الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الخرائج والجرائح - قطب الدين الراوندي ج 1

الخرائج والجرائح

قطب الدين الراوندي ج 1


[ 1 ]

الخرائج والجرائح للفقيه المحدث والمفسر الكبير قطب الدين الراوندي قدس سره المتوفي سنة 573 هجرية مزاره بصحن الحضرة الفاطمية قم المقدسة الجزء الاول في معجزات النبي والائمة عليهم السلام تحقيق ونشر مؤسسة الامام المهدي عليه السلام قم المقدسة بسم الله الرحمن الرحيم تقديم: الحمد لله الذي يروي وجود نظام حقائق الكون ونواميس الحياة المحكمة، وجوب وجوده وسعة علمه وقدرته اللامتناهية، كما تروي آيات ذكره الحكيم نزرا من أنباء الغيب، وبعضا من أحاديث معجزات أنبيائه ورسله الالهية. وأكمل صلواته على أمين وحيه، وخاتم سفرائه، محمد رسول الله، وعلى آله المصطفين الذين أورثهم الله كتاب وحيه، وجعلهم مجارى أمره، ومجالى آياته ومعجزاته، فبعثوا الفقهاء امناء على حفظ أحاديث معجزات رسول الله والائمة الاثنى عشر من آله وروايتها. وبعد: فمن الذين حفظوا عنهم عليهم السلام مواريث النبوة في صحائفهم وكتبهم شيخنا الاقدم مؤلف هذا الكتاب " قطب الدين الراوندي، قدس سره ". فإنه أودع في سفره القيم هذا كتاب " الخرائج والجرائح " لمعا من الاحاديث في معجزات النبي والائمة عليهم السلام وأعلامهم ودلائلهم (تسننا) بما قال جل وعلا: " نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين ". وليكون هذا بصائر للناس، وليستيقن الذين اوتوا العلم بما يتفكرون في آياته، وليؤمنوا بالغيب: " بالله وملائكته ووحيه وكتبه ورسله ويوم لقائه "، وليعلم الذين سعوا في آيات الله معاجزين أنه ما كان الله ليعجزه شئ في السماوات ولا في الارض. مفهوم الاعجاز: هنا لابد من الاشارة إلى معنى الاعجاز، فهو مطلقا: اتيان شئ وإيجاد ما يعجز عنه غير فاعله، كما أشار إليه تعالى في قوله: " إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له " و " قل لئن اجتمعت الجن والانس على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ". فعلى هذا كان الاعجاز المطلق خاصا بالله القادر الذي بيده ملكوت كل شئ وهو بكل خلق عليم، وعن كل سبب غني، لا يعجزه شئ مما في السماوات والارض، وليس كمثله شئ فإن له الخلق والامر، يقول - أو يأذن لصفيه ورسوله أن يقول - لشئ: " كن. فيكون ". علما بأنه ليس من الاعجاز اتيان شئ بأسبابه الطبيعية العادية أو الرياضية حين تتكامل الصنعة في شتى العلوم المعاصرة أو المستقبلة، فإن التقدم في اكتشاف نواميس الطبيعة وحل رموزها التي فطرها الله تعالى، وقدر فيها أقواتها، أو استخدام القوى والاسباب في الصنائع البديعة، ليس في حقيقته اعجازا، بل فضلا لمكتشفه أو صانعه من بين أقرانه.

[ 2 ]

من يقوم بالاعجاز (بإذن الله) ؟ لقد صرح القرآن الكريم بأسماء بعض من اصطفاهم الله وأيدهم ووهبهم الاذن على القيام بأعمال اعجازية، وقد اقتضت الحكمة الالهية أن يخص كل واحد من رسله وأوصيائه في مختلف العصور بآيات باهرة، ومعجزات ظاهرة. ألا ترى في القرآن الكريم أحوال هؤلاء الانبياء والمرسلين والاوصياء: نوح، هود صالح، إبراهيم، موسى، عيسى، داود، سليمان، إلى خاتم الانبياء، كلهم كانوا يبلغون رسالات الله، ويتلون آياته من أنباء الغيب والوحي، وهم الادلاء على مرضاة الله، وجاءوا بآيات بينات ومعجزات في كل عصر بما شاء الله وأذن لهم، دليلا على صدقهم. والمعجزات كثيرة منها: ما في آيات ابراهيم عليه السلام، بصيرورة النار بردا و سلاما له، وإحياء الطيور على يده. وفي آيات موسى عليه السلام إذ قال الله تعالى له: ألق ما في يدك (عصاك) فإذا هي حية تسعى، تلقف ما كانوا يأفكون، وما سحروا به أعين الناس. وفي تسع آيات بينات له منها: سيلان الدم (1) من غير أن يصيب حيوانا ذا نفس سائلة. وفي آيات عيسى عليه السلام بإحياء الموتى من القبور البالية، وصيرورة الطين طيرا كما خلق الله " آدم " من تراب. وفي آية داود عليه السلام بالانة الحديد له من غير أن تذيبه نار. وفي تسخير قوى الجن والانس والطير في ملك سليمان عليه السلام، وسيره على عرشه ومن حوله بما كان غدوها شهر ورواحها شهر، وعلمه بمنطق الطير. وفي اتيان وزيره " آصف " عرش ملكة سبأ من قبل أن يرتد إليه طرفه بلا أي جهاز. هذه وأمثالها معجزات الانبياء، وآيات الله تصديقا لرسالتهم عن رب العالمين الذي يقول لشئ: " كن. فيكون ".


(1) ولا بأس بالاشارة إلى ما تناقلته وسائل الاعلام بأن السماء قد أمطرت دما في يوم (21) من شهر رمضان المبارك سنة 1409 ه‍. ق في إحدى مناطق الهند " محلة السادات " لعدة ساعات، وبعد اجراء التحليلات المختبرية لوحظ بأن هناك تشابها بينه وبين دم الانسان في المحتويات، كما أفادت بذلك التقارير العلمية. والتاريخ يحدثنا بأن السماء قد مطرت دما عبيطا يوم استشهد سيد الشهداء ثار الله وابن ثاره الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام. ويا حبذا لو نشرت المزيد من التحقيقات العلمية حول هذه الظاهرة.

[ 3 ]

الرسالة الالهية والامامة غير مستغنية عن المعجزات: فبما أن الله الذي خلق خلقه (ليعرف ويعبد ويجزي) بدأ خلق الانسان من طين، ثم جعل نسله من ماء مهين (1) فجعله نسبا وصهرا، ثم هداهم برسله وكتبه، ووعدهم حياة طيبة في النشأة الآخرة: بأن يحيي جميع موتاهم، فيخرجون من الاجداث، كأنهم جراد منتشر فلا أنساب بينهم يومئذ، يوم يقوم الناس لرب العالمين، يوم يجمع الله فيه الاولين والآخرين (والنبيين) إلى ميقات يوم معلوم، قال الله عزوجل: " يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم، وتكلمنا أيديهم، وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون. وقالوا لجلودهم: لم شهدتم علينا ؟ قالوا: أنطقنا الله الذي أنطق كل شئ، وهو خلقكم أول مرة، وهذا يوم عظيم يحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون: أما في جنات النعيم تجري من تحتها الانهار خالدين فيها، نعم الثواب وحسنت مرتفقا. وأما في دركات الجحيم، طعامهم من زقوم، وشرابهم من غسلين، وساءت مستقرا. وبما أن تلك الحقائق التي وعدها الله في النشأة الآخرة بعد هذه النشأة الحاضرة المتفانية معارف من غيب الوجود الذي لا ينال بالعقل الذي لا يدرك إلا كليا دون الوجود الخارجي، ولا بعلم التلازم بين الشئ وأثره، كآيات تدل على وجود البارئ، أو النار والاحراق، دليلا لميا أو انيا، ولا بالحس الذي لا يدرك إلا الموجود الحاضر الملموس. بل علمه خاص بعالم الغيب الذي لا يظهر على غيبه أحدا إلا لمن ارتضى من رسول فيوحي إليه من أنبائه. وبما أن العقول قد بهرت وعجزت عن كنه معرفة الله كما قال تعالى: " ولا يحيطون بشئ من علمه إلا بما شاء " وقال عزوجل في الذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة هم غافلون: " ما قدروا الله حق قدره إذ قالوا: ما أنزل الله على بشر من شئ ". وقالوا: إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين، وما يهلكنا إلا الدهر. وقال الكافرون: هذا شئ عجيب: ءإذا متنا وكنا ترابا وعظاماءانا لمبعوثون خلقا جديدا ؟ ! وقال: من يحيي العظام وهي رميم ؟ ! (2) وبما أن هذه رسالة إلهية، ودعوة دينية غيبية، غير مستغنية عن آية باهرة، ومعجزة قاطعة، وحجة بالغة، ليهلك من هلك عن بينة، ولئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. وبالجملة فلاجل هذا كله فالرسالة الالهية والامامة مفتقرة إلى الآيات والمعجزات


(1) تجد تفصيل آيات الانسان في النشأتين في كتابنا " المدخل إلى التفسير الموضوعي ". (2) أمثال هذه الآيات والمقالات كثيرة جمعناها في كتابنا " المدخل إلى التفسير الموضوعي ".

[ 4 ]

كما قيل للانبياء في مختلف العصور: " فأت بآية إن كنت من الصادقين ". ومنه قال تعالى: (وسنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق). وقال: فانظر إلى آثار رحمة الله: (الماء) كيف يحيي الارض بعد موتها إن ذلك لمحي الموتى أقول: صفوة الآيات الباهرات في بيان هذا الغيب " المعاد الجسماني في النشأة الآخرة " أن الله الذي خلق السماوات والارض وما بينهما من الشمس والقمر و... أرسل الرياح، ثم أنزل من السماء ماءا، فأحيا به الارض بعد موتها، بإخراج زرعها ونباتها وشجرها، فأخرج منها حبا وفواكه مختلفا ألوانها، متشابها وغير متشابه. فانظر كيف يقلب الله الحب نباتا خضرا، لا ترى فيه حبا، ثم يخرج منه حبا متراكما مثله فهو قادر على أن يعيد الموتى مرة أخرى من الارض أحياءا، ويجمعهم ليوم الجمع لا ريب فيه. وأنت ترى اليوم نظير ذلك في أكمل الصناعات البديعة كالاجهزة الكامبيوترية والتلفزيونية كيف يصور في محطاتها المركزية شئ مرئي ومسموع، ثم يحول إلى قوى وأمواج لا ترى ولا تسمع، ثم يحول ثانيا، فيعود كصورته الاولى جريا على استخدام القوى المقدرة في طبائعها. وبالجملة: هذان المثلان الطبيعي والصناعي لا يخرقان نواميس الطبيعة بما فيها من القوى والاسباب، بل هما آيتان، واعجاز من الخالق لدفع استعجاب هؤلاء الذين يقولون: ءإذا متنا وكنا ترابا وعظاما، ءإنا لمبعوثون خلقا جديدا ؟ ! أو آباؤنا الاولون ؟ ! أو من قال: من يحيي العظام وهي رميم ؟ ! بلى ! في النشأة الآخرة خلق جديد بمثل الخلق الاول " قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم... أو ليس الذي خلق السماوات والارض بقادر على أن " يخلق مثلهم " (1) بلى، وهو الخلاق العليم، وما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة (وقال:) فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون، إنه لحق مثلما أنكم تنطقون، إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن. فيكون.


(1) وقد حبانا الله بكرامة سنة 1407 ه‍، ق في ذكرى ولادة سيدنا ومولانا الرضا عليه السلام في مدينة مشهد المقدسة، يومها كنا في مجلس يضم الكثير من الفضلاء والاخيار متقربين إلى الله بالتوسل إلى علي بن موسى الرضا عليهما السلام بذكر جدته فاطمة عليها السلام بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، إذ قرئ ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: " والله لقد حنت، وأنت، ومدت يديها، وضمتهما إلى صدرها مليا... " فتجلى نور بهي، وفاحت رائحة طيبة حتى أحس بهما الجميع. والحق يقال: ما وجدنا مثلهما قبل اليوم. فالخالق الذي يخلق لنا مثل رائحة حنوط فاطمة عليها السلام، المخصص لها من الجنة، وقد مضى على شهادتها ما يقارب من (14) قرن، قادر على إعادة خلق ما قد بلى، وأصبح رميما، فتبارك الله أحسن الخالقين.

[ 4 ]

التعريف بالمؤلف هو فقيه الشيعة وحامي الشريعة، الثقة الخبير، العالم الكبير، الشاعر المتكلم البصير المعلم، المحدث المفسر، العلامة المتبحر، شيخ الشيوخ أبو الحسين " سعيد بن عبد الله بن الحسين بن هبة الله بن الحسن " المشهور ب‍ " قطب الدين الراوندي " موطنه لقب ب‍ " الراوندي " نسبة إلى " راوند " وهم اسم أطلق على ثلاثة مواضع، هي: - بليدة بقرب كاشان، وما زالت تعرف إلى الآن بهذا الاسم. - ناحية بظاهر نيسابور. - مدينة قديمة بالموصل، بناها راوند الاكبر بن بيوراسف الضحاك. قيل أصلها " راهاوند " أي الخير المضاعف. (1) قال شيخنا البهائي: الظاهر أنه منسوب إلى راوند، قرية من قرى كاشان. (2) وقال الميرزا الافندي: يمكن أن يكون القطب - هذا - من ناحية نيسابور أيضا. (3) اسرته كان رضوان الله عليه ينتمي إلى أسرة علمية كبيرة، لها مقام اجتماعي جليل ومنزلة علمية مرموقة، بيد أنها لم تكتسب تلك الشهرة التي تليق بها إلا بعد نبوغ القطب الراوندي، حيث لم تسلط الاضواء على أصول هذه الاسرة سوى وجيزة إجمالية أفادنا بها الميرزا عبد الله الافندي: " كان والده وجده أيضا من العلماء ". (4)


(1) راجع معجم البلدان: 3 / 19، مراصد الاطلاع: 2 / 598، ووفيات الاعيان: 1 / 94. (2 و 3) رياض العلماء: 2 / 420. (4) رياض العلماء: 2 / 430.

[ 5 ]

أولاده وأحفاده خلفه - قدس سره - أولاد علماء فضلاء فقهاء أتقياء، أثنى عليهم أصحابنا في كتب تراجمهم وأطروهم بالعلم والفضل والتقى، وهم: 1 - الشيخ عماد الدين أبو الفرج علي بن سعيد الراوندي. يروي عن والده، وعن السيد ضياء الدين أبي الرضا فضل الله بن علي الحسني الراوندي صاحب النوادر. ويروي عنه ولده - سبط المؤلف - الشيخ الفاضل العالم برهان الدين أبو الفضائل محمد بن علي بن سعيد الراوندي (1) والشيخ محمد بن جعفر بن نما. والشيخ أبو السعادات أسعد بن عبد القاهر الاصفهاني. والشيخ نصير الدين أبو طالب عبد الله بن حمزة الطوسي. والسيد حيدر بن محمد الحسيني صاحب غرر الدرر. (2) 2 - الشيخ العالم الصالح الشهيد نصير الدين أبو عبد الله الحسين بن سعيد الراوندي. (3) 3 - الشيخ الفقيه الثقة العدل ظهير الدين أبو الفضل محمد بن سعيد الراوندي. (4) مكانته العلمية والاجتماعية أجمع العلماء وأرباب معاجم التراجم على جلالة قدره وتبرزه في العلوم العقلية والنقلية، لم يمر بذكره أحد من الرواة عنه أو المترجمين له إلا ويستصحب ذكره


(1) فهرس منتجب الدين: 172، رياض العلماء: 5 / 117، الثقات العيون: 273، والانوار الساطعة: 162. (2) فهرس منتجب الدين: 172، أمل الآمل: 2 / 171، وص 188، رياض العلماء: 4 / 83، وص 100، والثقات العيون: 190. (3) فهرس منتجب الدين: 56، رياض العلماء: 2 / 7، والثقات العيون: 75. (4) فهرس منتجب الدين: 172، أمل الآمل: 2 / 274، رياض العلماء: 5 / 107، والثقات العيون: 265.

[ 6 ]

بعبارات تدل على عظمته وسمو مكانته، وكانت هذه المكانة والجلالة ملازمة له أينما حل ونزل. وكان موضع احترام وتقدير كافة الطبقات والاوساط العلمية والاجتماعية. وكان قدس سره بالاضافة إلى مقامه العلمي الرفيع على جانب كبير من الادب والشعر، وشعره جيد، مستعذب الالفاظ، راقي المعاني، يغلب على طابع مدح أهل البيت عليهم السلام، وتبيين فضائلهم، ورثائهم. عده العلامة الاميني في شعراء الغدير (1)، وذكر نماذج من شعره. هذا ما يختص بمكانته - رضوان الله عليه - في حياته، أما بعدها فله المكانة الكبرى بما أثرى به العالم الاسلامي من المؤلفات الضخمة القيمة الكثيرة التي تكل الالسن عن وصفها، ويقصر البيان عن مدحها وتعريفها، وأصبحت مراجع هاما من المراجع المعتمد عليها في مختلف المجالات العلمية. ولا يفوتنا دوره البارز في نشر العلوم في ربوع العالم الاسلامي، حيث تتلمذ على يديه نوابغ وأفذاذ من علماء الكلام والحديث والفقه والتفسير وغيرها، نذكر منهم: الشيخ رشيد الدين محمد علي السروي المازندراني المعروف ب‍ " ابن شهر اشوب " صاحب الكتاب القيم " مناقب آل أبي طالب ". وقد أطلنا البحث حول مكانته قدس سره، وهو بحث يستأهل أكثر من هذه السطور. أساتذته ومشايخه: تلقى الشيخ قطب الدين الراوندي قدس سره علومه عن أساطين العلم، وكبار العلماء في عصره. وروى عن شيوخ الرواية والحديث من وجوه علماء الخاصة والعامة في عصره. ولسنا بصدد سرد أسمائهم، والحصر التام لعددهم، أو الاحاطة بكل من يمت إليه بصلة علمية.


(1) الغدير: 5 / 379 - 384.

[ 7 ]

بل نقتبس منها بعض الاسماء اللامعة، ونحيلك إلى فهرس مشايخه في آخر الكتاب. فنذكر منهم الشيخ الثقة الفقيه المفسر أمين الاسلام الفضل بن الحسن الطبرسي صاحب تفسير القيم " مجمع البيان " وكتاب " إعلام الورى " وغيرهما من روائع المؤلفات وأعلاها. ومنهم الشيخ الثقة العالم الجليل المعمر، الواسع الرواية عماد الدين محمد ابن أبي القاسم علي بن محمد الطبري، صاحب كتاب " بشارة المصطفى لشيعة المرتضى ". ومن مشايخه رضوان الله عليه من علماء العامة: الشيخ العالم المحدث شهردار بن الحافظ شيرويه بن شهردار الديلمي صاحب الكتاب الشهير " مسند الفردوس ". وفاته ومدفنه قال العلامة الشيخ المجلسي: وجدت بخط الشيخ الزاهد العالم شمس الدين محمد جد شيخنا البهائي قدس الله روحهما نقلا من خط الشهيد روح الله روحه: توفي الشيخ الامام السعيد أبو الحسين قطب الملة والدين سعيد بن هبة الله بن الحسن الراوندي رحمه الله ضحوة يوم الاربعاء الرابع عشر من شوال سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة. (1) أو في ثالث عشر شوال، كما في لسان الميزان: 3 / 48. ومزاره الشامخ في الصحن الكبير في حضرة السيدة فاطمة المعصومة عليها السلام. (2)


(1) البحار: 105 / 235. (2) قال الميرزا عبد الله في رياض العلماء: 2 / 420: ان المولى حشري الشاعر المشهور نقل في كتاب تذكرة الاولياء في أحوال العلماء: أن قبر القطب الراوندي في قرية خسروشاه من توابع تبريز. أقول: وأنا أيضا رأيت قبرا بتلك القرية يعرف عند أهلها بأنه قبر القطب الراوندي وكانوا يزورونه فيه، قد زرته أنا أيضا فيه، ولا يبعد أن يكون أحدهما قبر الشيخ قطب الدين الراوندي، والثاني قبر السيد فضل الله الراوندي، أو أحدهما قبر أحد أولاده المذكورين، أو قبر والده، أو جده، والآخر قبره.

[ 8 ]

آثاره لعل خير ما يصور منزلة القطب الراوندي هو دراسة آثاره الكبيرة التي خلفها وتبيان قيمتها مقارنة بمثيلاتها، ومدى اهتمام العلماء والباحثين والدارسين بها في العصور التالية، والمساهمة الفعالة والجادة التي قدمتها للعالم الاسلامي في مختلف عصوره. على أن مهارته - قدس سره - وبراعته تظهران في أحسن الوجوه إشراقا، وأكثرها تألقا عند دراستنا له محدثا يعني بهذا الفن. فقد مهر في علم الحديث وصنف فيه الكتب الكثيرة، الخرائج والجرائح والدعوات والقصص و... كما برع في غيره من العلوم، وألف فيها. سرد من ترجم له من أصحاب المعاجم الرجالية قائمة لاسماء مؤلفاته، نيفت على الستين. ومن أشهر هذه الكتب وأكبرها: كتاب الخرائج والجرائح وهو هذا السفر الجليل العظيم الذي نقدمه اليوم للقراء، وهو يعد من أعظم كتب المعجزات ودلائل نبوة نبينا صلى الله عليه وآله وإمامة الائمة عليهم السلام التي انتهت إلينا من تراث علمائنا الاقدمين، ترتيبا وتنقيحا، وتوثيقا وإحكاما، وإحاطة وشمولا، فهو ينبئ عن سعة اطلاع مؤلفه - قدس سره - على كل ما سبقه من تآليف في موضوعه، ودراية تامة بمعجزاتهم، وما قيل في حقهم عليهم السلام. ويتميز عن غيره من الكتب التي ألفت في بابه أنه استطاع التوفيق بين المعجزات والدلائل والمسائل الكلامية الواردة عليها. ولم يقتصر على نوع معين من المعجزات بل تنوعت فشملت مختلف أشكالها. وكان للقطب الراوندي أسلوبه المتميز في صياغة روايات كتابه هذا، وأسلوب عرضها، الامر الذي دفعه في أغلب الاحيان إلى اختصار المادة الروائية المروية بإسهاب في مؤلفات من سبقه باسلوبه الخاص، ولم يرد في ذلك ضيرا، طالما قد توخى

[ 9 ]

الدقة والامانة في نقل أهداف الرواية، لاسيما تلك التي لا تنقص قيمتها إعادة الصياغة، كحذف مقدمات الحديث، وباقي الاحداث الهامشية الخارجة عن تبيان المعجزات والدلائل، واختصار أسماء الرواة ونحو ذلك. أما أسلوبه الادبي في عرض أحداث الرواية، فقد تميز بالطراوة والحبك ولم يعن بتزويق الالفاظ الذي يتجلى فيه العناية بالاسلوب على حساب دقة المعاني ودلالة الكلمات. أضف أن معرفته القوية باللغة العربية - نحوها، وصرفها - أكسبته التمتع بهذا الاسلوب الرصين البليغ الخالي من اللحن. ومن المزايا التي تميز بها هذا الكتاب القيم عن غيره هو إيراده: الملحقات الخمسة في آخر الباب الخامس عشر بقوله: " وقد كنت جمعت " خمس مختصرات " تتعلق بهذا الفن من العلوم، فأضفتها إلى هذا الكتاب أيضا بالخطبة التي في أول كل واحد منها " وهي: 1 - كتاب نوادر المعجزات (1): وهو الباب السادس عشر، قال في خطبته: " إن هذه أحاديث هائلة، مهولة، فإنها من المشكلات التي تتهافت فيها العقول، لكونها من المعضلات، وقد كان الشيخ الصدوق سعد بن عبد الله بن أبي خلف الاشعري ذكرها في كتاب البصائر، وأوردها الشيخ الثقة محمد بن الحسن الصفار في كتاب بصائر الدرجات، وكلاهما لم يكن غاليا ولا قاليا ". ويستفاد من كلامه رحمه الله أمور: منها أنه انتخب أحاديث كتابه هذا من كتابي بصائر درجات الاشعري والصفار، وأنها أحاديث ذات خصوصية تميزها عن مثيلاتها بكونها من المعضلات، وقد علل ذلك - بعد سطور - بأن روى: " حديث آل


(1) مما تجدر الاشارة إليه أن لشيخنا الصدوق والشيخ محمد بن جرير الطبري (صاحب دلائل الامامة) مصنفين بهذا العنوان. راجع الذريعة: 24 / 349 وص 350.

[ 10 ]

محمد صعب مستصعب... ". ويستفاد أيضا أن كتابه هذا روائي بحت، لذا لم يضمنه أي بحث كلامي. 2 - كتاب الموازاة بين معجزات نبينا صلى الله عليه وآله ومعجزات الانبياء ويشكل هذا الكتاب الباب السابع عشر من كتابنا الخرائج والجرائح. ولا أظن أننا بحاجة ماسة إلى تعريف موضوعه الذي ينطق به اسمه. ورغم أن اسم الكتاب صريح في موضوعه فقد أبان المؤلف عنه وعن منهجه في مقدمته، فقال: " قد ذكرنا من معجزاته صلى الله عليه وآله ومعجزات أوصيائه عليهم السلام التي رواها الرواة المعروفون بالامانة ما يربي على أعلام الرسل الماضين عند الموازاة والموازنة. ونذكر ها هنا شيئا يفتقر إليه في هذا المعنى ". 3 - كتاب أم المعجزات، وهو القرآن المجيد، وقد شغل تمام الباب الثامن عشر ضمنه وجوه إعجاز القرآن، وأكثر فيه من ذكر وافتراض الشبهات والرد عليها بكلام يسير محكم موجز خال من الاغلاق والابهام والغموض والتعقيد. 4 - كتاب الفرق بين الحيل والمعجزات، وهو الباب التاسع عشر، قال في ديباجته: " إني أذكر ما ينكشف فيه الفصل بين الحيل والمعجزات، وتظهر به الشعوذة والمخاريق، وحقيقة الدلالات والعلامات لكل ذي رأي صائب ونظر ثاقب... ". وهو - فيما أعلم - كتاب لم يسبقه أحد إلى تناوله بالبحث والتأليف، وضمنه - كسابقه - سلاسة الالفاظ ودقة التعبير، والقدرة على الاقناع. 5 - كتاب علامات ومراتب نبينا صلى الله عليه وآله وأوصيائه عليهم السلام وهو الباب العشرون قيل في ديباجته: " إن علامات النبي صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام من أهل بيته في الكتب المتقدمة كثيرة، وأنا أشير في هذا المختصر إلى جمل منها خطيرة، وأضيف إليها من الرؤيا الدالة على مراتبهم ما يليق بها ". فهذا الكتاب كما ينبئ عنه مؤلفه هو في ذكر البشارات بنبينا صلى الله عليه وآله وأوصيائه عليهم السلام وعلاماتهم، ثم تطرق إلى ذكر العلامات السارة الدالة على صاحب الزمان وأردفها بذكر العلامات الحزينة الدالة عليه (عجل الله تعالى فرجه الشريف).

[ 11 ]

الوجه في تسمية الكتاب بين لنا المؤلف قدس سره الوجه في تسميته كتابه هذا بالخرائج، والجرائح بأوجز عبارة وأدق معنى فقال: " وسميته ب‍ " الخرائج والجرائح " لان معجزاتهم التي (خرجت) على أيديهم مصححة لدعاويهم، لانها (تكسب) المدعي - ومن ظهرت على يده - صدق قوله ". (1) أقول: جرح واجترح: اكتسب، وجمعها جرائح. قال تعالى: " وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار " (2) أي كسبتم. وقال: " أم حسب الذين اجترحوا السيئات " (3) أي اكتسبوا. أهمية الكتاب، والاعتماد عليه الخرائج والجرائح عين من عيون كتب تراث أهل البيت عليهم السلام وهو الاصل والمأخذ لكثير من الروايات والاحاديث التي أودعها أصحاب المؤلفات في مؤلفاتهم بعده لدى تناولهم معجزات النبي صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام ودلائلهم بالجمع والتأليف. فممن اعتمد عليه من علمائنا: " الاربلي في " كشف الغمة "، والشيخ زين الدين النباطي في " الصراط المستقيم " والشيخ الحر العاملي في " وسائل الشيعة " و " اثبات الهداة ". والشيخ المجلسي في " بحار الانوار " والشيخ عبد الله البحراني في " عوالم العلوم " والسيد هاشم البحراني في " تفسير البرهان " و " غاية المرام " و " مدينة المعاجز ". ومن علماء العامة: ابن الصباغ المالكي في " الفصول المهمة " (4) والقندوزي في " ينابيع المودة " (5) وغيرهم ممن يطول المقام بذكرهم واستقصائهم. منتخب الخرائج والجرائح لدى بحثنا عن تاريخ ونسخ الخرائج والجرائح وقعت بين أيدينا نسخ خطية


(1) الخرائج والجرائح: 19. (2) سورة الانعام: 60. (3) سورة الجاثية: 21. (4) الفصول المهمة: 199: (5) ينابيع المودة: 332.

[ 12 ]

ومطبوعتان حجريتان اختزلت فيها أحاديث الكتاب بنسبة كبيرة فعلى سبيل المثال: الباب الثاني في معجزات أمير المؤمنين عليه السلام (ص 171 - 235) تضمن " 78 " حديثا، بينما في النسخ المشار إليها " 17 " حديثا فقط. والباب التاسع في معجزات الامام الرضا عليه السلام (ص 337 - 371) احتوى على " 29 " حديثا وفي النسخ السابقة الذكر " 12 " حديثا فقط. وطال هذا الاختزال والاختصار باقي أبواب الكتاب، مما اضطرنا إلى صرف النظر عن الاشارة إلى الاحاديث المختزلة في تعليقاتنا على الكتاب. فهذه النسخ هي " منتخب الخرائج والجرائح " إن صح التعبير. ترجمة الخرائج والجرائح قام العلامة الشيخ محمد الشريف الخادم بترجمة كتاب " الخرائج والجرائح " إلى اللغة الفارسية، وسماه " كفاية المؤمنين في معجزات الائمة المعصومين عليهم السلام " ورتبه على أربعة عشر بابا، وقد وشحه باسم السلطان إبراهيم قطب شاه بن السلطان علي قطب شاه الذي ملك ثلاث وثلاثين سنة، ومات في سنة 988 عن عمر ناهز الاحدى والخمسين سنة. (1) التعريف بنسخ الكتاب إعتمدنا في تحقيقنا لهذا الكتاب على ثلاث نسخ خطية هي: النسخة الاولى: مصورة عن النسخة المحفوظة في المكتبة الشخصية للعلامة الشيخ محي الدين المامقاني، حفيد آية الله الشيخ عبد الله المامقاني، العالم الرجالي المعروف صاحب كتاب " تنقيح المقال في أحوال الرجال ". وهي أتقن النسخ وأصحها وأتمها، كتبها - بخط النسخ - السيد كمال الدين حسن بن محمد بن عماد الحسيني الاسترابادي، في الخامس عشر شهر جمادى الثانية سنة 958 ه‍. ق. وتقع في " 554 " صحفة،


(1) راجع الذريعة: 18 / 100، وطبقات أعلام الشيعة في القرن العاشر: 103 (وفيه: شريف الخادم، بدون محمد) رياض العلماء: 2 / 431.

[ 13 ]

وكانت هذه النسخة النفيسة هي الاصل المعتمد عليه في تحقيقنا، ورمزنا لها ب‍ " م ". النسخة الثانية: وهي المحفوظة في خزانة مخطوطات مكتبة آية الله العظمى شهاب الدين المرعشي النجفي - دامت بركاته - تحت الرقم " 983 ". كتبت بخط النسخ في سنة " 1092 " وتقع في " 296 " ورقة، واحتوت كسابقتها تمام الكتاب ورمزنا لها ب‍ " ه‍ ". النسخة الثالثة: وهي المحفوظة في خزانة مخطوطات آية الله الحاج السيد مصطفى الحسيني الصفائي الخوانساري، واحتوت " منتخب الخرائج والجرائح " وسقطت من آخرها الابواب الخمسة الاخيرة، ورمزنا لها ب‍ " س ". واعتمدنا في تحقيق الابواب الثلاثة الاخيرة على نسختين عرفناهما في ص 969. وحصلت بأيدينا نسختان مطبوعتان: الاولى: المطبوعة الحجرية في سنة 1301 ه‍، ق، ضمن مجموعة تضمنت ثلاثة كتب هي: الاربعون حديثا للعلامة الشيخ المجلسي - صاحب بحار الانوار - والخرائج والجرائح، وكفاية الاثر للخزاز القمي. الثانية: المطبوعة الحجرية في بومباي في سنة 1301 ه‍. ق. وهذه المطبوعة والتي قبلها هي " منتخب الخرائج والجرائح ". منهج التحقيق بعد استنساخ الكتاب ومقابلته مع نسخه ومصادره والبحار، اتبعنا - كما هو دأبنا - طريقة التلفيق بين النسخ والبحار والمصادر، لاثبات متن صحيح سليم للكتاب مشيرين في الهامش إلى الاختلافات اللفظية الضرورية. ومن ثم أشرنا في نهاية كل حديث إلى مصادره واتحاداته بصورة مفصلة. كما وقمنا بشرح بعض الالفاظ اللغوية الصعبة نسبيا شرحا مبسطا موجزا، مع إثبات ترجمة لبعض الاعلام الواردة في أسانيد ومتون الروايات، خاصة تلك التي

[ 14 ]

صحفت وحرفت، معتمدين في ذلك على أمهات كتب تراجم الرجال. وكذا الحال بالنسبة لاسماء القبائل والاقوام والفرق والاماكن والبقاع. علما أن كل ما بين المعقوفين [ ] بدون إشارة فهو مما لم يكن في نسخة " م " وإنما أثبتناه من سائر النسخ، أو من أحدها. ووضعنا الاختلافات اللفظية الطويلة نسبيا، أو التي تبهم الاشارة إليها في الهامش بين قوسين (). وحصرنا النصوص الواردة في المتن بين قوسي التنصيص الصغيرين " ". تقدير وعرفان مما يزيد في قيمة هذا الكتاب الرائد النفيس، ويعلي مكانته بين الكتب هو إصداره بهذه الحلة الزاهية الرائعة، والطبعة المحققة النافعة التي تسر كل محب وموال لاهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام وقد يسر الله لمؤازرتي وشد عضدي في إنجازه وتحقيقه ثلة من الذوات المخلصة العاملة في " مؤسسة الامام المهدي " عجل الله فرجه الشريف، سيما الافاضل: نجم عبد البدري، شاكر شبع، أمجد عبد الملك الساعاتي، فارس حسون، أبو حيدر المسجدي، السيد فلاح الشريفي. فلهم الشكر والثواب، وكان الله شاكرا عليما. السيد محمد باقر نجل المرتضى الموحد الابطحي الاصفهاني مؤسسة الامام المهدي عليه السلام قم المقدسة

[ 15 ]

الصفحة الاولى والاخيرة من نسخة - م -

[ 16 ]

كتابخانه عمومي آيت الله العظمى مرعشى نجفى - قم الصفحة الاولى والاخيرة من نسخة - ه‍ -

[ 17 ]

بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد حمد الله الذي هدانا إلى منهاج الدليل والصلاة على محمد وآله الذين سلكوا بنا سواء السبيل فإن قوما (1) من الذين أقروا بظاهرهم بالنبوات، جحدوا في الامامة (2) كون المعجزات، فضاهوا الفلاسفة والبراهمة (3) الجاحدين في النبوة الاعلام الباهرات فدعاواهم جميعا باطلة فاضحة، إذ الادلة على صحة جميع ذلك واضحة. وقد أخبرنا جماعة ثقات منهم: الشيخ أبو جعفر محمد بن علي بن المحسن الحلبي، عن الشيخ أبي جعفر الطوسي، عن أحمد بن عبدون، عن علي بن محمد ابن الزبير القرشي، عن أحمد بن الحسين بن عبد الملك الازدي (4)، عن الحسن بن محبوب، عن صفوان بن يحيى، عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام أنه قال: أعظم الناس ذنبا، وأكثرهم إثما على لسان محمد صلى الله عليه وآله: الطاعن (5) على [ عالم ] آل محمد صلى الله عليه وآله والمكذب ناطقهم، والجاحد معجزاتهم (6).


(1) " فرقا " س، ط. (2) " باب الامامة " س، ط. (3) البراهمة: أحد المذاهب التي يتعبد بها في بلاد الهند، يقوم على أساس نفي النبوات أصلا ورأسا، والنسبة في هذه التسمية لرجل يقال له " براهم ". من أراد تفصيل ذلك فليراجع الملل والنحل: 2 / 250 - 255. (4) " الاودى " ط واثبات الهداة. وكلاهما وارد. راجع الوسائل: 20 / 127، ورجال السيد الخوئي: 2 / 94. (5) " الراد " ط. (6) عنه اثبات الهداة: 1 / 259 ح 248.

[ 18 ]

على أن من أنكر المعجزات لعلي عليه السلام وأولاده الاحد عشر مع إثباته للنبي صلى الله عليه وآله فإنه جاهل بالقرآن. وقد أخبرنا الله سبحانه عن آصف بن برخيا وصي سليمان عليه السلام وعن ما أتى به مع المعجز من عرش ملكة اليمن، وكان سليمان عليه السلام يومئذ ببيت المقدس فقال وصيه: * (أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك) * (1) وارتداد الطرف ما لا يتوهم فيه ذهاب زمان ولا قطع مسافة، وكان بين بيت المقدس والموضع الذي فيه عرشها باليمن مسيرة خمسمائة فرسخ ذاهبا وخمسمائة راجعا. فأتاه به وصيه من هذه المسافة قبل ارتداد الطرف، فلو فعله سليمان لكان معجزا [ له ] فلما أراد أن يدل أهل زمانه على وصيه ومن يقوم مقامه بعده، قام به وصيه [ بإذن الله ] وهذا أقوى من النص. وهذا كما ذكر الله في معجزات الانبياء: من طوفان نوح وسفينته وناقة صالح وفصيلها وشربهم وشربها ونار إبراهيم، وأضيافه، وإحياء الله تعالى الطيور الاربعة التى ذبحها وفرقها على الجبال، ثم كانت (تأتيه سعيا) (2) وتسخير الله الريح لسليمان وإلانة الحديد لابيه (3) وتعليمه منطق الطير والنمل وعصا موسى وانقلابها حية، واليد البيضاء من غير سوء، وآياته المذكورة في القرآن (4) من الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والرجز ونتوق الجبل فوقهم، وانفلاق البحر لقومه، والمن والسلوى [ والتيه ] والعيون الجارية من الحجر والغمام المظل ونحو ذلك.


(1) سورة النمل: 40. (2) " طيورا بإذن الله تعالى " س. (3) " له " م. وهو تصحيف. (4) " الكتاب " م.

[ 19 ]

وما أخبر الله به عن عيسى من كلامه في المهد، وإحياء الموتى، وإبراء الاكمه والابرص، وجعل الله الطين طيرا، وما شاكل ذلك. وكذلك ما أخبر الله تعالى به عن محمد صلى الله عليه وآله من شق القمر، والاسراء إلى بيت المقدس، والمعراج، وما نقله عنه المسلمون من الآيات والدلائل والمعجزات كل ذلك قد شوهد، وعليه الاجماع. وكذلك ما رواه الشيعة الامامية خاصة في معجزات أئمتهم المعصومين عليهم السلام صحيح، لاجماعهم عليه، وإجماعهم حجة، لان فيهم (1) حجة. وقد جمعت بعون الله سبحانه من ذلك جملة لا تكاد توجد مجموعة في كتاب [ واحد ] ليستأنس بها الناظرون، وينتفع بها المؤمنون وسميته ب‍ " كتاب الخرائج والجرائح " لان معجزاتهم التي خرجت على أيديهم مصححة لدعاويهم، لانها تكسب المدعي - ومن ظهرت على يده - صدق قوله. والمعجز في العرف: ما له خط في الدلالة على صدق من ظهر على يده. وجعلته على عشرين بابا: [ منها ثلاثة عشر بابا في معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله والاثنى عشر إماما ]: الباب الاول: في معجزات رسول الله محمد صلى الله عليه وآله الباب الثاني: في معجزات أمير المؤمنين علي عليه السلام الباب الثالث: في معجزات الحسن بن علي عليه السلام الباب الرابع: في معجزات الحسين بن علي عليه السلام الباب الخامس: في معجزات الامام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام الباب السادس: في معجزات الامام محمد بن علي الباقر عليه السلام


(1) " في اجماعهم " س، ط.

[ 20 ]

الباب السابع: في معجزات الامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام الباب الثامن: في معجزات الامام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام الباب التاسع: في معجزات الامام علي بن موسى الرضا عليه السلام الباب العاشر: في معجزات الامام محمد بن علي التقي عليه السلام الباب الحادي عشر: في معجزات الامام علي بن محمد النقي عليه السلام الباب الثاني عشر: في معجزات الامام الحسن بن علي الزكي العسكري عليه السلام الباب الثالث عشر: في معجزات صاحب الزمان مهدي آل محمد عليه السلام [ والسبعة الاخرى ]: (1) الباب الرابع عشر: في أعلام النبي والائمة عليهم السلام ويشتمل على أربعة عشر فصلا لكل واحد منها فصلا الباب الخامس عشر: في الدلائل على إمامة الاثني عشر من الآيات الباهرات لهم الباب السادس عشر: في نوادر المعجزات لهم الباب السابع عشر: في موازاة معجزات نبينا صلى الله عليه وآله وأوصيائه عليهم السلام معجزات الانبياء المتقدمين عليهم السلام الباب الثامن عشر: في أم المعجزات (وهي المعجز الباقي الذي هو) (2) القرآن المجيد الباب التاسع عشر: في الفرق بين الحيل وبين المعجزات والفصل بين المكر والاعجاز الباب العشرون: في العلامات والمراتب الخارقة للعادات لهم


(1) محل هذه العبارة كان في أول تعداد الابواب، فاثبتناها هنا لمناسبتها الكلام أكثر، علما أن تفصيل الابواب 1 - 13 ليس في نسخة " س ". (2) " الباقية التي هي في " س. " وهو " م.

[ 21 ]

الباب الاول في معجزات نبينا محمد صلى الله عليه وآله روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: لما ولد رسول الله صلى الله عليه وآله عظمت قريش في العرب، وسموا أهل الله وكان إبليس يخرق السماوات السبع، فلما ولد عيسى عليه السلام حجب عن ثلاث سماوات وكان يخرق أربع سماوات، فلما ولد رسول الله [ في ] عام الفيل في [ شهر ] ربيع الاول حين طلع (1) الفجر، حجب عن السبع كلها، ورميت الشياطين بالنجوم للرجوم. ثم توفي أبوه بالمدينة عند أخواله وهو ابن شهرين، ودفعه عبد المطلب إلى الحارث بن عبد العزى بن رفاعة السعدي (2)، وهو زوج حليمة التي أرضعته، وهي بنت أبي ذؤيب الشاعر (3)، وماتت أمه وهو ابن أربع سنين، ومات عبد المطلب وله نحو من ثمان سنين، وكفله أبو طالب [ عمه ].


(1) " طلوع " س. (2) " الحارث بن عبد العزيز بن قناعة السعدي "، وفي م: " قناعة " بدل " رفاعة ". وفي بعض النسخ: قباعة. وما أثبتناه كما ورد اسمه في اسد الغابة: 1 / 338، والاصابة: 1 / 282 ح 1438. (3) أبو ذؤيب الهذلي الشاعر المشهور، اسمه خويلد بن خالد بن محرث، ويقال: خالد بن خويلد. كان فصيحا متمكنا في الشعر، وعاش في الجاهلية دهرا، وأدرك الاسلام فأسلم. توفي في زمن عثمان. تجد ترجمته في اسد الغابة: 5 / 188، والاصابة: 4 / 65 رقم 388.

[ 22 ]

فصل إعلم أن معجزاته عليه وآله السلام على أقسام: منها ما انتشر نقله وثبت وجوده عاما في كل زمان ومكان حين ظهوره كالقرآن الذي بين أيدينا، نتلوه ونسمعه ونكتبه ونحفظه، لا يمكن [ لاحد ] جحده، إنه هو الذي أتى به نبينا [ محمد صلى الله عليه وآله ]، وإنما دخلت الشبهة على قوم لم ينكشف لهم وجه إعجازه، وقد كشفنا ذلك ببيان قريب في كتاب مفرد. والقسم الثاني على أقسام: منها: ما رواه المسلمون وأجمعوا على نقله، وكان اختصاصهم بنقله، لانهم كانوا هم المشاهدين لذلك (1) وظهرت بين أيديهم في سفر كانوا هم المصاحبين له، أو في حضر لم يحضره غيرهم، فلذلك انفردوا بنقلها وهم الجماعة الكثيرة التي لا يجوز على مثلها نقل الكذب بما لا أصل له. والثاني من هذه الاقسام، ما شاهده بعض المسلمين فنقلوه إلى حضرة جماعتهم وكان المعصوم وراءه، فلم يوجد منهم إنكار لذلك، فاستدل بتركهم النكير عليهم على صدقهم، لانهم على كثرتهم لا يجوز عليهم السكوت على باطل، ومنكر يسمعونه فلا ينكرونه، ولا منع، كما لا يجوز أن ينقلوا كذبا ولا رغبة ولا رهبة هناك تحملهم على النقل والتصديق. ومنها: ما ظهر في وقته صلوات الله عليه قبل مبعثه تأسيسا لامره. ومنها: ما ظهر على أيدي سراياه في البلدان البعيدة، إبانة لصدقهم في ادعائهم بنبوته، لانهم ممن لا تظهر منهم (2) المعجزات، إذ لم يكونوا من أوصيائه، فيعلم بذلك تصديقه في دعواهم له. ومنها: ما وجدت في كتب الانبياء قبله من تصديقه ووصفه بصفاته، وإظهار علاماته


(1) " لها " س. (2) " عليهم " م، " عنهم " ط.

[ 23 ]

والدلالة على وقته ومكانه وولادته، وأحوال آبائه وأمهاته. ومن معجزاته أيضا: أخلاقه ومعاملاته وسيرته وأحواله الخارقة للعادة. ومن معجزاته أيضا: شرائعه التي لا تزداد على طول البحث عنها، والنطق فيها إلا حسنا وترتيبا وإتقانا وصحة، واتساقا ولطفا. ونذكر أولا: معجزاته الموجزة التي ظهرت عليه في حياته، وتلك على أنحاء ومراتب: فمنها: ما ظهرت عليه قبل مبعثه للتأنيس والتمهيد والتأسيس. ومنها: ما ظهرت عليه بعد مبعثه لاقامة الحجة بها على الخلق. ومنها: ما ظهر من دعواته المستجابة. ومنها: ما ظهر من إخباره عن الغائبات فوجد كلها صدقا. ومنها: ما أخبر به ثم ظهر بعد وفاته صلى الله عليه وآله. [ فصل من روايات العامة ] 1 - فمن معجزاته خبر منتشر في مؤمن العرب وكافرها، يتقاولون فيه الاشعار ويتفاوضونه في الديار: أمر سراقة بن مالك بن جعشم، قد تبعه متوجها إلى المدينة ملتمسا غرته ليحظى به عند قريش، فأمهله الله حتى أيقن أنه قد ظفر ببغيته، لا يمترى لقوته، خسف الله به الارض فساخت قوائم فرسه وهو بموضع صلب كأنه ظهر صفوان فعلم أن الذي أصابه أمر سماوي، فناداه: يا محمد فأجابه آخذا بالفضل عليه ورحمة لعباد الله، وقد قال له: أدع ربك يطلق فرسي وذمة الله علي أن لا أدل عليك، بل أدفع عنك. فدعا له، فوثب جواده كأنه أفلت من أنشوطة (1). وكان رجلا داهية، وعلم بما


(1) هي العقدة التى يسهل انحلالها.

[ 24 ]

رأى أن سيكون له نبأ، فقال له: أكتب لي أمانا. ولو عقل لتنبه فأسلم. (1) 2 - ومنها: ما انتشر خبره أن أبا جهل اشترى من رجل طارئ (2) من العرب على مكة إبلا، فبخسه حقه وثمنه، فأتى نادي قريش فذكرهم حرمة البيت، فأحالوه على محمد صلى الله عليه وآله استهزاءا به لقلة منعته (3) عندهم، فأتى محمدا صلى الله عليه وآله فمضى معه، ودق على أبي جهل الباب، فخرج متخوف القلب، وقال أهلا يا أبا القاسم - قول الذليل -. فقال صلى الله عليه وآله: أعط هذا الرجل حقه. فأعطاه في الحال. فعيره قومه، فقال: رأيت ما لم تروا، رأيت فالجا (4) لو أبيت لابتلعني. فعلموا أنه صدق بما أخبرهم، لبغضه له. (5) 3 - ومنها: أن أبا جهل طلب غرته، فلما رآه ساجدا أخذ صخرة ليطرحها عليه فألصقها الله بكفه، فلما عرف أن لا نجاة إلا بمحمد صلى الله عليه وآله سأله أن يدعو ربه. فدعا الله، فأطلق يده، وطرح صخرته. (6) 4 - ومنها: أنه بهرت عقولهم لما أخبرهم من إسراء الله به من مكة إلى المسجد الاقصى بالشام. فبات معهم أول الليل، ثم اخترق الشام، فبلغ من بيت المقدس سدرة المنتهى، ورجع من ليلته. وأنكره المشركون فامتحنوه بوسع طاقتهم، فخبرهم عنه عيانا بمجئ عيرهم وبالبعير الذي يتقدم، عليه غرارتان. وأمر البعير أعجب العلامات لانه أخبرهم قبل مجيئهم، ولو كان يخبرهم عن


(1) عنه البحار: 17 / 387 ح 53، وعن اعلام الورى: 24. ورواه ابن الاثير في أسد الغابة: 2 / 264، وفي الكامل في التاريخ: 2 / 105. (2) الطارئ: الغريب. (3) المنعة: القوة التي تمنع من يريد أحدا بسوء. (4) " ثعبانا " س. وأضاف في ط: " يعني أسدا "، وهو خطأ. والفلج والفالج: البعير ذو السنامين. لسان العرب: 2 / 346. (5) عنه البحار: 18 / 74 ح 30، وعن اعلام الورى: 29. (6) عنه البحار: 18 / 56 ح 10، وعن مناقب ابن شهر اشوب: 1 / 69.

[ 25 ]

غير الله لم يدر، لعله أن يتقدم بعير آخر، فيجئ الامر بخلاف ما أخبر. (1) 5 - ومنها: ما هو مشهور أنه خرج في متوجهه إلى المدينة، فآوى إلى غار بقرب مكة يعتوره، ويأوي إليه الرعاء، قل ما يخلو من جماعة نازلين يستريحون فيه فأقام به عليه السلام ثلاثا لا يطوره (2) بشر وخرج القوم في أثره، فصدهم الله عنه بأن بعث عنكبوتا فنسجت عليه، فآيسهم من الطلب فيه، فانصرفوا، وهو منصب أعينهم. (3) 6 - ومنها: أنه مر بامرأة يقال لها " أم معبد " لها شرف في قومها، نزل بها فاعتذرت بأنه ما عندها إلا عنز لم تر لها قطرة لبن منذ سنة [ للجدب ] (4) فمسح ضرعها ورواهم من لبنها، وأبقى لهم لبنها وخيرا كثيرا، ثم أسلم أهلها لذلك. (5) 7 - ومنها: أنه أتى إمرأة من العرب يقال لها " أم شريك " فاجتهدت في قرائه وإكرامه، فأخرجت عكة لها فيها بقايا سمن، فالتمست فيها فلم تجد شيئا. فأخذها وحركها بيده فامتلات سمنا عذبا، وهي تعالجها قبل ذلك لا يخرج منها شئ، فأروت القوم منها وأبقت فضلا عندها كافيا، وبقى لها النبي صلى الله عليه وآله شرفا يتوارثه الاعقاب، وأمر أن لا يسد رأس العكة. (6) 8 - ومنها: أنه مر بشجرة (7) غليظة الشوك، متقنة الفروع ثابتة الاصل، فدعاها فأقبلت تخذ الارض إليه طوعا، ثم أذن لها فرجعت إلى مكانها.


(1) روى نحوه في الكافي: 8 / 262 ح 376، عنه البحار: 18 / 309 ح 18. (2) أي لا يقربه. قال ابن الاثير في النهاية: 3 / 142: " في حديث علي عليه السلام: والله لا أطور به ما سمر سمير. أي لا أقر به أبدا ". (3) عنه البحار: 18 / 73 ح 27، وج 19 / 72 ح 24. (4) من البحار. يقال: أجدب المكان: إذا انقطع عنه المطر فيبست أرضه. (5، 6) عنه البحار: 18 / 26 ح 5، 6. (7) " بسمرة " البحار. قال ابن الاثير في النهاية: 2 / 399: " هو ضرب من شجر الطلح الواحدة سمرة ".

[ 26 ]

فأي آية أبين وأوضح من موات يقبل مطيعا لامره مقبلا ومدبرا. (1) 9 - ومنها: أنه في غزوة الطائف مر في كثير طلح، فمشى وهو وسن (2) من النوم فاعترضته سدرة، فانفجرت السدرة نصفين، فمر بين نصفيها، وبقيت السدرة منفردة على ساقين إلى زماننا هذا. وهي معروفة بذلك البلد، مشهورة يعظمها أهله وغيرهم ممن عرف شأنها لاجله. وتسمى " سدرة النبي ". وإذا انتجع الاعراب الغيث عضدوا منه (3) ما أمكنهم، وعلقوه على إبلهم وأغنامهم ويقلعون شجر هذا الوادي ولا ينالون هذه السدرة (بقطع ولا شئ من المكروه) (4) معرفة بشأنها وتعظيما لحالها، فصارت له آية بينة وحجة باقية هناك. (5) 10 - ومنها: أنه كان في مسجده جذع، كان إذا خطب فتعب (6) أسند إليه ظهره فلما اتخذ له منبر حن الجذع، فدعاه، فأقبل يخد الارض، والناس حوله ينظرون إليه، فالتزمه وكلمه فسكن [ ثم ] قال له: عد إلى مكانك. وهم يسمعون. فمر حتى صار في مكانه، فازداد المؤمنون يقينا وفي دينهم بصيرة و [ كان ] هنالك المنافقون وقد نقلوه ولكن الهوى يميت القلوب. (7) 11 - ومنها: أنه انتهى إلى نخلتين وبينهما فجوة من الارض فقال لهما: انضما


(1) عنه البحار: 17 / 374 ح 31. (2) الوسن: فتور يتقدم النوم. (3) انتجع الغيب: أي ذهب في طلب الكلاء الذي ينبت بماء الغيث. عضدوا منه: أي نثروا من ورقه لابلهم. (4) " ويقطع من المكسورة " م، ط. (5) عنه البحار: 17 / 375 ح 32، وعن مناقب ابن شهر اشوب: 1 / 117، واعلام الورى: 30 من كتاب شرف النبي صلى الله عليه وآله، لابي سعيد الواعظ. (6) " فأحب " م. " فأحب إذا " ط. (7) عنه البحار: 17 / 375 ح 33 وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة: 2 / 556 - 563 وج 6 / 67 وص 68 بعدة طرق ورواه كثير من العلماء في مصنفاتهم بطرق كثيرة.

[ 27 ]

- وأصحابه حضور - فأقبلتا تخدان الارض حتى انضمتا. (1) فأي حجة أوضح ؟ وأي عبرة أبين من هذه ؟ فأي شبهة تدخل ها هنا ؟ ! 12 - ومنها: أن رجلا كان في غنمه يرعاها فأغفلها سويعة من نهاره، فأخذ الذئب منها شاة، فجعل يتلهف ويتعجب، فطرح الذئب الشاة وكلمه بكلام فصيح: أنتم أعجب، هذا محمد صلى الله عليه وآله يدعو إلى الحق ببطن مكة وأنتم عنه لاهون. فأبصر الرجل رشده، وأقبل حتى أسلم، وحدث القوم بقصته و [ كان ] أولاده يفتخرون على العرب بذلك، فيقول أحدهم: أنا ابن مكلم الذئب. (2) 13 - ومنها: أنه أتي بشاة مسمومة أهدتها له إمرأة يهودية ومعه أصحابه، فوضع يدة ثم قال: إرفعوا أيديكم فإنها تخبرني أنها مسمومة. (3) ولو كان ذلك لعلة الارتياب باليهودية ما قبلها بدئا، ولا جمع لها أصحابه، ولا استجاز تركهم أكلها. 14 - ومنها: أن أصحابه يوم الاحزاب صاروا بمعرض العطب لفناء الازواد فهيأ رجل قوت رجل أو رجلين - لا أكثر من ذلك - ودعا النبي صلى الله عليه وآله فانقلب القوم وهم ألوف معه، فدخل، فقال: غطوا إناءكم فغطوه، ثم دعا وبرك عليه فأكلوا جميعا وشبعوا، والطعام بهيئته. (4)


(1) عنه البحار: 17 / 375 ح 34. (2) " فيقولون: نحن بنو مكلم الذئب " س، ط. عنه البحار: 17 / 406 ح 27. وأخرجه في اثبات الهداة: 2 / 88 ح 436 عن اعلام الورى: 25. ويأتي مثله ح 38. (3) عنه البحار: 17 / 406 ح 28. وأخرجه السيوطي في الخصائص الكبرى: 2 / 63 - 65 بعدة طرق. (4) عنه البحار: 18 / 26 ح 7، وعن اعلام الورى: 26، وأخرجه في اثبات الهداة: 2 / 88 ح 438 عن اعلام الورى.

[ 28 ]

15 - ومنها: أنهم شكوا إليه في غزوة تبوك نفاذ أزوادهم، فدعا بزاد لهم فلم يوجد إلا بضع عشرة تمرة، فطرحت بين يديه فمسها بيده ودعا ربه، ثم صاح بالناس فانحفلوا (1) وقال: كلوا بسم الله. فأكل القوم فصاروا كأشبع ما كانوا، وملاوا مزاودهم وأوعيتهم، والتمرات بحالها كهيئتها يرونها عيانا، لا شبهة فيه. (2) 16 - ومنها: أنه ورد في غزاته هذه على ماء قليل لا يبل حلق واحد من القوم وهم عطاش، فشكوا ذلك إليه، فأخذ سهما من كنانته فأمر بغرزه في أسفل الركي - فإذا غرزوا - ففار الماء إلى أعلى الركي فارتووا للمقام واستقوا للضعن، وهم ثلاثون ألفا ورجال من المنافقين حضور متحيرين. (3) 17 - ومنها: أنهم كانوا معه في سفر فشكوا إليه أن لا ماء معهم، وأنهم بسبيل هلاك، فقال " كلا إن معي ربي عليه توكلي، وإليه مفزعي " ثم دعا بركوة فيها ماء فطلب فلم يوجد إلا فضلة في الركوة، وما كانت تروي رجلا، فوضع كفه فيه، فنبع الماء من بين أصابعه يجري، وصيح في الناس، فسقوا، وأسقوا، فشربوا حتى نهلوا وعلوا وهم ألوف، وهو يقول: إشهدوا أني رسول الله حقا. (4) 18 - ومنها: أن قوما شكوا إليه ملوحة مائهم، فأشرف على بئرهم، وتفل فيها وكانت مع ملوحتها غائرة، فانفجرت بالماء العذب، فها هي يتوارثها أهلها يعدونها


(1) أي احتشدوا. (2) عنه البحار: 18 / 27 ح 8 وعن اعلام الورى: 26، وأخرجه في اثبات الهداة: 2 / 89 ح 439 عن اعلام الورى. وأورده في ثاقب المناقب: 18 (مخطوط). (3) عنه البحار: 18 / 27 ح 9 وعن اعلام الورى: 26. وأخرجه في اثبات الهداة: 2 / 89 ح 440 عن اعلام الورى. (4) عنه البحار: 17 / 27 ح 10. وأورده في اعلام الورى: 23، عنه اثبات الهداة: 2 / 85 ح 431 وأورده في كشف الغمة: 1 / 24، وثاقب المناقب: 12 (مخطوط).

[ 29 ]

أعظم مكارمهم. (1) وكان مما أكد الله صدقه أن قوم مسيلمة لما بلغهم ذلك سألوه مثلها، فأتى بئرا فتفل فيها، فعاد ماؤها ملحا أجاجا كبول الحمار، فهي بحالها إلى اليوم معروفة الاهل والمكان. (2) 19 - ومنها: أن إمرأة أتته بصبي لها ترجو بركته بأن يمسه ويدعو له وكان برأسه عاهة فرحمها، والرحمة صفته صلى الله عليه وآله فمسح يده على رأسه فاستوى شعره، وبرئ داؤه. فبلغ ذلك أهل اليمامة، فأتوا مسيلمة بصبي لامرأة فمسح رأسه، فصلع، وبقي نسله إلى يومنا هذا صلعا. (3) 20 - ومنها: أن قوما من عبد القيس أتوه بغنم لهم فسألوه أن يجعل لهم علامة يعرفونها بها، فغمز بيده في أصول آذانها، فابيضت، فهي إلى اليوم معروفة النسل. (4) 21 - ومنها: أن أهل المدينة مطروا مطرا عظيما، فخافوا الغرق، فشكوا إليه. فقال صلى الله عليه وآله: اللهم حوالينا، ولا علينا. فانجابت السحاب عن المدينة على هيئة الاكليل لا تمطر في المدينة وتمطر حواليها، فعاين مؤمنهم وكافرهم أمرا لم يعاينوا مثله. (5)


(1) زاد في البحار " وهذه البئر بظاهر مكة بموضع يسمى الزاهر، واسمها العسيلة ". قال الفيرزآبادي: الزاهر: مستقى بين مكة والتنعيم. وقال: العسيلة كجهينة: ماء شرقي سميراء. القاموس المحيط: 2 / 43 وج 4 / 16. (2) عنه البحار: 18 / 28 ح 11، وعن مناقب ابن شهر اشوب: 1 / 102، واعلام الورى: 26 وأورده في كشف الغمة: 1 / 27. (3) عنه البحار: 18 / 8 ح 8 وعن اعلام الورى: 27. وأخرجه في اثبات الهداة: 2 / 90 ح 443 عن اعلام الورى. (4) عنه البحار: 17 / 406 ح 29، وعن المناقب: 1 / 104. وأخرجه في اثبات الهداة: 2 / 90 ح 444 عن اعلام الورى. (5) عنه البحار: 17 / 354 ح 6. وأورده في اعلام الورى: 27، عنه اثبات الهداة: 2 / 91 ح 445.

[ 30 ]

22 - ومنها: أن قوما من العرب اجتمعوا عند صنم لهم ففاجأهم صوت من جوفه ويناديهم بكلام فصيح: [ أتاكم محمد يدعوكم إلى الحق ]. فانجفلوا مسرعين (1) وذلك حين بعث عليه السلام، فأسلم أكثر من حضر. (2) 23 - ومنها: أنه لاقى (3) أعداءه يوم بدر وهم ألف وهو في عصابة كثلث أعدائه، فلما التحمت الحرب أخذ قبضة من تراب - والقوم متفرقون في نواحي عسكره - فرمى به وجوههم فلم يبق منهم رجل إلا امتلات منه عيناه، وإن كانت الريح العاصف يومها إلى الليل لتقصف (4) بأعاصير التراب لا يصيب أحدا مثله. (5) وقد نطق به القرآن، وصدق به المؤمنون، وشاهد الكفار ما نالهم منه [ وحدثوا به ] وليس في قوى أحد من العالمين أن يرمي قوما بينه وبينهم مائتا ذراع وأكثر وهم كثير متفرقون، طرفاهم متباعدان، والتراب ملء كفه. فعلم أن فاعل ذلك هو الله تعالى. (6) 24 - ومنها: أنه كان في سفرين من أسفاره قبل البعثة معروفين مذكورين عند عشيرته، وغيرهم، لا يدفعون حديثهما، ولا ينكرون ذكرهما فكانت سحابة أظلت عليه حين يمشي، تدور معه حيثما دار، وتزول حيث زال، يراها رفقاؤه ومعاشروه. (7) 25 - ومنها: أن ناقته افتقدت فأرجف المنافقون، فقالوا: يخبرنا بأسرار السماء ولا يدري أين ناقته. فسمع صلى الله عليه وآله ذلك فقال: إني وإن أخبركم بلطائف السماء (8) لكني لا أعلم من ذلك إلا ما علمني الله. فلما وسوس إليهم الشيطان بذلك دلهم على حالها، ووصف لهم الشجرة التي


(1) " فزعين " البحار. قال المجلسي: انجفل القوم: أي انقلعوا كلهم ومضوا. (2) عنه البحار: 17 / 376 ح 35. (3) " صاف " م. " صادف " ط. (4) " لتعصف " ط والبحار. يقال: ريح قاصف أو قاصفة: شديدة جدا تكسر ما مرت به من الشجر. (5) من عسكره " البحار. (6) عنه البحار: 18 / 73 ح 28. (7) عنه البحار: 17 / 354 ح 7. (8) " الاسرار " البحار.

[ 31 ]

هي متعلقة بها، فأتوها فوجدوها على ما وصف قد تعلق خطامها بشجرة أشار إليها. (1) 26 - ومنها: أن القمر قد انشق وهو بمكة أول مبعثه، يراه أهل الارض طرا فتلا به عليهم قرآنا، فما أنكروا عليه ذلك، وكان ما أخبرهم به من الامر الذي لا يخفى أثره، ولا يندرس ذكره. وقول بعض الناس: " لم يروه ولم يره إلا واحد " خطأ، بل شهرته أغنت عن نقله على أنه لم يره إلا واحد كان أعجب. وروى ذلك خمسة نفر: ابن مسعود وابن عباس، وابن جبير، وابن مطعم عن أبيه، وحذيفة وغيرهم (2). (3) 27 - ومنها: أن من كان بحضرته من المنافقين كانوا لا يكونون في شئ من ذكره إلا أطلعه الله عليه وبينه فيخبرهم به، حتى كان بعضهم يقول لصاحبه: أسكت وكف فو الله لو لم يكن عندنا إلا الحجارة لاخبرته حجارة البطحاء. ولم يكن ذلك منه ولا منهم مرة، بل يكثر ذلك من أن يحصى عدده حتى يظن ظان أن ذلك كان بالظن وبالتخمين، كيف وهو يخبرهم بما قالوا على ما لفظوا، ويخبرهم عما في ضمائرهم فكلما ضوعفت عليهم الآيات ازدادوا عمى لعنادهم. (4) 28 - ومنها: أن سلمان أتاه فأخبره أنه قد كاتب مواليه على كذا وكذا ودية - وهي صغار النخل - كلها تعلق، وكان العلوق أمرا غير مضمون عند العاملين على ما جرت به عادتهم لولا ما علم من تأييد الله لنبيه، فأمر سلمان بضمان ذلك لهم فجمعها لهم.


(1) عنه البحار: 18 / 109 ح 11، وعن اعلام الورى: 28، وأخرجه في اثبات الهداة: 2 / 91 ح 447. (2) وروى ذلك أيضا: أنس بن مالك وابن عمر. (3) عنه البحار: 17 / 354 ح 8. والحديث متواتر مشهور رواه علماء الفريقين وشهدوا بصحته، راجع البحار: 17 / 347 - 362، دلائل النبوة للبيهقي: 2 / 262 - 268، والخصائص الكبرى: 1 / 312. (4) عنه البحار: 18 / 110 ح 12، واثبات الهداة: 2 / 113 ح 511.

[ 32 ]

ثم قام عليه السلام فغرسها بيده، فما سقطت منها واحدة، وبقيت علما معجزا يستشفى بثمرتها (1) وترجى بركاتها وأعطاه تبرة (2) من ذهب كبيضة الديك. فقال: اذهب بها وأوف بها أصحابك الديون. فقال - متعجبا مستقلا لها -: أين تقع هذه مما علي ؟ فأدارها على لسانه ثم أعطاها إياه - إنما هي قد كانت في هيئتها الاولى ووزنها لا تفي بربع حقهم - فذهب بها وأوفى القوم منها حقوقهم. (3) 29 - ومنها: أن الاخبار تواترت واعترف بها الكافر والمؤمن بخاتم النبوة الذي بين كتفيه عليه شعرات متراكمة، تقدمت بها الانبياء قبل مولده بالزمن الطويل فوافق ذلك ما أخبروا عنه في صفته. (4) 30 - ومنها: أن أحد أصحابه (5) أصيب بإحدى عينيه في إحدى مغازيه، فسالت حتى وقعت على خده، فأتاه مستغيثا به.


(1) " بتمرها " ط والبحار. (2) " نبوة " م. ط. وهو تصحيف. والتبر - بالكسر -: ما كان من الذهب غير مضروب. (3) عنه البحار: 18 / 28 ح 12، واثبات الهداة: 2 / 114 ح 512، والمستدرك: 3 / 47 ح 4. ورواه مثله البيهقي في دلائل النبوة: 6 / 97. وأخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد: 8 / 336 عن أحمد والبزار. (4) عنه البحار: 16 / 174 ح 17. والروايات في خاتم النبوة وصفته كثيرة راجع دلائل النبوة: 1 / 259 - 267. (5) هو قتادة بن النعمان بن زيد بن عامر، أبو عمرو الانصاري الظفري البدري. من نجباء الصحابة، شهد العقبة، هو وأخوه أبو سعيد الخدري لامه. توفي سنة 23 بالمدينة. راجع بشأنه والرواية: سير أعلام النبلاء: 2 / 231 رقم 66، اسد الغابة: 4 / 195: الاصابة: 3 / 225، وغيرها من كتب التراجم.

[ 33 ]

فأخذها، فردها مكانها، وكانت أحسن عينيه منظرا، وأحدهما بصرا. (1) 31 - ومنها: أنه أتى يهود النضير مع جماعة من أصحابه فاندس (2) له رجل منهم ولم يخبر أحدا، ولم يؤامر (3) بشرا ما أضمره عليه، وهو يريد أن يطرح عليه صخرة، وكان قاعدا في ظل اطم (4) من آطامهم، فنذرته صلى الله عليه وآله نذارة الله. فقام راجعا إلى المدينة، وأنبأ القوم بما أراد صاحبهم، فسألوه فصدقهم وصدقوه وبعث الله على الذي أراد كيده أمس الخلق به رحما، فقتله. فنفله رسول الله صلى الله عليه وآله بماله كله. (5) 32 - ومنها: أن ابن " ملاعب الاسنة " (6) كان ببطنه استسقاء (7) فبعث إليه يستشفيه


(1) عنه البحار: 18 / 8 ح 9 وعن اعلام الورى: 28، وفيه: وأصحهما وأحدهما نظرا. أخرجه في اثبات الهداة: 2 / 92 ح 449 عن الاعلام. (2) الدسيسة: ما أكمن من المكر والعداوة. (3) آمر فلانا في الامر أي: شاوره. والمعنى: لم يشاور أحدا. (4) الاطم: الحصن، جمعه آطام. (5) عنه البحار: 18 / 110 ح 13. (6) هو أبو البراء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الاسنة، وكان سيد بني عامر بن صعصعة وسمي ملاعب الاسنة، يوم سوبان، وهو يوم كانت فيه وقيعة في أيام العرب بين قيس وتميم، وقد فر عنه أخوه يومئذ فقال شاعر: فررت وأسلمت ابن أمك عامرا * يلاعب أطراف الوشيج المزعزع قالوا: قد قدم على رسول الله صلى الله عليه وآله، وأهدى له هدية، فأبى رسول الله أن يقبلها، وقال: يا أبا براء: لا أقبل هدية مشرك، فأسلم ان أردت أن أقبل هديتك، وعرض عليه الاسلام، ولم يسلم. وله دور مؤثر في غزوة بئر معونة. راجع تاريخ الطبري: 2 / 219، مغازي الواقدي: 1 / 346، تاريخ ابن الاثير: 2 / 171. دلائل النبوة للبيهقي: 3 / 338. (7) الاستسقاء: هو تجمع سوائل في تجويف أو أكثر من تجاويف الجسد، أو في خلاياه.

[ 34 ]

فأخذ صلى الله عليه وآله بيده جثوة (1) من الارض، فتفل عليها ثم أعطاها رسوله. فأخذها متعجبا يرى أنه قد هزأ به، فأتاه بها وإذا هو بشفا هلاك، فشربها فأطلق من مرضه وغسل عنه داؤه. (2) 33 - ومنها: أن امرأة من اليهود عملت له سحرا، وظنت أنه ينفذ فيه كيدها والسحر باطل محال، إلا أن الله دله عليه، فبعث من استخرجه، وكان على الصفة التي ذكرها، وعلى عدد العقد التي عقد فيها، ووصف ما لو عاينه معاين لغفل عن بعض ذلك. (3) 34 - ومنها: أنه كان على جبل حراء فتحرك الجبل، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: اسكن فما عليك إلا نبي أو وصي. وكان معه علي عليه السلام، [ فسكن ]. (4) 35 - ومنها: أنه انصرف ليلة من العشاء فاضاءت له برقة، فنظر إلى قتادة بن النعمان (5)، فعرفه، وكانت ليلة مطيرة، فقال: يا نبي الله أحببت أن أصلي معك. فأعطاه عرجونا (6)، وقال: خذ هذا فإنه سيضئ لك أمامك عشرا، فإذا أتيت بيتك فإن الشيطان قد خلفك، فانظر إلى الزاوية على يسارك حين تدخل، فأعله بسيفك.


(1) الجثوة: كومة التراب. وفي البحار واعلام الورى والمناقب: حثوة (بالحاء)، ولم نجد لها أصلا في المعاجم والاول أصح. (2) أخرج نحوه في البحار: 18 / 22 ح 50، عنه وعن المناقب لابن شهر اشوب: 1 / 101 وعن اعلام الورى: 28، واللفظ للاخير. وأخرجه في اثبات الهداة: 2 / 92 ح 450 عن اعلام الورى. ورواه في كتاب المغازى للواقدي: 1 / 350 بمثل ما مر في الاعلام. (3) عنه البحار: 18 / 57 ح 11. (4) عنه البحار: 17 / 376 ح 36. (5) تقدمت ترجمته في الحديث: 30. (6) العرجون، ويقال له العرجد: أصل العذق الذي يعوج ويبقى على النخل يابسا بعد أن تقطع عنه الشماريخ، وجمعه عراجين.

[ 35 ]

فدخلت، فنظرت حيث قال رسول الله صلى الله عليه وآله. فإذا أنا سواد، فعلوته بسيفي. فقال: أهلي: ماذا تصنع ؟. وفيه معجزتان: أحدهما اضاءة العرجون بلا نار جعلت في رأسه. والثانية: خبره عن الجني على ما كان. (1) 36 - ومنها: أن جارية كان يقال لها " زائدة " (2) كثيرا [ ما ] كانت تأتي رسول الله صلى الله عليه وآله. فأتته ليلة وقالت: عجنت عجينا لاهلي، فخرجت أحتطب، فرأيت فارسا لم أر أحسن منه، فقال [ لي ]: كيف محمد ؟ قلت: بخير، ينذر الناس بأيام (3) الله. فقال: إذا أتيت محمدا فأقرئيه السلام وقولي [ له ]: إن رضوان خازن الجنة يقول: إن الله قسم الجنة لامتك أثلاثا: فثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حسابا يسيرا، وثلث تشفع لهم فتشفع فيهم. قالت: فمضى، فأخذت الحطب أحمله، فثقل علي، فالتفت ونظر إلي وقال: ثقل عليك حطبك ؟ فقلت: نعم. فأخذ قضيبا أحمر كان في يده فغمز الحطب ثم نظر فإذا هو بصخرة ناتئة (4) فقال: أيتها الصخرة احملي الحطب معها. فقالت: يا رسول الله فإني رأيتها تدكدك (5) حتى رجعت، فألقت الحطب


(1) عنه البحار: 17 / 376 ح 37. (2) هي مولاة عمر بن الخطاب، وقيل: اسمها: زيدة. راجع الاصابة: 4 / 311 رقم 460، واسد الغابة: 5 / 461. (3) " بآيات " ط، ه‍. (4) أي: بارزة، وفي ط وه‍: تأتيه، وفي نسخة أخرى: ثابتة. (5) " تذكرك " س وخ ل، والبحار، والظاهر أنها تصحيف. دك الارض دكا: سوى صعودها وهبوطها، ودك التراب دكا: كبسه وسواه. والدك: الدق، وقد دككت الشئ: إذا ضربته وكسرته حتى سويته بالارض، ومنه قوله تعالى " فدكتا دكة واحدة ". راجع لسان العرب: 10 / 425 و 426.

[ 36 ]

وانصرفت. (1) 37 - ومنها: أنه أتاه رجل من جهينة يتقطع من الجذام، فشكا إليه فأخذ قدحا من الماء فتفل فيه، ثم قال: امسح به جسدك. ففعل، فبرأ حتى لا يوجد منه شئ. (2) 38 - ومنها: ما رواه أبو سعيد الخدري: إن عمير الطائي كان يرعى بالحرة غنما له إذ جاء ذئب إلى شاة من غنمه، فانتهزها (3)، فحال بين الذئب والشاة أذ أقعى (4) الذئب على ذنبه، فقال ألا تتقي الله، تحول بيني وبين رزق ساقه الله إلي. فقال الراعي: العجب من الذئب يكلمني. فقال الذئب: أعجب من هذا رسول الله بين الحرتين يحدث الناس بأنباء ما قد سبق. فأخذ الراعي الشاة فأتى بها المدينة، ثم أتى النبي فأخبره، فخرج النبي إلى الناس فقال للراعي: قم فحدثهم. فقام فحدثهم. فقال النبي صلى الله عليه وآله: صدق الراعي. (5)


(1) عنه البحار: 17 / 298 ح 8، واثبات الهداة: 2 / 115 ح 513. وأورد نحوه في اسد الغابة: 5 / 461 في ترجمة " زائدة " وفيه " الخضر " بدل " رضوان " وفي الاصابة: 4 / 311 رقم 460 عن كتاب شرف المصطفى لابي سعد النيسابوري، وعن أبي موسى والمستغفري، بمثل ما مر في اسد الغابة، وفي رواية سعد: رضوان خازن الجنة، (2) عنه البحار: 18 / 8 ح 10. وأورده في ثاقب المناقب: 32 و 33 (مخطوط). (3) انتهز الفرصة: اغتنمها وانتهض إليها مبادرا، وانتهز الشئ: قبله وأسرع إلى تناوله. (4) أقعى الكلب أو الاسد: جلس على استه. (5) عنه البحار: 17 / 394 ح 6، وعن أمالي الشيخ الطوسي: 1 / 12 باسناده إلى أبي سعيد الخدري (مطولا). ورواه بمثل ما مر في الامالي: البيهقي في دلائل النبوة: 6 / 41 وأحمد في مسنده: 3 / 83 و 84، والترمذي في صحيحه: 4 / 476. وأخرجه ابن كثير في البداية والنهاية: 6 / 143 عن مسند أحمد، وفي الخصائص الكبرى: 2 / 267 - 271 بعدة طرق. وأورده في ثاقب المناقب: 39 عن أبي سعيد.

[ 37 ]

39 - ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله كان في سفر، إذ جاء بعير فضرب الارض بجرانه (1) ثم بكى حتى ابتل ما حوله من دموعه، فقال صلى الله عليه وآله: هل تدرون ما يقول ؟ إنه يزعم أن صاحبه يريد نحره غدا. فقال النبي صلى الله عليه وآله لصاحبه: تبيعه ؟ قال: مالي مال أحب إلي منه. فاستوصى به خيرا. (2) 40 - ومنها: أن ثورا أخذ ليذبح [ فتكلم ] فقال: رجل يصيح، لامر نجيح بلسان فصيح، بأعلى مكة " لا إله إلا الله "، فخلى عنه. (3) 41 - ومنها: ما روت أم سلمة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وآله كان يمشي في الصحراء فناداه مناد: يا رسول الله فإذا هي ظبية [ موثقة ] قال: ما حاجتك ؟ قالت: هذا الاعرابي صادني ولي خشفان (4) في ذلك الجبل، فأطلقني حتى أذهب وأرضعهما فأرجع. قال: وتفعلين ؟ قالت: نعم [ فإن لم أفعل عذبني الله عذاب العشار ]. (5) فأطلقها فذهبت [ فأرضعت خشفيها ] (6) ثم رجعت فأوثقها، فأتاه الاعرابي، فأخبره النبي صلى الله عليه وآله بحالها، فأطلقها، فعدت تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. (7) 42 - ومنها: أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: إني قدمت من سفر لي فبينا بنية خماسية تدرج حولي في صبغها وحليها، أخذت بيدها فانطلقت إلى وادي كذا وطرحتها فيه. فقال صلى الله عليه وآله: انطلق معي فأرني الوادي. فانطلق مع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الوادي فقال لابيها (8): ما اسمها ؟ قال: فلانة. فقال صلى الله عليه وآله: أجيبي (9) يا فلانة


(1) الجران من البعير: مقدم عنقه. ويقال: ألقى البعير جرانه: أي برك. وجمعه جرن وأجرنة. (2) عنه البحار: 17 / 407 ح 32. (3) عنه البحار: 17 / 408 ح 33. (4) الخشف: ولد الظبي أول ما يولد. (5، 6) من قصص الانبياء والبحار. العشار: أي عشرة عشرة، وعذاب العشار أي: يضاعف أعشارا. (7) عنه البحار: 17 / 402 ح 19، وعن قصص الانبياء للمصنف: 306 (مخطوط) عن الصدوق باسناده إلى أم سلمة. وأخرجه في البحار: 75 / 348 ح 50 عن قصص الانبياء. (8) في المناقب: لامها. (9) في البحار: أحيى.

[ 38 ]

بإذن الله. فخرجت الصبية تقول: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: إن أبويك قد أسلما (1)، فإن أحببت أردك عليهما. قالت: لا حاجة لي فيهما، وجدت الله خيرا لي منهما. (2) 43 - ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله كان في أصحابه إذ جاء أعرابي ومعه ضب [ قد ] صاده، وجعله في كمه، قال: من هذا ؟ قالوا: [ هذا ] النبي. فقال: واللات والعزى ما أحد أبغض إلي منك، ولولا أن يسميني قومي عجولا، لعجلت عليك، فقتلتك. فقال صلى الله عليه وآله: ما حملك على ما قلت ؟ آمن [ بي ]. (3) قال: لا أو من أو يؤمن بك هذا الضب. فطرحه. فقال النبي صلى الله عليه وآله: يا ضب. فأجابه الضب بلسان عربي يسمعه القوم: لبيك وسعديك، يا زين من وافى القيامة. قال: من تعبد ؟ قال: الذي في السماء عرشه، وفي الارض سلطانه، وفي البحر سبيله، وفي الجنة رحمته، وفي النار عقابه. قال: فمن أنا يا ضب ؟ قال: رسول رب العالمين، وخاتم النبيين، قد أفلح من صدقك، وخاب من كذبك. قال الاعرابي: لا أتبع أثرا بعد عين، لقد جئتك وما على وجه الارض أحد أبغض إلي منك، فإنك الآن أحب إلي من نفسي، ووالدي (4) أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فرجع إلى قومه - وكان من بني سليم - فأخبرهم بالقضية


(1) في المناقب: أساءا. (2) عنه البحار: 18 / 8 ح 11، وعن المناقب لابن شهر اشوب: 1 / 144. وروى نحوه البيهقي في دلائل النبوة: 6 / 34 و 35 باسناده إلى أبي سعيد وزيد بن أرقم. وأورد نحوه ابن كثير في البداية والنهاية: 6 / 147 و 148، والسيوطي في الخصائص: 2 / 60 عن أنس بن مالك، وأم سلمة وغيرهما. (3) من " س ". وفي البحار: بالله. (4) " وولدي " س.

[ 39 ]

وآمن من ألف إنسان منهم. (1) 44 - ومنها: ما روى أنس قال: خرجت مع النبي صلى الله عليه وآله إلى السوق ومعي عشرة دراهم، وأراد صلى الله عليه وآله أن يشتري عباءة، فرأى جارية تبكي، وتقول: سقط مني درهمان [ في زحام السوق ] ولا أجسر أن أرجع إلى مولاي. فقال [ لي ] صلى الله عليه وآله: أعطها درهمين. فأعطيتها، فلما اشترى عباءة، بعشرة دراهم فوقفت [ على ] (2) ما بقي [ معي ]، فإذا هي عشرة كاملة. (3) 45 - وروى أنس: أن النبي صلى الله عليه وآله دخل حائطا للانصار وفيه غنم فسجدت له فقال أبو بكر: نحن أحق بالسجود لك من هذه الغنم. فقال صلى الله عليه وآله: إنه لا ينبغي (4) أن يسجد أحد لاحد، ولو كان ينبغي أن يسجد أحد لاحد (5) لامرت المرأة أن تسجد لزوجها. (6) 46 - ومنها: أن عبد الله بن أبي أوفى قال: بينما نحن قعود عند النبي صلى الله عليه وآله إذ أتاه آت فقال: ناضح (7) آل فلان قد ند (8)


(1) عنه البحار: 17 / 406 ح 30، وروى مثله باختلاف الالفاظ في دلائل النبوة: 6 / 36. وأورده ابن كثير في البداية والنهاية: 6 / 149 عن البيهقي، وأبو نعيم في الدلائل: 320 عن الطبراني في الاوسط والصغير، وابن عدي والحاكم في المعجزات، والبيهقي وأبي نعيم وابن عساكر. (2) " وزنت ما بقى " س، والبحار. (3) عنه البحار: 18 / 29 ح 13. (4) " يجوز " س. (5) " ولو جاز ذلك " س، والبحار. (6) عنه البحار: 17 / 408 ح 34، وعن المناقب لابن شهر اشوب: 1 / 86. وأخرجه في مستدرك الوسائل: 2 / 550 باب 61 ح 2 عن الخرائج. والسيوطي في الخصائص: 2 / 265 عن أبي نعيم بالاسناد عن أنس، مثله. (7) الناضح: البعير يستقى عليه. (8) ند البعير: نفر وذهب شاردا. وفي دلائل النبوة للبيهقي: اغتلم أي اشتد وقوى، وفي حديث آخر: أبق، وفي حديث: قطن أي: أقام. وفي الخصائص للسيوطي: صئولا: أي شديد الوثوب والهجوم. وكلها كلمات معينة تدل على خروج البعير من طوره الطبيعي إلى حالة أخرى.

[ 40 ]

عليهم. فنهض ونهضنا معه فقلنا: لا تقربه فإنا نخافه عليك. فدنا من البعير، فلما رآه سجد له، ثم وضع يده على رأس البعير فقال: هات الشكال (1). فوضعه في رأسه، وأوصاهم به خيرا. (2) 47 - ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله بعث برجل يقال له: " سفينة " (3) بكتاب إلى معاذ (4) وهو باليمن، فلما صار في بعض الطريق إذا هو بأسد رابض في الطريق، فخاف أن يجوز، فقال: أيها الاسد إني رسول رسول الله إلى معاذ، وهذا كتابه إليه.


(1) الشكال: جمعه شكل: حبل يشد به قوائم الدابة. (2) عنه البحار: 17 / 408 ح 35. ورواه باختلاف الالفاظ في دلائل النبوة: 6 / 28 - 30 بأسانيده عن جابر بن عبد الله وعن عبد الله بن أبي أوفى: وعن ابن عباس. وأخرجه السيوطي في الخصائص: 2 / 255 و 256 عن أبي نعيم والطبراني. (3) سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وآله، أبو عبد الرحمان، كان عبدا لام سلمة، فاعتقته وشرطت عليه خدمة الرسول ما عاش. وسفينة لقبه، واسمه مهران، وقيل: رومان، وقيل: قيس. قيل: انه حمل مرة متاع أصحابه، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: ما أنت إلا سفينة فلزمه ذلك اللقب. توفي بعد سنة سبعين. راجع سير أعلام النبلاء: 3 / 172 رقم 29، اسد الغابة: 2 / 190 و 324، الاصابة: 2 / 58، تقريب التهذيب: 1 / 312 رقم 325 وغيرها. (4) هو معاذ بن جبل، أبو عبد الرحمن الانصاري الخزرجي، شهد بدرا والعقبة، روى عنه عدد كبير من الصحابة، بعثه الرسول صلى الله عليه وآله قاضيا إلى اليمن، اختلف في سنة وفاته، والاصح سنة 18 للهجرة. راجع سير أعلام النبلاء: 1 / 443 رقم 86، حلية الاولياء: 1 / 228، اسد الغابة: 5 / 194، وتقريب التهذيب: 2 / 255.

[ 41 ]

فهرول قدامه غلوة (1) ثم همهم، ثم خرج، ثم تنحى عن الطريق. فلما رجع بجواب الكتاب، فإذا بالسبع في الطريق ففعل مثل ذلك، فلما قدم على النبي صلى الله عليه وآله أخبره بذلك، فقال: ما تدري ما قال في المرة الاولى ؟ قال: كيف رسول الله ؟ وفي الثانية قال: إقرأ رسول الله السلام. (2) 48 - ومنها: أن أعرابيا بدويا يمانيا أتى النبي صلى الله عليه وآله على ناقة حمراء، فلما قضى تحيته قالوا: إن الناقة التي تحت الاعرابي سرقة. قال: ألكم بينة ؟ قالوا: نعم. قال: يا علي خذ حق الله من الاعرابي إن قامت عليه البينة - فأطرق الاعرابي ساعة - ثم قال: قم يا أعرابي لامر الله، وإلا فأدل بحجتك. فقالت الناقة: والذي بعثك (بالحق نبيا، يا رسول الله) (3) إن هذا ما سرقني ولا ملكني أحد سواه فقال النبي صلى الله عليه وآله: يا أعرابي ما الذي أنطقها بعذرك ؟ وما الذي قلت ؟ قال: قلت: اللهم إنك لست برب استحدثناك، ولا معك إله أعانك على خلقنا ولا معك رب فيشركك في ربوبيتك. أنت ربنا كما تقول، وفوق ما يقول القائلون أسألك أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تبرئني ببرأتي. فقال النبي صلى الله عليه وآله: والذي بعثني بالحق [ نبيا ] لقد رأيت الملائكة يبتدرون [ أفواه ] الازقة يكتبون مقالتك، ألا من نزل به مثل ما نزل بك فليقل مثل مقالتك، وليكثر


(1) " عنوة " س، ومعناها القهر والغلبة، وهي غير مناسبة. قال الجزري في النهاية: 3 / 383: ومنه حديث ابن عمر " بينه وبين الطريق غلوة ". الغلوة: قدر رمية بسهم. انتهى. أي ابتعد الاسد أمامه مسافة رمية بسهم، ثم تنحى عن الطريق. (2) عنه البحار: 17 / 407 ح 31. وروى نحوه في دلائل النبوة: 6 / 45 و 46، وأخرجه عنه ابن كثير في البداية والنهاية: 6 / 147، والسيوطي في الخصائص الكبرى: 2 / 276 عن ابن سعد وأبي يعلى وابن مندة، والحاكم. (3) " بالكرامة " م.

[ 42 ]

الصلاة علي [ فينقذه الله تعالى ]. (1) 49 - ومنها: أنه لما فتح خيبر أصابه من سهمه حمار أسود، فكلم النبي صلى الله عليه وآله الحمار وكلمه الحمار. فقال ما اسمك ؟ فقال: يزيد بن شهاب، أخرج الله من نسل جدي ستين حمارا، كلها لم يركبه إلا نبي، ولم يبق من نسل جدي غيري، ولا من الانبياء غيرك، قد كنت أتوقعك لتركبني ؟ وكنت ليهودي يجيع بطني، ويضرب ظهري. فقال النبي صلى الله عليه وآله: سميتك يعفور، تشتهي الاناث ؟ قال: لا. وكان مركبه إلى أن مضى صلى الله عليه وآله، فجاء بعد موته إلى بئر لابي الهيثم ابن التيهان (2) فتردى فيها - فصار قبره - جزعا عليه صلى الله عليه وآله. (3) 50 - ومنها: أن سلمة بن الاكوع (4) أصابه ضربة في يوم خيبر، فأتى النبي صلى الله عليه وآله


(1) عنه البحار: 17 / 403 ح 20، وعن قصص الانبياء للمصنف: 307 (مخطوط) مثله باختلاف يسير. وأخرجه عن القصص في البحار: 95 / 190 ح 18. (2) هو أبو الهيثم مالك بن التيهان الانصاري. كان يكره الاصنام في الجاهلية، ويقول بالتوحيد هو وأسعد بن زرارة، وكانا أول من أسلم من الانصار بمكة، ويجعل في الثمانين الذين لقوا رسول الله صلى الله عليه وآله بمكة، ومن أهل العقبة الاثنى عشر. آخى رسول الله صلى الله عليه وآله بينه وبين عثمان بن مظعون. شهد بدرا والمشاهد الاخرى، قتل بصفين مع أمير المؤمنين علي عليه السلام. راجع: سير أعلام النبلاء: 1 / 189 رقم 22، اسد الغابة: 5 / 14، الاصابة: 3 / 341 وج 4 / 212، وتهذيب الاسماء: 2 / 79. (3) أخرجه في البحار: 16 / 100 ح 38 وج 17 / 404 ح 21 عن قصص الانبياء: 307. وأخرجه السيوطي في الخصائص: 2 / 274 عن ابن عساكر مثله. (4) هو سلمة بن عمرو بن الاكوع، واسم الاكوع: سنان بن عبد الله، أبو عامر وأبو مسلم ويقال: أبو أياس الاسلمي الحجازي المدني. قيل: شهد مؤتة وهو من أهل بيعة الرضوان، روى عدة أحاديث. توفي سنة 94، وكان من أبناء التسعين، بعد أن كف بصره. راجع سير اعلام النبلاء: 3 / 326 رقم 50، طبقات ابن سعد: 4 / 305، أسد الغابة: 2 / 423، الاصابة: 2 / 66، تقريب التهذيب: 1 / 318 رقم 375.

[ 43 ]

فنفث فيه ثلاث نفثات، فما اشتكاها حتى الممات. وأصاب عين قتادة بن النعمان ضربة أخرجتها، فردها النبي صلى الله عليه وآله إلى موضعها فكانت أحسن عينيه. (1) 51 - ومنها: أن جبرئيل أتاه فرآه حزينا، فقال: مالك ؟ قال: فعل بي الكفار كذا وكذا. قال جبرئيل: فتحب أن أريك آية ؟ قال: نعم. فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى شجرة من وراء الوادي. فقال: ادع تلك الشجرة. فدعاها النبي صلى الله عليه وآله فجاءت حتى قامت بين يديه. قال: مرها فلترجع. فرجعت، فقال النبي صلى الله عليه وآله: حسبي. (2) 52 - ومنها: أنه كان صلى الله عليه وآله في سفر فأقبل أعرابي إلى رسول الله، فقال صلى الله عليه وآله: هل أدلك إلى خير ؟ قال: ما هو ؟ قال: تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده، ورسوله. قال الاعرابي: هل من شاهد ؟ قال: هذه الشجرة. فدعاها النبي صلى الله عليه وآله فأقبلت تخد الارض، فقامت بين يديه فاستشهدها، فشهدت كما قال، ورجعت إلى منبتها. ورجع الاعرابي إلى قومه وقد أسلم، فقال: إن يتبعوني أتيتك بهم، وإلا رجعت إليك وكنت معك. (3)


(1) عنه البحار: 18 / 9 ح 12، وأورده في ثاقب المناقب: 13. أخرج مثله في الخصائص: 6 / 62 عن البخاري، عن يزيد بن أبي عبيد. تقدم ذيل الحديث في ص 13. (2) عنه البحار: 17 / 376 ح 38. وروى عدة أحاديث في دلائل النبوة: 6 / 13 - 17 نحوه وأخرجه عنه ابن كثير في البداية والنهاية: 6 / 123 و 124. (3) عنه البحار: 17 / 376 ح 39. رواه البيهقي في دلائل النبوة: 6 / 14 باسناده إلى ابن عمر. وأخرجه السيوطي في الخصائص الكبرى 20 / 202 عن الدارمي وأبي يعلى والطبراني = (*)

[ 44 ]

53 - ومنها: أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: هل لك من آية فيما تدعو إليه ؟ قال: نعم، إئت تلك الشجرة فقل لها " يدعوك رسول الله " فمالت عن يمينها ويسارها وبين يديها فقطعت عروقها، ثم جاءت تخذ الارض حتى وقفت بين يدي رسول الله. قال: فمرها حتى ترجع إلى منزلها، فأمرها، فرجعت إلى منبتها. فقال الاعرابي: إئذن لي أسجد لك. قال: لو أمرت أحدا أن يسجد لاحد لامرت المرأة أن تسجد لزوجها. قال: فاذن لي أن أقبل يديك. فأذن له. (1) 54 - ومنها: أنه قال لاعرابي: إن دعوت هذا العذق من هذه النخلة فتجئ إلي تشهد أني رسول الله ؟ قال: نعم. فدعا العذق، فنزل من النخلة حتى سقط على الارض، فجعل ينقز (2) حتى أتى النبي، ثم قال له: ارجع. فرجع إلى مكانه، فقال: أشهد أنك رسول الله. (3) 55 - ومنها: أن يعلى بن سيابة (4) قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله في مسير


= والبزار وابن حبان والبيهقي وأبى نعيم عن ابن عمر. وفى ص 200 - 202 عدة أحاديث نحوه، وابن كثير في البداية والنهاية: 6 / 125 عن الحاكم. (1) عنه البحار: 17 / 377 ح 40. مر نظيره في الحديثين السابقين. (2) أي يثب. (3) أخرجه في البحار: 17 / 368 ح 17 عن قصص الانبياء. ورواه في دلائل النبوة: 6 / 15. وأخرجه في الخصائص الكبرى: 2 / 202 عن أحمد والبخاري في التأريخ، والدارمي والترمذي والحاكم والبيهقي وأبي نعيم وأبي يعلى وابن سعد عن ابن عباس، وأخرجه في البداية والنهاية: 6 / 125 عن البيهقي. (4) قال العسقلاني في تقريب التهذيب: 2 / 378 رقم 411: يعلى بن مرة بن وهب بن جابر الثقفي، أبو مرازم، وأمه سيابة، صحابي شهد الحديبية وما بعدها. راجع نفس الصفحة رقم 404 (يعلى بن سيابة)، وأسد الغابة: 5 / 129.

[ 45 ]

فأراد أن يقضي حاجته، فأمر وديتين (1) فانضمت أحدهما بالاخرى إلى أن فرغ ثم أمرهما، فرجعتا كما كانتا. (2) 56 - ومنها: أن شابا من الانصار كان له أم عجوز عمياء، وكان مريضا فعاده رسول الله صلى الله عليه وآله فمات، فقالت: اللهم إن كنت تعلم أني هاجرت إليك وإلى نبيك رجاء أن تعينني على كل شدة، فلا تحملن علي هذه المصيبة. قال أنس: فما برحنا أن كشف الثوب عن وجهه، فطعم وطعمنا (3). (4) 57 - ومنها: أن أسامة بن زيد قال: خرجنا معه النبي صلى الله عليه وآله في حجته التي حجها، حتى إذا كنا ببطن الروحاء نظرنا إلى امرأة تحمل صبيا، فقالت: يا رسول الله هذا ابني ما أفاق من خناق (5) منذ ولدته إلى يومه هذا.


(1) خ ل والمناقب: نخلتين. الودي: الواحدة ودية: صغار الفسيل، سمي به لانه يخرج من النخل ثم يقطع منه فيغرس. (2) عنه البحار: 364 ح 4 وعن المناقب لابن شهر اشوب: 1 / 117. وروى نحوه في دلائل النبوة: 6 / 8 و 9 و 18 و 20 و 21 بعدة طرق. وأخرج نحوه في الخصائص: 2 / 205 عن الدارمي وابن راهويه وابن أبي شيبة والبيهقي عن جابر. وص 206 عن البزار والطبراني والبيهقي عن ابن مسعود، وعن أحمد وابن سعد والبيهقي عن يعلى بن مرة. وابن كثير في البداية والنهاية: 6 / 140 و 141 عن البيهقي وابن عساكر. (3) قال الجزري في النهاية: 3 / 127 مادة " طعم ": " فاستطعمه الحديث " أي: طلبت منه أن يحدثني وأن يذيقني طعم حديثه. (4) عنه البحار: 18 / 9 ح 13. وروى مثله في دلائل النبوة: 6 / 50 و 51 باسناديه إلى أنس، وأخرجه عنه في البداية والنهاية: 6 / 154، وفي الخصائص: 6 / 280 عن ابن عدي وابن أبي الدنيا والبيهقي وأبي نعيم عن أنس. (5) الخناق: داء يعسر معه نفوذ النفس إلى الرئة.

[ 46 ]

فأخذه رسول الله صلى الله عليه وآله وتفل في فيه، فإذا الصبي قد برأ. فقال رسول الله لي: إنطلق، انظر هل ترى من حش ؟ (1). قلت: إن الوادي ما فيه موضع يغطي عن الناس. فقال: إنطلق إلى النخلات، وقل: إن رسول الله يأمركن أن تدنين لمخرج رسول الله صلى الله عليه وآله، وقل للحجارة مثل ذلك. فو الذي بعثه بالحق نبيا لقد قلت لهن ذلك وقد رأيت النخلات تقاربن والحجارة يتقربن، فلما قضى حاجته رأيتهن يعدن إلى مواضعهن. (2) 58 - ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله قال: إني لاعرف حجرا بمكة كان يسلم علي. (3) 59 - وعن أمير المؤمنين عليه السلام: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله فخرج في بعض نواحيها، فما بقي شجر ولا حجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله. (4) 60 - وعن جابر: لم يمر النبي صلى الله عليه وآله في طريق فيتبعه أحد إلا عرف أنه قد سلكه (5) من طيب عرفه، ولم يمر بحجر ولا شجر إلا سجد له. (6)


(1) الحش: البستان، أو النخل المجتمع، أو موضع قضاء الحاجة. (2) عنه البحار: 18 / 9 ح 14. وروى نحوه في دلائل النبوة: 6 / 24 و 25 بإسناده إلى أسامة بن زيد. ورواه أبو نعيم في الدلائل: 336 بمثل ما مر في دلائل النبوة. (3) عنه البحار: 17 / 372 ح 26، وعن أمالي الشيخ الطوسي: 1 / 351 مثله، وزاد فيه: " قبل أن أبعث، اني لاعرفه الآن ". ورواه مسلم في صحيحه: 4 / 1782 ح 2277، وأحمد في المسند: 5 / 9 و 10 و 95 بأسانيدهما إلى جابر بن سمرة. والدارمي في سننه: 1 / 12 عن علي عليه السلام. (4) أخرجه في البحار: 17 / 387 ح 55 عن اعلام الورى: 38. ورواه أحمد في مسنده: 1 / 375 وج 3 / 368، والحاكم في المستدرك: 2 / 620 والدارمي في سننه: 1 / 12. (5) " فتتبعته الا عرف الله مسلكه " م. (6) عنه البحار: 17 / 377 ح 41. ورواه في دلائل النبوة: 69 بإسناده إلى جابر، وفيه " من طيب عرقه ".

[ 47 ]

61 - ومنها: ما روى عن أنس أنه صلى الله عليه وآله أخذ كفا من الحصى فسبحن في يده ثم صبهن في يد علي، فسبحن في يده حتى سمعنا التسبيح في أيديهما، ثم صبهن في أيدينا فما سبحت في أيدينا. (1) 62 - ومنها: أن عبد الله قال: إنكم تعدون الآيات عذابا، وإنا كنا نعدها بركة على عهد النبي صلى الله عليه وآله لقد كنا نأكل الطعام مع النبي صلى الله عليه وآله ونحن نسمع التسبيح من الطعام. (2) 63 - ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله قال: أتموا الركوع والسجود، فو الله إني لاراكم من بعد ظهري إذا ركعتم وسجدتم. (3) 64 - ومنها: ما روى أبو أسيد أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال للعباس: يا أبا الفضل إلزم منزلك غدا أنت وبنوك، فإن لي فيكم حاجة. فصبحهم وقال: تقاربوا، فزحف بعضهم إلى بعض حتى إذا أمكنوا (4) اشتمل عليهم بملاءة، وقال: يا رب هذا عمي وصنوا أبي، وهؤلاء بنو عمي أسترهم من النار كستري إياهم، فأمنت (5) أسكفة (6)


(1) عنه البحار: 17 / 377 ح 42 وج 41 / 252 ح 10. ورواه في دلائل النبوة: 6 / 64 و 65، وأخرجه عنه في البداية والنهاية: 6 / 132. وفي الخصائص الكبرى: 2 / 304 عن البزار والطبراني في الاوسط وأبي نعيم والبيهقي. (2) عنه البحار: 17 / 389 ح 58. ورواه في دلائل النبوة: 6 / 62، والبخاري في صحيحه: 4 / 235، والترمذي في سننه: 5 / 597 ح 3633. (3) عنه البحار: 16 / 175 ح 18. وروى مثله باختلاف في دلائل النبوة: 6 / 73 و 74 بإسناده إلى أبي هريرة. ورواه مسلم في صحيحه: 1 / 320 ح 112، والبخاري: 1 / 114 بإسنادهما إلى أنس. (4) " آمنوا " م وط وه‍. وأمكن الامر: سهل عليه أو تيسر له فعله وقد عليه. (5) أي قالت: آمين. (6) الاسكفة: عتبة الباب التي يوطأ عليها، وجمعها اسكفات.

[ 48 ]

الباب وحوائط البيت: آمين آمين. (1) 65 - ومنها: ما روى عن أم سلمة أن فاطمة عليها السلام جاءت إلى النبي صلى الله عليه وآله حاملة حسنا وحسينا وفخارا فيه حريرة (2) فقال: ادعي ابن عمك. فأجلس أحدهما على فخذه اليمنى، والآخر على فخذه اليسرى، وعليا وفاطمة أحدهما بين يديه، والآخر خلفه، فقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا - ثلاث مرات - وأنا عند عتبة الباب. فقلت: وأنا منهم ؟ فقال: أنت إلى خير. وما في البيت أحد غير هؤلاء وجبرئيل ثم أغدف (3) عليهم كساء خيبريا فجللهم به وهو معهم. ثم أتاه جبرئيل بطبق فيه رمان وعنب فأكل النبي صلى الله عليه وآله فسبح، ثم أكل الحسن والحسين عليهما السلام فتناولا، فسبح العنب والرمان في أيديهما، ودخل علي عليه السلام فتناول منه فسبح أيضا، ثم دخل رجل من أصحابه وأراد أن يتناول. فقال جبرئيل: إنما يأكل من هذا نبي أو ولد نبي أو وصي نبي. (4)


(1) عنه البحار: 17 / 377 ح 43 رواه في دلائل النبوة: 6 / 71، وأبو نعيم في الدلائل: 370، عنهما الخصائص الكبرى: 2 / 309 بأسانيدهم إلى أبي أسيد الساعدي. (2) الحريرة: الدقيق يطبخ بلبن أو دسم. (3) قال الجزري في النهاية: 3 / 345: " انه أغدف على علي وفاطمة سترا " أي: أرسله وأسبله. وفي البحار: 37: " أغدف خميصة كساء خيبري فجللهم به ". والخميصة: ثوب أسود مربع وجلل الشئ غطاه. (4) عنه البحار: 17 / 359 ح 15 وج 37 / 100 ح 3. راجع بشأن حديث الكساء " الجامع الكبير " كتاب " آية التطهير في أحاديث الفريقين " لحجة الاسلام السيد علي الموحد الابطحي الاصفهاني، ففيه الكفاية للراغب.

[ 49 ]

66 - ومنها: ان النبي صلى الله عليه وآله لما قدم المدينة، وهي أوبأ أرض الله، فقال: " اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة، وصححها لنا، وبارك لنا في صاعها ومدها، وانقل حماها إلى الجحفة ". (1) 67 - ومنها: أن أبا طالب مرض، فدخل عليه رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا بن أخ أدع ربك الذي تعبده أن يعافيني. فقال النبي صلى الله عليه وآله: " اللهم اشف عمي ". فقام فكأنما أنشط من عقال. (2) 68 - ومنها: أن عليا عليه السلام مرض وأخذ يقول: اللهم إن كان أجلي قد حضر فأرحني، وإن كان متأخرا فارفعني، وإن كان للبلاء فصبرني. فقال النبي صلى الله عليه وآله: " اللهم اشفه، اللهم عافه " ثم قال: قم. قال علي عليه السلام: فقمت، فما عاد ذلك الوجع إلي بعد. (3) 69 - ومنها: ما روى ابن عباس: أن امرأة جاءت بابن لها إلى النبي صلى الله عليه وآله فقالت: ابني هذا به جنون يأخذه عند غدائنا وعشائنا فيحثو (4) علينا. فمسح صلى الله عليه وآله صدره ودعا، فثع (5) ثعة، فخرج من جوفه مثل جرو الاسود (6) فبرء. (7)


(1) عنه البحار: 18 / 9 ح 15. (2) عنه البحار: 18 / 9 ح 16 وعن المناقب لابن شهر اشوب: 1 / 75. ورواه في دلائل النبوة: 2 / 569 بإسناده إلى عائشة: وقال: رواه مسلم في الصحيح عن أبي بكر بن أبي شيبة. (3) عنه البحار: 18 / 10 ح 17. ورواه في دلائل النبوة: 6 / 179 بإسناده إلى عبد الله بن سلمة، عن علي عليه السلام. (4) الحثى: ما غرف باليد من التراب وغيره. (5) ثع ثعا: قاء ما أكله. (6) " جرو الاسد " م، ط، ه‍، وفي البحار: خرء الاسد: وما أثبتناه كما في دلائل النبوة ومسند أحمد وسنن الدارمي وبعض نسخ الخرائج ومصادر أخرى. والجرو: صغير كل شئ حتى الرمان والبطيخ، ولكنه غلب على ولد الكلب والاسد. (7) عنه البحار: 18 / 10 ح 19، ورواه في دلائل النبوة: 6 / 187، وفي مسند أحمد: 1 / 254 و 268، وسنن الدارمي: 1 / 11، وأخرجه في الخصائص الكبرى: 2 / 290 عن أحمد والدارمي والطبراني والبيهقي وأبي نعيم عن ابن عباس.

[ 50 ]

70 - ومنها: أن عبد الله بن بريدة قال: سمعت أبي يقول: إن النبي صلى الله عليه وآله تفل في رجل عمرو بن معاذ حين قطعت رجله، فبرء. (1) 71 - ومنها: أن معاذ بن عفراء جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يحمل يده، وكان قطعها أبو جهل، فبصق عليها النبي صلى الله عليه وآله فألصقها فلصقت. (2) 72 - ومنها: أن نبي الله صلى الله عليه وآله رأى رجلا يكف شعره إذا سجد، قال: " اللهم افتتح رأسه ". قال: فتساقط شعره حتى ما بقي في رأسه شئ. (3) 73 - ومنها: أنه صلى الله عليه وآله دعا لانس لما قالت أمه أم سليم: أدع له فهو خادمك. فقال: اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيما أعطيته. فقال أنس: أخبرني بعض ولدي أنه دفن من ولده أكثر من مائة. (4) 74 - ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله أبصر رجلا يأكل بشماله، فقال: كل بيمينك. فقال: لا أستطيع. فقال صلى الله عليه وآله: لا، استطعت. قال: فما وصلت إلى فيه يمينه بعد، كلما رفع اللقمة إلى فيه ذهبت في شق آخر. (5) 75 - ومنها: ما روى أبو نهيك الازدي، عن عمرو بن أخطب أنه استسقى النبي صلى الله عليه وآله قال: فأتيته بإناء فيه ماء، وفيه شعرة فرفعتها، ثم ناولته، فقال: اللهم فجمله " قال: فرأيته بعد ثلاث وتسعين سنة ما في رأسه ولحيته شعرة بيضاء. (6)


(1، 2، 3) عنه البحار: 18 / 10 ح 18، 20، 21. (4) عنه البحار: 18 / 10 ح 22. ورواه باختلاف الالفاظ في دلائل النبوة: 6 / 194 - 196 من عدة طرق. ومسلم في صحيحه: 4 / 1928 ح 141 - 143، والبخاري في صحيحه: 8 / 93 بأسانيدهم إلى أنس بن مالك. (5) عنه البحار: 18 / 11 ح 23 وعن المناقب لابن شهر اشوب: 1 / 72 عن سلمة بن الاكوع عن أبيه، مثله ورواه في دلائل النبوة: 6 / 238 بطريقين، ومسلم في صحيحه: 3 / 1599 ح 107 بأسانيدهما إلى سلمة بن الاكوع، عن أبيه. (6) عنه البحار: 18 / 11 ح 24 وعن المناقب لابن شهر اشوب: 1 / 74 مثله. ورواه باختلاف الالفاظ في دلائل النبوة: 6 / 210 - 212 بعدة طرق، عن أنس وعن -

[ 51 ]

76 - ومنها: أن ابن مسعود قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وآله نصلي في ظل الكعبة وناس من قريش وأبو جهل نحروا جزورا في ناحية مكة، فبعثوا فجاءوا بسلاها (1) فطرحوه بين كتفيه، فجاءت فاطمة عليها السلام فطرحته عنه، فلما انصرف قال: " اللهم عليك بقريش، بأبي جهل وبعتبة وشيبة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف وبعقبة بن أبي معيط ". قال عبد الله: ولقد رأيتهم قتلى في قليب بدر. (2) 77 - ومنها: أن النابغة الجعدي أنشد رسول الله صلى الله عليه وآله قوله: بلغنا السماء عزة وتكرما * وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا فقال: إلى أين يا أبا ليلى ؟ قلت: إلى الجنة. قال: " أحسنت لا يفضض الله فاك " قال الراوي: فرأيته شيخا له ثلاثون ومائة سنة، وأسنانه مثل ورق الاقحوان نقاءا وبياضا وقد تهدم جسمه إلا فاه. (3) 78 - ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله خرج فعرضت له إمرأة مسلمة فقالت: يا رسول الله إني امرأة ومعي زوج لي في بيتي مثل المرأة. فقال: أدعي زوجك. فدعته، فقال لها: أتبغضينه ؟ فقالت: نعم.


- قتادة، وعن أبى زيد الانصاري، وعن عمرو بن أخطب. والترمذي في صحيحه: 5 / 594، وأحمد في مسنده: 5 / 77 و 340 و 341. (1) السلى: جمعها أسلاء: جلدة يكون ضمنها ولد الحيوان في بطن امه. والمراد هنا: أحشاؤه. (2) عنه البحار: 18 / 57 ح 12. ورواه في دلائل النبوة: 2 / 279، ومسلم في صحيحه: 3 / 1419 ح 108 و 109 والبخاري في صحيحه: 4 / 53، بأسانيدهم إلى عبد الله بن مسعود. (3) عنه البحار: 18 / 11 ح 25. وروى مثله في دلائل النبوة: 6 / 232 و 233 بثلاثة طرق، عن يعلى بن الاشدق وعن عبد الله بن جراد، عن النابغة الجعدي. وأخرجه السيوطي في الخصائص: 3 / 72 وعن دلائل أبي نعيم. (*)

[ 52 ]

فدعا النبي صلى الله عليه وآله لهما، ووضع جبهتها على جبهته فقال: " اللهم ألف بينهما وحبب أحدهما إلى صاحبه " ثم قالت المرأة بعد ذلك: ما طارف (1) ولا تالد ولا والد أحب إلي منه. فقال النبي صلى الله عليه وآله: اشهدي أني رسول الله. (2) 97 - ومنها: أن عمرو بن الحمق الخزاعي سقى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: " اللهم أمتعه بشبابه " فمر به ثمانون سنة لم تر له شعرة بيضاء. (3) 80 - ومنها: أن عمران بن حصين قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وآله جالسا، إذ أقبلت فاطمة عليها السلام وقد تغير وجهها من الجوع، فقال [ لها ]: ادني. فدنت، فرفع يده حتى وضعها على صدرها - وهي صغيرة - في موضع القلادة ثم قال: " اللهم مشبع الجاعة ورافع الوضيعة، لا تجع فاطمة بنت محمد ". قال: فرأيت الدم قد غلب على وجهها كما كانت الصفرة، فقالت: ما جعت بعد ذلك. (4) 81 - ومنها: أن أسماء بنت عميس قالت: إن عليا عليه السلام قد بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله في حاجة في غزوة حنين، وقد صلى النبي صلى الله عليه وآله العصر ولم يصلها علي عليه السلام، فلما رجع وضع رأسه في حجر علي عليه السلام وقد أوحي إليه فجلله بثوبه، ولم يزل كذلك حتى كادت الشمس تغيب، ثم إنه سري عن النبي صلى الله عليه وآله. فقال: أصليت يا علي ؟ فقال: لا. قال النبي صلى الله عليه وآله: " اللهم رد على علي الشمس ".


(1) الطارف: المال الحديث أو المستحدث. ويقابله التالد. (2) عنه البحار: 18 / 11 ح 26. وأورده في مناقب ابن شهر اشوب: 1 / 73 مثله. ورواه في دلائل النبوة: 6 / 228 بإسناده إلى ابن عمر. (3) عنه البحار: 18 / 12 ح 27 وأخرجه في الخصائص الكبرى: 3 / 74 عن ابن أبي شيبة في مسنده، وأبي نعيم، وابن عساكر عن عمرو بن الحمق. (4) عنه البحار: 43 / 27 ح 29. ورواه في دلائل النبوة: 6 / 108. وأخرجه في الخصائص: 3 / 294 عن البيهقي، وعن أبي نعيم، عن عمران بن حصين.

[ 53 ]

فرجعت حتى بلغت نصف المسجد. قالت أسماء: وذلك بالصهباء. (1) 82 - ومنها: أن عطا قال: كان في وسط رأس مولاي السائب بن يزيد شعر أسود وبقية رأسه ولحيته بيضاء، فقلت: ما رأيت مثل رأسك هذا أسود وهذا أبيض. فقال: أفلا أخبرك ؟ قلت: بلى. قال: إني كنت ألعب مع الصبيان، فمر بي نبي الله صلى الله عليه وآله فعرضت له وسلمت عليه فقال: وعليك السلام، من أنت ؟ قلت: أنا السائب ابن أخت النمر. (2) فمسح رسول الله رأسي وقال: بارك الله فيك. فلا والله لا تبيض أبدا. (3) 83 - ومنها: أن عليا عليه السلام قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله إلى اليمن، فقلت: يا رسول الله بعثتني وأنا حديث السن لا علم لي بالقضاء ! فقال: إنطلق فإن الله سيهدي قلبك، ويثبت لسانك. قال علي عليه السلام: فما شككت في قضاء بين رجلين. (4)


(1) عنه البحار: 17 / 359 ح 14 وج 41 / 179 ح 15. وأخرجه بهذا اللفظ وبغيره في الخصائص الكبرى: 2 / 324 عن ابن مندة وابن شاهين والطبراني بأسانيدهم عن أسماء بنت عميس. وأخرجه عن ابن مردويه عن أبي هريرة، وعن الطبراني عن جابر. (2) " أخو النمر بن قاسط " ه‍ وط، وفي " م " ليست واضحة، والكل تصحيف. وما أثبتناه كما في كتب التراجم. وهو: السائب بن يزيد بن سعيد بن ثمامة، أبو عبد الله وأبو يزيد الكندي المدني، ابن أخت نمر. راجع بشأنه والرواية: أسد الغابة: 2 / 258، سير أعلام النبلاء: 3 / 437 رقم 80، وغيرها. (3) عنه البحار: 18 / 12 ح 28. ورواه في دلائل النبوة: 6 / 209 بإسناده إلى عطاء. (4) عنه البحار: 18 / 12 ح 29، وعن المناقب لابن شهر اشوب: 1 / 74 مثله. وروى مثله في دلائل النبوة: 5 / 397، وفي طبقات ابن سعد: 2 / 337، وفي مسند أحمد: 1 / 83 وفي فضائله: 71 ح 108، وابن ماجة في السنن: 2 / 48 وفي خصائص النسائي: 70 و 71، وفي مستدرك الحاكم: 3 / 135 ومناقب الخوارزمي: 41، وفرائد السمطين: 1 / 167 وللحديث بهذا اللفظ وبغيره مصادر عديدة، بطرق متعددة، فراجع إحقاق الحق: 7 / 63 - 75، وج 8 / 34 - 47، وج 17 / 119 - 125 وص 299 وص 519 - 521.

[ 54 ]

84 - ومنها: أن عليا عليه السلام قال: لما خرجنا إلى خيبر فإذا نحن بواد ملان ماء فقدرناه أربع عشر قامة، فقال الناس: يا رسول الله العدو من ورائنا، والوادي أمامنا كما قال أصحاب موسى: " إنا لمدركون، قال كلا إن معي ربي سيهدين " (1) فنزل صلى الله عليه وآله ثم قال: " اللهم إنك جعلت لكل مرسل علامة، فأرنا قدرتك " فركب صلى الله عليه وآله وعبرت الخيل والابل لا تتندى حوافرها وأخفافها، ففتحوه. ثم أعطي بعده في أصحابه حين عبور عمرو بن معد يكرب المدائن والبحر بجيشه. (2) 85 - ومنها: ما روى جعيل (3) الاشجعي أنه قال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وآله في بعض غزواته فقال: سر يا صاحب الفرس. فقلت: يا رسول الله عجفاء (4) ضعيفة. فرفع مخفقة معه، فضربها ضربا خفيفا، وقال: " اللهم بارك له فيها "، قال: لقد رأيتني ما أمسك رأسها أن تقدم الناس، ولقد بعت من بطنها باثني عشر ألفا. (5) 86 - ومنها: أن جرهدا (6) أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وبين يديه طبق، فأدلى جرهد بيده الشمال ليأكل، وكانت يده اليمنى مصابة، فقال صلى الله عليه وآله: كل باليمين. قال: إنها مصابة. فنفث رسول الله صلى الله عليه وآله عليها، فما اشتكاها بعد. (7)


(1) اقتباس من سورة الشعراء: 61 و 62. (2) عنه البحار: 21 / 28 ح 29 (3) في البحار: مرة بن جعبل الاشجعي. ذكره العسقلاني في تقريب التهذيب: 2 / 133 رقم 106 وعده من الصحابة. (4) عجف عجفا: ضعف وذهب سمنه، وعجفت مواشيهم أي: هزلت. (5) عنه البحار: 18 / 12 ح 30 وعن المناقب لابن شهر اشوب: 1 / 73. ورواه في دلائل النبوة: 6 / 153 بإسناده عن جعيل ؟. (6) ذكره في تقريب التهذيب: 1 / 126 رقم 50، وقال: جرهد الاسلمي، مدني، له صحبة، وكان من أهل الصفة، يقال: مات سنة إحدى وستين. (7) عنه البحار: 18 / 12 ح 31 وعن المناقب لابن شهر اشوب: 1 / 103. وأخرجه في الخصائص الكبرى: 2 / 291 عن الطبراني مثله.

[ 55 ]

87 - ومنها: أن أبا هريرة قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله يوما بتمرات، فقلت: أدع الله لي بالبركة فيهن. فدعا، ثم قال: خذهن فاجعلهن في المزود (1) وإذا أردت شيئا فأدخل يدك فيه، فيه، ولا تنثره. قال: فلقد حملت من ذلك التمر وسقا (2) وكنا نأكل منه ونطعم، وكان لا يفارق حقوي (3) فارتكبت مأثما فانقطع وذهب. وقيل: إنه كتم الشهادة لعلي ثم تاب: فدعا له علي عليه السلام فصار كما كان، فلما خرج إلى معاوية ذهب وانقطع. (4) 88 - ومنها: أن عثمان بن حنيف (5) قال: جاء رجل ضرير إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وشكا إليه ذهاب بصره. فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: إئت الميضأة، فتوضأ ثم صل ركعتين، وقل: " اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بمحمد نبي الرحمة - يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك ليجلي عن بصري - اللهم شفعه في وشفعني في نفسي ". قال ابن حنيف: فلم يطل بنا الحديث حتى دخل الرجل كأن لم يكن به ضر قط. (6)


(1) المزود: هو الوعاء من جلد وغيره يجعل فيه الزاد. (2) " أوسقا " خ ل، والبحار. (3) أي المزود، والحقو: هو موضع شد الازار وهو الخاصرة. (4) عنه البحار: 18 / 29 ح 14، وعن المناقب: 1 / 74. ورواه البيهقي في دلائل النبوة: 6 / 109 - 111 بأربعة طرق مثله، عنه ابن كثير في البداية والنهاية: 6 / 117. ورواه الترمذي في سننه: 5 / 585 باب مناقب أبي هريرة. (5) في سائر النسخ المعتمدة، والبحار: " جنيد " وكذا في الموضع التالي. وهو تصحيف. وما أثبتناه في المتن من المصادر، كما أنه لم يعد رجل باسم عثمان بن جنيد من أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله. (6) عنه البحار: 18 / 13 ح 32، وج 94 / 5 ح 6. ورواه في دلائل النبوة: 6 / 166 - 168 بستة طرق، والترمذي في سننه: 5 / 569 ح 3578، ورواه الحاكم في المستدرك: 1 / 313، وابن الاثير في أسد الغابة: 3 / 371 بإسنادهم جميعا إلى عثمان بن حنيف.

[ 56 ]

89 - ومنها: أن أبيض بن حمال قال: كان بوجهي حزاز (1) - يعني: القوباء - قد التمعت. فدعاه النبي صلى الله عليه وآله فمسح وجهه، فذهب في الحال، ولم يبق له أثر على وجهه. (2) 90 - ومنها: أن الفضل بن عباس قال: إن رجلا قال: يا رسول الله إني بخيل جبان، نؤوم، فادع لي. فدعا الله أن يذهب جبنه، وأن يسخي نفسه، وأن يذهب كثرة نومه، فلم ير أسخى نفسا، ولا أشد بأسا، ولا أقل نوما منه. (3) 91 - ومنها: أن عبد الله بن عباس قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " اللهم أذقت أول قريش نكالا، فأذق آخرهم نوالا ". فوجد كذلك. (4) 92 - ومنها: أن أبا ثروان كان راعيا في إبل عمرو بن تميم، فخاف رسول الله صلى الله عليه وآله من قريش، فنظر إلى سواد الابل فقصد له وجلس بينها، فقال: يا محمد أخرج، لا تصلح إبل أنت فيها ؟ ا. فدعا عليه، فعاش شقيا يتمنى الموت. (5) 93 - ومنها: أن عتبة بن أبي لهب قال: كفرت برب النجم. قال النبي صلى الله عليه وآله: أما تخاف أن يأكلك كلب الله. فخرج في تجارة إلى اليمن فبيناهم قد عرسوا إذ سمع صوت الاسد فقال لاصحابه: إني مأكول بدعاء محمد. وأحدقوا به، فضرب على آذانهم فناموا، فجاء الاسد حتى أخذه فما سمعوا إلا صوته. وفي خبر آخر: أنه لما قال: كفرت بالذي " دنى فتدلى ". ثم تفل في وجه محمد، قال صلى الله عليه وآله: " اللهم سلط عليه كلبا من كلابك ".


(1) كلمة عامية تعني داء يظهر في الجسد فيتقشر ويتسع، وقد يعالج بالريق وفصيحها " القوباء " في دلائل النبوة " جدرة " وهي البثور الناشئة على الجسم، ولعل " جدرة " من الجدري وهو المرض المعروف الذي يسبب بثورا حمراء، بيضاء الرؤوس تنتشر في البدن وتتقيح سريعا. (2) عنه البحار: 18 / 13 ح 33. ورواه البيهقي في دلائل النبوة: 6 / 177، وابن حجر العسقلاني في الاصابة: 1 / 17. (3 و 4) عنه البحار: 18 / 13 ح 34 و 35. (5) عنه البحار: 18 / 57 ح 13.

[ 57 ]

فخرجوا إلى الشام فنزلوا منزلا، فقال لهم راهب من الدير: هذه أرض مسبعة. (1) فقال أبو لهب: يا معشر قريش أعينونا هذه الليلة إني أخاف عليه دعوة محمد. فجمعوا جمالهم (2) وفرشوا لعتبة في أعلاها، وناموا حوله، فجاء الاسد يتشمم وجوههم، ثم ثنى ذنبه فوثب، فضربه بيده ضربة واحدة، فخدشه، قال: قتلني. ومات مكانه. (3) 94 - ومنها: أن عليا عليه السلام كان رمد العين يوم خيبر، فتفل رسول الله صلى الله عليه وآله في عينه، ودعا له، وقال: " اللهم أذهب عنه الحر والبرد ". فما وجد حرا، ولا بردا بعده [ وكان يخرج في الشتاء في قميص واحد ]. (4) 95 - ومنها: أن أبا هريرة قال لرسول الله صلى الله عليه وآله: إني أسمع منك الحديث الكثير أنساه. قال: أبسط رداك كله. [ قال: ] فبسطته، فوضع يده فيه، ثم قال: ضمه، فضممته، فما نسيت حديثا بعده. (5) 96 - ومنها: أنه قال لابن عباس وهو غلام: " اللهم فقهه في الدين وعلمه


(1) أي كثيرة السباع. (2) " أحمالهم " ط. (3) عنه البحار: 18 / 57 ح 14، وعن المناقب: 1 / 71. ورواه في دلائل النبوة: 2 / 338، وص 339 بثلاثة طرق. (4) عنه البحار: 18 / 13 ح 36. ورواه ابن المغازلي في مناقبه: 74، وبدر الدين العيني في عمدة القارى: 16، وباكثير الحضرمي في وسيلة المآل: 115 (مخطوط)، والكنهوئي في مرآة المؤمنين: 53 والمولوي الهندي في وسيلة النجاة: 156، وعلي بن سلطان القارى في مرقاة المفاتيح في شرح مشكاة المصابيح: 11 / 440، وابن الجوزي في تذكرة الخواص: 29 والبدخشى في مفتاح النجا: 127 (مخطوط)، وللحديث مصارد اخر كثيرة. راجع إحقاق الحق: 5 / 445 وج 16 / 230، وج 17 / 132. (5) عنه البحار: 18 / 13 ح 37. وروى نحوه مسلم في صحيحه: 4 / 1940 ح 159 بطريقين، والبيهقي في دلائل النبوة: 6 / 201.

[ 58 ]

التأويل ". فكان فقيها، عالما بالتأويل. (1) 97 - ومنها: أن نفرا من قريش اجتمعوا وفيهم: عتبة، وشيبة، وأبو جهل، وأمية ابن خلف، فقال أبو جهل: زعم محمد أنكم إن اتبعتموني كنتم ملوكا. فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله، فقام على رؤوسهم، وقد ضرب الله على أبصارهم دونه فقبض قبضة من تراب فذرها على رؤوسهم، وقرأ " يس " حتى بلغ العشر منها ثم قال: إن أبا جهل هذا يزعم أني أقول: إن خالفتموني فإن لي فيكم ريحا (2) وصدق وأنا أقول ذلك. ثم انصرف. فقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم، ولم يشعروا به، ولا كانوا، رأوه. (3) 98 - ومنها: أن أياس بن سلمة، روى عن أبيه قال: خرجت إلى النبي صلى الله عليه وآله وأنا غلام حدث، وتركت أهلي ومالي إلى الله ورسوله فقدمنا الحديبية مع النبي صلى الله عليه وآله حتى قعد على مياهها وهي قليلة قال: فإما بصق فيها، وإما دعا، فما نزفت بعد. (4) 99 - ومنها: أن أعرابيا قام فقال: يا رسول الله هلك المال، وجاع العيال، فادع لنا فرفع يده، وما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر عن لحيته، فمطرنا إلى الجمعة. ثم قام أعرابي فقال: تهدم البناء، فادع. فقال: " حوالينا، ولا علينا ". قال الراوي (5): فما كان يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت حتى


(1) أورده ابن شهر اشوب في المناقب: 1 / 74، عنه البحار: 18 / 18. ورواه الحاكم في المستدرك: 3 / 534، والبيهقي في دلائل النبوة: 6 / 192. (2) أي قوة وغلبة. (3) عنه البحار: 19 / 72 ح 25. (4) عنه البحار: 18 / 29 ح 15،. رواه في دلائل النبوة: 4 / 111 مثله. (5) وهو أنس بن مالك كما سيأتي في التخريجات.

[ 59 ]

صارت المدينة مثل الجوبة (1) وسال الوادي شهرا، فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: لله در أبي طالب لو كان حيا قرت عيناه. (2) 100 - ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله لما نادى بالمشركين، واستعانوا عليه، دعا الله أن يجدب بلادهم، فقال: " اللهم سنين كسني يوسف، اللهم اشدد وطأتك على مضر ": فامسك المطر عنهم حتى مات الشجر، وذهب الثمر، وفني المواشي، وعند ذلك وفد حاجب بن زرارة على كسرى، فشكا إليه واستأذنه في رعي السواد، فأرهنه قوسه، فلما أصاب مضر الجهد الشديد عاد النبي صلى الله عليه وآله بفضله عليهم، فدعا الله بالمطر لهم (3).


(1) قال ابن الاثير في النهاية: 1 / 310: في حديث الاستسقاء " حتى صارت المدينة مثل الجوبة " وهي الحفرة المستديرة الواسعة. وكل منفنق بلا بناء: جوبة. أي حتى صار الغيم والسحاب محيطا بآفاق المدينة. (2) عنه البحار: 18 / 14 ح 38. ورواه البخاري في صحيحه: 2 / 35 - 37، ومسلم في صحيحه: 2 / 612 - 614 ح 8 - 12، والنسائي في سننه: 3 / 160 وص 161 وص 165، وأبو داود: 1 / 366 وص 367 والبيهقي في السنن الكبرى: 3 / 353 - 356، وفي دلائل النبوة: 6 / 139 - 140 جميعا بإسنادهم من عدة طرق إلى أنس بن مالك. وفي بعضها زيادة بعد قوله " قرت عيناه ": من ينشدنا قوله ؟ فقام علي عليه السلام فقال: يا رسول الله كأنك أردت: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للارامل يلوذ به الهلال من آل هاشم * فهم عنده في نعمة وفواضل كذبتم وبيت الله يبزى محمدا * ولما نقاتل دونه ونناضل ونسلمه حتى نصرع حوله * ونذهل عن أبنائنا والحلائل (3) عنه البحار: 18 / 14 ح 39 وعن المناقب لابن شهر اشوب: 1 / 72 عن ابن عباس ومجاهد. وروى نحوه في دلائل النبوة: 2 / 326. وأخرجه عنه في الخصائص الكبرى: 1 / 369 عن الشيخين (مسلم والبخاري) بإسنادهما إلى ابن مسعود.

[ 60 ]

101 - ومنها: أن عليا عليه السلام قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله والزبير والمقداد معي فقال: انطلقوا حتى تبلغوا روضة خاخ، فإن فيها امرأة معها صحيفة من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين. فانطلقنا وأدركناها وقلنا: أين الكتاب ؟ قالت: ما معي كتاب. ففتشها الزبير والمقداد، وقالا: ما نرى معها كتابا. فقلت: حدث به رسول الله صلى الله عليه وآله وتقولان: ليس معها كتاب ! لتخرجنه أو لاجردنك. فأخرجت من حجزتها. فلما عادوا إلى النبي قال صلى الله عليه وآله: يا حاطب ما حملك على هذا ؟ قال: أردت أن يكون لي يد عند القوم، وما ارتددت. فقال: صدق حاطب [ فلا تقولوا له إلا خيرا ]. وفي هذا: إعلام [ بمعجزات: منها ] إخباره عن الكتاب، وإخباره عن بلوغ المرأة روضة خاخ، وشهادته لحاطب بالصدق، وقد وجد كل ذلك كما أخبر. (1) 102 - ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله أنفذ عمارا في سفر ليستقي الماء، فعرض له شيطان في صورة عبد أسود، فصرعه ثلاث مرات فقال صلى الله عليه وآله: إن الشيطان قد حال بين عمار وبين الماء في صورة عبد أسود، وإن الله أظفر عمارا. فدخل، فأخبر بمثله. (2) 103 - ومنها: أن وائل بن حجر قال: جاءنا ظهور محمد صلى الله عليه وآله وأنا في ملك عظيم، فرفضت ذلك، وآثرت الله ورسوله، وقدمت عليه، فأخبرني أصحابه أنه بشرهم بي قبل قدومي بثلاث، فقال: هذا وائل بن حجر قد أتاكم من أرض بعيدة. فلما قدمت عليه أدناني، وبسط لي رداه، فجلست عليه، فصعد المنبر فقال: هذا وائل بن حجر أتانا راغبا في الاسلام طائعا، بقية أبناء الملوك اللهم بارك في وائل


(1) عنه البحار: 18 / 110 ح 14. وروى مثله في دلائل النبوة: 3 / 152، ومسلم في صحيحه: 4 / 1941 ح 161 بإسنادهما إلى علي عليه السلام. (2) عنه البحار: 18 / 111 ح 15. وروى نحوه في دلائل النبوة: 7 / 124 بإسناده إلى الحسن البصري. (*)

[ 61 ]

وولده، وولد ولده. (1) 104 - ومنها: أن أبا سعيد الخدري قال: كنا نخرج في الغزوات مترافقين تسعة وعشرة، فنقسم العمل: فيقعد بعضنا في الرحل، وبعضنا يعمل لاصحابه، يصنع طعامهم ويسقي ركابهم، وطائفة تذهب إلى النبي صلى الله عليه وآله فاتفق في رفقتنا رجل يعمل عمل ثلاثة نفر يحتطب (2) ويستقي ويصنع طعامنا، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وآله، فقال: ذلك رجل من أهل النار، فلقينا العدو فقاتلناهم فجرح، فأخذ الرجل سهما، فقتل به نفسه. فقال النبي صلى الله عليه وآله: أشهد أني رسول الله وعبده. (3) 105 - ومنها: أن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وآله جالسا في ظل حجر كاد أن ينصرف عنه الظل فقال: إنه سيأتيكم رجل ينظر إليكم بعين شيطان فإذا جاءكم فلا تكلموه. فلم يلبثوا أن طلع عليهم رجل أزرق، فدعاه صلى الله عليه وآله وقال: على ما تشتمني أنت وأصحابك ؟ فقال: لا نفعل. فقال: دعني آتك بهم. فدعاهم، فجعلوا يحلفون بالله ما قالوا، وما فعلوا، فأنزل الله: " يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم " (4). (5) 106 - ومنها: أنه لما قدم العباس المدينة سهر النبي صلى الله عليه وآله تلك الليلة، فقيل له في ذلك، فقال: سمعت حس العباس في وثاقه. فاطلق، فقال [ النبي صلى الله عليه وآله ]: يا عباس إفد نفسك أو بن أخيك عقيل، ونوفل بن الحارث، فإنك ذو مال. فقال:


(1) عنه البحار: 18 / 108 ح 7 وعن قصص الانبياء (مخطوط) مثله. ورواه البخاري في التاريخ الكبير: 4 / 175، والبيهقي في دلائل النبوة: 5 / 349 (مختصرا) (2) " يخيط " م، ط ومستدرك الوسائل. (3) عنه البحار: 18 / 111 ح 16. (4) سورة المجادلة: 18. (5) عنه البحار: 18 / 111 ح 17. ورواه في دلائل النبوة: 5 / 282 بإسناده إلى ابن عباس. وفي مستدرك الحاكم: 2 / 482. وأخرجه السيوطي في الدر المنثور: 6 / 186 عن أحمد والبزار، والطبراني، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه والحاكم.

[ 62 ]

إني كنت مسلما، ولكن قومي استكرهوا علي. فقال صلى الله عليه وآله: الله أعلم بشأنك، أما ظاهر أمرك كنت علينا. فقال: يا رسول الله قد أخذ مني عشرون أوقية من ذهب فاحسبها لي من فدائي. قال: لا، ذاك شئ أعطانا الله منك. قال: فإنه ليس لي مال. قال: فأين المال الذي دفعت بمكة إلى أم الفضل حين خرجت، فقلت: إن أصابني في سفري هذا شئ فللفضل كذا، ولقثم كذا، ولعبدالله كذا، ولعبيد الله كذا ؟ قال: فو الذي بعثك [ بالحق نبيا ] ما علم بذلك أحد غيري وغيرها، فأنا أعلم أنك رسول الله. (1) 107 - ومنها: أنه كان جالسا إذ أطلق حبوته (2) فتنحى قليلا، ثم مد يده كأنه يصافح مسلما، ثم أتانا فقعد، فقلنا: كنا نسمع رجع الكلام ولا نبصر أحدا. قال: ذلك [ إسماعيل ] ملك المطر استأذن ربه أن يلقاني، فسلم علي، فقلت له: اسقنا. قال: ميعادكم يوم كذا في شهر كذا. فلما جاء ميعاده صلينا الصبح، فكنا لا نرى شيئا، وصلينا الظهر، فلم نر شيئا حتى إذا صلينا العصر، نشأت سحابة فمطرنا، فضحكنا. فقال صلى الله عليه وآله: ما لكم ؟ قلنا: الذي قال الملك. قال: أجل مثل هذا ؟ احفظوا. (3) 108 - ومنها: أن أبي بن خلف قال للنبي صلى الله عليه وآله بمكة: إني أعلف العوراء (4)


(1) عنه البحار: 19 / 273 ح 14. وأورد مثله في قصص الانبياء: 345 (مخطوط). وروى مثله في دلائل النبوة: 3 / 141، 142 وبإسناده إلى ابن عباس، وبطريق آخر عن الزهري نحوه. (2) الحبوة: ما يشتمل به من ثوب، ويقال: حل حبوته أي: قام، وعقد حبوته أي: قعد. (3) عنه البحار: 18 / 15 ح 40. (4) " العودا " م، " عوذاء " خ، " عوزاء " خ ل. واختلاف الضبط لا يؤثر على مجرى الرواية.

[ 63 ]

- يعني فرسا له - أقتلك عليه. قال [ رسول الله صلى الله عليه وآله ]: بل أنا أقتلك إن شاء الله. فلقي يوم أحد، فلما دنا تناول رسول الله الحربة من الحارث بن الصمة، فمشى إليه فطعنه وانصرف، فرجع إلى قريش وهو يقول: قتلني محمد قالوا: وما بك بأس. قال: إنه قال لي بمكة " إني أقتلك " لو بصق علي لقتلني. فمات بسرف (1). (2) 109 - ومنها: انه لما نزل: " فاصدع بما تؤمر، وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين " (3) يعني خمسة نفر، فبشر النبي أصحابه أن الله كفاه أمرهم فأتى الرسول البيت والقوم في الطواف، وجبرئيل عن يمينه، فمر الاسود بن المطلب فرمى في وجهه بورقة خضراء، فأعمى الله بصره وأثكله ولده ومر به الاسود بن عبد يغوث، فأومى إلى بطنه، فسقى ماءا فمات حبنا (4) ومر به الوليد بن المغيرة، فأومأ إلى جرح كان في أسفل رجله، فانتقض بذلك فقتله. ومر به العاص بن وائل، فأشار إلى أخمص رجله، فخرج على حمار له يريد الطائف، فدخلت فيه شوكة فقتلته ومر به الحارث، فأومأ إليه وتفقأ قيحا فمات. (5)


(1) سرف: موضع على ستة أميال من مكة. (2) عنه البحار: 20 / 77 ح 15. وأورد نحوه في مناقب ابن شهر اشوب: 1 / 102، عنه البحار: 18 / 74 ح 29. ورواه بتمامه في دلائل النبوة: 3 / 211 بإسناده إلى موسى ابن عقبة. ونحوه في ص 237 بإسناده إلى الزهري، وفي ص 259 بإسناده إلى عروة ابن الزبير، عنه البداية والنهاية: 4 / 32. وأورد ابن هشام في السيرة النبوية: 3 / 9 و 30 مثله. (3) سورة الحجر: 94 و 95. (4) حبن حبنا: عظم بطنه وورم. (5) عنه البحار: 18 / 240 ح 87. وأخرج السيوطي في الدر المنثور: 4 / 106 - 108 عدة أحاديث بألفاظ مختلفة ومنها: عن أبي نعيم والبيهقي. وعن ابن مردويه بأسانيدهم عن ابن عباس وعن علي عليه السلام. وعن عبد الرزاق في المصنف عن عكرمة، وعن أبي نعيم في الدلائل عن قتادة، وعن ابن =

[ 64 ]

110 - ومنها: أنه صلى الله عليه وآله قال يوما: توفي أصحمة (1) - رجل صالح من الحبشة - فقوموا فصلوا عليه. فصلى عليه، فكان كذلك. (2) 111 - ومنها: أن كسرى كتب إلى فيروز الديلمي - وهو من بقية أصحاب سيف ابن ذي يزن - أن احمل إلي هذا العبد الذي يبدأ باسمه قبل اسمي، فاجترى علي ودعاني إلى غير ديني. فأتاه فيروز وقال له: إن ربي أمرني أن آتيه بك. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن ربي أخبرني أن ربك قتل البارحة. فجاء الخبر أن ابنه شيرويه [ وثب عليه ] فقتله في تلك الليلة. فأسلم فيروز ومن معه فلما خرج الكذاب العبسي أنفذه رسول الله صلى الله عليه وآله ليقتله فتسلق سطحا، فلوى عنقه، فقتله. (3) 112 - ومنها: أن أبا الدرداء كان يعبد صنما في الجاهلية، وأن عبد الله بن رواحة ومحمد بن مسلمة ينتظران خلوة أبي الدرداء، فغاب فدخلا على بيته، فكسرا صنمه. فلما رجع إلى أهله قال: من فعل هذا ؟ قالت: لا أدري، سمعت صوتا فجئت وقد خرجوا، ثم قالت: لو كان يدفع الصنم لدفع عن نفسه. فقال: أعطيني حلتي. فلبسها. فقال النبي صلى الله عليه وآله: هذا أبو الدرداء يجئ ويسلم. فإذا هو جاء فأسلم. (4)


= أبى حاتم عن الربيع، وعن عكرمة، وعن ابن أبى جرير وأبى نعيم عن أبى بكر الهذلى وعن سعيد بن منصور وأبى نعيم عن الشعبى، وعن عبد الرزاق، وأبى جرير، وأبى نعيم عن قتادة، ومقسم مولى ابن عباس. (1) هو اسم النجاشي ملك الحبشة، والنجاشي: لقب يلقب به كل من ملك الحبشة. (2) عنه البحار: 18 / 420 ح 7. وأخرجه في الخصائص الكبرى: 2 / 372 عن الشيخين عن جابر. (3) عنه البحار: 20 / 377 ح 1. (4) عنه البحار: 18 / 111 ح 18 (قطعة) وج 22 / 113 ح 79. وروى مثله باختلاف في دلائل النبوة: 6 / 301، وفي مستدرك الحاكم: 3 / 336، بالاسناد إلى جبير بن نفيل.

[ 65 ]

113 - ومنها: أنه صلى الله عليه وآله أخبر أبا ذر بما جرى عليه بعد وفاته، فقال: كيف بك إذا أخرجت (من مكانك ؟) (1) قال: أذهب إلى المسجد الحرام. فقال: كيف بك إذا أخرجت منه ؟ قال: أذهب إلى الشام. قال: كيف بك إذا أخرجت منها ؟ قال: أعمد إلى سيفي، فأضرب حتى أقتل. قال: لا تفعل ولكن اسمع وأطع. وكان ما كان حتى أخرج إلى الربذة. (2) 114 - ومنها: أنه صلى الله عليه وآله قال لفاطمة عليها السلام: إنك أول أهل بيتي لحوقا بي. وكانت أول من مات بعده. (3) 115 - ومنها: أنه صلى الله عليه وآله قال لازواجه: أطولكن يدا، أسرعكن بي لحوقا. قالت عائشة: كنا نتطاول بالايدي حتى ماتت زينب بنت جحش. (4)


(1) " منه " م وط. (2) عنه البحار: 18 / 112 ح 18 (قطعة). روى خبر موت أبي ذر " رضي الله عنه " في أكثر كتب الحديث والتاريخ والتراجم ومنها: في دلائل النبوة: 5 / 221 - 223 وج 6 / 401 و 402. وابن هشام في السيرة النبوية: 4 / 133، وأبن كثير في البداية والنهاية: 5 / 8. وراجع اسد الغابة والاصابة وغيرها. (3) عنه البحار: 18 / 112 ح 18 (قطعة). وروى نحوه في دلائل النبوة: 6 / 364 بإسناده إلى عائشة، والبخاري في صحيحه: 4 / 248 وج 6 / 12، ومسلم في صحيحه: 4 / 1905 ح 99، وأحمد في مسنده: 6 / 282 وابن سعد في الطبقات الكبرى: 2 / 247، والترمذي في صحيحه: 2 / 319، وفي حلية الاولياء: 2 / 40 عن ابن عباس (4) عنه البحار: 18 / 112. ورواه بألفاظ مختلفة في دلائل النبوة: 6 / 371 و 374 بأسانيده إلى عائشة. والبخاري في صحيحه: 2 / 137، ومسلم في صحيحه: 4 / 1907 ح 101. وزينب كان أطولهن يدا بالعطاء، وكما ورد في بعض الاحاديث أنها كانت تعمل بيدها وتتصدق، وفي أخرى: أنها كانت أطولهن يدا في الخير والصدقة. ولا يؤخذ الحديث على ظاهر ألفاظه.

[ 66 ]

116 - ومنها: أنه صلى الله عليه وآله ذكر زيد بن صوحان فقال: زيد، وما زيد ؟ ! يسبق منه عضو إلى الجنة. فقطعت يده يوم " نهاوند " في سبيل الله. (1) 117 - ومنها: أنه صلى الله عليه وآله قال: لا كسرى بعد كسرى، ولا قيصر بعد قيصر، لتنفقن كنوزهما في سبيل الله. فكان كما قال. (2) 118 - ومنها: أنه صلى الله عليه وآله قال يوم الخندق لاصحابه: لئن أمسيتم قليلا لتكثرن، وإن أمسيتم ضعفاء لتشرقن، حتى تصيروا نجوما يهتدى بكم وبواحد منكم. فكان كما قال. 119 - ومنها: ما أخبر عن أم ورقة الانصارية، فكان يقول: انطلقوا بنا إلى الشهيدة نزورها. فقتلها غلام وجارية لها بعد وفاته. (3) 120 - ومنها: أنه صلى الله عليه وآله قال في محمد بن الحنفية: " يا علي سيولد لك ولد قد نحلته إسمي وكنيتي ". (4) 121 - ومنها: أنه صلى الله عليه وآله قال: رأيت في يدي سوارين من ذهب فنفختهما فطارا. فأولتهما هذين الكذابين: " مسيلمة " كذاب اليمامة، وكذاب صنعاء: " العنسي " (5)


(1) عنه البحار: 18 / 112 وج 22 / 113 ح 81. وروى مثله في دلائل النبوة: 6 / 416 بإسناده إلى علي عليه السلام. وأورده ابن حجر في الاصابة: 1 / 582 من طريق أبي يعلى وابن مندة، وفي اسد الغابة: 2 / 234. (2) أخرجه في البحار: 18 / 141 ح 41 (قطعة) عن المناقب لابن شهر اشوب: 1 / 121. وأخرجه في الخصائص الكبرى: 2 / 412 عن الشيخين، عن أبي هريرة. (3) عنه البحار: 18 / 112. روى الحديث بتمامه في دلائل النبوة: 6 / 381 و 382، وأحمد بن حنبل في مسنده: 6 / 405 بإسنادهما إلى أم ورقة. (4) عنه البحار: 18 / 112. ورواه في دلائل النبوة: 6 / 380، وفي طبقات ابن سعد: 5 / 91 بالاسناد إلى علي (ع). (5) عنه البحار: 18 / 112. وروى مثله في دلائل النبوة: 6 / 358، ومسلم في صحيحه: 4 / 1781 ذ ح 21 وح 22 وأحمد في مسنده: 1 / 263 بالاسانيد إلى ابن عباس.

[ 67 ]

122 - ومنها: أن عبد الله بن الزبير قال: احتجم النبي صلى الله عليه وآله فأخذت الدم لاهريقه فلما برزت حسوته (1) فلما رجعت قال: ما صنعت ؟ قلت: جعلته في أخفى مكان. قال: ألفاك (2) شربت الدم ؟ فقال: ويل للناس منك، وويل لك من الناس. (3) 123 - ومنها: أنه صلى الله عليه وآله قال: ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الادبب (4) تخرج فتنبحها كلاب الحوأب. (5) 124 - وروى لما أقبلت عائشة مياه بني عامر ليلا نبحتها كلاب الحوأب، قالت: ما هذا ؟ قالوا: الحوأب: قالت: ما أظنني إلا راجعة، ردوني، إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لنا ذات يوم: " كيف بإحداكن إذا نبح عليها كلاب الحوأب " ؟. (6)


(1) أي: شربته. (2) أي: أجدك. (3) عنه البحار: 18 / 113. ورواه في السيرة الحلبية: 2 / 248، وفي السنن الكبرى للبيهقي: 7 / 67. وقد وردت أحاديث مغايرة له حول التبرك بشرب دمه صلى الله عليه وآله، ولم ينكر عليهم وحثهم عليه. راجع كتاب " التبرك " لمؤلفه " علي الاحمدي " ففيه زيادة في التخريجات وتوضيح ذلك التغاير في الاحاديث. (4) " الا ذيب " م. ط، ومعاني الاخبار. قال الشيخ الجليل محمد بن إدريس الحلي في مستطرفات السرائر: 129: وجدت في الغريبين للهروي هذا الحديث وهو في باب الدال غير المعجمة مع الباء المنقطة تحتها نقطة واحدة. وذكر قدس سره أنه وجده هكذا أيضا في مجمل اللغة لابن فارس. ووجدناه أيضا في النهاية لابن الاثير: 2 / 96، والفائق للزمخشري: 1 / 408 وغيرها. ومعناه الكثير وبر الوجه. (5) قال الشيخ الصدوق قدس سره: الحوأب ماء لبني عامر. عنه البحار: 18 / 113. ورواه الصدوق في معاني الاخبار: 305 ح 1، عنه مستطرفات السرائر: 129 ح 1، والبحار: 8 (طبع حجر) / 452، واثبات الهداة: 1 / 502 ح 113. (6) عنه البحار: 18 / 113. ورواه أحمد بن حنبل في مسنده: 6 / 52 وص 97، والحافظ البيهقي في دلائل النبوة: =

[ 68 ]

125 - ومنها: أنه صلى الله عليه وآله قال: أخبرني جبرئيل أن إبني الحسين يقتل بعدي بأرض الطف، وجائني بهذه التربة، فأخبرني أن فيها مضجعه. (1) 126 - ومنها: أن أم سلمة قالت: كان عمار ينقل اللبن لمسجد الرسول، وكان صلى الله عليه وآله يمسح التراب عن صدره، ويقول: تقتلك الفئة الباغية. (2) 127 - ومنها: ما روى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وآله قسم يوما قسما، فقال رجل من تميم: إعدل ؟ فقال ويحك ومن يعدل إذا لم أعدل ؟ ! قيل نضرب عنقه ؟ قال: لا، إن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته وصيامه مع صلاتهم وصيامهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، آيتهم (3) رجل أدعج أحد ثدييه مثل ثدي أمرأة. قال أبو سعيد: وإني كنت مع علي عليه السلام حين قتلهم، فالتمس في القتلى [ بالنهروان ] فاتي به على النعت الذي نعته رسول الله صلى الله عليه وآله. (4)


= 6 / 410 بطريقين. والحافظ ابن كثير في البداية والنهاية: 6 / 211 وص 212 وقال: هذا اسناد على شرط الصحيحين ولم يخرجوه. (1) عنه البحار: 18 / 113. وللحديث مصادر كثيرة تجد بعضها في عوالم العلوم: 17 / 101 - 157، وخصائص السيوطي: 2 / 449 - 455، ودلائل النبوة: 6 / 468 - 472، وإحقاق الحق: 11 / 339 - 416. (2) عنه البحار: 18 / 113. وهذا الحديث مما تواتر نقله عند علماء الفريقين تجد بعض مصادره في دلائل النبوة: 2 / 546 - 552 وج 6 / 420 - 422، والخصائص الكبرى للسيوطي: 2 / 496 - 498 وإحقاق الحق: 8 / 422 - 468. (3) " رئيسهم " ه‍، والبحار. (4) عنه البحار: 18 / 113، وج 8 (طبع حجر) / 596. رواه البخاري في صحيحه: 4 / 243، ومسلم في صحيحه: 2 / 744 ح 148، وأحمد في مسنده: 3 / 56 وص 65، والنسائي في خصائصه: 137 وص 138، والخوارزمي في المناقب: 182، والبغوي في تفسيره: 3 / 188 (المطبوع بهامش تفسير الخازن) =

[ 69 ]

128 - ومنها: أنه صلى الله عليه وآله قال: تبنى مدينة بين دجلة ودجيل، وقطربل والصراة (1) تجبى إليها خزائن الارض، يخسف بها. - يعني بغداد -. وذكر أرضا يقال لها: البصرة إلى جنبها نهر يقال له: دجلة، ذو نخل، ينزل بها بنو قنطورا، (2) يتفرق الناس فيه ثلاث فرق: ففرقة تلحق بأهلها فيهلكون. وفرقة تأخذ على أنفسها فيكفرون، وفرقة تجعل ذراريهم خلف ظهورهم يقاتلون، قتلاهم شهداء. يفتح الله على بقيتهم. (3) 129 - ومنها: أنه روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: لما ولد رسول الله صلى الله عليه وآله قال إبليس لابلسة: قد أنكرت الليلة الارض. فصاح في الابالسة، فاجتمعوا إليه، فقال: أخرجوا فانظروا ما هذا الامر الذي حدث. فذهبوا ثم رجعوا، وقالوا: ما وجدنا شيئا. قال: أنا لها


= والمتقي الهندي في كنز العمال: 11 / 296، والبيهقي في دلائل النبوة: 6 / 427، وابن كثير في البداية والنهاية: 6 / 216، وابن الاثير في اسد الغابة: 2 / 140، والهيثمي في مجمع الزوائد: 6 / 234، والمقريزي في امتاع الاسماع: 425، وبدر الدين العيني في عمدة القارئ: 16 / 142، والتبريزي العمري في مشكاة المصابيح: 3 / 175 والنبهاني في الانوار المحمدية: 487، والشيخ محمد بهجت في نقد عين الميزان: 27 والامر تسري في أرجح المطالب: 631. وللحديث مصادر وشواهد كثيرة تجدها في إحقاق الحق: 8 / 475 - 519. (1) " وتطول بالبصراة " ه‍، م، ط. وهو تصحيف صوابه ما في المتن كما في هامش بعض النسخ والبحار. قطربل: - بضم أوله وبالباء المشددة المضمومة - قرية بين بغداد وعكبرا. معجم البلدان: 4 / 371. والصراة: نهر ببغداد. معجم البلدان: 3 / 399. (2) قال ابن الاثير في النهاية: 4 / 113: في حديث حذيفة: " يوشك بنو قنطورا أن يخرجوا من عراقهم " ويروي: " أهل البصرة منها، كأني بهم خنس الانوف، خزر العيون، عراض الوجوه " قيل: أن قنطوراء كانت جارية لابراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، ولدت له أولادا منهم الترك والصين. (3) عنه البحار: 18 / 113. وأورده في المناقب: 1 / 121 عن جبير بن عبد الله، عنه البحار: 18 / 141

[ 70 ]

ثم ضرب بذنبه على الارض على قذاله (1) ثم اغتمس في الدنيا حتى انتهى إلى الحرم فوجده منطبقا بالملائكة فذهب ليدخل فصاح به جبرئيل عليه السلام، فقال: [ ما ] وراءك. فقال: حرف أسألك عنه، ألي فيه نصيب ؟ قال: لا. قال: ألي في أمته ؟ قال: نعم. فلما أصبحوا أقبل رجل من أهل الكتاب إلى الملا من قريش فقال: أولد فيكم الليلة ؟ مولود قالوا: لا. قال: فولد إذا بفلسطين غلام اسمه [ أحمد ] له شامة كلون الخز الادكن فتفرق القوم، فبلغهم أنه ولد لعبد الله بن عبد المطلب غلام، قالوا: فطلبناه، وقلنا له: إنه ولد فينا غلام. قال: قبل أن قلت لكم أو بعده ؟ قالوا: قبل. قال: فانطلقوا بنا ننظر إليه. فانطلقوا، فقالوا لامه: أخرجي إبنك حتى ننظر إليه. قالت: إن ابني والله لقد سقط، فما سقط كما يسقط الصبيان لقد اتقى الارض بيديه ورفع رأسه إلى السماء، فنظر إليها ثم خرج منه نور حتى نظرت إلى قصور بصرى وسمعت هاتفا يقول: قد ولدتيه سيد هذه الامة، فإذا وضعتيه، فقولي: أعيذه بالواحد * من شر كل حاسد وكل خلق مارد * يأخذ بالمراصد في طرق الموارد * من قائم وقاعد [ وسميه " محمدا " ] فأخرجته فنظر إليه وإلى الشامة التي بين كتفيه، فخر مغشيا عليه، فأخذوا الغلام وردوه إلى أمه، وقالوا: بارك الله لك فيه. فلما أفاق قالوا له: مالك ؟ قال: ذهبت نبوة بني إسرائيل إلى يوم القيامة، هذا والله الغلام الذي يبيرهم. ثم قال لقريش: فرحتم ؟ أما والله ليسطون بكم سطوة يتحدث


(1) القذال: كسحاب، جماع مؤخر الرأس، ومعقد العذار من الفرس خلف الناصية. قاله الفيروزآبادي في القاموس المحيط: 4 / 36.

[ 71 ]

بها أهل المشرق والمغرب. وكان أبو سفيان يقول: إنما يسطو بمضر. وأتي به عبد المطلب فأخذه، ووضعه في حجره فقال: الحمد لله الذي أعطاني * هذا الغلام الطيب الاردان قد ساد في المهد على الغلمان. (1) 130 - ومنها: ما روي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: فنشأ رسول الله في حجر أبي طالب فبينا هم غلام يجئ بين الصفا والمروة إذ نظر إليه رجل من أهل الكتاب فقال: ما اسمك ؟ قال: اسمي محمد. قال: ابن من ؟ قال: ابن عبد الله. قال: ابن من ؟ قال: ابن عبد المطلب. قال: فما اسم هذه ؟ - وأشار إلى السماء - قال: السماء. قال: فما اسم هذه ؟ - وأشار إلى الارض - قال: الارض. قال فمن ربهما ؟ قال: الله. قال: فهل لهما رب غير الله ؟ قال: لا. ثم إن أبا طالب خرج به معه إلى الشام في تجارة قريش، فلما انتهى به إلى بصرى - وفيها راهب لم يكلم أهل مكة، إذا مروا به - ورأى علامة رسول الله صلى الله عليه وآله في الركب، فإنه رأى غمامة تظله في مسيره، ونزل تحت شجرة قريبة من صومعته فتثنت أغصان الشجرة عليه والغمامة على رأسه بحالها، فصنع لهم طعاما، فاجتمعوا عليه، وتخلف محمد صلى الله عليه وآله، فلما نظر بحيرا إليهم ولم ير الصفة التي يعرف قال: فهل تخلف منكم أحد ؟ قالوا: لا - واللات والعزى - إلا صبي. فاستحضره فلما لحظ إليه نظر إلى أشياء من جسده قد كان يعرفها من صفته، فلما تفرقوا قال: يا غلام أتخبرني عن أشياء أسألك عنها ؟ قال: سل. قال: أنشدك باللات والعزى إلا أخبرتني عما أسألك عنه - وإنما أراد أن


(1) عنه البحار: 15 / 171. وروى مثله باختلاف يسير الصدوق في كمال الدين: 1 / 196 ح 39، والقمي في تفسيره: 349 عنها البحار: 15 / 269 ح 15.

[ 72 ]

يعرف لانه سمعهم يحلفون بهما - فذكروا أن النبي صلى الله عليه وآله قال له: لا تسألني باللات والعزى، فإني والله لم أبغض بغضهما شيئا قط. قال: فبالله إلا أخبرتني عما أسألك عنه ؟ قال: فجعل يسأله عن حاله في نومه وهيئته وأموره فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يخبره، فكان يجدها موافقة لما عنده. فقال له: اكشف عن ظهرك. فكشف عن ظهره، فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على الموضع الذي يجده عنده، فأخذه الافكل - وهو الرعدة - واهتز الديراني. فقال: من أبو هذا الغلام ؟ قال أبو طالب: هو ابني. قال: لا والله لا يكون أبوه حيا. قال أبو طالب: إنه ابن أخي. قال: فما فعل أبوه ؟ قال: مات وهو ابن شهرين. قال: صدقت. قال: فارجع بابن أخيك إلى بلادك، وأحذر عليه اليهود، فو الله لئن رأته وعرفوا منه الذي عرفت ليبغينه شرا. فخرج أبو طالب فرده إلى مكة. (1) 131 - ومنها: أن زبيرا (2) وتماما (3) وإدريسا (4) كانوا نفرا من أهل الكتاب قد كانوا رأوا من علامة رسول الله صلى الله عليه وآله مثل ما رأى بحيرا فذكرهم بالله ما يجدون من ذكره وصفته وأنهم اجتمعوا على ما أرادوا، فعرفوا ما قال وصدقوه وانصرفوا. فذكرهم أبو طالب في قصيدة. (5)


(1) عنه البحار: 15 / 214 ح 28. ورواه ابن هشام في السيرة: 1 / 191، والبيهقي في دلائل النبوة: 2 / 26. والسيوطي في الخصائص الكبرى: 1 / 208. (2) وفي سيرة ابن هشام: " زريرا " (3) كذا في المصادر. وهو غير واضح في النسخ. (4) في المصادر " دريسا ". (5) رواه في دلائل النبوة: 2 / 29، وابن هشام في السيرة: 1 / 194، والخصائص: 1 / 210.

[ 73 ]

فصل ونذكر ها هنا شيئا مما في الكتب المتقدمة من ذكر نبينا، وكيف بشرت الانبياء به قبله بألفاظهم: منها ألفاظ التوراة في هذا الباب في السفر الاول منه: " إن الملك نزل على إبراهيم فقال له: إنه يولد في هذا العالم لك غلام اسمه إسحاق. فقال إبراهيم: ليت إسماعيل يعيش بين أيديك بخدمتك. فقال الله لابراهيم: لك ذلك، قد استجبت في إسماعيل، وإني أبركه وآمنه وأعظمه بما استجبت فيه ". وتفسير هذا الحرف: محمد صلى الله عليه وآله [ وفيه أيضا مكتوب: " وأما ابن الامة فقد باركت عليه جدا جدا ] (1) ويلد إثني عشر عظيما، وأصيره لامة كثيرة ". وقال في التوراة: " إن الملك نزل على هاجر - أم إسماعيل - وقد كانت خرجت مغاضبة لسارة وهي تبكي، فقال لها: ارجعي واخدمي مولاتك، واعلمي أنك تلدين غلاما يسمى إسماعيل، وهو يكون معظما في الامم، ويده على كل يد ". ولم يكن ذلك لاسماعيل ولا لاحد من ولده غير نبينا صلى الله عليه وآله. وقال في التوراة: " إن إبراهيم لما خرج باسماعيل وأمه هاجر أصابهما عطش فنزل عليهما ملك وقال لها: لا تهاوني بالغلام، وشدي يديك به، فإني أريد أن أصيره لامر عظيم ". فإن قيل: هذا تبشير بملك وليس فيه ذكر نبوة. قلنا: الملك ملكان: ملك كفر وملك هدى، ولا يجوز أن يبشر الله إبراهيم عليه السلام وهاجر بظهور الكفر في ولدهما ويصفه بالعظم.


(1) من مجمع البيان والبحار. والمراد ب‍ " ابن الامة " اسماعيل (ع).

[ 74 ]

وقال في التوراة: " أقبل من سيناء، وتجلى من ساعير (1) وظهر من جبل فاران " (2) " فسيناء " جبل كلم الله عليه موسى. " وساعير " هو الجبل الذي بالشام كان فيه عيسى، وجبل " فاران " مكة. وفي التوراة: " إن إسماعيل سكن برية فاران، ونشأ فيها، وتعلم الرمي ". فذكر الله فاران مع طور سيناء، وساعير التي جاء منها بأنبيائه - ومجئ الله إتيان دينه وأحكامه - فقد ظهر دين الله من مكة وهي فاران، فأتم الله تعالى هذه المواعد لابراهيم عليه السلام بمحمد صلى الله عليه وآله فظهر دين الله في مكة بالحج إليها، واستعلن ذكره بصراخ أصحابه بالتلبية على رؤوس الجبال وبطون الاودية، ولم يكن موجودا إلا بمجئ محمد صلى الله عليه وآله، وغيره من ولد إسماعيل عباد أصنام، فلم يظهر الله بهم تبجيله. ويدل على تأويلنا ما قال في كتاب حيقوق: " سيد يجئ من اليمن مقدس من جبل فاران يعطي السماء بهاءا، ويملا الارض نورا، ويسير الموت بين يديه، وينفر الطير بموضع قديمه ". وقال في كتاب حزقيل النبي لبني إسرائيل: " إني مؤيد [ بني ] قيدار بالملائكة - وقيدار جد العرب ابن إسماعيل لصلبه - وأجعل الدين تحت أقدامهم فيدينونكم بدينهم، ويهمشون (3) أنفسكم بالحمية والغضب. ولا ترفعون أبصاركم ولا تنظرون


(1) قال الحموي في معجم البلدان: 3 / 171: في التوراة اسم لجبال فلسطين... وهو من حدود الروم وهو قرية من الناصرة بين طبرية وعكا. وذكره في التوراة: " جاء من سينا " يريد مناجاته لموسى على طور سينا " وأشرق من ساعير " اشارة إلى ظهور عيسى ابن مريم عليه السلام من الناصرة " واستعلن من جبال فاران " وهي جبال الحجاز، يريد النبي صلى الله عليه وآله، وهذا في الجزء العاشر في السفر الخامس من التوراة. (2) قال الحموي في معجم البلدان: 4 / 225: " كلمة عبرانية معربة وهي من أسماء مكة ذكرها في التوراة. قيل: هو اسم لجبال مكة " ثم ذكر نص التوراة المذكور. وذكر هذا النص في مجمع البيان: 4 / 487، عنه البحار: 15 / 177. (3) الهمش: الكلام والحركة. (العين: 3 / 405).

[ 75 ]

إليهم، وجميع رضاي يصنعونه بكم ". وإن محمدا صلى الله عليه وآله أخرج إليهم من أطاعه من بني قيدار فيقتل مقاتليهم، وأيدهم الله بالملائكة في بدر والخندق وخيبر. وقال في التوراة في السفر الخامس: " إني أقيم لبني إسرائيل نبيا من إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي على فمه ". (1) - وإخوة بني إسرائيل ولد إسماعيل - ولم يكن في بني إسماعيل (2) نبي مثل موسى ولا أتي بكتاب ككتاب موسى غير نبينا محمد صلى الله عليه وآله. ومن قول حيقوق النبي، ومن قول دانيال: " جاء [ به ] الله من اليمن، والتقديس من جبال فاران، فامتلات الارض من تحميد أحمد وتقديسه، وملك الارض بهيبته ". وقال أيضا: " يضئ لنوره الارض (3) وتحمل خيله في البر والبحر ". وقال أيضا: " ستنزع في قبيلك أغراقا، وترتوي السهام بأمرك يا محمد ارتواءا " وهذا إيضاح باسمه، وصفاته. وفي كتاب شعيا النبي: " عبدي خيرتي [ من خلقي ] رضي نفسي أفيض عليه روحي " أو قال: " أنزل فيظهر في الامم عدلي، لا يسمع صوته في الاسواق، يفتح العيون العور، ويسمع الآذان الصم، ولا يميل إلى اللهو، ركن المتواضعين، وهو نور الله الذي لا يطفأ حتى تثبت في الارض حجتي، وينقطع به العذر ". وقال في الفصل الخامس: " أثر سلطانه على كتفه " يعني علامة النبوة، وكان على كتفه خاتم النبوة.


(1) وذكره أيضا في مجمع البيان: 4 / 487، عنه البحار: 15 / 177 وفيه: " وأجعل كلامي في فيه، فيقول لهم كل ما أوصيه به ". (2) كذا في البحار وهو الصحيح. وفي النسخ: إسرائيل. (3) " يضئ له نور " ط، ه‍.

[ 76 ]

وأعلامه في الزبور: قال داود عليه السلام في الزبور: " سبحوا الرب تسبيحا حديثا، وليفرح إسرائيل بخالقه ونبوة صهيون، من أجل أن الله اصطفى له أمته، وأعطاه النصر، وسدد الصالحين منهم بالكرامة، يسبحونه على مضاجعهم، وبأيديهم سيوف ذات شفرتين لينتقم الله تعالى من الامم الذين لا يعبدونه ". وفي مزمور آخر من الزبور: " تقلد أيها الخيار السيف، فإن ناموسك وشرائعك مقرونة بهيبة يمينك، وسهامك مسنونة، والامم يجرون تحتك ". وفي مزمور آخر: " إن الله أظهر من صهيون إكليلا محمودا ": ضرب الاكليل مثلا للرئاسة والامامة، و " محمود " هو محمد صلى الله عليه وآله. وذكر أيضا في صفته: " ويجوز من البحر إلى البحر من لدن الانهار إلى مقطع الارض، وإنه ليجر (1) أهل الخزائن بين يديه، تأتيه ملوك الفرس، وتسجد له، وتدين له الامم بالطاعة، ينقذ الضعيف، ويرق بالمساكين ". وفي مزمور آخر: " اللهم ابعث جاعل السنة كي يعلم الناس أنه بشر ". هذا إخبار عن محمد صلى الله عليه وآله يخبر الناس عن أن المسيح بشر. وفي كتاب شعيا النبي: " قيل لي: قم نظارا فانظر ماذا ترى فخبر به. فقلت: أرى راكبين مقبلين: أحدهما على حمار، والآخر على جمل، يقول أحدهما لصاحبه: سقطت بابل وأصنامها ". فكل أهل الكتاب يؤمن بهذه الكتب، وتنفرد النصارى بالانجيل. وأعلامه في الانجيل: " قال المسيح للحواريين: أنا أذهب وسيأتيكم الفار قليط روح (2) الحق الذي لا يتكلم من قبل نفسه، إنما هو كما يقال له ويشهد علي وأنتم تشهدون، لانكم معه


(1) " ليخبر " ط، ه‍. (2) " بروح " ط، ه‍ والبحار.

[ 77 ]

من قبل الناس، وكل شئ أعده الله لكم يخبركم به ". وفي حكاية يوحنا عن المسيح قال: " الفار قليط لا يجيئكم ما لم أذهب، فإذا جاء وبخ العالم على الخطيئة، ولا يقول من تلقاء نفسه، ولكنه يكلمكم مما (1) يسمع وسيؤتيكم بالحق، ويخبركم بالحوادث والغيوب ". وقال في حكاية أخرى: " الفار قليط روح الحق الذي يرسله باسمي، هو يعلمكم كل شئ ". وقال: " إني سائل ربي أن يبعث إليكم فار قليط آخر يكون معكم إلى الابد وهو يعلمكم كل شئ ". وقال في حكاية أخرى: " ابن البشر ذاهب، والفار قليط يأتي بعده، يحيي لكم الاسرار، ويفسر لكم كل شئ، وهو يشهد لي كما شهدت له، فإني أجيئكم (2) بالامثال، وهو يجيئكم (3) بالتأويل ". ومن أعلامه في الانجيل: " أنه لما حبس يحيى بن زكريا ليقتل، بعث بتلاميذه إلى المسيح وقال لهم: قولوا: أنت هو الآتي ؟ أو نتوقع غيرك ؟ فأجابه المسيح وقال: الحق اليقين أقول لكم: إنه لم تقم النساء عن أفضل من يحيى بن زكريا، وإن التوراة وكتب الانبياء يتلو بعضها بعضا بالنبوة والوحي حتى جاء يحيى، فأما الآن فإن شئتم فاقبلوا أن " الاليا " متوقع (4) على أن يأتي، فمن كانت له أذنان سامعتان فليسمع ". روي أنه كان فيه: " إن أحمد متوقع... " فغيروا الاسم وجعلوه " إليا " كقوله: * (يحرفون الكلم عن مواضعه) * و " إليا " هو علي بن أبي طالب عليه السلام.


(1) " فما " ه‍، م. (2) كذا في البحار، وفي النسخ " احيكم ". (3) في النسخ " يحيكم ". (4) " مزمع " م، ه‍. (6) سورة النساء: 46، وسورة المائدة: 13.

[ 78 ]

وقيل: إنما ذكر " إليا " لان عليا عليه السلام كان قد أم محمد صلى الله عليه وآله في كل حرب وفي كل حال حتى تقوم القيامة [ فإنه صاحب رايته ]. وإسم محمد صلى الله عليه وآله عندهم بالسريانية " مشفحا " ومشفح هو محمد صلى الله عليه وآله بالعربية وإنهم يقولون: " شفح لالاها " إذا أرادوا أن يقولوا " الحمد لله " وإذا كان " الشفح " " الحمد " فمشفح محمد صلى الله عليه وآله. وفي كتاب شعيا في ذكر الحج: " ستمتلئ البادية فتصفر لهم (1) من أقاصي الارض، فإذا هم سراع يأتون، يبثون تسبيحه في البحر والبر، يأتون من المشرق كالصعيد كثرة ". وقال شعيا: قال الرب: " ها أناذا مؤسس بصهيون من بيت الله حجرا (وفي رواية: مكرمة) فمن كان مؤمنا فلا يستعجلنا ". وقال دانيال في الرؤيا التي رآها بخت نصر ملك بابل، وعبرها: " أيها الملك رأيت رؤيا هائلة، رأيت صنما بارع الجمال، قائما بين يديك، رأسه من الذهب، وساعده من الفضة، وبطنه وفخذه نحاس، وساقاه حديد، وبعض رجليه خزف. ورأيت حجرا صك رجلي ذلك الصنم فدقهما دقا شديدا، فتفتت ذلك الصنم كله حديده ونحاسه وفضته وذهبه، وصار رفاتا كدقاق البيدر، وعصفته الريح فلم يوجد له أثر، وصار ذلك الحجر الذي دق الصنم جبلا عاليا امتلات منه الارض كلها، فهذه رؤياك ؟ قال: نعم ". ثم عبرها له فقال: " إن الرأس الذي رأيته من الذهب مملكتك، فتقوم بعدك مملكة أخرى دونك، والمملكة الثالثة التي تشبه النحاس تتسلط على الارض كلها والمملكة الرابعة قوتها قوة الحديد كما أن الحديد يدق كل شئ. وأما الرجل الذي كان بعضها من حديد، وبعضها من خزف، فإن بعض تلك


(1) أي تدعوهم، وفي " ط، ه‍، خ ل البحار " فيظفر بهم. والظاهر أنها تصحيف.

[ 79 ]

المملكة يكون عزا، وبعضها يكون ذلا، وتكون كلمة أهل المملكة متشتتة، ويقيم إله السماء في تلك الايام ملكا عظيما دائما أبديا، لا يتغير ولا يتبدل ولا يزول، ولا يدع لغيره من الامم سلطانا، ويقوم هو دهر الداهرين ". فتأويل الرؤيا مبعث محمد صلى الله عليه وآله تمزقت الجنود لنبوته، ولم تنتقض مملكة فارس لاحد قبله، وكان ملكها أعز ملوك الارض وأشدها شوكة، وكان أول ما بدأ فيه انتقاص قتل " شيرويه بن أبرويز " أباه، ثم ظهر الطاعون في مملكته وهلك فيه، ثم هلك ابنه " أردشير " ثم ملك رجل لم يكن من أهل بيت الملك فقتلته " بوران بنت كسرى " ثم ملك بعده رجل يقال له: " كسرى بن قباد " ولد بأرض الترك، ثم ملكت " بوران بنت كسرى ". فبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله مملكتها فقال: " لن يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى إمرأة ". ثم ملكت ابنة أخرى لكسرى فسمت وماتت، ثم ملك رجل ثم قتل. فلما رأى أهل فارس ما هم فيه من الانتشار أمر إبن لكسرى يقال له: " يزدجرد " فملكوه عليهم، فأقام بالمدائن على الانتشار ثماني سنين، وبعث إلى الصين بأمواله وخلف أخا بالمدائن لرستم فأتى لقتال المسلمين، ونزل بالقادسية، وقتل بها، فبلغ ذلك يزدجرد، فهرب إلى سجستان فقتل هناك. وقال في التوراة: " أحمد عبدي المختار، لا فظ، ولا غليظ، ولا صخاب في الاسواق، ولا يجزئ بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر. مولده بمكة، وهجرته طيبة (1) وملكه بالشام. وأمته الحامدون، يحمدون الله على كل نجد (2) ويسبحونه في كل منزل، ويقومون


(1) " طابة " م وخ. قال الحموي في معجم البلدان: 4 / 53: " طيبة: بالفتح ثم السكون ثم الباء موحدة، وهو اسم لمدينة رسول الله صلى الله عليه وآله، يقال لها: طيبة وطابة من الطيب وهي الرائحة الحسنة لحسن رائحة تربتها فيما قيل ". (2) النجد: ما أشرف من الارض وارتفع.

[ 80 ]

على أطرافهم وهم رعاة الشمس (1) مؤذنهم في جو السماء، صفهم في الصلاة وصفهم في القتال سواء، رهبان بالليل، أسد بالنهار، لهم دوي كدوي النحل يصلون الصلاة حيثما أدركتهم ". أراد: أن اليهود كانت لا تقبل صلاتهم إلا في كنائسهم، فوسع الله على هذه الامة أن يصلوا حيثما أدركتهم الصلاة. ومما أوحى الله إلى آدم: " أنا الله ذو بكة، أهلها جيرتي، وزوارها وفدي وأضيافي أعمره بأهل السماء وأهل الارض، يأتونه أفواجا شعثا غبرا، يعجون بالتكبير والتلبية فمن اعتمره لا يريد غيره فقد زارني، وهو وفد لي، ونزل بي، وحق لي أن أتحفه بكراماتي، أجعل ذلك البيت وذكره، وشرفه ومجده، وسناه لنبي من ولدك يقال له " إبراهيم " أبني له قواعده، وأجري على يديه عمارته، وأنبط (2) له سقايته، وأريه حله وحرمه، أعلمه مشاعره، ثم تعمره الامم والقرون حتى ينتهي إلى نبي من ولدك يقال له: " محمد وهو خاتم النبيين، فأجعله من سكانه وولاته ". ومن أعلامه اسمه، لان الله حفظ اسمه حتى لم يسم باسمه أحد قبل صيانة من الله لاسمه، ومنع منه كما فعل بيحيى بن زكريا " لم نجعل له من قبل سميا ". (3) وكما فعل بابراهيم وإسحاق ويعقوب وصالح وأنبياء كثيرة منع من تسمياتهم (4) قبل مبعثهم ليعرفوا به إذا جاءوا، ويكون ذلك أحد أعلامهم. 132 - وعن سراقة بن جعشم قال: خرجت رابع أربعة، فلما قدمنا الشام نزلنا على غدير فيه شجرات، وقربه قائم (5) لديراني، فأشرف علينا، قال: من أنتم ؟ قلنا: قوم من مضر. قال: من أي المضرين ؟ قلنا: من خندف. قال: أما إنه سيبعث فيكم


(1) المراد أنه يرقبون الشمس لتعيين وقت الصلاة. (2) النبط: الماء الذي ينبط من قعر البئر إذا حفرت. لسان العرب: 7 / 410. (3) سورة مريم: 7. (4) " مسمياتهم " ط. (5) أي بناء.

[ 81 ]

وشيكا نبي اسمه " محمد " فلما صرنا عند أهلنا ولد لكل رجل منا غلام فسماه " محمدا صلى الله عليه وآله ". وهذا أيضا من أعلامه. (1) 133 - ومنها: أن تبع بن حسان سار إلى يثرب، وقتل من اليهود ثلاثمائة وخمسين رجلا صبرا، وأراد إخرابها، فقام إليه رجل من اليهود له مائتان وخمسون سنة، فقال: أيها الملك مثلك لا يقبل قول الزور، ولا يقتل على الغضب، وأنك لا تستطيع أن تخرب هذه القرية. قال: ولم ؟ قال: لانه يخرج منها من ولد إسماعيل نبي يظهر من هذه البنية. يعني البيت الحرام. فكف تبع، ومضى يريد مكة ومعه اليهود، وكسا البيت، وأطعم الناس، وهو القائل: شهدت على أحمد أنه * رسول من الله بارئ النسم فلو مد عمري إلى عمره * لكنت وزيرا له وابن عم ويقال: هو تبع الاصغر، وقيل: الاوسط. (2) 134 - ومنها: أنه لما ولد النبي صلى الله عليه وآله قدمت حليمة بنت أبي ذؤيب في نسوة من بني سعد بن بكر تلتمس الرضعاء (3) بمكة، قالت: فخرجت معهن على أتان (4) ومعي زوجي، ومعنا شارف (5) لنا ما تبض (6) بقطرة من لبن، ومعي ولد ما يجد في ثديي ما نعلله (7) به، وما ننام ليلنا جوعا، فلما ندمنا مكة لم تبق منا إمرأة إلا عرض


(1) من بداية الفصل إلى هنا أخرجه عنه في البحار: / 15 / 207 - 214 ح 26. (2) عنه البحار: 15 / 214 ح 27، واثبات الهداة: 1 / 375 ح 102، ونحوه في الكامل لابن الاثير: 1 / 417. (3) الرضعاء: جمع رضيع، والمراد هنا الاطفال الذين يطلب لهم أهلهم مرضعات. (4) الاتان: هي الانثى من الحمير. (5) الشارف: الناقة المسنة. (6) بض الماء: أي سال قليلا قليلا. (7) يقال: تعالل الصبي ثدي أمه: أي امتص ما فيه من اللبن.

[ 82 ]

عليها محمد صلى الله عليه وآله فكرهناه وقلنا: يتيم، وإنما يكرم الظئر (1) الوالد، فكل صواحبي أخذن رضيعا ولم آخذ شيئا فلما لم أجد غيره رجعت إليه فأخذته، فأتيت به الرحل (2) فأمسيت وأقبل ثدياي باللبن حتى أرويته، وأرويت ولدي أيضا، وقام زوجي إلى شارفنا تلك يلمسها بيده فإذا هي حافل (3) فحلبها فأرواني من لبنها، وروى الغلمان، فقال: يا حليمة لقد أصبنا نسمة مباركة. فبتنا بخير، ورجعنا فركبت أتاني ثم حملت محمدا صلى الله عليه وآله معي، فو الذي نفس حليمة بيده لقد طفت (4) بالركب حتى أن النسوة يقلن: يا حليمة أمسكي علينا، أهذه أتانك التي خرجت عليها ؟ ! قلت: نعم. قلن: ما شأنها ؟ قلت: حملت غلاما مباركا، ويزيدنا الله كل يوم وليلة خيرا حتى والبلاد قحط. والرعاة يسرحون ثم يريحون، فتروح أغنام بني سعد جياعا وتروح غنمي شباعا بطانا حفلا، فنحلب ونشرب. (5)


(1) أي المرضعة. (2) الرحل: ما يستصحبه المسافر معه من الاثاث والمتاع في سفره. (3) الحافل: الممتلئة الضرع من اللبن، والحفل: اجتماع اللبن في الضرع. (4) الطف والطفاف من الخيل: السريع الخفيف. (5) عنه البحار: 15 / 331 ح 1، ورواه مفصلا ابن هشام في السيرة: 1 / 172، والبيهقي في دلائل النبوة: 1 / 133 - 136، وأبو نعيم في دلائل النبوة: 111، وابن الجوزي في الوفا: 1 / 108، وابن كثير في البداية والنهاية: 2 / 273.

[ 83 ]

(فصل) من روايات الخاصة 135 - فمن معجزاته أن الصادق عليه السلام قال: نشأ رسول الله صلى الله عليه وآله في حجر أبي طالب حتى [ إذا ] بلغ قريبا من العشرين سنة، قال: يا عم إني أرى في المنام رجلا يأتيني ومعه آخر (1) فيقولان: " هو هو، فإذا بلغ فشأنك به " والرجل لا يتكلم، ثم قال: يا عم إني قد رأيت الرجل - الذي كنت أراه في المنام - قد ظهر لي فانطلق به أبو طالب إلى عالم كان بوادي مكة يتطبب، فصوب الرجل فيه بصره وصعد، وأخبره رسول الله صلى الله عليه وآله بما يرى. فقال الطبيب: يا بن عبد مناف إن لابن أخيك شأنا، إنما هذا الذي يجد ابن أخيك الناموس [ الاكبر ] الذي يجده الانبياء. 136 - ومنها: أن أبا عبد الله عليه السلام، قال: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله أربعين سنة قال: سمعت صوتا من السماء: يا محمد أنت رسول الله وأنا جبرئيل، ولما تراءى له جبرئيل بأعلى الوادي، وعليه جبة سندس، أخرج له درنوكا من درانيك الجنة، وأجلسه عليه، وأخبره أنه رسول الله، وأمره بما أراد، ثم قال: أنا جبرئيل، وقام. فلحق محمد صلى الله عليه وآله بالغنم، وكان يرعى غنم عمه أبي طالب. قال: فما من شجرة ولا مدرة إلا سلمت علي وهنأتني. (2) 137 - ومنها: أن جبرئيل أتاه وهو بأعلى مكة، فغمز بعقبة في ناحية الوادي فانفجرت عين، فتوضأ ليريه كيف وضوء الصلاة، ثم تطهر رسول الله، ثم صلى جبرئيل


(1) كذا في الاصل، والظاهر أنها " آخران " (2) أورد قطعة منه في ثاقب المناقب: 36 (مخطوط) عن الباقر عليه السلام، مثله.

[ 84 ]

وصلى رسول الله، وإنها الظهر، فهي أول صلاة افترضت. فرجع رسول الله إلى خديجة، فأخبرها، فتوضأت وصلت. (1) 138 - ومنها: أن أبا جعفر عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما أسري به نزل جبرئيل عليه السلام بالبراق، وهو أصغر من البغل، وأكبر من الحمار، مضطرب الاذنين، عيناه في حوافره خطاه مد بصره، له جناحان يحفزانه (2) من خلفه، عليه سرج [ من ] ياقوت، فيه من كل لون أهدب العرف (3) الايمن، فوقفه على باب خديجة، ودخل على رسول الله صلى الله عليه وآله فمرح (4) البراق، فخرج إليه جبرئيل عليه السلام فقال: اسكن فإنما يركبك [ خير البشر ] أحب خلق الله إليه. فسكن. ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وآله فركب ليلا، وتوجه نحو بيت المقدس، فاستقبل شيخا، فقال جبرئيل عليه السلام: هذا أبوك إبراهيم. فثنى رجله وهم بالنزول، فقال جبرئيل عليه السلام: كما أنت. فجمع من شاء الله من أنبيائه ببيت المقدس، فأذن جبرئيل، فتقدم رسول الله صلى الله عليه وآله فصلى بهم. ثم قال أبو جعفر عليه السلام في قوله: " فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك " هؤلاء الانبياء الذين جمعوا " [ لقد جاءك الحق من ربك ] فلا تكونن من الممترين " (5) قال: فلم يشك رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يسأل. (6) 139 - وفي رواية أخرى: أن البراق لم يكد يسكن لركوب رسول الله صلى الله عليه وآله إلا


(1) أورد مثله في اثبات الوصية: 114 مرسلا. (2) قال ابن الاثير في النهاية: 1 / 407: الحفز: الحث والاعجال، ومنه حديث البراق " وفي فخذيه جناحان يحفز بهما رجليه ". (3) أهدب العرف أي طويله وكثيرة، مرسلا من الجانب الايمن. (4) المرح: شدة الفرح والنشاط. (5) سورة يونس: 94. (6) عنه البحار: 18 / 379 ح 84. ونحوه في صحيفة الرضا عليه السلام: 154 ح 95. وروى مثله باختلاف في علل الشرائع: 130 ح 2 باسناده عن أحدهما عليهما السلام في تفسيره للآية المذكورة، عنه البحار: 17 / 87 ح 16.

[ 85 ]

بعد شرطه أن يكون مركوبه يوم القيامة. (1) 140 - ومنها: أنه صلى الله عليه وآله لما رجع من السرى (2) نزل على أم هاني بنت أبي طالب فأخبرها، فقالت: بأبي أنت وأمي، والله لئن أخبرت الناس بهذا ليكذبنك من صدقك وكان أبو طالب قد فقده تلك الليلة فجعل يطلبه، وجمع بني هاشم، ثم أعطاهم المدي (3) وقال لهم: إذا رأيتموني قد دخلت وليس معي محمد، فليضرب كل رجل منكم جليسه والله لا نعيش نحن، ولا هم، وقد قتلوا محمدا. فخرج في طلبه وهو يقول: يا لها عظيمة إن لم يواف رسول الله صلى الله مع الفجر. فتلقاه على باب أم هاني حين نزل من البراق، فقال: يا ابن أخي، انطلق فادخل بين يدي المسجد. وسل سيفه عند الحجر وقال: يا بني هاشم أخرجوا مداكم. فقال: لو لم أره ما بقي منكم شفر (4) أو عشنا، فاتقته قريش منذ يوم أن يغتالوه. ثم حدثهم محمد صلى الله عليه وآله، فقالوا: صف لنا بيت المقدس. قال: إنما دخلته ليلا فأتاه جبرئيل فقال: انظر إلى هناك. فنظر إلى البيت، فوصفه وهو ينظر إليه، ثم نعت لهم ما كان لهم من عير ما بينهم وبين الشام. (5) 141 - ومنها: أن قريشا كلهم اجتمعوا، وأخرجوا بني هاشم إلي شعب أبي طالب ومكثوا فيه ثلاث سنين إلا شهرا، وأنفق أبو طالب وخديجة جميع مالهما، ولا يقدرون على الطعام (6) إلا من موسم إلى موسم، فلقوا من الجوع والعرى ما الله أعلم به. وأن الله بعث على صحيفتهم الارضة، فأكلت كل ما فيها إلا اسم الله فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله لابي طالب، فما راع قريشا إلا وبنو هاشم عنقا (7) واحدا


(1) عنه البحار: 18 / 379. (2) " السرى " البحار. وكلاهما بمعنى السير في الليل، والمراد هنا الاسراء. (3) المدى: جمع مدية، وهي السكين أو الشفرة الكبيرة. (4) " سفر " البحار، وهو تصحيف. وشفر أي أحد، وما في الدار شفر: أي ليس فيها أحد. (5) عنه البحار: 35 / 82 ح 25. (6) " الاطعام " م وه‍ وط. (7) العنق: الجماعة.

[ 86 ]

قد خرجوا من الشعب. فقال قريش: الجوع أخرجهم. فجاؤوا حتى أتوا الحجر، وجلسوا فيه، وكان لا يقعد فيه إلا فتيان (1) قريش. فقالوا: يا أبا طالب قد آن لك أن تصالح قومك. قال: قد جئتكم بخبر، ابعثوا إلى صحيفتكم لعله أن يكون بيننا وبينكم صلح. قال: فبعثوا إليها وهي عند أم أبي جهل، وكانت قبل في الكعبة، فخافوا عليها السرق فوضعت بين أيديهم، وخواتيمهم عليها. فقال أبو طالب: هل تنكرون منها شيئا ؟ قالوا: لا. قال: إن ابن أخي حدثني - ولم يكذبني قط - أن الله قد بعث على هذه الصحيفة الارضة، فأكلت كل قطيعة وإثم، وتركت كل اسم هو لله، فإن كان صادقا، أقلعتم عن ظلمنا، وإن يكن كاذبا ندفعه إليكم فقتلتموه. فصاح الناس: نعم (2) يا أبا طالب، ففتحت ثم أخرجت، فإذا هي مشربة (3) كما قال صلى الله عليه وآله فكبر المسلمون وانتقعت (4) وجوه المشركين. فقال أبو طالب: أتبين لكم أينا (5) أولى بالسحر والكهانة ؟ فأسلم يومئذ عالم من الناس، ثم رجع أبو طالب إلى شعبه، ثم عيرهم هشام بن


(1) " مسان " م وه‍ وط وخ ل، ولم نجد لها معنى في المعاجم اللغوية، والظاهر أنها تصحيف " فتيان " أو " صبيان ". وفي البحار: " لا يقعد فيه صبيان قريش ". (2) " أنصفتنا " ه‍ وط والبحار. (3) كذا في جميع النسخ والبحار، ولم نجد لها معنى مناسبا في هذا الموضع من الكلام. ولكن قد يكون مشتقة من قول ابن منظور في لسان العرب: 1 / 493 مادة " شرب ": " ويقال: ما زال فلان على شربة واحدة أي على أمر واحد ". انتهى. أي: أن الصحيفة أخرجت على الامر الذي قاله صلى الله عليه وآله. (4) " امتقعت " البحار. وكلاهما بمعنى تغير أو اختطاف لون الوجه من حزن أو فزع أو ريبة. (5) " نبينا " م وه‍.

[ 87 ]

عمرو العامري بما صنعوا ببني هاشم. (1) 142 - ومنها: أنه صلى الله عليه وآله كان يصلي مقابل الحجر الاسود، ويستقبل الكعبة ويستقبل بيت المقدس، فلا يرى حتى يفرغ من صلاته، وكان يستتر بقوله تعالى: " وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا " (2) وبقوله: " اولئك الذين طبع الله على قلوبهم " (3) وبقوله: " وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا " (4) وبقوله: " أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة " (5). (6) 143 - ومنها: أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله قال: إني خرجت وامرأتي حائض ورجعت وهي حبلى ! فقال صلى الله عليه وآله: من تتهم ؟ قال: فلانا وفلانا. قال: ائت بهما. فجاء بهما فقال صلى الله عليه وآله: إن يكن من هذا فسيخرج قططا (7) كذا وكذا. فخرج كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله (8) 144 - ومنها: أن رسول الله صلى الله عليه وآله بعث إلى يهودي يسأله قرض شئ له، ففعل ثم جاء اليهودي إليه فقال: جاءتك حاجتك ؟ قال: نعم، ثم قال: فابعث فيما أردت ولا تمتنع من شئ تريده. فقال له النبي صلى الله عليه وآله: أدام الله جمالك. فعاش اليهودي ثمانين سنة ما رؤي في رأسه طاقة شعر بيضاء (9). (10)


(1) عنه البحار: 19 / 16 ح 8. وأخرج نحوه في الخصائص الكبرى: 1 / 374 عن البيهقي وأبي نعيم من طريق موسى ابن عقبة عن الزهري وص 376 عن ابن سعد. يأتي نحوه في الحديث 230. (2) سورة الاسراء: 45. (3) سورة النحل: 108. (4) سورة الانعام: 25 والاسراء: 46. (5) سورة الجاثية: 23. (6) عنه البحار: 18 / 58 ح 15. (7) قططا: قصير الشعر وجعده. (8) عنه البحار: 18 / 114 ح 19. (9) كذا في البحار، وفي الاصل بياض. (10) عنه البحار: 18 / 15 ح 41.

[ 88 ]

145 - ومنها: أن أبا عبد الله عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يسير في بعض مسيره فقال لاصحابه: يطلع عليكم من بعض هذه الفجاج شخص ليس له عهد بأنيس (1) منذ ثلاثة أيام. فما لبثوا أن أقبل أعرابي قد يبس جلده على عظمه، وغارت عيناه في رأسه واخضرت شفتاه من أكل البقل. فسأل عن النبي صلى الله عليه وآله في أول الرفاق (2) حتى لقيه فقال له: أعرض علي الاسلام. فقال: قل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأني محمد رسول الله صلى الله عليه وآله. قال: أقررت. قال صلى الله عليه وآله: تصلي [ الصلوات ] الخمس، وتصوم شهر رمضان. قال: أقررت. (3) قال صلى الله عليه وآله: تحج البيت [ الحرام ]، وتؤدي الزكاة، وتغتسل من الجنابة. قال: أقررت. فتخلف بعير الاعرابي، ووقف النبي صلى الله عليه وآله فسأل عنه، فرجع الناس في طلبه فوجدوه في آخر العسكر قد سقط خف بعيره في حفرة من حفر الجرذان، فسقط فاندق عنق الاعرابي، وعنق البعير وهما ميتان. فأمر النبي صلى الله عليه وآله فضربت خيمة فغسل فيه، ثم دخل النبي صلى الله عليه وآله فكفنه، فسمعوا للنبي صلى الله عليه وآله حركة، فخرج وجبينه يترشح عرقا، وقال: إن هذا الاعرابي مات وهو جائع، وهو ممن آمن ولم يلبس إيمانه بظلم، فابتدرته الحور العين بثمار الجنة يحشون بها شدقه، هذه تقول: يا رسول الله اجعلني في أزواجه، وهذه تقول: يا رسول الله اجعلني في أزواجه. (4) 146 - ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله كان يخرج في الليلة ثلاث مرات إلى المسجد فخرج في آخر ليلة، وكان يبيت عند المنبر مساكين، فدعا بجارية تقوم على نسائه فقال:


(1) " ابليس " م والبحار. (2) " الزقاق " س وخ ل، " الزمان " ط وه‍. (3) " نعم " س. وكذا ما بعدها. (4) عنه البحار: 22 / 75 ح 27 وج 68 / 282 ح 38. (*)

[ 89 ]

إئتيني بما عندكم. فأتته ببرمة (1) ليس فيها إلا شئ يسير، فوضعها. ثم أيقظ عشرة وقال: كلوا باسم الله. فأكلوا حتى شبعوا، ثم أيقظ عشرة، فقال: كلوا باسم الله. فأكلوا حتى شبعوا [ ثم ] هكذا، وبقي في القدر بقية فقال: إذهبي بهذا إليهم. (2) 147 - ومنها: أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ما طعمت طعاما منذ يومين فقال: عليك بالسوق. فلما كان من الغد أتاه (3) فقال: يا رسول الله أتيت السوق أمس فلم أصب شيئا، فبت بغير عشاء. قال: فعليك بالسوق. فأتى بعد ذلك أيضا، فقال صلى الله عليه وآله: عليك بالسوق. فانطلق إليها فإذا عير قد جاءت وعليها متاع، فباعوه بفضل دينار (4) فأخذه الرجل وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: ما أصبت شيئا. قال: هل أصبت من عير آل فلان شيئا ؟ قال: لا. قال: بلى ضرب لك فيها بسهم، وخرجت منها بدينار ؟ قال: نعم. قال: فما حملك على أن تكذب ؟ قال: أشهد أنك صادق، ودعاني إلى ذلك إرادة أن أعلم: أتعلم ما يعمل الناس ؟ [ وأن ] أزداد خيرا إلى خير. فقال له النبي صلى الله عليه وآله: صدقت، من استغنى أغناه الله، ومن فتح على نفسه باب مسأله فتح الله عليه سبعين بابا من الفقر لا يسد أدناها شئ. فما رؤي سائل بعد ذلك اليوم. ثم قال: إن الصدقة لا تحل لغني ولا لذي مرة سوي. (5)


(1) البرمة: القدر من الحجر، والجمع: يرم. (2) عنه البحار: 18 / 30 ح 16. (3) " دخل " البحار. (4) " ففضل بدينار " البحار. (5) انظر الوسائل ج 6 ص 159 وجامع الاحاديث الشيعة ج 8 ص 179 ب 2 قال ابن الاثير في النهاية: 4 / 316 مادة " مرر ": فيه " لا تحل الصدقة لغنى ولا لذي مرة سوي ". المرة: القوة والشدة، والسوي: الصحيح الاعضاء.

[ 90 ]

أي: لا يحل له أن يأخذها وهو يقدر أن يكف نفسه عنها. (1) 148 - ومنها: أن أبا جعفر عليه السلام قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وآله يوما جالسا، إذ قام متغير اللون فتوسط المسجد، ثم أقبل يناجي، فمكث طويلا، ثم رجع إليهم، فقالوا: يا رسول الله رأينا منك منظرا ما رأيناه فيما مضى. قال: إني نظرت إلى ملك السحاب " إسماعيل " ولم يهبط إلى الارض إلا بعذاب فوثبت مخافة أن يكون قد نزل في أمتي بشئ، فسألته ما أهبطه ؟ فقال: استأذنت ربي في السلام عليك، فأذن لي. قلت: فهل أمرت فيها بشئ ؟ قال: نعم في يوم كذا، في شهر كذا، في ساعة كذا. فقام المنافقون وظنوا أنهم على شئ، فكتبوا ذلك اليوم، وكان أشد يوم حرا فأقبل القوم يتغامزون، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لعلي عليه السلام انظر هل ترى في السماء شيئا ؟ فخرج ثم قال: أرى في مكان كذا كهيئة الترس غمامة. فما لبثوا أن جللتهم سحابة سوداء، ثم هطلت عليهم حتى ضج الناس. (2) 149 - ومنها: أن أبا عبد الله عليه السلام قال: من الناس من لا يؤمن إلا بالمعاينة ومنهم من يؤمن بغيرها. إن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله فقال: أرني آية. فقال (4) بيده إلى النخلة، فذهبت يمنة ثم قال هكذا، فذهبت يسرة، فآمن الرجل. (4) 150 - ومنها: أن عليا عليه السلام بكى يوما، وقال: ماتت أمي. فنهض النبي صلى الله عليه وآله فقال: هي والله أمي حقا، ما رأيت من عمي شيئا إلا وقد رأيت منها أكثر منه. ثم صاح يا أم سلمة ! هذه بردتي فأزريها فيها وهذه قميصي فدرعيها فيها، وهذا ردائي فادرجيها فيه، فإذا فرغت من غسلها فاعلميني.


(1) عنه البحار: 18 / 114 ح 20. (2) عنه البحار: 18 / 115 ح 21. تقدم في الحديث 109. (3) أي: فأشار. (4) عنه البحار: 17 / 377 ح 44.

[ 91 ]

فأعلمته أم سلمة، فحملها على سريرها، ثم صلى عليها، ثم نزل [ لحدها ] فلبث (1) ما شاء الله لا يسمع له [ إلا ] همهمة. ثم صاح يا فاطمة ! قالت: لبيك يا رسول الله. قال: هل رأيت ما ضمنت لك. قالت: نعم، فجزاك الله عني في المحيا والممات أفضل الجزاء. فلما سوى عليها وخرج، سئل عنها فقال: فرأت عليها يوما " ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة " (1) فقالت: يا رسول الله وما فرادى ؟، قلت: عراة. قالت: واسوأتاه. فسألت الله ألا تبدي عورتها. ثم سألتني عن منكر ونكير فأخبرتها [ بحالهما ] بأنهما كيف يجيئان قالت: واغوثاه بالله منهما. فسألت الله أن لا يريهما إياها، وأن يفسح لها في قبرها، وأن يحشرها في أكفانها. (3) 151 - ومنها: أن رجلا مات، وإذا الحفارون لم يحفروا شيئا، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وقالوا: ما يعمل حديدنا في الارض كما نضرب في الصفا. (4) قال: ولم ؟ إن كان صاحبكم لحسن الخلق، إئتوني بقدح من ماء: فأدخل يده فيه ثم رشه على الارض رشا، فحفر الحفارون، فكأنما رمل يتهايل عليهم. (5) 152 - ومنها: أن محمد بن مسلم قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: الرجل يكون في المسجد فتكون الصفوف مختلفة، فيها الناقصة، فأميل إليه أسعى حتى أتمه ؟ قال: لا بأس، إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ألا أيها الناس، إني أراكم من خلفي كما أراكم من بين يدي، فلتقيمن صفوفكم، أو ليخالفن الله بين قلوبكم. (6)


(1) " فمكث " م. (2) سورة الانعام: 94. (3) عنه البحار: 6 / 232 ح 44 وعن بصائر الدرجات: 287 ح 9، بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام، مثله باختلاف. وأخرجه في البحار: 18 / 6 ح 6 عن البصائر. (4) الصفا: مقصورة الحجارة، ويقال: الحجارة الملس، الواحدة: صفاة. (5) عنه البحار: 17 / 377 ح 45. (6) عنه البحار: 88 / 99 ح 71 وعن بصائر الدرجات: 419 ح 2 بإسناده عن أبي جعفر مثله =

[ 92 ]

153 - ومنها: أن ابن الكوا قال لعلي عليه السلام: بما كنت وصي محمد من بين بني عبد المطلب ؟ قال: أدن، ما الخير تريد (1). لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله: " وانذر عشيرتك الاقربين " (2) جمعنا رسول الله ونحن أربعون رجلا، فأمرني فأنضجت له رجل شاة، وصاعا من طعام، أمرني فطحنته وخبزته، وأمرني فأدنيته. ثم قال: فقال: تقدم علي عشرة عشرة من أجلتهم. فأكلوا حتى صدروا [ وبقي الطعام كما كان ] وإن منهم لمن يأكل الجذعة (3) ويشرب الفرق (4) فأكلوا منها كلهم أجمعون. فقال أبو لهب: سحركم صاحبكم، فتفرقوا عنه. ودعاهم رسول الله صلى الله عليه وآله ثانية ثم قال: أيكم يكون أخي ووصيي ووارثي ؟


= وأخرجه في الوسائل: 5 / 472 ح 8 والبحار: 16 / 173 ح 10 عن البصائر. تقدم نظيره في الحديث: 63. (1) " اذن ما الخبر تريد " البحار. (2) سورة الشعراء: 214. (3) قال ابن الاثير في النهاية: 1 / 250 مادة " جذع ": وأصل الجذع من أسنان الدواب، وهو ما كان منها شابا فتيا. فهو من الابل ما دخل في السنة الخامسة، ومن البقر والمعز ما دخل في السنة الثانية. وقيل: البقر في الثالثة، ومن الضأن ما تمت له سنة، وقيل: أقل منها. ومنهم من يخالف بعض هذا التقدير. (4) وقال في ج 3 / 437 مادة " فرق ": الفرق بالتحريك: مكيال يسع ستة عشر رطلا، وهي اثنا عشر مدا، أو ثلاثة آصع عند أهل الحجاز. وقيل: الفرق: خمسة أقساط، والقسط نصف صاع. فأما الفرق بالسكون: فمائة وعشرون رطلا. انتهى. أقول: هو كناية على أن أحدهم من يحث قوته وقدرته يأكل ويشرب إلى حد لا يتصور ولا يصدق.

[ 93 ]

فعرض عليهم كلهم، وكلهم يأبى حتى انتهى إلي وأنا أصغرهم سنا [ وأعمشهم (1) عينا، وأحمشهم (2) ساقا ]. فقلت: أنا. فرمى إلي بنعله (3) فلذلك كنت وصيه من بينهم. (4) 154 - ومنها: أن أبا عبد الله عليه السلام قال: قال عبد الله بن أمية لرسول الله: إنا لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا، أو يكون لك بيت من ذهب، أو ترقى في السماء، ولن نؤمن لرقيك، والله لو فعلت ذلك ما كنت أدري أصدقك أم لا. فانصرف النبي صلى الله عليه وآله ثم نظروا في أمورهم، فقال أبو جهل:


(1) في بعض المصادر: وأرمصهم عينا. العمش: ضعف البصر مع سيلان الدمع. والرمص: وسخ أبيض في مجرى الدمع من العينين. (2) حمش الرجل: صار دقيق الساقين. وهذه الصفات كنايات على أنه عليه السلام، أصغرهم عمرا، وأقلهم مكانة، ولا يعتد به، ولا يؤخذ برأيه، وقد اختاره الله تعالى من بينهم للوصاية دون غيره. (3) كذا في النسخ والبحار. والعبارة لا تناسب مقام أمير المؤمنين عليه السلام، وقد تكون مصحفة لكلمات أخرى. ومنها " بنفله ". والنفل: العطية أو الغنيمة، أو غير ذلك من الهبات. (4) عنه البحار 18 / 44 ح 31. وروى هذا الحديث باختلاف الالفاظ من طرق الخاصة والعامة في كتبهم ومؤلفاتهم: فقد رواه في علل الشرائع: 170 ح 2، وفي تفسير القمي: 474، وفي أمالي الطوسي: 2 / 194، وفي تفسير الفرات: 113، عنهم البحار: 18 / 178 ح 7 و 181 ح 11 و 191 ح 27 و 212 ح 41. وأورده في تأويل الآيات: 2 / 393 ح 19 وفي مجمع البيان: 7 / 206. ورواه في مناقب أحمد: 161، وابن عساكر في ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام: 1 / 84 - 93. وفي فرائد السمطين: 1 / 85 ح 55، وفي كفاية الطالب: 205، وفي تفسير البغوي: 3 / 400. وللحديث مصادر عديدة وطرق مختلفة. فراجع إحقاق الحق: 4 / 60 - 70 وص 352 و 353 و 383 و 384. وج 15 / 113 و 144 - 149 و 169 و 217 و 693 وغيرهما.

[ 94 ]

لئن أصبحت وهو قد دخل المسجد لاطرحن على رأسه أعظم حجر أقدر عليه. فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله المسجد فصلى، وأخذ أبو جهل الحجر، وقريش تنظر فلما دنا رمى بالحجر من يده، وأخذته الرعدة. فقالوا: مالك ؟ قال: رأيت أمثال الجبال مقنعين في الحديد لو تحركت أخذوني. (1) 155 - ومنها: أن أبا عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يأتي مراضع فاطمة عليها السلام فيتفل في أفواههم، ثم يقول لفاطمة: " لا ترضعيهم ". (2) 156 - ومنها: أن محمد بن عبد الحميد روى عن عاصم بن حميد، عن يزيد ابن خليفة، قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام قاعدا، فسأله رجل من القميين، قال: أتصلي النساء على الجنائز ؟ فقال: إن المغيرة بن أبي العاص ادعى أنه رمى رسول الله صلى الله عليه وآله فكسر رباعيته، وشق شفتيه، وكذب، وادعى أنه قتل حمزة، وكذب. فلما كان يوم الخندق ضرب على أذنيه (3) فنام فلم يستيقظ حتى أصبح، فخشي أن يجئ الطلب فيأخذوه، فتنكروا وتقنع بثوبه، وجاء إلى منزل عثمان يطلبه، وتسمى


(1) عنه البحار: 18 / 58 ح 16. وأخرج نحوه في الخصائص الكبرى: 1 / 315 من طريق مسلم، عن أبي هريرة. وعن اسحاق، والبيهقي وأبي نعيم، عن ابن عباس. والبخاري بنحو آخر عن ابن عباس. وعن البزار والطبراني في الاوسط والحاكم والبيهقي وأبي نعيم عن ابن عباس، عن العباس. (2) عنه البحار: 18 / 30 ح 17 وج 43 / 250 ح 25 والعوالم: 16 / 23 ح 3. وراجع العوالم: 17 / 21 باب رضاعه عليه السلام. وروى مثله باختلاف في دلائل النبوة: 226 بطريقين عن اميمة. (3) قال ابن الاثير في النهاية: 3 / 80: " فضرب عليه آذانهم ": هو كناية عن النوم، ومعناه: حجب الصوت والحس أن يلجأ آذانهم فينتبهوا، فكأنما قد ضرب عليهم حجاب. انتهى. ومنه قوله تعالى: " فضربنا على آذانهم " الكهف: 11.

[ 95 ]

باسم رجل من بني سليم كان يجلب إلى عثمان الخيل والغنم والسمن. فجاء عثمان فأدخله منزله وقال: ويحك ما صنعت ؟ ادعيت أنك رميت رسول الله وادعيت أنك شققت شفتيه، وكسرت رباعيته، وادعيت أنك قتلت حمزة. وأخبره بما لقي، وأنه ضرب على أذنه. فلما سمعت ابنة النبي صلى الله عليه وآله بما صنع بأبيها وعمها صاحت، فأسكتها عثمان، ثم خرج عثمان إلى رسول الله وهو جالس في المسجد فاستقبله بوجهه وقال: يا رسول الله إنك آمنت عمي المغيرة وكذب ؟ فصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وجهه عنه ثم استقبله من الجانب الآخر فقال: يا رسول الله إنك آمنت عمي المغيرة وكذب ؟ فصرف عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وجهه ثلاثا. ثم قال: قد آمناه وأجلناه ثلاثا، فلعن الله من أعطاه راحلة أو رحلا أو قتبا أو سقا أو قربة أو أداوة (1) أو خفا أو نعلا أو زادا أو ماء. قال عاصم: هذه عشرة أشياء، فأعطاها كلها إياه عثمان. فخرج سار على ناقته فنقبت، ثم مشى في خفيه فنقبا، ثم مشى في نعليه فنقبتا، ثم مشى على رجليه فنقبتا، ثم جثا على ركبتيه فنقبتا، فأتى شجرة فجلس تحتها. فجاء الملك فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله بمكانه، فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وآله زيدا والزبير (3) فقال لهما: إئتياه فهو في مكان كذا وكذا، فاقتلاه. فلما إنتهيا إليه قال: زيد للزبير: إنه ادعى أنه قتل أخي، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله آخى بين حمزة وزيد فاتركني أقتله. فتركه الزبير، فقتله.


(1) " دلوا " ه‍، والبحار. والاداوة: اناء صغير من جلد. (2) نقب البعير بالكسر: إذا رقت أخفافه، وأنقب الرجل: إذا نقب بعيره. لسان العرب: 1 / 766 (3) في رواية الكافي: علي عليه السلام وعمار وثالث لهما.

[ 96 ]

فرجع عثمان من عند النبي صلى الله عليه وآله فقال لامرأته: إنك أرسلتي إلى أبيك فأعلمتيه بمكان عمي. فحلفت له بالله ما فعلت، فلم يصدقها فأخذ خشبة القتب (1) فضربها ضربا مبرحا. فأرسلت إلى أبيها تشكو ذلك وتخبره بما صنع، فأرسل إليها: إني لاستحيي للمرأة أن لا تزال تجر ذيولها تشكو زوجها. فأرسلت إليه أنه قد قتلني. فقال صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: خذ السيف، ثم إئت بنت عمك فخذ بيدها، فمن حال بينك وبينها فاضربه بالسيف. فدخل عليها علي عليه السلام فأخذ بيدها، فجاء بها إلى النبي صلى الله عليه وآله، فأرته ظهرها، فقال أبوها: قتلها، قتله الله. فمكثت يوما وماتت في الثاني، واجتمع الناس للصلاة عليها. فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله من بيته وعثمان جالس مع القوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من ألم (2) بجاريته الليلة فلا يشهد جنازتها. قالها مرتين، وهو ساكت فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ليقومن أو لاسمينه باسمه واسم أبيه. فقام يتوكأ على مهين (3) قال: فخرجت فاطمة عليها السلام في نسائها، فصلت على أختها. (4)


(1) " القيت " م وه‍ وط. والقتب: جمعها أقتاب، وهو رحل الدابة. (2) ألم الشى: قربه، وألم بجاريته: أي قاربها وواقعها. راجع المصباح المنير: 559، والبحار: 78 / 393 (بيان). ويوافقه في هذا المعنى ما في رواية الكليني: قوله عليه السلام: " ملتحفا بجاريتها ". (3) قال ابن الاثير في اسد الغابة: 4 / 425: مهين بن الهيثم بن ناجي بن مجدعة من آل الاسود بن أوس بن نابي لا عقب له. ذكره ابن اسحاق فيمن شهد العقبة. وذكره ابن منيع وجعفر المستغفري في الصحابة. أخرجه أبو موسى وقال المجلسي (رحمه الله) في توضيحه في البحار: 22 / 159: وكان مهينا اسم مولاه. ومما يعضده ما في رواية الكليني: " فأقبل عثمان متوكيا على مولى له ". (4) عنه البحار: 22 / 158 ح 19 وج 78 / 391 ح 57. ورواه بنحو آخر في الكافي: 3 / 251 ح 8، وفي التهذيب: 3 / 333 ح 69. وأخرجه في الوسائل: 2 / 818 ح 2 والبحار: 22 / 160 ح 22 وج 78 / 392 (بيان) عن الكافي.

[ 97 ]

157 - ومنها: ما رواه جابر بن يزيد الجعفي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: مر رسول الله صلى الله عليه وآله يوما على علي عليه السلام والزبير قائم معه يكلمه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما تقول له ؟ فو الله لتكونن أول العرب تنكث بيعته. (1) 158 - ومنها: أن أبا بصير روى، عن أبي عبد الله عليه السلام: أنه كان في المسجد الحرام ثلاثمائة وستون صنما، وإن بعضها فيما يزعمون مشدود ببعضها بالرصاص. فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله كفا من حصى، فرماها في عام الفتح، ثم قال: " جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ". (2) فما بقي منها صنم إلا خر لوجهه. فأمر بها فاخرجت من المسجد، فطرحت وكسرت. (3) فلما دخل وقت صلاة الظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بلالا، فصعد على الكعبة فقال عكرمة (4): أكره أن أسمع صوت ابن رباح ينهق على الكعبة.


(1) عنه البحار: 18 / 116 ح 22. (2) الاسراء: 81. (3) عنه البحار: 21 / 117 ح 15 وعن الارشاد للمفيد: 80. وروى نحوه في أمالي الطوسي: 1 / 346، عنه البحار: 21 / 116 ح 11. وأورد نحوه في تأويل الآيات: 1 / 286 ح 26، وفي كشف الغمة: 2 / 498، وفي سعد السعود: 220، وفي مجمع البيان: 6 / 435. ووردت الرواية في كتب التفاسير في ذيل الآية المذكورة بألفاظ مختلفة ومنها: في التبيان: 6 / 512، وفي تفسير أبي الفتوح: 7 / 274، والبغوي: 2 / 133، والطبري: 15 / 152، والدر المنثور: 4 / 199، والكشاف: 2 / 537، وابن كثير: 3 / 59، والنيسابوري: 2 / 466، وأبي السعود: 5 / 191، والرازي: 21 / 34، والقرطبي: 10 / 314. والسبزواري: 4 / 310، والبيضاوي: 3 / 126. وللحديث مصادر كثيرة بطرق وأسانيد متعددة من كتب الخاصة والعامة، وما أوردناه بعض منها، وللمزيد راجع: إحقاق الحق: 3 / 550 وج 8 / 684، وج 14 / 574، وج 18 / 162. (4) هو عكرمة بن أبي جهل.

[ 98 ]

وحمد [ الله ] خالد بن أسيد (1) أن أباه [ أبا عتاب ] توفي ولم ير ذلك. وقال أبو سفيان: لا أول شيئا، لو نطقت لظننت أن هذه الجدر (2) ستخبر به محمدا. فبعث إليهم النبي صلى الله عليه وآله فأتى بهم، فقال عتاب: نستغفر الله ونتوب إليه، قد والله يا رسول الله قلنا. فأسلم وحسن إسلامه، فولاه رسول الله صلى الله عليه وآله مكة. (3) 159 - ومنها: أن الصادق عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أقبل إلى الجعرانة (4) فقسم فيها الاموال، وجعل الناس يسألونه ويعطيهم حتى ألجؤوه إلى شجرة فأخذت برده وخدشت ظهره حتى رحلوه عنها وهم يسألونه، فقال: أيها الناس ردوا علي بردي، والله لو كان عندي عدد شجر تهامة نعما لقسمته بينكم، ثم ما ألفيتموني جبانا ولا بخيلا. ثم خرج من الجعرانة في ذي القعدة. قال: فما رأيت تلك الشجرة إلا خضراء كأنما يرش عليها الماء. وفي رواية أخرى: حتى انتزعت الشجرة رداءه وخدشت ظهره. (5) 160 - ومنها: أنه في وقعة تبوك أصاب الناس عطش، فقالوا: يا رسول الله لو دعوت الله


(1) هو خالد بن أسيد بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس الاموي، أخو عتاب. وعتاب بن أسيد، أبو عبد الرحمن، أو أبو محمد المكي، له صحبة، كان أمير مكة في عهد النبي صلى الله عليه وآله. راجع الاصابة: 1 / 401 رقم 2144، وتقريب التهذيب: 2 / 3 رقم 1. (2) جمع جدار. (3) عنه البحار: 21 / 118 ح 16. وروى نحوه في دلائل النبوة: 4 / 328 بإسناده إلى سعيد ابن المسيب، والواقدي في المغازي: 2 / 737. وأورده ابن كثير في البداية والنهاية: 4 / 232. (4) الجعرانة: هي ماء بين الطائف ومكة، وهي إلى مكة أقرب. نزلها النبي صلى الله عليه وآله لما قسم غنائم هوازن عند رجوعه من غزاة حنين، وأحرم منها. وله فيها مسجد. وبها بئار متقاربة. معجم البلدان: 2 / 142. (5) عنه البحار: 16 / 226 ح 32 و 33.

[ 99 ]

لسقانا ؟ فقال صلى الله عليه وآله: لو دعوت الله لسقيت. قالوا: يا رسول الله ادع الله ليسقينا. فدعا، فسالت الاودية. وإذا قوم على شفير الوادي يقولون: مطرنا بنوء (1) الذراع وبنوء كذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ألا ترون ؟ فقال خالد: ألا أضرب أعناقهم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا، هم يقولون هكذا، وهم يعلمون أن الله أنزله. (2) 161 - ومنها: أن أبا عبد الله عليه السلام قال: قال الناس في غزوة تبوك: تخلف أبو ذر فنزل [ بسحر طويل ] (3) فلم يبرح مكانه حتى أصبح، ثم جعل يرمق الطريق حتى طلع أبو ذر يحمل كساه (4) على عاتقه، قال: وقد تخلف عنه بعيره، فتلوم (5) عليه فلما أبطأ عليه، أخذ متاعه ومضى، قال: هذا أبو ذر. فقال النبي صلى الله عليه وآله: أبو ذر يمشي وحده، ويجيئ (6) وحده، ويموت وحده ويبعث وحده، اسقوه، فإنه عطشان. فقلنا: يا رسول الله هذه إداوة معلقة معه بعصاة مملوءة ماءا.


(1) النوء: النجم إذا مال للمغيب، والجمع أنواء. وإنما سمي نوءا، لانه إذا سقط الساقط منها بالمغرب، ناء الطالع بالمشرق. وينوء نوءا أي: نهض وطلع، وذلك النهوض هو النوء، فسمى النجم به. والذراع: هي أحد الانواء الثمانية والعشرين من منازل القمر، ومنها: السرطان، والقلب وسعد السعود، وغيرها. لسان العرب: 1 / 176. (2) عنه البحار: 18 / 15 ح 42 وج 58 / 316 ح 7. (3) ليس في البحار. " شجر " ه‍ وط. والسحر: بفتحتين: قبيل الصبح. (4) " أشياءه " البحار. (5) تلوم تلوما: تمكث أي: انتظر. وقال الجزري في النهاية: 4 / 278: " وكانت العرب تلوم باسلامهم الفتح " أي: تنتظر. (6) " يحيى " م، والبحار.

[ 100 ]

قال: فالتفت وقال: فاياكم أن تقتلوه، اسقوه، فانه عطشان. قال أبو قتادة: فأخذت قد حي فملاته، ثم سعيت به نحوه حتى لقيته، فبرك على ركبتيه، ثم شرب حتى أتى عليه، فقلت: رحمك الله أبلغ منك العطش ما أرى وهذه إداوة معك مملوءة ماء ؟ قال: إني مررت على نضحة من السماء على صخرة فأوعيتها إداوتي، وقلت: أسقيها رسول الله. (1) 162 - ومنها: أن أبا عبد الله عليه السلام قال: ما زال القرآن ينزل بكلام المنافقين حتى تركوا الكلام، واقتصروا بالحواجب يغمزون، فقال بعضهم: ما تأمنون أن تسموا في القرآن فتفتضحوا أنتم وعقبكم، هذه عقبة بين أيدينا لو رمينا به منها يتقطع. فقعدوا على العقبة ويقال لها: عقبة ذي فيق. (2) قال حذيفة: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أراد النوم على ناقته اقتصدت في السير. فقال حذيفة: قلت ليلة من الليالي: لا والله لا أفارق رسول الله صلى الله عليه وآله. قال: فجعلت أحبس ناقتي عليه. فنزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: هذا فلان وفلان و [ فلان ] حتى عدهم، قد قعدوا ينفرون (3) بك.


(1) عنه البحار: 22 / 433 ح 45. وروى مثله باختلاف في دلائل النبوة: 5 / 221 بإسناده عن عبد الله بن مسعود. وأورده في البداية والنهاية: 5 / 8. (2) " فتق " البحار. قال الحموي في معجم البلدان: 4 / 286: فيق: بالكسر ثم السكون، كأنه فعل ما لم يسم فاعله من فاق يفوق. قال أبو بكر الهمداني: فيق مدينة بالشام بين دمشق وطبرية. ويقال: أفيق: بالالف. وعقبة فيق لها ذكر في أحاديث الملاحم. قلت أنا: عقبة فيق ينحدر منها إلى الغور، غور الاردن. ومنها يشرف على طبرية وبحيرتها وقد رأيتها مرارا... انتهى. أقول: الظاهر أنها " عقبة فيق " كما في المعجم، وليس " ذي فيق " كما في الرواية. (3) قال ابن الاثير في النهاية: 5 / 92 و 93: يقال: نفر إذا فر وذهب، وأنفر بنا: أي جعلنا منفرين ذوي ابل نافرة. =

[ 101 ]

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا فلان، يا فلان، يا فلان، يا أعداء الله. حتى سماهم بأسمائهم كلهم. ثم نظر، فإذا حذيفة، فقال: عرفتهم ؟ قلت: نعم برواحلهم وهم متلثمون، فقال: لا تخبر بهم أحدا. فقلت: يا رسول الله أفلا تقتلهم ؟ قال: إني أكره أن يقول الناس " قاتل بهم حتى إذا ظفر قتلهم " وكانوا من قريش (1). 163 - ومنها: أنه صلى الله عليه وآله قال لجيش بعثهم إلى أكيدر دومة الجندل (2): أما إنكم تأتونه فتجدونه يصيد البقر. فوجدوه كذلك. (3)


= ومنه حديث زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله " فأنفر بها المشركون بعيرها حتى سقطت " انتهى. أقول: أرادوا أن يفزعوا الناقة لتسقط الرسول صلى الله عليه وآله عن ظهرها، فيقتلوه أو أن يقع في واد أو غيره. (1) عنه البحار: 21 / 233 ح 11. (2) قال الحموي في معجم البلدان: 2 / 487 (والعبارات متفرقة): لما كثر ولد اسماعيل عليه السلام بتهامة، خرج دوماء بن إسماعيل حتى نزل موضع دومة وبنى به حصنا، فقيل: دوماء، ونسب الحصن إليه، وهي سبع مراحل من دمشق، بينها وبين مدينة الرسول صلى الله عليه وآله. سميت دومة الجندل، لان حصنها مبنى بالجندل، [ والجندل: جمعه جنادل، الصخر العظيم ] فأما دومة فعليها سور يتحصن به، وفي داخل السور حصن منيع يقال له: " مارد " وهو حصن اكيدر بن عبد الملك السكوني الكندي، وكان النبي صلى الله عليه وآله قد وجه إليه خالد بن الوليد من تبوك، وقال له: ستلقاه يصيد الوحش. وكان نصرانيا، فأسلم أخوه حريث، فأقره النبي صلى الله عليه وآله على ما في يده، ونقض اكيدر الصلح بعد النبي صلى الله عليه وآله. راجع المصدر المذكور، ففيه تفصيل. (3) عنه البحار: 18 / 116 ح 23. ورواه مفصلا في دلائل النبوة: 5 / 250 - 253 بأسانيد وطرق متعددة، وفي السيرة النبوية لابن هشام: 4 / 139. وأورده ابن كثير في البداية والنهاية: 5 / 17 مختصرا. راجع معجم البلدان أيضا.

[ 102 ]

164 - ومنها: أنه لما نزلت: " إذا جاء نصر الله والفتح " (1) قال: نعيت إلي نفسي وأني مقبوض. فمات في تلك السنة. وقال لما بعث معاذ بن جبل إلى اليمن: إنك لا تلقاني بعد هذا. (2) 165 - ومنها: أن الصادق عليه السلام قال: أصابت رسول الله صلى الله عليه وآله في غزوة المصطلق ريح شديدة، فتت (3) الرحال وكادت تدفنها، (4) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أما إنها موت منافق. قالوا: فقدمنا المدينة فوجدنا رفاعة بن زيد مات في ذلك اليوم، وكان عظيم النفاق، وكان أصله من اليهود. فضلت ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله في تلك الريح، فزعم (5) يزيد بن الاصيب، وكان في منزل عمارة بن حزم: كيف يقول: إنه يعلم الغيب ولا يدري أين ناقته ؟ فقالوا: بئس ما قلت والله ما يقول هو أنه يعلم الغيب، وهو صادق. فأخبر النبي بذلك فقال: لا يعلم الغيب إلا الله، وإن الله أخبرني أن ناقتي في هذا الشعب تعلق زمامها بشجرة. فوجدوها كذلك، ولم يبرح أحد من ذلك الموضع (6) فأخرج عمارة بن الاصيب من منزله. (7) 166 - ومنها: أن سلمان قال: كنت صائما فلم أقدر إلا على الماء ثلاثا، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك، فقال: اذهب بنا.


(1) سورة النصر (2) عنه البحار: 18 / 116 ح 24. وأخرج نحوه الخاصة والعامة، في تفاسيرهم، أحاديث متعددة وبألفاظ مختلفة، ضمن السورة المذكورة. (3) " فقلبت " ه‍، والبحار، " فنبشت " ط، " شتت " خ ل. (4) " تدقها " ه‍، والبحار. (5) زعم زعما: قال قولا حقا أو باطلا. وأكثر ما يقال في ما يشك فيه، أو يعتقد كذبه. ومن عادتهم أن من قال كلاما وكان عندهم كاذبا، يقولون فيه " زعم فلان ". (6) " المسجد " م وه‍ وط. (7) عنه البحار: 18 / 116 ح 25.

[ 103 ]

قال: فمررنا فلم نصب شيئا إلا عنزة، فقال رسول الله لصاحبها: قربها. قال: حائل. (1) قال: قربها. فقربها، فمسح موضع ضرعها، فأسدلت. قال لصاحبها: قرب قعبك (2) [ فجاء ] فملاه لبنا، فأعطاه صاحب العنز فقال: اشرب. فشرب، ثم ملا القدح وناولني فشربته، ثم أخذ القدح، فملاه فشرب. (3) 167 - ومنها: أن أنسا قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: يدخل عليكم من هذا الباب خير الاوصياء، وأدنى الناس منزلة من الانبياء. فدخل علي بن أبي طالب عليه السلام فقال لعلي: " اللهم اذهب عنه الحر والبرد ". فلم يجدهما حتى مات، فإنه كان يخرج في قميص في الشتوة. (4) 168 - ومنها: أن رسول الله صلى الله عليه وآله كتب إلى قيس بن عرنة البجلي يأمره بالقدوم عليه، فأقبل ومعه خويلد بن الحارث الكلبي، حتى إذا دنا من المدينة، هاب الرجل أن يدخل. فقال له قيس: أما إذا أبيت أن تدخل فكن في هذا الجبل حتى آتيه، فإن رأيت الذي تحب أدعوك، فاتبعني. فأقام ومضى قيس حتى إذا دخل على النبي صلى الله عليه وآله المسجد فقال: يا رسول الله أنا آمن ؟ قال: نعم، وصاحبك الذي تخلف في الجبل. قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله.


(1) يقال: امرأة حائل ونخلة حائل، أي: لا تحملان. (2) القعب: اناء ضخم كالقصعة، والجمع " قعاب " و " أقعب ". (3) عنه البحار: 18 / 30 ح 18. (4) عنه البحار: 18 / 16 ح 43. تقدمت بعض تخريجاته في ص 57 ح 94. والدعاء قاله الرسول صلى الله عليه وآله أيضا في يوم خيبر، كما ذكره المؤرخون والمؤلفون في كتبهم. راجع بشأنه إحقاق الحق: 5 / 396 و 421 و 436 و 437 - 442 وج 17 / 127.

[ 104 ]

فبايعه، وأرسل إلى صاحبه فأتاه، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: يا قيس إن قومك قومي، وإن لهم في الله وفي رسوله خلفا. (1) 169 - ومنها: أن هرقل بعث رجلا من غسان وأمره أن يأتيه بخبر محمد، وقال له: احفظ لي من أمره ثلاثا: انظر على أي شئ تجده جالسا، ومن على يمينه، وإن استطعت أن تنظر إلى خاتم النبوة فافعل. فخرج الغساني حتى أتى النبي صلى الله عليه وآله فوجده جالسا على الارض، ووجد علي بن أبي طالب عليه السلام عن يمينه، وجعل رجليه في ماء يفور، فقال: من هذا على يمينه ؟ قيل: ابن عمه. فكتب ذلك ونسي الغساني الثالثة. فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: تعال، فانظر إلى ما أمرك به صاحبك. فنظر إلى خاتم النبوة، فانصرف الرسول إلى هرقل. قال: ما صنعت ؟ قال: وجدته جالسا على الارض والماء يفور تحت قدميه. ووجدت علينا ابن عمه عن يمينه، وأنسيت ما قلت لي في الخاتم، فدعاني فقال: هلم إلى أمرك به صاحبك. فنظرت إلى خاتم النبوة. فقال هرقل: هو هذا الذي بشر به عيسى بن مريم، إنه يركب البعير فاتبعوه وصدقوه. ثم قال للرسول: أخرج إلى أخي فأعرض عليه، فانه شريكي في الملك. فقلت له: فما طاب نفسه عن ذهاب ملكه (2). 170 - ومنها: أن رسول الله صلى الله عليه وآله لقى في غزوة ذات الرقاع رجلا من محارب يقال له: عاصم، فقال له: يا محمد أتعلم الغيب ؟ قال: لا يعلم الغيب إلا الله. قال: والله لجملي هذا أحب لي من إلهك. قال صلى الله عليه وآله: لكن الله قد أخبرني من علم غيبه أنه تعالى سيبعث عليك قرحة في


(1) عنه البحار: 18 / 16 ح 26 وج 22 / 76 ح 28. (2) عنه البحار: 20 / 378 ح 2.

[ 105 ]

في مسبل (1) لحيتك حتى تصل إلى دماغك فتموت - والله - إلى النار. فرجع فبعث الله قرحة فأخذت في لحيته حتى وصلت إلى دماغه، فجعل يقول: لله در القرشي إن قال بعلم، أو زجر (2) فأصاب. (3) 171 - ومنها: أن أبا ذر: قال: يا رسول الله إني قد اجتويت (4) المدينة أفتأذن لي أن أخرج أنا وابن أخي إلى الغابة (5) فنكون بها ؟. قال: إني أخشى أن تغير حي من العرب، فيقتل ابن أخيك فتأتي تسعى، فتقوم بين يدي متكئا على عصاك فتقول، قتل ابن أخي، وأخذ السرح. (6) فقال: يا رسول الله بل لا يكون إلا خيرا. فأذن له فأغارت خيل بني فزارة، فأخذوا السرح وقتلوا ابن أخيه، فجاء أبو ذر معتمدا على عصاه، ووقف عند رسول الله صلى الله عليه وآله وبه طعنة قد جافته (7) فقال: صدق الله ورسوله. (8)


(1) " مسك " ه‍، " مسد " م. قال الجزري في النهاية: 2 / 339: " أنه كان وافر السبلة "... قال الهروي: هي الشعرات التي تحت اللحى الاسفل. والسبلة عند العرب: مقذم اللحية وما أسبل منها على الصدر (2) الزجر: الكهانة، وزجر الرجل: تكهن، ويقولون: زجرت أن يكون كذا وكذا، أي: أنذرت بوقوعه. (3) عنه البحار: 18 / 118 ح 28. (4) قال الجزري في النهاية: 1 / 318: " فاجتووا المدينة " أي: أصابهم الجوى: وهو المرض، وداء الجوف إذا تطاول، وذلك إذا لم يوافقهم هواؤها واستوخموها. ويقال: اجتويت البلد: إذا كرهت المقام فيه، وإن كنت في نعمة. (5) الغابة: هو موضع قرب المدينة من ناحية الشام فيه أموال لاهل المدينة. معجم البلدان: 4 / 182 (6) السرح: جمعها " سروح " وواحدته " سرحة ": الماشية. (7) جاف جافا بالطعنة: بلغ بها جوفه. (8) عنه الحار: 18 / 117 ح 27 وعن المناقب لابن شهر اشوب: 1 / 100 مثله، وج 22 / 402 ح 13 وعن الكافي: 8 / 126 ح 96 بإسناده عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام: مثله. =

[ 106 ]

172 - ومنها: أن أبا ذر أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وكان نائما في حائط (1) فكره أن ينبهه، فأراد أن يستبرئ (2) نومه من يقظته، فتناول عسيبا (3) يابسا فكسره، فسمعه رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا أبا ذر أما تعلم أني أرى أعمالكم في منامي كما أرى في يقظتي ؟ إن عيني تنامان، ولا ينام قلبي. (4) 173 - ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله قال للعباس: ويل لذريتي من ذريتك. فقال: يا رسول الله فأختصي ؟ فقال: إنه أمر قد قضي. أي لا ينفع الخصاء، فعبدالله قد ولد، وصار له ولد. (5) 174 - ومنها: أن وابصة بن معبد الاسدي أتاه وقال في نفسه: لا أدع من البر والاثم شيئا إلا سألته، فلما أتاه قال له بعض أصحابه: إليك يا وابصة عن سؤال رسول الله صلى الله عليه وآله. فقال النبي صلى الله عليه وآله: ادعوا وابصة، ادن. فدنوت، فقال: تسأل عما جئت له ؟ أم أخبرك ؟ قال: أخبرني. قال: جئت تسأل عن البر والاثم. قال: نعم فضرب يده على صدره ثم قال: البر ما اطمأنت إليه النفس، والبر ما اطمأن إليه الصدر


أورد المجلسي " رحمه الله " في البحار بيانا للحديث، وننقل قوله في البحار: 18: " ثم ان هذا من أبى ذر - رضى الله عنه - على تقدير صحته، لعله كان قبل كمال ايمانه واسقرار أمر. (1) أي بستان. (2) قال الشيخ المجلسي: الاستبراء كناية عن الامتحان، أي فعل ذلك ليستعلم أنه صلى الله عليه وآله نائم أم لا. (3) العسيب: جريدة من النخل مستقيمة رقيقة يكشط خوصها. (4) عنه البحار: 16 / 173 ح 9، وعن بصائر الدرجات: 421 ح 10. ورواه في ص 421 ح 9 من البصائر بإسناده إلى ميمون القداح عن الصادق عليه السلام. عنه البحار المذكور: 172 ح 8. (5) عنه البحار: 18 / 119 ح 31.

[ 107 ]

والاثم ما تردد في الصدر، وجال في القلب، وإن أفتاك الناس، وإن أفتوك. (1) 175 - ومنها: أنه أتاه وفد عبد القيس فدخلوا عليه، فلما أدركوا حاجتهم قال: إئتوني بتمر أرضكم مما معكم. فأتاه كل واحد منهم بنوع منه، فقال النبي صلى الله عليه وآله: هذا يسمى كذا، وهذا يسمى كذا. قالوا: أنت أعلم بتمر أرضنا منا ! فوصف لهم أرضهم، فقالوا ؟: دخلتها ؟ قال: لا، ولكن فسح لي فنظرت إليها. فقام رجل منهم فقال: يا رسول الله هذا خالي وبه خبل. فأخذ بردائه وقال: أخرج يا عبد (2) الله - ثلاثا - ثم أرسله فبرئ. فأتوه بشاة هرمة، فأخذ إحدى أذنيها بين إصبعيه فصار لها ميسما (3) ثم قال: خذوها فإن هذا ميسم في آذان ما تلد إلى يوم القيامة. فهي تتوالد كذلك. (4) 176 - ومنها: أنها كان في سفر فمر على بعير قد أعيا وأقام على أصحابه، فدعا بماء فتمضمض منه في إناء وتوضأ وقال: افتح فاه. وصب في فيه من ذلك الماء و على رأسه ثم قال: اللهم احمل خلادا وعامرا ورفيقهما. وهما صاحبا الجمل. فركبوه وإنه ليهتز بهم أمام الخيل. (5) 177 - ومنها: أنه مر على بعير ساقط فبصبص له، فقال: إنه يشكوا ولاية أهله وسأله أن يخرج عنهم، فسأل عن أصحابه فأتاه صاحبه فقال له:


(1) عنه البحار: 18 / 119 ح 29. ورواه في قرب الاسناد: 135، عنه الوسائل: 18 / 121 ح 34، والبحار: 17 / 229. ورواه في دلائل النبوة: 6 / 292 بطريقين. وأحمد في مسنده: 4 / 227 وص 228 وابن كثير في البداية والنهاية: 6 / 181. (2) " عدو " البحار. (3) أي علامة. (4) عنه البحار: 18 / 118 ح 30. ورواه في قرب الاسناد: 135، عنه البحار: 17 / 229. وتقدم نحوه في ص 29 ح 20. (5) عنه البحار: 18 / 30 ح 19. ورواه في قرب الاسناد: 136، عنه البحار: 17 / 229.

[ 108 ]

بعه وأخرجه عنك. فأبى، والبعير يرغو، ثم نهض وتبع النبي صلى الله عليه وآله فقال: يسألني أن أتولى أمره. فباعه من علي عليه السلام، فلم يزل عنده إلى أيام صفين. (1) 178 - ومنها: أن ناقة ضلت لبعض أصحابه في سفر كان فيه، فقال صاحبها: لو كان نبيا لعلم أين الناقة. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله، فقال صلى الله عليه وآله: الغيب لا يعلمه إلا الله، انطلق يا فلان فإن ناقتك بمكان كذا، قد تعلق زمامها بشجرة. فوجدها كما قال. (2) 179 - ومنها: أن عليا عليه السلام قال: دخلت السوق فابتعت لحما بدرهم، وذرة بدرهم فأتيت بهما فاطمة عليها السلام حتى إذا فرغت من الخبز والطبخ قالت: لو أتيت أبي فدعوته. فخرجت وهو مضطجع، وهو يقول: أعوذ بالله من الجوع ضجيعا. فقلت: يا رسول الله عندنا طعام. فاتكأ علي، ومضينا نحو فاطمة. فلما دخلنا: قال: هلم طعامك يا فاطمة. فقدمت إليه البرمة (3) والقرص، فغطى القرص وقال: اللهم بارك لنا في طعامنا. ثم قال: اغرفي لعائشة. فغرفت ثم قال: اغرفي لام سلمة. فما زالت تغرف حتى وجهت إلى نسائه التسع بقرصة قرصة ومرق. ثم قال: اغرفي لابيك وبعلك. ثم قال: اغرفي وكلي واهدي لجيرانك. ففعلت، وبقي عندهم ما يأكلون أياما. (4) 180 - ومنها: أن امرأة عبد الله بن مسلم أتته بشاة مسمومة، ومع النبي صلى الله عليه وآله بشر


(1) عنه البحار: 17 / 408 ح 36. ورواه في قرب الاسناد: 136، عنه البحار المذكور ص 230. (2) عنه البحار: 18 / 119 ح 32. ورواه في قرب الاسناد المذكور، عنه البحار المذكور. وتقدم نحوه في ص 30 ح 25. ويأتي في ح 197. (3) البرمة: قدر يصنع من الحجر. (4) عنه البحار: 18 / 30 ح 20، ورواه في قرب الاسناد: 137، عنه البحار: 17 / 232.

[ 109 ]

ابن البراء بن معرور (1) فتناول النبي صلى الله عليه وآله الذراع، وتناول بشر الكراع فأما النبي صلى الله عليه وآله فلاكها، ولفظها، وقال: إنها لتخبرني أنها مسمومة. وأما بشر فلاك المضغة فابتلعها فمات، فأرسل إليها فأقرت. فقال: ما حملك على ما فعلت ؟ قالت: قلت زوجي، وأشراف قومي، فقلت: إن كان ملكا قتلته، وإن كان نبيا فسيطلعه الله عليه. (2) 181 - ومنها: أن سعد بن عبادة أتاه عشية وهو صائم، فدعاه إلى طعامه ودعا معه عليا عليه السلام فلما أكلوا قال النبي صلى الله عليه وآله: نبي ووصي أفطرا عندك وأكل طعامك الابرار، وأفطر عندك الصائمون، وصلت عليك الملائكة. فحمله سعد على حمار قطوف (3) وألقى عليه قطيفة، وإنه لهملاج (4) [ لا ] يساير. (5) 182 - ومنها: أنه أقبل إلى الحديبية وفي الطريق - يوم خرج - وشل (6) بقدر ما يروي الراكب والراكبين، فقال: من سبقنا إلى الماء فلا يستقين.


(1) كذا في جميع المصادر وهو الصحيح. وفي سائر النسخ وقصص الانبياء: عازب. راجع بشأنه والرواية: طبقات ابن سعد: 2 / 111، أسد الغابة: 1 / 183، تهذيب الاسماء واللغات: 1 / 133، سير أعلام النبلاء: 1 / 169، كنز العمال: 13 / 296، ومجمع الزوائد: 9 / 215. (2) عنه البحار: 17 / 408 ح 37، وأخرجه في ص 232 عن قرب الاسناد: 137. ورواه المصنف في قصص الانبياء: 310 (مخطوط). ورواه في دلائل النبوة: 4 / 262 وص 263 بعدة طرق، عنه البداية والنهاية: 4 / 210. وتقدم مختصرا في ص 27 ح 13. (3) القطوف من الدواب: التي تسئ السير وتبطئ. (4) دابة هملاج: الحسنة السريعة السير المتبخترة. وقوله " لا يساير " أي لا تسير معه دابة ولا يسابق لسرعة سيره. (5) عنه البحار: 17 / 409 ح 38، وأخرجه في ص 233 عن قرب الاسناد: 138. (6) الوشل: الماء القليل.

[ 110 ]

فلما انتهى إليه دعا بقدح، فتمضمض فيه، ثم صب في الماء، فشربوا وملاوا أداواتهم ومياضيهم (1) وتوضؤوا. فقال النبي صلى الله عليه وآله: لئن بقيتم أو بقي منكم ليسمعن بسقي ما بين يديه من كثرة مائه. فوجدوا من ذلك ما قال. (2) 183 - ومنها: أن أخت (3) عبد الله بن رواحة الانصاري مرت به أيام حفرهم الخندق، فقال لها: أين تريدين ؟ قالت: آتي عبد الله بهذه التمرات. فقال: هاتيهن. فنثرت في كفه، ثم دعا بالانطاع (4) ثم نادى: هلموا فكلوا. فأكلوا فشبعوا وحملوا ما أرادوا معهم. ودفع ما بقي إليها. (5) 184 - ومنها: أنه كان في سفر فأجهد الناس جوعا، فقال: من كان معه زاد فليأتنا فأتاه نفر منهم بمقدار صاع، فدعا بالازر والانطاع، ثم صفف التمر عليها، ودعا ربه فأكثر الله ذلك التمر حتى كان أزوادهم إلى المدينة. (6) 185 - ومنها: أن أعرابيا أتاه عليه السلام فقال: إني أريد أن أسألك عن أشياء فلا تغضب. قال: سل عما شئت، فإن كان عندي أجبتك وإلا سألت جبرئيل. فقال: أخبرنا عن الصليعاء، والقريعاء (7) وعن أول دم وقع على وجه الارض، وعن


(1) واحدها: اداوة وهي الاناء الصغير الذي يصنع من جلد. المياضي جمع الميضاة: المطهرة (2) عنه البحار: 18 / 31 ح 21. ورواه في قرب الاسناد: 138، عنه البحار: 17 / 233. (3) " بنت " البحار: 18 (4) الانطاع: جمع نطع، وهو البساط المصنوع من الجلد. (5) عنه البحار: 18 / 31 ح 22. ورواه في قرب الاسناد: 139، عنه البحار: 17 / 234. ونحوه في دلائل النبوة: 3 / 427، وسيره ابن هشام: 3 / 172، والبداية والنهاية: 4 / 96. (6) عنه البحار: 18 / 31 ح 23. ورواه قرب الاسناد: 139، عنه البحار: 17 / 234. (7) الصليعاء: تصغير الصلعاء وهي الارض التي لا تنبت. وقال ابن الاثير في النهاية: 4 / 45: ومنه حديث علي: " ان أعرابيا سأل النبي صلى الله عليه وآله عن الصليعاء والقريعاء " القريعاء: أرض لعنها الله، إذا أنبتت أو زرع فيها نبت في حافتيها، ولم ينبت في متنها شئ.

[ 111 ]

خير بقاع الارض، وعن شرها ؟ فقال: يا أعرابي هذا ما سمعت به، ولكنني يأتيني جبرئيل فأسأل منه. فهبط، فسأله فقال: هذا أسماء ما سمعت بها قط، فعرج إلى السماء، ثم هبط فقال: أخبر الاعرابي أن " الصليعاء " هي السباخ التي يزرعها أهلها فلا تنبت شيئا. وأما " القريعاء " فالارض التي يزرعها أهلها فتنبت ها هنا طاقة وها هنا طاقة، فلا ترجع إلى أهلها نفقاتهم. وخير بقاع الارض المساجد، وشرها الاسواق، وهي ميادين إبليس إليها يغدوا. وإن أول دم وقع على الارض مشيمة حواء حين ولدت قابيل بن آدم. (1) 186 - ومنها: أن قوما من اليهود قالوا للصادق عليه السلام: أي معجز يدل على نبوة محمد ؟ قال: كتابه المهيمن الباهر لعقول الناظرين مع ما أعطي من الحلال والحرام وغيرهما مما لو ذكرناه لطالت. فقال اليهود: وكيف لنا بأن نعلم أن هذا كما وصفت ؟ فقال لهم موسى بن جعفر عليه السلام - وهو صبي وكان حاضرا -: وكيف لنا بأن نعلم ما تذكرون من آيات موسى أنها على ما تصفون ؟ قالوا: علمنا ذلك بنقل الصادقين. قال لهم موسى بن جعفر عليه السلام: فاعلموا صدق ما أنبأكم به بخبر طفل لقنه الله من غير تعليم، ولا معرفة عن الناقلين. فقالوا: نشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأنكم الائمة الهادية والحجج من عند الله على خلقه. فوثب أبو عبد الله عليه السلام فقبل بين عيني موسى بن جعفر عليه السلام ثم قال: أنت القائم من بعدي. (فلهذا قالت الواقفية: إن موسى بن جعفر عليه السلام حي وأنه القائم)


(1) عنه البحار: 9 / 281 ح 4.

[ 112 ]

ثم كساهم أبو عبد الله عليه السلام ووهب لهم، وانصرفوا مسلمين. ولا شبهة في ذلك لان كل إمام يكون قائما بعد أبيه، فأما القائم الذي يملا الارض عدلا فهو المهدي بن الحسن العسكري عليه السلام. (1) [ فدك ] 187 - ومنها: أن أبا عبد الله عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله خرج في غزاة فلما انصرف راجعا نزل في بعض الطريق، فبينا رسول الله صلى الله عليه وآله يطعم والناس معه إذ أتاه جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمد قم فاركب. فقال النبي صلى الله عليه وآله فركب، وجبرئيل معه فطويت له الارض كطي الثوب حتى انتهى إلى فدك (2) فلما سمع أهل فدك وقع الخيل ظنوا أن عدوهم قد جاءهم، فغلقوا أبواب المدينة، ودفعوا المفاتيح إلى عجوز لهم في بيت لهم خارج المدينة، ولحقوا برؤوس الجبال، فأتى جبرئيل العجوز حتى أخذ المفاتيح، ثم فتح أبواب المدينة ودار النبي صلى الله عليه وآله في بيوتها وقراها، فقال جبرئيل: يا محمد هذا ما خصك الله به وأعطاك دون الناس، وهو قوله: " ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى " (3) وذلك في قوله " فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط على من يشاء ". (4)


(1) عنه البحار: 10 / 244 ح 3. (2) قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان وقيل ثلاثة. راجع معجم البلدان: 4 / 238 - 240 ففيه بحث حول دوران ملكية فدك. (3، 4) سورة الحشر: 7 و 6. وراجع تفسير قوله تعالى: "... آت ذا القربى حقه " الاسراء: 26، والروم: 38 في إحقاق الحق: 3 / 549 وج 14 / 575 وشأن نزولها في فاطمة عليها السلام وفدك.

[ 113 ]

ولم يغزوا (1) المسلمون ولم يطؤوها ولكن الله أفاءها على رسوله، وطوف به جبرئيل في دورها وحيطانها وغلق الباب ودفع المفاتيح إليه فجعلها رسول الله في غلاف سيفه وهو معلق بالرحل. ثم ركب وطويت له الارض كطي الثوب، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وهم على مجالسهم لم يتفرقوا ولم يبرحوا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للناس: قد انتهيت إلى فدك، وإني قد أفاءها الله علي. فغمز المنافقون بعضهم بعضا. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: هذه المفاتيح فدك. ثم أخرجها (2) من غلاف سيفه، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وآله وركب معه الناس فلما دخل على فاطمة عليها السلام فقال: يا بنية إن الله قد أفاء على أبيك بفدك واختصه بها فهي لي خاصة دون المسلمين، أفعل بها ما أشاء، وإنه قد كان لامك خديجة على أبيك مهر، وإن أباك قد جعلها لك بذلك، ونحلتكها تكون (3) لك ولولدك بعدك. قال: فدعا بأديم عكاظي (4) ودعا علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: أكتب لفاطمة بفدك نحلة من رسول الله صلى الله عليه وآله. وشهد على ذلك علي بن أبي طالب، ومولى لرسول الله، وأم أيمن. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله إن أم أيمن إمرأة من أهل الجنة وجاء أهل فدك إلى النبي صلى الله عليه وآله فقاطعهم على أربعة وعشرين ألف دينار في كل سنة. (5)


(1) " يعرف " م. (2) " أخرج " م. ه‍. (3) " وأنحلتك اياها " س، ه‍. (4) الاديم: هو الجلد المدبوغ، وعكاظي: نسبة إلى سوق عكاظ لانه يحمل إليه فيباع هناك. معجم البلدان: 4 / 142. (5) عنه البحار: 17 / 378 ح 46، وج 8 (ط. حجر) / 93، واثبات الهداة: 2 / 116 ح 515. أقول: فدك وما أدراك ما فدك ؟ فتحت في تاريخ الاسلام باسم " فدك " بحوث ومحاورات وسيعة خالدة، إلى أن يقوم الامام الثاني عشر ويكشف الحجاب عن ذلك ولذا نصفح عن الخوض في هذا البحث صفحا جميلا. =

[ 114 ]

188 - ومنها: أن قريشا أرسلت النضر بن الحرث وعقبة بن أبي معيط إلى اليهود بيثرب فقالوا لهما: إذا قدمتما عليهم فاسألوهم عنه. فلما قدما سألوهم عنه، فقالوا: صفوا لنا صفته. فقالوا: ومن تبعه ؟ قالوا: سفلتنا. فصاح حبر منهم ثم قال: هذا النبي الذي نجد نعته في التوراة، ونجد قومه أشد الناس عداوة له. (1) 189 - ومنها: أن أبرهة بن يكسوم قاد الفيلة إلى بيت الله الحرام ليهدمه قبل مبعثه فقال عبد المطلب لابرهة وقد حقره بعد أن عظم شأنه لسؤاله بعيره: " إن لهذا البيت ربا يمنعه ". ثم رجع أهل مكة، فدعا عبد المطلب على أبي قبيس، وأهل مكة قد صعدوا وقد تركوا مكة، ثم قال لابي طالب: أخرج وانظر ماذا ترى في السماء. فرجع وقال: أرى طيورا لم تكن في ولايتنا. وقد أخبره سيف بن ذي يزن وغيره به فأرسل الله عليهم طيرا أبابيل، ودفعهم عن مكة وأهلها فأهلكهم ببركة محمد صلى الله عليه وآله. (2) 190 - ومنها: أن سيف بن ذي يزن حين ظفر بالحبشة، وفد عليه قريش، وفيهم عبد المطلب، فسأله عن محمد صلى الله عليه وآله سرا، فأخبره به. ثم بعد مدة طويلة دخلوا عليه فسألهم عنه، ووصف لهم صفته، فأقروا جميعا


= وقد ذكر شيخنا البحاثة الطهراني في كتاب ذريعته: 16 / 129 عشر كتب تناولت قصة فدك من جوانبها المختلفة، وهناك أيضا كتاب باسم " فدك " للسيد الجليل محمد حسن الموسوي وغيرها، وراجع بعض خطب نهج البلاغة التى تعرض فيها عليه السلام لفدك. وراجع البحار 8 (ط. حجر) / 91، واحقاق الحق: 10 / 296 والسبعة السلف: 35 ووو. (1) عنه البحار: 15 / 216 ح 29. ورواه في قرب الاسناد: 134، عنه البحار: 17 / 227. ونحوه في دلائل النبوة للبيهقي: 2 / 270. (2) عنه البحار: 15 / 145 ح 77، ورواه في قرب الاسناد: 133، عنه البحار: 17 / 226. والقصة مشهورة معروفة، مروية في كتب التاريخ والسيرة، وتفسير سورة الفيل.

[ 115 ]

أن هذه الصفة في محمد صلى الله عليه وآله فقال: هذا أوان مبعثه، ومستقره بيثرب، وموته بها. (1) 191 - ومنها: ما روى معمر بن خلاد عن الرضا، عن أبيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: كنت عند أبي يوم‍ (2) وأنا طفل خماسي [ إذ ] دخل عليه نفر من اليهود، فقالوا: أنت ابن محمد نبي هذه الامة، والحجة على أهل الارض ؟ قال لهم: نعم. قالوا: فانا نجد في التوراة أن الله آتى إبراهيم وولده الكتاب والحكم والنبوة وجعل لهم الملك والامامة، هكذا وجدنا ذرية الانبياء لا تتعداهم النبوة والخلافة والوصية، فما بالكم قد تعداكم ذلك، وثبت في غيركم، ونلقاكم مستضعفين مقهورين لا ترقب فيكم ذمة نبيكم ؟ ! فدمعت عينا أبي عبد الله عليه السلام ثم قال: نعم، لم تزل أنبياء الله مضطهدة مقهورة مقتولة بغير حق، والظلمة غالبة، وقليل من عباد الله الشكور. قالوا: فإن الانبياء وأولادهم عملوا من غير تعليم وأوتوا العلم تلقينا، وكذلك ينبغي لائمتهم وخلفائهم وأوصيائهم فهل أوتيتم ذلك ؟ قال أبو عبد الله عليه السلام: أذن يا موسى، فدنوت، فمسح يده على صدري، ثم قال: " اللهم أيده بنصرك بحق محمد وآله ". ثم قال: سلوه عما بدا لكم. قالوا: كيف نسأل طفلا لا يفقه ؟ فقلت: سلوني تفقها، ودعوا العنت. فقالوا: أخبرنا عن الآيات التسع التي أوتيها موسى بن عمران. قلت: العصا، وإخراجه يده من جيبه بيضاء، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم


(1) عنه البحار: 15 / 216 ح 30. ورواه في قرب الاسناد: 133. والحديث طويل: تمامه في دلائل النبوة للبيهقي: 2 / 9 - 14، ودلائل النبوة لابي نعيم: 52 - 60، والبداية والنهاية: 2 / 330. (2) " ذات يوم " خ ل.

[ 116 ]

ورفع الطور، والمن والسلوى آية واحدة، وفلق البحر. قالوا: صدقت، فما أعطي نبيكم من الآيات التي نفت الشك عن قلوب من أرسل إليه ؟ قلت: آيات كثيرة أعدها إن شاء الله فاسمعوا، وعوا، وافقهوا: أما أول ذلك فأنتم تدرون بأن الجن كانت تسترق السمع قبل مبعثه فمنعت في أوان رسالته بالرجوم وانقضاض النجوم، وبطلان السحرة والكهنة. ومن ذلك: كلام الذئب بخبر نبوته، وإجماع العدو والصديق على صدق لهجته وصدق أمانته، وعدم جهله أيام طفوليته وحين أيفع، وفتى وكهلا، لا يعرف له شكل ولا يوازنه مثل. ومن ذلك: أنه كان دعا على مضر فقال: اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم كسنين يوسف. فأصابهم سنون. وعد معجزات كثيرة. (1) 192 - ومنها: ما روى عيسى بن عبد الله الهاشمي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام قال: لما كان يوم القضية (2) حين رد المشركون النبي صلى الله عليه وآله ومن معه، ودافعوه عن المسجد أن يدخلوه، فهادنهم رسول الله صلى الله عليه وآله، فكتبوا بينهم كتابا. قال علي: فكنت أنا الذي كتبت، فكتبت: " باسمك اللهم، هذا كتاب بين محمد رسول الله وبين قريش " فقال سهيل بن عمرو: لو أقررنا أنك رسول الله لم ينازعك أحد. فقلت: بل هو رسول الله وأنفك راغم. فقال لي رسول الله: أكتب له ما أراد، ستعطى يا علي بعدي مثلها. قال عليه السلام: فلما كتبت الصلح بيني وبين أهل الشام فكتبت: بسم الله الرحم الرحيم هذا كتاب بين علي أمير المؤمنين وبين معاوية بن أبي سفيان "


(1) رواه في قرب الاسناد: 132، عنه البحار: 17 / 225 ح 1، واثبات الهداة: 1 / 457 ح 70. ورواه المصنف في قصص الانبياء: 309 مختصرا. (2) أي قضية الهدنة في الحديبية.

[ 117 ]

فقال معاوية وعمرو بن العاص: لو علمنا أنك أمير المؤمنين لم ننازعك. فقلت: أكتبوا ما رأيتم (1) فعلمت أن قول رسول الله صلى الله عليه وآله قد جاء حقا. (2) 193 - ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله لما تلا * (والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى) * (3) قال رجل من قريش: كفرت برب النجم. فقال النبي صلى الله عليه وآله: سلط الله عليك (4) كلبا من كلابه - يعني أسدا -. فخرج مع أصحابه في كثرة إلى الشام حتى إذا كانوا بها رأى أسدا، فجعلت فرائصه ترعد فقيل له: من أي شئ ترعد وما نحن وأنت إلا سواء ؟ فقال: إن محمدا دعا علي، لا والله ما أظلت هذه السماء من ذي لهجة أصدق من محمد. ثم وضعوا العشاء، فلم يدخل يده فيه، ثم جاء القوم فحاطوه بأنفسهم وبمتاعهم ووسطوه (5) بينهم وناموا جميعا حوله، فجاءهم الاسد فهمس يستنشق رجلا رجلا حتى انتهى إليه فضغمه ضغمة (6) كانت إياها، وكان بآخر رمق وهو يقول (7): ألم أقل [ لكم ] إن محمدا أصدق الناس ؟ ومات. (8) 194 - ومنها: أن شيبة بن عثمان بن أبي طلحة قال: ما كان أحد أبغض إلي من محمد، وكيف لا يكون ذلك وقد قتل منا ثمانية كل منهم يحمل اللواء فلما فتح مكة آيست مما كنت أتمناه من قتله، وقلت في نفسي: قد دخلت العرب في دينه، فمتى أدرك ثاري منه ؟ فلما اجتمعت هوازن بحنين قصدتهم لآخذ منه غرة (9) فاقتله، ودبرت في نفسي


(1) " أردتم " ط، ه‍. (2) عنه البحار: 20 / 356 ح 5. (3) سورة النجم: 1 و 2. (4) " عليه " م. (5) " وجعلوه " ط، س، ه‍. (6) " فعضه عضة " س. والضغم: العض. وقوله " كانت إياها " أي موتته وقاطعة حياته. (7) " وقال بآخر رمق " س، ه‍، ط والبحار. (8) عنه البحار: 18 / 241 ح 88. تقدم مثله في ص 56 ح 93. (9) أي غفلة.

[ 118 ]

كيف أصنع، فلما انهزم الناس وبقي محمد وحده والنفر الذين بقوا معه جئت من ورائه ورفعت السيف حتى إذا كدت أحطه غشي فؤادي، فلم أطق ذلك، فعلمت أنه ممنوع. وروى أنه قال: رفع إلي شواظ من نار حتى كاد أن يحمشني (1) ثم التفت إلي محمد صلى الله عليه وآله فقال لي: أدن يا شيبة وقاتل. ووضع يده في صدري، فصار أحب الناس إلي، وتقدمت وقاتلت بين يديه، فلو عرض لي أبي لقتلته في نصرة رسول الله صلى الله عليه وآله. فلما انقضى القتال دخلنا (2) على رسول الله فقال لي: الذي أراد الله بك خيرا مما أردته لنفسك. وحدثني بجميع ما زورته (3) في نفسي. فقلت: ما اطلع على هذا إلا الله. فأسلمت. (4) 195 - ومنها: لما حاصر النبي صلى الله عليه وآله أهل الطائف قال عيينة بن حصين (5): ائذن لي حتى آتي حصن الطائف فاكلمهم. فأذن رسول الله صلى الله عليه وآله فجاءهم فقال: أدنو منكم وأنا آمن ؟ قالوا: نعم. وعرفه أبو محجن فقال: أدن. فدخل عليهم، فقال: فداكم أبي وأمي والله لقد سرني ما رأيت منكم، وما في العرب


(1) كذا في م، ه‍ وباقي المصادر. يقال: أحمشت النار، إذا ألهبتها. (النهاية: 1 / 41). وفي س، ط: يمحقني، ومعناه النقص والمحو والابطال. وفي البحار: يمحيني. أي يبطلني ويذهب بأثري. وفي بعض النسخ: يحمسني. أي يقيلني ويحرقني. (2) " دخلت " س، ط، ه‍. (3) " رويته " ه‍. قال ابن الاثير في النهاية: 2 / 318: كنت زورت في نفسي مقالة، أي هيأت وأصلحت. (4) عنه البحار: 21 / 154 ح 4. ورواه في دلائل النبوة: 5 / 128 وص 145، عنه البداية والنهاية: 4 / 333. ورواه الواقدي في المغازي: 3 / 910. (5) " عتبة بن حصين " ط، ه‍، م والبحار. وهو تصحيف. وما في المتن هو الصحيح كما في دلائل النبوة. وفي ترجمته من أسد الغابة: 4 / 166 أنه من المؤلفة قلوبهم، أسلم بعد الفتح وكان يقول: ما آمنت بالله طرفة عين. وتزوج عثمان بن عفان ابنته.

[ 119 ]

أحد غيركم، ووالله ما في محمد مثلكم، ولقد قل المقام وطعامكم كثير، وماؤكم وافر لا تخافون قطعه. فلما خرج قال ثقيف لابي محجن: فإنا قد كرهنا دخوله، وخشينا أن يخبر محمدا بخلل إن رآه فينا أو في حصننا. فقال أبو محجن: أنا كنت أعرف به، ليس منا أحد أشد على محمد منه، وإن كان معه. فلما رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله قال: قلت لهم: ادخلوا في الاسلام، فو الله لا يبرح محمد عقر داركم حتى تنزلوا، فخذوا لانفسكم أمانا فخذلتهم ما استطعت. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: كذبت، لقد قلت لهم: كذا وكذا. وعاتبه جماعة من الصحابة قال: أستغفر الله وأتوب إليه، ولا أعود أبدا. (1) 196 - ومنها: أن المشركين لما رجعوا من بدر إلى مكة أقبل عمير بن وهب الجمحي حتى جلس إلى صفوان بن أمية بن خالد الجمحي. فقال صفوان: قبح الله العيش بعد قتلى بدر. قال عمير: أجل والله ما في العيش بعدهم خير ولولا دين علي لا أجد له قضاء وعيال لا أدع لهم شيئا لرحلت إلى محمد حتى أقتله إن ملئت عيني منه، فإنه بلغني أنه يطوف في الاسواق، وإن لي عندهم علة أقول: قدمت على ابني هذا الاسير. ففرح صفوان بقوله وقال: يا أبا أمية هل نراك فاعلا. قال: إي ورب البنية. قال صفوان: فعلي دينك، وعيالك أسوة عيالي، وأنت تعلم أن ليس بمكة رجل أشد توسعا على عياله مني. فقال عمير: قد عرفت بذلك يا أبا وهب. قال: صفوان: فإن عيالك مع عيالي لن يسعني شئ ويعجز عنهم، ودينك علي.


(1) عنه البحار: 21 / 154 ح 5. ورواه البيهقي في دلائل النبوة: 5 / 163، وأبو نعيم في دلائل النبوة: 465، عنهما الصالحي في السيرة الشامية: 5 / 562.

[ 120 ]

فحمله صفوان على بعيره وجهزه وأجرى على عياله ما يجري على عيال نفسه وأمر عمير بسيفه فشحذ، وسم ثم خرج إلى المدينة، وقال لصفوان: أكتم علي أياما حتى أقدمها. فلم يذكرها صفوان. فقدم عمير فنزل على باب المسجد، وعقل راحلته، وأخذ السيف فتقلده، ثم عمد نحو رسول الله صلى الله عليه وآله فلما رآه النبي قال له: ما أقدمك يا عمير ؟ قال: قدمت في أسيري عندكم تفادوننا وتحسنون إلينا فيه، فإنكم العشيرة. قال النبي صلى الله عليه وآله: فما بال السيف ؟ قال: قبحها الله من سيوف، وهل أغنت من شئ ؟ إنما نسيته حين نزلت وهو في رقبتي. فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: فما شرطت لصفوان في الحجر ؟ ففزع عمير وقال: ماذا شرطت له ؟ قال: تحملت له بقتلي على أن يقضي دينك ويعول عيالك، والله حائل بيني وبين ذلك. قال عمير: أشهد أنك رسول الله وأنك صادق، وأن لا إله إلا الله، كنا يا رسول اللله نكذبك بالوحي وبما يأتيك من السماء، وإن هذا الحديث كان شيئا بيني وبين صفوان كما قلت لم يطلع عليه غيري وغيره، وقد أمرته أن يكتم علي أياما، فأطلعك الله عليه فآمنت بالله وبرسوله وشهدت أن ما جئت به صدق وحق. قال صلى الله عليه وآله: علموا أخاكم القرآن وأطلقوا له أسيره. فقال عمير: إني كنت جاهدا على إطفاء نور الله وقد هداني الله، فله الحمد فاذن لي لالحق قريشا فأدعوهم إلى الله وإلى الاسلام. فأذن له، فلحق بمكة. وكان صفوان يسأل عن عمير، فقيل له: إنه أسلم. فطرح عياله. وقدم عمير، فدعاهم إلى الله، وأخبرهم بصدق رسول الله صلى الله عليه وآله فأسلم معه نفر كثير. (1)


(1) أورده ابن شهر اشوب في المناقب: 1 / 113، عنه البحار: 18 / 140 ح 40. ورواه الكازروني في المنتفى: 113، عنه البحار: 19 / 326 ح 82. ورواه ابن هشام في السيرة: 2 / 316، والبيهقي في دلائل النبوة: 3 / 147 - 149.

[ 121 ]

197 - ومنها: أنه لما توجه إلى تبوك ضلت ناقته القصوى وعنده عمارة بن حزم قال كالمستهزئ: يخبرنا محمد بخبر السماء ولا يدري أين ناقته. فقال صلى الله عليه وآله: إني لا أعلم إلا ما علمني الله، وقد أخبرني الآن أنها بشعب كذا وزمامها ملتف بشجرة. فكان كما قال. (1) 198 - ومنها: أنه لم قتل " زيد بن حارثة " بمؤتة قال صلى الله عليه وآله بالمدينة: " قتل زيد وأخذ الراية جعفر " ثم قال: " قتل جعفر " وتوقف وقفة ثم قال: " وأخذ الراية عبد الله بن رواحة " وذلك أن عبد الله لم يسارع إلى أخذ الراية كمسارعة جعفر ثم قال: " وقتل عبد الله ". ثم قام النبي صلى الله عليه وآله إلى بيت جعفر، إلى أهله، ثم جاءت الاخبار بأنهم قد قتلوا في ذلك اليوم على تلك الهيئة. (2) 199 - ومنها: أنه صلى الله عليه وآله أخبر الناس بمكة بمعراجه وقال: آية ذلك أنه ند (3) لبني فلان في طريقي بعير، فدللتهم عليه، وهي (4) الآن تطلع عليكم من ثنية كذا


(1) عنه البحار: 21 / 234 ح 12. ورواه ابن هشام في السيرة: 4 / 166، والبيهقي في دلائل النبوة: 5 / 232. وفيهما أن المستهزئ هو زيد بن اللصيت القينقاعي، وكان في رحل عمارة بن حزم، فلما سمع بهذه المقالة أقبل على زيد يجأ في عنقه ويقول: ان في رحلي لداهية وما أدري، اخرج عني يا عدو الله فلا تصحبني. وتقدم نحوه في ح 25 وح 178. (2) عنه البحار: 21 / 52 ح 2. روى هذه المعجزة وما وقع في غزوة مؤتة، واخباره صلى الله عليه وآله عن الوقعة قبل مجئ خبرها في دلائل النبوة: 4 / 358 - 375 بعدة طرق وبألفاظ مختلفة، وفي السيرة النبوية لابن هشام: 3 / 322، وطبقات ابن سعد: 2 / 128، وصحيح البخاري: 5 / 141، وتاريخ الطبري: 3 / 23، وأنساب الاشراف: 1 / 169، والبداية والنهاية: 4 / 241. (3) ند البعير: نفر وذهب شاردا. (4) كذا في كل النسخ، وفي البحار: " وهو "، وهو خطأ بل الضمير " هي " يعود إلى القافلة التي كانت في الطريق، وكانوا يترقبون وصولها =

[ 122 ]

يقدمها جمل أورق (1) عليه غرارتان (2): إحدهما سوداء، والاخرى برقاء. (3) فوجدوا الامر على ما قال. (4) 200 - ومنها: أنه صلى الله عليه وآله رأى عليا عليه السلام نائما في بعض الغزوات في التراب فقال: يا أبا تراب (5) ألا أحدثك بأشقى الناس أخي (6) ثمود، والذي يضربك على هذا - ووضع يده على قرنه - حتى تبل هذا من هذا ؟ وأشار إلى لحيته. (7)


= إليهم، والتى يتقدمها الجمل الاورق، كما أشار إليه الرسول صلى الله عليه وآله، كما ورد في معظم الروايات. (1) الاورق وجمعه ورق: الذي لونه لون الرماد. (2) الغرارة: وعاء العين للفراهيدي: 4 / 346. (3) البرقاء: هي الشاة التي في خلال صوفها الابيض طاقات سود. وتأتي هنا للغرارة. راجع النهاية: 1 / 119 مادة " برق ". (4) عنه البحار: 18 / 119 ح 33 تقدم مثله في الحديث: 4، ونظيره في ذيل الحديث: 140. (5) في بعض الروايات: ان رسول الله صلى الله عليه وآله وجده نائما، وقد ترب جنبه، فجعل يحث التراب عن جنبه ويقول: قم أبا تراب وفيه منافاة لما في المتن إلا أن يكون رسول الله صلى الله عليه وآله كناه بها مرتين: مرة في المسجد، ومرة في هذه الغزوة. (6) " أحيمر " م وبعض المصادر. وأحيمر ثمود: هو الذي عقر ناقة صالح. (7) عنه البحار: 18 / 119. وروى في مصادر كثيرة اخباره صلى الله عليه وآله بقتل علي عليه السلام ومنها: في دلائل النبوة: 6 / 438 و 439 بأسانيده المتعددة، وفي البداية والنهاية: 6 / 218 عن الدلائل، وفي مسند أحمد: 1 / 102 وج 4 / 263 وفي فضائله: 49 ح 76، وفي طبقات ابن سعد: 3 / 34، والطبراني في المعجم الكبير: 105 (مخطوط)، وابن عساكر في ترجمة الامام علي عليه السلام في تاريخ دمشق: 3 / 287، والحاكم في مستدركه: 3 / 113 و 140 وفرائد السمطين: 1 / 386. وأخرجه في مجمع الزوائد: 9 / 136 عن البزار وأحمد، وفي الخصائص الكبرى: 2 / 445 وفي الصواعق المحرقة: 74، وفي سيرة ابن هشام: 2 / 249، والنسائي في الخصائص: 129 وللحديث مصادر عديدة بطرق وأسانيد متعددة بألفاظ مختلفة. راجع بشأن ذلك: إحقاق الحق: 7 / 340 - 352 وج 17 / 350 - 362. (*)

[ 123 ]

201 - ومنها أنه صلى الله عليه وآله قال لعلي عليه السلام: تقاتل بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين. وكان كذلك. (1) 202 - ومنها: أن عام الخندق أصابتهم مجاعة لما حاصرهم المشركون، فدعا بكف من تمر، وأمر بثوب فبسط، وألقى ذلك التمر عليه، وأمر مناديا ينادي في الناس: هلموا إلى الغذاء. فاجتمع أهل المدينة فأكلوا وصدروا والتمر ينض (2) من أطراف الثوب. (3) 203 - ومنها: أنه لما صده المشركون بالحديبية، شكا إليه الناس قله الماء فدعا بدلو من ماء البئر، فتوضأ منه، ثم تمضمض ومج في الدلو، وأخرج من كنانته سهما، ثم أمر بأن يصب في البئر تلك الدلو، وأن يغرز ذلك السهم في أسفل البئر. فعمل ففارت البئر بالماء إلى شفيرها، واغترف الناس. فعند ذلك قال أوس بن خولي لعبدالله بن أبي سلول: أبعد هذا شئ ؟ أما آن لك أن تبصر ؟ (4) 204 - ومنها: أنه لما أصاب الناس بالحديبية جوع شديد، وقلت أزوادهم (5)


(1) عنه البحار: 18 / 119. وروى مثله مناقب الخوارزمي: 122، وابن عساكر في ترجمة الامام علي عليه السلام: 3 / 162 وفرائد السمطين: 1 / 282، و 331، وغيرهم من جمهور المحدثين في كتبهم. راجع إحقاق الحق: 4 / 247 - 249 وص 385 وج 6 / 60 - 78 وج 15 / 581 - 586 وج 16 / 440 - 446. (2) " تبض " البحار، وكلاهما بمعنى واحد. يقال: بض الماء: إذا قطر وسال، ويقال: نض الماء من العين: إذا نبع. راجع النهاية: 1 / 132 وج 5 / 72. (3) عنه البحار: 20 / 247 ح 16. (4) عنه البحار: 20 / 357 ح 6. تقدم نظيره في الحديث: 182. (5) الازواد والازودة: جمع زاد على غير القياس وهو ما يتخذ من الطعام للسفر. راجع النهايه: 2 / 317.

[ 124 ]

لانهم أقاموا بها بضعة عشر يوما. فشكوا إليه ذلك وأمر بالنطع (1) أن يبسط، وأمرهم أن يأتوا ببقية أزوادهم فيطرحوا، فأتوا بكف من دقيق وتميرات. فقام ودعى بالبركة فيها، وأمرهم بأن يأتوا بأوعيتهم فملؤوها حتى لم يجدوا له محلا (2). (3) 205 - ومنها: أن الناس في غزاة تبوك لما ساروا يوما، نالهم عطش كادت تنقطع أعناق الرجال والخيل والركاب عطشا. فدعا بركوة (4) فصب فيها ماءا قليلا من أداوة (5) كانت معه، ووضع أصابعه عليها فنبع الماء من تحت أصابعه، فاستقوا وارتووا، والعسكر ثلاثون ألف رجل سوى الخيل والابل. (6) 206 - ومنها: أنه أخذ الحصى في كفه، فقالت كل واحدة: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. (7) 207 - ومنها: قوله لعمار، ستقتلك الفئة الباغية، وآخر زادك ضياح (8) من لبن. فاتي عمار بصفين بلبن، فشربه، فبارز فقتل، فكان كذلك. (9) 208 - ومنها: أن أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود [ روى ] عن أبيه قال: إن الله


(1) النطع: جمعه أنطاع، وهو البساط المصنوع من الجلد. (2) " محملا " م، ه‍، ط (3) عنه البحار: 20 / 357 ح 7. تقدم نظيره في الحديث: 15. (4، 5) ركوة: جمعها ركاء وركوات. والاداوة: جمعها أداوى، وكلاهما اناء صغير يصنع من الجلد. (6) عنه البحار: 21 / 232 ح 7. (7) عنه البحار: 17 / 379 ح 48. (8) الضياح والضيح بالفتح: اللبن الخاثر يصب فيه الماء ثم يخلط. النهاية: 3 / 107. (9) عنه البحار: 18 / 119. وروى مثله باختلاف في دلائل النبوة: 6 / 420 و 421 بأسانيده المتعددة. وفي صحيح مسلم: 4 / 2236 ح 72 و 73، وفي مسند أحمد: 4 / 319، وفي مستدرك الحاكم: 3 / 389 وغيرها

[ 125 ]

أمر نبيه أن يدخل الكنيسة ليدخل رجلا الجنة فلما دخلها ومعه جماعة فإذا هو بيهود يقرؤون التوراة، وقد وصلوا إلى صفة النبي صلى الله عليه وآله. فلما رأوه أمسكوا، وفي ناحية الكنيسة رجل مريض فقال النبي صلى الله عليه وآله: ما لكم أمسكتم ؟ فقال المريض: إنهم أتوا على صفة النبي صلى الله عليه وآله فأمسكوا. ثم جاء المرض يجثو (1) حتى أخذ التوراة فقرأها، حتى أتى على آخر صفة النبي صلى الله عليه وآله وأمته، فقال: هذه صفتك وصفة أمتك، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. ثم مات. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: صلوا على أخيكم (2). (3) 209 - ومنها: ما قال بعضهم: حضرت سوق بصرى (4)، فإذا راهب في صومعة يقول: سلوا أهل هذا الموسم هل فيكم أحد من أهل الحرم ؟ قالوا: نعم. فقال: سلوه هل ظهر أحمد بن عبد المطلب ؟ فهذا هو الشهر الذي يخرج فيه وهو آخر الانبياء، ومخرجه من الحرم، ومهاجرته إلى نخل (5) وحرة (6) وسباخ. (7)


(1) جثا: جلس على ركبتيه، أو قام على أطراف أصابعه. (2) " ولوا أخاكم " البحار. (3) عنه البحار: 15 / 216 ح 31. (4) بصرى: مدينة بالشام، وهي التي وصل إليها النبي صلى الله عليه وآله للتجاة. مراصد الاطلاع: 1 / 201 (5) نخل: بالفتح ثم السكون، جمع نخلة: منزل من منازل بني ثعلبة من المدينة على مرحلتين وقيل: موضع بنجد من أرض غطفان، وهو موضع في طرف الشام من ناحية مصر. وقيل: منزل لبني مرة بن عوف على ليلتين من المدينة. وكأنه الاول. مراصد الاطلاع: 3 / 1364 (6) حرة: الحرار في بلاد العرب كثيرة. والحرة: كل أرض ذات حجارة سود نخرة، كأنما أحرقت بالنار. وأكثر الحرار حول المدينة، وتسمى مضافة إلى أماكنها، فمنها: حرة أوطاس، وحرة تبوك... مراصد الاطلاع: 1 / 394. (7) والسباخ من الارض: ما لم يحرث ولم يعمر.

[ 126 ]

قال الراوي: فلما رجعت إلى مكة قلت: هل هنا من حدث ؟ قالوا: تنبأ (1) محمد بن عبد الله الامين. (2) 210 - ومنها: أن زيد بن سلام قال: إن جده أبا سلام حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وآله بينما هو في البطحاء قبل النبوة، فإذا هو برجلين عليهما (3) ثياب سفر. فقالا: السلام عليك. فقال لهما النبي صلى الله عليه وآله: وعليكما السلام. فقال أحدهما لصاحبه: لا إله إلا الله ما لقيت أحدا منذ ولدتني أمي يرد السلام قبله (4). وقال الاخر: سبحان الله ما لقيت رجلا يسلم منذ ولدتني أمي. (5) فقال له الراكب: هل في القرية رجل يدعى محمد ؟ فقال: ما فيها أحمد ولا محمد غيري. قال: من أهلها أنت ؟ قال: نعم من أهلها، وولدت فيها. فضرب ذراع راحلته وأناخها ثم كشف عن كتف رسول الله صلى الله عليه وآله حتى نظر إلى الخاتم الذي بين كتفيه فقال: أشهد أنك رسول الله، وتبعث بضرب رقاب قومك، فهل من زاد تزودني ؟ فأتاه بخبز وتميرات، فجعلهن في ثوبه حتى أتى صاحبه، وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى حمل لي نبي الله الزاد في ثوبه. ثم قال النبي صلى الله عليه وآله: هل من حاجة سوى هذا ؟ قال: تدعو الله أن يعرف بيني وبينك يوم القيامة. فدعا له، ثم انطلق. 211 - وفي كتب الله المتقدمة: لما خلق الله آدم ونفخ فيه من روحه، عطس، فقال له ربه: قل الحمد لله. فلما قالها، قال له ربه: يرحمك الله، إئت أولئك الملا من


(1) " أتانا " البحار. (2) عنه البحار: 15 / 216 ح 32. (3) " برجل عليه " م، وكذا ما بعده بلفظ المفرد. ويظهر من سياق الكلام أنهما اثنان، وليس بواحد، وكذا اثبتناه. (4) كذا استظهرناها، وفي الاصل والبحار: قبلك. (5) من خلال الحوار، يدل على أن أحدهما له علم بمبعث النبي صلى الله عليه وآله، وأن أداء التحية والرد عليها بهذا الشكل، هو من مواصفات الدين الجديد. وتعجب صاحبه الآخر منه، لانه لا يعلم عن هذا الامر شيئا.

[ 127 ]

الملائكة وقل لهم: السلام عليكم. فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. ثم قال له ربه: هذه تحيتك وتحية ذريتك. (1) 212 - ومنها: أنه سئل ابن عباس: بلغنا أنك تذكر سطيحا الغساني (2) وتزعم أن الله خلقه ولم يخلق من ولد آدم شيئا يشبهه ؟ قال: نعم، إن الله خلق سطيحا الغساني لحما على وضم (3) - والوضم شرائح من جرائد النخل - أو كان يحمل على وضم، ويؤتى به حيث يشاء، ولم يكن فيه عظم ولا عصب إلا الجمجمة والعنق. وكان يطوى من رجليه إلى ترقوته، كما يطوى الثوب، ولم يكن يتحرك منه شئ إلا لسانه. فلما أراد الخروج إلى مكة حمل على وضمة فاتي به [ إلى ] مكة. فخرج إليه أربعة من قريش فقالوا: أتيناك لنزورك لما بلغنا من علمك، فأخبرنا عما


(1) عنه البحار: 15 / 217 ح 33. وروى نحو ذيل الحديث في علل الشرائع: 102 ح 1، عنه البحار: 76 / 6 ح 21. (2) سطيح: هو أحد الكهان، واسمه: ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدي بن مازن غسان. يقال: إنما سمي سطيحا، لانه كالبضعة الملقاة على الارض، فكأنه سطح عليها. ويروى عن وهب بن منبه أنه قال: قيل لسطيح: أنى لك هذا العلم ؟ فقال: لي صاحب من الجن استمع أخبار السماء من طور سيناء حين كلم الله تعالى منه موسى عليه السلام فهو يؤدى إلى من ذلك ما يؤديه. راجع بشأنه وأخباره عن مبعث الرسول صلى الله عليه وآله في السيرة النبوية لابن هشام: 1 / 15 - 18 و 43 و 70 و 72 و 73، وفي دلائل النبوة: 1 / 127 - 129. (3) قال الجزري في النهاية: 5 / 198: " انما النساء لحم على وضم، إلا ما ذب عنه " الوضم: الخشبة أو البارية التي يوضع عليها اللحم، تقيه من الارض. وقال الزمخشري: " الوضم: كل ما وقيت به اللحم من الارض " أراد أنهن من الضعف مثل ذلك اللحم الذي لا يمتنع على أحد إلا أن يذب عنه ويدفع. راجع الفائق للزمخشري: 2 / 411.

[ 128 ]

يكون في زماننا، وما يكون من بعد. قال: يا معشر العرب، لا علم عندكم ولا فهم. ينشأ من عقبكم دهم (1) يطلبون أنواع العلم، يكسرون الصنم، ويقتلون العجم، ويطلبون المغنم. قالوا: يا سطيح من يكونون أولئك ؟ قال: والبيت ذي الاركان لينشأن من عقبكم ولدان يوحدون الحرمان، ويتركون عبادة الشيطان. قالوا: فمن نسل من يكونون أولئك ؟ قال: أشرف الاشراف من عبد مناف. قالوا: من أي بلدة يخرج ؟ قال: والباقي [ إلى ] الابد ليخرجن من ذي البلد، يهدي إلى الرشد، يعبد ربا انفرد. (2) 213 - ومنها: أن عبد المطلب قدم اليمن، فقال له حبر من أهل الزبور: أتأذن لي أن أنظر إلى بعضك ؟ (3) قال: نعم إلا إلى عورة. ففتح إحدى منخريه فنظر فيه، ثم نظر في الاخرى، فقال: أشهد أن في إحدى يديك الملك، وفي الاخرى النبوة، وإنا نجده في بني زهرة فكيف ذلك ؟ قال: قلت: لا أدري. قال: هل من شاعة ؟ قلت: ما الشاعة ؟ قال: الزوجة. قال: فإذا رجعت فتزوج منهم. فرجع إلى مكة فتزوج هالة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة (4)


(1) الدهم: الخلق. يقال: أي الدهم هو: أي خلق الله هو ؟ (2) عنه البحار: 15 / 217 ح 34. (3) بعض: جمعها أبعاض: الشى، جزء، أو طائفة منه. (4) عنه البحار: 15 / 218 ح 35. وروى مثله في دلائل النبوة: 1 / 106 بإسناده عن ابن عباس، عن أبيه، وزاد فيه: " فولدت له حمزة وصفية، وتزوج عبد الله بن عبد المطلب، آمنة بنت وهب، فولدت رسول الله صلى الله عليه وآله. فقالت قريش حين تزوج عبد الله آمنة: فلج عبد الله على أبيه. أقول: فلج: ظفر بما طلب، وفلج خصمه: غلبه. وروى مثله في طبقات ابن سعد: 1 / 86، وفي دلائل أبي نعيم: 88. وأورده في البداية والنهاية: 2 / 251، والخصائص الكبرى: 1 / 40.

[ 129 ]

214 - ومنها: أن عبد الله بن عبد المطلب لما ترعرع (1) ركب يوما للصيد، وقد نزل بالبطحاء قوم من اليهود قدموا ليهلكوا والد محمد صلى الله عليه وآله ليطفؤوا نور الله. فنظروا إلى عبد الله فرأوا حلية أبوة النبوة فيه، فقصدوه - وكانوا ثمانين نفرا من اليهود - بالسيوف والسكاكين. وكان وهب بن عبد مناف بن زهرة والد آمنة أم محمد صلى الله عليه وآله في ذلك الصوب يتصيد، وقد رأى عبد الله وقد حف به اليهود ليقتلوه، فقصد أن يدفعهم عنه، فإذا بكثير من الملائكة معهم الاسلحة طردوا اليهود عنه [ وكان الله قد كشف عن بصر وهب ] فتعجب من ذلك وانصرف، ودخل على عبد المطلب وقال: أزوج ابنتي آمنة من عبد الله. فعقد [ العقد، فحملت ] فولدت رسول الله (2) 215 - ومنها: أن بعد مولد النبي صلى الله عليه وآله بسنتين أتت أشراف العرب سيف بن ذي يزن الحميري، لما ظهر على الحبشة، وفد إليه قريش للتهنئة، وفيهم عبد المطلب. فقال: أيها الملك سلفك خير سلف، وأنت [ لنا منه ] خير خلف. قال: من أنت ؟ قال: عبد المطلب بن هاشم. قال: ابن أختنا. ثم أدناه. (قال: إن من سر علمي أمرا لو يكون غيرك لم أبح له فيه، فليكن عندك مطويا حتى يأذن الله. إني أجد في الكتاب المكنون خيرا عظيما للناس عامة، ولرهطك خاصة، وهذا حينه الذي يولد فيه، أو قد ولد. اسمه محمد، يموت أبوه وأمه، يكفله جده، ثم عمه، والله باعثه جهارا، وجاعل له منا أنصارا. يعبد الرحمان، ويكسر الاوثان. قوله فصل، وحكمه عدل. ثم قال: إنك ستجده يا عبد المطلب. فخر عبد المطلب ساجدا لله، ثم قال: كان لي ابن، فزوجته كريمة من قومي، فجاءت


(1) ترعرع: نشأ وشب. (2) عنه البحار: 15 / 111 ح 57.

[ 130 ]

بغلام، سميته محمدا. قال: إحذر عليه اليهود، ولولا أني أعلم أن الموت مجتاحي، لجعلت يثرب دار ملكي، وهو موضع قبره، ولولا أني أقيه الآفات، لاعلنت عليه) (1). ثم أمر لكل قرشي بنعمة عظيمة، ولعبد المطلب بأضعافها عشر مرات، وهم يغبطونه بها. فقال: لو علمتم بفخري وذكري لغبطتم به. (2) 216 - ومنها: أن جبير بن مطعم قال: كنت آذى قريش لمحمد صلى الله عليه وآله فلما ظننت انهم سيقتلونه خرجت حتى لحقت بدير، فأقاموا لي الضيافة ثلاثا، فلما رأوني لا أخرج، قالوا: إن لك لشأنا ؟ قلت: إني من قرية إبراهيم، وابن عمي يزعم أنه نبي، فآذاه قومه فأرادوا قتله فخرجت لئلا أشهد ذلك. فأخرجوا إلي صورة. قلت: ما رأيت شيئا أشبه بشئ من هذه الصورة بمحمد، كأنه طوله وجسمه، وبعد ما بين منكبيه. قالوا: لا يقتلونه، وليقتلن من يريد قتله، وإنه لنبي، وليظهرنه الله. فلما قدمت مكة إذ هو خرج إلى المدينة. وسئلوا من أين لكم هذه الصورة ؟ قالوا: إن آدم عليه السلام سأل ربه أن يريه الانبياء من ولده، فأنزل الله عليه صورهم، وكان


(1) " وقال: اني مفضى إليك خبرا (خيرا - البحار) عظيما: يولد نبي أو قد ولد، اسمه محمد، الله باعثه جهارا، وجاعل له منا أنصارا. فقال عبد المطلب: كان لي ابن، زوجته كريمة، فجاءت بغلام سميته محمدا " خ وط والبحار. (2) عنه البحار: 15 / 218 ح 36 رواه مفصلا في دلائل النبوة: 2 / 9 - 14 بإسناده عن أبي زرعة بن سيف بن ذي يزن، وفي دلائل أبي نعيم: 52 - 60. وأورده في البداية والنهاية: 2 / 330.

[ 131 ]

في خزانة آدم عند مغرب الشمس، فاستخرجها ذو القرنين من هناك فدفعها إلى دانيال. (1) 217 - ومنها: أن دحية الكلبي قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله بكتاب إلى قيصر فأرسل إلى الاسقف فأخبره بمحمد صلى الله عليه وآله وكتابه فقال: هذا النبي الذي كنا ننتظره، بشرنا به عيسى بن مريم. فقال الاسقف: أما أنا فمصدقه ومتبعه. فقال قيصر: أما أنا إن فعلت ذلك ذهب ملكي. ثم قال قيصر: التمسوا لي من قومه ها هنا أحدا أسأله عنه. وكان أبو سفيان وجماعة من قريش دخلوا الشام تجارا فأحضرهم، قال: ليدن مني أقربكم نسبا به. فأتاه أبو سفيان فقال: أنا سائل عن هذا الرجل الذي يقول: انه نبي. ثم قال لاصحابه: إن كذب فكذبوه. قال أبو سفيان: لولا الحياء أن يأثر (2) أصحابي عني الكذب لاخبرته بخلاف ما هو عليه. فقال: كيف نسبه فيكم ؟ قلت: ذو نسب. قال: فهل قال هذا القول منكم أحد ؟ قلت: لا. قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل ؟ قلت: لا. قال: فأشراف الناس اتبعوه أو ضعفاؤهم ؟ قلت: ضعفاؤهم. قال: [ فهل ] يزيدون أو ينقصون ؟ قلت: يزيدون. قال: يرتد أحد منهم سخطا لدينه ؟ قلت: لا. قال: فهل يغدر ؟ قلت: لا. قال: فهل قاتلكم (3) ؟ قلت: نعم. قال: فكيف


(1) عنه البحار: 15 / 219 ح 37. (2) من آثر الحديث إذا رواه. (3) " قاتلتموه " البحار.

[ 132 ]

حربكم وحربه ؟ قلت: ذو سجال (1) مرة له، ومرة عليه ؟ قال: هذه آية النبوة. قال: فما يأمركم ؟ قلت: يأمرنا أن نعبد الله وحده، لا نشرك به شيئا، وينهانا عما كان يعبد آباؤنا، ويأمرنا بالصلاة والصوم والعفاف والصدق وإداء الامانة والوفاء بالعهد. قال: هذه صفة نبي، وقد كنت أعلم أنه يخرج ولم أظن أنه منكم، فإنه يوشك أن يملك ما تحت قدمي هاتين. ولو أرجو أن أخلص إليه لتجشمت لقياه، ولو كنت عنده لغسلت (2) قدميه. وإن النصارى اجتمعوا على الاسقف ليقتلوه فقال: إذهب إلى صاحبك فاقرأ عليه سلامي، وأخبره أني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأن النصارى أنكروا ذلك علي. ثم خرج إليهم فقتلوه. (3) 218 - ومنها: أنه لما بعث محمد صلى الله عليه وآله بالنبوة، بعث كسرى رسولا إلى باذان (4) عامله في أرض العرب: بلغني أنه خرج رجل قبلك يزعم أنه نبي فلتقل له فليكفف عن ذلك، أو لابعثن إليه من يقتله ويقتل قومه.


(1) قال الجزري في النهاية: 2 / 344: السجل: الدلو الملاى ماء، ويجمع على سجال. ومنه حديث أبي سفيان وهرقل " والحرب بيننا سجال " أي مرة لنا ومرة علينا. وأصله: أن المستيقن بالسجل يكون لكل واحد منهم سجل. (2) " لقبلت " خ. (3) عنه البحار: 20 / 378 ح 3. ما جاء في بعث الرسول صلى الله عليه وآله دحية الكلبي إلى قيصر، وما جرى في سؤاله أبا سفيان عنه صلى الله عليه وآله، رواه بألفاظ متعددة في دلائل النبوة: 4 / 377. وفي صحيح البخاري: 4 / 54 - 58، وفي صحيح مسلم: 3 / 1393 - 1397 ح 74. (4) باذان: أحد ملوك اليمن، المنصوب من قبل كسرى. ولم يزل عليها حتى بعث الله الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله. فلما بلغ ذلك باذان، بعث باسلامه وإسلام من معه من الفرس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله. راجع السيرة النبوية لابن هشام: 1 / 71 و 72.

[ 133 ]

فبعث باذان إلى النبي صلى الله عليه وآله بذلك، فقال: " لو كان شئ قلته من قبلي لكففت عنه، ولكن الله بعثني " وترك رسل باذان وهم خمسة عشر نفرا ولا يكلمهم خمسة عشر يوما، ثم دعاهم. فقال: اذهبوا إلى صاحبكم فقولوا له: إن ربي قتل ربه الليلة، إن ربي قتل كسرى [ الليلة ] ولا كسرى بعد اليوم، وقتل قيصر، ولا قيصر بعد اليوم. فكتبوا قوله فإذا هما قد ماتا في الوقت الذي حدثه محمد صلى الله عليه وآله. (1) 219 - ومنها: (حديث النجاشي) روي عن ابن مسعود [ قال ]: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أرض النجاشي ونحن ثمانون رجلا، ومعنا جعفر بن أبي طالب، وبعثت قريش خلفنا عمارة بن الوليد وعمرو بن العاص مع هدايا فأتوه بها، فقبلها، وسجدوا له. فقالوا: إن قوما منا رغبوا عن ديننا وهم في أرضك. فبعث إلينا، فقال لنا جعفر: لا يتكلم أحد منكم أنا خطيبكم اليوم، فانتهينا إلى النجاشي، فقال عمرو وعمارة: إنهم لا يسجدون لك. فلما انتهينا إليه زبرنا (2) الرهبان أن اسجدوا للملك. فقال لهم جعفر: لا نسجد إلا لله. فقال النجاشي: وما ذاك ؟ قال: إن الله بعث فينا رسوله، وهو الذي بشر به عيسى اسمه أحمد فأمرنا أن نعبد الله لا نشرك به شيئا، وأن نقيم الصلاة، ونؤتي الزكاة، وأمرنا بالمعروف، ونهانا عن المنكر. فأعجب النجاشي قوله. فلما رأى ذلك عمرو قال: أصلح الله الملك، إنهم يخالفونك في ابن مريم. فقال النجاشي لجعفر: ما يقول صاحبك في ابن مريم ؟ قال: يقول فيه قول الله: هو روح الله وكلمته، أخرجه من العذراء البتول التي لم يقربها بشر.


(1) عنه البحار: 20 / 380 ح 4. وروى مثله في سيرة ابن هشام: 1 / 71. تقدم ذيله في الحديث: 119. (2) زبره: انتهره، أو زجره. وزبره عن الامر: منعه ونهاه عنه. (*)

[ 134 ]

فتناول النجاشي عودا من الارض، فقال: يا معشر القسيسين والرهبان ما يزيد هؤلاء على ما تقولون في ابن مريم ما يزن هذا. ثم قال النجاشي لجعفر: أنقرأ شيئا مما جاء به محمد صلى الله عليه وآله ؟ قال: نعم. قال: اقرأ وأمر الرهبان أن ينظروا في كتبهم فقرأ جعفر " كهيعص... " (1) إلى آخر قصة عيسى عليه السلام وكانوا يبكون. ثم قال النجاشي: مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد (أنه رسول الله) (2) وأنه الذي بشر به عيسى بن مريم، ولولا ما أنه فيه من الملك لاتيته حتى أحمل نعليه، اذهبوا أنتم " سيوم " - أي آمنون -. وأمر لنا بطعام وكسوة، وقال: ردوا على هذين هديتهما. وكان عمرو قصيرا، وعمارة جميلا، وشربا في البحر الخمر، فقال عمارة لعمرو: قل لامرأتك - وكانت معه -: تقبلني. فلم يفعل عمرو، فأخذه عمارة فرمى به في البحر، فناشده حتى خلاه فحقد عليه عمرو فقال للنجاشي: إذا خرجت خلف عمارة في أهلك، فنفخ في إحليله الزئبق فطار مع الوحش. (3) 220 - ومنها: لما قدم وفد نجران عليه، فدعا النبي صلى الله عليه وآله العاقب والطيب (4)


(1) سورة مريم. (2) " أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله " البحار. (3) عنه البحار: 18 / 420 ح 8. روى مثله في دلائل النبوة للبيهقي: 2 / 299. وأورده في البداية والنهاية: 3 / 70 ونحوه في سيرة ابن هشام: 1 / 360. (4) في بعض المصادر: السيد. ذكرهما ابن هشام في سيرته: 2 / 222 قال: العاقب: أمير القوم وذو رأيهم، وصاحب مشورتهم، والذي لا يصدرون إلا عن رأيه واسمه عبدالمسيح، والسيد: ثمالهم، وصاحب رحلهم ومجتمعهم، واسمه: الايهم. انتهى أقول: ثمال القوم: هو أصلهم الذي يقصدون إليه، ويقوم بأمورهم وشؤونهم.

[ 135 ]

رئيسهم إلى الاسلام: فقالا: أسلمنا قبلك. فقال: كذبتهما، يمنعكما من ذلك حب الصليب وشرب الخمر. فدعاهما إلى الملاعنة فواعداه على أن يغادياه. فغدا رسول الله صلى الله عليه وآله وقد أخذ بيد علي والحسن والحسين وفاطمة عليهم السلام. فقالا: أتى بخواصه واثقا بديانتهم. فأبوا الملاعنة. فقال صلى الله عليه وآله: لو فعلا لاضرم (1) الوادي نارا. (2) 221 - ومنها: أن زيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل خرجا يلتمسان الدين حتى انتهيا إلى راهب بالموصل فقال لزيد: من أين أقبلت يا صاحب البعير ؟ قال: من بيت (3) إبراهيم. قال: وما تلتمس ؟ قال: الدين.


(1) " لا مطر " خ. (2) عنه البحار: 21 / 341 ح 7. روى هذه الفضيلة والمعجزة الخاصة والعامة في كتبهم التاريخية، وفي تفاسيرهم، ضمن سورة آل عمران: 61 آية المباهلة بألفاظ مختلفة، ومنها: الاختصاص: 109 - 113 وتفسير فرات الكوفي: 14 - 19، وروضة الواعظين: 196 وسعد السعود: 91 - 94 ودعائم الاسلام: 1 / 17 وغيرها. وفي شواهد التنزيل: 1 / 124 ح 172، وفرائد السمطين: 1 / 377، وابن عساكر: 1 / 207 وكفاية الطالب: 142، ومناقب ابن المغازلي: 263 ح 310، والبداية والنهاية: 5 / 54 وجامع الترمذي: 5 / 225 ح 2999، والسنن الكبرى: 7 / 63، وينابيع المودة: 224. وللحديث مصادر عديدة، راجع بشأن الحديث: إحقاق الحق: 3 / 49 - 76 وج 70 - 91، وج 14 / 131 - 148 وج 18 / 389 - 391. (3) " بنية " البحار، وستأتي في الحديث. قال الجزري في النهاية: 1 / 158: في حديث البراء بن معرور " رأيت أن لا أجعل هذه البنية مني يظهر " يريد الكعبة، وكانت تدعى بنية إبراهيم عليه السلام، لانه بناها، وقد كثر قسمهم برب هذه البنية.

[ 136 ]

قال: ارجع فانه يوشك أن يظهر [ الدين ] الذي تطلب في أرضك. فرجع يريد مكة حتى إذا كان بأرض لخم عدوا عليه فقتلوه، وكان يقول: أنا على دين إبراهيم عليه السلام وأنا ساجد على نحو البنية التي بناها إبراهيم عليه السلام وكان يقول: إنا ننتظر نبيا من ولد إسماعيل من بني عبد المطلب. (1) 222 - ومنها حديث كعب بن ماتع: بينا هو في مجلس ورجل من القوم معهم يحدث أصحابه يقول: رأيت في النوم أن الناس حشروا. وأن الامم تمر كل أمة مع نبيها، ومع كل نبي نوران يمشي بينهما. ومع كل من اتبعه نور يمشي به، حتى مر محمد صلى الله عليه وآله في أمته فإذا ليس معه شعرة إلا وفيها نوران من رأسه وجلده، ولا من اتبعه من أمته إلا ومعه نوران مثل الانبياء. فقال كعب: - والتفت إليهما - ما هذا الذي يحدث به ؟ قال: رؤيا رأيتها. فقال: والذي بعث محمدا صلى الله عليه وآله بالحق إنه لفي كتاب الله كما رأيت. (2) 223 - ومنها: ما روي عن ابن الاعرج (3) أن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وآله قال: خرجت غازيا فكسر بي، فغرق المركب وما فيه، وأفلت (4) وما علي إلا خرقة قد اتزرت بها، وكنت على لوح، وأقبل اللوح يرمي بي على جبل في البحر، فإذا صعدت وظننت أني نجوت جاءتني موجة فانتسفتني (5) ففعلت بي مرارا. ثم إني خرجت أشتد (6) على شاطئ البحر، فلم تلحقني، فحمدت الله على سلامتي. فبينا أنا أمشي إذ بصر بي أسد، فأقبل يزأر يريد أن يفترسني، فرفعت يدي إلى السماء


(1) عنه البحار: 15 / 220 ح 39. وروى مثله باختلاف في دلائل النبوة: 2 / 124، وفي مستدرك الحاكم: 3 / 439. (2) عنه البحار: 15 / 219 ح 38. (3) " ابن الاعرابي " س وط والبحار. (4) " وأقبلت " البحار وط. (5) انتف الشئ: اقتلعه. (6) " استند " س وط والبحار. واشتد في السير: أسرع.

[ 137 ]

فقلت: اللهم إني عبدك ومولى نبيك نجيتني من غرق، أفتسلط علي سبعك ؟ فالهمت أن قلت: أيها السبع أنا سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وآله إحفظ رسول الله في مولاه. فو الله إنه لترك الزئير، وأقبل كالسنور يمسح خده بهذه الساق مرة، وبهذه أخرى وهو ينظر في وجهي مليا. ثم طأطأ ظهره وأومأ إلي أن أركب، فركبت ظهره، فخرج يخب (1) بي، فما كان بأسرع من أن هبط جزيرة، وإذا فيها من الشجر والثمار وعين عذبة من ماء دهشت، فوقف وأومأ إلي أن انزل. فنزلت وبقي واقفا حذاي ينظر. فأخذت من تلك الثمار وأكلت، وشربت من ذلك الماء فرويت، فعمدت إلى ورقة فجعلتها لي مئزرا واتزرت بها، وتلحفت بأخرى، وجعلت ورقة شبيها بالمزود. (2) فملاتها، من تلك الثمار، وبللت الخرقة التي كانت معي لاعصرها إذا احتجت إلى الماء فأشربه. فلما فرغت مما أردت، أقبل إلي فطأطأ ظهره، ثم أومأ إلي: أن أركب. فلما ركبت أقبل بي نحو البحر في غير الطريق الذي أقبلت منه. فلما صرت على [ ساحل ] البحر، إذا مركب سائر في البحر، فلوحت لهم، فاجتمع أهل المركب يسبحون ويهللون ويرون رجلا راكبا أسدا، فصاحوا: يا فتى من أنت أجني أم إنسي ؟ قلت: أنا سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وآله، راعي الاسد في حق رسول الله صلى الله عليه وآله، ففعل ما ترون. فلما سمعوا ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله حطوا الشراع وحملوا رجلين في قارب صغير، ودفعوا إليهما ثيابا فجاءا إلي، ونزلت من الاسد، ووقف ناحية مطرقا ينظر


(1) الخبب: ضرب من العدو، وخب الفرس في عدوه: راوح بين يديه ورجليه، أي: قام على احداهما مرة، وعلى الاخرى مرة. (2) المزود، جمعها: ما يوضع فيه الزاد.

[ 138 ]

ما أصنع، فرميا إلي بالثياب وقالا: البسها. فلبستها. فقال أحدهما: اركب ظهري حتى أحملك إلى القارب، أيكون السبع أرعى لحق رسول الله صلى الله عليه وآله من أمته ؟ فأقبلت على الاسد فقلت: جزاك الله خيرا عن رسول الله. فو الله لقد نظرت إلى دموعه تسيل على خده ما يتحرك، حتى دخلت القارب، وأقبل يتلفت إلي ساعة بعد ساعة حتى غبنا عنه. (1) 224 - ومنها: ما ذكرنا شيئا منه وهو أن أبا طالب سافر بمحمد صلى الله عليه وآله فقال: فلما (2) كنا نسير في الشمس تسير الغمامة بسيرنا، وتقف بوقوفنا. فنزلنا يوما على راهب بأطراف الشام في صومعة يقال له " بحيرا الراهب "، فلما قربنا منه نظر إلى الغمامة تسير بسيرنا على رؤوسنا فقال: في هذه القافلة نبي مرسل (3) فنزل من صومعته فأضافنا، وكشف عن كتفيه فنظر إلى الشامة بين كتفيه فبكى، وقال: يا أبا طالب لم يجب (4) أن تخرجه معك من مكة، وبعد إذ أخرجته فاحتفظ به واحذر عليه اليهود فله شأن عظيم، وليتني أدركه فأكون أول مجيب لدعوته. (5) 225 - ومنها: ما روي عن فاطمة بنت أسد: أنه لما ظهرت أمارة (6) وفاة عبد المطلب قال لاولاده: من يكفل محمدا ؟ قالوا: هو أكيس منا فقل له يختار لنفسه. فقال عبد المطلب: يا محمد جدك على جناح السفر إلى القيامة، أي عمومتك وعماتك تريد أن يكفلك ؟ فنظر في وجوههم، ثم زحف إلى عند أبي طالب، فقال له عبد المطلب:


(1) عنه البحار: 17 / 409 ح 39، تقدم نحوه في الحديث: 47. (2) " كلما " ط والبحار. (3) " شئ " البحار. (4) " لم نحب " ط. (5) عنه البحار: 17 / 355 ح 9. تقدم مفصلا في الحديث: 132. (6) الامارة: جمعها أمارات: العلامة.

[ 139 ]

يا أبا طالب، إني قد عرفت ديانتك وأمانتك، فكن له كما كنت له. قالت: فلما توفي أخذه أبو طالب، وكنت أخدمه، وكان يدعوني الام. قالت: وكان في بستان دارنا نخلات، وكان أول إدراك الرطب، وكان أربعون صبيا من أتراب (1) محمد صلى الله عليه وآله يدخلون علينا كل يوم في البستان ويلتقطون ما يسقط فما رأيت قط محمدا أخذ رطبة من يد صبي سبق إليها، والآخرون يختلس بعضهم من بعض. وكنت كل يوم ألتقط لمحمد صلى الله عليه وآله حفنة فما فوقها، وكذلك جاريتي. فاتفق يوما أن نسيت أن ألتقط له شيئا ونسيت جاريتي، وكان محمد صلى الله عليه وآله نائما ودخل الصبيان وأخذوا كل ما سقط من الرطب وانصرفوا، فنمت فوضعت الكم على وجهي حياء من محمد إذا انتبه. قالت: فانتبه محمد، ودخل البستان، فلم ير رطبة على الارض فانصرف، فقالت له الجارية: إنا نسينا أن نلتقط شيئا والصبيان دخلوا وأكلوا جميع ما كان قد سقط. قالت: فانصرف محمد صلى الله عليه وآله إلى البستان وأشار إلى نخلة، وقال: أيتها الشجرة أنا جائع. قالت: فرأيت الشجرة قد وضعت أغصانها التي عليها الرطب حتى أكل منها محمد صلى الله عليه وآله ما أراد، ثم ارتفعت إلى موضعها. قالت فاطمة: فتعجبت، وكان أبو طالب قد خرج من الدار، وكل يوم إذا رجع وقرع الباب كنت أقول للجارية حتى تفتح الباب. فقرع أبو طالب، فعدوت حافية إليه وفتحت الباب وحكيت له ما رأيت. فقال: هو إنما يكون نبيا، وأنت تلدين وزيره بعد ثلاثين. فولدت عليا عليه السلام كما قال (2) 226 - ومنها: أن جابرا روى أن سبب تزويج خديجة بمحمد صلى الله عليه وآله كان [ أن ] أبا طالب قال: يا محمد إني أريد أن أزوجك ولا مال لي أساعدك به، وإن خديجة


(1) أي: كانوا في سنه صلوات الله عليه وعلى آله. (2) عنه البحار: 17 / 363 ح 1.

[ 140 ]

قرابتنا، وتخرج كل سنة قريشا في مالها مع غلمانها يتجر لها، ويأخذ وقر بعير مما أتى به، فهل لك أن تخرج ؟ قال: نعم. فخرج أبو طالب إليها وقال لها ذلك: ففرحت وقالت لغلامها ميسرة: أنت وهذا المال كله بحكم محمد صلى الله عليه وآله. فلما رجع ميسرة [ من سفره ] حدث أنه ما مر بشجرة ولا مدرة إلا قالت: السلام عليك يا رسول الله. وقال: وجاء " بحيرا الراهب " وخدمنا لما رأى الغمامة على رأسه تسير حيثما سار تظله بالنهار. وربحا في تلك السفرة ربحا كثيرا. فلما انصرفا قال ميسرة: لو تقدمت يا محمد إلى مكة وبشرت خديجة بما قد ربحنا لكان أنفع لك. فتقدم محمد صلى الله عليه وآله على راحلته، وكانت خديجة في ذلك اليوم جالسة على غرفة مع نسوة فوق سطح لها فظهر لها محمد صلى الله عليه وآله راكبا، فنظرت خديجة إلى غمامة عالية على رأسه تسير بسيره، ورأت ملكين عن يمينه وعن شماله، وفي يد كل واحد سيف مسلول، يجيئان في الهواء معه. فقالت: إن لهذا الراكب لشأنا عظيما، ليته جاء إلى داري. فإذا هو محمد صلى الله عليه وآله قاصدا لدارها. فنزلت جافية إلى باب الدار، وكانت إذا أرادت التحول من مكان إلى مكان حولت الجواري السرير الذي كانت عليه، فلما دنت منه قالت: يا محمد أخرج واحضر لي عمك أبا طالب الساعة. وقد بعثت إلى عمها أن زوجني من محمد إذا دخل عليك. فلما حضر أبو طالب قالت: أخرجا إلى عمي ليزوجني من محمد، فقد قلت له في ذلك. فدخلا على عمها، وخطب أبو طالب الخطبة المعروفة، وعقد النكاح فلما قام محمد صلى الله عليه وآله ليذهب مع أبي طالب قالت خديجة: إلى بيتك، فبيتي بيتك

[ 141 ]

وأنا جاريتك. (1) 227 - ومنها: ما روي عن جابر قال. كنت إذا مشيت في شعاب مكة مع محمد صلى الله عليه وآله لم يكن يمر بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله. (2) 228 - ومنها: ما روي عن علي عليه السلام أنه لما كان بعد ثلاث سنين من مبعثه صلى الله عليه وآله أسري به إلى بيت المقدس، وعرج به منه إلى السماء ليلة المعراج فلما أصبح من ليلته حدث قريشا بخبر معراجه، فقال جهالهم: ما أكذب هذا الحديث وقال قائلهم: يا أبا القاسم، فبم نعلم أنك صادق ؟ قال: مررت بعيركم في موضع كذا، وقد ضل لهم بعير، وعرفتهم مكانه، وصرت إلى رحالهم، وكانت لهم قرب مملوءة من الماء فصببت قربة، والعير توافيكم في اليوم الثالث من هذا اليوم (3) مع طلوع الشمس فأول العير جمل أحمر وهو جمل فلان. فلما كان اليوم الثالث خرجوا إلى باب مكة لينظروا صدق ما أخبر به محمد صلى الله عليه وآله قبل طلوع الشمس، فهم كذلك إذا طلعت العير عليهم بطلوع الشمس، في أولها الجمل الاحمر فتعجبوا من ذلك، وسألوا الذين كانوا مع العير فقالوا مثل ما قال محمد صلى الله عليه وآله في إخباره عنهم. فقالوا: هذا أيضا من سحر محمد. (4) 229 - ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله كان ليلة جالسا في الحجر (5) وكانت قريش في مجالسها يتسامرون، فقال بعضهم لبعض: قد أعيانا أمر محمد صلى الله عليه وآله، فما ندري ما نقول فيه. فقال بعضهم: قوموا بنا جميعا إليه نسأله أن يرينا آية من السماء، فإن السحر قد


(1) عنه البحار: 16 / 3 ح 8. (2) عنه البحار: 17 / 364 ح 2. تقدم مثله في الحديث: 59. (3) " الموضع " ه‍ وس والبحار. (4) عنه البحار: 18 / 379 ح 85. تقدم نظيره في الحديث: 4 و 140. (5) الحجر: الحائط المستدير إلى جانب الكعبة الغربي. النهاية: 1 / 341.

[ 142 ]

يكون في الارض ولا يكون في السماء، فصاروا إليه. فقالوا: يا محمد إن لم يكن هذا الذي نرى منك سحرا، فأرنا آية في السماء فإنا نعلم أن السحر لا يستمر في السماء كما يستمر في الارض. فقال لهم: ألستم ترون هذا القمر في تمامه لاربع عشرة ؟ فقالوا: بلى. قال: أفتحبون أن تكون الآية من قبله وجهته ؟ قالوا: قد أحببنا ذلك. فأشار إليه باصبعه فانشق بنصفين، فوقع نصفه على ظهر الكعبة، ونصفه الآخر على جبل أبي قبيس، وهم ينظرون إليه. فقال بعضهم: فرده إلى مكانه. فأومى بيده إلى النصف الذي كان على ظهر الكعبة وبيده الاخرى إلى النصف الذى كان على جبل أبي قبيس، فطارا جميعا فالتقيا في الهواء فصارا واحدا، واستقر القمر في مكانه، على ما كان. فقالوا: قوموا فقد استمر سحر محمد في السماء والارض. فأنزل الله تعالى: " اقتربت الساعة وانشق القمر * وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر " (1) (2) 230 - ومنها: أنه لما كانت قريش تحالفوا وكتبوا بينهم صحيفة ألا يجالسوا واحدا من بني هاشم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم محمدا ليقتلوه، وعلقوا تلك الصحيفة في الكعبة، وحاصروا بني هاشم في الشعب - شعب عبد المطلب - أربع سنين، فأصبح النبي صلى الله عليه وآله يومان وقال لعمه أبي طالب: إن الصحيفة التي كتبتها قريش في قطيعتنا قد بعث الله عليها دابة فلحست كل ما فيها غير اسم الله، وكانوا قد ختموها بأربعين خاتما من رؤساء قريش. فقال أبو طالب: يا ابن أخي أفأصير إلى قريش فأعلمهم بذلك ؟ قال: إن شئت. فصار أبو طالب رضي الله عنه إليهم فاستبشروا بمصيره إليهم، واستقبلوه بالتعظيم والاجلال، وقالوا: قد علمنا الآن أن رضى قومك أحب إليك مما كنت فيه، أفتسلم


(1) سورة القمر: 1 و 2. (2) عنه البحار: 17 / 355 ح 10. تقدم نظيره في الحديث: 26

[ 143 ]

إلينا محمدا - ولهذا جئتنا - ؟ قال: يا قوم إني قد جئتكم بخبر أخبرني به ابن أخي محمد صلى الله عليه وآله فانظروا في ذلك، فإن كان كما قال فاتقوا الله وارجعوا عن قطيعتنا، وإن كان بخلاف ما قال سلمته إليكم واتبعت مرضاتكم. قالوا: وما الذي أخبرك ؟ قال: أخبرني أن الله قد بعث على صحيفتكم دابة فلحست ما فيها غير اسم الله فحطوها فإن كان الامر بخلاف ما قال سلمته إليكم. ففتحوها فلم يجدوا فيها شيئا غير اسم الله. فتفرقوا وهم يقولون: سحر سحر. وانصرف أبو طالب رضي الله عنه. (1) 231 - ومنها: أنه لما كانت الليلة التي خرج فيها رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الغار كانت قريش اختارت من كل بطن منهم رجلا ليقتلوا محمدا صلى الله عليه وآله فاختارت خمسة عشر رجلا من خمسة عشر بطنا، كان فيهم أبو لهب من بطن بني هاشم ليتفرق دمه في بطون قريش فلا يمكن بني هاشم أن يأخذوا بطنا واحدا، فيرضون عند ذلك بالدية فيعطون عشر ديات. فقال النبي صلى الله عليه وآله لاصحابه: لا يخرج الليلة منكم أحد من داره. فلما نام الرسول صلى الله عليه وآله قصدوا باب عبد المطلب، فقال لهم أبو لهب: يا قوم إن في هذه الدار نساء بني هاشم وبناتهم، ولا نأمن أن تقع يد خاطئة إذا وقعت الصيحة عليهن فيبقى ذلك علينا مسبة وعارا إلى آخر الدهر في العرب، ولكن اقعدوا بنا جميعا على الباب نحرس محمدا في مرقده، فإذا طلع الفجر تواثبنا إلى الدار فضربناه ضربة رجل واحد وخرجنا، فإلى أن تجتمع الناس قد أضاء الصبح، فيزول عنا العار عند ذلك. فقعدوا بالباب يحرسونه.


(1) عنه البحار: 18 / 120 وتقدم نحوه في ح 141.

[ 144 ]

قال علي عليه السلام: فدعاني رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: إن قريشا دبرت كيت وكيت في قتلي فنم على فراشي حتى أخرج أنا من مكة، فقد أمرني الله تعالى بذلك. فقلت له: السمع والطاعة. فنمت على فراشه، وفتح رسول الله صلى الله عليه وآله الباب، وخرج عليهم وهم جميعا جلوس ينتظرون الفجر، وهو يقول: * (وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون) * (1) ومضى وهم لا يرونه، فرأى أبا بكر قد خرج في الليل يتجسس عن خبره - وقد كان وقف على تدبير قريش من جهتهم - فأخرجه معه إلى الغار. فلما طلع الفجر تواثبوا إلى الدار، وهم يظنون أني محمد صلى الله عليه وآله فوثبت في وجوههم وصحت بهم. فقالوا: علي ؟ ! قلت: نعم. قالوا: وأين محمد ؟ قلت: خرج من بلدكم. قالوا: وإلى أين خرج ؟ قلت: الله أعلم. فتركوني وخرجوا فاستقبلهم أبو كريز الخزاعي وكان عالما بقصص الآثار، فقالوا: يا أبا كريز اليوم نحب أن تساعدنا في قصص أثر محمد، فقد خرج عن البلد. فوقف على باب الدار، فنظر إلى أثر رجل محمد صلى الله عليه وآله، فقال: هذا أثر قدم محمد، وهي والله أخت القدم التي في المقام ! ومضى به على أثره حتى إذا صار إلى الموضع الذي لقيه فيه أبو بكر، فقال: [ هنا ] قد صار مع محمد آخر، وهذه قدمه، إما أن تكون قدم أبي قحافة أو قدم ابنه. فمضى على ذلك إلى باب الغار، فانقطع عنه الاثر، وقد بعث الله إليه العنكبوت فنسجت على باب الغار كله، وبعث الله قبجة فباضت على باب الغار فقال: ما جاز محمد هذا الموضع، ولا من معه، إما أن يكونا صعدا إلى السماء، أو نزلا في الارض، فإن باب هذا الغار كما ترون عليه نسج العنكبوت، والقبجة حاضنة على


(1) سورة يس: 9.

[ 145 ]

بيضها على باب الغار. فلم يدخلوا الغار، وتفرقوا في الجبل يطلبونه. (1) 232 - ومنها: أن أبا بكر اضطرب في الغار اضطرابا شديدا خوفا من قريش وأراد الخروج إليهم، فقعد واحد من قريش مستقبل الغار يبول، فقال أبو بكر: هذا قد رآنا قال صلى الله عليه وآله: كلا لو رآنا ما استقبلنا بعورته وقال له النبي صلى الله عليه وآله " لا تخف إن الله معنا " لن يصلوا إلينا. فلم يسكن اضطرابه. فلما رأى صلى الله عليه وآله ذلك منه، رفس ظهر الغار، فانفتح منه باب إلى بحر وسفينة، فقال له: اسكن الآن، فإنهم إن دخلوا من باب الغار خرجنا من هذا الباب وركبنا السفينة. فسكن عند ذلك، فلم يزالوا إلى أن أمسوا في الطلب فيئسوا وانصرفوا. ووافى ابن الاريقط بأغنام يرعاها إلى باب الغار وقت الليل يريد مكة بالغنم فدعاه رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: أفيك مساعدة لنا ؟ قال: إي والله، فو الله ما جعل الله هذه القبجة على باب الغار حاضنة لبيضها، ولا نسج العنكبوت عليه إلا وأنت صادق، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فقال صلى الله عليه وآله: الحمد لله على هدايتك، فصر الآن إلى علي فعرفه موضعنا، ومر بالغنم إلى أهلها إذا نام الناس، ومر إلى عبد أبي بكر. فصار ابن الاريقط إلى مكة وفعل ما أمر رسول الله صلى الله عليه وآله فأتى عليا عليه السلام وعبد أبي بكر. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أعد لنا يا أبا الحسن راحلة وزادا، وابعثها إلينا، وأصلح ما تحتاج إليه لحمل والدتك وفاطمة وألحقنا بهما إلى يثرب، وقال أبو بكر لعبده مثله، ففعلا ذلك، فأردف رسول الله صلى الله عليه وآله ابن الاريقط، وأبو بكر عبده. (2) 233 - ومنها: أن النبي صلى الآله عليه وآله لما خرج بهؤلاء، وأصبحوا من تلك الليلة التي خرجوا فيها على حي سراقة بن مالك بن جعشم، فلما نظر سراقة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) عنه البحار: 19 / 72 ح 26. والحديث متواتر مشهور، وفي كتب السيرة والتاريخ مسطور. (2) عنه البحار: 19 / 74.

[ 146 ]

قال: أتخذ به يدا عند قريش. وركب فرسه وقصد محمدا صلى الله عليه وآله قالوا: قد لحق بنا هذا الشيطان. فقال: إن الله سيكفينا أمره. فلما قرب قال صلى الله عليه وآله: " اللهم خذه " فارتطم فرسه في الارض فصاح: يا محمد خلص فرسي، لا سعيت لك في مكروه بعدها. وعلم أن ذلك بدعاء محمد صلى الله عليه وآله. فقال: " اللهم إن كان صادقا فخلصه " فوثب الفرس. فقال: يا أبا القاسم ستمر برعاتي وعبيدي فخذ سوطي، فكل من تمر به خذ ما شئت فقد حكمتك في مالي. فقال صلى الله عليه وآله: لا حاجة لي في مالك. قال: فسلني حاجة. قال صلى الله عليه وآله: رد عنا من يطلبنا من قريش. فانصرف سراقة، فاستقبله جماعة من قريش في الطلب فقال لهم: انصرفوا عن هذا الطريق، فلم يمر فيه أحد، وأنا أكفيكم هذا الطريق، فعليكم بطريق اليمن والطائف. (1) 234 - ومنها: أن النبي سار حتى نزل خيمة أم معبد، فطلبوا عندها قرى (2) فقالت: ما يحضرني شئ. فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى شاة في ناحية الخيمة قد تخلفت من الغنم لضرها، فقال: تأذنين في حلبها ؟ قالت: نعم ولا خير فيها. فمسح يده على ظهرها، فصارت أسمن ما يكون من الغنم، ثم مسح يده على ضرعها، فأرخت ضرعا عجيبا، ودرت لبنا كثيرا فقال: يا أم معبد هاتي العس (3). فشربوا جميعا حتى رووا. فلما رأت أم معبد ذلك قالت: يا حسن الوجه إن لي ولدا له سبع سنين، وهو كقطعة لحم لا يتكلم ولا يقوم. فأتته به. فأخذ تمرة قد بقيت في الوعاء، ومضغها وجعلها في فيه، فنهض في الحال ومشى وتكلم، وجعل نواها في الارض فصارت في الحال نخلة، وقد تهدل الرطب منها


(1) عنه البحار: 19 / 75. وتقدم مختصرا في ص 23 ح 1 (2) القرى: ما يقدم للضيف. (3) العس بضم أوله: القدح الكبير.

[ 147 ]

وكان كذلك صيفا وشتاءا، وأشار من الجوانب فصار ما حولها مراعي، ورحل رسول الله صلى الله عليه وآله. ولما توفي صلى الله عليه وآله لم ترطب تلك النخلة، وكانت خضراء، فلما قتل علي عليه السلام لم تخضر وكانت باقية، فلما قتل الحسين عليه السلام سال منها الدم ويبست. فلما انصرف أبو معبد ورأى ذلك، وسأل عن سببه قالت: مر بي رجل قرشي من حاله وقصته [ كذا وكذا ] قال: يا أم معبد إن هذا الرجل هو صاحب أهل المدينة الذي هم ينتظرونه، ووالله ما أشك الآن أنه صادق في قوله أنه رسول الله، فليس هذا إلا من فعل الله. ثم قصد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فآمن هو وأهله. (1) 235 - ومنها: أنه لما كانت وقعة بدر قتل المسلمون من قريش سبعين رجلا وأسروا منهم سبعين، فحكم رسول الله بقتل الاسارى وحرق الغنائم. فقال جماعة من المهاجرين: إن الاسارى هم قومك وقد قتلنا منهم سبعين، فأطلق لنا أن نأخذ الفداء من الاسارى والغنائم فنقوى (2) بها على جهادنا. فأوحى الله إليه يقتل منكم في العام المقبل في مثل هذا اليوم عدد الاسارى إن لم يقتلوا [ الاسارى ] وأنزل الله * (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة) *. (3) فلما كان في العام المقبل وقتل من المسلمين سبعون - عدد الاسارى - قالوا: يا رسول الله قد وعدتنا النصر فما هذا الذي وقع بنا ؟ ونسوا الشرط ببدر. فأنزل الله: * (أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها) * (4) يعني ما كانوا أصابوا من قريش ببدر وقبلوا الفداء من الاسراء * (قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم) * (5)


(1) عنه البحار: 19 / 75، وفي المستدرك: 13 / 121 باب 103 ح 1 مختصرا. وتقدم بعض الحديث في ص 25 ح 6. (2) " فنتقوى " خ ل. (3) سورة الانفال: 67. (4 و 5) آل عمران: 165

[ 148 ]

يعني بالشرط الذي شرطوه على أنفسهم أن يقتل منهم بعدد الاسارى إذا هو أطلق لهم الفداء منهم والغنائم، فكان الحال في ذلك على حكم الشرط. ولما انكشفت الحرب يوم أحد سار أولياء المقتولين ليحملوا قتلاهم إلى المدينة فشدوهم على الجمال، وكانوا إذا توجهوا بهم نحو المدينة بركت الجمال، وإذا توجهوا بهم نحو المعركة أسرعت، فشكوا الحال إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ألم تسمعوا قول الله * (قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم) * (1) فدفن كل رجلين في قبر إلا حمزة، فأنه دفن وحده. وكان أصاب عليا عليه السلام في حرب أحد أربعون جراحة، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله الماء على فمه فرشه على الجراحات، فكأنها لم تكن من وقتها. وكان أصاب عين قتادة (2) سهم من المشركين فسالت الحدقة، فأمسكها النبي صلى الله عليه وآله فعادت صحيحة، وكانت أحسن من الاخرى. (3) 236 - ومنها: أن عليا عليه السلام قال: انقطع سيفي يوم أحد فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت: إن المرء يقاتل بسيفه، وقد انقطع سيفي، فنظر إلى جريدة نخل عتيقة يابسة مطروحة فأخذها بيده، ثم هزها فصارت سيفه " ذا الفقار " فناولنيه، فما ضربت به أحدا إلا وقده بنصفين. (4) 237 - ومنها: أن جابرا قال: كان النبي صلى الله عليه وآله بمكة ورجل من قريش يربي مهرا، كان إذا لقى محمدا والمهر معه يقول: يا محمد على هذا المهر أقتلك. قال النبي صلى الله عليه وآله: أقتلك عليه. قال: بل أقتلك. فوافى أحدا، فأخذ النبي صلى الله عليه وآله حربة رجل وخلع سنانه ورمى به، فضربه بها على عنقه، فقال: النار النار. وسقط ميتا. (5)


(1) آل عمران: 154. (2) " عم قتادة " م. وهو خطأ. راجع تعليقتنا على الحديث " 30 ". (3) عنه البحار: 20 / 77 ح 16. ونحوه في دلائل البيهقي: 3 / 137 وص 139. وتقدم ذيل الحديث في ص 32 ح 30 وذح 50. (4 و 5) عنه البحار: 30 / 78.

[ 149 ]

238 - ومنها: أن رسول الله صلى الله عليه وآله انتهى إلى رجل قد فوق (1) سهما ليرمي بعض المشركين، فوضع صلى الله عليه وآله يده فوق السهم، وقال: إرم. فرمى ذلك المشرك فهرب المشرك من السهم، وجعل يروغ من السهم يمنة ويسرة، والسهم يتبعه حيثما راغ حتى سقط السهم في رأسه، فسقط المشرك ميتا فأنزل الله: " فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ". (2) 239 - وكان أبو عزة (3) الشاعر حضر مع قريش يوم بدر يحرض قريشا بشعره على القتال، فأسر في السبعين الذين أسروا. فلما وقع الفداء على القوم قال أبو عزة: يا أبا القاسم تعلم أني رجل فقير فامنن على بناتي. فقال صلى الله عليه وآله: إن أطلقتك بغير فداء أتكثر علينا بعدها ؟ قال: لا والله. فعاهده أن لا يعود. فلما كانت حرب أحد دعته قريش إلى الخروج معها ليحرض الناس بشعره على القتال، فقال: إني عاهدت محمدا ألا أكثر عليه بعدما من علي. قالوا: ليس هذا من ذاك، إن محمدا لا يسلم منا في هذه الدفعة. فقلبوه عن رأيه فلم يؤسر يوم أحد من قريش غيره. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ألم تعاهدني ؟ قال: إنما غلبوني على رأيي، فامنن على بناتي. قال: لا، تمشي بمكة وتحرك كتفيك فتقول: سخرت من محمد مرتين، المؤمن لا يلسع من جحر مرتين، يا علي اضرب عنقه (4).


(1) الفوقة: موضع الوتر في رأس السهم. (2) عنه البحار: 17 / 298 ح 9 وج 20 / 78 ح 16 (قطعة منه). (3) ذكره ابن هشام في سيرته: 2 / 315. (4) عنه البحار: 20 / 79. وروى نحوه ابن هشام في السيرة: 3 / 65، والواقدي في المغازي: 1 / 201، عنه شرح نهج البلاغة: 14 / 214. وأخرجه في البحار: 19 / 345 عن شرح النهج.

[ 150 ]

240 - ومنها: أنه لما وافى رسول الله صلى الله عليه وآله المدينة مهاجرا نزل بقبا (1) وقال: لا أدخل المدينة حتى يلحق بي علي. وكان سلمان كثير السؤال عن رسول الله صلى الله عليه وآله وكان قد اشتراه بعض اليهود وكان يخدم نخلا لصاحبه. فلما وافى صلى الله عليه وآله قبا - وكان سلمان قد عرف بعض أحواله من بعض أصحاب عيسى وغيره - فحمل طبقا من تمر وجاءهم به، فقال: سمعنا أنكم غرباء وافيتم إلى هذا الموضع فحملنا هذا إليكم من صدقاتنا فكلوه. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: سموا وكلوا. ولم يأكل هو منه شيئا، وسلمان واقف ينظر، فأخذ الطبق وانصرف وهو يقول: هذه واحدة - بالفارسية -. ثم جعل في الطبق تمرا آخر وحمله فوضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: رأيتك لم تأكل من تمر الصدقة، وهذه الهدية (2) فمد يده صلى الله عليه وآله [ وأكل ] وقال لاصحابه: كلوا باسم الله. فأخذ سلمان الطبق وقال: هذه اثنتان. ثم دار خلف رسول الله صلى الله عليه وآله فعلم صلى الله عليه وآله مراده منه، فأرخى رداءه عن كتفيه، فرأى سلمان الشامة، فوقع عليها وقبلها، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. ثم قال: إني عبد ليهودي فما تأمرني ؟ قال: اذهب فكاتبه على شئ تدفعه إليه. فصار سلمان إلى اليهودي فقال: إني أسلمت واتبعت هذا النبي على دينه ولا تنتفع بي، فكاتبني على شئ أدفعه إليك وأملك نفسي. فقال اليهودي: أكاتبك على أن تغرس لي خمسمائة نخلة، وتخدمها حتى تحمل ثم تسلمها إلي، وعلى أربعين أوقية ذهبا جيدا.


(1) قبا بالضم: اسم بئر هناك، عرفت القرية بها، وهي مساكن بني عمرو بن عوف من الانصار. وهي قرية على ميلين من المدينة على يسار القاصد إلى مكة. راجع معجم البلدان: 4 / 301. (2) " فحملت هذا هدية " م وط.

[ 151 ]

فانصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره بذلك، فقال صلى الله عليه وآله: اذهب فكاتبه على ذلك. فمضى سلمان وكاتبه على ذلك وقدر اليهودي أن هذا شئ لا يكون إلا بعد سنين فانصرف سلمان بالكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: اذهب فأتني بخمسمائة نواة. وفي رواية الحشوية (1): بخمسمائة فسيلة. فجاء سلمان بخمسمائة نواة، فقال: سلمها إلى علي. ثم قال لسلمان: اذهب بنا إلى الارض التي طلب النخل فيها. فذهبوا إليها، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يثقب الارض باصبعه، ثم يقول لعلي عليه السلام: ضع في الثقب نواة، ثم يرد التراب عليها ويفتح رسول الله صلى الله عليه وآله أصابعه فينفجر الماء من بينها، فيسقي ذلك الموضع، ثم يصير إلى موضع الثانية فيفعل بها كذلك. فإذا فرغ من الثانية تكون الاولى قد نبتت، ثم يصير إلى موضع الثالثة، فإذا فرغ منها تكون الاولى قد حملت، ثم يصير إلى موضع الرابعة وقد نبتت الثالثة وحملت الثانية، وهكذا حتى فرغ من غرس الخمسمائة، وقد حملت كلها. فنظر اليهودي، وقال: صدقت قريش أن محمدا ساحر. وقال: قد قبضت منك النخل فأين الذهب ؟ فتناول رسول الله صلى الله عليه وآله حجرا كان بين يديه فصار ذهبا أجود ما يكون، فقال اليهودي: ما رأيت ذهبا قط مثله. وقدره مثل تقدير عشرة أواق فوضعه في الكفة فرجح فزاد عشرا، فرجح حتى صار أربعين أوقية لا تزيد ولا تنقص.


(1) " اخرى " س وه‍ وط. قال النوبختي في فرق الشيعة: 34: الحشوية، ومن قال بقولهم: أن عليا وطلحة والزبير لم يكونوا مصيبين في حربهم، وأن المصيبين هم الذين قعدوا عنهم، وأنهم يتولونهم جميعا، ويتبرؤون من حربهم، ويردون أمرهم إلى الله عزوجل.

[ 152 ]

قال سلمان: فانصرفت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فلزمت خدمته وأنا حر. (1) 241 - ومنها: أن جابرا قال: لما اجتمعت الاحزاب من العرب لحرب الخندق واستشار النبي صلى الله عليه وآله المهاجرين والانصار في ذلك فقال سلمان: إن العجم إذا أحزبها (2) أمر مثل هذا اتخذوا الخنادق حول بلدانهم، وجعلوا القتال من وجه واحد. فأوحى الله أن يفعل مثل ما قال سلمان. فخط رسول الله صلى الله عليه وآله الخندق حول المدينة، وقسمه بين المهاجرين والانصار بالذراع، فجعل لكل عشرة منهم عشر أذرع. قال جابر: فظهرت في الخط لنا يوما صخرة عظيمة لم يمكن كسرها، ولا كانت المعاول تعمل فيها، فأرسلني أصحابي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله لاخبره بخبرها، فصرت إليه فوجدته مستلقيا، وقد شد على بطنه الحجر، فأخبرته بخبر الحجر، فقام مسرعا فأخذ الماء في فمه فرشه على الصخرة، ثم ضرب المعول بيده وسط الصخرة ضربة برقت منها برقة، فنظر المسلمون فيها إلى قصود اليمن وبلدانها، ثم ضربها ضربة فبرقت برقة أخرى نظر المسلمون فيها إلى قصور العراق، وفارس، ومدنها. ثم ضربها الثالثة فانهارت الصخرة قطعا. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما الذي رأيتم في كل برقة ؟ قالوا: رأينا في الاولى كذا وفي الثانية كذا، وفي الثالثة كذا. وقال: سيفتح الله عليكم ما رأيتموه. قال جابر: وكان في منزلي صاع من شعير وشاة مشدودة، فصرت إلى أهلي فقلت: رأيت الحجر على بطن رسول الله صلى الله عليه وآله وأظنه جائعا، فلو أصلحنا هذا الشعير وهذه


(1) عنه البحار: 22 / 386 ح 6. تقدم نحوه في الحديث: 28. (2) قال الجزري في النهاية: 1 / 377: وفيه " كان إذا حزبه أمر صلى " أي: إذا نزل به مهم أو أصابه غم. ومنه حديث علي عليه السلام " نزلت كرائه الامور وحوازب الخطوب " جمع حازب، وهو الامر الشديد. (*)

[ 153 ]

الشاة ودعونا رسول الله صلى الله عليه وآله إلينا كان لنا قربة عند الله. قالت: فاذهب فأعلمه، فان أذن فعلناه. فذهبت فقلت: يا رسول الله إن رأيت أن تجعل غداءك اليوم عندنا. قال: وما عندك ؟ قلت: صاع من الشعير وشاة: قال: أفأصير إليك مع من أحب أو أنا وحدي ؟ قال: فكرهت أن أقول: أنت وحدك، بل قلت: مع من تحب، وظننته يريد عليا بذلك. فرجعت إلى أهلي، فقلت: أصلحي أنت الشعير، وأنا أسلخ الشاة، ففرغنا من ذلك وجعلنا الشاة كلها قطعا في قدر واحد وماء وملحا، وخبزت أهلي ذلك الدقيق وصرت إليه، فقلت: يا رسول الله قد أصلحنا ذلك فوقف على شفير الخندق، ونادى بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أجيبوا دعوة جابر فخرج جميع المهاجرين والانصار فخرج [ النبي صلى الله عليه وآله ] والناس خلفه، فلم يكن يمر بملا من أهل المدينة إلا قال: أجيبوا دعوة جابر. فأسرعت إلى أهلي فقلت: قد أتانا ما لا قبل لنا به، وعرفتها خبر الجماعة. فقالت: ألست قد عرفت رسول الله ما عندنا ؟ قلت: بلى. قالت: فلا عليك فهو أعلم بما يفعل. فكانت أهلي أفقه مني. فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله الناس بالجلوس خارج الدار، ودخل هو وعلي الدار، فنظر في التنور والخبز فيه، فتفل فيه وكشف القدر فنظر فيها، ثم قال للمرأة: أقلعي من التنور رغيفا رغيفا، وناوليني واحدا بعد واحد. فجعلت تقلع رغيفا وتناوله إياه، وهو وعلي يثردان في الجفنة، ثم تعود المرأة إلى التنور فتجد مكان الرغيف الذي اقتلعته رغيفا آخر. فلما امتلات الجفنة بالثريد غرف عليه من القدر، وقال عليه السلام: أدخل علي عشرة من الناس. فدخلوا، وأكلوا حتى شبعوا [ والثريد بحاله ]. ثم قال: يا جابر أئتني بالذراع. ثم قال: أدخل علي عشرة.

[ 154 ]

فدخلوا وأكلوا حتى شبعوا والثريد بحاله. ثم قال: هات الذراع. فأتيته به. ثم قال: أدخل علي عشرة. فأكلوا وشبعوا والثريد بحاله. وقال صلى الله عليه وآله: هات الذراع. قلت: كم للشاة من ذراع ؟ قال: ذراعان. قلت: قد أتيت بثلاث أذرع. قال صلى الله عليه وآله: لو سكت لاكل الجميع من الذراع. فلم يزل يدخل عشرة ويخرج عشرة حتى أكل الناس جميعا. ثم قال: تعال حتى نأكل نحن وأنت. فأكلت أنا ومحمد صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام وخرجنا، والخبز في التنور على حاله، والقدر على حالها والثريد في الجفنة على حاله، فعشنا أياما بذلك. (1) 242 - ومنها: أن جابرا قال: استشهد والدي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله يوم أحد وهو ابن مائتي سنة، وكان عليه دين، فلقيني رسول الله صلى الله عليه وآله يوما فقال: ما فعل دين أبيك ؟ قلت: على حاله. فقال: لمن هو ؟ قلت: لفلان اليهودي. قال: متى حينه ؟ قلت: وقت جفاف التمر. قال: إذا جففت التمر فلا تحدث فيه حتى تعلمني، واجعل كل صنف من التمر على حدة. ففعلت ذلك، وأخبرته صلى الله عليه وآله، فصار معي إلى التمر وأخذ من كل صنف قبضة بيده وردها فيه، ثم قال: هات اليهودي. فدعوته.


(1) عنه الحار: 18 / 32 ح 25. وروى نحوه في قصة حفر الخندق، وظهور البرقة عند ضربه صلوات الله عليه الحجر بالمعول في دلائل النبوة: 3 / 398 - 400 بإسناده عن موسى بن عقبة، وص 417 بطريق آخر عن سلمان، وفي السيرة النبوية لابن هشام: 3 / 173. وأخرج بنحو آخر قصة ذراع الشاة في الخصائص الكبرى: 2 / 251 و 252 عن أحمد والدارمي وابن سعد والطبراني وأبي نعيم من طريق شهر بن حوشب عن أبي عبيد. وأخرجه عن أحمد وابن سعد وأبي يعلى والطبراني وأبي نعيم وابن عساكر من طرق أربعة عن أبي رافع. وأخرجه عن أبي نعيم بعدة أوجه عن أبي هريرة.

[ 155 ]

فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: إختر من هذا التمر أي صنف شئت، فخذ دينك منه. فقال اليهودي: وأي مقدار لهذا التمر كله حتى آخذ صنفا منه ؟ ولعل كله لا يفي بديني ! فقال: إختر أي صنف شئت فابتدئ به. فأومى إلى صنف الصيحاني، فقال: أبتدئ به ؟ فقال: افعل باسم الله. فلم يزل يكيل منه حتى استوفى منه دينه كله، والصنف على حاله ما نقص منه شئ. ثم قال صلى الله عليه وآله: يا جابر هل بقي لاحد عليك شئ من دينه ؟ قلت: لا. قال: فاحمل تمرك بارك الله لك فيه. فحملته إلى منزلي، وكفانا السنة كلها، فكنا نبيع لنفقتنا ومؤونتنا ونأكل منه، ونهب منه ونهدي، إلى وقت التمر الحديث، والتمر على حاله إلى أن جاءنا الحديث (1). (2) 243 - ومنها: ما روى عمار بن ياسر بأنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله في بعض أسفاره قال: فنزلنا يوما في بعض الصحاري القليلة الشجر، فنظر إلى شجرتين صغيرتين. فقال لي: يا عمار صر إلى الشجرتين فقل لهما: يأمركما رسول الله أن تلقيا حتى يقعد تحتكما. فأقبلت كل واحدة إلى الاخرى. حتى التقتا فصارتا كالشجرة [ الواحدة ومضى رسول الله صلى الله عليه وآله خلفهما فقضى حاجته ]. فلما أراد الخروج قال: لترجع كل واحدة إلى مكانها. فرجعتا كذلك. (3) 244 - ومنها: أن عليا عليه السلام بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله في بعض الامور بعد صلاة الظهر وانصرف من جهته تلك (4) وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وآله العصر بالناس. فلما دخل علي عليه السلام جلس يقص عليه ما كان قد نفذ فيه. فنزل الوحي عليه في تلك الساعة، فوضع رأسه في حجر علي عليه السلام وكانا كذلك حتى غربت الشمس


(1) " الجديد " البحار. (2) عنه البحار: 18 / 31 ح 24. (3) عنه البحار: 17 / 364 ح 3. تقدم نحوه بكامل تخريجاته في الحديث: 55. (4) " فانصرف من وجهة ذلك " الاصل.

[ 156 ]

فسرى عن رسول الله صلى الله عليه وآله في وقت الغروب. فقال لعلي عليه السلام: هل صليت العصر ؟ قال: لا، فإني كرهت أن أزيل رأسك، ورأيت جلوسي تحت رأسك وأنت في تلك الحال أفضل من صلاتي. فقام رسول الله صلى الله عليه وآله فاستقبل القبلة فقال: " اللهم إن كان علي في طاعتك وحاجة رسولك فاردد عليه الشمس ليصلي صلاته " فرجعت الشمس حتى صارت في موضع أول العصر، فصلى علي عليه السلام ثم انقضت الشمس للغروب مثل انقضاض الكوكب. وروي أن النبي صلى الله عليه وآله قال: يا علي إن الشمس مطيعة لك فادع. فدعا فرجعت، وكان قد صلاها بالاشارة. (1) 245 - ومنها: أن الحصار لما اشتد على المسلمين في حرب الخندق، ورأى رسول الله صلى الله عليه وآله منهم الضجر لما كان فيه من الضر، صعد على مسجد الفتح فصلى ركعتين ثم قال: " اللهم إن تهلك هذه العصابة لم تعبد بعدها في الارض " فبعث الله ريحا قلعت خيم المشركين، وبددت رواحلهم، وأجهدتهم بالبرد، وسفت (2) الرمال والتراب عليهم، وجاءته الملائكة فقالت: يا رسول الله إن الله قد أمرنا بالطاعة لك فمرنا بما شئت. قال: زعزعي المشركين وارعبيهم، وكوني من ورائهم. ففعلت بهم ذلك وأنزل الله " يا أيها الذين آمنو اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود - يعني أحزاب المشركين - فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا * إذ جاؤكم من فوقكم - أي أحزاب العرب - ومن أسفل منكم " (3) يعني بني قريضة حين نقضوا عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وصاروا مع الاحزاب على المسلمين.


(1) عنه البحار: 41 / 170 ح 6. تقدم نحوه في الحديث: 81. (2) سفى التراب: تذرى وتبدد. (3) سورة الاحزاب: 9 و 10.

[ 157 ]

ثم رجع من مسجد الفتح إلى معسكره فصاح بحذيفة بن اليمان - وكان قريبا - ثلاثا، فقال في الثالثة: لبيك يا رسول الله. قال: تسمع صوتي ولا تجيبني ؟ فقال: منعني شدة البرد. فقال: اعبر الخندق: فاعرف خبر قريش والاحزاب، وارجع، ولا تحدث حدثا حتى ترجع إلي. فقمت وأنا أنتقض من البرد، فعبرت الخندق، وكأني في الحمام، فصرت إلى معسكرهم فلم أجد هناك إلا خيمة أبي سفيان وعنده جماعة من وجوه قريش، وبين أيديهم نار تشتعل مرة وتخبوا أخرى، فانسللت فجلست بينهم. فقال أبو سفيان: إن كنا نقاتل أهل الارض فنحن بالقدرة عليه، وإن كنا نقاتل أهل السماء كما يقول محمد فلا طاقة لنا بأهل السماء، أنظروا بينكم لا يكون لمحمد عين بيننا، فليسأل بعضكم بعضا. قال حذيفة: فبادرت إلى الذي عن يميني فقلت: من أنت ؟ قال: خالد بن الوليد. وقلت للذي عن يساري: من أنت ؟ قال: فلان. فلم يسألني أحد منهم. ثم قال أبو سفيان لخالد: إما أن تتقدم أنت فتجمع إلي الناس ليلحق بعضهم ببعض، فأكون على الساقة، وإما أن أتقدم أنا، وتكون على الساقة. قال: بل أتقدم أنا وتتأخر أنت. فقاموا جميعا فتقدموا وتأخر أبو سفيان، فخرج من الخيمة وأنا أختفيت في ظلها، فركب راحلته وهي معقولة من الدهش الذي كان به، فنزل يحل العقال فأمكنني قتله، فلما هممت بذلك تذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وآله لي: " لا تحدثن حدثا حتى ترجع إلي ". فكففت ورجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وقد طلع الفجر، فحمد الله، ثم صلى بالناس الفجر، ونادى مناديه: لا يبرحن أحد مكانه إلى أن تطلع الشمس. فما أصبح إلا وقد تفرق عنه الجماعة إلا نفرا يسيرا.

[ 158 ]

فلما طلعت الشمس انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله ومن كان معه فلما دخل منزله أمر فنودي: أن لا يصلي أحد منكم إلا في بني قريظة. فسار المسلمون إليهم، فوجدوا النخل محدقا بقصرهم. ولم يكن للمسلمين معسكر ينزلون فيه، ووافى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ما لكم لا تنزلون ؟ فقالوا: ما لنا مكان ننزل به من اشتباك النخل. فوقف في طريق بين النخل، فأشار بيده يمنة، فانضم النخل بعضه إلى بعض وأشار بيده يسرة فانضم النخل كذلك، واتسع لهم الموضع فنزلوا. (1) 246 - ومنها: أنه لما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله للعمرة سنة الحديبية منعت قريش من دخوله مكة، وتحالفوا أنه لا يدخلها ومنهم عين تطرف. وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله: ما جئت محاربا لكم، إنما جئت معتمرا. قالوا: لا ندعك تدخل مكة على هذه الحالة فتستند لنا العرب وتعيرنا، ولكن اجعل بيننا وبينك هدنة لا تكون لغيرنا، فاتفقوا عليها. وقد نفذ ماء المسلمين وكظهم وبهائمهم العطش، فجئ بركوة فيها قليل من الماء، فأدخل يده فيها ففاضت الركوة، ونودي في العسكر: من أراد الماء فليأته. فسقوا واستقوا، وملاوا القرب. (2) 247 - ومنها: ما روى جابر، عن عمار بن ياسر أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله في بعض غزواته، قال: فلما خرجنا من المدينة وتأخر عنا رسول الله صلى الله عليه وآله ثم أقبل خلفنا


(1) عنه البحار: 20 / 248 ح 17. وروى نحوه (قصة ارسال النبي صلى الله عليه وآله حذيفة بن اليمان إلى معسكر المشركين وظهور المعجزات) في دلائل النبوة: 3 / 449 - 455. وقطعات منه في صحيح مسلم: 3 / 1414 ح 99، ومستدرك الحاكم: 3 / 31، وفي سيرة ابن هشام: 3 / 186 - 187. وأخرجه في البداية والنهاية: 4 / 114 و 115، وفي السنن الكبرى: 9 / 149. (2) عنه البحار: 20 / 358 ح 8. تقدم نحوه في الحديث: 203.

[ 159 ]

فانتهى إلي وقد قام جملي وبرك في الطريق، وتخلفت عن الناس بسبب ذلك، فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله عن راحلته فأخذ من الاداوة ماء في فمه، ثم رشه على الجمل، صاح به، فنهض كأنه ظبي، فقال لي: اركبه وسر عليه. فركبته وسرت مع رسول الله صلى الله عليه وآله فو الله ما كانت ناقة رسول الله العضباء تفوته. فقال لي صلى الله عليه وآله: يا عمار تبيعني الجمل ؟ قلت: هو لك يا رسول الله. قال صلى الله عليه وآله: لا إلا بثمن. قلت: تعطي من الثمن ما شئت. قال صلى الله عليه وآله: مائة درهم. قلت: قد بعتك. قال صلى الله عليه وآله: ولك ظهره إلى المدينة. فلما رجعنا ونزلنا المدينة حططت عنه رحلي، وأخذت بزمامه، فقدمته إلى باب دار رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: وفيت يا عمار. فقلت: الواجب هذا يا رسول الله. فقال صلى الله عليه وآله: يا أنس ادفع إلى عمار مائة درهم ثمن الجمل، ورد عليه الجمل هدية منا إليه لينتفع به. (1) 248 - قال جابر: وكنا يوما جلوسا حوله صلى الله عليه وآله في مسجده فأخذ كفا من حصي المسجد فنطقت الحصيات كلها في يده بالتسبيح، ثم قذف بها إلى موضعها في المسجد. (2) 249 - ومنها: أنه لما سار إلى خيبر أخذ أبو بكر الراية إلى باب الحصن فحاربهم فحملت اليهود فرجع منهزما يجبن أصحابه ويجبنونه. ولما كان من الغد أخذ عمر الراية وخرج، ثم رجع يجبن الناس (3). فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: ما بال أقوام يرجعون منهزمين يجبنون أصحابهم ؟ ! أما لاعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، كرارا غير فرار لا يرجع حتى يفتح الله على يديه.


(1) عنه البحار: 17 / 411 ح 40. (2) عنه البحار: 17 / 411، وتقدم نحوه في ح 61. (3) " أصحابه " خ ل.

[ 160 ]

وكان علي عليه السلام أرمد العين، فتطاول جميع المهاجرين والانصار وقالوا: أما علي فإنه لا يبصر شيئا، لا سهلا ولا جبلا. فلما كان من الغد خرج رسول الله صلى الله عليه وآله من الخيمة والراية في يده فركزها وقال: أين علي ؟ فقيل: يا رسول الله هو رمد معصوب العينين. قال: هاتوه إلي. فأتي به يقاد ففتح رسول الله صلى الله عليه وآله عينيه ثم تفل فيهما، فكأنما لم ترمدا قط. ثم قال: " اللهم أذهب عنه الحر والبرد " فكان علي يقول: ما وجدت بعد ذلك حرا ولا بردا في صيف ولا شتاء (1). ثم دفع إليه الراية ثم قال له: سر في المسلمين إلى باب الحصن، وادعهم إلى إحدى ثلاث خصال: إما أن يدخلوا في الاسلام، ولهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، وأموالهم لهم. وإما أن يذعنوا بالجزية والصلح، ولهم الذمة وأموالهم لهم. وإما الحرب. فإن هم اختاروا الحرب فحاربهم. فأخذها وسار بها والمسلمون خلفه حتى وافى باب الحصن فاستقبله حماة اليهود وفي أولهم مرحب يهدر (2) كما يهدر البعير، فدعاهم إلى الاسلام فأبوا، ثم دعاهم إلى الذمة فأبوا، فحمل عليهم أمير المؤمنين عليه السلام فانهزموا بين يديه ودخلوا الحصن وردوا بابه. وكان الباب حجرا منقورا في صخر، والباب من الحجر في ذلك الصخر المنقور كأنه حجر رحى، وفي وسطه ثقب لطيف، فرمى أمير المؤمنين عليه السلام بقوسه من يده اليسرى، وجعل يده اليسرى في ذلك الثقب الذي في وسط الحجر دون اليمنى لان السيف كان في يده اليمنى، ثم جذبه إليه فانهار الصخر المنقور، وصار الباب في يده اليسرى، فحملت عليه اليهود، فجعل ذلك ترسا له، وحمل عليهم فضرب مرحبا، فقتله


(1) تقدمت قطعة الحديث هذه مع تخريجاتها في ص 57 ح 94، وذ ح 167. (2) الهدير: ترديد صوت البعير في الحنجرة.

[ 161 ]

وانهزم اليهود من بين يديه، فرمى عند ذلك بالحجر بيده اليسرى إلى خلفه، فمر الحجر - الذي هو الباب - على رؤوس الناس من المسلمين إلى أن وقع في آخر العسكر. وقال المسلمون: فذرعنا المسافة التي مضى فيها الباب فكانت: أربعين ذراعا، ثم اجتمعنا على ذلك الباب لنرفعه من الارض، وكنا أربعين رجلا حتى تهيأ لنا أن نرفعه قليلا من الارض. (1) 250 - ومنها: أنه لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله من خيبر راجعا إلى المدينة قال جابر: أشرفنا (2) على واد عظيم قد امتلا بالماء، فقاسوا عمقه برمح فلم يبلغ قعره، فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله وقال [: " اللهم أعطنا اليوم آية من آيات أنبيائك ورسلك " ثم ضرب الماء بقضيبه واستوى على راحلته ثم قال ]: سيروا خلفي (على اسم) (3) الله. فمضت راحلته على وجه الماء واتبعه الناس على رواحلهم ودوابهم، فلم تترطب أخفافها ولا حوافرها. (4) 251 - ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله لما أراد المسير إلى مكة لفتحها قال: " اللهم أعم الاخبار عن قريش نبغتها في دارها " فعميت الاخبار عليهم. وكان حاطب بن أبي بلتعة قد أسلم وهاجر وكان أهله وولده بمكة، فقال قريش لهم: اكتبوا إلى حاطب كتابا سلوه أن يعرفنا خبر محمد. فكتبوا كتابا وبعثته قريش مع امرأة سرا، فكتب الجواب بأن محمدا صائر إليكم. ودفعه إلى المرأة وخرجت فقال عليه وآله السلام: إن الله أوحى إلي أن حاطبا قد كتب بخبرنا إلى مكة والكتاب حملته امرأة من حالها وصفتها... فمن يمضي خلفها فيرد الكتاب ؟ قال الزبير: أنا. قال صلى الله عليه وآله: يكون علي معك.


(1) عنه البحار: 21 / 28 ح 30. وللحديث مصادر جمة ذكر بعضها في إحقاق الحق: 5 / 368 - 468 وح 16 / 220 - 276. (2) " وصرنا " م. (3) " باسم " م. (4) عنه البحار: 21 / 30 ح 31، واثبات الهداة: 2 / 117 ح 518.

[ 162 ]

فخرجا فلحقاها في الطريق، فقالا: أين الكتاب ؟ قالت: ما معي. ورميت إليهما كل ما كان معها، فقال الزبير: ما معها كتاب. قال علي عليه السلام: ما كذب رسول الله، ولا كذب الله، وجرد سيفه، فقال: لتخرجن الكتاب أو لاقتلنك. فأخرجته من شعر رأسها. فأنزل الله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء) * (1). (2) 252 - ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله خرج قاصدا مكة في عشرة آلاف فارس من المسلمين، فلم يشعر أهل مكة حتى نزل تحت العقبة، وكان أبو سفيان وعكرمة بن أبي جهل خرجا إلى العقبة يتجسسان خبرا، ونظرا إلى النيران فاستعظما، فلم يعلما لمن النيران، وكان العباس قد خرج من مكة مستقبلا إلى المدينة، فرده رسول الله صلى الله عليه وآله معه. والصحيح أنه منذ يوم بدر كان بالمدينة. فلما نزل تحت العقبة ركب العباس بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله وصار إلى العقبة طمعا أن يجد من أهل مكة من ينذرهم، إذ سمع كلام أبي سفيان يقول لعكرمة: ما هذه النيران ؟ فصاح العباس إلى أبي سفيان، فقال أبو سفيان: يا أبا الفضل ما هذه النيران ؟ قال: نيران عسكر رسول الله صلى الله عليه وآله. فقال أبو سفيان: هذا محمد ! ! فقال العباس: يا أبا سفيان نعم هذا رسول الله. قال: ما ترى لي أن أصنع ؟ قال: تركب خلفي فأصير بك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فآخذ لك الامان. قال: وتراه يؤمنني ؟ قال: نعم، فإني إذا سألته شيئا لم يردني. فركب أبو سفيان خلفه وانصرف عكرمة إلى مكة، فصار العباس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) سورة الممتحنة: 1. (2) عنه البحار: 21 / 112 ح 5، وج 75 / 388 ح 1 وعن تفسير القمى: 674. وتقدم مثله في ح 101. وذكر بعض مصادر الحديث في إحقاق الحق: 8 / 368.

[ 163 ]

فقال العباس: هذا أبو سفيان صار معي إليك فتؤمنه بسببي. فقال صلى الله عليه وآله: أسلم تسلم يا أبا سفيان. فقال: يا أبا القاسم ما أكرمك وأحلمك. قال صلى الله عليه وآله: أسلم تسلم. قال: ما أكرمك [ وأحلمك ]. قال صلى الله عليه وآله: أسلم تسلم. فوكزه العباس: ويلك إن قالها الرابعة ولم تسلم قتلك، فقال صلى الله عليه وآله: خذه يا عم إلى خيمتك. وكانت قريبة، فلما جلس في الخيمة ندم على مجيئه مع العباس، وقال في نفسه: من فعل بنفسه مثل ما فعلت أنا ؟ جئت فأعطيت بيدي ولو كنت انصرفت إلى مكة فجمعت الاحابيش (1) وغيرهم فلعلي كنت أهزمه. فناداه رسول الله صلى الله عليه وآله من خيمته فقال: " إذا كان الله يخزيك " فجاء العباس فقال: يريد أبو سفيان أن يجيئك يا رسول الله. قال صلى الله عليه وآله: هاته. فلما دخل قال صلى الله عليه وآله: ألم يأن [ لك ] أن تسلم ؟ فقال له العباس: قل، وإلا فيقتلك. فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله فضحك صلى الله عليه وآله فقال: رده إلى عندك. فقال العباس: إن أبا سفيان يحب الشرف فشرفه. قال صلى الله عليه وآله: " من دخل داره فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن ". فلما صلى بالناس الغداة قال للعباس: خذه إلى رأس العقبة فأقعده هناك لتراه جنود الله، ويراها. فقال أبو سفيان: ما أعظم ملك ابن أخيك ؟ ! قال العباس: إنما هي النبوة. قال: نعم. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: تقدم إلى مكة فأعلمهم بالامان. فلما دخلها قالت هند: اقتلوا هذا الشيخ الضال. ودخل النبي صلى الله عليه وآله مكة، وكان وقت الظهر، فأمر بلالا، فصعد على ظهر الكعبة فأذن، فما بقي صنم بمكة إلا سقط على وجهه، فلما سمع وجوه قريش الاذان قال


(1) هم أحياء من القارة انضموا إلى بني ليث في محاربتهم قريشا. والتحبش: التجمع. وقيل حالفوا قريشا تحت جبل يسمى حبشيا - بضم الحاء - فسموا بذلك. النهاية: 1 / 330

[ 164 ]

بعضهم في نفسه: الدخول في بطن الارض خير من سماع هذا. وقال آخر: الحمد لله الذي (1) لم يعش والدي إلى هذا اليوم. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا فلان قد قلت في نفسك كذا، ويا فلان قلت في نفسك كذا. فقال أبو سفيان: أنت تعلم أني لم أقل شيئا. قال صلى الله عليه وآله: " اللهم اهد قومي فإنهم لا يعملون ". (2) 253 - ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله لما سار إلى خيبر كانوا قد جمعوا خلفاءهم من العرب من غطفان أربعة آلاف فارس، فلما نزل صلى الله عليه وآله بخيبر سمعت غطفان صائحا يصيح في تلك الليلة: يا معشر غطفان، الحقوا حيكم، فقد خولفتم إليهم. وركبوا من ليلتهم وصاروا إلى حيهم من الغد، فوجدوهم سالمين قالوا: فعلمنا أن ذلك من قبل الله ليظفر محمد بيهود خيبر. [ فنزل صلى الله عليه وآله تحت الشجرة، فلما انتصف النهار نادى مناديه، قالوا: فاجتمعنا إليه فإذا عنده رجل جالس فقال: عليكم هذا، جاءني وأنا نائم وسل سيفي، وقال: من يمنعك مني ؟ قلت: الله يمنعني منك، فصار كما ترون لا حراك به. فقال صلى الله عليه وآله: دعوه. ولم يعاقبه ]. ولما فتح علي عليه السلام حصن خيبر الاعلى بقيت لهم قلعة، فيها جميع أموالهم ومأكولهم، ولم يكن عليها حرب من وجه من الوجوه، نزل رسول الله صلى الله عليه وآله عليها محاصرا لمن فيها، فصار إليه يهودي منهم فقال: يا محمد تؤمنني على نفسي وأهلي وولدي حتى أدلك على فتح القلعة ؟ فقال له النبي صلى الله عليه وآله: أنت آمن، فما دلالتك ؟


(1) " حين " م. (2) عنه البحار: 21 / 118 ح 17، وفي مستدرك الوسائل: 1 / 252 ح 8 (ط. الحجر) قطعة. وتقدمت قطعة منه في ذ ح 158.

[ 165 ]

قال: تأمر أن يحفر هذا الموضع، فإنهم يصيرون إلى ماء أهل القلعة فيخرج ويبقون بغير ما، فيسلمون إليك القلعة طوعا. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أو يحدث الله غير هذا وقد أمناك ؟ فلما كان من الغد ركب رسول الله صلى الله عليه وآله بغلته وقال للمسلمين: إتبعوني. وسار نحو القلعة وأقبلت السهام والحجارة نحوه وهي تمر عن يمنته ويسرته فلا يصيبه ولا أحدا من المسلمين شئ منها حتى وصل رسول الله صلى الله عليه وآله إلى باب القلعة. فأشار بيده إلى حائطها، فانخفض الحائط حتى صار مع الارض وقال للناس: ادخلوا القلعة من رأس الحائط بغير كلفة. (1) 254 - ومنها: ما روت عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وآله بعث عليا عليه السلام يوما في حاجة له، فانصرف إلى النبي صلى الله عليه وآله وهو في حجرتي، فلما دخل علي من باب الحجرة استقبله رسول الله صلى الله عليه وآله إلى وسط واسع [ من ] الحجرة فعانقه، وأظلتهما غمامة سترتهما عني، ثم زالت عنهما الغمامة، فرأيت في يد رسول الله صلى الله عليه وآله عنقود عنب أبيض وهو يأكل ويطعم عليا. فقلت: يا رسول الله تأكل وتطعم عليا ولا تطعمني ؟ قال: إن هذا من ثمار الجنة لا يأكله إلا نبي أو وصي نبي في الدنيا. (2) 255 - ومنها: أن نبي الله صلى الله عليه وآله لما بنى مسجده كان فيه جذع نخل إلى جانب المحراب يابس عتيق، إذا خطب يستند إليه، فلما اتخذ له المنبر وصعده حن ذلك الجذع [ كحنين الناقة إلى فصيلها ]، فنزل [ رسول الله صلى الله عليه وآله ] فاحتضنه [ فسكن من الحنين ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وآله ]. ويسمى " الحنانة ".


(1) عنه البحار: 21 / 30 ح 32. (2) عنه البحار: 17 / 360 ح 16، وج 37 / 101 ح 4، وج 39 / 125 ح 11، ومدينة المعاجز: 60.

[ 166 ]

إلى أن هدم بنو أمية المسجد وجددوا بناءه، فقطعوا الجذع. (1) 256 - ومنها: أنه لما بعث النبي صلى الله عليه وآله عسكرا إلى مؤتة ولى عليهم زيد بن حارثة ودفع الراية إليه، وقال: " إن قتل زيد فالوالي عليكم جعفر بن أبي طالب فإن قتل جعفر فالوالي عليكم عبد الله بن رواحة الانصاري " وسكت. فلما ساروا، وقد حضر هذا الترتيب في الولاية من رسول الله صلى الله عليه وآله رجل من اليهود فقال اليهودي: إن كان محمد نبيا كما يقول سيقتل هؤلاء الثلاثة. فقيل له: لم قلت هذا ؟ قال: لان أنبياء بني إسرائيل كانوا إذا بعث نبي منهم بعثا في الجهاد فقال: إن قتل فلان فالوالي عليكم بعده فلان، فإن سمى للولاية كذلك اثنين أو مائة أو أقل أو أكثر قتل جميع من ذكر فيهم الولايات. قال جابر: فلما كان اليوم الذي وقعت فيه حربهم صلى النبي صلى الله عليه وآله بنا الغداة (2) ثم صعد المنبر فقال: " قد التقى إخوانكم مع المشركين للمحاربة " فأقبل يحدثنا بكرات بعضهم على بعض إلى أن قال: " قتل زيد وسقطت الراية ". ثم قال: " قد أخذها جعفر بن أبي طالب وتقدم للحرب بها ". ثم قال: " قد قطعت يده وقد أخذ الراية بيده الاخرى ". ثم قال: " وقطعت يده الاخرى وقد احتضن الراية في صدره ". ثم قال: " قتل جعفر وسقطت الراية، ثم أخذها عبد الله بن رواحة وقد قتل من المشركين كذا، وقتل من المسلمين فلان وفلان " إلى أن ذكر جميع من قتل من المسلمين بأسمائهم. ثم قال: " قتل عبد الله بن رواحة، وأخذ الراية خالد بن الوليد وانصرف المسلمون ". ثم نزل عن المنبر وصار إلى دار جعفر، فدعا عبد الله بن جعفر فأقعده في حجره


(1) عنه البحار: 17 / 365 ح 6، وتقدم مثله في ص 26 ح 10. (2) " صلاة الفجر " ط، ه‍. " الفجر " البحار.

[ 167 ]

وجعل يمسح على رأسه. فقالت والدته أسماء بنت عميس: يا رسول الله إنك لتمسح على رأسه كأنه يتيم. قال: قد استشهد جعفر في هذا اليوم. ودمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال: قطعت يداه قبل أن يستشهد (1) وقد أبدله الله من يديه جناحين من زمرد أخضر، فهو الآن يطير بهما في الجنة مع الملائكة كيف يشاء. (2) 257 - ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله لما بعث سرية ذات السلاسل عقد الراية وسار بها أبو بكر حتى إذا صار بها بقرب المشركين اتصل بهم خبرهم، فتحرزوا، و لم يصل المسلمون إليهم. فأخذها عمر، وخرج مع السرية فاتصل بهم خبرهم فتحرزوا، ولم يصل المسلمون إليهم. فأخذ الراية عمرو بن العاص فخرج مع السرية وانهزموا أيضا. فعقد صلى الله عليه وآله الراية لعلي عليه السلام وضمهم إليه، ومن كان في تلك السرية. وكان المشركون قد أقاموا رقباء على جبالهم: ينظرون إلى كل عسكر يخرج إليهم من المدينة على الجادة فيأخذون حذرهم واستعدادهم. فلما خرج علي عليه السلام ترك الجادة وأخذ بالسرية في الاودية بين الجبال. فلما رأى عمرو بن العاص قد فعل علي ذلك علم أنه سيظفر بهم، فحسده فقال لابي بكر وعمر، ووجوه السرية: إن عليا رجل غر لا خبرة له بهذه المسالك ونحن أعرف بها منه، وهذا الطريق الذي توجه فيه كثير السباع، وسيلقى الناس من معرتها أشد ما يحاذرونه من العدو، فاسألوه أن يرجع عنه إلى الجادة. فعرفوا أمير المؤمنين عليه السلام ذلك، قال: من كان طائعا لله ولرسوله منكم فليتبعني، ومن أراد


(1) " استشهد " م. (2) عنه البحار: 21 / 53 ح 3. وتقدم مختصرا مع ذكر تخريجاته في ح 198.

[ 168 ]

الخلاف على الله ورسوله فلينصرف عني. فسكتوا وساروا معه. فكان يسير بهم بين الجبال بالليل ويكمن في الاودية بالنهار وصارت السباع التي فيها كالسنانير (1) إلى أن كبس المشركين وهم غارون (2) آمنون وقت الصبح، فظفر بالرجال والذراري والاموال، فحاز ذلك كله، وشد الرجال في الحبال كالسلاسل، فلذلك سميت " غزاة ذات السلاسل ". فلما كانت الصبيحة التي أغار فيها أمير المؤمنين عليه السلام على العدو - ومن المدينة إلى هناك خمس مراحل - خرج النبي صلى الله عليه وآله وصلى بالناس الفجر، وقرأ * (والعاديات) * في الركعة الاولى، وقال: " هذه سورة أنزلها الله علي في هذا الوقت يخبرني فيها باغارة علي على العدو ". وجعل حسده (2) لعلي حسدا له فقال: * (إن الانسان لربه لكنود) * (4) والكنود: الحسود، وهو عمرو بن العاص ههنا، إذ هو كان يحب الخير، وهو الحياة حين أظهر الخوف من السباع ثم هدده الله تعالى. (5) 258 - ومنها: أن جابرا قال: إن الحكم بن أبي العاص عم عثمان بن عفان كان يستهزئ من رسول الله بخطوته في مشيته، ويسخر منه، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله [ يمشي ] يوما والحكم خلفه يحرك كتفيه ويكسر يديه خلف رسول الله إستهزاءا منه بمشيته صلى الله عليه وآله فأشار رسول الله صلى الله عليه وآله بيده وقال: هكذا فكن. فبقي الحكم على تلك الحال من تحريك أكتافه وتكسير يديه، ثم نفاه عن المدينة ولعنه، فكان مطرودا إلى أيام عثمان فرده إلى المدينة [ وأكرمه ]. (6)


(1) واحدها: السنور وهو الهر. (2) ومنه الحديث: " أنه أغار على بني المصطلق وهم غارون " أي غافلون. النهاية: 3 / 355. (3) أي حسد عمرو بن العاص. (4) سورة العاديات: 6. (5) عنه البحار: 21 / 76 ح 4. وأشار إليه في إثبات الهداة: 2 / 118 ح 119. (6) عنه البحار: 18 / 59 ح 17، واثبات الهداة: 2 / 118 ح 520.

[ 169 ]

259 - ومنها: أنه لما غزا تبوك كان معه من المسلمين خمسة وعشرون ألفا سوى خدمهم، فمر صلى الله عليه وآله في مسيره بجبل يرشح الماء من أعلاه إلى أسفله من غير سيلان، فقالوا: ما أعجب رشح هذا الجبل ؟ ! فقال صلى الله عليه وآله: إنه يبكي. قالوا: والجبل يبكي ؟ ! قال صلى الله عليه وآله: أتحيون أن تعلموا ذلك ؟ قالوا: نعم. قال صلى الله عليه وآله: أيها الجبل مم بكاؤك ؟ فأجابه الجبل وقد سمعه الجماعة بلسان (1) فصيح: يا رسول الله صلى الله عليه وآله مر بي عيسى ابن مريم وهو يتلو: * (نارا وقودها الناس والحجارة) * (2) فأنا أبكي منذ ذلك اليوم خوفا من أن أكون من تلك الحجارة. فقال صلى الله عليه وآله: أسكن من بكائك (3) فلست منها إنما تلك الحجارة " الكبريت ". فجف ذلك الرشح من الجبل في الوقت، حتى لم ير شئ من ذلك الرشح، ومن تلك الرطوبة التي كانت. (4) 260 - ومنها: أنه لما صار بتبوك واختلف الرسل بين رسول الله صلى الله عليه وآله وملك الروم فطالت في ذلك الايام حتى نفد الزاد فشكوا إليه نفاده، فقال صلى الله عليه وآله: من كان معه شئ من الدقيق أو تمر، أو سويق فليأتني. فجاءه رجل (5) بكف تمر، والآخر بكف سويق، فبسط رداءه، وجعل ذلك عليه ووضع يده على كل واحد منها، ثم قال: نادوا في الناس: من أراد الزاد فليأت. فأقبل الناس يأخذون الدقيق والتمر والسويق حتى ملاوا جميع ما كان معهم من


(1) " بكلام " م. (2) سوره التحريم: 66. (3) " مكانك " البحار. (4) عنه البحار: 8 / 297 ح 50، وج 17 / 364 ح 5، وج 21 / 234 ح 3، واثبات الهداة: 2 / 118 ح 521. (5) " فجاء أحد بدقيق، ولا اخر " البحار.

[ 170 ]

الاوعية، وذلك الدقيق والتمر والسويق على حاله ما نقص من واحد منها شئ ولا زاد على ما كان. ثم سار إلى المدينة فنزل يوما على واد كان يعرف فيه الماء فيما تقدم، فوجدوه يابسا لا ماء فيه، فقالوا: ليس في الوادي ماء يا رسول الله صلى الله عليه وآله. فأخرج سهما من كنانته فقال لرجل: خذه فانصبه في أعلى الوادي. فنصبه حيث أمر النبي صلى الله عليه وآله، فتفجرت من حول السهم اثنتا عشرة عينا تجري في الوادي من أعلاه إلى أسفله وارتووا (1) وملاوا القرب. (2)


(1) " ورووا المسلمون " م. (2) عنه البحار: 21 / 235 ح 14، وأشار إليه في إثبات الهداة: 2 / 113. وتقدم صدر الحديث في ص 28 ح 15، وذيله في ح 16 مع التخريجات.

[ 171 ]

الباب الثاني في معجزات أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام 1 - ومنها: عن أبي عبد الله عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام أن العباس بن عبد المطلب ونوفل بن قعنب كانا جالسين ما بين بني هاشم إلى فريق عبد العزى بازاء بيت الله، إذ أتت فاطمة بنت أسد، فوقفت، وقد أخذها الطلق، ودعت. قالا: رأينا البيت وقد انفتح عن ظهره، فدخلت وغابت عن أبصارنا، وانغلق الباب ثم عادت الفتحة، ثم التزقت، فرمنا أن نفتح الباب لتصل إليها بعض نسائنا فما انفتح فعلمنا أن ذلك أمر من الله. فبقيت فاطمة في البيت ثلاثة أيام، وأهل مكة يتحدثون بذلك. ثم انفتح البيت من الموضع الذي دخلت فيه، فخرجت وعلي عليه السلام على يدها فقالت: كنت آكل من ثمار الجنة في ثلاثة أيام. فلما رأى النبي صلى الله عليه وآله قال: السلام عليك يا رسول الله. وضحك في وجهه. ووضع النبي صلى الله عليه وآله لسانه في فيه فانفجرت اثنتا عشر عينا. (1)


(1) رواه مفصلا في علل الشرائع: 135 ح 3، ومعاني الاخبار: 62 ح 1، وأمالي الصدوق: 114 ح 9، بإسناده إلى سعيد بن جبير عن يزيد بن قعنب، عنه البحار: 35 / 8 ح 11 وعن روضة الواعظين: 150 مرسلا. ورواه في بشارة المصطفى: 7 بإسناده إلى الشيخ الصدوق، عنه كشف الغمة: 1 / 60 وكشف اليقين: 6، وكشف الحق للعلامة الحلي - عنهما البحار المذكور ص 9 -، والدهلوي في تجهيز الجيش: 110 (مخطوط) عنه إحقاق الحق: 5 / 56.

[ 172 ]

2 - ومنها: ما روي عن الثمالي، عن رميلة - وكان ممن صحب عليا عليه السلام - قال:... وصار إليه نفر من أصحابه فقالوا: إن وصي موسى كان يريهم الدلائل والعلامات والبراهين والمعجزات، وكان وصي عيسى يريهم كذلك. فلو أريتنا شيئا تطمئن إليه وبه قلوبنا ؟ قال: إنكم لا تحتملون علم العالم ولا تقوون على براهينه وآياته. وألحوا عليه. فخرج بهم نحو أبيات الهجريين حتى أشرف بهم على السبخة، فدعا خفيا، ثم قال: اكشفي غطاءك. فإذا بجنات وأنهار في جانب، وإذا بسعير ونيران من جانب. فقال جماعة: سحر، سحر. وثبت آخرون على التصديق ولم ينكروا مثلهم، وقالوا: لقد قال النبي صلى الله عليه وآله: " القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار " (1). (2) 3 - ومنها: أنه اختصم رجل وامرأة إليه، فعلا صوت الرجل على المرأة فقال له علي عليه السلام: إخسأ - وكان خارجيا - فإذا رأسه رأس كلب، فقال رجل: يا أمير المؤمنين صحت بهذا الخارجي فصار رأسه رأس كلب فما يمنعك عن معاوية ؟ فقال: ويحك لو أشاء أن آتي بمعاوية إلى ها هنا على سريره لدعوت الله حتى فعل. ولكنا لله خزان. لا على ذهب، ولا فضة، ولا إنكار على أسرار تدبير الله. أما تقرأ * (بل عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون) * (3). وفي رواية: قال: إنما أدعوا هؤلاء لثبوت الحجة، وكمال المحنة، ولو أذن


(1) رواه في الخصال: 119 ضمن ح 1، بإسناده إلى الزهري، عن علي بن الحسين عليه السلام عنه البحار: 78 / 148 ضمن ح 10. وأورده الراوندي في الدعوات: 244 ذ ح 691، عنه البحار: 82 / 173. (2) عنه البحار: 41 / 248 ح 2، واثبات الهداة: 4 / 544 ح 188، ومدينة المعاجز: 199 ح 547. (3) سورة الانبياء: 26 و 27.

[ 173 ]

في الدعاء بهلاك معاوية لما تأخر. (1) 4 - ومنها: أن الباقر عليه السلام قال: شكا أهل الكوفة إلى علي عليه السلام زيادة الفرات فركب هو والحسن والحسين عليهما السلام فوقف على الفرات، وقد ارتفع الماء على جانبيه فضربه بقضيب رسول الله صلى الله عليه وآله فنقص ذراع، وضربه أخرى فنقص ذراعان. فقالوا: يا أمير المؤمنين لو زدتنا ؟ فقال: إني سألت الله فأعطاني ما رأيتم، وأكره أن أكون عبدا ملحا. (2) 5 - ومنها: أن الصادق عليه السلام قال: كان قوم من بني مخزوم لهم خؤولة (3) مع علي عليه السلام فأتاه شاب منهم يوما فقال: يا خال مات ترب (4) لي فحزنت عليه حزنا شديدا. قال: فتحب أن تراه ؟ قال: نعم. قال: فانطلق بنا إلى قبره. فدعا الله وقال: قم يا فلان باذن الله. فإذا الميت جالس على رأس القبر وهو يقول " ونيه، ونيه، شالا " معناه: لبيك لبيك سيدنا. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: ما هذا اللسان ألم تمت وأنت رجل من العرب ؟ قال: نعم، ولكني مت على ولاية فلان وفلان، فانقلب لساني إلى ألسنة أهل النار. (5)


(1) عنه البحار: 41 / 191 ح 1، واثبات الهداة: 4 / 544 ح 189، ومدينة المعاجز: 199 ح 548. وأورده في ثاقب المناقب: 210 عن جابر الجعفي، عن الباقر عليه السلام. وأخرجه الحنفي الترمذي في المناقب المرتضوية: 315 عن كتاب مفاتيح الغيوب مرسلا عنه إحقاق الحق: 8 / 757. (2) عنه البحار: 41 / 239 ح 3. وأورده المسعودي في إثبات الوصية: 148 مرسلا. وأخرجه في إثبات الهداة: 5 / 32 ح 270 عن مطالب السؤول مختصرا. (3) جمع خال، وهو أخو الام. (4) الترب - بكسر التاء وسكون الراء -: الصديق أو من ولد مع الانسان، وبتعبير آخر: من كان على سنه، وفي عمره. جمعها أتراب. (5) عنه البحار: 41 / 192 ح 2. ورواه الصفار في بصائر الدجارت: 273 ح 3 عن سلمة =

[ 174 ]

6 - ومنها: ما روي عن الباقر عليه السلام: أن عليا مر يوما في أزقة الكوفة، فانتهى إلى رجل قد حمل جريثا (1) فقال: أنظروا إلى هذا الرجل قد حمل إسرائيليا. فأنكر الرجل وقال: متى صار الجريث إسرائيليا ؟ ! فقال علي عليه السلام: أما إنه إذا كان اليوم الخامس إرتفع لهذا الرجل من صدغه دخان فيموت مكانه. فأصابه في اليوم الخامس ذلك فمات، فحمل إلى قبره. فلما دفن جاء أمير المؤمنين عليه السلام مع جماعة إلى قبره فدعا الله، ثم رفسه برجله فإذا الرجل قائم بين يديه، وهو يقول: " الراد على علي كالراد على الله، وعلى رسوله ". وقال له: عد في قبرك. فعاد فيه، فانطبق القبر عليه. (2) 7 - ومنها: ما روي عن رميلة أن عليا عليه السلام مر برجل يخيط وهو يغني. فقال له: يا شاب لو قرأت القرآن لكان خيرا لك. فقال: إني لا أحسنه، ولوددت أني أحسن منه شيئا.


= ابن الخطاب، عن عبد الله بن محمد، عن عبد الله بن القاسم، عن عيسى شلقان، عن الصادق عليه السلام، عنه البحار: 6 / 230 ح 39، وج 41 / 195 ح 8. ورواه في الكافي: 1 / 456 ح 7 عن محمد بن يحيى، عن سلمة، عنه مدينة المعاجز: 36 ح 53. وأخرجه في اثبات الهداة: 4 / 440 ح 12 عنه وعن البصائر. ورواه الخصيبى في الهداية الكبرى: 159 باسناده إلى المفضل بن عمر، عن الصادق عليه السلام. وأورده في ارشاد القلوب: 284، وثاقب المناقب: 193 عن الصادق عليه السلام. (1) ضرب من السمك معروف يشبه الحيات، ويسمى أيضا: الجري، ويقال له بالفارسية " مار ماهى " أي: حية السمك. (2) عنه البحار: 41 / 192 ح 3. ورواه الشيخ محمد بن علي العاملي في تحفة الطالب عن الباقر عليه السلام: عنه اثبات الهداة: 5 / 21 ح 335. وأورده في ثاقب المناقب: 127: ومدينة المعاجز: 40 ح 67 عنه عليه السلام.

[ 175 ]

فقال: أدن مني. فدنا منه فتكلم في أذنه بشئ خفي، فصور الله القرآن كله في قلبه، يحفظه كله. (1) 8 - ومنها: ما روي عن علي بن أبي حمزة، عن علي بن الحسين، عن أبيه عليهم السلام قال: كان علي عليه السلام ينادي: من كان له عند رسول الله صلى الله عليه وآله عدة أو دين فليأتني. فكان [ كل ] من أتاه يطلب دينا، أو عدة يرفع مصلاه، فيجد ذلك كذلك تحته فيدفعه إليه. فقال الثاني للاول: ذهب هذا بشرف الدنيا في هذا دوننا، فما الحيلة ؟ فقال: لعلك لو ناديت كما نادى هو كنت تجد ذلك كما يجد هو، إذ كان، إنما يقضي عن رسول الله صلى الله عليه وآله. فنادى أبو بكر كذلك، فعرف أمير المؤمنين عليه السلام الحال فقال: أما إنه سيندم على ما فعل. فلما كان من الغد أتاه أعرابي وهو جالس في جماعة من المهاجرين والانصار فقال: أيكم وصي رسول الله ؟ فاشير إلى أبي بكر. فقال: أنت وصي رسول الله وخليفته ؟ قال: نعم، فما تشاء ؟ قال: فهلم الثمانين الناقة التي ضمن لي رسول الله صلى الله عليه وآله. قال: وما هذه النوق ؟ قال: ضمن لي رسول الله صلى الله عليه وآله ثمانين ناقة حمراء، كحل العيون. فقال لعمر: كيف نصنع الآن ؟ قال: إن الاعراب جهال، فاسأله: ألك شهود بما تقوله فتطلبهم منه [ فقال أبو بكر للاعرابي: ألك شهود بما تقول ؟ ]. قال: ومثلي يطلب [ منه ] الشهود على رسول الله صلى الله عليه وآله بما يضمن لي (2) ؟ والله ما أنت بوصي رسول الله ولا خليفته. فقام إليه سلمان فقال: يا أعرابي اتبعني حتى أدلك على وصي رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) عنه البحار: 42 / 17 ح 1، ومدينة المعاجز: 95 ح 239. (2) " يتضمنه " م والبحار.

[ 176 ]

فتبعه الاعرابي حتى إنتهى إلى علي عليه السلام فقال: أنت وصي رسول الله ؟ قال: نعم فما تشاء ؟ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله ضمن لي ثمانين ناقة حمراء، كحل العيون فهلمها. (1) فقال له علي عليه السلام: أسلمت أنت وأهل بيتك ؟ فانكب الاعرابي على يديه يقبلهما وهو يقول: أشهد أنك وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وخليفته، فبهذا وقع الشرط بيني وبينه (2) وقد أسلمنا جميعا. فقال علي عليه السلام: يا حسن انطلق أنت وسلمان مع هذا الاعرابي إلى وادي فلان فناد: " يا صالح، يا صالح ". فإذا أجابك فقل: إن أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ويقول لك: هلم الثمانين ناقة (3) التي ضمنها رسول الله صلى الله عليه وآله لهذا الاعرابي. قال سلمان: فمضينا إلى الوادي فنادى الحسن فأجابه: لبيك يا بن رسول الله. فأدى إليه رسالة أمير المؤمنين عليه السلام فقال: السمع والطاعة. فلم يلبث أن خرج إلينا زمام ناقة من الارض، فأخذ الحسن عليه السلام الزمام (4) فناوله الاعرابي وقال: خذ. فجعلت النوق تخرج حتى كملت (5) الثمانون على الصفة. (6) 9 - ومنها: أن زاذان وجماعة من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام قالوا: كنا معه عليه السلام بصفين، فلما أن صاف معاوية، أتاه رجل من ميمنته فقال: يا أمير المؤمنين في ميمنتك خلل. قال: إرجع إلى مقامك. فرجع.


(1) " فهاتها " ط. (2) " وبين رسول الله صلى الله عليه وآله " ط وه‍. (3) " النوق " م. (4) " زمامها " ط وه‍. (5) " تم " م. (6) عنه البحار: 41 / 192 ح 4، واثبات الهداة: 4 / 545 ح 190، وغاية المرام: 665 باب 128 ح 1، ومدينة المعاجز: 86 ح 221. ورواه في الهداية الكبرى: 153، وارشاد القلوب: 279 بإسنادهما إلى جابر الجعفي عن الباقر عليه السلام. وأخرجه في اثبات الهداة: 5 / 22 ح 336 عن تحفة الطالب.

[ 177 ]

ثم أتاه ثانية، فقال: يا أمير المؤمنين في ميمنتك خلل. قال: ارجع إلى مقامك. فرجع. (ثم أتاه ثالثة) (1) كأن الارض لا تحمله، فقال: يا أمير المؤمنين في ميمنتك خلل. فقال عليه السلام: قف. فوقف، فقال أمير المؤمنين: علي بمالك الاشتر، فقال عليه السلام: يا مالك. قال: لبيك يا أمير المؤمنين. قال: ترى ميسرة معاوية ؟ قال: نعم. قال: ترى صاحب الفرس المعلم ؟ قال: نعم. قال: الذي عليه الاحمر ؟ قال: نعم. قال: انطلق فأتني برأسه. فخرج مالك، فدنا منه وضربه فسقط رأسه. ثم تناوله به إلى أمير المؤمنين فألقاه بين يديه، فأقبل علي عليه السلام على الرجل فقال (2): نشدتك الله هل كنت نظرت إلى هذا فرأيته وحليته، وهو ملا قلبك فرأيت الخلل في أصحابك ؟ قال: اللهم نعم. فأقبل [ علي ] علينا ونحن حوله، فقال: أخبرني بهذا رسول الله صلى الله عليه وآله أفترونه بقي بعد هذا شئ ؟ ثم قال للرجل: ارجع إلى مقامك. (3) 10 - ومنها: ما روى أبو حمزة الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قرئ (4) عند أمير المؤمنين عليه السلام * (إذا زلزلت الارض زلزالها) * إلى أن بلغ قوله * (وقال الانسان مالها يومئذ تحدث أخبارها) * (5). قال: أنا الانسان، وإياي تحدث أخبارها. فقال له ابن الكواء: يا أمير المؤمنين * (وعلى الاعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم) * (6) قال: نحن الاعراف نعرف أنصارنا بسيماهم. ونحن أصحاب الاعراف نوقف بين الجنة والنار، فلا يدخل الجنة إلا من عرفنا وعرفناه، ولا يدخل النار إلا من أنكرنا وأنكرناه. وكان علي عليه السلام يخاطبه بويحك، وكان يتشيع، فلما كان يوم النهروان


(1) " ثانية " م. (2) " فأقبل الرجل على علي عليه السلام فقال " م. (3) عنه البحار: 8 / 530 ط. حجر. (4) " قرئت " بحار. (5) سور الزلزال: 1 - 4. (6) سورة الاعراف: 46.

[ 178 ]

قاتل عليا عليه السلام ابن الكواء. وجاءه عليه السلام رجل فقال: إني لاحبك، فقال [ أمير المؤمنين عليه السلام ] (1): كذبت. فقال الرجل: سبحان الله كأنك تعلم ما في قلبي ! وجاءه آخر فقال: إني أحبكم أهل البيت - وكان فيه لين - فأثنى عليه عنده. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: كذبتم لا يحبنا مخنث، ولا ديوث، ولا ولد زنا، ولا من حملت به أمه في حيضها. فذهب الرجل، فلما كان يوم صفين قتل مع معاوية. (2) 11 - ومنها ما روي عن أبي حمزة، عن أبي إسحاق السبيعي، عمرو بن الحمق قال: دخلت على علي عليه السلام حين ضرب الضربة بالكوفة. فقلت: ليس عليك بأس، إنما هو خدش. قال: لعمري إني لمفارقكم، ثم قال لي: إلى السبعين بلاء - قالها ثلاثا -. قلت: فهل بعد البلاء رخاء ؟ فلم يجبني وأغمي عليه، فبكت أم كلثوم، فلما أفاق قال: لا تؤذيني يا أم كلثوم، فإنك لو ترين ما أرى لم تبك، إن الملائكة من السماوات السبع بعضهم خلف بعض، والنبيين يقولون لي: انطلق يا علي فما أمامك خير لك مما أنت فيه. فقلت: يا أمير المؤمنين إنك قلت: " إلى السبعين بلاء " فهل بعد السبعين رخاء ؟ قال: نعم وإن بعد البلاء رخاء * (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) * (3) قال أبو حمزة: قلت لابي جعفر عليه السلام: إن عليا عليه السلام قال: " إلى السبعين بلاء " و كان يقول: " بعد السبعين رخاء " وقد مضت السبعون، ولم نر رخاء ! فقال أبو جعفر عليه السلام: يا ثابت إن الله قد كان وقت هذا الامر في السبعين، فلما


(1) من البحار. (2) عنه البحار: 42 / 17 ح 2، ومدينة المعاجز: 125 ح 349، واثبات الهداة: 4 / 545 ح 191، قطعة. (3) سورة الرعد: 39.

[ 179 ]

قتل الحسين عليه السلام [ اشتد ] غضب الله على أهل الارض، فأخره الله إلى الاربعين ومائة سنة، فحدثناكم فأذعتم الحديث، وكشفتم القناع، قناع السر (1)، فأخره الله ولم يجعل له بعد ذلك وقتا (2) * (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) *. قال أبو حمزة: قلت لابي عبد الله عليه السلام ذلك، فقال: قد كان ذلك. [ وكذلك قال أحدهم عليهم السلام: كذب الوقاتون ] (3). (4) 12 - ومنها: ما روي عن مقرن [ قال ]: دخلنا جماعة على أبي عبد الله عليه السلام فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لام سلمة: إذا جاء أخي فمريه أن يملا هذه الشكوة (5) من الماء ويلحقني بها بين الجبلين ومعه سيفه. فلما جاء علي عليه السلام قالت له: قال أخوك: املا هذه الشكوة من الماء وألحقني بها بين الجبلين. قالت: فملاها وانطلق حتى إذا دخل بين الجبلين استقبله طريقان فلم يدر في أيهما يأخذ، فرأى راعيا على الجبل فقال: يا راعي هل مر بك رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فقال الراعي: ما لله من رسول ! فأخذ علي عليه السلام جندلة (6) فصرخ الراعي، فإذا


(1) " وكشفتم قناع الستر " ط، ه‍. (2) أضاف في م، ه‍ " عند الله ". (3) من حاشية نسخة م. (4) رواه العياشي في تفسيره: 2 / 217 ح 68، وص 218 ح 69، عنه البحار: 4 / 119 ح 60، وص 120 ح 61، والكليني في الكافي: 1 / 368 ح 1 ذيله، والنعماني في غيبته: 293 ح 10 ذيله، والمسعودي في اثبات الوصية: 151 صدره، والطوسي في غيبته: 263 ذيله، عنه البحار: 4 / 114 ح 39، وج 52 / 105 ح 11، المستدرك: 12 / 300 ح 34 ذيله، بأسانيدهم عن عمر بن الحمق. ورواه ابن الاثير الجزري في أسد الغابة: 4 / 38 نحوه، والبدخشي في مفتاح النجاة 90 " مخطوط "، والامر تسري في أرجح المطالب: 655، والحنفي الترمذي في كتابه المناقب المرتضوية: 494، وروى الحديث نقلا عن فتوحات القدس لكنه ذكر اسم الراوي حبيب بن عمرو، عنهم إحقاق الحق: 8 / 796. (5) الشكوة: وعاء من جلد للماء أو اللبن. (6) الجندل: الصخر العظيم، الواحدة جندلة.

[ 180 ]

الجبل قد امتلأ بالخيل والرجل، فما زالوا يرمونه بالجندل (1) واكتنفه (2) طائران أبيضان، فما زال يمضي ويرمونه، حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وآله. فقال: يا علي مالك منبهرا (3) ؟ فقال: يا رسول الله كان كذا وكذا. فقال: وهل تدري من الراعي وما الطائران ؟ قال: لا. قال: أما الراعي فابليس، وأما الطائران فجبرئيل وميكائيل. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي خذ سيفي هذا وامض بين هذين الجبلين فلا تلق أحدا إلا قتلته ولا تهابنه. فأخذ سيف رسول الله صلى الله عليه وآله ودخل بين الجبلين، فرأى رجلا عيناه كالبرق الخاطف وأسنانه كالمنجل، يمشي في شعره، فشد عليه فضربه ضربة فلم يبلغ شيئا، ثم ضربه أخرى فقطعه إثنين (4)، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: قتلته. فقال النبي صلى الله عليه وآله: الله أكبر - ثلاثا - هذا يغوث (5) ولا يدخل في صنم يعبد (6) من دون الله حتى تقوم الساعة (7). 13 - ومنها: أن أعرابيا أتى أمير المؤمنين عليه السلام وهو في المسجد. فقال: مظلوم. قال: أدن مني. فدنا، فقال: يا أمير المؤمنين مظلوم. قال: أدن. فدنا حتى وضع يديه على ركبتيه (8) قال: ما ظلامتك ؟ فشكا ظلامته. فقال: يا أعرابي أنا أعظم ظلامة منك، ظلمني المدر والوبر (9)، ولم يبق بيت


(1) " بالجندلة " الاصل. (2) اكتنفه: أحاط به. (3) " منهزما " البحار. (4) " بين اثنتين " البحار. (5) " يعوق " ط (6) " بعد " م. (7) عنه البحار: 39 / 175 ح 17، ومدينة المعاجز: 95 ح 243، وص 107 ح 289 عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وآله، قطعة. (8) " يده على ركبته " الاصل. (9) المدر: قطع الطين اليابس. والوبر: صوف الابل والارانب ونحوها. أراد بقوله عليه السلام أن ظلمني الجميع. (*)

[ 181 ]

من العرب إلا وقد دخلت مظلمتي عليهم، وما زلت مظلوما حتى قعدت مقعدي هذا، إن كان عقيل بن أبي طالب ليرمد (1)، فما يدعهم يذرونه حتى يأتوني فاذر وما بعيني رمد، ثم كتب له بظلامته ورحل، فهاج الناس وقالوا: قد طعن على الرجلين فدخل عليه الحسن عليه السلام فقال: قد علمت ما شرب قلوب الناس من حب هذين. فخرج عليه السلام فقال: الصلاة جامعة. فاجتمع الناس فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أيها الناس إن الحرب خدعة، فإذا سمعتموني أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله فو الله لئن أخر من السماء أحب إلي من [ أن ] أكذب على رسول الله كذبة، وإذا حدثتكم عن نفسي أن الحرب خدعة، ثم ذكر غير ذلك. فقام رجل يساوي برأسه رمانة المنبر فقال: أنا أبرأ من الاثنين والثلاثة. فالتفت إليه أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: بقرت العلم في غير أوانه، لتبقرن كما بقرته فلما قدم ابن سمية (2) أخذه وشق بطنه، وحشا جوفه حجارة، وصلبه. (3) 14 - ومنها: ما روى حنان بن سدير، عن رجل من مزينة، قال: كنت جالسا عند علي عليه السلام، فأقبل إليه قوم من مراد [ و ] معهم ابن ملجم، فقالوا: يا أمير المؤمنين طرأ علينا، ولا والله ما جاءنا زائرا ولا منتجعا (4)، وإنا لنخافه عليك، فاشدد يدك به. فقال له علي عليه السلام: اجلس، فنظر في وجهه طويلا، ثم قال له: أرأيتك إن سألتك عن شئ وعندك منه علم هل أنت مخبري به ؟ قال: نعم. وحلف عليه. فقال: أكنت تراضع الغلمان (5) وتقوم عليهم فكنت إذا جئت فرأوك من بعيد قالوا: قد جاءنا ابن راعية الكلاب ؟ قال: اللهم نعم.


(1) " يومه يرمد " البحار. (2) ابن سمية: هو زياد بن أبيه. (3) عنه البحار: 42 / 187 ح 5، ومدينة المعاجز: 123 ح 338. (4) انتجع فلان: أتاه طالبا معروفه. (5) تراضع الغلمان: لعله من قولهم " فلان يرضع الناس " أي يسألهم، وفي بعض النسخ " تواضع " بالواو، من المواضعة بمعنى الموافقة في الامر (قاله المجلسي).

[ 182 ]

فقال له علي: فمررت برجل وقد أيفعت، فنظر إليك فأحد النظر، فقال لك: يا أشقى من عاقر ناقة ثمود ؟ قال: نعم. قال: فأخبرتك أمك أنها حملت بك في بعض حيضها ؟ فتعتع (1) هنيئة، ثم قال: نعم قد حدثتني بذلك، ولو كنت كاتما شيئا لكتمتك هذه المنزلة. فقال له علي عليه السلام: قم. فقام، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن قاتلك شبه اليهودي بل هو يهودي. (2) وعن رجاء بن زياد: جاء ابن ملجم يستحمل (3) عليا، فقال: احملني يا أمير المؤمنين. قال: يا غزوان احمله على الاشقر. فجاء بفرس أشقر، وأخذ بعنانه ثم قال علي عليه السلام: أريد حباءه ويريد قتلي * عذيرك من خليلك من مراد (4) وعن أبي الطفيل: جاء ابن ملجم ليبايعه، فرده، ثم جاءه فرده [ ثم جاءه فرده، ثم جاء ]، فبايعه. ثم قال: ليخضبن هذه من هذه - يعني لحيته من رأسه - ثم تمثل لما تولي: أشدد حيازيمك للموت فإن الموت لاقيكا * ولا تجزع من الموت إذا حل بواديكا (5) 15 - ومنها: أن يهوديا قال لعلي عليه السلام: إن محمدا صلى الله عليه وآله قال: " إن في كل


(1) تعتع في الكلام: تردد فيه، من عى. (2) عنه البحار: 42 / 197 ح 17، والحديث ليس في " ب، ج ". (3) استظهرناها، وفي الاصل " استحمل ". (4) أخرج نحوه في البحار: 42 / 308 ح 8، عن الارشاد للمفيد: 14، قال: روى جعفر بن سليمان الضبعي، عن المعلى بن زياد. (5) أخرج نحوه في البحار: 42 / 192 ح 6. عن الارشاد للمفيد: 13، قال: أخبر به على ابن المنذر الطريفي، عن أبي الفضل العبدي، عن فطر، عن أبي الفضيل عامر بن واثلة.

[ 183 ]

رمانة حبة من الجنة " وأنا كسرت واحدة وأكلتها كلها. فقال عليه السلام: صدق رسول الله صلى الله عليه وآله، وضرب يده على لحيته، فوقعت حبة رمان منها، وتناولها عليه السلام وأكلها، وقال: لم يأكلها الكافر، والحمد لله. (1) 16 - ومنها: ما روي عن جعفر (2)، عن أبيه عليه السلام قال: مر علي عليه السلام بكربلاء فقال - لما مر به أصحابه، وقد اغرورقت عيناه يبكي (3) -: هذا مناخ (4) ركابهم، هذا ملقى رحالهم، ها هنا مراق دمائهم (5)، طوبى لك من تربة عليها تراق دماء الاحبة. وقال الباقر عليه السلام: خرج علي عليه السلام يسير بالناس حتى إذا كان من كربلاء على ميلين أو ميل، تقدم بين أيديهم حتى طاف بمكان يقال له " المقذفان "، فقال: قتل فيها مائتا نبي، ومائتا سبط، كلهم شهداء، مناخ ركاب، ومصارع شهداء (6) لا يسبقهم من كان قبلهم، ولا يلحقهم من بعدهم. (7) 17 - ومنها: ما روي عن أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام قال: جمع أمير المؤمنين عليه السلام بنيه - وهم إثنا عشر ذكرا - فقال لهم: إن الله أحب أن يجعل في سنة من يعقوب إذ جمع بنيه - وهم إثنا عشر ذكرا - فقال لهم: إني أوصي إلى يوسف، فاسمعوا له، وأطيعوا. وأنا أوصي إلى الحسن والحسين، فاسمعوا لهما وأطيعوا. فقال له عبد الله ابنه: أدون محمد بن علي ؟ - يعني محمد بن الحنفية -.


(1) عنه البحار: 41 / 300 ح 30، ومدينة المعاجز: 60 ح 124. (2) " أبي جعفر " البحار. (3) زاد في البحار " ويقول ". (4) المناخ: الموضع الذي تناخ فيه الابل. (5) كناية عن قتلهم واستشهادهم عليهم السلام. (6) " عشاق شهداء " البحار. (7) عنه البحار: 41 / 295 ح 18.

[ 184 ]

فقال له: أجرأة علي في حياتي ؟ ! كأني بك قد وجدت مذبوحا في فسطاطك لا يدري من قتلك. فلما كان في زمان المختار أتاه فقال: لست هناك. فغضب فذهب إلى مصعب بن الزبير وهو بالبصرة فقال: ولني قتال أهل الكوفة فكان على مقدمة مصعب، فالتقوا بحروراء (1) فلما حجر (2) الليل بينهم أصبحوا وقد وجدوه مذبوحا في فسطاطه، لا يدري من قتله. (3) 18 - ومنها: أن عيسى النهر يري (4) روى عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن فلانا، وفلانا، وابن عوف أتوا النبي صلى الله عليه وآله ليعنتوه (5). فقال الاول: إتخذ الله إبراهيم خليلا، فماذا صنع بك ربك ؟ وقال الثاني: كلم الله موسى تكليما، فماذا صنع بك ربك ؟ وقال ابن عوف: عيسى بن مريم يحيى الموتى بإذن الله، فماذا صنع بك ربك ؟ فقال للاول: إتخذ الله إبراهيم خليلا، واتخذني حبيبا. وقال للثاني: كلم الله موسى تكليما من وراء حجاب. وقد رأيت عرش ربي وكلمني. وقال للثالث: عيسى بن مريم يحيي الموتى بإذن الله، وأنا إن شئتم أحييت لكم


(1) حروراء - بفتحتين وسكون الواو -: قرية بظاهر الكوفة، وقيل، موضع على ميلين منها... (مراصد الاطلاع: 1 / 394). (2) في بعض النسخ " حجز "، وكلاهما بمعنى المنع. (3) عنه البحار: 41 / 295 ح 19 وج 42 / 87 ح 15، واثبات الهداة: 4 / 546 ح 193، وج 5 / 134 ح 26. (4) عيسى النهر يري (النهربري) (النهرتري): من أصحاب الصادق (ع). انظر رجال الشيخ: 565، ورجال السيد الخوئي: 13 / 234 رقم 9242. (5) عنته: شدد عليه وألزمه ما يصعب عليه أداؤه وشق عليه تحمله. وفي البحار " ليعتبوه ".

[ 185 ]

موتاكم. قالوا: قد شئنا. وعلى ذلك داروا (1). فأرسل النبي صلى الله عليه وآله إلى علي عليه السلام فدعاه، ثم قال (2) له: أقدمهم إلى القبور، ثم قال لهم: اتبعوه. فلما توسط الجبانة (3)، تكلم بكلمة فاضطربت الارض وارتجت (4)، ودخلهم من الذعر ما شاء الله، والتمعت (5) ألوانهم، ولم تقل (6) ذلك قلوبهم. فقالوا: يا أبا الحسن أقلنا عثراتنا، أقالك الله عثرتك. قال: إنما رددتم على الله. ثم إن النبي صلى الله عليه وآله بعث إلى علي عليه السلام، فدعاه. (7) 19 - ومنها: أن عبد الحميد بن أبي العلاء الازدي (8) روى عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن جبير الخابور كان صاحب بيت مال معاوية، وكانت له أم عجوز بالكوفة كبيرة فقال لمعاوية: إن لي أما بالكوفة عجوزا اشتقت إليها، فأذن لي حتى آتيها فأقضي من حقها ما يجب علي. فقال معاوية: ما تصنع بالكوفة ؟ فإن فيها رجلا ساحرا كاهنا يقال له " علي بن


(1) أي اتفقوا واجتمعوا. (2) " فأتاه فقال " البحار. (3) الجبان، في الاصل: الصحراء: وأهل الكوفة يسمون المقبرة جبانة، وبالكوفة محال تسمى بها... (مراصد الاطلاع: 1 / 310). (4) " وارتجت قلوبهم " البحار. (5) أي ذهبت وتغيرت. وفي البحار: امتقعت. بمعناها. (6) أي تحمل وتطيق. وفي البحار: تقبل. (7) عنه البحار: 41 / 194 ح 5. ورواه في اثبات الوصية: 148، وثاقب المناقب: 60 مخطوط، عنه مدينة المعاجز: 98 ح 253 مثله. (8) " عبد الحميد بن العلى الاودي " م. " عبد الحميد الاودي " بحار. أثبتناه من كتب الرجال انظر رجال الشيخ: 235، ورجال النجاشي: 246 ورجال السيد الخوئي: 9 / 280 رقم 6266.

[ 186 ]

أبي طالب "، وما آمن أن يفتنك. فقال جبير: مالي ولعلي، إنما آتي أمي فأزورها وأقضي حقها. فأذن له. فقدم جبير إلى عين التمر (1) ومعه مال، فدفن بعضه في عين [ التمر ]، وقد كان لعلي مناظر، فأخذوا جبيرا بظاهر الكوفة، وأتوا به عليا، فلما نظر إليه قال له: يا جبير الخابور أما إنك كنز من كنز الله، زعم لك معاوية أني كاهن ساحر ؟ ! قال: إي والله، قال ذلك معاوية. ثم قال: ومعك مال قد دفنت بعضه في عين التمر. قال: صدقت يا أمير المؤمنين، لقد كان ذلك. قال علي عليه السلام: يا حسن ضمه إليك، فأنزله وأحسن إليه. فلما كان من الغد دعاه، ثم قال لاصحابه: إن هذا يكون في جبل الاهواز في أربعة آلاف مدججين في السلاح، فيكونون معه حتى يقول قائمنا أهل البيت (2) فيقاتل معه. (3) 20 - ومنها: ما قال أبو ظبية: جمع علي عليه السلام العرفاء، ثم أشرف عليهم فقال: افعلوا كذا. قالوا: لا نفعل. قال عليه السلام: أما والله ليستعملن عليكم اليهود والمجوس ثم لا تمتنعون (4). فكان ذلك كذلك (5) 21 - ومنها: ما روي عن عيسى بن عبد الله الهاشمي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام، قال: لما رجع الامر إليه أمر أبا الهيثم بن التيهان، وعمار بن ياسر وعبد الله بن أبي رافع فقال: اجمعوا الناس، ثم انظروا إلى ما في بيت مالهم فاقسموه بينهم بالسوية. فحسبوا، فوجدوا نصيب كل واحد [ منه ] ثلاثة دنانير،


(1) عين التمر: بلدة قريبة من الانبار غربي الكوفة، بقربها موضع يقال له " شفاثا "... (معجم البلدان: 4 / 176). (2) أي في الرجعة. (3) عنه البحار: 41 / 296 ح 20. (4) لا تمتعون " البحار ". (5) عنه البحار المتقدم ح 21.

[ 187 ]

فأمرهم يقعدون للناس ويعطوهم. قال: وأخذ مكتله (1) ومسحاته، ثم انطلق إلى بئر الملك (2)، فعمل فيها، فأخذ الناس ذلك القسم حتى بلغوا الزبير، وطلحة، وعبد الله [ بن عمر ] أمسكوا بأيديهم وقالوا: هذا منكم أو من صاحبكم ؟ قالوا: بل هذا أمره، لا نعمل إلا بأمره. قالوا: فاستأذنوا لنا عليه. قالوا: ما عليه إذن، هو ذا ببئر الملك يعمل. فركبوا دوابهم حتى جاءوا إليه، فوجدوه في الشمس. ومعه أجير له يعينه فقالوا له: إن الشمس قد آذتنا، فارتفع معنا إلى الظل. فارتفع معهم إليه. فقالوا له: لنا قرابة من نبي الله، وسابقة وجهاد وأنك أعطيتنا بالسوية ولم يكن عمر ولا عثمان يعطوننا بالسوية، كانوا يفضلونا على غيرنا. فقال علي عليه السلام: أيهما عندكم أفضل: عمر، أو أبو بكر ؟ قالوا: أبو بكر. قال: فهذا (3) قسم أبي بكر، وإلا فدعوا أبا بكر وغيره، هذا كتاب الله فانظروا ما لكم من حق فخذوه. قالا (4): فسابقتنا ! قال: أنتما أسبق مني بسابقتي ؟ قالوا: لا. قالوا: قرابتنا بالنبي ؟ قال: أقرب من قرابتي ؟ قالوا: لا. فقالوا: فجهادنا ! قال: أعظم من جهادي ؟ قالوا: لا. قال: فو الله ما أنا في هذا المال وأجيري هذا إلا بمنزلة سواء. قالا: فتأذن لنا في العمرة. قال: ما العمرة تريدان ؟ وإني لاعلم أمركم وشأنكم، فاذهبا حيث شئتما فلما وليا، قال: فمن نكث فإنما ينكث على نفسه. (5)


(1) المكتل: زنبيل من خوص. (2) بائر الملك: بالمدينة، منسوبة إلى تبع (معجم البلدان: 1 / 203). (3) " فخذوا " ه‍، ط. (4) " قالوا " ط، حلية، الكلام هنا لطلحة والزبير ظاهرا. (5) عنه البحار: 8 / 415 ط، حجري، ومدينة المعاجز: 117 ح 314، وحلية الابرار: 1 / 365.

[ 188 ]

22 - ومنها: ما روي عن جعفر بن عبد الحميد قال: اجتمعنا يوما فقال نفر: إن عليا عليه السلام كان وصي رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال آخرون: لم يكن وصيا لمحمد صلى الله عليه وآله. فقمنا فأتينا أبا حمزة الثمالي فقلنا: جرى بيننا الكلام على كذا وكذا. فغضب أبو حمزة فقال: لقد شهدت الجن فضلا عن الانس بأن عليا كان وصي رسول الله صلى الله عليه وآله، أخبرني أبو خيثمة التميمي: لما كان بين الحكمين ما كان، قلت: لا أكون مع علي ولا عليه فخرجت أريد أرض الروم، فبينا أنا مار على شاطئ نهر بمفارقين (1) إذا أنا بصوت من ورائي وهو يقول: يا أيها الساري بشط فارق * مفارق للحق دين الخالق متبع به رئيس مارق * ارجع إلى وصي النبي (2) الصادق فالتفت فلم أر أحدا، فقلت: أنا أبو خيثمة التميمي * لما رأيت القوم في الخصوم تركت أهلي غازيا للروم * حتى يكون الامر في الصميم فإذا بصوت وهو يقول: اسمع مقالي وارع قولي ترشدا * إرجع إلى علي الخضم الاصيدا (3) إن عليا هو وصي أحمدا قال أبو خيثمة: فرجعت إلى علي عليه السلام. (4)


(1) ميافارقين - بفتح أوله، وتشديد ثانيه -: أشهر مدينة بديار بكر... (معجم البلدان: 5 / 235). (2) " الوصي للنبي " م. (3) الخضم - بتشديد الميم -: السيد الجواد المعطاء. وفي م " ذي الخصام ". والاصيد: الملك. (4) عنه الصراط المستقيم: 2 / 36 مختصرا، والبحار: 39 / 167 ح 7.

[ 189 ]

23 - ومنها: أن عليا عليه السلام بينا هو قائم على المنبر، إذ أقبلت حية من باب الفيل (1) مثل البختي (2) العظيم، فناداهم علي: إفرجوا لها، فإن هذا رسول قوم من الجن. فجاءت حتى وضعت فاها على أذنه، وإنها لتنق كما ينق الضفدع وكلمها بكلام شبيه نقيقها (3)، ثم ولت الحية، فقال الناس: ما حالها ؟ قال: هو رسول قوم من الجن، أخبرني أنه وقع بين بني عامر وبني عنزة (4) شر وقتال، فبعثوه لآتيهم أصلح بينهم، فوعدتهم أن آتيهم الليلة. فقالوا: أتأذن لنا أن نخرج معك ؟ قال: ما أكره ذلك. فلما صلى بهم عشاء الآخرة انطلق بهم حتى أتى ظهر الكوفة قبل الغري، فخط حولهم خطة، ثم قال لهم: إياكم أن تخرجوا من هذه الخطة، فإنه إن يخرج أحد منكم من الخطة اختطف. فقعدوا في الخطة ينظرون إليه، وقد نصب له منبر، فصعد عليه فخطب بخطبة لم يسمع الاولون والآخرون مثلها، لم لم يبرح حتى أصلح ذات بينهم، وقد برئ بعضهم من بعض، وكان الجن أشبه شئ بالزط (5). (6) 24 - ومنها: ما روي عن شريك بن عبد الله وهو يومئذ قاض - أن النبي صلى الله عليه وآله بعث عليا عليه السلام وأبا بكر وعمر إلى أصحاب الكهف فقال: ائتوهم فأبلغوهم مني السلام. فلما خرجوا من عنده، قالوا لعلي: تدري أين هم ؟ فقال: ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله يبعثنا إلى مكان إلا هدانا الله له.


(1) باب الفيل: هو أحد أبواب مسجد الكوفة، تمسى باب الثعبان وقصتها مشهورة. (2) البخت: جمال طول الاعناق. (3) " بنقها " البحار. (4) " وغيرهم " البحار. (5) الزط - بضم الزاي وتشديد المهملة -: جنس من السودان أو الهنود، الواحد زطي. (6) عنه البحار: 39 / 167 ح 8، ورواه الخصيبي في الهداية الكبرى: 53 بإسناده عن الحارث الهمداني، عنه مدينة المعاجز: 194 ح 534. وأورده الديلمي مرسلا في ارشاد القلوب: 278 عن الحارث.

[ 190 ]

فلما أوقفهم على باب الكهف قال: يا أبا بكر سلم، فإنك أسننا فسلم فلم يجب، ثم قال: يا أبا حفص سلم، فإنك أسن مني. فسلم، فلم يجب. قال: فسلم علي بن أبي طالب عليه السلام، فردوا السلام وحيوه، وأبلغهم سلام رسول الله صلى الله عليه وآله، فردوا عليه، فقال أبو بكر: سلهم ما لهم سلمنا عليهم فلم يسلموا علينا ؟ قال: سلهم أنت. فسألهم فلم يتكلموا، ثم سألهم عمر فلم يكلموه، فقالا: يا أبا الحسن سلهم أنت. قال علي عليه السلام: إن صاحبي هذين سألاني أن أسألكم: لم رددتم علي ولم تردوا عليهما ؟ قالوا لانا لا نكلم إلا نبيا أو وصي نبي. (1) 25 - ومنها: ما روى أبو بصير، عن أحدهما عليهما السلام قال: أراد قوم بناء مسجد بساحل عدن، فلما بنوه سقط، فأتوا أبا بكر فقال: استوثقوا من البناء وافعلوا. ففعلوا وأحكموا فسقط، فعادوا إليه فسألوه، فخطب الناس وناشدهم: إن كان لواحد منكم به علم فليقل. فقال علي عليه السلام: احتفروا في ميمنة القبلة وميسرتها، فإنه يظهر لكم قبران عليهما كوبة (2) مكتوب عليها " أنا رضوى وأختي حيا (3) ابنتا تبع، متنا لا نشرك بالله شيئا " فاغسلوهما وكفنوهما وصلوا عليهما وادفنوهما، ثم ابنوا مسجدكم فإنه يقوم بناؤه. ففعلوا، فكان كذا، فقام البناء. (4)


(1) عنه البحار: 39 / 136 ح 3. (2) الكوبة: حجر مدور. وفي فرج المهموم " تربة ". (3) " حبى " الصراط المستقيم. (4) عنه البحار: 41 / 297 ح 22 وعن فرج المهموم: 223 نقلا من دلائل الحميري. وأورده في الصراط المستقيم: 14 عن الصادق عليه السلام مثله، عنه أثبات الهداة: 5 / 63 ح 437. وقال في الصراط: قال ابن حماد: =

[ 191 ]

26 - ومنها: ما روي عن أبي عبد الله عليه السلام أن حبابة الوالبية مرت بعلي عليه السلام ومعها سمك فيه جرية، قال: ما هذا الذي معك ؟ قالت: سمك ابتعته للعيال. فقال: نعم زاد العيال السمك، ثم قال: فما هذا الذي معك ؟ قالت: أخي اعتل من ظهره، فوصف له أكل جري. فقال: يا حبابة إن الله لم يجعل الشفاء فيما حرم، والذي نصب الكعبة، لو أشاء أن أخبرك باسمها واسم أبيها لاخبرتك. فضربت بها الارض، وقالت: استغفر الله من حملي لها (1). 27 - ومنها: ما روى الحارث الاعور [ قال ]: بينا أمير المؤمنين عليه السلام يخطب بالكوفة على المنبر، إذ نظر إلى زاوية المسجد فقال: يا قنبر ائتني بما في ذلك الجحر (2) فإذا هو بأرقط حية من أحسن ما يكون. فأقبل (3) إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فجعل يساره، ثم انصرف إلى الجحر، فتعجب الناس، قال: أتعجبون ؟ قالوا: وما لنا لا نعجب. قال: ما ترون هذه الحية ! بايعت رسول الله صلى الله عليه وآله على السمع والطاعة، وهي سامعة مطيعة لي، وأنا وصي رسول الله آمركم بالسمع والطاعة، فمنكم من يسمع ويطيع، ومنكم من لا يسمع ولا يطيع. قال الحارث: فكنا مع أمير المؤمنين عليه السلام في كناسة (4) إذ أقبل أسد يهوي (5)


= وقال للقوم امحضوا الان واحتفروا * أساس قبلتكم تفضوا إلى حزن عليه لوح من العقيان محتفر * فيه بخط من الياقوت مندفن نحن ابنتا تبع ذى الملك من يمن * حبى ورضوى بغير الحق لم ندن متنا على ملة التوحيد لم نك من * صلى إلى صنم كلا ولا وثن (1) عنه البحار: 62 / 85 ح 8، ومستدرك الوسائل: 3 / 141 ح 5. (2) الجحر: مكان تحتفره الهوام لانفسها. (3) أي ذلك الارقط. والرقطة: سواد يشوبه نقط بيضاء، ومنه: حية رقطاء. (4) كناسة: محلة بالكوفة... (معجم البلدان: 4 / 481). (5) هوى في السير: مضى. وهوى في الارض: ذهب فيها.

[ 192 ]

من البر، فتقضقضنا (1) من حوله، وجاء الاسد حتى قام بين يديه، فوضع يديه بين أذنيه فقال له علي عليه السلام: ارجع بإذن الله، ولا تدخل دار الهجرة (2) بعد اليوم، وأبلغ السباع عني. (3) 28 - ومنها: ما روي عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام أن أمير المؤمنين عليه السلام ملك ما فوق الارض، فاختار الصعبة على الذلول (4)، فركبها فدارت به سبع أرضين، فوجد ثلاثا منها خراب، وأربعا عوامر. (5) 29 - ومنها: ما روي عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام: أن غلاما يهوديا قدم على أبي بكر في خلافته، فقال: السلام عليك يا أبا بكر. فوجئ (6) عنقه، وقيل له:


(1) النقضقض: التفرق. وفي م " فتعضعضنا / فتضعضنا خ ". وفي ط " فتعسعسنا " يقال: عسعس السحاب: دنا من الارض. تضعضع: ضعف وخف جسمه من حزن أو مرض. (2) فالكوفة كانت دار هجرته عليه السلام. (3) عنه البحار: 41 / 231 ح 2. ورواه في الهداية الكبرى: 52 صدره، وص 53 ذيله في (المخطوطة فقط) بإسناده عن الحارث الهمداني، وأورده في ثاقب المناقب: 213 صدره، وفي ص 217 وفي ارشاد القلوب: 277 مرسلا عن الحارث. وأخرجه في اثبات الهداة: 5 / 24 ح 344 عن الهداية ذيله، وفي مدينة المعاجز: 20 ح 22 عن ثاقب المناقب صدره. (4) ذل البعير: سهل انقياده، فهو ذلول. والصعب: نقيض الذلول، والناقة الصعبة خلاف الذلول. (5) عنه البحار: 39 / 136 ح 2 وعن بصائر الدرجات: 409 ح 2 بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام (مثله). ورواه المفيد في الاختصاص: 194 بإسناده عن أبي جعفر (ع) (مثله)، عنه البحار: 27 / 32 ح 2، ومدينة المعاجز: 90 ح 228 وعن البصائر، وأخرجه في البحار: 57 / 344 ح 35، وح 60 / 120 ح 7. (6) وجأ فلانا بيده أو بالسكين: ضربه في أي موضع كان.

[ 193 ]

لم لم تسلم عليه بالخلافة ؟ ثم قال له أبو بكر: ما حاجتك ؟ قال: مات أبي (1) يهوديا وخلف كنوزا وأموالا، فإن أنت أظهرتها وأخرجتها إلي أسلمت على يديك، وكنت مولاك، وجعلت لك ثلث ذلك المال، وثلثا للمهاجرين والانصار، وثلثا لي. فقال أبو بكر: يا خبيث وهل يعلم الغيب إلا الله ! ؟ ونهض أبو بكر، ثم انتهى اليهودي إلى عمر، فسلم عليه، وقال: إني أتيت أبا بكر أسأله عن مسألة، فأوجعت ضربا، وأنا أسألك عن المسألة، وحكى قصته. قال: وهل يعلم الغيب إلا الله ؟ ثم خرج اليهودي إلى علي عليه السلام وهو في المسجد، فسلم عليه، وقال: يا أمير المؤمنين وقد سمعه أبو بكر وعمر، فوكزوه وقالوا: يا خبيث هلا سلمت على الاول كما سلمت على علي، والخليفة أبو بكر ! ؟ فقال اليهودي: والله ما سميته بهذا الاسم حتى وجدت ذلك في كتب آبائي وأجدادي في التوراة. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: وما حاجتك ؟ قال: مات أبي يهوديا، وخلف كنوزا كثيرة، وأموالا، فلم يطلعني عليها، فإن أخرجتها لي، أسلمت على يديك ؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: وتفي بما تقول ؟ قال: نعم، وأشهد الله وملائكته وجميع من يحضرني. قال: نعم. فدعا برق أبيض، فكتب عليه كتابا، ثم قال: تحسن أن تكتب ؟ قال: نعم. قال: خذ معك ألواحا، وصر إلى بلاد اليمن، وسل عن وادي برهوت بحضرموت، فإذا صرت بطرف الوادي عند غروب الشمس، فاقعد هناك فإنه سيأتيك غرابيب (2) سود مناقيرها، وهي تنعب (3)، فإذا هي نعتت فاهتف


(1) " أبوه " م، ه‍. وكذا التي تلي، وهو تصحيف. (2) كذا في نسخ الاصل والبحار، والظاهر أنها تصحيف " غرابين "، وهي جمع الجمع للغراب، الطائر الاسود المعروف. وفي رواية البرسي: غرابان، وكذا ما بعدها. (3) النعيب: صوت الغراب وفي م، ط: نغبت. يقال: نغب الطائر: حسا من الماء.

[ 194 ]

باسم أبيك، وقل: يا فلان أنا رسول وصي محمد صلى الله عليه وآله فكلمني، فإنه سيجيبك أبوك فلا تفتر عن سؤاله عن الكنوز التي خلفها، فكل ما أجابك به في ذلك الوقت وتلك الساعة فاكتبه في ألواحك، فإذا انصرفت إلى بلادك، بلاد خيبر، فتتبع ما في ألواحك واعمل بما فيها. فمضى اليهودي حتى انتهى إلى بلاد اليمن، وقعد هناك كما أمره، فإذا هو بالغرابيب السود قد أقبلت تنعب فهتف اليهودي، فأجابه أبوه وقال: ويلك ما جاء بك في هذا الوقت إلى هذا الموطن وهو من مواطن أهل النار ؟ قال: جئتك أسألك عن كنوزك أين خلفتها ؟ قال: في جدار كذا، في موضع كذا، في حيطان كذا. فكتب الغلام ذلك، ثم قال: ويلك اتبع دين محمد صلى الله عليه وآله. وانصرفت الغرابيب ورجع اليهودي إلى بلاد خيبر، وخرج بغلمانه وفعلته وإبل و جواليق وتتبع ما في ألواحه، فأخرج كنزا من أواني الفضة وكنزا من أواني الذهب ثم أوقر (1) عيرا (2) وجاء حتى دخل على علي عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، وأنك وصي محمد وأخوه وأمير المؤمنين حقا كما سميت، وهذه عير دراهم ودنانير فاصرفها حيث أمرك الله ورسوله. واجتمع الناس، فقالوا لعلي: كيف علمت هذا ؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله، وإن شئت أخبرتكم بما هو أصعب من هذا. قالوا: فافعل قال: كنت ذات يوم تحت سقيفة مع رسول الله صلى الله عليه وآله، وإني لاحصي ستا وستين وطأة، كل ملائكة، أعرفهم بلغاتهم وصفاتهم وأسمائهم ووطئهم (3).


(1) أوقر الدابة: حملها ثقيلا. (2) العير: الحمار. وفي رواية الطبرسي: بعير. (3) عنه البحار: 41 / 196 ح 9. وأورد مثله البرسي في مشارق أنوار اليقين: 81، عنه مدينة المعاجز: 100 ح 268. (*)

[ 195 ]

30 - ومنها: ما روى سعد الخفاف، عن زاذان أبي عمرو، قلت: يا زاذان إنك لتقرأ القرآن فتحسن قراءته، فعلى من قرأت ؟ فتبسم ثم قال: إن أمير المؤمنين عليه السلام مر بي وأنا أنشد الشعر، وكان لي خلق حسن، فأعجبه صوتي، فقال: يا زاذان هلا بالقرآن (1) ؟ قلت: وكيف لي بالقرآن فو الله ما أقرأ منه إلا بقدر ما أصلي به. قال: فادن مني. فدنوت منه، فتكلم في أذني بكلام ما عرفته ولا علمت ما يقول، ثم قال لي: افتح فاك. فتفل في في، فو الله ما زالت قدمي من عنده حتى حفظت القرآن باعرابه وهمزه، وما احتجت أن أسأل عنه أحدا بعد موقفي ذلك. قال سعد: فقصصت قصة زاذان على أبي جعفر عليه السلام قال: صدق زاذان، إن أمير المؤمنين عليه السلام دعا لزاذان بالاسم الاعظم الذي لا يرد (2). 31 - ومنها: أن عليا عليه السلام قال يوما: لو وجدت رجلا ثقة لبعثت معه بمال إلى المدائن إلى شيعتي. فقال رجل في نفسه: لآتينه ولاقولن: أنا أذهب بالمال، فهو يثق بي، فإذا أخذته، أخذت طريق الشام إلى معاوية. فجاء إلى علي عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين أنا أذهب بالمال. فرفع رأسه فقال: إليك عني، تأخذ طريق الشام إلى معاوية ؟ ! (3) 32 - ومنها: ما روى داود العطار قال: قال رجل: سألني رجل من صحابة (4) أمير المؤمنين عليه السلام، فقال [ لي ]: انطلق حتى نسلم على أمير المؤمنين عليه السلام قال:


(1) أي هلا حفظت أو تحفظ القرآن ؟ فالامام عليه السلام يلومه على ترك ذلك أو لحثه على ذلك والاول أظهر. (2) عنه البحار: 41 / 195 ح 6. (3) عنه البحار: 8 / 732 ط. حجر، وج 41 / 297 ح 23. (4) " خاصة " خ ل والبحار.

[ 196 ]

وكنت لا أحب ذلك، فلم يزل بي حتى أتيت معه. فسلمنا عليه. فرفع أمير المؤمنين عليه السلام الدرة (1) فضرب بها ساقي، فنزوت (2)، فقال: أنز، أنز (3) إنك مكره، إنك ميسرة. ثم ذهب، فقيل له: صنع بك أمير المؤمنين ما لم يصنع بأحد. قال: إني كنت مملوكا لآل فلان، وكان اسمي ميسرة، ففارقهم وادعيت إلى من لست أنا منه، فسماني أمير المؤمنين باسمي (4). 33 - ومنها: ما روى معاوية بن جرير الحضرمي قال: عرض الخيل (5) على علي عليهما السلام، فجاء ابن ملجم إليه، فسأله عن اسمه ونسبه، فانتمى إلى غير أبيه. قال: كذبت. حتى انتسب (6) إلى أبيه، فقال: صدقت (7). 34 - ومنها: ما روي عن عمر بن أذينة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: دخل الاشتر على علي عليه السلام فسلم، فأجابه فقال علي عليه السلام ما أدخلك علي في هذه الساعة ؟ قال: حبك يا أمير المؤمنين. قال عليه السلام: فهل رأيت ببابي أحدا ؟ قال: نعم، أربعة نفر. فخرج الاشتر معه فإذا بالباب: أكمه، ومكفوف، ومقعد، وأبرص. فقال عليه السلام: ما تصنعون ههنا ؟ قالوا: جئناك لما بنا. فرجع ففتح حقا له، فأخرج رقا (8) أبيض، فيه كتاب أبيض، فقرأ عليهم، فقاموا كلهم من غير علة. (9)


(1) الدرة - بالكسر -: التي يضرب بها، السوط. (2) نز: اضطرب، ويقال: نز فلان عني: ابتعد وانفرد. (3) " أترى " لبحار: (4) عنه البحار: 41 / 297 ح 24. (5) الخيل: تستعمل على المجاز للفرسان وركاب الخيل. (6) " انتهى " البحار. (7) عنه البحار: 41 / 297 ح 25. (8) الرق - بفتح الراء -: جلد رقيق يكتب فيه. والحق - بضم الحاء -: الوعاء. (9) عنه البحار: 41 / 195 ح 7.

[ 197 ]

35 - ومنها: ما روي [ عن ] أبي الصيرفي عن رجل من مراد، قال: كنت واقفا على رأس أمير المؤمنين عليه السلام يوم البصرة إذ أتاه ابن عباس بعد القتال، فقال: إن لي حاجة. فقال عليه السلام: ما أعرفني بالحاجة التي جئت فيها: تطلب الامان لابن الحكم ؟ قال: ما جئت إلا لتؤمنه. قال: قد آمنته، ولكن اذهب وجئني به، ولا تجئني به إلا دريفا (1)، فإنه أذل له. فجاء به ابن عباس مردفا خلفه كأنه قرد، قال أمير المؤمنين عليه السلام: تبايع ؟ قال: نعم، وفي النفس ما فيها. قال: الله أعلم بما في القلوب. فلما بسط يده ليبايعه أخذ كفه عن كف مروان فنترها، فقال: لا حاجة لي فيها إنها كف يهودية، لو بايعني بيده عشرين مرة لنكث باسته. ثم قال: هيه يا بن الحكم خفت على رأسك أن يقع في هذه المعمعة (4)، كلا والله حتى يخرج من صلبك فلان وفلان يسومون هذه الامة خسفا (5)، ويسقونهم


= وروى الخصيبى في الهداية الكبرى: 160 باسناده عن جابر الجعفي، عن يحيى بن أبى العقب، عن مالك الاشتر مثله (وفيه: ثلاثة نفر) عنه اثبات الهداة: 5 / 25 ح 346 وأورده في ثاقب المناقب: 169 (مخطوط) عن ابن اذينة، عن أبيه، عن أبى عبد الله عليه السلام، عنه مدينة المعاجز: 105 ح 281. وفى ارشاد القلوب: 284 مرسلا عن مالك الاشتر. (1) الرديف: الراكب خلف الراكب. (2) نتر الشئ: جذبه. بشدة. وفي ط، ط " فنزها ". (3) قال ابن الاثير في النهاية: 5 / 290: هيه: بمعنى ايه، فابدل من الهمزة هاء، وايه: اسم سمى به الفعل ومعناه الامر، تقول للرجل: ايه - بغير تنوين - إذا استزدته من الحديث المعهود بينكما، فإن نونت: استزدته من حديث ما غير معهود... (4) المعمة: شدة الحرب. وفي خ ل: المعمكة. يقال: معك فلانا في الخصومة: لواه وقهره (5) سامه خسفا: أهانه وكلفه المشقة.

[ 198 ]

كأسا مصبرة. (1) 36 - ومنها: ما روي عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن بعض الكوفيين قال: دخل أسد الكوفة فقال: دلوني على أمير المؤمنين عليه السلام، فذهبوا معه فدلوه عليه. فلما نظر إليه الاسد مضى نحوه يلوذ به ويتبصبص إليه. فمسح علي عليه السلام ظهره ثم قال له: أخرج. فنكس الاسد رأسه، ونبذ (2) ذنبه على ظهره (3) ولا يلتفت يمينا ولا شمالا حتى خرج منها. (4) 37 - ومنها: أن عوف بن مروان قال: إن راكبا قدم من الشام، فأفشى في الكوفة أن معاوية مات، فجئ بالرجل إلى علي عليه السلام فقال: أنت شهدت موت معاوية ؟ قال: نعم، كنت فيمن دفنه. فقال له علي: إنك كاذب. فقال القوم: أهو يكذب ؟ قال: نعم، لان معاوية لا يموت حتى يملك هذه الامة، ويفعل كذا، ويفعل كذا بعدما ملك. فقال القوم: فلم تقاتله وأنت تعلم أنه سيبلغ هذا ؟ قال: للحجة. (5) وعن مينا قال: سمع علي عليه السلام ضوضاء في عسكره، فقال: ما هذا ؟ قالوا: هلك معاوية: قال: كلا والذي نفسي بيده لن يهلك حتى تجتمع عليه هذه الامة.


(1) عنه البحار: 41 / 298 ح 26. ورواه في الهداية الكبرى: 151 بإسناده عن رجل من مراد يقال له ذباب (رباب بن رياح) مثله عنه اثبات الهداة: 5 / 4 ح 343. وأورده في ارشاد القلوب مرسلا عن رجل من مراد يقال له رباب بن رياح، وفي مشارق أنوار اليقين: 76 مرسلا قطعة. عنه مدينة المعاجز: 98 ح 256. (2) نبذ الشئ: طرحه ورمى به. وفي خ ل " مد ". (3) " الارض " البحار. (4) عنه البحار: 41 / 231 ح 3. (5) عنه البحار: 41 / 304 محلق ح 37 وعن مناقب ابن شهر اشوب: 2 / 95 بالاسناد عن النضر بن شميل، عن عوف، عن مروان الاصفر. وأخرجه في مدينة المعاجز: 119 ح 320 عن المناقب.

[ 199 ]

فقالوا: فبم تقالته ؟ قال: ألتمس العذر فيما بيني وبين الله. (1) 38 - ومنها: أن الاشعث بن قيس استأذن على علي عليه السلام، فرده قنبر، فأدمى أنفه، فخرج علي عليه السلام فقال: ما لي ولك يا أشعث ؟ أما والله لو بعبد ثقيف تمر ست (2) لاقشعرت شعيرات إستك. قال: ومن غلام ثقيف ؟ قال: غلام يليهم (3) لا يبقي بيتا من العرب إلا أدخلهم الذل قال: كم يلي ؟ قال: عشرين إن بلغها. قال الراوي: فولى الحجاج سنة خمس وسبعين، ومات سنة خمس وتسعين. (4) 39 - ومنها: ما انتشرت به الآثار عنه عليه السلام من قوله قبل قتاله الفرق الثلاث بعد بيعته: " أمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين " (5). فقاتلهم، وكان الامر فيما خبر به على ما قال. وقال عليه السلام لطلحة والزبير حين استأذناه في الخروج إلى العمرة: لا والله ما تريدان العمرة ولكن تريدان البصرة. فكان كما قال. وقال عليه السلام لابن عباس وهو يخبره به عن استيذانهما له في العمرة: إنني أذنت لهما مع علمي بما انطويا عليه من الغدر، فاستظهرت بالله عليهما، وإن الله سيرد كيدهما ويظفرني بهما. وكان كما قال.


(1) عنه البحار: 41 / 298 ح 27 وعن مناقب ابن شهر اشوب: 2 / 95 بالاسناد عن عبد الرزاق، عن أبيه، عن مينا مولى عبد الرحمن بن عوف. وأورده في مشارق أنوار اليقين: 76 مرسلا باختصار، عنه إثبات الهداة: 4 / 563 ح 219. وأخرجه في اثبات الهداة: 5 / 73 ح 459. (2) تمرس بالرجل: تعرض له بشر. (3) أي يكون واليا عليهم. (4) عند البحار 8 / 733 ط حجر وج 41 / 199 ح 28. (5) زاد في البحار: يعني الجمل وصفين والنهروان.

[ 200 ]

وقال بذي قار وهو جالس لاخذ البيعة: يأتيكم من قبل الكوفة ألف رجل لا يزيدون رجلا، ولا ينقصون رجلا يبايعوني على الموت. قال ابن عباس: فجزعت لذلك وخفت أن ينقص القوم عن العدد، أو يزيدوا عليه فيفسد الامر علينا، وإني أحصي القوم فاستوفيت عددهم تسع مائة رجل و تسعة وتسعين رجلا، ثم انقطع مجئ القوم فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، ماذا حمله على ما قال ؟ فبينا أنا مفكر في ذلك إذا رأيت شخصا قد أقبل حتى دنا، وهو راجل (1) عليه قباء صوف [ و ] معه سيف وترس وإداوة (2)، فقرب من أمير المؤمنين عليه السلام. فقال: أمدد يديك أبايعك. فقال علي عليه السلام: وعلى ما تبايعني ؟ قال: على السمع والطاعة والقتال بين يديك حتى أموت، أو يفتح الله عليك. فقال: ما اسمك ؟ قال: أويس. قال: أويس القرني ؟ قال: نعم. قال: الله أكبر أخبرني (3) حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله أني أدرك رجلا من أمته يقال له " أويس القرني " يكون من حزب الله ورسوله ويموت على الشهادة، يدخل في شفاعته مثل ربيعة ومضر. قال ابن عباس: فسري (3) عني (4). 40 - ومنها: قوله عليه السلام - وقد رفع أهل الشام المصاحف، وشك فريق من أصحابه، ولجؤا إلى المسالمة، ودعوه إليها -: ويلكم إن هذه خديعة، وما يريد القوم


(1) " رجل " البحار. بمعناها، أي يمشي على رجليه. (2) اداوة الشئ وأدواته: آلته. يريد أنه كان ذو أداة أي شاك في السلاح. (3) سرى عنه: زال عنه ما كان يجده من الغضب أو ألهم. (4) عنه البحار: 41 / 299 ح 29. وعنه ح 42 / 147 ح 7 وعن الارشاد المفيد 182. وأورد قطعة منه في ثاقب المناقب: 232، عنه مدينة المعاجز: 141 ملحق ح 397، وفي ارشاد القلوب: 224 مرسلا.

[ 201 ]

القرآن لانهم ليسوا من أهل القرآن، فاتقوا الله وامضوا على بصائركم في قتالهم، فإن لم تفعلوا تفرقت بكم السبل، وندمتم حتى لا تنفعكم الندامة. وكان كما قال. (1) 41 - ومنها: ما تواترت به الروايات من نعيه نفسه قبل موته، وأنه يخرج من الدنيا شهيدا من قوله: والله ليخضبنها من فوقها - وأومأ إلى شيبته - ما يحبس أشقاها أن يخضبها بدم. وقوله عليه السلام: أتاكم شهر رمضان، وفيه تدور رحى السلطان، ألا وإنكم حاجوا العام صفا واحدا، وآية ذلك أني لست فيكم. وكان يفطر في هذا الشهر ليلة عند الحسن، وليله عند الحسين، وليلة عند عبد الله ابن جعفر زوج زينب بنته لاجلها، لا يزيد على ثلاث لقم، فقيل له في ذلك، فقال: يأتيني أمر الله وأنا خميص (2)، إنما هي ليلة أو ليلتان، فأصيب من الليل. وقد توجه إلى المسجد في الليلة التي ضربه الشقي في آخرها، فصاح الاوز (3) في وجهه، فطردهن الناس، فقال: دعوهن فانهم نوائح. (4) 42 - ومنها: أنه لما بلغه ما صنع بسر (5) بن أرطأة باليمن قال عليه السلام: " اللهم إن بسرا باع دينه بالدنيا، فاسلبه عقله ".


(1) عنه البحار: 8 / 593 ط. حجر، وعن الارشاد للمفيد: 183. وأخرجه في اثبات الهداة: 4 / 586 ح 274 عن الارشاد. (2) الخميص: الضامر البطن. (3) نوع من الطيور. (4) عنه البحار: 41 / 300 صدر ح 31. وأورده المفيد في الارشاد: 185 مرسلا. (5) بضم الباء وسكون السين، وفي بعض نسخ " بالشين " وكلاهما وارد ظاهر. وقيل: ابن أبي أرطأة، واسمه عمرو بن عويمر بن عمران... قال الواقدي: ولد قبل وفاة الرسول صلى الله عليه وآله بسنتين، وقال أهل الشام سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله، شهد صفين مع معاوية، ثم سيره إلى الحجاز واليمن ليقتل شيعة علي ويأخذ البيعة له. وكان يحيى بن معين يقول: هو رجل سوء، توفي بالمدينة أيام معاوية، وقيل: بالشام أيام عبد الملك، وكان قد خرف آخر عمره. تجد ترجمته =

[ 202 ]

فبقي بسر حتى اختلط، فاتخذ له سيفا من خشب يلعب به حتى مات. (1) 43 - ومنها: ما استفاض عنه عليه السلام من قوله: إنكم ستعرضون من بعدي على سبي، فسبوني، فإن عرض عليكم البراءة مني فلا تبروا مني. فكان كما قال. (2) 44 - ومنها: قوله عليه السلام لجويرية (3) بن مسهر: لتعتلن إلى العتل (4) الزنيم، وليقطعن يدك ورجلك (5)، ثم ليصلبنك. ثم مضى دهر حتى ولي زياد (6) في أيام معاوية، فقطع يده ورجله ثم صلبه. (7)


= في أسد الغابة: 1 / 179، الجرح والتعديل: 2 / 422 رقم 1678، سير أعلام النبلاء 3 / 409 رقم 65، تاريخ الطبري: 5 / 167،. مروج الذهب: 3 / 211، الاستيعاب: 157، تاريخ بغداد: 6 / 210، الاغانى: 2 / 79، تهذيب التهذيب: 1 / 436، وغيرها (1) عنه البحار: 41 / 301 ضمن ح 31، وج 42 / 147 صدر ح 8 وأورد مثله المفيد في الارشاد: 86 / 1، وابن شهر اشوب في المناقب: 2 / 113 عن الوليد بن الحارث وغيره عن رجالهم، عنهما البحار: 41 / 204 ح 19. وأورده في إرشاد القلوب: 288 مرسلا نحوه. ورواه العسقلاني في تهذيب التهذيب: 1 / 436، وابن أبي الحديد في شرح النهج: 1 / 121 مثله، عنهما إحقاق الحق: 8 / 740. (2) عنه البحار: 41 / 301 ضمن ح 31. وأورده المفيد في الارشاد: 186، مرسلا مثله عنه الوسائل: 11 / 481 ح 21 واثبات الهداة: 4 / 587 ح 276. والبحار: 39 / 317 ح 16. وروى الصدوق في عيون الاخبار: 2 / 64 ح 274 بإسناده عن علي (ع) نحوه، عنه اثبات الهداة: 4 / 450 ح 26، والبحار: 39 / 317 ح 15. (3) " لجويرة " م. هو تصحيف. ترجم له السيد الخوئي في رجاله: 4 / 180 رقم 2413 وذكر قصته أعلاه برواية المفيد، فراجع. (4) عتله: جذبه وجره عنيفا. والعتل - بضمتين مشددة اللام -: الجافي الغليظ الشديد. والزنيم: اللئيم، الدعي، اللاحق بقوم ليس منهم. (5) " يديك ورجليك " خ ل. وكذا التي بعدها بصيغة الغائب. (6) أي زياد بن أبيه لما ولى الكوفة. (7) عنه البحار: 41 / 301 ذ ح 31. وأورده المفيد في الارشاد: 186 مرسلا، عنه.

[ 203 ]

45 - ومنها: ما روي من قوله عليه السلام: إني دعوتكم إلى الحق، فتلونتم علي (1) وضربتكم بالدرة فأعييتموني، أما إنه سيكلبكم (2) بعدي ولاة يعذبونكم بالسياط والحديد وآية ذلك حين يأتيكم صاحب اليمن (الحجاج) (3)، فيأخذ العمال وعمال العمال. فكان كما قال عليه السلام. (4) 46 - ومنها: ما رووه أن ميثما التمار كان عبدا لامرأة، فاشتراه علي عليه السلام فأعتقه، وقال له: ما أسمك ؟ قال: سالم. قال: حدثني رسول الله بأن اسمك الذي سماك به أبوك في العجم " ميثم ". قال: صدق الله ورسوله، وصدقت والله، إنه لاسمي، قال: فارجع إلى اسمك الذي سماك به رسول الله صلى الله عليه وآله. فرجع إلى ميثم، واكتنى بأبي سالم. فقال عليه السلام: إنك لتؤخذ بعدي فتصلب. وكان كما قال (5). 47 - ومنها: ما تظاهر به الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وآله بعث عليا عليه السلام إلى وادي الجن، وقد أخبره جبرئيل عليه السلام أن طوائف منهم قد اجتمعوا لكيده، فأغنى عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وكفى الله المؤمنين به كيدهم، ودفعهم بقوته عن المسلمين.


(1) " فتوليتم عني " الارشاد، الغارات، شرح النهج. (2) " سيليكم " الارشاد، الغارات، شرح النهج. (3) " حتى يحل بين أظهركم " الارشاد، الغارات، شرح النهج. (4) أورده المفيد في الارشاد: 186 مثله مرسلا، عنه اثبات الهداة: 4 / 587 ح 277، والبحار: 41 / 285 ح 4. وأورد الخطبة الثقفي في الغارات: 2 / 458 عن زيد بن علي، عن: علي عليه السلام، عنه البحار: 8 / 675. حجر وابن أبي الحديد في شرح النهج: 2 / 306 برواية محمد ابن فرات الجرمي، عن زيد بن علي، عن علي (ع). (5) أورده المفيد في الارشاد: 187 مثله مرسلا، عنه اثبات الهداة: 2 / 150 ح 589، والبحار: 42 / 124 ح 7. (*)

[ 204 ]

قال ابن عباس: لما خرج النبي صلى الله عليه وآله إلى غزاة بني المصطلق جنب (1) عن الطريق، وأدركه الليل، فنزل بقرب واد وعر. فلما كان في آخر الليل، هبط جبرئيل عليه يخبره أن طائفة من كفار الجن قد استبطنوا الوادي يريدون [ كيده، و ] إيقاع الشر بأصحابه عند سلوكهم إياه فدعا عليا عليه السلام وقال [ له ]: إذهب إلى هذا الوادي فسيعرض لك من أعداء الله الجن من يريدك، فادفعه بالقوة التي أعطاك الله، وتحصن منه بأسماء الله الذي خصك بعلمها. وأنفذ معه مائة رجل من أخلاط الناس، فقال لهم: كونوا معه، وامتثلوا أمره. فتوجه أمير المؤمنين عليه السلام إلى الوادي، فلما قارب شفيره (2) أمر المائة الذين صحبوه أن يقفوا بقرب الشفير، ولا يحدثوا شيئا حتى يأذن لهم، ثم تقدم فوقف على شفير الوادي، وتعوذ بالله من الاعداء، وسمى الله، وأومأ إلى القوم الذين اتبعوه أن يقربوا منه، فقربوا، وكان بينهم وبينه غلوة (3)، ثم رام الهبوط، فاعترضت ريح عاصف كاد أن يقع القوم على وجههم لشدتها، ولم تثبت على الارض أقدامهم من هول ما لحقهم. فصاح أمير المؤمنين عليه السلام: أنا علي ابن أبي طالب بن عبد المطلب وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وابن عمه، اثبتوا إن شئتم. فظهر للقوم أشخاص على صورة الزط - وهم الزنج - يخيل في أيديهم شعل النار، قد اطمأنوا بجنبات الوادي، فتوغل أمير المؤمنين عليه السلام بطن الوادي وهو يقرأ القرآن، ويومي بسيفه يمينا وشمالا، فما لبث الاشخاص حتى صارت كالدخان الاسود، وكبر [ علي ] عليه السلام ثم صعد من حيث انهبط، فقام مع القوم الذين اتبعوه حتى أسفر (4) الموضع عما اعتراه.


(1) جنب: مال. (2) الشفير: ناحية كل شئ. (3) الغلوة: قدر رمية بسهم. (4) " أصفر " البحار: 39.

[ 205 ]

فقال له الصحابة: ما لقيت يا أبا الحسن ؟ فلقد كدنا أن نهلك خوفا، وأشفقنا عليك. فقال عليه السلام لهم: إنه لما تراءى لي العدو، جهرت فيهم بأسماء الله [ تعالى ] فتضاءلوا وعلمت ما حل بهم من الجزع، فتوغلت الوادي غير خائف منهم، ولو بقوا على هيأتهم لاتيت على آخرهم، وقد كفى الله كيدهم، وكفى المؤمنين شرهم، وقد سبقتني بقيتهم إلى النبي صلى الله عليه وآله. فانصرف، ودعا له النبي صلى الله عليه وآله، وقال: قد سبقك إلي يا علي من أخافه الله بك فأسلم. ثم قطعوا الوادي آمنين. (2)


(1) عنه البحار: 39 / 175 ح 18 وعن الارشاد: 196 برواية محمد بن أبي السرى التميمي، عن أحمد بن الفرج، عن الحسن بن موسى الهندي، عن أبيه، عن وبرة بن الحارث، عن ابن عباس، وعن مناقب ابن شهر اشوب: 1 / 358 (واللفظ للاول) وأخرجه في البحار: 63 / 86 ح 42 عن، الارشاد واعلام الورى: 180. قال الشيخ المفيد (ره): وهذا الحديث قد روته العامة كما روته الخاصة، ولم يتناكروا شيئا منه. والمعتزلة لميلها إلى مذهب البراهمة تدفعه، ولبعدها من معرفة الاخبار تنكره، وهي سالكة في ذلك طريق الزنادقة فيما طعنت به في القرآن، وما تضمنه من أخبار الجن وايمانهم بالله ورسوله، وما قص الله تعالى في نبأهم في القرآن في سورة الجن وقولهم: " إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به " الجن: 1 إلى آخر ما تضمنه الخبر عنهم في هذه السورة. وإذا بطل اعتراض الزنادقة في ذلك بتجويز العقول وجود الجن وإمكان تكليفهم وثبوت ذلك مع إعجاز القرآن والاعجوبة الباهرة فيه، كان مثل ذلك ظهور بطلان طعون المعتزلة في الخبر الذي رويناه لعدم استحالة مضمونه في العقول، وفي مجيئه من طريقين مختلفين وبرواية فريقين في دلالته متباينين برهان صحته. وليس في إنكار من عدل عن الانصاف في النظر من المعتزلة والمجبرة قدح فيما ذكرناه من وجوب العمل عليه، كما أنه ليس في جحد الملاحدة وأصناف الزنادقة واليهود والنصارى والمجوس والصابئين ما جاء صحته من الاخبار بمعجزات النبي صلى الله عليه وآله كانشقاق القمر، وحنين الجذع، وتسبيح الحصى في كفه، وشكوى البعير. وكلام =

[ 206 ]


= الذراع، ومجئ الشجرة، وخروج الماء من بين أصابعه في الميضاة، واطعام الخلق الكثير من الطعام القليل قدح في صحتها، وصدق روايتها وثبوت الحجة بها، بل الشبهة لهم في دفع ذلك و إن ضعفت أقوى من شهبة منكري معجزات أمير المؤمنين عليه السلام وبراهينه لما لا خفاء على أهل الاعتبار به مما لا حاجة بنا إلى شرح وجوهه في هذا المكان. فإذا ثبت تخصيص أمير المؤمنين عليه السلام من القوم بما وصفناه وبينونته من الكافة في العلم بما شرحناه، وضح القول في الحكم له بالتقدم على الجماعة في مقام الامامة واستحقاقه السبق لهم في محل الرياسة بما تضمنه الذكر الحكيم من قصة داود عليه السلام وطالوت حيث يقول جل اسمه: " وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال: إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم " البقرة: 247. فجعل الله تعالى الحجة لطالوت في تقدمه على الجماعة من قومه ما جعله حجة لوليه وآخى بينهما عليهما السلام في التقدم على كافة الامة من الاصطفاء عليهم وزيادته في العلم والجسم بسطة، وأكد ذلك بمثل ما تأكد به الحكم لامير المؤمنين عليه السلام من المعجز الباهر المضاف إلى البينونة من القوم بزيادة البسطة في العلم والجسم فقال سبحانه وتعالى: " وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ". البقرة: 248. وكان خرق العادة لامير المؤمنين عليه السلام بما عددناه من علم الغيوب، وغير ذلك كخرق العادة لطالوت بحمل التابوت، سواء، وهذا بين، والله ولي التوفيق. ولا أزال أجد الجاهل من الناصبة والمعاند يظهر التعجب من الخبر بملاقاة أمير المؤمنين عليه السلام الجن وكفه شرهم عن النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه ويتضاحك لذلك وينسب الرواية له إلى الخرافات الباطلة، ويضع مثل ذلك في الاخبار الواردة بسوى ذلك من معجزاته عليه السلام يقول انها من موضوعات الشيعة وتخرص من افتراه منهم للتكسب بذلك، أو التعصب. =

[ 207 ]

48 - ومنها: ما روى جميع بن عمير قال: اتهم علي عليه السلام رجلا يقال له " العيزار " (1) يرفع أخباره إلى معاوية، فأنكر ذلك وجحده. فقال له: أتحلف بالله أنك ما فعلت ذلك ؟ قال: نعم. وبدر، فحلف. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: إن كنت كاذبا فأعمى الله بصرك. فما دارت الجمعة حتى أخرج أعمى يقاد، قد أذهب الله بصره. (2) 49 - ومنها: ما روي عن طلحة بن عميرة قال: نشد (3) علي عليه السلام الناس في قول


= وهذا بعينه مقال الزنادقة كافة وأعداء الاسلام فيما نطق به القرآن من خبر الجن وإسلامهم في قوله: " إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد ". وفيما ثبت به الخبر عن ابن مسعود في قصة ليلة الجن ومشاهدته لهم كالزط، وفي غير ذلك من معجزات الرسول صلى الله عليه وآله وأنهم يظهرون التعجب من جميع ذلك، ويتضاحكون عند سماع الخبر به، والاحتجاج بصحته، ويستهزؤون ويلغطون فيما يسرفون به من سب الاسلام وأهله، واستحماق معتقديه والناصرين له، ونسبتهم إياهم إلى العجز والجهل ووضع الاباطيل. فلينظر القوم ما جنوه على الاسلام بعدواتهم لامير المؤمنين عليه السلام واعتمادهم في دفع فضائله ومناقبه وآياته على ما ضاهوا به أصناف الزنادقة والكفار، مما يخرج عن طريق الحجاج إلى أبواب الشغب والمسافهات. وبالله نستعين. (1) " الغيزار " الارشاد. " المغيرة " ارشاد القلوب. " الغيرار " البحار. " الغرار " إحقاق الحق (2) عنه البحار: 8 / 733 ط. حجر، وعنه ج 41 / 198 ح 11 وعن إرشاد المفيد: 203 بالاسناد عن عبد القاهر بن عبد الملك بن عطاء الاشجعي، عن الوليد بن عمران البجلي عن جميع بن عمير. وأورده ابن شهر اشوب في مناقبه: 2 / 112، عنه مدينة المعاجز: 126 ح 352 والاربلي في كشف الغمة: 1 / 283، والديلمي في ارشاد القلوب: 228 مثله. ورواه الامر تسرى في أرجح المطالب: 681. عنه إحقاق الحق: 8 / 739. (3) نشده عهده أو وعده: ذكره ما عاهده به ووعده وطلبه منه.

[ 208 ]

النبي صلى الله عليه وآله " من كنت مولاه فعلي مولاه " (1) فشهد إثنا عشر رجلا من الانصار، وأنس ابن مالك حاضر لم يشهد. فقال علي عليه السلام: يا أنس ما يمنعك أن تشهد، وقد سمعت ما سمعوا ؟ قال: كبرت ونسيت. فقال عليه السلام: اللهم إن كان كاذبا فاضربه ببياض أو بوضح (2) لا تواريه العمامة. قال ابن عميرة: فأشهد بالله لقد رأيتها (3) بيضاء بين عينيه. (4) 50 - ومنها: ما روي عن زيد بن أرقم قال: نشد علي عليه السلام الناس في المسجد فقال: أنشد الله رجلا سمع النبي صلى الله عليه وآله يقول: " من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاده ". فقام إثنا عشر بدريا: ستة من الجانب الايمن، وستة من الجانب الايسر، فشهدوا بذلك. قال زيد: وكنت فيمن سمع ذلك فكتمته، فذهب الله ببصري، وكان يندم على ما


(1) استقصينا تمام مصادر وموارد هذا الحديث عند تحقيقنا صحيفة الامام الرضا عليه السلام ص 109، فراجع. (2) الوضح: البرص. والبيضاء بمعناها. (3) " رأيته " البحار: 42. (4) عنه البحار: 41 / 204 ح 20، وعن الارشاد للمفيد: 203 بالاسناد عن إسماعيل بن عمير عن مسعر بن كدام، عن طلحة بن عميرة مثله. وعنه البحار: 42 / 148 ح 9. ورواه الامر تسري في أرجح المطالب: 579، عنه إحقاق الحق: 6 / 332. وأورده في كشف الغمة: 1 / 283 مرسلا. أقول: وهذا حديث متواتر روته العامة والخاصة بألفاظ مختلفة وأسانيد شتى. أنظر: إحقاق الحق: 8 / 741 - 747 وج 16 / 562.

[ 209 ]

فاته من الشهادة ويستغفر (1). 51 - ومنها: ما روي عن حكيم بن جبير وجماعة قالوا: شهدنا عليا عليه السلام على المنبر وهو يقول: أنا عبد الله، وأخو رسول الله صلى الله عليه وآله ورثت نبي الرحمة، ونكحت سيدة نساء أهل الجنة (2)، وأنا سيد الوصيين، وآخر أوصياء النبيين (3)، لا يدعي ذلك غيري إلا أصابه الله بسوء. فقال رجل من عبس كان جالسا بين القوم: من لا يحسن أن يقول هذا ! ؟ أنا عبد الله وأخو رسول الله. فلم يبرح مكانه حتى تخبطه الشيطان، فجر برجله إلى باب المسجد، فسألنا قومه عنه، فقلنا: تعرفون منه عرضا (4) قبل هذا ؟ قالوا: اللهم لا. (5)


(1) عنه البحار: 41 / 205 ح 21، وعن الارشاد للمفيد: 203 بالاسناد عن أبي إسرائيل عن الحكم بن أبي سلمان المؤذن، وعن زيد بن الارقم مثله. وعنه البحار: 42 / 148 ح 10. وأورده في كشف الغمة: 1 / 283 مرسلا. أقول: وهذا أيضا حديث متواتر رواه الفريقان بأسانيد شتى وألفاظ مختلفة. انظر إحقاق الحق: 6 / 318 - 320 روايته، وغيره. (2) " سيدة نساء العالمين سيدة نساء أهل الجنة " م، ط. والظاهر أن العبارة الاولى هي " خ ل " من النسخة، وأدخلها الناسخ في المتن بلا اشارة. (3) " المرسلين " خ ل. (4) " عارضا " البحار. والعرض - بفتحتين -: من أحداث الدهر من الموت والمرض ونحو ذلك. (5) عنه البحار: 41 / 205 ح 22، وعن الارشاد للمفيد: 204 بالاسناد عن علي بن مسهر، عن الاعمش، عن موسى بن طريف، عن عباية بن موسى النميري، عن عمران ابن ميثم، عن عباية وموسى الوجيهي، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث وعثمان بن سعيد وعبد الله بن بكير، عن حكيم بن جبير مثله، وعن مناقب ابن شهر اشوب 2 / 166 بالاسناد عن الاعمش، عن رواته، عن حكيم بن جبير، وعن عقبة الهجري عن عمته، وعن أبي يحيى مثله. وأورده في كشف الغمة: 1 / 284 مرسلا. وأخرجه في مدينة المعاجز: 139 ح 389 عن المناقب.

[ 210 ]

52 - ومنها: أن سبعة (1) إخوة أو عشرة في حي من أحياء العرب كانت لهم أخت واحدة، فقالوا لها: كل ما يرزقنا الله من عرض الدنيا وحطامها، فإنا نطرحه بين يديك، ونحكمك فيه، فلا ترغبي في التزويج، فحميتنا لا تحتمل (2) ذلك. فوافقتهم في ذلك، ورضيت به، وقعدت [ في خدمتهم ] وهم يكرمونها. فحاضت يوما، فلما طهرت أرادت الاغتسال، وخرجت إلى عين ماء كانت بقرب حيهم (3)، فخرجت من الماء علقة (4)، فدخلت في جوفها وقد جلست في الماء فمضت عليها أيام والعلقة تكبر، حتى علا بطنها، وظن الاخوة أنها حبلى وقد خانت فأرادوا قتلها. قال بعضهم: نرفع خبرها (5) إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فإنه يتولى ذلك. فأخرجوها إلى حضرته وقالوا فيها ما ظنوا بها، فاستحضر طشتا مملوا بالحمأة (6)، وأمرها أن تقعد عليه فلما أحست العلقة برائحة الحمأة نزلت من جوفها. فقالوا: يا علي أنت ربنا، أنت ربنا العلي، فإنك تعلم الغيب، فزبرهم وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أخبرنا بذلك عن الله بأن هذه الحادثة تقع في هذا اليوم، في هذا الشهر، في هذه الساعة. (7) 53 - ومنها: أن الصحابة سألوا النبي صلى الله عليه وآله أن يأمر الريح فتحملهم إلى


(1) " تسعة " البحار. (2) " تحمل " ه‍، البحار. احتمل الامر: أطاقه وصبر عليه. (3) " حلتهم " م. بمعناها (4) العلق - بفتح العين واللام -: دود أسود وأحمر يكون بالماء، يعلق بالبدن ويمص الدم... الواحدة علقة. (حياة الحيوان: 2 / 70) (5) " أمرها " البحار. (6) قوله تعالى " من حمأ مسنون " الحجر: 26 / 28، 33. الحمأ: جمع " حمأة " وهو الطين الاسود المتغير. (مجمع البحرين: 1 / 107). (7) عنه البحار: 40 / 242 ح 20، وج 62 / 166 ح 1.

[ 211 ]

أصحاب الكهف ففعل، فلما نزلوا هناك سلم عليهم أبو بكر وعمر وعثمان فلم يردوا عليهم، ثم قام القوم الآخرون كلهم فسلموا، فلم يردوا عليهم أيضا. فقام علي عليه السلام فقال: السلام عليكم يا أصحاب الكهف والرقيم الذين كانوا من آياتنا عجبا. (1) فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته يا أبا الحسن. فقال أبو بكر: سل القوم ما لنا (2) سلمنا عليهم ولم يجيبوا ؟ فسألهم علي عليه السلام فقالوا: إنا لا نكلم إلا نبيا أو وصي نبي، وأنت وصي خاتم الانبياء. ثم قال علي عليه السلام: يا ريح احملينا. قالوا: فإذا نحن في الهواء، فلما أن كان في جوف الليل، قال علي عليه السلام: يا ريح ضعينا. ثم قام فركض برجله، فإذا نحن بعين ماء، فتوضأ، ثم قال: فتوضأوا فإنكم مدركون بعض صلاة الصبح مع (3) رسول الله صلى الله عليه وآله. ثم قال: يا ريح احملينا. فأدركنا آخر ركعة مع رسول الله صلى الله عليه وآله. فلما أن قضينا ما سبقنا به، التفت إلينا وأمرنا بالاتمام. فلما فرغنا قال: يا أنس أحدثكم أو تحدثونا ؟ قلت: يا رسول الله من فيك أحسن. فحدثنا كأنه كان معنا، ثم قال: إشهد بهذا لعلي يا أنس. قال أنس: فاستشهدني علي عليه السلام وهو على المنبر، فداهنت في الشهادة. فقال: إن كنت كتمتها مداهنة من بعد وصية رسول الله صلى الله عليه وآله، فأبرصك الله، وأعمى عينيك، وأظمأ جوفك. فلم أبرح من مكاني حتى عميت وبرصت. وكان أنس لا يستطيع الصوم في شهر رمضان ولا في غيره من شدة الظماء وكان يطعم في شهر رمضان كل يوم مسكينين حتى فارق الدنيا وهو يقول: هذا من دعوة علي. (4)


(1) اقتباس من قوله تعالى في سورة الكهف: 90. (2) " ما لهم " ط. (3) " عند " البحار. (4) عنه البحار: 39 / 137 ح 4.

[ 212 ]

54 - ومنها: أنه أتي عمر بأسير في عهده، فعرض عليه الاسلام فأبى، فأمر بقتله قال: لا تقتلوني [ وأنا ] عطشان. فجاءوا بقدح ملان ماء فقال: لي الامان إلى أن أشرب ؟ قال عمر: نعم. فأراق الماء على الارض فنشفته (1)، قال عمر: اقتلوه، فإنه احتال. فقال علي بن أبي طالب عليه السلام: لا يجوز لك قتله وقد آمنته. قال: ما أفعل [ به ] ؟ قال: اجعله لرجل من المسلمين بقيمة عدل (2). قال: ومن يرغب فيه ؟ قال: أنا. قال: هو لك. فأخذ أمير المؤمنين عليه السلام القدح بكفه، فدعا، فإذا ذلك الماء اجتمع في القدح فأسلم لذلك، فأعتقه أمير المؤمنين عليه السلام، فلزم المسجد والتعبد. فلما قتل أبو لؤلؤة عمر، ظن عبيد الله بن عمر أن الهرمزان قتل أباه، فدخل المسجد وقتله. فعرفوا عمر حاله. فقال: أخطأ، قتلني أبو لؤلؤة، الهرمزان مولى علي بن أبي طالب، ولا يوصي إلا بقتل عبيد الله. فتوفي عمر، وقام عثمان، فلم يقتل عبيد الله. وقال علي عليه السلام إن مكنني الله منه لاقتله. فلما قتل عثمان هرب عبيد الله إلى معاوية وظفر به بصفين فقتله (3) وهو مقلد بسيفين (4) 55 - ومنها: أنه صعب على المسلمين قلعة (5) فيها كفار، ويئسوا من فتحها فعقد في المنجنيق ورماه الناس إليها، وفي يده ذو الفقار، فنزل عليهم وفتح القلعة. (6)


(1) نشف الماء في الارض: ذهب ونضب. (2) " عبد " البحار. والعدل: الفدية. (3) راجع تفصيل ذلك في مروج الذهب: 2 / 378 - 385. (4) عنه البحار: 41 / 250 ح 5 إلى قوله " فلزم المسجد والتعبد ". وأورد نحوه في الصراط المستقيم: 1 / 104 نقلا من كتاب العقد عن المغربي، عنه اثبات الهداة 5 / 57 ح 421. (5) يقال: أنها قلعة سلاسل في شوشتر. (من حاشية م). (6) عنه البحار: 42 / 18 ح 3.

[ 213 ]

56 - ومنها: أن قوما من النصارى كانوا دخلوا على النبي صلى الله عليه وآله وقالوا: نخرج ونجئ بأهالينا وقومنا، فإن أنت أخرجت مائه ناقة من الحجر لنا سوداء، مع كل واحدة فصيل، آمنا. فضمن ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وانصرفوا إلى بلادهم. فلما كان بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله رجعوا، فدخلوا المدينة، فسألوا عن النبي صلى الله عليه وآله فقيل لهم: توفي صلى الله عليه وآله. فقالوا: نحن نجد في كتبنا أنه لا يخرج من الدنيا نبي إلا ويكون له وصي، فمن كان وصي نبيكم محمد ؟ فدلوا على أبي بكر، فدخلوا عليه وقالوا: لنا دين على محمد. فقال: وما هو ؟ قالوا (1): مائة ناقة، ومع كل ناقة فصيل وكلها سود. فقال: ما ترك رسول الله صلى الله عليه وآله تركة تفي بذلك. فقال بعضهم لبعض بلسانهم: ما كان أمر محمد إلا باطلا. وكان سلمان حاضرا وكان يعرف لغتهم (2)، فقال لهم: أنا أدلكم على وصي رسول الله (3). فإذا بعلي قد دخل المسجد، فنهضوا إليه مع سلمان وجثوا (4) بين يديه قالوا: لنا على نبيكم مائة ناقة دينا بصفات مخصوصة. قال [ علي ] عليه السلام: وتسلمون حينئذ ؟ قالوا: نعم. فواعدهم إلى الغد، ثم خرج بهم إلى الجبانة، والمنافقون يزعمون أنه يفتضح، فلما وصل إليها صلى ركعتين ودعا خفيا، ثم ضرب بقضيب رسول الله صلى الله عليه وآله على الحجر (5) فسمع من أنين كما يكون للنوق عند مخاضها.


(1) " قال " نسخ الاصل. تصحيف ظ. (2) " ألسنتهم ولغاتهم " خ ل. (3) " محمد " البحار. (4) " جلسوا " ط. جثا: جلس على ركبتيه، أو قام على أطراف أصابعه. (5) زاد في م " وخرج منه ".

[ 214 ]

فبينا كذلك إذا انشق الحجر، فخرج منه رأس ناقة قد تعلق منه الزمام (1). فقال عليه السلام لابنه الحسن: خذه. فخرج منه مائة ناقة، مع كل واحدة فصيل كلها سود الالوان. فأسلم النصارى كلهم، ثم قالوا: كانت ناقة صالح النبي واحدة، وكان بسببها هلاك قوم كثير، فادع الله يا أمير المؤمنين حتى ترجع (2) النوق وفصالها (3) في الحجر لئلا يكون شئ منها سبب هلاك أمة محمد. فدعا، فدخلت مثلما خرجت. (4) 57 - ومنها: أن أبا عبد الله الغنوي (5) قال: إنا لجلوس مع علي بن أبي طالب (6) عليه السلام يوم الجمل إذ جاءه الناس، فقالوا: لقد نالنا النبل والنشاب. فسكت. ثم جاء آخرون يهتفون به (7) وقالوا: قد جرحنا. فقال عليه السلام: [ يا قوم ] من يعذرني من قوم يأمروني بالقتال ولم تنزل بعد الملائكة ؟ فقال: (8) إنا لجلوس ما نرى ريحا ولا نحسها إذ هبت ريح طيبة من خلفنا، والله لوجدت بردها بين كتفي (9) من تحت الدرع والثياب. قال: فلما هبت الريح صب أمير المؤمنين عليه السلام درعه، ثم قام إلى القوم، فما رأيت فتحا كان أسرع منه. (1)


(1) الزمام: المقود. (2) " تدخل " البحار. وهي أظهر. (3) " فصيلها " م، ط. والفصال: جمع فصيل، وهو ولد الناقة. (4) عنه البحار: 41 / 198 ح 10. (5) " العنزي " الامالي وكشف. ولم يثبت لدينا. (6) " على أمير المؤمنين " ط. (7) " يهرعون (به) إليه " ط. هتف: صاح. (8) أي الراوي للحديث. (9) " على كبدي " خ ل. (10) عنه البحار: 8 / 436 ط. حجر وعن أمالي الطوسي: 2 / 212 بإسناده عن المفيد عن عمر الصيرفي، عن محمد بن القاسم، عن جعفر بن عبد الله. عن يحيى بن الحسن =

[ 215 ]

58 - ومنها: أن ابن الكوا قال لعلي عليه السلام أين كنت حيث ذكر الله أبا بكر فقال * (ثاني اثنين إذ هما في الغار) * (1) ؟ فقال: عليه السلام: ويلك يا بن الكوا كنت على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وقد طرح علي ريطته (2) فأقبلت قريش مع كل رجل منهم هراوة (3) فيها شوكها، فلم يبصروا رسول الله صلى الله عليه وآله فأقبلوا علي يضربونني حتى تنفط (4) جسدي، وأوثقوني بالحديد، وجعلوني في بيت، واستوثقوا الباب بقفل، وجاءوا بعجوز تحرس الباب. فسمعت صوتا يقول: يا علي ! فسكن الوجع الذي (5) أجده. وسمعت صوتا آخر [ يقول ] (6) يا علي ! فإذا الحديد الذي علي قد تقطع. ثم سمعت صوتا: يا علي ! فإذا الباب فتح، فخرجت، والعجوز لا تعقل (7). (8) 59 - ومنها: ما روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: لما قتل علي عليه السلام عمرو بن عبد ود أعطى سيفه ذا الفقار الحسن عليه السلام وقال: قل لامك: تغسل هذا الصقيل (9). فرده وعلي عليه السلام عند النبي صلى الله عليه وآله، وفي وسطه نقطة لم تنق (10)، فقال: أليس قد غسلته الزهراء ؟ قال: نعم. قال: فما هذه النقطة ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: يا علي سل


= عن المسعودي، عن الحارث بن حصيرة، عن أبى محمد العنزي، عن أبى عبد الله العنزي. وأورده في كشف الغمة: 1 / 395 مرسلا عن أبى عبد الله العنزي. (1) التوبة: 40. (2) الريطة: الملاءة إذا كانت قطعة واحدة ونسجا واحدا. (3) الهراوة: العصا الضخمة، كهراوة الفأس. (4) نفطت يده: قرحت. (5) " فلن " البحار: 19 وج 8 ط. حجر. (6) من البحار: 19 وج 8 ط. حجر. (7) أي لا تدرك. (8) عنه البحار: 19 / 76 ح 27، وج 8 / 620 ط. حجر. وأورده الشريف الرضي في خصائص أمير المؤمنين: 26 مثله. عنه البحار: 36 / 43 ح 7، وحلية الابرار: 1 / 278، ومدينة المعاجز: 76 ح 189. (9) الصقيل: السيف. (10) نفي نقاوة: نظف وحسن وخلص فهو نقي.

[ 216 ]

ذا الفقار يخبرك. فهزه وقال: أليس قد غسلتك الطاهرة من دم الرجس النجس ؟ فأنطق الله السيف فقال: [ نعم ] (1) ولكنك ما قتلت بي أبغض إلى الملائكة من عمرو ابن عبد ود فأمرني ربي، فشربت هذا النقطة من دمه وهو حظي منه، فلا تنتضيني (2) يوما إلا ورأته الملائكة فصلت عليك. (3) 60 - ومنها: ما أخبرنا به أبو منصور شهردار بن شيرويه بن شهردار الديلمي (4) [ قال: حدثنا أبي، قال: ] حدثنا أبو الحسن علي بن أحمد الميداني، حدثنا أبو عمرو محمد بن يحيى حدثنا أبو حفص عمر بن أحمد بن محمد بن عمر [ قال: ] سمعت أبا القاسم الحسن بن محمد المعروف بابن الوفا بالكوفة يقول: كنت بالمسجد الحرام، فرأيت الناس مجتمعين حول مقام إبراهيم، فقلت: ما هذا ؟ قالوا: راهب أسلم. فأشرفت عليه، فإذا أنا بشيخ كبير عليه جبة صوف وقلنسوة صوف، عظيم الخلق، وهو قاعد بحذاء مقام إبراهيم، فسمعته يقول: كنت قاعدا في صومعتي، فأشرفت منها، فإذا طائر كالنسر قد سقط على صخرة على شاطئ البحر، فتقيأ فرمى بربع إنسان، ثم طار، فتفقدته، فعاد فتقيأ فرمى بربع إنسان، ثم طار، ثم جاء فتقيأ بربع إنسان، ثم طار، ثم جاء فتقيأ بربع إنسان ثم طار، فدنت الارباع، فقام رجلا، فهو قائم، وأنا أتعجب منه، ثم انحدر الطير، فضربه وأخذ ربعه فطار، ثم رجع فأخذ ربعه فطار، ثم رجع فأخذ ربعا آخر فطار، ثم رجع فأخذ الربع الآخر. فبقيت أتفكر وتحسرت أن لا أكون لحقته فسألته من هو ؟ فبقيت أتفقد الصخرة


(1) من البحار. (2) نضى السيف وانتضاه: سله. (3) عنه البحار: 20 / 249 ح 18، ومدينة المعاجز: 95 ح 240. (4) هو من ذرية الضحاك بن فيروز الديلمي، سمع من أبيه وغيره، مات سنة 558. تجد ترجمته في سير أعلام النبلاء: 20 / 375 رقم 255.

[ 217 ]

حتى رأيت الطير قد أقبل، فتقيأ بربع إنسان، فنزلت فقمت بازائه، فلم أزل حتى تقيأ بالربع الرابع، ثم طار، فالتأم رجلا فقام قائما. فدنوت منه، فسألته، فقلت: من أنت ؟ فسكت عني، فقلت: بحق من خلقك من أنت ؟ قال: أنا ابن ملجم. فقلت: وأيش (1) عملت ؟ قال: قتلت علي بن أبي طالب، فوكل بي هذا الطير يقتلني كل يوم قتلة (2). فهو يحدثني، إذ انقض الطائر فضربه (3) فأخذ ربعه وطار، فسألت عن علي فقالوا: ابن عم رسول الله [ ووصيه ]. فأسلمت. (4) 61 - ومنها: ما روى مكحول، أن مرحبا اليهودي، قدمته اليهود لشجاعته ويساره، وكان طويل القامة، عظيم الهامة، وما وافقه قرن لعظم خلقه، وكانت له ظئر (5) [ قد ] قرأت الكتب، وكانت تقول له: قاتل كل من قاتلك إلا من يسمى بحيدرة، فإنك إن وقفت له هلكت. فلما


(1) أيش: مخفف " أي شئ ". (2) في بعض المصادر " أربعين قتلة ". (3) " فهذا يخبرني وانقض الطير " م، ه‍. (4) عنه البحار: 42 / 307 ح 7 وعن كشف الغمة: 1 / 434، وعنه مدينة المعاجز: 199 ح 549. ورواه الخوارزمي في مناقبه: 281 بإسناده عن شهردار بن شيرويه الديلمي... مثله، عنه الفصول: المهمة: 759، وحديقة الافراح لازالة الاتراح: 95، ونور الابصار: 120. ورواه الحمويني في فرائد السمطين: 1 / 391. وأخرجه الحضرمي في وسيلة المآل: 157 عن حديقة الافراح، والامرتسري في أرجح المطالب: 656 عن الفصول المهمة وروى نحوه الحلواني في مقصد الراغب: 104 (مخطوط) بإسناده عن أبي الخير بدل ابن أبي عمير يرفعه عن عصمة العباداني، والمناوي في الكواكب الدرية: 1 / 44 عن ابن عساكر، عن عصمة العباد. وأخرجه عن بعض المصادر أعلاه إحقاق الحق: 8 / 759 - 761 وج 18 / 214. (5) أي مرضعة.

[ 218 ]

كثر مناوشته (1)، وبعل (2) الناس بمكانه، شكوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسألوه أن يخرج إليه عليا عليه السلام وكان أرمد، فتفل النبي صلى الله عليه وآله في عينه، فصحت. ثم قال له: " يا علي اكفني مرحبا ". فخرج إليه فلما بصر به مرحب أسرع إليه، فلم يره يعبأ به فتحير، ثم قال: أنا الذي سمتني أمي مرحبا. فقال علي عليه السلام: أنا الذي سمتني أمي حيدرة. فلما سمعها (3) هرب ولم يقف [ خوفا ] (4) مما حذرته ظئره، فتمثل له إبليس وقال: إلى أين ؟ قال: حذرت ممن اسمه حيدرة. قال: أولم يكن حيدرة إلا هذا ؟ حيدرة في الدنيا كثير، فارجع فلعلك تقتله، فإن قتلته سدت قومك (5) وأنا في ظهرك. فما كان إلا كفواق (6) ناقة حتى قتله أمير المؤمنين (7). (8) 62 - ومنها: ما روى الحارث الاعور قال: خرجنا مع علي عليه السلام حتى انتهينا (9) إلى العاقول (10)، فإذا هناك أصل شجرة وقد وقع لحاؤها (11) ويبس عودها.


(1) مناوشته: منازلته. (2) بعل بأمره: تحير فلم يدر ما يصنع. وفي ه‍، س " ثقل " وهو ما استظهره في " م ". (3) " سمع بذكر حيدرة " ط. (4) من الامالي. (5) ساد قومه: صار سيدهم. (6) الفواق: ما بين الحلبتين من وقت وقيل: ما بين فتح يد الحالب وقبضها على الضرع. (7) وفي ذلك يقول الكميت بن يزيد الاسدي (ره) في مدحه لعلي عليه السلام: سقى جرع الموت ابن عثمان بعدما * تعاورها منه وليد ومرحب فالوليد: ابن عتبة، وعثمان: ابن طلحة. (8) عنه البحار: 21 / 9 ح 3، وعن أمالي الطوسي: 1 / 2 بإسناده عن مكحول مفصلا. وأخرجه في غاية المرام: 470 باب 10 ح 3 عن الامالي. (9) " أتينا " ط. (10) العاقول: منعطف الوادي أو النهر. وفي رواية إرشاد القلوب:... إلى العاقول بالكوفة على شاطئ الفرات. (11) اللحاء: قشر الشجرة.

[ 219 ]

فضربها عليه السلام بيده ثم قال: ارجعي باذن الله خضراء ذات ثمر. فإذا هي بأغصانها تهتز، حملها كمثرى، فقطعنا وأكلنا منها وحملنا معنا. فلما كان من الغد عدنا إليها، فإذا هي على حالها خضراء فيها الكمثرى. (1) 63 - ومنها: ما روي [ عن ] الاصبغ بن نباتة [ قال ]: كنا نمشي خلف علي [ بن أبي طالب ] عليه السلام ومعنا رجل من قريش، فقال لامير المؤمنين عليه السلام: قد قتلت الرجال وأيتمت الاولاد (2) وفعلت و (3) فعلت. فالتفت إليه عليه السلام فقال له: اخسأ (4). فإذا هو كلب أسود، فجعل يلوذ به ويبصبص (5) فرأيناه يرحمه (6)، فحرك شفتيه، فإذا هو رجل كما كان. فقال له رجل من القوم: يا أمير المؤمنين أنت تقدر على مثل هذا ويناويك معاوية ؟ فقال: نحن عباد لله مكرمون، لا نسبقه بالقول، ونحن بأمره عاملون. (7) 64 - ومنها: ما روي عن أبي جعفر، عن آبائه عليهم السلام أن الحسين بن علي عليهما السلام قال: كنا قعودا ذات يوم عند أمير المؤمنين عليه السلام وهناك شجرة رمان يابسة، إذ دخل عليه نفر من مبغضيه، وعنده قوم من محبيه فسلموا، فأمرهم بالجلوس.


(1) عنه البحار: 41 / 248 ح 1، وعن بصائر الدرجات: 254 ح 3 بإسناده عن الحارث مثله. وأورده في اثبات الوصية: 151، وثاقب المناقب: 213 (مخطوط). ومناقب آل أبي طالب: 2 / 153، وارشاد القلوب: 278 مرسلا عن الحارث. (2) " الاطفال " س، ط. (3) " ما " البحار. (4) زاد في ه‍ " يا كلب ". (5) البصبصة: تحريك الكلب ذنبه طمعا أو خوفا. (6) يرحمه: يرق له ويشفق عليه. وفي س، ط بلفظ " فرآه فرحمه ". وفي البحار: " فوافاه برحمة ". (7) عنه اثبات الهداة: 4 / 546 ح 194، والبحار: 41 / 199 ح 12. وروى نحوه الخصيبي في الهداية: 124 بإسناده عن جابر الجعفي عن الباقر (ع). وأورد نحوه في ثاقب المناقب: 209 مرسلا عن أبي جعفر عليه السلام.

[ 220 ]

فقال علي عليه السلام: إني أريكم اليوم آية تكون فيكم كمثل المائدة في بني إسرائيل إذ يقول الله * (إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين) * (1). ثم قال: انظروا إلى الشجرة - وكانت يابسة - وإذا هي قد جرى الماء في عودها ثم اخضرت وأورقت وعقدت (2) وتدلى حملها على رؤوسنا، ثم التفت إلينا فقال للقوم الذين هم محبوه: مدوا أيديكم وتناولوا وكلوا. فقلنا: " بسم الله الرحمن الرحيم " وتناولنا وأكلنا رمانا لم نأكل قط شيئا أعذب منه وأطيب. ثم قال للنفر الذين هم مبغضوه: مدوا أيديكم وتناولوا، فمدوا أيديهم فارتفعت وكلما مد رجل منهم يده إلى رمانة ارتفعت، فلم يتناولوا شيئا، فقالوا: يا أمير المؤمنين ما بال أخواننا مدوا أيديهم وتناولوا، وأكلوا، ومددنا أيدينا فلم ننل ؟ فقال عليه السلام: وكذلك الجنة لا ينالها إلا أولياؤنا ومحبونا، ولا يبعد منها إلا أعداؤنا ومبغوضنا. فلما خرجوا قالوا: هذا من سحر علي بن أبي طالب قليل ! قال سلمان: ماذا تقولون " أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون " (3). (4) 65 - ومنها: ما روي عن أبي علي الحسن بن عبد العزيز الهاشمي قال: كانت


(1) سورة المائدة 115. (2) عقد الزهر: انضمت أجزاؤه فصار ثمرا. (3) اقتباس من قوله تعالى في سورة الطور: 15. (4) عنه البحار: 41 / 249 ح 4: وأورده في ثاقب المناقب: 211 عن عبد الله بن عبد الجبار، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن آبائه، عن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، عنه مدينة المعاجز: 57 ح 112. وأورده الرضوي الحائري في كنز المطالب، عنه اثبات الهداة: 5 / 30 ح 359 مختصرا. وروى نحوه الحنفي الترمذي في المناقب المرتضوية: 317، عنه إحقاق الحق 8 / 717

[ 221 ]

الفتنة قائمة بين العباسيين والطالبيين بالكوفة، حتى قتل سبعة عشر [ رجلا ] عباسيا، وغضب الخليفة القادر، واستنهض الملك مشرف الدولة (1) أبا علي حتى يسير إلى الكوفة ويستأصل من بها من الطالبيين، ويفعل كذا وكذا بهم وبنسائهم وبناتهم، وكتب من بغداد هذا الخبر على طيور إليهم، وعرفوهم ما قال القادر، ففزعوا من ذلك وتعلقوا ببني خفاجة. فرأت امرأة عباسية في منامها كأن فارسا على فرس أشهب، وبيده رمح نزل من السماء، فسألت عنه، فقيل لها: هذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يريد أن يقتل من عزم على قتل الطالبيين. فأخبرت الناس فشاع منامها في البلد، وسقط الطائر بكتاب من بغداد بأن الملك مشرف الدولة بات عازما على المسير إلى الكوفة، فلما انتصف الليل مات فجأة وتفرقت العساكر، وفزع القادر. (2) 6 - ومنها: ما روى أبو محمد الصالحي (3) [ قال ]: حدثنا أبو الحسن علي ابن هارون المنجم أن الخليفة الراضي كان يجادلني كثيرا على خطأ علي [ بن أبي طالب ] فيما دبره في أمره مع معاوية. قال: فأوضحت له الحجة أن هذا لا يجوز على علي، وأنه عليه السلام لم (4) يعمل إلا الصواب، فلم يقبل مني هذا القول، وخرج إلينا في بعض الايام ينهانا عن الخوض في مثل ذلك. وحدثنا أنه رأى في منامه كأنه خارج من داره يريد بعض متنزهاته، فرفع إليه رجل قصته (5) ورأسه رأس الكلب، فسأل عنه ؟


(1) " شرف الدولة " بعض النسخ والبحار. (2) عنه البحار: 42 / 1 ح 1. (3) " الصالح " البحار. (4) " لا " س، ط. (5) " قصة " م. " قصير " البحار.

[ 222 ]

فقيل له: هذا الرجل كان يخطئ علي بن أبي طالب عليه السلام. قال: فعلمت أن ذلك كان عبرة لي ولامثالي، فتبت إلى الله. (1) 67 - ومنها: ما روي عن أبي سعيد عقيصا قال: خرجنا مع علي عليه السلام نريد صفين، فمررنا بكربلاء فقال: هذا موضع الحسين عليه السلام وأصحابه. ثم سرنا حتى انتهينا إلى راهب في صومعة، وتقطع (2) الناس من العطش وشكوا إلى علي عليه السلام ذلك، وأنه قد أخذ بهم طريقا لا ماء فيه من البر، وترك طريق الفرات. فدنا من الراهب، فهتف به، وأشرف إليه فقال: أقرب صومعتك ماء ؟ قال: لا. فثنى رأس بغلته، فنزل في موضع فيه رمل، وأمر الناس أن يحفروا هذا الرمل، فحفروا، فأصابوا تحته صخرة بيضاء، فاجتمع ثلاثمائة رجل، فلم يحركوها. فقال عليه السلام: تنحوا فإني صاحبها. ثم أدخل يده اليمنى تحت الصخرة، فقلعها من موضعها حتى رآها الناس على كفه فوضعها ناحية، فإذا تحتها عين ماء أرق من الزلال وأعذب من الفرات، فشرب الناس وسقوا واستقوا وتزودوا، ثم رد الصخرة إلى موضعها وجعل الرمل كما كان. وجاء الراهب فأسلم، وقال: إن أبي أخبرني، عن جده - وكان من حواري عيسى -: إن تحت هذا الرمل عين ماء، وإنه لا يستنبطها إلا نبي أو وصي نبي. وقال لعلي عليه السلام: أتأذن لي أن أصحبك في وجهك هذا ؟ قال عليه السلام: الزمني (3). ودعا له، ففعل، فلما كان ليلة الهرير (4) قتل الراهب فدفنه بيده عليه السلام، وقال:


(1) عنه البحار: 42 / 1 ح 2، ومدينة المعاجز: 200 ح 550. (2) " وقد انقطع " س، ه‍، ط. (3) أي لا تفارقني. (4) ليلة الهرير: وقعة كانت بين علي عليه السلام ومعاوية بظهر الكوفة سنة 37 ه‍.

[ 223 ]

لكأني أنظر إليه، وإلى منزله في الجنة، ودرجته التي أكرمه الله بها. (1) 68 - ومنها: ما روى الشيخ أبو جعفر بن بابويه [ قال: ] حدثنا محمد بن الحسن بن الوليد، حدثنا محمد بن الصفار، حدثنا أحمد بن محمد السجزي (2) حدثنا عثمان بن عفان السجزي قال: خرجت في طلب العلم فدخلت البصرة فصرت إلى محمد بن عباد، صاحب عبادان فقلت: إني رجل غريب أتيتك من بلد بعيد لاقتبس من علمك شيئا. قال: من أين أنت ؟ قلت: من أهل سجستان. قال: من بلد الخوارج ؟ قلت: لو كنت خارجيا ما طلبت علمك. قال: أفلا أخبرك بحديث حسن إذا أتيت بلادك تحدث به الناس ؟ قلت: بلى. قال: كان لي جار من المتعبدين، فرأى في منامه كأنه قد مات وكفن ودفن وقال: مررت بحوض النبي صلى الله عليه وآله وإذ هو جالس على شفير الحوض والحسن والحسين عليهما السلام يسقيان الامة الماء، فاستسقيتهما فأبيا أن يسقياني. فقلت: يا رسول الله إني من أمتك ! قال: وإن قصدت عليا لا يسقيك فبكيت. وقلت: أنا من شيعة علي. قال: لك جار يلعن عليا ولم تنهه. قلت: إني ضعيف ليس لي قوة، وهو من حاشية السلطان. قال: فأخرج النبي سكينا مسلولا وقال: امض واذبحه. فأخذت السكين وصرت إلى داره، فوجدت الباب مفتوحا، فدخلت فأصبته نائما فذبحته، وانصرفت إلى


(1) عنه البحار: 8 / 530 ط. حجر. وروى مثله السيد المرتضى علم الهدى في شرح السيد الحميري عند قوله: ولقد سرى فيما يسير بليلة * بعد العشاء بكربلا في موكب عنه اثبات الهداة: 5 / 83 ح 500. (2) سجز: بكسر أوله، وسكون ثانيه، وآخره زاي: اسم: لسجستان، البلد المعروف في أطراف خراسان، والنسبة إليها سجزى. وفي البحار " السجستي ".

[ 224 ]

النبي صلى الله عليه وآله وقلت: قد ذبحته وهذه السكين ملطخة بدمه. قال: هاتها، ثم قال للحسن (1) عليه السلام: اسقه [ ماء ] (2). فلما أضاء الصبح سمعت صراخا (3) " فسألت عنه فقيل: إن فلانا وجد على فراشه مذبوحا، فلما كان بعد ساعة قبض أمير البلد على جيرانه، فدخلت عليه وقلت: أيها الامير إتق الله، إن القوم براء، وقصصت عليه الرؤيا، فخلى عنهم. (4) 69 - ومنها: ما روى جويرية بن مسهر قال: أقبلت مع علي عليه السلام من النهروان فلما صرنا في أرض بابل (5) حضر وقت الصلاة، فقال: أيها الناس إن هذه أرض ملعونة قد خسف بها مرتين من الدهر، وهي إحدى المؤتفكات (6)، وهي أول أرض عبد فيها وثن، ولا ينبغي لنبي ولا لوصي أن يصلي فيها، وضرب بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسار. قال: فتبعته فو الله ما عبر سورا حتى غربت الشمس وظهر الليل فالتفت إلي فقال: يا جويرية صليت ؟ قلت: نعم. فنزل وأذن وتنحى عني فأحسبه توضأ، ثم دعا بكلام حسبته بالعبرانية أو من التوراة، فإذا الشمس قد بدت راجعة حتى استقرت في موضعها من الزوال، فقام يصلي، وصليت معه الظهر والعصر بأذان وإقامتين، فلما قضينا صلاة العصر هوت الشمس وصرنا في الليل. ثم قال: يا جويرية إن الله يقول: " فسبح باسم ربك العظيم " (7) وإني دعوت


(1) " للحسين " البحار. (2) من البحار. (3) هكذا في البحار، وفي " الاصل " صارخا (4) عنه البحار: 42 / 2 ح 3. (5) بابل: اسم ناحية منها الكوفة والحلة. قلت: والمشهور بهذا الاسم المدينة الخراب بقرب الحلة، وإلى جانبها قرية تسمى الآن بابل، عامرة. (مراصد الاطلاع: 1 / 145). (6) المؤتفكات: المدن التي أبادها الله وقلبها على أهلها. (7) سورة الواقعة: 74. (*)

[ 225 ]

لله باسمه العظيم فرد لي الشمس كما رأيت. (1) 70 - ومنها: ما روي عن أبي حمزة، عن علي بن الحسين، عن أبيه عليهما السلام قال: لما أراد علي أن يسير إلى النهروان (2)، استنفر أهل الكوفة وأمرهم أن يعسكروا بالمدائن (3) فتأخر عنه شبث بن ربعي، وعمرو بن حريث، والاشعث بن قيس


(1) رواه الصفار في بصائر الدرجات: 217 - 219 ح 1 و 3 و 4 بثلاثة طرق إلى جويرية ابن مسهر، عنه البحار: 41 / 178 ح 13 و 14، ومستدرك الوسائل: 3 / 350 ح 4. ورواه الصدوق في علل الشرائع: 352 ح 4، عنه الوسائل: 3 / 468 ح 3، واثبات الهداة: 4 / 484 ح 80، والبحار: 83 / 317 ح 10 وعن البصائر. ورواه في من لا يحضره الفقيه: 1 / 203 ح 611، عنه الوسائل المذكور ح 1 و 2 واثبات: 4 / 445 ح 18 وعن العلل والبصائر. ورواه في الهداية الكبرى: 122 بالاسناد عن جويرية. وأورده في أثبات الوصية: 150 مرسلا. وأخرجه في البحار: 41 / 167 ح 3 عن العلل والبصائر والروضة: 30 ح 17 عن الحسين عليه السلام، الفضائل لشاذان: 68. وأخرجه أيضا في مدينة المعاجز: 19 ح 42 عن الفقيه والبصائر وتأويل الآيات: 2 / 720 ح 17 وثاقب المناقب: 219. وأخرجه في اثبات الهداة: 5 / 14 ح 317 عن عيون المعجزات: 7. وأخرجه في غاية المرام: 631 ح 13 عن خصائص أمير المؤمنين: 24. وأخرجه في إحقاق الحق: 5 / 537 عن نصر بن مزاحم في " صفين ": 152 بإسناده عن عبد خير. وعن ابن حسنويه في در بحر مناقب: 117 - 118 بإسناده عن الحسين بن علي عليه السلام. وعن القندوزي في ينابيع المودة: 318 عن الحسين بن علي " ع ". (2) النهراون: وهي ثلاثة نهروانات: الاعلى والاوسط والاسفل، وهي كورة واسعة بين بغداد وواسط من الجانب الشرقي... وكان بها وقعة لامير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه مع الخوارج مشهورة. " معجم البلدان: 5 / 324 ". (3) المدائن: جمع مدينة، وإنما سميت بذلك لانها كانت مدنا، كل واحدة منها إلى جنب الاخرى... وفي وقتنا هذا: بليدة صغيرة في الجانب الغربي من دجلة " مراصد الاطلاع 3 / 1243 ".

[ 226 ]

وجرير بن عبد الله البجلي، وقالوا: أتأذن لنا أياما نتخلف عنك في بعض حوائجنا ونلحق بك ؟ فقال لهم: قد فعلتموها، سوءة لكم من مشايخ، فو الله ما لكم من حاجة تتخلفون عليها، وإني لاعلم ما في قلوبكم وسأبين لكم: تريدون أن تثبطوا عني الناس، وكأني بكم بالخورنق (1) وقد بسطتم سفركم للطعام، إذ يمر بكم ضب فتأمرون صبيانكم فيصيدونه، فتخلعوني وتبايعونه. ثم مضى إلى المدائن وخرج القوم إلى الخورنق وهيأوا طعاما، فبينا هم كذلك على سفرتهم وقد بسطوها إذ مر بهم ضب فأمروا صبيانهم فأخذوه وأوثقوه ومسحوا أيديهم على يده كما أخبر علي عليه السلام، وأقبلوا على المدائن. فقال لهم أمير المؤمنين عليه السلام: بئس للظالمين بدلا، ليبعثكم الله يوم القيامة مع إمامكم الضب الذي بايعتم، لكأني أنظر إليكم يوم القيامة وهو يسوقكم إلى النار. ثم قال: لئن كان مع رسول الله منافقون فإن معي منافقين. أما والله يا شبث ويا بن حريث لتقاتلان ابني الحسين، هكذا أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله. (2) 71 - ومنها: روي أن عليا عليه السلام لما سار إلى النهروان، شك رجل يقال له: جندب فقال له علي عليه السلام: الزمني ولا تفارقني. فلزمه فلما دنوا من قنطرة النهروان نظر [ علي ] عليه السلام قبل زوال الشمس إلى قنبر يؤذن بالصلاة وقال: إئتني بماء فقعد يتوضأ فأقبل فارس وقال: قد عبر القوم.


(1) الخورنق: موضع بالكوفة، قيل: انه نهر، والمعروف أنه القصر القائم إلى الآن بالكوفة بظاهر الحيرة " مراصد الاطلاع ": 1 / 489 ". (2) عنه البحار: 8 / 610 " ط حجر ". رواه في الهداية الكبرى: 42 بإسناده إلى أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام، عنه مدينة المعاجز: 193 ح 533. يأتي نحوه في الباب الخامس في الدلالات على صحة امامة الاثنى عشر ح 64 عن الاصبغ ابن نباتة.

[ 227 ]

فقال أمير المؤمنين عليه السلام: ما عبروا، ولا يعبرونها، ولا يفلت منهم إلا دون العشرة ولا يقتل منكم إلا دون العشرة، والله ما كذبت ولا كذبت. فتعجب الناس. فقال جندب: إن صح ما قال علي فلا أحتاج إلى دليل غيره. فبينا هم كذلك إذ أقبل فارس، فقال: يا أمير المؤمنين القوم على ما ذكرت لم يعبروا القنطرة. فصلى بالناس الظهر، وأمرهم بالمسير إليهم. قال جندب فقلت: لا يصل إلى القنطرة قبلي أحد فركضت فرسي فإذا هم دون القنطرة وقوف (1)، فكنت أول من رمى فقتلوا كلهم إلا تسعة، وقتل من أصحابنا تسعة. ثم قال علي عليه السلام: اطلبوا ذا الثدية (2). فطلبوه فلم يجدوه، فقال: اطلبواه فو الله ما كذبت ولا كذبت. ثم قام فركب البغلة نحو قتلى كثير، فقال: اقلبوها. فاستخرجوا ذا الثدية، فقال: الحمد لله الذي عجلك إلى النار. وقد كان الخوارج قبل ذلك خرجوا عليه بجانب الكوفة في حروراء (3)، وكانوا إذ ذاك إثني عشر ألفا. فقال: فخرج إليهم أمير المؤمنين في إزار ورداء راكبا البغلة، فقيل: القوم شاكون في السلاح، أتخرج إليهم كذلك ؟ قال: إنه ليس بيوم قتالهم، وصار إليهم بحروراء وقال لهم: ليس اليوم أوان قتالكم، وستفترقون حتى تصيرون أربعة آلاف، فتخرجون علي في مثل هذا اليوم، في هذا الشهر، فأخرج إليكم بأصحابي فاقاتلكم حتى


(1) " وفرق " م. (2) " ذو الثدية " لقب رجل من الخوارج، اسمه ثرملة، قتل يوم النهروان، فمن قال في الثدي: انه مذكر، يقول: إنما أدخلوا الهاء في التصغير لان معناه اليد وهي مؤنثة، وذلك أن يده كانت قصيرة مقدار الثدي، يدل على ذلك أنهم كانوا يقولون فيه " ذو اليدية " مجمع البحرين: 1 / 72. (3) الحر وراء: قرية بظاهر الكوفة، وقيل: موضع على ميلين منها نزل بها الخوارج الذين خالفوا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقيل... وبها كان أول تحكيمهم واجتماعهم حين خالفوا عليه. معجم البلدان: 2 / 245.

[ 228 ]

لا يبقى منكم إلا دون عشرة ويقتل من أصحابي يومئذ دون عشرة، هكذا أخبرني رسول الله. فلم يبرح من مكانه حتى تبرأ بعضهم من بعض، وتفرقوا إلى أن صاروا أربعة آلاف بالنهروان (1). 72 - ومنها: ما روي عن قنواء بنت رشيد الهجري: سمعت أبي يقول: قال لي علي حبيبي: كيف صبرك إذا أرسل إليك دعي بني أمية، فقطع يديك ورجليك ولسانك ؟ فقلت: ألست معك في الجنة ؟ قال: بلى. قالت: ما أبالي. قالت: فما ذهبت الايام حتى بعث عبيد الله بن زياد، فدعاه إلى البراءة من علي، فأبى عليه، فقال الدعي: اختر أي قتلة شئت. فقال: قال علي عليه السلام: إنك تقطع يدي ورجلي ولساني. قال: لاكذبن أبا تراب، اقطعوا يديه ورجليه واتركوا لسانه. قالت: فحضرت قطعه وهو يتبسم، فقلت ما تجد ألما ؟ قال: لا. فلما أخرجناه من القصر وحوله زحمة من الناس. فقال لهم رشيد: اكتبوا عني علم البلايا والمنايا. فكتبوا: هذا ما عهد النبي الامي إلى علي في بني أمية وما ينزل بهم. فأخبر الدعي بذلك، فقال: اقطعوا لسانه. فأتوه بحجام فقطعوا لسانه، فكان رشيد


(1) عنه البحار: 8 / 610 " ط حجر ". روى نحوه السيد الرضي في خصائص أمير المؤمنين: 28 بإسناده مرفوع إلى جندب بن عبد الله البجلي، عنه مدينة المعاجز: 118 ح 316. وأورد نحوه الديلمي في إرشاد القلوب: 225 مرسلا: عنه البحار: 41 / 284 ح 3. وابن شهر اشوب في مناقبه: 2 / 104 مرسلا. عنه البحار: 41 / 312. وفي كشف الغمة: 1 / 274 قطعة.

[ 229 ]

يقول للرجل: تموت يوم كذا، وللآخر تقتل يوم كذا، فيكون كما قال (1). 73 - ومنها: ما وري عن يوسف بن عمران، عن ميثم التمار (2)، دعاني أمير المؤمنين عليه السلام يوما، فقال: كيف بك إذا دعاك دعي بني أمية إلى البراءة مني ؟ ! قلت: لا أبرأ منك. قال: إذا والله يقتلك ويصلبك. قلت: أصبر، وذلك عندي في الله قليل. قال: إذا تكون معي في الجنة. فكان ميثم يقول لعريف قومه: كأني بك وقد دعاك دعي بني أمية يطلبني منك، فتقول: هو بمكة، فيقول: لابد من أن تأتيني به من حيث كان، فتخرج إلى القادسية (3) فتقيم بها إلى أن أقدم عليك من مكة، فتذهب بي إليه، فيقول لي: تبرأ من أبي تراب. فأقول: لا [ والله ] ولا كرامة، فيصلبني على باب عمرو بن حريث، فإذا كان في


(1) عنه البحار: 42 / 136 ح 17، وعن الاختصاص: 72، ورجال الكشي: 75 ح 131 وأخرجه في البحار: 75 / 433، عن رجال الكشي، وفي مستدرك الوسائل: 12 / 273 ح 10 عن الاختصاص. ورواه الطوسي في أماليه: 1 / 167، عنه المحتضر: 86، وعنه البحار: 42 / 121 ح 1 وإثبات الهداة: 4 / 491 ح 87 ومدينة المعاجز: 120 ح 322. ورواه الخصيبي في الهداية الكبرى: 131. والطبري في بشارة المصطفى: 93 عن ابن الشيخ الطوسي، عن أبيه، جميعا بإسنادهم إلى قنواء بنت رشيد الهجري. ورواه الثقفي في كتاب الغارات: 2 / 799 بإسناده إلى زياد بن النضر الحارثي عنه شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 2 / 294. وأخرجه عن شرح النهج البحار: 41 / 343 و 345 وإحقاق الحق: 8 / 56 نحوه. (2) " عمران عن، أبيه ميثم " الاصل. وما في المتن كما في ط، خ ورجال الكشي والهداية. (3) القادسية: قرية قرب الكوفة، من جهة البر، بينها وبين الكوفة خمسة عشر فرسخا وبينها وبين العذيب أربعة أميال " مراصد الاطلاع: 3 / 1054 ".

[ 230 ]

اليوم الرابع ابتدر الدم من منخري. فكان كذلك. فلما صلب، قال ميثم للناس: سلوني فو الله لاخبرنكم بما يكون من الفتن ومخازي بني أمية. فلما حدثهم حديثا واحدا، بعث إليه الدعي فألجمه بلجام من شريط (1) فكان ميثم أول من ألجم وهو مصلوب. (2) 74 - ومنها: أن الفرات مد (3) على عهد علي عليه السلام فقال الناس: نخاف الغرق فركب وصلى على الفرات، فمر بمجلس ثقيف فغمز عليه بعض شبابهم فالتفت إليهم وقال: يا بقية ثمود يا صعار الخدود (4) هل أنتم إلا طغام (5) لئام ؟ من لي بهؤلاء الاعبد (6) ؟ فقال مشائخ منهم: إن هؤلاء شباب جهال، فلا تأخذنا بهم، اعف عنا. فقال: لا أعفو عنكم إلا على أن أرجع وقد (7) هدمتم هذه المجالس، وسددتم


(1) الشريط: خوص مفتول بشرط به السرير ونحوه. (2) عنه الوسائل: 11 / 477 ح 7، والبحار: 42 / 130 ح 13. عن رجال الكشي: 83 ح 139، وأخرجه في البحار: 75 / 433 عن رجال الكشي. ورواه الخصيبي في الهداية الكبرى: 132. والثقفي في الغارات: 2 / 797. بإسناده إلى أحمد بن الحسن الميثمي عنه شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 2 / 291 وأخرجه في البحار: 8 / 731 " ط حجر " وج: 41 / 343 وإحقاق الحق: 8 / 158 عن شرح النهج. وأورده الشريف الرضي في خصائص أمير المؤمنين: 22 عن ابن ميثم، عنه مدينة المعاجز 119 ح 321. (3) مد النهر أو البحر: زاد ماؤه. (4) هكذا في البحار، وفي الاصل: يا صغار الخدود وصعر خده: أماله عجبا وكبرا. (5) الطغام: أراذل الناس وأوغادهم. (6) الاعبد واحدها العبد: الرقيق. (7) هكذا في البحار: وفي الاصل: الا على ألا أرجع " أن رجع " إلا وقد.

[ 231 ]

كل كوة، وقلعتم كل ميزاب، وطميتم (1) كل بالوعة على الطريق، فإن هذا كله في طريق المسلمين، وفيه أذى لهم. فقالوا: نفعل. فمضى وتركهم، ففعلوا ذلك كله. فلما صار إلى الفرات دعا، ثم قرع (2) الفرات قرعة فنقص ذراع. فقالوا: يا أمير المؤمنين هذه رمانة قد جاء بها الماء، وقد احتبست على الجسر من كبرها وعظمها، فاحتملها، وقال: هذه رمانة من رمان الجنة، ولا يأكل ثمار الجنة في الدنيا إلا نبي أو وصي نبي، ولولا ذلك لقسمتها بينكم (3). 75 - ومنها: ما روي عن أبي هاشم الجعفري، عن أبيه، عن الصادق عليه السلام قال: لما فرغ علي عليه السلام من وقعة صفين، وقف على شاطئ الفرات وقال: أيها الوادي من أنا ؟ فاضطرب وتشققت (4) أمواجه، وقد نظر الناس وقد سمعوا من الفرات صوتا (5): أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأن عليا (6) أمير المؤمنين حجة الله على خلقه (7). 76 - ومنها: ما روي عن عبيد، عن السكسكي (8)، عن أبي عبد الله عليه السلام عن


(1) طمستم " البحار ". (2) قرع: ضرب. (3) عنه البحار: 41 / 250 ح 6. ورواه الخصيبي في الهداية الكبرى: 150 بإسناده إلى أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام وأورد ذيله في مدينة المعاجز: 56 ح 17 ذيله. (4) " وتشقشقت " م، ط. (5) " أصواتا " البحار. (6) " وأشهد أن محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وأن عليا ولي الله " البحار. (7) عنه البحار: 8 / 531، وج: 41 / 251 ح 7. (8) " سكيكي " ه‍. " السكيكي " خ ط. " عبد الله بن السكسكي " البحار: 8. " عبيد السكسكي " مشارق. ولم نعثر له على ترجمته في كتب الرجالا التي عندنا.

[ 232 ]

آبائه عليهم السلام أن عليا عليه السلام لما قدم من صفين، وقف على شاطئ الفرات، ثم انتزع من كنانته (1) سهاما، ثم أخرج منها قضيبا أصفر، فضرب به الفرات. فقال عليه السلام: انفجري. فانفجرت إثنتا عشر عينا كل عين كالطود (2)، والناس ينظرون إليه، ثم تكلم بكلام لم يفهموه، فأقبلت الحيتان رافعة رؤوسها بالتهليل والتكبير، وقالت: السلام عليك يا حجة الله في أرضه، ويا عين الله في عباده، خذلك قومك بصفين كما خذل هارون (3) بن عمران قومه. فقال لهم: أسمعتم ؟ قالوا: نعم قال: فهذا آية لي عليكم، وقد أشهدتكم عليه (4). 77 - ومنها: ما روي عن سلمان الفارسي أن عليا عليه السلام بلغه عن عمر ذكر لشيعته (5) فاستقبله في بعض طرقات بساتين المدينة وفي يد علي عليه السلام قوس عربية. فقال علي: يا عمر بلغني ذكر لشيعتي عنك (6). فقال: ارجع علي ظلعك (7). قال علي: إنك لها هنا ؟ ثم رمى بالقوس إلى (8) الارض، فإذا هي ثعبان كالبعير، فاغر فاه (9) وقل أقبل نحو عمر ليبتلعه. فصاح عمر: الله الله يا أبا الحسن لا عدت بعدها في شئ. وجعل يتضرع إليه فضرب علي يده إلى (10) الثعبان، فعادت القوس كما كانت، فمضى (11) عمر إلى بيته مرعوبا.


(1) الكنانة: جعبة من جلد أو خشب تجعل فيها السهام. (2) الطود: الجبل العظيم. (3) " موسى " ه‍، م خ. (4) عنه البحار: 8 / 532 (ط. حجر)، وج: 41 / 251، وأورده البرسي في مشارق أنوار اليقين: 78 ومدينة المعاجز: 99 ح 263. (5) " شيعته " ط، البحار. (6) " بلغني عندك ذكرك شيعتي " ه‍، ط، البحار. (7) اربع على ظلعك: ارفع على نفسك فيما تحاوله. (8) " على " ط، البحار. (9) فاغر فاه: فاتح فمه. (10) " بيده " " يده " على خ ط. (11) " فمر " م، ه‍، البحار.

[ 233 ]

قال سلمان: فلما كان في الليل دعاني علي عليه السلام فقال: صر إلى عمر فإنه حمل إليه مال من ناحية المشرق، ولم يعلم به أحد، وقد عزم أن يحتبسه، فقل له: يقول لك علي: أخرج ما حمل إليك من المشرق (1)، ففرقه على من جعل لهم ولا تحبسه فأفضحك. قال سلمان: وأديت إليه الرسالة (2). فقال: حيرني أمر صاحبك فمن أين علم هو به ؟ قلت: وهل يخفى عليه مثل هذا. فقال: يا سلمان (3) اقبل مني ما أقول لك: ما علي إلا ساحر وإني لمشفق عليك منه، والصواب أن تفارقه وتصير (4) في جملتنا. قلت: بئس ما قلت، لكن عليا قد ورث من آثار (5) النبوة ما قد رأيت منه وما هو أكبر منه (6). قال: إرجع إليه فقل له: السمع والطاعة لامرك، فرجعت إلى علي عليه السلام فقال: أحدثك بما جرى بينكما ؟ فقلت: أنت أعلم به مني، فتكلم بكل ما (7) جرى بيننا، ثم قال: إن رعب الثعبان في قلبه إلى أن يموت (8). 78 - ومنها: أنه عليه السلام قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله [ في منامي ] وهو يمسح الغبار عن وجهي وهو يقول: يا علي لا عليك: لا عليك قد قضيت ما عليك، فما مكث إلا ثلاثا (9) حتى ضرب. وقال: رأيت رسول الله في منامي فشكوت إليه ما لقيت من أمته (10) من الاود


(1) " اخرج إليك مال من ناحية المشرق " البحار. (2) " فمضيت إليه وأديت الرسالة " ه‍، ط. (3) " لسلمان " البحار. (4) " وتقر " ط. (5) " أسرار " ط، البحار. (6) " وعنده (ما هو) أكثر مما رأيت منه " ط. (7) " بما " ط خ. (8) البحار: 8 / 82 " ط. حجر "، وج: 41 / 256 ح 17، ومدينة المعاجز: 200 ح 551، واثبات الهداة: 4 / 547 ح 195. وأورد نحوه في ثاقب المناقب 119، عند مدينة المعاجز: 79 ح 198. (9) " ثلاثة أيام " ط. (10) " من بني أمية " البحار.

[ 234 ]

واللدد (1)، وبكيت، فقال: لا تبك. والتفت فإذا رجلان مصفدان (2)، وإذا جلاميد ترضح (3) بها رؤوسهما. ثم قال للحسن والحسين عليهما السلام: إذا مت فاحملاني إلى الغري (4) من نجف الكوفة واحملا آخر سريري، فالملائكة يحملون أوله. وأمرهما أن يدفناه هناك ويعفيا قبره. لما يعلمه من دولة (5) بني أمية بعده. وقال: ستريان صخرة بيضاء تلمع نورا. فاحتفرا فوجدا ساجة (6) مكتوبا عليها: مما أدخرها (7) نوح لعلي بن أبي طالب عليه السلام. [ ففعلا ما أمرهما به ]، فدفناه فيه وعفيا أثره. ولم يزل قبره مخفيا حتى دل عليه جعفر بن محمد عليهما السلام في أيام الدولة العباسية وقد خرج هارون الرشيد يوما يتصيد، وأرسلوا الصقور والكلاب على الظباء بجانب الغريين فجاولتها (8) ساعة، ثم لجأت الظباء إلى الاكمة (9) فرجع الكلاب والصقور عنها فسقطت [ في ] ناحية، ثم هبطت الظباء من الاكمة فهبطت الصقور والكلاب ترجع إليها، فتراجعت الظباء إلى الاكمة فانصرفت عنها الصقور والكلاب، ففعلوا ذلك ثلاثا.


(1) الاود: الكذب والتعب. واللدد: الخصومة الشديدة. (2) صفده صفدا: أوثقه وقيده بالحديد. (3) الجلمد جمع جلاميد: الصخر. ورضح رأسه بالحجر: رضه. (4) الغريان تثنية الغرى: طربالان وهما بناءان كالصومعتين بظهر الكوفة قرب قبر علي ابن أبي طالب عليه السلام. (معجم البلدان: 4 / 196). (5) " لما يعلمه من فعل " ط، ه‍. (6) الساج: شجر عظيم صلب الخشب، جمعها سيجان، والواحدة: ساجة. (7) " هذا مما ادخره " ط، ه‍. (8) جاوله: طارده وصاوله. وفي خ ط " فحاولتها ". وفي البحار " فجادلتها ". (9) الاكمة: التل.

[ 235 ]

فتعجب هارون [ الرشيد من ذلك ] وسأل شيخا (1) من بني أسد: ما هذه الاكمة ؟ فقال: لي الامان ؟ قال: نعم. قال: فيها قبر علي بن أبي طالب عليه السلام. فتوضأ هارون وصلى ودعا. ثم (2) أظهر الصادق عليه السلام موضع قبره بتلك الاكمة (3).


(1) " شخصا " ط. (2) " فعند ذلك " ط، ه‍. (3) عنه البحار: 42 / 222 ح 33، واثبات الهداة: 4 / 547 ح 196، ومدينة المعاجز: 200 ح 552. وروى قطعة منه في ارشاد المفيد: 20 بإسناده عن حيان بن علي العنزي، عن مولى لعلي بن أبي طالب عليه السلام، عنه اثبات الهداة: 4 / 582 ح 365 والبحار: 42 / 217 ح 19، وعن فرحة الغري: 36. وروى قطعة منه في ارشاد المفيد: 21 بإسناده عن عبد الله بن حازم، عنه البحار: 42 / 329 ح 16 وعن فرحة الغري: 119. وأورده في روضة الواعظين: 165 مرسلا، وفي اعلام الورى: 202 عن حيان بن علي العنزي، عنه مدينة المعاجز: 174 ح 487 وعن ارشاد المفيد. وأورده في ارشاد القلوب: 235 مرسلا.

[ 236 ]

الباب الثالث في معجزات الامام الحسن بن علي أمير المؤمنين عليهما السلام 1 - روى محمد بن إسحاق قال: إن أبا سفيان جاء إلى المدينة لاخذه تجديد العهد من رسول الله صلى الله عليه وآله فلم يقبل: فجاء إلى علي عليه السلام، قال: هل لابن عمك أن يكتب لنا أمانا ؟ فقال: إن النبي صلى الله عليه وآله عزم على أمر لا يرجع فيه أبدا. وكان الحسن بن علي عليهما السلام ابن أربعة عشر شهرا (1)، فقال بلسان عربي مبين: " يا ابن صخر قل: لا إله إلا الله محمد رسول الله، حتى أكون لك شفيعا إلى جدي رسول الله صلى الله عليه وآله ". فتحير أبو سفيان. فقال علي عليه السلام: " الحمد لله الذي جعل في ذرية محمد نظير يحيى بن زكريا " - وكان الحسن عليه السلام يمشي في تلك الحالة (2) -. 2 - روي أن عمرو بن العاص قال لمعاوية: إن الحسن بن علي رجل حيي (3) وإنه إذا صعد المنبر ورمقوه [ الناس ] بأبصارهم خجل وانقطع، لو أذنت له. فقال له معاوية: يا أبا محمد لو صعدت المنبر وعظتنا.


(1) كذا في المناقب، وفي الاصل " أربعة أشهر ". (2) أورد نحوه في مناقب آل أبي طالب: 3 / 173، عنه البحار: 43 / 326 ح 6، وعوالم العلوم: 16 / 85 ح 1، واثبات الهداة: 5 / 164 ح 45. (3) " عى " البحار.

[ 237 ]

فقام (1) فحمد الله، وأثنى عليه، وذكر جده فصلى عليه ثم قال: [ أيها الناس ] من عرفني قد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي [ بن أبي طالب ]، وابن سيدة النساء فاطمة بنت رسول الله، أنا ابن رسول الله، أنا ابن نبي الله، أنا ابن السراج المنير، أنا ابن البشير النذير، أنا ابن من بعث رحمة للعالمين، أنا ابن من بعث إلى الجن والانس، أنا ابن خير خلق الله بعد رسول الله، أنا ابن صاحب الفضائل، أنا ابن صاحب المعجزات والدلائل، أنا ابن أمير المؤمنين، أنا المدفوع عن حقي (2) أنا وأخي سيدا شباب أهل الجنة، أنا ابن الركن والمقام، أنا ابن مكة ومنى، أنا ابن المشعر وعرفات. فغاظ (3) معاوية فقال: خذ في نعت الرطب ودع ذا. فقال: الريح تنفخه، والحر ينضجه، وبرد الليل يطيبه. ثم عاد فقال: أنا ابن الشفيع المطاع، أنا ابن من قاتلت معه الملائكة، أنا ابن من خضعت له قريش، أنا [ ابن ] إمام الخلق وابن محمد رسول الله. فخشي معاوية أن يفتتن به الناس، فقال: يا أبا محمد أنزل، فقد كفى ما جرى. فنزل، فقال له معاوية: ظننت أن ستكون خليفة، وما أنت وذاك. فقال الحسن: إنما الخليفة من سار بكتاب الله وسنة رسوله، ليس الخليفة من سار بالجور، وعطل السنن، واتخذ الدنيا أبا وأما، ملك ملكا متع فيه قليلا، ثم تنقطع لذته، وتبقى تبعته. وحضر المحفل رجل من بني أمية وكان شابا، فأغلظ للحسن كلامه، وتجاوز الحد في السب والشتم له ولابيه. فقال الحسن: اللهم غير ما به من النعمة، واجعله أنثى ليعتبر به، فنظر الاموي


(1) " فقام فصعد المنبر " س، ط (2) " حقه " ط، ه‍. (3) " فاغتاظ " البحار.

[ 238 ]

في نفسه وقد صار امرأة، قد بدل الله له فرجه بفرج النساء، وسقطت لحيته. فقال له الحسن: أغربي ! مالك ومحفل (1) الرجال فإنك إمرأة. ثم إن الحسن عليه السلام سكت ساعة، ثم نفض ثوبه فنهض ليخرج. فقال [ له ] ابن العاص: اجلس فإني أسألك عن مسائل. قال عليه السلام: سل عما بدا لك. قال عمرو: أخبرني عن الكرم والنجدة والمروة. فقال: أما الكرم فالتبرع بالمعروف، والاعطاء قبل السؤال، وأما النجدة فالذب عن المحارم، والصبر في المواطن عند المكاره، وأما المروة فحفظ الرجل دينه، وإحرازه نفسه من الدنس، وقيامه بأداء الحقوق، وإفشاء السلام. فخرج، فعذل (2) معاوية عمرا، فقال: أفسدت أهل الشام. فقال عمرو: إليك عني إن أهل الشام لم يحبوك محبة [ إيمان و ] دين، إنما أحبوك للدنيا يناولونها منك، والسيف والمال بيدك، فما يغني عن الحسن كلامه. ثم شاع أمر الشاب الاموي وأتت زوجته إلى الحسن عليه السلام فجعلت تبكي وتتضرع فرق لها، ودعا له (3) فجعله الله كما كان. (4) 3 - ومنها: [ ما روي عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام ] أن الحسن عليه السلام قال [ يوما ] لاخيه الحسين ولعبدالله بن جعفر: إن معاوية قد بعث إليكم بجوائزكم وهي تصل إليكم يوم كذا لمستهل الهلال. وقد أضاقا (5) فوصلت في الساعة


(1) " ولمحفل " م. (2) عذل: لام. (3) " وخرجت من داره زوجته فأتى إلى الحسن يبكي ويتضرع عند الحسن عليه السلام فرق له " م. (4) عنه البحار: 44 / 88 ح 2، ومدينة المعاجز: 231 ح 99. وروى أبو الفرج الاصفهاني في مقاتل الطالبيين: 47 بإسناده إلى إسماعيل بن عبد الرحمان، قطعة نحوه (5) أضاق: صار في ضيق، أو فقد ماله وافتقر.

[ 239 ]

التي ذكر لما كان (1) رأس الهلال، فلما وافاهم المال كان على الحسن عليه السلام دين كثير فقضاه مما بعثه إليه، وفضلت فضلة ففرقها في أهل بيته ومواليه، وقضى الحسين عليه السلام أيضا دينه، وقسم ثلث ما بقي في أهل بيته ومواليه، وحمل الباقي إلى عياله. وأما عبد الله فقضى دينه، وما فضل (2) دفعه إلى الرسول ليتعرف (3) معاوية من الرسول ما فعلوا، فبعث إلى عبد الله أمولا حسنة (4). 4 - ومنها: ما روي عن صندل (5) عن أبي أسامة، عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام أن الحسن عليه السلام خرج إلى مكة ماشيا من المدينة، فتورمت قدماه فقيل له: لو ركبت لسكن عنك هذا الورم. فقال: كلا، ولكنا إذا أتينا المنزل، فإنه يستقبلنا أسود معه دهن يصلح لهذا الورم، فاشتروا منه ولا تماكسوه (6). فقال له بعض مواليه: ليس أمامنا منزل فيه أحد يبيع مثل هذا الدواء ؟ فقال: بلى إنه أمامنا. وساروا أميالا (7) فإذا الاسود قد استقبلهم. فقال الحسن لمولاه: دونك الاسود، فخذ الدهن منه بثمنه. فقال الاسود: لمن تأخذ هذا الدهن ؟ قال: للحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام. قال: انطلق بي إليه.


(1) " الوقت الذي ذكره رأس الهلال " ط. (2) " وما بقى " س، ط، ه‍. (3) " فتعرف " م. (4) عنه البحار: 43 / 323 ح 2، وعوالم العلوم: 16 / 90 ح 4، وأخرجه في إثبات الهداة: 5 / 160 ح 8 عن صاحب كتاب مناقب فاطمة وولدها عليهم السلام بإسناده إلى عنبسة بن مصعب عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) صندل: عده الشيخ الطوسي في رجاله: 352 من أصحاب الامام الكاظم عليه السلام. انظر جامع الرواة: 1 / 417، رجال المامقاني: 2 / 102 ورجال السيد الخوئي: 9 / 145. وفي م " مندل بن أبي أسامة "، وفي ط " صندل بن أسامة " وكلاهما تصحيف. (6) تماكس الرجلان في البيع: تشاحا. (7) " ميلا " م.

[ 240 ]

فصار الاسود إليه، فقال: يا ابن رسول الله إني مولاك لا آخذ له ثمنا، ولكن ادع الله أن يرزقني ولدا سويا ذكرا يحبكم أهل البيت فإني خلفت امرأتي تمخض (1). فقال: انطلق إلى منزلك. فإن الله تعالى قد وهب لك ولدا ذكرا سويا. فرجع الاسود من فوره فإذا امرأته قد ولدت غلاما سويا، ثم رجع الاسود إلى الحسن عليه السلام ودعا له بالخير بولادة الغلام له، وإن الحسن قد مسح رجليه بذلك الدهن فما قام من موضعه حتى زال الورم. (2) 5 - ومنها: ما روي أن فاطمة أتت رسول الله صلى الله عليه وآله تبكي وتقول: إن الحسن والحسين خرجا ولا أدري أين هما ؟ فقال: طيبي نفسا، فهما في ضمان الله حيث كانا. فنزل جبرئيل، وقال: هما نائمان في حائط (3) بني النجار متعانقين، وقد بعث الله ملكا قد بسط جناحا تحتهما، وجناحا فوقهما. فخرج رسول الله وأصحابه معه فرأوهما، وحية كالحلقة حولهما، فأخذهما رسول الله على منكبيه، فقالوا: نحملهما عنك ؟ قال: نعم المطية مطيتهما، ونعم الراكبان هما، وأبوهما خير منهما. (4)


(1) مخضت الحامل: دنا ولادها، وأخذها الطلق. (2) عنه البحار: 43 / 324 ح 3، وعن الكافي: 1 / 463 ح 6 بإسناده عن أبي أسامة مثله إلى قوله: فقد وهب الله لك ذكرا سويا وهو من شعيتنا، وأخرجه في كشف الغمة: 1 / 557، والوسائل، 8 / 55 ح 8 مختصرا. واثبات الهداة: 5 / 146 ح 6، وحلية الابرار: 1 / 521، ومدينة المعاجز: 205 ح 27 عن الكافي. وأورده في دلائل الامامة: 68، ومناقب ابن شهر اشوب: 3 / 174، وثاقب المناقب: 273، عن أبي أسامة، عن أبي عبد الله عليه السلام. وفي عيون المعجزات: 62، واثبات الوصية: 157 مرسلا. (3) الحائط: البستان من التخيل إذا كان عليه حائط، وهو الجدار. (4) رواه الصدوق في أماليه: 360 ضمن ح 8 بإسناده عن الشحام، عن أبي عبد الله، عن أبيه، عن جده عليهم السلام، عنه البحار: 43 / 267 ضمن ح 25.

[ 241 ]

6 - ومنها: [ روي ] أن الحسن عليه السلام [ وإخوته ] وعبد الله بن العباس كانوا (1) على مائدة، فجاءت جرادة ووقعت على المائدة. فقال عبد الله للحسن: أي شئ مكتوب على جناح الجرادة ؟ فقال: مكتوب عليه: أنا الله لا إله إلا أنا، ربما أبعث الجراد رحمة (2) لقوم جياع ليأكلوه (3)، وربما أبعثها نقمة على قوم فتأكل أطعمتهم. فقام عبد الله، وقبل رأس الحسن، وقال: هذا من مكنون العلم (4). 7 - ومنها: ما روي عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام أن الحسن عليه السلام قال لاهل بيته: إني أموت بالسم، كما مات رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا: ومن يفعل ذلك. قال: امرأتي جعدة بنت الاشعث بن قيس، فإن معاوية يدس إليها ويأمرها بذلك. قالوا: أخرجها من منزلك، وباعدها من نفسك. قال: كيف أخرجها ولم تفعل بعد شيئا، ولو أخرجتها ما قتلني غيرها، وكان لها عذر عند الناس. فما ذهبت الايام حتى بعث إليها معاوية مالا جسيما، وجعل يمنيها بأن يعطيها مائة ألف درهم أيضا (5) ويزوجها من يزيد، وحمل إليها شربة سم لتسقيها الحسن فانصرف (6) إلى منزله وهو صائم فأخرجت [ له ] وقت الافطار - وكان يوما حارا - شربة


= والشيخ حسين بن عبد الوهاب في عيون المعجزات: 60 من طريق الحشوية عن سليمان ابن اسحاق بن سليمان بن على بن عباس، عنه مدينة المعاجز: 253 ح 90. والاربلى في كشف الغمة عن معالم العبرة: الطاهرة للجنابذى: 1 / 547 عن ابن عباس. عنه البحار: 43 / 302 ضمن ح 65 جميعا نحوه. (1) " كانا " م، البحار (2) " رزقا " ط، س. (3) " ليأكلوها " م. (4) عنه البحار: 43 / 337 ح 8، أورده في مدينة المعاجز: 223 ح 83. وروى نحوه في صحيفة الرضا: 259 ح 194، راجع تخريجة الحديث. (5) " أيضا وضياع " ه‍، ط. (6) " ففي بعض الايام انصرف " ه‍، ط

[ 242 ]

لبن وقد ألقت فيها ذلك السم، فشربها وقال: يا عدوة الله قتلتيني قتلك الله، والله لا تصيبين مني خلفا (1) ولقد غرك وسخر منك، والله يخزيك ويخزيه. فمكث عليه السلام يومين، ثم مضى، فغدر معاوية بها، ولم يف لها بما عاهد (2) عليه. (3) 8 - ومنها: [ روي ] أن الصادق عليه السلام قال: لما أن حضرت الحسن بن علي عليه السلام الوفاة بكى بكاء شديدا وقال: إني أقدم على أمر عظيم وهول لم أقدم على مثله قط. ثم أوصى (4) أن يدفنوه بالبقيع. فقال: يا أخي احملني على سريري إلى قبر جدي رسول الله صلى الله عليه وآله لاجدد به عهدي ثم ردنى إلى قبر جدتي فاطمة بنت أسد فادفني هناك، فستعلم يا ابن أم أن القوم يظنون أنكم تريدون دفني عند رسول الله، فيجلبون (5) في منعكم ذلك، وبالله أقسم عليك أن لا تهرق في أمري محجمة دم. فلما غسله وكفنه الحسين عليه السلام حمله على سريره، وتوجه به (6) إلى قبر جده رسول الله صلى الله عليه وآله ليجدد به عهدا، أتى مروان بن الحكم ومن معه من بني أمية فقال: أيدفن عثمان في أقصى المدينة ويدفن الحسن مع النبي ؟ لا يكون ذلك أبدا. ولحقت عائشة على بغل وهي تقول: ما لي ولكم [ يا بني هاشم ] ؟ تريدون أن تدخلوا بيتي من لا أحب.


(1) " لا تبصرين خيرا " ط، ه‍. (2) " عاهدها " ه‍، ط. (3) عنه البحار: 44 / 153 ح 23، واثبات الهداة: 5 / 150 ح 12. وأوروده نحوه في المناقب: 3 / 175 عن الحسين بن أبي العلاء، عن جعفر بن محمد عليهما السلام. عنه البحار: 43 / 327 ضمن ح 6. وفي ثاقب المناقب. 272 (مخطوط) عن داود البرقي، عن أبي عبد الله عليه السلام، عنه مدينة المعاجز: 209 ح 44. وفي الصراط المستقيم: 2 / 177 ح 3. (4) " وصى " م. (5) جلب: اجتمع جلب وأجلب القوم: ضجوا واختلطت أصواتهم. (6) " وكفنه حمل الحسن عليه السلام على سريره وتوجه به " ط.

[ 243 ]

فقال ابن عباس لمروان: انصرفوا، لا نريد دفن صاحبنا عند رسول الله، فإنه كان أعلم [ وأعرف ] بحرمة قبر [ جده ] رسول الله من أن يطرق عليه هدما، كما يطرق ذلك غيره (1)، ودخل بيته بغير إذنه، إنصرف فنحن ندفنه بالبقيع كما وصى (2). ثم قال لعائشة: واسوأتاه يوما على بغل، ويوما على جمل. وفي رواية يوما تجملت، ويوما تبغلت، وإن عشت تفيلت. فأخذه ابن الحجاج الشاعر البغداي فقال: يا بنت أبي بكر (3) لا كان، ولا كنت * لك التسع من الثمن وبالكل تملكت (4) تجملت تبغلت وإن عشت تفيلت. بيان: قوله لك التسع من الثمن إنما كان ذلك في مناظرة فضال بن الحسن بن فضال الكوفي مع أبي حنيفة. فقال له الفضال قول الله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم) * (5) منسوخ أو غير منسوخ ؟ قال: هذه الآية غير منسوخة. قال: ما تقول في خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله أبو بكر وعمر ؟ أم علي بن أبي طالب عليه السلام ؟ فقال: أما علمت أنهما ضجيعا رسول الله صلى الله عليه وآله في قبره، فأي حجة تريد أوضح في فضلهما من هذه ؟ فقال له الفضال: لقد ظلما [ إذ أوصيا ] بدفنهما في موضع ليس لهما فيه حق، وإن كان الموضع لهما فوهباه لرسول الله صلى الله عليه وآله لقد أساءا إذا رجعا في هبتهما، ونكثا عهدهما وقد أقررت أن قوله تعالى * (لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم) * غير منسوخة


(1) من غير أن يطرق عليه هجما بيته طرق ذلك عبرة " ط. (2) " أوصى " ط. (3) " ألا يا بنت أبي بكر و " ط. (4) " تكلمت " م. (5) سورة الاحزاب: 53.

[ 244 ]

فأطرق أبو حنيفة ثم قال: لم يكن له ولا لهما خاصة، ولكنهما نظرا في حق عائشة وحفصة، فاستحقا الدفن في ذلك الموضع لحقوق ابنتيهما. فقال له فضال: أنت تعلم أن النبي صلى الله عليه وآله مات عن تسع حشايا (1)، وكان لهن الثمن لمكان ولده فاطمة فنظرنا فإذا لكل واحدة منهن تسع الثمن، ثم نظرنا في تسع الثمن فإذا هو شبر في شبر، والحجرة كذا وكذا طولا وعرضا، فكيف يستحق الرجلان أكثر من ذلك ؟ وبعد فما بال عائشة وحفصة يرثان رسول الله وفاطمة بنته (2) منعت الميراث ؟ فالمناقضة ظاهرة في ذلك من وجوه كثيرة. فقال أبو حنيفة: نحوه يا قوم عني، فإنه - والله - رافضي خبيث. (3)


(1) الحشايا: الفراش، كنى بها عن الزوجات. " قاله المجلسي ". (2) " لا ترثه " ط، ه‍. (3) عنه البحار: 44 / 154 ح 24، وعوالم العلوم: 16 / 291 ح 6.

[ 245 ]

الباب الرابع في معجزات الحسين بن علي عليهما السلام 1 - عن أبي خالد الكابلي، عن يحيى بن أم الطويل قال: كنا عند الحسين عليه السلام إذ دخل عليه شاب يبكي، فقال له الحسين: ما يبكيك ؟ قال: إن والدتي توفيت في هذه الساعة ولم توص، ولها مال وكانت قد أمرتني أن (1) لا أحدث في أمرها شيئا (2) حتى أعلمك خبرها. فقال الحسين عليه السلام: قوموا بنا حتى نصير إلى هذه الحرة. فقمنا معه حتى انتهينا (3) إلى باب البيت الذي (4) فيه المرأة [ وهي ] مسجاة فأشرف على (5) بيت، ودعا الله ليحييها حتى توصي بما تحب من وصيتها (6) فأحياها الله، وإذا المرأة جلست وهي تتشهد، ثم نظرت إلى الحسين عليه السلام فقالت: ادخل البيت يا مولاي ومرني بأمرك. فدخل وجلس على مخدة ثم قال لها: وصي، يرحمك الله. فقالت: يا ابن رسول الله [ إن ] لي من المال وكذا وكذا في مكان كذا وكذا وقد جعلت ثلثه إليك لتضعه حيث شئت من أوليائك، والثلثان لابني هذا إن علمت


(1) " أخبرتني أني " ط، ه‍. (2) هكذا في البحار، وفي م " حدثا ". (3) " انتهى " م. (4) " الذي توفيت " ط. (5) " في " م. (6) " وصيها " ط.

[ 246 ]

أنه من مواليك وأوليائك، وإن كان مخالفا فخذه إليك، فلا حق للمخالفين في أموال المؤمنين. ثم سألته أن يصلي عليها وأن يتولى أمرها، ثم صارت المرأة ميتة كما كانت. (1) 2 - ومنها: ما روي عن جابر الجعفي، عن زين العابدين عليه السلام قال: أقبل أعرابي إلى المدينة ليختبر الحسين عليه السلام لما (2) ذكر له من دلائله، فلما صار بقرب المدينة خضخض ودخل المدينة، فدخل الحسين وهو جنب. فقال له أبو عبد الله الحسين عليه السلام: أما تستحي يا أعرابي أن تدخل إلى إمامك وأنت جنب ؟ [ وقال: ] أنتم معاشر العرب إذا خلوتم (3) خضخضتم. فقال الاعرابي: يا مولاي قد بلغت حاجتي مما جئت فيه. فخرج من عنده فاغتسل ورجع إليه فسأله عما كان في قلبه. (4) 3 - ومنها: ما روي عن مندل، عن هارون بن خارجة (5)، عن الصادق عليه السلام عن


(1) عنه البحار: 44 / 180 ح 3، وعوالم العلوم: 17 / 49 ح 4، ومدينة المعاجز: 246 ح 64. وأورده في ثاقب المناقب: 297 " مخطوط " جميعا عن يحيى بن أم الطويل. وأورده مختصرا في الصراط المستقيم: 2 / 178 ح 1. (2) " فيما " م. (3) هكذا في الوسائل والبحار: 81، وفي الاصل والبحار: 44 " دخلتم ". والخضخضة: الاستمناء، وهو استنزال المنى في غير الفرج، وأصل الخضخضة: التحريك. (4) عنه الوسائل: 1 / 476 ح 24، وص 490 ح 4، والبحار: 44 / 181 ح 4، وعوالم العلوم: 17 / 54 ح 3 جميعا عن جابر، عن زيد العابدين عليه السلام. وأورده مختصرا في الصراط المستقيم: 2 / 178 ح 2. (5) " عن مندل بن هارون بن صدقة " ط، ه‍. وما أثبتناه من " م " ودلائل الامامة وبقية المصادر وهو الصحيح، راجع رجال السيد الخوئي: 18 / 378 وج: 19 / 274.

[ 247 ]

آبائه عليهم السلام [ قال ] إن الحسين عليه السلام إذا أراد (1) أن ينفذ غلمانه في بعض أموره قال لهم: لا تخرجوا يوم كذا، واخرجوا يوم كذا، فانكم إن خالفتموني قطع عليكم. فخالفوه مرة وخرجوا، فقتلهم اللصوص، وأخذوا ما معهم، واتصل الخبر بالحسين عليه السلام فقال: لقد حذرتهم، فلم يقبلوا مني. ثم قام من ساعته ودخل على الوالي، فقال الوالي: يا أبا عبد الله بلغني قتل غلمانك فآجرك الله فيهم. فقال الحسين عليه السلام: فاني أدلك على من قتلهم فاشدد يدك بهم. قال: أو تعرفهم يا ابن رسول الله ؟ قال: نعم، كما أعرفك، وهذا منهم - وأشار بيده إلى رجل واقف بين يدي الوالي -. فقال الرجل: ومن أين قصدتني بهذا، ومن أين تعرف أني منهم ؟ ! فقال له الحسين عليه السلام: إن أنا صدقتك تصدقني (2) ؟ فقال الرجل: نعم، والله لاصدقنك. فقال: خرجت ومعك فلان وفلان. وذكرهم كلهم: فمنهم أربعة من موالي المدينة والباقون من حبشان (3) المدينة. فقال الوالي للرجل: ورب القبر والمنبر، لتصدقني أو لاهرأن (4) لحمك بالسياط. فقال الرجل: والله ما كذب الحسين وقد صدق (5)، وكأنه كان معنا.


(1) " انه قال ان الحسين عليه السلام كان " ه‍، ط. وفي البحار والعوالم " قال: إذا أراد الحسين عليه السلام " (2) " فأصدقني " ه‍، ط. (3) " جيشان " البحار. والحبش: جنس من السودان. أو سكان بلاد الحبشة. واحده حبشي والجمع: حبشان. (4) " لانشرن " ط خ. وفي البحار " لاهرقن ". وأهرأ اللحم: أنضجه، فتهرأ حتى سقط من العظم. (5) " ولصدق " البحار.

[ 248 ]

فجمعهم الوالي جميعا، فأقروا جميعا فضرب أعناقهم. (1) 4 - ومنها: أن رجلا صار إلى الحسين عليه السلام فقال: جئتك أستشيرك في تزويجي فلانة. فقال: لا أحب ذلك لك. وكانت كثيرة المال، وكان الرجل أيضا مكثرا فخالف الحسين فتزوج بها. فلم يلبث الرجل حتى افتقر. فقال له الحسين عليه السلام: قد أشرت إليك (2)، فخل سبيلها فإن الله يعوضك خيرا (3) منها. ثم قال: وعليك بفلانة. فتزوجها فما مضت (4) سنة حتى كثر ماله، وولدت له ولدا ذكرا، ورأى منها ما أحب (5). 5 - ومنها: أنه عليه السلام سئل في حال صغره عن أصوات الحيوانات لان من شرط الامام أن يكون عالما بجميع اللغات حتى أصوات الحيوانات، فقال: على ما روى محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي (6) عن الحسين عليه السلام أنه قال: إذا صاح النسر فإنه يقول: " يا ابن آدم عش ما شئت فآخره الموت ". وإذ صاح البازي يقول: " يا عالم الخفيات يا كاشف البليات ".


(1) عنه البحار: 44 / 181 ح 5، وعوالم العلوم: 17 / 55 ح 4. ورواه في الهداية الكبرى: 205، عنه اثبات الهداة: 5 / 204 ح 62 وأورده في دلائل الامامة: 76، عنه مدينة المعاجز: 238 ح 20، جميعا عن هارون بن خارجة، عن أبي عبد الله عليه السلام، وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 178 ح 3. (2) " عليك " م، ه‍، ط. (2) هكذا في البحار، وفي " م " " منها خيرا " وفي ه‍، س. ط " عنها خيرا ". (4) " مضت له " ه‍، ط، س. (5) عنه الوسائل: 14 / 32 ح 10، والبحار: 44 / 182 ح 6، وعوالم العلوم: 17 / 56 ح 5، ومدينة المعاجز 247 ح 68. ورواه في الهداية الكبرى للخصيبي: 204 بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام نحوه، عنه إثبات الهداة: 5 / 205 ح 63، ومدينة المعاجز. (6) " التميمي " ه‍، ط، والبحار. وهو محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد التيمي، وثقه يحيى بن معين، توفي سنة 120 ه‍. راجع كتاب الجرح والتعديل: 7 / 184، وتقريب التهذيب: 2 / 140.

[ 249 ]

وإذا صاح الطاووس يقول: " مولاي ظلمت نفسي واغتررت بزينتي فاغفر لي ". وإذا صاح الدراج يقول: " الرحمن على العرش استوى ". وإذا صاح الديك يقول: " من عرف الله لم ينس ذكره ". وإذا قرقرت الدجاجة تقول: " يا إله الحق أنت الحق وقولك الحق يا ألله يا حق ". وإذا صاح الباشق (1) يقول: " آمنت بالله واليوم (2) الآخر ". وإذا صاحت الحدأة (3) تقول: " توكل على الله ترزق ". وإذا صاح العقاب يقول: " من أطاع الله لم يشق ". وإذا صاح الشاهين يقول: " سبحان الله حقا حقا ". وإذا صاحت البومة تقول: " البعد من الناس أنس ". وإذا صاح الغراب يقول: " يا رازق ابعث بالرزق الحلال ". وإذا صاح الكركي (4) يقول: " اللهم احفظني من عدوي ". وإذا صاح اللقلق يقول: " من تخلى من الناس نجى من أذاهم ". وإذا صاحت البطة تقول: " غفرانك يا الله غفرانك " (5). وإذا صاح الهدهد يقول: " ما أشقى من عصى الله " ! وإذا صاح القمري (6) يقول: " يا عالم السر والنجوى يا الله ". وإذا صاح الدبسي (7) يقول: " أنت الله لا إله سواك يا الله ".


(1) الباشق: طائر من أصغر الجوارح. (2) " وباليوم " ط. (3) " الحداء " البحار. والحدأة: طائر من الجوارح، والعامة تسميه: الحدية. (4) الكركي: طائر كبير أغبر اللون طويل العنق والرجلين أبتر الذنب قليل اللحم يأوي إلى الماء أحيانا. (5) " غفرانك يا الله " ط، البحار. (6) القمري: ضرب من الحمام حسن الصوت. (7) الدبسي: طائر صغير منسوب إلى دبس الرطب، من الحمام البري. وفي ط " الدلبي ".

[ 250 ]

وإذا صاح العقعق (1) يقول: " سبحان من لا يخفى عليه خافية ". وإذا صاح الببغاء يقول: " من ذكر ربه غفر ذنبه ". وإذا صاح العصفور يقول: " استغفر الله مما يسخط الله ". وإذا صاح البلبل يقول: " لا إله إلا الله حقا حقا ". وإذا صاحت القبجة (2) تقول: " قرب الحق، قرب ". وإذا صاحت السماناة (3) تقول: " يا ابن آدم ما أغفلك عن الموت ". وإذا صاح السنوذنيق (4) يقول: " لا إله إلا الله محمد [ رسول الله ] وآله خيرة الله ". وإذا صاحت الفاخته تقول: " يا واحد يا أحد يا فرد يا صمد ". وإذا صاح الشقراق (5) يقول " مولاي اعتقني من النار ". وإذا صاحت القنبرة (6) تقول: " مولاي تب على كل مذنب من المؤمنين ". وإذا صاح الورشان (7) يقول: " إن لم تغفر ذنبي شقيت ".


(1) العقعق: طائر على قدر الحمامة وهو على شكل الغراب وجناحاه أكبر من جناحي الحمامة. (2) القبج: طائر يشبه الحجل، والواحدة " قبجة " تطلق على الذكر والانثى. (3) السماني: نوع من الطيور القواطع للواحد وللجمع، وقيل: الواحدة " سماناة ". (4) " السنوذنيق: الصقر. وتكون على صيغ أخرى منها: السذانق، والسوذنيق والسوذانق. (5) الشقراق: طائر صغير يسمى الاخيل، وهو أخضر مليح بقدر الحمامة، وخضرته حسنة مشبعة، وفي أجنحته سواد. (6) القبرة والقنبرة: عصفورة. (7) الورشان: ذكر القمارى، وقيل: أنه طائر يتولد بين الفاختة والحمام، وهو نوع من الحمام البري أكدر اللون، فيه بياض فوق ذنبه.

[ 251 ]

وإذا صاح الشفنين (1) يقول: " لا قوة إلا بالله [ العلي ] (2) العظيم ". وإذا صاحت النعامة تقول: " لا معبود سوى الله ". وإذا صاحت الخطافة (3) فانها تقرأ سورة الحمد وتقول: " يا قابل توبة التوابين، يا ألله لك الحمد ". وإذا صاحت الزرافة تقول: " لا إله إلا الله وحده ". وإذا صاح الحمل (4) يقول: " كفى بالموت واعظا ". وإذا صاح الجدي (5) يقول: " عاجلني الموت فقل ذنبي ". وإذا زأر الاسد يقول: " أمر الله مهم مهم ". وإذا صاح الثور يقول: " مهلا مهلا يا ابن آدم أنت بين يدي من يرى ولا يرى وهو الله ". وإذا صاح الفيل يقول: " لا يغني عن الموت قوة ولا حيلة ". وإذا صاح الفهد يقول: " يا عزيز يا جبار يا متكبر يا الله ". وإذا صاح الجمل يقول: " سبحان مذل الجبارين سبحانه ".


(1) هكذا في البحار، وفي م " السفنير ". وفي ط " السفنبر ". والشفنين: بكسر الشين، وهو متولد بين نوعين مأكولين، وعده الجاحظ في أنواع الحمام، وصوته في الترنم كصوت الرباب وفيه تحزن. ومن طبعه أنه إذا فقد أنثاه لم يزل أعزب إلى أن يموت وكذلك الانثى إذا فقدت ذكرها، وإذا سمن سقط ريشه ويمتنع عن السفاد. ومن طبعه إيثار العزلة، وعنده نفور واحتراس من الاعداء. (2) من البحار. (3) الخطاف: طائر يشبه السنونو طويل الجناحين قصير الرجلين أسود اللون. (4) الحمل: الخروف إذا بلغ ستة أشهر، وقيل: هو ولد الضأن الجذع فما دون. (5) الجدي: الذكر من أولاد المعز.

[ 252 ]

وإذا صهل الفرس يقول: " سبحان (1) ربنا سبحانه ". وإذا صاح الذئب يقول: " ما حفظ الله فلن يضيع أبدا ". وإذا صاح ابن آوى يقول: " الويل الويل الويل للمذنب المصر ". وإذا صاح الكلب يقول: " كفى بالمعاصي ذلا ". وإذا صاح الارنب يقول: " لا تهلكني يا الله، لك الحمد ". وإذا صاح الثعلب يقول: " الدنيا دار غرور ". وإذا صاح الغزال يقول: " نجني من الاذى ". وإذا صاح الكركدن يقول: " أغثني (2) وإلا هلكت يا مولاي ". وإذا صاح الايل (3) يقول: " حسبي الله ونعم الوكيل حسبي ". وإذا صاح النمر يقول: " سبحان من تعزز بالقدرة سبحانه ". وإذا سبحت الحية تقول: " ما أشقى من عصاك يا رحمن ". وإذا سبحت العقرب تقول: " الشر شئ وحش ". ثم قال عليه السلام: ما خلق الله من شئ إلا وله تسبيح يحمد به ربه، ثم تلا هذه الآية. * (وإن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم. (4). (5) 6 - ومنها: أنه لما ولد الحسين عليه السلام أمر الله تعالى جبرئيل أن يهبط في ملا من الملائكة فيهنئ محمدا، فهبط فمر بجزيرة فيها ملك يقال له: فطرس، بعثه الله في شئ، فأبطأ فكسر جناحه، وألقاه في تلك الجزيرة، فعبد الله سبعمائة عام (6)


(1) " سبحانه " ط. (2) " أغشني " ط، ه‍. (3) " الابل " ط، البحار. والايل: بتشديد الياء المكسورة: ذكر الاوعال، ويقال: هو الذي يسمى بالفارسية " الكوزن "، وأكثر أحواله شبيه ببقر الوحش. (4) سورة الاسراء: 44. (5) عنه البحار: 64 / 27 ح 8. (6) " سنة " ط.

[ 253 ]

فقال فطرس لجبرئيل: إلى أين ؟ قال: إلى محمد. قال: احملني معك إلى محمد لعله يدعو لي. فلما دخل جبرئيل، وأخبر محمدا بحال فطرس، قال له النبي: قل له يمسح (1) بهذا المولود [ جناحه ]. فمسح (2) فطرس بمهد الحسين عليه السلام، فأعاد الله عليه في الحال جناحه، ثم ارتفع مع جبرئيل إلى السماء فسمي عتيق الحسين عليه السلام (3). 7 - ومنها: أنه عليه السلام لما أراد العراق قالت له أم سلمة: لا تخرج إلى العراق فقد (4) سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يقتل ابني الحسين ب‍ [ أرض ] (5) العراق وعندي تربة دفعها إلي في قارورة. فقال: والله إني مقتول كذلك، وإن لم أخرج إلى العراق يقتلونني أيضا، وإن


(1) " قل يتمسح " البحار. (2) " فتمسح " البحار، تمسح به: تبرك به لفضله. (3) عنه البحار: 44 / 182 ح، وعوالم العلوم: 17 / 47 ح 4. ورواه الصفار في بصائر الدرجات: 68 بإسناده إلى الازهر البطيخي، عن أبي عبد الله عليه السلام، عنه البحار: 26 / 340 ح 10 ومدينة المعاجز: 236 ح 5. ورواه ابن قولويه في كامل الزيارات: 66، والصدوق في أماليه: 118 ح 8 بإسناديهما عن ابراهيم بن شعيب، عن الصادق عليه السلام، عنهما البحار: 43 / 243 ح 18. وأخرجه في البحار: 101 / 367 ح 9 عن الامالي. وأورد ابن شهر اشوب في المناقب: 3 / 228 عن ابن عباس والصادق عليه السلام عنه البحار: 43 / 244 ح 19. وأورد نحوه - في المناقب المذكور في المسألة الباهرة في تفضيل الزهراء - الطاهر عن أبي محمد الحسن بن طاهر القايني الهاشمي. وأورده في اثبات الوصية: 161 مرسلا، وفي روضة الواعظين: 186 عن الصادق عليه السلام، وفي بشارة المصطفى: 218، عن الرضا، عن آبائه، عنه رسول الله صلى الله عليه وآله، وفي الجنة الواقية: 544 (حاشية)، وفي الصراط المستقيم: 2 / 179 ح 5 مرسلا. (4) " فانى " ه‍، ط. (5) من البحار.

[ 254 ]

أحببت أن أريك مضجعي (1) ومصرع أصحابي. ثم مسح بيده على وجهها، ففسح الله في بصرها حتى أراها (2) ذلك كله، وأخذ تربة فأعطاها (3) من تلك التربة أيضا في قارورة أخرى، وقال عليه السلام: فإذا فاضتا (4) دما، فاعلمي أني قد قتلت. فقالت أم سلمة: فلما كان يوم عاشوراء نظرت إلى القارورتين بعد الظهر فإذا هما قد فاضتا دما، فصاحت. ولم يقلب في ذلك اليوم حجر ولا مدر إلا وجد تحته دم عبيط (5). 8 - ومنها: ما روي زين العابدين عليه السلام أنه قال: لما كانت الليلة التي قتل فيها الحسين عليه السلام في صبيحتها قام في أصحابه فقال عليه السلام: إن هؤلاء يريدونني دونكم، ولو قتلوني لم يقبلوا (6) إليكم، فالنجاء النجاء، وأنتم في حل فانكم إن أصبحتم معي قتلتم كلكم. فقالوا: لا نخذلك، ولا نختار العيش بعدك. فقال عليه السلام: إنكم تقتلون كلكم حتى لا يفلت منكم واحد (7). فكان كما قال عليه السلام (8)


(1) " مصرعي " ط. (2) " رأت " ه‍، ط. " رأيا " البحار. (3) " ثم أعطاها " م، ط. (4) " فاضت " ط، البحار. (5) عنه البحار 45 / 89 ح 27، وعوالم العلوم: 17 / 157 ح 7. ورواه في الهداية الكبرى: 202 عن أبي بصير، عن الباقر عليه السلام. وأورده في إثبات الوصية: 262 مرسلا، وفي ثاقب المناقب: 286 (مخطوط) عن الباقر عليه السلام. عنه مدينة المعاجز: 243 ح 45، وحلية الابرار: 1 / 600. وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 179 ح 6 مرسلا. (6) " يلتفتوا " خ. ل " يصلوا " البحار. (7) " أحد " البحار. (8) عنه البحار: 45 / 89 ذ ح 27، وعوالم العلوم: 17 / 344 ح 1.

[ 255 ]

الباب الخامس في معجزات [ الامام ] علي بن الحسين عليهما السلام 1 - عن الباقر عليه السلام أنه قال: كان عبد الملك بن مروان يطوف بالبيت، وعلي ابن الحسين يطوف بين يديه، لا يلتفت إليه، ولم يكن عبد الملك يعرفه بوجهه. فقال: من هذا الذي يطوف بين أيدينا ولا يلتفت إلينا ؟ فقيل: هذا علي بن الحسين. فجلس مكانه، وقال: ردوه إلي. فردوه. فقال له: يا علي بن الحسين إني لست قاتل أبيك، فما يمنعك من المصير إلي ! فقال علي بن الحسين عليه السلام: إن قاتل أبي أفسد - بما فعله - دنياه عليه، وأفسد أبي عليه بذلك آخرته، فإن أحببت أن تكون كهو، فكن. فقال: كلا، ولكن صر إلينا لتنال من دنيانا. فجلس زين العابدين وبسط رداءه، فقال: " اللهم أره حرمة أوليائك عندك " فإذا رداءه (1) مملوء دررا، يكاد شعاعها يخطف الابصار. فقال له: من تكون هذه حرمته عند الله (2) يحتاج إلى دنياك ؟ !


(1) كذا في ط، ه‍، وفي م: " ازاره " والرداء: كل ما يلبس في الثياب. والازار: كل ما يستر. (2) " ربه " ط، ه‍.

[ 256 ]

ثم قال: اللهم خذها، فلا حاجة لي فيها (1). (2) 2 - ومنها: أن الحجاج بن يوسف كتب إلى عبد الملك بن مروان: " إن أردت أن يثبت ملكك فاقتل علي بن الحسين ". فكتب عبد الملك إليه: " أما بعد: فجنبني دماء بني هاشم وأحقنها، فإني رأيت آل أبي سفيان لما أولعوا فيها لم يلبثوا أن أزال الله الملك عنهم " وبعث بالكتاب إليه سرا (3). فكتب علي بن الحسين عليه السلام إلى عبد الملك من الساعة التي أنفذ فيها الكتاب إلى الحجاج: " وقفت على (4) ما كتبت في حقن دماء بني هاشم، وقد شكر الله لك ذلك وثبت ملكك، وزاد في عمرك ". وبعث به مع غلام له بتاريخ الساعة التي أنفذ فيها عبد الملك كتابه إلى الحجاج بذلك. فلما قدم الغلام وأوصل الكتاب إليه، نظر عبد الملك في تاريخ الكتاب فوجده موافقا لتأريخ كتابه، فلم يشك في صدق زين العابدين عليه السلام ففرح بذلك، وبعث إليه بوقر (5) دنانير، وسأله أن يبسط إليه بجميع حوائجه وحوائج أهل بيته ومواليه. وكان في كتابه عليه السلام: " إن رسول الله صلى الله عليه وآله أتاني في النوم فعرفني ما كتبت به إلى الحجاج (6) وما شكر الله لك من ذلك " (7).


(1) " فما لي فيها حاجة " ط، ه‍. (2) عنه البحار: 46 / 120 ح 11، والعوالم: 18 / 175 ح 1: واثبات الهداة: 5 / 234 ح 26. وعنه في مدينة المعاجز: 313 ح 73 وعن ثاقب المناقب: 311. وأوردناه في الصحيفة السجادية الجامعة: دعاء 259 (معدة للطبع). وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 180 ح 1 مرسلا مختصرا. (3) أضاف في م " أيضا " ولا وجه لها. (4) " علمت " ه‍. (5) الوقر - بكسر الواو -: الحمل. (6) " اليك " م بدل " إلى الحجاج ". (7) عنه البحار: 46 / 28 ح 19، والعوالم: 18 / 42 ح 3. =

[ 257 ]

3 - ومنها: ما روي عن أبي خالد الكابلي قال: دعاني محمد بن الحنفية، بعد قتل الحسين عليه السلام ورجوع علي بن الحسين عليهما السلام إلى المدينة، وكنا بمكة. فقال: صر إلى علي بن الحسين عليه السلام وقل له: " إني أنا أكبر ولد أمير المؤمنين بعد أخوي الحسن والحسين، وأنا أحق بهذا الامر منك، فينبغي أن تسلمه إلي، وإن شئت فاختر حكما نتحاكم إليه ". فصرت إليه وأديت إليه رسالته. فقال: إرجع إليه وقل له: " يا عم اتق الله ولا تدع ما لم يجعله الله لك، فإن أبيت فبيني وبينك الحجر الاسود فأينا يشهد له الحجر الاسود فهو الامام ". فرجعت إليه بهذا الجواب. فقال: قل له: قد أجبتك. قال أبو خالد: [ فسارا ] فدخلا جميعا، وأنا معهما، حتى وافيا الحجر الاسود فقال علي بن الحسين عليهما السلام: تقدم يا عم فإنك أسن، فاسأله الشهادة لك. فتقدم محمد، فصلى ركعتين، ودعا بدعوات، ثم سأل الحجر بالشهادة إن كانت الامامة له، فلم يجبه بشئ.


= ورواه الصفار في بصائر الدرجات: 396 ح 4، والمفيد في الاختصاص: 308 باسنادهما إلى على بن عبد العزيز، عن أبيه، عن الصادق، عنهما البحار: 46 / 119 ح 9 والعوالم: 18 / 171 / ح 1. ورواه الخصيبى في الهداية الكبرى: 223 باسناده إلى أبى الصباح، عن أبى عبد الله عليه السلام. وأورده في كشف الغمة: 2 / 212 عن أبى عبد الله عليه السلام، عنه البحار: 46 / 44 ح 44، والعوالم: 18 / 66 ح 2. وأورده في اثبات الوصية: 168 مرسلا، عنه اثبات الهداة: 5 / 361. وأورده في ثاقب المناقب: 308 مرسلا عن الصادق عليه السلام. وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 180 ح 2 مرسلا ومختصرا. وأخرجه في مدينة المعاجز: 307 ح 43 عن بعض المصادر أعلاه.

[ 258 ]

ثم قام علي بن الحسين عليهما السلام فصلى ركعتين ثم قال: أيها الحجر الذي جعله الله شاهدا لمن يوافي بيته الحرام من وفود عباده، إن كنت تعلم أني صاحب الامر وأني الامام المفترض الطاعة على جميع عباد الله، فاشهد لي بذلك، ليعلم عمي أنه لا حق له في الامامة. فأنطق الله الحجر بلسان عربي مبين، فقال: يا محمد بن علي، سلم إلى علي ابن الحسين الامر، فإنه الامام المفترض الطاعة عليك، وعلى جميع عباد الله دونك ودون الخلق أجمعين في زمانه. فقبل محمد ابن الحنفية رجله وقال: الامر لك. وقيل: إن ابن الحنفية إنما فعل ذلك إزاحة لشكوك الناس في ذلك. وفي رواية أخرى: إن الله أنطق الحجر [ فقال ]: يا محمد بن علي إن علي ابن الحسين هو الحق الذي لا يعتريه شك - لما علم من دينه وصلاحه - وحجة الله عليك وعلى جميع من في الارض ومن في السماء، ومفترض الطاعة، فاسمع له وأطع. فقال محمد: سمعنا سمعنا (1) يا حجة الله في أرضه وسمائه. (2)


(1) " سمعا وطاعة " ه‍، والبحار. (2) عنه البحار: 46 / 29 ح 20، والعوالم: 18 / 77 ح 1. ورواه الكليني في الكافي: 1 / 348 ح 5 بطريقتين إلى زرارة عن الباقر عليه السلام عنه اثبات الهداة: 3 / 292 ح 8، وج 5 / 123 ح 8، وص 170 ح 4، وص 218 ح 4 ورواه في مختصر بصائر الدرجات: 170 بإسناده إلى الكليني. ورواه في ص 14، والصفار في بصائر الدرجات: 502 ح 3، وابن بابويه في الامامة والتبصرة: 60 ح 49 بإسنادهم جميعا إلى علي بن رئاب، عن أبي عبيدة الحذاء وزرارة عن أبي جعفر عليه السلام. ورواه في دلائل النبوة: 89 بإسناده إلى الشيخ الصدوق بهذا الاسناد. ورواه في ص 87 بإسناده إلى أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام. =

[ 259 ]

4 - ومنها: ما روى جابر بن يزيد الجعفي، عن الباقر عليه السلام قال: كان علي بن الحسين جالسا مع جماعة إذ أقبلت ظببية من الصحراء، حتى وقفت قدامه فهمهمت (1) وضربت بيديها [ الارض ]. فقال بعضهم: يا ابن رسول الله ما شأن هذه الظبية ؟ قد أتتك مستأنسة. قال: تذكر أن إبنا ليزيد طلب من أبيه خشفا (2)، فأمر بعض الصيادين أن يصيد له خشفا، فصاد بالامس خشف هذه الظبية، ولم تكن قد أرضعته، وإنها تسأل أن نحمله إليها لترضعه وترده عليه. فأرسل علي بن الحسين عليه السلام إلى الصياد فأحضره وقال له: إن هذه الظبية تزعم أنك أخذت خشفا لها، وأنها (3) لم تسقه لبنا منذ أخذته، وقد سألتني أن أسألك أن تتصدق به عليها.


= وأورده ابن نما في رسالة شرح الثأر عن أبي بجير عالم الاهواز، عنه البحار: 45 / 247 وج 46 / 22، والعوالم: 18 / 37 ح 1. وأوردناه في الصحيفة السجادية الجامعة دعاء 264 (معدة للطبع). وأخرجه في اعلام الورى: 258 عن نوادر الحكمة. وأخرجه ابن شهر اشوب في مناقب: 3 / 288 عن الكامل لابن المبرد، عن أبي خالد الكابلي، وعن نوادر الحكمة، عنه البحار: 46 / 113، والعوالم: 18 / 271 ح 1. وأورده في عيون المعجزات: 71 عن رشيد الهجري ويحيى بن أم الطويل. وفي الاحتجاج: 2 / 46 مرسلا، وفي ثاقب المناقب: 299 عن أبي عبد الله عليه السلام وأخرجه في البحار: 46 / 111 ح 2 و 3 و 4، والعوالم: 18 / 271 ح 2 عن البصائر والاحتجاج، ومختصر البصائر، واعلام الورى، والمناقب. وفي مدينة المعاجز: 297 ح 21 عن أكثر المصادر المذكورة أعلاه. (1) " فحمحمت " ط، م، ه‍، وكذا في الموضع التالي. وحمحم الفرس، وتحمحم: هو صوته إذا طلب العلف. والهمهمة: ترديد الصوت في الصدر. (2) الخشف: ولد الظبي أول ما يولد. (3) " وأنك " ط، ه‍.

[ 260 ]

فقال: يا ابن رسول الله لست أستجرئ على هذا. قال: إني أسألك أن تأتي به إليها لترضعه وترده إليك. ففعل الصياد. فلما رأته همهمت ودموعها تجري، فقال علي بن الحسين عليه السلام للصياد: بحقي عليك إلا وهبته لها. [ فوهبه لها ] فانطلقت مع الخشف وهي تقول (1): أشهد أنك من أهل بيت الرحمة، وأن بني أمية من أهل بيت اللعنة (2). (3) 5 - ومنها: ما روى بكر بن محمد، عن [ محمد بن ] علي بن الحسين عليه السلام قال:


(1) " وقالت " م، بدل " وهي تقول ". (2) أضاف في حواشي م بخط آخر: " كيف [ لا ] وهم الشجرة الملعونة في القرآن ". (3) عنه مدينة المعاجز: 313 ح 74. وعنه البحار: 46 / 30 ح 21، والعوالم: 18 / 51 ح 4 وعن كشف الغمة: 2 / 109 حيث أخرجه عن دلائل الحميري. ورواه في بصائر الدرجات: 350 ح 10، وفي الاختصاص: 292 بإسنادهما إلى جابر عن أبي جعفر عليه السلام، عنهما البحار: 46 / 25 ح 9، والعوالم: 18 / 50 ح 3 وأخرجه في البحار المذكور ح 10 عن مناقب ابن شهر اشوب: 3 / 283 بالاسناد عن يونس الحر، عن القتال، والقلادة عن أبي حاتم، والوسيلة عن الملا بالاسناد إلى جابر. ورواه في دلائل الامامة: 86 بإسناده إلى جابر عن أبي جعفر عليه السلام، عنه مدينة المعاجز: 294 ح 12. ورواه الخصيبي في الهداية الكبرى: 215 بهذا الاسناد. وأورده في ثاقب المناقب: 306 عن جابر بن عبد الله. وأخرجه في إثبات الهداة: 5 / 230 ح 19 عن البصائر، وفي ص 244 ح 41 عن كشف الغمة ورواه بنحو آخر في بصائر الدرجات: 352 ح 14، والاختصاص: 290 بإسنادهما عن حمران بن أعين، عنهما البحار: 46 / 26 ح 11، والعوالم: 18 / 49 ح 1. وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 180 ح 4 مرسلا ومختصرا.

[ 261 ]

خرج أبي في نفر من أهل بيته وأصحابه إلى بعض حيطانه، وأمر باصلاح سفرة فلما وضعت ليأكلوا أقبل ظبي من الصحراء يتبغم (1)، فدنا من أبي، فقالوا: يا ابن رسول الله ما يقول هذا الظبي ؟ قال: يشكو أنه لم يأكل منذ ثلاث شيئا، فلا تمسوه حتى أدعوه ليأكل معنا. قالوا: نعم. فدعاه، فجاء يأكل معهم، فوضع رجل منهم يده على ظهره فنفر، فقال أبي: ألم تضمنوا لي أنكم لا تمسوه ؟ ! فحلف الرجل أنه لم يرد به سوءا، فكلمه أبي وقال للظبي: إرجع فلا بأس عليك. فرجع يأكل حتى شبع، ثم تبغم وانطلق. فقالوا: يا ابن رسول الله ما قال [ الظبي ] ؟ قال: دعا لكم بالخير [ وانصرف ]. (2) 6 - ومنها: أن أبا خالد الكابلي كان يخدم محمد بن الحنفية دهرا، وما كان يشك أنه إمام، حتى أتاه يوما فقال: إن لي حرمة، فأسألك برسول الله وبأمير المؤمنين إلا أخبرتني: أنت الامام الذي فرض الله طاعته ؟ فقال: علي، وعليك، وعلى كل مسلم الامام علي بن الحسين. فجاء أبو خالد إلى علي بن الحسين عليه السلام، فلما سلم عليه قال له: مرحبا بك يا كنكر، ما كنت لنا بزوار ! ما بدا لك فينا ؟ فخر أبو خالد ساجدا لله تعالى لما سمعه منه، وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى عرفت إمامي. قال: كيف عرفت ؟


(1) تبغم الظبي: صوت بأرخم ما يكون من صوته. (2) عنه البخار: 46 / 30 ح 23، والعوالم: 18 / 50 ح 2. وعنه مدينة المعاجز: 313 ح 75 وعن الهداية الكبرى: 216 حيث رواه بإسناده إلى بكر بن محمد، عن أبي عبد الله عليه السلام. وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 180 ح 5 مختصرا ومرسلا.

[ 262 ]

قال: إنك دعوتني باسمي الذي سمتني به أمي، ولقد كنت في عماء (1) من أمري، ولقد خدمت محمد بن الحنفية عمرا، فناشدته اليوم: " أنت إمام ؟ " فأرشدني إليك فقال: " هو الامام علي، وعليك، وعلى الخلق كلهم " فلما دنوت منك سميتني باسمي الذي سمتني به أمي، فعلمت أنك الامام الذي فرض الله علي وعلى كل مسلم طاعته. وقال: ولدتني أمي فسمتني " وردان " فدخل عليها والدي وقال: " سميه: كنكر " ووالله ما سماني به أحد من الناس - إلى يومي هذا - غيرك، فأشهد أنك إمام من في الارض، وإمام من في السماء. (2) 7 - ومنها: ما روي عن أبي الصباح الكناني قال: سمعت الباقر عليه السلام يقول: خدم أبو خالد الكابلي، علي بن الحسين عليهما السلام برهة من الزمان، ثم شكا شدة شوقه إلى والديه، وسأله الاذن في الخروج إليهما، فقال له علي بن الحسين عليه السلام: يا كنكر إنه يقدم علينا غدا رجل من أهل الشام له قدر وجاه ومال، ومعه إبنة له قد أصابها عارض


(1) " عمياء " رجال الكشي. والعماء: هو كل أمر لا تدركه عقول بني آدم، ولا يبلغ كنهه الوصف. والعمياء: تأنيث الاعمى، وهي الجهالة والضلالة. (النهاية: 3 / 304 و 305). (2) عنه البحار: 42 / 94 ح 23 و 24، وج 46 / 45 ح 47 و 48، والعوالم: 18 / 65 ح 1 وعن رجال الكشي: 120 ح 192، وعن رسالة شرح الثار لابن نما بإسنادهما إلى أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام. وأخرجه في البحار: 45 / 348 عن شرح الثار، وفي المناقب: 3 / 288 عن رجال الكشي. ورواه في الهداية الكبرى: 221 بإسناده إلى أبي بصير أيضا، عنه مدينة المعاجز: 316 ح 82 وعن رجال الكشي. وأورده في أعلام الورى: 259، عنه اثبات الهداة: 5 / 233 ح 24، وفي الصراط المستقيم: 2 / 180 ح 6 مرسلا ومختصرا. وأخرجه في اثبات الهداة: 5 / 257 ح 65 عن صاحب مناقب فاطمة وولدها.

[ 263 ]

من الجن، وهو يطلب معالجا يعالجها، ويبذل في ذلك ماله، فإذا قدم فصر إليه أول الناس، وقل له: " أنا أعالج إبنتك بعشرة آلاف درهم " فإنه يطمئن إلى قولك، ويبذل لك ذلك. فلما كان من الغد قدم الشامي ومعه ابنته وطلب معالجا. فقال له أبو خالد: أنا أعالجها على أن تعطيني عشرة آلاف [ درهم ] على أن لا يعود إليها أبدا. فضمن أبوها له ذلك. فقال أبو خالد لعلي بن الحسين عليه السلام، فقال عليه السلام: يا خالد إنه سيغدر بك. قال: قد ألزمته المال. قال: فانطلق، فخذ بإذن الجارية اليسرى وقال: " يا خبيث يقول لك علي بن الحسين: أخرج من بدن هذه الجارية، ولا تعد إليها ". ففعل كما أمره، فخرج عنها، وأفاقت الجارية من جنونها، وطالبه بالمال فدافعه فرجع إلى علي بن الحسين عليه السلام. فقال له: يا أبا خالد ألم أقل لك أنه يغدر ؟ ! ولكن سيعود إليها غدا، فإذا أتاك فقل: " إنما عاد [ إليها ] لانك لم تف بما ضمنت لي، فإن وضعت عشرة آلاف درهم على يد علي بن الحسين عليه السلام عالجتها على أن لا يعود إليها أبدا. فلما كان بعد ذلك أصابها من الجن عارض، فأتى أبوها إلى أبي خالد، فقال له أبو خالد: ضع المال على يد علي بن الحسين عليه السلام فإني أعالجها على أن لا يعود إليها أبدا. فوضع المال على يدي علي بن الحسين عليه السلام، وذهب أبو خالد إلى الجارية وقال في أذنها كما قال أولا (1) ثم قال: إن عدت [ إليها ] أحرقتك بنار الله.


(1) " كذلك " م بدل " كما قال أولا ". وفي نسخ الحديث والبحار اختلافات كثيرة، الاشارة إليها تحرم القارى انسجامه مع سير أحداث الرواية، إلا أنها لا تضر بالمعنى، وإن شئت فراجع.

[ 264 ]

فخرج وأفاقت الجارية ولم يعد إليها، فأخذ أبو خالد المال وأذن له في الخروج إلى والديه، فخرج بالمال حتى قدم على والديه. (1) 8 - ومنها: ما روى أبو بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان فيما أوصى به إلي أبي علي بن الحسين عليهما السلام أن قال: يا بني إذا أنا مت فلا يلي غسلي غيرك، فإن الامام لا يغسله إلا إمام مثله. واعلم [ يا بني ] أن عبد الله أخاك سيدعو الناس إلى نفسه، فامنعه، فإن أبى فدعه، فإن عمره قصير. قال الباقر عليه السلام: فلما مضى أبي ادعى عبد الله الامامة فلم أنازعه، فلم يلبث إلا شهورا يسيرة حتى قضى نحبه (2). (3)


(1) عنه البحار: 46 / 31 ح 24، والعوالم: 18 / 57 ح 1، وعن مناقب ابن شهر اشوب: 3 / 286. وأخرجه في رجال الكشي: 121 ح 192 من خط جبريل بن أحمد بإسناده إلى أبي الصباح، عنه الوسائل: 12 / 109 ح 3. وعنه اثبات الهداة: 5 / 237 ح 28 وعن الخرائج. ورواه الخصيبي في الهداية: 222 بإسناد له إلى أبي الصباح، عنه مدينة المعاجز: 314 ح 76 وعن المناقب ورجال الكشي. وعنه حلية الابرار: 2 / 29، وعن الخرائج والمناقب وأخرجه في البحار: 63 / 85 ح 41 عن الخرائج والمناقب ورجال الكشي. وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 181 ح 7 مرسلا ومختصرا. (2) كذا في الخرائج وكشف الغمة، ولم يثبت في مصدر آخر ادعاء عبد الله بن علي الامامة كما أنه لم يذكر في المصادر المعتمدة أن الشيعة افترقت بعد وفاة الامام علي بن الحسين ومحمد الباقر عليهما السلام. والثابت الصحيح أن الذي ادعى الامامة بعد استشهاد والده هو عبد الله بن جعفر الصادق عليه السلام الملقب بالافطح، والمنسوبة إليه " الفرقة الفطحية ". ويؤيد ذلك رواية مناقب ابن شهر اشوب، ودلائل الامامة، وإثبات الوصية بإسنادهم =

[ 265 ]

9 - ومنها: أن حماد بن حبيب الكوفي القطان قال: خرجنا سنة حجاجا فرحلنا من زبالة (1) فاستقبلتنا ريح سوداء مظلمة، فتقطعت القافلة، فتهت في تلك


= عن أبي بصير، عن الصادق عليه السلام أنه أخبر ولده الكاظم عليه السلام أن عبد الله سيدعى الامامة، فليدعه، فإن عمره قصير. وعبد الله بن علي الملقب ب‍ " الباهر " لجماله وحسنه ولى صدقات النبي صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام، وقال عنه الباقر عليه السلام: " أما عبد الله فيدي التي أبطش بها ". وقال عنه الشيخ المفيد في الارشاد: 300: " كان فاضلا فقيها... " راجع رجال السيد الخوئي: 10 / 275. (3) عنه البحار: 46 / 166 ح 9، والعوالم: 18 / 214 ح 1، وإثبات الهداة: 5 / 245 ح 43. وأخرجه في كشف الغمة: 2 / 137 عن دلائل الحميري بإسناد له إلى أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام، عنه البحار: 46 / 269 ح 69، وإثبات الهداة: 5 / 264 ح 8. ورواه في دلائل الامامة: 163 بإسناده إلى أبي بصير، عن العبد الصالح عليه السلام عنه مدينة المعاجز: 403 ح 168، وص 432 ح 23. وأورده في اثبات الوصية: 102 عن علي بن أبي حمزة الثمالي، عن أبي بصير، عن العبد الصالح، عنه أثبات الهداة: 5 / 576 ح 147. وأورده ابن شهر اشوب في المناقب: 3 / 251 عن أبي بصير، عنه البحار: 27 / 290 ح 4، وج 47 / 127، وص 255 ح 25، ومدينة المعاجز: 314 ح 77. وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 181 ح 8 مرسلا ومختصرا. أقول: وفي حاشية نسخة " م " أضاف هذه العبارة، وسيأتي نصها في معجزات الباقر عليه السلام ذيل الحديث " 9 ": " قال: سيخرج أخي زيد بعد موتي، ويدعو الرجال إلى نفسه، ويخلع ابني جعفرا، ولا يلبث إلا ثلاثا حتى يقتل، ويصلب، ويحرق بالنار ويذرى بالريح ويمثل به مثلة ما مثل أحد قبله ". (1) زبالة - بضم أوله: منزل بطريق مكة من الكوفة. معجم البلدان: 3 / 129. (*)

[ 266 ]

البراري، فانتهيت إلى واد قفر، وجنني الليل، فآويت إلى شجرة، فلما اختلط الظلام إذا أنا بشاب عليه أطمار (1) بيض، قلت: هذا ولي من أولياء الله متى ما أحس بحركتي خشيت نفاره، فأخفيت نفسي فدنا إلى موضع، فتهيأ للصلاة، وقد نبع له ماء، ثم وثب قائما يقول: " يا من حاز كل شئ ملكوتا، وقهر كل شئ جبروتا، صل على محمد وآل محمد، وأولج قلبي فرح الاقبال إليك (2) وألحقني بميدان المطيعين لك ". ودخل في الصلاة، فتهيأت أيضا للصلاة، ثم قمت خلفه، وإذا بمحراب مثل في ذلك الوقت قدامه، وكلما مر بآية منها الوعد والوعيد يرددها بانتحاب وحنين فلما تقشع الظلام قام، فقال: " يا من قصده الضالون فأصابوه مرشدا، وأمه الخائفون فوجدوه معقلا، ولجأ إليه العائدون فوجدوه موئلا (3). متى راحة من نصب لغيرك بدنه ؟ ! ومتى فرح من قصد سواك بهمته (4) ؟ ! إلهي قد انقشع الضلام ولم أقض من خدمتك وطرا، ولا من حياض مناجاتك صدرا صل على محمد وآل محمد، وافعل بي أولى الامرين بك ". [ ونهض ] فعلقت به، فقال: لو صدق توكلك ما كنت ضالا، ولكن اتبعني واقف أثري. وأخذ بيدي، فخيل إلي أن الارض تميد (5) من تحت قدمي. فلما انفجر عمود الصبح قال: هذه مكة.


(1) الطمر - بالكسر -: الثوب الخلق، والجمع " أطمار " (2) " عليك " ط، ه‍. (3) المآل: الملجأ. وفي ط، ه‍: " العائذون فوجدوه مؤملا " وفي فتح الابواب: " العابدون فوجدوه نوالا ". (4) " لغيرك همته " ط، ه‍. (5) أي تحركت، واضطربت، ودارت، واهتزت.

[ 267 ]

فقلت: من أنت بالذي ترجوه ؟ فقال: أما إذا أقسمت، فأنا علي بن الحسين. (1) 10 - ومنها: أن علي بن الحسين عليه السلام حج في السنة التي حج فيها هشام بن عبد الملك وهو خليفة، فاستجهر (2) الناس منه عليه السلام وتشوفوا (3) له وقالوا لهشام: من هو ؟ قال هشام: لا أعرف. لئلا يرغب فيه فقال الفرزدق - وكان حاضرا -: بل أنا أعرفه: هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحل والحرم إلى آخرها. فبعثه هشام، وحبسه، ومحا إسمه من الديوان، فبعث إليه علي بن الحسين عليهما السلام بصلة، فردها، وقال: ما قلت ذلك إلا ديانة. فبعث بها إليه أيضا، وقال: شكر الله لك ذلك. فلما طال الحبس عليه - وكان يوعده بالقتل - شكى إلى علي بن الحسين عليهما السلام فدعا له فخلصه الله، فجاء إليه وقال: يا بن رسول الله إنه محا اسمي من الديوان. فقال: كم كان عطاؤك ؟ قال: كذا. فأعطاه لاربعين سنة، وقال عليه السلام: لو علمت


(1) عنه البحار: 46 / 41 ح 35، والعوالم: 18 / 33 ح 5، ومدينة المعاجز: 314 ح 78. وأخرجه ابن طاووس في فتح الابواب: 94 " مخطوط " عن أمالي محمد بن أبي عبد الله بإسناده إلى أبي بكر الكوفي، عنه البحار: 46 / 77 ح 73، والعوالم: 18 / 33 ح 6 وص 71 ح 1. وأوردناه في الصحيفة السجادية الجامعة دعاء 72 (معدة للطبع). وأورده ابن شهر اشوب في المناقب: 3 / 283 عن حماد، عنه البحار: 46 / 40، وص 77 ح 74، والعوالم: 18 / 32 ح 4، ومدينة المعاجز: 312 ح 68. وعنه البحار: 87 / 230 ح 43 وعن الخرائج. وعنه مستدرك الوسائل: 4 / 124، وص 177 ح 3 وعن الخرائج وفتح الابواب. وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 181 ح 9 مرسلا ومختصرا. (2) الجهر - بالضم -: هيئة الرجل وحسن منظره. وجهر الرجل: نظر إليه وعظم في عينه وراعه جماله وهيئته، كاجتهره. (القاموس المحيط: 1 / 395). (3) تشوف - بتشديد الواو - للشئ: أي طمح بصره إليه. (النهاية: 2 / 509).

[ 268 ]

أنك تحتاج إلى أكثر من هذا لاعطيتك. فمات الفرزدق بعد أن مضى أربعون سنة. (1) 11 - ومنها: أن الحجاج بن يوسف لما خرب الكعبة بسبب مقاتلة عبد الله ابن الزبير، ثم عمروها، فلما أعيد البيت وأرادوا أن ينصبوا الحجر الاسود، فكلما نصبه عالم من علمائهم، أو قاض من قضاتهم، أو زاهد من زهادهم يتزلزل، ويقع ويضطرب، ولا يستقر الحجر في مكانه. فجاءه علي بن الحسين عليهما السلام وأخذه من أيديهم، وسمى الله، ثم نصبه، فاستقر في مكانه، وكبر الناس، ولقد ألهم الفرزدق في قوله: يكاد يمسكه عرفان راحته * ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم (2) 12 - ومنها: ما روي عن أبي خالد الكابلي أنه قال: قلت لعلي بن الحسين عليهما السلام: من الامام بعدك ؟ قال: محمد إبني، يبقر العلم بقرا، ومن بعد محمد جعفر إسمه عند أهل السماء " الصادق ". قلت: كيف صار اسمه الصادق، وكلكم الصادقون ؟ قال: حدثني أبي، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال:


(1) عنه البحار: 46 / 141 ح 22، والعوالم: 18 / 199 ح 2 وص 286 ح 3، ومدينة المعاجز: 314 ح 79. أقول: والقصة معروفة مشهورة، ذكرها أهل السير والتواريخ في مصنفاتهم، ودونها الادباء في كتبهم، ومصادرها من الكثرة بحيث يضيق بنا المجال لسردها. راجع البحر 46 / 124 ح 17، والعوالم: 18 / 193 ح 1، وإحقاق الحق: 12 / 136 - 149، وج 19 / 442 - 446. (2) عنه البحار: 46 / 32 ح 25، وج 99 / 62 ح 37، والعوالم: 18 / 180 ح 2، ومدينة المعاجز: 318 ح 86، ومستدرك الوسائل: 9 / 327 ح 8. وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 181 ح 12 مرسلا ومختصرا.

[ 269 ]

إذا ولد إبني جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فسموه " الصادق " فإن الخامس الذي من ولده الذي اسمه جعفر يدعي الامامة اجتراءا على الله وكذبا عليه، فهو عند الله " جعفر الكذاب المفتري على الله ". ثم بكى علي بن الحسين عليه السلام فقال: كأني بجعفر الكذاب وقد حمل طاغية زمانه على تفتيش أمر ولي الله والمغيب في حفط الله. فكان كما ذكر. (1) 13 - ومنها: ما روى أبو حمزة الثمالي قال: خرجت مع علي بن الحسين عليه السلام إلى ظاهر المدينة، فلما وصل إلى حائط قال: إني انتهيت يوما إلى هذا الحائط فانكببت عليه، فإذا رجل عليه ثوبان أبيضان ينظر في وجهي، ثم قال لي: ما لي أراك حزينا ؟ أعلى الدنيا ؟ فهو رزق حاضر، يأكل منه البر والفاجر. قلت: ما على الدنيا حزني، وإن القول لكما تقول. قال: أفعلى الآخرة ؟ فهو وعد صادق، يحكم فيه ملك قاهر، فعلام حزنك ؟ قلت: أتخوف من فتنة ابن الزبير. (2)


(1) عنه البحار: 46 / 230 ح 5، وج 47 / 9 ح 4. ورواه في علل الشرائع: 234 ح 1 بإسناده إلى الثمالي، عن علي بن الحسين، عن آبائه عليهم السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله، عنه البحار 47 / 8 ح 2. وأورده في دلائل الامامة: 112، ومقصد الراغب: 156 (مخطوط) مرسلا. (2) هو عبد الله بن الزبير بن العوام، وكان ممن امتنع عن مبايعة يزيد - لعنه الله - وآوى إلى مكة فحاصره أصحاب يزيد، ونصبوا له المنجنيق على الكعبة، ورموها بالنار، فلما مات يزيد في سنة أربع وستين بايعه أهل الحرمين بالخلافة، بعد أن بقى الناس بغير خلافة جماديين وأياما من رجب، ثم بايعه اهل العراق واليمن. وفي سنة ثلاث وسبعين نازل الحجاج ابن الزبير بأمر من عبد الملك بن مروان فحاصره ونصب المنجنيق على أبي قبيس، ورمى الكعبة، ودام القتال أشهرا، حتى قتل في هذه الفتنة خلق كثير. =

[ 270 ]

فتبسم ثم قال: هل رأيت أحدا توكل على الله فلم يكفه ؟ ! قلت: لا. قال: فهل رأيت أحدا سأل الله فلم يعطه ؟ ! قلت: لا. قال: فهل رأيت أحدا خاف الله فلم ينجه ؟ ! قلت: لا. قال عليه السلام: فإذن ليس قدامي أحد. (1) 14 - ومنها: أن فاطمة بنت علي بن أبي طالب لما رأت ما يفعله ابن أخيها قالت لجابر: هذا علي بن الحسين بقية أبيه قد انخرم أنفه، وثفنت جبهتاه وركبتاه [ فعليك أن تأتيه و ] (2) تدعوه إلى البقيا على نفسه. فجاء جابر بابه وإذا ابنه محمد، فقال له: أقبل، أنت - والله - الباقر، وأنا أقرئك سلام


= وقد رويت في مصادر العامة عن رسول الله صلى الله عليه وآله روايات في لعنه كثيرة فراجع اسد الغابة: 3 / 242، سير أعلام النبلاء: 3 / 363، العبر في خبر من غبر: 1 / 51 - 60 ووفيات الاعيان: 3 / 71 وغيرها. (1) عنه البحار: 46 / 145 ح 1. ورواه في الكافي: 2 / 63 ح 2، وفي التوحيد: 373 ح 17، وارشاد المفيد: 289 وأمالي المفيد: 204 ح 34 جميعا بإسنادهم إلى أبي حمزة الثمالي. وأخرجه في المناقب: 3 / 279 عن حلية الاولياء: 3 / 134، وفضائل أبي السعادات بإسنادهم إلى أبي حمزة الثمالي ومنذر الثوري، عنه البحار: 46 / 37 ح 33، والعوالم: 18 / 39 ح 1. وأورده في كشف الغمة: 2 / 87 عن الثمالي، عنه العوالم: 18 / 200 ح 1 وعن الخرائج. وأخرجه في الوسائل: 11 / 166 ح 1 عن الكافي. وفي البحار: 46 / 145 ح 2 عن كشف الغمة، وح 3 عن الارشاد، وفي 71 / 148 ح 43 عن ارشاد المفيد، وأماليه. وفي مدينة المعاجز: 310 ح 54 عن المناقب والارشاد. (2) من البحار.

[ 271 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله وقال لي (1): إنك تبقى حتى تعمى، ثم يكشف لك عن بصرك. الخبر بتمامه. (2)


أي قال رسول الله صلى الله عليه وآله لجابر كما في أمالي الطوسي الذي حوى تمام الخبر بألفاظ تدل على أن جابرا يوم التقى الباقر عليه السلام كان بصره صحيحا، وإنما بشر بلقاء الباقر عليه السلام، وبالعمى والابصار من قبل الرسول صلى الله عليه وآله. وفي الاصل: " فقال ". ثم إن هذه الرواية وإن تضمنت الاشارة إلى كثرة عبادة الامام السجاد عليه السلام ونصيحة جابر له بالبقيا على نفسه، ولكن ليس فيها معجزة كما هو المطلوب في أحاديث هذا الباب. إلا أن يتوهم رجوع ضمير " قال " إلى علي بن الحسين عليهما السلام. (2) عنه البحار: 46 / 32 ح 26، والعوالم: 18 / 58 ح 1. ورواه بتمامه في أمالي الطوسي: 2 / 249 بإسناده إلى عمرو بن عبد الله بن هند، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام، أن فاطمة بنت علي بن أبي طالب عليه السلام ...، عنه البحار: 46 / 60 ح 18. ورواه في بشارة المصطفى: 66 بإسناده إلى الشيخ الطوسي. وأورده ابن شهر اشوب في المناقب: 3 / 289 مرسلا مع اختصار. عنه البحار: 46 / 78 ح 75، وعنه العوالم: 18 / 103 ح 8 وعن الامالي.

[ 272 ]

الباب السادس في معجزات الامام محمد بن علي الباقر عليهما السلام 1 - عن عباد بن كثير البصري [ قال: ] قلت للباقر عليه السلام: ما حق المؤمن على الله ؟ فصرف وجهه، فسألته عنه ثلاثا. فقال: من حق المؤمن على الله أن لو قال لتلك النخلة: أقبلي. لاقبلت. قال عباد: فنظرت - والله - إلى النخلة التي كانت هناك قد تحركت مقبلة، فأشار إليها: قري (1) فلم أعنك. (2) 2 - ومنها: ما روي عن أبي الصباح الكناني قال: صرت يوما إلى باب أبي جعفر الباقر عليهما السلام، فقرعت الباب، فخرجت إلي وصيفة ناهد، فضربت بيدي إلى رأس ثديها وقلت لها: قولي لمولاك: إني بالباب. فصاح من آخر الدار: أدخل، لا أم لك (3). فدخلت، وقلت: يا مولاي - والله - ما قصدت ريبة، ولا أردت إلا زيادة في يقيني


(1) قر في المكان: ثبت وسكن. (2) عنه كشف الغمة: 2 / 141، واثبات الهداة: 5 / 292 ح 39، والبحار: 46 / 248 ح 39، ومدينة المعاجز: 351 ح 99. وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 182 مرسلا. (3) لا ام لك: قال الجزري في النهاية: 1 / 68: هو ذم وسب، أي أنت لقيط لا تعرف لك أم. وقيل: قد يقع مدحا بمعنى التعجب منه، وفيه بعد. انتهى. وفي م " أمر " بدل " أم "

[ 273 ]

فقال: صدقت لئن ظننتم أن هذه الجدران تحجب أبصارنا كما تحجب أبصاركم، إذن (1) لا فرق بيننا وبينكم ! فإياك أن تعاود لمثلها. (2) 3 - ومنها: أن حبابة الوالبية دخلت على الباقر عليه السلام فقال لها: ما الذي أبطأ بك عني ؟ قالت: بياض عرض في مفرق رأسي، شغل قلبي. قال: أرينيه. فوضع الباقر عليه السلام يده عليه، ثم رفع يده، فإذا هو أسود، ثم قال: هاتوا لها المرآة. فنظرت وقد اسود ذلك الشعر ! (3) 4 - ومنها: ما روي عن أبي بصير [ قال: ] كنت مع الباقر عليه السلام في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله قاعدا، حدثان (4) ما مات (5) علي بن الحسين عليهما السلام إذ دخل الدوانيقي، وداود إبن سليمان قبل أن أفضي الملك إلى ولد العباس، وما قعد إلى الباقر عليه السلام إلا داود. فقال [ له ] عليه السلام: ما منع الدوانيقي أن يأتي ؟ قال: فيه جفاء (6). قال الباقر عليه السلام: لا تذهب الايام حتى يلي أمر هذا الخلق، فيطأ أعناق الرجال ويملك شرقها وغربها، ويطول عمره فيها حتى يجمع من كنوز الاموال ما لم يجمع لاحد قبله.


(1) " لانه " نسخ الاصل. (2) عنه كشف الغمة: 2 / 141، والبحار: 46 / 248 ح 40. (3) عنه كشف الغمة: 2 / 142. وروى مثله الصفار في بصائر الدرجات: 270 ح 3 بإسناده عن إبراهيم بن هاشم، عن علي بن معبد يرفعه، عنه اثبات الهداة: 5 / 284 ح 24 والبحار: 46 / 237 ح 16 وأورده الخصيبي في الهداية الكبرى: 240 عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام عنه مدينة المعاجز: 355 ح 114. (4) حدثان - بكسر الحاء وسكون الدال - الشئ: أوله، وهو مصدر حدث. وفي الفصول المهمة بلفظ " في حدثان موت والده عليه السلام ". (5) " امامة " خ ل. (6) الجفاء - بالضم والمد -: الباطل - وبالفتح والمد -: غلظ الطبع، والبعد عن الآداب.

[ 274 ]

فقام داود، وأخبر الدوانيقي بذلك، فأقبل إليه الدوانيقي وقال: ما منعني من الجلوس إليك إلا إجلالا لك، فما الذي أخبر به (1) داود ؟ فقال: هو كائن. قال: وملكنا قبل ملككم ؟ قال: نعم. قال: ويملك بعدي أحد من ولدي ؟ قال: نعم. قال: فمدة بني أمية أكثر أم مدتنا. قال: مدتكم أطول، وليتلقفن هذا الملك صبيانكم، ويلعبون به كما يلعبون بالكرة، هذا ما عهده إلي أبي. فلما ملك الدوانيقي تعجب من قول الباقر عليه السلام. (2) 5 - ومنها: ما روى عن أبي بصير [ قال: ] قلت يوما للباقر عليه السلام: أنتم ذرية رسول الله ؟ قال: نعم. قلت: ورسول الله وارث الانبياء كلهم ؟ قال: نعم ورث جميع علومهم. قلت: وأنتم ورثتم جميع علم رسول الله ؟ قال: نعم. قلت: وأنتم تقدرون أن تحيوا الموتى. وتبرؤا الاكمه والابرص، وتخبروا الناس بما يأكلون، وما يدخرون في بيوتهم ؟ قال: نعم بإذن الله. ثم قال: أدن مني يا أبا بصير. فدنوت منه، فمسح يده على وجهي، فأبصرت السهل والجبل والسماء والارض، ثم مسح يده على وجهي، فعدت كما كنت لا أبصر شيئا. قال: ثم قال الباقر عليه السلام: إن أحببت أن (تكون هكذا) (3) كما أبصرت، وحسابك على الله ؟ وإن أحببت أن تكون


(1) " أخبرني " ه‍، ط. (2) عنه كشف الغمة: 2 / 142، والفصول المهمة: 199، والبحار: 46 / 249 ح 41 ومدينة المعاجز: 321، وينابيع المودة: 332. وأورده النبهاني في جامع كرامات الاولياء: 1 / 164 مثله، ثم قال: قاله في المشرع الروى وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 182 باختصار. وأخرجه في إحقاق الحق: 12 / 181 عن جامع الكرامات والفصول المهمة. (3) " تبصر " ه‍، ط.

[ 275 ]

كما كنت وثوابك الجنة ؟ فقلت: أكون كما كنت، والجنة أحب إلي. (1) 6 - ومنها: ما قال جابر: كنا عند الباقر عليه السلام نحوا من خمسين رجلا إذ دخل عليه كثير النواء - وكان من المغيرية (2) - فسلم وجلس ثم قال: إن المغيرة بن عمران عندنا بالكوفة يزعم أن معك ملكا يعرفك الكافر من المؤمن، وشيعتك من أعدائك. قال: ما حرفتك ؟ قال: أبيع الحنطة. قال: كذبت. قال: وربما أبيع الشعير. قال: ليس كما قلت، بل تبيع النوى. قال: من أخبرك بهذا ؟ قال: الملك الذي يعرفني


(1) عنه كشف الغمة: 2 / 142، والفصول المهمة: 199، والبحار: 46 / 249 ح 42، وفي ص 237 ح 13 - 15 عنه وعن بصائر الدرجات: 269 ح 1 بإسناده عن أحمد ابن محمد، عن علي بن الحكم، عن مثنى الحناط، عن أبي بصير مثله، وعن اعلام الورى: 267 بالسند المتقدم، ومناقب آل أبي طالب: 3 / 318 مرسلا عن أبي بصير ورجال الكشي: 174 ح 298 بالاسناد عن أبي بصير مثله. وعنه في الايقاظ من الهجعة: 101 وص 242 وعن الكافي: 1 / 470 ح 3 بإسناده عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن مثنى الحناط، عن أبي بصير مثله، وعن كشف الغمة ورجال الكشي. وأورده في ثاقب المناقب: 317 مرسلا عن أبي بصير. وأخرجه في إثبات الهداة: 5 / 270 ح 6 عن الكافي وبصائر الدرجات واعلام الورى وأورده الشبلنجي في نور الابصار: 159، عنه إحقاق الحق: 12 / 182 وعن الفصول المهمة، والمسعودي في اثبات الوصية: 175 مرسلا عن أبي بصير. (2) المغيرية: أصحاب المغيرة بن سعيد العجلي الذي ادعى أن الامامة بعد محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام لمحمد - النفس الزكية - بن عبد الله بن الحسن، وزعم أنه حي لم يمت. وعده الشيخ في رجاله: 134، وفي رجال الكشي: 225 من البترية. وقال البرقي في رجاله: 15: انه كان عاميا. وفي م " المغافرة ". " المفارقة " ه‍، ط. " المعامرة " كشف. وما في المتن من البحار ورجال المامقاني.

[ 276 ]

شيعتي من عدوي، لست تموت إلا تائها (1). قال جابر الجعفي: فلما انصرفنا إلى الكوفة، ذهبت في جماعة نسأل عن كثير، فدللنا على عجوز، فقالت: مات تائها منذ ثلاثة أيام. (2) 7 - ومنها: ما قال أبو بصير: كنت مع الباقر عليه السلام في المسجد، إذ دخل عليه عمر بن عبد العزيز، عليه ثوبان ممصران (3) متكئا على مولى له. فقال عليه السلام: ليلين (4) هذا الغلام، فيظهر العدل، ويعيش أربع سنين، ثم يموت فيبكي عليه أهل الارض، ويلعنه أهل السماء. فقلنا: يا بن رسول الله، أليس ذكرت عدله وإنصافه ؟ قال: يجلس في مجلسنا، ولا حق له فيه، ثم ملك وأظهر العدل جهده ! (5) 8 - ومنها: أن عاصم بن أبي حمزة قال: ركب الباقر عليه السلام يوما إلى حائط (6) له وكنت أنا وسليمان بن خالد معه، فما سرنا إلا قليلا فاستقبلنا رجلان. فقال عليه السلام: هما سارقان خذوهما. فأخذناهما. وقال لغلمانه: استوثقوا منهما. وقال لسليمان: انطلق إلى ذلك الجبل - مع هذا الغلام - إلى رأسه، فإنك تجد في أعلاه كهفا، فأدخله، وصر إلى وسطه، فاستخرج ما فيه، وادفعه إلى هذا الغلام يحمله بين يديك، فإن فيه لرجل سرقة، ولآخر سرقة.


(1) الظاهر أن المراد بالتائه: الذاهب العقل، ويحتمل أن يكون المراد به: التحير في الدين (قاله المجلسي ره). (2) عنه كشف الغمة: 2 / 143، والبحار: 46 / 250 ح 43، ورجال المامقاني: 2 / 36 رقم 9842. وأورده في الصراط المستقيم: 182 مرسلا. (3) قال الجزري في النهاية: 4 / 336: المصرة من الثياب: التي فيها صفرة خفيفة. (4) أي يكون واليا. (5) عنه اثبات الهداة: 5 / 292 ح 40، والبحار: 46 / 251 ح 44، ومدينة المعاجز: 351 ح 100. (6) الحائط: البستان.

[ 277 ]

فخرج (1) واستخرج عيبتين (2)، وحملها على ظهر الغلام، فأتى بهما الباقر عليه السلام فقال: هما لرجل حاضر، وهناك عيبة [ أخرى ] لرجل غائب سيحضر بعد (3). فذهب واستخرج العيبة الاخرى من موضع آخر من الكهف. فلما (دخل الباقر عليه السلام المدينة) (4) فإذا صاحب العيبتين ادعى على قوم وأراد الوالي أن يعاقبهم، فقال الباقر عليه السلام: لا تعاقبهم. ورد العيبتين إلى الرجل (5)، ثم قطع السارقين، فقال أحدهما: لقد قطعتنا بحق، والحمد لله الذي أجرى قطعي وتوبتي على يدي ابن رسول الله. فقال الباقر عليه السلام: لقد سبقتك يدك التي قطعت إلى الجنة بعشرين سنة. فعاش الرجل (6) عشرين سنة [ ثم مات ]. قال: فما لبثنا إلا ثلاثة أيام حتى حضر صاحب العيبة الاخرى، فجاء إلى الباقر فقال [ له ]: أخبرك بما في عيبتك وهي بختمك ؟ فيها ألف دينار لك، وألف أخرى لغيرك، فيها من الثياب كذا وكذا. قال: فإن أخبرتني بصاحب الالف [ دينار ] من هو ؟ وما اسمه ؟ وأين هو ؟ علمت أنك الامام [ المنصوص عليه ] المفترض الطاعة. قال: هو محمد بن عبد الرحمن، وهو صالح كثير الصدقة، كثير الصلاة، وهو الآن على الباب ينتظرك. فقال الرجل: - وهو بربري نصراني - آمنت بالله الذي لا إله إلا هو، وأن محمدا عبده ورسوله [ وأنك الامام المفترض الطاعة ] وأسلم. (7)


(1) " فمضى " ه‍، ط. (2) العيبة: ما تجعل فيه الثياب كالصندوق. (3) " سيظهر فيما بعد " س، ه‍، ط اثبات الهداة. (4) " عاد الباقر عليه السلام " س، ه‍، ط، اثبات الهداة. (5) " صاحبهما " س، ط، اثبات الهداة. (6) زاد في م " بعده ". (7) عنه كشف الغمة: 2 / 44 باختصار، وعنه البحار: 46 / 272 ح 78، وح 76 عن رجال الكشي: 356 ح 664 مثله، وح 77 عن مناقب آل أبي طالب: 3 / 319 مرسلا عن أبي حمزة مثله. وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 182 قطعة باختصار.

[ 278 ]

9 - ومنها: ما قال محمد بن أبي حازم: كنت عند أبي جعفر عليه السلام فمر بنا زيد بن علي فقال أبو جعفر: أما والله ليخرجن بالكوفة، وليقتلن، وليطافن برأسه، ثم يؤتى به، فينصب على قصبة في هذا الموضع - وأشار إلى الموضع الذي قتل فيه - قال: سمع أذناي منه، ثم رأت عيني بعد ذلك، فبلغنا خروجه وقتله، ثم مكثنا ما شاء الله، فرأينا يطاف برأسه، فنصب في ذلك الموضع على قصبة فتعجبنا. وفي رواية أن الباقر عليه السلام قال: سيخرج أخي زيد بعد موتي، ويدعو الناس إلى نفسه، ويخلع جعفرا ابني، ولا يلبث إلا ثلاثا حتى يقتل ويصلب، ثم يحرق بالنار ويذرى في الريح، ويمثل (1) به مثلة ما مثل بأحد قبله (2). 10 - ومنها: أنه عليه السلام جعل يحدث أصحابه بأحاديث شداد، وقد دخل عليه رجل يقال له: النضر بن قرواش، فاغتم أصحابه لمكان الرجل مما يستمع حتى نهض، فقالوا: قد سمع ما سمع، وهو خبيث. قال: لو سألتموه عما تكلمت به اليوم ما حفظ منه شيئا. قال بعضهم: فلقيته بعد ذلك، فقلت: الاحاديث التي سمعتها من أبي جعفر أحب أن أعرفها. فقال: والله ما فهمت منها قليلا ولا كثيرا. (3) 11 - ومنها: أن أبا عبد الله عليه السلام: قال: إن أول ما ملكته لديناران على عهد أبي، و


(1) مثلت بالقتيل. إذا جدعت أنفه أو اذنه أو شيئا من أطرافه. والاسم: المثلة. ومثل - بالتشديد - للمبالغة. (2) عنه البحار: 46 / 251 ح 46 والعوالم: 18 / 251 ح 3. وأورد صدره في كشف الغمة: 2 / 137، وفي الفصول المهمة: 200 نقلا من دلائل الحميري مثله مرسلا، عنه اثبات الهداة: 5 / 307 ح 63. وأورد مثله قطعة في اثبات الوصية: 173 وص 178، وفي الصراط المستقيم: 2 / 182. وأخرجه في إحقاق الحق: 12 / 182 عن الفصول المهمة. (3) عنه البحار: 46 / 252 ح 47.

[ 279 ]

كان رجل يشتري الاردية من صنعاء، فأردت أن أبضعه فقال أبي: لا تبضعه (1). قال: فدفعت إليه سرا من أبي، فخرج الرجل، فلما رجع بعثت إليه رسولا فقال له: ما دفع إلي شيئا. قال: فظننت أنه إنما استتر ذلك من أبي، فذهبت إليه بنفسي وقلت: الديناران ؟ قال: ما دفعت إلي شيئا ! فأتيت أبي، فلما رآني رفع إلي رأسه، ثم قال (2) متبسما: يا بني ألم أقل لك أن لا تدفع إليه ؟ إنه من ائتمن شارب الخمر، فليس له على الله ضمان، إن الله يقول * (ولا تؤتوا السفاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما) * (3) فأي سفيه أسفه من شارب الخمر ؟ إن شهد لم تجز شهادته، وإن شفع لم يشفع، وإن خطب لم يزوج. (4) 12 - ومنها: أن أبا عبد الله عليه السلام قال: إن جابر بن عبد الله (رض) كان آخر من بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وكان رجلا منقطعا إلينا أهل البيت، وكان يقعد في مسجد الرسول متعجرا (5) بعمامة. وكان يقول: يا باقر، يا باقر، فكان أهل المدينة يقولون: جابر يهجر (6). فكان يقول: لا والله لا أهجر، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " إنك ستدرك رجلا مني اسمه اسمي، وشمائله شمائلي، يبقر العلم بقرا " فذلك الذي دعاني إلى ما أقول. قال: فبينما جابر ذات يوم يتردد في بعض طرق المدينة إذ مر بمحمد بن علي عليهما السلام فلما نظر إليه قال: يا غلام أقبل. فأقبل، ثم قال: أدبر. فأدبر، فقال: شمائل


(1) أبضعته بضاعة: دفعتها إليه. (2) " ضحك " خ ل. (3) سورة النساء: 5. (4) عنه الوسائل: 13 / 231 ح 4 و 5 وعن قرب الاسناد: 131 بإسناده عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن زياد عن أبي الحسن عليه السلام نحوه. وعنه البحار: 79 / 143 ح 56، وج 103 / 84 ح 9. (5) قال الجزري في النهاية: 3 / 185: الاعجاز بالعمامة: هو أن يلفها على رأسه، ويرد طرفها على وجهه ولا يعمل منها شيئا تحت ذقنه. (6) هجر: خلط وهذى.

[ 280 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله [ والذي نفس جابر بيده ] (1) ما اسمك يا غلام ؟ فقال: أنا محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. فقبل رأسه، ثم قال: بأبي أنت وأمي، أبوك رسول الله يقرئك السلام. فقال: وعلى رسول الله السلام. قال: ويقول لك... ويقول لك... (2) فرجع محمد إلى أبيه وهو ذعر، فأخبره بالخبر. فقال: يا بني قد فعلها جابر ؟ قال: نعم. قال: يا بني الزم بيتك. قال: فكان جابر يأتيه طرفي النهار. فكان أهل المدينة يقولون: واعجبا لجابر يأتي هذا الغلام طرفي النهار، وهو آخر من بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ! فلم يلبث أن مضى علي بن الحسين، فكان محمد بن علي عليهما السلام يأتيه على الكرامة لصحبته لرسول الله صلى الله عليه وآله. قال: فجلس الباقر يحدثهم عن الله، فقال أهل المدينة: ما رأينا أحدا قط أجرأ من ذا ! فلما رأى ما يقولون حدثهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال أهل المدينة: ما رأينا قط أحدا أكذب من هذا يحدث عمن لم يره ! فما رأى ما يقولون، حدثهم عن جابر بن عبد الله، فصدقوه، وكان - والله - جابر يأتيه فيتعلم منه (3).


(1) من البحار وبقية المصادر. (2) " يقرئك السلام ويقول ذلك " الكافي. " يقرئك السلام ويقول لك " الاختصاص. (3) عنه البحار: 46 / 225 ح 5 وعن الاختصاص للمفيد: 56 بالاسناد عن ابن الوليد، عن الصفار، رفعه عن حريز، عن أبان بن تغلب عنه عليه السلام مثله، وعن رجال الكشي 41 ح 88 بإسناده عن حمدويه وإبراهيم ابنا نصير، عن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن حريز مثله. ورواه في الكافي: 1 / 469 ح 2 بإسناده عن عدة من أصحابه، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله، عنه اثبات الهداة: 1 / 415 ح 16، وحلية الابرار: 2 / 93. وأورد - قطعة منه - في اعلام الورى بأعلام الهدى: 268 عن أبي عبد الله عليه السلام مثله.

[ 281 ]

13 - ومنها: ما روي [ عن ] الحسن (1) بن راشد قال: ذكرت زيد بن علي فتنقصته (2) عند أبي عبد الله عليه السلام فقال: لا تفعل ! رحم الله عمي (إن عمي) (3) أتى أبي فقال: إني أريد الخروج على هذا الطاغية. فقال: لا تفعل يا زيد فإني أخاف أن تكون المقتول المصلوب بظهر الكوفة، أما علمت يا زيد أنه لا يخرج أحد من ولد فاطمة على أحد من السلاطين قبل خروج السفياني إلا قتل ؟ ثم قال لي: يا حسن إن فاطمة أحصنت فرجها (4) فحرم الله ذريتها على النار، و فيهم نزلت * (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات) * (5) فالظالم لنفسه الذي لا يعرف الامام، والمقتصد العارف بحق الامام، والسابق بالخيرات هو الامام. ثم قال: يا حسن إنا أهل بيت لا يخرج أحدنا من الدنيا حتى يقر لكل ذي فضل بفضله. (6)


(1) " الحسين " كشف الغمة والفصول المهمة. ذكره المامقاني في رجاله: 1 / 276 رقم 2434 في باب الحسن، وله بيان، فراجع. (2) تنقص فلانا: ذمه ونسب إليه النقص. وفي م " فنقصه ". (3) " زيدا وأنه " ه‍، ط. (4) زاد في ه‍، ط " لعظمها على الله ". (5) سورة فاطر: 32. (6) عنه كشف الغمة: 2 / 144، وإثبات الهداة: 5 / 294 ح 43، والبحار: 46 / 185 ح 51 وج 102 / 275 ملحق هامش 1. وأورده في الفصول المهمة: 200 مرسلا، وفي ينابيع المودة: 420 نقلا عن معالم العترة الطاهرة للحافظ ابن الاخضر من طريق أبي نعيم، عن أبي علي الرضا محمد الجواد، عن الباقر عليهم السلام مثله، عنه إحقاق الحق: 12 / 182. وأخرجه المامقاني في رجاله: 1 / 277 عن كشف.

[ 282 ]

14 - ومنها: ما قال سدير الصيرفي: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إني لاعرف رجلا من أهل المدينة أخذ قبل المشرق، قبل ظلام الليل، إلى البقية الذين قال الله * (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) * (1) لمشاجرة فيما بينهم فأصلح بينهم، ورجع ولم يقعد من فراشه، فمر بنطفتكم (2) فشرب منها - يعني الفرات -. ثم مر عليك يا أبا الفضل (3) فقرع عليك بابك، ومر برجل عليه المسوح، معقل (4) به عشرة موكلون يستقبل به عين الشمس، ويوقد حوله النيران، ويدار به حول (5) الشمس حيث دارت، كلما مات واحد من العشرة أضاف الله إليهم [ من أهل القرية ] واحدا آخر، فالناس يموتون والعشرة لا ينقصون. فمر به الرجل فقال: ما قصتك ؟ قال له الرجل (6): إن كنت عالما فما أعرفك بأمري. وقال: هو ابن آدم القاتل (7). قال محمد بن مسلم: وكان الرجل الذي خرج إلى المشرق محمد بن علي عليهما السلام. (8)


(1) سوره الاعراف 159. (2) النطفة: الماء الصافي قل أو كثر، البحر. (3) وهي كنية سدير. (4) المسح - بكسر الميم -: ما يلبس من نسيج الشعر على البدن تقشفا وقهرا للجسد. جمعها: مسوح وأمساح. ومعقل: مشدود بالعقال وهو الحبل. (5) كذا في خ ل، وفي النسخ " حر " وفي بعض المصادر: حذاء. (6) أي الرجل المعقول. (7) يعني قابيل، المذكورة قصته في القرآن الكريم. (8) عنه البحار: 46 / 341 و 342 ح 28 و 29، وعن بصائر الدرجات: 399 ح 11 والاختصاص: 312 بإسناديهما عن علي بن إسماعيل، عن محمد بن عمرو الزيات، عن أبيه، عن ابن مسكان، عن سدير الصيرفي مثله. وأخرجه في البحار: 11 / 243 ح 38 عن البصائر. ورواه في بصائر الدرجات: 397 ح 3 وص 398 ح 4 و 6 و 7 وص 399 ح 9 و 10 =

[ 283 ]

15 - ومنها: ما روى أبو بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إني لاعرف من لو قام بشاطئ البحر، لعرف بدواب البحر وأمهاتها وعماتها وخالاتها. (1) 16 - ومنها: ما قال سعد الاسكاف: طلبت الاذن على أبي جعفر عليه السلام فقيل لي: لا تعجل فعنده قوم من إخوانكم. فلم ألبث أن خرج اثنا عشر رجلا يشبهون الزط، عليهم أقبية طبقات (3) وبتوت (4) وخفاف، قال: فسلموا ومروا، فدخلت على أبي جعفر فقلت: ما أعرف هؤلاء، فمن هم ؟ قال: هؤلاء قوم من إخوانكم من الجن. قلت: ويظهرون لكم ؟ قال: هم يغدون علينا في حلالهم وحرامهم كما تغدون. (5) 17 - ومنها: ما روي عن عبد الله بن طلحة سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الوزغ قال:


= وص 400 ح 12 وفى الاختصاص: 310 - 312 باسناديهما من طرق عدة وبألفاظ مختلفة عنهما البحار: 25 / 370 ح 18 و 19، وفى 317 ح 20 من البحار المذكور وج 57 / 328 ح 9 عن البصائر. وأخرجه في مدينة المعاجز: 336 ح 22 عن الاختصاص من عدة طرق. (1) عنه كشف الغمة: 2 / 145، والبحار: 46 / 254 ح 52. وروى مثله الصفار في بصائر الدرجات 513 ح 31 وص 517 ح 46 بإسناده عن محمد بن عبد الجبار، عن عبد الرحمن، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عنه عليه السلام مثله، عنه البحار: 25 / 372 ح 22. وأورده في مختصر بصائر الدرجات: 65 مثله. (2) الزط - بضم الزاي وتشديد المهملة -: جنس من السودان أو الهنود، الواحد: زطى، (3) " ضيقات " كشف الغمة. القباء: ثوب يلبس فوق الثياب، جمعها: أقبية. (4) البت: كساء غليظ مربع من وبر وصوف، وقيل: طيلسان من خز، والجمع: بتوت. (5) عنه البحار: 46 / 269 و 270 ح 71 و 72 وعن كشف الغمة: 2 / 138 نقلا من دلائل الحميري، عن سعد الاسكافي مثله. وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 183 مرسلا (قطعة).

[ 284 ]

هو الرجس، وهو مسخ، فإذا قتلته فاغتسل - يعني شكرا -. وقال: إن أبي كان قاعدا في الحجر (1) ومعه رجل يحدثه، فإذا هو بوزغ (2) يولول بلسانه فقال أبي عليه السلام للرجل: تدري ما يقول هذا الوزغ ؟ فقال الرجل: لا علم لي بما يقول. قال: فإنه يقول: لئن ذكرت عثمان لاسبن عليا. وقال: إنه ليس يموت من بني أمية إلا مسخ وزغا (3). وقال أبي عليه السلام: إن عبد الملك لما نزل به الموت، مسخ وزغا، وكان عنده ولده ولم يدروا كيف يصنعون، وذهب ثم فقدوه، فأجمعوا على أن يأخذوا جذعا فصنعوه كهيئة الرجل، ففعلوا ذلك، وألبسوا الجذع، ثم لفوه في الاكفان، ولم يطلع عليه أحد من الناس إلا ولده وأنا. (4)


(1) يعني حجر الكعبة، وهو الحائط المستدير إلى جانب الكعبة الغربي، ونقل أن اسماعيل ابن إبراهيم عليهما السلام دفن أمه في الحجر فحجر عليها لئلا توطأ. (2) الوزغ - بالتحريك -: واحد الاوزاغ والوزغان، وهي التى يقال لها سام أبرص، يقال: انه كان ينفخ على نار إبراهيم عليه السلام. قاله الطريحي في مجمع البحرين: 5 / 18 وأورد الرواية أعلاه. (3) قال المجلسي ره: اما بمسخه قبل موته أو بتعلق روحه بجسد مثالي على صورة الوزغ وهما ليسا تناسخا... أو بتغيير جسده الاصلي إلى تلك الصورة كما هو ظاهر آخر الخبر لكن يشكل تعلق الروح به قبل الرجعة والبعث. ويمكن أن يكون قد ذهب بجسده إلى الجحيم أو احرق وتصور لهم جسده المثالي. (4) عنه البحار: 27 / 268 و 269 ح 17 و 19، وعنه في ج 81 / 10 ح 11، وعن بصائر الدرجات: 353 ح 1 بإسناده عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن الحسن ابن علي، عن كرام، عن عبد الله بن طلحة مثله. ورواه في الكافي: 8 / 222 ح 305 بإسناده عن علي بن محمد، عن صالح، عن الوشاء عن كرام، عن عبد الله بن طلحة، عنه البحار: 61 / 53 ح 41. ومدينة المعاجز: 353 ح 106 وفي الاختصاص: 295 بإسناده عن أحمد بن محمد =

[ 285 ]

18 - ومنها: ما روى أبو حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إني لفي عمرة اعتمرتها فأنا في الحجر جالس إذ نظرت إلى جان (1) قد أقبل من ناحية المسعى (2) حتى دنا من الحجر الاسود، فأقبلت ببصري نحوه، فوقف طويلا، ثم طاف بالبيت اسبوعا ثم بدأ بالمقام، فقام على ذنبه يصلي ركعتين، وذلك عند زوال الشمس فبصر به " عطاء " وأناس معه فأتوني فقالوا: يا أبا جعفر أما رأيت هذا الجان ؟ فقلت: قد رأيته وما صنع، ثم قلت لهم: انطلقوا إليه وقولوا له: يقول لكم محمد ابن علي: إن البيت يحضره أعبد وسودان، وهذه ساعة خلوته منهم، وقد قضيت نسكك، ونحن نتخوف عليك منهم، فلو خففت وانطلقت قبل أن يأتوك. قال: فكوم كومة (3) من بطحاء (4) المسجد، ثم وضع ذنبه عليها، ثم مثل (5) في الهواء. (6)


- ابن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن الوشاء... مثل صدره. وفى دلائل الامامة: 99 باسناده عن على بن هبة الله، عن الصدوق، عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد... مثله. وأخرجه في البحار: 65 / 225 ح 7 عن الكافي والبصائر والاختصاص والدلائل، وفى ج 80 / 67 ح 5 عن البصائر والاختصاص. وفى مدينة المعاجز: 324 ح 18 عن البصائر والاختصاص والدلائل. (1) الجان: ضرب من الحيات، قيل: هي حية أكحل لا تؤذي، كثيرة في الرمل. (2) " المشرق " البحار. (3) الكومة: القطعة المتجمعة المرتفعة من التراب ونحوه. (4) البطحاء: مسيل واسع فيه رمل ودقائق الحصى. (5) مثل: غاب. (6) عنه البحار: 46 / 252 ح 48 وعن مناقب آل أبي طالب: 3 / 320 نقلا من كتاب المعجزات مثله. وأورده في روضة الواعظين: 245 مرسلا. وفي مختصر بصائر الدرجات: 15 بالاسناد عن أحمد وعبد الله، ابنا محمد بن عيسى ومحمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب، عن أبي حمزة الثمالي مثله، عنها مدينة المعاجز: 339 ح 57.

[ 286 ]

19 - ومنها: أن جماعة استأذنوا على أبي جعفر عليه السلام قالوا: فلما صرنا في الدهليز إذ قراءة سريانية بصوت حسن يقرأ ويبكي حتى أبكى بعضنا وما نفهم ما يقول فظننا أن عنده بعض أهل الكتاب استقرأه. فلما انقطع الصوت دخلنا عليه، فلم نر عنده أحدا، قلنا: [ يا ابن رسول الله ] لقد سمعنا قراءة سريانية بصوت حسن ! قال: ذكرت (1) مناجات إليا (2) النبي فأبكتني. (3) 20 - ومنها: ما روي عن عيسى بن عبد الرحمان، عن أبيه [ قال: ] دخل ابن عكاشة بن من محصن الاسدي على أبي جعفر عليه السلام، وكان أبو عبد الله عليه السلام قائما عنده فقدم إليه عنبا فقال: حبة حبة يأكله الشيخ الكبير أو الصبي الصغير، وثلاثة وأربعة يأكله من يظن أنه لا يشبع، فكله حبتين حبتين، فإنه يستحب. فقال لابي جعفر: لاي شئ لا تزوج أبا عبد الله عليه السلام ؟ فقد أدرك التزويج ؟ وبين يديه صرة مختومة فقال: سيجئ نخاس من بربر (4) ينزل دار ميمون [ فنشتري له بهذه الصرة جارية. قال: ] (5) فأتى لذلك ما أتى، فدخلنا على أبي جعفر عليه السلام فقال: ألا أخبركم عن النخاس الذي ذكرته لكم ؟ فقد قدم، فاذهبوا فاشتروا بهذه الصرة جارية. فأتينا النخاس فقال: قد بعت ما كان عندي إلا جاريتين [ مريضتين ] (6) إحداهما أمثل من الاخرى. قلنا: فأخرجهما حتى ننظر إليهما. فأخرجهما، فقلنا: بكم تبيعنا هذا الجارية المتماثلة (7) ؟


(1) " ذكرتني " م، ه‍. (2) " الياس " ط. (3) عن كشف الغمة: 2 / 145، والبحار: 26 / 181 ح 4، وج 46 / 254 ح 50. (4) " أهل بربر " الكافي والبحار. (5 و 6) من الكافي والبحار. (7) تماثل من علته: أقبل وقارب الشفاء. قال المجلسي ره: تماثل العليل: قارب البرء، وأماثل القوم: خيارهم. وقوله " المتماثلة " يحتمل أن يكون مأخوذا من كل من المعنيين، والاول أظهر.

[ 287 ]

قال: بسبعين دينارا. قلنا: أحسن. قال: لا أنقص (من سبعين دينارا) (1) فقلنا: نشتريها منك بهذه الصرة ما بلغت. وكان عنده رجل أبيض الرأس واللحية فقال: فكوا الخاتم وزنوا. فقال النخاس: لا تفكوا، فإنها إن نقصت حبة من السبعين لم أبايعكم. قال الشيخ: زنوا. قال: فككنا ووزنا الدنانير، فإذا هي سبعون دينارا لا تزيد ولا تنقص، فأخذنا الجارية فأدخلناها على أبي جعفر عليه السلام وجعفر عليه السلام قائم عنده، فأخبرنا أبا جعفر عليه السلام بما كان. فحمد الله ثم قال لها: ما اسمك ؟ قالت: حميدة. فقال: حميدة في الدنيا، محمودة في الآخرة، أخبريني عنك أبكر، أم ثيب ؟ قالت: بكر. قال: وكيف ولا يقع في يد النخاسين شئ إلا أفسدوه ! ؟ قالت: كان يجئ فيقعد مني [ مقعد الرجل من المرأة ] (2) فيسلط الله عليه رجلا أبيض الرأس واللحية فلا يزال يلطمه حتى يقوم عني، ففعل بي مرارا، وفعل الشيخ مرارا. فقال: يا جعفر خذها إليك. فولدت خير أهل الارض [ الامام ] موسى بن جعفر عليهما السلام. (3) 21 - ومنها: ما روي عن أسود بن سعيد، عن أبي جعفر عليه السلام قال - ابتداءا من غير


(1) " منها شيئا " ه‍، ط. (2) من الكافي والبحار. (3) عنه كشف الغمة: 2 / 145، والبحار: 48 / 5 ح 5. ورواه في الكافي: 1 / 476 ح 1، وج 6 / 351 ح 6 (صدره) بإسناده عن الحسين بن محمد، عن المعلى، عن علي بن السندي، عن عيسى بن عبد الرحمان مثله. عنه الوسائل: 16 / 523 ح 1، واثبات الهداة: 5 / 272 ح 9، والبحار المذكور ص 6 ح 6، ومدينة المعاجز: 338 ح 51. وأورد نحوه في اثبات الوصية: 184 مرسلا عن جابر، وفي ثاقب المناقب: 320 مرسلا عن عيسى، وفي الهداية الكبرى: 98 (مخطوط) مرسلا عن أبي حمزة.

[ 288 ]

أن أسأله -: نحن حجة الله، ونحن باب الله، ونحن لسان الله، ونحن وجه الله، ونحن عين الله في خلقه، ونحن ولاة أمر الله في عباده. ثم قال: إن بيننا وبين كل أرض ترا (1) مثل تر البناء، فإذا أمرنا في الارض بأمر أخذنا ذلك التر، فأقبلت إلينا الارض بكليتها وأسواقها وكورها (2) حتى ننفذ فيها من أمر الله ما نؤمر [ به ] (3) وإن الريح كما كانت مسخرة لسليمان، فقد سخرها [ الله ] لمحمد وآله. (4) 22 - ومنها: ما روي عن محمد بن مسلم قال: [ قال ] أبو جعفر عليه السلام: لئن ظننتم أنا لا نراكم، ولا نسمع كلامكم، لبئس ما ظننتم، لو كان كما تظنون أنا لا نعلم ما أنتم فيه وعليه، ما كان لنا على الناس فضل ! قلت: أرني بعض ما أستدل به. قال: وقع بينك وبين زميلك بالربذة (5) حتى عيرك بنا وبحبنا ومعرفتنا. قلت: إي والله لقد كان ذلك ! قال: فتراني قلت باطلاع الله، ما أنا بساحر ولا كاهن ولا مجنون لكنها من علم النبوة. ونحدث بما يكون. قلت: من الذي يحدثكم بما نحن عليه ؟ قال: أحيانا ينكت في قلوبنا، ويوقر في آذاننا، ومع ذلك فإن لنا خدما من الجن


(1) التر - بالضم والتشديد -: الخيط الذي يمد على البناء فيقدر به. 2) الكورة: البقعة التي تجتمع فيها المساكن والقرى. جمعها: كور. (3) " ما أمر " البحار: 46. (4) عنه البحار: 25 / 366 ح 8 وعن بصائر الدرجات: 407 ح 10 والاختصاص: 318 بالاسناد عن ابن عيسى، عن ابن أبي نصر، عن محمد بن حمران، عن الاسود بن سعيد مثله. وعنه البحار: 46 / 255 ح 53. وأورده المسعودي في إثبات الوصية: 174 مرسلا عن الاسود مثله. وأخرجه في مدينة المعاجز: 326 ح 23 عن الاختصاص والبصائر. (5) الربذة: من قرى المدينة، على ثلاثة أميال منها... بها قبر أبي ذر (ره). (مراصد الاطلاع: 2 / 601)

[ 289 ]

من المؤمنين، وهم لنا شيعة، وهم لنا أطوع منكم. قلنا (1): مع كل رجل واحد منهم ؟ قال: نعم، يخبرنا بجميع ما أنتم فيه وعليه. (2) 23 - ومنها: ما روى أبو بصير، عن الصادق عليه السلام قال: كان أبي في مجلس له ذات يوم إذ أطرق رأسه (3) إلى الارض، فمكث فيها مليا (4). ثم رفع رأسه، فقال: يا قوم كيف أنتم إذا جاءكم رجل يدخل عليكم مدينتكم هذه في أربعة آلاف حتى يستعرضكم (5) بالسيف ثلاثة أيام، فيقتل مقاتلتكم وتلقون منه (6) بلاء لا تقدرون أن تدفعوه، وذلك من قابل (7) فخذوا حذركم، واعلموا أن الذي قلت [ لكم ] هو كائن لابد منه. فلم يلتفت أهل المدينة إلى كلامه وقالوا: لا يكون هذا أبدا، ولم يأخذوا حذرهم إلا نفر يسير (8) وبنو هاشم خاصة (9)، وذلك أنهم علموا أن كلامه هو الحق. فلما كان من قابل، تحمل (10) أبو جعفر بعياله وبنو هاشم فخرجوا من المدينة، وجاء نافع بن الازرق حتى كبس المدينة فقتل مقاتلتهم، وفضح نساءهم.


(1) " قلت " البحار. (2) عنه البحار: 46 / 255 ح 54. وأورده في مناقب آل أبي طالب: 3 / 324 عن عاصم الحناط، عن محمد بن مسلم مثله عنه مدينة المعاجز: 347 ح 84. وفي الصراط المستقيم: 2 / 183 مرسلا عن محمد بن مسلم مثله، عنه اثبات الهداة: 5 / 320 ح 89. (3) أطرق رأسه: أماله وأسكنه. (4) يقال: " انتظرته مليا " أي زمانا طويلا. وفي س، ه‍، ط " ما شاء الله " وفي البحار " مكثا ". (5) استعرض القوم: قتلهم ولم يسأل عن حال أحد. (6) " منهم " م، ه‍. (7) قابل: قادم وقريب. (8) " قليل منهم " ه‍، ط. (9) " فخرجوا من المدينة خاصة " س، ه‍، ط، والبحار. (10) تحمل: ارتحل.

[ 290 ]

فقال أهل المدينة: لا نرد على أبي جعفر شيئا نسمعه منه أبدا بعدما سمعنا ورأينا فإنهم أهل بيت النبوة، وينطقون بالحق. (1) 24 - ومنها: ما روى الحسن بن مسلم، عن أبيه قال: دعاني الباقر عليه السلام إلى طعام فجلست إذ أقبل ورشان (2) منتوف الرأس، حتى سقط بين يديه ومعه ورشان آخر فهدل (3) الاول، فرد الباقر عليه (4) بمثل هديله، فطارا. فقلنا للباقر عليه السلام: ما قالا ؟ وما قلت ؟


(1) عنه كشف الغمة: 2 / 146، والفصول المهمة: 200، وعنه في البحار: 46 / 254 ح 51 وعن مناقب آل أبي طالب: 3 / 325 عن أبي بصير مثله. ورواه الطبري في دلائل الامامة: 98 بإسناده عن الحسن، عن المثنى، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله، عنه مدينة المعاجز: 323 ح 18. وأورده الشبلنجي في نور الابصار: 159 مرسلا عن الصادق عليه السلام، والعاملي في الصراط المستقيم: 2 / 183 مختصرا. وأخرجه في مدينة المعاجز: 347 ح 85 عن المناقب، وفي إحقاق الحق: 12 / 180 عن الفصول المهمة ونور الابصار. أقول: خلت روايتا الطبري وابن شهر اشوب من التعرض لذكر " نافع بن الازرق " فاللفظ في الاولى:... ووقع ما قال في المدينة... وفي الثانية... فكان كما قال... وكلا اللفظين أظهر، إذ لم نعثر في كتب التاريخ والسيرة الموجودة في متناول - يدنا - أن ابن الازرق غزا المدينة، إذ المعروف أنه في سنة 63 ه‍ وقبل أن يبيح مسرف بن عقبة المدينة ثلاثا، خرج علي بن الحسين عليه السلام بحرمة وحرم مروان بن الحكم - بعد أن كلمه في ذلك - إلى ينبع. وقيل: بل أرسل حرم مروان وأرسل معهم ابنه عبد الله بن علي إلى الطائف. فلاحظ. (2) الورشان: نوع من الحمام البري أكدر اللون، فيه بياض فوق ذنبه. (3) هدل الحمام أو الغلام: صوت - بتشديد الواو -. والهديل: صوت الحمام. (4) " عليه السلام " البحار. (*)

[ 291 ]

قال عليه السلام: إنه اتهم زوجته بغيره، فنقر رأسها وأراد أن يلاعنها عندي. فقال لها: بيني وبينك من يحكم بحكم داود وآل داود، ويعرف منطق الطير، و لا يحتاج إلى شهود، فأخبرته أن الذي ظن بها لم يكن كما ظن، فانصرفا على صلح. (1) 25 - ومنها: ما روي عن الصادق عليه السلام (2) أن عبد الملك بن مروان كتب إلى عامله بالمدينة - وفي رواية: هشام بن عبد الملك - أن وجه إلي محمد بن علي فخرج أبي، وأخرجني معه، فمضينا حتى أتينا مدين (3) شعيب، فإذا نحن بدير عظيم [ البنيان ] وعلى بابه أقوام، عليهم ثياب صوف خشنة، فألبسني والدي ولبس ثيابا خشنة، وأخذ بيدي حتى جئنا وجلسنا عند القوم، فدخلنا مع القوم الدير. فرأينا شيخا قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، فنظر إلينا، فقال لابي: أنت منا أم من هذه الامة المرحومة ؟ قال: لا، بل من هذه الامة المرحومة. قال من علمائها أم من جهالها ؟ قال أبي: من علمائها. قال: أسألك عن مسألة ؟ قال [ له ]: سل [ ما شئت ].


(1) عنه البحار: 46 / 255 ح 55. وروى نحوه الصفار في بصائر الدرجات: 342 ح 5، والكليني في الكافي: 1 / 470 ح 4 بإسناديهما عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام. وأورده المسعودي في اثبات الوصية: 173 مرسلا نحوه، وابن شهر اشوب في مناقبه: 3 / 324 عن محمد بن مسلم نحوه، والعاملي في الصراط المستقيم: 2 / 183 مرسلا باختصار. وأخرجه في البحار المذكور ص 238 ح 17 و 18 عن بصائر الدرجات والمناقب، وفي مدينة المعاجز: 324 ح 15 عن الكافي والمناقب، وفي رجال المامقاني: 3 / 186 عن الكافي. (2) زاد في ه‍، ط: أنه قال. (3) " مدائن " نسخ الاصل. ومدين - بالفتح ثم السكون وفتح الياء المثناة -: مدينة قوم شعيب، وهي تجاه تبوك على بحر القلزم، بينهما ست مراحل، وهي أكبر من تبوك، وبها البئر التي استقى بها موسى عليه السلام لغنم شعيب. (مراصد الاطلاع: 3 / 1246)

[ 292 ]

قال: أخبرني عن أهل الجنة إذا دخلوها وأكلوا من نعيمها هل ينقص من ذلك شئ ؟ قال: لا. قال الشيخ: ما نظيره ؟ قال أبي: أليس التوراة والانجيل والزبور والقرآن يؤخذ منها ولا ينقص منها [ شئ ] ؟ قال: أنت من علمائها. ثم قال: أهل الجنة هل يحتاجون إلى البول والغائط ؟ قال أبي: لا. قال [ الشيخ ]: وما نظير ذلك ؟ قال أبي: أليس الجنين في بطن أمه يأكل ويشرب ولا يبول ولا يتغوط ؟ قال: صدقت. قال: وسأل عن مسائل [ كثيرة ] وأجاب أبي [ عنها ]. ثم قال الشيخ: أخبرني عن توأمين ولدا في ساعة، وماتا في ساعة، عاش أحدهما مائة وخمسين سنة، وعاش الآخر خمسين سنة، من كانا ؟ وكيف قصتهما (1) ؟ قال أبي: هما عزير وعزرة، أكرم الله تعالى عزيرا بالنبوة عشرين سنة، وأماته مائة سنة، ثم أحياه فعاش بعده (2) ثلاثين سنة، وماتا في ساعة [ واحدة ]. فخر الشيخ مغشيا عليه، فقام أبي، وخرجنا من الدير، فخرج إلينا جماعة من الدير، وقالوا: يدعوك شيخنا. فقال أبي: ما لي إلى شيخكم حاجة، فإن كان له عندنا حاجة فليقصدنا. فرجعوا، ثم جاؤوا به، وأجلس بين يدي أبي، فقال [ الشيخ ]: ما اسمك ؟ قال عليه السلام: محمد. قال: أنت محمد النبي ؟ قال: لا أنا ابن بنته. قال: ما اسم أمك ؟ قال: أمي فاطمة. قال: من كان أبوك ؟ قال: اسمه علي. قال: أنت ابن إليا بالعبرانية وعلي بالعربية ؟ قال: نعم. قال: ابن شبر أم شبير ؟ قال: إني ابن شبير. قال الشيخ: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن جدك محمدا رسول الله. ثم ارتحلنا حتى أتينا عبد الملك [ ودخلنا عليه ] فنزل من سريره واستقبل أبي و قال: عرضت لي مسألة لم يعرفها العلماء ! فأخبرني إذ قتلت هذه الامة إمامها المفروض طاعته عليهم أي عبرة (3) يريهم الله في ذلك اليوم ؟ قال أبي: إذا كان كذلك لا يرفعون حجرا إلا ويرون تحته دما عبيطا (4).


(1) " قضيتهما " م. (2) يعني بعد الموت. (3) العبرة - بكسر العين -: العجب، العظة. (4) دم عبيط: خالص طري.

[ 293 ]

فقبل عبد الملك رأس أبي، وقال: صدقت، إن في اليوم الذي قتل فيه أبوك علي (1) ابن أبي طالب عليه السلام كان على باب أبي مروان حجر عظيم، فأمر أن يرفعوه فرأينا تحته دما عبيطا يغلي. وكان لي أيضا حوض كبير في بستاني وكان حافتاه حجارة سوداء، فأمرت أن ترفع ويوضع مكانها حجارة بيض، وكان في ذلك اليوم قتل الحسين عليه السلام فرأيت دما عبيطا يغلي تحتها، أفتقيم عندنا ولك من الكرامات ما تشاء، أم ترجع ؟ قال أبي: بل أرجع إلى قبر جدي. فأذن بالانصراف. فبعث قبل خروجنا بريدا يأمر أهل كل منزل أن لا يطعمونا ولا يمكنونا من النزول في بلد حتى نموت جوعا، فكلما بلغنا منزلا طردونا، وفنى زادنا حتى أتينا مدين شعيب، وقد أغلق بابه، فصعد أبي جبلا هناك مطلا على البلد - أو مكانا مرتفعا عليه - فقرأ: * (وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أريكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الارض مفسدين بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين) * (2) ثم رفع صوته وقال: وأنا - والله - بقية الله. فأخبروا الشيخ بقدومنا وأحوالنا، فحملوه إلى أبي، وكان معهم من الطعام كثير، فأحسن ضيافتنا، فأمر الوالي بتقييد الشيخ فقيده ليحملوه إلى عبد الملك لانه خالف أمره. قال الصادق عليه السلام: فاغتممت [ لذلك ] وبكيت، فقال والدي: لا بأس من عبد الملك بالشيخ، ولا يصل إليه، فإنه يتوفى في أول منزل ينزله. وارتحلنا حتى رجعنا إلى المدينة بجهد. (3)


(1) " الحسين بن علي " س، ه‍، ط. (2) سورة هود: 83 - 85. (3) عنه البحار: 10 / 152 ح 3، ومدينة المعاجز: 351 ح 101 وأشار إليه في اثبات الهداة: 5 / 292.

[ 294 ]

الباب السابع في معجزات الامام جعفر الصادق عليه السلام 1 - روى عن المفضل بن عمر قال: كنت أمشي مع أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام بمكة (1) إذ مررنا بامرأة بين يديها بقرة ميتة، وهي مع صبية لها تبكيان فقال عليه السلام لها: ما شأنك ؟ قالت: كنت أنا وصبياني نعيش من هذه البقرة وقد ماتت، لقد تحيرت في أمري. قال: أفتحبين (2) أن يحييها الله لك ؟ قالت: أو تسخر مني مع مصيبتي ! ؟ قال: كلا ما أردت ذلك، ثم دعا بدعاء، ثم ركضها (3) برجله، وصاح بها، فقامت البقرة مسرعة سوية، فقالت: عيسى (4) بن مريم ورب الكعبة. فدخل الصادق عليه السلام بين الناس، فلم تعرفه [ المرأة ]. (5) 2 - ومنها: أن صفوان بن يحيى قال: قال لي العبدي: قالت أهلي لي: قد طال (6) عهدنا بالصادق عليه السلام فلو حججنا وجددنا به العهد. فقلت لها: والله ما عندي شئ أحج به. فقالت: عندنا كسوة وحلي، فبع ذلك


(1) " بمكة أو بمنى " البحار. (2) " أتحبين " ط، ه‍. (3) ركضها: ضربها، يقال: ركضت الدابة إذا ضربتها برجلك لتستحثها. (4) " أنت عيسى " ط. (5) عنه كشف الغمة: 2 / 199، والبحار: 47 / 115 ح 151، ومدينة المعاجز: 387 ح 94، وأشار إليه في إثبات الهداة: 5 / 401. (6) " أطلنا " م.

[ 295 ]

وتجهز به (1). ففعلت، فلما صرنا بقرب المدينة مرضت مرضا شديدا حتى أشرفت (2) على الموت، فلما دخلنا المدينة خرجت من عندها وأنا آيس منها، فأتيت الصادق عليه السلام وعليه ثوبان ممصران (3)، فسلمت عليه، فأجابني وسألني عنها، فعرفته خبرها وقلت: إني خرجت وقد أيست منها. فأطرق مليا. ثم قال: يا عبدي أنت حزين بسببها ؟ قلت: نعم. قال: لا بأس عليها، فقد دعوت الله لها بالعافية، فارجع إليها فإنك تجدها [ قد فاقت وهي ] قاعدة، والخادمة تلقمها الطبرزد (4). قال: فرجعت إليها مبادرا، فوجدتها قد أفاقت وهي قاعدة، والخادمة تلقمها الطبرزد فقلت: ما حالك ؟ قالت: قد صب الله علي العافية صبا وقد اشتهيت هذا السكر. فقلت: خرجت من عندك آيسا، فسألني الصادق عنك فأخبرته بحالك، فقال: لا بأس عليها إرجع إليها فهي تأكل السكر. قالت: خرجت من عندي وأنا أجود بنفسي، فدخل علي رجل عليه ثوبان ممصران قال: مالك ؟ قلت: أنا ميتة، وهذا ملك الموت قد جاء لقبض (5) روحي. فقال: يا ملك الموت. قال: لبيك أيها الامام. قال: ألست أمرت بالسمع والطاعة لنا ؟ قال: بلى. قال: فإني آمرك أن تؤخر أمرها عشرين سنة. قال: السمع والطاعة. قالت: فخرج هو وملك الموت من عندي، فأفقت من ساعتي (6).


(1) " ونتجهز به " م. (2) " وأشرفت " ط، البحار. (3) الممصرة من الثياب: التي فيها صفرة خفية. (4) طبرزد - على وزن سفرجل -: معرب، ومنه حديث " السكر الطبرزد يأكل الداء أكلا " وقيل: الطبرزد هو السكر الابلوج، وبه سمى نوع من التمر لحلاوته، وعن أبي حاتم: الطبرزدة بسرتها صفراء مستديرة. (5) " يقبض " ط، ه‍، البحار. (6) عنه البحار: 47 / 115 ح 152، واثبات الهداة: 5 / 401 ح 133 ومدينة المعاجز: 386 ح 92. وأورد قطعة منه في الصراط المستقيم: 2 / 185 ح 2.

[ 296 ]

3 - ومنها: ما قال علي بن أبي حمزة [ قال: ] حججت مع الصادق عليه السلام فجلسنا في بعض الطريق تحت نخلة يابسة، فحرك شفتيه بدعاء لم أفهمه، ثم قال: يا نخلة أطعمينا (1) مما جعل الله فيك من رزق عباده. قال: فنظرت إلى النخلة وقد تمايلت نحو الصادق عليه السلام وعليها أعذاقها، وفيها الرطب (2). قال: ادن فسم وكل. فأكلنا (3) منها رطبا أعذب رطب وأطيبه، فإذا نحن بأعرابي يقول: ما رأيت كاليوم سحرا أعظم من هذا ! ! فقال الصادق عليه السلام: نحن ورثة الانبياء ليس فينا ساحر ولا كاهن، بل ندعوا الله فيجيب، وإن أحببت أن أدعو الله فيمسخك كلبا تهتدي إلى منزلك، وتدخل عليهم، وتبصبص (4) لاهلك [ فعلت ] (5) ؟ قال الاعرابي - بجهله -: بلى. فدعا الله فصار كلبا في وقته، ومضى على وجهه. فقال لي الصادق عليه السلام: اتبعه. فاتبعته حتى صار إلى حيه، فدخل إلى منزله، فجعل يبصبص لاهله وولده، فأخذوا له العصا حتى أخرجوه (6)، فانصرفت إلى الصادق عليه السلام فأخبرته بما كان [ منه ]، فبينا نحن في حديثه إذ أقبل حتى وقف بين يدي الصادق عليه السلام وجعلت دموعه تسيل [ على خديه ]، وأقبل يتمرغ في التراب ويعوي فرحمه، فدعا الله [ له ] فعاد أعرابيا. فقال له الصادق عليه السلام: هل آمنت يا أعرابي ؟ قال: نعم. ألفا وألفا. (7)


(1) " أطعميني " ط. (2) هكذا في كشف الغمة، وفي الاصل والبحار " وعليها أوراقها، وعليها الرطب ". (3) " فأكلت " ط ه‍. (4) بصبص وتبصبص الكلب: حرك ذنبه. (5) من كشف الغمة. (6) " عصا فأخرجوه " البحار. (7) عنه كشف الغمة: 2 / 199 وإثبات الهداة: 5 / 403 ح 134، والبحار: 47 / 110 ح 147، وأورد قطعة منه في الصراط المستقيم: 2 / 185 ح 3. وأخرجه في مدينة المعاجز: 382 ح 78 عن ثاقب المناقب.

[ 297 ]

4 - ومنها: ما روي عن يونس بن ظبيان قال: كنت عند الصادق عليه السلام مع جماعة فقلت: قول الله تعالى لابراهيم * (خذ أربعة من الطير فصرهن) * (1) أو كانت أربعة [ من ] أجناس مختلفة ؟ أو من جنس [ واحد ] ؟ فقال: أتحبون أن أريكم مثله ؟ قلنا: بلى. قال: يا طاووس. فإذا طاووس طار إلى حضرته، ثم قال: يا غراب. فإذا غراب بين يديه، ثم قال: يا بازي، فإذا بازي بين يديه، ثم قال: يا حمامة. فإذا حمامة بين يديه، ثم أمر بذبحها كلها وتقطيعها ونتف ريشها، وأن يخلط ذلك كله بعضه ببعض. ثم أخذ برأس الطاووس، فقال: يا طاووس. فرأينا لحمه وعظامه وريشه، يتميز من غيره حتى التزق ذلك كله برأسه، وقام الطاووس بين يديه [ حيا ] ثم صاح بالغراب كذلك، وبالبازي والحمامة مثل ذلك، فقامت كلها أحياء بين يديه. (2) 5 - ومنها: ما روي عن داود بن كثير الرقي قال: كنت عند الصادق عليه السلام أنا وأبو الخطاب، والمفضل، وأبو عبد الله البلخي إذ دخل علينا كثير النوا فقال: إن أبا الخطاب هذا يشتم أبا بكر وعمر (3) ويظهر البراءة منهما (4). فالتفت الصادق عليه السلام إلى أبي الخطاب وقال: يا محمد ما تقول ؟ قال: كذب والله ما سمع مني قط شتمهما.


(1) سورة البقرة: 260. (2) عنه كشف الغمة: 2 / 200، واثبات الهداة: 5 / 404 ح 135، والبحار: 47 / 111 ح 148، ومدينة المعاجز: 387 ح 95. وأورد نحوه في ثاقب المناقب: 103 (مخطوط) عن داود بن ظبيان. (3) أضاف في خ ط والبحار " وعثمان ". 4) " منهم " خ ط، والبحار، وكذلك ما يأتي بعدها بصيغة الجمع.

[ 298 ]

فقال الصادق عليه السلام: قد حلف ولا يحلف كاذبا. فقال: صدق لم أسمع أنا منه ولكن حدثني الثقة به عنه. قال الصادق عليه السلام: وإن الثقة لا يبلغ ذلك، فلما خرج كثير، قال الصادق عليه السلام: أما والله لئن كان أبو الخطاب ذكر ما قال كثير، لقد علم من أمرهما ما لم يعلمه كثير، والله لقد جلسا مجلس أمير المؤمنين عليه السلام غضبا فلا غفر الله لهما، ولا عفا عنهما. فبهت (1) أبو عبد الله البلخي (ونظر إلى) (2) الصادق عليه السلام متعجبا مما قال فيهما فقال له الصادق عليه السلام: أنكرت ما سمعت مني فيهما ؟ قال: قد كان ذلك. فقال الصادق عليه السلام: فهلا كان هذا (3) الانكار منك ليلة رفع إليك فلان بن فلان البلخي جاريته فلانة لتبيعها له فلما عبرت النهر افترشتها في أصل شجرة ؟ ! فقال البلخي: قد مضى والله لهذا الحديث أكثر من عشرين سنة، ولقد تبت إلى الله من ذلك. فقال الصادق عليه السلام: لقد تبت وما تاب الله عليك، ولقد غضب الله لصاحب الجارية. ثم ركب وسار والبلخي معه، فلما برزا قال الصادق عليه السلام وقد سمع صوت حمار: إن أهل النار يتأذون بهما وبأصواتهما كما تتأذون بصوت الحمار. فلما برزنا إلى الصحراء فإذا نحن بجب (4) كبير، التفت (5) الصادق عليه السلام إلى البلخي فقال: اسقنا من هذا الجب. فدنا البلخي ثم قال: هذا جب بعيد القعر، لا أرى ماءا [ به ]. فتقدم الصادق عليه السلام فقال: أيها الجب السامع المطيع لربه اسقنا مما جعل


(1) بهت وبهت: دهش. سكت متحيرا. (2) " إلى قول " ط، ه‍، ط. (3) " ذلك " ط، ه‍. (4) الجب: البئر العميق. (5) " ثم التفت " البحار.

[ 299 ]

الله فيك من الماء باذن الله. فنظرنا الماء يرتفع من الجب فشربنا منه. ثم سار حتى انتهى إلى موضع فيه نخلة يابسة، فدنا منها، فقال: أيتها النخلة أطعمينا مما جعل الله فيك فانتثرت رطبا جنيا، فأكلنا، ثم جازها فالتفتنا فلم نر (1) فيها شيئا. ثم سار فإذا نحن بظبي قد أقبل فبصبص بذنبه (2) إلى الصادق عليه السلام وتبغم (3) فقال: أفعل إن شاء الله. فانصرف الظبي. فقال البلخي: لقد رأينا [ شيئا ] عجبا فما الذي سألك الظبي ؟ فقال: إستجار بي، وأخبرني أن بعض من يصيد (4) الظباء بالمدينة صاد زوجته، وأن لها خشفين (5) صغيرين، وسألني أن أشتريها، وأطلقها لله إليه، فضمنت له ذلك. واستقبل القبلة ودعا، وقال: الحمد لله كثيرا كما هو أهله ومستحقه. وتلا * (أم يحسدون الناس على ما آتيهم الله من فضله) * (6). ثم قال: نحن والله المحسودون. ثم انصرف ونحن معه، فاشترى الظبية وأطلقها، ثم قال: لا تذيعوا سرنا، ولا تحدثوا به عند غير أهله، فان المذيع سرنا أشد علينا من عدونا. (7) 6 - ومنها: أن أبا الصلت الهروي روى عن الرضا عليه السلام أنه قال: قال لي أبي موسى عليه السلام: كنت جالسا عند (8) أبي عليه السلام إذ دخل عليه بعض أوليائنا، فقال: بالباب


(1) " ثم جاء فالتفت فلم ير " البحار. (2) " يبصبص بذنبه " ط، ه‍ " يبصبص بذنبه قد أقبل " البحار. (3) " وتحمحم " م " وينغم " البحار. وتبغمت الظبية: صوتت بأرخم ما يكون من صوتها. (4) " يصطاد " ط، ه‍. (5) الخشف: ولد الظبى أول ما يولد. (6) سورة النساء: 54. (7) عنه اثبات الهداة: 5 / 404 ح 136، والبحار: 8 / 251 ط حجر قطعة، وج 47 / 111 ح 149، ومدينة المعاجز: 407 ح 186. وأخرج نحوه في مدينة المعاجز: 381 ح 77 عنه ثاقب المناقب: 365 (مخطوط). (8) " مع " خ. ل.

[ 300 ]

ركب كثير يريدون الدخول عليك. فقال [ لي ]: أنظر من بالباب. فنظرت إلى جمال كثيرة عليها صناديق، ورجل راكب فرسا، فقلت: من الرجل ؟ فقال: رجل من السند والهند، أردت الامام جعفر بن محمد عليهما السلام، فأعلمت والدي بذلك. فقال: لا تأذن للنجس الخائن. فأقام بالباب مدة مديدة، فلا يؤذن له حتى شفع يزيد بن سليمان، ومحمد بن سليمان، فأذن له. فدخل الهندي وجثى بين يديه، فقال: أصلح الله الامام، أنا رجل من بلد الهند من قبل ملكها (1)، بعثني إليك بكتاب مختوم، ولي بالباب حول، لم تأذن لي فما ذنبي ؟ أهكذا (2) يفعل الانبياء ؟ قال: فطأطأ رأسه ثم قال: * (ولتعلمن نبأه بعد حين) * (3)، وليس مثلك من يطأ مجالس الانبياء. قال موسى عليه السلام: فأمرني أبي بأخذ الكتاب وفكه فكان فيه: بسم الله الرحمن الرحيم إلى جعفر بن محمد [ الصادق ] الطاهر من كل نجس (4) من ملك الهند. أما بعد فقد هداني (5) الله على يديك، وإنه اهدي إلي جارية لم أر أحسن (6) منها ولم أجد أحدا يستأهلها غيرك، فبعثتها إليك مع شئ من الحلي والجواهر والطيب ثم جمعت وزرائي فاخترت منهم ألف رجل يصلحون للامانة، واخترت من الالف مائة، واخترت من المائة عشرة، واخترت من العشرة واحدا. وهو ميزاب بن حباب لم أر أوثق منه، فبعثت على يده هذه [ الجارية والهدية ]. فقال جعفر عليه السلام: ارجع أيها الخائن، ما كنت بالذي أقبلها (7)، خائن لانك فيما ائتمنت عليه. فحلف أنه ما خان.


(1) " ملكنا " م، ط خ. (2) " وهكذا " م، ط خ. (3) سورة ص: 88. (4) " الرجس " ط. (5) " فهداني " م. (6) " أعقل " م، ط، خ. (7) " أتقبلها " ط خ، البحار.

[ 301 ]

فقال عليه السلام: إن شهد عليك بعض ثيابك بما خنت تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه واله (1) ؟ قال: أو تعفيني من ذلك ؟ قال: أكتب إلى صاحبك بما فعلت. قال الهندي: إن علمت (2) شيئا فاكتب، و كان عليه فروة فأمره بخلعها، ثم قام الامام فركع ركعتين، ثم سجد. قال موسى عليه السلام: فسمعته في سجوده يقول: اللهم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك، ومنتهى الرحمة من كتابك أن تصلي على محمد عبدك ورسولك وأمينك في خلقك وآله، وأن تأذن لفرو هذا الهندي أن يتكلم (3) بلسان عربي مبين يسمعه من في المجلس من أوليائنا (4)، ليكون ذلك عندهم آية من آيات أهل البيت (5)، فيزدادوا إيمانا مع إيمانهم. ثم رفع رأسه فقال: أيها الفرو تكلم بما تعلم من هذا الهندي. قال موسى عليه السلام: فانتفضت الفروة (6) وصارت كالكبش، وقالت: يا ابن رسول الله ائتمنه الملك على هذه الجارية وما معها، وأوصاه بحفظها حتى صرنا إلى بعض الصحاري، أصابنا المطر وابتل جميع ما معنا، ثم احتبس المطر وطلعت الشمس، فنادى خادما كان مع الجارية يخدمها يقال له بشر [ وقال له: ] لو دخلت هذه المدينة فأتيتنا بما فيها من الطعام، ودفع إليه دراهم، ودخل الخادم المدينة، فأمر الميزاب هذه الجارية أن تخرج من قبتها إلى مضرب قد نصب [ لها ] في الشمس فخرجت وكشفت عن ساقيها إذ [ كان ] (7) في الارض وحل (8) ونظر هذا الخائن إليها


(1) " وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله " ه‍، ط، البحار. (2) " ان كنت فعلت " ط، ه‍. (3) " أن ينطق بفعله وأن يحكم " البحار. (4) " أوليائك " ط، ه‍. (5) " أهل بيت نبيك " ط، ه‍. (6) هكذا في البحار وفي م، ه‍، ط " فانقبضت الفروة ". والفروة: كساء يتخذ من أوبار الابل. (7) من البحار. (8) الوحل: الطين الرقيق.

[ 302 ]

فراودها عن نفسها، فأجابته، وفجر بها، وخانك. فخر الهندي [ على الارض ]، فقال: إرحمني فقد أخطأت، وأقر بذلك، ثم صار (1) فروة كما كانت، وأمره أن يلبسها، فلما لبسها انضمت في حلقة وخنقته (2) حتى اسود وجهه. فقال الصادق عليه السلام: أيها الفرو خل عنه، حتى يرجع إلى صاحبه، فيكون هو أولى به منا، فانحل الفرو [ وقال عليه السلام: خذ هديتك وارجع إلى صاحبك ] فقال الهندي: الله الله [ يا مولاي ] في فإنك إن رددت الهدية خشيت أن ينكر ذلك علي، فإنه شديد (3) العقوبة. فقال: أسلم اعطك (4) الجارية، فأبى. فقبل الهدية، ورد الجارية. فلما رجع إلى الملك، رجع الجواب إلى أبي بعد أشهر (5) فيه مكتوب: بسم الله الرحمن الرحيم إلى جعفر بن محمد الامام عليه السلام من ملك الهند: أما بعد فقد كنت أهديت إليك جارية فقبلت مني ما لا قيمة له، ورددت الجارية فأنكر ذلك قلبي، وعلمت أن الانبياء وأولاد الانبياء معهم فراسة (6)، فنظرت إلى الرسول بعين الخيانة، فاخترعت كتابا وأعلمته أنه (جاءني منك بخيانة) (7) وحلفت أنه لا ينجيه إلا الصدق، فأقر بما فعل، وأقرت الجارية بمثل ذلك، وأخبرت بما كان من أمر الفرو (8)، فتعجبت من ذلك، وضربت عنقها وعنقه، وأن أشهد أن لا إله الا الله وحده


(1) " ثم عاد الكبش " ط، ه‍ " ثم صارت " البحار. (2) " انضم في حلقه وخنقه " م، ه‍. (3) " يعيد " م، " بعيد " البحار. (4) هكذا في البحار، وفي م " نعطك "، وفي ط، ه‍ " حتى اعطيك ". (5) " شهر " ط خ. (6) فرس - فراسة بالعين -: ثبت النظر وأدرك الباطن من نظر الظاهر. (7) " قد أتانى منك وقد عرفت الخيانة " ط، ه‍. " أتانى منك الخيانة " البحار. (8) " الفروة " ط، البحار.

[ 303 ]

لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله. واعلم أني [ واصل ] على أثر الكتاب. فما أقام إلا مدة يسيرة، حتى ترك (1) ملك الهند وأسلم وحسن إسلامه. (2) 7 ومنها: ما روى هشام بن الحكم أن رجلا من الجبل أتى أبا عبد الله عليه السلام ومعه عشرة آلاف درهم، وقال: اشتر لي [ بها ] (3) دارا أنزلها (4) إذا قدمت وعيالي معي (5) ثم مضى إلى مكة، فلما حج وانصرف، أنزله الصادق عليه السلام في داره. وقال له: إشتريت لك دارا في الفردوس الاعلى حدها الاول إلى [ دار ] رسول الله صلى الله عليه واله، والثاني إلى علي عليه السلام، والثالث إلى الحسن عليه السلام، والرابع إلى الحسين عليه السلام وكتبت [ لك هذا ] (6) الصك به. (7) فقال الرجل - لما سمع ذلك: رضيت. ففرق الصادق عليه السلام تلك الدراهم (8) على أولاد الحسن والحسين عليهما السلام وانصرف الرجل، فلما وصل إلى المنزل إعتل علة الموت، فلما حضرته الوفاة جمع أهل بيته وحلفهم أن يجعلوا الصك معه في قبره ففعلوا ذلك.


(1) " حتى أتى إلى أبى " ط، ه‍. (2) عنه البحار: 47 / 113 ح 150، واثبات الهداة: 5 / 406 ح 137 قطعة، ومدينة المعاجز 387 ح 96. وأورده في مناقب آل أبى طالب: 3 / 367 مرسلا نحوه، عنه البحار المذكور، وأورده في ثاقب المناقب: 338 (مخطوط) عن أبى الحسن بن محمد التقى، عن أبيه، عن جده، عن أبيه موسى بن جعفر عليهم السلام نحوه مختصرا. وفي الصراط المستقيم: 2 / 186 ح 6 قطعة منه مرسلا. (3) من كشف الغمة، وفي ط " بهذه ". (4) " أسكنها " ط. (5) " بعدى " م، كشف الغمة. (6) من اثبات الهداة، والمراد من ضمير " به " ما أعطاه من عشرة آلاف درهم. (7) " فلما سمع الرجل ذلك قال " ط، كشف الغمة. (8) " الدنانير " م، كشف الغمة.

[ 304 ]

فلما أصبح وغدوا إلى قبره وجدوا الصك على ظهر القبر، وعلى ظهر الصك [ مكتوب ]: وفى لي ولي الله جعفر بن محمد عليهما السلام بما وعدني (1) (2). 8 ومنها: أن حماد بن عيسى سأل الصادق عليه السلام أن يدعو له ليرزقه [ الله ] ما يحج به كثيرا، وأن يرزقه ضياعا حسنة ودارا حسنا، وزوجة من أهل البيوتات صالحة وأولادا أبرارا. فقال [ الصادق ] عليه السلام: أللهم ارزق حماد بن عيسى ما يحج به خمسين حجة، و ارزقه ضياعا حسنة ودارا حسنا، وزوجة صالحة من قوم كرام، وأولاد أبرارا. قال بعض من حضره: دخلت بعد سنين على حماد بن عيسى في داره بالبصرة. فقال لي: أتذكر دعاء الصادق عليه السلام لي ؟ قلت: نعم. قال: هذه داري وليس في البلد مثلها، وضياعي أحسن الضياع، وزوجتي من تعرفها من كرام الناس، وأولادي [ هم من ] تعرفهم [ من الابرار ] وقد حججت ثمانية وأربعين حجة. قال فحج حماد حجتين بعد ذلك، فما خرج في الحجة الحادية والخمسين و [ و ] وصل إلى الجحفة (3) وأراد أن يحرم، دخل واديا ليغتسل، فأخذه السيل، ومر


(1) " قال " ط. (2) عنه كشف الغمة: 2 / 200، وإثبات الهداة: 5 / 406 ح 138. والبحار: 47 / 134 ح 183 نحوه. وأورده في مناقب آل أبى طالب: 3 / 359، عنه البحار المذكور جميعا عن هشام بن الحكم. وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 186، مرسلا، مختصرا. (3) الجحفة: بالضم، ثم السكون، والفاء: كانت قرية كبيرة، ذات منبر، على طريق مكة على أربع مراحل، وهي ميقات أهل مصر والشام، ان لم يمروا على المدينة، وكان اسمها مهيعة، وسميت الجحفة لان السيل جحفها، وبينها وبين البحر ستة أميال، وبينها وبين غدير خم ميلان. (مراصد الاطلاع 1 / 315).

[ 305 ]

به، فتبعه غلمانه، فأخرجوه من الماء ميتا، فسمي حماد غريق الجحفة. (1) 9 ومنها: أن علي بن أبي حمزة، قال: خرجت بأبي بصير أقوده إلى أبي عبد الله عليه السلام فقال لي لا تتكلم ولا تقل شيئا. فلما انتهيت به إلى الباب فتنحنح فسمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول - في داخل الدار: يا فلانة افتحي لابي محمد، فدخلنا والسراج بين يديه وإذا سقط (2) بين يديه مفتوح.


(1) عنه كشف الغمة: 1 / 201، واثبات الهداة: 5 / 407 ح 139 ص 530 ح 60 والبحار: 47 / 116 ح 153، ومدينة المعاجز: 409 ح 194. وأورده العلامة في رجاله: 156، وزين الدين النباطى في الصراط المستقيم: 2 / 187 ح 8 مختصرا، عن حماد بن عيسى عن الصادق عليه السلام. ورواه في قرب الاسناد: 128، والكشى في معرفة الرجال: 316 ح 572، والمفيد في الاختصاص: 201، وفي أماليه: 12 ح 11، والطبري في دلائل الامامة: 162 جميعا بأسانيدهم إلى حماد بن عيسى عن الكاظم عليه السلام. وأورده في اثبات الوصية: 193 عن حماد بن عيسى عن الكاظم عليه السلام. وأخرجه في مناقب آل أبى طالب: 3 / 422 عن معرفة الرجال. وأخرجه في اثبات الهداة اعلاه، والبحار: 48 / 47 ح 36 و 37، وعوالم العلوم: / 21 / 166 ح 1 عن قرب الاسناد، ومعرفة الرجال. وأخرجه في اثبات الهداة: 5 / 530 ح 60 عن قرب الاسناد، العلامة في الخلاصة، والمفيد في الاختصاص، ومعرفة الرجال. وأخرجه في ص 560 ح 107 عن أمالى المفيد. وأخرجه في البحار: 48 / 180 ح 23 وعوالم العلوم: 21 / 382 ح 1 عن الاختصاص وأخرجه في مدينة المعاجز: 432 ح 22 عن دلائل الامامة، وقرب الاسناد، ومعرفة الرجال، وعن المفيد في الاختصاص. ولعل كل واحد منهما عليهما السلام دعا لحماد بن عيسى ويكون دعاء الكاظم عليه السلام في حياة أبيه، أو بعد موته. (2) السقط: وعاء كالقفة أو الجوالق. ما يعبأ فيه الطيب وما أشبه من أدوات النساء.

[ 306 ]

قال: فوقعت علي رعدة، فجعلت أرتعد، فرفع رأسه إلي، فقال: أبزاز أنت ؟ قلت: نعم. (1) 10 وعن أبى الصامت الحلاوني [ قال: ] (2) قلت للصادق عليه السلام أعطني شيئا ينفي الشك [ عن قلبي ]. قال الصادق عليه السلام: هات المفتاح الذي في كمك (3). فناولته فإذا المفتاح شبه أسد فخفت قال: خذ، ولا تخف. فأخذته، فعاد مفتاحا كما كان (4).


(1) عنه البحار: 47 / 77 ح 48. ورواه الصفار في بصائر الدرجات: 257 ح 2 باسناده إلى على بن أبى حمزة، عنه البحار المذكور ح 47. (2) من البحار. (3) " الذى معك " ط، ه‍. والكم: مدخل اليد ومخرجها من الثوب. (4) عنه البحار: 47 / 117 ح 154. وأخرجه في مدينة المعاجز: 416 ح 237، عنه ثاقب المناقب: 365 " مخطوط ".

[ 307 ]

الباب الثامن في معجزات الامام موسى بن جعفر عليهما السلام 1 روي عن أبي الصلت الهروي، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام، قال: قال أبي موسى بن جعفر عليهما السلام: لعلي بن أبي حمزة مبتدءا: تلقى رجلا من أهل المغرب يسألك عني، فقل له: هو الامام الذي قال لنا [ به ] أبو عبد الله الصادق عليه السلام فإذا سألك عن الحلال والحرام فأجبه. قال: فما علامته ؟ قال: رجل جسيم طويل اسمه يعقوب بن يزيد وهو رائد قومه وإن أراد الدخول إلي فأحضره عندي. قال علي بن أبي حمزة: فوالله إني لفي الطواف إذ أقبل رجل طويل جسيم، فقال لي: أريد أن أسألك عن صاحبك. قلت: عن أي الاصحاب ؟ قال: عن موسى بن جعفر عليهما السلام. قلت: فما اسمك ؟ قال: يعقوب بن يزيد. قلت: من أين أنت ؟ قال: من المغرب. قلت: من أين عرفتني ؟ قال: أتاني آت في منامي، فقال لي: إلق علي بن أبي حمزة فسله عن جميع ما تحتاج إليه. فسألت عنك فدللت عليك (1). قلت: أقعد في هذا الموضع حتى أفرغ من طوافي وأعود إليك. فطفت ثم أتيته فكلمته فرأيت رجلا عاقلا فهما (2)، فالتمس مني الوصول إلى موسى بن جعفر عليهما السلام فأوصلته إليه.


(1) " اليك " م. (2) " فطنا " كشف الغمة.

[ 308 ]

فلما رآه، قال: يا يعقوب بن يزيد قدمت أمس ووقع بينك وبين أخيك خصومة في موضع كذا حتى تشاتمتما. وليس هذا من ديني ولا من دين آبائي، فلا نأمر بهذا أحدا من شيعتنا، فاتق الله فانكما ستفترقان عن قريب بموت، فأما أخوك فيموت في سفرته هذه قبل أن يصل إلى أهله، وتندم أنت على ما كان منك إليه، فانكما تقاطعتما وتدابرتما، فقطع [ الله ] (1) عليكما أعماركما. فقال الرجل: يا بن رسول الله فأنا متى يكون أجلي ؟ قال: قد كان حضر أجلك، فوصلت عمتك بما وصلتها في منزل كذا وكذا فنسأ (2) الله [ تعالى ] في أجلك عشرين حجة (3). قال علي بن أبي حمزة، فلقيت الرجل من قابل بمكة فأخبرني أن أخاه توفي ودفنه في الطريق قبل أن يصير إلى أهله (4). 2 - ومنها: أن المفضل بن عمر قال: لما مضى (5) الصادق عليه السلام كانت وصيته


(1) من كشف الغمة. (2) " فسح " ط. يقال: نسأ الله أجله، وفي أجله. أي أخره. (3) " سنه " خ ط. (4) عنه كشف الغمة: 2 / 245، واثبات الهداة: 5 / 540 ح 77، والبحار: 48 / 37 ح 8. وعنه مستدرك الوسائل: 9 / 136 ح 3، وعن الاختصاص: 86 بالاسناد إلى على بن أبى حمزة، وعن معرفة الرجال: 442 ح 831 بالاسناد إلى الحسن بن على بن أبى حمزة، عن أبيه، عن شعيب العقرقوفى، عن أبى الحسن عليه السلام، وعن مناقب آل أبى طالب: 3 / 412 عن على بن أبى حمزة. جميعا مثله. وأورده في دلائل الامامة: 166 عن على بن أبى حمزة. وأخرجه في البحار المذكور ص 34 - 37 ح 7، 9، 10، عن معرفة الرجال والمناقب والاختصاص. وأخرجه في مدينة المعاجز: 434 ح 29 عن دلائل الامامة والمناقب. (5) " لما قضى) ؟ ط، ه‍. اثبات الهداة والبحار.

[ 309 ]

في الامامة إلى موسى الكاظم عليه السلام (1)، فادعى أخوه عبد الله الامامة، وكان أكبر ولد جعفر عليه السلام في وقته ذلك، وهو المعروف بالافطح (2). فأمر موسى عليه السلام بجمع حطب كثير في وسط داره، فأرسل إلى أخيه عبد الله يسأله أن يصير إليه، فلما صار عنده، ومع موسى عليه السلام جماعة من وجوه الامامية، فلما جلس إليه أخوه عبد الله، أمر موسى عليه السلام أن تضرم (3) النار في ذلك الحطب، فاضرمت (4)، ولا يعلم الناس السبب فيه (5)، حتى صار الحطب كله جمرا، ثم قام موسى عليه السلام و جلس بثيابه في وسط النار، وأقبل يحدث القوم (6) ساعة، ثم قام فنفض ثوبه ورجع إلى المجلس، فقال لاخيه عبد الله: إن كنت تزعم أنك الامام بعد أبيك فاجلس في ذلك المجلس. قالوا:


(1) " لموسى عليه السلام " ط، ه‍. (2) إليه نسبت " الفطحية " وسموا بذلك لان عبد الله كان أفطح الراس وقال بعضهم: كان أفطح الرجلين وقال بعض الرواة: نسبوا إلى رئيس لهم من أهل الكوفة يقال له: عبد الله بن فطيح ومال إلى هذه الفرقة جل مشايخ الشيعة وفقهائها ولم يشكوا في أن الامامة في (عبد الله بن جعفر) وفي ولده من بعده فمات عبد الله ولم يخلف ذكرا. فرجع عامة الفطحية عن القول بامامته سوى قليل منهم إلى القول بامامة (موسى بن جعفر) وقد كان رجع جماعة منهم في حياة عبد الله إلى موسى بن جعفر عليهما السلام ثم رجع عامتهم بعد وفاته عن القول به وبقى بعضهم على القول بامامته ثم امامة موسى بن جعفر من بعده، وعاش عبد الله بن جعفر بعد أبيه سبعين يوما أو نحوها. (فرق الشيعة للنوبختى: 88) ولاحظ عن الفطحية الملل والنحل للشهرستاني: 1 / 167 ومعجم الفرق الاسلامية: 186. (3) " تجعل " م، البحار. (4) " فاحترق كله " م البحار. (5) " ما سبب ذلك " ط، ه‍ اثبات الهداة. (6) " الناس " ط، ه‍، اثبات الهداة، البحار.

[ 310 ]

فرأينا عبد الله قد تغير لونه، فقام (1) يجر رداءه حتى خرج من دار موسى عليه السلام. (2) 3 - ومنها: ما قال إسحاق (3) بن منصور [ قال: ] سمعت أبي يقول: سمعت موسى بن جعفر عليهما السلام يقول ناعيا (4) إلى رجل من الشيعة نفسه، فقلت في نفسي: وإنه ليعلم متى يموت الرجل من شيعته ! ! فالتفت إلي فقال: اصنع ما أنت صانع فان عمرك قد فني، وقد بقي منه دون سنتين، وكذلك أخوك لا يمكث بعدك إلا شهرا واحدا حتى يموت، وكذلك عامة أهل بيتك (5)، وتتشتت كلمتهم (6)، و يتفرق جمعهم (7)، ويشمت بهم أعداؤهم و [ هم ] يصيرون رحمة لاخوانهم. أكان هذا في صدرك ؟ (8) قال: أستغفر الله مما عرض في صدري. فلم يستكمل منصور سنتين حتى مات، ومات بعده بشهر أخوه، ومات عامة أهل بيته، وأفلس بقيتهم، وتفرقوا حتى احتاج من بقي منهم إلى الصدقة. (9) 4 - ومنها: ما روى واضح عن الرضا عليه السلام قال: قال أبي موسى عليه السلام للحسين بن أبي العلا: اشتر لي جارية نوبية (10). فقال الحسين: أعرف والله جارية نوبية نفيسة


(1) " ثم قام " ط، ه‍. (2) عنه كشف الغمة: 2 / 246 واثبات الهداة: 5 / 541 ح 78 والبحار: 47 / 251 ح 22 وج: 48 / 67 ح 89، ومدينة المعاجز: 459 ح 93. وأورده في ثاقب المناقب: 101 (مخطوط) عن المفضل بن عمر. وأورده مرسلا في الصراط المستقيم: 2 / 189 ح 2، عنه اثبات الهداة: 5 / 572 ح 135 (3) " اسماعيل " اثبات الهداة. (4) نعى لنا والينا فلانا: أخبرنا بوفاته، ويقال: نعاه بموت فلان. أي خبره به. (5) " عامة أهلك " ط. (6) " ويتشتت كلهم " البحار. (7) " كلهم " ه‍، ط. (8) " فقلت " ه‍، ط البحار. (9) عنه اثبات الهداة: 5 / 541 ح 78، والبحار: 48 / 68 ح 90. وعنه مدينة المعاجز: 459 ح 94 وعن ثاقب المناقب: 405 (مخطوط). (10) النوب والنوبه: جيل من السوادن.

[ 311 ]

أحسن ما رأيت من النوبة، فلو لا خصلة لكانت من شأنك (1). قال عليه السلام: وما تلك الخصلة ؟ قال: لا تعرف كلامك وأنت لا تعرف كلامها. فتبسم عليه السلام ثم قال: اذهب حتى تشتريها. فلما دخلت [ بها ] إليه، قال لها بلغتها: ما اسمك ؟ قالت: مؤنسة: قال: أنت لعمري مؤنسة، قد كان لك اسم غير هذا، [ وقد ] كان اسمك قبل هذا حبيبة، قالت: صدقت. ثم قال: يا بن أبي العلا إنها ستلد لي غلاما لا يكون في ولدي أسخى (2) ولا أشجع ولا أعبد منه. قلت: فما تسميه حتى أعرفه ؟ قال: إسمه إبراهيم. فقال علي بن أبي حمزة: كنت مع موسى عليه السلام بمنى إذ أتى (3) رسوله فقال: إلحق بي بالثعلبية (4). فلحقت به، ومعه عياله وعمران خادمه. فقال: أيما أحب إليك المقام ها هنا أو تلحق بمكة ؟ قلت: أحبهما إلي ما أحببت. قال: مكة خير لك. ثم سبقني (5) إلى داره بمكة، وأتيته وقد صلى المغرب فدخلت عليه، فقال: " إخلع نعليك إنك بالوادي المقدس [ طوى ] " (6). فخلعت نعلي وجلست معه فأتيت بخوان فيه خبيص (7) فأكلت أنا وهو، ثم رفع الخوان وكنت احدثه، ثم غشيني النعاس، فقال لي:


(1) هكذا في اثبات الهداة، وفي م، والبحار " لكانت من يأتيك "، وفي ط " لكانت له امائك من يأتيك به ". (2) قوله عليه السلام: لا يكون ولدى، أسخى منه... أي سائر أولاده سوى الرضا عليه السلام (قاله المجلسي). (3) " أتانى " ط، البحار. (4) الثعلبية: من منازل طريق مكة، قد كانت قرية فخربت، وهى مشهورة (مراصد الاطلاع 1 / 296). (5) " ثم مضى " ط. " ثم بعثنى " البحار. (6) اقتباس من قوله تعالى في سورة طه: 12 (7) الخوان: ما يوضع عليه الطعام ليؤكل، وتسميه العامة السفرة. والخبيص: طعام معمول من التمر والزبيب والسمن.

[ 312 ]

قم، فنم حتى أقوم أنا لصلاة الليل، فحملني النوم إلى أن فرغ من صلاة الليل (1) ثم جاءني فنبهني. فقال: قم فتوضأ ! وصل صلاة الليل وخفف، فلما فرغت من الصلاة، صلينا (2) الفجر، ثم قال لي: يا علي إن ام ولدي ضربها الطلق فحملتها إلى الثعلبية مخافة أن يسمع الناس صوتها فولدت هناك الغلام الذي ذكرت لك كرمه وسخاءه وشجاعته. قال علي: فوالله لقد أدركت الغلام فكان كما وصف. (3) 5 - ومنها: ما روي [ عن ] ابن أبي حمزة [ قال ]: كنا عند أبي الحسن موسى [ بن جعفر ] عليهما السلام إذ دخل عليه ثلاثون [ غلاما ] مملوكا من الحبشة [ قد ] اشتروا له فتكلم غلام منهم وكان جميلا بكلام، فأجابه موسى عليه السلام بلغته، فتعجب الغلام وتعجبوا جميعا، وظنوا أنه لا يفهم (4) كلامهم. فقال له موسى عليه السلام: إني أدفع إليك مالا، فادفع إلى كل واحد منهم ثلاثين درهما. فخرجوا وبعضهم يقول لبعض: إنه أفصح منا بلغتنا، وهذه نعمة من الله علينا. قال علي بن أبي حمزة: فلما خرجوا، قلت: يا بن رسول الله رأيتك تكلم هؤلاء الحبشيين بلغاتهم ؟ ! قال: نعم. وأمرت ذلك الغلام من بينهم بشئ دونهم ؟ قال: نعم، أمرته أن يستوصي بأصحابه خيرا، وأن يعطي كل واحد منهم في كل


(1) " صلاته " ط. (2) " صليت " ط، البحار. (3) عنه اثبات الهداة: 5 / 542 ح 80، والبحار: 48 / 69 ح 92. وأورده في دلائل الامامة: 170 بالاسناد إلى الحسين بن أبى العلا، عنه مدينة المعاجز: 438 ح 37. وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 190 عن الحسين بن أبى العلا. وأخرجه في اثبات الهداة: 5 / 569 ح 130 عن صاحب مناقب فاطمة وولدها باسناده عن الحسين بن أبى العلا. (4) " جميعا وكان في خلفهم أنه لا يعرف " ط، ه‍.

[ 313 ]

شهر ثلاثين درهما، لانه لما تكلم كان أعلمهم، فانه من أبناء ملوكهم، فجعلته عليهم وأوصيته بما يحتاجون إليه، وهو مع ذلك (1) غلام صدق. ثم قال: لعلك عجبت من كلامي إياهم بالحبشية ؟ قلت: إي والله. قال: فلا تعجب، فما (2) خفي عليك من أمري أعجب وأعجب، [ من كلامي ؟ إياهم ] وما الذي سمعته مني إلا كطائر أخذ بمنقاره من البحر قطرة، أفترى هذا الذي يأخذه بمنقاره ينقص من البحر ؟ ! والامام بمنزلة البحر لا ينفد ما عنده وعجائبه أكثر (3) من عجائب البحر. (4) 6 - ومنها: ما قال بدر (5) مولى الرضا عليه السلام: إن إسحاق بن عمار دخل على موسى بن جعفر عليهما السلام فجلس عنده إذ استأذن عليه رجل خراساني فكلمه بكلام لم يسمع (6) مثله [ قط ] كأنه كلام الطير. قال إسحاق: فأجابه موسى عليه السلام بمثله وبلغته إلى أن قضى وطره من مسألته، فخرج من عنده، فقلت: ما سمعت بمثل هذا الكلام ؟ قال: هذا كلام قوم من أهل الصين وليس كل كلام أهل الصين مثله. ثم قال: أتعجب من كلامي بلغته ؟ قلت: هو موضع التعجب. قال عليه السلام: اخبرك بما هو أعجب منه [ إعلم ] أن الامام يعلم منطق الطير ونطق (7) كل


(1) " هذا " البحار. (2) " مما " ط. (3) " أعظم " ط. (4) عنه اثبات الهداة: 5 / 542 ح 81، والبحار: 48 / 70 ح 93 وص 101 ح 4. ورواه في قرب الاسناد: 144 باسناده إلى على بن أبى حمزة، عنه البحار: 26 / 190 ح 2، والبحار: 48 / 100 ح 3، ومدينة المعاجز: 438 ح 36. وأورده في دلائل الامامة: 169 بالاسناد إلى على بن أبى حمزة، عنه مدينة المعاجز. وأورده مرسلا في الصراط المستقيم: 2 / 190 ح 5 مختصرا. (5) " نور " خ ل. (6) " لا سمع " م. (7) " منطق " البحار.

[ 314 ]

ذي روح خلقه الله تعالى وما يخفى على الامام شئ. (1) 7 - ومنها: ما قال علي بن أبي حمزة [ قال ]: أخذ بيدي موسى بن جعفر عليهما السلام يوما، فخرجنا من المدينة إلى الصحراء فإذا نحن برجل مغربي على الطريق يبكي وبين يديه حمار ميت، ورحله مطروح. فقال له موسى عليه السلام: ما شأنك ؟ قال: كنت مع رفقائي نريد الحج فمات حماري ها هنا وبقيت [ وحدي ]، ومضى أصحابي وقد بقيت متحيرا (2) ليس لي شئ أحمل عليه. فقال موسى عليه السلام: لعله لم يمت قال: أما ترحمني حتى تلهو بي قال: إن لي رقية (3) جيدة. قال الرجل: ليس يكفيني ما أنا فيه حتى تستهزأ بي ؟ ! فدنا موسى عليه السلام من الحمار ودعا (4) بشئ لم أسمعه (5)، وأخذ قضيبا كان مطروحا فنخسه به وصاح عليه، فوثب الحمار صحيحا سليما. فقال: يا مغربي ترى ها هنا شيئا من الاستهزاء: إلحق بأصحابك. ومضينا وتركناه. قال علي بن أبي حمزة: فكنت واقفا يوما على بئر زمزم بمكة، فإذا المغربي هناك فلما رآني عدا (7) إلي وقبل يدي فرحا مسرورا،


(1) عنه كشف الغمة: 2 / 247، والبحار: 48 / 70 ح 94. وأورده في دلائل الامامة: 171 بالاسناد إلى اسحاق بن عمار، عنه مدينة المعاجز: 438 ح 38. وأورده في ثاقب المناقب: 406 (مخطوط) عن اسحاق بن عمار. وفي الصراط المستقيم: 2 / 190 ح 6 مختصرا. (2) " وأنا متحير " ط، ه‍. (3) الرقية: العوذة التى يرقى بها صاحب الافة. وقيل الرقية: أن يستعان للحصول على أمر بقوى تفوق القوى الطبيعية. (4) " وتكلم " ط، ه‍. " ونطق " البحار. (5) " أفهمه " ط، ه‍. (6) " فضربه " ط، ه‍، البحار. ونخس الدابة: غرز جنبها أو مؤخرها بعود أو نحوه فهاجت (7) " أقبل " ط، ه‍. " غدا " م.

[ 315 ]

فقلت له: ما حال حمارك ؟ فقال: هو والله سليم صحيح وما أدري من أين ذلك الرجل الذي من الله به علي فأحيا لي حماري بعد موته ؟ فقلت له: قد بلغت حاجتك فلا تسأل عما لا تبلغ معرفته (1). 8 - ومنها: ما روي عن أبي خالد الزبالي [ قال ]: قدم أبو الحسن موسى عليه السلام زبالة (2) ومعه جماعة من أصحاب المهدي (3) بعثهم في إشخاصه إليه. قال: وأمرني بشراء حوائج له ونظر إلي وأنا مغموم. فقال: يا أبا خالد ما لي أراك مغموما ؟ قلت: هو ذا تصير إلى هذا الطاغية، ولا آمنك منه. قال: ليس علي منه بأس، إذا كان يوم كذا فانتظرني في أول الليل (4). قال: فما كان (5) لي همة إلا احصي (6) الايام حتى إذا كان ذلك اليوم وافيت أول الليل، فلم أر أحدا حتى كادت الشمس تجب (7) فشككت، ونظرت بعد إلى شخص قد أقبل فانتظرته فإذا هو أبو الحسن موسى عليه السلام على بغلة قد تقدم، فلما نظر إلي، قال: لا تشكن. فقلت: قد كان ذلك.


(1) عنه كشف الغمة: 2 / 247، والبحار: 48 / 71 ح 95، والايقاظ من الهجعة: 196 ح 9، ومدينة المعاجز: 459 ح 96. وأورده مرسلا في الصراط المستقيم: 2 / 190 ح 8 مختصرا، عنه اثبات الهداة. (2) زبالة، بضم أوله: موضع معروف بطريق مكة، بين واقصة، والثعلبية بها بركتان (مراصد الاصلاع: 2 / 656). (3) المهدى: هو ثالث خلفاء الدولة العباسية، اسمه محمد بن عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن العباس. (4) " الليل " خ ل، وكذا التى تأتى. وأول الميل: أول زوال الشمس عن كبد السماء، أو عندما تقارب الغياب. (5) " كانت " البحار. (6) " احصاء " البحار. (7) تجب: تغيب، يقال: وجبت الشمس: غابت.

[ 316 ]

ثم قال: إن لي عودة، ولا أتخلص منهم. فكان كما قال. (1) 9 - ومنها: أن عيسى المدائني قال: خرجت سنة إلى مكة فأقمت بها ثم قلت: أقيم ؟ بالمدينة مثل ما أقمت بمكة [ فهو أعظم ] (2) لثوابي، فقدمت المدينة فنزلت طرف المصلى إلى جنب دار أبي ذر، فجعلت أختلف إلى سيدي فأصابنا مطر شديد بالمدينة فأتيت أبا الحسن عليه السلام مسلما عليه يوما وإن السماء تهطل فلما دخلت ابتدأني. فقال لي: وعليك سلام الله يا عيسى ارجع فقد انهدم بيتك على متاعك. فانصرفت راجعا وإذا البيت قد انهار، واستعملت عملة، فاستخرجوا متاعي كله ولا افتقدته غير سطل كان لي. فما أتيته الغد مسلما عليه، قال: هل فقدت من متاعك شيئا فندعوا الله [ لك ] بالخلف ؟ قلت: ما فقدت شيئا ما خلا سطلا كان لي أتوضأ منه فقدته. فأطرق مليا، ثم رفع رأسه إلي فقال لي: قد ظننت أنك قد أنسيت [ السطل ] فسل جارية رب الدار عنه، وقل لها: أنت رفعت السطل في الخلاء، فرديه، فانها سترده عليك. فلما انصرفت أتيت جارية رب الدار فقلت:


(1) عنه البحار: 48 / 71 ح 96. ورواه في قرب الاسناد: 140 باسناده إلى أبى خالد الزبالى، عنه البحار: 48 / 228 ح 32. ورواه في الكافي: 1 / 477 ح 3 باسناده إلى أبى خالد الزبالى، عنه مدينة المعاجز: 435، ح 32، وعن اعلام الورى: 305 بالاسناد إلى أبى خالد الزبالى. وأورده مرسلا في ثاقب المناقب: 397 (مخطوط) عن أبى خالد الزبالى. وأخرجه في كشف الغمة: 2 / 238 من كتاب دلائل الحميرى، عنه البحار: 48 / 229 ح 34. وأخرجه في اثبات الهداة: 5 / 502 ح 3 عن الكافي وقرب الاسناد واعلام الورى وكشف الغمة. (2) من البحار.

[ 317 ]

إني نسيت السطل في الخلاء فرديه علي أتوضأ منه. فردت علي سطلي. (1) 10 - ومنها: أن علي بن أبي حمزة قال: كنت عند موسى بن جعفر عليهما السلام إذ أتاه رجل من أهل الري يقال له " جندب " فسلم عليه وجلس، فسأله أبو الحسن عليه السلام وأحسن السؤال به، ثم قال له: يا جندب ما فعل أخوك ؟ قال له: بخير وهو يقرئك السلام. فقال: يا جندب عظم الله (2) أجرك في أخيك. فقال: ورد كتابه من الكوفة لثلاثة عشر يوما بالسلامة. فقال: إنه والله مات بعد كتابه إليك بيومين، ودفع إلى امرأته مالا، وقال: ليكن هذا المال عندك فإذا قدم أخي فادفعيه إليه. وقد أودعته الارض في البيت الذي كان يكون فيه، فإذا أنت أتيتها فتلطف لها وأطمعها في نفسك فانها ستدفعه إليك. قال علي بن أبي حمزة: وكان جندب رجلا [ كبيرا ] جميلا. قال: فلقيت جندبا بعد ما فقد أبو الحسن عليه السلام فسألته عما قال له. فقال: صدق والله سيدي ما زاد، ولا نقص، لا في الكتاب ولا في المال. (3)


(1) عنه البحار 48 / 60 ح 74. وأخرجه في كشف الغمة: 2 / 241 من كتاب دلائل الحميرى، عن عيسى المدائني مثله. عنه اثبات الهداة: 5 / 555 ح 98 والبحار 48 / 61 ح 74. (2) " أعظم الله لك " البحار. (3) عنه البحار 48 / 61 ح 76، وح 77، عن عيون المعجزات: 98 عن على، وح 78 عن فرج المهموم: 230 باسناده إلى الحميرى في دلائل الامامة يرفعه إلى على، وح 79 عن كشف الغمة: 2 / 241 من كتاب دلائل الامامة للحميري عن على، جميعا مثله. وأورده في اثبات الوصية: 191 عن على، وفي دلائل الامامة للطبري: 162 بالاسناد إلى على، وفي ثاقب المناقب: 406 " مخطوط " عن على، وفي الصراط المستقيم 2 / 190 ح 7 مرسلا. وأخرجه في اثبات الهداة: 5 / 556 ح 99 عن كشف الغمة. وأخرجه في مدينة المعاجز: 432 ح 21 عن دلائل الامامة للطبري.

[ 318 ]

11 - ومنها: ما روى علي بن أبي حمزة قال: كان رجل من موالي أبي الحسن لي صديقا، قال: خرجت من منزلي يوما فإذا أنا بامرأة حسناء جميلة ومعها أخرى فتبعتها، فقلت لها: تمتعيني نفسك ؟ فالتفتت إلي، وقالت: إن كان لنا عندك جنس فليس فينا مطمع، وإن لم يكن لك زوجة، فامض بنا. فقلت: ليس لك عندنا جنس. فانطلقت معي حتى صرنا إلى باب المنزل فدخلت، فلما أن خلعت فرد خف وبقي الخف الاخر تنزعه إذا قارع يقرع الباب، فخرجت فإذا [ أنا ] بموفق مولى أبي الحسن، فقلت له: ما وراك ؟ قال: خير، يقول لك أبو الحسن: أخرج هذه المرأة التي معك في البيت ولا تمسها. فدخلت فقلت لها: البسي خفك يا هذه واخرجي. فلبست خفها وخرجت، فنظرت إلى موفق بالباب، فقال سد الباب. فسددته (1)، فوالله ما جازت (2) غير بعيد، وأنا وراء الباب أستمع وأطلع حتى لقيها رجل مستفز (3). فقال لها: ما لك خرجت سريعا، ألست قلت لا تخرجي ؟ قالت: إن رسول الساحر جاء يأمره أن يخرجني فأخرجني. قال: فسمعته يقول: أولى له. وإذا القوم طمعوا في مال عندي، فلما كان العشاء عدت إلى أبي الحسن، قال: لا تعد فان تلك امرأة من بني أمية، أهل بيت اللعنة إنهم كانوا بعثوا أن يأخذوها في (4) منزلك فاحمد الله الذي صرفها. ثم قال لي أبو الحسن: تزوج بابنة فلان وهو مولى أبي أيوب الانصاري (5) فان له إبنة (6) قد جمعت كل ما تريد من أمر الدنيا والاخرة.


(1) " شد الباب فشددته " م. (2) " ما جاءت له " البحار. (3) " مستغنى " ط " مستعر " البحار. ومستفز: مستخف يقال: رجلا مستفزا أي غير مطمئن. (4) " من " البحار. (5) هكذا في ثاقب المناقب، وفي الاصل، والبحار " البخاري ". (6) " فانها امرأة " البحار.

[ 319 ]

فتزوجت، فكان كما قال عليه السلام. (1) 12 - ومنها: أن علي بن أبي حمزة قال: بعثني أبو الحسن في حاجة فجئت وإذا معتب على الباب، فقلت: أعلم مولاي بمكاني. فدخل معتب ومرت بي امرأة وقلت: لو لا أن معتبا دخل فأعلم مولاي بمكاني لاتبعت هذه المرأة فتمتعت بها فخرج معتب فقال: ادخل. فدخلت [ عليه ] وهو على مصلى تحته مرفقة (2) فمد يده وأخرج من تحت المرفقة صرة فناولنيها، وقال: الحق المرأة فانها على دكان العلاف بالبقيع تنتظرك. فأخذت الدراهم وكنت إذا قال لي شيئا لا اراجعه، فأتيت البقيع فإذا المرأة على دكان العلاف تقول: يا عبد الله قد حبستني. قلت: أنا ؟ ! قالت: نعم، فذهبت بها وتمتعت بها (3). 13 - ومنها: ما قال المعلى بن محمد، عن بعض أصحابنا، عن بكار القمي قال: حججت أربعين حجة، فلما كان في آخرها أصبت بنفقتي بجمع (4) فقدمت مكة فأقمت حتى يصدر (5) الناس، ثم قلت: أصير إلى المدينة فأزور رسول الله صلى الله عليه واله وأنظر إلى سيدي أبي الحسن موسى عليه السلام وعسى أن أعمل عملا بيدي فأجمع شيئا فأستعين به على طريقي إلى الكوفة.


(1) عنه البحار: 48 / 16 ح 80. وأورده في ثاقب المناقب: 407 (مخطوط) عن على، عنه مدينة المعاجز: 468 ح 127، وأورده مرسلا في الصراط المستقيم: 2 / 190 ح 9 مختصرا، عنه اثبات الهداة: 5 / 573 ح 139. (2) المرفقة: المخدة. (3) عنه البحار: 48 / 62 ح 81، وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 190 ح 10 قطعة عن على، عنه اثبات الهداة: 5 / 573 ح 140. (4) جمع، ضد التفرق: وهو المزدلفة، سمى جمعا لازدلاف آدم إلى حواء واجتماعه معها. (مجمع البحرين: " زلف "). (5) صدر عن المكان: رجع عنه.

[ 320 ]

فخرجت حتى صرت إلى المدينة فأتيت رسول الله صلى الله عليه واله فسلمت عليه، ثم جئت إلى المصلى إلى الموضع الذي يقوم فيه الفعلة، فقمت (1) فيه رجاء أن يسبب الله لي عملا أعمله، فبينا أنا كذلك إذ أنا برجل قد أقبل فاجتمع حوله الفعلة (2) فجئت فوقفت معهم فذهب بجماعة فاتبعته، فقلت: يا عبد الله إني رجل غريب، فان رأيت أن تذهب بي معهم فتستعملني. فقال: أنت من أهل الكوفة ؟ قلت: نعم. قال: إذهب. فانطلقت معه إلى دار كبيرة تبنى جديدة، فعملت فيها أياما وكنا لا نعطى من اسبوع إلى اسبوع إلا يوما واحدا، وكان العمال لا يعملون، فقلت للوكيل: استعملني عليهم حتى أستعملهم وأعمل معهم. فقال: قد استعملتك. فكنت أعمل، وأستعملهم. قال: فإني لو اقف ذات يوم على السلم إذ نظرت إلى أبي الحسن موسى عليه السلام قد أقبل وأنا في السلم في الدار، فدار في الدار ثم رفع رأسه إلي فقال: [ يا ] بكار جئتنا. انزل. فنزلت. قال: فتنحى ناحية، فقال لي: ما تصنع ها هنا. فقلت ؟ جعلت فداك اصبت بنفقتي بجمع فأقمت [ بمكة ] إلى أن صدر الناس، ثم إني صرت إلى (3) المدينة فأتيت المصلى، فقلت: أطلب (4) عملا فبينا أنا قائم إذ جاء وكيلك فذهب برجال فسألته أن يستعملني كما يستعملهم، فقال لي: قم يومك هذا. (فلما كان من الغد وكان اليوم الذي يعطون فيه جاء) (5) فقعد على الباب،


(1) " العملة فوقعت " ط، ه‍، " العلماء فقمت " البحار. (2) " العملة " ط. (3) " ثم أتيت " ط، ه‍. (4) " لا طلب " ط. (5) " ثم توجه بالخروج، فعملت حتى كان اليوم الذى يعطون فيه الفعلة فجاء الوكيل " ط، وفي ط خ " فعملت، فقال لى: أقم يومك هذا حتى كان اليوم الذى يعطون فيه العملة فجاء الوكيل ". (*)

[ 321 ]

فجعل يدعو الوكيل برجل رجل يعطيه فكلما ذهبت إليه أومأ بيده إلي أن اقعد. (1) حتى إذا كان في آخرهم، قال لي: ادن. فدنوت فدفع إلي صرة فيها خمسة عشر دينارا، فقال: خذ هذه نفقتك إلى الكوفة. ثم قال: أخرج غدا. قلت: نعم جعلت فداك ولم أستطع أن أرده، ثم ذهب وعاد إلي الرسول، فقال: قال أبو الحسن (2) عليه السلام: إئتني غدا قبل أن تذهب. [ فقلت: سمعا وطاعة ]. فلما كان من الغد أتيته، فقال: اخرج الساعة حتى تصير إلي فيد (3) فانك توافق قوما يخرجون إلى الكوفة، وهاك (4) هذا الكتاب فادفعه إلى علي بن أبي حمزة. قال: فانطلقت فلا والله (5) ما تلقاني خلق حتى صرت إلى فيد، فإذا قوم قد تهيأوا للخروج إلى الكوفة من الغد، فاشتريت بعيرا وصحبتهم إلى الكوفة فدخلتها ليلا، فقلت: أصير إلي منزلي فأرقد ليلتي هذه ثم أغدو بكتاب مولاي إلى علي بن أبي حمزة، فأتيت منزلي فأخبرت أن اللصوص دخلوا إلى حانوتي قبل قدومي بأيام. فلما أن أصبحت صليت الفجر فبينا أنا جالس متفكر فيما ذهب لي من حانوتي إذا أنا بقارع يقرع [ علي ] الباب، فخرجت فإذا [ هو ] علي بن أبي حمزة فعانقته وسلم علي (6)، ثم قال لي: يا بكار هات كتاب سيدي. قلت: نعم، [ وإنني ] قد كنت على [ عزم ] المجئ إليك الساعة. قال: هات قد علمت أنك قدمت ممسيا (7)


(1) " فكلما ذهبت لادنو قال لي بيده: كذا " م. البحار. (2) " ثم ذهب وأتانى رسوله قال: ان أبا الحسن عليه السلام قال: " ط، ه‍. (3) فيد، بالفتح، ثم السكون، ودال مهملة: بليدة في نصف طريق مكة من الكوفة (مراصد الاطلاع: 3 / 1049). (4) " وخذ " ط، ه‍. (5) " فوالله " ط، ه‍. (6) " فسلمت عليه " ط. (7) " قد أتيت عشيا " ط، ه‍.

[ 322 ]

فأخرجت الكتاب فدفعته (1) إليه فأخذه وقبله ووضعه على عينيه وبكى، فقلت: ما يبكيك ؟ قال: شوقا إلى سيدي. ففكه (2) وقرأه، ثم رفع رأسه [ إلي ] وقال: يا بكار دخل عليك اللصوص ؟ قلت: نعم. قال: فأخذوا ما كان في حانوتك ؟ قلت: نعم. قال: إن الله أخلفه عليك (3)، قد أمرني مولاك ومولاي أن اخلف عليك ما ذهب منك. أعطاني أربعين دينارا (4). قال: فقومت ما ذهب [ مني ] فإذا قيمته أربعون دينارا ففتح (5) علي الكتاب فإذا فيه: إدفع إلى بكار قيمة ما ذهب من حانوته أربعين دينارا. (6) 14 - ومنها: أن إسحاق بن عمار قال: لما حبس هارون أبا الحسن موسى عليه السلام دخل عليه أبو يوسف ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة. فقال: أحدهما للاخر: نحن على أحد أمرين إما أن نساويه، وإما أن نشاكله (7). فجلسا بين يديه، فجاء رجل كان موكلا به من قبل السندي بن شاهك، فقال: إن نوبتي قد انقضت وأنا على الانصراف فان كانت لك حاجة أمرتني حتى آتيك بها في الوقت الذي تلحقني النوبة ؟ فقال [ له ]: ما لي حاجة. فلما أن خرج، قال لابي يوسف ومحمد بن الحسن: ما أعجب هذا يسألني أن اكلفه حاجة من حوائجي ليرجع، وهو ميت في هذه الليلة. قال: فغمز أبو يوسف محمد بن الحسن للقيام، فقاما، فقال أحدهما للاخر: إنا


(1) " وسلمته " ط، ه‍. (2) " ففضه " ط، ه‍، (3) " فقال: الله قد رد عليك " ط، ه‍. (4) " ما ذهب منك وأخرج صرة فيها أربعين دينارا فدفعها إلى " ط، ه‍. (5) " فقرأ " ط، ه‍. (6) عنه البحار: 48 / 62 ح 82 ومدينة المعاجز: 459 ح 97. وأورده في ثاقب المناقب: 177 (مخطوط) بالاسناد إلى بكار القمى مثله. وفي الصراط المستقيم: 2 / 190 ح 11 مختصرا عن بكار. (7) " نشككه " م، ه‍، كشف " نشكله " البحار، ونشاكله، من شاكله مشاكلة: ماثله، وافقه يقال: " في فلان مشاكلة من أبيه " أي شبه.

[ 323 ]

جئنا لنسأله عن الفرض والسنة وهو الآن جاء بشئ آخر كأنه من علم الغيب. ثم بعثا برجل مع الرجل، فقالا: إذهب حتى تلزمه وتنتظر (1) ما يكون من أمره في هذه الليلة، وتأتينا بخبره من الغد. فمضى الرجل فنام في مسجد عند باب داره فلما أصبح سمع الواعية ورأى الناس. يدخلون داره، فقال: ما هذا ؟ قالوا: [ قد ] مات فلان في هذه الليلة فجأة من غير علة. فانصرف [ الرجل ] إلى أبي يوسف ومحمد وأخبرهما (الخبر، فأتيا) (2) أبا الحسن عليه السلام فقالا: قد علمنا أنك قد أدركت العلم في الحلال والحرام، فمن أين أدركت أمر هذا الرجل الموكل بك أنه يموت في هذه الليلة ؟ قال: من الباب الذي أخبر بعلمه رسول الله صلى الله عليه واله علي بن أبي طالب عليه السلام. فلما أورد (3) عليهما هذا بقيا لا يحيران (4) جوابا. (5) 15 - ومنها: ما روي أن هارون الرشيد بعث يوما إلى موسى بن جعفر عليهما السلام على يد ثقة له طبقا من السرقين (6) الذي هو على هيئة التين، وأراد استخفافه، فلما رفع الازار منها فإذا هي من أحلى التين وأطيبه، فأكل عليه السلام وأطعم بعضها الحامل ورد


(1) " اذهب معه وانظر " ط، ه‍. (2) " فأتينا " ط، ه‍، كشف. (3) " ورد " كشف، " رد " البحار. (4) من حار يحور حورا: رجع، وأحار عليه جوابا: رده. وقوله " فلم يحر جوابا " أي يرجع ولم يرد، وفي ه‍، ط " بقيا متحرين لا يردان جوابا ". (5) عنه كشف الغمة: 2 / 248، واثبات الهداة: 5 / 544 ح 84، ومدينة المعاجز: 460 ح 98. وأورده مرسلا في الصراط المستقيم: 2 / 191 ح 12 مختصرا، عنه اثبات الهداة: 5 / 574 ح 141. (6) السرقين: الزبل. ويقال أيضا: السرجين وهي كلمة أعجمية، وأصلها " سركين " بالكاف فعربت إلى الجيم والقاف.

[ 324 ]

بقيتها (1) إلى هارون. فلما تناوله [ هارون ] (2) صار سرقينا في فيه، وكان في يده تينا (3). 16 - ومنها ما قال: إسحاق بن عمار: إن أبا بصير أقبل مع أبي الحسن موسى من المدينة يريد العراق (4)، فنزل أبو الحسن المنزل (5) الذي يقال له زبالة (6) بمرحلة، فدعا بعلي بن أبي حمزة البطائني، وكان تلميذا لابي بصير، فجعل يوصيه بوصية بحضرة أبي بصير ويقول: يا علي إذا صرنا إلى الكوفة في كذا. فغضب أبو بصير وخرج من عنده، فقال: لا والله ما أعجب ما أرى هذا [ الرجل ] أنا أصحبه منذ حين، ثم يتخطاني بحوائجه إلى بعض غلماني. فلما كان من الغد حم أبو بصير بزبالة فدعا بعلي بن أبي حمزة فقال له: أستغفر الله مما حك (7) في صدري من مولاي و [ من ] سوء ظني به، كان قد علم أني ميت وأني لا ألحق الكوفة، فإذا أنا مت فافعل كذا، وتقدم في كذا. فمات أبو بصير بزبالة (8).


(1) " ورد بعضها " كشف الغمة، اثبات الهداة. (2) من كشف الغمة، واثبات الهداة. (3) عنه اثبات الهداة: 5 / 558 ح 104، وكشف الغمة: 2 / 248، وله نظر في هذا الخبر نتركه للقارئ. (4) " من مكة إلى المدينة " البحار. (5) " في الموضع " البحار. (6) زبالة، بضم أوله: منزل معروف بطريق مكة من الكوفة. (7) " حل " كشف الغمة، واثبات الهداة، والبحار. وحك، وأحك الكلام في صدره: عمل وأثر فيه، ويقال: " ما حك في صدري كذا " أي لم أنشرح له. (8) عنه كشف الغمة: 2 / 249، واثبات الهداة: 5 / 558 ح 105، والبحار: 48 / 65 ح 84، وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 191 مرسلا باختصار.

[ 325 ]

17 - ومنها: أن هشام بن الحكم قال: لما مضى أبو عبد الله عليه السلام وادعى الامامة عبد الله بن جعفر وأنه أكبر ولده، دعاه موسى بن جعفر عليهما السلام وقال: يا أخي إن كنت صاحب هذا الامر فهلم يدك فأدخلها النار. وكان حفر حفيرة وألقى فيها حطبا وضربها بنفط ونار، فلم يفعل عبد الله، وأدخل أبو الحسن يده في تلك النار (1) ولم يخرجها من النار إلا بعد احتراق الحطب وهو يمسحها. (2) 18 - ومنها: أن علي بن سويد (3) قال: خرج إليه عن أبي الحسن موسى عليه السلام: سألتني عن امور كنت منها في تقية ومن كتمانها في سعة، فلما انقضى سلطان الجبابرة ودنا سلطان ذي السلطان العظيم (بفراق الدنيا) (4) المذمومة إلى أهلها العتاة (5) على خالقهم، رأيت أن افسر لك ما سألتني عنه مخافة أن تدخل الحيرة على ضعفاء شيعتنا (6) من قبل جهالتهم فاتق الله واكتم ذلك إلا من أهله، واحذر أن تكون سبب بلية على الاوصياء أو حارشا (7) عليهم في إفشاء ما استودعتك وإظهار ما استكتمتك، ولن تفعل إن شاء الله، إن أول ما انهي (8) عليك [ أن ] (9) أنعى [ إليك ] (10) نفسي في ليالي هذه، غير جازع، ولا نادم، ولا شاك فيما هو كائن


(1) " الحفيرة " البحار. (2) عنه البحار: 48 / 65 ح 85. وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 191 ذ ح 2 مرسلا باختصار، عنه اثبات الهداة: 5 / 572 ح 135. (3) " المؤيد " البحار. راجع رجال السيد الخوئى: 12 / 58 - 61. (4) هكذا في البحار وفي الاصل " منا والدنيا ". (5) عتا عتوا: استكبر وجاوز الحد، فهو عادت، وجمعها عتاة. (6) هكذا في البحار، وفي الاصل " امتنا ". (7) قال ابن الاثير: الاحتراش، والحرش: أن تهيج الضب من جحره، بأن تضربه بخشبة أو غيرها من خارجه فيخرج ذنبه ويقرب من باب الحجر يحسب أنه أفعى، فحينئذ يهدم عليه جحره ويؤخذ. والمعنى استعارة. (8) أنهى انهاء الشئ: أبلغه. (9 و 10) من البحار.

[ 326 ]

مما قضى الله وقدر وحتم. (في كلام كثير). ثم إنه عليه السلام مضى في أيامه هذه. (1) 19 - ومنها: ما روي عن محمد بن عبد الله، عن صالح بن واقد الطبري قال: دخلت على موسى بن جعفر عليهما السلام فقال: يا صالح إنه يدعوك الطاغية - يعني هارون - فيحبسك في محبسه، ويسألك عني فقل: إني لا أعرفه، فإذا صرت في محبسه (2) فقل من أردت أن تخرجه، فأخرجه باذن الله تعالى. قال صالح: فدعاني هارون الرشيد من طبرستان (3)، فقال: ما فعل موسى بن جعفر فقد بلغني أنه كان عندك ؟ فقلت: وما يدريني من موسى بن جعفر ؟ أنت يا أمير المؤمنين أعرف به وبمكانه. فقال: اذهبوا به إلى الحبس. فوالله إني لفي بعض الليالي قاعد وأهل الحبس نيام إذا أنا به يقول: يا صالح. قلت: لبيك. قال: قد صرت إلى ها هنا ؟ فقلت: نعم يا سيدي. قال: قم فاخرج واتبعني. فقمت وخرجت، فلما أن صرنا إلى بعض الطريق، قال: يا صالح ! السلطان سلطاننا كرامة من الله أعطاناها. قلت: يا سيدي فأين أحتجز من هذا الطاغية ؟ قال: عليك ببلادك فارجع إليها فإنه لن يصل إليك. قال صالح: فرجعت إلى طبرستان فوالله ما سأل عني، ولادرى أحبسني أم لا ؟ (4)


(1) عنه البحار: 48 / 66 ح 86. (2) " حبسه " ط، ه‍. (3) طبرستان: بفتح أوله، وثانيه، وكسر الراء أو اسكان الراء المهملة، بلاد واسعة ومدن كثيرة، يشملها هذا الاسم يغلب عليها الجبال، وهي تسمى بمازندران، وهى مجاورة لجيلان وديلمان، وهى الرى وقومس (مراصد الاطلاع: 2 / 878). (4) عنه البحار: 48 / 66 ح 87. وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 191 ح 5 مختصرا.

[ 327 ]

20 - ومنها: أن إسماعيل بن سالم قال: بعث إلي علي بن يقطين وإسماعيل ابن أحمد فقالا لي: خذ هذه الدنانير، وائت الكوفة فالق فلانا فاستصحبه (1) واشتريا راحلتين، وامضيا بالكتب وما معكما من الاموال حتى تأتيا المدينة، وادفعها ما معكما من كتب ومال إلى موسى بن جعفر عليهما السلام. ففعلنا، حتى إذا كنا ببطن الرمة (2) وقد اشترينا علفا، ووضعناه (3) بين الراحلتين وجلسنا نأكل، فبينا نحن كذلك إذ طلع علينا موسى بن جعفر عليهما السلام على بغلة له - أو بغل - وخلفه شاكري (4) فلما رأيناه وثبنا إليه فسلمنا عليه. فقال: هاتيا (5) ما معكما. فأخرجناه ودفعناه إليه وأخرجنا الكتب فناولناه إياه، فأخرج كتبا من كمه، فقال لنا: هذه جوابات كتبكم، فانصرفا في حفظ الله. قلنا: فقد فني زادنا وقد قربنا من المدينة، ولو أذنت لنا فزرنا رسول الله صلى الله عليه واله وتزودنا زادا. فقال: أبقي معكما من زادكما شئ ؟ قلنا: نعم. قال: ائتوني به. فأخرجناه إليه فقلبه (6) بيده، وقال: هذه بلغتكم إلى الكوفة، إمضيا في حفظ الله. فرجعنا وكفنا الزاد إلى الكوفة (7). (8)


(1) " وأشخصه " البحار. (2) هكذا في البحار، وفي الاصل " ببطن الرمله ". بضم الراء، وتشديد الميم. وقد يقال بالتخفيف، وهو واد معروف بعالية نجد (معجم البلدان: 1 / 449، وفي ج 3 / 72 قيل غير ذلك). (3) " ووفقنا " خ ل. (4) الشاكري: الاجير، والمستخدم، جمعها شاكرية، والكلمة من الدخيل. (5) " هات " اسم فعل، بمعنى أعطني. (6) " فقبضه " كشف، اثبات الهداة. (7) " فرجعنا وكان يكفينا " الاصل. (8) عنه كشف الغمة: 2 / 249، واثبات الهداة: 5 / 559 ح 106، والبحار: 48 / 35 ح 6. ورواه في معرفة الرجال: 436 ح 821 باسناده إلى اسماعيل بن سلام، وفلان بن حميد =

[ 328 ]

21 - ومنها: ما قال الاصبغ بن موسى: حملت دنانير إلى موسى بن جعفر عليه السلام بعضها لي وبعضها لاخواني، فلما دخلت المدينة أخرجت الذي لاصحابي فعددته فكان تسعة وتسعين دينارا، فأخرجت من عندي دينارا وأتممتها مائه دينار، فدخلت عليه فصببتها بين يديه، فأخذ دينارا من بينها، وثم قال: هاك دينارك، إنما بعثت إلينا وزنا، لا عددا. (1) 22 - ومنها: أن داود بن كثير الرقي قال: وفد من خراسان وافد يكنى أبا جعفر واجتمع إليه (2) جماعة من أهل خراسان، فسألوه أن يحمل لهم أموالا ومتاعا و مسائلهم في الفتاوى والمشاورة، فورد الكوفة [ فنزل ] وزار أمير المؤمنين عليه السلام ورأى في ناحية رجلا وحوله (3) جماعة، فلما فرغ من زيارته قصدهم فوجدهم شيعة فقهاء ويسمعون من الشيخ فسألهم عنه، فقالوا: هو (4) أبو حمزة الثمالي. قال: فبينا نحن جلوس إذ أقبل أعرابي، فقال: جئت من المدينة، وقد مات جعفر بن محمد عليهما السلام. فشهق أبو حمزة وضرب بيده الارض، ثم سأل الاعرابي: هل سمعت له بوصية ؟ قال: أوصى إلى ابنه عبد الله، وإلى ابنه موسى، وإلى المنصور. فقال أبو حمزة: الحمد لله الذي لم يضلنا، دل على الصغير، ومن على الكبير وستر (5) الامر العظيم. ووثب (6) إلى قبر أمير المؤمنين فصلى وصلينا.


= قالا: بعث الينا على بن يقطين، وفي ص 437 ح 821 بسند آخر. عنه البحار 48 / 34 ح 5. وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 191 ح 16 مرسلا باختصار. وأخرجه في مدينة المعاجز: 468 ج 124 عن ثاقب المناقب: 400 (مخطوط)، وعن اسماعيل بن سلام وأبى حميد قالا: بعث الينا على بن يقطين مثله. (1) عنه البحار: 48 / 67 ح 88. (2) " عليه " ط، ه‍. (3) " معه " ه‍، ط. (4) " هذا " ط، ه‍. (5) " سر " البحار، وكذا التى. (6) " قصد " ظ، ه‍. وثب: نهض وقام.

[ 329 ]

ثم أقبلت عليه وقلت له: فسر لي ما قلته ؟ فقال: بين أن الكبير ذو عاهة، ودل على الصغير بأن أدخل يده مع الكبير، وستر الامر بالمنصور، حتى إذا سأل المنصور من وصيه ؟ قيل أنت. قال الخراساني: فلم أفهم جواب ما قاله، ووردت المدينة، ومعي المال والثياب والمسائل، وكان فيما معي درهم - دفعته إلي امرأة تسمى شطيطة - ومنديل. فقلت لها: أنا أحمل عنك مائة درهم. فقالت: إن الله لا يستحيي من الحق، فعوجت الدرهم وطرحته في بعض الاكياس، فلما حصلت بالمدينة (1) سألت عن الوصي فقيل [ لي ] عبد الله ابنه. فقصدته. فوجدت بابا مرشوشا مكنوسا عليه بواب فأنكرت ذلك في نفسي واستأذنت ودخلت بعد الاذن، فإذا هو جالس في منصبه، فأنكرت ذلك أيضا. فقلت: أنت وصي الصادق عليه السلام، الامام المفترض الطاعة ؟ قال: نعم. قلت: كم في المائتين من الدراهم زكاة ؟ قال: خمسة دراهم. قلت: فكم في المائة ؟ قال: درهمان ونصف. قلت: ورجل قال لامرأته: أنت طالق بعدد نجوم السماء [ هل ] تطلق بغير شهود ؟ قال: نعم، ويكفي من النجوم رأس الجوزاء (2) ثلاثا. فعجبت (3) من جواباته ومجلسه. وقال: احمل إلي ما معك ؟ قلت: ما معي شئ [ و ] جئت إلى قبر النبي صلى الله عليه واله فلما رجعت إلى بيتي إذا أنا بغلام أسود واقف، فقال: سلام عليك. فرددت عليه السلام. قال: أجب من تريده. فنهضت معه، فجاء بي إلى باب دار مهجورة، ودخل وأدخلني


(1) " دخلت المدينة " ط، ه‍. حصلت: ثبت. (2) أي بعدد رأس الجوزاء وهو إما الانجم الثلاثة، أو حرف الجيم وهو ثلاث بحساب العدد " والجوزاء " نجم يقال: انها تعترض في جوز السماء، أي وسطها. (3) " فتعجبت " ط، ه‍.

[ 330 ]

فرأيت موسى بن جعفر عليهما السلام على حصير الصلاة، فقال لي: يا أبا جعفر [ اجلس ]. وأجلسني (1) قريبا، فرأيت دلائله، أدبا وعلما ومنطقا. وقال لي: احمل ما معك. فحملته إلى حضرته فأومى بيده إلى الكيس [ الذي فيه درهم المرأة ]، فقال لي افتحه. ففتحته. وقال لي: إقلبه. فقلبته فظهر درهم شطيطة المعوج فأخذه بيده وقال: افتح تلك الرزمة (2). ففتحتها، فأخذ المنديل منها بيده وقال - وهو مقبل علي -: إن الله لا يستحيي من الحق. يا أبا جعفر اقرأ على شطيطة السلام مني وادفع إليها هذه الصرة. وقال لي: اردد ما معك إلى من حمله وادفعه إلى أهله، وقل: قد قبله ووصلكم به (3). وأقمت عنده وحادثني وعلمني، وقال لي: ألم يقل لك أبو حمزة الثمالي بظهر الكوفة وأنتم زوار أمير المؤمنين عليه السلام كذا وكذا ؟ قلت: نعم. قال: كذلك يكون المؤمن إذا نور الله قلبه كان علمه بالوجه (4). ثم قال لي: قم إلى ثقاة أصحاب الماضي (5) فسلهم عن نصه. قال أبو جعفر الخراساني: فلقيت جماعة كثيرة منهم (6) شهدوا بالنص على موسى عليه السلام، ثم مضى أبو جعفر إلى خراسان. قال داود الرقي: فكاتبني من خراسان، إنه وجد جماعة ممن حملوا المال


(1) " فجلست " ه‍، ط. (2) الرزمة من الثياب وغيرها: ما جمع وشد معا، جمعها رزم. (3) " قد قبلته ووصلتكم به " م، ط. (4) كان علمه بالوجه أي بالوجه الذى ينبغى أن يعلم به، أو بوجه الكلام وايمائه من غير تصريح، كما ورد أن القرآن ذو وجوه، أو إذا نظر إلى وجه الرجل علم ما في ضميره فيكون ذكره على التنظير (قاله المجلسي). (5) المراد بالماضي هنا: الامام الصادق عليه السلام. (6) " ثم " م.

[ 331 ]

قد صاروا فطحية (1)، وإنه وجد شطيطة على أمرها تتوقعه يعود. قال: فلما رأيتها عرفتها (2) سلام مولانا (3) عليها، وقبوله منها دون غيرها وسلمت إليها الصرة، ففرحت وقالت لي: أمسك الدراهم معك. فانها لكفني. فأقامت ثلاثة أيام وتوفيت [ إلى رحمة الله تعالى ]. (4) 23 - ومنها: ما روي عن هشام بن سالم [ قال: ] كنت أنا ومحمد بن النعمان صاحب الطاق بالمدينة، بعد وفاة جعفر عليه السلام وقد اجتمع الناس على عبد الله ابنه فدخلنا عليه وقلنا: الزكاة في كم تجب ؟ قال: في مائتي درهم، خمسة دراهم. فقلنا: ففي مائة ؟ قال: درهمان ونصف. فخرجنا ضلالا فقعدنا باكين في موضع نقول: [ إلى من ترجع ] إلى المرجئة إلى المعتزلة، إلى الزيدية (5)، فنحن كذلك إذ رأيت شيخا لا أعرفه يؤمئ إلي


(1) الفطحية: فرقة قالت: الامامة بعد جعفر عليه السلام في ابنه عبد الله بن جعفر الافطح، وسموا بذلك لان عبد الله كان أفطح الرأس، وقال بعضهم: كان أفطح الرجلين. (فرق الشيعة: 88). (2) " أقرأتها " ط، ه‍. (3) " مولاي عليه السلام " ط. (4) عنه البحار: 47 / 251 ح 23، واثبات الهداة: 545 ح 85، ومدينة المعاجز: 460 ح 99، وص 460 ح 106. وأورده في مناقب آل أبي طالب: 3 / 409 عن أبي علي بن راشد وغيره نحوه عنه البحار: 48 / 73 ح 100، عنه إثبات الهداة: 5 / 575 ح 144. وأورده في ثاقب المناقب: 378 (مخطوط)، عن عثمان بن سعيد، عن أبي علي بن راشد نحوه، عنه مدينة المعاجز: 460 ح 106، وعن المناقب. (5) المرجئة: هم الذين قالوا لا يضر مع الايمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، راجع معجم الفرق الاسلامية: 219، والملل والنحل: 1 / 139، فرق الشيعة: 25. والمعتزلة: ويسمون أصحاب العدل والتوحيد ويلقبون بالقدرية، والعدلية (الملل والنحل: 1 / 43) وقال في فرق الشيعة: 24، فرقة اعتزلت مع سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن = (*)

[ 332 ]

فخفت أن يكون عينا من عيون أبي جعفر المنصور، فانه أمر بضرب رقاب من يجتمع على (1) موسى بن عليه السلام وقتله إن اجتمعوا عليه. فقلت للاحول (2): تنح، ولا تهلك فاني خائف على نفسي، وتبعت الشيخ حتى أخرجني (3) إلى باب موسى عليه السلام وأدخلني [ عليه ]، فلما رآني موسى عليه السلام قال لي - ابتداءا منه -: إلي إلي، لا إلى المرجئة، ولا إلى المعتزلة، ولا إلى الزيدية. فقلت: مضى أبوك ؟ قال: نعم. قلت: فمن لنا بعده ؟ قال: إن شاء الله أن يهديك هداك. فقلت في نفسي: لم أحسن المسألة فقلت [ و ] عليك إمام، قال ؟ لا. فدخلني هيبة له، قلت: أسألك كما سألت أباك ؟ قال: سل تخبر ولا تذع، فان أذعت فهو الذبح. فسألته فإذا هو بحر لا ينزف. قلت: شيعة أبوك ضلال فأدعوهم إليك ؟ قال: من آنست منه الرشد. فلقيت أبا جعفر الاحول وزرارة وأبا بصير. وندخل عليه إلا طائفة عمار الساباطي


= عمر بن الخطاب... فان هؤلاء اعتزلوا عن على عليه السلام وامتنعوا من محاربته والمحاربة معه بعد دخولهم في بيعته والرضا به، فسموا المعتزلة وصاروا أسلاف المعتزلة إلى آخر الابد. والزيديه: هم القائلون بامامة زيد بن على بن الحسين عليه السلام في وقته وامامة ابنه يحيى بن زيد بعده. راجع معجم الفرق الاسلامية: 127، والملل والنحل: 1 / 154، وفرق الشيعة: 39. (1) " إلى " خ، ل. (2) " لاخواني " ط، قال النجاشي: محمد بن علي بن النعمان ابن أبي طريفة البجلي مولى، الاحوال أبو جعفر: كوفي، صيرفي، يلقب مؤمن الطاق وصاحب الطاق... وله ترجمة في رجال النجاشي: 325، ورجال الخوئي: 17 / 36. (3) " أوصلني " ط، ه‍.

[ 333 ]

وبقي عبد الله لا يدخل عليه إلا القليل. (1) 24 - ومنها: ما قال أبو بصير: قلت لابي الحسن موسى عليه السلام: بما يعرف الامام ؟ قال: بخصال: أما أولهن: فإنه خص بشئ قد تقدم فيه من أبيه، وإشارته إليه ليكون حجة، ويسأل فيجيب، وإذا سكت عنه ابتدأ بما في غد، ويكلم الناس بكل لسان، ثم قال: اعطيك علامة قبل أن تقوم. فلم ألبث (2) أن دخل عليه خراساني فكلمه بالعربية، فأجابه أبو الحسن عليه السلام بالفارسية. فقال الخراساني: ما منعني أن اكلمك بلساني إلا ظننت أنك لا تحسنها. فقال: سبحان الله إذا كنت لا أحسن اجيبك، فما فضلي عليك، فيما أستحق (3) به الامامة. ثم قال: إن الامام لا يخفى عليه كلام أحد من الناس ولا منطق الطير ولا كلام شئ فيه روح. (4)


(1) عنه مدينة المعاجز: 429 ذيل ح 14 نحوه. ورواه في بصائر الدرجات: 251 ح 4، وفي الكافي: 1 / 351 ح 7، وفي الارشاد للمفيد: 326، وفي دلائل الامامة: 159، جميعا بأسانيدهم إلى هشام بن سالم نحوه. وأورده في ثاقب المناقب: 376 (مخطوط)، ومناقب ابن شهر اشوب: 3 / 409 مرسلا عن هشام بن سالم. وأخرجه في اعلام الورى: 300 عن الكافي، وفي إثبات الهداة: 5 / 523 ح 44 عن بصائر الدرجات، وفي البحار: 47 / 343 ح 35، عن الارشاد، وح 36 عن المناقب وفي البحار: 48 / 51 ح 47، عن البصائر، وفي مدينة المعاجز المذكور عن الكافي ودلائل الامامة، والبصائر، وثاقب المناقب، ومناقب ابن شهر اشوب. (2) هكذا في الارشاد وغيره في الاصل " يلبث ". (3) هذا في الارشاد وغيره، وفي الاصل " يستحق ". (4) عنه البحار: 48 / 47 ح 34. ورواه في قرب الاسناد: 146، عنه اثبات الهداة: 5 / 535 ح 72، والبحار المذكور ح 33. ورواه في الكافي: 1 / 285 ح 7، عنه اثبات الهداة: 7 / 386 ح 7، ومدينة المعاجز: 437 ح 35. =

[ 334 ]

25 - ومنها: ما قال علي بن يقطين: إن هارون الرشيد خلع عليه دراعة خز (1) سوداء من لباس الملوك مثقلة بالذهب فأنفذها (2) علي [ بن يقطين ] إلى [ الامام ] موسى بن جعفر عليهما السلام مع مال كثير، فرد الدراعة إلى علي بن يقطين، وقال: احتفظ بها فإنك تحتاج إليها. فبعد أيام صرف علي بن يقطين خاصا له عن (3) خدمته [ وكان ] يعرف ميله إلى موسى عليه السلام، فسعى (4) به إلى الرشيد، فقال: إنه يقول: بإمامة موسى بن جعفر، وقد بعث بتلك الدراعة إليه. فغضب الرشيد [ من ذلك ]. فقال: لاكشفن عن ذلك، فأحضر علي بن يقطين، وقال: ما فعلت بالدراعة التي كسوتك [ بها ] ؟ قال: هي عندي في سفط (5). قال: احضرها. فقال لغلامه: امض إلى داري وخذ السفط الذي في [ الصندوق في ] البيت الفلاني بختمي فجئني به. [ فمضى الغلام وأحضر السفط ففتحه ] فنظر الرشيد إلى الدراعة، فسكن من غضبه، وأعطاه جائزة


= ورواه المفيد في الارشاد: 329، جميعا بأسانيدهم عن أبى بصير مثله. وأورده في اثبات الوصية 192، وعيون المعجزات: 99، ودلائل الامامة: 169، والمناقب لابن اشهراشوب: 3 / 416، واعلام الورى: 304، وروضة الواعظين: 255 جميعا عن أبى بصير مثله. وأورده مرسلا باختصار في الصراط المستقيم: 2 / 192 ح 19. وأخرجه في البحار المذكور ح 34 عن المناقب وح 35 عن اعلام الورى والارشاد. وأخرجه في مدينة المعاجز المذكور عن الارشاد واعلام الورى ودلائل الامامة والمناقب (1) المدرعة: جبة مشقوقة المقدم. والخز: الحرير. ما نسج من صوف وحرير. (2) " أهداها " خ، ل. (3) " فبعد أيام ضرب على بن يقطين غلاما له خاصا في " ط، ه‍. والخاصة: الذي تخصه بنفسك. (4) سعى به إلى الوالي: وشى به. (5) السفط: وعاء كالقفة أو الجوالق. ما يعبأ فيه الطيب وما أشبه من أدوات النساء.

[ 335 ]

اخرى، وضرب الساعي حتى مات. (1) 26 - ومنها: أن علي بن يقطين كتب إلى [ الامام ] موسى بن جعفر عليه السلام: اختلف في (المسح على الرجلين) (2)، فان رأيت أن تكتب ما يكون عملي عليه فعلت. فكتب أبو الحسن عليه السلام: الذي آمرك به أن تتمضمض ثلاثا، وتستنشق ثلاثا، وتغسل وجهك ثلاثا، وتخلل (3) شعر لحيتك، وتغسل يديك ثلاثا، وتمسح رأسك كله، وتمسح ظاهر اذنيك وباطنهما، وتغسل رجليك ثلاثا، ولا تخالف ذلك إلى غيره. فامتثل أمره، وعمل عليه.


(1) عنه البحار: 48 / 59 ح 72 نحوه. ورواه في دلائل الامامة: 158 باسناده إلى ابراهيم بن راشد، عن علي بن يقطين. وأورده المفيد في الارشاد: 329، والاربلي في كشف الغمة: 2 / 224، قالا: روى عبد الله بن ادريس، عن ابن سنان قال: حمل الرشيد في بعض الايام إلى علي بن يقطين... نحوه. وفي المناقب لابن شهر اشهراشوب: 3 / 408، وثاقب المناقب: 309 (مخطوط) عن ابن سنان قال... وفي اعلام الورى: 302 عن عبد الله بن سنان عن ابن سيار قال... وفي الصراط المستقيم: 2 / 192 ح 20 مرسلا باختصار. وأخرجه في عيون المعجزات: 99، عن كتاب بصائر الدرجات، روى محمد بن عبد الله العطار مرفوعا إلى علي بن يقطين. عنه البحار المذكور ص 60 ح 72. وأخرجه في اثبات الهداة: 5 / 536 ح 73 عن اعلام الورى. وفي البحار المذكور ص 137 ح 12 عن الارشاد، واعلام الورى. وفي مدينة المعاجز: 428 ح 12 عن دلائل الامامة، والارشاد، واعلام الورى. وعيون المعجزات، والمناقب وثاقب المناقب. (2) " الوضوء فهل أمسح على الرجلين أم أغسل " ط. (3) التخليل: تفريق شعر اللحية وأصابع اليدين، والرجلين في الوضوء. وأصله من ادخال الشئ في خلال الشئ، وهو وسطه.

[ 336 ]

فقال الرشيد [ يوما ]: احب أن أستبرئ (1) أمر علي بن يقطين، فانهم يقولون: إنه رافضي، والرافضة يخففون في الوضوء [ فطلبه ] فناطه (2) بشئ من الشغل في الدار حتى دخل وقت الصلاة، فوقف الرشيد من وراء حائط الحجرة بحيث يرى علي بن يقطين، ولا يراه هو، وقد بعث إليه بالماء للوضوء، فتوضأ كما أمره موسى (3) عليه السلام (فقام الرشيد وقال) (4): كذب من زعم أنك رافضي. فورد على علي بن يقطين [ بعد ذلك ] كتاب موسى بن جعفر عليه السلام: من الآن توضأ كما أمر الله: اغسل وجهك مرة فريضة، وأخرى إسباغا، واغسل [ يديك ] (5) من المرفقين كذلك، وامسح مقدم رأسك، وظاهر قدميك من فضل نداوة وضوئك فقد زال ما يخاف عليك. (6)


(1) استبرأ: طلب الابراء من الدين والذنب. وفي ه‍، ط " أستبين ". (2) ناطه: علقه، يقال: نيط عليه الشى ؟ ء أي علق عليه. وفي البحار " فباطأه " أي أخره. (3) " الامام " ه‍، ط. (4) " فدخل عليه الرشيد فقال " ه‍، ط. (5) من البحار. (6) عنه البحار: 80 / 270 ح 25 نحوه، ومدينة المعاجز: 451 ذ ح 81. وأورده في الارشاد: 330، واعلام الورى: 303، وثاقب المناقب: 393 (مخطوط) جميعا عن محمد بن اسماعيل، عن محمد بن الفضل مثله. وفي المناقب لابن شهر اشوب: 3 / 407، وكشف الغمة: 2 / 225 عن محمد بن الفضل. وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 192 ح 21 مرسلا باختصار. وأخرجه في الوسائل: 1 / 312 ح 3، عن الارشاد، وفي اثبات الهداة: 5 / 537 ح 74 عن اعلام الورى، والارشاد، وكشف الغمة. وفي البحار: 48 / 39 ح 14 ومدينة المعاجز المذكور عن اعلام الورى والمناقب والارشاد. وزاد في المدينة، ثاقب المناقب. وفي البحار: 80 / 270 ذ ح 25 عن الارشاد.

[ 337 ]

الباب التاسع في معجزات الامام المظلوم المسموم علي بن موسى الرضا عليه السلام 1 - عن علي بن ميثم، عن أبيه [ قال: ] سمعت أبي يقول (1): سمعت " نجمة " أم الرضا عليه السلام تقول: لما حملت بابني الرضا، لم أشعر بثقل الحمل، وكنت أسمع في منامي تسبيحا وتهليلا وتحميدا من بطني، فيهولني، فإذا انتبهت لم أسمع، فلما وضعته وقع على الارض، واضعا يده على الارض، رافعا رأسه، ويحرك بشفتيه، ويتكلم. (2) 2 - ومنها: عن إبراهيم بن موسى القزاز - وكان يؤم في مسجد الرضا بخراسان - قال: ألححت على الرضا عليه السلام في شئ طلبته منه فخرج يستقبل بعض الطالبيين، وجاء وقت الصلاة، فمال إلى قصر هناك، فنزل تحت شجرة (3) بقرب القصر وأنا معه، وليس معنا ثالث، فقال: أذن. فقلت: ننتظر يلحق بنا أصحابنا ؟


(1) " امي تقول " عيون الاخبار. (2) رواه في عيون أخبار الرضا: 1 / 20 ح 2 باسناده عن تميم القرشي، عن أبيه، عن أحمد الانصاري، عن علي بن ميثم مثله. عنه كشف الغمة: 2 / 297، والوسائل: 15 / 138 ح 4، واثبات الهداة: 6 / 45 ح 28 والبحار: 49 / 9 ح 14، وحلية الابرار: 2 / 297، ومدينة المعاجز: 473 ملحق ح 1. (3) " صخرة " البحار.

[ 338 ]

فقال: غفر الله لك، لا تؤخرن صلاة عن أول وقتها إلى آخر وقتها من غير علة عليك، ابدأ بأول الوقت. فأذنت وصلينا. فقلت: يا ابن رسول الله قد طالت المدة في العدة (1) التي وعدتنيها، وأنا محتاج وأنت كثير الشغل (2)، لا أظفر بمسألتك كل وقت. قال: فحك بسوطه الارض حكا شديدا، ثم ضرب بيده إلى موضع الحك فأخرج سبيكة ذهب، فقال: خذها إليك بارك الله لك فيها: وانتفع بها واكتم ما رأيت. قال: فبورك [ لي ] فيها حتى اشتريت بخراسان ما كان قيمته سبعين ألف دينار فصرت أغنى الناس من أمثالي هناك. (3)


(1) العدة: الوعد. (2) " الاشتغال " ه‍، ط. (3) عنه البحار: 49 / 49 ح 49، وج 83 / 21 ح 38. ورواه في بصائر الدرجات: 374 ح 2 باسناده عن محمد بن عيسى، عن محمد بن حمزة، عمن أخبره عن ابراهيم بن موسى مثله. وفي الكافي: 1 / 488 ح 6 عن أحمد بن محمد، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن عيسى، عن محمد بن حمزة عن ابراهيم بن موسى مثله. وفي الارشاد: 347 باسناده عن ابن قولويه، عن الكليني، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن عيسى، عن محمد بن حمزة، عن ابراهيم بن موسى مثله وفي الاختصاص: 264 بالاسناد عن محمد بن عيسى، عن محمد بن حمزة، عن ابراهيم ابن موسى مثله. وفي دلائل الامامة: 190 باسناده عن علي بن هبة الله الموصلي، عن الصدوق، عن أبيه: عن سعد بن عبد الله، عن البرقي، عن محمد بن حمزة، عن ابراهيم بن موسى مثله. وأورده في روضة الواعظين: 265، وكشف الغمة: 2 / 274، وثاقب المناقب: 415 (مخطوط)، والصراط المستقيم: 193 ح 1 مرسلا مثله. وأخرجه في اثبات الوصية: 202 عن الحميري، وفي اعلام الورى: 326، ومناقب آل أبي طالب: 3 / 456 عن الكافي، وفي اثبات الهداة: 6 / 38 ح 16 عن الكافي =

[ 339 ]

3 - ومنها: ما قال محمد بن عبد الرحمن الهمداني: ركبني دين ضاق به صدري فقلت في نفسي: ما أجد لقضاء ديني إلا مولاي الرضا عليه السلام، فصرت إليه فقال لي: قد قضى الله حاجتك، لا يضيقن صدرك. ولم أسأله شيئا حين قال ما قال ! فأقمت عنده، وكان صائما، فأمر أن يحمل إلي طعام، فقلت: أنا صائم، وأنا احب أن آكل معك، فأتبرك بأكلي معك. فلما صلى المغرب جلس في وسط الدار، ودعا بالطعام، فأكلت معه، ثم قال: تبيت عندنا الليلة، أو تقضي حاجتك فتنصرف ؟ فقلت: الانصراف بقضاء حاجتي أحب إلي. فضرب بيده الارض، فقبض منها قبضة، فقال: خذ هذا. فجعلته في كمي (1)، فإذا هو دنانير ! فانصرفت إلى منزلي، فدنوت من المصباح لاعد الدنانير، فوقع من (2) يدي دينار، فنظرت فإذا عليه مكتوب " خمسمائة دينار نصفها لدينك، والنصف الآخر لنفقتك ". فلما رأيت ذلك لم أعدها، فألقيت الدينار فيها، فلما أصبحت طلبت الدينار فلم أجده في الدنانير، وقد قلبتها عشر مرات (3)، وكانت خمسمائة دينار ! (4)


= والبصائر واعلام الورى. وفي البحار: 49 / 47 ح 45 عن البصائر والاختصاص والارشاد، وفي مدينة المعاجز: 474 ح 6 عن الكافي والاختصاص ودلائل الامامة، وص 511 ح 150 عن ثاقب المناقب. (1) الكم - بضم الكاف والميم المشددة -: مدخل اليد ومخرجها من الثوب. (2) " في " خ ل. (3) زاد في ط: ولم أجد شيئا فوزنتها. (4) عنه اثبات الهداة: 6 / 128 ح 136 وعنه البحار: 49 / 38 ح 22، وعن عيون أخبار الرضا: 2 / 219 ح 29 باسناده عن الوارق، عن ابن بطة، عن الصفار، عن محمد بن عبد الرحمن الهمداني، عن أبي محمد الغفاري مثله. وأخرجه في مدينة المعاجز: 484 ح 60، وحلية الابرار: 2 / 316 عن العيون.

[ 340 ]

4 - ومنها: ما روى إسماعيل بن أبي الحسن قال: كنت مع الرضا عليه السلام وقد قال (1) بيده على الارض كأنه يكشف شيئا، فظهرت سبائك ذهب، ثم مسح بيده عليها (2) فغابت. فقلت في نفسي: لو أعطاني واحدة منها. قال: لا، إن هذا الامر لم يأت (3) وقته. (4) 5 - ومنها: ما قال أبو إسماعيل السندي: سمعت بالسند (5) أن لله في العرب حجة، فخرجت منها في الطلب، فدللت على الرضا عليه السلام فقصدته، فدخلت عليه وأنا لا احسن من العربية كلمة. فسلمت بالسندية، فرد علي بلغتي، فجعلت اكلمه بالسندية، وهو يجيبني بالسندية فقلت له: إني سمعت بالسند أن لله حجة في العرب، فخرجت في الطلب. فقال - بلغتي: - نعم، أنا هو. ثم قال: فسل عما تريد. فسألته عما أردته، فلما أردت القيام من عنده قلت: إني لا أحسن من العربية شيئا، فادع الله أن يلهمنيها لاتكلم بها مع أهلها. فمسح يده على شفتي، فتكلمت بالعربية من وقتي. (6)


(1) " مال " ه‍، ط والبحار. قال بيده: أهوى بها وأخذ. (2) " على الارض " البحار. (3) " يأن " م، وكلاهما بمعنى واحد. قال المجلسي (ره): يعني خروج خزائن الارض وتصرفنا فيها، انما هو في زمن القائم عليه السلام. (4) عنه كشف الغمة: 2 / 304، ومشارق أنوار اليقين: 96، والبحار: 49 / 50 ح 50 وأورده في ثاقب المناقب: 150، وفي الصراط المستقيم: 2 / 195 مرسلا عن إسماعيل مثله وأخرجه في مدينة المعاجز: 510 عن مشارق الانوار. (5) " بالهند " البحار. والسند: بلاد بين الهند وكرمان وسجستان.. معجم البلدان: 3 / 267. (6) عنه كشف الغمة: 2 / 304، وإثبات الهداة: 6 / 142 ح 160، والبحار: 49 / 50 ح 51. وأورده في ثاقب المناقب: 438 مرسلا مثله، عنه مدينة المعاجز: 511 ح 147، وفي الصراط المستقيم: 2 / 195 باختصار.

[ 341 ]

6 - ومنها: ما روي عن محمد بن الفضل الهاشمي قال: لما توفي [ الامام ] موسى ابن جعفر عليه السلام أتيت المدينة، فدخلت على الرضا عليه السلام فسلمت عليه بالامر وأوصلت إليه ما كان معي، وقلت: إني صائر إلى البصرة، وعرفت كثرة خلاف الناس وقد نعي إليهم موسى عليه السلام وما أشك أنه سيسألوني عن براهين الامام، فلو أريتني شيئا من ذلك ؟ فقال الرضا عليه السلام لم يخف علي هذا، فأبلغ أولياءنا بالبصرة وغيرها أني قادم عليهم، ولا قوة إلا بالله. ثم أخرج إلى جميع ما كان للنبي صلى الله عليه واله عند الائمة: من بردته وقضيبه وسلاحه وغير ذلك. فقلت: ومتى تقدم عليهم ؟ قال: بعد ثلاثة أيام من وصولك ودخولك البصرة. فلما قدمتها سألوني عن الحال فقلت لهم: إني أتيت موسى بن جعفر عليهما السلام قبل وفاته بيوم واحد، فقال: إني ميت لا محالة، فإذا واريتني في لحدي فلا تقيمن، وتوجه إلى المدينة بودائعي هذه، وأوصلها إلى ابني " علي بن موسى " فهو وصيي وصاحب الامر بعدي. ففعلت ما أمرني به، وأوصلت الودائع إليه، وهو يوافيكم إلى ثلاثة أيام من يومي هذا فاسألوه عما شئتم. فابتدر للكلام عمرو بن هذاب من القوم، وكان ناصبيا ينحو نحو التزيد (1) والاعتزال، فقال: يا محمد إن الحسن بن محمد رجل من أفاضل أهل هذا البيت في ورعه وزهده وعلمه وسنه، وليس هو كشاب مثل علي بن موسى، ولعله لو سئل عن [ شئ من ] معضلات الاحكام لحار في ذلك. فقال الحسن بن محمد - وكان حاضرا في المجلس -: لا تقل يا عمرو ذلك، فإن عليا على ما وصف من الفضل، وهذا محمد بن الفضل يقول: إنه يقدم إلى ثلاثة أيام


(1) " الزيدية " ه‍، ط. 8 والزيدية: هم القائلون بإمامة زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام في وقته وإمامة ابنه يحيى بن زيد بعده. انظر الملل والنحل: 1 / 154.

[ 342 ]

فكفاك به دليلا. وتفرقوا. فلما كان في اليوم الثالث من دخولي البصرة إذا الرضا عليه السلام قد وافى (1) فقصد منزل الحسن بن محمد وأخلى له داره، وقام بين يديه، يتصرف بين أمره ونهيه فقال: يا [ حسن بن ] محمد أحضر جميع القوم الذين حضروا عند محمد بن الفضل وغيرهم من شيعتنا، وأحضر جاثليق النصارى، ورأس الجالوت (2)، ومر (3) القوم أن يسألوا عما بدا لهم. فجمعهم كلهم والزيدية والمعتزلة وهم لا يعلمون لما يدعوهم الحسن بن محمد فلما تكاملوا ثنى للرضا عليه السلام وسادة، فجلس عيها، ثم قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هل تدرون لم بدأتكم بالسلام ؟ فقالوا: لا. قال: لتطمئن (4) أنفسكم. قالوا: ومن أنت يرحمك الله ؟ قال: أنا علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وابن رسول الله صلى الله عليه واله، صليت اليوم الفجر في مسجد رسول الله صلى الله عليه واله مع والي المدينة وأقرأني - بعد أن صلينا - كتاب صاحبه إليه، واستشارني في كثير من أموره، فأشرت عليه (5) بما فيه الحظ له، ووعدته أن يصير إلي بالعشي بعد العصر من هذا اليوم، ليكتب عندي جواب كتاب صاحبه، وأنا واف له بما وعدته به، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فقال الجماعة: يا ابن رسول الله ما نريد مع هذا الدليل برهانا أكبر منه، وإنك عندنا الصادق القول. وقاموا لينصرفوا، فقال لهم الرضا عليه السلام:


(1) وافى: أتى. وفي ط " وافاني ". (2) الجاثليق: رئيس النصارى في بلاد الاسلام، ولغتهم السريانية. ورأس الجالوت: كبير اليهود وعالمهم. (3) الامر من الفعل " امر ". (4) " لتطمئنوا عند " م. (5) أشار عليه: أمره ونصحه، ودله على وجه الصواب.

[ 343 ]

لا تفرقوا (1) فاني إنما جمعتكم لتسألوني (2) عما شئتم من آثار النبوة وعلامات الامامة التي لا تجدونها إلا عندنا أهل البيت، فهلموا مسائلكم. فابتدر (3) عمرو بن هذاب فقال: إن محمد بن الفضل الهاشمي ذكر عنك أشياء لا تقبلها القلوب. فقال الرضا عليه السلام: وما تلك ؟ قال: أخبرنا عنك أنك تعرف كل ما أنزله الله، وأنك تعرف كل لسان ولغة ! فقال الرضا عليه السلام: صدق محمد بن الفضل فأنا أخبرته بذلك فهلموا فاسألوا. قال: فانا نختبرك قبل كل شئ بالالسن واللغات، وهذا رومي، وهذا هندي (4) و [ هذا ] فارسي، و [ هذا ] تركي. فأحضرناهم. فقال عليه السلام فليتكلموا بما أحبوا، اجب كل واحد منهم بلسانه إن شاء الله. فسأل كل واحد منهم مسألة بلسانه ولغته، فأجابهم عما سألوا بألسنتهم ولغاتهم فتحير الناس وتعجبوا، وأقروا جميعا بأنه أفصح منهم بلغاتهم. ثم نظر الرضا عليه السلام إلى ابن هذاب فقال: إن أنا أخبرتك أنك ستبتلى في هذه الايام بدم ذي رحم لك أكنت مصدقا لي ؟ قال: لا، فإن الغيب لا يعلمه إلا الله تعالى. قال عليه السلام: أو ليس الله يقول: * (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول) * (5) فرسول الله عند الله مرتضى، ونحن ورثة ذلك الرسول الذي أطلعه الله على ما شاء من غيبه، فعلمنا ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وإن الذي أخبرتك [ به ] يا بن هذاب لكائن إلى خمسة أيام، فان لم يصح ما قلت لك في هذه المدة فاني (6) كذاب مفتر، وإن صح فتعلم أنك الراد علي الله وعلى رسوله. ولك دلالة اخرى: أما إنك ستصاب ببصرك، وتصير مكفوفا، فلا تبصر سهلا ولا


(1) " تنصرفوا " ه‍، ط. (2) " جئتكم لتسألوا " ه‍، ط. (3) " فابتدأ " ه‍، ط، والبحار. (4) " سندي " خ ل. (5) سورة الجن: 27. (6) " والا فاني " م، ه‍، ط.

[ 344 ]

جبلا، وهذا كائن بعد أيام. ولك عندي دلالة أخرى: إنك ستحلف يمينا كاذبة فتضرب بالبرص. قال محمد بن الفضل: فوالله لقد نزل ذلك كله بابن هذاب، فقيل له: أصدق الرضا أم كذب ؟ قال: لقد علمت في الوقت الذي أخبرني به أنه كائن ولكني كنت أتجلد. ثم إن الرضا عليه السلام إلتفت إلى الجاثليق فقال: هل دل الانجيل على نبوة محمد صلى الله عليه واله ؟ قال: لو دل الانجيل على ذلك ما جحدناه. فقال عليه السلام: أخبرني عن السكتة (1) التي لكم في السفر الثالث. فقال الجاثليق: اسم من أسماء الله تعالى لا يجوز لنا أن نظهره. قال الرضا عليه السلام: فإن قررتك (2) أنه اسم محمد وذكره، وأقر (3) عيسى به، وأنه بشر بني إسرائيل بمحمد أتقر به ولا تنكره ؟ قال الجاثليق: إن فعلت أقررت، فاني لا أرد الانجيل ولا أجحده. قال الرضا عليه السلام: فخذ علي السفر الثالث الذي فيه ذكر محمد، وبشارة عيسى بمحمد. قال الجاثليق: هات ! فأقبل الرضا عليه السلام يتلو ذلك السفر - الثالث من الانجيل - حتى بلغ ذكر محمد صلى الله عليه واله، فقال: يا جاثليق من هذا النبي الموصوف ؟ قال الجاثليق: صفه ؟ قال: لا أصفه إلا بما وصفه الله: هو صاحب الناقة والعصا والكساء، النبي الامي الذي يجدونه مكتوبا في التوراة والانجيل، يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم (4) والاغلال التي كانت عليهم يهدي إلى الطريق الاقصد (5) والمنهاج الاعدل، والصراط الاقوم.


(1) " السكينة " ط. (2) قرره بالامر: جعله يعترف به. يقال: قررت عنده الخبر أي حققته له. (3) " اقرار " م. (4) الاصر: الثقل، الذنب. (5) " الافضل " ه‍، ط.

[ 345 ]

سألتك يا جاثليق بحق عيسى روح الله وكلمته، هل تجد (1) هذه الصفة في الانجيل لهذا النبي ؟ فأطرق الجاثليق مليا، وعلم أنه إن جحد الانجيل كفر، فقال: [ نعم ] هذه الصفة في الانجيل، وقد ذكر عيسى هذا النبي، (ولم يصح عند النصارى أنه صاحبكم) (2). فقال الرضا عليه السلام: أما إذا لم تكفر بجحود الانجيل، وأقررت بما فيه من صفة محمد صلى الله عليه واله فخذ علي في السفر الثاني، فإني اوجدك ذكره، وذكر وصيه، وذكر ابنته فاطمة، وذكر الحسن والحسين. فلما سمع الجاثليق ورأس الجالوت ذلك علما أن الرضا عليه السلام عالم بالتوراة والانجيل فقالا: والله قد أتى بما لا يمكننا رده ولا دفعه، إلا بجحود التوراة والانجيل والزبور، وقد بشر به موسى وعيسى جميعا، ولكن لم يتقرر عندنا بالصحة أنه محمد هذا، فأما اسمه محمد، فلا يجوز (3) لنا أن نقر لكم بنبوته، ونحن شاكون أنه محمدكم أو غيره. فقال الرضا عليه السلام: إحتجزتم (4) بالشك، فهل بعث الله قبل أو بعد من ولد آدم إلى يومنا هذا نبيا اسمه محمد صلى الله عليه واله ؟ أو تجدونه في شئ من الكتب التي أنزلها الله على جميع الانبياء غير محمدنا ؟ فأحجموا عن جوابه وقالوا: لا يجوز لنا أن نقر لكم بأن محمدا هو محمدكم (5) لانا إن أقررنا لك بمحمد ووصيه وابنته وابنيه على ما ذكرت أدخلتمونا في الاسلام كرها.


(1) " تجدون " البحار. (2) " وقد صح في الانجيل مأ أقررت بما فيه من صفة محمد أنه صاحبكم ولم يصح عند النصارى " ط. (3) " يصح " ه‍، ط. (4) احتجز به: امتنع. وفي ه‍ والبحار: احتججتم. (5) " يا ابن محمد أنه محمدكم " م. " بانه محمدكم " س، ه‍، ط ومدينة المعاجز. وما في المتن من البحار.

[ 346 ]

فقال الرضا عليه السلام: أنت يا جاثليق آمن في ذمة الله وذمة رسوله أنه لا يبدؤك منا شئ تكره مما تخافه وتحذره. قال: أما إدا قد آمنتني فان هذا النبي الذي اسمه " محمد " وهذا الوصي الذي إسمه " علي " وهذه البنت التي إسمها " فاطمة " وهذان السبطان اللذان إسمهما " الحسن والحسين " في التوراة والانجيل والزبور. قال الرضا عليه السلام: فهذا الذي ذكرته في التوراة والانجيل والزبور من اسم هذا النبي، وهذا الوصي، وهذه البنت، وهذين السبطين، صدق وعدل أم كذب وزور ؟ قال: بل صدق وعدل، وما قال الله إلا بالحق. فلما أخذ الرضا عليه السلام إقرار الجاثليق بذلك، قال لرأس جالوت: فاستمع الان يا رأس جالوت السفر الفلاني من زبور داود. قال: هات بارك الله عليك وعلى من ولدك. فتلا الرضا عليه السلام السفر الاول من الزبور حتى انتهى إلى ذكر محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين، فقال: سألتك يا رأس الجالوت بحق الله أهذا في زبور داود ؟ ولك من الامان والذمة والعهد ما قد أعطيته الجاثليق. فقال رأس الجالوت: نعم هذا بعينه في الزبور بأسمائهم. قال الرضا عليه السلام: فبحق العشر الآيات التي أنزلها الله على موسى بن عمران عليه السلام في التوراة، هل تجد صفة محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين في التوراة منسوبين إلي العدل والفضل ؟ قال: نعم، ومن جحد هذا فهو كافر بربه وأنبيائه. قال له الرضا عليه السلام: فخذ الان علي سفر كذا من التوراة. فأقبل الرضا عليه السلام، يتلو التوراة، وأقبل رأس الجالوت يتعجب من تلاوته وبيانه، وفصاحته ولسانه حتى إذا بلغ ذكر محمد قال رأس الجالوت: نعم، هذا أحماد وبنت أحماد وإليا وشبر وشبير، وتفسيره بالعربية: محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين. فتلا الرضا عليه السلام السفر إلى تمامه.

[ 347 ]

فقال رأس الجالوت - لما فرغ من تلاوته -: والله يا ابن محمد لو لا الرئاسة التي قد حصلت لي على جميع اليهود لآمنت بأحماد، واتبعت أمرك، فو الله الذي أنزل التوراة على موسى، والزبور على داود، والانجيل على عيسى ما رأيت أقرأ للتوراة والانجيل والزبور منك، ولا رأيت أحدا أحسن بيانا وتفسيرا وفصاحة لهذه الكتب منك. فلم يزل الرضا عليه السلام معهم في ذلك إلى وقت الزوال، فقال لهم - حين حضر وقت الزوال -: أنا اصلي وأصير إلى المدينة للوعد (1) الذي وعدت به والي المدينة ليكتب جواب كتابه، وأعود إليكم بكرة، إن شاء الله. قال: فأذن عبد الله بن سليمان، وأقام، وتقدم الرضا عليه السلام فصلى بالناس، وخفف القراءة، وركع تمام السنة، وانصرف. فلما كان من الغد عاد إلى مجلسه ذلك فأتوه بجارية رومية، فكلمها بالرومية - والجاثليق يسمع، وكان فهما بالرومية - فقال الرضا عليه السلام - بالرومية - لها: أيما أحب إليك محمد أم عيسى ؟ فقالت: كان فيما مضى عيسى أحب إلي حين لم أكن عرفت محمدا، فأما بعد أن عرفت محمدا، فمحمد الان أحب إلي من عيسى ومن كل نبي. فقال لها الجاثليق: فإذا كنت دخلت في دين محمد فتبغضين عيسى ؟ قالت: معاذ الله بل أحب عيسى واؤمن به، ولكن محمدا أحب إلي. فقال الرضا عليه السلام للجاثليق: فسر للجماعة ما تكلمت به الجارية، وما قلت أنت لها، وما أجابتك به. ففسر لهم الجاثليق ذلك كله (2)، ثم قال الجاثليق: يا ابن محمد ههنا رجل سندي وهو نصراني صاحب احتجاج وكلام بالسندية (3) فقال له: أحضرنيه، فأحضره، فتكلم معه بالسندية، ثم أقبل يحاجه وينقله


(1) " حتى أفى الوعد " ط. (2) " ففسر الجاثليق للجماعة ما تكلمت به الجارية وما قال لها " ط. (3) " في دين النصرانية " ط.

[ 348 ]

من شئ إلى شئ - بالسندية - في النصرانية. فسمعنا السندي يقول بالسندية: بثطي بثطى بثطلة (1). فقال الرضا عليه السلام قد وحد الله بالسندية. ثم كلمه في عيسى ومريم، فلم يزل يدرجه من حال إلى حال إلى أن قال بالسندية: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. ثم رفع منطقة كانت عليه فظهر من تحتها زنار (2) في وسطه فقال: اقطعه أنت بيدك يا ابن رسول الله. فدعا الرضا عليه السلام بسكين، فقطعه، ثم قال لمحمد بن الفضل الهاشمي: خذ السندي إلى الحمام فطهره، واكسه وعياله واحملهم جميعا إلى المدينة. فلما فرغ من مخاطبة (3) القوم، قال: قد صح عندكم صدق ما كان محمد بن الفضل يلقي عليكم عني ؟ فقالوا [ بأجمعهم ]: نعم، والله قد بان لنا منك فوق ذلك أضعافا مضاعفة، وقد ذكر لنا محمد بن الفضل أنك تحمل إلى خراسان ؟ فقال: صدق محمد إلا أني احمل مكرما معظما مبجلا. قال محمد بن الفضل: فشهد له الجماعة بالامامة، وبات عندنا تلك الليلة فلما أصبح ودع الجماعة وأوصاني بما أراد، ومضى، وتبعته اشيعه (4) حتى إذا صرنا في وسط القرية عدل عن الطريق، فصلى أربع ركعات. ثم قال: يا محمد انصرف في حفظ الله، غمض طرفك. فغمضته، ثم قال: افتح عينيك. ففتحتهما فإذا أنا على باب منزلي بالبصرة ! ولم أر الرضا عليه السلام.


(1) " ثبطى ثبطى ثبطلة " البحار ومدينة المعاجز. (2) الزنار: ما على وسط المجوسي والنصراني. وفي التهذيب: ما يلبسه الذي يشده على وسطه. (لسان العرب: 4 / 330). (3) " مخاطبات " م، ه‍. (ط) شيعه - بتشديد الياء -: خرج معه ليودعه، أو يبلغه منزله.

[ 349 ]

قال: وحملت السندي وعياله إلى المدينة في وقت الموسم. (1) 7 - ومنها: ما روى في دخول الرضا (ع) الكوفة: قال محمد بن الفضل: كان فيما أوصاني به الرضا عليه السلام في وقت منصرفه من البصرة أن قال لي: صر إلى الكوفة فاجمع الشيعة هناك وأعلمهم أني قادم عليهم. وأمرني أن أنزل في دار حفص بن عمير اليشكري، فصرت إلى الكوفة، فأعلمت الشيعة أن الرضا عليه السلام قادم عليهم. فأنا يوما عند نصر بن مزاحم إذ مر بي سلام خادم الرضا عليه السلام، فعلمت أن الرضا عليه السلام قد قدم، فبادرت إلى دار حفص بن عمير، فإذا هو في الدار، فسلمت عليه، ثم قال لي: احتشد [ لي ] (2) في طعام تصلحه للشيعة. فقلت: قد احتشدت وفرغت مما يحتاج إليه. فقال: الحمد لله على توفيقك. فجمعنا الشيعة، فلما أكلوا قال: يا محمد انظر من بالكوفة من المتكلمين والعلماء فأحضرهم. فأحضرناهم، فقال لهم الرضا عليه السلام: إني اريد أن أجعل لكم حظا من نفسي كما جعلت لاهل البصرة، وإن الله قد أعلمني كل كتاب أنزله. ثم أقبل على (جاثليق، وكان معروفا بالجدل والعلم) (3) والانجيل فقال: يا جاثليق، هل تعرف لعيسى صحيفة فيها خمسة أسماء يعلقها في عنقه، إذا كان


(1) عنه اثبات الهداة: 1 / 386 ح 104، وج 3 / 530 ح 561، وج 6 / 129 ح 138 قطعة والبحار: 49 / 73 ح 1. وعنه في مدينة المعاجز: 505 ح 124، وعن ثاقب المناقب: 151 مرسلا مثله. وأورده في الصراط المستقيم: 7 / 195 ح 5 مرسلا عن محمد بن الفضل مثله. (2) احتشد لفلان في كذا: أعدله: ويقال احتشد لنا في الضيافة: إذا اجتهد وبذل وسعه. (3) " علماء النصارى وفعل كفعله بالبصرة، فاعترفوا له بذلك بأجمعهم وكان من علماء النصارى رجل يعرف بالعلم والجدل " س، ط، ه‍، ومدينة المعاجز.

[ 350 ]

بالمغرب، فأراد المشرق فتحها، فأقسم على الله باسم واحد من الخمسة (1) أن تنطوي له الارض، فيصير من المغرب إلى المشرق (2) ومن المشرق إلى المغرب في لحظة ؟ فقال الجاثليق: لا علم لي بها (3) وأما الاسماء الخمسة فقد كانت معه [ بلا شك و ] يسأل الله بها، أو بواحد منها فيعطيه الله جميع ما يسأله. قال: الله أكبر إذ لم تنكر الاسماء ! فأما الصحيفة فلا يضر أقررت بها أو أنكرت إشهدوا على قوله (4). ثم قال: يا معاشر الناس أليس أنصف الناس من حاج خصمه بملته وبكتابه وبنبيه وشريعته ؟ قالوا: نعم. قال الرضا عليه السلام: فاعلموا أنه ليس بامام بعد محمد إلا من قام بما قام به محمد حين يفضى (5) الامر إليه، ولا تصلح الامامة إلا لمن حاج الامم بالبراهين للامامة. فقال رأس الجالوت: وما هذا الدليل على الامام ؟ قال: أن يكون عالما بالتوراة والانجيل والزبور والقرآن الحكيم، فيحاج أهل التوراة بتوراتهم، وأهل الانجيل بانجيلهم، وأهل القرآن بقرآنهم، وأن يكون عالما بجميع اللغات حتى لا يخفى عليه لسان واحد، فيحاج كل قوم بلغتهم ثم يكون مع هذه الخصال تقيا نقيا من كل دنس، طاهر من كل عيب، عادلا، منصفا، حكيما، رؤوفا، رحيما، حليما، غفورا، عطوفا، صدوقا (6)، بارا، مشفقا، أمينا، مأمونا، راتقا، فاتقا. فقال إليه نصر بن مزاحم فقال: يا ابن رسول الله ما تقول في جعفر بن محمد ؟


(1) " الخمسة الاسماء " م. (2) " أو " م. (3) " بالصحيفة " ه‍، ط. (4) " الله أكبر إذا لم تنكر الاسماء فهو الغرض " س، ط، ومدينة المعاجز. (5) " حتى " نسخ الاصل ومدينة المعاجز. وما في المتن كما في البحار: وأفضى إليه: وصل. (6) " صادقا " البحار.

[ 351 ]

فقال: ما أقول في إمام شهدت أمة محمد قاطبة بأنه كان أعلم أهل زمانه ! قال: فما تقول في موسى بن جعفر ؟ قال: كان مثله. قال: فان الناس قد تحيروا في أمره. قال: إن موسى بن جعفر عمر برهة من دهره (1) فكان يكلم الانباط بلسانهم، ويكلم أهل خراسان بالدرية، وأهل الروم (2) بالرومية، ويكلم العجم بألسنتهم، وكان يرد عليه من الآفاق علماء اليهود والنصارى، فيحاجهم بكتبهم وألسنتهم. فلما نفذت (3) مدته، وكان وقت وفاته أتاني مولى برسالته يقول: يا بني إن الاجل قد نفذ، والمدة قد إنقضت، وأنت وصي أبيك، فان رسول الله صلى الله عليه واله لما كان وقت وفاته دعا عليا وأوصاه، ودفع إليه الصحيفة التي كان فيها الاسماء التي خص الله بها الانبياء والاوصياء، ثم قال: يا علي ادن مني. [ فدنا منه ] فغطى رسول الله صلى الله عليه واله رأس علي عليه السلام بملاءته، ثم قال له: أخرج لسانك. فأخرجه فختمه بخاتمه، ثم قال: يا علي اجعل لساني في فيك فمصه (4)، وابلع كل ما تجد في فيك. ففعل علي ذلك، فقال له: إن الله فهمك ما فهمني، وبصرك ما بصرني و أعطاك من العلم ما أعطاني، إلا النبوة، فانه لا نبي بعدي، ثم كذلك إماما بعد إمام. فلما مضى موسى علمت كل لسان وكل كتاب [ وما كان وما سيكون بغير تعلم، وهذا سر الانبياء أودعه الله فيهم، والانبياء أودعوه إلى أوصيائهم، ومن لم يعرف ذلك ويحققه، فليس هو على شئ، ولا قوة إلا بالله ]. (5)


(1) " الزمان " البحار. (2) " خراسان الروم " م. (3) نفد الشئ: فنى وانقطع ولم يبق منه شئ. وفي بعض النسخ " نفذ " أي تم. وكذا التي بعدها. (4) " فضمه " م. وفي البحار بلفظ: فمصه وابلع عني... (5) عنه اثبات الهداة: 1 / 379 ح 105، وج 3 / 20 ح 632، وج 6 / 131 ح 139، والبحار: 49 / 79 ذ ح 1، ومدينة المعاجز: 507 ح 125. وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 196 ح 6 مرسلا باختصار.

[ 352 ]

8 - ومنها: ما روي في وفاة الرضا عليه السلام: حدث أبو عبد الله محمد بن سعيد النيشابوري - متوجها إلى الحج - عن أبي الصلت الهروي - وكان خادما للرضا عليه السلام - قال: أصبح الرضا عليه السلام يوما فقال لي: ادخل هذه القبة التي فيها هارون، فجئني بقبضة تراب من عند بابها، وقبضة من يمنتها، وقبضة من يسرتها، وقبضة من صدرها، وليكن كل تراب منها على حدته. فصرت إليها، فأتيته بذلك، وجعلته بين يديه على منديل، فضرب بيده إلى تربة الباب فقال: هذا من عند الباب ؟ قلت: نعم. قال: غدا تحفر لي في هذا الموضع، فتخرج صخرة لا حيلة فيها (1). ثم قذف به، وأخذ تراب اليمنة، وقال: هذا من يمنتها ؟ قلت: نعم. قال: ثم تحفر لي في هذا الموضع، فتظهر نبكة (2) لا حيلة فيها. ثم قذف به، وأخذ تراب اليسرة، وقال: ثم تحفر لي في هذا الموضع، فتخرج نبكة مثل الاولى، وقذف به. وأخذ تراب الصدر فقال: وهذا تراب من الصدر، ثم تحفر لي في هذا الموضع، فيستمر الحفر إلى أن يتم، فإذا فرغ (3) من الحفر، فضع يدك على أسفل القبر، وتكلم بهذه الكلمات... (4)، فانه سينبع الماء حتى يمتلئ القبر، فتظهر فيه سميكات


(1) يعني لا يمكن قلعها. والعلة في ذلك هو أن المأمون أراد أن يجعل قبر أبيه الرشيد قبلة لقبر الامام الرضا عليه السلام، وهو ما عبر عنه عليه السلام بقوله " ولن يكون ذلك - والله - أبدا ". راجع مناقب آل أبي طالب. (2) النبكة - بالتحريك -: أكمة محددة الرأس. (3) " فرغت " البحار. والظاهر أنه تصحيف بقرينة ما رواه الصدوق من أنه عليه السلام قال لابي الصلت: " سيحفر لي في هذا الموضع، فتأمرهم أن يحفروا... ". (4) وهي كلمات علمها عليه السلام لابي الصلت.

[ 353 ]

صغار، فإذا رأيتها ففتت لها كسرة (1)، فإذا أكلتها خرجت حوتة كبيرة، فابتلعت تلك السميكات كلها ثم تغيب. فإذا غابت فضع يدك على الماء، وأعد الكلمات، فان الماء ينضب كله وسل المأمون عني أن يحضر وقت الحفر، فانه سيفعل ليشاهد هذا كله. ثم قال عليه السلام: الساعة يجئ رسوله فاتبعني، فان قمت من عنده مكشوف الرأس فكلمني بما تشاء. وإن قمت من عنده مغطى الرأس فلا تكلمني بشئ. قال: فوافاه رسول المأمون، فلبس الرضا عليه السلام ثيابه وخرج وتبعته، فلما دخل إلى المأمون وثب إليه، فقبل بين عينيه، وأجلسه معه على مقعده، وبين يديه طبق صغير، فيه عنب، فأخذا عنقودا قد أكل نصفه ونصفه باق - وقد كان شربه بالسم - وقال للرضا عليه السلام: حمل إلي هذا العنقود، فاستطبته، فأكلت منه، وتنغصت (2) به أن لا تأكل منه، فأسألك أن تأكل منه. قال: أو تعفيني من ذلك ؟ قال: لا والله، فإنك تسرني بما تأكل منه. قال: فاستعفاه ثلاث مرات، وهو يسأله بمحمد وعلي أن يأكل منه. فأخذ منه ثلاث حبات فأكلها وغطى رأسه ونهض من عنده. فتبعته ولم أكلمه بشئ حتى دخل منزله، فأشار إلي أن اغلق الباب، فأغلقته وصار إلى مقعد له، فنام عليه، وصرت أنا في وسط الدار، فإذا غلام عليه وفرة (3) ظننته ابن الرضا عليه السلام ولم أكن قد رأيته قبل ذلك، فقلت: يا سيدي الباب مغلق، فمن أين دخلت ؟ فقال: لا تسأل عما لا تحتاج إليه. وقصد إلى الرضا عليه السلام. فلما بصر به الرضا عليه السلام وثب إليه، وضمه إلى صدره، وجلسا جميعا على المقعد


(1) الكسرة: القطعة من الشئ. وهنا الخبز، كما سيأتي. وفي روضة الواعظين: فتفتت لها الخبز الذي أعطيك. (2) نغص نغصا: لم تتم له هناءته. (3) الوفرة: شعر الرأس إذا وصل إلى شحمة الاذن.

[ 354 ]

ومد الرضا عليه السلام الرداء عليهما، فتناجيا طويلا بما لم أعلمه. ثم امتد الرضا عليه السلام على المقعد، وغطاه محمد بالرداء، وصار إلى وسط الدار. فقال: يا أبا الصلت. قلت: لبيك يا ابن رسول الله. قال: أعظم الله أجرك في الرضا فقد مضى. فبكيت، قال: لا تبك، هات المغتسل والماء لنأخذ في جهازه. فقلت: يا مولاي الماء حاضر، ولكن ليس في الدار مغتسل إلا أن يحضر من خارج الدار فقال: بل (1) هو في الخزانة. فدخلتها فوجدت فيها مغتسلا لم أره قبل ذلك، فأتيته به وبالماء. ثم قال: تعال حتى نحمل الرضا عليه السلام. فحملناه على المغتسل. ثم قال: اغرب (2) عني. فغسله هو وحده، ثم قال: هات أكفانه والحنوط. قلت: لم نعد له كفنا ! فقال: ذلك في الخزانة. فدخلتها فرأيت في وسطها أكفانا وحنوطا لم أره قبل ذلك، فأتيته به فكفنه وحنطه. ثم قال لي: هات التابوت من الخزانة. فاستحييت منه أن أقول: ما عندنا تابوت. فدخلت الخزانة فوجدت فيها تابوتا لم أره قبل ذلك، فأتيته به فجعله فيه. فقال: تعال حتى نصلي عليه. وصلى بي، وغربت الشمس، وكان وقت صلاة المغرب، فصلى بي المغرب والعشاء، وجلسنا نتحدث، فانفتح السقف ورفع التابوت. فقلت: يا مولاي ليطالبني المأمون به فما تكون حيلتي ؟ قال: لا عليك، فانه سيعود إلى موضعه، فما من نبي يموت في مغرب الارض ولا يموت وصي من أوصيائه في مشرقها، إلا جمع الله بينهما قبل أن يدفن. فلما مضى من الليل نصفه أو أكثر إذا التابوت قد رجع من السقف حتى استقر مكانه. فلما صلينا الفجر قال لي: افتح باب الدار، فان هذا الطاغية يجيئك الساعة


(1) " بلى " م، ط. (2) اغرب: اذهب، تنحى. وفي ط والبحار: اعزب. بمعناها.

[ 355 ]

فعرفه أن الرضا عليه السلام قد فرغ من جهازه. قال: فمضيت نحو الباب فالتفت فلم أره ! فلم يدخل من باب، ولم يخرج من باب، قال: وإذا المأمون قد وافى، فلما رآني قال: ما فعل الرضا ؟ قلت: أعظم الله أجرك في الرضا. فنزل وخرق (1) ثيابه، وسفى (2) التراب على رأسه، وبكى طويلا، ثم قال: خذوا في جهازه. قلت: قد فرغ منه. قال: ومن فعل به ذلك ؟ قلت: غلام وافاه لم أعرفه إلا أني ظننته ابن الرضا عليه السلام. قال: فاحفروا له في القبة. قلت: فانه يسألك أن تحضر موضع الحفرة (3). قال: نعم أحضروا كرسيا. فجلس عليه، وأمر أن يحفر له عند الباب، فخرجت الصخرة، فأمر بالحفر في يمنة القبة، فخرجت النبكة، ثم أمر بذلك في يسرتها فظهرت النبكة الاخرى فأمر بالحفر في الصدر فاستمر الحفر. فلما فرغ منه، وضعت يدي على أسفل القبر، وتكلمت بالكلمات، فنبع الماء وظهرت السميكات، ففتتت لها كسرة خبز فأكلتها، ثم ظهرت السمكة الكبيرة فابتلعتها كلها وغابت، فوضعت يدي على الماء، وأعدت الكلمات فنضب الماء كله وانتزعت الكلمات من صدري من ساعتي، فلم أذكر منها حرفا واحدا. فقال المأمون: يا أبا الصلت، الرضا عليه السلام أمرك بهذا ؟ قلت: نعم. قال: فما زال الرضا يرينا العجائب في حياته، ثم أراناها بعد وفاته. فقال للوزير: ما هذا ؟ قال: ألهمت أنه ضرب لكم مثلا بأنكم تتمتعون في الدنيا قليلا مثل هذه السميكات، ثم يخرج واحد منهم فيهلككم. فلما دفن عليه السلام قال لي المأمون: علمني الكلمات. قلت: والله انتزعت من قلبي فما أذكرها منها حرفا، وبالله لقد صدقته، فلم يصدقني، وتوعدني بالقتل إن لم أعلمه إياها وأمر بي إلى الحبس، فكان في كل يوم يدعوني إلى القتل أو تعليمه ذلك، فأحلف له مرة بعد اخرى، كذلك سنة فضاق صدري، فقمت ليلة جمعة فاغتسلت، وأحييتها


(1) خرق: مزق. (2) سفى: ذر. (3) " دفنه " البحار.

[ 356 ]

راكعا وساجدا وباكيا ومتضرعا إلى الله في خلاصي. فلما صليت الفجر إذا أبو جعفر بن الرضا عليهما السلام قد دخل إلي وقال: يا أبا الصلت ضاق صدرك ؟ قلت: إي والله يا مولاي. قال: أما لو فعلت قبل هذا ما فعلته الليلة لكان الله قد خلصك كما يخلصك الساعة. ثم قال: قم. فقلت: إلى أين والحراس على باب السجن والمشاعل بين أيديهم ؟ قال: قم فانهم لا يرونك، ولا تلتقي معهم بعد يومك هذا. فأخذ بيدي وأخرجني من بينهم، وهم قعود يتحدثون والمشاعل بين أيديهم، فلم يرونا. فلما صرنا خارج السجن قال: أي البلاد تريد ؟ قلت: منزلي بهراة. قال: أرخ (1) رداءك على وجهك. وأخذ بيدي فظننته حولني عن يمنته إلى يسرته ثم قال لي: اكشف وجهك. فكشفته، فلم أره، فإذا أنا على باب منزلي، فدخلته فلم ألتق مع المأمون، ولا مع أحد من أصحابه إلى هذه الغاية. (2) 9 - ومنها: ما روى محمد بن عيسى، عن هشام العباسي قال: طلبت بمكة


(1) أرخ: أسدل. (2) عنه البحار: 50 / 49 ح 27. ورواه الصدوق في أماليه: 526 ح 17 وفي عيون أخبار الرضا: 2 / 242 ح 1 باسناده عن ما جيلويه وابن المتوكل والهمداني وأحمد بن علي بن إبراهيم وابن ناتانة والمكتب والوارق جميعا عن علي، عن أبيه، عن أبي الصلت الهروي مثله عنهما الوسائل: 2 / 837 ح 4، والبحار: 49 / 300 ح 10 وج 82 / 46 ح 35 ومدينة المعاجز: 498 ح 114 وص 524 ح 37. وأورده ابن القتال في روضة الواعظين: 273 مرسلا عن أبي الصلت نحوه، عنه مناقب آل أبي طالب: 3 / 482، والطبرسي في اعلام الورى: 340 بالاسناد عن أبي الصلت نحوه، عنه كشف الغمة: 2 / 330. وأورده عماد الدين في ثاقب المناقب: 429 مرسلا نحوه. وأخرجه في اثبات الهداة: 6 / 93 ح 97 عن العيون.

[ 357 ]

ثوبين سعيديين (1) أهديهما لابني، فلم أصب بمكة منها شيئا على ما أردت. فمررت بالمدينة في منصرفي، فدخلت على الرضا عليه السلام فلما ودعته وأردت الخروج، دعا بثوبين سعيديين - على عمل الوشي الذي كنت طلبت - فدفعهما إلي وقال: اقطعهما لابنك. (2) 10 - ومنها: ما روى أبو عبد الله البرقي، عن الحسن بن موسى بن جعفر، قال: خرجنا مع أبي الحسن عليه السلام إلى بعض أمواله في يوم لا سحاب فيه، فلما برزنا قال: حملتم معكم المماطر ؟ قلنا: وما حاجتنا إلى المماطر، وليس سحاب ولا نتخوف المطر ! قال: لكني قد حملته وستمطرون. قال: فما مضينا إلا يسيرا حتى ارتفعت سحابة، ومطرنا حتى أهمتنا أنفسنا، فما بقي منا أحد إلا ابتل غيره. (3) 11 - ومنها: ما روى محمد بن عيسى، عن الحسن بن علي بن يحيى، قال:


(1) السعيدية: من برود اليمن. (2) عنه: البحار: 49 / 41 ح 28، وعن عيون أخبار الرضا: 2 / 220 ذ ح 36 باسناده عن ماجيلويه، عن علي بن ابراهيم، عن اليقطيني مثله. وعن كشف الغمة: 2 / 303 نقلا من دلائل الحميري مثله. وأورده في ثاقب المناقب: 419 عن محمد بن عيسى مثله. وأخرجه في اثبات الهداة: 6 / 81 ح 73، ومدينة المعاجز: 485 ح 67 عن العيون. (3) عنه البحار: 49 / 41 ح 29 وعن عيون أخبار الرضا: 2 / 221 ح 37 باسناده عن ابن ادريس عن أبيه، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن موسى مثله، وعن كشف الغمة: 2 / 303 نقلا من دلائل الحميري مثله. وأخرجه في اعلام الورى: 326، ومدينة المعاجز: 485 ح 68 عن العيون، وفي اثبات الهداة: 6 / 82 ح 74 عن العيون والاعلام والدلائل وكشف الغمة. وأورده في مناقب آل أبي طالب: 3 / 452 وفي الصراط المستقيم: 2 / 196 ح 7 عن الحسن بن موسى مثله.

[ 358 ]

زودتني جارية لي ثوبين ملحمين (1)، وسألتني أن أحرم فيهما، فأمرت الغلام فوضعهما في العيبة (2) فلما انتهيت إلى الوقت الذي ينبغي أن احرم فيه، دعوت بالثوبين لالبسهما، ثم اختلج في صدري (3) فقلت: ما أظنه ينبغي (أن احرم فيهما) (4). فتركتهما ولبست غيرهما. فلما صرت بمكة كتبت كتابا إلى أبي الحسن الرضا عليه السلام، وبعثت إليه بأشياء كانت معي، ونسيت أن أكتب إليه أسأله عن المحرم هل يلبس (5) الملحم ؟ فلم ألبث أن جاءني الجواب بكل ما سألته عنه، وفي أسفل الكتاب: لا بأس بالملحم أن يلبسه المحرم. (6) 12 - ومنها: ما قال علي بن الحسين بن يحيى: كان لنا أخ يرى رأي الارجاء (7) يقال له: عبد الله، وكان يطعن علينا. فكتب إلى أبي الحسن عليه السلام أشكوا إليه وأسأله الدعاء، فكتب إلي: سترى حاله


(1) الملحم: جنس من الثيات، وهو ما كان سداه أبريسم أي حرير أبيض، ولحمته غير أبريسم. (2) العيبة: ما تجعل فيه الثياب كالصندوق. (3) اختلج الشئ في صدره. شغله وتجاذبه. (4) " لي أن ألبس ملحما وأنا محرم " كشف الغمة والبحار. (5) " يجوز له لبس " البحار. (6) عنه كشف الغمة: 2 / 304 والوسائل: 9 / 121 ح 2، والبحار: 49 / 50 ح 52، وج 99 / 141 ح 1. وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 196 ح 8 مرسلا باختصار. (7) المرجئة: هم الذين قالوا: لا يضر مع الايمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة وقالوا: الايمان قول بلا عمل، كأنهم قدموا الايمان وأرجأوا العمل. والارجاء: إما أن يكون من الرجاء: لان المرجئة يرجون لاصحاب المعاصي الثواب من الله تعالى، والمرجئة، أربعة أصناف: مرجئة الخوارج والقدرية والجبرية والخالصة (الصالحية). انظر: الملل والنحل: 1 / 139.

[ 359 ]

إلى ما تحب، وأنه لن يموت إلا على دين الله، وسيولد له من أم ولد له فلانة غلام. قال علي بن الحسين بن يحيى: فما مكثنا إلا أقل من سنة حتى رجع إلى الحق فهو اليوم خير أهل بيتي، وولد له بعد - كتاب أبي الحسن - من أم ولده تلك غلام ! (1) 13 - ومنها: ما قال سليمان بن جعفر الجعفري كنت مع الرضا عليه السلام في حائط (2) له وأنا احدثه إذ جاء عصفور، فوقع بين يديه، وأخذ يصيح ويكثر الصياح ويضطرب فقال لي: تدري ما يقول هذا العصفور ؟ قلت: الله ورسوله وابن رسوله أعلم. قال: قال: إن حية تريد أن تأكل فراخي في البيت. فقم فخذ تلك النسعة (3) وادخل البيت، واقتل الحية. قال: فقمت، وأخذت النسعة فدخلت البيت، وإذا حية تجول في بيت فقتلتها. (4)


(1) عنه البحار: 49 / 51 ح 53. وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 197 ح 9 مرسلا باختصار. (2) يعني بستان. (3) النسعة - بالكسر -: سير مضفور يجعل زماما للبعير وغيره، وقد تنسج عريضة. وفي رواية الصفار: النبعة، أي العصا. (4) عنه كشف الغمة: 2 / 305، والوسائل: 8 / 391 ح 9، والبحار: 64 / 273 ح 40 وعنه في البحار: 49 / 88 ح 8 وعن بصائر الدرجات: 345 ح 19 باسناده عن أحمد ابن موسى، عن محمد بن أحمد المعروف بغزال. عن محمد بن الحسين، عن سليمان من ولد جعفر بن أبي طالب مثله، وعن مناقب آل أبي طالب: 3 / 447 عن سليمان مثله. وأورده في دلائل الامامة: 172 عن أحمد بن محمد - المعروف بغزال - مثله. وفي الصراط المستقيم: 2 / 197 مرسلا باختصار. وفي ثاقب المناقب: 143 مرسلا عن سليمان مثله. وأخرجه في اثبات الهداة: 6 / 122 ح 126 عن البصائر. وفي مستدرك الوسائل: 16 / 124 باب 30 ح 1 عن اللب اللباب لقطب الدين الراوندي.

[ 360 ]

14 - ومنها: ما قال أبو محمد المصري، عن أبي محمد البرقي (1) قال: دخلت على الرضا عليه السلام فسلمت عليه، فأقبل يحدثني ويسألني إذ قال لي: يا أبا محمد ما ابتلى الله عبدا مؤمنا ببلية فصبر عليها إلا كان له مثل أجر ألف شهيد. قال: ولم يكن قبل ذلك في شئ من ذكر العلل والمرض والوجع، فأنكرت ذلك من قوله، وقلت: ما أمحل هذا (2) - فيما بيني وبين نفسي - رجل أنا معه في حديث قد عنيت به إذ حدثني بالوجع في غير موضعه. فودعته وخرجت من عنده، فلحقت بأصحابي - وقد ارتحلوا - فاشتكيت رجلي من ليلتي فقلت: هذا مما تعنيت (3). فلما كان من الغد تورمت. ثم أصبحت وقد اشتد الورم، فذكرت قوله عليه السلام. فلما وصلت إلى المدينة جرى فيها القيح، وصار جرحا عظيما لا أنام، ولا انيم فعلمت أنه حدث بهذا الحديث لهذا المعنى، وبقيت بضعة عشر شهرا صاحب فراش. قال الراوي: ثم أفاق، ثم نكس منها فمات. (4) 15 - ومنها: ما قال الحسن بن علي بن فضال: إن عبد الله بن المغيرة قال: كنت


(1) " الرقي " البحار. " الكوفي " الهداية، والدلائل. (2) قوله " ما أمحل هذا " انكار لوقوعه. وفي البحار " ما أخجل هذا ". (3) عنى تعنية الرجل: آذاه وكلفه ما يشق عليه. وفي الهداية " هذا من تعبي " وفي الدلائل " هذا لما تعبت " وفي البحار " هذا مما عبت " (4) عنه البحار: 49 / 51 ح 54. ورواه الخصيبي في الهداية الكبرى: 286 باسناده إلى الحسين بن محمد بن جمهور عن أبيه، عن محمد بن عبد الله بن مهران، عن الحسن بن نصير البصري، عن أبي محمد الكوفي مثله، والطبري في دلائل الامامة: 188 باسناده إلى محمد بن الوليد، عن أبي محمد الكوفي مثله، عنهما مدينة المعاجز: 476 ح 19. وأورد الاهوازي في المؤمن: 16 ح 8 مرسلا عن أبي الحسن عليه السلام قطعة عنه البحار: 71 / 97 ذ ح 65.

[ 361 ]

واقفيا (1)، وحججت على تلك الحالة. فخلج في صدري بمكة شئ، فتعلقت بالملتزم (2) ثم قلت: اللهم قد علمت طلبتي وإرادتي، فأرشدني إلى خير الاديان. فوقع في نفسي أن آتي الرضا عليه السلام، فأتيت المدينة، فوقفت ببابه، فقلت للغلام: قل لمولاك: رجل من أهل العراق بالباب. فسمعت نداءه وهو يقول: أدخل يا عبد الله بن المغيرة: فدخلت فلما نظر إلي قال: قد أجاب الله دعوتك وهداك لدينه. فقلت: أشهد أنك حجة الله على خلقه. (3) 16 ومنها: ما روي عن أحمد بن عمر (4) قال: خرجت إلى الرضا عليه السلام وأمرأتي


(1) أي واقفا على امامة الكاظم عليه السلام، مما يلزم عدم انتقال الامامة إلى ولده الامام الرضا عليه السلام. (2) الملتزم: ويقال له المدعى والمتعوذ، سمى بذلك لالتزامه الدعاء والتعوذ، وهو ما بين الحجر الاسود والباب... (معجم البلدان: 5 / 190). (3) عنه البحار: 49 / 39 ح 24، وعن عيون أخبار الرضا: 2 / 219 ح 31 باسناده عن ابن شاذويه عن محمد الحميري، عن أبيه، عن محمد بن عيسى، عن الحسن بن علي بن فضال مثله، وعن الاختصاص: 81 باسناده عن محمد بن الحسن، عن الصفار، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال مثله. وعن كشف الغمة: 2 / 302 نقلا من دلائل الحميري، عن ابن المغيرة مثله. ورواه في الكافي: 1 / 355 ح 13 باسناده عن ابن فضال مثله. عنه اثبات الهداة: 6 / 34 ح 9 وعن عيون الاخبار، وعن دلائل الحميري على ما ذكره في كشف الغمة. ورواه في اختيار معرفة الرجال: 594 ح 1110 على ما وجده بخط ابن شاذان، عن محمد بن عيسى، عن ابن فضال، مثله. عنه مناقب آل أبي طالب: 3 / 479 والبحار: 48 / 272 ح 33. وأورده في ثاقب المناقب: 416 مرسلا مثله. وأخرجه في مدينة المعاجز: 476 ح 22 عن الكافي والعيون. (4) " عمرة " البحار.

[ 362 ]

حبلى، فقلت له: إني خلفت أهلي وهي حامل، فادع الله أن يجعله ذكرا. فقال لي: هو ذكر فسمه عمر. فقلت: نويت أن أسميه عليا، وأمرت الاهل به ! قال عليه السلام: سمه عمر. فوردت الكوفه، وقد ولد ابن لي وسمي عليا، فسميته عمر. فقال لي جيراني: لا نصدق بعدها بشئ مما كان يحكى عنك. فعلمت أنه كان أنظر لي من نفسي. (1) 17 - ومنها: ما روي عن بكر بن صالح قال: قلت للرضا (2) عليه السلام: امرأتي اخت محمد بن سنان (3) بها حمل. فادع الله أن يجعله ذكرا. قال: هما إثنان. قلت في نفسي: [ هما ] محمد وعلي - بعد انصرافي -. فدعاني بعد فقال: سم واحدا عليا، والاخرى ام عمر. فقدمت الكوفة، وقد ولد لي غلام وجارية في بطن، فسميت كما أمرني. فقلت لامي: ما معنى ام عمر ؟ فقالت: إن امي كانت تدعى أم عمر. (4)


(1) عنه البحار: 49 / 52 ح 55. وأورده في ثاقب المناقب: 180 مرسلا مثله، عنه مدينة المعاجز: 511 ح 148، وفي الصراط المستقيم: 2 / 197 ح 12 مرسلا باختصار. (2) " أتيت الرضا عليه السلام وقلت " البحار. (3) " سينا " م، ه‍، ط. (4) عنه كشف الغمة: 2 / 305، والبحار: 49 / 52 ح 56. وأورده عماد الدين في ثاقب المناقب: 181 وابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة 228 والشبلنجي في نور الابصار: 176، والقرماني في أخبار الدول، وآثار الاول، والنبهاني في جامع كرامات الاولياء: 2 / 313، والعاملي النباطي في الصراط المستقيم: 2 / 197 ح 13 باختصار. وأخرجه في اثبات الهداة: 6 / 142 ح 161 ورجال المامقاني: 1 / 179 عن كشف الغمة، وفي مدينة المعاجز: 511 ح 49 عن ثاقب المناقب، وفي احقاق الحق: 12 / 365 عن بعض المصادر المتقدمة.

[ 363 ]

18 - ومنها ما روي عن الوشاء، عن مسافر [ قال ]: قلت للرضا عليه السلام: رأيت في النوم كأن وجه قفص وضع على الارض فيه أربعون فرخا. قال عليه السلام: إن كانت صادقة خرج منا خرج فعاش أربعين يوما. فخرج محمد بن إبراهيم [ ابن ] طباطبا (1) فعاش أربعين يوما. (2) 19 - ومنها: ما روى الوشاء، عن الرضا عليه السلام [ أنه ] قال - بخراسان -: إني حيث أرادوا بي الخروج جمعت عيالي، فأمرتهم أن يبكوا علي حتى أسمع ثم فرقت فيهم اثني عشر ألفا دينار. ثم قال (3): أما إني لا أرجع إلى عيالي أبدا. (4)


(1) هو أبو عبد الله بن ابراهيم بن اسماعيل بن ابراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام المعروف بابن طباطبا، خرج بالكوفة لعشر خلون من جمادى الاخرة كما ذكر الطبري في تاريخه: 7 / 117 وابن الاثير في الكامل: 6 / 199، ثم ذكر أنه مات في الاول من رجب. وروى أبو الفرج الاصفهاني في مقاتل الطالبيين: 348 باسناده عن أحمد بن محمد بن سعيد، عن محمد بن منصور، عن علي بن الحسين، عن عمر المكي، عن جابر الجعفي عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام قال: " يخطب على أعوادكم يا أهل الكوفة سنة تسع وتسعين ومائة في جمادى الاولى رجل منا أهل البيت، يباهي الله به الملائكة ". وروى مثله أيضا بسند آخر عن زيد بن علي وفيه: " في عشر من جمادى الاولى ". ومما تجدر إليه الاشارة أن الكليني روى في الكافي: 8 / 257 ح 370 باسناده عن ياسر الخادم عن الرضا عليه السلام مثله، الا أن فيه " قفصا فيه سبعة عشر قارورة " فأجابه الامام أنه يخرج رجل من أهل بيتي يملك سبعة عشر يوما... فخرج محمد بن إبراهيم.. وعلى كل فلا اتفاق. بين الروايات فيما يتعلق بتلك الفترة، والله أعلم. (2) عنه البحار: 49 / 52 ح 57. (3) " قلت " البحار. (4) عنه كشف الغمة: 2 / 305، والبحار: 49 / 52 ح 58. =

[ 364 ]

20 - ومنها: ما روي عن الوشاء أيضا [ قال ]: لدغتني عقرب، فأقبلت أقول: يا رسول الله، يا رسول الله، فأنكر السامع وتعجب من ذلك. فقال لها الرضا عليه السلام: مه، فو الله لقد رأى رسول الله. قال: وقد كنت رأيت في النوم رسول الله، ولا والله ما كنت أخبرت به أحدا. (1) 21 - ومنها: ما روي عن عبد الله بن سوقة (2) قال: مر بنا الرضا عليه السلام فاختصمنا في إمامته، فلما خرج، خرجت أنا وتميم بن يعقوب السراج - من أهل برقة - ونحن مخالفون له - نرى رأي الزيدية - فلما صرنا في الصحراء فإذا نحن بظباء، فأومى أبو الحسن عليه السلام إلى خشف (3) منها، فإذا هو قد جاء حتى وقف بين يديه، فأخذ


= ورواه الصدوق في عيون أخبار الرضا: 2 / 217 ح 28 باسناده عن الحاكم الشاذاني، عن أحمد بن ادريس، عن اليقطيني، عن الوشاء مثله. عنه اعلام الورى: 325، واثبات الهداة: 6 / 78 ح 66، والبحار المذكور ص 117 ح 3، ومدينة المعاجز: 484 ح 61. والطبري في دلائل الامامة: 176 باسناده عن محمد بن عبد الله، عن أبي النجم بدر، عن أبي جعفر محمد بن علي، عن محمد بن عيسى، عن الوشاء، وعن جماعة من أصحاب الرضا عليه السلام، مثله. عنه مدينة المعاجز: 501 صدر ح 117. أورده في اثبات الوصية: 204، ومناقب آل أبي طالب: 3 / 452 عن محمد بن عيسى عن الوشاء مثله. (1) عنه كشف الغمة: 2 / 305، والبحار: 49 / 52 ح 59. وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 197 ح 14 عن الوشاء مثله. وأخرجه في اثبات الهداة: 6 / 143 ح 162 عن كشف الغمة. (2) " شبرمة " بعض النسخ والبحار. وفي بعضها الاخر (سمرة). وفي الصراط المستقيم: سرقة. وهو غير " عبد الله بن شبرمة " الذي كان قاضيا للمنصور، والمتوفى سنة " 144 ". (3) الخشف: ولد الظبى.

[ 365 ]

أبو الحسن يمسح رأسه، ودفعه (1) إلى غلامة، فجعل الخشف يضطرب لكي يرجع إلى مرعاه، فكلمه الرضا بكلام لا نفهمه، فسكن. ثم قال: يا عبد الله أو لم تؤمن ؟ قلت: بلى يا سيدي، أنت حجة الله على خلقه، وأنا تائب إلى الله. ثم قال للظبي: إذهب [ إلى مرعاك ]. فجاء الظبي وعيناه تدمعان، فتمسح بأبي الحسن عليه السلام ورغى (2). فقال أبو الحسن عليه السلام: تدري ما يقول ؟ قلنا: الله ورسوله وابن رسوله أعلم. قال: يقول: دعوتني فرجوت أن تأكل من لحمي فأجبتك وحزنتني (3) حين أمرتني بالذهاب. (4) 22 - ومنها: ما روى إسماعيل بن مهران قال: أتيت الرضا عليه السلام يوما أنا وأحمد البزنطي بصريا " (5) وكنا تشاجرنا في سنه. فقال أحمد: إذا دخلنا عليه فذكرني حتى أسأله عن سنه (6) فاني قد أردت ذلك غير مرة فأنسى. فلما دخلنا عليه، وسلمنا وجلسنا، أقبل على أحمد، وكان أول ما تكلم به أن قال:


(1) " رفعه " البحار. (2) يعني صوت - بتشديد الواو -. (3) يعني صيرتني حزينا، وفي بعض النسخ والبحار: أحزنتني. (4) عنه اثبات الهداة: 6 / 132 ح 140، والبحار: 49 / 52 ح 60، وعنه مدينة المعاجز: 508 ح 126، وعن ثاقب المناقب: 142 مثله. وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 197 ح 15 عن عبد الله بن سرقة مثله باختصار. (5) نقل ابن شهر اشوب في مناقبه: 3 / 489 عن كتاب الجلاء والشفاء ضمن حديث أن " صريا " قرية أسسها موسى بن جعفر عليهما السلام على ثلاثة أميال من المدينة. ويظهر من الحديث أن الامام الرضا عليه السلام قد أقام بها فترة من الزمن. (6) " ذلك " ه‍، ط.

[ 366 ]

يا أحمد كم أتى عليك من السنين ؟ فقال: تسع وثلاثون. فقال: ولكن أنا قد أتت علي ثلاث وأربعون سنة. (1) 23 - ومنها: ما روي عن الحسن بن علي الوشاء [ قال ]: كنا عند رجل بمرو وكان معنا رجل واقفي، فقلت له: اتق الله، قد كنت مثلك، ثم نور الله قلبي، فصم الاربعاء والخميس والجمعة واغتسل وصل ركعتين، وسل الله أن يريك في منامك ما تستدل به على هذا الامر. فرجعت إلى البيت، وقد سبقني كتاب أبي الحسن إلي يأمرني فيه أن أدعو إلى هذا الامر ذلك الرجل، فانطلقت إليه، وأخبرته وقلت له: احمد الله واستخره (2) مائه مرة، وقلت: إني وجدت كتاب أبي الحسن قد سبقني إلى الدار [ أن ] أقول لك، وفيه ما كنا فيه وإني لارجو أن ينور الله قلبك (3) فافعل ما قلت لك من الصوم والدعاء. فأتاني يوم السبت في السحر فقال لي: أشهد أنه الامام المفترض الطاعة. فقلت: وكيف ذلك ؟ قال: أتاني أبو الحسن البارحة في النوم فقال: يا إبراهيم - والله - لترجعن إلى الحق. وزعم أنه لم يطلع عليه إلا الله. (4) 24 - ومنها: ما روي عن الوشاء، عن مسافر [ قال ]: قال لي أبو الحسن عليه السلام يوما: قم فانظر في تلك العين حيتان ؟ فنظرت فإذا فيها ! قلت: نعم. قال: إني رأيت ذلك في النوم ورسول الله صلى الله عليه واله يقول لي: يا علي ما عندنا خير


(1) عنه اثبات الهداة: 6 / 132 ح 140، والبحار: 49 / 53 ح 61. (2) " استخر " البحار. " استجيرة " مدينة المعاجز. (3) " لك " م. (4) عنه اثبات الهداة: 6 / 133 ح 142، والبحار: 49 / 53 ح 62، ومدينة المعاجز: 491 ح 93.

[ 367 ]

لك (1). فقبض بعد أيام. (2) 25 - ومنها: ما روى الحسن (3) بن عباد - وكان كاتب الرضا عليه السلام - [ قال ]: دخلت على الرضا عليه السلام، وقد عزم المأمون بالمسير إلى بغداد، فقال: يا ابن عباد ما ندخل العراق ولا نراه. قال: فبكيت، وقلت: آيستني أن آتي أهلي وولدي. قال عليه السلام: أما أنت فستدخلها، وإنما عنيت نفسي. فاعتل وتوفي بقرية من قرى طوس وقد كان تقدم في وصيته أن يحفر قبره مما يلي الحائط، وبينه وبين قبر هارون ثلاثة أذرع، وقد كانوا حفروا ذلك الموضع لهارون، فكسرت المعاول والمساحي، فتركوه، وحفروا حيث أمكن الحفر. (4) فقال: احفروا ذلك المكان، فانه سيلين عليكم، وستجدون صورة سمكة من نحاس عليها كتابة بالعبرانية، فإذا حفرتم لحدي فعمقوه وردوها فيه مما يلي رجلي. فحفرنا ذلك المكان، فكانت المحافر تقع في الرمل اللين بالموضع، ووجدنا السمكة مكتوبا عليها بالعبرانية:


(1) لعل ذكر الحيتان اشارة ما ظهر في قبره منها، أو المعنى أن علمي بموتي كعلمي بها قاله المجلسي ره. (2) عنه البحار: 49 / 54 ح 63. وروى الصفار في بصائر الدجارت: 483 ح 9 باسناده عن أحمد بن محمد، عن الحسن ابن علي الوشا مثله. عنه البحار المذكور ص 306 ح 15. والكليني في الكافي: 1 / 260 ح 6 باسناده عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد عن الوشاء مثله، عنه الايقاظ من الهجعة: 211 ح 6. (3) " الحسين " م، ط. ولا شاهد له في سائر الكتب. وأما الحسن بن عباد فقد عده الشيخ الطوسي في رجاله: 374 رقم 38 من أصحاب الرضا عليه السلام. (4) تقدم تفصيل ذلك في الحديث " 8 " فراجع. (*)

[ 368 ]

" هذه روضة علي بن موسى، وتلك حفرة هارون الجبار (1) " فرددناها، ودفناها (2) في لحده عند شقه (3). (4) 26 - ومنها: ما روى الحسن بن سعيد، عن الفضل بن يونس قال: خرجنا نريد مكة، فنزلنا مدينة وبها هارون الرشيد يريد الحج، فأتاني الرضا - وقد حضر غدائي وعندي قوم من أصحابنا - فدخل الغلام فقال: بالباب رجل يكنى " أبا الحسن " يستأذن عليك. فقلت: إن كان الذي أعرف، فأنت حر، فخرجت فإذا أنا بالرضا عليه السلام فقلت: انزل. فنزل حتى (5) دخل. ثم قال عليه السلام لي بعد الطعام: يا فضل إن أمير المؤمنين كتب للحسين بن زيد بعشرة آلاف دينار، وكتب بها إليك، فادفعها إلى الحسين. قال: قلت: والله ما لهم عندي قليل ولا كثير، فان أخرجتها من عندي ذهبت، فان كان لك في ذلك رأي فعلت. فقال: يا فضل ادفعها إليه، فانه سيرجع (6) إليك قبل أن تصير إلى منزلك. (فدفعتها إليه، قال: فرجعت إلي) (7) كما قال. (8)


(1) روى الكليني في الكافي: 3 / 242 ح 2 باسناده عن العدة، عن سهل بن زياد، عن الحسن بن علي، عن غالب بن عثمان، عن بشير الدهان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ان للقبر كلاما في كل يوم، يقول: أنا بيت الغربة... أنا روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار. (2) " دفناه " م. (3) " موضع قاله " البحار. والشق: الناحية والجانب. (4) عنه البحار: 49 / 307 ح 17. وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 199 ح 23 عن الحسين بن عباد باختصار. (5) " و " ه‍، ط، والبحار. (6) " فانها سترجع " ه‍، ط، ومدينة المعاجز. (7) " فإذا أنا بهم، وقد طلبوا مني الذهب، فدفعته إليهم، فرجع المال إلي قبل أن أصير إلى منزلي، فرجع المال إلى منزلي " ه‍، ط. (8) عنه اثبات الهداة: 6 / 134 ح 143، والبحار: 49 / 54 ح 64. ومدينة المعاجز: 508 ح 127.

[ 369 ]

27 - ومنها: ما روي عن أحمد بن عمر الحلال (1) قال: قلت لابي الحسن الثاني عليه السلام: جعلت فداك إني أخاف عليك من هذا، صاحب الرقة (2). قال: ليس علي منه بأس، إن لله بلادا تنبت الذهب قد حماها الله بأضعف خلقه بالذر (3) فلو أرادتها الفيلة ما وصلت إليها. ثم قال لي الوشاء: إني سألته عن هذه البلاد - وقد سمعت الحديث قبل مسألتي - (فأخبرت أنه) (4) بين بلخ والتبت (5) وأنها تنبت الذهب، وفيها نمل كبار أشباه


(1) قال عنه النجاشي في رجاله: 99 رقم 248: كان يبيع الحل - يعني الشيرج - روى عن الرضا عليه السلام، وله عنه مسائل... (2) الرقة: البستان المقابل للتاج من دار الخلافة ببغداد وهي بالجانب الغربي، وهو عظيم جدا جليل القدر... (معجم البلدان: 3 / 60). والمراد ب‍ " صاحب الرقة " هارون الرشيد. وفي ه‍، ط: البرقة، وهي الدهشة. وفي اثبات الوصية بلفظ " أخاف عليك من هارون ". (3) الذر: صغار النمل: وفي ه‍، ط: النمل. (4) " فقال: والبلاد ما " ط. وفي اثبات الوصية بلفظ " سألته عن هذه البلاد فأخبرني أنها " (5) تبت: بالضم، وكان الزمخشري يقوله بكسر ثانيه، وبعض يقوله بفتح ثانيه، ورواه أبو بكر محمد بن موسى بفتح أوله وضم ثانيه مشددة في الروايات كلها... وهي مملكة متاخمة لمملكة الصين، ومن جهة الشرق للهند والهياطلة، ومن جهة الغرب لبلاد الترك... وبالتبت جبل يقال له جبل السم إذا مر به أحد تضيق نفسه فمنهم من يموت، ومنهم من يثقل لسانه. (معجم البلدان: 1 / 10، ومراصد الاطلاع: 2 / 251). وبلخ: مدينة مشهورة بخراسان من أجلها وأشهرها... تحمل غلتها إلى جميع خراسان وإلى خوارزم.. يقال لجيحون: نهر بلخ. (معجم البلدان: 1 / 479).

[ 370 ]

الكلاب على خلقها، فليس يمر (1) بها الطير (فضلا عن) (2) غيره، تكمن بالليل في جحرها وتظهر بالنهار. فربما غزوا الموضع على الدواب التي تقطع ثلاثين فرسخا في ليلة (لا يعرف شئ من الدواب يصبر صبرها) (3) فيوقرون (4) أحمالهم ويخرجون، فإذا أصبحت النمل، خرجت في الطلب فلا تلحق شيئا إلا قطعته، تشبه بالريح من سرعتها وربما شغلوها باللحم يتخذ لها إذا لحقتهم يطرح لها في الطريق [ فتشتغل به عنهم ] فان لحقتهم قطعتهم ودوابهم (5). 28 - ومنها: ما روى صفوان بن يحيى قال: كنت مع الرضا عليه السلام بالمدينة


(1) " على حلقها قلس (قليس) لا يمر " البحار. قال المجلسي ره: القلس: حبل ضخم من ليف أو خوص أو غيرهما، وكأنه وصف المشبه به أي الكلاب المعلمة. والخلق - بضم الخاء -: السجية والطبع. قال الدميري في حياة الحيوان: 2 / 251 عند وصفه الكلب: ومن طبعه أن يحرس ربه ويحمي حرمه شاهدا وغائبا، ذاكرا وغافلا نائما ويقظانا، وهو أيقظ الحيوان عينا في وقت حاجته للنوم... وهو في نومه أسمع من فرس وأحذر من عقعق... (2) " فكيف " ه‍، ط، ومدينة المعاجز. (3) " فيأتون في الليل " ه‍، ط، ومدينة المعاجز. (4) الوقر: الحمل الثقيل. (5) عنه اثبات الهداة: 6 / 134 ح 144، والبحار: 49 / 54 ح 65، وج 60 / 185 ح 16 ومدينة المعاجز: 508 ح 128. وأورده المسعودي في اثبات الوصية: 200 عن الحميري، عن محمد بن عيسى، عن أحمد بن عمر مثله، والعاملي النباطي في الصراط المستقيم: 2 / 197 ح 16 مرسلا باختصار وروي في الكافي: 2 / 59 ح 11 باسناده علي بن ابراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عمن ذكره، عن الرضا عليه السلام نحوه، عنه الوسائل: 11 / 159 ح 9، والبحار: 70 / 158 ح 16.

[ 371 ]

فمر مع قوم بقاعد، فقال: هذا إمام الرافضة. فقلت له عليه السلام: أما سمعت ما قال هذا القاعد ؟ قال: نعم، أما إنه مؤمن مستكمل الايمان. فلما كان بالليل دعا عليه فاحترق دكانه، ونهب السراق ما بقي من متاعه فرأيته من الغد بين يدي أبي الحسن خاضعا مستكينا، فأمر له بشئ. ثم قال: يا صفوان أما إنه مؤمن مستكمل الايمان، وما يصلحه غير ما رأيت. (1) 29 - ومنها: ما روى مسافر قال: أمر أبو أبراهيم عليه السلام - حين اخرج - به أبا الحسن عليه السلام أن ينام على بابه في كل ليلة أبدا ما دام حيا إلى أن يأتيه خبره قال: فكنا نفرش في كل ليلة لابي الحسن في الدهليز، ثم يأتي بعد العشاء الاخرة فينام فإذا أصبح انصرف إلى منزله. وكنا ربما خبأنا الشئ منه مما يؤكل فيجئ (2) ويخرجه ويعلمنا أنه قد علم به، ما كان ينبغي أن يخبأ منه. فلما كان ليلة أبطأ عنا، واستوحش العيال وذعروا، ودخلنا من ذلك مدخل عظيم، فلما كان من الغد، أتى الدار، ودخل على العيال، وقصد إلى ام أحمد فقال لها: هاتي الذي أودعك أبي ! فصرخت ولطمت وشقت وقالت: مات سيدي. فكفها وقال: لا تتكلمي حتى يجئ الخبر. فدفعت إليه سفطا (3). (4).


(1) البحار: 49 / 55 ح 66. (2) " حتى " م، ه‍، ط. (3) السفط - محركة -: ما يعبأ فيه الطيب ونحوه. (4) عنه البحار: 49 / 71 ح 94. ورواه في الكافي: 1 / 381 ح 6 باسناده عن علي بن ابراهيم، عن محمد بن عيسى، عن مسافر مثله، عنه اثبات الهداة: 6 / 35 ح 10، والبحار: 48 / 246 ح 53، ومدينة المعاجز: 477 ح 25. وفي دلائل الامامة: 193 باسناده عن محمد بن هارون، عن أبيه، عن أبي جعفر بن الوليد، عن أبي محمد أبي نصر، عن مسافر نحوه، عنه مدينة المعاجز: 488 ح 87. وأورده في اثبات الوصية: 198 مرسلا نحوه.

[ 372 ]

الباب العاشر في معجزات الامام محمد بن علي التقي عليهما السلام 1 - [ عن ] محمد بن ميمون (1) أنه كان مع الرضا عليه السلام بمكة قبل خروجه إلى خراسان قال: قلت له: إني أريد أن أتقدم إلى المدينة، فاكتب معي كتابا إلى أبي ؟ جعفر عليه السلام. فتبسم وكتب، فصرت إلى المدينة، وقد كان ذهب بصري. فأخرج الخادم أبا جعفر عليه السلام إلينا يحمله من (2) المهد، فناولته الكتاب، فقال لموفق الخادم: فضه وانشره. ففضه ونشره بين يديه، فنظر فيه، ثم قال لي: يا محمد ما حال بصرك ؟ قلت: يا ابن رسول الله صلى الله عليه واله اعتلت عيناي، فذهب بصري كما ترى. فقال [ ادن مني. فدنوت منه ]: فمد يده، فمسح بها على عيني فعاد إلي بصري كأصح ما كان، فقبلت يده ورجله، وانصرفت من عنده، وأنا بصير. (3) 2 - ومنها: أن محمد بن إبراهيم الجعفري روى عن حكيمة بنت الرضا عليهما السلام


(1) ترجم له المامقاني ره في تنقيح المقال: 3 / 194 رقم 1435، وذكر الحديث، فراجع. (2) " فحمله (إلى) من " نسخ الاصل. وفي البحار: فحمله في. وما في المتن من كشف الغمة. (3) عنه كشف الغمة: 2 / 365، واثبات الهداة: 6 / 184 ح 24، والبحار: 50 / 46 ح 20 وحلية الابرار: 2 / 396، وعنه في مدينة المعاجز: 531 ح 48 وعن ثاقب المناقب: 165 وص 458 مرسلا عن محمد بن ميمون مثله. وأورده في اثبات الوصية: 203 عن الحميري، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن سنان نحوه.

[ 373 ]

قالت: لما توفي أخي محمد بن الرضا عليهما السلام صرت يوما إلى امرأته أم الفضل (1) بسبب احتجت إليها فيه قالت: فبينا نحن نتذاكر فضل محمد وكرمه وما أعطاه الله من العلم والحكمة، إذ قالت امرأته ام الفضل: يا حكيمة أخبرك عن أبي جعفر بن الرضا عليه السلام باعجوبة لم يسمع أحد مثلها ؟ قلت: وما ذاك ؟ قالت: إنه كان ربما أغارني مرة بجارية، ومرة بتزويج فكنت أشكو إلى المأمون فيقول: يا بنية احتملي فانه ابن رسول الله صلى الله عليه واله. فبينا أنا ذات ليلة جالسة إذ أتت امرأة، فقلت: من أنت ؟ - وكأنها قضيب بان (2) أو غصن خيزران - قالت: أنا زوجة لابي جعفر. قلت: من أبو جعفر ؟ قالت: محمد بن الرضا عليهما السلام وأنا امرأة من ولد عمار بن ياسر. قالت: فدخل علي من الغيرة ما لم أملك نفسي، فنهضت من ساعتي، فصرت إلى المأمون، وقد كان ثملا (3) من الشراب، وقد مضى من الليل ساعات، فأخبرته بحالي وقلت: إنه يشتمني ويشتمك، ويشتم العباس وولده، قالت: وقلت ما لم يكن. فغاظه ذلك مني جدا، ولم يملك نفسه من السكر، وقام مسرعا فضرب بيده إلى سيفه، وحلف أنه يقطه بهذا السيف ما بقي في يده، وصار إليه. قالت: فندمت عند ذلك، وقلت في نفسي: ما صنعت، هلكت وأهلكت. قالت: فعدوت خلفه لانظر ما يصنع، فدخل إليه، وهو نائم، فوضع فيه السيف، فقطعه قطعة قطعة، ثم وضع السيف على حلقه فذبحه، وأنا أنظر إليه وياسر الخادم، وانصرف وهو يزبد (4) مثل الجمل.


(1) زاد في بعض النسخ: بنت المأمون الخليفة العباسي. (2) البان: شجر معتدل القوام، لين ورقه كورق الصفصاف، يشبه به القد لطوله. (3) الثمل الذي أخذ منه الشراب والسكر. (4) تزبد الانسان: إذا غضب وظهر على صماغيه زبدتان. والزبد: زبد الجمل الهائج، وهو لغامه الابيض الذي تتلظخ به مشافره إذا هاج.

[ 374 ]

قالت: فلما رأيت ذلك هربت على وجهي حتى رجعت إلى منزل أبي فبت بليلة لم أنم فيها إلى أن أصبحت. قالت: فلما أصبحت دخلت إليه وهو يصلي، وقد أفاق من السكر، فقلت [ له ]: يا أمير المؤمنين هل تعلم ما صنعت الليلة ؟ قال: لا والله، فما الذي صنعت ؟ ! ويلك قلت: فإنك صرت إلى ابن الرضا عليهما السلام وهو نائم، فقطعته إربا إربا (1) وذبحته بسيفك، وخرجت من عنده، قال: ويلك ما تقولين ؟ ! قلت: أقول ما فعلت. فصاح: يا ياسر، وقال: ما تقول هذه الملعونة ويلك ؟ ! قال: صدقت في كل ما قالت. قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، هلكنا وافتضحنا، ويلك يا ياسر بادر إليه فائتني بخبره. فركض إليه، ثم عاد مسرعا فقال: يا أمير المؤمنين البشرى ! قال: فما وراك ؟ قال: دخلت إليه، فإذا هو قاعد يستاك، وعليه قميص ودواج (2) فبقيت متحيرا في أمره، ثم أردت أن أنظر إلى بدنه هل فيه شئ من الاثر، فقلت له: أحب أن تهب لي هذه القميص الذي عليك أتبرك به. فنظر إلي وتبسم كأنه علم ما أردت بذلك فقال: أكسوك كسوة فاخرة. فقلت: لست أريد غير هذا القميص الذي عليك. فخلعه وكشف لي بدنه كله، فو الله ما رأيت أثرا. فخر المأمون ساجدا، ووهب لياسر ألف دينار، وقال: الحمد لله الذي لم يبتلني بدمه. ثم قال: يا ياسر أما (3) مجئ هذه الملعونة إلي وبكاؤها بين يدي فأذكره، وأما مضيي (4) إليه، فلست أذكره. فقال ياسر: [ يا مولاي ] والله ما زلت تضربه بسيفك


(1) الارب: العضو. (2) الدواج - على وزن رمان -: اللحاف الذي يلبس. (3) " كلما كان من " البحار. (4) يعني ذهابي. وفي ه‍، ط، والبحار " مصيري ".

[ 375 ]

وأنا وهذه ننظر إليك وإليه حتى قطعته قطعة قطعة، ثم وضعت سيفك على حلقه فذبحته وأنت تزبد كما يزبد البعير. فقال: الحمد لله. ثم قال لي: والله لئن عدت بعدها (في شئ مما جرى) (1) لاقتلنك ثم قال لياسر: احمل إليه عشرة آلاف دينار وقد (2) إليه الشهري الفلاني، وسله الركوب إلي، وابعث إلى الهاشميين والاشراف والقواد ليركبوا معه (3) إلى عندي ويبدأوا بالدخول إليه، والتسليم عليه. ففعل ياسر ذلك، وصار الجميع بين يديه، وأذن للجميع [ بالدخول ] وقال: يا ياسر هذا كان العهد بيني وبينه ؟ قلت: يا ابن رسول الله ليس هذا وقت العتاب، فوحق " محمد وعلي " ما كان يعقل من أمره شيئا. فأذن للاشراف كلهم بالدخول إلا عبد الله وحمزة ابني الحسن لانهما كانا وقعا فيه عند المأمون يوما، وسعيا به مرة بعد أخرى، ثم قام فركب مع الجماعة وصار إلى المأمون، فتلقاه وقبل ما بين عينيه، وأقعده على المقعد (4) في الصدر، وأمر أن يجلس الناس ناحية، فخلا به، فجعل يعتذر إليه. فقال له أبو جعفر عليه السلام: لك عندي نصيحة فاسمعها مني. قال: هاتها. قال: أشير عليك بترك الشراب المسكر. فقال: فداك ابن عمك قد قبلت نصحك. (5)


(1) " إلى شكواك (بشكواك) فيما يجري بينكما " ط، والحلية. (2) قد: فعل أمر من قاد يقود. (3) " في خدمته " ه‍، ط. (4) " المقعدة " م. وكلاهما بمعنى واحد. (5) عنه كشف الغمة: 2 / 365، واثبات الهداة: 6 / 184 ح 25، والبحار: 50 / 69 ح 47، وحلية الابرار: 2 / 412، ومدينة المعاجز: 530 ملحق ح 47. وأورده في عيون المعجزات: 124 برواية صفوان بن يحيى، عن أبي نصر الهمداني عن حكيمة بنت أبي الحسن القرشي نحوه، عنه البحار المذكور ص 98 ح 10 ومدينة المعاجز. 529 ح 47. =

[ 376 ]

3 - ومنها: ما روي عن أبي بكر بن إسماعيل [ قال ]: قلت لابي جعفر بن الرضا عليهما السلام: إن لي جارية تشتكي من ريح بها. فقال: ائتني بها. فأتيت بها فقال لها ما تشتكين يا جارية ؟ قالت: ريحا في ركبتي. فمسح يده على ركبتها من وراء الثياب، فخرجت الجارية من عنده، ولم تشتك وجعا بعد ذلك. (1) 4 - ومنها: ما روي عن علي بن جرير [ قال ]: كنت عند أبي جعفر بن الرضا عليه السلام جالسا، وقد ذهبت شاة لمولاة له، فأخذوا بعض الجيران يجرونهم إليه ويقولون: أنتم سرقتم الشاة. فقال أبو جعفر عليه السلام: ويلكم خلوا عن جيراننا، فلم يسرقوا شاتكم، الشاة في دار فلان، فاذهبوا فأخرجوها من داره. فخرجوا، فوجدوها في داره، وأخذوا الرجل وضربوه وخرقوا ثيابه، وهو يحلف أنه لم يسرق هذه الشاة، إلى أن صاروا إلى أبي جعفر عليه السلام فقال: ويحكم (2) ظلمتم هذا الرجل فإن الشاة دخلت داره وهو لا يعلم بها، فدعاه فوهب


= وفى مناقب آل أبى طالب: 3 / 499 برواية صفوان بن يحيى، عن أبى نصر الهمداني واسماعيل بن مهران والاسباطى، عن حكيمة بنت أبى الحسن القرشى، عن حكيمة بنت موسى بن عبد الله، عن حكيمة بنت محمد بن على بن موسى التقى عليهم السلام نحوه عنه البحار المذكور ص 99 ح 11. وفى ثاقب المناقب: 186 مرسلا عن ام الفضل مثله. وفى الصراط المستقيم: 2 / 199 ح 2 مرسلا باختصار. وروى ابن طاووس في مهج الدعوات: 36 باسناده عن حكيمة بنت محمد بن على بن موسى بن جعفر عمة أبى محمد الحسن بن على عليهما السلام نحوه، عنه البحار المذكور ص 95 ح 9. (1) عنه البحار: 50 / 46 ح 21. وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 200 ح 3 عن أبي بكر بن إسماعيل باختصار. (2) ويح: كلمة ترحم وتوجع، تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها.

[ 377 ]

له شيئا بدل ما خرق من ثيابه وضربه. (1) 5 - ومنها: ما روي عن محمد بن عمير بن واقد الرازي قال: دخلت علي أبي جعفر بن الرضا عليهما السلام ومعي أخي به بهر (2) شديد، فشكا إليه ذلك البهر. فقال عليه السلام: عافاك الله مما تشكو. فخرجنا من عنده وقد عوفي، فما عاد إليه ذلك البهر إلى أن مات. قال محمد بن عمير: وكان يصيبني وجع في خاصرتي في كل أسبوع، فيشتد ذلك (3) بي أياما، فسألته أن يدعو لي بزواله عني. فقال: وأنت فعافاك الله. فما عاد إلى هذه الغاية. (4) 6 - ومنها: ما روي عن القاسم بن المحسن (5) [ قال ]: كنت فيما بين مكة والمدينة فمر بي أعرابي ضعيف الحال، فسألني شيئا فرحمته، فأخرجت له رغيفا فناولته إياه فلما مضى عني هبت ريح زوبعة (6) فذهبت بعمامتي من رأسي، فلم أرها كيف ذهبت، ولا أين مرت، فلما دخلت المدينة صرت إلى أبي جعفر بن الرضا عليهما السلام فقال لي: يا قاسم ذهبت عمامتك في الطريق ؟


(1) عنه البحار: 50 / 47 ح 22. (2) البهر: انقطاع النفس من الاعياء. وفي ثاقب المناقب " بهق ". (3) " ذلك الوجع " البحار. (4) عنه البحار: 50 / 47 ح 23، وأورده في ثاقب المناقب: 458 عن محمد بن عمران عن واقد الرازي مثله، عنه مدينة المعاجز: 534 ح 73. (5) كذا في نسخ الاصل والبحار، وفي الصراط المستقيم: بن الحسن. أقول: ولعله تصحيف " بن الحسين " البزنطي الذي عد في كتب الرجال من أصحاب الامام الجواد عليه السلام كما في رجال الشيخ: 404، رجال المامقاني: 2 / 19، ورجال السيد الخوئي: 14 / 19 رقم 9495. (6) الزوبعة: الاعصار، ويقال: أم زوبعة، وهي ريح تثير الغبار، فيرتفع إلى السماء كأنه عمود.

[ 378 ]

قلت: نعم. فقال: يا غلام أخرج إليه عمامته. فأخرج إلي عمامتي بعينها. قلت: يا ابن رسول الله كيف صارت إليك ؟ قال: تصدقت على الاعرابي فشكره الله لك، ورد إليك عمامتك، وإن الله لا يضيع أجر المحسنين. (1) 7 - ومنها: ما قال المطر في (2) إن الرضا مضى، ولي عليه أربعة آلاف درهم فقلت في نفسي: ذهبت. فأرسل إلي أبو جعفر عليه السلام: إذا كان غدا فائتني، ومعك ميزان وأوزان. فدخلت عليه، فقال: أبو الحسن مضى ولك عليه أربعة آلاف درهم. فرفع المصلى الذي كان تحته، فإذا دنانير تحته، فدفعها إلي، وكانت بقيمتها. (3) 8 - ومنها: أنه لما خرج بزوجته أم الفضل من عند المأمون، ووصل شارع الكوفة، وانتهى إلى دار المسيب عند غروب الشمس دخل المسجد، وكان في صحنه نبقة لم تحمل بعد، فدعا بكوز فتوضأ في أصلها، وقام فصلى بالناس صلاة المغرب، فقرأ في الاولى الحمد، وإذا جاء نصر الله، وفي الثانية الحمد، وقل هو الله أحد.


(1) عنه البحار: 50 / 47 ح 24. وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 50 ح 24 مرسلا باختصار. (2) " الطرفي " خ ل. (3) عنه البحار: 50 / 55 ملحق ح 29. رواه في الكافي: 1 / 497 ح 11 بإسناده عن عدة من أصحابه، عن أحمد بن محمد، عن الحجال وعمرو بن عثمان، عن رجل من أهل المدينة، عن المطر في، مثله، عنه كشف الغمة: 2 / 360، واعلام الورى: 350. وفي الارشاد: 366 بإسناده عن ابن قولويه، عن الكليني، عن عدة من أصحابه... مثله. وأورده في روضة الواعظين: 288، وفي مناقب آل أبي طالب: 3 / 496 مرسلا عن المطر في مثله. وأخرجه في اثبات الهداة: 6 / 177 ح 17 عن الكافي، والارشاد، واعلام الورى وكشف الغمة. وفي البحار المذكور ص 54 ح 29 عن الارشاد واعلام الورى.

[ 379 ]

فلما سلم جلس هنيهة (1) وقام من غير أن يعقب تعقيبا تاما، فصلى النوافل الاربع وعقب بعدها، وسجد سجدتي الشكر، فلما انتهى إلى النبقة رآها الناس قد حملت حملا حسنا، فأكلوا منها، فوجدوا نبقا لا عجم له (2) حلوا. (3) 9 - ومنها: ما روي عن محمد بن علي الهاشمي (4) قال: دخلت على أبي جعفر صبيحة عرسه بأم الفضل، بنت المأمون، وكنت تناولت من الليل دواء، فقعدت إليه، فأصابني العطش، فكرهت أن أدعو بالماء، فنظر أبو جعفر في وجهي وقال: أراك عطشان ؟ قلت: أجل. قال: يا غلام اسقنا ماء. قلت: في نفسي الساعة يأتون بماء مسموم، واغتممت لذلك، فأقبل الغلام ومعه الماء. فتبسم أبو جعفر في وجهي، ثم قال للغلام: ناولني الماء، فتناوله فشرب ظاهرا


(1) " هنيئة " خ ل. بمعناها أي قليل من الزمان. (2) قال في المناقب: قال الشيخ المفيد: وقد أكلت من ثمرتها، وكان لا عجم له. (3) عنه البحار: 87 ح 3 وعن الارشاد للمفيد: 364 بالاسناد عن الحسن بن محمد بن سليمان، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الريان بن شبيب (ضمن حديث طويل). وأورده في اعلام الورى: 354، وثاقب المناقب: 449 مرسلا عن الريان بن شبيب وفي مناقب آل أبي طالب: 3 / 495 مرسلا. وأخرجه في كشف الغمة: 2 / 358، والوسائل: 4 / 1059 ح 4 والبحار: 86 / 100 عن الارشاد، وفي اثبات الهداة: 6 / 183 ح 23 عن الارشاد، واعلام الورى وكشف الغمة. وفي البحار: 50 / 89 ح 4 عن الارشاد واعلام الورى، وفي مدينة المعاجز: 529 ح 46 عن الارشاد واعلام الورى والمناقب وثاقب المناقب. وأورده في الفصول المهمة: 252، وفي نور الابصار: 179، وفي أخبار الدول وآثار الاول: 116. وفي جامع كرامات الاولياء: 1 / 168، عنها إحقاق الحق: 12 / 425 وج 19 / 599 ح 3. (4) ترجم له في تنقيح المقال: 3 / 163 رقم 11149، وذكر الرواية نفسها. (*)

[ 380 ]

ثم ناولني فشربت، وأطلت المقام والجلوس عنده، فعطشت فدعا بالماء، ففعل كما فعل في الاول، فشرب ثم ناولني وتبسم. قال محمد بن حمزة (1): قال لي محمد بن علي الهاشمي: والله إني أظن أن أبا جعفر يعلم ما في النفوس كما تقول الرافضة. (2) 10 - ومنها: ما روى أبو القاسم بن قولويه، عن محمد بن يعقوب، عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن حسان، عن علي بن خالد (3) قال: كنت بالعسكر (4)، فبلغني أن هناك رجلا محبوسا أتي به من ناحية الشام مكبولا (5) [ بالحديد ] وقالوا: إنه تنبأ. فأتيت الباب وداريت (6) البوابين حتى وصلت إليه


(1) ترجم له تنقيح المقال: 3 / 110 رقم 10638، ومعجم رجال الحديث: 16 / 55 رقم 10657، فراجع. (2) رواه في الكافي: 1 / 495 ح 6 بإسناده عن الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن محمد بن علي، عن محمد بن حمزة الهاشمي، عن علي بن محمد أو محمد بن على الهاشمي مثله، عنه اثبات الهداة: 6 / 174 ح 12، وفي الارشاد للمفيد: 366 بإسناده عن ابن قولويه، عن الكليني، عن الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد... مثله، عنه كشف الغمة: 2 / 360، والبحار: 50 / 54 ح 28. وأورده في دلائل الامامة: 215 مرسلا عن محمد بن علي بن حمزة الهاشمي مثله. وفي روضة الواعظين: 288، ومناقب آل أبي طالب: 3 / 496 مرسلا عن محمد بن حمزة الهاشمي مثله. وأخرجه في مدينة المعاجز: 521 ح 14 عن الكافي ودلائل الامامة والمناقب. (3) أضاف في الكافي: " قال محمد وكان زيديا ". ترجم له في تنقيح المقال: 2 / 8264. وأورد الخبر برواية الكليني. وفي معجم رجال الحديث: 12 / 9 رقم 8105 وأشار إلى رواية الكليني والمفيد والصفار وابن شهر اشوب. (4) العسكر: اسم سر من رأى. (5) يعني مقيدا. (6) داراه مداراة: لاطفه وخاتله.

[ 381 ]

فإذا رجل له فهم وعقل، فقلت له: ما قصتك ؟ قال: إني رجل كنت بالشام أعبد الله في الموضع الذي يقال: إنه نصب فيه رأس الحسين عليه السلام فبينا أنا ذات ليلة في موضعي مقبل على المحراب أذكر الله إذ رأيت شخصا (بين يدي فنظرت) (1) إليه فقال [ لي ]: قم. فقمت معه فمشى بي قليلا، فإذا أنا في مسجد الكوفة، فقال لي: أتعرف هذا المسجد ؟ قلت: نعم هذا مسجد الكوفة. فصلى وصليت معه، ثم انصرف وانصرفت (2) معه. فمشى [ بي ] قليلا، وإذا نحن بمسجد الرسول صلى الله عليه وآله فسلم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمت، وصلى وصليت معه، ثم خرج وخرجت معه. فمشى بي قليلا، فإذا نحن بمكة، فطاف بالبيت وطفت معه، وخرج فخرجت معه فمشى [ بي ] قليلا، فإذا أنا بموضعي الذي كنت أعبد الله فيه بالشام، وغاب الشخص (3) عن عيني، فتعجبت مما رأيت. فلما كان في العام المقبل رأيت ذلك الشخص، فاستبشرت به، ودعاني فأجبته ففعل كما فعل في العام الاول، فلما أراد مفارقتي بالشام، قلت: سألتك بحق الذي أقدرك على ما رأيت من أنت ؟ قال: أنا محمد بن على بن موسى بن جعفر. فحدثت من كان يصير إلي بخبره، فرقي (4) ذلك إلى محمد بن عبد الملك الزيات (5)، فبعث إلي فأخذني وكبلني في الحديد، وحملني إلى العراق، وحبست كما ترى، وادعى علي المحال.


(1) " عليه المهابة، فأطلت نظري " ه‍، ط. (2) " خرج وخرجت " ط. (3) " الرجل " ه‍، ط. (4) يعني: فرفع. (5) هو أبو جعفر محمد بن عبد الملك بن أبان بن حمزة المعروف بابن الزيات... وزر لثلاثة خلفاء من بني العباس، وهم: المعتصم والواثق والمتوكل... ودفن ولم يعمق قبره، فنبشته الكلاب وأكلته... (وفيات الاعيان: 5 / 94 - 103).

[ 382 ]

فقلت له: أرفع عنك قصة إلى محمد بن عبد الملك الزيات ؟ قال: افعل. فكتبت عنه قصة شرحت أمره فيها، ورفعتها إلى الزيات، فوقع في ظهرها: قل للذي أخرجك من الشام في ليلة إلى الكوفة [ و ] إلى المدينة [ و ] إلى مكة أن يخرجك من حبسي هذا. قال علي بن خالد: فغمني ذلك من أمره، ورققت له، وانصرفت محزونا. فلما كان من الغد، باكرت الحبس لاعلمه بالحال، وآمره بالصبر والعزاء. فوجدت الجند، وأصحاب الحرس، وصاحب السجن، وخلقا عظيما (1) من الناس يهرعون، فسألت (عنهم وعن حالهم) (2) فقيل: المحمول من الشام المتنبي افتقد البارحة من الحبس، فلا يدرى خسفت الارض به أو اختطفته الطير ؟ وكان هذا الرجل (3) - أعني: علي بن خالد - زيديا، فقال بالامامة لما رأى ذلك وحسن اعتقاده. (4)


(1) " كثيرا " ط. (2) " ما الحال " س. (3) " المرسل " البحار. (4) عنه اثبات الهداة: 6 / 168 ح 5، وعن بصائر الدرجات: 402 ح 1 بإسناده عن محمد بن حسان مثله، وعن الكافي: 1 / 492 ح 1 بإسناده عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن حسان مثله، وعن اعلام الورى: 347 نقلا عن محمد بن يعقوب. وعنه في البحار: 25 / 376 ح 25، وعن الاختصاص: 314. ورواه في الارشاد: 365 بإسناده عن ابن قولويه مثله. وفي دلائل الامامة: 214 بإسناده عن محمد بن هارون، عن أبيه، عن ابن الوليد، عن محمد ابن الحسين الصفار، عن محمد بن حسان مثله. وأورده في مناقب آل أبي طالب: 3 / 498، وكشف الغمة: 2 / 359، وثاقب المناقب 445، والصراط المستقيم: 2 / 200 ح 6، والفصول المهمة: 253، ونور الابصار: 178 مرسلا عن علي بن خالد مثله. وأخرجه في البحار: 50 / 38 ح 3 عن البصائر والارشاد واعلام الورى. وفي مدينة المعاجز: 520 ح 9 عن الكافي والبصائر والاختصاص والدلائل والمناقب =

[ 383 ]

11 - ومنها: ما روي عن محمد بن أورمة (1) عن الحسين المكاري [ قال ]: دخلت على أبي جعفر ببغداد وهو على ما كان من أمره. فقلت في نفسي: هذا الرجل لا يرجع إلى موطنه أبدا، وأنا أعرف مطعمه. (2) قال: فأطرق رأسه، ثم رفعه وقد اصفر لونه فقال: يا حسين خبز شعير، وملح جريش في حرم [ جدي ] رسول الله أحب إلي مما تراني فيه. (3) 12 - ومنها: ما روي عن إسماعيل بن عباس الهاشمي [ قال ]: جئت إلى أبي جعفر عليه السلام يوم عيد، فشكوت إليه ضيق المعاش فرفع المصلي وأخذ من التراب سبيكة من ذهب فأعطانيها، فخرجت بها إلى السوق فكان فيها، ستة عشر مثقالا من ذهب. (4) 13 - ومنها: وما روي عن الحسن بن علي الوشاء [ قال ]: كنت بالمدينة ب‍ " صريا " (5) في المشربة (6) مع أبي جعفر عليه السلام فقام وقال: لا تبرح.


= وثاقب المناقب، وفى احقاق الحق: 12 / 427، وج 19 / 597 عن الفصول المهمة ونور الابصار. (1) " أرومة " م. قال ابن داود في رجاله: 499 رقم 417: محمد بن أورمة - بضم الهمزة وسكون الواو قبل الراء المضمومة - أبو جعفر القمي... وقال الحلي في الخلاصة: 252 رقم 28: وقد تقدم الراء على الاول. وترجم له النجاشي في رجاله: 329 رقم 891، والمامقاني في تنقيح المقال: 2 / 83 رقم 10425 وغيرهم فراجع. (2) " وما أعرف مطعمه ؟ " البحار. (3) عنه اثبات الرواة: 6 / 184 ح 26، والبحار: 50 / 48 ح 25. وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 200 ح 7 مرسلا عن المكارى باختصار. (4) عنه البحار: 50 / 49 ح 26، وعنه في مدينة المعاجز: 531 ح 49 وعن ثاقب المناقب: 459. وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 200 ح 8. (5) تقدم بيانها في الباب 9 ح 22. (6) المشربة: الغرفة، ومنه مشربة أم إبراهيم عليه السلام.

[ 384 ]

فقلت في نفسي كنت أردت أن أسأل أبا الحسن الرضا عليه السلام قميصا من ثيابه فلم أفعل فإذا عاد إلي أبو جعفر عليه السلام أسأله. فأرسل إلي من قبل أن أسأله، ومن قبل أن يعود إلي وأنا في المشربة، بقميص وقال الرسول: يقول لك: هذا من ثياب أبي الحسن التي كان يصلي فيها. (1) 14 - ومنها: ما روى أبو سليمان، عن علي بن أسباط قال: خرج علي أبو جعفر عليه السلام فجعلت أنظر إليه وإلى رأسه ورجليه، لاصف قامته بمصر، فلما جلس قال: يا علي إن الله احتج في الامامة بمثل ما احتج في النبوة، قال الله تعالى: * (وآتيناه الحكم صبيا) * (2) وقال: * (ولما بلغ أشده) * (3) * (وبلغ أربعين سنة) * (4)


(1) عنه البحار: 50 / 52 ح 25. وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 200 ح 9 مرسلا عن الوشاء باختصار، عنه اثبات الهداة: 6 / 203 ح 72. (2) سورة مريم: 12. (3) سورة يوسف: 22، والقصص: 14. (4) سورة الاحقاف: 15. قال المجلسي (ره) - بعد ذكره لرواية الصفار -: اعلم أن قوله " ولما بلغ أشده "... لا يطابق ما في المصاحف فإن مثله في القرآن في ثلاث مواضع: أحدها في سورة يوسف " ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما " وثانيهما في الاحقاف " حتى بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني " الآية. وثالثها في القصص في قصة موسى عليه السلام " ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما ". وفي الكافي أيضا كما هنا، ولعله من تصحيف الرواة والنساخ، والصواب ما سيأتي في رواية العياشي مع أن الراوي فيها واحد. ويحتمل أن يكون عليه السلام نقل الآية بالمعنى إشارة إلى آيتي سورة يوسف والاحقاف وحاصله حينئذ أنه تعالى قال في سورة يوسف " ولما بلغ أشده آتيناه حكما " وفسر الاشد في الاحقاف بقوله " وبلغ أربعين سنة " كما حمله عليه جماعة من المفسرين، فيتم الاستدلال، بل يحتمل كونه اشارة إلى الآيات الثلاث جميعا. انتهى. =

[ 385 ]

فقد يجوز أن يؤتى (1) الحكم صبيا، ويجوز أن يعطى وهو ابن أربعين سنة. قال ابن أسباط، وعباد أبو (2) إسماعيل: إنا عند الرضا عليه السلام بمنى إذ جئ بأبي جعفر عليه السلام قلنا: هذا المولود المبارك ؟ قال: نعم، هذا المولود المبارك الذي لم يولد (3) في الاسلام أعظم بركة منه. (4)


= أقول: ورواية العياشي كما أوردها الطبرسي في مجمع البيان هكذا:... كما أخذ في النبوة، قال " ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما " وقال " آتيناه الحكم صبيا ". تفصيل ذلك أنه قال تعالى عن يحيى " آتيناه الحكم صبيا "، وعن عيسى "... كان في المهد صبيا، قال: إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا " مريم: 30، وعن يوسف " ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما " يوسف: 22، وعن موسى " ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما " القصص: 14، بإضافة " واستوى ". وأما في سورة الاحقاف: 15 - بإضافة بلوغ الاربعين - قال سبحانه وتعالى " ولقد وصينا الانسان بوالديه... حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال: رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت على وعلى والدي... " وقاله عن سليمان هكذا: " قال رب أوزعني.. الآية " النمل: 19. فالآيتان منطبقتان ظاهرا على سليمان في مرحلة بلوغ الاربعين. وأما قوله " فقد يجوز " اشارة إلى أن أمر النبوة كان بين الصبا وبلوغ الاربعين، وما بينهما إذ بلغ أشده أو بلغ واستوى ]. (1) " يعطى " ط. وفي الكافي بلفظ " يجوز أن يؤتى الحكمة وهو صبي ويجوز أن يؤتاها (يعطاها) وهو... (2) " ابن " البحار. (3) " يلد " م، ط. (4) عنه البحار: 50 / 20 ح 6، وعنه - صدر الحديث - في ص 37 من البحار المذكور ح 1 وعن بصائر الدرجات: 238 ح 10 بإسناده عن علي بن إسماعيل، عن محمد بن عمر، عن علي بن أسباط مثله. وعن الارشاد للمفيد: 367 بإسناده عن ابن قولويه، عن الكليني، عن الحسين بن محمد عن معلى بن محمد، نحوه. =

[ 386 ]

15 - ومنها: ما روي عن ابن أورمة (1) قال (2): حملت إلي امرأة شيئا من حلي وشيئا من دراهم، وشيئا من ثياب. فتوهمت أن ذلك كله لها، ولم أسألها (3) أن لغيرها في ذلك شيئا، فحملت ذلك إلى المدينة مع بضاعات لاصحابنا (4). وكتبت في الكتاب أنى [ قد ] بعثت إليك من قبل فلانة كذا، ومن قبل فلان كذا ومن قبل فلان وفلان بكذا. فخرج في التوقيع: قد وصل ما بعثت من قبل فلان وفلان، ومن قبل المرأتين، تقبل الله منك، ورضي عنك، وجعلك معنا في الدنيا والآخرة. فلما رأيت (5) ذكر المرأتين، شككت في الكتاب أنه غير كتابه، وأنه قد عمل


= وعن مناقب آل أبي طالب: 3 / 495 عن معلى بن محمد، عن ابن أسباط مثله. وروى صدره في الكافي: 1 / 384 ح 7 وص 494 ح 3 بإسناده إلى ابن أسباط مثله. عنه اعلام الورى: 349، وحلية الابرار: 2 / 397 ومدينة المعاجز: 517. وأورد صدره في مجمع البيان: 6 / 506 بروايه العياشي بإسناده عن علي بن أسباط مثله عنه تأويل الآيات: 1 / 303 ح 7، وفي اثبات الوصية: 211 عن محمد بن الحسين، عن علي بن أسباط مثله، وفي ثاقب المناقب: 448 مرسلا عن ابن أسباط مثله. وأخرج صدره في كشف الغمة: 2 / 360 عن الارشاد، وفي اثبات الهداة: 6 / 167 ح 4 عن البصائر والكافي، وفي البحار: 25 / 102 ح 3 عن التأويل، وفي مدينة المعاجز: 521 عن الكافي وثاقب الماقب. وأورد ذيله في اثبات الوصية: 211 عن علي بن أسباط، عن نجم الصنعاني مثله. (1) " أبي أرومة " م. تصحيف. تقدم بيانه في الحديث (11). (2) زاد في م، ط: حدثنا الشيخ. (3) " احفظ عليها " م، ط. وفي البحار بلفظ " ولم أحتط عليها أن ذلك لغيرها فيه شئ ". (4) فحملت إلى المدينة مع بضاعات لاصحابنا فوجهت ذلك كله إليه " م، ط، والبحار. (5) " سمعت " البحار. (*)

[ 387 ]

علي دونه لاني كنت في نفسي على يقين أن الذي دفعت إلي المرأة كان [ كله ] لها وهي مرأة واحدة، فلما رأيت [ في التوقيع ] امرأتين اتهمت موصل كتابي. فلما انصرفت إلى البلاد، جاءتني المرأة فقالت: هل أوصلت بضاعتي ؟ قلت: نعم. قالت: وبضاعة فلانة ؟ قلت: وكان (1) فيها لغيرك شئ ؟ قالت: نعم، كان لي فيها كذا، ولاختي فلانة كذا. قلت: بلى قد أوصلت [ ذلك. وزال ما كان عندي ]. (2) 16 - ومنها: ما روى بكر بن صالح، عن محمد بن فضيل الصيرفي [ قال ]: كتبت إلى أبي جعفر عليه السلام كتابا، وفي آخره: هل عندك سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ ونسيت أن أبعث بالكتاب. فكتب إلي بحوائج له، وفي آخر كتابه " عندي سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله وهو فينا بمنزلة التابوت في بني إسرائيل، يدور معنا حيث درنا [ و ] هو مع كل إمام ". وكنت بمكة، فأضمرت في نفسي شيئا لا يعلمه إلا الله، فلما صرت إلى المدينة ودخلت عليه، نظر إلي فقال: استغفر الله مما أضمرت، ولا تعد. قال بكر: فقلت لمحمد: أي شئ هذا ؟ قال: لا أخبر به أحدا. قال: وخرج بإحدى رجلي العرق المدني، وقد قال لي قبل أن يخرج (3) العرق في رجلي وقد ودعته، فكان آخر ما قال: إنه ستصيب وجعا، فاصبر، فأيما رجل من شيعتنا اشتكى فصبر واحتسب، كتب الله له أجر ألف شهيد.


(1) " هل كان " البحار. (2) عنه اثبات الهداة: 6 / 185 ح 28، والبحار: 50 / 52 ح 26، ومدينة المعاجز: 532 ح 50. (3) " خرج " نسخ الاصل والبحار.

[ 388 ]

فلما صرت في " بطن مر " (1) ضرب (2) على رجلي، وخرج بي العرق، فما زلت شاكيا أشهرا، وحججت في السنة الثانية، فدخلت عليه، فقلت: جعلني الله فداك عوذ رجلي وأخبرته أن هذه التي توجعني. فقال: لا بأس على هذه، وأعطني رجلك الاخرى الصحيحة. فبسطتها بين يديه فعوذها، فلما قمت من عنده خرج في الرجل الصحيحة فرجعت إلى نفسي، فعلمت أنه عوذها من الوجع، فعافاني الله بعده. (3). 17 - ومنها: ما روي عن محمد بن الوليد الكرماني (4) [ قال ]: أتيت أبا جعفر ابن الرضا عليهما السلام فوجدت بالباب الذي في الفناء قوما كثيرا، فعدلت إلى مسافر (5) فجلست إليه حتى زالت الشمس، فقمنا للصلاة. فلما صلينا الظهر وجدت حسا من ورائي، فالتفت فإذا أبو جعفر عليه السلام فسرت إليه حتى قبلت يده (6) ثم جلس وسأل عن مقدمي ثم قال: سلم. فقلت جعلت فداك قد سلمت. فأعاد القول ثلاث مرات: " سلم ! " وقلت: ذاك ما قد كان في قلبي منه شئ. فتبسم، وقال: سلم. فتداركتها، وقلت: سلمت ورضيت يا ابن رسول الله، فأجلى (7) الله ما كان في قلبي حتى لو جهدت ورمت لنفسي أن أعود


(1) بطن مر - بفتح الميم، وتشديد الراء -: من نواحي مكة، عنده يجتمع وادي النخلتين، فيصيران واديا واحدا: قال الواقدي: بين مرو وبين مكة خمسة أميال. (معجم البلدان: 1 / 449، وج 5 / 104). (2) أي ضرب الوجع. ومنه ضرب الجرح أو الضرس: اشتد وجعه. وفي الاصل " نفر ". يقال: نفرت العين وغيرها من الاعضاء: هاجت وورمت. (3) عنه البحار: 50 / 53 ح 27. وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 201 ح 10، عنه اثبات الهداة: 6 / 203 ح 73 إشارة. (4) ترجم له في تنقيح المقال: 3 / 197 رقم 11472، وأشار للرواية. (5) " سافر " البحار. بمعناها. وفي الهداية الكبرى بلفظ "... قوما كثيرين ورأيت (ابن مسافر / ط) مسافرا جالسا في معزل منهم فعدلت إليه فجلست معه... ". (6) " كفه " البحار. (7) أي كشف وأذهب.

[ 389 ]

إلى الشك ما وصلت إليه. فعدت من الغد باكرا، فارتفعت عن الباب الاول، وصرت قبل الخيل (1) وما ورائي أحد أعلمه، وأنا أتوقع أن أجد (2) السبيل إلى الارشاد إليه، فلم أجد أحدا (3) حتى اشتد الحر والجوع جدا، حتى جعلت أشرب الماء أطفئ به حر ما أجد من الجوع والخواء (4). فبينا أنا كذلك إذ أقبل نحوي غلام قد حمل خوانا عليه طعام وألوان (5)، وغلام آخر معه طشت وإبريق، حتى وضع بين يدي، وقالا: أمرك أن تأكل. فأكلت. فما فرغت حتى (6) أقبل، فقمت إليه، فأمرني بالجلوس وبالاكل، فأكلت، فنظر إلى الغلام، فقال: كل معه ينشط (7) ! حتى إذا فرغت ورفع الخوان (8)، وذهب الغلام ليرفع ما وقع من الخوان، من فتات الطعام، فقال: مه مه (9) ما كان في الصحراء فدعه، ولو فخذ شاة، وما كان في البيت فالقطه (10). ثم قال: سل. قلت: جعلني الله فداك ما تقول في السمك ؟


(1) الخيل: تستعمل على المجاز للفرسان وركاب الخيل. وفي الهداية بلفظ " ثم عدت من الغد بكرة وما معي خلق ولا أرى خلقا وأنا أتوقع (السبيل إلى من أجد وينتهي خبري إليه وطال / ط) أن أحدا يأتي فطال على ذلك حتى اشتد الجوع... ". (2) " آخذ " البحار. (3) " أحدا أخذ " البحار. (4) خوى الرجل خواء: خلا جوفه من الطعام وجاع. وفي البحار " جوى ". يقال: جوى: أصابته حرقة وشدة وجد من عشق أو حزن. (5) أي أنواع من المأكولات. (6) " فلما فرغت " البحار. (7) أي تطيب نفسه للاكل. (8) ما يوضع عليه الطعام للاكل، وهو ما تسميه العامة " السفرة ". (9) مه مه: اسم فعل مبني على السكون، بمعنى انكفف. (10) لقط الشئ: أخذه من الارض بلا تعب.

[ 390 ]

فقال: إن أبي أمر أن يعمل له مسك في بان (1) فكتب إليه الفضل (2) يخبره أن الناس يعيبون ذلك عليه فكتب: يا فضل أما علمت أن يوسف كان يلبس ديباجا مزرورا بالذهب (3)، ويجلس على كراسي الذهب، فلم ينقص من حكمته شيئا، وكذلك سليمان، ثم أمر أن يعمل له غالية (4) بأربعة آلاف درهم. ثم قلت: ما لمواليك في موالاتكم ؟ فقال: إن أبا عبد الله عليه السلام كان عنده غلام يمسك بغلته إذا هو دخل المسجد، فبينا هو جالس ومعه بغلة إذ أقبلت رفقة (5) من خراسان فقال له رجل من الرفقة: هل لك يا غلام أن تسأله أن يجعلني مكانك، وأكون له مملوكا، وأجعل لك مالي كله ؟ فإني كثير المال من جميع الصنوف، إذهب فاقبضه وأنا أقيم معه مكانك. فقال: أسأله ذلك. فدخل على أبي عبد الله عليه السلام فقال: جعلت فداك تعرف خدمتي، وطول صحبتي فإن ساق الله إلي خيرا تمنعنيه ؟ قال: أعطيك من عندي، وأمنعك من غيري ! فحكى له قول الرجل فقال: إن زهدت في خدمتنا، ورغب الرجل فينا قبلناه وأرسلناك. فلما ولى عنه دعاه، فقال له: أنصحك لطول الصحبة، ولك الخيار، إذا كان يوم القيامة كان رسول الله صلى الله عليه وآله متعلقا بنور الله، وكان أمير المؤمنين عليه السلام متعلقا بنور رسول الله (6)، وكان الائمة متعلقين بأمير المؤمنين، وكان شعيتنا متعلقين بنا يدخلون مدخلنا، ويردون موردنا.


(1) البان: شجر، ولحب ثمره دهن طيب. وفي البحار: فأرة. والفأرة: نافحة المسك، أي وعاؤه. (2) هو الفضل بن سهل المعروف بذي الرئاستين لانه تقلد الوزارة والسيف. (3) يعني أن أزراره كانت من الذهب. يقال: زرر ثوبه أي شد أزراره. (4) الغالية: نوع من الطيب مركب من مسك وعنبر وعود ودهن. (5) الرفقة - بضم الراء -: الجماعة المترافقون في السفر. (6) " برسول الله " البحار.

[ 391 ]

فقال له الغلام: بل أقيم في خدمتك وأوثر الآخرة على الدنيا. فخرج الغلام إلى الرجل، فقال له الرجل: خرجت إلي بغير الوجه الذي دخلت به ! فحكى له قوله، وأدخله على أبي عبد الله عليه السلام فقبل ولاءه، وأمر للغلام بألف دينار ثم قام إليه فودعه، وسأله أن يدعو له، ففعل. فقلت: يا سيدي لولا عيال بمكة وولدي، سرني أن أطيل المقام بهذا الباب. فأذن لي، وقال: توافق غما. ثم وضعت بين يديه حقا (1) كان له، فأمرني أن أحملها، فتأبيت (2)، وظننت أن ذلك موجدة (3). فضحك إلي وقال: خذها إليك، فإنك توافق حاجة. فجئت وقد ذهبت نفقتنا - شطر منها - (4) فاحتجت إليه ساعة قدمت مكة. (5)


(1) الحق - بضم الحاء -: وعاء صغير ذو غطاء يتخذ من عاج أو زجاج أو غيرهما. (2) تأبه عليه: تكبر، وتأبه عنه: تنزه وترفع. (3) وجده موجدة عليه: غضب. (4) كذا في البحار، وفي م: " كان معي فطر منه ". (5) عنه البحار: 50 / 87 ح 3، وج 79 / 303 ح 15 قطعة. ورواه في الهداية الكبرى: 121 مخطوط بإسناده عن ميسر، عن محمد بن الوليد بن يزيد (وفي المطبوع منه ص 308 بإسناده عن محمد بن يحيى الفارسي، عن علي بن حديد، عن علي بن مسافر، عن محمد بن الوليد) بلفظ آخر مثله. وزاد في آخره: وقال الكرماني: حسب مواليهم بهذا شرفا وفضلا. عنه مدينة المعاجز: 537 ح 83، ومستدرك الوسائل: 16 / 288 ح 2. وروى في الكافي: 6 / 516 ح 4 بإسناده إلى محمد بن الوليد الكرماني قطعة منه عنه الوسائل: 1 / 443 ح 3، والبحار: 49 / 103 ح 25، وحلية الابرار: 2 / 363. وأورده في مكارم الاخلاق: 141 مرسلا عن محمد بن الوليد قطعة منه، عنه البحار: 66 / 430 ح 14.

[ 392 ]

الباب الحادي عشر في معجزات الامام علي بن محمد النقي عليهما السلام 1 - حدث جماعة من أهل إصفهان، منهم أبو العباس أحمد بن النصر (1) وأبو جعفر محمد بن علوية قالوا: كان باصفهان رجل يقال له: عبد الرحمان وكان شيعيا قيل له: ما السبب الذي أوجب عليك به القول بإمامة علي النقي دون غيره من أهل الزمان ؟ قال: شاهدت ما أوجب ذلك علي وذلك أني كنت رجلا فقيرا وكان لي لسان وجرأة، فأخرجني أهل إصفهان سنة من السنين مع قوم آخرين إلى باب المتوكل متظلمين. فكنا بباب المتوكل (2) يوما إذ خرج الامر بإحضار علي بن محمد بن الرضا عليهم السلام فقلت لبعض من حضر: من هذا الرجل الذي قد أمر باحضاره ؟ فقيل: هذا رجل علوي تقول الرافضة بإمامته. ثم قيل: ويقدر (3) أن المتوكل يحضره للقتل. فقلت: لا أبرح من ههنا حتى أنظر إلى هذا الرجل أي رجل هو ؟ قال: فأقبل راكبا على فرس، وقد قام الناس يمنة الطريق ويسرته صفين ينظرون إليه، فلما رأيته وقعت حبه في قلبي فجعلت (4) أدعو له في نفسي بأن يدفع الله عنه


(1) " النضر " البحار. (2) " فتظلمنا فبينا نحن بالباب " ه‍. اثبات الهداة. (3) " ثم قيل: وقدرت " ط. " ثم قال: وقدر " البحار. (4) " فصرت " ه‍.

[ 393 ]

شر المتوكل، فأقبل يسير بين الناس وهو ينظر إلى عرف (1) دابته لا ينظر يمنة ولا يسرة، وأن دائم (2) الدعاء له، فلما صار بإزائي (3) أقبل إلي بوجهه، وقال: استجاب الله دعاءك، وطول عمرك، وكثر مالك وولدك. قال: فارتعدت [ من هيبته ] ووقعت بين أصحابي، فسألوني وهم يقولون: ما شأنك ؟ فقلت: خير، ولم أخبرهم بذلك. فانصرفنا بعد ذلك إلى إصفهان، ففتح الله علي [ الخبر بدعائه، و ] وجوها من المال حتى أنا اليوم أغلق بابي على ما قيمته ألف ألف درهم، سوى مالي خارج داري، ورزقت عشرة من الاولاد، وقد بلغت الآن من عمري (4) نيفا وسبعين سنة وأنا أقول بإمامة هذا (5) الذي علم ما في قلبي (6) واستجاب الله دعاءه في ولي (7). (8) 2 - ومنها: ما روي عن يحيى بن هرثمة (9)، قال: دعاني المتوكل فقال: اختر ثلاثمائة رجل ممن تريد واخرجوا إلى الكوفة، فخلفوا أثقالكم فيها، واخرجوا على طريق البادية إلى المدينة، فاحضروا علي بن محمد بن الرضا عليهم السلام إلى عندي مكرما معضما مبجلا.


(1) العرف: الشعر النابت في محدب رقبة الفرس. (2) " وأنا أكرر في نفسي " ه‍، اثبات الهداة. (3) " إلى " م، البحار. (4) " وقد مضى لي من العمر " ه‍، اثبات الهداة. (5) " ذلك الرجل " ه‍. اثبات الهداة. (6) " نفسي " ه‍، اثبات الهداة. (7) " أمرى " ه‍، اثبات الهداة. (8) عنه اثبات الهداة: 5 / 236 ح 37 والبحار: 50 / 141 ح 26. وعنه في مدينة المعاجز: 546 ح 48 وعن ثاقب المناقب: 479 (مخطوط). وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 202 ح 3 مرسلا باختصار. (9) كذا في كتب الرجال، وذكروا الخبر، منهم المامقاني في رجاله: 3 / 322، والسيد الخوئي في رجاله: 20 / 113. وفي الاصل " حزيمة ".

[ 394 ]

قال: ففعلت وخرجنا وكان في أصحابي قائد من الشراة (1) وكان لي كاتب يتشيع وأنا على مذهب الحشويه (2) وكان ذلك الشاري يناظر ذلك الكتاب وكنت أستريح إلى مناظرتهما لقطع الطريق. فلما صرنا إلى وسط الطريق (3) قال الشاري للكاتب: أليس من قول صاحبكم علي بن أبي طالب أنه ليس من (4) الارض بقعة إلا وهي قبر أو ستكون قبرا ؟ فانظر إلى هذه البرية (5) أين من يموت فيها حتى يملاها الله قبورا كما تزعمون ؟ قال: فقلت للكاتب: أهذا من قولكم ؟ قال: نعم. قلت: صدق أين من يموت في هذه البرية العظيمة حتى تمتلئ قبورا ؟ ! وتضاحكنا ساعة (6) إذ انخذل الكاتب في أيدينا. قال: وسرنا حتى دخلنا المدينة، فقصدت باب أبي الحسن علي بن محمد بن الرضا عليهم السلام فدخلت إليه (7) فقرأ كتاب المتوكل فقال: انزلوا وليس من جهتي خلاف. قال: فلما صرت إليه من الغد، وكنا في تموز أشد ما يكون من الحر، فإذا بين يديه خياط وهو يقطع من ثياب غلاظ خفاتين (8) له ولغلمانه، ثم قال للخياط:


(1) الشراة، جمع شار: وهم الخوارج الذين خرجوا عن طاعة الامام، وإنما لزمهم هذا اللقب لانهم زعموا أنهم شروا دنياهم بالآخرة أي باعوا، أو شروا أنفسهم بالجنة لانهم فارقوا أئمة الجور (قاله الطريحي في المجمع: 1 / 245). (2) الحشوية: طائفة من أصحاب الحديث تمسكوا بالظاهر. لقبوا بهذا اللقب لاحتمالهم كل حشو روى من الاحاديث المختلفة المتناقضة، راجع معجم الفرق الاسلامية: 97، فرق الشيعة: 34. (3) " فلما انتصفنا المسافة " ه‍، اثبات الهداة. (4) " في " م. (5) البرية: الصحراء جمعها براري. (6) " ساعة من كلام الشيعي " ه‍. (7) " عليه " ه‍، البحار. (8) الخفتان: ضرب من الثياب، والكلمة من الدخيل.

[ 395 ]

اجمع عليها جماعة من الخياطين، واعمد على الفراغ منها يومك هذا وبكر بها إلي في هذا الوقت. ثم نظر إلي وقال: يا يحيى اقضوا وطركم (1) من المدينة في هذا اليوم، واعمل على الرحيل غدا في هذا الوقت. قال: فخرجت من عنده وأنا أتعجب منه من الخفاتين، وأقول في نفسي: نحن في تموز وحر الحجاز وإنما بيننا وبين العراق مسيرة عشرة أيام (2) فما يصنع بهذه الثياب ؟ ! ثم قلت في نفسي: هذا رجل لم يسافر، وهو يقدر أن كل سفر يحتاج فيه إلى هذه الثيات، وأتعجب من الرافضة حيث يقولون بإمامة هذا مع فهمه هذا. فعدت إليه في الغد في ذلك الوقت، فإذا الثياب قد أحضرت، فقال لغلمانه: ادخلوا وخذوا لنا معكم لبابيد وبرانس (3). ثم قال: ارحل يا يحيى. فقلت: في نفسي وهذا أعجب من الاول، أيخاف أن يلحقنا الشتاء في الطريق حتى أخذ معه اللبابيد والبرانس ؟ فخرجت وأنا أستصغر فهمه ! فسرنا حتى وصلنا إلى موضع (4) المناظرة في القبور ارتفعت سحابة واسودت، وأرعدت، وأبرقت حتى إذا صارت على رؤوسنا أرسلت علينا بردا (5) مثل الصخور وقد شد على نفسه وعلى غلمانه الخفاتين ولبسوا اللبابيد والبرانس، وقال لغلمانه: ادفعوا إلى يحيى لبادة وإلى الكاتب برنسا. وتجمعنا والبرد يأخذنا حتى قتل من أصحابي ثمانين رجلا وزالت ورجع الحر كما كان.


(1) الوطر: الحاجة والبغية جمعها أوطار. (2) " عشرين يوما " ه‍. (3) اللبادة: هنة من صوف تلبس على الرأس. أو هي القباء من اللبد، وقيل: ما يلبس للمطر. والبرنس: كل ثوب رأسه منه ملزوق به من دراعة أو جبة أو ممطر أو غيره (4) " حتى وصلنا ذلك الموضع الذي وقعت " ط، البحار. (5) البرد: ماء الغمام يتجمد في الهواء البارد ويسقط على الارض حبوبا.

[ 396 ]

فقال لي: يا يحيى أنزل (1) أنت من بقي من أصحابك ليدفن (2) من [ قد ] مات من أصحابك. [ ثم قال: ] فهكذا يملا الله هذه البرية قبورا. قال [ يحيى ]: فرميت بنفسي عن دابتي وعدوت إليه فقبلت ركابه ورجله، وقلت: أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأنكم خلفاء الله في أرضه، وقد كنت كافرا، وإنني الآن قد أسلمت على يديك يا مولاي. قال يحيى: وتشيعت ولزمت خدمته (3) إلى أن مضى. (4) 3 - ومنها: أن هبة الله بن أبي منصور الموصلي قال: كان بديار ربيعة كاتب نصراني (5) وكان من أهل كفرتوثا (6)، يسمى يوسف بن يعقوب، وكان بينه وبين والدي صداقة، قال: فوافانا فنزل عند والدي فقال له والدي: ما شأنك قدمت في هذا الوقت ؟ قال: قد دعيت إلى حضرة المتوكل، ولا أدري ما يراد مني، إلا أني اشتريت نفسي من الله بمائة دينار، وقد حملتها لعلي بن محمد بن بن الرضا عليهم السلام معي.


(1) " آمر " ط، في اثبات الهداة " مر ". (2) " فادفن " خ ل. (3) " حديثه " ط. (4) عنه اثبات الهداة: 6 / 237 ح 38، والبحار: 50 / 142 ح 27. وعنه في مدينة المعاجز: 546 ح 49 وعن ثاقب المناقب: 481 (مخطوط) (5) " جاء رجل من ديار ربيعة وكان نصرانيا " ط. ديار ربيعة: بين الموصل إلى رأس عين، نحو بقعاء الموصل ونصيبين ورأس عين ودنيسر والخابور جميعه، وما بين ذلك من المدن والقرى، وربما جمع ذلك بين ديار بكر وديار ربيعة، وسميت كلها ديار ربيعة لانهم كلهم ربيعة. سميت هذه البلاد بذلك لان العرب كانت تحله، واسم الجزر يشمل الكل (مراصد الاطلاع: 2 / 548). (6) كفر توثا: بضم التاء المثناة من فوق، وسكون الواو، وثاء مثلثة: قرية كبيرة، من أعمال الجزيرة، بينها وبين دارا خمسة فراسخ، وبين دارا ورأس عين. وفكر توثا أيضا: من قرى فلسطين.

[ 397 ]

فقال له: والدي: قد وفقت في هذا. قال: وخرج إلى حضرة المتوكل وانصرف إلينا بعد أيام قلائل فرحا مستبشرا (1). فقال له والدي: حدثني حديثك. قال: صرت إلى سرمن رأى (2) وما دخلتها قط، فنزلت في دار وقلت: أحب أن أوصل المائة إلى ابن الرضا عليه السلام قبل مصيري إلى باب المتوكل، وقبل أن يعرف أحد قدومي. قال: فعرفت أن المتوكل قد منعه من الركوب، وأنه ملازم لداره فقلت: كيف أصنع ؟ رجل نصراني يسأل عن دار ابن الرضا ؟ ! لا آمن أن ينذر (3) بي فيكون ذلك زيادة فيما أحاذره. قال: ففكرت ساعة في ذلك، فوقع في قلبي (4) أن أركب حماري وأخرج في البلد، فلا أمنعه من حيث يذهب، لعلي أقف على معرفة داره من غير أن أسأل أحدا. قال: فجعلت الدنانير في كاغدة، وجعلتها في كمي، وركبت فكان الحمار يخترق (5) الشوارع والاسواق يمر حيث يشاء إلى أن صرت إلى باب دار، فوقف الحمار فجهدت أن يزول فلم يزل، فقلت للغلام: سل لمن هذه الدار ؟ فقيل: هذه دار [ علي بن محمد ] ابن الرضا ! فقلت: الله أكبر دلالة والله مقنعة.


(1) " مسرورا " ه‍، اثبات الهداة. (2) سر من رأى: بضم أوله ويفتح، بين بغداد وتكريت قيل: اسمها قديما ساميرا، فلما بناها المعتصم سماها سر من رأى، ويقال على عدة وجوه: سامرا بالقصر. وسامراء بالمد... (مراصد الاطلاع 2 / 684 و 709). (3) قال ابن الاثير: أصل الانذار الاعلام، ونذرت به، إذ علمت ومنه الحديث " فلما أن قد نذروا به هرب " أي علموا وأحسوا بمكانه، وفي ه‍ والبحار واثبات الهداة " يبدر بي " (4) " نفسي " ه‍، اثبات الهداة. (5) هكذا في اثبات الهداة، في م والبحار " يتحرق ". اخترق الدار: جعلها طريقا لحاجته واخترقت الخيل ما بين القرى والشجر: تخللتها.

[ 398 ]

قال: وإذا خادم أسود قد خرج [ من الدار ] فقال: أنت يوسف بن يعقوب ؟ قلت: نعم. قال: انزل. فنزلت فأقعدني في الدهليز (1) ودخل، فقلت في نفسي: وهذه دلالة أخرى من أين عرف هذا الخادم (2) اسمي [ واسم أبي ] وليس في هذا البلد من يعرفني، ولا دخلته قط ؟ ! قال: فخرج الخادم فقال: المائة الدينار التي في كمك في الكاغدة هاتها ! ؟ فناولته إياها، فقلت: وهذه ثالثة، ثم رجع إلي، فقال: ادخل. فدخلت إليه وهو في مجلسه وحده فقال: يا يوسف أما آن لك أن تسلم ؟ فقلت: يا مولاي قد بان [ لي من البرهان ] ما فيه كفاية لمن اكتفى. فقال: هيهات أما إنك لا تسلم، ولكن سيسلم ولدك فلان، وهو من شعيتنا. [ فقال: ] يا يوسف إن أقواما يزعمون أن ولايتنا لا تنفع أمثالك، كذبوا والله إنها لتنفع أمثالك، امض فيما وافيت له، فإنك سترى ما تحب [ وسيولد لك ولد مبارك ]. قال: فمضيت إلى باب المتوكل فقلت كل ما أردت فانصرفت. قال هبة الله: فلقيت ابنه (3) بعد [ موت أبيه ] وهو مسلم حسن التشيع، فأخبرني أن أباه مات على النصرانية، وأنه أسلم بعد موت والده. وكان يقول: أنا بشارة مولاي عليه السلام (4) 4 - ومنها: أن أيوب بن نوح قال: كان ليحيى بن زكريا حمل (5) فكتب إلى أبي الحسن: أن لي حملا، ادع الله لي أن يرزقني ابنا.


(1) الدهليز: ما بين الباب والدار. المسلك الطويل الضيق. (2) " الغلام " اثبات الهداة والبحار. (3) " هذا " م. وفي البحار " هذا - يعني بعد موت أبيه - والله ". (4) عنه اثبات الهداة: 6 / 240 ح 39، والبحار: 50 / 144 ح 28، وعنه في مدينة المعاجز: 547 ح 50، وعنه ثاقب المناقب: 483 (مخطوط). (5) الحمل: ما في البطن من ولد.

[ 399 ]

فكتب إليه: رب ابنة خير من ابن. فولدت له ابنة. وقال أيوب بن نوح: كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام [ وقد تعرض لي جعفر بن عبد الواحد القاضي، وكان يؤذيني بالكوفة ] (1)، أشكو إليه ما ينالني منه من الاذى. فكتب إلي: تكفى أمره إلى شهرين فعزل [ عن الكوفة ] (2) في الشهرين واسترحت منه. (3) 5 - ومنها: ما قال أبو هاشم الجعفري أنه ظهر برجل من أهل سر من رأى برص (4) فتنغص عليه عيشه، فجلس يوما إلى أبي علي (5) الفهري فشكا إليه حاله فقال له: لو تعرضت يوما لابي الحسن علي بن محمد بن الرضا عليهم السلام فسألته أن يدعو لك لرجوت أن يزول عنك. فجلس (6) يوما في الطريق وقت منصرفه في دار المتوكل، فلما رآه (7) قام ليدنو منه فيسأله ذلك فقال له: تنح عافاك الله. وأشار إليه بيده: تنح عافاك الله. وأشار إليه بيده تنح، عافاك الله - ثلاث مرات -. فرجع (8) الرجل ولم يجسر أن يدنو منه وانصرف، فلقى (9) الفهري فعرفه الحال وما قال، فقال: قد دعا لك قبل أن تسأل، فامض فإنك ستعافى.


(1 - 2) من كشف الغمة. (3) عنه في البحار: 50 / 177 ذ ح 55، وعن كشف الغمة: 2 / 385 من كتاب الدلائل للحميري. وأخرجه في اثبات الهداة: 6 / 257 ح 56 و 57 عن كشف الغمة. (4) البرص: مرض يحدث في الجسم كله قشرا أبيض ويسبب للمريض حكا مؤلما. وفي م " من البرص ". (5) " أبي الحسن " خ ل. (6) " قال: فتعرضت له " ط، ه‍، اثبات الهداة. (7) " نظر إليه " ه‍، اثبات الهداة. (8) " فانخذل " م " فابعد " البحار. (9) " وقصد " ه‍، اثبات الهداة.

[ 400 ]

فانصرف الرجل إلى بيته، فبات تلك الليلة فلما أصبح لم ير على بدنه شيئا من ذلك. (1) 6 - ومنها: ما روى أبو القاسم بن أبي القاسم البغدادي، عن زرافة (2) صاحب المتوكل أنه قال: وقع رجل مشعبذ من ناحية الهند إلى المتوكل يلعب لعب الحقة (3) ولم ير مثله، وكان المتوكل لعابا، فأراد أن يخجل على بن محمد بن الرضا عليهم السلام فقال لذلك الرجل: إن أنت أخجلته أعطيتك ألف دينار [ زكية ] (4). قال: تقدم (5) بأن يخبز رقاق خفاف، واجعلها على المائدة، وأقعدني إلى جنبه. ففعل وأحضر علي بن محمد عليهما السلام للطعام وجعلت له مسورة (6) عن يساره كان عليها صورة أسد وجلس اللاعب (إلى جانب المسورة) (7). فمد علي بن محمد عليهما السلام يده إلى رقاقة فطيرها ذلك الرجل (8) في الهواء (ومد


(1) عنه اثبات الهداة: 6 / 242 ح 40، والبحار: 50 / 145 ح 29. وعنه في مدينة المعاجز: 547 ح 51 وعن ثاقب المناقب: 485 (مخطوط). (2) " زرارة " البحار. زرافة: الظاهر أنه زرافة الحاجب. راجع الكامل في التاريخ: 7 / 97. (3) الحق والحقة - بالضم -: الوعاء من الخشب وغيره، وكأن المشعبذين كانوا يعلبون بالحقة نحوا من اللعب: يجعلون فيها شيئا بعيان الناس ثم يفتحونها وليس فيها شئ، أو كان آلات لعبهم في حقة مخصوصة فسموا بذلك، ولذلك يعرفون عند الاعاجم ب‍ " حقه باز " أي اللاعب بالحقة. (من البحار) وفي ط، ه‍، اثبات الهداة " يلعب بالحق ". (4) من البحار وفي ط " ركنية ". (5) تقدم إليه بكذا: أمره به. (6) المسور والمسورة: متكأ من جلد. (7) " وقدم الطعام " ط، اثبات الهداة. (8) " الهندي " خ ل.

[ 401 ]

يده إلى أخرى فطيرها) (1) فتضاحك الجميع (2). فضرب علي بن محمد عليهما السلام يده إلى تلك الصورة التي في المسورة، وقال: خذه. (3) فوثبت تلك الصورة من المسورة فابتلعت الرجل، وعادت في المسورة كما كانت. فتحير الجميع (4) ونهض علي بن محمد عليهما السلام فقال له المتوكل: سألتك إلا جلست ورددته. فقال: والله لا يرى بعدها، أتسلط أعداء الله على أولياء الله ! وخرج من عنده فلم ير الرجل بعد. (5) 7 - ومنها: ما روي أنه أتاه رجل من أهل بيته يقال له " معروف " وقال: أتيتك فلم تأذن لي. فقال: ما علمت بمكانك وأخبرت بعد انصرافك، وذكرتني بما لا ينبغي. فحلف ما فعلت (6). فقال أبو الحسن عليه السلام: فعلمت أنه حلف كاذبا فدعوت الله عليه وقلت: اللهم إنه حلف كاذبا فانتقم منه. فمات الرجل من الغد. (7) 8 - ومنها: ما قال أبو القاسم البغدادي، عن زرافة (8) قال: أراد المتوكل


(1) تكررت العبارة أربع مرات في " م "، وفي " ط " واثبات الهداة ثلاث مرات. (2) " الجمع " خ ل، " الناس " البحار. (3) " خذ عدو الله " ط، اثبات الهداة. (4) " الجمع " خ ل. (5) عنه اثبات الهداة: 6 / 243 ح 41 والبحار: 50 / 146 ح 46. وعنه في مدينة المعاجز: 548 ح 52 وعن ثاقب المناقب: 486 " مخطوط ". عن زرافة صاحب المتوكل. (6) " قلت " خ ل. (7) عنه اثبات الهداة: 6 / 258 ح 62، والبحار: 50 / 147 ح 31. وأخرجه في كشف الغمة: 2 / 394 عن صاحب كتاب الدلائل للحميري. (8) " زرارة " البحار. تقدم أيضا في حديث 6 ص: 400.

[ 402 ]

أن يمشي علي بن محمد بن الرضا عليهم السلام يوم السلام، فقال له وزيره: إن في هذا (1) شناعة عليك وسوء مقالة (2) فلا تفعل. قال: لابد من هذا. قال: فإن لم يكن بد من هذا فتقدم بأن يمشي القواد والاشراف كلهم، حتى لا يظن الناس أنك قصدته بهذا دون غيره. ففعل ومشى عليه السلام وكان الصيف، فوافى الدهليز وقد عرق. قال: فلقيته فأجلسته في الدهليز ومسحت وجهه بمنديل وقلت: إن ابن عمك لم يقصدك بهذا دون غيرك، فلا تجد عليه في قلبك. فقال: إيها (3) عنك * (تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب) * (4) قال زرافة: وكان عندي معلم يتشيع وكنت كثيرا أمازحه بالرافضي فانصرفت إلى منزلي وقت العشاء وقلت: تعال يا رافضي حتى أحدثك بشئ سمعته اليوم من إمامكم، قال: وما سمعت ؟ فأخبرته بما قال. فقال: (يا حاجب أنت سمعت هذا من علي بن محمد عليهما السلام ؟ قلت: نعم. قال: فحقك علي واجب بحق خدمتي لك ] (5) فاقبل نصيحتي. قلت: هاتها. قال: إن كان علي بن محمد قد قال ما قلت فاحترز واخزن كل ما تملكه، فإن المتوكل يموت أو يقتل بعد ثلاثة أيام. فغضبت عليه وشتمته وطردته من بين يدي، فخرج. فلما خلوت بنفسي، تفكرت وقلت: ما يضرني أن آخذ بالحزم، فإن كان من


(1) " هذه " م، ه‍. (2) " قالة " البحار. (3) ايه: كلمة زجر بمعنى حسبك، وتنون فيقال: أيها. وقال الجوهري: إذا أسكته وكففته قلت أيها عنا، وإذا أردت التبعيد قلت: أيها، بفتح الهمز، بمعنى هيهات. (4) سورة هود: 65. (5) " أقول لك " البحار.

[ 403 ]

هذا شئ كنت قد أخذت بالحزم، وإن لم يكن لم يضرني ذلك، قال: فركبت إلى دار المتوكل فأخرجت كل ما كان لي فيها، وفرقت كل ما كان في داري إلى عند أقوام أثق بهم، ولم أترك في داري إلا حصيرا أقعد عليه. فلما كانت الليلة الرابعة قتل المتوكل وسلمت أنا ومالي، فتشيعت عند ذلك وصرت إليه، ولزمت خدمته، وسألته أن يدعو لي وتوليته (1) حق الولاية. (2) 9 - ومنها: ما روي عن أبي القاسم بن القاسم (3)، عن خادم علي بن محمد عليهما السلام قال: كان المتوكل يمنع الناس من الدخول إلى علي بن محمد، فخرجت يوما وهو في دار المتوكل، فإذا جماعة من الشيعة جلوس بقرب الباب (4) فقلت: ما شأنكم جلستم ههنا ؟ قالوا: ننتظر انصراف مولانا لننظر إليه ونسلم عليه وننصرف. قلت لهم: وإذا رأيتموه تعرفونه ؟ قالوا: كلنا نعرفه. فلما وافى قاموا إليه فسلموا عليه، ونزل فدخل داره، وأراد أولئك الانصراف. فقلت: يا فتيان اصبروا حتى أسألكم أليس قد رأيتم مولاكم ؟ قالوا: بلى (5). قلت: فصفوه ؟ فقال واحد: هو شيخ أبيض الرأس، أبيض مشرب بحمرة. وقال آخر: لا يكذب، ما هو إلا أسمر أسود اللحية. وقال الآخر: لا لعمري ما هو كذلك، هو كهل ما بين البياض والسمرة. فقلت: أليس زعمتم أنكم تعرفونه ؟ انصرفوا في حفط الله. (6)


(1) " تواليته " البحار. (2) عنه البحار: 50 / 147 ح 32. (3) هكذا في البحار وفي الاصل " ابن أبي القاسم ". (4) " خلف الدار " البحار. (5) " بلى " حرف تصديق مثل نعم، وأكثر ما تقع بعد الاستفهام، وتختص بالايجاب سواء كان قبلها مثبتا أو منفيا. وفي البحار " نعم ". (6) عنه البحار: 50 / 148 ح 33. (*)

[ 404 ]

10 - ومنها: ما قال أبو هاشم الجعفري (1): أنه كان للمتوكل مجلس بشبابيك (كيما تدور الشمس) (2) في حيطانه، قد جعل فيها الطيور التي تصوت، فإذا كان يوم السلام جلس في ذلك المجلس فلا يسمع ما يقال له، ولا يسمع ما يقول من اختلاف (3) أصوات تلك الطيور، فإذا وافاه علي بن محمد بن الرضا عليهم السلام سكتت الطيور فلا يسمع منها صوت واحد إلى أن يخرج من عنده، فإذا خرج من باب المجلس عادت الطيور في أصواتها. قال: وكان عنده عدة من القوابج (4) [ في الحيطان ] وكان يجلس في مجلس له عال، ويرسل تلك القوابج تقتتل، وهو ينظر إليها ويضحك منها، فإذا وافى علي ابن محمد عليهما السلام إليه في ذلك المجلس لصقت تلك القوابج بالحيطان فلا تتحرك (6) من مواضعها حتى ينصرف، فإذا انصرف عادت في القتال. (7) 11 - ومنها: أن أبا هاشم الجعفري قال: ظهرت في أيام المتوكل امرأة تدعي


(1) هو داود بن القاسم بن إسحاق بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب أبو هاشم الجعفري رحمه الله، قال، عنه النجاشي في رجاله: 156 رقم 411: كان عظيم المنزلة عند الائمة عليهم السلام شريف القدر، ثقة، روى أبوه عن أبي عبد الله عليه السلام. وقال الشيخ في الفهرست: 131 رقم 280: من أهل بغداد... وقد شاهد الرضا والجواد والهادي، والعسكري، وصاحب الامر عليهم السلام، وكان مقدما عند السلطان. وعده في رجاله: 375 رقم 1 من أصحاب الرضا عليه السلام. ترجم له السيد الخوئي في رجاله: 7 / 121 وج 22 / 75. (2) هكذا في البحار وفي الاصل " كما تدور ". (3) " لاختلاف " البحار. (4) القبج: بفتح القاف واسكان الباء الموحدة وبالجيم في آخره، واحده قبجة الحجل والقبجة اسم جنس يقع على الذكر والانثى. (5) من البحار. (6) " فكانت لا تتحرك " ط، ه‍. (7) عنه اثبات الهداة: 6 / 244 ح 42، والبحار: 50 / 148 ح 34، ومدينة المعاجز: 548 ح 53، وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 204 ح 9.

[ 405 ]

أنها زينب بنت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لها المتوكل: أنت امرأة شابة وقد مضى من وقت وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله ما مضى من السنين. فقالت: إن رسول الله صلى الله عليه وآله مسح على رأسي وسأل الله أن يرد علي شبابي في كل أربعين سنة، ولم أظهر للناس إلى هذه الغاية، فلحقتني الحاجة فصرت إليهم. فدعا المتوكل كل مشايخ آل أبي طالب، وولد العباس وقريش فعرفهم حالها. فروى جماعة وفاة زينب [ بنت فاطمة عليهما السلام ] في سنة كذا، فقال لها: ما تقولين في هذه الرواية ؟ فقالت: كذب وزور، فإن أمري كان مستورا عن الناس، فلم يعرف لي حياة ولا موت. فقال لهم المتوكل: هل عندكم حجة على هذه المرأة غير هذه الرواية ؟ قالوا: لا. قال: أنا (1) برئ من العباس إن [ لا ] أنزلها عما ادعت إلا بحجة [ تلزمها ]. قالوا: فأحضر [ علي بن محمد ] ابن الرضا - عليهم السلام فلعل عنده شيئا من الحجة غير ما عندنا. فبعث إليه فحضر فأخبره المرأة. فقال: كذبت فإن زينب توفيت في سنة كذا في شهر كذا في يوم كذا. قال: فإن هؤلاء قد رووا مثل هذه الرواية وقد حلفت أن (2) لا أنزلها عما ادعت إلا بحجة تلزمها. قال: ولا عليك فههنا حجة تلزمها وتلزم غيرها. قال: وما هي ؟ قال: لحوم ولد (3) فاطمة محرمة على السباع، فأنزلها إلى السباع فإن كانت من ولد فاطمة فلا تضرها [ السباع ]. فقال لها: ما تقولين ؟ قالت: إنه يريد قتلي. قال: فههنا جماعة من ولد الحسن والحسين عليهما السلام فأنزل من شئت منهم. قال: فو الله لقد تغيرت وجوه الجميع. فقال بعض المتعصبين (4): هو يحيل على غيره، لم لا يكون هو ؟ فمال المتوكل إلى ذلك رجاء أن يذهب من غير أن يكون له في أمره صنع. فقال: يا أبا الحسن لم لا يكون أنت ذلك ؟ قال: ذاك إليك. قال: فافعل ! قال:


(1) " فهو " م، ط. " هو " البحار. (2) " اني " م، ط. (3) " بنى " البحار. (4) " المبغضين " خ ل.

[ 406 ]

أفعل [ إن شاء الله ]. فأتى بسلم وفتح عن السباع وكانت ستة من الاسد. فنزل [ الامام ] أبو الحسن عليه السلام إليها، فلما دخل وجلس صارت [ الاسود ] إليه، ورمت بأنفسها بين يديه، ومدت بأيديها، ووضعت رؤوسها بين يديه. فجعل يمسح على رأس كل واحد منها بيده، ثم يشير له (1) بيده إلى الاعتزال فيعتزل ناحية، حتى اعتزلت كلها وقامت (2) بازائه. فقال له الوزير: ما كان هذا صوابا، فبادر باخراجه من هناك، قبل أن ينتشر خبره. فقال له: أبا الحسن ما أردنا بك سوءا وإنما أردنا أن نكون على يقين مما قلت، فأحب أن تصعد. فقام وصار إلى السلم وهي حوله تتمسح بثيابه. فلما وضع رجله على أول درجة التفت إليها وأشار بيده أن ترجع. فرجعت وصعد فقال: كل من زعم أنه من ولد فاطمة فليجلس في ذلك المجلس. فقال لها المتوكل: انزلي. قالت: الله الله ادعيت الباطل، وأنا بنت فلان حملني الضر على ما قلت. فقال [ المتوكل ]: ألقوها إلى السباع، فبعثت والدته واستوهبتها منه وأحسنت إليها. (3) 12 - ومنها: ما وري عن محمد بن علي [ قال: ] أخبرني زيد بن علي بن


(1) " إليه " البحار. (2) " ووقفت " ط، " وأقامت " البحار. (3) عنه اثبات الهداة: 6 / 244 ح 43، وفيه ثم أمر بطرحها للسباع فأقرت ثم استوهبتها أم المتوكل منه. والبحار: 50 / 149 ح 35 وفيه: ألقوها إلى السباع. فاستوهبتها والدته. وحلية الابرار: 2 / 468، وعنه في مدينة المعاجز: 548 ح 54 واللفظ للراوندي. وعن المناقب لابن شهر اشوب: 3 / 518 عن أبي الهلقام وعبد الله بن جعفر الحميري والصقر الجبلي، وأبي شعيب الحناط، وعلي بن مهزيار قالوا... نحوه. وعن ثاقب المناقب: 474 عن ابن مهزيار نحوه. وقال المسعودي في مروج الذهب: 4 / 86: قد ذكرنا خبر علي بن محمد بن موسى رضي الله عنه... في كتابنا " أخبار الزمان ". عنه إحقاق الحق: 19 / 614.

[ 407 ]

الحسين بن زيد [ قال: ] مرضت فدخل علي الطبيب ليلا، ووصف لي دواء آخذه في السحر كذا وكذا يوما، فلم يمكنني تحصيله من الليل، وخرج الطبيب من الباب وورد صاحب أبي الحسن عليه السلام في الحال ومعه صرة فيها ذلك الدواء بعينه، فقال لي: أبو الحسن يقرئك السلام ويقول: خذ هذا الدواء كذا وكذا يوما. فشربت فبرأت. قال محمد: قال زيد: أين الغلاة (1) عن هذا الحديث. (2) 13 - ومنها: ما روي عن خيران الاسباطي قال: قدمت المدينة على أبي الحسن عليه السلام فقال لي: ما فعل الواثق ؟ قلت: هو في عافية. وقال: ما فعل جعفر ؟ قلت: تركته أسوأ الناس حالا في السجن. وقال: ما فعل ابن الزيات ؟ قلت: الامر أمره وأنا منذ عشرة أيام خرجت من هناك. فقال: مات الواثق، وقد قعد المتوكل جعفر، وقتل ابن الزيات. قلت: متى ؟ قال: بعد خروجك بستة أيام. وكان كذلك. (3)


(1) " قال: زيد بن العلا عن هذا الحديث " م، ه‍. (2) عنه البحار: 50 / 150 ح 36 وعن الارشاد للمفيد: 374، والمناقب لابن شهر اشوب 3 / 511. ورواه الخصيبي في الهداية الكبرى: 314 عن أبي الحسين بن علي البكا، عن زيد بن علي مثله. وفي الكافي: 1 / 502 ح 9 عن بعض أصحابه، عن محمد بن علي، عنه اثبات الهداة: 6 / 218 ح 14 ومدينة المعاجز: 540 ح 11. وأورده في روضة الواعظين: 290، وثاقب المناقب: 479 (مخطوط) وكشف الغمة: 2 / 381 جميعا عن زيد بن علي مثله. (3) عنه اثبات الهداة: 6 / 213 ح 4 واللفظ لمحمد بن يعقوب، والبحار: 50 / 151 ح 37 ورواه في الكافي: 1 / 498 ح 1 عن الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن خيران الاسباطي، عنه اعلام الورى: 358، واثبات الهداة المذكور، والبحار: 50 / 158 ح 48، ومدينة المعاجز: 538 ح 2. =

[ 408 ]

14 - ومنها: أن أحمد بن هارون قال: كنت جالسا أعلم غلاما من غلمانه في فازة (1) داره - فيها بستان - إذ دخل علينا أبو الحسن عليه السلام راكبا على فرس له، فقمنا إليه فسبقنا، فنزل قبل أن ندنو منه، فأخذ بعنان (2) فرسه بيده فعلقه في طنب (3) من أطناب الفازة ثم دخل وجلس معنا، فأقبل علي فقال: متى رأيك تنصرف إلى المدينة ؟ فقلت: الليلة.


= ورواه المفيد في الارشاد: 370 عن أبي القاسم جعفر بن محمد، عن محمد بن يعقوب وأورده في المناقب لابن شهر اشوب: 3 / 513، وفي الصراط المستقيم: 2 / 204 ح 11 مختصرا، وفي كشف الغمة: 2 / 378 جميعا عن الاسباطي. وأورده ابن الصباغ في الفصول المهمة: 261، والشبلنجي في نور الابصار: 182 عنهما إحقاق الحق: 2 / 451. أقول: الواثق بالله هو أبو جعفر هارون بن المعتصم بن هارون الرشيد بويع له يوم الخميس لثمان عشر مضت من ربيع الاول سنة سبع وعشرين ومائتين، وتوفي في ذي الحجة لست بقين منه سنة اثنين وثلاثين ومائتين. وأما جعفر: فهو المتوكل على الله جعفر بن المعتصم بويع له بعد موت الواثق. وابن الزيات: هو محمد بن عبد الملك الزيات كان وزيرا في خلافة المعتصم والواثق والمتوكل. وقد أساء ابن الزيات إلى جعفر في خلافة الواثق وكان حبسه لسبع خلون من صفر وموته لاحدى عشر بقيت من ربيع الاول سنة ثلاث وثلاثين ومائتين قوله عليه السلام: " مات الواثق، وقد قعد المتوكل " كان كما أخبر، وأما قوله عليه السلام: " وقتل ابن الزيات " فقد كان في علمه - وعلمه عليه السلام من الله عزوجل - أنه يقتل على يد المتوكل فأشار إلى قتله عند استلام المتوكل الخلافة ونهاية أمره، وقد تحقق ذلك بعد أيام. (1) الفازة: مظلة من نسيج أو غيره تمد على عمود أو عمودين. وفي اثبات الهداة " مفازة داره ". وكذا ما بعدها. (2) العنان: سير اللجام. (3) الطنب: جبل طويل يشد بن سرادق البيت.

[ 409 ]

قال: فأكتب إذا كتابا معك توصله إلى فلان التاجر ؟ قلت: نعم. قال: يا غلام هات الدواة والقرطاس. فخرج الغلام ليأتي بهما من دار أخرى. فلما غاب الغلام صهل الفرس وضرب بذنبه (1) فقال له بالفارسية: ما هذا القلق. فصهل الثانية فضرب بذنبه (2). فقال [ له ] - بالفارسية -: لي حاجة أريد أن أكتب كتابا إلى المدينة فاصبر حتى أفرغ. فصهل الثالثة وضرب بيديه، فقال له - بالفارسية -: اقلع، فامض إلى ناحية البستان، وبل هناك ورث، وارجع، فقف هناك مكانك. فرفع الفرس رأسه وأخرج العنان من موضعه، ثم مضى إلى ناحية البستان حتى لا نراه (3) في ظهر الفازة، فبال، وراث، وعاد إلى مكانه. فدخلني من ذلك ما الله به عليم، ووسوس الشيطان في قلبي فأقبل إلي فقال: يا أحمد لا يعظم عليك ما رأيت، إن ما أعطى الله محمدا وآل محمد، أكثر مما أعطى داود وآل داود. قلت: صدق ابن رسول الله صلى الله عليه وآله فما قال لك ؟ وما قلت له ؟ فما (4) فهمته. فقال: قال لي الفرس: قم فاركب إلى البيت حتى تفرغ عني. قلت: ما هذا القلق ؟ قال: قد تعبت. فقلت: لي حاجة أريد أن أكتب كتابا إلى المدينة فإذا فرغت ركبتك. قال: إني أريد أن أروث وأبول، وأكره أن أفعل ذلك بين يديك. فقلت له: اذهب إلى ناحية البستان فافعل ما أردت، ثم عد إلى مكانك. ففعل الذي رأيت. ثم أقبل الغلام بالدواة والقرطاس - وقد غابت الشمس - فوضعها بين يديه فأخذ في الكتابة حتى أظلم [ الليل ] (5) فيما بيني وبينه، فلم أر الكتاب، وظننت أنه قد أصابه الذي أصابني.


(1) " بيديه " خ ل. " بيده " اثبات الهداة. (2) " بيده " اثبات الهداة، والبحار. (3) " لا يراه أحد " ط، ه‍، اثبات الهداة. (4) " فقد " م، البحار. (5) من البحار.

[ 410 ]

فقلت للغلام: قم، فهات بشمعة من الدار حتى يبصر (1) مولاك كيف يكتب. فمضى، فقال للغلام: ليس لي إلى ذلك حاجة. ثم كتب كتابا طويلا إلى أن غاب الشفق (2)، ثم قطعه فقال للغلام: أصلحه فأخذ الغلام الكتاب، وخرج من الفازة ليصلحه ثم عاد إليه وناوله ليختمه فختمه من غير أن ينظر الخاتم مقلوبا أو غير مقلوب، فناولني [ الكتاب ] فأخذت، فقمت لاذهب فعرض في قلبي - قبل أن أخرج من الفازة - أصلي قبل أن آتي المدينة. قال: يا أحمد صل المغرب والعشاء الآخرة في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله ثم اطلب الرجل في الروضة، فإنك توافيه، إن شاء الله. قال: فخرجت مبادرا فأتيت المسجد وقد نودي للعشاء الآخرة، فصليت المغرب ثم صليت معهم العتمة (3) وطلبت الرجل حيث (4) أمرني فوجدته، فأعطيته الكتاب فأخذه ففضه ليقرأه، فلم يتبين (5) قراءة في ذلك الوقت، فدعا بسراج فأخذته فقرأته عليه في السراج في المسجد، فإذا خط مستو، ليس حرف ملتصقا بحرف وإذا الخاتم مستو، ليس بمقلوب، فقال لي الرجل: عد إلي غدا حتى أكتب جواب الكتاب. فغدوت فكتب الجواب فمضيت (6) به إليه. فقال: أليس قد وجدت الرجل حيث قلت [ لك ] ؟ فقلت: نعم. قال: أحسنت. (7)


(1) " ينظر " م. (2) الشفق: بقية ضوء الشمس وحمرتها في أول الليل. (3) العتمة: صلاة العشاء أو وقت صلاة العشاء الآخرة. قيل: والوجه في تسمية صلاة العشاء بالعتمة، لان الاعراب يعتمون بالابل في المرعى، فلا يأتون بها إلا بعد العشاء الآخرة فيسمون ذلك الوقت: عتمة. (قاله الطريحي في " عتم "). (4) " في الموضع الذي " ه‍، إثبات الهداة. (5) " يستبين " ه‍، اثبات الهداة. " يستبن " البحار. (6) " فأخذته فجئت " ه‍. " فأخذته " ط. " فجئت " البحار. (7) عنه اثبات الهداة: 6 / 245 ح 44، والبحار: 5 / 153 ح 40، ومدينة المعاجز: 549 ح 55، وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 204 ح 12 مرسلا باختصار.

[ 411 ]

15 - ومنها: ما روي عن علي بن جعفر قال: قلت لابي الحسن عليه السلام: أينا أشد حبا لدينه ؟ قال: أشدكم حبا لصاحبه - في حديث طويل - ثم قال لي: يا علي إن هذا المتوكل يبني بين المدينة بناءا (1) لا يتم بناؤه ويكون هلاكه قبل تمامه على يدي فرعون من فراعنة الترك. (2) 16 - ومنها: ما روي عن أحمد بن عيسى الكاتب قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله فيما يرى النائم كأنه نائم في حجرتي، وكأنه دفع إلي كفا من تمر عدده خمس وعشرون تمرة، قال: فما لبثت حتى أقدم (3) بأبي الحسن علي بن محمد عليه السلام ومعه قائد فأنزله في حجرتي وكان القائد يبعث ويأخذ من العلف من عندي فسألني يوما: كم لك علينا ؟ قلت: لست آخذ منك شيئا من ثمنه. قال لي: أفتحب أن تدخل إلى هذا العلوي فتسلم عليه ؟ قلت: لست أكره ذلك. فدخلت فسلمت عليه، وقلت له: إن في هذه القرية كذا وكذا من مواليك فان أمرتنا باحضارهم فعلنا، قال: لا تفعلوا. قلت: فإن عندنا تمورا جيادا فتأذن لي أن أحمل لك بعضها. قال: إن حملت شيئا لم يصل إلي، ولكن احمله إلى القائد فانه سيبعث إلي منه. فحملت إلى القائد أنواعا من التمر وأخذت نوعا جيدا في


(1) أقول: الظاهر أن البناء هو الماخورة التي أمر المتوكل ببنائها سنة 245 وسماها الجعفرية... وكان يسميها هو وأصحابه المتوكلية، وبنى فيها قصرا سماه " لؤلؤة " لم ير مثله في علوه وحفر لها نهرا يسقي ما حولها فقتل المتوكل، فبطل حفر النهر، وأخربت الجعفرية. وهلك المتوكل على يد باغر التركي كما أخبر بذلك عليه السلام. (راجع الكامل في التاريخ: 7 / 87 - 95. ومروج الذهب: 4 / 34 - 39. (2) عنه البحار: 50 / 152 ح 38. وأورد المسعودي في اثبات الوصية: 231 نحوه، عن الحميري، عن النوفلي قال: قال أبو الحسن... وفيه يبتدئ ببناء مدينة. (3) " فما لبثت إلا وأنا " البحار.

[ 412 ]

كمي وسكرجه (1) من زبد فحملته إليه، ثم جئت فقال لي القائد: أتحب أن تدخل على صاحبك ؟ قلت: نعم. فدخلت فإذا قدامه من ذلك التمر الذي بعثت به إلى القائد، فأخرجت التمر الذي معي والزبد، فوضعته بين يديه، فأخذ كفا من تمر فدفعه إلي، وقال: لو زادك رسول الله صلى الله عليه وآله لزدناك. فعددته فإذا هو كما رأيته في النوم لم يزد ولم ينقص. (2) 17 - ومنها: ما روى أبو سليمان، قال: حدثنا ابن أورمة (3) [ قال: ] خرجت أيام المتوكل إلى سر من رأى فدخلت على سعيد الحاجب ودفع المتوكل أبا الحسن إليه ليقتله، فلما دخلت عليه، قال: تحب أن تنظر إلى إلهك ؟ قلت: سبحان الله إلهي (4) لا تدركه الابصار. قال: هذا الذي تزعمون أنه إمامكم ! قلت: ما أكره ذلك. قال: قد أمرت (5) بقتله، وأنا فاعله غدا - وعنده صاحب البريد - فإذا خرج فادخل إليه. فلم ألبث أن خرج قال: ادخل. فدخلت الدار التي كان فيها محبوسا فإذا هو ذا بحياله قبر يحفر، فدخلت وسلمت وبكيت بكاءا شديدا، قال: ما يبكيك ؟ قلت: لما أرى. قال: لا تبك لذلك [ فإنه ] لا يتم لهم ذلك. فسكن ما كان بي. فقال: إنه لا يلبث أكثر من يومين حتى يسفك الله دمه ودم صاحبه الذي رأيته. قال: فو الله ما مضى غير يومين حتى قتل [ وقتل صاحبه ].


(1) قال ابن الاثير في النهاية: 2 / 384 وفيه " لا آكل في سكرجة " هي بضم السين والكاف والراء والتشديد: أناء صغير يؤكل فيه الشى القليل من الادم، وهي فارسية. (2) عنه البحار: 50 / 153 ح 39. وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 204 ح 13 عن أحمد بن عيسى مختصرا، عنه اثبات الهداة: 6 / 266 ح 86. (3) هو محمد بن أورمة ولقد تقدمت ترجمته، راجع تنقيح المقال: 2 / 84، ورجال السيد الخوئي: 15 / 128، وأخرجا الرواية. (4) " الذي " البحار. (5) " أمرني المتوكل " ه‍.

[ 413 ]

قلت لابي الحسن عليه السلام: حديث رسول الله صلى الله عليه وآله (لا تعادوا الايام فتعاديكم) ؟ قال: نعم، إن لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله تأويلا. أما السبت فرسول الله صلى الله عليه وآله، والاحد أمير المؤمنين عليه السلام، والاثنين: الحسن والحسين عليهما السلام والثلاثاء: علي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد والاربعاء: موسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي، وأنا [ علي بن محمد ] والخميس ابني الحسن، والجمعة: القائم منا أهل البيت. (1) 18 - ومنها: أن أبا محمد الطبري قال: تمنيت أن يكون لي خاتم من عنده عليه السلام فجاءني نصر الخادم بدرهمين، فصنعت منه خاتما فدخلت على قوم يشربون الخمر فتعلقوا بي حتى شربت قدحا أو قدحين وكان الخاتم ضيقا في إصبعي لا يمكنني


(1) عنه البحار: 50 / 195 ح 7 ومدينه المعاجز: 550 ح 56 وحلية الابرار: 2 / 465 ورواه الخصيبي في الهداية الكبرى: 363 عن الحسن بن مسعود ومحمد بن الجليل قالا: دخلنا على سيدنا على العسكري (ذيله). والخزاز في كفاية الاثر: 285 عن علي بن محمد بن منويه، عن أحمد بن زياد، عن علي بن إبراهيم، عن عبد الله بن أحمد الموصلي عن الصقر بن أبي دلف (نحوه) عنه البحار: 36 / 413 ح 3. ورواه الصدوق في الخصال: 394 ح 102 عن محمد بن موسى، عن علي بن إبراهيم عنه البحار: 34 / 238 ح 1، وج: 59 / 20 ح 3، وعنه ج: 50 / 194 ح 6، وعن كمال الدين: 382 ح 9 عن أحمد بن زياد الهمداني، عن علي بن إبراهيم. ورواه في معاني الاخبار: 123 ح 1 عن محمد بن موسى. عنه اثبات الهداة: 2 / 357 ح 177. وأخرجه عن الصدوق الجزائري في الانوار النعمانية: 2 / 112. وأورده في اثبات الوصية: 256 بالاسناد إلى أبى الحسن صاحب العسكر (ذيله). وفي أعلام الورى: 437 بالاسناد إلى الصقر بن أبي دلف. وفي الصراط المستقيم 2 / 204 ح 14 عن ابن اورمة (صدره) وص 195 بالاسناد إلى الصقر بن أبي دلف بطريقين (ذيله).

[ 414 ]

إدارته للوضوء، فأصبحت وقد افتقدته، فتبت إلى الله. (1) 19 - ومنها: حديث تل المخالي وذلك أن الخليفة (2) أمر العسكر وهم تسعون ألف فارس من الاتراك الساكنين بسر من رأى أن يملا كل واحد مخلاة (3) فرسه من الطين الاحمر، ويجعلوا بعضه على بعض في وسط برية واسعة (4) هناك، ففعلوا. فلما صار (5) مثل جبل عظيم صعد فوقه، واستدعى (6) أبا الحسن عليه السلام واستصعده ؟ وقال: استحضرك لنظارة خيولي، وقد كان أمرهم أن يلبسوا التجافيف (7) ويحملوا الاسلحة وقد عرضوا بأحسن زينة، وأتم عدة، وأعظم هيبة (وكان غرضه أن يكسر قلب كل من يخرج عليه، وكان خوفه من أبي الحسن عليه السلام أن يأمر أحدا من أهل بيته أن يخرج على الخليفة) (8). فقال له أبو الحسن عليه السلام: وهل [ تريد أن ] أعرض عليك عسكري ؟ قال: نعم. فدعا الله سبحانه فإذا بين السماء والارض من المشرق إلى المغرب ملائكة مدججون


(1) عنه البحار: 50 / 155 ح 43. (2) كذا في م، وفي خ ل " ان الخليفة المتوكل أو الواثق أو غيرهما ". وفي ه‍، اثبات الهداة والبحار " ان المتوكل وقيل الواثق ". وفي ط " المتوكل قتل الواثق ". والظاهر أنه: المعتصم. قال في مراصد الاطلاع: 1 / 272: تل المخالى عند سر من رأى. ذكر أن المعتصم قال لجنده: ليأت كل واحد بمخلاة تراب. فصار منه ذلك التل. (3) المخلاة: ما يجعل فيه العلف ويعلق في عنق الدابة، جمعها مخال. (4) " تربة " البحار. (5) " فلما فعلوا ذلك صار " ه‍، اثبات الهداة. (6) " دعى " م. (7) قال ابن الاثير في النهاية: 1 / 279: وفي حديث الحديبية " فجاء يقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على فرس مجفف " أي علية تجفاف، وهو شئ من سلاح يترك على الفرس يقيه الاذى. وقد يلبسه الانسان أيضا، وجمعه تجافيف. وفي ه‍ " الخفاتين ". (8) " قال في نفسه اني أكسر قلبه " م.

[ 415 ]

فغشي على الخليفة، فلما أفاق قال أبو الحسن عليه السلام: نحن لا ننافسكم (1) في الدنيا نحن مشتغلون بأمر الآخرة، فلا عليك شئ مما تظن. (2) 20 - ومنها: ما روى أبو محمد البصري، عن أبي العباس خال شبل كاتب إبراهيم بن محمد قال: كما أجرينا ذكر أبي الحسن عليه السلام فقال لي: يا أبا محمد لم أكن في شئ من هذا الامر وكنت أعيب على أخي، وعلى أهل هذا القول عيبا شديدا بالذم والشتم، إلى أن كنت في الوفد الذين أوفد المتوكل إلى المدينة في إحضار أبي الحسن عليه السلام فخرجنا إلى (3) المدينة. فلما خرج وصرنا في بعض الطريق، طوينا المنزل (4) وكان يوما (5) صائفا شديد الحر، فسألناه أن ينزل قال: لا. فخرجنا ولم نطعم ولم نشرب، فلما اشتد الحر والجوع (6) والعطش فينا ونحن إذ ذاك في [ أرض ] ملساء لا نرى شيئا ولا ظل ولا ماء نستريح إليه، فجعلنا نشخص بأبصارنا (7) نحوه. فقال: ما لكم أحسبكم (8) جياعا وقد عطشتم ؟ فقلنا: إي والله، وقد عيينا يا سيدنا.


(1) " نناقشكم " ط، البحار. (2) عنه اثبات الهداة: 6 / 249 ح 46، والبحار: 50 / 155 ح 44 ومدينة المعاجز: 550 ح 57 وحلية الابرار: 2 / 475. وأورده في ثاقب المناقب: 489 (مخطوط) مرسلا، عنه المدينة والحلية. وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 205 ح 15 مرسلا باختصار. أقول: يحتمل ما في هذا الخبر من كرامة من الله عزوجل له عليه السلام أنه كان أحد أسباب تسميته بالعسكري. (3) " من " ه‍، س. (4) طوينا المنازل: قطعناها. والمنزل: مكان النزول أو الدار أو المنهل. جمعها منازل. (5) " منزلا " م، والبحار. (6) " وبالغ الجوع " م. (7) شخص بصره: فتح عينيه فلم يطرف. (8) " أظنكم " ه‍، س، اثبات الهداة.

[ 416 ]

قال: عرسوا ! (1) وكلوا واشربوا. فتعجبت من قوله، ونحن في صحراء ملساء لا نرى فيها شيئا، نستريح إليه، ولا نرى ماءا ولا طلا. قال: ما لكم ؟ عرسوا. فابتدرت إلى القطار لانيخ (2). ثم التفت إذا أنا بشجرتين عظيمتين يستظل تحتهما عالم من الناس وإني لاعرف (3) موضعهما أنه أرض براح قفر (4) وإذا [ أنا ] بعين تسيح على وجه الارض أعذب ماء وأبرده. فنزلنا وأكلنا وشربنا واسترحنا، وإن فينا من سلك ذلك الطريق مرارا. فوقع في قلبي ذلك الوقت أعاجيب، وجعلت أحد النظر إليه وأتأمله طويلا وإذا نظرت إليه تبسم وزوى (5) وجهه عني. فقلت في نفسي: والله لاعرفن هذا كيف هو ؟ فأتيت من وراء الشجرة فدفنت سيفي، ووضعت عليه حجرين، وتغوطت في ذلك الموضع، وتهيأت للصلاة، فقال أبو الحسن: استرحتم ؟ قلنا: نعم. قال: فارتحلوا على اسم الله. فارتحلنا فلما أن سرنا ساعة، رجعت على الاثر (6) فأتيت الموضع فوجدت الاثر والسيف كما وضعت والعلامة وكأن الله لم يخلق [ ثم ] شجرة ولا ماء [ وظلالا ] ولا بللا فتعجبت [ من ذلك ] (7) ورفعت يدي إلى السماء فسألت الله بالثبات على المحبة والايمان به، والمعرفة منه، وأخذت الاثر ولحقت القوم، فالتفت إلي أبو الحسن عليه السلام وقال:


(1) عرس القوم: نزلوا من السفر للاستراحة، ثم يرتحلون. (2) القطار، بالكسر: قطار الابل: وهو عدد على نسق واحد. وأناخ الجمل: أبركه. (3) " وكنت أعرف " ه‍، س واثبات الهداة. (4) البراح: المتسع من الارض لا شجر فيه ولا بناء. والقفر: الخلاء من الارض لا ماء فيه، ولا ناس، ولا كلا. (5) زوى وجهه: نحاه. وفي ه‍، س واثبات الهداة " طوى ". (6) أي في الحال. وفي م، ط: " إلى الاثر ". (7) من البحار.

[ 417 ]

يا أبا العباس فعلتها ؟ قلت: نعم يا سيدي، لقد كنت شاكا، ولقد أصبحت وأنا عند نفسي من أغنى الناس بك في الدنيا والآخرة. فقال: هو كذلك، هم معدودون معلومون لا يزيد رجل ولا ينقص [ رجل ]. (1) 21 - ومنها: ما روى أبو سعيد سهل بن زياد [ قال: ] حدثنا أبو العباس فضل بن أحمد بن إسرائيل الكاتب ونحن في داره بسامرة (2) فجرى ذكر أبي الحسن. فقال: يا أبا سعيد إني أحدثك بشئ حدثني به أبي، قال: كنا مع المعتز (3) وكان أبي كاتبه قال: فدخلنا الدار، وإذا المتوكل (4) على سريره قاعد، فسلم المعتز ووقف، ووقفت خلفه، وكان عهدي به إذا دخل عليه رحب به ويأمره بالقعود، فأطال القيام، وجعل (5) يرفع قدما (6) ويضع أخرى، وهو لا يأذن له (7) بالقعود. ونظرت إلى وجهه يتغير ساعة بعد ساعة، ويقبل على الفتح بن خاقان ويقول: هذا الذي تقول فيه ما تقول. ويردد (8) القول، والفتح مقبل عليه يسكنه، ويقول: مكذوب


(1) عنه اثبات الهداة: 6 / 250 ح 47، والبحار: 50 / 156 ح 45، وعنه مدينة المعاجز: 550 ح 58 وفيه روى أبو بصير، عن أبي العباس... وأورده في ثاقب المناقب: 460 " مخطوط " عن يحيى بن هرثمة نحوه. وفي الصراط الستقيم: 3 / 205 ح 16 عن أبي العباس مختصرا. قال المجلسي: " هم معدودون " أي الشيعة وأنت منهم. (2) سامرا: لغة في سر من رأى، وهي المدينة التي أنشأها المعتصم بين بغداد وتكريت ويقال على عدة وجوه: سامرا بالقصر، وسامراء. بالمد... وسامرة. بالهاء (مراصد الاطلاع: 2 / 684). (3) هو الزبير بن جعفر المتوكل، الثالث عشر من خلفاء بني العباس. (4) هو جعفر بن محمد بن هارون، العاشر من خلفاء بني العباس. (5) " وجعل المتوكل " م (6) " رجلا " خ ل، اثبات الهداة. (7) " للمعتز " م. (8) " ويرد على " م، اثبات الهداة.

[ 418 ]

عليه يا أمير المؤمنين، وهو يتلظى ويشطط (1) ويقول: والله لاقتلن هذا المرائي الزنديق وهو الذي يدعي الكذب، ويطعن في دولتي ثم قال: جئني بأربعة من الخزر جلاف (2) لا يفهمون، فجئ بهم ودفع إليهم أربعة أسياف، وأمرهم [ أن ] يرطنوا (3) بألسنتهم إذا دخل أبو الحسن، وأن يقبلوا عليه بأسيافهم (فيخطبوه ويعلقوه) (4) وهو يقول: والله لاحرقنه بعد القتل. وأنا منتصب قائم خلف المعتز من وراء الستر. فما علمت إلا بأبي الحسن قد دخل، وقد بادر الناس قدامه، وقالوا: [ قد ] جاء والتفت، ورأى فإذا أنابه وشفتاه تتحركان، وهو غير مكترث (5) ولا جازع، فلما بصر به المتوكل رمى بنفسه عن السرير إليه، وهو يسبقه، فانكب عليه يقبل بين عينيه ويديه وسيفه (6) بيده، وهو يقول: يا سيدي يا ابن رسول الله يا خير خلق الله يا ابن عمي يا مولاي يا أبا الحسن ! وأبو الحسن عليه السلام يقول: أعيذك يا أمير المؤمنين بالله [ اعفني ] من هذا. فقال: ما جاء بك يا سيدي (7) في هذا الوقت ؟ قال: جاءني رسولك فقال: المتوكل [ يدعوك. فقال: ] كذب ابن الفاعلة، ارجع يا سيدي من حيث جئت (8). يا فتح ! يا عبيدالله ! يا معتز شيعوا سيدكم وسيدي. فلما بصر به الخزر خروا سجدا مذعنين، فلما خرج دعاهم المتوكل (ثم أمر


(1) تلظى فلان: التهب واغتاظ. والشطط: الجور والظلم والبعد عن الحق. (2) الجلف: الغليظ الجافي. جمعها أجلاف وجلوف. والخزر: جنس من الامم خزر العيون من ولد يافث بن نوح عليه السلام، من خزرت العين: إذا صغرت وضاقت. وفي ه‍ " لا يفقهون " بدل " لا يفهمون ". (3) تراطن القوم وتراطنوا فيما بينهم: تكلموا بالاعجمية. (4) " فيختطفوه " ط. وخبطه خبطا: ضربه ضربا شديدا. (5) غير مكترث: غير مبالي. (6) " واحتمل شقه " م. (7) " يا شيخا " م، ط. (8) " أتيت " اثبات الهداة. " شئت " البحار.

[ 419 ]

الترجمان أن يخبره) (1) بما يقولون، ثم قال لهم: لم لم تفعلوا ما أمرتم ؟ قالوا: شدة هيبته، ورأينا حوله أكثر من مائة سيف لم نقدر أن نتأملهم، فمنعنا ذلك عما أمرت به، وامتلات قلوبنا من ذلك [ رعبا ]. فقال المتوكل: يا فتح هذا صاحبك - وضحك في وجه الفتح، وضحك الفتح في وجهه - وقال: الحمد لله الذي بيض وجهه، وأنار حجته. (2) 22 - ومنها: ما روي عن محمد بن الفرج قال: [ قال ] (3) لي علي بن محمد عليهما السلام: إذا أردت أن تسأل مسألة فاكتبها، وضع الكتاب تحت مصلاك ودعه ساعة ثم أخرجه وانظر فيه. قال: ففعلت، فوجدت جواب ما سألت عنه موقعا فيه. (4)


(1) " فقال: للترجمان أخبرني " ه‍، ط واثبات الهداة. (2) عنه اثبات الهداة: 6 / 251 ح 48، والبحار: 50 / 196 ح 8، وحلية الابرار: 2 / 465، وعنه مدينة المعاجز: 550 ح 59، وعن ثاقب المناقب: 487 (مخطوط) عن أبي العباس فضل بن أحمد بن اسرائيل الكاتب. وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 205 ح 7 مرسلا باختصار. (3) من البحار. (4) عنه البحار: 50 / 155 ح 41. وأورده في ثاقب المناقب 477 (مخطوط) عن محمد بن الفرج.

[ 420 ]

الباب الثاني عشر في معجزات الامام الحسن بن علي العسكري عليهما السلام 1 - عن أبي هاشم الجعفري قال: لما مضى أبو الحسن عليه السلام صاحب العسكر اشتغل أبو محمد ابنه بغسله وشأنه، وأسرع بعض الخدم إلى أشياء احتملوها من ثياب ودراهم وغيرها. فلما فرغ أبو محمد من شأنه صار إلى مجلسه، فجلس، ثم دعا أولئك الخدم، فقال لهم: إن صدقتموني عما أحدثكم فيه (1) فأنتم آمنون من عقوبتي، وإن أصررتم على الجحود دللت على كل ما أخذه كل واحد منكم، وعاقبتكم عند ذلك بما تستحقونه. مني ثم قال: أنت يا فلان أخذت كذا وكذا (أكذلك هو ؟ قال: نعم يا ابن رسول الله. قال: فرده. ثم قال: وأنت يا فلانة، أخذت كذا وكذا، أكذلك هو ؟ قالت: نعم. قال: فرديه) (2). فذكر لكل واحد منهم ما أخذه، وصار إليه، حتى ردوا جميع ما أخذوه. (3)


(1) " فيما أسألكم عنه " البحار. (2) " وأنت يا فلان أخذت كذا وكذا " قالوا. نعم: قال. فردوه " البحار. (3) عنه البحار: 50 / 209 ح 19. وروى نحوه في اثبات الوصية: 239 بإسناده عن علان عن الحسن بن محمد، عن محمد بن عبيد الله. وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 206 ح 1 مرسلا باختصار.

[ 421 ]

2 - ومنها: ما قال أبو هاشم (1): إن أبا محمد عليه السلام ركب يوما إلى الصحراء فركبت معه، فبينا نسير، وهو قدامي وأنا خلفه، إذ عرض لي فكر في دين - كان علي - قد حان أجله، فجعلت أفكر من أي وجه قضاؤه. فالتفت إلي فقال: يا أبا هاشم ! الله يقضيه. ثم انحنى على قربوس (2) سرجه فخط بسوطه خطة في الارض وقال: أنزل، فخذ، واكتم. فنزلت فإذا سبيكة ذهب قال: فوضعتها في خفي وسرنا، فعرض لي الفكر. فقلت: إن كان فيها تمام الدين، وإلا فإني أرضي صاحبه بها، ويجب أن ننظر الآن في وجه نفقة الشتاء، وما نحتاج إليه فيه من كسوة وغيرها. فالتفت إلي، ثم انحنى ثانية، وخط بسوطه خطه في الارض مثل الاولى، ثم قال: انزل، فخذ، واكتم. قال: فنزلت، وإذا سبيكة فضة، فجعلتها في خفي الآخر، وسرنا يسيرا، ثم انصرف إلى منزله، وانصرفت إلى منزلي، فجلست، فحسبت ذلك الدين، وعرفت مبلغه، ثم وزنت سبيكة الذهب، فخرجت بقسط ذلك الدين، ما زادت ولا نقصت ؟ ثم نظرت فيما نحتاج إليه لشتوتي من كل وجه، فعرفت مبلغه الذي لم يكن بد منه على الاقتصاد، بلا تقتير (3) ولا إسراف، ثم وزنت سبيكة الفضة، فخرجت على ما قدرته ما زادت ولا نقصت ! (4).


(1) أي أبو هاشم الجعفري راوي الحديث السابق. وهو داود بن القاسم، تقدمت ترجمته في معجزات الامام الهادي عليه السلام ح 10، فراجع. (2) القربوس: حنو السرج، أي قسمه المقوس المرتفع من قدام المقعد ومن مؤخره. (3) " تعسر " ه‍. (4) عنه البحار: 50 / 259 ح 20. وروى نحوه في الكافي: 1 / 507 ح 5 بإسناده عن أبي أحمد بن راشد وعن أبي هاشم الجعفري عنه اثبات الهداة: 6 / 284 ح 6، وحلية الابرار: 2 / 491. =

[ 422 ]

3 - ومنها: ما حدث به نصراني متطبب بالري يقال له مرعبدا (1)، وقد أتى عليه مائة سنة ونيف وقال: كنت تلميذ بختيشوع طبيب المتوكل (2)، وكان يصطفيني (3) فبعث إليه الحسن بن علي بن محمد بن الرضا عليهم السلام أن يبعث إليه بأخص أصحابه عنده ليفصده (4) فاختارني وقال: قد طلب مني ابن الرضا من يفصده فصر (5) إليه، وهو أعلم في يومنا هذا بمن (6) تحت السماء، فاحذر أن تعترض عليه فيما يأمرك به. فمضيت إليه فأمر بي إلى حجرة، وقال: كن [ ههنا ] إلى أن أطلبك. قال: وكان الوقت الذى دخلت إليه فيه عندي جيدا محمودا للفصد، فدعاني في وقت غير محمود له، وأحضر طشتا عظيما (7) ففصدت الاكحل (8)، فلم يزل الدم يخرج حتى امتلا الطشت. ثم قال لي: اقطع. (9) فقطعت، وغسل يده وشدها، وردني إلى الحجرة وقدم من الطعام الحار والبارد شئ كثير، وبقيت إلى العصر.


= وأورد نحوه في الارشاد للمفيد: 386 عن ابن راشد عن الجعفري، وفى مناقب آل أبى طالب: 3 / 531، وكشف الغمة: 2 / 412 مرسلا عن الجعفري. وأخرجه في البحار المذكور ص 279 ح 53 عن المناقب والارشاد. (1) " فطرس " الحلية والمدينة. (2) قال عنه ابن الاثير في الكامل: 7 / 85 في حوادث سنة " 244 ": وفيها غضب المتوكل على بختيشوع الطبيب، وقبض ماله، ونفاه إلى البحرين. (3) يعني يختارني. (4) الفصد: شق العرق. (5) " فحضر " م. تصحيف. (6) " ممن " س، م. (7) " كبيرا، عظيما " س. (8) الاكحل: عرق في الذراع يقصد. (9) " اقطع الدم " س، ه‍.

[ 423 ]

ثم دعاني، فقال: سرح. (1) ودعا بذلك الطشت، فسرحت، وخرج الدم إلى أن امتلا الطشت، فقال: اقطع. فقطعت وشد يده، وردني إلى الحجرة، فبت فيها. فلما أصبحت وظهرت الشمس دعاني وأحضر ذلك الطشت وقال: سرح. فسرحت، فخرج من يده مثل اللبن الحليب إلى أن أمتلا الطشت، ثم قال: اقطع. فقطعت، وشد يده، وقدم إلي تخت (2) ثياب وخمسين دينارا وقال: خذها، وأعذر وانصرف. فأخذت وقلت: يأمرني السيد بخدمة ؟ قال: نعم، تحسن صحبة من يصحبك من دير العاقول (3). فصرت إلى بختيشوع، وقلت له القصة. فقال: أجمعت الحكماء على أن أكثر ما يكون في بدن الانسان سبعة أمنان (4) من الدم، وهذا الذي حكيت لو خرج من عين ماء لكان عجبا، وأعجب ما فيه اللبن. ففكر ساعة، ثم مكثنا ثلاثة أيام بلياليها نقرأ الكتب على أن تجد لهذه الفصدة (5) ذكرا في العالم فلم نجد، ثم قال: لم تبق اليوم في النصرانية أعلم بالطب من راهب بدير العاقول. فكتب إليه كتابا يذكر فيه ما جرى، فخرجت وناديته، فأشرف علي فقال: من أنت ؟ قلت: صاحب بختيشوع. قال: أمعك كتابه ؟ قلت: نعم. فأرخى لي زبيلا (6) فجعلت الكتاب فيه، فرفعه فقرأ الكتاب، ونزل من ساعته.


(1) تسريح دم المفصود: ارساله بعدما يسيل منه حين يفصد مرة ثانية، (لسان العرب: 2 / 479). (2) التخت: خزانة الثياب. (3) دير العاقول: بين مدائن كسرى والنعمانية، بينه وبين بغداد خمسة عشر فرسخا على شاطئ دجلة كان، فأما الآن فبينه وبين دجلة مقدار ميل... (معجم البلدان: 2 / 520). (4) المن: رطلان، والرطل: تسعون مثقالا. (5) " القصة " البحار: 50. (6) " زنبيلا " البحار. بمعناها، أي القفة أو الجراب أو الوعاء.

[ 424 ]

فقال: أنت الذي فصدت الرجل ؟ قلت: نعم قال: طوبى لامك ! وركب بغلا، وسرنا، فوافينا " سر من رأى " وقد بقي من الليل ثلثه، قلت: أين تحب: دار أستاذنا، أم دار الرجل ؟ قال: دار الرجل. فصرنا إلى بابه قبل الاذان الاول، ففتح الباب، وخرج إلينا خادم أسود، وقال: أيكما راهب (1) دير العاقول ؟ فقال: أنا جعلت فداك. فقال: انزل. وقال لي الخادم: احتفظ بالبغلين. وأخذ بيده ودخلا، فأقمت إلى أن أصبحنا وارتفع النهار. ثم خرج الراهب وقد رمى بثياب الرهبانية، ولبس ثيابا بيضا، وأسلم، فقال: خذني الآن إلى دار أستاذك. فصرنا إلى باب بختيشوع، فلما رآه بادر يعدو إليه ثم قال: ما الذي أزالك عن دينك ؟ قال: وجدت المسيح، وأسلمت على يده، قال: وجدت المسيح ؟ ! قال (2): أو نظيره، فإن هذه الفصدة لم يفعلها في العالم إلا المسيح، وهذا نظيره في آياته وبراهينه. ثم انصرف إليه، ولزم خدمته إلى أن مات. (3) 4 - ومنها: ما روى أحمد بن محمد، عن جعفر بن الشريف الجرجاني (4) حججت سنة، فدخلت على أبي محمد عليه السلام ب‍ " سر من رأى " وقد كان أصحابنا حملوا معي شيئا من المال، فأردت أن أسأله إلى من أدفعه ؟


(1) " صاحب " س. (2) " قال: نعم " س، ه‍. (3) عنه الوسائل: 12 / 75 ح 2 والبحار: 50 / 260 ح 21، وج 62 / 132 ح 102 وحلية الابرار:: 2 / 495، ومدينة المعاجز: 573 ح 79. وروى نحوه في الكافي: 1 / 512 ح 24 عنه الوسائل المذكور ص 74 ح 1 والبحار: 62 / 131 ح 101. (4) ترجم له الشيخ المامقاني في رجاله: 1 / 217 رقم 1730 وذكر الخبر، والسيد الخوئي في 4 / 74 رقم 2172 فراجع.

[ 425 ]

فقال - قبل أن قلت له ذلك -: إدفع ما معك إلى المبارك خادمي. قال: ففعلت [ وخرجت ] وقلت: إن شيعتك بجرجان يقرأون عليك السلام. قال: أو لست منصرفا بعد فراغك من الحج ؟ قلت: بلى. قال: فإنك تصير إلى جرجان من يومك هذا إلى مائة وسبعين (1) يوما، وتدخلها يوم الجمعة لثلاث ليال يمضين من شهر ربيع الآخر في أول النهار، فأعلمهم أني أوافيهم في ذلك اليوم آخر النهار، فامض راشدا، فإن الله سيسلمك ويسلم ما معك فتقدم على أهلك وولدك، ويولد (2) لولدك الشريف ابن، فسمه الصلت بن الشريف ابن جعفر بن الشريف، وسيبلغه الله، ويكون من أوليائنا. فقلت: يا بن رسول الله إن إبراهيم بن إسماعيل الجرجاني (3) وهو من شيعتك كثير المعروف إلى أوليائك، يخرج إليهم في السنة من ماله أكثر من مائة ألف درهم وهو أحد المتقلبين في نعم الله بجرجان. فقال: شكر الله لابي إسحاق إبراهيم بن إسماعيل صنيعته إلى شيعتنا، وغفر له ذنوبه ورزقه ذكرا سويا قائلا بالحق، فقل له: يقول لك الحسن بن علي: سم ابنك أحمد. فانصرفت من عنده، وحججت، وسلمني الله حتى وافيت جرجان في يوم الجمعة في أول النهار من شهر ربيع الآخر على ما ذكر عليه السلام وجاءني أصحابنا يهنئوني فأعلمتهم (4) إن الامام وعدني أو يوافيكم في آخر هذا اليوم، فتأهبوا لما تحتاجون إليه، وأعدوا مسائلكم وحوائجكم كلها. فلما صلوا الظهر والعصر اجتمعوا كلهم في داري، فو الله ما شعرنا إلا وقد وافانا


(1) " وتسعين " م. (2) " وولد " م. (3) " الجلختي " م وكشف الغمة. قال المامقاني في تنقيح المقال: 1 / 14 رقم 67: ابراهيم بن إسماعيل الخلنجي الجرجاني أبو إسحاق، والخلنجي - بالخاء المعجمة المفتوحة واللام المفتوحة والنون والجيم المعجمة ثم الياء - نسبة إلى الخلنج... شجر.. وذكر الخبر. (4) " فوعدتهم " البحار.

[ 426 ]

أبو محمد عليه السلام، فدخل إلينا ونحن مجتمعون، فسلم هو أولا علينا، فاستقبلناه وقبلنا يده ثم قال: إني كنت وعدت جعفر بن الشريف (1) أن أوافيكم في آخر هذا اليوم فصليت الظهر والعصر ب‍ " سر من رأى " وصرت إليكم لاجدد بكم عهدا، وها أنا جئتكم الآن، فاجمعوا مسائلكم وحوائجكم كلها. فأول من انتدب لمسائلته (2) النضر بن جابر، قال: يا بن رسول الله إن ابني جابرا أصيب ببصره منذ أشهر، فادع الله أن يرد عليه عينيه. قال فهاته. فمسح بيده على عينيه فعاد بصيرا، ثم تقدم رجل فرجل يسألونه حوائجهم وأجابهم إلى كل ما سألوه حتى قضى حوائج الجميع، ودعا لهم بخير، وانصرف من يومه ذلك. (3) 5 - ومنها: ما روي عن علي بن زيد بن علي بن الحسين بن زيد بن علي (4) [ قال ]: صحبت أبا محمد عليه السلام من دار العامة إلى منزله. فلما صار إلى الدار، وأردت الانصراف، قال: أمهل. فدخل، ثم أذن لي. فدخلت فأعطاني مائة دينار وقال: صيرها (5) في ثمن جارية، فإن جاريتك فلانة


(1) " محمد الشريف " م. (2) زاد في م: ثلاثة. وفي البحار بلفظ: ابتدأ المسألة. (3) عنه كشف الغمة: 427، واثبات الهداة: 6 / 317 ح 64، والبحار: 50 / 262 ح 22، وعنه في مدينة المعاجز، وعن ثاقب المناقب: 181. وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 206 ح 3 باختصار. (4) عده الشيخ الطوسي في رجاله: 433 رقم 18 من أصحاب العسكري عليه السلام. وترجم له في تنقيح المقال: 3 / 290 رقم 8291، وفي معجم رجال الحديث: 12 / 35 رقم 8140. وفي كتب الانساب أن عليا الاحول هو ابن زيد الشبيه النسابة، وهو ابن علي، وهو ابن الحسين المعروف بذي الدمعة، وهو ابن زيد الشهيد المعروف، ابن سيد الساجدين عليه السلام. (5) أي أجعلها. وفي س، واثبات الهداة والبحار " اصرفها ".

[ 427 ]

ماتت. وكنت خرجت من منزلي وعهدي بها أنشط ما كانت، فمضيت فإذا الغلام قال: ماتت جاريتك فلانة الساعة ! قلت: ما حالها. قال: شربت ماء، فشرقت، فماتت. (1) 6 - ومنها: ما روي عن إسماعيل بن محمد بن علي بن إسماعيل بن علي بن عبد الله ابن عباس (2) بن عبد المطلب [ قال ]: قعدت على ظهر الطريق لابي محمد عليه السلام فلما مر بي شكوت إليه الحاجة. قال: دفنت مائتي دينار، وليس قولي دفعا (3) وأعطاه مائة دينار. قال: ثم أقبل علي، فقال: أما إنك تحرمها أحوج ما تكون إليها - يعني الدنانير التي دفنتها - وصدق، فإذا ابن لي قد عرف مكانها، وأخذها وهرب، فما قدرت منها على شئ. (4)


(1) عنه كشف الغمة: 2 / 428، واثبات الهداة: 6 / 318 ح 65 وحلية الابرار: 2 / 493 ومدينة المعاجز: 574 ح 81، وعنه في البحار: 50 / 264 ح 23 وعن مناقب آل أبي طالب: 3 / 531. وأخرجه في اثبات الهداة المذكور ص 348 ح 134 عن المناقب. (2) كذا في الكافي وإرشاد المفيد ورجال الشيخ الطوسي: 428 رقم 17، ورجال السيد الخوئي: 3 / 169 رقم 1419. وفي الاصل: علي بن محمد بن علي بن إسماعيل بن علي بن عباس. (3) أي ليس قولي هذا - أنك دفنت المائتي دينار - دفعا لك عن العطية. (4) عنه اثبات الهداة: 6 / 288 ح 16 وعن الكافي: 1 / 509 ح 14 بإسناده عن علي بن محمد، عن اسحاق النخعي، عن إسماعيل بن محمد بن علي بن إسماعيل... مثله. وعنه في البحار: 50 / 281 ح 56، وعن الارشاد للمفيد: 387 بإسناده إلى إسماعيل مثله. وأخرجه في اعلام الورى: 370، وحلية الابرار: 2 / 491 عن الكافي. وفي كشف الغمة: 2 / 413 عن الارشاد. وأورده في اثبات الوصية: 244، ومناقب آل أبي طالب: 3 / 531، وثاقب المناقب: 530 =

[ 428 ]

7 - ومنها: ما روي عن أبي هاشم الجعفري [ قال ]: كنت عند أبي محمد عليه السلام فاستؤذن لرجل من أهل اليمن فدخل رجل طويل جسيم، فسلم عليه بالولاية. فقلت في نفسي: ليت شعري من هذا ؟ فقال أبو محمد عليه السلام: هذا من ولد الاعرابية صاحبة الحصاة التي طبع فيها آبائي بخواتيمهم، فانطبعت. فأخرج حصاة وفي جانب منها موضع أملس، فطبع فيها فانطبع، وكأني أقرأ الساعة نقش خاتمه: " الحسن بن علي " ثم نهض الرجل وهو يقول: " رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت ذرية بعضها من بعض ". فسألته عن اسمه، فقال: مهجع بن الصلت بن عقبة بن سمعان بن غانم بن أم غانم وهي الاعرابية اليمانية صاحبة الحصاة التي ختم فيها أمير المؤمنين عليه السلام (1). وصاحبات الحصى ثلاث: إحداهن هي، وتكنى أم غانم. والثانية أم الندى حبابة بن جعفر الوالبية. والاولى إسمها سعاد من بني سعد بن بكر بن عبد مناف. (2)


= والفصول المهمة: 268، ونور الابصار: 184، مرسلا عن اسماعيل. وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 206 ح 4 مرسلا عن على بن محمد باختصار. وأخرجه في احقاق الحق: 12 / 470 عن الفصول المهمة ونور الابصار. (1) زاد في بعض المصادر: قال أبو هاشم الجعفري في ذلك: بدرب الحصى مولى لنا يختم الحصى * له الله أصفى بالدليل وأخلصا وأعطاه آيات الامامة كلها * كموسى وفلق البحر واليد والعصا وما قمص الله النبيين حجة * ومعجزة إلا النبيين قمصا فمن كان مرتابا بذاك فقصره * من الامر أن يبلو الدليل ويفحصا (2) " مناة " م، وثاقب. تصحيف ظ. راجع جمهرة أنساب العرب: 265 - 267، وسبائك الذهب في معرفة قبائل العرب: 25.

[ 429 ]

والثالثة تدعى أم سليم كانت قارئة الكتب، ولكل واحدة خبر. (1) 8 - ومنها: ما روي عن علي بن محمد بن زياد الصيمري (2) [ قال ]: دخلت عن أبي


(1) عنه اثبات الهداة: 6 / 279 - 281 ح 1، وعن الكافي: 1 / 347 ح 4 بإسناده عن محمد بن أبي عبد الله وعلي بن محمد، عن اسحاق النخعي، عن أبي هاشم مثله، وعن غيبة الطوسي: 122 بالاسناد إلى سعد الاشعري عن أبي هاشم مثله، وعن اعلام الورى: 371 نقلا من كتاب أخبار أبي هاشم لاحمد بن محمد بن عياش، عن أحمد بن محمد العطار ومحمد بن أحمد بن بن مصقله، عن سعد، عن داود بن القاسم مثله. وعن كشف الغمة: 2 / 418 نقلا من دلائل الحميري وص 431 نقلا من اعلام الورى وعنه في البحار: 50 / 302 - 303 ح 78 وعن اعلام الورى وغيبة الطوسي وكشف الغمة. ررواه في اثبات الوصية: 240 بإسناده الحميري، عن أبي جعفر العامري عن علان بن حمويه الكلابي، عن محمد بن الحسن النخعي، عن أبي هاشم بلفظ آخر. وأورده في مناقب آل أبي طالب: 3 / 441، وثاقب المناقب: 490، والصراط المستقيم: 2 / 206 ح 5 مرسلا. وأخرجه في البحار: 25 / 179 ح 3 عن الكافي وغيبة الطوسي واعلام الورى، وفي مدينة المعاجز: 564 ح 31. عن بعض المصادر المتقدمة. (2) " عمر (و) بن محمد بن زياد (الريان) الصيمري " نسخ الاصل والغيبة وكشف الغمة واثبات الهداة والبحار. وكلها تصحيف، والصحيح ما في المتن، عده الشيخ في رجاله: 419 رقم 25 من أصحاب الهادي عليه السلام وفي ص 432 رقم 3 من أصحاب العسكري. ومثله البرقي في رجاله: 58 وص 61. وترجم له في تنقيح المقال: 2 / 304 رقم 8473، وفي معجم رجال الحديث: 12 / 154 رقم 8422، فراجع. وقال في اثبات الوصية: صهر جعفر بن محمود الوزير على ابنة أم أحمد، وكان رجلا من وجوه الشيعة وثقاتهم ومقدما في الكتابة والادب والعلم والمعرفة.

[ 430 ]

أحمد [ بن ] عبد الله بن طاهر (1) وبين يديه رقعة أبي محمد عليه السلام، وفيها: " إني نازلت الله (2) في هذا الطاغي - يعني المستعين - (3) وهو آخذه بعد ثلاث " (4) فلما كان اليوم الثالث خلع، وكان من أمره ما كان حتى قتل (5). (6)


(1) هو أبو أحمد عبيدالله بن عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب الخزاعي كان أميرا، وولي الشرطة ببغداد خلافة عن أخيه محمد بن عبد الله، ثم استقل بها بعد موت أخيه - في خلافة المعتز - وكان سيدا، وإليه انتهت رئاسة أهله، وكان شاعرا لطيفا، وله كتب... راجع وفيات الاعيان: 3 / 120. (2) قال ابن الاثير في النهاية: 5 / 43: نازلت ربي في كذا: أي راجعته، وسألته مرة بعد مرة. (3) الظاهر أن قوله: " يعني المستعين هو من كلام المصنف أو الناسخ، فقد ذكر صاحب كتاب دلائل الامامة ما لفظه: " يعني الزبير بن جعفر " والمراد به المعتز بالله، فالتاريخ يخبرنا أن المعتز بويع بعد خلع المستعين - وهو أحمد بن محمد بن المعتصم - لنفسه سنة 252: ثم خلع المعتز نفسه سنة 255 وقتل بعدها بستة أيام، واختلف أصحاب السير والتواريخ في مقتله. وكان المستعين قد اعتقل المعتز والمؤيد حين انحدر إلى بغداد، ولم يأخذها معه... فأجمع الموالي على اخراج المعتز والمبايعة له والانقياد إلى خلافته، ومحاربة المستعين... فبايعوه يوم الاربعاء لاحدى عشرة ليلة خلت من المحرم سنة 251... فأخذ البيعة على الناس، وأحدر أخاه أبا أحمد مع عدة من الموالي لحرب المستعين إلى بغداد.. فخلع المستعين نفسه من الخلافة سنة 252، فكان له مذ وافى مدينة السلام إلى أن خلع سنة كاملة... وقدم على المعتز عبيدالله بن عبد الله بن طاهر بالبرد والقضيب والسيف وبجوهر الخلافة والمعروف أيضا أن شهادة أبي الحسن علي بن محمد عليهما السلام كانت في خلافة المعتز سنة 254، فلاحظ. وسيأتي تعليق للمجلسي في هامش ح 1 حول هذا الموضوع. راجع مروج الذهب: 4 / 60 - 97، والكامل في التاريخ: 7 / 117 - 198 وغيرها. (4) " ثلاثة أيام " ه‍. (5) " وكان من أهله ما كان وقتل " س. (6) عنه كشف الغمة: 2 / 428، وعنه في اثبات الهداة: 6 / 318 ح 66 وعن كشف الغمة وعنه في البحار: 50 / 248 ح 2، وعن غيبة الطوسي بالاسناد إلى (عمر بن ريان الصيمري) وعن المناقب: 3 / 530 مرسلا عن علي بن محمد بن زياد الصيمري. =

[ 431 ]

9 - ومنها: ما قال أبو هاشم الجعفري: كنت محبوسا مع أبي محمد عليه السلام في حبس المهتدي ابن الواثق فقال لي: إن هذا الطاغي أراد أن يتعبث (1) بالله في هذه الليلة، وقد بتر الله عمره، وساء رزقه. فلما أصبحنا شغب الاتراك (2) على المهتدي، فقتلوه، وولي المعتمد مكانه، وسلمنا الله. (3) 10 - ومنها: ما روى الحسن بن ظريف (14) أنه قال: اختلج في صدري مسألتان أردت الكتابة بهما إلى أبي محمد عليه السلام، فكتبت أسأله عن القائم عليه السلام: بم يقضي ؟ وأين مجلسه ؟ وكنت أردت أن أسأله عن شئ لحمى الربع ؟ (15) فأغفلت ذكر الحمى.


= وأورده في دلائل الامامة: 225 عن الصيمري، وفى اثبات الوصية: 240 بالاسناد عن محمد بن عمر الكاتب، عن على بن محمد بن زياد الصيمري، وفى الصراط المستقيم: 2 / 206 ح 6. وأخرجه في مدينة المعاجز: 567 ح 49 عن الدلائل. (1) عبث بالدين وغيره: استخف. (2) شغب القوم - وبهم وعليهم -: هيج الشرء عليهم. قال في مروج الذهب: 4 / 100: وكان حنق الاتراك على المهتدي بسبب قتله بايكيال. (3) أورده في غيبة الطوسي: 123 عن سعد بن عبد الله، عن أبي هاشم الجعفري مثله. عنه مناقب آل أبي طالب: 3 / 530. واثبات الهداة: 6 / 305 ح 46، ومدينة المعاجز: 578 ح 115. وأورده في اثبات الوصية: 245 عن سعد، عن أبي هاشم مثله. وأخرجه في البحار: 50 / 303 ح 79 عن الغيبة والمناقب. (4) الحسن بن ظريف - بالظاء المعجمة المفتوحة، قال عنه النجاشي في رجاله: 61 رقم 140: كوفي يكنى أبا محمد ثقة... له نوادر، والرواة عنه كثيرون... وترجم له في تنقيح المقال: 1 / 286 رقم 2483، فراجع. (5) الربع في الحمى: أن تأخذ يوما وتدع يومين، وتجئ في اليوم الرابع.

[ 432 ]

فجاء الجواب: سألت عن القائم إذا قام يقضي بين الناس بعلمه كقضاء داود ولا يسأل البينة، وكنت أردت أن تسأل لحمى الربع، فأنسيت. فاكتب في ورقة، وعلقه على المحموم * (يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم) * (1) فكتبته وعلقته على المحموم، فبرأ. (2) 11 - ومنها: ما روي عن أحمد بن الحارث القزويني، قال: كنت مع أبي ب‍ " سر من رأى " وكان أبي يتعاطى البيطرة في مربط (3) أبي محمد وكان عند المستعين بغل لم نر مثله حسنا وكبرا، وكان يمنع ظهره واللجام، وقد جمع الرواض (4) فلم يكن له حيلة في ركوبه. فقال له بعض ندمائه: ألا تبعث إلى الحسن بن الرضا حتى يجئ، إما أن يركبه وإما أن يقتله، فبعث إلى أبي محمد عليه السلام ومضى معه أبي. فلما دخل الدار كنت مع أبي، فنظر أبو محمد عليه السلام إلى البغل واقفا في صحن


(1) سورة الانبياء: 69. (2) عنه البحار: 95 / 66 ح 46، وعنه في ج 50 / 264 ح 24، وعن مناقب آل أبي طالب 3 / 531. ورواه في الكافي: 1 / 509 ح 13، والارشاد للمفيد: 387 بإسناديهما إلى الحسن بن ظريف مثله. وأورده الراوندي في الدعوات: 209 ح 567، والاربلي في كشف الغمة: 2 / 413، وعماد الدين في ثاقب المناقب: 494، والصراط المستقيم: 2 / 207 مرسلا عن الحسن بن ظريف مثله. وأخرجه في اعلام الورى: 376 واثبات الهداة: 6 / 287 ح 15، وحلية الابرار: 2 / 627 عن الكافي، وفي البحار: 95 / 31 ضمن ح 15 عن الدعوات، وفي ج 50 / 264 ملحق ح 24 عن الارشاد واعلام الورى. (3) المربط: موضع ربط الدواب. (4) راض المهر: ذلله وطوعه وعلمه السير، فهو رائض، وجمعها راضة ورواض.

[ 433 ]

الدار، فوضع يده على كتفه، فعرق البغل، ثم صار إلى المستعين، فرحب به وقربه وقال: ألجم (1) هذا البغل. فقال أبو محمد عليه السلام لابي: ألجمه. فقال المستعين: ألجمه أنت يا أبا محمد. فقام أبو محمد ووضع طيلسانه، فألجمه، ثم رجع إلى مجلسه. فقال: يا أبا محمد أسرجه. فقال أبو محمد لابي: أسرجه. فقال المستعين: أسرجه أنت يا أبا محمد. فقام [ أبو محمد عليه السلام ثانية ] فأسرجه [ ورجع ] ثم قال: ترى أن تركبه ؟ قال: نعم. فركبه أبو محمد عليه السلام من غير أن يمتنع عليه، ثم ركضه (2) في الدار، ثم حمله على الهملجة (3) فمشى له أحسن مشي، ثم نزل، فرجع إليه، فقال المستعين: قد حملك عليه أمير المؤمنين. فقال أبو محمد لابي: خذه. فأخذه وقاده (4)


(1) ألجم الدابة: ألبسها اللجام، وهو ما يجعل في فمها من الحديد. (2) ركض الفرس برجليه: استحثه للعدو. (3) الهملجة: حسن سير الدابة في سرعة. والهملاج: الحسن السير في سرعة، وبخترة. (لسان العرب: 2 / 393). (4) عنه البحار: 50 / 265 ح 25، وعن مناقب آل أبي طالب: 3 / 537. ورواه في الكافي: 1 / 507 ح 4، والارشاد للمفيد: 385 بإسناديهما إلى أحمد بن الحارث القزويني مثله. وأورده في روضة الواعظين: 294، وكشف الغمة: 2 / 411، وثاقب المناقب: 504 مرسلا عن أحمد بن الحارث. وأخرجه في اثبات الهداة: 6 / 283 ح 5، وحلية الابرار: 2 / 499، ومدينة المعاجز 561 ح 5 عن الكافي، وفي البحار المذكور ملحق ح 25 عن الارشاد. قال المجلسي: في مرآة العقول: 6 / 151: يشكل هذا بأن الظاهر أن هذه الواقعة كانت في أيام امامة أبي محمد بعد وفاة أبيه عليهما السلام، وهما كانتا في جمادى الآخرة سنة 254 كما ذكره الكليني وغيره، فكيف يمكن أن يكون هذه في زمان المستعين، فلابد =

[ 434 ]

12 - ومنها: ما روي عن علي بن زيد بن علي بن الحسين بن زيد بن علي (1) قال: كان لي فرس كنت به معجبا، أكثر ذكره في المجالس، فدخلت على أبي محمد عليه السلام يوما قال: ما فعل فرسك ؟ قلت: هو ذا على بابك الآن. فقال: استبدل به قبل المساء إن قدرت على مشتر لا تؤخر ذلك. ودخل داخل فانقطع الكلام، فقمت مفكرا (2) ومضيت إلى منزلي، فأخبرت أخي بذلك، فقال: ما أدري ما أقول في هذا، وشححت (3) به، ونفست (4) على الناس به، فلما صليت العتمة جاءني السائس. فقال: نفق (5) فرسك الساعة. فاغتممت وعلمت أنه عنى هذا بذلك القول. فدخلت على أبي محمد عليه السلام (من بعد وأنا) (6) أقول في نفسي: ليته أخلف (7) علي دابة. فقال - قبل أن أتحدث بشئ -: نعم نخلف عليك، يا غلام أعطه برذوني


اما من تصحيف المعتز بالمستعين، وهما متقاربان صورة، أو تصحيف أبى الحسن بالحسن والاول أظهر للتصريح بأبى محمد في مواضع. وكون ذلك قبل امامته عليه السلام في حياة والده عليه السلام، وان كان ممكنا لكنه بعيد، انتهى. وتقدم في هامش ح 8 ص 429 بيان حول هذا، فراجع. (1) تقدم بيانه في ص 426 ح 5. (2) فكر وتفكر في الامر: أعمل الخاطر فيه وتأمله. وفي ه‍ والكافي: متفكرا. (3) شح بالشئ: بخل وحرص. (4) نفس به: ضن به. ونفس الشئ على فلان: لم يره أهلا له. (5) نفق: مات. أقول: المعصوم عليه السلام هنا أظهر كرامة من كراماته بعلمه بموت الفرس، وقد سبق في علمه عليه السلام بقوله " ان قدرت... " أنه لا يبيعه لتعلقه الشديد به. (6) " و " م. وفي الكافي " بعد أيام وأنا ". (7) أخلف الله عليه: رد عليه ما ذهب.

[ 435 ]

الكميت (1). ثم قال لي: هذا خير من فرسك وأوطأ وأطول عمرا. (2) 13 - ومنها: ما قال أبو هاشم الجعفري: شكوت إلى أبي محمد عليه السلام ضيق الحبس، وشدة القيد، فكتب إلي: تصلي الظهر في منزلك. فاخرجت وقت الظهر، وصليت في منزلي. وكنت مضيقا (3) فأردت أن أطلب منه معونة في الكتاب الذي كتبته إليه فاستحييت. فلما صرت إلى المنزل وجه إلي مائة دينار (4) وكتب إلي:


(1) البرذون - بكسر الراء -: هو من الخيل الذي أبواه أعجميان. والكميت من الخيل: الفرس الاحمر والمصدر: الكمتة، وهي حمرة يدخلها قنوء، وعن الخليل وقد سأله سيبويه عن الكميت ؟ قال: إنما صغر لانه بين السواد والحمرة لم يخلص واحد منهما، فأرادوا بالتصغير أنه منهما قريب، والفرق بين الكميت والاشقر بالعرف والذنب فإن كانا أسودين فكميت، وإن كانا أحمرين فأشقر. (مجمع البحرين: 2 / 217 وج 3 / 178). (2) عنه البحار: 50 / 266 ح 26، وعن مناقب آل أبي طالب: 3 / 531. ورواه في الكافي: 1 / 510 ح 15، وفي الارشاد للمفيد: 388 بإسناديهما إلى علي بن زيد بن علي بن الحسين بن زيد بن علي. وأورده في اثبات الوصية: 244 عن علان الكلبي، عن إسحاق، عن علي بن زيد بن علي مثله، وفي ثاقب المناقب: 499، وكشف الغمة: 2 / 413 مرسلا عن علي بن زيد بن الحسين وأخرجه في اعلام الورى: 371، واثبات الهداة: 6 / 289 ح 17 عن الكافي وفي البحار المذكور ملحق 26 عن الارشاد واعلام الورى، وفي مستدرك الوسائل: 8 / 256 ح 5 (3) أي في فقر وشدة. (4) كذا في خ ل والاصل، وفي م " ثمانية دنانير ".

[ 436 ]

إذا كانت لك حاجة فلا تستحي، واطلبها تأتيك على ما تحب أن تأتيك. (1) 14 - ومنها: ما روي عن أبي حمزة نصير الخادم [ قال ]: سمعت أبا محمد عليه السلام غير مرة، يكلم غلمانه وغيرهم بلغاتهم، وفيهم روم وترك وصقالبة. فتعجبت من ذلك، وقلت: هذا ولد هنا (2) ولم يظهر لاحد حتى مضى (3) أبو الحسن ولا رآه أحد، فكيف هذا ؟ - أحدث بهذا نفسي (4). فأقبل علي فقال: إن الله بين حجته من بين سائر خلقه، وأعطاه معرفة كل شئ فهو يعرف اللغات والاسباب (5) والحوادث، ولولا ذلك لم يكن بين الحجة


(1) عنه اثبات الهداة: 6 / 286 ح 11 و 12 وعن الكافي: 1 / 508 ح 10 بإسناده إلى أبي هاشم الجعفري. وعنه في البحار: 50 / 267 ح 27، وعن مناقب آل أبي طالب: 3 / 532 صدره وص 538 ذيله. ورواه في الارشاد للمفيد: 386 بإسناده إلى أبي هاشم الجعفري مثله. وأورده في اثبات الوصية: 241 صدره وص 242 ذيله، وفي كشف الغمة: 2 / 412 وفي ثاقب المناقب: 502 صدره وص 494 ذيله، وفي الصراط المستقيم: 2 / 207 ح 9 مرسلا عن أبي هاشم مثله. وأخرجه في اعلام الورى: 372 عن أبي عبد الله أحمد بن محمد بن عياش بإسناده إلى أبي هامش الجعفري مثله. وزاد في آخره: قال: وكان أبو هاشم حبس مع أبي محمد عليه السلام، كان المعتز حبسهما مع عدة من الطالبيين في سنة 258، عنه حلية الابرار: 2 / 492. وأخرجه في البحار المذكور ملحق ح 27 عن الارشاد واعلام الورى. وأخرجه في مدينة المعاجز: 562 ح 11 و 121 عن الكافي وعن ابن عياش، وفي ص 570 ح 63 عن السيد المرتضى. (2) " بالمدينة " البحار وأغلب المصادر. (3) " قضى " البحار. (4) " في نفسي " م. (5) " الانساب " البحار.

[ 437 ]

والمحجوج فرق. (1) 15 - ومنها: أن أبا محمد عليه السلام سلم (2) إلى نحرير (3) فقالت له امرأته: اتق الله (4) فإنك لا تدري من في منزلك ؟ وذكرت عبادته وصلاحه - وأنا أخاف عليك منه. فقال: لارمينه بين السباع. ثم استأذن في ذلك، فأذن له، فرمى به إليها، ولم تشك (5) في أكلها له. فنظروا من الغد إلى الموضع ليعرفوا الحال، فوجدوه قائما يصلي، وهي حوله فأمر بإخراجه. (6)


(1) عنه اثبات الهداة: 6 / 286 ح 13، وعن الكافي: 1 / 509 ح 11 بإسناده إلى أبي حمزة نصير الخادم. وعنه في البحار: 50 / 268 ح 28، وعن مناقب آل أبي طالب: 3 / 529. ورواه في الارشاد للمفيد: 387 بإسناده إلى أبي حمزة نصير الخادم. وأورده في اثبات الوصية: 243 عن أحمد بن محمد الاقرع، عن نصير الخادم، وروضة الواعظين: 294، وكشف الغمة: 2 / 412. وأخرجه في اعلام الورى: 375 عن الكافي. (2) على بناء المجهول. (3) هو الخادم، وكان راع لسباع الخليفة وكلابه. وذكره المجلسي ره في مرآة العقول وقال: النحرير لعنه الله. وذكر ابن الاثير في الكامل اسم " نحرير الخادم " في حوادث سنة 301، وسنة 379 فراجع. وفي المناقب " يحيى بن قتيبة الاشعري "، وفي ثاقب المناقب " يحيى بن أيم " وفي حلية الابرار " نحرير الخادم ". (4) ففي رواية الكافي أنه كان يضيق عليه ويؤذيه. (5) أي امرأة النحرير. وفي البحار " يشكوا ". (6) عنه البحار: 50 / 268 ح 29. ورواه في الكافي: 1 / 513 ح 26، والارشاد للمفيد: 389 بإسناديهما إلى بعض الاصحاب مثله. =

[ 438 ]

16 - ومنها: ما روى أبو سليمان داود بن عبد الله [ قال: حدثنا ] المالكي عن ابن الفرات [ قال ]: كنت بالعسكر قاعدا (1) في الشارع، وكنت أشتهي الولد شهوة شديدة فأقبل أبو محمد عليه السلام فارسا (2). فقلت تراني (3) أرزق ولدا ؟ فقال برأسه (4): نعم. فقلت: ذكرا ؟ فقال برأسه: لا. فولدت لي ابنة. (5) 17 - ومنها: ما روى أبو سليمان، عن علي بن زيد (6) المعروف ب‍ " ابن رمش " قال: اعتل ابني أحمد، وكنت بالعسكر، وهو ببغداد، فكتبت إلى أبي محمد أسأله الدعاء. فخرج توقيعه: " أوما علم علي أن لكل أجل كتابا " ؟ فمات الابن. (7)


= وأورد مثله في مناقب آل أبى طالب: 3 / 530 عن يحيى بن قتيبة الاشعري، وفى كشف الغمة: 2 / 414 مرسلا، وفى ثاقب المناقب: 506 عن يحيى بن أيم. وأخرجه في اعلام الورى: 379، واثبات الهداة: 6 / 294 ح 29، وحلية الابرار: 2 / 485 عن الكافي، وفى مدينة المعاجز: 578 ح 114 عن المناقب. (1) زاد في ط " مفكرا ". والعسكر من أسماء " سر من رأى ". (2) فارسا: راكبا فرسا. (3) " ترى " ط، والبحار. (4) قال برأسه: أشار. (5) عنه اثبات الهادة: 6 / 319 ح 67، والبحار: 50 / 268 ح 30، وعن كشف الغمة: 2 / 428 نقلا من دلائل الحميري. ورواه في الهداية الكبرى: 386 بإسناده عن أبي علي المالكي وأبي عبد الله جعفر بن محمد الرامزي مثله. وأورده في اثبات الوصية: 247 عن جعفر بن محمد بن موسى مثله، وفي الصراط المستقيم: 2 / 207 ح 11 عن ابن الفرات مثله. (6) " يزيد " م. والظاهر أنه على بن زيد العلوي. (7) عنه كشف الغمة: 2 / 428، والبحار: 50 / 269 ح 31. وأخرجه في اثبات الهداة: 6 / 337 ح 17 عن الكشف.

[ 439 ]

18 - ومنها: ما روى أبو سليمان، عن المحمودي (1) قال: كتبت إلى أبي محمد أسأله الدعاء (2) [ بأن أرزق ولدا. فوقع: " رزقك الله ولدا وأصبرك عليك ". فولد لي ابن ومات ]. (3) 19 - ومنها: ما روي عن محمد بن علي بن إبراهيم الهمداني (4) قال: كتبت إلى أبي محمد أسأله (التبرك، بأن يدعو) (5) أن أرزق ولدا ذكرا من بنت عم لي فوقع: " رزقك الله ذكرانا " فولد لي أربعة. (6) 20 - ومنها: ما روي عن علي بن جعفر الحلبي [ قال ]: اجتمعنا بالعسكر، وترصدنا لابي محمد عليه السلام يوم ركوبه، فخرج توقيعه: " ألا لا يسلمن علي أحد، ولا يشير إلي بيده، ولا يومئ أحدكم، فإنكم لا تأمنون على أنفسكم ".


(1) " أبو سليمان المحمودي " البحار، والظاهر أن المحمودي هو أحمد بن حماد المكنى بأبي علي، المعدود في رجال الشيخ: 428 رقم 8 من أصحاب العسكري عيله السلام. (2) " التبرك " م. وما بعده كما في كشف، واثبات، والبحار. فالموجود في " م " تتمة الحديث التالي الذي ذكر سنده - عن الهمداني في - الحاشية، فحصل خلط بين الحديثين. وأورد في الصراط المستقيم: 2 / 9 ما لفظه: أخبر عليه السلام المحمودي أنه سيولد له ذكرانا، فولد له أربعة. فلاحظ. (3) عنه كشف الغمة: 2 / 428، واثبات الهداة: 6 / 338 ح 108، والبحار: 50 / 269 ح 32. (4) ذكره الشيخ في الفهرست: 301 رقم 656، وقال له كتاب، وعده في رجاله: 493 رقم 14 في من لم يرو عن الائمة عليهم السلام. وقال ابن الغضائري: كانت لابيه وصلة بأبي الحسن عليه السلام. تجد ترجمته في تنقيح المقال: 3 / 152 رقم 11079. (5) " أن يدعو الله " كشف، واثبات. (6) كشف الغمة: 2 / 428، واثبات الهداة: 6 / 338 ح 109، والبحار: 50 / 269 ح 33.

[ 440 ]

قال: وإلى جانبي شاب، قلت: من [ أين ] أنت ؟ قال: من المدينة. قلت: ما تصنع ههنا ؟ قال: اختلفوا عندنا في أبي محمد عليه السلام فجئت لاراه وأسمع منه، أو أرى منه دلالته، ليسكن قلبي، وإني من ولد أبي ذر الغفاري، فبينا نحن كذلك إذ خرج أبو محمد عليه السلام مع خادم له، فلما حاذانا، نظر إلى الشاب الذي بجنبي. فقال: غفاري أنت ؟ قال: نعم. قال: ما فعلت أمك حمدويه (1) ؟ فقال: صالحة. ومر، فقلت للشاب: أكنت رأيته قط، وعرفته بوجهه قبل اليوم ؟ قال: لا. قلت فيقنعك هذا ؟ قال: ومن دون هذا. (2) 21 - ومنها: ما قال يحيى بن المرزبان: التقيت مع رجل من أهل السيب (3) سيماه الخير (4) وأخبرني أنه كان له ابن عم ينازعه في الامامة، والقول في أبي محمد عليه السلام وغيره، قلت: لا أقول [ به ] أو أرى منه علامة. فوردت العسكر في حاجة، فأقبل أبو محمد عليه السلام - فقلت في نفسي متعنتا - (5): إن مد يده إلى رأسه فكشفه، ثم نظر إلي فرده، قلت به. فلما حاذاني مد يده إلى رأسه فكشفه، ثم برق عينيه (6) في ثم ردهما، ثم قال:


(1) " حمدونة " الصراط. (2) عنه البحار: 50 / 269 ح 34. وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 207 ح 13 باختصار. (3) " السبت " م. والسيب - بالكسر ثم السكون -: كورة من سواد الكوفة، والسيب أيضا نهر بالبصرة فيه قرية كبيرة، وأيضا موضع أو جزيرة بخوارزم. وسبت: موضع بين طبرية والرملة عند عقبة طبرية. (معجم البلدان: 3 / 182 وص 293). (4) " سماه بالخير " م. " سماه " اثبات الهداة. (5) من الكشف والبحار. (6) عنتة: أصل صحيح يدل على مشقة وما أشبه ذلك. والعنت: العسف والحمل على المكروه ويحمل على هذا ويقاس عليه (معجم مقاييس اللغة: 4 / 150). وفي م، ه‍ " متعتنا ". يقال: أعتن على غريمه: تشدد عليه وآذاه. (7) برق عينيه: وسعهما وأحد النظر.

[ 441 ]

يا يحيى ما فعل ابن عمك الذي تنازعه في الامامة ؟ فقلت: خلفته صالحا. قال: لا تنازعه. ثم مضى. (1) 22 - ومنها: ما روى عن ابن الفرات [ قال: ] كان لي على ابن عم لي عشرة آلاف درهم (2) فكتبت إلى أبي محمد عليه السلام أسأله الدعاء لذلك. فكتب إلي: إنه راد عليك مالك، وهو ميت بعد جمعة. قال: فرد علي ابن عمي مالي، فقلت له: ما بدا لك في رده وقد منعتنيه ؟ قال: رأيت أبا محمد عليه السلام في النوم، فقال: إن أجلك قد دنا، فرد على ابن عمك ماله. (3) 23 - ومنها: ما روي عن علي بن الحسن بن سابور قال: قحط الناس ب‍ " سر من رأى " في زمن الحسن الاخير عليه السلام فأمر [ المعتمد بن ] (4) المتوكل الحاجب وأهل المملكة أن يخرجوا إلى الاستسقاء. فخرجوا ثلاثة أيام متوالية إلى المصلى يستسقون، ويدعون فما سقوا. فخرج الجاثليق في اليوم الرابع إلى الصحراء، ومعه النصارى والرهبان، وكان فيهم راهب، فلما مد يده هطلت السماء بالمطر.


(1) عنه كشف الغمة: 2 / 428، والبحار: 50 / 270 ح 35. وأورده في ثاقب المناقب: 496 عن يحيى بن المرزبان مثله، عنه مدينة المعاجز: 577 ح 105. وأخرجه في اثبات الهداة: 6 / 338 ح 110 عن كشف الغمة. (2) زاد في كشف [ ]: " فطالبته بها مرارا فمنعنيها ". (3) عنه كشف الغمة: 2 / 429، والبحار: 50 / 270 ح 36. وأورده في ثاقب المناقب: 497 عن ابن الفرات مثله، عنه مدينة المعاجز: 577 ح 106. وفي الصراط المستقيم: 2 / 207 ح 14 باختصار. وأخرجه في اثبات الهداة: 6 / 339 ح 111 عن كشف الغمة. (4) من بعض المصادر. وفي س، والبحار، وبقية المصادر بلفظ " فأمر الخليفة الحاجب ". ومعلوم أنه كان شهادة الامام الهادي سنة " 254 "، وشهادة الامام العسكري سنة " 260 ". ومات المتوكل سنة 247، بينما بويع المعتمد سنة " 256 "، فلاحظ.

[ 442 ]

وخرج في اليوم الثاني، فهطلت السماء بالمطر. فشك أكثر الناس، وتعجبوا وصبوا (1) إلى النصرانية، فبعث الخليفة (2) إلى الحسن - وكان محبوسا - فاستخرجه من حبسه وقال: الحق أمة جدك فقد هلكت. فقال له: إنى خارج في الغد، ومزيل الشك إن شاء الله. فخرج الجاثليق في اليوم الثالث، والرهبان معه، وخرج الحسن عليه السلام في نفر من أصحابه فلما بصر بالراهب - وقد مد يده - أمر بعض مماليكه أن يقبض على يده اليمنى، ويأخذ ما بين إصبعيه، ففعل وأخذ من بين سبابته والوسطى (3) عظما أسود، فأخذ الحسن عليه السلام بيده ثم قال له: استسق الآن. فاستسقى، وكانت السماء متغيمة فتقشعت (4) وطلعت الشمس بيضاء، فقال الخليفة: ما هذا العظم يا أبا محمد ؟ فقال عليه السلام: هذا رجل (5) مر بقبر نبي من أنبياء الله، فوقع في يده هذا العظم، وما كشف عن عظم نبي إلا هطلت السماء بالمطر. (6)


(1) صبوا: مالوا. (2) " المتوكل " م. وكذا بعدها. (3) " سبابتيه ". (4) تقشع السحاب: زال وانكشف. (5) " رجل شريف " ه‍. (6) عنه كشف الغمة: 2 / 429، واثبات الهداة: 6 / 319 ح 68. وعنه في البحار: 50 / 270 ح 37، وحلية الابرار: 2 / 502 وعن مناقب آل أبي طالب: 3 / 526. وعنه في مدينة المعاجز: 574 ح 83، وعن ثاقب المناقب: 501. وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 207 ح 15 مرسلا باختصار، وفي الفصول المهمة: 269، ونور الابصار: 184 عن أبي هاشم الجعفري ره، وفي الصواعق المحرقة: 124، وجواهر العقدين: 396، ومفتاح النجا: 189، ورشفة الصادى: 196 مرسلا. وأخرجه في ينابيع المودة: 366 عن الصواعق والمسعودي، وص 396 عن داود بن القاسم الجعفري، وفي أحقاق الحق: 12 / 264 - 266 عن بعض المصادر المتقدمة.

[ 443 ]

24 - ومنها: ما روى أبو سليمان قال: حدثنا أبو القاسم بن أبي حليس (1) [ قال ]: كنت أزور العسر (2) في شعبان في أوله، ثم أزور الحسين عليه السلام في النصف، فلما كان في سنة من السنين، وردت العسكر قبل شعبان، وظننت أني لا أزوره في شعبان فلما دخل شعبان قلت: لا أدع زيارة كنت أزورها، وخرجت إلى العسكر وكنت إذا وافيت العسكر اعلمهم برقعة أو برسالة. فلما كان في هذه المرة قلت: أجعلها زيارة خالصة لا أخلطها بغيرها، وقلت لصاحب المنزل: أحب أن لا تعلمهم بقدومي. فلما أقمت ليلة جاءني صاحب المنزل بدينارين وهو يبتسم متعجبا ويقول: بعث إلي بهذين الدينارين وقيل لي: ادفعهما إلى الحليسي وقل له: من كان في حاجة (3) الله، كان الله في حاجته. (4) 25 - ومنها: ما روى إسحاق بن يعقوب، عن بدل مولاة أبي محمد عليه السلام قالت (5): كنت رأيت من عند رأس أبي محمد عليه السلام نورا ساطعا إلى السماء، وهو نائم. (6)


(1) " أبو القاسم الحليسى " م. " أبو القاسم الحبشي " ه‍، ط، الاثبات، والبحار. وما في المتن كان في كمال الدين ومجمع الرجال: 7 / 84 وص 192 ذكره القهبائي - عن ربيع الشيعة - في من رأى الحجة " عج " من غير الوكلاء. (2) " الحسن " ط. " العسكري " ه‍. (3) " طاعة " ط، س، ه‍، الاثبات والبحار. (4) عنه اثبات الهداة: 6 / 320 ح 69. والبحار: 50 / 271 ح 38. وعنه في مدينة المعاجز: 574 ح 84 وعن ثاقب المناقب: 497. ورواه في إكمال الدين: 2 / 493 ح 18 بإسناده عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أبي القاسم بن أبي الحليس مثله، عنه اثبات الهداة: 7 / 305 ح 53، والبحار: 51 / 331 ح 56. (5) " بذل مولى أبي محمد عليه السلام قال " البحار. (6) عنه البحار: 50 / 272 ح 39، وعن كشف الغمة: 2 / 426 نقلا من كتاب الدلائل مثله. وأخرجه في اثبات الهداة: 6 / 337 ح 105 عن الكشف.

[ 444 ]

26 - ومنها: ما روى علي بن محمد بن الحسن قال: وافت جماعة من الاهواز من أصحابنا - وأنا معهم - وخرج السلطان إلى صاحب البصرة يريد النظر إلى أبي محمد عليه السلام فنظرنا إليه ماضيا معه، وقعدنا بين الحائطين ب‍ " سر من رأى " ننتظر رجوعه. قال: فرجع، فلما (1) حاذانا، وقف فمد يده إلى قلنسوته (2) فأخذها من رأسه، وأمسكها بيده، ثم أخذ بيده الاخرى، ووضعها على رأسه، وضحك في وجه رجل منا. فقال الرجل: أشهد أنك حجة الله وخيرته. فقلنا، يا هذا ما شأنك ؟ قال: كنت شاكا فيه (3). فقلت في نفسي: إن رجع وأخذ القلنسوة من رأسه، قلت بإمامته. (4) 27 - ومنها: ما روي عن علي بن زيد بن علي الحسين بن زيد [ قال: ] دخلت يوما على أبي محمد عليه السلام وإني جالس عنده إذ ذكرت منديلا كان معي فيه خمسون دينارا، فقلقت (5) لها، ولم أتكلم (6) بشئ [ ولا أظهرت ما خطر ببالي ] (7)


(1) " قال: فلما " م. (2) القلنسوة: نوع من ملابس الرأس، وهي على هيئات متعددة. (3) " في امامته " الكشف والاثبات. (4) عنه البحار: 50 / 294 ح 68، وعن كشف الغمة: 2 / 425 نقلا من كتاب الدلائل مثله وأورده في اثبات الوصية: 246 عن علي بن محمد بن الحسن، وفي عيون المعجزات: 136 عن الحسن بن سهل، عن علي بن محمد بن الحسن، وفي الصراط المستقيم: 2 / 208 ح 16 باختصار. وأخرجه في اثبات الهداة: 6 / 320 ح 70 عن الكشف، وفي مدينة المعاجز: 571 ح 66 عن السيد المرتضى. (5) قلق: اضطرب وانزعج. (6) " وما تكلمت " ه‍. ط، والبحار. (7) من البحار ومدينة المعاجز.

[ 445 ]

فقال أبو محمد عليه السلام: لا بأس هي مع أخيك الكبير، سقطت منك حين نهضت فأخذها وهي محفوظة [ معه ] إن شاء الله. فأتيت المنزل، فردها إلي أخي. (1) 28 - ومنها: ما روي عن محمد بن ربيع الشيباني (2) قال: ناظرت رجلا من الثنوية (3) بالاهواز، ثم قدمت سر من رأى، وقد علق قلبي بشئ من مقالته، وإني لجالس على باب أحمد بن الخضيب إذ أقبل أبو محمد عليه السلام من دار العامة يوم الموكب فنظر إلي وأومأ بسبابته " أحد، أحده، فوحده " فسقطت مغشيا علي. (4) 29 - ومنها: ما روي عن أبي العيناء محمد بن القاسم الهاشمي قال: كنت أدخل على أبي محمد عليه السلام وأعطش فأجله (5) أن أدعو بالماء، فيقول: " يا غلام اسقه " وربما حدثت نفسي بالنهوض فافكر في ذلك، فيقول: يا غلام دابته. (6)


(1) عنه البحار: 50 / 272 ح 40، ومدينة المعاجز: 575 ح 85. وأخرجه في كشف الغمة: 2 / 425 عن كتاب الدلائل عنه البحار المذكور. (2) قال السيد الخوئي في رجاله: 16 / 81 رقم 10735: محمد بن الربيع السائي (الشائي) (الشيباني). روى عن العسكري عليه السلام... وعده الشيخ في رجاله: 437 رقم 24 من أصحاب الامام الحسن العسكري عليه السلام وفيه محمد بن الربيع بن سويد السائي. (3) الثنوية: من يثبت مع القديم قديما غيره، قيل: وهم فرق المجوس يثبتون مبدأين مبدءا للخير ومبدءا للشر وهما النور والظلمة، ويقولون بنبوة إبراهيم عليه السلام. وقيل... (مجمع البحرين مادة " ثنا "). (4) عنه البحار: 50 / 293 ح 67، وعن كشف الغمة: 2 / 425 من كتاب الدلائل عن محمد بن الربيع. ورواه الكليني في الكافي: 1 / 511 ح 20 عن اسحاق قال: أخبرني محمد بن الربيع الشائى... عنه اثبات الهداة: 6 / 292 ح 24. وأورده في مناقب آل أبي طالب: 3 / 529 عن محمد بن الربيع الشيباني، عنه مدينة المعاجز: 578 ح 3. وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 208 ح 18 عن محمد بن الربيع. (5) جل فلان يجل - بالكسر - جلالة: أي عظم قدره، فهو جليل. (6) عنه البحار: 50 / 272 ح 41 وعن مناقب آل أبي طالب: 3 / 533 عن أبي العيناء. =

[ 446 ]

30 - ومنها: ما روي عن أبي بكر الفهفكي (1) [ قال: ] أردت الخروج من سر من رأى لبعض الامور وقد طال مقامي بها، فغدوت يوم الموكب وجلست في شارع أبي قطيعة بن داود (2) إذ طلع أبو محمد عليه السلام يريد دار العامة فلما رأيته قلت في نفسي: أقول له: يا سيدي إن كان عندك الخروج من سر من رأى خيرا لي، فأظهر التبسم في وجهي. فلما دنا مني تبسم تبسما بينا جيدا فخرجت من يومي، فأخبرني [ بعض ] أصحابنا أن غريما (3) لي كان له عندي مال، قدم يطلبني ولو ظفر بي لهتكني (4) لان ماله لم يكن عندي [ شاهدا ]. (5) 31 - ومنها: ما روي عن محمد بن أحمد بن الاقرع [ قال: ] كتبت إلى أبي محمد عليه السلام أسأله عن الامام هل يحتلم ؟ وقلت في نفسي: الاحتلام شيطنة وقد أعاذ الله أولياءه من ذلك. فورد الجواب: حال الائمة في النوم حالهم في اليقظة، لا يغير النوم منهم


= ورواه في الكافي: 1 / 512 ح 22 عن اسحاق، قال: حدثنى محمد بن القاسم أبو العيناء الهاشمي، عنه اثبات الهداة: 6 / 293 ح 26. وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 208 ح 19 عن أبى العيناء. (1) أبو بكر الفهفكي ابن أبي طيفور المتطب، من أصحاب الهادي عليه السلام، في ذكره الشيخ في رجاله: 426 رقم 8 السيد الخوئي في رجاله: 21 / 71. (2) هكذا في اثبات الهداة والبحار، وفي الاصل " قطيعة بن أبي داود ". (3) الغريم: الدائن، المديون، والمراد به المعنى الاول هنا. (4) " ان غريما لك كان له عندك مال قدم يطلبك فلم يجدك ولو ظفر بك هتك (قتلك) " ط، ه‍، س اثبات الهداة. (5) عنه اثبات الهداة: 6 / 321 ح 72، والبحار: 50 / 273 ح 42، ومدينة المعاجز: 575 ح 86.

[ 447 ]

شيئا، وقد أعاذ الله أولياءه من لمة (1) الشيطان كما حدثتك نفسك. (2) 32 - ومنها: ما روي عن محمد بن عبد العزيز البلخي [ قال: ] أصبحت يوما فجلست في شارع الغنم (3) فإذا بأبي محمد عليه السلام قد أقبل من منزله يريد الدار العامة فقلت في نفسي: إن صحت يا أيها الناس هذا حجة الله عليكم فاعرفوه، يقتلوني ؟ فلما دنا مني أومأ إلي باصبعه السبابة على فيه أن اسكت !. ورأيته تلك الليلة يقول: إنما هو الكتمان أو القتل، فاتق الله على نفسك. (4) 33 - ومنها: ما روي عن عمر بن أبي مسلم [ قال: ] كان سميع المسمعي يؤذيني كثيرا ويبلغني عنه ما أكره (5) وكان ملاصقا لداري، فكتبت إلى أبي محمد


(1) اللمة: الهمة والخطرة تقع في القلب. وقيل: للشيطان لمة أي دنو. (2) عنه اثبات الهداة: 6 / 287 ح 14، وعن الكافي: 1 / 509 ح 12 باسناده إلى اسحاق عن الاقرع مثله، وعن كشف الغمة: 2 / 423 من كتاب الدلائل عن محمد بن أحمد الاقرع، مثله. وعنه البحار: 25 / 157 ح 28، وج: 50 / 290 ح 64، وعن كشف الغمة. ورواه المسعودي في اثبات الوصية: 244 عن الحميري. وأورده في ثاقب المناقب: 499 (مخطوط) عن اسحاق، وفي الصراط المستقيم: 2 / 208 ح 20 عن الاقرع. وأخرجه في مدينة المعاجز: 562 ح 14 عن الكافي. (3) " القمر " ط، ومدينة المعاجز. (4) عنه البحار: 50 / 290 ذ ح 63، ومدينة المعاجز: 575 ح 87. ورواه المسعودي في اثبات الوصية: 243 عن الحميري عن اسحاق، عن محمد بن عبد العزيز عنه مستدرك الوسائل: 9 / 72 ح 8. وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 208 ح 21، عن محمد بن عبد العزيز. وأخرجه في كشف الغمة: 2 / 422 من كتاب الدلائل عن محمد بن عبد العزيز، عنه البحار المذكور، ومعجم رجال الحديث: 16 / 223. (5) " الهم " ط " أكثر " اثبات الهداة.

[ 448 ]

عليه السلام أسأله الدعاء بالفرج منه. فرجع الجواب: الفرج سريع (1)، يقدم عليك مال من ناحية فارس (2). وكان لي بفارس ابن عم تاجر لم يكن له وارث غيري، فجاءني ماله بعدما مات بأيام يسيرة. ووقع في الكتاب: إستغفر الله وتب إليه مما تكلمت به. وذلك أني كنت [ جالسا ] يوما مع جماعة من النصاب فذكروا آل أبي طالب حتى ذكروا مولاي فخضت معهم لتضعيفهم أمره، فتركت الجلوس مع القوم، وعلمت أنه أراد ذلك. (3) 34 - ومنها: ما روي عن الحجاج بن سفيان العبدي (4) قال: خلفت ابني بالبصرة عليلا وكتبت إلى أبي محمد عليه السلام أسأله الدعاء لابني. فكتب إلي (5) رحم الله ابنك إنه (6) كان مؤمنا. قال الحجاج: فورد علي كتاب من البصرة أن ابني (7) مات في ذلك اليوم الذي كتب [ إلي ] (8) أبو محمد بموته. وكان ابني شك في الامامة للاختلاف الذي جرى بين الشيعة. (9)


(1) " أبشر بالفرج سريعا " البحار. (2) وزاد في ط " فبعد مدة قليلة قبض جارى ". (3) عنه اثبات الهداة: 6 / 323 ح 74، والبحار: 50 / 273 ح 43، ومدينة المعاجز: 575 ح 88. وأخرجه في كشف الغمة: 2 / 422 من كتاب الدلائل عن عمر بن أبي مسلم مثله. عن اثبات الهداة: 6 / 334 ح 98، والبحار: 50 / 289 ذ ح 63. (4) هكذا في خ ل البحار وفي اثبات الوصية. راجع رجال المامقاني: 1 / 255، ومعجم رجال الحديث: 4 / 233. وفي الاصل واثبات الهداة والبحار ومدينة المعاجز " الحجاج بن يوسف العبدي ". (5) " فكتب الجواب " ط، ه‍، اثبات الهداة. (6) هكذا في اثبات الهداة ومدينة المعاجز، وفي الاصل والبحار " ان ". (7) " ابنك " اثبات الهداة ومدينة المعاجز. (8) من البحار. (9) عنه اثبات الهداة: 6 / 323 ح 75، والبحار: 50 / 274 ح 44، ومدينة المعاجز: 575 ح 89. =

[ 449 ]

35 - ومنها: ما قال أبو القاسم الهروي خرج توقيع [ من ] أبي محمد عليه السلام إلى بعض بني أسباط، قال: كتبت إلى الامام (1) أخبره من اختلاف الموالي وأسأله باظهار دليل (2). فكتب [ إلي ] (3): إنما خاطب الله العاقل، وليس أحد يأتي بآية أن يظهر دليلا أكثر مما جاء به خاتم النبيين وسيد المرسلين صلى الله عليه وآله فقالوا: كاهن وساحر وكذاب ! وهدي من اهتدى، غير أن الادلة يسكن إليها كثير من الناس. وذلك أن الله (4) يأذن لنا فنتكلم، ويمنع فنصمت. ولو أحب الله (5) أن لا يظهر حقنا، ما بعث (6) الله النبيين مبشرين ومنذرين يصدعون (7) بالحق في حال الضعف والقوة، وينطقون في أوقات، ليقضي [ الله ]


= ورواه المسعودي في اثبات الوصية: 242 باسناده عن الحميرى، عن أبى هاشم، عن الحجاج بن سفيان العبدى، وفيه " السنة " بدل " الشيعة ". وأخرجه في كشف الغمة: 2 / 422 من كتاب الدلائل عن الحجاج بن سفيان العبدى، عن البحار المذكور. وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 208 ح 22 عن الحجاج العبدى. (1) " إليه " م " إلى أبي محمد " البحار. (2) وزاد في ط " وكان يتضمن توقيعه ". (3) من البحار. (4) لعل قوله عليه السلام: " وذلك أن الله " تعليل لما يفهم من كلامه عليه السلام من الآباء عن اظهار الدليل الحجة والمعجزة " قاله المجلسي ". (5) قوله عليه السلام: " ولو أحب الله " لعل المراد أنه لو أمرنا ربنا بأن لا نظهر دعوى الامامة أصلا لما أظهرنا، ثم بين عليه السلام الفرق بين النبي والامام في ذلك، بأن النبي إنما يبعث في حال اضمحلال الدين وخفاء الحجة، فيلزمه أن يصدع بالحق على أي حال، فلما ظهر للناس سبيلهم وتمت الحجة عليهم لم يلزم الامام أن يظهر المعجزة ويصدع بالحق في كل حال، بل يظهره حينا ويتقى حينا على حسب ما يؤمر " قاله المجلسي ". (6) " حقنا ما ظهر، بعث " البحار. (7) صدع بالحق: تكلم به جهارا. وفي ط، ه‍ " يدعون ".

[ 450 ]

أمره وينفذ حكمه. والناس على طبقات [ مختلفين ] شتى: فالمستبصر على سبيل نجاة متمسك (1) بالحق، فيتعلق بفرع أصيل، غير شاك ولا مرتاب، لا يجد عنه (2) ملجأ. وطبقة لم تأخذ (3) الحق من أهله، فهم كراكب البحر يموج عند موجه، ويسكن عند سكونه. وطبقة استحوذ (4) عليهم الشيطان، شأنهم الرد على أهل الحق، ودفع الحق بالباطل، حسدا من عند أنفسهم. فدع من ذهب يمينا وشمالا، كالراعي (5) إذا أراد أن يجمع غنمه جمعها بأدون السعي. ذكرت ما اختلف فيه موالي، فإذا كانت الوصية والكبر فلا ريب (6). ومن جلس مجالس (7) الحكم فهو أولى بالحكم، أحسن رعاية من استرعيت، وإياك والاذاعة وطلب الرئاسة، فإنهما يدعوان إلى الهلكة.


(1) " مستمسك " ط، م. (2) هكذا في اثبات الوصية وكشف الغمة. وفي ط، ه‍، البحار، ومدينة المعاجز " عنى " وفي م " عنا ". (3) " يأخذوا " م، ط " يأخذ " البحار، مدينة المعاجز. (4) استحوذ عليه: غلبه واستولى عليه. (5) قوله عليه السلام: " كالراعي " أي نحن كالراعي إذا أردنا جمعهم، وأمرنا بذلك جمعناهم بأدنى سعى. (6) قوله عليه السلام: " فإذا كانت الوصية والكبر فلا ريب ". أي بعد أن أوصى أبي إلي، وكوني أكبر أولاد أبي لا يبقى ريب في أمامتي (قاله المجلسي). (7) وقوله: عليه السلام: " ومن جلس مجالس الحكم " لعله تقية منه عليه السلام أي الخليفة أولى بالحكم، أو المراد أنه أولى بالحكم عند الناس، ويحتمل أن يكون المراد بالجلوس في مجالس الحكم بيان الاحكام للناس، أي من بين الاحكام للناس من غير خطأ فهو أولى بالحكم والامامة، فيكون الغرض اظهار حجة اخرى على امامته صلوات الله عليه (قاله المجلسي). (*)

[ 451 ]

ذكرت شخوصك إلى فارس فاشخص [ عافاك الله ] خار الله لك، وتدخل مصر إن شاء الله آمنا، واقرأ من تثق به من موالي السلام، ومرهم بتقوى الله العظيم، وأداء الامانة، وأعلمهم أن المذيع علينا [ سرنا ] حرب لنا. قال: فلما قرأت: " وتدخل مصر " لم أعرف له معنى، وقدمت بغداد وعزيمتي (1) الخروج إلى فارس، فلم يتهيأ لي الخروج إلى فارس (2) وخرجت إلى مصر، [ فعرفت أن الامام عرف أني لا أخرج إلى فارس ]. (3) 36 - ومنها: ما روي عن محمد بن عبد الله قال: لما أمر سعيد بحمل أبي محمد عليه السلام إلى الكوفة، كتب أبو الهيثم إليه: بلغنا خبر أقلقنا. فكتب بعد ثلاث يأتيكم الفرج. فقتل المعتز (4) يوم الثالث. (5) قال: وفقد غلام لابي الحسن صغير فلم يوجد، فاخبر بذلك. فقال: اطلبوه في البركة. فطلب، فوجد في بركة الدار ميتا. ووقع أبو محمد عليه السلام وهو صغير في بئر الماء، وأبو الحسن عليه السلام في الصلاة والنسوان يصرخن، فلما سلم قال: لا بأس. فرأوه وقد ارتفع الماء إلى رأس البئر وأبو محمد على رأس الماء يلعب بالماء. (6)


(1) " وفي عزمي " ط، ه‍. (2) " يتهيأ لي ذلك " ط. (3) عنه اثبات الهداة: 6 / 323 ح 76، والبحار: 2 / 181 ح 4، وج 50 / 296 ضمن ح 70، ومدينة المعاجز: 575 ح 90. وأخرجه في كشف الغمة: 2 / 416 من كتاب الدلائل عن القاسم الهروي، عنه اثبات الهداة المذكور والبحار: 50، وأورده في اثبات الوصية: 239 مثله. (4) " الزبيري " م، والمعتز هو الزبير بن جعفر المتوكل، تقدمت ترجمته. (5) أخرجه في كشف الغمة: 2 / 416 من كتاب الدلائل عن محمد بن عبد الله عنه اثبات الهداة: 6 / 331 ح 90 والبحار: 50 / 295 ذح 19. (6) عنه البحار: 50 / 274 ح 45. وأورده في اثبات الوصية: 240 مثله، وفي الصراط المستقيم: 2 / 208 ح 23 مرسلا =

[ 452 ]

37 - ومنها: ما قال علي بن محمد بن زياد: إنه خرج إليه توقيع أبي محمد عليه السلام فيه: فكن حلسا (1) من أحلاس بيتك. قال: فنابتني نائبة (2) فزعت منها، فكتبت إليه: أهي هذه ؟ فكتب: لا أشد من هذه. فطلبت بسبب جعفر بن محمود (3) ونودي على من أصابني فله مائة ألف درهم. (4) 38 - ومنها: ما روي عن أحمد بن محمد بن مطهر [ قال: ] كتب بعض أصحابنا إلى أبي محمد عليه السلام - من أهل الجبل - يسأله عمن وقف على أبي الحسن موسى عليه السلام (5) أتولاهم أم أتبرأ منهم ؟ فكتب إليه: لا تترحم (6) على عمك، لا رحم الله عمك، وتبرأ منه، أنا إلى الله منهم برئ فلا تتولاهم، ولا تعد مرضاهم، ولا تشهد جنائزهم، ولا تصل على أحد منهم مات أبدا. سواء من جحد إماما من الله، أو زاد إماما ليست إمامته من الله، أو جحد، أو


= عنه اثبات الهداة: 6 / 347 ح 133، وأورد صدره في ثاقب المناقب: 502 (مخطوط) عن محمد بن عبد الله. (1) الحلس، بالكسر: كساء يوضع على ظهر البعير تحت البرذعة، هذا هو الاصل، والمعنى الزم بيتك لزوم الاحلاس، ولا تخرج منها فتقع في الفتنة، وجمع الحلس أحلاس. (2) النائبة: النازلة، المصيبة. (3) جعفر بن محمود من أصحاب المتوكل كما جاء عنه في رواية الكليني في الكافي: 7 / 463 ح 21 ومن خاصة المعتز كما في الكامل في التاريخ: 7 / 216 فراجع. (4) عنه البحار: 50 / 297 ح 71 وعن كشف الغمة: 2 / 417 من كتاب الدلائل عن علي بن محمود بن زياد مثله، وعنه اثبات الهداة: 6 / 332 ح 92. (5) فرقة من الشيعة سموا ذلك لوقوفهم على موسى بن جعفر أنه الامام القائم ولم يأتموا بعده بإمام لم يتجاوزه إلى غيره... (راجع فرق الشيعة: 91، معجم الفرق الاسلامية: 268). (6) " أتترحم " ه‍.

[ 453 ]

قال (1): ثالث ثلاثة. إن جاحد أمر آخرنا جاحد أمر أولنا، والزائد فينا كالناقص الجاحد أمرنا. فكان هذا - أي السائل - لم يعلم أن عمه كان منهم، فأعلمه ذلك. (2) 39 - ومنها: أن أبا هاشم الجعفري قال: كنت عند أبي محمد عليه السلام فقال: إذا خرج القائم عليه السلام أمر بهدم المنار والمقاصير (3) التي في المساجد للجامع. فقلت في نفسي: لاي معنى هذا ؟ فأقبل علي فقال: معنى هذا أنها محدثة مبتدعة، لم يبنها نبي ولا حجة. (4) 40 - ومنها: أن قبور الخلفاء من بني العباس بسامرة عليها من ذرق (5) الخفافيش


(1) " وجحد أو قال " البحار، " وجحد وقال " المستدرك: وقوله عليه السلام: " ثالث ثلاثة " اشارة إلى قوله تعالى في سورة المائدة: 73 " لقد كفر الذين قالوا: ان الله ثالث ثلاثة... " قيل هو رد على النصارى لاثباتهم قدم الاقنوم - أعني الاصل - وقالوا: الاقانيم ثلاثة... (مجمع البحرين مادة ثلث). (2) عنه كشف الغمة: 2 / 429، ووسائل الشيعة: 18 / 565 ح 40. والبحار: 50 / 274 ح 46، ومستدرك الوسائل: 2 / 291 ح 7، وج 12 / 312 ح 11. (3) المشهور بين الاصحاب كراهة تطويل المنارة أزيد من سطح المسجد لئلا يشرف المؤذنون على الجيران...، والمراد بالمقاصير: المحاريب الداخلة (قاله المجلسي). (4) أورده في غيبة الطوسي: 123 عن سعد بن عبد الله عن داود بن القاسم الجعفري، وفي مناقب آل أبي طالب: 3 / 536 عن أبي هاشم، وأخرجه في اعلام الورى: 373 من كتاب أحمد بن محمد بن عياش، عن العطار، عن سعد والحميري معا عن الجعفري، وفي كشف الغمة: 2 / 418 من كتاب الدلائل عن أبي هاشم. وأخرجه في اثبات الهداة: 6 / 306 ح 48، وج 7 / 15 ح 311 والبحار: 52 / 323 ح 32 عن غيبة الطوسي وفي البحار: 50 / 250 ح 3 عن المناقب والغيبة وكشف الغمة و اعلام الورى وفي ج 83 / 376 ح 44 عن كشف الغمة والغيبة. (5) " زرق " البحار. بمعنى واحد. وزاد في ط " الخفافيش، وكذلك ببغداد في الرصافة، ومشهد الكاظم عليه السلام مطهر كما ذكر عن مشهد سر من رأى صلوات الله على ساكنه ".

[ 454 ]

والطيور ما لا يحصى [ وينقى (1) منها كل يوم، ومن الغد تعود مملوءة ذرقا ] ولا يرى على رأس قبة العسركيين (ولا على قباب مشاهد) (2) آبائهما عليهما السلام ذرق طير، فضلا على (3) قبورهم، إلهاما للحيوانات، وإجلالا لهم، صلوات الله عليهم أجمعين. (4)


(1) " وينفي " ط، مدينة المعاجز. (2) " شئ ولا على بابها ذرق طير " ط. (3) " عن " ط. (4) عنه اثبات الهداة: 6 / 324 ح 77، والبحار: 50 / 275 ح 47، ومدينة المعاجز: 575 ح 91.

[ 455 ]

الباب الثالث عشر في معجزات الامام صاحب الزمان عليه السلام 1 - عن حكيمة [ قالت: ] دخلت يوما على أبي محمد عليه السلام فقال [ يا عمة ] بيتي عندنا الليلة فإن الله سيظهر الخلف فيها. قلت: وممن ؟ [ قال: من نرجس (1). قلت: ] فلست أرى بنرجس حملا. قال: يا عمة إن مثلها كمثل أم موسى، لم يظهر حملها بها إلا وقت ولادتها فبت أنا وهي في بيت، فلما انتصف الليل صليت أنا وهي صلاة الليل، فقلت في نفسي: قد قرب الفجر ولم يظهر ما قال أبو محمد. فناداني أبو محمد عليه السلام [ من الحجرة ] لا تعجلي. فرجعت إلى البيت خجلة، فاستقبلتني نرجس [ وهي ] ترتعد (2) فضممتها إلى صدري، وقرأت عليها " قل هو الله أحد " " وإنا أنزلناه " و " آية الكرسي "، فأجابني الخلف من بطنها يقرأ كقراءتي (3). قالت: وأشرق نور في البيت فنظرت فإذا الخلف تحتها ساجد [ لله تعالى ] إلى


(1) هي أم الامام المهدي عليه السلام وقد أخبر عنها الرسول صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام بأنها خير الاماء في أحاديث كثيرة، ومن أسمائها أيضا: صيقل، سوسن، حكيمة مليكة... راجع كتاب امهات الائمة عليهم السلام: 107 (مخطوط) والعوالم: حياة الامام المهدي عليه السلام في باب امه وأسمائها... (2) " ترعد " ط، م. (3) " القرآن " خ ل.

[ 456 ]

القبلة، فأخذته فناداني أبو محمد عليه السلام من الحجرة: هلمي بابني إلي يا عمة. قالت: فأتيته به فوضع لسانه في فيه وأجلسه على فخذه، وقال: أنطق يا بني بإذن الله. فقال: أعوذ بالله السميع العليم، من الشيطان الرجيم * (بسم الله الرحمن الرحيم ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الارض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون) * (1) وصلى الله على محمد المصطفى، وعلي المرتضى، وفاطمة الزهراء، والحسن، والحسين وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي ابن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن بن علي، أبي. قالت [ حكيمة ]: وغمرتنا طيور خضر فنظر أبو محمد إلى طائر منها (2) فدعاه فقال له: خذه واحفظه حتى يأذن الله فيه فإن الله بالغ أمره. قالت حكيمة: قلت لابي محمد: ما هذا الطائر (3) وما هذه الطيور ؟ قال: هذا جبرئيل، وهذه ملائكة الرحمة (4)، ثم قال: يا عمة رديه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثر الناس لا يعلمون (5) فرددته إلى أمه. قالت [ حكيمة ]: ولما ولد كان نظيفا مفروغا منه، وعلى ذراعه الايمن مكتوب * (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) * (6). (7)


(1) سورة القصص: 5 - 6. (2) " منهم " ه‍، س. (3) " الطير " م، ط. (4) " الله " م، ط. (5) اقتباس من سورة القصص: 13. (6) اقتباس من سورة الاسراء: 81. (7) عنه كشف الغمة: 2 / 498، ومدينة المعاجز: 590 ح 7، وحلية الابرار: 2 / 536. وروى الصدوق في كمال الدين: 2 / 424 ح 1 نحوه بإسناده إلى حكيمة، عنه البحار: 51 / 2 ح 3 وص 426 بطريق آخر عن حكيمة نحوه، عنه اثبات الهداة: 6 / 300 ح 39، وج 7 / 289 ح 33، والبحار: 51 / 11 ح 14، وحلية الابرار: 2 / 524. =

[ 457 ]

2 - ومنها: ما روي عن السياري (1)، [ قال: ] حدثتني نسيم ومارية قالتا: لما خرج صاحب الزمان من بطن امه سقط جاثيا على ركبتيه رافعا سبابتيه (2) نحو السماء ثم عطس، فقال: الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله، عبدا داخرا (3) لله غير مستنكف ولا مستكبر [ ولا مستحسر ] (4) ثم قال: زعمت الظلمة أن حجة الله داحضة (5) ولو أذن لنا (6) في الكلام لزال الشك. (7)


= ورواه في غيبة الطوسي: 140 - 143، بعدة طرق عن حكيمة نحوه، عنه الصراط الستقيم: 2 / 234، وعنه اثبات: 7 / 16 ح 315 وص 322 ح 89. ورواه في دلائل الامامة: 268 بإسناده إلى حكيمة. وأخرجه في إحقاق الحق: 3 / 95، عن الجامي الحنفي في شواهد النبوة: 21، وعن المولى الهندي في وسيلة النجاة: 417، وعن البخاري في فصل الخطاب على ما في ينابيع المودة: 387. وله تخريجات أخر. فراجع العوالم حياة الامام المهدي عليه السلام بتفصيل تخريجاته. (1) هو أحمد بن محمد بن سيار أبو عبد الله الكاتب، بصري، كان من كتاب آل طاهر في زمن أبي محمد عليه السلام، راجع رجال النجاشي: 80 / 192، ورجال الطوسي: 427، ومعجم رجال السيد الخوئي: 2 / 289 - 343. (2) " سبابته " م. (3) الداخر: الصاغر الذليل. (4) استحسر: تعب وأعيا. (5) داحضة: زائلة باطلة. (6) " لي " ط، ه‍. (7) عنه كشف الغمة: 2 / 498، والبحار: 76 / 53 ح 5 ورواه الصدوق في كمال الدين: 2 / 430 ح 5 عن ماجيلويه والعطار معا، عن محمد العطار، عن الحسين بن علي النيسابوري، عن ابراهيم بن محمد بن عبد الله بن موسى بن جعفر عليهم السلام، عن السياري، عن نسيم ومارية مثله. عنه اثبات الهداة: 7 / 292 ح 34، والبحار: 51 / 4 ح 6، وحلية الابرار: 2 / 544، وعنه مدينة المعاجز: 586 ح 2 وعن غيبة الطوسي: 147 عن علان، عن محمد العطار مثله. عنه اعلام الورى: 420 والبحار: 51 / 4 ح 6، وأورده في ثاقب المناقب: 507 (مخطوط) عن السياري. وأورده في اثبات الوصية: 251 عن علان. (*)

[ 458 ]

3 - ومنها: ما روى علان، عن ظريف أبي نصر الخادم (1) قال: دخلت على صاحب الزمان عليه السلام وهو في المهد فقال لي: علي بالصندل الاحمر. فأتيته به، فقال: أتعرفني ؟ قلت: نعم، أنت سيدي وابن سيدي. فقال: ليس عن هذا سألتك. فقلت: فسر لي. فقال: أنا خاتم الاوصياء، وبي يرفع (2) الله البلاء عن أهلي وشيعتي. (3) 4 - ومنها: ما روي عن أبي نعيم محمد بن أحمد الانصاري قال: وجه قوم من المفوضة (4) كامل بن إبراهيم المدني إلى أبي محمد عليه السلام قال: فقلت - في نفسي -: لما دخلت عليه أسأله عن الحديث المروي عنه عليه السلام " لا يدخل الجنة إلا من عرف


(1) " طريف أبو نصر " م، " طريف، عن نصر " ط، س، ه‍. وما أثبتناه كما في غيبة الطوسي، راجع رجال السيد الخوئي: 9 / 181. (2) " يدفع " س، ط، ه‍. (3) عنه كشف الغمة: 2 / 499. ورواه الصدوق في كمال الدين: 2 / 441 ح 12 عن المظفر العلوي، عن ابن العياشي عن أبيه، عن آدم بن محمد البلخي، عن علي بن الحسن الدقاق، عن ابراهيم بن محمد العلوي، عن طريف، عنه البحار: 52 / 30 ح 25، وعن غيبة الطوسي: 148 عن علان، عن ظريف، عنه اثبات الهداة: 7 / 19 ح 319. وأورده في الهداية الكبرى: 358 عن علان الكلابي. وأورده في ينابيع المودة: 463 عن ظريف أبي نصر، عنه احقاق الحق: 19 / 704. أقول: ان وجه الاعجاز هو تكلمه عليه السلام في المهد واخباره بأنه خاتم الاوصياء و... وهذا نظير ما خص الله تعالى به عيسى عليه السلام وقد أيده بروح القدس يكلم في المهد صبيا: " قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا " مريم: 30. (4) المفوضه: فرقة من الغلاة. زعموا أن الله خلق محمدا صلى الله عليه وآله، ثم فوض إليه خلق العالم فهو الذي خلق العالم دون الله تعالى، ثم فوض محمد تدبير العالم إلى علي بن أبي طالب عليه السلام. معجم الفرق الاسلاميه: 235، مجمع البحرين للطريحي مادة " فوض ".

[ 459 ]

معرفتي " وكنت جلست إلى باب عليه ستر مرخي (1) فجاءت الريح فكشفت طرفه فإذا أنا بفتى كأنه فلقة قمر من أبناء أربع سنين أو مثلها. فقال لي: يا كامل بن إبراهيم ! فاقشعررت من ذلك وألهمت أن قلت: لبيك يا سيدي. فقال: جئت إلى ولي الله تسأله " لا يدخل (2) الجنة إلا من عرف معرفتك وقال بمقالتك " ؟ قلت: إي والله. قال: إذن والله يقل داخلها، والله إنه ليدخلها قوم يقال لهم: الحقية. قلت: ومن هم ؟ قال: قوم - من حبهم لعلي بن أبي طالب عليه السلام - يحلفون بحقه ولا يدرون ما حقه وفضله، أي قوم يعرفون ما يجب عليهم معرفته جملة (3) لا تفيصلا من معرفة الله تعالى ورسوله والائمة عليهم السلام ونحوها. ثم قال: وجئت تسأل عن مقالة المفوضة (4) ؟ كذبوا ؟ بل قلوبنا أوعية لمشية الله عزوجل، فإذا شاء الله تعالى شئنا، والله يقول: * (وما تشاؤن إلا أن يشاء الله) *. (5) فقال لي أبو محمد عليه السلام: ما جلوسك وقد أنبأك بحاجتك [ قم فقمت ]. (6)


(1) " مسبل " كشف الغمة. (2) " هل يدخل " م. س. (3) " مجملا " ط. (4) " المفوضة فينا أنا نتكلم بما يخطر في قلوبنا " ط. (5) سورة الانسان: 30، سورة التكوير: 29. (6) عنه كشف الغمة: 2 / 499. ورواه في الهداية الكبرى: 359 بإسناده إلى أحمد الانصاري، قال: توجه قوم... ورواه الطبري في دلائل الامامة: 173 بإسناده إلى أبي نعيم... عنه البحار: 52 / 50 ح 35، وعن غيبة الطوسي: 148 بإسناده إلى أحمد الانصاري بطريقين، عنه اثبات الهداة: 7 / 19 ح 320، والبحار: 70 / 117 ح 5، وج 72 / 163 ح 20 وج 79 / 302 ح 12، وأورده في ينابيع المودة: 461، مرسلا باختصار، عنه احقاق الحق: 19 / 642، وله تخريجات أخر.

[ 460 ]

5 - ومنها: ما روي عن رشيق حاجب المادراني (1) قال: بعث إلينا المعتضد (2) [ رسولا ] وأمرنا أن نركب ونحن ثلاثة نفر، ونخرج مخفين (3) على السروج ونجنب أخر، وقال: الحقوا بسامراء، واكبسوا دار الحسن بن علي، فإنه توفي ومن رأيتم فيها (4) فأتوني برأسه. فكبسنا الدار كما أمرنا، فوجدنا دارا سرية (5) كأن الايدي رفعت عنها في ذلك الوقت، فرفعنا الستر وإذا سرداب في الدار الاخرى، فدخلناه وكأن فيه بحرا وفي أقصاه حصير - قد علمنا أنه على الماء - وفوقه رجل من أحسن الناس هيئة قائم يصلي فلم يلتفت إلينا ولا إلى شئ من أسبابنا. فسبق أحمد بن عبد الله ليتخطى فغرق في الماء، وما زال يضطرب حتى مددت يدي إليه فخلصته (6) وأخرجته، فغشي عليه وبقي ساعة. وعاد صاحبي الثاني إلى فعل ذلك، فناله مثل ذلك، فبقيت مبهوتا. فقلت لصاحب البيت: المعذرة إلى الله وإليك، فو الله ما علمت كيف الخبر، وإلى من نجئ (7) وأنا تائب إلى الله. فما التفت إلي بشئ مما قلت، فانصرفنا إلى المعتضد.


(1) " المادراى، المروائي " ط. والظاهر أن المادراني هو أحمد بن الحسن المادراني. ذكره القمي في الكنى والالقاب: 3 / 107 وله بيان فراجع. (2) هكذا في النسخ والمصادر. والظاهر أنه تصحيف المعتمد. حيث بويع أبو العباس أحمد بن طلحة المعتضد بالله في اليوم الذي مات فيه المعتمد على الله عمه وهو يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب سنة سبع وسبعين ومائتين. بينما قبض الامام الحسن العسكري عليه السلام في سنة ستين ومائتين (راجع مروج الذهب: 4 / 111 و 143). (3) " مختفين " ط. " مخفين " كشف الغمة. (4) " في الدار " ط، كشف الغمة. (5) " دار شبيه الجنة " ط. (6) " فجذبته " ط، ه‍. (7) " نحن " ط.

[ 461 ]

فقال: اكتموه، وإلا أضرب (1) رقابكم. (2) 6 - ومنها: ما روي عن يعقوب بن يوسف الضراب الغساني في منصرفه من إصفهان قال: حججت في سنة إحدى وثمانين ومائتين وكنت مع قوم مخالفين من أهل بلدنا فلما قدمنا مكة نزلنا (3) دارا في سوق الليل تسمى دار الرضا عليه السلام وفيها عجوز سمراء، فسألتها: ما تكونين من أصحاب هذه الدار ؟ قالت: أنا من مواليهم [ وعبيدهم ] أسكننيها الحسن بن علي عليهما السلام. فكنا إذا انصرفنا من الطواف تغلق الباب. فرأيت غير ليلة ضوء السراج، ورأيت الباب قد انفتح ولا أرى أحدا فتحه من أهل الدار، ورأيت رجلا ربعة (4) أسمر [ يميل ] إلى الصفرة، ما هو قليل اللحم، يصعد إلى غرفة في الدار حيث تكون (5) العجوز تسكن، وكانت تقول لنا: إن لي في الغرفة ابنة لا تدعو أحدا يصعد إليها، فأحببت أن أقف على خبر الرجل. فقلت للعجوز: إني أحب أن أسالك. قالت: وأنا أريد (6) أن أسر إليك فلم يتهيأ، من أجل أصحابك. فقلت: ما أردت أن تقولي ؟ فقالت: يقول لك - يعني صاحب الدار - ولم تذكر


(1) " اكتموا هذا الحال، وإلا ضربت " ط، ه‍. (2) عنه كشف الغمة: 2 / 499، واثبات الهداة: 7 / 324 ح 92. وعن غيبة الطوسي: 149، قال: وحدث عن رشيق صاحب المادراني مثله، عنه البحار: 52 / 51 ح 36، ومدينة المعاجز: 597 ح 18. وأورده في كشف الاستار: 55 مرسلا، وأخرجه القندوزي في ينابيع المودة: 458 عن كتاب الغيبة عن شقيق الارزاني. (3) " دخلنا " ط، ه‍. (4) قال ابن الاثير في النهاية: 2 / 190: وفي صفته عليه الصلاة والسلام " أطول من المربوع " هو بين الطويل والقصير. يقال: رجل ربعة ومربوع. (5) " كانت " م. (6) " احب " ط، ه‍.

[ 462 ]

أحدا [ باسمه ] لا تخاشنن (1) أصحابك وشركاءك، ولا تلاحهم (2) فإنهم أعداؤك ودارهم. فلم أجسر أن أراجعها، فقلت: أي أصحابي ؟ قالت: شركاؤك الذين في بلدك وفي الدار معك. وقد كان جرى بيني وبين من [ معي ] في الدار عنت (3) في الدين فسعوا بي حتى هربت واستترت بذلك السبب، فوقفت (4) على أنها عنت أولئك. وكنت نذرت أن ألقي في مقام إبراهيم عشرة دراهم ليأخذها من أراد الله، فأخذت عشرة دراهم فيها ستة رضوية وقلت لها: ادفعي هذه إلى الرجل. فأخذت [ الدراهم ] وصعدت وبقيت ساعة ثم نزلت، فقالت: يقول لك: ليس لنا فيها حق، اجعلها في الموضع الذي نذرت ونويت، ولكن هذه الرضوية خذ منها بدلها وألقها في الموضع الذي نويت. ففعلت. (5) 7 - ومنها: ما روي عن محمد بن إبراهيم بن مهزيار (5) قال: شككت عند مضي (6) أبي محمد عليه السلام، وكان اجتمع عند أبي مال جليل فحمله وركب السفينة، وخرجت معه مشيعا له فوعك (7).


(1) خاشنه: حارشه خلاف لا ؟ نه. خشن عليه في القول أو العمل. (2) لاحاه ملاحاة: نازعه وخاصمه. (3) أعنته وتعنته تعنتا: سأله عن شئ أراد به اللبس عليه والمشقة. لسان العرب: 2 / 61 (عنت). (5) " فعرفت " ط، ه‍ أورده في دلائل الامامة: 300 قال: نقلت هذا الخبر من أصل بخط شيخنا أبي عبد الله الحسين الغضائري، عن أبي الحسن على بن عبد الله القاشاني، عن الحسين بن محمد مثله، عنه البحار: 52 / 17 - 22 ح 15، وعن غيبة الطوسي: 165 بإسناده عن أبي الحسين محمد جعفر الاسدي، عن الحسين بن محمد بن عامر الاشعري القمي، عن يعقوب بن يوسف الضراب مثله. عنه اثبات الهداة: 7 / 22 ح 326، ومدينة المعاجز: 608 ح 69، وتبصرة الولي: 782 ورواه في جمال الاسبوع: 494 بإسناده إلى يعقوب بن يوسف الضراب. (4) " مهران " ط، م، ه‍. والصحيح محمد بن إبراهيم بن مهزيار، عده الشيخ في رجاله: 436 من أصحاب العسكري عليه السلام، وذكره السيد الخوئي في معجم رجال الحديث: 14 / 222، وذكر الرواية. (6) " وفاة " البحار. (7) وعك الرجل: أصابه ألم من شدة التعب أو المرض.

[ 463 ]

فقال: ردني فهو الموت، واتق الله في هذا المال. وأوصى إلي، ومات. وقلت: لا يوصي أبي بشئ غير صحيح، أحمل هذا المال إلى العراق ولا أخبر أحدا، فإن وضح لي شئ أنفذته وإلا أنفقته، فاكتريت دارا على الشط وبقيت أياما فإذا أنا برسول معه رقعة فيها: يا محمد معك كذا وكذا، حتى قص على جميع ما معي، وما لم أحط به علما مما كان معي، فسلمت المال إلى الرسول، وبقيت أياما لا يرفع لي (1) رأس فاغتممت فخرج إلي: [ قد ] أقمناك مقام أبيك، فاحمد الله [ تعالى ]. (2) 8 - ومنها: ما قال أبو عقيل عيسى بن نصر: إن علي بن زياد الصيمري (3) كتب


(1) " بي " م، البحار: قوله " لا يرفع لي رأس " كناية عن عدم التوجه والاستخبار فإن من يتوجه إلى أحد يرفع إليه رأسه (قاله المجلسي). (2) عنه البحار: 51 / 364 ح 12. ورواه في الهداية الكبرى: 367 عن محمد بن جمهور، عن محمد بن إبراهيم. ورواه في الكافي: 1 / 518 ح 5 عن علي بن محمد، عن محمد بن حمويه، عن محمد بن ابراهيم عنه اثبات الهداة: 7 / 273 ح 4، ومدينة المعاجز: 600 ح 25. ورواه المفيد في الارشاد: 396 عن ابن قولويه عن الكليني، عن علي بن محمد، عنه كشف الغمة: 2 / 450، والبحار: 51 / 311 ح 32. ورواه الطوسي في الغيبة: 170 عنه جماعة، عن ابن قولويه، عنه البحار: 51 / 310 ح 31، وأخرجه في اثبات الهداة: 7 / 360 ح 142 عن صاحب كتاب مناقب فاطمة وولدها عليهم السلام. (3) هو علي بن محمد بن زياد الصيمري، صاحب كتاب الاوصياء، وصهر الوزير جعفر بن محمود، قال عنه ابن طاووس: " كان رضي الله عنه قد لحق مولانا علي بن محمد الهادي ومولانا الحسن بن علي العسكري عليهما السلام، وخدمهما، وكاتباه، ودفعا إليه توقيعات كثيرة ". وقال المسعودي في اثبات الوصية: " كان رجلا من وجوه الشيعة وثقاتهم، ومقدما في الكتابة والعلم والادب ". راجع الذريعة: 2 / 478، معجم رجال الحديث: 12 / 154 بهجة الآمال: 5 / 516، قاموس الرجال: 7 / 49، وغيرها.

[ 464 ]

يلتمس كفنا، فكتب: إنك تحتاج إليه في سنة ثمانين. فمات في سنة ثمانين، وبعث إليه بالكفن قبل موته. (1) 9 - ومنها: ما روي عن بدر غلام أحمد بن الحسن [ عنه ] (2): وردت الجبل وأنا لا أقول بالامامة إلى أن مات يزيد بن عبد الملك (3) فأوصى في علته أن يدفع الشهري السمند (4) وسيفه ومنطقته إلى مولاه عليه السلام، فخفت إن لم أدفع الشهري إلى إذكوتكين (5) نالني منه استخفاف، فقومتها كلها بسبعمائة دينار، في نفسي، ولم أطلع عليه أحدا فإذا الكتاب قد ورد علي من العراق أن وجه سبعمائة الدينار التي لنا قبلك من ثمن


(1) عنه اثبات الهداة: 7 / 344 ح 116. ورواه في الكافي: 1 / 524 ح 27 بإسناده عن علي بن محمد، عن أبي عقيل عيسى بن نصر وفيه: قبل موته بثلاثة أيام، عنه غيبة الطوسي ء: 172، واعلام الورى: 449، واثبات الهداة: 7 / 285 ح 26، ومدينة المعاجز: 602 ح 47. وفي ارشاد المفيد: 402 باسناده عن ابن قولويه: عن الكليني، عنه كشف الغمة: 2 / 456 والصراط المستقيم: 2 / 247 ح 12. وفي دلائل الامامة: 285 بإسناده عن الكليني. وفي عيون المعجزات: 146 مرسلا، عنه مدينة المعاجز: 611 ح 81. وأورده في ثاقب المناقب: 513 عن أبي عقيل عيسى بن نصر. وأخرجه في كتاب النجوم: 247 عن دلائل الحميري، عنه البحار: 51 / 306 ح 20. وفي البحار: 51 / 312 ح 35 عن غيبة الطوسي. (2) من باقي المصادر. (3) أضاف في الهداية: وكان من موالي أبي محمد عليه السلام. (4) في لسان العرب: 4 / 433: الشهرية: ضرب من البراذين، وهو بين البرذون والمقرف من الخيل. انتهى، والبرذون: يطلق على غير العربي من الخيل والبغال. والسمند: الفرس. القاموس المحيط: 1 / 303، ومجمع البحرين: 3 / 70. والشهرى السمند: اسم فرس. مجمع البحرين: 3 / 357. (5) الظاهر أنه اذكوتكين بن أساتكين، من أكابر قواد الترك في زمن المعتمد العباسي. راجع الكامل في التاريخ: 7 / 269.

[ 465 ]

الشهري السمند والسيف والمنطقة. (1) 10 - ومنها: ما روي عن محمد بن يعقوب عن علي بن محمد قال: خرج نهي عن زيارة مقابر قريش وقبر الحسين عليه السلام فلما كان بعد أشهر [ زارها رجلان من الشيعة فدعاهما ] الوزير الباقطاني وزجرهما، فقال [ لخادمه: ] الق بني الفرات والبرسيين (2) وقل لهم: لا تزوروا مقابر قريش، فقد أمر الخليفة أن يقبض على كل من زار. (3) 11 - ومنها: ما روي عن نسيم خادم أبي محمد عليه السلام: دخلت على صاحب الزمان عليه السلام بعد مولده بعشر ليال، فعطست عنده فقال لي: يرحمك الله. قال: ففرحت بذلك


(1) رواه في الكافي: 1 / 522 ح 16 بإسناده عن علي، عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن الحسن والعلاء بن رزق الله، عن بدر غلام أحمد بن الحسن، عنه اعلام الورى: 448، واثبات الهداة: 7 / 280 ح 15، ومدينة المعاجز: 602 ح 36. وفي ارشاد المفيد: 400، وغيبة الطوسي: 171 بإسنادهما عن ابن قولويه، عن الكليني. وفي الهداية الكبرى: 369 بإسناده عن بدر غلام أحمد بن الحسن. وأخرجه في كشف الغمة: 2 / 454 عن الارشاد، وفي البحار: 51 / 311 ح 34 عن غيبة الطوسي. (2) " بنو الفرات رهط الوزير أبي الفتح الفضل بن جعفر بن فرات، كان من وزراء بني العباس وهو الذي صحح طريق الخطبة الشقشقية، ويحتمل أن يكون المراد النازلين بشط الفرات وبرس قرية بين الحلة والكوفة، والمراد بزيارة مقابر قريش زيارة الكاظمين عليهما السلام " قاله المجلسي. (3) عنه اثبات الهداة: 7 / 287 ح 30 وعن الكافي: 1 / 525 ح 31 بإسناده عن علي بن محمد ورواه في ارشاد المفيد: 402، وغيبة الطوسي: 172 بإسنادهما عن الكليني. وأخرجه في اعلام الورى: 449، ومدينة المعاجز: 603 ح 51 عن الكافي. وأخرجه في كشف الغمة: 2 / 456 عن الارشاد، وفي البحار: 51 / 312 ح 36 عن غيبة الطوسي. (*)

[ 466 ]

فقال: ألا أبشرك في العطاس. قلت: بلى يا سيدي، قال: هو أمان من الموت ثلاثة أيام. (1) 12 - ومنها: ما روي عن حكيمة قالت: دخلت على أبي محمد عليه السلام بعد أربعين يوما من ولادة نرجس، فإذا مولانا صاحب الزمان عليه السلام يمشي في الدار فلم أر لغة أفصح من لغته فتبسم أبو محمد عليه السلام فقال: إنا معاشر الائمة ننشأ في يوم كما ينشأ غيرنا في السنة قالت: ثم كنت بعد ذلك أسأل أبا محمد عليه السلام عنه. فقال: استودعناه الذي استودعت أم موسى ولدها. (2) 13 - ومنها: ما روي عن يوسف بن أحمد الجعفري: حججت سنة ست وثلاثمائة ثم حاورت بمكة ثلاث سنين، ثم خرجت عنها منصرفا إلى الشام، فبينا [ أنا ] في بعض الطريق، وقد فاتتني صلاة الفجر، فنزلت من المحمل وتهيأت للصلاة فرأيت أربعة نفر في محمل، فوقفت أعجب منهم، فقال لي أحدهم: مم تعجب ؟ تركت صلاتك. فقلت: وما علمك بذلك مني ؟ فقال: تحب أن ترى صاحب زمانك ؟


(1) عنه كشف الغمة: 2 / 500، ومنتخب الانوار المضيئة: 160. ورواه الصدوق في كمال الدين: 2 / 430 ذح 5 وص 441 ح 11 بإسناده من طريقين إلى نسيم، عنه الصراط المستقيم: 2 / 235، والبحار: 52 / 30 ح 24، والوسائل 8 / 461 ح 1، وحلية الابرار: 2 / 544. وفي الهداية الكبرى: 358 بإسناده عن نسيم. وفي غيبة الطوسي: 139 بإسناده عن الكليني، عنه اعلام الورى: 420. وأورده في إثبات الوصية: 252، ومكارم الاخلاق: 380 عن نسيم. وأخرجه في البحار: 51 / 5 ح 7 و 8 عن الكمال والغيبة، وفي اثبات الهداة: 7 / 293 ح 25 عن الكمال والخرائج والغيبة، وفي مستدرك الوسائل: 8 / 383 ب 49 ح 1 عن الهداية واثبات الوصية. (2) عنه كشف الغمة: 2 / 500، والبحار: 51 / 293 ح 3، واثبات الهداة: 7 / 344 ح 117، وحلية الابرار: 2 / 536.

[ 467 ]

قلت: نعم، فأومأ إلي أحد الاربعة، فقلت: إن له دلائل وعلامات ؟ فقال: أيما أحب إليك: أن ترى الجمل صاعدا إلى السماء، أو ترى المحمل صاعدا ؟ فقلت: أيهما كان فهي دلالة، فرأيت الجمل وما عليه يرتفع إلى السماء، وكان الرجل أومأ إلى رجل به سمرة، وكان لونه الذهب، بين عينيه سجادة. (1) 14 - ومنها: ما روى الشيخ المفيد، عن أبي عبد الله الصفواني قال: رأيت القاسم ابن العلاء وقد عمر مائة سنة، وسبعة عشر سنة، منها ثمانون سنة صحيح العينين لقى العسكريين عليهما السلام وحجب بعد الثمانين، وردت عليه عيناه قبل وفاته بسبعة أيام وذلك أني كنت بمدينة " أران " (2) من أرض آذربيجان، وكان لا تنقطع توقيعات صاحب الامر عليه السلام عنه على يد أبي جعفر العمري، وبعده على يد أبي القاسم بن روح فانقطعت عنه المكاتبة نحوا من شهرين، وقلق لذلك. فبينا نحن عنده نأكل إذ دخل البواب مستبشرا، فقال له: فيج (3) العراق ورد - ولا يسمى بغيره -. فسجد القاسم، ثم دخل كهل قصير يرى أثر الفيوج عليه، وعليه جبة مضربة (4) وفي رجله نعل محاملي (5)، وعلى كتفه مخلاة (6) فقام إليه القاسم


(1) عنه مدينة المعاجز: 611 ح 83. ورواه الطوسي في الغيبة: 155 بإسناده عن يوسف بن أحمد الجعفري، عنه البحار: 52 / 5 ح 3 واثبات الهداة: 7 / 326 ح 93، وغاية المرام: 780 ح 49. وأورده في ثاقب المناقب: 540 (مخطوط) عن يوسف بن أحمد الجعفري. (2) أران - بتشديد الراء -: اسم أعجمي لولاية واسعة وبلاد كثيرة، بينها وبين آذربيجان نهر يقال له الرس. معجم البلدان: 1 / 136. (3) الفيج: هو المسرع في مشيه، الذي يحمل الاخبار من بلد إلى بلد. وقيل: هو الذي يسعى بالكتب. فارسي معرب. لسان العرب: 2 / 350. (4) الضريبة: الصوف أو الشعر ينفش ثم يدرج ويشد بخيط ليغزل، فهي ضرائب، وقيل: الضريبة الصوف يضرب بالمطرق: لسان العرب: 1 / 548. (5) أي ذو سيور كسيور علاقة السيف. راجع لسان العرب: 11 / 178. (6) المخلاة: كيس يوضع فيه علف الدابة - أو غيره - ويعلق في عنقها. وفي م " عنقه " بدل " كتفه ".

[ 468 ]

فعانقه، ووضع المخلاة، ودعا بطشت وماء، وغسل يده، وأجلسه إلى جانبه، فأكلنا وغسلنا أيدينا، فقال الرجل وأخرج كتابا أفضل من نصف الدرج (1) فناوله القاسم فأخذه وقبله ودفعه إلى كاتب له يقال له " أبو عبد الله بن أبي سلمة " ففضه وقرأه [ وبكى ] (2) حتى أحس القاسم ببكائه (3) فقال: يا أبا عبد الله خير خرج في شئ مما يكره ؟ قال: لا. قال: فما هو ؟ قال: ينعى الشيخ إلى نفسه بعد ورود هذا الكتاب بأربعين يوما، وأنه يمرض اليوم السابع بعد وصول الكتاب، وأن الله يرد عليه عينيه بعد ذلك، وقد حمل إليه سبعة أثواب. فقال القاسم: على سلامة من ديني ؟ قال: في سلامة من دينك. فضحك، وقال: ما أؤمل بعد هذا العمر ؟ ! فقام الرجل الوارد فأخرج من مخلاته ثلاثة أزر، وحبرة يمانية حمراء، وعمامة، وثوبين ومنديلا، فأخذه القاسم، و [ كان ] عنده قميص خلعه عليه علي النقي (4) عليه السلام. وكان للقاسم صديق في أمور الدنيا، شديد النصب يقال له " عبد الرحمان بن محمد الشيزي (5) " وافى إلى الدار، فقال القاسم: إقرؤا الكتاب عليه، فإني أحب هدايته. قالوا: هذا لا يحتمله خلق من الشيعة، فكيف عبد الرحمن ؟ ! فأخرج إليه القاسم


(1) الدرج: ما يكتب فيه. وسفيط صغير تدخر فيه المرأة طيبها وأدواتها. فالظاهر أن مراده وصف ذلك الكتاب بأنه أكبر من السفيط. (2) من فرج الهموم. (3) " بنكاية " م، وغيبة الطوسى. (4) " مولانا الرضا أبو الحسن " غيبة الطوسى وخرج المهموم. (5) " البدرى " غيبة الطوسى. " السرى " فرج المهموم. وما في المتن من النسخ وتاريخ بغداد: 12 / 320 حيث ذكره في ترجمة القاضي عتبة قائلا: وكان صديقه.

[ 469 ]

الكتاب وقال: إقرأه. فقرأه عبد الرحمان إلى موضع النعي، فقال للقاسم: يا أبا عبد الله (1) اتق الله، فإنك رجل فاضل في دينك، والله يقول: * (وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت) * (2) وقال: * (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا) * (3) قال القاسم: فأتم الآية * (إلا من ارتضى من رسول) * (4) مولاي هو المرضي من الرسول. ثم قال: أعلم أنك تقول هذا، ولكن أرخ اليوم فإن أنا مت بعد هذا اليوم، أو مت قبله، فأعلم أني لست على شئ، وإن أنا مت في ذلك اليوم فانظر لنفسك. فورخ عبد الرحمن اليوم وافترقوا، وحم القاسم يوم السابع، واشتدت العلة به إلى مدة، ونحن مجتمعون يوما عنده، إذ مسح بكمه عينه، وخرج من عينه شبه ماء اللحم، ثم مد بطرفه إلى ابنه، فقال: يا حسن إلي، ويا فلان إلي. فنظرنا إلى الحدقين صحيحتين. وشاع الخبر في الناس فانتابه (5) الناس، من العامة ينظرون إليه. وركب القاضي إليه - وهو: أبو السائب عتبة بن عبيدالله المسعودي (6) وهو قاضي


(1) كذا في م، وفي سائر النسخ والمصادر " أبا محمد " فلعله كان يكنى بهما، وإن لم يصرح بكنيته في كتب الرجال، ولكن في المورد الآتى " أبا محمد " باتفاق النسخ والمصادر. راجع معجم رجال الحديث: 14 / 35. (2) سورة لقمان: 34. (3) سورة الجن: 26. (4) سورة الجن: 27. (5) انتابه الناس: قصدوه. (6) هو قاضي القضاة أبو السائب عتبة بن عبيدالله بن موسى بن عبيدالله الهمداني الشافعي، تولى مهام القضاء في مراغة، ثم في ممالك آذربيجان، ثم ولى قضاء همدان، ثم بغداد توفي سنة احدى وخمسين وثلاثمائة. تجد ترجمته في تاريخ بغداد: 12 / 320، سير أعلم النبلاء: 16 / 47، والعبر: 2 / 53، ص 85. وتقدم: في أول الرواية أن أحداثها جرت في مدينه أران، وذكر أنها من توابع آذربيجان.

[ 470 ]

القضاة ببغداد - فدخل عليه وقال له: يا أبا محمد ما هذا الذي بيدي ؟ وأراه خاتما فصه فيروزج فقربه منه، فقال: عليه ثلاثة أسطر لا يمكنني قراءتها وقد قال لما رأى ابنه الحسن في وسط الدار قاعدا: " اللهم ألهم الحسن طاعتك، وجنبه معصيتك " قاله ثلاثا، ثم كتب وصيته بيده. وكانت الضياع التي بيده لصاحب الامر عليه السلام كان أبوه وقفها عليه. وكان فيما أوصى ابنه: " إن اهلت إلى الوكالة فيكون قوتك من نصف ضيعتي المعروفة ب‍ " فرجيده " (1) وسائرها ملك لمولانا عليه السلام. فلما كان يوم الاربعين وقد طلع الفجر مات القاسم، فوافاه عبد الرحمان يعدو في الاسواق حافيا حاسرا، وهو يصيح: " يا سيداه " فاستعظم الناس ذلك منه فقال لهم: اسكتوا، فقد رأيت ما لم تروا. وتشيع، ورجع عما كان [ عليه ]. فلما كان بعده مدة يسيرة ورد كتاب على الحسن ابنه من صاحب المنزل [ يقول فيه: ] " ألهمك الله طاعته، وجنبك معصيته " وهو الدعاء الذي دعا لك به أبوك (2). (3) 15 - ومنها: ما روي عن ابن أبي سورة، عن أبيه - وكان أبوه من مشايخ الزيدية بالكوفة - قال: كنت خرجت إلى قبر الحسين عليه السلام اعرف عنده، فلما كان وقت العشاء الآخرة صليت، وقمت فابتدأت أقرأ الحمد، وإذا شاب حسن الوجه عليه


(1) هكذا في غط، البحار، فرجيده: م، ه‍، فرجند: فرج المهموم. (2) " دعا به أبوه " ه‍، ط والمصادر. (3) عنه كتاب فرج المهموم: 249، وفي أوله " ما رويناه عن الشيخ المفيد ونقلناه عن نسخة عتيقة جدا من أصول أصحابنا قد كتبت في زمان الوكلاء، فقال فيها ما هذا لفظه " ومنتخب الانوار المضيئة: 130. ورواه الطوسي في الغيبة: 188 بإسناده عن المفيد والغضائري، عن محمد بن أحمد الصفواني، عنه البحار: 51 / 313 ح 37، واثبات الهداة: 7 / 337 ح 106. وأورده في ثاقب المناقب: 513 (مخطوط) عن أبي عبد الله الصفواني. وأخرجه في مدينة المعاجز: 612 ح 89 عن المفيد.

[ 471 ]

جبة سيفية (1) فابتدأ أيضا قبلي، وختم قبلي. فلما كان الغداة خرجنا جميعا من باب الحائر، فلما صرنا إلى شاطئ الفرات قال لي الشاب: أنت تريد الكوفة، فامض. فمضيت في طريق الفرات، وأخذ الشاب طريق البر. قال أبو سورة: ثم أسفت على فراقه، فاتبعه، فقال لي: تعال. فجئنا جميعا إلى أصل حصن المسناة، فنمنا جميعا، وانتبهنا، وإذا نحن على الغري على جبل الخندق فقال لي: أنت مضيق، ولك (2) عيال، فامض إلى أبي طاهر الزراري، فسيخرج إليك من داره، وفي يده الدم من الاضحية، فقال له: شاب من صفته كذا وكذا يقول لك: أعط هذا الرجل صرة الدنانير التي عند رجل السرير مدفونة. قال: فلما دخلت الكوفة مضيت إليه، وقلت ما ذكر لي الشاب. فقال: سمعا وطاعة. وعلى يده دم الاضحية. وعن جماعة، عن أبي ذر أحمد بن أبي سورة، وهو محمد بن الحسن بن عبيدالله التميمي (نحو ذلك) وزادوا: قال: ومشينا ليلتنا فإذا نحن على مقابر مسجد السهلة، فقال: هو ذا منزلي. ثم قال لي: تمر أنت إلى ابن الزراري علي بن يحيى فتقول له يعطيك المال بعلامة أنه كذا وكذا، وفي موضع كذا ومغطى بكذا. فقلت: من أنت ؟ قال: أنا محمد بن الحسن. ثم مشينا حتى انتهينا إلى النواويس في السحر، فجلس وحفر بيده، فإذا الماء قد خرج، وتوضأ ثم صلى ثلاث عشرة ركعة، فمضيت (3) إلى الزراري، فدققت الباب. فقال: من أنت ؟ فقلت: أبو سورة. فسمعته يقول: ما لي ولابي سورة ؟ !


(1) لعلها المصنوعة من الثياب المسيفة، وهي التي نقش عليها صور كهيئة السيوف، أو نسبة إلى بعض القبائل والبلدان كالحله السيفية. (2) " وعليك " م. (3) " خرجت " م.

[ 472 ]

فلما خرج وقصصت عليه [ القصة ] صافحني وقبل وجهي، ووضع [ يده ] بيدي، ومسح بها وجهه، ثم أدخلني الدار وأخرج الصرة من عند رجل السرير فدفعها إلي، فاستبصر أبو سورة وبرئ من الزيدية. (1) 16 - ومنها: ما روي عن محمد بن هارون الهمداني قال: كان للناحية علي خمسمائة دينار، فضقت بها ذرعا، ثم قلت في نفسي: لي حوانيت اشتريتها بخمسمائة دينار وثلاثين دينار قد جعلتها للناحية بخمسمائة دينار، ولا والله ما نطقت بذلك. فكتب عليه السلام إلى محمد بن جعفر: " اقبض الحوانيت من محمد بن هارون بخمسمائة دينار التي لنا عليه ". (2) 17 - ومنها: ما روي عن أبي الحسن المسترق الضرير: كنت يوما في مجلس


(1) عنه مدينة المعاجز: 613 ذح 90 و 91. وفي البحار: 52 / 14 ح 12، واثبات الهداة: 7 / 327 ح 94 و 95 عنه وعن غيبة الطوسي: 163 بإسناده عن أحمد بن علي الرازي، عن أبي ذر بن أبي سورة، باختلاف. وأخرجه في تبصرة الولي: 781 ح 52 عن الغيبة. (2) عنه البحار: 51 / 294 ح 4. ورواه في الكافي: 1 / 524 ح 28 بإسناده عن علي بن محمد، عن محمد بن هارون بن عمران الهمداني، عنه اعلام الورى: 449، ومدينة المعاجز: 602 ح 48. وفي ارشاد المفيد: 402 بإسناده عن علي بن محمد، عنه كشف الغمة: 2 / 456، والصراط المستقيم: 2 / 248 ح 13. وروى نحوه الصدوق في كمال الدين: 2 / 492 ح 17 بإسناده عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن هارون، عنه منتخب الانوار المضيئة: 126، والبحار: 51 / 331 ح 55. وأورد نحوه في ثاقب المناقب: 521 (مخطوط) عن محمد بن هارون. وأخرجه في اثبات الهداة: 7 / 285 ح 27 عن الكافي وكمال الدين.

[ 473 ]

الحسن بن عبد الله (1) بن حمدان، ناصر الدولة، فتذاكرنا أمر الناحية، قال: كنت ازري (2) عليها، إلى أن حضرت مجلس عمي الحسين (3) يوما، فأخذت أتكلم في ذلك. فقال: يا بني قد كنت أقول بمقالتك هذه إلى أن ندبت لولاية قم حين استصعبت على السلطان (4)، وكان كل من ورد إليها من جهة السلطان يحاربه أهلها، فسلم إلي جيش وخرجت نحوها. فلما بلغت إلى ناحية طزر (5) خرجت إلى الصيد ففاتتني طريدة، فاتبعتها، وأوغلت


(1) " الحسن بن محمد بن عبد الله " ه‍. وهو الحسن بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان التغلبي العدوى الحمداني الملقب بناصر الدولة، كان في خدمة الشيخ الاجل محمد بن محمد بن النعمان المفيد يستفيد أصول الدين وفروعه ويزيد في اعزاز الشيخ واكرامه، توفي سنة 358 ودفن بتل توبه شرقي الموصل تجد ترجمته في أعيان الشيعة: 5 / 136، سير أعلام النبلاء: 16 / 186، وفيات الاعيان: 2 / 114 وغيرها. (2) أي أعيب. (3) هو الحسين بن حمدان بن حمدون التغلبي العدوى عم سيف الدولة وناصر الدولة، كان أميرا شجاعا مهيبا فارسا فاتكا وكان خلفاء بني العباس يعدونه لكل مهم، ولاه المقتدر الحرب بقم وكاشان في سنة ست وتسعين ومائتين، ثم أنه ذبح صبرا في حبس المقتدر أمره في سنة ست وثلاثمائة. تجد ترجمته وشرح أحواله في أعيان الشيعة: 5 / 491، والعبر: 1 / 431 وص 435 وص 444 وص 451. (4) السلطان هنا هو المقتدر العباسي حيث هو الذي ولاه حرب أهل قم وكاشان. راجع التعليقة السابقة. (5) كذا في م. قال الحموي في معجم البلدان: 4 / 34: طزر: مدينة في مرج القلعة بينها وبين سابلة خراسان مرحلة. وهي في صحراء واسعة. وقال في ج 5 / 101: مرج القلعة: بينه وبين حلوان منزل، وهو من حلوان إلى جهة همذان. وفي ه‍ والبحار: طرز: - بالزاي المعجمة في آخرها - قال الفيروزآبادي في القاموس: =

[ 474 ]

في أثرها، حتى بلغت إلى نهر، فسرت فيه، وكلما أسير يتسع النهر، فبينما أنا كذلك إذ طلع علي فارس تحته شهباء، وهو متعمم بعمامة خز خضراء، لا أرى منه إلا عينيه، وفي رجليه خفان أحمران، فقال لي: يا حسين. فلا هو أمرني ولا كناني، فقلت: ماذا تريد ؟ قال: لم تزري على الناحية ؟ ولم تمنع أصحابي خمس مالك ؟ وكنت الرجل الوقور الذي لا يخاف شيئا فأرعدت [ منه ] وتهيبته، وقلت له: أفعل يا سيدي ما تأمر به. فقال: إذا مضيت إلى الموضع الذي أنت متوجه إليه، فدخلته عفوا وكسبت ما كسبته، تحمل خمسه إلى مستحقه. فقلت: السمع والطاعة. فقال: إمض راشدا، ولوى عنان دابته وانصرف فلم أدر أي طريق سلك، وطلبته يمينا وشمالا فخفي علي أمره، وازددت رعبا وانكفأت (1) راجعا إلى عسكري وتناسيت الحديث. فلما بلغت قم وعندي أني أريد محاربة القوم، خرج إلي أهلها وقالوا: كنا نحارب من يجيئنا بخلافهم لنا فأما إذا (2) وافيت أنت فلا خلاف بيننا وبينك ادخل البلدة فدبرها كما ترى. فأقمت فيها زمانا، وكسبت أموالا زائدة على ما كنت اقدر، ثم وشى القواد بي


= 2 / 180: طرز: الموضع الذى تنسب فيه الثياب الجيدة، ومحلة بمرو، وباصفهان وبلد قرب اسبيجاب. ولكن الحموى ضبطها في معجم البلدان: 4 / 27 طراز. واختلف في موقع اسبيجاب أين هي، حيث ذكر الحموى أنها من ثغور الترك. ولم يحدد موقعها الجغرافي، وقال ابن خلكان في وفيات الاعيان: 4 / 308: هي مدينة من أقصى بلاد السرق، وأظنها من اقليم الصين أو قريبة منه. (1) " انكففت " البحار. وكلاهما بمعنى انصرف، ورجع. (2) " لخلافهم، فأوما وقد " م.

[ 475 ]

إلى السلطان، وحسدت على طول مقامي، وكثرة ما اكتسبت، فعزلت ورجعت إلى بغداد، فابتدأت بدار السلطان وسلمت عليه، وأتيت (1) إلى منزلي، وجاءني فيمن جاءني محمد بن عثمان العمري (2) فتخطى الناس حتى اتكأ على تكأتي، فاغتظت من ذلك، ولم يزل قاعدا ما يبرح، والناس داخلون وخارجون، وأنا أزداد غيظا. فلما تصرم (3) [ الناس، وخلا ] المجلس، دنا إلي وقال: بيني وبينك سر فاسمعه فقلت: قل. فقال: صاحب الشهباء والنهر يقول: قد وفينا بما وعدنا. فذكرت الحديث وارتعت (4) من ذلك، وقلت: السمع والطاعة. فقمت فأخذت بيده، ففتحت الخزائن، فلم يزل يخمسها، إلى أن خمس شيئا كنت قد انسيته مما كنت جمعته، وانصرف، ولم أشك بعد ذلك، وتحققت الامر. فأنا منذ سمعت هذا من عمي أبي عبد الله زال ما كان اعترضني من شك. (5) 18 - ومنها: ما روي عن أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه (6) قال: فلما وصلت


(1) " واقبلت " م بدل " عليه واتيت ". (2) وهو رضوان الله عليه كان وكيلا للامام صاحب الزمان في زمن الغيبة الصغرى، وله منزلة جليلة عند الطائفته. (3) أي ذهب. (4) أي فزعت. (5) عنه كشف الغمة: 2 / 500، ومنتخب الانوار المضيئة: 161، والبحار: 52 / 56 ح 40، والوسائل: 7 / 377 ح 8، واثبات الهداة 7 / 345 ح 118، ومدينة لمعاجز: 613 ح 92. (6) هو الشيخ المتفق على جلالته ووثاقته، كان من ثقات أصحابنا وأجلائهم في الحديث والفقه، وكل ما يوصف به الناس من جميل وثقة وفقه فهو فوقه. ذكر الشيخ الطوسي، وابن داود، وآغا بزرك الطهراني، وابن حجر العسقلاني بأنه توفي في سنة 368. وأرخها العلامة الحلي بأنها في سنة: 369، وبمراجعة التعليقات الآتية يتبين أنها الاصح. تجد ترجمته في رجال النجاشي: 123، رجال الشيخ الطوسي: 458، الفهرست: =

[ 476 ]

بغداد في سنة تسع (1) وثلاثين [ وثلاثمائة ] للحج، وهي السنة التي رد القرامطة (2) فيها الحجر إلى مكانه من البيت، كان أكبر همي الظفر بمن ينصب الحجر، لانه يمضي في أثناء الكتب قصة أخذه وأنه ينصبه في مكانه الحجة في الزمان، كما في زمان الحجاج وضعه زين العابدين عليه السلام في مكانه فاستقر. فاعتللت علة صعبة خفت منها على نفسي، ولم يتهيأ لي ما قصدت له، فاستنبت المعروف بابن هشام، وأعطيته رقعة مختومة، أسأل فيها عن مدة عمري، وهل تكون المنية (3) في هذه العلة ؟ أم لا ؟ وقلت: همي إيصال هذه الرقعة إلى واضع الحجر في مكانه، وأخذ جوابه، و إنما أندبك لهذا.


= 42، أمل الامل: 2 / 55، رياض العلماء: 1 / 112، روضات الجنات: 2 / 171، رجال ابن داود: 65، طبقات أعلام الشيعة في القرن الرابع: 76، أعيان الشيعة: 4 / 154، لسان الميزان: 1 / 125، وغيرها. (1) في سائر النسخ والبحار: " سبع ". ولكن أتفقت كتب التاريخ أن القرامطة ردوا الحجر الاسود في سنة تسع وثلاثين، بعد أن اغتصبوه في سنة سبع عشرة وثلاثمائة، وكان مكثه عندهم اثنتين وعشرين سنة. راجع الكامل لابن الاثير، 8 / 486، النجوم الزاهرة: 3 / 301، العبر: 2 / 56، البداية والنهاية: 11 / 223، وغيرها. ونشأ هذا التصحيف لتقارب كلمتي " سبع " و " تسع " في الرسم. (2) القرامطة: هم فرقة من الشيعة الاسماعيلية المباركية، وقالوا بأن الامام بعد جعفر الصادق عليه السلام هو محمد بن اسماعيل بن جعفر وهو الامام القائم المهدي، وهو رسول وهو حي لم يمت وأنه في بلاد الروم وأنه من أولي العزم. أنشأوا دولتهم في البحرين ثم توسعوا غربا حتى وصلوا بلاد الشام سنة 288. راجع معجم الفرق الاسلامية: 192. (3) " الميتة " م. " الموتة " ه‍، والبحار.

[ 477 ]

قال: فقال المعروف بابن هشام: لما حصلت بمكة وعزم على إعادة الحجر بذلت لسدنة البيت جملة تمكنت معها من الكون بحيث أرى واضع الحجر في مكانه، وأقمت معي منهم من يمنع عني ازدحام الناس، فكلما عمد إنسان لوضعه اضطرب ولم يستقم، فأقبل غلام أسمر اللون، حسن الوجه، فتناوله ووضعه في مكانه فاستقام كأنه لم يزل عنه، وعلت لذلك الاصوات، وانصرف خارجا من الباب، فنهضت من مكاني أتبعه، وأدفع الناس عني يمينا وشمالا، حتى ظن بي الاختلاط في العقل، والناس يفرجون لي، وعيني لا تفارقه، حتى انقطع عن الناس، فكنت أسرع السير خلفه، وهو يمشي على تؤدة (1) ولا ادركه. فلما حصل بحيث لا أحد يراه غيري، وقف والتفت إلي فقال: هات ما معك. فناولته الرقعة. فقال من غير أن ينظر فيها: قل له: لا خوف عليك في هذه العلة، ويكون ما لابد منه بعد ثلاثين سنة (2). قال: فوقع علي الزمع (3) حتى لم أطق حراكا، وتركني وانصرف. قال أبو القاسم: فأعلمني بهذه الجملة. فلما كان سنة تسع (4) وستين اعتل أبو القاسم فأخذ ينظر في أمره، وتحصيل جهازه إلى قبره، وكتب وصيته، واستعمل الجد في ذلك. فقيل له: ما هذا الخوف ؟ ونرجو أن يتفضل الله تعالى بالسلامة، فما عليك مخوفة.


(1) أي ترزن وتأنى وتمهل. (2) أي في سنة " 369 " كما أرخها العلامة الحلي، حيث تقدم اثبات تاريخ رد الحجر الاسود إلى مكانه سنة " 339 "، راجع التعليقات السابقة. (3) زمع: دهش، وخاف، وارتعد. وقيل: الزمع: من إذا خاف أو غضب سبقه دمعه. وفي البحار: الدمع. (4) " سبع " النسخ، وكشف الغمة، والبحار. راجع التعليقات السابقة.

[ 478 ]

فقال: هذه السنة التي خوفت فيها. فمات في علته. (1) 19 - ومنها: ما روي عن علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن عيسى بن صبيح (2) قال: دخل الحسن العسكري عليه السلام علينا الحبس، وكنت به عارفا، فقال لي: لك خمس وستون سنة، وشهر، ويومان. وكان معي كتاب دعاء عليه تاريخ مولدي، وإني نظرت فيه فكان كما قال. وقال: هل رزقت ولدا ؟ قلت: لا. فقال: اللهم ارزقه ولدا يكون له عضدا، فنعم العضد الولد. ثم تمثل عليه السلام: من كان ذا عضد يدرك ضلامته * إن الذليل الذي ليست له عضد (3) قلت: ألك ولد ؟ قال: إي والله سيكون لي ولد يملا الارض قسطا [ وعدلا ] فأما الآن فلا. ثم تمثل: لعلك يوما أن تراني كأنما * بني حوالي الاسود اللوابد (4)


(1) عنه كشف الغمة: 2 / 502، والبحار: 52 / 58 ح 41 وج 99 / 226 ح 26، واثبات الهداة: 7 / 346 ح 119، ومدينة المعاجز: 614 ح 93. (2) " سيح " م " شج " كشف الغمة " الفتح " نور الابصار والفصول المهمة. (3) نسب ابن قتيبة هذا البيت في عيون الاخبار: 3 / 5 إلى عمرو بن حبيب الثقفي وأضاف إليه: تنبو يداه إذا ما قل ناصره * ويأنف الضيم ان أثرى له عدد (تنبو أي تضعف ] وأوردهما ابن عبد ربه في العقد الفريد: 2 / 246. (4) اللابد، الاسد: جمعها: اللوابد. القاموس المحيط: 1 / 335 (لبد).

[ 479 ]

فإن تميما (1) قبل أن يلد الحصى (2) * أقام زمانا وهو في الناس واحد (3) 20 - ومنها: ما روي عن أبي غالب الزراري: تزوجت بالكوفة امرأة من قوم يقال لهم: " بنو هلال " (4) خزازون (5) وحصلت لها منزلة من قلبي فجرى بيننا كلام اقتضى خروجها عن بيتي غضبا، ورمت ردها، فامتنعت علي لانها كانت في (6) أهلها في (7) عز وعشيرة، فضاق لذلك صدري، وتجهزت (8) إلى السفر، فخرجت إلى بغداد أنا وشيخ من أهلها، فقدمناها وقضينا الحق في واجب (9) الزيارة وتوجهنا إلى دار الشيخ أبي القاسم بن روح وكان مستترا من السلطان، فدخلنا وسلمنا. فقال: إن كان (10)


(1) المراد بتميم هنا هو تميم بن مر بن أد، وحيث تنسب إليه واحدة من أكبر القبائل العربية، قال ابن حزم الاندلسي في جمهرة أنساب العرب: 207: بنو تميم بن مر بن أدهم قاعدة من أكبر قواعد العرب. (2) الحصى: العدد الكثير، تشبيها بالحصى من الحجارة في الكثير، قال الاعشى: ولست بالاكثر منهم حصى * وإنما العزة للكاثر ويقال: نحن أكثر منهم حصى. أي عددا. لسان العرب: 14 / 183 (حصى). (3) عنه البحار: 50 / 275 ح 48، وج 51 / 162 ح 15، والوسائل: 15 / 99 ح 2، واثبات الهداة: 6 / 324 ح 78، ومدينة المعاجز: 575 ح 92. وأورده في الفصول المهمة: 270، ونور الابصار: 184 عن علي بن إبراهيم، عنهما احقاق الحق: 12 / 468. وأخرجه في احقاق الحق: 13 / 369 في الفصول المهمة. (4) " هلاهى " م. (5) خزازون: جمع خزاز، وهو بائع الخز وصانعه. والخز. من الثياب: ما ينسج من صوف وابريسم، وما ينسج من ابريسم خالص. (6) " من " ه‍، ط. (7) " من موضع " ه‍، ط. (8) " وتروحت " ه‍، م. تروح: سار في العشي، أو عمل فيه. (9) " واجب الحق من " ه‍، ط. (10) " يك " ه‍.

[ 480 ]

لك حاجة فاذكر اسمك هاهنا. وطرح إلي مدرجة (1) كانت بين يديه، فكتبت فيها اسمي، واسم أبي، وجلسنا قليلا، ثم ودعناه، وخرجت إلى سر من رأى للزيارة وزرنا وعدنا، وأتينا دار الشيخ، فأخرج المدرجة التي كنت كتبت فيها اسمي وجعل يطويها على أشياء كانت مكتوبة فيها [ إلى ] أن انتهى إلى موضع اسمي، فناولنيه، فإذا تحته مكتوب - بقلم دقيق -: " أما الزراري في حال الزوج أو الزوجة فسيصلح الله - أو: فأصلح الله - بينهما " وكنت عندما كتبت اسمي أردت [ أن أسأله ] الدعاء لي بصلاح الحال مع الزوجة، ولم أذكره، بل كتبت اسمي وحده، [ فجاء الجواب كما كان في خاطري، من غير أن أذكره ثم ودعنا الشيخ (2) ] وخرجنا من بغداد حتى قدمنا الكوفة، فيوم قدومي أو من غده، أتاني إخوة المرأة، فسلموا علي واعتذروا إلى مما كان بيني وبينهم من الخلاف والكلام، وعادت الزوجة على أحسن الوجوه إلى بيتي، ولم يجر بيني وبينها خلاف ولا كلام مدة صحبتي [ لها ] ولم تخرج من منزلي بعد ذلك إلا بإذني حتى ماتت. (3) 21 - ومنها: أن أبا محمد الدعلجي (4) كان له ولدان، وكان من خيار أصحابنا وكان قد سمع الاحاديث، وكان أحد ولديه على الطريقة المستقيمة، وهو أبو الحسن كان يغسل الاموات، وولد آخر يسلك مسالك الاحداث في فعل الحرام، ودفع إلى أبي محمد حجة يحج بها عن صاحب الزمان عليه السلام، وكان ذلك عادة الشيعة وقتئذ.


(1) المدرجة: الورقة التي تكتب فيها الرسالة، أو يدرج فيها الكتاب. (2) " فودعناه " م. (3) عنه مدينة المعاجز: 614 ح 94. (4) الدعجلي " م، والظاهر - بحسب الطبقة - أنه هو " عبد الله بن محمد بن عبد الله، أبو محمد الحذاء الدعلجي، منسوب إلى موضع خلف باب الكوفة ببغداد، يقال له الدعالجة، كان فقيها عارفا، وعليه تعلمت المواريث، له كتاب الحج " قاله النجاشي في رجاله: 230.

[ 481 ]

فدفع شيئا منها إلى ابنه المذكور بالفساد، وخرج إلى الحج. فلما عاد حكى أنه كان واقفا بالموقف، فرأى إلى جانبه شابا حسن الوجه، أسمر اللون، بذؤابتين، مقبلا على شأنه في الدعاء والابتهال والتضرع، وحسن العمل، فلما قرب نفر الناس التفت إلي وقال: يا شيخ ما تستحي ؟ ! قلت: من أي شئ يا سيدي ؟ ! قال: يدفع إليك حجة عمن تعلم، فتدفع منها إلى فاسق يشرب الخمر، يوشك أن تذهب عينك هذه. وأومأ إلى عيني، وأنا من ذلك إلى الآن على وجل ومخافة. وسمع (1) أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان (2) ذلك، وقال: فما مضى عليه أربعون يوما بعد مورده حتى خرج في عينه التي أومأ إليها قرحة، فذهبت. (3) 22 - ومنها: ما روي عن سعد بن عبد الله الاشعري قال: ناظرني مخالف فقال: أسلم أبو بكر وعمر طوعا أو كرها ؟ ففكرت في ذلك وقلت: إن قلت كرها، فقد كذبت، إذ لم يكن حينئذ سيف مسلول، وإن قلت طوعا. فالمؤمن لا يكفر [ بعد إيمانه ] فدفعته عني دفعا بالراح لطيفا وخرجت من ساعتي إلى دار أحمد بن إسحاق (4) أسأله عن ذلك، فقيل لي: إنه خرج إلى سر من رأى اليوم. فانصرفت إلى بيتي وركبت دابتي، وخرجت خلفه حتى وصلت إليه في المنزل، فسألني عن حالي،


(1) " سمع منه " ه‍. (2) هو الشيخ المفيد رضوان الله عليه. (3) عنه الوسائل: 8 / 147 ح 2، واثبات الهداة: 7 / 346 ح 120، والبحار: 52 / 59 ح 42، ومدينة المعاجز: 614 ح 95، ومستدرك الوسائل: 8 / 70 ب 11 ح 4. (4) هو أحمد بن إسحاق بن عبد الله بن سعد بن مالك الاشعري، كبير القدر، وكان من خواص أبي محمد عليه السلام، ورأى صاحب الزمان عليه السلام، وهو شيخ القميين ووافدهم. تجد ترجمته في رجال النجاشي: 91، فهرست الطوسي: 26، معجم رجال الحديث: 2 / 44 وغيرها.

[ 482 ]

فقلت: أجئ إلى حضرة أبي محمد عليه السلام فعندي أربعون مسألة قد أشكلت علي، فقال: خير صاحب ورفيق. فمضينا حتى دخلنا سر من رأى، وأخذنا بيتين في خان، وسكن كل واحد [ منا ] في واحد (1) وخرجنا إلى الحمام، واغتسلنا غسل الزيارة والتوبة. فلما رجعنا أخذ أحمد بن إسحاق جرابا ولفه بكساء طبري، وجعله على كتفه ومشينا، وكنا نسبح الله ونهلله ونكبره ونستغفره ونصلي على محمد وآله إلى أن وصلنا إلى باب الدار فاستأذن أحمد بن إسحاق، فأذن بالدخول. فلما دخلنا وإذا أبو محمد عليه السلام على طرف الصفة (2) قاعد، وكان على يمينه غلام قائم كفلقة قمر، فأحسن الجواب، وأكرمنا، وأقعدنا، فوضع أحمد الجراب بين يديه، وكان أبو محمد عليه السلام ينظر في درج طويل في الاستفتاء، ورد عليه من ولاية، فجعل يقرأ ويكتب تحت كل مسأله التوقيع، فالتفت إلى الغلام وقال: هذه هدايا موالينا. وأشار إلى الجراب. فقال الغلام: هذا لا يصلح لنا، لان الحلال مختلط بالحرام فيه. فقال أبو محمد عليه السلام: أنت صاحب الالهام، أفرق بين الحلال والحرام. ففتح أحمد الجراب فأخرج صرة فنظر إليها الغلام وقال: هذا بعثه فلان بن فلان من محلة كذا، وكان باع حنطة خاف على الزراع في مقاسمتها، وهي كذا دينارا، وفي وسطها خط مكتوب عليه كميته، وفيها صحاح ثلاث: إحداها آملي، والاخرى ليس عليها سكة، والاخرى فلاني أخذها (3) من نساج غرامة من غزل سرق من عنده. ثم أخرج صرة فصرة فجعل يتكلم على كل واحدة بقريب من ذلك. ثم قال: أشدد الجراب على الصرر حتى توصلها عند وصولك إلى أصحابها (4)


(1) " مسكن " خ ل. (2) الصفة: البهو الواسع العالي السقف. (3) " من فلان أخذت " ه‍ والبحار. (4) " توصى بالوصول إلى أربابها " م.

[ 483 ]

هات الثوب الذي بعثت العجوز الصالحة. وكانت امرأة بقم غزلته بيدها ونسجته فخرج أحمد ليجئ بالثوب، فقال لي أبو محمد عليه السلام: ما فعلت مسائلك (1) الاربعون ؟ سل الغلام [ عنها ] يجبك. فقال لي الغلام - إبتداءا -: هلا قلت للسائل: ما أسلما طوعا، ولا كرها، وإنما أسلما طمعا، فقد كانا يسمعان من أهل الكتاب منهم من يقول: هو نبي يملك المشرق والمغرب، وتبقى نبوته إلى يوم القيامة. ومنهم من يقول: يملك الدنيا كلها ملكا عظيما، وينقاد له أهل الارض. فدخلا كلاهما في الاسلام طمعا في أن يجعل محمد صلى الله عليه وآله كل واحد منهما والي ولاية، فلما أيسا من ذلك دبرا مع جماعة في قتل محمد صلى الله عليه وآله ليلة العقبة فكمنوا له، وجاء جبرئيل عليه السلام وأخبر محمدا صلى الله عليه وآله بذلك، فوقف على العقبة وقال: يا فلان، يا فلان، يا فلان، اخرجوا، فإني لا أمر حتى أراكم كلكم قد خرجتم وقد سمع ذلك حذيفة. ومثلهما طلحة والزبير فهما بايعا عليا عليه السلام بعد قتل عثمان طمعا في أن يجعلهما كليهما علي بن أبي طالب عليه السلام واليا على ولاية، لا طوعا، ولا رغبة، ولا إكراها ولا إجبارا، فلما أيسا من ذلك من علي عليه السلام نكثا العهد، وخرجا [ عليه ] وفعلا ما فعلا. وأجاب عن مسائلي الاربعين، قال: ولما أردنا الانصراف قال أبو محمد عليه السلام لاحمد بن إسحاق: إنك تموت السنة. فطلب منه الكفن. قال: يصل إليك عند الحاجة. قال سعد بن عبد الله: فخرجنا حتى وصلنا حلوان (2) حم أحمد بن إسحاق، ومات في الليل بحلوان، فجاء رجلان من عند أبي محمد (3) عليه السلام ومعهما أكفانه


(1) " أين مسائلك " ه‍ والبحار. (2) حلوان - بالضم ثم السكون - في عدة مواضع: منها حلوان العراق، وهي في آخر حدود السواد مما يلي الجبال من بغداد. معجم البلدان: 2 / 290. (3) روى الكشي في رجاله: 556 و 557 ما يفيد أن أحمد بن إسحاق عاش بعد وفاة أبي محمد عليه السلام.

[ 484 ]

فغسلاه وكفناه، وصلينا عليه. قال: وقد كنا عنده من أول الليل، فلما مضى وهن (1) منه قال لي: انصرف إلى البيت فإني ساكن. فمضيت، ونمت، فلما كان قرب (2) السحر أتى الرجلان إلى باب بيتي وقالا: آجرك الله في أحمد بن إسحاق فقد غسلناه وكفناه وصلينا عليه، فقمت ورأيته مفروغا في الاكفان، فدفناه من الغد بحلوان رحمة الله عليه. (3) * * * إلى هنا تم الجزء الاول حسب تجزئتنا، ويليه الجزء الثاني، وأوله: " الباب الرابع عشر في أعلام النبي صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام " نرجو من الله العزيز أن يوفقنا لاتمام ذلك بفضله وتأييده. مؤسسة الامام المهدي عليه السلام قم المقدسة


(1) الوهن: نحو من منتصف الليل أو بعد ساعة منه. القاموس المحيط: 4 / 276 (وهن). (2) " وقت " ه‍ والبحار. (3) عنه اثبات الهداة: 1 / 380 ح 106، وج 7 / 347 ح 121، ومدينة المعاجز: 615 ح 96. وعنه البحار 52 / 78 ح 1، وعن كمال الدين: 454 ح 21 باسناده عن محمد بن علي ابن محمد بن حاتم النوفلي المعروف بالكرماني، عن أبي العباس أحمد بن عيسى الوشاء البغدادي، عن أحمد بن طاهر القمي، عن محمد بن بحر بن سهل الشيباني، عن أحمد بن مسرور، عن سعد بن عبد الله القمى، مفصلا، وعن دلائل الامامة: 274 بإسناده عن أبي القاسم عبد الباقي بن يزداد بن عبد الله البزاز، عن أبي محمد بن عبد الله بن محمد الثعالبي عن أبي علي أحمد بن محمد بن يحيى العطار، عن سعيد بن عبد الله بن خلف القمي، مفصلا. وأورده الطبرسي في الاحتجاج: 2 / 268، وثاقب المناقب: 508 (مخطوط) عن سعد ابن عبد الله القمي الاشعري. وأخرجه في البحار: 8 / 212 (ط. حجر)، وتأويل * * * إلى هنا تم الجزء الاول حسب تجزئتنا، ويليه الجزء الثاني، وأوله: " الباب الرابع عشر في أعلام النبي صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام " نرجو من الله العزيز أن يوفقنا لاتمام ذلك بفضله وتأييده. مؤسسة الامام المهدي عليه السلام قم المقدسة

(1) الوهن: نحو من منتصف الليل أو بعد ساعة منه. القاموس المحيط: 4 / 276 (وهن). (2) " وقت " ه‍ والبحار. (3) عنه اثبات الهداة: 1 / 380 ح 106، وج 7 / 347 ح 121، ومدينة المعاجز: 615 ح 96. وعنه البحار 52 / 78 ح 1، وعن كمال الدين: 454 ح 21 باسناده عن محمد بن علي ابن محمد بن حاتم النوفلي المعروف بالكرماني، عن أبي العباس أحمد بن عيسى الوشاء البغدادي، عن أحمد بن طاهر القمي، عن محمد بن بحر بن سهل الشيباني، عن أحمد بن مسرور، عن سعد بن عبد الله القمى، مفصلا، وعن دلائل الامامة: 274 بإسناده عن أبي القاسم عبد الباقي بن يزداد بن عبد الله البزاز، عن أبي محمد بن عبد الله بن محمد الثعالبي عن أبي علي أحمد بن محمد بن يحيى العطار، عن سعيد بن عبد الله بن خلف القمي، مفصلا. وأورده الطبرسي في الاحتجاج: 2 / 268، وثاقب المناقب: 508 (مخطوط) عن سعد ابن عبد الله القمي الاشعري. وأخرجه في البحار: 8 / 212 (ط. حجر)، وتأويل الآيات: 1 / 299 ح 1 عن الاحتجاج. وفي منتخب الانوار المضيئة: 145، والوسائل: 13 / 276 ح 21، واثبات الهداة: 1 / 223 ح 166، وج 7 / 299 ح 41، وحلية الابرار، 2 / 557، وتبصرة الولي: 770 ح 37، وينابيع المودة: 459 عن كمال الدين وفي حلية الابرار: 2 / 568 عن دلائل الامامة، وفي مدينة المعاجز: 593 ح 15 عن كمال الدين ودلائل الامامة. (*)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية