الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




أوائل المقالات- الشيخ المفيد

أوائل المقالات

الشيخ المفيد


[ 1 ]

سلسلة مؤلفات الشيخ المفيد اوائل المقالات تأليف الامام الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان ابن المعلم ابي عبد الله، العكبري، البغدادي (336 - 413 ه‍) دار المفيد طباعة - نشر - توزيع جميع حقوق الطبع محفوظة الطبعة الثانية 1414 هجرية - 1993 ميلادية طبعت بموافقة اللجنة الخاصة المشرفة على المؤتمر العالمي لالفية الشيخ المفيد دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع بيروت. لبنان ص. ب 25 / 304 كلمة الناشر الحمد لله رب العالمين - والصلاة والسلام على محمد واله الطاهرين واصحابه المنتجبين. كان لانعقاد المؤتمر الالفي للشيخ المفيد في مدينة قم سنة 1413 ومشاركة الوفود العالمية في ذلك المؤتمر، وما القي فيه من دراسات وبحوث - كان ذلك حافزا للكثيرين إلى التنبه لاحياء آثار هذا العالم العظيم الذي كان له في تاريخ الثقافة الاسلامية والفكر العربي ما كان، سواء في مدرسته الكبرى التي اقامها في بغداد، أو في مجالسه العلمية التي كانت تنعقد في داره، أو في مؤلفاته التي تطرقت إلى أنواع شتى من المعرفة، ما خلدها على مر العصور. وقد كان من أهم ما تنبه إليه المفكرون والمحققون هو وجوب جمع تلك المؤلفات في حلقات متتابعة يسهل على المتتبع الوصول إليها. وقد كان ذلك فجمعت تلك المؤلفات والمصنفات في سلسلة مترابطة في حلقاتها لتكون بين يدي القارئ سهلة المأخذ، يستفيد منها العالم والمتعلم، والاستاذ والتلميذ، وتصبح موردا لكل ظامئ إلى العلم، صاب إلى الثقافة. وقد رأت دارنا (دار المفيد) ان تقوم بطبع هذه المؤلفات في طبعة جديدة عارضة لها على شداة الحقيقة العلمية الفكرية اينما وجدوا، وهو ما يراه القارئ بين يديه فيما يلي، كتابا بعد كتاب. وإننا لنرجو أن نكون بذلك قد ارضينا الله اولا، ثم ارضينا قراءنا الذين عودناهم فيما مضى من أيامنا على ان نبذل لهم كل جديد. سائلين من الله التوفيق والتسديد واخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمبن دار المفيد

[ 2 ]

يحتوي هذا المجلد على: 1 - اوائل المقالات، للشيخ المفيد - ره - (140 صفحة) تحقيق الشيخ إبراهيم الانصاري الزنجاني الخوئيني. 2 - تعليقات على أوائل المقالات (130 صفحة) للشيخ فضل الله الزنجاني والواعظ الچرندابي. 3 - أيضا تعليقات على أوائل المقالات (140 صفحة) للشيخ إبراهيم الانصاري الزنجاني الخوئيني.

[ 3 ]

أوائل المقالات تأليف الامام الشيخ المفيد محمد بن محمد بن نعمان ابن المعلم أبي عبد الله، العكبري، البغدادي (336 - 413 ه‍) تحقيق الشيخ ابراهيم الانصاري

[ 4 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على اعدائهم اجمعين إلى يوم الدين. التعريف بالكتاب: أوائل المقالات في المذاهب والمختارات اسمه ينبئ عن مسماه، وقلما يوجد إسم كتاب أو غير كتاب يكون مطابقا لمسماه مثل هذا الكتاب، فان الكتاب على صغر حجمه كبير معناه عظيم قدره كثير علمه، واف بما وعله مؤلفه الجليل من ذكر المسائل الكلامية، مع نقل آراء علماء المذاهب فيها، و الاشارة إلى ادلة المختار من الكتاب والسنة والاجماع والعقل غالبا، والمناقشة مع المخالفين أحيانا، مضافا إلى مزايا كثيرة وإضافات لا توجد في الكتب الكلامية، من جملتها طرح مسائل لم يبحث عنها في الكتب الكلامية قبله ولا بعده. قسم الشيخ المفيد (ره) مواضيع بحثه في هذا الكتاب إلى خمسة أبحاث: 1 - البحث عن الفرق بين المفهوم العرفي لكلمة الشيعة والمعتزلة وعلة تسمية كل واحد منهما باسمه وهذا هو موضوع القول الاول من الكتاب. 2 - البحث عن الفرق بين الامامية وغيرهم من فرق الشيعة مثل الزيدية ونحوهم، وهذا قد تعرض له الشيخ في القول الثاني من الكتاب. 3 - البحث عن الفوارق بين الشيعة والمعتزلة في تفاصيل المسائل الاعتقادية وهذا

[ 6 ]

قد بحث عنه من القول 3 إلى القول 18. 4 - البحث عن المسائل الاصولية الاعتقادية على نحو الاختصار مع الاشارة إلى الاراء والادلة - ويسمى بالجليل من الكلام - وهذا يبدء من القول 18 ويستمر إلى آخر الكتاب باستثناء اللطيف من الكلام. 5 - البحث عن المسائل العقلية العامة التي ليست من الامور الاعتقادية، ولكنها مما تبتنى عليها المسائل الاعتقادية واقعا أو على عقيدة الشيخ قده - ويسمى باللطيف من الكلام -، وهذا يبدء من القول 82 إلى 105 ثم من رقم 141 إلى 151 ثم بزيادة ثلث مسائل منفصلات عنها يصير المجموع ثمانية وثلثون مسالة. وتفصيله أن البحث الاول ينحصر في قول واحد وهو القول الاول من الكتاب. والبحث الثاني أيضا لخصه في القول الثاني وإن أشار إلى موافقاته ومخالفاته مع الزيدية وذكر آرائهم في ضمن مسائل الكتاب. واما البحث الثالث أعني ذكر الفوارق بين الشيعة والمعتزلة فهو وإن كان البحث عنها مستقلا ينحصر في خمسة عشر قولا من القول الثالث إلى السابع عشر، ولكن بقية مسائل الكتاب أيضا يمكن عده استمرارا لهذا البحث لالزامه قده بذكر آراء المعتزلة في كل بحث مهما امكن. واما البحث الرابع فمع قطع النظر عن أن مسائل القسم الثالث أيضا داخلة فيه، إذا نظرنا إليه مستقلا يبدء من القول 18 إلى آخر الكتاب الا ثمانية وثلثون مسألة هي من لطيف الكلام وبعد استثنائها يكون هذا القسم ماة واثنين مسألة. واما البحث الخامس أعني اللطيف من الكلام فهو كما مر يبدء من رقم 82 إلى 105 وهي أربع وعشرون مسألة ثم ينتقل إلى سائر المسائل إلى رقم 141 ومنه إلى رقم 151 أحد عشر مسألة من اللطيف يصير مع ما ذكر خمسا وثلثون مسألة وإذا ضم إليه رقم 72 ورقم 139 ورقم 155 لكونها من لطيف الكلام يصير المجموع ثمانية وثلثون

[ 7 ]

مسألة. وإذا ضم إلى بقية مسائل الكتاب وهي مأة وثلث مسائل في اصول العقائد و سبعة عشر مسألة ذكرت قبلها يصير الكل مأة وسبعة وخمسون مسألة، ثمانية وثلثون مسألة في لطيف الكلام، ومأة وتسعة عشر مسألة غيره. تنبيه: عنون القول 72 بكلمة باب في كثير من النسخ إلا نسخة ج وعلى فرض وجود هذه الكلمة سببه كون مسألته وثلث مسائل بعدها من لطيف الكلام أو شبيها به وقد عنون بعنوان فصل في وسط بحث التقيه فقط للفصل بين نوعي البحث. ثم إن هناك نكتتان مهمتان: الاولى: أنه ليس عدد المسائل المبحوث عنها في هذا الكتاب واقعا مطابقا لعدد عناوين الابواب أعني ما يقوله الشيخ قده (قوله في كذا). وذلك لان هناك عناوين تكرر البحث عنها يجب عدها واحدا وإن وقع البحث عنها تحت عنوانين مستقلين مثل الشفاعة والعصمة ونحوهما وأيضا قد يذكر عناوين متعدده في عنوان الباب مثل قوله قده: (القول في الرجعة والبداء وتاليف القرآن) فجعل الثلثة قولا واحدا أو ذ كر عنوانا واحدا في عنوان الباب ثم استطرد البحث عن بقية المسائل في داخل الباب كما في القول الثالث فانه يشتمل على ثمانية مسائل. وكيف كان فهناك عشرة مسائل وقع البحث عنها مكررا وهي 1 - العصمة 2 - الشفاعة 3 - الوعيد 4 - التوبة 5 - الاسماء والاحكام 6 - الاحساس 7 - تحريف القرأن 8 - الرجعة 9 - الصفات 10 - البداء، ولكن ليس لبعضها عنوان مستقل في البحث كمسألة التحريف والبداء فإنهما لم يبحث عنهما مستقلا مرتين، بل مرة واحدة، واما الثمانية الباقيه فلكل منها بابان مستقلان مكررا يجب اسقاطها عن عدد مسائل الكتاب فيرجع عددها الواقعي إلى 149 بعد إسقاط الثمانية من 157. أيضا إن هناك مسائل وقع البحث عنها في ضمن عناوين سائر الأبواب و

[ 8 ]

لم يبحث عنها مستقلا وهى كثيرة نذكر منها غير ما ذكر من المكررات وهي هذه: - إشتراط الامامة بالنص أو المعجز بحث عنه في القول 3 2 - الامامة في بني هاشم بحث عنه في القول 3 3 - النصوص على أعيان الائمة بحث عنه في القول 3 4 - إشتراط العصمة والكمال في الامام بحث عنه في القول 3 5 - إشتراط النص والكمال في الامام بحث عنه في القول 3 6 - إشتراط كونه من ولد الحسن والحسين بحث عنه في القول 3 7 - النص على علي (ع) بحث عنه في القول 3 8 - النص على الحسنين بحث عنه في القول 3 9 - النص على علي بن الحسين بحث عنه في القول 3 10 - جواز بعثة رسول تابع لمن قبله بحث عنه في القول 8 11 - ايمان أبي طالب بحث عنه في القول 8 12 - البداء بحث عنه في القول 10 13 - تأليف القرآن بحث عنه في القول 10 14 - كلام الله محدث بحث عنه في القول 19 15 - إرادته تعالى بحث عنه في القول 19 16 - أسماء الله توقيفية بحث عنه في القول 19 17 - قدرته تعالى على المحال العادي بحث عنه في القول 24 18 - اللطف تفضل لا إستحتاق بحث عنه في القول 28 19 - خلق ما لا فائدة في خلقه بحث عنه في القول 28 20 - بعثة نبي بعد رسول الله (ص) بحث عنه في القول 42 21 - ظهور المعجزات على الائمة بحث عنه في القول 42

[ 9 ]

22 - أحوال الائمة بعد الوفاة بحث عنه في القول 49 23 - رؤية الاعمال في القيامة بحث عنه في القول 50 2 - الصراط بحث عنه في القول 56 25 - الميزان بحث عنه في القول 56 26 - عدم بقاء الاعراض بحث عنه في القول 89 27 - معنى طلب الشهادة بحث عنه في القول 120 فإذا أضفنا هذا العدد أعني السبعة والعشرون إلى عدد المسائل الغير المكررة وهو 149 يصير المجموع 176 عنوانا غير مكرر وهو عدد المسائل التي بحث عنها الشيخ المفيد في اوائل المقالات مستقلا أو في ضمن بحث آخر. النكتة الثانية: إن المسائل المبحوث عنها في هذا الكتاب (اوائل المقالات) بعضها مسائل كلامية محضة، وبعضها فلسفية وبعضها اصولية وبعضها فقهية وهكذا، و تنقسم المسائل من هذه الجهة أيضا إلى إربعة أقسام لان قسما منها كما ذكرنا من مسائل الفلسفة وهي التي تسمى باللطيف فإنها مسائل فلسفية بالاصالة وكلامية بالتبع وقد ذكرنا أن عددها سبعة وثلثون مسألة. وهي هذه: 1 - ما يدرك بالحواس القول 66 2 - إحساس الحواس القول 155 3 - الجواهر ماهي ؟ القول 82 4 - الجواهر أهي متجانسة ؟ القول 83 5 - الجواهر ألها مساحة وأقدار ؟ القول 84 6 - حيز الجواهر القول 85 7 - لوازم الجواهر من الاعراض القول 86

[ 10 ]

8 - بقاء الجواهر القول 87 9 - مكان الجواهر القول 8 10 - الاجسام القول 89 11 - الاعراض القول 90 12 - قلب الاعراض القول 91 13 - المعدوم القول 92 14 - ماهية العالم القول 93 15 - الفلك القول 94 16 - حركة الفلك القول 95 17 - حركة الارض القول 96 18 - الخلا والملا القول 97 19 - المكان القول 98 20 - الزمان القول 99 21 - الطباع القول 100 22 - العناصر والاسطقسات القول 101 23 - الارادة القول 102 24 - التولد القول 103 25 - الموجب والمتولد القول 104 26 - أنواع المتولدات القول 105 27 - درك الاجسام ذواتها أو أعراضها القول 141 28 - حركة الاجسام جميعها بحركة بعضها القول 142 29 - وقوف الثقيل في الهواء بلا علاقه ولا عماد القول 143

[ 11 ]

30 - وجود حركتين في وقت واحد القول 144 31 - الحركة بلا محرك القول 145 32 - هل الحركات فيها تفاوت القول 146 33 - ترك ما لم يخطر بالبال القول 147 34 - ترك الكون في المكان العاشر وهو في الاول القول 148 35 - العلم والالم بالاموات القول 149 36 - خلق العلم بالالوان في قلب الاعمى القول 150 37 - من نظر وراء العالم القول 151 واما المسائل الاصولية فهي اثنين وثلثين مسألة على ما يلي: 1 - إن العقل لا ينفك عن سمع وان التكليف لا يصح الا بالرسل القول 7 2 - تأليف القرآن القول 10 والقول 59 3 - الصفة والمشتق القول 22 4 - اللطف والاصلح القول 28 5 - إن الله لا يعذب الا على ذنب أو فعل قبيح القول 31 6 - حجية منامات الرسل والائمة (ع) القول 45 7 - تكليف الملائكه القول 47 8 - نسخ أحكام الاسلام القول 42 9 - هل يقع الاطعات من الكفار القول 62 10 - العموم والخصوص القول 65 11 - العلم وطرقه العادية القول 72 12 - العلم بصحة الاخبار القول 73

[ 12 ]

13 - حد التواتر القول 74 14 - المقطوع والموصول القول 80 15 - التولد القول 103 16 - الامر بالسبب أو بالمسبب القول 106 17 - نعيم أهل الجنة أهو تفضل أم إستحقاق القول 115 18 - هل الارادة هو عين الاختيار أو لا القول 117 19 - الارادة التي هي تقرب القول 118 20 - الاسم والمسمى القول 125 21 - من قضى فرضا بمال حرام القول 127 22 - الاجماع 129 23 - أخبار الاحاد القول 130 24 - الحكاية والمحكى القول 131 25 - الناسخ والمنسوخ القول 132 26 - نسخ القرآن بالسنة القول 133 27 - هل يكون في كلام الطفل والمجنون كذب أو صدق أو لا ؟ القول 138 28 - ماهية الكلام القول 139 29 - ترك الغعل الذي لم يخطر بباله القول 147 30 - الاجتهاد والقياس القول 156 31 - الوقت والزمان القول 99 32 - ثواب الدنيا القول 116 واما المسائل الفقهية الموجودة في اوائل المقالات فهي واحد وعشرون مسألة والمراد بالمسائل الفقهية المسائل التي تكون جهة الفقهية غالبة فيها أو مساوية مع الجهة

[ 13 ]

الكلامية وإن أمكن جعلها كلامية أو اصولية أو غيرهما، وكيف كان فهي هذه: 1 - الاسماء والاحكام القول 66 والقول 13 2 - الاسلام والايمان القول 14 3 - التوبة القول 67 والقول 15 4 - حكم أصحاب البدع القول 16 5 - كراهة إطلاق لفظ خالق على غيره تعالى القول 27 6 - أحكام الائمة القول 39 7 - صغائر الذنوب القول 64 8 - حقيقة التوبة القول 68 9 - التوبة من القبيح مع الاقامة على مثله القول 69 10 - التوبة من مظالم العباد القول 70 11 - التوبة من قتل المؤمن القول 71 12 - المقطوع والموصول القول 80 13 - حكم الدار القول 81 14 - الشهادة القول 120 15 - الولاية والعداوة القول 123 16 - التقية القول 124 17 - الامر بالمعروف والنهي عن المنكر القول 126 18 - من قضى فرضا بمال حرام القول 127 19 - معاونة الظالمين القول 128 20 - التوبة من المتولد قبل وجوده القول 140 21 - أحكام النجوم القول 157

[ 14 ]

ولا يخفى أن المواضيع التي يبحث عنها شيخنا المفيد قدس سره في هذا الكتاب مواضيع كلامية حسب ما التزم به، وإن كان قسما كبيرا منها داخلا في موضوعات سائر العلوم مثل الفلسفة والفقه والاصول والتاريخ والتفسير والحديث وغيرها كما مر. ولكن قد تبين في محله أن كون المسأله من مسائل علم لا ينافى كونها من مسائل علم آخر من جهة أخرى، فان الجهات والحيثيات هي المائزة بين موضوعات العلوم ومسائلها. وعليه فمسائل هذا الكتاب كلها مسائل كلامية من دون استثناء إذ قد بحث عنها هنا من تلك الحيثية، واما الحيثيات الاخرى الموجودة فيها فهي غير ملحوظة هنا أصلا أو أنها لو حظت تبعا، كما أنها حينما يبحث عنها في تلك العلوم تكون الحيثية الكلامية غير ملحوظة. نعم هناك نكتة لا بأس بالتنبه إليها، وهي: ان وجود جهتين وحيثيتين في مسألة واحدة لا ينافي كثرة المناسبة مع أحدهما وقلتها بالنسبة إلى الاخر، فان مسألة (الاسماء والاحكام) مثلا مسألة كلامية بالاصالة، وفقهية بالتبع. وكذلك مسألة (من قضى فرضا بمال حرام) مسألة، اصولية بالاصالة وكلامية بالتبع. ومسألة الاجماع كلامية بالقدر الذى هي اصولية، ومسالة آباء النبي (ص) كلامية تاريخية وهكذا والحاصل انه ربما توجد مسألة تساوى فيها جهتا العلمين بحيث يكون اليحث في كل منهما اصليا لا تبعيا، أو يترجح احدى الحيثيتين على الاخرى كما ذكرنا، وعلى التقديرين فالمسألة تكون مشتركة بين العلمين.

[ 15 ]

وفي الختام أقول: والذي أعتقده ان هذا الكتاب لا نظير له في الكتب مطلقا أو في خصوص الكتب الكلامية لا قبله ولا بعده، وذلك لان من قارن بينه وبين المختصرات الكلامية، لا يجد فيها ما يكون بهذا المقدار من الاختصار، ومع ذلك يشتمل على ما اشتمل عليه من المطالب والاقوال والادلة، فكما قيل بأن الشيخ المفيد (قده) لا نظير له بين العلماء، و لم يجتمع في أحد ما اجتمع فيه من الكمالات والمقامات، فنقول ان منزلة كتابه أوائل المقالات فيما بين الكتب كمنزلة الشيخ المفيد بين العلماء، من جهة جامعيته وعمقه، و نضج مطالبه، حيث انه الف في أواخر عمره الشريف على ما يظهر من القرائن الكثيرة من جملتها كون الشريف الرضي حينئذ من جملة علماء زمانه وأفاضل تلامذته كما يظهر من ملحقات الكتاب، وهذا لا ينطبق الا على أواخر عمره الشريف. ولعل هذا هو السر في تواتر نقله، بل شهرته وشياعه ورواجه في كل زمان بين العلماء والمكتبات والحوزات العلمية بحيث يعرف بأدنى تأمل في سير تاريخه الزمني طول الف سنة أو أزيد انه لم يكن في زمن من الازمنة متروكا أو مغفولا عنه خصوصا عند العلماء في كل عصر، ولهذا كثرت نسخه، ونقل عنه كل مؤلف في كل عصر، بحيث يغنيه شياعه ورواجه وتواتره عن الحاجة إلى الاسناد وتطبيق النسخ وغير ذلك الا لبعض التصحيفات القلمية التي لا يخلو عنها كتاب. ولكن مع ذلك نشير إجمالا إلى بعض النسخ التي وصلت بأيدينا مع كثرة ما لم نصل إليه من النسخ، وقد قابلنا نسختنا مع ستة من النسخ الخطية بالدقة أربعة منها بلا واسطة، واثنين منها بالواسطة كما سيأتي ومع البقية مقابلة سريعة اجمالية، كما انا قابلناها بثلث نسخ مطبوعة مقابلة كاملة، وبنسخة إجمالا.

[ 16 ]

النسخ الخطية ألف: نسخة مكتوبة بخط جيد جدا بحيث لا توجد نسخة تعادلها في حسن الخط توجد في مكتبة (آستان قدس رضوى) برقم 7454 مكتوب في اوله هكذا: (هو العزيز هذه الرسالة في المقولات في الفرق ما بين الفرق للشيخ الوحيد محمد بن محمد بن النعمان المفيد قدس الله روحه) وفي آخره بهذه العبارة: (لقد فرغت من تنسيخ هذه النسخة الشريفة في خمس ليال بقين من شعبان سنة ألف وثلثمأة واثنين وخمسين من الهجرة في مشهد مولانا أمير المؤمنين (ع) وأنا العبد محمد حسين بن زين العابدين الا رومية أي عفى الله عن جرائمهما ان شاء الله تعالى 1352). وانما قدمتها لا نتسابها إلى المكتبة الرضوية على صاحبها ألف تحية ولحسن خطها، والا فهي من أكثرها غلطا، لو لم أقل ان الجميع أصح منه. ب: نسخة مكتبة السيد الجليل العلامة الروضاتي بخط جده العلامة السيد محمد اوله هكذا: (كتاب الفرق بين الشيعة والمعتزلة وبين العدلية منها وبين الامامية فيما اتفقوا في الاصول وفي الكلام في العدل والتوحيد واللطف للشيخ الوحيد الفريد الشيخ المفيد) وفي آخر هذه العبارة: (ثم كتاب اوائل المقالات نقلا من خط احمد بن عبدالعالي الميسي، وعلى يد الفقير محمد بن زين العابدين الموسوي تجاوز الله عنهما في يوم السبت الثالث من شهر رجب المرجب من شهور سنة 1281). ج: نسخة في ضمن مجموعة تحتوي على أربع رسائل اوائل المقالات والحكايات وتصحيح العقائد ونزهة الناظر أوله (كتاب مقالات المفيد...) وفي آخر الحكايات هكذا: (... وأنا الفقير الحزين محمد التبريزي الخياباني قد فرغت من كتابته ليلة

[ 17 ]

السبت من شهر محرم الحرام سنة اربع وخمسين وثلثمأة بعد الالف) وفي آخر عقائد الصدوق هكذا: (قد فرغت من تحرير هذه الرسالة... في اليوم التاسع من شهر محرم الحرام من شهور سنة ثمانين بعد الالف من الهجرة النبوية على مشرفها ألف ألف تحية، و كتبها لنفسه ولمن يشاء الله تعالى من بعده أحمد بن عبدالعالي الميسي العاملي تجاوز الله عن سيئاته وحشره مع ساداته). د: نسخة شيخ الاسلام الزنجاني قدس سره التي لم تصل إليه أيدينا. اولا فقابلناها بواسطة النسخة المطبوعة للچرندابي، ثم عثرنا عليها فقابلناها اجمالا مرة ثانية، وهي موجودة في مكتبة المجلس النيابي برقم 1332 وعلى ظهرها تاريخ مواليد بعض أولاده أو أقاربه قده والظاهر انها أصح النسخ، ولهذا نرى النسخة المطبوعة التي هي الطبعة الثانية للچرندابي من أصح النسخ لتطبيقها على نسخة الزنجاني. ه‍: نسخة مكتبة المجلس النيابي برقم 3864 ومعها نسخة الحكايات (وفي آخر الحكايات التي هي بعين الخط هكذا: (قوبلت النسخة على النسخة المصححة في شهر شعبان 1355) وعلى ظهر النسخة تواريخ متباعدة بعضها عن بعض ففي مورد كتب هكذا: (در سنه 1148 تحويل سال روز سه شنبه هفتم ذيقعدة الحرام 7 ساعت مانده ختم كتابت واقع شد) وكتب ايضا: (قد انتقل الى بالبيع الشرعي بتاريخ الثاني شهر جمادى الاول سنة 1233 بمبلغ دو هزار وسيصد دينار... وأنا العبد الاخطي محمد صادق بن حسن علي طاب ثراه) وبعده هكذا: (قد انتقل إلى بالارث وأنا العبد حسنقلي بن ميرزا محمد صادق طاب ثراه) وفي ظهره امضاء هكذا: (للحقير محمد باقر بن محمد تقي) وعليه خطوط كثيرة لمحمد طاهر الطبرسي مورخا بسنة 1355 الهجري القمري و 1315 الشمسي، وعلى هذا فيحتمل كون النسخة كتبت في سنة 1148 وانتقل في سنة 1233 إلى محمد صادق وفي سنة 1355 إلى محمد طاهر الطبرسي وقابلها في نفس السنة.

[ 18 ]

و: نسخة أخرى للمجلس النيابي برقم 7058 وفي آخرها هكذا: (قد تم بيد... الافني الحسن بن على الكشوي عفي عنه في شهر ربيع المولد 1260 ز: نسخة حجة الاسلام والمسلمين النجومى الكرمانشاهى وقد قابلتها بواسطة نسخة صديقي العلامة السيد الجلالي، فانه دام توفيقه قابل نسخغه بنسخته. ح: نسخة مكتبة آية الله الرضوي الكاشانى الموجود في المكتبة المركزية وهي ايضا نسخة ثمينة رأيتها اجمالا. ط: نسخة مكتبة ملك برقم 3535 وتاربخ كتابتها 1052 وهي قطعة من أوائل المقالات وهي الفصل المربوط بالنجوم الذي ينقله السيد بن طاوس مع زيادات. ى: نسخة مكتبة آية الله السيد احمد الزنجاني الموجود عند ابنه آية الله السيد موسى الشبيري الزنجاني وأنا أنقل عين عبارة حجة الاسلام والمسلمين الحاج الشيخ رضا الاستادي والسيد حسين الطباطبائي دام توفيقهما من كتاب (آشنائى با چند نسخه خطي) ص 231 برقم 95 كتب في اوله هكذا: (قد وجدت في نسخة عتيقة نقلت هذه النسخة منها بخط عتيق ما هذه صورته: كتاب اوائل المقالات في المذاهب والمختارات تأليف الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان الحارثي قدس الله روحه ونور ضريحه آمين رب العالمين انتهى). وفي آخره هذه العبارة: (قد قابلت هذه النسخة مع نسخة عتيقة لا تخلو من صحة في المشهد المقدس الرضوي على ساكنه أفضل الصلوات من الله الغنى. ووقع الفراغ من مقابلته أواخر اليوم الرابع عشر من شهر ذي الحجة الحرام من شهور سنة 1083). ثم ذكر الشيخ الاستادي ان هذه النسخة تمتاز عن النسخ المطبوعة بزيادة القول السادس والسابع الخ ولكن قد أشرنا في محلها ان النسخ الخطية متفقة على اثبات القولين حتى النسخة التي اعتمد عليها الواعظ الچرندابي وهي نسخة شيخ الاسلام الزنجاني.

[ 19 ]

وهده عشر نسخ من نسخ الكتاب التي كانت بمتناول يدى، وهناك نسخ كثيرة لم أصل إليها، ولم أرني بحاجة إلى ذلك. النسخ المطبوعة 1 - النسخة المطبوعة بتحقيق الواعظ الفاضل الشيخ عباس على چرندابي في تبريز واسقط منه باب القول في اللطيف من الكلام. 2 - الطبعة الثانية أيضا بتحقيق الواعظ الچرندابي في تبريز قد أتى فيها بكل ما اسقط من الكتاب في الطبعة الاولى وما وجده في الكتب. ولكنه قده قد اسقط (القول 4 في المتقدمين على امير المؤمنين) والقول 6 (في تسمية جاحدي الامامية ومنكري ما أوجبه الله تعالى من فرض الطاعة) من دون إشارة إلى اسقاطهما مع إن النسخ حتى نسخة العلامة الزنجاني كلها متفقة على إثبات القولين من دون خلاف. 3 - الطبعة النجفية وهي بعينها مأخوذة من طبعة تبريز من دون زيادة أو مراجعة بنسخة خطية أو غيرها. 4 - الطبعة الرابعة في تهران بتصحيح الدكتور مهدي محقق. فهذه هي مجموع النسخ المخطوطة أو المطبوعة التي كانت بمتناول أيدينا فاستفدنا منها قليلا أو كثيرا على حسب التمكن أو المصلحة فصار المجموع أربعة عشر نسخة بعدد المعصومين الاربعة عشر صلوات الله عليهم اجمعين.

[ 21 ]

الصفحة الاولى من نسخة ألف

[ 22 ]

الصفحة الاخيرة من نسخة ألف

[ 24 ]

الصفحة الاخيرة من نسخة ب

[ 25 ]

الصفحة الاولى من نسخة ج

[ 26 ]

الصفحة الاخيرة من نسخة ج

[ 27 ]

الصفحة الاولى من نسخة د

[ 28 ]

الصفحة الاخيرة من نسخة د

[ 29 ]

الصفحة الاولى من نسخة ه‍

[ 30 ]

الصفحة الاخيرة من نسخة ه‍

[ 31 ]

الصفحة الاولى من نسخة و

[ 32 ]

الصفحة الاخيرة من نسخة و

[ 33 ]

بسم الله الرحمن الرحيم أحمد الله على نعمته، واعتصم (2) به من خلافه ومعصيته، وأعوذ به من سخطه ونقمته وصلى الله على صفوته من بريته، محمد نبيه والاصفياء البررة من عترته وسلم كثيرا. أما بعد، أطال الله بقاء سيدنا الشريف النقيب في عز طاعته، وأدام تمكينه وعلو كلمته، فإني بتوفيق الله ومشيته مثبت في هذا الكتاب ما آثر إثباته من فرق ما بين الشيعة والمعتزلة، وفصل ما بين العدلية من الشيعة، ومن ذهب إلى العدل من المعتزلة والفرق ما بينهم من بعد وبين (3) الامامية فيما اتفقوا (4) عليه من خلافهم فيه من الاصول، وذاكر في أصل ذلك ما اجتبيته أنا من المذاهب المتفرعة عن اصول التوحيد والعدل والقول في اللطيف (5) من الكلام، وما كان وفاقا منه لبني نوبخت - رحمهم الله - وما هو خلاف لارائهم في المقال، وما


1 - توجد في نسخة الف وبعض النسخ هنا عبارات أشرنا إليها في المقدمة من ذكر اسم الكتاب و نحوه. 2 - كلمة به غير موجودة في الف. 3 - وما بين الف وه‍. 4 - فيما اثبتوا الف وب وه‍. 5 - اللطف الف وب وه‍.

[ 34 ]

يوافق ذلك مذهبه من أهل الاعتزال وغيرهم من أصحاب الكلام ليكون اصلا معتمدا فيما يمتحن للاعتقاد، وبالله استعين على تيسير (1) ذلك وهو بلطفه الموفق للصواب. 1 - باب القول في الفرق بين الشيعة فيما نسبت به إلى التشيع والمعتزلة فيما استحقت به (2) اسم الاعتزال الاخلاص، قال الله - عزوجل -: (فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه)، ففرق بينهما في الاسم بما أخبر به من فرق ما بينهما في الولاية والعداوة، وجعل موجب التشيع لاحدهما هو الولاء بصريح الذكر له في الكلام، وقال الله (3) تعالى: (وإن من شيعته لابراهيم) فقضى له بالسمة (4) للاتباع (5) منه لنوح (ع) على سبيل الولاء، ومنه قولهم: (فلان تكلم في كذا و كذا فشيع فلان كلامه (إذا صدقه فيه واتبعه في معانيه. ومن هذا المعنى قيل لمن اتبع المسافر لوداعه: (هو مشيع له)، غير انه ليس كل مشيع لغيره على حقيقة ما ذكرناه من الاتباع يستحق السمة (6) بالتشيع، ولا يقع (7) عليه إطلاق اللفظ بإنه


1 - تبيين الف وه‍. 2 - كلمة به غير موجودة في الف. 3 - كلمة الله غير موجودة في الف. 4 - بالشيعة نسخة د. 5 - بالاتباع الف. 6 - السمعة ج. 7 - هكذا في النسخ ولا اشك ان اصله لا يصح فصحف هكذا.

[ 35 ]

من الشيعة وإن كان متبوعه محقا أو كان مبطلا إلا أن يسقط منه (1) علامة التعريف التي هي الالف واللام ويضاف بلفظ (من) التبعيض (2) فيقال: (هؤلاء من شيعة بني امية) أو (من شيعة بني العباس) أو (من شيعة فلان أو فلان) فأما إذا ادخل (3) فيه علامة التعريف فهو على التخصيص لا محالة لا تباع أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - على سبيل الولاء والاعتقاد لامامته بعد الرسول - صلوات الله عليه وآله - بلا فصل ونفي الامامة عمن تقدمه في مقام الخلافة وجعله في الاعتقاد متبوعا لهم غير تابع لاحد منهم على وجه (4) الاقتداء. والذي يدل على صحة (5) ذلك عرف الكافة ومعهودهم منه في الاطلاق، ومعرفة كل مخاطب منه مراد المخاطب في تعيين هذه الفرقة دون من سواها ممن يدعي استحقاقه من مخالفيها (6) بما شرحناه، وكما يفهم العرف مراد المخاطب بذكر الاسلام على الاطلاق وذكر الحنيفية والايمان والصلوة والزكوة والحج والصيام، وان كانت هذه الاسماء في أصل اللسان غير مفيدة لما قررته الشريعة (7) وقضى به العرف (8) فيها على البيان. ويزيد ذلك وضوحا ما حصل عليه الاتفاق من تعري الخوارج عن هذه * (هامش) 1 - كلمة منه لا توجد في نسخة الف وه‍. 2 - للتبعيض الف. 3 - إذا دخل الف. 4 - على سبيل وجه الاقتداء الف. 5 - كلمة صحة لا توجد في نسخة الف. 6 - مخالفينا الف. 7 - الشيعة الف. 8 - العرب د.

[ 36 ]

السمة (1) وخروجهم عن استحقاقها، وجهل من أطلقها عليهم بذكر الالف واللام وإن كانوا أتباعا لابي بكر وعمر على سبيل الولاء، وكما (2) خرج عن استحقاقها أيضا أهل البصرة وأتباع معاوية ومن قعد عن نصرة أمير المؤمنين - عليه السلام - وان كانوا أتباعا لائمة هدى عند أهل الخلاف، ومظهرين لترك عداوته مع الخذلان. فيعلم بهذا الاعتبار أن السمة بالتشيع علم على الفريق الذي ذكرناه وإن كان أصلها (3) في اللسان ما وصفناه من الاتباع، كما أن الاسلام علم على امة محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - خاصة، وان كان في أمل اللغة إسما تستحقه اليهود لاستسلامها لموسى (ع)، وتستحقه النصارى بمثل (4) ذلك، و تستحته المجوس لانقيادها لزرادشت، وكل مستسلم لغيره يستحقه على معنى اللغة لكنهم خرجوا عن استحقاته (5) لما صار علما على امة محمد - صلى الله عليه وآله - وتخصصت به دون من سواها للعرف والاستعمال. وهذه الجملة كافية فيما أثبتناه وإن كان شرحها يتسع ويتناصر (6) فيه البينات، لكثا عللنا عنه لما نؤمه (7) من الغرض فيما سواه وقد افردنا رسالة (8) لها استقصينا فيها الكلام.


1 - التسمية الف وب وج. 2 - الواو غير موجودة في الف. 3 - اهلها د. 4 - بمثل اليهود الف. 5 - استحقاقهم الف. 6 - يتقاصر الف. 7 - لما لزمه الغرض الف. 8 - افرزنا له مسالة ب ود.

[ 37 ]

وإذا ثبت ما بيناه بالسمة بالتشيع كما وصفناه وجبت (1) للامامية والزيدية الجارودية من بين سائر فرق الامة لانتظامهم بمعناها (2) وحصولهم على موجبها. ولم يخرجوا عنها وان ضموا إليها وفاقا بينهم أو خلافا في أنحاء (3) من المعتقدات، وخرجت المعتزلة والبكرية والخوارج والحشوية عنها لتعريهم عن معناها (4) الذي وصفناه ولم يدخلهم فيها (5) وفاق لمن وجبت له فيما سواه كائنا ما كان. وأما المعتزلة وما وسمت به من اسم الاعتزال فهو لقب حدث (6) لها عند القول بالمنزلة بين المنزلتين، وما أحدثه واصل بن عطاء من المذهب في ذلك (7) ونصب من الاحتجاج له، فتابعه عمرو بن عبيد، ووافقه على التدين به من قال بها (8) واتبعهما عليه إلى اعتزال الحسن البصري وأصحابه والتحيز عن مجلسه (9) فسماهم الناس المعتزلة لاعتزالهم مجلس الحسن (10) بعد أن كانوا من أهله، وتفردهم بما ذهبوا إليه من هذه المسألة من جميع (11) الامة وسائر


1 - وجب الف وه‍. 2 - كلمة بمعناها ليست في نسخة الف. 3 - في اتخاذه ب 4 - عن مصالح الذي الف. 5 - كلمة فيها ليست في نسخة الف. 6 - مدت الف. 7 - فيه بدل في ذلك الف. 8 - بهما ومن اتبعهما د. 9 - منزله الف وب. 10 - الحسن البصري الف. 11 - من بين جميع الف.

[ 38 ]

العلماء، ولم يك قبل ذلك يعرف (1) الاعتزال ولا كان علما على فريق من الناس. فمن وافق المعتزلة فيما تذهب إليه من المنزلة بين المنزلتين كان معتزليا على الحقيقة، وان ضم إلى ذلك وفاقا لغيرهم من أهل الاراء وغلب عليه اسم الاعتزال، ولم يخرجه عنه دينونته بما لا يذهب إليه جمهورهم من المقال. كما يستحق اسم التشيع ويغلب عليه (2) من دان بامامة امير المؤمنين - عليه السلام - على حسب ما قدمناه، وإن ضم إلى ذلك من الاعتقاد ما ينكره (3) كثير من الشتيعة ويأباه، وكذلك ضرار بن عمرو كان معتزليا وإن دان بالمخلوق والماهية على خلاف جمهور أهل الاعتزال، وكان هشام بن الحكم شيعيا وإن خالف الشيعة كافة في أسماء الله تعالى وما ذهب إليه في معاني الصفات. 2 - باب الفرق بين الامامية وغيرهم من الشيعة وسائر أصحاب المقالات فأما السمة للمذهب بالامامة (4) ووصف الفريق من الشيعة بالامامية فهو علم على من دان بوجوب الامامة ووجودها في كل زمان، وأوجب النص الجلي والعصمة والكمال لكل إمام، ثم حصر الامامة في ولد الحسين بن على - عليهما السلام - وساقها إلى الرضا علي بن موسى - عليهما السلام - لانه وإن كان في الاصل علما على من دان من الاصول بما ذكرناه دون التخصيص لمن قال في الاعيان بما وصفناه، فانه قد انتقل عن أصله لاستحقاق فرق من معتقديه


1 - يعرف احد الف. 2 - اتفقت النسخ على كلمة (عليه) ولعل الصحيح (على). 3 - تنكره كثير من الشيعة وتأباه الف وب. 4 - الامامية الف.

[ 39 ]

ألقابا بأحاديث لهم بأقاويل أحدثوها فغلبت عليهم في الاستعمال دون الوصف بالامامية، وصار هذا الاسم في عرف المتكلمين وغيرهم من الفقهاء والعامة علما على من ذكرناه. وأما الزيدية فهم القائلون بإمامة أمير المؤمنين علي بن أبى طالب والحسن والحسين وزيد بن على - عليهم السلام - وبإمامة كل فاطمي دعا إلى نفسه و هو على ظاهر العدالة ومن أهل العلم والشجاعة وكانت بيعته على تجريد السيف للجهاد. 3 - باب ما اتفقت الامامية فيه على خلاف المعتزلة فيما اجتمعوا عليه من القول بالامامة اتفق أهل الامامة (1) على أنه لابد في كل زمان من إمام موجود يحتج الله - عزوجل - به على عباده المكلفين، ويكون بوجوده تمام المصلحة في الدين. وأجمعت (2) المعتزلة على خلاف ذلك وجواز خلو الازمان الكثيرة من إمام موجود وشاركهم في هذا الرأي وخالف (3) الامامية فيه الخوارج والزيدية والمرجئة والعامة المنتسبون إلى الحديث. واتفقت الامامية على أن إمام الدين لا يكون إلا معصوما من الخلاف لله تعالى، عالما بجميع علوم الدين، كاملا في الفضل، باينا (4) من الكل بالفضل


1 - الامامية الف. 2 - واجتمعت د. 3 - خلاف الف وب 4 - وباينا الف.

[ 40 ]

عليهم في الاعمال التي يستحق بها النعيم المقيم، وأجمعت المعتزلة ومن ذكرناه من الفرق الخارجة عن سمة الامامية على خلاف ذلك وجوزوا أن يكون الائمة عصاة في الباطن وممن (1) يقارف الاثام ولا يحوز الفضل ولا يكمل علوم الدين. واتفقت الامامية على أن الامامه لا تثبت مع عدم المعجز لصاحبها إلا بالنص على عينه والتوقيف، وأجمعت المعتزلة والخوارج والزيدية والمرجئة والمتسمون بأصحاب الحديث على خلاف ذلك، وأجازوا الامامة في من لا معجز له ولا نص عليه ولا توقيف. واتفقت الامامية على أن الامامة بعد النبي (ص)، في بني هاشم خاصة، ثم في علي والحسن والحسين ومن بعد في ولد الحسين (ع) دون ولد الحسن - عليهما السلام - إلى آخر العالم، وأجمعت المعتزلة ومن ذكرناه من الفرق على خلاف ذلك، وأجاز سائرهم إلا الزيدية خاصة الامامة في غير بني هاشم، وأجازتها الزيدية في غير ولد الحسين عليه السلام. واتفقت الامامية على أن رسول الله - صلى الله عليه والله - استخلف أمير المؤمنين عليه السلام في حياته ونص عليه بالامامة بعد وفاته، وأن من دفع ذلك فقد دفع فرضا من الدين، وأجمعت المعتزلة والخوارج والمرجئة والبترية والحشوية المنتسبون إلى الحديث على خلاف ذلك، وأنكروا نص النبي (ص) على أمير المؤمنين (ع) ودفعوا أن يكون الامام بعده بلا فصل على المسلمين. واتفقت الامامية على أن النبي (ص) نص على إمامة الحسن والحسين بعد أمير المؤمنين - عليه السلام -، وأن أمير المؤمنين (ع) أيضا نص عليهما كما


1 - وفيمن يفارق الامام ه‍.

[ 41 ]

نص الرسول (ص)، وأجمعت المعتزلة ومن عددناه من الفرق سوى الزيدية الجارودية على خلاف ذلك، وانكروا أن يكون للحسن والحسين - عليهما السلام - امامة بالنص والتوقيف. واتفقت الامامية على أن رسول الله - صلوات الله عليه وآله - نص على على بن الحسين وأن أباه وجده نصا عليه كما نص عليه (1) الرسول (ص)، وأنه كان بذلك إماما للمؤمنين. وأجمعت المعتزلة والخوارج والزيدية والمرجئة والمنتمون (2) إلى أصحاب الحديث على خلاف ذلك، وأنكروا بأجمعهم أن يكون علي بن الحسين (ع) إماما للامة بما توجب (3) به الامامة لاحد من أئمة المسلمين. واتفقت الامامية على أن الائمة بعد الرسول (ص) اثنا عشر إماما، و خالفهم في ذلك كل من عداهم من أهل الملة، وحججهم في ذلك على خلاف الجمهور ظاهرة من جهة (4) القياس العقل والسمع المرضي و (5) البرهان الجلي الذي يفضي التمسك به إلى اليقين. 4 - القول في المتقدمين على أمير المؤمنين (6) - عليه السلام - واتفقت الامامية وكثير من الزيدية على أن المتقدمين على أمير المؤمنين -


1 - كلمة عليه ليست في الف وه‍. 2 - والعامة المنتسبون - المنتمون ب والف وج 3 - يوجب الف ود. 4 - حجة الف وه‍. 5 - في البرهان ذ. 6 - أمير المؤمنين على بن ابي طالب الف.

[ 42 ]

عليه السلام - ضلال فاسقون، وأنهم بتأخيرهم أمير المؤمنين - عليه السلام - عن مقام رسول الله - صلوات الله عليه وآله - عصاة ظالمون، وفي النار بظلمهم مخلدون (1). وأجمعت المعتزلة والخوارج وجماعة من الزيدية والمرجئة والحشوية على خلاف ذلك ودانوا بولاية القوم، وزعموا أنهم لم يدفعوا (2) حقا لأمير المؤمنين - عليه السلام - وانهم من أهل النعيم إلا الخوارج والجميعة (3) من الزيدية فإنهم تبرءوا من عثمان خاصة، وزعموا أنه مخلد في الجحيم بأحداثه في الدين لا بتقدمه (4) على أمير المؤمنين - عليه السلام -. 5 - القول في محاربي أمير المؤمنين - عليه السلام - واتفقت الامامية والزيدية والخوارج على أن الناكثين والقاسطين من أهل البصرة والشام أجمعين كفار ضلال ملعونون بحربهم أمير المؤمنين (ع)، وأنهم بذلك في النار مخلدون. وأجمعت المعتزلة سوى الغزال (5) منهم وابن باب


1 - خالدون الف. 2 - لم ينفوا ج لم يذموا ه‍. 3 - اتفقت النسخ غير نسخة د على تصغير الكلمة اما بلفظ الجميع أو الجميعة كما هو الاغلب في النسخ ثم اختلفت في الحرف التى بعدها فالاكثر ذكروا كلمة من وبعضها ذكرت الا والصحيح الجميعة مصغر الجماعة مع من هكذا (الا الخوارج والجميعة من الزيدية) وذلك لانه قد ذكر اولا ان الكثير من الزيدية يكفرون الخلفاء ويفسقونهم والجماعة القليلة منهم و هم البترية لا يكفرونهم ثم اشار إلى ان هؤلاء ايضا يبرؤن من عثمان. 4 - يتقدمه 5 - الغزالي الف

[ 43 ]

والمرجئة والحشوية من أصحاب الحديث على خلاف ذلك. فزعمت المعتزلة كافة إلا من سميناه وجماعة من المرجئة وطائفة من أصحاب الحديث أنهم فساق ليسوا بكفار، وقطعت المعتزلة من بينهم على أنهم لفسقهم في النار مخلدون. وقال باقي المرجئة وأصحاب الحديث: انهم لا يستحقون إسم الكفر والفسوق. وقال بعض هذين الفريقين إنهم كانوا مجتهدين في حربهم أمير المؤمنين (ع) ولله بذلك مطيعين وعليه مأجورين. وقال البعض الاخر بل كانوا لله تعالى عاصين إلا انهم ليسوا بفاسقين ولا يقطع على أنهم للعذاب مستحقون. وزعم واصل الغزال وعمرو بن عبيد بن باب من بين كافة المعتزلة أن طلحة والزبير وعائشة ومن كان في حيزهم من علي بن ابي طالب (ع) والحسن والحسين (ع) ومحمد ومن كان في حيزهم كعمار بن ياسر وغيره من المهاجرين ووجوه الانصار وبقايا أهل بيعة الرضوان كانوا في اختلافهم كالمتلاعنين وان احدى الطائفتين فساق ضلال مستحقون للخلود في النار إلا انه لم يقم عليها دليل (1). واتفقت الامامية أو الزيدية وجماعة من أصحاب الحديث على أن الخوارج على أمير المؤمنين (ع) المارقين عن الدين كفار بخروجهم عليه وانهم في النار بذلك مخلدون. وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك. ومنعوا من إكفارهم واقتصروا في تسميتهم على التفسيق، وأوجبوا عليهم التخليد في الجحيم. وزعمت المرجئة (2) وباقي أصحاب الحديث أنهم فساق يخاف عليهم


1 - دليل اي الطائفتين منهما الف. 2 - المعتزلة ز.

[ 44 ]

العذاب ويرجى لهم العفو والثواب ودخول جنات النعيم. 6 - القول في تسمية جاحدي الامامة ومنكري ما أوجب الله تعالى للائمة من فرض الطاعة وأتفقت الامامية على أن من أنكر إمامة أحد الائمة وجحد ما أوجبه الله تعالى من فرض الطاعة فهو كافر ضال مستحق للخلود في النار. وأجمعت المعتزلة (1) على خلاف ذلك وأنكروا كفر من ذكرناه، وحكموا لبعضهم بالفسق خاصة ولبعضهم بما دون الفسق من العصيان. 7 - القول في أن العقل لا ينفك عن سمع وأن التكليف لا يصح إلا بالرسل - عليهم السلام - واتفقت الامامية على أن العقل محتاج (2) في علمه ونتائجه إلى السمع و أنه غير منفك عن (3) سمع ينبه العاقل على كيفية الاستدلال، وأنه لابد في أول التكليف وابتدائه في العالم من رسول، ووافقهم في ذلك أصحاب الحديث. وأجمعت المعتزلة والخوارج والزيدية على خلاف ذلك، وزعموا أن العقول تعمل بمجردها من السمع والتوقيف إلا ان البغداديين من المعتزلة خاصة يوجبون


1 - المعتزلة والزيدية الف. 2 - يحتاج الف. 3 - من سمع بينة العاقل الف.

[ 45 ]

الرسالة في أول التكليف ويخالفون الامامية في علتهم لذلك ويثبتون عللا يصححها الامامية ويضيفونها إلى علتهم فيما وصفناه. 8 - القول في الفرق بين الرسل والانبياء - عليهم السلام - واتفقت الامامية على أن كل رسول فهو نبي وليس كل نبي فهو رسول، وقد كان من أنبياء الله - عزوجل - حفظة لشرائع الرسل وخلفائهم في المقام، و إنما منع الشرع من تسمية أئمتنا بالنبوة دون أن يكون العقل مانعا من ذلك لحصولهم على المعنى الذي حصل لمن ذكرناه من الانبياء - عليهم السلام -. واتفقوا على جواز بعثة رسول يجدد شريعة من تقدمه وان لم يستأنف شرعا ويؤكد نبوة من سلف وإن لم يفرض غير ذلك فرضا. وأجمعت المعتزلة على خلاف هذين القولين، ومع الامامية في تصحيحه جماعة من المرجئة وكافة أصحاب الحديث. 9 - القول في آباء رسول الله (ص) وأمه وعمه أبي طالب - رحمة الله تعالى عليهم (1) - واتفقت الامامية على أن آباء رسول الله (ص) من لدن آدم إلي عبد الله بن عبد المطلب مؤمنون بالله - عزوجل - موحدون له. واحتجوا في ذلك بالقرآن (2) والاخبار، قال الله - عزوجل: (الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين). و


1 - في نسخة د عليهما وفي نسخة ب عليه وبعضهم اكتفى بالعلامة (ع) وما ذكرنا انسب. 2 - بالاخبار والقرآن الف.

[ 46 ]

قال رسول الله (ص): (لم يزل ينقلني من أصلاب الطاهرين، إلى أرحام المطهرات حتى أخرجني في عالمكم هذا). وأجمعوا على أن عمه ابا طالب - رحمه الله - مات مؤمنا، وأن آمنة بنت وهب كانت على التوحيد، وأنها تحشر في جملة المؤمنين. وخالفهم على (1) هذا القول جميع الفرق ممن سمنياه بدء. 10 - القول في الرجعة والبداء وتأليف القرآن واتفقت الامامية على وجوب رجعة كثير من الاموات إلى الدنيا قبل يوم القيمة وإن كان بينهم في معنى الرجعة اختلاف. واتفقوا على إطلاق لفظ (البداء) في وصف الله تعالى وأن ذلك (2) من جهة السمع دون القياس. واتفقوا على أن أئمة الضلال خالفوا في كثير من تأليف القرآن، وعدلوا فيه عن موجب التنزيل وسنة الني (ص). وأجمعت المعتزلة والخوارج والزيدية والمرجئة وأصحاب الحديث على خلاف الامامية في جميع ما عددناه. 11 - القول في الوعيد واتفقت الامامية على أن الوعيد بالخلود في النار متوجه إلى الكفار خاصة دون مرتكبي الذنوب من أهل المعرفة بالله تعالى والاقرار بفرائضه من أهل الصلوة، ووافقهم على هذا القول كافة المرجئة سوى محمد بن شبيب و أصحاب الحديث قاطبة. وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك وزعموا أن الوعيد


1 - في ذلك القول الف. 2 - وان كان من جهة ب وه‍ والف.

[ 47 ]

بالخلود في النار عام في الكفار وجميع فساق أهل الصلوة. واتفقت الامامية على أن من عذب بذنبه من أهل الاقرار والمعرفة والصلوة لم يخلد في العذاب واخرج من النار إلى الجنة فينعم فيها على الدوام، ووافقهم على ذلك من عددناه. وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك وزعموا أنه لا يخرج من النار أحد دخلها للعذاب. 12 - القول في الشفاعة واتفقت الامامية على أن رسول الله (ص) يشفع يوم القيامة لجماعة من مرتكبي الكبائر من أمته، وأن امير المؤمنين (ع) يشفع في أصحاب الذنوب من شيعته، وأن أئمة آل محمد - عليهم السلام - يشفعون كذلك وينجي الله بشفاعتهم كثيرا من الخاطئين ووافقهم على شفاعة الرسول (ص) المرجئة سوى ابن شبيب وجماعة (1) من أصحاب الحديث. وأجمعت المعتزلة (2) على خلاف ذلك وزعمت أن شفاعة رسول الله (ص) للمطيعين دون العاصين وأنه لا يشفع في مستحق العقاب (3) من الخلق أجمعين. 13 - القول في الاسماء (4) والاحكام واتفقت الامامية على أن مرتكب الكبائر من أهل المعرفة والاقرار لا يخرج


1 - وجماعة أصحاب. 2 - واجتمعت على خلاف ذلك الباقين الف. 3 - العذاب الف. 4 - الاسلام ج.

[ 48 ]

بذلك عن الاسلام، وأنه مسلم وان كان فاسقا بما فعله (1) من الكبائر والاثام، و وافقهم على هذا القول المرجئة كافة وأصحاب الحديث قاطبة ونفر من الزيدية. وأجمعت المعتزلة وكثير من الخوارج والزيدية على خلاف ذلك، و زعموا أن مرتكب الكبائر ممن ذكرناه فاسق ليس بمؤمن ولا مسلم وأن ضم (2) إلى فسقه كل ما عد (3) تركه من الطاعات. 14 - القول في الاسلام والايمان واتفقت الامامية على أن الاسلام غير الايمان، وأن كل مؤمن فهو مسلم و ليس كل مسلم مؤمنا، وأن الفرق بين هذين المعنيين في الدين كما كان في اللسان، ووافقهم على هذا القول المرجئة وأصحاب الحديث. وأجمعت المعتزلة وكثير من الخوارج والزيدية على خلاف ذلك، وزعموا أن كل مسلم مؤمن وأنه لا فرق بين الاسلام والايمان في الدين 15 - الفول في التوبة وقبولها (4) واتفقت الامامية على أن قبول التوبة تفضل من الله - عزوجل - وليس بواجب في العقول إسقاطها لما سلف من إستحقاق العقاب، ولولا ان السمع ورد


1 - بما معه الف. 2 - ضمن ه‍. 3 - ما عدا الف وب ود وج. 4 - كلمة قبولها غير موجودة في الف.

[ 49 ]

بإسقاطها (1) لجاز في العقول فعله في التائبين على شرط الاستحقاق، ووافقهم على ذلك أصحاب الحديث. واجمعت المعتزلة على خلافهم، وزعموا أن التوبة مسقطة لما سلف من العقاب على الوجوب. 16 - القول في أصحاب البدع وما (2) يستحقون عليه من الاسماء والاحكام واتفقت الامامية على أن أصحاب البدع كلهم كفار، وأن على الامام أن يستتيبهم عند التمكن بعد الدعوة لهم وإقامة البينات عليهم، فإن (3) تابوا عن بدعهم وصاروا إلى الصواب وإلا قتلهم لرددتهم عن الايمان، وأن من مات منهم على تلك البدعة فهو من أهل النار. وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك، وزعموا أن كثيرا من أهل البدع فساق وليسوا بكفار، وأن فيهم من لا يفسق ببدعته ولا يخرج بها عن الاسلام كالمرجئة من أصحاب ابن شبيب والبترية من الزيدية الموافقة لهم في الاصول وإن خالفوهم في صفات الامام. 17 - القول في المفاضلة بين الانبياء والملائكة (4) - عليهم السلام - واتفقت الامامية على أن انبياء الله تعالى - عزوجل - ورسله من البشر


1 - اسقاطها د. 2 - من هنا إلى كلمة عند التمكن ساقط عن نسخة الف وب. 3 - وان الف وه‍. 4 - كلمة (الملائكة) سقطت عن نسخة الف.

[ 50 ]

أفضل من الملائكة، ووافقهم على ذلك أصحاب الحديث. وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك، وزعم الجمهور منهم أن الملائكة أفضل من الانبياء والرسل، و قال نفر منهم سوى من ذكرناه بالوقف في تفضيل أحد الفريقين على الاخر، و كان اختلافهم في هذا الباب على ما وصفناه وإجماعهم على خلاف القطع بفضل الانبياء على الملائكة حسب ما شرحناه.

[ 51 ]

باب (1) وصف ما اجتبيته أنا من الاصول نظرا ووفاقا لما جاءت به الاثار عن أئمة الهدى من آل محمد (ص) وذكر من وافق (2) ذلك مذهبه من أصحاب المقالات. 18 - القول في التوحيد اقول: إن الله - عزوجل - واحد في الالهية والازلية لا يشبهه شئ، و لا يجوز أن يماثله شئ، وأنه فرد في المعبودية لا ثاني له فيها على الوجوه كلها والاسباب، وعلى هذا إجماع أهل التوحيد إلا من شذ من أهل التشبيه فإنهم أطلقوا ألفاظه (3) وخالفوا في معناه. وأحدث رجل من أهل البصرة (4) يعرف بالاشعري قولا خالف فيه


1 - وانما أتى بكلمة (باب) هاهنا دون ما قبله وما بعده لان نوع البحث تغير عما كان وهو الفرق بين الشيعة والمعتزلة، ومن هنا بدء بالبحث وبيان خلاصة ارائه الكلامية مع الاشارة إلى مخالفيه من جميع الفرق الشيعية وغير الشيعية، فكأنه قد عدل عما بدء به لتكون فائدته اعم. 2 - وافى الف. 3 - القابه الف وب ود وه‍ والفتيا به ج. 4 - بآخره يعرف و.

[ 52 ]

ألفاظ (1) جميع الموحدين ومعانيهم فيما وصفناه، وزعم أن لله - عزوجل - صفات قديمة وأنه لم يزل بمعان (2) لا هي هو ولا غيره من أجلها كان مستحقا للوصف بانه عالم حي قادر سميع بصير متكلم مريد، وزعم أن لله - عزوجل - وجها قديما وسمعا قديما وبصرا قديما ويدين قديمتين، وأن هذه كلها ازلية قدماء (3)، وهذا قول لم يسبقه إليه أحد من منتحلى التوحيد فضلا عن أهل الاسلام. 19 - القول في الصفات واقول: إن الله - عزوجل اسمه - حي لنفسه لا بحياة (4)، وأنه قادر لنفسه و عالم لنفسه لا بمعنى كما ذهب إليه المشبهة من أصحاب الصفات ولا الاحوال (5) المختلفات كما أبدعه أبو هاشم الجبائي وفارق به سائر أهل التوحيد وارتكب أشنع من مقال أهل الصفات، وهذا مذهب الامامية كافة والمعتزلة إلا من سميناه وأكثر المرجئة وجمهور الزيدية وجماعة من أصحاب الحديث والمحكمة (6). وأقول: إن كلام الله تعالى محدث وبذلك جاءت الاثار عن آل محمد - عليهم السلام - وعليه إجماع الامامية والمعتزلة بأسرها والمرجئة إلا من شذ عنها


1 - جميع الفاظ الف. 2 - بمعنى د. 3 - قدما الف. 4 - لحياة الف. 5 - والاحوال المبتدعات دوزو في الف الافعال المبتدعات وفي حاشيته والاقوال المختلفات. 6 - والحكمة الف وب وه‍.

[ 53 ]

وجماعة من أصحاب الحديث وأكثر الزيدية والخوارج. وأقول: إن القرآن كلام الله ووحيه، وأنه محدث كما وصفه الله تعالى وامنع من إطلاق القول عليه بأنه مخلوق وبهذا جاءت الاثار عن الصادقين (ع)، وعليه كافة الامامية إلا من شذ منهم وهو قول جمهور البغداديين من المعتزلة وكثير من المرجئة والزيدية وأصحاب الحديث. وأقول: إن الله تعالى مريد من جهة السمع والاتباع والتسليم على حسب ما جاء في القرآن ولا أوجب ذلك من جهة العقول (1). واقول: إن إرادة الله تعالى لافعاله هي نفس أفعاله، وارادته لافعال خلقه أمره بالافعال، وبهذا جاءت الاثار عن أئمة الهدى من آل محمد - عليهم السلام - وهو مذهب سائر الامامية إلا من شذ منها عن قرب وفارق ما كان عليه الاسلاف، وإليه يذهب جمهور (2) البغداديين من المعتزلة وابو القاسم البلخى خاصة وجماعة من المرجئة، ويخالف فيه من المعتزلة البصريون ويوافقهم على الخلاف فيه المشبهة وأصحاب الصفات. واقول: إنه لا يجوز تسمية الباري تعالى إلا بما سمى به نفسه في كتابه أو على لسان نبيه (ص) أو سماه به حججه (3) من خلفاء نبيه، وكذلك اقول في الصفات وبهذا تطابقت الاخبار عن آل محمد - عليهم السلام - وهو مذهب جماعة (4) الامامية وكثير من الزيدية والبغداديين من المعتزلة كافة وجمهور


1 - في نسخة ز القول. 2 - جميع الف وب. 3 - حجة ز. 4 - جماعة من ز.

[ 54 ]

المرجئة وأصحاب الحديث، إلا أن هؤلاء الفرق يجعلون بدل الامام الحجة في ذلك الاجماع. 20 - القول في وصف الباري تعالى بانه سميع بصير وراء ومدرك واقول: إن استحقاق القديم سبحانه لهذه (1) الصفات كلها من جهة السمع دون القياس ودلائل العقول، وإن المعنى (2) في جميعها العلم خاصة دون ما زاد عليه في المعنى، إذ ما زاد عليه في معقولنا ومعنى لغتنا (3) هو الحس وذلك مما يستحيل على القديم. وقد يقال في معنى مدرك أيضا إذا وصف به الله تعالى أنه لا يفوته شئ ولا يهرب (4) منه شئ ولا يجوزأن يراد به معنى إدراك الابصار وغيرها من حواسنا لانه الحس في الحقيقة على ما بيناه. ولست أعلم من متكلمي الامامية في هذا الباب خلافا وهو مذهب البغداديين من المعتزلة و جماعة من المرجئة ونفر من الزيدية، ويخالف فيه المشبهة وإخوانهم من اصحاب الصفات والبصريون من أهل الاعتزال. 21 - القول في علم الله تعالى بالاشياء قبل كونها واقول: إن الله تعالى عالم بكل ما يكون قبل كونه، وإنه لا حادث إلا وقد


1 - بهذه الف. 2 - جملة (في جميعها العلم خاصة دون ما زاد عليه في المعنى) سقطت عن نسخة ب 3 - تعينا الف وه‍. 4 - يعزب.

[ 55 ]

علمه قبل حدوثه، ولا معلوم وممكن أن يكون معلوما إلا وهو عالم بحقيقته، وإنه سبحانه لا يخفى عليه شئ في الارض ولا في السماء، وبهذا قضت (1) دلائل العقول والكتاب المسطور والاخبار المتواترة عن آل الرسول - صلى الله عليه وآله - وهو مذهب جميع الامامية، ولسنا نعرف ما حكاه المعتزلة عن هشام بن الحكم في خلافه. وعندنا أنه تخرص منهم عليه وغلط ممن قلدهم فيه فحكاه من الشيعة عنه، ولم نجد له (2) كتابا مصنفا ولا مجلسا ثابتا وكلامه في اصول الامامة ومسائل الامتحان (3) يدل على ضد ما حكاه الخصوم عنه. ومعنا فيما ذهبنا إليه في هذا الباب جميع المنتسبين إلى التوحيد سوى الجهم بن صفوان من المجبرة وهشام بن عمرو الفوطى من المعتزلة فإنهما كانا يزعمان أن العلم لا يتعلق بالمعدوم ولا يقع إلا على موجود، وأن الله تعالى لو علم الاشياء قبل كونها لما حسن منه الامتحان (4). 22 - القول في الصفات واقول: إن الصفة في الحقيقة ما أنبأت عن معنى مستفاد يخص (5) الموصوف وما شاركه فيه، ولا يكون ذلك كذلك حتى (6) يكون قولا أو كتابة


1 - افضت الف. 2 - لم نجد به الف. 3 - الاستحسان ب. 4 - عن الامتحان الف. 5 - محض الف. 6 - لا يكون الف وب وج وه‍ والجملة تصح معها ولكنها بدونها اصح وافصح.

[ 56 ]

يدل على ما يدل النطق عليه وينوب منا به فيه، وهذا مذهب أهل التوحيد وقد خالف فيه جماعة من أهل التشبيه (1). 23 - القول فيما انفرد به أبو هاشم من الاحوال اقول: إن وصف الباري تعالى بأنه حق قادر عالم يفيد معاني معقولات ليست الذات ولا أشياء تقوم بها كما يذهب إليه جميع أصحاب الصفات ولا أحوال مختلفات على الذات كما ذهب إليه أبو هاشم الجبائى، وقد خالف فيه جميع الموحدين وقولي في المعنى المراد به المعقول في الخطاب دون الاعيان الموجودات، وهذا مذهب جميع الموحدين وخالف فيه المشبهة وابو هاشم كما ذكرناه. 24 - القول في وصف الباري تعالى بالقدرة على العدل وخلافه وما علم كونه وما علم أنه لا يكون واقول: إن الله - جل جلاله - قادر على خلاف العدل كما أنه قادر على العدل، إلا أنه لا يفعل جورا ولا ظلما ولا قبيحا، وعلى هذا جماعة الامامية والمعتزلة كافة سوى النظام وجماعة من المرجئة والزيدية وأصحاب الحديث والمحكمة، ويخالفنا فيه المجبرة بأسرها والنظام (2) ومن وافقهم في خلاف العدل والتوحيد.


1 - اهل الشيعة الف و و. 2 - كلمة النظام سقطت عن نسخة ب.

[ 57 ]

واقول: إنه سبحانه قادر على ما علم أنه لا يكون، مما لا يستحيل (1) كاجتماع الاضداد ونحو ذلك من المحال، وعلى هذا إجماع أهل التوحيد إلا (2) النظام وشذاذ من أصحاب المخلوق. 25 - القول في نفي الرؤية على الله تعالى بالابصار وأقول: إنه لا يصح رؤية الباري سبحانه بالابصار، وبذلك شهد العقل و نطق القران وتواتر الخبر عن أئمة الهدى من آل محمد (ص)، وعليه جمهور أهل الامامة وعامة (3) متكلميهم إلا من شذ منهم لشبهة عرضت له في تأويل الاخبار. والمعتزلة بأسرها توافق أهل الامامة في ذلك وجمهور المرجئة وكثير من الخوارج والزيدية وطوائف من أصحاب الحديث ويخالف فيه المشبهة وإخوانهم من أصحاب الصفات. 26 - القول في العدل والخلق (4) اقول: ان الله - عزوجل - عدل كريم، خلق الخلق لعبادته وأمرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته وعمهم بهدايته، بدأهم بالنعم وتفضل عليهم بالاحسان، لم يكلف أحدا إلا دون الطاقة، ولم يأمره إلا بما جعل له عليه


1 - مما يستحيل ز. 2 - كلمتي (الا النظام وشذاد) سقطت من ب. 3 - كلمة (عامة) غير موجود في نسخة الف. 4 - المخلوق ج.

[ 58 ]

الاستطاعة. لا عبث في صنعه ولا تفاوت في خلقه لا قبيح في فعله، جل عن مشاركة عباده في الافعال، وتعالى عن اضطرارهم إلى الاعمال. لا يعذب أحدا (1) إلا على ذنب فعله، ولا يلوم عبدا إلا على قبيح صنعه. لا يظلم مثقال ذرة فإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما. وعلى هذا القول جمهور أهل الامامية وبه تواترت الاثار عن آل محمد (ص)، وإليه يذهب المعتزلة بأسرها إلا ضرارا منها وأتباعه، وهو قول كثير من المرجئة وجماعة من الزيدية والمحكمة ونفر من أصحاب الحديث، و خالف فيه جمهور العامة وبقايا ممن عددناه، وزعموا أن الله تعالى خلق أكثر خلقه لمعصيته، وخص بعض عباده بعبادته (2)، ولم يعمهم بنعمته وكلف أكثرهم ما لا يطيقون من طاعته، وخلق أفعال جميع بريته، وعذب العصاة على ما فعله فيهم من معصيته، وأمر بما لم يرد ونهى عما أراد، وقضى بظلم العباد وأحب الفساد وكره من أكثر عباده الرشاد، تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. 27 - القول في كراهة إطلاق (3) لفظ (خالق) على أحد من العباد وأقول: إن الخلق يفعلون ويحدثون ويخترعون ويصنعون ويكتسبون، ولا اطلق القول عليهم بأنهم يخلقون ولا أقول (4) انهم خالقون، ولا أتعدى ذكر ذلك فيما ذكر الله تعالى، ولا اتجاوز به مواضعه من القرآن، وعلى هذا القول


1 - كلمة احدا ليست في نسخة الف. 2 - بطاعته ج. 3 - اطلاق القول لفظ الف. 4 - جملة (ولا اقول انهم خالقون) سقطت عن نسخ الف وب وه‍.

[ 59 ]

إجماع الامامية والزيدية والبغداديين من المعتزلة وأكثر المرجئة وأصحاب الحديث. وخالف فيه البصريون من المعتزلة وأطلقوا على العباد أنهم خالقوق، فخرجوا بذلك من إجماع المسلمين. 28 - القول في اللطف والاصلح واقول: إن الله تعالى لا يفعل بعباده (1) ماداموا مكلفين إلا أصلح الاشياء لهم في دينهم ودنياهم وإنه لا يدخرهم صلاحا ولا نفعا، وإن من أغناه فقد فعل به الاصلح في التدبير، وكذلك من أفقره ومن أصحه ومن أمرضه فالقول فيه كذلك. واقول: إن ما أوجبه أصحاب اللطف من اللطف (2) إنما وجب من جهة الجود والكرم لا من حيث ظنوا أن العدل أوجبه وأنه لو لم يفعله لكان ظالما. واقول: إن من علم الله تعالى أنه إذا خلقه وكلفه لم يؤمن ولا آمن أحد من الخلق لخلقه أو بقائه أو تكليفه أو فعل من أفعاله ولا انتفع به في دينه منتفع لم يجز أن يخلقه، ومن علم أنه إن أبقاه (3) تاب من معصيته لم يجز أن يخترمه، وإن عدل الله - جل اسمه - وجوده وكرمه يوجب ما وصفت و يقضى به، ولا يجوز منه خلافه لاستحالة تعلق ومف العبث به أو البخل والحاجة، وهذا مذهب جمهور الامامية والبغداديين كافة من المعتزلة، وكثير


1 - لعباده ج. 2 - كلمة (من اللطف) سقطت من غير نسخة الف. 3 - كلمة (ابقاه) سقط من الف وه‍.

[ 60 ]

من المرجئة والزيدية والبصريون من المعتزلة على خلافه والمجبرة توافقهم في الخلاف عليه. 29 - القول في ابتداء الخلق في الجنة واقول: إنه لم يكن جائزا ابتداء الخلق في الجنة على وجه التنعيم من غير تكليف، لانه لو كان (1) يكون اقتطاعا (2) لمن علم الله تعالى منه انه إن كلفه أطاع على النعيم المستحق على الاعمال الذي هو أعلى وأجل وأسنى من التفضل بالتنعيم، والله - سبحانه - أكرم من أن يقتطع (3) أحدا عن نفع حسن أو يقتصر (4) به على فضل غيره أفضل منه له وأصلح في التدبير، لان ذلك لا يقع الا من جاهل يحسن (5) ذلك أو محتاج إلى منعه أو بخيل (6)، والله تعالى عن هذه الصفات علوا كبيرا. وهذا مذهب جمهور الامامية. وقد جاءت به آثار عن الائمة - عليهم السلام - والبغداديون من المعتزلة يوافقون فيه، والبصريون منهم يخالفون الجماعة عليه (7)، ويوافقهم في هذا الخلاف المجبرة والمشبهة.


1 - كلمة لو ليست في نسخة الف. 2 - اقطاعا ج. 3 - يقطع الف وب. 4 - تقصير الف أو يبقيه د. 5 - يحسن بتشديد السين اي يراه حسنا وفي نسخة د لا يحسن أي لا يعلم قبحه. 6 - يبخل الف. 7 - كلمة عليه غير موجودة في الف.

[ 61 ]

30 - القول في المعرفة واقول: إن المعرفة بالله تعالى اكتساب، وكذلك المعرفة بأنبيائه - عليهم السلام - وكل غائب، وانه لا يجوز الاضطرار إلى معرفة شئ مما ذكرناه، وهو مذهب كثير من الامامية والبغداديين من المعتزلة خاصة، ويخالف فيه البصريون من المعتزلة والمجبرة والحشوية من أصحاب الحديث. 31 - القول في أن الله لا يعذب إلا على ذنب أو على فعل قبيج واقول: إن الله - جل جلاله - عدل كريم لا يعذب أحدا إلا على ذنب اكتسبه أو جرم اجترمه أو قبيح (1) نهاه عنه فارتكبه، وهذا مذهب سائر أهل التوحيد (2) سوى الجهم بن صفوان و عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائى. فأما الجهم بن صفوان فإنه كان يزعم أن الله يعذب من اضطره إلى المعصية ولم يجعل له قدرة عليها ولا على تركها من الطاعة، وأما عبد السلام الجبائى فانه كان يزعم أن العبد قد يخلو من فعل الخير والقبيح معا ويخرج عن الفعل والترك جميعا فيعذبه الله - سبحانه - على ان لم يفعل الواجب وإن لم يكن بخروجه منهما فعل شيئا أو فعل به شئ، وهذا قول لم يسبقه إليه أحد من أهل التوحيد وهو في القبح كمذهب جهم وفي بعض الوجوه أعظم قبحا منه (3).


1 - أو قبح الف. 2 - اهل التوحيد ايضا الف. 3 - فحشا الف وب وح. (*)

[ 62 ]

32 - القول في عصمة الانبياء - عليهم السلام - اقول: إن جميع أنبياء الله - صلوات الله عليهم - معصومون من الكبائر قبل النبوة وبعدها وما يستخف (1) فاعله من الصغائر كلها، وأما ما كان من صغير لا يستخف (2) فاعله فجائز وقوعه منهم قبل النبوة وعلى غير تعمد وممتنع منهم بعدها على كل حال، وهذا مذهب جمهور الامامية، والمعتزلة بأسرها تخالف فيه. 33 - القول في عصمة نبينا محمد (3) - صلى الله عليه وآله - واقول: إن نبينا محمدا - صلى الله عليه وآله وسلم - ممن لم يعص الله - عزوجل - منذ خلقه الله - عزوجل - إلى إن قبضه ولا تعمد له خلافا ولا أذنب ذنبا على التعمد ولا النسيان، وبذلك نطق القرآن وتواتر الخبر عن آل محمد - عليهم السلام -، وهو مذهب جمهور الامامية، والمعتزلة بأسرها على خلافه. وأما ما يتعلق به أهل الخلاف من قول الله تعالى: (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) وأشباه ذلك في القرآن ويعتمدونه في الحجة على خلاف ما ذكرناه فإنه تأويل (4) بضد ما توهموه، والبرهان يعضده على البيان، وقد نطق


1 - مما يستحق اللوم الف مما يستحقرو. 2 - لا يستحق فاعله أللوم الف. 3 - محمد خاصة الف وب. 4 - تأول الف وعلى التقديرين فهو من باب استعمال المصدر بمعنى المفعول أي المأول أو المتأول أو يكون تأول مضارعا مجهولا.

[ 63 ]

الفرقان (1) بما قد وصفناه فقال - جل اسمه -: (والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى) فنفى بذلك عنه كل معصية ونسيان. 34 - القول في جهة (2) اعجاز القرآن واقول: إن جهة ذلك هو الصرف من الله تعالى لاهل الفصاحة واللسان عن المعارضة للنبى (ص) بمثله في النظام عند تحديه لهم (3)، وجعل انصرافهم عن الاتيان بمثله وإن كان في مقدورهم دليلا على نبوته (ص)، واللطف من الله تعالى مستمر في الصرف عنه إلى آخر الزمان، وهذا من أوضح برهان في الاعجاز وأعجب بيان وهو مذهب النظام وخالف فيه جمهور أهل الاعتزال. 35 - القول في النبوة، أهي تفضل (4) أو استحقاق ؟ وأقول: إن تعليق النبوة تفضل (5) من الله تعالى على من اختصه بكرامته (6) لعلمه بحميد عاقبته واجتماع الخلال الموجبة في الحكمة بنبوته في التفضيل على من سواه. فأما التعظيم على القيام بالنبوة والتبجيل وفرض الطاعة


1 - القرآن الف. 2 - حجة و. 3 - لهم به ب. 4 - بفضل الف وب. 5 - بفضل الف وب. 6 - بكرامته بحمد عاقبته الف.

[ 64 ]

فذلك (1) يستحق بعلمه الذي ذكرناه، وهذا مذهب الجمهور (2) من أهل الامامة (3) وجميع فقهائنا وأهل النقل منها، وإنما خالف فيه أصحاب التناسخ المعتزين إلى الامامية وغيرهم، ووافقهم على ذلك من متكلمي الامامية بنونوبخت ومن اتبعهم بأسره من المنتمين إلى الكلام وجمهور المعتزلة على القول بالتفضل (4) فيها وأصحاب الحديث بأسرهم على مثل هذا (5) المقال. 36 - القول في الامامة، أهي تفضل (6) من الله - عزوجل - أم استحقاق ؟ واقول: إن تكليف الامامة في معنى التفضل به على الامام كالنبوة على ما قدمت من المقال والتعظيم المفترض (7) له والتبجيل والطاعة مستحق بعزمه على القيام بما كلفه من الاعمال وعلى أعماله الواقعة منه أيضا حالا بعد حال (8)، و هذا مذهب الجمهور من الامامية على ما ذكرت في النبوة (9)، وقد خالف فيه منهم من قدمت ذكره ومعي فيه جمهور المعتزلة وسائر أصحاب الحديث.


1 - فبذلك الف. 2 - كلمة الجمهور ساقطة عن الف. 3 - جملة (وجميع فقهائنا واهل النقل منها وإنما خالف فيه اصحاب التناسخ المعتزين إلى الامامية) سقطت عن نسخة ه‍. 4 - التفضيل الف ود. 5 - كلمة هذا ليست في الف. 6 - بفضل الف. 7 - المعترى الف المعتزلة ه‍. 8 - بعد اجمال الف. 9 - من النبوة د وه‍.

[ 65 ]

37 - القول في عصمة الائمة - عليهم السلام - وأقول: إن الائمة القائمين مقام الانبياء (ص) في تنفيذ الاحكام واقامة الحدود وحفظ الشرائع وتأديب الانام (1) معصومون كعصمة الانبياء، وإنهم لا يجوز منهم صغيرة الا ما قدمت ذكر جوازه على الانبياء، وانه لا يجوز منهم سهو (2) في شئ في الدين ولا ينسون شيئا من الاحكام، وعلى هذا (3) مذهب سائر الامامية الا من شذ منهم وتعلق بظاهر روايات لها تأويلات على خلاف ظنه الفاسد من هذا الباب، والمعتزلة بأسرها تخالف في ذلك و تجوز (4) من الائمة وقوع الكبائر والردة عن الاسلام. 38 - القول في ولاة (5) الائمة - عليهم السلام - وعصمتهم وارتفاعها، وهل ولايتهم بالنص أو الاختيار ؟ واقول: إنه ليس بواجب عصمة ولاة الائمة (ع) وواجب (6) علمهم بجميع ما يتولونه وفضلهم فيه على رعاياهم لاستحالة رئاسة المفضول على الفاضل فيما هو رئيس عليه فيه، وليس بواجب في ولايتهم النص على أعيانهم، وجائز أن يجعل الله اختيارهم إلى الائمة المعصومين (ع)، وهذا


1 - الناس ب. 2 - كلمتا (منهم سهو) ليستا في نسخة الف وه‍. 3 - كلمة هذا ليست في الف وب وه‍. 4 - ويجوزون الف ود وه‍. 5 - ولاية. 6 - والواجب عليهم بجميع ما يولوه.

[ 66 ]

مذهب جمهور الامامية، وبنو نوبخت - رحمهم الله - يوجبون النص على أعيان ولاة الائمة كما يوجبونه في الائمة - عليهم السلام -. 39 - القول في أحكام الائمة (ع) واقول: ان للامام أن يحكم بعلمه كما يحكم بظاهر الشهادات ومتى عرف من المشهود عليه ضد ما تضمنته الشهادة أبطل بذلك (1) شهادة من شهد عليه وحكم فيه بما أعلمه الله تعالى، وقد يجوز عندي أن تغيب عنه بواطن الامور فيحكم فيها بالظواهر وإن كانت على خلاف لحقيقة عند الله تعالى، و يجوز أن يدله الله تعالى على الفرق بين الصادقين من الشهود وبين الكاذبين فلا يغيب عنه حقيقة الحال. والامور في هذا الباب متعلقة بالالطاف والمصالح التي لا يعلمها على كل حال إلا الله - عزوجل -. ولاهل الامامة في هذه المقالة ثلثة اقوال: فمنهم من يزعم أن أحكام الائمة (ع) على الظواهر دون ما يعلمونه على كل حال. ومنهم من يزعم أن أحكامهم إنما هي على البواطن دون الظواهر التي يجوز فيها الخلاف. ومنهم من يذهب إلى ما اخترته أنا من المقال ولم ارلبني نوبخت - رحمهم الله - فيه ما اقطع على إضافته إليهم على يقين بغير ارتياب.


1 - ابطل ذالك.

[ 67 ]

40 - القول في معرفة الائمة (ع) بجميع الصنايع وساير اللغات واقول: إنه ليس يمتنع ذلك منهم ولا واجب من جهة العقل والقياس و قد جاءت أخبار عمن يجب تصديقه بأن أئمة آل محمد (ص) قد كانوا يعلمون ذلك، فإن ثبت وجب القطع به من جهتها على الثبات. ولى في القطع به منها نظر، والله الموفق للصواب، وعلى قولي هذا جماعة من الامامية، وقد خالف فيه بنونوبخت - رحمهم الله - وأوجبوا ذلك عقلا وقياسا وافقهم فيه المفوضة كافة وسائر الغلاة. 41 - القول في علم الائمة (ع) بالضمائر والكائنات واطلاق القول عليهم بعلم الغيب وكون ذلك لهم (1) في الصفات واقول: إن الائمة من آل محمد (ص) قد كانوا يعرفون ضمائر بعض العباد ويعرفون ما يكون قبل كونه، وليس ذلك بواجب في صفاتهم ولا شرطا في إمامتهم، وانما أكرمهم الله تعالى به وأعلمهم إياه للطف في طاعتهم و التمسك بإمامتهم، وليس ذلك بواجب عقلا ولكنه وجب لهم من جهة السماع. فأما اطلاق القول عليهم بأنهم يعلمون الغيب فهو منكر بين الفساد، لان الوصف بذلك إنما يستحقه من علم الاشياء بنفسه لا بعلم مستفاد، وهذا لا يكون إلا الله - عزوجل -، وعلى قولي هذا جماعة أهل الامامة إلا من شذ عنهم من المفوضة ومن انتمى إليهم من الغلاة.


1 - في الصفات لهم الف.

[ 68 ]

42 - القول في الايحاء إلى الائمة وظهور الاعلام عليهم والمعجزات واقول: إن العقل (1) لا يمنع من نزول الوحي إليهم وإن كانوا أئمة غير أنبياء، فقد أوحى الله - عزوجل - إلى ام موسى: (أن ارضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوة من المرسلين) فعرفت صحة ذلك بالوحي وعملت عليه ولم تكن نبيا ولا رسولا ولا إماما، ولكنها كانت من عباد الله الصالحين. وإنما منعت من نزول الوحي عليهم والايحاء بالاشياء إليهم للاجماع على المنع من ذلك (2) والاتفاق على أنه من يزعم أن أحدا بعد نبينا (ص) يوحى إليه فقد أخطأ وكفر، ولحصول العلم بذلك من دين النبي (ص)، كما أن العقل لم يمنع من بعثة نبي بعد نبينا (ص) ونسخ شرعه (3) كما نسخ ما قبله من شرائع الانبياء، وإنما منع ذلك الاجماع والعلم بأنه خلاف دين النبي (ص) من جهة اليقين وما يقارب الاضطرار. والامامية جميعا على ما ذكرت ليس بينها فيه على ما وصفت (4) خلاف. فأما ظهور المعجزات عليهم والاعلام فإنه من الممكن الذي ليس بواجب عقلا ولا ممتنع قياسا، وقد جاءت بكونه منهم - عليهم السلام - الاخبار على التظاهر والانتشار فقطعت عليه من جهة السمع وصحيح الاثار، ومعي في هذا الباب جمهور أهل الامامة وبنو نوبخت تخالف فيه وتأباه، وكثير من المنتمين


1 - ان القول الف وب وه‍. 2 - بذلك الف. 3 - شرعنا الف. 4 - جملة (على ما وصفت) سقطت من نسخة الف.

[ 69 ]

إلى الامامية يوجبونه عقلا كما يوجبونه للانبياء. والمعتزلة بأسرها على خلافنا جميعا فيه سوى ابن الاخشيد ومن اتبعه يذهبون فيه إلى الجواز، وأصحاب الحديث كافة تجوزه لكل صالح من أهل التقى والايمان. 43 - القول في ظهور المعجزات على المنصوبين (1) من الخاصة والسفراء والابواب (2) واقول: ان ذلك جائز لا يمنع منه عقل ولا سنة ولا كتاب، وهو مذهب جماعة من مشايخ الامامية وإليه يذهب ابن الاخشيد من المعتزلة وأصحاب الحديث في الصالحين والابرار. وبنو نوبخت من الامامية يمنعون ذلك و يوافقون المعتزلة في الخلاف علينا فيه، ويجامعهم على ذلك الزيدية والخوارج المارقة عن الاسلام. 44 - القول في سماع الائمة (ع) كلام الملائكة الكرام وإن كانوا لا يرون منهم الاشخاص واقول: بجواز هذا من جهة العقل، وانه ليس بممتنع (3) في الصديقين من الشيعة المعصومين من الضلال، وقد جاءت بصحته وكونه للائمة (ع) (4) ومن


1 - المعصومين الف ولا يصح بل الصحيع ما في المتن لما مر من عدم العصمة في النواب والسفراء عنده. 2 - الابرار الف وه‍. 3 - يمتنع الف. 4 - كونه للانبياء والائمة ج وكونه الائمة ومن اسميت الف والصحيح سميت كما في المتن تبعا لنسخة د.

[ 70 ]

سمين من شيعتهم الصالحين الابرار الاخيار واضحة الحجة والبرهان، وهو مذهب فقهاء الامامية وأصحاب الاثار منهم. وقد أباه بنونوبخت وجماعة من أهل الامامة لا معرفة لهم بالاخبار ولم يمعنوا (1) النظر ولا سلكوا طريق الصواب. 45 - القول في صدق منامات الرسل والانبياء والائمة - عليهم السلام - وارتفاع الشبهات عنهم والاحلام واقول: إن منامات الرسل والانبياء والائمة - عليهم السلام - صادقة لا تكذب، وإن الله تعالى عصمهم عن الاحلام، وبذلك جاءت الاخبار عنهم (ع) على الظهور والانتشار، وعلى هذا القول جماعة فقهاء الامامية و أصحاب النقل منهم، وأما متكلموهم فلا (2) أعرف لهم نفيا ولا إثباتا ولا مسألة فيه ولا جوابا. والمعتزلة بأسرها تخالفنا فيه. 46 - القول في المفاضلة بين الائمة والانبياء - عليهم السلام - قد قطع قوم من أهل الامامة بفضل الائمة (ع) من آل محمد (ص) على سائر من تقدم من الرسل والانبياء سوى نبينا محمد (ص)، وأوجب فريق منهم لهم الفضل على جميع الانبياء سوى اولي العزم منهم - عليهم السلام - وابى القولين (3) فريق منهم آخر وقطعوا بفضل الانبياء كلهم على سائر الائمة (ع)، و


1 - لم ينعموا ب لم يعطو د. 2 - لم اعرف منهم. 3 - والى القولين الف.

[ 71 ]

هذا باب ليس للعقول في إيجابه والمنع منه مجال ولا على أحد الاقوال فيه أجماع، وقد جاءت آثار عن النبي (ص) في أمير المؤمنين - عليه السلام - وذريته من الائمة، والاخبار عن الائمة الصادقين أيضا من بعد، وفي القرآن مواضع تقوى العزم على ما قاله الفريق الاول في هذا المعنى، وأنا ناظر فيه وبالله اعتصم من الضلال. 47 - القول في تكليف الملائكة واقول: إن الملائكة مكلفون وموعودون ومتوعدون. قال الله تبارك و تعالى: (ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين). واقول، إنهم معصومون مما يوجب لهم العقاب بالنار، وعلى هذا القول جمهور الامامية وسائر المعتزلة وأكثر المرجئة وجماعة من أصحاب الحديث. وقد أنكر قوم من الامامية أن تكون الملائكة مكلفين، وزعموا أنهم إلى الاعمال مضطرون ووافقهم على ذلك جماعة من أصحاب الحديث. 48 - القول في المفاضلة بين الائمة (ع) والملائكة أما الرسل من الملائكة والانبياء - عليهم السلام - فقولي فيهم مع أئمة آل محمد (ص) كقولي في الانبياء من البشر (1) والرسل (ع)، وأما باقي الملائكة (2) فانهم وإن بلغوا بالملكية فضلا فالائمة من آل محمد (ص) أفضل منهم وأعظم ثوابا عند الله عزوجل بأدلة ليس موضعها هذا الكتاب.


1 - ما في المتن منتخب ما في النسخ على تشويشها. 2 - واما باقي الانبياء فانهم وان بلغوا بالملئكة فضلا الف وب.

[ 72 ]

49 - القول في احتمال الرسل والانبياء والائمة الالام وأحوالهم بعد الممات واقول: إن رسل الله تعالى من البشر وأنبياءه والائمة من خلفائه محدثون مصنوعون تلحقهم الالام، وتحدث لهم اللذات، وتنمي أجسامهم بالاغذية، و تنقص على مرور الزمان، ويحل بهم الموت ويجوز عليهم الفناء، وعلى هذا القول إجماع اهل التوحيد. وقد خالفنا فيه المنتمون إلى التفويض وطبقات الغلاة، واما أحوالهم بعد الوفاة فإنهم ينقلون من تحت التراب فيسكنون بأجسامهم وأرواحهم جنة الله تعالى، فيكونون فيها أحياء يتنعمون إلى يوم (1) الممات، يستبشرون بمن يلحق بهم من صالحي أممهم وشيعتهم، ويلقونه بالكرامات وينتظرون من يرد عليهم من امثال السابقين من ذوي (2) الديانات، و إن رسول الله (ص) والائمة من عترته خاصة لا يخفى عليهم بعد الوفاة أحوال شيعتهم في دار الدنيا باعلام الله تعالى لهم ذلك حالا بعد حال، ويسمعون كلام المناجي لهم في مشاهدهم المكرمة العظام بلطيفة من لطائف الله تعالى بينهم (3) بها من جمهور العباد (4)، وتبلغهم المناجاة من بعد (5) كما جاءت به الرواية (6)، وهذا مذهب فقهاء الامامية كافة وحملة الاثار منهم، ولست أعرف


1 - جملة (الى يوم الممات) ليست في نسخة الف. 2 - في الديانات الف وب وج. 3 - ينبئهم. 4 - من جهة جمهور الف وب ود. 5 - من بعيد زوالصحيح ما في المتن بضم الباء وسكون العين (بعد) وان صح بعيد ايضا. 6 - به الكافة.

[ 73 ]

فيه لمتكلميهم من قبل مقالا، وبلغني عن بني نوبخت - رحمهم الله - خلاف فيه، ولقيت جماعة من المقصرين (1) عن المعرفة ممن ينتمي إلى الامامة أيضا يأبونه، وقد قال الله تعالى فيما يدل على الجملة (2): (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتيهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم أن لا خوف عليهم. ولا هم يحزنون) وما يتلو هذا من الكلام. وقال في قصة مؤمن آل فرعون: (قيل ادخل الجنة قال ياليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين). وقال رسول الله (ص): (من سلم على عند قبري سمعته، ومن سلم على من بعيد بلغته سلام الله (3) عليه ورحمة الله وبركاته). ثم الاخبار في تفصيل ما ذكرناه من الجمل عن أئمة آل محمد (ص) بما وصفناه (4) نصا وفظا أكثر، وليس هذا الكتاب موضع ذكرها فكنت اوردها (5) على التفصيل والبيان. 50 - القول في رؤية المحتضرين رسول الله (ص) وأمير المؤمنين (ع) عند الوفاة هذا باب قد أجمع عليه أهل الامامة، وتواتر الخبر به عن الصادقين من


1 - المعتزلة ب. 2 - على جملة الف ج د ه‍. 3 - بلغته سلامه على ب وج وه‍ وز. 4 - واردة نصا الف. 5 - وكتب اوردوها الف.

[ 74 ]

الائمة (ع)، وجاء عن أمير المؤمنين (ع) انه قال للحارث الهمداني (1) - رحمه الله -، يا حار همدان من يمت يرني من مؤمن أو منافق قبلا يعرفني طرفه وأعرفه بعينه واسمه وما فعلا في أبيات مشهورة، وفيه يقول اسماعيل بن محمد السيد - رحمه الله -: ويراه المحضور حين تكون الروح بين اللهاة والحلقوم ومتى ما يشاء اخرج للناس فتدمي وجوههم بالكلوم غير أنى أقول فيه إن معنى رؤية المحتضر لهما - عليهما السلام - هو العلم بثمرة ولايتهما (2)، أو الشك فيهما والعداوة لهما، أو التقصير في حقوقهما على اليقين بعلامات يجدها في نفسه وأمارات ومشاهدة أحوال ومعاينة مدركات لا يرتاب معها بما ذكرناه، دون رؤية البصر لاعيانهما ومشاهدة النواظر لاجسادهما باتصال الشعاع، وقد قال الله - عزوجل -: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره)، وإنما أراد - جل شانه - بالرؤية هيهنا معرفة ثمرة الاعمال على اليقين الذي لا يشوبه ارتياب. وقال سبحانه: (فمن كان يرجوا لقاء ربه فان اجل الله لات). ولقاء الله تعالى هو لقاء جزائه على الاعمال وعلى هذا القول محققو النظر من الامامية، وقد خالفهم فيه جماعة من حشويتهم، وزعموا أن المحتضر يرى نبيه ووليه ببصره كما يشاهد المرئيات وانهما يحضران مكانه ويجاورانه بأجسامهما في المكان.


1 - الهمداني أو في معناه ب. 2 - رؤيتهما الف وه‍. (*)

[ 75 ]

51 - القول في رؤية المحتضر الملائكة والقول عندي في ذلك كالقول في رؤيته لرسول الله وأمير المؤمنين (ع)، و جائز أن يراهم ببصره بأن يزيد الله تعالى في شعاعه (1) ما يدرك به أجسامهم الشفافة الرقيقة، ولا يجوز مثل ذلك في رسول الله (ص) وأمير المؤمنين (ع) لاختلاف بين أجسامهما وأجسام الملائكة في التركيبات، وهذا مذهب جماعة من متكلمي الامامية ومن المعتزلة البلخي وجماعة من أهل بغداد. 52 - القول في أحوال المكلفين من رعايا الائمة (ع) بعد الوفاة اقول: انهم أربع طبقات: طبقة يحييهم الله ويسكنهم مع أوليائهم في الجنان، وطبقة يحيون ويلحقون بائمتهم في محل الهوان، وطبقة أقف فيهم و أجوز حياتهم وأجوز كونهم على حال الاموات، وطبقة لا يحيون بعد الموت حتى النشور والمآب. فأما الطبقة المنعمة فهم المستبصرون في المعارف المتمحصون للطاعات، وأما المعذبة (2) فهم المعاندون للحق المسرفون في اقتراف السيئات، وأما المشكوك في حياتهم وبقائهم مع الاموات فهم الفاسقون من أهل المعرفة والصلوة الذين اقترفوا الاثام على التحريم لها للشهوة دون العناد والاستحلال، وسوفوا التوبة منها فاخترموا دون ذلك فهؤلاء جائز من الله - عزوجل اسمه - رفع الموت عنهم لتعذيبهم في البرزخ على ما اكتسبوه من الاجرام وتطهيرهم بذلك منها قبل


1 - في شفافه الف. 2 - المعذبون ز.

[ 76 ]

الحشر ليردوا القيامة على الامان (1) من نار جهنم ويدخلوا بطاعتهم الجنان، و جائز تأخير حياتهم إلى يوم الحساب لعقابهم هناك أو العفو عنهم كما يشاء الله - عزوجل - وأمرهم في هذين القسمين مطوي (2) عن العباد. وأما الطبقة الرابعة فهم المقصرون عن الغاية في المعارف عن غير عناد والمستضعفون من سائر الناس، وهذا القول على الشرح الذي اثبت هو مذهب نقلة الاثار من الامامية وطريقه السمع وصحيح الاخبار وليس لمتكلميهم من قبل فيه مذهب مذكور. 53 - القول في نزول الملكين على أصحاب القبور ومساءلتهما عن الاعتقاد واقول: إن ذلك صحيح وعليه إجماع الشيعة وأصحاب الحديث، و تفسير مجمله أن الله تعالى ينزل على من يريد تنعيمه بعد الموت ملكين اسمهما (مبشر) و (بشير) فيسألان عن ربه - جلت عظمته - وعن نبيه ووليه فيجيبهما بالحق الذي فارق الدنيا على اعتقاده والصواب، ويكون الغرض في مساءلتهما استخراج العلامة بما يستحقه من النعيم فيجدانها (3) منه في الجواب. وينزل - جل جلاله - على من يريد تعذبيه في البرزخ ملكين اسماهما (ناكر) و (نكير) فيوكلهما بعذابه، ويكون الغرض من مساءلتهما له استخراج علامة استحقاقه من العذاب بما يظهر من جوابه من التلجلج عن الحق أو الخبر عن سوء


1 - الايمان الف وج ود. 2 - منطوج. 3 - فيرداها الف وب.

[ 77 ]

الاعتقاد أو إبلاسه وعجزه عن الجواب. وليس ينزل الملكان من أصحاب القبور إلا على من ذكرناه، ولا يتوجه سؤالهما منهم الا إلى الاحياء جد الموت لما وصفناه، وهذا هو مذهب حملة الاخبار من الامامية ولهم فيما سطرت منه آثار وليس لمتكلميهم من قبل فيه مقال عرفته فاحكيه على النظام. 54 - الفول في تنعيم (1) أصحاب القبور وتعذيبهم، وعلى أي شئ يكون الثواب لهم والعقاب، ومن أي وجه يصل إليهم ذلك، وكيف تكون صورهم في تلك الاحوال ؟ واقول: إن الله تعالى يجعل لهم أجساما كاجسامهم في دار الدنيا ينعم مؤمنيهم فيها ويعذت كفارهم فيها وفساقهم فيها، دون أجسامهم التي في القبور يشاهدها الناظرون تتفرق وتندرس وتبلى على مرور الاوقات وينالهم ذلك في غير أماكنهم من القبور، وهذا يستمر على مذهبي في النفس ومعنى الانسان المكلف عندي هو الشئ المحدث القائم بنفسه الخارج عن صفات الجواهر والاعراض، ومعي به روايات عن الصادقين من آل محمد (ص)، و لست أعرف لمتكلم من الامامية قبلي فيه مذهبا فأحكيه، ولا أعلم بيني وبين فقهاء الامامية وأصحاب الحديث فيه اختلافا. 55 - القول في الرجعة واقول: إن الله - تعالى - يرد قوما من الاموات إلى الدنيا في صورهم التي


1 - تنعم ج

[ 78 ]

كانوا عليها فيعز منهم فريقا ويذل فريقا ويديل المحقين من المبطلين والمظلومين منهم من الظالمين، وذلك عند قيام مهدي آل محمد - عليهم السلام، وعليه السلام -. (1) واقول: إن الراجعين إلى الدنيا فريقان: أحدهما من علت درجته في الايمان، وكثرت أعماله الصالحات، وخرج من الدنيا على اجتناب الكبائر الموبقات، فيريه الله - عزوجل - دولة الحق ويعزه بها ويعطيه من الدنيا ما كان يتمناه والاخر من بلغ الغاية في الفساد (2) وانتهى في خلاف المحقين إلى أقصى الغايات وكثر ظلمه (3) لاولياء الله واقترافه السيئات، فينتصر الله - تعالى - لمن تعدى عليه قبل الممات، ويشفي غيظهم منه بما يحله من النقمات، ثم يصير الفريقان من بعد ذلك إلى الموت ومن بعده إلى النشور وما يستحقونه من دوام الثواب والعقاب، وقد جاء القران (4) بصحة ذلك وتظاهرت به الاخبار والامامية بأجمعها عليه إلا شذاذا منهم تأولوا ما ورد فيه مما ذكرناه على وجه يخالف ما وصفناه. 56 - القول في الحساب وولاته والصراط والميزان واقول: إن الحساب هو موافقة العبد على ما أمر به في دار الدنيا وإنه يختص بأصحاب المعاصي من أهل الايمان، وأما الكفار فحسابهم جزاؤهم


1 - في نسخة ب زاد كلمة (كثيرا) بعد عليه السلام. 2 - العناد ب. 3 - كلمة (ظلمه) سقطت من نسخة ب. 4 - كلمة (القرآن) سقطت من الف وب.

[ 79 ]

بالاستحقاق والمؤمنون الصالحون يوفون أجورهم بغير حساب. واقول: إن المتولي لحساب من ذكرت رسول الله (ص) وأمير المؤمنين (ع) والائمة من ذريتهما - عليهم السلام - بأمر الله - تعالى - لهم بذلك وجعله إليهم تكرمة لهم وإجلالا لمقاماتهم وتعظيما على سائر العباد، وبذلك جاءت الاخبار المستفيضة عن الصادقين (ع) عن الله تعالى، وقد قال الله - عزوجل -: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) يعني الائمة (ع) على ما جاء في التفسير الذي لا شك في صحته ولا ارتياب. واقول: إن الصراط جسر بين الجنة والنار تثبت عليه أقدام المؤمنين وتزل عنه أقدام الكفار إلى النار، وبذلك جاءت أيضا الاخبار. وأما الميزان فهو التعديل بين الاعمال والمستحق عليها، والمعدلون في الحكم إذ ذاك هم ولاة الحساب من أئمة آل محمد (ص)، وعلى هذا القول إجماع نقلة الحديث من أهل الامامة، وأما متكلموهم (1) من قبل فلم أسمع لهم في شئ منه كلاما. 57 - القول في الشفاعة واقول: إن رسول الله (ص) يشفع يوم القيامة في مذنبي أمته من الشيعة خاصة فيشفعه الله - عزوجل - ويشفع أمير المؤمنين (ع) في عصاه شيعته فيشفعه الله - عزوجل - وتشفع الائمة (ع) في مثل ما ذكرناه من شيعتهم فيشفعهم و يشفع المؤمن البر لصديقه المؤمن المذنب فتنفعه شفاعته ويشفعه الله، وعلى هذا القول إجماع الامامية إلا من شذ منهم، وقد نطق به القرآن وتظاهرت به


1 - متكلمهم د.

[ 80 ]

الاخبار، قال الله تعالى في الكفار عند إخباره عن حسراتهم على الفائت لهم مما حصل لاهل الايمان: (فما لنا من شافعين، ولا صديق حميم). وقال رسول الله (ص): (إني أشفع يوم القيمة فاشفع فيشفع على (ع) فيشفع، وان أدنى المؤمنين شفاعة يشفع في أربعين من إخوانه). 58 - القول في البداء والمشية واقول: في معنى البداء ما يقول المسلمون بأجمعهم في النسخ وأمثاله من الافقار بعد الاغناء، والامراض بعد الاعفاء، والاماتة بعد الاحياء، وما يذهب إليه أهل العدل خاصة من الزيادة في الاجال والارزاق والنقصان منها بالاعمال. فاما إطلاق لفظ البداء فإنما صرت إليه بالسمع الوارد عن الوسائط بين العباد وبين الله - عزوجل -، ولو لم يرد به سمع اعلم صحته ما استجزت إطلاقه كما انه لو لم يرد على سمع بأن الله تعالى يغضب ويرضى ويحب ويعجب لما أطلقت ذلك عليه - سبحانه -، ولكنه لما جاء السمع به صرت إليه على المعاني التي لا تأباها العقول، وليس بيني وبين كافة المسلمين في هذا الباب خلاف، وإنما خالف من خالفهم في اللفظ دون ما سواه، وقد أوضحت عن علتي في إطلاقه بما يقصر معه الكلام، وهذا مذهب الامامية بأسرها وكل من فارقها في المذهب ينكره على ما وصفت من الاسم دون المعنى ولا يرضاه. 59 - القول في تأليف القرآن وما ذكر قوم من الزيادة فيه والنقصان اقول: إن الاخبار قد جاءت مستفيضة عن أئمة الهدى من آل محمد (ص)، باختلاف القرآن وما أحدثه بعض الظالمين فيه من الحذف

[ 81 ]

والنقصان، فاما القول في التأليف فالموجود يقضي فيه بتقديم المتأخر وتاخير المتقدم ومن عرف الناسخ والمنسوخ والمكي والمدني لم يرتب (1) بما ذكرناه. وأما النقصان فإن العقول لا تحيله ولا تمنع من وقوعه، وقد امتحنت مقالة من ادعاه، وكلمت عليه المعتزلة وغيرهم طويلا فلم اظفر منهم بحجة اعتمدها في فساده. وقد قال جماعة من أهل الامامة إنه لم ينقص من كلمة ولا من آية ولا من سورة ولكن حذف ما كان مثبتا في مصحف أمير المؤمنين (ع) من تأويله وتفسير معانيه على حقيقة تنزيله وذلك كان ثابتا منزلا وإن لم يكن من جملة كلام الله تعالى الذى هو القرآن المعجز، وقد يسمى تأويل القرآن قرآنا قال الله تعالى: (ولا تعجل بالقران من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما) فسمى تأويل القران قرآنا، وهذا ما ليس فيه بين أهل التفسير اختلاف. وعندي أن هذا القول أشبه من مقال من ادعى نقصان كلم من نفس القرآن على الحقيقة دون التأويل، وإليه أميل والله أسأل توفيقه للصواب. وأما الزيادة فيه فمقطوع على فسادها من وجه ويجوز صحتها من وجه، فالوجه الذي أقطع على فساده أن يمكن لاحد من الخلق زيادة مقدار سورة فيه على حد يلتبس به عند أحد من الفصحاء، وأا الوجه المجوز فهو أن يزاد فيه الكلمة والكلمتان والحرف والحرفان وما أشبه ذلك مما لا يبلغ حد الاعجاز، و يكون ملتبسا عند أكثر الفصحاء بكلم القرآن، غير أنه لابد متى وقع ذلك من أن


1 - قوله يرتب بفتح الياء وسكون الراء وفتح التاء وسكون الباء مجزوم يرتاب مضارع ارتاب، و يمكن ان يقرء بضم الياء وفتح الراء وكسر التاء المشددة مضارع رتب يرتب ترتيبا، فعلى الاول الباء بمعنى في أي لم يرتب فيما ذكر، وعلى الثاني بمعنى على أي على ما ذكرنا والاول أنسب.

[ 82 ]

يدل الله عليه، ويوضح لعباده عن الحق فيه، ولست أقطع على كون ذلك بل أميل إلى عدمه وسلامة القرآن عنه، ومعي بذلك حديث عن الصادق جعفر بن محمد (ع)، وهذا المذهب بخلاف ما سمعناه عن بني نوبخت - رحمهم الله - من الزيادة في القرآن والنقصان فيه، وقد ذهب إليه جماعة من متكلمي الامامية و أهل الفقه منهم والاعتبار. 60 - القول في أبواب الوعيد واقول: في الوعيد ما قد تقدم حكايته عن جماعة الامامية، واقول بعد ذلك إن من عمل للة عملا وتقرب إلى الله بقربة أثابه على ذلك بالنعيم المقيم في جنات الخلود، وبنو نوبخت - رحمهم الله - يذهبون إلى أن كثيرا من المطيعين لله - سبحانه وتعالى - يثابون على طاعتهم في دار الدنيا وليس لهم في الاخرة من نصيب، ومعي على ما ذهبت إليه أكثر المرجئة وجماعة من الامامية. 61 - القول في تحابط الاعمال واقول: إنه (1) لا تحابط بين المعاصي والطاعات ولا الثواب ولا العقاب وهو مذهب جماعة من الامامية والمرجئة، وبنو نوبخت يذهبون إلى التحابط فيما ذكرناه ويوافقون في ذلك أهل الاعتزال.


1 - ان الانحباط ب.

[ 83 ]

62 - القول في الكفار وهل فيهم من يعرف الله - عزوجل - وتقع (1) منهم الطاعات ؟ واقول: انه ليس يكفر بالله - عزوجل - من هو به عارف ولا يطيعه من هو لنعمته جاحد، وهذا مذهب جمهور الامامية وأكثر المرجئة، وبنو نوبخت - رحمهم الله - يخالفون في هذا الباب، ويزعمون أن كثيرا من الكفار بالله تعالى عارفون، ولله تعالى في أفعال كثيرة مطيعون، وأنهم في الدنيا على ذلك يجازون ويثابون، ومعهم على بعض هذا القول المعتزلة وعلى البعض الاخر جماعة من المرجئة. 63 - القول في الموافاة واقول: إن من عرف الله تعالى وقتا من دهره وآمن به حالا من زمانه فانه لا يموت إلا على الايمان به، ومن مات على الكفر بالله تعالى فإنه لم يؤمن به وقتا من الاوقات، ومعي بهذا القول أحاديث عن الصادقين (ع) وإليه ذهب كثير من فقهاء الامامية ونقلة الاخبار، وهو مذهب كثير من المتكلمين في الارجاء، وبنو نوبخت - رحمهم الله - يخالفون فيه ويذهبون في خلافه مذاهب أهل الاعتزال. 64 - القول في صغائر الذنوب واقول: إنه ليس في الذنوب صغيرة في نفسه وإنما يكون فيها


1 - أو تقع ج.

[ 84 ]

بالاضافة إلى (1) غيره، وهو مذهب أكثر أهل الامامة والارجاء، وبنو نوبخت - رحمهم الله - يخالفون فيه ويذهبون في خلافه إلى مذهب أهل الوعيد والاعتزال. 65 - القول في العموم والخصوص واقول: ان لاخص الخصوص صورة في اللسان وليس لاخص العموم و لا لاعمه صيغة في اللغة، وإنما يعرف المراد منه بما (2) يقترن إليه من الامارات، و هذا مذهب جمهور الراجية وكافة متكلمي الامامية إلا من شذ عنها ووافق الراجية أهل الاعتزال. 66 - القول في الاسماء والاحكام واقول: إن مرتكبي الكبائر من أهل المعرفة والاقرار مؤمنون بإيمانهم بالله وبرسوله وبما جاء من عنده وفاسقون بما معهم من كبائر الاثام، ولا اطلق لهم اسم الفسق ولا اسم الايمان بل اقيدهما جميعا في تسميتهم بكل واحد منهما، وامتنع من الوصف لهم بهما من الاطلاق واطلق عليهم (3) اسم الاسلام بغير تقييد وعلى كل حال، وهذا مذهب الامامية إلا بني نوبخت فإنهم خالفوا فيه وأطلقو اللفساق اسم الايمان.


- كلمة (إلى غيره) ساقطة عن الف. 2 - مما ب. 3 - إليهم د.

[ 85 ]

67 - القول في التوبة واقول: في التوبة بما قدمت ذكره عن جماعة الامامية، ومن بعد ذلك انها مقبولة من كل عاص ما لم ييأس من الحياة، قال الله - عزوجل -: (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الان، ولا الذين يموتون وهم كفار) وقوله سبحانه: (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون). ولست أعلم بين أهل العلم كافة في هذا الباب اختلافا. 68 - القول في حقيقة التوبة اقول: إن حقيقة التوبة هو الندم على ما فات على وجه التوبة إلى الله - عزوجل -، وشرطها هو العزم على ترك المعاودة إلى مثل ذلك الذنب في جميع حياته (1)، فمن لم يجمع في توبته من ذنبه ما ذكرناه فليس بتائب، وإن ترك فعل أمثال ما سلف منه من معاصي الله - عزوجل -، وهذا مذهب جمهور أهل العدل ولست أعرف فيه لمتكلمي الامامية شيئا أحكيه (2)، وعبد السلام الجبائى ومن اتبعه يخالفون فيه.


1 - صفاته الف وب وج وه‍. 2 - ما احكيه الف.

[ 86 ]

69 - القول في التوبة من القبيح مع الاقامة على مثله في القبح اقول: إن التوبة من ذلك تصح وإن اعتقد التائب قبح ما يقيم عليه إذا اختلفت الدواعي في المتروك والمعزوم (1) عليه، فأما إذا اتفقت الدواعي فيه فلا تصح التوبة منه، وهذا مذهب جميع أهل التوحيد سوى أبى هاشم الجبائى فإنه زعم أن التوبة لا تصح من قبيح مع إلاقامة على ما يعتقد قبحه وإن كان حسنا فضلا عن أن يكون قبيحا. 70 - القول في التوبة من مظالم العباد اقول: إن من شرط التوبة إلى الله سبحانه من مظالم العباد الخروج إلى المظلومين من حقوقهم بأدائها إليهم أو باستحلالهم منها على طيبة النفس بذلك والاختيار (2) له، فمن عدم منهم صاحب المظلمة وفقده خرج إلى أوليائه من ظلامته أو استحلهم منها على ما ذكرناه، ومن عدم الاولياء حقق (3) العزم على الخروج إليهم متى وجدهم واستفرغ الوسع في ذلك بالطلب في حياته والوصية له بعد وفاته، ومن جهل أعيان المظلومين أو مواضعهم (4) حقق العزم والنية في الخروج من الظلامة إليهم متى عرفهم وجهد وأجهد نفسه في التماسهم، فإذا خاف فوت ذلك بحضور أجله وصى به على ما قدمناه، ومن لم يجد طولا لرد


1 - والمعدوم الف وب وه‍. 2 - ولا الاجبار الف. 3 - حقق العدم الف وب. 4 - أو بواسطة منعهم ج.

[ 87 ]

المظالم سأل الناس الصلة له والمعونة على ما يمكنه من ردها أو اجر نفسه إن نفعه ذلك وكان طريقا إلى استفادة ما يخرج به من المظالم إلى اهلها. والجملة في هذا الباب أنه يجب على الظالمين استفراغ الجهد مع التوبة في الخروج من مظالم العباد، فانه إذا علم الله ذلك منهم قبل توبتهم وعوض المظلومين عنهم إذا عجز التائبون عن رد ظلاماتهم، وإن قصر التائبون من الظلم فيما ذكرناه كان أمرهم إلى الله - عزوجل - فان شاء عاقبهم وان شاء تفضل عليهم بالعفو والغفران، وعلى هذا إجماع أهل الصلوة من المتكلمين والفقهاء. 71 - القول في التوبة من قتل المؤمنين (1) اقول: من قتل مؤمنا على وجه التحريم لدمه دون الاستحلال ثم أراد التوبة مما فعله فعليه أن يسلم نفسه إلى أولياء المقتول، فان شاؤا استقالوا منه وان شاؤا ألزموه الدية وإن شاؤا عفوا عنه، وإن لم يفعل ذلك لم (2) تقبل توبته وإن فعله كانت توبته مقبولة وسقط عنه بها عقاب ما حناه. وبهذا نطق القرآن و عليه انعقد الاجماع، وإنما خالف فيه شذاذ من الحشوية والعوام. فأما القول فيمن استحل دماء المؤمنين وقتل منهم مؤمنا على الاستحلال فان العقل لا يمنع من توبته وقبول التوبة منه، لكن السمع ورد عن الصادقين من أئمة الهدى (ع) أنه من فعل ذلك لم يوفق للتوبة أبدا ولم يتب على الوجه الذي يسقط عنه العقاب به مختارا لذلك غير مجبر ولا مضطر كما ورد الخبر عنهم (ع): (ان ولد


1 - المؤمن ج وفي ه‍ قتل النفس. 2 - ذلك تقبل ب وه‍.

[ 88 ]

الزنا لا ينجب ولا يختار عند بلوغه الايمان على الحقيقة وإن أظهره على كل حال، وانما يظهره على الشك فيه أو النفاق دون الاعتقاد له على الايقان (1))، و كما ورد الخبر عن الله - عزوجل - في جماعة من خلقه أن مآلهم إلى النار و أنهم لا يؤمنون به أبدا ولا يتركون الكفر به والطغيان، وعلى هذا القول إجماع الفقهاء من أهل الامامة ورواة الحديث منهم والاثار ولم أجد لمتكلميهم فيه مقالا أحكيه في جملة الاقوال. 72 - باب القول في بيان العلم بالغائبات وما يجرى مجراها من الامور المستنبطات، وهل يصح أن يكون اضطرارا أم جميعه من جهة الاكتساب ؟ وأقول: ان العلم بالله - عزوجل - وأنبيائه (ع) بصحة دينه الذي ارتضاه و كل شئ لا يدرك حقيقته بالحواس ولا يكون المعرفة به قائمة في البداية وإنما يحصل بضرب من القياس لا يصح أن يكون من جهة الاضطرار، ولا يحصل على الاحوال كلها الا من جهة الاكتساب (2) كما لا يصح وقوع العلم بما طريقه الحواس من جهة القياس ولا يحصل العلم في حال من الاحوال بما (3) في البداية من جهة القياس. وهذا قد تقدم زدنا فيه شرحا هيهنا للبيان، وإليه يذهب جماعة البغداديين ويخالف فيه البصريون من المعتزلة والمشبهة وأهل القدر و الارجاء.


1 - الانقياد ج والف وب. 2 - الاختيار ج. 3 - بها د.

[ 89 ]

73 - القول في العلم بصحة الاخبار وهل يكون فيه (1) اضطرار أم جميعه اكتساب ؟ واقول: إن العلم بصحة جميع الاخبار طريقه الاستدلال وهو حاصل من جهة الاكتساب، ولا يصح وقوع شئ منه بالاضطرار، والقول فيه كالقول في جملة الغائبات. وإلى هذا القول يذهب جمهور البغداديين ويخالف فيه البصريون والمشبهة وأهل الاجبار (2). 74 - القول في حد التواتر من الاخبار واقول: إن التواتر المقطوع بصحته في الاخبار هو نقل الجماعة التي يستحيل في العادة أن تتواطأ على افتعال خبر فينطوى ذلك ولا يظهر على البيان، وهذا أمر يرجع إلى أحوال الناس واختلاف دواعيهم وأسبابهم، والعلم بذلك راجع إلى المشاهدة (3) والوجود، وليس يتصور للغائب (4) عن ذلك بالعبارة والكلام. وهذا مذهب أصحاب التواتر من البغداديين ويخالف فيه البصريون و يحدونه بما أوجب علما على الاضطرار.


1 - منه ب. 2 - الاخبار د وه‍. 3 - المشاهدات د. 4 - التعاقب الف التعبير ج.

[ 90 ]

75 - القول فيما يدرك بالحواس، وهل العلم به من فعل الله تعالى أو فعل العباد ؟ واقول: ان العلم بالحواس على ثلاثة أضرب: فضرب هو من فعل الله تعالى، وضرب من فعل الحاس، وضرب من فعل غيره من العباد. فاما فعل الله تعالى فهو ما حصل للعالم به عن سبب من الله تعالى كعلمه بصوت الرعد ولون البرق (1) ووجود الحر والبرد وأصوات الرياح وما أشبه ذلك مما يبدو (2) للحاس من غير أن يتعمل (3) لاحساسه ويكون بسبب من الله سبحانه ليس للعباد فيه اختيار. فما فعل الحاس فهو ما حصل له عقيب فتح بصره أو الاصغاء بأذنه أو التعمل (4) لاحساسه بشئ من حواسه أو بفعله السبب الموجب لاحساس المحسوس وحصول العلم به. وأما فعل غير الحاس من العباد فهو ما حصل للحاس بسبب من بعض العباد كالصائح بغيره وهو غير متعمل (5) لسماعه أو المولم له فلا يمتنع من العلم بالالم عند ايلامه وما أشبه ذلك. وهذا مذهب جمهور المتكلمين من أهل بغداد ويخالف فيه من سميناه.


1 - كلمة لون البرق غير موجود في الف وب 2 - يبدؤه ذوالحاسة ب يبديه الف. 3 - يتعمد ب ود. 4 - التعمد ب. 5 - متعمد الف معتمل د.

[ 91 ]

76 - القول في أهل الاخرة، وهل هم مأمورون أو غير مأمورين ؟ واقول: إن أهل الاخرة مأمورون (1) بعقولهم بالسداد، ومحسن لهم ما حسن لهم في دار الدنيا من الرشاد، وإن القلوب لا تنقلب عما هي عليه الان و لا تتغير عن حقيقتها على كل حال. وهذا مذهب متكلمي أهل بغداد ويخالف فيه البصريون ومن ذكرناه. 77 - القول في أهل الاخرة، وهل هم مكلفون أو غير مكلفين ؟ واقول: إن أهل الاخرة صنفان: فصنف منهم في الجنة وهم فيها مأمورون بما يؤثرون (2) ويخف على طباعهم ويميلون إليه ولا يثقل عليهم من شكر المنعم سبحانه وتعظيمه و حمده على تفضله عليهم وإحسانه إليهم وما أشبه ذلك من الافعال، وليس الامور لهم بما وصفناه إذا كانت الحال فيه ما ذكرناه تكليفا لان التكليف إنما هو إلزام ما يثقل على الطباع ويلحق بفعله المشاق. والصنف الاخر في النار وهم من العذاب وكلفه ومشاقه والامه على ما لا يحصى من أصناف التكليف للاعمال، وليس يتعرون من الامر والنهي بعقولهم (3) حسب ما شرحناه، وهذا قول الفريق الذي قدمناه ويخالف فيه من الفرق من سميناه وذكرناه.


- كلمة (مأمورون) سقطت من الف. 2 - يؤمرون الف وب. 3 - يقول هم الف.

[ 92 ]

78 - القول في أهل الاخرة، وهل هم مختارون لافعالهم أو مضطرون أم ملجئون على ما يذهب إليه أهل الخلاف ؟ واقول: إن أهل الاخرة مختارون لما يقع منهم من الافعال وليسوا مضطرين ولا ملجئين وان كان لا يقع منهم الكفر (1) والعناد. واقول: إن الذي يرفع توهم وقوع الفساد منهم وقوع (2) دواعيهم إليه لا ما ذهب إليه من خالف في ذلك من الالجاء والاضطرار. وهو مذهب متكلمي البغداديين، وكان أبو الهذيل العلاف يذهب إلى أن أهل الاخرة مضطرون إلى الافعال، والجبائي وابنه يزعمان أنهم ملجئون إلى الاعمال. 79 - القول في أهل الاخرة وهل يقع منهم قبيح من الافعال ؟ اقول: إن أهل الاخرة صنفان: فصنف من أهك الجنة مستغنون عن فعل القبيح، ولا يقع منهم شئ منه على الوجوه كلها والاسباب، لتوفر دواعيهم إلى محاسن الافعال وارتفاع دواعي فعل القبيح عنهم على كل حال. والصنف الاخر من أهل النار قد يقع منهم القبيح على غير العناد، قال الله


1 - الكفر والايمان والعناد الف. 2 - اتفقت النسخ على وجود كلمة وقوع هنا، مع ان المعنى على هذا ان دواعي اهل الاخرة تقع على الفساد، وهذا خلاف الواقع وخلاف مراد المفيد قده فان مراده قد عدم تحقق دواعيهم إلى الفساد، وعليه فاما، أن يحمل على سقوط كلمة (عدم) هنا يعنى عدم وقوع الخ أو يكون الوقوع بمعنى الزوال والسقوط كما عن مجمع البحرين نظير قوله تعالى وظنوا انه واقع بهم.

[ 93 ]

تعالى: (ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين، بل بدالهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون) وقال سبحانه: (ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون، ثم لم تكن فتنتهم الا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين، أنظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون)، فأخبر - جل اسمه - عن كذبهم في الاخرة والكذب قبيح بعينه وباطل على كل حال. وهذا المذهب أيضا مذهب من ذكرناه من متكلمي أهل بغداد و يخالف فيه البصريون من أهل الاعتزال. 80 - القول في المقطوع والموصول واقول: إن كل عمل ذي أجزاء من الفعل أمر الله تعالى بالاتيان به على الكمال وجعله مفترضا وسنة يستحق به الثواب كالصلوة والصيام والزكوة والحج وأشباه ذلك من الطاعات، ثم علم سبحانه أن العبد يقطعه قبل تمامه مختارا أو يفسده متعمدا ترك كماله، فانه لا يقع منه شئ على وجه القربة إليه - جل اسمه -، ومتى ابتدء به لقربة الله تعالى في الحقيقة فلن يقطعه فاعله مختارا ولن يفسده بترك كماله متعمدا ولابد أن يصله حتى يأتي به على نظامه مؤثرا لذلك مختارا. وهذا الباب لاحق بباب الموافاة في معناه. وهو مذهب هشام بن الفوطى من المعتزلة وزرارة بن أعين ومحمد بن الطيار و جماعة كثيرة من متكلمي الامامية، ويخالف فيه جمهور المعتزلة وسائر الزيدية وأكثر أهل التشبيه وطوائف من المرجئة.

[ 94 ]

81 - القول في حكم الدار واقول: ان الحكم في الادر على الاغلب فيها وكل موضع غلب فيه الكفر فهو دار كفر، وكل موضع غلب فيه الايمان فهو دار إيمان، وكل موضع غلب فيه الاسلام دون الايمان فهو دار إسلام. قال الله تعالى في وصف الجنة: (ولنعم دار المتقين). وإن كان فيها أطفال ومجانين، وقال في وصف النار: (سأريكم دار الفاسقين). ون كان فيها ملائكة الله مطيعون فحكم على كلتا الدارين بحكم الاغلب فيها. وأقول: لما وصفت أن كل صقع من بلاد الاسلام ظهرت فيه الشهادتان (1) والصلوات الخمس وصيام شهر رمضان وزكاة الاموال واعتقاد فرض الحج إلى البيت الحرام ولم يظهر فيه القول بامامة آل محمد - عليهم السلام - أنه دار إسلام لا دار إيمان، وإن كل صقع من بلاد الاسلام كثر أهله أو قل عددهم ظهرت فيه شرائع الاسلام والقول بإمامة آل محمد - عليهم السلام - فهو دار إسلام ودار إيمان. وقد تكون الدار عندي دار كفر ملة وإن كانت دار إسلام، ولا يصح أن تكون كذلك وهي دار إيمان. وهذا مذهب جماعة من نقلة الاخبار من شيعة آل محمد - عليهم السلام - وعلى جمل مقدماته وأصوله التي ذكرت جماعة كثيرة من أهل الاعتزال.


1 - من هنا إلى كلمة القول اعني (الصلوات الخمس وصيام شهر رمضان وزكوة الاموال واعتقاد فرض الحج إلى البيت الحرام ولم يظهر فيه) سقطت من نسخة الف وب ود وه‍ والاصح وجوده.

[ 95 ]

باب (1) القول في اللطيف (2) من الكلام 82 - القول في الجواهر الجواهر عندي هي الاجزاء التي تتألف منها الاجسام، ولا يجوز على كل واحد في نفسه الانقسام، وعلى هذا القول أهل التوحيد كافة سوى شذاذ من أهل الاعتزال ويخالف فيه الملحدون ومن المنتمين إلى الموحدين ابراهيم بن سيار النظام. 83 - القول في الجواهر أهى متجانسة أم بينها (3) اختلاف ؟ واقول: إن الجواهر كلها متجانسة، وإنما تختلف بما يختلف في نفسه من الاعراض، وعلى هذا القول جمهور الموحدين.


1 - كلمة باب سقطت من نسخة الف وب وج وموجود في د وساير النسخ وهو الاصح لشروعه في نوع آخر من البحث لا يناسب ما سبق فيحتاج إلى تغيير العنوان وأيضا جملة البسملة موجودة هنا في النسخ وهى دالة على الشروع في نوع آخر من البحث كما لا يخفى. 2 - اللطف الف وب. 3 - جملة (ام بينها اختلاف واقول ان الجواهر كلها متجانسة) سقطت من نسخة ب.

[ 96 ]

84 - القول في الجواهر، ألها مساحة في نفسها وأقدار ؟ اقول: إن الجوهر له قدر في نفسه وحجم من أجله كان له حيز في الوجود، وبه فارق معنى ما خرج عن حقيقته، وعلى هذا القول أكثر أهل التوحيد. 85 - القول في حيز الجواهر والاكوان واقول: إن كل جوهر فله حيز في الوجود، وإنه لا يخلو عن عرض يكون به في بعضى المحاذيات أو ما يقدره تقدير ذلك، وهذا العرض يسميه بعض المتكلمين كونا، وعلى هذا القول أكثر أهل التوحيد. 86 - القول في الجواهر وما يلزمها من الاعراض اقول: إن كل عرض يصح حلوله في الجوهر ويكون الجوهر محتملا لوجوده، فإنه لا يخلو منه أو مما يعاقبه من الاعراض، وهذا مذهب أبي القاسم البلخي وأبي علي الجبائى ومن قبلهما أكثر المتكلمين، وخالف فيه عبد السلام بن محمد الجبائى وأجاز خلو الجواهر من الالوان والطعوم والاراييح ونحو ذلك من الاعراض. 87 - القول في بقاء (1) الجواهر اقول: إن الجواهر مما يصح عليها البقاء وإنها توجد أوقاتا كثيرة ولا تفنى


1 - بقايا ج.

[ 97 ]

من العالم إلا بارتفاع البقاء عنها، وعلى هذه الجملة أكثر الموحدين وإليها يذهب أبو القاسم البلخي ويخالف فيما ذكرناه من سبب فنائها (2) والجبائي وابنه و بنونوبخت من الامامية ومن سلك سبيلهم في هذا المقام، وابراهيم النظام يخالف الجميع ويزعم أن الله تعالى يجدد الاجسام ويحدثها حالا فحالا. 88 - القول في الجواهر هل تحتاج إلى مكان ؟ اقول: إنه لا حاجة للجواهر إلى الاماكن من حيث كانت جواهر الا أن تتحرك أو تسكن فلا بدلها في الحركة والسكون من المكان وعلى غنائها عن المكان كافة الموحدين، وفي حاجتها إليه عند الحركة والسكون جمهورهم، و يخالف في ذلك الجبائى وابنه عبد السلام. 89 - القول في الاجسام اقول: إن الاجسام هي الجواهر المتألفة طولا وعرضا وعمقا، وأقل ما تتألف منه الاجسام ثمانية أجزاء، اثنان منها أحدهما فوق صاحبه طولا، واثنان يليان هذين الاثنين من جهة اليمين أو الشمال يصير بذلك عرضا، وأربعة تلقاء هذه الاربعة فيحصل بذلك عمق، وعلى هذا القول جماعة من المتكلمين. وقد زعم قوم أن الجسم يتألف من ستة أجزاء، وقال آخرون إنه يتألف من أربعة أجزاء، وذهب قوم إلى أن حقيقة الجسم هو المؤلف وقد يكون ذلك من جزئين، فالاجسام من نوع ما يبقى، وقد ذكرت ذلك في الجواهر المنفردة و


1 - بقائها د وج.

[ 98 ]

التأليف عندي وساير الاعراض لا تبقى. وهذا مذهب ابي القاسم البلخي و جماعة قبله من البغداديين، ولم يخالف في بقاء الاجسام أحد من أهل التوحيد سوى النظام فانه زعم أنها تتجدد حالا بعد حال. 90 - القول في الاعراض اقول: الاعراض هي المعاني المفتقرة في وجودها إلى المحال، ولا يجوز على شئ منها البقاء، وهذا مذهب أكثر البغداديين، وقد خالف فيه البصريون و غيرهم من أهل النحل والاراء. 91 - القول في قلب الا عراض وإعادتها اقول: إن ذلك محال لا يصح بدلائل يطول ذكرها، وهو مذهب ابي القاسم وجميع من نفى بقاء الاعراض من الموحدين. 92 - القول في المعدوم واقول: إن المعدوم هو المنفي العين الخارج عن صفة الموجود، واقول (1) إنه لا جسم ولا جوهر ولا عرض ولا شئ على الحقيقة، وإن سميته بشئ من هذه الاسماء فإنما تسميه به مجازا، وهذا مذهب جماعة من بغدادية المعتزلة و أصحاب المخلوق. والبلخي يزعم أنه شئ ولا يسميه بجسم ولا جوهر و لا عرض، والجبائي وابنه يزعمان ان المعدوم شئ وجوهر وعرض، والخياط يزعم انه شئ وعرض وجسم.


1 - ولا اقول انه جسم ب ج ه‍.

[ 99 ]

93 - القول في ماهية العالم واقول: العالم هو السماء والارض وما بينهما وما فيهما من الجواهر والاعراض، ولست اعرف بين أهل التوحيد خلافا في ذلك. 94 - القول في الفلك اقول: إن الفلك هو المحيط بالارض الدائر عليها وفيه الشمس والقمر و ساير النجوم، والارض في وسطه بمنزلة النقطة في وسط الدائرة، وهذا مذهب ابي القاسم البلخي وجماعة كثيرة من أهل التوحيد ومذهب أكثر القدماء والمنجمين، وقد خالف فيه جماعة من بصرية المعتزلة وغيرهم من أهل النحل. 95 - القول في حركة الفلك اقول: إن المتحرك من الفلك من جهة الامكان ما اختص منه بالمكان و من جهة الوجوب ما لاقى الهواء وقطع بحركته المكان، وأما ما (1) يلي صفحته العليا فانها لا متحركة ولا ساكنة لانها في غير مكان، واقول ان المتحرك منه إنما يتحرك حركة دورية كما يتحرك الدائر على الكرة، وإلى هذا يذهب البلخي و جماعة من الاوائل وكثير من أهل التوحيد. 96 - القول في الارض وهيئتها وهل هي متحركة أو ساكنة ؟ اقول: إن الارض على هيئة الكرة في وسط الفلك وهي ساكنة لا تتحرك،


1 - واما المكان وهو ما يلي صفحته العليا الف وب.

[ 100 ]

وعلة سكونها أنها في المركز، وهو مذهب ابي القاسم وأكثر القدماء والمنجمين، وقد خالف فيه الجبائى وابنه وجماعة غيرهما من أهل الاراء والمذاهب من المقلدة والمتكلمين. 97 - القول في الخلا والملا واقول: إن العالم مملو من الجواهر (1) وإنه لا خلا فيه ولو كان فيه خلا لما صح فرق بين المجتمع والمتفرق من الجواهر والاجسام، وهو مذهب ابي القاسم خاصة من البغداديين ومذهب أكثر القدماء من المتكلمين ويخالف فيه الجبائى وابنه وجماعة من متكلمي الحشوية وأهل الجبر والتشبيه. 98 - القول في المكان واقول: ان المكان، ما أحاط بالشئ من جميع جهاته وإنه (2) لا يصح تحرك الجواهر إلا في الاماكن وهو مذهب ابي الاقسم وغيره من البغداديين وجماعة من قدماء المتكلمين، ويخالف فيه الجبائى وابنه وبنو نوبخت والمنتمون إلى الكلام من أهل الجبر والتشبيه. 99 - القول في الوقت والزمان وأقول: إن الوقت هو ما جعله الموقت وقتا للشئ وليس بحادث


1 - الجواهر والاجسام ب. 2 - فلانه.

[ 101 ]

مخصوص، والزمان اسم يقع على حركات (1) الفلك فلذلك لم يكن الفلك (2) محتاجا في وجوده إلى وقت ولا زمان وعلى هذا القول ساير الموحدين. 100 - القول في الطباع واقول: إن الطباع معان تحل الجواهر يتهيأ (3) بها المحل للانفعال كالبصر و ما فيه من الطبيعة التي بها يتهيأ لحلول الحس فيه والادراك، وكالسمع والانف السليم واللهوات، وكوجوده في النار التي تحرق به ومن اجله (4) أمكن بها الاحراق، والامر في ذلك وما أشبهه واضح الظهور والبيان. فصل - واقول: إن ما يتولد بالطبع فإنما هو لمسببه بالفعل في المطبوع، و إنه لا فعل على الحقيقة لشئ من الطباع، وهذا مذهب ابي القاسم الكعبي و هو خلاف مذهب المعتزلة في الطباع وخلاف الفلاسفة الملحدين أيضا فيما ذهبوا إليه من أفعال الطباع، وأباه الجبائى وابنه وأهل الحشو وأصحاب المخلوق والاجبار (5).


1 - حركة ز. 2 - الفعل الف. 3 - بهيئاتها الف وب وج. 4 - في نسخة الف وب ود (ما امكن) ولا ريب في فساد المعنى لو جعلنا ما نافية فهي إما مصدرية أو موصولة أو زائدة على فرض وجودها. 5 - الاخبار الف وب.

[ 102 ]

101 - القول في تركب الاجسام من الطبائع واستحالتها (1) إلى العناصر والاسطقسات وقد ذهب كثير من الموحدين إلى أن الاجسام كلها مركبة من الطبايع الاربع وهي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، واحتجوا في ذلك بانحلال كل جسم إليها وبما يشاهدونه من استحالتها كاستحالة الماء بخارا والبخار ماء والموات حيوانا والحيوان مواتا، وبوجود النارية والمائية والهوائية والترابية في كل جسم، وانه لا ينفك جسم من الاجسام من ذلك، ولا يعقل على خلافه، ولا ينحل إلا إليه. وهذا ظاهر مكشوف ولست أجد لدفعه حجة اعتمدها ولا أراه (2) مفسدا لشئ من التوحيد والعدل والوعد والوعيد أو النبوات أو الشرائع فاطرحه لذلك، بل هو مؤيد للدين موكد لادلة الله تعالى على ربوبيته وحكمته وتوحيده. وممن دان به من رؤساء المتكلمين النظام، وذهب إليه البلخي ومن اتبعه في المقال. 102 - القول في الارادة وايجابها واقول: إن الارادة التي هي قصد لايجاد احد الضدين الخاطرين ببال المريد موجبة لمرادها، وإنه محال وجودها وارتفاع المراد بعدها بلا فصل إلا أن


1 - جملات (إلى العنامر والاسطقسات وقد ذهب كثير من الموحدين إلى ان الاجسام كلها مركبة من الطبايع الاربع وهي) سقطت من ب. 2 - مسندا الف وب ود.

[ 103 ]

يمنع من ذلك من جهة فعل (1) غير المريد، وهذا مذهب جعفر بن حرب و جماعة من متكلمي البغداديين وهو مذهب البلخي وعلى خلافه الجبائى وابنه والبصريين من المعتزلة والحشوية وأهل الاجبار. 103 - القول في التولد واقول: إن من أفعال القادر ما يقع متولدا بأسباب يفعلها على الابتداء من غير توليد لها كالضارب لغيره فضربه متولد عن اعتماداته (2) وحركاته وإيلامه للمضروب متولد عن ضربه إياه، وكالرامي لغرضه وغيره من الاجسام، وكالمعتمد بلسانه في لهواته فيولد بذلك أصواتا وكلاما وما أشبه ذلك. فالمبتدأ من الاحوال لا يكون متولدا. والمسبب عن المبتدأ نحو ما ذكرناه يكون متولدا عن فعل صاحب السبب. وهذا مذهب أهل العدل كافة سوى النظام و من وافقه في نفي التولد من أهل القدر والاجبار. 104 - القول في الفرق بين الموجب والمتولد واقول: إن كل متولد فهو موجب وليس كل موجب فهو متولد، والفرق بينهما ان الموجب الذي ليس بمتولد هو ما ولى الارادة بلا فصل بينهما من فعل المريد، والموجب المتولد هو ما ولي الذي يلي الارادة من الافعال، وهذا مذهب


1 - العبارة هنا مشوشة في النسخ الصحيح ما في المتن أو احدى العبارتين الاولى (الا ان يمنع من ذلك فعل غير المريد) الثانية (الا ان يمنع من فعل المريد غير المريد). 2 - اعتماد آلة ج.

[ 104 ]

اختصرته أنا لقولي في المحدث الفعل الذي تسميه الفلاسفة النفس، والاصل فيه مذهب البلخي ومن ذهب إلى الجمع بين إيجاب الارادة والتولد من متكلمي بغداد. 105 - القول في أنواع المولدات والمتولدات من الافعال واقول: إن الاعتمادات والحركات والمماسات والمتباينات والنظر والاعتقادات والعلوم واللذات والالام جميع ذلك يولد أمثاله وخلافه وليس واحد مما ذكرناه بالتوليد أخص من غيره مما سميناه. واقول، إن الفاعل قد يولد في غيره علما بأشياء إذا فعل به أسباب تلك العلوم كالذي يصيح بالساهي فيفعل به علما بالصيحة متولدا عن الصيحة به بدلالة انه لا يصح امتناعه من العلم بذلك مع سماع ما بدهه من الصياح، وكالضارب لغيره المولد بضربه ألما فيه فإنه يولد فيه علما بالالم والضرب لاستحالة فقد علمه بالالم في حاله، وقد يولد الانسان في غيره غما وسرورا و حزنا وخوفا بما يورده عليه مما لا يمتنع معه من الغم والمسرة والجزع والخوف، و لا يصح امتناعه منه على كل حال وأشباه ذلك مما يطول بذكره الكلام. وهذا مذهب كثير من بغدادية المعتزلة وإليه ذهب أبو القاسم البلخي وخالف في كثير منه الجبائي وابنه وأنكر جملته النظام والمجبرة.


1 - مسندا الف وب ود. 2 - العبارة هنا مشوشة في النسخ والصحيح ما في المتن أو احدى العبارتين الاولى (الا ان يمنع من ذلك فعل غير المريد) الثانية (الا ان يمنع من فعل المريد غير المريد). 3 - اعتماد آلة ج.

[ 105 ]

106 - القول في أن الامر بالسبب هل هو أمر بالمسبب أم لا ؟ واقول: إن الامر بالسبب أمر بالمسبب ما لم يمنع (1) الامر من المسبب أو يعلم أن صاحب السبب سيمنع من المسبب. فأما الامر بالمسبب فهو مقتض (2) للامر بالسبب لا محالة بل هو أمر به في المعنى (3) وإن لم يكن كذلك في اللفظ، ولست أعرف بين من أثبت التولد في هذا الباب خلافا. 107 - القول في أفعال الله تعالى وهل فيها متولدات أم لا ؟ واقول: إن في كثير من أفعال الله تعالى مسببات، وأمتنع من إطلاق لفظ الوصف عليها بأنها متولدات وإن كانت في المعنى كذلك لانني اتبع فيما اطلقه في صفات الله تعالى وصفات أفعاله الشرع (4) ولا ابتدع. وقد أطلق المسلمون على كثير من أفعال الله تعالى أنها أسباب ومسببات، ولم أجدهم يطلقون عليها لفظ المتولد، ومن أطلقه منهم فلم يتبع فيه حجة في القول، ولا لجأ فيه إلى كتاب ولا سنة ولا إجماع، وهذا مذهب اختص به لما ذكرت من الاستدلال ولدلائل آخر ليس هنا موضع ذكرها. فأما قولي في الاسباب فهو مذهب جماعة من البغداديين ومذهب أبي القاسم على قرب وأبي علي، وإنما خالف فيه أبو هاشم بن أبي علي خاصة


1 - ما لم يعلم الف. 2 - المقتضى د. 3 - بالمعنى الف وب. 4 - كلمة الشرع سقطت عن اكثر النسخ والعبارة تصح بدونها ومعها اصح.

[ 106 ]

من بين أهل العدل. وقد قال الله - عزوجل - مما يشهد بصحته: (وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرخ الموتى لعلكم تذكرون). وقال: (ألم تر أن الله له أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الارض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانة ثم يهيج فتراه مصفرا) وآي في القرآن تدل على هذا المعنى كثيرة. 108 - القول في الشهوة واقول: إن الشهوة عبارة عن معنيين: أحدهما الطبع المختص بالحيوان الداعي له إلى ما يلائمه من جهة (1) اللذات. والمعنى الاخر ميل الطبع إلى الاعيان على التفصيل من جملة اللذات. فأما الاول فهو من فعل الله - سبحانه وتعالى - لا محالة ولا شك فيه ولا ارتياب، لان الحيوان لا يملكه ولا له فيه اختيار. وأما الثاني فهو من فعل الحيوان بدلائل يطول بشرحها الكلام، وهذا مذهب جمهور البغداديين، والبصريون بإتحاد (2) الموجود أو الممنوع من وجوده و ذلك محال، وكذلك النهي إذ هو نقيض الامر وهذا مذهب كافة أهل العدل إلا من لا يعبأ به منهم والمجبرة على خلافهم فيه. 109 - القول في البدل واقول: إن الكفر قد كان يجوز أن يكون في وقت الايمان بدلا منه، و


1 - جملة. 2 - ايجاد د.

[ 107 ]

الايمان قد كان يجوز أن يكون بدلا من الكفر في وقته، ولا اقول في حال الايمان إن الكفر يجوز كونه فيه بدلا منه ولا الايمان يجوز وجوده في حال الكفر بدلا منه، وذلك ان جواز الشئ هو تصحيحه وصحة إمكانه وارتفاع استحالته، والكفر مضاد للايمان ووجود الضد محيل لجواز وجود ضده كما يحيل وجوده، فإذا قال القائل: (إن الكافر يجوز منه الايمان الذي هو بدل من الكفر) تضمن ذلك جواز اجتماع الضدين، وإذا قال (قد كان يجوز) بتقدم لفظ (كان) على (يجوز) (1) لم يتضمن ذلك محالا. فأما القول بأنه يجوز من الكافر الايمان في مستقبل (2) أوقات الكفر، و يجوز من المؤمن الكفر كذلك وليس (3) بمنكر لارتفاع التضاد والاحالة، وليس هذا القول هو الخلاف بيننا وبين المجبرة وإنما خلافهم لنا في الاول وعليه أهل العدل كما ان أهل الاجبار بأسرهم على خلافهم فيه. 110 - القول في خلق ما لا عبرة به ولا صلاح فيه واقول: إن خلق ما لا عبرة به لاحد من المكلفين ولا صلاح فيه لاحد من المخلوقين عبث لا يجوز على الله تعالى، وهذا مذهب أهل العدل، وقد ذهب إلى خلافه جميع أهل الجبر، واشتبه على كثير من الناس فيه خلق ما في قعور البحار وقلل الجبال وبواطن الحيوان مما لا يحسه أحد من البشر، فذهب عليهم وجه الانتفاع به وانسد عليهم طريق الاعتبار بمشاهدته فخالفوا أهل الحق فيما


1 - الجواز د وز. 2 - المستقبل د وه‍. 3 - فليس ب.

[ 108 ]

ذكرناه، وليس الامر في هذا الباب على ما توهموه، وذلك ان البشر وان لم يحسوا كثيرا مما وصفوه فإن الجن والملائكة يحسونه فيعتبرون به وما لا يقع عليه من جميع ذلك حس ذي حاسة فهو نفع (1) لبعض ما يعتبر به (2) من الحيوان أو مستحيل (3) من طبائع ما لابد من وجوده في ألطاف العباد، وليس علينا في صحة هذه القضية أكثر من إقامة الدلالة على أن الله تعالى الغنى الكريم الحكيم لا يخلق شيئا لنفسه، وإنما خلق ما يخترعه لغيره ولو (4) خلا ما خلقه من منفعة غيره مع قيام البرهان على أن صانعه - جلت عظمته - لا ينتفع به لكان عبثا لا معنى له، والله يجل عن فعل العبث علوا كبيرا. 111 - القول في الالم واللذة إذا استويا في اللطف والصلاح واقول: إنه لو استوى فعل الالم بالحيوان واللذة له في ألطاف المكلفين و مصالحهم الدينية لما جاز من الحكيم سبحانه أن يفعل الالم دون اللذة إذ لا داعي كان يكون إلى فعله حينئذ إلا العوض (5) عليه، والقديم سبحانه قادر على مثل العوض تفضلا، وكان الاولى في جوده (6) ورأفته أن يفعل اللذة لشرفها على الالم ولا يفعل الالم وقد ساوى ما هو أشرف منه في المصلحة. وهذا مذهب


1 - يقع الف. 2 - يعتريه الف. 3 - يستحيل. 4 - ويوحده ما خلقه الف. 5 - المعوض د. 6 - في وجوده الف.

[ 109 ]

كثير من أهل العدل وقد خالف منهم فيه فريق والمجبرة بأسرهم على خلافه. 112 - القول في علم الله تعالى أن العبد يؤمن ان أبقاه بعد كفره، أو يتوب ان أبقاه من فسقه، أيجوز أن يخترمه دون ذلك أم لا ؟ واقول: إن ذلك غير جايز فيمن لم ينقض توبته ويرجع في كفر بعد تركه، وجايز بعد الامهال فيمن انظر فعاد إلى العصيان، لانه لو وجب ذلك دائما أبدا لخرج عن الحكمة إلى العبث ولم يكن (1) للتكليف أجر، وهذا مذهب ابي القاسم الكعبي وجماعة كثيرة من أصحاب الاصلح، ويخالف فيه البصريون من المعتزلة ومانعوا اللطف منهم وساير المجبرة. 113 - القول في الالم للمصلحة دون العوض واقول: إن العوض على الالم لمن يستصلح به غيره مستحق على الله تعالى في العدل وإن كان واجبا في وجوده لمن يجوز أن يفعله به من المؤمنين. فاما ما يستصلح به غير المؤمنين من الالام فلابد من التعويض له عليه وإلا كان ظلما، ولهذا قلت: (إن إيلام الكافر لا يستحق عليه عوضا لانه لا يقع إلا عقابا له واستصلاحا له في نفسه وإن جاز أن يصلح به غيره). وهذا مذهب من نفى الاحباط من أهل العدل والارجاء وعلى خلافه البغداديون من المعتزلة و البصريون وساير المجبرة. وقد جمعت فيه بين اصول يختص بى جمعها دون


1 - ولو لم يكن للمكلف اجر الف و.

[ 110 ]

من وافقنى في العدل والارجاء بما كشف لي (1) النظر عن صحته ولم يوحشني من خالف فيه إذ بالحجة لي أتم أنس ولا وحشة من حق والحمد لله. 114 - القول في تعويض البهائم واقتصاص بعضها من بعض واقول: إنه واجب في جود الله تعالى وكرمه تعويض البهائم على ما أصابها من الالام في دار الدنيا سواء كان ذلك الالم من فعله - جل اسمه - أم من فعل غيره لانه إنما خلقها (2) لمنفعتها فلو حرمها العوض على ألمها لكان قد خلقها لمضرتها، والله يجل عن خلق شئ لمضرته وإيلامه لغير نفع يوصله إليه، لان ذلك لا يقع إلا من سفيه ظالم، والله سبحانه عدل كريم حكيم عالم. فأما الاقتصاص منها فغير جايز لانها غير مكلفة ولا مأمورة ولا عالمة (3) بقبح القبيح، والقصاص ضرب من العقوبة وليس بحكيم (4) من عاقب غير مكلف ولا منته (5) عن فعل القبيح. ولو جاز الاقتصاص من بعضها لبعض لجاز عقابها على جناياتها على بعض ولوجب ثوابها على إحسانها إلى ما أحسنت إليه من بعض وذلك كله محال. وهذا مذهب كثير من أهل العدل وقد خالف فيه بعضهم و جماعة ممن سواهم.


1 - في النظر د. 2 - جعلها ب. 3 - علة القبح الف. 4 - بحكم ج نسخه ب ل د. 5 - منهى د والف وب. (*)

[ 111 ]

115 - القول في نعيم أهل الجنة أهو تفضل أو ثواب ؟ واقول: إن نعيم أهل الجنة على ضربين: فضرب منه تفضل محض لا يتضمن شيئا من الثواب، والضرب الاخر تفضل من جهة وثواب من اخرى. وليس في نعيم أهل الجنة ثواب وليس بتفضل على شئ من الوجوه، فأما التفضل منه المحض فهو ما يتنعم به الاطفال والبله والبهائم، إذ ليس لهؤلاء أعمال كلفوها، فوجب من الحكمة إثابتهم عليها. وأما الضرب الاخر (1) فهو تنعيم المكلفين وإنما كان تفضلا عليهم لانهم لو منعوها ما كانوا مظلومين (2)، إذ ما سلف لله تعالى عندهم من نعمه وفضله وإحسانه يوجب (3) عليهم أداء شكره وطاعته وترك معصيته، فلو لم يثبهم بعد العمل ولا ينعمهم (4) لما كان لهم ظالما فلذلك كان ثوابه لهم تفضلا. وأما كونه ثوابا فلان أعمالهم أوجبت في جود (5) الله تعالى وكرمه تنعمهم وأعقبتهم الثواب وأثمرته لهم فصار ثوابا من هذه الجهة وإن كان تفضلا من جهة ما ذكرناه، وهذا مذهب كثير من أهل العدل من المعتزلة والشيعة، ويخالف فيه البصريون من المعتزلة والجهمية ومن اتبعهم من المجبرة.


1 - الثاني الف. 2 - مكلفين ج. 3 - فوجب الف. 4 - نعمهم الف وب وج وز. 5 - وجود د.

[ 112 ]

116 - القول في ثواب الدنيا وعقابها وتعجيل المجازاة فيها واقول: إن الله تعالى - جل اسمه - يثيب بعض خلقه على طاعتهم في الدنيا ببعض مستحقهم من الثواب، ولا يصح أن يوفيهم اجورهم فيها لما يجب من إدامة جزاء المطيعين، وقد يعاقب بعض خلقه في الدنيا على معاصيهم فيها ببعض مستحقهم على خلافهم له وبجميعه أيضا، لانه ليس كل معصية له يستحق عليها عذابا دائما كما ذكرنا في الطاعات، وقد قال الله. تعالى: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب). وقال: (فقلت استغفروا ربكم إنة كان غفارا، يرسل السماء عليكم مدرارا، ويمددكم بأموال و بنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا)، فوعدهم بضروب من الخيرات في الدنيا على الاعمال الصالحات. وقال في بعض من عصاه: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيمة أعمى). وقال في آخرين منهم: (لنذيقهم عذاب الخزى في الحيوة الدنيا ولعذاب الاخرة اخزى)، (لهم عذاب في الحيوة الدنيا لعذاب الاخرة أشق وما لهم من الله من واق). وجاء الخبر مستفيضا عن النبي (ص) انه قال: (حمى يوم كفارة ذنوب سنة)، وقال: (صلة الرحم منسأة في الاجل (. وهذا مذهب جماعة من أهل العدل وتفصيله على ما ذكرت في تعجيل بعض الثواب وكل العقاب وبعضه مذهب جمهور الشيعة وكثير من المرجئة. 117 - القول في الاختيار للشئ وهل هو إرادة له ؟ واقول: إن الارادة للشئ هو اختياره، واختياره هو ارادته وايثاره. وقد

[ 113 ]

يعبر بهذه اللفظة عن المعنى الذى يكون قصدا لاحد الضدين، ويعبر بها أيضا عن وقوع الفعل على علم به وغير حمل عليه، ويعتر بلفظ (مختار) عن القادر خاصة ويراد بذلك انه متمكن من الفعل وضده دون أن يراد به القصد و العزم. وهذا مذهب جماعة من المعتزلة البغداديين وكثير من الشيعة ويخالف فيه البصريون من المعتزلة وأهل الجبر كافة. 118 - القول في الارادة التي هي تقرب ؟ واقول: (1)، إن الارادة التي هي تقرب كغيرها من الارادات المتقدمة للافعال، وليس يصح مجامعتها للفعل لانه لا يخرج إلى الوجود إلا وهو تقرب، ومحال تعلق الارادة بالموجود أو الارادة له بأن يكون تقربا وقد حصل كذلك، وأما كونها هي تقربا فلان مرادها كذلك وحكم الارادة في الحسن و القبح والقرب والبعد حكم المراد. وهذا مذهب أكثر أهل العدل والبصريون من المعتزلة يخالفونه وكذلك أهل الاجبار. 119 - القول في الارادة هل هي مرادة بنفسها أم بإرادة غيرها أم ليس يحتاج إلى إرادة ؟ واقول: إن الارادة لا تحتاج إلى إرادة لانها لو احتاجت إلى ذلك لما خرجت إلى الوجود إلا بخروج ما لا أول له من الارادات وهذا محال بين الفساد. و ليس يصح أن تراد بنفسها لان من شأن الارادة ان يتقدم مرادها فلو وجب أو جاز


1 - جملة (واقول ان الارادة) سقطت من نسخة الف.

[ 114 ]

ان تراد الارادة بنفسها لوجب أو جاز وجود نفسها قبل نفسها وهذا عين المحال. وقد أطلق بعض أهل النظر من أصحابنا ان الارادة مرادة بنفسها وعنى به أفعال الله تعالى الواقعة من جهته واختراعه وإيجاده لانها هي نفس إرادته وإن لم يكن واقعة منه بإرادة غيرها ولن يصح ذلك فيها، وهذا مجاز و استعارة. والقول في التحقيق ما ذكرناه، وهذا مذهب أبي القاسم البلخي وكثير من البغداديين قبله وجماعة من الشيعة، ويخالف فيه آخرون منهم ومن (1) البصريين والمجبرة كافة. 120 - القول في الشهادة واقول: إن الشهادة منزلة يستحقها من صبر على نصرة دين الله تعالى صبرا قاده إلى سفك دمه وخروج نفسه دون الوهن منه في طاعته تعالى، وهي التي يكون صاحبها يوم القيامة من شهداء الله وأمنائه وممن ارتفع قدره عند الله وعظم محله حتى صار صديقا عند الله مقبول القول لاحقا بشهادته الحجج من شهداء الله حاضرا مقام الشاهدين على اممهم من أنبياء الله - صلوات الله عليهم - قال الله عزوجل: (وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين). وقال: (اولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم). فالرغبة إلى الله تعالى في الشهادة إنما هي رغبة إليه في التوفيق للصبر الموذى إلى ما ذكرناه، و


1 - عدم ذكر البصريين أو جماعة منهم قبلا يناسب ان يكونوا جميعهم من المخالفين، وعليه تكون كلمة من زائدة، ويمكن كون من غير زائدة، وعليه يكون عطفا على منهم، يعني ويخالف فيه جماعة آخرون من البغداديين وجماعة من البصريين.

[ 115 ]

ليست رغبة (1) في فعل الكافرين من القتل بالمؤمنين لان ذلك فسق وضلال، و الله تعالى يجل عن ترغيب عباده في أفعال الكافرين من القتل وأعمال (2) الظالمين. وإنما يطلق لفظ الرغبة في الشهادة على المتعارف من اطلاق لفظ الرغبة في الثواب، وهو فعل الله تعالى فيمن وجب (3) له بأعماله الصالحات، وقد يرغب أيضا الانسان إلى الله تعالى في التوفيق لفعل بعض مقدوراته، فتعلق (4) الرغبة بذكر نفس فعله دون التوفيق كما يقول الحاج: (اللهم ارزقني العود إلى بيتك الحرام) والعود فعله وإنما يسأل التوفيق لذلك والمعونة عليه، ويقول: (اللهم ارزقني الجهاد وأرزقني صوم شهر رمضان) وإنما مراده من ذلك المعونة على الجهاد والصيام، وهذا مذهب أهل العدل كافة وإنما خالف فيه أهل القدر والاجبار. 121 - القول في النصر والخذلان وأقول: ان النصر من الله تعالى يكون على ضربين: أحدهما إقامة الحجة وإيضاح البرهان على قول المحق، وذلك أوكد الالطاف في الدعاء إلى اتباع المحق، وهو النصر الحقيقي قال الله تعالى: (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحيوة


1 - الرغبة د وه‍. 2 - اعمال الضالين الف عطف على افعال الكافرين. 3 - اوجب الف. 4 - فتتعلق الف.

[ 116 ]

الدنيا ويوم يقوم الاشهاد). وقال - جل اسمه -: (كتب الله لاغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز). فالغلبة هيهنا بالحجة خاصة وما يكون من الانتصار في العاقبة لوجود كثير (1) من رسله قد قهرهم الظالمون وسفك دمائهم المبطلون. و الضرب الثاني تثبيت نفوس المؤمنين في الحروب وعند لقاء الخصوم وإنزال السكينة عليهم، وتوهين أمر أعدائهم، وإلقاء الرعب في قلوبهم، وإلزام الخوف والجزع أنفسهم، ومنه الامداد بالملائكة وغيرهم من الناصرين بما يبعثهم إليه من ألطافه وأسباب توفيقاته على ما اقتضته العقول ودل عليه الكتاب المسطور. والخذلان أيضا على ضربين: كل واحد منهما نقيض ضده من النصر و على خلافه في الحكمة. وهذا مذهب أهل العدل كافة من الشيعة والمعتزلة و المرجئة والخوارج والزيدية، والمجبرة باجمعهم على خلافه لانهم يزعمون ان النصر هو قوة المنصور والخذلان هو استطاعة العاصي المخذول، وإن كان لهم بعد ذلك فيها تفصيل. 122 - القول في الطبع والختم واقول: إن الطبع من الله تعالى على القلوب والختم بمعنى واحد وهو الشهادة عليها بأنها لا تعي الذكر مختارة ولا تعتمد على الهدى مؤثرة لذلك غير مضطرة، وذلك معروف (2) في اللسان، ألا ترى إلى قولهم: (ختمت على فلان


1 - كثرة الف وب. 2 - وذلك معرفة في اللسان الا ترى إلى قلوبهم ختمت الف وفي بعض النسخ زيادة جملة (قطعت بذلك) هنا وهي زيادة مفسدة للمعنى.

[ 117 ]

بأنه لا يفلح) يريدون بذلك قطعت (1) بذلك شهادة عليه وأخبرت به عنه وان الطبع على الشئ إنما هو علامة للطابع عليه. وإذا كانت الشهادة من الله تعالى على الشئ علامة لعباده جاز أن يسمى طبعا وختما. وهذا مستمر على اصول أهل العدل، ومذاهب المجبرة بخلافه. 123 - القول في الولاية والعداوة واقول: إن ولاية العبد لله بخلاف ولاية الله سبحانه له وعداوته له بخلاف عداوته إياه. فأما ولاية العبد لله - عزوجل - فهي الانطواء على طاعته والاعتقاد بوجوب شكره وترك معصيته وذلك عندي لا يصح إلا بعد المعرفة به. وأما ولاية الله تعالى لعبده (2) فهو إيجابه لثوابه ورضاه لفعله، واما (3) عداوة العبد لله سبحانه فهي كفره به وجحده لنعمه وإحسانه وارتكاب معاصيه على العناد لامره والاستخفا لنهيه، وليس يكون منه شئ من ذلك إلا مع الجهل به. وأما عداوة الله تعالى للعبد فهى إيجاب دوام العقاب له و إسقاط استحقاق الثواب على شئ من أفعاله والحكم بلعنته والبراءة منه ومن أفعاله.


1 - ظاهر العبارة أن المجبرة تنكر المعنى الذى ذكرنا للطبع والختم بان الله تعالى يشهد لها بأنها لا تؤمن أو لا تعى الذكر ولكن مراد الشيخ انهم يخالفوننا في القيد الاخير الذي ذكره وهو قوله (مختارة وقوله مؤثرة لذلك غبر مضطرة) فإنهم مضافا إلى اعترافهم بالطبع والختم في مقام الاخبار يدعون الطبع والختم التكوينيين المستلزمين لسلب الاختيار من العبد ايضا. 2 - بعيده ز. 3 - كلمة واما سقطت عن بعض النسخ.

[ 118 ]

وأقول مع هذا: ان الولاية من الله تعالى للمؤمن قد تكون في حال إيمانه والعداوة منه للكافر تكون أيضا في حال كفره وضلاله، وهذا مذهب يستقيم على اصول اهل العدل والارجاء، وقد ذهب إلى بعضه (1) المعتزلة خاصة، و للمجبرة في بعضه (2) وفاق ومجموعه لمن جمع بين القولين بالعدل ومذهب أصحاب الموافاة من الراجية. فاما القول بان الله سبحانه قد يعادى من تصح موالاته له من بعد ويوالى من يصح أن يعاديه فقد سلف قولنا فيه في باب الموافاة. 124 - القول في التقية واقول: إن التقية جائزة في الدين عند الخوف على النفس، وقد تجوز في حال دون حال للخوف على المال ولضروب من الاستصلاح، واقول إنها قد تجب أحيانا وتكون فرضا، وتجوز أحيانا من غير وجوب، وتكون في وقت أفضل من تركها ويكون تركها أفضل وإن كان فاعلها معذورا ومعفوا عنه متفضلا عليه بترك اللوم عليها. فصل (3) - واقول، إنها جائزة في الاقوال كلها عند الضرورة وربما وجبت فيها لضرب من اللطف والاستصلاح، وليس يجوز من الافعال في قتل المؤمنين ولا فيما يعلم أو يغلب انه استفساد في الدين. وهذا مذهب يخرج عن اصول


1 - نقضة الف. 2 - نقضه الف وب. 3 - كلمة فصل سقطت عن ب ومكانه بياض.

[ 119 ]

اهل العدل وأهل الامامة خاصة دون المعتزلة والزيدية والخوارج والعامة المتسمية بأصحاب الحديث. 125 - القول في الاسم والمسمى واقول: إن الاسم غير المسمى كما تقدم من القول في الصفة وأنها في الحقيقة غير الموصوف وهذا مذهب يشترك فيه الشيعة والمعتزلة جميعا و يخالفهم في معناه العامة والمجبرة من أهل التشبيه. 126 - القول في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر واقول: إن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر باللسان فرض على الكفاية بشرط الحاجة إليه لقيام الحجة على من لا علم لديه إلا بذكره، أو حصول العلم بالمصلحة به، أو غلبة الظن بذلك فأما بسط اليد فيه فهو متعلق بالسلطان و إيجابه على من يندبه له وإذنه فيه، ولن يجوز تغيير (1) هذا الشرط المذكور. و هذا مذهب متفرع على القول بالعدل والامامة دون ما عداهما. 127 - القول فيمن قضى فرضا بمال حرام هل يسقط بذلك عنه أم لا ؟ واقول: (إن فرائض الله تعالى غير مجزية لمن ارتكب نهيه في حدودها لانها إنما تكون مؤداة (2) بامتثال أمره فيها على الوجه الذي يستحق الثواب


1 - بغير ز. 2 - مرادة الف وج ود.

[ 120 ]

عليها، فإذا خالف المكلف فيها الحد وتعدى الرسم وأوقع الفعل على الوجه الذي نهى عنه كان عاصيا آثما وللعقاب واللوم مستحقا، ومحال أن يكون فرائض الله سبحانه معاصي (1) له والقرب إليه خلافا عليه وما يستحق به الثواب هو الذي يجب به العتاب. فثبت أن فرائض اللة - جل اسمه - لا تؤدى إلا بالطاعات في حدودها، و ترك الخلاف عليه في شروطها. فأما ما كان مفعولا على وجه الطاعة، سليما في شروطه وحدوده وأركانه من خلاف الله تعالى فإنه يكون مجزيا وإن تعلق بالوجود بأفعال قبيحة لا تؤثر فيما ذكرناه من الحدود للفرض والاركان، وهذا أصل يتميز بمعرفته ما يجزي من الاعمال مما لا يجزي منها من المشتبهات، وهو مذهب جمهور الامامية وكثير من المعتزلة وجماعة من أصحاب الحديث. 128 - القول في معاونة الظالمين والاعمال من قبلهم والمتابعة لهم والاكتساب منهم والانتفاع بأموالهم واقول: إن معاونة الظالمين على الحق وتناول الواجب لهم جايز ومن أحوال واجب، وأما معونتهم على الظلم والعدوان فمحظور لا يجوز مع الاختيار. وأما التصرف معهم في الاعمال فإنه لا يجوز إلا لمن أذن له إمام الزمان وعلى ما يشترطه عليه في الفعال، وذلك خاص لاهل الامامة دون من سواهم لاسباب يطول بشرحها الكتاب. وأما المتابعة لهم فلا بأس. بها فيما لا يكون ظاهره تضرر (2) أهل الايمان واستعماله على الاغلب في العصيان. وأما الاكتساب


معارض الف. 2 - لضرر الف وب وج وه‍.

[ 121 ]

منهم فجايز على ما وصفناه والانتفاع بأموالهم وإن كانت مشوبة حلال (1) لمن سميناه من المؤمنين خاصة دون من عداهم من ساير الانام. فأما ما في أيديهم من أموال أهل المعرفة على الخصوص إذا كانت معينة محصورة فإنه لا يحل لاحد تناول شئ منها على الاختيار، فإن اضطر إلى ذلك كما يضطر إلى الميتة والدم جاز تناوله لازالة الاضطرار دون الاستكثار منه على ما بيناه. وهذا مذهب مختص بأهل الامامة خاصة، ولست أعرف لهم فيه موافقا لاهل الخلاف. 129 - القول في الاجماع واقول: إن اجماع الامة حجة لتضمنه قول الحجة، وكذلك إجماع الشيعة حجة لمثل ذلك دون الاجماع (2). والاصل في هذا الباب ثبوت الحق من جهته بقول الامام القائم مقام النبي (ص)، فلو قال وحده قولا لم يوافقه عليه أحد من الانام لكان كافيا في الحجة والبرهان. وإنما جعلنا الاجماع حجة به وذكرناه لاستحالة حصوله إلا وهو فيه إذ هو أعظم الامة قدرا وهو المقدم على سائرها في الخيرات ومحاسن (3) الاقوال والاعمال. وهذا مذهب أهل الامامة خاصة، ويخالفهم فيه المعتزلة والمرجئة والخوارج وأصحاب الحديث من القدرية و أهل الاجبار.


1 - راجع الوسائل ج 5 الباب الثالث والرابع من ابواب الانفال ص 375 إلى 386. 2 - الاجتماع ز. 3 - الاحوال والاقوال والاعمال الف.

[ 122 ]

130 - القول في أخبار الاحاد واقول: إنه لا يجب العلم ولا العمل بشئ من أخبار الاحاد، ولا يجوز لاحد أن يقطع بخبر الواحد في الدين إلا أن يقترن به ما يدل على صدق راويه على البيان. وهذا مذهب جمهور الشيعة وكثير من المعتزلة والمحكمة وطائفة من المرجئة وهو خلاف لما عليه متفقهة العامة وأصحاب الرأي. 131 - القول في الحكاية والحكي واقول: إن حكاية القرآن قد يطلق عليها اسم القرآن وإن كانت في المعنى غير المحكي على البيان، وكذلك حكاية كل كلام يسمى به على الاطلاق، فيقال لمن حكى شعر النابغة: (فلان أنشد شعر النابغة) و (سمعنا من فلان شعر زهيرا) كما يقال لمن امتثل أمر رسول الله (ص) في الدين وعمل به: (فلان يدين بدين رسول الله (ص) (فيطلقون هذا القول إطلاقا من دون تقييد وإن كان المعنى فيه مثل ما ذكرناه من الحكاية على التحقيق وهذا مذهب جمهور المعتزلة، و يخالف فيه أهل القدر من المجبرة. 132 - القول في ناسخ القرآن ومنسوخه وأقول: إن في القرآن ناسخا ومنسوخا كما أن فيه محكما ومتشابها بحسب ما علمه الله من مصالح العباد. قال الله - عز اسمه -: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير، منها أو مثلها). والنسخ عندي في القرآن إنما هو نسخ متضمنه من الاحكام وليس هو رفع أعيان المنزل منه كما ذهب إليه كثير من

[ 123 ]

أهل الخلاف، ومن المنسوخ (1) في القرآن قوله تعالى: (والذين يتوفون منكم و يذرون أزواجا وصية لازواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج) وكانت العدة بالوفاة بحكم هذه الاية حولا ثم نسخها قوله تعالى: (والذين يتوفون منكم و يذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا). واستقر هذا الحكم باستقرار شريعة الاسلام، وكان (2) الحكم الاول منسوخا والاية به ثابتة غير منسوخة وهي قائمة في التلاوة كناسخها بلا اختلاف. وهذا مذهب الشيعه و جماعة من أصحاب الحديث وأكثر المحكمة والزيدية، ويخالف فيه المعتزلة و جماعة من المجبرة، ويزعمون أن النسخ قد وقع في أعيان الاى كما وقع في الاحكام، وقد خالف الجماعة شذاذ انتموا إلى الاعتزال، وأنكروا نسخ ما في القرآن على كل حال. وحكى عن قوم منهم أنهم نفوا النسخ في شريعة الاسلام على العموم، وأنكروا أن يكون الله نسخ منها شيئا على جميع الوجوه والاسباب. 133 - القول في نسخ القرآن بالسنة واقول: إن القرآن ينسخ بعضه بعضا ولا ينسخ شيئا منه السنة بل تنسخ السنة به كما تنسخ السنة بمثلها من السنة قال الله عزوجل: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) وليس يصح أن يماثل كتاب الله تعالى غيره، ولا يكون في كلام أحد من خلقه خير منه، ولا معنى لقول أهل الخلاف


1 - وهو المنسوخ الف. 2 - وكان حكم الحول منسوخا ب.

[ 124 ]

(نأت بخير منها) في المصلحة، لان الشئ لا يكون خيرا من صاحبه بكونه أصلح منه لغيره، ولا يطلق ذلك في الشرع ولا تحقيق اللغة ولو كان ذلك كذلك لكان العقاب خيرا من الثواب، وابليس خيرا من الملائكة والانبياء، وهذا فاسد محال. والقول بان السنة لا تنسخ القرآن مذهب أكثر الشيعة وجماعة من المتفقهة وأصحاب الحديث ويخالفه كثير من المتفقهة والمتكلمين. 134 - القول في خلق الجنة والنار واقول: إن الجنة والنار في هذا الوقت مخلوقتان، وبذلك جاءت الاخبار وعليه إجماع أهل الشرع والاثار، وقد خالف في هذا القول المعتزلة والخوارج و طائفة من الزيدية، فزعم أكثر من سميناه أن ما ذكرناه من خلقهما من قسم الجايز دون الواجب، ووقفوا في الوارد به من الاثار وقال من بقى (1) منهم بإحالة خلقهما. واختلفوا في الاعتلال، فقال أبو هاشم بن الجبائى إن ذلك محال لانه لابد من فناء العالم قبل نشره وفناء بعض الاجسام فناء لسايرها، وقد انعقد الاجماع على أن الله تعالى لا يفنى الجنة والنار، وقال الاخرون وهم المتقدمون لابي (2) هاشم خلقهما في هذا الوقت عبث لا معنى له، والله تعالى لا يعبث في فعله ولا يقع منه الفساد.


1 - نفي منهم د من نفى ذلك منهم ه‍. 2 - اللام بمعنى على، يعني المتقدمون على ابي هاشم، لان رأى ابي هاشم قد ذكره قبلا. وفي نسخة الف وج ود كابي هاشم، وهذا لا يستقيم لما مر من ذكر رأي ابي هاشم ودليله.

[ 125 ]

135 - القول في كلام الجوارح ونطقها وشهادتها واقول: إن ما تضمنه القرآن من ذكر ذلك. إنما هو على الاستعارة دون الحقيقة، كما قال الله تعالى: (ثم استوى إلى السماء وهى دخان فقال لها و للارض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين). ولم يكن منهما نطق على التحقيق. وهذا مذهب ابي القاسم البلخي وجماعة من أهل العدل ويخالف فيه كثير من المعتزلة وساير المشبهة والمجبرة. 136 - القول في تعذيب الميت ببكاء الحي عليه واقول: إن هذا جور لا يجوز في عدل الله تعالى وحكمته، وإنما الخبر فيه أن النبي (ص) مر بيهودي قد مات وأهله يبكون عليه، فقال انهم يبكون عليه وإنه ليعذب ولم يقل إنه معذب من أجل بكائهم عليه. وهذا مذهب أهل العدل كافة ويخالف فيه أهل القدر والاجبار. 137 - القول في كلام عيسى - عليه السلام - في المهد واقول: إن كلام عيسى (ع) كان على كمال عقل وثبوت تكليف وبعد أداء واجب كان منه ونبوة حصلت له، وظاهر الذكر دليل على ذلك في قوله تعالى: (قال إنى عبد الله آتانى الكتاب وجعلني نبيا)، وهذا مذهب أهل الامامة بأسرها وجماعة من أهل الشيعة غيرها، قد ذهب إليه نفر من المعتزلة وكثير من أصحاب الحديث وخالف فيه الخوارج وبعض الزيدية وفرق من المعتزلة.

[ 126 ]

138 - القول في كلام المجنون والطفل وهل يكون فيه كذب أو صدق ام لا ؟ واقول: إنه قد يكون ذلك فيما يتخصص في اللفظ باسم معين إذ هو معنى مخصوص كقول القائل: (رب العالمين واحد) و (خالق الخلق بأسرهم اثنان) أو (محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صادق، أو (موسى بن عمران المبعوث على بني اسرائيل كاذب) (1) وما أشبه ذلك. فأما المبهم من الاخبار في الالفاظ والمعاني فإنه لا يحكم عليه بالصدق والكذب حتى يعلم القصد من قائله والنية فيه. وهذا مذهب جماعة من أهل العدل منهم أبو القاسم البلخي، و يذهب إليه قوم من الشيعة العدلية وطائفة من المرجئة، وقد خالف فيه بعض المعتزلة وجماعة من الخوارج وأصحاب الحديث. 139 - القول في ماهية الكلام واقول: إن الكلام هو تقطيع الاموات ونظامها على وجه يفيد المعاني المعقولات والاصوات عندي ضرب من الاعراض وليس يصح على الكلام البقاء من حيث يستحيل ذلك على الاعراض كلها، ولانه لو بقي الكلام لم يكن ما تقدم من حروف الكلمة أولى بالتأخر ولا المتأخر أولى بالتقدم وكان ذلك يؤدى إلى فساد الكلام وارتفاع التفاهم به على كل حال. وهذا مذهب جماعة من المعتزلة وخالف فيه بعضهم وساير المشبهة.


1 - كاذب العياذ بالله الف.

[ 127 ]

140 - القول في التوبة من المتولد قبل وجوده أو بعده واقول: إنه لا يصلح التوبة من شئ من الافعال قبل وجودها سواء كانت مباشرة أو متولدة وان (1) من فعل سببا أوجب به مسببا ثم ندم على فعل السبب قبل وجود المسبب فقد سقط عنه عقابه وعقاب المسبب وإن لم يكن نادما في الحقيقة على المسبب ليس لانه مصر عليه أو متهاون به لكن (2) لانه لا يصح له الندم مما لم يخرج إلى الوجود والتوبة مما لم يفعله بعد، غير انه متى خرج إلى الوجود ولم يمنعه مانع من ذلك فان التوبة منه واجبة إذا كان فاعله متمكنا، وهذا مذهب جمهور أصحاب التولد وقد خالفهم فيه نفر من أهله، و زعموا أن التوبة من السبب توبة من المسسب. وقال بعضهم إنه بفعله المسبب يكون كالفاعل للمسبب، ولذلك (3) يجب عليه التوبة منه، والقولان جميعا باطلان لان التوبة من الشئ لا يكون توبة من غيره، وقد ثبت أن السبب غير المسبب ولان السبب قد يوجد ولا يخرج المسبب إلى الوجود بمانع يمنعه منه. 141 - القول في الزيادات في اللطيف القول في الاجسام ؟ هل تدرك ذواتها أو أعراضها أو هما معا ؟ واقول: إن الادراك واقع بذوات الاجسام واعيان الالوان والاكوان، و


1 - في بعض النسخ أو من فعل د. 2 - كلمتا به ولكن ليستا في الف. 3 - وكذلك د وج.

[ 128 ]

ذلك لما يحصل للنفس من العلم بوجود الذاهب في الجهات حسا وليس يصح على الاعراض الذهاب في الجهات، كما انه قد يدرك الشئ على ما وصفناه فقد يدرك فيه ما يقبض البصر ويبسطه ويدرك ما يكون في مكانه ويخرج به عنه، ولا فرق بين من زعم أن الادراك إنما هو للالوان والاكوان دون الجواهر والاجسام، وبين من قلب القضية وزعم أن الادراك إنما هو للاجسام (1) دون ذلك، بل قول هذا الفريق أقرب لان كثيرا من العقلاء قد شكوا في وجود الاعراض ولم يشك أحد منهم في وجود الاجسام وإن ادعى بعضهم انها مؤلفة من أعراض. وهذا مذهب جمهور أهل النظر، وقد خالف فيه فريق منهم. 142 - القول في الاجسام هل يصح أن يتحرك جميعها بحركة بعضها ؟ واقول: إنه لا يصح ذلك كما لا يصح أن يسود جميعها بسواد بعضها و لا يبيض ولا يجتمع ولا يتفرق، ولان المتحرك هو ما قطع المكانين، ومحال أن يكون اللابث قاطعا. وهذا مذهب جماعة كثيرة من أهل النظر، وقد خالف فيه كثير أيضا منهم وهو مذهب ابي القاسم البلخي وغيره من المتقدمين.


1 - من هنا إلى كلمة وان ادعى يعني جملة (دون ذلك بل قول هذا الفريق اقرب لان كثيرا من العقلاء قد شكوا في وجود الاعراض ولم يشك احد منهم في وجود الاجسام) سقطت عن نسخة الف وب وه‍.

[ 129 ]

143 - القول في الثقيل هل يصح وقوفه (1) في الهواء الرقيق بغير علاقة ولا عماد ؟ واقول: إن ذلك محال لا يصح ولا يثبت، والقول به مؤد إلى اجتماع المضادات، وهذا مذهب ابي القاسم البلخي وجماعة من المعتزلة وأكثر الاوائل، وخالفهم فيه البصريون من المعتزلة، وقد حكي انه لم يخالف فيه أحد من المعتزلة إلا الجبائى وابنه وأتباعهما. 144 - القول في الجزء الواحد هل يصح أن توجد فيه حركتان (2) في وقت واحد ؟ واقول: إن ذلك محال لا يصح من قبل أن وجود الحركة الواحدة يوجب خروج الجسم من مكانه إلى ما يليه، فلو وجدت فيه الحركتان لم يخل القول في ذلك من أحد وجهين: إما أن يقطع بهما (3) مكانين في حالة واحدة وذلك محال، أو أن يقطع بإحديهما ولا يكون للاخرى تأثير وذلك أيضا فاسد محال، ولا معنى لقول من قال إن تأثيرها سرعة قطعه للمكان لان السرعة انما تكون في توالي قطع الاماكن دون القطع الواحد للمكان الواحد. وهذا مذهب ابى القاسم وجماعة كثيرة من أهل النظر، وقد خالف فيه فريق من المعتزلة و جماعة من أصحاب الجهالات.


1 - وقوعه ز. 2 - حركات الف. 3 - منهما الف وب.

[ 130 ]

145 - القول في الجسم هل يصح أن يتحرك بغير دافع ؟ واقول: إنه لو صح ذلك بأن توجد فيه الحركة اختراعا كما يزعم المخالف لصح وقوف جبل أبي قبيس (1) في الهواء بأن يخترع فيه السكون من غير دعامة ولا علاقة، ولو صح ذلك لصح أن يعتمد الحجر الصلب الثقيل على الزجاج الرقيق وهما بحالهما فلا ينكسر الجاج وتتخلل النار أجزاء القطن وهما على حالهما فلا تحرقه، وهذا كله تجاهل يؤدى إلى كل محال فاسد، وإلى هذا القول كان يذهب أبو القاسم وجماعة الاوائل وكثير من المعتزلة، وإنما خالف فيه أبو علي الجبائي وابو هاشم ابنه ومن تبعهما. 146 - القول في الحركات هل يكون بعضها أخف من بعض ؟ واقول: إن ذلك محال لما قدمت من القول في استحالة وجود الحركتين في جزء واحد في حال واحد، وإنما يصح القول في المتحرك بأنه (2) أخف من متحرك غيره وأسرع، ولا يستحيل في ذلك في الاجسام. وهذا أيضا بذهب ابي القاسم وأكثر اهل النظر، وقد خالف فيه فريق من الدهرية. وغيرهم.


جبل إلى هذا القول في الهواء الف. 2 - لانه ه‍.

[ 131 ]

147 - القول في ترك الانسان ما لم يخطر بباله واقول: إن ذلك جايز كجواز إقدامه على ما لا يخطر بباله، ولو كان لا يصح ترك شئ إلا بعد خطوره بالبال ما جاز فعله إلا بعد ذلك، وليس للفعل تعلق بالعلم ولا بخطور البال من حيث كان فعلا. وهذا مذهب جمهور أهل العدل، وقد خالف فيه فريق منهم وجماعة أهل الجبر. 148 - القول في ترك الكون في المكان العاشر والانسان في المكان الاول واقول: إن ذلك محال باستحالة كونه في العاشر وهو في الاول، ولو صح أن يترك في الوقت ما لا يصح (1) فعله فيه لصح أن يقدر في الوقت على ما لا يصح قدرته على ضده فيه وهذا باطل باجماع أهل العدل، وليس بين جمهور من سميناه خلاف فيما ذكرناه وإن خالف فيه شذاذ منهم على ما وصفناه. 149 - القول في العلم والالم هل يصح حلولهما في الاموات أم لا ؟ واقول: إن ذلك مستحيل غير جايز، والعلم باستحالته يقرب من بداية العقول، ولو جاز وجود ميت عالم (2) آلم لجاز وجوده قادرا ملتذا مختارا، ولو


1 - ما يصح الف وب ود. 2 - كلمة عالم سقطت عن الف.

[ 132 ]

صح ذلك لم يوجد فرق بين الحى والميت، ولما استحال وجود متحرك ساكن وأبيض أسود وحى ميت، وهذا كله محال ظاهر الفساد، وعلى هذا المذهب إجماع أهل النظر على اختلاف مذاهبهم وقد شذ عن القول به شاذون نسبوا بشذوذهم عنه إلى السفسطة والتجاهل. 150 - القول في العلم بالالوان هل يصح خلقه في قلب الاعمى أم لا ؟ واقول: إن ذلك محال لا يصح كما يستحيل خلو (1) العاقل من العلم بالجسم وهو موجود قد اتصل به شعاع بصره من غير مانع بينهما، وكما أنه لا يصح وجود العلم بالمستنبطات في قلب من لا يمكنه الاستنباط لعدم الدلائل وفقدها، كذلك يستحيل وجود العلم بالالوان لمن قد فقد ما يتوسط بين العاقل وبين معرفة الالوان من الحواس. وهذا مذهب ابي القاسم (2) وكثير من أهل التوحيد، وقد خالفهم فيه جماعة من المعتزلة وسائر أهل التشبيه. 151 - القول فيمن نظر وراء العالم أو مد يده واقول: إنه لا يصح خروج يد ولا غيرها وراء العالم إذ كان الخارج لا يكون خارجا إلا (3) بحركة والمتحرك لا يصح تحركه إلا في مكان، وليس وراء العالم


1 - خلق الف. 2 - ابي القاسم البلخي الف وب. 3 - كلمة الا سقطت عن ب.

[ 133 ]

شئ موجود فيكون مكانا (1) أو غير مكان، وإذا لم تصح حركة شئ إلى خارج العالم لم تصح رؤية ما وراء العالم، لان الرؤية لا تقع إلا على شئ موجود تصح رؤيته باتصال الشعاع به أو محله، وليس وراء العالم شئ موجود و لا معلوم فضلا عن موجود. وهذا مذهب ابي القاسم وسائر أهل النظر في أحد القسمين وهو الرؤية، ومذهبه مذهب (2) اكثر أهل التوحيد في الحركة، و يخالفهم فيه نفر يسير. 152 - القول في ابليس أهو من الجن أم من الملائكة ؟ واقول: إن ابليس من الجن خاصة، وإنه ليس من الملائكة ولا كان منها، قال الله تعالى: (إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه)، وجاءت الاخبار متواترة (3) عن أئمة الهدى من آل محمد - عليهم السلام - بذلك، وهو مذهب الامامية كلها. وكثير من المعتزلة وأصحاب الحديث. تم كتاب أوائل المقالات والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد (4) وآله الطاهرين.


1 - مكان د وه‍ وج. 2 - ومذهب ه‍. 3 - المتواترة الف وب. 4 - محمد خاتم النبيين وآله الطيبين الطاهرين الف وب.

[ 134 ]

هذه الزيادة كان خرجها (1) وسأل (2) الشيخ المفيد ابا عبد الله محمتد بن النعمان - تغمده الله برحمته - السيد الشريف الرضي ذو الحسبين أبو الحسن محمد (3) بن الشريف الاجل الطاهر الاوحد أبي احمد الموسوي - قدس الله روحه - ليضاف (4) إلى (اوائل المقالات) بسم الله الرحمن الرحيم 153 - القول في العصمة ما هي ؟ اقول: إن العصمة في أصل اللغة هي ما اعتصم به الانسان من الشئ كانه امتنع به عن الوقوع فيما يكره، وليس هو (5) جنسا من أجناس الفعل، ومنه قولهم: (اعتصم فلان بالجبل) إذا امتنع به، ومنه سميت (العصم) وهي وعول (6) الجبال لامتناعها بها. والعصمة من الله تعالى هي التوفيق الذي يسلم به الانسان مما يكره إذا


1 - كلمة خرجها غير موجودة في الف. 2 - في نسخة د هكذا (سأل الشيخ المفيد قدس الله روحه عنها السيد الشريف محمد بن الحسين الرضى الموسوي قدس سره ليضاف إلى اوائل المقالات). 3 - كلمة محمد غير موجودة في ه‍. 4 - جملة (ليضاف إلى اوائل المقالات) غير موجودة في نسخة ج. 5 - ليست هي. 6 - وقوع الجبل ه‍.

[ 135 ]

أتى بالطاعة، وذلك مثل إعطائنا رجلا غريقا حبلا ليتشبث به فيسلم، فهو إذا أمسكه واعتصم به سمي ذلك الشئ عصمة له لما تشبث وسلم به من الغرق ولو لم يعتصم به لم يسم (عصمة)، وكذلك سبيل اللطف إن الانسان إذا أطاع سمي (توفيقا) و (عصمة)، وإن لم يطع لم يسم (توفيقا) ولا (عصمة)، وقد بين الله ذكر هذا المعنى في كتابه بقوله: (فاعتصموا بحبل الله جميعا)، وحبل الله هو دينه، ألا ترى أنهم بامتثال أمره يسلمون من الوقوع في عقابه، فصار تمسكهم بأمره اعتصاما، وصار لطف الله لهم في الطاعة عصمة، فجميع المؤمنين من الملائكة والنبيين والائمة معصومون لانهم متمسكون بطاعة الله تعالى. وهذه جملة من القول في العصمة ما أظن أحدا يخالف في حقيقتها، وإنما الخلاف في حكمها (1) كيف تجب وعلى أي وجه تقع، وقد مضى ذكر ذلك في باب عصمة الانبياء وعصمة نبينا - عليه وعليهم الصلوه والسلام - وهي في صدر الكتاب، وهذا الباب ينبغى أن يضاف إلى الكلام في الجليل، إن شاء الله تعالى. 154 - القول في أن النبي - صلى الله عليه وآله - بعد أن خصه الله بنبوته كان كاملا يحسن الكتابة ان الله تعالى لما جعل نبيه (ص) جامعا لخصال الكمال كلها وخلال المناقب بأسرها لم تنقصه منزلة بتمامها يصح له الكمال ويجتمع فيه الفضل، و الكتابة فضيلة من منحها فضل ومن حرمها نقص، ومن الدليل على ذلك أن الله تعالى جعل النبي (ص) حاكما بين الخلق في جميع ما اختلفوا فيه فلابد أن


1 - حكمتها الف.

[ 136 ]

يعلمه الحكم في ذلك، وقد ثبت أن امور الخلق قد يتعلق أكثرها بالكتابة فتثبت بها الحقوق وتبرئ بها الذمم وتقوم بها البينات وتحفظ بها الديون وتحاط بها الانساب، وانها فضل تشرت المتحلى به على العاطل منه، وإذا صح أن الله - جل اسمه - قد جعل نبيه بحيث وصفناه من الحكم والفضل ثبت أنه كان عالما بالكتابة محسنا لها. وشئ آخر وهو أن النبي لو كان لا يحسن الكتابة ولا يعرفها لكان محتاجا في فهم ما تضمنته الكتب من العقود وغير ذلك إلى بعض رعيته، ولو جاز (1) أن يحوجه الله في بعض ما كلفه الحكم فيه إلى بعض رعيته لجاز أن يحوجه في جميع ما كلفه الحكم فيه إلى سواه وذلك مناف لصفاته ومضاد لحكمة باعثه، فثبت أنه (ص) كان يحسن الكتابة. وشئ آخر وهو قول الله سبحانه: (هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن (2) كانوا من قبل لفي ضلال مبين)، ومحال أن يعلمهم الكتاب وهو لا يحسنه كما (3) يستحيل أن يعلمهم الحكمة وهو لا يعرفها، ولا معنى لقول من قال: (ان الكتاب هو القرآن خاصة) إذ اللفظ عام والعموم لا ينصرف عنه إلا بدليل، لا سيما على قول المعتزلة وأكثر أصحاب الحديث. ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى: (وما كنت تتلوا من قبله من كتاب و


1 - جملة (ولو جاء ان يحوجه الله في بعض ما كلفه الحكم فيه إلى بعض رعيته) سقطت عن نسخة ب فصار قوله لجاز الخ جزاء بلا شرط. 2 - من كلمة (وان كانوا) إلى قوله (وهو لا يعرفها) سقط من نسخة ب. 3 - جملة (كما يستحيل ان يعلمهم الحكمة وهو لا يعرفها) سقطت عن نسخة ه‍.

[ 137 ]

لا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون)، فنفي عنه إحسان الكتابة وخطه قبل النبوة خاصة فأوجب بذلك إحسانه لها بعد النبوة، ولولا ان ذلك كذلك لما كان لتخصيصه النفي معنى يعقل (1)، ولو كان حاله (ص) في فقد العلم بالكتابة بعد النبوة كحاله قبلها لوجب إذا أراد نفي ذلك عنه أن ينفيه بلفظ يفيده لا يتضمن (2) خلافه فيقول له: (وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذ ذاك، ولا في الحال)، أو يقول: (لست تحسن الكتابة ولا تأتي (3) بها على كل حال)، كما انه لما أعدمه قول الشعر ومنعه (4) منه نفاه عنه بلفظ يعم الاوقات فقال الله: (وما علمناه الشعر وما ينبغي له) وإذا كان الامر على ما بيناه ثبت أنه - صلى الله عليه وآله - كان يحسن الكتابة بعد ان نبأه الله تعالى على ما وصفناه. وهذا مذهب جماعة من الامامية ويخالف فيه باقيهم وسائر أهل المذاهب والفرق يدفعونه وينكرونه. 155 - ومما يضاف إلى الكلام في اللطيف القول في احساس الحواس واقول: إن الحس كله بمماسة (5) ما يحس به المحسوص واتصاله به أو بما


1 - بفعل الف. 2 - لا ينقض د. 3 - يتأتى منك د. 4 - جملة (منعه منه نفاه عنه بلفظ يعم الاوقات فقال الله وما علمناه الشعر وما ينبغي له) سقطت عن نسخة ه‍. 5 - كله مماسة الف وه‍.

[ 138 ]

يتصل به أو بما ينفصل عنه أو بما يتصل بما ينفصل عنه، وذلك كالبصر فإن شعاعه لابد من أن يتصل بالمبصر أو بما ينفصل عنه أو بما يتصل بما ينفصل عنه، ولو كان يحس به بغير اتصال لما ضر الساتر والحاجز ولاضرت الظلمة ولكان وجود ذلك وعدمه في وقوع العلم سواء. فان قال قائل: أفيتصل شعاع البصر بالمشتري وزحل على بعدهما ؟ قيل له: لا ولكنه يتصل بالشعاع المنفصل منهما فيصير كالشئ الواحد لتجانسهما وتشاكلهما. وأما الصوت فإنه إذا حدث في أول (1) الهواه الذي يلي الاجسام المصطكة وكذا فيما يليه من الهواء مثله ثم كذلك إلى أن يتولد في الهواء الذي يلى الصماخ فيدركه السامع. ومما يدل على ذلك أن القصار يضرب بالثوب على الحجر فيرى مماسة الثوب الحجر ويصل الصوت بعد ذلك فهذا دال على ما قلناه من أنه يتولد في الهواء هواء بعد هواء إلى أن يتولد في الهواء الذي يلي الصماخ، وأما الرائحة فإنه تنفصل من جسم ذي الرائحة أجزاء لطاف وتتفرق في الهواء، فما (2) صار منها في الخيشوم الذي يقرب من موضع ذي الرائحة أدركه، وأما الذوق فإنه إدراك ما ينحل من الجسم فيمازج رطوبة اللسان واللهوات، ولذلك لا يوجد طعم ما لا ينحل منه شئ كاليواقيت والزجاج ونحوها، والطعم والرائحة لا خلاف في أنهما لا يكونان إلا بمماسة (3)، واللمس في الحقيقة هو الطلب (4)


1 - اوائل ب. 2 - مما الف. 3 - بحاسة د. 4 - طلب للشئ يشعر به د.

[ 139 ]

للشئ ليشعر به ويحس وحقيقته الشعر. وهذه جملة على اعتقادها أبو القاسم البلخي وجمهور أهل العدل وابو هاشم الجبائي يخالف في مواضع منها. 156 - القول في الاجتهاد والقياس اقول: إن الاجتهاد والقياس في الحوادث لا يسوغان للمجتهد ولا للقائس، وإن كل حادثة ترد فعليها نص من الصادقين - عليهم السلام - يحكم به فيها ولا يتعدى إلى غيرها، بذلك جاءت الاخبار الصحيحة والاثار الواضحة عنهم - صلوات الله عليهم - وهذا مذهب الامامية خاصة، ويخالف فيه جمهور المتكلمين وفقهاء الامصار. وهذا آخر (1) ما تكلم به السيد الشريف الرضى - رضي الله عنه و أرضاه - وصلى الله على محمد النبي الامي وعلى آله كثيرا طيبا.


1 - وقد بقى فصل آخر استخرجه شيخ الاسلام الزنجاني قده عن كتاب سيد بن طاوس مما نقله عن اوائل المقالات.

[ 141 ]

الحواشى والتعليقات للعلامة الحجة الشيخ فضل الله الشهير بشيخ الاسلام الزنجاني و الحاج عباسقلى ص. وجدي (واعظ چرندابى)

[ 143 ]

بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة: سيدنا الشريف النقيب - 33 / 5. لم يصرح باسم الشريف الذي صنف الكتاب له، والمترجح أنه هو السيد الشريف الرضى محمد بن الحسين - قدس سره - كما ذكرنا قرائن ذلك في التمهيد الذي صدرنا به الكتاب. ز. المقدمة: من ذهب إلى العدل من المعتزلة - 33 / 8. القول بالعدل وتنزيه الباري عن فعل الظلم والقبح يشترك فيه الشيعة والمعتزلة ولذلك يطلق العدلية على كلا هذين الفريقين إلا أن بينهم بعض مخالفات في فروع مسائله تصدى المصنف ببيانها في مواضعه من هذا الكتاب. ز. المقدمة: اللطيف من الكلام - 33 / 10. اللطيف من الكلام أبحاث مختلفة حول مسائل لا تدخل تحت المسائل الاصلية من علم الكلام وإن كانت لها ارتباط ومناسبة بها، وكثير منها مما بحث عنه الفلاسفة في كتبهم ومؤلفاتهم وراج البحث عنها في الالسنة بعد ترجمة كتب الفلسفة إلى

[ 144 ]

العربية، وتعرض لها المتكلمون وعنونوها في ضمن أبحاثهم وأبدوا آراءهم ونظرياتهم فيها. وقد أفرد أبو محمد ابن حزم الظاهري الاندلسي مجلدا من كتابه (الفصل في الملل والنحل) لذكر هذه المسائل فقال: (الكلام في المعاني التي يسميها أهل الكلام باللطائف) فذكر فيها أمثال هذه المسائل التي ذكرها المصنف من مباحث الجواهر والاعراض، والحركة والسكون، والتولد والطباع والمعارف وغيرها. وقد استعمل أبو الحسين الخياط المعتزلي هذه اللفظة في موارد كثيرة من كتابه الموسوم ب‍ (الانتصار) الذي رد به على ابن الراوندي في نقضه على الجاحظ في (فضيلة المعتزلة)، مرادفا للمسائل الغامضة والدقيقة من المسائل الكلامية مما يحتاج إلى إمعان النظر وإعمال الروية فيها، فقال في سياق كلام له عن أبى الهذيل العلاف والدفاع عما نسب إليه من الاقاويل: (فانما ذكر الكلام في فناء الاشياء وبقائها والقول في المعاني والكلام في المعلوم والمجهول والكلام في التولد والكلام في إحالة القدرة على الظلم والكلام في المجانسة والمداخلة والكلام في الانسان والمعارف، وهذه أبواب من غامض الكلام ولطيفه) انتهى. وقد تكرر منه هذا التعبير في الكتاب المذكور. وكذا قد خصص أحمد بن يحيى بن المرتضى اليمني المتوفى سنة 840 ه‍ من أفاضل أئمة الزيدية القائمين في اليمن جزءا من كتابه (البحر الزخار) لذكر هذه المسائل وسماه ب‍ (رياض الافهام في اللطيف من الكلام). ز. المقدمة: ما كان وفاقا منه لبني نوبخت - 33 / 11. بنو نوبخت بيت معروف من الشيعة منسوبون إلى نوبخت الفارسي المنجم، نبغ منهم كثير من أهل العلم والمعرفة بالكلام والفقه والاخبار والاداب، واشتهر منهم بعلم الكلام جماعة أشهرهم أبو سهل إسماعيل بن علي النوبختي وأبو محمد الحسن بن

[ 145 ]

موسى النوبختي، وكان لهم إلمام بالفلسفة وسائر علوم الاوائل ونظر في الاصول واطلاع على الكتب الفلسفيه المترجمة إلى العربية في عهد الدولة العباسية. ومن هذه الجهة كان لبعضهم مخالفات يسيرة في خصوص بعض المسائل مع سائر متكلمي الامامية وأهل الفقه والحديث منهم تعرض المصنف لجملة منها في اثناء فصول هذا الكتاب وأشار إلى من يوافقهم في تلك المسائل أو يخالفهم. ز. القول 1: فاستغاثه الذي... - 34 / 6 سورة القصص 15: وقد اعتمدنا بعدد الايات في هذه الرسالة وما يليها من رسالة (تصحيح الاعتقاد) على المصحف المفسر المطبوع على الحجر بمصر حوالي سنة 1323 ه‍ والمفسر هو العلامة البحاثة الاستاذ محمد فريد وجدي صاحب (دائرة معارف القرن الرابع عشر أو العشرين ط 2 مصر). چ. القول 1: وإن من شيعته لابراهيم - 34 / 9. سورة الصافات: 83. القول 1: الجارودية - 37 / 2. اختصاص الجارودية بصحة الاتسام بسمة التشيع من جهة أنهم يقدمون أمير المؤمنين - عليه السلام - ويقولون إنه أفضل الخلق بعد رسول الله (ص) وأن الامامة كانت له - عليه السلام - ولم يكن يجوز لاحد أن يقوم مقامه، ومن دفعه عن ذلك المقام فهو مخطى هالك. ويرون أن النص عليه بالامامة كان بالوصف دون التسمية بمعنى أن النبي وإن لم يصرح باسمه. إلا أنه نص عليه باوصاف واضحة لم يكن يوجد إلا في شخصه ويجعلون ذلك بمنزلة النض عليه باسمه، وان الاقة قصروا حيث لم يتعرضوا للوصف ولم يطلبوا الموصوف.

[ 146 ]

والجارودية منسوبة إلى أبى الجارود زياد بن منذر العبدي كان من أصحاب أبي جعفر الباقر - عليه السلام - وتغير لما خرج زيد بن علي - عليه السلام -. ز. القول 1: اسم الاعتزال - 37 / 7. قال قاضي القضاة أحمد بن خلكان المتوفى سنة 681 ه في كتابه المعروف (وفيات الاعيان) 1 ذيل ترجمة واصل بن عطاء * ما نصه: وذكر السمعاني المتوفى سنة 562 في كتاب الانساب * * في ترجمة المعتزلي أن واصل بن عطاء كان يجلس إلى الحسن البصري - رضى الله عنه - فلما ظهر الاختلاف وقالت الخوارج بتكفير مرتكب الكبائر، وقالت الجماعة بأنهم مؤمنون وإن فسقوا بالكبائر فخرج واصل بن عطاء عن الفريقين وقال إن الفاسق من هذه الامة لا مؤمن ولا كافر منزلة بين منزلتين، فطرده الحسن عن مجلسه فاعتزل عنه وجلس إليه عمرو بن عبيد فقيل لهما ولاتباعهما معتزليون. قال علامة اليمن نشوان بن سعيد في (شرج رسالة الحور العين) 2: وسميت المعتزلة معتزلة لقولهم بالمنزلة بين المنزلتين، وذلك ان المسلمين اختلفوا في أهل الكبائر من أهل الصلاة، فقالت الخوارج هم كفار مشركون. وقال بعض المرجئة: إنهم مؤمنون لاقرارهم بالله ورسوله وبكتابه وبما جاء به رسوله وإن لم يعملوا به، وقالت المعتزلة: لا نسميهم بالكفر ولا بالايمان ولا يقولون إنهم مشركون ولا مؤمنون ولكن يقولون إنهم فساق فاعتزلوا القولين جميعا وقالوا بالمنزلة بين المنزلتين فسموا بالمعتزلة. ومن الناس من يقول إنا سموا معتزلة لاعتزالهم مجلس الحسن بن أبي الحسن البصري، وكان الذي اعتزله عمرو بن عبيد ومن تبعه، ذكر ذلك ابن قتيبة في المعارف 3. چ.


1 - ج 2 ص 302 طبع إيران. 2 - ص 204 - 205. 3 - انظر أمالي السيد المرتضى ج 1 ص 114 طبع مصر.

[ 147 ]

* قال محمد بن إسحاق النديم في كتابه القيم (الفهرست): كان واصل بن عطاء الغزال طويل العنق جدا حتى عابه بذلك عمرو بن عبيد، وذلك انه لما حضر واصل يوم أراد مناظرة عمرو فرآه عمرو من قبل أن يكلمه قال: أرى عنقا لا يفلح صاحبها. فسمعه واصل فلما سلم وجلس قال لعمرو: أما علمت ان من عاب الصنعة فقد عاب الصانع لتعلق ما بينهما ؟ فاسترجع عمرو وقال لا أعود إلى مثلها يا أبا حذيفة، ثم ناظره واصل فقطعه، وله من التصانيف... وكتاب المنزلة بين المنزلتين... وكانت ولادته في سنة 80 للهجرة بمدينة رسول الله وتوفي سنة 1 131. چ. * * وفي (الانساب) هكذا: المعتزلي، هذه النسبة إلى الاعتزال وهو الاجتناب والجماعة المعروفة بهذه العقيدة إنما سموا بهذا الاسم لان أبا عثمان عمرو بن عبيد البصري أحدث ما أحدث من البدع واعتزل مجلس الحسن البصري وجماعة معه، فسقوا المعتزلة واعتقادهم مشهورة معروفة يطول ذكرها 2. چ. القول 1: فتابعه عمرو بن عبيد - 37 / 9. اختلف الباحثون في وجه تسمية هذه الفرقة بهذا الاسم وعلة إطلاق الاعتزال عليهم كما يجده المراجع إلى كتب المقالات ككتب البغدادي واليمني والشهرستاني وغيرهم. وقد ارتاى بعض متاخري الباحثين من الافرنج ومن سواهم في ذلك آراء وافتراضات بعيدة عن الصواب لا نتعرض لذكرها. وهؤلا كثيرا ما يعرض لهم الخطاء في أمثال ذلك الابحاث، ويميلون إلى آراء وظنون لا نصيب لها من الصواب بمجرد الاعتماد والركون إلى أوهام ومناسبات افتراضية ويتخيلونها كأنها حقائق راهنة. وما أورده المصنف - قدس سره - هو أشهر ما قيل في ذلك، يؤيده تصريحات


1 - انظر تكملة الفهرست ص 1 من طبعة ممر 1348 ه‍، چ. 2 - وجه الورقة 536 طبع اروپا.

[ 148 ]

أكابر أهل الفن مضافا إلى قرب زمانه من زمن حدوث هذه التسمية ومعاصرته لبعض أكابر المعتزلة كأبي القاسم البلخي والقاضي عبد الجبار الرازي وأبي سعيد الاستخري وأبي الحسين البصري وغيرهم مما يظهر شهرة ما أورده من وجه التسمية في ذلك الزمان وعدم تعرض منهم لخلافه. ز. القول 1: وإن دان بالمخلوق والماهية - 38 / 8. كان ضرار بن عمرو الضبي الغطفاني ممن صحب شيخي المعتزلة واصل بن عطا وعمرو بن عبيد ثم تبع جهم بن صفوان في القول بخلق أفاعيل العباد برأت منه المعتزلة. والقول بالمخلوق هو مقالة المجبرة ان كل ما يكون في العبد من كفر وإيمان وطاعة ومعصية فالله تعالى فاعله ولا فعل للعبد في شئ منها، والقول بالمهية هو ما كان يزعمه أن لله تعالى ماهية لا يعلمها إلا هو خلافا لجمهور المعتزلة وسائر الفرق وقد حكى الشهرستاني هذه المقالة عن أبي حنيفة وجماعة من أصحابه أيضا 1. ز. القول 1: ما ذهب إليه في معاني الصفات - 38 / 9. لم أقف على وجه مخالفته لسائر الشيعة في باب أسماء الله الحسنى إلا ما نسب إليه من إطلاق لفظة أنه جسم لا كالاجسام والذي حكى رجوعه عنه، وقد سأل عن الامام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق - عليه السلام - عن اشتقاق أسماء الله تعالى فأجابه بما هو موجود في كتب محدثي الامامية كالكليني 2 والصدوق - قدس سرهما -


1 - الملل والنحل ج 1 ص 114. 2 - انظر باب معاني الاسماء واشتقاتها من كتاب (اصول الكافي) للمحدث الكليني - قدس الله سره - ص 63 و 81 من شرح الكافي (مرآة العقول) ج 1 طبع إيران للعلامة المجلسي - رحمة الله عليه - چ.

[ 149 ]

وليس في الرواية المذكورة مخالفة لما عليه سائر الشيعة بل يستفاد من تلك الرواية جلالة قدره وعظم محله عند الامام - عليه السلام -. أما ما ذهب إليه في معاني الصفات فيحتمل أن يكون إشارة إلى ما نسب إليه في ألسنة أهل المقالات من أنه كان يقول: إن القدرة والسمع والبصر والحياة والارادة في الله تعالى صفات لا يقال إنها قديمة أو محدثة وانها ليست هي هو، ولا غيره كما نسبه إليه البغدادي والشهرستاني وغيرهما. وفي أمر هذه النسب إليه وإلى سائر متكلمي الشيعة تأمل حيث لم ينقل ذلك عنهم إلا بواسطة خصومهم من المعتزلة كالنظام والجاحظ وغيرهما ممن لا يمكن الاعتماد عليهم بمجردها لاتهامهم بالتحامل والتشنيع عليه إذ كان لسنا نظارا ومجادلا حاضر البديهة يناظر هؤلا ويفحمهم، فقد ذكر المسعودي خبر مناظرته لابي الهذيل وقطعه إياه. ويذكره الشهرستاني في كتابه ويقول: وهذا هشام بن الحكم صاحب غور في الاصول لا يجوز أن يغفل عن إلزاماته على المعتزلة، وكثيرا ما كانوا يرددون أمثال هذه العبارات في مقام الجدل والمناظرة ويجري على ألسنتهم لالزام الخصوم أو استخراج ما عندهم من الجواب فينسبها خصومهم إليهم تشنيعا فليس يبقى اعتماد على ما حكي عنهم من هذا القبيل، والمصنف حكى ما نفل عنهم في ألسنة أهل المقالات وسيشير في موضع آخر إلى ترديده في صحة أمثال هذه النسب إليه وأنها من تخرصات المعتزلة عليه. ز. القول 3: والعامة المنتسبون إلى الحديث - 39 / 14. تكرر ذكر اسم هذه الفرقة في الكتاب وهؤلاء هم الذين كانوا يأخذون بظواهر الاحاديث والروايات بغير تأويل قيما يجب فيه التأويل أو طرح لما يلزم فيه الطرح. والعلة في ذلك أن السنة النبوية لم تكن مجموعة ومدونة في عصر الرسالة حتى لا يتطرق إليها الزيادة والنقصان والتحريف والتصحيف، وكانت متفرقة بين

[ 150 ]

الصحابة ممن أدركوه وأخذوا منه وفيهم المكي والمدني والبدوي والحضري وغيرهم، فكانوا هم المرجع في ما سمعوه عن رسول الله (ص) أو شاهدوه من أفعاله وتقريره، وكثيرا ما كان يعرض لهؤلا سهو أو نسيان أو تصحيف من جهة طول المدة بين استماعهم وروايتهم. ثم انقضى عصر الصحابة وجاء بعدهم الطبقات المتلاحقة من التابعين وأتباعهم ومن تأخر عنهم، وقد زاد أمر الحديث المروي اختلالا من جهة ما حصل فيه من الوضع والتدليس والكذب وما ولده فيه الزنادقة وغيرهم ترويجا لاباطيلهم أو طعنا في أحكام الاسلام على تفصيل نبه عليه العلماء في مواضعه. وقد راج ذلك على بعض غفلة المحدثين فاودعوا هذه الروايات في كتبهم فأتى من بعدهم من رأى تلك الاحاديث موجودا في الكتب ومرويا إليهم عمن يثقون به من أمثالهم فقبلوها على علاتها حتى ما كان منها يخالف الكتاب والسنة القطعية الثابتة أو ما يناقض بعضها بعضا أو يخالف العقل اغترارا بأنها أحاديث صحيحة مروية. وقد كان تفاقم أمرهم من جهة اتباع السواد الاعظم من عامة الناس لهم في أواسط الدولة العباسية وجرى من أجل ذلك ما لا يسع المقام لذكره، وهؤلاء هم العامة المنتسبون إلى الحديث الذين كانوا يلقبون بالحشوية أيضا لقبولهم للاحاديث المحشوة بالاباطيل وتدينهم بالاعتقاد بمضامينها من أنواع الاباطيل والمنكرات 1 على تفصيل لا يسعه المقام ونبه عليه أهل الفن في مؤلفاتهم. ز. القول 3: المتسمون - 40 / 6. انظر (القاموس) ذيل مادة (وسم). چ.


1 - قال في (الحور العين): وسميت الحشوية لانهم يحشون الاحاديث التي لا أصل لها في الاحاديث المروية عن رسول الله (ص) أي يدخلونها فيها وليست منها. ص 204. چ. (*)

[ 151 ]

القول 5: على أنهم لفسقهم في النار مخلدون - 43 / 3 قال الشيخ المفيد - رحمه الله - في تأليفه (الجمل) أو (النصرة في حرب البصرة): واجتمعت الشيعة على الحكم بكفر محاربي علي ولكنهم لم يخرجوهم بذلك عن حكم ملة الاسلام إذ كان كفرهم من طريق التأويل كفر ملة ولم يكفروا كفر ردة عن الشرع مع إقامتهم على الجملة منه وإظهار الشهادتين والاعتصام بذلك عن كفر الردة المخرج عن الاسلام وإن كانوا بكفرهم خارجين من الايمان مستحقين اللعنة والخلود في النار حسبما قدمناه، وكل من قطع على ضلال محاربي علي من المعتزلة فهو يحكم عليهم بالفسق واستحقاق الخلود في النار ولا يطلق عليهم الكفر ولا يحكم عليهم بالاكفار والخوارج تكفر أهل البصرة وأهل الشام ويخرجونهم بكفرهم الذي اعتقدوا فيهم عن الايمان 1. چ. القول 7: ان التكليف لا يصح إلا بالرسل - 44 / 9. هذا هو البحث المعنون في كتب المتأخرين بعنوان وجوب البعثة وقد نسبوا الخلاف في إلى الاشاعرة والمصنف خص وفاق الامامية في هذه المسالة إلى البغداديين من المعتزلة لكن في التجريد وغيره نسبة الوفاق إلى المعتزلة بدون تخصيص. ز. القول 8: في الفرق بين الرسل والانبياء - 45 / 3. انظر مجمع البحرين للشيخ الطريحي المتوفى 1087 ه‍. مادة (نبأ) و (عزم). چ. القول 9: وتقلبك في الساجدبن - 45 / 16. سورة الشعراء: 218، 219.


1 - ص 14 طبع نجف.

[ 152 ]

القول 9: ان عمه أبا طالب - رحمه الله - مات مؤمنا - 46 / 3. الدلائل من الاثار المروية والمأثورة على إيمانه - رحمه الله - وانه إنما كان لا يظهر إيمانه على ملاء من الناس استعدادا لحفظ رسول الله (ص) ونصرته وتاييده وأن لا يجد قريش فيه مساغا للقول والطعن، كثيرة، والابيات المنسوبة إليه في ذلك مذكورة في كتب السير والاخبار لا ينكرها إلا معاند، وللمصنف في هذا الباب رسالة مختصرة 1 أورد فيها كثيرا منها مما يدل دلالة واضحة على إيمانه، وقال في أولها إنه قد أشبع الكلام في ذلك في كثير من كتبه وأماليه المشهورات. ز. القول 10: في معنى الرجعة اختلاف - 46 / 7. الاختلاف الذي أشار إليه هو أن جماعة من الشيعة كانوا يؤولون الاخبار الواردة في الرجعة على طريق الاستفاضة إلى رجوع الدولة ورجوع الامر والنهي إلى الائمة - عليهم السلام - وإلى شيعتهم وأخذهم بمجاري الامور دون رجوع أعيان الاشخاص 2، والباعث لهم على هذا التأويل هو عجزهم عن تصحيح القول بها نظرا واستدلالا واثبات عدم استحالتها عقلا. ومحققو الامامية حيث صححوا هذا المعنى وبينوا عدم لزوم محال عقلا في القول بها لعموم قدرة الله على كل مقدور وعدم منافاتها للتكليف قبلوا الاخبار بدون


1 - ولا تزال تلك الرسالة النفيسة مخطوطة، ويوجد بلطف الله تعالى نسخة منها في مكتبتنا الخاصة التي تضم بعض نفائس المخطوطات ونوادرها. چ. 2 - قال العلامة الامام السيد محسن العاملي مد ظله في تأليفه القيم (أعيان الشيعة) ج 1 ص 132 ط 1 دمشق ما نصه: سئل الشريف المرتضى علم الهدى في المسائل التي وردت عليه من الري عن حقيقة الرجعة فأجاب: بان الذي تذهب إليه الشيعة الامامية أن اشه تعالى يعيد عند ظهور المهدي قوما ممن كان تقدم موته من شيعته وقوما من أعدائه، وان قوما من الشيعة تأولوا الرجعة على أن معناها رجوع الدولة والامر والنهي من دون رجوع الاشخاص وإحياء الاموات. چ.

[ 153 ]

تأويل لمضامينها وأجابوا عن الشبه الواردة عليها. والذي وقع في عبارة الكتاب من وجوب رجعة كثير من الاموات لعل لفظ وجوب من زيادة النساخ إذ المراد تصحيح القول بالرجعة نظرا إلى ورود تلك الاخبار المستفيضة لا إثبات وجوبها، وقد تعرض المصنف لذلك بأبسط من هذا المقام مع عدم ذكر الوجوب كما هيهنا في فصل آخر. ز. القول 11: محمد بن شبيب - 46 / 15. محمد بن شبيب متكلم بصري وافق المعتزلة في بعض الاراء والمرجئة في بعض آخر. قال البغدادي: إنه وقف في وعيد مرتكبي الكبائر وأجاز من الله مغفرة ذنوبهم من غير توبة، والشهرستاني عد محمد بن شبيب من أصحاب النظام وقال: إنه خالفه في الوعيد وفي المنزلة بين المنزلتين. ز. القول 17: المفاضلة بين الانبياء والملائكة - 49 / 13. انظر (بحار الانوار) ج 14 ص 359 طبع أمين الضرب للعلامة الحافظ مولانا محمد باقر المجلسي من أعاظم علماء الامامية، توفي سنة 1111 ه‍ وهذا الكتاب خمسة وعشرون مجلدا ضخما يحوي مقالات شرعنا في كل علم وباب آية أو رواية أو حكمة أو تحقيق أو تاريخ حتى كاد أن يكون كدائرة معارف كبرى للعلوم الاسلامية. وقال العلامة العيلم السيد هبة الدين الشهرستاني الشهير في تأليفه المنيف (الهيئة والاسلام): لم يعمل مثله أي مثل البحار في الاسلام حتى الان 1. قال المحدث الجليل القمي - رحمة الله عليه - في ديباجة فهرسه لكتاب البحار الذي سماه (سفينة


1 - ج 1 ص 16 طبع بغداد.

[ 154 ]

بحار الانوار) 1: لم تات الدهور بمثله - أي بمثل البحار - حسنا وبهاء. لم ير الناظرون ما يدانيه نورا وضياء... لم يعهد في الازمان السالفة شبيهه صدقا ووفاء وهو كتاب جامع لدرر أخبار الائمة الاطهار ومشتمل على أنواع العلوم والحكم والاسرار. چ. القول 17: ووافقهم عل ذلك أصحاب الحديث - 50 / 1. انظر ملحق الامالي للسيد المرتضى 2. چ. القول 18: لاهي هو ولا غيره - 52 / 2. لم يكن في الصدر الاول وزمن الصحابة والتابعين خوض في هذه المسائل وتدقيق عن معانيها بل كانوا يثبتون للة - تعالى شانه - ما أطلقه على نفسه من صفاته مع نفي المماثلة والمشابهة بدون تعرض للتأويل أو الفرق بين صفات الذات والفعل ولما نشات المعتزلة وتكلموا في هذه المسائل وبحثوا عن معانيها أخذ السلف من أهل الاثر أيضا يتكلمون فيها. وإذ كانت المعتزلة ينفون أن يكون لله تعالى صفات غير ذاته قابلهم جماعة من أهل الاثر والحديث بالمبالغة في الاثبات وانها صفات قديمة قائمة بالذات ولم يكونوا يتجاوزون عن أمثال هذه التعبيرات وكان بعض. هؤلا مثل عبد الله بن سعيد والقلانسي والمحاسبي يحتجون عليها بمناهج كلامية غير مضبوطة حتى جاء الاشعري وانحاز إلى حزبهم وأيد مقالاتهم بالحجج الكلامية على طرق خصومهم من المعتزلة إذ كان هو في بدء أمره متلمذا على أبي علي الجبائي وعارفا بمناهج أبحاثهم ثم رجع عن مسلك المعتزلة وانتصر لمقالة السلف، فأبدع هذه المقالة التي أشار إليها


1 - مجلدين طبع النجف. 2 - ص 382 طبع طهران 1272 ه‍. چ.

[ 155 ]

المصنف - قدس سره - وقال إنه قول لم يسبقه إليه أحد ممن قبله. ز. القول 19: فارق به سائر أهل التوحيد - 52 / 10. أبو هاشم الجبائي أحد شيوخ المعتزلة وروسائهم الثلاثة الذين افترقت المعتزلة على مذاهبهم، وقد سلك المتأخرون كالقاضي عبد الجبار بن أحمد الرازي وغيره مسلكه واتبعوا طريقته، وقد اشتهر في كتب الكلام نسبة القول بالاحوال إليه، وقد خالفه في ذلك سائر المعتزلة، فمنشأ الخلاف أنهم قالوا لا خلاف في إثبات تعلق بين الصفة والموصوف كالعالم والمعلوم والقادر والمقدور وغيرهما، وإنما الخلاف في أن ذلك التعلق هل هي بين الذات العالمة وبين المعلوم أو بين صفة قائمة بالذات حقيقة مغايرة لها وبين المعلوم، فذهبت طائفة إلى أنها بين الذات وبين المعلوم، وذهبت جماعة إلى أنها بين الذات والصفة وسماها أبو هاشم ومن تبعه (حالا) وقال إن كون العالم عالما حال وصفة وراء كونه ذاتا وهكذا في الباقي وقال: (انها لا موجودة ولا معدومة ولا معلومة ولا مجهولة) وقد قال بنظير هذا القول أبو بكر الباقلاني وأبو المعالي الجويني أيضا من الاشعرية ولكن لم يكن قولاهما موجودا في زمان المصنف لتأخر زمانهما عن عصره فلذلك نسب الخلاف إلى أبي هاشم وحده وقال إنه فارق به سائر أهل التوحيد والكلام على هذه الاحوال نفيا وإثباتا مذكور في محله من كتب الكلام والمقالات وسيشير المصنف - قدس سره - في فصل آخر إليها إشارة إجمالية وله - قدس سره - كلام لطيف في هذا المعنى حكاه عنه الشريف المرتضى في كتاب (الفصول المختارة) 1. قال: سمعت الشيخ (يعني المفيد) يقول ثلاثة أشياء لا تعقل وقد اجتهد المتكلمون في تحصيل معانيها من معتقديها بكل حيلة فلم يظفروا منهم إلا بعبارات


1 - ج 2 ص 128 و 129 طبع العراق چ.

[ 156 ]

تناقض المعنى فيهما مفهوم الكلام: اتحاد النصرانية وكسب النجارية وأحوال البهشمية، ومن ارتاب فيما ذكرناه في هذا الباب فليتوصل إلى إيراد معنى منها معقول أو الفرق بينهما في التناقض والفساد ليعلم أن خلاف ما حكمنا به هو الصواب وهيهات. ز. القول 19: وارتكب أشنع من مقال أهل الصفات - 52 / 11. هم القائلون بأن لله تعالى صفات بها كان موصوفا بمفاهيمها، وله علم به كان عالما، وقدرة بها كان قادرا، وهكذا في سائر الصفات. ولما كانت المعتزلة ممن ينفون الصفات بهذا المعنى بالغ بعض هؤلا في الاثبات إلى حد التشبيه بصفات المخلوقين تعالى عن ذلك، وهم الذين قصدهم المصنف في كلامه. ز. القول 19: إطلاق القول عليه بأنه مخلوق - 53 / 3. وردت آثار كثيرة عن طرق الامامية بالنهي عن القول في القرآن انه مخلوق، إذ كانت هذه اللفظة قد يرد في اللغة بمعنى المكذوب والمفتعل قال الله تعالى: (إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلفون إفكا) 1 وقال - عزوجل - حكاية عن منكري التوحيد: (ما سمعنا بهذا في الملة الاخرة إن هذا إلا اختلاق) 2. فكان إطلاق هذه اللفظة في حق القرآن موهما لكونه كذبا واختلاقا على ما كان يزعمه المشركون والملاحدة وسائر أهل الضلال، لذلك وقع المنع من إطلاقها في ذلك المقام واجيز إطلاق ما لا يوهم مثل هذا المعنى كلفظ (محدث) وانه كلام الله وكتابه ووحيه وتنزيله مما يفيد انه غير أزلي وليس بقديم إذ كان وقع إطلاق هذه القبيل من الالفاظ عليه في نفس كلام الله.


1 - سورة العنكبوت / 17. 2 - سورة ص / 7.

[ 157 ]

وقد وقع بسبب هذه المسألة مشاجرات وفتن في أيام الدولة العباسية بين المعتزلة وأهل الحديث واضطهاد لاهل الحديث ومحنة ليس المقام مقتضيا لذكرها. ز. القول 19: وكذلك أقول في الصفات 53 / 16. لا خلاف في جواز إطلاق إلاسماء والصفات على الباري تعالى إذا ورد به إذن الشرع وعدم جوازه في صورة ورود منع شرعي منه، ووقع الخلاف في ما لم يرد فيه رخصة أو منع وكان موصوفا بمعناه، فقال قائلون بعدم افتقاره إلى التوقيف والاذن الشرعي إذا كان معناه حاصلا في حقه تعالى ولم يكن إطلاقه موهما لما يستحيل في حقه تعالى، وقال آخرون إلى احتياجه إلى الاذن والتوقيف، وفصل آخرون بين الاسم والصفة، فمنع في الاول وأجاز في الثاني. ومذهب الامامية هو ما اختاره المصنف - قدس سره - لتطابق الاخبار المأثورة من أهل البيت - عليهم السلام - عليه، وإذ ليس مأخذ الجواز والمنع في هذا الباب دليلا عقليا واجب الاتباع أو لفظيا لغويا يتكلم في صحته وفساده لا يبقى إلا الرجوع إلى التوقيف، فيقتصر على موارد الاذن الشرعي كما اختاره المصنف. القول 20: وإن الممنى في جميعها العلم خاصة - 54 / 5. غرضه - قدس سره - أن استحقاق ذاته تعالى وتقدس لهذه الصفات ليس من جهة قياس عقلي يدل عليه، إذ قد عرفت أن وصف الباري تعالى لا يجوز إلا بما وصف به نفسه الكريمة في كتابه أو على لسان نبيه (ص) وليس للعقول في ذلك مسرح، وإذ نرى أنه أطلق عليه تعالى هذه الصفات من السمع والبصر والادراك وغيرها، ونرى أن الذي نعقل منها ويفيده معنى لغتنا هو ما يرجع إلى الاحساس بالالات والجوارح من العين والاذن وسائر القوى المحسوسة، ونعلم استحالة ذلك في حقه تعالى شأنه فلابد أن نحمله على معنى يصح إجراؤه في حقه تعالى وهو العلم، فمعنى كونه تعالى سميعا

[ 158 ]

علمه بالمسموعات، ومعنى كونه بصيرا علمه بالمبصرات وهكذا. ز. القول 21 - وعندنا انه تخرص منهم عليه - 55 / 5. الذي حكاه المعتزلة عنه هو أن علم الله تعالى بالاشياء الموجودة بعلم متجدد عند حدوثها وهو من الحكايات المختلقة عليه كما صرح به المصنف والسيد المرتضى في الشافي وستعرف حقيقة ذلك. كان هشام بن الحكم في ابتداء أمره يذهب مذهب الجهمية أتباع جهم بن صفوان، ثم رجع عن تلك الطريقة ودان بالقول بالامامة بعد ما لقى الامام الصادق - عليه السلام - ورجع عن كافة ما يخالف مذهب الامامية من أقاويلهم، وكان يناظر المعتزلة بعد ذلك ويعارضهم ويلزمهم باشياء يعجزون عن الجواب منها ويورد أحيانا من الشبه والاعتراضات عليهم بقصد استخراج ما عند خصومه منها، فكانوا يتهمونه باعتقاد ذلك الاقاويل والتدين بها ويشتهر أمثال النسب إليه وإلى غيره من الشيعة، ويذكرها أهل التأليف في المقالات أمثال النظام والجاحظ وغيرهما في كتبهم أو يحكونها عنهم، ثم اشتبه الامر على بعض مؤلفي الشيعة فنقلوها في كتبهم وأثبتوا الحكاية بذلك عنه اعتمادا على نقل تلك الناقلين من خصومه، والمذاهب يجب أن تؤخذ من ألسنة قائليها أو ممن يؤمن في الحكاية عنهم ولا يصح الرجوع في إثباتها إلى الخصوم المتهمين بالتحامل. وقد أورد الخياط المعتزلي في كتابه (الانتصار) ما كان يحتج به هشام على هذا القول المنسوب إليه من النقل والعقل، وكذا محمد بن عبد الكريم الشهرستاني الاشعري المتكلم المعروف في كتابه (نهاية الاقدام في علم الكلام) بعد أن نسب إثبات علوم حادثة بعدد المعلومات تحدث كلها لا في محل إلى جهم بن صفوان وهشام بن الحكم، ذكر ما كان يحتج به هشام على ذلك، والمحتمل قويا أن تكون هذه الحجج أوردها هشام إلزاما للمعتزلة كما أشرنا إليه، والله العالم. ز.

[ 159 ]

القول 23: فيما انفرد أبو هاشم من الاحوال - 56 / 3. اعلم، انه لم يكن لاهل العلم في الصدر الاول خوض في هذه الاحوال، وإنما اشتهر الخلاف في ذلك عن زمن الجبائيين أبي علي محمد بن عبد الوهاب وابنه أبي هاشم حيث أثبتها أبو هاشم ونفاها أبو علي وغيره، وقد أشرنا إلى تصوير مذهبه في ذلك سابقا ونزيدك بيانا هيهنا انه يقول: العقل يدرك فرقا ضرورتا بين معرفة الشئ مطلقا وبين معرفته على صفة إذ ليس يلزم من معرفة الذات معرفة كونه عالما أو قادرا أو حيا، ولا شك ان العقل يدرك اشتراك الموجودات في شئ وافتراقها باشياء اخر وان ما به الاشتراك فيها غير ما به افتراقها، وهذه قضايا عقلية لا يكاد ينكرها عاقل وهي لا ترجع إلى الذات ولا إلى أعراض وراء الذات لان ذلك يؤدي إلى قيام العرض بالعرض المستحيل عقلا فيتعين أنها أحوال أي هي صفات وراء الذات بمعنى أن المفهوم منها غير ما يفهم من الذات، وللقوم خوض طويل في هذه المسألة، وقد أثبتها القاضي أبو بكر الباقلاني وإمام الحرمين عبد الملك بن محمد الجويني والغزالي أيضا من الاشعرية كما أشرنا إليها سابقا ونفاها كثير من المتكلمين وأبطلوا ما فرعه مثبتوها على القول به بما لا محل للتطويل بها هيهنا. ز. القول 25: لشبهة عرضت له في تأويل الاخبار - 57 / 8. الخلاف المذكور محكي أيضا حكاية غير ثابتة بطريق القطع عن هشام بن الحكم، وقد أشرنا إلى أمر هذه الاقاويل المنسوبة إليه وإلى غيره من رجال الشيعة ومتكلميهم، ونصيب ذلك من الصحة والاعتبار واستناد حكاية إلى خصومهم المتهمين بالتعصب والتحامل عليهم، وأوردنا الشواهد القوية على ذلك في غير هذا المقام. ويحتمل قويا أن يكون نسبة هذا القول إليه استفادة منهم عن لازم الكلام المشتهر نسبته إليه في ألسنتهم من القول بأنه جسم لا كالاجسام، فزعموا أن صحة الرؤية من لوازم الجسمية، فنسبوا إليه ذلك الذي يلزم من كلامه.

[ 160 ]

وقد أوضحنا أن هذه اللفظة إما أوردها في مقام معارضة خصومه كما يظهر من عبارة الشهرستاني 1 أو أطلقها مكان القول بأنه شئ لا كالاشياء. وعلى كل حال لم يكن مقصوده منها إثبات التشبيه وأقصى ما فيه أنها غلط في التعبير يرجع في إثباتها ونفيها إلى اللغة، على أن الكراجكي ذكر رجوعه عن ذلك وتركه إطلاقه بعد ما بلغه إنكار الصادق - سلام الله عليه - في إطلاق هذه اللفظة عليه في كتابه (كنز الفوائد). ز. القول 27: والبغدادين من المعتزلة - 59 / 1. كانت مدينة البصرة مهد الاعتزال ومنشأه الاصلي، وفيها قام أكبر زعمائها بنشر طريقتهم مثل واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد ثم أبي الهذيل والنظام وغيرهم، وحوالي أواخر القرن الثاني والقرن الثالث تأسس فرع آخر للمعتزلة ببغداد، حاضرة الدولة الاسلامية ومركز معارفها، وظهر فيها جماعة من علماء المعتزلة ومفكريها، وكانت بينهم وبين المعتزلة البصرية مخالفات كثيرة في مسائل فرعية بعد اتفاق الفريقين على اصولهم المعروفة. ولكل من الطريقتين مميزات ومشخصات في طريق البحث والتفكير والتأثر بالفلسفة اليونانية وغيرها، واستقصاء البحث في أطراف ذلك موكول إلى غير هذا المقام. ومذهب البغداديين موافق غالبا مع اصول الشيعة الامامية، وقد أشار إلى جملة منها المصنف - قدس سره - في هذا الكتاب وفي ضمن فصوله، وقد أشرنا سابقا إلى كتاب له في هذا الباب باسم (الرسالة المقنعة) في وفاق البغداديين من المعتزلة لما روي عن الائمة - عليهم السلام -. وفي كتب الكلام كثير من المسائل الخلافية بين البصريين والبغداديين ولبعض المعتزلة مصنفات مخصوصة في بيانها. ز.


1 - ج 2 ص 23 طبع مصر.

[ 161 ]

القول 28: في اللطف والاصلح - 59 / 4. عرف المتكلمون اللطف بما أفاد هيئة مقربة إلى الطاعة ومبعدة عن المعصية بحيث لم يكن له حظ في التمكين ولا يبلغ حد الالجاء، والتقييد بعدم الحظ في التمكين لاجل الاحتراز عن وقوع الفعل بواسطة الالات والادوات البشرية فإنها وإن كانت مما يقرب إلى الطاعة ويبعد عن المعصية إلا أن لها مدخلية في تمكين المكلف من الفعل، والتقيد بعدم الوصول إلى حد الالجاء من جهة أنه ينافي التكليف. والقول بوجوب اللطف يختص به العدلية من المعتزلة والامامية والزيدية ويخالفهم فيه الاشعرية، وقد نسب الخلاف فيه أيضا إلى بشر بن المعتمر من قدماء المعتزلة وإن حكى رجوعه عن ذلك أخيرا بعد مناظرة سائر المعتزلة إياه، لكن تعليل المعتزلة بوجوبه من جهة أنهم أوجبوه من جهة العدل وان الله تعالى لو فعل خلافه لكان ظالما. والامامية إنما أوجبوه من جهة الجود والكرم وانه تعالى لما كان متصفا بهاتين الصفتين اقتضى ذلك أن يجعل للمكلفين مادام هم على ذلك الحال أصلح الاشياء لهم وأن لا يمنعهم صلاحا ولا نفعا. وأما الاصلح فقد اختلف المتكلمون في الاصلح في الدنيا هل هو واجب أم لا وذلك كما إذا علم الله تعالى أنه إن أعطى شخصا مقدارا من المال انتفع به وليس فيه مضرة له ولا لاحد غيره ولا مفسدة فيه ولا وجه قبح، فذهب أبو القاسم البلخي وسائر البغداديين وصاحب الياقوت من علماء الشيعة إلى وجوبه وقال البصريون والاشاعرة وجمهور علماء الشيعة أنه لا يجب. ز. القول 29: في ابتداء الخلق في الجنة - 60 / 3. هذه المسألة من فروع مسألة اللطف والاصلح، وقد اختلف فيها آراء متكلمي المعتزلة وغيرهم على ما فصله المصنف، وقد حكى الخلاف فيه أيضا عن بشر بن

[ 162 ]

المعتمر المذكور سابقا من معتزلة بغداد. حكى ابن الراوندي في كتاب (نقض فضيلة المعتزلة) للجاحظ انه كان يقول: ان ابتداء الخلق في الجنة للمكلفين كان أصلح لهم من الابتداء في الدنيا. ز. القول 30: ان المعرفة بالله تعالى اكتساب - 61 / 2. الطريق إلى معرفة الاشياء أحد امور تنحصر فيها: الاول: العلم بها بسبب العلم الضروري الذي يحصل للنفس بأدنى توجه إليه والتفات نحوه فيضطر إلى معرفته بحيث لا يمكن دفعه عن نفسه وذلك كالعلم ب‍ (ان الاثنين ضعف الواحد)، و (ان الجسم الواحد لا يمكن أن يكون في حال واحد في مكانين)، و (الشئ لا يخلو من أن يكون ثابتا أو منفيا) ونظائر ذلك مما يعرف بداهة لكونه مركوزا في أوائل العقول. الثاني: يعلم بها من جهة الادراك بعد حصول شرائطه وارتفاع اللبس والمانع مثل المدركات بالحواس المعروفة. الثالث: العلم بها بسبب الاخبار المفيدة لليقين كالعلم بالبلدان واخبار الملوك وأخبار من سلف من الامم وغير ذلك من الامور الغائبة عنا والمعلومة لنا بسبب تلك الاخبار. الرابع: العلم الحاصل بسبب النظر والاستدلال وترتيب المقدمات الموصلة إلى النتائج في سبيل تعرف الاشياء المجهولة. والعلم بالله تعالى شأنه وبسائر المعارف اللازمة معرفته على المكلفين ليس بحاصل من الوجه الاول لان ما سبيله الضرورة والبداهة لا يختلف فيه العقلاء ولذلك نشاهدهم لا يختلفون في أمثال ما ذكرناه من الامثلة، والعلم بالمعارف مما اختلف فيه العقلاء من كل امة في كل عصر ووقت.

[ 163 ]

وليس الادراك بطريق الحواس أيضا طريقا إلى معرفتها لان هذه الاشياء غير ممكنة الادراك من طريقها، وكذلك الخبر أيضا ليس طريقا إلى معرفتها، لان الذي يفيد القطع منها هو ما ينتهي بالاخرة إلى الادراك والمشاهدة وما سوى ذلك لا يفيد العلم لسامعيه كما لا يحصل العلم بحقيقة الديانة الاسلامية وبصدق نبوة رسول الله (ص) لغير المسلمين مع أن جميع المسلمين يخبرونهم بذلك، وكذلك جميع الموحدين من أهل الديانات يخبرون أهل الزندقة والالحاد بوحدانية الله تعالى وبحدوث العالم وبغير ذلك ولا يحصل لهم العلم بمجرد اخبارهم. فإذا لم يمكن تحصيل العلم بالمعارف اللازمة بأحد الوجوه الثلاثة المذكورة فلا يبقى إلا أن يكون ذلك من جهة الاكتساب وطريق النظر والاستدلال، ولهذا قال محققو المتكلمين: إن النظر أول الواجبات على المكلفين. ز. القول 31: جهم بن صقوان وعبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي 61 / 10 جهم بن صفوان الترمذي من الجبرية الخالصة، ذكروا أنه أظهر مذهبه بترمذ وأشاعه علانية وحاور فيه ثم خرج مع حارث بن سريج الازدي بخراسان على عمال بني امية منكرا لسيرة الامويين وداعيا إلى الكتاب والسنة، ووقعت واقعة بين الحارث ابن سريج ونصر بن سيار أمير خراسان من قبل الامويين فانهزم واسر يومئذ جهم بن صفوان وقتل وذلك في سنة 126 ه‍. وله مقالات تعرض لذكرها المؤلفون في المقالات، ومنها زعمه أن الانسان لا يوصف بالاستطاعة على الفعل بل هو مجبور فيما يخلقه الله فيه من الافعال على ما يخلقه في سائر الجمادات، وان نسبة الفعل إليه بطريق المجاز كما يقال (جرى الماء) و (طلعت الشممس) و (أمطرت السماء) و (اهتزت الارض) وإن لم يكن شئ من ذلك من فعل المنسوب إليه، وان الثواب والعقاب أيضا كما في الافعال جبر فكلما يفعله العبد من طاعة ومعصية فهو اضطرار منه، وكذا ما يفعل به من ثواب وعقاب، وكل ذلك فالله تعالى فاعله وصانعه.

[ 164 ]

وأما عبد السلام بن محمد الجبائي فإنه كان يجوز خلو القادر عن الفعل والترك، وقد احتج لمذهبه بأن القادر لكونه قادرا لو لم يجز خلوه عن الاخذ والترك لما جاز خلو القديم تعالى عن ذلك فيلزم منه قدم الفعل. وأما تجويز تعذيب العبد في ذلك الحال فمبني على قوله بثبوت الواجب العقلي، وان الله تعالى لما أكمل عقول المكلفين ووهب لهم من القدرة والاستطاعة وتهيئة الالات والجوارح ما أزاح بها عللهم كانوا ملزمين بفعل ما يحسنه عقولهم وترك ما يقبحه واجتنابه، ففي هذا الحال لما ترك العبد فعل الطاعة الواجب عليه بحكم العقل يصح التعذيب له على ذلك وإن كان لم يصدر منه قبيح أيضا فتجويزه لتعذيبه لاجل تركه ما كان ملزما بغعله بحسب حكم العقل وإن لم يكن بخروجه من الفعل والترك لم يفعل هو شيئا ولم يفعل به شئ ولم يقع له إلجاء واضطرار إلى الفعل. وكون مقالته في بعض الوجوه أعظم فحشا من مذهب جهم من جهة أن جهما يرى العبد ملجأ ومضطرا إلى الفعل، والجبائي لا يراه كذلك ومع ذلك يجوز تعذيبه وهذا كما تراه مخالف للعدل. ز. القول 32: أنبياء الله - صلوات الله عليهم - معصومون - 62 / 2. العصمة في موضوع اللغة هو المنع وقد خص في اصطلاح المتكلمين بمن يمتنع باختياره عن فعل الذنوب والقبائح عند اللطف الذي يحصل من الله تعالى في حقه، وعرفه صاحب كتاب (الياقوت) من قدماء الامامية بأنه لطف يمتنع من يختص به عن فعل المعصية ولا يمنعه على وجه القهر، أي انه لا يكون له حينئذ داع إلى فعل المعصية وترك الطاعة مع قدرته عليهما. وللمصنف بيان واف في معناه في الزيادة الملحقة بآخر الكتاب. وأما مسألة عصمة الانبياء - صلوات الله عليهم أجمعين - عن الذنوب

[ 165 ]

والمعامي فقد اختلف فيها أقاويل الفرق في موارد: الاول: فيما يرجع إلى الاعتقاد كالشرك والكفر، ولا خلاف بين المسلمين في نفي ذلك عنهم وعصمتهم عن ذلك إلا ما يحكى عن فرقة من الخوارج يرون جواز صدور الذنب عنهم، ويذهبون إلى تكفير مرتكبي الذنوب مطلقا فيلزمهم القول بذلك. الثاني: فيما يرجع إلى تبليغ الرسالة وبيان الاحكام، فذهب الاكثرون أيضا إلى عصمتهم فيه أيضا ونسب إلى الباقلاني تجويز ذلك عليهم إذا كان من جهة السهو والنسيان. الثالث: فيما يتعلق بالافعال، فالحشوية جوزوا صدور الذنوب عنهم حتى الكبائر متعمدا، وجوزه آخرون إذا كان من الصغائر بشرط أن لا يكون محقرا لشأنهم وموجبا لاستخفافهم، ولهم في ذلك أقاويل متفرقة اخرى أعرضنا عنها مخافة التطويل. وليس في الفرق الاسلامية من يوجب لهم العصمة مطلقا صغيرة كانت أو كبيرة قبل النبوة وبعدها إلا الشيعة الامامية على ما فصله المصنف في الكتاب، وقد تعلقت الحشوية بآيات وروايات قد أوضح العلماء بطلان تعلقهم بها وبينوا وجوهها ومحاملها الصحيحة في مصنفاتهم. وممن استقصى الكلام في ذلك الباب الشريف المرتضى - قدس سره - في كتابه المعروف ب‍ (تنزيه الانبياء) والعلامة ابن حزم الاندلسي في الجزء الرابع من كتاب (الفصل) وكذا العلامة أبو الحسن الامدي في كتابه (ابكار الافكار) وغيرهم. ز. القول 33:... من ذنبك وما تأخر - 62 / 13. سورة الفتح: 2. القول 33: ما ضل صاحبكم وما غوى - 63 / 2. سورة النجم: 1، 2.

[ 166 ]

القول 34: القول في جهة إعجاز القران - 63 / 3. لما كان القران الكريم هو المعجزة الخاصة لرسول الله برواية رسالته الباقية وإن كان قد أيده الله تعالى أيضا بغيره من المعجزات والاعلام الظاهرات، اهتم المسلمون من الصدر الاول بالبحث عما يتعلق به، ومن مهمات ذلك البحث عن وجه إعجازه وأنه هل هو فصاحته الخارقة للعادة أو بلاغة معانيه أو نظمه الخارج عن معهود النظم في كلم سائر البلغاء، أو اسلوبه الخاص الذي ليس له مثيل في سائر الكلمات، أو عدم وقوع اختلاف ومناقضة فيه مع كثرة الوجوه التي تصرف فيه واختلاف مذاهبه في ذلك مع ما هو المشاهد من الاختلاف الواقع في غيره بحسب تلك الوجوه، أو لغير ذلك مما تعرض الباحثون له في مظانه وبحث عنها أهل التفسير وعلماء الكلام والبلاغة بحسب اختلاف نزعات أبحاثهم. ومن الاقوال المعروفة في وجه إعجازه القول بالصرفة الذي اختاره جمع من حذاق المتكلمين وقد ذكروا في تفسيره احتمالات: الاول: ان المراد به أن الله تعالى صرف دواعي أهل اللسان عن معارضته مع حصول تلك الدواعي لهم وتوفرها فيهم منل التقريع لهم بالعجز وتكليفهم بالانقياد والخضوع وغير ذلك، وحاصل ذلك الوجه أنه كان في مقدور أهل اللسان معارضته وإنما صرفوا عنه بنوع من المنع والصرف من باب اللطف ليتكامل به ما أراده الله تعالى من جعله دليلا على نبوته وصدق رسالته وهذا هو رأي أبي إسحاق النظام وهو أول من نسب إليه هذا القول وتبعه فيه أبو إسحاق النصيبي وعباد بن سليمان الصيمري وهشام بن عمرو الفوطي وغيرهم وهو اختيار المصنف - قدس سره - في ذلك. الثاني: إن الله تعالى سلب عنهم العلوم التي كانوا يتمكنون بها من معارضة القرآن ويتأتى لهم الفصاحة المماثلة لفصاحته، وهذا الاحتمال هو الذي اختاره السيد المرتضى - قدس سره - في معنى الصرفة، وقد صنف في معناه كتابا سماه ب‍ (الموضح عن

[ 167 ]

جهة إعجاز القران) واختاره أيضا شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي - قدس سره - في شرحه لجمل السيد لكن رجع عنه أخيرا في كتابه (الاقتصاد) إلى القول بأن وجه الاعجاز هو الفصاحة المفرطة في هذا النظم المخصوص دون الفصاحة بانفرادها ودون النظم بانفراده. الثالث: إن الله تعالى سلبهم القدرة على المعارضة على نوع القسر والالجاء، وقد أورد على هذا الاحتمال الاخير بأنه حينئذ لا يكون الكلام معجزا وإنما يكون المنع معجزا فلا يتضمن الكلام فضيلة على غيره في نفسه والتفصيل في ذلك موكول إلى مواضعه. ز. القول 34: وخالف فيه جمهور اهل الاعتزال - 63 / 8. انظر مقال (إعجاز القرآن في مذهب الشيعة الامامية) للكاتب الكبير والاستاذ الشهير توفيق الفكيكي المحامي ببغداد في مجلة رسالة الاسلام الغراء 1 تلك المجلة الجليلة التي تصدر عن دار التقريب بين المذاهب الاسلامية 2 بالقاهرة.


1 - ص 292، 302 ج 3 طبع مصر. 2 - ومن أراد أن يعرف ما يهدف له أعضاء جماعة الدار الامائل معرفة كاملة فعليه أن يراجع إلى المقال الوحيد الذي دبجه يراعة العلامة الامام آية الله الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء - مد ظله - تحت عنوان (بيان للمسلمين). هذا، وقد نشر ذلك المقال القيم في العدد الثاني من مجلة رسالة الاسلام ص 268، 273 لسنتها الثانية مصدرا بهذه الجملات الجميلة: اطلع القراء على ما نشرناه من قبل لبعض العلماء من استعظام مهمة التفريب وتوهم استحالتها، وقد جاد فكر الامام العلامة شيخ الشريعة وكبير مجتهدي الشيعة بهذا البيان الناصع الذي يفيض إخلاصا وايمانا كما يفيض ألمعية وعلماء ونحن إذ ننشره دفاعا عن فكرة الحق وجمعا للمسلمين على كلمة الايمان، نسأل الله تعالى أن يطيل حياة الشيخ ويبارك فيها للاسلام والمسلمين. ونشرنا ترجمة ذلك المقال بالفارسية في آخر كتاب (زندگانى محمد) لكاتبه الكبير الفيلسوف كارليل 1. چ.

[ 168 ]

وقال (العلامة المجلسي - رحمة الله عليه - في آخر باب إعجاز القران 1: وأما وجه إعجازه (= إعجاز القرآن) فالجمهور من العامة والخاصة ومنهم الشيخ المفيد - قدس الله روحه - على أن إعجاز القرآن بكونه في الطبقة العليا من الفصاحة والدرجة القصوى من البلاغة على ما يعرفه فصحاء العرب بسليقتهم وعلماء الفرق بمهارتهم في فن البيان وإحاطتهم بأساليب الكلام، هذا مع اشتماله على الاخبار عن المغيبات الماضية والاتية وعلى دقائق العلوم الالهية وأحوال المبدأ والمعاد ومكارم الاخلاق والارشاد إلى فنون الحكمة العلمية والعملية والمصالح الدينتة والدنيوية على ما يظهر للمتدبرين ويتجلي للمتفكرين... وذهب السيد المرتضى منا وجماعة من العامة منهم النظام إلى الصرفة على معنى أن العرب كانت قادرة على كلام مثل القران قبل البعثة لكن الله صرفهم عن معارضته واختلفوا في كيفيته.، والحق هو الاول، فتدبر حقه. چ. القول 35: أهي تفضل أو استحقاق - 63 / 9. عمدة من خالف في هذه المسالة هم الفلاسفة ومن انتمى إليهم من متفلسفة الاسلام وهؤلا يرون أن النبوة لابد منها في نظام الوجود حتى يعرفوا بسبب وجود النبي وجه الصلاح في الامور الدنيوية والاخروية، وقالوا إن النبي من يختض في نفسه بخواص ثلاث: الاولى: أن يكون بقوة النفس بحيث يؤثر في هيولى العالم القابلة للكون والفساد بإزالة صورة وإيجاد صورة، وعللوا ذلك بأن هذه الصور، يتعاقب على الهيولى من آثار النفوس الفلكية، وإذ كانت النفوس الانسانية أيضا من جوهر تلك النفوس وشديدة الشبه لها فلا يبعد أن يحصل لبعض هذه النفوس قوة مؤثرة في هيولى العالم وإحداث


1 - بحار الانوار ج 6 ص 249 طبع كمپاني. وانظر البحار ج 19 ص 33 من هذا الطبع ايضا.

[ 169 ]

تغيرات واستحالات فيها. الثانية: أن يطلع على الغائبات وعلى امور غير معلومة بسبب صفاء جوهر نفسه بغير تعليم وتعلم، واعتلوا في ذلك بأن النفوس منقسمة إلى ما يحتاج إلى التعليم وإلى ما لا يحتاج إلى التعليم، فإنا نشاهد عيانا تفاوت الاشخاص في استنتاج النتائج ودرك الحقائق. فكم من متعلمين في مدة واحدة يسبق أحدهما الاخر بحقائق العلوم مع قلة اجتهاده عن جهد المسبوق بفرط الذكاء وشدة الحدس، فالزيادة في هذا من الممكن إلى أن يترقى إلى حد في الكمال يستغني عن التعلم باتصال نفسه بالمبادئ العالية والعقول التي زعموا أن صور الموجودات العلمية كلا منطبقة فيها، فيحصل له بسبب ذلك الاتصال الاطلاع على الامور الغائبة. الثالثة: أن يتصل بسبب قوه النفس إلى العوالم العلوية فيسمع كلام الله ويرى ملائكة الله، وقالوا إن النفس يمكن أن تتقوى بحيث تتصل إلى عالم الغيب وتحاكي المتخيلة ما أدركت هناك بصور جميلة وأصوات مستحسنة فيرى في اليقظة صورة محاكية للجوهر الشريف في غاية الحسن وهو الملك الذي يراه النبي (ص) وتتمثل المعارف المفاضة على النفس من تلك العقول العلوية بالكلام الحسن المنظوم فيسمع الكلام الموحى إليه من الله تعالى، وزعموا أن هذه الخواص الثلاثة تحصل للنفوس الانسانية بتكامل قوتيه النظرية والعملية بالعلوم والمعارف والرياضات والمجاهدات النفسانية وتقليل الشواغل والعوائق البدنية فتستعد بذلك لاستحقاق المرتبة العالية والدرجة الرفيعة. وهذا ظاهر لمن راجع كتب القوم ومؤلفاتهم كمؤلفات ابن سينا وغيره ومن لخص أقاويلهم وتعرض لنقلها لاجل الرد عليهم كالغزالي وأمثاله، وأما مخالفة أهل التناسخ فإنهم لما جعلوا علة تكرر حلول النفس الانسانية في الهياكل والصور المختلفة مبنيا على مقادير أعمالهم الحسنة والسيئة في الدور الاول، وزعموا أن ذلك من جهة

[ 170 ]

استحقاقاتهم للجزاء الحسن والمسئ في النشأة السابقة، فالصالح الخير يجعل روحه في قالب ينعم عليه فيه بسبب ما كان يستحقه من أعماله الصالحة، والشرير الطالح يجعل روحه في قالب يعذب فيه لما اقترفه من السيئات والجرائم، جعلوا النبوة أيضا نتيجة لاستحقاق سابق ينالها من يستحقه، وهؤلاء التناسخية هم الغلاة الذين لا صلة لهم أصلا بمذهب المسلمين من الشيعة وأهل السنة وإنما كانوا يتسترون بأنفسهم تحت ستار التشيع وغيره تمويها وترويجا لاغراضهم الفاسدة. وعقيدة التناسخ قديمة كانت موجودة في معتقدات كثير من الملل السابقة على العصر الاسلامي كأهل يونان والهند وغيرهما وعنهم سرت إلى الغلاة ومن يحذو حذوهم. وأما ما أشار إليه من مخالفة بني نوبخت فقد أشرنا سابقا إلى أنهم من جهة اشتغالهم بعلوم الاوائل ومطالعة كتب الفلسفة ربما كانوا يحتجون [ يجنحون ظ ] إلى بعض آراء شاذة مخالفة لما عليه جمهور الشيعة وفقاءهم. ز. القول 35: في التفضيل على من سواه - 63 / 12. قال علامة اليمن أبو سعيد نشوان الحميري في (شرح رسالة الحور العين) 1: وقال واصل بن عطاء ومن قال بقوله: النبوة أمانة قلدها الله تعالى من كان في علمه الوفاء بها والقبول لها والثبات عليها من غير جبر، لقوله تعالى: (الله أعلم حيث يجعل رسالته) أي لم يجعلها الله تعالى إلا فيمن علم منه الوفاء بها والقبول لها، وثواب الانبياء على قبولهم وتأديتهم الرسالة لا على فعل الله تعالى فيهم وتعريضهم. وقال بهذا أبو الهذيل وبشر بن المعتمر والنظام وسائر العدلية. وقال إمام المفسرين أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي من أكابر علماء


1 - ص 264 طبع مصر 1948 م.

[ 171 ]

الامامية ومفسريهم في القرن السادس الهجري - في (مجمع البيان) 1: ثم أخبر سبحانه على وجه الانكار عليهم (= على المشركين) بقوله: (الله أعلم حيث يجعل رسالته) 2 انه أعلم منهم ومن جميع الخلق بمن يصلح لرسالاته ويتعلق مصالح الخلق ببعثه وأنه يعلم من يقوم بأعباء الرسالة ومن لا يقوم بها فيجعلها عند من يقوم بادائها ويتحمل ما يلحقه من المشقة والاذى على تبليغها. چ. القول 37: القول في عصمة الائمة - عليهم السلام - 65 / 1. الذي خالف في هذا وقال بجواز وقوع السهو والنسيان عن المعصوم هو الشيخ الصدوق أبو جعفر ابن بابويه القمي - قدس سره - فإنه نظرا إلى ظاهر بعض روايات واردة في ذلك كالخبر المروي عن طرق العامة المتضمنة لسهو النبي في الصلاة وقول ذي اليدين المذكورة في كتبهم وغيرها، ذهب إلى تجويز وقوع السهو على النبي والائمة - عليهم السلام - وزعم أن وقوع ذلك منهم إسهاء لهم من الله تعالى ليعلم الناس انهم عباد مخلوقون وأن لا يتخذوهم أربابا من دون الله، وزعم أن من نفى السهو عنهم هم الغلاة والمفوضة، ونقل عن شيخه محمد بن الحسن بن وليد القمي - رحمة الله عليه - انه قال: أول درجة في الغلو هو نفي السهو عن النبي (ص) انتهى 3. ومحققو أهل النظر من الامامية ذهبوا إلى نفي وقوع السهو في امور الدين عنهم لما دل على ذلك من الادلة القطعية عقلا ونقلا والادلة الدالة على عصمتهم وانه لو صدر عنهم أمثال ذلك لانتفت فائدة البعثة واللطف الموجود في وجود الامام على تفصيل مبسوط في كتبهم الكلامية ومصنفاتهم في باب الامامة خاصة.


1 - ج 2 ص 362 طبع صيدا. 2 - سورة الانعام / 124. 3 - انظر من لا يحضره الفقيه ص 74، 75 طبع تبريز للشيخ الصدوق، وإلى شرح عقائد الصدوق، في الغلو والتفويض في هذا المنشور. چ.

[ 172 ]

وللشيخ الجليل المصنف - قدس سره - رسالة مفردة معروفة في الرد على الصدوق في هذه المسألة 1 تعرض فيها لحال الخبر الذي استدل به على مقصوده وبين ما فيه من وجود الخلل والمخالفة للادلة القاطعة بما لا مزيد عليه. ز. القول 39: ولاهل الامامة في هذه المقالة ثلاثة أقوال - 66 / 11. منشأ هذه الاقوال الثلاثة التي حكاها عن الامامية هو اختلاف الاخبار المأثورة عنهم في هذا الباب فكان المشاهد عن حالهم في كثير من الاحوال الحكم في القضايا بما يقتضيه أدلة الشرع وأحكامه الظاهرية المعروفة من العمل بالبينات وأقوال الشهود والرجوع إلى الاستحلاف واليمين في موارده على ما تقتضيه اصول القضاء والحكم، كما يظهر أيضا من جملة من الاثار عملهم بمقتضى ما حصل لهم من العلم بحقائق القضايا وواقعياتها، بخلاف ما كان يقتضيه ظواهر الاحوال، والصحيح في ذلك هو ما اختاره المصنف - قدس سره - ونقله عن غيره أيضا من إناطة الامر إلى الالطاف والمصالح المختلفة في أشخاص القضايا والاحكام، إذ لا استبعاد عقلا أن يرشدهم الله تعالى بنوع من الدلالة في بعض الموارد على بواطن الامور وخفيات الوقائع فيحصل لهم العلم على صدق الصادقين من الشهود وكذب كاذبيهم فيحكمون عند ذلك بمقتضى قطعهم، كما أنه لا يمتنع عقلا أن يطوى عنهم علم جملة من بواطن الاشياء لمصالح وحكم في ذلك فيكون تكليفهم حين ذلك العمل بظواهر الحال، ومن الجائز أيضا أن يكونوا مع علمهم واطلاعهم على بعض بواطن الامور مكلفين بالحكم على طبق الظواهر وعدم إظهار ما يعلمونه لتقية أو غيرها، فالامور في ذلك تكون موكولة إلى


1 - أدرج العلامة المجلسي هذه الرسالة النفيسة في البحار ص 223 طبع كمپاني وج 6 ص 297 طبع طهران في باب سهوه ونومه (ص) من الصلاة، انظر الذريعة إلى تصانيف الشيعة ج 5 ص 175، 176 طبع طهران، وكتاب أبو هريرة 110، 117 طبع صيدا للعلامة الامام السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي - مد ظله -. چ.

[ 173 ]

المصالح الواقعية الموجودة في خصوصيات الاحكام وإلى الالطاف المقتضية لاظهار الحكم واخفائه. ز. القول 40: بجميع الصنايع وسائر اللغات - 67 / 1 انظر البحار ج 7 ص 322 طبع أمين الضرب. ج. القول 40: المفوضة كافة وسائر الغلاة 67 / 7. يكرر ذكر اسم هذه الفرقة في هذا الكتاب وهم فرقة من الغلاة الذين غلوا في حق بعض المخلوقين وأجروا في حقهم الاحكام الالهية تعالى الله عن ذلك، وقول هذه الفرقة الذي فارقوا به غيرهم أنهم قالوا في الائمة - عليهم السلام - أنهم عباد مخلوقون وان ذواتهم حادثة ونفوا سمات القدم عنهم، وقالوا: إن الله تعالى تفرد بخلقهم خاصة ثم فوض إليهم خلق العالم بما فيه وجعل إليهم أمر الخلق والرزق وجميع الافعال الواقعة في الكون، وقد أشار إلى معتقدهم هذا المصنف - قدس سره - في شرحه لكتاب (اعتقادات الصدوق 1). القول 41: وكون ذلك هم في الصفات - 67 / 9. انظر البحار ص 300 ج 7 طبع أمين الضرب. چ. القول 41: وهذا لا يكون إلا لله - عزوجل - 67 / 16. قال المحقق رشيد الدين محمد بن شهر آشوب المتوفى سنة 588 ه‍ في كتابه القيم (متشابه القرآن ومختلفه): النبي والامام يجب أن يعلما علوم الدين والشريعة ولا يجب أن يعلما الغيب وما كان وما يكون لان ذلك يؤدي إلى أنهما شاركان للقديم


1 - انظر (شرح عقائد الصدوق) في الغلو والتفويض. چ.

[ 174 ]

تعالى في جميع معلوماته، ومعلوماته لا تتناهى، وإنما يجب أن يكونا عالمين لانفسهما وقد ثبت أنهما عالمان بعلم محدث والعلم لا يتعلق على التفصيل إلا بمعلوم واحد، ولو علما ما لا يتناهى لوجب أن يعلما وجود ما لا يتناهى وذلك محال، ويجوز أن يعلما الغائبات والكائنات الماضيات أو المستقبلات بإعلام الله تعالى لهما شيئا منها... 1. چ. القول 42: وإن كانوا ائمة غير أنبياء - 68 / 3. انظر: (شرح عقائد الصدوق) في نزول الوحي. چ. القول 42: وجاعلوه من المرسلين - 68 / 4. سورة القصص 7 وأول الاية: (وأوحينا إلى ام موسى...) چ. القول 42: وانما منع ذلك الاجماع والعلم - 68 / 10. قال الفاضل أبو عبد الله المقداد بن عبد الله السيوري الحلي المتكلم الشهير المتوفى سنة 721 ه‍ في كتابه القيم (اللوامع الالهية في المباحث الكلامية) مخطوط 2، تاريخ كتابة نسختنا 852 ه‍: البحث الثاني أنه (= خاتم الرسل) مبعوث إلى كافة الخلق، ودليل ذلك إخباره (ص) بذلك المعلوم تواترا مع ثبوت نبوته المستلزمة لاتصافه


1 - ج 1 ص 211 طبع طهران 1369 ه‍. 2 - قال العلامة الخوانساري في (روضات الجنات) ص 667 طبع 1 عند كلامه على ترجمة الفاضل المقداد: وكتابه (اللوامع) من أحسن ما كتب في فن الكلام على أجمل الوضع واسد النظام وهو في نحو من أربعة آلاف بيت ليس فيه موضع ليته كان كذا ولست. وقال مؤلف اللوامع في ديباجته:... وقد صنف العلماء في ذلك (= علم الكلام) الجم الغفير وبالغوا في تنقيح مسائله بالتقرير والتحرير فاحببت مزاحمتهم في التقرب إلى رب الارباب والفوز بوافر الاجر وجزيل الثواب بتحرير كتاب جامع لغرر فوائد العلم المشار إليه وتقرير نكت فوائد المعول فيه عليه... چ

[ 175 ]

بصفات النبوة التي من جملتها العصمة المانعة من الكذب، وخالف في ذلك بعض النصارى حيث زعم أنه مبعوث إلى العرب خاصة وهو باطل لانه لما سلم لم نبوته لزم تصديقه في كل ما أخبر به ومن جملته عموم نبوته كقوله في القران: (با أيها الناس انى رسول الله إليكم جميعا)، (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)،) لانذركم به ومن بلغ) 1، وقوله (ص): (بعثت إلى الاسود والاحمر) لايرد كونه عربيا وقد قال سبحانه: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) فلو ارسل إلى غيرهم لزم خطاب من لا يفهم ومخالفة الاية لامكان الترجمة فيحصل الفهم وليس في الاية دلالة على منعه إذ لا يلزم من إرسال الرسول بلسان قومه أن لا يرسله إلى غيرهم بتفهيمهم بلسانهم. فائدة: يلزم من عموم نبوته كونه خاتم الانبياء وإلا لم تكن عامة للخلق ولقوله تعالى: (وخاتم النبيين) وقوله (ص): (لا نبي بعدي): وقال إمام المفسرين أبو علي الطبرسي في (مجمع البيان) 2: وفي قوله: (من بلغ) دلالة على أنه خاتم النبيين ومبعوث إلى الناس كافة، إذ لم يقيده بزمان ولا مكان. وقال الاستاذ السيد محمد رشيد رضا المتوفى سنة 1354 ه‍ في (تفسير المنار) 3 وقوله تعالى: (لانذركم به ومن بلغ) نص على عموم بعثة خاتم الرسل (ص) أي لانذركم به أي بالقرآن يا أهل مكة أو يا معشر قريش أو العرب وجمع من بلغه ووصلت إليه دعوته من العرب أو العجم، أو المعنى لانذركم به يا أيها المعاصرون لي وجمع من بلغه إلى يوم القيامة. چ. القول 4 2 - فاما ظهور المعجزات عليهم - 68 / 13. انظر البحار ج 7 ص 364 طبع كمپاني. چ.


1 - سورة الانعام / 19 (قل... واوحي إلي هذا القرآن لا نذركم به ومن بلغ). چ. 2 - ج 2 ص 282 طبع صيدا. 3 - ج 7 ص 341 طبع مصر.

[ 176 ]

القول 42: وبنو نوبخت تخالف فيه وتأباه - 68 / 16. الاقوال التي ينسبها في الكتاب إلى بني نوبخت هي آراء من تقدم منهم على عصره ولاسيما آراء المتكلمين الجليلين الشهيرين أبي سهل وأبي محمد النوبختيين - رحمهما الله - وبعض النوبختيين المتأخرين يوافقون في ظهور الاعلام والمعجزات على أيدى الائمة - عليهم السلام -. قال الشيخ الجليل أبو إسحاق إبراهيم بن نوبخت في كتابه الموسوم ب‍ (الياقوت) ما لفظه: وظهور المعجزات على أيدي الائمة جائز ودليله قصة مريم وآصف وغير ذلك. وقال العلامة الحلي - رحمه الله - في شرحه 1: انه غير مستحيل ولا قبيح فجاز إظهاره، أما عدم قبحه فلان جهة القبح هو الكذب وهو منتف هيهنا إذ صاحب الكرامة لا يدعي النبوة فانتفى وجه القبح. ومن ذهب إلى جواز صدور الكرامات عنهم من مشايخ المعتزلة غير من أشار إليه المصنف هو أبو الحسين البصري. القول 43: والسفراء والابواب 69 / 5. انظر البحار ج 7 ص 365 طبع كمپاني. چ. القول 43: في الصالحين والابرار - 69 / 8. مسألة ظهور الكرامات على الاولياء والابرار مما جوزه أكثر الفرق وإنما خالف فيه المعتزلة بشبهة انه يبطل دلالة المعجزة على النبوة، وجوزه من المعتزلة غير أبي بكر ابن الاخشيد المذكور في كلام المصنف - قدس سره - أبو الحسين البصري أيضا وكذا محققو


1 - وسمى ذلك الشرح النفيس الهام: ب‍ (أنوار الملكوت في شرح الياقوت) مخطوط ويطبع الان بعون الله تعالى بالعراق بعناية صديقنا العلامة المفضال السيد محمد علي القاضي الطباطبائي التبربزي نزيل النجف الاشرف - جزاه الله عن العلم والدين خيرا. چ.

[ 177 ]

الاشعرية كالجويني والغزالي وفخر الدين الرازي وغيرهم، والكلام في رد الشبهة المذكورة للمعتزلة وغيرها مذكور في كتب الكلام. وأما الزيدية فالمذكور في كلام المصنف أنهم يوافقون في نفي صدورها مع المعتزلة وكأنه كان في بعض المقدمين منهم وإلا ففي كلام المتأخرين منهم جوازه، قال السيد الامام أبو الحسين يحيى بن حمزة بن علي الحسيني من أفاضل أئمة الزيدية القائمين باليمن في كتابه الكبير في الكلام المسمى ب‍ (الشامل) بعد أن ذكر ذهاب جماهير المعتزلة إلى امتناع إظهار الخوارق على الاولياء وذهاب الامامية إلى وجوب ظهورها على الائمة ما نص عبارته: وذهب الشيخ أبو الحسن والمحققون من الاشعرية كالغزالي والجويني وصاحب (النهاية) وغيرهم إلى جواز ظهورها عليهم وهو الذي ذهب إليه أئمة الزيدية ومن تابعهم من علماء الدين. انتهى. والفلاسفة المسلمون أيضا جوزوا وقوعها من الاولياء ولهم في إثبات ذلك مناهج عقلية مذكورة في كلماتهم كما يطهر للمراجع إلى كتب ابن سينا مثل الشفاء والاشارات وغيرهما. ز. القول 46: بين الائمة والانبياء - عليهم السلام - 70 / 11. انظر البحار ج 7 ص 345 طبع كمپاني. چ. القول 46: وأنا ناظر فيه - 71 / 4. قد رفعنا إلى معالي العلامة الشهير السيد هبة الدين الشهرستاني في شعبان سنة 1354 ه‍ هذه المسألة: هل الائمة - عليهم السلام - أفضل من الانبياء - عليهم السلام - أم الامر بالعكس ؟ فأجاب - مد ظله - عنها بهذا النص: أما بالقياس إلى النبي (ص) فالجميع دونه في جميع الفضائل وإنما فضائلهم رشحات من فضله وعلومهم مقتبسة من علمه وشرفهم فرع شرفه. وأما بالقياس إلى سائر الانبياء السالفين فلا يبعد أن تكون جملة من

[ 178 ]

هؤلاء أفضل وأشرف من جملة في اولئك، لان في هؤلاء من هو أعلم وأشرف وأكثر جهادا في سبيل الله، وأصبر وأعظم نفعا للبشر علميا وأدبيا وأخلاقيا واجتماعيا، فلا يبقى ما يقف عثرة في سبيل التفضيل سوى ميزة النبوة، وقد قررت في محله أن الخلافة لافضل الانبياء قد يعتبر أعظم درجة من بعض الانبياء، وبعبارة اخرى لم يثبت أن الخلافة الالهيه عن أعظم أنبباء أقل درجة من كل نبي، ولدينا مثال محسوس وهو قياس ملك صغير من الشرف إلى ملك كبير، مثل ملك بريطانيا ثم قياسه إلى وزير المستعمرات، فإن وزير الملك العظيم يقتبس من عظمة ملكه فضلا وعظمة لا يدانيه فضل الملك الصغير ولا عظمته. وإن أبيت إلا أن يقام لك شاهد من آثار الشريعة القدسية فالحديث المروي عن رسول الله (ص): (علماء امتي كأنبياء بني إسرائيل)، وفي أكثر الروايات (أفضل من أنبياء بني إسرائيل)، فإن أخذنا العموم من علماء الامة فاهل بيت النبي المصطفى - أولى بالقصد وإلا فهم القدر المتيقن، مضافا إلى ما ورد في علي - عليه السلام - من أنه أخو النبي ونفسه، وانه خير الناس من بعده، وزوجته خير النساء، ونسلهما خير نسل، و (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) فيعم كل نبي مات في شبابه (وكل أهل الجنة شباب) و (علي مني وأنا من علي) و (حسين مني وأنا من حسين) وما يدريك أن لو كانت النبوة باقية مستمرة لكانت النبوة في هؤلاء متسلسلة فما قصروا عنها إلا لمانع في الحكمة الالهية العامة لا لقصور في استعداد هؤلاء خاصة، والله أعلم بحقائق الامور. وراجع (متشابه القرآن) 1 للشيخ الجليل المحبوب محمد بن شهر آشوب. وانظر رسالة (أصل الشيعة واصولها) 2 للعلامة الشهير آل كاشف الغطاء مد ظله، أيضا. چ.


1 - ص 44، 45 طبع طهران 1328 ه‍. ش. 2 - ص 84 طبع نجف.

[ 179 ]

القول 47 - كذلك نجزي الظالمين - 71 / 9. سورة الانبياء: 29. القول 48: المفاضلة بين الائمة - عليهم السلام - والملائكة - 71 / 13. سبق منه الاشارة في فصل متقدم إلى الاقوال المختلفة في المفاضلة يين الانبياء والائمة - عليهم السلام - وأظهر التمايل إلى فضل الائمة من آل محمد (ص) على سائر الانبياء والرسل غير نبينا محمد (ص) ومع ذلك لم يقطع به وقال: (أنا ناظر فيه)، وفي هذا الفصل يشير إلى المفاضلة بين الائمة والملائكة ويفرق في ذلك بين الرسل من الملائكة وبين غيرهم من سائر الملائكة ويقول ان قوله فيهم وفي المفاضلة بينهم وبين الائمة من آل محمد (ص) مثل قوله في المفاضلة بين الانبياء والرسل من البشر وبينهم - عليهم السلام -، واما سائر الملائكة فقطع بأن الانبياء من البشر والائمة - عليهم السلام - أفضل منهم. وللسيد الشريف المرتضى - قدس سره - مسألة خاصة في هذا الباب استوفى الكلام في أطرافه واستقصاه بذكر الادلة والحجج وهي معروفة 1. ز. القول 48: ليس موضعها هذا الكتاب - 71 / 17. انظر (مجمع البيان) ج 2 ص 304 س 13 طبع صيدا للشيخ الطبرسي. چ. القول 49 - كما جاءت به الروابة - 72 / 15. قال المؤلف - قدس سره - في جواب المسألة الرابعة والعشرين من المسائل العكبرية (مخطوط): إنهم (= الحجج) عندنا أحياء في جنة من جنات الله - عز وجل - يبلغهم السلام عليهم من بعيد ويسمعونه من مشاهدهم كما جاء الخبر بذلك مبينا على


1 - انظر البحار ج 14 ص 359. چ.

[ 180 ]

التفصيل، وليسوا عندنا في القبور حالين ولا في الثرى ساكنين وإنما جاءت العبادة بالسعي إلى مشاهدهم والمناجاة لهم عند قبورهم امتحانا وتعبدا، وجعل الثواب على السعي والاعظام للمواضع التي حلوها عند فراقهم دار التكليف وانتقالهم إلى دار الجزاء، وقد تعبد الله تعالى الخلق بالحج إلى البيت الحرام والسعي إليه من جميع البلاد والامصار وجعله بيتا له مقصودا ومقاما معظما محجوبا وإن كان الله - عز وجل - لا يحويه مكان ولا يكون إلى مكان أقرب من مكان فكذلك يجعل مشاهد الائمة مزورة وقبورهم مقصودة وإن لم تكن ذواتهم لها مجاورة ولا أجسادهم فيها حالة. چ. القول 49 - ولا هم يحزنون - 73 / 6. سورة آل عمران: 170، 171. القول 49: وجعلني من المكرمين - 73 / 7. سورة يس: 26 و 27 (آل يس) وقال المؤلف - رحمه الله - في جواب المسألة الرابعة من المسائل السروية: وقد قال سبحانه في مؤمن آل يس: (قيل ادخل الجنة) الاية. فأخبر أنه حي ناطق منعم وإن كان جسمه على ظهر الارض أو على بطنها. وقال الله تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا) الاية. فأخبر أنهم أحياء وإن كانت أجسادهم على وجه الارض أمواتا لا حياة فيها. چ. القول 50: في أبيات مشهورة - 74 / 4. قال العلامة الكبير والمتتبع الخبير السيد محسن الامين العاملي - مد ظله - في جمعه النفيس (ديوان أمير المؤمنين - عليه السلام - على الرواية الصحيحة ص 8 - 10 طبع دمشق: ولا باس بالاشارة إلى بعض ما يوجب القطع بفساد نسبة البعض مما في الديوان المشهور إليه - عليه السلام -... ومن ذلك إيراده الابيات التي أولها:

[ 181 ]

يا حار همدان من يمت يرني من مؤمن أو منافق قبلا مع أنها للسيد الحميري وأولها: قول علي لحارث عجب كم ثم اعجوبة له حملا فإنه صريح في أن ذلك حكاية قوله - عليه السلام - لا نفس قوله. والعجب ان جامع الديوان ذكر هذا البيت في آخر الابيات مع أنه في أولها وصريح في أنها ليست له - عليه السلام -، والشيخ الطوسي في أماليه في المجلس الثامن عشر نسب الابيات إلى السيد الحميري وذكر هذا البيت في أولها. وقد وقع في هذا الاشتباه ابن أبي الحديد في شرح النهج فنسب الابيات إلى أمير المؤمنين - عليه السلام - لما رأى في أولها خطابا للحارث ولم يذكر البيت الذي هو أولها. وقال أيضا في ص 114 من الديوان: وقال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة إن الشيعة تروي عنه شعرا قاله للحارث الاعور الهمداني: (يا حار همدان من يمت يرني) البيت... ولكن الصواب أن هذه الابيات للسيد الحميري نظم فيها هذه القصة فتوهم الرواة انها لامير المؤمنين - عليه السلام - من قوله فيها: (يا حار همدان)، وإنما ذلك حكاية قول أمير المؤمنين - عليه السلام - لا نفس قوله، روى ذلك الشيخ الطوسي في أماليه في مجلس يوم الجمعة 18 جمادي الاخر سنة 457 بسنده عن جميل بن صالح قال أنشدني السيد بن محمد: قول علي لحارث عجب كم ثم اعجوبة له حملا يا حارهمدان من يمت يرني من مؤمن أو منافق قبلا انظر أمالي الشيخ المفيد ص 2 - 4 طبع نجف 1367 ه‍. چ. القول 50: مثقال ذرة شرا يره - 74 / 12 سورة الزلزال: 7 و 8.

[ 182 ]

القول 50: فان أجل الله لات - 74 / 14. سورة العنكبوت: 5. القول 51: وأجسام الملائكة في التركيبات - 75 / 5. انظر كتاب (المحتضر) تأليف الشيخ حسن بن سليمان الحلي صاحب (مختصر بصائر الدرجات) 2 تلميذ الشهيد الاول من علماء أوائل القرن التاسع. چ. القول 52: حتى النشور والمآب - 75 / 11. انظر إلى ما قاله المصنف في هذا الموضوع في كتابه (تصحيح الاعتقاد) في النفوس والارواح. چ. القول 54: وكيف تكون صورهم في تلك الاحوال - 77 / 7. انظر (بحار الانوار) ج 14 ص 410 طبع أمين الضرب. چ. القول 54: عن الصادقين من آل محمد - 77 / 13. لما كانت الاحكام الثابتة للمكتفين من أمر ونهي والاستحقاقات الحاصلة لهم من تعلق مدح وذم وثواب وعقاب وغير ذلك كلها متعلقة بالانسان المكلف جرت عادة المتكلمين بالبحث عن حقيقة الانسان وماهيته ليعلم أن ذلك المكلف الذي تعلقت به هذه الامور من هو ؟ وقد اختلفت أقاويلهم في ذلك على آراء كثيرة حتى عد منها زهاء أربعين قولا وغالبها ناشئة من خلط معنى النفس والروح بمعاني الحياة والعقل ونحوهما والمعروف بين محققي المتكلمين هو القول بتجردها مما لا محل لبسط


1 - ص 1 طبع نجف 1370 د. 2 - طبع نجف.

[ 183 ]

القول في ذلك في هذا المقام. وللمصنف في بعض أجوبة مسائله 1 كلام في هذا المقام يناسب نقله في هذا المقام فقد سئل عنه عن الانسان 2 هل هو هذا الشخص المرئي المدرك أو هو جزء حال في القلب حساس دراك، فأجاب بما لفظه: إن الانسان هو ما ذكره بنو نوبخت، وقد حكى عن هشام بن الحكم أيضا، والاخبار عن موالينا - عليهم السلام - تدل على ما أذهب إليه وهو أنه شئ قائم بنفسه لا حجم له ولا حيز ولا يصح عليه التركيب ولا الحركة والسكون والاجتماع والافتراق وهو الشئ الذي كانت تسميه الحكماء الاوائل (الجوهر البسيط) وكذلك كل حي فعال محدث فهو جوهر بسيط، وليس كما قال الجبائي وابنه وأصحابهما انه جملة مؤلفة، ولا كما قال ابن الاخشاد انه جسم متخلخل في الجملة الظاهرة، ولا كما قال ابن الراوندي (الاعوازي خ‍) 3 إنه جزء لا يتجزا. وقولي فيه قول معمر من المعتزلة وبني نوبخت من الشيعة على ما قدمت ذكره، وهو شئ يحتمل العلم والقدرة والحياة والارادة والنقص قائم بنفسه محتاج في أفعاله إلى الالة التي هي الجسد. والوصف بأنه حي يصح عليه القول بأنه عالم وقادر وليس الوصف له بالحياة كالوصف للاجساد بالحياة حسب ما قدمناه، وقد يعبر عنه بالروح وعلى هذا المعنى جاءت الاخبار أن الروح إذا فارقت الجسد نعمت وعذبت، والمراد أن الانسان الذي هو الجوهر البسيط يسمى الروح وعليه الثواب والعقاب وإليه توجه الامر والنهي والوعد والوعيد، وقد دل القرآن على ذلك بقوله: (يا أيها الانسان ما غرك بربك


1 - وهي الاسئلة السروية التي وردت إليه - قدس سره - من السيد الشريف بسارية مازندران فأجاب عنها بكتاب عبر عنه النجاشي ب‍ (المسألة الموضحة) وفيها مسألة الرجعة والدر. چ. 2 - انظر االبحار (ص 411، 412 طبع كمپاني. چ. 3 - انظر تكملة (الفهرست) لابن النديم ص 4 من طبعة مصر. چ.

[ 184 ]

الكريم * الذى خلفك فسواك فعدلك * في أي صورة ما شاء ركبك) 1، فأخبر تعالى انه غير الصورة وأنه مركب منها ولو كان الانسان هو الصورة لم يكن لقوله تعالى: (في أي صورة ما شاء ركبك) معنى لان المركب في الشئ غير الشئ المركب فيه ولا مجال أن تكون الصورة مركبة في نفسها عينا لما ذكرناه، وقد قال سبحانه في مؤمن آل ياسين 2: (قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون * بما غفر لى) 3 فأخبر أنه حي ناطق منعم وإن كان جسمه على ظهر الارض أو في بطنها، وقال الله تعالى: (ولا تحسبن الذين فتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) 4 فأخبر أنهم أحياء وإن كانت أجسادهم على وجه الارض أمواتا لا حياة فيها، وروي عن الصادقين - عليهم السلام - أنهم قالوا: إذا فارقت أرواح المؤمنين أجسادهم أسكنها الله تعالى في أجسادهم التي فارقوها فينعمهم في جنته وأنكروا ما ادعته العامة من أنها تسكن في حواصل الطيور الخضز، وقالوا المؤمنون أكرم على الله من ذلك، ولنا على المذهب الذي وصفناه أدلة عقلية لا يطعن المخالف فيها ونظائرها لما ذكرنا من الادلة السمعية وبالله أستعين انتهى كلامه - رفع مقامه - نقلناه بطوله لما فيه من الفائدة المناسبة في المقام. ز. القول 56: والصراط والميزان - 78 / 14. الطريق إلى معرفة هذه الامور والاحكام المتعلقة بالنشأة الاخروية هو السمع وخبر المخبر الصادق فبعد ما ثبت نبوة النبئ بالادلة القاطعة وعصمته يجب التصديق بكافة ما أخبر به عن هذه الامور الممكنة التي لا استحالة فيها عقلا كما يجب التصديق بسائر ما أتى به من الله تعالى، وبالجملة يجب الايمان بجملة ما اخبر به عن


1 - سورة الانفطار / 6 - 8. 2 - انظر (تفسير الشيخ أبي الفتوح الرازي) ج 4 ص 407 طبع طهران. چ. 3 - سورة يس / 26 - 27. 4 - سورة آل عمران / 169. (*)

[ 185 ]

هذه الامور وأما تفاصيلها وكيفياتها، وان الصراط ما هو، والميزان كيف هو وعلى أي كيفية تقع المحاسبة، ومتى ينزل الملكان على أهل القبور، وعما يسألونهم فقد ورد في بيانها أخبار كثيرة مروية في طرق الفريقين لا يخرج غالبها عن حريم أخبار الاحاد فلابد أن يسلك فيها ما يجب سلوكه في سائر تلك الاخبار والاخذ بما يوافق منها الكتاب والسنة القطعية والاجماع ولا يخالف أدلة العقول. وللمصنف بيانات وافية في غالب تلك المسائل في شرحه لكتاب (تصحيح اعتقاد الامامية) 1 للشيخ الصدوق أبي جعفر ابن بابويه القمي - قدس سره - ينبغي المراجعة إليه لمن أراد مزيد التبصر في ذلك والله الموفق للصواب. ز. القول 57: في الشفاعة - 79 / 13. اتفق كافة فرق المسلمين على ثبوت الشفاعة لنبينا (ص) لكنهم اختلفوا في معناها، فذهبت المعتزلة إلى أن الشفاعة للمؤمن الطائع في زيادة المنافع دون العصاة المرتكبين للذنوب والكبائر وأما سائر الفرق فقالوا: إنها للعصاة والفساق من أهل الايمان في سقوط العقاب عنهم وأدلتهم على ثبوت الشفاعة بالمعنى الذي ذكرناه مذكورة في الكتب المطولة. ز. القول 57: ولا صديق حميم - 80 / 2. سورة الشعراء: 100، 101. القول 58: في البداء والمشية - 80 / 5. (2) لفظ البداء يطلق على معنيين: الاول هو الظهور وهذا هو الاصل في هذه


1 - انظر كتاب (تصحيح الاعتقاد) في الصراط والحساب والميزان. چ.

[ 186 ]

اللفظة من حيث الوضع اللغوي، والثاني هو الانتقال والتحول من عزم إلى عزم بحصول العلم أو الظن بشئ بعد ما لم يكن حاصلا، والبداء بهذا المعنى الاخير مما لا يجوز اطلاقه في حق الباري تعالى لاستلزامه حدوث العلم وتجدده له مما دلت الادلة القاطعة على نفيه عنه تعالى، فحيث ما يضاف إليه هذه اللفظة فالمراد منه هو ظهور أمر غير مترقب أو حدوث شئ لم يكن في الحسبان حدوثه ووقوعه، وعلى هذا المعنى يحمل كل ما ورد إطلاقه في القران الكريم، والذي سوغ إطلاق لفظة البداء عليه تعالى بهذا المعنى هو السمعيات من آيات الكتاب الكريم نحو قوله تعالى: (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون) 1 وغيره من الايات، ومن الاخبار الكثيرة المروية بالطرق الصحيحة في كتب الفريقين ولولا تلك السمعيات لم يجز إطلاقها في حقه تعالى. ومحققو الفريقين حملوها على ما يفيد معنى النسخ ونظائره مما ذكره المصنف - قدس سره - وجعلوا مثابته في التكوينيات مثابة النسخ في الامور التشريعية مما أطبق الكل على صحته وجوازه ويصير الخلاف حينئذ كخلاف لفظي. وبعض مخالفي الامامية حمل هذه اللفظة على المعنى الاخير الذي لا يجوز إطلاقه في حقه ونسبه إلى مذهب الامامية بقصد التشنيع لهم في ذلك والصحيح من ذلك ما أشرنا إليه. ز. القول 59: من الزيادة فيه والنقصان. 80 / 17. الكلام في هذه المسألة معروف، والخلاف فيه بين العلماء مشهور أما الزيادة في آيات القرآن فلم يدعها أحد بل صرحوا بعدم وقوعها، وأما التحريف والنقص فقد وقع دعواه عن بعض حشوية العامة وأخبارية الشيعة نظرا لورود بعض روايات مروية بطريق الاحاد، ومحفقو الفريقين وأهل النظر منهم على خلافه، ونحن نقتصر في هذا الباب على كلام للشيخ الجليل أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي - قدس سره - أورده في


1 - سورة الزمر / 47.

[ 187 ]

تفسيره المعروف ب‍ (التبيان) 1 قال: أما الكلام في زيادة القرآن ونقصانه فمما لا يليق به أيضا (غرضه انه لا يليق إيراده في ضمن تفسير آيات القرآن وإنما يلزم التعرض له في المقدمات) لان الزيادة فيه مجمع على بطلانها، وأما النقصان فالظاهر أيضا من مذهب المسلمين خلافه وهو الاليق بالصحيح من مذهبنا وهو الذي نصره المرتضى وهو الظاهر في الرواية غير أنه رويت روايات كثيرة من جهة الشيعة وأهل السنة بنقصان كثير من آى القرآن ونقل شئ منه من موضع إلى موضع طريقها الاحاد التي لا توجب علما ولا عملا والاولى الاعراض عنها. انتهى. ز. القول 59: ومن عرف الناسخ والمنسوخ - 81 / 2. انظر باب (القول في اللطيف من الكلام)، (القول في ناسخ القرآن ومنسوخه). چ. القول 59: ولا من آية ولا من سورة - 81 / 6. قال العلامة الامام السيد هبة الدين الشهرستاني - مد ظله - في مجلة (المرشد) ج 3 ص 211 طبع بغداد: المشهور (وعليه الجمهور) ان القرآن المنزل من الله على رسوله إنما هو هذا الموجود بين الدفتين وعليه أدلة وافية من التاريخ والحديث. وقد اغتر جملة من الحشوية ونساك المحدثين الظاهريين ببعض الاحاديث الضعيفة والتي وضع قسما منها ذووا الاهواء من رؤساء الفرق في صدر الاسلام فظنوا حدوث الزيادة والنقصان في آي القران. وسيدنا المرتضى علم الهدى صرح كغيره من أسلافنا المحققين بأن القرآن محفوظ من الزيادة والنقصان كما صرح أيضا بأن أكثر ما نزل على


1 - انظر كتاب (التبيان في تفسير القرآن) ج 1 ص 2 - 3 طبع طهران على الحجر 1364 ه‍ للشيخ الطوسي. چ.

[ 188 ]

هذا الدين من البلاء إنما هو من أرباب النسك يعني بهم الذين ياخذون من صفاء سريرتهم بكل ما يسمعون. انظر رسالة (أجوبة موسى جار الله) ص 27، 37 طبع صيدا للعلامة الامام السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي - مد ظله - وتفسير (آلاء الرحمن) ج 1 ص 17، 32 طبع صيدا لفقيد العالم الاسلامي الامام الشيخ محمد جواد البلاغي - طاب ثراه - و (المطالعات والمراجعات) ج 2 ص 115 - 120 طبع صيدا ورسالة (أصل الشيعة واصولها) ص 88 طبع النجف لمؤلفها العلامة الامام الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء - مد ظله - چ. القول 59: ولكن حذف ما كان مثبتا - 81 / 6. انظر (البحار) ج 19 ص 20 طبع كمپاني. القول 59: رب زدني علما - 81 - 10. سورة طه: 114. القول 59: فسمى تأويل القرآن قرآنا - 81 / 10. انظر (تصحيح الاعتقاد) في نزول القرآن. چ. القول 60: في أبواب الوعيد - 82 / 6. الوعيد عبارة عن الاخبار بوصول ضرر على الموعود كما أن الوعد عبارة عن الاخبار بوصول نفع إليه، وقد أشار إلى جملة من مسائله التي اتفقت عليها الامامية وخالفتهم فيها المعتزلة وغيرهم في الباب المخصوص الذى عقده لهذا. وقد جرت عادة المتكلمين على البحث في باب الوعيد عن مسائل الثواب والعقاب والطاعة والمعصية والايمان والكفر وما يجري على الكفار والفساق من

[ 189 ]

الاسماء والاحكام وغير ذلك مما قد تعرض لشئ من مهماتها في طي الابواب الاتية وذكر معتقد الامامية فيها ومن يخالفهم في شئ منها. ز. القول 61: ولا الثواب ولا العقاب - 82 / 14. الاحباط في اصطلاح المتكلمين خروج الثواب والمدح الذين يستحقهما العبد المطيع عن كونهما مستحقين بذم وعقاب أكبر منهما لفاعل الطاعة، والقول بالتحابط منسوب إلى أبي علي الجبائي من المعتزلة وتبعه عليه من يوافقه، فقال إذا أقدم صاحب الكبيرة عليها أحبطت تلك الكبيرة جميع أعماله الصالحة وأسقطتها والخلاف في ذلك في غير الكفر إذ لا خلاف في أنه يزيل استحقاق الطاعات السالفة وفي غير الايمان الذي يزيل استحقاق الذنوب السابقة 1. وقال أبو هاشم بالموازنة وهو أن الاعمال الصالحة للعبد توازن بالاعمال السيئة فينعدم ما يساوي الناقص بالناقص ويبقى الزائد، والادلة على بطلان كلا القولين مذكورة في محله. ز. القول 63: في الموافاة - 83 / 9. مجمل القول في هذا أنه لا خلاف في أن المؤمن بعد اتصافه بالايمان الحقيقي في الواقع ونفس الامر لا يمكن أن يكفر مادام الوصف وإنما الخلاف في أنه هل يمكن زواله بطريان ضد له أم لا ؟، فذهب كثير إلى جواز ذلك بل وقوعه ويدل عليه ظواهر آيات كثيرة من القرآن، وذهب بعض آخر إلى عدم جواز زوال الايمان الحقيقي بضد أو غيره وهو الذي يظهر من كلام المصنف هيهنا ونسب القول به إلى السيد الشريف المرتضى أيضا.


1 - راجع (كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد) ص 360 طبع صيدا، للعلامة الحلي - رحمه الله - چ -

[ 190 ]

وتحقيق القول في ذلك ما ذكره بعض أجلاء المتأخرين وهو أن المعلومات التي يتحقق الايمان بالعلم بها امور متحققة ثابتة لا تقبل التغيير والتبديل فإن وحد الصانع تعالى ووجوده وأزليته وعلمه وقدرته وحياته امور يستحيل تغيرها وكذ كونه عدلا لا يفعل قبيحا ولا يخل بواجب كذا النبوة والمعاد فإذا علمها الشخص على وجه اليقين والثبات بحيث صار علمه بها كعلمه بوجود نفسه - غير أن الاول نظري والثاني بديهي، لكن لما كان النظري إنما يصير يقينيا بانتهائه إلى البديهي ولم يبق فرق بين العلمين - امتنع تغير ذلك العلم وتبدله كما يمتنع تغير علمه بوجود نفسه. والحاصل أن العلم إذا انطبق على المعلوم الحقيقي الذي لا يتغير أصلا فمحال تغيره فعلم أن ما يحصل لبعض الناس من تغير عقيدة الايمان لم يكن بعد اتصاف أنفسهم بالعلم حقيقة بل كان الحاصل لهم ظنا غالبا بتلك المعلومات، والظن يمكن تبدله وتغيره. انتهى. والكلام في مسألة الموافاة واشتراط استحقاق الثواب بها وعدم اشتراطها طويل لا يسع المقام التطويل بذكره والمرجع الكتب المبسوطة. ز. القول 65: في العموم والخصوص - 84 / 4. الكلام في هذا الباب من مباحث اصول الفقه وقد تعرض أهله للبحث المستقصى عن هذه المسألة في كتبهم، ولكن لاجل أنها لها نوع ارتباط ببعض مباحث الوعد والوعيد وغيرها مما يبحث عنه في علم الكلام تعرض لها بعض المتكلمين في كتبهم، مثلا ورد في القرآن الكريم آيات كثيرة مشعرة بعدم جواز العفو عن مرتكبي الذنوب والمعامي مثل قوله تعالى: (ومن يعص الله ورسولة ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها) 1، وقوله تعالى: (ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا) 2 وقوله تعالى: (إن الفجار لفى جحيم) 3 وآيات غير ذلك. * (هامش 1 - سورة النساء / 14. 2 - سورة الفرقان / 19. 3 - سورة الانفطار / 14.

[ 191 ]

فإذا لم يثبت وجود صيغة للعموم يخصه في لغة العرب يحتمل اللفظ العموم والخصوص فيجوز عند ذلك تخصيص الوعيد بالكفار دون فساق أهل القبلة كما هو مذهب الامامية والمرجئة ويخالفهم فيه المعتزلة على ما سبقت الاشارة إليه في أول الكتاب. ولاجل ذلك أفرد - بعض المتكلمين هذه المسألة بالتأليف كالنوبختيين أبو سهل إسماعيل بن علي، وأبو محمد الحسن بن موسى النوبختي - رحمهما الله - كما أشاروا إلى ذلك في فهرست تصانيفهم. ز. القول 66: في الاسماء والاحكام - 84 / 9. الغرض المهم من عقد هذا الباب في كتب الكلام هو البحث عن حال مرتكبي الكبائر من المعامي من المسلمين والمصلين إلى القبلة وما يستحقونه [ من ] الاسماء وعلى أي نحو يطلق عليهم هذه الاسماء وما يجري عليهم من الاحكام وما يتعلق بذلك، وقد ظهر الكلام في ذلك منذ الصدر الاول من الزمن الذي نشأت فرقة الخوارج وما ابتدعه بعض فرقهم كالازارقة وغيرهم من الاقاويل الفاسدة في باب الايمان والكفر والتي استحلوا بها دماء المسلمين وكفروهم، ثم ما حدث لاجل ذلك من القول بالمنزلة بين المنزلتين وفارق به المعتزلة سائر الفرق وهو أن الفاسق المرتكب للكبائر ليس بمؤمن ولا كافر وأنه يستحق الوعيد بالخلود في النار على ما اشير إليه في أوائل الكتاب، وقد تعرضوا في ضمن ذلك على تعريف حقيقة الايمان والكفر وحكم المخالف للحق من أهل القبلة، وإلى حال المعاصي من صغيرة أو كبيرة، وما يستحقه مرتكبوها من العقاب في العاجل أو الذم في الاجل. وما يطلق عليهم من الاسماء الشرعية ويجري عليهم من الاحكام الدينيه إلى غير ذلك من تفاريع المسائل والاحكام التي تكفل ببيانها حوافل كتب الكلام والفقه، وقد تعرض المصنف - قدس سره - لاهم ما خالف فيه المعتزلة مع الامامية في المسائل المذكورة في هذا الكتاب. ز.

[ 192 ]

القول 67: يموتون وهم كفار - 85 / 5. سورة النساء: 18. القول 67: إلى يوم يبعثون - 85 / 7. سورة المؤمنون: 99، 100. القول 68: وعبد السلام الجبائي ومن اتبعه يخالفون فيه - 85 / 15. ذهب أبو هاشم إلى أن حقيقة التوبة هي الندم على المعصية والعزم على عدم العود إلى مثلها في القبح، وبعبارة اخرى الندم على المعصية السابقة والعزم على تركها في الاتي، وتبعه في ذلك من انتهج منهجه من جمهور معتزلة البصريين كالقاضي عبد الجبار وغيره فحقيقة التوبة عند هؤلاء متقومة من جزأين: ندم خاص وعزم خاص. وقال آخرون: حقيقة التوبة هي الندم على فعل المعصية وأما العزم على تركها فليس بمأخوذ في حقيقتها، ثم اختلفوا فجعله بعض منهم شرطا وبعض آخر لازما فقد اتفق الكل على أن النادم غير العازم وكذا العازم مع عدم الندم ليس بتائب وإنما الخلاف في أن عدم صحة توبته لزوال ما هو جزء حقيقة التوبة أو لزوال شرطها ولازمها. والظاهر من كلام المصنف أخذه شرطا فيها واختار محمود الخوارزمي من المعتزلة كونه لازما، فالعزم المذكور جزء من مفهوم حقيقة التوبة عند أبي هاشم وأتباعه وليس بجزء منه عند هؤلاء بحيث لو ندم على ما سلف من القبيح ومنع عن العزم صحت توبته على هذا القول دون القول الاول. ز. القول 69: فضلا عن أن يكون قبيحا - 86 / 6. حكي قاضي القضاة عبد الجبار بن أحمد الرازي هذا القول المنسوب إلى أبي هاشم عن أمير المؤمنين - عليهم السلام - وعن أولاده كعلي بن موسى الرضا - عليه السلام - كما

[ 193 ]

نقله عنه العلامة الحلي - قدس سره - وكذا حكاه عنهم - عليهم السلام - يحيى بن حمزة الحسيني من أفاضل أئمة الزيدية في الشامل وعن جماعة اخرى من التابعين وأتباعهم مثل الحسن البصري وواصل بن عطاء وجعفر بن مبشر وبشر بن المعتمر وغيرهم. وتحقيق القول في ذلك أنها مقولة بالشدة والضعف ومختلفة بحسب اختلاف جهات القبح فيها وإن كانت مشاركة في القبح المطلق فإذا تاب العبد عن قبيح له مشاركة مع غيره في الجهة المقبحة وجب التوبة عن ذلك القبيح الاخر أيضا وإلا لم يكن توبة حقيقة عنه، وأما سائر القبائح التي لا تشاركه في جهة القبح فلا دخل له في التوبة عن هذا القبيح لاختلاف الدواعي والاغراض، ولهذا ألزموا أبا هاشم بأنه لو أسلم يهودي وندم على كفره وبقي على الاصرار عل صغيرة من الصغائر أن لا يكون توبته مقبولة مع أن الاجماع واقع على صحة توبته، وبهذا ينبغي أن يحمل القول المنقول عن أمير المؤمنين وأهل بيته - عليهم السلام - ويتأول به والله أعلم. ز. القول 71: وان شاؤا استقادوا منه - 87 / 10. (القود) بفتح القاف والواو القصاص وقتل القاتل بدل القتيل. يقال: (استقاد الامير) أي سأله أن يقيد القاتل بالقتيل. چ. القول 72: من جهة الاكتساب - 88 / 8. العلم ينقسم إلى ضروري وكسبي، والضروري هو ما يضطر غريزة العقل بمجردها إلى التصديق به مثل (أن الشئ لا يتصف بالنفي والاثبات)، و (ان الكل أعظم من الجزء) و (الاشياء المتساوية لشئ واحد مساوية) فإنها معقولات محضة تقتضيها ذات العقل بمجرد التوجه إليها وحصولها في الذهن حتى أنه لو قدر أن شخصا خلق دفعة عاقلا ولم يلقن بشئ من التعاليم وعرضت عليه هذه القضايا

[ 194 ]

لم يتربص في الحكم عليها بذلك ولا يتوقف تصديقه بها إلا على ذهن ترتسم فيه وقوة مفكرة تنسب بعضها إلى بعض بغير استعانة من حس أو غيره، والعلم الكسبي أو النظري هو ما لا يكون بهذه المثابة بل إنما يقع بتصديق العقل به بعد نظر صحيح بترتيب مقدمات موصلة إلى النتائج في إثبات شئ لشئ ونفيه عنه على ما هو معلوم. وقد اختلفت أنظار النظار في هذا الباب، فذهبت طائفة كالجاحظ وغيره إلى أن العلوم كلها ضرورية بمعنى أن العلوم والمعارف الحاصلة للانسان ليست شئ منها يحصل بكسب وأنه إذا وجه إرادته لدرك شئ مجهول فليس له إلا ذلك الاتجاه وأنه يدرك بعد ذلك ما هو حاصل في نفسه من المعلومات ويتذكرها طبعا وليس شئ من ذلك من فعل العبد، ويشبه أن يكون الجاحظ وغيره من رجال المعتزلة سرت إليهم هذه النظرية من قدماء الفلاسفة كافلاطون وغيره فإن بين نظرياته ما يشابه هذا الرأي وأن العلم ليس سوى التذكر. وقد رأى هذا الرأي غير الجاحظ أيضا كابي محمد ابن حزم الاندلسي فقد عقد لذلك بابا في كتابه المعروف (في الملل والنحل) وناقش مخالفيه فيه، ونسب ذلك أيضا إلى الامام فخر الدين الرازي وغيره. ومن هؤلاء من يرى أن العلوم مع كونها ضرورية غير مقدورة للعباد، فمنها ما حصوله لا عن نظر، ومنها ما حصوله عن نظر لكن بعد تمام النظر يحصل الاضطرار إليه. ونقل أبو الحسن الامدي عن بعض الجهمية أن جميع العلوم نظرية لا ضرورة فيها، وقال قوم: العلوم المتعلقة بذات الله وصفاته والاعتقادات الصحيحة ضرورية وما عدا ذلك لا يمتنع أن يكون نظريا، وفضل بعض آخر بين العلوم التصورية فقال: هي ضرورية، والتصديقية فقال: بانقسامها إليهما. وقد بسط الكلام على هذه الاقاويل بالتصحيح والابطال في محله وغرض المصنف - قدس سره - من تكرار القول في ذلك البحث هو الاشارة إلى ما هو الصحيح

[ 195 ]

من حصول ما ذكره من العلم بالاشياء الغائبة عنا بالكسب والنظر دون طريق الاضطرار خلافا لبعض من أشار إليهم من الفرق المذكورة القائلين بأنها ليست من أفعال العباد وانها اضطرارية لا قدرة للعبد فيها وكذا فيما يشير إليه من الامور المعلومة بسبب التواتر وغيره. ز. القول 74: في حد التواتر من الاخبار - 89 / 7. الكلام في حقيقة التواتر وما به يتحقق التواتر معروف في اصول الفقه، والخلاف في أن العلم الحاصل عن خبر التواتر هل هو بضرورة واضطرار إليه أو هو نظري واكتساب، فنقل عن جمهور من الفقهاء والمتكلمين من المعتزلة والاشاعرة أنه ضروري، وعن الكعبي وأبي الحسين أنه نظري، وقال أبو حامد الغزالي إنه ضروري بمعنى أنه لا يحتاج في حصوله إلى الشعور بتوسط واسطة مفضية إليه وليس ضروريا بمعنى أنه حاصل من غير واسطة. وغرضه أنه ليس من الضروريات التي لا يحتاج في دركها إلى واسطة وإلى ترتيب مقدمات أصلا بل لابد فيه من مقدمتين موجودتين في النفس إحديهما أن جمعا كثيرا كهؤلاء المخبرين في التواتر قد اتفقوا على الاخبار عن الواقعة، وثانيهما أنهم مع كثرتهم واختلاف أحوالهم لا يجمعهم على الكذب جامع لكن لا يفتقر إلى ترتيب هاتين المقدمتين بالترتيب المنظوم المتعارف أو شعور النفس بأن هذا العلم حاصل من هاتين المقدمتين فضروريته بمعنى عدم الاحتياج إلى الشعور بالواسطة فيه ونظريته بمعنى حصول ما هو المناط في العلم النظري الكسبي فيه في الواقع. ز. القول 74: ويحدونه بما أوجب علما على الاضطرار - 89 / 13. انظر باب (القول في اللطيف من الكلام) القول في اخبار الاحاد. چ.

[ 196 ]

القول 78: يزعمان أنهم ملجئون إلى الاعمال - 92 / 8. قد اشتهر هذا القول عن أبي الهذيل وأن حركات أهل الخلدين تنقطع وأنهم يصيرون إلى سكون دائم تجتمع فيه اللذات لاهل الجنة والالام لاهل النار. واعتذر الخياط المعتزلي عن مقالته هذه بأنه كان يزعم أن الدنيا دار عمل ومحنة والاخرة دار جزاء لا دار عمل واختيار وأمر ونهي، فأهل الجنة فيها يتنعمون ويلذون، والله تعالى المتوقي لفعل ذلك فيهم وإيصال ذلك النعيم إليهم وهم غير فاعلين له. قال: ولو كانوا في الجنة مع صحة عقولهم وأبدانهم يجوز عنهم اختيار الافعال لكانوا مأمورين منهيين ولو كانوا كذلك لوقعت منهم الطاعة والمعصية فكانت الجنة حينئذ دار تكليف ومحنة لا دار ثواب وعقاب مع الاجماع بأن الدنيا دار عمل والاخرة دار جزاء وأنهم متي لم يكونوا مضطرين كانت عليهم فيها مشقة من حيث أنهم تكلفوا الافعال. وقد أجاب عنه الشريف المرتضى بأنهم ليسوا مضطرين بل هم مختارون في نيل ما يلذهم مؤثرون لها على وجه لا كلفة فيه ولا تعب ولا نصب ون نيل الملتذ ما يناله من اللذات أكمل للذته وأقوى. وأما الالجاء إلى الافعال الذي ذهب إليه الجبائيان فقد ذهب إلى نظيره السيد المرتضى - قدس سره - بالنسبة إلى القبائح فقال في رسالته المعمولة لاحكام أهل الاخرة: وأما أفعال أهل الجنة فالصحيح أنها واقعة منهم على سبيل الاختيار وإن كانوا ملجئين إلى الامتناع من القبيح وإلا جاز وقوعه منهم. وجوز هذا النوع من الالجاء بأن يكون الملجأ من بعض الوجوه مخيرا من سائر الجهات. ز. القول 79: وأنهم لكاذبون - 93 / 3. سورة الانعام: 27، 28.

[ 197 ]

القول 79: وضل عنهم ما كانوا يفترون - 93 / 6. سورة الانعام: 22، 23، 24. القول 80: وجماعة كثيرة من متكلمي الامامية - 93 / 18. زرارة بن أعين الشيباني من أكابر رجال الشيعة وأجلائهم فقها وحديثا وكان كما قال أبو غالب الزراري 1 في رسالته الموضوعة لبيان حال آل أعين 2 في حقه: وكان (= زرارة) خصما جدلا لا يقوم أحد بحجته إلا أن العبادة قد شغلته عن الكلام، والمتكلمون من الشيعة تلاميذه. وأما محمد بن الطيار، فالذي ذكر اسمه في كتب الرجال في عداد متكلمي الامامية هو ابنه حمزة بن محمد بن الطيار وإن كان محمد أيضا من أصحاب الباقر - عليه السلام - وكأنه من سهو القلم، وقد وقع في هذا الاسم سهو أيضا في شرحه ل (اعتقادات الصدوق)، فقد ذكر فيه في باب النهي عن الجدال حديث يونس بن يعقوب المروي في الكافي في كتاب (الحجة)، وفيه ذكر أمر الصادق - عليه السلام - عبد الرحمن بن أعين ومحمد بن الطيار وهشام بن سالم وقيس الماصر بمناظرة الرجل الشامي الذي ورد عليه مع أن الموجود في (الكافي) وفي كتاب (الارشاد) للمصنف


1 - انظر البحار ج 1 ص 15 طبع كمپاني. چ. 2 - أورد العلامة الشيخ يوسف البحراني - قدس سره - هذه الرسالة، في كشكوله المسمى ب‍ (أنيس المسافر وجليس الحاضر) ص 119 - 135 ج 1 طبع بمبي 1291 ه‍ وقال في (مرآة الكتب): (أنيس المسافر وجليس الحاضر) للفقيه المحدث الشيخ يوسف بن أحمد البحراني صاحب (لؤلؤة البحرين) المتوفي سنة 1186 ويعرف ب‍ (الكشكول) ذكر فيه الاخبار والاشعار والقصص والمسائل الفقهية، وقد أدرج فيه بعض الرسائل كرسالة (السلافة البهية) و (رسالة أبي غالب الزراري) أوله: الحمد لله الذي شق ليل العدم بخلق نهار الوجود، الخ، وقد طبع مغلوطا جدا وسمعت أن فيه سقطات أكثر من غلطاته. چ.

[ 198 ]

الذى نقل هذه الرواية بطريقه عن محمد بن يعقوب الكليني - قدس سره - وهو الصحيح أنه محمد بن النعمان الاحول المتكلم المشهور من أصحاب الصادق - عليه السلام - وعلى أي حال فأظن أن ذكر اسم محمد بن الطيار في كلا الموضين سهو من قلمه الشريف والله الموفق للصواب. ز. القول 81: إن الحكم في الدار على الاغلب فيها. 94 / 2. معنى وصف الدار بكونها دار إسلام أو إيمان أو دار كفر هو من جهة لحوق أحكام شرعية للمقيمين بها مثل أحكام المناكحة والتوارث والصلاة خلفه أو عليه إذا مات والدفن في مقابر المسلمين والموالاة معه أو معاداته وأمثال ذلك، وقد اختلفت الاراء في الامر الذي يصير سببا لوصف الدار بكونها دار إسلام أو كفر فمنهم من اعتبر الكثرة فإذا كان الاكثر من أهل الدار على دين الاسلام فهي دار إسلام وإلا فدار كفر، ومن هؤلاء من اعتبر مع الكثرة الغلبة أيضا بان يكونوا غالبين قاهرين على الامور، ومنهم من اعتبر زوال التقية، فمتى لم يكن أهل الدار في تقية من السلطان في إظهار شعائر الدين فهي دار إسلام. والبهشمية من المعتزلة يجعلون الحكم في الدار للامام أو السلطان، ويزعمون أن السلطان إذا كفر كفرت الرعية وإن لم يعلموا بكفره ويصير الدار بذلك دار كفر، وقالت الخوارج إن كل بلد ظهر فيها الحكم بغير ما أنزل الله فهي دار كفر. وذهب كثير من الزيدية والمعتزلة إلى أن المناط في ذلك بما يظهر في الدار ويوجد المقيم بها من الحال فإذا كان الدار بحيث يظهر فيها الشهادتان ظهورا لا يمكن المقام فيها إلا بإظهارهما أو الكون في ذمة وجوار من مظهرهما ولا يتمكن المقيم من إظهار خصلة من الخصال الكفرية في دار إسلام وإن لم تكن الدار بهذا الوصف الذي ذكرناه فهي دار كفز، ولا اعتبار عندهم مع ذلك بما يكون عليه أهلها من المذاهب المختلفة بعد تحقق ما ذكرناه، وإليه يؤول كلام المصنف - قدس سره - ويقرب

[ 199 ]

منه على ما فصله في الكتاب، والتفصيل في ذلك موكول إلى غير هذا المحل، والله الموفق للصواب. ز. القول 81: ولنعم دار المتقين - 94 / 5. سورة النحل: 30. القول 81: ساريكم دار الفاسقين - 94 / 6. سورة الاعراف 145 القول 82: في اللطيف من الكلام - 95 / 1. عد الشيخ الجليل أحمد بن علي النجاشي - رحمه الله - في فهرسته المعروف هذا الكتاب تصنيفا مستقلا من مصنفات الشيخ المفيد - قدس سره - بعد أن أشار إلى كتاب (أوائل المقالات) قبله. والمظنون ان هذا الباب كان منضما إلى أوائل المقالات حين تصنيفه ثم لما زاد فيه الزيادات التي يبتدء بقوله: (القول في الزيادات من اللطيف في الكلام) والزيادة الاخيرة التي أجاب بها عما سأله عنه السيد الشريف - قدس سره - جعله كتابا مستقلا على حدة. وقد سبق في أول ما علقناه الاشارة إلى معنى اللطيف في الكلام وأنها جملة مباحث تعرض المتكلمون للبحث عنها لارتباط جملة منها بإثبات بعض المعتقدات الاسلامية والاراء الدينتة كها سنشير إلى بعضها في محله، وبحثوا عن جملة اخرى منها تبعا لابحاث الفلاسفة عنها حيث تعرضوا لها في كتبهم وفي ضمنها كثير من المباحث من العلوم الطبيعية وغيرها. ز. القول 82: القول في الجواهر - 95 / 2. أطلق المصنف - قدس سره - الجواهر على المعنى الذي يسميه الفلاسفة بالجوهر

[ 200 ]

الفردو الجزء الذي لا يتجزى. والبحث عنه قديم معروف في الفلسفة اليونانية والاسلامية تكتم فيه هرقليطس () Heraclitus من قدماء اليونانيين، ثم ديمقراطيس () Democritus المعروف بنظريته (المذهب الذري)، وتبعهما من متأخريهم ابيقورس () Epicurus وغيره. فهم يذهبون إلى أن هناك عددا غير متناه من أجزاء أو ذرات مبثوثة في فضاء أو فراغ لا نهاية له. وأنها في حركة دائمة تتجمع تارة وتتفرق اخرى لا لتسبيب محرك ولا لغرض وغاية بل لحركة ذاتية هي جزء من حقائقها ويتكرر هذا التجمع والتفرق إلى ما لا نهاية له. والمتكلمون بحثوا عنه لابطال مذاهبهم ولما له من العلاقة بإثبات النفس وإثبات المعاد الجسماني وغيرهما، فذهب أكثرهم إلى أن الاجسام تنحل إلى أجزاء صغار لا يمكن أن تكون لها أجزاء اخر ولا يجوز على شئ منها الانقسام لا بالفعل ولا في التعقل، فالجسم عندهم مركب من أجزاء متناهية بالفعل لا تقبل القسمة بوجه لا قطعا لصغرها ولا كسرا لصلابتها ولا وهما لعجز الوهم عن تمييز طرف منها عن الاخر. ز. القول 82: إبراهيم بن سيار النظام - 95 / 6. نسبوا إلى النظام القول بانقسام كل جزء إلى أجزاء بلا نهاية، وذكروا أنه ألف كتابا سماه (الجزء) وأقام فيه البراهين على إنكار الجزء الذي لا يتجزى. قال الاشعري في (مقالات الاسلاميين): إنه يقول أن لا جزء إلا وله جزء ولا بعض إلا وله بعض وأن الجزء جائز التجزئة أبدا ولا غاية له في باب التجزي. والمتعصبون للنظام من المعتزلة يصححون قوله بإنه إنما أحال جزء لا يقسمه الوهم، وانه أراد انه ليس جزء من الجواهر ويقسمه الوهم بنصفين.

[ 201 ]

ويقول البغدادي إن النظام أخذ القول بإبطال الجزء الذي لا يتجزى وانقسام كل جزء لا إلى نهاية عن هشام بن الحكم. والقول بانقسام كل جزء إلى ما لا نهاية له إنما أنكره الموحدون لاستلزامه القول بأبدية العالم وإحالة كون علم الله تعالى بأجزاء العالم وآخره وأمثال ذلك. ز. القول 83: أم بينها اختلاف - 95 / 7. قال العلامة الحلي في (شرح الياقوت) هذه المسألة مما يتوقف عليها مسائل مهمة من المباحث الكلامية. انتهى. وأكثر العقلاء من الحكماء والمعتزلة والاشعرية ذهبوا إلى تجانسها وأن الجسم هو الجوهر الفرد المتألف أو الجواهر المتألفة وأن التأليف من حيث هو تأليف عرض غير مختلف فالاجسام الحاصلة منها غير مختلفة. وخالف في ذلك النظام أيضا وقال بتخالفها وان طبيعة كل جسم بخلاف طبيعة الاخر وذلك بناء على ما نسب إليه من تركب الجسم من أعراض مختلفة، لكن النظام لا يجعل الاجزاء التي يتركب منها الجسم أعراضا بل يحسبها أجساما صغارا لطيفة، وقد ذهب إليه النجار وضرار بن عمرو أيضا، أو لاجل كونها مختلفة في الخواص، فلو كانت متماثلة كان كل منها قابلا لما يقبله الاخر، وقد رد عليه هذا القول سائر المتكلمين وقالوا بأن ذلك إنما يدل على اختلاف أنواعها لا على اختلاف مفهوم الجسم والخلاف إنما هو فيه. ز. القول 85: في حيز الجواهر والاكوان - 96 / 4. الحيز هو المكان وهما مترادفان، وفرق بعضهم بان الحيز هو ما أحاط بالجسم من أقطاره والمكان ما كان عليه اعتماده، ويشبه أن يكون النزاع لفظيا والمتحيز هو الموجود في الحيز. وهذا المعنى أعني اختصاص الجوهر بالحيز من الخواص اللازمة

[ 202 ]

لذات الجوهر لا انفكاك له عنه، وهذا المعنى اللازم لجميع الجواهر يسميه المتكلمون (كونا) يعرفونه بحصول الجسم في الحيز أو بما أوجب تخصيص الجوهر بمكان أو بما يقدره تقدير المكان. ز. القول 86: وما يلزمها من الاعراض - 96 / 8. ذهبت الاشاعرة إلى أن الجواهر المتحيزة لا تخلو عن شئ من الاعراض، وحكى أبو الحسن الامدي عن بعض الدهرية انهم قالوا: إن الجواهر كانت في الازل خالية عن جميع أجناس الاعراض وإنما ثبت لها فيما لا يزال. وأما المعتزلة فقد اختلفوا في ذلك، فذهب الصالحي إلى جواز خلوها عنها فيما لم يزل، وذهب البصريون إلى امتناع تعريها عن الالوان دون غيرها، وذهب البغداديون إلى امتناع تعريها عن الالوان. والامام الرازي من الاشاعرة وافق المعتزلة في جواز ذلك. وليس أبو هاشم منفردا بالقول بجواز خلو الاجسام من الطعوم والالوان والروائح كما يظهر من عبارته، بل قد ادعى اتفاق المعتزلة عليه وإن كان الخلاف موجودا بينهم كما أشرنا إليه. وكذلك هو مذهب صاحب (الياقوت) من النوبختيين والمحقق الطوسي في (التجريد) حيث قال بجواز خلوها عن الكيفيات المذوقة والمشمومة والمرئية. ز. القول 87: في بقاء الجواهر - 96 / 14. العلم ببقاء الجواهر وما يتألف منها من الاجسام يشهد به الضرورة ولا ينازع فيها إلا مكابر، ولكن اختلف النظار في البقاء هل هو معنى قائم بالباقي أم لا ؟ فأثبته أبو القاسم البلخي المعروف بالكعبي وجماعة من الاشاعرة، ونفاه آخرون وقالوا إنه معنى اعتباري هو مقارنة الوجود بزمان بعد الزمان الاول. وأما الفناء فأثبته أبو هاشم وأتباعه معنى أيضا ونفاه الباقون، والمثبتون جعلوه ضدا للجواهر مستدلين بأن الجواهر باقية لذاتها لا يصح عدمها بالذات،

[ 203 ]

فمنعوا استناد الاعدام وتعلقه بالفاعل وأوجبوه بطريان الضد على ما حكيناه، ويظهر القول بإفناء الجواهر بطريان الضد من بعض كلمات السيد المرتضى أيضا. ز. القول 87: ومن سلك سبيلهم في هذا المقام - 97 / 3. بعد الاتفاق على صحة فناء العالم وقع الاختلاف في كيفية اعدامه، فالمحققون من المتكلمين ذهبوا إلى استناد ذلك إلى الفاعل المختار - جل شأنه - كما أن الايجاد مستند إليه وممن قال به الباقلاني في أحد قوليه. وذهب جمع منهم إلى أن الاعدام يكون بانتفاء الشرائط المقتضية للبقاء وإن اختلفوا في ذلك الشرط، فالاشاعرة قالوا: الاعراض شرط في بقاء الجواهر فإذا لم يخلقها الله تعالى انعدمت، والباقلاني يقول في قوله الاخر: إن ذلك الاعراض هي الاكوان، والقائلون بهذا القول من المعتزلة قالوا: إن ذلك العرض هو البقاء، فبعضهم يثبته قائما لا في محل، وبعضهم كالبلخي يثبته قائما بالمحل وهو مختار المصنف أيضا. وذهب أبو علي الجبائي وابنه إلى أن الاعدام يكون بأن يخلق الله عرضا هو الفناء إذا أوجده عدمت الجواهر، إلا أن أبا علي يرى أن بازاء كل جوهر فناء خاصا، ويرى أبو هاشم أن فناء واحدا يكفي في انعدام الجواهر بأسرها. والذي بلغني من قول النوبختيين في هذا الباب عبارة صاحب (الياقوت) حيث صرح بذلك وقال: ولا تتنفى (= الجواهر) إلا بضد. ز. القول 87: ويحدثها حالا فحالا - 97 / 4. اشتهر نسبة هذا القول إلى النظام من أن الاجسام غير باقية آنا ما بل في تجدد مستمر ينعدم جزء ويوجد جزء آخر. والمتاخرون من المعتزلة تاؤلوا قوله هذا وزعموا أنه كان يقول الاجسام لما كانت

[ 204 ]

ممكنة فهي لا بقاء لها إلا بالفاعل، وانها تحتاج في حال بقائها إلى المؤثر، فأخطا الناقل في فهم قوله فظن أنه يقول بتجددها حالا فحالا، ولكنه تأويل بعيد حملهم عليه تصحيح هذا القول الفاسد المنسوب إليه، والاقرب صحة النسبة فإن هذه مقالة معروفة من مذهب فلاسفة اليونان، وأول من ذهب إليه هرقليطس فإنه زعم أن الكون ليس دائما على صورة واحدة وليست الكينونة أمرا ثابتا خالدا، بل هو في تغيير مستمر وتحول دائم كل لحظة تباين اللحظة التي سبقتها وتخالف لاحقتها، فالاضياء لا تزال تنقلب من حال إلى حال من غير أن تثبت على حال لحظة واحدة، ونت ترى أن هذا عين المقالة المنسوبة إلى النظام، والنظام من أشهر المطلعين على كتب الفلسفة وأقاويل الفلاسفة القدماء ومن أكثرهم ميلا إلى تقرير مذاهبهم، فلا استبعاد من اطلاعه عليها وأخذه ذلك منهم. ومما يؤيد صحة هذه النسبة إليه ما يقوله ابن قتيبة في كتاب (مختلف الحديث) عند ذكر النظام إن أصحابه يعدون من خطائه قوله: إن الله - عز وجل - يحدث الدنيا وما فيها في كل وقت من غير إفنائها. انتهى، وممن نسبه إليه المحقق الطوسي - قدس سره - في (نقد المحصل) وإن شك في نسبته إليه. ز. القول 88: هل تحتاج إلى مكان - 97 / 5. الجوهر قد مر أنه لا يعقل إلا في حيز ومحاذاة، وسيأتي ذكر الاختلاف في ماهيه المكان وحقيقته، فإن فسرناه بالبعد كما فسره به بعض الاوائل لابد له من مكان، وإن فسرناه بالسطح الباطن من الجسم الحاوي المماس للسطح الظاهر من الجسم المحوي كما عليه بعض الحكماء، أو ما يعتمد عليه المتمكن ويثبت عليه على ما اختاره المتكلمون استغنى بعض الاجسام عنه لاستحالة التسلسل. وقول المصنف: (وعلى غنائها عن المكان كافة الموحدين) إشارة إلى هذا إذ هو ينافي القول بحدوث العالم، فإن المكان حينئذ يحتاج إلى مكان آخر ويلزم منه التسلسل المحال. ز.

[ 205 ]

القول 89: في الاجسام - 97 / 10. ذهب المتكلمون إلى أن الجسم مؤلف من جواهر أفراد كل واحد منها ذو وضع لا يقبل القسمة لا فعلا ولا بالقوه، تتألف على نسبة ما بحيث يحصل له طول وعرض وعمق، ولهذا عرفوا الجسم بأنه الطويل العريض العميق. واختلفوا في كمية الاجزاء التي تتألف منها الجسم، فقال أكثرهم إنه يحصل من ثمانية جواهر إذ من تألف الجوهرين يحصل الخط، ومن تألف الخطين يحصل السطح، ومن تألف السطحين يحصل الجسم كما فصله المصنف. وذهب بعضهم إلى أنه يتألف من ستة أجزاء وهو أبو الهذيل العلاف قال: إن الجسم يتألف من ثلاثة جواهر على مثله. والقائل بتأليفه من أربعة أجزاء هو الكعبي يقول: إنه يحصل من أجزاء ثلاثة كمثلث فوقها جزء رابع كهيئة المخروط. والقائل بكون الجسم هو المؤلف مطلقا وقد يكون ذلك من جزأين هو أبو الحسن الاشعري، واعترض عليه المصنف بأن التأليف عرض والعرض لا يبقى عنده زمانين مع أن الاجسام باقية موجودة أوقاتا كثيرة كما بينه في البحث السابق. وللمعتزلة في التأليف وأحكامه بحث طويل مذكور في محله وممن وافقهم في بعض آرائهم شيخنا أبو جعفر الطوسي - قدس سره - ز. القول 90: في الاعراض - 98 / 4. اصطلاحات الناس في معنى العرض مختلفة، فهو عند أهل اللغة عبارة عن كل أمر طارئ ويكون زواله عن قرب، وله عند أهل النظر من الحكماء والمتكلمين تعريفات مختلفة أطالوا القول فيها نقضا وإبراما ليس في التعرض لها كثير فائدة لوضوح المقصود من هذه اللفظة، والذي ذكره المصنف من أجود التعاريف له. وأما مسألة جواز البقاء على الاعراض، فإن العرض على قسمين: منه قار وهو

[ 206 ]

الذي يجتمع أجزاؤه في الوجود كالسواد والبياض، ومنه غير قار لا يجتمع أجزاؤه بل يوجد شئ منه بعد انعدام المتقدم، ولا شك ان الاعراض الغير القارة غير باقية، وأما الاعراض القارة فالمحققون من المعتزلة ذاهبون إلى أنها باقية، بل قد ادعى أبو الحسين البصري أنه ضروري فإن الحس كما يحكم ببقاء الجسم المشاهد في الزمان الاول، كذلك يحكم ببقاء العرض الحال فيه من غير فرق، والاشعرية مخالفون في ذلك ويقولون: إن الاعراض غير باقية بل هي توجد آنا فآنا. واستدلالهم على ذلك مذكرر في المطولات، والتفصيل لا يسعه المقام. ز. القول 91: في قلب الاعراض وإعادتها. 98 / 8. الذي يظهر لي أن مقصوده من هذا البحث هو انقلاب الاعراض وإعادتها بأن ينقلب العرض من صنف إلى صنف، كأن يصير السواد القائم بالجسم بياضا ثم يعود وينقلب سوادا، وذلك مبني على عدم بقاء العرض آنين كما هو مذهب كثير من المتكلمين. وقد استدلوا عليه: بأن تشخص العرض الخاص كالسواد مثلا بمحله القائم به، فإن انقلب يصير هوية اخرى وشخصا آخر غير الشخص الاول، لانه لما كان لمحله مدخلية في تشخصه لا يتصور مفارقته عنه مع بقاء تشخصه المفروض بل يجب انتفاؤه، فالانقلاب لا يحصل إلا مع بقاء الهوية المنقلبة من أحدهما إلى الاخر والمفروض عدم بقاء الهوية فلا انقلاب، فيلزم من تجويزه المحال. ز. القول 92: في المعدوم - 98 / 11. الذي ذكره في تعريف المعدوم هو أحد التعاريف التي عرفها به المتكلمون وذكروا أنها جميعا تشتمل على دور ظاهر. ومسألة شيئية المعدوم مبتنية على مسألة الحال التي اختلف المتكلمون فيها

[ 207 ]

إثباتا ونفيا منذ أحدث أبو هاشم الجبائي مذهبه فيها، فأثبتها هو ونفاها أبو علي وأثبتها القاضي أبو بكر الباقلاني أيضا على أصل غير الاصل الذي تمسك به أبو هاشم، مع أن الاشعري وسائر أتباعه ينفونها، وكان الجويني من المثبتين في أول الامر ثم نفاها أخيرا. ثم اختلفت المعتزلة بعد ذلك بما أشار المصنف إلى مجمل منه واشير إلى تفاصيلها في بعض كتب الكلام كما هو ظاهر لمن تصفحها. والتحقيق أن مذهب المعتزلة في شيئية المعدوم مقتبس من مذهب الفلاسفة القائلين بأن الهيولى موجودة قبل وجود الصورة وهو باطل لما قرر في محله. فأخذ هؤلاء من الفلاسفة القائلين به مذهبهم وكسوها لباس شيئية المعدوم، وأخذوا عن أصحاب المنطق أيضا مذهبهم في تحقيق الانواع والاجناس والفرق بين التصور الذهني والوجود الخارجي، فظنوا أن التصورات الذهنية هي أحوال ثابتة في الاعيان، فمن هنا قضوا بثبوتها ووصفوها بالاحوال الثابتة للموجودات وقالوا إنها لا توصف بالوجود ولا بالعدم وجعلوا الثبوت أعم من الوجود. ولهذه المسألة ارتباط أيضا بمسألة إعادة المعدوم بعينه على ما هو مذهب الموحدين، وأن الشئ إذا انعدم عدما محضا بحيث لا يبقى له هوية في الخارج أصلا بل يمكن إعادته بعينه مع جميع خصوصياته ومشخصاته التي بها كانت حقيقته أم لا ؟ فالمعتزلة القائلون بثبوت الذات أجازوها وقالوا بإمكانه بناء على ثبوت ماهية المعدوم في الحالين وقالوا إنما زالت عنه صفة الوجود لا غير والذات محفوظة في الحالين معا، وجوزه بعض الاشاعرة أيضا لكن لا على هذا المبنى بل بناء على أصلهم وأنه يلزم من العدم انقلاب الحقائق. ز. القول 94: في الفلك - 99 / 4. ما أورده في هذا الفصل مبني على الرأي القديم لاهل النجوم والفلسفة من تحرك الافلاك ودورانها حول الارض وكون الارض في مركز العالم، وقد ثبت خلاف

[ 208 ]

هذه الاراء من جهة تكامل العلوم الفلكية والرياضية في العصر الاخير، والرأي المعول عليه عند أهل الفن الان هو أن الارض أحدى السيارات التابعة للنظام الشمسي المعروف، تدور حول الشمس كسائر السيارات المعروفة على تفصيل معروف في محله من الكتب. والمصنف إنما أورد خلاصة الاراء المعروفة في عصره عند أهله اعتمادا على مسلمات علم الفلك في زمانه ولا إشكال عليه ولا على غيره فيما ذكروه من ذلك الاراء. ز. القول 95: في حركة الفلك - 99 / 9. قدماء الفلكيين وأهل الفلسفة كانوا يرون الافلاك أجساما شفافة مركوزة في ثخنها النجوم والكواكب تدور وتتحرك المرتكزات فيها من الاجرام العلوية بتبعها حركة دورية. ولكن هل لهذه الافلاك ولاجرام في أنفسها حركة اخرى على وفق تلك الحركة المحسوسة أو على خلافها أم لا. رأى المصنف - قدس سره - أن أجسام الافلاك التي تشغل أمكنتها وأحيازها مما يمكن أن يكون لها حركات خاصة في أنفسها وليس ذلك بخارج من الامكان ولا مستبعدا عند العقل، لكن الصفحة السفلى من الفلك وهي ما يلاقي الهواء متحركة لما يشاهد من حركتها، وأما ما يلي الصفحة العليا فلا يتصور فيه حركة ولا سكون إذ ليس هناك الشئ لا خلاء ولا ملاء بل هو عدم محض. وقد عرفت أن هذه الاراء مبنية على مزاعم القدماء وظنونهم ولا توافق مع الاراء العلمية الحاضرة وأن المصنف أوردها على وفق مسلماتهم في ذلك. ز. القول 97: في الخلاء والملاء - 100 / 4. الخلاء يطلق تارة على اللاشئ المحض وهو بهذا الاعتبار ثابت خارج العالم بلا خلاف، واخرى على البعد الغير الحال في المادة وهو بهذا المعنى الاخير

[ 209 ]

مورد خلاف اتفق جمهور المتكلمين على إثباته ويوافقهم فيه بعض الحكماء ويخالف أكثرهم. والمتكلمون إنما ذهبوا إلى القول بإثباته لانه يبتنى عليه وعلى إثبات الجزء الذي لا يتجزى ثبوت المعاد الجسماني كما صرح به الامام فخر الدين الرازي في (الاربعين)، والعبارة المذكورة في المتن بظاهرها غير مستقيمة والمظنون ان فيها سهوا أو اشتباها من النساخ، وحق العبارة أن يكون هكذا: إن العالم غير مملو من الجواهر وانه لا ملاء فيه ولو كان فيه ملاء لما صح فرق بين المجتمع والمتفرق من الجواهر والاجسام. وذلك إن التالي الفاسد اللازم أي عدم الفرق بين الجواهر والاجسام المتفرقة، إنما يلزم على تقدير وجود ملاء في العالم لا ضده بل وجود الخلاء هو الذي يصحح التفرقة بين المجتمع والمتفرق كما لا يخفى. وقد صرحوا بذلك في كتب الفلسفة وقالوا: إن الحركة ممتنعة بدون وجود خلاء معللين بأنه لولا ذلك لامكن حلول جسمين أو أكثر في مكان واحد. وذكروا أيضا في ضمن نقل مقالات لوقيبوس وذيمقراطيس، وهما مؤسسا المذهب الذري المعروف، انهما قالا: لولا الخلاء لما تمايزت الجواهر، ولما كانت الكثرة وامتنعت الحركة وان القول بالكثرة والحركة يقتضي حتما القول بوجود الخلاء واعتباره مبدء حقيقيا إلى جانب الملاء. ز. القول 100: في الطباع - 101 / 3. الطبع والطباع والطبيعة بمعنى واحد. ومن الفلاسفة من عرف الطبيعة بأنه قؤة سارية في الاجسام تصل بها إلى كمالها الطبيعي، ولم يستحسنها الشيخ الرئيس ابن سينا في (رسالة الحدود) وعرفها بأنها مبدأ أول بالذات لحركة ما هو ضد سكونه بالذات ولكن الامر في ذلك سهل بعد وضوح المقصود منها. والمهم الاشارة إلى الخلاف الواقع في ثبوت الافعال الطبيعية واستنادها إلى

[ 210 ]

مسببها. فمذهب أكثر الموحدين أن ما يشاهد من الافعال المنسوبة إلى الطباع فهو بالحقيقة لمسببه وفاعله ولا فعل لشئ منها على الحقيقة وإن نسب ذلك إليها على سبيل المجاز والتوسع. وقد خالف في ذلك طوائف منهم الفلاسفة الطبيعيون، حيث زعموا أن ما يشاهد من حركات الاجسام البسيطة أو المركبة وما يظهر منها من الاثار إنما هو لقوى موجودة في ذواتها لو قدر خلوها منها لم تكن لاختصاصها بها وجه، فالنار التي تظهر منها الحرارة والاحراق إنما صارت كذلك لاجل تلك القوة الموجودة في ذاتها، ولولا تلك القوة المنبعثة من ذاتها لما كان الاحراق وسائر الاثار أولى بالصدور منها من أضدادها، فهم يزعمون أن للاجسام في ذواتها أفعالا من حيث كونها ذات طبيعة. ومنهم بعض المنجمين القائلين بقدم النجوم والكواكب وانها بذواتها علل موجبة لما تحدث عنها من الاثار ومنهم بعض المعتزلة الذين انفردوا في باب أفعال الطبائع بمذاهب مخصوصة مذكورة في مظانها منسوبة إليهم. ومنهم نفاة فعل الطبائع جملة كالاشعرية حيث قالوا: انه ليس في النار مثلا حرارة ولا في الثلج برودة وإنما يحدث ذلك بجريان عادة الله تعالى بخلق الحرارة مقارنا لوجود النار وخلق البرودة مقارنا لوجود الثلج. ز. القول 101: العناصر والاسطقسات - 102 / 2. تركب الاجسام من هذه الاربعة إنما هو باعتبار أخذها اصولا لسائر ما تتركب منه الاجسام الارضية وغيرها. وقد أظهرت الاكتشافات العلمية وتقدم أبحاث الفلاسفة المتأخرين في العلوم الطبيعية ان العناصر التي تتركب منها الاجسام كثيرة جدا وقد ذكروا أساميها وآثارها وخواصها وسائر ما يتعلق بها في مؤلفاتهم، ولا يزال

[ 211 ]

العلم يأتينا من ذلك في كل يوم بنبأ جديد 1. فما أشار إليه مبني على مقررات العلم في عصره. ز. القول 101: من رؤساء المتكلمين النظام - 102 / 11. قد حكى الجاحظ في كتاب (الحيوان) في سياق حكاية مقالة عن النظام كلاما يشعر بظاهره خلاف ما حكاه عنه المصنف وان هذه العناصر الاربعة لا تصلح جعلها اصولا للاجسام وعلة لتركبها منها 2. ولكن تدقيق النظر في ما ذكره يكشف عن عدم مخالفته مع ما نسبه إليه وانه إنما أورد ذلك إلزاما للدهرية بأقاويلهم وانه ليس لهذه الطبائع قوة ذاتية من أنفسها كما يزعمون. والذي نسبه إليه ابن الخياط في كتابه أنه كان يرى أن الله تعالى بقدرته ومشيئته يقهرها على الجمع والافتراق وبذلك يحصل التركب بين الاجسام ويتم التأليف بين الاسطقسات، فلا تنافي بين ما نقله عنه الجاحظ وما نسبه إليه المصنف. و (الاسطقس) لفظة يونانية بمعنى الاصل سميت بها العناصر الاربعة باعتبار كونها اصولا ومبادئ للمركبات منها من الحيوان والنبات والمعادن. ز. القول 107: وهل فيها متولدات أم لا ؟ 105 / 6. الافعال بحسب صدورها عن فاعليها تنقسم إلى أفعال مخترعات وأفعال مباشرة وأفعال متولدة. فالمخترع هو الذي يحدث لا في محل، والمباشر ما يحدث بسبب القدرة


1 - قال الفيلسوف كرنيليوس فانديك الامريكي 1818 - 1895 م في كتابه (اصول الكيميا) ص 64 طبع بيروت 1869 م: ثم إن المواد البسيطة المعروفة الان هي 65 عنصرا وقد انقسمت إلى معدنية وغير معدنية، وقال أيضا في الجزء الثاني من (النقش في الحجر) ص 6 طبع 2 بيروت 1891 م: العناصر المعروفة اليوم عند علماء الكيميا أو بالاحرى المواد المعدودة عندهم عناصر بسيطة هي نحو 67 مادة. چ 2 - انظر كتاب (الحيوان) للجاحظ ج 5 ص 2 طبع مصر. چ. (*)

[ 212 ]

في محل القدرة، والمتولد هو ما يحدث بسبب فعل آخر. وقد أوضح المصنف فيما سبق كلها ببيان واف لا نحتاج معه إلى زيادة بيان. فالقسم الاول وهو الاختراع يختص بفعل البارئ تعالى الذي أوجد الاشياء بقدرته لا عن أصل ولا مادة ويقاربه الابداع. والقسم الثاني وهو الافعال المباشرة وهي التي تقع عن القادرين من الناس ابتداء كالضرب للغير الناشئ عن حركات الضارب ونحوه يختص بهم. وأما القسم الثالث ففيه اختلاف سيجئ إليه الاشارة من المصنف وما اختاره في ذلك قريبا. ز / القول 107: لعلكم تذكرون - 106 / 4. سورة الاعراف: 57. القول 107: ثم يهيج فتراه مصفرا - 106 / 5. سورة الزمر: 21. القول 109 - في البدل - 106 / 16. محصل ذلك أن قول القائل ان الكفر يجوز وجوده في حال الايمان وعكس ذلك أي جواز وجود الايمان حال الكفر يؤدي إلى اجتماع الضدين المحال لمضادة الكفر مع الايمان، فوجود أحد الضدين يحيل وجود الاخر إذ الجواز هو تصحيح وجود الشئ وارتفاع استحالته فيؤدي إلى اجتماع الضدين المعلوم استحالته. وليس كذلك ما إذا قلنا إن الكفر قد كان يجوز أن يكون في وقت الايمان بدلا منه، وكذا الايمان قد كان يجوز أن يكون بدلا من الكفر في وقت الايمان فإنه لا يوجب تضادا ولا محالا. وخلاف المجبرة إنما هو في الصورة الاولى فهم لما جوزوا التكليف بالمحال ويجوزون اجتماع

[ 213 ]

الضدين جوزوا ذلك أيضا، لكنه لا يصح ذلك على اصول أهل العدل كما نبه عليه المصنف - قدس سره -. وقد نقل القاضي عبد الجبار المعتزلي في مقالة له (في رد المجبرة) أشياء منهم من هذا القبيل، وقال: إن المجبرة تجزأوا في زماننا هذا على التزام أشياء كان سلفهم يمتنعون عن التزامها، وأطلقوا ألفاظا كانوا يأبون إطلاقها، بل صار ما كان مشايخنا يرومون إلزامهم إياه أول ما يفتون به، واستغنوا عن الكلام في البدل وعن كثير من العبارات التي كانوا يحايلون بها وإن كان لا محصول لها، ومروا على جواز تكليف العاجز ما عجز عنه ومطالبة الاعمى بالتمييز بين الالوان، والزمن بصعود الجبال وتعذيب الاسود، والزمن على زمانته وتكلف [ تكليف ظ ] والتمشي على الماء والممنوع بالصعود إلى السماء الجمع بين المتضادات، إلى أشياء غير ذلك عددها في مقالته وتصدى للرد عليهم فيها. ز. القول 110: في خلق ما لا عبرة به ولا صلاح فيه - 107 / 12. خلق ما لا صلاح فيه لاحد من المخلوقين كما ذكره - قدس سره - عبث والله تعالى منزه عن فعل العبث لكن الكلام في تحققه، فان معارف البشر قاصرة جدا عن درك خفيات المصالح والحكم في مخلوقات الله - جل شأنه - والذي يدركونه منها قليل جدا في مقابل ما لا يدرك منها. وقد أثبت أبحاث العلوم الطبيعية في الحيوان والنبات والجمادات، وغيرها كثيرا من الخواص وآلاثار والمنافع لا يبقى معه ارتياب في وجود آثار الحكمة ودقائق صنع خالقها الحكيم فيها. ونحن بعد تدبر ما ظهر لنا من ذلك فيما أدركناه وبعد قيام البرهان على أنه تعالى منزه عن فعل العبث لا يبقى لنا إلا الاعتراف بوجودها في سائر مخلوقاته وإن كانت أفهامنا بسبب نقص مداركنا قاصرة عن إدراكها. ز.

[ 214 ]

القول 113: في النظر عن صحته - 110 / 1. غرضه أن ما ذهب إليه في هذه المسالة نتيجة ما أداه إليه نظره العلمي والبحث الذى كشف له الادلة العلمية عن صحته ونتيجة جمعه في ذلك بين اصول لا يوافقه في بعضها العدلية وفي بعضها القائلون بالارجاء، ولكن لما قام الدليل القاطع عنده على ما صار إليه كما ذكره في الكتاب لم يعبأ بخلاف من يخالفه من أهل العدل والارجاء، إذ المتبع عنده هو الدليل ولا وحشة في الذهاب إلى حق قامت الحجة عليه، بل يجب أن يحصل الوحشة فيما لا دليل عليه، وهذا هو مقتضى البحث العلمي النزيه الخالص عن شائبة التعصب والجمود. وقد اقتفى به في ذلك تلميذه الاجل السيد الشريف المرتضى - قدس سره - حيث قد ذكر في بعض مسائله عبارة يقرب من عبارة المصنف، قال: اعلم انه لا يجب أن يوحش من المذهب فقد الذاهب إليه والعاثر عليه، بل ينبغي ألا يوحش إلا مما لا دلالة يعضده ولا حجة يعتمده. انتهى. وهكذا كان سيرة السلف الصالح من علماء الفريقين قبل عصر الجمود والانحطاط. ز. القول 116: من حيث لا يحتسب - 112 / 7. سورة الطلاق: 2، 3. القول 116: ويجعل لكم أنهارا - 112 / 9. سورة نوح: 10 - 12. القول 116: ونحشره يوم القيامة أعمى - 112 / 11. سورة طه: 124.

[ 215 ]

القول 116: ولعذاب الاخرة أخزى - 112 / 12. سورة فصلت: 16. القول 116: وما لهم من الله من واق - 112 / 13. سورة الرعد: 34. القول 120 - والله لا يحب الظالمين - 114 / 15. سورة آل عمران: 141. القول 120: والشهداء عند ربهم - 114 / 15. سورة الحديد: 19. القول 121: ويوم يقوم الاشهاد - 116 / 1. سورة المؤمن: 51. القول 121: إن الله قوي عزيز - 116 / 2. سورة المجادلة: 21. القول 124: القول في التقية - 118 / 8. قال العلامة الشهرستاني في مجلة (المرشد) ج 3 ص 252، 253: المراد من التقية إخفاء أمر ديني لخوف الضرر من إظهاره، والتقية بهذا المعنى شعار كل ضعيف مسلوب الحرية، إلا أن الشيعة قد اشتهرت بالتقية أكثر من غيرها لانها منيت باستمرار الضغط عليها أكثر من أي امة اخرى، فكانت مسلوبة الحرية في عهد الدولة الاموية كله، وفي عهد العباسيين على طوله، وفي أكثر أيام الدولة العثمانية، ولاجله استشعروا بشعار التقية أكثر من أي قوم.

[ 216 ]

ولما كانت الشيعة تختلف عن الطوائف المخالفة لها في قسم مهم من الاعتقادات في اصول الدين وفي كثير من العمليات الفقهية، وتستجلب المخالفة - بالطبع - رقابة وحزازة في النفوس، وقد يجر إلى اضطهاد أقوى الحزبين لاضعفه، أو إخراج الاعز منهما الاذل كما يتلوه علينا التاريخ وتصدقه التجارب، لذلك أضحت شيعة الائمة من آل البيت تضطر في أكثر الاحيان إلى كتمان ما تختص به من عادة أو عقيدة أو فتوى أو كتاب أو غير ذلك، تبتغي بهذا الكتمان صيانة النفس والنفيس والمحافظة على الوداد والاخوة مع سائر إخوانهم المسلمين، لئلا تنشق عصا الطاعة ولكي لا يحس الكفار بوجود اختلاف ما في الجامعة الاسلامية فيوسعوا الخلاف بين الامة المحمدية. لهذه الغايات النزيهة كانت الشيعة تستعمل التقية وتحافظ على وفاقها في الظواهر مع الطوائف الاخرى متبعة في ذلك سيرة الائمة من آل محمد - عليهم السلام - و أحكامهم الصارمة حول وجوب التقية من قبيل: (التقية ديني ودين آبائي) و (من لا تقية له لا دين له) إذ ان دين الله يمشي على سنة التقية لمسلوبي الحرية، ودلت على ذلك آيات من القرآن العظيم منها: في سورة المؤمن 28: (وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله)، وفي سورة النحل 106: (من كفر بالله من بعد ايمانه إلا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان)، لا سيما على ما نختاره من كون (من) في قوله: (من كفر) أداة استفهام وان المعنى: (من ذا الذي كفر بالحق بعد علمه به) ؟ إلا إذا كان كفره صوريا ممن يكرهون على إظهار الكفر وقلوبهم مطمئنة بالايمان، كعمار ابن ياسر الصحابي الذي نزلت الاية فيه، غير أن التقية لها شروط وأحكام أوضحها العلماء في كتبهم الفقهية. انتهى. انظر رسالة (أجوبة مسائل جار الله) ص 68 - 76 طبع صيدا، بقلم العلامة الكبير والمحقق الخبير السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي - حفظه الله علما للعلم

[ 217 ]

والدين - وإلى رسالة (أصل الشيعة واصولها) ص 191 - 195 طبع 2 صيدا وص 169 - 172 طبع 6 نجف، بقلم العلامة الكبير والمصلح الشهير الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء - مد ظله - وإلى كتاب (النصائح الكافية) ص 190 - 193 طبع 2 بغداد، للعلامة السيد محمد بن عقيل المتوفى سنة 1350 ه‍ بالحديدة من بلاد اليمن، ورثاه العلامة العاملي - مد ظله - في كتابه (معادن الجواهر) ص 211 - 216 ج 3 طبع دمشق بقصيدة طويلة مطلعها: سالت دموع العين كل مسيل حزنا لرزء محمد بن عقيل السيد الندب الامام الفاضل الفذ الهمام الكامل البهلول چ القول 125: في الاسم والمسمى. 119 / 3. الخلاف في ذلك بين العدلية من الشيعة والمعتزلة وبين المجبرة وبعض أهل الحديث، فقد نسب القول بكون الاسم هو عين المسمى إلى أحمد بن حنبل وأبي ذرعة وأبى حاتم من المحدثين وكذا إلى ابن فورك من متكلمي الاشاعرة. أما أحمد بن حنبل ومن ذكرناه فالظاهر أنهم فرعوا ذلك على مقالتهم في قدم كلام الله تعالى وان اسمه تعالى لو كان غير مسماه لكان مخلوقا ويلزم أن لا يكون له تعالى اسم في الاول [ الازل ظ ] لان أسمائه صفات. وأما ابن فورك فقد حكي عنه أنه قال: (إن كل اسم فهو المسمى بعينه وانه إذا قال القائل: الله، قوله دال على اسم هو المسمى بعينه)، ونقل عنه ابن حزم انه كان يقول: انه ليس لله تعالى إلا اسم واحد، وان ما ورد في القرآن من قوله تعالى: (ولله الاسماء الحسنى) وكذا ما في الخبر (إن لله تسعة وتسعين اسما) فالمراد به التسمية، ففرق هو بين الاسم والتسمية. وقد أطال ابن حزم في الرد عليه، ومذهب المعتزلة و الشيعة هو اتحاد الاسم والتسمية ومغايرتهما للمسمى.

[ 218 ]

وملخص القول أن هنالك ثلاثة أشياء: الاسم والتسمية والمسمى، فالاسم هو نفس المدلول، والتسمية هي الاقوال الدالة، فالاتفاق واقع على المغايرة بين التسمية والمسمى وإنما الخلاف في مغايرة الاسم مع المسمى وعدمه، فالشيعة والمعتزلة على المغايرة ووافقهم بعض الاشعرية والمجبرة وبعض أهل الحديث على نفي المغايرة كما أشرنا إليه. ز. القول 131: في الحكاية والمحكى - 122 / 6. البحث عن هذه المسألة لاجل الخلاف الواقع بين المعتزلة ومن كان يخالفهم من حشوية العامة، الذين كانوا يقولون: إن الالفاظ والحروف والالفاظ المسموعة من القرآن والمتلوة على ألسنة القارئين قديمة، وكان المعتزلة ينكرون عليهم هذا القول ويقولون: إن كلامه تعالى محدث مخلوق أوجده الله في جسم من الاجسام كالشجرة مثلا، أو أنزله وأوحى به إلى أنبيائه على ألسن ملائكته، وإذ كان من أصلهم أن العرض غير باقية زمانين وأن ما وجد من الكلام في محل فهو غير باق، قالوا: إن ما يقرأ من آيات القرآن أو يكتب في المصاحف إنما هو حكايات عن الكلام المنزل. والاشعري مع إثباته كلاما أزليا قديما يسميه الكلام النفساني، يقول أيضا: إن الالفاظ والعبارات المقروءة والمنزلة على الانبياء على ألسن الملائكة دلالات على ذلك الكلام الازلي القديم، فالمدلول عنده قديم والدلالة محدثة. والفرق بين القراءة والمقروء والتلاوة والمتلؤ كالفرق بين الذكر والمذكور، فالذكر محدث والمذكور قديم. ز. القول 132: نأت بخير منها أو مثلها - 122 / 17. سورة البقرة: 106. القول 132: إلى الحول غير إخراج - 123 / 2. سورة البقرة: 240.

[ 219 ]

القول 132: أربعة أشهر وعشرا - 123 / 4. سورة البقرة: 234. لقول 132: وأنكروا نسخ ما في القران على كل حال - 123 / 10. نسب هذا القول إلى طائفة شاذة من المعتزلة أبو الحسن الامدي في كتاب (الاحكام) فقال: اتفق العلماء على جواز نسخ التلاوة دون الحكم وبالعكس ونسخهما معا خلافا لطائفة - شاذة - [ من ] المعتزلة 1. وأما النافي لوقوع النسخ في الشريعة فقد نسب ذل إلى أبي مسلم الاصبهاني المفسر الشهير مع تجويز ذلك عقلا. قال على ما حكي عنه: ليس في القرآن آية منسوخة، وقد تأول الايات التي يدعى انها منسوخة وخرج لكل آية منها محملا على وجه من التخصيص والتاويل. ز. القول 133: وجماعة من المتفقهة - 124 / 6. وافق الشيعة في هذا الرأي من فقهاء أهل السنة الامام محمد بن إدريس الشافعي قال: والناسخ من القرآن الامر ينزله الله بعد الامر يخالفه كما حول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، وكل منسوخ يكون حقا ما لم ينسخ فإذا نسخ كان الحق في ناسخه و لا ينسخ كتاب الله إلا كتابه وهكذا سنة رسول الله (ص) لا ينسخها إلا سنة رسول الله (ص). وهكذا قول أحمد بن حنبل، فعن أبي داود السجستاني قال: سمعت أحمد بن حنبل وقد سئل، عن حديث: (السنة قاضية على الكتاب) ؟ قال: لا اجترئ أن أقول فيه ولكن السنة تفسر القرآن ولا ينسخ القرآن إلا القرآن 2.


1 - الاحكام، ج 4 ص 201، طبع مصر. 2 - الاعتبار للحازمي ص 37 طبع الهند.

[ 220 ]

وصرح ابن حزيمة في الناسخ والمنسوخ أن أبا حنيفة جوزه ونسبه الامدي إلى مالك وأصحاب أبي حنيفة، وعلى كل حال، فالحق الحقيق بالاتباع هو عدم نسخ القرآن بغير آيات القرآن، ومن تأمل فيما ذكروه لاثبات ذلك يجدها وجوها ظنية واستحسانية وأقصى ما فيها جواز ذلك عقلا، وأين ذلك من إثبات الوقوع ؟ ويظهر من كلام المصنف - قدس سره - ان القائل بجواز نسخ القرآن بالسنة لم يكن موجودا في زمانه من الشيعة حيث لم يذكر خلافا عن الشيعة، وإنما نسبه إلى كثير من المتفقهة والمتكلمين، وإنما ظهر هذا القول بينهم في العصر المتأخر حيث وقفوا على أقاويل العامة المذكورين فتبعوهم في ذلك فيكون ملحوقا بالاجماع. ز. القول 134: في خلق الجنة والنار - 124 / 7. حكى العلامة الحلي - قدس سره - عن أبي علي الجبائي وأبى الحسين البصري وأبى الحسن الاشعري أنهم قالوا بان الجنة والنار مخلوقتان الان، وحكى خلاف ذلك عن أبي هاشم بن الجبائي والقاضي عبد الجبار بن أحمد الرازي، والحق هو الاول ويدل عليه جملة من الايات الصريحة في ذلك. وشبهة المنكرين لخلقهما أنهما لو كانتا مخلوقتان لهلكتا لقوله تعالى: (كل شئ هالك إلا وجهه) مع أن القرآن يصرح بأن (اكلها دائم)، وأجاب المثبتون بأن المراد من الهلاك هو استفادة الوجود من الغير وهما هالكان بهذا المعنى، ويظهر من بعض الاثار أن زرارة بن أعين من قدماء رواة الشيعة كان يقول أيضا: إن الجنة والنار لم تخلقا بعد وأنهما ستخلقان، لكن الصحيح من مذهب الامامية ما أشرنا إليه. ز. القول 134: واختلفوا في الاعتلال - 124 / 13. قد سبقت الاشارة إلى اختلاف المتكلمين في كيفية فناء الاجسام وإعدامها وعرفت أن أبا هاشم كان يزعم أن فناء واحدا يكفي لفناء الاجسام بأجمعها.

[ 221 ]

وهيهنا أيضا بنى قوله في هذا على قوله المتقدم قائلا: إن ذلك يؤدي إلى المحال فإن الاجماع قائم على أن الله تعالى لا يفني الجنة والنار بعد خلقهما، مع أن الفناء إذا طرى على جزء وبعض من الاجسام لابد من فناء جميعها، واحتجاج من تقدم على أبي هاشم بأن خلقهما في هذا الوقت عبث لا فائدة فيه غير صحيح فإنه يمكن أن يكون في خلقهما مصلحة خفية وإن لم نطلع عليها. ز. القول 135: ما تضمنه القرآن من ذكر ذلك - 125 / 2. قال تعالى في سورة النور 24: (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون)، وفي سورة يس 5: (اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون)، وفي سورة فصلت حم السجدة 20: (حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون) انظر كنز الفوائد - ص 14، 16 طبع تبريز للعلامة الفقيه المتكلم الشيخ أبي الفتح الكراجكي المتوفى سنة 449 ه‍ تلميذ الشيخ المفيد السعيد - رحمة الله عليه - ولكن يلزم التدبر في ذيل الاية الاخيرة وهو هذا: (وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شئ) الاية. فتدبر حقه. چ. القول 135: قالتا أتينا طائعين - 125 / 4. سورة فصلت 11، قال العلامة الاكبر والحجة المشتهر السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي - مد ظله - في رسالته النفيسة (فلسفة الميثاق والولاية) ص 5 - 10 طبع صيدا، عند كلامه على جواب إحدى المسائل التي رفعناها إلى سماحته سنة 1360 ه‍: باب التمثيل واسع في كلام العرب ولا سيما في الكتاب والسنة، قال الله تعالى: (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر) ضرورة أنهم لم يشهدوا على أنفسهم بألسنتهم وإنما شهدوا بألسنة أحوالهم، إذ نصبوا أصنامهم حول

[ 222 ]

الكعبة فكانوا يطوفون بها عراة ويقولون: لا نطوف عليها في ثياب أصابتنا فيها المعاصي، وكلما طافوا بها شوطا سجدوا لها، فظهر كفرهم بسبب ذلك ظهورا لا يتمكنون من دفعه، فكأنهم شهدوا به على أنفسهم، وبهذا صح المجاز على سبيل التمثيل في هذه الاية، ونحوها قوله تعالى: (ثم استوى إلى السماء وهى دخان فقال لها وللارض ائتيا طوعا أؤ كرها قالتا أتينا طائعين) إذ لا قول هنا من الله - عز وجل - ولا منهما قطعا، وإنما المراد أنه سبحانه شاء تكوينهما فلم يمتنعا عليه وكانتا في ذلك كالعبد السامع المطيع يتلقى الامر من مولاه المطاع. وعلى هذا جاء قوله تعالى: (إنما قولنا لشئ أذا أردناه أن نقول له كن فيكون) 1 ضرورة أن القول في هذه الاية ليس على حقيقته، والحقيقة ما اقتبسه الامام زين العابدين - عليه السلام - من مشكاة هاتين الايتين، إذ قال في بعض مناجاة ربه عز وجل: (وجرى بقدرتك القضاء ومضت على إرادتك الاشياءه فهي بمشيئتك دون قولك مؤتمرة، وبإرادتك دون نهيك منزجرة) ومما جاء في القرآن الحكيم من المجاز على سبيل التمثيل قوله عز من قائل: (إنا عرضنا الامانة على السموات والارض والجبال فأبين أن يحملنها واشفقن منها وحملها الانسان) 2 الاية، لان عرضها على السماوات والارض والجبال لم يكن على ظاهره، وكذلك إباؤها وإشفاقها وما هو إلا مجاز على سبيل التمثيل والتصوير تقريبا للاذهان وتعظيما لامر الامانة وإكبارا لشأنها، والامانة هنا هي طاعة الله ورسوله في أوامرهما ونواهيهما كما يدل عليه سياق الاية وصحاح السنة في تفسيرها، ولو أردنا استقصاء ما جاء في الذكر الحكيم والفرقان العظيم من هذه الامثال، لطال بنا البحث وخرجنا به عن القصد، وحسبك توبيخه - عز وجل - لاهل الغفلة من قوارع القرآن الحكيم المستخفين بأوامره وزواجره إذ يقول وهو أصدق القائلين: (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الامثال نضربها للناس


1 - سورة النحل / 4. 2 - سورة الاحزاب / 72.

[ 223 ]

لعلهم يتفكرون) 1. أما ما جاء في السنة من هذا القبيل فكثير إلى الغاية وكثير لا يحصى، وحسبك منه الصحاح الصريحة ببكاء الارض والسماء على سيد الشهداء وخامس أصحاب الكساء، إذ - بكته الشمس بحمرتها والافاق بغيرتها، وأظلة العرش بأهوالها وطبقات الارض بزلزالها، والطير في أجوائها، وحجارة بيت المقدس بدمائها، وقارورة ام سلمة بحصياتها، وتلك الساعة بآياتها، كما صرحت به أحاديث السنة وصحاح الشيعة، وأنت تعلم أن بكاء تلك الاجرام لم يكن على ظاهره، وإنما كان مجازا على سبيل التمثيل، إكبارا لتلك الفجائع، وإنكارا على مرتكبيها، وتمثيلا لها مسجلة في آفاق الخلود، إلى اليوم الموعود. ومما جاء في السنة على هذا النمط من المجاز على سبيل التمثيل حديث كربلاء والكعبة الذي أشار إليه سيد الامة وبحر علوم الائمة في درته النجفية إذ يقول أعلى الله مقامه: وفي حديث كربلا والكعبة لكربلا بان علو الرتبة 2 وكذا حديث أنس عن النبي (ص): ما من مولود [ مؤمن ط ] إلا وله باب يصعد منه عمله وباب ينزل منه رزقه فإذا مات بكيا عليه، إلى آخر ما قاله - مد ظله - چ. القول 137: آتانى الكتاب وجعلني نبيا 125 / 15. سورة مريم: 30. القول 152: وهو مذهب الامامية كلها - 133 / 12. قال في (المجمع) ج 1 ص 82 طبع صيدا: (وقال الشيخ المفيد أبو عبد الله محمد


1 - سورة الحشر / 21. 2 - انظر كتاب (القواعد) ص 244 - 247 طب إيران 1308 ه‍ للشهيد الاول. چ.

[ 224 ]

ابن محمد بن النعمان - قدس الله روحه - انه (= ابليس) كان من الجن ولم يكن من الملائكة - عليهم السلام - قال: وقد جاءت الاخبار بذلك عن أئمة الهدى - عليهم السلام - ومذهب الامامية، انظر تفصيل احتجاج الطرفين في ص 82 - 83 ج 1 من تفسير المجمع. چ. القول 154: ويخالف فيه باقيهم - 137 / 10. قال العلامة الكبير والمحقق الشهير معالي الاستاذ السيد هبة الدين الشهرستاني - مد ظله - في مجلة المرشد البغدادية الغراء لسنتها الرابعة ص 327 - 328 ما نصه: المشهور لدى المفسرين وجمهور المسلمين هو أنه (ص) امي أي لا يكتب ولا يقرأ المكتوب وذلك لحكمة إلهية مخصوصة به وبمحيطه وبالنظر إلى معارضي شريعته من بعده، ويدل على ذلك: أولا، آيات قرآنية كآية: (وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون) سورة العنكبوت: 48. وثانيا: اتخاذه (ص) كتابا لوحيه من خاصة صحبه كعلي أمير المؤمنين - عليه السلام - وكتابا لمراسلاته مع الزعماء كمعاوية. وثالثا: انه في صلح الحديبية لم يعرف موقع اسمه المكتوب حتى وضع علي - عليه السلام - إصبعه عليه فمحى من ورقة الصلح كلمة رسول الله 1. ورابعا: الشهرة المستفيضة بعدم معرفته الكتابة حتى كادت تكون ضرورة عند المسلمين، غير أن جماعة من علمائنا ذهبوا إلى أنه (ص) كان لا يعلم الكتابة قبل نبوته


1 - انظر (متشابه القرآن) ج 2 ص 22 طبع طهران، للشيخ المحبوب ابن شهر آشوب فانه قال فيه: وقد شهر يوم الحديبية انه كان لا يعرفها لان سهيل بن عمرو قال: امح هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله (ص) فقال لعلي: امحها يا علي، ثم قال: فضع يدي عليها. چ.

[ 225 ]

فقط كما تشعر بذلك الاية، وأما بعد نبوته فقد علمها وعلم لغات البشر وحكي هذا الرأي عن شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي في كتاب (المبسوط) 1. وعن محمد بن إدريس الحلي في (السرائر)، ويستدل على هذا الرأي: أولا: بروايات الصفار في (بصائر الدرجات) التي تنص على معرفة نبينا (ص) كلية اللغات والخطوط بعد نبوته، وتنص أيضا على أن الامي معناه النسبة إلى ام القرى أي مكة، غير أنني لا أعتمد على هذا الكتاب إذ هو مشترك بين رجلين وفيه روايات عن الغلاة والضعفاء. وثانيا: بآية: (هو الذى بعث في الاميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة) الخ، سورة الجمعة 2. واجيب عنها أن تلاوة الاية لا تفتقر إلى معرفة الكتابة إذا تلقى التالي محفوظاته من وحي أو تلقين وأكثر العمى والعوام يتعلم آيات القرآن من الصدور لا من السطور ثم يتلوها كما حفظ بدون توقف على معرفة الخط. وأما معنى قوله تعالى: (يعلمهم الكتاب والحكمة) فليس معناه تعليم النبي لقومه الكتابة مباشرة إذ لم يعهد ولا روي أنه (ص) جلس مع أفراد امته يعلمهم نقوش الحروف الهجائية وتراكيبها الابجدية قطعا، وإنما المراد أنه قام (ص) بأمر تعليم الامة لمهمة الكتابة، فقد تواتر عنه (ص) اتخاذه الاسرى من اليهود وأهل الكتاب يشترط عليهم أن يعلموا أهل مدينته الخط والكتابة، فكان الاسير الكتابي إذا علم الكتابة عشرة من المسلمين أطلق سراحه النبي مكافأة


1 - قال قدس سره في (المبسوط) طبع إيران - كتاب آداب القضاء ما لفظه: (والذي يقتضيه مذهبنا أن الحاكم يجب أن يكون عالما بالكتابة، والنبي - عليه وآله السلام - عندنا كان يحسن الكتابة بعد النبوة وإنها لم يحسنها قبل البعثة) وقال ابن إدريس في باب سماع البينات من كتاب القضاء من (السرائر) - طبع إيران - بما قاله الشيخ في (المبسوط) وجاء بجملاته فيه بعينها ولم يزد شيئا عليها. چ

[ 226 ]

لعمله 1، وبهذه الوسيلة البسيطة عمم في أتباعه صناعة الخط وأخرجهم من ظلمة الامية. وكان الاحرى بهؤلاء العلماء أن يستدلوا بما صحت روايته عنه (ص) عند وفاته انه قال: (آتونى بدواة وبياض لا كتب لكم كتابا لن تضلوا معه) الخ، إلا أن يجاب عنه بأن الوجه في هذا هو الوجه في بقية كتبه إلى الملوك إذ كان (ص) يكتب ولكن بأمر منه لا بمباشرة من يده الشريفة. ولدى هؤلاء يوصف النبي (ص) بكونه اميا نظرا إلى حاله قبل نبوته كما يوصف بأنه مكي بمناسبة حاله قبل هجرته. چ. القول 155: في احساس الحواس - 137 / 13. انظر البحار ج 14 ص 469 طبع كمپاني. القول 156: في الاجتهاد والقياس - 139 / 4. الكلام في هذا الفصل في مقامين: الاول: الاجتهاد في الحوادث الواقعة بالرأي على المعنى الذي نشير إليه. الثاني: خصوص القياص الفقهي المتعارف. أما الاول، فإن الاجتهاد يطلق تارة على استفراغ الوسع في طلب تحصيل الظن بالاحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها المعتبرة من كتاب أو سنة أو ما ثبت اعتباره من الكتاب والسنة، والاجتهاد بهذا المعنى لا ينفيه الشيعة بل هو معتبر عندهم بشرائط مخصوصة يعتبرونها في المجتهد وفي محل الاجتهاد وهي معروفة مذكورة في


1 - انظر (العرب) ج 21 ص 23 طبع بيروت للاستاذ المؤرخ المعاصر عمر أبي النصر فانه قال في ذيل عنوان (قتلى قريش) في معركة بدر الكبرى: وراح رسول الله يبحث مسألة الاسرى مع أصحابه... فمن حفر فدائه أرسل إلى بلده، ومنهم من من عليه رسول الله دون ما فداء لفقره وكثرة عياله، وكان فداء الاسرى الذين يعرفون القراءة والكتابة تلقين عشرة من صبيان المدينة الكتابة، وكذلك أصبح مقر الاسرى مدرسة يتعلم فيها صبيان المدينة ما يحتاجون إليه من علوم ذلك العهد. چ.

[ 227 ]

كتبهم الاصولية ومؤلفاتهم في بحت الاجتهاد خاصة، وما زال عملهم عليه من الصدر الاول وفيهم في كل عصر مجتهدون يرجع إلي هم في فتاواهم. ويطلق تارة اخرى على معنى أوسع نطاقا من ذلك من العمل بالاقيسة والاستحسان والمصالح المرسلة وأشباههما، مما يورث غلبة الظن لصاحبه على ما أفتى به كما هو المتداول بين فقهاء المذاهب المعروفة، وهذا المعنى هو الذي ينفيه الشيعة ويبطلون العمل بمقتضاه في الاحكام الشرعية إذ ليس إلا تعويلا على الظن الذي لا دليل على حجيته وجواز العمل بمقتضاه من الشرع، بل ورد النهي عن اتباعه في آيات الكتاب الكريم والسنة المطهرة. ومن أطلق القول بنفي الاجتهاد وبطلانه من الامامية فإنما نظره إلى هذا المعنى، فإن أهل الرأي قد شهروا أنفسهم بهذه السمة حتى صار كالعلم لهم دون الاجتهاد بالمعنى الاول الذي ذكرنا أنه معتبر عندهم. والعمل بالرأي بهذا النحو كان موجودا من الصدر الاول، فقد نقل عن بعض الصحابة والتابعين قضايا أفتوا فيها بمقتضي ما كانوا يرونه فيها، كما أنه قد اثر عن جماعة من أجلائهم النكير لهذا النوع من الرأي والتحذير منه، مخافة أن يؤدي هذا النوع من الاسترسال في الرأي إلى ترك بعض الاحكام والسنن المروية، إذ لم يكن من الميسور الاحاطة بكل الاثار والسنن لكل أحد فلا يبعد أن يفتى بخلاف شئ منها مما لم يعثر عليه، وبالجملة الاجتهاد الذي ينفيه الشيعة هو هذا المعنى دون المعنى الاول. وأما المقام الثاني، فالقياس هو إثبات حكم المقيس عليه في المقيس بجامع أو تعدية الحكم المتحد من الاصل إلى الفرع لعلة متحدة بينهما، وعرف بتعاريف اخرى لا يهمنا التعرض إليها وتصحيحها وتزييفها بعد وضوح المقصود من ذلك. وقد استقر مذهب الشيعة على المنع من العمل به وعدم جواز التعويل عليه ويوافقهم في ذلك بعض الفقهاء، وأما سائر فقهاء المذاهب فيأخذون به ويعملون بمقتضاه. والسبب الذي أحوجهم إلى العمل به انهم يقولون: إن مسائل ونوازل ترد علينا لابد من تعرف

[ 228 ]

أحكامها ولا ذكر لها في نص كلام الله تعالى ولا في سنة رسول الله فننظر إلى ما يشبهها مما ذكر في الكتاب والسنة، فنقيسها عليه ونحكم فيما لا نص فيه بمثل الحكم فيما فيه نص لاتفاقهما في العلة التي هي علامة الحكم. ولما كان من مذهب الشيعة أن الله تعالى لم يقبض نبيه (ص) حتى أكمل له الدين وعرفه أحكام الشريعة كلها، وأنه قد بين من ذلك ما وسعه بيانه واقتضت الحكمة تبليغه، وأودع علم أحكام الشريعة عند خلفائه القائمين مقامه من بعده، فلا مساغ مع ذلك ومع وجود الكتاب والسنة للرجوع إلى قياس أو إلى اجتهادات ظنية اخرى، سيما مع ورود النهي عنها في آثار كثيرة مروية وفي متضمن بعضها (إنه محق الدين) و (إن دين الله لا يصاب بالعقول) و (إن ما يفسده أكثر مما يصلحه) إلى أمثال من ذلك. ويقولون أيضا: إن بناء الشريعة الاسلامية على مصالح العباد التي لا يعلمها إلا اللة تعالى، ولاجل ذلك نرى اختلاف الحكم في المتوافقات واختلافها في المتوافقات، وورود الحظر لشئ وإلاباحة لمثله، وورود الحكم في الامر العظيم صغيرا وفي الصغير بالنسبة إليه عظيما واختلاف ذلك خارج عن مقتضيات القياس، فإن الله تعالى أوجب النسل من المني ولم يوجبه من البول مع أن القول بطهارة المني موجود عندهم، وألزم الحائض قضاء ما تركته من الصوم وأسقط عنها قضاء الصلاة وهي أوكد من الصيام، والشواهد على ذلك من أحكام الشرع كثيرة لا نطيل بذكرها. فإذا كان الامر على ما عرفت وعلمنا أنه لا طريق إلى معرفة المصالح والمفاسد إلا من قبل من أحاط بكل شئ علما فلا مساغ للرجوع إلى القياس في تعرف للاحكام وجعله مدركا من مداركها. والمراجع إلى السنة الكريمة والاثار المروية عن الائمة - عليهم السلام - يجد أن جل ما رجعوا فيه إلى القياس موجود في الاخبار منصوص عليه بنصوص عامة أو خاصة لا يحتاج معها إلى القياس وغيره من مقتضيات الظنون، ولقد وافقت الشيعة في المنع عن

[ 229 ]

العمل بالقياس، الظاهرية من أهل السنة أتباع داود بن علي الاصبهاني حيث قالوا: لا يجوز الحكم في شئ إلا بنص كلام الله تعالى أو نص كلام النبي (ص) أو بما صح عنه من فعل وتقرير أو بإجماع متيقن. وقال داود: إنه لا حادثة إلا وفيها حكم منصوص عليه من الكتاب والسنة. وقال ابن حزم من أتباعه بعد ذكر آية: (ما فرطنا في الكتاب من شئ) وآية: (اليوم أكملت لكم دينكم) الاية: انهما إبطال للقياس والرأي، لان أهل القياس والرأي لا يختلفون في عدم جواز استعمالهما مادام يوجد نص، وقد شهد الله أن النص لم يفرط فيه شيئا، وأن رسول الله (ص) قد بين للناس كل ما نزل إليه، وإن الدين قد كمل بلا حاجة إلى قياس ولا إلى رأي. ويقول أيضا: كل ما لم ينص عليه فهو شرع لم يأذن به الله تعالى وهذه صفة القياس، فكل ما ليس في القرآن والسنة منصوصا به فمن حكم فيه بشئ من الوجوب والحرمة أو خالف به النص فهو من عند غير الله، ومن حرم أو أحل أو أوجب أو أسقط قياسا على ما حرمه الله أو أحله أو أوجبه أو أسقطه فقد تعدى حدود الله، ومن تعدى حدود الله فقد ظلم نفسه. ويقول في كلام آخر: إنه لم يصح قط من أحد من الصحابة القول بالقياس وقد كان من بعض الصحابة نزعات إلى القياس أبطلها رسول الله (ص) انتهى. وبالجملة إنهم يوافقون الشيعة في بطلان التمسك بالقياس إلا أنهم يقتصرون على ظواهر الكتاب والسنة ويحاولون إدخال أحكام الحوادث المتجددة تحت نصوص يشملها ويحتملها من القرآن أو الثابت من الحديث النبوي أو الاجماع كما عرفت. ز القول 156: والاثار الواضحة عنهم - صلوات الله عليهم - 139 / 7. الاخبار الواردة في هذا الباب المروية عن الائمة الطاهرين - سلام الله عليهم - كثيرة

[ 230 ]

رواها المحدثون في كتبهم ونحن نقتصر منها ببعض الاحاديث ونختم بها هذه الكلمات القليلة التي علقناها على هذا الكتاب. فقد روي في كتاب (اختصار كتاب الاختصاص) عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن خالد البرقي بسنده، عن سماعة بن مهران، عن أبي الحسن الاول (= الكاظم عليه السلام) قال: قلت، أكل شئ في كتاب الله وسنته أم تقولون فيه ؟ فقال: بل كل شئ في كتاب الله وسنته. وعنه، عن محمد بن خالد البرقي، عن صفوان بن يحيى، عن سعيد بن عبد الله الاعرج قال: قلت لابي عبد الله - علي‍ السلام -: إن من عندنا ممن يتفقه، يقولون: يرد علينا ما لا نعرفه في الكتاب والسنة فنقول فيه برأينا. فقال: كذبوا، ليس شئ إلا وقد جاء في الكتاب وجاء فيه سنة. وعن الحسن بن فضال، عن أبى المغراء، عن عبد صالح (= الكاظم عليه السلام) قال: سألته فقلت: إن اناسا من أصحابنا قد لقوا أباك وجدك وسمعوا منهما الحديث، فربما كان الشئ يبتلى به بعض أصحابنا وليس في ذلك عندهم شئ، وعندهم ما يشبهه يسعهم أن يأخذوا بالقياس ؟ فقال: لا، إنما هلك من كان قبلنا بالقياس. فقلت له: لم تقول ذلك ؟ فقال: لانه ليس من شئ إلا وجاء في الكتاب والسنة. السندي بن محمد البزاز، عن صفوان بن يحيى عن محمد بن حكيم، عن أبى الحسن الاول - عليه السلام - قال: قلت: تفقهنا بكم في الدين وروينا عنكم الحديث وربما ورد علينا رجل قد ابتلي بالشئ الصغير الذي ليس عندنا فيه شئ بعينه وعندنا ما هو مثله وشبهه، أفنفتيه بما يشبهه ؟ فقال: لا، ومالكم في ذلك القياس نفتيه هلك من هلك. فقلت: أتى رسول الله الناس بما استغنوا به في عهده ؟ قال: وبما يكتفون به من بعده إلى يوم القيامة. فقلت: فضاع منه شئ ؟ فقال: لا، هو عند أهله. ز.

[ 231 ]

(التعريف بكتاب أوائل المقالات) بقلم العلامة الزنجاني (1) - رحمه الله - بسم الله الرحمن الرحيم العلم نور وضياء، والعلماء هم مصابيح ذلك النور وزجاجات ذلك الضياء، التي توقد من شجرة مباركة هي روح العالم الذي تتحمله فيضيئه ويستضاء به غيره (2). فهم أنوار الهداية وأعلام الرشد وينابيع الحكمة وقوام الامة وأدلاء الخلق إلى الحق وقادتهم إلى نهج الصواب والصدق، تحيى بهم قلوب أهل الايمان وترغم انوف أهل


(1) اقرأ ترجمته الشريفة في كتاب (شهداء الفضيلة - ص 251 - 252 ط النجف) للعلامة الكبير الشيخ عبد الحسين الاميني التبريزي مد ظله نزيل النجف الاشرف، وفي كتاب (علما. معاصر - ص 224 - 228 ط طهران) تأليف المرحوم الحاج الملا علي الواعظ الخيابانى التبريزي المتوفى يوم الاحد 14 صفر الخير سنة 1367 ه‍. چرندابي (2) توقد: أي تشتعل. وضمير (هي) راجع إلى شجرة مباركة. روح العالم (بكسر اللام): نفسه، يذكر ويؤنث. تتحمله: أي تتحمل العلم. فيضيئه: أي فيضئ العالم. وهذه الجملات الجميلة مقتبسة من الاية الجليلة في سورة النور (الله نور السموات والارض مثل نوره كمشكوة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب درى يوقد من شجرة مباركة زيتونة) الاية. چرندابي

[ 232 ]

الزيغ والالحاد، مثلهم في الارض كمثل النجوم التي في السماء يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، ويكفي في تعظيم شأنهم والتنويه بمكانتهم ومقامهم ما ورد في حقهم من محكم آيات الكتاب الحكيم ومستفيض السنة الكريمة ومأثور المروي عن حجج الله المكرمين سلام الله عليهم أجمعين، ومرتبة العلم هي المرتبة الثانية من مراتب الكمال البشري التالية لمرتبة النبوة التي هي اختصاص إلهي واصطفاء رباني يخص بها من يشاء من عباده المكرمين بعد أن يهيئ نفسه بالتأديب الالهي لنيل ذلك المقام الرفيع، فيجعله مهبط وحيه ومبلغ رسالاته ويجعله اسوة لخلقه في الهداية إلى الصراط المستقيم، وللعلماء العاملين الذين جمعوا بين الفضيلتين واحتووا على درك تلك السعادتين - وقليل ما هم - مزية عظيمة وميزة ظاهرة على من سواهم بما بذلوا أنفسهم في سبيل الله وجاهدوا في مرضاته حق جهاده، فهم حفظة أحكام الدين ونواميسه وحراس ثغور الشرع وحدوده وألسنه الناطقة وسيوفه القاطعة، ينفون من الدين تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتاويل الجاهلين. ومن هؤلاء الافذاذ الذين ازدهرت بهم علوم الشيعة الامامية وتزينت بوجودهم سماء معارفها السامية حوالي منتصف القرن الرابع الهجري وأوائل القرن الذي بعده، هو الشيخ الجليل الاعظم والرئيس المقدم الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان البغدادي العكبري المشتهر بالمفيد قدس الله روحه الشريفة، فقد كانت حياته حياة علم وعمل وجد وجهد واستفادة وافادة حتى اجتمعت فيه خلال الفضل والكمال، تلمذ على العشرات من رجال العلم وحملة الاثار في عصره حتى صار أوثق أهل زمانه بالحديث وأعرفهم بالفقه والكلام والخبرة بالرجال والاخبار والسير وأشعار العرب وغير ذلك، وكان من الناحية العملية كثير الصلاة والصوم، كثير الصدقات، عظيم الخشوع، وكانت حياته العلمية مستغرقة في أغلب الاحيان في ترويج المذهب والدفاع والجدال

[ 233 ]

مع المخالفين على اختلاف فرقهم من معتزلة ومرجئة وأشعرية ومحكمة (1) ومع بعض الفرق المنتحلة للتشيع كالزيدية والواقفة وغيرهم كما يشهد به أخبار مجالسه المحفوظة في فنون الكلام.


(1) وهم الذين خرجوا على أمير المؤمنين - عليه السلام - عند التحكيم وكان شعارهم: لا حكم إلا الله، ولذلك سماهم الناس بالخوارج والمحكمة. قال الامير العلامة أبو سعيد نشوان بن سعيد الحميري اليمني المتوفى سنة 573 ه‍ في كتاب (الحور العين - ص 201 ط مصر 1948 م): ومن أسمائهم (يعني الخوارج) المحكمة، سموا بذلك لانكارهم التحكيم في صفين، وقالوا لا حكم إلا لله. ومن أسمائهم المارقة وهم لا يرضون بهذا الاسم ويرضون بسائر الاسماء، وكان منهم عبد الرحمن بن ملجم المرادي قاتل أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضى الله عنه. قال عمران بن حطان الخارجي الشاعر من بني سدوس، بمدح عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله: يا ضربة من تقي ما أراد بها الا ليبلغ من ذي العرش رضوانا اني لاذكره حينا فأحسبه أوفي البرية عند الله ميزانا أكرم بقوم بطون الطير قبرهم لم يخلطوا دينهم بغيا وعدوانا فبلغت الابيات القاضي أبا الطيب الطبري فقال: يا ضربة من شقي ما أراد بها إلا ليهدم من ذي العرش بنيانا إنى لابرأ مما أنت قائله عن ابن ملجم الملعون بهتانا إني لاذكره يوما فألعنه وألعن الدهر عمران بن حطانا عليك ثم عليه الدهر متصلا لعائن الله إسرارا وإعلانا فأنتم من كلاب النار جاء به نص الشريعة برهانا وتبيانا ومن أسماء الخوارج الحرورية والشراة سموا بهما لنزولهم بحروراء - اسم قرية تمد وتقصر - ولانهم يقولون إنهم شروا أنفسهم من الله بالجهاد. چرندابي.

[ 234 ]

وكانت مدينة بغداد عاصمة المملكة الاسلامية حينذاك مملؤة بكثير ممن ينتحل هذه المذاهب وبكثير من النظار والمتكلمين منهم، وكانت مجالس النظر وابهاء البحث والجدال في المذهب بينهم قائمة وسوقها نافقة، وكثيرا ما كانت تنعقد تلك المجالس بمحضر من الخلفاء والملوك وسائر أرباب النفوذ، يحضرها النظار ويتكلمون في المسائل الخلافية بينهم وفي الاراء المذهبية وسائر مسائل الاصول والفروع على ما هو معلوم من مراجعة السير والاثار، فكان كلما حضر في أمثال هذه المجالس ويقتضي المقام الكلام في المسائل المذهبية يناظرهم ويجادلهم ويرد عليهم شبهاتهم ويجيب عما يوردونه على الشيعة وعلى آرائهم المذهبية ويفحمهم بما اوتي من فهم ثاقب ونظر دقيق وقوة جنان وطلاقة لسان وحسن بيان. ولم يكن دفاعه ونضاله عن مذهب الشيعة الامامية مقصورة على تلك المناظرات اللسانية فقط بل كان يرد عليهم وينقض شبههم وحججهم بما يكتبه ويمليه من المؤلفات والكتب في النقض والرد على أهم رجالهم ومتكلميهم ومناظريهم كما يشهد به ملاحظة أسامي مؤلفاته المحفوظة في كتب الرجال والتراجم وفهارس المصنفات. ومما يوجب الاسف ضياع غالب تلك المؤلفات والرسائل التي ضاعت نسخها وذهبت فيما ذهب من كنوز العلم والاثار ولم يبق منها إلا جزء قليل من رسائله ومصنفاته التي صنفها في هذه الاغراض، ومعظم الباقي منها أيضا لم يرزق حظا من الانتشار واطلاع أهله عليه، ونسخها القليلة متفرقة في زوايا المكاتب وبطون المجاميع لا يطلع عليها إلا قليل من الباحثين، ومن جملتها هذا الكتاب الموسوم ب‍ (أوائل المقالات) الذي نحن في صدد الاشارة إلى وصفه بمناسبة ما أظهره من الرغبة في نشر ذلك الاثر الجليل جناب العالم الفاضل والمحدث البارع الكامل علم الاعلام ونادرة الأيام (الحاج الشيخ عباس قلي) المحدث التبريزي الچرندابي أدام الله له التوفيق

[ 235 ]

والتسديد، فبادرت إلى اجابة مسؤوله وتصحيح نسخة الكتاب بقدر الوسع والامكان مع تعليق بعض حواش مختصرة على بعض مطالبها إيضاحا للمراد، ورأيت من اللازم أيضا وصف هذا الكتاب ومحتوياته اجمالا بعد ذكر مختصر من تاريخ علم الاديان وأهمية موضرعه في هذا العمر مع الاشارة إلى وجيز من ترجمة حياة مصنفه الجليل قدس الله روحه ومن الله أستمد المعونة والتوفيق إنه ولي الهداية والمرشد الي الصواب. علم الاديان والمذاهب إن تتبع تاريخ الاديان وآراء الملل وعقائدها ونحلها من المواضيع الهامة في تاريخ حياة المجتمع البشري، فإنه يظهر من خلال الاطلاع على تلك الاراء والعقائد درجة الرقي العقلي لتلك الامم الذين اعتنقوها وشخصيات مؤسسيها، فالبحث عن ذلك بمنزلة البحث عن تاريخ الفكر البشري وتطوراته المختلفة في مختلف العصور التي مرت عليه وحصل فيها من الرقي والتكامل العقلي ما نشاهده حالا. ومن جهة هذه الاهمية صار النظر فيه شاغلا لافكار العلماء والعقلاء من كل امة من أقدم الازمان، فنجد البحث عن ذلك بين قدماء فلاسفة اليونان وغيرهم من الملل المتنوعة السابقة على العصر الاسلامي، كما نجد اهتمام المسلمين وعنايتهم بنوع خاص على هذه المباحث الهامة في إبان التمدن الاسلامي العظيم، ونجد أيضا الجهود الخاصة التي يبذلها علماء الغرب والباحثون منهم عن الشرق وعلومه وتمدنه وآثاره ودياناته وما يبذلونه في سبيل ذلك على اختلاف الدواعي والاغراض منهم في ذلك العصر حتى صار النظر في ذلك أساسا لفن خاص في عرفهم هو علم الاديان وفلسفة المذاهب. ولا يسعنا البسط في هذا المقام في تاريخ هذا العلم وما ألفه العلماء فيه من قديم وحديث من الكتب والمصنفات وما لهذه المباحث من الاهمية في نظر هؤلاء الباحثين

[ 236 ]

وإنما نكتفي بالاشارة إجمالا إلى شئ من تاريخ هذا العلم عند المسلمين تمهيدا لما نحن في صدد البحث عنه. يرشدنا النظر في تاريخ الصدر الاول والقرون الاسلامية الاولى إلى شئ ما من علل اهتمام المسلمين بهذه المباحث، حيث إن الخلافات الدينية والمذهبية الواقعة بينهم وظهور الفرق الاسلامية الكبرى على أثر تلك المخالفات من شيعة ومرجئة ومعتزلة ومحكمة وغيرهم، والفتن الناشئة بينهم من جراء ذلك وتصدي كل فرقة لتأييد عقائدها وآرائها والرد على من يخالفه على ما تكفل ببيانها كتب السير والاثار والمؤلفات الكلامية تفصيلا، نبهت الافكار إلى لزوم ضبط هذه الاقاويل والاراء وتقييدها في ضمن مؤلفات خاصة على اختلاف في أغراض التاليف فيجد الناظر نواة البحث في ذلك في كلمات أمثال الحسن البصري وواصل بن عطاء وعمرو بن عبيد وغيرهم من علية رجال المعتزلة ونوابغ مفكريها ولكن البحث الفني الذي يمكن أن يعد بحثا حقيقيا متعلقا بهذا الفن لم ينشأ إلا في صدر الدولة العباسية، نجد الحكاية عن أبى محمد هشام بن الحكم المتكلم الشيعي الشهير (1) أنه


(1) قال أبو العباس النجاشي المتوفى سنة 450 ه‍ - في فهرسته - ص 304 ط بمبئ: (هشام بن الحكم أبو محمد مولى كندة وكان ينزل بني شيبان بالكوفة انتقل إلى بغداد سنة تسع وتسعين ومائة ويقال ان في هذه السنة مات). وقال العلامة الفقيه الحاج الشيخ عبد الله المامقاني (المتوفى سنة 1351 ه‍) بالنجف الاشرف، في رجاله الكبير (تنقيح المقال - ص 294 ج 3 ط النجف): هذا الرجل ممن اتفق الاصحاب على وثاقته وجلالته وعظم قدره ورفعة منزلته عند الائمة - عليهم السلام - ولكن طعن فيه العامة وورد في الاخبار ذم له من جهة القول بالتجسيم وأخذ الاصحاب في الذب عنه تنزيها لساحته عن ذلك ونقل عن خط المجلسي - ره - أنه قال: قال السيد المرتضى - ره - ناقلا عن شيخه المفيد - ره -: هشام بن الحكم من أكبر أصحاب أبي عبد الله - عليه السلام - وكان تقيا وروى حديثا كثيرا وصحب أبا عبد الله - عليه السلام - وبعده أبا الحسن موسى - عليه السلام - وكان يكني أبا محمد وأبا الحكم الخ. چرندابي

[ 237 ]

قال: إنه لما كان أيام المهدي (158، 169 ه‍) شدد على أصحاب الاهواء وكتب له ابن المفضل صنوف الفرق صنفا صنفا ثم قرأ الكتاب على الناس، على باب الذهب (بمدينة بغداد) ومرة اخرى على باب وضاح (رجال الكشي - ص 172 بمبئ) فيكون هذا الكتاب من أقدم ما وصلنا خبره من المصنف في هذا الفن ثم تتابعت التآليف فيه مع التفاوت في أساليب البحث بحسب تنوع المقاصد والاغراض من بين مؤلف في الاراء والديانات عامة، ومقتصر لاراء الاسلاميين أو لفرق مخصوصة منهم خاصة ومن مكتف على النقل المجرد للاراء، أو منتصر مع ذلك لبعض الاقاويل، أو راد على مخالفيه ومن مرتب للبحث عنها على المواضيع الخلافية، أو على خصوص الفرق والمذاهب وأصحابها إلى غير ذلك من مختلف الاساليب التي اتخذوها والطرق التي سلكوها في كتبهم ومؤلفاتهم. ولاهمية الموضوع تناول البحث فيه كبار من رجال الفريقين وعلماء الاسلام أمثال أيى القاسم الكعبي وعباد بن سليمان الصيمري وأبي الحسن الاشعري وأبي بكر الباقلاني وابن فورك والبغدادي وابن حزم الظاهري والشهرستاني (1) وغيرهم من رجال الجمهور وصنف فيه أبو محمد النوبختي وأبو الحسن المسعودي والحاكم أبو عبد الله النيسابوري ومن سواهم من الشيعة ممن يتعذر استقصاء أسمائهم واحصاء مؤلفاتهم في المقام.


(1) قال المولى عصام الدين أحمد المعروف بطاشكبري زاده (المتوفى سنة 968 ه‍) في تأليفه في موضوعات العلوم (مفتاح السعادة - ص 264 ج 1 ط الهند): وممن أورد فرق المذاهب في العالم كلها محمد الشهرستاني في كتاب (الملل والنحل) وكان إماما مبرزا فقيها متكلما تفقه على أحمد الخوافي وبرع في الفقه وقرأ الكلام على أبي القاسم الانصاري وتفرد فيه وصنف كتاب (نهاية الاقدام في علم الكلام ط ليدن 1934 م) وكتاب (الملل والنحل ط الهند ولندن ومصر وإيران) وكانت ولادته سنة سبع وسبعين أو تسع وسبعين وأربعمائة بشهرستان وتوفي بها أيضا في أواخر شعبان سنة ثمان أو تسع وأربعين وخمسمائة. وشهرستان مدينة في خراسان وذكر في أول،

[ 238 ]

وقد كانت الامصار الاسلامية وحواضرها الكبرى ميدانا لمخاصمات الفرق المختلفة ومجادلاتهم كما أومأنا إليه وكان عصر المصنف - قده - من العصور التي كانت المناظرات المذهبية بين الشيعة ومخالفيها على شدتها، وكان غالب مخالفي الامامية يرمونهم بأقاويل فاسدة وينسبون إليهم آراء زائغة ليست في مذهب الامامية قصدا للتشنيع والتعيير عليهم من القول بالجبر والتشبيه والتجسيم وغير ذلك مما يجده المراجع لمواضيعه.


(نهاية الاقدام) المذكور بيتين ولم يذكر أن هذين البيتين لمن: لقد طفت في تلك المعاهد كلها وسيرت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعا كف حائر على ذقن أو قارعا سن نادم قلت: وجدت في بعض المجاميع أن البيتين اللذين ذكرهما الشهرستاني في نهاية الاقدام لابي علي بن سينا * اه‍ ملخصا. - * وهو الشيخ أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا الفيلسوف المعروف الشهير بالشيخ الرئيس، توفي سنة 427 أو 428 ه‍ بهمدان من بلاد إيران، وذكره محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في كتابه (الملل والنحل - في هامش الفصل لابن حزم الظاهري - ص 18 ج 4 ط مصر 1347 ه‍) بعد أن سرد أسامي عدة من فلاسفة الاسلام وقال: (وعلامة القوم أبو على بن سينا وكانت طريقته أدق ونظره في الحقائق أغوص وكل الصيد في جوف الفرا). ويجدر بالذكر أن العلامة الامام السيد محسن الامين قد نسبه إلى التشيع في تأليفه المنيف (أعيان الشيعة - ص 297 - 298 ج 26 ط دمشق) فراجعه وكن من الشاكرين. وقال أيضا في أعيان الشيعة - 409 ق 1 ج 1 ط 2: (ومن يسمى بالمعلم من الحكماء ثلاثة أحدهم من اليونان والاثنان من الشيعة، فالمعلم الاول أرسطو وهو يوناني والمعلم ااثاني الرئيس ابن سينا شيعي والثالث أبو نصر الفارابي شيعي). والحال أن المشهور بالمعلم الثاني هو أبو نصر محمد بن طرخان الفارابي الحكيم التركي، والملقب بالمعلم الثالث هو أبو علي أحمد مسكويه الفيلسوف الشيعي الشهير. انظر (الاعيان - ص 139 ج 10). چرندابي

[ 239 ]

فكانت هذه الاسباب ونظائرها علة لتصدي المصنف - قده - لتأليف هذا الكتاب ولغيره من مؤلفاته وإظهار الواقع والصحيح من مذهب الشيعة الامامية وخلاصة آرائها ومعتقداتها في الاصول الاسلامية ومختلف المسائل الكلامية الدائرة بين النظار والمتكلمين، فبين فيه آراءهم الدينية ومعتقداتهم المذهبية الموافقة لاصول الكتاب والسنة والاثار المروية عن أئمتهم الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين وبين من يوافقهم فيها من سائر الفرق الاسلامية من معتزلة وغير معتزلة، ثم ما يخالف فيه الامامية سائر الفرق في بعض الاراء والاقوال مبينا ذلك بأوضح بيان ومرتبا إياه على أحسن ترتيب وأبدع أسلوب حول المواضيع الدائرة بين المتكلمين وأرباب النظر وحذاق أهل الجدل. فهو من هذه الجهة من أحسن الكتب المؤلفة في بابه بل من أول ما الف في هذا النمط الخاص من بيان الفرق بين أقاويل أهل الشيعة وأقاويل أهل الاعتزال على ما يجده الناظر مبسوطا في تضاعيف أبواب الكتاب، ولم يسبقه في ذلك فيما أعلم إلا المؤرخ الشيعي الشهير أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي (1) صاحب التآليف الممتعة التاريخية وغيرها فإنه يذكر في كتابه المتداول المعروف (مروج الذهب - ص 137 ج 2 ط مصر 1353 ه‍) عند تعرضه لذكر اصول المعتزلة أن له كتابا مترجما بكتاب الابانة ذكر فيه الفرق بين المعتزلة وأهل الامامة وما بان به كل فريق منهم عن الاخر.


(1) قال الشيخ المحدث الجليل عباس بن محمد رضا القمي (المتوفى سنة 1359 ه‍ بالنجف) في كتابه النفيس (الكنى والالقاب - ص 153 ج 3 ط صيدا): (قال العلامة المجلسي في مقدمة البحار (ص 14 ج 1 ط أمين الضرب) والمسعودي عده جش (يعني النجاشي) في فهرسته (ص 178 ط بمبئ) من رواة الشيعة وقال: له كتب منها كتاب إثبات الوصية لعلي بن أبي طالب - عليه السلام - وكتاب مروج الذهب مات سنة 333). وقيل إنه بقي إلى سنة 345. چرندابي

[ 240 ]

وكان المصنف - قده - من المتضلعين في هذا الفن ذا خبرة واسعة بآراء الفرق الاسلامية ومدارك أقاويلها، يشهد بذلك أسامي مؤلفاته التي كتبها وصنفها في الرد على جمع من المتكلمين من معتزلة وغيرهم، ويظهر أيضا أن بعض كتب هذا الفن كان يقرأ عليه ويذاكر به، فقد ذكر تلميذه أبو العباس النجاشي (1) صاحب الفهرست المعروف في ترجمة أبى محمد النوبختي كتابه المعروف بكتاب الاراء والديانات وقال: إنه كتاب كبير حسن يحتوى على علوم كثيرة قرأت هذا الكتاب على شيخنا أبي عبد الله رحمه


(1) قال العلامة الفقيه الحاج الشيخ عبد الله المامقانى (1290 - 1351 ه‍) في (تنقيح المقال - ص 63 - 64 ج 1): النجاشي بالنون المفتوحة والجيم المشددة المفتوحة ثم الالف ثم الشين المثلثة ثم الياء هو الذى يثير الصيد ليمر على الصائد، فالياء ليست ياء نسبة كما في النجاشي مخففا ملك الحبشة فإن الياء فيه أيضا جزء الاسم وهو أحمد بن علي بن العباس النجاشي المكني بأبي العباس صاحب كتاب الرجال المعروف وهو شيخ جليل ثقة مسلم الكل، غير مخدوش فيما كتب بوجه مطمئن إليه سيما في الرجال يقدم قوله عند التعارض على قول غيره حتى الشيخ الطوسى - ره - وقد اشتبه الامر على بعض الاصحاب فزعم كون أحمد بن علي بن العباس غير أحمد بن العباس والصواب الاتحاد، ونقل صاحب التنقيح في ص 70 ج 1 منه عن الخلاصة للعلامة - ره - أنه توفي بمصير آباد * في جمادى الاولى سنة خمسين وأربعمائة. وكان مولده في صفر سنة اثنين وسبعين وثلاثمائة. انظر فهرست النجاشي - ص 74 ط بمبئ وتنقيح المقال - ص 69 ج 1 أيضا. چرندابي - * وفي نسختنا المخطوطة التي كتبت سنة 1012 ه‍ وقرأها الشيخ شمس الدين محمد بن خاتون العاملي على شيخه محمد بهاء الدين العاملي سنة 1027 ه‍ وعليها خط يد شيخه بهاء الدين - ره - (بمنطير آباد). وقال المحدث القمي في (الكنى والالقاب - ص 199 ج 3) وتوفي بمطير آباد من نواحي سرمن رأى سنة 450 موافق كلمة (ان الرحمة عليه). چرندابي

[ 241 ]

الله (1). ومما ذكر من أسماء مصنفاته في هذا الباب كتاب المقنعة في وفاق البغداديين من المعتزلة لما روى عن الائمة - عليهم السلام -، وكتب له اخرى في الرد على الجاحظ من النقص على العثمانية والنقض على المروانية وكتاب النقض على فضيلة المعتزلة، وكتب اخرى في النقص على أبى عبد الله البصري وعلى علي بن عيسى الرماني والنقض على البلخي والنقض على جعفر بن حرب والنقض على الواسطي والجباني، والرد على العتبي وعلى الكرابيسي وعلى الاصم والرد على ابن كلاب وغيرهم مما يجده الناظر في طي فهرست مصنفاته. (وصف الكتاب) قد ذكر الشيخ المصنف - قده - موضوع الكتاب في ديباجته وانه يشتمل على الفرق بين الشيعة والمعتزلة وفصل ما بين العدلية من الشيعة ومن ذهب إلى العدل من المعتزلة، ثم بيان ما يفترق فيه الشيعة عن المعتزلة بعد ذلك، ثم قال إنه ذاكر في أصل ذلك ما اختاره هو من متفرع المذاهب في اصول التوحيد والعدل والقول في اللطيف من الكلام وذكر في ضمن ذلك من يوافق في بعض تلك المسائل من متكلمي الشيعة أنفسهم ومن يخالف لبني نوبخت وغيرهم من متكلمي الامامية. وقد صرح في أول الكتاب أنه ألف هذا الكتاب باقتراح من السيد الشريف النقيب ولم يذكر اسم ذلك الشريف - ره -. وهذا الشريف النقيب يحتمل أن يكون هو الشريف الجليل أبو أحمد الحسين بن


(1) انظر (الفهرست - ص 46 ط بمبئ 1317 ه‍) للشيخ أبي العباس النجاشي. چرندابي

[ 242 ]

موسى الموسوي - ره - والد الشريف الرضي - ره - الذي كان فوض إليه نقابة العلويين والنظر في المظالم وإمارة الحج في الدولة البويهية مرارا (1) ويحتمل أن يكون أحد ابنيه المرتضى أو الرضي اللذين كانا ينوبان عن والدهما في حياته (2) وفوض ذلك المنصب


(1) ويرثي الرضى - ره - أباه أبا أحمد الحسين بن موسى وقد توفي ليلة السبت لخمس بقين من جمادى الاولى سنة 400 وله من العمر 97، بقصيدة بلغت 89 بيتا وهي من الطوال الجياد، مطلعها: وسمتك حالية الربيع المرهم وسقتك ساقية الغمام المرزم (انظر ديوان الرضي - ص 460 - 463 ط مصر 1306 ه‍). چرندابي (2) وذكر شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء أبو العلاء المعري اسم الشريفين الرضي والمرتضى في طي مرثية لوالدهما المذكورة في ديوان (سقط الزند) - انظر شرح التنوير - ص 84 - 85 ج 2 ط مصر 1358 ه‍ ومن أبيات تلك المرثية: ابقيت فينا كوكبين سناهما في الصبح والظلماء ليس بخاف أراد بالكوكبين ابني المتوفى أي إنهما في رفعة المكان والشهرة مثل كوكبين لا يخفى ضؤهما بحال، بل إنهما مضيئان في ظلمة الليل وبياض الصبح لا يرتقى إليهما حوادت الدهر فتخفيهما، وقال فيها: سارى الرضي المرتضى وتقاسما خطط العلى بتناصف وتصاف أي ان الرضي والمرتضى تساويا في الفضائل واقتسما بينهما المكارم على السواء والعدل منصفا أحدهما فيه صاحبه ومصفيا عقيدته في استحقاق صاحبه ما حازه من خطط العلى. وقال الاستاذ السيد حسن الامين نزيل بغداد في مجلة (العرفان - ص 428 ج 4 مج 36) تحت عنوان (بين المعرى والمرتضى): (فقد نظمها (يعني القصيدة التي رثى بها المعري والد الشريفين) قبيل مغادرته بغداد، فالحسين توفي في جمادى الاولى سنة 400 ه‍ وترك المعري بغداد في رمضان هذه السنة نفسها) فراجع تمام المقال الذى دبجه يراع الاستاذ فإن فيه حقائق ناصعة، وراجع أيضا (عبقرية الشريف الرضي - ص 153 و 4 ج 1 ط بغداد) للاستاذ الدكتور زكي مبارك. چرندابي

[ 243 ]

إلى الرضي ثم إلى المرتضى - ره - بعده. والذي يترجح في النظر انه هو الشريف الرضي أبو الحسن محمد بن الحسين - قده - (1) ويؤيده الزيادة التي في آخر الكتاب والذى ذكر في أولها انه خرجها وسال عنها الشيخ المفيد الشريف الرضي - ره - ليضاف إلى كتاب (أوائل المقالات). وقد ألف الشيخ - ره - بعد تأليف ذلك الكتاب كتابه المعروف بكتاب الاعلام فيما اتفقت عليه الامامية وخالفهم العامة من الاحكام، وصرح في أوله أيضا بأنه صنفه للسيد الشريف ليضاف إلى كتاب (أوائل المقالات) ويجتمع للناظر فيهما علم الاصول والفروع إلى آخره، وفي بعض النسخ القديمة من ذلك الكتاب أنه الشريف الرضي - ره -، ولم يذكر في الكتاب سنة التأليف وبما أن زمان نقابة الشريف الرضي يتراوح بين


(1) توفي - رحمه الله - سنة 406 ه‍ ورثاه تلميذه الشاعر الشهير مهيار الديلمي بقصيدة طويلة مطلعها: من جب غارب هاشم وسنامها ولوى لويا واستزل مقامها وقال صدر الدين السيد على خان الشيرازي المتوفى سنة 1119 بشيراز في كتابه النفيس (أنوار الربيع في علم البديع - ص 13 ط إيران 1304 ه‍): (وشقت هذه المرثية على جماعة ممن كان يحسد الرضي - رضي الله عنه - على الفضل في حياته أن يرثى بمثلها بعد وفاته فرثاه بقصيدة اخرى ومطلعها في براعة الاستهلال كالاولى وهو: أقريش لا لفم أراك ولا يد فتواكلي غاض الندى وخلا الندى وما زلت معجبا بقوله منها: بكر النعى فقال أودى (أردى خ) خيرها إن كان يصدق فالرضي هو الردي انظر (ديوان مهيار الديلمي - ص 366 ج 3 وص 249 ج 1 ط مصر). چرندابي

[ 244 ]

سنة 396 ه‍ التي قلد فيها منصب - نقابة الطالبيين ولقب بالرضي - ذي الحسبين (1) ثم فوض إليه نقابة العلويين في سنة ثلاث وأربعمائة بعد والده، وبين سنة 406 ه‍ التي توفي فيها الشريف - ره - فلابد أن يكون التأليف في أثناء هذه المدة التي تقرب من عشر سنين. (أبواب الكتاب ومطالبه) يشتمل هذا الكتاب على أبواب: 1 - في الفرق بين الشيعة والمعتزلة وقد ذكر في هذا الباب معنى التشيع لغة واصطلاحا ومن يستحق اطلاق هذه اللفظة عليه من الفرق المنتحلة للتشيع، ثم أردفه بذكر معنى الاعتزال ومن يستحق اطلاق هذا الاسم عليه من بين سائر الفرق وجهة اطلاق هذه السمة على الفرقة المذكورة وزمان حدوثه. 2 - في الفرق بين الامامية وغيرهم من الشيعة وذكر فيه معنى ذلك وأشار إلى الفرقة الزيدية وما به يمتازون عن الفرقة الامامية. 3 - ذكر ما اتفقت عليه الامامية من القول بالامامة على خلاف المعتزلة ذكر فيه بعض الفروع الخلافية بين الفريقين في باب النبوة والامامة وغيرها. 4 - وصف ما اختاره واجتباه من الاصول نظرا ووفاقا لما جاءت به الاثار عن أئمة الهدى من آل محمد - صلى الله عليهم أجمعين - وذكر من وافق ذلك مذهبه من أهل المقالات. ذكر في هذا الباب أهم المسائل الاعتقادية في أبواب التوحيد والصفات والعدل واللطف والصلاح والاصلح، والنبوة والمسائل المتعلقة بها، والامامة ومتعلقاتها


(1) ويمدح الرضي - ره - بهاء الدولة ويشكره على تلقيبه بالرضي ذي الحسبين بقصيدة مطلعها: يدي في قائم العضب فما الانضار بالضرب (انظر ديوان الرضي - ص 22 - 24 ط مصر 1306 ه‍). چرندابي

[ 245 ]

وما يتفرع عليها، والقول في القرآن وجهة اعجازه وتأليفه، وفي المعاد وأبواب الوعد والوعيد والاسماء والاحكام وما سوى ذلك من لطيف الكلام وسائر المباحث التي يجدها الناظر في فهرسته وضمن أبوابه وفصوله. وذكر في كل هذه المسائل خلاصة رأي الامامية فيها ومن يخالفهم فيها من سائر الفرق أو من بعض متكلمي الشيعة كآل نوبخت وغيرهم ممن كان لهم آراء في بعض هذه المسائل الكلامية مخالفة لما عليه الجمهور من سائر متكلميهم. (ترجمة مصنف الكتاب) هو الشيخ الجليل أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان الحارثي العكبري البغدادي المعروف بابن المعلم والملقب بالمفيد قدس الله سره، من أجلاء شيوخ الشيعة ومتكلمي الامامية البارع في الفنون والعلوم الاسلامية، وأثنى عليه علماء الفريقين ووصفوه بأنه أجل مشايخ الشيعة ورئيسهم واستاذهم وانه أوثق أهل زمانه في الحديث وانه كان متقدما في علم الكلام والفقه (1)، حسن الخاطر، دقيق الفطنة حاضر الجواب، كثير الصدق، عظيم الخشوع، كثير العبادة خشن اللباس وكل من تأخر عنه استفاد منه. ونقل عن اليافعي في تاريخه المعروف في طي حوادث سنة وفاته انه قال: وفيها (يعني في سنة ثلاث عشرة وأربعمائة) توفي عالم الشيعة وعالم الرافضة صاحب


(1) قال الاستاذ كاظم المظفر النجفي في مجلة العرفان الزاهرة - ص 1159 ج 8 مج 35: (والمفيد لاحظ الفقه وهذبه وأفرد كل باب على حدة واستخرج الاحكام والاوامر والنواهي وجمع ما تشتت منه بعد أن كان الفقه مجرد روايات لا أكثر، وبذلك استطاع أن يخفف عن رواد العلم ذلك التعب الذي كانوا يعانونه من جراء ذلك... كما دقق علم الاصول وشرحه الشرح الوافي الذي جعل الفائدة منه ملموسة من حيث تكفله لاستنباط الاحكام الشرعية. ورتب هذه القواعد الاصولية ترتيبا بدل على ما بذل فيه من جهود جبارة ومتاعب كثيرة استطاع أن يلم بها الالمام التام).

[ 246 ]

التصانيف الكثيرة شيخهم المعروف بالمفيد، وبابن المعلم أيضا البارع في الكلام والجدل والفقه وكان يناظر أهل كل عقيدة مع الجلالة والعظمة في الدولة البويهية، قال ابن أبى طي: وكان كثير الصدقات عظيم الخشوع كثير الصلاة والصوم خشن اللباس. وقال غيره: كان عضد الدولة ربما زار الشيخ المفيد وكان شيخا ربعة نحيفا أسمر عاش ستا وسبعين سنة وله أكثر من مائتي مصنف وكانت جنازته مشهورة وشيعه ثمانون ألفا من الرافضة والشيعة وأراح الله منه وكان موته في رمضان (1). ونقل عن تاريخ ابن كثير الشامي أنه قال - بعد الاشارة إلى اسمه وكنيته -: إن ملوك الاطراف كانت تعتقد به لكثرة الميل إلى الشيعة في ذلك الزمان وكان يحضر مجلسه خلق عظيم من جميع طوائف العلماء (2) وذكره ابن النديم في الفهرست عند ذكره لمتكلمي الشيعة وقال: (ابن المعلم


ومما يجدر بالذكر أن العلامة العاملي قال في (أعيان الشيعة - ص 237 ج 1 ط 1 دمشق) بعد أن سرد أسامي عدة من متكلمي الشيعة ومؤلفيهم في علم الكلام والجدل و...: (والشيخ المفيد... الذي سن طريق الكلام لمن بعده إلى اليوم). چرندابي (1) انظر (عبقات الانوار - ص 213 ج 1 مج حديث الغدير ط 2 طهران) للعلامة الاكبر الامير حامد حسين (المتوفى سنة 1306 ه‍). وهذه الكلمات التي قالها أبو السعادات عبد الله بن أسعد اليافعي (المتوفى سنة 768 ه‍) في تاريخه (مرآة الجنان - ص 28 ج 3 ط الهند 1338 ه‍) - وهو من أكابر العامة ومتعصبيهم - لخير برهان ثابت على ما للشيخ المفيد السعيد من عظيم الخطر وجليل الاثر، وقد رأيت في آخر كلامه ما يدل على عناده وشدة بغضه لهذا الشيخ الجليل ومع ذلك لم يمكنه جحد مناقبه الدينية والدنيوية والعلمية والعملية فالان حق أن يقال: ومليحة شهدت لها ضراتها والفضل ما شهدت به الاعداء چرندابي (2) قال الاستاذ كاظم المظفر النجفي في مجلة العرفان الراقية - ص 1158 ج 8 مج 35: (ومن العلماء الذين اعترفوا له (يعني للشيخ المفيد) بالفضل والسبق ابن كثير الشامي (المتوفى سنة 774 ه‍) في كتابه (البداية والنهاية - ص 15 ج 12 ط مصر) إذ قال: (وهو شيخ الامامية الروافض والمصنف لهم والمحامي عن حوزتهم كانت له وجاهة عند ملوك الاطراف لميل كثير من أهل ذلك الزمان إلى التشيع). لان سيف الدولة الحمداني ملك الشام شيعي، وعضد

[ 247 ]

أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان في عصرنا انتهت إليه رئاسة متكلمي الشيعة مقدم في صناعة الكلام على مذهب أصحابه، دقيق الفطنة ماضي الخاطر، شاهدته فرأيته بارعا وله من الكتب...) (1)، وقال محمد بن إدريس الحلي (المتوفى سنة 598 ه‍)


الدولة ملك العراق شيعي، ومعز الدولة ملك إيران شيعي، وكان لزاما على هؤلاء الخلفاء أن لوا الشيعة على الامصار والبلدان. وكلهم حفظوا له هذه المنزلة والكرامة فقدروه غاية التقدير وبجلوه غاية التبجيل). وقال العلامة الاميني في كتابه النفيس - (الغدير - ص 245 ج 3 ط النجف): وقول ابن كثير في تاريخه (يعني البداية والنهاية - ص 15 ج 12 ط مصر): (وكان مجلسه (أي مجلس الشيخ المفيد) يحضره خلق كثير من العلماء من سائر الطوائف). ينم عن أنه شيخ الامة الاسلامية لا الامامية فحسب. چرندابي (1) انظر (الفهرست - ص 252 و 279 ط مصر) لمحمد بن إسحاق النديم الشيعي (المتوفى سنة 385 س). وقال العلامة الامام آية الله السيد حسن الصدر (1272 - 1354 ه‍) في كتابه القيم (تأسيس الشيعة الكرام لعلوم الاسلام * - ص 381 ط العراق 1370 ه‍) بعد نقل كلمتي ابن النديم حول جلالة الشيخ المفيدة عن موضعي الفهرست: ويعلم من الموضعين أنه لم يتمكن من الاطلاع على فهرست مصنفاته - قدس سره -. وقال أيضا في ص 312 منه: (الشيخ المفيد أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان المعروف في زمانه عند الناس بابن المعلم، وعند الامامية بالشيخ المفيد، كان وحيد دهره في كل العلوم، انتهت إليه رئاسة الامامية... صنف في كل علوم الاسلام، وأخرج فهرس كتابه تلميذه أبو العباس النجاشي في كتاب فهرست أسماء مصنفي الشيعة، ومن جملة مصنفانه كتابه في اصول الفقه تام المباحث مع صغر حجمه، وقد رواه قراءة عنه الشيخ أبو الفتح الكراجكي، وأدرجه بتمامه في كتابه كنز الفوائد، وقد طبع بإيران وعندنا منه نسخة). انظر كتاب (كنز الفوائد - ص 186 - 194 ط تبريز 1322 ه‍). چرندابي - * طبع هذا الكتاب الفريد في بابه والوحيد في موضوعه، حديثا في قطر العراق بأمر نجل المؤلف، صاحب السماحة العلامة السيد الصدر - مد ظله - مصدرا بترجمة مؤلفه الفذ نقلا عن كتاب (بغية الراغبين في أحوال آل شرف الدين - مخطوط) لمؤلفه العلامة الامام آية الله السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي - مد ظله -، نزيل صور من بلاد لبنان. چرندابي

[ 248 ]

في آخر مستطرفات السرائر في ضمن كلام نقله عنه: وكان هذا الرجل كثير المحاسن حدبد الخاطر جم الفضائل غزير العلوم. (مولده ومنشئه) مولده على ما صرح به النجاشي والعلامة وغيرهما: الحادي عشر من ذى القعدة سنة ست وثلاثين أو ثمان وثلاثين وثلاثمائة. وذكروا أنه كان من أهل عكبرى - بضم العين قرية من أعمال بغداد على عشرة فراسخ منه - من موضع يعرف بسويقة ابن البصري وانه انحدر مع أبيه إلى بغداد وبدأ بقراءة العلم على أبي عبد الله المعروف بالجعل (هو أبو عبد الله الحسين بن علي بن إبراهيم المعروف بالكاغذي من أهل البصرة المتوفى سنة 339 ه‍) بدرب رياح (اسم موضع من محلات بغداد القديمة) ثم قرأ بعده على أبي ياسر غلام أبي الجيش. فقال له أبو ياسر: ألا تقرأ على علي بن عيسى الرماني (1) وتستفيد منه فقال: ما اعرفه وما لي به انس فارسل معي من يدلني عليه، فأرسل معه من أوصله إليه فذكر الشيخ - قده - أنه


(1) قال المستشرق الالماني آدم متز (المتوفى سنة 1917 م) في كتابه (الحضارة الاسلامية في القرن الرابع الهجرى - ص 325 ج 1 ط مصر): (وقد ألف أبو الحسن علي بن عيسى الرماني المتوفى عام 385 ه‍. ص 995 م، وهو عالم بالكلام والفقه والنحو واللغة، تفسيرا للقرآن، وقد بلغ من قيمة هذا التفسير أنه قيل للصاحب بن عباد: هلا صنعت تفسيرا ! فقال: وهل ترك لنا علي بن عيسى شيئا ؟). وقال أديب الفلاسفة وفيلسوف الادباء أبو حيان التوحيدي (المتوفى حوالي سنة 401 بشيراز) في كتابه (الامتاع والمؤانسة - ص 133 ج 1 ط مصر): وأما علي بن عيسى فعالي الرتبة في النحو واللغة والكلام والعروض والمنطق وعيب به إلا أنه لم يسلك طريق واضع المنطق بل افرد صناعة وأظهر براعة وقد عمل في القران كتابا نفيسا هذا مع الدين الثخين والعقل الرزين. چرندابى

[ 249 ]

دخل عليه والمجلس غاص بأهله فقعدت حتى انتهى بى المجلس فلما خف الناس قربت منه فدخل عليه داخل وقال: إن بالباب انسانا يؤثر الحضور وهو من أهل البصرة فأذن له فدخل فأكرمه فطال الحديث بينهما فقال الرجل لعلي بن عيسى: ما تقول في يوم الغدير والغار ؟ قال: أما خبر الغار فدراية وأما خبر الغدير فرواية والرواية لا توجب ما توجبه الدراية، قال: وانصرف البصري ولم يجد جوابا قال المفيد - قده -: فقلت لعلي ابن عيسى: أيها الشيخ مسالة. فقال: هات مسالتك. فقلت: ما تقول في من قاتل الامام العادل ؟ فقال: كافر. ثم استدرك فقال: فاسق. فقلت: ما تقول في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - عليه السلام - ؟ قال: إمام. قال، قلت: ما تقول في يوم الجمل وطلحة والزبير ؟ فقال: تابا. فقلت: أما خبر الجمل فدراية وأما خبر التوبة فرواية. فقال لي: كنت حاضرا وقد سألني البصري ؟ فقلت: نعم ؟ رواية برواية ودراية بدراية. قال: بمن تعرف وعلى من تقرأ ؟ قلت: اعرف بابن المعلم وأقرأ على الشيخ أبي عبد الله الجعل. وقال: موضعك. ودخل على منزله وخرج ومعه رقعة قد كتبها وألصقها، فقال لي: أوصل هذه الرقعة إلى أبي عبد الله. فجئت بها عليه فقرأها ولم يزل يضحك بينه وبين نفسه، ثم قال: أيش جرى لك في مجلسه فقد وصاك بنا ولقبك بالمفيد (1) فذكرت المجلس بقضته فتبسم (2) (السرائر لابن إدريس الحلي - ره -).


(1) قال قطب المحدثين وشيخ مشايخهم محمد بن على بن شهر آشوب السروى المازندرانى المتوفى سنة 588 ه‍ في تأليفه (معالم العلماء - ص 101 ط طهران): ولقبه بالشيخ المفيد صاحب الزمان صلوات الله عليه وقد ذكرت سبب ذلك في (مناقب آل ابي طالب) 1 ه‍، وقال المحدث البحاثة النوري المتوفى سنة 1320 ه‍ بعد نقل هذا الكلام بعينه في خاتمة كتابه (مستدرك الوسائل - ص 519 ج 3): ولا يوجد هذا الموضع من مناقبه ولكن اشتهر أنه لقبه به بعض العامة. چرندابى (2) انظر (مجموعة ورام - ص 611 ط طهران 1303 ه‍). وقال الشيخ منتجب الدين (المتوفى بعد سنة 585 ه‍) في فهرسته: الامير الزاهد أبو الحسين ورام بن أبي فراس... فقيه صالح شاهدته بالحلة ووافق الخبر الخبر. چرندابي

[ 250 ]

(مشايخه في العلم والرواية) قد قرأ على جمع كثير من العلماء ورواة الاثار وسائر رجال العلم من الفريقين من أشهرهم من رجال الخاصة: أبو القاسم جعفر بن محمد بن قولويه القمي، والشيخ الصدوق أبو جعفر بن بابويه، وأبو الحسن أحمد بن محمد بن الوليد، وأبو غالب الزراري، وأبو علي بن الجنيد الفقيه المعروف وغيرهم. وأبو عبد الله محمد بن عمران المرزباني، وأبو بكر الجعابي، والشريف أبو عبد الله محمد بن محمد بن ظاهر الموسوي وغيرهم من رجال الجمهور وقد استقصى أهل الرجال مشيخته التي تزيد على أربعين شخصا من رجال الخاصة والعامة. (تلامذته) وقد تلمذ عليه وأخذ عنه العلم كثير من أعلام العلم أشهرهم الشريفان الجليلان الرضي محمد بن الحسين، واخوه السيد الجليل المرتضى، وشيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، وأبو الفتح محمد بن علي الكراجكي، وأبو يعلى محمد ابن الحسن بن حمزة الجعفري، وجعفر بن محمد الدوريستي (1) وأحمد بن علي المعروف بابن الكوفي وغيرهم ممن يجده المراجع لفهارس الرجال.


(1) قال العلامة المتتبع الماهر الا ميرزا عبد الله الشهير بالافندي المتوفى في حدود سنة 1130 ه‍ ابن العالم الافضل الا ميرزا عيسى المتوفى بإصفهان سنة 1074 ه‍ في المجلد الثالث من كتابه النفيس (رياض العلماء - مخطوط) من القسم الاول منه - وهو مشتمل على باب العين المهملة إلى آخر باب اللام - في طي ترجمة الشيخ أبي محمد عبد الله الدوريستي: فهو معرب ترشت بفتح التاء المثناة الفوقية وفتح الراء المهملة وسكون الشين المعجمة وآخره التاء المثناة الفوقانية أيضا وهي قرية بقرب بلدة طهران بالري خرج منها جماعة من العلماء من الخاصة. چرندابي

[ 251 ]

(مناظراته مع المخالفين) كان للمصنف مناظرات كثيرة مع كثير من متكلمي الفرق المختلفة وقد سبق ما ذكره اليافعي من أنه كان يناظر أهل كل عقيدة. وقد جمع مناظراته ومحاسن مجالسه ومختار كلامه في كتاب له سماه ب‍ (العيون والمحاسن) وقد لخص تلميذه الشريف المرتضى هذا الكتاب في كتاب متداول سماه ب‍ (الفصول المختارة) (1) ولبعض متكلمي


(1) اختاره الشريف المرتضى من كتابين لشيخه المفيد - ره - كما يظهر من ديباجته، أحدهما (المجالس المحفوظة في فنون الكلام) والثاني (العيون والمحاسن) وطبع الفصول في العراق حوالي سنة 1361 ه‍ للمرة الاولى، وبالمطبعة الحيدرية في الغري للمرة الثانية، ويظهر لمن يراجع (فهرس النجاشي - ص 285 ط بمبئ) أن كتاب (المجالس المحفوظة) للمفيد إنما هو غير أماليه المتفرقات التي طبعت أخيرا مرتين في النجف الاشرف فتدبر حقه. وقال العلامة الهندي السيد إعجاز حسين (1240 - 1286 ه‍) في كتابه القيم (كشف الحجب - ص 486 ط الهند *): (المجالس المحفوظة في فنون الكلام للشيخ المفيد... وهو مع كتاب العيون والمحاسن أصل لكتاب الفصول الذي انتخبه السيد المرتضى - رحمه الله). وقال المرحوم الافندي في كتابه (رياض العلماء - مخطوط) عند ذكره تأليف السيد الاجل المرتضى - ره -: فمن ذلك كتاب الفصول الذي استخرجه عن كتاب العيون والمحاسن تأليف استاذه الشيخ المفيد - ره - وهو الان معروف وإن قال الاستاذ الاستناد - دام ظله - في البحار بأنه عين العيون والمحاسن، حيث قال في طي كتب المفيد: وكتاب العيون والمحاسن المشتهر بالفصول، أقول: ويدل على ما قلناه أما أولا: فشهادة أول كتاب الفصول بل إلى آخره أيضا بما ذكرناه بل أكثر صدر مطالبه يشهد بما قلناه، وأما ثانيا: فلان سبط الشيخ علي الكركي العاملي في رسالة رفع البدعة في حل المتعة ينقل عن هذين الكتابين قال: هكذا قال شيخنا المفيد في العيون وسيدنا المرتضى في الفصول المختارة، وقال فيها في موضع آخر ومن الفصول التي اختارها الامام الرحلة مربي العلماء ذو الحسبين الشريف المرتضى علم الهدى عن كتاب المجالس وكتاب العيون والمحاسن لشيخنا المفيد إلى غير ذلك من الاقوال الدالة على المغايرة. چرندابي - * قال العلامة العاملي في (أعيان الشيعة - ص 434 ج 12 ط دمشق): السيد إعجاز حسين... عالم عامل فاضل كامل متكلم محدث حافظ ثقة ورع تقي نقي زاهد مروج للمذهب كأخيه السيد حامد حسين (المتوفى سنة 1306 ه‍) صاحب (عبقات الانوار) حسن التأليف له كتاب (كشف الحجب عن أسماء المؤلفات والكتب) مطبوع. چرندابي

[ 252 ]

أهل السنة ومؤرخيهم كلمات في حقه تدل على شدة ما كانوا ينالونه من احتجاجاته ومناظراته نكتفي منها بنقل جملة منها، قال الخطيب البغدادي في ترجمته للمصنف: (صنف ابن المعلم كتبا كثيرة في ضلالتهم والذب عن اعتقادهم ومقالاتهم (يعني الشيعة الامامية) وكان أحد أئمة الضلال هلك به خلق كثير من الناس إلى أن أراح الله المسلمين منه) (1)، وبمثل ذلك أيضا قال ابن تغرى بردى في (النجوم الزاهرة) - في حوادث سنة 413 ه‍ - (2)، واليافعي في (مرآة الجنان) (3)، وغيرهم. وقال أبو حيان التوحيدي في ضمن ذكر محاضرة في كتابه (الامتاع والمؤانسة - ص 141 ج 1 ط مصر) وصف في أثنائها مشاهير من كان في ذلك العصر من المتكلمين فقال: (وأما ابن المعلم فحسن اللسان والجدل، صبور على الخصم، كثير الحيلة، ضنين السر، جميل العلانية. وقد ذكرت بعض مناظراته مع القاضي عبد الجبار بن أحمد وغيره في مواضع اخرى لا


(1) انظر (تاريخ بغداد - ص 231 ج 3 ط مصر) لابي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي (المتوفى سنة 463 ببغداد). چرندابي (2) قال يوسف بن تغرى بردى في كتابه (النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة - ص 258 ج 4 ط 1 مصر 1352 ه‍): وفيها (يعني في سنة 413 ه‍) توفي محمد بن (محمد بن) النعمان أبو عبد الله فقيه الشيعة وشيخ الرافضة وعالمها ومصنف الكتب في مذهبها. قرأ عليه الرضي والمرتضى وغيرهما من الرافضة وكان له منزلة عند بني بويه وعند ملوك الاطراف الرافضة. قلت كان ضالا مضلا هو ومن قرأ عليه ومن رفع منزلته فإن الجميع كانوا يقعون في حق الصحابة (رض) عليهم من الله ما يستحقونه. ورثاه الشريف المرتضى ولو عاش أخوه لكان أمعن في ذلك فإنهما كانا أيضا من كبار الرافضة. وقد تكلم أيضا في بني بويه أنهم كانوا يميلون إلى هذا المذهب الخبيث ولهذا نفرت القلوب منهم وزال ملكهم بعد تشييده. چرندابي (3) انظر صفحة 246 من هذه التعليقات. چرندابي

[ 253 ]

يسعنا التطويل بذكرها هيهنا) (1). (مصنفاته) قد ذكر تلميذه أبو العباس أحمد بن علي النجاشي في فهرسته المعروف من أسامي مؤلفاته نحوا من مائة وأربعة وسبعين كتابا وذكر الشيخ الطوسي أيضا أسامي جملة من مؤلفاته وقال: إن له قريبا من مائتي مصنف صغار وكبار وأورد نحو ذلك العلامة في الخلاصة وابن داود في رجاله، وقد بقي من أسماء مؤلفاته جملة لم يرد لها ذكر في كلام من ذكرناه. ونحن نشير إلى ذلك بحسب الموضوعات المختلفة التي صنف فيها: فمنها كتب في اصول الدين وعقائده. ومنها كتب في موضوعات خاصة كلامية. ومنها مؤلفات في باب الامامة وما يتفرع عليها. ومنها ردود ونقوض على المخالفين في باب الامامة. ومنها كتب عملها في مسألة الغيبة.


(1) انظر (خاتمة المستدرك - ص 520) للمحدث النوري - ره -. وقال العلامة العيلم السيد الامير حامد حسين الموسوي الهندي (المتوفى سنة 1306 ه‍) في الجزء الثالث من مجلد حديث الغدير من مجلدات تأليفه الكبير (عبقات الانوار - ص 379 ط لكهنوء 1294 ه‍): قال عبد الرحيم الاسنوي في طبقات الشافعية: القاضي أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الاسترآبادي إمام المعتزلة كان مقلد الشافعي في الفروع وعلى رأى المعتزلة في الاصول وله في ذلك التصانيف المشهورة، تولى قضاء القضاة بالري، ورد بغداد حاجا وحدث بها عن جماعة كثيرين، توفي في ذي القعدة سنة خمس عشرة وأربعمائة ذكره ابن الصلاح. چرندابي

[ 254 ]

ومنها ردود على جماعة من المتكلمين في مختلف المسائل الكلامية. ومنها ردود ونقوض على جملة من كتب الجاحظ خاصة سبق ذكر بعضها. ومنها كتب في المقالات والمذاهب أشرنا إليها فيما سبق. ومنها في الفقه ومسائله الخاصة به وما يتفرع على مسائله. ومنها مؤلفات في اصول الفقه ومسائله المتفرقة الخاصة. ومنها مؤلفات في علوم القرآن خاصة كاعجازه وتأليفه وفضله وغير ذلك. ومنها كتب اخرى في موضوعات متفرقة اخرى. ونحن اقتصرنا على ذلك الجملة ولا نطيل بذكر أساميها إذ هي موجودة فيما أشرنا إليه من الفهارس. ولكن نذكر منها أسامي جملة من مصنفاته مما لم يذكره النجاشي والشيخ ومن تبعهما في كتبهم وهي: 1 - المسائل التي سألها عنه محمد بن محمد الرملي الحائري، ذكر اسمها ابن إدريس في السرائر في مسألة تمتع الرجل بجارية غيره ونقل فتوى المفيد - ره - فيها وقال: انها معروفة مشهورة بين الاصحاب، وقال في آخره: قال محمد بن إدريس: فانظر أرشدك الله إلى فتوى هذا الشيخ المجمع على فضله ورئاسته ومعرفته وهل رجع إلى حديث يخالف الكتاب والسنة واجماع الامة - إلى آخر كلامه. 2 - مسالة في النص ذكر في أول بعض نسخها سألني القاضي الباقلاني فقال: أخبرونا من أسلافكم في النص أكثير أم قليل وهذه المسألة وجيزة في نحو ورقة. 3 - المسائل السروية المعروفة التي سألها عنه سيد شريف فاضل بسارية (1)


(1) قال السمعاني في كتابه (الانساب - وجه الورقة 297 ط اروبا): السروي بفتح السين المهملة والراء وقد قيل بسكون الراء أيضا هذه النسبة قد ذكرتها في ترجمة الساري وقلت بأن النسبة الصحيحة إلى سارية مازندان السروي. چرندابي.

[ 255 ]

مازندران على ما وصفه في أوله وذكر أنه أرسله بتلك المسائل في مدرج (أي الكتاب المطوي) وأنه ضاق المدرج عن اثبات أجوبتها فأملى ذلك في كتاب مفرد. 4 - المسائل العكبرية (1) التي سألها عنه الحاجب أبو الليث بن سراج (2) وهي احدى وخمسون مسألة كلامية تستفاد من الايات المتشابهة والاحاديث المشكلة ولعل الحاجب كان في (عكبرا) بضم العين على عشرة فراسخ من بغداد. 5 - مسألة مفردة في معنى الاسلام واختصاص هذه اللفظة لامة محمد (ص) وإن كانت في أصل اللغة موضوعة لكل مستسلم لغيره، أشار إليه في أول كتابه (أوائل المقالات). 6 - شرحه على كتاب (اعتقاد الامامية) للشيخ الصدوق أبي جعفر بن بابويه القمي - ره - وهو معروف (3). 7 - كتاب الافصاح في الامامة (4) سقط اسم هذا الكتاب عن نسخة فهرست


(1) قال السمعاني في كتابه (الانساب - ظهر الورقة 396 ط اروبا): العكبرى بضم العين وفتح الباء وقيل بضم الباء والصحيح بفتحها بلدة على دجلة فوق بغداد بعشرة فراسخ من جانب الشرقي خرج منها جماعة من العلماء والمحدثين وهي أقدم من بغداد. چرندابي (2) قال الافندي في كتابه (رياض العلماء): الحاجب بن الليث بن السراج فاضل عالم متكلم فقيه جليل معاصر للسيد المرتضى - ره - كان له وللسيد المرتضى - ره - مراسلة إلى الشيخ المفيد في بعض المسائل على ما يظهر من كتاب رفع المناواة عن التفضيل والمساواة للامير السيد حسين المجتهد العاملي ولعله مذكور باسمه في كتب الرجال فلاحظ. چرندابي (3) يعني (شرح عقائد الصدوق - أو - تصحيح الاعتقاد) الذى يمثل أمام القارئ في هذا المنشور بعد مقابلات هامة وتصحيحات طامة مع مقدمة وتعليق العلامة الشهرستاني وبعض تعليقات لنا. چرندابي (4) طبع للمرة الاولى سنة 1368 ه‍ بالنجف الاشرف بالمطبعة الحيدرية. چرندابي

[ 256 ]

النجاشي المطبوعة مع أن الشيخ ذكره في الفهرست (1) وكذا ذكره صاحب (2) ترتيب فهرست النجاشي وقد أشار إليه الشيخ المفيد في مسائله في الغيبة عند استدلاله على جواز ظهور الاعلام والمعجزات على الانبياء والائمة - عليهم السلام - فقال: وقد أثبت في كتابي المعروف بالباهر من المعجزات ما يقنع من أحب معرفة دلالتها والعلم بموضوعها والغرض في اظهارها على أيدي أصحابها، ورسمت منه جملة مقنعة في آخر كتايى المعروف بالايضاح إلى آخر ما أورده من الكلام. مع أن كتاب الافصاح ليس في آخره شئ مما ذكره. 8 - كتاب عقود الدين أشار إلى اسمه في شرح الاعتقادات. 9 - كتاب الوعد والوعيد ذكر في آخر المسائل السروية اسمه فقال ما لفظه: وقد أمليت في هذا المعنى كتابا سميته الوعد والوعيد. وتصريحه باسمه يشعر بأنه غير كتابه الموضح الذى ذكره النجاشي وغير مختصر له في الرد على المعتزلة في هذا الباب. 10 - كتاب الباهر في المعجزات أشار إلى اسمه في بعض رسائله والموجود في فهرست النجاشي كتاب الزاهر في المعجزات ولعله غيره. 11 - كتاب في مسألة الصلاة التي نسبت إلى أبي بكر في مرض النبي (ص) أشار إليه في المسائل العكبرية في أول المسألة الثانية عشرة قال: استقصيت الكلام فيه وشرحت وجوه القول في معناه.


(1) قال الشيخ الطوسي - ره - في (فهرسته - ص 158 ط النجف): فمن كتبه (يعني الشيخ المفيد - ره -)... كتاب الايضاح في الامامة وكتاب الافصاح... چرندابى (2) وهو الشيخ الجليل الفاضل زكي الدين المولى عناية الله القهپاني مولدا، النجفي مسكنا تلميذ العالمين المحققين الورعين المولى أحمد الاردبيلي والمولى عبد الله التستري فإنه رتب كتاب النجاشي كما رتب كتاب الكشي. انظر (خاتمة المستدرك - ص 502 و 529) للنوري، وكتاب (روضات الجنات - ص 407) للخوانساري. چرندابي (*)

[ 257 ]

12 - كتاب مولد النبي والاوصياء - عليهم السلام - ذكره السيد الجليل رضي الدين بن طاوس الحلي في كتاب (الاقبال - ص 69 ط تبريز 1314 ه‍) وفي كتاب (فرج المهموم - ص 224 ط النجف) ووصفه في الكتاب الاخير بأنه كتاب جليل قد ذكر فيه من معجزات الائمة - عليهم السلام - ما لم يذكره في كتاب الارشاد 13 - كتاب حدائق الرياض كرر السيد المعظم المذكور النقل عنه في كتاب الاقبال (ص 75) وهذا الكتاب غير كتابه التواريخ الشرعية الذي ذكره النجاشي في مصنفات الشيخ المفيد فإن السيد ابن طاوس قد عقد فصلا في الاقبال لبيان تعيين وقت ولادة النبي (ص) ونقل عن المفيد أنه قال في حدائق الرياض: إن السابع عشر من شهر ربيع الاول مولده (ص) وإنه يوم شريف عظيم البركة وإن الشيعة لم تزل تعظمه وتعرف حقه وترعى حرمته إلى آخر ما ذكره. ثم قال: وقال شيخنا في كتاب التواريخ الشرعية نحو هذه الالفاظ والمعاني المرضية، انتهى. فيعلم من ذلك تغاير الكتابين. 14 - (اختصار كتاب الاختصاص) (1) أصل هذا الكتاب للشيخ أبي علي أحمد


(1) قال العلامة الهندي السيد إعجاز حسين في تأليفه القيم (كشف الحجب والاستار عن أسماء الكتب والاسفار - ص 30 ط كلكته 1330 ه‍): الاختصاص للشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان الحارثي المتوفى سنة ثلاث عشرة وأربعمائة على ما صرح به العلامة المجلسي في أول بحار الانوار. وقيل: إن المؤلف إنما هو جعفر بن الحسين المؤمن الذي قد تكرر في أوائل أسانيد هذا الكتاب لكن الظاهر من سياق الكتاب أن مصنفه هو الشيخ المفيد، وجعفر بن الحسين راويه واعلم أن الذى يلوح من آخر الكتاب ومما كتبه بعض العلماء على ظهر بعض نسخه أن هذا الكتاب هو اختصار كتاب الاختصاص لا نفسه ومؤلف الاختصاص هو الشيخ أبو على أحمد بن الحسين بن أحمد بن عمران المعاصر للصدوق، ومؤلف الاختصار هو الشيخ المفيد، بالجملة هو كتاب جامع لفنون الاحاديث والاثار ومحاسن الخطابات والاخبار في مدح الصحابة وفضائلهم وأقدار العلماء ومراتبهم وفقههم أوله: الحمد لله الذي لا تدركه الشواهد ولا تراه النواظر ولا تحجبه السواتر... الخ. چرندابي

[ 258 ]

ابن الحسن بن أحمد بن عمران المعاصر للشيخ الصدوق أبي جعفر بن بابويه القمي واستظهر العلامة المجلسي في مقدمة البحار ان الاختصار الموجود للشيخ المفيد س. وقد احتمل العلامة المعاصر صاحب كتاب الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ص 385 ج 1) اتحاد هذا الكتاب مع كتاب العيون والمحاسن الذي عده النجاشي من تصنيفات المفيد والظاهر انه ليس بصحيح فإن السيد الشريف المرتضى جمع كتابه المعروف بالفصول المختارة من كتابي المفيد (المجالس المحفوظة في فنون الكلام) و (العيون والمحاسن) على ما صرح به في ديباجة الفصول المختارة. وملاحظة تفاوت اسلوب الكتابين ومغايرة مضامينهما تشهد بأن هذا الكتاب ليس هو العيون والمحاسن الذي أشار إليه النجاشي ولخصه السيد، فانه مقصور على كثير من مناظرات المفيد مع المخالفين في مختلف مباحث الامامة واثبات النص ورد أقاويل المعتزلة وغيرهم مما ليس منها أثر في هذا الكتاب (اختصار الاختصاص) الذي هو في أحوال أصحاب النبي (ص) وأحوال أصحاب الائمة - عليهم السلام - وأقدار العلماء ومراتبهم وذكر أخبار الفضائل وما يناسبها، فإن صح انتساب الكتاب إلى المفيد فهو كتاب آخر من تأليفه اختصر به كتاب الاختصاص لمؤلفه. والمظنون ان الذي دعاه إلى هذا الاحتمال هو العبارة الموجودة في ديباجة الاختصاص من قوله (وأقحمته فنونا من الاحاديث وعيونا من الاخبار ومحاسن من الاثار والحكايات في معان كثيرة من مدح الرجال وفضلهم واقدار العلماء ومراتبهم وفقههم) وليس في ذلك دلالة على اتحاده مع كتاب العيون والمحاسن كما هو ظاهر، ومن القرائن القوية ان صاحب البحار مع تبحره وسعة اطلاعه على حال المصنفات عند ذكره لمأخذ البحار ذكر كتاب الاختصاص بعد ذكره كتاب العيون والمحاسن بدون اشارة إلى اتحادهما أو تقارب مضامين الكتابين أصلا.

[ 259 ]

(زعامته المذهبية في الدولة البويهية) (1) كانت الشيعة الامامية قد تكاثرت بالعراق حوالي القرن الثالث فكان في بغداد وضواحيها أماكن كثيرة أهلها من الشيعة، وكان أهل الكرخ كلهم شيعة إمامية مجاهرون بالتشيع، وكان بين رجال الدولة العباسية كثير ممن يتشيع في الباطن. ولما استولت الدولة البويهية (2) على العراق حوالي منتصف القرن الرابع وهي شيعية وقبضت ملوكها على أزمة الامور قوي أمر الشيعة زائدا على ما كان وصاروا أحرارا في اظهار المراسم المذهبية وشعائرهم الدينية، فكان يقع من جراء ذلك فتن كثيرة بينهم وبين سائر أهالي بغداد من متعصبة أهل السنة حتى ينجر إلى سفك الدماء


(1) وأما ولده: فقد قال الافندي في (رياض العلماء - ج 3 مخطوط): (الشيخ أبو القاسم علي بن الشيخ أبي عبد الله المفيد محمد بن محمد بن النعمان كان من أجلاء أصحابنا وهو ولد شيخنا المفيد، ويروي عنه الشيخ الاجل محمد بن الحسن صاحب كتاب نزهة الناظر وتنبيه الخواطر في كلمات النبي والائمة - عليهم السلام - كما يظهر من بعض مواضع ذلك الكتاب ولكن لم يذكره أصحابنا في كتب الرجال فلاحظ). قال المحقق الفقيه الشيخ أسد الله التستري الكاظمي (المتوفى سنة 1220 ه‍) في كتابه (مقابس الانوار - ص 7 ط 1322 ه‍) ضمن ترجمة الشيخ المفيد: (وكان له ولد كتب رسالة في الفقه إليه ولم يتمها). وقال أيضا في ص 27 منه عند عده بعض مصنفات الشيخ: ورسالة إلى ولده في الفقه. چرندابي (2) قال الاستاذ عبد الرحمن البرقوقي منشئ مجلة البيان في (شرح ديوان المتنبي - ص م - 1 ج 1 ط 2 مصر): (وقد نشأت دولة بني بويه في أوائل القرن الرابع الهجري فتعاون الاخوة الثلاثة: علي والحسن وأحمد على التسلط في فارس والعراق واستولى أصغرهم أحمد على بغداد سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة فمنحهم الخليفة المستكفي بالله الولاية على ما بأيديهم ولقب عليا عماد الدولة، والحسن ركن الدولة، وأحمد معز الدولة، وبقي ملك بني بويه على العراق حتى سنة سبع وأربعين وأربعمائة حين استولى عليه السلاجقة. چرندابي

[ 260 ]

وزهاق الانفس وسلب الاموال فيضطر الدولة والسلطان إلى التداخل في الامر وتسكين نائرة الفتنة، وإذ كانت الرئاسة الدينية للشيعة في تلك الزمان منتهية إلى الشيخ الجليل المصنف - ره - أصابه لفحة من نيران تلك الفتن حتى صار سببا إلى ابعاده من بغداد لاجل تسكين نائرة الفتنة ثم اعادته إليها بعد ذلك. فقد ذكر المؤرخ الشهير عز الدين بن الاثير في كتابه المعروف ب‍ (التاريخ الكامل) في طي حوادث سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة: وفيها اشتدت الفتنة ببغداد وانتشر العيارون والمفسدون، فبعث بهاء الدولة عميد الجيوش أبا علي بن استاذ هرمز إلى العراق ليدبر أمره فوصل إلى بغداد فزينت له وقمع المفسدين ومنع أهل السنة والشيعة عن اظهار مذاهبهم ونفى بعد ذلك (ابن المعلم) فقيه الامامية إلى الخارج ليستقيم الامور (فاستقام البلد خ‍) (1) وذكر أيضا في حوادث سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة: وفيها وقعت الفتنة ببغداد في رجب وكان أولها أن بعض الهاشميين من أهل البصرة (باب البصرة خ) - كان أهل هذا المحل سنيون متعصبون - أتى (ابن المعلم) فقيه الشيعة في مسجده بالكرخ (2) فأذاه ونال منه فثار به أصحاب ابن المعلم واستنفر


(1) انظر (الكامل في التاريخ - ص 218 ج 7 ط مصر 1353 ه‍). چرندابي (2) قال السمعاني (المتوفى سنة 562 ه‍) في كتابه (الانساب - ظهر الورقة 478 ط اروبا): (الكرخي هذه النسبة إلى عدة مواضع اسمها الكرخ بفتح الكاف وسكون الراء وفي آخرها الخاء المعجمة... ومنها إلى كرخ بغداد وهي محلة بالجانب الغربي منها). وقال ياقوت (المتوفى سنة 626 ه‍) في معجمه ج 7 ط مصر: الكرخ وما أظنها عربية إنما هي نبطية وهم يقولون كرخت الماء وغيره من البقر والغنم إلى موضع كذا أي جمعته فيه في كل موضع، وكلها بالعراق وأنا ارتب ما اضيف إليه على حروف المعجم حسب ما فعلناه في مواضع. - إلى أن قال - وأهل الكرخ (يعنى كرخ بغداد) كلهم شيعة إمامية لا يوجد فيهم سني البتة. چرندابي

[ 261 ]

بعضهم بعضا وقصدوا أبا حامد الاسفرائيني وابن الاكفاني فسبوهما وطلبوا سائر الفقهاء ليوقعوا بهم، فهربوا وانتقل أبو حامد الاسفرائيني إلى محله دار القطن وعظمت الفتنة، ثم إن السلطان (أي بهاء الدولة) أخذ جماعة وسجنهم فسكنوا وعاد أبو حامد إلى مسجده وأبعد السلطان (ابن المعلم) عن بغداد ثم شفع فيه علي بن مزيد فاعيد إلى محله (1). (وفاته ومدفنه) توفي قدس روحه ليلة الجمعة لثلاث خلون من شهر رمضان سنة ثلاث عشرة وأربعمائة (2) وصلى عليه الشريف المرتضى - قده - بميدان الاشنان (3) وضاق على الناس مع كبره، وكان يوم وفاته يوما مشهودا من كثرة الناس للصلاة عليه وكثرة البكاء من المخالف والمؤالف ورثاه المرتضى، ودفن في داره سنين ثم نقل إلى المشهد الشريف الكافي على مشرفه السلام، ودفن قريبا من المشهد مما يلي رجلي الجواد - عليه السلام - إلى


(1) انظر (الكامل - ص 239 ج 7 مصر). واقرأ تفصيل بقية الحادثة في تاريخ ابن كثير الدمشقي (البداية والنهاية - ص 338 - 339 ج 11 ط مصر). چرندابي (2) ورثاه الكاتب الفارسي الديلمي الشاعر المشهور (مهيار) المتوفى سنة 428 ه‍ بقصيدة طويلة مطلعها: ما بعد يومك سلوة لمعلل مني ولا سمعت بسمع معذل انظر (ديوان مهيار الديلمي - ص 103 - 109 ج 3 ط مصر). چرندابي (3) قال ياقوت الحموي في كتابه (معجم البلدان - ص 262 ج 1 ط مصر): الاشنان بالضم محلة كانت ببغداد ينسب إليها محمد بن يحيى الاشناني. چرندابي (*)

[ 262 ]

جانب شيخه أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه - رحمه الله -، ومدفنه الشريف هناك معروف يزوره الخاص والعام (1). زنجان - 1 ربيع الثاني 1362 ه‍ فضل الله الزنجاني عفى عنه


(1) ولما انجز الكلام إلى هنا لا بأس بأن ننقل هيهنا جملة مما يناسب هذا المقام مما ذكره العلامة الامام السيد محسن العاملي الشهير في معجمه الكبير (أعيان الشيعة - ج مخطوط) عند كلامه على ترجمة الشيخ المفيد السعيد، وهي هذه: (كان (الشيخ المفيد - ره -) من أجل مشايخ الشيعة ورئيسهم واستاذهم، وانتهت إليه رئاسة الامامية في عصره وكل من تأخر عنه استفاد منه، وفضله أشهر من أن - يوصف في الفقه والكلام والرواية، أوثق أهل زمانه واعلمهم، حسن الخاطر دقيق الفطنة حاضر الجواب مقدما في صناعة الكلام * له قريب من مائتي مصنف كبار وصغار في شتى العلوم، وكان معاصرا لعضد الدولة بن بويه ملك العراق وفارس، وكان عضد الدولة يروزه في داره ويعظمه كثيرا، ومن تلاميذه الشريفان المرتضى والرضى، ولما توفي صلى عليه الشريف بميدان الاشنان وضاق بالناس على سعته، وحضر تشييعه والصلاة عليه نحو من ثمانين ألفا وكان يوم وفاته يوما لم ير أعظم منه من كثرة الناس للصلاة عليه وكثرة البكاء من المخالف والمؤالف). چرندابي - * وقال له القاضي أبو بكر الباقلاني يوما بعد مناظرة جرت بينهما وأفحمه المفيد: ألك يا شيخ في كل قدر مغرفة ؟ فقال: نعم ما تمثلت به أيها القاضي من أداة أبيك، فضحك الحاضرون وخجل القاضي. قال السمعاني في (الانساب - ظهر الورقة 61 من طبعة مرجليوث (1858 - 1940) لندن 1912 م): (الباقلانى... هذه النسبة إلى الباقلا وبيعه والمشهور بهذه النسبة القاضي أبو بكر محمد بن طيب بن محمد الباقلاني المصري المتكلم). وقال المعلم بطرس البستاني اللبناني (المتوفى سنة 301 ه‍) في قاموسه المطول (محيط المحيط - 113 ج 1 ط بيروت): (الباقلى والباقلاء والباقلى الغول... الباقلاني بايع الباقلي). وهذه النسبة شاذة لاجل زيادة النون فيها وهي نظير قولهم في النسبة إلى صنعاء صنعاني. چرندابي

[ 263 ]

(تذييل) من العلامة الزنجاني وجدنا في كتاب (فرج المهموم في معرفة منهج الحلال والحرام من علم النجوم) (1) للسيد الجليل العالم الزاهد الورع رضي الدين علي بن موسى بن جعفر بن محمد المشهور بابن الطاوس (2) الحلي رضي الله عنه المتوفى سنة 664 ه‍ فصلا منقولا عن كتاب (أوائل المقالات) لا يوجد في النسخ التي عندنا من الكتاب يتعلق بالقول في أحكام النجوم فنورده هيهنا وهذا هو عين لفظه: فصل فيما نذكره من كلام الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان رضوان الله عليه وهو الذي انتهت رئاسة الامامية في وقته إليه، وذلك فيما رويناه عنه في كتاب المقالات من أن يكون الله أعلم بالنجوم بعض أنبيائه وجعله علما على صدقه من بعض المعجزات فقال ما هذا لفظه:


(1) طبع هذا الكتاب بالنجف الاشرف في المطبعة الحيدرية سنة 1368 ه‍ چرندابي. (2) وقال السيد العلامة الاجل ميرزا محمد باقر الخوانسارى (المتوفى سنة 1313 ه‍ في كتابه المعروف (روضات الجنات - ص 392 ط 1 إيران) عند كلامه على ترجمة السيد على بن طاوس: (ينتهي نسبه من جهة الاب إلى السيد الاجل أبي عبد الله محمد بن إسحق... وكان ذلك السيد الاجل يلقب بالطاوس من جهة حسن وجهه وخشونة رجليه). ونعم ما قال الشاعر الفارسي الكبير الطائر الصيت سعدى الشيرازي (المتوفى سنة 691 ه‍) بالفارسية: طاوس را بنقش ونگارى كه هست خلق تحسين كنند أو خجل از پاى زشت خويش چرندابي.

[ 264 ]

وأقول: إن الشمس والقمر وسائر النجوم أجسام نارية لا حياة لها ولا موت خلقها الله لينتفع بها عباده وجعلها زينة لسماواته وآية من آياته كما قال سبحانه: (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الايت لقوم يعلمون) (سورة يونس: 5) وكما قال تعالى: (وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمت البر والبحر قد فصلنا الايت لقوم يعلمون) (سورة الانعام: 97) وكما قال عز وجل: (وعلمت وبالنجم هم يهتدون) (سورة النحل: 16) وكما قال تبارك اسمه: (وزينا السماء الدنيا بمصبيح) (سورة فصلت: 12). فأما الاحكام على الكائناث بدلالتها والكلام على مدلول حركاتها فإن العقل لا يمنع منه غير أنا لا نقطع عليه ولا نعتقد استمراره في الناس إلى هذه الغاية، فأما مما نجده من أحكام المنجمين في هذا الوقت واصابة بعضهم فيه فإنه لا ينكر أن يكون ذلك بضرب من التجربة وبدليل عادة، وقد يختلف أحيانا ويخطى المعتمد عليه كثيرا، ولا تصح إصابته فيه أبدا لانه ليس بجار مجرى دلائل العقول ولا براهين الكتاب ولا أخبار الرسول (ص)، وهذا مذهب جمهور متكلمي أهل العدل وإليه ذهب بنو نوبخت - رحمهم الله - من الامامية وأبو القاسم وأبو علي من المعتزلة، انتهى (1). وقد أشار إلى ذلك في موضع آخر فقال: وقد قدمنا نحن فصلا منفردا حكينا فيه كلام الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان رضوان الله جل جلاله عليه في كتابه المسمى كتاب (أوائل المقالات) إلى آخر ما ذكره (2).


(1) فرج المهموم - ص 37 - 38 ط النجف. (2) فرج المهموم - ص 74 ط النجف. چ (*)

[ 265 ]

(استدراكات) (من الواعظ الچرندابي) ص 37: وما أحدثه واصل بن عطاء... راجع ترجمة واصل بن عطاء الغزال، وعمرو بن عبيد بن باب وشيئا من أخبارهما في (أمالي السيد المرتضى - ص 113 - 118 ج 1 ط مصر). واقرأ شيئا من ترجمة وأخبار الحسن البصري في (الامالي - ص 106 - 113 ج 1 ط مصر). وانظر أيضا (فوات الوفيات - ص 317 ج 2 ط 2 مصر) لابن شاكر الكتبي المتوفى سنة 764 ه‍. ص 49: اتفقت الامامية على أن أنبياء الله عز وجل ورسله أفضل من الملائكة. قال الشيخ الطبرسي - ره - في (المجمع - ص 81 ج 1 ط صيدا): جعل أصحابنا رضي الله عنهم هذه الاية: (واذ قلنا للملئكة أسجدوا لادم فسجدوا الا إبليس) الاية، دلالة على أن الانبياء أفضل من الملائكة من حيث انه أمرهم بالسجود لادم وذلك يقتضي تعظيمه وتفضيله عليهم وإذا كان المفضول لا يجوز تقديمه على الفاضل علمنا أنه أفضل من الملائكة. ص 63: وهو مذهب النظام. قال المحدث الجليل القمي في كتابه (الكنى والالقاب - ص 211 ج 3 ط صيدا): النظام أبو إسحق إبراهيم بن سيار بن هاني البصري ابن اخت أبي الهذيل

[ 266 ]

العلاف شيخ المعتزلة، وكان النظام صاحب المعرفة بالكلام أحد رؤساء المعتزلة استاذ الجاحظ وأحمد بن الخالط، كان في أيام هارون الرشيد وقد ذكر جملة من كلماته وعقائده في كتاب الحسنية المعروف وإياه عنى أبو نواس بقوله: فقل لمن يدعي في العلم فلسفة حفظت شيئا وغابت عنك أشياء وراجع (تكملة الفهرست لابن النديم - ص 2 من طبعة مصر 1348 ه‍)، و (أمالي السيد المرتضى - ص 132 و... ج 1 ط مصر) أيضا. هذا وقد ألف العلامة الجليل محمد عبد الهادي أبو ريدة الاستاذ بكلية جامعة فؤاد الاول، رسالة في آراء النظام الكلامية الفلسفية للحصول على درجة الماجستير في الاداب من الجامعة المصرية وسماها ب‍ (إبراهيم بن سيار النظام) وقدمها في آخر عام 1938 م، وقال في ديباجتها: وقد اعتمدت فيه على كل ما استطعت الوصول إليه من مراجع مطبوعة أو مخطوطة في مصر وفي بعض بلدان أوروبا، كما أني جعلته مستوفيا لابحاث المستشرقين الاوروبيين في الموضوع. وطبعت الرسالة سنة 1365 ه‍ - 1946 م بالقاهرة. ومما هو جدير بالذكر أن الاستاذ الانف الذكر قال في رسالته النفيسة (إبراهيم ابن سيار النظام - ص 33): (وذهبت طائفة إلى اعجازه (أي القران) بالصرفة بمعنى أن الله صرفهم عن معارضته والاتيان بمثله، قبل التحدي مع قدرتهم على ذلك، واختلف هؤلاء في وجه الصرفة، فذهب الاستاذ أبو إسحق من الاشاعرة والنظام من المعتزلة إلى أن الله صرفهم بأن صرف دواعيهم إلى المعارضة مع توفر الاسباب الداعية إلى المعارضة، خصوصا بعد التحدي والتبكيت بالعجز وقال الشريف المرتضى من الشيعة: إن الله صرفهم بأن سلبهم العلوم التي يحتاج إليها في المعارضة). وقال العلامة الامام السيد هبة الدين الشهرستاني الشهير في رسالته القيمة (المعجزة الخالدة - ص 92 - 93 ط 1 بغداد): ولولا نسبة هذا الرأي (يعني الصرفة) إلى علامتنا الشريف المرتضى علي بن أحمد المتوفى سنة 436 ه‍ لما صرفنا الوقت الثمين في نقله واجتثاث أصله غير أن الشريف طاب ثراه معروف بقوة الجدل والتحول في حوار

[ 267 ]

المناظرين إلى هنا وهناك فلا نعلم أنه هل بقي ثابتا على هذه النظرية كعقيدة راسخة أو تحول ؟ نعم جنح اناس إلى القول للاعجاز لسبب منعة إلهية ولصرف الصرفة، وأرادوا من الصرفة أن الله سبحانه كما قد يلهم العباد أحيانا كذلك يصرف الهمم والافكار عن أن يباري القرآن أحد وهذا مذهب أعوج وأعرج، أو كما قيل حرفة عاجز وحجة كسول، لا يليق اسناده إلى علمائنا الفحول لان الله عز شأنه فياض عدل ذو رأفة وفضل، وهو أرفع شأنا من أن يأمر الانس والجن أن يباروا القرآن ويرضى منهم بمباراة بعضه لو تعذر عليهم كله ثم يعترض سبيلهم ويصرف منهم القوة والهمة ويمنعهم من أن يأتوا بما أراد منهم، الظاهر من ظواهر الايات أن القرآن في ذاته متعال بميزاته حائز أرقي الميزات وأبلغ المعجزات وينبغي أن يكون كذلك إن اريد مدحه وفضله، أما لو حصرنا وجه الاعجاز في نقطة الصرفة فيتم حتى مع كونه كلاما مبذولا مرذولا للغاية. ولما انجز الكلام إلى هذا المقام لا بأس بأن ننقل هيهنا المسألة 34 من المسائل العكبرية مع جواب الشيخ المفيد - ره - عنها بنصهما الحرفي، فنقول: قال السائل: قد ثبت أن الله عدل لا يجور وأنه لا يكلف نفسا إلا وسعها وهو عالم بأن العرب لا تاتي بمثل القرآن ولا تقدر عليه فلم كلفهم أن يأتوا بعشر سور مثله ؟ (في سورة هود: 13) أو بسورة من مثله ؟ (في سورة البقرة: 23 - وسورة يونس: 38) وكذلك إن كانوا عليه قادرين لكنهم كانوا منه ممنوعين فالسؤال واحد. والجواب: إن قوله تعالى: فأتوا بعشر سور مثله مفتريت) ليس بأمر لهم وإلزام وندبة وترغيب لكنه تحد وتعجيز ألا ترى إلى قوله عز وجل: (أم يقولون أفتريه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريت) (سورة هود: 13) يريد به تعالى أنه لو كان القرآن من كلام بشر قد افتراه لكان مقدورا لغيره من البشر فامتحنوا أنفسكم فإذا عجزتم عن افتراء مثله فقد علمتم بطلان دعواكم على محمد (ص) الافتراء للقران، ومن لم يفهم فرق ما بين التحدي والتقريع والتعجيز والامر والتكليف والالزام كان في عداد البهائم وذوي الافات الغامرة للعقول من الناس وكذلك قوله تعالى: (فأتوا بسورة من مثله) ليس بأمر وإلزام لكنه تهديد (تحد خ‍) وتعجيز ألا ترى قوله تعالى: (وإن

[ 268 ]

كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون اللة إن كنتم صدقين * فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا) الاية (سورة البقرة: 23 - 24) فتحداهم وبين أنهم يعجزون عن ذلك ولا يتيسر (يتهيأ خ‍) لهم أبدا ومثل (ومثال خ‍) ما ذكرناه في هذا الباب أن يقول امي لكاتب محسن: إنني قادر على كل ما تقدر عليه فيقول الكاتب: لست قادرا على ذلك ولا يتيسر ما (مما خ‍) يتأتى مني والدليل على ذلك أنني أكتب كتابا حسنا فإن كنت تحسن منه ما أحسن فاكتب مثله أو بعضه. وكقول المنجم للشاعر: ليس يمكنك من النظم إلا ما يمكنني مثله، فينظم قصيدة فيتحداه بنظم مثلها فإذا عجز عن ذلك أعلمه بعجزه بطلان دعواه مماثلته في الشعر. ولم تزل العرب يتحدى بعضها بعضا بالشعر ويعجز بعضها بعضا، وكذلك كل ذي صناعة يتحدى بعضهم بعضا على وجه التقريع والتعجيز ولا يكون تحديهم أمرا ولا الزاما، ومن خفي عنه القول في هذا الباب وعرضت له من الشبهة فيه ما عرضت لصاحب السؤال ولا سيما بعد التنبيه عليه كان بعيدا من العلم وناقصا عن رتبة الفهم والله المستعان. انظر مقال (مذهب الصرفة بين القائلين به والمنكرين له) أيضا في العدد الاول من السنة الرابعة من مجلة (رسالة الاسلام - ص 59 - 72) الجليلة التي تصدر عن دار التقريب بين المذاهب الاسلامية بالقاهرة. ص 208: على تفصيل معروف في محله من الكتب. انظر (اصول علم الهيئة ط بيروت 1874 م) و (النقش في الحجر ج 6 ط بيروت 1888 م) لمؤلفهما الدكتور كرنيليوس فانديك الامركاني (1818 - 1895 م) و (مبادئ علم الهيئة ط بيروت 1875 م) لمؤلفته اليزا أفرت. و (بسائط علم الفلك ط مصر 1923 م) للدكتور يعقوب صروف (1852 - 1927 م) و (فتوحات العلم الحديث - ص 51 بلوطى السيار التاسع ط مصر 1934 م) لمؤلفه الاستاذ فؤاد صروف، رئيس تحرير مجلة (المقتطف) تلك المجلة الراقية التي تعد بحق شيخ المجلات العربية. وكان قد أنشا المأسوف عليه الدكتور يعقوب صروف مجلة (المقتطف) الغراء سنة 1876 م في

[ 269 ]

بيروت. مع زميله وشريكه مدى حياته الدكتور فارس نمر - رجل الفضل الذى اخترمته المنية هذا العام (1371 ه‍) عن عمر ذرف على التسعين - وفي سنة 1885 م كانا قد انتقلا بها إلى مصر معقل الاحرار وملجئهم ولا تزال تصدر المجلة هناك بانتظام وقد صدر منها لهذا العام 118 مجلدا. وراجع أيضا كتاب (علم الفلك - تاريخه عند العرب في القرون الوسطى - ص 249 و... ط روما 1911 م) لمؤلفه المحقق المستشرق السنيور كرلو نلينو الايطالي * (1872 - 1938 م). ص 133: إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه. ومن قال إنه كان من الملائكة قال إن المعنى: كان من الذين يستترون عن الابصار، مأخوذ من الجن وهو الستر. انظر (المجمع - ص 475 ج 3 ط صيدا).


* اقرأ أيها القارئ الكريم ترجمة ذلك المستشرق الكبير الضافية في كتاب (التراث اليونانى - 320 - 330 ط مصر) لمؤلفه الاستاذ عبد الرحمن بدوي.

[ 271 ]

تعليقات على اوائل المقالات للشيخ ابراهيم الانصاري الزنجاني الخوئينى

[ 273 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمدلله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين ولعنة الله على اعدائهم إلى يوم الدين. اما بعد، فهذه تعاليق مختصرة علقتها على كتاب اوائل المقالات للشيخ المفيد رضوان الله عليه توضيحا لبعض عباراته ومقاصده. (1) قوله في المقدمة: (والفرق ما بينهم من بعد وما بين الامامية فيما اتفقوا عليه من خلافهم فيه من الاصول). اقول: الضمير في قوله (بينهم) راجع إلى المعتزلة، وفي (فيما اتفقوا) راجع إلى الامامية، وفي (خلافهم) راجع إلى المعتزلة. وحاصل المعنى انى مثبت في هذا الكتاب... الفرق ما بين المعتزلة - من بعد ما أشرنا إليه من اتفاقهم مع الشيعة في اصول العدل - وبين الامامية فيما اتفقوا عليه اعني المسائل المتفرعة عن العدل وما بينهما من الخلاف في نفس ما اتفقوا عليه من المسائل التي هي من اصول المسائل الاعتقادية لا من فروعها. وبعبارة اوضح: ربما يتوهم من اشتراك الشيعة والمعتزلة في مسألة العدل

[ 274 ]

أو غيرها انه ليس بينهما خلاف اصلا، أو انه على فرض وجود الخلاف فهو في المسائل الفرعية ولكني ابين اولا ان نفس هذه المسائل التى يتوهم اشتراكهما فيه، محل للنزاع بينهما وان العدل الذي تقول به الشيعة غير ما تقول به المعتزلة، وكذلك ساير المشتركات. وثانيا هناك مسائل خلافيه كثيرة بين الشيعة والمعتزلة كلها من المسائل الاصولية الاعتقادية، لا من المسائل الفرعية. (2) قوله: (والقول في اللطيف من الكلام) خلاصة ما ذكره العلامة الزنجاني هنا: ان الليف من الكلام في علم الكلام بمنزلة الامور العامة والالهيات بالمعنى الاعم في الفلسفة، وهي وان لم تكن من المسائل الكلامية ابتداء ولكنها منها مقدمة، لتوقف المسائل الكلامية عليها، ثم ان اللطيف من الكلام في مقابل الجليل من الكلام الذي هو بمنزلة الالهيات بالمعنى الاخص في الفلسفة، ويطلق على المسائل الاعتقادية الاصلية، وقد أشار إليه في آخر الكتاب بعد البحث عن معنى العصمة عقيب البحث عن لطيف الكلام بقوله (وهذا الباب ينبغي ان يضاف إلى الكلام في الجليل ان شاء الله). اقول: عدد اللطيف من الكلام سبعة وثلثون مسألة كما مر في المقدمة. (3) قوله (وما كان وفاقا لبني نوبخت رحمهم الله الخ). لو قسمنا متكلمي الشيعة إلى ثلث طبقات بان تكون الطبقة الاولى المتكلمون من اصحاب الائمة (ع) مثل هشام بن الحكم وزرارة ويونس بن

[ 275 ]

عبد الرحمن وغيرهم. فالطبقة الذين برزوا في اواخر الغيبة الصغرى واوائل الغيبة الكبرى هم المتكلمون من بني نوبخت الذين كانوا حملة علم اصول الذين، والمدافعين عن مذهب الشيعة، ما يقرب من قرن من اسوء القرون، واكثرها اضطرابا وشبها و اصعبها من جهة الدفاع عن الحقيقة، خصوصا مع مقارنة تصديهم لهذا المنصب مع غيبة امامهم، وانقطاع صلتهم بمنبع الفيض الالهى ظاهرا، وان كانوا مؤيدين من عنده باطنا. هذا هو الذي سبب افراطهم في الاحتجاجات العقلية، وبعدهم احيانا عن الادلة النقلية، اما لعدم اطلاعهم عليها أو لعلم اعتنائهم بها لعدم حجيته عندهم أو عند خصومهم أو كونها مؤولة على خلاف ظاهرها في نظرهم. وهذه الخصوصية في علم الكلام عند النوبختيين وان كانت لازمة أو مضطرا إليها في زمنهم، ولكنها حيث انها خارجة عن حد الاعتدال الذي هو من خصوصيات علم الكلام الشيعي الذي هو بين طريقة القشريين وأهل التقليد وريقة المعتزلة والفلاسفة، ولهذا كان من الواجب كفاية بل عينا على مثل الشيخ المفيد قدس سره ان يقوم بعدهم ويرجع الكلام الشيعي عن الافراط في العقليات إلى الوسط، ولازمه وقوع بعض المناقشات بينه وبين بني نوبخت برد بعض آرائهم احيانا، وقبول اصل آرائهم مع تبديل استدلالاتهم العقلية إلى الادلة النقلية احيانا اخرى، ورد بعض توجيهاتهم للادلة النقلية وتأويلاتهم لها إلى ما يخالف ظاهرها ثالثه، ولكن كل ذلك مع كمال الاحترام لارائهم و التجليل لمقامهم. ولهذا قلما يذكر مسألة لا يتعرض لارائهم.

[ 276 ]

(4) قوله في القول 1: (فيما نسبت به إلى التشيع والمعتزلة فيما استحقت به اسم الاعتزال). اقول: يمكن ان يذكر الفرق بين الشيعة والمعتزلة من جهة العادات و الرسوم الاجتماعية والقوانين العرفية التي تلتزم بها لكونها أهل بلد كذا وزمان كذا وقبيلة كذا أو سائر الجهات التي لا ترتبط بعقيدة الفريقين مستقيما وان امكن ارتباطها بها بالواسطة وهذا النوع من البحث هو الذي اخرجه المصنف بقوله (فيما نسبت به الخ،) واراد تخصيص البحث بما يرجع إلى نفس المسائل التي تعتقده الشيعي لكونه شيعيا، والمعتزلي لكونه معتزليا. (5) قوله في القول 1 (على وجه التدين الخ) لا كاتباع الرعية للملوك ورؤساء الجمهورية ورئيس القبيلة أو غيرهم من ارباب السلطات السياسية والاجتماعية، وان كانت الجهات المذكورة أيضا ثابتة له وكانت من حقوقه، وهذا هو الفارق الاصلي بين الامامة عند الشيعة وبينها عند غيرهم فان الامام عند الشيعة كما قال امامنا امير المؤمنين (ع): الامام كالكعبة يؤتى ولا يأتي وقد عمل بما قال وجلس في بيته واسرع الاخرون إلى السقيفة، لان الامامة التي تدرك بالسقيفة لم يكن (ع) من اهلها لانها سلطنة وملك، والامامة التي كان من اهلها لم تكن لتفوته لانها من عند الله (تعالى). (6) قوله في القول 1 (وان كانوا أتباعا لائمة هدى عند أهل الخلاف الخ) الظرف في قوله عند أهل الخلاف متعلق بكلمة ائمة أو بكلمة هدى و

[ 277 ]

هو الاصح، يعنى ان كونهم ائمة أو كونهم ائمة هدى يختص بالمخالفين فقط لا عندنا فانهم ائمة ضلال على عقيدة الشيعة. (7) قوله (وقد افردنا له مسألة الخ). حمل العلامة الزنجاني هذه العبارة على ان الرسالة في معنى الاسلام و اختصاص هذه اللفظة بامة محمد (ص) وذكره في عداد كتب الشيخ في المقذمة. والاظهر عندي ان الرسالة المشار إليها في بيان معنى التشيع واختصاصه بالامامية والزيدية الجارودية وذلك لان غرضه الاصلى في هذا المقام بيان معنى الشيعة عرفا واصطلاحا لا معنى الاسلام أو غيره مما ذكره هنا فانها جميعا ذكرت بعنوان الشاهد والدليل على اصل المدعى وهو اختصاص معنى التشيع بمن ذكره، ويؤيد ما ذكرناه، فصله بين ما ذكر في الاسلام وبين ذكر هذه الرسالة بقوله وهذه الجملة الخ ما ذكره فانه بمنزلة الرجوع إلى اصل المطلب و المدعى وهو اختصاص التشيع بمن ذكرناه. (8) قوله (والزيدية الجارودية الخ). الزيدية فرقتان فتارة يقال بترية وغير بترية وقد يقال جارودية وغير جارودية أما الجارودية أو غير البترية من فرق الزيدية فتشترك مع الامامية فيما نقله الشيخ ميزانا للتشيع وهو قوله (... والاعتقاد لامامته (ع) بعد الرسول (ص) بلا فصل، ونفى الامامة عمن تقدمه في مقام الخلافة...) ثم اوضحه في القول الرابع بقوله (... واتفقت الامامية وكثير من الزيدية على ان المتقدمين على

[ 278 ]

امير المؤمنين ضلال فاسقون، فانهم بتأخيرهم امير المؤمنين (ع) عن مقام رسول الله (ص) عصاة ظالمون وفي النار بظلمهم مخلدون...) ومراده بكثير من الزيدية، الجارودية أو غير البترية منهم مطلقا فانهم كما قال القاضي في المغني في طائفة منهم: (ولكنهم يكفرون ابا بكر وعمر والجارودية يفسقونهما...) المغني 2 / ج 20 ص 185 ويذكر القاضي ايضا... (ان الزيديه لا يخالفون في النص على علي (ع) بدلالة الاخبار المنقولة...) وقال الاشعري في مقالات الاسلاميين ج 1 ص 133: (والزيدية ست فرق: فمنهم الجارودية... يزعمون ان النبي (ص) نص على علي بن ابي طالب... وان الناس ضلوا وكفروا بتركهم الاقتداء به بعد الرسول (ص)...) ثم يذكر السليمانية والبترية فيقول: (والفرقة الخامسة من الزيدية يتبرؤن من ابى بكرو عمر ولا ينكرون رجعة الاموات...) وقال العلامة الحميري في الحور العين ص 187 عن زيد بن علي (ع) (... فلما قبض رسول الله (ص) كان على من بعده اماما للمسلمين في حلالهم وحرامهم... الخ). وقال أيضا في ص 154 ان الشيعة كلهم من زيدية وغيرهم اتفقوا على (ان عليا كان اولى الناس بمقام رسول الله واحقهم بالامامة والقيام بامر امته) ثم صرح بهذا في ذكر كل فرقة من فرق الزيدية الثلث وهم البترية والجريرية و الجارودية وذكر في ضمن عقائد الجارودية: (وان الامة ضلت وكفرت بصرفها الامر إلى غيره). ثم يقول: (وليس باليمن من فرق الزيدية غير الجارودية...). والظاهر ان بقية فرق الزيدية انقرضت ولم يبق منهم الا الجارودية، نعم الزيدية موجودون إلى زماننا في اليمن وبعد هجوم الرئيس المصري عبد الناصر

[ 279 ]

عليها وتغيير حكومتها استولى على اليمن الجنوبي السلطة المصرية وعلى اليمن الشمالي السلطة الوهابية، ولهذا لا يتظاهرون بالبراءة من الخلفاء علنا مع كونهم جميعا من الزيدية الجارودية. كما ان جميع الزيدية حتى البترية منهم يرون عليا أفضل الناس بعد رسول الله (ص) واولاهم بالامامة لكن البترية ترى ان عليا حيث غض النظر عن حقه صارت بيعة ابى بكر صحيحة راجع الحور العين ص 155. (9) قوله في القول 1 (وكان هشام بن الحكم شيعيا وان خالف الشيعة كافة في اسماء الله (تعالى) وما ذهب إليه في معاني الصفات). اقول: كلمة (ان) الشرطية في قوله (وان خالف) بمعنى لو الامتناعية، يعني ولو فرضنا فرضا باطلا انه خالف الشيعة. وتأتى (ان) في مورد الامتناع كثيرا، ومنها قوله (تعالى) لئن أشركت ليحبطن عملك وقوله (تعالى) ولئن اتبعت اهوائهم بعد الذي جائك من العلم. ويدل عليه ما ذكره المفيد ره في موارد متعددة من كتبه، من جملتها ما ذكره في هذا الكتاب في القول 20 في بحث علمه (تعالى) هكذا: (... ولسنا نعرف ما حكاه المعتزلة عن هشام بن الحكم في خلافه وعندنا انه تخرص منهم عليه وغلط ممن قلدهم فيه فحكاه من الشيعة عنه... وكلامه في اصول الامامة ومسائل الامتحان يدل على ضد ما حكاه الخصوم عنه...) وقال سيدنا الخوئي في ترجمته في معجم رجال الحديث ج 19 ص 273: (وعده المفيد في رسالته العددية من الاعلام الرؤساء المأخوذين عنهم الحلال والحرام والفتيا والاحكام الذين لا مطعن عليهم، ولا طريق إلى ذم

[ 280 ]

واحد منهم). والظاهر ان حاله اوضح من ان يشك فيه بسبب منقولات أو اخبار لا اصل لها مثل الشك في سلمان وابى ذر وكميل ومالك الاشتر أو امثال هؤلاء من اصحاب المعصومين فراجع لتفصيل ذلك رجال المامقاني وما كتبه السيد المحقق الجلالي في مجلة تراثنا العدد 19، السنة الثانية. (10) قوله في القول 2: (وساقها إلى الرضا علي بن موسى (ع)). اقول: لا خلاف بين المتكلمين في ان اصطلاح (الامامية) لا يطلق الا على القائلين بامامة الائمة الاثنا عشر فيتحد معناها مع (الاثنا عشرية)، ويدل عليه من كلام الشيخ المفيد قده ما يأتي في القول الثالث من قوله: (واتفقت الامامية على ان الائمة بعد الرسول اثنا عشر اماما...). وحينئذ فلماذا لم يقل (وساقها إلى الامام الثاني عشر) بل قال (وساقها إلى الرضا علي ابن موسى (ع)) ؟ الظاهر انه قده كان في مقام تمييز الامامية عن بقية فرق الشيعة بالتركيز على نفس مورد الاختلاف، وحيث ان آخر الفرق التي افترقت عن الامامية هي الواقفة الذين وقفوا على موسى بن جعفر (ع)، وانكروا امامة على بن موسى (ع)، كان ذكره (ع) - مضافا إلى افادته ما يفيده ذكر الامام الثاني عشر في المقام - تحديدا على آخر من ينتهى إليه افتراق الفرق المنحرفة للشيعة، واشارة إلى عدم حدوث فرقة اخرى يعتد بها بعد الواقفة. واما ما ذكر المتكلمون ومنهم النوبختى من الفرق الحادثة في زمن العسكريين (ع) فمضافا إلى ما ذكرنا في محله - من عدم ثبوت اصل وجود اكثرها، وعدم كون بعضها مذهبا وفرقة بل كلاما صدر من احد فعدها بعضهم

[ 281 ]

فرقة وتبعه غيره - لم تتكون هذه الفرق بحيث تبقى، بل انقرضت وماتت حين الولادة. (11) قوله في القول 2: (لانه وان كان في الاصل علما على من دان من الاصول بما ذكرناه دون التخصيص لمن قال في الاعيان بما وصفنا...). اقول: الضمير في (لانه) راجع إلى الوصف بالامامية والمراد (بما ذكرناه) وجوب الامامة ووجودها في كل زمان والعصمة والكمال والمراد بقوله (في الاعيان) اشخاص الائمة الاثنا عشر على التعيين. وحاصل المعنى: ان الوصف بالامامية بمقتضى التفسير اللفظي مع قطع النظر عن الظهور العرفي والاصطلاحي كان مقتضاه اطلاقه على كل من اعتقد في الامام الشرائط والاوصاف المذكورة، ولكنه صار من جهة العرف و الاصطلاح علما على من اعتقد بالاوصاف المذكورة في خصوص الائمة الاثنا عشر دون غيرهم. (12) قوله في القول 2 (لاستحقاق فرق من معتقديه القابا باحاديث لهم باقاويل احدثواها...). الظاهر ان كلمة (باحاديث) تصحيف (باحداث) وعلى التقديرين فالمعنى المراد بها البدع والاراء الشاذة التي تحدث فيما بين الشيعة ولا تصل إلى حد الخروج عن التشيع ولكنها تخرجهم عن التسمية بالامامية. فالمعنى: انما خضصنا الامامية بمن ذكرناه، لان بعض معتقديه احدثوا بدعا واقوالا خرجوا بسببها عن استحقاق لقب الامامية، إلى استحقاق القاب

[ 282 ]

اخرى مثل الواقفية والفطحية ونحوهما، فغلبت عليهم هذه الالقاب دون لقب الامامية. (13) قوله في القول 3 (وجوزوا ان يكون الائمة عصاة في الباطن) راجع شرح المواقف ج 8 ص 301 ومقالات الاسلاميين ج 2 ص 125. (14) قوله (البترية) الظاهر كما مر في القول الاول انه لا توجد فرقة من الزيدية تنكر النص الخفى على أمير المؤمنين وكونه اولى بالخلافة من غيره، غاية الامر البترية تدعى ان تسليمه (ع) حقه لابي بكر تصحح خلافته والباقون لا يقولون به. راجع الحور العين ص 155 فان مؤلفه من البترية. (15) قوله في القول 3 (وجوزوا خلو الا زمان) راجع مقالات الاسلاميين للاشعري ج 2 ص 134 - والمغني للقاضي ج 20 الجزء الاول ص 17 إلى ص 45 وشرح المواقف ص 345. (16) قوله في القول 3 (من جهة البرهان الجلي والسمع المرضي والقياس العقلي...) راجع من جهة القياس العقلي والبرهان الجلي إلى كتبه قده في الامامة منها الافصاح في الامامة والشافي للسيد المرتضى وتلخيصه للشيخ الطوسى و كتب العلامة وغيرها.

[ 283 ]

ومن جملة الادلة العقليه: ان الاوصاف التي يستحق بها الامامة مجمع عليه في أمير المؤمنين (ع) ومختلف فيه في غيره فان احدا من الفرق الاسلامية لا يختلف في علمه بخلاف غيره فانه لا يوجد احد منهم يكون علمه متفقا عليه بين جميع الفرق من الشيعة والسنة والخوارج وأهل الحديث والمعتزلة. وكذلك الزهد والشجاعة والعقل والسبق إلى الاسلام وغيرها فانك لا تجد احدا يكون موردا للاتفاق من قبل جميع الفرق الاسلامية من دون شك و ريب في جميع هذه الصفات غيره. وكذلك النصوص من القرآن والحديث لم يرد في حق احد ما يكون متفقا عليه بين الشيعة والسنة وجميع الفرق مثل ما ورد فيه عليه السلام. وكذلك الاجماع على الامامة، نعم ان اريد به اجماع فرقة خاصة واتباع شخص خاص فكل حزب بما لديهم فرحون وكلهم يدعون الاجماع على معتقداتهم، واما اجماع جميع المسلمين من سني اشعري أو معتزلي أو ظاهري أو خارجي أو شيعي امامي أو زيدي أو غير ذلك فلم يحصل في حق احد الا في حقه عليه السلام اما بقية المسلمين غير الخوارج فواضح، واما الخوارج فهم يعتقدون صحة امامته إلى زمان تحكيم الحكمين وينكرونها بعده، فيدخلون في الاجماع ايضا. وكل ما ذكرناه في أمير المؤمنين (ع) موجود في بقية الائمة الاثنا عشر، و ذلك فان كون الائمة (ع) واوصياء النبي (ص) ائنا عشر من الامور الثابتة عن النبي (ص) بالتواتر وقد اورد اكثرها سيدنا الاستاد النجفي المرعشي في ذيل المجلد الثالث عشر من احقاق الحق، وغيره في غيره. واذ اثبت ان اوصياء النبي أو الائمة اثنا عشر عدد نقباء بني اسرائيل

[ 284 ]

فهذا العدد يستقيم على عقيدة الشيعة، واما أهل السنة فقد تكلفوا كثيرا في تطبيق هذه الروايات على الخلفاء فما تمكنوا من تطبيقها تطبيقا صحيحا، مضافا إلى أن كثيرا من هذه الروايات يصرح باسماء الاوصياء. منها ما رواه الحموينى في فرائد السمطين بسنده عن مجاهد عن ابن عباس عن رسول الله (ص)... إلى ان قال (ص) ان وصيي على بن ابى طالب، وبعده سبطاي الحسن والحسين تتلوه تسعة ائمة من صلب الحسين، قال يا محمد فسمهم، قال إذا مضى الحسين فابنه علي فإذا مضى علي فابنه محمد، فإذا مضى محمد فابنه جعفر فإذا مضى جعفر فابنه موسى فإذا مضى موسى فابنه علي فإذا مضى علي فابنه محمد فإذا مضى محمد فابنه على فإذا مضى علي فابنه الحسن فإذا مضى الحسن فابنه الحجة محمد المهدى فهؤلاء اثنا عشر. (17) في القول 5 نقل العلامة الچرندابي عبارة عن المفيد في كتاب الجمل تحتاج إلى توضيح فنقول قال الشيخ المفيد في الافصاح ص 68 طبعة مكتبة المفيد: قد كان بعض متكلمي المعتزلة رام الطعن في هذا الكلام بان قال: قد ثبت ان القوم الذين فرض الله (تعالى) قتالهم بدعوة من اخبر عنه، كفار خارجون عن ملة الاسلام، بدلالة فوله (تعالى) (تقاتلونهم أو يسلمون) فاهل البصرة والشام و النهروان فيما زعم لم يكونوا كفارا بل كانوا من أهل ملة الاسلام... على انه يقال للمعتزلة والمرجئة والحشوية جميعا: لم انكرتم إكفار محاربي أمير المؤمنين ؟ وقد فارقوا اطاعة الامام العادل وانكرواها وردوا فرائض الله (تعالى) عليه وجحدوها واستحلاو دماء المؤمنين وسفكوها، وعادوا اولياء الله المتقين في طاعته، ووالوا اعدائه الفجرة الفاسقين في معصيته، وانتم قد اكفرتم مانعي ابى بكر الزكاة، و

[ 285 ]

قطعتم بخروجهم عن ملة الاسلام، ومن سميناهم قد شاركهم في منع امير المؤمنين الزكاة واضافوا إليه من كبائر الذنوب ما عددناه.... ومما يدل على كفر محاربي امير المؤمنين (ع) علمنا باظهارهم التدين بحربه والاستحلال لدمه ودماء المؤمنين من ولده وعترته واصحابه، وقد ثبت ان استحلال دماء المؤمنين اعظم عند الله من استحلال جرعة خمر لتعاظم المستحق عليه من العقاب بالاتفاق، وإذا كانت الامة مجمعة على إكفار مستحل الخمر وان شهد الشهادتين واقام الصلاة وآتى الزكاة، فوجب القطع على كفر مستحلي دماء المؤمنين لانه اكبر من ذلك واعظم... ويدل أيضا على ذلك ما تواترت به الاخبار من قول النبي (ص) لعلي (ع) حربك يا علي حربي وسلمك سلمي... وإذا كان حكم حربه كحكم حرب الرسول (ص) وجب اكفار محاربيه كما يجب اكفار محاربي رسول الله (ص). اقول: ان كفر الناصب من ضروريات مذهب الشيعة وقد صرح به المفيد قده في المقنعة وغيره، ولم يخالف فيه فقيه واحد اصلا، واي نصب اعظم من المحاربة والمقاتلة واستحلال دمه ولعنه وسبه. والتحقيق ان المفيد قده اعظم شأنا من ان يغفل عن مثل هذا الامر الواضح إذ لا خلاف في كفر الناصبي ونجاسته، كما انه لا اشكال في كون من يحاربه ويقاتله من مصاديق الناصبي بل من انصب النواصب. فما الذي اراد بقوله في كتاب الجمل (ولم يخرجواهم بذلك عن حكم ملة الاسلام...) لما نقرء كتاب الجمل وكذا كتاب الافصاح وغيره، نرى هناك شبهة اعترضت في مسألة أهل الجمل وهو انه (ع) عمل معهم معاملة أهل البغي لا الكفار من جهة انه (ع) ما سبى ذريتهم ولا اخذ اموالهم، ولا اجهز على

[ 286 ]

جريحهم. ففى مقام الجواب عن هذه الشبهة قسم المفيد قده الكفار في كتاب الجمل إلى كفر ملة وغيره ففرق بينهما في الاحكام الدنيوية مع اشتراكهما في اصل الكفر واللعنة والخلود في النار كما ذكره. ومرة اخرى شرح المسألة شرحا كاملا في كتاب الافصاح فقال في جواب من سأل انه (ع) لم عمل معهم معاملة أهل البغي لا الكفار ؟ بهذه العبارة:... إلا ترون ان احكام الكافرين تختلف: فمنهم من يجب قتله على كل حال، و منهم من يجب قتله بعد الامهال، ومنهم من تؤخذ منه الجزية ويحقن دمه بها ولا يستباح، ومنهم من لا يحل دمه ولا تؤخذ منه الجزية على حال، ومنهم من يحل نكاحه، ومنهم من يحرم بالاجماع، فكيف يجب اتفاق الاحكام من الكافرين ؟..) الافصاح ص 77 فمراد الشيخ ان ثبوت بعض احكام الاسلام لصنف من اصناف الكفار لا يدل على اسلامهم، كما ان جماعة من الفقهاء و جميع الاخباريين يحكمون بطهارة أهل الكتاب، والكل مجمعون على جواز نكاح نسائهم متعة، وغير ذلك فهل تدل هذه الفتاوى وثبوت هذه الاحكام على ان اليهود والنصارى مسلمون ؟ كلا وكذلك الاحكام التي رتبها امير المؤمنين (ع) على محاربيه لا تدل على اسلامهم. (18) قوله في القول 5 (كالمتلاعنين الخ) ليت شعرى هل المتلاعنين لا يمكن تشخيص الحق منهما، ولا يمكن قيام دليل على ان احدهما حق والاخر باطل ظالم، الم يسمعوا قول الله (تعالى) (فمن حاجك فيه من بعد ما جائك من العلم إلى قوله فنجعل لعنة الله على

[ 287 ]

الكاذبين) والم يكن علي ومعوية يلعن كل واحد منهما الاخر، الم يكن الحق مع علي يدور معه حيثما دار ؟ أو لم يكن الباطل مع معويه يدور معه حيثما دار ؟ بل في أكثر موارد المتلاعنين يكون الحق والباطل والظالم والمظلوم منهما، واضحا لاكثر الناس والتشبيه لا يكون دليلا في علم الكلام. (19) قوله في القول 7 (ان العقول تعمل بمجردها من السمع) جعل العلامة الزنجاني النزاع في حسن تأييد العقل بالسمع والتحقيق ان الخلاف بيننا وبينهم في ان تأييد العقل بالسمع واجب ام لا ؟ واما حسنه و كونه مؤكدا في هداية البشر فلا خلاف فيه. وعلى هذا نقول ان هذا الانسان الظلوم الجهول مع تأييد عقله بالشرع ومساعدة الانبياء للعقلاء والمصلحين وصل امره إلى ما نرى ورأينا من اول العالم إلى هذا اليوم وكان كما تنبأت الملئكه قبل الاف السنين: اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء - فكيف بهم إذا لم تؤيد عقولهم بالشرايع، الا ان يقولوا بانهم لو لم ياتهم الانبياء كانوا اقرب إلى الحق منهم مع الانبياء، وهذا فضيحة من القول وهم أيضا لا يقولونه. (20) قوله في القول 8 (لحصولهم الخ) مراده بالمعنى الذي حصل للانبياء اما الوحي كما ياتي في القول 42 أو رؤية الملك كما ياتي في القول 44 وايا منهما كان فالقرآن والحديث يصرحان في موارد كثيرة باثبات الوحي أو رؤية الملك أو سماع صوته لغير الانبياء، وتأويل جميعها على خلاف ظواهرها كما عن بعض لا وجه له. ففي القرآن في سورة الكهف: (قلنا يا ذا القرنين اما ان تعذبهم...) وفي

[ 288 ]

سورة طه يحكي عن السامري: فقبضت قبضة من اثر الرسول، وفسروا الرسول بجبرئيل. وقد رأت زوجة ابراهيم الملائكة قال في سورة هود الاية 72: وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها باسحق ومن وراء اسحق يعقوب قالتءالد وانا عجوز وهذا بعلى شيخا ان هذا لشيئ عجيب قالوا اتعجبين من امر الله الخ وقد رأى قوم لوط مع كفرهم رسل ربهم وراودوه عنهم كما يحكيه عنهم القرآن في سورة القمر الاية 38: ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا اعينهم الخ وكان الكفار من قريش واصحاب رسول الله (ص) حتى المنافقين يرون الملائكة المسومين في حرب بدر على ما روى، ويقول (تعالى) في سورة القصص الاية 7: واوحينا إلى ام موسى ان ارضعيه الاية وفي سورة الاعراف الاية 18: وكلم الله ابليس بعد كفره بقوله اخرج منها مذموما مدحورا وقال في سورة مريم الاية 19: في حق مريم... فارسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا إلى قوله قال انما انا رسول ربك ويحكى في سورة آل عمران الاية 42 و 45: واذ قالت الملائكة يا مريم ان الله اصطفاك وطهرك ايضا إذ قالت الملئكة يا مريم ان الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح. واما الروايات في رؤية الملائكة بصورة انسان في الامم السابقة وفي هذه الامة فلا تعد ولا تحصى فقد روى رؤية بعض الصحابة جبرئيل بصورة دحية الكلبي. إذا عرفت ما ذكرنا فنحن بين يقينين ظاهرهما متناقضان: الاول ما ذكرنا من الايات والروايات المتواترة المثبة للوحي أو لنزول الملك أو رؤيته على من ليس بنبي، أو من هو كافر، بحيث يلزم من انكاره انكار القرآن أو تأويل آيات كثيرة صريحة على خلاف ظواهرها.

[ 289 ]

الثاني اليقين بان الوحي سواء كان بنزول الملك أو بنوع آخر يختصن بالانبياء وان من ادعى ذلك لغيرهم فقد اخطأ وكفر. ولا سبيل إلى رفع اليد عن احد اليقينين، بل الصحيح التدبر في مراد المتكلمين من قولهم بكفر من ادعى الوحي لغير الانبياء، والدقة في الموارد التي ذكرناها. والتحقيق ان ارتباط انسان مع عالم الغيب ونزول الوحي إليه اما بواسطة الملك أو بدونها، قد يكون نزولا رسميا يأتي إليه بحكم يكون بمنزلة اعطاء منصب الهي هي النبوة ولكنها تستلزم الوحي والالهام مثل امراء الملك و حكامه في البلاد فالنبي من كلف باحياء شريعة الله وتوحيده على وجه الارض كمنصب رسمي من قبله (تعالى) أو كسفير بينه وبين عباده ونزول الوحي أو الملك إليه بمنزلة الاحكام والاوامر الرسمية التي تصدر من ناحية الملك إلى وزرائه وامرائه. وقد يكون ارتباط انسان مع الله (تعالى) بالوحي أو بنزول الملك لا بعنوان ان يكون نبيا ينبأ عن الله (تعالى) أو رسولا وسفيرا بينه وبين خلقه بل لتسديده في نفسه أو ليلتذ بمناجاة ربه لانه يحبهم ويحبونه، أو يعلمه (تعالى) وظائفه الشخصية وان كانت وظيفته تكميل دين نبيه وحفظ الامة عن الضلال. والفرق بين المكتوب الرسم الذي يرسله الملك إلى بعض امرائه بيد خادمه الخصوص وبين ما يرسله إلى اولاده واصدقائه واقربائه لاظهار المحبة ونحوها واضح، وليس الفرق بينهما في كيفية حصول الربط أو الشخص الذي يكون واسطة بينهما، بل الفرق في نوعي الرسالتين والمكتوبين وخصوصية الارتباطين.

[ 290 ]

فالفرق معنوي واقعي لا يضره اتحاد الاسم بان يسمى كل منهما وحيا أو نزول ملك أو غيرهما بعد ما كان نوعا الوحيين والرسالتين متباينين. والحاصل ان الوحي أو رؤية الملك على ثلثة اقسام: احدها ان يكون تبليغ رسالله (تعالى) إلى عباده وهذا يختص بالانبياء عليهم السلام. الثاني ان يكون لاظهار حبه (تعالى) له ومناجاته معه وتسديده ونحو ذلك وهذا هو الذي ذكرناه في ام موسى ومريم وذالقرنين وما روى من نزول الملك إلى فاطمة الزهراء سلام الله عليها وتنزل الملئكه والروح في ليلة القدر على الامام المعصوم ونحو ذلك. الثالث ان لا يكون شيئ من الامرين موجودا بل المصالح الالهية اقتضت رؤية بعض الناس من الافراد العادية أو الكفار للملك أو سماعهم صوته وذلك نظير ما يحكى من رؤية السامري جبرئيل ورؤية قوم لوط للملائكة بتصريح القرآن ونحو ذلك. فالاجماع والضرورة تحققا على ان الوحي ونزول الملك بالمعنى الملازم للنبوة يختص بالانبياء وانهما انقطعا بعد وفات النبي (ص) بالكلية وان من ادعى ذلك لغير الانبياء فقد اخطأ وكفر كما ذكره الشيخ المفيد. واما بالمعنى الثاني والثالث فلم يقم اجماع على بطلانه بل ربما يؤدي انكاره إلى انكار صريح القرآن في آيات كثيرة وانكار روايات متواتره وقضايا تاريخية واعتقاديه ثابتة باليقين. (21) قوله في القول 9 (الذي يراك الخ)

[ 291 ]

مراده قده للاستدلال بالاية بضميمة ما ورد في تفسيرها، بل الاصح ان نقول في تأويلها والا فهي بنفسها ليست ظاهرة في ما اراده قده. (22) قوله (وان عمه ابا طالب ره مات مؤمنا) لا يخالف احد من المسلمين من الشيعة والسنة وغيرهما في ان ابا طالب رحمه الله آوى رسول الله (ص) في بيته ونصره في مقابل المشركين فإذا ضممنا إلى هذه الصغرى اليقينية كبرى قرآنية وهى: (والذين آووا ونصروا اولئك هم المؤمنون حقا) ينتج عن طريق القياس البرهانى ان ابا طالب مؤمن حقا. ومن غريب الامر اصرار أهل السنة قديما وحديثا باثبات كفر آباء النبي وخصوصا ابى طالب وجعلهم الاحاديث والقصص الخرافية في هذا الباب، وبعكس ذلك اهتمام علماء الشيعة بالدفاع عنهم وعنه في طول التاريخ بحيث قلما تجد عالما من علماء الشيعة لم يكتب كتابا أو رسالة مستقلة في ايمان ابى طالب، مضافا إلى ما تعرضوا له في ضمن كتبهم الكلامية وغيرها، والسر في اصرار الشيعة بالدفاع عن اباء النبي وعمه وامه حبهم له (ص) فان الحب يسري إلى المنسوبين، واما اصرار العامة على تكفير آباء النبي وامه وعمه - على فرض صحته عندهم - لا مبرر له، إذ لم يكن من اصول الدين ولا من فروعه. (23) قوله في القول 10 (من جهة السمع دون القياس) اقول: مراده ان اطلاق كلمة البداء سمعي لا عقلي، لا ان اصل مسألة البداء واثبات صحته سمعي لا عقلي، فان البداء الذي هو بمعنى الابداء والاظهار، لما كان معلوما عنده (تعالى) امر ثابت عند العقل والشرع راجع القول 58.

[ 292 ]

(24) قوله في القول 10 (في معنى الرجعة اختلاف). اقول: ظاهر العبارة ان الاختلاف بينهم اختلاف معتد به ولذا صرح الشيخ في القول 55 بان المتأولين لمعنى الرجعة بحيث لا يضر مخالفتهم لثبوت الاجماع ولذا قال في الفصل 55 بعد توضيح معنى الرجعة وتفسيرها برجوع اعيان جماعة من الاموات واحيائهم حقيقة بعد الموت: (وقد جاء القرآن بصحة ذلك وتظاهرت به الاخبار، والامامية باجمعها عليه الا شذاذ منهم تأولوا ما ورد فيه مما ذكرناه على وجه يخالف ما ذكرناه). يظهر من هذه العبارة امرين: الاول ان رجوع هؤلاء ورجعتهم بعد هذه الادلة والاخبارات الموجودة في الكتاب والسنة امر حتمي مقطوع به من دون شك وريب في وقوعه وفعليته، كما لا شك في امكانه، وهذا هو المراد بالوجوب في عنوان الباب (اتفقت الامامية على وجوب رجعة كثير من الاموات) يعنى تحتم رجوعهم وكونه قطعيا، ومن ضروريات مذهب الشيعة. وعليه فلا وجه لما عن العلامة الزنجاني من التشكيك في كلمة الوجوب وتبديلها بالجواز وما تكلف في هذا الصدد. الثاني ان الاجماع والضرورة قامتا على الرجعة بالمعنى المرتكز في اذهان المتشرعة وهو رجوع اعيان الاموات، وان الخالف في المسألة ليس بحيث يضر مخالفته للاجماع والضرورة، ولذا ادعى هنا الاتفاق من الامامية وهناك قال (ان الامامية باجمعها عليه) مع تصريحه بلا فصل بقوله (الا شذاذ منهم تاولوا) فيظهر ان المتأولين ليسو على حد يضر بتحقق إلاجماع والضرورة إذ كل امر من

[ 293 ]

الامور الضرورية والاجماعية يوجد شذاد يخالفون فيه. ومن هنا يظهر ان عناية العلامة الچرندابي تبعا للعلامة الزنجاني بنقل هذا الرأى الشاذ من السيد المرتضى ايضا على نحو يظهران الخالف مهم مع ان عبارة السيد أيضا مثل عبارة المفيد أو اصرح في ان الخالف شاذ لا يضر بتحقق الاجماع ولذا قال السيد (الذي تذهب إليه الشيعة الامامية ان الله (تعالى) يعيد عند ظهور المهدي قوما ممن كان تقدم موته من شيعته وقوما من اعدائه. وان قوما من الشيعة تأولوا الرجعة...) والرجوع إلى ادلة الرجعة في الكتب المفصلة التي تعرضت لها يثبت أولا ان الذي اجمعت عليه الشيعة بل هو من ضرورياتهم رجوع اعيان الاشخاص وثانيا انها امر واجب يقيني لا جائز محتمل. (25) قوله في القول 10 (تأليف القرآن) اقول: ظاهر كلام الشيخ في مسألة التحريف لا يخلو عن تهافت يعرف بالرجوع إلى ما ذكره في القول 59 فانه وان اكد رأيه المذكور هيهنا في تأليف القرآن ولكنه تردد بل مال إلى عدم التحريف بمعنى الزيادة والنقصان فراجع. (26) قوله في القول 11 (واصحاب الحديث قاطبة). اقول: هذا عطف على المرجئة لا على محمد بن شبيب يعني وافقهم على هذا القول المرجئة واصحاب الحديث فقالو جميعا بان الخلود خاص بالكفار دون أهل الصلاة واما محمد بن شبيب فاختار الخلود للعصاة من المسلمين كالمعتزلة.

[ 294 ]

(27) قوله في القول 13 (وان ضم إلى فسقه كل ما عد تركه من الطاعات) يعني وان ضم إلى فسقه اطاعته (تعالى) في ترك كثير من المحرمات كترك الزنا وشرب الخمر ونحوهما مما يكون تركه من الطاعات، وفى بعض النسخ (ما عدا) يعنى ضم إلى فسقه ما عدا تركه لوظيفته الذي اوجب فسقه سائر الطاعات. (28) قوله في القول 14 (وان الفرق بين هذين المعنيين الخ) كما ان الايمان في اللغة اخص من الاسلام كذا في الشرع، وذلك انه يصدق في اللغة ان فلانا اسلم أو سلم أو استسلم لفلان إذا اظهر الخضوع و الانقياد ظاهرا وان لم يعلم استسلامه باطنا، بل ولو علم عدم تسليمه قلبا. وهذا بخلاف ان يقال فلان آمن بفلان أو مؤمن بفلان فانه لا يصدق الا إذا آمن به قلبا. (29) قوله في القول 16 (في اصحاب البدع وما يستحقون عليه من الاسماء والاحكام) اقول: المراد باصحاب البدع اصحاب المذاهب الباطلة التي تدعي الاسلام، ولكنها زادت فيه أو نقصت بما جعلته مذهبا آخر غير الشيعة الامامية التي هي الاسلام الصحيح وعليه فان كان لشخص أو جماعة آراء شاذه قليلة في امور من فروع الدين أو في جزئيات اصول الدين لا في اصلها بحيث لا يلزم انكار ضروري الدين فهم ليسوا من اصحاب البدع، وان كان لهم اراء مخالفة في فروع

[ 295 ]

الدين أو اصوله في الامور الضرورية، فهؤلاء من اصحاب البدع سواء صدق عليهم اسم فرقة من الفرق الموجودة، أو لا بان اخترع مذهبا جديدا لا يصدق عليه شئ منها. والنسبة بين هذا البحث والبحث السادس الذي بحث فيه عن كفر من انكر واحدا من الائمة نسبة العموم والخصوص مطلقا، فان من انكر واحدا من الائمة يكون من أهل البدع، غاية الامر لاهمية مسألة الامامة وكونها الفارق الاصلى للامامية عن غيرها عنونه مستقلا. (30) قوله في القول 18 (اجتبيته انا من الاصول) اقول: إلى هنا كان البحث عن الفصل بين الشيعة والمعتزلة والمسائل الخلافية بينهما ومن هنا بدء في ذكر آرائه في جميع المسائل الكلامية من دون تقيد بان يوافق احدا أو يخالفه، بحيث انه ربما يكون بعض آرائه مخالفا للمشهور بين الشيعة ايضا، وان كان هذا قليلا. (31) واما قوله (نظرا ووفاقا لما جاء عن ائمة الهدى من آل محمد (ص)) فهذا اشارة إلى الخط الذي يمشي عليه في اتخاذ آرائه في هذا الكتاب، فانه كما التزم على نفسه طريق التعقل والتفقه في المسائل الاصول والمحاربة مع الاخباريين بشدة، كذلك اخذ على نفسه التزاما ان يحارب الافراط في التفلسف والبعد عن الكتاب والسنة أو التساهل فيهما وتاويلهما لتطبيقهما على الاراء العقلية الكلامية التي ما انزل الله بها من سلطان، وهذا هو السبب في عنايته الخاصة بنقل آراء بني نوبخت وتفنيدها في أكثر الموارد.

[ 296 ]

والبحث عن المعارف الدينية والالهيات كان من اهم اهداف الرسالة و الولاية، ولذا من نظر في الخطب والادعية المروية عن رسول الله (ص) في كتاب بحار الانوار وكتاب مدينة البلاغة وغيرهما وكذلك ما روى عن أمير المؤمنين في البحار ونهج البلاغه ومستدركاتها، وما روى عن سائر الائمة (ع) لا يشك في انهم كانوا بصدد تعليم العلوم المربوطة بالالهيات و المعارف الدينية في باب آيات وجوده وصفاته الذاتية والفعلية ونحوها. (32) قوله (واحد في الالهية والازلية) اشارة إلى التوحيد الذاتي يعني ليس هنا اله آخر يكون قديما مثله. وقوله (وانه فرد في المعبودية) اشارة إلى التوحيد في العبادة وانه لا يستحق العبادة غيره. (33) وقوله (لا ثاني له على الوجوه كلها في - الاسباب) لعله اشارة إلى المراحل الاربعة للتوحيد: التوحيد الذاتي، والتوحيد الصفاتي، والتوحيد الافعالى والتوحيد في العبادة. (34) قوله (رجل من أهل البصرة يعرف بالاشعري) يظهر من هذا التعبير، ومن اكتفائه بتسفيه عقيدته وعدم تعرضه للجواب الا انه مخالف لعقيدة جميع المسلمين وعدم تعرضه لارائه الا في موارد قليلة من كتبه، ان عظمة الاشعري في ما بين أهل السنة حدثت بعد المأة الخامسة بمقتضى ميول سلاطين الجور واهوائهم التي لم تكن تنطبق على مذاهب المعتزلة ولا سائر المذاهب مثل ما تنطبق وتوافق المذهب الاشعري و

[ 297 ]

عقائده الكلامية فصمموا العزم على ترويجه بكل ما عندهم من حول وطول، واتفقت عليه آراء الملوك وسياسة حكام الجور، من دون خلاف بينهم، و اجمعوا على ان يروجوها كالعقيدة الوحيدة التي ليس غيرها موجودا. (35) قوله في القول 19 (حى لنفسه) المراد بكلمة (لنفسه) الاتحاد بين الصفة والذات وعينيتهما في مقابل زيادة الصفة على الذات كما عليه المشبهة، وكونها لا عين الذات ولا غيرها كما عليه الاشعري، وكونها احوالا كما اختاره الجبائى، والمراد الاتحاد من جهة الوجود والمصداق لا في مقام التصور والمفهوم. (36) قوله في القول 19 (ولا الاحوال المختلفات) ذكر العلامة الزنجاني في مقام بيان معنى الاحوال توجيهات لا تنطبق على قول البهشمية ولا على الواقع من جملتها قوله (لا خلاف في اثبات تعلق بين الصفة والموصوف كالعالم والمعلوم والقادر والمقدور وغيرهما، وانما الخلاف في ان ذلك التعلق هل هي بين الذات العالمة وبين المعلوم، أو بين صفة قائمة بالذات حقيقة مغايرة لها وبين المعلوم، فذهبت جماعة إلى انها بين الذات وبين المعلوم، وذهبت جماعة إلى انها بين الذات والصفة وسماها أبو هاشم حالا). اقول: تمثيله للصفة والموصوف بالعالم والمعلوم والقادر والمقدور غريب جدا لان الموصوف بالعالم والقادر هو ذات العالم والقادر لا المعلوم والمقدور إذ هما متعلقا العلم والقدرة لا موصوفهما وقوله (انما الخلاف الخ) أيضا خروج

[ 298 ]

عن محل الخلاف إلى محل الوفاق وذلك انه لا خلاف في ان الذات بما هي لا تلازم الاضافة إلى الخارج وانما تحصل الاضافة والنسبة بين العالم بما هو عالم مع المعلوم، غاية الامر على فرض اتحاد الصفة مع الذات تكون طرف النسبة هي الذات وعلى القول بعدم الاتحاد فالنسبة بين الصفة ايضا مع متعلقها، فوجود النسبة والاضافة بين الصفة ومتعلقها مغفق عليه بين الجميع فليست هي في مقابل النسبة التي يدعيها أبو هاشم بين الصفة والذات. فان ثبوت شيئ لشيئ في غيره (تعالى) كون ووجود غير اصل وجود الموصوف، يعبر عنه بالوجود الرابط وبكان الناقصة ولذا توهم أبو هاشم هذا الكون حالا، فانكر وجود الصفة بوجود مغاير للموصوف، ولكنه اثبت نسبتها إلى الموصوف وثبوتها له امرا ثابتا لم يسمها بالموجود، بل شيئا بين الموجود و المعدوم. وعلة كونه اشنع من مقالة اصحاب الصفات امرين: احدهما ان الصفاتيه اثبتوا للعلم والقدرة مثلا وجودا مغايرا لذات المعلوم، وهذا له وجه، لان العلم والقدرة ونحوها اعراض أو صفات خارجية، واما أبو هاشم فقد اثبت التحقق للنسبة والاتصاف الذين هما اضف وجودا من الصفات. وثانيهما ان الصفاتية لما ارادوا التحرز من التعطيل ونفى الصفات قالوا بوجودات مستقلة للصفات، واما أبو هاشم فادعى شيئا بين الوجود والعدم و هذا ارتفاع للنقيضين. (38) قوله في القول 19 (ان القرآن كلام الله)

[ 299 ]

راجع القول 131 فان له ربطا بالمقام. (39) قوله (ولا اوجب ذلك من جهة العقول) اقول: قال المحقق الطوسى قده: وتخصيص بعض الممكنات بالايجاد في وقت يدل على ارادته) اقول: بل التخصيص بكم خاص وكيف خاص وزمان خاص ومكان خاص ووضع خاص... مع عموم علمه وقدرته يدل على وجود مخصص وليس الا الارادة، والحاصل ان الارادة مما استدل ويمكن الاستدلال عليها بالعقل أيضا. (40) قوله (ارادة الله (تعالى) لافعال نفسه هي نفس افعاله) مراده قده ان ارادة الافعال متحدة مع نفس الافعال مصداقا وان اختلفا مفهوما، في مقابل الاشعري الذي جعلها صفة زائدة على الذات، وفي مقابل الفلاسفة الذين جعلوا الارادة من صفات الذات فردهم بقوله (هي نفس افعاله) ومراده بقوله (الا من شذ منها) بعض المتفلسفين من الامامية ذهبوا إلى ان الارادة من صفات الذات، فردهم باثبات كونها من صفات الفعل. (41) قوله (لا يجوز تسمية الباري (تعالى) الا بما سمى به نفسه) اقول: فيشكل الامر في امثال واجب الوجود ومصدر الاشياء والمبدء و نحو ذلك من الاسماء التي لم ترد في الكتاب والسنة. (42) قوله (وان المعنى في جميعها العلم خاصة)

[ 300 ]

قد حققنا في محله انه لا فرق بين السمع والبصر والعلم في انه إذا لو حظت مع لوازمها الخارجية في الافراد فالكل ملازم لامور مادية لا تليق بشانه (تعالى)، فالعلم يحتاج إلى دماغ واعصاب والسمع إلى اذن ونحو ذلك و إذا نظرنا إلى حقيقة العلم والسمع والبصر من دون دخالة للوازمها المادية فالكل يصح في حقه (تعالى)، ولا يلزم ارجاع بعضها إلى بعض، وقد رأيت بعد كتابتي هذه التعليقه تأييد ما ذكرت للمحقق الكمپانى قده في حاشيته على الكفاية. (43) قوله في القول 21 (ولسنا نعرف ما حكاه المعتزلة عن هشام بن الحكم) اقول: اما كذب النسبة فلا اشكال فيه، إذ لو كان في هشام انحراف صغير في العقائد لم تصل إلى هذه المرتبة عند الائمة عليهم السلام وعند شيعتهم، مضافا إلى ما وردت في الروايات الصحيحة، وتاريخ اصحاب الائمة وكتب الرجال من اجماع محققيهم على بطلان هذه النسب. ومن راجع ترجمة هشام بن عمرو الفوطي المعتزلي وعقيدته في علم الله (تعالى) في طبقات المعتزلة للبلخى ص 71 عرف ان منشا الاشتباه أو الخيانة اشتراك هشام الشيعة في الاسم مع هشام المعتزلة، ويؤيد ما ذكرناه أيضا ان الخلاف الذي ينسبه المصنف هنا إلى جهم بن صفوان وهشام بن عمرو الفوطى نسبه الشهرستاني في نهاية الاقدام إلى جهم بن صفوان وهشام بن الحكم. (44) قوله في القول 22 (حتى يكون قولا أو كتابة) المراد بهذه العبارة ان الصفة على هذا الاصطلاح ليست نفس المعنى القائم بالموصوف، بل ما انبأت عنه، ولذا قال (ولا يكون ذلك الخ) وذلك لان كلمة

[ 301 ]

(انبأت) تستلزم دالا ومدلولا، فالدال هو القول أو الكتابة، والمدلول هو المعنى المستفاد، ومن هنا يظهر صحة (حتى يكون) بدون (لا) واما ما في بعض النسخ من زيادة لا في (حتى لا يكون) فلا يستقيم. (45) قوله في القول 23 (وقولي في المعنى المراد...) هذه الجملة غير موجودة في بعض النسخ، والظاهر انهم اسقطوها لابهام معناها عندهم، والصحيح اثباتها. توضيح العبارة: ان المعتزلة ذهبوا إلى التعطيل في صفاته بحيث كانه ذات بلا صفات، والمشبهة ذهبوا إلى اثباتها كاشياء زائدة عليها قائمة بها، و ابو هاشم ذهب إلى شيئ بين الاثبات والنفي وسماها الاحوال. والمفيد قده أشار إلى رد تعطيل المعتزلة بقوله (ليست هي الذات) وإلى رد المشبهة بقوله (ولا اشياء تقوم بها) وإلى رد قول ابى هاشم بقوله (ولا احوال مختلفات على الذات) ثم أشار إلى مختاره بقوله (وقولى في المعنى المراد...) يعني لا اريد من اثبات الصفات وانها ليست هي الذات، انها مغايرة مع الذات في الخارج والوجود، بل من جهة المفهوم وان المعنى المعقول من الصفات غير الذات، واما في الخارج فهى عين ذاته (تعالى). (46) قوله في القول 24 (قادر على خلاف العدل الخ) اقول: لا خلاف في استحالة صدور القبيح منه (تعالى)، ولكن الكلام في ان عدم صدوره منه هل هو لاجل انه (تعالى) عاجز عن القبيح فلا يتمكن من ارادته، أو انه لا يريد القبيح مع قدرته عليه فصار محالا، وبعبارة اخرى كما ان

[ 302 ]

الضرورة قد تكون ضرورة ذاتية وقد تكون بشرط المحمول، كذلك الاستحالة، فالنظام وموافقوه جعلوا عدم صدوره منه (تعالى) معلولا لاستحالة القبيح، و الامامية جعلوا عدم ارادته سببا لاستحالته، فان الفعل بشرط عدم ارادة الفعل له ضروري العدم ومحال، وربما يطلق على الاول الاستحالة الذاتية، وعلى الثاني الاستحالة الوقوعية، وقد خالف في هذه المسألة الفلاسفة ايضا ولكن على مبناهم في معنى القدرة والارادة وانها تتعلق باحد الطرفين فقط وانها من صفات الذات. (47). قوله في القول 24 (اصحاب المخلوق) هم الذين يقولون بان الله (تعالى) خلق افعال العباد على اختلافهم في كيفية خلقه لها وفي كيفية نسبتها إلى العبد، وقد افرد القاضي عبد الجبار المجلد الثامن من كتابه (المغني) في البحث عن المخلوق فراجع. وقد جعل المصنف عقيدة الخلق مقابل العدل في القول 26 ؟ (48) قوله في القول 25 (الا من شذ منهم) حمل العلامة الزنجاني هذا الشاذ على هشام بن الحكم، وهذا سهو منه قده لانه اولا ان المفيد قده قد صرح في مواضع من كتابه بكذب هذه النسبة كما مر في القول 21 وغيره وثانيا ان نسبة الرؤية إليه على فرض صحته انما هي بتبع قوك بالتجسيم، لا لشبهة عرضت له في تأويل الاخبار وثالثا لو كان له شبهة في تأويل الاخبار لسألها عن الامام المعاصر له، نعم الشبهة في تأويل الاخبار يناسب المتأخرين من العلماء في زمن الغيبة.

[ 303 ]

واما الاخبار المورث للشبهة فهي مذكورة في المطولات. (49) قوله في القول 25 (شهد العقل ونطق القران) اقول: اما العقل فمن جهة ما تستلزمه الرؤية الحسية من الجسمية و المسامته، وانعكاس الصورة وتعلق النور على المرئى وغير ذلك مما يستحيل تحققه في الموجود المتعالى عن الجسم ولوازمه. واما القرآن فقوله (تعالى) لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير - وقوله (تعالى) حكاية عن موسى رب ارنى انظر اليك قال لن تراني - وغير ذلك. واما الاخبار فراجع البحار ج 4 ص 26. (50) وقوله (اصحاب الصفات). يريد به الاشاعرة. (51) قوله في القول 26 (العدل والخلق) الخلق المقابل للعدل عبارة عن خلق الله (تعالى) افعال العباد كما هو واضح لمن كان له انس بالكتب الكلامية وباصطلاحات المتكلمين وبكتب الشيخ المفيد على الخصوص وهذا الكتاب بالاخص كما مر في القول 24، والقرينة هنا قوله (لا قبيح في فعله، جل عن مشاركة عباده في الافعال...) ثم نقل عن المجبرة (وزعموا ان الله (تعالى)... وخلق افعال بريته وعذب العصاة على ما فعله فيهم من معصية) ومجرد ذي (خلق الخلق) ونحو ذلك لا تصلح قرينة

[ 304 ]

على ارادة خلق ذوات الموجودات أو البشر بعد تراكم القرائن واقتضاء مناسبة الحكم والموضوع ارادة خلق افعال العباد. ثم قوله عدل كريم، الخ، كل فقرة منه اشارة إلى دليل مستقل على ثبوت الاختيار وبطلان الجبر بحيث لو صح ما ادعته المجبرة لم يكن الله (تعالى) عدلا ولا كريما ولا يصح خلقه لهم لعبادته، ولا يكون مورد لامره ونهيه لهم، ولم يكن هدايته عامة لهم، ولم يكن منعما ومتفضلا ومحسنا إليهم، ولم يكن تكليفه بقدر الطاقة والاستطاعه، ولكان صنعه عبثا، وخلقه متفاوتا، وفعله قبيحا، وكان مشاركا لعباده في الافعال، ولزم ان يضطرهم إلى الاعمال، وكان عذابه على ذنب لم يفعلوه، ولومه على قبيح ما صنعوه، وكان ظالما، تعالى عن ذلك علوا كبيرا. (52) قوله في القول 27 (ولا أتجاوز مواضعه من القرآن) يعني ذكر كلمة خالق على العباد فيما ذكر الله وهي عدة موارد في القرآن 1 - قوله (تعالى) حكاية عن عيسي (ع) انى اخلق لكم من الطين كهيئة الطير فانفخ فيه فيكون طير باذن الله 49 آل عمران وقوله (تعالى) مخاطبا لعيسى (ع) و إذ تخلق من الطين كهيئة الطير بأذنى ؟ 11 المائدة وقوله (تعالى) فتبارك الله احسن الخالقين 14 المؤمنون وقوله اتدعون بعلا وتذرون احسن الخالقين 125 الصافات وهذه مواضع اطلاق لفظ خالق على غير الله (تعالى) لعناية خاصة اقتضت هذا المجاز. (53) قوله في القول 29 (ابتداء الخلق في الجنة)

[ 305 ]

هذا البحث متفرع على البحث عن حسن التكليف أو لزومه، فان التكليف وتشريع الشرايع وارسال الرسل وانزال الكتب وما يستتبعه هذه الامور في الدنيا والاخرة من الحساب والكتاب والثواب والعقاب كلها متفرع على دفع هذا الاحتمال وهو انه لماذا لم يخلق الله عباده في الجنة ابتداء من دون تكليف وغيره ؟ وهذه شبهة اوردها الملاحدة وتبعهم الجاحظ وبشر بن المعتمر و جماعة وتعرض لردها أكثر من تعرض لمسألة التكليف والنبوة ونحوهما، إذ لا يثبت حسن التكليف فضلا عن لزومه الا بدفع هذا الاحتمال، ولكن بعض المتكلمين بحثوا عنه في ضمن البحث عن التكليف، وبعضهم مثل الشيخ المفيد قده بحث عنه مستقلا، وكيف كان فهي من اهم المسائل الكلامية، ولكنها متفرع على مسألة العدل والحسن والقبح، فالقائلين بالعدل وبالحسن والقبح يوجبون التكليف ويحكمون بقبح (ابتداء الخلق في الجنة) والمجبرة المنكرين للعدل وللحسن والقبح العقليين لا يرونه حسنا ولا لازما، بل اختيار منه (تعالى) جزافا بلا سبب. (54) قوله في القول 31 (عبد السلام بن محمد الجبائى) خلاصة مبناه ان كلا من الفعل والترك مشروطين بالقصد، فمن لم يفعل فعلا لعدم التفاته أو نحو ذلك لا يكون تاركا ولا ممتثلا للنهى. فتارك شرب الخمر لعدم خطوره بباله غير ممتثل للنهى، مثل شاربه بدون القصد فانه ايضا غير عاص، إذا المطلوب بالامر والنهى هو الفعل والترك الاختياريان، ولا يتصور كون المكلف مختارا فيهما مع ضرورة تلبسه باحدهما بل كون شيئين اختياريين لا يتصور الا مع امكان خلو المكلف منهما، وايضا لو قلنا بلزوم اتصاف المختار

[ 306 ]

باحدهما لزم قدم اتصافه (تعالى) ببعض الافعال وخروجه (تعالى) عن كونه مختارا. وبهذين الدليلين اثبت حالة ثالثة للمكلف وهو خلوه عن الفعل والترك وعدم اختياره لاحدهما، وحكم بكونه معاقبا لاجل هذا. واما كونه اعظم قبحا من قول جهم فان جهما يرى تعذيب العبد لعمل صدر منه، غاية الامر بلا اختيار، واما على قول الجبائي فالعقاب على لا شيئ و هو عدم الفعل والترك، والمفروض انه لا يتصور ثالث في الخارج لا يكون فعلا ولا تركا حتى يكون العقاب له، فيكون العقاب على قوله بلا سبب اصلا، ومن الغريب ما صدر من العلامة الزنجاني حيث قال (وكون مقالته اعظم فحشا من مذهب جهم، من جهة ان جهما يرى العبد ملجا ومضطرا إلى الفعل والجبائي لا يراه كذلك، ومع ذلك يجوز تعذيبه، وهذا كما تراه مخالف للعدل). اقول: ليت شعرى إذا كان العبد عند الجبائي مختارا غير مضطر فجوزنا تعذيبه لما صدر منه باختياره كيف يكون هذا مخالفا للعدل ؟ واي فحش وقبح فيه حتى يكون اعظم قبحا من قول جهم ؟ بل هذا عين العدل. فعلة كونه اعظم قبحا ما أشرنا إليه. (55) قوله في القول 32 (من صغير لا يستخف فاعله فجائز) وفي بعض النسخ (لا يستحق فاعله اللوم) واياما كان فالجمع بينه وبين سائر عباراته في المسألة وما ادعى عليه الاجماع والضرورة من عدم صدور الصغائر والكبائر مطلقا من الانبياء تقضى بتفسير هذه العبارة بالصغائر التي لا تبلغ حد المعصية ويسميها علمائنا رضوان الله تعالى عليهم بترك الاولى، و

[ 307 ]

تشير إليه كلمة (على غير تعمد) إذ لا معصية بدون العمد. (56) قوله في القول 33 (فانه تأويل الخ) اقول: راجع كتاب تنزيه الانبياء وتفسيري التبيان ومجمع البيان وكتاب بحار الانوار وغيرها، ومن كتب العامة الجزء الرابع من كتاب الفصل في الملل و النحل وابكار الافكار للامدي وعصمة الانبياء للفخر الرازي. (57) قوله في القول 34 (ان جهة ذلك هو الصرف الخ) اقول: القول بالصرفه في جهة اعجاز القرآن شاذ في الشيعة ولم ينسب الا إلى المرتضى والشيخ المفيد في خصوص هذا الكتاب، واما جمهور علماء الشيعة فيرون جهة اعجازه: اشتماله على الدقايق المعنوية والنكات اللفظية و غيرهما من الجهات بمقدار خارج عن حد طاقة البشر بحيث يستحيل صدوره من غير الله (تعالى). (58) قوله في القول 35 (ان تعليق النبوة) في العبارة اغلاق من جهتين: الاول انه ما الفرق بين تعليق النبوة حيث جعله تفضلا، وبين التعظيم على القيام بالنبوة حيث حكم على انه بالاستحقاق ؟ والجواب والله العالم ان كل حق من الحقوق الاجتماعية مثل حق النبوة والامامة والابوة وغيرها له جهتان جهة تكليف ووظيفة لنفس ذي الحق بانتخابه لهذا المنصب وامره به وتعليق هذه المهمة على عنقه. وهي من هذه

[ 308 ]

الجهة تفضل إذ هذه الجهة التي تلى الرب (تعالى) والربط بينه وبين ربه، و لا يتصور هنا استحقاق العبد من الله (تعالى) شيئا فيكون تفضلا. وجهة تعظيم وتبجيل وايجاب طاعة له على الخلق، وهذه هي النسبة بين النبي وبين الناس، وهي من هذه الجهة لا يمكن ان يكون تفضلا إذ لا يمكن تفضيل احد على جميع الناس وايجاب طاعته عليهم جزافا من دون مزية له عليهم. الجهة الثانية لا غلاق عبارة المصنف، ان قوله (ان تعليق النبوة تفضل من الله (تعالى) على من اختصه بكرامته لعلمه بحميد عاقبته واجتماع الخلال الموجبة في الحكمة بنبوته الخ) فيه شئ من التناقض. إذ المتبادر من الفرق بين التفضل والاستحقاق هو ان يكون التفضل جزافا وترجيحا بلا مرجح كما يقوله العامة في انتخاب الامام والخليفة، ويكون الاستحقاق تفضيل احد لوجود المزايا والمرجحات فيه أكثر من غيره، وعلى هذا فقوله (لعلمه بحميد الخ) يناسب ان يكون تعليلا للاستحقاق لا للتفضل. والجواب: ان وجود المزايا في العبد قد يكون مرحجا لحكمته (تعالى) بان يكون اختيار غيره خلاف الحكمة كما هو في محل الكلام، وحينئذ لا ينافى كونه تفضلا، لانه لو لم يختره لم يكن ظالما لعدم استحقاقه شيئا من اللة (تعالى) وقد يكون وجود المزايا سببا لتطبيق قاعدة العدل عليه بحيث لو تركه كان ظالما وهذا مفقود في المقام، إذ ليس لاحد حق على الله (تعالى) بهذا الوجه. ومن هنا يحصل الايمان بان النزاع بين الشيخ وبين بني نوبخت لفظي، فان الشيخ ينفي الاستحقاق الذي يقضيه العدل ويلزم من تركه الظلم، وبني نوبخت يثبتون الاستحقاق الذي تقتضيه الحكمة وتقابله الجزاف والترجيح

[ 309 ]

بلا مرجح. نعم مخالفة اصحاب التناسخ مخالفة معنوية لانهم يجعلون النبوة نتيجة لاعماله في النشأة السابقة على هذه النشأة وهو باطل بالضرورة. واما التفضل الذي يقول به غير المعتزلة من العامة فهو الجزاف والترجيح بلا مرجح الذي لا يوافق عقيدة الشيخ المفيد الا في اطلاق كلمة التفضل اشتراكا لفظيا لا معنويا. وكذلك الاستحقاق الذي تدعيه المعتزلة بمعنى وجوب الانتخاب على الله وكونه (تعالى) ظالما على تقدير تركه لا يشبه الاستحقاق المذكور في كلام الشيخ وبنى نوبخت، الا لفظا واما الفلاسفة فهم وان خالفونا في معنى النبوة، ولكن لا مخالفة لهم في مسألة الاستحقاق والتفضل والله العالم. وكل ما ذكرناه في بحث النبوة يأتي في بحث الامامة، وقد اشير إلى بعض ما ذكرنا في دعاء الندبة الشريفة حيث يقول (ع) (اللهم لك الحمد على ما جرى به قضائك في اوليائك الذين استخلصتهم لنفسك ودينك إذ اخترت لهم جزيل ما عندك... بعد ان شرطت عليهم الزهد في درجات هذه الدنيا الدنية وزخرفها وزبرجها فشرطوا لك ذلك وعلمت منهم الوفاء به فقبلتهم و قربتهم وقدمت... واهبطت عليهم ملائكتك وكرمتهم بوحيك ورفدتهم بعلمك...). (59) القول 37 قوله (القائمين مقام الانبياء الخ) هذه الفقرات بمنزلة الاستدلال على المطلوب كانه قال ان الائمة معصومون لانهم قائمون مقام الانبياء في تنفيذ الاحكام، ولانهم يقيمون الحدود، ولانهم حافظون للشرايع، ولانهم موظفون بتأديب الانام وقوله (الا

[ 310 ]

من شذ منهم) يشير إلى مخالفة الشيخ الصدوق وشيخه ابن الوليد، وللشيخ المفيد رسالة مفردة في رد الصدوق قده ادرجه المجلسي قده في البحار. (60) قوله في القول 37 (يجوزون من الائمه وقوع الكبائر والردة عن الاسلام) الظاهر عدم اختصاص التجويز بالمعتزلة بل جميع مذاهبهم يعتقدون به اما صريحا أو يلزمون به، فترى ان المعتزلة كانوا يكفرون ويقتلون من قال بقدم القرآن والجبر والتشبيه، ومع ذلك لا ينكرون خلافة المتوكل ومن تأخر عنه من المتعصبين في الاعتقاد بقدم كلام الله وبالجبر والتشبيه، كما ان أهل الظاهر و السلفية والمرجئة مع قولهم بالجبر التشبيه وقدم كلام الله لا ينكرون خلافة المأمون والمعتصم المتعصبين في مسألة خلق القرآن وانكار الجبر والتشبيه الذي هو كفر عندهم، وقد اعترف ابن حزم الاندلسي بامكان كون الامام كل بالغ عاقل قرشي من دون زيادة شرط الا ان يبايعه واحد فصاعدا ثم قال (فان زاغ عن شيئ منهما يعني عن الكتاب والسنة منع من ذلك واقيم عليه الحد والحق فان لم يؤمن اذاه الا بخلعه خلع...) واغرب منه فتوى بعضهم بعدم الحد على الخليفه إذا فعل ما يوجبه من الزنا واللواط وغيرهما، راجع ملتقى الابحر ص 157. اقول: الزيغ عن الكتاب والسنة اعم من الزيغ القلبى وهو الكفر و الارتداد والعملي وهو الفسق والفساد وسفك الدماء وهتك الستور والفروج وهم يرون امامة يزيد مع اباحته المدينة حتى قتل وملا مسجد رسول الله (ص) من القتلى، واباح نساء المهاجرين والانصار ثلثة ايام حتى افتضت سبعماة بكر

[ 311 ]

كلهن حملن وولدن من جيش يزيد من الزنا سبعمأة من اولاد الزنا، مضافا إلى ارتداده وكفره الظاهر، وكذا يرون امامة الوليد الختار الذي رمى المصحف بالسهم وسب القرآن والله (تعالى) واظهر الارتداد وكان الزنا واللواط والقمار والشطرنج وشرب الخمر وغير ذلك امرا شائعا في سلسلة الخلفاء لا ينكره الا مكابر كابن خلدون ولازم قوله انكار التاريخ من رأس وقد روى السيوطي في حق بعضهم: خليفة يزنى بعماته يلعب بالدبوق والصولجان، راجع المستظرف ص 24. (61) قوله في القول 38 (وبنو نوبخت يوجبون النص على اعيان ولاة الائمة) الولاية من قبل الامام اما ولاية في زمانهم إلى نهاية الغيبة الصغرى و تسمى بالولاية أو النيابة الخاصة، واما ولاية في الازمنة المتأخرة عن الغيبة الصغرى وتسمى بالنيابة العامة، اما الاولى فلا اظن الشيخ المفيد يكتفى بالعلم والفضل على كون الشخص واليا أو وكيلا أو نائبا عنهم (ع) بان يدعي احد ولاية أو وكالة من قبلهم (ع) في زمن حياتهم من دون نص من الامام الحي الحاضر وحيث ان بنى نوبخت كانوا معاصرين للائمة (ع) أو في زمن الغيبة الصغرى فيحمل كلامهم على هذه الصورة. واما الثانية فلا اظن بني نوبخت يوجبون النص على اعيان الذين لهم ولاية أو نيابة عن الائمة (ع) لعدم امكانه اولا ولعدم تحققه في زمن النوبختيين ثانيا ولوضوح بطلانه ثالثا للزوم النص على الاف من الفقهاء إلى قيام القائم (ع) فالظاهر ان النزاع بين الشيخ المفيد وبين بني نوبخت منشأه عدم تحرير محل النزاع ومعه فلا نزاع، نعم لو اريد النص من النبي (ص) ولم يكف من نفس الائمة صار البحث معنويا ولا ملزم له، و

[ 312 ]

لا يحتمل القول به من احد. (62) قوله في القول 39 (ان للامام ان يحكم بعلمه... وقد يجوز عندي ان تغيب عنه بواطن الامور) اقول: لا اشكال في كلا الامرين امكانا بل وقوعا في الجملة كما وردت روايات على طبق الجميع، انما المهم بيان ان الطريقة المستمرة التي كانت في احكامهم (ع) على اي نحو كان، حتى يكون القسم الاخر استثنائيا فانا إذا عرفنا ان الاصل في طريقته القضائية الطريقة الفلانية فكل حكم شككنا في كيفيته الحقناه به، ثم احتججنا به في الفقه بخلاف الطريقة النادرة الاستثنائية فانها تكون من خواصه واحكامه بما هو معصوم وامام. والظاهر من سيرة أمير المؤمنين وقضاياه ان الطرق الموصلة إلى العلم من الطرق العادية التي يمكن استخراج حقيقة الامر بسببها كما هو المتعارف في المحاكم الغير الشرعية إذا لم يستلزم حراما فهو جائز بل واجب على القاضي و ان لم ينحصر بالاقرار والشهادة والقسم كما يوجد في اقضية أمير المؤمنين (ع)، و اما استخراج حقيقة الامر عن طريق علم الغيب وساير الامور الخاصة بهم فالظاهر انه موارد نادرة استثنائية لا يحمل عليها الا بدليل ولا يحتج بها. (63) قوله في القول 40 (ولي في القطع به منها نظر) لعل وجه النظر اختصاصها بمواردها ولكن هنا روايات عامه صريحة في انه لا يمكن للامام ان يسأل عن شيئ فيقول لا اعلم وعموم قوله (تعالى) وكل شيئ احصيناه في امام مبين، مع ان الاحصاء عبارة عن العلم التفصيلي بالشيئ

[ 313 ]

مع خصوصياته، مع ما ورد في تفسيره من الاخبار الصريحة، والمرتكز في اذهان الشيعة وكتب علمائهم أيضا الا من شذ منهم عدم تصور الجهل في حق الامام (ع) اصلا. والجمع بين قوله (وقد جاءت اخبار عمن يجب تصديقه بان ائمة آل محمد قد كانوا يعلمون ذلك) وبين قوله (ولى في القطع به منها نظر) ان المراد بالاول تمامية دلالتها بالنسبة إلى الشيعة انفسهم كدليل اقناعي، والمراد بالثاني كونه دليلا الزاميا يورث القطع للمخالفين كالدليل القطعي الذي كان يدعيه بنو نوبخت. (64) قوله في القول 41 (الا من شذ عنهم من المفوضة...) اقول: المفروض ثبوت علم الغيب للائمة فعلا ولكن بقيود اربعة وهي اولا انه ليس شرطا في امامتهم بل لطف في طاعتهم وثانيا انه بالسماع و النقل لا بالعقل وثالثا انه ليس ذاتيا ومستقلا بل باعلام الله (تعالى) لهم ورابعا انه لا يطلق عليه علم الغيب لظهوره في العلم الاستقلالي لا ما كان باعلام الله تعالى. والاول والثاني انما يخالف فيه المفوضة وبنو نوبخت فقط والثالث انما يخالف فيه الغلاة فقط لا غيرهم، والرابع يخالف فيه الغلاة والمفوضة والاخباريون والعوام من الشيعة فان هؤلاء يطلقون علم الغيب بما عند الامام لفظا وان اختلفوا معنى فان الغلاة يقصدون علمه (ع) استقلالا ومن عنده، و بقية هؤلاء يقصدون العلم المأخوذ من عند الله بالتبع وبتعليم الله (تعالى). (65) قوله في القول 42 (الاجماع على المنع ولاتفاق على انه من يزعم ان

[ 314 ]

احدا بعد نبينا (ص) يوحى إليه فقد اخطأ وكفر) اقول: قد مر في القول 8 قوله قده (وانما منع الشرع من تسمية ائمتنا بالنبوة دون ان يكون العقل مانعا من ذلك لحصولهم على المعني الذي حصل لمن ذكرناه من الانبياء) وسيأتي في القول 44 قوله (في سماع الائمة كلام الملائكة الكرام... اقول بجواز ذلك) فإذا فرضنا انهم عليهم السلام حصلوا على المعني الذي حصل للانبياء وانهم يسمعون كلام الملائكة الكرام واثبت قده الوحي لغير الانبياء مثل ام موسى (ع) فلم يبق الا الالتزام باحد امرين، اما تخصيص الحرمة بالتسمية بان نقول بحرمة تسميته وحيا، أو نقول بان الوحي ونزول الملك على قسمين: احدهما من خصائص النبوة لا يوجد في غيرها والثاني يوجد في الائمة والاولياء فراجع ما ذكرناه في شرح القول 8. (66) قوله في القول 42 (فاما ظهور المعجزات عليهم) اقول: ظهور المعجزات على ائمة دين النبي الذين هم اوصياؤه وخلفاؤه و ذريته وحفظة دينه يكون في الواقع معجزة له صلى الله عليه وآله كما ان ما سيأتي في القول 43 من ظهور المعجزات على السفراء والابواب لا انفكاك بينها وبين هذه المسألة، لان معجزاتهم تعد معجزة لائمتهم (ع) لا لانفسهم. (67) قوله (الاخبار على التظاهر والانتشار) اقول: اوسع ما اعرفه في هذا الباب كتاب (مدينة المعاجز) للبحراني و (اثبات الهداة بالنصوص والمعجزات) للحر العاملي و (بحار الانوار) للشيخ المجلسي قده واما نسبة انكار الكرامات إلى الزيدية فلعل معاصريه منهم كانوا

[ 315 ]

ينكرونها واما كبار علمائهم وكتبهم المعتبرة فلا ينكرونها، وسبب الاشتباه متابعتهم للمعتزلة في كثير من المسائل فنسب إليهم انكار هذه المسألة اشتباها و قياسا بسائر المسائل. (68) قوله في القول 46 (ولا على احد الاقوال فيه اجماع) اقول: بل الاجماع محصله ومنقوله بل الضرورة على كونهم افضل بعد رسول الله عن جميع الانبياء والملائكة، ولا ينافي وجود شذاذ خالفوا فيه كغيره من ضروريات المذهب. وقد ادعى فيه الاجماع كثير من العلماء منهم السيد المرتضى في الرسالة الباهرة في العترة الطاهرة. واما الروايات المشار إليها بقوله (وقد جائت آثار...) فهى ما رواه الشيخ المجلسي قده في البحار ج 26 ص 319 - 267. (69) واما قوله (وفي القرآن مواضع...) فقد أشار قده في رسالته التي كتبها في تفضيل امير المؤمنين على جميع الانبياء غير نبينا (ص) إلى آية المباهلة وآية الاعراف وآية كنتم خير امة اخرجت للناس الخ ولكن الايات التي يستظهر منها ذلك كثيرة لا يناسب المقام تفصيلها. (70) قوله في القول 47 (ان الملئكة مكلفون) اقول: قال (تعالى) لن يستنكف المسيح ان يكون عبدا لله ولا الملائكة

[ 316 ]

المقربون النساء 127، وقال ولله يسجد من في السموات والارض من دابة و الملائكة وهم لا يستكبرون 49 النحل، وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم 75 الزمر، والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الارض 5 الشورى، عليها ملئكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون 6 التحريم، وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بامره يعملون 27 الانبياء، وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن اناثا 19 الزخرف، وقال امير المؤمنين (ع) في وصف الملائكة في الخطبة رقم 90 (... ولم تختلف في مقام الطاعة مناكبهم، ولم يثنوا إلى راحة التقصير في امره رقابهم... ولا تنتضل في هممهم خلائع الشهوات...) وفي الصحيفة السجادية دعاء خاص بالملائكة وفيها (... ولا يستحسرون عن عبادتك ولا يؤثرون التقصير على الجد في امرك...). ومنشأ شبهة الخالفين امرين: الاول عصمة الملائكة فحصلت لهم شبهة عامة في كل معصوم انه يمكن ان يكون فاعلا مختارا ام لا ؟ وهل العصمة تقتضي الاجبار ام لا ؟ وقد اجبنا واجيب عنها في مواضعه بان العصمة مؤكدة للاختيار لا منافيه، وفرق بين أن نحكم قطعا بعدم امكان صدور المعصية منه رأسا واصلا لانه لا يريدها، وبين ان نحكم بعدم امكان ارادته لها لعدم امكان صدورها والتفصيل في محله. الثاني الخطابات القرآنية وغيرها من الكتب السماوية تختص بالجن و الانس وليس فيها خطاب تكليفي بالملائكة، كما ان التعبير بالنزول والتنزيل، بالنسبة إلى القرآن والشريعة خصوصا مع فرض ان وسائط الفيض والمنزلين

[ 317 ]

هم الملائكة فهم السفراء والرسل بين الله وبين الانبياء، ولا يكونون مكلفين. والجواب عن اختصاص الخطابات بالجن والانس دون الملك فبأن الداعي على الخطاب والكتب وغيرها بعد عالمنا عن عالم الغيب ومعدن الوحي فصار سببا لابلاغ الاحكام عن طريق ارسال الرسل والكتب، واما الحاضرون في عالم الغيب السامعون لكلامه (تعالى) بلا واسطة فلا يحتاجون إلى رسول ولا كتاب، مضافا إلى ان اطلاعهم بمضمون الكتاب الذى يأتون به يكفى اتماما للحجة عليهم ولعله لهذا اتفقت كلمة علماء الامامية على ان المكلف من الموجودات ثلاثة اصناف الانس والجن والملائكة ولا ينافيه مخالفة الشذاذ منهم (71) قوله في القول 48 (فالائمة من آل محمد افضل...) اقول: كون المعصوم من البشر افضل من المعصوم من الملائكة من جهة ان اصل الارادة والاختيار وان كان مشتركا بين الجن والانس والملائكة، لكن الملائكة ركب وجودها وعنصرها من النور وعالم التجرد فيلتذ من الطاعة و يتأذى من المعصية فيختار الطاعة دائما من دون صعوبة، والجن خلق من النار و من الشر فيصب عليه الطاعة صعوبة شديدة وهم مجبولون بالشر بمعنى شدة ميلهم إليه لا على حد الالجاء، واما البشر فروحه من عالم النور وجسمه من عالم الظلمة وميله إلى الخير يعارضه ميله إلى الشر وان كان الاغلب ميلهم إلى الشر أكثر والطاعة عليهم كلفة وصعوبة، والمعصية لذيذة وسهلة ومحبوبة، فلذا يكون المعصوم من البشر افضل من المعصوم من الملائكة، ومن هنا يعرف سر ما يذكره في الفصل الاتي من اثبات تمام خواص الجسمية والبشرية للائمة (ع) وان هذا مضافا إلى انه ليس نقصا فيهم، يعد من علل تفضيلهم على

[ 318 ]

الملائكة، ويعرف ايضا جهل الغلاة حيث توهموا ان ترفيع مقام الائمة وتعظيم شأنهم يقتضي انكار كونهم بشرا واخراجهم عن حيطة الجسمية. (72) قوله في القول 49 (وينتظرون من يرد عليهم من امثال السابقين من ذوي الديانات) اقول: لعله اشارة إلى ما في سورة يس 27 (قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين) وعلى هذا فكلمة (الامثال) جمع المثل بفتحتين، ويمكن ان يراد به من يرد عليهم من اشباه السابقين الذين كانوا من ذوى الديانات، يعني يرد عليهم المؤمنون من هذه الامة كما كانوا في الامم السابقة، وعليه فالامثال جمع المثل بكسر الميم والاحتمال الاول اولى. (73) قوله (وتبلغهم المناجات من بعد...) كلمة البعد بضم الباء وسكون العين بمعنى البعيد وفي بعض النسخ من بعيد وهذا أيضا صحيح. (74) في القول 50 ظاهر قوله (وجاء عن أمير المؤمنين انه قال للحارث الهمداني: يا حار الخ) ان الاشعار له (ع) في نظر المفيد قده وقد اشتهر بين الشيعة الاعم من العلماء وغيرهم نسبة بيتين إلى أمير المؤمنين عليه السلام وهما: يا حار همدان من يمت يرنى من مؤمن أو منافق قبلا

[ 319 ]

يعرفني طرفه واعرفه بعينه واسمه وما فعلا فقد تلقته الشيعة بالقبول بعنوان شعر قاله أمير المؤمنين (ع) وهذا وان لم يكن دليلا قطعيا على كونه له (ع) ولكنه امارة عليه. ولكن السيد الامين فيما جمعه من اشعاره (ع) شكك في نسبة الشعر إليه (ع) واستشهد بقول السيد الحميري قبل البيتين: قول على لحارث عجب كم ثم اعجوبة له حصلا ولكن الظاهر انه من قبيل تضمين السيد لشعره (ع) في ضمن شعره كما هو امر شائع وهو الظاهر من قوله (قول على الخ) فظاهر العبارة ان المنقول عين قوله (ع) واما نسبة الشيخ الطوسي الاشعار إلى السيد الحميري فصحيح ايضا، لان من ضمن شعر غيره في ضمن شعره يصح نسبة مجموع الاشعار إليه ايضا ولا يدل على ما ذكره السيد الامين قده. (75) قوله في القول 50 (غير انى اقول فيه) اقول: لا اشكال في لزوم الحمل على المعنى الحقيقي ما لم يمنع منه مانع يقيني، كما لا اشكال في ان ظاهر قوله (ع) يرنى وغيره من الروايات هو المعنى العرفي واللغوي للرؤية لا ما ذكره من العلم ونحوه، كما انه لا اشكال في ان ما تعتقده الشيعة هو الرؤية الحقيقية لا التأويل والمجاز، ويظهر هذا من قوله (انى اقول) يعني انه عقيدته الشخصية وتأويل يختص به قده، واما قوله: محققو النظر من الامامية، فيكفي فيه ثلث نفرات يوافقونه، وكيف كان فالداعي له قده إلى اختراع هذا التأويل الذي لم يسبقه إليه احد، هو ان كل دليل نقلي كان ظاهره ومعناه الحقيقي مستلزما للمحال العقلي أو الباطل الشرعي المسلم

[ 320 ]

يرفع اليد عن ظاهره اما بالتوقف واحالة علمه إلى صاحبه، أو بحمله على اقرب المجازات وتأويله تأويلا مناسبا. اما مسألة حضور أمير المؤمنين (ع) في اماكن متعددة في آن واحد فبحسب ظاهر ما نعرفه من الانسان العادى محال عادى كما ان أكثر المعجزات الصادرة منه (ع) ومن ساير الانبياء والاولياء أيضا كذلك، وقد اعترف في الفصل السابق بسماعهم (ع) كلام المناجي لهم في مشاهدهم وفي الاماكن البعيدة، مع ان الاذن لا يمكنه سماع الملايين من الاصوات وفهمها، مضافا إلى ان بلوغ الصوت، له حد معين لا يزيد عليه، فكيف يسمع من آلاف الكيلومترات ؟ و كيف يقبض ملك الموت الالاف من الناس في آن واحد ؟ وكيف ينقلب العصا ثعبانا ؟ والنار بردا وسلاما ؟ وكيف ينشق القمر ؟ وكيف وكيف ؟ وخلاصة جميع ذلك لزوم المحال العادي وخرق النواميس الطبيعية المألوفة، والجواب في الجميع بعد ثبوت صحة النقل واحد، وهو ان الله على كل شيئ قدير. واما لزوم المحال العقلي فله جهتان: الاولى صيرورة الواحد كثيرا، فهذا ان اريد منه حلول روحه الشريفة في آن واحد في اجساد متعددة، فقد اجاب عنه علم الروح الجديد على ما نقله عنهم الفريد الوجدى وغيره، وملخضه ان القوالب المثالية التي تحل فيه الروح بعد الموت انما تخلقه الروح بنفسه بما اعطاها الله (تعالى) من الخلاقية، واثبتوا امكان خلقها قوالب متعددة في آن واحد وحلولها في جميعها أو تصرفها جميعها في آن واحد تصرقا تدبيريا. وعلى فرض التنزل يمكن حضوره (ع) عند جميع المحتضرين بصورة مثل

[ 321 ]

الفيديو أو التلفزيون أو اقوى منه والحاصل انه لم يصل العلم إلى غايته حتى يتوهم عدم وجود وجه صحيح يحمل عليه كلام أمير المؤمنين (ع) بحيث لا يلزم كثرة الواحد من حيث هو واحد، واليقين بعدم وجود توجيه عقلي يتوقف على الاحاطة بعلوم كثيرة مما وصل إليها العلماء والعلوم التي يصلون إليها بعد ذلك كما رأينا كثيرا مما كانوا يعدونه أو عده شيخنا المفيد قده من المحالات وأول بسببه النصوص مثل تجسم العمل ونحوها. ثم اثبتت العلوم امكانها بل وقوعها، و صار من الواضحات بحيث لم نحتج إلى حمل امكانها إلى انها من طريق الاعجاز، فاراءة العمل الصادر من الشخص بسبب الافلام، وسماع صوته في اشرطة المسجلات، سهل فهم قوله (تعالى) فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. واما لقاؤه (تعالى) فلقاء مجرد لمجرد لا يتوقف على لوازم مادية حتى نحتاج إلى تأويله كما صنعه الشيخ، الا ان نجعل الانسان موجودا جسمانيا محضا كما يقوله الماديون، واما على ما اختاره الشيخ في القول 54 وصرح به في مواضع من كتابه من كونه موجودا مجردا فلا اشكال فيه حتى نشتغل بحله، أو نعجز عنه ونرفع اليد عن نصوص الكتاب ونؤوله. ولعل السر في هذه التأويلات انه قده اراد ان يختار قولا يقبله عقل العامة وغيرهم من الذين لا يعتقدون في أمير المؤمنين هذه المقامات والله العالم. والجهة الثانيه استحاله تعلق رؤية البصر باعيانهما وهذا سيأتي في القول: 51. (76) قوله في القول 51 (لاختلاف بين اجسامهما واجسام الملائكة في التركيبات)

[ 322 ]

اقول: الفرق الموجود بين نوعي الجسمين على فرض كون الملائكه جسما أو كون اصطلاح المتكلمين في الجسم منطبقا على الجوهر اما ان يكون من جهة كون جسمهما عليهما السلام اشد تجردا من اجسام الملائكة أو بالعكس أو مساويا، فالاول خلاف الضرورة وخلاف قوله ايضا، والثاني وهو كون الملائكة اشد تجردا يقتضي ان يكون رؤية الملائكة دليلا على امكان رؤيتهما (ع) بطريق اولى، لان الجسم كلما كان اغلظ وابعد من التجرد كانت رؤيته اسهل و كلما كان تجرده اشد كانت رؤيته اصعب أو محالا، فالبدن الذي يحل فيه روح رسول الله وأمير المؤمنين عليهما السلام في عالم البرزخ اما قالب مثالي برزخي على الاصح أو جسم مادي على الاحتمال الضعيف وعلى التقديرين فهو اقرب إلى المادية من الملائكة فرؤية الملائكة تدل على امكان رؤيتهما بطريق اولى و على فرض بعيد لو كانا مجردين محضين يصيران مساويين للملائكة فيكون رؤيتها دليلا على امكان رؤيتهما بالضرورة. (77) قوله في القول 53 (وليس ينزل الملكان...) اقول: ظاهر الروايات الواردة قى تلقين الميت عموم السؤال لكل ميت، ففى رواية الشيخ والكليني والصدوق عن ابى عبد الله (ع): ما على أهل الميت منكم ان يدرؤوا عن ميتهم لقاء منكر ونكير...) والمرتكز في اذهان الشيعة من دون خلاف بحيث يعدونه من الضروريات التي يجب اعتقادها عموم سؤال الملكين في القبر، حتى ان التلقين الذي يلقنون الميت في القبر يذكرون فيه: (وسؤال منكر ونكير في القبر حق) وحمله أيضا على بعض الاموات خلاف الظاهر و الله العالم.

[ 323 ]

(78) قوله في القول 54 (وهذا يستمر على مذهبي في النفس -) في العبارة ابهام من جهة ابتنائه مسألة التنعيم في القبر وتعذيبه على كون الانسان: وهو الشيئ المحدث الخارج عن صفات الجواهر والاعراض) مع انه لا يصح الا إذا فرضناه جوهرا، ولا اقل من ان لا تكون الجوهرية مانعة من امكان التنعيم والتعذيب ولا مصححة له فما وجه تصحيح كلامه قده ؟ الوجه فيه ان الجوهر هنا ليس بالمعنى الفلسفي بل بالمعنى الكلامي و المراد به كما صرح في القول 82 (الجواهر عندي هي الاجزاء التي تتألف منها الاجسام ولا يجوز على كل واحد في نفسه الانقسام). وهذا المعنى هو المعبر عنه في الفلسفة بالعنصر أو الاسطقس ومعلوم ان هذا هو الجسم المادى المندثر في القبر كما صرح به، واما الروح المجرد الذي أشار إليه بقوله (الخارج عن صفات الجواهر والاعراض...) الذي هو جوهر بالمعنى الفلسفي فهو باق بعد زوال الجسم، وهو المعذب والمنعم في القبر. فتبين ان التعريف الذي ذكره للانسان هو المصحح لعذاب القبر ونعيمه، واما لو كان الانسان موجودا ماديا لم يصح العذاب والنعيم. ومن هنا تبين وجه جمعه قده بين قوله (القائم بنفسه) وبين قوله (الخارج عن صفات الجواهر...) مع انه لا معنى للجوهر الا القائم بنفسه. وجه التوفيق ما ذكرنا من انه قده تكلم على اصطلاح المتكلمين لا الفلاسفة. (79) قوله في القول 55 (وذلك عند قيام مهدي آل محمد (ع)) اقول: كلما ذكره في هذا الفصل ينطبق على الايات والروايات من دون

[ 324 ]

اي تأمل. الا ان الرجعة المصطلحة عند الشيعة التي يعرفها منهم المسلمون وغيرهم، وكذلك اعداؤهم من العامة وغيرهم هي رجعة أمير المؤمنين وباقي الائمة (ع) و حكومتهم على وجه الارض من دون معارض، بعد وفات صاحب الزمان عليه السلام، وللعلماء قديما وحديثا كتب كثيرة في الرجعة بهذا المعنى والروايات الواردة فيها مستقلا أو في تفسير بعض الايات ايضا تفسرها بهذا المعنى، وكتب اصحاب الائمة عليهم السلام ومن تأخر عنهم من العلماء في الرجعة - وهي كثيرة - كلها بهذا المعنى، فراجع حتى تعرف صدق كلامنا. ولكن اثبات الشيخ الرجعة بالمعنى الذي ذكره لا يدل على نفى ما عداه، و هو اعرف بما يكتب، خصوصا ان اثبات امكان احدهما يدل على امكان الاخر ووقوعه على وقوعه واستحالة احدهما يدل على استحالة الاخر، فرأى الشيخ قده ذكر احدهما مغنيا عن الاخر. (80) قوله قده (وقد جاء القرآن بصحة ذلك) اقول: الايات الواردة في القرآن على قسمين: القسم الاول آيات تدل على امكان بل وقوع احياء الاموات قبل يوم القيامة في الامم السابقة نشير إليها من دون تفسير منها قوله (تعالى) في سورة البقره 73 فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيى الله الموتى... ومنها قوله (تعالى) الم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم الوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم احياهم البقره 243 ومنها قوله (تعالى) أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال انى يحيي هذه الله بعد موتها فاماته الله مأة عام ثم بعثه، البقره

[ 325 ]

259 ومنها قوله (تعالى) واذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون البقره 56. القسم الثاني آيات تدل على تحقق احياء الاموات في هذه الامة قبل يوم القيامة من جملتها قوله (تعالى) ويوم نبعث من كل امة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون، 84 النمل، مع ان يوم القيامة يبعث كل الامم، وحشرناهم فلن نغادر منهم احدا، خصوصا وذكر بعد ثلاث آيات في نفس هذه السورة: ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات والارض الا من شاء الله وكل أتوة داخرين النمل 87. فاليوم الذي يبعث من كل امة فوجا غير اليوم الذي يأتون كلهم داخرون. ومن آيات الرجعة قوله (تعالى): قالوا ربنا امتنا اثنتين واحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل المؤمن 12، فان الاماتة سلب الحياة عن الحى ولا يتصور هذا مرتين الا مع الاعتقاد بالرجعة. وقوله (تعالى) واقسموا بالله جهد ايمانهم لا يبعث الله من يموت 38 النحل. الاية نسبت إليهم الاعتقاد بالله (تعالى) من جهة حلفهم به وجهد ايمانهم، وعدم الاعتقاد بالبعث وهذا أعني الجمع بين الاعتقاد بالتوحيد و انكار المعاد غير موجود في المسلمين بل غيرهم ايضا الا ان يراد البعث في الرجعة. (81) قوله في القول 56 (فحسابهم جزاؤهم بالاستحقاق) اقول: وفسر حساب المؤمنين بانه عبارة عن موافقة العبد ما امر به. و

[ 326 ]

هذان المعنيان وان كانا صحيحين ولكن لا يصح لغة ولا عرفا اطلاق الحساب عليهما فقوله (تعالى) فاما من اوتى كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا 8 الانشقاق وكذا قوله (تعالى) يحاسبكم به الله 284 البقرة وقوله وان كان مثقال حبة من خردل اتينا بها وكفي بنا حاسبين 47 الانبياء وقوله اولئك لهم سوء الحساب ومأواهم جهنم وبئس المهاد 18 الرعد فقد فرق بين سوء الحساب وبين عذاب جهنم وقوله يوم يقوم الحساب 41 ابراهيم وقوله انهم كانوا لا يرجون حسابا وقوله ان الينا ايابهم ثم ان علينا حسابهم غاشيه 25 و قوله انى ظننت انى ملاق حسابيه... يا ليتني لم اوت كتابيه ولم ادر ما حسابيه 26 الحاقة. فإذا فرضنا ان اللغة والعرف يفسران الحساب والمحاسبة الواردين في الكتاب والسنة بمعناهما الحقيقي وهو عد الاعمال واحصائها بالارقام وبالقيم التي لها عند الله (تعالى) وكان هو المرتكز في اذهان المتشرعة، بل اعتقدوه و اعتقدوا كونه مما يجب الاعتقاد به، ولم يكن مانع عقلي ولا نقلي من قبوله، فلا وجه لانكاره أو توجيهه بالمعنى المجازي. الا خصوصية الكتاب أو الزمان الذي تقتضي عدم ذكر بعض الحقايق لقصور فهم اصحابه عن دركه، إذ لم ينكر الشيخ المعنى الذي ذكرناه بل اقتصر على المعنى المجازي الذي ذكره وسكت عما ذكرث والله العالم. ومن الغريب ان الشيخ قده اول الحساب بما ذكر مع عدم شبهة فيه، و حمل الصراط على معناه اللغوي التعبدي، مع انه كان اولى بالتأويل كما اوله كثير من المعتزلة. وذكر في الميزان كلاما ذو وجهين يمكن حمله على المعنى الظاهر

[ 327 ]

المرتكز في اذهان أهل الدين، وهو وسيلة خارجية يوزن به الاعمال والاقوال و النيات على النحو المناسب لها، وان لم يكن مثل الموازين المحسوسة، ويمكن حمله على التأويل وهو نتيجة الوزن، فان الغرض من الموازنة معرفة مقدار العمل وما يساويه من الجزاء. وهذا المعنى وان كان صحيحا ولكن الاول هو المتبادر من الايات و الروايات والمرتكز في اذهان المتشرعة ولا محذور فيه. (82) قوله في القول 58 (يقوله المسلمون...) لقد سلك الشيخ المفيد قده في مسألة البداء مسلكا لا يوجد طريق اقوى في الحجة ولا اخصر منه، وذلك لان النسخ امر ثابت في الشريعة بضرورة من الدين، ودلالة الكتاب المبين، والاحاديث المتواترة عن الرسول الامين وأهل بيته الطاهرين صلوات الله عليهم اجمعين. والبداء أمر يختصن بالشيعة الامامية، وقد عده العلماء والمتكلمين من ضروريات مذهبهم، والروايات عن الائمة الطاهرين في لزوم الاعتقاد به، و التوبيخ في انكاره متواترة، وقل من العلماء من لم يكتب كتابا مستقلا فيه. ولكن بقدر اهتمام أئمة الشيعة وعلمائهم في إثباته، اهتم المخالفون بانكاره والتشنيع على معتقديه، ولكن يتلخص جميع ما ذكروه في شبهة واحدة، وهي لزوم جهله (تعالى) اولا ثم حصول علمه بعد مدة كما نسبه الاشعري في مقالاته إلى الشيعة. وقد أشار الشيخ المفيد قده إلى الجواب الحلى في ضمن الجواب النقضى بقوله (اقول في البداء ما يقوله المسلمون باجمعهم في النسخ)، توضيح الجواب:

[ 328 ]

ان النسخ عبارة عن رفع الحكم الشرعي الظاهر في الاستمرار بحيث لم يكن النسخ متوقعا، والبداء رفع الامر التكويني الظاهر في الاستمرار، واظهار الواقع الجديد على خلاف المتوقع، فيشتركان في اظهاره تعالى امرا على خلاف ما كان متوقعا ويختلفان في ان النسخ في الامور التشريعية والبداء في الامور التكوينية، فان كان اظهار امر على خلاف المتوقع مستلزما لجهله (تعالى) يلزم نسبة الجهل إليه (تعالى) في البداء والنسخ، وان كان اظهاره غير مستلزم للجهل في النسخ فكذلك في البداء. ومن الجهل ان يقال بعدم استلزامه في النسخ واستلزامه في البداء، أو يقال بعدم المحذور في النسخ لوروده في القرآن، واستلزامه في البداء لعدم وروده فيه، وذلك لان وروده في القرآن لا يصحح نسبة الجهل إليه (تعالى) لان القرآن لا يثبت ما يلازم نسبة الجهل إليه (تعالى)، بل يدل على عدم لزوم الجهل فيه و فيما يشترك معه في الملاك، مضافا إلى ما في مسألة تفدية اسمعيل بذبح عظيم من اثبات البداء في القران. (83) اما قوله (فاما اطلاق لفظ البد اء... فانما صرت إليه بالسمع...) اقول: ان كان متعلق البداء هو الله تعالى بان نقول بدا لله فحينئذ يكون البداء بمعنى الابداء، وان كان متعلقه الناس بان نقول مثلا (بدا للشيعة ان وصى الامام الهادى هو ابنه الحسن بعد ما كانوا لا يشكون في انه ابنه محمد) وكما في قوله (تعالى) (وبدا لهم من الله ما لم يكونو يحتسبون) 47 الزمر فالبداء بمعنى ظهور أمر خفى وأشار بقوله (وكل من فارقها في المذهب ينكره على ما وصفت من الاسم دون المعنى) إلى ان النزاع لفظي وان منشأ انكار البداء من المخالفين

[ 329 ]

اولا عدم فهمهم لمعناه وثانيا عدم دركهم ان بطلانه يقتضى بطلان النسخ أيضا. (84) قوله في القول 59 (ان الاخبار جاءت مستفيضة...) قد جمعها الشيخ المحدث النوري في كتاب فصل الخطاب، وردها العلامة البلاغي في تفسير آلاء الرحمن وسيدنا الاستاد الخوئى (ره) في كتاب البيان بما لا مزيد عليه، وان كان في بعض أجوبته دام ظله تكلف بل تعسف. (85) قوله (لم يرتب بما ذكرناه) يرتب مضارع ارتاب، صار مجزوما بلم، أي لم يشك في حصول التقديم والتأخير وغير ذلك، وقد نسبه في اول الكتاب إلى جميع الامامية حيث قال (واتفقوا على ان ائمة الضلال خالفوا في كثير من تأليف القرآن، وعدلوا فيه عن موجب التنزيل وسنة النبي (ص)...) راجع القول 10. (86) قوله (ومعي بذلك حديث) يعني على نفي الزيادة والنقصان أو الاول فقط والمراد به ما رواه الكليني عن سفيان بن السمط قال سألت ابا عبد الله (ع) عن تنزيل القرآن قال: اقرؤا كما علمتم وفي رواية (اقرؤا كما تعلمتم). (87) قوله في القول 60 (في جنات الخلود...) اقول: يتبادر إلى الذهن ان ما ذكره في هذا الفصل لا يرتبط بالوعيد اصلا، نعم ما ذكره في القول 11 عين الوعيد، ولكن حقيقة مبني قبول الوعيد وانكاره

[ 330 ]

يبتني إلى ان ارتكاب المعصية هل هو سبب للخلود أو لما يساويها من الجزاء، و ان تعارض الايمان القلبي مع الفسق العملي هل يوجب غلبة الفسق وسقوط اثر الايمان بالكلية، أو ان الايمان هو الغالب وان العمل يجازى بمقداره، ثم يدخل بسبب ايمانه الجنة ويخلد فيها ؟ فالشيعة على الثاني والمعتزلة على الاول وعلى هذا يبحث عن عكس المسألة وهو ان الايمان إذا اجتمع مع العمل الصالح هل يجازى بمقدار العمل ولو كان في الدنيا، وما له في الاخرة من نصيب، أو ان العمل الصالح الصادر من المؤمن سبب للخلود في الجنة، ولا يكون الدنيا عوضا له. فالشيعة يرى الثاني، والمنسوب إلى بني نوبخت هو الاول، والظاهر ان مرادهم عدم الاستحقاق عن طريق العدل، لا نفي فعلية دخول الجنة ولو عن طريق التفضل والوفاءة بالوعد. (88) قوله في القول 62 (ليس يكفر) اقول: هناك مسألتان لكل منهما شقين: الاولى هل الايمان ملازم للمعرفة، والكفر للجهل، بحيث يصح ان يقال كل عارف بالله مؤمن به وبالعكس وان كل جاهل بالله كافر به وبالعكس أو لا ؟ والثانية هل الطاعة والعمل الصالح يلازمان الايمان وبالعكس، وهل الكفر يلازم عدم صدور الطاعة والعمل الصالح بل امتناعه أو لا ؟ فالشيخ قده ذكر من المسألة الاولى أحد شقيه وهو المنافاة بين المعرفة و الكفر، وذكر من المسألة الثانية احد شقيه وهو المنافاة بين الكفر والطاعة، و اسقط من كل منهما للطرف الاخر.

[ 331 ]

وهذه المسألة من المسائل الرائجة بين شباب زماننا من ان الله (تعالى) كيف يضيع اجر اسحق نيوتن مخترع الكهرباء، وپاستورو امثالهم ممن خدم العالم البشرية باختراعاته واكتشافاته، ولكن حيث ان أكثر المخترعين من الذين يعتقدون باصل وجود الله (تعالى) وباليوم الاخر ايضا فيشمله قوله (تعالى) إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصائبين من آمن بالله واليوم الاخر و عمل صالحا فلهم اجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون 62، البقرة وقوله ولكل درجات مما عملوا 132، الانعام وغير ذلك مما استدل به ولعله لذلك حكم النوبختيون على استحقاق الكفار الثواب الدنيوي في مقابل اعمالهم. واما عدم قبول الشيخ وغيره من علماء الشيعة هذا الاستدلال فلان العمل الصالح المذكور في الايات يختص بما كان من احكام الشريعة الناسخة و يؤتى بقصد أمره فلا يشمل ما عمل بدون ما يشترط في صيرورة العمل صالحا فتدبر واجيب بأجوبة أخرى أيضا فراجع. واما مسألة اجتماع الكفر مع معرفة الله (تعالى) وعدمه، فالظاهر ان المراد به الملازمة بين المعرفة والايمان وبين الجهل والكفر - والمشهور بين الشيعة خلافه وان الكفر يجتمع مع العلم والمعرفة من باب العناد والجحود كما قال (تعالى) وجحدوا بها واستيقنتها انفسهم ظلما وعلوا 14 النمل واما الايمان فلا ينفك عن المعرفة فنصف ما ذكره الشيخ وهو عدم تصور الايمان بدون المعرفة موافق للمشهور ونصفه وهو عدم اجتماع الكفر مع العلم و المعرفة خلاف المشهور. (89) قوله في القول 63 (ومعى بهذا القول أحاديث عن الصادقين (ع)

[ 332 ]

راجع الكافي المجلد الرابع كتاب الايمان والكفر باب (ثبوت الايمان و هل يجوز ان ينقله الله) و (باب المعارين) و (باب علامة المعار)، منها ما رواه عن ابي الحسن موسى (ع): إن الله خلق خلقا للايمان لا زوال له، وخلق خلقا للكفر لا زوال له وخلق خلقا بين ذلك اعارهم الايمان يسمون المعارين...) الكافي ج 4 ص 146. (90) قوله (وهو مذهب كثير من المتكلمين في الارجاء) اقول: ربط هذه المسألة بالارجاء من جهة أن مبنى الارجاء على أن الاصل هو العقيدة، وأن العمل اما لا دخل له اصلا كما تقوله المرجئة أو أن دخالتها فرعية في المترتبة الثانية من الايمان كما تقوله الشيعة، وعلى التقديرين فالقول بالموافاة وهو ان من ختم له بالايمان وكان طول عمره كافرا لا يمكن عده مؤمنا الا على القول بان دخالة العمل فرعية كما هو مقتضي الارجاء، واما على القول بدخالته بالاصالة كما يقوله مخالفو الارجاء من الخوارج والمعتزلة فكيف يمكن الحكم بايمان من ختم له بالايمان وكان طول عمره عاصيا لله (تعالى). وكذلك من ختم له بالكفر وكان طول عمره مطيعا ظاهرا ويعمل الاعمال الصالحة، فان عده كافرا على القول بالارجاء - وهو قلة الاهتمام بالعمل - يمكن استنتاجه، واما بناء على قول المخالفين للارجاء، وهو ان العمل هو الاصل في كون الانسان مؤمنا كما يقوله الخوارج، أو في نجاة المؤمن من النار ودخوله الجنة كما تقوله المعتزلة، فلا يمكن القول بسقوط كل الاعمال التي عمله طول عمره لاجل الكفر الذي ختم به أمره. والحاصل ان كلا شقى الموافاة يبتني على الارجاء بالمعنى المصطلح عند

[ 333 ]

المفيد قده لا ارجاء المرجئة فان الارجاء عند المرجئة عبارة عن عدم الاعتناء بالعمل رأسا، وعدم دخله في النجاة والهلاك بالكلية. واما الارجاء باصطلاح المفيد قده فهو عبارة عن كون الايمان القلبي اهم من العمل، وكون الايمان اصلا والعمل فرعا، مع دخالة كل منهم في النجاة والهلاك. (91) قوله في القول 64 (بالاضافة) اقول: اصل وجود الصغيرة والكبيرة مما لا خلاف فيه لقوله (تعالى) ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما 31 النساء وقوله (تعالى) الذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش الا اللمم ان ربك واسع المغفرة 32 النجم وقوله (تعالى) والذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش و إذا ما غضبوا هم يغفرون 37 الشورى وقوله (تعالى) حاكيا عن الكفار يوم القيامة: ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا احصاها و وجدوا ما عملوا حاضرا 48 الكهف. مضافا إلى الاخبار المتواترة في هذا الباب ذكر طوائف منها في الوسائل في ضمن ابواب، منها باب وجوب اجتناب الكبائر، وباب صحة التوبة من الكبائر وغيرها. وعلى هذا فننظر في معنى قوله (بالقياس إلى الاخر) لا اشكال ان هذا اعتراف بوجود الصغر والكبر بالقياس ولكن ما هو ملاك الصغر والكبر القياسي والاضافي، لان هذا أيضا يحتاج إلى ملاك، فهل الملاك، كبر العمل خارجا وصغره ؟ لا اشكال في ان هذا ليس صحيحا لوجود اعمال صغيرة الحجم كبيرة المعصيته وبالعكس.

[ 334 ]

وان كان هو الله (تعالى) فمقتضاه مساواة المعاصي لان من يعصى واحد في الجميع، كما ورد من قوله (ص): لا تنظرو إلى صغر الذنب ولكن انظروا إلى من اجترأتم (مدينة البلاغه ج 2 قصار الكلمات حرف اللام) وكلما دل على نفي الكبيرة ينظر إلى هذه الجهة. وان كانت المفاسد المترتبة على المعاصي فهي وان كانت موجودة في الجملة ولكن اولا انها ربما تكون في مخالفة نفس التكليف لا في المكلف به، و ثانيا أن ملاك كبر المعصية وصغرها يجب ان يرجع إلى حيثية كونها معصية لا إلى سائر جهاتها، وهذه الحيثية عبارة عن نسبة العمل إلى امره (تعالى) أو نهيه أو إلى رضاه وسخطه (تعالى) من جهة الموافقة أو المخالفة. فكل عمل كان موجبا للبغض والسخط الشديد لله (تعالى) فهو معصية كبيرة، وكل عمل كان سببا لبغضه (تعالى) وسخطه اقل منه يكون معصية صغيرة، وقد ثبتت الشدة والضعف في المبغوضيته وفي كون العمل باعثا لسخطه (تعالى) وان كان ذاته (تعالى) لا تفاوت فيها ولا فيما يرجع إليها، فيكفي في ثبوت الصغر والكبر ما ذكرناه والظاهر أن الشيخ المفيد قده أراد أيضا بنفي الصغيرة أولا وإثباته بالاضافة ما ذكرناه. (92) قوله (اهل الامامة والارجاء) اقول: اتفاق الشيعة والمرجئة يكون في دعوى تساوى الذنوب ذاتا و اختلافها بالاضافة، واما نوع التساوى فالشيعة ابعد الفرق عن المرجئة هنا، و ذلك لان المرجئة تدعى ان الذنوب كلها صغائر واقعا، وانما توصف ما توصف بالكبيرة منها بالاضافة، والا فلا كبيرة في المعاصي عندهم، وذلك لان

[ 335 ]

الاعمال لا اهمية لها عند المرجئة سواء كانت طاعات أو معاصي. وهذا بخلاف الشيعة فانهم يقولون بتساوي الذنوب كلها في كونها كبيرة لكبر من يعصى ومن صدر منه الامر والنهى وانما تتصف ما تتصف بالصغر بالاضافة إلى ما هو أكبر منه. (93) قوله في القول 65 (ان لا خص الخصوص صورة) المراد به الالفاظ إلتي لا تشمل الا واحدا كما ذكره الشيخ قده في العدة، و اما قوله (وليس لاخص العموم ولا لاعمه صيغة) فعدم وجود صيغة لاخص العموم واضح لان حده ما ينتهى إليه التخصيص وليس له حد معين، الا ان يلزم الاستهجان العرفي وتخصيص الاكثر. واما عدم وجود صيغة لاعم العموم فهذا محل الخلاف بين الاصوليين فالشيخ المفيد والمرتضى وجماعة ذهبوا إلى ذلك واختار الشيخ في العدة و تبعه أكثر الاصوليين إلى زماننا هذا وجود صيغ للعموم هي حقيقة فيه. وهناك نكته تجب الاشارة إليها، وهي علة ذكر هذا البحث في علم الكلام أشار العلامة الزنجاني إليها بقوله (الكلام في...) اقول: لقد أجاد فيما أفاد الا ان موارد الاستفادة من هذا البحث لا تنحصر في آيات الوعيد في مقابل الوعيديه، بل يبحث ايضا عن آيات تتمسك بها المرجئة على عدم اهمية العمل أو قلتها كقوله (تعالى) ان الله يغفر الذنوب جميعا وقوله (ع) حب علي حسنه لا تضر معها سيئة والرواية المتفق عليها من ان من قال لا اله الا الله مخلصا دخل الجنة وغير ذلك من العمومات التي تتمسك بها الفرق الضالة لاثبات مرامها، أو تجيب عن ادلة الامامية بمبانية التي اتخذتها في مسألة العموم و

[ 336 ]

الخصوص. (94) قوله (ووافق الراجئة أهل الاعتزال) اما تكون الجملة مستأنفة والراجئة منصوبة، وأهل الاعتزال مرفوعة، يعني انهم ايضا ذهبوا إلى عقيدة الراجئة في العموم والخصوص. واما ان تكون الجملة معطوفة على قوله شذ يعني الا من شذ من الامامية ووافق الراجئة الذين هم أهل الاعتزال ولازمه تقسيم الراجئة إلى قسمين الموافقين لاهل الاعتزال والمخالفين لهم وكيف كان فالعبارة غير واضحة المراد. (95) وقوله (وكافة متكلمي الامامية) الظاهر انه قده استفاد هذا من اجماعهم على عدم قبول حمل عمومات الوعيد على العموم، والا فقد أشرنا إلى انه خلاف الواقع. فعقيدة الشيعة ان هناك الفاظا هي حقيقة في العموم لا يحتاج حملها عليه على قرينة، بل يكفي عدم القرينة على التخصيص، نعم إذا ثبت وجود القرينة على الخصوص لا يحمل على العموم ومن موارده عمومات الوعيد. (96) قوله في القول 66 (بل اقيدهما جميعا) اقول: في العبارة ابهامات عديدة: الف: ان ظاهر عبارته تقابل الايمان مع الفسق حيث قال مؤمن بما معه... وفاسق بما معه الخ مع انه لا يلتزم به لا هو ولا غيره الا الخوارج القائلين بكفر مرتكب الكبيرة.

[ 337 ]

ب: جعل قوله قده مخالفا لبني نوبخت لا وجه له مع ان مال القولين إلى واحد، فان بني نوبخت أيضا لا يريدون بقولهم مؤمن الا الايمان بالله و بالنبي (ص) الخ. ج: ومنها قوله مؤمن بما معهم وفاسق بما معهم الخ، فانه ان أراد التقييد المعنوي الواقعي فهو مستدرك كما أشرنا إليه فان متعلق الايمان هو الله و النبي (ص)... ولا يمكن أن يتعلق الايمان بما تعلق به الفسق، كما انه لا يمكن تعلق الفسق بما تعلق به الايمان. ولكن هناك نكتتان تنحل بهما جميع الابهامات: احدهما أن يكون قصده من هذين التقييدين الاشاره إلى دخل المعاصي في الايمان كما يظهر من الايات والروايات وهذا وإن كان أقرب إلى مراده من جهة، ولكن يرد عليه انه اما أن يريد عدم الايمان في الفاسق أو يريد ضعفه وقلته، فالاول مخالف لقول الشيعة وأكثر المسلمين ويوافق الخوارج و المعتزلة والثاني يقتضي صحة الاطلاق بدون التقييد، فان من عنده الايمان ولو ضعيفا يصح اطلاق المؤمن عليه من دون تقييد. الثاني ان يكون بحثه في التسمية والاطلاق اللفظي كما يشير إليه عنوان البحث (بالاسماء والاحكام) وقوله (لا اطلق... في تسميتهم... وامتنع من الوصف لهم بهما من الاطلاق واطلق لهم اسم الاسلام...) فالفاسق وان كان مؤمنا واقعا فاطلاق كلمة المؤمن عليه بلا قيد لا يجوز عند الشيخ وكذا اطلاق الفاسق، وحينئذ ينحل جميع الاشكالات ولا يرد عليه قده شيئ. (97) قوله في القول 67 (بما قدمت ذكره)

[ 338 ]

قد مر في القول 16 وسيأتى أيضا في القول 68 و 69 و 70 و 71، و بمراجعة جميع الابواب في التوبة لا يبقى إبهام فيها. (98) قوله (وان ترك فعل امثال الخ) يعنى تركه من دون ندم على ما سبق مع العزم على ترك المعاودة في المستقبل أو بالعكس بان كان الندم موجودا بدون العزم، أو انتفيا معا بان تركه لعدم خطور المعصية بباله أو لعدم اشتهائه لها أو لعدم قدرته عليها أو لتضرره بها، أو فعلها فتركها للضرر الدنيوي لالله (تعالى). (99) قوله في القول 70 (سئل الناس الصلة) اقول: لا اشكال في ان من كان عليه شيئ من حقوق الناس ولم يتمكن من ايصالها إلى اصحابها اصلا بوجه من الوجوه يكتفي بالاستغفار لنفسه و لصاحب الحق، ويسأل الله (تعالى) ان يرضى عنه، ولكن البحث في ان من يمكنه رد حقوق الناس عن طريق السؤال هل يعد هذا متمكنا حتى يجب عليه السؤال والخروج عن حقوق الناس بهذا الطريق، أو انه يعد عاجزا يكتفي بالاستغفار كما مر ؟ مقتضى التحقيق الفرق بين موارد السؤال: إذ لا اشكال في ان السؤال من الاصدقاء والاقارب إذا كان على نحو لا يستلزم وهنا للمؤمن وذلة يجب للخروج عن دين من يطلب طلبا حثيثا، واما السؤال عن العامة أو الاقارب على طريق التكدى ونحوه مما يستلزم الوهن الشديد، خصوصا إذا كان صاحب الدين لا يطالب بالشدة فلا يلزم، بل ربما يحرم، ولعل المصنف قده نظر في حكمه هذا

[ 339 ]

إلى رواية علي بن ابي حمزه حيث أن الشاب التائب خرج عن كل ماله، حتى كان علي ابن ابي حمزه يجمع له مأكله وملبسه من أصدقائه، والظاهر أنها خاصة بمورد وعمل بازيد من الواجب فان قوله (تعالى) وان كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة محكمة، ومقتضى القواعد ان يعمل بمرجحات باب التزاحم فينظر إلى اقوى الملاكين من حرمة السؤال ووجوب رد حق الناس مطلقا أو مع رعاية خصوصية الموارد. (100) قوله في القول 70 (وعوض المظلومين عنهم) اقول: المشهور على ألسنة العوام ان حق الناس لا سبيل إلى التخلص منه الا عن طريق اصحابها وان الله (تعالى) لا يتدخل فيها سواء كان من عليه الحق عاجزا عن الاستحلال عن ذى الحق أو لا ؟ ولكن مقتضى كونه (تعالى) مالكا لرقاب العبيد وان العبد وما في يده و ما في ذمته لمولاه عدم لزوم محذور من تحليله ابتداء فضلا عن ترضيته لذي الحق واستحلاله عنه بما شاء وكيف شاء. وقد وردت نصوص عن الائمة المعصومين عليهم السلام تدل على ترضيته تعالى لذي الحق ؟ منها ما ورد في دعاء يوم الاثنين من الصحيفة السجادية (... وأسألك في مظالم عبادك عندي فايما عبد من عبيدك أو امة من امائك كانت له قبلي مظلمة ظلمتها إياه في نفسه أو في عرضه أو في ماله أو في اهله أو ولده أو غيبة اغتبته بها أو تحامل عليه... فقصرت يدي عن ردها إليه والتحلل منه فأسألك يا من يملك الحاجات... ان تصلى على محمد وآل محمد وان ترضيه عنى بما شئت...

[ 340 ]

وفي الدعاء السابع عشر من الصحيفة العلوية وهو دعاء الاستغفار هكذا (... وأسالك ان تصلى على محمد وآل محتد وان تغفر لي جميع ما احصيت من مظالم العباد قبلي، فان لعبادك علي حقوقا وأنا مرتهن بها تغفرها لى كيف شئت وانى شئت يا ارحم الراحمين. (101) قوله في القول 71 (لم يوفق للتوبة ابدا) اقول: ما ذكره اشارة إلى الروايات الواردة في ذيل قوله (تعالى): ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه واعد له عذابا اليما. روى عن أبى جعفر (ع) في حديث طويل قال لما سمعه... وانزل في بيان القاتل ومن يقتل مؤمنا... عظيما) ولا يلعن الله مؤمنا، قال الله عزوجل ان الله لعن الكافرين واعد لهم سعيرا خالدين فيها لا يجدون وليا ولا نصيرا الوسائل ج 19 ص 10 وعن ابى عبد الله (ع) في رجل قتل رجلا مؤمنا قال يقال له مت أي ميتة شئت، ان شئت يهوديا، وان شئت نصرانيا، وان شئت مجوسيا (نفس المصدر) وعن ابى عبد الله (ع) سئل عن المؤمن يقتل المؤمن متعمدا هل له توبة ؟ فقال ان كان قتله لايمانه فلا توبة له، (المصدر). وقد فسر العمد في بعض الروايات بأن يكون قتله لاجل ايمانه، لا العمد المصطلح بأن يقع بينها مشاجرة فقتله. (102) قوله في القول 72 (ان يكون اضطرارا) اقول: الاضطرار في اصطلاح المتكلمين بمعنى الضرورة. وجه التسمية هو ان العلوم الاكتسابية مقدماتها باختيار الانسان بان يرتب المقدمات التي توصل

[ 341 ]

إلى النتيجة أو المعرفات التي توصل إلى التصور، أو لا يرتبها فلا يصل إلى التصور والتصديق الكسبيين، وهذا بخلاف العلوم الضرورية فانها حاصلة في الذهن بمجرد الالتفات إليها سواء أرادها ام لا فكان الانسان مضطر إلى العلم بها لا مختار. ثم ان الفرق المخالفة في هذا الباب كثيرة: منهم من يدعي الضرورة في التوحيد واثبات الصانع (تعالى) مستدلا بظواهر آيات لم يفهمها مثل قوله (تعالى) ولئن سألتهم من خلق السموات والارض ليقولن الله، وقوله (تعالى) أفى الله شك فاطر السموات والارض وغيرهما. ومنهم من يدعى عدم حصول العلم من الدلائل العقلية وانحصار افادة العلم بالدلائل النقلية مثل أكثر الا خباريين منا ومن العامة. ومنهم الاشاعرة المنكرين للسببية والمسببية بين جميع الاسباب و المسببات الخارجية والذهنية فلا ملازمة بين النار والاحراق ولا بين الفكر والنتيجة العلمية. ومنهم الذين يرون مجرد الالتفات والتوجه كافيين في صول العلم لقولهم بان العلم ليس الا التذكر كما نسب إلى افلاطون فلا يكون دخالة الفكر وترتيب المقدمات الا لكونها سببا للتوجه والالتفات كما أشار إليه العلامة الزنجاني. ومنهم من يرى كالجهمية ان المعارف الدينية يختلف فيها العباد، فيخلق الله في قلب بعضهم اليقين بالمعارف الدينية الصحيحة، وفي قلب بعضهم اليقين بالعقائد الباطلة، وفي قلب بعضهم الشك، وليس شيئ منها باختيار المكلف ولا مترتب على بحثه أو تفكره، بل الله (تعالى) يخلق أفعال قلوبهم مثل

[ 342 ]

أفعال أبدانهم. وهناك تفاصيل في المسألة أشار إليها العلامة الزنجاني في التعليقة. وما ذكره هنا هو قانون الاسباب والمسببات الثابت في عالم الكون على الاعم الدائم، ولا ينافيه الخروج عن هذا القانون في الموارد النادرة بسبب الاعجاز و خرق العادة، فان ثبوت الاعجاز وخرق القوانين من قبل مقننها أيضا من جملة القوانين في باب النبوات والشرائع، إذ لا مانع من كون قانون إلهى حاكما على قانون إلهى آخر، وعليه فلا مانع من حصول علوم كثيرة أو علم في مورد خاص من غير طريق الاكتساب المذكور، كما انه لا مانع من حصول الادراكات الحسية في بعض الموارد مع عدم اجتماع الشرائط المذكورة لها، ولكن لهما أيضا اسباب و علل اخرى مذكورة في محالها وليست جزافا. (103) قوله في القول 72 (ويخالف فيه البصريون من المعتزلة والمشبهة واهل القدر والارجاء) اقول: اما البصريون من المعتزلة فجهة مخالفتهم مضافا إلى ما نقل عن الجاحظ ما نقله قاضي القضاة في المغني في ج 12 ص 59 من اطلاقهم السمع والبصر على العلم. واما مخالغة المشبهة فلقولهم بامكان رؤية الباري (تعالى) من دون وجود شرائط الادراك الحسى واما أهل القدر والارجاء فقد أشرنا إلى قولهم في الاسباب والمسببات وفي أفعال العباد من إنكارهم ذلك وقولهم بالجزاف. (104) القول 73

[ 343 ]

راجع المغني للقاضي عبد الجبار ج 12 خصوصا الباب الخامس عشر فما بعد. (105) قوله في القول 74 (والعلم بذلك يرجع إلى المشاهدات في الوجود، وليس يتصور التعبير عن ذلك بالعبارة والكلام) اقول: اما على النحو الكلي فقد بحث عنها علماء الاصول والكلام مثل عدم امكان التواطؤ بالمكاتبة وبالمشافهة وسائر وسائل الارتباط، ثم عدم وجود الدواعي الباعثة إلى التواطؤ من الجوامع والمشتركات العقلائية، مثل كونهم جميعا أهل مذهب واحد، وكان فيما يروونه تأييدا لمذهبهم، مثل كونهم جميعا من قبيلة وكان المنقول ترويجا لها، ومثل كونهم أهل صنعة أو عمل و كانت الرواية في شأنهم مثل رواية القارئ في شأن القراء إلى غير ذلك مما ذكروه. واما على النحو الجزئي فالعلم بخصوصيات احوال الرواة، والدواعي الموجودة فيهم لا يمكن الا عن طريق المعاشرة والمخالفة أو الرجوع إلى احوالهم الشخصية عن طريق تاريخ حياتهم وهذا هو مراد الشيخ قده من قوله (والعلم بذلك الخ). (106) قوله (على الاضطرار) اقول: قد أطال المتكلمون والاصوليون البحث عن ان المتواتر هل يوجب العلم على الاضطرار كما يقوله البصريون، أو بالنظر كما يدعيه الشيخ في العدة ومعتزلة بغداد، أو التوقف كما عليه السيد المرتضى في الذريعة ؟ وفضلوا في الاستدلال والجواب بما لا مزيد عليه.

[ 344 ]

ولا استبعد امكان الجمع بين الجميع بان الاضطرار ان أريد به ما يوجد في الضروريات الاولية التي يكفي تصورها في تصديقها مثل الكل اعظم من الجزء فلا اشكال في ان المتواتر ليس من هذا القبيل، وان اريد من الاضطرار ضرورة حصول اليقين بعد تصور كونه متواترا مع شرائطه فلا ريب في صحة الاضطرار بهذا المعنى واو قد نسب العلامة الزنجاني هذا الجمع إلى الغزالي وتكلف في تطبيقه على رأيه ولا مانع منه إذا صحت النسبة. (107) قوله في القول 75 (القول فيما يدرى بالحواس...) اقول: راجع الجلد 12 من كتاب المغني للقاضي عبد الجبار. (108) قوله في القول 76 (هل هم مأمورون الخ) اقول: عنوان الباب لم يقيد بالعقل، فيوهم ابتداء ارادة الاوامر الشرعية، و عليه فيتحد مع ما بعده من البحث، ولكن سرعان ما يزول هذا التوهم بقوله (ان أهل الاخرة مأمورون بعقولهم بالسداد...) وقوله (وان القلوب لا تنقلب عما هي عليه...) فان التأمل في مجموع كلامه يوضح جليا ان المراد بالبحث هنا الاحكام العقلية أعني الحسن والقبح الثابتين في نفس الانسان وقلبه والاوامر التي يصدرها العقل أو يدركها لا الاحكام الشرعية التعبدية. (109) قوله في القول 77 (والصنف الاخر...) ربما يتوهم من تصنيفهم بصنفين انه يريد اثبات التكليف لصنف ونفيه عن الاخر، ولكن التأمل في عبارته يوضح ان تقسيمه وتصنيفه لتوقف استدلاله

[ 345 ]

على نفي التكليف به، وذلك لان علة نفي التكليف عن أهل الجنة شيئ، وعلة نفي التكليف عن أهل النار شيئ آخر، وان اشتركا في عدم كونهم مكلفين. (110) قوله في القول 78 (... أو مضطرون أو ملجأون على ما يذهب إليه أهل الخلاف). اقول: الاضطرار واسطة بين الاختيار والالجاء، وذلك ان الالجاء مثل ان يشدوا يديه ورجليه ويلقواه في البحر فلا اختيار معه اصلا، والاضطرار ان يكون صدور الفعل عنه باختيار ولكن اختياره لا يكون عن اختيار بل لتهديد و نحوه. وقد أطال العلامة الزنجاني في نقل كلام أبى الهذيل ودليله من بين ساير الاقوال وادلتها. (111) قوله في القول 79 (لارتفاع دواعي فعل القبيح عنهم على كل حال) اقول: لا خلاف بين الامامية فيما ذكره الا ما نقل عن السيد المرتضى قده فانه في رسالته في احكام أهل الاخرة مع حكمه بالاختيار في فعل الواجب والحسن، حكم بان ترك القبيح على نحو الالجاء في الاخرة، وهذا مضافا إلى شذوذه ضعيف من جهة الدليل. قال، في مقام الاستدلال على قوله: والذي يدل على صحة ما أخترناه: انه لابد ان يكونوا مع كمال عقولهم ومعرفتهم بالامور ممن يخطر القبيح بقلبه ويتصوره، وهم قادرون عليه لا محالة، ولا يجوز ان يخلى بينهم وبين فعله فلا يخلو: اما ان يمنعوا من فعل القبيح بامر وتكليف، أو بالجاء على ما اخترناه، أو بان يضطروا إلى خلافه على ما قاله أبو الهذيل ؟

[ 346 ]

ولا يجوز ان يكونوا مكلفين لما تقدم ذكره، ولا مضطرين على ما قاله أبو الهذيل، لان المضطر مستنغص اللذة غير خال من تنغيص وتكدير لكونه مضطرا... فلم يبق بعد ذلك الا انهم ملجؤن إلى الامتناع من القبيح والاجاز وقوعه منهم رسائل الشريف المرتضى ج 2 ص 141. اقول: خلاصة قوله قده الفرق بين ما يفعلون وبين ما يتركون فقال: (فالالجاء انما يكون فيما لا يفعلونه، فاما ما يفعلونه فهم فيه مخيرون، لانهم يؤثرون فعلا على غيره...). والجواب اولا بالنقض: وذلك فان الدليل الذي استدل به يأتي في فعل الواجب العقلي وما يفعلونه كما أتى في ترك الحرام. وتوضيحه: ان العبد المختار في الجنة يخطر بباله ترك الحسن فلا يخلو ان يمنع من الترك بالنهي والتكليف، أو بالجاء، أو بان يضطروا على الفعل والاول مناف لما ثبت من عدم التكليف في الاخرة، والثالث اعني الاضطرار باطل، لانه تنغيص للعيش وتكدير للذة فيثبت الثاني وهو الالجاء على الترك. ثانيا بالحل وخلاصته ان الفاعل لا ينحصر فعله أو تركه في الثلاثه بل هناك قسم رابع وهو ان يكون مختارا من دون تكليف ولا اضطرار ولا الجاء ومع ذلك يختار فعل الحسن دائما وترك القبيح كذلك لظهور الحسن عنده على نحو لا يمكن لعاقل مختار تركه وكذلك ظهور قبح القبيح على نحو لا يتصور صدور فعله من عاقل أصلا، كما ان المعصوم (ع) يفعل الحسن دائما ويترك القبيح دائما لا بالجاء ولا باضطرار بل باختيار، وكما أن بعض الامور المحبوبة دائمي الصدور مثل أكل ما يتوقف عليه الحياة وبعض الامور المبغوضة دائمي الترك مثل أكل العذرة، ولا يتوقف شيئ منهما على الاضطرار ولا الالجاء ولا توجه التكليف

[ 347 ]

إليها. وقد أشار إلى ذلك الشيخ المفيد قده بقوله (لتوفر دواعيهم إلى محاسن الافعال، وارتفاع دواعى فعل القبيح عنهم على كل حال). فما ذكره قده مضافا إلى كونه جوابا عن السيد المرتضى في اختيار الالجاء، يكون جوابا عن ابى الهذيل القائل بالاضطرار ايضا. (112) قوله في القول 85 (فانه لا يقع منه شيئ على وجه القربة إليه جل اسمه) اقول: مراده ان اعراض العبد عن اتمامه باختياره يكشف عن عدم وجود قصد القربة فيه من الاول، وعلى فرض وجود قصد القربة في شروع العبادة لا يحصل منه اعراض عن عمله اختيارا. كما ذكرنا في باب الموافاة ان ختم العمل بالخير يدل على حسن باطنه من الاول وختمه بالشر دليل على خبث الباطن من الاول. فمشابهة الاول للاخر والملازمة بينهما في الخير والشر هي الوجه المشترك بين المقام وبين مبحث الموافاة. ثم ان هذا النوع من العمل يسمى في علم الاصول بالواجب المركب الارتباطي وفيه ابحاث كثيرة ترتبط باصول الفقه. (113) قوله في القول 81 (على الاغلب فيها) افعل تفضيل من الغلبة بمعنى التسلط والقهر وكذا قوله بعد ذلك غلب فيه الايمان... غلب فيه الاسلام.

[ 348 ]

واما كلام العلامة الزنجاني فاقول: لقد أجاد فيما أفاد الا انه بقيت نكات أشير إليها. الف: اوضح احكام الدار واهمها الهجرة منه أو إليه فيجب الهجرة من دار الكفر إلى دار الاسلام، ومن دار الاسلام إلى دار الايمان لقوله (تعالى)... ألم تكن ارض الله واسعة فتهاجروا فيها...) النساء 98 ب: قوله قده (من اعتبر مع الكثرة الغلبة) أكثر من اعتبر الغلبة لم يعتبرها مع الكثرة بل جعلها ملاكا مستقلا لعنوان الدار، فلو كانت الاكثرية مع الكفار عددا ولكن كانت السلطة والغلبة مع المسلمين، والقوانين المعمولة فيها اسلامية فهى دار اسلام، ولو كان بالعكس فبالعكس، ولو كانت السلطة والغلبة مع الشيعة، وكانت اكثرية العدد مع العامة فالدار دار ايمان، ولو كانت بالعكس فبالعكس. نعم هناك جماعة اعتبروا كلا الامرين الغلبة والكثرة، وظاهر كلام المفيد قده الاول. ج: قوله قده (أو الكون في ذمة وجوار من مظهرهما) اقول: كون الغلبة والسلطة لطائفة معناه ان القوانين الجارية والامور الكلية والعامة في داخل المملكة على طبق معتقداتهم أو ميولهم ولا يستلزم ذلك سلب الحرية عن البقية الا بالنسبة إلى ما يزاحم حقوقهم لا بالكلية فتطبيق هذا القول على كلام المصنف قده بعيد، بل مختاره قده وجود الحرية التامة لاهل الدار وكونهم مسلطين على الامور قاهرين غالبين فقط لاكونهم ظالمين. وهنا نكات في عبارة المصنف قده اشير إليها. 1 - المراد بالايمان هو التشيع بالمعنى الذي تعتقده الامامية لقوله بعد ذلك

[ 349 ]

(... والقول بإمامة آل محمد...). 2 - قوله فهو دار كفر سواء كان الكفار أكثر عددا ايضا كما في الصين والهند وغيرهما أو كانوا مسلطين مع قلة عددهم كما في لبنان. وقوله (فهو دار ايمان). اقول: سواء كان عدد الشيعة أكثر مثل ايران أو كانوا اقلية غالبين مثل العلويين في سوريا على فرض غلبتهم وقوله (فهو دار إسلام) سواء كان عدد أهل السنة أكثر مثل السعودية أو كان عددهم أقل ولكن كانوا مسلطين كالعراق. 3 - قوله (وقد تكون الدار عندي دار كفر ملة وان كانت دار اسلام) المراد بكفر ملة ما ذكره في القول 6 من قوله اتفقت الامامية على ان من أنكر إمامة أحد من الائمة وجحد ما أوجبه الله (تعالى) من فرض الطاعة فهو كافر ضال مستحق للخلود في النار... وقال في كتاب الجمل في معنى كفر ملة (... ولم يخرجواهم بذلك عن حكم ملة الاسلام إذ كان كفرهم من طريق التأويل كفر ملة... وان كانوا بكفرهم خارجين من الايمان مستحقين اللعنة والخلود في النار...) الجمل ص 30. والمراد باسلامهم الاحكام الفقهيه الظاهرية التي عنر عنها الفقاء بقولهم كفار محكومون ببعض أحكام الاسلام مثل الطهارة الظاهرية وحل الذبايح و نحوها. وقد مر ان ما ذكره في كتاب الجمل مخالف لما هو من ضروريات فقه الشيعة من نجاسة الناصبي وكفره ظاهرا وباطنا، ومعلوم ان انصب النواصب و اصلهم وامامهم الذين اسسوا أساس ذلك وبنوا عليه بنيانه هم الذين غصبوا حقه وحاربوا أمير المؤمنين (ع) وقاتلواه ودعوا الناس إلى حربه، فمن أولى منهم

[ 350 ]

بالكفر والنجاسة، ترتيب جميع احكام الكفر القاهرية والباطنية. (114) قوله في القول 82 (ويخالف فيه الملحدون) اقول: نسبة الجزء التذي لا يتجزي إلى الموحدين ونسبة القول بالتجزية إلى الملحدين مبنى على ما تسالموا عليه تبعا للفلاسفة من انتهاء الاجسام إلى البسائط والعناصر: الاسطقسات على ما فرضوه من توقف القول بالتوحيد عليه، وان انكاره واختيار القول الاخر المنسوب إلى ذيمقراطيس المتهم بانكار الصانع - وان شكك فيه صاحب الاسفار - مستلزم لانكار الصانع، وقد ثبت الان في العلوم الطبيعية بطلان العناصر الاربعة والاسطقسات بالمعنى المذكور، بل جزؤا كلا من العناصر الاربعة إلى اجزاء كثيرة. وثبت ايضا بطلان البناء بما ذكر في محله، وانه يمكن إثبات الصانع على المباني العلمية الجديدة احسن من المباني الثابتة في الفلسفة اليونانية. وعليه فكل ما يذكر في هذه الابواب من نسبة القول إلى اجماع الموحدين أو الملحدين فهو مبنى على الملازمات المسلمة عندهم أو بالاقل عند الشيخ المفيد قده بحيث لم يحتمل الخلاف في الملازمة بين ما ذكره من المقدمات العقلية وبين النتائج الدينية الاعتقادية، فنسب الاجماع المنعقد من الموحدين على النتيجة إلى المقدمة، واجماع الملحدين في زمانه على نقيض النتيجة اجماعا منهم على نقيض المقدمة، والا فلا معنى لدعوى الاجماع في المسائل العقلية المحضة في الامور الغير الدينية. (115) قوله في القول 83 (بما يختلف في نفسه من الاعراض)

[ 351 ]

يعنى ان الاختلاف في الاعراض ذاتي وفي الجواهر بسبب عروض الاعراض، وقد ذهب النظام إلى انها مركبة من اجسام صغار مختلفة بذاتها. وأجاب عنه المتكلمون بان الاختلاف بحسب انواع الجسم لا في اصل مفهوم الجسمية وفيه ان الاشتراك في جنس الجسم لا ينافي ثبوت الاختلاف الذاتي بين الاجزاء بسبب كونها انواعا متبائنة كما في كل نوعين داخلين تحت جنس. والمهم ان الفلسفة الحديثة قد ابطلت كثيرا من المباني الثابتة في الفلسفة القديمة والكلام القديم بما يغنى عن تضييع العمر في الدفاع عنها. (116) قوله في القول 84 (وبه فارق معنى ما خرج عن حقيقته) اقول: لا اشكال ان الجوهر بالمعنى الفلسفي اعم من الجسم المتحيز و يشمل الجواهر المجردة المستغنية عن المكان والحيز والزمان وساير الاعراض، و لكن قد أشرنا سابقا ان إصطلاح المتكلمين في الجوهر يختلف عن الحكماء، فهو عندهم بمنزلة العناصر والاسطقسات، بمعنى الاجسام البسيطه، فيشملها الاحكام الكلية للجسم ومنها التحيز وكونه زمانيا ومعروضا للعوارض وغيرها. (117) قوله في القول 87 (والجبائي وابنه وبنو نوبخت الخ) اقول: كلمة الجبائي عطف على ابي القاسم البلخي يعني ابا القاسم البلخي والجبائي وابنه وبنو نوبخت يذهبون إلى قبول جملة ما ذكرناه و يخالفوننا في سبب فنائها، وعليه فقوله (وابراهيم النظام الخ) جملة مستأنفة. ثم انه يناسب الرجوع في شرح العبارات هنا إلى شرح المقاصد ج 5 ص 98.

[ 352 ]

(118) قوله (وابراهبم النظام يخالف الجميع ويزعم ان الله يجدد الاجسام حالا فحالا) اقول: لا يبعد ان يكون مراده ما ذهب إليه صدر المتألهين من الحركة الجوهرية التي تقتضي دخول التدرج في ذوات الاشياء وخصوصية وجوداتها التى هي الجريان والسيلان والانوجاد والانعدام بل هذا هو الظاهر من كلامه. أو يكون مراده ما ذهب إليه الفيلسوف الالماني ايناشتين من دخول الزمان في داخل ذوات الاشياء كالبعد الخامس على فرض صحته - ولو كان مراد اينشتاين عين ما ذهب إليه صدر المتألهين كما ادعاه البعض فلا مانع من نسبة قولهما إلى النظام ايضا. وهو بسبق حائز تفضيلا مستوجب ثنائي الجميلا كما ان قوله في الجسم بانه مركب من اجزاء صغار لطيفة مختلفة في الطبيعة يمكن تطبيقها على الاراء الحديثة في الالكترون والبروتون والله العالم. ومن هنا تعرف ما في كلام العلامة الزنجاني في تعليقته من (ان العلم ببقاء الجواهر وما يتألف منها الاجسام يشهد به الضرورة ولا ينازع فيها الا مكابر). اقول: ان اراد البقاء الحسى فهذا واضح لما نرى من بقائها ظاهرا ولا ينافى ما ذكره صدر المتألهين وايناشتين إذ ليس ما ذكروه بحثا عرفيا حسيا حتى يجاب بالحس ونحوه، بل عقلي يثبت أو ينفى بالبراهين المناسبة له. (119) قوله في القول 89 (وقد ذكرت ذلك في الجواهر المنفردة)

[ 353 ]

اقول: ذكره في القول 87 ذكر هناك بقاء الجواهر التي هي اجزاء الجسم فيكون لازم بقائها بقاءة ايضا. (120) قوله (والتأليف عندي وسائر الاعراض لا تبقى) عطف على قوله (فالاجسام من نوع ما تبقى) وعليه فالمعنى ان الجسم يبقى ولكن التأليف والاعراض لا تبقى وحينئذ يرد عليه انه ليس الجسم الا نتيجة تأليف الجواهر فكيف يبقى الجسم من دون تأليف الا ان يحمل على تأليف الاجسام بعضها مع بعض. ويمكن ان يكون (الواو) في (والتأليف) مصحف (في) من غلط النساخ والصحيح هكذا (فالاجسام من جنس ما يبقى وقد ذكرت ذلك في الجواهر المنفردة في تأليف عندي) ويكون جملة وساير الاجسام مستأنفة. (121) قوله في القول 96 (وعلة سكونها انها في المركز) اقول: فكان الشيخ قده اعترف ان الارض على فرض عدم كونها في المركز لا تكون ساكنة فإذا ثبت الان انها ليست في المركز بل هي من اقمار الشمس يثبت قهرا عدم سكونها بل حركتها وهذه ايضا مثل بقية الاراء التي اخذها المتكلمون من الحكماء وربما بنوا عليها آراء اعتقادية مع تبين فساد المبنى خصوصا في زماننا هذا. (122) قول المحشى في القول 97 (كما صرح به الامام فخر الدين الرازي في اربعينه)

[ 354 ]

اقول: في كلامه مواقع للنظر: الاول قد مر ان المباني التي كان الحكماء كلهم أو مع المتكلمين مجمعين عليه وربما بنوا عليها بعض العقائد الاسلامية انهدمت بالعلوم الجديدة وظهر عدم ابتناء العقيدة عليها، فكيف بالمسألتين العقليتين التين ادعى الفخر الرازي بناء مسألة المعاد عليهما ولم يوافقه المحققون من الحكماء والمتكلمين. الثاني ان دعوى اتفاق جمهور المتكلمين على ثبوت الخلا جزاف. نعم من رأى الملازمة بين ثبوت الخلا وبين المعاد الجسماني ربما يجعل الاتفاق على جسمانية المعاد اتفاقا على ثبوت الخلا، ولكنه باطل لعدم ثبوت الملازمة عند جميع المتكلمين. الثالث نسبة القول بثبوت الخلا إلى المفيد ودعوى الغلط في عبارته بهذه السعه وعلى خلاف صريح العبارة ثم تصحيحها بما ذكره المحشى اهانة بالشيخ المفيد وبالنسخ الكثيرة المتفقة على عبارة واحدة لا داعى لها بل من باب الزام ما لا يلزم. مضافا إلى عدم صحته في نفسه. وحاصل ما ذكرنا ان الحق عدم ثبوت الخلا كما اختاره الشيخ قده اولا و عدم ابتناء مسألة المعاد به ثانيا وصحة العبارة المذكورة في المتن ثالثا. اما اصل مسألة وهي عدم ثبوت الخلا فقد بحث عنه مفصلا في الاسفار ج 4 ص 49 و 34. واما عدم ابتناء مسألة المعاد عليه فخلاصة الجواب ان الالتزام بالخلا ينشأ من طلب المكان للجنة والنار وانهما أو احدهما لو حصل فوق العالم الذي كانوا يعبرون عنه بمحدد الجهات يلزم ان يكون في اللامكان مكان وفي اللاجهة جهة، وان كان في داخل طبقات السماوات والارض فيلزم اما التداخل واما

[ 355 ]

الانفضال بين سماء وسماء وهو الخلا، والكل مستحيل. وهذا كما ترى مبنى على فرض الجنة والنار في الجهات الامتدادية الوضعية، وفي زمان من الازمنة المتصرمة. مع ان اصل اثبات المكان على هذا الوجه للجنة والنار باطل، وذلك لما أشار إليه في الاسفار من (ان عالم الاخرة عالم تام لا يخرج عنه شيئ من جوهره وما هذا شأنه لا يكون في مكان كما ليس لمجموع هذا العالم ايضا مكان يمكن ان يقع إليه اشارة حسية وضعية من داخله أو خارجه لان مكان الشيئ انما يتقرر بحسب نسبته إلى ما هو مباين له في وضعه خارج عنه في اضافته، وليس في خارج هذا الدار شيئ من جنسه والا لم يوجد بتمامه، ولا في داخله ما يكون مفصولا عن جميعه، فلا اشارة حسية إلى هذا العالم إذا اخذ اخذا تاما لا من داخله ولا من خارجه فلا يكون له اين ولا وضع، ولهذا المعنى حكم معلم الفلاسفة بان العالم بتمامه لا مكان له فقد اتضح ان ما يكون عالما تاما فطلب المكان له باطل، والمغالطة نشأ من قياس الجزء بالكل والاشتباه بين الناقص و الكامل إلى أن قال فقد ثبت وتحقق ان الدنيا والاخرة مختلفتان في جوهر الوجود غير منسلكين في سلك واحد فلا وجه لطلب المكان للاخرة...). اقول: وإذا كان طلب المكان للاخرة لعدم احتواها ودركها كان الالتزام بالخلا وغيره من المحالات لتصحيحه من باب الفرار من المطر إلى الميزاب كما صدر من امام المشككين في اربعينه وفي غيره. مضافا إلى بطلان الاراء المذكورة في الافلاك. (123) قوله (لما صح فرق بين المجتمع والمتفرق من الجواهر والاجسام)

[ 356 ]

اقول: إذ الفرق بينهما من جهة ان المجتمع ما لم ينفصل بين الجسمين موجود آخر والمتفرق ما وقع بين الجسمين موجود آخر فالموجودان اللذان بينهما خلا مجتمعان لعدم حيلولة موجود بينهما إذا لخلا ليس شيئا، ومفترقان لتخلل الخلا بينهما. ثم ان الخلا انما يعد خلا باعتباره خلوا عن كل وجود، فإذا فرضناه امرا موجودا كما ذكر الرازي صار ملا وهو خلاف الفرض. (124) قوله في القول 98 (وانه لا يصح تحرك الجوهر الا في الاماكن) قد تكرر نظير هذه العبارة من الشيخ في هذا الكتاب، ومراده ليس تخصيص حركة الجواهر بالاماكن بل الحركة في الزمان وغيره إيضا لا ينكره، بل مراده تخصيص احتياج الجواهر بالمكان بحال حركتها، وانها لا تحتاج إلى المكان الا من حيث كونها متحركة كما صرح به سابقا. (125) قوله في القول 99 (وعلى هذا القول ساير الموحدين) اقول: اصل البحث عن الزمان ثم تفسيره على نحو لا يشمل الفلك فما فوقها، ثم جعله قولا للموحدين اشارة إلى ان تصريح المتكلمين بالحدوث الواقعي للعالم في مقابل الفلاسفة القائلين بالحدوث الذاتي لا يستلزم الحدوث الزماني، بل هو جمع بين اثبات الحدوث الحقيقي في متن الواقع وبين انكار الحدوث الزماني بهذا المعنى الا أن يفسر الزمان بمعنى آخر. (126) قوله في القول 100 (يتهيأ بها الفعل للانفعال)

[ 357 ]

اقول: اتفقت النسخ على ذكر كلمة الفعل مع انه لا مناسبة له، لان الطبيعة تجعل محلها متهيأ للانفعال الخاص به لا الفعل إذ ما معنى تهيأ الفعل للانفعال ؟ فالاصح ان كلمة (الفعل) تصحيف (المحل) أو (الجسم) ويؤيد تمثيله بالبصر وما فيه من الطبيعة التي بها يتهيأ لحلول الحس فيه فقد جعل التهيأ صفة لمحل طبيعة البصر. (127) قوله (ومن اجله ما امكن بها الاحراق) ظاهر العبارة يفيد خلاف المقصود، فانه يفيد ان الطبيعة من اجلها لا يمكن الاحراق وان طبيعة النارية تمنع من الاحراق، وعليه اما تكون كلمه (ما) زائدة في (ما امكن) أو تبديل كلمة (من اجله) بكلمة (من دونه) واما احتمال كون (ما) موصولة فلا يرفع الركاكة عن اللفظ وان صحح المعنى. (128) قوله (وان ما يتولد بالطبع فانما هو لمسببه بالفعل في المطبوع وانه لافعل على الحقيقة لشيئ من الطباع) اقول: صرح الشيخ اولا بتأثير الطبيعة في تهيأ المحل لقبول الاثر وان الطبيعة لها سنخية مع الاثر الخاص بها مثل الاحراق مع النار ونحو ذلك. وعليه فيجب تفسير عبارته هنا بما لا ينافى ما ذكره اولا فيكون مراده من كون ما يتولد بالطبع لمسببه لالها، الاشارة إلى ان من اشعل نارا واحرق شيئا ينسب الاحراق إليه لا إلى النار، وهذا بحث عرفي لا فلسفي. بخلاف البحث الذي أشار إليه في اول الفصل وهو مدخلية الطبيعة في ترتب الاثر ووجود سنخية بين الطبايع وآثارها إذ هو بحث معنوى واقعى وقع بين الاشاعرة وبين

[ 358 ]

جميع العقلاء، فان عقلاء العالم يحكمون ببديهة عقولهم بان النار تحرق والعين تبصر والانف تشم والرجل يمشى الخ وانه ليس نسبة الاحراق إلى النار والماء على السواء، ولا نسبة الرؤية إلى العين وإلى الرجال على نهج واحد ولا نسبة الرؤية إلى العين كنسبة المشى إليها وهكذا. والاشاعرة نفوا هذا الامر الوجداني وحكموا بتساوي نسبة آثار كل طبيعة إليها وإلى غيرها فسووا بين نسبة الرؤية إلى العين وإلى الرجل، كما سووا بين نسبة الرؤية والمشى إلى العين. ومن غريب ما صدر من العلامة الزنجاني انه نسب قول العدلية إلى الفلاسفة الطبيعيين وفسره على نحو ينطبق تماما على عقيدة جميع العقلاء و مهنم الشيعة إذ ليس فيه ما ينافي التوحيد الا على مذهب الاشاعرة المنكرين للاسباب والمسببات أو الوهابيين الذين يرون اثبات الافعال لغير لله (تعالى) منافيا للتوحيد، ولكنه غلط واضح منهم إذ كما ان اثبات الافعال الاختيارية للعباد لا ينافى التوحيد، كذلك اثبات الافعال الطبيعية للطبائع، بل كلها من ادلة التوحيد. ومن الغريب انة قده ذكر أولا مذهب أكثر الموحدين على نحو لا ينطبق الا على مذهب الاشاعرة، ثم نسب ما هو عقيلة الشيعة وسائر العدلية إلى الطبيعيين، ثم ذكر مذهب الاشاعرة اخيرا على نحو لا يوجد فرق معنوي بينه و بين ما جعله مذهب أكثر الموحدين الا في ذكر كلمة (عادة الله) في هذا دون ذلك وهذا لا اثر له بعد ما فرضنا ان افعال الطبايع لا تستند إليها اصلا بل هي من فعل الله (تعالى) فحينئذ يلازم هذان الالتزام بان عادة الله جرت على خلق هذه الاثار بعد هذه الطبايع.

[ 359 ]

واما ما ذكره المصنف من قوله (وانه لا فعل على الحقيقة لشيئ من الطبايع) فسواء اريد بمسببه مسبب الاسباب جل شأنه أو الانسان الذي يستفيد من الطبيعة مثل من يشعل النار ليحرق بها، فليس مراده أن النار لا أثر لها في الاحراق، بل المراد ان الفعل يستند إلى المسبب فيقال ان الله يحرق أهل المعصية بالنار أو ان زيدا احرق الخشب بالنار. وهناك خلاف آخر بعد الاتفاق على وجود التأثير والتاثر بين الاسباب والمسببات في ان هذه الطبايع هل توثر بنفسها مستقلة أو بسبب مسبب الاسباب ؟ وبعبارة اخرى هل هذه التأثيرات ذاتية لها ؟ أو انها بالعرض وينتهى إلى ما بالذات ؟ فالطبيعيون جعلواها ذاتية لها مستغنية عن مسبب الاسباب والموحدون يجعلونها منتهية إلى الفاعل الحقيقي ومسبب الاسباب. وهذا الاحتمال اولى بان يجعل تفسيرا لقول المصنف (فانه لمسببه وانه لا فعل على الحقيقة لشئ من الطباع). (129) قوله في القول 101 كما في بعض النسخ (ولا اراه مسندا لشيئ من التوحيد) الظاهر انه تصحيف كلمة (مفسدا) إذ لا معنى لكلمة (مسندا) هنا سواء قرء بصيغة الفاعل أو المفعول. (130) قوله في القول 102 (بلا فصل) الغرض من عنوان هذا الباب ازاحة شبهة ص لبعض المتكلمين توهموا

[ 360 ]

امكان الفصل بين الارادة والمراد بسبب ما رأوا من ان الانسان يقصد عملا ثم يصدر منه ذاك العمل بعد مضي زمان، ومنشأ غلطهم خلطهم بين مقدمات الارادة من الميل والعزم ونحوهما وبين نفس الارادة، فعنوان هذا القول للاشارة إلى ان الارادة هي الجزء الاخير من الاقدام النفسي الصادر من الفاعل متصلا بالفعل، وان ما قبله ليست ارادة. واما قوله (الا ان يمنع الخ) الصحيح هكذا (الا ان يمنع من فعل المريد غير المريد) أو (الا ان يمنع من ذلك من فعل غير المريد) يعنى يمنع من ايجاب الارادة لمرادها من جهة فعل غير المريد. (131) قوله في القول 104 (لقولي في المحدث) في العبارة ابهامات: الاول ان قوله (الفعل الذي تسميه الفلاسفة النفس) الظاهر كون كلمة الفعل تصحيف (الشيئ) أو (المكلف) لما مر في القول 54 فراجع ولم يقل احد من المتكلمين والفلاسفة بان الانسان أو النفس فعل بل الامر كما ذكرنا. ولكن حيث ان الكلام في قسمي الفعل وهما المتولد وغيره، فيناسب أو يلزم اثبات كلمة (الفعل) هنا، وعليه فجملة (وهذا مذهب اختصرته انا لقولي في المحدث) تكون جملة كاملة واضحة المعنى لان تسمية الفعل بالمحدث لا غبار عليه، كما ان كونه مقسما للمتولد وغيره واضح. غاية الامر يبقى الكلام في قوله (الفعل الذي تسميه الفلاسفة النفس) كما مر وحينئذ فراجع إلى ما ذكره الفلاسفة من المناسبات بين النفس والفعل قال صدر المتألهين في الاسفار ج 8 ص 6 (اما البرهان على وجودها - النفس -

[ 361 ]

فنقول: نا نشاهد اجساما يصدر عنها الاثار لا على وتيرة واحدة من غير ارادة، مثل الحس والحركة والتغذية والنمو وتوليد المثل وليس مبدء هذه الافعال المادة... ولا الصورة الجسمية... فاذن في تلك الاجسام مباد غير جسميتها... وقد عرفت في مباحث القوة والفعل انا نسمى كل قوة فاعلية يصدر عنها الاثار لا على وتيرة واحدة نفسا وهذه اللفظة إسم لهذه القوة لا بحسب ذاتها البسيطة بل من حيث كونها مبدء لمثل هذه الافاعيل المذكورة... فلان للنفس قؤة الادراك وهي انفعالية، وقوة التحريك وهي فعلية...) انتهى كلامه. اقول: إذا كان منشأ صدور جميع الافعال والانفعالات هو النفس، بل انما سمى النفس نفسا من هذه الجهة، ولا معنى للنفس الا هذا فحينئذ اصل مناسبة ذكر النفس في تفسير الفعل صارت واضحة، غاية الامر هي مبدء الافعال لا انها فعل، فالصحيح ان تكون العبارة هكذا (اختصرته انا لقولي في المحدث للفعل الذي تسميه الفلاسفة النفس) بقرائة (المحدث) بكسر الدال واضافه اللام على الفعل، يعني ان قولي في محدث الافعال ومبدؤها يوافق ما عند الفلاسفة ويسمونه نفسا. أو يقال انه اراد بالفعل قابليته ومبدء صدوره كما يستعمل كثيرا. الثاني من الابهامات تطبيق ما ذكره من التفسير على عقيدة الفلاسفة وقد تبين وجهه مما ذكرنا. الثالث قوله (والاصل فيه الخ) اقول: هناك ثلث مسائل: الاولى اصل كون الارادة موجبة لمرادها وهذه اتضحت في القول 102. الثانية انها موجبة لمرادها سواء كان متصلا بها ويسمى غير المتولد أو غير متصل ويسمى بالمتولد، فكلاهما يستندان إلى الارادة وكلاهما تصيران

[ 362 ]

موجبين بالارادة وهذه تبينت في القول 103. الثالثة ان النسبة بين الموجب المتولد والموجب غير المتولد هي العموم والخصوص مطلقا وهذه ذكرها في هذا القول ولا ريب في ان البحث عن النسبة بين قسمين من الموجب يتوقف على اثبات اصل الايجاب وعلى شموله للقسمين ولذا قال والاصل فيه الخ. (133) قوله في القول 105 (يولد امثاله وخلافه) اما امثاله مثل توليد المعلم العلم في المتعلم واما خلافه فمثل سرور العدو فانه يولد الحزن في عدوه وبالعكس. إلى هنا نهاية اللطيف من الكلام ومن هنا بدء في الجليل من الكلام وهو المسائل الاصليه إلى رقم 141. (134) قوله في القول 106 (ولست اعرف ببن من اثبت التولد الخ) هناك مسألتان كلامية واصولية، فالاولى هو ما بحث عنه في القول 103 وهو اثبات صدور بعض الافعال عن الانسان بالواسطة ويسمى بالتولد في مقابل من انكر استناد هذه الافعال إلى المريد وانكر ترتبه على فعله كما مر و بعبارة اخرى الاعتراف بالافعال التسبيبية وانكارها والثانية، تعرض لها في هذه المسألة وهي ان الامر بالسبب هل يلازم الامر بالمسبب أم لا ؟ وكذلك الامر بالسبب هل يقتضى الامر بالسبب أو لا ؟ وحيث انهما مبنيان على مسألة التولد فكان يتوهم الملازمة من الطرفين ولكن المفيد قده فصل بينهما فجعل الامر بالمسبب امرا بالسبب مطلقا، واما

[ 363 ]

الامر بالسبب فجعله مقتضيا للامر بالمسبب لولا المانع لا مطلقا وهذا هي التي يبحث عنها في بحث مقدمة الواجب من علم الاصول. غاية الامر حيثية البحث في الاصول كونها مما يستنبط منها الاحكام الفقهية، وحيثية البحث هنا ما يليق بشأن الحكيم وما لا يليق، في مقام التشريع والخطاب. (135) قوله في القول 108 (والبصريون الخ) في العبارة سقطات يشبه ان تكون هكذا: (والبصريون يقولون باتحاد معنى الشهوة، والدليل على تعدد معنى الشهوة ان أحد المعنيين موجود في كل حيوان بالضرورة والمعنى الاخر تعلق الامر بايجاده والنهى عنه فيلزمهم القول باتحاد الموجود والمطلوب وجوده أو الممنوع من وجوده وذلك محال، لان الامر لا يتعلق الا بما كان اختياريا وكذلك النهى إذ هو نقيض الامر). (136) قوله في القول 109 (ولا اقول في حال الايمان...) اقول: البحث في ان القدرة تتعلق بأحد الطرفين أو هي متساوية النسبة إلى الطرفين، وبالنتيجة البحث في ان الايمان والكفر مقدوران أو لا. وشبهة الجبرية هنا نظير شبهة الملحدين في انكار الخالق حيث قالوا: الخالق اما ان يعطى الوجود للموجود أو للمعدوم، فان أعطى الوجود للموجود لزم ايجاد الموجود واجتماع الوجودين لهوية واحدة وكذا إن اعدم المعدوم فان اعدام المعدوم وايجاد الموجود محالان، وإن اعطى الوجود للمعدوم، أو اعدم الموجود لزم اجتماع الوجود ولعدم في شيئ واحد. وهنا قالوا بنظير الشبهة وهو ان الذي اختار الايمان هل كان قادرا على ان

[ 364 ]

يختار الكفر في نفس الوقت أو لا، فعلى الاول يلزم تصحيح اجتماع الضدين و على الثاني يلزم علم قدرته على غير ما أختاره، وعليه فلا يكون قادرا على ما اختاره إيضا وهو الجبر. والجواب ان المؤمن كان قادرا باختيار الكفر بدل الايمان، ولم يكن مانع من جهة اخرى سوى اختياره للكفر، فهو باختياره احد الطرفين احال الطرف الاخر واما مع قطع النظر عن اختياره فماهية الفعل لا بشرط بالنسبة إلى الوجود والعدم، كما ان متعلق جعل الباري (تعالى) ايضا الماهية من حيث هي لا بقيد الوجود ولا بقيد العدم. واقول هناك ثلث مسائل، احديها ضروري الامكان، الثاني ضروري البطلان، الثالث محل خلاف. فالذي لا خلاف في امكانه أن نحكم على من هو مؤمن فعلا بانه يمكن ان يصير كافرا في المستقبل بان يكون الكفر في المستقبل بدلا عن الايمان الفعلي، وبالعكس بان يكون الايمان في المستقبل بدلا عن الكفر فعلا. وهذا هو الذي أشار إليه بقوله اخيرا (فاما القول بانه يجوز من الكافر الايمان في مستقبل اوقات الكفر...) وحكمه بالامكان بمعنى الامكان الذاتي والا فبالنظر إلى ادلة الموافاة يعتقد الشيخ عدم وقوعه. واما الذي لا خلاف في بطلانه فهو ملاحظة حال المؤمن بوصف انه مؤمن وانه بهذا اللحاظ وبقيد اتصافه بالايمان هل يمكن كون الكفر بدلا من ايمانه أم لا وبالعكس وهو ان الكافر بقيد كونه كافرا هل يمكن اتصافه بالايمان، وهذا يكفي تصوره في انكاره والحكم باستحالته، وذلك لان ثبوت الايمان للمؤمن بقيد كونه مؤمنا والكفر للكافر بقيد كونه كافرا ضروري بشرط

[ 365 ]

المحمول، فاثبات ضدهما حكم باجتماع الضدين، وأشار إليه بقوله (ولا اقول في حال الايمان الخ). واما الحكم بامكان الكفر للمؤمن حال ايمانه، وبامكان الايمان للكافر حال كفره، ولكن لا بقيد الايمان والكفر بل بنحو القضية الحينية والعنوان المشير، فيقال هذا المؤمن قد كان يجوز ان يكون كافرا في حال ايمانه ويصير الكفر بدلا من ايمانه وكذلك الكافر كان يجوز أن يكون الايمان بدلا عن كفره. فهذا محل خلاف بين المجبرة وغيرهم، فالمجبرة يقولون بضرورة الايمان لذات المؤمن والكفر لذات الكافر كما في الصورة الثانية والعدلية قالوا بامكان بدلية كل من الايمان والكفر عن الاخر، وليست هناك ضرورة ولا استحالة الا بتبع حسن اختيار العبد أو سوء اختياره وإلى هذا أشار بقوله: واقول ان الكفر قد كان يجوز الخ وفي وسط المسألة بقوله: وإذا قال قد كان يجوز الخ وفي آخر المسألة بقوله وانما خلافهم في الاول. (137) قوله (وذلك ان جواز الضد هو تصحيحه وصحة امكانه وارتفاع استحالته الخ) اقول: اشارة الى القاعدة المسلمة من ان المحال كما لا يحكم بوقوعه لا يحكم بامكانه ايضا، وانه كما لا يعلم لا يحتمل إيضا فاجتماع النقيضين والضدين لا يحكم بجوازه ولا يصحح ولا يجوز. (138) قوله في القول 112 (من اصحاب الاصلح) اقول: اشارة إلى ان الحكم بعدم جواز اخترام هذين الشخصين لا يبتني

[ 366 ]

على العدل وعلى لزوم رعاية المصلحة إذ لا يلزم ظلم ولا خلاف مصلحة من اخترامه بعد ما كان مختارا واختار الكفر أو الفسق باختياره، نعم لم قلنا بوجوب اللطف على الله (تعالى) الذي هو مرتبة زائدة على العدالة وعلى رعاية المصلحة وقلنا بانه كما يجب على الله (تعالى) ترجيح الصلاح على الفساد يجب عليه ترجيح الاصلح على الصلاح فحينئذ يستنتج ما ذكره قده، راجع القول 27. فانه تعالى لو اخترم من ذكر لكان خلاف اللطف ولكان تاركا للاصلح. (139) قوله في القول 113 (لمن يستصلح به غيره) اتول: خلاصة البحث ان ايلام شخص لشخص آخر على اربعة اقسام: لان صاحب الالم اما مؤمن أو كافر وصاحب المصلحة ايضا أما مؤمن أو كافر. اما ايلام المؤمن لمصلحة مؤمن آخر فلا اشكال في جوازه كما لا اشكال في وجوب العوض عليه (تعالى)، كما لا اشكال في ايلام الكافر لمصلحة المؤمن مع عدم العوض، واما ايلام المؤمن لمصلحة الكافر فظاهر الشيخ المفيد جوازه و وجوب العوض عليه (تعالى)، واما ايلام الكافر لمصلحة الكافر فاصل ثبوته، الظاهر جوازه واما ثبوت العوض عليه فمحل اشكال. واما بناؤه على نفى الاحباط فلان كل عمل خيرا كان أو شرا إذا كان سببا لاحباط ما سبقه من ضده فحينئذ لا يمكن توجيه الم شخص لشخص آخر مؤمنا كان أو كافرا إذ لا حساب ولا موازنة على هذا القول وإلى هذا القول أشار بقوله دون من وافقني في العدل والارجاء، واما بناء على نفى الاحباط كما عليه الشيعة وان الاعمال الاصدرة من المكلفين لها حساب ميزان ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره فيستقيم هذا القول وإلى هذا أشار

[ 367 ]

بقوله (وهذا مذهب من نفى الاحباط من أهل العدل والارجاء). وخلاصة كلامه أن من قال بالعدل والارجاء مع الاحباط لا يمكنه الالتزام بهذا، ومن قال بالعدل والارجاء بدون الاحباط فيستقيم هذا على مبناه. (140) قوله في القول 116 (وبجميعه ايضا) يعني قد يعاقبهم في الدنيا في مقابل بعض معاصيهم ويبقي جزاء الباقي إلى الاخرة، وقد يجازيهم جميع معاصيهم في الدنيا فلا يبقى شيئ إلى الاخرة بل يدخلون الجنة فيها. (141) قوله في القول 115 (واما كونه ثوابا فلان اعمالهم اوجبت في جود الله وكرمه الخ) اقول، ظاهر العبارة الاستناد في كونه ثوابا على جوده (تعالى) وكرمه، مع ان ما يصل إلى العبد من طريق الجود والكرم يكون عين التفضل لا الثواب، مضافا إلى ان العطاء المستند إلى الجود والكرم لا يشترط بالاعمال. وهناك احتمال آخر وهو ان الله (تعالى) حيث انه تعهد ووعد الثواب في مقابل الاعمال وهو لا يخلف الميعاد لقبحه، فالجزاء يجب عليه في مقابل الاعمال ثوابا لوجوبه عليه (تعالى)، والقرينة على ارادة هذا الاحتمال قوله (اعمالهم اوجبت). واما ذكر الجود والكرم للاحتراز عن الوجوب من جهة عدله. (142) قوله في قوله 117 (وقد يعبر...)

[ 368 ]

ولعل من هذا القبيل قوله (تعالى) في فرعون: فاراد ان يستفزهم من الارض) 103 الاسراء، يعنى انه كان مصمما على ذلك من دون ان يصل إلى مرحلة العمل، وقوله (تعالى): فلما ان اراد ان يبطش بالذي هو عدو لهما 19 القصص أي قصد، واما الارادة المتصلة بالعمل فلا ينفصل عنه الا بقاسر خارجي. (143) قوله في القول 118 (ومحال تعلق الارادة بالموجود أو الارادة له بان يكون تقربا) اقول: ضمير له يرجع إلى الفعل يعني ارادة الفعل للتقرب وارادته بان يكون موصوفا بالتقرب وهذا البحث يمكن ان ينطبق على بحث الانقياد والتجرى المبحوث عنهما في الاصول، وان اختلفت حيثية البحث هنا مع الاصول، فالبحث هنا عن ان الحكم العقلي للارادة من الحسن والقبح والمقربية والمبعدية هل هو تابع للمراد، بان تكون ارادة الحسن حسنا مقربا وارادة القبيح قبيحا ومبعدا عن المولى ؟ أو ان الارادة ربما تخالف المراد فتكون ارادة الحسن قبيحا وارادة القبيح حسنا، أو بالاقل لا يتصف بصفة المراد وان لم يتصف بصفة ضده ايضا. فالشيخ المفيد حكم هنا بتبعية الارادة للمراد، من جهة الاحكام العقلية والشرعية فارادة الحسن حسنة، وارادة القبيح قبيحة، وارادة المقرب مقربة، وارادة المبعد مبعدة، ولا يمكن التفكيك بين حكم الارادة والمراد. وبعبارة أخرى المريد متمكن من ارادة المقرب وايجادها وعدم ارادته، وليس له ان جعلها مقربة، بل إذا اوجدها فهي مقربة أو مبعدة بنفسها كما يحكي عن الشيخ ابن سينا من ان الله ما جعل الشمش مشمشا بل اوجدها.

[ 369 ]

(144) قوله في القول 119 (وقد اطلق بعض أهل النظر) قد وردت روايات وعبارات في ادعيتهم عليهم السلام تؤيد بعض ما ذكره هذا البعض، منها ما رواه الكليني في باب ان الارادة من صفات الفعل، الحديث الثالث، بسند صحيح عن أبى الحسن (ع) (... الارادة من الخلق الضمير و ما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل، واما من الله (تعالى) فارادته احداثه لا غير ذلك لانه لا يروى ولا يهم ولا يتفكر، وهذه الصفات منفية عنه وهي صفات الخلق، فارادة الله الفعل لا غير ذلك بقوله له كن فيكون بلا لفظ ولا نطق بلسان ولا همة ولا تفكر ولا كيف لذلك كما انه لا كيف له. (145) قوله في القول 121 (وهذا مذهب كافة اهل العدل من الشيعة والمعتزلة والمرجئة والخوارج والزيدية والمجبرة باجمعهم على خلافه) لا اشكال في ان الشيعة والمعتزلة تفسير ان لكلمة اهل العدل، كما انه لا اشكال في ان المجبرة مبتدأ خبر ما بعده، واما المرجئة والخوارج والزيدية فان جعلناها معطوفة على المعتزلة يكون الجميع تفسيرا لكلمة اهل العدل مع انه لم يعهد عد المرجئة والخوارج من العدلية وان كانت الزيدية منهم. وان كان الواو في قوله والمرجئه استينافا فالمحذور يرفع من هذه الجهة و لكن يبقى الكلام في نسبته المخالفة في المعنى المذكور إلى الخوارج والزيدية فانهما يوافقان الشيعة في المعنى المذكور للشهادة. نعم المرجئة لا يبعد مخالفتهم معنا في هذا المعنى. والاولى ان تكون المعتزلة عطفا على الشيعة فتكونان تفسيرين لكلمة

[ 370 ]

اهل العدل، ثم تكون المرجئه والخوارج والزيدية عطفا على كلمة كافة، يعنى ان هذا مذهب كافة اهل العدل ومذهب المرجئة والخوارج والزيدية، ثم يستأنف بقوله (والمجبرة باجمعهم على خلافه). (146) قوله في القول 123 (ولا يوالى من يصح ان يعاديه) اقول: النسخ التي بايدينا اتفقت على زيادة لا في (لا يوالي) والظاهر انها زائدة لان الفقرتين انما يحكيهما الشيخ للرد: احديهما قوله (فاما القول بان الله سبحانه قد يعادى من يصح موالاته له من بعد) يعنى ان من كان ظاهره فعلا الكفر ولكن الله (تعالى) يعلم انه يصير في المستقبل مؤمنا محبا لله (تعالى) فالقول بان الله يعاديه الان لفسقه أو لكفره الظاهر فعلا يظهر بطلانه مما ذكرنا في باب الموافاة وقلنا بأن من كان آخر امره الايمان فان الله (تعالى) يحبه طول حياته. والفقرة الثانية قوله (فاما القول بان الله... لا يوالى من يصح ان يعاديه فقد سلف قولنا فيه في باب الموافاة) اقول: كلمة (لا يوالى) مترادف أو متلازم لقوله يعادى فكأنه قال (واما القول بان الله يعادى من يصح ان يعاديه فقد سلف قولنا فيه في باب الموافاة) ومعلوم ان سياق نقله لهاتين الفقرتين انه في مقام الرد عليهما بما ذكره في باب الموافاة، مع ان الفقرة الثانية على فرض وجود كلمة (لا) في اولها يكون عين ما ذكره في باب الموافاة، لان معناه على هذا: ان الله (تعالى) يعادى العبد الذي كان ظاهره الايمان والتقوى إذا علم انه في المستقبل يصير من اعدائه، وهذا عين عقيدته في باب الموافاة. واما إذا اسقطت كلمة لا فالمعنى انه (تعالى) يوالى الان من ظاهره فعلا

[ 371 ]

الايمان وان كان في المستقبل من اعدائه وهذا خلاف عقيدته هناك. هذا ما يرجع إلى العبارة. واما شرح المعنى فاقول: ان المفيد قده قد ربط ما اختاره في هذا المسألة بالارجاء والعدل والموافاة وقد علم كيفية ربطها بالموافاة. واما ربطها بالعدل فلانا لو قلنا بان من ظهر منه الايمان والعمل الصالح في مدة من الزمان، وكان ايمانه واقعيا حينذاك، وان كفره حدث بعد ذلك فكيف يصح الاغماض عن ايمانه وعمله الصالح في تلك البرهة من الزمان، و المعاملة معه معاملة من كان كافرا طول عمره، الا على ما اختاره في باب الموافاة من انه لم يؤمن طرفة عين فحينئذ يكون منطبقا على العدل. واما ربطه بالارجاء فلان الارجاء عبارة عن جعل الملاك الاصلى هو العقيدة دون العمل كما عليه الخوارج والمعتزلة، فحينئذ يستقيم الحكم بمن ختم له بالكفر، ان يكون الله (تعالى) عدوا له طول عمره مع ما هو عليه من ظاهر الايمان والاعمال الصالحة، وذلك لكونه في الباطن غير مؤمن بل كافرا، والمهم هو العقيدة. ويستقيم ايضا الحكم بان الله يوالى من يختم له بخير وان كان كثيرا من عمره على ظاهر الكفر والفسق لكونه في الباطن مؤمنا تمام عمره. وقد علم سابقا ان كلمة الارجاء عند الشيخ ليس بمعنى سقوط العمل رأسا كما عند المرجئة، بل بمعنى اصالة العقيدة وفرعية العلم وعدم دخله في الايمان والكفر لا عدم دخله في الثواب والعقاب اصلا. (147) قوله في القول 124 (انها قد تجب الخ)

[ 372 ]

تشير إلى ما أشار إليه الشيخ الانصاري من اتصاف التقية بالاحكام الخمسة. (148) وقوله (ولا فيما يغلب أو يعلم انه استفساد في الدين) اقول: لما كانت مسألة التقية من مصاديق باب التزاحم يراعى المرجحات المذكورة هنا وحيث ان الدين اهم من نفس المؤمن فقاعدة الاهم والمهم يقتضى ترجيح حفظ الدين على حفظ النفس. (149) قوله (وهذا مذهب يخرج عن اصول أهل العدل وأهل الامامة خاصة...) اقول: يخرج بالتشديد، مراد قده انه يستخرج على اصول أهل العدل و الامامة دون غيرهم وعليه فكلمة (عن) اما تصحيف (على) أو بمعناه. (150) قوله في القول 125 (كما تقدم في الصفة) اقول: هذا البحث مر منه في موارد من كتابه، منها في القول 18 والقول 19 ولكن البحث في الاول عن صفاته (تعالى) بالنسبة إلى ذاته، لا مطلق الصفة مع موصوفها، وفي مقابله المشبهة والاشاعرة كما أشار اليهما الشيخ في المسألتين. وبحث عنها في الاسفار ج 6 ص 133 وفي شرح المواقف ج 8 ص 44 وفي شرح المقاصد ج 5 ص 68. وفي الثاني اعني القول 19 عن الصفة والموصوف بقول مطلق وعلى

[ 373 ]

النحو العام لا خصوص صفاته (تعالى). وكلا البحثين لا يرتبطان بالمقام فان الاسم والمسمى غير الصفة والموصوف واقعا وان كان ربما يطلق احدهما على الاخر مسامحة ولهذا قال (الاسم غير المسمى كما تقدم من القول في الصفة وانها غير الموصوف) يعني ان بحث الصفة والموصوف يختلف عن بحث الاسم والمسمى وان كان مختار الشيخ في كلا المقامين الحكم بالمغايرة وعدم الاتحاد، وهذا هو البحث الرائج في علم الكلام من ان الاسم عين المسمى أو غيره ولكن هذا إيضا قد يبحث على نحو العموم وان الاسم هل له نوع من الاتحاد مع المسمى كما ربما يوهم إليه تقسيم الفلاسفة وجود كل شيئ إلى وجود لفظي ووجود كتبي ووجود ذهني و خارجي، وكما يشعر إليه إيضا ما يوجد في كلام بعض الاصوليين مثل صاحب كفاية الاصول من فانوية اللفظ في المعنى والاسم في المسمى وكونه ما به ينظر لا ما فيه ينظر وغير ذلك، أو ان الاسم غير المسمى كما اختارة الشيخ المفيد قده. وقد يبحث عن صفاته (تعالى) على الخصوص وانها هل هي عين المسمى أو غيره كما يظهر من نسبة الخلاف إلى أهل التشبيه. وهذا هو الذي اطال البحث فيه المتكلمون بعنوان البحث عن الاسم و المسمى. فراجع شرح المقاصد ج 5 ص 337 وغيره في غيره وكذا اجود التقريرات ج 1 ص 84 بحث المشتق والكفاية ج 1 ص 85 ولكن مع مغايرة جهة البحث في الاصول والكلام. (151) قوله في القول 126 (وهذا مذهب متفرع على القول بالعدل والامامة)

[ 374 ]

اقول: اما بناء على انكار العدل والقول بالجبر فلا معنى للامر بالمعروف والنهى عن المنكر، إذ هو امر مجبور لمجبور، أو نهى مجبور مجبورا فإذا فرضنا ان المطيعين والعصاة كلما يفعلونه بارادة الله (تعالى) من دون اختيار لهم، فما معنى امرهم بما لا يطيقون فعله ونهيهم عما لا يقدرون تركه. واما بناء المسألة على الامامة فلان من جملة العصاة بل رأسهم ورئيسهم الامراء والسلاطين، وهم عند أهل السنة اولوا الامر الواجب اطاعتهم و احترامهم، وايضا ما ذكره من ان بسط اليد فيه مشروط بوجود السلطان واذنه وايجابه، فالخوارج والمعتزلة لا يشترطون في الامر بالمعروف والنهى عن المنكر شرطا اصلا، بل يوجبونه على كل حال واما بقية أهل السنة فانهم يرون بسط اليد للامر بالمعروف والنهى عن المنكر خروجا على اولى الامر وشقا لعصا المسلمين وصيرورة فاعلهما من أهل البغي والفتنة فلا يستقيم على قولهم الخروج بالسيف وبسط اليد اصلا. راجع مقالات الاسلاميين للاشعري ج ص. واما على قول الشيعة فلان الامر بالمعروف والنهى عن المنكر واجبان ولكن باللسان والازيد منه مشروط باذن الامام المعصوم (ع)، ومن هنا ظهر أن مراده بالسلطان الامام المعصوم إذ لا معنى لاشتراطه باذن سلطان الجور. ولو اريد بالسلطان غير المعصوم فلا يحصل له بسط اليد الا بعد وجود السلطان الجديد والا فلا معنى للخروج على سطان باذنه، والمفروض انه لا سلطان لهم الا بعد بسط اليد فيتوقف كل من بسط اليد واذن السلطان على الاخر وبطلانه دليل على ارادة الامام من السلطان. (152) قوله في القول 127 (وان تعلق بالوجود بافعال قبيحه...)

[ 375 ]

بعد ما ظهر من تصريحاته قده انه ممن يرى امتناع اجتماع الامر والنهى لا جوازه فيما إذا اجتمعا، فحينئذ تحتمل هذه العبارة وجهين احدهما: ان العبادة إذ استكملت شرائطها واجزائها فلا يضرها الامور المقارنة بها إذ كانت محرمة أو قبيحة، مثل النظر إلى الاجنبية في حال الصلاة، فانها من المقارنات الوجودية للصلاة لا من الامور المتحدة معها وجودا. الثاني ان العبادة إذ استجمعت الاجزاء والشرائط في نفسها يحكم بصحتها وان تعلق وجودها الخارجي بافعال قبيحة تصدر من فاعلها، ولكن لا في حال الصلاة بان تصدر العبادة من مؤمن فاسق، فان اتحاد الفاعل يكون سببا لربط العبادة وتعلقها بافعال قبيحة تعلقا ما. وهذا هو الذي يعبر عنه في الفقه بشرائط القبول وان شارب الخمر والعاق لوالديه وفلان وفلان لا تقبل صلاتهم ويفرقون بينها وبين شرائط الصحة. (153) قوله في القول 128 (واستعماله على الاغلب في العصيان) عطف على كلمة (ظاهر) يعني لا بأس به إذا لم يكن بضرر أهل الايمان ولا يكون استعماله على الاغلب في العصيان. وحاصله ان المتابعة معهم يجوز بشرطين، احدهما عدم تضرر أهل الايمان، الثاني ان لا يكون مشوبا بكثرة المعصية بحيث يكون غالبا مبتلى بالمعصية كما هو شأن بساط أهل الجور من كثرة الفسق والفجور والظلم. وهنا بحث لازم وهو الفرق بين هذه العناوين الخمسة المذكورة في عبارة المفيد قده فنقول: المعاونة عبارة عن تهيئة الاسباب والمقدمات لفعل الظالم مثل

[ 376 ]

تهيئة السيف لقتله شخصا فان كان مؤمنا فحرام وان كان مهدور الدم فجائز أو واجب كما أشار إليه. واما الاعمال من قبلهم فهو الدخول في الدوائر الحكومية وقبول الاشغال والمناصب الرسمية وهذا هو الذي حكم بحرمته الا من يأذن له امام الزمان أو نائبه عند الامامية. واما المتابعة لهم فهو قبول رئاستهم وعدم الخروج عن تحت رايتهم وكونه رعية وتبعا لهم بحيث يعد من اتباع حكومته فحكم بجوازه بشرطين كما اشرنا. واما الاكتساب منهم فهو يحتمل معنيين، احدهما مطلق الصناعة والتجارة معهم مثل ان يكون بناء يبنى لهم الدار كغيرهم وتاجرا يبيع منهم المتاع كغيرهم. الثاني ان يختص بهم بحيث يقال مثلا بناء الحكومة أو نجارها أو الذي يشترى أو يبيع للحكومة فقط كما أشار إليه الشيخ الانصاري. واما الانتفاع باموالهم فهو مثل اخذ جائزتهم أو شراء الاموال التي كانت بايديهم من دون وجود شيئ من العناوين المذكورة سابقا. ولتفصيل البحث راجع مبحث معاونة الظالمين ومبحث جوائز السلطان من كتاب مكاسب الشيخ الانصاري. (154) قوله (ولست اعرف لهم موافقا لاهل الحلاف) أي من أهل الخلاف والسبب في اختصاص هذه الاحكام باهل الامامة و عدم وجود موافق لهم من المخالفين ص اختصاصهم باشتراط العصمة في حاكم المسلمين وامامهم، ولازمه كون كل من جلس مجلسهم ظالما غاصبا وكل من شاركه في ظلمه شريكا معه، واما أهل الخلاف فلا يوجد فيهم من يشترط

[ 377 ]

العصمة في الامام، بل اتفقوا على تصحيح الحكومات الجائرة في الجملة وان اختلفوا في امور جزئية. واما حكومة الفقيه وولايته فهي من فروع ولاية الامام وحكومته (ع) لا شيئ في مقابلها حتى ينافي اشتراط العصمة. (155) قوله في القول 129 (لاستحالة حصوله الا وهو فيه) لا خلاف بين الشيعة في ان ملاك حجية الاجماع كشفه عن قول المعصوم (ع) ولكن يمكن تفسير هذا بمعنى ان حجية الاجماع يتوقف على احراز اشتماله على قول المعصوم (ع) فالواجب لمن يدعي الاجماع احراز امرين: الاول احراز اتفاق العلماء، الثاني احراز وجود رأى المعصوم (ع) فيهم وحينئذ يأتي اشكالات عديدة تعرضوا لها في علم الاصول اهمها ان من احرز رأى المعصوم فلا حاجة له إلى آراء البقية وهل نسبة آرائهم إلى الحجة الواقعية الا كنسبة الحجر إلى الانسان، ومن لم يحرز رأيه فلما ذا يتكلف لجمع آراء الفقهاء، و يمكن تفسيره على نحو لا يرد عليه هذا الاشكال بان آراء العلماء امارة عقلائية وشرعية تكشف عن رأى المعصوم (ع) كشفا نوعيا مثل كون خبر الثقة ونحوه كاشفا عنه وعليه فاحراز الاجماع احراز لرأى المعصوم (ع) بالملازمة، الا ان يقوم دليل في مورد على عدم كون الاجماع فيه كاشفا، والا فالاصل في الاجماع اشتماله على رأى المعصوم (ع) وإلى هذا أشار الشيخ المفيد قده بقوله (لاستحاله حصوله الا وهو فيه). (156) قوله (ويخالفهم فيه الخ)

[ 378 ]

ليست مخالفتهم مع الشيعة في حجية الاجماع إذ هم اشد تمسكا بالاجماع منا بل مخالفتهم في كون حجيتة بتبع قول المعصوم (ع) كما ان الحجة عندنا اجماع علماء الشيعة فقط، واما عند كل فرقة فاجماع علمائهم، فكما لا تضر باجماعنا مخالفة علماء العامة بل يقويه كذلك لا يضر باجماعهم مخالفة علماء الشيعة بل يقويه. (157) قوله في القول 130 (ما يدل على صدق راويه) اقول: ذكر الراوى لا يدل على اختصاص دليل الصدق على القرائن السندية مثل الوثاقة ونحوها بل المراد كل دليل من سند الرواية أو متنها مثل كونه موافقا للكتاب ومخالفا للعامة أو نحو ذلك مما ذكروا. كما ان دلالته على صدق الخبر اعم من الدلالة الشخصية أو النوعية بان تفيد الاطمينان النوعي وغير ذلك فليس مراده ما نسب إلى السيد المرتضى من انكار حجية الخبر الواحد. والقرينة على ما ذكرت اسناده رأيه إلى جميع الشيعة بل جميع المسلمين غير متفقهة العامة واصحاب الرأى. إذ لو كان رأيه في الخبر الواحد رأى السيد المرتضى لكان رأيه مخالفا لجمهور الشيعة ولجمهور المسلمين أيضا وموافقا لمتفقهة العامة واصحاب الرأى فانهم يفرطون في رد الاخبار الاحاد. (158) قوله في القول 131: (ان حكاية القرآن قد يطلق عليه اسم القرآن.) وقع البحث بين العدلية وغيرهم في قدم كلام الله (تعالى) الذي اوحى به

[ 379 ]

إلى انبيائه عليهم السلام فاختار الاشاعرة والحشوية قدم كلامه (تعالى) وانه عين ذاته أو لا هو ذاته ولا غيره إلى آخر ما ذكروه، ثم فرعوا على ذاك البحث بحثا آخر وهو ان ما كتب في المصاحف وما يقرء في المجالس هل هو أيضا عين كلام الله (تعالى) حتى يكون قديما ومتحدا مع ذاته (تعالى) أو لا، واختار اكثرهم انه أيضا قديم لانه عين كلام الله (تعالى)، وبعضهم تلجلج في بيانه فقالوا بانه عينه من جهة وغيره من جهة اخرى، وآراء نحو ذلك، حتى ان بعضهم حكم بقدم ورق القرآن وجلده واتحادهما مع ذاته (تعالى)، ولم يخطؤا هدفهم لان الهدف من اختراع عقيدة قدم القرآن هو ادخال عقيدة التجسيم في هذا القالب بعقيدة المسلمين، إذ لا يخفى على احد ان ما تقرء هواء وما يكتب حبر و قرطاس فاتحاده مع المحكي تأليه للجسم والهواء. (159) قوله في القول 131 (ويخالف فيه) اقول: قال العلامة الزنجاني (فالالفاظ والعبارات المنزلة على الانبياء على السن الملائكة دلالات على ذلك الكلام الازلي القديم فالمدلول عنده قديم والدلالة محدثة). اقول: هذا ما فسر المتأخرون من الاشاعرة كلام شيخهم الاشعري أو بالاصح ان نقول انهم اولوا كلامه واعتذروا عما يلزمه من المناقضات بهذه التوجيهات. ولكن الدقة في كلامه كلام المتبحرين في فهم مذهبه يؤيد ما صرح به هو في كتبه واتباعه المخلصون له: من ان كلام الله الذي هو قديم هو عين المكتوب في المصاحف والمقروء على الالسن وان المقروء والمكتوب قديمان والقراءة والكتابة حادثتان ولتوضيح المطلب ننقل عبارة شرح المواقف حتى يتضح

[ 380 ]

المراد، فانه بعد ما اتم البحث عن كلام الله (تعالى) قال: (... اعلم ان للمصنف مقالة مفردة في تحقيق كلام الله (تعالى) على وفق ما أشار إليه في خطبة الكتاب ومحصولها: ان لفظ المعنى يطلق تارة على مدلول اللفظ واخرى على الامر القائم بالغير، فالشيخ الاشعري لما قال الكلام هو المعنى النفسي فهم الاصحاب منه ان مراده مدلول اللفظ وحده، وهو القديم عنده واما العبارات فانما تسمى كلاما مجازا لدلالتها على ما هو كلام حقيقي، حتى صرحوا (بان الالفاظ حادثة على مذهبه ايضا، لكنها ليست كلامه حقيقة، و هذا الذي فهمواه من كلام الشيخ له لوازم كثيرة فاسدة، كعدم اكفار من انكر كلامية ما بين دفتي المصحف مع انه علم من الدين ضرورة كونه كلام الله (تعالى) حقيقة، وكعدم المعارضة والتحدى بكلام الله (تعالى) الحقيقي، وكعدم كون المقروء والمحفوظ كلامه حقيقة إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتفطن في الاحكام الدينية فوجب حمل كلام الشيخ على المعنى الثاني فيكون الكلام النفسي عنده امرا شاملا للفظ والمعنى جميعا قائما بذات الله (تعالى)، وهو مكتوب في المصاحف مقرورء بالالسن محفوظ في الصدور، وهو غير الكتابة والقراءة والحفظ... وهذا المحمل لكلام الشيخ مما اختاره لشيخ محمد الشهرستاني في كتابه المسمى نهاية الاقدام، ولا شبهة في انه اقرب إلى الاحكام الظاهرية المنسوبه إلى قواعد الملة). انتهى كلام الجرجاني وهو والشهرستاني، اعرف بمذهب الاشعري من غيرهما. (160) قوله في القول 132 (... وليس هو رفع اعيان المنزل منه...)

[ 381 ]

اقول: يشير بهذا إلى ما ذهب إليه العامة من نزول سور وآيات نسخت تلاوتها وبقيت احكامها مثل آية الرجم وسورة الخلع وغيرهما مما رووه في صحاحهم ومسانيدهم، والاصل في اختراع هذه العقيدة كثره روايات تحريف القرآن في كتبهم المعتبرة فرأو انهم لو اعترفوا بالايات الواردة في هذه الروايات شنع عليهم مخالفوهم بسبب القول بالتحريفات الكثيرة، ولو انكروا صحة هذه الروايات على كثرتها وصراحتها سرى الشك في جميع رواياتهم وصحاحهم ومسانيدهم، وتكذيب جمع من اعاظمهم مثل عمر بن الخطاب وعائشة و غيرهما فالتجأو إلى اختراع هذه العقيدة المتناقضة في نفسها إذ ما معنى كونه من القرآن ولكن لا يقرء في القرآن بل خارجه. واشار إليه في آخر البحث بقوله (ويزعمون ان النسخ وقع في اعيان الاى...). (161) قوله (انكروا نسخ ما في القرآن على كل حال) اقول: ويظهر من سيدنا الاستاد المرجع الديني الكبير السيد أبو القاسم الخوئي رحمة الله عليه في كتابه (البيان) انكار وقوعه مع الاعتراف بامكانه. (162) قوله في القول 133 (قول أهل الخلاف...) هنا نكات تجب الاشارة إليها. الف: ما نقل العلامة الزنجاني عن الشافعي واحمد وغيرهم من عدم نسخ القرآن بالسنة ولا السنة بغيرها من قبيل قوله تع: ويقولون في افواههم ما ليس في قلوبهم، لكثرة ما نقضوا من احكام الكتاب وسنة النبي (ص) بسنة

[ 382 ]

الشيخين منها متعة النساء ومتعة الحج وغسل الرجلين في الوضوء وغير ذلك، وان احتالوا كثيرا في اخراجه من النسخ وادخاله في باب آخر. ب: ذكر الشافعي في الرسالة باب (الناسخ والمنسوخ الذي يدل الكتاب على بعضه والسنة على بعضه) ولما نراجع المثال الذي ذكره نرى ان الناسخ الاصلي فيه هو السنة وانما ضم إليه آية مع اعترافه بعدم دلالتها ليتخلص من لزوم محذور نسخ القرآن بالسنة. فراجع حتى تعرف صدق كلامنا. وقال الايجى في مختصر الاصول لابن الحاجب: الجمهور على جواز نسخ القرآن بالخبر المتواتر ومنع الشافعي رض، لنا ما تقدم واستدل بان لا وصية لو ارث نسخ الوصية بالوالدين والاقربين، والرجم للمحصن نسخ الجلد الخ وقال التفتازاني في شرحه. اقول هذا عكس ما تقدم وهو نسخ القرآن بالخبر المتواتر و قد اختلف في جوازه والجمهور على جوازه ومنعه الشافعي رحمه الله. وقد اعترف السيد شريف الجرجاني في الحاشية بان نسخ الكتاب بالخبر الواحد أيضا جوزه بعض الفقهاء. وقال الشيخ الطوسى قده في العدة ص 45 ذهب المتكلمون باجمعهم من المعتزلة وغيرهم وجميع اصحاب ابي حنيفة ومالك إلى ان نسخ القرآن بالسنة المقطوع بها جائز وإليه ذهب سيدنا المرتضى رحمه الله وذهب الشافعي و طائفة من الفقهاء إلى ان ذلك لا يجوز وهو الذي اختاره شيخنا أبو عبد الله ره،... ثم ان الشيخ ره زيف ادلة الطرفين واجاب عن جميعها وتوقف في المسالة. ج: أكثر الباحثين عن هذه المسألة جعلوا البحث لفظيا بحيث انهم بالنسبة إلى معنى واحد هو في الواقع نسخ اعترفوا بصحته بعد تسمية تخصيصا أو تفسيرا، وانكروا نفس المعنى إذا سموه نسخا وقد تكرر هذا المعنى في كتبهم

[ 383 ]

الاصولية والكلامية، ومن هذا الباب ما نقله العلامة الزنجاني عن الاعتبار للحازمي ص 27 طبع هند، فانه نقل عن احمد هكذا (عن ابي داود السجستاني قال سمعت احمد بن حنبل وقد سئل عن حديث السنة قاضية على الكتاب قال لا اجترئ ان اقول فيه ولكن السنة تفسر القرآن ولا ينسخ القرآن الا القرآن). د: قال العلامة الزنجاني قده: ويظهر من كلام المصنف ان القائل بجواز نسخ القرآن بالسنة لم يكن موجودا في زمانه من الشيعة حيث لم يذكر خلافا من الشيعة وانما نسبه إلى كثير من المتفقهة والمتكلمين...). اقول: ما ادرى كيف استظهر عدم وجود القائل من الشيعه من قول المصنف (والقول بان السنة لا تنسخ القرآن مذهب أكثر الشيعة...) اليس مقابل الاكثر هو الكثير، وعلى فرض التنزل افلا تدل هذه العبارة على عدم اتفاق الشيعة على هذا القول ووجود المخالف منهم في المسألة ثم الاغرب منه استظهاره عدم وجود المخالف في زمانه قده وليس في عبارته قده ما يستظهر منه ذلك اصلا. مضافا إلى ما مر من عبارة الشيخ الطوسي قده من اختيار السيد المرتضى لهذا القول. ه‍: البحث في نسخ الكتاب بالخبر المتواتر لم يدع احد فيها الاجماع لا من الشيعة ولا من السنة فما عن العلامة الزنجاني من ان هذا القول (نسخ الكتاب بالسنة) ظهر في العصر المتأخر... فيكون ملحوقا بالاجماع) خلط بين نسخ الكتاب بالخبر المتواتر وبين نسخ الكتاب بالخبر الواحد فالثاني قد ادعى الشيخ في العدة الاجماع على عدم وقوعه مع امكانه عقلا والاول اختلفوا في الوقوع من دون ان يدعى احد الاجماع على وقوعه وحتى الشيخ المفيد مع اختياره له.

[ 384 ]

و: قوله (ظهر في العصر المتأخر حيث وقفوا على اقاويل العامة...) اقول: العامة اولى منا بان يمنعوا من نسخ الكتاب بالسنة وذلك لان السنة عندهم كلام النبي (ص) الذى قد يهجر كما قاله عمر العياذ بالله. واما عندنا فالسنة عين الكتاب معنى لانه لا ينطق عن الهوى ان هو الا وحى يوحى فلا فرق بين السنة والكتاب الا في ان الكتاب اوحى إليه بالفاظ و معانيه والسنة من عند الله معنى لا لفظا. (163) قوله في القول 134 (فناء بعض الاجسام فناء لسائرها) اقول: الدليل على فناء العالم ان كان هو ما ذكره أبو هاشم فقد اجاب عنه قده اجمالا في القول 87 واجيب تفصيلا في كتب الشيعة والمعتزلة والاشاعرة، مضافا إلى ان ما يعتقده المسلمون موت جميع الاحياء عند نفح الصور لافناؤهم بالمعنى المصطلح عند المتكلمين وان كان ظاهر الايات والروايات الدالة على فناء العالم مثل قوله (تعالى) (كل من عليها فان) ونحو ذلك ابتداء فناء العالم ومن فيه، ولكن التأمل في جميعها والاقتصار على الظهورات العرفية يقتضي حملها على موت الاحياء لا انعدام الموجودات، وبعبارة اخرى الفناء العرفي لا الكلامي والفلسفي كما أشار إليه صاحب الكفاية قده من ان العرف يرى الموت فناء وانعداما. هذا اجمالا واما تفصيلا فقوله (تعالى) كل من عليها فان، الضمير يرجع إلى الارض فالمراد كل من على الارض، والجنة والنار ليستا في الارض، واما قوله (تعالى) ونفخ في الصور فصعق من في السموات والارض الا من شاء الله ثم نفخ فيه اخرى فاذاهم قيام ينظرون الزمر 69 فهو مضافا إلى عدم دلالته

[ 385 ]

بالفناء ولا شيئ آخر الا (الصعق) وهو كما قال الطريحي في مجمع البحرين يصعقون أي يموتون. (وقوله خر موسى صعقا أي مغشيا عليه من هول ما رأى يقال صعق الرجل صعقة أي غشى عليه من الفزع... لخوفه تصعق الاشياء أي تفزع) فله معان ثلث الفزع وان يغشى عليه من الفزع أو يموت وايا من المعاني الثلاث اريد فلا يدل الا على فزع من في السموات والارض أو غشيانهم من الفزع أو موت الاحياء منهم واين هذا من الفناء. غاية ما في الباب على فرض شمولها للجنة والنار يدل على موت الاحياء الموجودين فيهما أيضا فيما بين النفختين ولا استحالة فيه. مضافا إلى ان استثناء قوله (تعالى) (الا من شاء الله) يدل على عدم العموم في الاية وإذا انتفى العموم فلا دليل على شمول المستثنى منه للجنة والنار فلعلهما من مصاديق الاستثناء. واما الجواب عن قوله (تعالى) كل من عليها فان بان المراد بالهلاك استفادة الوجود من الغير وهما هالكان بهذا المعنى. فغير صحيح لان القرآن لا يتكلم باصطلاح المتكلمين والفلاسفة بل بالمعنى العرفي، والعرف يرى الموت فناء كما ذكره صاحب الكفاية ج 2 بحث تقليد الميت، فالصحيح ما مر من اختصاصه باهل الارض اولا واختصاصه بذوى العقول منهم ثانيا وكون الفناء بمعنى الموت ثالث. (164) قوله (خلقهما في هذا الوقت عبث الخ) اقول: لم يدل دليل من عقل ولا نقلى على انحصار فائدة خلق الجنة والنار في كونهما جزاء للمطيعين أو العاصين مضافا إلى ان دعوة العباد وتخويفهم

[ 386 ]

إلى جنة ونار موجودتين اشد تأثيرا في نفوسهم من دعوتهم إلى جنة سوف يخلق، وتخويفهم من نار سوف يوجد بعد آلاف سنة، وهذه مصلحة عظيمة تكفي في اخراج خلقهما من الان من كونه عبثا. مضافا إلى علم امكان احاطة علمنا بجميع المصالح والمفاسد الواقعيتين، إذ لعل هناك مصالح كثيرة وعظيمة خفيت علينا. (165) قوله (كابي هاشم) قد مر ذكر ابي هاشم في الفرقة الاولى حيث قال: فقال أبو هاشم بن الجبائي ثم قال وقال الاخرون يعنى فرقة اخرى وعليه ذكر ابى هاشم في هذه الفرقة غير مناسب، والصحيح وقال الاخرون وهم المتقدمون على ابى هاشم فبدل كلمة (على ابى هاشم) بكلمة (كابي هاشم) ولذا ورد في نسخة آستان قدس ونسخة الروضاتى (المتقدمون لابي هاشم) وهذا اقرب إلى الحقيقة لمجيئ اللام بمعنى على. (166) قوله في القول 135 (انما هو على الاستعارة دون الحقيقة) اقول: لا باس بنقل عين الايات ثم النظر في قبولها للتأويل، من جملتها قوله (تعالى) في سورة النور 24 (يوم تشهد عليهم السنتهم وايديهم وارجلهم بما كانوا يعملون) ومنها في سورة يس 65 (اليوم نختم على افواههم وتكلمنا ايديهم وتشهد ارجلهم بما كانوا يكسبون) ومنها في سورة فضلت 20 (حتى إذا جاؤها شهد عليهم سمعهم وابصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون... وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا انطقنا الله الذي انطق كل شيئ وهو خلقكم اول

[ 387 ]

مرة واليه ترجعون وما كنتم تستترون ان يشهد عليكم سمعكم ولا ابصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم ان الله لا يعلم كثيرا مما تعملون. هذه المسألة مثل كثير من المسائل التي كان القدماء من المتكلمين بناؤهم على لزوم تأويلها لمصادمتها للعقل وجعلوا استحالة تكلم السمع والبصر واليد والرجل مثل المحالات الذاتية التي يجب تأويل ظواهر الكتاب والسنة لاجلها، و قد مر نظيرها في مسألة حضور أمير المؤمنين عند المحتضرين ومسائل اخرى أشرنا سابقا إلى ما فيها من الاشكال وكذا رؤية الاعمال وسماع الاقوال يوم القيامة. وخلاصه هنا ان تكليم اليد والرجل مثلا ليس من المحالات الذاتية بل من المحالات العادية التي تخالف النواميس الجارية في هذا العالم لعدم تعلق ارادته (تعالى) بها، لا لعدم قابليتها للارادة أو خروجها عن حد الامكان، فقد وقع تكليم الحصى في يد رسول الله (ص) وتكليم الذئب والضب والشجر و حيث ان الدار الاخرة دار حيوان فلا يبعد ان يكون كل شيئ متكلما هناك كما يظهر من قوله (تعالى) (انطقنا الله الذي نطق كل شيئ، ولو كانت مجرد الدلالة العقلية ونحوها فما معنى قولهم لم شهدتم علينا، وجوابها بانطقنا الله الذي انطق كل شيئ. وهناك شبهة قوية يشترك فيها المعنى الحقيقي والمجازي وهي ان انطاق الجوارح إذا كان بالقدرة القاهرة ومن دون اختيار منها كما هو ظاهر الايات فما فائدة شهادتها، إذا لفائدة في الشهادة ثبوت المطلب لمنكره بحيث لا يمكنه الاعتراض، فإذا فرضنا ان الله (تعالى) ينطق الجوارح على طبق ما يريد فاما ان يكون المجرم يعترف بالحقيقة فحينئذ - يكفيه شهادة الله (تعالى)، واما ان يكون في

[ 388 ]

مقام العناد والانكار كما يظهر من عتابهم على جوارحهم لم شهدتم علينا، و عليه فشهادة الجوارح الجاء واضطرارا كيف تكون دليلا على صحة المدعى و تمامية الحجة عليه، وله ان يقول يا رب لا اقبل شهادتها لانها مجبورة مقهورة. والتحقيق في الجواب يقتضي حمل كلام الجوارح سراء كان من سنخ الكلام الواقعي أو كلاما مجازيا على ان المراد بانطاق الله (تعالى) لها خلقه لها على نحو يدخر في ذاتها الحوادث والماجريات مثل المسجل أو مثل ما يعرفه علماء الاثر في الاجزاء الباقية من الحيوانات القديمة من العلائم التي يعرفون بها مدة عمرها وسائر شرائطها. وحيث ان دلالة هذه العلائم أو دلالة صور الافلام واصوات المسجلات على مدلولاتها دلالة عقلية واقعية وليست دلالة جعلية أو قهرية بالاعجاز و نحوه بل مثل دلالة الدخان على النار وسائر الاثار على المؤثرات. فلو كان استخراج الكلام من الاعضاء والجوارح مثل استخراجه من شريط المسجل ودلالته على اصله المأخوذ منه ودلالة صور الفلم على اصلها ودلالة ساير الدوال القهرية الطبيعية على مدلولاتها. فحينئذ يكون تكلمها بمعنى انطاقها بما في ذاتها من اثر الجرم لا ايجاد شيئ ليس فيه، فمنشأ كلامها ونطقها هو الاثر الذي احدثته المعصية في اليد والرجل وغيرهما، وانطاقه (تعالى) وتكليمه لها ليس الا استخراج ما في ذاتها من الاثار أو الكلام. ولا ريب في تمامية الحجة بمثل هذا النطق والتكليم ولذا لا يعترضون عليه كما اعترضوا بشهادة الملائكة لكونها دلالة واقعية كاشفة عن الامر السابق كشفا بينا مطابقا لقانون العدل والحق.

[ 389 ]

(167) قوله في القول 137 (وجماعة من أهل الشيعة غيرها) يعني غير الامامية، وهم بعض الفرق غير الامامية وهذا التعبير منه قده شاذ لم يعهد في غير المقام، ولا يناسب تبديله باهل السنة لعدم وجود في النسخ وعدم ملائمته لما بعده ولو قلنا بزيادة كلمة (أهل) كان انسب. (168) قوله في القول 138 (يتخصص في اللفظ باسم معين) اقول: مراده به القضية الشخصية وقوله (فاما المبهم من الاخبار في الالفاظ والمعاني) ربما يتوهم شموله لجميع القضايا غير الشخصية، ولكنه باطل لمنافاته مع شرطية الابهام في الالفاظ والمعاني فلا تشمل القضايا الكلية مثل كل انسان حيوان أو لا شيئ من الانسان بفرس، بل يختص بالقضايا الجزئية والمهملة مثل قولنا بعض الانسان فاسق أو الانسان الفاسق موجود أو رايت انسانا فاسقا. وعليه فنقول ان كانت القضية الجزئية صادقة في جزئيته كالا مثلة المذكورة فلما ذا لا يحكم بصدقها فقط بل يجعل مرددا بين الصدق والكذب وان كانت كاذبة حتى في جزئيتها فلا اشكال في كذبها لا كونها مرددة بين الصدق والكذب وهذه مثل قولنا بعض الانسان حجر ونحوها وان اريد الفرد المعين الذي لا يعلم مراد المتكلم فيه مثل قوله جعفر امام ولم يعلم انه اراد جعفر الصادق أو جعفر الكذاب فهذا لا يختص بالمجنون والطفل بل في غيرهما ايضا بل جيمع الاقسام الذي ذكره يساوى فيها المجنون وغير المجنون كما يظهر بالتأمل. (169) قوله في القول 139 (وليس يصح على الكلام البقاء من حيث يستحيل

[ 390 ]

ذلك على الاعراض كلها) اقول: قد بطلت هذه المباني مع ما بنى عليها لا في مقام البحث العلمي والفرض بل في مقام العمل والواقع إذ الاصوات تسجل وتكثر وتنقل من محل إلى محل وتذاع بالراديو والتلفزيون وغيرهما. واما قوله (ولانه لو بقى لم يكن ما تقدم من حروف الكلمة اولى بالتأخر والمتأخر اولى بالتقدم وكان ذلك يؤدى إلى افساد الكلام) الصحيح هكذا (لم يكن ما تقدم من حروف الكلمة اولى بالتقدم والمتأخر اولى بالتأخر) أو هكذا (لكان ما تقدم الخ ما في العباره). وعلى اي نحو كان فالاستدلال غير تام اولا لان ادل الدليل على شيئ وقوعه وثانيا اجتماع اجزاء الكلمة في الوجود انما يكون سببا لزوال الترتيب بينها لو كان ترتيبها زمانيا فقط واما الترتب الذاتي الذي يوجد بين جميع اجزاء الكم المنفصل مثل اجزاء الزمان والعدد وغيرهما فهذا لا ينتفى بمضي الزمان واجتماع جميع اجزاء الكلمة في زمان واحد لان ترتيبها الذاتي باق كما في الكتابة. (170) قوله في القول 141 (في الزيادات في اللطيف) اقول: من اول الكتاب إلى رقم 82 كلها كانت من المسائل الاصلية الكلامية ومن رقم 82 إلى رقم 105 بحث عن اربع وعشرين مسألة من المسائل الكلامية. ثم من مسألة 105 فما بعد انتقل من اللطيف إلى سائر المسائل إلى رقم 140 ثم رجع إلى اللطيف من القول 141 إلى القول رقم 151 ثم انتقل إلى سائر

[ 391 ]

المسائل إلى آخر الكتاب ستة مسائل الا القول رقم 155 فانه قال فيه (ومما يضاف إلى الكلام في اللطيف) ثم المسألة 157 في النجوم وعليه فيصير عدد اللطيف سبعا وثلثين مسألة 37 وبقية المسائل مأة وعشرون مسألة والجميع مأة وسبعة وخمسون مسألة. (171) قوله في القول 141 (من العلم بوجود الذاهب في الجهات) اقول: لا شك ان هذه المسائل سرت إلى الكلام من الفلسفة، ولهذا كان بحث المتكلمين فيها سطحيا وما ذكره قده لا يتم لامكان تعلق الحس بالاعراض ويكون العرض حال حركة معروضه متخصصا بخصوصية يعلم عقلا حركة معروضه من خصوصية محسوسة في العرض من دون تعلق الحس بالجسم. قوله (لان كثيرا من العقلاء قد شكوا في وجود العرض) اقول: البحث عن الواقعيات والحقايق الخارجية لا تنفع فيها هذه الاستحسانات ونقل الاراء وكثرة قائلها أو قلته وان كان اصل مدعاه اقرب إلى الواقع لتأييد الفلسفة الجديدة له. (172) قوله في القول 142 (ومحال ان يكون اللابث قاطعا) اقول: المدعى لحركة جميع الاجسام بحركة بعضها يلتزم بعلم وجود لا بث فيها عند حركة واحد منها فلا يلزم المحال المذكور ولا يرى هذا محذورا. (173) قوله في القول 143 (يؤدى إلى اجتماع المتضادات) اقول: لعل مراده ان الثقيل مع فرض كونه ثقيلا معناه خرقه للهوآه و

[ 392 ]

معنى وقوفه في الهواء عدم خرقه للهواء ولازمه اتصافه بالخفة وعدم كونه ثقيلا فلزم كون الهواء رقيقا وثخينا وكون الثقيل خفيفا. ولكن هذا على فرض تماميته استحالة بشرط المحمول بعكس الضرورة بشرط المحمول يعني مع فرض بقاء الثقيل على ثقله وبقاء الهواء الرقيق على رقته يلزم المحال، والمدعي يدعي وقوف ذات الثقيل اعني الطيارة مثلا في الهواء الرقيق وان تبدل ثقله إلى الخفة بسبب السرعة، وان النبي أو الامام أو أي صاحب معجزة وكرامة حيث انه في نفسه له جسم ثقيل في نفسه وان تبدل ثقل جسمه إلى الخفة لشدة ميل روحه إلى فوق بسبب غلبة جانب الروح وتشبه جسمه بروحه في الخفة نظير العطر الذي يؤخذ من ماء الورد الذي هو جسم ثقيل ومع ذلك لا يمكن حفظه داخل الزجاجة فانه يطير إلى الهواء فإذا فرضنا ان ذات ما هو ثقيل مع قطع النظر عن خصوصية المورد وقف في الهواء فهذا كاف في المقام ولا تحتاج إلى فرض بقائه على صفة الثقل وبقاء الهواء على صفة الخفة. ولكن المهم الذي يريده الشيخ المفيد وغيره من المتكلمين اثبات الاعتماد على القوانين الطبيعية التي تحكم في العالم والنواميس والانظمة الكونية التي تجري فيها ويخضع لها عالم الكون في مقابل الاشاعرة والحشوية الذين ينكرون الاسباب والمسببات بالكلية وهذا لا ريب في صحته كما ذكره قده. إذ لولا ثبوت هذه القوانين لم تكن للمعجزات قيمة اصلا، فإذا فرضنا عدم وجود قانون يحكم بعدم امكان وقوف الثقيل في الهواء الخفيف) فما قيمة عروج رسول الله (ص) بجسمه إلى السماوات وهكذا فالشيخ المفيد يؤكد على عموم القوانين وتحتمها حتى يكون خرقها واستثنائها في بعض الموارد دليلا

[ 393 ]

على انه من عند الله الذى فرض، هذه القوانين على الكون وينقضها اينما اراد. (174) قوله في القول 144 (وذلك محال) اقول: هذه المسائل العشر بعضها احكام عقلية ضرورية يلزم من فرض خلافها المحال العقلي الذي لا تتعلق القدرة به، منها هذه المسألة والتي تلته لانها تقتضي حدوث المعلول بلا علة والقول 148 وبقية المسائل والامثلة التي ذكرت في ضمنها مثل ما ذكر في القول 145 احكام ضرورية خارجية للملازمة التي جعلها الله بين الاسباب والمسببات ويمكن نقضها له (تعالى) إذا اراد، ولكنه لا يريد نقضها الا في إلواحد من المليون وفي خصوص موارد الاعجاز واظهار الكرامات، فاطلاق الشيخ المفيد كلمة (المحال) على كلا القسمين في مقابل الذين يرون العالم فوضى لا قانون فيها، لا في مقابل الذين يدعون ثبوت المعجزات والكرامات ونقضه تعالى للقسم الثاني في موارد نادرة. كما انه قده لا يريد من ذكر (المحال) في القسمين تساويهما من جهة نوع المحال اللازم فيها، بل اشتراكهما في اصل الاستحالة وان اختلفا في كونها محالا عاديا أو ذاتيا. (175) قوله (وقد خالف فيه فريق من المعتزلة وجماعة من اصحاب الجهالات) اقول: انما خص التشنيع بالجهالة بغير المعتزلة لانهم من اصحاب الاستدلال. غاية الامر اشتبه عليهم الامر وعظمت المغالطة فلم يتمكنوا من حلها.

[ 394 ]

واما الاشاعرة والحشوية وامثالهم من الذين ينكرون الاحكام العقلية بل الضروريات الحسية التي لا يشك فيها العوام أيضا مثل قوانين الاسباب والمسببات، فانسب اسم لهم هو نسبتهم إلى الجهالة. (176) قوله في القول 145 (ان يتحرك بغير دافع) مراده بالدافع علة الحركة يعني هل يمكن حركة بلا محرك أو لا، فيدخل في عموم احتياج كل ممكن إلى علة، فكما ان وجود نفس الجسم يحتاج إلى موجد ومحدث كذلك وجود حركته. فلا يمكن وجود الحركة بدون محرك يخلق الحركة ويوجدها وهو الله (تعالى)، وبدون سبب خارجي يجعله الله (تعالى) سببا للحركة سواء كان مغايرا للمتحرك مثل الفرس الذي يحرك العربة، أو كان داخلا في ذات المتحرك مثل القوة الجاذبة والدافعة اللتين تحركان الكرات الجوية، فليست حركتها بغير دافع. قوله (تصح وقوف جبل ابي قبيس في الهواء... لصح ان يعتمد الحجر الصلب الثقيل على الزجاج... وتخلل النار اجزاء القطن...). ان قلت: فما معنى قوله (تعالى) واذ نتقنا الجبل فوقكم كانه ظلة وظنوا انه واقع بهم... وقوله (تعالى) قلنا يا نار كونى بردا وسلاما على ابراهيم وغيرهما قلت هذه معجزات لموسى وابراهيم عليهما السلام اراد الله (تعالى) اظهار كرامتهما عليه وكونهما من قبله بسبب خرق القوانين الطبيعية في حقهما، وجعلهما حاكما عليها، لا بمعنى عدم ثبوت هذه القوانين والنواميس الكونية، أو كونها غالبية، فان نقض القوانين في موارد أقل من الواحد بالمليون للانبياء

[ 395 ]

والاولياء لا ينافى كونها عامة ولا يجعلها غالبية. (177) قوله في القول 146 (وانما يصح في المتحرك بانه اخف من متحرك غيره واسرع) اقول: اتصاف الحركة بالخفة والسرعة والبطؤ ونحوهما بالذات، واتصاف المتحرك بالعرض، واما قياس احدى الحركتين بالاخرى فلا يتوقف على اتحاد معروضهما، حتى يبتنى على المسألة السابقة في حلول حركتين في جزء واحد، بل يمكن قياس حركة هذا الجسم بحركة الجسم الاخر ويحكم بان احدهما اسرع، وما حكم به الشيخ من لزوم جعل المقايسة بين المتحركين، فلعله لتوهم ان قياس الحركتين مستقلا ربما يوهم عدم احتياجهما إلى المحل واستغنائهما عنه. لكن لاريب في ان عدم مدخلتة معروض الحركتين في مقايسة السرعة والبطوء، لا ينافى احتياجهما إليها في اصل الوجود. ولعل المفيد قده التفت إلى نكتة اخرى لم نصل إليها. (178) قوله في القول 147 (وليس للفعل تعلق بالعلم ولا بخطور البال...) اقول: لا يشك عاقل في ان حركة نبض الانسان وضربان قلبه وامثال ذلك لا يتوقف على الخطور بالبال ونحوه كما انه لا يشك عاقل في ان الافعال الاختيارية مثل الصلاة والصوم ونحوهما تتوقف على ان يخطر بالبال ثم يصدر من الانسان. فما هو الفعل الذي يشك فيه أو وقع الاختلاف في توقفه على الخطور

[ 396 ]

بالبال ؟ الظاهر عدم وجود قسم ثالث يكون هو محل النزاع وقد مر ان القسمين لا مورد للنزاع فيهما واقعا. نعم هناك بحث كلامي اصولي فقهي لا فلسفي وهو ان القسم الاول من الافعال الذي لا يتوقف على الخطور بالبال هل هي من افعال المكلف ام لا ؟ فمن اشترط الخطور بالبال حكم بخروج القسم الاول من كونه فعلا للمكلف، لان الفعل عبارة عما ينسب ويسند إليه ويقال انه فعله، وهنا لا يقال فعله، بل يقال صدر منه ضربان القلب وان قلبه يضرب ونبضه يتحرك. ومن لم يشترط الخطور بالبال في صحة اسناد الفعل إلى المكلف، وحكم بان ماهية الفعل لا تتوقف على العلم والارادة والخطور حكم بان هذا القسم فعل للانسان، ثم ان البحث ينتقل من الفعل إلى الترك فبعضهم فرقوا بين الترك وبين ان لا يفعل ولازمه عدم صدق الترك على ترك الفعل بدون خطور بالبال و بعضهم سووا بينهما كالمفيد هنا فيكون كل مورد لم يصدر الفعل تركا. (179) قوله في القول 148 (ان ذلك محال باستحالة كونه في العاشر) اقول: بعد فرض عدم اشغال الجسم الا مكانا واحدا واستحالة حلوله في مكانين في أن واحد، وبعد فرض كونه في المكان الاول، يكون فرض كونه في المكان الثاني فرض اجتماع النقيضين لان معنى كونه في الثاني عدم كونه في المكان الاول وبالعكس فيلزم وجود في المكان الاول وعدمه، وكذا بالنسبة إلى المكان الثاني، فإذا كان كونه في المكان الثاني حال كونه في الاول من المستحيلات يكون خارجا عن اختياره بل عن تعلق القدرة به مطلقا، وإذا استحال تعلق القدرة به لم يصح اسناد تركه إلى الانسان، لان الفعل والترك اما يكونان

[ 397 ]

مقدورين معا، أو يكونان خارجين عن القدرة معا. قوله (لصح ان يقدر في الوقت على ما لا يصح قدرته على ضده فيه) والمراد به ان القدرة على الترك ملازم للقدرة على الفعل، فكل ما يصح اسناد القدرة إلى فعله يصح اسناد قدرته على تركه وبالعكس، وكلما لا يصح اسناد القدرة إلى فعله لا يصح اسناد إلى تركه، ونتيجة ذلك انه ليس مطلق عدم صدور الفعل تركا منسوبا إلى الشخص. (180) الامثلة المذكورة في القول 149 من المستحيلات التي لا تتعلق بها القدرة مطلقا. (181) قوله في القول 149 (ولو جاز وجود ميت آلم عالم لجاز وجوده قادرا ملتذا مختارا الخ) قد صرح في القول 53 باثبات عالم البرزخ والنعيم والعذاب فيه مضافا إلى ما صرح به في القول 49 بان المعصومين عليهم السلام يقضون حوائج شيعتهم ويجيبون سلامهم بعد الموت وان الذين قتلوا في سبيل الله احياء عند ربهم يرزقون ونحو ذلك فيعلم ان مراده الميت مع قطع النظر عن حلول حياة جديدة عليه فلو قطعنا النظر عن الحياة البرزخية وفرضنا موت شخص فحينئذ يكون كما ذكر وهو مراده من جميع ما ذكره في هذا القول وليس رجوعا عما ذكره سابقا وفي مواضع كثيرة من كتبه. (182) الامثلة المذكورة في القول 150 من المحالات العادية التي جرت ارادة الله (تعالى) على ترتبها على الاسباب الخاصة فيستحيل تحقق هذه المسببات

[ 398 ]

بدون اسبابها، الا بارادة مسبب الاسباب وتخصيصه واستثنائه لهذه القاعدة لاظهار معجزة نبى أو نحو ذلك. وليست من المحالات الذاتية التى لا تتعلق بها القدرة اصلا. (183) القول 152 إلى هنا تم اللطيف من الكلام، وهذه المسألة مع خمسة اخرى الحق بها من اصول المسائل الكلامية لا من اللطيف. (184) قوله (وهو مذهب الامامية كلها) اقول: ما رأيت من شذ عن هذا الاجماع الا شيخ الطائفة الطوسي قده و لعله اجرى الله تعالى هذا الخطاء الواضح على قلمه الشريف حتى لا يتوهم في حقه العصمة، فان المسألة من الواضحات من جهة اتقان ادلتها وصراحة الايات والروايات والادلة العقلية فيها وكثرة الاجماعات المدعى فيها بل كونها من ضروريات مذهب الشيعة كما يظهر من المفيد والطبرسي والمرتضى وغيرهما من دون خلاف عن احد. فهذا الاشتباه من مثله نظير اشتباه صاحب الجواهر في مسألة الكر بالنسبة إلى علم الامام واشتباه النجاشي في ترجمة عبيدالله بن حر الجعفي و سائر اشتباهات العلماء. (185) قوله في القول 153 (سأل الشيخ المفيد قدس الله روحه عنها السيد الشريف محمد بن الحسن الرضي قدس سره ليضاف إلى اوائل المقالات).

[ 399 ]

اقول: يحتمل ان يكون الشيخ المفيد فاعلا لسأل والسيد الشريف مفعولا لها يعني ان الشيخ المفيد امر تلميذه وسأل ان يضيف هذه الزيادة إلى اوائل المقالات ويحتمل العكس بان يكون الشيخ المفيد مفعولا مقدما والسيد الشريف فاعلا مؤخرا ويكون تقديم المفعول من باب الاحترام للشيخ المفيد. يوجد في بعض النسخ هكذا (هذه الزيادة كان خرجها وسأل الشيخ المفيد قده عنها السيد الخ) والظاهر زيادة كلمة خرجها لان التخريج من الاصطلاحات الجديدة وعلى فرضه فينطبق على انه استخرجها عن الشيخ المفيد واستفاد مطالبها منه، وينطبق على انه اخرجها من قلبه بمعنى انه حمل الشيخ المفيد على افادة هذه المطالب والاول اظهر. ويؤيد الاحتمال الاول اعني كون المطالب بقلم السيد اولا ان الظاهر كون الفاعل مقدما والمقدم فاعلا فيكون الشيخ سائلا والسيد مسئولا وثانيا ظاهر التخريج بيان التلميذ ما استفاده من الاستاذ لا معنى آخر وثالثا وهو العمدة ما ورد في آخر الكتاب هكذا (هذا آخر ما تكلم به السيد الشريف الرضى رضى الله عنه وارضاه) فلو كانت هذه الملحقات بقلم الشيخ المفيد لم يكن هذا التعبير صحيحا بل كذبا، وعليه فالارجح كون هذه الملحقات من املاء الشيخ المفيد بقلم السيد الرضى قدهما أو مما استفاده منه في الجملة. (186) قوله (وليس هي جنسا من اجناس الفعل) لانها اسم ذات لا اسم معنى، نعم الصحيح ان حيثية كونها ما يعتصم به لا يقتضي كونها حدثا وفعلا بل هي بالذات انسب وان كان ربما يكون فعلا و اسم معنى مثل قولنا فلان عصمته تقوى الله أو الخوف من الله أو التوكل على

[ 400 ]

الله ولكنها لو حظت هنا معنى اسميا لا فعلا أو حرفا. (187) قوله (ومنه سميت العصم وهى وعول الجبال لامتناعها بها) اقول: الوعول يعتصم بالجبال فهى معتصمة والجبال عاصمة لها، وعليه فلو اطلقت العصمة على الجبال لكان اطلاقا لها على معناها الحقيقي وهو (ما يعتصم به) واما اطلاقها على الوعول المعتصمة فهو اطلاق لها على عكس معناها من باب القلب كما هو شايع في لغة العرب. (188) قوله (وحبل الله هو دينه) مقتضى الروايات المتواترة والاجماع المدعى في كلام كثير ان حبل الله هو الامام المعصوم دون غيره، ويدل عليه العقل القطعي أيضا لان الامة بجيمع فرقها مجمعة على قبول الدين والقرآن والرسول (ص) ومع ذلك مختلفون اشد الاختلاف في ان الدين ما هو، ثم انهم بعد اتفاقهم على القرآن مختلفون في ان القرآن هل تفسيره ما يقوله هذه الفرقة أو غيرها فكل فرقة تفسر على طبق عقيدتها ويجعله سندا لها فمضافا إلى ان القرآن لم يرفع النزاع صار من اكبر اسباب النزاع والاختلاف، فلم يبق الا تفسير حبل الله بالامام المعصوم. ان قلت: فكما انهم اختلفوا في الدين وفي القران اختلفوا في الامام و مسألة الامامة أكثر واشد من اي خلاف ونزاع وتفرقوا اي تفرقة. قلت: الاختلاف في تعيين الامام موجود كما ذكر، ولكن بعد تعيينه في شخص أو اشخاص يختلف حاله عن الدين والقرآن فان الامة بعد اجماعهم على ان الدين عند الله الاسلام وان هذا الموجود بين الدفتين كتاب الله لم يرتفع

[ 401 ]

الخلاف حتى بعد تعيينه لما مر من تفسيرهم للدين وللقرآن على طبق آرائهم المختلفة وليس الدين ولا القرآن ناطقا حتى يتكلم ويقول الحق مع فلان، بل كما قال أمير المؤمنين القرآن حمال ذو وجوه، نعم القرآن الاصلي الناطق هو وجود الامام، لقوله (تعالى) بل هو آيات بينات في صدور الدين اوتوا العلم والامام هو الدين المجسم. وورد في الزيارات: السلام عليك يا دين الله القويم فإذا اجتمعوا افترقوا وإذا افترقوا اجتمعوا ولكن في فرض اعتبارها امورا ثلاثة الشيئ الوحيد الذي ان تمسكوا به واعتصموا به يستحيل وجود الخلاف والنزاع والتفرقة بينهم هو الامام المعصوم، فانه لو اختلف المنقول عنه والمفسرين لكلامه لتكلم بتأييد الحق ورد المبطل، ومعلوم انه لا يمكن مع ذلك التفرقة والنزاع الا ان لا يرجعوا إليه ولا يعتصموا بحبله، والحاصل انه لا يعقل تفسير حبل الله في الاية الا بالامام، ولو فسر بغيره سواء كان القرآن أو الدين أو اي شيئ لزم التناقض ونسبة الغلط إلى الله (تعالى). (189) قوله (فجميع المؤمنين من الملائكة والنبيين والائمة معصومون لانهم متمسكون بطاعة الله (تعالى) كلمة (من) في الملائكة يمكن كونها تبعيضية، ويمكن كونها لبيان الجنس، وعلى التقديرين يتقيد عموم كلمة المؤمنين بان يكون من هذه الاصناف الثلاثة اعني الملائكة أو الانبياء أو الائمة المعصومون، فلا وجه لتوهم ارادته قده عصمة جميع المؤمنين. (190) قوله (وانما الخلاف في حكمها وكيف تجب، وأى وجه تقع وقد

[ 402 ]

مضى ذكر ذلك في عصمة الانبياء وعصمة نبينا (ص)). البحث عن العصمة تارة عن المعنى اللغوي والعرفي وقد بحث عنه هنا، واخرى عن المعنى المصطلح عليه عند الشيعة والمبحوث عنه في علم الكلام، و هذا قد أشار إليها في القول 32 و 33 و 37، وقد يبحث عن ادلتها والعلة الموجبة لها واشار إلى هذا في البحث عن عصمة الائمة عليهم السلام في القول 37، واخرى عن حقيقتها وما يتقوم بها ولم يبحث عنها في هذا الكتاب اصلا الا اشارة، ورابعة عن متعلق العصمة وانها من الصغائر والكبائر أو الكبائر فقط ؟ وانها تعم السهو النسيان أو - يختص بالعصيان وقد بحث عنه في عصمة الانبياء القول 32 وعصمة نبينا (ص) القول 33 وعصمة الائمة القول 37، وخامسة عن موصوف العصمة وقد بحث عنه في المباحث الثلاث المشار إليها وعند البحث عن (تكليف الملائكة) في القول 47 حيث قال فيه (واقول انهم معصومون مما يوجب لهم العقاب بالنار وعلى هذا القول جمهور الامامية) فيكون المعصومون منحصرة فيمن أشار إليهم في هذا القول 153 وهم الانبياء والائمة والملائكة. (191) قوله (وهذا الباب ينبغي ان يضاف إلى الكلام في الجليل ان شاء الله (تعالى)) انما ذكر هذا من جهة انه ذكر بعد اللطيف من الكلام لئلا يتوهم انه منه، نعم الباب الذي قبله أيضا لم يكن من لطيف الكلام (وهو ان ابليس هل هو من الملائكة ام من الجن) ولكن لكونه بحثا عن حقايق عالم الوجود كان لعده من اللطيف وجه، بخلاف بقية المسائل الاتية فانها من الجليل لا من اللطيف.

[ 403 ]

(192) قوله في القول 154 (وانها فضل تشرف المتحلى به على العاطل منه) اقول: هذا دليل مستقل لا يرتبط بما قبله، ولعله اقوى الادلة، لان الدليل الاول يمكن يناقش فيه بان امور الخلق تتوقف على وجود الكتابة في بساط السلطان والرئيس مطلقا، لا على كون الرئيس نفسه كاتبا. واما كون الكتابة في نفسها فضيلة فلا يدفعها قضاء الحاجة بكتابة الاعوان والكتاب، فان هذا يزيد اشكالا على اشكال وهو كون اعوان السلطان افضل واكمل من السلطان لاستكمالهم بالكتابة دونه. وقد نسب الله (تعالى) الكتابة إلى نفسه في موارد بقوله وكتبنا له في الالواح من كل شيئ موعظة الايه الاعراف 145 وغيرها ولكن ليس الكاتب من اوصافه (تعالى) قطعا. (193) قوله (لجاز ان يحوجه في جميع ما كلفه الحكم فيه إلى سواه). ان قلت: هذا الدليل قضية شرطية وقياس شرطي لا ملازمة بين مقدمه و تاليه، وبعبارة اخرى لاكلية لكبراه اعني قولنا (كلما جاز ان يحوجه الله (تعالى) في بعض اموره إلى رعيته جاز ان يحوجه في كل اموره) وذلك لاحتياج النبي (ص) إلى الجيش في الحرب وإلى ارباب الصنايع والحرف في مشاغلهم مثل البناء والنجار والحداد وغيرهم ومع ذلك لا يحتاج إليهم في إلاحكام الشرعية، فلا ملازمة بين الاحتياج في البعض والاحتياج في الكل. قلت: ليس مضمون الكبرى الملازمة بين عدم الاحتياج في بعض الامور بقول مطلق مع عدم الاحتياج في جميع الامور بقول مطلق، بل الملازمة بين

[ 404 ]

الاحتياج في بعض ما كلفه الحكم فيه وبين الاحتياج في كل ما كلفه الحكم فيه كما قال (لو جاز ان يحوجه الله في بعض ما كلفه الحكم فيه إلى بعض رعيته لجاز ان يحوجه في جميع ما كلفه الحكم فيه إلى سواه) وموارد النقض المذكورة مثل النجارة والبناء وغيرهما ليس مما كلفه الحكم فيه. نعم يمكن مع الملازمة حتى بعد التقييد ايضا. (194) قوله (ولا معنى لقول من قال ان الكتاب هو القرآن خاصة) سواء قلنا بان الكتاب يختص بالقرآن أو يراد به مطلق الكتب السماوية أو عممناه لكل كتاب فشموله للكتابة ممنوع، لان الكتاب عرفا اسم ذات عبارة عن مجموعة من الاوراق التي كتب فيها علم، ولغة كل ورقة كتب فيها شيئ ولو لم يكن علما كما في قوله (تعالى) قالت يا ايها الملؤ انى القى الى كتاب كريم النمل 29، فالكتاب باي معنى فسر لا يكون الا ورقة كتب فيها شيئ سواء كان علما اولا، فيكون اسم ذات لا اسم معنى، فلا يشمل ملكة الكتابة التي هي من الكيفيات النفسانية ولا عمل الكتابة التي هو من مقولة الفعل. فقول المصنف قده (إذا اللفظ عام لا ينصرف عنه الا بدليل الخ) من جهة الكبرى مسلمة وانما البحث في الصغرى إذ ليس معنى الكتاب شاملا للفعل الخارجي ولا للملكة حتى تصل النوبة إلى تخصيصه أو تقييده بدليل أو بغير دليل. مضافا إلى منع العموم في معناه لاحتمال كون الالف والام للعهد لا للاستغراق أو الجنس، فيكون ارادة القرآن مقطوعا به، ويكون شموله لغيره وارادة العموم منه متوقفا على ثبوت كون الالف واللام للاستغراق أو للجنس.

[ 405 ]

(195) قوله (لما كان لتخصيصه النفى معنى يعقل) ما ذكره قده في هذا الدليل يتوقف على امرين الاول حجية مفهوم الزمان كما إذا قيل ما رأيت زيدا فيما مضى فيكون مفهومه اثبات الرؤية فيما سيأتي أو في زمان الحال، وهذا محل خلاف بين الاصوليين. الثاني ان لا يكون للتقييد بالزمان فائدة غير الانتفاء عند الانتفاه، وهنا ليس كذلك، فان الذي يثبت به كون القرآن من عند الله لا من قبل نفسه (ص) و لا يتعلم من عالم هو حاله قبل الاتيان بالقرآن، فانه إذ اثبت انه قبل البعثة وقبل ان يأتي بالقرآن والشريعة لم يكن يقرء ولا يكتب ولا شيئ مما يوجد في العلماء العاديين من قراء الكتب وكتابتها، يثبت ان ما اتى به من عند الله، إذ التعلم عند البشر يحتاج إلى القراءة والكتابة، فإذا انتفيا انتفى التعلم وكون العلم الموجود عنده من عند غير الله فيثبت كونه من عند الله (تعالى) وتعليمه ويصح ما ذكره (تعالى) بقوله (إذا لارتاب المبطلون) واما القراءة والكتابة المتأخرة عن النبوة والقرآن فلا دخل لهما في ثبوت نبوته (ص) ونفيه إذ هي قد تثبت فان اثبتنا القراءة والكتابة بعد النبوة فتكون بتعليم الله (تعالى) وان انتفتا كان أيضا على حسب ما رآه الله من المصلحة ولا يثير شكا. وهذا الفرق يوجب المصلحة في تقييد نفي القراءة والكتابة في الاية بكلمة (من قبله) من دون ان تكون فائدته اثبات المفهوم لها بل فائدته قوله (تعالى) (إذا لارتاب المبطلون) ولا يصح قياسه بالشعر فان المنفي مطلق الشعر، والعلة عدم كونه لائقا بشأنه مطلقا فينتفي مطلقا.

[ 406 ]

(196) قوله (ثبت انه كان يحسن الكتابة بعد ان نبأه الله (تعالى)) المتيقن من سيرة النبي (ص) انه لم يكتب عملا اصلا اما لانه لم يكن يحسن الكتابة أو لانه لم يكتب مع احسانه لها فلم يدع احد من علماء الاسلام انه كتب قرآنا بخطه أو شيئا آخر. والمورد الوحيد الذي اتفق على نقله الخاصة والعامة قوله (ص) في آخر عمره حيث قال: (ايتونى بدواة وقلم (أو كتف) اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده ابدا فقال عمران الرجل ليهجر) وحمله على الكتابة تسبيبا كما عن الواعظ الچرندابي طرح لصريح الرواية مع ان الذي تقتضيه مناسبة المقام كتابته بقلم نفسه كما هو واضح وهذا يدل على صحة ما ذكره المفيد من انه (ص) كان يحسن الكتابة ويبقى الكلام في انه ما المصلحة في التزامه (ص) بعدم الكتابة مطلقا طول عمره. واما ما يوجد في متحف تركيا من الخط المنسوب إليه فمن مصنوعات خلفاء آل عثمان أو غيرهم يقينا. (197) قوله في القول 155 (ومما يضاف إلى الكلام في اللطيف) يريد به خصوص القول 155 و 157، واما القول 156 فليس من اللطيف، وعليه فيصير عدد الكلام في اللطيف 137 مسألة. (198) قوله في القول 156 (ان الاجتهاد والقياس لا يسوغان) اقول: للمفيد قده اجتهادات كثيرة في الفقه وكذا لبقية الفقهاء، حتى

[ 407 ]

الاخباريين مع شدة هجومهم على الاصوليين في مسالة الاجتهاد، عندهم اجتهادات كثيرة يظهر بمراجعة كتبهم مثل الحدائق وغيره. ولكن المهم في عصرنا هذا اعني القرن الرابع عشر قلة التففه وتغيير معنى الاجتهاد إلى الاجتهاد الاخباري بحيث كلما اراد احد الدقة والتحقيق في معنى الرواية ينسب إلى القياس والاستحسان. وقد افرطوا في التمسك بكلمة (التعبد بالنص) حتى صار فقه عصرنا غالبا لا يشبه املا بفقه الفقهاء الماضين الا في اصل الانتساب إلى الشيعة، و ابتعدوا عن طريقة الشيخ الانصاري وصاحب الجواهر والشيخين والشهيدين والفاضلين وغيرهم مع ان (التعبد بالنص) نفسه خلاف التعبد بالنص إذ لا يوجد هذه الكلمة في نصن وانما توجد (التفقه في النص) في القرآن والحديث، وما أكثر من يجعل الاخذ بالترجمة اللفظية للاية أو الحديث من دون نظر إلى لوازم المعنى وملزوماته ومناسبة الحكم والموضوع وغيره من الامور التي بها يختلف حال المتعبد بالنص عن المتفقه فيه فقها واجتهادا، و صاحبه مجتهدا ولكن هيهات وقد اشتهر عن الشيخ الطوسي في مبسوطه كثرة العمل بالقياس، ومن راجعه يرى انه من قبيل ما ذكرنا من التفقه في مقابل الجمود باللفظ من دون تفقه، فالاجتهاد الاصولي الشيعي تفقة ثم تعبد، والاجتهاد الاخباري تعبد على تعبد، يعني عند الاصولي في مقام فهم الحكم لا تعبد اصلا بل ينظر إلى غاية ما يمكن ان يفهم واعمقها وادقها ثم يتعبد به، واما الاجتهاد الاخباري فالتعبد بمعنى سد باب الفهم والمنع عن التدبر والتفقه. والصحيح ان ابن الجنيد أيضا انما نسب إلى القياس لانه وصل من التفقه إلى مرتبة لم يكن أهل زمانه ومن قرب من زمانه اهلا لهذه التحقيقات الفقهية.

[ 408 ]

(199) قوله (كل حادثة ترد فعليها حكم من الصادقين (ع) اقول: ما اكثر الموارد التي يعترف الفقهاء باجمعهم بعدم نص فيها بحيث عد (ما لا نص فيه) من اوسع أبحاث البراءة في الكتب الاصولية، وحتى ان الشيخ الطوسي الذي هو تلميذ المفيد اعترف في كتابه عدة الاصول بوجود لا تعبد اصلا بل ينظر إلى غاية ما يمكن ان يفهم واعمقها وادقها ثم يتعبد به، واما الاجتهاد الاخباري فالتعبد بمعنى سد باب الفهم والمنع عن التدبر والتفقه. والصحيح ان ابن الجنيد أيضا انما نسب إلى القياس لانه وصل من التفقه إلى مرتبة لم يكن أهل زمانه ومن قرب من زمانه اهلا لهذه التحقيقات الفقهية.

[ 408 ]

(199) قوله (كل حادثة ترد فعليها حكم من الصادقين (ع) اقول: ما اكثر الموارد التي يعترف الفقهاء باجمعهم بعدم نص فيها بحيث عد (ما لا نص فيه) من اوسع أبحاث البراءة في الكتب الاصولية، وحتى ان الشيخ الطوسي الذي هو تلميذ المفيد اعترف في كتابه عدة الاصول بوجود مسائل كثيرة لا نص فيها بعينها ويعمل فيها باصالة الاباحة أو الحظر أو نحوهما. واما الاخبار التي رواها الشيخ المفيد في الاختصاص وغيره في غيره: من ان كل شيئ موجود في الكتاب والسنة أو انه ليس شيئ الا وفيه كتاب أو سنة وغيرها فالمراد بكونه في الكتاب ان أهل البيت عليهم السلام يستخرجون حكمه من الكتاب لا كل احد، واما السنة فالمراد به ما في الروايات من ان عندهم (ع) الجفر والجامعة ومصحف فاطمه وقد ذكروا اشتمال هذه الكتب على جميع الاحكام الكلية والجزئية. (200) قوله في القول 157 (فان العقل لا يمنع منه) بل النقل ايضا. راجع بحث التنجيم من كتاب المكاسب لشيخ المتأخرين الشنيخ الانصاري قده فانه قده أتى بما لم يأت احد بمثله وان كان في بعض آرائه نظر وتامل ليس المقام موضع ذكره.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية