا من الذم والسب الصادق، وان الحرص المذموم هو بذل الوسع في طلب الامور الفانية كاقتناء الاموال وجمعها والسعى في تحصيل اللذات الحاضرة الوهمية التى هي بالحقيقة دفع آلام، وإذا تصورت هذين المعنييين لاح لك وجه المضادة بينهما إذ (2) كان باذل الوسع في تحصيل ما ذكرنا (3) غير منفك عن (4) قحة وخشونة وجه يتمكن معها من المنازعات والمخاصمات والمماحكات في البيع والشراء وغيرهما من التصرفات، وإذا كان كذلك لم يتحقق في حقه حينئذ خوف اتيان القبائح ولم يكن عنده حذر من الذم، ولا مبالاة بالشتم والسب، وذلك يستلزم عدم الحياء ونفيه (5) عن محل الحرص بالكلية، ولما كان الحياء والحرص مما لا يجتمعان وعلمت ان الحياء فضيلة من الفضائل التى تحت العفة وان العفة جزء عظيم من اجزاء العدالة التى يكون بها الانسان (6) كاملا في قوتيه (7) العملية والنظرية وجب عليك ايها الاخ ان يكون بعدك من الحرص بعد حرصك على لزوم فضيلة الحياء والمحافظة عليها ان كانت موجودة فيك وان لم تكن فليكن حرصك على غسل درن الحرص لتحصيلها، والله يوفقنا واياك لما يزلف لديه، انه جواد كريم.


(1) - ب: " الحى ". (2) - ب: " إذا ". (3) - ب: " ذكرناه ". (4) - ب ج د: " من ". (5) - ج د: " وبعثه ". (6) - ج: " النفس ". (7) - ا ب ج: " قوته ".

[ 124 ]

الكلمة الخامسة والعشرون قوله عليه السلام: البخل جامع لمساوى العيوب (1). اقول: قد عرفت ماهية البخل، ومساوى العيوب مقابحها وقبل بيان المقصود نذكر درجات البخل وهى اربع، فالاولى منع ما ينبغى منه لمستحق هو غيره وهو اهون درجاته. الثانية منع ما ينبغى منه لمستحق هو نفسه وهذه اشد من الاولى، لان منع نفسه التى هي اكرم عليه من الغير اشد من منع الغير إذ كان لم يسع في تحصيل ذلك الممنوع الا لنفسه. الثالثة منع ما ينبغى من غيره لمستحق غيره وهى اشد من الثانية، لان حبه لما يتوهم انه يملكه اهون من منعه لما لا يملكه لامكان تصور انتفاعه بما يملكه دون مالا يملكه، الرابعة منع ما ينبغى من غيره لمستحق هو نفسه وهذه اشد الدرجات وصاحبها ابعد الجماعة عن الرشح للخير، لان هذه الدرجة مستلزمة للثلاث الاول مع زيادة وهى انه منع احق مستحق عنده لابعد الاشياء عن ملكه، هذه (2) هي الدرجات، فاما اسبابها فاعلم ان السبب اما في الدرجتين اللتين يمنع فيهما ماله عن (3) غيره وعن نفسه فأكثر ما يكون في الابتداء خوف الفقر والحذر من الحاجة الى من يمنع الرزق الصادر ذلك عن سوء الظن بالمعبود كما عرفت قبل الى ان (4) يصير ذلك بحسب التكرر والتعود ملكة وخلقا وحينئذ لا يبقى له مع المنع مراعاة تلك الاسباب وخطورها بباله بل يصير ذلك المنع طبيعة،. واما في الباقيتين اللتين يمنع فيهما مال غيره عن نفسه وعن غيره فلانه لما كان تكيف بالملكة الردية المذكورة وتخلق (5) بها صار عند مشاهدة البذل من غيره يقدر بحكم وهمه انه واقع في ذلك البذل وانه هو الفاعل له فيلحقه حينئذ من ذلك نفرة طبيعية (6) يحكم معها بقبح ذلك البذل من فاعله ويحب منه ان لا يبذل ليكون موافقا لطبعه (7) ولا يزال يسمعه التوبيخ


(1) - لهذه الكلمة شرح للشارح (ره) في نهج البلاغة ونورده في آخر الكتاب ان شاء الله. (2) - ج د: " فهذه ". (3) - ا: " اعلى ". د: " من ". (4) - قبل ان ". (5) - ا: " تحلى ". (6) - ج د " طبعية ". (7) - ا: " لطبعه بطبعه ".

[ 125 ]

وينسبه الى تجاوز قدره الذى يجب ان يقف عنده وما يشبه ذلك مما ينفر طبعه منه لكيلا - يعود الى ذلك البذل ولا يكثر منه وإذا عرفت ذلك فنقول: المراد من هذه الكلمة بيان ان رذيلة البخل مستلزمة لمقابح (1) الرذائل وقد عرفت ان اجناس الرذائل اربعة، الجهل والشره والجبن (2) والجور ونحن نبين ان هذه الاربعة لازمة لرذيلة البخل موجودة في محلها اما الجهل ونعنى به ههنا المركب فلانك عرفت ان البخيل لا يخلو تصوره لمعبوده من تكييفه (3) بكيفيات غير لائقة بجوده وغير لاحقه لكمال وجوده من تشبيهه (4) بخلقه المنتفعين بوجود الاموال والمتضررين بفقدها وذلك اعتقاد غير مطابق لما عليه الامر في نفسه وهو حقيقة الجهل المركب، واما الشره فقد عرفت انه غلبة الحرص على اقتناء الملذات (5) البدنية والانهماك فيها والخروج في ذلك الى مالا ينبغي. ولا يخفى ان البخل مستلزم لغلبة الحرص في جمع (6) الملذات (7) المالية والانهماك فيها والخروج الى الحد المنهى عنه، واما الجبن فقد عرفت ان حقيقته الخوف مما لا ينبغى ان يخاف منه ولا يخفى ان البخيل ابدا خائف من الفقر وجل من حدوث الحوادث في ماله بحيث لا ينسب مثل ذلك الخوف الى غيره وذلك خوف مما لا ينبغى ان يخاف منه لان ما يحافظ عليه منه لاشك انه من الامور الكائنة الفاسدة ومن خاف فيما (8) لابد من كونه ورجا ان لا يفسد فقد خاف مما لا يجوز ان يخاف منه وهو عين الجبن، واما الجور فقد عرفت ان حقيقته التوصل الى كثرة المقتنيات من حيث لا ينبغى وكما لا ينبغى ويلزمه طلب - الزيادة من النافع للنفس (9) وطلب النفصان منه للغير ولا يخفى ان البخل مستلزم لذلك فان البخيل لغلبة حرصه وجهله ويجتهد في طلب الزيادة من اي الوجوه (10) كانت ويتوصل الى جمع الاموال من حيث لا ينبغى بحكم وهمه الكاذب ان ذلك مما ينبغى.


(1) ا ج د: " لقبائح ". (2) - د: " والجبن والشره ". (3) - ب د: " تكيفه !. (4) - ب ج: " من تشبهه ". (5) ج د: " اللذات ". (6) - ب: " جميع ". (7) - ج د: " اللذات ". (8) - ج د: " مما ". (9) - ب: " النفس " (بدون لام الجر). (10) - الوجود "

[ 126 ]

وإذا ثبت (1) ان اصول الرذائل الاربعة لازمة للبخل موجودة في محله كان ما يلزمها من الرذائل ايضا كذلك فتجد الكذب الذى هو رأس النفاق عارضا عن الشره إذا كان الشره خارجا مما (2) يطلبه الى مالا ينبغي على وجه لا ينبغى كالاكاذيب (3) والحيل الباطلة وغيرها وكالجرأة (4) والتعود لسلب الاموال وسفك الدماء وهلاك الانفس (5) الناشئ من طبيعة الجور، وكالاعراض عما يجب فعلة من المحافظة على الحريم والذب عنهم (6) والقصور فيما ينبغى القيام به من السياسات وتنفيذ الاحكام التى (7) يجب تنفيذها المستلزم لعظم الهمة اللازم ذلك للجبن المذكور وكالنقصان البائر (8) اللازم للجهل الى غير ذلك من العيوب الفاحشة وبالجملة فإذا تأملت اصناف قبائح الرذائل ومساوى العيوب وجدتها منبعثة (9) عن هذه الاربع. وينبغى ان بتنبه من هذه الكلمة على وجوب الهرب من هذه الرذيلة وغسل لوح - النفس عن درنها ليسلم مما يلزم عنها من مقابح (10) الرذائل وما يصحبها من مساوى العيوب فيترشح لاقتناء الباقيات الصالحات فعسى ان يكون من المفلحين (11) والله يدعو الى دار السلام ويهدى من يشاء الى صراط مستقيم (12). الكلمة السادسة والعشرون قوله عليه السلام: كثرة الوفاق نفاق وكثرة الخلاف شقاق. اقول: الوفاق الموافقة فيها يقال من الاراء ويختار من الافعال الصادرة عن الاغراض والارادات (13) التى قد تختلف، واما النفاق فقد سبق بيانه والخلاف المخالفة فيما يقال


(1) - ج د: " بينت ". (2) - ا ج د: " فيما " (3) - ج: " كالاكاذب ". (4) - ب: " وكالجراءة ". (5) - ب: " النفس ". (6) - كذا في النسخ والظاهر انه: " عنه ". (7) - ب: " الذى ". (8) - ا: " الثائر " ب " الباتر " ج د: " التاثر " فالتصحيح قياسي. (9) - ا ب: " مستتبعة ". (10) - ا: " قبائح ". (11) - ذيل آية 67 سورة القصص. (12) - آية 25 سورة يونس. (13) - ج د: " والارادة ".

[ 127 ]

من تلك الاراء والشقاق الافتراق من شق العصا، إذا قسمتها بنصفين، وههنا حكمان، الاول ان كثرة الوفاق وليس المراد ان كثرة الموافقة هو نفس النفاق بل المراد انه لازم له فأطلق اسم الملزوم على لازمية (1) كثرة الوفاق للنفاق مجازا إذ التقدير كثرة الوفاق لازم من لوازم النفاق، واظهر من ذلك انه حذف المضاف للعلم به واقام المضاف إليه مقامه، واما عله هذا الحكم فلان الاراء مختلفة اختلافا شديدا تكاد لا تتناهى (2) بحسب اختلاف التصورات وجودة الحدس وضعفه واستقامة التخيل (3) واعوجاجه الصادر عن التفاوت في الامزجة حتى انك تجد لكثير (4) من الناس آراء يستبدون (5) بها لاتكاد تتصور (6) موافقة احد لهم فيها ثم ان كان لابد من الوفاق الصحيح الا ان ذلك لا يكون الافى الاحكام الضرورية أو البرهانية وهى مع انها اقلية الوجود بالنسبة الى الاحكام التى تخفى اسبابها فتكاد تسلم من اختلاف الاراء فيها، أو (7) - لا يقع لها انكار أو تصور على وجه آخر، وإذا عرفت ذلك فاعلم ان الذى يكثر وفاقه في كل ما يقال أو يستشار فيه يستحيل أو يكون في غاية البعد ان يقال: ان تلك الموافقات منه مطابقة اعتقاده الصادر عن النظر في الامارات الصادقة وعن تخالف الامور وان ذلك هو الذى ادى إليه اجتهاده بل الذى ينبغى ان يعتقد ان ذلك انما هو نفاق لخروجه (8) به عن الصدق في عدم مطابقة ظاهره لباطنه وقد علمت ان النفاق ذلة (9) واستخذاء (10) نفس واستجابتها وانفعالها عن مقابلة - المستشير والقائل وخاصة ان يكون معظما في ملكه أو علمه أو حال يوجب له الاحتشام وهذا الحكم مستلزم للتنبيه على وجوب الحذر عن كثرة الوفاق فانها من آثار رذيلة المهانة والانظلام التى هي طرف التفريط من الشجاعة إذ تبين لك من هذا البحث


(1) - ب: " الزمية ". (2) - ا ب: " يكاد لا يتناهى ". (3) - ج د: " البخيل ". (4) - ب ج د: للكثير ". (5) - ا: " مستبدون ". (6) - ا: " لا يكاد يتصور ". (7) - ج د: " و ". (8) - ا ج د: " بخروجه ". (9) - ت ج د: " لذلة ". (10) - ا: " واستجداب ".

[ 128 ]

ترتيب البرهان على ذلك وصار الترتيب " كثرة الوفاق نفاق، والنفاق ذلة " فانتج ان كثرة الوفاق ذلة، اما المقدمة الاولى فبينة من بحثنا، واما الثانية فقد تقدم تقريرها وتبين من بيانهما ان كثرة الوفاق من لوازم النفاق الذى هو من لوازم المهانة ولازم - اللازم لازم ولن يتخلص عن ذلك الا بمعاجلة المعالجة (1) لغسل الباطن من رذيلة المهانة لان معالجة هذه الامراض تستدعى حسم اسبابها اولا بتعويد النفس وتطويعها باضداد تلك الاسباب، واما الحكم الثاني فهو ان كثرة الخلاف سبب للشقاق وملزوم له واطلاق الشقاق على لازمية كثرة الخلاف مجاز، واما برهان هذا الحكم فلان الخلاف بطبيعته مثير للقوة الغضبية المحركة الى طلب الانتقام من المخالفين الموجب للعداوة والبغضاء وتنافر الطباع وإذا كان اصل طبيعته فما ظنك بكثرته والخروج فيه الى مالا ينبغي وايراده فيما لا ينبغى وقد كنت عرفت ان طلب الانتقام مثير للعداوات (2) ومن لوازم العداوة التباين ولافتراق فتعلم حينئذ ان كثرة الخلاف موجبة للشقاق لما ان علة العلة علة، واعلم ان هذين الحكمين مستلزمان للتنبيه على وجوب لزوم الوسط بين طرفي الافراط والتفريط الذى هو الشجاعة اما طرف الافراط فعلته (3) كثرة الخلاف فان ذلك بالحقيقة صادر عن تهور واقدام على مالا ينبغى الاقدام عليه، واما طرف التفريط فهو علة كثرة الوفاق التى هي المهانة فان الانسان بارتكاب الطرف الاول يحصل على الشقاق والتباين الموجب للتباغض المنافى للمحبة والاتحاد في الله تعالى التى هي سبب لاستنزال (4) رحمته وبركاته، وبارتكاب الطرف الثاني يحصل على الرذيلة المذكور وملزومها، وكلاهما منهى عنهما، فينبغي للعاقل ان يثبت على الوسط ويثبت (5) بعرى عقله دون ان يجذبه هواه الى سلوك احد الطرفين فيكون من الهالكين، والله ولى العصمة.


(1) - ا: " بالمعالجة العاجلة " ج د: " بمعالجة المعالجة ". (2) - ج د: " للعداوة ". (3) - ا ج د: " فعله ". (4) - ا: " لاشتراك ". (5) - في بعض النسخ بلا نقطة فيمكن ان يقرأ " يتشبث " (بالشين المعجمة)

[ 129 ]

الكلمة السابعة والعشرون قوله عليه السلام: البغى سائق الى الحين. اقول: البغى الظلم، والحين ههنا بفتح الحاء الهلاك، والمراد ان الظلم من الاسباب المعدة لبطلان حياة الظالم ومقرب لهلاكه، وأطلق عليه السلام الفظ السائق على الظلم مجازا من باب الاستعارة، ووجه المشابهة ان السائق (1) كما يكون لسرعة الوصول بسيره الى المكان المقصود كذلك الظالم يكون ظلمه سببا لسرعة وصوله الى أجله، واما علة هذا الحكم فهو ان الظالم انما ينتزع بظلمه من الخلق ما يكون هممهم معلقة بحفظه واقتنائه ونفوسهم حريصة على بقائه في أيديهم وهو سبب لذتهم ومتعتهم (2) وما يتوهمون انه ملك فيكون بذلك معرضا نفسه لاجتماع هممهم (3) في اذاه واجتهادهم في دفعه واهلاكه اما باستعداء ظالم آخر أو عادل عليه واما بأيديهم واما بفزع نفوسهم الى الله تعالى وتفريغ خواطرهم واعدادها بالادعية والابتهالات لان تفاض عليها اجابة الدعوات بانزال العقوبة العاجلة له كما عرفت كيفية ذلك الاستنزال وامكانه، وحينئذ تكون حركة الظالم في ظلمه سببا باعثا لحركة المظلوم في طلب الانتصار وأخذ الثار على احد الوجوه المذكورة فكان (4) ظلمه سببا قائدا له الى حينه، ولما كان قرب الحين منفورا منه (5) طبعا للخلق وكان الظلم سببا سائقا إليه وجب عليك ايها الاخ ان تنظر بعين بصيرتك ما استلزمته هذه اللفظة من التنبيه على وجوب ترك الظلم سيما وقد علمت انه من أعظم الرذائل وأقبحها، والله يثبت أقدامنا في مزال الاقدام، ويطهر نفوسنا من ادناس الاثام، وانه ولى الانعام وصاحب الايادي الجسام.


(1) - كأن الشارح (ره) قرأ الكلمة " السابق " بالباء من مادة " س ب ق " والحال انه معتل العين من ساق " س وق " كما هو ظاهر. (2) - ب ج د: " ومنفعتهم ". (3) - ب: " همهم ". (4) - ا: " وكان ". (5) - ب " عنه ".

[ 130 ]

الكلمة الثامنة والعشرون قوله عليه السلام: أوحش الوحشة العجب. اقول: الوحشة نفرة طبيعية تعرض للحيوان عن تصور الموذى، وتقابل الانس تقابل الضدين، واما العجب فهو ظن كاذب بالنفس في استحقاق مرتبة هي غير مستحقة لها، ولما كانت الوحشة مقولة بالتشكيك على ما تحتها، إذ (1) كان من الوحشة ما هو أشد ومنها ما هو أضعف ظهر حينئذان تقدير القضية: " اشد درجات الوحشة وأبعدها عن الانس العجب " واعلم ان العجب نفسه (2) ليس بوحشة فيعود التقدير الى " ان اوحش الوحشة مسبب عن العجب ولازم له " فأطلق لفظ العجب عليه مجازا كما سبق بيان مثله، إذا عرفت فنقول: اما برهان سببية العجب للوحشة فلان المعجب بنفسه إذا اعتقد ماله على غيره من الفضيلة فهو وان أكذب نفسه فيها في بعض الاحوال الا انه كثيرا ما يبعثه (3) الالتذاذ بتصور تلك المرتبة ولوازمها وتخيل زينة نفسه بها وتميزها عن اغيارها (4) بسببها على اكذابها (5) فيعبر (6) الى حد التيه فيتيه ويتجبر على غيره ويستنقص ابناء نوعه لتصور التفرد بالمرتبة التى لنفسه فكان ذلك سببا لتنفر (7) طباع الخلق عنه ووحشته منه من وجهين: احدهما - انا بينا ان التواضع ولين الجانب واظهار النقص من الكمال لنفسه تقريرا للتواضع وبسطا من طباع الاخوان مميل لطباعهم إليه وموجب للالفة الموجبة للانس والمحبة فكان التيه والعجب وما يصحبهما من اضداد ما ذكرنا موجبين للنفرة الطبيعية المستلزمة للتباين المستلزم للوحشة والانقطاع وعدم المحبة.


(1) - ب: " إذا ". (2) - ا: " ان الانس وحده ". (3) - في النسخ: " تشغله " فالتصحيح نظرى. (4) ج د: " على اعتبارها ". (5) - د: " على اكذبها ". (6) - ج د: " فتصير ". (7) - ا ب: " لتنفير ".

[ 131 ]

الثاني - ان الكمال من حيث هو كمال محبوب للنفس ومطلوب لها ثم ان الانسان يكاد يخلو عن الحكم الوهمي في حق نفسه باستحقاق كمال مالا يكون لغيره اوان كان لكنه يكون لاحاد الناس كانسان اطلع بصفاء سريرته وارشاد الله تعالى اياه على عيوب نفسه فكسر غلو العجب عنها، وإذا كان كذلك فالمعجب إذا أعجب بنفسه وتاه على غيره لاعتقاد المزية عليه لم يخل ذلك الغير من ان يكون له مثل ذلك الاعتقاد أو يكون مطلعا على قبحه لعلمه بانه عيب من العيوب الفاحشة وعلى التقديرين فان ذلك العجب موجب للنفار (1) اما في حق الاول فلعدم تسليمه لما يعتقده هذا المكبر (2) لنفسه عليه من التفرد بالمزية والكمال لان الكمال المعتقد هناك قد يكون عند المتكبر عليه اشد وارسخ في اعتقاده، وعند عدم التسليم والانكار للدعوى ممن اصر (3) عليه لابد وان يحصل الوحشة بينهما، واما في حق الثاني فلاستنقاصه عقل المتكبر والمعجب واطراحه عن درجة الاعتبار وعدم تأهله في نظره واعداده للمعاشرة والالفة والصداقة فهذه اسباب النفرة الطبيعية للخلق من المعجب بقى علينا ان نبين ان الوحشة الصادرة عن العجب اشد درجات الوحشة وأبعدها عن الانس وبيان ذلك ان اقوى ما يتصور من اسباب الوحشة قد يكون علاج ما يوجبه منها سهلا ومعاناة حسمها هينا، فان من أعظمها وأقواها قتل الاحباء والاولاد وقطع بعض الاعضاء أو الضرب المؤلم الممرض فقلما يكون مثل هذه الاسباب في القوة وايجابها للوحشة والقطيعة ومع ذلك فان علاج مثل هذه الوحشة يكون سهلا اما ببذل الاموال الكثيرة أو بالرفق واللين أو ببذل القصاص ويكون ذلك في أقصر مدة وأيسرها، واما العجب فان علاجه وحسمه قد لا يمكن ان امكن فانه يكون غايه من (4) العسر وبيانه ان علاج ذلك متوقف في الانسان على معرفة نفسه اولا (5) وهى درجة عظيمة قل الواقفون عليها وإذا اعرفها فينبغي ان يعرفها بكثرة العيوب والنقصانات المعتورة لها وهذه درجة في غاية الصعوبة ايضا فان


(1) - ج د: " للعناد ". (2) - ج: " التكبر " د " المتكبر ". (3) - ج د: " نظر ". (4) - ا: " في ". (5) - ب ج: " اولى ".

[ 132 ]

احصاء العيوب النفسانية بالاطلاع عليها وكسر توهم النفس لكمالها عسر بالكلية ثم إذا عرفها بكثرة العيوب (فينبغي) ان يعرف (1) ان الفضل مقسوم بين البشر وليس يكمل منهم احد الا بفضائل تجتمع له وكل من كانت فضيلته عند غيره فينبغي ان لا يعجب بنفسه ولا يفتخر على غيره وكل هذه المراتب وان كانت ممكنة في نفس الامر الا انها في حق كثير من الخلق غير ممكنة وفى حق الاكثر منهم عسرة التحقيق صعبة التناول، وإذا كان كذلك الوحشة العارضة عن اسبابها دائمة قوية عسرة العلاج لعسر علاج أسبابها فكانت أقوى وحشة وأشدها فان قوة المعلول مستفادة من قوة علته وحينئذ يتبين (2) لك سر قوله " أوحش الوحشة العجب ". وينبغى لك ايها الاخ ان تتنبه مما يسنح لك من سر هذه الكلمة على وجوب ترك العجب والاجتهاد في حسمه إذ (3) كان سببا عظيما من اسباب الهلاك فرتب في ذهنك دليلا هكذا: العجب سبب (4) من الاسباب المانعة من استعدادا النفس لكمالاتها المسعدة (5) وكل ما كان كذلك كان واجب الترك ينتج (6) من الشكل الاول ان العجب واجب الترك، اما المقدمة الاولى فجلية مما قررناه، واما الثانية فلان الكمال المسعد (7) واجب الطلب والاسباب المانعة من الاستعدادات للطلب منافية له فكان تركها وسيله الى تحصيل الواجب وما لايتم الواجب الا به وكان مقدورا للمكلف كان واجبا، وانت بعد ان علمت كيفية علاج حسمه عليم بما تصنع، والله ولى توفيقنا وبه هداية طريقنا. * هامش) * (1) - كذا. (2) - ا ج " تبين ". (3) - ب ج د: " إذا ". (4) - ج د: " سببا ". (5) - ب: " المستعدة " ج د: " المعدة ". (6) - ب ج: " لينتج " (بلام في اوله). (7) - ب: " المستعد " ج د: " المعد ".

[ 133 ]

الكلمة التاسعة والعشرون قوله عليه السلام: إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو عنه شكرا للقدرة عليه اقول: المقصود من هذه الكلمة الحث على الفضيلة التى تمسى عفوا وتسمى في عرف العلماء مسامحة وهى بالحقيقة ترك بعض ما يجب بالارادة والاختيار ولاشك ان هذه الفضيلة مستلزمة لكثير من الاخلاق الفاضلة كالسخاء والنبل والسماحة وكذلك هي مستلزمة لفضائل اخرى من باب الشجاعة كالملكة المسماة بالحلم فان نفس صاحب العفو تكون مطمئنة خالية عن الشغوبة بحيث لا يحركها الغضب بسهولة وكاحتمال الكد فان استعمال النفس للعفو مرة ومرة يدل على ان لها قوة تستعمل بها الات البدن في الامور الحسنة (1) بالتمرين وحسن العادة الى غير ذلك من الفضائل، وانما علقه عليه السلام بالقدرة لان ظهور فضيلة العفو للنفس انما يتحقق بعد تحقق القدرة بحسب اعتقاد العافى انه متى شاء العقوبة كان متمكنا منها سواء كان ذلك التمكن حاصلا في نفس الامر أو ليس، واما قبل ذلك الاعتقاد فلا يتحقق العفو إذ لم يكن في هذه تاركا لبعض ما هو واجب له لعدم تحقق وجوب الانتقام، واما الامر له بجعل العفو عنه شكرا للقدرة عليه فلان القدرة التى وهبها الله تعالى له نعمة عظيمة والشكر على النعمة واجب وان كانت هذه القضية ليست باولية بل من المشهورات المحمودة والتأديبات الصلاحية التى توافقت عليها الشرائع وتطابقت عليها اراء الخلق في اصلاح معاشهم ومعادهم ومع ذلك فان للشكر وخاصة للمنعم المطلق اثر عظيما إذ هو من الاسباب القوية في اعداد القوة العقلية بالمداومة عليه لقبول اثار الرحمة وتأهلها لاستنزال (2) المطلوبات بالابتهالات وصالح الادعية وإذا كان كذلك


(1) - ج د: " الحسية ". (2) - ج د: " لا شتراك ".

[ 134 ]

فينبغي من العاقل إذا قدر على عدوه ان يعلم ان الشكر كما يكون معد للنفس لقبول الخيرات المذكورة كذلك العفو فانه مستلزم للفضائل التى ذكرناها وبها تحصل على الخيرات الدائمة فلذلك أطلق عليه السلام لفظ الشكر عليه لمكان المناسبة فكما ان تلك الخيرات يجب ان يجتهد في تحصيلها بالشكر الذى بينا كيفية حصولها عنه كذلك يجب ان يجتهد في تحصيل الفضائل التى يستلزمها العفو بالمداومة عليه مرة ومرة حتى تظهر تلك الفضائل التى تلزمها عن النفس، فان اقام العافى عفوه مقام شكر الله تعالى على اقداره على عدوه فنعم العوض، وان جمع بينهما كان أجمع لطريق الخيرات وذلك هو المراد من قوله " فاجعل العفو عنه شكرا للقدرة عليه " اي عوضا من الشكر فان حقيقة العفو ليست نفس الشكر، والله ولى التوفيق. الكملة الثلاثون قوله عليه السلام: البخيل مستعجل الفقر يعيش في الدنيا عيش الفقراء ويحاسب في الاخرة حساب الاغنياء. اقول: قد عرفت حقيقة البخل واقسام البخلاء وقد ذكر عليه السلام ههنا للبخيل ثلاثة احكام: الاول - انه مستعجل للفقر وبرهانه ان الاستعجال هو طلب الشئ الذى لابد من وقوعه وذلك الطلب اما ان يكون طلبا اراديا ذاتيا، أو طلبا عوضيا عارضا بسبب الاخلاق الردية، ولما كان الفقر لابد من وقوعه للبخيل بسبب انتقال ملكه الى احد شريكيه كما قال عليه السلام: لكل امرئ في ماله شريكان، الوارث والحوادث (1) كانت غاية ذلك عدم الانتفاع بالمال وعدم تصريفه فيما ينبغى من وجوهه، وكانت هذه الغاية حاصلة في حق البخيل في مدة وجوده بحسب اقتضاء اخلاقه الردية لها لا جرم كان مستعجلا للفقر.


(1) - ا: " والحادث ".

[ 135 ]

الحكم الثاني - انه يعيش في الدنيا عيش الفقراء، وهذا الحكم ايضا ظاهر، فان مقتضى رذيلة البخل التقتير وجمع المال وضبطه وذلك مستلزم لقلة (1) الانفاق المستلزمة (2) لسوء المطاعم ورداءة العيش وقلته التى هي بالحقيقة صفات (3) عيش الفقراء فظاهر (4) ان البخيل يعيش في الدنيا عيش الفقراء. الحكم الثالث - انه في الاخرة يحاسب حساب الاغنياء، والحساب على (5) ما ورد به ظاهر الشريعة ظاهر، والخلاف بين المتكلمين في كيفية ايقاعه مشهور، وفى نظر قوم اخرين هو إحصاء الرذائل والفضائل اللاحقة للنفس من تعلقها بالابدان وضبطها في اللوح المحفوظ بقلم العلم الالهى، ولما كانت الاغنياء هم الجامعين (6) للاموال والمدخرين (7) لما لا ينبغى ان يدخر من الامور الجسمانية وكان حسابهم أشد وأخطر لكثرة الملكات الردية اللاحقة لهم بسبب ميلهم وعشقهم لمتاع الحياة الدنيا ورغبتها وكان البخيل أشدهم للجمع محبة ولمتاع - الدنيا عشقا لاجرم كان محاسبا حساب الاغنياء. وإذا عرفت ذلك لاح لك ان من مقاصد هذه الكلمة التنبيه على الحذر من ارتكاب رذيلة البخل ووجه ذلك التنبيه ان مطلوب العاقل وغاية سعيه في الدنيا انما هو تحصيل السعادتين والبخل مستلزم لعدم حصول احداهما (9) اما في الاولى فلان البخيل يعيش فيها عيش الفقراء فهو فاقد لذتها وسعادتها، واما في الاخرى فلانه يحاسب فيها حساب الاغنياء، ولما كان من لوازم حساب الاغنياء عدم خلوهم عن العذاب بسبب ما تمكن (10) من جواهر نفوسهم من محبة متاع الدنيا وزينتها وبسبب تفريطهم وافراطهم في وضع الاموال مواظعها لا جرم كان البخيل اكدهم استحقاقا لذلك واشدهم استعدادا لحصوله وبالله التوفيق.


(1) - ج د: " لعله ". (2) - ج: " المستلزم ". (3) - د: " صغار ". (4) - ب: " وظاهر ". (5) - " على " ليست في ا ب. (6) - في النسخ: " الجامعون ". (7) - في النسخ: " المدخرون ". (8) - ب: " من الاموال ". (9) - ا ب د: " احدهما ". (10) - ا ب: " يمكن ".

[ 136 ]

الكلمة الحادية والثلاثون قوله عليه السلام: لسانك يقتضيك ما عودته (1) اقول الاقتضاء ههنا طلب الشئ والميل إليه واللسان اللحمة المخصوصة وقيل بيان المقصود نذكر الفائدة من وجوده فنقول: انك قد علمت في ما سبق ان الانسان الواحد لا يمكنه ان يستقل باصطناع جميع ما يحتاج إليه بل لا بد من جمع عظيم ليعين بعضهم بعضا حتى يتم لكل واحد منهم ما يحتاج إليه، ومن ضرورة هذا الاجتماع الحاجة الى ان يعرف كل واحد منهم صاحبه ما في ضميره من الحاجات المطلوبة له، وذلك التعريف لابد فيه من طريق فاقتضت العناية الالهية وضع الالة المخصوصة ووضع الالفاظ المركبة من الاصوات والحروف المتولدة من حركات هذه اللحمة المخصوصة على اوضاع مخصوصة فعرفت حينئذ وجه الحاجة الضرورية الى وجودها وهو الاعراب عما في النفس من الاغراض. وإذا عرفت ذلك فنقول: لما كانت الالفاظ انما وضعت بازاء ما يتصور من المعاني الذهنية التصورية والتصديقية لتكون دالة على ما وجد منها هناك وكان الغالب ان تلك التصورات والتصديقات التى تقصد النفس التعبير عنها صادرة عن ملكات اما فاضلة كالهيئات والاخلاق الفاضلة والاعتقادات الحقة بحيث يقصد بالتعبير عنها اصلاح امر معاشى أو معادى اوردية كالراسخ من أضداد ما ذكرنا بحيث يقصد بالتعبير عنها مجرد الاذى للغير وخبيث (2) الكلام وسخيفه والسب واللعن والغيبة وغير ذلك فإذا كانت صادرة عن ملكات فلا شك انها تكون دائمة الحضور (3) في الذهن فيكون التعبير عنها اكثريا في الالفاظ وبسبب كثرة التعبير عنها وتكررها في الوجود اللسانى وتمرين اللسان بالعبارة


(1) - هذه الكلمة وشرحها لم تذكرا ههنا في نسختي ج د. 2 - ا: " وخبث ". 3 - ب: " الخطور "

[ 137 ]

الدالة عليها يصير للسان انفعال وتطويع لاوضاع تلك الالفاظ فيصير اسهل واخف فيه من سائر الالفاظ ويصير له ميل طبيعي (1) بحسب ذلك التعويد والتطويع الى تلك العبارة وذلك هو الاقتضاء لما تعوده ان خيرا فخير واشرا فشر (2) وان كان الاقتضاء الحقيقي انما هو اقتضاء النفس لتلك التصورات التصديقات الصادرة عن الملكة الحاصلة لها لكن لما كان في هذه الكلمة قصد الى التنبيه على قبح الكلام القبيح والنهى عن التخلق والميل الى مالا ينبغي ان يتكلم به وحسن الكلام الحسن النافع والامر بملازمة ما يحسن التكلم به وينبغى، وكان هذا الحسن والقبح والامر والنهى مما رسخ في الاعتقادات وانطوت عليه الضمائر الا انه ربما غفل عنه لسبب ما فيحتاج الى تنبيه للسامع على ما عساه غلبه عليه هواه فيتقهقر عن التكلم القبيح لاجرم ذكر اقتضاء اللسان لما تعود من الكلام دون غيره، والله الموفق. الكلمة الثانية والثلاثون قوله عليه السلام: لا صحة مع النهم اقول: النهم افراط الشهوة في الطعام وهو جزئي من جزيئات الشره إذ كان الشره عبارة عن طرف الافراط من فضيلة القوة البهيمية وهى القوة الشهوية وقد عرفته، والصحة العافية والمقصود الاصلى ههناهو التنبيه على وجوب ترك رذيلة النهم وذلك ببيان ان الصحة لا تجامعه والصحة من أعظم المطالب وأهمها ويجب ترك ما لا يجتمع معه فاما بيان ان الصحة لا تجامع النهم فاعلم ان الاطباء قد اتفقوا على ان الامتلاء من الطعام الى حد يخرج عن الواجب في اصلاح البدن مولد لامراض كثيرة مخوفة لا يخلو البدن عند الامتلاء الكثير من احدها ولنذكر منها عدة مما ذكروها احدها الحميات المركبة لتعفن (3)


(1) - ب: " الميل الطبيعي ". (2) - حديث نبوى معروف ضمنه كلامه. (3) - ا: " لتعفين ".

[ 138 ]

اكثر من خلط واحد. وثانيها بطلان الهضم عن كثره التخم. ثالثها الهيضة لفساد الطعام لكثرته ورداءة كيفيته. ورابعها الغثيان والقئ من جملة اسبابه ايضا كثرة الغذاء. وخامسها الفواق الامتلائى لكثرة الطعام وتوليده الفضلات الغليظة. وسادسها سد المنافذ للسبب المذكور. وسابعها برد المعدة ورطوبتها للاستكثار من الطعام والشراب. وثامنها الربو وسببه خلط غليظ متولد من الامتلاء لاحج في العروق الضوارب التى في الرية. وتاسعها عرق النساء خلط (2) غليظ يحدث عن الامتلاء دموى أو بلغمى. وعاشرها صلابة المفاصل وتعقدها للخلط الغليظ المنصب إليها (3) وعسر تحلله، وما ذكرناه بعض من كل الامراض المتولدة عن الامتلاء وادخال الطعام على الطعام فهذه وامثالها وان خلا النهم عن احدها لم يخل عن الاخر، وان خلا منه في وقت يسير لم يخل من سببه القريب ويتبعه ذلك عن قريب، وحصوله أو حصول سببه في البدن مرض، وكل ذلك مناف للصحة. تنبيه - اعلم انه يمكن ان يكون المقصود ايضا بالصحة صحة النفس من الامراض النفسانية التي تعرض بسبب النهم وذلك ان الحس والاستقراء دل على ان البطنة تذهب الفطنة (4) لتلبد (5) الحواس عن كثرة الابخرة المتصاعدة عن التخم وكذلك دل على انه يزيل الرقة ويورث القسوة وكل ذلك مما يسد على النفس باب الخير ويلطخها (6) بسواد الهيئات البدنية فيحجبها عن الاستعداد لقبول الرحمة وذلك مرض عظيم يستحقر بالنسبة إليه اعظم مرض بدنى وهو مناف لصحة النفس فإذا النهم مناف لمطلق الصحة مضاد لانواع العافية. فانظر ايها الاخ بعين الانصاف فانك تجد من عداه بالنسبة الى بحره جداول


(1) - ا: " الغشيان ". (2) - ا: " بخلط " ب: " لخلط ". (3) - ا: " لها ". (4) - حديث منسوب الى امير المؤمنين عليه السلام. (5) - ب: " لتبدل ". (6) - ج: " يلطحها " (بتشديد الطاء) وفى كتب اللغه: " لطخه بالمداد وغيره = لوثه ولطخه بمعناه شدد للمبالغة ".

[ 139 ]

وانهارا بل خفافيش برزت (1) نهارا، وهل يقايس بين البحر والوشل، وإذا تأملت اسرار هذه الكلمة مع سائر كلامه هي هذه المعنى قد تحققت انه قد اطلع من علم الطب على ما لم يطلع عليه غيره من حذاق الاطباء ولمح بصره اطوارا وراء عقول الحكماء اطلاعا لدنيا من غير بحث واكتساب، أو اكباب (2) على مطالعة كتاب، شعر: لو ان جالينوس في طبه * ادركه كان تلميذا


(1) - تزرق. (2) - ج د: " واكتساب اولو الالباب ".

[ 140 ]

الفصل الثالث في المباحث المتعلقة بالاداب والمواعظ والحكم المصلحية التى تطابقت عليها الشرائع الالهية وصحتها البراهين الحكمية، وفيه ست واربعون كلمة: الكلمة الاولى قوله عليه السلام: اكرم النسب حسن الادب. أقول: النسب هو ما ينسب إليه الانسان من ابائه أو فرع لابائه أو فضيلة نفسانية أو بدنية، واما الادب فاشتقاقه من المأدب وهو دعاء الناس الى اطعام والمراد به ههنا ما فهمته من معنى الرياضة في القسم الاول وذلك انك قد عرفت ان القوة الحيوانية في الانسان التى هي مبدأ الادراكات والافاعيل الجزئية إذا (1) لم يكن لها ملكة الانقياد لاوامر القوة العاقلة كانت بمنزلة بهيمة غير مؤدبة (2) تدعوها شهوتها تارة وغضبها أخرى بحسب بعث المتخيلة والوهم لهما لما (3) يتذكر انه، وبحسب ما تؤديه الحواس الظاهرة اليهما الى (4) الامور الملائمة لها فتتحرك حركات مختلفة حيوانية بحسب تلك الدواعى وتصير حاكمة على القوة العاقلة في تحصيل مراداتها فتكون هي الامارة بالسوء والقوة العاقلة مؤتمرة لها، اما إذا ادبتها القوة العاقلة بمنعها عن التخيلات والتوهما ت والاحساسات والافاعيل الباعثة لقوة الشهوة والغضب الى مالا ينبغي، وجبرتها على ما يقتضيه العقل العملي الى ان تصير متمرنة على طاعتها متأدبة في خدمتها منقاده لاوامرها سائرة تحت ظلال اعلامها فذلك معنى حسن ادبها.


(1) - ب ج: " إذ ". (2) - ج د: " غير موذية " (من الايذاء). (3) - ب: " لها بما ". (4) - ج د: " اي ".

[ 141 ]

وإذا عرفت ذلك فاعلم ان الاباء والاصول الكريمة وان كان الانسان يفتخر بالانتساب إليها ولكن قد عرفت ذلك افتخار وهمى دال على محبة الدار الفانية مستلزم للشرف بفضيلة أو فضائل غير حاصلة لمن يتشرف بها فيمن سلف ممن ينتسب إليه لا يتعداه بل اكرم اصل ينتسب إليه الانسان الادب إذا كان سبب الخير الدائم والموصل الى نيل السعادات الباقية، وبه يكون الرفعة والتعظيم الحقيقي، وانما خص الكلمة بلفظ الكرم دون شئ اخر لانه ههنا في معرض بيان النسب والاصل، والعرب تخص الاصول والاباء المنجبة (1) بالكرم فتقول فيمن صدرت عنه افعال خيرية وكانت له سابقه اصل في ذلك: انه ذو اصل كريم، وهذا فعل ابائه الكرام، فلاجل ذلك خصه عليه السلام ههنا بلفظ الكرم دون الشرف والعز وغير ذلك من الالفاظ، وانما خص الادب دون فضيلة العلم أو غيرها من الفضائل الجليلة لكونه إذا وقع كما ينبغى مستلزما لسائر الفضائل، والانتساب إليه اشهر لكونه أقرب الى طباع عامة الخلق، فقد عرفت ان اكرم درجات النسب درجة حسن الادب. والله تعالى هو الموفق لمتحلى بحليته، وهو المستعان. الكلمة الثانية قوله عليه السلام: بالبر يستعبد الحر اقول: البر الاحسان واما الحر فقد عرفته والمراد به ههنا هو الخالص من وثاق الرق ويستبعد اي يتخذ عبدا وذلك لتحقق معنى العبودية فيه عند الاحسان وهو الخضوع والتذلل ولان الغاية المطلوبة من تسليم الثمن في شراء العبد انما هو الانتفاع بخدمته وتصريفاته (2) وكذلك من أسدى الى حر معروفا قد يكون انتفاعه بسببه اما انتفاعا عاجلا (3) كخدمته وتصرفاته والتامر عليه، واما اجليا وهو التقرب الى الحق تعالى والامتثال


(1) - يقال: انجب الرجل = ولد ولدا نجيبا ". (2) - ج د: " وتصرفاته ". (3) - ج: " عاجليا " وهو الاوفق بالمقام لكونه قرينة لكلمة " آجليا ".

[ 142 ]

لاوامر الشريعة وحثها على ذلك، وقد يكون أعم من الانتفاع كصدور (1) الاحسان من العناية الالهية على المستعدين. واما سبب ذلك الانقياد وتحقق الاستعباد فلادراك النافع اللذينت وانبعاث القوة الشهوية الطالبة لادراك الملائم من ذلك النافع وتصور ان ذلك الحضوع والتذلل مما يؤكد تحققه أو توقع زيادة احسان أو يكون جزاء لذلك البر والاحسان أو أمر أعم من ذلك كخضوع العارفين اطلاعا على عظمة الحق الاول وكبريائه وانما خص الحر ههنا بالذكر لان الحر الذى يأنف من الاسترقاق ويشمئز من نسبته الى العبودية لاحد إذا كان بالبر يستعبد الحر فغيره يكون أولى بذلك وذلك من باب الايجاز الجزيل، ويمكن ان يحمل الحر ههنا على صاحب فضيلة الحرية حينئذ يحتمل تخصيصة بالذكر وجها اخر وهو ان من اشتمل سره على فضيلة الحرية وأسدى إليه بر فانه لابدان يعترف به ويلمح ان ذلك البر غير مقابل منه بجزاء فيذل ويخضع وينفعل عنه بحيث يتحقق معنى العبودية في حقه وذلك بخلاف من ليست فيه هذه الفضيلة إذ كان قد ياخذ المال من غير وجهه فلو أسدى إليه معروف جاز ان لا يعترف له بجزاء فلا يكون منه خضوع ولا يتحقق في حقه استعباد فيكون الحر بهذا المعنى أخص من الاول من وجه وأعم منه من وجه، اما انه اخص، فلان الحر بالمعنى الاول قد يكون له فضيلة الحرية وقد لا يكون، واما انه اعم فلان من له فضيلة الحرية قد يكون رقا وقد لا يكون. وفى هذه الكلمة تنبيه على حسن البر وحث لانه لما كان تعود (2) البر مما يصرف عن محبة المال ويكسر حدة القوة الشهوية في طلبه واقتنائه ويستلزم (3) فضيلة الكرم وكثيرا (4) من الفضائل التى تحت ملكة العفة مع ما فيه من أنواع الخيرا ت كاستنزال الرحمة والبركات (5) على صاحبه من اجتماع همم الخلق المبرورين وكان كثير أذهان أصحاب البر وأهل


(1) - ا: " لصدور ". (2) - ا: " يعود ". (3) - ب: " مستلزم ". (4) - اب ج: " كثير ". (5) - ج د: " البركة ".

[ 143 ]

الاحسان انما تنفعل في ابتداء تعودهم للاسداء مثل الشكر والثناء وتذلل الخلق لهم وخضوعهم وخدمتهم لاجرم نبه عليه السلام على حسنه بان ذكر سببيته لاستعباد الاحرار فإذا انفعل البار عن ذلك تبين له عن قريب مافى البر من انواع الخيرات التى يجب ان تقتنى وما حمل (1) معروفه من الذ ثمرة تستطاب وتجتني، والله ولى التوفيق. الكلمة الثالثة قوله عليه السلام: الجزع عند البلاء تمام المحنة اقول: قد عرفت ان الجزع الم نفساني يعرض من تصور فقد المحبوب أو فوت - المطلوب والبلاء ههنا الاختيار بالامر المكروه الى الطبع وان كان البلاء قد يكون بالخير ايضا كما يقال أبلاه بلاء حسنا وكذلك المحنة الامتحان وهو الاختبار بالمكروه ايضا، والمقصود من هذ الكلمة بيان ان من قدر له الاختبار بمكروه وقع عليه من القضاء الالهى فتألمت نفسه بسببه كان ذلك التالم ابتلاء ثانيا أعد نفسه لحصوله زيادة على البلاء الاول الذى يجب دفعه عن نفسه ويريد ان لا يكون مقضيا عليه ولا مقدرا له وتماما لمحنته، وهذه الكلمة مستلزمة للنهى عن الجزع إذ بين عليه السلام للجازع ان الذى يهرب منه من البلاء قد جلب الى نفسه مثله بجزعه. ثم اعلم ان سبب الجزع هو الحرص على اقتناء اللذات الجسمانية والنزوع الى بقاء الشهوات البدنية والحسرة على ما يفقد ويفوت منها وانما يجزع على المحبو ب من ذلك من يظن ان ما يحصل له منها يجوز بقاؤه وثباته وان جميع ما يطلبه من مفقوداتها لابد وان كان يحصل في يده ويصير في ملكه وكل ذلك غفلة منه وغرور فانه لو لاحظ الحق بعين بصيرته والتفت الى خالص سريرته واستعمل الانصاف مع نفسه لعلم (2) ان جميع مافى عالم الكون والفساد غير ثابت ولا باق وان الثابت الباقي هو ما في العالم العلوى فلم يطمع في المحال


(1) - ب ج د: " حمل " (بلا تشديد للدال). (2) - د: " يعلم ".

[ 144 ]

ولم يطلبه ومن قطع طمعه من شئ لم يحزن لفقده بل صرف سعيه الى المطلوبات الصافية واقتصر بهمته على اقتناص المحبوبات الباقية وأعرض عما ليس في طبيعته ان يثبت ويبقى فإذا حصل له منها شئ بالعرض بادر الى وضعه في مواضعه واقتصر منه على مقدار (1) لابد منه في دفع الالام المحصاة من الجوع والعرى وترك الاستكثار والتماس المباهاة به والافتخار ولم يحدث نفسه بالمكاثرة بها (2) والتمنى لامثالها حتى إذا فارقته لم ياسف عليها فانه متى فعل ذلك آمن (3) فلم يجزع وفرح فلم يحزن وفاز بالسعادة الاخروية ونال الدرجات العلية، ومن لم يتدبر الوصية ولم يعالج نفسه بما ذكرناه لم يزل في جزع دائم، إذ لا يعدم (4) في كل وقت فوت مطلوب أو فقد محبوب إذ (5) كان ذلك من لوازم عالمنا عالم الكون والفساد، ومن طمع من الكائن الفاسد ان لا يكون ولا يفسد فقد طمع في المحال ولم يزل خائبا، والخائب ابدا محزون، والمحزون ابدا شقى ومن استغشى (6) العادة الجميلة وهو الرضا بما يجده ولم يحزن لشئ يفوته لم يزل سعيدا مسرورا ورضوان الله اكبر، ذلك هو الفوز العظيم (7). واعلم ان الجزع امرا طبيعيا ولا ضروريا بل هو مما يخيله الانسان ويضعه وضعا إذ لو كان طبيعيا لما انفك منه (8) لكنه قد ينفك منه ويعود الى حال الغبطة والسرور وهو امر مشاهد كما رأينا (9) - كثيرا ممن فقد (10) الاولاد والاعزة والاصدقاء والاحبة فاشتد (11) جزعهم عليهم ثم لم يلبثوا ان عادوا الى حال المسرة والغبطة والاعجاب والضحك وكذلك ممن فقد المال والصنائع والمقتنيات المستحسنة رأيناهم بعد الجزع الشديد قد سلوا وعادوا الى حال السرور فالجزع إذا من العوارض الطارية الزائلة التى لا يختص بها شخص دون


(1) - د: " مقدار ما ". (2) - ا: " لها ". (3) - ب ج د: " امن " (بلا مد "). (4) - ح د: " لا تقدم ". (5) - ب: " إذا ". (6) - ا: " استعشى " ج د: " استغنى ". يقال: " استغشى ثوبه بثوبه اشتغشاء = تغطى به " فهو بمعنى استشعر ويمكن ان يكون محرفا منه. (7) - ذيل آية 72 سورة التوبة. (8) - ج د: " عنه. (9) - ا: " رأيت ". (10) - ا: " يفقد ". (11) - ا ج د: " واشتد ".

[ 145 ]

اخر فلا عذر للعاقل بعد اطلاعه على حقيقته وأسبابه وما ذكرناه من احواله في معاودته وارتكابه. اللهم جللنا عافيتك، فان قدرت علينا بلاء فألهمنا صبرك، ولا تكشف عنا سترك، وافض علينا رضوانك، وهئ لنا من أمرنا رشدا (1). الكلمة الرابعة قوله عليه السلام: رحم الله امرء قال خيرا فغنم أو سكت فسلم. اقول: الغنيمة الفئ، وقد استعمله عليه السلام ههنا في اكتساب المدح والثناء والثواب وغيره من أنواع الخيرات، وانما سمى القول خيرا لان كل وسيله الى الخير فهى (2) خير، وان كان عرضيا بالنسبة الى ماهى وسيلة إليه، ومقصوده عليه السلام من هذه الكلمة استنزال الرحمة الالهية بدعائة الموثوق بانه لايرد لعبد حبس لسانه وزمه بزمام العقل عن التلفظ الا بالكلام الخيرى وقد عرفت ان خير الكلام ما تعلق باصلاح (معاد (3) أو تدبير معاش كما ينبغى وعلى الوجه الذى مراعاة القانون العدلى وطلب الفضيلة التى سبق بيانها وهى فضيلة العدل فانه إذا فعل ذلك كان الكلام خيرا له عن السكوت إذ (4) كان يحصل (5) له بذلك غنيمة الدارين واكتساب السعادتين ثم ادرج في ذلك الدعاء من لم يتمكن من قصد الكلام الخيرى بل كان يعبر في كلامه عند


(1) - ذيل آية 10 سورة الكهف. (2) - د: " فهو ". (3) - اظن ان اصل المطلب مأخوذ من قول امير المؤمنين عليه السلام: " وليس للعاقل ان يكون شاخصا الا في ثلاث، مرمة لمعاش أو خطوة في معاد أو لذة في غير محرم ". (4) - ب: " إذا ". (5) - ب ج د: " يحصل (بصيغة باب التفعيل) ".

[ 146 ]

ما يتكلم الى الحد الذى هو رذيلة من القول الكاذب والسخيف والهذر والموذى وغير ذلك مما لا يقتضى مصحلة ولا يصدر عن ترو وتثبت وانما يصدر عن عدم رصانة - العقل وقلة عقليتة (1) لما ينبغي ان يوضح عليه الكلام من الوجوه المصلحية فسكت عن الكلام إذ (2) كان محصلا بذلك السلامة في الدارين والسلامة احدى (3) الغنيمتين اما في الاولى فلان كثيرا ممن كان يدعى كمال العقل وينسب الى تمام الفضل اشرقت على نفوسهم شموس القدس فتبجحوا بزينة الحق في ذواتهم فأطلقوا القوى المحركة فباحوا (4) باسرارهم في الفاظ ورموز نبت عنها افهام العوام واعتقدوا مخالفتها لظاهر الشريعة فأصبحوا حصائد السنتهم وقتلى كلماتهم ولو لزموا السكوت ولم يهتكوا أستار تلك الاسرار لما اصابهم ما اصابهم، وإذا كان حال أصحاب العقل والاسرار الالهية كذلك فما ظنك بالباقين من العوام ومن لم يودب بالاداب الشرعية ولم تلين (5) عريكتة التجارب الصلاحية فحق لاولئك وامثالهم (6) ان لا يفوهوا بحرف واحد إذ كان اكثر كلامهم يصدر عن غير روية وان كان فعن روية فاسدة، واما في الاخرى فلان الساكت عما ذكرناه من الكلام الساقط عن درجة الاعتبار سالم بسكوته عن اكتساب الملكات الردية والهيئات المنقصة (7) بالتمرين على ذلك الكلام والتعود باجرائه (8) والمحاورة (9) به خالص (10) عن التعذيب بها في الاخرة. وقد تطابقت كلمة النبيين و


(1) - كذا. (2) - ب د: " إذا ". (3) - ب ج د: " احد ". (4) - ج د: " فناجوا ". (- في النسخ: " لم تكن ". (6) - في النسخ: " لذلك وامثاله ". (7) - قال الفيومى في المصباح المنير: " نقص نقصا من باب قتل ونقصانا وانتقص ذهب منه شئ بعد تمامه، ونقصته يتعدى ولا يتعدى، هذه اللغة الفصيحة، وبها جاء القران في قوله: ننقصها من اطرافها، وغير منقوص، وفى لغة ضعيفة يتعدى بالهمزة و التضعيف ولم يات في كلام فصيح، ويتعدى ايضا بنفسه الى مفعولين فيقال نقصت زيدا حقه وانتقصت مثله ". (8) - ب د: " باجزائة ". (9) - ج د: " والمجاور به ". (10) - ج د: " خلص ".

[ 147 ]

توافقت كلمة الحكماء الراسخين على مدح السكوت حذرا من التكلم بما لا يجدى نفعا ولا - يعود على قائلة بخير وحثوا على لزومة وخاصة بين يدى الملوك والقادرين على الانتقام فان في الكلام تغريرا (1) بالنفس الا ممن حصل على ملكة الكلام الخيرى بيان ذلك المدح من وجوه. الاول - قال رسول الله صلى الله عليه واله: من وقى شر لقلقه وقبقبه وذبذبه ضمنت له الجنة، وذلك يدل على ان للسان حصه في البعد عن الجنة بسبب ما تكسب (2) النفس بتعويده بما لا ينبغى من ملكات السوء وقال عليه السلام: من صمت نجا. الثاني - قال بعض الحكماء: الزم السكوت فان فيه سلامة، وتجنب الكلام فان فيه ندامة. الثالث - قال بعضهم: افضل حلية العلماء السكوت. الرابع - قال بعضهم: انفع الاشياء للانسان ان لا يتكلم على نفسه وذلك حذر من الكلام الموذى فيحتاج الى التروي. الخامس - قال بعض ملوك الروم: ماندمت على ما لم اتكلم به قط، ولقد ندمت على ما قلت كثيرا. السادس - قال بعض حكماء العرب في هذا المعنى: من اكثر هجر (3) والمقصود انه ربما خرج الى الهجر.


(1) - ا ج: " تغزيرا " (بالغين المعجمة ثم الراء المعجمة) ب: " تقريرا (بالقاف والراء المهملة) د: " تعزيرا " (بالعين المهملة والزاء المنقوطة والراء المهملة اخيرا) فالتصحيح قياسي يقال: غرزه بالابرة ونحوها (كضرب غرزا) نخسه وغرز الابرة (تغريزا) في الشئ ادخلها فيه ". (2) - ب: " تكتسب ". (3) - كذا في النسخ وفى كتب اللغة: هجر في منطقة واهجر هجرا واهجارا تكلم بالهذيان " وفى نهج البلاغة: " من اكثر اهجر، ومن تفكر ابصر ". وهو من وصيتة لابنة الحسن عليهما السلام (راجع شرح نهج البلاغة ص 525 وص 527 من الطبعة الاولى).

[ 148 ]

السابع - قال أكثم بن صيفي: المكثار كحاطب الليل وذلك انه ربما نهشته الحية (1) أو لسبته (2) العقرب في احتطابه ليلا فكذلك المكثار ربما اصابه في اكثاره بغض الناس. الثامن - قال أكثم ايضا: الصمت يكسب اهل المحبة. التاسع - قال لقمان الحكيم الصمت حكم وقليل فاعلة. العاشر - قال بعض الحكماء: فلئن ندمت على سكوتي مرة * فلقد ندمت على الكلام مرارا وقال الاخر: احفظ لسانك ايها الانسان * لا يلدغنك انه ثعبان وقد استشهد الحكماء على ان كثره الكلام ليس بمطلوب من الحكمة الالهية بان الة السماع والابصار اكثر من الة الكلام فكان اقلي الطلب لذلك، والاحاديث و الامثال الموردة في ذلك كثيرة لكن ينبغى ان يعلم ان الكلام الخيرى الخالى عن المضار والمحتاج إليه عمن (3) عرف بمعرفة مواقع الكلام وحكم بحسن عقله (4) للامور التى ينبغى ان يتكلم فيها خير من السكوت فان غاية السكوت المحمود تطهير النفس عن نجاسات الهيئات الردية وذلك خير عدمي عرضى وغاية الكلام الخيرى اكتساب الهيئات الحاصلة والملكات الشريفة وذلك كمال وجودي ذاتي والوجودي الذاتي اولى بالوجود من العدمي العرضى، وكما علمت ان الكلام ينقسم الى محمود ومذموم كذلك السكوت ينقسم الى ما هو خير والى ما هو شؤم، وان اللائمة (5) كما تقع بالمتكلم بما لا ينبغي كذلك تتعلق بالساكت السكوت الذى لا ينبغى كما قال عليه السلام في موضع آخر (6): لا -


(1) - ب: " حية ". (2) - ج د: " لسعته " وكلتا اللفظتين بمعتى وهو لدغته. (3) - ا ب: " عن " ج د: " ممن ". (4) - ا ب: " عقلته " ج: " عقليته د: " عقيلته ". (5) - ا: " الملائمة " وفى كتب اللغة: " اللائمة بمعنى اللوم يقال: استحق اللائمة اي اللوم والملامة ". (6) - ا: " في مواضع اخر ".

[ 149 ]

خير في الصمت عن الحكم كما انه لاخير في التكلم بالجهل غير انهم اكثروا الحث على لزوم السكوت وقلة الكلام لان خطر الكلام اقوى واعظم ولذلك كان الذم للمكثار الزم، فقد علمت استحقاق الغانم بكلامه الخيرى والسالم بسكوته الذى بنبغى لاستنزال الرحمة الرحمانية والعناية الربانية بدعائه المستجاب الذى ليس دونه حجاب، والله ولى التوفيق. الكلمة الخامسة قوله عليه السلام: الاعتذار تذكير بالذنب. اقول: الاعتذار طلب العذر من المجني عليه، والعذر محو اثر الجريمة من الذكر ليتبين ان اعتقاد سبب ذلك الاثر (1) لم يكن مطابقا وهو مأخوذ من قولهم: اعتذرت المنازل إذا درست، والذنب الجرم والمقصود بيان ان اعادة الاعتذار مستلزم لتذكير المجني عليه بالذنب الصادر في حقه وتقرير هذا الحكم ان نقول: ان ترك الفعل أو القول الذى يحتاج معه الى الاعتذار واجب فان كان ولابد فليكن الاجتهاد في الاعتذار بخلوة من المعتذر إليه دون ان يكون هناك من لا يحتاج إليه في قبول الاعتذار من الشفعاء والوسائط فان الاعتذار بين الخلق مما يشهر حال المعتذر بفعل القبيح المبنى على الستر ويفيد انكسار الحياء وكشف قناعه على الوجه وخشونة الحدقة وقحة الملاقاة وضروب الشرور ثم يجتهد المعتذران لا يزيد في الاعتذار على المرة الواحدة وكفى بها فان في المعاودة شرورا، منها كثرة المطلعين من الخلق على ذلك القبيح الصادر المحتاج الى طلب العذر، منها تذكير الشاعرين بذلك الجرم من الاعتذار الاول ودوام التأذى من قبلهم للمعتذر، ومنها وهو اصعبها تذكير المعتذر منه بالذنب الواقع في حقه واثارة ضغنه (2) واحقاده


(1) - ب: " الاثم ". (2) - ج د: " صفته ".

[ 150 ]

على المعتذر، ولصعوبته خصه عليه السلام بالذكر، وفى هذه الكلمة تنبيه على التأدب بترك اعادة الاعتذار لما بيناه من الاسباب وهو المقصود الذاتي من الكلمة وهو من اشرف محاسن الكلام واجمع مكارم الاداب، والله ولى الهداية. الكلمة السادسة قوله عليه السلام: النصح بين الملا تقريع. اقول: النصح والنصيحة تنبيه الانسان على ما عساه غافل عنه من المصالح في امر معاشه أو معاده، والتقريع شدة الضرب بالكلام وقوة اللائمة والتوبيخ، والمراد في هذه الكلمة تأديب الناصح بالادب اللائق باستجلاب الانس الموجب للمحبة و الالفة الذى بينا وجوب تحصيله وذلك ان من اداب النصح اخذ المنصوح بالرفق ولين الكلام وخفض الصوت وفى اخلي المواطن واسر (1) الاحوال والتعطف (2) إليه بالكلمات البعيدة عن الامر الذي يتعلق بالنصيحة وبالتعريض دون التصريح فانه ابلغ، وبضرب (3) الامثال فانه احسن من الكشف، وبالجملة ما يبسط النفس ويضع الانس ويتدرج (4) في ذلك الى ان ينتهى الى المطلوب فيخاض (5) فيه، ولو كان التعريض و ضرب الامثال في مجلس والتصريح بالمطلوب في مجلس بعده فهو اصوب، وإذا عرفت ذلك عرفت ان النصح بين الملا من جملة اضداد الرفق شديد الوقوع على ذهن المستمع مثير لقوته الغضبية منفر لطبعه لما فيه من اطلاع الخلق عليه لما احتاج الى نصيحة (6) فيه وتقريع عليه وربما كان السبب في اثارة قوته الغضبية اعم مما ذكرنا (7) وذلك


(1) - ج د: " اليسر ". (2) - ا: " وتعطف " ب " ويتلطف " (بصيغة المضارع الغائب) ج د: " وبتلطف " (بباء الجر ولفضة المصدر). (3) - ب د: " ويضرب " (بصيغة المضارع الغائب). (4) - ا: " وتدرج " ج: " ويدرج ". (5) - كذا فلعله: " فيخوض ". (6) - ج د: " نصحه: " ب " نصح ". (7) - ب: " ذكرناه "

[ 151 ]

لاحتمال ان يكون الامر الذي يتعلق به النصيحة ليس مما يستخفى بفعله (1) فإذا نصح صاحبه فيه ظاهرا ثارت قوته الغضبية لما (2) ان ضربه بالكلام الناصح يوجب له اعتقاد ان الخلق ربما استنقصوا عقله واستصغروا رأيه في عدم الاصابة لذلك الامر وحاجته فيه الى الضرب بالكلام بينهم فينفر طبعه لذلك، ولهذا السركانت هذه الكلمة مستلزمة للتنبيه على النهى عن النصح على هذا الوجه المخصوص، والله ولى التوفيق. الكلمة السابعة قوله عليه السلام: الشفيع جناح الطالب. (3) اقول: الشفيع هو الطالب لغيره كأنه يشفعه في قضاء حاجته بعد ان كان وترا، واطلاق لفظ الجناح الذى يخص الطائر بحسب اصل اللغة على الشفيع مجاز حسن من باب الاستعارة والتشبيه، ووجه المشابهة ان جناح الطائر لما كان وسيلة له الى طلب ما يحتاج إليه من المطالب والى الهرب عن كل مهروب (4) منه كذلك الشفيع وسيلة للمستشفع الى تحصيل الامر المطلوب له، والى الخلاص من الامر المهروب منه، وفى هذه الكلمة تنبيه وحث للشفيع على السعي في الشفاعة فيما ينبغى وحث لطالب (5) الحاجة على حفظ قلوب الاخوان (6) وادخارهم لوقت الحاجة الى التوسل بهم في المطالب اما الاول فالانها اعني الشفاعة سبب من اسباب حصول المطلوب للطالب فيكون للشفيع شركة في وجود هذا المطلوب كالجناح الذى هو آلة بها يحصل المطلوب، ولذلك


(1) - ا: " فعله ". (2) - ا: " كما ". (3) - قال الشارح في شرح نهج البلاغة في شرح تلك الكلمة (ص 587): " استعار له لفظ الجناح باعتبار كونه وسيلة له الى مطلوبه كجناح الطائر ". (4) - ب ج د: " المرهوب ". (5) - ب ج د: " لصاحب ". (6) - ج د: " الاعوان ".

[ 152 ]

كانت الشركة بينهما حاصلة في الجزاء لقوله (1) تعالى: من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها، ومن يشفع شفاعة سيئه يكن له كفل منها (2) وايضا فان الشفاعة من اسباب الالفة والمحبة وقضاء الحوائج والمهمات التى هي المطلوبة من كثرة الخلق و اجتماعهم، فيكون تاركها كالكاسر لمقتضى العناية الالهية والحكمة الربانية وذلك يدل على ان السعي فيها من القربات والوسائل الى الخالق المعبود جلت قدرته، واما الثاني فظاهر، وبالله التوفيق. الكلمة الثامنة قوله عليه السلام: المسؤول حر حتى يعد (3). اقول: قد عرفت معنى الحر والمراد به ههنا الخالص من وثاق الرق ويقابله العبد، والمقصود ههنا ان المسؤول الخالص من الرق هو حر مادام لا يعد بحاجة فإذا وعد صار الوعد من جملة اسباب استعباده، وتقرير هذا الحكم ان الانسان الموصوف بالحرية بالنسبة الى الامور المطلوبة منه له ثلاثة احوال وذلك انها اما ان يبذلها أو يمنعها رأسا أو يعد بها، وعلى الوجهين الاولين هو حر، وعلى الوجه الثالث هو عبد، واطلاق العبودية عليه مجاز عن الموثوق بوثاق الرق ووجه المشابهة قد سبق بيانها في قوله عليه السلام " بالبر يستعبد الحر " ونزيدها تقريرا فنقول: لما كان من صفات العبد انه مطالب من السيد في كل وقت بما اشتغلت به ذمته من قضاء الواجب عليه من الخدم والاشغال فكذلك باذل الوعد اطلق عليه انه عبد لتحقيق هذه الصفة فيه وذلك انه مطالب من السائل في كل وقت بما اشتغل ذمته به بقضاء الواجب عليه


(1) - ب: " كقوله ". (2) صدر آية 85 سورة النساء. (3) - هذه الكلمة موجودة في شرح نهج البلاغة لابن ابى الحديد وشرحت فيه مفصلا، واما شرح ابن ميثم فلم اظفر بها فيه، فلعل الكلمة لم تكن موجودة في نسخته فلم يشرحها أو سقطت من النسخة المطبوعة.

[ 153 ]

بوعده من قضاء حق الاخوان من الحوائج والمهام فيبقى في رق الوعد الى ان يخلق (1) بقضائه الوثاق فيستحر حينئذ بلحوق العتاق، واما حريته في الوجهين الاولين فلعدم تحقق الصفة المذكورة في حقه واعلم ان قضاء الامر المسؤول مع امكانه اشرف من الوعد، اما بالنسبة الى السائل فلان الانتظار موت احمر، واما بالنسبة الى المسؤول منه فلانه بذل في حقه على شرف قوته العقلية بملكة الحياء والسخاء وغيرهما من الفضائل بخلاف الوعد فان الوعد بما يمكن انجازه يدل على مجاذبة القوة الشهوية للعقل وقوتها عليه في ترديد الامر المسؤول بالقضاء والمنع، ثم الوعد اشرف واولى من المنع بالكلية فان الحرمان شؤم وسبب للمقاطعة والمباينة المضادة (2) لما هو مطلوب من العناية الالهية باجتماع الخلق وتكثرهم (3) مع ما يستلزم من ذهاب الحياء بتعويده وقحة الوجه وخشونة الجانب، والوفاء اشرف من الخلف لا ستلزامه عدم فضيلة الحرية والوفاء والذم العاجل العارض من رذيلة البخل وما يصحبها من الرذائل، وقد اطبق العقلاء على حسن قضاء الموعود والوفاء به وفى المثل: انجز حر ما وعد. وعن عوف بن النعمان الشيباني انه قال في الجاهلية: لان اموت عطشا احب الى من ان اكون مخلاف الوعد. وفى المثل السائر: الوفاء من الله بمكان، وفى التنزيل الالهى في مدح اسماعيل عليه السلام (4): انه كان صادق الوعد، وعن عبد الله بن عمر انه وعد رجلا من قريش ان يزوجه ابنته فلما حضرته الوفاة ارسل إليه فزوجه اياها فقال، كرهت ان القى الله تعالى بثلث النفاق، واراد الكذب لان الخلف في الحقيقة كذب، وذلك لان النفاق في الدين مركب من ثلاثة اجزاء، احدها الخروج من الايمان بالقلب، والثانى الرياء بالاعمال من اعتقاد صحتها، والثالث الكذب وهو القول باللسان مع مطابقته للاعتقاد وإذا لقوا الذين امنوا قالوا امنا وإذا خلوا الى شياطينهم قالوا انا معكم انما نحن مستهزؤن (5) و: واذ جاءك المنافقون قالوا انشهد انك لرسول الله والله يعلم انك


(1) - ب ج د: " يخلع " ومن معاني الخلق القد والمعنى واضح. (2) - ج د: " المضارة " (بالراء). (3) - ا: " وبكثرتهم ". (4) - من آية 44 سورة مريم. (5) - آية 14 سورة البقرة.

[ 154 ]

لرسوله والله يشهد ان المنافقين لكاذبون (1) لعدم مطابقة اقوالهم اللسانية لما انطوت عليه ضمائرهم من العقائد الفاسدة فالكذب حينئذ ثلث النفاق وهو اقوى الاجزاء فسادا لتعدى ضرره الواقع منه الى الغير دون الجزئين الباقيين وعلى ذلك يحمل قول النبي صلى الله عليه وآله، الكذب رأس النفاق. وقد (2) تنبهت ايها الاخ مما ذكرنا على وجوب انجاز المواعيد لتخلص به الى الحرية من رق من وعدت فان هذا الرق اعظم واقوى لتعلق الذنب بالاخرة دون الرق الحقيقي واليك الاعتبار (3) والله ولى التوفيق. الكلمة التاسعة قوله عليه السلام: اكبر الاعداء اخفاهم مكيدة. اقول: المكيدة فعيلة من الكيد وهو الاحتيال والخداع، والمقصود في (4) هذه القضية بيان ان كل من كان من الاعداء اخفى كيدا وادق نظرا في الاحتيال كان اكبر الاعداء أي اعلاهم درجة في العداوة واولى بالتحفظ منه من سائر الاعداء، وبرهان هذا الحكم انك فد عرفت ان العداوة بغض صادق يهتم معه بجمع الاسباب الموذية للمبغوض ومحبة افعال الشرور التى يمكن فعلها به وإذا كان كذلك فنقول: كل من كان اقدر على اخفاء الحيلة والخداع كان اقدر على تحصيل الاسباب الموذية لعدوة و كل من كان كذلك كان اعظم الاعداء واكبرهم مكيدة ينتج ان كل من كان اخفى حيلة كان اعظم الاعداء واكبرهم، واما الصغرى فظاهر إذ كان المتجاهر بالحيلة في اذى عدوه قلما يظفر به لاطلاع العدو على كل ذلك واحترازه منه، واما الكبرى فلانه لا معنى لاكبر الاعداء الا من كان اقدر على النكاية والانتقام فقد صحت هذه القضية بالبرهان.


(1) - آية 1 سورة المنافقين. (2) - ب ج د: " فقد ". (3) - ا: " الاعتذار ". (4) - ا: " من ".

[ 155 ]

واعلم ان التحفظ وان كان من كل الاعداء واجبا لما ان اتفاق الحكماء على انه لا ينبغى للعاقل ان يستصغر عدوا وان صغر فانه من فعل ذلك اغتر ومن اغتر لم يسلم لكن التحفظ من دقيق النظر في الحيلة والخداع اهم والعناية بشأنه اتم فانه ان كان بعيدا لم تؤمن عودته وان كن قريبا لم تؤمن وثبته، وان انكشف منك جانب لم تأمن كرته وان كانت متحزما لم تأمن مكره وحيلته ومثل هذا العدو وان عد ذكيا الا انه قد غير فضيلة الذكاء الى جانب الافراط منها وهو الخبث وقد علمت انه رذيلة نفسانية وصاحب هذه الرذيلة يسمى داهيا ومتجربزا، وهذه الكلمة من التنبيهات المصلحية على مراعاة تمييز اكبر الاعداء والتيقظ لاخفاهم حيلة والاحتراز من عداوته والحيلة في كيفية دفعه ودفاعه وعليك في هذا المعنى بمطالعة الباب الرابع (1) من كتاب كليلة ودمنة فتستفيد بتأمله فوائد جليلة، والله تعالى هو المنقذ من اعدائه وكفى به معينا ينصر من يشاء وهو القوى العزيز. الكلمة العاشرة قوله عليه السلام: من طلب مالا يعنيه فاته ما يعنيه. اقول: المقصود من هذه الكلمة الحث على الاشتغال بطلب الامور التى بها يكون صلاح المرء في نفسه باصلاح طرفي معاشه ومعاده اما في طرف المعاش فتحصيل الامور التى لابد منها في قوام البدن وبقاء النوع وما يلزمهما (2) وترك الفضول الزائدة التى لا يعود إليها ضرورة واما في طرف المعاد فالسعي في تحصيل الكمالات العلمية (3) والفضائل الخلقية التى هي وسيلة الى نيل السعادة الابدية واللفوز بالنعيم السرمدي وإذا عرفت ذلك فنقول: الامور التى ذكرنا انه بجب على الانسان طلبها هي الامور التى تعنيه اي


(1) - كأنه يريد به باب البوم والغربان لانه الباب الرابع من اصل الكتاب، ولان البحث فيه عن الحزم اكثر فيه من البحث عنه في سائر الابواب. (2) - ب ج د: " يلزمها ". (3) - اد: " العملية " (بتقديم الميم على اللام). (*)

[ 156 ]

التى يجب ان تدخل في عنايته باحواله التى هي فضيلة بالنسبة الى تلك الامور التى لاتعنيه إذ كانت خارجة عن حاجته زائدة على الامور المكملة له فإذا فرض انه اشتغل بالامور التى لا تدخل في عنايته فقد اشتغل بما لا يعنيه وبذلك يفوته ما يعنيه إذ كان قد اشغل (1) بها وقته الرى يجب ان يستوعبه في تحصيل كماله الذى يعينه فان وقته لو كان اضعاف ما يمكن ان يمتد فيه عمره لم يتسع لاستيفاء كماله القوى باخراجة الى الفعل فإذا اشتغل لما لا يعنيه فقد فوت على نفسه كمالا يعنيه في وقت اشغله لما لا يعنيه. واعلم ان ذلك خروج عن (2) مقتضى العقل ووضع الاشياء في غير موضعها وهو عبور الى طرف الجور الذى هو طرف الافراط من العدالة وذلك هو الخسران المبين (3) قل هل ننبئكم بالاخسرين اعمالا الذين ضل سعيهم في الحيوة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا. (4) الكلمة الحادية عشر قوله عليه السلام: السامع للغيبة احد المغتابين اقول: الغيبه التحدث في عرض (5) الانسان حال غيبته بما ينفر طبعه من (6) المواجهة به، والسامع المستمع لها عن رضى وايثار، فان السامع المطلق اعم من المستمع فان السامع قد يكون سماعه بقصد ذاتي منه وقد لا يكون بل يكون عرضيا كسماع المار وغيره، والمستمع اعم من المستمع عن رضى فان المستمع قد لا يكون راضيا بل ينتظر سكوت المغتاب لجوابه أو لغرض أخر فإذا اطلاق لفظ السامع على المستمع على وجه


(1) - ا ب ج: " اشتغل ". (2) - ب ج د: " من ". (3) - ذيل آيتين من القرآن (11 سورة الحج و 15 سورة الزمر). (4) - آية 103 و 104 سورة الكهف. (5) - د: " اعراض ". (6) - ج د: " عن ".

[ 157 ]

مخصوص مجاز من باب اطلاق العام على الخاص، والغيبة تنقسم الى ما يكون بالكذب والى ما يكون بالصدق، وعلى التقديرين فاما ان يكون بما لو فعله المغتاب لخرج به عن ربقة الدين، اوالا يكون فهذه اربعة اقسام: الاول الغيبة الكاذبة بما يخرج به المغتاب عن الدين، الثاني الغيبة الكاذبة بما لا يكون كذلك، والثالث الغيبة الصادقة بما لا يخرج به عن الدين، الرابع الغيبة الصادقة بما يخرج به عنه، والثلاثة الاول مذمومة ملعون من اشتغل بها، اما الاولان فلاشتمالهما على الكذب الموذى الموجب لتلطخ النفس بملكة الكذب، واما الثالث فلكونه مع خلوه عن الفائدة اشتغالا بما لا يعنى ومستلزما لاذى الغير المؤدى الى التنافر (1) والتباين والتباغض المضاد لمطلوب الله تعالى كما بيناه. واما القسم الرابع فهو وان كان مذموما من جهة انه اشتغال بما لا يعنى لكثير من الخلق الا ان الشريعة قد رخصت فيه لاشتماله في بعض الاحوال على نوع من المصلحة قال عليه - السلام: لا غيبة لفاسق، ووجه تلك المصلحة ان الغالب في صاحب الفعل القبيح الذى ينفر طبعه عن المواجهة به ان يبلغه (2) ما يقال من القبيح في حقه وما ينشر بين العالم من مطوى سره الذى يستحى ويأنف من ابدائه واظهاره ويلحقه بسببه الذم والعار عاجلا والحسرة والعقاب اجلا فيتقهقر بنفرته الطبيعية عن ارتكاب ذلك القبيح ويبدله بضده المليح فيكون ذلك سببا داعيا له الى الله تعالى، ومن لا يجب داعى الله فليس بمعجز في الارض وليس له من دونه اولياء اولئك في ضلال مبين (3) إذا (4) عرفت ذلك فاعلم ان المقصود من هذه الكلمة بيان ان الاحكام المذكورة اللاحقة للمغتاب من الاقسام الثلاثة الاول للغيبة كما انها لاحقة له فهى ايضا لاحقة للمستمع لها عن رضى ومساعدة، إذ هما مشتركان في الرضا ومتكيفا الذهن بالتصورات المذمومة التى لا تنبغي وان اختلفا في ان احدهما قائل والاخر قابل لكن كل واحد منهما صاحب آلة اما احدهما فذو لسان


(1) - ج د: " الموذى بالتنافر ". (2) ا: " لعفله ". (3) - آية 32 سورة الاحقاف. (4) ج د: " واذ ". (*)

[ 158 ]

يعبر عن نفس قد تنجست بتصور الكذب والعزم عليه واما الاخر فذو سمع تقبل عنه النفس تلك الاثار عن ايثار وسؤ اختيار فيألفها ويعتادها فيتمكن من جوهرها سموم عقارب الباطل ولذلك قيل: السامع شريك القائل، فاسمع ايها الاخ من بحثنا ما يجب ان تسمعه فعساك بعدها لا تسمع ما ينبغى ان لا تسمعه، والله ولى السرائر ويهدى من يشاء الى صراط مستقيم. الكلمة الثانية عشر قوله عليه السلام: الراحة مع اليأس. اقول: الراحة لذة تحصل للنفس بالسكون عن الحركات المتعبة سواء كانت تلك الحركات حسية أو عقلية، والياس من الشئ هو انقطاع الطمع منه لاعتقاد انه لم يصر ممكن التحصيل بعد اعتقاد انه كان كذلك، والمقصود بيان ان الراحة لازمة لليأس وذلك ظاهر فان الحركات النفسانية الموجهة للحركات البدنية الى تحصيل المطلوب انما تكون قائمة ما دامت النفس متصورة لامكان تحصيله فإذا تبين لها ان تحصيله غير ممكن فلا بد وان ينقطع حركة الطلب الى تحصيله وتستبدل النفس من تعب حركات الطلب لذلك الراحة اللازمة عن السكون من تلك الحركات، وفى هذه الكلمة تنبيه على ترك الطلب والحرص فيما لا يكسب تحصيله نفعا ولا يعود على صاحبه الا بالاذى والمكروه فيما يجب عليه اصلاحه من امر معاده كالاستكثار من متاع الدنيا و اقتناء الكمالات الوهمية لان الراحة لما كانت مطلوبة وهى لازمة عن ذلك الترك وجب ان يكون ذلك الترك واجبا فان كل تلك الامور سموم ان لم تجهز أعقبت (1)، والمثل


(1) - كأنه مثل أو كلام يجرى مجراه والمراد انه " امور تعقب نتائج وخيمة ان لم تدفع ولم تعالج بدفعها وقلعها وقمعها ".

[ 159 ]

المشهور من سيد المرسلين صلى الله عليه وآله في ذلك: وان مما ينبت الربيع لما يقتل حبطا اويلم (1) والمراد به ان ملذات الدنيا وزينتها وان كانت ذات زهرة وجمال فقد تؤل بصاحبها إذا خرج في الاخذ منها الى مالا ينبغي الى سوء المغبة والشقاء الاشقى في الاخرة كما ان اكلة الخضر من الماشية اذالم تقتصد في مراعيها آل بها ذلك الى ان تحبط عنه بطونها اي تنتفخ فتهلك، والملمة النازلة من الامر فكما علمت فيما سبق ان الذل مع الطمع فاعلم ان الراحة مع اليأس، والله الموفق. الكلمة الثالثة عشر قوله عليه السلام: من كثر مزاحه لم يخل من حقد عليه أو استخفاف به. اقول. المزاح بضم الميم الدعابة وهو امر اضافي، والحقد غضب ثابت لتقرر صورة الموذى في الخيال مع عدم اعتقاد ان الانتقام في غاية السهولة أو في غاية الصعوبة وفائدة قيد كونه ثابتا انه لو لم يكن كذلك لما كانت صورة الموذى متقررة في الخيال


(1) - قال ابن الاثير في النهاية " فيه: احبط الله عمله اي ابطله يقال: حبط عمله يحبط واهبطه غيره وهو من قولهم: حبطت الدابة حبطا بالتحريك إذا اصابت مرعى طيبا فأفرطت في الاكل فتنتفخ فتموت ومنه الحديث: وان مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا اويلم وذلك ان الربيع ينبت احرار العشب فتستكثر منه الماشية ورواه بعضهم بالخاء المعجمة من التخبط وهو الاضطراب ولهذا الحديث شرح يجيئ في موضعه فانه حديث طويل فانه لا يكاد يفهم إذا فرق " وقال في " لم ": " وفى صفه الجنة: ولولا انه شئ قضاه الله لالم ان يذهب بصره لما يرى فيها اي يقرب، ومنه الحديث: ما يقتل حبطا أو يلم اي يقرب من القتل ".

[ 160 ]

فلا تشتاق النفس الى الانتقام وفائدة عدم اعتقاد سهولته انه لو حصل اعتقاد السهولة لكان كالحاصل فلا يشتد الشوق الى تحصيله ولذلك لا يبقى الحقد مع الملوك، وفائدة عدم اعتقاد صعوبته انه لو لو حصل ذلك الاعتقاد لكان كالمعتذر (1) فتقصر النفس عن الشوق الى حصوله ولذلك لا يبقى احقد مع الفقراء، واما الاستخفاف والاحتقار والاستهانة بالمنزلة والمقصود بيان ان من كثر مزاحه لم تخل حاله ممن يمازحه ويحاربه من احد حالين اما حقد عليه أو استحفاف منه وهذه قضيه متصلة مقدمها قولنا: من كثر مزاحه وتاليها اللازم لها قضية منفصلة مانعة الجمع والخلو وبيان ذلك ان المتمازحين اما ان يكونا شريفين أو وضيعين أو احدهما شريفا والاخر وضيعااما الاول فلان المزاج يزرع بينهما حقدا باقيا ولا يحصل مع ذلك استخفاف من احدهما بالاخر لا عتقاد كل واحد منهما شرف الاخر، واما الثاني فلان المزاح يوجب بينهما استخفافا واستصغارا من كل واحد منهما لصاحبه ولا يتصور هناك حقد اما لان سلاطة كل واحد منهما على الاخر وجرأته عليه واستخفافه به قام مقام انتقامه منه، أو لاعتقاد كل واحد منهما ان الانتقام صعب، واما الثالث فلان المزاح يوجب بينهما ايضا الاستخفاف دون احقد، اما من الشريف فلاستصغاره امر الضعيف وسهولة الانتقام منه فلا يبقى له غضب في حقه، واما من الضعيف فلان استخفافه بالشريف وسلاطته عليه من جهة بسطه لنفسه معه يجرى في حقه مجرى انتقامه منها أو انه لاعتقاده صعوبة الانتقام لا يبقى له الحقد فثبت بما قررناه ان الحقد والاستخفاف لا يجتمعان ولا يرتفعان، واما بيان الملازمة فلان كثيرا المزاح مستلزم لحركته تلك لثوران القوة الغضبية من الممزوح معه وبثوران الغضب يكون احد اللازمين المذكورين. فاعلم ان المزاح قد يكون محمودا وقد يكون مذموما، والاول هو المزاح المعتدل المقدار الذى لا يخرج بصاحبه في الكمية و الكيفية الى ما لا ينبغى، والوقوف على المقدار المعتدل منه وان كان صعبا لغلبة القوة الشهوية


(1) - ب ج: " كالمعتذر ".

[ 161 ]

عند انبعاثها في المزاج من اكثر الخلق وقلة مراجعة العقل بالتحديق الى ما يجره ذلك الفعل عن كثرته ولقلة الاطلاع من المزاج (1) على تفاوت الامزجة في قبول ذلك الفعل وعدم قبوله وسرعة انفعال طباعهم لسرعة تصور متخيلاتهم للموذى وبطوءه لكنه ممكن ومع امكانه هو موجود وذلك ممن استكمل الفضائل العلمية والعملية وكانت قوته الشهوية في اسر قوته العقلية وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يمزح ولا يقول الا حقا وكان امير المؤمنين عليه السلام كذلك، وذمه عليه السلام لكثرة المزاح في هذه الكلمة دليل على انه كان يقف منه على القدر المحمود، والسبب في كون القدر المعتدل منه محمودا هو انه من الاسباب الباسطة للنفس الموجبة للانس الذى هو سبب الالفة التى هي سبب المحبة التى بينا وجوبها فيما سبق وانها مطلوبة من العناية الالهية وحينئذ يكون ذلك المقدار متعلقا بالفضائل الخلقية وسببا من اسباب الاستكمال النفساني، واما المذموم منه فهو الذى يبتدئ به صاحبه ولا يدرى اين (2) يقف منه فيخرج به عن احد الاعتدال (3) الى ما لا ينبغى ولا يزال يزداد به في حق صاحبه حتى يثير قوته الغضبية ويقع احد ما ذكرنا، وكل ذلك موجب للوحشة الموجبة للمقاطعة والتباين المضاد للالفة والمحبة فيحصل ضدما ذكرنا من انه مطلوب العناية الالهية فواجب على من لا يعرف اين (4) يقف منه إذا ان يحذره ويتذكر قول القائل: رب حقد قاده اللعب، وقول الاخر: لا تمازح الشريف فيحقد عليك ولا الدنئ فيجترئ عليك، وقول الشاعر: اياك اياك المزاح فانه * الى الشر دعاء وللشر جالب والعجب الذى لا ينقضى ممن عاب امير المؤمنين بالدعابة فقال: لولا ان فيه دعابة ؟ ! كيف يقبل منه ذلك فان هذا الانكار ان كان لانه ارتكب القدر المعتدل منه وقد عرفت انه أمر محمود كان ذلك انكارا مستلزما للنهى عن المعروف وهو غير جائز، وان كان ذلك لانه ارتكب القدر الخارج منه الى مالا ينبغى فترى انه عليه السلام كان


(1) - ا ج د: " المزاح ". (2) -: " أو " د " انى ". (3) - ا ب: " العدل ". (4) - ج د: " انى ".

[ 162 ]

لايعرف القدر الذى يجب الوقوف عنده من المزاح مع ما تواتر عنه مما يوضح انه كان اكمل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وآله في قوتيه النظرية والعلمية وانه ينبوع العلوم اليقينية والاخلاق الرضية الذى يستقى (1) من تياره فحول الاسلام من اكابر العلماء الراسخين واشراف الزهاد العارفين كما هو مأثور عنه مشهور وفى اذهان الخلق مقرر مسطور، مع ما صدر عنه في ذم المزاح المفرط في هذه الكلمة وغيرها وما نقل عنه عليه السلام من الرد على العائب له بذلك وتكذيبه اياه وذلك قوله عليه السلام في ذكر عمرو بن العاص (2): يزعم لاهل الشام ان في دعابة وانى امرؤ تلعابة، اعافس وامارس، لقد قال باطلا ونطق اثما، اما وشر القول الكذب، انه ليقول فيكذب، ويعد فيخلف، ويسال فيلحف، ويسأل فيبخل، ويخون العهد، ويقطع الال، فإذا كان عند الحرب فاى زاجر وامر هو ما لم تأخذ السيوف مآخذها، فإذا كان ذلك كان اكبر مكيدته ان يمنح القرم سبته، اما والله انى ليمنعني من اللعب ذكر الموت، وانه ليمنعه من قول الحق نسيان الاخرة، وانه لم يبايع معاوية حتى شرط له ان يوتيه أتية ويرضخ له على ترك الدين رضيخة. ومن انصف من نفسه وقهرها عن متابعة الهوى وسلوك سبيل العناد علم ان هذه الالفاظ لم تصدر عنه عليه السلام وهو مرتكب لما ينكره من ذلك. ويكفيك في معرفة فضل المعيب نقصان العائب المذكور بما اشتهر عنه مما ذكره عليه السلام فيه من الاخلاق الردية والافعال القبيحة فان من اجتمع فيه ان يكون كذوبا مخلافا للوعد بخيلا ملحفا (3) في السؤال يخون العهد ويقطع الرحم ثم ينضاف الى ذلك معجبا بنفسه لظنه الكاذب بنفسه في الحروب وغيرها انها مستحقة لمرتبة من الكمال مع انها ليست كذلك فيكون في ابتداء الحرب في صورة امر وزاجر ومشير مع انه ليس لشئ من ذلك بأهل حتى إذا اخذت السيوف مآخذها كان حينئذ مستشعرا لباس الخوف والجبن فرارا غير كرار وكان وجه خلاصه من الهلاك باظهار رذيلة الخبث والخداع عن اردء وجه واقبحه وهو كشف سوءته في رد


(1) - ا: " يستسقى ". (2) - انظر شرح النهج لشارح الكلمات (ص 210 - 209). (3) - ا: " ملحا " (من الح بالحائين). (*)

[ 163 ]

سيفه عليه السلام الذى لم يقتل به الا كافرا ومن هو في حكمه حتى صار ذلك مثلا يضمن الاشعار والاخبار الى يوم الدين قال: كما ردها يوما بسوأته عمرو، مع ما ظهر من نفاقه وكفره ببيع دينه من معاوية. واذ كان عائبه عليه السلام بهذا النقصان المستلزم لنهاية - الخسران كفاك ذلك في معرفة حاله وكذب مقاله واستلزم ذلك فضل المعيب وشرفه قال أبو الطيب: وإذا أتتك مذمتي من ناقص * فهى الشهادة لى بأنى فاضل والعدو إذا اطلق عنان هواه في اذى من عاداه اجتهد في قلب الفضائل رذائل وتصوير صحيح افعالة بصورة الباطل وخاصة عداوة عن حسد مرشح (1) بحقد صار عن مشاجرات ومجاهدات في الله وما اكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين (2) وما يؤمن اكثرهم بالله الا وهم مشركون (3). الكلمة الرابعة عشر قوله عليه السلام: كفى بالظفر شفيعا للمذنب. اقول: قد عرفت معنى الظفر ومنه القدرة على العدو والفوز، ومقصود هذه الكلمة الحث على التأدب عند الظفر بصاحب الجريمة بتشفيع الظفر فيه وترك اذاه وهو في الحقيقة اعني ذلك التأدب عند التعود به يكون اثرا للملكة المسماة بالحلم ويصير ملكة تسمى بالعفو، ثم انه عليه السلام اطلق لفظ الشفيع على معنى الظفر مع تباين حقيقتهما فان الشفيع كما علمت هو الشخص الذى يشفع المذنب في طلب الخلاص من جريمته بعد ان كان وترا، والظفر معنى من المعاني فتعرف (4) إذا انه اطلاق مجازى من باب الاستعارة والتشبية. وبيان المناسبة ان الشفيع كما يكون غايته في التلطف والتماس الاعذار وتحمل (5) الامتنان ممن إليه الشفاعة هو ازالة الامور المتوهمة في المشفوع له من وهم المشفوع إليه وذاكرته أو


(1) - ب ج د: " موشح ". (2 و 3) - ذيل آية 103 و 106 سورة يوسف. (4) - ب ج د: " فيعرف ". (5) - ب ج د: " ويحمل ". (*)

[ 164 ]

ازالة بعضها وبالجملة ما تسكن معه القوة الغضبية عن الحركة والتحريك في اذى المذنب والانتقام منه كذلك الظفر عند تحققه مزيل للحقد وكاسر للقوة الغضبية من الظافر عن التحريك لشهوة الانتقام اما لان المحرك لذلك الشوق وهو الوهم قد زال منه تصور الموذى أو لاعتقاد الظافر حالة ظفره قلة الاذى وعدم تأثيره في حقه وإذا لاحت هذه المشابهة الحسنه (1) لاح ان ذلك التجوز من احسن الاستعارات فكفى إذا بالظفر الذى في معنى الشفيع شفيعا للمحتاج الى الشفاعة في الصفح عن جريمته والتجاوز عن سيئته ومع ما ذكرنا فيه من سر فائدة تشفيعه وهى انه يحصل بالتعويد به الملكة المسماة بالحلم (2) له فائدة اخرى وهى ان تشفيع الظفر في الغالب موجب لانمحاء الحقد من جانب المظفور (3) به ايضا فيكون العفو عنه وترك الانتقام منه سببا لاعتقاده ايصال (4) المنفعة من العافى إليه فيكون ذلك سببا داعيا الى الميل الى جانب الظافر وموجبا لتبديل العداوة بالصداقة والوحشة بالانس والفرقة بالالفة والبغض بالمحبة، وكل ذلك قد عرفت انه مطلوب للعناية الالهية باجتماع الخلق وتكثرهم في الوجود فكفى إذا بالظفر شافعا حافظا للادب كاسرا للغضب واقيا من العطب موجبا للالفة والحب الذى فيه رضا الرب، والله ولى التوفيق. الكلمة الخامسة عشر قوله عليه السلام: رب ساع فيما يضره (5). اقول: السعي قد يكون سعيا ذاتيا وقد يكون عرضيا، اما السعي الذاتي


(1) - ج د: " الحسية ". (2) - ج د: " بالحكمة ". (3) - د: " المظفر ". (4) - د: " اتصال ". (5) - هو مروى في نهج البلاغة في وصية امير المؤمنين (ع) لابنه الحسن (ع) وشرحة الشارح (ره) هناك بقوله (انظر ص 524 و 526 من الطبعة الاولى): " نبهه بطريق التمثيل ايضا على التحرز في السعي والتثبت في ارتياد المصالح بقوله: رب ساع فيما يضره، فالاصل هو الساعي، والفرع هو المخاطب، والعلة هي السعي، والحكم هو التضرر ".

[ 165 ]

فانما يكون في تحصيل النافع لاعتقاد المنفعة المستلذ بها من جهته اما عاجلية كالسعي في تحصيل المنافع الدنيوية المستلذ بهاحسا، اواجلية كالسعي في تحصيل اللذات الباقية والخيرات الدائمة الموجبة لكمال النفس وسعادتها، واما العرضى فقد يكون نحو المنفعة وقد يكون نحو المضرة، مثال الاول اما نحو المنفعة الحاضرة فكمن يحتفر بئرا فيقع على كنز، واما نحو المنفعة الباقية فكمن يسعى في الاموال فيتفق له استاذ مرشد الى العلم بصير بمنهاجه فيهتدى به الى سواء السبيل. مثال الثاني اما نحو المضرة فكمن يحتفر بئرا فتنهشه حيه أو يكون سببا لترديه فيه (1) واما نحو المضرة الاجلية فكمن يسعى في تحصيل العلم فيتفق له استاذ مضل جاهل فيكسبه الجهل بشبهه (2) فيبقى منكسا في الظلمات، وفى درج هذه الاقسام اقسام اخرى بحسب اعتبارات اخر غيرى ان ما ذكرناه كاف في بيان المطلوب، إذا عرفت ذلك ظهر لك ان الساعي فيما يضره جزء من كل بالنسبة الى مطلق السعاة الطالبين للمطالب فلا جرم استعمل سلام الله عليه ههنا لفظ " رب " المقتضية للتقليل، وهذه الكلمة مستلزمة لوجوب التيقظ والاحتراز في المساعى والاجتهاد في تمييز نافعها من مضرها ولزوم القانون العدلى في تعرف كيفية السلوك للصراط المستقيم فان الباطل قد يكون بصورة الحق بالنسبه الى اوهام كثير من الخلق، والكذب في كثير من مخارجه وقد (3) يتشبه بالصدق، والله ولى الهداية. الكلمة السادسة عشر قوله عليه السلام: روحوا القلوب فان القلب أذا أكره عمى. اقول: المراد بالقلب النفس والاكراه الالزام لما يكره وروحوها اي ارددوها


(1) - كذا في النسخ والصحيح: " فيها " لان البئر مؤنثة قال الله تعالى: " وبئر معطلة ". (2) - ا ج د: " بشبهه " (بلفظ المفرد لا باضافة جمعه الى ضمير الاستاذ كما في المتن ". (3) كذا، وفى نسخة د: " قد " (بلا واو). (4) - ج د: " عادته ".

[ 166 ]

عما هي عادية (1) فيه من قولهم: روح ابله إذا ردها وقت الرواح من السوم الى المنزل، والعمى ذهاب البصر من العينين معا وهذه الكلمة من التأديبات الصلاحية للسالكين في العلوم والاعمال والمقصود بها ان القوى البدنية التى هي الات النفس في التوصل (4) - الى مراداتها المتعلقه بالبدن لاشك انا متناهية القوة فلا تقوى على الاعمال الغير المتناهية فإذا وجهتها النفس في تحصيل المطالب فتحركت كثيرا فانه حينئذ يحصل لها من الكلال والملال ما يوقف النفس عن العمل لضعف آلاتها (3) وملالها وربما بقى فيها ميل ونزاع (4) وان ضعفت التها وملت قوتها الفكرية الا انه إذا كان كذلك فينبغي ان الا تبالغ النفس في المعاطفة (5) على ذلك الفعل بعينه فانها ان فعلت ذلك خارت (6) قوتها الفكرية التى هي عينها التى تبصر بها وجوه المطالب ووهت (7) فزال نورها وذلك معنى العمى ولم يمكنها فتح ذلك البصر واستعادة ذلك النور الاعلى عسر لنفار الطبع عن المعاودة من تصور الوهم للموذى، وعرفت من هذا ان اطلاق معنى العمى على ما ذكرناه استعارة حسنة للمشابهة البينة من بحثنا فينبغي للساعي في تحصيل المطالب الفكرية ان لا يقهر نفسه و (لا) يلزمها السعي فيما عجزت عن تحصيله بل يروحها كما يروح صاحب الابل ابله لمراعاة مصالحها وحفضها من (8) العمى بالاكراه كما يراعى ذو السائمة ابله ويحفضها من العطب فان النشاط فيما يصرفها إليه ويسميها فيه بعد ذلك اتم والميل اصدق بحسب تجدد قوة القوى ونشاطها. فان قلت: هذا التأويل يتوجه عليه شكان: الاول ان الترويح يستدعى مروحا ومروحا والنفس لا تكون مروحة لنفسها فلما كانت هي المروح وجب ان يكون المروح غيرها ؟ ! الثاني ان الاكراه يستدعى مكرها ومكروها، والنفس لا يتصور ان تكون مكرهة لنفسها ؟ !


(1) - ج د: " عادته ". (2) - ب: " في توصل ". (3) - ب ج د: " آلتها ". (4) - ب ج د: " ميل ولها نزاع ". (5) - ب ج د: " المواظبة ". (6) - ا ج د: " حارت ". (7) - ا: " ورهت " (بالراء المهملة في فاء الفعل). (8) - ا: " عن ".

[ 167 ]

قلت: الجواب عن الاول ان المروح للنفس هو النفس من جهة عقليتها (1) للمصلحة في ذلك والمروح هو ايضا باعتبار ضعف آلتها حال ضعفها والى مثل ذلك اشير في التنزيل الالهى: يا ايها الذين امنوا قوا انفسكم واهليكم نارا (2)، فان المعطى للنفس الوقاية هو النفس من جهة كونها عاقلة لمصالحها وما يجب ان تفعل، ولاخذ للوقاية هو هي ايضا من حيث كونها قادرة متمكنة مما فيه مصلحتها وذلك غير متناف. وعن الثاني ان المكره للنفس هو هي من جهة عقليتها لما ينبغي ان يفعل وغلطها في ذلك فالمكره على ذلك السعي هو هي ايضا من جهة كونها قادرة على التصرف. فائدة - لو حملنا القلوب على القوى المفكرة باعتبار والمتخيلة بأعتبار وحملنا المروح لها على النفس الناطقة وحملنا المكره عليها والمكره على تلك القوى وحملنا على عدم انتفاع النفس بها وعدم رؤيتها لوجوه المطالب بواسطتها لكلالها وملالها حتى كان ذلك صالحا لان يكون هو المراد أو قريبا منه، والله ولى التوفيق. الكلمة السابعة عشر قوله عليه السلام: الادب صورة العقل. اقول: قد عرفت معنى الادب ومعنى الفعل، واما الصورة فتطلق ويراد بها في الظاهر ما يشاهد من الشكل والهيئة وتسمى صورة شخصية وتطلق في عرف قوم ويراد بها الجوهر الحال في المحل المقوم لما يحله (3) ويتحصل متحيزا باقترانه به وتسمى صورة طبيعية وتسمى محله مادة ويسمى المركب منه ومن محله جسما طبيعيا، وتارة يراد به ما يقع به اختلاف انواع الجسم بعد اشتراكها في الصورة الجسمية العامة وتسمى تلك صورة نوعية، وقد اطلق عليه السلام ههنا لفظ الصورة على الادب مجازا، والاشبه ان ذلك المجاز


(1) - عقليها ". (2) - صدر آية 6 سورة التحريم. (3) - ا: " يحله فيه ".

[ 168 ]

عما سميناه صورة شخصية ووجهه المناسبة بينعها ان الصورة الشخصية لما كانت سببا يعرف به كل شخص شخصا (1) ويميز الرائى بها (2) بعض الاشخاص عن بعض ويستثبتها خياله كذلك الادب هو سبب يوضح امر صاحبه ويستبدل بوجوده فيه على وجود استعداده للنفحات الالهية الذى هو عقله، وبتفاوته يستدل على تفاوت العقول ومغايرة بعضها لبعض كما يستدل بتفاوت الصور في حسنها وقباحتها على اختلاف الاشخاص وتغايرها. وإذا لاح وجه التجوز الحسن ونظرت الى المعنى المجازى المستحسن فقد اشرفت من (3) مصدرها (4) على بحر لا يعام وادركت صورة غاية لا ترام، وفى هذه الكلمة تنبيه على وجوب لزوم قانون الادب الكاشف عن وجود معنى العقل والمقرر له، والله يختص برحمته من يشاء (5) وهو الموفق. الكلمة الثامنة عشر قوله عليه السلام: اليأس حر والرجاء عبد. اقول: الرجاء توقع حصول المطلوب، واليأس عدم الرجاء عما من شأنه ان يكون راجيا ثم نقول: ليس المقصود ان اليأس نفسه له صفه الحرية ولا الرجاء له صفه العبودية بالحقيقة بل الراجى والآئس فإذا اطلاق هذين اللفظين على معنى اليأس والرجاء بحسب المجاز من باب اطلاق اسم المتعلق على المتعلق والمقصود بيان ان الراجى لامر ما اما من الله تعالى أو من احد من ابناء النوع لا يزال ما دامت نفسه منتظرة لذلك المرجو خاضعا للمرجو منه متذللا له، ذابا عنه ساعيا في مصالحه مجتهدا في ارضائه بكل انواع الرضا ويظهر الملق والتودد، ويحتمل (6) المشاق في المساعى من الذم وغيره حتى تجده في رجائه من عالم الخفيات والسرائر امرءا يبتهل ويدعو ويكثر زيارة المساجد ومواضع القرب


(1) - اب: " كل شخص شخص ". (2) - اب: " لها ". (3) - ا: " في ". (4) - ج د: " مصادرها ". (5) - مأخوذ من القرآن المجيد من آية 105 سورة البقرة. (6) - ا: " تحمل ".

[ 169 ]

ويوجب على نفس المنذورات في خلاص ما يرجوه ووصوله إليه ولا معنى للعبودية الا ذلك فان الخضوع والتذلل ههنا اتم ما يكون ان يكون، واما بيان ان الائس حر، فظاهر، إذ منقطع الرجاء من الشئ متخلص العنق من وثاق التذلل والخضوع للمرجو منه، وان كان اطلاق لفظ الحر والعبد على الراجى والائس مجازيا بالنسبة الى من وضعا له. وههنا نظر اخر - وذلك ان الحر يقال على ذي الفضيلة النفسانية التى بها يكسب المال من وجهه، ويعطى ما يجب في وجهه، ويمنع من اكتساب المال من غير وجهه، ويقابله العبد لمن له ضد تلك الفضيلة من الرذائل (1) ومعلوم ان الاول انما كان قادرا على التصرف المذكور بحسب قهر النفس الامارة بالسوء وتطويعها للنفس المطمئنة وانقيادها في اسرها، وان الثاني انما لم يقدر على ذلك لغلبة النفس الامارة على النفس المطمئنة وجذبها لها الى المشتهيات الدنية واللذات البدنية فإذا كان كذلك لاح لك حينئذ ان الراجى لامر فان لما كانت قوته الشهوية قائدة لعقله الى الطمع فيما لا ينبغى ان يطمع في وتوقع ما لا ينبغى ان يتوقع ولا يجوزان يشغل النفس بطلبه لاجرم كان عبدا لتحقق معنى العبودية فيه وهى الرذيلة الصادرة عن متابعة الشهوة، وان الائس لما كان منقطع الرجاء وزائل الطمع في هذه الاشياء دل ذلك على قهر قوته العاقلة لهواه ومتى كان كذلك كانت نفسه متحصلة لتك الفضيلة المسماة بالحرية فلا جرم كان حرا، والاعتبار الاول أظهر وأشهر والثانى أدق عند النظر، والله ولى التوفيق. الكلمة التاسعة عشر قوله عليه السلام: من لانت أسافلة صلبت أعاليه. اقول: المراد بالاسافل السبة (2) والاليتان، واللين الخنث وهو الاسترخاء


(1) - د: " من الرذيلة ". (2) - السبه (بضم السين وتشديد الباء) الاست.

[ 170 ]

والتكسر (1) لا مطلقا فان مطلق استرخاء ما ذكرنا لا يلزمة صلابة الاعالى بل على وجه خاص وهو ان يكون ذلك عن مباشرة الرجال والاتيان في ذلك المحل للشهوة العارضة الداعية الاتيان فيه ويسمى صاحب هذا الفعل مخنثا لكون الاسترخاء من لوازم ذلك الفعل إذ كان صاحب هذه الشهوة كثيرا ما يميل الى طباع النساء وخاصه في البلدان الحارة الرطبة فاطلاق الخنث على هذه الشهوة اطلاق اسم اللازم على ملزومه. واما الاعالى فالوجه واللسان والعين، وليس المراد صلابتها عدم قبول الانغماز فان قبولها للانغماز ظاهر بل المراد القحة والخشونة المتعارفة التى تصدر عن عدم الحياء كما ستعرفه في الكلمة التى بعد هذه الكلمة. واما السبب في تحريك هذه الشهوة فهو قوة تخيل (2) اللذة في هذا الفعل الباعثة لتحريك الشهوة بقوة وكثرة الاسباب المادية (3) للشهوة وقوتها في بعض الامزجة. ثم قد يكون الاستعداد لهذا الانفعال والتخيل لازما لوجود الشخص من اصل مادته فتراه من حيث الصبا (4) وقبل تمام الشهوة منخنث (5) الكلام يتعانى (6) لين كلمات النساء وكثيرا ما يرجى (7) لمثل هذا فلاح، وقد يكوهن ذلك الاستعداد عارضا اما عن عادة لذلك الفعل حدث ابتداؤها عن اجبار أو عن اختيار فتكون الحركة عن ذلك الاستعداد الى ذلك الفعل والمبادرة إليه سريعة. واما بيان لزوم التالى للمقدم فهو ان ذلك الفعل لما كان أقبح ما يرتكبه الانسان في العرف وبين اهل العالم وكان التظاهر به مستلزما لاطفاء نور ملكة الحياء من وجه الفاعل المستلزم لغلظ الوجه وقحة الحدقة لا جرم كانت صلابة الاعالى لازمة للين الاسافل كما سنزيده تقريرا في الكلمة التى تأتى بعدها. وقد عرفت ان هذه الكلمة مستلزمة للتنبيه على قبح ارتكاب هذا الفعل لقبح ما يلزمه من الرذائل التى يجب اجتنابها وتطهير النفس عنها، والله يطهر سرائرنا عن ملكات السوء انه ولى كل نعمة، وبه التوفيق والعصمة.


(1) - ا: " والتكسير " ج د: " والتليين ". (2) - ا: " تخييل ". (3) - ا: " المادة ". (4) - ب ج د: " الصبى ". (5) - د: " متخنث ". (6) - كذا في النسخ ولعل الصحيح: " يتعاطى ". (7) - ب ج د: " لا يرجى ".

[ 171 ]

الكلمة العشرون قوله عليه السلام: من طعن في عجانة قل حياؤه وبذا (1) لسانه. اقول: امراد من هذه الكلمة قريب مما قبلها فعبر عليه السلام بالطعن الذى هو في الاصل عبارة عن الضرب بالرمح وكل محدد مستقيم مما هو في حكمه عن الضرب بالقضيب مجازا ووجه المشابهة ظاهر وفيه يقول بعض (أهل) الخلاعة: يايها الناس من كانت له فرس * فليركبن عليها نومة الناس وليشددن بسرج لا حزام له * وليطعنن برمح لين الراس والعجان اسم لاخر القضيب مما يلى السبة وعبر به عليه السلام عن السبه مجازا اطلاق اسم المجاور على ما يجاوره، والبذاءة الكلام الفاحش، وانما خصص (ع) العجان بالذكر دون جوانب السبة لملاحظة لطيفة وذلك ان سبب وقوع لذة المفعول فيه بذلك الفعل انما هو محاكة قضيب الفاعل لاصل قضيب المنفعل وهو اعجانه المستلزمة لثوران الشهوة والموجبة للانزال دون سائر الجوانب فلذلك خصه عليه السلام بالذكر دونها، واما بيان - الملازمة بين جزئي هذه الشرطية فلان السبة لما كانت اخس مكان واقبحه من الانسان وكانت طبيعة الخلق مجبولة على سترها إذ كانت جبلة الانسان مبنية على ستر القبيح وكل ما عدا بين الخلق نقصانا ورذيلة، واظهار الجميل والمسارعة الى التكميل بكل (2) ما يعد كمالا وفضيلة، فإذا فرضت انسانا اتصف بهذا الفعل لعروض أسبابه فإذا ثارت (3) قوته الشهوية الى ارتكابه فان عقله حينئذ يكون مقهورا في شهوته فينساق (4) في قيادها الى قبول ما هو مشهور القبح (5) بين الخلق وما كان نافرا منه باصل جبلته من العار والشناعة القبيحة


(1) - ا: " بذ " (بتشديد الذال) ولعله مصحف: " بذأ " بهمز الاخر. (2) - ج د: " فكل ". (3) - د: " تأدت ". (4) - ج د: " فيساق " (5) - كذا والظاهر انه: " مشهور بالقبح ".

[ 172 ]

والسب الصادق والذم الفاحش بين الخلق ويأنس ولا يبقى له انكار ولاله منه نفار بل ربما تزيى بزى النساء اللاتى هن (1) محل الوطى بأصل الطبيعة، واستحسن ذلك والفه، وإذا كان كذلك لم تنحصر نفسه خشية من الذم وحذرا من اتيان القبيح اشنعه واشتهاره به عن رضى ومحبة، وحينئذ تحصلت له وقاحة الوجه والعين واللسان لامتداد الروح النفساني عند المواجهة بالقبيج ولا يزال ذلك يتزايد بحسب التعويد وطول المواجهة حتى لا يبقى له استشعار خوف من (2) ذم، والا انفعال عن مواجهة بشتم، فقد ظهر لك لزوم قلة الحياء للاتيان المخصوص في المحل المذكور، واما البذاءة فلازمة لقلة الحياء، ولما كانت هذه الرذائل والظلام (3) العارض من عدم هذه الفضائل مهروبا منها وكان ذلك الفعل هو السبب في لزومها كانت هذه الكلمة مشتملة على التنبيه للحذر من قربه والبعد عنه ما امكن، والله المستعان. الكلمة الحادية والعشرون قوله عليه السلام: السعيد من وعظ بغيره. اقول: السعادة في اللغة هي اليمن والمراد بها ههنا حصول الانسان على الكمال الذاتي له، والاتعاظ الانزجار عما يبعد عن الحضرة الالهية وينافى الكمال المطلوب، واعلم ان هذه القضية في تقرير متصلة وهى: من وعظ بغيره فقد سعد، وبيان الملازمة انا بينا ان العلل العالية الفياضة بالخيرات ليس في جانبها نقصان ولا ينسب إليها تقصير وحرمان بل الاصل في عدم حصول الكمال وتأخره هو نقصان المستعد في ذاته أو (4) عدم استعداده لمطلوباته حتى إذا تم استعداد النفس لامر يوجب فيضه من علته التامة وإذا كان كذلك فاعلم ان الاتعاظ هو انزجار النفس عن متابعة قواها البدنية التى هي شياطينها (5) حتى لا ترد


(1) - في النسخ: " الذين هم ". (2) - ا: " من خوف ". (3) - ا: " والكلام ". (4) - ج د: " و ". (5) - ب: " شياطينهم ".

[ 173 ]

موارد (1) الهلكات ولا تتدنس برذائل الملكات ولزومها لقانون العدل الذى هو (2) وسط بين طرفي الافراط والتفريط فيما يقودها إليه تلك القوى وتمنيها من اباطيل المنى فإذا فرضنا انها انزجرت مثل ذلك الانزجار عن نظرها بعين البصيرة الى حطام هذه الدار فلا شك ولا شبهة انها قد حصلت على الاستعداد المستلزم لنيل السعادة الباقية، واستشعرت لباس الامن سموم عقارب اللذات الفانية، واما ان ذلك الاتعاظ من الغير فلان كل موجود ممكن لا ينفك عن دليل واضح على الحكمة الالهية وبرهان شاهد على كمال العناية الربانية ففى كل شئ له ايه * تدل على انه واحد فإذا اطلعت النفس على اثر رحمة الله أو اثر سخطه لاح لها ان المطلوب ليس هو ما يميل قواها البدنية إليه وليس المراد ما تقبل بوجهها عليه فتتقهقر حينئذ عن طاعتها المردية وتنزجر عن متابعتها الموذية الى القانون العدلى ولا شك ان لزوم ذلك القانون معد لقبول السعادات الابدية. وقد وردت هذه الكلمة برواية أخرى وهى: السعيد من اعتبر بغيره. وتقديرها على هذه الرواية: من اعتبر بغيره، فان فسرنا الاعتبار بالاتعاظ لم يكن بين الروايتين مغايرة الافى اللفظ، وان فسرناه بالمجاوزة والتعدى كما سبق احتجنا في بيان اللازم للملزوم وهو ثبوت السعادة للمعتبر الى وسط هو الاتعاظ، اما المقدمة الاولى فلان المعتبر إذا نظر الى وفق الامر الالهى: قل انظروا ماذا في السماوات والارض (3) فاعتبروا يا اولى الابصار (4) فاستوفى شرائط النظر كان ذلك النظر مستلزما للمجاوزة الى المطلوب استلزام الكل لجزئه (5) فإذا حصل المطلوب على وجهه كان


(1) - ا: " مراد ". (2) - ا: " لقانون العدل هو ". (3) - صدر آية 101 سورة يونس. (4) - ذيل آية 2 سورة الحشر. (5) - ج: " الكلى الجزئية ".

[ 174 ]

ذلك سببا لكمال القوة العاقلة يتمكن معه من قهر قواها البدنية وجذبها لها الى المسالمة والمساعدة على تحصيل المطلوبات الحقيقية. واما الكبرى فبيانها ما سبق في الرواية الاولى وبتقدير صحة الرواية تكون هذه الكلمة صالحة الدخول في القسم الاول وفيها تنبيه على وجوب الاتعاظ فان السعادة لما كانت هي المطلوب (1) بالذات وكان الاتعاظ وسيلة إليها لاجرم كان واجبا، والله ولى التوفيق. الكلمة الثانية والعشرون قوله عليه السلام: رب امل خائب. اقول: الامل هو الرجاء، والخيبة عدم حصول المطلوب بعد السعي فيه، والمقصود من هذه الكلمة التنبيه على وضع الامال مواضعها كما ينبغى وعلى الوجه الذى ينبغى فان فيها ما هو خائب وان وجهه الامل مذلا (2) فيه نفسه وقد علمت ان اعظم السعي خيبة ما كان سعيا واملا للامور الفانية التى تفنى لذتها وتبقى حسرتها فنح ايها الاخ شهوتك جانبا وحدق بعين بصيرتك الى اين تضع املك فانك ستراه ان شاء الله. واما تصديره عليه السلام للكلمة برب المقتضية للتقليل فلان الامل لما كان في الغالب انما يوجه الامال الى الامور الممكنة في حقه والتى يكون متأهلا لها إذ ما لا يتصور امكانه في حقه ولا تأهله له لا يكون املا له وإذا كان في الاغلب مستعدا لما يأمله كان ظافرا بحصوله بحسب تأهله له سواء كان ذلك الامل بالنسبة الى الله تعالى أو الى احد من ابناء النوع، اما بالنسبة الى الله تعالى فواجب عند تأهل الامل لمطلوبه ان يظفره به ويفيضه عليه لما ان الجواد المطلق لاتوقف (2) فيه الاعلى تمام القابل في قابليته، واما بالنسبة الى ابناء النوع وان كانت أسباب الخيبة من القابل والمقبول منه كثيرة ولكن الاغلب عند الاجتهاد من الامل وتأهيل


(1) - كذا (2) - اب: " ومد ". (3) - اب: " توفق " ج د: " يوقف ".

[ 175 ]

نفسه لذلك المأمول يقع ذلك المأمول ولذلك قيل (1) من اجتهد وجد وجد، والتوصل الى الامور الممكنة في الاغلب ممكن وان كان على عسر، وحصولها وان كان على بعد جائز، وإذا كان كذلك كان خيبة الاملين اقلية الوجود بالنسبة الى ظفرهم بمطلوباتهم، واما اسباب تلك الخيبة فأمور جزئية واسباب قضائية لا تضبطها قوى البشر وان عد الامل في أنظارهم مستحقا والمأمول منه في العرف والعادة جوادا فلذلك صدر القضية برب المفصحة عن الاخبار باقلية خيبة الاملين، ربنا لاتجبهنا (2) بخيبة امالنا، ولا تفضحنا بسؤء أعمالنا، وأفض علينا رياح رحمتك، وأذقنا برد عفوك وحلاوة مناجاتك، انك انت الوهاب. الكلمة الثالثة والعشرون قوله عليه السلام: رب طمع كاذب. اقول: قد عرفت ماهية الطمع، واما الكذب فقد يطلق على مالا يطابق من اخبار (3) القائل اعتقاده وعلى ما لا يطابق من الاعتقاد (4) معتقده فيقال: ظن كاذب ووهم كاذب، ولما كان الطمع مستلزما في بعض الصور ظن حصول الشئ المطموع فيه اطلق عليه انه كذب اطلاقا لاسم (5) اللازم على ملزومه والمقصود ههنا بيان اقلية الطمع الكاذب بحسب المطابقة والحث على وضع الاطماع مواضعها بحسب الالتزام وهو المقصود الذاتي، بيان الاول ان الطمع في الغالب انما يتوجه نحو امر ممكن ممن يؤهل نفسه لتناوله وكان اعتقاد حصوله تارة يكون علما وتارة يكون ظنا وتارة يكون وهما، وكان الاعتقاد العلمي لاكذب فيه وكان الاغلب في الظن ان (6) لا كذب فيه وكان الوهم ايضا قد يطابق لا جرم


(1) - ا ب " ولذلك ما قيل ". (2) - ج د: " لا تخيبنا " يقال: " جبهه بالمكروه إذا استقبله به " ب ". (3) - ج د: " افعال ". (4) - كذا. (5) - ب: " اطلاق الاسم ". (6) - ب ج د: " انه ".

[ 176 ]

كان عدم مطابقة الطمع الصادر (1) عن تلك الاعتقادات وكذبه اقلي الكون فلذلك صدر عليه السلام القضية برب. بيان الثاني ان الكلمة مستلزمة للتنبيه على قبح الطمع في الامور الفانية إذ كان طلبها مع ما يؤدى إليه من امر المعاد مشتملا على كذب اعتقاد حصولها بحيث يكون السعي في ذلك المطموع فيه ضائعا لا يعود الا بالضرر فينبغي ان يكون الطامع في مجرى مواقع (2) طمعه العائد عليه بالنفع على تثبت، والله الموفق. الكلمة الرابعة والعشرون قوله عليه السلام: رب رجاء يؤدى الى الحرمان. اقول: الحرمان مصدر قولك حرمت فلانا العطية إذا منعته اياها بالكلية، والمقصود ههنا بيان ان الرجاء الذى هو سبب في العادة لحصول المطلوب قد يتفق ان يكون سببا لحرمانه وبيان ذلك ان الرجاء اما ان يكون من الله تعالى أو من احد من ابناء النوع وعلى التقديرين فقد يكون سببا للحرمان اما من الله تعالى فصورته رجاء محصل لوقر أو اوقار (3) من المال غلبه الحرص والشرة وساقه (4) امل الزيادة فيه الى السفر به في البحار والقفار وكان في القضاء الالهى تلفه وحرمان صاحبه بالكلية وان كان ذلك غير مقصود بالذات للعناية الالهية، واما من ابناء النوع فصورته ان يقصد الراجى الى بعض المثرين رجاء رفده فيغلبه الحرص والطمع على طلب ما لا يمكن أو التماس ما ينفر الطبع من التماسه فيكون ذلك مثيرا للقوة الغضبية وسببا لمنعه بالكلية بحيث انه لو اقتصر على ما هو دون ذلك واسهل منه لاعطى اياه ولما كان ممنوعا، ولما كانت هذه الاحوال اقلية الوجود بالنسبة الى الرجاء المؤدى الى حصول المطالب وبلوغ الامور المرجوة لاجرم صدر القضية برب. وفى هذه الكلمة ايضا تنبيه على وجوب وضع الرجاء موضعه كما ينبغى وعلى الوجه


(1) - ب: " الصادرة ". (2) - ب ج د: " تحرى مواضع " (3) - ا: " لوترا واوتار " ج د: لوفدا وفار ". (4) - ا: " سامه ".

[ 177 ]

الذى ينبغى ليحصل عن ذلك ملكه الحرية، ولان الرجاء الخارج عن مجراه الطبيعي مستلزم للحرمان المنفور منه طبعا، والله ولى التوفيق. الكلمة الخامسة والعشرون قوله عليه السلام: رب ارباح (1) تؤدى الى الخسران. اقول: الربح الزيادة الحاصلة من التصرف في قدر مخرج من المال للتجارة يسمى برأس المال ويقابله الخسران وهو النقصان الحاصل بسبب التجارة في ذلك القدر المخرج والمراد ان بعض الارباح سبب للخسران وهذا المطلوب يثبت (2) تصوره. واعلم ان لفظ الربح وان كان حقيقة (3) فيما ذكرنا فقد يطلق مجازا على تحصيل المعارف والعلوم الحقيقية والحصول على الكمالات النفسانية، ورأس مال هذه التجارة هي المعقولات الاولى والثانية بحسب تصرف التاجر وهو العقل فيها واستخراج الارباح التى هي النتائج من المقدمات. والحجج والحقائق من الحدود والرسوم، ووجه المشابهة بينهما هو ان لكل واحد منهما زيادة حاصلة عن اصله بالتصرف فيه، وكذلك لفظ الخسران كما كان حقيقة في النقصان الحاصل في راس المال كذلك يطلق مجازا على ما يحصل من الخلل في


(1) - هذه الكلمة في جميع النسخ الموجودة عندي " ارباح " بصيغة كما يلاحظ في المتن وما ذكره الشارح (ره) في شرحها ايضا يؤيد كون الكلمة هكذا الا ان الكلمة في كتاب " مطلوب كل طالب في شرح كلمات امير المؤمنين على بن ابى طالب (ع) " نقلت بلفظ المفرد على وزن صباح، ومقابلتها لما سبقها من قوله (ع): " رب رجاء " تؤيد كون الكلمة كذلك وكذا كونها مجرورة برب، قال الطريحي (ره) في مجمع البحرين: " والربح بالتحريك اسم ما ربحه الانسان وكذلك الرباح بالفتح " وصرح بمثل كلامه سائر علماء اللغه فالاولى كون الكلمة " رباح ". (2) - ا ب: " ثبت ". (3) - ج د: " حقيقته " (باضافته الى ضميره).

[ 178 ]

ترتيب الحدود والبراهين التى هي رأس المال المجازى. وإذا عرفت ذلك فنقول: قد يكون الربح الوهمي وهو المتعلق بالمال سببا للخسران بالمعنى المجازى أيضا ولست أعنى بالسبب ههنا العلة الموجبة فان احد المتقابلين لا يكون علة للاخر، إذ لا واحد منهما بمجامع للاخر وكل واحد من العلة والمعلول مجامع للاخر بل المقصود انه سبب عرضى معد والعلة لها شئ آخر. مثال سببية الربح الظاهرى للخسران الظاهرى ما شوهد بالحس ان رجلا سافر الى الهند بسبعة عشر دينارا ولم يزل يتردد ففى مدة يسيرة بلغت تلك الارباح سبعة عشر ألفا، ثم عزم على القرار فنازعته نفسه الامارة بالسوء الخروج وغلبه الحرص على طلب الزيادة فخرج فلم يلبث ان (1) هاج البحر على سفينته فغرقت وخرج عريانا لا يقدر على شئ مما كسب فكانت تلك الارباح مهيجة لحرصه على الطلب والسعى والازدياد فكان سببا معدا لحصول الحركات التى معها وقع ذلك الخسران، وامثال ذلك كثيرة. ومثال سببية الربح الظاهرى للخسران الاخروي هو ان المشتغل بتحصيل أرباح - التجارات المالية وقد أضنى (2) بدنه وأفنى عمره في الاسفار والمعاملات وتاقت (3) نفسه وانخرطت في سلك هواها وتدنس لوحها بالملكات الردية فحصلت على اضداد الربح المجازى الذى لا يجامعه فكانت تلك الارباح الوهمية أسبابا معدة لنفس حاحب هذه التجارة لان يتصف بأضداد الربح المجازى فكانت أسبابا مودية الى الخسران. ثم لما كانت تأديتها (4) الى الخسران اقلية الوجود بالنسبة الى تأديتها الى الارباح الوهمية والحقيقية أو الى السلامة من الخسران الكلى المردى في حضيض جهنم لاجرم صدرت هذه الكلمة أيضا برب. فينبغي للعاقل ان يميز الارباح المودية الى الخسران من غيرها ليسلم


(1) - ج د: " فلم يلبث الا ان ". (2) - ب: " انضى " يقال: " انضى بعيره انضاء = هزله بكثرة السير " ويقال ": " اضناه المرض اضناء = اثقله ". (3) - اب: " وانافت " ج د: " واتاقت ". (4) - ب ج د: " كان تأديتها ".

[ 179 ]

باجتنابها عن السقوط في مهاوى الصغار وحلول دار البوار سلامة تستبتع غنيمة عظيمة وتستلزم مسرة مقيمة، فان لها وجودا وان كان أقليا، وعلى الله قصد السبيل في اربح التجارت وأزكاها وانفعها وأنماها، وهو حسبنا ونعم الوكيل. الكلمة السادسة والعشرون قوله عليه السلام: في كل اكلة غصة، ومع كل جرعة شرقة. اقول: الاكلة الواحدة من الاكل والغصة بفتح العين المرة الواحدة من قولك " غص فلان بالماء = امتلا حلقه منه فلم يجزه (1) واما بالضم فهى الشجا، والجرعة من الماء وكل مائع شرب المقدار الذى يجذبه القوة (2) الجاذبة منه دفعة دفعة، والشرق الالم العارض عند الشرب من نفوذ الماء في غير المجرى الطبيعي من الحلق. والمقصود من هذه الكلمة بيان ان اللذات الدنياوية غير خالصة من شوب الالام، وغير صافية من كدورات الشرور، وان ما يعد فيها خيرا ولذة هو عند التحقيق خلاص من ألم وراحة من تعب، ثم هو ليس بخلاص دائم ولا براحة مستمرة بل مستعقبة للالم وملحوقة بالنصب فكنى عليه السلام بالاكلة والجرعة عن اللذات (3) الدنياوية لا ستلزامها اللذة وكنى بالغصة والشرقة عن الالم لاستلزامهما اياه فكان ذلك اطلاقا لاسم الملزوم على لازمه في الموضعين وهو مجاز حسن وانما خص هذين النوعين بالذكر من سائر الانواع المستلزمة للذة والالم لما ان الاكل والشرب اكثرها وقوعا في الوجود، وفى هذه الكلمة تنبيه لك ايها الاخ على (4) حال هذه اللذات الحاضرة فانها مشوبة بالالام موسخة بالاثام فانظر وفقك الله بعين بصيرتك وجه المناسبة بينها وبين اللذات الباقية الصافية وان كنت لا تطلع منها


(1) - ا: " فلم يحزه " ب د: " فلم يخره ". (2) - ا: " النفس ". (3) - ا: من اللذة ". (4) - ب: " عن ".

[ 180 ]

مادمت في عالمك هذا الا على قدر مغطى (1) بقشور الخيال محفوف من اللذات الحاضرة بامثال، تجد بينهما فرقانا (2) شديدا وامد بعيدا ولو جردت عقلك عن خيالك وأمكن لك ذلك لما وجدت بينهما مقايسة ولفقدت يبنهما المناسبة، والله تعالى هو الحاكم بالسعادة ومن عنده حسن الوفادة. الكلمة السابعة والعشرون والثامنة والعشرون قوله عليه السلام: إذا حلت (3) المقادير ضلت التدابير. (و) إذا حل القدر بطل الحذر. أقول: المقادير جمع مقدور وهو الامر المقدر من الله، والضلال الضياع والهلاك، والتدابير جمع تدبير وهو اجالة الفكر في ايقاع الافعال على الوجوه التى هي أنفع وأوفق بحال الانسان ونحتاج ههنا الى تفسير القدر ولما كان معلقا بالقضاء احتجنا الى تفسيرهما معا فنقول: قالت الحكماء: لما كان جميع صور الموجودات كلياتها وجزيئاتها التى هي بلا نهاية حاصلة من حيث هي منقوشة في العالم العقلي بابداع الحق الاول تعالى اياها، وكان ابداع الامور المادية منها ممتنعا إذ المادة غير مستعدة لقبول صورتين منها فضلا عن قبول مالا نهاية له وكانت العناية الالهية قد اقتضت تكميل المادة بابداع تلك الصور فيها واخراج ما فيها من قبول تلك الصور من القوة الى الفعل قدر بلطيف حكمته زمانا غير متناه من الطرفين يخرج فيه (4) تلك الامور الى الفعل (5) واحدا بعد آخر (6) فتصير تلك الصور في جميع ذلك الزمان موجودة في موادها والمادة كامله بها، وإذا عرفت ذلك فاعلم ان القضاء اسم لوجود جميع الموجودات في العالم العقلي مجملة على سبيل الابداع، والقدر عبارة عن وجودها


(1) - ا: " ما يغطى ". (2) - ج د: " فرقا ". (3) - ا: " حصلت ". (4) - ا: " مخرج " (بدلا من الكلمتين). (5) - ج: " العقل ". (6) - د: " بعد واحد آخر ".

[ 181 ]

في موادها الخارجية مفصلة واحدا بعد آخر. واليهما الاشارة في التنزيل الالهى: وان من شئ الا عندنا خزائنه وما ننزله الا بقدر معلوم (1) وإذا كان كذلك، فنقول: المقصود من هذه الكلمة ان المقادير وهى وجود الموجودات المادية إذا حلت اي حدثت وقامت بالمادة بالفعل وكانت امورا مكروهة الى طباع الانسان ككون (2) الامور المضادة للحياة في موادها أو كون امور اخرى يتضرر بها ويتأذى بوقوعها فان تقديراته واجالة فكره بقوته العملية في كيفية التوقى والسلامة من ذلك التأذى بحسب توهمة انه مالك لاموره قادر (3) على تسليم أحواله من الافات ومقتدر على التوقى بالحذر، والتدابير حينئذ تكون ضائعة باطلة غير منتفع بها إذ كان حكمه بالقدرة على التوقى حكميا وهميا (5) حتى لو راجع عقله لعلم ان المقادير أمور غيبية ولها اطوار وراء - العقول لا يحصن منها تدبير ولا يطلع على وجه الخلاص منها وان اطلع على مثل ما يعتاد معه دفع ذلك المكروه فيما مضى من الاوقات لقصور القوة الانسانية عن ادراك تفاصيل اسباب وقوع الامر المكروه وعرفت من ذلك معنى بطلان الحذر عند وقوعها فان الحذر هو التحرز والتحفظ من وقوع الامور المكروهة بحسب اجالة الفكر العملي أيضا في الحيلة والخلاص من وقوعها بالانسان وقد عرفت ان ذلك غير نافع عند حلول القدر فهو باطل. تنبيه - ولا يحملنك هذا البحث على الانهماك في المعاصي ولا استكثار من الامور الموبقة في...... (6) فإذا نوقشت على ذلك احلته على القضاء والقدر وزعمت (7) انك بذلك متخلص من العقاب فانك حينئذ تكون من الغالطين غلطا تكون به من الهالكين بل ينبغى ان تقبل بكليتك على قبول الاوامر والنواهي الشرعية والعمل بمقتضاها وتعلم


(1) - آية 21 سورة الحجر. (2) - ا: " لكون ". (3) - ب ج د: " وقادر ". (4) - ب: " أمواله " (بالميم في اول مفرده على ان يكون جمع مال لاكما في المتن من كونها جمع حال (بالحاء المهملة). (5) - في النسخ: " حكم وهمى ". (6) - هنا بياض بقدر كلمتين في ثلاث نسخ (ا ج د) واما نسخه ب فليس فيها كلمة " في " والبياض. (7) - ا: " فزعمت ".

[ 182 ]

ان موجدك قد أعطاك قدرة وعقلا وامرك بفعل هو ممكن في نفسه وبالنسبة الى ذهنك هو ممكن ايضا لك فالتكليف وارد عليك بحسب ذلك لا بحسب ما في علمه وان عقاب الانسان على خطيئة وهى الحركات التى لا تنبغي (1) منه المنسوبة إليه ظاهرا وفى اعتقاده الجازم بالقدرة عليها فيم يعد (2) جوهر نفسه لتمكن الملكات الردية منها ورسوخها فيها امر لازم جوهرها وهى نار الله الموقدة * التى تطلع على الافئدة (3) وكذلك ما يتبعها من دوام التعذيب بها (4) وانت بالنظر الى نفسك معتقد جازم بانك قادر على تدبير الخلاص من تلك الهيئات الردية بالسعي في اكتساب أضدادها، وعلى ان لا تعرض لنفسك بالكلية. واما نسبتك ذلك الى القدر فذلك ليس من تكليفك (5) على ان الشرور الواقعة بك ليس إليها (6) قصد ذاتي بالفضائل من حيث انه لا يمكن بز (7) الخير الموجود فيك منها والا لما كنت انت انت. فان خطر ببالك ما يقال: ان العقاب على الامور الواجبة ظلم وقبيح يجب تنزيه الله تعالى عنه فاعلم ان حديث الظلم وقبحه والعدل وحسنه آراء محمودة سبب شهرتها وحدنها (8) من جمهور الخلق اشتمالها على مصالحهم وانتظام امورهم دون ان تكون بديهية (9) فإذا بناء احكام الله تعالى عليها غير لازم ولا مستقيم.


(1) - ا: " لا تنتفى " ج د: " لا تبتغى ". (2) - اج د: " بعد ". (3) - آيتان من القرآن الكريم (6 و 7) سورة الهمزة) أتى بهما في كلامه. (4) - ا: " لها. (5) - ا: " منه تكفيك ". (6) - ج د: " انها ". (7) - ج د: " بر ". (8) - ب: " وحدثها " ج د: " ووجدتها ". (9) - هذا كلام عجيب جدا، وصدوره من مثله أعجب

[ 183 ]

الكلمة التاسعة والعشرون قوله عليه السلام: ليس العجب ممن هلك كيف هلك انما العجب ممن نجا كيف نجا (1) أقول: يشير في هذه الكلمة الى انه لا ينبغى ان يتعجب من كيفية هلاك من هلك في الاخرة باسباب الهلاك بل ينبغى ان يتعجب من كييفية نجاة الناجين والعلة في هذا الحكم انه لما كان الانسان ذا قوى ثلاثة بحسبها (2) تصدر عنه الافعال الاختيارية وتصير بسببها هالكا أو (3) مالكا وهى القوة الناطقة والشهوية والغضبية وكان الغالب على الناس في اكثر الاحوال الانحراف عن الاحوال التى ينبغى ان كونوا عليها وهى مطلوبة منهم


(1) - هذه الكلمة نقلت عن غيره عليه السلام ايضا لكن باختلاف في اللفظ، فمنه ما نقله المحدث الكاشانى المولى محسن الفيض (ره) في آخر رسالته الصغيرة الموسومة بمقالة ضياء - القلب وقد طبعت ضمن رسائلة مانصه (ص 185): " وروى عن الحسن البصري انه قال: ليس العجب ممن نجا كيف نجا، انما العجب ممن هلك كيف هلك، مع كثرة الدلالات ووفور البينات، وفى أمالى الصدوق (ره) باسناده قال: كان الصادق (ع) كثيرا ما يقول: علم المحجة واضح لمريده * وأرى القلوب عن المحجة في عمى ولقد عجبت لهالك ونجاته * موجودة ولقد عجبت لمن نجا وقال المجلسي (ره) بعد نقل البيتين عن امالي الصدوق مسندا في المجلد الاول من البحار (ص 117 من طبعة امين الضرب): " بيان - العجب من الهلاك لكثره بواعث الهداية ووضوح المحجة، والعجب من النجاة لندورها وكثرة الهالكين وكل أمر نادر مما يتعجب منه " وأوردهما ايضا في المجلد الحايعشر في ترجمه الصادق (ع) نقلا عن مناقب ابن شهر آشوب (انظر ص 111 من طبعة امين الضرب (فليعلم ان الكلام الاول المنسوب الى الحسن البصري قدنسب الى مولينا ابى محمد الحسن المجتبى عليه السلام على ما رأيت في بعض الكتب فمن اراد التحقيق فليراجع مظانه من مجلدات ناسخ التواريخ. (2) - ا: " بحقيقتها. (3) - اب " و ".

[ 184 ]

باللسان النبوى وذلك الانحراف بسبب طاعة قوتي الشهوة والغضب والانهماك فيما تميلان إليه بمقتضى طباعهما (1) وتجران القوة العاقلة إليه من مطلوباتهما وذلك مما يصرف عن التوجه الى القبلة الحقيقية ويمنع من التعلق بعصم النجاة فلا جرم كان التعجب من كيفية هلاك الهالكين تعجبا في غير موضعه لان اسباب الهلاك غالبة في الخلق اكثرية - الوجود، واكثرية وجود المعلول تابع لاكثرية وجود اسبابه. ولما عرفت ان درجات السعادة غير متناهية فاعلم ان درجات الهلاك والشقاوة (ايضا) غير متناهية ولسنا نعنى باهلاك الهلاك السرمدي فأن ذلك مختص بالانحراف على وجه مخصوص اعني ان يوجب ذلك الانحراف والميل ملكات ردية تلزم جوهر النفس فيدوم به العذاب بل نعنى به ما هو أعم من ذلك حتى يكون الهلاك المنقطع داخلا فيه ويكون اكثر وجودا من النجاة، وما كان اكثريا ومعتادا لا ينبغى ان يتعجب منه، وكان التعجب من كيفية نجاة الناجين تعجبا في موضعه لا يستنكر (2) لقلة اسباب النجاة وضعف وجودها من الخلق. وفى هذه الكلمة ايماء الى وجوب الاحتفاظ (3) والاخذ بالحزم في تحصيل اسباب النجاة والاجتهاد فيها فانها لا تدرك بالمنى ولا تحصل بالهوينا، واليك الاعتبار، والله تعالى ولى اعدادك لما هو اهله، وهو الموفق. الكلمة الثلاثون قوله عليه السلام: الاحسان يقطع اللسان. أقول: لفظ القطع يقال حقيقة على تفريق اتصال الجسم بالالة القطاعة كالسكين وغيرها، وقد استعملة عليه السلام ههنا مجازا في منع الكلام القبيح الخارج


(1) - ج د: " طباعهم ". (2) - ا ب: " لا يستكثر ". (3) - ب ج د: " الاحتياط ".

[ 185 ]

عن (1) لسان الذام الاحسان لا يفعل ذلك التفريق في اللسان بل يكون بسببه منع اللسان من الحركة بما لا ينبغى، ووجه المناسبة انه كما انه الغاية من قطع اللسان بالالة القطاعة ترك الكلام فكذلك في الغاية من اسكاته بالعطية، وهذا من محاسن الاستعارة. واما علة هذا الحكم فنقول الاحسان قسمان، ذاتي وعرضى، فالذاتي هو الذى يصدر عن الاخيار الفضلاء وذلك ان سيرهم محمودة محبوبة فهم محبوبون لذواتهم وأفعالهم مسرورون بأنفسهم مسرور بهم غيرهم، وكل احد يجب ان يواصلهم ويصادقهم، فهم أصدقاء انفسهم والناس أصدقاؤهم، ومن هذه سيرته فتجده يحسن الى الناس بقصد وغير قصد إذ كانت أفعاله محبوبة لذيذة والمحبوب اللذيذ مختار ومطلوب، وإذا كان كذلك فلابد وان يكثر المقبلون عليه والمحتفون به، ومن كانت هذه حاله برئ ان (2) يصل إليه ذم أو يلحقه لوم بل تكون الالسنة مقطوعة عنه بل هي دائما رطبة بالثناء عليه متحركة بشكره فضلا ان تكون ذامة له وهذا هو الاحسان الذى يبقى ولا ينقطع، ويزيد ولا ينقص، ويكون به الاخوة الصادقة والمحبة المطلقة. واما العرضى فهو الذى ليس بخلقي ولا معتاد لصاحبه ولاشك انه منقطع والمحبة العارضة عنه محبة عرضية مقيد دوامها بدوامه باقية ريثما هو باق وفيها زيادة ونقصان من طرفي المحسن والمحسن إليه، فان محبة المحسن تكون أشد من محبة المحسن إليه: واعتبر ذلك في المقرض والمستقرض تجد المقرض اشد محبة للمستقرض منه للمقرض وربما كان داعيا له بالبقاء وسبوغ النعمة والكفاية وان كان كل ذلك ليصل الى حقه وليعود إليه ماله لا لمحبة خالصة، واما المقرض فليس له هذه الهمة ولا ذلك الدعاء ولكن يكون شهوته الى الاحسان ومحبته له أشد من محبة المحسن. وإذا عرفت ذلك فمثل هذا الاحسان وان كان قاطعا للسان الا ان قطعه ليس بدائم ولا مستمر بل هو موقوف على دوام الاحسان، وقد يتفق لمثل هذا المحسن ان لا تنقطع عنه الالسنة عند وقوف الخلق واطلاعهم على ان ذلك الاحسان عرضى.


(1) - ج د: " من ". (2) - اب: " برئ انه " د: " من ان ".

[ 186 ]

واعلم ان الاول وان كان هو المقصود الذاتي من الكلمة الا ان الثاني ايضا مراد، إذ يصدق عليه انه قاطع اللسان ايضا. ثم اعلم ان الاحسان كما يقطع اللسان فهو موجب للالفة والمحبة كما عرفت التى هي سبب لتحصيل السعادتين، وعلة لاستحقاق المنزلين، وموجبة لمحبة الخالق والحصول في جواره المقدس كما اشير إليه في التنزيل الالهى: والله يحب المحسنين (1) وان الله لمع المحسنين (2) وبه يستعبد الاحرار كما يقطع السنة الاشرار، قال الشاعر (3): أحسن الى الناس تستعبد قلوبهم * فطالما استعبد الانسان احسان وينبغى للعاقل ان يلزم محاب الله فأنه يكون محبوبا لله، وان يكون من الكائنين مع الله، وان يختار لنفسه ما اختاره الله لنفسه من التسمية محسنا، فمن كان مع الله فقد حصل في جواره، ومن كان محبوبا لله فقد فاز بجميع مقاصده، ومن تخلق بأخلاق الله فقد استحق الخلود في دار البقاء وكل ميسر لما خلق له (4). الكلمة الحادية والثلاثون قوله عليه السلام: احذروا نفار النعم فما كل شارد بمردود. أقول: اسناد النفار والشرود حقيقة في النعم وقد استعملها عليه السلام ههنا مجازا في النعم ووجه المشابهة انهما يستلزمان المفارقة في الموضعين، والمقصود من هذه الكلمة التحذير من مفارقة النعم وهى الكمالات الخيرية بمفارقة أسبابها، والتنبيه بالسالبة الجزئية وهى قوله: فما كل شارد بمردود، على ان النعم بعد مفارقتها قد لا تعود إليكم فان


(1) - في مواضع من القرآن منها ذيل آية 134 سورة آل عمران. (2) - ذيل آخر آية من سورة العنكبوت وهى (آية 69). (3) - يريد به ابا الفتح البستى فان الشعر من نونيته المشهورة. (4) - هو وارد في حديث نبوى معروف.

[ 187 ]

الابل الشاردة كما يجوز ان الا ترد فالواجب حينئذ ان يكونوا من نفارها على حذر ويتقوا ما في ذلك من عظيم خطر. فان قلت: النعم امور موهوبة من واهبها فاسترجاعها جائز فضبطها وحفظها غير ممكن فلا يدخل في التكليف فان كثيرا من الخلق يحافظون على أموالهم ويجتهدون في ضبطها ولا يزيدها ذلك الانفارا ؟ - قلت: ليس المقصود من التحذير من نفارها والامر بحفظها هو حفظها بالجمع والضبط بل لعل المقصود من حفظها (حفظها) بالتفريق فان الانسان إذا فرق منها ما ينبغى ان يفرق على الوجه الذى ينبغى ان ينفق واكد ذلك السداد وايد (1) ذلك الاستعداد بالشكر والثناء على واهب تلك النعم بما هو أهله مراعيا (2) في ذلك قانون العدل كان لذلك أثر (3) عظيم في اعداد النفس لقبول العناية الالهية ببقاء تلك النعم ودوام تلك الافاضة، وإذا لم يفعل المنعم عليه شيئا من ذلك وخالف مقتضى العدل فيها لم يلبث ان تنفر نفار الناقة الشرود التى يوشك ان لا تعود. فان قلت: اليس قد قام البرهان على ان خلاف معلوم الله تعالى محال، وإذا كان كذلك فنقول: ان كان في علم الله تعالى ان تلك النعم تنفر أو لاتنفر فلابد وان تكون كذلك، فما الفائدة في التحذير ؟ وهل ذلك الاجار مجرى قولك للزمن: لاتطر (4) ؟ ! وان كان في علمه عكس ذلك فلابد وان يكون، فلا يتحقق الحذر ايضا ؟ - قلت: هذا كلام (5) حق الا ان ما علم الله وقوعه أو عدم وقوعه قد يكون مشروطا وقد لا يكون، فما كان مشروطا من ذلك فيستحيل ان يوجد من دون شرطه وان صدق انه يعلم وقوعه لكن مطلقا بل بشروطه وأسبابه، فعلى هذا جاز ان يكون التوقى والحذر من نفار النعم شرطا لبقائها فلهذا الجواز كان مأمورا بالحذر. بقى علينا ان يقال: انكم


(1) - ا: " ابد " (بالباء الموحدة). (2) - ا: " فراعى ". (3) - اب: " امر ". (4) - ا: " لا تطير ". (5) - ب د: " الكلام ".

[ 188 ]

اعترفتم بأن المشروط لا يجب ان يكون هو كل النعم مع انكم أوجبتم الحذر عند كل نعمه ؟ - فنقول: لما كان العبد غير مستقل وغير مطلع على اسباب الكائنات وشروطها وكانت غير محصورة ولا متناهية في حق الجليل (1) من الخلق فضلا عن جملتهم حتى يمكن ان يوقف (2) عليها وعلى اسبابها المفصلة لاجرم وجب ان يحذر الحذر المطلق لئلا يتوقى فيما ليس من شرطة التوقى والحذر ويتركهما في موضع هو في الحقيقة مشروط بذلك، فانه إذا حذر في كل نعمة مفارقتها فزع (3) الى حفظها بالمواظبة على اسباب الحفظ التى اشرنا إليها جملة فتلك المواظبة وان لم تكن شرطا لاستثبات تلك النعمة فهى معدة لضروب اخرى من النعم، وان كانت شرطا فقد صادف محله، والله ولى التوفيق. الكلمة الثانية والثلاثون قوله عليه السلام: إذا وصلت اليكم اطراف النعم فلا تنفروا أقصاها بقلة الشكر. اقول: أطراف النعم أو أوائلها، وأقصاها أو اخرها، والمقصود من هذه الكلمة التنبيه على استدامة النعم الموهوبة بدوام الشكر وبيانه أنك عرفت أن دوام الشكر عن نية صادقة وتحريك اللسان بالذكر عن اعتقادات صافية يستمريان (4) مزيد النعم كما يستمرى الحالب الدر من الضرع لما ان دوام الشكر وما في معناه من الابتهالات والتضرعات والتعود بها أسباب معدة للنفس لدوام افاضات (5) انواع الخيرات، وإذا كان وجوده سببا لوجود النعم وبقائها واتصال اواخرها باوائلها كان عدمه أو قلته سببا عرضيا يكون معه نفارها قلة ثباتها وانقطاع تواترها واتساقها،


(1) - كذا في النسخ ولعل الصحيح: " الجل " أو " القليل " (2) - ا ب: " يوقفوا ". (3) - ب ج: " فرع " (بالراء المهملة). (4) - ج د: " يستمرى ". (5) - ج د: " اضافات ".

[ 189 ]

لا لقصور من مفيضها، فانه برئ عن النقصان أجود الاجودين، فيضه تام وكرمة عام بل لانسبة لجود الى جوده ولا اضافه لكرم عبد الى كرمه بل لعدم امكان القابل لتقصيره في السعي الى تحصيل أسباب ذلك الامكان كالتضرع والدعاء والشكر والثناء، واما نسبة التنفير إليهم فلانهم بقلة شكرهم سبب للنفار بوجه عرضى كما علمت فلا جرم نسبه إليهم. واعلم انه يتوجه ههنا ايضا ان نورد الشك المذكور في الكلمة التى قبلها وهو ان ما علم الله تعالى وقوعه أو عدم وقوعه كان معلومه واجبا فلا فائدة حينئذ في الشكر والثناء لانك (1) قد عرفت وجه الجواب هناك وهو ان الثناء والشكر جاز ان يكون مشروطا في الدوام والاتصال كما قررناه وقد علمت ان الشكر كيف هو سبب لاستنزال (2) المنن الالهية وعلة لا تصالها ودوامها واليه الاشارة بقوله تعالى: لئن شكرتم لازيدنكم (3) والى سببية انقطاعه وقلته لانقطاع النعم واستحقاق العذاب لتدنس النفس بالاشتغال بأضداده والاعراض عنه اشار بقوله: ولئن كفرتم ان عذابي لشديد (4) وقال تعالى: ومن شكر فانما يشكر لنفسه (5) اي ان منفعة الشكر عائدة على نفسه من الاستعداد للافاضات الخيرية واشكروا لله ان كنتم اياه تعبدون (6) فالشكر من تمام العبادة التى بها تكون النفس طاهرة مستحقة لرضوان الله، ومن الله الهداية الى طلب ما يرضيه، انه ولى التوفيق الكلمة الثالثة والثلاثون قوله عليه السلام: اكثر مصارع العقول تحت بروق الاطماع. اقول: يقال: صرع فلان فلانا إذا غلبه ورمى به الى، الارض والمصارع جمع


(1) - في النسخ: " الا انك ". (2) - ب: سبب استنزال ". (3) - من آية 7 سورة ابراهيم. (4) - ذيل آية 7 سورة ابراهيم. (5) - من آية 12 سورة لقمان وكذا من آية 40 سورة النمل. (6) - ذيل آية 172 سورة البقرة.

[ 190 ]

مصرع وهو موضع الفعل، ومصارع العقول مواضع أغلاطها، وبروق الاطماع هو تصور امكان حصول الامور التى يتوهم الانتقاع بها فيقع الميل الى تحصيلها والمقصود ههنا تنبيه الانسان على وجوب التثبت عندما تلوح له المطامع حتى لا يميل فيها ولا يتضرع الا لما ينبغى منها على الوجه الذى ينبغى ونبه عليه السلام على ذلك بأن اكثر أغلاط العقول منشؤها ومبدؤها (1) ونزوع القوة الشهوية نحو المشتهيات بحسب اعتقاد حصولها. وههنا تجوز ان حسنان في التركيب والاسناد، احدهما اسناد المصارع الى العقول التى هي في الحقيقة للاجسام وعبر به عن انخداعها وغلطها ووقوع حركتها على غير قانون صحيح ووجه المناسبة في هذا المجاز ان العقول إذا لم تثبت على الصراط المستقيم ولم تلزم قانون العدل المأمور بلزومه بلسان الحق بل مالت بها الشهوة تارة والغضب تارة ولعبت به االقوة الوهيمة فأزالت أقدامها عن حاق (2) الوسط الى طرف (3) الرذيلة التى هي أرض ونار بالنسبة الى سماء فضيلة العدل وجنتها فلاجرم صدق عليها انها مصروعة وان لها مصارع. والثانى نسبة البروق الى الاطماع واسنادها إليها. واعلم ان البرق في الاصل هو اشتعال اللامع المشاهد من السحاب ولنعين حقيقته لينكشف بها وجه المجاز، فنقول: ان الدخان المرتفع من الارض جسم لطيف من مائية وأرضية عملت فيها الحرارة والحركة المازجة عملا قويا فقرب لذلك مزاجه من الدهنية فهو لا محالة يشتعل بأدنى سبب مشعل فكيف بالحركة الشديدة فإذا اشتعلت تلك المادة من شدة المحاكة عند تمزيق السحاب كان ذلك الاشتعال هو البرق وإذا عرفت ذلك وقد عرفت ان الطمع هو نزوع القوة الشهوية الى تحصيل المشتهيات بحسب التصور للمنفعة واللذة واعتقاد حصولها وكانت التصورات لاتفاض على النفس الا بعد


(1) - ب ج د: " منشأها ومبدأها ". (2) - ا: " خان " ب: " خاف " د: " حاف " (بالحاء المهملة). (3) - وكذا ولعل الصحيح: " طرفي ".

[ 191 ]

تهيئتها واستعدادها لقبولها من الفاعل عزت قدرته جرى ذلك الاستعداد وقبول النفس به (1) لاشراق تلك التصورات عن مشرقها مجرى استعداد تلك المواد وقبولها بحسبه للاشراق بذلك الاشتعال فكما ان ذلك الاشتعال والاشراق المخصوص من السحاب سبب محرك لشهوات الخلق واطماعهم الى نزول المطر كذلك اشراق تلك التصورات ويروقها في سر الطامع مبدؤ محرك لقوته الشهوية الى المشتهيات فلاجل هذه المشابهة صح اسناد البروق الى الاطماع. واما برهان هذه القضية فظاهر بعد احاطتك بالاصول السابقة وذلك انك عرفت ان سبب وقوع النفس وتورطها في الرذائل المستلزمة للنقصان هو انحراف احدى القوتين اعني الشهوية والغضبية ومتابعة العقل لها وميلها به الى مقتضى طباعها من طرفي الافراط والفريط مما هو المعنى بمصارعه. وههنا دقيقة وهى (2) انه عليه السلام خصص المصارع بجهة تحت دون سائر الجهات وذلك من اوضح (3) الدلائل على اطلاعه على نكت الاسرار ومعرفته التامة بنظم الكلام ووجوه المجازات المستحسنة. انما خصصها بتلك الجهه لاحد وجهين: احدهما - ان مصارع العقول من مسببات (4) بروق الاطماع والمسبب أدون من السبب والسبب والسبب أعلى والمسبب تحت بالنسبة إليه وليست الجهة الجهة الحسية بل الجهة العقلية. الثاني - ان بروق الاطماع لما كانت علامات للطامع على حصول المنفعة واللذة حتى لزم عن ذلك ان انصرع عقله كانت بروق الاطماع دلالا ت (5) على مصارع العقول ولاشك ان الدليل اظهر من المدلول واعلى في الذهن واسبق وجودا منه فينبغي ان تكون مصارع العقول التى هي المدلول تحت بالنسبة الى دليلها، والله ولى الهداية والتوفيق.


(1) - كذا ولعل الصحيح: " له " (2) - اب: " هو ". (3) - ا: " افصح ". (4) - ا: " حنيات ". (5) - ج: " دالة ".

[ 192 ]

الكلمة الرابعة والثلاثون قوله عليه السلام: من أبدى صفحته للخلق (1) هلك. أقول: صفحه الشئ جانبه وأبدى اي، اظهر، والهلاك في الاصل السقوط وكل ساقط عن حالة (2) هي في نفس الامر كمال وخير فهو هالك واعلم ان لهذه الكلمة في كلامه عليه السلام تتمة توضح معناها وهى: من أبدى صفحته للخلق (3) هلك عند جهلة الناس، وحينئذ يلوح لك ان المقصود من جود نفسه لمقابلة الجهال من الخلق الذين لا يعرفون قدر نفوسهم وما هي عليه من رذيلة الجهل والنقصان اللازم لها وزحمهم (4) بجانبه في اظهار الحق ونصرته وشهر سيف العصبية (5) عليهم فيه وحملهم على ركوب طريق (6) العدل من غير ان يشوب تلك الخشونة بلين ويخلط تلك الصعوبة بهون هلك فيما بينهم فلم يلتفتوا إليه وضاع فلم يقبلوا عليه لجهلهم (7) بقدر الحق وعدم اطلاعهم على المقاصد التى ينبغى ان تسلك وتعودهم بارتكاب أضدادها ذلك بل نفروا منه وأبغضوه وعادوه لمخالفة (8) اكثر الخلق (9) الذى ألزمهم به لاغراضهم الفاسدة وربما ادى ذلك الى قتله وإفنائه أو اجتلاب (10) انواع الاذى عليه بسبب قوة الاذى الحاصل لهم من تطعم (11) مرارات الحق وضعفه بالنسبة الى اشخاص الجهال ونفارتهم (12) في قبول الحق وعدم قبوله. وهذه الكلمة من أظهر الدلائل على انه عليه السلام كان أعرف الناس بوجوه التدبير وأحسنهم ايالة وانه كان مقتدرا على اصلاح الدارين متسع القوة للجمع بين الاطراف


(1) - ج د: " للحق ". (2) - اب: " عن حاله " (بالاضافة الى الضمير). (3) - د: " للحق ". (4) - ج د: " رحمهم ". (5) - ج د: " الغضبية ". (6) - اب: " الطريق ". (7) - بجهلهم ". (8) - ج د: " لمخارقة ". (9) - ا ج د: " الحق ". (10) - ب ج د: " واختلاف ". (11) - ب: " طعم ". (12) - ب ج د ل: " وتفاوتهم ".

[ 193 ]

المتجاذبة إذ كان معلما بهذه الكلمة انه كيف ينبغى ان يستعمل الانسان اظهار الحق فانه لما ثبت ان الكاتم للحق الغير العامل به بالكلية مع تمكنة من استعماله في بعض موارده أو في كلها هالك فكذلك ينبغى ان يعلم ان المجاهر بالحق بالكلية والمقابل له أباطيل الجهال وأغراضهم الفاسدة هالك، فلم تبق السلامة الا في مزج الاظهار بالاخفاء وخلط - المجاهرة بالرفق وضرب الخشونة باللين والترخيص (1) لهم بالسكوت عنهم عند شوب الحق بالباطل مرة والعزم عليهم والقيام في وجوههم في نصرة الحق مرة بحسب ملاحظة العقل (2) للمصالح الجزئية المتعلقة بشخص شخص ووقت وقت، والله ولى التوفيق. الكلمة الخامسة والثلاثون قوله عليه السلام: إذا أملقتم فتاجروا الله بالصدقة. اقول: الاملاق الفقر والحاجة، والمتاجرة المعاملة في التجارة والمقصود في هذه الكلمة الحث على العبادة المخصوصة التى هي الصدقة عند الاحتياج بما يمكن فان للصدقة ولو بشق تمره حظا عظيم النفع في الدارين وبها تحصل الاعواض التى لا تقابل بالشكر ولا يحصيها العد والحصر. اما في الاولى (3) فلان المملق المحتاج الى التيسير من العيش يكون في الغالب شره النفس محافظا على ما يحصل في يده لشدة حاجته إليه وخوفه ان لا يقدر على مثله فإذا فرضنا انه يتصدق به أو ببعضه (4) مع ما به من الحاجة إليه دل ذلك منه على اشتماله على ملكة العفة التى عرفت ان بها يكون استعداد النفس لاستجابة ثمرات الادعية وقبول - ابتهالاتها في المطلوبات الممكنة. وايضا فان النفوس الى مثل صاحب هذه الصدقة كثيرة - الانجذاب، والميول الطبيعية إليه متداعية وخاصة إذا عرف بذلك واشتهر به فكثيرا ما


(1) - اج: " الترخص ". (2) - ب: " الحق ". (3) - ب: " الاول ". (4) - ج د: " يصدق به أو ينفق ".

[ 194 ]

يكون ذلك ايضا سببا لادرار الارزاق عليه وعلة لدفع (1) الصلات (2) والمنح إليه، وقد علمت ان من تاجر الله لم يخسر. واما في الاخرى فلان صاحب هذه الصدقة مع ما فرضنا (3) من حاجته إليها إذا بذلها كان ذلك دليلا على معرفته بأنه لا متاجرة أربح من متاجرة الله وذلك مستلزم لمعرفته بالله ومع ذلك فقد استعدت نفسه بسبب قهرها للقوة الشهوية وضبطها لها عن الضنة بما بذله مع حاجته إليه ومقاومتها وكسرها عن الشره (4) في المشتهيات لقبول انوار عظيمة ونعم جسيمة لا يقاومها شكر، واليه الاشارة بقوله تعالى: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون (5) وقوله تعالى: ان تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم (6) وقوله تعالى: وما تنفقوا من شئ في سبيل الله يوف اليكم وانتم لا تظلمون (7) وأمثال هذه الاشارات كثيرة في القرآن والسنة، ومع ذلك فان فيها من تحصيل الانس الموجب للمحبة بين الخلق المطلوبة منهم بالعناية الالهية لتحصيل السعادتين واستكمال درجة الفوز ما لا يخفى، والله الموفق. الكلمة السادسة والثلاثون قوله عليه السلام: من جرى في عنان أمله عثر بأجله. اقول: أراد بالجرى في عنان الامل تطويل الامال المستلزمة لقلة الالتفات الى القبلة الحقيقية والمطالب العلية، والعثور بالاجل الوقوع في الوقت الذى علم الله تعالى فيه مفارقة النفس للبدن (8) وهى الضرورة المسماة بالموت، فأسند عليه السلام العنان الى


(1) - ب: " لرفع ". (2) - ا: " الضلات " (بالضاد المعجمة). (3) - ب: " فرضناه ". (4) - ب: " الشرة ". (5) - صدر آية 92 سورة آل عمران. (6) - آية 17 سورة التغابن. (7) - ذيل آية 60 سورة الانفال. (8) - ب ج د: " البدن ".

[ 195 ]

الامل تشبيها له بالفارس المطلق عنان فرسه، والعثور الى الاجل تشبيها له بما يعثر به الانسان من حجر أو خشب، وكل هذه تجوزات حسنة في الاسناد لطيفة المشابهة، فان حركة القوة الشهوية الى المشتهيات (1) لاعتقاد حصولها تشبه جرى الفرس، وكون النفس هي المستعملة لتلك (2) القوة والمصرفة (3) لها يشبه الركوب للفرس، الا ان هذه القوة فرس عقلية، وقدرة النفس على ضبط تلك القوة مع عدم ضبطها مشبه لاطلاق عنان الفرس ونسبه الجرى إليه نسبة صادقة فان الفارس تنسب إليه الحركة والجرى وان كانت نسبة عرضية والحركة الذاتية للفرس كذلك الجارى في عنان امله تنسب إليه الحركة الا انها لقوته الشهويه بالذات ولقوته العقلية بالعرض، وكون الجارى في عنان الامل واقعا في الضرورة المذكورة التى لا بد منها يشبه وقوف (4) رجل (5) الجارى في حجر أو خشب يقع بسببه المسمى ذلك عثارا إذ (6) كانا معا مستلزمان لاذى من يقع فيه، وبعد معرفتك بهذه التجوزات وحسن وجوهها تجد المعنى من هذه الكلمة ظاهرا. واما تخصيص هذا الحكم الذى هو غاية كل انسان بل كل حيوان بمن جرى في عنان امله دون غيره ممن يستقصر الامال ويستصغر الدنيا فليس لاجل ان من استقصر الامل خارج عن هذا الحكم بل لتنبيه مطيل الامل الغافل بسبب ذلك عما يراد به وما هو مطلوب من وجوده وايقاظه من رقدة الغافلين على ان المطلوب منه ليس ما يخوض فيه بالجرى في (7) التماس امثاله فان ذلك لابد من زواله والعثور بضرورة الموت اللازمة للحيوان فينبغي ان يجرى الامل على القانون العدلى المطلوب بلسان التنزيل الالهى والسنن النبوية ويجعل الحظ الاوفر من الالتفات لما وراءه من تحصيل السعادات الباقية والخيرات الدائمة، والله يؤتى كل ذي استعداد من الفضل اتمه، وهو الموفق.


(1) - ج: " الى المسترعيات " د: " النزعيات " فلعل النسختين: " المستدعيات " أو " الرغبات ". (2) - ا: " بتلك ". (3) - ج د: " المفرقة " (بلا واو أيضا). (4) - كذا ولعل الصحيح: " وقوع ". (5) - كذا. (6) - ا: ان " ج د: " إذا ". (7) - ا: " من ".

[ 196 ]

الكلمة السابعة والثلاثون قوله عليه السلام: لا تتكل على المنى فانها بضائع النوكى. اقول: المنى جمع منية وهو الشئ المتمنى كقوله: ان سعدى لمنية المتمنى، والبضائع جمع بضاعة وهى البعض من المال تبعثه (1) للتجارة، والنوكى جمع أنوك وهو الاحمق، والمقصود من هذه الكلمة النهى عن اشتغال النفس بتمني الامانى فان ذلك الاشتغال قد يعرض ولا يزال يتزايد حتى يكسب النفس ملكة الوسواس والالتفات عن الانتقاش بنور الحق وسواد لوح الخيال عن قبول المنامات الصافية والالهامات الخالصة. ثم انه عليه السلام نبه على قبح ذلك بان ذلك بضائع الحمقى لتنفر نفوس العقلاء عن اقتناء هذه البضاعة واتخاذها في تجاراتهم إذ كان العاقل لا يرضى لنفسه تصرفات الاحمق وحركاته. واما اطلاقه عليه السلام البضاعة على المنى فاستعارة حسنة فان ناقصى العقول الذين ليس لهم ملكة الانتقال الى المعقولات الثانية الناقصين في استعدادهم لاصلاح معاشهم ومعادهم في اكثر الاحوال طالبون (2) لمتخيلاتهم الغائبة أو الغير الممكنة الحصول متمنون لها عن تخيلاتهم القاصرة عن ضبط القوة الصادرة عنها قواهم العقلية اما لضعفها وقوة سلطان الوهم عليها أو لاختلال تلك القوى وقلة صلوحها لتدبير العقل وتصريفه فكأنها حينئذ بضائع لهم ينتظرونها فكما يتوقع التاجر وصول البضاعة التى بعث به للتجارة ومكاسبها كذلك تجد هؤلاء متوقعين متمنين لما يتخيلونه من ضروب اللذات وأنواع المشتهيات ويقطعون بذلك أزمانا حتى ربما صدتهم تلك الامانى عن اشغال مهمة لهم فضلا عما يعنيهم من امر الدين وما يجب عليهم من الامور المقربة الى الله تعالى فينبغي للعاقل إذا عرف سر هذه البضاعة وما تؤدى إليه من الخسران ان يعرض عنها الى استنصاع (3)


(1) - ج د: " ينبعثه ". (2) - ا: " الطالبون ". (3) - ا: " استبصاع " ج: " اصطناع ". د: " اصطباع.

[ 197 ]

فكره في استفادة الجواهر العقلية وارباح النفائس النفسية (1) فان ذلك هو التجارة الرابحة ويهرب من متابعة شيطانه في تحسين البضائع المذكورة له فان من كان تلك بضاعته لم يصبح ليله الا وهو في أسر الشيطان وصفقة الخسران، ولم تزل عين بصيرته عن ادراك الحقائق خاسرة، ويد عقله عن تناول فواكه الجنة قاصرة، يا ويلتا ليتنى لم اتخذ فلانا خليلا * لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للانسان خذولا (2)، والله ولى العصمة. الكلمة الثامنة والثلاثون قوله عليه السلام: لا شرف اعلى من الاسلام. أقول: الشرف العلو، والاسلام في اللغة الانقياد، وفى الشريعة الانقياد بحسب الاوامر والنواهي الشرعية وتلقيها بالقبول والطاعة والعمل بمقتضاها بحسب الجهد والطاقة، وقد عرفت ان الغاية القصوى منه انما هو الوصول الى الواحد الحق والحصول في المقعد الصدق، وان ذلك الوصول والحصول موقوف على جلاء مرائى الناقصين من درن (3) الباطل حتى تصفو وجوه ألواحهم وتستعد لقبول الانتقاش بالجلايا وعرفت ان ذلك الجلاء والصفاء لن يحصل الا بزوال المانع منه وذلك المانع اما خارجي واما داخلي، اما الخارجي فهو تنحية ما سوى الحق الاول عن سواء السبيل، وحذفه عن درجة الاعتبار، وتنزيه السر عن الاشتغال به عن الحق، وذلك هو الزهد الحقيقي، واما الداخلي فهو تطويع النفس الامارة بالسوء للنفس المطمئنة لتزول دواعى الشيطان الى خيبة (4) الخسران ويخلص سر الانسان لقبول الرضوان وقد عرفت كيفية ذلك التطويع وأسبابه وغايته، والجامع الاجمالي لازالة الموانع قوله تعالى: وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس


(1) - ج د: " النفيسة ". (2) - آية 28 و 29 سورة الفرقان. (3) - ا ج: " دون ". (4) - اب: " جنبة ".

[ 198 ]

عن الهوى (1) فخوفه ما عداه، ونهيه لنفسه قهره لقواه، حتى إذا تخلى عن هذه الموانع لبه تجلى (2) حينئذ بنور قدس الحق قلبه. لا يقال: لا نسلم أن هذا هو الاسلام فانا نعلم بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وآله كان يحكم باسلام من أظهر الشهادتين وعمل بالاركان وان لم يكن له شئ مما ذكرتم فان واحدا من الاجلاف الجافين (3) من الاعراب الذين (4) يقدمون ويظهرون الاسلام لا يتصور (5) شيئا مما ذكرتموه. وأيضا فلو كان الاسلام هو الذى ذكرتموه لما كان في الخلق مسلم الا افرادهم وذلك باطل بالاتفاق لانا نقول: الاسلام له معنيان ظاهري وحقيقي والذى ذكرناه وبحثناه انما هو الحقيقي والذى ذكرته هو الالسلام الظاهرى ولاشك فيه وفى تسمية صاحبه مسلما الا ان قول الاسلام عليهما بحسب الاشتراك اللفظى لتباين المعنيين فصاحب الاسلام الظاهرى وان سمى مسلما الا ان اسلامه غير منتفع به وليس اسلامه ذاك هو الذى لاشرف أعلى منه قال صلى الله عليه آله: ان الله لا ينظر الى صوركم ولا الى اعمالكم ولكن ينظر الى قلوبكم، الا انه لما كان مظنة ان يكون وسيلة الاسلام الحقيقي وطريقا إليه وجب اتخاذه (6) والمشاركة بين صاحبه وبين المسلم الحقيقي في الاسم والحكم، قال (ص): الرياء قنطرة الاخلاص. وقال (ص): من رتع حول الحمى اوشك ان يقع فيه، فلا منافاة إذا بين القولين. واذ عرفت ذلك ظهر لك ان شرف الاسلام أكمل أنواع الشرف فان الشرف الحقيقي للانسان انما هو كمال جوهر نفسه وصيرورته عقلا مستفادا الذى هو الاسلام الحق لا الكمال الوهمي من مال أو جاه أو انتساب الى كرم اصل فانك قد عرفت ان الفخر والشرف بأمثال ذلك مما لا ينبغى ان يعتد به لفقد الكمال في المفتخر والمتشرف وخلوه منه وذلك سر قوله عليه السلام: لا شرف أعلى من الاسلام، والله ولى التوفيق.


(1) - آية 40 سورة النازعات. (2) - اب: " تحلى " (بالحاء المهملة). (3) - د: " والجافين ". (4) - اب د: " حين ". (5) - في جميع النسخ: " لا يتصورون ". (6) - اتحاده " (بالحاء والدال المهملتين).

[ 199 ]

الكلمة التاسعة والثلاثون قوله عليه السلام: لا شفيع انجح من التوبة. أقول: عرفت معنى الشفيع، والنجاح الظفر وقد يراد به الصواب من قولهم: رأى نجيح اي صواب، والتوبة الاقلاع عن الذنب ويعتبر في تحققها ثلاثة قيود، اولها - ترك الفعل في الحال، والثانى - الندم على الماضي من الافعال. والثالث - العزم على الترك في الاستقبال، وقد استعمل عليه السلام لفظ الشفيع على المعنى المسمى بالتوبة مجازا من باب الاستعارة، ووجه المناسبة ان الشفيع كما يقصد ليكون وسيلة الى استسماح (1) الجريمة كذلك التوبة عن المعصية يقصد ليكون وسيلة الى سقوط الجريمة وعدم لحوق العقاب عليها ويكاد حسن هذا التشبيه يلحق هذا المجاز بالحقيقة حتى تكون التوبة من جملة أشخاص الشفعاء التى اطلق (2) عليها لفظ الشفيع بحسب الوضع والمقصود ان التوبة اظفر شفيع بقضاء المطلوب من كل شافع وذلك باطباق العلماء على انها لاترد، اما المعتزلة فيوجبون اثرها على الله، واما الحكماء فيوجبون اثرها من الله، وإذا حقق مذهب ابى الحسن الاشعري رجع الى المذهب الثاني وان قال اثرها بفضل (3) من الله إذ (4) كان استقصاء مذهبه يعود الى ان ذلك التفضل فيض العناية الالهية للرحمة على نفس استعدت بالتوبة للقبول وذلك في الحقيقة واجب من الله. واعلم ان من جزالة هذا اللفظ مع وجازته انك مخير في حمل لفظ النجح فيه على اي معانيه الثلاثة (5) شئت (6)، اما الاول فقد عرفته. اما بمعنى السرعة فلانه


(1) - د: " استماح ". (2) - يطلق ". (3) - كذا في ب ج د، وأما نسخة ا فالعبارة فيها هكذا اثرها من الله ". (4) - ب: " إذا ". (5) - ب: " الثلاث ". (6) - في النسخ: " سبب ".

[ 200 ]

لا وسيلة الى حصول الشفاعة اسرع من التوبة إذ كانت النعمة المفاضة على العبد المذنب من ربه غير موقوفة الا على قبوله واستعداده بتحققها. واما بمعنى الصواب فلانه لا شفيع أصوب في قبول الرحمة من واهبها من التوبة إذ كان التوسل بغيرها من بذل مال أو نفس في مجاهدة ظاهرة أو غير ذلك مع الاصرار على المعصية وعدم التوبة منها غير نافع ولا مخلص من العذاب الحاصل بسبها فالتوسل بها إذا أصوب رأى يراه صاحب الجريمة وقد اكثر الله تعالى في تنزيله من الحث عليها والامر بها ومن وعد التائب وحمده إذ كانت التوبة سببا عظيما من أسباب السعادة الابدية وبها النجاة من اغلال الهيئات المردية فقال عز ذكره: يا ايها الذين آمنوا توبوا الى الله توبة نصوحا (1) بترك محقق وندم صادق وعزم جاز عسى ربكم ان يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجرى من تحتها الانهار (2) إرجاء واطماعا من غير جزم ايقاعا للذة الدغدغة النفسانية الحاصلة من الرجاء كيلا - ييأسوا من رحمته فينهمكوا في المعاصي بجرأة (3) وبقاء للخوف الناشئ من الوعيد عليها بالاشفاق فيتقهقروا عنها بسرعة، وقال تعالى: انما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب (4) قبل ان يتمكن من جواهر نفوسهم عقارب ابدانها فلا يبقى لها قبول اثر دواء طبيب الاطباء ولا يرجى لها برء ولاشفاء، وليست التوبة للذين يعلمون السيئات حتى إذا حضر احدهم الموت قال انى تبت الان ولا الذين يموتون وهم كفارا، الاية (5). وفى هذه الكلمة تنبيه باعث على المبادرة الى التوبة إذ كان الجاني انما يجتهد في انجح وسيلة لاستسماح جريمته وتنجيز أظفر شفيع لاستغفار خطيئته ويبالغ في احسن الاعذار لمحو سيئته وقد ثبت ان التوبة اعظم شفيع وانجحه واسرعه وانفعه فيما ان بقى كان مهلكا


(1) صدر آية 8 سورة التحريم. (2) - من بقيه آية 8 سورة التحريم. (3) ب: " بجراءة. (4) - صدر آية 17 سورة النساء وذيلها: " فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله حكيما عليما ". (5) - آية 18 سورة النساء.

[ 201 ]

شر هلاك فيجب على صاحب الجريمة عن يحرص عليها ولا يقصر في المبادرة إليها ويستغنم (1) فرصة المهل ولا يسوف في الامل فيقع في خطر فوات العمل بحلول الاجل فيكون وجوده عدما له وشرا وحياته موتا وضرا، والله ولى التوفيق للصواب. الكلمة الاربعون قوله عليه السلام: لا لباس اجمل من العافية. اقول: اللباس بكسر اللام ما يلبس من ثوب وغيره محسوسا كان أو معقولا إذ يقال: لبس فلان الامر الفلاني وتلبس به إذا دخل فيه، والجمال الحسن والبهاء، والعافية السلامة من كل مكروه من قولهم: اعفي من كذا وعوفى منه اذالم يصب به والمقصود بيان افضلية الجمال الحاصل من لباس العافية على غيره من انواع الجمال وهذه القضية ضرورية وجدانية فان كل عاقل يجد من نفسه ان ملائمة الكمال الحاصل من التجمل بثوب أو غيره من أنواع الجواهر لطبعه مستحقر في جانب لذته بحصول العافية عن (2) حمى يوم و (3) التجمل بلبسها فضلا عماهو أفضل من ذلك كالعافية من الذم أو استحقاق العقاب أو غير ذلك. فان توهم متوهم وقال (4) عن وهمه: التفاوت في الجمال انما هو بحسب التفاوت في الخيرية واللذة ونحن نجد ان اللذة بجمع الاموال وغلبة الرجال والمباضعة أتم من اللذة بالعافية التى نحن فيها ؟ - فجوابه من وجهين اما لاول - فلان كل ما زعمت انه لذيذ فلذته بالحقيقة عافيته من بلاء الالم


(1) - كذا ولم اجد استعماله في كتب اللغة فلعله: " يغتنم ". (2) - ا: " من ". (3) - ب: " أو ". (4) ج د: " متوهم مال ".

[ 202 ]

الحاصل من فقد ذلك اللذيذ وراحته بالنسبة الى التعب الحاصل من طلبه واما ثانيا فلان من شرط الالتذاذ حصول اللذيذ مع الشعور بوجه الالتذاذ لكن الشعور غير حاصل لذى العافية بالكمال الذى هو العافية فان استمرار المحسوسات واستقرارها يذهل النفس عن ادراكها فان اردت التنبه لشرف هذا الكمال فانظر الى طويل المرض عند الرجوع الى الحالة الطبيعية وحدوث العافية عليه بسرعة غير خفية التدريج كيف يجد اللذة التامة الصادقة بل ربما حصل اللذيذ فكره كما يكره بعض المرضى الحلو فضلا عن ان لا يكون إليه باعث شوق ولا يقدح ذلك في كونه لذيذا لانه ليس بكمال بالنسبة الى ذلك المريض في حاله تلك إذ ليس بشاعر به بالحس من حيث هو كمال وخير وذلك يبين صحة ما قلناه، وفى دعوات الائمة رضوان الله عليهم: اللهم انى أسالك العافية وتمام العافية، والشكر على العافية ياولى العافية، اللهم انى أسالك عافية الدنيا من البلاء وعافية الاخرة من الشقاء، فقد ظهران العافية أجمل لباس وأحسن شعار أفيض على الناس، والله ولى التوفيق. الكلمة الحادية والاربعون قوله عليه السلام: لا صواب مع ترك المشورة. اقول: الصواب الاصابة في الامور التى تفعل، والمشورة طلب الرأى المحمود من الاوداء والنصحاء وغيرهم في ترجيح احد الامور المحتملة في ذهن المستشير أو تأكيدها وبيان ان المصلحة في ايها تكون ؟ واما علة هذا السبب الكلى فمن وجهين، الاول - ان الانسان لما كان بحيث لا يمكن استقلاله وحده بأمور معاشه ومعاده لحاجته الضرورية الى ما لابد منه من غذاء ولباس ومسكن وغير ذلك وكانت هذه الامور كلها أمورا

[ 203 ]

صناعية لا يمكن ان يقوم بها صانع واحد الا في مدة لا يمكن ان يبقى بدونها أو يتعسر ان امكن بل لابد من جماعة يتشاركون ويتعاونون على تحصيل تلك المنافع ويتعارضون ويتعاوضون وكان هذا التعاون لايتم الا ان بان يكون بينهم انس طبيعي قضاء للعناية الالهية بهذا العالم ومنه اشتق اسم الانسان في اللغة فواجب على الانسان إذا ان يكتسبه مع أبناء الجنس ويحرص عليه بالجهد والطاقة ولانه ايضا مبدأ المحبة الواجبة التى هي سبب السعادتين إذ كان كل شخص يرى كماله عند الاخر فلولا ذلك لم يتم السعادة بينهم فيكون كل انسان بمنزلة عضو من اعضاء البدن وقوام الانسان بتمام بدنه، وانما وضعت الشريعة والعادة الجميلة اتخاذ (1) الدعوات والاجتماع في المأدبات (2) لتحصيل هذا الانس بل لعل الشريعة انما حثت الناس على الاجتماع في المساجد وفضلت صلوة الجماعة على الصلوة المنفردة ليحصل لهم هذا الانس بالفعل إذ كان حاصلا فيهم بالقوة، ثم يتأكد فيهم بالاعتقادات الصحيحة الجامعة لهم وينبهك على ان مطلوب صاحب الشريعة صلى الله عليه وآله ذلك انه أوجب على اهل المدينة كلهم ان يجتمعوا في كل اسبوع يوما معينا في مسجد يسعهم ليجتمع ايضا شمل المحال والسكك كما اجتمع اهل الدور والمنازل في كل يوم، ثم أوجب ان يجتمعوا في كل سنة مرتين في مصلى بارزين مصحرين ليجمعهم المكان ويتزاوروا ويتجدد الانس بين كافتهم ويشملهم المحبة الناظمة لهم. ثم أوجب بعد ذلك ان يجتمعوا من البلدان في العمر كله مرة واحدة في الموضع المقدس بمكة ولم يعين من العمر وقتا مخصوصا ليتسع لهم الزمان فيجتمع اهل المدن البعيدة كما اجتمع اهل المدينة والواحدة ويصير (3) حالهم في الانس والمحبة وشمول الخير وافاضة الرحمة والسعادة بحسب انفعالات نفوسهم واستعدادها الصادرة عن ذلك الاجتماع على غاية من الكمال لا يحصل لهم بدونه وكان هذا الانس لايتم الا بالحديث المستطاب


(1) - ب: " اتحاد " (بالحاء والدال المهملتين) ج د: " ايجاد " (بالجيم والدال " ولعله: " الاجابة ". (2) - ا: " الماديات " ج د: " المناديات " لكن المأدبة جمعها المعروف " المآدب ". (3) - ا: " تصير ".

[ 204 ]

بالمشاورة في الامور والاطلاع على بعض الاسرار التى لا تضر اذاعتها ليتم بذلك أنس المستشار وتسكن نفسه ان لو كان لها نفار وتنبسط ولا تنقبض قال عز من قائل تأديبا لنبيه بالادب الجميل: وشاورهم في الامر (1) ولتوسع (2) المفاكهة (3) المحبوبة والمزاح المستعذب الذى يقدره العقل حتى لا يتجاوز الى الاسراف فيها فيسمى ذلك الاسراف مجونا وفسقا وخلاعة وشبهها من أسماء الذم، ولا يقصر فيه فيسمى ذلك القصور فدامة (4) وعبوسا وشكاسة وما اشبهها من طرف التفريط المذموم بل يتوسط بينهما فيسمى ذلك المتوسط ظريفا معاشرا هشا بشا، وإذا عرفت ان المشورة من اجل اسباب تحصيل الانس المطلوب من الخلق عرفت انها مطلوبة. ثم انه عليه السلام نبه على وجوب اتخاذها والمواظبة عليها بانه لا صواب في فعل يفعل بدونها لما ان تصرفات الخلق اما أقوال أو أفعال، وإذا كان الجميع موقوفا على المشورة بأمره وأشارته فلابد وان يستجيبوا عند دعائه لهم إليها فتارك المشورة إذا مخطئ إذ ضيع سببا عظيما من أسباب الفضائل التى يجب طلبها، والمخطئ غير مصيب فتارك المشورة غير مصيب وان تصور بصورة المصيب. الثاني - ان تارك المشورة في اموره غير مصيب في أغلب أفعاله ومقاصده فهو إذا أخطأ كان ملوما ولعله يكون مأثوما، إذ كان المستشار العاقل كثيرا ما يكون مطلعا على وجوه من مصالح ذلك الفعل المستشار فيه اما بحسب تجربته أو بحسب قوة عقله وجودة حدسه بحيث لا يكون مثل ذلك الاطلاع حاصلا للمستشير والسبب الاكثرى في الغلط ان الوهم الانساني في غالب الاحوال وأكثرها لابد وان يحكم بترجيح أحد طرفي الامر المتردد فيه المطلوب فيه الاستشارة بغتة (5) قبل مراجعة العقل وانما كان الصواب في الطرف الاخر عند الفكر والتحديق فإذا (6) فعل بين (7) له بعد ذلك


(1) - من آية 159 سورة آل عمران. (2) - ب ج د: " ولتوضح ". (3) - ا: " المكافهة " (4) - يقال: " فدم الرجل فدامة وفدومة كان فدما وهو العيى عن الكلام في ثقل ورخاوة وقلة فهم وفطنة ". (5) - ا: " بعثه " ج د: " بعينه ". (6) - ج د: " وإذا ". (7) - ب ج د: " تبين ".

[ 205 ]

عن قريب أو بعيد خطاؤه وانه قد ضيع حزما واتبع هواه، ولو فرض ان مطلوبه حصل لم يعد ايضا في عرف العقلاء مصيبا، إذ كان كالسالك لطريق كثيرة المخاوف غير عالم بمراحلها ومنازلها وغير مطلع على آفاتها ومخاوفها فهو لا يدرى على ما يقدم فإذا وصل الى غايته من ذلك السلوك سالما فان أحدا من العقلاء لا يقول: انه مصيب بل يطبقون على ذمه وتوبيخه ويعدونه متهورا مغرورا بنفسه (1) مضيعا لها، وذلك بخلاف حال المواظب على المشورة فانه يعد في عرف العقلاء مصيبا وان لم يحصل مطلوبه، إذ كان كالسالك لسبيل يعلم أحوالها وانها آمنه فيتفق له عند سلوكه لها لص اتفاقا فان أحدا من العقلاء لا يقول: انه مخطئ (2) في سلوكه لها. وفى هذه الكلمة تنبيه على وجوب الاستشارة فان كلمة العقلاء قد تطابقت على ذم تاركها ومدح طالبها، وان الاول مخطى وان اصاب، وان الثاني مصيب وان خاب، واتفقوا على انه يجب على كل ذي حزم (3) مراجعة من هو فوقه أو دونه في المنزلة فان الفضل لن يكمل (4) لاحد ولن يختص به احد وان الرأى الفرد لا يكتفى به في الامور الخاصة ولا ينتفع به في الامور العامة، واتفقوا على مدح الرأى الصائب وتفضيل صاحبه ووجوب الاستعانة به في الامور وذلك لشدة عقليته (5) لها وحسن استنباطه للرأى فيما ينبغى ان يفعل من الامور المصلحية وفى هذا المعنى يقول أبو الطيب المتنبي، شعر: الرأى قبل شجاعة الشجعان * هو اول وهى المحل الثاني فإذا هما اجتمعا لنفس مرة * بلغت من العياء كل مكان ومن امثال العرب في مدح الرأى قوله عليه السلام: رأى الشيخ خير من مشهد


(1) - يقال: " غرر بنفسه = عرضها للهلكة. (2) - ا: " محظ ". (3) - ب ج د: " على ذي الحزم ". (4) ج: " لم يكمل " د: " لا يكمل ". (5) - ج د: " عقليه ".

[ 206 ]

الغلام (1) وفى مدح ذي الحزم والتجربة والاراء الصائبة قولهم: قد حلب فلان الدهر اشطره (2) اي قد اختبر الدهر شطرين من خير وشر، ومنها قولهم في نعت الحازم ايضا: إذا تولى عقدا أحكمه (3) قال الشاعر: وما عليك ان اكون أزرقا * إذا تولى عقد شئ أوثقا والامثال والشعر في هذا المعنى كثير، والله ولى التوفيق.


(1) - قال الميداني في مجمع الامثال (ص 254 من طبعة ايران): " رأى الشيخ خير من مشهد الغلام، قاله امير المومنين على عليه السلام في بعض حروبه ". قال الرضى (ره) في باب الحكم من نهج البلاغة " وقال عليه السلام: رأى الشيخ احب الى من جلد الغلام، ويروى من مشهد الغلام " وقال شارح الكلمات (ابن ميثم) رحمه الله في شرحه (ص 590 من الطبعة الاولى من شرح نهج البلاغة): " جلده قوته وقد مر ان الرأى مقدم على القوة والشجاعة لاصالة منفعته، وانما خص الرأى بالشيخ والجلد لان كلا منهما مظنة ما خصه به فان الشيخوخة مظنة الرأى الصحيح لكثرة تجارب الشيخ وممارساته للامور، والغلام مظنة القوة والجلد، وعلى الرواية الاخرى فمشهد حضوره والمعنى ظاهر ". وقال ابن ابى الحديد في شرحه (ج 4، ص 280 من طبعة مصر): انما قال كذلك الان الشيخ كثير التجربة فيبلغ من العدو برأيه ما لا يبلغ بشجاعته الغلام الحدث غير المجرب لانه يغرر بنفسه فيهلك ويهلك اصحابه، ولا ريب ان الرأى مقدم على الشجاعة ولذلك قال أبو الطيب: الرأى (فذكر البيتين الذين ذكرهما الشارح مع ثلاثة ابيات اخر من القصيدة وخاض في نقل غير ذلك ايضا فمن ارداه فليطلبه من هناك). (2) - قال الميداني في مجمع الامثال (ص 178 من طبعة ايران): " حلب الدهر اشطره، هذا مستعار من حلب اشطر الناقة، وذلك إذا حلب خلفين من اخلافهما ثم يحلبها الثانية خلفين ايضا، ونصب اشطره على البدل (اي) اشطر الدهر والمعنى انه اختبر الدهر شطرى خيره وشره فعرف ما فيه، يضرب فيمن جرب الدهر ". (3) - قال الميداني في مجمع الامثال (ص 26 من طبعة ايران): " يضرب لمن يوصف بالحزم والجد في الامور ".

[ 207 ]

الكلمة الثانية الاربعون قوله على السلام: لا محبة مع مراء. اقول: المراء والمماراة المجادلة، والمقصود من (1) هذه الكلمة بيان ان المماراة ومجاذبة القول مع لاصدقاء وأهل المودات مما لا يجامع محبتهم وأنسهم للممارى (2) بل يقتلعه (3) اقتلاعا وتقرير ذلك انا بينا فيما سبق ان المحبة سبب للالفة (4) والانس الذى يحتاج الخلق إليه في اصلاح معاشهم، وبينا (5) انه سبب للسعادتين واتفق الحكماء وارباب العقول على ان المرء مع هؤلاء يقلع (6) المودة من اصلها وذلك انها سبب الاختلاف، والاختلاف سبب التباين المضاد اللالفة التى حثت عليها الشريعة القويمة واتفقت على وجوبها كلمة النبيين، ومن الناس مؤثر المراء ويزعم انه يشحذ الاذهان ويثير الشكوك ويفيد (7) رياضة النفس في ميدان الكلام فهو يتعمد (8) ذلك في المحافل ومجالس أهل النظر ويخرج في كلامه الى الفاظ العامة ليزيد في خجل صديقه ويظهر انقطاعه وانقهاره (9) في يده ولو فعل ذلك في الخلوة لكان اهون لكنه يفعله حيث يعتقد الحاظرون انه أدق نظرا وأدق حجة وأغزر عملا، وهذا الرأى غير لائق الا بأهل البغى وجبابرة أهل الاموال إذ كان من عادتهم ان يستحقر بعضهم بعضا ولا ينفك أحدهم يصغر صاحبه، ويزري عليه، وينقص مروته، ويبحث عن عيوبه ويتتبع عثراته، ويبالغ كل منهم فيما يقدر عليه من مساءة صاحبه حتى يؤدى ذلك الى العداوة البالغة التى يكون


(1) - ا د: " في ". (2) - ب: " للتمارى ". (3) - د: " تقلعه ". (4) - ب: " سبب الالفة ". (5) - ا: " وقلنا ". (6) - ب: " قلع ". (7) - ج د: ويقيد ". (8) - ا: " يعهد " فهو مضارع من: " عهد الشى إذا حفظه وراعاه حالا بعد حال ". (9) - ا: " انتهاره " (من ن ه‍ ر).

[ 208 ]

فيها سعاية بعضهم ببعض وازالة نعمته فيسوق ذلك الى سفك الدماء وأنواع الشرور، وإذا كان كذلك فيكف يثبت المحبة مع المراء أو ترجى معه الفة أو استجلاب انس ؟ ! وفى هذه الكلمة تنبيه على وجوب ترك المماراة لما انها مستلزمة لعدم ما وجوده مطلوب بلسان الشريعة فقد لاح لك سره الصادر عن المعالم (1) التامة المزينة بحلى الاداب ومحاسنها، والله ولى التوفيق. الكلمة الثالثة والاربعون قوله عليه السلام: لا سؤدد مع انتقام. اقول السؤدد من السيادة، والانتقام والاخذ بالعذاب لتقدم جريمة من المأخوذ عن حركة القوة الغضبية كما سبق بيانه وهو قد يكون محمودا وقد يكون مذموما اما المحمود فما صدر موافقا لرسم الشريعة في السياسات تدبير المدن، واما المذموم فهو الذى يخرج الى طرف الافراط من ذلك وهو المقصود في (2) هذه الكلمة بالذات المنافى للسؤدد، والسبب في مضادته له ان الانتقام مثير للقوى الغضبية ممن ينتقم منه وحامل له على (3) طلب المقاومة والدفع والمغالبة انفة وحمية، أو على الهرب والترك وكل ذلك مستلزم لتنفر (4) الطباع وبعدها عن التألف، والسؤدد انما يحصل بالتواضع وخفض الجناح للتابعين ولين الكلمة واستجلاب طباعهم بأنواع التلطفات والمباسطات والتكرم والتجاوز عن بعض اساءتهم والصفح عن بعض جرائمهم ليحصل الانس والمحبة


(1) - ج د: " العالم ". اقول: كأن الجملة قد سقط منها شئ. (2) - ج د: " من ". (3) - ب: " عن ". (4) - ا: " لتنفير ".

[ 209 ]

الطبيعية التى هي سبب الالفة والانقياد وذلك ما ادب (1) الله تعالى نبيه بالاداب الصلاحية فقال عز من قائل: واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين (2) ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر (3) كل ذلك طلب للانس واستجلاب للمحبة وحسن الالفة، واما الانقياد فتابع لحصول الالفة لانهم بعدها إذا لمحوا كماله الخالين عنه وتمامه الفارغين منه انقادوا تحت أوامره بقلوب صافية وسلموا أنفسهم إليه بنيات صادقة الا من لم يؤثر التودد في أدمة (4) قلبة ولم يجد التلطف سبيلا الى خالص لبه لتقدم حقد وضغينة أو غيرها من الاسباب القدرية، واذ كان كذلك فحيث حصل ما يضاد ما ذكرنا من الاسباب التى يجب بها أو معها السؤدد لزم ان لا تكون تلك الاسباب حاصلة وبانتفائها ينتفى السؤدد الذى هو معلولها. واعلم ان الانتقام بالمعنى الاول وان حصلت منه للطباع نفرة وكان مثيرا للقوة الغضبية لكنه لما كان ذلك موافقا لرسم الشريعة والتأديبات الصلاحية وقد تطابقت عليه المقالات النبوية وكانت أذهان الخلق تمرنت عليه بحسب تعويد الشرائع وانغرس فيها وجوبه حتى انقادت نفوسهم وأذعنت للاعتراف به وكان ذلك لا يصدر الا بحسب جناية متعارفة القبح (5) بيتهم لم يكن ذلك منافيا للسؤدد بل كان من متمماته وواجباته، إذ كان سببا عظيما من أسباب بقاء النوع الانساني فلو حصلت بسببه نفره من المنتفم منه أو ممن يتعلق به ممن عليه الاحتشام وحب (6) الحيوة عن (7) الانقياد للعقوبات الشرعية لكن ذلك أمرا جزئيا غير ملتفت إليه ولاقادح في سيادة المنتقم إذ كانت شوكة القوى الغضبية من الخلق مقهورة بسيف الشريعة قد تقاصرت وتحاشت عن مقابلة امر سماوي لمعاضدة (8)


(1) - ج د: " ولذلك ادب ". (2) - آية 215 سورة الشعراء. (3) - وسط آية 159 سورة آل عمران. (4) - ا: " ادبه " ج د: " اذمة ". (5) - ا: " الشح ". (6) - ج د: " وجب ". (7) - ب ج د: " على ". (8) - ا: " لمعاضد ".

[ 210 ]

شيطان (1) مثلها وألقت زمامها الى القوى العقلية في الانقياد لما ينبغى على الوجه الذى ينبغى. وفى هذه الكلمة تنبيه لطالب السؤدد على انه ينبغى ان يترك ما ينافيه وهو الانتقام الخارج الى حد الرذيلة والا لكان مناقضا لسعيه، وكاسر لما هو طالب لتقويمه، وذلك نهاية الجهالة، والله الموفق. الكلمة الرابعة والاربعون قوله عليه السلام: لا شرف مع سوء الادب. اقول: قد عرفت ان حسن الادب يعود الى معنى الرياضة المعتدلة للقوى البدنية وقد بينا كيفيتها فاعرف من ذلك ان سوء الادب وهو سوق تلك القوى على حد طباعها وانهماكها في مطلوباتها الطبيعية لها على قانون وهمى دون ان يكون على وفق القانون العدلى المرسوم من الشريعة والحكمة وكما علمت ان الشرف الحقيقي انما هو باجتماع أجزاء الكمال من العقل واجتماع مكارم الاخلاق والآداب المستحسنة حتى تتحصل ما هيته المطلوبة عنها فاعرف ان عدمه بفواتها أو بفوات أحدها (2) إذا كان اجتماع الاجزاء هو المحقق للماهية المركبة وكان عدم الجزء الواحد كافيا في عدمها فإذا فرضنا اشتمال (3) الانسان على سوء الادب المقابل لكماله وحسنه فبالضرورة لم يشتمل على ما يقابله من الادب الجميل (4) وإذا كان خاليا عن ذلك الجزء من الكمال لم يتحقق ماهية الكمال فلم يتحقق ماهية الشرف لعدم علته وقد ظهر (5) لك في هذه الكلمة (سر تنبيهه) (6) لطالبي الشرف والمجتهدين في تحصيل الكمال الانساني على وجوب الرياضة وتأديب القوى النزوعية


(1) ب: " الشيطان ". (2) - ب: " احدهما ". (3) - ا: " استكمال ". (4) ب: " الجهل ". (5) - ب: " اظهر ". (6) - في النسخ " تنبيها " فالصحيح نظرى.

[ 211 ]

وردعها عما تميل إليه بطباعها وقهرها بيد القوة العاقلة وتصريفها على قانون العدل إذ كان الشرف وسوء الادب مما لا يجتمعان، والله ولى المن والاحسان الكلمة الخامسة والاربعون قوله عليه السلام: ما اضمر احدكم شيئا الا اظهره الله في فلتات لسانه وصفحات وجهه. اقول الاضمار كتمان السر وغيره في الضمير وهو الذهن والعقل، والفلتات جمع فلته وهى وقوع الامر بغته من غير اختيار ولا ترو وتدبر، وصفحات الوجه جوانبه والمقصود ههنا بيان ان الاعتقادات التى يضمرها الانسان ويحافظ عليها ويراعى سترها عن اطلاع الغير عليها لمصالح متصورة ومقاصد اختيارية سواء كانت نافعة أو ضاره فانها وان بولغ في مراعاة حفظها واجتهد في عدم اطلاع الغير عليها لا بد وان تظهر، ثم انه عليه السلام نبه على سببين من اسباب الظهور وحكم بانه لابد وان تظهر باحدهما مع تلك المحافظة: احدهما - فلتات اللسان وذلك ان النفس وان كان لها عناية بحفظ ذلك لكنها قد تنصرف الى مهم (1) آخر فتنفعل حينئذ عن ملاحظة وجه المصلحة في كتمانه وسبب وجوب ستره فتنفلت (2) المتخيلة من اسر العقل العملي فتلوحه وتبعث الشهوة الى التكلم (3) به من غير ان يكون للنفس شعور بشعورها به، وذلك معنى كونه فلتة، وقد يصدر الكلام فلتة على وجه آخر وذلك ان يتلفظ المضمر بكلام يكون مستلزما للايماء أو التنبيه على


(1) - ج د: " تتصرف الى فهم ". (2) - ج د: " فنلتفت ". 3 - ج د: " المتكلم ".

[ 212 ]

ذلك المعنى المضمر والمتكلم غافل عن ذلك الايماء وغير عالم بكيفية التنبيه من ذلك الكلام على مضمره والسامع ذو حدس قوى فيقع له الاطلاع على ذلك المضمر مع شدة الاعتناء بستره. الثاني - صفحات الوجه وذلك اشارة الى القرائن والامارات المستلزمة لاظهار المكتوم كما يدل تقطيب الوجه والعبوس والاعراض عن الشئ من معتاد البشاشة على بغض (1) ذلك الشئ، وانبساط الوجه والفرح به والاقبال عليه على محبته، وكما تدل الصفرة العارضة للوجه حال نزول الامر المخوف على اضمار الوجل، والحمرة العارضة عند نزول أسبابها كمشافهة من يتستر من فعل القبيح على حال فعله ومواجهته به على الخجل، وكدلالة عرق الوجه وغض الطرف على الحياء، وكدلالة الملاحظة بالبصر على وجه مخصوص على العداوة، وعلى كثير من الامور النفسانية وأمثال ذلك من القرائن التى تكاد لا تتناهى، فهذه الامور وامثالها وان اجتهد في اخفائها فلابد وان تلوح من السببين المذكورين. وفى هذه الكلمة تنبيه للعاقل على انه لا ينبغى ان يضمر من الامور الا مالو اطلع عليه منه لما كان مستقبحا في العرف ولما نفر طبعه من المواجهة به فانه ان اضمر امرا يستقبحه الخلق ويستنكر فيما بينهم لو اطلعوا عليه ولابد من الاطلاع عليه للاسباب المذكورة لم يسلم (2) من الافتضاح وكان وقته مشغولا بالقبيح اما في مدة اضماره وستره فبالمحافظة عليه واشتغال النفس به عن السعي في مصالحها الكلية الذاتية، واما بعد ظهوره فبمعاناة الخلاص من عاره والتألم من المواجهة به والندم والتأسف على ايقاع (3) ما استلزم اظهار ذلك والجزع الذى لا يجدى نفعا ولا يعود بطائل، وكل ذلك منهى


(1) - في النسخ " بعض " بالعين المهملة فالتصحيح نظرى. (2 - اب: " ولم يسلم ". (3) - ا: " اتباع ".

[ 213 ]

عنه لانه اشتغال الانسان بما لا يعنيه، واما نسبة ذلك الاظهار الى الله تعالى فظاهر من قولنا: انه مفيض الكل وعلة العلل، والله ولى الصواب. الكلمة السادسة والاربعون قوله عليه السلام: اللهم اغفر لنا رمزات الالحاظ، وسقطات الالفاظ، وهفوات اللسان، وسهوات الجنان. اقول: الرمزات جمع رمزة وهى الاشارة، والالحاظ جمع لحظ وهى النظر الخفيف وسقطة القول الخطيئة فيه وجمعه سقطات وسقاط، والهفوة الزلة، والسهو الغفلة وهى التفات النفس عن الشئ حال اشتغالها بشئ آخر، والجنان القلب ماخوذ من الاجتنان وهو الاختفاء، ولما كانت هذه الامور الاربعة في الظاهر وبالنسبه الى من لا يعلم وجه وقوعها ذنوبا وجرائم يذم فاعلها ويعد خارجا عن مقتضى القانون العدلى (1) لاجرم كان طالبا لغفرها وهو سترها. بيان الاول اما ان الاشارات بالالحاظ قد تكون ذنوبا فذلك كل رمز يكون وسيلة الى ارتكاب جريمة فانه يكون جريمة، ومثاله ما يفعله من يطلب منه ظالم تعريف انسان ليقصده بالظلم فيكره المطلوب منه التصريح بذلك بلسانه خوف الشنعة والسب الصادق والمقصود بالظلم حاضر فيرمز بلحظه إليه فينبه الظالم عليه، وكمن يرمز بلحظه تنبيها للغافل عن بعض المعاصي عليها حتى يكون ذلك سببا لركوبها، وكل ما كان وسيلة الى ارتكاب جريمة فهو جريمة، والدال على الشر كفاعله، ودلالة الالحاظ كصريح الالفاظ.


(1) - ب: " العدل ".

[ 214 ]

واما سقطات الالفاظ وهو الخطأ فيه والتكلم بردية وساقطة وبما لا ينبغى وظاهر انه جريمة، إذ لا معنى للجريمة الا ما اكتسبه الانسان من الافعال مخالفا للقانون العدلى الذى هو غاية الشرائع من التكاليف البشرية. واما هفوات اللسان وهى زلله فظاهر انه جريمة أيضا وهو علة لسقطات الالفاظ فان بهفوات اللسان قد يقع الردى من القول (1). واما سهوات الجنان فقد عرفت ان المقصود بالقلب النفس الا ان القلب لما كان المتعلق الاول للنفس أطلق اسمه عليها مجازا اطلاقا لاسم المتعلق على المتعلق ولانه الظاهر المتعارف بين الخلق من لب (2) الانسان لخفاء تصور النفس على اكثر الناس. وسهواته غفلات النفس عن مطالعة الخزانة التى فيها الامر المغفول عنه اما معنى أو صورة لاشتغالها بمهم آخر أو (3) بمعارضة الوهم لها حال التفاتها الى ذلك مع بقائه في تلك الخزانة، وهذا القدر هو الفارق بين السهو والنسيان فان النسيان يشترط فيه مع ذهول النفس عن الامر انمحاؤه (4) من الخزانة بالكلية وهذه السهوات هي من أسباب الهفوات التى هي من اسباب السقطات والرمزات، وأسباب الجرائم في العرف الظاهر جرائم وإذا كانت جرائم مستقبحة تعاب على من وقعت منه لاجرم كان طالبا لسترها ملتسما لغفرها ومعدا نفسه بالابتهال الصادق للعصمة منها. بقى سؤلان أحدهما - ان يقال: ان سهوات الجنان غير مؤاخذ بها، إذ لا يدخل في التكليف فلم يطلب غفرانها ويلتمس سترها ؟ !


(1) - ج: 2 فان هفوات اللسان قد يقع فيها الردى من القول ". (2) - كذا. (3) - ب ج: " و ". (4) - النسخ: " المخاوة ".

[ 215 ]

الثاني - ان الشيعة أثبتت له عليه السلام العصمة عن المعاصي، سهوها وعمدها من حين الولادة وما بعدها، وطلبه للغفران لنفسه دليل جواز صدور المعاصي عنه وهو مبطل لقولهم ؟ ! والجواب عن الاول ان صدور هذه عن الانسان لما كان معدودا في العرف جرائم ومعايب منفرة للطباع مستلزمة للذم ممن لا يعلم كيفية وقوعها هل هو عن سهو أو عمد لاجرم جاز طلب سترها وغفرها واعداد النفس بالابتهالات والدعوات لتقوى وتشرف وتتعالى بذلك الاستعداد عن حيز السهوات الموجبة للهفوات والسقطات فلا يقع منها بل ينستر في ستر العدم الاصلى، ولا يلزم من ذلك ان يكون مكلفا بها. وعن الثاني من وجهين: الاول - ان الدعاء ههنا والتماس المغفرة مشروط بوقوع هذه الاشياء (1) منه فكأنه قال عليه السلام: اللهم ان وقع منى كذا وكذا فاغفر لى، وهذا كلام صادق لكنك قد علمت في علم المنطق انه لا يلزم من صدق الشرطية صدق كل واحد من جزئيها بل ولا يلزم جواز وقوعه فانك لو قلت ان كانت الارض محيطة بالسماء كانت اعظم من السماء كان ذلك لزوما صادقا مع استحالة كل واحد من الجزئين فنحن نمنع وقوع المعاصي منه وان صدق هذا الكلام، وطلب المغفرة كما يكون لصدور الذنب كذلك يكون للتذلل والخضوع والانقطاع الى الله والاعتراف بالتقصير عن اداء حقوقه ومجازاة نعمه. الثاني - ان للشيعة ان يقولوا: لما ثبتت عصمته بالبرهان وكان قوله عليه السلام: " لنا " ضميرا عاما يتناول بظاهره كل مؤمن ومسلم معه ممن يجوز صدور هذه الامور منه


(1) - ج: " الاسباب ".

[ 216 ]

كان ذلك العموم مخصوصا بالدليل العقلي الدال على عصمته عليه السلام ويبقى عاما في الباقين، واضافة ذلك الى نفسه وادخاله لها في جملة اولئك اعتراف بالعبودية وخضوع لله تعالى واظهار للحاجة الى لطيف عنايته وافاضة ستره ووقايته وتمام تلك النعمة عليه، وذلك من جميل الاخلاق وكمال العرفان، ونجد الادعية الصادرة عن الانبياء عليهم السلام مشحونة بطلب المغفرة والاعتراف بالذنوب والمعاصي مع الاتفاق على عصمتهم وذلك محمول على ما قلناه، والله ولى التوفيق وبه الحول والقوة.

[ 217 ]

القسم الثالث في اللواحق والتتمات وفيه فصلان الفصل الاول في بيان ان عليا عليه السلام كن مستجمعا لجميع الفضائل الانسانية وفيه بحثان: البحث الاول في بيان كماله بحسب القوى النظرية قد علمت ان كمال القوة النظرية انما هو باستكمال الحكمة النظرية وهى كما علمت استعداد النفس الانسانية بتصور المعارف الحقيقية والتصديق بالحقائق النظرية بقدر الطاقة البشرية ولاشك ان هذه الدرجة كانت ثابته له عليه السلام على أتم ما يمكن فان ادراكه (ع) لهذه الاشياء ادراك بحسب قوته الحدسية القدسية وادراك كثير الحكماء لها ادراك فكرى محتاج الى كلفة ومشقة يستلزم أغلاطا عظيمة لا يخلو عنها الا آحاد الحكماء: فأين احدهما من الاخر ؟ ! وبيان ذلك ببيان انه عليه السلام كان سيد العارفين بعد سيد المرسلين صلى الله عليه وآله، وقبله نبين انه كان استاذ العالمين. فههنا إذا مقامان: المقام الاول - انه كان استاذ البشر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وبيانه انا بحثنا العلوم بأسرها فوجدنا أعظمها وأعمها العلم الالهى وقد رأينا في خطبه عليه السلام من أسرار التوحيد والنبوات والقضاء والقدر وأحوال المعاد ما لم يأت في كلام أحد من أكابر - العلماء وأساطين الحكمة، ثم وجدنا جميع فرق الاسلام تنتهى في علومهم إليه، أما

[ 218 ]

المتكلمون فإما معتزلة، وانتسابهم إليه ظاهر، وذلك ان المباحث المتعلقة بأصول الفقه والمسائل الفقهية وكثير من ظواهر الشريعة موافقة لاصول المعتزلة وقواعدهم في اثبات الحسن والقبح العقليين في افعاله تعالى وبنائهم على ذلك استحالة التكليف بالمحال وغير ذلك مما هو مسطور في كتبهم واكثر اصول المعتزلة مأخوذ من ظواهر كلامه عليه السلام في التوحيد والعدل وان كانت لها أسرار أخرى، واما أشعرية ومعلوم ان استاذهم أبو الحسن الاشعري وهو تلميذ أبى على الجبائى وهو منتسب الى امير المؤمنين عليه السلام الا ان ابا الحسن تنبهه لما وراء أذهان المعتزلة وطالع كتب الحكمة فخالف أستاذه في مواضع تعلمها (1) من مذهبه وعبر عنها بعبارات توافق ظاهر الشريعة وزعم بذلك انه عند (2) المتكلمين وليس معهم الا اسمه. واما الشيعة فانتسابهم إليه ظاهر، واما الخوارج وان كانوا على غاية من البعد عنه الا انهم ينتسبون الى مشايخهم وهم كانوا تلامذة على عليه السلام. وأما المفسرون فرئيسهم ابن عباس رضى الله عنه وقد كان تلميذا لعلى عليه السلام. وأما الفقهاء فأكابرهم كانوا يأخذون عنه الاحكام وتذكر ما قال عمر غير مرة حيث يقع في المسائل المشكلة فيفرج عنه: لولا على لهلك عمر، وكونه أفضل الامة في ذلك ظاهر ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أقضاكم على، والاقضى لابد وان يكون أفقه واعلم بقواعد الفقه وأصوله. وقال عليه السلام: لو كسرت (3) لى الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الانجيل بانجيلهم، وبين أهل الزبور بزبورهم، وبين أهل الفرقان بفرقانهم، والله ما من آية نزلت في بر أو بحر أو سهل أو جبل ولا سماء ولا أرض ولا ليل ولانهار الا أنا أعلم فيمن نزلت وفى أي شئ نزلت، وذلك يدل على كمال علمه بالاحكام وعدم نظير له في ذلك. واما الفصحاء فمعلوم ان جميع من ينسب الى الفصاحة بعده يملاون أوعية أذهانهم من ألفاضة ويضمنونها (4) كلماتهم وخطبهم ليكون


(1) - ا: " يعلمها " (من دون نقطه) فيمكن ان يقرأ " يعلمها ". (2) - كذا ولعله كان: " من ". (4) - المشهور فيه: " ثنيت ". (5) - ا: " يضمونها ".

[ 219 ]

منها (1) بمنزلة درر (2) العقود، والامر في ذلك ظاهر، واما النحويون فأول واضع للنحو هو أبو الاسود الدؤلى، وكان ذلك بارشاده عليه السلام له الى ذلك وكان بدؤ - ذلك ان أبا الاسود سمع رجلا يقرأ: ان الله برئ من المشركين ورسوله (بالكسر) فأنكر ذلك وقال: نعوذ بالله من الحور بعد الكور اي من نقصان الايمان بعد زيادته وراجع في ذلك أمير المؤمنين عليه السلام وقال له: نحوت ان اضع للعرب ميزانا يقومون به لسانهم فقال عليه السلام: انح نحوه، وارشده الى كيفية ذلك الوضع وعلمه اياه. واما علماء الصوفية وأرباب العرفان فنسبتهم إليه في تصفية الباطن وكيفية السلوك الى الحق الاول ظاهره الانتهاء إليه. وأما علماء الشجاعة والممارسون للاسلحة والحروب فهم ايضا منتسبون إليه في ذلك فثبت بما قررنا انه عليه السلام كان استاذ الخلق وهاديهم الى الحق وذلك وان دل على كماله في قوته النظرية فهو دال ايضا على كمال قوته العملية. المقام الثاني انه عليه السلام كان سيد العارفين بعد رسول الله صلى الله عليه آله وذلك ببيان انه كان قد تسنم درجة الوصول وتحقيق ذلك انك علمت في الاصول المتقدمة ان الوصول انما يحق (3) إذا غاب العارف عن نفسه فلحظ جناب الحق من حيث انه هو فقط وان لحظ نفسه من حيث هي لاحظه لامن حيث هي متزينة بزينة الحق ثم انه قد وجد في كلامه واشاراته ما يستلزم حصول هذه المرتبة وذلك من وجوه: الاول - قوله عليه السلام: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا، وقد عرفت ان ذلك اشارة الى ان كل كمال نفساني متعلق بالقوة النظرية قد (4) حصل له بالفعل وذلك يستلزم تحقق الوصول التام الذى ليس في قوة الاولياء زيادة عليه. الثاني - قوله عليه السلام مناجيا لربه: اللهى ما عبدتك خوفا من عقابك ولا رغبه في ثوابك ولكن وجدتك أهلا للعباده فعبدتك، وهذا الكلام يدل على انه عليه السلام


(1) - ا: " فيها ". (2) - ج: " در ". (3) - د: " يتحقق ". (4) - ب ج: " فقد ".

[ 220 ]

قد حذف كل ما سوى الحق تعالى عن درجة الاعتبار ولم يلحظ معه غيره وذلك هو الوصول التام. الثالث - لما سأله ذعلب اليماني: هل رأيت ربك باامير المؤمنين ؟ - فقال عليه السلام: أفأ عبد ما لا ارى ؟ ! قال: وكيف تراه ؟ - قال: لا تراه العيون بمشاهدة العيان ولكن تدركة القلوب بحقائق الايمان، وقد عرفت ان القلوب في عرفهم عبارة عن النفوس الانسانية، وادراكها نيلها ووصولها الى ساحة عزته، وذلك يدل على انه عليه السلام كان من الواصلين. الرابع - انه عليه السلام وصف موضعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وكيفية تربيته وارشاده وتعليمه له في آخر خطبته المسماة بالقاصعة، قال عليه السلام مخاطبا للقوم: وقد علمتم موضعي من رسول الله بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وانا وليد ويضمنى الى صدره ويكنفني في فراشه ويمسنى جسده ويشمني عرفه وكان يمضغ الشئ ثم يلقمنيه وما وجد لى كذبة في قول ولاخطلة في فعل، ولقد قرن الله به من لدن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ومحاسن اخلاق العالم ليله ونهاره، ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل اثر امه، يرفع لى في كل يوم علما من أخلاقه ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يحاور في كل سنة بحراء فأراه ولا يراه غيرى ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الاسلام غير رسول الله وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحى والرسالة وأشم ريح النبوة ولقد سمعت رنه الشيطان حين نزل الوحى عليه صلى الله عليه وآله فقلت: يارسول الله ما هذه الرنه ؟ - فقال: هذا الشيطان قد ايس من عبادته انك تسمع ما أسمع وترى ما أرى، الا انك لست بنبى وانك لوزير (1) وانك لعلى خير. والاستدلال بهذا الكلام من وجوه: الاول - انه لا نزاع في انه عليه السلام كان في أصل الخلقة في غاية الذكاء


(1) - كذا في النسخ ولكن في نهج البلاغة: ولكنك وزير ".

[ 221 ]

والاستعداد لكمال العلوم وفى غاية الحرص، ولا نزاع ان محمدا صلى الله عليه وآله كان أفضل الفضلاء وأعلم العلماء فإذا اتفق لمثل هذا التلميذ الكامل ان يصحب مثل هذا الاستاذ الفاضل ويكونان في غاية الحرص، التلميذ في التعلم والاستاذ في التعليم وكان قد سبق له ن اتصل بخدمته من زمان صغره الى آخر عمره كما أشار إليه وعلى الوجه الذى أشار إليه فان العقل يضطر الى الحكم بان ذلك التلميذ يبلغ مبلغا عظيما في الكمال، ويصل الغاية القصوى من العلم. الثاني - قوله عليه السلام: أرى نور الوحى - الى قوله - قد أيس من عبادته، وذلك انه عليه السلام رأى بعين بصيرته الصور الالهية أمثال الانوار البهية كما عرفت من انزعاج المتخيلة الى تلك الصور المقتنصة للعقل وتشبيحها وحطها الى الحس المشترك بصور خيالية وكذلك انحط الى حسه النفحات الربانية في مثال ريح محسوسة في غاية الذكاء ونهاية اللذه كريح المسك الاذفر وان كان فرقان (1) ما بينهما فرقان مابين الشامين والمشمومين وكذلك سمع رنه الوهم حال قهر العقل له وانزعاجه خلفه واستتباعه اياه حال انفلاته الى التوجه نحو القبلة الحقيقية واقتناص الصور القدسية (3) وحقيقة ذلك الرنان ان العقل متصور (4) في تلك الحال ما وقع للوهم من انجذابه الى خلاف مقتضى طبعة فتصور المتخيلة حينئذ وتشبه ما أدركه العقل من أحواله معه بصوره شخص شرير بعيد عن قبول الخير قهر على المتابعة فيه فتألم (5) فصاح (6) فتحطه في تلك الصورة وما يصحبها من الامثال المحسوسة الى الحس المشترك فيدرك هناك الصوت (7) المسمى بالرنان وذلك يدل على وصوله واتصاله بأرباب حظيرة القدس وقرب مزلته من تناول صور الوحى وان صدق انه دون درجة النبوة.


(1) - ب: " فرقا ". (2) - ب ج: " انقلابه. (3) - ب ج د: " المقدسة. (4) - ج: " يتصور ". (5) - ب: " فيألم " ج " فتالم ". (6) - ب: " وضاح " ج: " فصاح ". (7) - ب: " الصورة ".

[ 222 ]

الثالث - قول النبي صلى الله عليه وآله (1) انك تسمع ما أسمع، وترى ما أرى الا انك لست بنبى، ولا اشكال ان النبي (ص) كان له اتصال بالحق تعالى والوصول التام الذى وصفناه وكان ذلك الاتصال حاصلا لعلى وان كان دون درجة النبوة، فان للاتصال بالجناب المقدس درجات لا تتناهى، ولذلك قال: انك لست بنبى. الرابع - قوله عليه السلام يصف السالكين الواصلين (2):


(1) - هو من أواخر الخطبة القاصعة المروية في نهج البلاغة كما صرح به الشارح (ره). (2) - قال الشارح (ره) في شرح هذا الكلام الشريف المروى في نهج البلاغة (ص 403 من الطبعة الاولى): اقول: هذا الفصل من اجل كلام له (ع) في وصف السالك المحقق الى الله وفى كيفية سلوكه المحقق وأفضل أموره فأشار باحياء عقله الى صرف همته في تحصيل الكمالات العقلية من العلوم والاخلاق وأحيا عقله النظرى والعملي بها بعد الرياضة بالزهد والعبادة واشار باماتة نفسه الى قهر نفسه الامارة بالسوء وتفريغها بالعبادة للنفس المطمئنة بحيث لا يكون لها تصرف على حد طباعها الا بارسال العقل وباعثه فكانت في حكم الميت عن الشهوات والميول الطبيعية الذى لا تصرف له من نفسه. وقوله (ع): حتى دق جليله اي حتى انتهت به اماتته لنفسه الشهوية الى ان دق جليله وكنى (ع) بجليله عن بدنه فانه اعظم ما يرى منه، ولطف غليظه اشارة الى لطف بدنه ايضا ويحتمل ان يشير به الى لطف قواه النفسانية بتلك الرياسة وكسر الشهوة فان اعطاء القوة الشهوية مقتضى طباعها من الانهماك في المأكل والمشارب مما يثقل البدن ويكدر الحواس ولذلك قيل: البطنة تذهب الفطنة وتورث القسوة والغلظة، فإذا اقتصرت على حد العقل بها لطفت الحواس عن قلة الابخرة المتولدة عن التملى بالطعام والشراب ولطف الملطف ذلك ما غلظ من جوهر النفس بالهيئات البدنية المكتسبة من متابعة النفس الامارة بالسوء كلف المرآة بالصقال حتى يصير ذلك اللطف مسببا لاتصالها بعالمها واستشرافها لانوار من الملا الاعلى. وقوله (ع) وبرق له لامع كثير البرق اشار (ع) باللامع الى ما يعرض للسالك عند بلوغ الارادة بالرياضة به حدا ما من الخلسات الى الجناب الاعلى فيظهر له انوار الهية شبيهة بالبرق في سرعة لمعانه واختفائه وتلك اللوامع مسماة عند أهل الطريقة بالوقت وكل وقت فانه محفوف بوجد إليه قبله ووجد عليه بعده لانه لما ذاق تلك اللذة ثم فارقها

[ 223 ]

قد أحيا عقله وأمات نفسه حتى دق جليله ولطف غليظه وبرق له لامع كثير البرق فأبان له الطريق وسلك به السبيل وتدافعت به الابواب الى باب السلامة ودار - الاقامة، وثبتت رجلاه بطمأنينة بدنه في قرار الامن والراحة بما استعمل قلبه وارضى ربه. ومن تأمل لطائف هذه الكمات واستلاح بمرآة سره أسرار هذه الرمزات علم انه عليه السلام كان من سادات العارفين ورؤساء الواصلين والمراد ان العارف قد أحيا عقله باستعمال مادة الحياة التى هي العلوم والسعى في تحصيلها، وامات نفسه الاماره بالسوء


حصل فيه حنين وانين الى ما فات منها ثم ان هذه اللوامع في مبدا الامر تعرض له قليلا فإذا امعن في الارتياض كثرت فأشار باللامع الى نفس ذلك النور وبكثرة برقة الى كثرة عروضه بعد الامعان في الرياضة ويحتمل ان يكون قد استعار لفظ اللامع للعقل الفعال ولمعان ظهوره للعقل الانساني، وكثرة بروقه اشارة الى كثرة فيضان تلك الانوار الشبيهة بالبروق عنه عند الامعان في الرياضة وقوله (ع): فأبان له الطريق اي ظهر له بسبب ذلك ان الطريق الحق الى الله هي ما هو عليه من الرياضة وسلك به السبيل اي كان سببا لسلوكه في سبيل الله إليه وقوله (ع) وتدافعته الابواب اي أبواب الرياضة اي أبواب الجنة اي تطويع النفس الامارة والزهد الحقيقي والاسباب الموصلة اليهما كالعبادات وترك الدنيا فان كل تلك ابواب يصير منها السالك حتى ينتهى الى باب السلامة وهو الباب الذى إذا دخله السالك تيقن فيه السلامة من الانحراف عن سلوك سبيل الله بمعرفته ان تلك هي الطريق وذلك الباب هو الوقت الذى اشرنا إليه وهو اول منزل من منازل الجنة العقلية، وقوله (ع): وثبتت رجلاه بطمأ نينة بدنه في قرار الامن والراحة فهى قرار الامن متعلق بثبتت وهو اشارة الى الطور الثاني للسالك ما دام في مرتبة الوقت فانه يعرض لبدنه عند لمعان تلك البروق شدة اضطراب وقلقه يحس بها خلسة لان النفس إذا فاجأها أمر عظيم اضطربت وتقلقلت فإذا كثرت الغواشى الفتها بحيث لا تنزعج عنها ولا تضطرب لورودها عليها البدن بل تسكن وتطمئن لثبوت قدم عقله في درجة اعلى من درجات الجنة التى هي قرار الامن والراحة من عذاب الله. وقوله (ع) بما استعمل قلبه وارضى ربه تعالى فالجار والمجرور متعلق بثبتت ايضا اي وثبتت رجلاه بسبب استعمال قلبه ونفسه في طاعة الله وارضائه بذلك الاستعمال وبالله التوفيق ".

[ 224 ]

بتطويعها للقوة العاقلة كما عرفت أسباب التطويع وكيفيته، حتى دق جليله اي صغر جسمه ونحف من تحمل أعباء الرياضة والقيام بها، ولطف ما كان غليظا كثيفا من هيئاته البدنية الردية فصارت نفسه مرآة مجلوة فبرق فيها بارق العزة وهو الوقت في عرف أرباب العرفان كما عرفته، وكونه كثيرا اشارة الى ما ذكرنا من ان تلك اللوامع لا تزال تزداد وتكثر الى ان تغشاه في غير حال الارتياض. وقوله: فأبان له الطريق وسلك به السبيل، اي انه اهتدى لمعارج القدس بتلك البروق بعد ان كان غير مهتد لها، وسلك به السبيل الاقصد بعد ان كان في اسر متخيلته في حال ارتياضة تسوقه في سبل مختلفة بحسب اختلاف محاكاتها للامور الوهمية قبل الاطلاع باشراق تلك اللوامع على السبيل الواضح ولذلك قال: وتدافعت به الابواب اي الابواب المتخيلة انها هي المسالك الصحيحة قبل الاشراف على باب السلامة المؤدى الى دار المقامة، وثبتت رجلاه بطمأنينة بدنه اشارة الى انقلاب - وقته سكينة ولا تستفزه غواشية في قرار الامن عن الوجدين المحفوف بهم الوقت، وعن روع - استفزاز تلك الغواشى والراحة من مجاذبة النفس الامارة إذ صارت في اسر النفس المطمئنة مقهورة تأتمر بأوامرها وتنزجر بنواهيها، بما استعمل قلبه وأرضى ربه بامتثال أمر ربه في الاعمال المتقدمة في درجات السلوك. وهذه اللطائف مما يوضح انه عليه السلام كان مطلعا اطلاعا حقيقيا على هذه المقامات واقفا (1) على أعلى درجاتها واصلا الى منتهاها وغايتها. الخامس - انك ستعرف في الفصل الثاني ان شاء الله تمكنه عليه السلام من الاطلاع على المغيبات والقدرة على الاتيان بخوارق العادات، ومعلوم ان ذلك من خواص الواصلين. البحث الثاني في بيان كماله عليه السلام في القوة العملية قد عرفت ان كمال القوة العملية انما هو بكمال الحكمة العملية وهى استكمال


(1) - ب: " واقعا ".

[ 225 ]

النفس بكمال الملكة التامة على الافعال الفاضلة حتى يكون الانسان ثابتا على الصراط المستقيم متجنبا لطرفي الافراط والتفريط في جميع أفعاله، ثم علمت ان اصول الفضائل الخلقية ثلاثة. الاول - الحكمة الخلقية وهى الملكة التى تصدر عنها (1) الافعال المتوسطة بين الجربزة والغباوة اللذان هما طرفا الافراط والتفريط، ولما ثبت انه عليه السلام كان من رؤساء الواصلين وجب ان يكون مستلزما لهذه الفضيلة إذ هي من صفات العارفين، وان لا يكون وافقا دونها على حد الغباوة والا لما كان واصلا، وان لا يكون متجاوزا لها الى طرف الجربزة لان الخبث يمنع صاحبه عن الترقي الى درجه الكمال ويأبى طبعه الا الشر. الثاني العفة وقد علمت انها الملكة الصادرة عن اعتدال حركة القوة الشهوية بحسب تصريف العقل العملي لها على قانون العدل. ونبين ان هذه الملكة كانت ثابته له عليه السلام من وجوه: الاول - انه كان أزهد الخلق في الدنيا وفيما عدا القبلة الحقيقية وأقدر على حذف الشواغل الملفتة (2) عن لقاء الله وكل من كان كذلك كان أملك لهواه من غيره اما المقدمة الاولى فمعلومة بالتواتر عن احواله وصفاته وأما الثانية فضرورية أيضا. الثاني - قوله عليه السلام مخاطبا لربه (3): ما عبدتك رهبة من عقابك ولارغبة في ثوابك ولكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك. وقد عرفت ان ذلك كما يستلزم اثبات الوصول في حقه فكذلك هو مستلزم لاثبات هذه الملكة له لان كل من قدر على حذف ما سوى الحق الاول وتنحيته (4) عن القصد فلابد وان يكون زمام شهوته بيد عقله.


(1) - النسخ: " عنه ". (2) - كذا والشارح (ره) كثيرا في شرح نهج البلاغة ايضا لكنى لم أجده في اللغة. (3) - من الاحاديث المسلمة الواردة في الكتب المعتبرة المعروفة. (4) - ب: " يتجنبه " ج د: " تجنبه ".

[ 226 ]

الثالث - قوله عليه السلام في رواية ضرار بن ضمرة الضبابى لمعاوية وقد سأله عن أمير المؤمنين (ع) قال (1) لقد رايته في بعض مواقفه وقد ارخى الليل سدوله وهو قائم في محرابه قابض على لحيته يتململ تململ السليم ويبكى بكاء الحزين ويقول:


(1) - قال ابن ميثم (ره) في شرح نهج البلاغة في شرح هذه العبارة مانصه (ص 588): اقول: كان هذا الرجل من اصحابه (ع) فدخل على معاوية بعد موته (ع) فقال: صف لى عليا فقال: أو تعفينى عن ذلك فقال: والله لتفعلن فتكلم بهذا الفصل فبكى معاوية حتى اخضلت لحيته والضباب بطن من فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، والسدول جمع سدل وهو ما اسبل على الهودج، والتململ التقلقل من الالم والهم، والسليم الملسوع والوله اشد الحزن وقد نظر عليه السلام الى الدنيا بصورة امرأة تزينت وتعرضت لوصوله إليها مع كونها مكروهة إليه فخاطبها بهذا الخطاب، واليك من اسماء الافعال اي تنحى، وعنى متعلق له بما فيه من معنى الفعل، واستفهامه عن تعرضها به وتشوقها إليه استفهام انكار لذلك منها واستحقار لها واستبعاد لموافقه اياها على ما تريد، ولا حان حينك اي لاقرب وقتك اي وقت انخداعي لك وغرورك لى. وقوله (ع): هيهات اي لابعد ما تطلبين منى ثم امرها بغرور غيره وهو كناية عن انه لا طمع له في ذلك منه الا انه اراد منها غرور غيره وهذا كمن يقول لمن يخدعه وقد اطلع على ذلك منه: اخدع غيرى، اي ان خداعك لا يدخل على. ثم خاطبها خطاب الزوجة المكرهة منافرا لها فأخبرها بعدم حاجته إليها، ثم أنشا طلاقها ثلاثا، لتحصل البينونة بها مؤكدا لذلك بقوله: لا رجعة لى فيها، وهو كناية عن غاية كراهيتها، واكد طلاقها لميله (ع) الى ضرتها التى هي مظنة الحسن والبهاء. ثم اشار الى المعايب التى لاجلها كرهها وطلقها وهى قصر العيش اي مدة الحيوة فيها ويسير الخطر اي قلة قدرها ومحلها في نظره ثم حقارة ما يؤمل منها، وثم تأوه من امور، احدها - قلة الزاد في السفر الى الله تعالى قد علمت انه التقوى والاعمال الصالحة وهكذا شأن العارفين في استحقار أعمالهم. الثاني - طول الطريق الى الله ولا شئ في الاعتبار اطول مما لا يتناهى. الثالث - بعد السفر وذلك لبعد غايته وعدم تناهيها. الرابع - عظم المورد واول منازله الموت ثم البرزخ ثم موقف القيامة الكبرى والله المستعان. وروى: " وخشونة المضجع "، وهو القبر ".

[ 227 ]

يادنيا يادنيا اليك عنى، ابى تعرضت ام الى تشوقت (1) لا حان حينك هيهات غرى غيرى لا حاجة لى فيك قد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها، فعيشك قصير وخطرك يسير واملك حقير فآه من قلة الزاد وطول الطريق وبعد السفر وعظم المورد. وهذا صريح موضح لاثبات ملكة العفة له وقمع الشهوة بالكلية والمراد ههنا بالسفر السفر في الله الا السفر الى الله كما عرفت الفرق بينهما.


(1) - وقال ابن ابى الحديد في شرحه ضمن ما قال: (ج 4 من طبعة مصر ص 276): " والتململ والتملل ايضا عدم الاستقرار من المرض كأنه على ملة وهى الرماد الحار وتشوفت ويروى بالقاف (يريد انه بالفاء وفى رواية اخرى بالقاف). وقوله: لا حان حينك، دعاء علهيا لاحضر وقتك كما تقول: لا كنت فاما ضرار بن ضمره فان الرياشى روى خبره ونقلته انا من كتاب عبد الله بن اسماعيل بن احمد الحلبي في التذييل على نهج البلاغة قال: دخل ضرار على معاوية وكان ضرار من صحابة على عليه السلام فقال له معاوية: يا ضرار صف لى عليا قال أو تعفينى ؟ - قال: لااعفيك، قال ما أصف منه وكان والله شديد القوى بعيد - المدى يتفجر العلم من انحائه والحكمة من ارجائه، حسن المعاشرة سهل المباشرة، خشن المأكل قصير الملبس، غزيز العبرة طويل الفكرة، يقلب كفيه ويخاطب نفسه، وكان فينا، يجيبنا إذا سألنا ويبتدئنا إذا سكتنا، ونحن مع تقريبه لنا اشد ما يكون صاحب لصاحب هيبة لا نبتدئه الكلام لعضمته، يحب المساكين ويقرب اهل الدين وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه، وتمام الكلام مذكور في الكتاب. وذكر عمر بن عبد العزيز في كتاب الاستيعاب هذا الخبر فقا ل: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: حدثنا يحيى بن مالك بن عائذ قال: حدثنا أبو الحسن محمد بن محمد بن مقلة البغدادي بمصر وحدثنا محمد بن الحسن بن دريد قال: حدثنا العكلى عن الحرمازى عن رجل من همدان قال قال معاوية لضرار الضبابى: يا ضرار صف لى عليا قال: اعفنى يا امير المؤمنين قال: لتصنفه قال: اما إذ لابد من وصفه، كان والله بعيد المدى شديد القوى،

(1) - قرئ بالقاف والفاء فمن اراد التحقيق فليراجع شروح نهج البلاغة.

[ 228 ]

الرابع - قوله عليه السلام في صفة المخلص من عباد الله (1) فهو من معادن دينه وأوتاد أرضه، قد ألزم نفسه العدل فكان اول عدله ان نفى الهوى عن نفسه، يصف الحق ويعمل به، ولا يدع للخير غاية الا أمها ولا مظنة الا قصدها قد أمكن الكتاب من زمامه فهو قائدة وامامه يحل حيث ثقله وينزل حيث كان منزله. ومن أنصف من نفسه علم ان هذا الكلام لا يصدر عنه وهو مرتكب بخلافه وذلك يستلزم اثبات الملكة المذكورة له. الخامس - قال ابن عباس رضى الله عنه (2) دخل على امير المؤمنين عليه السلام بذى قار وهو يخصف نعله فقال لى: ما قيمة هذه النعل ؟ - فقلت: لا قيمه لها، قال: والله لهى أحب الى من امرتكم الا ان اقيم حقا أو ادفع باطلا. * (هوامش) * يقول فصلا ويحكم عدلا، يتفجر العلم من جوانبه وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها ويأنس بالليل ووحشته، غزير العبرة طويل الفكرة، يعجبه من الباس ما قصر ومن الطعام ما خشن، كان فينا كأحدنا يجيبنا إذا سألناه وينبئنا إذا استفتيناه، ونحن والله مع تقريبه ايانا وقربه منا لانكاد نكلمه هيبة له، يعظم أهل الدين ويقرب المساكين، لا يطمع القوى في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله، وأشهد لقد رأيتة في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه قابضا على لحيته يتململ تململ السليم ويبكى بكاء الحزين ويقول: يادنيا غرى غيرى، أبى تعرضت ام الى تشوفت ؟ هيهات هيهات قد باينتك ثلاثا لا رجعة فيها فعمرك قصير وخطرك حقير، آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشه الطريق، فبكى معاوية وقال: رحم الله ابا الحسن كان والله كذلك فكيف حزنك عليه يا ضرار ؟ - قال: حزن من ذبح ولدها في حجرها ". (1) - من أراد شرحه فليراجع ج 2 من شرح نهج البلاغة لابن ابى الحديد، ص 226 من طبعة مصر وص 214 - 216 من شرح ابن ميثم من الطبعة الاولى في سنه 1276. (2) - من اراد ان يقف على شرح هذا الكلام فليراجع شرح نهج البلاغة لشارح هذه الكلمات (ابن ميثم - رحمه الله -) انظر ص 149 من الطبعة الاولى وشرح نهج البلاغة لابن ابى الحديد (ص 176 من ج 1 من طبعة مصر)

[ 229 ]

وذلك يستلزم اعراضه عن المطلوبات الفانية الا إذا كانت تؤدى الى الخيرات الباقية وهو عين العفة. السادس - دعاء النبي صلى الله عليه وآله له: اللهم أدر الحق مع على حيث دار (1): ومن كان الحق ملازما لطبيعة حركاته استحال ان يلزمها باطل لاستحالة ان يلزم الطبيعة الواحدة لازمان متقابلان أو مختلفان فاستحال ان يكون متبعا للهوى البته وهو معنى العفة وهذا القدر قطرة من بحر التنبهات على لزوم هذه الملكة له، وبالجملة فالخوض في اثبات هذه الملكة له يشبه الاستدلال في موضع الضرورة. الثالث - الشجاعة وثبوتها له عليه السلام معلوم بالضرورة حتى صار يضرب مبالغة في حق الرجل الشجاع وإذا عرفت عن هذه الاصول الثلاثة ثابتة له اتم ما يمكن، وثبت أنها مستلزمة لفضيلة العدالة علمت ثبوت العدالة له اكمل مما هي لسائر الخلق ويؤده قول الرسول صلى الله عليه آله: أقضاكم على (2)، والقضاء محتاج الى العدل ومشروط به. واما أنواع هذه الفضائل فانت عند الانصاف واعتبار درجته وتصفح كلماته واقوال الرسول صلى الله وآله في حقه سيما قوله: اللهم أدر الحق مع على حيث، دار تجده مستكملا لها عالما بكيفية اقسامها مزكيا نفسه بها ويراها (3) وجوه حركاته وتصرفاته لانها الحق، وتجده خاليا من انواع الرذائل المحتوشة لها لعدم امكان اجتماع


(1) - من اراد ان يقف على شئ من طرق هذا الحديث فليراجع غاية المرام للسيد هاشم البحراني (ره) فان الباب الخامس والاربعين من ذلك الكتاب في نقل قول النبي (ص): على مع الحق والحق مع على، وقوله (ص): اللهم ادر الحق معه حيث دار وفيه، اربعه عشر حديثا من طرق العامة، والباب السادس والاربعين من الكتاب في نقل احاديث الخاصة في ذلك (انظر ص 540 - 536). (2) - من الاحاديث المتواترة بين الفريقين. (3) - ب: " وتراها " وعلى هذه النسخة لا يستقيم الكلام الا بوجود كلمة " في " قبل لفظة " وجوه ".

[ 230 ]

الاضداد ولولا كراهة التطويل لا وضحنا ان كل نوع من أنواع الفضائل ثابت له على اكمل الوجوه. واما القسم الثاني والثالث من اقسام الحكمة وهما الحكمة المنزلية والسياسية فقد علمت ان فائدتهما ان يعلم الانسان وجه المشاركة التى ينبغى ان يكون بين اشخاص الناس ليتاونوا على مصالح الابدان ونظام مصالح المنزل والمدنية وقد كان عليه السلام في ذلك العلم سباق غايات وصاحب آيات ويكفيك في معرفة ذلك منه اما على سبيل الجملة فلان الشريعة المصطفوية متضمنة لهاتين الحكمتين على اتم الوجوه واكملها بحيث ترجع اكابر الحكماء إليها في تعلمها، ومعلوم ان امير المؤمنين عليه السلام كان متمسكا بها ومقررا لها وباسطا لاسرارها الكلية ومفصلا لاشراتها الجميلة ولم يغير منها حرفا ولم يقصر فيها عن غاية وذلك مستلزم ثبوتهما له على اكمل وجه واتمه اما على سبيل - التفصيل فعليك في معرفة ذلك انه كان اكمل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وآله في هذا العلم بمطالعة عهوده الى عماله وولاته وامرائه وقضاته من كتاب نهج البلاغة وخصوصا العهد الذى كتبه للاشتر النخعي فان فيه لطائف من تدبير امر المدن ونظام أحوالها لا تهتدى لحسنها وإذا تأملته لم تجد عليه مزيدا في هذا الباب، هذا مع ما تواتر من رجوع المتقدمين له المعترف بحسن تدبيرهم ويالتهم الى استشارته في امورهم وتعرف كيفية تدبير العساكر والحروب والمصالح الكلية والجزئية والفيئ الى احكامه من الاخبار الكثيرة. من ذلك قوله عليه السلام لما استشاره عمر في الخروج من المسلمين الى غزو الروم (1):


(1) - نقله الشريف الرضى - رضى الله عنه - في باب الخطب من نهج البلاغة وصدره بهذه العبارة " ومن كلام له عليه السلام وقد شاوره عمر بن الخطاب في الخروج الى غزو الروم بنفسه " (انظر ج 2 شرح نهج البلاغة لابن ابى الحديد من طبعة مصر، ص 389).

[ 231 ]

وقد توكل الله لاهل هذا الدين باعزاز الحوزة، وستر العورة، والذى نصرهم وهم قليل لا ينتصرون، ومنعهم وهم قليل لا يمتنعون، حى لا يموت، انك متى تسر الى هذا العدو بنفسك فتلقهم فتنكب لا يكن للمسلمين كانفة دون أقصى بالادهم ليس بعدك مرجع يرجعون إليه فابعث عليهم (1) رجلا محربا (2) وتحفز (3) معه أهل البلاء والنصيحة فان اظهر الله فذاك ما تحب وان تكن الاخرى كنت ردء للناس ومثابة للملمين (4).


(1) - في نهج البلاغة: " إليهم ". (2) - قال شارح الكلمات ابن ميثم (ره) في شرحه لنهج البلاغة (ص 267 من الطبعة الاولى): " والمجرب بكسر الميم الرجل صاحب حروب " وقال ابن ابى الحديد في شرحه: " رجل محرب اي صاحب حروب " لكن قال ابن الاثير في النهاية: " وفى حديث على - رضى الله عنه - فابعث رجلا محرابا اي معروفا بالحرب عارفا بها والميم مكسورة وهو من ابنية المبالغة كالمعطاء، ومنه حديث ابن عباس قال في على رضى الله عنهما: ما رأيت محرابا مثله " وقال الفيروز آبادى في القاموس: " ورجل حرب ومحرب ومحراب شديد الحرب شجاع " وقال الزبيدى في شرحه مانصه: " (ورجل حرب) كعدل (ومحرب) بكسر الميم (والمحراب) اي (شديد الحرب شجاع) وقيل: محرب ومحراب صاحب حرب، وفى حديث على - كرم الله وجهه - فابعث عليهم رجلا محربا اي معروفا بالحرب عارفا بها والميم مكسورة وهو من ابنية المبالغة كالمعطاء من العطاء، وفى حديث ابن عباس قال في على: ما رايت محربا مثله، ورجل محرب محارب لعدوه ". (3) - قال ابن ابى الحديد في شرحه: " حفزت الرجل واحفزه = دفعته من خلفه وسقته سوقا شديدا " وقال ابن ميثم في شرحه: " حفز كذا اي دفعه وحفزه ضمه الى غيره ". (4) - قال ابن ابى الحديد في شرحه: " فان قلت " فما بال رسول الله (ص) كان يشاهد الحروب بنفسه ويباشرها بشخصه ؟ - قلت: ان رسول الله (ص) كان موعودا بالنصر وآمنا على نفسه بالوعد الالهى في قوله: والله يعصمك من الناس، وليس عمر كذلك. فان قلت: فما بال امير المؤمنين (ع) شهد حرب الجمل وصفين والنهروان بنفسه فهلا بعث اميرا محربا وأقام بالمدينة ردء ومثابة ؟ - قلت عن هذا جوابان، احدهما - انه (ع) كان عالما من جهة النبي (ص) انه لا يقتل في هذه الحروب، ويشهد لذلك الخبر المتفق عليه بين الناس كافه: تقاتل بعدى

[ 232 ]

فانظر الى هذا الرأى الصائب بعين بصيرتك تجده كافلا لمحاسن تدابير الرياسات مقتضيا لنظام الحركات المدنية كاشفا لمصالح الملك مستلزما لكونه عليه السلام أفضل المتقدمين في هذا الشأن. ومنها قوله عليه السلام (1): والله لقد علمت (2) تبليغ الرسالات، واتمام العدات، وتمام الكلمات، وعندنا أهل البيت ابواب الحكم وضياء الامر. ولا شك ان من علم تبليغ الرسالات وادائها وكانت عنده ابواب الحكمة كان اولى الخلق بتدبير احوال الخلق واقدرهم على نظم امورهم (3).


الناكثين والقاسطين والمارقين. وثانيهما - يجوزان يكون غلب على ظنه ان غيره لا يقوم مقامه في حرب هذه الفرق الخارجة عليه ولم يجد اميرا محربا من اهل البلاء والنصيحة لانه (ع) هكذا قال لعمر واعتبر هذه القيود والشروط فمن كان من اصحابه (ع) محربا لم يكن من اهل النصيحة له، ومن كان من أهل النصيحة له لم يكن محربا فدعته الضرورة الى مباشرة الحرب بنفسه ". اقول: قد عمل أمير المؤمنين (ع) هذا العمل في غير حرب الجمل وصفين والنهروان ويكشف عن ذلك ما نقله السيد الرضى (رض) في نهج البلاغة (ج 2 شرح ابن ابى الحديد ص 259 من طبعة مصر) بهذه العبارة " ومن كلام له عليه السلام وقد جمع الناس وحضهم على الجهاد فسكتوا مليا فقال (ع) ما بالكم امخرسون انتم ؟ ! فقال قوم منهم: يا امير المؤمنين ان سرت سرنا معك، فقال (ع): ما بالكم لاسددتم لرشد ولاهديتم لقصد افي مثل هذا ينبغى ان اخرج وانما يخرج في مثل هذا رجل ممن ارضاه من شجعانكم وذوى بأسكم ولا ينبغى لى ان ادع الجند والمصر وبيت المال (الى ان قال) وانما انا قطب الرحى تدور على وانا بمكانى فإذا فارقته استحار مدارها واضطربت ثفالها (الى آخر ما قال) ". (1) - هو صدر كلام له (ع) نقله السيد الرضى (ره) في نهج البلاغة (انظر شرح نهج البلاغة لابن ابى الحديد ص 260 من المجلد الثاني من طبعة مصر). (2) - قال ابن ابى الحديد: " رواها قوم: لقد علمت، بالتخفيف وفتح العين، والرواية الاولى احسن ". (3) - قال ابن ميثم (ره) في شرحه لنهج البلاغة في شرح هذا الكلام مانصه (ص 284

[ 233 ]

ومنها قوله عليه السلام على علم تدبير الحروب: فقدموا الدارع، واخروا الحاسر، وعضوا على الاضراس، فانه أنبى للسيوف عن الهام، والتووا في أطراف الرماح، فانه أمور للاسنة، وغضوا الابصار، فانه أربط للجأش وأسكن للقلوب، وأميتوا الاصوات، فانه أطرد للفشل، ورأيتكم فلا تميلوها، ولا تخلوها، ولا تجعلوها الا بأيدي شجعانكم والمانعين الدمار منكم، فان الصابرين على نزول - الحقائق هم الذين يحفون براياتهم ويكتنفونها حفافيها ووراءها وامامها لا يتأخرون عنها فيسلموها، ولا يتقدمون عليها فيفردوها. وهو مذكور في كتاب نهج البلاغة (1). وكذلك قوله عليه السلام في هذا المعنى في بعض ايام صفين (2):


من الطبعة الاولى): " اقول: صدر الفصل بذكر فضيلته وهى علمه بكيفية تبليغ الرسالات وادائها، وعلمه باتمام الله تعالى ما وعد به المتقين في دار القرار فتمام وعده ان لا خلف فيه، وتمام اخباره ان لا كذب فيها، وتمام اوامره ونواهيه اشتمالها على المصالح الخالصة والغالبة وهكذا ينبغى ان يكون اوصياء الانبياء وخلفائهم في ارض الله وعباده ثم اردف ذلك بالاشارة الى فضل اهل البيت عاما واراد بضياء الامر انوار العلوم التى يبتنى عليها الامور والاعمال الدينية والدنيويه وما ينبغى ان يهتدى الناس به في حركاتهم من قوانين الشريعة وما يستقيم به نظام الامر من قوانين السياسات وتدبير المدن والمنازل ونحوهما إذ كان كل امر شرع فيه على غير ضياء من الله ورسوله أو احد اهل بيته وخلفائه الراشدين فهو محل التيه والزيغ عن سبيل الله ". فمن اراد باقى الكلام وشرحه فليراجع شرح نهج البلاغة. (1) - هو مذكور في نهج البلاغة في باب الخطب فان اردت شرحه فراجع شرح ابن ابى الحديد (ج 2 ص 266 من طبعة مصر) أو شرح شارح تلك الكلمات ابن ميثم (ره) على نهج البلاغة (ص 286 من الطبعة الاولى). (2) - هو ايضا مذكور في نهج البلاغة (انظر شرح ابن ميثم (ره) ص 182 من الطبعة الاولى) وان اردت ان تراجع شرح ابن ابى الحديد فراجع ج 1 ص 476 من طبعة مصر.

[ 234 ]

معاشر المسلمين استشعروا الخشية، وتجلببوا الكينة، وعضوا على النواجذ، فانه أنبى للسيوف عن الهام، وأكملوا اللامة، وقلقلوا السيوف في أغمادها، والحظوا الخزر، واطعنوا الشزر، ونافحوا بالظبى، وصلوا السيوف بالخطى. وعند تأمل هذه الكلمات تجده عليه السلام قد أحاط بعلم تدبير الحرب وانتظام أمور الجند. واما رجوعهم الى احكامه الصائبة وتنبيهاته عليه السلام لهم على الاغلاط العظيمة ففى مواضع كثيرة يطول بتفصيلها الكلام ويخرج عن الغرض كقضية (1) المجهضة (2)


(1) - ب ج: " كقصة ". (2) - ج: " المجهصة " (بالصاد المهملة) وهى تصحيف قطعا، قال الطريحي (ره) في مجمع البحرين: " الجهاض بالكسر اسم من: أجهضت الناقة والمراة ولدها اجهاضا = أسقطته ناقص الخلق، ومنه المجهض = المسقطة للحمل، والولد مجهض بفتح الهاء وجهيض " فكأنها اشارة الى ما نقله الاثار وحملة الاخبار ضمن قضاياه الغريبة، قال العلامة المجلسي (ره) في تاسع البحار في " باب قضاياه صلوات الله عليه وما هدى قومه (ع) إليه مما أشكل عليهم من مصالحهم " نقلا عن مناقب ابن شهر اشوب (ص 479 من طبعة امين الضرب): " أبو القاسم الكوفى والقاضى النعمان في كتابيهما: عمر بن حماد باسناده عن عبادة بن الثابت قال: قدم قوم من الشام حجاجا فأصابوا أدحى نعامة فيه خمس بيضات فشووهن وأكلوهن ثم قالوا: ما أرانا الا وقد أخطانا والصيد أصبنا ونحن محرمون، فأتوا المدينة وقصوا على عمر القصة فقال: انظروا الى قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فاسألوهم عن ذلك ليحكموا فيه فسألوا جماعة من الصحابة فاختلفوا في حكم ذلك فقال عمر: إذا اختلفتم فههنا رجل كنا أمرنا إذا اختلفنا في شئ فيحكم فيه فأرسل الى امراة يقال لها عطية فاستعار منها اتانا فركبها وانطلق بالقوم معه حتى اتى عليا وهو بينبع، فخرج إليه على فتلقاه ثم قال له: هلا أرسلت الينا، فنأتيك ؟ - فقال عمر: الحكم يوتى في بيته فقص عليه القوم فقال على (ع) لعمر: مرهم فليعمدوا الى خمس قلائص من الابل فليطرقوها للفحل فإذا أنتجت أهدوا ما نتج منها جزاء عما اصابوا، فقال عمر: يا أبا الحسن ان الناقه قد

[ 235 ]

وقضية المرأة زنت وهى حامل (1) فأمر عمر برجمها، وقضية المرأة التى ولدت لستة اشهر فأمر عمر ايضا برجمها حتى نبه عليه السلام على ان ذلك أقل مدة الحمل بقوله تعالى: وحمله وفصالة ثلاثون شهرا، وقد علم ان مدة الفصال سنتان فقال عمر في هذا المواضع:


تجهيض ؟ - فقال على: وكذلك البيضة قدتمرق، فقال عمر: فلهذا أمرنا ان نسألك بيان - قال الجوهرى: مدحى النعامة موضع بيضها وادحيها موضعها الذى تفرخ فيه وهو أفعول من: دحوت: لانها تدحوه برجلها ثم تبيض فيه، واجهضت الناقة اي اسقطت، ومرقت البيضة اي فسدت، وقال الميداني في مجمع الامثال وشارح اللباب وغيرهما: في المثل السائر: في بيته يؤتى الحكم، هذا ما زعمت العرب عن ألسن البهائم قال: ان الارنب التقطت تمرة فاختلسها الثعلب فأكلها وانطلقا يختصمان الى الضب فقالت الارنب: يا ابا الحسل فقال، سميعا دعوت، قالت: اتيناك لنختصم اليك، قال: عادلا حكمتما، قالت، في بيته يؤتى الحكم، قالت: وجدت تمرة:، قالت: حلوة فكليها، قالت: فاختلسها الثعلب قال لنفسه بغى الخير قالت: فلطمتة: قال: بحقك أخذت، قالت: فلطمني قال: حرا تنتصر، قالت: فاقض بيننا، قال حدث حدثين امراة فان ابت فأربعة، فذهبت أقواله كلها امثالا، انتهى ". (1) - هذه القضية في كتب معتبرة كثيرة راجع لبعض طرقه تاسع البحار (ص 483 من طبعة امين الضرب) فان اردت ملاحظة عدة من طرقها راجع تمام " باب قضاياه صلوات الله عليه وما هدى قومه إليه مما اشكل من مصالحهم " ص 475 - 499 من المجلد المذكور. وانما نشير الى موضع من موارد نقلها قال العلامة المجلسي (ره) في تاسع البحار في " باب قضاياه (ع) وماهدى قومه إليه مما أشكل عليهم " (ص 479 من طبعة امين الضرب): " قب (اي مناقب ابن شهر اشوب) وكان الهيثم في جيش فلما جاء جاءت امرأتة بعد قدومه بستة اشهر بولد، فأنكر ذلك منها وجاء به عمر وقص عليه فأمر برجمها فأدركها على (ع) من قبل ان ترجم ثم قال لعمر: اربع على نفسك انها صدقت ان الله تعالى يقول: وحمله وفصاله ثلاثون شهرا، وقال: والوالدات يرضعن اولادهن حولين

[ 236 ]

لولا على لهلك عمر، وبلفظ آخر لا عشت لمشكلة لا تكون لها يا ابا الحسن (1). وجزيئات هذا الباب كثيرة وفيما ذكرناه مقنع لمن سلك طريق السداد وتنحى عن (سبيل العناد)، والله ولى التوفيق والعصمة.


كاملين فالحمل والرضاع ثلاثون شهرا، فقال عمر: لولا على لهلك عمر، وخلى سبيلها وألحق الولد بالرجل. شرح ذلك اقل الحمل اربعون يوما وهو زمن انعقاد النطفة واقله لخروج الولد حيا سته اشهر، وذلك لان النطفة تبقى في الرحم اربعين يوما، ثم تصير علقة اربعين يوما، ثم تصير مضغة اربعين يوما، ثم تتصور في اربعين يوما، وتلجها الروح في عشرين يوما، فذلك سته اشهر فيكون الفطام في اربعة وعشرين شهرا، فيكون الحمل في سته اشهر ". (1) - قال العلامة المجلسي (ره) في تاسع البحار في باب قضاياه بعد نقل حديث فيه " فقال عمر: معضلة وليس له الا أبو الحسن " (ص 495 من طبعة امين الضرب) مانصه: " بيان - قال الجزرى في النهاية: العضل المنع والشده يقال: أعضل بى الامر إذا اضاقت عليك فيه الحيل ومنه حديث عمر: اعوذ بالله من كل معضلة ليس لها أبو حسن، وروى معضلة (اي بتشديد الضاد) اراد المسألة الصعبة أو الخطبة الضيقة المخارج من الاعضال والتعضيل ويريد بأبى الحسن على ابن ابى طالب (ع) انتهى ". اقول: يشبه كلام ابن الاثير من جهه نجم الائمة الرضى (ره) في شرح الكافية لابن الحاجب وذلك انه قال في مبحث لا التي لنفى الجنس مانصه (ص 111 من طبعة تبريز سنة 1374: " وعلم انه قد يؤول العلم المشتهر ببعض الخلال بنكرة فينتصب وينزع منه لام التعريف ان كان فيه نحو: لا حسن، في الحسن البصري، وكذا لاصعق في الصعق، أو مما اضيف إليه نحو لا امرء قيس ولا ابن زبير، ولا يجوز هذه المعاملة في لفظي عبد الله وعبد الرحمن إذ الله والرحمن لا يطلقان على غيره تعالى حتى يقدر تنكيرهما قال: لا هيثم الليلة للمطى، وقال ارى الحاجات عند ابى حبيب * نكدن ولا امية في البلاد ولتاويلة بالمنكر وجهان اما ان يقدر مضاف هو مثل فلا يتعرف بالاضافة لتوغله في الابهام

[ 237 ]

الفصل الثاني في بيان اطلاعه عليه السلام على الممغيبات وتمكنه من خوارق العادات، وفيه بحثان: البحث الاول - في اطلاعه على الامور الغيبية ولنورد منها في هذا البحث عشرة احكام: الحكم الاول - ما حكم بوقوعه في حق عبيد الله بن زياد من قوله عليه السلام: اما انه سيظهر عليكم بعدى رجل (1) رحب البلعوم، مندحق البطن، يأكل ما يجد، ويطلب


وانما يجعل في صورة النكرة بنزع اللام وان كان المنفى في الحقيقة هو المضاف المذكور الذى لا يتعرف بالاضافة الى اي معرف كان لرعاية اللفظ واصلاحه ومن ثم قال الاخفش: على هذا التأويل يمتنع وصفه لانه في صورة النكرة فيمتنع وصفه وهو معرفة في الحقيقة فلا يوصف بنكرة. واما ان يجعل العلم لاشتهارة بتلك الخلة كأنه اسم جنس موضوع لافادة ذلك المعنى لان معنى قضية: ولا ابا حسن لها، لا فيصل لها إذ هو عليه السلام كان فيصلا للحكومات على ما قال النبي (ص) أقضاكم على، فصار اسمه كالجنس المفيد لمعنى الفصل والقطع كلفظ الفيصل، وعلى هذا يمكن وصفه بالمنكر وهذا كما قالوا: لكل فرعون موسى، اي لكل جبار قهار، فيصرف فرعون وموسى لتنكيرهما بالمعنى المذكور وجوز الفراء اجراء المعرفة مجرى النكرة بأحد التأولين في الضمير واسم الاشارة ايضا نحو: لا اياه ههنا أو: لا هذا وهو بعيد غير مسموع ". وانما نقلناه هنا بطوله لكثرة فائدته ولمناسبه للمقام. (1) - قال شارح الكلمات ابن ميثم (ره) في شرحه على نهج البلاغة في شرح هذا الكلام (183 من الطبعة الاولى): " واختلف في مراده بالرجل فقال اكثر الشارحين: المراد معاوية لانه كان بطينا

[ 238 ]

مالا يجد، فاقتلوه ولن تقتلوه، الا وانه سيأمركم بسبي والبراءة منى، فاما السب فسبوني (فانه لى زكوة ولكم نجاة) واما البراءة فلا تبرؤا منى، فانى ولدت على الفظرة وسبقت الى الاسلام والهجرة. وكان ذلك الحكم صادقا كما هو المشهور من قصته. الحكم الثاني - لما قتل عليه السلام الخوارج وقيل له هلك القوم بأجمعهم، فقال (1) كلا والله انهم نطف في أصلاب الرجال وقرارات النساء، كأنما نجم منهم قرن قطع حتى يكون آخرهم لصوصا سلابين. وكان من الخوارج ماكان كما قال. * (هامش) كثير الاكل: روى انه كان ياكل فيمل فيقول: ارفعوا: فو الله ما شبعت ولكن مللت وتعبث، وكان ذلك داء أصابه بدعاء الرسول (صلعم) روى انه بعث إليه مرة فوجده يأكل، فبعث إليه ثانية فوجده كذلك فقال: اللهم لا تشبع بطنه ولبعضهم في وصف آخر: وصاحب لى بطنه كالهاوية * كأن في احشائة معاوية وقيل هو زياد بن ابى سفيان وهو زياد ابن ابيه، وقيل هو الحجاج، وقيل: المغيرة بن شعبة (فخاض في الشرح فمن اراده فليراجع هناك) ". وقال ابن أبى الحديد في شرحه (ج 1 من طبعة مصر ص 355): " وكثير من الناس يذهب الى انه عليه السلام عنى زيادا، وكثير منهم يقول: انه عنى الحجاج، وقال قوم: انه عنى المغيرة بن شعبة والاشبه عندي انه معاوية لانه كان موصوفا بالنهم وكثرة الاكل وكان بطينا يقعد بطنه إذا جلس على فخذيه (الى آخر ما قال). اقول: فيما ذكره الشارحان المشار اليهما في شرح الكلام مطالب نفيسة ولولا ان الخوض في نقلهما يفضى الى اطناب لا يناسبه المقام لنقلت ما ذكراه (فان شئت، فراجع). (1) - نقله الشريف الرضى (ره) في باب الخطب من نهج البلاغة (راجع شرح ابن ميثم ص 147 من الطبعة الاولى، وشرح ابن ابى الحديد طبعة مصر ج 1 ص 427).

[ 239 ]

الحكم الثالث - قوله عليه السلام (1): فتن كقطع الليل المظلم لا تقوم لها قائمة، ولا ترد لها راية، تأتيكم مزمومة مرحولة، يحفزها قائدها، ويجهدها راكبها، أهلها قوم أذلة عند المتكبرين، في الارض مجهولون، وفى السماء معروفون، فويل لك يا بصرة عند ذلك من جيش من نقم الله لارهج له ولا حسن وسيبتلى اهلك بالموت الاحمر والجوع الاغبر.


(1) - هو ايضا مروى في باب الخطب من نهج البلاغة قال ابن ميثم (ره) في شرحه (ص 254 من الطبعة الاولى): اقول: يحفزها يدفعها من خلف، والكلب الشر، والاذلة جمع ذيل، والرهج الغبار، والحس الصوت الخفى وقد نبه عليه السلام في هذا الفصل على ما سيقع بعده من الفتن ويخص منها فتنة صاحب الزنج بالبصرة وشبه تلك الفتن بقطع الليل المظلم ووجه الشبه ظاهر ولا تقوم لها قائمة اي لا يمكن مقابلتها بما يقومها ويدفعها وانما انث لكون القائمة في مقابلة الفتنة وقيل: لا تثبت لها قائمة فرس، واستعار لفظ الزمام والرحل والحفز والقائد والراكب وجهده لها ملاحظة لشبهها بالناقة وكنى بالزمام والرحل عن تمام اعداد الفتنة وتعنيتها كما ان كمال الناقة للركوب ان تكون مزمومة مرحولة، وبقائدها عن اعوانها، وبراكبها عن منشئها المتبوع فيها، وبحفزها وجهدها عن سرعتهم فيها، واهلها اشارة الى الزنج وظاهر شدة كلبهم وقلة سلبهم إذ لم يكونوا أصحاب حرب وعدة وخيل كما يعرف ذلك من قصتهم المشهورة وكما سنذكر طرفا منها فيما يستقبل من كلامه في فصل آخر وقد وصف مقاتليهم في الله بكونهم اذله عند المتكبرين وكونهم مجهولين في الارض اي ليسوا من ابناء الدنيا المشهورين بنعيمها، وكونهم معروفين في السماء هو اشارة الى كونهم من اهل العلم والايمان يعرفهم ربهم بطاعتهم وتعرفهم ملائكتهم بعبادة ربهم. ثم اردف ذلك بأخبار البصرة مخاطبا لها والخطاب لاهلها بما سيقع بها من فتنة الزنج وظاهر انه لم يكن لهم غبار ولا اصوات إذ لم يكونوا اهل خيل ولا قعقعة لجم فإذا لارهج لهم ولاحس وظاهر كونهم من نقم الله للعصاة وان عمت الفتنة إذ قلما تخص العقوبة النازلة بقوم بعضهم كما قال تعالى: واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة وقوله (ع): سيبتلى

[ 240 ]

وكان من أحوال البصرة وموت أهلها بالطاعون وغير ذلك ما كان كما هو مشهور من قصصها وذلك يدل على اطلاعه عليه السلام على ما لم يكن قبل كونه. الحكم الرابع - قوله عليه السلام: ولو تعلمون ما أعلم مما طوى عنكم غيبه إذا لخرجتم الى الصعدات تبكون على اعمالكم (1) وتلتدمون على انفسكم، ولتركتم أموالكم


اهلك بالموت الاحمر والجوع الاغبر، قيل فالموت الاحمر اشارة الى قتلهم بالسيف من قبل الزنج أو من قبل غيرهم ووصفه بالحمرة كناية عن شدته وذلك ان اشد الموت ماكان بسفك الدم اقول: وقد فسره (ع) بهلاكهم من قبل الغرق كما نحكيه عنه وهو ايضا في غاية الشدة لاستلزامه زهوق الروح (وكذلك وصف الاغبر لان اشد الجوع ما اغبر معه الوجه وغير السحنة الصافية لقلة مادة الغذاء أو رداءته فلذلك سمى اغبر وقيل: لانه يلصق بالغبراء وهى الارض. وقد اشار عليه السلام الى هذه الفتنة في فصل من خطبة خطب بها عند فراغه من حرب البصرة وفتحها وهى خطبة طويلة حكينا منها فصولا تتعلق بالملاحم من ذلك فصل يتضمن حال غرق البصرة فعند فراغه من ذلك الفصل قام إليه (الى آخر ما ذكره، وهو طويل لا يسعه المقام فمن اراده فيطلبه من هناك) ". (1) - قال الشريف الرضى (ره) بعد نقله في باب الخطب من نهج البلاغة (انظر شرح نهج البلاغة لابن ميثم ص 280 من الطبعة الاولى): " اقول: الوذحة الخنفساء وهذا القول يومى به الى الحجاج وله مع الوذحة حديث ليس هذا موضع ذكره " قال ابن ميثم في شرحه: " الصعدات جمع صعيد وهو وجه الارض، واللدم والالتدام ضرب الوجه ونحوه،. ورأى ميمون مبارك وقدما بضم القاف والدال اي تقدموا ولم ينثنوا، والوجيف ضرب من السير فيه قوة والوذحة كما قيل: انها كنيه للخنفساء، ولم ينقل ذلك في المشهور من كتب اللغة وانما المشهور انها القطعة من بعر الشاة تنعقد على اصواف اذنابها وتتعلق بها وهذا الفصل من خطبة له بالكوفة يستنهض فيها اصحابه الى حرب الشام ويتبرم من تقاعدهم عن صوته.

[ 241 ]

لا حارس لها ولاخالف عليها، ولهمت كل امرئ منكم نفسه لا يلفت الى غيرها ولكنكم نسيتم ما ذكرتم، وامنتم ما حذرتم، فتاه عنكم رأيكم، وتشتت عليكم امركم، ولوددت ان الله فرق بينى وبينكم وألحقني بمن هو أحق بى منكم، قوم والله ميامين الرأى، مراجيح - الحلم، مقاويل بالحق، متاريك للبغي، مضوا قدما على الطريقة، وأوجفوا على المحجة، فظفروا بالعقبى الدائمة، والكرامة الباردة، اما والله ليسلطن عليكم غلام ثقيف الذيال


(الى ان قال) ثم بين لهم بعض ما سيلحقهم من الفتن العظيمة مما طوى عنهم غيبه، وهى فتنة الحجاج بن يوسف بن الحكم بن ابى عقيل بن عامر بن معتب بن مليك بن كعب بن الاخلاف قوم من ثقيف (الى ان قال) ثم قال: ايه ابا وذحة وكلمة ايه اسم من اسماء فعل الامر يستدعى به الحديث المعهود من الغير ان سكنت، وان نونت كانت لاستدعاء قول أو فعل ما، وقيل: التسكين للوقف والتنوين للدرج. وأما تلقيبه (ع) له بأبى وذحة فروى في سبب ذلك انه كان يوما يصلى على سجادة له فدبت إليه خنفساء فقال: نحوها عنى فأنها وذحة من وذح الشيطان. وروى انه قال: قاتل الله قوما يزعمون ان هذه من خلق الله فقيل له: مما هي ؟ - فقال: من وذح ابليس وكأنه شبهها بالوذحة المتعلقة بذنب الشاة في حجمها أو شكلها فاستعار لها لفظها، ونسبته لها الى ابليس لاستقذاره اياها واستكراهه لصورتها، أو لانها تشوشه في الصلوة وروى أبو على بن مسكويه: انه نحاها بقصبة وقال: لعنك الله وذحة من وذح الشيطان ونقل بعض الشارحين ودجة (بالدال والجيم) وكنى ذلك عن كونه سفاكا للدماء قطاعا للاوداج وفيه بعد ". قال ابن ابى الحديد فيما قال في شرحه (ج 2، ص 257 من طبعة مصر): " قال الرضى - رحمه الله - والوذحة الخنفساء ولم أسمع هذا من شيخ من اهل الادب ولا وجدته في كتاب من كتب اللغة ولا ادرى من اين نقل الرضى رحمه الله ذلك ؟ ! ثم ان المفسرين بعد الرضى - رحمه الله - قالوا في قصة هذه الخنفساء وجوها منها - ان الحجاج رأى خنفساء تدب الى مصلاه فطردها، فعادت ثم طردها، فعادت

[ 242 ]

الميال يأكل خضرتكم، ويذهب شحمتكم، ايه ابا وذحة. والمراد ههنا فتنة الحجاج، والوذحة الخنفساء، وسبب نسبته إليها انه كان جالسا يوما على سجادة له فإذا خنفساء قد أقبلت تدب إليه فقال: نحوا هذه فانها وذحة من وذح الشيطان. قال أهل اللغة: الوذحة ما تعلق بأصواف الضان من بعرها وبولها، وهذا الحكم غيبي. الحكم الخامس - قوله عليه السلام للاحنف وهو مما كان يخبر به عن الملاحم بالبصرة: يا احنف كأنى به وقد سار بالجيش الذى لا يكون له غبار ولا قعقعة لجم، ولا


فأخذها بيده وحذف بها فقرصته قرصا ورمت يده ورما كان فيه حتفه، قالوا: وذلك لان الله تعالى قتله بأهون مخلوقاته كما قتل نمرود بن كنعان بالبقة التى دخلت في أنفه فكان فيها هلاكه. ومنها - ان الحجاج كان إذا رأى خنفساء تدب قريبة منه يأمر غلمانه بابعادها ويقول: هذه وذحة من وذح الشيطان تشبيها لها بالبعرة، قالوا: وكان مغرى بهذا القول والوذح ما يتعلق بأذناب الشاة من ابعارها فيجف. ومنها - ان الحجاج قال وقد رأى خنفساوات مجتمعات: واعجبا لمن يقول: ان الله خلق هذه، قيل فمن خلقها ايها الامير ؟ - قال: الشيطان، ان ربكم لاعظم شأنا ان يخلق هذه الوذح قالوا: فجمعها على فعل كبدنة وبدن، فنقل قوله هذه الى الفقهاء في عصره فأكفروه. ومنها - ان الحجاج كان مثفارا وكان يمسك الخنفساء حيه ليشفى بحركتها في الموضع حكاكة، قالوا: ولا يكون صاحب هذه الداء الا شانئا مبغضا لاهل البيت، قالوا: ولسنا نقول: كل مبغض فيه هذا الداء وانما قلنا: كل من فيه هذا الداء فهو مبغض، قالوا: وقد روى أبو عمر الزاهد ولم يكن من رجال الشيعة في اماليه واحاديثه عن السيارى عن ابى خزيمة الكاتب قال: ما فتشنا أحدا فيه هذا الداء الا وجدناه ناصبيا، قال أبو عمر: واخبرني العطافى من رجاله قالوا: سئل جعفر بن محمد عليه السلام عن هذا الصنف من الناس فقال: رحم منكوسة تؤتى ولا تأتى، وما كانت هذه الخصلة في ولى الله تعالى قط ولا تكون ابدا وانما تكون في الكفار والفساق والناصب للطاهرين وكان أبو جهل عمر بن هشام المخزومى من القوم وكان اشد الناس عداوة لرسول الله صلى الله عليه وآله

[ 243 ]

حمحمة خيل، يثيرون الارض بأقدامهم كأنها أقدام النعام، ويل لسككهم العامرة والدور المزخرفة التى لها أجنحة كأجنحة النسور وخراطيم كخراطيم الفيلة، من اولئك الذين لا يندب قتيلهم، ولا يفقد غائبهم (1). * (هامش) قالوا: ولذلك قال له عتبة بن ربيعة يوم بدر: يا مصفرا استه. فهذا مجموع ما ذكره المفسرون وما سمعته من افواه الناس في هذا الموضع. ويغلب على ظنى انه (ع) اراد معنى اخر، وذلك ان عادة العرب ان تكنى الانسان إذا ارادت تعظيمة بما هو مظنة التعظيم كقولهم: أبو الهول: أبو المقداد، وأبو المغوار، فإذا ارادت تحقيره والغض منه كنته بما يستحقر ويستهان به كقولهم في كنية يزيد بن معاوية أبو زنة، يعنون القرد، وكقولهم في كنية سعيد بن حفص البخاري المحدث، أبو الفار، وكقولهم للطفيلي: أبو لقمة، وكقولهم لعبد الملك: أو الذبان، لبخره، وكقول ابن بسام لبعض الرؤوساء: فانت لعمري أبو جعفر * ولكننا نحذف الفاء منه وقال ايضا: لئيم درن الثوب * نظيف القعب والقدر أبو النتن أبو الدفر * أبو البعر أبو الجعر فلما كان امير المؤمنين عليه السلام يعلم من حال الحجاج نجاسته بالمعاصى والذنوب التى لو شوهدت بالبصر لكانت بمنزلة الملتصق بشعر الشاء كناه أبو وذحة ويمكن ايضا ان يكنيه بذلك لدمامته في نفسه وحقارة منظره وتشويه خلقته فانه كان قصيرا دميما نحيفا اخفش العينين معوج الساقين قصير الساعدين مجدور الوجه اصلع الراس فكناه باحقر - الاشياء وهو البعرة. وقد روى قوم هذه اللفظة بصيغة اخرى فقالوا ايه ابا ودجة، قالوا: هي واحدة لاوداج، كناه بذلك لانه كان قتالا يقطع الاوداج بالسيف، ورواه قوم ابا وحرة وهى دويبة تشبه الحرباء قصيرة الظهر شبهه بها. وهذا وما قبله ضعيف، وما ذكرناه نحن اقرب الى الصواب ". (1) - قال ابن ميثم (ره) في شرحه على نهج البلاغة في شرح هذا الكلام

[ 244 ]

والاشارة في هذا الكلام الى صاحب الزنج وهو على بن محمد العلوى ويكنى بالبرقعي


ضمن ما قال (ص 290 من الطبعة الاولى): " والضمير في قوله (ع): كانى به لصاحب الزنج واسمع على بن محمد علوى النسب، والجيش المشار إليه هم الزنج، وواقعتهم بالبصرة مشهورة، واخبارهم وبيان أحوالهم وتفصيل واقعتهم يشتمل عليها كتاب منفرد في نحو من عشرين كراسة فليطلب علمها من هناك. واما وصف ذلك الجيش بالاوصاف المذكورة فلان الزنج لم يكونوا أهل - خيل ولا جند من قبل حتى يكون بالاوصاف المشار إليها، واثارتهم التراب بأقدامهم كناية عن كونهم حفاة في الاغلب مشققى الاقدام فهى من اعتياد الحفاء ومباشرة الارض كالخشب ونحوه فكانت مظنة اثارة التراب عوضا عن حوافر الخيل، ووجه شبهها بأقدام النعام ان أقدامهم في الاغلب قصار عراض منتشرة الصدور ومفرقات الاصابع فهى من عرضها لا يتبين لها طول فأشبهت اقدام النعام في بعض تلك الاوصاف. ثم اخبر بالويل لمحال البصرة ودورها المزوقة من اولئك واستعار لدورها لفظ الاجنحة واراد بها القطانيات التى تعمل من الاخشاب والبواري بارزة عن السقوف كالوقاية للمشارف والحيطان عن آثار الامطار وهى أشبه الاشياء في هيئتها وصورة وضعها بأجنحة كبار الطير كالنسور، وكذلك استعار لفظ خراطيم الفيلة للميازيب التى تعمل من الخوص على شكل خرطوم الفيل وتطلى بالقار يكون نحوا من خمسة اذرع وازيد تدلى من السطوح حفظا للحيطان اذى السيل ايضا وهى اشبه الاشياء في صورتها بخراطيم الفيلة. واما وصفه (ع) لهم بانه لا يندب قتيلهم ولا يفقد غائبهم، قال بعض الشارحين: ذلك وصف لهم بشدة البأس والحرص على الحرب والقتال وانهم لا يبالون بالموت ولا يأسفون على من فقد منهم، واقول: والاشبه ان ذلك لكونهم لا اصول لهم ولا اهل لاكثرهم من أم أو أخت أو غير ذلك ممن عادته ان ينوح ويندب قتيله ويفتقد غائبه لكون اكثرهم غرباء في البصرة ممن قتل منهم لا يكون له منهم من يندبه، ومن غاب لا يكون له من يفقده ". اقول: لهذا الكلام الشريف ذيل قد نقله السيد (ره) في نهج البلاغة وهو: " انا كاب الدنيا لوجهها، وقادرها بقدرها، وناظرها بعينها ".

[ 245 ]

لانه كان يمشى متبرقعا وكان مولده بالرى من قرية يقال هلا ورزنين (1) وكان قد خرج فاضلا بارعا، ذهب الى البصرة ودعا الزنج الى نفسه وقرر مع كل واحد منهم ان يقتل سيده ويزوجه بمولاته، فاطاعوه بأجمعهم على ذلك وفعلوا ماففعلوا، وقصتهم مشهورة، وذلك مستلزم لاطلاعه على ما لم يكن. الحكم السادس - قوله عليه السلام (2): كأنى به وقد نعق بالشام وفحص براياته في ضواحي كوفان فعطف إليها عطف


ومن اراد شرحه فليطلبه من الشروح. ثم اعلم ان ابن ابى الحديد شرح الكلام بما لا مزيد عليه واظن ان ابن ميثم (ره) اشار بكلامه " وبيان اخبارهم يشتمل عليها كتاب منفرد في نحو من عشرين كراسة " الى ما ذكر ابن ابى الحديد في شرحه فمن اراد التفصيل فليراجع ذلك الشرح (ج 2 ص 310 - 361 من طبعة مصر). (1) - قال ياقوت في معجمم البلدان: " وزرنين من أعيان قرى الرى كالمدينة ". (2) - لهذا الكلام ذيل نقله السيد (ره) بهذه العبارة (انظر شرح ابن ميثم (ره) ص 299 من الطبعة الاول): " واعلموا ان الشيطان انما يسنى لكم طرقه لتنبعوا عقبه " وقال ابن ميثم (ره) في شرح الكلام هناك: " وقد اخبر في هذا الفصل انه سيظهر رجل بهذه الصفات قال بعض الشارحين: هو عبد الملك بن مروان وذلك لانه ظهر بالشام حين جعله ابوه الخليفة من بعده وسار لقتال مصعب بن الزبير الى الكوفة بعد ان قتل مصعب المختار بن ابى عبيدة الثقفى فالتقوا بارض مسكن بكسر الكاف من نواحى الكوفة ثم قتل مصعبا ودخل الكوفة فبايعه أهلها، وبعث الحجاج بن يوسف الى عبد الله بن الزبير بمكة فقتله وهدم الكعبة وذلك سنه ثلاث وسبعين من الهجرة وقتل خلقا عظيما من العرب في وقائع عبد الرحمن بن الاشعث ورمى الناس بالحجاج بن يوسف. " أقول: يريد بذلك ابن ابى الحديد فراجع شرحه لنهج البلاغة ان شئت (ج 2، ص 408 من طبعة مصر) وفى شرح ابن ميثم ايضا لطائف في شرح الكلام فان اردتها فراجع هنا.

[ 246 ]

الضروس وفرش الارض بالرؤوس، قد فغرت فاغرته وثقلت في الارض وطأته، بعيد الجولة عظيم الصولة، والله ليشردنكم في اطراف الارض حتى لا يبقى منكم الاقليل كالكحل في العين، فلا تزالون كذلك حتى توؤب الى العرب عوازب أحلامها فالزموا السنن القائمة والاثار البينة والعهد القريب الذى عليه باقى النبوة. وهذا الحكم اشارة الى بعض من يخرج في آخر الزمان كالسفياني وغيره الحكم السابع - من خطبة له عليه السلام (1): فعند ذلك الا يبقى بيت مدر ولا وبر الا وأدخله الظلمة ترحة، وأولجوا فيه نقمة، فيومئذ لا يبقى لهم في السماء عاذر، ولا في الارض ناصر، أصفيتم بالامر غير أهله، وأوردتموه غير مورده، وسينتقم الله ممن ظلم مأكلا بمأكل ومشربا بمشرب من مطاعم العلقم، ومشارب الصبر والمقر، ولباس شعار الخوف، ودثار السيف، وانما مطايا الخطيئات وزوامل الاثام، فأقسم ثم اقسم لتنخمنها امية من بعدى كما تلفظ النخامة، ثم لا تذوقها ولا تطعم بطعمها أبدا ماكر الجديدان. وهذا الحكم اشارة الى ماكان من بنى أمية بعده. الحكم الثامن - واشار فيه الى وصف الاتراك وما يكون في دولتهم (2): كأنى أراهم قوما كأن وجوههم المجان المطرقة، يلبسون السرق والديباج، ويعتقبون الخيل العتاق، ويكون هناك استحرار قتل حتى يمشى المجروح على المقتول، ويكون المفلت اقل من المأسور، فقال له بعض أصحابه: لقد أعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب، فضحك عليه السلام وقال للرجل وكان كلبيا: يا أخا كلب ليس هو بعلم غيب وانما هو تعلم من


(1) - ان شئت شرحه فانظر ص 328 من الطبعة الاولى من شرح نهج البلاغة لابن ميثم، او شرح ابن ابى الحديد، ج 2 ص 466 من طبعة مصر. (2) - انظر ص 291 من الطبعة الاولى من شرح نهج البلاغة لابن ميثم، ص 361 من ج 2 من شرح ابن ابى الحديد من طبعة مصر.

[ 247 ]

ذى علم، وأنما علم الغيب علم الساعة، وما عدده الله سبحانه بقوله: ان الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم مافى الارحام (الاية) فيعلم مافى الارحام من ذكر أو انثى، وقبيح أو جميل، وسخى أو بخيل، وشقي أو سعيد، ومن يكون للنار حطبا اوفى الجنان للنبيين مرافقا، فهذا علم الغيب الذى لا يعلمه أحد الا الله، وما سوى ذلك فعلم علمه الله نبيه - صلى الله عليه وآله - فعلمنيه ودعا لي بان يعيه صدري وتضطم عليه جوانحي. واعلم انه عليه السلام قصد بذلك اقناع المتكلم بهذا الكلام مع صدقه ومطابقته لما أردناه، فان معنى تعليم النبي (ص) له عليه السلام لهذه العلوم هو اعداده لنفسه على طول الصحبة وتعليمه له كيفية السلوك وأسباب تطويع النفس الامارة للنفس المطمئنة من انواع الرياضات حتى استعدت نفسه للانتقاش بالامور الغيبية والاخبار بها، وأكد ذلك الاعداد بدعائه عليه السلام الصادر عن نفسه القدسية المتصرفة في عالم الكون والفساد وذلك مقرر لما أردناه. الحكم التاسع - ماروى عنه عليه السلام (1): من انه لما قاتل أبو بكر مسيلمة واسرت


(1) - قال المجلسي (ره) في المجلد التاسع من البحار في باب احوال اولاد امير المؤمنين على (ع) وازواجه (ص 618 - 619 من طبعة امين الضرب مانصه): " يج (اي الخرائج والجرائح للقطب الراوندي) عن دعبل الخزاعى قال: حدثنى الرضا عن أبيه عن جده عليهم السلام قال: كنت عند أبي الباقر إذ دخل عليه جماعة من الشيعة وفيهم جابر بن يزيد فقالوا: هل رضى ابوك على بامامة الاول والثانى ؟ - قال: اللهم، لا قالوا: فلم نكح من سبيهم خولة الحنفية إذا لم يرض بامامتهم ؟ - فقال الباقر: امض يا جابر بن يزيد الى منزل - جابر بن عبد الله الانصاري فقل له: ان محمد بن على يدعوك، قال جابر بن زيد فأتيت منزله وطرقت عليه الباب فناداني جابر بن عبد الله الانصاري من داخل الدار: اصبر يا جابر بن يزيد، قلت في نفسي من اين علم جابر الانصاري انى جابر بن يزيد ولا يعرف الدلائل الا الائمة من آل - محمد عليهم السلام والله لاسألنه إذا خرج الى، فلما خرج قلت له: من اين علمت انى جابر

[ 248 ]

الحنفية وجيئ بها الى المدينة فلما وقفت بين يدى أبى بكر دنا إليها طلحة والزبير فوضعا عليها ثوبين، فنفرت من ذلك وقالت: ولست بعريانة فقيل لها: انهما يتزايدان فيك ويأخذك أحدهما من حقه، فقالت: لا يكون ذلك ولن يملكني الا من يخبرني بما قلته حين ولادتي، فنظر بعض القوم الى بعض متعجبين من قولها، فقال بعضهم: انما ذلك من دهشها وفزعها، فقالت: والله ما داخلني فزع ولا جزع وما قلت الا حقا ثم جلست ناحية، فلما حضر أمير المؤمنين على عليه السلام وقف ثم ناداها: يا خولة، فقالت، لبيك ووثبت فقال:


وانا على الباب وانت داخل الدار ؟ - قال: خبرني مولاى الباقر (ع) البارحة انك تسأله عن الحنفية في هذا اليوم وانا ابعثه اليك يا جابر بكرة غد وادعوك فقلت: صدقت، قال: سربنا فسرنا جميعا حتى اتينا المسجد فلما بصر مولاى الباقر (ع) بنا ونظر الينا قال للجماعة: قوموا الى الشيخ فاسألوه حتى ينبئكم بما سمع ورأى: فقالوا يا جابر هل راض امامك على بن ابى - طالب (ع) بامامة من تقدم ؟ - قال: اللهم، لا قالوا: فلم نكح من سبيهم إذا لم يرض بامامتهم ؟ - قال جابر: آه آه لقد ظننت أنى أموت ولا اسأل عن هذا إذ سألتموني فاسمعوا وعوا. حضرت السبى وقد ادخلت الحنفية فيمن ادخل فلما نظرت الى جمع الناس عدلت الى تربة رسول الله (ص) فرنت رنة وزفرت زفرة وأعلنت بالبكاء والنحيب ثم نادت: السلام عليك يارسول الله وعلى اهل بيتك من بعدك، هؤلاء امتك سبتنا سبى النوب والديلم، والله ما كان لنا إليهم من ذنب الا الميل الى اهل بيتك فجعلت الحسنة سيئة والسيئة حسنة فسبينا، ثم انعطفت الى الناس وقالت: لم سبيتمونا وقد أقررنا بشهادة ان لا اله الا الله وان محمدا (ص) رسول الله ؟ - قالوا: منعتمونا الزكوة، قال: هب ان الرجال منعوكم فما بال - النسوان ؟ - فسكت المتكلم كأنما القم حجرا. ثم ذهب إليها طلحة وخالد يرميان في التزويج إليها ثوبين فقالت: لست بعريانة فتكسواني، قيل انهما يريدان ان يتزايدا عليك فايهما زاد على صاحبه اخذك من السبى، قالت: هيهات والله لا يكون ذلك ابدا ولا يملكني ولا يكون لى ببعل الامن يخبرني بالكلام الذى قلته ساعة خرجت من بطن امى، فسكت الناس ينظر بعضهم الى بعض وورد عليهم من

[ 249 ]

لما كانت أمك حاملا بك وضربها الطلق واشتد عليها الامر دعت الله وقالت: اللهم سلمني من هذا المولود سالما كان اوهالكا فسبقت الدعوة بالنجاة فناديت من تحتها: لا اله الا الله يا اماه لم تدعين على ؟ - وعما قليل سيملكنى سيد يكون لى منه ولد


ذلك الكلام ما أبهر عقولهم وأخرس ألسنتهم وبقى القوم في دهشة من امرها، فقال أبو بكر: مالكم ينظر بعضكم الى بعض ؟ - قال الزبير: لقولها الذى سمعت، قال أبو بكر: ما هذا الامر الذى أحصر أفهامكم، انها جارية من سادات قومها ولم يكن لها عادة بما لقيت ورأت، فلاشك انها داخلها الفزع وتقول مالا تحصيل له، فقالت رميت بكلامك غير مرمى، والله ما داخلني فزع ولاجزع ووالله ما قلت، الا حقا ولا نطقت الا فصلا ولابد ان يكون كذلك، وحق صاحب هذه البينة ما كذبت، ثم سكتت وأخذ طلحة وخالد ثوبيهما وهى قد جلست ناحية من القوم. فدخل على ابن ابى طالب عليه السلام فذكروا له حالها فقال: هي صادقة فيما قالت وكان حالتها وقصتها كيت وكيت في حال ولادتها وقال: ان كل ما تكلمت به في حال خروجها من بطن امها هو كذا وكذا ذلك مكتوب على لوح معها، فرمت باللوح إليهم لما سمعت كلامه (ع) فقرؤوها على ما حكى على ابن ابى طالب (ع) لا يزيد حرفا ولا ينقص قال: فقال أبو بكر: خذها يا ابا الحسن بارك الله لك فيها. فوثب سلمان فقال: والله ما لاحد ههنا منة على امير المؤمنين بل لله المنة ولرسوله ولامير المؤمنين، والله ما اخذها الا بمعجزه الباهر وعلمه القاهر وفضله الذى يعجز عنه كل ذى فضل ثم قال المقداد: ما بال أقوام قد أوضح الله لهم الطريق للهداية فتركوه واخذوا طريق - العمى وما من قوم الا وتبين لهم فيه دلائل امير المؤمنين، وقال أبو ذر: واعجبا لمن يعاند الحق وما من وقت الا وينظر الى بيانه ايها الناس قد تبين لكم فضل أهل الفضل ثم قال: يا فلان اتمن على أهل الحق بحقهم وهم بما في يديك أحق وأولى.. ؟ - وقال عمار: اناشدكم بالله اما سلمنا على امير المؤمنين على ابن ابى طالب في حياة رسول الله (ص) بامرة المؤمنين، فزجره عمر عن الكلام فقام أبو بكر فبعث على (ع) خولة الى بيت اسماء بنت - عميس وقال لها: خذى هذه المرأة وأكرمي مثواها، فلم تزل خولة عند اسماء بنت عميس الى ان قدم أخوها فتزوجها على ابن ابى طالب عليه السلام.

[ 250 ]

فكتبت امك ذلك في لوح نحاس فدفنته في الموضع الذى فيه سقطت، فما حضرت امك الوفاة أوصت اليك بذلك فلما كان وقت سبيك أخذت ذلك اللوح وشددته على عضدك الايمن، هاتى اللوح فأنا صاحبه وأبو ذلك الغلام الميون، واسمه محمد، فأخرجته فأخذه أبو بكر ودفعه الى عثمان، فقرأه على الناس فبكت طائفة واهتز آخرون


فكان الدليل على علم امير المؤمنين وفساد ما يورده القوم من سبيهم وانه (ع) تزوجها نكاحا فقالت الجماعة: يا جابر أنقذك الله من حر النار كما انقدتنا من حرارة الشك ". وقال ايضا العلامة المجلسي (ره) في تاسع البحار في باب معجزات كلامه من اخباره بالغائبات (ص 582 من طبعة امين الضرب): يج - روى انه لما قعد أبو بكر بالامر بعث خالد بن الوليد الى بنى حنيفة ليأخذ زكوات اموالهم فقالوا لخالد: ان رسول الله (ص) كان يبعث كل سنة رجلا يأخذ صدقاتنا من الاغنياء من جملتنا ويفرقها في فقرائنا فافعل انت كذلك، فانصرف خالد الى المدينة فقال لابي بكر: انهم منعونا من الزكوة فبعث معه عسكرا فرجع خالد وأتى بنى حنيفة وقتل رئيسهم وأخذ زوجته ووطئها في الحال وسبى نسوانهم ورجع بهن الى المدينة وكان ذلك الرئيس صديقا لعمر في الجاهلية فقال عمر لابي بكر: اقتل خالد به بعد ان تجلده الحد لما فعل بامرأته فقال له أبو بكر: ان خالدا ناصرنا تغافل وأدخل السبايا في المسجد وفيهن خولة فجاءت الى قبر رسول الله (ص) والتجأت به وبكت وقالت: يارسول الله (ص) اشكو اليك افعال هؤلاء القوم، سبونا من غير ذنب ونحن مسلمون ثم قالت: ايها الناس لم سببتمونا ونحن نشهد ان لا اله الا الله وان محمد (ص) رسول الله ؟ - فقال أبو بكر: منعتم الزكوة فقالت: الامر ليس على ما زعمت انما كان كذا وكذا، وهب الرجال منعوكم فما بال النسوان المسلمات يسبين.. ! ؟ واختار كل رجل منهم واحدة من السبايا وجاء طلحة وخالد بن عنان ورميا بثوبين الى خولة فأراد كل واحد منهما ان يأخذها من السبى قالت: لا يكون هذا ابدا.

[ 251 ]

فلم يخالف مما قال حرفا، وقالوا عن رأس: صدق رسول الله إذ قال: أنا مدينة العلم وعلى بابها، وعندها قال أبو بكر رضى الله عنه: خذها يا ابا الحسن بارك الله لك فيها. وهذا من عجيب اطلاع نفسه القدسية على المغيبات. الحكم العاشر - روى ان رجلا جاء إليه عليه السلام وهو على المنبر وقال: يا امير المؤمنين انى مررت بوادي القرى فرأيت خالد بن عرفطة قد مات به فاستغفر له فقال


ولا يملكني الا من خبرني بالكلام الذى قلته ساعة ولدت، قال أبو بكر: قد فزعت من القوم وكانت لم تر مثل ذلك قبله فتكلم بما لا تحصيل له فقالت: والله انى صادقة إذ جاء على ابن ابى طالب فوقف ونظر إليهم واليها وقال (ع): اصبروا حتى أسالها عن حالها ثم ناداها يا خولة اسمعي الكلام ثم قال: لما كانت امك حاملا بك وضربها الطلق واشتد بها الامر نادت: اللهم سلمني من هذا المولود فسبقت تلك الدعوة بالنجاة فلما وضعتك ناديت من تحتها: لا اله الا الله، محمد رسول الله (ص)، عما قليل سيملكنى سيد سيكون له منى ولد، فكتبت امك ذلك الكلام في لوح نحاس فدفنتة في الموضع الذى سقطت فيه، فلما كانت الليله التى قبضت امك فيها وصت اليك بذلك فلما كان وقت سبيكم لم يكن لك همة الا أخذ اللوح فأخذتيه وشددتيه على عضدك الايمن هاتى اللوح فأنا صاحب ذلك اللوح وأنا امير المؤمنين وأنا أبو ذلك الغلام الميمون واسمة محمد، قال: فرأيناها وقد استقبلت القبلة وقالت: اللهم انت المتفضل المنان اوزعنى ان اشكر نعمتك التى انعمت على ولم تعطها لاحد الا واتممتها عليه، اللهم بصاحب هذه التربة والناطق المنبئ بما هو كائن الا اتممت فضلك على، ثم اخرجت اللوح ورمت بة إليه، وأخذه أبو بكر وقرأه عثمان فانه كان أجود القوم قراءة، وما ازداد ما في اللوح على ما قال على (ع) وما نقص، فقال أبو بكر: خذها يا أبا الحسن، فبعث بها على (ع) الى بيت اسماء بنب عميس فلما دخل أخوها تزوج بها وعلق بمحمد وولدته ". اقول: نقل السيد هاشم البحراني - قدس سره - هذه القضية في مدينة المعاجز من كتاب سير الصحابة بطريقين آخرين واختلاف في بعض خصوصياتها مع ما نقل هنا، فمن اراد ان يلاحظها بذلكما الطريقين فليراجع كتاب مدينة المعاجز ص 129 - 128 (من النسخة المطبوعة).

[ 252 ]

عليه السلام له: انه لم يمت وانه لن يموت حتى يقود جيش ضلالة صاحب لوائه حبيب بن حماد (1) فقام إليه رجل من تحت المنبر وقال: يا أمير المؤمنين والله انى لك شيعه وانى محب لك، فقال له: من انت ؟ - فقال: انا حبيب بن حماد فقال: اياك ان تحملها


(1) - قال العلامة المجلسي (ره) في تاسع البحار في باب معجزات كلامه من اخباره بالغائبات وعمله باللغات (ص 585 من طبعة امين الضرب): " ومستفيض في اهل العلم عن الاعمش وابن محبوب عن الثمالى والسبيعى كلهم عن سويد بن غفلة وقد ذكره أبو الفرج الاصفهانى في أخبار الحسن انه قيل لامير المؤمنين (ع) ان خالد بن عرفطة قد مات فقال (ع): انه لم يمت ولا يموت حتى يقود جيش ضلالة صاحب لوائة حبيب بن جماز (الحديث كما في المتن) ". وقال ابن أبى الحديد في شرحه على نهج البلاغة في شرح كلام لامير المؤمنين عليه السلام يجرى مجرى الخطبة (ج 1 من طبعة مصر ص 208): " هذا كلام قاله عليه السلام لما تفرس في قوم من عسكره انهم يتهمونه فيما يخبرهم به عن النبي صلى الله عليه وآله من اخبار الملاحم والغائبات وقد شك منهم جماعة في اقواله ومنهم من واجهه بالشك والتهمة وروى ابن هلال الثقفى في كتاب الغارات عن زكريا بن يحيى العطار عن فضيل عن محمد بن على قال لما قال عليه السلام: سلونى قبل ان تفقدوني فوالله لا تسألون عن فئة تضل مائه وتهدى مائه الا أنباتكم بناعقها وساعقها، قام إليه رجل فقال: أخبرني بما في راسى ولحيتي من طاقة شعر، فقال له عليه السلام: والله لقد حدثنى خليلي ان على كل طاقة شعر من رأسك ملكا يلعنك، وان على كل طاقة شعر من لحيتك شيطانا يغويك، وان في بيتك سخلا يقتل ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وكان ابنه قاتل الحسين عليه السلام يومئذ طفلا يحبو وهو سنان بن انس النخعي. وروى الحسن بن محبوب عن ثابت الثمالى عن سويد بن غفلة ان عليا عليه السلام خطب ذات يوم فقام رجل من تحت منبره فقال: يا امير المؤمنين انى مررت بوادي القرى فوجدت خالد بن عرفطة قد مات فاستغفر له فقال عليه السلام انه لم يمت (فذكر الحديث الى آخره وذكر نظائر له فان شئت فراجع هناك) ".

[ 253 ]

ولتحملنها وتدخل بها من هذا الباب، وأوما بيده الى باب الفيل، فلما كان وقت ظهور الحسين بن على وبعث ابن زياد عمر بن سعد إليه جعل خالد بن عرفطة على مقدمته وحبيب بن حماد صاحب رايته فسار بها حتى دخل المسجد من باب الفيل. والاخبار المروية في هذا الباب كثيرة (1) وفيما ذكرناه كفاية في التنبيه على المطلوب.


(1) - قال ابن ابى الحديد في شرح نهج البلاغة في شرح خطبة من فقراتها " فاسألوني قبل ان تفقدوني فوالذي نفسي بيده الا تسألونني عن شئ فيما بينكم وبين الساعة ولا عن فئه تهدى مائة وتضل مائة الا أنبأكم بناعقها وقائدها وسائقها ومناخ ركابها ومحط رحالها ومن يقتل من اهلها قتلا ومن يموت منهم موتا " (ج 2 من طبعة مصر ص 175 - 176): " واعلم انه (ع) قد اقسم في هذا الفصل بالله الذى نفسه بيده انهم لا يسألونه عن امر يحدث بينهم وبين القيامة الا أخبرهم به وانه ماصح من طائفة من الناس يهتدى بها مائة وتضل بها مائة الا وهو مخبر لهم ان سألوه برعاتها وقائدها وسائقها ومواضع نزول ركابها وخيولها ومن يقتل منها قتلا ومن يموت منها موتا وهذه الدعوى ليست منه عليه السلام ادعاء الربوبية ولا ادعاء النبوة ولكنه كان يقول: ان رسول الله (ص) أخبره بذلك ولقد امتحنا أخباره فوجدناها موافقا فاستدللنا بذلك على صدق الدعوى المذكورة كأخباره عن الضربة التى يضرب في رأسه فتخضب لحيته، واخباره عن قتل الحسين ابنه عليهما السلام، وما قاله في كربلا حيث مربها، واخباره بملك معاوية الامر من بعده، واخباره عن الحجاج، وعن يوسف بن عمر، وما اخبر به من امر الخوارج بالنهروان وما قدمه الى اصحابه من اخباره بقتل من يقتل منهم وصلب من يصلب، وأخباره بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين واخباره بعدة الجيش الوارد إليه من الكوفة لما شخص عليه السلام الى البصرة لحرب أهلها، واخباره عن عبد الله بن الزبير وقوله فيه: خب ضب يروم امرا ولا يدركه، ينصب حبال الدين لاصطياد الدنيا وهو بعد مصلوب قريش، وكاخباره عن هلاك البصرة بالغرق وهلاكها تارة اخرى بالزنج وهو الذى صحفه قوم فقالوا: بالريح، وكاخباره عن ظهور الرايات السود من خراسان، وتنصيصه على قوم من اهلها يعرفون ببنى رزيق بتقديم المهملة وهم آل مصعب

[ 254 ]

البحث الثاني في بيان تمكنه عليه السلام من الافعال الخارقة للعادة ولنذكر منها عشر آيات الاية الاولى - روى عن جعفر بن محمد الصادق عليه السلام انه قال: خرج أمير المؤمنين عليه السلام بالناس يريد صفين وعبر الفرات وكان غربي الجبل بصفين إذ


الذين منهم طاهر بن الحسين وولده واسحق بن ابراهيم وكانوا هم وسلفهم دعاة الدولة العباسية، وكاخباره عن الائمة الذين ظهروا من ولده بطبرستان كالناصر والداعى وغيرهما في قوله عليه السلام: وان لال محمد بالطالقان لكنزا سيظهره الله إذا شاء، دعاؤه حق يقوم باذن الله فيدعو الى دين الله، وكاخباره عن مقتل النفس الزكية بالمدينة، وقوله، انه يقتل عند احجار - الزيت، وكقوله عن أخيه ابراهيم المقتول ببا خمرى يقتل بعد ان يظهر ويقهر بعد ان يقهر وقوله فيه ايضا: يأتيه سهم غرب يكون فيه منيته فيا بؤسا للرامي شلت يده ووهن عضده، وكاخباره عن قتلى وج وقوله فيهم: هم خير اهل الارض، وكاخباره عن المملكة العلوية بالغرب وتصريحه بذكر كتامة، وهم الذين نصروا أبا عبد الله الداعي المعلم، وكقوله وهو يشير الى ابى عبد الله المهدى وهو اولهم ثم يظهر صاحب القيروان الغض النض ذو النسب المحض المنتخب من سلالة ذى البداء المسجى بالرداء وكان عبيد الله المهدى ابيض مترفا مشربا بحمرة رخص البدن تار الاطراف، وذو البداء اسمعيل بن جعفر بن محمد عليهما السلام وهو المسجى بالرداء لان اباه أبا عبد الله جعفرا سجاه بردائه لما مات وأدخل إليه وجوه الشيعة يشاهدونه ليعلموا موته وتزول عنهم الشبهة في أمره، وكاخباره عن بنى بويه: وقوله فيهم: ويخرج من ديلمان بنو الصياد اشارة إليهم وكان ابوهم صياد السمك يصيد منه بيده ما يتقوت هو وعياله بثمنه فأخرج الله تعالى من ولده لصلبه ملوكا ثلاثة ونشر ذريتهم حتى ضربت الامثال بملكهم، وكقوله عليه السلام فيهم: يستشرى أمرهم حتى يملكوا الزوراء ويخلعوا الخلفاء فقال له قائل: فكم مدتهم يا امير المؤمنين ؟ - فقال: مائه أو تزيد قليلا، وكقوله فيهم:

[ 255 ]

حضرت صلوة المغرب فأمر فنزلوا ثم توضأ وأذن فلما فرغ من الاذان انفلق الجبل عن هامة بيضاء ووجه أبيض فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته مرحبا بوصى خاتم النبيين العالم المؤمن الفاضل الفائق ميزان الصديقين وسيد الوصيين فقال: عليك السلام يا أخي شمعون وصى روح الله، قال: فتحدثا مليا ثم ودعه شمعون والتأم الجبل، فلما خرج عليه السلام الى القتال سأله عمار وابن عباس والاشتر وهاشم بن عتبه المرقال وأبو ايوب الانصاري وقيس بن سعد وعمرو بن الحمق وعبادة بن الصامت عن الرجل فأخبرهم


والمترف بن الاجذم يقتله ابن عمه على دجلة وهو اشارة الى عز الدولة بختيار بن معز الدولة أبى الحسين وكان معز الدولة أقطع اليد قطعت يده النكوص في الحرب وكان ابنه عز الدولة بختيار مترفا صاحب لهو وطرب وقتله عضد الدولة فناخسروا ابن عمه بقصر الجص على دجلة في الحرب وسلبه ملكه، فأما خلعهم للخلفاء فان معز الدولة خلع المستكفى ورتب عوضه المطيع، وبهاء الدولة ابا نصر بن عضد الدولة خلع الطائع ورتب عوضه القادر، وكانت مدة ملكهم كما أخبر به عليه السلام، وكاخباره عليه السلام لعبد الله بن العباس رحمه الله تعالى عن انتقال الامر الى اولاده فان على بن عبد الله لما ولد اخرجه ابوه عبد الله الى على عليه السلام فأخذه وتفل في فيه وحنكه بتمرة قد لاكها ودفعه إليه وقال: خذ اليك ابا الاملاك، هكذا الرواية الصحيحة وهى التى ذكرها أبو العباس المبرد في كتابه الكامل وليست الرواية التى يذكر فيها العدد بصحيحة ولا منقولة من كتاب معتمد عليه. وكم له من الاخبار عن الغيوب الجارية هذا المجرى مما لو أردنا استقصاء لكسرنا له كراريس كثيرة وكتب السير تشتمل عليها مشروحة. فان قلت: لماذا غلا الناس في أمير المؤمنين عليه السلام فادعوا فيه الالهية لاخباره عن الغيوب التى شاهدوا صدقها عيانا ولم يغلوا في رسول الله صلى الله عليه وآله فيدعوا له الالهية واخباره عن الغيوب الصادقة قد سمعوها وعلموها يقينا وهو كان اولى بذلك لانه الاصل المتبوع، ومعجزاته اعظم واخباره عن العيوب اكثر ؟

[ 256 ]

انه شمعون وكانوا سمعوا كلامه فازدادوا متانة في الدين واستبصارا (1). وذلك يدل على ان لنفسه القدسية ملكة التصرف في هذا العالم العنصري. الاية الثانية - قال الحارث (2): كنا وقوفا عند أمير المؤمنين عليه السلام إذ أقبل أسد يهوى إليه فتضعضعنا من خوفه فقال على: مه، واقبل الاسد حتى قام بين يديه فوضع يده على جبهته وقال: ارجع باذن الله ولا تدخل دار الهجرة بعد اليوم، وبلغ ذلك السباع عنى، فرجع وغاب عن أعيننا. الاية الثالثة - قال جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: ان مالك بن الحارث الاشتر - رحمه الله - قال: حدثتني نفسي انى اشد ام امير المؤمنين عليه السلام ؟ فحرك دابتة الى


قلت: ان الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وآله وشاهدوا معجزاته وسمعوا اخباره عن الغيوب الصادقة عيانا كانوا أشد آراء وأعظم أحلاما وأوفر عقولا من تلك الطائفة الضعيفة العقول السخيفة الاحلام الذين رأوا امير المؤمنين عليه السلام في آخر ايامه كعبد الله بن سبأ واصحابه فانهم كانوا من ركاكة البصائر وضعفها على حال مشهورة فلا عجب عن مثلهم ان تستخفهم المعجزات فيعتقدوا في صاحبها ان الجوهر الالهى قد حله لاعتقادهم انه لا يصح من البشر هذا الا بالحلول ". اقول: لكلامه ذيل فمن اراده فليطلبه من هناك، ونقله العلامة المجلسي (ره) مع زيادة على ما نقلناه في تاسع البحار في باب معجزات كلامه من اخباره بالغائبات (ص 593 - 594 من طبعة امين الضرب) فإذا كان الامر كذلك فالخوض في نقل هذه المعجزات من قبيل تحصيل الحاصل وتوضيح الواضح فالاولى الاكتفاء بالاشارة ولا سيما في امثال هذه الكتب المختصرة كما اكتفى بها الشارح قدس الله سره. (1) - هو مذكور في كتب كثيرة منها كتاب مدينة المعاجز للسيد هاشم البحراني - قدس سره - (انظر المعجز السادس والخمسين من معاجز امير المؤمنين ص 37 - 36). (2) - هذه المعجزة ايضا مذكورة بطرق كثيرة في كتب عديدة منها ما في مدينة المعاجز (انظر المعجز ايضا مذكورة السابع والسبعين الذى في تسليم الاسد عليه ص 44).

[ 257 ]

ذي الكلاع الحميرى واستلبه ورمى به الى فوق وتلقاه بسيفه فقده بنصفين ثم قال لى: يا اشتر انا ام انت ؟ - فقلت: بل انت يا امير المؤمنين. وهذا الخبر كما يدل على هذا المطلوب باستلاب الحميرى وما فعل به كذلك يدل على المطلوب الذى قبله من جهة انه بكت مالكا بما تصوره دون ان ينطق به. الاية الرابعة - روى عبد الله بن أحمد بن حنبل عن مشايخه عن جابر ان النبي صلى الله عليه وآله دفع الراية الى على بن ابى طالب في يوم خيبر بعد ان دعا له ببرء عينيه من الرمد فبرئ لوقته ثم سار وجعل يسرع السير واصحابه يقولون له: يا امير المؤمنين الرفق الرفق، حتى انتهى الى باب الحصن وكان من صخرة واحدة فاقتلعه وألقاه على الارض. وفى خبر: انه دحا به أذرعا ثم اجتمع عليه سبعون رجلا وكان جهدهم ان اعادوه الى مكانه وروى عنه انه قال: عالجت باب خيبر (1) وجعلته مجنا لى وقاتلت القوم فلما اخزاهم الله وضعت الباب على حصنهم طريقا ثم رميت به في خندقهم فقال له رجل: لقد حملت منه ثقلا فقال: ما كان الا مثل جنتي التى في يدى في غير ذلك المقام. فانظر ايها المعتبر هل تجد ذلك الفعل صادرا عن قوة بدنية ؟ ! فانه لو كان كذلك لقدر عليه من هو أقوى صورة منه ولذلك قال عليه السلام: والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسمانية ولكن قلعته بقوة ربانية، وللشعراء في هذه الاية أشعار كثيرة (2) لم نذكرها كراهة التطويل. الاية الخامسة - نقل عمار الحضرمي (3) عن زادان بن ابى عمر ان رجلا حدث


(1) - راجع لملاحظة هذه المعجزة وقائع غزوة خيبر في البحار أو مناقب ابن شهر آشوب اوما يضاهيهما. (2) - منها قول ابن ابى الحديد في عينيته المعروفة: " يا قالع الباب الذى عن هزه * عجزت اكف اربعون واربع " (3) - قال السيد هاشم (ره) في مدينة المعاجز في الباب الاول عند تعداد معاجز امير المؤمنين

[ 258 ]

عليا بحديث فقال له: ما أراك الا كذبتني فقال: لم افعل، فقال: ادعو الله عليك ان كنت كذبتني ؟ - فقال: ادع، فدعا، فما برح مكانه حتى عمى. وذلك يدل على ان نفسه متمكنة من استنزال العقوبات العاجلة. الاية السادسة - قال عباد بن عبد الله الاسدي: سمعت عليا عليه السلام يقول وهو في الرحبة. انا عبد الله واخو رسول الله ولا يقولها بعد الا كاذب قال: فقام رجل من غطفان فقال: انا اقول كما قال هذا الكاذب: انا عبد الله واخو رسول الله، فإذا هو في صورة كلب (1). وهذا يدل على تصرف نفسه في هيولى العناصر بالاعداد لخلع صورة ولبس اخرى. الاية السابعة - قال الحسين بن عبد الرحمن التمار (2): انصرفت عن مجلس بعض


على (ع) مانصه - ص 139): " الثاني والتسعون وثلاثمائة الذى اعمى بدعائة لما اكذبه، ثاقب المناقب عن عمار الحضرمي عن زادان ابى عمير ان رجلا حدث عليا صلوات الله عليه فقال: ما أراك الا كذبتني فقال: لم افعل فقال: ادعو الله عليك ان كنت كذبتني قال: ادع، فدعا عليه فما برح حتى أعمى الله عينيه ". (1) - انظر لملاحظة نظائره مدينة المعاجز، ص 50 و 141 - 139. (2) - قال السيد هاشم البحراني - رحمه الله - في مدينة المعاجز في الباب الاول الذى في ذكر معاجز امير المؤمنين (ع) مانصه (ص 110): " الثالث والتسعون ومائتان تسكين الزلزلة على عهد عمر بن الخطاب - شرف الدين النجفي في تأويل الايات الباهرة عن ابى الحسن محمد بن جمهور العمى قال: حدثنى الحسن بن عبد الرحيم التمار قال: انصرفت من مجلس بعض الفقهاء فمررت على سليمان الشاذكونى (فذكر الحديث باختلاف يسير لا يضر اصل الواقعة ثم قال) وروى هذا الحديث صاحب ثاقب المناقب ". اقول: وذكر في مدينة المعاجز نظائر لها فمن ارادها فليراجع ص 110 و 111 وص 134. ونقل المجلسي (ره) في تاسع البحار في اواخر باب ما ظهر من معجزاته هذه المعجزة عن كنز الفوائد للكراجى (ره) فان شئت فراجع.

[ 259 ]

الفقهاء فمررت بسليم الشاذكونى فقال لى: من اين اقبلت ؟ - فقلت: من مجلس فلان العالم قال: فما قوله ؟ - قلت: شئ من كرامات على، قال: والله لا حدثنك بعظيمة سمعتها من قرشي عن قرشي عن قرشي قال: رجفت قبور البقيع على عهد عمر بن الخطاب فضج اهل المدينة من ذلك فخرج عمر ومعه اهل المدينة الى المصلى يدعون الله تعالى لتسكن تلك الرجفة فما زالت تزيد في كل يوم الى ان تعدى ذلك الى حيطان المدينة فقال عمر: انطلقوا بنا الى ابى الحسن على ابن ابى طالب، فمضوا إليه ودخلوا عليه فأخبروه الخبر، فقال على بمائة من اصحاب رسول الله فاختار عليه السلام من المائة عشرة فجعلهم خلفه وجعل التسعين خلفهم ودعا سلمان وابا ذر والمقداد وعمارا فجعلهم امامه وخرج بهم ولم يبق بالمدينة بنت عاتق الا خرجت الى البقيع حتى إذا توسطه ضرب الارض برجله وقال: مالك ؟ ! مالك ؟ ! مالك ؟ ! ثلاثا، فسكنت الرجفة فقال عليه السلام: صدق حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله ولقد أنبأني بهذا الخبر وبهذا اليوم وباجتماع الناس له. الاية الثامنه - على التمار (1) قال: كان على عليه السلام يوما في مسجد الكوفة


(1) - قال السيد هاشم البحراني - رضى الله عنه - في باب معجزات امير المؤمنين (ع) من كتاب مدينة المعاجز مانصه (ص 71): " الثامن والسبعون ومائة تحويل حصى المسجد جواهر واعادتها حصى - الراوندي في الخرائج قال روى عن عمر بن يزيد عن الثمالى ان عليا (ع) كان قاعدا في مسجد الكوفة وحوله اصحابه فقال له احد اصحابه: انى لا عجب من هذه الدنيا التى في أيدى هؤلاء القوم وليست عندكم ؟ ! فقال: اترى انا نريد الدنيا فلا نعطاها ثم قبض قبضة من حصى المسجد وفتح كفه علينا فإذا هي الجواهر تلمع وتزهر فقال: ما هذه ؟ - فنظرنا فقلنا: اجود الجواهر فقال: لو اردنا الدنيا لكانت لنا ولكن لا نريدها ثم رمى بالجواهر من كفه فعادت كما كانت حصى: ورواه الصفار في بصائر الدرجات عن عمر بن على بن عمر بن يزيد عن على بن النعمان عن بعض من حدثه عن امير المؤمنين صلوات الله عليه انه كان مع اصحابه في مسجد الكوفة وذكر الحديث بعينه. ورواه المفيد في الاختصاص عن

[ 260 ]

فقال له رجل: بابى انت وامى يا امير المؤمنين انى لا تعجب من هذه الدنيا التى في ايدى من يبغضه الله وليست عندكم ؟ ! فقال له: اترى انا نريد الدنيا ولا نعطاها ؟ ! ثم قبض قبضة من الحصى فإذا هي جوهر، فقال ما هذا ؟ - فقال الرجل: انه من اثمن الجواهر وانفسها، فقال: لو اردنا لكان ثم رمى بالحصى فعاد كما كان. الاية التاسعة - الحسن العلوى قال (1): اتانا امير المؤمنين عليه السلام وكنت يومئذ غلاما يافعا فدخل منزله (في حدث طويل) ثم خرج وتبعه الناس فلما صارالى


عمر بن على بن عمر بن يزيد عن على بن التمار عمن حدثة عن امير المؤمنين صلوات الله عليه انه كان مع بعض اصحابه في مسجد الكوفة فقال له رجل، وذكر الحديث بعينه ". اقول: قد ذكر حديث البصائر بعد ذلك وجعله المعجز الرابع عشر ومائتين وقال بعده: قلت قد مر هذا الحديث وما شاكله فيما تقدم ". (1) - نقله السيد هاشم البحراني (ره) في مدينة المعاجز هكذا (ص 85): " الثالث عشر ومائتان اخراجه الدنانير من الارض - محمد بن الحسن الصفار قال: حدثنى على بن ابراهيم الجعفري قال: حدثنى أبو على العباسي عن محمد بن سليمان الحذاء البصري قال: لما افتتح امير المؤمنين (ع) البصرة فقال: من يدلنا على دار ربيع بن حكيم قال له الحسن البصري: انا يا امير المؤمنين قال: وكنت يومئذ غلاما قد ايفعت ثم خرج واتبعه الناس فلما ان صار الجبانة نزل واكتنفه الناس فخط بسوطه خطة فأخرج دينارا حتى اخرج ثلاثة دنانير فقلبها في يده حتى أبصرها الناس ثم ردها وغرسها بابهامه فقال ليليك بعدى امسئ أو محسن ثم ركب بغلة رسول الله صلى الله على وآله وانصرف الى منزله. واخذنا الغلام واردنا الموضع فحفرنا حتى بلغنا الرسخ فلم نصب شيئا فقيل للحسن: يا با سعيد ما نرى ذلك من امير المؤمنين ؟ - فقال: اما انا فلا ارى ان كنوز الارض تسير الا لمثله. ورواه المفيد في الاختصاص عن محمد بن سليمان الحذاء البصري عن رجل عن الحسن بن ابى الحسن البصري وذكر الحديث بتغيير في بعض الالفاظ الا انه لا يغير المعنى المذكور هنا ".

[ 261 ]

الجبانة نزل واكتنفة الناس فخط بسوطه خطا فأخرج منه دينارا ثم خط خطا آخر فأخرج منه دينارا ثم فعل ذلك ثالثة حتى اخرج ثلاثة دنانير فأخذها وقلبها في يده حتى ابصرها الناس ثم ردها وغرزها بابهامه ثم قال: ليليك بعدى محسن أو مسئ ثم ركب بغلة رسول الله صلى الله عليه واله وانصرف الى منزله. فأخذنا الفلاح وصرنا الى الموضع فاحتفر حتى بلغ الرسغ (1) فلم يصب شيئا فقيل للحسن: ما ترى ؟ - فقال: اما انا فلا ارى ان كنوز الارض تظهر الا لمثله. الاية العاشرة - أبو مهاجر زيد بن رواحة العبدى قال: دخلت مسجد الكوفة فإذا رجل قد أكب عليه الناس وهو يحدثهم وهم يسمعون ويكتبون عنه، فسألت عنه فقيل: هو رجل شهد مع أمير المؤمنين البصرة وصفين والنهروان وهو ذو شرف وعقل فدنوت منه فإذا هو يحدث عن على ويقول: سمعت ورايت فصبرت حتى انفض عنه أكثر الناس وقلت له: أنا رجل من اهل البصرة خرجت لطلب العلم وأحببت ان اسمع منك شيئا احدث به عنك فأخذ ذم اهل (البصرة) وتوبيخهم على ما كان منهم فقلت: أيها الشيخ لقد عممت أهل البصرة وقد كان فيهم البر والفاجر والسعيد والشقى، قال: صدقت فمن انت ؟ - فقلت: أنا رجل من عبد القيس فقال: مرحبا بك ثم نهض بى الى منزله فأحسن ضيافتي وقال: سمعت امير المؤمنين عليه السلام يقول: قيدوا العلم بالكتابة وقام فأخرج صحيفة ففتحها وقرأ على:


(1) - اب: " الوسع " د: " الرسع ". (2) - اعلم يا اخي انى راجعت بعض مظان نقل الحديث ولم اجده وليس لى الان وقت وحال للمراجعة لرمد قد عرض لبصري ووجع حدث في عينى وقد آلمنى فعليهذا لم اتمكن من استقصاء جميع مظان ذكر الحديث حتى اظفر به واشير الى موضعه هناك فمن اراد موضعه فليخض مظانه وهى جميع كتب المناقب والسير والمعجزات واظن انه مأخوذ من شرح ابن ابى الحديد فعليك بالفحص والبحث عنه حتى تظفر به ان شاء الله تعالى.

[ 262 ]

حدثنى ربيعة بن سالم الهمذانى قال: لما كان اليوم الذى قتل فيه عمار بن ياسر رحمه الله وكان ابتداؤنا من صفين حربا وطعنا فوقفت وأشرفت على الناس وقد تزحزحوا عن مقاماتهم يتكفؤن تكفؤ السفينة بأهلها فمن بين متقدم لقتال ومتأخر عن (1) كلال، والامر في غاية العسر والناس في نهاية الحال من العطش وقد أخذ العدو الماء ووطئ (2) الموارد وقد مدت الخيل أعناقها ولجمها وعضت (3) على الشكائم وقهقرت (4) على اكفالها وتداعى الناس بآبائهم، واعتزوا الى انسابهم، والنساء على المطايا خلال الصفوف يحرضن (5) الرجال على القتال والناس قد عاينوا الثواب واستيقنوا المآب فعند ذلك اتكأت على رمحي وقلبت وجهى وأرجعت (6) طرفي الى السماء وقلت في نفسي: يا رب هذا أخو نبيك ووصيه، وأحب الخلق إليه وأنصرهم له، واعلمهم بالدين وأهداهم للحق المبين، وقد ترى ما ترى: ولك (7) الخلق والامر تصيب برحمتك من تشاء (8) وقد ضعفت عن حمل ذلك فأبح (9) اللهم لى ما تثبت به قلبى وتذهب به نزع الشيطان (10) الرجيم قال ربيعة: فلم أستتم الدعاء وإذا انا بمقرعة بين كتفي، فالتفت فإذا أنا با امير المؤمنين عليه السلام وهو


(1) - ب د: " من ". (2) - ا ج د: " حط " فكأن كلمة المتن من " وطئ كعلم) ارض العدو اي دخلها ". (3) - ج: " غطت " (بالغين المعجة وتشديد الطاء المهملة) د: " عطت " (بالعين المهملة وتشديد الطاء المهملة). (4) - اب: " قهقر " ج د: " تقهقرت " وقهقر وتقهقهر بمعنى، يقال: " قهقر الرجل وتقهقر = رجع الى خلف، الرجل يقهقر في مشيته وذلك إذا تراجع على قفاه ". (5) - ا: " عرض " ب: " يحرض " ج د: " يخوض ". (6) - ج د: رجعت " وهما بمعنى، من قولهم: " رجع (كضرب) إليه رجعا ومرجعا (بفتح الجيم وكسرها) صرفه ورده، لازم متعد) ومن معاني أرجعه ايضا رده وصرفه. (7) - ا: " فلله " ب: " ولله ". (8) - اب: يصيب برحمته من يشاء ". (9) - كأنه من قولهم: " أباحه سرا فباح به بوحا أي ابثه اياه فلم يكتمه ". (10) - نزغ الشيطان وساوسه ونخسه في القلب بما يسول للانسان من المعاصي من قولهم: " نزغه الشيطان الى المعاصي اي حثه وأغراه ".

[ 263 ]

على بغله رسول الله وبيده عنزة رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لى: يا ربيعة لشد (1) ما جزعت، انما الناس رائح ومقيم، فالرائح من تحت هذا اللواء الى جنة المأوى والى سدرة المنتهى عرضها كعرض السماء والارض اعدت للمتقين، والمقيم (2) بين اثنتين، اما نعمة مقبلة أو فتنة مضلة، يا ربيعة حى على معرفة ما سألت ربك ومن يفرى الارض فريا، فاتبعته حتى خرج عن المعسكر وجازه (3) بمقدار ميل أو نحوه وثنى برجله عن البغلة فنزل وخر على الارض في الدعاء يقلب (4) كفيه ظهرا وبطنا، فما رد يده حتى نشأت سحابة كأنها هقل (5) نعام حتى أظلتنا، فما عدا ظلها (6) مر كبينا (7) ثم هطلت بشئ كأفواه القرب حتى شرب فرسى من تحت حافره وملات مزادتى فارتويت وروى فرسى، ثم عاد فركب بغلته وأدنى أي العسكر فتركني وانغمس في الناس. وهذه الاية ايضا كما تدل على قدرته على استنزال البركات بدعائه الذى لاحجاب دونه كذلك تدل على اطلاعه على المغيبات إذ أخبر ربيعة بما في نفسه ووبخه عليه. واعلم ان ما ذكرناه من هذه الاثار قطرة من بحار ما يورد في هذا الباب، وفيه كفاية للناظرين بعين الانصاف. ولنا في اثبات هذا المطلوب بهذه الاخبار طريقان: احدهما (8) - ان جماعة ادعوا ان هذه الاخبار كل واحد واحد منها معلوم بالتواتر


(1) - ا: " اشد ". (2) - اخذ واقتباس من آيتين، احدها آية 21 سورة الحديد وثانيتهما آية 133 سورة آل عمران. (3) - ا: " حازه " وكلمة المتن من قولهم: " جاز الموضع يجوزه اي خلفه (بتشديد اللام) وتركه خلفه وقطعه ". (4) - ا: " فقلب ". (5) - ا: " مقل " (بالميم بدل الهاء اول الكلمة) والهقل بالكسر الفتى من النعام وقيل: الهقل الظليم مطلقا ولا اختصاص له بالفتى. (6) - ا: " فما عدا ظلنا ". (7) - ب: " مركبتنا " د: مركبنا ". (8) - ا: " احداهما ".

[ 264 ]

ثم قالوا: ليس للخصم ان يقول: لو كان ذلك متواترا لوجب ان يكون ضروريا عند كافة الخلق لما ان هذه الوقائع من الوقائع الكبار التى تتوفر الدواعى على نقالها ولما اختصصتم بالعلم به دون غيركم لان لنا ان نجيب عن ذلك بان شرط التواتر ان لا يكون قد سبق الى اعتقاد السامع له شبهة تقليد نفى موجب الخبر المنقول فانه لو سبق الى اعتقاده ذلك لم يعتقد صحته لعدم امكان اعتقاد صحة الخبر مع اعتقاد صحة ما ينافيه فلعل الخصم لرسوخ نقائض هذه الاخبار في ذهنه لا يعتقد صحتها. الطريق الثاني وهو (1) الاقرب الى الانصاف ان هذه الاخبار غير متواترة لفظا لكنا نقول: انها متواترة تواترا معنويا بمعنى انا نعلم بالضرورة عند سماع هذه الاخبار الكثيرة المختلفة الطرق مع اتفاقها على اثبات هذين النوعين من الكرامات له علما جمليا انها بأجمعها لا تكون كاذبة بل لابد من صدق شئ منها وايها صدق ففيه تمام الغرض من اثبات هذه المطالب. ثم اعلم انه لا يمكنك ايها الملاحظ لجلال الله المتحرى سلوك الصراط المستقيم ان تستنكر بصريح عقلك شيئا من ذلك بعد ان أعلمناك امكانه من مذاهب الطبيعة وأشرنا لك الى (2) اسبابه الكلية في القسم الاول ولعل في قوتك امكان هذه الامور أو شئ منها لوقد اخذ التوفيق بزمام عقلك فأيقظك من رقدة (3) الطبيعة فاطلعت على خيانة اعدائك الذين هم في صورة اصدقائك وغاشيك الذين هم في زي نصحائك فقهرتهم (4) حتى انقادوا خلفك الى بساط الكرامة وحلول (5) دار المقامة فانى احسبك حينئذ تعلم جلية ما اشتبه الان (6) خبره وحقيقة ما انطمس عن عينبك اثره.


(1) - اب: " وهى ". (2) - ا: " ان ". (3) - ب ج: " مرقد ". (4) - ا: " فنهرتهم ". (5) - ا: " حلوا ". (6) - د: " الال ".

[ 265 ]

والله تعالى يوفقنا واياك لما يحبه ويرضاه بمنة وجوده وما توفيقي الا بالله عليه وأشرنا لك الى (2) اسبابه الكلية في القسم الاول ولعل في قوتك امكان هذه الامور أو شئ منها لوقد اخذ التوفيق بزمام عقلك فأيقظك من رقدة (3) الطبيعة فاطلعت على خيانة اعدائك الذين هم في صورة اصدقائك وغاشيك الذين هم في زي نصحائك فقهرتهم (4) حتى انقادوا خلفك الى بساط الكرامة وحلول (5) دار المقامة فانى احسبك حينئذ تعلم جلية ما اشتبه الان (6) خبره وحقيقة ما انطمس عن عينبك اثره.


(1) - اب: " وهى ". (2) - ا: " ان ". (3) - ب ج: " مرقد ". (4) - ا: " فنهرتهم ". (5) - ا: " حلوا ". (6) - د: " الال ".

[ 265 ]

والله تعالى يوفقنا واياك لما يحبه ويرضاه بمنة وجوده وما توفيقي الا بالله عليه توكلت واليه انيب وهو حسبى ونعم الوكيل، والحمد لله حق حمده وصلى الله على اشرف - خلقه وآله وجنده واصحابه اجمعين. (صورة مافى آخر النسخة التى أسس عليها أساس الطبع) وتم الكتاب بعوم الملك الوهاب القوى الغلاب ليلة السبت عشية الخامسة من شهر ربيع ا (لا) ول سنة سبعين وثمانمئين من هجرة سيد المرسلين على يد العبد الفقير المحتاج الى ربه القدير في التجاوز عن سيئاته وغفران هفواته والعون على قضاء حاجاته حسن بن محمد بن على بن مشرف العيناثى - أصلح الله داريه ووفقه للخير وأعانه عليه - انه جواد كريم، خدمة للشيخ التقى والشهاب المضي الذى تسنم من الفضائل أعلى باب وتلبس من التقى والعفة أحسن جلباب الشيخ شمس الملة والدين محمد بن... لا زالت ايامه لامعه بالاقبال ولياليه مقمرة لا يغادرها.... بمحمد وآله خير آل. نجز طبع الكتاب بعون الله الملك الوهاب لثلاث ليال بقين من المحرم الحرام من سنة 1390 الهجرة النبوية موافقا لتاريخ 15 / 1 / 1349 ه‍ ش.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية