الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




عدم سهو النبي (ص) - الشيخ المفيد

عدم سهو النبي (ص)

الشيخ المفيد


[ 1 ]

عدم سهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم تأليف الامام الشيخ المفيد محمد بن محمد النعمان ابن المعلم ابي عبد الله، العكبري، البغدادي (336 - 413 ه‍)

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم من البحوث المهمة المطروحة في علم الكلام: البحث عن جواز السهو على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعدمه ؟ ! فإن أدلة العصمة التى يقول بها جمهور المسلمين تقتضي الحكم بنفى السهو عنه في القول والفعل، وقد ذهب إلى ذلك المحققون من علماء الكلام من الشيعة وممن قال بذلك من أهل السنة: أبو إسحاق الاسفراييني. وقد فصل ذكر الخلاف منهم في كتاب (حجية السنة) للشيخ عبد الغني عبد الخالق (ص 99 - 17). أما الشيعة فلم يرد منهم خلاف في عصمته صلى الله عليه واله وسلم من السهو في الاقوال. وأما في الافعال: فقد ذهب بعض من لا ينتمون إلى النظر في ما يرتبط بالعقائد، بل يعتمدون في تحصيلها على النصوص المروية ويلتزمون بما تدل عليه ظواهرها، مع الالتزام بعدم تأويلها وتوفيقها مع أدلة العقول، وهم الذين سما هم الشيخ المفيد ب‍ " المقلدة " وهم فرقة يلتزمون بالتقليد في اصول الدين، و =

[ 4 ]

يشبهون من يسمى من العامة بالسلفية والحشوية، في المنهج الكلامي و العقائدي. فإن هؤلاء التزموا بنسبة السهو إلى فعل النبي صلى الله عليه وآله اعتمادا على رواية من أخبار الاحاد، زعموا ورودها بذلك. ومضمونها أنه صلى الله عليه وآله صلى صلاة رباعية سلم فيها على ركعتين - سهوأ -. فقال له رجل يسمى بذي اليدين: أقصرت الصلاة، أو نسيت ؟ ! فقال صلى الله عليه وآله: كل ذلك لم يكن. ثم سأل صلى الله عليه وآله أبا بكر وعمر، عما قاله ذو اليدين: أكان أم لم يكن ؟ ! فاخبراه أنه سلم على ركعتين، فأتم النبي صلى الله عليه وآله صلاته. وقد تصدى الشيخ المفيد في هذا الكتاب لهؤلاء، ولما استدلوا له من الاخبار. فابتدأ بذكر مسألة اصولية تميز حدود المباني المؤثرة في حسم مادة النزاع، فذكر: 1 - أن البحث إنما هو حول عصمة الا نبياء، وهي من مسائل العقيدة التي لا يمكن الاستدلال عليها بالظن، لما قد ثبت في محله - من علم الكلام - من أن اصول الدين لابد وأن تكون مستندة إلى العلم واليقين والاعتقاد الجازم. ولما ورد في الايات القرآنية العديدة - التي استشهد بها الشيخ المفيد - من عدم جواز الاعتماد على الظن وأنه لا يغني من الحق شيئا. وهذه هي نقطة الافتراق بين أهل الاجتهاد والنظر وبين المقلدة. (1)


(1) لاحظ ما ذكرناه حول كتاب (الحكايات).

[ 5 ]

2 - إن الفقهاء - أهل الاجتهاد والنظر - لا يعتمدون على أخبار الآحاد، المجردة، ويعتقدون أنها: " لا توجب علما ولا عملا ". والشيخ يؤكد على هذا في مختلف كتبه، وفي بداية هذه الرسالة وهذا أيضا من الفوارق بين الفريقين. ثم أخذ الشيخ في معارضة تلك الرواية التي اعتمدوها دليلا على إثبات وقوع السهو من النبي صلى الله عليه وآله بأنها " معللة " فلا يجوز اعتمادها كدليل على شئ، إذ التعليل في الحديث يسقطه عن الاعتبار والحجية فلا يجوز العمل به. والحديث المعلل: هو ما وقع اختلاف بين رواته، من حيث نصه المنقول إلى حد التهافت والتناقض بحيث لا يمكن الجمع بين منقولاتهم. وقد اختلف الرواة بهذه الرواية كذلك، حيث اختلفوا في تعيين الصلاة التي وقع فيها السهو، واختلفوا - كذلك - في الكيفية التي عالج بها النبي صلى الله عليه واله السهو المزعوم وقوعه. ثم استدل الشيخ المفيد بوجوه على أن الحديث موضوع مختلق وليس يمكن وروده، مع الالتزام بمؤداه، لما فيه من التناقضات واللوازم الباطلة، المخالفة للحق، وهي: أولا: ان النبي صلى الله عليه وآله - وحسب متن الرواية نفسها - قد نفى عن نفسه السهو، بقوله: " كل ذلك لم يكن " فإذا صح النقل، فمعنى كلامه أنه قد نفى عن نفسه وقوع السهو والنسيان، فكيف يؤخذ ذلك دليلا على وقوع السهو منه صلى الله عليه وآله والالتزام بأنه صلى الله عليه وآله سها في هذا القول أيضا: اجتهاد في مقابل النصن. =

[ 6 ]

وأما محاولة تفسير هذا الكلام بأنه نفي للجمع بين الامرين، بأن الكل لم يحصل، فقد رده الشيخ المفيد في الفصل الثاني من الكتاب بوجهين: الاول: ان هذا الجواب ليس جوابا للسؤال المذكور، لان السائل إنما سأل. عن وقوع أحد الامرين ؟ فليس الجواب بعدم حصولهما معا موافقا للطريقة المألوفة في الجواب عن ذلك ؟ فهذا لغو نربأ بالرسول صلى الله عليه وآله و سلم منه. الثاني: إن هذا الجواب يقتضي إلتفاته إلى وقوع أحد الامرين منه، وظاهر كلامه عدم إلتفاته إلى ذلك، بل إنما سأل المصلين عن صحة ما قاله ذو اليدين ؟ ! ثانيا: إن الرواية - وحسب طرقها - تحتوى على أن الرسول صلى الله عليه وآله قرأ في تلك الصلاة سورة " والنجم " التى فيها آية السجدة، وأنه سمع يقرأ " تلك الغرانيق العلى، وأن شفاعتهن لترتجي " تلك الخرافة المفتعلة على قدس النبي صلى الله عليه وآله، الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى و انظر بهذا الصدد ما ذكره الشيخ عبد الغني عبد الخالق في كتاب حجية السنة (ص 100) هامش. وثالثأ: إن هذه الرواية تقتضي أنه لم يتنبه إلى هذا السهو إلا ذو اليدين - وهو مجهول الشخصية من بين الصحابة - دون جميع من حضر من سائر الصحابة بما فيهم ابو بكر وعمر، وان الرسول صلى الله عليه وآله لما أراد أن يتأكد من كلام ذي اليدين سأل أبا بكر وعمر عن ذلك ؟ دون غيرهما من الصحابة الحاضرين ؟ ! وكل هذه المفارقات تشير إلى أن الرواية إنما وضعت لتشويه سمعة النبي صلى الله عليه وآله، وإسقاط فعله عن الحجية والاعتبار.

[ 7 ]

وبعد، فقد تخلل هذه الرسالة آراء للشيخ المفيد في مسائل عديدة، نتعرضها: 1 - تفنيده إدعاء الفرق بين السهو عند الناس، الذي عبروا عنه بالسهو الشيطاني، والسهو عند النبي المعبر عنه بالسهو الرحماني وميز بين السهو و النوم في الحكم. 2 - ادعاؤه عدم الخلاف بين عصابة الحق (يعني الامامية) في وجوب قضاء الصلاة الفائتة على الفور، عند تذكرها، وأن القضاء على المضايقة، دون المواسعة، إلا إذا تضايقت بها صلاة حاضرة، ذكر ذلك في الفصل الخامس. 3 - قوله: أن الفقهاء يطرحون ما يرويه الرواة ذوو السهو في الحديث، إلا ان يشركهم فيه غيرهم من ذوي التيقظ والفطنة والذكاء والحفاظة ذكر ذلك في الفصل السادس. وهذا هو شرط " السداد " الذي اعتبر في الرواة عند علماء الحديث و الدراية. 4 - مناقشته في شخص " ذي اليدين " الصحابي المختلق الذي نسبت إليه الرواية، مصرحا بأنه مجهول غير معروف. 5 - نفيه نسبة الغلو عن مثل القائل بنفي السهو عن النبي صلى الله عليه وآله، ووصف الناسب للغلو إليه ب‍ " المتهور " كما أن الشيخ يبدو قاسيا على القائلين بالسهو حيث يقول في النهاية: " وإن شيعيا - يعتمد على هذا الحديث في الحكم على النبي عليه السلام بالغلط والنقص وارتفاع العصمة - لناقص العقل، ضيف الرأي، قريب إلى ذوى الافات المسقطة عنهم التكليف ". ثم إن الظاهر من آخر الكتاب أن اسمه: " جواب أهل الحاثر على ساكنه =

[ 8 ]

السلام فيما سألوا عنه من سهو النبي صلى الله عليه وآله في الصلاة ". والحمد لله على توفيقه. وكتب السيد محمد رضا الحسيني الجلالي

[ 15 ]

عدم السهو النبي صلى الله عليه واله وسلم تأليف الامام الشيخ المفيد محمد بن محمد النعمان ابن المعلم ابي عبد الله، العكبري، البغدادي (336 - 413 ه‍)

[ 17 ]

بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر وأعن برحمتك الحمد لله الذي اصطفى محمدا لرسالته، واختاره على علم للاداء عنه، وفضمله على كافة خليقته، وجعله قدوة في الدين، ورحمة للعالمين، وعصمه من الزلات، وبرأه من السيئات، وحرسه من الشبهات، وأكمل له الفضل، ورفعه في أعلى الدرجات، صلى الله عليه وآله الذين بمودتهم تتم الصالحات وسلم. وبعد: فقد وقفت أيها الاخ - وفقك الله لمياسير (1) الامور، ووقانا وإياك المحذور (2) - على ما كتبت به في معنى ما وجدته لبعض مشايخك،


(1) في نسخة " ب " لميسور. 21) في البحار: المعسور. (*)

[ 18 ]

بسنده إلى الحسن بن محبوب (1)، عن الرباطي (2)، عن سعيد الاعرج (3)، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام، فيما يضاف إلى النبي صلى الله عليه وآله من السهو في الصلاة، والنوم عنها حتى خرج وقتها. فان الشيخ (4) الذي ذكرته زعم أن الغلاة تنكر ذلك وتقول: " لو جاز


(1) أبو علي، الحسن بن محبوب السراد، ويقال: الزراد، مولى بجيلة، كوفي، ثقة، عين، روى عن الرضا عليه السلام، كان جليل القدر، يعد من الاركان الاربعة في عصره، قال الكشي في رجاله 556 / 1050: أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصح عنه، وتصديقه، وأقروا له بالفقه والعلم. (2) أبو الحسن، علي بن الحسن بن رباط البجلي الكوفي، ذكر الكشي في رجاله 368 / 685 ما روي في بني رباط وقال: (قال نصر بن الصباح: كانوا أربعة اخوة: الحسن والحسين وعلي ويونس، كلهم أصحاب أبي عبد الله عليه السلام، ولهم أولاد كثيرة حملة الحديث - ثم قال - علي بن الحسن بن رباط من أصحاب الرضا عليه السلام). وثقه النجاشي في رجاله: 176 وقال: (كوفي ثقة معول عليه). وقد توهم بعض أصحاب الرجال اتحاده مع عمه علي بن رباط. (3) ورد بهذا العنوان في كتب الرجال، وبعنوان سعيد بن عبد الرحمن، وقيل: ابن عبد الله الاعرج أيضا، ولعله واحد كما عليه أكثر أهل علم الرجال. وهو سعيد بن عبد الرحمن الاعرج السمان، أبو عبد الله التيمي، مولاهم، كوفي، ثقة، روى عن أبي عبد الله عليه السلام، حكاه النجاشي في رجاله: 129 عن ابن عقدة وابن نوح. (4) روى الشيخ الصدوق قدس سره في كتابه من لا يحضره الفقيه 1: 233 / 1031 الحديث بسنده المذكور وذيله بلفظه: " قال مصنف هذا الكتاب: إن الغلاة من المفوضة لعنهم الله ينكرون سهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم، يقولون: لو جاز أن يسهو عليه السلام في الصلاة جاز أن يسهو في التبليغ، لان الصلاة عليه فريضة... " إلى آخر كلامه المذكرر باختلاف يسير. واختتم كلامه قدس سره بقوله: " وكان شيخنا محمد بن الحسن بن أحمد ابن الوليد رحمه الله يقول: أول درجة في الغلو نفي السهو عن النبي صلى الله عليه وآله، ولو جاز أن ترد الاخبار الواردة في هذا المعنى... إلى آخره ".

[ 19 ]

أن يسهو في الصلاة لجاز أن يسهو في التبليغ، لان الصلاة عليه فريضة، كما أن التبليغ عليه فريضة ". فرد هذا القول، بأن قال: " لا يلزمنا ذلك من قبل أن جميع الاحوال المشتركة يقع على النبي ما يقع على غيره منها، وهو متعبد بالصلاة كغيره من امته، وليس من سواه بنبي، والحالة التي اختص بها هي النبوة، والتبليغ من شرائطها، فلا يجوز أن يقع عليه [ في التبليغ ] سهو، والصلاة عبادة مشتركة، وبهذا تثبت له العبودية على زعمه، وباثبات النوم عن خدمة ربه عز اسمه من غير إرادة له وقصد إليه، نفي الربوبية عنه بأن الذي لا تأخذه سنة ولا نوم هو الله الحي القيوم. وقال: سهو النبي ليس كسهونا، لان سهوه من الله، وانما أسهاه ليعلم أنه مخلوق بشر، لا يتخذ ربا معبودا من دونه، وليعلم الناس بسهوه حكم السهو متى سهوا. قال: وسهونا هو من الشيطان، وليس للشيطان على النبي والائمة سلطان في (إنما سلطانه على الذين يتولونه، والذين هم به مشركون) (1) وعلى من تبعه من الغاوين. قال: والدافعون لسهو النبي، دعواهم أنه لم يك من الصحابة من يقال له: " ذو اليدين ". دعوى باطلة، لان الرجل معروف، وهو أبو محمد، عمير بن عبد عمرو، المعروف بذي اليدين (2)، فقد نقل عنه المخالف والمؤالف.


(1) النحل: 100. (2) ترجم له ابن سعد في طبقاته 3: 167 و 534، وابن هشام في السيرة النبوية 2: 337 و 364، وابن حجر في الاصابة 1: 422 و 3: 33، وقد طعن وناقش في هذا الحديث وراويه جمع من جمهور أهل السنة أيضا، منهم: السهيلي في الروض الانف في شرح =

[ 20 ]

قال: وقد أخرجت عنه أخبارا في كتاب وصف قتال القاسطين بصفين. ولو جاز رد الاخبار الواردة في هذا المعنى لجاز رد جميع الاخبار، وفي ردها إبطال الدين والشريعة " (1). وسألت - أعزك الله بطاعته - أن أثبت لك ما عندي فيما حكيته عن هذا الرجل، وأبين عن الحق في معناه، وأنا مجيبك إلى ذلك، والله الموفق للصواب. إعلم، أن الذي حكيت عنه ما حكيت، مما قد أثبتناه، قد تكلف ما ليس من شأنه، فأبدى (2) بذلك عن نقصه في العلم وعجزه، ولو كان ممن وفق لرشده لما تعرض لما لا يحسنه، ولا هو من صناعته، ولا يهتدي إلى معرفة طريقه، لكن الهوى مود لصاحبه، نعوذ بالله من سلب التوفيق، ونسأله العصمة من الضلال، ونستهديه في سلوك منهج الحق، وواضح الطريق بمنه. الحديث الذي روته الناصبة، والمقلدة من الشيعة أن النبي صلى الله عليه وآله سها في صلاته، فسلم في ركعتين ناسيا، فلما نبه على غلطه فيما صنع، أضاف إليها ركعتين، ثم سجد سجدتي السهو، (3) من أخبار


السيرة النبوية 5: 298. (1) إلى هنا آخر كلام الشيخ الصدوق في الفقيه 1: 234 - 235 بتفاوت يسير في اللفظ. (2) في نسخة " ج " فأبرأه. (3) ورد الحديث بألفاظ مختلفة، وفي أوقات متعددة في مختلف الكتب الحديثية من الفريقين، لا يمكن الاشارة إلى جميع هذه الاحاديث، ونكتفي بذكر رواية واحدة رواها الشيخ الكليني في الكافي 3: 355 الحديث الاول. بسنده يرفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال في حديث طويل: فان رسول الله صلى الله عليه وآله صلى بالناس الظهر =

[ 21 ]

الاحاد التي لا تثمر علما، ولا توجب عملا، ومن عمل على شئ منها فعلى الظن يعتمد في عمله بها دون اليقين، وقد نهى الله تعالى عن العمل على الظن في الدين، وحذر من القول فيه بغير علم ويقين. فقال: (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) (1). وقال: (إلا من شهد بالحق وهم يعلمون) (2). وقال: (ولا تقف ما ليس لك به علم ان السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا) (3). وقال: (وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا) (4). وقال: (إن يتبعون إلا الظن وان هم إلا يخرصون) (5). ومن أمثال ذلك في القرآن مما يتضمن الوعيد على القول في دين الله


= ركعتين، ثم سها فسلم، فقال له ذو الشمالين: يا رسول الله أنزل في الصلاة شئ ؟ فقال: وما ذاك ؟ ! قال: إنما صليت ركعتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أتقولون مثل قوله ؟ قالوا: نعم، فقام صلى الله عليه وآله فأتم بهم الصلاة، وسجد بهم سجدتي السهو... إلى آخره. ورواه الشيخ الطوسي في التهذيب 2: 345 الحديث 1433 بنفس الطريق واللفظ. وروى أبو داود في سننه 1: 118 - 122 الحديث 435 - 447 وغيره في كتب الحديث أخبارا مختلفة في هذا الباب فلاحظ. (1) البقرة: 169. (2) الزخرف: 86. (3) الاسراء: 36. (4) يونس: 36. (5) الانعام: 116، ويونس: 66.

[ 22 ]

بغير علم، والذم والتهديد لم عمل فيه بالظن، واللوم له على ذلك، والخبر عنه بأنه مخالف الحق فيما استعمله في الشرع والدين. وإذا كان الخبر بأن النبي صلى الله عليه واله سها من أخبار الاحاد التي من عمل عليها كان بالظن عاملا، حرم الاعتقاد بصحته، ولم يجز القطع به، ووجب العدول عنه إلى ما يقتضيه اليقين من كماله (عليه السلام) وعصمته، وحراسة الله تعالى له من الخطأ في عمله، والتوفيق له فيما قال وعمل به من شريعته، وفي هذا القدر كفاية في ابطال مذهب من حكم على النبي (عليه السلام) بالسهو في صلاته، وبيان غلطه فيما تعلق به من الشبهات في ضلالته. فصل على أنهم قد اختلفوا في الصلاة التي زعموا أنه (عليه السلام) سها فيها، فقال بعضهم هي الظهر. وقال بعض آخر منهم: بل كانت عشاء الآخرة. واختلافهم في الصلاة ووقتها (1) دليل على وهن الحديث، وحجة في سقوطه، ووجوب ترك العمل به وإطراحه. على أن في الخبر نفسه ما يدل على اختلاقه، وهو ما رووه من أن ذا


(1) انظر بعض المصادر التى حكت الحديث لا على سبيل الحصر: صحيح مسلم 1: 403 - 405 الحديث 97 - 102، وصحيح البخاري 1: (باب 88 و 98) والجزء الثاني 2: (الباب 4 - 5) وغيره من مواضع الصحيح، ومسند أحمد 2: 234، 423، 459، وسنن انسائي 3: 20 - 26، وسنن ابن ماجة 1: 383 - 384، وسنن أبي داود 1: 118 - 122.

[ 23 ]

اليدين قال للنبي (عليه السلام) لما سلم في الركعتين الاولتين من الصلاة الرباعية: أقصرت الصلاة يا رسول الله، أم نسيت ؟ فقال على ما زعموا: " كل ذلك لم يكن " (1). فنفى صلى الله عليه وآله أن تكون الصلاة قصرت، ونفى أن يكون قد سها فيها. فليس يجوز عندنا وعند الحشوية المجيزين عليه السهو، أن يكذب النبي (عليه السلام) متعمدا ولا ساهيا، وإذا كان قد أخبر أنه لم يسه، وكان صادقا في خبره، فقد ثبت كذب من أضاف إليه السهو، ووضح بطلان دعواه في ذلك بلا ارتياب. فصل وقد تأول بعضهم ما حكوه عنه من قوله: " كل ذلك لم يكن " على ما يخرجه عن الكذب مع سهوه في الصلاة، بأن قالوا: إنه (عليه السلام) نفى أن يكون وقع الامران معأ، يريد أنه لم يجتمع قصر الصلاة والسهو، بل حصل أحدهما ووقع. وهذا باطل من وجهين: أحدهما: أنه لو كان أراد ذلك، لم يكن جوابا عن السؤال، والجواب عن غير السؤال لغو لا يجوز وقوعه من النبي صلى الله عليه وآله. والثاني: أنه لو كان كما ادعوه، لكان (عليه السلام) ذاكرا به على


(1) ذكر الشيخ الطوسي قدس سره في كتاب مسائل الخلاف 1: 402 - 407، المسألة 154 من كتاب الصلاة الحديث وناقش فيه، وطعن على من قال في السهو. =

[ 24 ]

غير اشتباه في معناه، لانه قد أحاط علما بأن أحد الشيئين كان دون صاحبه، ولو كان كذلك لا رتفع السهو الذي ادعوه، وكانت دعواهم له باطلة بلا ارتياب، ولم يكن أيضا مع تحقيقه وجود أحد الامرين معنى لمسألته حين سأل عن قول ذي اليدين، هل هو على ما قال، أو على غير ما قال، لان هذا السؤال يدل على اشتباه الامر عليه فيما ادعاه ذو اليدين، ولا يصح وقوع مثله من متيقن لما كان في الحال. فصل ومما يدل على بطلان الحديث أيضا اختلافهم في جبران الصلاة التي ادعوا السهو فيها، والبناء على ما مضى منها، أو الاعادة لها. فأهل العراق يقولون: إنه أعاد الصلاة، لانه تكلم فيها، والكلام في الصلاة يوجب الاعادة عندهم. وأهل الحجاز ومن مال إلى قولهم، يزعمون: أنه بنى على ما مضى، ولم يعد شيئا قد تقضى، وسجد لسهوه سجدتين. ومن تعلق بهذا الحديث من الشيعة يذهب فيه إلى مذهب أهل العراق، لانه متضمن كلام النبي (عليه السلام) في الصلاة عمدا، و التفاته عن القبلة إلى من خلفه، وسؤاله عن حقيقة ما جرى، ولا يختلف فقهاؤهم في أن ذلك يوجب الاعادة. والحديث يتضن أن النبي (عليه السلام) بنى على ما مضى ولم وهذا الاختلاف الذي ذكرناه في هذا الحديث أدل دليل على بطلانه، وأوضح حجة في وضعه واختلاقه.

[ 25 ]

فصل على أن الرواية له من طريقي الخاصة والعامة، كالرواية من الطريقين معا: أن النبي صلى الله عليه وآله سها في صلاة الفجر (1) وكان قد قرأ في الاولة منهما سورة النجم، حتى انتهى " إلى قوله: (أفرايتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الاخرى) (2) فألقى الشيطان على لسانه (تلك الغرانيق العلى، وان شفاعتهن لترتجي) ثم تنبه على سهوه فخر ساجدا، فسجد المسلمون، وكان سجودهم اقتداءا به. وأما المشركون فكان سجودهم سرورا بدخوله معهم في دينهم (3). قالوا: وفي ذلك أنزل الله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته) (4) يعنون في قراءته، واستشهدوا على ذلك ببيت من الشعر وهو: تمنى كتاب الله يتلوه قائما * وأصبح ظمانأ وقد فاز قاريا (5)


(1) النجم: 19 و 20. (2) انظر ما رواه الشيخ الكليني في الكافي 3: 294 الحديث 9 و 357 حديث 6، والشيخ الطوسي في التهذيب 20: 345 الحديث 1433، والشيخ الصدوق في الفقيه 1: 233 الحديث 1031. (3) ذكر الخبر الجصاص في احكام القرآن 3: 246 - 247، واسقطه من عين الاعتبار. وذكر ذلك أيضا القرطبي في تفسير 12: 81 - 85. (4) الحج: 52. (5) حكى الشيخ الطبرسي في مجمع البيان 4: 91، في تفسير الآية الكريمة، قول الشريف

[ 26 ]

فصل وليس حديث سهو النبي صلى الله عليه وآله في الصلاة أشهر في الفريقين من روايتهم: أن يونس (عليه السلام) ظن أن الله تعالى يعجز عن الظفر به، ولا يقدر على التضييق عليه (1) وتأولوا قوله تعالى: (فظن أن لن نقدر عليه) (2) على ما رووه واعتقدوه فيه. وفي أكثر رواياتهم: أن داود (عليه السلام) هوى إمرأة أوريا بن حنان، فاحتال في قتله، ثم نقلها إليه (3). وروايتهم: أن يوسف بن يعقوب عليهما السلام همم بالزنا، وعزم عليه (4). وغير ذلك من أمثاله. ومن رواياتهم: التشبيه لله تعالى بخلقه، والتجوير له في حكمه (5).


المرتضى قدس سره حيث قال: لا يخلو التمني في الآية من أن يكون معناه التلاوة، كما قال حسان بن ثابت: تمنى كتاب الله أول ليله * وآخره لاقى حمام المقادر ولم ينسبه ابن منظرر في لسان العرب 15: 294 مادة (منى) إلى حسان، بل ذكره باللفظ المتقدم، وباللفظ التالي: تمنى كتاب الله آخر ليله * تمني داود الزبور على رسل (1) انظر تفسير القرطبي 11: 331. (2) الانبياء: 87. (3) انظر تفسير القرطبي 15: 181، وابن العربي في احكام القرآن 4: 1626. (4) المصدر السابق 9: 166. (5) وروى الشيخ الصدوق في أماليه: 92 المجلس (22) ضمن الحديث رقم (3) جملة من هذه الاخبار التي رويت عن رواة جمهور المسلمين وما جاء في الرد على تلك الاخبار من قبل الامام الصادق عليه السلام.

[ 27 ]

فيجب على الشيخ - الذي حكيت أيها الاخ عنه - أن يدين الله بكل ما تضمنته هذه الروايات، ليخرج بذلك عن الغلو على ما ادعاه، فان دان بها، خرج عن التوحيد والشرع، وإن ردها ناقض في اعتلاله، وإن كان ممن لا يحسن المناقضة، لضعف بصيرته، والله نسأل التوفيق. فصل والخبر المروي أيضا في نوم النبي (عليه السلام) عن صلاة الصبح (1) من جنس الخبر عن سهوه في الصلاة، وإنه من أخبار الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا، ومن عمل عليه فعلى الظن يعتمد في ذلك دون اليقين، وقد سلف قولنا في نظير ذلك بما يغني عن اعادته في هذا الباب. مع أنه يتضمن خلاف ما عليه عصابة الحق لانهم لا يختلفون في أنه من فاتته صلاة فريضة فعليه أن يقضيها أي وقت ذكرها، من ليل أو نهار ما لم يكن الوقت مضيقا لصلاة فريضة حاضرة.


(1) رواه الكليني في الكافي 3: 294 الحديث 9، بسنده عن سعيد الاعرج لفظه: قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: نام رسول الله صلى الله عليه وآله عن الصبح، والله عزوجل أنامه، حتى طلعت الشمس عليه، وكان ذلك رحمه من ربك للناس، ألا ترى لو أن رجلا نام حتى تطلع الشمس لعيره الناس، وقالوا: لا تتورع لصلاتك، فصارت اسوة وسنة، فان قال رجل لرجل: نمت عن الصلاة، قال: قد نام رسول الله صلى الله عليه وآله، فصارت اسوة ورحمة رحم الله سبحانه بها هذه الامة. وروى الحديث بطريق آخر وبالفاظ قريبة منه الشيخ الصدوق في الفقيه 1: 233 حديث 1031.

[ 28 ]

وإذا حرم على الانسان أن يؤدي فريضة قد دخل وقتها ليقضي فرضا قد فاته، كان حظر النوافل عليه قبل قضاء ما فاته من الفرض أولى. هذا مع الرواية عن النبي عليه السلام أنه قال: " لا صلاة لمن عليه صلاة " (1) يريد أنه لا نافلة لمن عليه فريضة. فصل ولسنا ننكر بأن يغلب النوم الانبياء عليهم السلام في أوقات الصلوات حتى تخرج، فيقضوها بعد ذلك، وليس عليهم في ذلك عيب ولا نقص، لانه ليس ينفك بشر من غلبة النوم، ولان النائم لا عيب عليه وليس كذلك السهو، لانه نقص عن الكمال في الانسان، وهو عيب يختص به من اعتراه. وقد يكون من فعل الساهي تارة، كما يكون من فعل غيره، والنوم لا يكون إلا من فعل الله تعالى، وليس من مقدور العباد على حال، ولو كان من مقدورهم لم يتعلق به نقص وعيب لصاحبه لعمومه جميع البشر، وليس كذلك السهو، لانه يمكن التحرز منه. ولانا وجدنا الحكماء يجتنبون أن يودعوا أموالهم واسرارهم ذوى السهو والنسيان، ولا يمتنعون من إيداع ذلك من يغلبه النوم أحيانا، كما لا يمتنعون من إيداعه من يعتريه الامراض والاسقام. ووجدنا الفقهاء يطرحون ما يرويه ذو والسهو من الحديث، إلا أن يشركهم فيه غيرهم من ذوي التيقظ، والفطنة، والذكاء، والحصافة. فعلم فرق ما بين السهو والنوم بما ذكرناه.


(1) نصب الراية 2: 166.

[ 29 ]

ولو جاز أن يسهو النبي عليه السلام في صلاته وهو قدوة فيها حتى يسلم قبل تمامها وينصرف عنها قبل كمالها، ويشهد الناس ذلك فيه ويحيطوا به علما من جهته، لجاز أن يسهو في الصيام حتى يأكل ويشرب نهارا في رمضان بين أصحابه وهم يشاهدونه ويستدركون عليه الغلط، وينبهونه عليه، بالتوقيف على ما جناه ولجاز أن يجامع النساء في شهر رمضان نهارا ولم يؤمن عليه السهو في مثل ذلك حتى يطأ المحرمات عليه من النساء وهو ساه في ذلك ظان انهم ازواجه ويتعدى من ذلك إلى وطي ذوات المحارم ساهيا. ويسهو في الزكاة فيؤخرها عن وقتها ويؤديها إلى غير أهلها ساهيا، ويخرج منها بعض المستحق عليه ناسيا. ويسهو في الحج حتى يجامع في الاحرام، ويسعى قبل الطواف ولا يحيط علما بكيفية رمي الجمار، ويتعدى من ذلك إلى السهو في كل أعمال الشريعة حتى يقلبها عن حدودها، ويضيعها في أوقاتها، ويأتي بها على غير حقائقها، ولم ينكر أن يسهو عن تحريم الخمر فيشر بها ناسيا أو يظنها شرابا حلالا، ثم يتيقظ بعد ذلك لما هي عليه من صفتها، ولم ينكر أن يسهو فيما يخبر به عن نفسه وعن غيره ممن ليس بربه بعد أن يكون مغصوبا في الاداء. وتكون العلة في جواز ذلك كله أنها عبادة مشتركة بينه وبين أمته، كما كانت الصلاة عبادة مشتركة بينهم، حسب اعتلال الرجل - الذي ذكرت أيها الاخ عنه ما ذكرت من اعتلاله - ويكون أيضا ذلك لاعلام الخلق انه مخلوق ليس بقديم معبود. وليكون حجة على الغلاة الذين اتخذوه ربا. وهذا - أيضا - سببا لتعليم الخلق أحكام السهو في جميع ما عددناه من الشريعة كما كان سببا في تعليم الخلق حكم السهو في الصلاة،

[ 30 ]

وهذا ما لا يذهب إليه مسلم ولا ملي ولا موحد، ولا يجيزه على التقدير في النبوة ملحد، وهو لازم لمن حكيت عنه ما حكيت، فيما أفتى به من سهو النبي عليه السلام، واعتل به، ودال على ضعف عقله، وسوء اختياره، وفساد تخيله. وينبغي أن يكون كل من منع السهو على النبي عليه السلام في جميع ما عددناه من الشرع، غاليا كما زعم المتهور في مقاله: أن النافي عن النبي عليه السلام السهو غال، خارج عن حد الاقتصاد. وكفى بمن صار إلى هذا المقال خزيا. فصل ثم من العجب حكمه على أن سهو النبي عليه السلام من الله، وسهو من سواه من أمته وكافة البشر من غيرهم من الشيطان بغير علم فيما ادعاه، ولا حجة ولا شبهة يتعلق بها أحد من العقلاء، اللهم إلا أن يدعى الوحي في ذلك، ويبين به ضعف عقله لكافة الالباء. ثم العجب من قوله: أن سهو النبي عليه السلام من الله دون الشيطان، لانه ليس للشيطان على النبي عليه السلام سلطان، وانما زعم أن سلطانه على الذين يتولونه، والذين هم به مشركون، وعلى من اتبعه من الغاوين. ثم هو يقول: إن هذا السهو الذي من الشيطان يعم جميع البشر - سوى الانبياء والائمة - فكلهم أولياء الشيطان وإنهم غاوون، إذ كان للشيطان عليهم سلطان، وكان سهوهم منه دون الرحمن، ومن لم يتيقظ لجهله في هذا الباب، كان في عداد الاموات.

[ 31 ]

فصل فاما قول الرجل المذكور ان ذا اليدين معروف، وأنه يقال له: أبو محمد، عمير بن عبد عمرو، وقد روى عنه الناس. فليس الامر كما ذكر، وقد عرفه بما يدفع معرفته من تكنيته وتسميته بغير معروف بذلك، ولو أنه يعرف بذي اليدين، لكان أولى من تعريفه بتسميته بعمير. فان المنكر له يقول: من ذو اليدين ؟ ومن هو عمير ؟ ومن هو ابن عبد عمرو ؟ وهذا كله مجهول غير معروف. ودعواه انه قد روى الناس عنه، دعوى لا برهان عليها، وما وجدنا في اصول الفقهاء ولا الرواة حديثا عن هذا الرجل، ولا ذكرا له. ولو كان معروفا كمعاذ بن جبل، و عبد الله بن مسعود، وأبي هريرة و أمثالهم، لكان ما تفرد به غير معمول عليه، لما ذكرناه من سقوط العمل باخبار الاحاد، فكيف وقد بينا أن الرجل مجهول غير معروف، والخبر متناقض باطل بما لا شبهة فيه عند العقلاء. ومن العجب بعد هذا كله، أن خبر ذي اليدين يتضمن أن النبي صلى الله عليه وآله سها فلم يشعر بسهوه أحد من المصلين معه من بني هاشم، والمهاجرين، والانصار، ووجوه الصحابة، وسراة الناس، ولا فطن لذلك وعرفه إلا ذو اليدين المجهول، الذي لا يعرفه أحد، ولعله من بعض الاعراب. أو شعر القوم به فلم ينبهه أحد منهم على غلطه، ولا رأى صلاح

[ 32 ]

الدين والدنيا بذكر ذلك له الا المجهول من الناس. ثم لم يستشهد على صحة قول ذي اليدين فيما خبره به من سهو إلا أبا بكر وعمر، فانه سألهما عما ذكره ذو اليدين، ليعتمد قولهما فيه، ولم يثق بغير هما في ذلك، ولا سكن إلى أحد سواهما في معناه. وان شيعيا يعتمد على هذا الحديث في الحكم على النبي عليه السلام بالغلط، والنقص، وارتفاع العصمة عنه من العناد (1) لناقص العقل، ضيف الرأي، قريب إلى ذوي الآفات المسقطة عنهم التكليف. والله المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل. تم جواب أهل الحائر على ساكنه السلام فيما سألوا عنه من سهو النبي صلى الله عليه وآله في الصلاة باخبار الاحاد، فكيف وقد بينا أن الرجل مجهول غير معروف، والخبر متناقض باطل بما لا شبهة فيه عند العقلاء. ومن العجب بعد هذا كله، أن خبر ذي اليدين يتضمن أن النبي صلى الله عليه وآله سها فلم يشعر بسهوه أحد من المصلين معه من بني هاشم، والمهاجرين، والانصار، ووجوه الصحابة، وسراة الناس، ولا فطن لذلك وعرفه إلا ذو اليدين المجهول، الذي لا يعرفه أحد، ولعله من بعض الاعراب. أو شعر القوم به فلم ينبهه أحد منهم على غلطه، ولا رأى صلاح

[ 32 ]

الدين والدنيا بذكر ذلك له الا المجهول من الناس. ثم لم يستشهد على صحة قول ذي اليدين فيما خبره به من سهو إلا أبا بكر وعمر، فانه سألهما عما ذكره ذو اليدين، ليعتمد قولهما فيه، ولم يثق بغير هما في ذلك، ولا سكن إلى أحد سواهما في معناه. وان شيعيا يعتمد على هذا الحديث في الحكم على النبي عليه السلام بالغلط، والنقص، وارتفاع العصمة عنه من العناد (1) لناقص العقل، ضيف الرأي، قريب إلى ذوي الآفات المسقطة عنهم التكليف. والله المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل. تم جواب أهل الحائر على ساكنه السلام فيما سألوا عنه من سهو النبي صلى الله عليه وآله في الصلاة بحمد لله ومنه وصلى الله على محمد وآله وسلم


(1) من العباد. (*)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية