الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




شرح أصول الكافي - مولي محمد صالح المازندراني ج 12

شرح أصول الكافي

مولي محمد صالح المازندراني ج 12


[ 1 ]

كتاب الكافي الأصول والروضة لثقة الإسلام أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني مع شرح الكافي الجامع للمولى محمد صالح المازندراني المتوفى 1081 ه‍ مع تعاليق الميرزا أبو الحسن الشعراني المجلد الثاني عشر بسم الله الرحمن الرحيم حديث الرياح * الأصل: - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب، وهشام بن سالم، عن أبي بصير قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)، عن الرياح الأربع: الشمال والجنوب والصبا والدبور وقلت: إن الناس يذكرون (1) أن الشمال من الجنة والجنوب من النار ؟ فقال: إن لله عز وجل جنودا من رياح يعذب بها من يشاء ممن عصاه ولكل ريح منها ملك موكل بها فإذا أراد الله عز وجل أن يعذب قوما بنوع من العذاب أوحى إلى الملك الموكل بذلك النوع من الريح التي يريد أن يعذبهم بها قال: فيأمرها الملك فيهيج كما يهيج الأسد المغضب، قال: لكل ريح منهن اسم أما تسمع قوله تعالى: * (كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر * إنا أرسلنا


(1) قوله " إن الناس يذكرون ". هذا حديث صحيح من جهة الإسناد قريب من جهة الإعتبار منبه على طريقتهم عليهم السلام في أمثال هذه المسائل الكونية. والمعلوم من سؤال السائل وقول الناس أن ذهنهم متوجه إلى السبب الطبيعي الموجب لوجود الرياح ومنشأها وعلة اختلافها في البرودة والحرارة وغيرها، وغاية ما وصل إليه فكرهم أن الشمال لبرودتها من الجنة والجنوب لحرارتها من النار فصرف الإمام ذهنهم عن التحقيق لهذا الغرض إذ ليس المقصود من بعث الأنبياء والرسل وإنزال الكتب كشف الأمور الطبيعية، ولو كان المقصود ذلك لبين ما يحتاج إليه الناس من أدوية الأمراض كالسل والسرطان وخواص المركبات والمواليد، ولذكر في القرآن مكررا علة الكسوف والخسوف كما تكرر ذكر الزكاة والصلاة وتوحيد الله تعالى ورسالة الرسل، ولورد ذكر الحوت في الروايات متواترا كما ورد ذكر الإمامة والولاية والمعاد والجنة والنار وكذلك ما يستقر عليه الأرض وما خلق منه الماء مع أنا لا نرى من أمثال ذلك شيئا في الكتاب والسنة المتواترة إلا بعض أحاديث ضعيفة غير معتبرة أو بوجه يحتمل التحريف والسهو والمعهود في كل ما هو مهم في الشرع ويجب على الناس معرفته أن يصير الإمام بل النبي (صلى الله عليه وآله) على تثبيته وتسجيله وبيانه بطرق عديدة غير محتملة للتأويل حتى لا يغفل عنه أحد. وبالجملة لما رأى الإمام (عليه السلام) اعتناء الناس بالجهة الطبيعية صرفهم بأن الواجب على الناظر في أمر الرياح والمتفكر فيها أن يعتني بالجهة الإلهية وكيفية الإعتبار بها والاتعاظ بما يترتب عليها من الخير والشر سواء كانت من الجنة أو من الشام أو من أفريقية واليمن فأول ما يجب أن يعترف بأن جميع العوامل الطبيعية مسخرة بأمر الله تعالى وعلى كل شئ ملك موكل به وأن الجسم الملكي تحت سيطرة المجرد الملكوتي المفارق عن الماديات كما ثبت في محله أن المادة قائمة بالصورة والصورة قائمة بالعقل المفارق وهذا أهم ما يدل عليه هذا الحديث الذي يلوح عليه أثر الصدق وصحة النسبة إلى المعصوم (عليه السلام). ثم بعد هذا الاعتراف يجب الاعتبار بما وقع من العذاب على الأمم السالفة بهذه الرياح وما يترتب من المنافع على جريانها وهذا هو الواجب على المسلم من جهة الدين إذا نظر إلى الأمور الطبيعية. (ش) (*)

[ 2 ]

عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر) * وقال: * (الريح العقيم) * وقال: * (ريح فيها عذاب أليم) * وقال: * (فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت) * وما ذكر من الرياح التي يعذب الله بها من عصاه، قال: ولله عز ذكره رياح رحمة لواقح وغير ذلك ينشرها بين يدي رحمته، منها ما يهيج السحاب للمطر ومنها رياح تحبس السحاب بين السماء والأرض، ورياح تعصر السحاب فتمطره بإذن الله، ومنها رياح مما عدد الله في الكتاب. فأما الرياح الأربع: الشمال والجنوب والصبا والدبور فإنما هي أسماء الملائكة الموكلين بها فإذا أراد الله أن يهب شمالا أمر الملك الذي اسمه الشمال فيهبط على البيت الحرام فقام على الركن الشامي فضرب بجناحه فتفرقت ريح الشمال حيث يريد الله من البر والبحر وإذا أراد الله أن يبعث جنوبا أمر الملك الذي اسمه الجنوب فهبط على البيت الحرام فقام على الركن الشامي فضرب بجناحه فتفرقت ريح - الجنوب في البر والبحر حيث يريد الله وإذا أراد الله أن يبعث ريح الصبا أمر الملك الذي اسمه الصبا فهبط على البيت الحرام فقام على الركن الشامي فضرب بجناحه فتفرقت ريح الصبا حيث يريد الله جل وعز في البر والبحر وإذا أراد الله أن يبعث دبورا أمر الملك الذي اسمه الد بور فهبط على البيت الحرام فقام على الركن الشامي فضرب بجناحه فتفرقت ريح الدبور حيث يريد الله من البر والبحر، ثم قال أبو جعفر: أما تسمع لقوله: ريح الشمال وريح الجنوب وريح الد بور وريح الصبا، إنما تضاف إلى الملائكة الموكلين بها. * الشرح: قوله (حديث الرياح) الريح الهواء المسخر بين الأرض والسماء من حيث أنه متحرك وهو مؤنث على الأكثر فيقال هي الريح وقد يذكر بمعنى الهواء فيقال هو الريح، نقله أبو زيد، وقال ابن الأنباري: الريح مؤنثة لا علامة فيها وكذلك سائر أسمائها إلا الاعصار فإنه مذكر، كذا في المصباح (قال سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرياح الأربع الشمال) ومهبها الجدى إلى مغرب الاعتدال وفي المصباح وفيها خمس لغات الأكثر بوزن سلام ونقل عياض عن صاحب العين أنه قال: الشمال بفتح الشين والميم والشمأل بسكون الميم وفتح الهمزة والشأمل بتقديم الهمز والشمل بفتح الميم من غير همز والشمول بفتح الشين وضم الميم (والجنوب) من القطب الجنوبي إلى مشرق الاعتدال تقابل الشمال وهو مراد من قال: من مطلع سهيل إلى مطلع الثريا. (والصبا) بوزن العصا من مشرق الاعتدال إلى الجدي وهو مراد من قال من مطلع الثريا إلى بنات النعش (والدبور) بوزن الرسول من مغرب الاعتدال إلى القطب الجنوبي (فتهيج كما يهيج الأسد المغضب) هاج الشي يهيج إذا ثار ووثب والمغضب بفتح الضاد من أغضبته فهو مغضب * (فكيف كان عذابي ونذر) * أي إنذاري لهم قبل نزول العذاب أو لمن بعدهم في تعذيبهم * (إنا أرسلنا

[ 3 ]

عليهم ريحا صرصرا) * أي شديدة الصوت أو البرد * (في يوم نحس مستمر) * أي يوم شوم استمر شومه أو استمر عليهم حتى هلكوا أو على جميعهم كبيرهم وصغيرهم ذكورهم وإناثهم فلم يبق منهم أحدا واشتدت مرارته وكان يوم الأربعاء آخر الشهر كذا ذكره المفسرون (والريح العقيم) ريح لا تلقح كريح الخريف * (وقال: وأصابها إعصار فيه نار فاحترقت) * في المصباح: الإعصار: ترتفع بتراب بين السماء والأرض وتستدير كأنها عمود وفي القاموس أو التي فيها نار، وقيل: هي ريح تثير سحابا ذات رعد وبرق فيها نار (ولله تعالى رياح رحمة لواقح وغير ذلك) الإضافة لامية كما يدل عليه قوله (ينشرها بين يدي رحمته) لما كان نشر الرياح شيئا عظيما من أسباب بقاء الحيوان والنبات واستعداد الامزجة وللصحة والنمو وغيرهما، حتى قال كثير من الاطباء أنها تستحيل روحا حيوانيا وكانت عناية الله ورحمته شاملة للعالم وهي مستند كل موجود لا جرم نشرها برحمته ومن أظهر آثار الرحمة بنشر الرياح حملها للسحاب المترع بالماء وأثارتها على وفق الحكمة ليصيب الأرض الميتة فينبت بها الزرع وتملأ الضرع كما قال عز وجل * (وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه) *. والمراد تنبيه الغافلين على ضروب نعم الله بذكر هذه النعمة الجليلة ليستديموها بدوام شكره والمواظبة على طاعته (فإنما هي أسماء الملائكة الموكلين بها) فالإضافة بتقدير اللام لا بيانية وما قد تذكر الشمال أو أخواته ويراد بها الريح فمن باب الاتساع قوله (إن لله عز وجل رياح رحمة ورياح عذاب) دل على بطلان ما قيل من أن العرب يستعمل الرياح في الرحمة والريح في العذاب وأيده بقوله تعالى * (بريح صرصر عاتية) * وقوله تعالى * (يرسل الرياح مبشرات) * وفي معارج النبوة أن كل واحدة من رياح الرحمة ورياح العذاب أربعة أما رياح الرحمة فأولها باشرات قال الله تعالى * (وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته) * وثانيها مبشرات: (ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات). وثالثها ناشرات * (والناشرات نشرا) * ورابعها ذاريات * (والذاريات ذروا) * وأما رياح العذاب فأولها صرصر * (وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر) * وثانيها عقيم * (وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم) * وثالثها قاصف * (فيرسل عليكم قاصفا من الريح) * ورابعها عاصف * (جاءتها ريح عاصف) * وكذا توجد الرياح الثمانية في ذات العبد أما رياح الرحمة ومهبها السعادة فأولها ريح المحبة وهي في التائبين * (إن الله يحب التوابين) * وريح المودة وهي للصالحين * (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا) * وريح القربة وهي للسابقين * (والسابقون السابقون أولئك المقربون) * وريح الوصلة وهي للمشتاقين، وأما رياح العذاب ومهبها الشقاوة فريح الغفلة * (وهم في غفلة معرضون) * وريح الفرقة * (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا) * وريح السخط * (سخط الله عليهم) * وريح القطيعة * (فقطع

[ 4 ]

دابر القوم الذين ظلموا) *. * الأصل: - عنه، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان، عن معروف بن خر بوذ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن لله عز وجل رياح رحمة ورياح عذاب فإن شاء الله (1) أن يجعل العذاب من الرياح رحمة فعل، قال: ولن يجعل الرحمة من الريح عذابا، قال: وذلك أنه لم يرحم قوما قط أطاعوه وكانت طاعتهم إياه وبالا عليهم إلا من بعد تحولهم عن طاعته قال: وكذلك فعل بقوم يونس لما آمنوا رحمهم الله بعد ما كان قدر عليهم العذاب وقضاه ثم تداركهم برحمته فجعل العذاب المقدر عليهم رحمة فصرفه عنهم وقد أنزله عليهم وغشيهم وذلك لما آمنوا به وتضرعوا إليه. قال: وأما الريح العقيم فإنها ريح عذاب لا تلقح شيئا من الأرحام ولا شيئا من النبات وهي ريح تخرج من تحت الأرضين السبع وما خرجت منها ريح قط إلا على قوم عاد حين غضب الله عليهم فأمر الخزان يخرجوا منها على مقدار سعة الخاتم، قال: فعتت على الخزان فخرج منها على مقدار منخر الثور تغيظا منها على قوم عاد، قال: فضج الخزان إلى الله عز وجل من ذلك فقالوا ربنا إنها قد عتت عن أمرنا إنا نخاف أن تهلك من لم يعصك من خلقك وعمار بلادك، قال، فبعث الله عز وجل إليها جبرئيل (عليه السلام) فاستقبلها بجناحيه فردها إلى موضعها وقال لها: اخرجي على ما امرت به، قال: فخرجت على ما امر به، وأهلكت قوم عاد ومن كانت بحضرتهم. * الشرح: (فإن شاء الله عز وجل أن يجعل العذاب من الرياح رحمة فعل ولن يجعل الرحمة من الريح عذابا) لعل المراد أن من استحق العذاب بسبب خصلة قبيحة ربما يستحق الرحمة بإزالة تلك الخصلة وكسب خصلة حسنة فلا يصل إليه العذاب بخلاف من استحق الرحمة والإحسان بسبب خصلة حسنة فإنه تصل إليه الرحمة وإن زالت عنه تلك الخصلة لأن الله لا يضيع عمل عامل، أو المراد أنه إذا أرسل ريح العذاب يجعله رحمة بزوال سبب العقاب وأما إذا أرسل ريح الرحمة فلا يجعلها عذابا بزوال سبب الرحمة وحدوث سبب العذاب، ومنه يظهر سر سبق رحمته على


(1) قوله " رياح رحمة " هذا حديث صحيح من جهة الإسناد وليس فيه ضعف من جهة المعنى إلا قوله فعتت على خزانها فخرج على مقدار منخر الثور لأن ضعف الملائكة المأمورين من جانب الله على ما شاء من المصلحة عن ضبط الطبائع المقهورة المسخرة غير معقول عندنا ولا نعتقد في الطبائع قوة أشد من الملائكة الموكلين بها ولا نرى أن يأمر الله تعالى ملائكته بأمر يعلم عجزهم، وعلى كل حال فالظاهر من الرواية أن الريح التي أهلكت قوم عاد كانت من البخارات المحتبسة في أعماق الأرض خرجت دفعة من ثقبة حدثت في قشر الأرض بدفعها كما يخرج من البراكين والله أعلم. (ش) (*)

[ 5 ]

غضبه. (وذلك أنه لم يرحم قوما قط أطاعوه وكانت طاعتهم إياه وبالا عليهم إلا من بعد تحولهم من طاعته) ذلك إشارة إلى المذكور وهو جعل العذاب رحمة وأطاعوه صفة لقوما والواو في قوله " وكانت " للحال بتقدير " قد "، والوبال الشدة والمصيبة وسوء العاقبة والعمل السيئ والطاعة لاعلى وجه مطلوب وبال على صاحبه كطاعة أهل الخلاف، وفيه دلالة على أن هذه الطاعة وإن كانت معصية استحقوا بها العذاب إلا أنهم لو تحولوا عنها أدركتهم الرحمة ولم يعذبهم بها، وإنما ذكر هذه المعصية ليقاس عليها غيرها. (بعد ما قد كان قدر عليهم العذاب وقضاه) أي قضاه قضاء غير محتوم ولم يبلغ حد الإمضاء إذ لا دافع بعده. (فجعل العذاب المقدر عليهم رحمة فصرفه عنهم وقد أنزله عليهم وغشيهم آه) قال بعض المفسرين روي أن يونس (عليه السلام) بعث إلى أهل نينوى وهي - بكسر الأول - قرية بالموصل فكذبوه وأصروا عليه فوعدهم العذاب إلى ثلاث وقيل إلى أربعين فذهب عنهم مغاضبا فلما دنا الوعد غامت السماء غيما أسود ذا دخان شديد فهبط حتى غشى مدينتهم وتسود سطوحهم فهابوا فطلبوا يونس فلم يجدوه فأيقنوا صدقه فلبسوا المسوح وبرزوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم وفرقوا بين النساء والصبيان وبين الدواب وأولادها فحن بعضها إلى بعض وعلت الأصوات والعجيج وأظهروا الإيمان والتوبة وأخلصوا وتضرعوا إلى الله فرحمهم وكشف عنهم وكان يوم عاشورا يوم الجمعة. (فإنها ريح عذاب لا تلقح شيئا من الحيوان ولا شيئا من النبات) فلا ينتفع منها النفس الحيوانية والنفس النباتية لشدة حرارتها من فيح جهنم واشتمالها على النار المهلكة لهما (فأمر الخزان أن يخرجوا منها على مقدار سعة الخاتم) لعل هذا أعلى المقادير المقدرة لخروج الريح المهلكة لعاد وأدناها مثل خرق الأبرة ثم خرجت بعد العتو على مقدار الأدنى فلا ينافي ما في الفقيه حيث قال: قال (عليه السلام) " ما خرجت ريح قط إلا بمكيال الا زمن عاد فإنها عتت على خزانها فخرجت في مثل خرق الأبرة فأهلكت قوم عاد " (فخرج على مقدار منخر الثور) المنخر بفتح الميم والخاء وتكسر وضمهما وكمجلس الأنف وخرقه (تغيظا منها على قوم عاد) دل على أن لها شعورا وإدراكا ولا يبعد من قدرة الله تعالى أن يجعل لها مشاعر ومدارك فلا حاجة إلى التأويل في نسبة التغيظ والعتو إليها ولا في نسبة الخطاب والأمر إليها باعتبار أنها جماد والجماد لا يتصف بهذه الصفات ولا يؤمر بشئ كما زعمه بعض الناس وقال، التغيظ والعتو لأهلها والأمر للدلالة على التسخير، ومما يؤيد ما قلناه ما رواه في الفقيه من أن للريح وجها وجناحين.

[ 6 ]

(وأهلكت قوم عاد ومن كان بحضرتهم) أي في فنائهم وقربهم وهذه الريح سخرها الله تعالى عليهم سبع ليال أو ثمانية أيام حسوما أي دائمة متتابعة فلما رأوها جمعوا نساءهم وصبيانهم وأموالهم في شعب وأحاطوا حولهم آخذين بأيديهم وقد كانوا عظيم الجثة، طويل القامة، عريض البدن كثير القوة، شديد البطش كان أطولهم ثلاثمائة ذراع وأقصرهم مائة ذرع فقالوا ما تفعل هذه الرياح بنا فأخذت الريح أولا محصوريهم وأطارتهم في الهواء وأهلكتهم ثم أخذتهم ورفعتهم وأهلكتهم ومن لم يخرج منهم إلى الشعب وتحصنوا في بيوتهم هدمت الريح بيوتهم عليهم وأخرجت بعضهم من البيت ورفعته وأهلكته. * الأصل: - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (عليه السلام): من ظهرت عليه النعمة فليكثر ذكر " الحمد لله " ومن كثرت همومه فعليه بالاستغفار ومن ألح عليه الفقر فليكثر من قول: " لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " ينفي عنه الفقر، وقال: فقد النبي (صلى الله عليه وآله) رجلا من الأنصار، فقال ما غيبك عنا ؟ فقال: الفقر يارسول الله وطول السقم، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) ألا أعلمك كلاما إذا قلته ذهب عنك الفقر والسقم ؟ فقال: بلى يارسول الله، فقال: إذا أصبحت وأمسيت فقل: " لا حول ولا قوة إلا بالله [ العلي العظيم ] توكلت على الحي الذي لا يموت والحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا " فقال الرجل: فوالله ما قلته إلا ثلاثة أيام حتى ذهب عني الفقر والسقم. * الشرح: قوله (من ظهرت عليه النعمة فليكثر ذكر الحمد الله) وهو قيد للواصل وجذب لغير الحاصل مع ما فيه من الفضل المذكور في كتاب الدعاء (ومن كثرت همومه فعليه بالاستغفار) بأن يقول أستغفر الله أو أستغفر الله ربي وأتوب إليه وكلاهما مروي. (ومن ألح عليه الفقر فليكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) روي عن الباقر (عليه السلام) أن الحول هنا بمعنى التحول والانتقال، أي لا حول لنا عن المعاصي إلا بعون الله ولا قوة لنا على الطاعات إلا بتوفيقه، وفيه إظهار كمال الخضوع والمسكنة والحاجة إليه تعالى في طلب الخيرات ودفع المكاره ومعنى العلي العظيم أنه العلي عن الأشباه والأنداد الرفيع عن التشابه بالممكنات، العظيم المفتقر إليه كل من عداه المستحقر لديه كل من سواه. (توكلت على الحي الذي لا يموت) أي توكلت على المدرك الدايم بلا زوال وفيه تفويض الأمور كلها إليه وإظهار العجز بأنه ليس له قدرة على تحصيل أمر من أموره ورمز لطيف بأنه يتوقع

[ 7 ]

منه تعالى جلب النفع وسلب الفقر والسقم وساير المكاره عنه. (والحمد لله الذي لم يتخذ ولدا) تنزيه له تعالى عن الصاحبة والشهوة الحيوانية ورد على اليهود والنصارى. (ولم يكن له شريك في الملك) فيه إقرار بالتوحيد وتنزيه له عن النقص. (ولم يكن له ولي من الذل) أي ناصر مانع له من الذل لكونه عزيزا على الإطلاق، أو لم يوال أحدا من أجل ذل به ليدفعه بموالاته. (وكبره تكبيرا) أي قل هذا اللفظ بعينه ونقل عن بعض الأفاضل أنه قال قل الله أكبر الله أكبر، وهذا غريب. - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن إسماعيل ابن عبد الخالق قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول لأبي جعفر الأحول وأنا أسمع: أتيت البصرة ؟ فقال: نعم قال: كيف رأيت مسارعة الناس إلى هذا الأمر ودخولهم فيه ؟ قال والله إنهم لقليل ولقد فعلوا وإن ذلك لقليل، فقال: عليك بالأحداث فإنهم أسرع إلى كل خير، ثم قال: ما يقول أهل البصرة في هذه الآية، * (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) * قلت: جعلت فداك إنهم يقولون: إنها لأقارب رسول الله (عليه السلام)، فقال: كذبوا إنما نزلت فينا خاصة في أهل البيت في علي وفاطمة والحسن والحسين أصحاب الكساء (عليهم السلام). * الشرح: قوله (فقال عليك بالأحداث) أي ألزمهم في الدعاء إلى هذا الأمر والأحداث الشبان الذين لم يطعنوا في السن فإنهم أسرع إلى كل خير لرقة قلوبهم وصفاء أذهانهم في الجملة وعدم تمكن الجهل المركب في نفوسهم بعد كما تمكن في نفوس الشيوخ. (إنهم يقولون إنها لأقارب رسول الله (صلى الله عليه وآله)) قد مر آنفا أن جماعة منهم يقولون المراد بهم بنو هاشم وبنو عبد المطلب كلهم وجماعة يقولون بنو هاشم وحدهم وجماعة يقولون قريش كلهم.

[ 8 ]

حديث أهل الشام * الأصل: - عنه، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن محمد بن داود، عن محمد بن عطية قال: جاء رجل إلى أبي جعفر (عليه السلام) من أهل الشام من علمائهم فقال: يا أبا جعفر جئت أسألك عن مسألة قد أعيت علي أن أجد أحدا يفسرها وقد سألت عنها ثلاثة أصناف من الناس فقال كل صنف منهم شيئا غير الذي قال الصنف الآخر فقال له أبو جعفر (عليه السلام): ما ذاك ؟ قال: فإني أسألك عن أول ما خلق الله من خلقه (1) فإن بعض من سألته قال: القدر وقال بعضهم: القلم وقال بعضهم الروح فقال أبو جعفر (عليه السلام): ما قالوا شيئا، أخبرك أن الله تبارك وتعالى كان ولا شئ غيره. وكان عزيزا ولا أحد كان قبل عزه وذلك قوله * (سبحان ربك رب العزة عما يصفون) * وكان الخالق قبل المخلوق ولو كان أول ما خلق من خلقه الشئ من الشئ إذا لم يكن له انقطاع أبدا ولم يزل الله إذا ومعه شئ ليس هو يتقدمه ولكنه كان إذ لا شئ غيره وخلق الشئ الذي جميع الأشياء منه وهو الماء الذي خلق الأشياء منه فجعل نسب كل شئ إلى الماء ولم يجعل للماء نسبا يضاف إليه وخلق الريح من


(1) قوله " عن أول ما خلق الله من خلقه " المستفاد من جواب الإمام المعصوم العالم بأدواء النفوس وعلاجها والمطلع على أسرار الضمائر وكوامن القلوب أن هذا السائل كان مبتلى كساير العوام بالعجز عن بيان ما يختلج بباله من الإشكال وأن أصل اضطراب قلبه وتردده في كيفية خلق الأشياء المادية من العدم والراسخ في ذهنه أن كل مصنوع لابد أن يصنع من مادة سابقة عليه فسأل عن المادة الأولى التي خلق كل شئ منها، وكان الجواب الذي سمعه ممن سمعه غير مقنع له إذ لا معنى لكون المصنوعات جميعا مخلوقة من القضاء والقدر ولا من القلم ولا من الروح إذ لا يكون شئ من هذه الأمور مادة لصنع الأشياء، ولم يكن سؤاله عن العلل الفاعلية بل عن العلل المادية التي لابد أن تكون مقدمة على صنعة الصانع على ما كان يراه من عمل أمثال النجار والبناء حيث يعملون ما يعملون في الخشب والطين والحجر فابتدأ (عليه السلام) بإزالة وهمه وبين أن الله تعالى لا يجوز أن يصنع الأشياء من شئ موجود قبله أو معه وإنما يحتاج إلى المواد، الفاعل الصانع البشري والله تعالى هو خالق المواد ولو كان إيجاد كل مصنوع متوقفا على شئ سابق عليه وذلك على شئ آخر وهكذا ذهب الأمر إلى غير النهاية ووجب إثبات شئ غير مخلوق مع الله أزلي بأزليته والإمام (عليه السلام) رأى أنه لم يبدأ بإزالة وهمه هذا واكتفى بأن المخلوق الأول هو الماء لسأل السائل عن الماء مم خلق فإن قيل خلق من جوهرة خضراء لسأل السائل مم خلق الجوهرة الخضراء وهكذا ثم أجاب بما أجاب. ومراده (عليه السلام) من تضعيف قول من قال إن أول ما خلق الله الروح أو القلم أو القدر أنه لم يقع موقعه من السؤال وإلا فجميع هذه أيضا مروية وقد سبق في أول الكتاب أن أول ما خلق الله العقل وروي أن أول ما خلق نور رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولكن لم يكن سؤال السائل إلا عن المادة الأولى للأجسام وكم من كلام صحيح لا يمكن أن يقع جواب سائل، مثل قوله * (قل هو الله أحد) * في جواب من سأل عن نصاب الزكاة. (ش) (*)

[ 9 ]

الماء ثم سلط الريح على الماء فشققت الريح متن الماء حتى ثار من الماء زبد على قدر ما شاء أن يثور فخلق من ذلك الزبد أرضا بيضاء نقية ليس فيها صدع ولا نقب ولا صعود ولا هبوط ولا شجرة، ثم طواها فوضعها فوق الماء، ثم خلق الله النار من الماء فشققت النار متن الماء حتى ثار من الماء دخان على قدر ما شاء الله أن يثور فخلق من ذلك الدخان سماء صافية نقية ليس فيها صدع ولا نقب وذلك قوله: * (والسماء بناها * رفع سمكها فسويها * وأغطش ليلها وأخرج ضحيها) *. قال: ولا شمس ولا قمر ولا نجوم ولا سحاب، ثم طواها فوضعها فوق الأرض ثم نسب الخليقتين فرفع السماء قبل الأرض فذلك قوله عز ذكره: * (والأرض بعد ذلك دحيها) * يقول: بسطها، فقال له الشامي: يا أبا جعفر قول الله تعالى: * (أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما) * فقال له أبو جعفر (عليه السلام): فلعلك تزعم أنهما كانتا رتقا ملتزقتين ملتصقتين ففتقت إحداهما من الأخرى ؟ فقال: نعم، فقال أبو جعفر (عليه السلام): استغفر ربك فإن قول الله جل وعز: * (كانتا رتقا) * يقول كانت السماء رتقا لا تنزل المطر وكانت الأرض رتقا لا تنبت الحب فلما خلق الله تبارك وتعالى الخلق وبث فيها من كل دابة فتق السماء بالمطر والأرض بنبات الحب، فقال الشامي: أشهد أنك من ولد الأنبياء وأن علمك من علمهم. * الشرح: (حديث أهل الشام عنه عن أحمد بن محمد) في مرجع الضمير خفاء وعوده إلى محمد بن يحيى خلاف المتعارف وكأنه يعود إلى أحمد بن محمد بن عيسى ويكون المراد بأحمد بن محمد أبو جعفر البرقي (قد أعيت علي أن أجد) أعيته أعجزته ووصف المسألة بالإعياء من جهة إشكالها وعسر جوابها. (وقد سألت عنها ثلاثة أصناف) لعل المراد بهم أهل الإسلام والحكماء والمتكلمون أو أهل الإسلام واليهود والنصارى. (فإني أسألك عن أول ما خلق الله من خلقه) رده (عليه السلام) الأجوبة المذكورة بقوله ما قالوا شيئا أخبرك إلى آخره دل على أن " من " ابتدائية وأن مراد السايل بخلقه المثال أو المهية النوعية القديمة أو المادة القديمة الأزلية وقد ذهب إلى الأول من قال أنه تعالى لم يخلق إلا باحتذاء مثال، وإلى الثاني من قال إن الأشياء محدثة بعضها من بعض على سبيل التعاقب والتسلسل مع قدم النوع وإلى الثالث من قال إن خلق الأشياء من أصل قديم، وقد مر بطلان هذه الأقوال في باب جوامع التوحيد وغيره وأوضحناه هناك. (فإن بعض من سألته قال: القدر، وقال بعضهم: القلم وقال بعضهم: الروح) القدر عبارة عما قضاه الله تعالى وحكم به من الأمور وقد يراد به تقدير الأشياء والقلم يطلق تارة على كلما يكتسب

[ 10 ]

به وتارة على ما كتب به اللوح المحفوظ وهو المراد هنا، قال بعض العامة: أول ما خلقه الله القلم ثم النون وهو الدواة ثم قال اكتب ما هو كاين وما كان إلى يوم القيامة ثم ختم على القلم فلا ينطق إلى يوم القيامة، واختلفوا في المأمور بالكتابة فقيل: هو صاحب القلم بعد خلقه، وقيل: القلم نفسه لإجرائه مجرى أولي العلم وإقامته مقامه، وأشار القاضي أيضا إلى هذين الوجهين في تفسير قوله تعالى * (ن والقلم وما يسطرون) * والروح ما يقوم به الجسد وتكون به الحياة وقد يطلق على القرآن وعلى جبرئيل (عليه السلام) إذا عرفت هذا أقول لعل القائل الأول نظر إلى أن القضاء والتقدير مقدم على وجودات الأشياء فحكم بأنه الأول، والقائل الثالث نظر إلى أن الروح أشرف الأشياء ويتوقف عليه الكتابة في اللوح فحكم بأنه الأول، والكل معترف بأن ما ذهبوا إليه نشأ من مثال سابق وهذا باطل. (فقال أبو جعفر (عليه السلام) ما قالوا شيئا) لأنهم أخطأوا في تعيين الأول وتسليم قول السايل بأن الأول مخلوق من شئ أما الأول فلأن الثلاثة المذكورة متوقفة على العزم المتوقف على الإرادة كما مر في كتاب التوحيد وأما الثاني فلما أشار إليه (عليه السلام) بقوله (أخبرك أن الله تبارك وتعالى كان) في الأزل (ولا غيره شئ وكان عزيزا) غالبا على جميع الأشياء (ولا أحد كان قبل عزه) فلو كان أول ما خلقه من أصل قديم فإن كان ذلك الأصل منه تعالى لزم أن يكون معه شئ وإن كان من غيره لزم أن يكون قبل عزه أحد أعز منه وهو تعالى يتبع أثره وكلاهما باطل وذلك قوله * (سبحان ربك رب العزة عما يصفون) * إضافة الرب إلى العزة المطلقة تفيد اختصاصها به وعدم حصولها لغيره، وتنزيهه عن كل وصف لا يليق به يفيد ثبوت كل كمال له وسلب كل نقص عنه تعالى، وكل واحد منهما يستلزم توحيده وعدم مشاركة الغير معه في القدم والعزة المطلقة. (وكان الخالق قبل المخلوق) قبلية زمانية متوهمة وإلا لزمت المشاركة المذكورة الموجبة للنقص وفيه تنبيه على أنه أنشأ الخلق على سبيل القدرة والاختيار لا على سبيل الإيجاب والاضطرار لأنه قديم وخلقه حادث وصدور الحادث عن القديم إنما يتصور بطريق القدرة والاختيار دون الإيجاب والاضطرار وإلا لزم تخلف المعلول عن تمام علته حيث وجدت العلة في الأزل دون المعلول. وبعد تمهيد هذه المقدمات الحقة أشار إلى جواب السايل بقوله: (ولو كان أول ما خلق الله من خلقه الشئ من الشئ) المتوقف عليه خلق ذلك الشئ (إذا لم يكن له انقطاع أبدا) إذ يعود الكلام إلى الشئ الأول فيحتاج هو أيضا إلى مثال متقدم (ولم يزل الله إذا ومعه شئ ليس هو يتقدمه) سواء كان ذلك الشئ من صنعه أو من صنع غيره وإن كان المفروض هو الأول لعدم القائل بالثاني والتالي باطل كما أشر إليه بقوله (ولكنه كان إذ لا شئ غيره) تحقيقا لمعنى القدرة والإختيار ورفعا لمعنى النقص والإيجاب والاضطرار ثم بين أن الأول في عالم الخلق وهو عالم

[ 11 ]

الجسم والجسمانيات خلق من باب الإختراع لا من شئ سابق ومثال متقدم وإذا ثبت ذلك ثبت أن الأول في عالم الأمر وهو عالم الروح والروحانيات خلق كذلك لأن الصانع إذا كان قادرا مختارا عالما بوجوه المصالح يحيل الأشياء إلى أوقاتها باختياره ويوجد كلا في وقته من غير حاجة إلى شئ سابق ومثال متقدم فقال (وخلق الشئ الذي جميع الأشياء منه) في عالم الأجسام. (وهو الماء الذي خلق الأشياء منه فجعل نسب كل شئ إلى الماء ولم يجعل للماء نسبا يضاف إليه). هذا وغيره من الروايات صريح في أن الماء أول صنع في عالم الخلق وأنه لم يخلق من شئ فبطل ما ذهب إليه علماء العامة مثل القرطبي وغيره ونطقت به رواياتهم من أن الأول جوهرة أو ياقوتة خضراء فنظر إليها الجبار بالهيبة فانذابت وصارت ماء وتسخنت فارتفع منه دخان وزبد فخلق من الدخان السماء ومن الزبد الأرض، لا يقال الماء محتاج إلى المكان فكيف يكون هو الأول لأنا نقول المكان عدمي وهو البعد الموهوم كما صرح به بعض المحققين ثم حصل له تميز عن مطلق الموهومات وتعين بسبب خلق الماء فكان تميزه تعينه تابعا لخلق الماء، وبما ذكرنا في أول هذا الحديث ظهر أنه لا ينافي ما مر في كتاب الأصول في باب مولد النبي (صلى الله عليه وآله) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال " قال الله تعالى يا محمد إني خلقتك وعليا نورا (يعني روحا) بلا بدن قبل أن أخلق سمواتي وأرضي وعرشي وبحري فلم تزل تهللني وتمجدني - الحديث " ما روي عنه (صلى الله عليه وآله) قال " أول ما خلق الله روحي " وعنه أيضا " أول ما خلق الله العقل " ولا منافاة بين هذه الروايات لأن هذه الثلاثة متحدة بالذات مختلفة بالحيثيات إذ هذا المخلوق الأول من حيث إنه ظاهر بذاته ومظهر لظهوره (1) وجودات غيره وفيضان الكمالات من المبدأ عليها سمي نورا، ومن حيث إنه حي


(1) قوله " من حيث أنه ظاهر بذاته ومظهر لظهوره " كلام دقيق مبني على أصول عقلية ونقلية وحاصله أن أول صادر من الواجب تعالى في السلسلة الطولية أعني العلل والمعلولات أشرف المخلوقات مطلقا لكونه أقرب إلى الواجب تعالى وليس إلا روح خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله) وهو نور لتحقق معناه فيه وكونه ظاهرا بذاته ومظهرا لغيره وهو عقل لتقدم العقل على الجسم في مذهب الالهيين بخلاف الماديين فإن العقل عندهم فرع الجسم إذ ليس الإدراك والشعور عندهم إلا عرضا من عوارض المادة وتركيب العناصر فلابد عندهم من وجود الجمادات مقدما على العقل ولولا تركيب الأبدان ووجود الدماغ لم يكن فكر ولا عقل عندهم وأما عند الالهيين فالموجودات العاقلة مستقلة عن الجسم قائمة بذاتها والجسم مركب محتاج إلى موجود عاقل غير جسماني يحفظ أجزاءه ويقيمها كما ثبت في محله، وأما كون الماء أول المخلوقات فالمراد منه أول موجود جسماني لا أول الموجودات مطلقا كما علم مما مر، واعلم أن الإمام (عليه السلام) جرى هاهنا على اصطلاح الناس في ذلك العصر فإن العناصر عندهم كانت منحصرة في أربعة: الماء والهواء أي الريح، والنار، والأرض وبين (عليه السلام) أن الأصل هو الماء والثلاثة الأخرى مولدة منه وهو رأي ثاليس الملطي من قدماء اليونانيين وقال بعضهم: إن = (*)

[ 12 ]

وبسببه حياة كل موجود سمي روحا، ومن حيث إنه عاقل لذاته وصفاته وذوات سائر الموجودات وصفاتها سمي عقلا، نعم هذه الروايات ظاهرا تنافي ما روي " أن أول ما خلق الله القلم " ويمكن أن يقال القلم أيضا عبارة عما ذكره من حيث أن نقوش العلوم والكائنات في اللوح المحفوظ بتوسطه فهو بهذا الاعتبار سمي قلما فالمعنى في الجميع واحدا والعبارات مختلفة وهذا التوجيه مذكور في كتاب معارج النبوة وكتاب شواهد النبوة. (وخلق الريح من الماء) لتحركه حركة عنيفة واضطرابه اضطرابا شديدا فحدثت منه الريح. (ثم سلط الريح على الماء) فحركت ذلك الماء وأثارت أمواجا كأمواج البحار (فشققت الريح متن الماء) وحركته تحريكا كتحريك ما في القربة والسقاء حتى جعلت أسفله أعلاه وأعلاه أسفله (حتى ثار من الماء زبد على قدر ما شاء أن يثور) واقتضت الحكمة في كمية الأرض وإيجادها على الحجم والبسط المعروفين (فخلق من ذلك الزبد أرضا بيضاء نقية ليس فيها صدع) أي شق (ولا نقب) بالنون وفي بعض النسخ بالثاء المثلثة (ولا صعود ولا هبوط) الصعود بالفتح العقبة، والهبوط بالفتح الخدود (ولا شجرة) أراد بالشجرة مطلق النباتات وإنما حدثت هذه الأشياء بعد ذلك بالإرادة والأسباب المقتضية لها. (ثم طواها فوضعها فوق الماء) تحت الكعبة كما دل عليه بعض الروايات. (ثم خلق الله النار من الماء) لا يبعد من القدرة القاهرة أن تحدث النار من حركات الماء وصدماته كما يحدث البرق من صدمات السحاب الماطر عند بعض، وكما تحدث من الشجر


= الأصل هو الهواء وبعض أنه النار وبعض أنه الأرض، ومقتضى كلام غيرهم أن العنا الأربعة كل أصل بنفسه لم يكن أحد منها مشتقا من الآخر لمناسبات واستحسانات رأوها أحسن ولم يدع أحد منهم الظفر بما يوجب اليقين وسلكوا في عددها مسلك الفقهاء حيث ينفون ما لم يثبت دليل على وجوده بأصالة العدم واستصحاب العدم الأزلي مثلا قالوا لم يتبين لنا كون الماء مركبا من عناصر مختلفة فالأصل عدمها فيكون الماء عنصرا بسيطا ولم يتبين لنا وجود عنصر بسيط غير الأربعة فالأصل عدم بسيط غيرها وكذلك في زماننا يعدون عناصر كثيرة لم يظهر لهم تركيبها فالتزموا ببساطتها وعددها نحو من مائة عنصر كلما ظفروا بعنصر جديد زادوه عليها ولا فائدة دينية في تحقيق ذلك وتشخيصها إلا أن يعلم بوجه كلي أن كل شئ إنما يوجد بتأثير مشيئة الله وقدرته وكون العنصر الأصلي أوسط في القوام أظهر في العقل لأن الجامد كالأرض لا يسهل تشكله بالصور المختلفة والفلزات لا يصنع إلا بعد الذوب والريح مايلة إلى الحركة والتفرق ولا يقبل التشكل والضبط، والأولى بقبول التغير وحفظ الشكل في الجملة هو المايع، وهذا المقدار يكفي في تصور تغيير الأشياء من صورة إلى صورة وليس المقام لتحقيق الأمور الطبيعية حتى يحتاج إلى تفصيل أكثر، والإنسان مفطور على إرجاع الكثرات إلى الواحد ليكون أول صادر من الواجب واحدا كما قالوا: الواحد لا يصدر منه إلا الواحد يعني في المرة الأولى، لذلك اطمأن السائل لما سمع من الإمام إرجاع كل المواليد إلى واحد هو الماء (ش). (*)

[ 13 ]

الأخضر قال الله تعالى * (الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون) * فمن قدر على إحداث النار من الشجر الأخضر مع ما فيه من المائية المضادة لها كان قادرا على إحداث النار من الماء فلا تنظر إلى من استبعد ذلك وقال لا نار هنالك. (فشققت النار متن الماء) وسخنته تسخينا شديدا حتى ثار من الماء دخان وارتفع في جو متوهم وخلاء متسع ارتفاعا تقتضيه الحكمة البالغة (على قدر ما شاء الله أن يثور) ويصلح لخلق السماوات من غير زيادة ونقصان (فخلق من ذلك الدخان سماء صافية نقية) وبسط ذلك الدخان بسطا مخصوصا وركبه تركيبا معلوما وضم إليه الجزء الصوري الحافظ لذلك التركيب إلى ما شاء الله. (ليس فيها صدع ولا نقب) بالنون أو الثاء المثلثة واعلم أن ظاهر هذا الحديث والذي يأتي بعده وظاهر قوله تعالى * (ثم استوى إلى السماء وهي دخان) * ناطق بأن السماء مخلوقة من دخان وأن المراد بالنار والدخان معناهما الحقيقي وقيل المراد بالدخان هنا البخار المتصاعد عن وجه الماء الحادث بسبب حركته بتحريك الريح له وليس محمولا على حقيقته لأنه إنما يكون عن النار ولا نار هنالك وإنما سمي البخار دخانا من باب الاستعارة للتشابه بينهما في الصورة لأن البخار أجزاء مائية خالطت الهواء بسبب لطافتها عن حرارة الحركة كما أن الدخان أجزاء مائية انفصلت عن جرم المحترق بسبب لطافتها عن حرارة النار وذلك قوله: * (والسماء بناها * رفع سمكها) * أي رفع سقفها عن الأرض على قدر تقتضيه الحكمة وقد ذكر الصادق (عليه السلام) بعض تلك الحكمة في توحيد المفضل. (فسويها) تسوية موجبة لكمالها من غير نقص فيها. (وأغطش ليلها) أي أظلمه (وأخرج ضحيها) أي ضوءها وهو النهار وإنما أضافهما إليها لأنهما يحدثان بحركتها. (قال ولا شمس ولا نجوم ولا سحاب) حين خلق السماء من الدخان وإنما حدثت هذه الأشياء بعده لمصالح الخلق ومنافعهم. (ثم طواها ووضعها فوق الأرض) على مقدار من الارتفاع المحسوس ثم نسب الخليقتين أي جاء بواحدة منهما في أثر الآخر (فرفع السماء قبل الأرض) أي رفعها بالبسط المعلوم قبل بسط الأرض (فذلك قوله عز ذكره * (والأرض بعد ذلك دحيها) * يقول بسطها) على قدر معلوم لتكون مهدا للإنسان ومرعى للحيوان. واعلم أن ظاهر هذه الخبر وغيره وظاهر القرآن لما دل على كون الماء أصلا تكونت منه السماوات والأرض، وثبت أن الترتيب المذكور أمر ممكن في نفسه، وثبت أن الباري تعالى فاعل مختار قادر على جميع الممكنات، ثم لم يقم دليل عقلي يمنع من إجراء هذه الظواهر على ما دلت

[ 14 ]

عليه بظاهرها وجب علينا القول بمقتضاها ولا حاجة بنا إلى التأويل الذي ذكره بعض الناس ونحن تركناه لطوله ولا يضرنا ما ذهب إليه الحكماء من تأخر وجود العناصر عن وجود السماوات لأن أدلتهم مدخولة. (فقال الشامي يا أبا جعفر قول الله تعالى * (أولم ير الذين كفروا أن السماوات كانتا رتقا) *) أي ذات رتق أو مرتوقتين * (ففتقناهما) * الرتق ضد الفتق وهو الشق، فالرتق الضم والالتحام، والمراد بالرؤية الرؤية القلبية وهي العلم، والكفرة وإن لم يعلموا ذلك لكنهم كانوا متمكنين من العلم به نظرا ومن الاستدلال به على وجود الصانع. (فقال أبو جعفر (عليه السلام) فلعلك تزعم أنهما كانتا رتقا ملتزقتان ملتصقتان إحداهما من الأخرى (1) فقال نعم) فسره بذلك بعض مفسري العامة وقال بعضهم كانت الأفلاك واحدة ففتقت بالتحريكات المختلفة حتى صارت أفلاكا وكانت الأرضون واحدة ففتقت باختلاف كيفياتها وأحوالها طبقات وأقاليم. (فقال أبو جعفر (عليه السلام) استغفر ربك) هذا صريح في أن ما زعمه ليس بمراد من الآية، فإن قول الله عز وجل * (كانتا رتقا) *.. إلى آخره بذلك فسره أيضا بعض المفسرين قال القاضي فيكون المراد بالسماوات سماء الدنيا وجمعها باعتبار الآفاق أو السماوات بأسرها على أن لها مدخلا ما في الأمطار. (فقال الشامي أشهد أنك من ولد الأنبياء وأن علمك من علمهم) الظاهر أنه آمن به والقول بأن لفظ الشهادة ليس نصا في الإيمان حتى يعتقد ويستسلم وليس ذلك بمعلوم، بعيد. * الأصل: - محمد، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن العلاء بن رزين، عن محمد ابن مسلم والحجال، عن العلاء، عن محمد بن مسلم قال: قال لي أبو جعفر (عليه السلام): كان كل شئ ماء وكان عرشه على الماء فأمر الله عز ذكره الماء فاضطرم نارا ثم أمر النار فخمدت فارتفع من خمودها دخان فخلق الله السماوات من ذلك الدخان وخلق الأرض من الرماد ثم اختصم الماء والنار والريح فقال الماء: أنا جند الله الأكبر، وقالت الريح: أنا جند الله الأكبر، وقالت النار: أنا جند الله الأكبر، فأوحى الله عز وجل إلى الريح: أنت جندي الأكبر. * الشرح: قوله (كان كل شئ ماء) أي نسب كل شئ إلى الماء وليس للماء نسب يضاف إليه لأنه أول حادث من أجرام هذا العالم (وكان عرشه على الماء) قيل كان فوقه لا على أن يكون موضوعا على


(1) كذا. (*)

[ 15 ]

متنه واستدل به على إمكان الخلاء، وقال ابن عباس " فوقه " وقوله يحتمل الأمرين وقال الأبى في كتاب إكمال الإكمال أقوال المفسرين فيه كثيرة والله أعلم بحقيقة ذلك، والمقطوع به أنه سبحانه وتعالى قديم بصفاته ليس بجسم وجسماني ولا أول لوجوده وكان ولا شئ معه انتهى. أقول يحتمل أن يراد بالعرش هنا العلم وقد جاء تفسيره به في كثير من الأخبار وكان علمه المتعلق بالموجود من الأجرام على الماء فقط إذ لم يكن غيره موجودا والله يعلم. (فأمر الله عز وجل الماء فاضطرم نارا) اضطرمت النار اشتعلت وأضرمها أوقدها فاضطرمت أي توقدت واشتعلت. (وخلق الأرض من الرماد) هذا لا ينافي ما مر من أنها خلقت من زبد الماء لأن الرماد زبد سمي رمادا باعتبار أنه بقي بعد تأثير النار فيه وخروج أجزاء مائيته وتصاعدها من تأثير النار. (فأوحى الله إلى الريح أنت جندي الأكبر) كل ناصر لدين الله وغالب على عدوه ونافع لخلقه فهو جند لله كما قال عز وجل * (ولله جنود السماوات والأرض) * وقال * (وأيده بجنود لم تروها) * أيده بالملائكة والريح فهزموا الأحزاب وقال * (وإن جندنا لهم الغالبون) * ومن البين أن الأكبرية باعتبار القوة والغلبة والضر والنفع وأن لكل واحد من الماء والنار والريح هذه الأوصاف إلا أنها في الريح أقوى وأشد من الماء والنار إذ طبعهما لا يقتضي إلا أمرا واحدا بخلاف الريح فإنها مع اتحاد جوهرها مصدر لآثار مختلفة كإيقاد النار وإخمادها وإثارة السحاب وجمعها وتفريقها وتنقية الحبوب وتزويج النفوس وتلقيح الأزهار وتربية الثمار وتلطيف الأهوية وتكثيفها وتحريك السفن وتسكينها بالإحاطة عليها وسرعة السير إلى جهات مختلفة وقوة الحركة إلى أمكنة متباعدة إلى غير ذلك من خصالها التي لا تحصى ويكفي في ذلك أنه انفتحت السماء بماء منهمر وانفجرت العيون وجرت المياه من كل جانب لإهلاك قوم نوح وخرجت الريح على مقدار حلقة خاتم أو خرقة أبرة لإهلاك قوم عاد ولو خرجت على مقدار منخر ثور لأهلكت البلاد كلها.

[ 16 ]

حديث الجنان والنوق * الأصل: - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن محمد بن إسحاق المدني عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) سئل عن قول الله عز وجل * (يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا) * فقال: يا علي إن الوفد لا يكونون إلا ركبانا أولئك رجال اتقوا الله فأحبهم الله واختصهم ورضي أعمالهم فسماهم المتقين، ثم قال له: يا علي أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنهم ليخرجون من قبورهم وإن الملائكة لتستقبلهم بنوق من نوق العز عليها رحال الذهب مكللة بالدر والياقوت وجلائلها الاستبرق والسندس وخطمها جدل الأرجوان، تطير بهم إلى المحشر مع كل رجل منهم ألف ملك من قدامه وعن يمينه وعن شماله يزفونهم زفا حتى ينتهوا بهم إلى باب الجنة الأعظم وعلى باب الجنة شجرة إن الورقة منها ليستظل تحتها ألف رجل من الناس وعن يمين الشجرة عين مطهرة مزكية. قال: فيسقون منها شربة فيطهر الله بها قلوبهم من الحسد ويسقط من أبشارهم الشعر وذلك قول الله عز وجل: * (وسقاهم ربهم شرابا طهورا) * من تلك العين المطهرة. قال: ثم ينصرفون إلى عين أخرى عن يسار الشجرة فيغتسلون فيها وهي عين الحياة فلا يموتون أبدا، ثم يوقف بهم قدام العرش وقد سلموا من الآفات والأسقام والحر والبرد أبدا، قال: فيقول الجبار جل ذكره للملائكة الذين معهم احشروا أوليائي إلى الجنة ولا توقفوهم مع الخلائق فقد سبق رضاي عنهم ووجبت رحمتي لهم وكيف أريد أن أوقفهم مع أصحاب الحسنات والسيئات، قال: فتسوقهم الملائكة إلى الجنة، فإذا انتهوا بهم إلى باب الجنة الأعظم ضرب الملائكة الحلقة ضربة فتصر صريرا يبلغ صوت صريرها كل حوراء أعدها الله عز وجل لأوليائه في الجنان فيتباشرون بهم إذا سمعوا صرير الحلقة فيقول بعضهن لبعض: قد جاءنا أولياء الله. فيفتح لهم الباب فيدخلون الجنة وتشرف عليهم أزواجهم من الحور العين والآدميين فيقلن: مرحبا بكم فما كان أشد شوقنا إليكم ويقول لهن أولياء الله مثل ذلك. فقال علي (عليه السلام): يارسول الله أخبرنا عن قول الله جل وعز: * (غرف من فوقها غرف مبنية) * بماذا بنيت يارسول الله ؟ فقال: يا علي تلك غرف بناها الله عز وجل لأوليائه بالدر والياقوت والزبرجد، سقوفها الذهب محبوكة بالفضة، لكل غرفة منها ألف باب من ذهب، على كل باب منها ملك موكل به فيها فرش مرفوعة بعضها فوق بعض من الحرير والديباج بألوان مختلفة وحشوها المسك والكافور والعنبر وذلك قول الله عز وجل * (وفرش مرفوعة) * إذا ادخل المؤمن إلى منازله في الجنة، وضع على رأسه تاج الملك والكرامة وألبس حلل الذهب والفضة والياقوت والدر

[ 17 ]

المنظوم في الأكاليل تحت التاج. قال: وألبس سبعين حلة حرير بألوان مختلفة وضروب مختلفة منسوجة بالذهب والفضة واللؤلؤ والياقوت الأحمر فذلك قوله عز وجل * (يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير) *. فإذا جلس المؤمن على سريره اهتز سريره فرحا فإذا استقر لولي الله جل وعز منازله في الجنان استأذن عليه الملك الموكل بجنانه ليهنئه بكرامة الله عز وجل إياه فيقول له خدام المؤمن من الوصفاء والوصائف: مكانك فإن ولي الله قد اتكأ على أريكته وزوجته الحوراء تهيأ له فاصبر لولي الله. قال: فتخرج عليه زوجته الحوراء من خيمة لها تمشي مقبلة وحولها وصائفها وعليها سبعون حلة منسوجة بالياقوت واللؤلؤ والزبرجد وهي من مسك وعنبر وعلى رأسها تاج الكرامة وعليها نعلان من ذهب مكللتان بالياقوت واللؤلؤ، شراكهما ياقوت أحمر، فإذا دنت من ولي الله فهم أن يقوم إليها شوقا فتقول له: ياولي الله ليس هذا يوم تعب ولا نصب فلا تقم أنا لك وأنت لي. قال: فيعتنقان مقدار خمسمائة عام من أعوام الدنيا لا يملها ولا تمله، قال: فإذا فتر بعض الفتور من غير ملالة نظر إلى عنقها فإذا عليها قلائد من قصب من ياقوت أحمر وسطها لوح صفحته درة مكتوب فيها: أنت ياولي الله حبيبي وأنا الحوراء حبيبتك، إليك تناهت نفسي وإلي تناهت نفسك، ثم يبعث الله إليه ألف ملك يهنئونه بالجنة ويزوجونه بالحوراء. قال: فينتهون إلى أول باب من جنانه فيقولون للملك الموكل بأبواب جنانه استأذن لنا على ولي الله فإن الله بعثنا إليه نهنئه، فيقول لهم الملك: حتى أقول للحاجب فيعلمه بمكانكم. قال: فيدخل الملك إلى الحاجب وبينه وبين الحاجب ثلاث جنان حتى ينتهي إلى أول باب فيقول للحاجب: إن على باب العرصة ألف ملك أرسلهم رب العالمين تبارك وتعالى ليهنئوا ولي الله وقد سألوني أن آذن لهم عليه فيقول الحاجب إنه ليعظم علي أن أستأذن لأحد على ولي الله وهو مع زوجته الحوراء قال: وبين الحاجب وبين ولي الله جنتان. قال: فيدخل الحاجب إلى القيم فيقول له: إن على باب العرصة ألف ملك أرسلهم رب العزة يهنئون ولي الله فاستأذن لهم فيتقدم القيم إلى الخدام فيقول لهم: إن رسل الجبار على باب العرصة وهم ألف ملك أرسلهم الله يهنئون ولي الله فأعلموه بمكانهم قال: فيعلمونه فيؤذن للملائكة فيدخلون على ولي الله وهو في الغرفة ولها ألف باب وعلى كل باب من أبوابها ملك موكل به فإذا أذن للملائكة بالدخول على ولي الله فتح كل ملك بابه الموكل به قال: فيدخل القيم كل ملك من باب من أبواب الغرفة قال: فيبلغونه رسالة الجبار عز وجل وذلك قول الله تعالى * (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب (من أبواب الغرفة) سلام عليكم..) * إلى آخر الآية قال: وذلك قوله جل

[ 18 ]

وعز: * (وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا) * يعني بذلك ولي الله وما هو فيه من الكرامة والنعيم والملك العظيم الكبير، إن الملائكة من رسل الله عز ذكره يستأذنون [ في الدخول ] عليه فلا يدخلون عليه إلا بإذنه فلذلك الملك العظيم الكبير، قال: والأنهار تجري من تحت مساكنهم وذلك قول الله عز وجل * (تجري من تحتهم الأنهار) * والثمار دانية منهم وهو قوله عز وجل: * (ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا) * من قربها منهم يتناول المؤمن من النوع الذي يشتهيه من الثمار بفيه وهو متكئ وإن الأنواع من الفاكهة ليقلن لولي الله: ياولي الله كلني قبل أن تأكل هذا قبلي. قال: وليس من مؤمن في الجنة إلا وله جنان كثيرة معروشات وغير معروشات وأنهار من خمر وأنهار من ماء وأنهار من لبن وأنهار من عسل فإذا دعا ولي بغذائه أتي بما تشتهي نفسه عند طلبه الغذاء من غير أن يسمي شهوته قال: ثم يتخلى مع إخوانه ويزور بعضهم بعضا ويتنعمون في حياتهم في ظل ممدود في مثل ما بين طلوع الشمس وأطيب مع ذلك لكل مؤمن سبعون زوجة حوراء، وأربع نسوة من الآدميين والمؤمن ساعة مع الحوراء وساعة مع الآدمية وساعة يخلو بنفسه على الأرائك متكئا، ينظر بعضهم إلى بعض، وإن المؤمن ليغشاه شعاع نور وهو على أريكته ويقول لخدامه: ما هذا الشعاع اللامع ؟ لعل الجبار لحظني، فيقول له خدامه: قدوس قدوس جل جلال الله بل هذه حوراء من نسائك ممن لم تدخل بها بعد رأتك متكئا على سريرك تبسمت نحوك شوقا إليك فالشعاع الذي رأيت والنور الذي غشيك هو من بياض ثغرها، وصفائه ونقائه ورقته. قال: فيقول ولي الله: ائذنوا لها فتنزل إلي فيبتدر إليها ألف وصيف وألف وصيفة يبشرونها بذلك فتنزل إليه من خيمتها وعليها سبعون حلة منسوجة بالذهب والفضة، مكللة بالدر والياقوت والزبرجد صبغهن المسك والعنبر بألوان مختلفة، يرى مخ ساقها من وراء سبعين حلة طولها سبعون ذراعا وعرض ما بين منكبيها عشرة أذرع فإذا دنت من ولي الله أقبل الخدام بصحائف الذهب والفضة فيها الدر والياقوت والزبرجد فينثرونها عليها ثم يعانقها وتعانقه فلا يمل ولا تمل. قال: ثم قال أبو جعفر (عليه السلام): أما الجنان المذكورة في الكتاب فإنهن جنة عدن وجنة الفردوس وجنة نعيم وجنة المأوى، قال: وإن لله عز وجل جنانا محفوفة بهذه الجنان وإن المؤمن ليكون له من الجنان ما أحب واشتهى، يتنعم فيهن كيف [ ي‍ ] شاء وإذا أراد المؤمن شيئا أو اشتهى إنما دعواه فيها إذا أراد أن يقول (سبحانك اللهم) فإذا قالها تبادرت إليه الخدم بما اشتهى من غير أن يكون طلبه منهم أو أمر به وذلك قول الله عز وجل * (دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام) *

[ 19 ]

يعني الخدام. قال: * (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) * يعني بذلك عندما يقضون من لذاتهم من الجماع والطعام والشراب. يحمدون الله عز وجل عند فراغتهم وأما قوله: * (أولئك لهم رزق معلوم) * قال: يعلمه الخدام فيأتون به أولياء الله قبل أن يسألوهم إياه وأما قوله عز وجل: * (فواكه وهم مكرمون) * قال: فإنهم لا يشتهون شيئا في الجنة إلا أكرموا به. * الشرح: قوله (حديث الجنان والنوق) الجنان ككتاب جمع الجنة وهي الحديقة ذات النخل والشجر، ثم غلب إطلاقها على الجنة التي أعدت للمتقين، والنوق جمع الناقة. (يوم نحشر المتقين) هم الذين حبسوا أنفسهم على الحق ورفضوا عنهم الميل إلى الباطل وطهروا ظاهرهم وباطنهم عن الرذائل. (إلى الرحمن وفدا) جمع وافد أي وافدين عليه كما يفد الوافدون على الملوك الكرام منتظرين للإحسان والأنعام، وإنما ذكر الرحمن هنا لأنه أنسب بالمقام لكونه مشعرا بصدور أنواع من الرحمة والإكرام. (إن الوفد لا يكونون إلا ركبانا) الركبان جمع الراكب للبعير خاصة وقد يكون للخيل والركوب معتبر في الوفد غزوا. (واختصهم) اختصهم بالشئ أي خصهم به فاختصوا به لازم ومتعد، والمعنى خصهم بذاته المقدسة فاختصوا به وصرفوا وجوه قلوبهم إليه وعكفوا على ما فيه رضاه بين يديه ورفضوا ما يشغلهم عنه بغيره (بنوق من نوق العز عليها رحال الذهب) إضافة النوق إلى العز لامية باعتبار أنها معدة لمن أراد الله تعالى عزته في ذلك اليوم، والرحال جمع رحل وهو مركب للبعير كالسرج للفرس. (مكللة بالدر والياقوت) في الفايق تكليلها أن يحوطها كالأكاليل للرأس ومنه جفنة مكللة وروضة مكللة. (وجلايلها الاستبرق والسندس) جلائل جمع جلال جمع جل وهو بالضم والفتح ما تلبسه الدابة لتصان به، والسندس مارق من الديباج، والاستبرق ما غلظ منه معرب أو هو استفعل من البريق. (وخطمها جدل الأرجوان) الخطم جمع الخطام كالكتب جمع الكتاب والجدل كالكتب جمع الجديل وهو الزمام المجدول أي المفتول للبعير، والأرجوان معرب أرغوان وهو شجر له نور أحمر وكل نور يشبهه فهو أرجوان، وقيل هذه الكلمة عربية والألف والنون زائدتان. (يطير بهم إلى المحشر) شبه سيرها بالطيران في السرعة ففيه استعارة تبعية مع احتمال إرادة

[ 20 ]

الحقيقة. (حتى ينتهوا بهم إلى باب الجنة الأعظم وعلى باب الجنة شجرة) لعل المراد إلى قريب من باب الجنة وعلى قرب منه شجرة فلا ينافي ما سيجئ من قوله (فيسوقهم الملائكة إلى الجنة إذا انتهوا بهم إلى باب الجنة) فليتأمل (فيسقون منها شربة فيطهر الله بها قلوبهم من الحسد) لئلا يحسد بعضهم بعضا في درجات الجنة ويحتمل أن يراد به الحسد الذي كان بينهم في الدنيا لأن الجنة لا يدخلها إلا طاهر من جميع الرذائل. (ولا توقفوهم مع الخلائق) الظاهر أن الخلائق في المحشر للحساب لا في مقامهم فلعل المراد لا توقفوهم مع وقوف الخلائق انتظارا لفراغتهم من الحساب. (تصر صريرا) صر يصر صرا وصريرا صوت وصياح شديد. (وتشرف عليهم أزواجهم من الحور العين والآدميين) أي تشرف عليهم من الغرف من " أشرف عليه " إذا اطلع من فوق أو ترفع عليهم أبصارهن للنظر إليهم أو تخرج من قولهم استشرفوك إذا خرجوا إلى لقائك، وفيه دلالة على أن النساء الصالحات يدخلن الجنة قبل الرجال الصالحين (محبوكة بالفضة) الحبك الشد والإحكام وتحسين أثر الصنعة في الثوب ونحوه، والتحبيك التوثيق والتخليط. (فيها فرش مرفوعة بعضها فوق بعض) الظاهر أنه تفسير لمرفوعة ويحتمل أن يكون وصفا آخر لفرش، وحينئذ يمكن أن يراد بمرفوعة أنها رفيعة القدر كما قيل، وقيل: الفرش النساء وهي مرفوعة على الأرائك، وأيده بقوله تعالى * (إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا) * وهذا القول على التفسير المذكور منقطع عن السابق لبيان وصف نساء أهل الجنة، ومرجع الضمير معلوم بحسب المقام مع إمكان الاتصال أيضا بأن يراد بقوله (عليه السلام) * (بعضها فوق بعض) * أن كل واحدة عند الناظر أحسن من الأخرى للمبالغة في عدم وجود النقص فيهن، والله يعلم. (والدر منظوم في الأكاليل تحت التاج) الأكاليل التاج وشبه عصابة تزين بالجوهر ولعل المراد به الثاني وإن أريد به الأول كان المراد بتحت التاج حواشيه * (يحلون فيها من أساور من ذهب) * من الأولى ابتدائية والثانية للبيان، وأساور جمع أسورة جمع سوار بكسر السين وضمها وهو حلي معروف. (فإذا جلس المؤمن على سريره اهتز سريره فرحا) بصعود المؤمن عليه وحمله وكل من خف لأمر وارتاح عنه فقد اهتز له. (فيقول له خدام المؤمن من الوصفاء والوصائف مكانك) في النهاية: الوصيف العبد، والأمة وصيفة، وجمعهما وصائف ووصايف وفي القاموس: الوصيف الخادم والخادمة والجمع وصفاء

[ 21 ]

كالوصيفة وجمع الجمع وصائف (فإن ولي الله قد اتكأ على أريكته) كهيئة المتنعم قال الله تعالى * (متكئين فيها على الأرائك نعم الثواب) * أي الجنة ونعيمها * (وحسنت مرتفقا) * أي حسنت الأرائك متكأ، والأريكة سرير مزين في قبة أو بيت والجمع أرائك (وزوجته الحوراء تهنأ له فاصبر لولي الله) تهنأ في بعض النسخ بالنون بعد الهاء من التهنية وفي بعضها بالياء بعدها من التهيئة، واعلم أنه لم يذكر الإذن في الدخول لهذا الملك العظيم الشأن ولا يبعد أن يكون إذنه عند إذن ألف ملك يأتي ذكرهم. (قال فتخرج عليه زوجته الحوراء من خيمة لها) وجود الخيمة في الجنة ثبت من طرق العامة أيضا ففي كتاب مسلم عن النبي (صلى الله عليه وآله) " قال إن للمؤمن في الجنة لخيمة عن لؤلؤة واحدة مجوفة طولها ستون ميلا، للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضا " وفيه روايات أخرى كلها بهذا المعنى، قال عياض: الخيمة بيت مستديرة كبيوت الأعراب وإنما لا يرون لبعدها وطول أقطارها، وقال المازري إذا كان طولها في السماء ستين ميلا فما ظنك بطولها وعرضها في الأرض إلا أن في الرواية الأخرى: وعرضها ستون ميلا، فطولها وعرضها متساويان، انتهى. (نظر إلى عنقها فإذا عليها قلايد من قصب من ياقوت أحمر) القصب محركة ما كان مستطيلا من الجوهر. (فيبلغونه رسالة الجبار) ذكر الجبار هنا لأنه أنسب لدلالته على أنه جبر نقائص الخلائق حتى بلغوا هذه المراتب. (سلام عليكم) أي قايلين * (سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار) * فهو حال عن فاعل يدخلون والباء متعلق بعليكم أو بمحذوف، أي هذا بما صبرتم، والباء للسببية أو البدلية. (وذلك قوله عز وجل) ذلك إشارة إلى ما ذكر من منازل المؤمن في الجنة وحالاته فيها وإذن الملائكة المدخول عليه. (وإذا رأيت ثم رأيت نعيما) قال القاضي ليس له مفعول ملفوظ ولا مقدر لأنه عام والمعنى أن بصرك أينما وقع رأيت نعيما (وملكا كبيرا) واسعا وفي الحديث (إن لأهل الجنة منزلة ينظر في ملكه مسيرة ألف عام يرى أقصاه كما يرى أدناه). " وهو قوله عز وجل: * (ودانية عليهم ظلالها) * " لتوسطها بين غاية الارتفاع والانخفاض وهو دليل على دنو الأثمار وسهولة تناولها، وضمير التأنيث راجع إلى الجنة. * (وذللت قطوفها تذليلا) * قطف العنب يقطفه جناه وقطفه، والقطف بالكسر: العنقود، والجمع القطوف. (يتناول المؤمن من النوع الذي يشتهيه من الثمار بفيه) حقيقة أو هو كناية عن نهاية قربها

[ 22 ]

وكونها بحذاء الوجه وقد أجمع أهل الإسلام على أن أهل الجنة يتنعمون فيها كتنعمهم في الدنيا فيأكلون ويشربون ويتناكحون ولا يتغوطون ولا يبولون. (وأن الأنواع من الفاكهة ليقلن لولي الله ياولي الله كلني قبل أن تأكل هذا قبلي) يمكن أن يكون ذلك القول بإيجاد النطق المعروف فيها وأن يكون بلسان الحال، ويفهم ذلك ولي الله بالإلهام. (وليس من مؤمن في الجنة إلا وله جنان كثيرة معروشات وغير معروشات) قال القاضي جنات من الكروم معروشات مرفوعات على ما يحملها وغير معروشات ملقيات على وجه الأرض (ويتنعمون في جناتهم في ظل ممدود) غير منقطع أبدا (في مثل ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس) في اللطافة والرقة والاعتدال لا حار محم ولا بارد مؤذ، وهو قوله عز وجل * (لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا) *، والظاهر أن " ذلك " في قوله " وأطيب من ذلك " إشارة إلى تفصيل ذلك الظل على ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وتعلقه بما بعده بعيد. (لكل مؤمن سبعون زوجة حوراء وأربع نسوة من الآدميين) لعل هذا أقل المراتب لما رواه في الفقيه من أن لكل مؤمن ألف نسوة من الآدميين، وقبل فيه دلالة على أن صنف النساء في الجنة أكثر من صنف الرجال وأنه ينافي ما دل عليه بعض الأخبار من أن أكثر أهل النار النساء. أقول: المنافاة إنما يتم لو ثبت أن عدد النساء مساو لعدد الرجال أو أنقص وأنه ممنوع لجواز أن يكون أزيد، ولو سلم فنقول أكثريتهن في الجملة لا يستلزم أكثريتهن دائما لجواز الخروج من النار بالشفاعة ونحوها فيكون للمؤمن هذا العدد من الآدميين بعد الخروج لا ابتداء. (ويقول لخدامه ما هذا الشعاع اللامع لعل الجبار لحظني) لحظه ولحظ إليه أي نظر إليه بمؤخر عينه واللحاظ بالفتح مؤخر العين وأمثال هذه الأفعال إذا نسبت إليه تعالى يراد بها المعاني المجازية المناسبة بها فيراد هنا التجلي كما تجلى لموسى على نبينا وعليه السلام فإن قلت قول الخدام قدوس قدوس جل جلال الله دل على أن المراد هنا هو المعنى الحقيقي لأنه الذي وجب تنزيهه عنه دون المعنى المجازي، قلت لا دلالة له على ذلك بل قالوا ذلك لأنهم لما سمعوا اسم الجبار جل شأنه نزهوه تنزيها وهذا كما يقول أحدنا يا الله فيقول الحاضرون: جل جلاله وعظم شأنه. نعم لفظة " له " يشعر بما ذكر، والأمر فيه - بعد وضوح المقصود - هين. (فيقول له خدامه قدوس قدوس جل جلال الله) قيل يجوز في القاف الضم والفتح، ونقل المازري عن ثعلب أن كل اسم على فعول فهو مفتوح الأول إلا سبوحا وقدوسا فالضم فيهما أكثر، وهو مرفوع على الخبر أي هو قدوس، وبناؤه للمبالغة من التقديس، والمعنى أن الجبار - تعالى شأنه - مطهر منزه عن صفات المخلوقين، وقد يقع منصوبا بإضمار فعل أي أقدسه قدوسا، وقال بعض الأفاضل إنه اسم بمعنى المقدس كما هو مذكور في الأسماء.

[ 23 ]

(هو من بياض ثغرها) الثغر الأسنان أو مقدمها أو ما دامت في منابتها. (ثم يعانقها وتعانقه فلا يمل ولا تمل) مللته ومنه بالكسر مللا وملة وملالة سئمته (ثم قال أبو جعفر (عليه السلام) أما الجنان المذكورة في الكتاب فإنهن جنة عدن) قال الله تعالى * (جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب) * قال القاضي أي وعدها إياهم وهي غايبة عنهم أو وهم غائبون عنها أو وعدهم بإيمانهم الغيب، قيل جنة عدن اسم لمدينة الجنة وهي مسكن الأنبياء والعلماء والشهداء وأئمة العدل والناس سواهم في جنات حواليها، وقيل هي اسم مركب إضافي فالجنة البستان واختلف في عدن فقيل قصر لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد أو إمام عدل، وقيل هو نهر على حافتيه جنات وبساتين، وقيل عدن اسم للإقامة من عدن بالمكان إذا أقام به، وربما يرجح ذلك بأن الله تعالى وعدها المؤمنين والمؤمنات بقوله * (وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم) *. (وجنة الفردوس) قال الله تعالى * (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا) * قال القاضي: الفردوس أعلى درجات الجنة وأصله البستان الذي يجمع الكرم والنخل، وفي القاموس: الفردوس الأودية التي تنبت ضروبا من النبت، والبستان يجمع كل ما يكون في البساتين تكون فيه الكروم وقد يؤنث، عربية أو رومية أو سريانية. وفي الفائق عن الفراء: الفردوس هو البستان الذي فيه الكرم بلغة العرب. (وجنة نعيم) قال الله تعالى * (أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم) * إنكارا لقولهم لو صح ما تقوله لتكون فيها أفضل حظا منهم كما في الدنيا كذا في تفسير القاضي. (وجنة المأوى) قال الله تعالى * (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى) * فهي منزل من خاف المقام بين يدي الرب وصرف النفس عن هواها وزجرها عن مقتضاها. (سبحانك اللهم) أي اللهم إنا نسبحك تسبيحا وننزهك تنزيها من كل ما لا يليق بك. (من غير أن يكون طلبه منهم أو أمر به) لأن الطلب ولو من الخدم نقص، والله سبحانه أكرمهم ونزههم منه وفهمهم من هذه الكلمة الشريفة مقصده إما بتكرارها أو بالإلهام أو لدلالة تنزيه الرب إلى حاجته إلى الطعام. (تحيتهم فيها سلام يعني الخدام) أشار إلى أن ضمير الجمع راجع إلى الخدام أي يحيونهم بهذا القول وهو السلامة من الآفات والفوز بالسعادات والأمن من الزوال والفناء، والبشارة بالدوام والبقاء، والتحية تفعلة من الحياة أدغمت الياء في الياء والهاء لازمة والتاء زائدة و " أن " في قولهم (أن الحمد لله) مخففة من المثقلة وينبغي أن يعلم أن تسبيح أهل الجنة مما أجمع عليه الأمة

[ 24 ]

ودلت عليه الآيات والروايات من طرق الخاصة والعامة وهذا التسبيح ليس عن تكليف لأن الجنة ليست دار تكليف ولا مشقة عليهم فيه لأن النفس من الضروريات للإنسان ولا مشقة عليه فيه فكذلك تسبيحه تعالى في الجنة لا مشقة فيه أصلا بل هو من أعظم اللذات وسر ذلك أن قلوبهم قد تنورت بمعرفته ومحبته وأبصارهم برؤية جلاله وعظمته ومن أحب شيئا وجد في نفسه لذة بذكره فهو تسبيح تنعم والتذاذ. * الأصل: - الحسين بن محمد الأشعري، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير قال: قيل لأبي جعفر (عليه السلام) وأنا عنده: إن سالم بن أبي حفصة وأصحابه يروون عنك أنك تكلم على سبعين وجها لك منها المخرج ؟ فقال: ما يريد سالم مني أيريد أن أجئ بالملائكة والله ما جاءت بهذا النبيون ولقد قال إبراهيم (عليه السلام): * (إني سقيم) * وما كان سقيما وما كذب ولقد قال إبراهيم (عليه السلام): * (بل فعله كبيرهم هذا) * وما فعله وما كذب، ولقد قال يوسف (عليه السلام): * (أيتها العير إنكم لسارقون) * والله ما كانوا سارقين وما كذب. * الشرح: قوله (إن سالم بن أبي حفصة وأصحابه) زيدي بتري من رؤسائهم لعنه الصادق (عليه السلام) وكذبه وكفره مات سنة سبع وثلاثين ومائة في حياته (عليه السلام) (يروون عنك أنك تكلم على سبعين وجها لك منها المخرج) يعني يقولون إنك تكذب في مطلب واحدا كثيرا وكان ذكر هذا العدد للمبالغة في كثرة الخلاف. (فقال ما يريد سالم مني أيريد أن أجي بالملائكة) ليشهدوا على أني لا أكذب. (والله ما جاءت بهذا النبيون) لإثبات صدقهم فيما يقولون، وما رووه عني لا يقدح في لأن للكلام وجوها مختلفة، منها أن يقصد المتكلم الأخبار عن الواقع ومنها أن ينوي التقية ومنها أن ينوي التورية ومنها أن ينوي التعريض ومنها أن ينوي إصلاح ذات البين إلى غير ذلك من الوجوه التي لا يعلمها إلا العالم الكامل الماهر ولا يستعملها في مواردها إلا الفاضل البارع الماهر، ثم استشهد لذلك بقول الأنبياء فقال: (ولقد قال إبراهيم (عليه السلام) إني سقيم وما كان سقيما وما كذب) اعتذر (عليه السلام) حين دعوه للخروج معهم لعيدهم فقال إني سقيم وما كان معه سقم معروف عند الناس وما كذب لأنه ورى بهذا القول وأراد خلاف ما فهموا منه ليتخلف منهم ويخلو بأصنامهم ويكسرها كما فعل. وفي تقدير توريته وجوه فقيل: يعني أنه سقيم بحسب القابلية والاستعداد لأن الإنسان معرض للسقم، فورى بهذا اللفظ هذا المعنى المحتمل، وقيل: سقيم لما قدر له من الموت وما يتبعه من

[ 25 ]

مشاهدة أحوال الأخيرة، وقيل: سقيم القلب بما شاهد من كفرهم وترك عبادة الخالق والاشتغال بعبادة الأصنام، وقيل: كانت الحمى تأخذه عند طلوع نجم معلوم، فلما رآه اعتذر بعادته وهو معنى قوله تعالى * (فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم) * وقيل: عرض بسقم حجته عليهم وضعف ما أراد بيانه لهم من جهة النجوم التي كانوا يشتغلون بها ويعتقدون أنها تضر وتنفع، ولهذا كرر نظره في ذلك، ويحتمل أن يراد به سقم قلبه خوفا من أن لا تؤثر حجته في قلوبهم كما قال سبحانه * (فأوجس في نفسه خيفة موسى) * وأن يراد به ما طرأ عليه بإرادة كسر آلهتهم من الخوف في مآل أمره، والأصوب أن يراد به سوء حاله وانكسار قلبه لما رأى من ملاحظة النجوم ما يرد على الحسين (عليه السلام) من المصائب والبلايا، روى ذلك على ابن محمد رفعه عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله تعالى * (فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم) * قال: حسب فرأى ما يحل بالحسين (عليه السلام) فقال إني سقيم لما يحل بالحسين (عليه السلام). (ولقد قال إبراهيم (عليه السلام) بل فعله كبيرهم هذا وما فعله وما كذب) ظن الجاهلون أنه (عليه السلام) كذب وما كذب لأنه لما كسر الأصنام ترك كبيرهم لينسب إليه كسرها ليقطعهم بالحجة فلما رجعوا من عيدهم وجدوها مكسورة فقالوا * (من فعل هذا بآلهتنا) * فقال بعضهم * (سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم) * والمراد بذكره قوله * (تالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين) * فلما أحضروه قالوا * (ءأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون فرجعوا إلى أنفسهم) * أي رجع بعض إلى بعض رجوع المنقطع عن حجته لحجة خصمه * (فقالوا إنكم أنتم الظالمون) * أي في عبادتكم من لا يقدر أن يدفع عن نفسه فكيف يدفع عن غيره * (ثم نكسوا على رؤوسهم) * أي رجعوا إلى جهالتهم وضلالتهم * (فقالوا لقد علمت..) * الآية ووجه عدم الكذب في قوله * (بل فعله كبيرهم) * أنه من باب التورية والمعاريض حيث علق خبره على شرط نطقه كأنه قال إن كان ينطق فهو فعله على وجه التبكيت لهم وهذا ليس بكذب وداخل في باب المعاريض التي جعلهما الشرع مباحة للتخليص من المكروه والحرام إلى الجايز إصلاحا بين الناس ورفعا لما يضر وإنما الباطل التحيل في إبطال حق أو تمويه باطل وقد ذكرنا زيادة التوضيح في باب الكذب. (ولقد قال يوسف (عليه السلام) أيتها العير إنكم لسارقون) العير الكسر القافلة مؤنثة وهذا القول وإن كان من مناديه (عليه السلام) إلا أنه لما كان بأمره نسب إليه. (والله ما كانوا سارقين وما كذب) لأنه قال ذلك لإرادة الإصلاح هكذا قالوا، ودلت عليه الرواية عن أبي جعفر (عليه السلام) ويمكن أن يكون من باب التورية بأن يراد بالسارق ضعيف العقل أو الذي خفي عن البصر من سرقت مفاصله كفرح إذا ضعفت أو من سرق الشئ كفرح إذا خفي لا يقال قوله (عليه السلام): (ما كذب) في المواضع الثلاثة ينافي ما مر في باب الكذب من قول الصادق (عليه السلام): (إن الله أحب

[ 26 ]

اثنين وأبغض اثنين أحب الخطر فيما بين الصفين وأحب الكذب في الإصلاح وأبغض الخطر في الطرقات وأبغض الكذب في غير الإصلاح، إن إبراهيم (عليه السلام) قال بل فعله كبيرهم هذا إرادة الإصلاح ودلالة على أنهم لا يفعلون وقال يوسف (عليه السلام) إرادة الإصلاح يعني قال يوسف (عليه السلام) أيتها العير إنكم لسارقون لإرادة الإصلاح) ووجه المنافاة نفي الكذب في أحدهما وإثباته في الآخر إلا أنه بين أن هذا النحو من الكذب لا يضر لأنا نقول إطلاق الكذب عليه إنما هو بحسب الظاهر من الكلام لغة ونفيه بإعتبار أن له غرضا صحيحا غير ظاهر يتوجه القصد إليه.

[ 27 ]

حديث أبي بصير مع المرأة * الأصل: - أبان، عن أبي بصير قال: كنت جالسا عند أبي عبد الله (عليه السلام) إذ دخلت علينا أم خالد التي كان قطعها يوسف بن عمر تستأذن عليه فقال أبو عبد الله (عليه السلام): أيسرك أن تسمع كلامها ؟ قال: قلت: نعم، قال: فأذن لها، قال: وأجلسني معه على الطنفسة قال: ثم دخلت فتكلمت فإذا امرأة بليغة فسألته عنهما، فقال لها: توليهما ! قالت: فأقول لربي إذا لقيته: إنك أمرتني بولايتهما ؟ قال: نعم، قالت: فإن هذا الذي معك على الطنفسة يأمرني بالبراءة منهما وكثير النوا يأمرني بولايتهما فأيهما خير وأحب إليك ؟ قال: هذا والله أحب إلي من كثير النوا وأصحابه، إن هذا يخاصم فيقول: * (ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الكافرون) * * (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) * * (ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الفاسقون) *. * الشرح: قوله (التي قطعها يوسف بن عمر) هو كان والي العراق بعد الحجاج وقاتل زيد بن علي (عليه السلام). (فقال أبو عبد الله (عليه السلام) أيسرك أن تسمع كلامها) رغبة في سماع كلامها لأن فيه مصلحة عظيمة كما تظهر في آخر الحديث. (وأجلسني معه على الطنفسة) ليظهر على أم خالد أنه معظم موقر عنده (عليه السلام) والطنفسة بكسر الطاء والفاء وبفتحهما وضمهما وبكسر الطاء وفتح الفاء وبالعكس: البسط والثياب، وحصير من سعف عرضه ذراع وفي كنز اللغة: " گرد بالش كه بر أو نشينند ". (فسألته عنهما) عن الأول والثاني (فقال لهما توليهما) قال ذلك تقية منها لكونها فصيحة متكلمة مع أهل العلم من الخاصة والعامة (وكثير النوى يأمرني بولايتهما) قيل إنه عامي وقيل زيدي وينسب إليه الفرقة البترية من الزيدية لكونه أبتر اليد فسمي التابعون له بترية وهم قائلون بخلافة الثلاثة. (إن هذا يخاصم فيقول ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الكافرون) يعني يخاصم أبو بصير علماء العامة بأن منطوق الآيات المذكورة دل على أن من حكم حكما ما في قضية من القضايا بغير ما أنزل الله فهو كافر ظالم فاسق فكيف من حكم بغيره في وقايع متكثرة وأفتى بالأهواء والآراء كالشيوخ والخلفاء وتابعيهم من العلماء، ومفهومها دل على أنه وجب أن يكون بين الخلق دائما عالم بجميع ما أنزل الله، حاكم به في كل واقعة، غني عن الاجتهاد وأسبابه وليس ذلك بالاتفاق غير علي (عليه السلام).

[ 28 ]

* الأصل: - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن علي بن فضال عن علي ابن عقبة، عن عمر بن أبان، عن عبد الحميد الوابشي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: إن لنا جارا ينتهك المحارم كلها حتى إنه ليترك الصلاة فضلا عن غيرها ؟ فقال: سبحان الله وأعظم ذلك ألا أخبركم بمن هو شر منه ؟ قلت: بلى قال: الناصب لنا شر منه، أما إنه ليس من عبد يذكر عنده أهل البيت فيرق لذكرنا إلا مسحت الملائكة ظهره وغفر له ذنوبه كلها إلا أن يجئ بذنب يخرجه من الإيمان، وإن الشفاعة لمقبولة وما تقبل في ناصب وإن المؤمن ليشفع لجاره وماله حسنة فيقول: يا رب جاري كان يكف عني الأذى فيشفع فيه فيقول الله تبارك وتعالى: أنا ربك وأنا أحق من كافأ عنك فيدخله الجنة وماله من حسنة وإن أدنى المؤمنين شفاعة ليشفع لثلاثين إنسانا فعند ذلك يقول أهل النار: * (فما لنا من شافعين ولا صديق حميم) *. * الشرح: قوله (فقال سبحان الله وأعظم ذلك) سبحان الله مصدر فعل محذوف وكثيرا ما يقال للتعجب من استماع أمر عظيم وأعظم فعل ماض يقال عظمه وأعظمه إذا فخمه أي عد ترك الصلاة وغيرها أمرا عظيما شنيعا وحمله على اسم التفضيل غير مناسب كما لا يخفى. (وإن الشفاعة لمقبولة وما تقبل في ناصب) شفاعة الإخراج من النار جائزة عقلا ودلت عليه الأحاديث والآيات مثل قوله تعالى * (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) * وغيرها ومنعها الخوارج وحكموا بخلود العاصين في النار لأن المعصية عندهم كفر واحتجوا عليه بقوله تعالى * (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) * وبقوله تعالى * (وما للظالمين من حميم) * الآية وحملوا الآيات والأحاديث الدالة على الشفاعة على أنها في رفع الدرجات ولا دلالة فيها على ما ذكروه، والآيتان عندنا في الكفار، والمعصية ليست بكفر، وقد دلت عليه تصريح الآيات والروايات. واعلم أن الشفاعات على ما نقله بعضهم خمس: الأولى لتعجيل الحساب، الثانية للإدخال في الجنة بغير حساب، الثالثة لمنع قوم من النار بعد أن استوجبوها، الرابعة لإخراج العاصي من النار، الخامسة لرفع الدرجات، والظاهر من رواياتنا أنه يجوز للمؤمن الشفاعة في جميع تلك المراتب ولا دلالة في آخر هذا الحديث على تخصيصها بالقسم الرابع، وقال بعض العامة: الأوليان خاصتان بالنبي (صلى الله عليه وآله). (فعند ذلك يقول أهل النار فما لنا من شافعين) يقولون ذلك تحسرا وتحزنا. * الأصل: - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن صالح بن عقبة، عن أبي هارون، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال لنفر عنده وأنا حاضر: ما لكم تستخفون بنا ؟

[ 29 ]

قال: فقام إليه رجل من خراسان فقال: معاذ لوجه الله أن نستخف بك أو بشئ من أمرك فقال: بلى إنك أحد من استخف بي، فقال معاذ لوجه الله أن أستخف بك، فقال له: ويحك أولم تسمع فلانا ونحن بقرب الجحفة وهو يقول لك: احملني قدر ميل فقد والله أعييت، والله ما رفعت به رأسا ولقد استخففت به ومن استخف بمؤمن فبنا استخف وضيع حرمة الله عز وجل. * الشرح: قوله (مالكم تستخفون بنا) هذا من حسن عشرته (عليه السلام) ورفقه بالأصحاب في أنه لم يواجه ابتداء أحدا باللوم والعيب فقال مالكم، وأما تصريحه ثانيا فلأن الخراساني عرض نفسه في معرض اللوم وفيه تغيير المنكر والحث على الإحسان بالمؤمن، وإن الاستخفاف به استخفاف بالأئمة (عليهم السلام) والاستخفاف بهم استخفاف بالله تعالى. (فقام إليه رجل من خراسان فقال معاذ لوجه الله أن نستخف بك) معاذ مصدر بمعنى الالتجاء وهو في أكثر النسخ مرفوع واللام بمعنى " إلى " وفي بعضها منصوب واللام بمعنى الباء أي لنا إلتجاء إلى وجه الله وذاته أو أعوذ بوجه الله معاذا من أن نستخف بك. (ومن استخف بمؤمن فبنا استخف) قال الفاضل الاسترابادي: لا يقال يلزم من ذلك أن يستخف بالله فيلزم الكفر. لأنا نقول: المراد بالإستخفاف أن لا يعده عظيما كما يعد شرب الخمر عظيما، والمتقي هو الذي يعد الكل عظيما لأن حاكم الكل هو الله تعالى. * الأصل: - الحسين بن محمد الأشعري، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن أبان بن عثمان عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن الله عز وجل من علينا بأن عرفنا توحيده، ثم من علينا بأن أقررنا بمحمد (صلى الله عليه وآله) بالرسالة ثم اختصنا بحبكم أهل البيت نتولاكم ونتبرأ من عدوكم وإنما نريد بذلك خلاص أنفسنا من النار، قال: ورققت فبكيت، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): سلني فوالله لا تسألني عن شئ إلا أخبرتك به، قال فقال له عبد الملك بن أعين: ما سمعته قالها لمخلوق قبلك. قال: قلت: خبرني عن الرجلين ؟ قال: ظلمانا حقنا في كتاب الله عز وجل ومنعا فاطمة صلوات الله عليها ميراثها من أبيها وجرى ظلمهما إلى اليوم، قال - وأشار إلى خلفه - ونبذا كتاب الله وراء ظهورهما. * الشرح: قوله (فقال أبو عبد الله (عليه السلام) سلني فوالله لا تسألني عن شئ إلا أخبرتك به) فيه إشارة إلى كمال علمه (عليه السلام) وتكرمه لعبد الرحمن. قال الفاضل المذكور: لما علم (عليه السلام) أن قصده من إظهار الإخلاص ظهور الأذن منه بالسؤال وأن يجيبه من غير تقية قال (عليه السلام) سلني. (ونبذا كتاب الله وراء ظهورهما) لا يبعد أن يكون هذا كناية عن بعدهما من كتاب الله وعدم

[ 30 ]

العمل بما فيه والتوجه إليه لأن من جعل شيئا وراء ظهره يلزمه أن لا يكون متوجها إليه وأن يبعد عنه. * الأصل: - وبهذا الإسناد، عن أبان، عن عقبة بن بشير الأسدي، عن الكميت بن زيد الأسدي قال: دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) فقال: والله يا كميت لو كان عندنا مال لأعطيناك منه ولكن لك ما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لحسان بن ثابت لن يزال معك روح القدس ما ذببت عنا. قال: قلت: خبرني عن الرجلين قال: فأخذ الوسادة فكسرها في صدره، ثم قال: والله يا كميت ما أهريق محجمة من دم ولا أخذ مال من غير حلة ولا قلب حجر عن حجر إلا ذاك في أعناقهما. * الشرح: قوله (ولكن لك ما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لحسان بن ثابت لن يزال معك روح القدس ما ذببت عنا) ظاهره أن روح القدس قد ينبعث في بعض الأوقات في روع غير الأئمة (عليهم السلام) وكان كميت شاعرا فصيحا مادحا للأئمة (عليهم السلام) كما كان حسان مادحا للنبي (صلى الله عليه وآله) وهو حسان بن ثابت بن المنذر ابن عمرو بن النجار الأنصاري يكنى أبا الوليد وقيل أبا عبد الرحمن وقيل أبا الحسام. قال أبو عبيدة: فضل حسان الشعراء بثلاث: كان شاعر الأنصار في الجاهلية، وشاعر رسول الله في النبوة، وشاعر العرب كلها في الإسلام. وقال أيضا: اجتمعت العرب كلها على أنه أشعر أهل المدن. وقال الأصمعي: حسان أشعر أهل الحضر، وقيل لحسان: لان شعرك في الإسلام، يا أبا الحسام. فقال: إن الإسلام يحجز عن الكذب، يعني أن الشعر لا يحسنه إلا الإفراط في الكذب والتزيين به، والإسلام يمنع من ذلك. وقال أيضا: ما يجود شعر من يتقي الكذب. توفى سنة أربعين في خلافة علي (عليه السلام)، وقيل: سنة خمسين، وقيل: أربع وخمسين، ولم يختلفوا أنه عاش مائة وعشرين سنة، ستين في الجاهلية وستين في الإسلام، وكذلك عاش أبوه وجده، وأدرك النابغة الجعدي والأعشى، وأنشدهما من شعره وكلاهما استجادا شعره. ومعنى الذب: الدفع، وقد كان نفر من قريش يهجون النبي (صلى الله عليه وآله) كابن الزبعرى وأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعمرو بن العاص وضرار بن الخطاب وكان حسان يدفعهم ويرد عليهم فتركوا هجوه خوفا منه، فكان هو ناصر النبي (صلى الله عليه وآله) بالسنان واللسان، والمراد بروح القدس جبرئيل (عليه السلام) والمراد بكونه معه ما دام الذب على سبيل الإمداد بالإلهام والتذكير والإعانة. (والله يا كميت ما أهريق محجمة من دم..) المحجم والمحجمة بكسرهما ما يحجم به، وحرفته: الحجامة بالكسر، ولعل المراد إهراق مقدارها من الدم ظلما، وتغليب حجر عن حجر كناية عن الشدائد، أو عن إزالة الحق عن مركزه، والمقصود أن جميع المفاسد إلى يوم القيامة في

[ 31 ]

أعناقهما لأنهما منشأ لها، ولولا فسادهما في الدين لشاع العدل وارتفع الجور واستقام نظام الخلق. * الأصل: - وبهذا الإسناد، عن أبان، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن أبي العباس المكي قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إن عمر لقي عليا صلوات الله عليه فقال له: أنت الذي تقرأ هذه الآية * (بأيكم المفتون) * وتعرض بي وبصاحبي ؟ قال: فقال له: أفلا أخبرك بآية نزلت في بني أمية: * (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم) * فقال: كذبت، بنو أمية أوصل للرحم منك ولكنك أبيت إلا عداوة لبني تيم وبني عدي وبني أمية. * الشرح: قوله (إن عمر لقي عليا (عليه السلام) فقال له: أنت الذي تقرأ هذه الآية * (فستبصر ويبصرون * بأيكم المفتون) *) أي بأيكم فتن بالسفاهة والجهالة وإنكار الحق. قال القاضي: أيكم فتن بالجنون، والباء زائدة أو بأيكم الجنون على أن المفتون مصدر كالمقتول والمجلود، أو بأي الفريقين منكم الجنون أبفريق المؤمنين أم بفريق الكافرين أي في أيهما يوجد من يستحق هذا الاسم. (تعرض بي وبصاحبي) التعريض خلاف التصريح، تقول: عرضت لفلان وبفلان، إذا قلت قولا وأنت تعنيه، فكأنك أشرت إلى جانب وتريد جانبا آخر. (فقال أفلا أخبرك بآية نزلت في بني أمية) أي في ذم أعمالهم وأفعالهم وتقبيح عقايدهم وأحوالهم صريحا * (فهل عسيتم أن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم) * " عسى " للترجي، وإلحاق الضمير به جايز عند أهل الحجاز، و " أن تفسدوا " خبره. (وإن توليتم) اعتراض أي فهل يتوقع منكم إن توليتم أمور الناس وتأمرتم عليهم أو إن توليتم وأعرضتم عن الإسلام أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم تشاجرا على الولاية وتجاذبا لها أو رجوعا إلى ما كنتم في الجاهلية من مقاتلة الأقارب وغيرها، والمعنى: أنكم لضعفكم في الدين وحرصكم على الدنيا أحقاء بأن يتوقع ذلك منكم من عرف حالكم، كذا ذكره القاضي وغيره. (فقال كذبت، بنو أمية أوصل للرحم منك) تكذيب الفاسق له باعتبار أنه (عليه السلام) قتل كثيرا من أقاربه في الجهاد. * الأصل: - وبهذا الإسناد، عن أبان بن عثمان، عن الحرث النصري قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عز وجل * (الذين بدلوا نعمة الله كفرا) * قال: ما تقولون في ذلك ؟ قلت: نقول: هم الأفجران من قريش بنو أمية وبنو المغيرة، قال: ثم قال: هي والله قريش قاطبة إن الله تبارك وتعالى خاطب نبيه (صلى الله عليه وآله) فقال إني فضلت قريشا على العرب وأتممت عليهم نعمتي وبعثت إليهم رسولي فبدلوا نعمتي كفرا وأحلوا قومهم دار البوار.

[ 32 ]

* الشرح: قوله (قلت تقول هم الأفجران من قريش) الظاهر أن المراد بهما الأول والثاني (وأن قوله بني أمية وبنو المغيرة) خبر بعد خبر بلا عاطف، وكونه بدلا بعيد. (ثم قيل هي والله قريش قاطبة) أي جميعهم، ونصبها على المصدر أو الحال، والمراد بقريش من لم يؤمن منهم. (فقال إني فضلت قريشا على العرب) ومما يؤيد ذلك ما رواه مسلم عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال " الناس تبع لقريش في الشأن مسلمهم تبع لمسلمهم وكافرهم تبع لكافرهم " وعنه أيضا " الناس تبع لقريش في الخير والشر " قال بعضهم: إنهم كانوا في الجاهلية رؤساء العرب وأصحاب حرم الله، وكانت الجاهلية تنتظر إسلامهم كلما أسلموا اتبعهم الناس وجاء وفود العرب من كل جهة، وكذلك حكمهم في الإسلام في تقديمهم للخلافة، وهذا هو الحكم ما بقي من الدنيا وبقي من الناس ومن قريش اثنان هذا كلامه. أقول يدل على هذا أيضا ما رواه مسلم عنه (صلى الله عليه وآله) " لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان " ثم عين رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) وصيه وخليفته والأحاديث الدالة على ذلك من الطرفين أكثر من أن تحصى وهم مع ذلك * (بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار * جهنم) * لما أحدثوا يوم السقيفة، كما أشار إليه بقوله. (فبدلوا نعمتي كفرا) النعمة الرسالة والولاية، وتبديل كل واحدة منهما بالكفر مستلزم لتبديل الأخرى به. (وأحلوا قومهم دار البوار) بار الشي يبور بورا بالضم: هلك، والبوار: الهلاك. * الأصل: - وبهذا الإسناد، عن أبان، عن أبي بصير، عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) أنهما قالا: إن الناس لما كذبوا برسول الله (صلى الله عليه وآله) هم الله تبارك وتعالى بهلاك أهل الأرض إلا عليا فما سواه بقوله * (فتول عنهم فما أنت بملوم) * ثم بدا له فرحم المؤمنين، ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وآله): * (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) *. * الشرح: قوله (قالا إن الناس لما كذبوا برسول الله (صلى الله عليه وآله)) أي بما جاء به، أو الباء زائدة، يقال كذب بالأمر تكذيبا: أنكره، وكذب فلانا جعله كاذبا. (هم الله تبارك وتعالى) أي أراد إرادة غير حتمية (بهلاك أهل الأرض) ممن بلغت إليه الدعوة أو مطلقا (إلا عليا فما سواه) ممن آمن كخديجة حيث لم يؤمن غيرهما قريبا من خمس سنين. وجعل ما سواه تفسيرا للمستثنى منه مبالغة في شمول الهلاك لغير علي (عليه السلام) بعيد لفظا ومعنى بقوله

[ 33 ]

(فتول عنهم) أي فأعرض عنهم بعد ما بلغت وأصروا على الإنكار (فما أنت بملوم) على الإعراض عنهم بعد بذل الجهد في التبليغ، والأمر بالإعراض ليس إلا للغضب عليهم وإرادة هلاكهم (ثم بدا له فرحم المؤمنين) الذين علم الله تعالى أنهم يؤمنون به، والبداء في حقه تعالى عبارة عن إرادة حادثة وفي حق غيره عبارة عن ظهور الشئ بعد الخفاء، وبالجملة: المنكرون استحقوا الهلاك بسبب الإصرار على الإنكار، واستحقوا البقاء لمن في أصلابهم ممن قدر الله تعالى إيمانه، فرجح الثاني ترحما على المؤمنين (ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وآله) فذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) الذين علم الله تعالى إيمانهم إلى قيام الساعة. * الأصل: - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب، عن أبي عبيدة الحذاء، عن ثوير بن أبي فاختة قال: سمعت علي بن الحسين (عليهما السلام) يحدث في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: وحدثني أبي أنه سمع أباه علي ابن أبي طالب (عليه السلام) يحدث الناس قال: إذا كان يوم القيامة بعث الله تبارك وتعالى الناس من حفرهم غرلا بهما جردا مردا في صعيد واحد يسوقهم النور وتجمعهم الظلمة حتى يقفوا على عقبة المحشر فيركب بعضهم بعضا ويزدحمون دونها فيمنعون من المضي، فتشتد أنفاسهم ويكثر عرقهم وتضيق بهم أمورهم ويشتد ضجيجهم وترتفع أصواتهم قال: وهو أول هول من أهوال يوم القيامة، قال: فيشرف الجبار تبارك وتعالى عليهم من فوق عرشه في ظلال من الملائكة فيأمر ملكا من الملائكة فينادي فيهم: يا معشر الخلائق أنصتوا واستمعوا منادي الجبار، قال: فيسمع آخرهم كما يسمع أولهم قال: فتنكسر أصواتهم عند ذلك وتخشع أبصارهم وتضطرب فرائصهم وتفزع قلوبهم ويرفعون رؤوسهم إلى ناحية الصوت * (مهطعين إلى الداع) * قال: فعند ذلك * (يقول الكافر هذا يوم عسر) * قال: فيشرف الجبار عز وجل الحكم العدل عليهم فيقول: أنا الله لا إله إلا أنا الحكم العدل الذي لا يجور، اليوم أحكم بينكم بعدلي وقسطي، لا يظلم اليوم عندي أحد، اليوم آخذ للضعيف من القوي بحقه ولصاحب المظلمة بالمظلمة بالقصاص من الحسنات والسيئات وأثيب على الهبات ولا يجوز هذه العقبة اليوم عندي ظالم ولأحد عنده مظلمة إلا مظلمة يهبها صاحبها وأثيبه عليها وآخذ له بها عند الحساب، فتلازموا أيها الخلائق واطلبوا مظالمكم عند من ظلمكم بها في الدنيا وأنا شاهد لكم عليهم وكفى بي شهيدا. قال: فيتعارفون ويتلازمون فلا يبقى أحد له عند أحد مظلمة أو حق إلا لزمه بها، قال: فيمكثون ما شاء الله فيشتد حالهم ويكثر عرقهم ويشتد غمهم وترتفع أصواتهم بضجيج شديد فيتمنون المخلص منه بترك مظالمهم لأهلها، قال: ويطلع الله عز وجل على جهدهم فينادي مناد من عند الله تبارك وتعالى - يسمع آخرهم كما يسمع أولهم -: يا معشر الخلائق أنصتوا لداعي الله تبارك

[ 34 ]

وتعالى واسمعوا إن الله تبارك وتعالى يقول [ لكم ]: أنا الوهاب إن أحببتم أن تواهبوا فتواهبوا وإن لم تواهبوا أخذت لكم بمظالمكم قال: فيفرحون بذلك لشدة جهدهم وضيق مسلكهم وتزاحمهم قال: فيهب بعضهم مظالمهم رجاء أن يتخلصوا مما هم فيه ويبقى بعضهم فيقول: يا رب مظالمنا أعظم من أن نهبها قال: فينادي مناد من تلقاء العرش أين رضوان خازن الجنان - جنان الفردوس - قال: فيأمره الله عز وجل أن يطلع من الفردوس قصرا من فضة بما فيه من الأبنية والخدم. قال: فيطلعه عليهم وفي حفافة القصر الوصائف والخدم قال: فينادي مناد من عند الله تبارك وتعالى: يا معشر الخلائق ارفعوا رؤوسكم فانظروا إلى هذا القصر، قال فيرفعون رؤوسهم فكلهم يتمناه. قال فينادي مناد من عند الله تعالى: يا معشر الخلائق هذا لكل من عفا عن مؤمن ؟ قال: فيعفون كلهم إلا القليل، قال: فيقول الله عز وجل لا يجوز إلى جنتي اليوم ظالم ولا يجوز إلى ناري اليوم ظالم ولأحد من المسلمين عنده مظلمة حتى يأخذها منه عند الحساب، أيها الخلائق استعدوا للحساب. قال: ثم يخلي سبيلهم فينطلقون إلى العقبة يكرد بعضهم بعضا حتى ينتهوا إلى العرصة والجبار تبارك وتعالى على العرش قد نشرت الدواوين ونصبت الموازين وأحضر النبيون والشهداء وهم الأئمة يشهد كل إمام على أهل عالمه بأنه قد قام فيهم بأمر الله عز وجل ودعاهم إلى سبيل الله قال: فقال له رجل من قريش يا ابن رسول الله إذا كان للرجل المؤمن عند الرجل الكافر مظلمة، أي شئ يأخذ من الكافر وهو من أهل النار ؟ قال: فقال له علي بن الحسين (عليهما السلام): يطرح عن المسلم من سيئاته بقدر ما له على الكافر فيعذب الكافر بها مع عذابه بكفره عذابا بقدر ما للمسلم قبله من مظلمة قال: فقال له القرشي: فإذا كانت المظلمة للمسلم عند مسلم كيف تؤخذ مظلمته من المسلم ؟ قال: يؤخذ للمظلوم من الظالم من حسناته بقدر حق المظلوم فتزاد على حسنات المظلوم، قال: فقال له القرشي: فإن لم يكن للظالم حسنات ؟ قال إن لم يكن للظالم حسنات فإن للمظلوم سيئات يؤخذ من سيئات المظلوم فتزاد على سيئات الظالم. * الشرح: قوله (قال إذا كان يوم القيامة بعث الله تعالى الناس من حفرهم غرلا بهما جردا مردا) روي من طريق العامة عنه (عليه السلام) أيضا " أنه يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا بهما جردا مردا " قال الأبي في كتاب إكمال الإكمال الأظهر أن مقام التكرمة يقتضي عدم حشر الأنبياء كذلك، انتهى، وقد ذكر (عليه السلام) هنا لأهل المحشر أربع صفات الأولى أنهم غرل بالراء المهملة بعد الغين المعجمة المضمومة جمع أغرل، قال عياض بن الأثير: الأغرل الأغلف، والغرلة الغلفة، وقال المازري: الأغلف غير المختون، والغلفة الجلدة التي تزال في الختان، والمعنى أنهم يحشرون غير مختونين، والقصد أنهم يحشرون كما خلقوا أولا لا يفقدون شيئا حتى الغلفة تكون معهم، انتهى.

[ 35 ]

ويمكن أن يقرأ عزلا بالزاي المعجمة بعد العين المهملة جمع أعزل وهو المنفرد المنقطع، والقصد أنهم يحشرون فريدا وحيدا. الثانية أنهم بهم، قال ابن الأثير فيه: " يحشر الناس يوم القيامة عراة حفاة بهما " البهم جمع بهيم، وهو في الأصل الذي لا يخالط لونه لون سواء يعني ليس فيهم شئ من العاهات والأعراض التي تكون في الدنيا كالعمى والعور والعرج وغير ذلك وإنما هي أجساد مصححة لخلود الأبد في الجنة أو النار، وقال بعضهم: روي في تمام الحديث. (قيل: وما البهم ؟ قال ليس معهم شئ) يعني من أعراض الدنيا وهذا يخالف الأول من حيث المعنى، الثالث والرابعة أنهم جرد مرد جمع أجرد وأمرد، والأجرد الذي لا شعر على بدنه، والأمرد الذي لا شعر على وجهه. (في صعيد واحد) قيل: الصعيد ما استوى من الأرض، وعن الفراء: هو التراب، وعن ثعلب: هو وجه الأرض، والمراد به هنا الأرض المستوية التي لا عوج فيها ولا أمتا. (يسوقهم النور ويجمعهم الظلمة) كأن المراد بالنور الإيمان وتوابعه من العبادات لأنها أنوار تسعى بين يدي صاحبها يوم القيامة وهم يمشون على أثرها، وبالظلمة الكفر والشرك ولواحقهما من المعاصي، ونسب الجمع إلى الظلمة لأنها سبب لحيرتهم واجتماعهم فكأنها جمعتهم كما هو شأن الضالين عن الطريق يتحيرون ويجتمعون، ويمكن أن يراد بالنور معناه الحقيقي، وبالظلمة زوال النور، فإذا ظهر النور مشوا، وإذا زال اجتمعوا وسكنوا. (حتى يقفوا على عقبة المحشر) في المحشر عقبات مخوفة ومنازل مهولة هي عقبات الفرائص ومنازل الأخلاق سمي عقبة لشدة المرور عليها والتخلص من شدايدها، وإليها أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: (وانقلبوا بصالح ما بحضرتكم من الزاد فإن أمامكم عقبة كؤدا - أي شاقة - ومنازل مخوفة لابد من الورود عليها والوقوف عندها) أراد بها (عليه السلام) منازل الآخرة ومقامات النفوس في السعادة والشقاوة والأهوال الأخروية، وظاهر أنه لابد من ورود تلك المنازل والوقوف عندها إلى حين عبورها خصوصا أصحاب الأعمال القبيحة والملكات الردية والعلائق البدنية فإن وقوفهم بها أطول وشدايدهم فيها أهول ومرورهم عليها أشق وأشكل، ولعل المراد بتلك العقبة عقبة الإيمان ومظالم الخلق، كما يرشد إليه قوله فيما بعد: * (يقول الكافر هذا يوم عسر) * وقوله (ولا يجوز هذه العقبة اليوم عندي ظالم ولأحد عنده مظلمة) فالكفار في هذه العقبة يسلكون طريق جهنم ومن عنده من المسلمين مظلمة لأحد ولم يقع العفو من المظلوم لم يدخل الجنة حتى يخرج من عهدتها عند الحساب كما سيصرح به ومنه يظهر سر ما مر من أن نشر الدواوين ونصب الموازين إنما هو لأهل الإسلام دون المشركين (فيركب بعضهم بعضا) لكثرتهم وضيق مسلكهم (ويزدحمون دونها) أي يدفع بعضهم بعضا. يقال: زحمه الناس إذا دفعوه في مضيق.

[ 36 ]

(فيمنعون من المضي) لازدحامهم عما هو المطلوب منهم في تلك العقبة فيمنعون (فتشتد أنفاسهم ويكثر عرقهم) في كتاب مسلم عن المقداد بن الأسود قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول " تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق كمقدار ميل فيكون للناس على قدر أعمالهم في العرق فمنهم من يكون إلى كعبيه ومنهم من يكون إلى ركبتيه ومنهم من يكون إلى حقويه ومنهم من يلجمه العرق إلجاما " وأشار رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى فيه. وفي رواية أخرى قال: " إن العرق ليذهب في الأرض سبعين باعا وإنه ليبلغ إلى أفواه الناس أو إلى آذانهم ". قال عياض: يحتمل أنه عرق نفسه بقدر خوفه لما شاهد من الأهوال ويحتمل أنه عرق نفسه وعرق غيره يختلط ويصير لكل بقدر عمله، وهذا الازدحام وانضمام بعضهم إلى بعض حتى يصير العرق بينهم سايحا على وجه الأرض. وقال القرطبي: العرق للزحام ودنو الشمس حتى تغلى منها الرؤوس وحرارة الأنفاس. فإن قيل: لزم أن يسبح الجميع فيه سبحا واحدا ولا يتفاضلون في القدر، قيل يزول هذا الاستبعاد بأن يخلق الله تعالى في الأرض التي تحت كل أحد ارتفاعا بقدر عمله فيرتفع العرق بقدر ذلك. وجواب ثان وهو أن يحشر الناس جماعات متفرقة فتحشر من بلغ كعبيه إلى جهة ومن بلغ حقويه في جهة، انتهى. (قال فيشرف الجبار تبارك وتعالى عليهم من فوق عرشه في ظلال من الملائكة) العرش يطلق على معان ولعل المراد منه الجسم المحيط أو العرش الذي هو مطاف الملائكة، والظلال جمع الظل وهو من كل شئ شخصه ومن بيان لها، والإشراف على الشئ الاطلاع عليه من فوق وهو يستلزم العلم به على وجه الكمال، وإذا نسب إليه تعالى يراد به هذا اللازم أو هو تمثيل، وكونه فوق العرش وفي ظلال من الملائكة صحيح لأنه فوق كل شئ بالعلية والشرف والرتبة والاستيلاء، وفي كل شئ بالعلم المحيط به لا كدخول غيره في شئ، وخصهما بالذكر لشرفهما ودلالتهما على العلو وإشعارهما بأن أمره تعالى جاء من الأعلى إلى الأسفل كما هو مقتضى العادة. (وتخشع أبصارهم) بغضها وإرخاء أجفانها (وتضطرب فرايصهم) في النهاية: الفريصة اللحمة التي بين جنب الدابة وكتفها لا تزال ترعد، وأراد بها أصل الرقبة وعروقها لأنها هي التي تثور عند الغضب والخوف وفي الفايق الفريصة لحمة عند منبض القلب ترتعد وتثور عند الفزع والخوف والغضب. (مهطعين إلى الداع) الإهطاع: الإسراع في العدو، وأهطع أيضا: إذا مد عنقه وصوب رأسه أي نكسه * (يقول الكافر هذا يوم عسر) * * (على الكافرين غير يسير) * (1) (فيقول أنا الله لا إله إلا أنا الحكم


(1) " يقول الكافر هذا يوم عسر " في سورة القمر: 8 و " على الكافرين غير يسير " في سورة المدثر: 10. (*)

[ 37 ]

العدل الذي لا يجور) الموصول صفة للكشف والإيضاح مع احتمال الاحتراز لأن العدل من الناس قد يجور، ولعل الغرض من هذا القول مع وضوحه في ذلك اليوم هو التصريح بأنه لا حكم فيه إلا هو والتنبيه بزهوق الهة اتخذوها في الدنيا وقطع طمعهم عن ملجأ سواه وبه يحصل زيادة انبساط للمؤمن وزيادة اغتمام للكافر. (اليوم أحكم بينكم بعدلي وقسطي) القسط بالكسر: العدل، فالعطف للتأكيد والتقرير، والإضافة للدلالة على كمال المضاف، وتخصيص اليوم بالذكر مع أنه سبحانه حاكم عادل أزلا وأبدا لزيادة الاعتناء بإظهار العدل فيه ولأن آثار العدل في ذلك اليوم أظهر وأقوى من آثاره في غيره إذ ربما يخطر في قلب بعض الظلمة والفسقة انتفاء عدله في الأحكام الدنيوية لعدم علمهم بالمصالح الكلية والجزئية بخلاف الحكم الأخروي فإنه في الظهور إلى حد يعرف كل أحد أنه حق. (ولصاحب المظلمة بالمظلمة بالقصاص من الحسنات والسيئات) ينتقل حسنات الظالم إلى المظلوم وسيئات المظلوم إلى الظالم حتى يتم الوفاء كما سيجئ. والمظلمة بكسر اللام: ما تطلبه عند الظالم وهو اسم ما أخذ منك. (وأثيب على الهبات) فيه ترغيب في الهبة والتجاوز عن جرائم صاحبه وفيه رجاء تام لمن قصر في حقوقه تعالى. (ولا حد عنده مظلمة) لظاهر أنه حال عن ظالم وجعله وصفا له، والواو لزيادة الارتباط والاتصال، بعيد. (إلا مظلمة يهبها صاحبها وأثيبه عليها) أي أثيب الصاحب على الهبة. (وآخذله بها عند الحساب) الظاهر أن قوله " وآخذ " عطف على " يهبها " لا على أثيبه إذ لا أخذ بعد الهبة، ولعل المراد أنه لا يجوز هذه العقبة ظالم إلا إذا وهب له المظلوم أو استحق دخول الجنة بعد الأخذ منه عند الحساب وأما غيرهما فيسلك هناك مسلك النار. (فيتعارفون ويتلازمون) أما لأنهم متقاربون في ذلك المكان فيحصل التعارف والتلازم بسهولة أو لأن التباعد في ذلك اليوم لا يمنع منهما (فلا يبقى أحد له أحد مظلمة أو حق إلا لزمه بها) هكذا في بعض النسخ وفي أكثرها " فلا يبقى لأحد " والظاهر أن اللام زائدة أو أن مظلمة فاعل لقوله " فلا يبقى " على سبيل التنازع بينه وبين الابتداء فليتأمل. (إن الله تبارك وتعالى يقول أنا الوهاب) في وصف نفسه بهذه الصفة تنبيه على كمالها وترغيب للناس في اختيارها ليتصفوا بها ويتوقعوا أهبته عما قصروه في حقه. (قال فيأمره الله عز وجل أن يطلع من الفردوس قصرا) أي يظهره من أشراف إلى انحدار من طلع الكوكب والشمس إذا ظهر، وحفافة القصر بالكسر جانبه (حتى يأخذها منه عند الحساب) فإذا بقى بعده حسنات دخل الجنة.

[ 38 ]

(أيها الخلائق استعدوا للحساب) يحتمل أن يكون من كلامه - عز وجل - في ذلك المقام وأن يكون من كلامه (عليه السلام). أمر بالاستعداد في الدنيا لحساب الآخرة فإن ذلك يوجب سلب المفاسد وجلب المنافع حتى يرد على القيامة ولا حساب عليه إذ أدى حسابه في الدنيا (فينطلقون في العقبة) الظاهر أنها العقبة المذكورة (يكرد بعضهم بعضا) الكرد: السوق والطرد، وفي النهاية كرد القوم: صرفهم وردهم، وفي الكنز " كرد راندن " (حتى ينتهوا إلى العرصة) عرصة الدار: ساحتها وهي البقعة الواسعة التي ليس فيها بناء، والجمع عرصات والمراد بها هنا عرصة القيامة وهي عرصة يجتمع فيها الخلائق للحساب. (والجبار تبارك وتعالى على العرش) قد مر تفسيره سابقا، ويمكن أن يراد به هنا العلم بجميع الموجودات، سمي عرشا لاستقرارها فيه، والغرض من ذكره هو الإشعار بأنه تعالى عالم بجميع الأشياء لا يخفى عليه شئ منها وإنما نشر الدواوين ونصب الموازين وشهادة الأنبياء والأوصياء ليظهر على الخلق حالاتهم التي كانوا عليها حتى لا يكون لهم حجة ولا معذرة ولا محل إنكار، ومر أيضا تفسير الدواوين والموازين سابقا. (فيعذب الكافر بها) دل على أن الكافر معذب بالفروع أيضا. (قال يؤخذ للمظلوم من الظالم من حسناته بقدر حق المظلوم فتزاد على حسنات المظلوم) هذا الظالم على نفسه وعلى غيره هو المفلس والفقير في الحقيقة كما دلت عليه الرواية، وفيه دلالة على عدم الإحباط لأنه أثبت أن له حسنات مع اقترافه المظالم والمعاصي، اللهم إلا أن يقال أحبطت سيئاته من حسناته بقدر ما يقابلها فبقى الباقي من الحسنات بلا معارض. لا يقال قوله " تؤخذ من سيئات المظلوم فتزاد على سيئات الظالم " مناف لقوله تعالى * (ولا تزر وازرة وزر أخرى) *. لأنا نقول هذا غلط وجهالة بينة لأنه إنما عوقب بفعله ووزره لأن العدل يقتضي وقوع المقابلة والموازنة بين الظالم والمظلوم، فأخذ الحسنات وطرح السيئات نوع من الموازنة ونحو من المعاوضة والعقوبات للظالمين وزيادة في ثواب المظلومين وليس من باب أنه مأخوذ ومعذب بذنب لم يعمله من ذنوب غيره ولم يكن مستحقا له أصلا ويقرب ما روي من أن " من ابتدع بدعة فعليه وزرها ووزر من عمل بها " وقوله تعالى حكاية * (إني أريد أن تبوأ بإثمي وإثمك) * فليتأمل.

[ 39 ]

[ في حب الأئمة ] * الأصل: - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن الحسن بن علي بن فضال، عن ثعلبة بن ميمون، عن أبي أمية يوسف بن ثابت بن أبي سعيدة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنهم قالوا حين دخلوا عليه: إنما أحببناكم لقرابتكم من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولما أوجب الله عز وجل من حقكم، ما أحببناكم للدنيا نصيبها منكم إلا لوجه الله والدار الآخرة وليصلح لامرئ منا دينه. فقال أبو عبد الله (عليه السلام): صدقتم صدقتم، ثم قال: من أحبنا كان معنا أو جاء معنا يوم القيامة هكذا - ثم جمع بين السبابتين - ثم قال: والله لو أن رجلا صام النهار وقام الليل ثم لقي الله عز وجل بغير ولايتنا أهل البيت للقيه وهو عنه غير راض أو ساخط عليه. ثم قال: وذلك قول الله عز وجل: * (وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون * فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون) * ثم قال: وكذلك الإيمان لا يضر معه العمل وكذلك الكفر لا ينفع معه العمل ثم قال: إن تكونوا وحدانيين فقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحدانيا يدعو الناس فلا يستجيبون له وكان أول من استجاب له علي بن أبي طالب (عليه السلام) وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ". * الشرح: قوله (في حب الأئمة (عليهم السلام)) [ عنوان و ] ليس هذا في أكثر النسخ. (ثم قال وذلك) أي عدم قبول العمل والسخط على العامل وعدم الرضا عنه إذا لم يكن من أهل الولاية والإيمان (قول الله عز وجل) حيث دل على أن كل من دخل في الدين وكفر بالله وبرسوله بإنكار أمر من أمور الدين وحكم من أحكامه كان مسخوطا وعمله غير مقبول وأعظم ذلك الأمر هو الأمر بالولاية. (وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله) دل على أن كفرهم بهما مانع من قبول نفقاتهم (ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى) أي متثاقلين في فعلها لعدم اعتقادهم بفضلها (ولا ينفقون إلا وهم كارهون) لأنهم يعدونه بمنزلة الإتلاف ولا يعتقدون بفضل الإنفاق فلا يرجون بفعله ثوابا ولا يخافون بتركه عقابا (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم) فإنها وبال عليهم واختبار واستدراج ليكمل بها عقولهم عن الآخرة فيأخذهم بغتة كما قال (إنما يريد الله ليعذبهم في الحياة الدنيا) بسبب ما يتحملون لجمعها وحفظها من المتاعب وما يرون فيها من الشدايد والمصائب (وتزهق أنفسهم وهم كافرون) بالله ورسوله واليوم الآخر. والزهوق: الخروج بصعوبة، كذا ذكر

[ 40 ]

القاضي وغيره. (وكذلك الإيمان لا يضر معه العمل، وكذلك الكفر لا ينفع معه العمل) مر تفسير هذا بعينه في آخر كتاب الإيمان والكفر، ولعل المراد بالعمل الأول العمل الحقير القليل وبالعمل الثاني العمل العظيم الكثير فإن قليل العمل مع الإيمان مقبول وكثير العمل مع الكفر غير مقبول، ويحتمل أن يراد بالضرر الضرر الموجب للخلود في النار، وبالنفع النفع الموجب للدخول في الجنة. ومما يدل على أنه لابد في هذا الخبر من التأويل ما روي عن محمد بن مارد قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) حديث روى لنا أنك قلت إذا عرفت " يعني الولاية " فاعمل ما شئت، فقال: " قد قلت ذلك " قال: قلت: وإن زنوا وسرقوا أو شربوا الخمر، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون ما أنصفونا أن يكون أخذنا بالعمل ووضع عنهم إنما قلت إذا عرفت فاعمل ما شئت من قليل الخير وكثيره فإنه يقبل منك). (ثم قال: إن تكونوا وحدانيين فقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحدانيا يدعو الناس فلا يستجيبون له) في النهاية الوحداني: المفارق للجماعة المنفرد بنفسه وهو منسوب إلى الوحدة، الانفراد بزيادة الألف والنون أي أن تكونوا منفردين قليلين فاصبروا ولا تحزنوا فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع شرف ذاته وكمال صفاته كان وحدانيا يدعو الناس إلى الحق بالبراهين الساطعة والمعجزات اللامعة فلا يستيجبون له جهالة أو حسدا أو حبا للدنيا، وفيه تسلية للشيعة في قلتهم ودفع لتوهم من ضعف عقله أن الحق مع الكثرة لعدم تفطنه بأن أكثر الناس في أكثر الأزمنة كانوا كافرين خارجين عن دين الحق، وقد مر التصريح بذلك في أول كتاب الأصول. (وكان أول من استجاب له علي بن أبي طالب (عليه السلام)) أشار إلى أنه (عليه السلام) أول من أسلم من الذكور، والروايات عندنا وعندهم في ذلك متظافرة، والظاهر أنه لا ينكره أحد إلا أن بعض النواصب قال: إسلامه لم يكن معتبرا لكونه قبل البلوغ. وأجيب عنه: أولا بأنا لا نسلم ذلك، ومستنده وجوه، منها: رواية شداد بن أوس، قال: سألت خباب بن الأرت عن سن علي بن أبي طالب يوم أسلم ؟ قال: أسلم وهو ابن خمسة عشر سنة وهو يومئذ بالغ مستحكم البلوغ، ومنها ما رواه أبو قتادة عن الحسن أن أول من أسلم علي بن أبي طالب وهو ابن خمسة عشر سنة، ولو سلم فلا يتصور الكفر في حقه إذ كان مولودا على الفطرة فمعنى الإسلام إذن دخوله في طاعة الله ورسوله والاستسلام لأوامرهما، فالإيمان الحاصل له وارد على نفس قدسية لم يتدنس بأدناس جاهلية وعبادة الأصنام والعقائد الباطلة المتضادة للحق التي صارت ملكات في نفس من أسلم بعد علو السن وشرب الخمر والشرك بالله، فكان إسلامه أشرف وأكمل من إسلام غيره، وكانت غاية حال الغير أن يمحوا بالرياضة من نفوسهم الآثار الباطلة والملكات الردية فأين أحدهما من الآخر.

[ 41 ]

(وقد قال رسول الله: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) دل على أنه (عليه السلام) وزيره وخليفته بلا فصل في حياته وبعد وفاته وأن له جميع خصال هارون بالنسبة إلى موسى بقرينة استثناء خصلة واحدة وهي النبوة، فالقول بالفصل وتخصيص خلافته بحال حياة النبي (صلى الله عليه وآله) لا وجه له وقد مر توضيح ذلك. آنفا. * الأصل: - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) لعباد بن كثير البصري الصوفي: ويحك يا عباد غرك أن عف بطنك وفرجك إن الله عز وجل يقول في كتابه: * (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * يصلح لكم أعمالكم) * اعلم أنه لا يتقبل الله منك شيئا حتى تقول قولا عدلا. * الشرح: قوله (ويحك يا عباد غرك أن عف بطنك وفرجك) فظننت أنك من أهل النجاة، وعفتهما هي التحرز عن الحرام أو الاكتفاء بقدر الضرورة أو ما دونه من الحلال وهي لا تنفع إلا مع الإقرار بالولاية لأهلها كما أشار إليه بقوله (إن الله عز وجل يقول في كتابه يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله) في فعل المنهيات كلها (وقولوا قولا سديدا) هو القول الحق المعرى عن الباطل (يصلح لكم أعمالكم) بقبولها والإثابة عليها. (اعلم أنه لا يتقبل الله عز وجل منك شيئا) من الأعمال وإن اشتملت على جهات الكمال (حتى تقول قولا عدلا) لما كانت لفظات لسان العباد وأغلاط أقواله كثيرة، منها إنكار الولاية للأئمة الطاهرين (عليهم السلام) نبهه (عليه السلام) بأن تزهده وأعماله لا تنفعه بدون أن يستقيم لسانه ويقول قولا عدلا مستقيما وهو الإقرار بالولاية. * الأصل: - يونس، عن علي بن شجرة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لله عز وجل في بلاده خمس حرم: حرمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحرمة آل رسول الله صلى الله عليهم وحرمة كتاب الله عز وجل وحرمة كعبة الله وحرمة المؤمن. * الشرح: قوله (قال: لله عز وجل في بلاده خمس حرم.. الخ) الحرمة بالضم وبضمتين وكهمزة: ما لا يحل انتهاكه والذمة والمهابة والنصيب ومن يعظم حرمات الله أي ما وجب القيام به وهي الحقوق المقررة شرعا، ومن حقوق الرسول على الأمة هو التصديق به وبما جاء به، والحب له إلى غير ذلك، ومن حقوق آل الرسول أن يؤمن بهم وبولايتهم والاتباع لهم في العقائد والأعمال والأقوال وأن يحبهم، وقس عليه البواقي فإن تفصيل الحرمات والحقوق يوجب الإطناب.

[ 42 ]

* الأصل: - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي نجران، عن محمد بن القاسم، عن علي بن المغيرة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: إذا بلغ المؤمن أربعين سنة آمنه الله من الأدواء الثلاثة: البرص والجذام والجنون، فإذا بلغ الخمسين خفف الله عز وجل حسابه، فإذا بلغ ستين سنة رزقه الله الإنابة، فإذا بلغ السبعين أحبه أهل السماء، فإذا بلغ الثمانين أمر الله عز وجل باثبات حسناته وإلقاء سيئاته فإذا بلغ التسعين غفر الله تبارك وتعالى له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وكتب أسير الله في أرضه، وفي رواية أخرى: فإذا بلغ المائة فذلك أرذل العمر. * الشرح: قوله (إذا بلغ المؤمن أربعين سنة آمنه الله) أي غالبا (من الأدواء الثلاثة البرص والجذام والجنون) البرص بياض يظهر في ظاهر البدن لفساد المزاج، والجذام كغراب: علة تحدث من انتشار السوداء في البدن كله فتفسد مزاج الأعضاء أو هيئاتها وربما انتهى إلى أكلها وسقوطها، والجنون معروف سمي به لأنه يستر العقل ويزيله (فإذا بلغ الخمسين خفف الله تعالى حسابه) أي يسامحه في حساب يوم القيامة ويساهله في كثير من أموره ولا يشدد عليه (فإذا بلغ ستين سنة رزقه الله الإنابة) أي الرجوع إلى الله فيرغب في الطاعة ويندم من المعصية ويداوم ذكر الله تعالى. قال أمير المؤمنين (عليه السلام) " العمر الذي أعذر الله تعالى فيه ابن آدم ستون سنة " يقال أعذر إليه أي بلغ به أقصى العذر قيل: معناه من عمره الله تعالى ستين سنة لم يبق له عذر في الرجوع إلى الله سبحانه بطاعته في مدة هذه المهلة وما يشاهد فيها من الآيات والعبرة مع ما أرسل إليه من الإنذار والتذكير، وقد روي عنه (صلى الله عليه وآله) أنه " لينادي مناد من قبل الله عز وجل أبناء الستين أولم يعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير " (فإذا بلغ السبعين أحبه أهل السماء) فيذكرون له بالخير ويدعون له ويستغفرون لذنوبه. (فإذا بلغ الثمانين أمر الله تعالى بإثبات حسناته وإلقاء سيئاته) لا يخفى أن الإتيان في هذا السن بالسيئات أشنع والمخالفة للرب أقبح وأفظع ولكنه تعالى يرحمه لضعفه وعجزه فيأمر بإلقاء سيئاته لئلا يخجله على رؤوس الأشهاد ولا يشهره عند المقربين تفضلا عليه، ولعل هذا في بعض الأشخاص أو في بعض السيئات وإلا فقد مر في كتاب الأصول " إن الله تعالى لا ينظر يوم القيامة إلى شيخ زان ". (فإذا بلغ التسعين غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر) كان المراد بالذنوب الصغائر من حق الله تعالى مع احتمال الكبائر أيضا، وبالمتأخر الذنب الذي يفعله في هذا السن. (وكتب أسير الله في أرضه) سمي أسيرا لأنه أسره قضاء الله فأخرجه من موطنه الأصلي وحبسه في دار الغربة مدة طويلة وعذبه بهواء النفس وإغواء الشيطان فهو محل الترحم (وفي

[ 43 ]

رواية أخرى فإذا بلغ المائة فذلك أرذل العمر) للعمر - وهو زمان بقاء كل شخص - مراتب في القوة والضعف والتوسط، وأضعف المراتب وأرذلها مائة سنة فصاعدا لأن العمر حال الطفولية وإن كان ضعيفا لكنه في مقام الترقي لقبول الكمال بخلاف مائة سنة فإنه في غاية الضعف ومقام التنزل حتى تبلغ حدا لا يدري ما يقول وما يفعل. * الأصل: - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمى بن عيسى، عن علي بن الحكم عن داود، عن سيف، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إن العبد لفي فسحة من أمره ما بينه وبين أربعين سنة فإذا بلغ أربعين سنة أوحى الله عز وجل إلى ملكيه قد عمرت عبدي هذا عمرا فغلظا وشددا وتحفظا واكتبا عليه قليل عمله وكثيره وصغيره وكبيره. * الشرح: قوله (إن العبد لفي فسحة من أمره..) الفسحة بالضم: السعة، أي هو في سعة من أمره التكليفي أو في فعله للمساهلة في كثير من أموره لشدة شهوته وكمال قوته المقتضية للطغيان وضعف عقله المانع من العصيان وليس فيه ما ينافي الحديث السابق إذ ليس في السابق حكم ما دون الأربعين وأما ما في السابق من رفع الأدواء الثلاثة عن صاحب الأربعين فلا ينافي التشديد عليه في أمره ولكن لابد من تقييد التشديد بالبلوغ إلى الخمسين لأن الخمسين يوجب التخفيف كمار مر أو القول بأن التخفيف من باب التفضل لمن يشاء الله فقد يخفف لصاحب الخمسين وقد يشدد عليه. * الأصل: - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد بن عثمان، عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الوباء يكون في ناحية المصر فيتحول الرجل إلى ناحية أخرى أو يكون في مصر فيخرج منه إلى غيره فقال: لا بأس إنما نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن ذلك لمكان ربئة كانت بحيال العدو، فوقع فيهم الوباء فهربوا منه فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الفار منه كالفار من الزحف كراهية أن يخلو مراكزهم. * الشرح: قوله (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الوباء..) الوباء يقصر ويمد وجمع المقصور أوباء وجمع الممدود أوبية، وقد وبئت الأرض توبأ وباء فهي موبوءة إذا كثر مرضها، وكذلك وبئت توبأ وباءة فهي وبئة ووبيئة على فعلة وفعيلة وفيه لغة ثالثة أوبأت وهي موئبة وهو مرض عام يكون عند الموت العام وقد سمي بالطاعون وهما بمعنى واحد وقال الجوهري: الطاعون الموت المسبب من الوباء فيفهم منه أن الطاعون نفس الموت المسبب من الوباء، وقيل: مرض مخصوص وهو غدة كغدة البعير تخرج في المراق والاباط غالبا وقد تخرج في الأيدي والأصابع وغيرها من الأعضاء

[ 44 ]

حيث شاء الله تعالى، فعلى هذا كل طاعون وباء ولا ينعكس. وقال القرطبي: هو نقمة يرسلها الله على من شاء من عصاة عبيده وكفرتهم، ورحمة وشهادة للصالحين من عباده، وقال عياض: إنه عذاب يبعثه الله تعالى على من شاء ثم يجعله رحمة للمؤمنين، وفيه جواز الفرار منه والخروج من الأرض الموبوءة إلى غيرها لأن في المقام فيها إيقاع النفس إلى التهلكة والأوهام المشوشة لها، وسر ذلك - على ما أشار إليه الغزالي في آخر كتاب التوكل من الإحياء - أن سبب الوباء عند الأطباء هو عفونة الهواء، والهواء لا يؤثر بأول ملاقاة الجسد بل حتى يدوم الاستنشاق فإذا دام استنشاقه وصل إلى الرية والقلب وباطن الأحشاء فيؤثر فيها، فإذا خرج سلم إلا إذا تعلق المشيئة بموته. ومن طرق العامة روايات متكثرة للمنع من الدخول في أرض الوباء والخروج منها، روى مسلم منها خمسة عشر، منها ما رواه عن اسامة بن زيد قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله) " الطاعون رجز ارسل على بني إسرائيل أو على من كان قبلكم فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه ". والبواقي كلها بهذا المضمون وهم قد اختلفوا فأخذ أكثرهم بتلك الروايات فمنعوا الفرار منه والقدوم عليه حتى قال بعضهم: الفرار منه كالفرار من الزحف، وبعضهم أجاز الأمرين، وقال بعضهم: لم ينه عن الخروج خوف أن يهلك قبل أجله ولا عن الدخول خوف أن يصيبه غير ما كتب الله له ولكن خوف فتنة الحي بظن أن هلاك من دخل لدخوله ونجاة من خرج لخروجه، ونقل عن ابن مسعود أن الطاعون فتنة على المقيم والفار، يقول المقيم أقمت فمت، ويقول الفار فررت فنجوت، وإنما فر من لم يحضر أجله وأقام من جاء أجله فمات. (إنما نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن ذلك لمكان ربئة) هي بفتح الراء وكسر الباء الموحدة وفتح الهمزة طليعة يقال ربئهم ولهم كمنع صار ربئة لهم أي طليعة. والمركز موضع الرحل ومحله وحيث أمر الجند أن يلزموه. * الأصل: - علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي مالك الحضرمي، عن حمزة ابن حمران، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ثلاثة لم ينج منها نبي فمن دونه، التفكر في الوسوسة في الخلق والطيرة والحسد إلا أن المؤمن لا يستعمل حسده. * الشرح: قوله (قال ثلاثة لم ينج منها نبي فمن دونه: التفكر في الوسوسة في الخلق والطيرة والحسد) الوسوسة بالفتح والوسواس بالكسر مصدران بمعنى الأفكار وحديث النفس والشيطان بما لا نفع ولا خير فيه، ورجل موسوس على صيغة المفعول إذا غلب عليه الوسوسة، والوسواس بالفتح

[ 45 ]

الاسم وهو ما خطر في القلب من شر ومرض يحدث من غلبة السوداء ولا يضر إذا لم يتمكن فيه سواء كان متعلقا بالأصول أم بغيرها مثل أن يخطر بقلب رجل كيف خلق الله الأشياء بلا مادة أو لم خلق بعضها أو كيف يكون هو موجودا بلا موجد وأمثال ذلك، وقد روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يارسول الله هلكت، فقال له: أتاك الخبيث فقال لك من خلقك ؟ فقلت الله، فقال لك: الله من خلقه فقال: إي والذي بعثك بالحق لكان كذا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ذلك والله محض الإيمان، قال أبو عبد الله (عليه السلام) إنه إنما قال هذا والله محض الإيمان خوفه أن يكون قد هلك حيث عرض ذلك في قلبه) وروي " أنكم إذا وجدتم مثل ذلك قولوا لا إله إلا الله " وروي أيضا " قولوا آمنا بالله وبرسوله ولا حول ولا قوة إلا بالله ". والطيرة بفتح الياء كعنبة: التشؤم وهي مصدر يطير طيرة كيخير خيرة، قال عياض: لم يأت من المصادر على هذا الوزن غيرهما، وبعضهم يقول طيرة بسكون الياء، وقال الزجاج: اشتقاق الطيرة أما من الطيران لأن الإنسان إذا تشأم بشئ كرهه تباعد عنه فشبه سرعة إعراضه عنه بالطيران، وإما من الطير لأنهم كانوا يستعملونه من زجر الطير ويتشأمون ببعضها وقال صاحب المصباح: الطيرة وزان عنبة هي التشؤم، وكانت العرب إذا أرادت المضي لمهم مرت بمجائم الطير وأثارتها ليستفيد هل تمضي أو ترجع فنهى الشارع عن ذلك. " وقال: لا هام ولا طيرة " وقال: " وأقروا الطير في وكناتها " أي على مجاثمها، وقال المازري: كانوا يتطيرون بالسوارح والبوارح وكانوا ينشرون الطير والظباء فإذا أخذ ذات اليمين تبركوا ومضوا لحاجتهم وإذا أخذت ذات الشمال رجعوا عن سفرهم وحوائجهم فكان ذلك يطردهم في كثير من الأوقات عن مقاصدهم، وهذا أمر وهمي أبطله الشرع بقوله: ولا طيرة، وأخبر أن ذلك لا يجلب نفعا ولا يدفع ضرا وسيجئ نفي الطيرة إن شاء الله تعالى، والحسد أن يرى الرجل لأخيه نعمة فيتمنى أن تزول ولا تزول عنه وتكون له دونه أو تزول عنه مطلقا (إلا أن المؤمن لا يستعمل حسده) أي لا يستعمله قولا وفعلا وقلبا بالتفكر في كيفية اجرائه على المحسود وإزالة نعمه، وفيه دلالة على أن هذه الأمور لا إثم بها، وقد مر توضيح ذلك في آخر كتاب الأصول. * الأصل: - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمد الجوهري، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: قال لي: إني لموعوك منذ سبعة أشهر ولقد وعك ابني اثني عشر شهرا وهي تضاعف علينا أشعرت أنها لا تأخذ في الجسد كله وربما أخذت في أعلى الجسد ولم تأخذ في أسفله وربما أخذت في أسفله ولم تأخذ في أعلى الجسد كله ؟ قلت: جعلت فداك إن أذنت لي حدثتك بحديث عن أبي بصير، عن جدك (عليه السلام) أنه كان إذا وعك استعان بالماء البارد فيكون له ثوبان: ثوب في الماء البارد وثوب على جسده يراوح بينهما ثم ينادي حتى يسمع صوته على باب الدار: يا فاطمة بنت محمد، فقال: صدقت، قلت:

[ 46 ]

جعلت فداك فما وجدتم للحمى عندكم دواء ؟ فقال: ما وجدنا لها عندنا دواء إلا الدعاء والماء البارد، إني اشتكيت فأرسل إلي محمد بن إبراهيم بطبيب له فجاءني بدواء فيه قي فأبيت أن أشربه لأني إذا قييت زال كل مفصل مني. * الشرح: قوله (إني لموعوك) الوعك الحمى، وقيل: المها، وقد وعكه المرض وعكا ووعك فهو موعوك. (أشعرت أنها لا تأخذ في الجسد كله) من الشعور وهو العلم يقال شعر به كنصر وكرم شعورا: علم به وفطن له وعقله (أنه إذا كان وعك استعان بالماء البارد) نظيره كثير من طرق العامة، روى مسلم تسعة. منها ما رواه عن ابن عمر عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال " الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء "، ومنها ما رواه أن أسماء كانت تؤتى بالمرأة الموعوكة فتدعوا بالماء فتصبها في جيبها وتقول إن النبي (صلى الله عليه وآله) قال " أبردوها بالماء وقال إنها من فيح جهنم " والفيح شدة حرها، قال محيي الدين البغوي: بعض من في قلبه مرض من جهلة الأطباء يتلاعب ويكثر من ذكر هذه الأحاديث استهزاء ثم يشنع ويقول: الأطباء مجمعون على أن اغتسال المحموم بالماء البارد مهلك لأنه يجمع المسام ويحقن البخار المتحلل فتنعكس الحرارة إلى داخل الجسم فتهلك، وهذا تعيير فيما لم يقله (عليه السلام) فإنه (عليه السلام) قال " أبردوها " فمن أين لهم أنه أراد الانغماس فيحمل على أنه أراد بالإبراد أدنى استعمال الماء البارد على وجه ينفع ولا يبعد أن يراد به أن يرش بعض الجسد بالماء كما دل عليه حديث أسماء فلا يبقى للملحد مطعن، وأيضا الأطباء يسقون صاحب الحمى الصفراوية الماء الشديد البرد ويسقونه الثلج ويغسلون أطرافه بالماء البارد فغير بعيد أن يكون (عليه السلام) أراد هذا النوع من الحمى وهذا النحو من الغسل على ما قالوه أو قريبا منه، وقال القرطبي: إن صدر هذا الطعن عمن ارتاب في صدقه (عليه السلام) أقيم عليه الدليل الدال على صدقه في جميع ما يخبر به من المعجزات وغيرها فإن أناب وإلا فيفعل بالسيف ما لا يفعل بالبرهان وإن صدر من فهمه بالإيراد الانغماس فليس هو الذي أراد وإنما أراد استعمال الماء على وجه ينفع فيجب أن يبحث عنه ولا يبعد أنه أراد أن يرش بعض بدنه أو يفعل به ما كانت أسماء تفعل. (إني اشتكيت) أي مرضت، اشتكى فلان إذا مرض. (فأرسل إلي محمد بن إبراهيم...) كأنه العباس الهاشمي المدني الملقب بابن الإمام وهو محمد بن إبراهيم الإمام بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب. * الأصل: - الحسين بن محمد الأشعري، عن محمد بن إسحاق الأشعري، عن بكر بن محمد الأزدي قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) حم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأتاه جبرئيل (عليه السلام) فعوذه فقال: بسم الله أرقيك يا محمد،

[ 47 ]

وبسم الله أشفيك، وبسم الله من كل داء يعنيك، بسم الله والله شافيك، بسم الله خذها فلتهنيك، بسم الله الرحمن الرحيم فلا أقسم بمواقع النجوم لتبرأن بإذن الله، قال بكر: وسألته عن رقية الحمى فحدثني بهذا. * الشرح: قوله (فأتاه جبرئيل (عليه السلام) فعوذه فقال بسم الله أرقيك يا محمد) رقاه الراقي رقية ورقيا: عوذه ونفث في عوذته من باب ضرب كذا في المغرب. (بسم الله أرقيك) معناه بسم الله أعوذك لا بغيره، والمراد بالاسم هنا المسمى كما قال: * (سبح اسم ربك) * والاسم هو الكلمة الدالة على المسمى إلا أنه قد يتسع فيوضع الاسم موضع المسمى مسامحة ويحتمل حمله على ظاهره أيضا لأن اسم الله تبارك وتعالى مبارك وله فضيلة عظيمة وخاصية جزيلة لا يحيط العقل بكنهها وفضائل الاسم الأعظم أكثر من أن تعد وتحصى، وفيه دلالة على استحباب الرقية بأسماء الله تعالى، والتعوذ بالقرآن العظيم وبعض سوره وآياته مشهورة وفي الأخبار ومؤلفات القوم مذكور ولا خلاف في شئ من ذلك بين العامة والخاصة، ولا ينافي ذلك التوكل، وما ورد في النهي عن الرقية فإنما هي الرقية بغير ما مر من الأسماء التي لا يعرف معناها خوف أن يكون كفرا أو قريبا منه، وأما رقية أهل الكتاب مثل اليهود والنصارى فلم يحضرني من الأخبار وأقوال الأصحاب ما يدل على تجويزها أو منعها، وأما العامة فقد اختلفوا فيها فجوزها بعضهم ومنعها مالك خوف أن يكون بما بدلوه وأجيب عنه بأنه يبعد أن يكون مما بدلوه لأنه لا غرض لهم في تبديلها، ثم إنه لا خلاف بيننا وبينهم في جواز المسح باليد على المرقى، والروايات من طرقنا وطرقهم متكثرة وأما النفث والتفل والنفخ فلم أجد من رواياتنا ما يدل عليها وهي مذكورة في رواياتهم. قال القرطبي: التفل والنفث سنة في الرقي عند المالك والطبري وجماعة من الصحابة والتابعين وأنكره بعضهم وأجازوا فيه النفخ واختلف في التفل والنفث، وقيل هما بمعنى واحد وهما نفخ يسير معه يسير ريق، قال أبو عبيد الله: الريق مع التفل لا مع النفث، وقيل بالعكس، وقال بعضهم التفل بالفتح البصاق نفسه. (وبسم الله أشفيك) أي أبرئك من المرض أو أعالجك بهذا الاسم فوضع الشفاء موضع العلاج والمداواة. (وبسم الله من كل داء يعنيك) أي يقصدك يقال عنيت فلانا عينا إذا قصدته، وقيل معناه من كل داء يشغلك، يقال هذا الأمر لا يعنيني أي لا يشغلني. (بسم الله خذها فلتهنيك) هناني الطعام يهنئني ويهنأني من باب ضرب ومنع وكل أمر يأتيك بلا تعب ولا مشقة وهو حسن العاقبة فهي هنئ لك، ولعل ضمير التأنيث راجع إلى هذه الكلمات

[ 48 ]

الشريفة أو العوذة. * الأصل: - أبو علي الأشعري، عن محمد بن سالم، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من قال: (بسم الله الرحمن الرحيم لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) ثلاث مرات كفاه الله عز وجل تسعة وتسعين نوعا من أنواع البلايا أيسرهن الخنق. * الشرح: قوله (أيسرهن الخنق) خنقه يخنقه من باب قتل خنقا ككتف إذا عصر حلقة حتى يموت فهو خانق ومخنوق، والخناق ككتاب الحبل يخنق به وكغراب داء يمتنع معه نفوذ النفس إلى الرية والقلب. * الأصل: - حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد الكندي، عن أحمد بن الحسن الميثمي، عن أبان بن عثمان، عن نعمان الرازي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: انهزم الناس يوم أحد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فغضب غضبا شديدا، قال: وكان إذا غضب انحدر عن جبينيه مثل اللؤلؤ من العرق، قال: فنظر فإذا علي (عليه السلام) إلى جنبه فقال له: الحق ببني أبيك مع من انهزم عن رسول الله، فقال: يارسول الله لي بك أسوة قال: فاكفني هؤلاء، فحمل فضرب أول من لقي منهم فقال جبرئيل (عليه السلام): إن هذه لهي المواساة يا محمد فقال: إنه مني وأنا منه، فقال جبرئيل (عليه السلام) وأنا منكما يا محمد، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): فنظر رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى جبرئيل (عليه السلام) على كرسي من ذهب بين السماء والأرض وهو يقول: لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي. * الشرح: قوله (فقال له الحق ببني أبيك) هذا الأمر إما للرخصة أو للاختبار. (فقال يارسول الله لي بك أسوة) هي بضم الهمزة وكسرها القدوة، وتأسيت به: اقتديت (فقال فاكفني هؤلاء) إشارة إلى جماعة حملوا عليه، قال شارح النهج: إنه لما هزمت الصحابة يوم أحد ونادى الناس " قتل محمد " وكان حيا صريعا بين القتلى حملت عليه فرق من المشركين فقال (صلى الله عليه وآله) اكفني هذه فحمل عليها وهزمها وقتل رئيسها ثم صمدت إليه أخرى فقال: يا علي أكفني هذه، فحمل عليها فهزمها وقتل رئيسها ثم صمدت إليه أخرى فقال يا علي أكفني هذه فحمل عليها فهزمها وقتل رئيسها ثم صمدت إليه ثالثة وكذلك وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد ذلك يقول: قال لي جبرئيل: يا محمد هذه المواساة، فقلت: وما يمنعه هو مني وأنا منه. فقال جبرئيل وأنا منكما. وروى المحدثون أيضا أن المسلمون سمعوا ذلك اليوم هاتفا من قبل السماء ينادي: لا سيف إلا

[ 49 ]

ذو الفقار ولا فتى إلا علي، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ألا تسمعون ؟ هذا صوت جبرئيل وكذلك ثبت معه حنين في نفر يسير من بني هاشم بعد أن ولى المسلمين الأدبار وحمى عنه، أقول: وفي قول جبرئيل: وأنا منكما دلالة على أنهما أشرف منه حيث طلب أن يكون له منزلة من الله مثل منزلتهما. * الأصل: - حميد بن زياد، عن عبيد الله بن أحمد الدهقان، عن علي بن الحسن الطاطري، عن محمد بن زياد بن عيسى بياع السابري، عن أبان بن عثمان قال: حدثني فضيل البرجمي قال: كنت بمكة وخالد بن عبد الله أمير وكان في المسجد عند زمزم فقال ادعوا لي قتادة. قال: فجاء شيخ أحمر الرأس واللحية فدنوت لأسمع، فقال خالد: يا قتادة أخبرني بأكرم وقعة كانت في العرب وأعز وقعة كانت في العرب وأذل وقعة كانت في العرب، فقال: أصلح الله الأمير أخبرك بأكرم وقعة كانت في العرب وأعز وقعة كانت في العرب، وأذل وقعة كانت في العرب، واحدة. قال خالد: ويحك واحدة ! قال: نعم أصلح الله الأمير قال: أخبرني ؟ قال: بدر، قال وكيف ذا ؟ قال: إن بدرا أكرم وقعة كانت في العرب بها أكرم الله عز وجل الإسلام وأهله وهي أعز وقعة كانت في العرب بها أعز الله الإسلام وأهله وهي أذل وقعة كانت في العرب، فلما قتلت قريش يومئذ ذلت العرب. فقال له خالد: كذبت لعمر الله إن كان في العرب يومئذ من هو أعز منهم، ويلك يا قتادة أخبرني ببعض أشعارهم ؟ قال: خرج أبو جهل يومئذ وقد أعلم ليرى مكانه وعليه عمامة حمراء وبيده ترس مذهب وهو يقول: ما تنقم الحرب الشموس مني * بازل عامين حديث السن لمثل هذا ولدتني أمي فقال: كذب عدو الله إن كان ابن أختي لأفرس منه يعني خالد بن الوليد - وكانت أمه قسرية - ويلك يا قتادة من الذي يقول: " أوفي بميعادي وأحمي عن حسب " ! فقال: أصلح الله الأمير ليس هذا يومئذ، هذا يوم أحد، خرج طلحة بن أبي طلحة وهو ينادي: من يبارز ؟ فلم يخرج إليه أحد، فقال: إنكم تزعمون أنكم تجهزونا بأسيافكم إلى النار ونحن نجهزكم بأسيافنا إلى الجنة فليبرزن إلي رجل يجهزني بسيفه إلى النار وأجهزه بسيفي إلى الجنة، فخرج إليه علي بن أبي طالب (عليه السلام) وهو يقول: أنا ابن ذي الحوضين عبد المطلب * وهاشم المطعم في اليوم السغب أوفي بميعادي وأحمي عن نسب فقال خالد لعنه الله: كذب لعمري والله أبو تراب ما كان كذلك، فقال الشيخ: أيها الأمير ائذن لي

[ 50 ]

في الانصراف، قال: فقام الشيخ يفرج الناس بيده وخرج وهو يقول: زنديق ورب الكعبة (1). * الشرح: قوله (حدثني فضيل البرجمي) بالضم منسوب إلى البراجم وهم قوم من أولاد حنظلة بن مالك (فقال ادعوا لي قتادة) كأنه قتادة بن النعمان من أصحاب الرسول (صلى الله عليه وآله). (فلما قتلت قريش يومئذ ذلت العرب) لذهاب رؤسائهم وشرفائهم. (فقال له خالد كذبت لعمر الله) أي لبقاء الله قسمي (إن كان في العرب) إن مخففة من المثقلة (يومئذ من هو أعز منهم) زعم أن قبيلة القسرية أعز من قريش تعصبا وحمية. (وقد أعلم ليرى مكانه) أي أعلم فرسه بأن علق على عنقه ثوبا ملونا أو أعلم نفسه بأن وسمها بسيماء الحرب وزينها بآلاته ليرى مكانه ومنزلته بين الأبطال والشجعان. (وهو يقول ما تنقم الحرب الشموس مني) النقمة بالكسر والفتح وكفرحة المكافاة بالعقوبة ومنه الانتقام، والنقمة أيضا: العيب والكراهة، نقمت عليه أمره ونقمت منه من باب ضرب: إذا عتبه وكرهه أشد الكراهة لسوء فعله، والشموس بالضم مصدر معناه بالفارسية " بيقرار وبد خوشدن اسب "، وبالفتح صفة يعني " بدخو " يقال شمس الفرس شموسا وشماسا منع ظهره فهو شامس وشموس، ووصف الحرب به من باب التشبيه في الإهلاك أو الاضطراب أو الشدة أو عدم أمن صاحبه من المكاره. (بازل عامين حديث السن) الظاهر أن بازل عامين بالجر بدل عن ضمير المتكلم في " منى " ونصبه على الحال محتمل والبازل من الإبل الذي تم له ثماني سنين ودخل في التاسعة وحينئذ تطلع نابه وتكمل قوته يقال له بعد ذلك بازل عام وبازل عامين يقول أنا مجتمع الشباب مستكمل القوة. (فقال كذب عدو الله إن كان ابني أختي لأفرس منه) فلان أفرس من فلان أشجع منه، من " فرس الأسد فريسته " إذا دق عنقها، وجعله للمبالغة والزيادة في الفارس بمعنى راكب الفرس فيرجع مآله إلى ما ذكر بعيد، كما يبعد جهله للمبالغة في الفراسة بالكسر وهي تعرف أحوال الشخص والأمور بالظن الصائب والرأي الثاقب ليكون إشارة إلى كمال معرفته بأحوال الأبطال وأمور الحرب فليتأمل (يعني خالد بن الوليد) وهو كان مشركا حاضرا مع المشركين في حرب بدر ونجا بالفرار منها وأسلم بعد فتح مكة (وكانت أمه قسرية) قال الجوهري قسر بطن من بجيلة وهم رهط خالد بن عبد الله


(1) " زنديق ورب الكعبة " يعني خالد بن عبد الله القسري زنديق لأنه لو كان مسلما لاستبشر بذكر بدر وغلبة المسلمين على قريش وذل قريش بهم ولم يتبجح بشعر أبي جهل ولم يستحسنه، وهكذا في كل زمان إذا رأينا من يتأسف من ظفر العرب على العجم وزوال ملكهم بجنود العرب ويستبشر بعود الجاهلية على ما كان علم أن صاحبه غير مسلم وإلا لكان مسرورا بزوال ملك المجوس وانتقال ملكهم إلى الإسلام. (ش) (*)

[ 51 ]

القسري وهو بتلك النسبة تفاخر بخالد، وفي بعض النسخ " قشرية " بالشين المعجمة منسوبة إلى قشير بوزن رجيل أبو قبيلة وهو قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن والظاهر أنها تصحيف. (خرج طلحة بن أبي طلحة وهو ينادي من يبارز) قيل هو طلحة بن أبي طلحة العبدري من بني عبد الدار قتله أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم أحد والمبارزة في القتال الظهور من الصف. (فقال إنكم تزعمون أنكم تجهزونا بأسيافكم إلى النار) ترغيب لهم في المبارزة أو توبيخ على تركها وجهاز الميت والعروس والمسافر ما يحتاجون إليه، تقول جهزت فلانا تجهيزا إذا هيأت جهاز سفره. (وهو يقول أنا ابن ذي الحوضين عبد المطلب) في القاموس: الحوض معروف، وذي الحوضين عبد المطلب واسمه شيبة أو عامر بن هاشم فقوله عبد المطلب بدل من ذى الحوضين، وقوله " وهاشم المطعم في العام السغب " عطف على ذي الحوضين، والسغب: المجاعة، سغب كفرح ونصر سغبا وسغبا جاع، أو لا يكون إلا مع تعب فهو ساغب وسغبان وسغب، وفي وصف العام به مبالغة في شيوع الجوع والقحط فيه. وفي معارج النبوة كان اسم هاشم بن عبد مناف عبد الأعلى أو عمرو ثم لقب بهاشم لأنه كان يهشم الخبز ويكسره ويجعله ثريدا للفقراء، بيان ذلك أنه وقع في مكة قحط عظيم وكان لهاشم دقيق كثير فخبزه وذبح في كل صباح وفي كل مساء إبلا وطبخه وأطعم المحتاجين في كل يوم خبزا ولحما وثريدا فاشتهر بهاشم. (أوفي بميعادي وأحمي عن حسب) الموعد والميعاد محل أو وقت وعد إيقاع الفعل فيه كالحضور والقتال ونحوهما فكأنه (عليه السلام) قدر في نفسه الحضور والقتال في كل مكان أو وقت طلب فيه البطل مبارزا وألزم على نفسه القدسية والوفاء به، والمراد بالحسب إما الدين أو القدر والشرف أو ما يعد من مفاخر الآباء، وحماية كل واحد بدفع النقص والعار عنه لازمة على ذمة العقلاء وأهل الكمال.

[ 52 ]

حديث آدم (عليه السلام) مع الشجرة * الأصل: - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن الله تبارك وتعالى عهد إلى آدم (عليه السلام) أن لا يقرب هذه الشجرة فلما بلغ الوقت الذي كان في علم الله أن يأكل منها نسي فأكل منها وهو قول الله عز وجل * (ولقد عهدنا إلى آدم ومن قبل فنسي ولم نجد له عزما) * فلما أكل آدم (عليه السلام) من الشجرة أهبط إلى الأرض فولد له هابيل وأخته توأم وولد له قابيل وأخته توأم، ثم إن آدم (عليه السلام) أمر هابيل وقابيل أن يقربا قربانا، وكان هابيل صاحب غنم وكان قابيل صاحب زرع فقرب هابيل كبشا من أفاضل غنمه وقرب قابيل من زرعه ما لم ينق فتقبل قربان هابيل ولم يتقبل قربان قابيل وهو قول الله عز وجل * (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر..) * إلى آخر الآية وكان القربان تأكله النار فعمد قابيل إلى النار فبنى لها بيتا - وهو أول من بنى بيوت النار - فقال: لأعبدن هذه النار حتى تتقبل مني قرباني، ثم إن إبليس لعنه الله أتاه - وهو يجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق - فقال له: يا قابيل قد تقبل قربان هابيل ولم يتقبل قربانك وإنك إن تركته يكون له عقب يفتخرون على عقبك ويقولون نحن أبناء الذي تقبل قربانه فاقتله كيلا يكون له عقب يفتخرون على عقبك فقتله فلما رجع قابيل إلى آدم (عليه السلام) قال له: يا قابيل أين هابيل ؟ فقال: اطلبه حيث قربنا القربان فانطلق آدم (عليه السلام) فوجد هابيل قتيلا فقال آدم (عليه السلام): لعنت من أرض كما قبلت دم هابيل وبكى آدم (عليه السلام) على هابيل أربعين ليلة ثم إن آدم سأل ربه ولدا فولد له غلام فسماه هبة الله لأن الله عز وجل وهبه له وأخته توأم. فلما انقضت نبوة آدم (عليه السلام) واستكمل أيامه أوحى الله عز وجل إليه أن يا آدم قد انقضت نبوتك واستكملت أيامك فاجعل العلم الذي عندك والإيمان والاسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة في العقب من ذريتك عند هبة الله فإني لن أقطع العلم والإيمان والإسم الأكبر وآثار النبوة من العقب من ذريتك إلى يوم القيامة ولن أدع الأرض إلا وفيها عالم يعرف به ديني ويعرف به طاعتي ويكون نجاة لمن يولد فيما بينك وبين نوح وبشر آدم بنوح (عليه السلام) فقال: إن الله تبارك وتعالى باعث نبيا اسمه نوح وإنه يدعو إلى الله عز ذكره ويكذبه قومه، فيهلكم الله بالطوفان، وكان بين آدم وبين نوح (عليهما السلام) عشرة آباء أنبياء وأوصياء كلهم، وأوصى آدم (عليه السلام) إلى هبة الله أن من أدركه منكم فليؤمن به وليتبعه وليصدق به فإنه ينجو من الغرق، ثم إن آدم (عليه السلام) مرض المرضة التي مات فيها فأرسل هبة الله وقال له: إن لقيت جبرئيل أو من لقيت من الملائكة فاقرأه مني السلام وقل له: يا جبرئيل إن أبي يستهديك من ثمار الجنة فقال له جبرئيل: يا هبة الله إن أباك قد قبض وإنا نزلنا

[ 53 ]

للصلاة عليه فارجع فرجع فوجد آدم (عليه السلام) قد قبض فأراه جبرئيل كيف يغسله فغسله حتى إذا بلغ الصلاة عليه قال هبة الله: يا جبرئيل تقدم فصل على آدم فقال له جبرئيل: إن الله عز وجل أمرنا أن نسجد لأبيك آدم وهو في الجنة فليس لنا أن نؤم شيئا من ولده، فتقدم هبة الله فصلى على أبيه وجبرئيل خلفه وجنود الملائكة وكبر عليه ثلاثين تكبيرة فأمر جبرئيل (عليه السلام) فرفع خمسا وعشرين تكبيرة - والسنة اليوم فينا خمس تكبيرات وقد كان يكبر على أهل بدر تسعا وسبعا - ثم إن هبة الله لما دفن أباه أتاه قابيل فقال: يا هبة الله إني قد رأيت أبي آدم قد خصك من العلم بما لم أخص به أنا وهو العلم الذي دعا به أخوك هابيل فتقبل قربانه وإنما قتلته لكيلا يكون له عقب فيفتخرون على عقبي فيقولون: نحن أبناء الذي تقبل قربانه وأنتم أبناء الذي ترك قربانه فإنك إن أظهرت من العلم الذي اختصك به أبوك شيئا قتلتك كما قتلت أخاك هابيل، فلبث هبة الله والعقب منه مستخفين بما عندهم من العلم والإيمان والاسم الاكبر وميراث النبوة وآثار علم النبوة حتى بعث الله نوحا (عليه السلام) وظهرت وصية هبة الله حين نظروا في وصية آدم (عليه السلام) فوجدوا نوحا (عليه السلام) نبيا قد بشر به آدم (عليه السلام) فآمنوا به واتبعوه وصدقوه وقد كان آدم (عليه السلام) وصى هبة الله أن يتعاهد هذه الوصية عند رأس كل سنة فيكون يوم عيدهم فيتعاهدون نوحا وزمانه الذي يخرج فيه وكذلك جاء في وصية كل نبي حتى بعث الله محمدا (صلى الله عليه وآله) وإنما عرفوا نوحا بالعلم الذي عندهم وهو قول الله عز وجل * (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه..) * إلى آخر الآية، وكان من بين آدم ونوح من الأنبياء مستخفين ولذلك خفي ذكرهم في القرآن فلم يسموا كما سمي من استعلن من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين وهو قول الله عز وجل * (ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك) * يعني لم أسم المستخفين كما سميت المستعلنين من الأنبياء (عليهم السلام). فمكث نوح (عليه السلام) في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، لم يشاركه في نبوته أحد ولكنه قدم على قوم مكذبين للأنبياء (عليهم السلام) الذين كانوا بينه وبين آدم (عليه السلام) وذلك قول الله عز وجل: * (كذبت قبلهم قوم نوح المرسلين) * يعني من كان بينه وبين آدم (عليه السلام) إلى أن انتهى إلى قوله عز وجل * (وإن ربك لهو العزيز الرحيم) * ثم إن نوحا (عليه السلام) لما انقضت نبوته واستكملت أيامه أوحى الله عز وجل إليه أن يا نوح قد قضيت نبوتك واستكملت أيامك فاجعل العلم الذي عندك والإيمان والاسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة في العقب من ذريتك، فإني لن أقطعها كما لم أقطعها من بيوتات الأنبياء (عليهم السلام) التي بينك وبين آدم (عليه السلام) ولن أدع الأرض إلا وفيها عالم يعرف به ديني وتعرف به طاعتي ويكون نجاة لمن يولد فيما بين قبض النبي إلى خروج النبي الآخر وبشر نوح ساما بهود (عليه السلام) وكان فيما بين نوح وهود من الأنبياء (عليهم السلام) وقال نوح: إن الله باعث نبيا يقال له: هود إنه يدعو قومه إلى الله عز وجل فيكذبونه والله عز وجل مهلكهم بالريح فمن أدركه منكم فليؤمن به وليتبعه فإن الله عز وجل ينجيه من عذاب الريح وأمر نوح (عليه السلام) ابنه ساما أن يتعاهد هذه الوصية

[ 54 ]

عند رأس كل سنة فيكون يومئذ عيدا لهم، فيتعاهدون فيه ما عندهم من العلم والإيمان والاسم الأكبر ومواريث العلم وآثار علم النبوة فوجدوا هودا نبيا (عليه السلام) وقد بشر به أبوهم نوح (عليه السلام) فآمنوا به واتبعوه وصدقوه فنجوا من عذاب الريح وهو قول الله عز وجل * (وإلى عاد أخاهم هودا) * وقوله عز وجل: * (كذبت عاد المرسلين * إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون) * وقال تبارك وتعالى: * (ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب) * وقوله: * (ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا (لنجعلها في أهل بيته) ونوحا هدينا من قبل) * لنجعلها في أهل بيته، وأمر العقب من ذريته الأنبياء (عليهم السلام) من كان قبل إبراهيم لإبراهيم (عليهم السلام) وكان بين إبراهيم وهود من الأنبياء صلوات الله عليهم وهو قول الله عز وجل * (وما قوم لوط منكم ببعيد) * وقوله عز ذكره: * (فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي) * وقوله عز وجل * (وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون) * فجرى بين كل نبيين عشرة أنبياء وتسعة وثمانية أنبياء كلهم أنبياء وجرى لكل نبي ما جرى لنوح صلى الله عليه وكما جرى لآدم وهود وصالح وشعيب وإبراهيم صلوات الله عليهم حتى انتهت إلى يوسف بن يعقوب (عليهما السلام)، ثم صارت من بعد يوسف في أسباط إخوته حتى انتهت إلى موسى (عليه السلام) فكان بين يوسف وبين موسى من الأنبياء (عليهم السلام) فأرسل الله موسى وهارون عليهما السلام إلى فرعون وهامان وقارون ثم أرسل الرسل تترى * (كلما جاء أمة رسولهم كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث) * وكانت بنو إسرائيل تقتل نبيا واثنان قائمان ويقتلون اثنين وأربعة قيام حتى أنه كان ربما قتلوا في اليوم الواحد سبعين نبيا ويقوم سوق قتلهم آخر النهار فلما نزلت التوراة على موسى (عليه السلام) بشر بمحمد (صلى الله عليه وآله) وكان بين يوسف وموسى من الأنبياء. وكان وصي موسى يوشع بن نون (عليه السلام) وهو فتاه الذي ذكره الله عز وجل في كتابه، فلم تزل الأنبياء تبشر بمحمد (صلى الله عليه وآله) حتى بعث الله تبارك وتعالى المسيح عيسى بن مريم فبشر بمحمد (صلى الله عليه وآله) وذلك قوله تعالى: * (يجدونه (يعني اليهود والنصارى) مكتوبا (يعني صفة محمد (صلى الله عليه وآله)) عندهم (يعني) في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر) * وهو قول الله عز وجل يخبر عن عيسى: * (ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) * وبشر موسى وعيسى بمحمد (صلى الله عليه وآله) كما بشر الأنبياء (عليهم السلام) بعضهم ببعض حتى بلغت محمدا (صلى الله عليه وآله). فلما قضى محمد (صلى الله عليه وآله) نبوته واستكملت أيامه أوحى الله تبارك وتعالى إليه يا محمد قد قضيت نبوتك واستكملت أيامك فاجعل العلم الذي عندك والإيمان والاسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة في أهل بيتك عند علي بن أبي طالب (عليه السلام) فإني لم أقطع العلم والإيمان والاسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة من العقب من ذريتك كما لم أقطعها من بيوتات الأنبياء الذين كانوا بينك وبين أبيك آدم وذلك قول الله تبارك وتعالى * (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين * ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم) *.

[ 55 ]

وإن الله تبارك وتعالى لم يجعل العلم جهلا ولم يكل أمره إلى أحد من خلقه لا إلى ملك مقرب ولا نبي مرسل ولكنه أرسل رسولا من ملائكته فقال له: قل كذا وكذا فأمرهم بما يحب ونهاهم عما يكره فقص إليهم أمر خلقه بعلم فعلم ذلك العلم وعلم أنبياءه وأصفياءه من الأنبياء والإخوان والذرية التي بعضها من بعض فذلك قوله جل وعز: * (فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما) *. فأما الكتاب فهو النبوة وأما الحكمة فهم الحكماء من الأنبياء من الصفوة وأما الملك العظيم فهم الأئمة [ الهداة ] من الصفوة وكل هؤلاء من الذرية التي بعضها من بعض، والعلماء الذين جعل الله فيهم البقية وفيهم العاقبة وحفظ الميثاق حتى تنقضي الدنيا والعلماء، ولولاة الأمر استنباط العلم وللهداة فهذا شأن الفضل من الصفوة والرسل والأنبياء والحكماء وأئمة الهدى والخلفاء الذين هم ولاة أمر الله عز وجل واستنباط علم الله وأهل آثار علم الله من الذرية التي بعضها من بعض من الصفوة بعد الأنبياء (عليهم السلام) من الآباء والإخوان والذرية من الأنبياء. فمن اعتصم بالفضل انتهى بعلمهم ونجا بنصرتهم ومن وضع ولاة أمر الله عز وجل وأهل استنباط علمه في غير الصفوة من بيوتات الأنبياء (عليهم السلام) فقد خالف أمر الله عز وجل وجعل الجهال ولاة أمر الله والمتكلفين بغير هدى من الله عز وجل وزعموا أنهم أهل استنباط علم الله فقد كذبوا على الله ورسوله ورغبوا عن وصيته وطاعته ولم يضعوا فضل الله حيث وضعه الله تبارك وتعالى فضلوا وأضلوا أتباعهم ولم يكن لهم حجة يوم القيامة إنما الحجة في آل إبراهيم (عليهم السلام) لقول الله عز وجل: * (ولقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكم والنبوة وآتيناهم ملكا عظيما) *. فالحجة الأنبياء (عليهم السلام) وأهل بيوتات الأنبياء (عليهم السلام) حتى تقوم الساعة لأن كتاب الله ينطق بذلك، وصية الله بعضها من بعض التي وضعها على الناس فقال عز وجل: * (في بيوت أذن الله أن ترفع) * وهي بيو [ تا ] ت الأنبياء والرسل والحكماء وأئمة الهدى فهذا بيان عروة الإيمان التي نجا بها من نجا قبلكم وبها ينجو من يتبع الأئمة وقال الله عز وجل في كتابه * (ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين * وزكريا ويحيى وعيسى و إلياس كل من الصالحين * وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين * ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم * أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين) *. فإنه وكل بالفضل من أهل بيته والإخوان والذرية وهو قول الله تبارك وتعالى: إن تكفر به أمتك فقد وكلت أهل بيتك بالإيمان الذي أرسلتك به فلا يكفرون به أبدا ولا أضيع الإيمان الذي أرسلتك به من أهل بيتك من بعدك علماء أمتك وولاة أمري بعدك وأهل استنباط العلم الذي ليس فيه كذب ولا إثم ولا زور ولا بطر ولا رياء فهذا بيان ما ينتهي إليه أمر هذه الأمة.

[ 56 ]

إن الله جل وعز طهر أهل بيت نبيه (عليهم السلام) وسألهم أجر المودة وأجرى لهم الولاية وجعله أوصياءه وأحباءه ثابتة بعده في أمته، فاعتبروا يا أيها الناس فيما قلت حيث وضع الله عز وجل ولايته وطاعته ومودته واستنباط علمه وحججه، فإياه فتقبلوا وبه فاستمسكوا تنجوا به وتكون لكم الحجة يوم القيامة وطريق ربكم جل وعز ولا تصل ولاية إلى الله عز وجل إلا بهم فمن فعل ذلك كان حقا على الله أن يكرمه ولا يعذبه ومن يأت الله عز وجل بغير ما أمره كان حقا على الله عز وجل أن يذله وأن يعذبه. * الشرح: قوله (حديث آدم (عليه السلام) مع الشجرة) قال القاضي وغيره: الشجرة هي الحنطة أو الكرمة أو التينة أو شجرة من أكل منها أحدث، والأولى أن لا تعين من غير قاطع كما لم تعين في الآية لعدم توقف ما هو المقصود عليه. (قال إن الله تعالى عهد إلى آدم أن لا يقرب هذه الشجرة) نهى عن القرب للمبالغة في ترك التناول منها وللتنبيه على أن القرب من المنهي عنه قد يوجب الدخول فيه واختلفت الامة في هذا النهي فقال علماؤنا أنه نهي تنزيه فيكون لتناوله منها فاعلا لما يكون تركه أولى، ولا ينافيه نسبة العصيان والغواية إليه بقوله عز وجل * (عصى آدم ربه فغوى) * بناء على أن المتصف بهما من فعل كبيرة أو صغيرة بدليل قوله تعالى * (ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم) * وقوله تعالى * (إلا من اتبعك من الغاوين) * فإن متابعة الشيطان كبيرة أو صغيرة لأن حصر العصيان والغواية في الكبيرة والصغيرة ممنوع إذ كما أنهما يتحققان بفعل القبيح والحرام كذلك يتحققان بترك الأولى والمندوب وأما العصيان والغواية في الآية فإنما يراد بهما ما حصل بفعل محرم ألا ترى أنك إذا قلت لرجل على سبيل التنزيه لا تفعل كذا فإن الخير في خلافه ففعله، صح لك أن تقول عصاني وخالفني فغوى أي خاب عن ذلك الخير. وقال بعض أصحابنا: إن الغواية المنسوبة إلى آدم بمعنى الخيبة عن الثواب العظيم المترتب على ترك التناول. (فلما بلغ الوقت الذي كان في علم الله أن يأكل منها نسي فأكل منها) (1) قد تقرر في كتاب التوحيد أن علمه تعالى بأفعال العباد تابع للمعلوم لا علة له نعم لما علم أكله أراد أكله ليطابق علمه بالمعلوم إرادة تخيير واختيار لا إرادة حتم وإجبار، وقد ذكرنا توضيحه في الكتاب المذكور في باب الاستطاعة وبه يظهر سر ما روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) " أنه تعالى نهى آدم عن أكل الشجرة وشاء أن


(1) " نسي فأكل منها " النسيان هنا بمعنى الترك وإن كان ظاهر الرواية أنه بالمعنى المعروف وأن آدم كان معذورا بنسيانه. ولو كان معذورا لم يعاتب على الأكل من الشجرة ولا يجوز عندنا النسيان والسهو على الأنبياء بحيث يوجب ترك الواجب وفعل الحرام سهوا والأمر سهل فإن الرواية قاصرة عن الحجية. لا يعتمد في أمثالها إلا على ما علم صحته من دليل آخر عقلي أو نقلي. (ش) (*)

[ 57 ]

يأكل منها ولو لم يشأ لم يأكل " ويندفع أيضا التنافي بين إرادة الأكل والنهي عنه المتضمن لإرادة تركه وهذا التوجيه جار في كل ما يفعل العبد من المناهي فليتأمل (وهو قول الله ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما) النسيان هنا كناية عن الترك لأنه مستلزم للترك، وقد روي تفسير النسيان في هذه الآية بالترك في كتاب الحجة فلا يرد أن حكم النسيان مرفوع عن الإنسان فلا يرد عليه اللوم به والعزم المنفي هو العزم القوي إذ لو كان له عزم قوي لم يأكل من الشجرة، ولم يفعل ما كان تركه أولى، وفيه تصريح بأن المراد بالعهد في الآية العهد إلى آدم بأن لا يأكل من الشجرة وقد مر في الباب الثالث من كتاب الإيمان والكفر عن أبي جعفر (عليه السلام) أيضا أن المراد به العهد إلى آدم بخلافة المهدي صاحب الزمان وإن شئت أن تعرفه فارجع إلى ما ذكرناه في شرحه، ولا منافاة بينهما لأن العهد مفهوم كلي يندرج فيه هذان الفردان وما روي من " أن في القرآن كل شئ ولا يعلمه إلا المعصوم " أكثره من هذا القبيل. (فلما أكل آدم من الشجرة أهبط إلى الأرض) قيل في لفظ الهبوط دلالة على أنه كان في جنة السماء لا في جنة الدنيا لأن الهبوط هو النزول من الأعلى إلى الأسفل ومنع ذلك بأن الهبوط أعم مما ذكر إذ يصدق على النزول من المقام الأشرف إلى المقام الأخس أيضا، وللكلام في هذا المقام مجال واسع لا يسع المقام ذكره. (ثم آن آدم (عليه السلام) أمر هابيل وقابيل أن يقربا قربانا) اختلف في سبب هذا الأمر فقال بعض العلماء إن آدم (عليه السلام) قال لهابيل وقابيل: إن ربي عهد إلي أنه يكون من يقرب القربان فتقربا قربانا فتقبل من هابيل ولم يتقبل من قابيل، وقال بعض العامة: السبب أن حواء كانت تلد في كل بطن اثنتين ذكرا وأنثى فولدت في أول بطن قابيل وأخته ثم مكثت سنتين فولدت هابيل وأخته فلما كبروا وأمر الله تعالى آدم أن ينكح قابيل أخت هابيل وينكح هابيل أخت قابيل فرضي هابيل بذلك ولم يرض قابيل لأن أخته كانت أحسنهما فقال آدم: قربا قربانا فأيكما يقبل قربانه زوجتها منه، وهذا القول مدفوع بأن تحريم الأخوات على الإخوة كان ثابتا في جميع الأديان وأنه تعالى لما أراد أن يبدأ بالنسل على ما ترون أنزل حوراء من الجنة اسمها نزلة فأمره أن يزوجها من إحدى ابنيه ثم أنزل حوراء من الجنة اسمها منزلة فأمره أن يزوجها من ابنه الآخر فولد للأول غلام وللآخر جارية فأمر الله تعالى آدم حين أدركا أن يزوج ابنة الابن من ابن الابن ففعل فولد الصفوة من النبيين والمرسلين وغيرهم من نسلهما، ويدل عليه ما رواه الصدوق في أول كتاب النكاح عن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام). (فقرب هابيل من أفاضل غنمه) أي خيارها وجيدها (وقرب قابيل من زرعه ما لم ينق) في المصباح: نقى الشي من باب علم نقاء بالفتح والمد: نظف فهو نقي على فعيل ويعدى بالهمزة. (فقبل قربان هابيل ولم يتقبل قربان قابيل) واختلفا في سبب القبول وعدمه، فقيل: لأن هابيل

[ 58 ]

تقرب بأحسن غنم عنده، وتقرب قابيل بأردأ قمح عنده، ووضعا قربانهما على جبل فنزلت نار بيضاء من السماء ووقعت على قربان هابيل دون قابيل، وقيل: لأن نية هابيل كانت خالصة ونية قابيل كانت غير خالصة، وقيل: لإن قابيل كان مصرا على كبيرة لا يقبل الله معها طاعة كما يرشد إليه قول هابيل * (إنما يتقبل الله من المتقين) *. (ثم إن إبليس لعنه الله أتاه وهو يجري من ابن آدم مجرى الدم) مثله مروي من طرق العامة أيضا قال الأزهري: معناه أن الشيطان لا يفارق ابن آدم ما دام حيا كما لا يفارقه دمه، وقال: هذا على طريق ضرب المثل، والأكثر أجروه على ظاهره وقالوا: إن الشيطان جعل له هذا المقدار من التطرق إلى باطن الآدمي بلطافة هيئته فيجري في العروق التي هي مجاري الدم من الآدمي إلى أن يصل إلى قلبه فيوسوسه على حسب ضعف إيمان العبد وقلة ذكره وكثرة غفلته، ويبعد عنه ويقل تسلطه وسلوكه إلى باطنه بمقدار قوته ويقظته ودوام ذكره واخلاص توحيده ويشهد لذلك ظواهر الكتاب والسنة ويذعن لجوازه في القدرة الربانية العقول السليمة وقد ذكرناه مفصلا في شرح الأصول. (فانطلق آدم (عليه السلام) فوجد هابيل قتيلا) الظاهر أنه وجد مدفونا لأن الظاهر أن قابيل بعد قتله دفنه في الأرض بتعليم غراب بعثه الله يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه فقال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب. (فقال آدم لعنت من أرض) وقبلت اللعن (كما قبلت دم هابيل) لعنت بكسر التاء خطاب مع القطعة التي قتل فيها هابيل وبسكونها مسند إلى ضميرها و " من " على التقديرين للتفسير والبيان لها أو للتبعيض للدلالة على أن الملعونة يعني البعيدة عن الخير ونزول الرحمة هي تلك القطعة من الأرض لا جميعها إذ للأرض قطع هي مجال للخير والفيض والبركة والرحمة وقد شاع ذم الزمان والمكان باعتبار وقوع الفعل فيهما. (فولد له غلام فسماه هبة الله لأن الله عز وجل وهبه له) دل على أنه (عليه السلام) كان يعرف لغة العرب ويتكلم بها وقيل اسمه في السريانية شيث والتسمية بهبة الله من العرب. (وأخته توأم) عطف على غلام، وفيه رد لما ذكره بعض العامة من أنه تولد من حواء منفردا بخلاف سائر الإخوة. (فاجعل العلم الذي عندك...) لعل المراد بالعلم العلم بالأحكام وغيرها مما أوحى إليه وبالإيمان أصول الدين وأركانه كالتوحيد ونحوه، وبالاسم الأكبر الإسم الأعظم أو الكتاب، روى المصنف في باب ما نص الله ورسوله على الأئمة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال " الاسم الأكبر هو الكتاب الذي يعلم به علم كل شئ الذي كان مع الأنبياء عليهم السلام وبميراث العلم الإرشاد والتعليم والهداية والخلافة وباثار علم النبوة الصلاح والكرامات والأسرار التي لا يجوز للنبي إظهاره لغير الوصي وفي كتاب معارج النبوة أن آدم (عليه السلام) عند وصيته إلى شيث أخرج صندوقا أبيض وفتح قفله

[ 59 ]

وأخرج منه صحيفة بيضاء ونشرها وبلغ نورها شرقا وغربا وكانت فيها أسامي جميع الأنبياء والأوصياء وصفاتهم وعلاماتهم ومعجزاتهم وأزمنتهم وأيام عمرهم وما يرد عليهم من العطاء والبلاء أولهم آدم (عليه السلام) وآخرهم خاتم الأنبياء وسايرهم على الترتيب فعرضهم على شيث ثم وضعها في الصندوق ودفعه إلى شيث وأمره بحفظه " واعلم أن المقصود من هذا الحديث أن الرسالة والنبوة والوصاية والولاية من لدن آدم (عليه السلام) إلى آخر الدهر إنما كانت بنص الله تعالى وأمره ولم يفوضها إلى الرسل والأنبياء والأوصياء مع كمال عقولهم وهكذا كانت سنة الله دائما فكيف يفوضها إلى الجهلة من هذه الأمة ولن تجد لسنة الله تحويلا. (ويكون نجاة لمن يولد فيما بينك وبين نوح) أريد بالنجاة النجاة الاخروية لمن تبعه والنجاة من العقوبة الدنيوية للجميع إذ العالم المذكور سبب لبقاء الخلق ولولا وجوده لساخت الأرض بأهلها، كما دل عليه صريح بعض الروايات. (وبشر آدم) هبة الله وخيار أولاده (بنوح صلى الله عليه فقال إن الله تعالى باعث نبيا اسمه نوح) في معارج النبوة اسمه في السريانية يشكر، وسماه العرب نوحا وآدما ثانيا ولقبوه بشيخ الأنبياء ونجي الله، وذكر لتسميته بنوح ثلاثة أوجه أحدها أنه مريوما بكلب أجرب فقال: اخسأ يا قبيح، فتكلم الكلب وقال: اخلق أحسن مني إن قدرت، أو قال: أنت تعيب النقاش دون النقش، أو قال: احفظ لسانك إنما أجريب أنت اسم آدم ووصف النبوة على نفسك فاضطرب نوح وبكى سنين كثيرة سمي لذلك بنوح، وإنما سموه آدم الثاني لأن سلسلة أنساب الخلائق كلهم بعد الطوفان تنتهي إليه (وأوصى آدم (عليه السلام) إلى هبة الله...) أي أمره أو عهده أو فرضه والظاهر أنه (عليه السلام) كتب هذه الوصية وكتب اسم نوح ونعته وأمر هبة الله أن يحفظها أو يعمل بما فيها بقرينة ما يأتي من أنه وصى هبة الله أن يتعاهد هذه الوصية عند رأس كل سنة (فأرسل آدم هبة الله وقال له إن لقيت جبرئيل) دل على أنه كان للملائكة مقام معلوم يراهم آدم وصيه فيه وإلا لما احتاج إلى الإرسال. (فليس لنا أن نؤم شيئا من ولده) في الفقيه " قال جبرئيل (عليه السلام) فلسنا نتقدم على أبرار ولده وأنت من إبرارهم " وفيه دلالة على أن أبرار ولده أفضل من الملائكة وأنه لا يجوز للمفضول التقدم على الأفضل في أمر الصلاة فضلا عن غيره من الرياسة الدينية عموما. (وكبر عليه ثلاثين تكبيرة) في صلاة واحدة على الظاهر أو ست صلوات على احتمال، قال بعض العامة: كبر عليه ثلاث تكبيرات، وقال بعضهم: أربع تكبيرات كما هو المعروف عندهم اليوم. (وقد كان يكبر على أهل بدر تسعا وسبعا) في صلاة ميت واحد أو ميتين بأن كان حضور الثاني بعد التكبير الثاني أو بعد التكبير الرابع، والأول أظهر. (ثم إن هبة الله لما دفن أباه) في معارج النبوة دفنه في كنز وهو في غار جبل أبي قبيس، ثم نقله نوح معه في السفينة ودفنه بعد النزول منها في سرنديب (فلبث هبة الله والعقب منه مستخفين أه)

[ 60 ]

دل على أن التقية كانت في شرع السابقين أيضا وهي في دين الله الذي قرره لعباده الصالحين حفظا لهم عن ضرر الفاسقين. (وظهرت وصية هبة الله) أي ظهرت وصيته بأنه يبعث نبي اسمه نوح أو بأنه يبعث بعده أنبياء إلى نوح أو ظهر كونه وصيا لآدم لأنه كان يخفيه من الأشرار (حين نظروا في وصية آدم) دل على أن الوصية كانت مكتوبة عند هبة الله كما دل عليه قوله (وقد كان آدم (عليه السلام) وصى هبة الله أن يتعاهد هذه الوصية) تعاهده تفقده وطلبه عند غيبته أي أمره أن يطلب هذه الوصية ويتجدد العهد بها وينظر ما فيها من نوح وصفته ويطلبوه هل وجد أم لا. (وكذلك جاء في وصية كل نبي...) أي مثل ما ذكر من وصية آدم إلى هبة الله وتبشيره بنوح وذكر نعته وأمر من يدركه بمتابعته وتصديقه جاء في وصية كل نبي إلى وصيه وإلى نبي يأتي بعده وذكر اسمه ونعته وأمر من يدركه بمتابعته وتصديقه حتى بعث الله محمدا (صلى الله عليه وآله) فإنه دفع الوصية إلى وصيه وانقطعت الوصية إلى النبي إذ لا نبي بعده. (وإنما عرفوا نوحا بالعلم الذي عندهم) الذي حصل لهم بوصية آدم وهبة الله فعلموا بذلك العلم أنه نبي من عند الله تعالى، ولم يكن لهم التعيين والحكم بأنهم نبي من قبل أنفسهم فكذلك الوصي. (وهو قول الله عز وجل) أي كون نوح رسولا بأمر الله تعالى ومن عنده لا بأمر الخلق * (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه) * فإنه صريح في أنه تعالى أرسله ولا مدخل للخلق في إرساله. (وكان من بين آدم ونوح من الأنبياء مستخفين) خوفا من ذرية قابيل ومن تبعهم من الأشرار ولعل المراد أن أكثرهم كانوا مستخفين وإلا فإدريس كان بين آدم ونوح وكان نبيا وسماه تعالى في القرآن ورفعه مكانا عليا (ولذلك خفي ذكرهم في القرآن) إذ لو ذكروا فيه كان المعاند العارف بأحوال الماضين ينسب الكذب إليه (فمكث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما بعد البعث، قال القاضي: روى إنه بعث على رأس أربعين ودعا قومه تسعمائة وخمسين وعاش بعد الطوفان ستين لم يشاركه في نبوته أحد) فكان نبيا وحده ولم يكن غيره في عصره نبيا بخلاف سائر الأعصار فإنه كان في عصر واحد أنبياء (وذلك قول الله عز وجل: كذبت قوم نوح المرسلين) قال القاضي وغيره: القوم مؤنثة ولذلك تصغر على قويمة. (يعني من كان بينه وبين آدم (عليه السلام)) يعني كذبوا نوحا ومن قبله من الرسل بعد إظهار نوح رسالتهم وبهذا التفسير أيضا صرح بعض المفسرين وقيل كذبوا نوحا وحده الا أن تكذيب واحد من الرسل لما كان كتكذيب الكل صح أنهم كذبوا الكل فأهلكهم الله تعالى بالطوفان. (إلى أن انتهى إلى قوله عز وجل وان ربك لهو العزيز الرحيم) أي العزيز المنتقم من أعدائه الرحيم لأوليائه، والآية في سورة الشعراء (وهو قول الله عز وجل * (وإلى عاد) * أي وأرسلنا إلى عاد

[ 61 ]

* (أخاهم هودا) *) أخاهم مفعول وهودا عطف بيان له (وقوله عز وجل كذبت عاد المرسلين) يعني كذبوا من كان بين هود وآدم (عليه السلام) أو هودا وحده، وتكذيبه تكذيب الكل وأريد بعاد القبيلة ولذلك أنث الفعل وهو في الأصل اسم أبيهم (إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون) عقاب الله بالإيمان به وبرسوله وباليوم الآخر وترك الشرك وقالوا * (سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين * إن هذا إلا خلق الأولين * وما نحن بمعذبين) * وأهلكهم الله تعالى بريح صرصر كما هو مذكور في الكتاب المبين. (وقال الله تبارك وتعالى ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب) إذ وصى هذان النبيان الكريمان بنيهما بالملة المعينة من عند الله تعالى وقالا * (يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) * ظهر أن الخلافة بالوصاية بأمر الله تعالى كما أن النبوة بأمره تعالى وكذلك قال إبراهيم (عليه السلام) * (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم) * وقوله * (ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا) * لنجعلها في أهل بيته) دل على أن النبوة والهداية من صنعه تعالى يضعها في أهل بيت النبي فكيف يتخلف هذا عن أهل بيت خاتم الأنبياء (وآمن العقب من ذرية الأنبياء من كان قبل إبراهيم لإبراهيم (عليه السلام)) دل على أن سنة الله في خلافة اللاحق أن تكون بوصاية السابق دائما وأنها لم تكن مختصة ببعض فلا ينبغي التخلف في بعض المواد وفي بعض النسخ وأمر بالراء (وكان بين إبراهيم وهود من الأنبياء) كلهم يبشرون أمته بخلافة إبراهيم (عليه السلام) ويوصونهم بمتابعته وهذه السنة كانت مستمرة لا ينكرها إلا الجاهلون ومن للتبعيض ثم أراد (عليه السلام) أن يبين ما ذكره من أن نبيا من ذرية الأنبياء آمن لإبراهيم (عليه السلام) وأن إبراهيم (عليه السلام) نبي فقال لبيان الأول (وهو قول الله عز وجل وما قوم لوط منكم ببعيد) خوف شعيب (عليه السلام) قومه المعاندين المشركين بمثل ما أصاب أقوام الأنبياء السابقين فقال * (ويا قوم لا يجر منكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد) * بحسب الزمان والمكان فإن لم يعتبروا بمن قبلهم لبعدهم فاعتبروا بهم لقربهم، وفيه دلالة واضحة على أن لوطا وهو من ذرية الأنبياء نبي. وقال لبيان الثاني (وقوله عز وجل فآمن له لوط وقال إني مهاجر) من قومي (إلى ربي) وهو ابن خالته كما سيجئ وأول من آمن به وقيل آمن به حين رأى أن النار لم تحرقه (وقوله عز وجل وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه) إبراهيم منصوب وإذ ظرف للناصب أي وأرسلنا إبراهيم حين كمل عقلا وعرف الحق وأمر الناس به (ذلكم خير لكم) أي ما ذكر من العبادة والتقوى خير لكم مما أنتم عليه (إن كنتم تعلمون) الخير والشر وتفرقون بينهما، واسم التفضيل هنا لأصل الفعل أو لفرضه في المفضل عليه وإلا فلا خير فيه أصلا (فجرى بين كل نبيين) معروفين (عشرة أنبياء وتسعة وثمانية أنبياء) كلهم يبشرون بمن يأتي بعدهم (وجرى لكل نبي ما جرى لنوح (عليه السلام) من

[ 62 ]

وصيته) إلى ابنه سام وبشارته بهود، وهذا تأكيد لقوله سابقا " وكذلك جاء في وصية كل نبي ". (وكما جرى لآدم من وصيته) إلى ابنه هبة الله وبشارته بنوح وهكذا في البواقي. (ثم أرسل الرسل تترى) اقتباس لقوله تعالى * (ثم أرسلنا رسلنا تترى) * أي متواترين واحدا بعد واحد من الوتر وهو الفرد، فالتاء بدل من الواو والأصل " وترى " والألف للتأنيث لأن الرسل جماعة، كذا ذكره المفسرون (كلما جاء أمة رسولها كذبوه) فلا بعد في تكذيب هذه الأمة خاتم الأنبياء وسيد الأوصياء لأنه شنشنة أعرفها من أخزم (فأتبعنا بعضهم بعضا) في الهلاك بأنواع متعددة كالغرق والخسف والريح والصاعقة والصيحة ونحوها (وجعلناهم أحاديث) جمع حديث أو أحدوثة وهي ما يحدث به تلهفا أي لم يبق منهم إلا حكايات لمن بعدهم يتحدثون بها ويذكرون أمرهم وشأنهم. (وكانت بنو إسرائيل تقتل نبيا واثنان قائمان) قال الفاضل الإسترابادي: يعني شاهدان حاضران ساكتان من باب التقية، ومقصوده (عليه السلام) أن تقية الأوصياء (عليهم السلام) مما جرت به عادة الله تعالى في الأولين والآخرين وليست مخصوصة بأوصياء محمد (صلى الله عليه وآله) (ويقوم سوق قتلهم آخر النهار) وآخر النهار ظرف لقيام السوق وهو رواجه مع احتمال أن يكون غاية له. (وكان بين يوسف وموسى من الأنبياء كلهم) يبشرون به وبخاتم الأنبياء، وهذا تأكيد لما مر من قوله " فكان بين يوسف وموسى من الأنبياء (عليهم السلام) ". (وكان وصي موسى يوشع بن نون (عليه السلام)) هذا كالتأكيد للسوابق من أنه لم يمض نبي إلا وصى إلى غيره بأمر الله وهذه كانت عادة مستمرة من الله تعالى إلى خاتم الأنبياء فكيف يجوز أن تخرق العادة ويمضي هو (صلى الله عليه وآله) ولا ينص بوصي كما زعمه الفجرة. (فلم تزل الأنبياء تبشر لمحمد (صلى الله عليه وآله)) أشار إلى أن جميع الأنبياء بشروا أمتهم بمحمد (صلى الله عليه وآله) وذكروا نعته ليصدقه كل من أدركه للتنبيه على أن الخليفة لا تكون إلا منصوبا من قبل الله تعالى فلا يجوز أن ينصبه الجهلة بعقولهم الناقصة. (حتى بلغت محمدا (صلى الله عليه وآله)) أي النبوة والبشارة والوصية. (وذلك) أي كون العلم والرسالة والولاية والوصاية في السابقين واللاحقين بوحي منه تعالى وأمره. (قول الله عز وجل إن الله اصطفى) بالكمالات الجسمانية والنفسانية والفضايل العقلية والروحانية والرسالة والولاية (آدم ونوحا وآل إبراهيم) إسماعيل وإسحاق وأولادهما وقد دخل فيهم وفي الذرية الرسول (صلى الله عليه وآله) وأولاده المعصومون (عليهم السلام) (وآل عمران على العالمين) قيل: آل عمران إما موسى وهارون ابنا عمران بن يصهر ونسبهما إلى لاوي بن يعقوب وهو جد رابع لهما، أو عيسى ومريم ابنة عمران بن ماتان، ونسبهما إلى يهودا ابن يعقوب وهو الجد الثاني والثلاثين

[ 63 ]

لعيسى (عليه السلام)، وسليمان (عليه السلام) جد العشرين له وكان بين العمرانين ألف وثمانمائة سنة. (ذرية بعضها من بعض) حال أو بدل من الأولين أو منهما ومن نوح يعني أنهم ذرية واحدة متشعبة بعضها من بعض، وقيل: بعضها من بعض في الدين، والذرية: الولد يقع على الواحد والجمع، فعلية من الذر أو فعولة من الذرء أبدلت همزتها ياء ثم قلبت واوا وأدغمت (والله سميع عليم) بأقوال الناس وأعمالهم فيصطفي من كان مستقيم القول والعمل، كذا في تفسير القاضي. (وإن الله تبارك وتعالى لم يجعل العلم جهلا) أي لم يجعل العلم قط بمنزلة الجهل ولا العالم بمنزلة الجاهل في وجوب الاتباع بل أمر باتباع العلم والعالم في جميع الأزمنة والأعصار دون الجهل والجاهل فكيف يجوز لهذه الأمة تقديم الجاهل على العالم ؟ وفيه رد على الثلاثة واتباعهم إلى يوم القيامة، وقال الفاضل الإسترابادي: فيه رد على من قال بأن الله تعالى بين بعض أحكامه على لسان نبيه (صلى الله عليه وآله) وفوض الباقي إلى ظنون المجتهدين وأفكارهم واجتهاداتهم الظنية وأمر من لم يبلغ درجة الاجتهاد الظني باتباع ظنون المجتهدين، وملخص الكلام أن الظن قد يكون باطلا فيكون جهلا لعدم مطابقة الواقع وأمر عباده باتباع العلم وهو اليقين المطابق للواقع. (ولم يكل أمره إلى أحد من خلقه..) أي لم يكل أمره الذي هو تعيين الخليفة وتقرير الأحكام قط إلى ملك مقرب ونبي مرسل فضلا عن غيره ولكن الله تعالى قررهما وأرسل ملكا إلى رسله فقال لذلك الملك قل لهم كذا وكذا فأمرهم الملك بما يحب الله ونهاهم عما يكرهه من الأمور المختصة بهم (فقص عليهم أمر خلقه بعلم) قص الخبر قصا من باب قتل حدثه على وجهه، والاسم القصص بفتحتين، ولعل المراد بأمر الخلق كل مطلوب منهم من الأوامر والنواهي وغيرهما مما فيه صلاحهم أو الأعم منه ومما يصدر منهم ظاهرا وباطنا وقوله " بعلم " حال عن الفاعل والغرض منه أن تحديثه كان مقرونا بعلم من الله تعالى لا برأيه فإذا لم يفوض شيئا من أمر الخلق برأي ملك عظيم الشأن كيف يفوضه إلى الجاهلين (فعلم ذلك العلم) الذي علمه الله إياه وأفاضه عليه (وعلم أنبياءه وأصفياءه) كأن المراد بالأنبياء المعنى العام الشامل للرسل أيضا وبالأصفياء والأوصياء مطلقا لصدقها على الرسل والأنبياء والأئمة (عليهم السلام) فبينهما عموم مطلق لأن كل نبي صفي دون العكس، وحمل العطف على التفسير بعيد. (من الأباء والإخوان والذرية التي بعضها من بعض) بيان للأصفياء يعني أن بعضهم آباء لبعض وبعضهم إخوان في النسب أو في الدين كمحمد وعلي والحسن والحسين صلوات الله عليهم، وكموسى ويوشع ويوسف وأسباط أخوته (عليهم السلام) وبعضهم ذرية من بعض وقد اجتمعت الثلاثة في كثير منهم باختلاف الإضافة والاعتبار، وفي بعض النسخ: من الأنبياء. ثم استشهد لما أشار إليه من أن النبوة والرياسة والعلم في الذرية التي بعضها من بعض من قبله تعالى (وقال فذلك قوله عز وجل ولقد آتينا إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما)

[ 64 ]

مندرج في آله (عليهم السلام) نبينا صلى الله عليه وآله وأوصياؤه عليهم السلام أيضا (فأما الكتاب فهو النبوة وأما الحكمة فهم الحكماء من الأنبياء من الصفوة) في بعض النسخ " والصفوة " (وأما الملك العظيم فهم الأئمة الهداة من الصفوة) الظاهر أن " من " في المواضع الثلاثة بيانية ويحتمل أن يكون ابتدائية، ولعل المراد أنه أشار بذكر الكتاب إلى النبوة والأنبياء وبذكر الحكمة إلى الحكماء والعلماء لأنهم إذا أتاهم الحكمة وهي العلم بالشرايع وأسرار التوحيد ومصالح الدنيا والآخرة فهم الحكماء العارفون بالمنافع والمضار كلها المحترزون عن المقابح وبذكر الملك العظيم إلى الأئمة الهداة ووجوب طاعتهم إذ بطاعتهم وعونهم ينتظم الملك العظيم وهو رياسة الدارين، وقد أول الصادق (عليه السلام) في باب " أن الأئمة (عليهم السلام) ولاة الأمر " أيضا الكتاب في هذه الآية بالنبوة والحكمة بالفهم والقضا والملك العظيم بالطاعة. (وكل هؤلاء الأنبياء) والحكماء والأصفياء والأئمة من الذرية التي بعضها من بعض في النسب أو الدين أو الوصاية. (والعلماء) عطف على الذرية (الذين جعل الله فيهم البقية) أي من ينتظر وجوده ويترقب ظهوره من قولك بقيت الرجل أبقيه إذا انتظرته ورقبته (وفيهم العاقبة) أي عاقبة أمر النبوة والولاية والوصاية، والعاقبة أيضا آخر كل شئ، وكأن المراد بها نبينا صلى الله عليه وآله وهو آخر الأنبياء (عليهم السلام) أو المهدي المنتظر وهو آخر الأوصياء (عليهم السلام) ويمكن أن يراد بها مجئ واحد بعد آخر على أن يكون مصدرا ومنه العاقب وهو الذي يخلف من قبله، وفي الخبر: ومن أسماء نبينا (صلى الله عليه وآله) العاقب لأنه آخر الأنبياء (عليهم السلام). (وحفظ الميثاق حتى ينقضي الدنيا) وهم (عليهم السلام) يحفظون العهد الذي أخذه الله تعالى عليهم وعلى غيرهم وأمرهم بالوفاء به من غير زيادة ونقصان. (وللعلماء ولولاة الأمر استنباط العلم وللهداة) أي لهم لا لغيرهم استنباط علم الكتاب من الحكمة الإلهية وأسرار التوحيد وعلم الأحكام والأخلاق والسياسات وغير ذلك مما لا يصل إليه إلا عقولهم الشريفة المؤيدة بتأييدات ربانية وتوفيقات إلهية، فإن الكتاب بحر لا يستخرج لئالي أسراره إلا المؤيدون من عند الله والغواصون في بحر عصمته وهم أهل البيت (عليهم السلام) وقد نص بهم الله عز وجل بقوله * (ولو ردوه إلى الله وإلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) * فرد أمر الناس إلى أولي الأمر منهم الذين أمر بطاعتهم بقوله * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) * وفيه إشارة إلى أن كل من ليست له قدرة الاستنباط لا يجوز له تولي أمر الخلافة. (فهذا شأن الفضل من الصفوة والرسل والأنبياء والحكماء والأئمة الهداة والحلماء) " من " للبيان أي حفظ الميثاق واستنباط العلم شأن الفضل وأمرهم، والفضل جمع فاضل مثل كمل جمع كامل، ووصفهم بالأوصاف المذكورة باعتبار تعدد الجهات الذين هم ولاة أمر الله عز وجل أي دين

[ 65 ]

الله أو حكمه وهي صفة للمفضل. (واستنباط علم الله) من الكتب الإلهية وهو عطف على أمر الله (وأهل آثار علم الله) وهي السلاح والمعجزات والأخبار بالمغيبات وتطهير الظاهر والباطن عن الرذايل وتزيينها بالفضايل وتحذير الخلق عن المنهيات وإرشادهم إلى الخيرات والظاهر أن عطفه على أمر الله غير صحيح وعلى الولاة غير مناسب للعطف السابق والأولى أنه مبتدأ وقوله (من الذرية التي بعضها من بعض) خبر له وقوله (من الصفوة بعد الأنبياء (عليهم السلام)) خبر بعد خبر وقوله (من الآباء والإخوان والذرية من الأنبياء) بيان للأنبياء يعني أن أهل آثار علم الله من الصفوة بعد الأنبياء كلهم في الزمان لا في الرتبة والأنبياء آباؤهم وإخوانهم في الدين وذرية الأنبياء (فمن اعتصم بالفضل) الموصوفين بالصفات المذكورة وهم أهل البيت (عليهم السلام) (انتهى بعلمهم) إلى الدرجة القصوى والمرتبة العليا المطلوبة من الإنسان (ونجا بنصرتهم) من العقوبات الاخروية. (ولم يكن لهم حجة يوم القيامة) أي لم يكن لهم إمام يدفع عنهم العذاب ويشفع لهم أو برهان " ودليل يوم القيامة حين سئلوا لم جعلتم الجهال وغير آل إبراهيم من أهل بيت نبيكم وذريته خلفاء أمناء في دين الله إنما الحجة في آل إبراهيم ليس لهم أن يقولوا من جعلناهم خلفاء أيضا آل إبراهيم لأن المراد بالحجة من آل إبراهيم من جعله الله تعالى حجة بدليل قوله تعالى * (وآتيناهم ملكا عظيما) * والملك العظيم هو الإمامة. (وصية الله بعضها من بعض التي وضعها على الناس) الظاهر أنها خبر مبتدأ محذوف وهو هذه وإن ما بعدها صفة لها وأن ضمير التأنيث راجع إليها يعني هذه " أي النبوة والخلافة " وصية الله على الأنبياء، أمر المتقدم منهم أن يوصي للمتأخر، وأوجب على غيرهم قبولها أو متابعتها. وأشار إلى تفصيل هذا الإجمال بقوله (فقال عز وجل: * (في بيوت أذن الله أن ترفع) * وهي بيوتات الأنبياء والرسل والحكماء وأئمة الهدى) ولم تزل فيهم وفي ذريتهم يرثها بعض عن بعض قرنا فقرنا بأمر الله تعالى حتى ورثها الله تعالى النبي (صلى الله عليه وآله) ووضعها النبي في أهل بيته وذريته بأمر الله تعالى. (فهذا بيان عروة الإيمان) أي الكلام المذكور بيان عروة الإيمان والمراد من الإيمان إما المعنى المعروف أو الدين الذي شرع الله تعالى لعباده، والمراد بالعروة الرسول ووصيه على سبيل الإستعارة لأن من تمسك بها فهو حامل للإيمان وناج من الهلاك الدنيوي والاخروي، والعقوبات اللاحقة لمن لم يتمسك بها (وبها ينجو من يتبع الأئمة) الأنسب أن يقول: وبها ينجو من ينجو منكم وإنما عدل عنه للتصريح بالمقصود وهو أن نجاة هذه الأمة باتباع الأئمة من آل محمد (صلى الله عليه وآله) وقد قال الله عز وجل في كتابه (ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا) أي إلى العلم والحكمة والنبوة وآثارهما (ونوحا هدينا) إليها (من قبل) أي من قبل إبراهيم (ومن ذريته داود وسليمان

[ 66 ]

وأيوب ويوسف وموسى وهارون) قال القاضي: الضمير لإبراهيم، إذ الكلام فيه، وقيل لنوح لأنه أقرب ولأن يونس ولوطا ليس من ذرية إبراهيم فلو كان لإبراهيم اختص البيان بالمعدودين في تلك الآية والتي بعدها، والمذكورون في الآية الثالثة عطف على " نوحا " وفيه أن سياق التعاطف يقتضي أن يكون المعطوف عليه واحدا فالأولى أن الضمير لنوح. (وكذلك نجزي المحسنين) أي مثل ماجزينا إبراهيم برفع الدرجات وإعطاء العلم والحجة والنبوة نجزي المحسنين الكاملين في الإحسان. (كل من الصالحين) العاملين بما ينبغي التاركين لما لا ينبغي. (وكلا فضلنا على العالمين) بالحكمة والنبوة والخلافة. (ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم) قال القاضي: هو عطف على كلا أو نوحا أي فضلنا كلا منهم أو هدينا هؤلاء وبعض آبائهم وذرياتهم وإخوانهم فإن منهم من لم يكن نبيا ولا مهديا (واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم) عطف على فضلنا (ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده أي ما دانوا به) وما كانوا عليه من الحكمة والنبوة والخلافة، وفيه دلالة على أن ذلك من صنع الله تعالى وليس لأحد مدخل فيه. (ولو أشركوا) أي هؤلاء الأنبياء الكرام مع كمال فضلهم وقوة عقلهم بتغيير حكم الله وتبديل وصية لله (لحبط عنهم ما كانوا يعملون) فكيف غيرهم من الجهلة الذين لا يعلمون حقائق الإيمان ولا مراتب كمال الإنسان. (أولئك الذين آتيناهم الكتاب) أراد به الجنس الصادق على المتعدد. (فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين) قال القاضي وغيره: ضمير بها للثلاثة أي الكتاب والحكم والنبوة وهؤلاء إشارة إلى قريش وقومهم الأنبياء المذكورون ومتابعوهم وقيل هم الأنصار وأصحاب النبي أو كل من آمن به أو الفرس وقيل الملائكة وفسر (عليه السلام) هؤلاء بالأمة جميعا وهي أعم من قريش وفسر القوم بالفضل من أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله) والمدح شامل لكل من تبعهم إلى يوم القيامة، ولعل المراد بالإيمان الولاية والخلافة أو الأعم منها ومن جميع ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله) ويعبر عنه بالدين، وقوله " علماء أمتك " بدل أو بيان لأهل بيتك، وأهل استنباط العلم الذي ليس فيه كذب (ولا إثم ولا زور ولا بطر ولا رياء) الرياء معروف وقد ذكرنا تفسيره وأحكامه في شرح كتاب الأصول، والبطر الطغيان عند النعمة وطول الفناء والتكبر عن قبول الحق والكذب من القول والفعل ما لا يطابق الواقع، والزور بالضم الكذب مطلقا أو الكذب المقرون بالقصد أو الميل عن الحق أو الشرك بالله أو ما يعبد من دون الله، فعلى الأول لا فرق بينه وبين الكذب فذكره تأكيد وعلى الثاني بينهما عموم وخصوص مطلق، وعلى الثلاثة الأخيرة بينهما مباينة، أما على الأخيرين فظاهر وأما على السابق منهما فلأن القول من حيث إنه غير مطابق للواقع كذب، ومن حيث إنه مايل عن الحق زور، والإثم

[ 67 ]

بالكسر الذنب وقد يطلق على العمل بما لا يحل وفيه تعريض بمن فيه جميع ذلك. وقال الفاضل الأمين الإسترابادي: فيه إشارة إلى أن الاستنباطات الظنية من الأصل والاستصحاب وإطلاق الآية أو قياس أو نحو ذلك غير جايزة. (فهذا بيان ما ينتهي إليه أمر هذه الأمة) وهو أن أمر الخلافة والولاية في العقب من أهل بيته وذريته بأمر الله تعالى كما كانت في أعقاب الأنبياء وذرياتهم بأمره تعالى هذه سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا فمن تمسك بهم فهو ناج ومن تخلف عنهم فهو هالك " إن الله تعالى طهر أهل بيت نبيه (صلى الله عليه وآله) قال الله عز وجل * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * وقد نزلت فيهم بالاتفاق كما مر في كتاب الأصول (وسألهم أجر المودة) قال عز وجل * (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) * ولم يقبل أموالهم حين عرضوا عليه ثلثها، وفي جعل أجر نعمة الرسالة - التي لا نعمة أعظم منها - مودة ذوي القربى دلالة واضحة على وجوب متابعتهم وكمال حبهم وتعظيمهم. (وأجرى لهم الولاية) قال عز وجل * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا..) * الآية، وقال * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) * وقال: * (ولو ردوه إلى الله وإلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم.) *. الآية (وجعلهم أوصياءه وأحباءه ثابتة بعده في أمته) الظاهر أن فاعل " جعلهم " ضمير له تعالى بقرينة العطف، وكونه للرسول بعيد، وثابتة حال عن الأوصياء والأحباء، والتأنيث باعتبار الجماعة أو الوصاية والمحبة، والمراد بثبوتها استمرارها إلى آخر الدهر. (فمن فعل ذلك كان حقا على الله أن يكرمه ولا يعذبه) الإكرام إشارة إلى إيصال أنواع الخير، ونفي التعذيب إلى دفع أنواع الشر. * الأصل: - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن الحسن بن محبوب، عن أبي حمزة ثابت ابن دينار الثمالي، وأبو منصور، عن أبي الربيع قالا: حججنا مع أبي جعفر (عليه السلام) في السنة التي كان حج فيها هشام بن عبد الملك وكان معه نافع مولى عمر بن الخطاب فنظر نافع إلى أبي جعفر (عليه السلام) في ركن البيت وقد اجتمع عليه الناس فقال نافع: يا أمير المؤمنين من هذا الذي قد تداك عليه الناس فقال: هذا نبي أهل الكوفة هذا محمد بن علي، فقال: أشهد لآتينه فلأسألنه عن مسائل لا يجيبني فيها إلا نبي أو ابن نبي أو وصي نبي قال: فاذهب إليه وسله لعلك تخجله. فجاء نافع حتى اتكأ على الناس ثم أشرف على أبي جعفر (عليه السلام) فقال: يا محمد بن علي إني قرأت التوراة والإنجيل والزبور والفرقان وقد عرفت حلالها وحرامها وقد جئت أسألك عن مسائل لا يجيب فيها إلا نبي أو وصي نبي أو ابن نبي، قال: فرفع أبو جعفر (عليه السلام) رأسه فقل: سل عما بدا لك.

[ 68 ]

فقال: أخبرني كم بين عيسى وبين محمد (عليه السلام) من سنة ؟ قال: أخبرك بقولي أو بقولك ؟ قال: أخبرني بالقولين جميعا، قال: أما في قولي فخمسمائة سنة وأما في قولك فستمائة سنة. قال: فأخبرني عن قول الله عز وجل لنبيه * (وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون) * من الذي سأل محمد (صلى الله عليه وآله) وكان بينه وبين عيسى خمسمائة سنة ؟ قال: فتلا أبو جعفر (عليه السلام) هذه الآية * (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا) * فكان من الآيات التي أراها الله تبارك وتعالى محمدا (صلى الله عليه وآله) حيث أسرى به إلى بيت المقدس أن حشر الله عز ذكره الأولين والآخرين من النبيين والمرسلين ثم أمر جبرئيل (عليه السلام) فأذن شفعا وأقام شفعا وقال في أذانه: حي على خير العمل، ثم تقدم محمد (صلى الله عليه وآله) فصلى بالقوم فلما انصرف قال لهم: على ما تشهدون وما كنتم تعبدون ؟ قالوا: نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنك رسول الله، أخذ على ذلك عهودنا ومواثيقنا. فقال نافع: صدقت يا أبا جعفر، فأخبرني عن قول الله عز وجل: * (أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما) * قال: إن الله تبارك وتعالى لما أهبط آدم إلى الأرض وكانت السماوات رتقا لا تمطر شيئا وكانت الأرض رتقا لا تنبت شيئا فلما أن تاب الله عز وجل على آدم (عليه السلام) أمر السماء فتفطرت بالغمام ثم أمرها فأرخت عزاليها ثم أمر الأرض فأنبتت الأشجار وأثمرت الثمار وتفهقت بالأنهار فكان ذلك رتقها وهذا فتقها. قال نافع: صدقت يا ابن رسول الله، فأخبرني عن قول الله عز وجل * (يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات) * أي أرض تبدل يومئذ ؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): أرض تبقى خبزة يأكلون منها حتى يفرغ الله عز وجل من الحساب، فقال نافع: إنهم عن الأكل لمشغولون ! فقال أبو جعفر (عليه السلام): أهم يومئذ أشغل أم إذ هم في النار ؟ فقال نافع: بل إذ هم في النار. قال: فوالله ما شغلهم إذ دعوا بالطعام فأطعموا الزقوم ودعوا بالشراب فسقوا الحميم. قال: صدقت يا ابن رسول الله، ولقد بقيت مسألة واحدة، قال: وماهي ؟ قال: أخبرني عن الله تبارك وتعالى متى كان ؟ قال: ويلك متى لم يكن حتى أخبرك متى كان، سبحان من لم يزل ولا يزال فردا صمدا لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ثم قال: يا نافع أخبرني عما أسألك عنه، قال: وما هو ؟ قال ما تقول في أصحاب النهروان فإن قلت: إن أمير المؤمنين قتلهم بحق فقد ارتددت، وإن قلت: إنه قتلهم باطلا فقد كفرت، قال: فولى من عنده وهو يقول: أنت والله أعلم الناس حقا حقا، فأتى هشاما فقال له: ما صنعت ؟ قال: دعني من كلامك، هذا والله أعلم الناس حقا حقا وهو ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) حقا ويحق لأصحابه أن يتخذوه نبيا.

[ 69 ]

* الشرح: قوله (وكان معه نافع مولى عمر بن الخطاب) هو نافع بن الأرزق كما مر في باب الكون والمكان من كتاب التوحيد، وفي جامع الأصول: نافع مولى عمر، وهو أبو عبد الله نافع بن سرجس على وزن نرجس مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب كان ديلميا تابعيا. (من هذا الذي تداك عليه الناس) أي ازدحموا وأصل الدك الدق والكسر. (من الذي سأله محمد وكان بينه وبين عيسى خمسمائة سنة) زعم نافع أن بعد الزمان والمسافة مانع من الملاقاة والسؤال، وأجاب (عليه السلام) بأنه وقع الملاقاة والسؤال ليلة الإسراء، وإنما أجاب به لأنه لا يقدر المخاطب المتعنت على إنكاره وإلا فهو (صلى الله عليه وآله) قادر على السؤال في كل وقت أراد إذ لا مسافة في العالم الروحاني. (ثم تقدم محمد (صلى الله عليه وآله) فصلى بالقوم) قيل كيف يصلون وهم في دار الآخرة وليست دار عمل ؟ وأجيب عنه بوجوه: الأول أنه إذا كان الشهداء أحياء فهؤلاء أولى وإذ كانوا أحياء صح أن يصلوا ويعملوا ساير القربات ويتقربوا بذلك إلى الله تعالى وهم وإن كانوا في الآخرة فالدنيا لم ينقطع بعد فإذا فنيت وعقبتها الآخرة دار الجزاء انقطع العمل. الثاني أن الصلاة ذكر ودعاء، والآخرة دار الذكر والدعاء، قال الله تعالى * (تحيتهم فيها سلام..) *. الآية الثالث أن الموت يمنع التكليف لا العمل. (فلما أن تاب الله تعالى على آدم (عليه السلام)) أي قبل توبته وغفر له وأنقذه من خوف ما صنع أمر السماء (فتقطرت بالغمام) أي أحدثت القطرات بالغمام، وفي بعض النسخ: تفطرت بالفاء أي تشققت. والغمام السحاب، سمي لأنه يغم أي يغطي ويستر وجه السماء أو وجه الشمس. (ثم أمرها فأرخت عزاليها) بفتح العين المهملة والزاي المعجمة واللام المكسورة أو المفتوحة جمع عزلا، وهو فم المزادة شبه اتساع الماء واندفاقه بالذي يخرج من فم الراوية (وتفهقت بالأنهار) أي تفتحت واتسعت، ومنه المتفيهقون وهم الذين يتوسعون في الكلام ويفتحون به أفواههم، مأخوذ من الفهق، وهو الامتلاء، وفي بعض النسخ: تفيهقت أي تفتحت. (فقال أبو جعفر (عليه السلام) أرض تبقى خبزة يأكلون منها حتى يفرغ الله عز وجل من الحساب) وفي كتاب مسلم عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال " تكون الأرض خبزة واحدة نزلا لأهل الجنة " والمراد بقوله " نزلا لأهل الجنة " أنها صارت خبزة لأجلهم، ولا ينافي ذلك أكل الكافر منها أيضا وليست من طعام الجنة. ثم تأويله (عليه السلام) هذا لا ينافي ما ورد في بعض الأحاديث من أن الأرض المبدلة أرض بيضاء نقية لا جبال فيها ولا تلال ولا وهاد.

[ 70 ]

(فقال نافع إنهم عن الأكل لمشغولون) أنكر نافع قوله (عليه السلام) بأنهم مشغولون عن الأكل بأهوال القيامة ولا يخطر من الهم والغم والخوف الأكل ببالهم. (قال أخبرني عن الله تبارك وتعالى متى كان فقال: ويلك متى لم يكن حتى أخبرك متى كان) متى كان زيد سؤال عن أول زمان كونه ووجوده وهو يستلزم جواز السؤال عن عدمه قبله، ومن ثم قالوا كل ماصح أن يسأل عن وجوده بمتى صح أن يسأل عن عدمه بمتى، واللازم فيما نحن فيه باطل إذ ليس وجوده تعالى مسبوقا بالعدم، فأشار (عليه السلام) إلى أن مقولة متى لا تجري في الواجب لا وجودا ولا عدما وإنما تجري في الوجودات الحادثة. (سبحان من لم يزل ولا يزال) أي أنزه تنزيها لمن لا يكون له زوال وانتقال من العدم إلى الوجود ولا من الوجود إلى العدم لأن قدم وجوده يتأبى عن العدم وقتا ما. (فردا صمدا) حال عن فاعل لم يزل وحجة لعدم كون وجوده مسبوقا بالعدم إذ لو كان كذلك لاحتاج إلى الموجد ضرورة أن الشي لا يوجد نفسه فلا يكون فردا صمدا على الإطلاق لكونه مع موجده واحتياجه إليه (لم يتخذ صاحبة ولا ولدا) لتنزهه عن الشهوة والتماثل والتعاون والفناء والحاجة إلى الولد وغير ذلك من توابع الحدوث ولواحق الإمكان. (قال ما تقول في أصحاب النهروان فإن قلت إن أمير المؤمنين قتلهم بحق فقد ارتددت وإن قلت أنه قتلهم باطلا فقد كفرت) كأن نافعا كان يعتقد بأن عليا (عليه السلام) كان إماما مفترض الطاعة بعد الثلاثة وبأن أهل النهروان كانوا محقين في مخالفته فأورد (عليه السلام) بأن هذين الإعتقادين متنافيان لا يجتمعان معا وذلك لأنك إن قلت إن عليا (عليه السلام) قاتلهم بحق ارتددت بتصديقك أهل النهروان كما ارتدوا وإن قلت أنه قاتلهم باطلا فقد كفرت عند الأمة بنسبة الباطل إليه (عليه السلام) والظاهر أن هذا إلزام لا مفر له عنه والله أعلم.

[ 71 ]

حديث نصراني الشام مع الباقر (عليه السلام) * الأصل: - عنه، عن إسماعيل بن أبان، عن عمر بن عبد الله الثقفي قال: أخرج هشام ابن عبد الملك أبا جعفر (عليه السلام) من المدينة إلى الشام فأنزله منه وكان يقعد مع الناس في مجالسهم فبينا هو قاعد وعنده جماعة من الناس يسألونه إذ نظر إلى النصارى يدخلون في جبل هناك فقال: ما لهؤلاء ؟ ألهم عيد اليوم ؟ فقالوا: لا يا ابن رسول الله ولكنهم يأتون عالما لهم في هذا الجبل في كل سنة في هذا اليوم فيخرجونه فيسألونه عما يريدونه وعما يكون في عامهم، فقال أبو جعفر (عليه السلام): وله علم ؟ فقالوا: هو من أعلم الناس قد أدرك أصحاب الحواريين من أصحاب عيسى (عليه السلام) قال: فهل نذهب إليه ؟ قالوا: ذاك إليك يا ابن رسول الله. قال: فقنع أبو جعفر رأسه بثوبه ومضى هو وأصحابه فاختلطوا بالناس حتى أتو الجبل فقعد أبو جفعر (عليه السلام) وسط النصارى هو وأصحابه وأخرج النصارى بساطا ثم وضعوا الوسائد ثم دخلوا فأخرجوه ثم ربطوا عينيه. فقلب عينيه كأنهما عينا أفعى ثم قصد إلى أبي جعفر (عليه السلام) فقال: يا شيخ أمنا أنت أم من الأمة المرحومة ؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): بل من الامة المرحومة فقال: أفمن علمائهم أنت أم من جهالهم ؟ فقال: لست من جهالهم فقال النصراني: أسألك أم تسألني ؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام) سلني. فقال النصراني: يا معشر النصارى رجل من أمة محمد يقول: سلني إن هذا لملئ بالمسائل ثم قال: يا عبد الله أخبرني عن ساعة ما هي من الليل ولا من النهار أي ساعة هي ؟ فقال أبو جعفر: ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فقال النصراني: فإذا لم تكن من ساعات الليل ولا من ساعات النهار فمن أي الساعات هي ؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): من ساعات الجنة وفيها تفيق مرضانا فقال النصراني: فأسألك أم تسألني ؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): سلني: فقال النصراني: يا معشر النصارى إن هذا لملئ بالمسائل، أخبرني عن أهل الجنة كيف صاروا يأكلون ولا يتغوطون أعطني مثلهم في الدنيا ؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): هذا الجنين في بطن أمه يأكل مما تأكل أمه ولا يتغوط، فقال النصراني: ألم تقل: ما أنا من علمائهم ؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): إنما قلت لك: ما أنا من جهالهم. فقال النصراني: فأسألك أو تسألني ؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): سلني. فقال: يا معشر النصارى والله لأسألنه عن مسألة يرتطم فيها كما يرتطم الحمار في الوحل فقال له: سل، فقال: أخبرني عن رجل دنا من امرأته فحملت باثنين حملتهما جميعا في ساعة واحدة وولدتهما في ساعة واحدة وماتا في ساعة واحدة ودفنا في قبر واحد عاش أحدهما خمسين ومائة

[ 72 ]

سنة وعاش الآخر خمسين سنة من هما ؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): عزير وعزرة كانا حملت أمهما بهما على ما وصفت ووضعتهما على ما وصفت وعاش عزير وعزرة كذا وكذا سنة ثم أمات الله تبارك وتعالى عزيرا مائة سنة ثم بعث وعاش مع عزرة هذه الخمسين سنة وماتا كلاهما في ساعة واحدة. فقال النصراني: يا معشر الأنصار ما رأيت بعيني قط أعلم من هذا الرجل، لا تسألوني عن حرف وهذا بالشام ردوني، قال: فردوه إلى كهفه ورجع النصارى مع أبي جعفر (عليه السلام). * الشرح: قوله (حديث نصراني الشام مع الباقر (عليه السلام)) رأيت في بعض الكتب بعد نقل هذه الحكاية أنه آمن به ولم يحضرني الآن اسمه (ثم ربطوا عينيه) كأنهم ربطوا حاجبيه لطوله المانع من الرؤية أو لئلا تضر من شعاع الشمس بعد خروجه من ظلمة الغار وذلك كما توضع اليد فوق الحاجبين عند مواجهة الشمس لأجل رؤية ما يقابله وتعلق الربط بالعين لأدنى ملابسة ومقاربة. (من ساعات الجنة) على سبيل التشبيه في الشرف والاعتدال كما مر أو هي من ساعاتها وضعت بينهما. (أخبرني عن أهل الجنة كيف صاروا يأكلون ولا يتغوطون أعطني مثلهم في الدنيا) في كتاب مسلم عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " أول زمرة يدخلون الجنة من أمتي على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد نجم في السماء إضاءة ثم هم بعد ذلك على منازل لا يتغوطون ولا يبولون ولا يمتخطون ولا يبزقون أمشاطهم الذهب ومجامرهم الالوة ورشحهم المسك، أخلاقهم على خلق رجل واحد، على طول أبيهم آدم ستون ذراعا يعني لا تباغض بينهم ولا تحاسد قلوبهم كقلب واحد وأخلاقهم كخلق واحد ". قال عياض: الرشح العرق والالوة بفتح الهمزة وضم اللام العود الهندي ثم قال: مذهب أئمة المسلمين أن تنعم أهل الجنة حسي كتنعم أهل الدنيا إلا ما بينهم من التفاوت الذي لا شركة فيه إلا بحسب الاسم وأنه دايم لا ينقطع خلافا للفلاسفة والنصارى من قولهم إن تنعم الآخرة إنما هو لذات عقلية وانتقال من هذا العالم إلى الملأ الأعلى، وهذا المعنى هو المعبر عندهم بالجنة، وخلافا لبعض المعتزلة في أن نعيم الجنة غير دائم وإنما هو لأجل، وقالوا مثله في عذاب جهنم، إلا أنهم عندهم يفنون، وهذا كله خلاف ملة الإسلام وسخافة عقل وخلاف في كتاب الله تعالى وأحاديث نبيه صلى الله عليه وآله.

[ 73 ]

حديث أبي الحسن موسى (عليه السلام) * الأصل: - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن إسماعيل بن مهران، عن محمد بن منصور الخزاعي، عن علي بن سويد، ومحمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع عن عمه حمزة بن بزيع، عن علي بن سويد، والحسن بن محمد، عن محمد بن أحمد النهدي، عن إسماعيل بن مهران: عن محمد بن منصور، عن علي بن سويد، قال: كتبت إلى أبي الحسن موسى (عليه السلام) وهو في الحبس كتابا أسأله عن حاله وعن مسائل كثيرة فاحتبس الجواب علي أشهر ثم أجابني بجواب هذه نسخته: بسم الله الرحمن الحمد لله العلي العظيم الذي بعظمته ونوره أبصر قلوب المؤمنين وبعظمته ونوره عاداه الجاهلون، وبعظمته ونوره ابتغى من في السماوات ومن في الأرض إليه الوسيلة، بالأعمال المختلفة والأديان المتضادة، فمصيب ومخطئ، وضال ومهتد، وسميع وأصم، وبصير وأعمى حيران، فالحمد لله الذي عرف ووصف دينه محمد (صلى الله عليه وآله). أما بعد فإنك امرؤ أنزلك الله من آل محمد بمنزلة خاصة وحفظ مودة ما استرعاك من دينه وما ألهمك من رشدك وبصرك من أمر دينك بتفضيلك إياهم وبردك الأمور إليهم. كتبت تسألني عن أمور كنت منها في تقية ومن كتمانها في سعة. فلما انقضى سلطان الجبابرة وجاء سلطان ذي السلطان العظيم بفراق الدنيا المذمومة إلى أهلها العتاة على خالقهم رأيت أن أفسر لك ما سألتني عنه مخافة أن يدخل الحيرة على ضعفاء شيعتنا من قبل جهالتهم: فاتق الله عز ذكره وخص بذلك الأمر أهله واحذر أن تكون سبب بلية على الأوصياء أو حارشا عليهم بإفشاء ما استودعتك وإظهار ما استكتمتك ولن تفعل إن شاء الله. إن أول ما أنهى إليك أني أنعي إليك نفسي في ليالي هذه غير جازع ولا نادع ولا شاك فيما هو كائن مما قد قضى الله عز وجل وحتم فاستمسك بعروة الدين: آل محمد والعروة الوثقى: الوصي بعد الوصي والمسالمة لهم والرضا بما قالوا ولا تلتمس دين من ليس من شيعتك ولا تحبن دينهم فإنهم الخائنون الذين خانوا الله ورسوله وخانوا أماناتهم. وتدري ما خانوا أماناتهم ؟ أئتمنوا على كتاب الله فحرفوه وبدلو ودلوا على ولاة الأمر منهم فانصرفوا عنهم: فأذاقهم الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون. وسألت عن رجلين اغتصبا رجلا مالا ينفقه على الفقراء والمساكين وأبناء السبيل وفي سبيل الله فلما اغتصباه ذلك لم يرضيا حيث غصباه حتى حملاه إياه كرها فوق رقبته إلى منازلهما فلما أحرزاه توليا إنفاقه أيبلغان بذلك كفرا، فلعمري لقد نافقا قبل ذلك وردا على الله عز وجل كلامه

[ 74 ]

وهزءا برسوله (صلى الله عليه وآله) وهما الكافران عليهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. والله ما دخل قلب أحد منهما شئ من الإيمان منذ خروجهما من حالتيهما وما ازدادا إلا شكا كانا خداعين مرتابين منافقين حتى توفتهما ملائكة العذاب إلى محل الخزي في دار المقام. وسألت عما حضر ذلك الرجل وهو يغصب ماله ويوضع على رقبته منهم عارف ومنكر فأولئك أهل الردة الأولى من هذه الأمة فعليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. وسألت عن مبلغ علمنا وهو على ثلاثة وجوه: ماض وغابر وحادث فأما الماضي فمفسر وأما الغابر فمزبور وأما الحادث فقذف في القلوب ونقر في الأسماع وهو أفضل علمنا ولا نبي بعد نبينا محمد (صلى الله عليه وآله). وسألت عن أمهات أولادهم وعن نكاحهم وعن طلاقهم فأما أمهات أولادهم فهن عواهر إلى يوم القيامة، نكاح بغير ولي وطلاق في غير عدة وأما من دخل في دعوتنا فقد هدم إيمانه ضلاله ويقينه شكه، وسألت عن الزكاة فيهم فما كان من الزكاة فأنتم أحق به لأنا قد أحللنا ذلك لكم من كان منكم وأين كان. وسألت عن الضعفاء فالضعيف من لم يرفع إليه حجة ولم يعرف الاختلاف فإذا عرف الاختلاف فليس بضعيف، وسألت عن الشهادات لهم فأقم الشهادة لله عز وجل ولو على نفسك والوالدين والأقربين فيما بينك وبينهم فإن خفت على أخيك ضيما فلا وادع إلى شرائط الله عز ذكره بمعرفتنا من رجوت إجابته ولا تحصن بحصن رياء ووال آل محمد ولا تقل لما بلغك عنا ونسب إلينا هذا باطل وإن كنت تعرف منا خلافه فإنك لا تدري لما قلناه ؟ وعلى أي وجه وصفناه ؟ آمن بما أخبرك ولا تفش ما استكتمناك من خبرك. إن من واجب حق أخيك أن لا تكتمه شيئا تنفعه به لأمر دنياه وآخرته ولا تحقد عليه وإن أساء وأجب دعوته إذا دعاك ولا تخل بينه وبين عدوه من الناس وإن كان أقرب إليه منك. وعده في مرضه. ليس من أخلاق المؤمنين الغش ولا الأذى ولا الخيانة ولا الكبر ولا الخنا ولا الفحش ولا الأمر به فإذا رأيت المشوه الأعرابي في جحفل جرار فانتظر فرجك ولشيعتك المؤمنين وإذا انكسفت الشمس فارفع بصرك إلى السماء وانظر ما فعل الله عز وجل بالمجرمين فقد فسرت لك جملا مجملا وصلى الله على محمد وآله الأخيار. * الشرح: (حديث أبي الحسن موسى (عليه السلام)) في عهد هارون الرشيد حين كان محبوسا بأمره عند السندي ابن شاهك في بغداد (الحمد لله العلي العظيم) أي العلي عن المشابهة بالمخلوقين والإحاطة به وصف الواصفين، العظيم بذاته وصفاته فذاته في أعلى مراتب الجلال وصفاته في أقصى مراتب الكمال وكل ما سواه بالإضافة إليه حقير صغير محتاج فقير (الذي بعظمته ونوره أبصر قلوب

[ 75 ]

المؤمنين...) الظاهر أن الباء للسببية إذ الإبصار والمعاداة والابتغاء وقعت بسببهما بيان ذلك أن عظمته المطلقة وكبرياءه تقتضي معرفة جميع ما سواه إياه وانقيادهم له في أوامره ونواهيه وابتهالهم في ذل الحاجة إليه، ولا يتحقق ذلك إلا بوضع علم بجميع ما يحتاجون إليه في صدر رسول ومن ينوب منابه وهذا العلم يسمى تارة بالنور لاهتداء الخلق به وتارة بالعرش لاستقرار العظمة وجميع المخلوقات فيه فبسبب نوره وعظمته المقتضية له أبصر قلوب المؤمنين سبل الحق وطرق الخيرات وكيفية سلوكها. (وبعظمته ونوره عاداه الجاهلون) بإنكاره أو إنكار رسوله أو إنكار وليه ووصي رسوله حتى توقفوا وتحيروا في سبيله الحق ولو لم يكن العظمة والنور لم يتصور الإبصار والمعاداة والابتغاء. وقد أشار إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله " ومضيت بنور الله حين وقفوا " أرد (عليه السلام) أن سلوكه لسبيل الله على وفق العلم وهو نور الله الذي لا يضل من اهتدى به وذلك حين وقفوا حائرين مترددين جاهلين بالقصد وكيفية سلوك الطريق وكان غرضه (عليه السلام) هو التنبيه على أن هذه الفضيلة كانت فيه لا في غيره فلا يجوز تقديم الغير عليه، وكذلك بعظمته ونوره ابتغى الخلق كلهم الوسيلة والتقرب إليه بالأعمال المختلفة والأديان المتضادة حيث علموا أنه مستحق للتقرب به، فمنهم من اقتفى نوره واتخذ دينا حقا وعمل عملا على وفقه، ومنهم من مزجه بظلمة الجهل وحصلت له شبهة واتخذ دينا باطلا وعمل عملا باطلا فظن أنه وسيلة التقرب به. كما فرع عليه ذلك بقوله (فمصيب) في العقد والعمل (ومخطئ) فيهما (وضال) في الدين (ومهتد) فيه (وسميع) يسمع نداء الحق وآياته الداعية إليه وإلى رسوله وولاة الأمر (وأصم) لا يسمع شيئا من ذلك ولا يعمل به (وبصير) يدرك مراد الله تعالى والمطالب الحقيقية والأسرار الإلهية وما نطق به القرآن الكريم والرسول العظيم (وأعمى حيران) لا يدرك شيئا منها فهو حيران في أمر الدين لا يهتدي إلى الأئمة الهداة دليلا ولا إلى مطالب الشرع سبيلا. (فالحمد لله عرف) في بعض النسخ " عز " (ووصف دينه محمدا صلى الله عليه وآله وسلم) أي بينه وأوضحه. والدين الطريقة الإلهية التي شرعها لعباده واستعبدهم بها. (أما بعد فإنك امرؤ أنزلك الله من آل محمد بمنزلة خاصة) هي بمنزلة المحبة والقرب والطاعة والانقياد والتسليم لهم، وفيه مدح عظيم لعلي بن سويد، والسند الثاني صحيح إلا أن فيه شهادة لنفسه ففي إثبات مدحه بذلك نظر، فضلا عن توثيقه كما صرح به الفاضل الإسترابادي في حاشية على كتاب رجاله المتوسط نقلا عن الشهيد الثاني (ره) ثم قال فالاعتماد على توثيق الشيخ وهذا الخبر كالمؤيد والله أعلم. (فلما انقضى سلطان الجبابرة) ويقال لها سلطان الباطل وسلطان الشيطان أيضا لأن أطوار الجبابرة أطوار باطلة مردية وأفعالهم أفعال شيطانية مغوية وهم لتمكن رذائل الأخلاق في نفوسهم

[ 76 ]

الشريرة يفسدون في الأرض ويذلون أهل الحق ويقتلون أولياء الله، وجنودهم جنود الشيطان وأولياؤه، والسلطان بضم السين وسكون اللام وضمها للإتباع لغة ولا نظير له قدرة الملك، والمراد بانقضاء سلطانهم انتهاء قدرتهم لأن قدرتهم على أذى الناس وهتك حرمتهم متصورة على الأحياء منهم، وأما إذا جاء الموت وهو المراد بقوله (وجاء سلطان ذي السلطان العظيم..) فقد انقضى سلطانهم وبطلت قدرتهم عليه لأنه خرج عن ملكه. (مخافة أن تدخل الحيرة على ضعفاء شيعتنا) وهم الجهال كما صرح به، وأما الأقوياء فيعلمون أن الأرض لا تخلو من حجة بعده (عليه السلام) فلا تدخل الحيرة عليهم. (فاتق الله جل ذكره..) أمر أولا بالاتقاء عما يوجب عقوبة الله تعالى لأنه المقصود الأصلي من كل أحد والمحرك له إلى حفظ نفسه في جميع حركاته وسكناته وأقواله وأفعاله عما لا يليق بالأحرار، وأمر ثانيا بأن يخص بذلك الأمر وهو أمر الخلافة أهله وهذا يحتمل وجهين أحدهما أن يعتقد الإمامة بعده لأهلها لا غير أهلها، وثانيها أن يظهرها لمن يقبل منه لا لغيره، وأمر ثالثا بالحذر عن أن يظهرها للمعاندين فإن إظهارها لهم سبب للبلية على الأوصياء. (أني أنعى إليك نفسي) نعيت الميت نعيا من باب نفع أخبرت بموته فهو منعى والفاعل نعى على فعيل يقال جاء نعيته بكسر العين وشد الباء وهو الذي يخبر بموته. (غير جازع ولا نادم ولا شاك) نفى أولا عن نفسه القدسية الجزع لأن الجزع وهو ضد الصبر إما لضعفه عن حمله ما نزل به أو لشدة خوفه عما يرد عليه بعد الموت أو لشدة حرصه في الدنيا وخوف فواتها، ونفسه الطاهرة كانت منزهة عن جميع ذلك، ونفى ثانيا عنها الندامة لأن الندامة إما عن فعل ما لا ينبغي فعله أو عن ترك ما لا ينبغي تركه وكانت ذاته المقدسة منزهة عنهما. ونفي ثالثا عنها الشك لأن الشك من لوازم الجهل وهو (عليه السلام) معدن العلم والأسرار ومنبع الحكمة وكان عالما بما كان وما يكون وما هو كاين إلى يوم القيامة. (فاستمسك بعروة الدين آل محمد) بدل عن العروة (والعروة الوثقى الوصي بعد الوصي) من آل محمد شبه آل محمد والوصي منهم بالعروة في أن التمسك بهم حامل للدين شارب من زلاله، ووصفه بالوثقى على سبيل التوشيح للتنبيه على أحكامها وصحة الإيتمان بها حيث لا يعتريها القصم والكسر والقطع. (والمسالمة لهم) عطف على العروة، والمسالمة المصالحة يقال: سالمه مسالمة وسلاما إذا صالحه من السلم بكسر السين وفتحها وهو الصلح، والمراد الانقياد لهم في جميع الأمور وعدم مخالفتهم في شئ منها، ولما كان ذلك قد يتحقق مع الكراهة نبه بقوله (والرضا بما قالوا) على أنه ينبغي أن يكون ذلك مقرونا بالرضا أو أن لم يعرف وجه الصحة أو ثقل ذلك على النفس. (ولا تلتمس دين من ليس من شيعتك) نهى عن طلب دينهم على وجه الأخذ والعمل به، وأما

[ 77 ]

طلبه للعلم بمواضع فساده ومواقع شبهاتهم لمناظرتهم وكسرهم عند الحاجة فالظاهر أنه جايز بل قد يكون واجبا كفائيا كما صرح به بعض الأصحاب. (ولا تحبن دينهم...) لما كان عدم التمسك بدينهم غير مستلزم لعدم محبته نهى بعده عن محبته وعلل بأنهم خائنون وفعلهم خيانة ودينهم باطل ولا يجوز محبة الباطل كما لا يجوز التمسك به. وفي كنز اللغة: " خيانت با كسى دغلي وناراستي كردن " وفي المصباح: الخاين هو الذي خان من جعل عليه أمينا. (وتدري ما خانوا أماناتهم) التي وضعهم الله تعالى عندهم وائتمنهم عليها (أيتمنوا على كتاب الله) الايتمان: " أمين داشتن كسى را بر چيزى " أمنته على الشي وائتمنته عليه فهو أمين يعني اتخذهم الرسول أمينا على كتابه وأمرهم بحفظه. (فحرفوه) لفظا ومعنى (وبدلوه) أصلا وحكما فغيروا معانيه وحدوده وبدلوا أصوله وأحكامه. (ودلوا على ولاة الأمر منهم) أي دلهم الرسول على ولاة الأمر من آل محمد في مواضع عديدة فانصرفوا عنهم تكذيبا لهم ولمن نصبهم وحبا للدنيا ورياستها، وهذا نوع آخر من الخيانة (فأذاقهم الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون) اقتباس للآية الكريمة ولأصحاب العربية في تفسير لباس الجوع أقوال: قال صاحب الكشاف: إنه استعارة حقيقية عقلية أو حسية لأنه شبه الضرر والألم الحاصل لهم من الجوع أو شبه انتقاع اللون وتغيره ورثاثة الهيئة الحاصلة لهم منه باللباس لاشتماله عليهم واستعير له لفظ اللباس فجاءت الاستعارة حقيقية عقلية على الأول وحسية على الثاني، وقيل: إنه على المكنية والتخييلية لأنه شبه الجوع بإنسان لابس قاصدا للتأثير والضرر واخترع للجوع صورة وهمية خيالية شبيهة باللباس واستعير له لفظ اللباس، وقيل إنه تشبيه بليغ شبه الجوع باللباس في الشمول والإحاطة والملابسة التامة فصار التركيب من باب لجين الماء. وهذا القول رده جماعة من المحققين، وأقرب الاحتمالات هو الأول لأن تعلق الإذاقة بالمستعار له وهو الضرر والألم أظهر، يقال إذاقة الضرر والبؤس كما صرح به الشريف في حاشيته على المطول. (وسألت عن رجلين اغتصبا رجلا مالا) أريد برجلين الأول والثاني وبرجل على بن أبي طالب (عليه السلام) وبمال: الخلافة وما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله) وبإنفاقه على الفقراء تعليمهم وإرشادهم وهدايتهم ورعاية حقوقهم وإجراء الأحكام عليهم كما أمر الله تعالى به. (وقوله حتى حملاه كرها فوق رقبته إلى منازلهما) إشارة إلى ما فعلا بعلي (عليه السلام) من حمله على المبايعة والمتابعة لهما جبرا، والكره بالضم: ما أكرهت نفسك عليه، وبالفتح ما أكرهك غيرك عليه، والأخير هو المراد هنا. وقوله (فلما أحرزاه توليا انفاقه) إشارة إلى توليهما سياسة الخلق وإنفاق ذلك المال على حسب إرادتهما من غير أن يكون موافقا لمراد الله تعالى، وقوله (عليه السلام) (فلعمري لقد

[ 78 ]

نافقا قبل ذلك) إشارة إلى نفاقهما في حياة الرسول (صلى الله عليه وآله) حيث أظهرا الإيمان به وأبطنا الكفر وعهدهما مع أصحابهما حال حياة النبي (صلى الله عليه وآله) على رد الخلافة عن أهل بيته الطاهرين مشهور، وفي بعض الروايات مذكور، وقوله (وردا على الله عز وجل كلامه) إشارة إلى ردهما الآيات الدالة على أن الولاية والخلافة لأهل البيت (عليهم السلام). وقوله (وهزءا برسول الله (صلى الله عليه وآله)) إشارة إلى استهزائهما به (صلى الله عليه وآله) في مواضع عديدة منها في غدير خم حيث قال أحدهما لصاحبه انظر إلى عينيه تدوران كما تدور عينا مجنون ومنها في صلح الحديبية ومنها في حديث الدواة والقلم، وبسط ذلك وبيان تفاصيله يوجب الإطناب. وقوله (والله ما دخل في قلب أحد منهما شئ من الإيمان منذ خروجهما من حالتيهما) أي من الشرك وعبادة الأصنام وفي بعض النسخ " عن جاهليتهما " تأكيد لما سبق من أنهما كانا منافقين قبل ذلك. وقوله (وما ازدادا إلا شكا) أي ما ازدادا بعد الدخول في الإسلام ظاهرا إلا شكا فيه، إشارة إلى أنهم لم يقروا بشئ مما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله)، وإنكار الثاني عليه مذكور في مواضع من كتب العامة أيضا وقد نقلنا جملة منها في شرح كتاب الأصول إلا أنهم قالوا كان خلافه مستندا إلى اجتهاده وهو جائز. (وسألت عمن حضر ذلك الرجل وهو يغصب ماله ويوضع على رقبة منهم عارف بحقه ومنهم منكر له) مع معرفته ولم يعينوه ولم ينصروه بل نصروهما وأمدوهما فأولئك أهل الردة الأولى من هذه الأمة وكل من تبعهم إلى يوم القيامة أهل الردة الثانية أو المراد بالردة الثانية ردة اثنين وسبعين فرقة من هذه الأمة كما نطق به بعض الروايات ويمكن أن يكون تعريضا بأنهم أهل الردة الأولى لا هما لأنهما لم يدخلا في الدين أصلا، والردة بالكسر اسم من الارتداد، ولا يتحقق الارتداد إلا بالخروج بعد الدخول. (وسألت عن مبلغ علمنا) أي غايته ومقداره وهو (على ثلاثة وجوه ماض وغابر وحادث) تقسيمه بها باعتبار المعلوم إذ بعضه متعلق بالأمور الماضية وهو مفسر له في الكتب المنزلة أو بتفسير الأنبياء وبعضه متعلق بالغابر أي بالأمور المستقبلية الحتمية وهو مزبور في الصحف التي عندهم، وبعضه متعلق بأمر حادث في الليل والنهار آنا فآنا وشيئا فشيئا وهو قذف في القلوب ونقر في الأسماع، أما القذف فلأن قلوبهم صافية بالأنوار الإلهية فإذا توجهوا إلى العوالم اللاهوتية وتجردوا عن الطبايع البشرية إلى الطبايع الملكية بل إلى فوقها ظهرت لهم من العلوم والحوادث ما شاء الله، ويعبر عن ظهور هذه العلوم تارة بالقذف في القلوب وتارة بالإلهامات الغيبية، وأما النقر في الأسماع فهو يتصور على وجهين أحدهما أن يسمع من الملك صوتا منقطعا متميزا بالحروف والكلمات كما هو المعروف في سماعنا كلام الناس وثانيهما أن يسمع صوتا وهمهمة ودويا ولا

[ 79 ]

يفهم منه مادام باقيا شيئا فإذا زالت الهمهمة وجد قولا منزلا ملقى في الروع واقعا موقع المسموع إلا أن كيفية ذلك وصورته مما لا يعلمه إلا الله أو من يطلعه الله عليه، وهذا الحديث وأمثاله محمولة على ظواهرها، والإيمان بها واجب لا دليل عقلا ونقلا على استحالته، فلا يحملها على خلاف الظاهر إلا ضعيف النظر أعمى القلب، وقد نقل الآبي أن رجلا صالحا كان ساكنا في تونس في زاوية مسجدها وكان يقول للمؤذن أذن للصبح فإني أعرف طلوعه بنزول الملائكة ودويهم وقد نقله في مقام مدحه وذكر فضائله لا على سبيل الرد والطعن فإذا جوزوا مثل ذلك في آحاد الناس فلم ينكرون من عترة نبينا وأهل بيت العصمة عليهم السلام. (وهو أفضل علمنا) لكثرته ولحصوله بلا واسطة بشر ولأنه لا يطلع عليه غيرهم بخلاف المفسر والمزبور فإنه كثيرا ماكان يطلع عليه خواص شيعتهم. (ولا نبي بعد نبينا محمد (صلى الله عليه وآله)) هذا يحتمل أمرين أحدهما أن يكون دفعا لتوهم النبوة، ووجه الدفع يظهر بالتأمل في النبي والمحدث والفرق بينهما وقد مر ذلك في صدر الكتاب، وثانيهما أن يكون وجها لتخصيص القذف والنقر بالذكر وبيانا لعدم احتمال السماع من الملك عيانا ومشاهدة لأن ذلك مختص بالنبي ولا نبي بعد نبينا (صلى الله عليه وآله) فليتأمل. فأما أمهات أولادهم (فهن عواهر إلى يوم القيامة) العواهر جمع عاهر وهي الزانية، وذلك لأن كلهن مال الإمام عليه السلام على المشهور بين الأصحاب أو خمسهن على قول. (نكاح بغير ولي) وهو الإمام لأنه ولي المسلمين والمسلمات، وأولى بهم من أنفسهم فإذا لم يرض بنكاحهم بسخطه عليهم كان نكاحهم باطلا، ومن ثم ورد في بعض الأخبار أن كلهم من أولاد الزنا. (وطلاق في غير عدة) كأنه أشار بنفي ثبوت العدة في نفس الأمر إلى عدم صحة الطلاق فيها لأن نفي اللازم دليل على نفي الملزوم، والمقصود أن طلاقهم غير صحيح لعدم اقترانه بشرايط صحته في الشريعة كما يظهر لمن رجع إلى أصولهم وفروعهم فيه (وأما من دخل في دعوتنا وأقر بولايتنا فقد هدم إيمانه ضلاله) وهو نكاح أمهات الأولاد والإماء المسبيات في الحروب بدون أذنهم عليهم السلام ونكاحهن أعظم أفراد ضلالة لهؤلاء ورخصته للشيعة كما نطق بها بعض الروايات. (ويقينه شكه) في جواز نكاح مطلقاتهم فإنه يجوز للشيعة نكاحهم بناء على إعتقاد هؤلاء صحة طلاقهم وإن لم يكن صحيحا في مذهب الشيعة وقد وقعت الرخصة به أيضا في بعض الروايات والله أعلم. (وسألت عن الزكاة فيهم فما كان من الزكوات فأنتم أحق به لأنا قد أحللنا ذلك لكم من كان منكم وأين كان) كأنه سأل هل يجوز أن نشتري منهم وفي مالهم زكاة أو خمس فأجاب (عليه السلام) بأنه

[ 80 ]

يجوز، وهذا ما ذكره الأصحاب من إباحة المتاجر، أو سأل أنهم إذا أخذوا الزكاة منا هل يجب علينا إخراجها مرة أخرى فأجاب (عليه السلام) بأنهم إذا أخذوا الزكاة منكم وإن لم يكونوا أهلها ولم يعطوا أهلها لا يجب عليكم أن تزكوا مرة أخرى، وقد دل عليه بعض الأخبار أيضا، وقال بعض المعاصرين سأل هل يجوز لنا صرف الزكاة فيهم وإعطاؤهم إياها فأجاب (عليه السلام): بأنه لا يجوز ذلك ولا يجوز إعطاؤها غير أهل الولاية. (وسألت عن الضعفاء فالضعيف من لم ترفع إليه حجة ولم يعرف الاختلاف فإذا عرف الاختلاف فليس بضعيف) كأنه سأل عن المستضعفين المذكورين في سورة النساء * (إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا) * فأجاب (عليه السلام) بأن المستضعف من لم يعرف الإمام ولم ينكره إذا لم ترفع إليه حجة دالة على حقية الإمام ولم يعرف إختلاف الناس، فيه وأما من دفعت إليه حجة أو عرف اختلاف الناس فليس بمستضعف لأنه مكلف بالإيمان وطلب الحق فلا يكون معذورا ومن هاهنا يعلم أنه ليس اليوم مستضعف لشيوع الحق والاختلاف، فمن قبله فهو مؤمن، ومن رده فهو كافر، كما مر في باب المستضعف من الأصول. (وسألت عن الشهادات لهم فأقم الشهادة لله عز وجل...) كما قال الله عز وجل * (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) * * (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم) * وهو بعمومه شامل لما نحن فيه. (فإن خفت على أخيك ضيما فلا) أي فإن خفت على أخيك ظلما فلا تقم عليه الشهادة وذلك إذا علمت أنه لا يقدر على أداء الدين وعلمت أنك إذا شهدت عليه به يؤخذ أو يحبس ظلما فيجوز لك ترك الشهادة عليه إلى ميسرة، وكذا إن خفت على نفسك ضررا غير مستحق كما صرحوا به (وادع إلى شرائط الله عز ذكره بمعرفتنا من رجوت إجابته) الشرط والشريطة بمعنى، ويجمع الأول على الشروط، والثاني على الشرائط، ولعل المراد بشرائط الله ما شرط عليهم الإتيان به ولهم بالثواب عليه من النواميس الإلهية والشرايع النبوية، والباء في قوله بمعرفتنا للسببية أو صلة للدعاء أي ادع بمعرفتنا إلى شرائط الله، وفيه تنبيه على أنه لا يمكن الوصول إلى تلك الشرايط بدون معرفتهم، وفي بعض النسخ " إلى صراط الله ". (ولا تحضر حضن زنا) الحضور معروف وقد يأتي بمعنى النزول والسكون ومنه الحاضر وهو من نزل على ماء يقيم به ولا يرحل عنه، والحضن بكسر الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة: الجانب والناحية، وإضافته إلى زنا لكثرة وقوعه فيه، وإنما نهى عن حضور ناحيتهم وسكونه فيها لأنه يستلزم مشاهدة منكراتهم الثقيلة على المؤمن وميل الطبع إلى طباعهم الشريرة وهي أثقل وأشد عليه، وفي بعض النسخ " ولا تحصن بحصن رياء " الحصن بكسر الحاء وسكون الصاد

[ 81 ]

المهملتين، والرياء معروفان، وتحصن فلان إذا دخل في حصن، والمعنى قريب مما ذكر، هذا الذي ذكرنا من باب الاحتمال والله أعلم بحقيقة الحال. (ووال آل محمد صلى الله عليه وآله) لا بد في تحقق موالاتهم من التبرأ من أعدائهم. (ولا تقل لما بلغك عنا ونسب إلينا هذا باطل..) فإن للكلام كما أشار إليه (عليه السلام) وجوها وظهرا وبطنا لا تصل إليها عقول السامعين فلا يجوز إنكاره ووجب التوقف فيه إلى أن يوجد من يفسره، ومما يؤيد ذلك ما روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال " إن الله خص عباده بآيتين من كتابه أن لا يقولوا حتى يعلموا ولا يرووا ما لم يعلموا " وقال * (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله) *. (وعلى أي وجه وصفناه) من الوضع أو من الوصف على اختلاف النسخ. (آمن بما أخبرك) في بعض النسخ " بما أخبرتك " أمر بالإيمان به لأنه الأصل، والعمل بما يطلب منه العمل تابع له بل هو من جملته فلذلك لم يذكره. (ولا تفش ما استكتمناك من خبرك) في بعض النسخ من خيرك بالياء المثناة التحتانية وإنما أمر بكتمانه لئلا يلحق الضرر به أو بأحد من الشيعة. ثم أشار من باب الاستيناف إلى أن الكتمان مطلوب بالنسبة إلى الأشرار لا بالنسبة إلى أهل الإيمان بقوله (إن من واجب حق أخيك) في الدين (أن لا تكتمه شيئا تنفعه به لأمر دنياه وآخرته) سواء سألك عنه أم لم يسألك فإن حق الأخوة يقتضي أن ترشده إلى ما فيه صلاحه في الدنيا والآخرة (ولا تحقد عليه وإن أساء) الحقد إمساك العداوة في القلب والتربص لفرصتها وهو من الطغيان في القوة الغضبية، وفي ذكر الإساءة تنبيه على أن عدم الحقد مطلوب مع الإساءة فكيف مع عدمها. (وأجب دعوته إذا دعاك) إلى طعام أو جلب نفع أو دفع ضرر (ولا تخل بينه وبين عدوه من الناس) بل ادفعه عنده على أي وجه يمكن (وإن كان) أي العدو (أقرب إليه منك) فكيف إن كنت أقرب إليه منه لأن ذلك الدفع من مقتضى الإيمان ورعاية الأخوة الدينية ولا مدخل للقرب والبعد فيه (وعده في مرضه) قيل بعد ثلاثة أيام فإذا مضت فيوم بعد يوم أو يومين مع عدم إطالة الجلوس إلا أن يحب المريض. (ليس من أخلاق المؤمنين الغش) غشه غشا من باب قتل، والاسم الغش بالكسر: لم ينصحه وزين غير المصلحة (ولا الأذى) وهو ما يؤذي الغير وأصله مصدر وهو شامل للخصال المؤذية المذمومة كلها مثل الضرب والشتم والهجو والغيبة وغيرها، وقد مر مضار الأذى ومنافع تركه في كتاب الأصول (ولا الخيانة) هي ترك ما يجب حفظه ورعايته من حقوق الله تعالى وحقوق الناس وهي كما تجري في أفعال الجوارح كذلك تجري في أفعال القلوب أيضا فإن على كل عضو حقا وتركه خيانة، وقد مر تفصيل ذلك وتوضيحه في كتاب الأصول (ولا الكبر) كبر " بزر گى بر خود

[ 82 ]

گرفتن " وهو من صفاته تعالى فلا يجوز للمؤمن أن يعتقده لنفسه، وقد مر توضيح ذلك أيضا في كتاب الأصول (ولا الخنا ولا الفحش) الظاهر أن الخنا أخص من الفحش ففي كنز اللغة: " خنا نا سزا وفحش گفتن "، وفي النهاية: الخنا الفحش في القول، والفحش يكون في القول والفعل، وهو القبيح مطلقا أو كلما يشتد قبحه من الذنوب والمعاصي والخصال القبيحة من الأقوال والأفعال، وفيه تنبيه على أن من أخلاق المؤمن وصفاته المختصة به أن يعتقد أنه تعالى لا يأمر بالفحشاء كما نطق به القرآن الكريم للرد على من نسب ذلك إليه عز وجل وقد مر توضيحه في شرح الأصول. (فإذا رأيت المشوه الأعرابي) وهو المسيح الدجال صاحب الفتنة العظمة وسمي مشوها لقبح منظره، قال ابن الفارس: سمي الدجال مسيحا لأنه مسح أحد شقي وجهه ولا عين له ولا حاجب وقيل كلتا عينيه معيوبة إحداهما مطموسة مغمورة والأخرى بارزة كبروز حبة العنب عن صواحبها (في جحفل جرار) الجحفل كجعفر الجيش الكبير وجيش جرار ثقيل السير لكثرتهم (فانتظر فرجك ولشيعتك المؤمنين) فإنه أقرب علامات ظهور صاحب الأمر (عليه السلام) (وإذا انكسفت الشمس) لعل المراد به كسوف الشمس للنصف من شهر رمضان لما سيجئ من رواية المصنف بإسناده إلى بدر بن الخليل قال " كنت جالسا عند أبي جعفر (عليه السلام) قال آيتان تكونان قبل قيام القايم (عليه السلام) لم تكونا منذ هبط آدم (عليه السلام) إلى الأرض انكساف الشمس في النصف من شهر رمضان والقمر في آخره فقال رجل يا ابن رسول الله تنكسف الشمس في آخر من الشهر والقمر في النصف. فقال أبو جعفر (عليه السلام) إني أعلم ما تقول لكنهما آيتان لم تكونا منذ هبط آدم (عليه السلام) " وسيجئ توضيحه إن شاء الله تعالى. (فارفع بصرك إلى السماء وانظر ما فعل الله عز وجل بالمجرمين) قد مر في باب تفسير * (إنا أنزلناه) * في حديث الياس مع الباقر (عليه السلام) ما يناسب هذا المقام وهو قول الباقر (عليه السلام) له " فوددت أن عينك تكون مع مهدي هذه الأمة والملائكة بسيوف آل داود بين السماء والأرض تعذب أرواح الكفرة من الأموات وتلحق بهم أرواح أشباههم من الأحياء ثم أخرج يعني الياس سيفا ثم قالها ان هذا منها، قال (عليه السلام) أي والذي اصطفى محمدا على البشر ولعل عيون المؤمنين ترى يومئذ عذاب المشركين بين السماء والأرض بكشف الحجاب ". وقد مر شرحه.

[ 83 ]

حديث نادر * الأصل: - حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد بن سماعة، عن محمد بن أيوب، وعلي ابن إبراهيم عن أبيه جميعا، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أتى أبو ذر رسول الله (عليه السلام) فقال: يارسول الله إني قد اجتويت المدينة أفتأذن لي أن أخرج أنا وابن أخي إلى مزينة فنكون بها ؟ فقال: إني أخشى أن يغير عليك خيل من العرب فيقتل ابن أخيك فتأتيني شعثا فتقوم بين يدي متكئا على عصاك فتقول: قتل ابن أخي وأخذ السرح فقال: يارسول الله بل لا يكون إلا خيرا إن شاء الله، فأذن له رسول الله (صلى الله عليه وآله). فخرج هو وابن أخيه وامرأته فلم يلبث هناك إلا يسيرا حتى غارت خيل لبني فزارة فيها عيينة ابن حصن فأخذت السرح وقتل ابن أخيه وأخذت امرأته من بني غفار وأقبل أبو ذر يشتد حتى وقف بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبه طعنة جائفة فاعتمد على عصاه وقال: صدق الله ورسوله أخذ السرح وقتل ابن أخي وقمت بين يديك على عصاي ! فصاح رسول الله (صلى الله عليه وآله) في المسلمين فخرجوا في الطلب فردوا السرح وقتلوا نفرا من المشركين. * الشرح: (حديث نادر) لأنه شاذ، مضمونه غريب، أو لأنه متعلق بشخص معين. (فقال يارسول الله إني قد اجتويت المدينة) قال أبو عبيد: تقول اجتويت البلد إذا كرهت المقام فيه وإن وافقك في بدنك، وقال ابن الأثير: اجتووا المدينة أي أصابهم الجوى وهو المرض وداء الجوف إذا تطاول وذلك إذا لم يوافقهم هواؤها واستوخموها ويقال: اجتويت البلد إذا كرهت المقام فيه وإن كنت في نعمة. (أفتأذن لي أن أخرج أنا وابن أخي إلى مزينة) في القاموس مزينة كجهينة قبيلة وفي المصباح المزن السحاب الواحدة مزنة وتصغيرها مزينة وبها سميت امرأة ثم غلب على ولدها وسميت بها القبيلة، والنسبة إليها مزني بحذف التصغير. (إني أخشى أن تغير عليك خيل من العرب) أغار عليهم يغير إغارة إذا أسرع في السير والعدو وهجم عليهم ديارهم وأوقع بهم ونهبهم، والاسم من الإغارة الغارة مثل أطاع يطيع إطاعة، والإسم منها الطاعة، ثم تطلق الغارة على الخيل المغيرة يقال: شنوا الغارة أي فرقوا الخيل، كذا في المصباح، وقد يأتي غار بمعنى أغار، كما سيجئ. (فيقتل ابن أخيك فتأتيني شعثا) الشعث محركة مصدر وهو انتشار الأمر واغبرار الرأس وفي كنز اللغة: شعث " پريشان وغبار آلود شدن ".

[ 84 ]

(وأخذ السرح) هو المال السائم، وفي المصباح: سرحت الإبل سرحا من باب نفع رعت بنفسها وسرحتها يتعدى ولا يتعدى، وسرحتها بالثقيل مبالغة وتكثير، ويقال للمال الراعي سرح تسمية بالمصدر. (فقال يارسول الله بل لا يكون إلا خيرا) قال ذلك لظنه أن خشية النبي (صلى الله عليه وآله) من باب الاحتمال فلما وقع ما خشيه علم أنه كان من باب الإخبار فلذلك قال: صدق الله ورسوله. (حتى غارت خيل لبني فزارة) أبو حي من غطفان وفي القاموس والمصباح: فزرت الثوب شققته فتفزر وانفزر أي انشق وفزرت الكوز ونحوه كسرته وفزرت فلانا بالعصا ضربته على ظهره والفزارة بالفتح انثى النمر، وبلا لام قبيلة من غطفان سميت بها لشدتها. (وأخذت امرأته من بني غفار) في المصباح: غفار ككتاب حي من العرب ومنه أبو ذر الغفاري. (وأقبل أبو ذر يشتد) أي يعدو والشد والاشتداد هنا العدو والإسراع. * الأصل: - أبان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: نزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) في غزوة ذات الرقاع تحت شجرة على شفير واد، فأقبل سيل فحال بينه وبين أصحابه فرآه رجل من المشركين والمسلمون قيام على شفير الوادي ينتظرون متى ينقطع السيل فقال رجل من المشركين لقومه: أنا أقتل محمدا فجاء وشد على رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالسيف: ثم قال: من ينيجك مني يا محمد ؟ فقال: ربي وربك فنسفه جبرئيل (عليه السلام) عن فرسه فسقط على ظهره، فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأخذ السيف وجلس على صدره وقال: من ينجيك مني ياغورث فقال: جودك وكرمك يا محمد، فتركه فقام وهو يقول: والله لأنت خير مني وأكرم. * الشرح: (فنسفه جبرئيل عليه السلام) أي قلعه، يقال: نسف البناء ينسفه إذا قلعه من أصله. (فقال من ينجيك مني ياغورث) في القاموس: غورث بن الحارث سل سيف رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليقتله به فرماه الله بزلخة بين كتفيه والزلخة كقبرة وجع يأخذ في الظهر فيغلظ حتى لا يتحرك معه الإنسان. (فقال جودك وكرمك يا محمد فتركه وقام) كان (صلى الله عليه وآله) شديدا في المؤاخذة بحق الله تعالى وسليما وصبورا حليما في المؤاخذة بحق نفسه، وهذا هو الخلق الحسن المحمود لأنه لو ترك القيام في حق الله تعالى كان ذلك مهانة ولو انتقم لنفسه لم يكن ثمة صبر وكان هذا الخلق بطشا فانتفى عنه الطرفان وبقى في الوسط وهو العدل وخير الأمور أوسطها. (وهو يقول: والله لأنت خير مني وأكرم) يحتمل أن يكون ذلك القول منه إيمانا به (صلى الله عليه وآله) وتصديقا له بالنبوة ويحتمل أن يكون لاحتمال عدم اعتقاده بذلك والأول أقرب.

[ 85 ]

* الأصل: - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمد [ وعلي بن محمد عن القاسم بن محمد ] عن سليمان بن داود المنقري، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال: إن قدرتم أن لا تعرفوا فافعلوا وما عليك إن لم يثن الناس عليك وما عليك أن تكون مذموما عند الناس إذا كنت محمودا عند الله تبارك وتعالى إن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يقول: " لا خير في الدنيا إلا لأحد رجلين: رجل يزداد فيها كل يوم إحسانا ورجل يتدارك منيته بالتوبة " وأنى له بالتوبة فوالله أن لو سجد حتى ينقطع عنقه ما قبل الله عز وجل منه عملا إلا بولايتنا أهل البيت. ألا ومن عرف حقنا أو رجا الثواب بنا، رضي بقوته نصف مد كل يوم وما يستر به عورته وما أكن به رأسه وهم مع ذلك والله خائفون وجلون ودوا أنه حظهم من الدنيا وكذلك وصفهم الله عز وجل حيث يقول: * (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة) * ما الذي آتوا به ؟ آتوا والله بالطاعة مع المحبة والولاية وهم في ذلك خائفون أن لا يقبل منهم وليس والله خوفهم شك فيما هم فيه من إصابة الدين ولكنهم خافوا أن يكونوا مقصرين في محبتنا وطاعتنا. ثم قال: إن قدرت أن لا تخرج من بيتك فافعل فإن عليك في خروجك أن لا تغتاب ولا تكذب ولا تحسد ولا ترائي ولا تتصنع ولا تداهن. ثم قال: نعم صومعة المسلم بيته يكف فيه بصره ولسانه ونفسه وفرجه، إن من عرف نعمة الله بقلبه استوجب المزيد من الله عز وجل قبل أن يظهر شكرها على لسانه ومن ذهب يرى أن له على الآخر فضلا فهو من المستكبرين، فقلت له: إنما يرى أن له عليه فضلا بالعافية إذا رآه مرتكبا للمعاصي ؟ فقال: هيهات هيهات فلعله أن يكون قد غفر له ما أتى وأنت موقوف محاسب أما تلوت قصة سحرة موسى (عليه السلام) ثم قال: كم من مغرور بما قد أنعم الله عليه وكم من مستدرج بستر الله عليه وكم من مفتون بثناء الناس عليه، ثم قال: إني لأرجو النجاة لمن عرف حقنا من هذه الأمة إلا لأحد ثلاثة: صاحب سلطان جائر وصاحب هوى والفاسق المعلن. ثم تلا: * (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) * ثم قال: يا حفص الحب أفضل من الخوف، ثم قال: والله ما أحب الله من أحب الدنيا ووالى غيرنا، ومن عرف حقنا وأحبنا فقد أحب الله تبارك وتعالى، فبكى رجل فقال: أتبكي ؟ لو أن أهل السماوات والأرض كلهم اجتمعوا يتضرعون إلى الله عز وجل أن ينجيك من النار ويدخلك الجنة لم يشفعوا فيك [ ثم إن كان لك قلب حي لكنت أخوف الناس لله عز وجل في تلك الحال ] ثم قال له: يا حفص كن ذنبا ولا تكن رأسا، يا حفص قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من خاف الله كل لسانه ثم قال: بينا موسى بن عمران (عليه السلام) يعظ أصحابه إذ قام رجل فشق قميصه فأوحى الله عز وجل إليه: يا موسى ! قل له: لا تشق قميصك ولكن اشرح لي عن قلبك. ثم قال: مر موسى بن عمران (عليه السلام) برجل من أصحابه وهو ساجد فانصرف من

[ 86 ]

حاجته وهو ساجد على حاله فقال له موسى (عليه السلام) لو كانت حاجتك بيدي لقضيتها لك فأوحى الله عز وجل إليه: يا موسى لو سجد حتى ينقطع عنقه ما قبلته حتى يتحول عما أكره إلى ما أحب. * الشرح: (إن قدرتم أن لا تعرفوا) بأشخاصكم أو بأعمالكم الصالحة وأخلاقكم الفاضلة (فافعلوا) فإن فيه نجاة من الآفات والبليات الواردة من أبناء الزمان وزيادة تقرب من الرحمن (وما عليك إن لم يثن الناس عليك) العاقل اللبيب لا يرضى بثناء الناس عليه لعلمه بأنه قد يوجب الفخر والكبر والغفلة عن التقصير والرضا بالعمل والغرة وكل ذلك من المهلكات، ولو فرض طهارة نفسه عن قبول أمثال ذلك فيعلم أن الثناء لا يليق إلا بالله عز وجل فلا يريده لنفسه تعظيما له. (وما عليك أن تكون مذموما عند الناس) المراد بالناس أهل الدنيا والمخالفون والفجار لأنهم الذين يذمون الفقراء والعلماء والصلحاء من أهل الدين لكون أطوارهم الحسنة خلاف ما نشأوا هؤلاء عليه، وقوانينهم الشرعية والعقلية خلاف قوانينهم الموضوعة بينهم، وفيه ترغيب في اختيار ما يوجب الحمد عند الله تعالى وإن كان ذلك ما يوجب الذم عند الناس. (إذا كنت محمودا عند الله تبارك وتعالى) بفعل ما يوجب رضاه وترك ما يوجب سخطه. (إن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يقول: لا خير في الدنيا إلا لأحد رجلين) حصر الخير في فعل رجلين (رجل يزداد فيها) أي في الدنيا (كل يوم إحسانا) إلى نفسه بالعلم والعمل وإلى الغير بالتعليم والإرشاد إلى ما فيه صلاحه في الدنيا والآخرة حتى روي أن من ساوى يوماه فهو مغبون (ورجل يتدارك منيته بالتوبة) والرجوع إليه تعالى: الندم على ما فعل والعزم الثابت على عدم العود إليه، والمنية إما بفتح الميم وكسر النون وشد الياء وهي الموت وجمعها المنايا من " مناه الله عليك " إذا قدره، وسمي بها لأنه مقدر بوقت مخصوص، أو بسكون النون وضم الميم أو كسرها ما أرادته نفسك من الأباطيل وإنما حصر الخير فيهما لأن كل خير غيرهما فهو باطل زائل والزائل لا عبرة به (ورضي بقوته نصف مد كل يوم) من أي جنس وجده والمؤمن الخالص يحترز عن كثرة الأكل لما يتصور في البطنة من ذهاب الفطنة وزوال الرقة وحدوث القسوة والكسالة وسائر ما يترتب عليها من المفاسد (وما يستر به عورته) من أي جنس وجده (وما أكن به رأسه) من العمامة ونحوها أو البيت. (وهم مع ذلك والله خائفون وجلون) أفرد ضمير الموصول سابقا وجمعه هنا نظرا إلى اللفظ والمعنى، والوجل: الفزع، وهو في الأصل الخوف ثم كثر إطلاقه على اضطراب القلب التابع للخوف وعلى الاستغاثة وطلب الناصر الدافع له وهو هنا أنسب لأن التأسيس خير من التأكيد. (ودوا أنه حظهم من الدنيا) خبر للموصول والضمير المنصوب راجع إلى عرفان حقهم وما عطف عليهم، وتخصيصه بالقوت المذكور وما بعده بعيد.

[ 87 ]

(أتوا والله بالطاعة مع المحبة والولاية) أي بطاعة الله أو بطاعتنا مع محبتنا وولايتنا (وهم في ذلك خائفون أن لا يقبل منهم) لاحتمال تقصيرهم في القدر اللائق بهم وكذلك خوف العابدين من التقصير في العبادة (وليس والله خوفهم خوف شك..) أي ليس خوفهم من أجل شكهم في كون دينهم حقا. (ثم قال إن قدرت أن لا تخرج من بيتك فافعل فإن عليك في خروجك أن لا تغتاب ولا تكذب ولا تحسد ولا تراني) من باب المفاعلة أو التفاعل من الرؤية حذفت إحدى التائين تخفيفا أي لا تعمل عملا رياء وسمعة ليراه الناس ويمدحوك، وقد يأتي المرائي بمعنى المجادل. (ولا تتصنع) التصنع: تكلف حسن السمت والتزين (ولا تداهن) أي لا تساهل في الدين أو لا تظهر بخلاف ما تضمر وقد أفاد (عليه السلام) أن الأفضل أن لا تخرج من بيتك وبين أن في الخروج والمخالطة مع الناس مفاسد ستة قلما ينفك الخارج منها أو من بعضها، وبين أنه وجب عليك أن تحفظ نفسك عند الخروج عنها. ثم قال على سبيل التأكيد والترغيب في الاعتزال بذكر منافعه: (نعم صومعة المسلم بيته...) اختلفوا في أن العزلة أفضل أم الخلطة فذهب جماعة إلى الأول وطائفة إلى الثاني وأورد كل من الفريقين أدلة من الكتاب والسنة على مطلوبهم، والحق أن كلا من الاحتجاجين صحيح، ولكن ليس العزلة أفضل مطلقا ولا المخالطة أفضل مطلقا بل كل في حق بعض الناس بحسب مصلحته وفي بعض الأوقات لوجود المصلحة فيها إذ لكل واحد منهما فوائد ومصالح وشرائط متفاوتة بحسب تفاوت الأشخاص والأوقات، وإن شئت معرفة ذلك تفصيلا فارجع إلى ما ذكرنا في أوايل كتاب العقل. (أن من عرف نعمة الله بقلبه استوجب المزيد من الله عز وجل قبل أن يظهر شكرها على لسانه) رغب في معرفة نعمائه وآلائه بالقلب وتذكيره وتعظيمه والاعتقاد باستحقاقه الثناء، وعد ذلك شكرا موجبا للمزيد كما قال عز وجل * (ولئن شكرتم لأزيدنكم) * ثم عد إظهار تلك النعمة باللسان فردا آخر من الشكر وهو أيضا موجب للزيادة بمقتضى الآية فيحصل حينئذ زيادة على الزيادة لتحقق علتها (ومن ذهب يرى أن له على الآخر فضلا فهو من المستكبرين) إشارة إلى أنه ينبغي للعابد العارف الكامل أن يعد نفسه مقصرة في الطاعة وطلب الكمال وطاعته ناقصة بذاتها وبالنظر إلى عظمة المعبود بل يعد نفسه أحقر من كل أحد وعبادته أنقص من كل عبادة، وهذا معنى التواضع، فإذا رأى أن له فضلا عن الآخر فقد رأى لنفسه منزلة وحالا ولعلمه فضلا وكمالا وأنه بتلك الحال والكمال أفضل وأشرف من الآخر فهو من المستكبرين الذين ذمهم الله تعالى في مواضع من القرآن الكريم. (فلعله أن يكون قد غفر له ما أتى وأنت موقوف ومحاسب) أشار إلى أن الفضل والقرب

[ 88 ]

واستحقاق الرحمة وحسن العاقبة والارتباط بينه تعالى وبين العبد أمر معنوي ليس لك علم ولا يعلمه إلا هو فلعله غفر له بالتوبة أو العفو وأنت موقوف يوم القيامة محاسب بالمعصية وغيرها فكيف يجوز لك أن ترى نفسك أفضل منه، وقد مر في أول كتاب العقل عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال " ماتم عقل امرئ حتى يكون فيه خصال شتى وعد منها أن يرى الناس كلهم خيرا منه وأنه شرهم في نفسه " نعم لو رأى في نفسه فضلا وخيرا من علم وطاعة وغيرهما وعده نعمة من الله تعالى ونسبه إليه وحمده به من حيث أنه منه ومن توفيقه فالظاهر أنه لا يضر كما قال سليمان (عليه السلام) * (الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده) *. (أما تلوت قصة سحرة موسى (عليه السلام)) فتعرف أن كفرهم بدل بإيمان يوجب نعمة الأبد، وأن معصيتهم بدلت بطاعة توجب ثواب الأبد، وأنه تعالى غفر لهم ما مضى من ذنوبهم، وفيه دلالة على أنه ينبغي تفضيل النفس على الكافر لما مر ولأنه يوجب العجب لا على أنه لا يجوز لعنه أو ذمه لكفره. (وكم من مغرور بما قد أنعم الله عليه) من النعم الظاهرة والباطنة والجليلة والخفية، وليس القصد منه مجرد الأخبار بكثرتها بل القصد هو الحث على الشكر والتواضع والتنزه عن رذيلة الغرور الموجب للشرور، وقس عليه ما بعده. (ثم قال إني لأرجو النجاة لمن عرف حقنا من هذه الأمة إلا لأحد ثلاثة صاحب سلطان جائر وصاحب هوى والفاسق المعلن) لعل المراد بالنجاة النجاة من دخول النار، والثلاثة المذكورة يدخلونها لا محالة لكن الشفاعة تلحقهم بعد مدة، وإنما حملناه على ذلك لدلالة الروايات على أن هذه الفسوق ليست بكفر وعلى أن العصاة من أهل المعرفة يخرجون من النار بالشفاعة، ثم لا يبعد تخصيص صاحب السلطان الجائر بمن كان معينا له في جوره أو ساكتا لا يعينه ولا يمنعه لأن صاحبه المانع له عن الجور ربما وقع مدحه في بعض الروايات، والمراد بصاحب الهوى من اتخذ الباطل من القول والفعل وصفا له فإنه قد أوقع نفسه في المهلكات، والمراد بالفاسق المعلن الفاسق الذي يذكر فسقه عند الناس أو المشهور به. (ثم تلا قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) الظاهر أن الآية استشهاد لقوله " إني لأرجو النجاة لمن عرف حقنا " لا للمستثنى وإن احتمل ووجه الاستشهاد أن الاتباع يجلب محبة الله تعالى ومن يحبه الله فهو ناج قطعا، فإن قلت: الآية دلت على أن متابعة الرسول يجلب ذلك لا متابعتهم. قلت: المخاطبون بهذا الحديث هم العارفون بحقهم (عليهم السلام) كما دل عليه قوله " إن قدرتم أن لا تعرفوا فافعلوا " والعارفون بحقهم لا يفرقون بينه وبينهم (عليهم السلام) في وجوب الاتباع فالآية عندهم دلت على أن متابعتهم أيضا تجلب المحبة، والله أعلم.

[ 89 ]

(ثم قال يا حفص الحب أفضل من الخوف) كأن الوجه له أن الخوف يقتضي الإتيان بالمأمور به والاجتناب من المنهي عنه للتحرز عن العقوبة ودفع الضرر عن النفس بخلاف الحب فإنه يقتضي ما ذكر لمجرد رضائه تعالى وطلب التقرب منه والفضل بينهما ظاهر، أو أن حقيقة الحب تقتضي الميل إليه والتوصل به، وحقيقة الخوف وإن كان درجة عظيمة تقتضي الوحشة والفرار وبينهما بون بعيد وإن مقام المحبة أعلى من مقام الخوف لأن الخوف حالة نفسانية تحصل من معرفته تعالى ومعرفة جلاله وعظمته وكبريائه وغنائه عن الخلق ومعرفة قهره وغضبه وكمال قدرته عليهم وعدم مبالاته بتعذيبهم وتأديبهم وإهلاكهم ومعرفة عيوب نفسه وتقصيره في الطاعات والأخلاق والآداب ومعرفة أمر الآخرة وشدائدها وكلما زادت تلك المعارف زاد الخوف فيؤثر ذلك في القلب والجوارح تأثيرا عظيما فيميل القلب إلى ترك الشهوات والندامة على الزلات والعزم على الخيرات ويحترز من الرذائل كلها ويشتغل الجوارح بوظايفها فيحصل بترك الشهوات العفة والزهد وبترك المحرمات التقوى وبترك مالا يعني الورع والصدق والإخلاص ودوام الذكر والفكر حتى يترقى منها إلى مقام المحبة فلا يرى لنفسه إرادة ولا مراد أو يحب كل ما يرد عليه منه ولا يراه ثقيلا على نفسه بل يراه محبوبا مرغوبا يلتذ به أشد التذاذ لمجيئه من جانب المحبوب ويعده تحفة وهدية منه. (ثم قال والله ما أحب الله من أحب الدنيا ووالى غيرنا) لعل السر فيه أن حبه تعالى يستلزم الميل إليه والتوصل به والتقرب منه بكل القربات وحب الدنيا والميل إليها والركون إلى زهراتها وغفلاتها والتولي بغير أئمة الهداة الهادية إلى القربات الداعية إلى الخيرات تنافي جميع ما يستلزم الحب، وما ينافي لازم الشي ينافي ذلك الشي بالضرورة فلا يجامع حب الدنيا وولاية غير الأئمة حب الله أبدا. (ومن عرف حقنا) وهو الولاية والإمامة ووجوب الطاعة. (وأحبنا فقد أحب الله تعالى) كما نطق به صدر الآية المذكورة ولأن ذلك يوجب الإقرار بجميع ما أراده الله تعالى من عباده وأنزله إلى رسوله وهو أصل المحبة وأساسها بخلاف إنكار شئ منها خصوصا أعظمها وهو الولاية فإنه يوجب هدم أساس المحبة. (فبكى رجل) كأنه كان من المنافقين. (لم يشفعوا فيك) على صيغة المجهول من التشفيع أي لم تقبل شفاعتهم وهي السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرايم. (ثم قال يا حفص كن ذنبا ولا تكن رأسا) أي كن مرؤوسا تابعا ولا تكن رئيسا متبوعا شبههما بذنب الحيوان ورأسه، وقد روي عن أبي الحسن (عليه السلام) قال " ما ذئبان ضاريان في غنم قد تفرق رعاؤها بأضر في دين المسلم من الرياسة ".

[ 90 ]

(يا حفص قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) من خاف الله كل لسانه) أي يحفظه عما لا يعني، ولا ينطق إلا بالحق، وإن شئت أن تعرف مفاسد الكلام فارجع إلى ما ذكرناه في باب الصمت من كتاب الكفر والإيمان. (ثم قال: بينا موسى بن عمران يعظ أصحابه إذ قام رجل فشق قميصه) أصل " بينا " بين فأشبعت الفتحة فصارت ألفا. (فأوحى الله عز وجل إليه يا موسى قل له لا تشق قميصك ولكن اشرح لي عن قلبك) شرح زيد صدره للحق أي فسحه ووسعه لقبوله وتعديته بعن لتضمين معنى الكشف أي كاشفا عن قلبك برفع ما يواريه ويغطيه من موانع دخول الحق فيه، وفي القاموس شرح كمنع: كشف، وحينئذ لا حاجة إلى التضمين وفيه تنبيه على أنه ينبغي من تطهير القلب وتنزيهه عن الرذائل ليستعد بذلك لقبول الحق وتحصيل الفضائل وإلا فلا ينفع الصياح والبكاء وأعمال الجوارح وشق القميص ونحو ذلك كما قيل بالفارسية: جان پار ساز جامه دريدن چه فايده * از خود ببر زغير بريدن چه فائده (حتى يتحول عما أكره إلى ما أحب) الموصول الثاني عبارة عن المحبة أو تطهير القلب أو تطهير الظاهر والباطن جميعا أو الأعم وكأن ذلك الساجد كان منافقا في دين موسى (عليه السلام) وهكذا يفعل الله تعالى ببعض عباده إما من باب اللطف والتنبيه ليرجع ويتوب أو من باب الغضب وليس المراد أنه يفعله بالجميع كذلك، فلا ينافي ما مر في باب الدعاء من أنه تعالى قد يقبل دعاء الفسقة سريعا لكراهة سماع صوته.

[ 91 ]

" حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) " * الأصل: - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم وغيره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما كان شئ أحب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أن يظل جائعا خائفا في الله. * الشرح: قوله (حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله)) يذكر فيه شئ من آدابه وتواضعه لله تعالى (ما كان شئ أحب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أن يظل) أي يصير (جايعا خائفا في الله) مثله في باب ذم الدنيا بسند آخر عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال " ما أعجب رسول الله (صلى الله عليه وآله) شئ من الدنيا إلا أن يكون فيها جايعا خائفا " واعلم أن في الجوع فوائد منها ما روي عن الصادق (عليه السلام) " أن البطن ليطغى من أكله وأقرب ما يكون العبد من ربه عز وجل إذا خف بطنه، وأبغض ما يكون العبد إلى الله عز وجل إذا امتلاء بطنه " ومنها صفاء القلب ورقته وقلة النوم وكثرة الحفظ وصحة البدن وقلة الاحتياج إلى كسب الأموال إلى غيرها مما ذكرنا في الباب المذكور. وللخوف أيضا فوائد، منها التزام الخيرات، وينبغي أن يعلم أن خوفه ليس كخوفنا من المعصية والعقوبة والتقصير في الطاعة وسوء الخاتمة وأمثال ذلك فإنه كان منزها عنها بل خوفه من التنزلات عن المقامات العالية لإصلاح الخلق أو من خوضه في هيبة العظمة الإلهية. * الأصل: - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، وأبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار جميعا، عن ابن فضال، عن علي بن عقبة، عن سعيد بن عمرو الجعفي، عن محمد بن مسلم، قال: دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) ذات يوم وهو يأكل متكئا قال: وقد كان يبلغنا أن ذلك يكره فجعلت أنظر إليه فدعاني إلى طعامه فلما فرغ قال: يا محمد لعلك ترى أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما رأته عين وهو يأكل وهو متكئ من أن بعثه الله إلى أن قبضه ؟ قال: ثم رد على نفسه: لا والله ما رأته عين يأكل وهو متكئ من أن بعثه الله إلى أن قبضه ثم قال: يا محمد لعلك ترى أنه شبع من خبز البر ثلاثة أيام متوالية من أن بعثه الله إلى أن قبضه، ثم رد على نفسه ثم قال: لا والله ما شبع من خبز البر ثلاثة أيام متوالية منذ بعثه الله إلى أن قبضه، أما إني لا أقول: إنه كان لا يجد، لقد كان يجيز الرجل الواحد بالمائة من الإبل فلو أراد أن يأكل لأكل. ولقد أتاه جبرئيل (عليه السلام) بمفاتيح خزائن الأرض ثلاث مرات يخيره من غير أن ينقصه الله تبارك وتعالى مما أعد الله له يوم القيامة فيختار التواضع لربه عز وجل وما سئل شيئا قط فيقول: لا، إن كان أعطى، وإن لم يكن قال: يكون، وما أعطى على الله شيئا قط إلا سلم ذلك إليه حتى أن كان

[ 92 ]

ليعطي الرجل الجنة فيسلم الله ذلك له، ثم تناولني بيده وقال: وإن كان صاحبكم ليجلس جلسة العبد ويأكل أكلة العبد ويطعم الناس خبز البر واللحم ويرجع إلى أهله فيأكل الخبز والزيت وإن كان ليشتري القميص السنبلاني ثم يخير غلامه خيرهما، ثم يلبس الباقي فإذا جاز أصابعه قطعة وإذا أجاز كعبه حذفه. وما ورد عليه أمران قط كلاهما لله رضى إلا أخذ بأشدهما على بدنه ولقد ولي الناس خمس سنين فما وضع آجرة على آجرة ولا لبنة على لبنة ولا أقطع قطيعة ولا أورث بيضاء ولا حمراء إلا سبعمائة درهم فضلت من عطاياه أراد أن يبتاع لأهله بها خادما وما أطاق أحد عمله وإن كان علي بن الحسين (عليهما السلام) لينظر في الكتاب من كتب علي (عليه السلام) فيضرب به الأرض ويقول: من يطيق هذا ؟ * الشرح: (لا والله ما رأته عين وهو يأكل وهو متكئ) فعله (عليه السلام) مع أنه (صلى الله عليه وآله) لم يفعله لبيان الجواز (فقال لا والله ما شبع من خبز البر ثلاثة أيام متوالية) هذا متفق عليه بين الأمة، روى مسلم بإسناده أنه " ما شبع رسول الله (قدس سرهما) ثلاثة أيام تباعا من خبر بر حتى مضى لسبيله " وفيه دلالة على أنه شبع من خبز البر دون ثلاثة، ويؤيده ما سيجئ من قوله (صلى الله عليه وآله) " أشبع يوما وأجوع يوما " وبالجملة أمثال هذه الأحاديث دلت على أنه (صلى الله عليه وآله) لم يكن يديم الشبع والترفه بل كان يأكل الخشن ويقتصر من الأكل على ما يقيم الرمق معرضا عن متاع الدنيا مؤثرا ما ينبغي على ما يفني مع إقبال الدنيا عليه ووفورها لديه، وإنما لم يشبع لئلا يشبع هو ويجوع أحد من المسلمين، ولأن في كثرة الأكل مفاسد روحانية وعللا جسمانية، وليست القوة على العبادة والشجاعة من كثرة الأكل كما زعمه بعض الناس وسمعته من بعض عباد البطن وإنما القوة عليهما قوة إلهية وقدرة روحانية، والحكم بأن القوة من كثرة الغذاء من أحكام الوهم، والعقل الخالص يحكم بأن الله تعالى إذا أراد أن يلبس أحدا حلة القوة من غير أن يأكل غذاء أرباب الترفه يلبسها ولا مانع عنه، ألا ترى أن النبي (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) مع كمال اتصافهما بقلة الأكل ونهاية الرياضة كانا أشجع الناس وأعبدهم وقد أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى هذا بقوله " وكأني بقائلكم يقول إذا كان هذا قوت ابن أبي طالب فقد قعد به الضعف عن قتال الأقران ومنازلة الشجعان " ثم شبه نفسه الزكية بالشجرة البرية في أنها أشد قوة من الحضرية مع أنه لا شراب لها مثل الحضرية فقال " ألا وأن الشجرة البرية أصلب عودا، والروائع الخضرة أرق جلودا والنباتات العذية أقوى وقودا وأبطأ خمودا " فقد أشار (عليه السلام) إلى أن من سلك سبيل المجاهدة وشرب زلال المشاهدة يأكل قليلا من خشن الطعام ويقدر على ما لم يقدر عليه شجعان الأيام وما هو إلا بقوة الله تعالى، والروائع: العجائب، والعذية بكسر العين وفتحها وسكون الذال والياء المثناة التحتانية: زرع لا يسقيه إلا المطر.

[ 93 ]

ثم أشار (عليه السلام) تأكيدا لما مر مصدرا بالقسم " والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما وليت عنها " وذلك لأنه (عليه السلام) كان شديد القلب عند البأس والانهزام إنما يكون بالجبن وهو كان منزها عنه. (أما أني لا أقول أنه كان لا يجد لقد كان يجيز الرجل الواحد) أي يعطيه، من " أجازه " إذا أعطاه (بالمائة من الإبل) روي أنه (صلى الله عليه وآله) " ما سئل شيئا قط فقال لا " وحكاية جوده مشهورة، ومن طريق العامة عن أنس قال " ما سئل عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) شيئا على الإسلام إلا أعطاه قال فجاءه رجل فأعطاه غنما بين جبلين فرجع إلى قومه فقال يا قوم أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء لا يخشى الفاقة ". قال المازري: معنى فأعطاه غنما بين جبلين أي غنما يملأ ما بين جبلين. (ولقد أتاه جبرئيل (عليه السلام) بمفاتيح خزائن الأرض ثلاث مرات...) لعله كناية عن بقائه في الدنيا وتملكه ما فيها وسلطنته على أهلها فاختار الفقر والموت تواضعا لله عز وجل، وسيجئ توضيحه في حديث ابن المغيرة. (ثم تناولني بيده) هكذا في أكثر النسخ وفي بعضها " من يناوله " وهو مرتبط بما قبله والأصل بما بعده (وقال وإن كان صاحبكم ليجلس جلسة العبد) إن مخففة، والصاحب علي (عليه السلام) والجلسة بالكسر مصدر للنوع، والمقصود أنه (عليه السلام) كان يجلس على التراب والجلود ولم يكن له بساط وفروش مزينة لا لأنه لم يجدها بل للتواضع لله عز وجل. (ويأكل أكلة العبد) الأكلة بالضم اللقمة والقرصة والطعمة وهي ما يطعم ويؤكل والمقصود أن طعامه كان خشنا غليظا أو بلا إدام. (وإن كان ليشتري القميص السنبلاني) وفي القاموس: قميص سنبلاني: سابغ الطول، أو منسوب إلى البلد بالروم، وسنبل ثوبه: جره من خلفه وأمامه، وسنبلان وسنبل بلدان بالروم بينهما عشرون فرسخا. (فإذا جاز أصابعه قطعه وإذا جاز كعبه حذفه) فرارا من عادة المختالين المتكبرين ومخالفة شعار المؤمنين حيث أن قميصهم كما روي إلى نصف الساق أو إلى الكعب، ومن الإسراف في الثوب بما لا حاجة إليه ومن النجاسة فإن الثوب بجره على الأرض يتلوث غالبا ومن سرعة بلاه وخرقه بجره على التراب. (وما ورد عليه أمران قط كلاهما لله رضا) احترز به عما إذا لم يكن في أحدهما لله رضا فإنه لا يجوز تعذيب النفس به سواء كان أشق أم أخف (إلا أخذ بأشدهما على بدنه) حملا لنفسه القدسية على الرياضة، والانحراف عن الكسل والراحة، وطلبا للأفضل كما تقرر " أفضل الأعمال أحمزها " وروي " أفضل الأعمال ما أكرهت عليه نفسك " وفيه تنبيه على أنه لابد من تذليل النفس المائلة إلى الراحة بحمل الأشق من الطاعات عليها لتعتاد في الخيرات ويسهل لها سلوك سبيل

[ 94 ]

الطاعات حتى ترتقي إلى غاية الكمالات وتدرك أرفع درجة المثوبات (فما وضع آجرة على آجرة) في المصباح: الآجر اللبن إذا طبخ، بمد الهمزة، والتشديد أشهر من التخفيف، الواحد آجرة وهو معرب (ولا لبنة على لبنة) اللبن ككتف: المضروب من الطيب مربعا للبناء ويقال فيه بالكسر وبكسرتين فكابل لغة والواحدة لبنة بفتح اللام وكسر الباء ويقال بكسر اللام وسكون الباء، ولبنه تلبينا اتخذه، والمقصود أنه (عليه السلام) ما اشتغل بعمارة الدنيا ولم ينفق بالهوى في عمارتها لأنها مبغوضة لله منذ خلقها إذ هي سبب انقطاع عباده عن عبادته، ولهذا لما بنى النبي (صلى الله عليه وآله) مسجده اقتصر فيه وقال " عريش كعريش موسى " ولم يشتغل فيه بالتشييد وزخرف الدنيا مع كونه مسجدا فما ظنك بغيره وروى من طرق العامة أنه (صلى الله عليه وآله) مر يوما بقبة مرتفعة فقال: لمن هذه ؟ فقيل: لفلان، رجل كان يدخل عليه ويقربه ويقبل عليه فدخل عليه الرجل بعد ذلك اليوم فلم يلتفت إليه فسأل عن سبب إعراضه عنه فقبل أنه رأى قبتك فذهب الرجل فهدمها وسواها بالأرض، فلما علم النبي (صلى الله عليه وآله) بصنيعه عاد فأقبل عليه. (ولا أقطع قطيعة) لنفسه مع أن ذلك كان جايزا له ولم يفعل لزهده في الدنيا. يقال: أقطعه الإمام الأرض إقطاعا إذا جعل له غلتها رزقا، واسم تلك الأرض التي تقطع قطيعة. (فيضرب به الأرض) أي يضعه عليها. (ويقول من يطيق هذا) إذا قال سيد العابدين ذلك فغيره أولى بالاعتراف بالعجز فعلم منه أنه لم يكن أحد من الأولين والآخرين في قوة العمل مثل أمير المؤمنين (عليه السلام) مع كمال زهده في الدنيا فإن لم يكن لك قوة مثل قوته فتشبه به ولا تترك الميسور بالمعسور. * الأصل: - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن حماد بن عثمان قال: حدثني علي بن المغيرة قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن جبرئيل (عليه السلام) أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فخيره وأشار عليه بالتواضع وكان له ناصحا، فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يأكل أكلة العبد ويجلس جلسة العبد تواضعا لله تبارك وتعالى، ثم أتاه عند الموت بمفاتيح خزائن الدنيا فقال: هذه مفاتيح خزائن الدنيا بعث بها إليك ليكون لك ما أقلت الأرض من غير أن ينقصك شيئا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): في الرفيق الأعلى. * الشرح: (إن جبرئيل (عليه السلام) أتى رسول الله (قدس سرهما)) فخيره بين قبول ملك الدنيا وخزائنها وتركها (وأشار عليه بالتواضع لله تعالى) بترك قبولها وقد مر ذلك مع شرحه في باب التواضع من الأصول (وكان له ناصحا) فلم يصدر الإشارة منه بالتواضع والترك من باب الغش بل صدر لمحض النصيحة الخالصة لعلمه بأن ذلك خير له في الدنيا والآخرة (ثم أتاه عند الموت بمفاتيح خزائن الدنيا..) قال الفاضل

[ 95 ]

الأمين الاسترابادي: كان العلة في إتيانه عند الموت بهذا أن النبي (صلى الله عليه وآله) عسى أن يتقبلها لذريته الطاهرة صلوات الله عليهم فإن معظم قصد الناس أن لا يكون ذريتهم فقراء بعده. أقول: ويمكن أن يكون العلة فيه عسى أن يتقبل طول العمر والبقاء في الدنيا مع السلطنة كما يشعر به آخر الحديث (ليكون لك ما أقلت الأرض) أي ما حملته ورفعته (من غير أن ينقصك شيئا في الآخرة) من قربك ومنزلتك عنده تعالى ونقص لازم متعد (فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الرفيق الأعلى) الجار متعلق بأكون، قيل: المراد بالرفيق الأعلى الملائكة المقربون، وقيل: الأنبياء المرسلون الذين يسكنون أعلى عليين وهو اسم جاء على فعيل ومعناه الجماعة كالصديق، والخليط يقع على الواحد والجمع ومنه قوله تعالى * (وحسن أولئك رفيقا) * والرفيق المرافق في الطريق، قيل المراد به الله تعالى لأنه رفيق بعباده من الرفق والرأفة وفيه أن لفظ في يأباه في الجملة إلا أن يكون بمعنى الباء أو إلى أو يقدر بعده الجوار أو الرحمة. * الأصل: - سهل بن زياد، عن ابن فضال، عن علي بن عقبة، عن عبد المؤمن الأنصاري، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): عرضت علي بطحاء مكة ذهبا فقلت: يا رب لا ولكن أشبع يوما وأجوع يوما فإذا شبعت حمدتك وشكرتك وإذا جعت دعوتك وذكرتك. * الشرح: (عرضت علي بطحاء مكة ذهبا) البطحاء والأبطح مسيل واسع فيه دقائق الحصى وقد يطلق على تلك الدقاق. (فقلت يا رب لا) أي لا أريد (ولكن أشبع يوما وأجوع يوما) أي أفطر يوما وأصوم يوما أو أشبع يوما ولا أشبع يوما. (فإذا شبعت حمدتك) فيه إرشاد إلى الحمد والشكر بعد النعمة والدعاء والذكر عند الجوع والحاجة إلى الغذاء، ومنه يظهر بعض فوائد الجوع، وقد ذكرنا كثيرا منها في الأصول.

[ 96 ]

حديث عيسى ابن مريم (عليهما السلام) * الأصل: - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن أسباط عنهم (عليهم السلام) قال: فيما وعظ الله عز وجل به عيسى (عليه السلام): يا عيسى أنا ربك ورب آبائك، اسمي واحد وأنا الأحد المتفرد بخلق كل شئ، وكل شئ من صنعي وكل إلي راجعون. يا عيسى أنت المسيح بأمري وأنت تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني وأنت تحيي الموتى بكلامي فكن إلي راغبا ومني راهبا ولن تجد مني ملجأ إلا إلي. يا عيسى أوصيك وصية المتحنن عليك بالرحمة حتى حقت لك مني الولاية بتحريك مني المسرة، فبوركت كبيرا وبوركت صغيرا حيث ما كنت، أشهد أنك عبدي، ابن أمتي أنزلني من نفسك كهمك، واجعل ذكري لمعادك وتقرب إلي بالنوافل وتوكل علي أكفك ولا توكل على غيري فأخذ لك. يا عيسى اصبر على البلاء وارض بالقضاء، وكن كمسرتي فيك فإن مسرتي أن أطاع فلا أعصى، يا عيسى أحي ذكري بلسانك وليكن ودي في قلبك، يا عيسى تيقظ في ساعات الغفلة واحكم لي لطيف الحكمة، يا عيسى كن راغبا راهبا وأمت قلبك بالخشية. يا عيسى راع الليل لتحري مسرتي واظمأ نهارك ليوم حاجتك عندي. يا عيسى نافس في الخير جهدك تعرف بالخير حيثما توجهت. يا عيسى احكم في عبادي بنصحي وقم فيهم بعدلي، فقد أنزلت عليك شفاء لما في الصدور من مرض الشيطان. يا عيسى لا تكن جليسا لكل مفتون، يا عيسى حقا أقول. ما آمنت بي خليقة إلا خشعت لي ولا خشعت لي إلا رجت ثوابي فأشهد أنها آمنة من عقابي ما لم تبدل أو تغير سنتي. يا عيسى ابن البكر البتول ! ابك على نفسك بكاء من ودع الأهل وقلي الدنيا وتركها لأهلها وصارت رغبته فيما عند إلهه. يا عيسى كن مع ذلك تلين الكلام وتفشي السلام. يقظان إذا نامت عيون الأبرار، حذرا للمعاد، والزلازل الشداد، وأهوال يوم القيامة حيث لا ينفع أهل ولا ولد ولا مال، يا عيسى اكحل عينك بميل الحزن إذا ضحك البطالون. يا عيسى كن خاشعا صابرا، فطوبى لك إن نالك ما وعد الصابرون. يا عيسى رح من الدنيا يوما فيوما، وذق لما قد ذهب طعمه، فحقا أقول: ما أنت إلا بساعتك ويومك، فرح من الدنيا ببلغة وليكفك الخشن الجشب فقد رأيت إلى ما تصير ومكتوب ما

[ 97 ]

أخذت وكيف أتلفت. يا عيسى إنك مسؤول فارحم الضعيف كرحمتي إياك ولا تقهر اليتيم. يا عيسى ابك على نفسك في الخلوات وانقل قدميك إلى مواقيت الصلوات وأسمعني لذاذة نطقك بذكري فإن صنيعي إليك حسن. يا عيسى كم من أمة قد أهلكتها بسالف ذنوب قد عصمتك منها. يا عيسى ارفق بالضعيف وارفع طرفك الكليل إلى السماء وادعني منك فإني منك قريب ولا تدعني إلا متضرعا إلي وهمك هما واحدا فإنك متى تدعني كذلك أجبك. يا عيسى إني لم أرض بالدنيا ثوابا لمن كان قبلك ولا عقابا لمن انتقمت منه. يا عيسى إنك تفنى وأنا أبقى، ومني رزقك وعندي ميقات أجلك وإلي إيابك وعلي حسابك فسلني ولا تسأل غيري، فيحسن منك الدعاء ومني الإجابة. يا عيسى ما أكثر البشر وأقل عدد من صبر، الأشجار كثيرة وطيبها قليل، فلا يغرنك حسن شجرة حتى تذوق ثمرها. يا عيسى لا يغرنك المتمرد علي بالعصيان: يأكل رزقي ويعبد غيري ثم يدعوني عند الكرب فأجيبه، ثم يرجع إلى ما كان عليه، فعلي يتمرد ؟ أم بسخطي يتعرض ؟ فبي حلفت لآخذنه أخذة ليس له منها منجا ولا دوني ملجأ، أين يهرب من سمائي وأرضي. يا عيسى قل لظلمة بني إسرائيل: لا تدعوني والسحت تحت أحضانكم والأصنام في بيوتكم فإني آليت أن أجيب من دعاني وأن أجعل إجابتي إياهم لعنا عليهم حتى يتفرقوا، يا عيسى كم أطيل النظر وأحسن الطلب والقوم في غفلة لا يرجعون ؟ تخرج الكلمة من أفواههم، لا تعيها قلوبهم، يتعرضون لمقتي ويتحببون بقربي إلى المؤمنين. يا عيسى ليكن لسانك في السر والعلانية واحدا وكذلك فليكن قلبك وبصرك واطو قلبك ولسانك عن المحارم وكف بصرك عما لا خير فيه، فكم من ناظر نظرة قد زرعت في قلبه شهوة ووردت به موارد حياض الهلكة. يا عيسى كن رحيما مترحما وكن كما تشاء أن يكون العباد لك وأكثر ذكر الموت ومفارقة الأهلين ولا تله فإن اللهو يفسد صاحبه ولا تغفل فإن الغافل مني بعيد واذكرني بالصالحات حتى أذكرك. يا عيسى تب إلي بعد الذنب وذكر بي الأوابين وآمن بي وتقرب إلى المؤمنين ومرهم يدعوني معك وإياك ودعوة المظلوم فإني آليت على نفسي أن أفتح لها بابا من السماء بالقبول وأن أجيبه ولو بعد حين. يا عيسى اعلم أن صاحب السوء يعدي وقرين السوء يردي، واعلم من تقارن واختر لنفسك إخوانا من المؤمنين.

[ 98 ]

يا عيسى تب إلي فإني لا يتعاظمني ذنب أن أغفره وأنا أرحم الراحمين، اعمل لنفسك في مهلة من أجلك قبل أن لا يعمل لها غيرك واعبدني ليوم كألف سنة مما تعدون، فيه أجزي بالحسنة أضعافها وإن السيئة توبق صاحبها، فامهد لنفسك في مهلة ونافس في العمل الصالح، فكم من مجلس قد نهض أهله وهم مجارون من النار. يا عيسى ازهد في الفاني المنقطع وطأ رسوم منازل من كان قبلك فادعهم وناجهم هل تحس منهم من أحد وخذ موعظتك منهم، واعلم أنك ستلحقهم في اللاحقين. يا عيسى قل لمن تمرد علي بالعصيان وعمل بالادهان ليتوقع عقوبتي وينتظر إهلاكي إياه سيصطلم مع الهالكين، طوبى لك يا ابن مريم، ثم طوبى لك إن أخذت بأدب إلهك الذي يتحنن عليك ترحما وبدأك بالنعم منه تكرما وكان لك في الشدائد، لا تعصه يا عيسى فإنه لا يحل لك عصيانه قد عهدت إليك كما عهدت إلى من كان قبلك وأنا على ذلك من الشاهدين. يا عيسى ما أكرمت خليقة بمثل ديني ولا أنعمت عليها بمثل رحمتي. يا عيسى اغسل بالماء منك ما ظهر، وداو بالحسنات منك ما بطن فإنك إلي راجع. يا عيسى أعطيتك ما أنعمت به عليك فيضا من غير تكدير وطلبت منك قرضا لنفسك فبخلت به عليها لتكون من الهالكين. يا عيسى تزين بالدين وحب المساكين وامش على الأرض هونا وصل على البقاع فكلها طاهر. يا عيسى شمر فكل ما هو آت قريب، واقرأ كتابي وأنت طاهر، وأسمعني منك صوتا حزينا. يا عيسى لا خير في لذاذة لا تدوم، وعيش من صاحبه يزول، يا ابن مريم لو رأت عينك ما أعددت لأوليائي الصالحين ذاب قلبك وزهقت نفسك شوقا إليه، فليس كدار الآخرة دار تجاور فيها الطيبون ويدخل عليهم فيها الملائكة المقربون وهم مما يأتي يوم القيامة من أهوالها آمنون، دار لا يتغير فيها النعيم ولا يزول عن أهلها، يا ابن مريم نافس فيها مع المتنافسين فإنها أمنية المتمنين، حسنة المنظر، طوبى لك يا ابن مريم إن كنت لها من العاملين مع آبائك آدم وإبراهيم، في جنات النعيم، لا تبغي بها بدلا ولا تحويلا كذلك أفعل بالمتقين. يا عيسى اهرب إلي مع من يهرب من نار ذات لهب ونار ذات أغلال وأنكال لا يدخلها روح ولا يخرج منها غم أبدا، قطع كقطع الليل المظلم من ينج منها يفز ولن ينجو منها من كان من الهالكين، هي دار الجبارين والعتاة الظالمين وكل فظ غليظ وكل مختال فخور. يا عيسى بئست الدارين لمن ركن إليها وبئس القرار دار الظالمين إني أحذرك نفسك فكن بي خبيرا. يا عيسى كن حيث ما كنت مراقبا لي واشهد على أني خلقتك وأنت عبدي وأني صورتك

[ 99 ]

وإلى الأرض أهبطتك. يا عيسى لا يصلح لسانان في فم واحد ولا قلبان في صدر واحد وكذلك الأذهان. يا عيسى لا تستيقظن عاصيا ولا تستنبهن لاهيا وأفطم نفسك عن الشهوات الموبقات وكل شهوة تباعدك مني فاهجرها، واعلم أنك مني بمكان الرسول الأمين فكن مني على حذر واعلم أنك دنياك مؤديتك إلي وأني آخذك بعلمي فكن ذليل النفس عند ذكري، خاشع القلب حين تذكرني، يقظانا عند نوم الغافلين. يا عيسى هذه نصيحتي إياك وموعظتيى لك فخذها مني وإني رب العالمين. يا عيسى إذا صبر عبدي في جنبي كان ثواب عمله علي وكنت عنده حين يدعوني، وكفى بي منتقما ممن عصاني، أين يهرب مني الظالمون. يا عيسى أطب الكلام وكن حيثما كنت عالما متعلما. يا عيسى افض بالحسنات إلي حتى يكون لك ذكرها عندي وتمسك بوصيتي فإن فيها شفاء للقلوب. يا عيسى لا تأمن إذا مكرت مكري ولا تنس عند خلوات الدنيا ذكري. يا عيسى حاسب نفسك بالرجوع إلي حتى تتنجز ثواب ما عمله العاملون أولئك يؤتون أجرهم وأنا خير المؤتين. يا عيسى كنت خلقا بكلامي، ولدتك مريم بأمري المرسل إليها روحي جبرئيل الأمين من ملائكتي حتى قمت على الأرض حيا تمشي، كل ذلك في سابق علمي. يا عيسى زكريا بمنزلة أبيك وكفيل أمك إذ يدخل عليها المحراب فيجد عندها رزقا ونظيرك يحيى من خلقي وهبته لأمه بعد الكبر من غير قوة بها أردت بذلك أن يظهر لها سلطاني ويظهر فيك قدرتي، أحبك إلي أطوعكم لي وأشدكم خوفا مني. يا عيسى تيقظ ولا تيأس من روحي وسبحني مع من يسبحني وبطيب الكلام فقدسني. يا عيسى كيف يكفر العباد بي ونواصيهم في قبضتي وتقلبهم في أرضي، يجهلون نعمتي ويتولون عدوي وكذلك يهلك الكافرون. يا عيسى إن الدنيا سجن منتن الريح وحسن فيها ما قد ترى مما قد تذابح عليه الجبارون وإياك والدنيا فكل نعيمها يزول وما نعيمها إلا قليل. يا عيسى أبغني عند وسادك تجدني وادعني وأنت لي محب فإني أسمع السامعين أستجيب للداعين إذا دعوني. يا عيسى خفني وخوف بي عبادي لعل المذنبين أن يمسكوا عما هم عاملون به فلا يهلكوا إلا وهم يعلمون. يا عيسى ارهبني رهبتك من السبع والموت الذي أنت لاقيه فكل هذا أنا خلقته فإياي فارهبون. يا عيسى إن الملك لي وبيدي وأنا الملك فإن تطعني أدخلتك جنتي في جوار

[ 100 ]

الصالحين. يا عيسى اني إذا غضبت عليك لم ينفعك رضى من رضي عنك وإن رضيت عنك لم يضرك غضب المغضبين. يا عيسى اذكرني في نفسك أذكرك في نفسي واذكرني في ملائك أذكرك في ملاء خير من ملاء الآدميين، يا عيسى ادعني دعاء الغريق الحزين الذي ليس له مغيث. يا عيسى لا تحلف بي كاذبا فيهتز عرشي غضبا، الدنيا قصيرة العمر، طويلة الأمل وعندي دار خير مما تجمعون. يا عيسى كيف أنتم صانعون إذا أخرجت لكم كتابا ينطق بالحق وأنتم تشهدون بسرائر قد كتمتموها وأعمال كنتم بها عاملين. يا عيسى قل لظلمة بني إسرائيل غسلتم وجوهكم ودنستم قلوبكم، أبي تغترون أم علي تجترون، تطيبون بالطيب لأهل الدنيا وأجوافكم عندي بمنزلة الجيف المنتنة كأنكم أقوام ميتون. يا عيسى قل لهم: قلموا أظفاركم من كسب الحرام وأصموا أسماعكم عن ذكر الخنا وأقبلوا علي بقلوبكم فإني لست أريد صوركم. يا عيسى افرح بالحسنة فإنها لي رضى، وابك على السيئة فإنها شين، وما لا تحب أن يصنع بك فلا تصنعه بغيرك وإن لطم خدك الأيمن فأعطه الأيسر وتقرب إلي بالمودة جهدك، وأعرض عن الجاهلين. يا عيسى ذل لأهل الحسنة وشاركهم فيها وكن عليهم شهيدا وقل لظلمة بني إسرائيل: يا أخدان السوء والجلساء عليه إن لم تنتهوا أمسخكم قردة وخنازير. يا عيسى قل لظلمة بني إسرائيل: الحكمة تبكي فرقا مني وأنتم بالضحك تهجرون، أتتكم براءتي أم لديكم أمان من عذابي أم تعرضون لعقوبتي ؟ فبي حلفت لأتركنكم مثلا للغابرين. ثم أوصيك يا ابن مريم البكر البتول بسيد المرسلين وحبيبي فهو أحمد صاحب الجمل الأحمر والوجه الأقمر، المشرق بالنور، الطاهر القلب، الشديد البأس، الحبي المتكرم، فإنه رحمة للعالمين وسيد ولد آدم يوم يلقاني، أكرم السابقين علي وأقرب المرسلين مني، العربي الأمين الديان بديني، الصابر في ذاتي، المجاهد المشركين بيده عن ديني، أن تخبر به بني إسرائيل وتأمرهم أن يصدقوا به وأن يؤمنوا به وأن يتبعوه وأن ينصروه. قال عيسى (عليه السلام): إلهي من هو حتى أرضيه ؟ فلك الرضا. قال: هو محمد رسول الله إلى الناس كافة أقربهم مني منزلة وأحضرهم شفاعة وطوبى له من نبي وطوبى لأمته إن هم لقوني على سبيله، يحمده أهل الأرض ويستغفر له أهل السماء، أمين ميمون طيب مطيب، خير الباقين عندي، يكون في آخر الزمان إذا خرج أرخت السماء عزاليها وأخرجت الأرض زهرتها حتى يروا البركة وبارك لهم فيما وضع يده عليه، كثير الأزواج، قليل الأولاد، يسكن بكة موضع أساس

[ 101 ]

إبراهيم. يا عيسى دينه الحنيفية وقبلته يمانية وهو من حزبي وأنا معه، فطوبى له ثم طوبى له، له الكوثر والمقام الأكبر في جنات عدن، يعيش أكرم من عاش ويقبض شهيدا، له حوض أكبر من بكة إلى مطلع الشمس من رحيق مختوم، فيه آنية مثل نجوم السماء وأكواب مثل مدر الأرض، عذب فيه من كل شراب وطعم كل ثمار في الجنة، من شرب منه شربة لم يظمأ أبدا وذلك من قسمي له وتفضيلي إياه على فترة بينك وبينه، يوافق سره علانيته وقوله فعله، لا يأمر الناس إلا بما يبدأهم به، دينه الجهاد في عسر ويسر تنقاد له البلاد ويخضع له صاحب الروم على دين إبراهيم، يسمي عند الطعام، ويفشي السلام، ويصلي والناس نيام، له كل يوم خمس صلوات متواليات، ينادي إلى الصلاة كنداء الجيش بالشعار ويفتتح بالتكبير ويختتم بالتسليم ويصف قدميه في الصلاة كما تصف الملائكة أقدامها ويخشع لي قلبه ورأسه. النور في صدره والحق على لسانه وهو على الحق حيثما كان، أصله يتيم ضال برهة من زمانه عما يراد به، تنام عيناه ولا ينام قلبه، له الشفاعة وعلي أمته تقوم الساعة، ويدي فوق أيديهم. فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه أوفيت له بالجنة، فمر ظلمة بني إسرائيل ألا يدرسوا كتبه، ولا يحرفوا سنته، وأن يقرئوه السلام فإن له في المقام شأنا من الشان. يا عيسى كل ما يقربك مني فقد دللتك عليه، وكل ما يباعدك مني فقد نهيتك عنه فارتد لنفسك. يا عيسى إن الدنيا حلوة وإنما استعملتك فيها، فجانب منها ما حذرتك وخذ منها ما أعطيتك عفوا، يا عيسى انظر في عملك نظر العبد المذنب الخاطئ ولا تنظر في عمل غيرك بمنزلة الريب كن فيها زاهدا ولا ترغب فيها فتعطب. يا عيسى اعقل وتفكر وانظر في نواحي الأرض كيف كان عاقبة الظالمين. يا عيسى كل وصفي لك نصيحة وكل قولي لك حق وأنا الحق المبين، فحقا أقول: لئن أنت عصيتني بعد أن أنبأتك، مالك من دوني من ولي ولا نصير. يا عيسى أذل قلبك بالخشية وانظر إلى من هو أسفل منك ولا تنظر إلى من هو فوقك واعلم أن رأس كل خطيئة وذنب هو حب الدنيا فلا تحبها فإني لا أحبها. يا عيسى أطب لي قلبك وأكثر ذكري في الخلوات واعلم أن سروري أن تبصبص إلي، كن في ذلك حيا ولا تكن ميتا. يا عيسى لا تشرك بي شيئا وكن مني على حذر ولا تغتر بالصحة وتغبط نفسك فإن الدنيا كفئ زائل وما أقبل منها كما أدبر، فنافس في الصالحات جهدك وكن مع الحق حيثما كان وإن قطعت وأحرقت بالنار، فلا تكفر بي بعد المعرفة فلا تكونن من الجاهلين، فإن الشئ يكون مع الشئ.

[ 102 ]

يا عيسى صب لي الدموع من عينيك واخشع لي بقلبك. يا عيسى استغث بي في حالات الشدة فإني أغيث المكروبين وأجيب المضطرين وأنا أرحم الراحمين. * الشرح: (حديث عيسى بن مريم عليهما السلام) ذكر فيه من فضائل الأخلاق وجلائل الأوصاف وشرائف الصفات ولطايف الحالات ما يعجز عن ذكر وصفه الواصفون وعن إدراك كنهه العارفون (قال فيما وعظ الله تعالى به عيسى (عليه السلام)) أي أوصاه به وأمره بحفظه، والوعظ تذكير مشتمل على زجر وتخويف وحمل على طاعة الله تعالى بلفظ يرق له القلب (يا عيسى أنا ربك ورب آبائك) الرب في الأصل مصدر بمعنى التربية وهي تبليغ الشئ من حد النقص إلى حد الكمال على سبيل التدريج، ثم أطلق على المالك والسيد وهو منكرا بلا إضافة مختص بالواجب، وكذا المعرف باللام إذا كان بمعنى المالك لأن اللام للعموم، والمخلوق لا يملك جميع المخلوقات. وقدم هذا الوصف لدلالته على أفضل النعماء وهو الإيجاد والتربية وفيه ترغيب على أداء حقوق الربوبية. (اسمى واحد) إذ لا تركيب فيه أصلا لا ذاتا ولا صفة، وكل ما سواه وإن كان بسيطا فهو مركب إما بحسب الصفات ومن ثم قيل لا وحدة في عالم الإمكان. (وأنا الأحد) إذ لا شريك له في ذاته وصفاته والوجوب والقدم وغيرها. (المتفرد بخلق كل شئ) إذ لا شريك له في فعله. ويستثنى منه ذاته تعالى وأفعال العباد، وفيه رد على من زعم أنه واحد لا يصدر عنه إلا واحد وأن خلق البواقي مستند إلى العقول (1) ومن زعم


(1) قوله " وأن خلق البواقي مستند إلى العقول ". شبهة راسخة في أذهان بعض الناس لا يكتنه العلماء غورها لبعد أذهانهم عن أذهان الناس فرب أمر يتمسكون به ويبنون عليه من غير أن يعثر أحد على وجهه ولا ريب أن لا مؤثر في الوجود إلا الله تعالى وأن سلسلة الأسباب ينتهي إلى واجب الوجود بالذات لامتناع التسلسل ولم يتردد فيه أحد إلا الملاحدة المنكرون للعقول ولكل موجود غير جسماني، فنسبة الفعل والتدبير إلى العقول كنسبة الخلق إلى عيسى (عليه السلام) حيث قال تعالى: * (وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير فتكون طيرا باذني) * فكما أن نسبة الخلق إلى عيسى (عليه السلام) ليست مردودة باطلة بقوله " المتفرد بخلق كل شئ " لأن كل فاعل واسطة في إيصال الفيض من الله تعالى إلى سائر الممكنات كذلك نسبة الفعل إلى العقل أو إلى الملائكة الموكلين كنسبة إثارة السحاب إلى الريح في قوله تعالى * (يرسل الرياح فتثير سحابا) * ليست مردودة بخلق كل شئ، ولا أدري كيف يكون نسبة الأفعال إلى الأسباب الطبيعية كالحرارة إلى النار والضوء إلى الشمس والشفاء إلى الدواء غير مخالفة للتوحيد ويكون نسبة الفعل إلى العقول مخالفة، إلا أن يكون الرجل ماديا ينكر وجود المجردات أو وهابيا ينكر تأثير غير الأسباب الطبيعية كالقبور والأرواح والتربة المقدسة والخواتيم المنقوشة وليس ذلك كله مما يخفى على الشارح رحمه الله وكأنه أراد بذلك بعض المبتدئين في الفلسفة وكانوا كثيرين في عصره يأخذون بأصل ويتركون أصولا، يبينون فعل القول بيانا يظهر منه التفويض ويغفلون عن قول = (*)

[ 103 ]

أن صفاته الذاتية على ذاته إذ هو حينئذ مستعين في الخلق والإيجاد بصفاته المغايرة له. (وكل شئ من صنعي) هذا تأكيد لما قبله لأن إضافة الصنع إليه عز وجل يقتضي التفرد به. (وكل إلي راجعون) بالحاجة في الوجود والبقاء أو بالزوال والفناء * (ولله ميراث السماوات والأرض) * وفيه وعد بالثواب ووعيد بالعقاب ودلالة على التسخير، وقال الفاضل المذكور: المقصود أن كل شئ من صنعي بلا واسطة أو بواسطة كأفعال العباد وهذا معنى قوله * (كل إلينا راجعون) * وفيه أنه يصدق على مذهب صدور الواحد عنه فقط، وهو باطل عندنا، فالأصوب حمله على الصدور بلا واسطة واستثناء أفعال العباد بدليل خارج. (يا عيسى أنت المسيح بأمري) سمي مسيحا لأنه كان ذو بركة خلقة خلقه الله تعالى مباركا، أو لأنه سائح في الأرض للعبادة وهداية الناس، أو لأنه كان لا يمسح بيده ذا عاهة إلا برئ، أو لأنه خرج من بطن أمه ممسوحا بالدهن، أو لأنه كان صديقا. (وأنت تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني) قيل معناه أنت تقدر لهم من الطين مثل هيئة الطير فتنفخ فيه (فيكون طيرا) أي حيا طيارا (بإذني) ولما كان الإحياء من أخص صفاته تعالى ذكر الإذن دفعا لتوهم الألوهية له، والظاهر أنه كان تعالى يخلق الحياة في ذلك الجسم عند نفخ عيسى (عليه السلام) إظهارا لمعجزته لأن الإحياء والإماتة من صفاته تعالى كما نطق به القرآن، وقيل: إنه أودع في نفس عيسى (عليه السلام) خاصية بحيث أنه متى نفخ في شئ كان نفخه موجبا لصيرورة ذلك الشئ حيا. (وأنت تحيى الموتى بكلامي) لعل المراد بالكلام الاسم الأعظم، وإحياؤه الموتى مذكور في الكتاب والسنة والسير، وقد روي من طرق الخاصة والعامة أنه كان ابن ميت لعجوزة فأحياه وبقي مدة وولد له ثم مات، وإنما ذكر هذه النعم لأنها من جلايل نعم الله تعالى عليه وهي تقتضي دوام الشكر والذكر وعدم الغفلة عنه ساعة. (فكن إلي راغبا ومني راهبا) الفاء للتفريع، وتقديم الظرف للحصر لأن وجوده وحوائجه وجميع كمالاته وتربيته من الابتداء إلى الانتهاء إذا كان منه تعالى وجب أن تكون رغبته في جميع المقاصد ورهبته من العقوبة وفوات شئ من مقاصده إليه تعالى لا إلى غيره. وإلى ما ذكرنا أشار بقوله (ولن تجد مني ملجأ إلا إلي) لجلب المنافع ودفع المضار، وإذا كان كذلك وجب صرف الرغبة والرهبة إليه لا إلى غيره. (يا عيسى أوصيك وصية المتحنن عليك بالرحمة) التحنن التلطف والرأفة والإشفاق وفي كنز اللغة: " تحنن مهرباني كردن " وفيه تنبيه على أن تلك الوصية نصيحة خالصة وتحريض على قبولها لأن العاقل لا يترك نصح الناصح الأمين.


= الحكماء " لا مؤثر في الوجود إلا الله تعالى " والله الهادي. (ش) (*)

[ 104 ]

ثم أشار إلى غاية الوصية وأقصى مراتب التحنن والرحمة وأعلاها بقوله (حتى حقت) أي ثبتت (لك مني الولاية) أي ولايتي لك أو ولايتك لي وهي بالفتح والكسر: المحبة والنصرة، أو ولايتك في الناس وهي النصرة والإمارة والسلطنة، وفي لفظ " مني " إشعار بأن ثبوت الولاية له من عونه تعالى وتوفيقه. (بتحريك مني المسرة) الباء للسببية، والتحري: طلب أحرى الأمرين وأولاهما، وإضافته إلى الكاف إضافة المصدر إلى الفاعل، والمسرة مفعوله وهي اسم لكل ما يوجب السرور، والجمع المسارة، يعني ثبوت الولاية لك بسبب طلبك ما يوجب سروري أو سرورك وهو الموصى به وغيره، وفي لفظ " مني " إشعار بما ذكرناه، وفي بعض النسخ " تنجز لك " فاعل " تنجز " ضمير راجع إلى الولاية، والمفعول بحاله يعني أن الولاية ينجز لك من عوني أو من لدني ما يوجب سرورك وهو القرب والسعادة والجنة ونعيمها الباقية والله أعلم. (فبوركت كبيرا وبوركت صغيرا حيثما كنت) أي جعلت مباركا ميمونا سببا لزيادة الخير والبركة نفاعا معلما للخير بعد البلوغ وقبله حيثما كنت من الأماكن الحسية والعقلية والمراتب الروحانية كما قال عز وجل حكاية عنه في التنزيل * (وجعلني مباركا أينما كنت) *. (أشهد أنك عبدي ابن أمتي أنزلني من نفسك كهمك) النزول من علو إلى الأسفل ويتعدى بالهمزة يقال أنزلته فنزل وأنزلت الضيف فهو نزيل، والنزل بضمتين ما يهيأ للضيف، و " من " بمعنى في، والهم المراد والمقصود، قال ابن فارس: الهم ما هممت به وأردته، والكلام من باب التمثيل والتشبيه أي اجعلني في نفسك ومرادك ومقصودك واجعل لي نزلا وهو القيام بوظائف الطاعات في جميع الحالات. وفي قوله " أشهد " أمر له باليقين وفي قوله " عبدي وابن أمتي " ترغيب له في الإتيان بحق العبودية والخضوع والابتهال بين يديه تعالى. (واجعل ذكري لمعادك) أمره بجعل ذكره تعالى قلبا ولسانا خالصا لوجهه لتنفعه بعد العود إليه (وتقرب إلي بالنوافل) قد يتقرب العبد إليه عز وجل بالنوافل والقيام بها والثبات عليها تقربا معنويا ويتصل به اتصالا روحانيا حتى يصير قوله كقوله وفعله كفعله وأمره كأمره فيصدر عنه حينئذ أمور غريبة وأفعال عجيبة، وفيه تشبيه لقربه بالقرب المكاني للإيضاح (وتوكل علي أكفك) أمره بالتوكل وضمن له الكفاية فإنه إذا توكل العبد عليه وصرف قلبه إليه وسكن سره واستقر أمره وأعرض عن أمور الدنيا وعكف بين يديه وقام بامتثال أوامره وترك نواهيه كفاه الله تعالى مهمات دنياه وأخراه كما قال في التنزيل * (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) *. (ولا تول غيري فاخذلك) أي لا تتخذ غيري وليا ناصرا فأخذ لك وأترك نصرتك وعونك وأكلك إلى ذلك الغير وهو لا يقدر على شئ. (يا عيسى اصبر على البلاء) الصبر على البلاء أمر العقلاء، إذ العاقل يعلم أن البلاء جار لا

[ 105 ]

يدفعه الجزع فيصبر، وإن الجزع والاضطراب بلاء على بلاء فيصبر ويحترز عن تضعيفه وإن البلاء يوجب رفع الدرجات على تفاوت مراتبها والصبر يقتضي الوصول إلى أعلاها فيختار الصبر للوصول إليه وأن الصبر مفتاح الفرج فيصبر طلبا له ولما لم يكن الصبر على البلاء موجبا للرضاء به أمره به فقال: (وارض بالقضاء) القضاء الأمر والحكم والخلق على وفق التقدير الأزلي فالقدر بمنزلة الأساس والقضاء بمنزلة البناء وهو إقبال القلب إلى الواردات من الحق وتلقيها بالقبول والسرور بها لكونه هدية منه تعالى ثم الرضاء والسرور بالواردات المحبوبة للنفس مثل الصحة والسعة سهل عليها لأنها موافقة لطبعها وأما الرضا بالواردات المكروهة فمشكل، ويمكن دفعه بأن الرضاء ثمرة المحبة البالغة، ومحبة العبد للرب إذا بلغت حد الكمال يمكن أن يرجح إرادته على إرادة نفسه بل يمكن أن لا يرى لنفسه مرادا غيره تعالى لاستغراقه في بحر المحبة. (وكن كمسرتي فيك فإن مسرتي أن أطاع فلا أعصى) أمره بكونه دائما لما يوجب سروره تعالى فيه، ثم بين ما يوجبه بأنه الطاعة مطلقا بجميع أنواعها من غير اقتراف معصية. (يا عيسى أحي ذكري بلسانك) تشبيه الذكر بالميت في سقوطه وسكونه وعدم اعتباره عند أكثر الخلق مكنية وتعلق الإحياء به تخييلية، وذكر اللسان تجريد. (وليكن ودي في قلبك) كأنه إشارة إلى أن ذكر اللسان ليس ذكرا حقيقة ما لم يكن القلب متيقظا ولم يكن المذكور ووده فيه فإن الذكر اللساني عبادة وكون المذكور وحبه في القلب روح لها وسبب لحياتها وحياة القلب وبه يبلغ العبد مقام القرب، ولا خير في عبادة لا روح لها. (يا عيسى تيقظ في ساعات الغفلة) هي ساعات النوم وساعات الاشتغال بالضروريات من الدنيا وبأمور الخلق، والمراد بالتيقظ في هذه الساعات ذكره تعالى والإتيان بوظايف الطاعات وغيرها مما يوجب القرب بالحق والحذر مما يوجب البعد منه (واحكم لي لطيف الحكمة) أي أحكم لأجلي أو لرضاي في قلبك الحكمة اللطيفة الدقيقة وهي العلم بما ينفع في الآخرة والأسرار الإلهية وأتقنها وأمنعها عن الزوال والفساد بالتذكر والتفكر والتعليم والعمل بمقتضاها. (يا عيسى كن راغبا راهبا) أمره بالخوف والرجاء إذ بالخوف يترك موجبات البعد، وبالرجاء يطلب موجبات القرب، وإن شئت زيادة تفصيل فيهما فارجع إلى ما ذكرناه في باب الخوف والرجاء من كتاب الأصول. (وأمت قلبك بالخشية) إنما جعل الخشية موت النفس لأنها توجب ذبولها وهو موتها وموت الجسد أيضا وإنما أمر بهذه الإماتة لأنها مع كونها مطلوبة لتطويع النفس الأمارة وحفظها عن المهلكات مستلزمة لمطلوب آخر وهو إحياؤها بالعلوم والفضائل النفسانية والجسمانية وهي حياة أبدية ومنه يظهر سر " موتوا قبل أن تموتوا " وسر " موتكم في حياتكم وحياتكم في موتكم " هذا أيضا أحد الوجوه في قول أمير المؤمنين (عليه السلام) " الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا ".

[ 106 ]

(يا عيسى راع الليل لتحري مسرتي) رعاية الليل حفظ ساعاته للقيام بوظائف طاعاته وإنما خص الليل بالذكر مع أن الطاعات مطلوبة في جميع الأوقات لأن الشغل في الليل أقل والقلب فيه أفرغ والعبادة فيه أخلص (واظمأ نهارك ليوم حاجتك عندي) أمر من ظمأ مهموز اللام كفرح إذا عطش، نهارك مفعول فيه وهو كناية عن الصوم، لا من أظمأه غيره ونهارك مفعول به والتعلق مجاز عقلي، فإنه بعيد. (يا عيسى نافس في الخير جهدك تعرف بالخير حيث ما توجهت) الخير اسم جامع لكل ما هو مطلوب شرعا وقد أمره به على سبيل المنافسة والمغالبة بقدر الطاقة والإمكان وأشار إلى أن غايته المترتبة عليه غير الثواب الأخروي معرفة الخلق إياه به وذلك من فضل الله عليه ليذكروه به ويتأسوا به كما دل عليه بعض الروايات ولا دلالة فيه على جواز قصد ذلك من عمل الخير أن الظاهر جوازه لا للسمعة والرياء بل لما ذكر أو لإرادة ظهور نعمته تعالى وفعل الخير والتوفيق عليه من أجل نعمائه ولذلك قال خليل الرحمن * (واجعل لي لسان صدق في الآخرين). (يا عيسى احكم في عبادي بنصحي) أي ينصح لي، من باب الحذف والإيصال، والنصح: الخلوص، ولعل المراد به نصيحتهم لوجه الله وأمرهم بما فيه صلاحهم في الدنيا والآخرة وهذا الحكم أفضل الأعمال، قال أبو عبد الله (عليه السلام): عليكم بالنصح لله في خلقه فلن تلقاه بعمل أفضل منه وقم فيهم بعدلي لدفع الظلم والجور بينهم وبهذا الحكم والقيام يتم نظامهم في الدارين فقد أنزلت عليك شفاء لما في الصدور من مرض الشيطان لأن مرض الشيطان ووسواسه في صدور المؤمنين إما في أمر الدنيا أو في أمر المبدأ والمعاد وأمر الآخرة وقد أنزل الله تعالى عليه من العلوم الدينية والقوانين الشرعية والأسرار الحكمية والمواعظ الرباينة والنصايح الإلهية ما يعالج به جميع ذلك. (يا عيسى لا تكن جليسا لكل مفتون بالدنيا) أو المعصية لئلا تتشبه بهم ومن تشبه بقوم فهو منهم ولئلا يميل طبعك إلى طبعهم فإن الفتنة علة مسرية ولئلا يصيبك عذاب إن نزل بهم. (يا عيسى حقا أقول) " حقا " منصوب بفعل مذكور أي: أقول قولا حقا، أو بفعل مقدر قبله لوجود المفسر له، وهذا القول الحق هو قوله (ما آمنت بي خليقة إلا خشعت لي) الخليقة الناس والخشوع " فروتنى كردن " وهو ضد التطاول والترفع، ومبدؤه العلم بأن كل موجود مقهور في تصريف قدرته تعالى ومربوط بربقة الحاجة إليه فإن هذا العلم يوجب تخشعه وتخضعه في الأفعال القلبية والبدنية وإقباله إليه تعالى، وهذا صريح في أن الإيمان الذي ليس معه خشوع ليس بإيمان حقيقة. (ولا خشعت لي إلا رجت ثوابي) لأن رجاء ثوابه يوجب الإقبال إلى ما يوجبه بقلب خاشع له تعالى فلولا رجاء الثواب لم يحصل الخشوع، ألا ترى أنك إذا لم ترج من زيد شيئا لا تخشع له أصلا، ومن هاتين المقدمتين ظهر أن الإيمان لا يتحقق بدون رجاء الثواب والعمل له.

[ 107 ]

(فأشهد أنها آمنة من عذابي ما لم تبدل أو تغير سنتي) أشهد إما متكلم أو أمر، وفي التفريع دلالة على أن الأمن من العذاب متوقف على الخشوع والرجاء وأن الأمن منه ثابت لها ما لم تبدل هذه الحالة بحالة التطاول والترفع وما لم تغير شيئا من السنة (يا عيسى ابن البكر البتول) البتل: القطع، سميت بتولا لكونها عذراء منقطعة عن الأزواج أو عن الدنيا. (ابك على نفسك بكاء من قد ودع الأهل وقلي الدنيا وتركها لأهلها وصارت رغبته فيما عند إلهه) أشار بذلك إلى أعلى درجات الزهد ورغبته في تحصيله حيث أمره أولا بوداع الأهل والميل إلى سفر الآخرة وتفويض حالهم إلى ربهم لأن الاشتغال بأمورهم مانع من هذا السفر، وثانيا بقلي الدنيا وبغضها لأن محبتها أيضا مانعة، وثالثا بتركها لأهلها الراغبين إليها لأن بغضها مع عدم تركها أيضا مانع، ورابعا بالرغبة فيما عند الله تعالى من قربه وإحسانه والسعادة الأبدية والنعماء الاخروية. فإذا حصلت هذه المراتب لأحد دخل في مقام المحبة وهو ما دام في هذه الدار لا يخلو عن فراق ما من المحبوب وكأن شأنه البكاء فلذلك أمره ببكاء من كان على الوصف المذكور فلذلك قيل: العارفون المحبون يبكون شوقا إلى المحبوب، والمذنبون يبكون من خوف الذنوب. (يا عيسى كن مع ذلك تلين الكلام وتفشي السلام يقظان إذا نامت عيون الأبرار) لما كان التآلف والتلطف من أسباب تحقق النظام بين الأنام حض على السبب الجالب لها من لين الكلام وإفشاء السلام وقوله " تلين " و " تفشي " و " يقظان " أخبار، والأول مضارع لين بالتشديد أو ألان يقال لينت الشئ وألنته وألينته على النقصان والتمام مثل أطلته وأطولته أي صيرته لينا، والثاني من الإفشاء بمعنى الإذاعة والإشهار والثالث مفرد غير منصرف للوصفية والألف والنون المزيدتين وترك العطف فيه لأنه جايز في الأخبار المتعدد مع رعاية عدم التناسب وعدم قصد الاشتراك في الإعراب ويجوز أن يكون الأول والثاني مصدر التفعل المضاف إلى فاعله لكنه بعيد لخلوه عن ضمير الاسم وعدم حمله عليه إلا بتأويل، وفي إضافة العيون إلى الأبرار مبالغة في طلب اليقظة منه عليه السلام كما لا يخفى، والظاهر أن " حذرا " مفعول له للخبر الأخير أو للكل على احتمال وأن المراد بالزلازل زلازل الساعة وهي شديدة عظيمة كما قال تعالى: * (إن زلزلة الساعة شئ عظيم) *. (يا عيسى اكحل عينك بميل الحزن) من أهوال القيامة وشدائد مقاماتها أو من خوف سوء الخاتمة وانعكاس الأحوال أو من ألم الفراق (إذا ضحك البطالون) الغافلون عن جميع ذلك والكحل معروف وفعله من باب منع ونصر وتشبيه الحزن به وهو تشبيه معقول بمحسوس لقصد الإيضاح مكنية وذكر الميل تخييلية، والمراد بالعين عين القلب لأنه مورد الحزن وبميل الحزن أسبابه الموجبة لحصوله فيه وفي بعض النسخ " بملمول الحزن " وهو الميل. (يا عيسى كن خاشعا صابرا فطوبى لك إن نالك ما وعد الصابرون) أمره أولا بالخشوع والتذلل في الظاهر والباطن، وثانيا بالصبر على مشاق الطاعات وترك المنهيات وعند نزول

[ 108 ]

المصايب وتوارد البليات ثم رغب فيه بذكر غايته وهي نيل أجر لا يعلم قدره ألا وهو يوم يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب. (يا عيسى رح من الدنيا) إلى الآخرة (يوما فيوما) كما يروح المسافر من المنزل إلى المقصد كذلك وكل يوم ينقضي ينقطع من عمرك وتقرب إلى الآخرة وهذا. بيان للواقع وحث على حسن الاستعداد وأخذ الزاد لها (وذق لما قد ذهب طعمه) ذاقه ذوقا اختبر طعمه، واللام ليست في بعض النسخ أمره بذوق طعم ما ذهب من عمره وما عمل فيه من خير وشر فإنه يجد طعم الأول حلوا وطعم الثاني مرا أو يحتمل أن يكون من باب التهكم تنبيها على عدم بقاء لذة ما ذهب من المعصية وطعمه والله أعلم. (فحقا أقول ما أنت إلا بساعتك) التي أنت فيها (ويومك) الذي تتقلب فيه لأن الماضي من الساعات والأيام ليس من عمرك ولا يمكن عوده إليك والآتي غير معلوم الوقوع فليس عمرك إلا ما أنت فيه فاغتنمه في تحصيل الخيرات. والظاهر أن الفاء للسببية (فرح من الدنيا ببلغة) هي بالضم: ما يتبلغ من العيش ويكفي في بقاء الحياة. (وليكفيك الخشن الجشب) أي الخشن من اللباس والجشب من الطعام وهو الغليظ أو ما لا أدام معه، أمره بالزهد في الدنيا ورفض الزيادة عن قدر الضرورة منها (فقد رأيت إلى ما تصير) من السعادة والقرب ونعيم الجنة أو من وداع الدنيا وأمر الآخرة وأهوالها، والظاهر أن المراد بالرؤية العقلية وهي العلم وأن الفاء للسببية. (ومكتوب ما أخذت) في الدنيا من رزق أو عمل أو عمر (وكيف أتلفت) في وجوه الخير أو الشر فينبغي رعاية المكسب والمصرف وحفظهما عن الفساد. (يا عيسى إنك مسؤول) عما عملت من عمل فيما بيني وبينك، وفيما بينك وبين الخلق (فارحم الضعيف كرحمتي إياك) أريد بالضعيف الضعيف بحسب الحال أو المال أو العقل، وبرحمته إيصال أنواع الخير بقدر الإمكان. (ولا تقهر اليتيم) قهره كمنعه: غلبه، أي لا تغلب اليتيم على حقه وماله لضعف حاله. (يا عيسى ابك على نفسك في الخلوات) أمر بالبكاء على النفس لموتها بألم الفراق والمعاصي واستحقاق العقاب، والبكاء عليها يوجب حياتها بالقرب وغفران الذنوب واستحقاق الثواب وإنما ذكر الخلوات لأن البكاء فيها من الخلوص أكمل وأقرب وتوجه الذهن إلى معرفة حالات النفس فيها أسهل وأنسب (وانقل قدميك إلى مواقيت الصلوات) ميقاتها الوقت: المضروب لها أو الوضع المعد لها كالمسجد ونحوه (أسمعني لذاذة نطقك بذكري) نطقك مفعول الإسماع حقيقة وإدراج اللذاذة للتنبيه على أن ذكره لذيذ يلتذ بسماعه فلا يرد أن اللذاذة ليست بمسموعة وهذا من باب

[ 109 ]

التمثيل أو اللذاذة به كناية عن إرادته (فإن صنيعي إليك حسن) علة للنقل والإسماع لأن حسن الصنيعة يقتضي مقابلته بحسن الطاعة والعبودية والشكر والذكر وذلك من توابع خلوص المحبة. (يا عيسى كم من أمة قد أهلكتها بسالفة ذنوب قد عصمتك منها) أمنه على عدم هلاكه بعصمته من الذنوب كما خوفه بذكر الإهلاك بسببها، وكم خبرية لإفادة كثرة الأمة المهلكة وقد ذكر في القرآن الكريم جملة منهم. (يا عيسى ارفق بالضعيف) الرفق: التسهيل وهو ضد العنف والتشديد والتصعيب والغلظة والجفاوة في الأقوال والأفعال وغيرهما. (وارفع طرفك الكليل إلى السماء) وصف الطرف بالكليل للتنبيه على أن رفعه ينبغي أن يكون كذلك لا على الحدة والتحديق، أو للإشارة إلى ضعفه الموجب للترحم وإنما أمره برفعه إلى السماء لأنها أشرف الجهات لجريان فيضه تعالى من جهتها عادة (وادعني فإني منك قريب) حث بذكر القرب على الدعاء فإن الداعي إذا علم أن المدعو قريب يسمع نداءه يبالغ في الدعاء. (ولا تدعني إلا متضرعا إلي) التضرع لا يتحقق إلا بحضور القلب والتوجه إلى الله تعالى والانقطاع عن الغير وهو روح العبادة، به يرتقي إلى درجة القبول ومحل الاعتبار. (وهمك هما واحدا) الهم: الحزن والقصد وما قصدته أيضا والظاهر أنه عطف على " متضرعا " وأن " هما " منصوب على المفعولية وأن المراد بالهم الواحد هو الله تعالى بتفريغ القلب عن الغير وصرفه إليه وإلى ذكره. (فإنك متى تدعني كذلك أجبك) هذه قضية كلية دالة على أن الدعاء مع شرائطه مقبول وأما بدونها فقد يقبل وقد لا يقبل. (يا عيسى اني لم أرض بالدنيا ثوابا لمن كان قبلك ولا عقابا لمن انتقمت منه) إشارة إلى حقارة الدنيا والتنفير عنها حيث إنها ليست ثوابا للمطيع ولا عقابا للعاصي بل هي دار الامتحان والنماء ودار التكليف والفناء وإنما الثواب والعقاب في الآخرة التي هي دار البقاء (يا عيسى إنك تفنى وأنا أبقى) الخطاب لهذا المجموع المركب من الهيكل المخصوص والنفس الناطقة وهو ينتفي بانتفاء الجزء فلا ينافي بقاء النفس كما هو الحق. (ومني رزقك) فثق به وكل ما يحتاج إليه ذو حياة في حياته وبقائه (وعندي ميقات أجلك) أي الوقت أو المكان المقدران لموتك، فالإضافة لامية ولو أريد بالميقات الوقت المضروب للحياة وبالأجل مدة الحياة كانت الإضافة بيانية (وإلي إيابك) أي رجوعك بعد نزولك في الدنيا زمانا مقدرا (وعلى حسابك) مما فعلت في الدنيا من خير أو شر وهذه الفقرات كعلة مستقلة للرجوع إليه في جميع الأمور وطلب جميع المطالب منه لا من غيره فلذلك قال (فسلني ولا تسأل غيري) لأنه لا يملك لك نفعا ولا ضرا وذلك لإفادة أن جميع الأمور الدنيوية والأخروية بيده وليس شئ

[ 110 ]

منها بيد غيره فوجب السؤال منه لا من غيره. (فيحسن منك الدعاء ومني الإجابة) نبه على أن الإجابة المقرونة بالدعاء المقترن بالشرائط التي من جملتها تفريغ القلب عن الغير والتوسل به والتضرع إليه. (يا عيسى ما أكثر البشر وأقل عدد من صبر) أشار على سبيل التعجب إلى أن الصابر من البشر مع كثرتهم قليل والأكثر لا صبر لهم في مقام الطاعة والمعصية ونزول النوائب والمكاره لضعف عقولهم وقلة علومهم وطغيان نفوسهم وفرار طباعهم عن مرارة الصبر. (الأشجار كثيرة وطيبها قليل) وهو الذي له أثمار نفيسة ورائحة طيبة وهذا من باب التمثيل لتشبيه المعقول بالمحسوس لقصد الإيضاح (فلا يغرنك حسن شجرة حتى تذوق ثمرها) نهى عن النظر إلى حسن الصورة حتى ينظر إلى حسن السيرة لأن الكمال إنما هو الثاني دون الأول، ولذلك كان العارفون لا يتخذون صديقا ولا يؤثرون رفيقا حتى يمتحنوا ويعرفوا حاله وعقله وعلمه وكماله وخلقه وقوته في الدين وعلموا أن اتخاذ الصديق قبل الاختبار يوجب الفراق منه بالاختيار أو الاضطرار. (يا عيسى لا يغرنك المتمرد علي بالعصيان) التمرد " سر كشى كردن " والمتمرد العاتي الشديد، وتغريره خدعته ومكره بفعله أو قوله ليجعل الغير مثله. (يأكل رزقي ويعبد غيري) فيضع قوته في غير موضعها وهو الظلم الصريح وذلك الغير هو الأصنام أو الشيطان أو النفس الأمارة وهواها والداعي إلى غير سبيل الله لأن كل من اتبع أحدا وسمع قوله وأذعن له فقد عبده كما دل عليه الآيات والروايات. (ثم يدعوني عند الكرب) الكرب: الحزن يأخذ النفس لشدته كالكربة بالضم والجمع كروب ودعاؤه عند الكرب ونزول البلاء في نفسه أو ماله أو ولده لضعف نفسه الأمارة عن الطغيان وزوال ما يدعوها إلى التمرد والعصيان فيدعوه عقله الصريح إلى الرجوع إليه والتضرع بين يديه (فأجيبه) تفضلا لعله يتذكر أو يخشى أو ليكون حجة عليه (ثم يرجع) بعد الإجابة ورفع الكرب عنه (إلى ما كان عليه) من التمرد والعصيان وعبادة الغير لزوال موانع الطغيان وهو الكرب وحصول بواعث العصيان وهي رفاهة الخاطر وقوة النفس الأمارة. (فعلي يتمرد أم بسخطي يتعرض) الاستفهام للتعجب وإنما ردد بين الأمرين لأن العاصي لا يخلو من أحدهما إذ عصيانه إن كان من أجل التكبر عليه وعدم الإقرار بعظمته واستحقاقه للطاعة فهو متمرد عات، وإن كان مع معرفته واستحقاقه للطاعة فهو متعرض لسخطه وعقوبته. (فبي حلفت لآخذنه أخذة ليس له منجى ولا دوني ملجأ أين يهرب من سمائي وأرضي) أي فبذاتي وعزتي أحلف لآخذنه في الدنيا أو في الآخرة أخذة شديدة ليس له منها منجى أي محل النجاة منها من التقوى وغيرها ولا ملجأ من الخلق إذ الخلق لا يقدرون على دفع عقوبة الله إلا بإذنه

[ 111 ]

ولا مهرب له إذ لا يقدر أحد أن يخرج من ملك الله وسلطانه، وبالجملة الدافع للأخذ منحصر في الثلاثة وليس له شئ منها. (يا عيسى قل لظلمة بني إسرائيل) تصدق الظلمة على الكفرة والفسقة من أهل الإيمان (لا تدعوني والسحت تحت أحضانكم) السحت بالضم وبضمتين: الحرام والرشوة والربا، والإحضان جمع الحضن بالكسر هو الجنب وما دون الإبط إلى الكشح ولعل المراد به. (والأصنام في بيوتكم) كناية عن عبادتها ويحتمل بعيدا أن يراد بالبيوت القلوب وبالأصنام الأهواء النفسانية. (فإني آليت) تعليل لقوله " لا تدعوني " أي أقسمت (أن أجيب من دعاني) كائنا من كان (واجعل إجابتي إياهم لعنا عليهم حتى يتفرقوا) من مواضع دعائهم أو من الخصلة المذمومة المذكورة و " اجعل " عطف على " آليت " أو على " أجيب " والأول أقرب معنى، والثاني لفظا. (يا عيسى كم أطيل النظر) أي الانتظار إلى الرجوع، يقال: نظرت الشئ وانتظرت بمعنى، وفي التنزيل * (ما ينظرون إلا صيحة واحدة) * أي ما ينتظرون أو المراد به التأمل بالعين تقول نظرته ونظرت إليه إذا تأملته بعينك وهو على الاحتمالين تمثيل أو المراد به التأخير في أخذهم وإهلاكهم ومنه نظرة بالكسر وهو التأخير في الأمور. (وأحسن الطلب) أي طلب رجوعهم من الباطل إلى الحق بالنصيحة والموعظة الحسنة (والقوم في غفلة لا يرجعون) أي في غفلة عما يراد منهم من ذكر الله ومتابعة دينه ورسوله وأحكامه (تخرج الكلمة من أفواههم لا تعيها قلوبهم) إشارة إلى نفاقهم وكون إيمانهم بمجرد اللسان وقلوبهم خالية عنه كما قال في وصف المنافقين من هذه الأمة * (يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم) * لما كان هنا مظنة أن يقال ما ثمرة اختلاف ظاهرهم وباطنهم أجاب عنه من باب الاستيناف بقوله (يتعرضون لمقتي) أي لعقوبتي أو سلب رحمتي عنهم لفساد قلوبهم (ويتحببون بقربي إلى المؤمنين) الظاهر أن " إلى " متعلق بالقرب والتحبب على سبيل التنازع يعني يتحببون إلى المؤمنين ويظهرون حبهم بسبب قربي إلى المؤمنين فأميل ظاهرهم إلى المؤمنين وأدفع شرهم عنهم، وفيه احتمال آخر أدق فتأمل، وفي بعض النسخ " بي " بدل " بقربي " يعني يظهرون حب المؤمنين بمعونتي وتوفيقي لهم على ذلك بحفظ المؤمنين عن أذاهم وإضرارهم، كل هذا من باب الاحتمال، والله أعلم. (يا عيسى ليكن لسانك في السر والعلانية واحدا وكذلك فليكن قلبك وبصرك) أمره بموافقة هذه الجوارح في السر والعلانية بأن يقول ويضمر ويبصر في العلانية ما يقول ويضمر ويبصر في السر ولو وقع الاختلاف كان ذلك خيانة ونفاقا. ثم أشار إلى ما هو المقصود من هذا الإجمال على الترتيب بقوله: (واطو قلبك ولسانك عن

[ 112 ]

المحارم وكف بصرك عما لا خير فيه) حيث أمر باستقامة هذه الجوارح وحفظها عن المحارم في جميع الأحوال وهذا إنما يتحقق لمن طاب خلقه وطهرت سجيته وصلحت سريرته وحسنت علانيته. ولما كان أكثر ورود الشهوات إلى النفس من جهة النظر وطريق الإبصار بالغ في كف البصر عن النظر إلى ما لا ينبغي وذكر بعض مفاسده تحذيرا عنه بقوله: (فكم من ناظر نظرة) واحدة (قد زرعت) أي أنبتت وأنمت يقال زرع الله الحرث إذا أنبته وأنما (في قلبه شهوة) هي اشتياق النفس إلى الشئ وذلك الشئ شهي مثل لذيذ وزنا ومعنى، وفيه استعارة تمثيلية متضمنة لتشبيه الأجزاء بالأجزاء حيث شبه الشهوة بالبذر والقلب بالأرض والنظرة بالزراع. (ووردت به موارد حياض الهلكة) عطف على زرعت صفة أخرى للنظرة تابعة للأولى لأن الزارع يحتاج إلى ماء يسقى به زرعه وضمير به راجع إلى الناظر موافق للسابق أو إلى قلبه والموارد جميع مورد وهو موضع الورود على الماء وبلوغه والحياض بالكسر جمع حوض والمراد به هنا مجتمع الماء الكثير لسقي الزرع ونحوه، والهلكة محركة: الهلاك، والإضافة الأولى لامية، والثانية من باب لجين الماء، وجعلها لامية وحمل الهلكة على أنها جمع هالك وإرادة المعاصي والذنوب من الحياض على سبيل الاستعارة محتمل بعيد. (يا عيسى كن رحيما مترحما) على الخلق، والترحم أخص من الرحمة لدلالته على الزيادة فيها أو على صيرورتها ملكة مع احتمال المباينة بحمله على إظهار الرحمة (وكن كما تشاء أن يكون العباد لك) فارض لهم ما ترضى لنفسك واكره لهم ما تكره لنفسك واصنع لهم ما تريد أن يصنعوا لك من التواضع والإحسان والرفق والتعظيم والتوقير، وهذا هو الإنصاف والعدل (وأكثر ذكرك الموت) فإن ذكره يسهل ترك الدنيا وزهراتها ويبعث النفس على طلب الآخرة وما يفضي إلى أعلى درجاتها، وفي الخبر أنه " خرج النبي (صلى الله عليه وآله) فرأى الناس كأنهم يكشرون [ الكشر الضحك السهل ] قال: أما أنكم لو أكثرتم ذكر هادم اللذات لشغلكم عما أرى فأكثروا ذكر هادم اللذات " (ومفارقة الأهلين) ليسهل مفارقتهم بالاضطرار ولئلا يشغلوك عن الله وأمر الآخرة (ولا تله فإن اللهو يفسد صاحبه) ظاهره وباطنه. لهى عنه كرضى: غفل وترك ذكره، واللهو هنا إما مصدر يعني " بازى كردن وغافل شدن ومشغول شدن بباطل وبهرچه از كار خير باز دارد " أو غير مصدر يعني " بازى وباطل وچيزى كه از كار خير باز دارد " كذا في كنز اللغة. (ولا تغفل فإن الغافل مني بعيد) نهاه عن الغفلة عنه تعالى أو عن الشرع وأحكامه وما يقتضيه من الأعمال أو عن اغترار الدنيا ومكائد النفس والشيطان أو عن الجميع، وعلله تحذيرا عنه بأنه يوجب البعد منه تعالى وهو عند العارف أشد العذاب (واذكرني بالصالحات) من الأذكار والأعمال والأخلاق (حتى أذكرك) بالثواب والجزاء والخير عند المقربين وهذا من لطف الله تعالى

[ 113 ]

حيث أنه مع غناه يقابل ذكرك له بذكره لك (يا عيسى تب إلي بعد الذنب) الذنب يزول بالتوبة كما يزول الظلمة بالنور والغبار بالمطر (وذكر بي الأوابين) أي ذكرهم بذاتي وعظمتي أو برحمتي ومغفرتي والأول أولى لأنه تعالى بذاته يستحق الرجوع إليه، والأواب للمبالغة من آب إذا رجع ولعل المراد به كثير التوبة وهو الذي متى أذنب يتذكر ويتوب بعده (وأمن بي) أما من الأمن أي آمنهم بقبول التوبة لئلا يقنطوا بكثرة الذنوب من الرحمة أو من الإيمان والمراد به الإيمان الكامل. (وتقرب إلى المؤمنين) بالنصح وحسن الخلق والمعاشرة والمحبة والتقرب إليهم تقرب إلى الله تعالى (ومرهم أن يدعوني معك) أي كما تدعوني أو المراد به الاجتماع وهو مطلوب في الدعاء لكونه أقرب إلى الإجابة (وإياك ودعوة المظلوم) تنفير عن الظلم وتحذير من دعاء المظلوم فإنه مستجاب كما قال. (فإني آليت على نفسي أن أفتح لها بابا من السماء بالقبول) يحتمل أن يراد بالباب ظاهره وأن يراد به باب سماء الجود والغضب فإن قبول دعاء المظلوم جود بالنسبة إليه وغضب بالنسبة إلى الظالم وقد فسر بذلك بعض المحققين قوله تعالى * (ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر) *. (وأن أجيبه ولو بعد حين) لعل تأخير الإجابة لمصلحة كاستدراج الظالم باقتداره أو رجوعه عن الظلم وتبعته بإرضاء المظلوم أو تعظيم أجر المظلوم بالصبر أو غير ذلك. (يا عيسى اعلم أن صاحب السوء يعدي وقرين السوء يردي) عدى عليه ظلمه كأعدى، وروي بالكسر يردي: هلك وأرداه غيره، والسوء بالفتح مصدر ساء سوءا ومساءة: فعل به ما يكره ويقبح، وبالضم اسم منه يعني " بد وبدى " وهذا في المعنى نهي عن مصاحبة أصحاب المعاصي وأرباب القبائح لأن صحبتهم مضلة مغوية ومجالستهم مهلكة مردية، ولما كان الإنسان يحتاج في نظام الدنيا والدين إلى الناصر والمعين أمر باختياره بعد اختباره بقوله (فاعلم من تقارن واختر لنفسك إخونا من المؤمنين) المراد بهم من يذكر الله رؤيته ويزيد في العلم منطقه ويرغب في الآخرة عمله. (يا عيسى تب إلي فإني لا يتعاظمني ذنب أن أغفره) تعاظمه الأمر عظم عليه وأعجزه أمره بأن يتوب عن الذنب ويرجع إليه ولا يقنط من الرحمة فإن الذنب وإن كان عظيما في نفسه فهو حقير في جنب رحمته. (اعمل لنفسك في مهلة من أجلك قبل أن لا يعمل) المهلة: المدة. والتأخير يقال: في الأمر مهلة أي تأخير أمره بالعمل في مدة العمر قبل حلول الموت فإنه لا عمل بعده (واعبدني ليوم كألف سنة مما تعدون) في الدنيا أراد به يوم القيامة وطوله بالنسبة إلى الظالمين والكافرين وأما بالنسبة إلى خلص المؤمنين فقد يكون بمقدار زمان صلاة مكتوبة في الدنيا وأمره بالعبادة لذلك اليوم للخلاص من أهواله إذ العبادة الخالصة رأس مال لأرباب النجاة فيه من شدائده وسيجئ إن

[ 114 ]

شاء الله تعالى لهذا زيادة تحقيق بعد هذا الحديث في حديث محاسبة النفس. (فيه أجزي بالحسنة أضعافها) ضعف الشئ: مثله وضعفاه مثلاه، وأضعافه: أمثاله وليس للزيادة قدر معين يضاعف لمن يشاء على ما يشاء أضعافا مضاعفة كما نطق به بعض الروايات، وفيه حث على العبادة لأن الفاعل إذا علم أنه يعطى بعمله زائدا عما يستحقه يجتهد فيه. (وإن السيئة توبق صاحبها) أي تهلكه في الدنيا والآخرة وتورثه عقوبة شديدة، وفيه حث على تركها لأن العاقل إذا علم أن الشئ يضره أو يهلكه يجتنبه ويفر منه (فامهد لنفسك في مهلة من عمرك) مهده كمنعه: كسب وعمل. (ونافس في العمل الصالح) وهو الخالص من المفسدات والمنقصات والمنافسة في العمل الرغبة والاجتهاد فيه على وجه الغلبة كما مر (فكم من مجلس قد نهض أهله وهم مجارون من النار) أي منقذون منها لاشتغالهم بما يوصلهم إلى رحمة الرب ومقام القرب وهذا في المعنى أمر بحفظ المجلس عما لا يجوز شرعا والاشتغال فيه بما ينفع في الآخرة. (يا عيسى ازهد في الفاني المنقطع) وهو الدنيا ومتاعها، وعبر عنها به تصريحا بفنائها وانقطاعها وتنبيها على أن العاقل لا ينبغي أن يعلق قلبه بالفاني المنقطع بل ينبغي أن يزهد فيه بحذف كل شاغل عن التوجه إلى الله سبحانه وتنحية كل ما سواه عن سنن الإيثار فإن ذلك أقوى أسباب السلوك إلى العزيز الغفار وأعظم نهج للصعود إلى درجات الأبرار والدخول في مقامات السابقين الذين هم أولياء الله تعالى والواصلون إلى ساحة قربه. (وطأ رسوم منازل من كان قبلك) الرسوم جمع الرسم وهو الأثر (وادعهم وناجهم) المناجي المخاطب للإنسان المحدث له. (هل تحس منهم من أحد) الاستفهام للإنكار (وخذ موعظتك منهم واعلم أنك ستلحقهم في اللاحقين) أحوال السابقين واعظة بلسان الحال لمن نظر إليها وهي عبرة لأولي الأبصار ومحل العظة والاعتبار ما كانوا فيه من نعيم الدنيا ولذاتها والمباهاة من كثرة قنياتها ثم مفارقتهم لذلك كله بالموت وبقاء منازلهم خربة أو مسكونة لغيرهم وصيرورة نفوسهم ساكنة وألسنتهم صامتة بحيث لا يسمع الداعي لهم جوابا ولا المناجي لهم خطابا وبقاء الحسرة والندامة للمستكبرين منها حجبا حائلة بينهم وبين الوصول إلى حضرة جلال الله، فإن من تفكر في هذا وعلم أنه سيلحقهم في اللاحقين ويمضى عقب الماضين وتصير حاله كحالهم ومآله كمآلهم حصلت له ملكة الزهد في الدنيا وبواعث الرجوع إلى الآخرة والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. (يا عيسى قل لمن تمرد علي بالعصيان وعمل بالإدهان) الإدهان مصدر من باب الافعال وهو كالمداهنة إظهار خلاف ما يضمر وبعبارة أخرى إخفاء الحق أو المساهلة فيه أو ترك النصيحة وفي كنز اللغة: " ادهان چيزيرا پنهان كردن وسستى كردن در كارى ونرمى نمودن ودر ساختن با كسى در

[ 115 ]

كارها " كما قال الله عز وجل * (ودوا لو تدهن فيدهنون) * و " ترك نصيحت كردن وفروتنى كردن ". (ليتوقع عقوبتي) في الآخرة (وينتظر إهلاكي إياه) في الدنيا (سيصطلم مع الهالكين) الاصطلام الاستيصال والظرف حال. (طوبى لك يا ابن مريم) أي طيب العيش والخير كله لك في الدنيا (ثم طوبى لك) في الآخرة، وفي لفظ ثم إشارة إلى التفاوت بين الحالين مع احتمال الإشارة إلى تفاوت المقامات العالية في الآخرة (إن أخذت بأدب إلهك) في كنز اللغة أدب " طور وكار پسنديده " والمراد به ما أمر الله تعالى به من الأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة وغيرها. (الذي يتحنن عليك ترحما) التحنن التعطف والترحم فقوله " ترحما " منصوب على أنه مفعول مطلق أو على التميز (وبدأك بالنعم منه تكرما) لأن أكثر نعمائه تعالى على العبد من حيث التكرم والتفضل من غير سبق واستحقاق خصوصا نعمه تعالى بالنسبة إليه (عليه السلام) فإنها كثيرة غير محصورة (وكان لك في الشدايد لا تعصه) لأن دواء الشدائد البدنية والروحانية كلها بيد الله تعالى وهو الدافع له ووصف الاله بالأوصاف الثلاثة المذكورة للتنبيه على أن الإله المتصف بهذه الصفات بحسب الأخذ بآدابه، ولعل قوله " لا تعصه " استيناف كأن سائلا سأل بقوله ما الأدب: فأجاب بأنه لا تعصه، فترك العصيان من جميع الوجوه هو الأدب وهو يتوقف على استعمال القوة النظرية والعملية فيما هو مطلوب له تعالى من العقايد والأخلاق والأعمال وصرفهما عما هو مكروه لئلا يتحقق حقيقة العصيان. (يا عيسى فإنه لا يحل لك عصيانه قد عهدت إليك) التفات من الغيبة إلى التكلم (كما عهدت إلى من كان قبلك) العهد: الوصية، يقال عهد إليه بعهد من باب علم إذا أوصاه وعهدت إليه بالأمر: قدمته، وفي التنزيل * (ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان) والعهد: الأمان والموثق والذمة، وفيه إشارة إلى أن هذا العهد مأخوذ منه ومن جميع الأنبياء والرسل، والوفاء به مطلوب كما قال عز وجل * (أوفوا بعدي أوف بعهدكم) * والوفاء بعهدهم هو الجزاء بالقرب والإحسان والإكرام والإنعام، وفي قوله (وأنا على ذلك من الشاهدين) حث على الوفاء به لأنه إذا كان هو الشاهد على أمر لا يتصور الحيف والجور لا في الشهادة ولا في المشهود به ولا في المشهود عليه، وفي لفظة " من " إشارة إلى أن عليه شهودا أخر وهم الملائكة المقربون والأنبياء المرسلون بعضهم على بعض. (يا عيسى ما أكرمت خليقة بمثل ديني ولا أنعمت عليهم بمثل رحمتي) في كنز العمال: " اكرام: بزرك كردن وبرداشتن ونواختن وبخشش كردن، وإكرامه وإنعامه تعالى على عباده وإمائه في الكثرة على حد لا يبلغه عقول العارفين ولا يحيط به وهم الحاسبين، وأعظمها إكرامهم بالدين وهدايتهم إليه وتوفيقهم للأخذ به وإنعامهم بالرحمة الواسعة المقتضية للعفو ورفع الذنوب، ويحتمل أن يراد بالرحمة الرسول وإرساله.

[ 116 ]

(يا عيسى اغسل بالماء منك ما ظهر) من النجاسات البدنية (وداو بالحسنات منك ما بطن) من النجاسات القلبية فإن الحسنات يذهبن السيئات (فإنك إلي راجع) والمنزه عن جميع الرذائل والنقايص لا ينبغي أن يرجع إليه ويتقرب منه أرباب الخبايث. (يا عيسى أعطيتك بما أنعمت به عليك فيضا من غير تكدير وطلبت منك قرضا لنفسك فبخلت به عليها لتكون من الهالكين) في إبهام الموصول دلالة على التفخيم، والمراد به القوى الظاهرة والباطنة والأعم منها ومن النعم الظاهرة والعلم بالشريعة، وفي قوله " فيضا " دلالة على كثرته من " فاض الماء " إذا كثر حتى سال عن الوادي، وفي قوله " فيضا " دلالة على كثرته من " فاض الماء " من غير تكدير إشارة إلى صفائه وكماله من غير نقص فيه، يقال: كدر الماء - مثلثا - إذا زال صفائه، وكدره تكديرا إذا جعله كدرا وأزال صفاءه، والمراد بالقرض إما الطاعة أو الأعم منها ومن بذل الماء للفقراء، سماها قرضا على سبيل التشبيه، وقوله " لنفسك " إشارة إلى أن فائدة هذا القرض يعود إليه في يوم الحاجة لا إلى الله تعالى لأنه غني عنها، وضمير " عليها " راجع إلى النفس، وقوله " لتكون من الهالكين " إشارة إلى ثمرة البخل وهي الهلاك الأخروي. (يا عيسى تزين بالدين) بأصله وهو الإقرار به والعلم بأحكامه وآدابه، وفرعه وهو العمل بما يقصد منه العمل. (وحب المساكين) من المؤمنين، ويندرج فيه مراعاة لوازم الحب مثل بذل الندى لهم وكف الأذى عنهم وغيرهما وينبغي أن يكون الحب في الله لما روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال " قد يكون حب في الله ورسوله وحب في الدنيا فما كان في الله ورسوله فثوابه على الله وما كان في الدنيا فليس بشئ ". (وامش على الأرض هونا) قال الله تعالى في التنزيل في وصف أوليائه * (ويمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) * والهون هو السكينة والوقار والرفق واللين والتلبث. (وصل على البقاع فكلها) ظاهر البقاع بالكسر جمع بقعة وهي بالضم وتفتح القطيعة من الأرض وقد من الله تعالى عليه بهذه النعمة الجليلة رفقا به وبأمته حيث كانوا سائحين في الأرض فجعل كلها محلا لصلاته ولم يجعلهم محصورين على أدائها في البيع كما حصر بعض الأمم السابقة على أدائها في محل مخصوص كالكنائس لليهود (يا عيسى شمر) في العبادة وهو كناية عن الاجتهاد فيها، وفي كنز اللغة " تشمير دامن بر چيدن وچيست شدن در كار وكوشش كردن "، وفي مصباح اللغة التشمير في الأمر السرعة فيه والخفة ومنه قيل شمر في العبادة إذا اجتهد وبالغ وشمر ثوبه رفعه. (فكل ما هو آت قريب) أراد به قرب الموت ويوم القيامة والحساب والجزاء تقليلا لمدة الحياة في الدنيا وتسهيلا لارتكاب مشقة العبادة فيها لذلك اليوم.

[ 117 ]

(واقرأ كتابي وأنت طاهر) أراد به الإنجيل، والظاهر أن الأمر للوجوب وأن الوجوب راجع إلى القيد وكأنه كان في شرعه وأما في شرعنا فالطهارة مندوبة بدون المس، وفيه خلاف. (وأسمعني منك صوتا حزينا) هذا جار في شرعنا أيضا، روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال " إن القرآن نزل بالحزن فاقرأه بالحزن " ووجه قوله (عليه السلام) " نزل بالحزن " أنه اشتمل على أحوال الحشر والنشر والثواب والعقاب وأحوال الأمم الماضية وإهلاكهم ومسخهم وغير ذلك مما يتطاير عند سماعه قلوب العارفين، والمراد بالحزن إما ضد السرور، أو رقة القلب، وبالصوت الحزين صوت يوجب الحزن وإن اشتمل على نغمة دون الغناء فلا بأس وإنما أمر بذلك لأنه يوجب للنفس خشية وخشوعا وحسن موقع وميل إلى الآخرة ويؤثر في نفوس السامعين. (يا عيسى لا خير في لذاذة لا تدوم وعيش من صاحبه يزول) لذا الشئ يلذ من باب علم لذا ولذاذة بالفتح: صار شهيا فهو لذيذ، والمراد أن لذات الدنيا وعيشها وهو الحياة والطعام وكل ما يعاش به لا خير فيهما لزوالهما وعدم دوامهما فلا ينبغي ميل العاقل إليهما وربط قلبه بهما وإن فرض عدم ضررهما بأمر الآخرة. (يا ابن مريم لو رأت عينك ما أعددت لأوليائي الصالحين) مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر (ذاب قلبك) هذا كالمثل يقول كل من اشتاق شيئا وكمل إليه ميله ولم ينله ذاب قلبي (وزهقت نفسك شوقا إليه) أي خرجت تقول زهقت نفسه من باب علم زهقا وزهوقا إذا أخرجت، وأزهقها الله تعالى أخرجها (فليس كدار الآخرة دار تجاور فيها الطيبين) المقصود نفي التشبيه أي ليست دار شبيهة بدار الآخرة لعدم التناسب والتشابه بينهما، وفيه زجر عن دار الدنيا وترغيب في دار الآخرة بأنها دار تجاور فيها الطيبين - أو الطيبون على اختلاف النسخ - والمراد بهم الفاضلون الطاهرون من أرجاس السيئات وأخباث الأخلاق المنزهون عن الرذائل المتصفون بأنواع الفضائل (ويدخل عليهم الملائكة المقربون) كما نطق به القرآن الكريم ودل على بعض تفاصيله حديث الجنان والنوق المذكور سابقا (وهم مما يأتي يوم القيامة من أهوالها آمنون) لرفضهم في الدنيا عن نفوسهم القدسية أسباب تلك الأهوال وتوجهوا بحسن الاستعداد إلى ذلك اليوم، وضمير التأنيث للقيامة أو ليومها باعتبار المضاف إليها (ولا يتغير فيها النعيم) بطول الزمان لكونه في حفظ قدرته تعالى، ويدفع الاستبعاد حكاية عزيز (عليه السلام) (ولا يزول عن أهلها) لبقائها أبدا، والغرض من ذكر هذه الدار وجملة من أوصافها هو الترغيب في تحصيل ما يوجب الدخول فيها. (يا ابن مريم نافس فيها مع المتنافسين) الأمر بالمنافسة في تلك الدار أمر بالمنافسة فيما يوجب الدخول فيها (فإنها أمنية المتمنين) وهم الصالحون في الدنيا أو أهل المحشر فإن كلهم يومئذ يتمنونها (حسنة المنظر) أي الصورة والهيئة لاشتمالها على كل ما له مدخل في حسنها وكمالها من الحور والقصور والأشجار والأنهار وغيرها، والمنظر والمنظرة ما نظرت إليه فأعجبك

[ 118 ]

لحسنه. (طوبى لك يا ابن مريم إن كنت لها من العاملين) تقديم الظرف للحصر بالنسبة إلى العاملين للدنيا (مع آبائك آدم وإبراهيم في جنات النعيم) الظرف حال عن اسم " كنت " وفيه دلالة على أن ابن البنت ابن لأبيها حقيقة لأن الأصل في الإطلاق الحقيقة ودل عليه أيضا بعض الأخبار ومن الأصحاب من قال: إنه ابن له مجازا. (لا تبغي بها بدلا ولا تحويلا) أي لا تطلب في الآخرة بعد مشاهدتها بدلا بها أحسن منها ولا تحويلا منها إلى ما هو مثلها أو عن موضع منها إلى موضع آخر لعدم وجود الأحسن منها والمساوي لها وكون كل موضع منها في غاية الحسن والإعجاب أو لا تطلب الدنيا في الدنيا بدلا منها ولا تحويلا عنها فهو على الأول خبر لفظا ومعنى، وعلى الثاني نهي معنى. (كذلك أفعل بالمتقين) أي مثل ما فعلت بآبائك أفعل بالمتقين الذين ألسنتهم مستقيمة وجوارحهم خاشعة وقلوبهم ذاكرة وملابسهم مقتصدة وجميع حركاتهم وسكناتهم على قوانين شرعية والآخرة بين عيونهم والدنيا وراء ظهورهم وخفايا أعمالهم وسرائر أمورهم منزهة عن المكر والخدعة وظواهر أعمالهم معراة عن الرياء والسمعة. (يا عيسى اهرب إلي مع من يهرب من نار ذات لهب) لهب النار: اشتعالها إذا خلص من الدخان أو لسانها، والمراد بالهرب إليه سلوك سبيله بفعل الطاعات وترك المنهيات والإتيان بما يوجب التقرب منه من أنواع القربات (ونار ذات أغلال وأنكال) الأغلال جمع الغل وهو الحديدة التي تجمع يد الأسير إلى عنقه وهو قد يكون من نار وقد يكون من حية، والأنكال جمع النكل بالكسر وهو القيد الشديد أو قيد من نار ووصف النار بهما لكونهما منها أو لتقيد أهلها بهما (لا يدخلها روح) الروح بالفتح: الراحة والرحمة ونسيم الريح الذي يستنشق به كل ذي روح ويتروح منه ولا يخرج منها غم أبدا لكون أهلها معذبين مغمومين دائما (قطع كقطع الليل المظلم) إما لأنه لا نور لنارها أو لكمال اختلاط الدخان بنورها أو لأن نورها لا يزيل ظلمتها لكمال شدتها وكثافتها كما أن نور اليراعة لا يزيل ظلمة الليل، وفي ذكر هذه الأوصاف لها ترغيب في الفرار منها وترهيب عن فعل ما يوجب الدخول فيها (ومن ينج منها يفز) بالخير والفلاح وفيه حث على عمل ما يوجب النجاة منها كما أن في قوله (ولن ينجو منها من كان من الهالكين) من الكفرة والمشركين تحذير عن العمل بما يوجب الدخول فيها (هي دار الجبارين والعتاة الظالمين) هم سلاطين الجور وأمراؤهم الذين يكسرون خلق الله ويجبرونهم على ما أرادوا من الأوامر والنواهي الخارجة عن القوانين الشرعية، والعتاة جمع العاتي وهو المستكبر المتجاوز عن الحد (وكل فظ غليظ وكل مختال فخور) فظ الرجل من باب علم يفظ فظاظة إذا غلظ جانبه وقسى قلبه وساء خلقه وخشن كلامه، واختال الرجل فهو مختال إذا تكبر وأعجب بنفسه، وفخر إذا ادعى العظم والكبر والشرف

[ 119 ]

في النسب والحسب وغير ذلك من الكمالات الصورية والمعنوية. (يا عيسى بئست الدار لمن ركن إليها) الظاهر أن المراد بالدار دار جهنم وبالركون إليها الركون إلى ما يوجب الدخول فيها من المعاصي ولذات الدنيا، واحتمال إرادة الدنيا بعيد (وبئس القرار دار الظالمين) لأن أثاثها لهبات ونزلها كربات وحاصلها حسرات وجيرانها حيات وعذابها شديد وماؤها صديد. (إني أحذرك نفسك) لأنها أمارة بالسوء تورد صاحبها موارد العصيان ومواضع الخذلان فتجب مراقبتها في جميع الأوقات ومحافظتها عن التوغل في المشتهيات وأخذ زمامها بيد الورع والتقوى وصرف عنانها إلى الشريعة البيضاء. (فكن بي خبيرا) أمره بأن يكون عالما عارفا بالله وما أمر به وأوصى بحفظه وما نهاه عنه ومنع من فعله فإن ذلك أصل الإيمان ورأس مال الإنسان به يرتقي إلى المقامات العلية والسعادات الأبدية. (يا عيسى كن حيث ما كنت مراقبا لي) مراقبته تعالى محافظة القلب له ومراعاته إياه في السر والعلانية وهي ثمرة العلم بأنه تعالى مطلع على الضمائر والسرائر والبواطن والظواهر وهذا العلم إذا استقر في القلب يجذبه إلى مراعاته ومراقبته في جميع الأحوال وثمرته التعظيم والإجلال واستغراق القلب بملاحظة الكبرياء والجلال وانكساره تحت الهيبة والعظمة والكمال وترك الالتفات إلى المباحات فضلا عن المحظورات وحفظ جميع حركاته وسكناته ولحظاته عن كل طور قبيح وأمر شنيع خوفا منه تعالى وتعظيما له وتحرزا من فضيحة يوم القيامة وصرف الظواهر إلى الأعمال الخالصة والأفعال الصالحة وركوب الطريقة الغر أو لزوم المحجة البيضاء وهكذا يراقب ويراعي حتى ينتقل من هذه الدار الفانية إلى الدار الباقية ويفوز بقرب الحق ويتخلص من ألم الفراق وهو غاية المراد من الكمال. اللهم اجعل الصبر عطية نجاتنا والمراقبة لك عدة وفاتنا. (واشهد على أني خلقتك وأنك عبدي وأني صورتك) فيه تنبيه على ذكر هذه النعمة وهي خلقه إياه ولم يك شيئا، تفضلا، وتصويره بصورة حسنة تكريما وعلى الإقرار بالعبودية المتوقفة على الإتيان بالعبادات في غاية الخضوع ونهاية التضرع والتذلل وعلى ترك مخالفته في أمر من الأمور وعلى المراقبة له والانقطاع عن الغير فإن العاقل إذا تفكر في أول خلقه إلى كمال قوته وفي كيفية انقلاباته من حال إلى حال وتحولاته من طور إلى طور وفي خواص قواه وأعضائه الظاهرة والباطنة التي يعجز عن إدراك نبذة منها عقول الأذكياء حصل له معرفة تامة بالخالق المصور المنعم وبعظمته وقدرته وحكمته وهي مقتضية لمراقبته والرجوع إليه والتوسل به في جميع الأمور وقطع تعلقه بالغير (وإلى الأرض أهبطتك) بإهباط أبيه آدم أو إهباط روحه والغرض من الإهباط هو التكليف والامتحان والاختبار وفيه تنبيه على نفاذ أمره وجريان حكمه على عبده فكما أهبطه بلا

[ 120 ]

تقصير منه من مقام المقربين إلى الأرض كذلك يهبطه مع التقصير إلى أسفل السافلين وتذكير له بموطنه الأولي ومسكنه الأصلي ليرجع إليه بقدم الاشتياق ويتخلص من ألم الفراق ويظهر مرتبة محبته ودرجة محبته ودرجة مودته، نعم في حال البعد والفراق يظهر صدق دعوى المحبة والاشتياق. (يا عيسى لا يصلح لسانان في فم واحد) نهى في المعنى أن يكون أحد ذا لسانين مثل أن يمدح أخاه شاهدا ويعيبه غايبا وأن يتكلم في السر غير ما يتكلم به في العلانية وأن يقول عند قوم غير ما يقول عند آخرين وأن يلقى كلا من الصديقين غير ما يلقى به الآخر ليفرق بينهما وأن يتردد بين العدوين ليغري بينهما العداوة ويشدها وأن يرى كل واحد من الخصمين أنه معه وأمثال ذلك وهذه من خصال المنافقين، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار، روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال " من لقى المسلمين بوجهين ولسانين جاء يوم القيامة وله لسان من نار ". (ولا قلبان في صدر واحد) بأن يميل مثلا إلى المؤمنين وإلى المنافقين وأن يحب الله ورسوله ويحب الدنيا (وكذلك الأذهان) أي لا ذهنان في قلب واحد والذهن الفهم والعقل وقوة للنفس معدة للإدراك فيمتنع أن يتوجه إلى إدراك الآخرة وتحصيل الزاد لها وإدراك أمور الدنيا وكيفية تحصيلها وضبطها، وبالجملة هذه الأشياء في الإنسان واحدة فينبغي صرفها إلى ما كلفت به وإلى أمر الآخرة وميلها عن كل ما ينافيها. (يا عيسى لا تستيقظن عاصيا ولا تستنبهن لاهيا) في المصباح: رجل يقظ بكسر القاف: فطن متنبه للأمور، واليقظة محركة: خلاف النوم، ورجل نبيه: شريف، والنهي راجع إلى القيد، ولعل المقصود النهي عن العصيان في حال الاستيقاظ ومعرفة الأمور والعلم بصحيحها وفاسدها وعن اللهو في حال النباهة والشرف فإن العصيان من الفطن العارف واللهو من النبيه الشريف أقبح وأشنع كما دل عليه صريح بعض الروايات. (وأفطم نفسك عن الشهوات الموبقات) أي المهلكات يقال فطمت المرضع الرضيعة من باب ضرب فطما إذا فصلته عن الرضاع فهي فاطمة والصغير فطيم وفطمت الحبل أي قطعته ومنه فطمت الرجل عن عادته إذا منعته عنها وفي الكلام استعارة تمثيلية (وكل شهوة تباعدك مني فاهجرها) أما الشهوة التي لا توجب البعد مثل الضروريات في التناسل والبقاء والعبادة فالهجر منها غير مطلوب شرعا بل قد يجب تحصيلها وتعد من العبادة (واعلم أنك مني بمكان الرسول الأمين) في كنز اللغة: أمين " كسى كه برا واعتماد باشد واز أو ايمن باشند وبى ترس شده ". (فكن مني على حذر) من العقوبة أمر بذلك لأن الأمين قد يصير خائنا بجرائم النفس ووساوس الشيطان (واعلم أن دنياك مؤديتك إلي) نسبة التأدية إلى الدنيا مجاز باعتبار أن العمر ينقطع وينتهي بمرور الأيام (وإني آخذك بعلمي) بأحوالك ظاهرا وباطنا فقد يخطر في السر ما لا يعلم

[ 121 ]

أحد غيره تعالى وهو يؤخذ عليه ويحاسب به، وفيه تنبيه على وجوب الاستقامة في جميع الأحوال لئلا تتوجه إليه الخيانة والنكال (وكن ذليل النفس عند ذكري) باللسان والجنان، والذل مترتب على العلم بالاحتياج إليه من جميع الجهات فإنه يوجب ذل النفس وسلب العز عنها، ويتبعه الخشوع في القلب والصوت والبصر وسائر الجوارح فلذلك قال: (خاشع القلب حين تذكرني) خص خشوع القلب بالذكر لأنه إذا خشع خشعت الجوارح كلها كما دل عليه بعض الروايات (يقظان عند نوم الغافلين) أمر بالعبادة عنده لأنها أشق عملا وأكمل درجة وأجزل ثوابا وأفضل قربا. (يا عيسى هذه) المذكورات (نصيحتي إياك) خالصة من الإطراء والنقصان (وموعظتي لك) طاهرة من النقص والطغيان (فخذها مني) أخذ القبول والطاعة والانقياد. (فإني رب العالمين) تعليل لما سبق لأن هذا الوصف يقتضي نصيحتهم وموعظتهم وتربيتهم وإرشادهم إلى ما هو سبب العروج من حد النقص إلى الكمال، فعليه البيان والإرشاد والهداية وعليهم القبول والعمل والدراية. (يا عيسى إذا صبر عبدي في جنبي) أي في أمري التكليفي مثل الحج والصوم والصلاة والإيجادي مثل الفقر والنوائب والبليات أو في جانبي وسبيلي وهو الدين القويم والصراط المستقيم أو في حفظ أوليائي وتحمل الشدايد في متابعتهم، والجنب يطلق على هذه المعاني كما هو ظاهر لمن تتبع اللغة والاستعمال. والصبر على هذه الأمور من أعظم العبادات وأفضل القربات وأجره جزيل وثوابه جميل فلذلك قال: (كان ثواب عمله علي) حيث أحاله على ذاته المقدسة وخصه به إظهارا لمزيد الاعتناء به مع أن ثواب جميع الأعمال الصالحة عليه (وكنت عنده حيث يدعوني) بالقرب المعنوي المخصوص المقتضي لإجابة الدعاء وإفاضة الخير وإنزال الرحمة عليه، فلا يرد أنه تعالى عند كل أحد ولو كان كافرا. ثم بعدما بشر من إطاعة حذر من عصاه بقوله: (وكفى بي منتقما ممن عصاني) الباء زائدة وياء المتكلم فاعل كما في قوله تعالى * (وكفى بالله شهيدا) يقال كفى الشئ يكفيه كفاية فهو كاف إذا حصل به الاستغناء عن غيره * (والله غالب على كل شئ) * فلا يحتاج في الانتقام من أحد إلى غيره * (والله عزيز ذو انتقام). ثم حذرهم من الاغترار بالإمهال فقال: * (أين يهرب مني الظالمون) * لأنهم لو فروا فغاية فرارهم الوصول إليه إذ هم لا يخرجون من ملكه وملكه لا يخلو منه. (يا عيسى أطب الكلام) أمره بالتكلم بما ينفع ولا يضر وحفظ اللسان عن التسرع بما لا يعني وما يؤذي أحدا والله تعالى عند لسان كل قائل فليتق الله عبد ولينظر ما يقول.

[ 122 ]

(وكن حيث ما كنت عالما متعلما) ترغيب في اكتساب فضيلة العلم والتعلم لأن عليهما مدار التكليف والرجوع إلى الله تعالى وتنبيه على أن العالم وإن بلغ حد الكمال في ظنه لابد له من أن يتعلم لأن العلم بحر لا ينزف كما دل عليه قوله تعالى * (وفوق كل ذي علم عليم) * ودل عليه أيضا حكاية موسى مع الخضر عليهما السلام ولذلك أمر الله تعالى سيد المرسلين وهو أعلم العالمين طلب الزيادة في العلم بقوله * (وقل رب زدني علما) *. (يا عيسى أفض بالحسنات إلي حتى يكون لك ذكرها عندي) أي ذكر أجرها وثوابها أو ذكر نفسها وكأنه على الأخير من باب التمثيل لأن أحدنا إذا أرسل هدية إلى صديقه فمتى رآها الصديق يذكرها ويذكر صاحبها وفي الإفاضة إشعار بإكثار الحسنات (وتمسك بوصيتيي فإن فيها شفاء للقلوب) من أمراض الجهل ورذائل الأخلاق ووساوس الشيطان. (يا عيسى لا تأمن إذا مكرت مكري) مكر مكرا من باب قتل خدع فهو ماكر وأمكر بالألف لغة ومكر الله وأمكر جازى على المكر وسمي الجزاء مكرا كما سمى جزاء السيئة سيئة مجازا على سبيل مقابلة اللفظ باللفظ (ولا تنس عند خلوات الدنيا ذكري) لما كان أعظم المطالب الدينية ذكر الله تعالى أمر به مرارا مبالغة فيه وهو من أعمال الصالحين، قال الله تعالى في مدحهم * (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) * وفي الذكر جلاء للقلوب وأنس بالله وهو ثمرة محبته فإن من أحب شيئا أكثر من ذكره والغرض من جميع العبادات هو الذكر قال الله تعالى * (أقم الصلاة لذكري) * وبالجملة كل عقد وقول وفعل يقصد به الله تعالى فهو ذكره. (يا عيسى حاسب نفسك بالرجوع إلي) حساب النفس متوقف على الرجوع إلى الله تعالى لأن حسابها عبارة عن ملاحظة طاعتها ومعصيتها له فينبغي أن يعرف كل أحد أنه يرجع إلى الله تعالى وأنه تعالى يثيبه إن أطاع ويعاقبه إن عصى فإذا حصلت له هذه المعرفة اشتغل بنفسه ويحاسبها في كل يوم وفي كل ساعة فينظر إلى خواطرها وأفعالها وقيامها وقعودها وحركاتها وسكناتها وجميع أعمالها الظاهرة والباطنة على سبيل التفصيل فما كان منها موافقا لإرادة الله تعالى دام عليه وشكر وما كان مخالفا لإرادته فر منه واستغفر وما كان من المباحات رفضه فرارا عما لا ينفعه في الآخرة فإذا دام على ذلك حصلت له ملكة الانقطاع إلى الطاعة والنفرة عن المعصية. ثم أشار إلى غاية حساب النفس وفائدته ترغيبا فيه بقوله: (حتى تتنجز ثواب ما عمله العاملون) استنجز حاجته ويستنجزها: استظفر بها أي تجد ثوابه يوم القيامة عند البعث منجزا بلا تأخير ولا توقيف للحساب لأنك أديت حسابك في الدنيا، أو تجد ثوابه به منجزا في الدنيا وهو السعادة الروحانية الأبدية التي هي قرب الحق وفيضه آنا فآنا وهو عند العارفين أعظم من الثواب الجسماني والله أعلم. (أولئك يؤتون أجرهم) كاملا بل أضعافا مضاعفة (وأنا خير المؤتين) إذ لا نقص في إعطائه

[ 123 ]

ولا خوف في نفاد ما عنده به. (يا عيسى كنت خلقا بكلامي) الظاهر أن كلمة " كن " وهي إظهار للتسخير والقدرة على إيجاد كل فرد كذلك بل بلا أم أيضا كآدم وإنما خلقهم على النحو المعهود ليحصل بينهم التعارف بالنسب والقبايل والقرابة والرحمة والرأفة والرقة والاشفاق ونحوها من الفوائد المعلومة وغيرها ومع هذا التناسب تحقق بينهم العداوة والنفرة وانتفت الرحمة والرأفة فكيف إذا كان كل منفردا في الخلقة، ويحتمل أن يراد بالكلام الاسم الأعظم تكلم به جبرئيل عليه السلام حين نفخه في مريم عليها السلام. (ولدتك مريم بأمري) التكويني المتعلق بوجودك بلا أب، وفي التصريح باسمها تنويه وتعظيم لها (المرسل إليها روحي جبرئيل الأمين من ملائكتي) * (فتمثل لها بشرا سويا * قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا * قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا) * إلى آخر ما ذكر في القرآن الكريم واختلف في سنها حينئذ فقيل: ثلاث عشر سنة وقيل: عشر سنين وقد حاصت حيضتين، وفي مدة حملها فقيل: ستة أشهر وقيل: سبعة وقيل: ثمانية وقيل: ساعة (حتى قمت على الأرض حيا تمشي) إشارة إلى تربيته من طور إلى طور حتى بلغ هذه الحالة التي هي كمال النشوء وتمام القوة (وكل ذلك في سابق علمي) أي كان في علمي السابق وهو العلم الأزلي أن يكون خلقك على هذا النحو. (يا عيسى زكريا بمنزلة أبيك) في الرأفة والمحبة وإرادة الخير، وفيه حث على تعظيمه وتكريمه وبره والدعاء له (وكفيل أمك) متكفل لأمورها وضامن لمصالحها قبل هي أخت زوجته (إذ يدخل عليها المحراب) قال القاضي: هو الغرفة التي بنيت لها في المسجد أو المسجد أو أشرف مواضعه ومقدمها سمى به لأنه محل محاربة الشيطان كأنها وضعت في أشرف موضع من بيت المقدس. (فيجد عندها رزقا) قال القاضي: روى أنه كان لا يدخل عليها غيره وإذا خرج أغلق عليها سبعة أبواب فكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وبالعكس. (نظيرك يحيى من خلقي) في دلالة خلقه على القدرة القاهرة أو في العلم والحكمة والنبوة (وهبته لأمه بعد الكبر من غير قوة بها) قيل كان لها نيف وتسعون سنة وكان أبوه أيضا كبيرا كما قال * (رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر) *. (أردت بذلك) أي بإيجادك بلا أب وإيجاد يحيى من كبير وعاقر (أن يظهر لها) أي لأم يحيى (سلطاني ويظهر) للخلق (فيك) أي في إيجادك بلا أب (قدرتي) ذكر السلطان دون القدرة مع القدرة تفنن، وذكر الظهور لها في الأول وللخلق في الثاني لأن الثاني أغرب وأعجب، وتخصيص الظهور بها لأن توليد العاقر أبعد من توليد الكبير (أحبكم إلي أطوعكم لي وأشدكم خوفا مني)

[ 124 ]

للمحبة والطاعة وللخوف مراتب متفاوتة بعضها فوق بعض وكل من كان طاعته أزيد وأتم وخوفه أكثر وأعظم كانت محبة الله تعالى إياه أكمل وأفخم، وفيه أمر بالطاعة والخوف لتحصيل السعادة الأبدية التي هي المحبة الإلهية. (يا عيسى تيقظ) التيقظ كما يكون للقلب بمعرفته وتذكيره تعالى وتطهير السر عن غيره ومعرفة المضار والمنافع كذلك يكون للسمع والبصر وسائر الجوارح بصرفها إلى الأمور المطلوبة منها. ثم المتيقظ وإن كان مستعدا لفيض الرب ورحمته والقرب منه إلا أنه لما كان مشاهدا لعمله ولا يبرئ نفسه عن التقصير وخوف العاقبة وربما يؤدي ذلك إلى اليأس من روح الله ورحمته نهاه عنه بقوله: (ولا تيأس من روحي) فإن اليأس من غير المتيقظ منه كبيرة وكفر فكيف من المتيقظ. (وسبحني مع من يسبحني) التسبيح: التقديس والتنزيه يقال سبحت الله أي نزهته عما يقول الجاحدون، وقد يكون بمعنى الذكر والصلاة يقال: فلان يسبح الله أي يذكره بإسمائه ويسبح على راحلته أي يصلي ويكون أيضا بمعنى التحميد (وبطيب الكلام فقدسني) أي طهرني عن النقايص والمعايب، والقدس بالضم وبضمتين: الطهر والتنزه. (يا عيسى كيف يكفر العباد بي ونواصيهم بيدي وتقلبهم في أرضي) كأنه كناية عن كمال القدرة والاستيلاء عليهم فلا يجدون مهربا والكفر شامل لكفر الجحود وكفر النعمة وكفر المخالفة، وكيف للإنكار والتوبيخ. (يجهلون نعمتي) الظاهرة والباطنة (ويتولون عدوي) شياطين الجن والإنس والنفس الأمارة (وكذلك يهلك الكافرون) إشارة إلى أن جهل نعمته وتولي غيره أمر مشترك بين الكفرة كلهم على تفاوت مللهم واختلاف درجاتهم. (يا عيسى إن الدنيا سجن ضيق منتن الريح) الظاهر أن الحمل من باب الحقيقة لأن الدنيا محبس لآدم وأولاده خصوصا للأولياء ضيقة بالنسبة إلى الآخرة منتن الريح يجد ريح نتنه العارفون فلذلك يتنفرون منها كتنفرهم من الميتة، ويحتمل أن يكون من باب التشبيه بحذف أداته مثل زيد أسد، بحمل السجن على المعروف عند الناس. (وحسن فيها ما قد ترى) من نعمائها الرائقة وزهراتها الرائعة وثمراتها الفايقة (مما قد تذابح عليها الجبارون) أي ذبح بعضهم بعضا لأخذ ما في يده من أمتعة الدنيا ونعيمها وإذا كانت حال الدنيا الضيقة المنتنة هذه فكيف حال الجنة التي لا يحيط بوصف نعيمها دائرة البيان ولا يبلغ أدنى أوصافها جواد اللسان، دار بناها رحمة رب العالمين وأعدها للمتقين، هذا بحسب ظاهر النظر وأول الفكر وإلا فلو نظرت إليهما بعين اليقين وفكرت فيهما بالفكر المتين وجدت أن ليس بين متاع الدنيا ومتاع الجنة إلا نسبة وهمية. ولما كان المقصود من هذا البيان الثاني هو التحذير عن الدنيا والتحريك إلى الآخرة قال: (وإياك

[ 125 ]

والدنيا فكل نعيمها يزول وما نعيمها إلا قليل) تحذير عن الدنيا والركون إليها وصرف العمر في تحصيلها لأن نعيمها قليل يزول والعاقل لا يركن إلا القليل الزايل لأجل أنه زايل فكيف إذا كان سببا لزوال الكثير الباقي. (يا عيسى ابغني عند وسادك تجدني) إشارة إلى قربه من كل أحد في كل زمان ومكان أو إلى طلب العبادة في زمان الغفلة وحث على ترك النوم (وادعني وأنت لي محب) محبته تعالى دون غيره من أصول شرايط الدعاء، ومن لوازم تلك المحبة الإنقطاع من الغير إليه وتعلق القلب به والتضرع بين يديه وطلب القرب منه والاعتماد عليه. فإني أسمع السامعين (استجيب للداعين إذا دعوني) ترغيب في طلب الخيرات والمرغوبات كلها منه تعالى والتيقن بحصولها لأن عدم حصولها إما لعدم سماع الدعوة أو لعدم الاستجابة بعده وكلاهما منتف عنه تعالى. (يا عيسى خفني وخوف بي عبادي) الخوف من عقابه والحرمان من إكرامه وثوابه يقتضي فعل المأمورات وترك المنهيات لأن من خاف شيئا هرب منه. (لعل المذنبين أن يمسكوا عما هم عاملون به فلا يهلكوا إلا وهم يعلمون) العاملون العارفون يمسكون عن المعصية نظرا إلى كماله وتعظيما لجلاله ولو لم تكن نار ولا جنة، وأما الجاهلون المذنبون فهم بمنزلة الأطفال ينبغي تطميعهم بالثواب وتخويفهم من العقاب ليرغبوا في الطاعة وينزجروا عن المعصية فإن هلكوا بعد ذلك هلكوا عن علم وبينة ولم تكن لهم معذرة. (يا عيسى ارهبني رهبتك من السبع) رهب رهبا من باب علم: خاف والاسم الرهبة فهو راهب من الله والله مرهوب والأصل مرهوب عقابه. (والموت الذي أنت لاقيه) أهل الدنيا يرهبون من نفس الموت حبا للبقاء الزائل وأهل الحق يرهبون منه خوفا من الهلاك الأبدي. (فكل هذا أنا خلقته فإياي فارهبون) لأن الخالق أولى بالرهبة منه من المخلوق لأن إضرار المخلوق بإقداره فينبغي الرهبة منه لا من غيره. (يا عيسى إن الملك لي وبيدي وأنا الملك فإن تطعني أدخلتك جنتي في جوار الصالحين) أشار إلى أن كل ما سواه ملك له وأنه بقدرته التي لا يتأبى منها شئ وأنه الملك في الدنيا والآخرة لا غيره إذ كل ملك في الدنيا فهو ملك بالاعتبار ولا حقيقة له وبالإضافة إلى بعض من هو تحت حكمه في الجملة ليبين أنه يجب طاعته والفزع إليه وحده وأنه يدخل المطيع جنته في جوار الصالحين من الأنبياء والرسل والأوصياء بلا مانع ولا مدافع إذ لا شريك له يمنعه من ذلك، وفيه ترغيب في الالتجاء إليه والطاعة والمراقبة له في جميع الأحوال. (يا عيسى إني إن غضبت عليك لم ينفعك رضاء من رضى عنك وإن رضيت عنك لم يضرك

[ 126 ]

غضب المغضبين) بفتح الضاد على صيغة المفعول من أغضبه فهو مغضب وذلك مغضب، وفيه تنبيه على وجوب ترك ما يوجب رضاء المخلوق إذا كان موجبا لغضب الخالق ووجوب طلب ما يوجب رضاء الخالق وإن كان موجبا لغضب المخلوق لأن المخلوق وجوده وعدمه سواء فكيف غضبه ورضاه وضره ونفعه. (يا عيسى اذكرني في نفسك أذكرك في نفسي) أراد به الذكر القلبي وهو عدم الغفلة عنه، وذكره تعالى في نفسه عبارة عن الإكرام وإفاضة الخيرات. (واذكرني في ملأك إذكرك في ملأ خير من ملأ الآدميين) الملأ كجبل: الأشراف والجماعة والقوم، والمراد بهم ملأ الآدميين، وبالملأ الثاني ملأ الملائكة المقربين، ومثل هذا موجود في كتب العامة أيضا، استدل به بعضهم على أن الملائكة أفضل من الأنبياء إذ عد ملأ الملائكة خيرا من ملأ الآدميين ولو كان فيهم نبي، والجواب أن تفضيل المجموع على المجموع لا يوجب تفضيل الأجزاء على الأجزاء وقد ذكرناه مفصلا في شرح الأصول. (يا عيسى ادعني دعاء الغريق الحزين الذي ليس له مغيث) غيري. من شرائط الدعاء أن يقطع الداعي رجاءه عن غيره تعالى ولا يرى لنفسه ملجأ ومغيثا إلا إياه فإن الدعاء على هذا الوجه مقرون بالإجابة قطعا. (يا عيسى لا تحلف بي كاذبا فيهتز عرشي عضبا) يمكن أن يراد به العرش الجسماني المحيط بجميع الأجسام والعرش المطاف للملائكة المقربين، وأن يراد به قدرته الشاملة لكل الموجودات وإن لم يشتهر إطلاقه عليها، والعارفون لا يحلفون به صادقا تعظيما له فكيف كاذبا، وقد مر أمثال هذه النصايح للأمة. (الدنيا قصيرة العمر) المراد بالدنيا إما تمامها وعمرها قصير لانقطاعها أو عمر كل شخص وقصره ظاهر فلا ينبغي أن يركن إليها العاقل. (طويلة الأمل) نسبة طول الأمل إلى الدنيا مجاز كنسبة الفعل إلى الزمان، والأمل هو الطمع والرجاء، وقد يفرق بينه وبين الطمع بأن الأمل كثر استعماله فيما يستبعد حصوله، والطمع فيما يقرب، فمن عزم على سفر إلى بلد بعيد يقول: أملت الوصول إليه، ولا يقول: طمعت، إلا إذا قرب منه، وبينه وبين الرجاء بأن الراجي قد يخاف أن لا يحصل مطلوبه فإن قوي الخوف يستعمل الأمل كما صرح به في المصباح، وقد يفصل ما يدخل في القلب بأن ما في القلب مما ينال من الخير أمل ومن الخوف إيجاس ومما لا يكون لصاحبه ولا عليه خطر، ومن الشر وما لا خير فيه وسواس، ولعل الغرض منه هو التعجب لمن أطال أمله في زمان قصير وليس ذلك إلا لجهله حيث شغل قلبه بما لا حاجة له فيه ومع ذلك توقع حصوله في زمان قاصر، عنه أو الحث على ترك الدنيا وطول الأمل وتجهيل فاعلهما بالجمع بين الضدين.

[ 127 ]

(وعندي دار خير مما يجمعون) لكمال زينتها وبقائها وبقاء أهلها ونعيمها أبدا، وفيه ترغيب في طلبها كما في السابق تنفير عن الدنيا. (يا عيسى كيف إذا أخرجت لكم كتابا ينطق بالحق وأنتم تشهدون بسراير قد كتمتوها وأعمال كنتم بها عاملين) ترغيب في الطاعة وتحذير عن المعصية بذكر الكتاب الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وذكر صعوبة الأحوال والتخلص منها عند مشاهدتها وذلك لأن الإنسان إذا علم أنه يكتب عليه جليات أموره وخفياتها وأنه يؤخذ بها ويحاسب عليها وقتا ما حصلت له ملكة البواعث على الطاعات والزواجر عن المنهيات، ولذلك كرر ذكر الحفظة وكتبها أعمال العباد في القرآن الكريم. (يا عيسى قل لظلمة بني إسرائيل غسلتم وجوهكم ودنستم قلوبكم) دنس ثوبه وعرضه تدنيسا إذا فعل به ما يشينه، وليس الظلم والذم باعتبار غسل الوجوه فإنه مطلوب بل باعتبار تدنيس القلوب بالعقائد الكاسدة والآمال الفاسدة والمخاطرات القبيحة والأخلاق الذميمة وقد وجب تطهيرها عن هذه الصفات الرذيلة وتزيينها بالأخلاق الجميلة لأن القلب أشرف أعضاء الإنسان وعرش الرحمن وموضع نوره وسره ومعدن حكمه وذكره وقد أمر سبحانه بذلك فمن بدله بما ذكر فهو مغرور جرى كما أشار إليه بقوله: (أبى تغترون أم على تجترون ؟) الاغترار " خدعة كردن وفريب دادن ونمودن باطل را بصورت حق " والاجتراء " دليرى كردن " فكأنه بهذه الصفة إما مخادع أو جرى محارب مع ربه، وفيه وعيد عظيم لهم ليذكروا ويرجعوا. (تطيبون بالطيب لأهل الدنيا وأجوافكم عندي بمنزلة الجيف المنتنة) توبيخ لهم في إزالة نتن أدناس الظواهر بالطيب والعطر للناس وترك إزالة نتن أمراض القلوب بأدويتها لله مع أنه أقرب إليها منهم إلى الظواهر وما ذلك إلا لتعظيمهم وتحقيره تعالى كأنكم أقوام ميتون في النتن أو بعدم الانتفاع بالزواجر والنصايح. (يا عيسى قل لهم قلموا أظفاركم من كسب الحرام) قلمت الظفر قلما من باب ضرب: قطعته وأخذته، وقلمته بالتشديد مبالغة وتكثير في الاجتناب عن كسب الحرام والاحتراز منه لأنه يسود القلب ويبعد عن الرب ويورث العقوبة في الدنيا والآخرة. (وأصموا أسماعكم عن ذكر الخنا) زجرهم عن استماع الكلام الفاحش لكونه معصية ومانعة عن ذكر الله ومسودا للقلب مفسدا له، قال الله تعالى في التنزيل في وصف قوم صالحين: * (وإذا مروا باللغوا مروا كراما * وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما). (وأقبلوا علي بقلوبكم) لكل عضو إقبال وادبار إقباله هو الإتيان بما هو مطلوب منه، وادباره هو الإتيان بضده، وإنما خص إقبال القلب بالطلب لأن القلب أشرف الأعضاء وأكمل، فإقباله وهو تذكر الرب وعدم الغفلة عنه أشرف وأفضل لأن إقباله مسلتزم لإقبال غيره من الأعضاء.

[ 128 ]

(فإني لست أريد ضرركم) ترغيب في قبول النصيحة لأن المنصوح إذا علم شفقة الناصح وبعد نصحه عن الغش والضرر يقبل على قبوله. (يا عيسى افرح بالحسنة فإنها إلي رضا) دل على أن الفرح والسرور بالحسنة من حيث أنها حسنة موافقة لرضاه تعالى ليس بعجب بل هو أيضا حسنة ولذلك أمر به وإنما العجب أن يسر بها من حيث أنه عمل بلغ به حد الكمال وخرج عن حد التقصير وفاق العابدين بالمنزلة الرفيعة عنده تعالى. (وابك على السيئة فإنها شين) البكاء على السيئة حسنة رافعة لها وهو أفضل العبادات للمذنبين، وما لا تحب أن يصنع بك فلا تصنعه بغيرك، هذا من لوازم العدل والإنصاف وحسن المخالطة والمعاملة مع الناس وبه يتم نظام العالم ويرتفع الجور في بني آدم. (وإن لطم خدك الأيمن فاعطه الأيسر) لا تعامله بالانتقام إذ يتولد منه المفاسد العظام، وهذا من آثار ملكة الحلم والعفو (وتقرب إلي بالمودة جهدك) أي بمودتي أو مودة الخلق من أهلها، ففيه على الثاني ترغيب في حسن المعاشرة، وعلى الأول في الترقي إلى مقام محبة الرب، والوصول إليه متوقف على مراقبة النفس ومحاسبتها وتصفية الظاهر والباطن عما ليس من طور الشريعة وتحليتهما بالفضائل اللايقة بهما ودوام الذكر والفكر (وأعرض عن الجاهلين) المستقرين في الجهل التابعين لإثارة أحكامه إذ معارضة الجهال جهل وسفه توجب طغيانهم في الجهالة والسفاهة وازديادهم في الأذى والإهانة، وهذا أيضا من آثار الحلم (يا عيسى ذل لأهل الحسنة) قال في القرآن المبين لسيد المرسلين: * (واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين) * وهذا من آثار ملكة التواضع. (وشاركهم فيها كما هو مقتضى القوة العقلية والعملية وكن عليهم شهيدا) تمنعهم من المهلكات وتبعثهم على الصالحات وتشهد لهم بها في القيامة (وقل لظلمة بني إسرائيل يا أخدان السوء والجلساء عليه) الأخدان جمع الخدن بالكسر وهو الصديق وفي كنز اللغة: أخدان " دوستان " والسوء بالفتح خصلة مذمومة من قول وفعل وخلق وقد يطلق على المتصف بها، وهذان الوصفان أعني محبة السوء وأهله ومحبة الجلساء عليه لا يجتمعان إلا في الجري على الله المستحق لعقوبته. (إن لم تنتهوا أمسخكم قردة وخنازير) وعيد لهم بالعقوبة الحاضرة غير ما مهد لهم من عقوبة الآخرة وقد وقع مسخ من لم ينته، على ما نقل في السير. (يا عيسى قل لظلمة بني إسرائيل الحكمة تبكي فرقا مني) الظاهر أن الحكمة بالتحريك: جمع الحاكم وهو صاحب الحكم والقدر والمنزلة من عند الله تعالى كالحفظة جمع الحافظ، ويحتمل أن يكون بكسر الحاء وسكون الكاف على حذف المضاف أي صاحب الحكمة وهي العدل والعلم

[ 129 ]

والحلم والنبوة، وفرقا مفعول له أي تبكي لأجل الخوف مني وخوفهم لمشاهدة العظمة واحتمال تقصيرهم في الطاعة وانتكاس حالهم في العاقبة أو لغير لذلك (وأنتم بالضحك تهجرون) أي تستهزئون، والهجر بالضم والسكون: الفحش والقبيح من الكلام، وهو اسم من " هجر يهجر " من باب قتل، وفي لغة أخرى: أهجر في منطقة إهجارا: أكثر حتى جاوز ما كان تكلم به قبل ذلك، وأهجر بالرجل استهزأ به وقال فيه قولا قبيحا ورماه بالكلمات التي فيها فحش وفضيحة، وهذه من باب لابن وتامر. (أتتكم براءتي أم لديكم أمان من عذابي أم تعرضون بعقوبتي ؟) في كنز اللغة: " براءة: بيزارى از شئ " يقال: برئ زيد من ذنبه يبرأ - مهموز اللام من باب علم - براءة: إذا سقط عنه طلبه حتى كأنه لم يحتج إليه فهو برئ منه وبارئ، والاستفهام للتوبيخ، وإنما ردد بين هذه الأمور الثلاثة لأن حالتهم المذكورة توجب أن يكون لهم واحد منها قطعا. ولكن الواقع لما كان هو الأمر الثالث (قال: فبي حلفت لأتركنكم مثلا للغابرين) أي للباقين إلى يوم الدين، والمثل بالتحريك: الحديث، وتفسير الغابرين بالماضين والمثل بالشبه والنظير بعيد. (ثم أوصيك يا ابن مريم البكر البتول) أي المنقطعة عن الرجال أو عن نساء زمانها فضلا ودينا وحسبا أو عن الدنيا إليه تعالى أو عن الحيض. (بسيد المرسلين) أي رئيسهم وأشرفهم وأكرمهم (وحبيبي) بمعنى الفاعل أو بمعنى المفعول، وقد بلغت المحبة بينهما غاية الكمال فلذلك خصه بهذا اللقب (فهو أحمد) كما نطق به القرآن الكريم: * (ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) * (صاحب الجمل الأحمر) وصفه بهذا وغيره من الأوصاف ليعرفوه بها عند ظهوره (والوجه الأقمر) أي الأبيض، اسم تفضيل من القمرة بالضم وهي لون إلى الخضرة أو بياض فيه، وفيه تشبيه لوجهه بالقمر في النور والضياء. (المشرق بالنور) أي بنور الظاهر لكمال حسنه أو الأعم منه ومن نور الباطن وهو العلم والحكمة وقد وجد فيه جميع جهات الحسن، الطاهر القلب لخلو قلبه عن جميع المقابح واتصافه بجميع المحاسن من أول العمر إلى آخره. (الشديد البأس) على الكافرين والبأس الشدة والقوة والشجاعة (الحيى المتكرم) لا يرتكب شيئا من الرذايل والقبايح حياء ولا يترك شيئا من المحاسن والمحامد تكرما ويعفو عن حقه تفضلا (فإنه رحمة للعالمين) باعتبار أنه يرشدهم إلى صراط مستقيم أو أنه سبب لرفع العقوبة الدنيوية عن أمته مثل المسخ وغيره أو أنه سبب لإيجاد العالم كما ورد " لولاك لما خلقت الأفلاك " أو أنه سبب لنجاة الخلائق يوم القيامة (وسيد ولد آدم) هذا أعم من السابق والسيد الفائق قومه المفزوع إليه في الشدائد وهو صلى الله عليه وآله كذلك في الدنيا والآخرة أما في الدنيا فلأن أصل وجود الممكنات لوجوده وكل من لحقته فتنة من الأنبياء توسلوا به فرفعها عنهم، وأما في الآخرة فلأن آدم

[ 130 ]

ومن دونه تحت لوائه وله المقام المحمود ومقام الشفاعة ومقام الوسيلة وهذه المنزلة ليست لأحد غيره. (يوم يلقاني) بالرحمة والرضوان. (أكرم السابقين علي) وهم الأنبياء والمرسلون لنور ذاته وشرف صفاته فله من الإحسان حظ أكثر ومن الإكرام نصيب أوفر (وأقرب المرسلين مني) فضلا عن غيرهم لأن ذاته أكمل وأتم وصفاته أفضل وأعظم فله من القرب منزلة أرفع وأعلى ومرتبة أدل وأدنى، وقد روي أن جميع الخلائق في طلب المنزلة والإكرام يرجعون إليه وفي دفع الخوف والعقوبة يلوذون بين يديه، ولولا شفاعته لم يدخل أحد دار السلامة ولم ينج من الحسرة والندامة ولم يستحق منزلة القرب والكرامة. (العربي الأمين) الأول في النسب، يقال: رجل عربي إذا كان ثابت النسب، والثاني في الشرف والحسب بحسب الذات والصفات فصار أمينا محل الاعتماد عليه في أمور الدين والدنيا وإظهار الحق وإبطال الباطل (الديان بديني) الدين: الطريقة الشرعية والصراط المستقيم الذي وضعه الله لعباده، والدين أيضا مصدر بمعنى التعبد يقال: دان بالإسلام دينا - بالكسر - أي تبعد به وتدين به كذلك، فهو دين وديان للمبالغة. (الصابر في ذاتي) لصبره على العبادات يحمله للمشقات وما وصل إليه من لئام الأمة وجهالها من النوائب والمصائب في ذات الله تعالى وطلبا لمرضاته (المجاهد المشركين بيده عن ديني) جهاده مع المشركين مشهور وفي كتب السير والأخبار مذكور وحروبه معهم كثيرة وقد حضر فيها مع قلة المؤونة والمعين بنفسه المقدسة إلا ما شذ، كل ذلك لأجل كشف دين الله تعالى وإظهاره وترويجه (إن تخبر به بني إسرائيل) الظاهر أنه بدل من قوله " سيد المرسلين " فهو المقصود بالوصية. (وتأمرهم أن يصدقوا به وأن يؤمنوا به ويتبعوه وأن ينصروه) عند تشرفهم بملازمته. (قال عيسى (عليه السلام): إلهي من هو حتى أرضيه) بحب صحبته والإتيان بخدمته أو يأمر بني إسرائيل إلى نصرته وطاعته أو بالإيمان به في غيبته (فلك الرضا) بذلك. (قال: هو محمد رسول الله إلى الناس كافة) نصب " كافة " على الحال أي جميعا، أو على المصدر أي يكفيهم عن الغير، أو السؤال في أمور دينهم ودنياهم كافة، لأنه يجئ بمقدار حاجتهم من غير نقص. (أقربهم مني منزلة) لكونه أشرفهم وأكملهم وأعلمهم وأقدمهم حسبا ونسبا، وهذا أعم مما ذكر (وأحضرهم شفاعة) يحتمل أن يكون هي الشفاعة الأولى وهي التي لتعجيل الحساب التي يلجأ إليه فيها جميع الخلق، ويحتمل أن تكون شفاعة المغفرة أو شفاعة الإخراج من النار أو

[ 131 ]

الجميع. (يحمده أهل الأرض) ولذلك سمي محمدا كما روي (ويستغفر له أهل السماء) أي لأمته أو له تبركا وتقربا منه، وقد مر توضيح ذلك في باب الاستغفار وغيره من شرح كتاب الأصول. (أمين ميمون) من اليمن بالضم وهو البركة والخير كالميمنة وفعله من باب علم وعني وجعل وكرم (طيب) لطهارته ونزاهته من الأرجاس الكريهة والأفعال القبيحة والأخلاق الذميمة (مطيب) بجوهر ذاته ونور صفاته وبالأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة (خير الباقين عندي) وكذلك خير الماضين كما مر لكونه أكمل ذاتا وصفاتا وأكثر علما وحلما وأحسن خلقا ورحمة وأعظم بركة وقوة واتصافه بغاية العبودية وبلوغه نهاية العبادة المطلوبة من الحقيقة الإنسانية. (يكون في آخر الزمان) إذ الزمان ينقطع بأمته ولا نبي بعده (إذا خرج أرخت السماء عزاليها) بفتح اللام وكسرها جمع العزلاء وزان حمراء وهو فم المزادة الأسفل وفيه إشارة إلى شدة وقطع المطر على التشبيه بنزوله من فم المزادة وقد مر في حديث نافع (وأخرجت الأرض زهرتها) أي نباتها وزروعها وأشجارها وأثمارها وزينتها وحسنها وبهجتها وخيرها، ومن ثم قل القحط في أمته (حتى يروا البركة) أي الزيادة والنماء والخير في العالم (وأبارك لهم فيما وضع يده عليه) تكثير قليل الطعام وغيره بوضع يده عليه مشهور في الأخبار والسير (كثير الأزواج قليل الأولاد) من صلبه وإلا فأولاد أولاده أكثر من أن تحصى (يسكن بكة موضع أساس إبراهيم) السكون المطلق يصدق على سكونه في بعض الأوقات وهو زمان تولده إلى وقت الهجرة. (يا عيسى دينه الحنيفية) أي المائلة من الباطل إلى الحق أو الطاهرة من النواقص والنواص أو ملة إبراهيم عليه السلام، والتأنيث باعتبار إرادة الملة من الدين أو بتقديرها (قبلته يمانية) لأن مكة من تهامة وتهامة من أرض اليمن ولهذا يقال: الكعبة اليمانية، كذا في النهاية (وهو من حزبي وأنا معه) معيته بالنصرة والإعانة والتوفيق، وحزب الله من جعلهم أعونا لدينه ووفقهم للعمل بما فيه رضاه (فطوبى له ثم طوبى له، له الكوثر) قيل: هو نهر في الجنة، وقيل الخير: الكثير من العلم والعمل وشرف الدارين، وقيل: أولاده وعلماء أمته، وقيل: القرآن والمشهور أنه حوض فيها أو في خارجها ويؤيده أن جماعة يطردون منها وهم لا يدخلون الجنة وهو فوعل من الكثرة والواو زائدة ومعناه الخير الكثير (والمقام الأكبر) من مقام جميع الرسل (في جنات عدن) قيل جنة عدن اسم لمدينة الجنة فيها جنان كثيرة هي مسكن الأنبياء والعلماء والشهداء وأئمة العدل والناس سواهم في جنات حواليها، وقد مرت. (يعيش أكرم من عاش) لكونه أكمل في القوة النظرية والعملية والأعمال البدنية والقلبية، والكرامة وحسن العيش تتفاوت بحسب تفاوتها (ويقبض شهيدا) سمته يهودية بشاة مسمومة وكفاه الله تعالى من ذلك السم وشفاه لكن بقي فيه شئ منه وقتله بعد حين ولذلك قال العلماء إن

[ 132 ]

الله سبحانه قد جمع له بذلك بين كرم النبوة وفضل الشهادة. (له حوض أكبر من بكة إلى مطلع الشمس) الظاهر أنه الكوثر المذكور مع احتمال أن يكون غيره وأن يراد بالكوثر المعنى الأول أو غيره من المعاني المذكورة، وقد ثبت أن له (صلى الله عليه وآله) حوضا في الآخرة، من طرق الخاصة والعامة، رواه مسلم عن سبعة عشر صحابيا ورواه غيره عن عشرة غيرهم، عنه (صلى الله عليه وآله) قال عياض: الإيمان به واجب والتصديق به من الإيمان. إذا عرفت هذا فنقول: لم يتبين أن هذا المقدار من جهة الطول أو من جهة العرض ولكن مر في كتاب الحجة في باب فرض الكون مع الأئمة (عليهم السلام) أنه قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) " عرضه ما بين صنعاء إلى ايلة فيه قدحان فضة وذهب عدد النجوم " فهذا يدل على أن المراد بالمقدار في هذا الخبر هو الطول، ولو جعل هذا أيضا تحديدا للعرض وقع الاختلاف بينهما، اللهم إلا أن يقال: المقصود منهما هو الكناية من السعة لا على التقدير المحقق، وجاء في بعض روايات العامة: أن زواياه سواء، قال عياض: قام البرهان على أن تساوي الزوايا ملزوم لتساوي الأضلاع فهو على هذا مربع متساوي الأضلاع، أقول: هذا غلط ظاهر لأن تساوي الزوايا لا يستلزم تساوي الأضلاع كما في المستطيل، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) " ترد علي أمتي الحوض وأنا أذود الناس عنه كما يذود الرجل إبل الناس عن إبله، وقالوا يا رسول الله تعرفنا قال نعم لكم سيماء ليست لأحد من الأمم غيركم تردون علي غرا محجلين من آثار الوضوء ولتصدن عني طائفة منكم فلا تصلون فأقول: يا رب هؤلاء من أصحابي فيجيبني ملك فيقول: فهل تدري ما أحدثوا بعدك " انتهى، أقول لعل من خالفنا عموا وصموا فلم يروا ولم يسمعوا أمثال هذا الخبر حتى حكموا بكفر من حكم بكفر واحد من الصحابة ولم يجوزوا أن تكون خلافة الثلاثة مما أحدثوا. يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء إلى سواء السبيل وقد ذكرنا كثيرا من رواياتهم الدالة على كفر كثير من الصحابة في كتاب شرح الأصول وسنذكر جملة أخرى منها فيما بعد إن شاء الله تعالى. (من رحيق مختوم) الرحيق: الخمر، والمراد بها خمر الجنة، والمختوم المصون الذي لم يتبدل لأجل ختامه (فيه آنية مثل نجوم السماء وأكواب مثل مدر الأرض). من طرق العامة عنه صلى الله عليه وآله قال: " حوضي مسيرة شهر وزواياه سواء وماؤه أبيض من الورق وريحه أطيب من المسك كيزانه كنجوم السماء فمن شرب منه فلا يظمأ بعده أبدا " وفي الآخر: " والذي نفس محمد بيده لآنيته أكثر من نجوم السماء " أقول: الكوب كوز لا عروة له أو لا خرطوم له، والآنية جمع الإناء والأواني جمع الآنية، والتشبيه في العدد والصفاء لا في الجرم لأن ما للنجوم من المساحة أكثر من مساحة الحوض، وهذا يحتمل أن يكون كناية عن الكثرة كما قيل في قوله تعالى * (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون) * ومنه قولهم كلمته في هذا ألف مرة وهو من باب المبالغة المعروف لغة ولا يعد

[ 133 ]

كذبا لكن يشترط في جوازه أن يكون المكنى عنه بذلك كثيرا في نفسه ويحتمل الحقيقة أيضا. لا يقال: لا يحتملها لأن مقدار الحوض من بكة إلى مطلع الشمس فلا تسع أطرافه آنية بعدد مدر الأرض. لأنا نقول: إن ما يشرب به منها يذهب ويخلق غيره فلا يلزم أن يكون هذا العدد موجودا مجتمعا في أطرافه، أو نقول: إنها بأيدي الملائكة عليهم السلام، والله أعلم. (عذب فيه من كل شراب) من أشربة الجنة إما بطريق المزج والتركيب أو بأن يكون في كل ناحية منه شراب خاص، والأول أظهر. (وطعم كل ثمار في الجنة) يحتمل أن يجده الذايقة منفردا أو مركبا (من شرب منه شربة لم يظمأ أبدا) أي لم يعطش. مثله في طريق العامة قال الأبي في كتاب إكمال الإكمال: هذا يدل على أن الشرب منه بعد الحساب وبعد الدخول في الجنة لأنه الذي لا يعطش، وقيل: لا يشرب منه إلا من لا يدخل النار، وقال العياض: الظاهر أن كل الأمة يشرب منه إلا المرتد ثم من يدخل النار بعده يحتمل أن لا يعذب فيها بالعطش بل بغيره. (وذلك من قسمي له وتفضيلي إياه) على ساير الرسل، في القاموس: القسم: العطاء وفي لفظة " من " دلالة على أن هذا بعض من عطاياه الكثيرة وتفضلاته الجزيلة. (على فترة بينك وبينه) الفترة ما بين الرسولين وهي ههنا خمسمائة عام عندنا وستمائة عام عندهم كما مر في حديث نافع (يوافق سره علانيته) مع الله ومع الخلق كلهم وهو أعظم أركان الإيمان ينتفي الإيمان بانتفائه رأسا (وقوله فعله) التوافق بين القول والفعل دائما في الأمور الحقة دليل على حد الكمال في القوة النظرية والعلمية، والتخالف بينهما دليل على الفساد في القوة العقلية (لا يأمر الناس إلا بما يبدأهم به) تأكيدا للسابق ودليل على أن الأمر بالشئ ينبغي أن يكون فاعلا له لئلا يتوجه إليه التوبيخ والذم والمقت في قوله تعالى * (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم) * وقوله تعالى * (لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) * وفيه مفاسد كثيرة ذكرنا بعضها في كتاب العلم (دينه الجهاد في عسر ويسر) وان قلوا وكثر الأعداء، وتقديم العسر لتقدمه في الواقع. (ينقاد له البلاد) أي أهلها، على حذف المضاف أو إطلاق المحل على الحال (ويخضع له صاحب الروم) مع كثرة عساكره وهو من باب ذكر الخاص بعد العام (على دين إبراهيم) أي على أصول دينه وآدابه المستمرة (يسمي عند الطعام) هي سنة مؤكدة روي عن أبي عبد الله (عليه السلام): " إن الرجل إذا أراد أن يطعم طعاما فأهوى بيده فقال: بسم الله والحمد لله رب العالمين، غفر الله عز وجل له قبل أن تصل اللقمة إلى فيه " (ويفشي السلام) كان (صلى الله عليه وآله) يسلم على كل من لقي من صغير وكبير ووضيع وشريف لحسن خلقه (ويصلي والناس نيام) كثرة صلاته حتى تورمت قدماه

[ 134 ]

مشهورة (له كل يوم خمس صلوات متواليات) يجئ بعضها بعد بعض بعدية مخصوصة (ينادي إلى الصلاة كنداء الجيش بالشعار) المراد به النداء بالأذان والإقامة، والشعار بالكسر: نداء في الحرب يعرف به أهلها ومنه أنه (صلى الله عليه وآله) جعل شعارهم يوم بدر: يانصر الله اقترب اقترب، ويوم أحد: يانصر الله اقترب، وكانت هذه الكلمة علامة بينهم بها يتعارفون. (يفتتح بالتكبير ويختم بالتسليم) ظاهره وجوب التسليم وخروج النية (ويصف قدميه في الصلاة كما تصف الملائكة أقدامها) صف القدمين أمر مطلوب في الصلاة وهو كما يفهم عن بعض الأخبار وضع إحداهما جنب الأخرى بحيث يكون البعد بينهما قدر شبر أو أربع أصابع مضمومة ويكون رؤوس أصابعهما نحو القبلة وقوله " كما تصف الملائكة " تأكيدا في الحض عليه. (ويخشع لي قلبه ورأسه) أريد بخشوع القلب دوام ذكره وانقياده والاعتقاد بعجزه وحاجته، وبخشوع رأسه تطامنه أو خشوع لسانه ودوام اشتغاله بالدعاء والتضرع وبسط الحاجة ونحو ذلك أو خشوع قواه الباطنة لأنها في الرأس. (النور في صدره) أي نور العلم والإيمان (والحق على لسانه) أي الكلام الحق والصدق لا يكذب قط صغيرا وكبيرا (وهو على الحق حيث ما كان) دوامه على جنس الحق أو على جميع أفراده يستلزم دوامها فيه وهو يستلزم عدم تطرق شئ من الباطل في وقت من الأوقات إليه. (أصله يتيم ضال برهة من زمانه عما يراد به) من إجراء أحكام دينه وحدوده والاشتغال بهداية الناس والجهاد مع الكفار وغير ذلك، والبرهة تضم الزمان الطويل أو أعم وهو مع كونه بيانا للواقع تنبيه على عظم نعمائه تعالى عليه حيث أنه رباه من هذه الحالة الى حالة خضعت له بها قلوب الخلائق وأعناق الجبابرة. (تنام عيناه ولا ينام قلبه) لكونه محلا للوحي ومشغولا بالرب ومحفوظا عن الحدث. وظاهره أن هذه الحالة كانت له قبل البعثة وبعدها وأمكن تخصيصها بما بعدها، وهذا مذكور في كتاب الحجة أيضا وشرحناه هناك على وجه يندفع التنافي بينه وبين ما رواه المصنف في كتاب الصلاة في باب من نام عنها من أنه (صلى الله عليه وآله) نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس. (له الشفاعة) لأمته وللأمم السابقة (وعلى أمته تقوم الساعة) إذ لا نبي بعده (ويدي فوق أيديهم) عند بيعتهم وعهدهم معه، وهذا من باب التخييل والتمثيل أو المراد باليد يد الرسول (صلى الله عليه وآله) أضيفت إليه تعالى للتشريف والتعظيم وهو مروي. (ومن نكث فإنما ينكث على نفسه) أي من نقض العهد فإنما ينقضه على نفسه لعود ضرره إليه لا إلى غيره. (ومن أوفى بما عاهد عليه) من الإيمان به والعمل بما جاء به ونصرته في الحروب بالنفس والمال (أوفيت له بالجنة) يقال وفى بالعهد وأوفى ووفى إذا أتمه وأكمله وأتى به كما هو حقه.

[ 135 ]

(فمر ظلمة بني إسرائيل أن لا يدرسوا كتبه) درس الرسم عفى، ودرسه الريح لازم متعد، والضمير في كتبه راجع إلى محمد (صلى الله عليه وآله)، والجمع إما للتعظيم أو لاشتمال كتابه على جميع ما في الكتب السابقة أو أريد به القرآن وغيره ومما كتبوه سماعا منه (صلى الله عليه وآله) (ولا يحرفوا سنته) من التحريف لا من الإحراق كما في بعض النسخ (وأن يقرئوه السلام) في القاموس: قرأ عليه السلام بلغه كأقرأه، ولا يقال أقرأه إلا إذا كان السلام مكتوبا (فإن له في المقام شأنا من الشأن) أي في مقام الشفاعة أو مقام القرب أو مقام القيامة أو مقام ظهوره (عليه السلام) والشأن: الخطب والأمر والحال، والتنكير للتعظيم. (يا عيسى كل ما يقربك مني) من الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة والآداب الكاملة والحكم البالغة والعلوم النافعة (فقد دللتك عليه) وهديتك إليه فخذها إليك (وكل ما يباعدك مني فقد نهيتك عنه فارتد لنفسك) أي اطلب لنفسك ما هو خير لك من هذين الأمرين، وارتد: أمر من الارتياد وهو طلب الشئ بالتفكر فيه مرة بعد أخرى كالرود والرياد، ومنه المراودة. (يا عيسى إن الدنيا حلو) الحلو بالضم: نقيض المر، إشارة به إلى وجه اغترار الناس بالدنيا وانخداعهم منها لحلاوة متاعها وزهراتها في بادي نظرهم فمالت إليها نفوسهم، وأما عند أولي الأبصار فهي مخلوطة بالأكدار أو آيلة إليها وما من أحد يتعرض لها إلا ويجدها متضمنة لمكاره شديدة ويجد في حلاوتها مرارة كما أشار إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) في ذمها. (وقد أمر) أي صار مرا منها ما كان حلوا وكدر منها ما كان صفوا. (وإنما استعملتك فيها) أي طلبت العمل منك فيها للآخرة (فجانب منها ما حذرتك منه) لأنه مع كونه معصية موجبة للبعد عن سبيل الحق والعمل للآخرة (وخذ منها ما أعطيتك عفوا) أي بغير مسألة تقول: أعطيته عفوا أي بغير مسألة وهو دليل على كمال العناية والشفقة وترغيب في الأخذ به. (يا عيسى انظر في عملك نظر العبد المذنب الخاطئ) أي كما أن ذلك العبد ينظر في ذنبه ويتذلل ويتملق عند مولاه لعله يتجاوز عن تقصيره فانظر أنت أيضا في عملك وعد نفسك مقصرة فيه وتذلل عند مولاك الحق طلبا للتجاوز عن تقصيرك (ولا تنظر في عمل غيرك بمنزلة الريب) أي الشك والتهمة في تقصيره فيه بل ظن أنه أتى به بقدر الإمكان، وفي بعض النسخ: " بمنزلة الرب " أي بمنزلة المربي والمتمم له باعتقاد النقصان فيه، وهذا قريب مما روي " أن من خصال العاقل أن يرى الناس كلهم خيرا منه وأنه شرهم في نفسه ". (فكن فيها زاهدا، ولا ترغب فيها فتعطب) أصل الرغبة فيها سبب للرغبة عن الآخرة خصوصا إذا كانت الرغبة مع لوازمها مثل صرف العمر فيما لا يعني، وتشتت القلب وقساوته وطول الأمل والغفلة عن الحق وغيرها من الرذائل اللازمة للدنيا، وكل ذلك يوجب العطب وخسران الأبد. (يا عيسى اعقل وتفكر) العقل: الإدراك، تقول: عقلت الشئ عقلا من باب ضرب إذا أدركته

[ 136 ]

وتدبرته، ومن باب تعب لغة، ثم أطلق على المدرك بالكسر، ولهذا قال بعض الناس: العقل غريزة يتهيأ به الإنسان إلى فهم الخطاب. والتفكر تردد القلب بالنظر والتدبر والرؤية لطلب معرفة الشئ أوله وآخره وحسنه وقبحه ونفعه وضره وخيره وشره. (وانظر في نواحى الأرض كيف كان عاقبة الظالمين) أمر بالعبرة من أحوال الظالمين حيث كانوا في جنات وعيون وزروع ومقام كريم مع أنصار وأولاد وأحفاد واحترام عظيم قد أخذهم الله تعالى بتخريب ديارهم وتقلب أحوالهم وتدمير أدبارهم وتقطيع آثارهم وغير ذلك من بأس الله وصولاته ووقايعه ومثلاته فصاروا بحيث لم يبق منهم إلا اسم ولا من ديارهم إلا رسم، مأخوذين بأعمالهم مقيدين بسلاسل أفعالهم مغلولين بأغلال أطوارهم مشغولين بالحسرة والندامة محرومين عن الرحمة والكرامة، فإن من تفكر في هذا حصلت له ملكة الانزجار عن حلال الدنيا فضلا عن حرامها وفضيلة الانقطاع عن خلاف الأولى فضلا عن الظلم بأهلها. ثم رغبه في الأخذ بوصيته وقوله مع الوعيد بالعذاب على تركه بقوله: (يا عيسى كل وصفي لك نصيحة وكل قولي لك حق) أي كل ما بينته لك نصيحة خالصة وكل ما قلته لك حق ثابت لا ريب فيه، فوجب عليك الأخذ به (وأنا الحق المبين) أبان الشئ: ظهر، وأبانه: أظهره وأوضحه لازم متعد، فعلى الأول أشار إلى ظهور وجوده، وعلى الثاني أشار إلى أنه أظهر جميع ما يحتاج إليه الخلق في كمالهم وبينه لهم، والغرض على التقديرين هو الحث على اتباع قوله و " نصحه ". (فحقا أقول لئن أنت عصيتني بعد أن أنبأتك مالك من دوني ولي ولا نصير) وعيد عظيم للعالم التارك لعلمه بأن عقوبته أشد وأقوى وهو باللوم أجدر وأحرى من الجاهل، وقد دل عليه كثير من الروايات. (يا عيسى أذل قلبك بالخشية) قد مر أنها تابعة للعلم بالله وأنها إذا حصلت لأحد تبعثه على القيام بالعبودية ورعاية الآداب وأداء وظايف الطاعات وترك المنهيات والتقصير في شئ من الحقوق فهي أصل لقبول النصايح ولذلك أمر بها مرارا (وانظر إلى من هو أسفل منك ولا تنظر إلى من هو فوقك) لأن ذلك يسهل أمر الدنيا والصبر على الفايت منها والرضا عن الرب بما أعطاه والحمد والشكر له بخلاف النظر إلى الفوق وقد مر وسيجئ أيضا، وهذا أصل عظيم لترك الدنيا والرضا بالمقدر. (واعلم أن رأس كل خطيئة أو ذنب هو حب الدنيا) الخطايا والذنوب كلها - مثل الكبر والحرص والحسد والزنا والرئاسة والعداوة والقتل وترك الأوامر للراحة وفعل المناهي للشهوة وغير ذلك - تابعة لحب الدنيا منبعثة من الميل إليها والخطيئة أعم من الذنب لأن ترك الأولى وخلاف المروة خطيئة وليس بذنب وفيه زجر عن حب الدنيا والركون إليها، وبالغ فيه فقال: (فلا تحبها فإني لا أحبها) لأن العاقل المحب لله تعالى لا يحب ما لا يحبه ويبغضه، ومن وجوه عدم

[ 137 ]

حبه تعالى للدنيا أنه لا يعصى إلا فيها، وأنها تخدع عباده بزهراتها وتمنعهم عما يوجب القرب منه. (يا عيسى أطب لي قلبك) أمره بتفريغ قلبه عما سواه وتطهيره عن الأخلاق الذميمة وتقويته بالأخلاق الفاضلة (وأكثر ذكري في الخلوات) لأنه في الخلوة أقرب إلى القبول والكمال وأبعد من الرياء والسمعة والاختلال وإلا فذكره مطلوب في جميع الأحوال، ولما كان الذكر أصلا لكل ما يتقرب به أمر به وبإكثاره مكررا. (واعلم أن سروري أن تبصبص إلي) التبصبص: التملق يقال: تبصبص الكلب بذنبه إذا حركه، وإنما يفعل ذلك من خوف أو طمع، ونسبة السرور إليه تعالى باعتبار إرادة لازمة وهو الرضا وإضافة الخيرات (كن في ذلك حيا ولا تكن ميتا) أراد به حياة النفس بالتوجه إليه والاشتغال به عن غيره. (يا عيسى لا تشرك بي شيئا) نهاه عن الشرك الجلي والخفي كمتابعة الهوى، إن الشرك لظلم عظيم (وكن مني على حذر) أمره بالحذر من عقوبته وخذلانه لأنه تعالى رقيب عليه يعلم سراير قلوبه كما يعلم ظواهر أعماله فوجب الحذر منه والتحرز من مخالفته. (ولا تغتر بالنصيحة) أي بنصيحتي لك وخطابي إياك كما يغتر جليس السلطان بخطابه أو بالعمل بنصيحتي كما يغتر العامل بعمله ويعجب به فإن ذلك يفسده، وفي بعض النسخ بالصحة. (ولا تغبط نفسك) أي لا تتمن نفسك ما في يد أهل الدنيا من متاعها من الغبطة وهي تمني نعمة لا تتحول عن صاحبها وفعلها من باب ضرب وسمع أو لا تفرح بمتاع الدنيا ومنه الاغتباط وهو الابتهاج بالحال الحسنة والسرور بها (فإن الدنيا كفئ زايل) نفر عن الدنيا بتشبيهها بالفئ في سرعة الزوال أو في أنه ليس بشئ ثابت حقيقة أو في الاستظلال به قليلا ثم الارتحال عنه كالمسافر أو في أنه يزول بالتدريج ويفنى آنا فآنا ويرى ساكنا والدنيا كذلك. (وما أقبل منها كما أدبر فنافس في الصالحات جهدك) المراد بما أقبل الزمان المستقبل، شبهه بما أدبر وهو الزمان الماضي في الانقضاء وعدم البقاء أو في عدم الاقتدار على العمل فيه أو في عدم وجودك فيه، فارغب في الأعمال الصالحة بقدر الطاقة والمكنة في الآن الذي أنت فيه وهو عمرك حقيقة أو المراد به الآن المذكور، والوجه هو الأول والعاقل اللبيب إذا نظر في هذا الكلام وعمل بمضمونه وراقب نفسه خلص من آفات الدنيا والآخرة. (وكن مع الحق حيثما كان) المراد بالحق إما الله تعالى أو الخيرات الدنيوية والاخروية التي أمر الله عز وجل بها وبالتزامها. (وإن قطعت وأحرقت بالنار فلا تكفر بي بعد المعرفة) نهى عن الارتداد والكفران بعد المعرفة والإيمان بوعيد المنكرين وتعذيب الكافرين والتقية منهم لأن المعرفة والإيمان أمر قلبي لا تقية فيه، نعم يجوز التقية في الأقوال والأعمال الظاهرة كما هو صريح بعض الروايات مع إمكان اختصاصه (عليه السلام) بعدم جواز التقية فيها أيضا.

[ 138 ]

(ولا تكن مع الجاهلين) الذين ركنوا إلى زهرات الدنيا وشهوات النفس والأهواء الباطلة واللذات الزايلة وأحكام الجهالة وطرق الضلالة، وفي بعض النسخ: " ولا تكونن من الجاهلين " والأول أنسب بقوله. (فإن الشئ يكون مع الشئ) فالصالح مع الفاسق فاسق والعالم مع الجاهل جاهل لأن علة الفسق والجهالة مسرية وصحبة الهالك والضال مردية، ولو فرض تخلصه من ذلك فهو عند الناس مثلهم في الضلالة والغواية، وفي بعض النسخ: " السئ " بالسين المهملة في الموضعين. (يا عيسى صب لي الدموع من عينيك واخشع لي بقلبك) طلب الجمع بين الأمرين خشوع القلب ودموع العينين إذ به يقطع العبد منازل الاشتياق ويصل إلى مقام القرب ويتخلص من ألم الفراق والخشوع وهو تفريغ القلب عن غيره تعالى، وصرف الهمة إلى جميع ما يتقرب به يوجب التذلل والخوف من التقصير والبقاء في منزل الحرمان وموضع الخسران والبعد عن المحبوب الحقيقي وبذلك يتحرك القلب ويجد ويتحرق ويغلي ويتصاعد الرطوبات وتنصب من العينين. (يا عيسى استغث بي في حالات الشدة فإني أغيث المكروبين وأجيب المضطرين) استغاث به طلب منه العون والنصرة في رفع الكرب والشدة فأغاثه إغاثة أي أعانه ونصره وكشف عنه شدته ورفع عنه كربته فهو مغيث (وأنا أرحم الراحمين) دل على أن الإغاثة والإجابة بفضل رحمته. * الأصل: - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن منصور بن يونس، عن عنبسة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا استقر أهل النار في النار يفقدونكم فلا يرون منكم أحدا فيقول بعضهم لبعض، * (مالنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار * أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار) * قال: وذلك قول الله عز وجل: * (إن ذلك لحق تخاصم أهل النار) * يتخاصمون فيكم فيما كانوا يقولون في الدنيا. * الشرح: قوله (إذا استقر أهل النار في النار يفقدونكم) فقدته فقدا من باب ضرب وقعد: عدمته، فهو مفقود وفقيد وتفقدته طلبته عند غيبته.

[ 139 ]

حديث إبليس * الأصل: - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار. عن صفوان، عن يعقوب ابن شعيب قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): من أشد الناس عليكم ؟ قال: قلت: جعلت فداك كل، قال: أتدري مم ذاك يا يعقوب ؟ قال: قلت لا أدري جعلت فداك، قال: إن إبليس دعاهم فأجابوه وأمرهم فأطاعوه ودعاكم فلم تجيبوه وأمركم فلم تطيعوه فأغرى بكم الناس. * الشرح: قوله (حديث إبليس) في إغوائه الناس على الشيعة وإرادة إيصال المكروه إليهم (قال قلت جعلت فداك كل) أي كل في غاية الشدة وكمالها حتى لا يمكن أن يقال بعضهم أشد من بعض (قال إن إبليس دعاهم فأجابوه وأمرهم فأطاعوه) أي دعاهم إلى ترك ولاية أمير المؤمنين وأولاده الطاهرين (فأجابوه وأمرهم) بطاعة أئمة الجور (فأطاعوه) فأغرى بكم الناس، أغراه به إذا أولعه وأغرى بينهم العداوة ألقاها كأنها ألزقها بهم والغراء بالكسر ما يلصق به معمول من الجلد وقد يعمل من السمك. * الأصل: - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا رأى الرجل ما يكره في منامه فليتحول عن شقه الذي كان عليه نائما وليقل: * (إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله) * ثم ليقل: " عذت بما عاذت به ملائكة الله المقربون وأنبياؤه المرسلون وعباده الصالحون من شر ما رأيت ومن شر الشيطان الرجيم ". * الشرح: قوله (إذا رأى الرجل ما يكره في منامه فليتحول عن شقه الذي كان عليه نائما) أي إذا رأى ما يهوله ويفزعه ويشوشه، وقد مر أن ذلك من الشيطان، ولعل أمره بالتحول ليتم تيقظه وللتفؤل بتحول الرؤيا عن تأويلها المكروه وأنها لا تضر، وقد ورد نظير ذلك من طريق العامة عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " الرؤيا من الله والحلم من الشيطان فإذا رأى أحدكم شيئا يكرهه فلينفث عن يساره ثلاث مرات وليتعوذ من شرها وليتحول عن جنبه الذي كان عليه " والنفث والبصق بمعنى واحد ولعل النفث هو طرد للشيطان الذي حضر الرؤيا المكروهه واسترذال له كما يبصق على الشي المستقذر (وليقل إنما النجوى من الشيطان..) إذا قال ذلك أذهب الله سبحانه عنه الفزع والتشويش وما دل عليه المنام من الأمر المكروه، كما جاء أن الصدقة تدفع البلاء إذا فعل ذلك مصدقا متكلا على الله سبحانه في دفع المكروه.

[ 140 ]

* الأصل: - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه جميعا، عن ابن محبوب، عن هارون بن منصور العبدي، عن أبي الورد، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لفاطمة عليها السلام في رؤياها التي رأتها: قولي: " أعوذ بما عاذت به ملائكة الله المقربون وأنبياؤه المرسلون وعباده الصالحون من شر ما رأيت في ليلتي هذه أن يصيبني منه سوء أو شئ أكرهه " ثم انقلبي عن يسارك ثلاث مرات. * الشرح: (ثم انقلبي عن يسارك ثلاث مرات) انقلبي من الانقلاب في النسخ التي رأيناها، وثلاث مرات متعلق ب‍ " قولي "، وفيه أن الانقلاب إنما هو عن الشق الذي وقع النوم عليه كما مر لا عن اليسار إلا إذا ثبت أنها (عليها السلام) كانت تنام على اليسار وهو كما ترى، والظاهر أنه تصحيف اتفلي بالتاء المثناة الفوقانية، والفاء من التفل وهو شبيه بالبزق وقد تفل يتفل ويتفل، ويؤيده ما روي من طريق العامة عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " الرؤيا الصالحة من الله فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث بها إلا من يحب وإذا رأى ما يكره فليتفل عن يساره ثلاثا وليتعوذ بالله من شر الشيطان وشرها ولا يحدث بها أحدا فإنها لا تضره " ولهم روايات متكثرة في هذه المعنى إلا أن في بعضها فلينفث ثلاثا وفي بعضها فليبصق والتفل والنفث والبصق بمعنى واحد، والتفاوت بالقلة والكثرة، كما يفهم من كلام الجوهري وكون ذلك على اليسار لأنها محل الشيطان والأقذار وقيل يحتمل أن يجعل الله تعالى ذلك التفل ما يطرد به الشيطان ويبعده.

[ 141 ]

حديث محاسبة النفس * الأصل: - علي بن إبراهيم، عن أبيه، وعلي بن محمد جميعا، عن القاسم بن محمد، عن سليمان بن داود المنقري، عن حفص بن غياث قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا أراد أحدكم أن لا يسأل ربه شيئا إلا أعطاه فلييأس من الناس كلهم ولا يكون له رجاء إلا من عند الله عز ذكره، فإذا علم الله عز وجل ذلك من قلبه لم يسأله شيئا إلا أعطاه، فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا عليها فإن للقيامة خمسين موقفا كل موقف مقداره ألف سنة، ثم تلا: * (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون) *. * الشرح: (حديث محاسبة النفس) بصرفها عن المقابح وحبسها على المحاسن. (إذا أراد أحدكم أن لا يسأل ربه شيئا إلا أعطاه فلييأس من الناس كلهم..) دلت الروايات المعتبرة على أن من له رجاء إلى مخلوق وجعله معتمدا لحصول رجائه وكله الله إليه فلو دعا الله حينئذ فقد جعله شريكا له في قضاء الحوائج وكل عمل له ولشريكه يرده إلى شريكه لأنه تعالى لا يقبل إلا ما خلص له. (فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا عليها) جعل الله العقل والنفس تاجرين شريكين في التجارة للآخرة والعمر رأس المال والطاعة والقرب ودخول الجنة ربحها، والبعد وخلود الناس خسرانها، وجعل العقل لاتصافه بالأمانة أميرا رقيبا حاكما على النفس الأمارة لاتصافها بالخيانة ولذلك خاطبه بقوله بك أثيب وبك أعاقب كما في كتاب العقل. وجعل النفس تابعة له في تلك التجارة لأنه يستعين بها وبقواها والباطنة والظاهرة التي هي بمنزلة الخدم لها في تلك التجارة، كما يستعين التاجر الدنيوي بشريكه ثم يحاسبه الله تعالى لكونه الشريك الأعظم في مواقف القيامة التي هي موقف المعرفة وموقف الإيمان وموقف الرسالة وموقف الولاية وموقف الصلاة وموقف الزكاة وغيرها من الحقوق والطاعات فوجب على العقل أن يحاسب النفس في أوان التجارة ليأمن من خيانتها ويجعلها مطمئنة ويسهل له الحساب في مواقف القيامة أو يتخلص منه، وحقيقة تلك المحاسبة أن يضبط عليها أعمالها وحركاتها وسكناتها وخطراتها ولحظاتها ولا يغفل عن مراقبتها ويصرفها إلى الخيرات ويزجرها عن المنهيات ويعاتبها ويجاهدها ويعاقبها فإن رأى أنها مالت إلى كسب معصية أو ترك طاعة يوبخها بأن ذلك من الحمق والجهل بالله وبأمر الآخرة وبعقوباتها وخسرانها ويجاهدها حتى ترجع عنه إلى الخير ويعاقبها بترك كثير من المباحات وتحميل كثير من المندوبات ويضيق عليها لينقطع ميلها إلى فعل المنهيات

[ 142 ]

وترك المفروضات وهكذا يفعل بها في حال جميع الاكتسابات حتى تصير منقادة مطمئنة تصلح أن تخاطب بيا * (أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية) * ويتخلص من حساب يوم القيامة (فإن للقيامة خمسين موقفا كل موقف مقداره ألف سنة ثم تلا " في يوم كان مقداره خمسين [ هكذا ] ألف سنة مما تعدون) يفهم منه أن مدة المواقف يوم وأن مقدار ذلك اليوم خمسين ألف سنة من سني الدنيا، وهذا ينافي ظاهر قوله تعالى * (وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون) * وظاهر قوله فيما سبق " واعبدني ليوم كألف سنة مما تعدون ". ورفع هذه المنافاة بعض المحققين بأن يوم الآخرة وسنيها أمر موهوم وبينه بأن يوم الآخرة لا يمكن حمله على حقيقته إذ اليوم المعهود عبارة عن زمان طلوع الشمس إلى مغيبها وبعد خراب العالم على ما نطقت به الشريعة لا يبقى ذلك الزمان فتعين حمل اليوم على مجازه وهو الزمان المقدر بحسب الوهم القايس لأحوال الآخرة إلى أحوال الدنيا وأيامها إقامة لما بالقوة مقام ما بالفعل وكذلك السنة وحينئذ قوله تعالى * (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) * وفي موضع * (كان مقداره ألف سنة) * إشارة إلى تلك الأزمنة الموهومة لشدة أهوال أحوال الآخرة وضعفها وطولها وقصرها وسرعة حساب بعضهم وخفة ظهره وثقل أوزار قوم آخرين وطول حسابهم، كما روي عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى * (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) * قال هو يوم القيامة جعل الله على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة وأراد أن أهل الموقف لشدة أهوالهم يستطيلون بقاءهم فيها وشدتها عليهم حتى تكون في قوة ذلك المقدار، وعن أبي سعيد الخدري قال: قيل لرسول الله (صلى الله عليه وآله): في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ما طول هذا اليوم ؟ قال " والذي نفسي بيده إنه ليخف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة تصليها في الدنيا " وهذا يدل على أنها يوم موهوم وإلا لما تفاوت في الطول والقصر إلى هذه الغاية. * الأصل: - وبهذا الإسناد، عن حفص، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من كان مسافرا فليسافر يوم السبت فلو أن حجرا أزال عن جبل يوم السبت لرده الله عز وجل إلى موضعه من تعذرت عليه الحوائج فليلتمس طلبها يوم الثلاثاء فإنه اليوم الذي ألان الله فيه الحديد لداود (عليه السلام). * الشرح: قوله (قال من كان مسافرا فليسافر في يوم السبت) أي من أراد السفر وقد يراد من الفعل الاختياري مباديه كما في قوله تعالى " فإذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم " أي إذا أردتم القيام إليها ويوم الثلاثاء بالمد والضم. * الأصل: - وبهذا الإسناد، عن حفص، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: مثل الناس يوم القيامة إذا قاموا لرب

[ 143 ]

العالمين مثل السهم في القرب ليس له من الأرض إلا موضع قدمه كالسهم في الكنانة لا يقدر أن يزول هاهنا ولا هاهنا. * الشرح: قوله (مثل الناس يوم القيامة إذا قاموا لرب العالمين مثل السهم في القرب) أي في قرب بعضهم من بعض وفي بعض النسخ في القرن وهو بالتحريك جعبة من جلود تشق وتحرز وتجعل فيها السهام وإنما تشق كي تصل الريح إلى الريش فلا يفسد (ليس له من الأرض إلا موضع قدمه كالسهم في الكنانة) الكنانة بالكسر جعبة السهام. * الأصل: - وبهذا الإسناد، عن حفص قال: رأيت أبا عبد الله (عليه السلام) يتخلل بساتين الكوفة فانتهى إلى نخلة فتوضأ عندها ثم ركع وسجد فأحصيت في سجوده خمسمائة تسبيحة. ثم استند إلى النخلة فدعا بدعوات، ثم قال: يا [ أبا ] حفص إنها والله النخلة التي قال الله جل وعز لمريم (عليها السلام) * (وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا) *. * الشرح: قوله (يتخلل بساتين الكوفة) أي يدخل بينها وفي خلالها. (وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا) الهز الإمالة والتحريك بحذب ودفع والباء زائدة للتأكيد، و " تساقط " مجزوم بعد الأمر، وفاعله ضمير النخلة وأصله تتساقط أدغمت التاء الثانية في السين، ورطبا تميز، قال القاضي: روى أنها كانت نخلة يابسة لا رأس لها ولا ثمر وكان الوقت شتاء فهزتها فجعل الله تعالى لها رأسا وخوصا ورطبا، وتسليها بذلك لما فيه من المعجزات الدالة على براءة ساحتها وأن مثلها لا يتصور لمن ارتكب الفواحش والمنبهة لمن رآها على أن من قدر أن يثمر النخلة اليابسة في الشتاء قدر أن يحبلها من غير فحل فقال وإنه ليس ببدع من شأنها. * الأصل: - حفص، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال عيسى (عليه السلام) اشتدت مؤونة الدنيا ومؤونة الآخرة أما مؤونة الدنيا فإنك لا تمد يدك إلى شئ منها إلا وجدت فاجرا قد سبقك إليها وأما مؤونة الآخرة فإنك لا تجد أعوانا يعينونك عليها. * الشرح: قوله (اشتدت مؤونة الدنيا وموؤنة الآخرة) المؤونة الثقل وهي إما على وزن فعولة بفتح الفاء والجمع مؤونات مثل مقولة ومقولات أو على وزن فعلة بضم الفاء والجمع مؤن مثل غرفة وغرف. * الأصل: - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن يونس بن عمار قال سمعت:

[ 144 ]

أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: أيما مؤمن شكا حاجته وضره إلى كافر أو إلى من يخالفه على دينه فكأنما شكا الله عز وجل إلى عدو من أعداء الله، وأيما رجل مؤمن شكا حاجته وضره إلى مؤمن مثله كانت شكواه إلى الله عز وجل. * الشرح: قوله (أيما مؤمن شكا حاجته وضره إلى كافر..) مثله قول أمير المؤمنين (عليه السلام): " من شكا الحاجة إلى مؤمن فكأنما شكا إلى الله ومن شكاها إلى كافر فكأنما شكا الله "، قيل: والوجه في ذلك أن المؤمن من حزب الله والشاكي إليه يجعله وسيلة يتوسل به إلى الله سبحانه والكافر من أعداء الله فالشكاية إليه شكاية عن الله حيث أظهر سره إلى عدوه، والأول محمود إلا عند المتوكلين، قال الله تعالى حكاية عن يعقوب: * (إنما أشكو بثي وحزني إلى الله) * وقال " تشتكي إلى الله " والثاني مذموم شرعا وعقلا. * الأصل: - ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن الوليد بن صبيح، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله عز وجل أوحى إلى سليمان بن داود (عليهما السلام) أن آية موتك أن شجرة تخرج من بيت المقدس يقال لها: الخرنوبة، قال: فنظر سليمان يوما فإذا الشجرة الخرنوبة قد طلعت من بيت المقدس فقال لها: ما اسمك ؟ قالت: الخرنوبة، قال: فولى سليمان مدبرا إلى محرابه فقام فيه متكئا على عصاه فقبض روحه من ساعته، قال: فجعلت الجن والإنس يخدمونه ويسعون في أمره كما كانوا وهم يظنون أنه حي لم يمت، يغدون ويروحون وهو قائم ثابت حتى دبت الأرضة من عصاه فأكلت منسأته فانكسرت وخر سليمان إلى الأرض أفلا تسمع لقوله عز وجل: * (فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين) *. * الشرح: قوله (إن آية موتك أن شجرة تخرج من بيت المقدس يقال لها الخرنوبة) الخروب بالتشديد وقد يفتح: شجرة برية ذات شوك وخمل كالتفاح لكنه بشع وشامية ذات خمل كالخيار شنبرا إلا أنه عريض وله رب وسويق، والخرنوب بالضم لغة فيه (وهو قائم ثابت حتى دبت الأرض) في بعض النسخ: دنت بالنون (من عصاه فأكلت منسأته فانكسرت وخر سليمان (عليه السلام) إلى الأرض) الأرضة بالتحريك دابة معروفة تأكل الخشبة والمنسأة كمكنسة العصا من نسأت البعير إذا طردته لأنه يطرد بها (أفلا تسمع لقوله عز وجل * (فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين) *) زعموا أنهم يعلمون الغيب وكانوا يدعونه عند الناس فأظهر الله تعالى كذبهم فإنهم لو علموا الغيب لعلموا موته حين وقوعه فلم يلبثوا بعده حولا في العذاب المهين.

[ 145 ]

* الأصل: - ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن سدير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: أخبرني جابر بن عبد الله ان المشركين كانوا إذا مروا برسول الله (صلى الله عليه وآله) حول البيت طأطأ أحدهم ظهره ورأسه هكذا وغطى رأسه بثوبه لا يراه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأنزل الله عز وجل: * (ألا أنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون) *. * الشرح: قوله (إن المشركين كانوا إذا مروا برسول الله (صلى الله عليه وآله) حول البيت طأطأ أحدهم ظهره ورأسه هكذا) أي حنى ظهره وعطفه وخفض رأسه وهكذا إشارة إلى صورة فعله ولعل صدور هذا الفعل منه لكمال عداوته إن كان قبل النهي عن دخول المشركين في المسجد، أو للخوف من النبي (صلى الله عليه وآله) إن كان بعده ثم هذا الفعل يمكن أن يكون قبل الهجرة وبعدها في طواف العمرة أو في حجة الوداع، والآية على التقادير مكية، وعلى الأخيرين يمكن أن يراد بالمشركين المنافقون كما ذهب إليه بعض المفسرين، ولا يرد عليه ما أورده القاضي من أن هذا القول منظور فيه لأن الآية مكية والنفاق إنما حدث في المدينة فليتأمل (يعلم ما يسرون) من الشرك والعداوة والنفاق (وما يعلنون) من قبايح الأعمال وفضايح الأفعال والأقوال فيجزيهم على كل منهما. * الأصل: - ابن محبوب، عن أبي جعفر الأحول، عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن الله عز وجل خلق الجنة قبل أن يخلق النار وخلق الطاعة قبل أن يخلق المعصية وخلق الرحمة قبل الغضب وخلق الخير قبل الشر (1) وخلق الأرض قبل السماء وخلق الحياة قبل الموت وخلق


(1) قوله " وخلق الخير قبل الشر " إشارة إلى قاعدة معروفة بإمكان الأشرف في فن المعقول. وكل شئ هو أشرف وأكمل لابد أن يكون أقرب إلى الله تعالى ولذلك يقولون أول ما خلق الله العقل لأن العقل أشرف مما ليس بعاقل، والروحانيون خلقوا قبل الجسمانيين لأنهم أشرف وهكذا ثم أن الغضب والمعصية والشر وأمثالها مجعولة بالعرض وما بالعرض مؤخر عما بالذات، والله تعالى خلق الناس وركب فهم أسباب الطاعة، ومنها أنه خلقهم مختارا وجعل فيهم الشهوة والغضب وهما من أسباب الطاعة أيضا فصرفهما العبد بمقتضى الاختيار في معصية الله تعالى ولم يجعل الله هذه الطبايع لمعصية الله تعالى بل للطاعة فصرفها إلى المعصية بالعرض. والاختيار مجعول في جبلة الناس لمصلحة بعناية الله تعالى وهو خير ذاتا، وصرفه إلى المعصية والشر بالعرض، وهذا مذهب الإلهيين، وأما الماديون والملاحدة فيعتقدون خلاف ذلك وهو أن الحياة متأخرة عن المواد الجامدة وإنما حصلت بتركيب العناصر والعقل متأخر عن الحياة المطلقة وإنما وجد في الإنسان بخاصية ومزاج في دماغه ولو لم يكن تركيب وجسم وعناصر لم يكن عقل، وبالجملة العقل والحياة عند هؤلاء عرض من أعراض الأجسام ولم يكن أول الخلقة عقل ولا حياة وكان الموت قبل الحياة والظلمة قبل = (*)

[ 146 ]

الشمس قبل القمر وخلق النور قبل الظلمة. * الشرح: قوله (إن الله خلق الجنة قبل أن يخلق النار وخلق الطاعة قبل أن يخلق المعصية) كان المراد بالخلق التقدير دون (1) الإيجاد والتكوين لأن الإيجاد لا يصح في بعض المذكورات كالطاعة والمعصية عند أرباب العصمة (عليهم السلام) ولعل تعلق التقدير أولا بالأمور المقدمة باعتبار أنها أشرف، وهذا ظاهر في غير الأرض والسماء ويمكن أن يقال الأرض أيضا أشرف (2) من حيث إنها مهد للإنسان أحياء وأمواتا ومعبد للأنبياء والأوصياء والصلحاء وفيها معاشهم والسماء مخلوقة لأجلهم كما دل عليه ظاهر الآيات والروايات ثم الترتيب بين التقديرات المتقدمة وكذا بين التقديرات المتأخرة غير ظاهر ولا مستفاد من هذا الحديث لأن الواو لمطلق الجمع والتقديم الذكري غير مفيد. * الأصل: - عنه، عن عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن الله خلق الخير يوم الأحد وما كان ليخلق الشر قبل الخير وفي يوم الأحد والاثنين (3) خلق الأرضين، وخلق أقواتها في يوم


= النور وهكذا. (ش) (1) قوله " كان المراد بالخلق التقدير " قال المجلسي رحمه الله: خلق الطاعة أي قدرها قبل المعصية وتقديرها وكذا في الفقرتين بعدها. (ش) (2) قوله ويمكن أن يقال الأرض أيضا أشرف، وعلى هذا فيعم الكلام خلق الأشرف قبل غيره لأن السماء ليس شرا بل هي أشرف من وجه الأرض أشرف من وجه وقال الله تعالى: * (وفي السماء رزقكم وما توعدون) * ولولا شرفها بالنسبة لم يكن معراج النبي (صلى الله عليه وآله) فخرا له وشرفا ولم يكن الجنة في السماء ولم يمنع المعاندون من السماوات كما قال تعالى: * (لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة) * ولعل المراد بالسماوات التي هي أشرف غير ما هو مؤخر في الخلق هنا فإن السماوات إطلاقات واختلفت الروايات وظاهر الآيات في خلق السماوات قبل الأرضين أو بعدها، والأمر سهل. (ش) (3) قال البيضاوي: أي في مقدار يومين أو بنوبتين وخلق في كل نوبة ما خلق في أسرع ما يكون، ولعل المراد بالأرض ما هو جهة السفل من الأجرام البسيطة ومن خلقهما في يومين أنه خلق لها أصلا مشتركا ثم خلق لها صورا بها صارت أنواعا، انتهى. أقول: خلق الأرض والسماء وما فيها في ستة أيام مذكور في التوراة، والمقصود منه بيان حكمة تقسيم الأسبوع والحكم بتشريع يوم للراحة في كل سبعة أيام وكيف اختير هذا العدد في شرايع الأنبياء ولم يكن عند الفرس وغيرهم يوم في ترتيب الأعداد بل كان عيد العجم في كل يوم ينطبق اسمه مع اسم الشهر فقط كيوم فروردين في شهره ويوم خرداد في شهر خرداد. وكان لليهود سبت سنوي يعطلون المزارع والأراضي في كل سبع سنين سنة واحدة فذكر الله تعالى هذه المناسبة بأن الله تعالى خلق ما خلق في ست نوب فاعملوا أنتم في ستة أيام أو في ست سنين ورأى الله المصلحة في إبقاء هذا التقسيم في شريعة عيسى (عليه السلام) وشريعتنا فبقي الاسبوع = (*)

[ 147 ]

الثلاثاء، وخلق السماوات يوم الأربعاء ويوم الخميس وخلق أقواتها يوم الجمعة وذلك قوله عز وجل: * (خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة ايام) *. * الشرح: قوله (إن الله خلق الخير يوم الأحد وما كان ليخلق الشر قبل الخير) يمكن أن يراد بالخير هنا الجنة وبالشر النار، وقد فسر الخير والشر بهما بعض المحققين كما أشرنا إليه في شرح التوحيد، وأن يراد بالخلق هنا التكوين إذ لا مانع منه ويؤيده قوله * (خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام) * إذ الظاهر من الخلق فيه التكوين والإيجاد (وفي الأحد والاثنين خلق الأرضين وخلق أقواتها في يوم الثلاثاء..) لعل المراد بالقوت هنا كل ما ينتفع به ذو روح وإن اشتهر إطلاقه على ما يؤكل وبأقوات السماوات أسباب الأقوات المقدرة فيها لأهل الأرض كالمطر ونحوه والإضافة فيهما بتقدير " في " أو لأدنى ملابسة. لا يقال: أيام الأسبوع وأسماؤها إنما تحققت بعد خلق السماوات والأرضين فكيف تكون قبلها. لأنا نقول: هذه الأيام كانت في علم الله تعالى فنزل العلم منزلة المعلوم أو نزل الزمان الموهوم بمنزلة الموجود (1) فأجري عليه حكمه.


= والعمل ستة أيام وأن تغير يوم الراحة. وقال تعالى بعدد ذكر الخلق ستة أيام في سورة السجدة وكون خلق الأرض واقواتها في أربعة أيام * (سواء للسائلين) * وأن حفظ هذا الإصطلاح صلاح للناس كما في ساير الأمور، والعلماء وأصحاب الفنون متوافقون عليه مثلا قسموا الدائرة على ستين وثلاثمائة جزءا وسموه درجة وكان تقسيمه بغير هذا الطريق ممكنا لأنهم استحسنوه وحفظ من جاء بعدهم اصطلاحهم لئلا يتشوش الحسابات في الأدوار المختلفة ويفهم كل واحد ما قاله الآخر ولا يحتاج إلى الحسابات المعضلة في تقدير المقادير كما ترى في تطبيق الرطل والمن والصاع والدرهم على المقادير التي غيرها الناس في كل زمان، وقال الله تعالى * (سواء للسائلين) * إشارة إلى هذه المصلحة العامة وإلا فالذي يقابل الليل في العربي الفصيح الصريح هو النهار، ولذا لا ترى في القرآن الكريم في مقابلة الليل إلا لفظ النهار ففي كل موضع تجد الليل والنهار ولا تجد اليوم والنهار في موضع البتة وأما، اليوم فكثيرا ما يطلق على الوقت المطلق مثل: * (إن يوما عند ربك كألف سنة) * وكذلك يقال يوم الفجار أي أيام حرب الفجار ويوم داحس أي زمان هذه الحرب ودامت أربعين سنة وهكذا فسر * (فذكرهم بأيام الله) * أي الأوقات التي أنعم فيها على بني إسرائيل، وهكذا على ما ذكر أهل التفسير، وفي تفسير علي بن إبراهيم في قوله تعالى في ستة أيام أي في ستة أوقات وفي يومين أي في وقتين ابتداء الخلق وانقضاؤه. انتهى قوله (ش) (1) " نزل الزمان الموهوم بمنزلة الموجود ". أقول أما الزمان الموجود بمقتضى كلام الشارح فمتفرع على خلق السماوات والأرضين وأما الزمان المقدم عليه فهو موهوم، والمراد بالموهوم في اصطلاح أهل العلم ما ليس له حقيقة في الخارج وإنما يتصوره الإنسان في ذهنه مثل أن يفرض بين جسمين متصلين ألف فرسخ أو يتصور بين آخر النهار وأول الليل بعده ألف سنة وأما الذي لا يتوقف حقيقته على تصور الإنسان وهو ثابت محقق سواء تصوره أم لا فليس موهوما، مثلا بين الأرض والقمر ستون ألف فرسخ سواء علمه وتصوره أحد = (*)

[ 148 ]

* الأصل: - ابن محبوب، عن حنان، وعلي بن رئاب، عن زرارة قال: قلت له: قوله عز وجل: * (لأقعدن لهم صراطك المستقيم * ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين) * قال: فقال أبو جعفر (عليه السلام): يا زرارة إنه إنما صمد لك ولأصحابك فأما الآخرون فقد فرغ منهم. * الشرح: قوله (لأقعدن لهم صراطك المستقيم) أي لأرصد لهم كما يرصد قطاع الطريق، للقافلة، والصراط المستقيم الإيمان ونصبه على الظرف (ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين) أي لآتينهم من جميع الجهات الممكنة وهي هذه الأربع لإضلالهم وإغوائهم بأي وجه يمكن من الماليات والفروج والآمال والأعمال والتدليسات وغير ذلك مما لا يحصى من طرق وساوسه كما يأتي قاطع الطريق القافلة من هذه الجهات، وعن ابن عباس من بين أيديهم من قبل الآخرة ومن خلفهم من قبل الدنيا، أو عن أيمانهم وعن شمائلهم من قبل الحسنات والسيئات، وقيل: لم يقل من فوقهم لأن الرحمة تنزل منه ولم يقل من تحتهم لأن الإتيان منه يوحش، والحق أنه لم يقلهما جريا على المعتاد من إتيان العدو على عدوه. (فقال أبو جعفر عليه السلام يا زرارة إنما صمد لك ولأصحابك) يعني أن اللعين قصد بذلك


= أو لم يتصوره، وهذا أمر حقيقي واقعي وإن كان الفضاء خاليا باعتقاد أهل عصرنا وليس موهوما، كذلك بين مبدأ تاريخ النصارى والهجرة النبوية الشريفة 622 سنة في الواقع سواء تصوره أحد أم لم يتصوره، والموهوم أن يتصور بينهما يوما واحدا أو ألف سنة خلاف الواقع وإلا لم يكن فرق بين الحقيقي والموهوم، هذا وأما أكثر العوام فيعتقدون الزمان شيئا موجودا بذاته لا يمكن فرض عدمه عندهم كما يعتقدون الفضاء الخالي كذلك فهم قائلون بنوع من تثليث الواجب: الأول هو الله تعالى الحي القيوم خالق كل شئ. الثاني الفضاء والمكان الخالي فيعتقدون أنه كان موجودا بذاته وإنما خلق ساير الأشياء وجعلت فيه. الثالث الزمان هو أيضا كان موجودا قبل خلق الأشياء وهذا رأي بعض الفلاسفة القدماء وبعض أهل الدين والمتشرعين مع اتفاقهم معهم في المعنى يعتذرون بأن المكان والزمان موهومان وإذا تكلمت معهم واستخرجت دخلة رأيهم وجدتهم لا يلتزمون بموهوميتهما بل يرونهما أمرا حقيقيا سواء تصور أحد معناهما أم لا ويقدرونهما بالمقادير الحقيقية، وأما الفلاسفة فقد اختلفوا في أمر المكان والزمان جدا ونقل أقوالهم في الشفاء ولا فائدة في نقلها، وقال المجلسي رحمه الله في فوائد الحديث: إن الزمان ليس بمقدار حركة الفلك كما زعمت الفلاسفة وهو أعلم بما قال فإنا لا نعلم من الفلاسفة إلا الاختلاف، وما ذكره قول بعضهم، ورد عليه أبو البركات، وهو منهم، بما هو أضعف من كل رأي وقال بعضهم: الوجود بنفسه سائل متحرك وليس هنا موضع تحقيق هذه الأمور (ش). (*)

[ 149 ]

الشيعة ويؤيده قعوده على الصراط المستقيم والمخالفون خارجون عنهم فلا يكون قعوده لهم (فأما الآخرون فقد فرغ منهم) لأنه أخرجهم عن الدين فلا يبالي بأعمالهم التي تصير في الآخرة هباء منثورا. * الأصل: - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد، والحسين بن سعيد جميعا، عن النضر ابن سويد، عن يحيى بن عمران الحلبي، عن عبد الله بن مسكان، عن بدر بن الوليد الخثعمي قال: دخل يحيى بن سابور على أبي عبد الله (عليه السلام) ليودعه فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): أما والله إنكم لعلى الحق وإن من خالفكم لعلى غير الحق، والله ما أشك لكم في الجنة وإني لأرجو أن يقر الله لأعينكم عن قريب. * الشرح: قوله (وإني لأرجو أن يقر الله بأعينكم إلى قريب) أي يبرد الله دمعة أعينكم وهو كناية عن الفرح والسرور لأن دمعتهما باردة، ولعل المراد به ظهور الصاحب أو ظهور منازلهم في الجنة عند الاحتضار. * الأصل: - يحيى الحلبي، عن عبد الله بن مسكان، عن أبي بصير قال: قلت: جعلت فداك أرأيت: الراد علي هذا الأمر فهو كالراد عليكم ؟ فقال: يا أبا محمد من رد عليك هذا الأمر فهو كالراد على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلى الله تبارك وتعالى، يا أبا محمد إن الميت [ منكم ] على هذا الأمر شهيد، قال: قلت: وإن مات على فراشه ؟ قال: أي والله وإن مات على فراشه حي عند ربه يرزق. * الشرح: قوله (يا أبا محمد إن الميت منكم على هذا الأمر شهيد) أي مشهود له بالجنة وهو أحد الوجوه في تسمية الشهيد شهيدا، أو المراد أن له ثواب الشهداء وهذا هو الأظهر بالنظر إلى قوله (وإن مات على فراشه) وإلى قوله (حي عند ربه يرزق) فإنه إشارة إلى قوله تعالى * (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين) * لأن هذه الفضيلة مختصة بالشهداء والأحاديث على ذلك كثيرة، منها ما سيأتي، ومنها قول أمير المؤمنين (عليه السلام): " ولا تستعجلوا بما لم يعجله الله لكم [ يعني الجهاد ] فإن من مات منكم على فراشه وهو على معرفة حق ربه وحق رسوله وأهل بيته مات شهيدا وقع أجره على الله واستوجب ثواب ما نوى من صالح عمله وقامت البينة مقام إسلاله لسيفه " قال بعض المحققين: هذا بيان لحكمهم في زمان عدم قيام إمام الحق لطلب الأمر وتنبيه لهم على ثمرة الصبر وهو ان من مات منهم على معرفة الحقوق المذكورة والاعتراف بها وقصد الاقتداء بأئمة الحق لحق بدرجة الشهداء ووقع أجره على الله بذلك واستحق

[ 150 ]

الثواب منه على ما أتى به من الأعمال والصبر على المكاره من الأعداء وقامت نيته أنه من أنصار الإمام لو قام لطلب الأمر وأنه معينه مقام تجرده بسيفه معه في استحقاق الأجر. * الأصل: - يحيى الحلبي، عن عبد الله بن مسكان، عن حبيب قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: أما والله ما أحد من الناس أحب إلي منكم وإن الناس سلكوا سبلا شتى فمنهم من أخذ برأيه ومنهم من اتبع هواه ومنهم من اتبع الرواية إنكم أخذتم بأمر له أصل فعليكم بالورع والاجتهاد واشهدوا الجنائز وعودوا المرضى واحضروا مع قومكم في مساجدهم للصلاة أما يستحيي الرجل منكم أن يعرف جاره حقه ولا يعرف حق جاره. * الشرح: قوله (أما والله ما أحد من الناس أحب إلي منكم) أراد به ما يفهم عرفا وهو حصر محبته على الشيعة لا أن محبتهم زائدة على محبة غيرهم. (وإن الناس) وهم المخالفون (سلكوا سبلا شتى) أي مشتتة متفرقة لأن طرق الضلالة متكثرة (فمنهم من أخذ برأيه ومنهم من اتبع هواه ومنهم من اتبع الرواية) الرأي: العقل والتدبير أي أخذ أمور دينه بعقله وتدبيره وظنه وتقديره حتى كأنه واضع لها، والهوى بالقصر: مصدر هويته من باب علم إذا أحببته وعلقت به ثم أطلق على ميل النفس إلى الشئ مطلقا، ثم استعمل في ميل مذموم فيقال فلان اتبع هواه وهو من أهل الأهواء أي اتبع مخاطرات نفسه الأمارة بالسوء كالقياس ونحوه مما ليس دليلا على الحكم الشرعي ويجعله دليلا عليه وبذلك يحلل حراما ويحرم حلالا فيخترع دينا آخر. والمراد بالرواية الرواية المنقولة عن أهل الفسق والجور كأبي هريرة وأضرابه. (وإنكم أخذتم بأمر له أصل) لعل المراد بالأمر الدين وبالأصل الإمام المنصوب من قبل الله تعالى وقبل رسوله ويمكن أن يراد بالأمر ولاية الأئمة عليهم السلام وبالأصل النص بها (فعليكم بالورع) عن المحرمات (والاجتهاد) في الطاعات وفيه ترغيب في تكميل القوة النظرية والعملية (واشهدوا الجنايز وعودوا المرضى) الظاهر شمولهما لجنايزهم ومرضاهم أيضا (واحضروا مع قومكم في مساجدهم للصلاة) معهم في صورة الجماعة ظاهرا وان تحقق الانفراد باطنا كما دل عليه بعض الروايات، مع الترغيب بأنه يخرج مع ثواب صلاتهم. (أما يستحيي الرجل منكم أن يعرف جاره حقه ولا يعرف حق جاره) أمر بحسن الجوار ورعاية حقوق المجاورة وذلك بالكف عن أذاه والإحسان إليه والصفح عنه وفعل ما فيه رضاه وقد مر تفصيلا. * الأصل: - عنه، عن ابن مسكان، عن مالك الجهني، قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): يا مالك أما ترضون

[ 151 ]

أن تقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة وتكفوا وتدخلوا الجنة ؟ يا مالك إنه ليس من قوم ائتموا بإمام في الدنيا إلا جاء يوم القيامة يلعنهم ويلعنونه إلا أنتم ومن كان على مثل حالكم، يا مالك إن الميت والله منكم على هذا الأمر لشهيد بمنزلة الضارب بسيفه في سبيل الله. * الشرح: قوله (وتكفوا وتدخلوا الجنة) أي تكفوا ألسنتكم عن الأقوال الفاسدة وأنفسكم عن الأفعال الباطلة، وفيه حث على لزوم الصالحات لأنها الصراط المستقيم للجنة. * الأصل: - يحيى الحلبي، عن بشير الكناسي قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: وصلتم وقطع الناس، وأحببتم وأبغض الناس وعرفتم وأنكر الناس وهو الحق إن الله اتخذ محمدا (صلى الله عليه وآله) عبدا قبل أن يتخذه نبيا وإن عليا (عليه السلام) كان عبدا ناصحا لله عز وجل فنصحه وأحب الله عز وجل فأحبه، إن حقنا في كتاب الله بين، لناصفو الأموال ولنا الأنفال وإنا قوم فرض الله عز وجل طاعتنا وإنكم تأتمون بمن لا يعذر الناس بجهالته وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية، عليكم بالطاعة فقد رأيتم أصحاب علي (عليه السلام)، ثم قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال في مرضه الذي توفي فيه: ادعوا لي خليلي فأرسلتا إلى أبويهما فلما جاءا أعرض بوجهه ثم قال: ادعوا لي خليلي، فقالا: قد رآنا لو أرادنا لكلمنا، فأرسلتا إلى علي (عليه السلام) فلما جاء أكب عليه يحدثه ويحدثه حتى إذا فرغ لقياه، فقالا: ما حدثك ؟ فقال: حدثني بألف باب من العلم يفتح كل باب إلى ألف باب. * الشرح: قوله (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول) في مدح الشيعة وذم المخالفين (وصلتم) بالإمام الحق بعد النبي (صلى الله عليه وآله) (وقطع الناس) عنه (وأحببتم) أي الرسول وعترته والإمام المنصوب بعده من قبله (وأبغض الناس) إياهم (وعرفتم) حق الإمام ووجوب التسليم له (وأنكر الناس) جميع ذلك. (وهو الحق) لعل المراد أن كل واحد من الوصل والحب والمعرفة الحق الثابت لكم في العهد الأول أو أنه تعالى هو الحق يحكم بينكم وبينهم. (إن الله اتخذ محمدا (صلى الله عليه وآله) عبدا) موفيا لأداء العبودية وحقوقها (قبل أن يتخذه نبيا) لعل الغرض منه هو التنبيه على أن العبودية هي الأصل المطلوب من كل أحد ولا يتحقق مع إنكار شئ من الحقوق والولاية أعظمها. (وإن عليا (عليه السلام) كان عبدا ناصحا لله عز وجل فنصحه) نصحه لله تسديد حقوقه وحقوق رسوله وحقوق المسلمين، ونصحه تعالى له هو الأمر بحفظ شرائعه ومواعظه ونصايحه وأوامره ونواهيه وغير ذلك مما جاء به الرسول (وأحب الله عز وجل فأحبه) حقيقة محبة العبد له وبالعكس أمر

[ 152 ]

يعرف ولا يعرف وقد يعرف الأول بأنها القيام بوظائف الطاعات والإتيان بأنواع القربات والاشتغال به عن جميع الأغيار والتسليم له في جميع الأحوال، والثانية بأنها اجلاسه في بساط القرب والعز والسعادة وإهداؤه آنا فآنا أنواعا من التفضل والإحسان والكرامة، وهذا تعريف لهما بشئ من آثارهما. (إن حقنا في كتاب الله) كما دلت عليه آية ذوي القربى وغيرها وقد مر مشروحا بينا (لنا صفو الأموال ولنا الأنفال) مر مشروحا في آخر كتاب الحجة (وإنا قوم فرض الله عز وجل طاعتنا) على العباد كلهم في آية * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) * وغيرها مما ذكر مشروحا في كتاب الحجة وغيره (وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية) أي مات ميتة كفر وضلال ونفاق، وهذا الحديث متفق عليه بين الأمة ولهم تأويلات ركيكة فاسدة بينا فسادها في شرح كتاب الحجة. (عليكم بالطاعة) أي بطاعة علي (عليه السلام) أو مطلقا (فقد رأيتم أصحاب علي (عليه السلام)) هم الذين تشرفوا بصحبته أو الخواص من شيعته مطلقا والمراد بالرؤية الرؤية القلبية وهي العلم بأحوالهم من الورع والتقوى والاجتهاد في الأعمال الصالحة فعليكم الأسوة بهم. (ادعوا لي خليلي) هو الصديق وصاحب السر (ثم قال ادعوا لي خليلي فقالا قد رآنا) فيه اختصار أي فأرسلتا إلى أبويهما فقالا أو قال (صلى الله عليه وآله) هو علي (عليه السلام) إلا أن الحسد والعداوة وحب الدنيا حملتهما على ما صنعتا. (فقال حدثني بألف باب من العلم يفتح كل باب إلي ألف باب) حقيقة علوم هذه الأبواب أعني ألف ألف باب وحقيقة تفاصيلها وتفاصيل الجزئيات المندرجة فيها لا يعلم إلا الله ورسوله وأوصياء رسوله، ثم هذا التحديث والتعليم والتعلم لم يكن في صور جزئية كما هو المعروف فينا بل لصفاء نفسه القدسية على طول صحبته حين كان طفلا إلى أن توفي الرسول (صلى الله عليه وآله) حتى استعدت للانتقاش بالعلوم الإلهية والأمور الغيبية والصور الكلية والجزئية دفعة واحدة كما تنتقش الصور في المرآة عند محاذاتها، قال الغزالي في رسالة العلم اللدني: قال علي أمير المؤمنين: " إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أدخل لسانه في فمي فانفتح في قلبي ألف باب من العلم فتح لي كل باب ألف باب ". * الأصل: - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن الهيثم بن أبي مسروق النهدي، عن موسى بن عمر بن بزيع قال: قلت للرضا (عليه السلام): إن الناس رووا أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان إذا أخذ في طريق رجع في غيره، فهكذا كان يفعل ؟ قال: فقال: نعم فأنا أفعله كثيرا فافعله، ثم قال لي: أما إنه أرزق لك. * الشرح: قوله (ثم قال لي أما إنه أرزق لك) أما لأنه تعالى جعل الرجوع على هذا النحو سببا لزيادة

[ 153 ]

الرزق بالخاصية أو جعل لكل قطعة من الأرض بركة وسببا لرزق عباده فربما يكون في طريق آخر بركة لم تكن في الأول أو لأن الأرض تفرح بمشي المؤمن على ظهرها فيدعو له الطريق الآخر في الخير والبركة والزيادة كما دعا له الأول فيوجب له زيادة الرزق أو لأن الراجع قد يجد في الآخر من الرزق ما لم يوجد في الأول. * الأصل: - سهل بن زياد، عن يحيى بن المبارك، عن عبد الله بن جبلة، عن محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن الأول (عليه السلام) قال: قلت له: جعلت فداك الرجل من إخواني يبلغني عنه الشئ الذي أكرهه فأسأله عن ذلك فينكر ذلك وقد أخبرني عنه قوم ثقات فقال لي: يا محمد كذب سمعك وبصرك عن أخيك فإن شهد عندك خمسون قسامة وقال لك قولا فصدقه وكذبهم، لا تذيعن عليه شيئا تشينه به، وتهدم به مروءته فتكون من الذين قال الله في كتابه * (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم) *. * الشرح: قوله (يا أبا محمد كذب سمعك وبصرك عن أخيك) نظيره ما روي من طريق العامة عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال " رأى عيسى بن مريم (عليه السلام) رجلا يسرق فقال له عيسى سرقت قال كلا والذي لا إله إلا هو فقال عيسى آمنت بالله وكذبت نفسي " (فإن شهد عندك خمسون قسامة وقال لك قولا فصدقه وكذبهم) القسامة بالفتح الأيمان، وهؤلاء الذين يقسمون على دعواهم يسمون قسامة أيضا، والمقصود أنه إن شهد عندك خمسون رجلا مع حلفهم بالله أن مؤمنا فعل كذا وقال كذا وقال لك ذلك المؤمن إني لم أفعله أو لم أقله فصدقه وكذبهم، ولعل المراد بتصديقه تصديقه ظاهرا والإغماض عنه وعدم المؤاخذة به والإذاعة عليه لا الحكم بأنه صادق في نفس الأمر لأنه قد يحصل العلم بخلاف ذلك بتلك الشهود خصوصا مع إيمانهم أو بالإبصار أو بالاستماع منه، والحاصل أنه إن صدرت من المؤمن بالنسبة إليك مثلا زلات واغتياب أو غير ذلك مما تكرهه ثم اعتذر إليك فاقبل عذره أو انكر فصدقه، وإن شهد لك شهود ثقات مع إيمان مغلظة شفقة له وتقربا من الله وأما إن صدرت منه بالنسبة إلى الله تعالى أو إلى أحد غيرك فربما وجب عليك أداء الشهادة عليه عند الحاكم وإن لم يجز لك تغييره وإذاعة عثراته بين الناس، وإن شئت زيادة توضيح فارجع إلى ما ذكرنا في باب الغيبة وباب من طلب عثرات المؤمن وباب الرواية عليه وباب التعبير من كتاب الكفر والإيمان (لا تذيعن عليه شيئا تشينه به وتهدم به مروءته) الإذاعة: الإفشاء والشين خلاف الزين، شأنه من باب باع عابه وعيره، والإذاعة حرام الا ما استثنى. (فيكون من الذين قال الله في كتابه * (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم) *) الفاحشة ما وقع النهي عنه مطلقا وقد تخص بما يشتد قبحه.

[ 154 ]

قال بعض المحققين: الوعيد في إذاعة فاحشة من لم يعرف بأذاية ولا فساد في الإرض. وأما المعصية الحاضرة فوجبت المبادرة إلى النصيحة والإنكار والمنع منها لمن قدر عليه وليس هذا اذاعة. ويجوز كشف معصية المولع بها إذا سترت غير مرة فلم ينزجر لأن سترها معاونة عليها. ومعصية المعلن بها بل غير المعلن أيضا إذا احنيج الى أداء الشهادة وذكر العيوب الظاهرة كالعمى والعرج ونحوهما للتعريف لا للتعيير، وجرح الشاهدين والرواة والأمناء على الأوقات والصدقات بذكر معاصيهم عند الحاجة إليه لأنه يترتب عليه أحكام شرعية ويجوز رفعه الى الحاكم إذا كان القصد رفع المعصية لا كشف الستر والإذاعة، والله أعلم.

[ 155 ]

حديث من ولد في الاسلام * الأصل: 126 - سهل بن زياد، عن يعقوب بن زيد، عن عبد ربه بن رافع، عن الحجاب بن موسى عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: من ولد في الاسلام حرا فهو عربي ومن كان له عهد فخفر في عهده فهو مولى لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن دخل في الاسلام طوعا فهو مهاجر. * الشرح: قوله (حديث من ولد في الاسلام) المراد بالإسلام الإيمان، ويذكر فيه نسب من تولد فيه. (من ولد في الاسلام حرا فهو عربي) لعل المراد بالعرب محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) لانه سيد العرب، والنسب صوري ومعنوي، وبعبارة أخرى جسماني وروحاني، والمراد بهذا النسب المعنوي الروحاني وسيجئ أن النسب الذي يصلح للتفاخر به هو الاسلام. (ومن كان له عهد) مع النبي (صلى الله عليه وآله) وأئمة المؤمنين (فخفر في عهده) أي وفى به يقال خفر بالعهد خفارة من باب ضرب إذا وفى به وأخفره إخفارا نقضه، والهمزة للسلب (فهو مولى لرسول الله (صلى الله عليه وآله)). في المصباح: المولى: الحليف وهو المعاهد، ويقال منها تحالفا إذا تعاهدا وتعاقدا على أن يكون أمرهما واحدا في النصرة والحماية، والمولى أيضا: الناصر من الولاية بالفتح والكسر وهي النصرة. (ومن دخل في الإسلام طوعا فهو مهاجر) لأنه هاجر من الكفر إلى الإسلام، وهل ينصرف النذر أو الوقف مثلا الى من صدق عليه المفهوم المصطلح من هؤلاء عند الاطلاق ام لا ؟ لم أجد له مستندا ولا قولا للأصحاب، وهو محل تأمل. * الأصل: 127 - علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من أصبح وأمسى وعنده ثلاث فقد تمت عليه النعمة في الدنيا: من أصبح وأمسى معافى في بدنه آمنا في سربه عنده قوت يومه، فإن كانت عنده الرابعة فقد تمت عليه النعمة في الدنيا والآخرة، وهو الإسلام. * الشرح: قوله (من أصبح وأمسى وعنده ثلاث فقد تمت عليه النعمة) في الدنيا لأن نعمة الدنيا هي رفاهية العيش، ومن كانت له هذه الثلاثة فهو مرفه في كل يوم من أيام عمره، وفيه حث علي شكر هذه النعماء وزجر عن هم قوت غد، لأن الغد ليس من عمرك كالأمس وإنما عمرك هو اليوم الذي

[ 156 ]

أنت فيه، والغد داخل في هذه الثلاثة إن عشت فيه. (من أصبح وأمسى معافى في بدنه) أي صحيحا من غير علة (آمنا في سربه) يقال: فلان آمن في سربه - بالكسر - أي في نفسه، وفلان واسع السرب أي رخي البال، ويروى بالفتح وهو المسلك والطريق، يقال: خل له سربه - بالفتح - أي طريقه، والمقصود أنه آمن في نفسه وعرضه وماله أو في طريقه يذهب حيث يشاء لا يتعدى عليه أحد ولا يمنعه ولا يظلمه (وعنده قوت يومه) له ولعياله بقدر الكفاف. * الأصل: 128 - عنه، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) (عن أبيه (عليه السلام)) أنه قال لرجل وقد كلمه بكلام كثير فقال: أيها الرجل تحتقر الكلام وتستصغره، اعلم أن الله عز وجل لم يبعث رسله حيث بعثها ومعها ذهب ولا فضة ولكن بعثها بالكلام وإنما عرف الله جل وعز نفسه إلى خلقه بالكلام والدلالات عليه والأعلام. * الشرح: قوله (قال لرجل وقد كلمه بكلام كثير فقال أيها الرجل تحتفر الكلام وتستصغره) لماأكثر الرجل الكلام بما لا نفع فيه كأنه أهجر به وزعم أنه سهل ولم يعلم أن الكلام من الأعمال فإن كان صالحا يوجب المدح والثواب وان كان باطلا يوجب الذم والعقاب فلذلك ذمه (عليه السلام) ومنعه عن العود لمثله. (اعلم أن الله عزوجل لم يبعث رسله حيث بعثها ومعها ذهب ولا فصة) خصهما بالذكر لأنهما عند أهل الدنيا أعظم متاعها (ولكن بعثها بالكلام) المراد به الكتب السماوية، أو الأعم منها ومما يتكلم به الرسل بالوحي من أحوال المبدأ والمعاد والأحكام والمواعظ والنصايح النافعة في الدنيا والآخرة. (وإنما عرف الله نفسه الى خلقه بالكلام والدلالات عليه والاعلام) لعل المراد بهذا الكلام أسماؤه تعالى كما مر في كتاب التوحيد أنه اختار لنفسه أسماء لغيره يدعوه بها لأنه إذا لم يدع باسمه لم يعرف، أو الأعم منه ومما أوحى الى رسله من أمر توحيده وصفاته الذاتية والفعلية بواسطة أو بدونها كما قال لموسى (عليه السلام) * (أنا الله لا اله إلا أنا) * والمراد بالدلالات اللفظية والكلامية أو الأعم منها ومن الآثار وبالأعلام أعلام الاهتداء به مثل الرسل والحجج عليهم السلام أو المعجزات وفيه تنبيه على عظ مة شأن الكلام وعلى أنه ينبغي أن لا يتكلم الرجل إلا بأمر الدين أو بما هو ضروري من أمر الدنيا ويترك اللغو المباح وغيره، وقد مر في باب الصمت في كتاب الكفر والإيمان توضيح ذلك مفصلا.

[ 157 ]

* الأصل: 129 - وبهذا الاسناد قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله): ما خلق الله جل وعز خلقا إلا وقد أمر عليه آخر يغلبه فيه وذلك أن الله تبارك وتعالى لما خلق البحار السفلى فخرت وزخرت وقالت: أي شئ يغلبني فخلق الأرض فسطحها على ظهرها فذلت ثم قال: إن الأرض فخرت وقالت: أي شئ يغلبني ؟ فخلق الجبال فأثبتها على ظهرها أوتادا من أن تميد بما عليها فذلت الأرض واستقرت، ثم إن الجبال فخرت على الأرض فشمخت واستطالت وقالت: أي شئ يغلبني ؟ فخلق الحديد فقطعها فقرت الجبال وذلت، ثم إن الحديد فخرت على الجبال وقال: أي شئ يغلبني ؟ فخلق النار فأذابت الحديد فذل الحديد، ثم إن النار زفرت وشهقت وفخرت وقالت: أي شي يغلبني ؟ فخلق الماء فأطفأها فذلت، ثم إن الماء فخر وزخر وقال: أي شي بغلبني ؟ فخلق الريح فحركت أمواجه وأثارت ما في قعره وحبسه عن مجاريه فذل الماء، ثم إن الريح فخرت وعصفت وأرخت أذيالها وقالت: أي شئ يغلبني ؟ فخلق الإنسان فبنى واحتال واتخذ ما يستتر به من الريح وغيرها فذلت الريح، ثم إن الإنسان طغى وقال: من أشد مني قوة ؟ فخلق له الموت فقهره فذل الإنسان، ثم إن الموت فخر في نفسه فقال الله عزوجل: لا تفخر فإني ذابحك بين الفريقين: أهل الجنة وأهل النار ثم لااحييك أبدا فترجى أو تخاف، وقال أيضا: والحلم يغلب الغضب، والرحمة تغلب السخط، والصدقة تغلب الخطيئة، ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): ما أشبه هذا مما قد يغلب غيره. * الشرح: قوله (وبهذا الاسناد قال) أي أبو عبد الله (عليه السلام) (قال النبي (صلى الله عليه وآله): ما خلق الله عز وجل خلقا إلا وقد أمر عليه آخر) أمره عليه تأميرا إذا جعله أميرا (يغلبه فيه) أي في أمره (وذلك أن الله تعالى لما خلق البحار السفلى) هي البحار التي على مركز العالم والعليا هي التي في السماء كما دل عليه بعض الروايات والشعب المنقطعة من السفلى على وجه الأرض (فخرت وزخرت) الفخر والافتخار: المباهاة بالقوة والشدة والعظمة وغيرها من المناقب، والزخور: المد والاستعلاء والارتفاع، يقال: زخر البحر أي مد وكثر ماؤه، وعلا وارتفعت أمواجه (وقالت أي شئ يغلبني) هذا القول منها ومن مثلها إما بلسان الحال أو بلسان المقال إذ لا يبعد من القدرة الإلهيه أن يخلق النطق فيها (فخلق الأرض فسطحها على ظهرها فذلت) سطحه كمنعه بسطه وصرعه وأضجعه، ولعل الغرض من هذا الكلام بيان أن كل قوى غيره تعالى ضعيف، وكل غالب غيره مغلوب، وأن الكبر والافتخار في الممكن سبب لذله. (ثم قال: إن الأرض فخرت) لما رأت من قوتها وغلبتها على البحار (وقالت أي شئ يغلبني)

[ 158 ]

ظنا منها أن لا شئ أقوى وأرفع منها كما يظن ذلك كل متكبر فخور. (فخلق الجبال فأثبتها على ظهرها) دل على أن الأرض خلقت أولا نقية خالية عن التلال والوهاد والجبال كما دلت عليه أيضا روايات أخر. (أوتادا من أن تميدبما عليها) ما د يميد ميدا إذا تحرك واضطرب ومال كالسفينة الخالية على وجه الماء (فشمخت واستطالت) شمخ الجبل: علا وطال ومنه الرجل الشامخ وهو الرافع أنفه عزا أو العطف للتفسير، أو من باب ذكر الخاص بعد العام لأن الفعل بعد الطلب أقوى منه بلا طلب، (ثم إن النار زفرت وشهقت وفخرت) زفرت النار إذا سمع لتوقدها صوت، وأصل الزفير إخراج الحمار نفسه بعد مده إياه، وشهقت إذا صوتت أو ارتفعت لهباتها، ومنه الشاهق وهو المرتفع. (ثم إن الريح فخرت وعصفت وأرخت أذيالها) عصفت الريح: اشتدت وأرخت أذيالها إذا مرت على وجه الارض، وفيه تنبيه على كمال شدتها وحركتها من سطح الأرض إلى جو السماء مع الإشارة بإرخاء الأذيال إلى تكبرها وتفاخرها لأنه كان شأن المتكبرين من العرب. (ثم إن الإنسان طغى وقال من أشد مني قوة فخلق الله له الموت فقهره فذل الإنسان) أسباب مذلة الإنسان كثيرة غير محصورة وإنما ذكر الموت لأنه أعظمها، ومن العجايب أنهم مع اتصافهم بأنواع من المصايب الدالة على مسكنتهم وعجزهم وذلهم يدعون التكبر الذي من أخص صفاته تعالى ومن ادعى الشركة معه في أخص صفاته فقد ادعى أنه شريك له. (ثم إن الموت فخر في نفسه فقال الله تعالى: لا تفخر فإني ذابحك بين الفريقين أهل الجنة وأهل النار ثم لا أحييك أبدا فترجى أو تخاف) فيرجوك أهل النار ليتخلصوا من عذابهم أو يخاف منك أهل الجنة خوفا من زوال ماهم عليه من نعيمها، والذبح يحتمل أن يراد به الحقيقة وأن يكون كناية عن إزالته وإفنائه، قيل: إذا استقر الخلائق يوم القيامة في منازلهم أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار يؤتى بالموت على صورة كبش يوقف بين الجنة والنار وينادي مناد يا أهل النار هل تعرفون هذا ؟ فيقولون: نعم، هذا الموت. فيذبح حينئذ. ويقال: يا أهل الجنة ويا أهل النار خلودكم في منازلكم بلا انتهاء ولا موت فيحصل بذلك لأهل الجنة غاية السرور، ولأهل النار نهاية الحسرة والألم، كما يدل عليه قوله تعالى * (وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون) * قال بعض المفسرين إذا قضي الأمر وهو ذبح الموت وقع أهل النار في الحسرة والندامة ولا ينفعهم ذلك. أقول: ذبح الموت متفق عليه بين الخاصة والعامة، روى مسلم بإسناده قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح يتوقف بين الجنة والنار فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون

[ 159 ]

هذا ؟ قال: فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت، قال ويقال: يا أهل النار هل تعرفون هذا ؟ قال: فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت. قال: فيؤمر به فيذبح، قال: ثم يا أهل الجنة خلود فلاموت ويا أهل النار خلود فلاموت، قال: ثم قرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله) * (وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون) * وأشار به الى الدنيا. قال عياض وابن الأعرابي: الأملح النقي من البياض، وقال الكسائي: هو الذي فيه سواد وبياض والبياض أكثر، وقال صاحب معارج النبوة: كبش أملح " غوچي كه خاكستر گون است "، قال بعض أهل المعاني: اختلاف اللونين يحتمل أنه لاختلاف الحالين فالبياض لجهة أهل الجنة الذين ابيضت وجوههم، والسواد لأهل النار الذين اسودت وجوههم. وقال محيي الدين: قال الهروي: وأشرب النفاق معناه: ظهر وعلا، وكل رافع رأسه شريب، وقال محيي الدين: الموت عرض لأنه ضد الحياة، وقال بعض المعتزلة: ليس بمعنى وإنما هو عدم الحياة وهو خطأ لقوله تعالى: * (خلق الموت والحياة) * وغيره من الأدلة، وعلى المذهبين - وإن كان الثاني خطأ - فليس الموت بجسم يقع فيه الذبح فيتأول الحديث على أنه تعالى يخلق هذا الاسم ثم يذبح مثالا لأن الموت لا يطرأ على أهل الآخرة، انتهى كلامه، وقال القرطبي: ظاهر هذا الحديث يستحيل لأن الموت إما عرض أو أمر عدمي، وعلى الوجهين يستحيل أن ينقلب كبشا لأن انقلاب الأجناس محال، وتأول بوجهين أحدهما أن يخلق الله تعالى كبشا ويخلق فيه الموت فإذا رأوه عرفوه ثم يفعل الله سبحانه فيه فعلا يشبه الذبح ويعدمه، ذلك الفعل حتى يأمل أهل الجنة فيزدادوا سرورا وييأس أهل النار فيزدادوا حزنا، والثاني أنه تمثيل بعدم الموت لأن الموت لما عدم في حق أهل الدارين صار بمنزلة الكبش الذي ذبح، وهذا فيه بعد، والصواب الأول. انتهى كلامه، وقال الآبي: والأظهر أنه تمثيل، انتهى. أقول: لا يبعد حمله على ظاهره لأن ما هو عرض في هذا العالم لا يبعد أن يكون قائما بذاته مصورا بصورة في العالم الآخر بالنسبة الى القدرة القاهرة، وقد قال الآبي: إن القرآن يصور بصورة إنسان في الآخرة: القرآن يصور بصورة ويجئ بها يوم القيامة ويراها الناس كما تجعل الأعمال صورا وتوضع في الميزان ويقع فيها الوزن، والقدرة صالحة لإيجاد كل ممكن، والإيمان به واجب، هذا كلامه بعينه فليتأمل. * الأصل: 130 - عنه، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن رجلا أتى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال له: يارسول الله أوصني، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهل أنت مستوص إن أنا أوصيتك حتى قال له ذاك ثلاثا وفي كلها يقول له الرجل نعم يا رسول الله فقال له رسول الله فقال له رسول

[ 160 ]

الله (صلى الله عليه وآله): فأني اصيك: إذا أنت هممت بأمر فتدبر عاقبته فإن يك رشدا فامضه وإن يك غيا فانته عنه. * الشرح: قوله (فهل أنت مستوص) أي طالب للوصية قابل لها، وفي كنز اللغة: " استيصاء: اندرز پذيرفتن ونيكو داشتن واندرز كردن " والأول هو المراد هنا. (إذا أنت هممت بأمر فتدبر عاقبته) دبر كل أمر وعاقبته آخره، والتدبر فيه النظر في آخره. وهذا اللفط وجيز جامع في النصيحة. وإن من فعل أمرا بالتدبر فيه لا يتوجه إليه عقوبة ولوم في الدنيا والآخرة. * الأصل: 131 - وبهذا الإسناد أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: ارحموا عزيرا ذل وغنيا افتقر وعالما ضاع في زمان جهال. * الشرح: قوله (ارحموا عزيزا ذل وغنيا افتقر وعالما ضاع في زمان جهال) رحمته رحما بضم الراء ورحمتة ومرحمة إذا رققت له وحننت عليه وعطفت عليه وانما أمر برحمة هؤلاء لأن كل واحد فقد نعمة جليلة ودخل في صعوبة شديدة وبلية عظيمة فهو محل الترحم، وفيه ترغيب في رعايتهم وجبر أحوالهم. * الأصل: 132 - وبهذا الإسناد قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول لأصحابه يوما: لا تطعنوا في عيوب من أقبل إليكم بمودتة ولا توقفوه على سيئة يخضع لها فإنها ليست من أخلاق رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا من أخلاق أوليائه. قال: وقال أبو عبد الله (عليه السلام) إن خير ما ورث الآباء لأبنائهم الأدب لا المال، فان المال يذهب والأدب يبقى، قال مسعدة: يعنى بالأدب العلم. قال: وقال أبو عبد الله (عليه السلام): إن أجلت في عمرك يومين فاجعل أحدهما لأدبك لتستعين به على يوم موتك، فقيل له: وما تلك الاستعانة ؟ قال: تحسن تدبير ما تخلف وتحكمه. قال: وكتب أبو عبد الله (عليه السلام) إلى الرجل: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإن المنافق لا يرغب فيما قد سعد به المؤمنون، والسعيد يتعظ بموعظة التقوى وإن كان يراد بالموعظة غيره. * الشرح: قوله (لاتطعنوا في عيوب من أقبل إليكم بمودته) طعن فيه وعليه بالقول: من باب قتل، ومن

[ 161 ]

باب منع لغة: دخل فيه وعتب وعير أي لا تدخلوا في عيوب الناس وأعراضهم ولا تعيروهم بها ولا تفشوها، خصوصا من أقبل اليكم وأظهر مودته وأخلص لكم محبته وصداقته فإن الطعن في عيوبه يوجب العداوة وزوال المودة وانقطاع المحبة وتبدد النظام والبقاء بلا صديق وفي كل ذلك فساد عظيم ولأن تعييره بالعيب تعيير على الله تعالى وإلقاء المجبنة عليه، ولا فرق في العيوب بين أن تكون خلقية أو خلقية متعلقة بالأخلاق مثل الجهل والحقد والحسد بالغير ونحوها، أو عملية متعلقة بأعمال الجوارح، نعم لابد في الأخيرتين من النصح والموعظة الحسنة كناية أو صريحا في الخلق ولا يجوز التعيير على حال كما أشار إليه بقوله (ولا توقفوه على سيئة يخضع لها...) أي لا تسكنوه ولا تقيموه على سيئة فيذل لأجلها عند الله وعند الرسول والأولياء بل ادفعوه عنها وامنعوه منها بالنصح والوعظ فإن السيئة صفة ذميمة ليست من أخلاق الرسول وأوليائه فتجب الأسوة بهم والدخول في زمرتهم ويحتمل أن يراد بالإيقاف الاطلاع، يقال: أوقفه على كذا إذا أطلعه عليه. (قال مسعدة: يعنى بالأدب: العلم) أريد به العلم النافع في الآخرة وهو علم الدين ومقدماتة وإنما سمي أدبا لأنه يأدب أي يدعو الى مفاخر الدارين ولأنه نور به يهتدي كل عضو إلى ما هو مطلوب منه من الآداب فإن أدب البصر النظر الى ما يجوز وصرفه عما لا يجوز وأدب اللسان التكلم في موضعه المطلوب شرعا وترك التكلم في غيره وإن كان صادقا فكيف إذا كان كاذبا وقس عليهما البواقي. (قال تحسن تدبير ما تخلف وتحكمه) في كنز اللغة: " تخليف: واپس گذاشتن، واحكام استوار كردن ومحكم ساختن "، والموصول شامل لمصالح الدنيا والآخرة، وحسن تدبيرها لا يتحقق بدون العلم والأدب، ومن الاستعانة ما نقل عن بعض أهل العلم أنه قال حين احتضر: جاء الخبيث وألقى علي الشبهات والوساوس فأجبت واحدة واحدة حتى أسكته فعلمت أن العلم نفعني حيا وميتا. (أما بعد فإن المنافق لا يرغب فيما قد سعد به المؤمنون) السعادة وهي قرب الحق والنجاة من أهوال الآخرة إنما يحصل بالإيمان والمواقفة بين القلب واللسان وخلوص عمل الجوارح والأركان، والمنافق لفساد قلبه ونقصان عقله وعدم التدبر في عاقبة أمره لا يرغب في شئ منها. (والسعيد يتعظ بموعظة التقوى) السعيد وهو الذي يرغب فيما ذكر لصفاء قلبه وكمال عقله وحسن تدبره في مآل أمره يتعظ أي يأتمر ويكف نفسه عما كرهه الله تعالى بموعظة التقوى وهي الكلام الحامل على طاعة الله تعالى الزاجر عن مخالفته على وجه يرق له القلب، والاضافة لامية من قبيل إضافة السبب الى المسبب. (وإن كان يراد بالموعظة غيره) قد اشتهر في الأخبار أن السعيد من اتعظ بغيره، قيل: صار هذا بمنزلة المثل، والمعنى أن السعيد في الدنيا والآخرة من اعتبر حال غيره ويشاهد بعين بصيرته

[ 162 ]

حاله كحاله ويصرف موعظته الى نفسه فيتعظ منها. * الأصل: 133 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن على بن أسباط قال: أخبرني بعض أصحابنا عن محمد ابن مسلم قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): يا ابن مسلم الناس أهل رياء غيركم وذلك أنكم أخفيتكم ما يحب الله عز وجل وأظهرتم ما يحب الناس والناس أظهروا ما يسخط الله عز وجل وأخفوا ما يحبه الله، يا ابن مسلم إن الله تبارك وتعالى رأف بكم فجعل المتعة عوضا لكم عن الأشربة (الأسرية خ ل). * الشرح: قوله (قاله أبو جعفر (عليه السلام): يا ابن مسلم الناس أهل رياء غيركم وذلك أنكم أخفيتم ما يحب الله وأظهرتم ما يحب الناس، والناس أظهروا ما يسخط الله عزوجل وأخفو ما يحب الله) أشار (عليه السلام) بذلك الى حقيقة الإيمان والنفاق وأن الإيمان أمر قلبي هو الإيقان بالله وبرسوله والولاية وبما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله، وأن التقية دين الله. فإن قلت: نحن أخفينا ما يحب الله وأظهرنا ما يحب الناس وهو ما يكرهه الله ويسخط وهم أيضا أخفوا ما يحب الله وأظهروا ما يسخطه، فما الفرق بينا وبينهم وبين الإخفائين وبين الإظهارين ؟. قلت الفرق بين الإخفائين أن إخفاء الإيمان أعم من وجوده وعدمه بناء على أن السلب قد يكون باعتبار وجود الموضوع وقد يكون باعتبار عدمه، فإخفاؤه باعتبار وجود الايمان وإخفاؤهم باعتبار عدمه وبين الإظهارين أنا أظهرنا ما يحب الناس ويحبه الله أيضا لأنه وقع تقية والتقية دين الله أحبها لدفع الشدائد عن عباده، وهم أظهروا ما يسخط الله ظاهرا وفي نفس الأمر، والله أعلم. (يا ابن مسلم إن الله تبارك وتعالى رأف بكم فجعل المتعة عوضا لكم من الأسرية) كأن الياء للنسبة إلى الأسير والتاء باعتبار تأنيث الموصوف وهي الأمة كالأثرية والحنفية في النسبة الى الأثير والحنيف يعني أنه تعالى لما علم أن السرية والأمة في دولة الباطل في يد أهله وأن ليس لكم القدرة على شرائها وحفظها وإنفاقها جعل لكم المتعة عوضا منها وهي أسهل. وقيل: الأسرية جمع للسرية وهي الأمة المستورة، وهذا الجمع وإن لم يثبت لغة لأن الاسرية جمع سري كغني وهو نهر صغير يجري الى النخل لكن كلام المعصوم هو الأصل انتهى. وفي بعض النسخ " الأشربة " بالشين المعجمة والمراد بها الأشربة المحرمة التي تستحله العامة كالنبيذ والفقاع ونحو هما وفيه تنفير عنها وترغيب في المتعة. * الأصل: 134 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن معمر بن خلاد قال: قال لي أبو الحسن

[ 163 ]

الرضا (عليه السلام): قال لي المأمون: يا أبالحسن لو كتبت إلى بعض من يطيعك في هذه النواحي التي قد فسدت علينا، قال: قلت له: يا أمير المؤمنين إن وفيت لي وفيت لك إنما دخلت في هذا الأمر الذي دخلت فيه على أن لا آمر ولا أنهى ولا اولي ولا أعزل وما زادني هذا الأمر الذي دخلت فيه في النعمة عندي شيئا ولقد كنت بالمدينة وكتابي ينفذ في المشرق والمغرب ولقد كنت أركب حماري وأمر في سكك المدينة وما بها أعز مني وما كان بها أحد منهم يسألني حاجة يمكنني قضاؤها له إلا قضيتها له، قال: فقال لي: أفي ذلك. * الشرح: قوله (قال لي المأمون يا أبا الحسن لو كتبت الى بعض من يطيعك في هذه النواحي التي قد فسدت علينا. اه‍) لو للتمني أو للشرط، والجزاء محذوف، وهو " كان أحسن " ونحوه، والمراد بالمفسد من خرج عليه من العلويين في العراق، ولعل هذه القضية غير ما رواه الصدق في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) بإسناده عن معمر بن خلاد قال: قال أبو الحسن الرضا (عليه السلام): " قال لي المأمون يوما يا أبا الحسن انظر من تثق به نوليه بعض هذه البلدان التي قد فسدت علينا. فقلت له: تفي لي وأفي لك فإني إنما دخلت فيما دخلت على أن لا آمر فيه ولا أنهى ولا أعزل ولا أولي ولا أشير حتى يقدمني الله قبلك فوالله ان الخلافة لشئ ما حدثت به نفسي ولقد كنت بالمدينة أتردد في طرقها على دابتي وإن أهلها وغيرهم يسألوني في الحوائج فأقضيها لهم فيصيرون كالأعمام لي وإن كتبي لنافذة في الأمصار ومازدتني في نعمة هي علي من ربي. فقال: أفي لك ". * الأصل: 135 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله): حق على المسلم إذا أراد سفرا أن يعلم إخوانه وحق على إخوانه إذا قدم أن يأتوه. * الشرح: قوله (حق المسلم إذا أراد سفرا أن يعلم اخوانه. اه‍) لعل المراد بإعلامهم زيارتهم وتوديعهم، ويحتمل الأعم وفيه فوائد كثيرة، منها أن يشايعوه، ومنها أن يدعوا له لكثرة مخاطرات السفر، و منها تجديد العهد بهم، ومنها إدخال السرور عليهم، ومنها ازدياد محبتهم، ومنها التشرف بزيارتهم. * الأصل: 136 - وبهذا الإسناد قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله): خلتان كثير من الناس فيهما مفتون: الصحة والفراغ. * الشرح: قوله (خلتان كثير من الناس فيهما مفتون الصحة والفراغ) كما قيل: الفراغ والصحة والجدة مفسدة للمرء أي مفسدة، والفتنة فيها إما لطغيان النفس لأنهما من الأسباب القريبة له أو لترك الشكر

[ 164 ]

عليهما لأنهما من النعماء الجليلة التي يجب الشكر عليها. * الأصل: 137 - وبهذا الإسناد قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): من عرض نفسه للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن، ومن كتم سره كانت الخيره (الحياة خ ل) في يده. * الشرح: قوله (من عرض نفسه للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن) ونصب إليه ما يسوؤه من الفسوق و غيرها بل ينبغي أن يلوم نفسه وفيه حث على ترك مجالسة الجاهل والفاسق والظالم وترك كل موضع فيه مظنة سوء لا يليق بذوي المروة وأهل الدين (ومن كتم سره كانت الحياة في يده) أي من كتم سر نفسه ودينه كانت حياته الدنيوية والأخروية طيب عيشه في يده، ومن أفشاه عرض نفسه للهلاك، وفي بعض النسخ: " الخيرة " وقد مرت أحاديث كتمان السر مع شرحها في كتاب الكفر والإيمان. * الأصل: 138 - الحسين بن محمد الأشعري، عن معلى بن محمد، عن محمد بن جمهور، عن شاذان، عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: قال لي أبي: إن في الجنة نهرا يقال له: جعفر، على شاطئه الأيمن درة بيضاء فيها ألف قصر في كل قصر ألف قصر لمحمد وآل محمد (صلى الله عليه وآله) وعلى شاطئه الأيسير درة صفراء فيها ألف قصر في كل قصر ألف قصر لإبراهيم وآل إبراهيم (عليه السلام). * الشرح: قوله (إن في الجنة نهرا يقال له جعفر على شاطئه الأيمن. اه‍) جعفر: النهر الصغير والكبير الواسع ضد، والنهر الملآن ماء، وفوق الجدول، ولعل المراد بأيمنه أيمنه بانسبة الى الداخل في الجنة أو بالنسبة إلى القائم في منبعه أو بكونه أعلى مواضع الجنة وأشرفها، والأشرف يسمى أيمنا وإنما بني قصر نبينا صلى الله عليه وآله أبيض، وفي الأيمن لأنه أشرف الأنبياء فينبغي أن يكون قصره أحسن الألوان وفي أشرف المكان. * الأصل: 139 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما التقت فئتان قط من أهل الباطل إلا كان النصر مع أحسنهما بقية على (أهل) الاسلام. * الشرح: قوله (ما التقت فئتان قط من أهل الباطل الا كان النصر مع أحسنهما بقية على الإسلام) البقية:

[ 165 ]

الخير والأثر والحالة المستقيمة وعدم المبالغة في الفساد، وفي القاموس: أبقيت ما بيننا: لم أبالغ في إفساده، والاسم البقية، ونصبها على التمييز، والمراد بالفئتين الفئتان من أهل الاسلام كالسلطانين منهم تقاتلا على ملك، وفيه ترغيب في رعاية قوانين الاسلام بأنها تنفع صاحبها مع كونه في الباطل، والفئتان من أهل الكفر أيضا فإن إحداهما إذا كانت لها حالة مستقيمة على أهل الإسلام بالخير والرأفة وعدم الإفساد كانت النصرة معها. * الأصل: 140 - عنه، عن أحمد، عن على بن حديد، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: جبلت القلوب على حب من ينفعها وبغض من أضر بها. * الشرح: قوله (جبلت القلوب على من حب من ينفعها وبعض من أضر بها) هذا جار في الحيوانات أيضا، والنفع والضر يشملان الدنيوي والأخروي، وفيه أمر بإيصال النفع وترغيب فيه بذكر بعض مفاسده والحب يترتب عليه منافع كثيرة والبغض يترتب عليه مضار عظيمة كما لا يخفى على ذوي البصاير. * الأصل: 141 - محمد بن أبي عبد الله، عن موسى بن عمران، عن عمه الحسين بن عيسى بن عبد الله، عن علي بن جعفر، عن أخيه أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: أخذ أبي بيدي ثم قال: يا بني إن أبي محمد بن علي (عليهم السلام) أخذ بيدي كما أخذت بيدك وقال: إن أبي علي بن الحسين (عليهم السلام) أخذ بيدي وقال: يا بني ! افعل الخير إلى كل من طلبه منك فإن كان من أهله فقد أصبت موضعه وإن لم يكن من أهله كنت أنت من أهله، وإن شتمك رجل عن يمينك ثم تحول إلى يسارك فاعتذر إليك فاقبل عذره. * الشرح: قوله (با بني افعل الخير إلى كل من طلبه منك) الخير يشتمل بذل المال والقول النافع والمشي للحاجة، وهذا من المرغبات التي لا يتركها أهل الكمال وإلا فيجوز الترك خصوصا بعد الثلاثة كما دل عليه بعض الروايات مثل ما رواه المصنف بإسناده عن علي بن أبي حمزة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول في السؤال: أعطوا ثلاثة وإن شئتم أن تزدادوا فازدادوا وإلا فقد أديتم حق يومكم (وإن شتمك رجل عن يمينك وتحول الى يسارك فاعتذر اليك فاقبل عذره) أي طلب منك قبول عذره ورفع اللوم عنه والعذر بسكون الذال وضمها للاتباع وفيه ترغيب في الأخلاق الكريمة برفع اللوم عن المعتذر والعفو عنه وتصفية القلب معه.

[ 166 ]

* الأصل: 142 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم، والحجال، عن العلاء، عن محمد بن مسلم قال: قال لي أبو جعفر (عليه السلام): كان كل شئ ماء وكان عرشه على الماء فأمر الله عز ذكره الماء فاضطرم نارا ثم أمر النار فخمدت فارتفع من خمودها دخان فخلق الله عز وجل السماوات من ذلك الدخان وخلق الله عز وجل الأرض من الرماد ثم اختصم الماء والنار والريح فقال الماء: أنا جند الله الأكبر وقالت النار: أنا جند الله الأكبر وقالت الريح: أنا جند الله الأكبر، فأوحى الله عز وجل إلى الريح أنت جندي الأكبر. * الشرح: قوله (محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد. اه‍) مر هذا الحديث بعينه متنا وسندا مع شرحه في حديث أهل الشام فلا نعيده.

[ 167 ]

حديث زينب العطارة * الأصل: 143 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن عبد الرحمن بن أبى نجران، عن صفوان، عن خلف بن حماد عن الحسين بن زيد الهاشمي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: جاءت زينب العطارة الحولاء إلى نساء النبي (صلى الله عليه وآله) وبناته وكانت تبيع منهن العطر فجاء النبي (صلى الله عليه وآله) وهي عندهن فقال: إذا أتيتنا طابت بيوتنا، فقالت: بيوتك بريحك أطيب يا رسول الله، قال: إذا بعت فأحسني ولاتغشي فإنه أتقى وأبقى للمال، فقالت: يا رسول الله ما أتيت بشئ من بيعي وإنما أتيت أسألك عن عظمة الله عز وجل، فقال: جل جلال الله سأحدثك عن بعض ذلك، ثم قال: إن هذه الأرض بمن عليها عند التي تحتها كحلقة ملقاة في فلاة قي وهاتان بمن فيهما ومن عليهما عند التي تحتها كحلقة ملقاة في فلاة قي والثالثة حتى انتهى إلى السابعة وتلا هذه الآية * (خلق سبع سماوات ومن الارض مثلهن) *. والسبع الارضين بمن فيهن ومن عليهن على ظهر الديك كحلقة ملقاة في فلاة قي والديك له جناحان جناح في المشرق وجناح في المغرب ورجلاه في التخوم، والسبع والديك بمن فيه ومن عليه على الصخرة كحلقة ملقاة في فلاة قي والصخرة بمن فيها ومن عليها على ظهر الحوت كحلقة ملقاة في فلاة قي والسبع والديك والصخرة والحوت بمن فيه ومن عليه على البحر المظلم كحلقة ملقاة في فلاة قي، والسبع والديك والصخرة والحوت والبحر المظلم على الهواء الذاهب كحلقة ملقاة في فلاة قي والسبع والديك والصخرة والحوت والبحر المظلم والهواء على الثرى كحلقة ملقاة في فلاة قي، ثم تلا هذه الآية * (له ما في السموات وما في الارض وما بينهما وما تحت الثرى) * ثم انقطع الخبر عند الثرى، والسبع والديك والصخرة والحوت والبحر المظلم والهواء والثرى بمن فيه ومن عليه عند السماء الاولى كحلقة في فلاة قي وهذا كله والسماء الدنيا بمن عليها ومن فيها عندفوقها كحلقة في فلاة قي وهاتان السماءان ومن فيهما ومن عليهما عند التي فوقهما كحلقة قي، وهذه الثلاث بمن فيهن ومن عليهن عند الرابعة كحلقة في فلاة قي حتى انتهى إلى السابعة، وهن ومن فيهن ومن عليهن عند البحر المكفوف عن أهل الأرض كحلقة في فلاة قي، وهذه السبع والبحر المكفوف عند جبال البرد كحلقة في فلاة قي وتلا هذه الآية: * (وينزل من السماء من جبال فيها من برد) * وهذه السبع والبحر المكفوف وجبال البرد عند الهواء الذي تحار فيه القلوب كحلقة في فلاة قي، وهذه السبع والبحر المكفوف وجبال البرد والهواء عند

[ 168 ]

حجب النور كحلقة في فلاة قي، وهذه السبع والبحر المكفوف وجبال البرد والهواء وحجب النور عند الكرسي كحلقة في فلاة قي، ثم تلا هذه الآية: * (وسع كرسية السموات والأرض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم) * وهذه السبع والبحر المكفوف وجبال البرد والهواء وحجب النور والكرسي عند العرش كحلقة في فلاة قي وتلا هذه الآية: * (الرحمن على العرش استوى) * وفي رواية الحسن: الحجب قبل الهواء الذي تحار فيه القلوب. * الشرح: قوله (حديث زينب العطارة) وهو حديث غريب دل على كمال قدرة الصانع وعظمتة بما يشتمل عليه إجمالا من نضد العالم السفلي والعلوي ولا يعلم حقيقتة وكيفيتة إلا أصحاب الوحي ومن تجرد عن العلائق الجسمية والعوائق البدنية حتى اتصل بالملأ الأعلى ورأى الاشياء كما عليه في نفس الأمر. (قال: إذا بعت فأحسني ولا تغشي) غشه من باب قتل: إذا لم يخلص أو أظهر خلاف ما أضمر، والغش بالكسر: اسم منه، والمغشوش: الغير الخالص كاللبن الممزوج بالماء، والمسك والزعفران الممزوجين بما يشابههما ونحو ذلك، وفيه إشارة الى بعض آداب البيع وهو الإحسان الى المشترى بعدم المما كسة وعدم طلب الزيارة على القدر المعتاد أو على قدر الحاجة وعدم مزج المبيع بغيره وعلل ذلك للحث عليه بقوله (فإنه أتقى) من العقوبة وأخذر من أسبابها (وأبقى للمال) فإن الحلال أشد بقاء من الحرام (فقالت يا رسول الله ما أتيت بشئ من بيعي) البيع " خريدن " و " فروختن " ضد ويطلق على المبيع ويجمع على البيوع وأبيعة بالألف لغة كما في المصباح (وإنما أتيت أسالك عن عظمة الله عز وجل) سألت عن حقيقة عظمة أو عن قدرها أو عن آثارها وأجاب (عليه السلام) ببعض آثارها الدالة على كمال العظمة لابجميعها إذ كما لا يمكن للبشر أن يعرف حقيقة عظمة كذلك لا يمكن له أن يعرف جميع الآثار مفصلة (ثم قال: إن هذه الأرض) التي هي مسكننا ومسكن سائر الحيوانات (عند الأرض) التي تحتها (كحلقة ملقاة في فلاة قي) القي بكسر القاف وشد الياء القفر الخالي وأصله قوى فعل. (وتلا هذه الآية * (خلق سبع سموات ومن الارض مثلهن) *) استشهد بالآية لما ذكر حيث جعل الأرض سبع طبقات كل طبقة تحتانية أعظم من الفوقانية وهذه الأرض أصغر من الجميع قال بعض العلماء: كلما أحاط به فلك القمر يطلق عليه اسم الأرض كما قال تعالى الذي " خلق سبع السموات ومن الأرض مثلهن " وهي سبع طبقات الأولى: النار، الثانية: الهواء الثالثة: الماء، الرابعة: الأرض وثلاث طبقات ممتزجة من هذه الأربع الأولى ممتزجه من النار والهواء، الثانية ممتزجة من الهواء

[ 169 ]

والماء، الثالثة ممتزجة من الماء والأرض وهي الكرة الطينية أقول الظاهر أن هذا القول غير موافق لهذا الحديث حيث ذكر الثلاثة الأولى على حدة ثم أقول: يلزم من هذا الحديث على تقدير تماس هذه السبع بعضها ببعض أحد الأمرين إما أن يكون السبع أجساما مسطحة أو يكون كرات مماسة بنقطة، وذلك لأنها إن كانت مسطحة فهو الأمر الأول وإن كانت كرة فإن كان مجموعها من حيث المجموع كرة واحدة لزم أن يكون الأعظم القطعة التي فيها المنطقة وأن يكون ما فوقها وما تحتها من القطاع مساوية كل واحدة لنظيرها وهذا ينافي كون كل تحتانية أعظم من الفوقانية وإن كان كل واحدة كرة فإن كان كل تحتانية محيطة بالفوقانية لزم أن تكون هذه الأرض محاطة بأرض أخرى وليس كذلك فينبغي أن يكون غير محيطة فيلزم أن يكون التماس بنقطة وهو الأمر الثاني فليتأمل (شرح روضة الكافي " 10 "). (على ظاهر الديك): هو ذكر الدجاج والجمع ديوك وديكة وزان قردة (له جناحان جناح في المشرق وجناح في المغرب ورجلاه في التخوم) التخم: منتهى كل قرية أو أرض والجمع تخوم مثل فلس وفلوس وقال ابن الأعرابي وابن السكيت: الواحد تخوم والجمع تخم مثل رسول ورسل ولعل المراد بالتخوم هنا منتهى الصخرة وينبغي حمله على ظاهره لعدم استبعاده بالنظر الى القدرة القاهرة (1) والمصالح التي لا يعلمها إلا هو وحمله على المبالغة كالتأويل بعيد (على البحر المظلم) وهو البحر الأعظم سمي مظلما لكثرة مائه وغور عمقه فإن البحر كلما زاد عمقه كان ماؤه أسود (على الهواء الذاهب): أي المتحرك والوصف للإيضاح أو للإحتراز به عن الهواء الغير المتحرك وهو ما سيجئ من الهواء الذي تحار فيه القلوب (على الثرى) لعل المراد بالثرى هنا كرة


1 - قوله " لعدم استبعاده بالنظر الى القدرة القاهرة " إن كان الديك من الأجسام المثالية التي لا تتزاحم إذا اجتمعت على مكان واحد فلكلام الشارح وجه وإلا فإن كان جسما ماديا يجب من وجوده على ما ذكر عدم بقاء مكان لساير الأجسام لقضاء الضرورة ببطلان الطفرة والتداخل على ما قاله المحقق الطوسى (رحمهم الله) في التجريد وبينه العلامة الحلي (رحمهم الله) في شرحة وكذلك نقول في ما ورد من عظمة بعض ملائكة الرحمن وكونهم بحيث يملؤون الخافقين، والحق أن رواية زينب العطارة ضعيفة على فرض صدور شئ منها حقيقة من المعصوم لانطمئن بحفظ الرواة وضبطهم جميع الالفاظ التي سمعوها وإنما يحتاج الى تكلف التأويل والتوجية بما يشمئز منه الطبع والإلتزام بالمحالات من يعتقد صدور شئ جميع الروايات منها من المعصوم وعصمة الرواة من الخطأ والسهو والنسيان في نقل جميع ألفاظ الإمام (عليه السلام) وهو اعتقاد سخيف نرى في كثير من الأخبار المعتبرة نقل آيات القرآن ضمن كلام المعصوم غلطا مع أنا نعلم أنه (عليه السلام) لم يقرأ إلا كما هو صحيحا. فالحق عدم التعرض لشئ مما ورد في رواية زينب العطارة والتوقف فيها. والعجب أن بعض الناس حاولوا تطبيق الرواية على العلوم الطبيعية والهيئة الإفرنجية والبعد بينهما أبعد مما بين السماء والأرض (ش). (*)

[ 170 ]

الأثير بقرينة اقترانه بالسماء الأولى والله أعلم (ثم انقطع الخبر عند الثرى) وهو كلام النبي (صلى الله عليه وآله) والخبر إما بالضم وهو العلم أو بالفتح وهو معروف انقطع علم البشر بالسفليات أو خبرها عند الثرى ولا علم لهم أكثر من ذلك (عند البحر المكفوف عن أهل الأرض) أي الممنوع من الانصباب عليهم بقدرة الله تعالى إذلو انصب عليهم أهلكهم دفعة وفيه دلالة على أن بين السماء والأرض السابعة والثامنة المسماة بالكرسي وسائط أربعة، وما ذكره أرباب الرياضي من الاتصال بينهما لادليل عليه عقلا ونقلا، وهم أيضا صرحوا بأن الاتصال من باب الاستحسان فوجب التمسك بما دل عليه الشرع (وحجب النور) لعل المراد بها حجاب القدرة وحجاب العظمة وحجاب الرفعة وحجاب الهيبة وحجاب الرحمة، وهذه الحجب ذكرها صاحب معارج النبوة، وكل ذلك نشأ من نور ذاته تعالى أو نور علمه أو الإضافة بيانية باعتبار أن تلك الحجب نفسها أنوار إلهية (ثم تلا هذه الآية * (وسع كرسيه السموات والأرض) *)، الكرسي في هذه الآية فسر في كتاب التوحيد وتارة بالعلم وتارة بالفلك الثامن، لكن المراد هنا هو الخير والمراد بالسموات: السموات السبع ويدل عليه أيضا ماروى عن أبي عبد الله (عليه السلام) حين سئل، الكرسي أكبر أم العرش ؟ قال (عليه السلام) " كل شئ خلق الله تعالى في الكرسي ما خلا عرشه فإنه أعظم من أن يحيط به الكرسي ".

[ 171 ]

حديث الذي أضاف رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالطائف * الأصل: 144 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن يزيد الكناسي، عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان نزل على رجل بالطائف قبل الإسلام فأكرمه فلما أن بعث الله محمدا (صلى الله عليه وآله) إلى الناس قيل للرجل: أتدري من الذي أرسله الله عز وجل إلى الناس ؟ قال: لا، قالوا له: هو محمد بن عبد الله يتيم أبي طالب وهو الذي كان نزل بك بالطائف يوم كذا وكذا فأكرمته، قال فقدم الرجل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسلم عليه وأسلم، ثم قال له: أتعرفني يا رسول الله ؟ قال: ومن أنت ؟ قال: أنا رب المنزل الذي نزلت به بالطائف في الجاهلية يوم كذا وكذا فأكرمتك فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): مرحبا بك سل حاجتك: فقال: أسألك مأتي شاة برعاتها، فأمر له رسول الله (صلى الله عليه وآله) بما سأل، ثم قال لأصحابه: ما كان على هذا الرجل أن يسألني سؤال عجوز بنى إسرائيل لموسى (عليه السلام) فقالوا: وما سألت عجوز بني إسرائيل لموسى ؟ فقال: إن الله عز ذكره أوحى إلى موسى أن احمل عظام يوسف من مصر قبل أن تخرج منها إلى الأرض المقدسة بالشام فسأل موسى عن قبر يوسف (عليه السلام) فجاءه شيخ فقال إن كان أحد يعرف قبره ففلانة فأرسل موسى (عليه السلام) إليها فلما جاءته قال: تعلمين موضع قبر يوسف (عليه السلام) ؟ قالت نعم قال: فدليني عليه ولك ما سألت قال: لاأدلك عليه إلا بحكمي، قال: فلك الجنة، قالت: لا إلا بحكمي عليك، فأوحى الله عز وجل إلى موسى لا يكبر عليك أن تجعل لها حكمها، فقال لها موسى: فلك حكمك، قالت: فان حكمي أن أكون معك في درجتك التي تكون فيها يوم القيامة في الجنة ! فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما كان على هذا لوسألني ما سألت عجوز بني إسرائيل. * الشرح: قوله (حديث الذي أضاف رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالطائف) الظاهر من سياق الحديث أن هذه الضيافة كانت قبل بعثته (صلى الله عليه وآله) وإن قدوم الرجل عليه كان بعد قوة الإسلام وكثرة الغنائم (ثم قال لأصحابه ما كان على هذا الرجل أن يسألني سؤال عجوز بني إسرائيل لموسى (عليه السلام)) لما كان غاية همة هذا الرجل طلب الدنيا والميل الى زهراتها تعجب (صلى الله عليه وآله) من حاله وذمه وأشار الى موسى أن يكون نهاية هم المرء طلب الآخرة والميل الى رفعة درجاتها (فقال: إن الله أوحى الى موسى أن احمل عظام يوسف من مصر قبل أن تخرج منها الى الأرض المقدسة بالشام)، دل على أن النقل كان بالوحي وعلى استحبابه كما هو مذهب الأصحاب وقيل كان النقل لوصية يوسف (عليه السلام) به ولا منافاة بينهما

[ 172 ]

والمراد بالعظام: جسده المطهر لأن الأنبياء لاتبلى أجسادهم (1) ولا منافاة بينه وبين ماروى من أن الأنبياء ينقلون بعد ثلاثة أيام الى السماء لجواز رجوعهم بعد صعودهم (فأرسل موسى (عليه السلام) إليها فلما جاءته قال تعلمين. اه‍) قال الصدوق: فبعث إليها فأتى بعجوز مقعدة عمياء فقال: تعرفين قبر يوسف ؟ قالت: نعم فأخبرني بموضعه قال: لا أفعل حتى تعطيني خصالا تطلق رجلي وتعيد إلي بصري وترد إلي شبابي وتجعلني معك في الجنة فكبر ذلك على موسى (عليه السلام) فأوحى الله عزوجل إنما تعطني علي فأعطها ما سألت ففعل فدلته على قبر يوسف (عليه السلام) فاستخرجه من شاطئ النيل في صندوق مرمر (قالت فإن حكمي أن أكون معك في الدرجة التي تكون فيها يوم القيامة في الجنة) قال بعض العامة طلب درجة الأنبياء في الجنة ممتنع لأنه يستلزم طلب مساواتهم وأنه ممتنع. أقول: فيه نظر، لأنه إن أراد أن طلب مساواتهم في المنزل واشتراكهم في الكون فيه ممتنع فهو ممنوع ولا دليل على امتناعه عقلا ونقلا بل الظاهر جواز ذلك في الجنة كما جاز في الدنيا، وإن أراد أن طلب مساواتهم في الشرف والكمال ورفعة القدر ممتنع، فهو مسلم لكن طلب درجاتهم ومكانهم لا يستلزم طلب المساواة بهذا المعنى. * الأصل: 145 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: كانت امرأة من الأنصار تودنا أهل البيت وتذكر التعاهدلنا وإن عمر بن الخطاب لقيها ذات يوم وهي تريدنا فقال لها: أين تذهبين يا عجوز الأنصار ؟ فقالت: أذهب إلى آل محمد اسلم عليهم واجدد بهم عهدا وأقضي حقهم، فقال لها عمر: ويلك ليس لهم اليوم حق عليك ولا علينا إنما كان لهم حق على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأما اليوم فليس لهم حق فانصرفي، فانصرفت حتى أتت ام سلمة فقالت لها ام سلمة: ماذا أبطأ بك عنا ؟ فقالت: إني لقيت عمر ابن الخطاب وأخبرتها بما قالت لعمر وما قال لها عمر، فقالت لها ام سملة: كذب لا يزال حق آل محمد (صلى الله عليه وآله) واجبا على المسلمين إلى يوم القيامة.


1 - قوله " لأن الأنبياء لاتبلى أجسادهم " ينبغي السكوت والتوقف في هذه المسائل التي اختلفت الروايات فيه وهي مما لا حاجة لنا الى العلم بها ولا طريق موجب لليقين الى قول المعصوم فيها فقد روي في تاريخ العسكري (عليه السلام) حديث استسقاء النصاري وإجابة دعائهم دون دعاء المسلمين واستخراج العسكري (عليه السلام) عظام الأنبياء من بين أصابع القسيس، وأما رجوع عظام الأنبياء بعد صعودهم فخلاف صريح بعض الروايات، فإن الراوي سأل عن وجود عظامه (صلى الله عليه وآله) في قبره الشريف بعد سنين كثيرة من رحلتة (صلى الله عليه وآله). (ش) (*)

[ 173 ]

* الشرح: قوله: (وتكثر التعاهد لنا)، أي لرؤيتنا وزيارتنا ورعاية حرمتنا (فقال لها عمر ويلك ليس لهم اليوم حق عليك ولا علينا، إنما كان لهم حق على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأما اليوم فليس لهم حق فانصرفي) قال ذلك حسدا وعنادا وعداوة لهم، وقد اعترف بأنه كان لهم حق على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيقال له ذلك الحق إن كان لاجل القرابة فهي باقية بعده وإن كان لأجل فضلهم وكمالاتهم فيه أيضا باقيه بعده فبأى شئ بطل حقهم بعده (فقالت لها أم سلمة: كذب، لا يزال حق آل محمد على المسلمين واجبا الى يوم القيامة، هذا هو الحق الذي لاريب فيه ودل عليه صريح قوله تعالى * (قل لاأسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) * وغيره وصريح كثير من روايات العامة والخاصة وإنما ذلك الرجل بمجرد النفاق والعداوة. * الأصل: 146 - ابن محبوب، عن الحارث بن محمد بن النعمان، عن بريد العجلي قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قوله الله عز وجل: " ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون " قال: هم والله شيعتنا حين صارت أرواحهم في الجنة واستقبلوا الكرامة من الله عز وجل علموا واستيقنوا أنهم كانوا على الحق وعلى دين الله عز وجل فاستبشروا بمن لم يلحق بهم من إخوانهم من خلفهم من المؤمنين ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون. * الشرح: قوله (قال هم والله شيعتنا حين صارت أرواحهم في الجنة) قال الفاضل الأمين الاسترابادي: الظاهر أن المراد بالجنة التي خلقها في المغرب وجعلها مكان أرواح السعداء في عالم البرزخ، أقول: يحتمل أن يراد بها الحنة المعروفة وهي موجودة كما هو الحق ودلت عليه الآيات والروايات ولا يمتنع دخول أرواح المؤمنين فيها في البرزخ عقلا ونقلا، وأما عدم خروج من دخلها فلعله يكون بعد الحشر وعود الأرواح الى الأبدان (واستقبلوا الكرامة من الله عز وجل علموا واستيقنوا أنهم كانوا على الحق وعلى دين الله عز وجل) أي علموا ذلك بالمعاينة واستيقنوا بعين اليقين وإلا كان لهم العلم واليقين بذلك قبل الموت وبين علم اليقين وعين اليقين فرق ظاهر، ومن ذلك قوله تعالى " أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي " قالوا: أراد (عليه السلام) أن يحصل له علم اليقين بعد ما كان له علم اليقين (فاستبشروا بمن له يلحق بهم من إخوانهم من خلفهم من المؤمنين ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون) ضمير عليهم راجع الى المستبشرين أو إلى اللاحقين الباقين اوالى الجميع باعتبار هذا الصنف وهم الشيعة.

[ 174 ]

* الأصل: 147 - عنه، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن أبي أيوب، عن الحلبي قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل " فيهن خيرات حسان " قال: هن صوالح المؤمنات العارفات، قال: قلت: " حور مقصورات في الخيام " ؟ قال الحور هن البيض المضمومات المخدرات في خيام الدر والياقوت والمرجان، لكل خيمة أربعة أبواب، على كل باب سبعون كاعبا حجابا لهن ويأتيهن في كل يوم كرامة من الله عز ذكره ليبشر الله عز وجل بهن المؤمنين. * الشرح: قوله: (قال: قلت: حور مقصورات في الخيام): امرأة مقصورة محبوسة في البيت لا تترك أن تخرج (قال: الحور: هن البيض المضمومات المخدرات) الضم: قبض الشئ الى شئ، والمراد ضمهن الى الخيام أو إلى الأزواج والخدر بالكسر الستر وجارية مخدرة إذا لزمت الخدر (على كل باب سبعون كاعبا) الكاعب: المرأة حين يبدو ثديها للنهود، والجمع: الكواعب (يبشر الله بهن المؤمنين): أي يبشر الله تعالى المؤمنين في كتابه بأن لهم صنفين من النسوة في الآخرة وفي بعض النسخ " ليبشر الله " باللام أي أنزل هذه الآية ليبشرهم. * الأصل: 148 - على بن إبراهيم، وعدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد جميعا عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن أبي الصباح الكناني، عن الأصبغ بن نباتة قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إن للشمس ثلاثمائة وستين برجا كل برج منها مثل جزيرة من جزائر العرب، فتنزل كل يوم على برج منها، فإذا غابت انتهت إلى حد بطنان العرش، فلم تزل ساجدة إلى الغد، ثم ترد موضع مطلعها ومعها ملكان يهتفان معها، وإن وجهها لأهل السماء وقفاها لأهل الأرض ولو كان وجهها لأهل الأرض لاحترقت الأرض ومن عليها من شدة حرها، ومعنى سجودها ما قال سبحانه وتعالى: " ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس ". * الشرح: قوله (قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إن للشمس ثلاثمائة وستين برجا، كل برج منها مثل جزيرة من جزاير العرب فتنزل كل يوم على برج منها فإذا غابت انتهت على حد بطنان العرش (1) فلم تزل


1 - قوله " الى حد بطنان العرش " الكلام في هذه الرواية كالكلام في رواية زينب العطارة لانطمئن بحفظ الرواة وضبطهم على فرض صدور الحديث من المعصوم (عليه السلام) إذ لم يكن الرواة معصومين من الخطأ ولم يبين = (*)

[ 175 ]

ساجدة الى الغد ثم ترد الى موضعها مطلعها ومعها ملكان يهتفان معها وأن وجهها السماء وقفاها لأهل الأرض ولو كان وجهها لأهل الأرض لأحرقت الأرض ومن عليها من شدة حرها) البرج في اللغة: الركن، والمراد به هنا: الدرجة المدارية أو الدرجة التي هي مطلع الشمس من أول السرطان إلى أول الجدي ذاهبة وجائية وهي ثلاثمائة وستون، وتمثيلها بالجزيرة تنبيه لسعتها فتنزل الشمس كل يوم من أيام السنة على درجة من هذه الدرجات ستة أشهر عائدة فإذا نزلت على درجة منها وجرت حتى غربت في درجة محاذية لها وانتهت الى حد بطنان العرش أي الى تحته والمراد به: المنزلة التي ترجع منها وتطلع من المغرب في آخر الزمان عند قيام الساعة، وقد عد ذلك من أشراطها، وإلا فالشمس دايما تحت العرش، والمراد بسجودها: خشوعها وانتظارها لأمر الله سبحانه هل يأمر برجوعها أم لا وانقيادها لحكمه فيأمر بردها إلى مطلعها فترد إليه فتصبح طالعة


= الشارح وجه تأويله بما أوله مثلا الدرجة المدارية التي تنزلها الشمس كل يوم درجات مدار الحركة الخاصة كما قال المجلسي رحمة الله: لعل المراد بالبروج الدرجات التي تنتقل إليها بحركتها الخاصة فيكون نزول كل يوم في برج تغليبا انتهى، وعلى هذا إذا نزلت الشمس في درجة نهارا تبقى في تلك الدرجة جميع ذلك اليوم الى غروبها، وبعد الغروب ايضا تكون في تلك الدرجة بعينها وانمال تنتقل الى درجة بعدها بعد أربع وعشرين ساعة. ثم قال المجلسي (رحمه الله): فإذا غابت، أي بالحركة اليومية. وقد علم أنها بالحركة اليومية تنتقل عن تلك الدرجة، انتهت الى حد بطنان العرش فيكون وصولها إلى حد بطنان العرش في كل يوم مرة، وحمله المجلسي رحمه الله على نصف الليل حين تمر الشمس بدائرة نصف النهار من تحت الأرض، وهذا الذي ذكره المجلسي (رحمه الله) ألصق بعبارة الحديث لكن يعسر الوقوف على مقصوده ومعناه لأن العرش على ما قاله يكون فوق رؤوس أهل مكة فكون الشمس في نصف النهار في النهار محاذية لبطنان العرش أظهر من محاذاته في الطرف الآخر وإن كان ولابد فلابد من المحاذاة في اليوم بليلته مرتين، وأما تفسير الشارح فلا ينطبق على عبارة الحديث ولكن معناه مفهوم لنا فإذا غابت الشمس أي في اليلة التي تكون غدها يوم القيامة وهي في الدرجة التي نزلتها وقتا ما وجرت بعدها حتى غابت وانتهت الى بطنان العرش، أي تحت العرش ولهذا الانتهاء والتحتية خصوصية مثل أن تكون أقرب حتى يأمرها الله تعالى بالرجوع والطلوع من المغرب بخلاف ساير الأيام، ثم أن كلام الشارح يدل على أن الشمس حية ناطقة تتغير حالها بمشاهدة جلال الله تعالى وهو اقتباس من الحكماء بوجه غير مرضى عندهم لأنهم لا يرون النفوس الفلكية مبدء لتغير مبدء لتغير في الجسم كيفا أو كما بل لو فرض رؤية أحد بعض الفلكيات لم ير فيه من آثار الحياه إلا الدروان كما يرى الرحى الذي يتحرك من غير متحرك فيذهب الذهن الى أن موجودا كالجن يحركه، وأما كون الشمس مواجهة للأرض بوجه واحد فغير مطابق لما حققه أهل الفن، فإنها تدور على نفسها في كل خمسة وعشرين يوما فتواجهه الأرض بجميع أطرافها والحق التوقف في هذه الروايات لا تطمئن بصدورها إذا لم نعرف لها معنى صحيحا من غير تكلف ولا أدري كيف لتأويل الأخبار الواردة في الطبيعيات من يتحرز عن تأويل ما يتعلق بالأمور المعنوية حتى في أبده المسائل. (ش) (*)

[ 176 ]

منه، وهكذا كان دايما الى ما شاء الله أن يأمر بردها من مغربها، ولعل الملكين الهاتفين يزجرانها ويأمرانها بالطلوع إلى مطالعها المعروفة وقوله " وجهها لأهل السماء " يحتمل أن يراد به: أن وجهها لأهل السماء متوجه الى العرش حين كونها ساجدة، ووجه شدة حرارتها وإحراقها للأرض ومن عليها على تقدير كون وجهها للأرض ظاهر لتغيير حالها بمشاهدة جلال الله وعظمة كبريائه، كما نقل ذلك في حال نبينا (صلى الله عليه وآله) عند نزول الوحي، ويحتمل أن وجهها لأهل السماء دايما، ويؤيد الأول ما رواه في الفقيه من أن الشمس بلغت الجو وجازت الكو قلبها ملك النور ظهر البطن فصار ما يلي الأرض إلى السماء وبلغ شعاعها تخوم العرش الحديث " لا يقال كيف نتوقع الشمس طلوعها من المغرب في كل وقت والدجال وعيسى والمهدى (عليهم السلام) لم يظهروا بعد لأنه يمكن أن يقال أنه لاعلم لها بعدم تحقق طلوعها قبل ظهورهم، هذا الذي ذكرناه مما تحتمله العبارة، ويمكن أيضا حملها على أن ذلك الفعل من الشمس عبادة وانقياد له جل شأنه والله أعلم، (وكثير من الناس) عطف على الدواب إن جوز استعمال المشترك في معنييه واستناده إلى أمر باعتبار أحدهما، وإلى الآخر باعتبار الآخر، وتخصيص الكثير يدل على إرادة وضع الجبهة أو مبتدء خبره محذوف أي حق له الثواب لدلالة ما بعده عليه وهو كثير حق عليه العذاب أو فاعل فعل محذوف أي ويسجدله كثير من الناس لدلالة المذكور عليه. * الأصل: 149 - عدة من أصحابنا، عن صالح بن أبي حماد، عن إسماعيل بن مهران، عمن حدثة، عن جابر بن يزيد قال: حدثني محمد بن علي (عليه السلام) سبعين حديثا لم احدث بها أحدا قط ولا أحدث بها أحدا أبدا، فلما مضى محمد بن علي (عليهم السلام) ثقلت على عنقي وضاق بها صدري فأتيت أبا عبد الله (عليه السلام) فقلت: جعلت فداك إن أباك حدثني سبعين حديثا لم يخرج مني شئ منها ولا يخرج شئ منها إلى أحد وأمرني بسترها وقد ثقلت على عنقي وضاق بها صدري فما تأمرني ؟ قال: يا جابر إذا ضاق بك من ذلك شئ فاخرج إلى الجبانة واحتفر حفرة ثم دل رأسك فيها وقل: حدثني محمد بن علي بكذا وكذا ثم طمه فان الأرض تستر عليك قال، جابر ففعلت ذلك فخف عني ما كنت أجده. عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن إسماعيل بن مهران مثله. * الشرح: قوله (فقال يا جابر إذا ضاق بك من ذلك شئ) أي من كتمان السر، وعدم إظهاره لأحد (فأخرج الى الجبانة): هي بتشديد الباء وثبوت الهاء أكثر من حذفها المصلى في الصحراء وربما

[ 177 ]

أطلقت على المقبرة لأن المصلى غالبا يكون فيها (واحتفر حفيرة ثم دل رأسك فيها) أي أرسله فيها من دليت الدلو أرسلتها في البئر، وهو يدل على أن حفظ السر واجب وأن إظهاره على النحو المذكور يدفع ضيق الصدر الحاصل من كتمانه، وأن ما هو جماد نفسا مدركة في نفس الأمر كما قيل وقد ذكرناه سابقا في الأصول، وفي طم الحفر تنبيه على عدم إفشائه، وإنما لم يأمره (عليه السلام) بإظهاره له وهو (عليه السلام) أحفظ منه إما لأنه (عليه السلام) لما كان عالما به لم يكن الإظهار له دافعا للضيق أو ليعلم كيفية التخلص من الضيق من لم يجد مثله (عليه السلام) الى قيام القائم (عليه السلام). * الأصل: 150 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن صفوان بن يحيى، عن الحارث بن المغيرة قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): لآخذن البرئ منكم بذنب السقيم ولم لاأفعل ويبلغكم عن الرجل مايشينكم ويشينني فتجالسونهم وتحدثونهم فيمربكم المار فيقول: هؤلاء شر من هذا فلوأنكم إذا بلغكم عنه ما تكرهون زبرتموهم ونهيتموهم كان أبربكم وبي. * الشرح: قوله (قال أبو عبد الله (عليه السلام): لآخذن البرئ منكم بذنب السقيم. اه‍) أريد بالبرئ: البرئ من مثل ذنب السقيم وإن كان هو أيضا مذنبا باعتبار ترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وهو يدل على وجوبهما على كل عالم بالمعروف والمنكر، وعلى أنه لا يجوز مجالسة الفاسق، وعلى أنه يجب التحرز من موضع التهمة، وضمير الجمع في تجالسونهم، راجع الى الرجل باعتبار الجنس الشامل للكثرة، وهؤلاء إشارة إلى الجالسين وهذا إشارة إلى الرجل والأفراد باعتبار اللفظ وإرجاع هؤلاء الى الرجل والجالسين معه، وهذا: إلى أبى عبد الله (عليه السلام) بعيد جدا والمراد بالموصول في قوله " مايشينكم ويشينني " أعم من إظهار السرو كتمان الحق وفعل المعصية ووجه كون ذلك شينا له (عليه السلام) ظاهر لأن خلاف الرعية ومخالفتهم للسلطان يوجب ذم الأمير وعيبه أيضا والمراد بالأخذ الأخذ في الدنيا بالتأديب أو في الآخرة بالتعذيب أو الأعم منهما. * الأصل: 151 - سهل بن زياد، عن عمرو بن عثمان، عن عبد الله بن المغيرة، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: " فلما نسوا مادكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء " قال: كانوا ثلاثة أصناف: صنف ائتمروا وأمروا فنجوا، وصنف ائتمروا ولم يأمروا فمسخوا ذرا، وصنف لم يأتمروا ولم يأمروا فهلكوا.

[ 178 ]

* الشرح: قوله (فلما نسوا ما ذكروا به): لعل المراد بالنسيان لازمة وهي ترك ما يوجب الثواب وفعل ما يوجب العقاب لشباهتهم بالناس في ذلك (صنف ايتمروا): أي قبلوا الأمر والنهي وامتثلوا (وأمروا) بالمعروف (ونهوا) عن المنكر (فنجوا) من العقوبة الدنيوية والأخروية (وصنف ائتمروا ولم يأمروا فمسخوا ذرا)، للمداهنة والمساهلة مع أهل المعاصي في السكوت عما رأوا منهم من المنكرات، فمن شاهد معصية ولم ينه عنها فهو عاص أيضا، وربما ساقه ذلك الى فعل منكر والمشاركة مع أهله، وعلى التقديرين يستحق العقوبة، ويفهم منه أن الأمر بالمعروف عند قيام بعض به لا يسقط عن غيره إذا لم يأتمر العاصي، بل وجب عليه أيضا فلعله يأتمر بتظاهرهم وتعاونهم. * الأصل: 152 - عنه، عن علي بن أسباط، عن العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم قال: كتب أبو عبد الله (عليه السلام) إلى الشيعة: ليعطفن ذووا السن منكم والنهي عن ذوي الجهل وطلاب الرئاسة، أو لتصبينكم لعنتي أجمعين. * الشرح: قوله (كتب أبو عبد الله (عليه السلام) الى الشيعة: ليعطفن ذووالسن منكم والنهي عن ذوي الجهل وطلاب الرياسة أو لتصبينكم لعنتي أجمعين) عطف عنه مال وصرف وجهه عنه، والنهي: جمع النهية: وهي العقل، لأنه ينهى عن القبيح وفيه ترغيب في مفارقة الجاهلين والفاسقين وطلاب الرئاسة لأن كل رئيس غير معصوم ظالم لنفسه ولغيره محتاج إلى من يأمره وينهاه ولو بكلام خشن ولا ينبغي للعالم العارف أن يميل إليه، ويساهله، ويجالسه إلا مع الخوف، فيجب أن يبغضه قلبا وفي بعض النسخ " على ذوي الجهل " يقال عطف عليه إذا أشفق ورؤف وفيه حينئذ ترغيب في أمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، لأن ذلك شفقة لهم ورأفة بهم. * الأصل: 153 - محمد بن أبي عبد الله، ومحمد بن الحسن جميعا، عن صالح بن أبي حماد، عن أبي جعفرا الكوفي، عن رجل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله عز وجل جعل الدين دولتين دولة لآدم (عليه السلام) ودولة لإبليس فدولة آدم هي دولة الله عز وجل فإذا أراد الله عز وجل أن يعبد علانية أظهر دولة آدم وإذا أراد الله يعبد سرا كانت دولة إبليس، فالمذيع لما أراد الله ستره مارق من الدين.

[ 179 ]

* الشرح: قوله: (إن الله عز وجل جعل الدين دولتين دولة لآدم (عليه السلام) ودولة لابليس. اه‍): الدولة: بفتح الدال وضمها: اسم من تداول القوم الشئ وهو حصوله في يد هذا تارة وفي يد هذا أخرى، وجمع المفتوح: دول بالكسر مثل قصعة وقصع، وجمع المضموم: دول بالضم مثل غرفة وغرف ومنهم من يقول: الدولة: بالضم: في المال، وبالفتح: في الحرب، والمارق: الخارج، من مرق السهم من الرمية مروقا خرج من الجانب الآخر، والخوارج مارقة لخروجهم من الدين، إذا عرفت هذا فتقول: لكل دولة ناصر ومعين، فدولة إبليس ناصره جنود الشيطان من الجن والإنس ودولة آدم ناصره العلماء والصلحاء والأتقياء، فإذا غلب جنود الشيطان، انطمس نور الدين، وظهر الفساد في البر والبحر وعبد الله سرا لقلة أهل الصلاح وضعف قوتهم، فلوراموا للمقاومة معهم هلكوا بسطوتهم وزال الدين بالكلية، فلذلك وجب عليهم الصبر الى أن تظهر دولة الحق لقوة أهلها.

[ 180 ]

حديث الناس يوم القيامة * الأصل: 154 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن سنان، عن عمرو بن شمر عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال: يا جابر إذا كان يوم القيامة جمع الله عز وجل الأولين والآخرين لفصل الخطاب: دعي رسول الله (صلى الله عليه وآله) ودعي امير المؤمنين (عليه السلام) فيكسى رسول الله (صلى الله عليه وآله) حلة خضراء تضيئ ما بين المشرق والمغرب ويكسى علي (عليه السلام) مثلها ثم يصعدان عندها ثم يدعى بنا فيدفع إلينا حساب الناس، فنحن والله ندخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يدعى بالنبيين (عليهم السلام) فيقامون صفين عند عرش الله عز وجل حتى نفرغ من حساب الناس، فإذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، بعث رب العزة عليا (عليه السلام) فأنزلهم منازلهم من الجنة، وزوجهم فعلي والله الذي يزوج أهل الجنة في الجنة وماذاك إلى أحد غيره، كرامة من الله عز ذكره، وفضلا فضله الله به ومن به عليه، وهو والله يدخل أهل النار النار، وهو الذي يغلق على أهل الجنة إذا دخلوا فيها أبوابها لان أبواب الجنة إليه وأبواب النار إليه. * الشرح: قوله (حديث الناس يوم القيامة) يذكر فيه إجمالا حالاتهم ومقامات الأئمة (عليهم السلام) وشيعتهم (فيكسي رسول الله (صلى الله عليه وآله) حلة خضراء تضئ ما بين المشرق والمغرب): أي تضئ هذا المقدار من المسافة في عرصة القيامة أو كل العرصة، والحلة بالضم: لا تكون الاثوبين من جنس واحد، والجمع حلل مثل غرفة وغرف (ثم يدعى بنا فيدفع إلينا حساب الناس) حقيقة الحساب تعود الى تعريف الإنسان ماله وما عليه وهم (عليهم السلام) قادرون بإذن الله تعالى على حساب الخلائق مع كثرتهم دفعة واحدة، لا يشغلهم كلام عن كلام، وحسابهم كحساب الله تعالى والله سريع الحساب. (فنحن والله ندخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار) لأنهم قوام الله تعالى على خلقه وعرفاؤه على عباده لايدخل الجنة إلا من عرفهم وعرفوه، ولا يدخل النار إلا من أنكرهم وأنكروه، كما مر تفصيله في شرح الأصول (بعث رب العزة عليا (عليه السلام) فأنزلهم منازلهم من الجنة وزوجهم): أي يترك كل أحد منزلا يناسبه باعتبار حالة من العلم والعمل والصلاح والورع والتقوى، ويزوجهم من الحور، فكما أن كل خير في الدنيا بسبب وجوده ونوره وهدايته فكذلك كل خير في الآخرة بتوسطه (عليه السلام) (وهو والله يدخل أهل النار النار) لا ينافي ما مر لأنه (عليه السلام) داخل في نحن ولأن أمرهم أمر واحد، ومن طرق العامة قال علي (عليه السلام) " أنا قسيم النار والجنة " قال صاحب النهاية: أراد أن الناس فريقان: فريق معي فهم على هدى، وفريق علي فهم ضلال، فنصف معي في الجنة ونصف علي في النار. وقسيم:

[ 181 ]

فعيل بمعنى فاعل كالجليس والسمير قيل: أراد بهم الخوارج وقيل: كان من قاتله انتهى، أقول كل من خالفه ولو بنقله عن مقامه. * الأصل: 155 - علي بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن عبسة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: خالطوا الناس، فإنه إن لم ينفعكم حب علي وفاطمة (عليهم السلام) في السر لم ينفعكم في العلانية. * الشرح: قوله (خالطوا الناس فإنه إن لم ينفعكم حب علي وفاطمة (عليهم السلام) في السر لم ينفعكم في العلانية) أراد بالناس، من أنكر حرمتهما أو أبغضهما وأبغض أولادهما الطاهرين وشيعتهم، وكره استماع فضائلهم وتقدمهم على الأمة كلهم، ولما كانت مخالطتهم توجب إخفاء محبتهم وسترها خوفا منهم أمر بالمخالطة دفعا لضررهم بتركها، وعلل بأن المحبة أمر قلبي لا تنافي المخالطة وإن تلك المحبة القلبية هي النافعة إذ لم تنفع المحبة العلانية اللسانية إذ نفع هذه فرع لنفع تلك والفرع لا يتحقق بدون تحقق الأصل. * الأصل: 156 - جعفر عن عنبسة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إياكم وذكر علي وفاطمة (عليهم السلام) فان الناس ليس شئ أبغض إليهم من ذكر علي وفاطمة (عليهم السلام). * الشرح: قوله (إياكم وذكر علي وفاطمة (عليهم السلام) فإن الناس ليس شئ أبغض إليهم من ذكر علي وفاطمة (عليهم السلام)) حذر عن ذكرهما عند الناس المبغضين لهما ترغيبا في التقية منهم وحفظ النفس من شرهم والثواب المترتب على ذكرهما مترتب على ترك ذكرهما تقية. * الأصل: 157 - جعفر، عن عنبسة، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن الله عز ذكره إذا أراد فناء دولة قوم أمر الفلك فأسرع السير فكانت على مقدار ما يريد. * الشرح: قوله: (ان الله عز ذكره إذا أراد فناء دولة قوم أمر الفلك فأسرع السير فكانت على مقدار ما يريد) سيجئ نظيره في حديث نوح (عليه السلام) ولا حاجة الى التأويل بأنه كناية عن زوال دولتهم باعتبار أنها أمر منقطع لأن أسرع الفلك وابطاؤة على القدر المعتاد أمر ممكن بالنسبة الى القدرة الكاملة، كيف لا وحركته أما أرادية أو قسرية أو طبيعية، وعلى التقادير بمكن السرعة والبطوء فيها وبختلف

[ 182 ]

بحسبهما الزمان زيادة ونقصانا، أما على الأولين فظاهر وأما على الأخير فلأن الحركة الطبيعية تشتد وتضعف بالقسر، ونظير ذلك ما رواه مسلم في حديث الدجال أنه يلبث في الأرض أربعين يوما، يوم كسنة ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وساير أيامه كأيامكم، قال القرطبي: يخرق العادة في تلك الأيام ويبطأ بالشمس عن حركتها المعتادة في تلك الأيام حتى يكون الأول كسنة والثاني والثالث كما ذكر، وهذا ممكن انتهى كلامه بعينه. * الأصل: 158 - جعفر بن بشير، عن عمرو بن عثمان، عن أبي شبل قال: دخلت أنا وسليمان بن خالد على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال له سليمان بن خالد: إن الزيدية قوم قد عرفوا وجربوا وشهرهم الناس، وما في الأرض محمدي أحب إليهم منك، فإن رأيت أن تدنيهم وتقربهم منك فافعل، فقال: يا سليمان بن خالد إن كان هؤلاء السفهاء يريدون أن يصدونا عن علمنا إلى جهلهم فلا مرحبا بهم ولا أهلا، وإن كانوا يسمعون قولنا وينظرون أمرنا فلا بأس. * الشرح: قوله: (فقال له سليمان بن خالد: إن الزيدية قوم قد عرفوا وجربوا وشهرهم الناس، وما في الأرض محمدي أحب إليهم منك) جربتة تجربيا: اختبرته مرة بعد أخرى، والاسم التجربة وشهرته بكذا وشهرته بالتشديد: للمبالغة، ولعل المراد أنهم عرفوا حقك وفضلك إن كان الفعل معلوما، أو عرفوا بحبك إن كان مجهولا وجربوا به وشهرهم الناس به وما في الأرض أحد من أولاد محمد (صلى الله عليه وآله) وأتباعه أحب إليهم منك، وهذه الأمور مقتضية لإدنائهم وتقريبهم، فلذلك قال (فإن رأيت أن تدنيهم وتقربهم منك فافعل) على سبيل الالتماس أو التضرع أو الشفاعة فأجاب (عليه السلام) بأن هؤلاء السفهاء والجهلة إن كانوا يريدون بالمخالطة والمعاشرة (أن يصدونا عن علمنا) بموضع الولاية والأحكام وما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله) إلى جهلهم ويردونا الى طريقتهم فلا مكان لهم عندنا ولا قرابة، وإن كانوا يسمعون قولنا ويتبعون علمنا وينتظرون أمرنا وهو ظهور الصاحب (عليه السلام) أو الأعم فلا بأس بمخالطتهم ومصاحبتهم ومعاشرتهم، وفيه دلالة على أنه ينبغي التقارب بالموافق والتباعد من المخالف. * الأصل: 159 - عد ة من أصحبنا، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عمن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: انقطع شسع نعل أبي عبد الله (عليه السلام) وهو في جنازة فجاء رجل بشسعه لينا وله فقال: أمسك عليك شسعك فان صاحب المصيبة أولى بالصبر عليها.

[ 183 ]

* الشرح: قوله: (انقطع شسع نعل أبي عبد الله (عليه السلام) في جنازة) الشسع: أحد سيور النعل، وهو الذي يدخل بين الإصبعين، ويدخل طرفه في الثقب الذي في صدر النعل المشدود في الزمام. والزمام: السير الذي يعقد فيه الشسع (فإن صاحب المصيبة أولى بالصبر عليها) الصبر: حبس النفس عن الجزع، والمصيبة: الشدة النازلة وكل ما يثقل على النفس فهو مصيبة، وهذا القول كاد أن يكون مثلا لكل من أراد أن يدفع المكروه عن الغير بحمله على نفسه. 160 - سهل بن زياد، عن ابن فضال، عمن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الحجامة في الرأس هي المغيثة تنفع من كل داء إلا السأم، وشبر من الحاجبين إلى حيث بلغ إبهامه ثم قال: هاهنا. * الشرح: قوله: (الحجامة في الرأس هي المغيثة تنفع من كل داء إلا السأم) اما أن يراد به المبالغة في أن منافع الحجامة كثيرة يندفع أكثر الأمراض، أو يراد بالداء، الداء الدموي فيكون عاما مخصوصا وإلا فالأمر مشكل لأن كون الحجامة نافعة في جميع الأمراض محل تأمل، وعلم ذلك تقدير صحة السند وإرادة العموم مرفوع عنا والله يعلم حقائق الأشياء. (وشبر من الحاجبين الى حث بلغ إبهامه ثم قال هاهنا) الشبر بالكسر: ما بين طرفي الخنصر والإبهام بالتفريج المعتاد، وشبرت الشئ شبرا من باب قتل قسته بالشبر. * الأصل: 161 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن مروك بن عبيد، عن رفاعة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال: أتدري يا رفاعة لم سمي المؤمن مؤمنا ؟ قال: قلت: لاأدري، قال: لأنه يؤمن على الله عز وجل فيجيز الله له أمانه. * الشرح: قوله: (قال: أندري يا رفاعة لم سمي المؤمن مؤمنا ؟ قال: قلت: لا أدري، قال: لأنه يؤمن على الله عز وجل فيجيز الله له أمانه) لعل المراد بالمؤمن: الكامل من جميع الوجوه أو أكثرها، فإن لهم درجة الشفاعة والأمان يوم القيامة، والأعم محتمل، وتعدية يؤمن بعلى باعتبار معنى الوجوب. * الأصل: 162 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن فضال، عن حنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: لا يبالي الناصب صلى أم زنى وهذه الآية نزلت فيهم " عاملة ناصبة تصلى نارا حامية ". * الشرح: قوله: (لا يبالي الناصب صلى أم زنى) الظاهر أن لا يبالي مبني للمفعول يقال: لا اباليه ولا أبالي

[ 184 ]

به: أي لاأهتم ولا أكترث له، وفي الصباح الأصل فيه قولهم: تبالي القوم إذا تبادروا الى الماء القليل فاستقوا فمعنى لا أبالي: لا أبادر إهمالا له، ولعل المراد، أن صلاته غير نافعة له، أو أن صلاته أيضا معصية كالزنا، لأن الصلاة الفاقدة لبعض شرائط صحتها معصية يعذب بها صاحبها كما يعذب من صلى بغير طهارة، وهذا أظهر (وهذه الآية نزلت فيهم عاملة ناصبة تصلى نارا حامية) أي شديد حرها، وقد قيل: ان حرارة نار جهنم أشد من حرارة نار الدنيا بسبعين درجة. * الأصل: 163 - سهل بن زياد، عن يعقوب بن زيد، عن محمد بن مرازم، ويزيد بن حماد جميعا، عن عبد الله بن سنان فيما أظن، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: لو أن غير ولي علي (عليه السلام) أتى الفرات وقد أشرف ماؤه على جنبيه وهو يزخ زخيخا فتناول بكفه وقال بسم الله فلما فرغ قال: الحمد لله، كان دما مسفوحا أو لحم خنزير. * الشرح: قوله: (وهو يزخ زخيخا) زخه يزخه زخيخا: رفعة بيده وفي كنز اللغة: " زخيخ چيزى را بدست دور داشتن وبدور انداختن ". ولعل السر في حرمة شربه، أن كل ما في الدنيا فهو مال الإمام (عليه السلام)، كما دل عليه بعض الروايات وقد أباحه لأوليائه، فمن تناول منه من أعدائه فهو حرام عليه مثل لحم الخنزير. * الأصل: 164 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن رجل ذكره، عن سليمان بن خالد قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): كيف صنعتم بعمي زيد ؟ قلت: إنهم كانوا يحرسونه فلما شف الناس أخذنا جثته فدفناه في جرف على شاطئ الفرات فلما أصبحوا جالت الخيل يطلبونه فوجدوه فأحرقوه، فقال: أفلا أو قرتموه حديدا وألقيتموه في الفرات، صلى الله عليه ولعن الله قاتله. * الشرح: قوله: (قلت: إنهم كانوا يحرسونه بعد صلبه فلما شف الناس): أي قلوا (أخذنا خشبته) في بعض النسخ " جثته " (فدفناه في جرف على شاطئ الفرات) في المصباح الجرف بضم الراء وبالسكون للتخفيف: ما جرفته السيول وأكلته من الأرض، وفي كنز اللغة جرف: " مكاني كه أو را سيل شكافته وجوى كرده " وهذا الحديث دل على مدح زيد وحسن حاله قال الفاضل الاسترابادي في رجاله: زيد بن علي بن الحسين، مدني، تابعي، قتل سنة إحدى وعشرين ومائة، وله اثنان وأربعون سنة، وهو جليل القدر، عظيم المنزلة، قتل في سبيل الله وطاعته، وورد في علو قدره روايات يضيق المقام عن إيرادها انتهى.

[ 185 ]

* الأصل: 165 - عدة عن أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن الحسن بن علي الوشاء، عمن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله عز ذكره أذن في هلاك بني أمية بعد إحراقهم زيدا بسبعة أيام. * الشرح: قوله: (قال: إن الله عز وجل أذن في هلاك بني أمية بعد إحراقهم زيدا بسبعة أيام) الظاهر أن الباء متعلق بأذن، يعني: وقع الإذن بسبعة أيام بعد إحراقهم، وكان قتله سنة إحدى وعشرين ومائة في خلافة هشام بن عبد الملك، وكان انقطاع ملكهم سنة إحدى وثلاثين ومائة، ومدة ملكهم إحدى وتسعون سنة وملوكهم أربعة عشر رجلا. * الأصل: 166 - سهل بن زياد، عن منصور بن العباس، عمن ذكره، عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله جل ذكره ليحفظ من يحفظ صديقه. * الشرح: قوله: (إن الله ليحفظ من يحفظ صديقه) بدفع المكاره عنه وجلب المنافع له، والصديق المصادق وهو بين الصداقة من الصدق في الود والحب، وفيه ترغيب في حفظ أولياء الله واحبائه. * الأصل: 167 - سهل بن زياد، عن ابن سنان، عن سعدان، عن سماعة قال: كنت قاعدا مع أبي الحسن الأول (عليه السلام) والناس في الطواف في جوف الليل فقال: يا سماعة إلينا إياب هذا الخلق وعلينا حسابهم فما كان لهم من ذنب بينهم وبين الله عز وجل حتمنا على الله في تركه لنا فأجابنا إلى ذلك وما كان بينهم وبين الناس استوهبناه منهم وأجابوا إلى ذلك وعوضهم الله عز وجل. * الشرح: قوله: (يا سماعة إلينا إياب هذا الخلق وعلينا حسابهم. ان) لعل المراد بهذا الخلق: نوع البشر بقرينة أنهم لا يشفعون لأعدائهم، ولا يستوهبون لهم، أو الناس كانوا أشياعهم وأتباعهم. * الأصل: 168 - سهل بن زياد، عن منصور بن العباس، عن سليمان المسترق، عن صالح الأحول قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: آخا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين سلمان وأبي ذر، واشترط على أبي ذر أن لا يعصي سلمان. * الشرح: قوله: (قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول آخا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين سلمان وأبى ذر، واشترط على

[ 186 ]

أبي ذر أن لا يعصي سلمان) في الاشتراط تأكيد للتعاون والتناصر والمواساة ورعاية الحقوق التي تقتضيه الإخوة الدينية، وفيه دلالة على كمال فضل سلمان (رضي الله عنه)، وعلى أن على الفاضل متابعة الأفضل وترك عصيانه قولا وفعلا وغيرهما. قال القرطبي: آخا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين على بن أبي طالب ونفسه فقال: أنت أخي وصاحبي، وفي رواية أخرى: أخي في الدنيا والآخرة، وكان علي (رضي الله عنه) يقول: أنا عبد الله وأخو رسوله، لم يقلها أحد قبلي ولا بعدي إلا كاذب مفتر، وبين أبي عبيدة بن الجراح وأبي طلحة وبين أبي بكر وخارجة بن زيد وبين عمر وعتبان بن مالك، وبين عثمان وأوس ابن ثابت أخي حسان بن ثابت، وهكذا بين بقيتهم، ثم قال: المواخاة: مفاعلة من الأخوة ومعناه: أن يتعاهد الرجلان على التناصر والمواساة والتوارث حتى يصيرا كالأخوين نسبا، وقد يسمى ذلك حلفا كما قال أنس حالف رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين قريش والأنصار في المدينة وكان ذلك معروفا في الجاهلية معمولا به عندهم، ولم يكونوا يسمونه إلا حلفا، ولما جاء الإسلام عمل النبي (صلى الله عليه وآله) به وورث به كما جاء في السير وذلك أنهم قالوا: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) آخا بين أصحابه مرتين قبل الهجرة وبعدها، قال أبو عمرو: والصحيح عند أهل السير في المؤاخاة التي عقدها رسول الله بين المهاجرين والأنصار حين قدومه المدينة بعد بنائه المسجد على المواساة والحق، فكانوا يتوارثون دون القرابة حتى نزلت * (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) * فنسخ ذلك ورد التوارث الى القربة وقصر التحالف والتعاهد على نصرة الحق والقيام والمواساة، وسمي ذلك أخوة، مبالغة في التأكيد وهذه المواخاة لكونها محصورة على الإعانة في الأمور المشروعة غير المواخاة الجاهلية لأن المتحالفين في الجاهلية، كانا يتناصران في كل شئ فيمتنع الرجل حليفه وان كان ظالما ويقوم دونه ويدفع عنه بكل ممكن حتى يمنع الحقوق وينتصر به على الظلم والفساد انتهى كلامه بعينه. * الأصل: 169 - سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن خطاب بن محمد، عن الحارث بن المغيرة، قال لقيني أبو عبد الله (عليه السلام) في طريق المدينة فقال: من ذا ؟ أحارث ؟ قلت: نعم، قال: أما لأحملن ذنوب سفهائكم على علمائكم، ثم مضى فأتيته فاستأذنت عليه فدخلت فقلت: لقيتني فقلت: لأحملن ذنوب سفهائكم على علمائكم، فدخلني من ذلك أمر غظيم، فقال: نعم ما يمنعكم إذا بلغكم عن الرجل منكم ما تكرهون وما يدخل علينا به الأذى أن تأتوه فتؤنبوه وتعذلوه وتقولوا قولا بليغا ؟ فقلت له: جعلت فداك إذا لايطيعونا ولا يقبلون منا ؟ فقال: اهجروهم واجتنبوا مجالسهم.

[ 187 ]

* الشرح: قوله: (ما يمنعكم إذا بلغكم عن الرجل منكم ما تكرهون) من الذنوب وإفشاء السر وخلاف الآداب (أن تأتوه فتؤنبوه وتعذلوه) التأنيب: المبالغة في التوبيخ، والتعنيف والعذل: الملامة كالتعذيل والاسم العذل محركة واعتذل وتعذل قبل الملامة (وتقولوا له قولا بليغا) أي بالغا متراقيا الى أعلى مراتب النصح والموعظة من قولهم بلغت المنزل إذا وصلته أو كافيا في ردعه عن نكره كما كان يقال في هذا بلاغ أي كفاف أو فصيحا مطابقا لمقتضى المقام (فقلت له جعلت فداك إذا لايطيعونا ولا يقبلون منا فقال: اهجروهم واجتنبوا مجالسهم) هذا أيضا نوع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيه فوايد: الأولى: ترك التشابة بهم، الثانية: التحرز من غضب الله وعقوبته عليهم، الثالثة تحقق لزوم البغض في الله وثباته، الرابعة: رفض التعاون في المعصية فأن الوصل بالعاصي، والمساهلة معه يوجب معاونته في المعصية وجرأته فيها، الخامسة: بعثه على ترك المعصية فإن الوصل العاصي إذا شاهد هجران الناس عنه ينفعل وينزجر عن فعله بل تأثيره قد يكون أنفع من القول والضرب. * الأصل: 170 - سهل بن زياد، عن إبراهيم بن عقبة، عن سيابة بن أيوب، ومحمد بن الوليد، وعلي بن أسباط يرفعونه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: إن الله يعذب الستة بالستة: العرب بالعصبية، والدهاقين بالكبر، والأمراء بالجور، والفقهاء بالحسد، والتجار بالخيانة، وأهل الرساتيق بالجهل. * الشرح: قوله: (إن الله تعالى يعذب الستة بالستة) أي ستة أصناف بستة أوصاف واحدا بواحد (العرب بالعصبية) قيل: العصبية من لوازم الكبر وكانت حقيقتها تعود الى العصب عن تصور المؤذي مع الترفع على فاعله، واعتقاد الشرف عليه، وكانوا قبايل متعددة، وكان الرجل يخرج من منازل قبيلة فيمر بمنازل قبيلة أخرى فيقع أدنى مكروه من أحدهم فينسب إليه وإلى قبيلته ما لا يليق فينادي هذا نداء عاليا أي آل فلان فيثور عليه فساق القبيلة ويضربونه، فمضى هو الى قبيلته ويستصرخ بها يقصد به الفتنة وإثارة الشر، فتسل بينهم السيوف وتثور الفتنة ويقتل جم غفير ولايكون لها أصل في الحقيقة ولاسبب يعرف. (والدهاقين بالكبر) قيل: دهقان: معرب دهبان، وفي المغرب، الدهقان: معرب يطلق على رئيس القرية وعلى التاجر، وعلى من له مال وعقار، وداله مكسورة، وفي لغة تضم، والجمع دهاقين ودهقن الرجل وتدهقن: كثر ماله. (والامراء بالجور) الامراء لمشاهدة قوتهم الفانية في نفوسهم الخسيسة المايلة عن الحق كثيرا ما يجورون الضعفاء والعجزة ويظلمونهم في النفس والمال والعرض والله يعذبهم وينتقم منهم،

[ 188 ]

(والفقهاء بالحسد) الحسد: هو تمني رجل زوال نعمة الغير بالوصول إليه أو مطلقا وإن كان قد يتحقق في غير الفقهاء أيضا إلا أنه في الفقهاء أكثر وأقبح، أما أنه أكثر، فلأن المحسود به هنا وهو الكمال والشرف أعظم وهو أولى بالحسد من المال فيكون أكثر، وأما أنه أقبح، فلأن العالم الفقيه اعلم بقبح الحسد من غيره فالحسد منه أقبح وإذا كان كذلك فهو أولى بالتعذيب لأجل الحسد من غيره، (والتجار بالخيانة) في كنز اللغة: " خيانت با كسى دغلى وناراستى كردن " وهي وإن كانت توجد في غير التجار أيضا لكنها فيهم أكثر كما ورد " إلا أن التجار فجار، والفجار في النار " فهم أولى وأقدم بالتعذيب من غيرهم لأجلها، (وأهل الرساتيق بالجهل) في المصابح، الرستاق: معرب ويستعمل في الناحية التي هي طرف الإقليم والرزداق مثله والجمع رساتيق ورزاديق وقال بعضهم: الرستاق وصوابه رزدان والمراد بالجهل: الجهل بالأحكام الشرعية سيما الواجبات العينية فإنه فيهم أظهر وأكثر وأشد من السواد الأعظم، وهذه الفقرات في لفظ أخبار ووعيد وفي المعنى أمر لكل صنف بترك ما تلبس به من المعصية. * الأصل: 171 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام وغيره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما كان شئ أحب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أن يظل خائفا جائعا في الله عز وجل. * الشرح: قوله: (ماكان شئ أحب الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أن يظل خائفا جائعا في الله عز وجل) مر سابقا بعينه مع شرحه وبيان مراتب الخوف وفوايد الجوع. * الأصل: 172 - علي، عن أبيه، ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان جمعيا، عن ابن أبي عمير، عن عبد الرحمن بن الحجاج، وحفض بن البختري وسلمة بياع السابري، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان علي بن الحسين (عليه السلام) إذا أخذ كتاب علي (عليه السلام) فنظر فيه قال: من يطيق هذا من يطيع ذا ؟ قال: ثم يعمل به وكان إذا قام إلى الصلاة تغير لونه حتى يعرف ذلك في وجهه وما أطاق أحد عمل علي (عليه السلام) من ولده من بعده إلا علي بن الحسين (عليه السلام). * الشرح: قوله: (كان علي بن الحسين (عليه السلام) إذا أخذ كتاب علي (عليه السلام) فنظر فيه قال من يطيق هذا. اه‍) كمال العبادة والشكر إنما يتحقق بربط كل عضو من الأعظاء الظاهرة والباطنة في كل وقت من الأوقات بما هو مطلوب منه وجوبا وندبا مع غاية خضوع القلب وخشوعه اللازم لكمال الخوف وإدراك الهيبة والعظمة الإلهية، وقد كان أمير المؤمنين (عليه السلام) بهذه المثابة وفوق ذلك، وبعده سيد العابدين

[ 189 ]

على ابن الحسين (عليهم السلام) كان ذلك لتفرغ قلبه الطاهر عن أشغال الدنيا وصرف همته الى الطاعات وفعل الخيرات، وفيه تنبيه للغافلين وإيقاظ لهم عن نوم الغفلات، وترغيب في فعل العبادات. * الأصل: 173 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن النعمان، عن ابن مسكان عن الحسن الصيقل قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن ولي علي (عليه السلام) لا يأكل إلا الحلال لأن صاحبه كان كذلك وإن ولي عثمان لا يبالي أحلالا أكل أو حراما لان صاحبه كذلك، قال: ثم عاد الى ذكر علي (عليه السلام) فقال: أما والذي دهب بنفسه ما أكل من الدنيا حراما، قليلا ولا كثيرا حتى فارقها ولاعرض له أمران كلاهما لله طاعة إلا بأشدهما على بدنه، ولا نزلت برسول الله (صلى الله عليه وآله) شديدة قط إلا وجهه فيها ثقة به، ولا أطاق أحد من هذه الامة عمل رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعده غيره ولقد كان يعمل عمل رجل كأنه ينظر إلى الجنة والنار، ولقد أعتق ألف مملوك من صلب ماله كل ذلك تحفي فيه يداه وتعرق جبينه التماس وجه الله عز وجل والخلاص من النار وما كان قوته الخل والزيت وحلواه التمر إذا وجده وملبوسه الكرابيس فإذا فضل عن ثيابه شئ دعا بالجلم فجزه. * الشرح: قوله: (إن ولي علي (عليه السلام) لا يأكل إلا الحلال. اه‍) دل على أن آكل الحرام ليس بولي علي بل هو ولي لعثمان، لأن من اقتفى أثر أحد فهو منه) ولاعرض له أمران كلاهما لله طاعة إلا أخذ بأشدهما (1) على بدنه) لطلب الأفضل كما روي " أفضل الأعمال أحمزها " ولمخالفة النفس وهواها لأن النفس مائلة إلى الأسهل، واحترز بقوله كلاهما طاعة عما إذا لم يكن كذلك فإنه لا يجوز تعذيب النفس بغير طاعة (ولقد كان يعمل عمل رجل كأنه ينظر الى الجنة والنار) شبه رؤيته القلبية البالغة مرتبة عين اليقين برؤيته العينية في الجلاء وانكشاف الخفاء باعتبار أن أجلى المعلومات هو المحسوسات وإليه أشار (عليه السلام) بقوله " لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا " اذيقينه لما كان في نهاية الكمال لا يتصور فيه الزيادة والنقصان، فهو قبل المشاهدة العينية كهو بعدها، ومن البين أن من بلغ هذه المرتبة لا يترك شيئا من الخيرات، (ولقد أعتق ألف مملوك من صلب ماله كل ذلك تحفي فيه يداه) الحفارقة: القدم والخف والحافر من كثرة المشي، والإحفاء والتحفي: المبالغة في العمل فالفعل إما مجرد أو مزيد من باب الأفعال أو التفعل (وما كان قوته إلا الخل والزيت) لعل المراد بالقوت: الأدم ولا يتوهم أنه (عليه السلام) لم يجد غيره لأن من أعتق الف مملوك من صلب ماله


1 - قوله " إلا أخذ بأشدهما " زعم بعض الناس أنه ليس سعادة فوق اجتناب المحرمات وأداء الواجبات ولا يزيد بالنوافل شئ يعتد به، وكذلك بالزهد والرياضة وإنما الواجب والحرام بمنزلة القوت الضروري لأفقر الفقراء في الدنيا لا يحصل بها الإنسان في الآخرة الأعلى أقل الدرجات (ش). (*)

[ 190 ]

وتصدق أموالا جزيلة لوجه الله تعالى لا يتصور فيه ذلك بل لأن ذلك أصلح في تطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة وتزكيتها وتبعيدها عن أهوائها، ولتسلية نفوس الفقراء الذين لا يجدون الأطمعة اللذيذة والادم النفيسة، وتنبيههم على أن الضروري من الطعام ما تقوم به البنية، وتبقي معه الحياة، (وحلواه التمر) إذا وجده والحلواء ويقصر معروف والفاكهة الحلوة (وملبوسه الكرابيس) في المصباح، الكرباس: الثوب الخشن، وهو فارسي عرب بكسر الكاف والجمع: كرابيس، وينسب إليه بياعه فيقال كرابيسي (فإذا فضل عن ثيابه شئ دعا بالجلم فجزه) الجلم بالتحريك: ما يجز به الشعر والصوف كالمقراض، وإنما جزه لأن تطويل جيب القميص وكمه مذموم شرعا لدلالته على الخيلاء والتجبر عند العرب وقد روي عن طريق العامة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: " إزرة المؤمن على انصاف ساقيه، ثم قال: ولاجناح عليه فيما بينه وبين الكعب وما أسفل من ذلك ففي النار " ونقلوا أن إطالة الكم أن يتجاوز عن طرف الأصابع، فجز الفضل هنا يحتمل جز ما زاد على الأصابع وجز ما زاد على الكعبين أو على نصف الساق، والأول أصح لأنه قد مر " أن قميصه (عليه السلام) إذا جاز أصابعه قطعة وإذا جاز كعبة حذفه ". * الأصل: 174 - أبو علي الاشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن الحسن بن علي، عن يونس بن يعقوب، عن سليمان بن خالد، عن عامل كان لمحمد بن راشد قال: حضرت عشاء جعفر بن محمد (عليه السلام) في الصيف فأتى بخوان عليه خبز وأتى بجفنة فيها ثريد ولحم تفور فوضع يده فيها فوجدها حارة ثم رفعها وهو يقول: نستجير بالله من النار، نعوذ باالله من النار، نحن لانقوى على هذا فكيف النار، وجعل يكرر هذا الكلام حتى أمكنت القصعة فوضع يده فيها ووضعنا أيدينا حين أمكنتنا فأكل وأكل وأكلنا معه، ثم إن الخوان رفع فقال: يا غلام ائتنا بشئ فاتي بتمر في طبق فمددت يدي فإذا هو تمر، فقلت: أصلحك الله هذا زمان الأعناب والفاكهة ؟ قال: إنه تمر، ثم قال: ارفع هذا وأتنا بشئ فاتي بتمر فمددت يدي فقلت: هذا تمر ؟ فقال: إنه طيب. * الشرح: قوله: (فأتى بخوان) الخوان: كغراب وكتاب ما يؤكل عليه الطعام، والجفنة بالفتح: كالقصعة وفي كنز اللغة جفنة " كاسه چوبين " والفور: الغليان (قال: إنه تمر) هذا إما استفهام أو خبر لبيان أنه أشرف مما ذكر، وأمره بالرفع لرعاية جانب الضيف وشهوته، ولعل الآتي الثاني غير الأول فأتى بالتمر لعدم علمه بأن الأول أتى به مع احتمال أن يكون الأول وأتى به ثانيا لعدم وجود غيره من الأعناب والفواكه التي شتهاها الضيف (فقال علي (عليه السلام): إنه طيب) جيد بعد الطعام أحسن من الفواكه فيدل على أنه ينبغي إظهار ما حضر في البيت للضيف من غير تكلف.

[ 191 ]

* الأصل: 175 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن معاوية بن وهب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما أكل رسول الله (صلى الله عليه وآله) متكئا منذ بعثه الله عز وجل إلى أن قبضة تواضعا لله عز وجل وما رأى ركبتيه أمام جليسه في مجلس قط ولاصافح رسول الله (صلى الله عليه وآله) رجلا قط فنزع يده حتى يكون الرجل هو الذي ينزع يده ولاكافأ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بسسئة قط قال الله تعالى له: " ادفع بالتي هي أحسن السيئة " ففعل، وما منع سائلا قط، إن كان عنده أعطى وإلا قال: يأتي الله به، ولا أعطى على الله عز وجل شيئا قط إلا أجازه الله إن كان ليعطي الجنة فيجيز الله عز وجل له ذلك قال: وكان أخوه من بعده والذي ذهب بنفسه ما أكل من الدنيا حراما قط حتى خرج منها والله كان ان ليعرض له الأمران كلاهمالله عز وجل طاعة فيأخذ بأشد هما على بدنه، والله لقد أعتق ألف مملوك لوجه الله عز وجل دبرت فيهم يداه، والله ما أطاق عمل رسول الله (صلى الله عليه وآله) من بعده أحد غيره والله ما نزلت برسول الله (صلى الله عليه وآله) نازلة قط إلا قدمه فيها ثقه منه به وإن كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليبعثه برايته فيقاتل جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره، ثم ما يرجع حتى يفتح الله عز وجل له. * الشرح: قوله: (ما أكل رسول الله (صلى الله عليه وآله) متكئا) الأكل متكئا وإن جاز كما مر لكن الأفضل تركه تعظيما للنعمة والمنعم، ألا ترى أن من أكل متكئا في مائدة رجل جليل القدر ذمه أهل العرف وعده محقرا لها ولصاحبها وإن لم يكن قصده التحقير (وما رأى ركبتيه أمام جليسه) لتبعيد نفسه، عن أثر التكبر وتعظيم جليسه والظاهر أن رأى معلوم والفاعل هو الرسول أو غيره لا مجهول وإلا لكان ركبتاه بالرفع (قال الله له ادفع بالتي هي أحسن السيئة) ففعل ما أمره الله تعالى به من مقابلة السيئة التي وقعت بالنسبة إليه بالعفو والصفح والإحسان فهو أحسن من المؤاخذة بمثلها وإن كانت جائزة لقوله تعالى * (فاعتدوا بمثل ما اعتدى عليكم) * وهذا التفسير لا ينافي ما مر من تفسير الإحسان بالتقية لأن الآية قد يكون لها وجوه متعددة (والله لقد أعتق ألف مملوك لوجه الله عز وجل دبرت فيهم يداه) الدبر: محركة: القرحة وفعله كفرح (ما نزلت برسول الله (صلى الله عليه وآله) نازلة قط إلا قدمه فيها) حروبه وقتاله (عليه السلام) مع الأعداء، وإقدامه على النوازل والحوادث وشجاعته ونصرته للرسول والمؤمنين بين العامة والخاصة مشهورة، وفي كتب السير والأخبار مذكورة، وقد نادى جبرئيل (عليه السلام) يوم أحد " لا فتى إلا علي لا سيف إلا ذو الفقار ". * الأصل: 176 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن حماد بن عثمان، عن زيد بن الحسن قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: كان علي (عليه السلام) أشبه الناس طعمة

[ 192 ]

وسيرة برسول الله (صلى الله عليه وآله) وكان يأكل الخبز والزيت ويطعم الناس الخبز واللحم، قال: وكان علي (عليه السلام) يستقي ويحتطب، وكانت فاطمة (عليها السلام) تطحن وتعجن وتخبز وترقع، وكانت من أحسن الناس وجها كأن وجنتيها وردتان صلى الله عليها وعلى أبيها وبعلها وولدها الطاهرين. * الشرح: قوله: (كان علي (عليه السلام) أشبه الناس طعمة وسيرة برسول الله (صلى الله عليه وآله). اه‍) الطعمة بالضم: المأكلة: وهي ما يؤكل، والسيرة: الطريقة والهيئة والحالة (كان يأكل الخبز والزيت ويطعم الناس الخبز واللحم اه‍) فيه تنبيه على رياضة النفس وحملها على الرياضة وقلة الأكل والاعتبار بالجشب من الطعام وإيثار الأحسن منه والعمل لنفسه وترك الاستنكاف منه (وكانت فاطمة (عليها السلام) تطحن) طحنت البر طحنا من باب نفع فهو طحين ومطحون (وتعجن) عجنته عجنا، من باب ضرب ونصر فهو معجون وعجين اعتمدت عليه بجمع الكف والغمز فيه، وأصل العجن: الاعتماد ومنه قيل للمسن الكبير إذا اعتمد بيده على الأرض عند القيام عاجن (وتخبز) خبزت الخبز من باب ضرب: صنعته (وترقع) رقعت الثوب من باب منع: أصلحته بالرقعة وهي بالضم ما يرقع به الثوب والجمع: الرقاع بالكسر وفيه تسلية للمؤمنين والمؤمنات في تحمل أعمال أنفسهم (كان وجنتيها وردتان) الوجنة مثلثة وككلمة: ما ارتفع من الخدين. * الأصل: 177 - سهل بن زياد، عن الريان بن الصلت، عن يونس رفعه قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إن الله عز وجل لم يبعث نبيا قط إلا صاحب مرة سوداء صافية، وما بعث الله نبيا قط حتى يقر له بالبداء. * الشرح: قوله: (إن الله عزوجل لم يبعث نبيا قط إلا صاحب مرة سوداء) صافية عن كدرة لذات الدنيا ورذايل النفس من الحسد والنفاق والغلظة وغيرها، والمرة بالكسر: مزاج من أمزجة البدن والقوة والشدة أيضا، فيمكن أن يراد بها الخلط الأسود الصافي كما صرح به بعض الأفاضل وقال: إنه أصلح وأنفع بحال الإنسان في حدة الطبع ودقة النظر، وأن يكون كناية عن القوة الغضبية الصافية عن رذيلتي الإفراط والتفريط ويعبر عنه بالشجاعة. (وما بعث الله نبيا حتى يقر له باالبداء) البداء بالفتح والمد: إيجاد الأشياء كل شئ في وقته بتقدير وتدبير وإرادة حادثة لمصلحة لا يعلمها إلا هو، روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) " أنه لو علم الناس ما في البداء من الأجر ما فتروا عن الكلام فيه " أقول لأن فيه اعترافا بسلطانه تعالى وتقديره وتدبيره وقدرته على أيجاد الحوادث واختياره في إفاضة الوجود واقتداره على إعدام ما أراد عدمه وابقاء ما أراد بقاؤه، وخروجا عن قول اليهود القائلين بأنه قد فزغ من الأمر فراغا لا يريد ولا يقدر ولا يدبر بعده شيئا، وعن قول الحكماء القائلين

[ 193 ]

بأنه واحد لا يصدر عنه إلا الواحد، وعن قول المعتزلة القائلين بأنه خلق الأشياء كلها دفعة ثم يظهر وجوداتها متعاقبة بحسب تعاقب الأزمنة، وعن قول الدهرية القائلين بأن الجالب للحوادث هو الدهر وعن قول الملاحدة القائلين بأن المؤثر هو الطبايع. * الأصل: 178 - سهل، عن يعقوب بن يزيد، عن عبد الحميد، عمن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لما نفروا برسول الله (صلى الله عليه وآله) ناقته قالت له الناقة والله لاأزلت خفا عن خف ولو قطعت إربا إربا. * الشرح: قوله: (لما نفروا برسول الله (صلى الله عليه وآله) ناقته قالت له الناقة والله لا زلت خفا عن خف ولو قطعت إربا إربا) لما نفر المنافقون ناقته بالدباب في العقبة المعروفة تكلمت الناقة بإذن الله تعالى وقالت له هذا القول وأخبرته بمكرهم، والإرب: العضو، والقضية مذكورة في كتاب الاحتجاج للطبرسي مفصلة، وفيه أيضا: أن عليا حينئذ كان في المدينة بأمر النبي (صلى الله عليه وآله)، وبعض المنافقين معه حفروا بئرا في طريقه وطمسوا رأسها فلما بلغ فرسه قريبا منها لوى عنقه وأخبره بالبئر وكانت هذه القضية مقارنة لقضية تنفير الناقة فنزل جبرئيل (عليه السلام) وأخبر النبي (صلى الله عليه وآله) بما فعلوا بعلي (عليه السلام). * الأصل: 179 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، وعدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن يعقوب بن يزيد جميعا، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر، عن رجل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: يا ليتنا سيارة مثل آل يعقوب حتى يحكم الله بيننا وبين خلقه. * الشرح: قوله (يا ليتنا سيارة مثل آل يعقوب حتى يحكم الله بيننا وبين خلقه) كما حكم بين آل يعقوب بإظهار يوسف في كمال القوة والقدرة والسلطنة على أحبائه، والسيارة: القافلة ولعل المراد بهم من دخلوا عليه حتى عرفوه وأخبروا بحاله وموضعه يعقوب، وقد تمنى (عليه السلام) ظهور المهدي المنتظر في وقته وأخبار المخبرين به ليستولي على أعدائه ويظهر دين آبائه على الأديان الباطلة كلها. * الأصل: 180 - سهل بن زياد، عن يعقوب بن يزيد، عن إسماعيل بن قتيبة، عن حفص بن عمر، عن إسماعيل بن محمد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله عز وجل يقول: إني لست كل كلام الحكيم أتقبل إنما أتقبل هواه وهمه فإن كان هواه وهمه في رضاي جعلت همه تقديسا وتسبيحا. * الشرح: قوله: (ان الله عز وجل يقول لست كل كلام الحكمة أتقبل، إنما أتقبل هواه وهمه) ضمير هواه

[ 194 ]

وهمه راجع الى المتكلم المفهوم من الكلام، والهم: العزم، والقصد: الإرادة، والمراد أن التكلم بالحكمة والقوانين الشرعية والأقوال الصحيحة الثابتة لا ينفع المتكلم ما لم تكن نيته خالصة صادقة وقصده صحيحا وإرادته متعلقة بمراد الله تعالى ورضاه فإنه تعالى لا ينظر الى الصورة الظاهرة وإنما ينظر الى الصورة الباطنة ويجزي عليها ويثبت بها كما أشار إليه بقوله (فإن كان هواه وهمه في رضاي جعلت همه تسبيحا وتقديسا) وأثيب به ثوابا جزيلا مضافا على ثواب ما صدر منه ظاهرا وإلا فلا ثواب له وعليه عقوبة النفاق وفيه تنبيه على أنه ينبغي لكل عاقل من تصحيح قلبه أو لا وجعل ظاهره موافقا لباطنه. * الأصل: 181 - سهل بن زياد، عن ابن فضال، عن ثعلبة بن ميمون، عن الطيار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل: " سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق " قال: خسف ومسخ وقذف، قال: قلت: حتى يتبين لهم ؟ قال: دع ذا، ذاك قيام القائم. * الشرح: قوله: (سنزيهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق قال خصف ومسخ وقذف) خسف المكان خسفا: من باب ضرب: غار في الأرض وخسفه الله يتعدى ولا يتعدى وأسامه الخسف أولاه الذل والهوان ومسخه الله مسخا حول صورته الى صورة أقبح منها، وقذفه قذفا رماه بالحجارة، والظاهر أن هذه الثلاثة بيان للآيات في النفس، وأما الآيات في آفاق الأرض ونواحيها فيحتمل أن يكون الفتوحات التي تقع على يد الصاحب (عليه السلام)، والضمير في أنه راجع الى القائم (عليه السلام) أو الى قيامة أو الى دينه كما أشار إليه. * الأصل: 182 - سهل، عن يحيى بن المبارك، عن عبد الله بن جبلة، عن إسحاق بن عمار وابن سنان وسماعة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): طاعة علي ذل ومعصيته كفر بالله، قيل: يا رسول الله كيف تكون طاعة علي ذلا ومعصيته كفرا بالله ؟ فقال: إن عليا يحملكم على الحق فإن أطعتموه ذللتم وإن عصيتموه كفرتم بالله. * الشرح: قوله: (طاعة علي ذل ومعصية كفر) الذل بضم الذال: " خوار شدن " وبكسرها " رام شدن ونرم شدن " كذا في كنز اللغة، والظاهر هنا هو الأول والمراد به: الذل عند الناس وقد وقع ما أخبر به (صلى الله عليه وآله) إلى ظهور القائم (عليه السلام) لأنهم يقتلون من أطاعه ويأسرون ويعدون ذلك موجبا للاجر كما قتلوا وأسروا في سالف الزمان.

[ 195 ]

* الأصل: 183 - عنه، عن يحيى بن المبارك، عن عبد الله بن جبلة، عن إسحاق بن عمار، أو غيره قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): نحن بنو هاشم وشعيتنا العرب وسائر الناس الأعراب. * الشرح: قوله: (نحن بنو هاشم وشيعتنا العرب وسائر الناس الأعراب) لعل المراد أن الشيعة عرب بعد الموت يتكلمون بلسان العرب وسائر الناس وهم المخالفون كفار من العجم بقرينة الحديث التالي شبههم بالاعراب الذين قال الله تعالى في ذمهم " الأعراب أشد كفرا ونفاقا " وهم يتكلمون في القيامة بلسان الفرس، يدل على ذلك ما رواه المصنف في مولد أمير المؤمنين (عليه السلام) بإسناده عن عيسى شلقان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول " إن أمير المؤمنين (عليه السلام) له خؤلة في بني مخزوم وإن شابا منهم أتاه فقال: يا خالي إن أخي مات وقد حزنت عليه حزنا شديدا، قال: فقال له: أتشتهي أن تراه ؟ قال: بلى قال: فأرني قبره، قال: فخرج ومعه بردة رسول الله (صلى الله عليه وآله) متزرا بها فلما انتهى الى القبر تلملمت شفتاه ثم ركضه برجله فخرج من قبره وهو يقول بلسان الفرس فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): ألم تمت وأنت رجل من العرب ؟ قال: بلى، ولكنا متنا على سنة فلان وفلان فانقلبت ألسنتنا "، واحتمال كون المراد أن الشيعة كأهل الأمصار في كونهم من أهل العلم والدين والإيمان والمخالفون كأهل البادية في كونهم من أهل الجهل والكفر والخذلان بعيد. * الأصل: 184 - سهل، عن الحسن بن محبوب، عن حنان، عن زرارة قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): نحن قريش وشيعتنا العرب وسائر الناس علوج الروم. * الشرح: قوله (نحن قريش وشيعتنا العرب وسائر الناس علوج، العلوج: كالاعلاج جمع علج بالكسر وهو الرجل من كفار العجم وبعض العرب يطلق العلج على الكافر مطلقا. * الأصل: 185 - سهل، عن الحسن بن محبوب، عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: كأني بالقائم (عليه السلام) على منبر الكوفة عليه قباء فيخرجون من وريان قبائة كتابا مختوما بخاتم من ذهب فيفكه فيقرأه على الناس فيجفلون عنه إجفال الغنم فلم يبق إلا النقباء فيتكلم بكلام فلا يلحقون ملجأ حتى يرجعوا إليه وإني لأعرف الكلام الذي يتكلم به. * الشرح: قوله: (كأني بالقائم (عليه السلام) على منبر الكوفة عليه قباء فيخرج من وربان قبائه كتابا مختوما. اه‍)

[ 196 ]

الكاف في كأني: للتشبيه وخبر أن محذوف والباء بمعنى مع أي كأني كائن مع القائم (عليه السلام) وناظر إليه، فقد شبه حالته العلمية بحالته البصرية في تحقق وقوعها وتيقنه ويحتمل إرادة المماثلة بين الحالتين من غير تشبيه إحداهما بالأخرى، وقوله " على منبر الكوفة " حال عن القائم (عليه السلام) وقوله " عليه قباء " حال بعد حال، والوربان بالكسر الجيب، وكأنه معرب كريبان (فيجفلون عنه أجفال الغنم) جفل الناس واجفلوا وانجفلوا: أي ذهبوا مسرعين، وفي المصباح جفل الشئ جفلا من بابي ضرب وقعدند وشرد فهو جافل وجفال مبالغة، وجفلت الطائر أيضا: نفرته، وفي طاوعه فأجفل هو بالألف جاء الثلاثي متعديا والرباعي لازما عكس المشهور يقال: أجفل القوم وانجفلوا وتجفلوا أسرعوا الهرب (فلم يبق النقباء) أي الأشراف من الشيعة وفي المصباح نقب على القوم من باب قتل نقابة بالكسر فهو نقيب أي عريف والجمع نقباء. * الأصل: 186 - سهل بن زياد، عن بكر بن صالح، عن ابن سنان، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الحكمة ضالة المؤمن فيحثما وجد أحدكم ضالته فليأخذها. * الشرح: قوله: (الحكمة ضالة المؤمن فحيث ما وجد أحدكم ضالته فليأخذها) المراد بالحكمة العلم بالمعارف الإلهية التي تفيد البصيرة التامة، في أمر الدين، وقيل: هي نفس تلك البصيرة، ومن ثم قيل الحكمة: نور يهدي الله به من يشاء. والمعنى أن الحكمة ضالة المؤمن ومطلوبة له، فإذا وصل إليها ووجدها استقر قلبه وأخذها، وهو أولى بها كالضالة إذا وجدها صاحبها فإنه يأخذها وهو أولى بها من غيره، أو المراد أن الناس متفاوتون في فهم المعاني واستنباط الحقائق المحتجبة واستكشاف الأمور المرموزة فينبغي أن لا ينكر من قصر فهمه عن إدراك حقائق الآيات ودقائق الروايات على من رزق فهما وألهم تحقيقا وإن لم يكن أهلا لها كما أن صاحب الضالة لا ينظر الى خساسة من وجدها عنده، كذلك المؤمن والحكيم لا ينظر الى خساسة من يتكلم بالحكمة بالنظر إليه بل يأخذها منه أخذ الضالة، وفيه ترغيب على تعلم الحكمة ولو كان المعلم دونه في الدين والشرف والرتبة في العلم والعمل ولذلك قال أمير المؤمنين (عليه السلام) على ما نقل عنه السيد رضى الدين في نهج البلاغة: " خذ الحكمة أنى كانت فإن الحكمة تكون في صدر المنافق تضطرب في صدره حتى تخرج فتسكن إلى صواحبها في صدر المؤمن ". وقال أيضا: " الحكمة ضالة المؤمن فخذ الحكمة ولو من أهل النفاق " وفي كتب العامة " الحكمة ضالة الحكيم فحيث وجدها فهو أحق بها "، وقيل: المراد كما أن الرجل إذا وجد ضالة في مضيعة فسبيله أن لا يتركها بل يأخذ ويتفحص عن صاحبها حتى يجده فيرد ما عليه كذلك من

[ 197 ]

سمع كلاما لم يفهم معناه أو لا يبلغ منهه ومغزاه فعليه أن لا يضيعه ويحمله إلى من هو أفقه منه فلعله يفهم منه مالا يفهمه ويستنبط منه ما لا يستنبطه، أو المراد كما أن صاحب الضالة أخذ ضالته ممن يجدها ولا يحل له منع مالكها منها فإنه أحق بها، كذلك العالم إذا سئل عن معنى ورأى في السايل فطانة واستعدادا لذلك العلم فعليه أن يعلمه إياه ولا يحل له منعه منه والأول أنسب. * الأصل: 187 - سهل بن زياد، عن يعقوب بن يزيد أو غيره، عن سليمان كاتب علي بن يقطين، عمن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الاشعث بن قيس شرك في دم أمير المؤمنين (عليه السلام) وابنته جعدة سمت الحسن (عليه السلام) ومحمد ابنه شرك في دم الحسين (عليه السلام). * الشرح: قوله: (إن الأشعث بن قيس شرك في دم أمير المؤمنين (عليه السلام)) قال العلامة في الخلاصة نقلا عن الشيخ: إن الأشعث بن قيس الكندي أبو محمد سكن الكوفة ارتد بعد النبي (صلى الله عليه وآله) في ردة أهل ياسر، وزوجه أبو بكر أخته أم فروة، وكانت عوراء فولدت له محمدا وكان من أصحاب علي (عليه السلام) ثم صار خارجيا ملعونا، أقول: إن الأشعث هو الذي أرسل إليه معاوية مائة ألف درهم ليحث عساكر أمير المؤمنين (عليه السلام) على الرضا بالتحكيم فأغراهم عليه حتى فعلوا ما فعلوا. * الأصل: 188 - علي بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن صباح الحذاء عن أبي اسامة قال: زاملت أبا عبد الله (عليه السلام) قال: فقال لي: اقرأ [ قال ]: فافتتحت سورة من القرآن فقرأتها فرق وبكى، ثم قال: يا أبا اسامة ارعوا قلوبكم بذكر الله عز وجل واحذروا النكت فأنه يأتي على القلب تارات أو ساعات (الشك من صباح) ليس فيه إيمان ولاكفر شبه الخرقة البالية أو العظم النخر. يا أبا اسامة أليس ربما تفقدت قلبك فلا تذكر به خيرا ولا شرا ولا تدري أين هو ؟ قال: قلت له: بلى إنه ليصيبني وأراه يصيب الناس قال: أجل ليس يعرى منه أحد. قال فإذا كان ذلك فاذكروا الله عز وجل واحذروا النكت فانه إذا أراد بعبد خيرا نكت إيمانا وإذا أراد به غير ذلك نكت غير ذلك، قال: قلت: ما غير ذلك جعلت فداك [ ما هو ] ؟ قال: إذا أراد كفرا نكت كفرا. * الشرح: قوله: (ارعوا قلوبهم بذكر الله عز وجل) أمر بمراعات أحوال القلوب وحفظها بذكر الله تعالى عن السهو والغفلة فإن في غفلتها مفاسد ولذلك قال: (واحذروا النكت) أصل النكت أن يضرب في الأرض بقضيب فيؤثر فيها، والمراد به دخول شئ من المفاسد فيه كالكفر ونحوه فيتأثر به ومنه النكتة وهو النقطة وشبه الوسخ (فإنه يأتي على القلب تارات الخ) جمع تارة: وهي الحين

[ 198 ]

والمرة، والمراد بها ساعة الغفلة عن ذكره تعالى والاشتغال بما سواه ليس فيه إيمان ولاكفر، دل على أن الكفر وجودي وهو الانكار إذ لو كان عدميا كما قيل وهو عدم الايمان لما انتفيا معا (شبه الخرقة البالية أو العظم النخر) النخر: ككتف، والناخر: البالي المتفتت، وفيه تشبيه معقول بمحسوس لقصد الإيضاح والتشويه والوجه هو الكثافة والرثاتة (فإنه إذا أراد بعبد خيرا نكت ايمانا وإذا أراد به غير ذلك نكت غير ذلك) لعل المراد بالخير اللطف والتوفيق وهو فعل صادر منه تعالى تابع لعلمه بحسن استعداد العبد لقبوله وبقاء فطرته الأصلية على نحو من الكمال، ويظهر منه حال قرينه فلا يرد أنه تعالى أراد خير كل العبد لأن المراد بهذا الخير أعمالهم الصالحة وفيه توجيه آخر ذكرناه في شرح الأصول. (قال: قلت: وما غير ذلك جعلت فداك ما هو ؟ قال: إذا أراد كفرا نكت كفرا) إن قلت: هل فيه دلالة على أن الإيمان والكفر من فعله تعالى كما هو مذهب الأشاعرة أم لا ؟ قلت: لا، لأن هذا القلب الغافل لا محالة، إما أن يعود إلى الإيمان باختياره أو الى الكفر باختياره، فإن عاد إلى الأول كان في علمه السابق الأزلي إيمانه، وإن عاد الى الثاني كان فيه كفره فأراد عز وجل إيمانه أو كفره بالعرض ليطابق علمه بمعلوم إلا أن بين الإيمان والكفر فرقا وهو أنه تعالى أراد إيمانه بالذات أيضا دون كفره ولما كان صدورهما من هذا الغافل بإرادته تعالى بالعرض نسب نكتهما إليه بهذا الاعتبار وهو لا يستلزم صدورهما منه تعالى، وهذا هو المراد من قول أبي عبد الله (عليه السلام) في آخر حديث طويل " علم أنهم سيكفرون فأراد الكفر لعلمه فيهم " وليست إرادة حتم إنما هي إرادة اختيار وإن أردت زيادة توضيح فارجع إلى ما ذكرنا في شرح أحاديث باب الاستطاعة من كتاب التوحيد، ولنا توجيه آخر ذكرناه في باب سهو القلب من كتاب الإيمان والكفر، وحاصله أنه سبحانه وكل على القلب ملكا يهديه ويرشده الى الخير وشيطانا يضله ويرشده الى الشر كما دلت عليه الروايات المعتبرة المذكورة في كتاب المذكور فإن تابع الأول يعود إلى الإيمان وإن تابع الثاني يعود الى الكفر وبهذا الاعتبار كانت تلك النكتة منه تعالى والله أعلم. * الأصل: 189 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن أبي المغرا عن زيد الشحام، عن عمرو بن سعيد بن هلال قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) إني لاأكاد ألقاك إلا في السنين فأوصني بشئ آخذ به، قال: اوصيك بتقوى الله وصدق الحديث والورع والاجتهاد واعلم أنه لا ينفع اجتهاد لاورع معه، وإياك أن تطمح نفسك إلى من فوقك، وكفى بما قال الله عز وجل لرسوله (صلى الله عليه وآله): " فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم " وقال الله عز وجل لرسوله: " ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا " فإن خفت شيئا من ذلك فاذكر عيش

[ 199 ]

رسول الله (صلى الله عليه وآله) فانما كان قوته الشعير وحلواه التمر ووقوده السعف إذا وجده وإذا اصبت بمصيبة فاذكر مصابك برسول الله (صلى الله عليه وآله) فان الخلق لم يصابوا بمثله (صلى الله عليه وآله) قط. * الشرح: قوله: (اوصيك بتقوى الله وصدق الحديث والورع والاجتهاد) أوصاه بأربع خصال مشتملة على جميع ما هو مطلوب من الإنسان: الأولى: التقوى: وهي ملكة تورث الخوف من الله تعالى والاجتناب عن المحارم والإتيان بوظائف الطاعات كما أشار إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله " عباده الله إن تقوى الله حمت أولياء الله محارمه وألزمت قلوبهم مخافته حتى أسهرت لياليهم وأظمأت هواجرهم، الحديث " الثانية: صدق الحديث النافع في الدنيا والآخرة، وهو من توابع العدل المتوقف على استقامة القوى العقلية والغضبية والشهوية، إذ لو فسدت أحداهما وقع الكذب في اللسان كثيرا، الثالثة: الورع وهو ملكة التحرز عن المشتهيات ولذات الدنيا وإن كانت مباحة، الرابعة: الاجتهاد في العلم والعمل (وأعلم أنه لا ينفع اجتهاد لاورع معه) لأن الخير المختلط بشر شران ساويا أو زاد الشر ومشوب مختلط إن زاد الخير، والله سبحانه لا يتقبل إلا الخالص، ولأن الاجتهاد ميل الى الآخرة وترك الورع ميل الى الدنيا فيذهب هذا بذاك، ومن ثم قيل الميل الى الدنيا والآخرة لا يجتمعان. (وإياك أن تطمح نفسك الى من فوقك)، طمح بصره إليه من باب منع: امتد وارتفع وأشرف، وأصله قولهم: جبل طامح: أي طائل مشرف وفيه تحذير للانسان من أن ينظر الى من فوقه ويتمنى ما عنده من نعمه ومتاع الدنيا ويطلب اللحاق به، لأنه ربما يقع في الحرام ولايبالي ويشقى بذلك وربما لا يتيسر له اللحاق فيموت غما أو حسدا، وهو على التقديرين يبعد من الدين ويصير من الهالكين وإذا نطر إلى من هو دونه عرف قدر نعمه الله عليه والتزم شكر المنعم وطاعته، هذا حال الناظر الى متاع الدنيا وأما الناظر إلى الطاعة والعلم والزهد ينبغي أن يكون الأمر بالعكس (وكفى بما قال الله عز وجل لرسوله (صلى الله عليه وآله) * (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم) * كفى هذا القول الكريم زجرا عن الطموح ومنعا من النظر والإشرف إذا المقصود منه نصيحة الأمة إذ قدس ذاته (صلى الله عليه وآله) ارفع من أن ينظر إليهم ويتمنى ما هم عليه من النعمة الفانية، ولو فرض أنه المقصود من هذه النصيحة فغيره أولى بها (وقال الله عز وجل * (ولا تمدن عينيك الى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا) *) نصب زهرة بمقدر دل عليه المذكور وهو متعنا وفيه وجوه آخر ذكرها المفسرون وإنما نهاه (صلى الله عليه وآله) عن مدالنظر الى ما متع به أصنافا من الكفرة وغيرهم من زهرة الدنيا وزينتها وتمنيه أن يكون له مثله لأن ذلك يوجب فساد القلب وحب الدنيا وكثرة الذنوب والبعد عن الآخرة التي هي دار المتقين (فإن خفت شيئا من ذلك) أي من الطموح ومد العينين (فاذكر عيش رسول الله (صلى الله عليه وآله). آه) الوقود كالصبور: الحطب والسعف، محركة جريد النخل أو ورقة أمر بذلك فإن ذكر

[ 200 ]

عيشه وقناعته وصبره على الجوع وتركه الدنيا ولذات نعيمها مع أن الدنيا وما فيها خلقت له يسهل الصبر على ضنك المعيشة والإعراض عن زهرات الدنيا ويزيل حبها عن القلب (وإذا أصبت بمصيبة فاذكر مصابك برسول الله (صلى الله عليه وآله)) بذلك يسهل الصبر على المصيبة الحاضرة لأن المصيبة الصغرى لاقدر لها عند المصيبة الكبرى وفيه حث على الصبر في مواطن المكروه وزجر عن الجزع منه بتذكر تلك المصيبة التي لا أعظم منها ومن المجرب أن تذكر المصائب الواردة على الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) هانت له صورة مصائب الدنيا كلها. * الأصل: 190 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن الحسن بن السري، عن أبي مريم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مر بنا ذات يوم ونحن في نادينا وهو على ناقته وذلك حين رجع من حجة الوداع فوقف علينا فسلم فرددنا (عليه السلام)، ثم قال: مالي أري حب الدنيا قد غلب على كثير من الناس حتى كأن الموت في هذه الدنيا على غيرهم كتب، وكأن الحق في هذه الدنيا على غيرهم وجب، وحتى كأن لم يسمعوا ويروا من خبر الأموات قبلهم، سبيلهم سبيل قوم سفر عما قليل إليهم راجعون، بيوتهم أجداثهم ويأكلون تراثهم، فيظنون أنهم مخلدون بعد هم هيهات هيهات [ أ ] ما يتعظ آخر هم بأولهم لقد جهلوا ونسوا كل واعظ في كتاب الله وأمنوا شر كل عاقبة سوء ولم يخافوا نزول فادحة وبوائق حادثة. طوبى لمن شغله خوف الله عز وجل عن خوف الناس. طوبى لمن منعه عيبه عن عيوب المؤمنين من إخوانه. طوبى لمن تواضع لله عز ذكره وزهد فيما أحل الله له من غير رغبة عن سيرتي ورفض زهرة الدنيا من غير تحول عن سنتي واتبع الأخيار من عترتي من بعدي وجانب أهل الخيلاء ولاتفاخر والرغبة في الدنيا، المبتدعين خلاف سنتي العاملين بغير سيرتي. طوبي لمن اكتسب من المؤمنين مالا من غير معصية فأنفقه في غير معصية وعاد به على أهل المسكنة، طوبى لمن حسن مع الناس خلقه وبذل لهم معونته وعدل عنهم شره، طوبى لمن أنفق القصد وبذل الفضل وأمسك قوله عن الفضول وقبيح الفعل. * الشرح: قوله: (مالي أرى حب الدنيا قد غلب على كثير من الناس، هذا حال أكثر كل عصر لغموض أمر الآخرة وخفاء أحوالها مع اغماضهم عين البصيرة عنها وظهور أمر الدنيا ونعيمها، مع ميل طبايعهم إليها وضعف عقولهم عن ادراك قبايحها وكشف مفاسدها، فصار ذلك سببا لحب الدنيا وترك الآخرة (حتى كأن الموت في هذه الدنيا على غيرهم كتب)، لكون حالهم شبيهة بحال من يظن

[ 201 ]

ذلك، وفيه تنبيه على أن تذكر الموت الباعث على فراق الدنيا والورود في الآخرة موجب لهوان الدنيا وما فيها ولذلك ورد في روايات كثيرة الحث على تذكره (وكان الحق في هذه الدنيا على غيرهم وجب) الظاهر أن المراد بالحق: حق الله تعالى وآدابه وأحكامه الدينية المتعلقة بكيفية العلم والعمل وتخصيصه بالموت بعيد (وحتى كأن لم يسمعوا ويروا من خبر الأموات قبلهم)، السماع بالنسبة الى من مات من السابقين والغائبين والرؤية بالنسبة إلى من مات من الحاضرين وفيه توبيخ بترك العبرة بحالهم حيث كانوا في الدنيا فماتوا وتركوا ما في أيديهم اضطرارا وسكنوا قبورهم معذبين بعذاب أليم إلا من أتى الله بقلب سليم. (سبيلهم سبيل قوم سفر عما قليل إليهم راجعون) سفر الرجل سفرا من باب طلب: خرج للارتحال فهو مسافر، والجمع سفر، مثل راكب وركب وصاحب وصحب، وفيه تنبيه على سرعة زوال العمر ورجوع الباقين الى الماضين وترغيب في العمل لما بعد الموت وترك حب الدنيا وزهراتها المانعة عن الاستعداد لما ينفع بعده (بيوتهم أجداثهم ويأكلون تراثهم فيظنون أنهم مخلدون بعدهم هيهات هيهات) أي بعد هذا الظن عن الصواب والتكرير للمبالغة، والجدث القبر والجمع أجداث مثل سبب وأسباب وفيه تنفير عن الدنيا وتزيين البيوت فيها لأن من علم أنه يسكن هذا البيت الضيق المظلم وهو القبر في زمان طويل لا يعلم طوله إلا الله يسهل عليه ترك الدنيا الفانية بحذافيرها فضلا عن بيت وصرف العمر في تحصيل ما يحتاج إليه البيت (أما يتعظ آخرهم بأولهم) فليقدر الآخر نفسه كالأول في أنه سكن الدنيا لحظة وارتحل الى الآخرة دفعة (ونسوا كل واعظ في كتاب الله تعالى) واعظ بليغ يعظهم بفناء الدنيا وخساسة متاعها واهلاكها السابقين بالركون إليها، ويدعوهم الى التذكر للموت والعمل لما بعده وغير ذلك من المنفرات عن الدنيا والمرغبات للآخرة (وآمنوا شر كل عاقبة سوء) لاحقه بهم في الدنيا للركون إليها وفي الآخرة بالإعراض عنها وترك العمل لها، وفيه ترغيب في الأعمال الصالحة وترك لوازم حب الدنيا لتحصيل النجاة من سوء العاقبة (ولم يخافوا نزول فادحة وبوائق حادثة) الفادحة: النازلة الثقلية، وفوادح الدهر: خطوبه، فدح كمنع ثقل والظاهر أن بوائق عطف على نزول لا على فادحة لأن ذكر حادثة يتأبى عنه والبائقة: النازلة: وهي الداهية والشر الشديد، يقال: باقت الداهية إذا نزلت والجمع البوائق، وفي ذكر عدم الخوف مما ذكر ترغيب في الخوف منه وتنفير عن تركه المستلزم للميل الى الدنيا والمعاصي التابعة لها. (طوبى لمن شغله خوف الله عز وجل عن خوف الناس)، أي الجنة أو طيب العيش في الدنيا والآخرة له، وفيه حث على الخوف من عذاب الله لأنه الموجب للامتثال بأوامره والاجتناب عن نواهيه وزجر عن خوف الناس لأنه يوجب التشبث بأطوارهم والتباعد عن خوف الله تعالى (طوبى

[ 202 ]

لمن منعه عيبه عن عيوب المؤمنين من إخوانه)، حرض المكلف على الاشتغال بعيوب نفسه واصلاحها والإعراض عن ذكر عيب غيره من المؤمنين خليقتة كانت أو كسبية إلا ما استثنى، وخص ذلك بالمؤمن إذ لا حرمة للكافر (طوبى لمن تواضع لله عز وجل) بالعبادة مع التذلل والخشوع له (وزهد فيما أحل الله له) من متاع الدنيا لعلمه بأنه يشغله عن الله تعالى وعن أمر الآخرة، والزهد في الشئ خلاف الرغبة فيه وفعله من باب منع وسمع وكرم (من غير رغبة عن سيرتي) أي طريقتي وهيئتي والرغبة عنها، إما بإنكارها أو بترك التمسك بها والبلوغ إليها وإن لم يكن لأحد لكن ينبغي طلب التشبه به وعدم ترك الميسور بالمعسور (ورفض زهرة الدنيا) أي زينتها ومتاعها مطلقا سواء أحل له أم لا من غير تحول عن سنتي وهي الشريعة التي جاءته من عند الله تعالى، وإنما خص البشارة بغير الراغب عن سيرته وغير المتحول عن سنته إذ الزهد ورفض الدنيا لا ينفعان لهما بل يلحق بهما خسران الدنيا والآخرة (واتبع الأخيار من عترتي من بعدي) في سيرتهم ودينهم وعقائدهم وأقوالهم وأعمالهم، والعترة بالكسر: نسل الرجل ورهطه وعشيرته وأشرف عترته علي (عليه السلام) (وجانب أهل الخيلاء)، المتكبرين (والتفاخر) بالحسب والنسب والجاه والمال وغيرها (والرغبة في الدنيا) بطلبها زائدة عن قدر الكفاف وإن كانت مباحة (المبتدعين خلاف سنتي) كأصحاب الرأى والقياس والأهواء النفسانية (العاملين بغير سنتي) إن ابتدعه غيرهم كاتباع المبتدعين ومن ابتدعه وعمل به جامع للرذيلتين وفي بعض النسخ " بغير سيرتي ". إنما بشر من جانب هؤلاء لأن صحبتهم شوم وأمراضهم مسرية مهلكة، قلما يتخلص جليسهم عن صفاتهم وآدابهم (طوبى لمن اكتسب من المؤمنين مالا من غير معصية فأنفقه في غير معصيته وعاد به على أهل المسكنة) عاد معروفة عودا أفضل وأعطى والاسم العائدة وذكر أهل المسكنة من باب ذكر الخالص بعد العام للاهتمام والترغيب في إعطاء المساكين وفيه وعد لمن اكتسب حلالا وأنفقه في وجوه البر بالأجر الجميل والثواب الجزيل. (طوبى لمن حسن مع الناس خلقه وبذل لهم معونته وعدل عنهم شره) رغب في ثلاث خصال بها نظام الدنيا وكمال الدين، الأولى: حسن الخلق مع الناس أن يخالطهم بالجميل والتودد والرأفة واللطف وحسن الصحبة والعشرة والمراعات والرفق والصبر والاحتمال لهم والاشفاق عليهم وبالجملة حسن الخلق تابع لاستقامة جميع الأعضاء الظاهرة والباطنة. الثانية: بذل المعونة لهم في أمر الدين والدنيا وهي اسم من أعانه إذا أمده ونصره ووزنها مفعلة بضم العين، وبعضهم يجعل الميم زائد ويقول هي فعولة، الثالثة: دفع شره وشر غيره عنهم ولهذه الخصال فوائد لا تحصى (طوبى لمن اتفق القصد): وهو التوسط بين الإسراف والتبذير وبدل الفضل وهو الزائد على قدر الكفاف، وإنفاقه ينشأ من العلم بأن الزائد لا يحتاج إليه في البقاء مع ترتب الثواب الجزيل عل انفاقه في دار الجزاء (وأمسك قوله عن

[ 203 ]

الفضول) وهو ما لا ينفع سواء ضر أم لا، لأن المومن لا يلوث لسانه بما لا ينفع ما يضر (وقبيح الفعل) كأنه عطف على أمسك بتقدير فعل يدل عليه المذكور أي أمسك عن قبيح الفعل وهو ما يذم به عقلا وشرعا وعطفه على الفضول بحمل الفعل على فعل اللسان يأباه ظهور عموم الفعل ولزوم التكرار وتخصيص الفضول بالمباح خلاف الظاهر. * الأصل: 191 - الحسين بن محمد الأشعري، عن معلى بن محمد رفعه، عن بعض الحكماء قال: إن أحق الناس أن يتمنى الغنى للناس أهل البخل لان الناس إذا استغنوا كفوا من أموالهم وإن أحق الناس أن يتمنى صلاح الناس أهل العيوب لأن الناس إذا صلحوا كفوا عن تتبع عيوبهم وإن أحق الناس أن يتمنى حلم الناس أهل السفه الذين يحتاجون أن يعفي عن سفههم فأصبح أهل العيوب يتمنون فسقهم وأصبح أهل الذنوب يتمنون سفههم وفي الفقر الحاجة إلى البخيل وفي الفساد طلب عورة أهل العيوب وفي السفه المكافاة بالذنوب. * الشرح: قوله: (فأصبح أهل البخل يتمنون فقر الناس) والحامل لهم على ذلك وجوه: الأول: إن صفة البخل يقتضي الحرص في جمع المال وضبطه فيحب البخيل جمعه لنفسه. الثاني: إنها تقتضي الحسد، والحسد يقتضي حب زوال النعمة عن الغير وبقائهم على الفقر، الثالث: إنها تابعة لطلب العزة بكثرة المال فيجب أن يكون سبب العز وهو المال كله له، الرابع: إنها صفة مستحسنة عند البخيل فيجب أن تكون تلك الصفة للجواد الوهاب أيضا (وأصبح أهل العيوب يتمنون فسقهم) لتحصل بينهم المشاركة في نوع من العيب ويمكن لهم المقابلة بالتعيير في وقت ما (وأصبح أهل الذنوب يتمنون سفههم طلبا) للمشاركة لما مر ولعل المراد بالذنوب: السفه تسمية للسبب باسم المسبب والسفه: التمني حقيقة على الأول ومجاز على الثاني. * الأصل: 192 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن ابن راشد قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): يا حسن إذا نزلت بك نازلة فلا تشكها إلى أحد من أهل الخلاف ولكن اذكر لبعض إخوانك فانك لن تعدم خصلة من أربع خصال: إما كفاية بمال وإما معونة بجاه أو دعوة فتستجاب أو مشورة برأي. * الشرح: قوله: (يا حسن إذا نزلت بك نازلة فلا تشكها الى أحد من أهل الخلاف) في كنز اللغة شكاية " گله كردن واظهار بدى حال كردن " وفعلها من باب قتل وهي ممن نزلت به نازلة مذمومة سيما الى

[ 204 ]

أهل الخلاف الذين هم عدو لله وله لتضمنها الشماتة غالبا وشكاية الرب الى عدوه إذ الشكاية عن الفعل شكاية عن فاعله كما يدل عليه قول أمير المؤمنين (عليه السلام) " من أصبح يشكو مصيبة نزلت به فإنما يشكو ربه " وقال " من شكى الى كافر فكأنما شكى الله " (ولكن اذكرها لبعض اخوانك فإنك لن تعدم خصلة من أربع خصال) أي لن تفقد، والعدم بالضم وبضمتين وبالتحريك: الفقدان وفعله من باب علم (إما كفاية وإما معونة بجاه أودعوة تستجاب أو مشورة برأى) المؤمن إذا نزلت به نازلة ينبغي التوسل الى الله كما حكاه الله تعالى عن يعقوب (عليه السلام) " وإنما أشكو بثي وحزني الى الله " وعن المرأة " وتشتكي الى الله " والله سبحانه أشكاهما وأزال حزنهما وإن دعت نفسه إلى ذكرها لأحد ينبغي أن يذكرها لمؤمن عاقل يتوقع منه المدد في ازالتها بأحد الوجوه الأربعة المذكورة لأن المؤمن من حزب الله تعالى وهو يجعله وسيلة والشكاية إليه شكاية الى الله حقيقة كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): " من شكا الحاجة الى مؤمن فكأنما شكاها الى الله " وفيه تنبيه على أن المؤمن المرفوع إليه الشكاية ينبغي له الإتيان بإحدى الخصال الأربع ومراعاة الأقوى في إزالة الشكاية أقدم وأقوى.

[ 205 ]

خطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) * الأصل: 193 - علي بن الحسين المودب وغيره، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن إسماعيل بن مهران، عن عبد الله بن أبي الحارث الهمداني، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: الحمد لله الخافض الرافع، الضار النافع، الجواد الواسع، الجليل ثناؤه، الصادقة أسماؤه، المحيط بالغيوب وما يخطر على القلوب، الذي جعل الموت بين خلقه عدلا وأنعم بالحياة عليهم فضلا، فأحيا وأمات وقدر الأقوات، أحكمها بعلمه تقديرا وأتقنها بحكمته تدبيرا إنه كان خبيرا بصيرا، هو الدائم بلا فناء والباقي إلى غير منتهى، يعلم ما في الأرض وما في السماء و ما بينهما وما تحت الثرى. أحمده بخالص حمده المخزون بما حمده به الملائكة والنبيون، حمدا لا يحصى له عدد ولا يتقدمه أمد، ولا يأتي بمثله أحد، اومن به وأتوكل عليه وأستهديه وأستكفيه وأستقضيه بخير وأسترضيه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون (صلى الله عليه وآله). أيها الناس إن الدنيا ليست لكم بدار ولاقرار، إنما أنتم فيها كركب عرسوا فأناخوا، ثم استقلوا فغذوا وراحوا، دخلوا خفافا وراحوا خفافا، لم يجدوا عن مضي نزوعا، ولا إلى ما تركوا رجوعا، جدبهم فجدوا، وركنوا إلى الدنيا فما استعدوا حتى إذا اخذ بكظمهم وخلصوا إلى دار قوم جفت أقلامهم لم يبق من أكثرهم خبر ولا أثر، قل في الدنيا لبثهم وعجل إلى الآخرة بعثهم، فأصبحتم حلولا في ديارهم، ظاعنين على آثارهم والمطايا بكم تسير سيرا، ما فيه أين ولا تفتير، نهاركم بأنفسكم دؤوب وليلكم بأرواحكم ذهوب فأصبحتم تحكون من حالهم حالا وتحتذون من مسلكهم مثالا، فلا تغرنكم الحياة الدنيا فانما أنتم فيها سفر حلول والموت بكم نزول، تنتضل فيكم مناياه، وتمضي بأخباركم مطاياه إلى دار الثواب والعقاب والجزاء والحساب. فرحم الله امرءا راقب ربه وتنكب ذنبه وكابر هواه وكذب مناه، امرءا زم نفسه من التقوى بزمام وألجمها من خشية ربها بلجام، فقادها إلى الطاعة بزمامها وقدعها عن المعصية بلجامها، رافعا إلى المعاد طرفه، متوقعا في كل أوان حتفه، دائم الفكر، طويل السهر، عزوفا عن الدنيا سأما، كدوحا لآخرته متحافظا، امرءا جعل الصبر مطية نجاته، والتقوى عدة وفاته ودواء أجوائه،

[ 206 ]

فاعتبر وقاس وترك الدنيا والناس، يتعلم للتفقه والسداد وقدوقر قلبه ذكر المعاد وطوبى مهاده وهجر وساده، منتصبا على أطرافه، داخلا في أعطافه، خاشعا لله عز وجل، يرواح بين الوجه والكفين، خشوع في السر لربه، لدمعه صبيب ولقلبه وجيب، شديدة أسباله، ترتعد من خوف الله عز وجل أوصاله، قد عظمت فيما عند الله رغبته واشدت منه رهبته، راضيا بالكفاف من أمره يظهر دون ما يكتم ويكتفي بأقل مما يعلم اولئك ودائع الله في بلاده، المدفوع بهم عن عباده، لو أقسم أحدهم على الله عز ذكره لأبره، أو دعا على أحد نصره الله، يسمع إذا ناجاه ويستجيب له إذا دعاه، جعل الله العاقبة للتقوى والجنة لأهلها مأوى، دعاؤهم فيها أحسن الدعاء " سبحانك اللهم " دعا [ ؤ ] هم المولى على ما آتاهم " وآخر دعواهم أن الحمدلله رب العالمين ". * الشرح: قوله: (خطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام)) مشتملة بعد الحمد والثناء والشهادة بالرسالة على المنفرات عن الدنيا والمرغبات في الآخرة بأفصح كلام وأبلغ نظام (الحمد لله الخافض الرافع) لأنه يخفض الجبارين والفراعنة وكل شئ يريد خفضه وذله: أي يضعهم ويهينهم والخفض ضد الرفع ويرفع المؤمنين بالتوفيق والإسعاد، والأولياء بالتقريب والإمداد، والعلماء بالإنعام والإرفاد (والضار النافع) لأنه يضر من يشاء بالتعذيب وسلب إفاضة الكمالات، ويوصل النفع إلى من يشاء ويوفقه للخيرات (الجواد الواسع) لانه يعطي المؤمن والكافر والبر والفاجر اعطاء كثيرا من غير استحقاق بل لأن وجود الممكن ولوازم وجوده كلها من فيض جوده (الجليل ثناؤه) أي العظيم ثناؤه لا يصل إلى أقصى ثنائه عقول العارفين لكونه موصوفا بجميع نعوت الجلال والكمال التي لا يبلغ إليها أوهام الواصلين ولذلك قال خاتم النبيين: " لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك " (الصادقة أسماؤه) كل اسم من أسمائه تعالى مدحة دالة على صفة في غاية الكمال وصدقها عبارة عن ثبوت مدلولها في الواقع وليس ذلك من باب المبالغة أو الجزاف كما يقع مثل ذلك في كلام أرباب الإطراء (المحيط بالغيوب) علما وقدرة لان الغائب الخارج عن المحسوسات التي يمكن إدراك الحواس لها وقتا ما حاضر عنده كالشاهد (وما يخطر بالقلوب) القلب ومخاطراته حاضرة عنده محاطة بعلمه وهو رقيب عليها عليم بذات الصدور، وفيه حث على تنزيه القلب عن خواطر السوء ولو خطر فيه مالا ينبغي أن يتدارك بالتوبة والاستغفار والتوسل بالله تعالى والتضرع إليه، كما يلزم ذلك في أفعال الجوارح (الذي جعل الموت بين خلقه عدلا) في وصفه تعالى بتقدير الموت ترغيب في طاعته والانزجار عن معصيته وذكر المعاد إليه ووعده ووعيده والرغبة عن الدنيا والزهد فيها، وبذل الفضل وتكميل جميع الأخلاق فهو محض عدل حقي لو لم يكن موت وقع الهرج والمرج وفسد نظام الخلق وبطل رفاهة العيش (وأنعم بالحياة عليهم فضلا) أي

[ 207 ]

أنعم بالحياة المسبوقة بالعدم، أو الأعم منها ومن المسبوقة بالوجود والكل من باب الفضل والإحسان بلا سابقة استحقاق فيجب الشكر على تلك النعمة الجليلة (فأحيى وأمات) قد عرفت أن الموت والحياة نعمتان جليلتان فوجب الرضا بهما والشكر عليهما (وقدر الأقوات أحكمها بعلمه تقديرا وأتقنها بحمكة تدبيرا) قدر الأقوات والأرزاق كلها في يومين كما نطق به القرآن الكريم وقدر لكل نوع وكل صنف من أنواع المرزوقين وأصنافهم رزقا معلوما على قدر معلوم لحكمة ومصلحة بحيث لا يتغير ولا يتبدل، ولا يمكن أن يقال لو كان الأمر على خلاف ذلك كان أحسن، وهذا معنى الإحكام والإتقان وهما بمعنى واحد، وتدبير الشئ: فعله عن فكر ورؤية ونظر إلى دبره وهو عاقبته وآخره، والمراد به هنا تعلق العلم بصلاح آخره كتعلقه بصلاح أوله من غير روية وفكر. (إنه كان خبيرا بصيرا): أي كان عليما بالأشياء ظواهرها وبواطنها وحقايقها ولوازمها وعوارضها، من خبرت الشئ من باب قتل خبرا، علمته، ومن خبرت الأرض: شققتها للزراعة، فأنا خبير وبصير بالمبصرات بنفس الذات وفي ذكر البصير بعد الخبير الذي هو العالم المطلق رد على من زعم أنه ليس بعالم بالجزئيات لأن المبصرات كلها جزئيات، (هو الدائم بلافناء) لأن الفناء من صفات الكائنات الحادثة الفاسدة الهالكة في حد ذاتها وفيه سلب لحمل دوامه عليه على المعنى العرفي وهو الزمان الطويل (والباقي الى غير منتهاء): أي من غير انتهاء لذاته فلا يتصف ذاته بحد ونهاية لأنهما عن لوازم المقدار وهو منزه عنها أو من غير انتهاء لوجوده لأنه واجب الوجود لذاته فيستحيل أن يلحقه العدم وينتهي وجوده الى حد وينقطع عند غاية (يعلم ما في الأرض وما في السماء وما بينهما وما تحت الثرى) يعلم كله وكل جزء من الأجزاء علما محيطا بظواهره وبواطنه وجلياته وخفياته على السواء (أحمده بخالص حمده المخزون بما حمده الملائكة والنبيون حمدا لا يحصى له عدد ولا يتقدمه أحد ولا يأتي بمثله أحد) طلب (عليه السلام) لكونه كاملا أن يكون حمده كاملا من وجوه، الأول: وهو الأصل في جميع العبادات، أن يكون خالصا من النقص والسمعة والرياء، الثاني: أن يكون مخزونا لا يعلم قدره ووصفه وكماله إلا الله تعالى، الثالث: أن يكون كاملا بكمال المحمود به وتعدده وهو ما حمده به الملائكة المقربون والنبيون، الرابع: أن يكون متكثرا غير محصور ولامعدود لا يبلغه أوهام الحاسبين، الخامس: أن يكون في كمال ذاته وخصوص صفائه بحيث لا يتقدمه أحد ولا يأتي بمثله أحد، واختلفوا في أن الحامد بالحمد الإجمالي على هذا الوجه هل يثاب بثواب ما تمناه أو بثواب ما فوق الواحد أو بثواب حمد واحد، فذهب إلى كل فريق والأخير بعيد لظهور الفرق بينه وبين الواحد والثاني قوى للفرق بين الإجمال والتفصيل، والأول أقوى إذ لا نقص في كرمه تعالى (أو من به وأتوكل عليه) ايمانا كاملا وتوكلا صادقا وهو

[ 208 ]

تفويض الأمور كلها عليه والثقة به وقد ذكرنا حقيقة التوكل ومبدأه وفوائده في شرح كتاب العقل. (واستهديه وأستكفيه) أي أطلب منه الهداية الخاصة الى الخيرات والكفاية في المهمات (وأستقضيه بخير وأسترضيه) في كنز اللغة استقضاء " قاضي وحاكم كردن واخذ كردن حق " يقال استقضيته حقي أي أخذته واسترضاء " خشنودي خواستن " والمعنى أطلب منه أن يكون قاضيا حاكما لي بخير أو أطلب أخذ الخير منه وأن يكون راضيا عني وفيه تنبيه على أن هذه الأمور غاية المقاصد للإنسان الكامل وهو محتاج إلى طلبها لئلا يضل في الخاتمة ولا يذل في العاقبة فكيف غيره. (وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله) قيل هاتان شهادتان مقرونتان لا تنفع إحدهما بدون الأخرى، والثانية بمنزلة الباب للأولى إذ لا يحصل التوحيد والحق إلا ببيان الرسول والإقرار به، وفي عبده إشارة الى شرف مرتبة العبودية (أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) الهدى: القرآن، والايمان والبيان والدلالة ودين الحق: الشريعة التي جاء بها النبي (صلى الله عليه وآله) وإظهاره على الأديان كلها عند ظهور الصاحب (عليه السلام) كما دل عليه صريح بعض الروايات. (أيها الناس إن الدنيا ليست لكم بدار ولاقرار) في كنز اللغة قرار " آرام گاه " كما قال تعالى * (ثم جعلناه في قرار مكين) * وقرار الأرض المستقر الثابت منها وفيه تنبيه للغافلين من أبناء الدنيا على أنه لا ينبغي لهم الركون إليها وقصد السكون فيها للزوم مفارقتها سريعا كما أشار إليه بقوله (إنما أنتم فيه كركب عرسوا فأناخوا، ثم استقلوا فغدوا وراحوا) الركب جمع راكب: الدابة كصحب جمع الصاحب، والتعريس: نزول المسافر آخر الليل للنوم والاستراحة، والاستقلال: رفع الشئ وحمله ذهاب القوم، تقول استقله أي حمله ورفعه واستقل القوم: أي ذهبوا وارتحلوا، والغدو والرواح: الذهاب غدوة وعشية أي ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس وآخر النهار، ثم كثر استعمالها في الذهاب أي وقت كان من ليل أو نهار فهما متفارقان في الأصل ومتساويان في الاستعمال وقد خاطب الناس أجمعين من باب التغليب وشبههم بجماعة الفرسان من المسافرين وأشار الى وجه الشبه بقوله عرسوا الى آخره وهو متحقق في المشبه به حسا وفي المشبه عقلا أو شبههم بالذين ماتوا على أن يكون المراد بالركب الجماعة الماضين بقرينة ما بعده والوجه وهو ما ذكر متحقق في الطريفين عقلا، توضيح ذلك: أن الإنسان وهو النفس حقيقة بعد نزوله في هذا المنزل وهو الدنيا في مدته قليلة سائر الى دار الآخرة سريعا ومركبه البدن والقوى النفسانية، وطريق سيره هي العالم المحسوس والمعقول، وسيره هو تصرفه في العالمين لتحصيل السعادة أو الشقاوة في الآخرة وفيه ترغيب في الأول

[ 209 ]

وتحذير عن الثاني (دخلوا خفافا وراحوا خفافا) الخفاف ضد الثقال وضمير الجمع للركب أي دخلوا في الدنيا خفافا من متاعها وراحوا منها إلى الآخرة خفافا منه وفيه تنفير للناس عن الدنيا وزهراتها لأنهم لا يحملون معهم عند الارتحال إلى الآخرة شيئا منها فينبغي أن لايصرفوا أعمارهم في تحصيلها (لم يجدوا عن مضى نزوعا) المضي بالفتح فالسكون " گذشتن ورفتن " والنزوع بضم النون " ابا نمودن وبا كسى در چيزى مخالفت كردن وباز ايستادن "، يقال: نزع عن الأمر نزوعا انتهى عنه وأباه (ولا إلى ما تركوا رجوعا): أي لم يجدوا رجوعا الى ما تركوا من الدنيا والمساكن والأموال وغيرها، والمراد أن رحيلهم من الدنيا الى الآخرة وقطع عقبات الموت وما بعده أمر اضطراري وليس لهم قدرة على الرجوع الى الدنيا بعد الخروج منها ليتداركوا ويعملوا عملا صالحا وفيه حث على رفض الدنيا وفضول الدنيا وفضول زهراتها وما يلهيهم عن تحصيل دار الآخرة وأخذما ينبغي أحذه بها لئلا يقعوا في حسرة وندامة لا تنفع. (جدبهم فجدوا) الجد بالكسر: الاجتهاد في الأمر وضد الهزل وفعله من بابي ضرب وقتل أي جد المضي والذهاب من الدنيا بهم فجدوا فيهما اضطرارا (وركنوا إلى الدنيا فما استعدوا) أي مالوا إلى الدنيا واعتمدوا عليها فما استعدوا لأمر الآخرة لأن الدنيا والآخرة لا يجتمعان وركن من أبواب علم وقعد ومنع، والثاني: غير فصيح، والثالث: من باب تداخل اللغتين لأن شرطه أن يكون العين أو اللام حرف حلق (حتى إذا أخذ بكظمهم) أي بحلقهم ومخرج نفسهم والجمع كظام وهو كناية عن موتهم (وخلصوا إلى دار قوم جفت أقلامهم) الخلوص الصفاء ويستعار للوصول وفي كنز اللغة: " خلوص بكسى رسيدن وبچيزى پيوستن " والمراد بالأقلام: أقلام كرام الكاتبين، والإضاقة لأدنى ملابسة وجفافها كناية عن انقطاع عملهم، ويحتمل أن يكون جفاف أقلامهم كناية عن جريان ماكتب في اللوح المحفوظ من مقادير أحوالهم الخيرية والشرية عليهم تمثيلا للفراغ منها بفراغ الكاتب من كتابته ويبس قلمه (لم يبق من أكثرهم خبر ولا أثر) لعل المراد بالخير خبر أسمائهم وأفعالهم وصفاتهم وبالأثر أثر مساكنهم وأموالهم وقبورهم، وقيد بالأكثر لبقاء خبر بعضهم وأثر بعد في الجملة (قل في الدنيا لبثهم وعجل إلى الآخرة بعثهم) أي إرسالهم إليها بالموت وهذا في اللفظ خبر وفي المعنى أمر بالإعراض عن متاع الدنيا والإقبال الى متاع الآخرة لأن هذه الحالة جارية في جميع الخلق كما أشار إليه بقوله (فأصبحتم حلولا في ديارهم ظاعنين على آثارهم) الإصباح: الدخول في الصباح وبمعنى الصيرورة أيضا، والحلول: جمع الحال كالقعود جمع القاعد، والديار: جمع الدار والمراد بها الدنيا أو مساكنهم ومنازلهم، والظعن: الارتحال والظاعن المرتحل وفي جعل ظاعنين حالا عن فاعل أصبحتم دلالة على اتحاد زمان الحلول والارتحال مبالغة وفيه تحريك للنفوس العاقلة الى الاستعداد للارتحال وتجهيز سفر الآخرة (والمطايا بكم يسير سيرا)

[ 210 ]

المطايا: جمع المطية وهي دابة تمطو في سيرها أي تجد وتسرع ؟ ولعل المراد بها الليل والنهار أو الاعمار على سبيل الاستعارة، والسير يجئ لازما ومتعديا يقال سار البعير وسرته والباء متعلق به إما للتعدية أو للمبالغة فيها كتأكيد السير بالمصدر للمبالغة فيه وأفادة شدته كما أشار إليه بقوله (ما فيه أين ولاتفتير)، الأين: الإعياء وهو لازم ومتعد يقال: أعياني كذا بالألف اتعبني فأعييت والفتور لازم والتفتير متعد يقال فتر فتورا من باب قعدا إذا انكسر بعد حدة ولان بعد شدة وفتره تفتيرا كسره بعدهما وفيه تنبيه للنازلين في الدنيا على لزوم خروجهم منها سريعا لأن قلة المسافة وسرعة المركوب في السير مع انتفاء الإعياء والتفتير يستلزم قطع تلك المسافة في أقرب أوقات الإمكان، ولا تظن أيها الغافل أنك مقيم فإن من كانت مطيتة الليل والنهار فهو ساير وإن كان واقفا وقاطع للمسافة، وإن كان مقيما كما يجد ذلك راكب السفينة وقد أشار الى توضيح ذلك بقوله (نهاركم بأنفسكم دؤوب وليلكم بأرواحكم ذهوب) الظرف في الموضعين متعلق بما بعده والتقديم لرعاية السجع والدؤوب فعول من الدأب وهو الجد في الأمر والطرد أيضا ولا يخفى على العارف بالسجع بدايع هذا الكلام ولطفه، والعجب من أبناء الدنيا مع حبهم طول عمرهم وبقائهم فيها يتمنون انقضاء الأيام والليالي سريعا بشئ يسير يتوقعون حصوله بعد مدة ولا يعلمون أن انقضائها انقضاء لعمرهم وهذا أيضا من سخافة عقولهم (فأصبحتم تحكون من حالهم حالا) أي صارت حالكم وصفاتكم مثل حالهم وصفاتهم، تقول: حكيت الشئ أحكيه حكاية إذا أتيت بمثله على الصفة التي بها غيرك فأنت كالناقل، ومنه حكيت صنعته إذا أتيت بمثلها وهو هنا كالمعارضة بالمثل، وحكوته أحكوه لغة، قال ابن السكيت: وحكى عن بعضهم أنه قال: لا أحكوا كلام ربي لا أعارضه. (وتحتذون من سلكهم مثالا) الاحتذاء: الاقتداء، تقول احتذى مثالهم أي اقتدى به والسلك مصدر بمعنى الذهاب تقول سلكت الطريق سلوكا وسلكا إذا ذهبت فيه، وفي بعض النسخ " من مسلكهم " وهو الطريق والمثال بالكسر اسم من ماثله إذا شابهه وقد يطلق على الوصف والصورة فيقال: مثاله كذا وصفه وصورته والجمع أمثله (فلا تغرنكم الحياة الدنيا) أي لا تخدعنكم بزينتها يقال: غرته الدنيا غرور ممن باب قعدت خدعته بزينتها وأطمعته بالباطل فاغتر هو بها ولما كان المغتر بها هو المحب لها والراكن إليها والناسي الموت وما بعده نبه بما يوجب سلب جميع ذلك بقوله (فإنما أنتم سفر حلول والموت بكم نزول) لأن ذكر الموت والعلم بوقوعه وجعل ذلك نصب العين وانتظاره في كل آن يزيل حب الدنيا والميل الى زينتها، ويستلزم ذكر المعاد الى الله تعالى ووعده ووعيده وحسابه وجزائه ولذلك قال (صلى الله عليه وآله) " أكثروا ذكر هادم اللذات " (تنتضل فيكم مناياه) في كنز اللغة انتضال " تيرانداختن " وضمير مناياه راجع الى الموت، والمراد بالمنايا أسبابه

[ 211 ]

وإرجاعه إلى الدنيا باعتبار الدهر بعيد وقد شبه المنية بالرامي وأثبت له الانتضال مكنية وتخييلية وجعل الإنسان غرضا وفيه تنفير عن الدنيا لعدم الأمن من سهام الموت (وتمضي بأخباركم مطاياه إلى دار الثواب والعقاب والجزاء والحساب) مطاياه من قبيل لجين الماء أو فيه مكنية وتخييلية بتشبيه الموت بالرسول الذي يبلغ خبر الغايب واثبات المطايا له وإمضاء الأخبار ترشيح واسناده إلى المطاياه مجاز من باب إسناد فعل الحال إلى المحل، كأن الموت يخبر أهل الثواب وأهل العقاب بخبره ووصوله، والمراد بدار الثواب ودار العقاب، أما القيامة الكبرى أو الصغرى وهي البرزخ فإن كل من كان فيه يعلم أنه من أهل الثواب أو من أهل العقاب ولا يخفى لطف هذا الكلام وحسنه (فرحم الله امرءا راقب ربه) حافظ ربه كأنه يراه فيخلي الظاهر والباطن عن الرذايل ويحليهما بالفضائل وينظر إلى جميع حركاته وسكناته ولحظاته فإن كانت إلهية بادر إليها وإن كانت شيطانية تعجل إلى دفعها وسبب تلك المراقبة هو العلم بأنه تعالى مطلع على الضمائر والسرائر وشاهد على كل نفس بما كسبت ورقيب على كل شئ، وإذا استقرت هذه المعرفة في القلب تبعثه الى مراقبته بالتعظيم والإجلال والاستغراق ببحار القدرة والكمال والانكسار تحت الهيبة والاقتدار بحيث لا يلتفت الى المباحات فضلا عن المحظورات، ومن بلغ هذه المرتبة فقد يغفل عن الخلق والمتصفون بها على جميع درجات متباينة ومقامات متفاوتة (وتنكب ذنبه): أي عدل ومال عنه تعظيما لربه وخوفا من عقابه (وكابر هواه): أي غالبه وعانده وتلك المكابرة بأن يطوع نفسه الأمارة للأعمال البدنية، وراقبها في كل خاطر تلقيه إلى قلبه وقابلها بقمعه ودفعه، وفي بعض النسخ كابد بالدال من المكابدة: وهي تحمل المشاق على ترك هواه (وكذب مناه) أي قابل ما يلقيه إليه الشيطان من الأماني ويعده بالوصول إليها بالتكذيب والدفع له بتجويز عدم نيلها ونسبتها إلى الأكاذيب المخترعة. (أمرءا زم نفسه من التقوى بزمام وألجمها من خشية ربها بلجام فقادها الى الطاعة بزمامها وقدعها عن المعصية بلجامها) القود نقيض السوق فهو من أمام وذاك من خلف والقدع الكف قدعه كمنعه كفه قد شبه النفس الأمارة بالفرس الحرون، والتقوى بالزمام، والخشية باللجام ثم فرع ما يناسب كلا إليه ولا يخفى لطفه (رافعا الى المعاد طرفه) الطرف: النظر والمراد به بالنظر القلبي وهو توجهه الى أمر الآخرة والعمل لها (متوقعا في كل أوان حتفه): أي موته لعلمه بوروده قطعا مع عدم علمه بزمان وروده فيتوقعه في كل آن وذلك يبعثه على ترك الدنيا وطلب الآخرة (دائم الفكر) في أمر الآخرة والتخلص من عقابتها (طويل السهر) وهو عدم النوم في الليل كله أو بعضه يقال: سهر الليل أو بعضه إذا لم ينم فيه فهو ساهر وهو كناية عن العبادة في الليل والقيام بوظائف الطاعات فيه (عزوفا عن الدنيا سأما) عزفت نفسه عنه: زهدت فيه وانصرفت عنه (كدوحا

[ 212 ]

لآخرته متحافظا) عن حطام الدنيا ومخاطرات النفس ووساوس الشيطان والكدح السعي والحرص في العمل. (امرءا جعل الصبره مطية نجاته) أي حمل النفس على فعل الطاعة وترك المعصية ودفعها عن هواها ومنعها عن الجزع في النوائب واستعار المطية للصبر لكونه سببا للنجاة كالمطية (والتقوى عدة وفاته) العدة بالضم: الاستعداد والتأهب وما أعد من مال وسلاح أو غير ذلك ليوم حاجة، والتقوى عدة واقية من أهوال الموت وما بعده (وداواء أجوائه) الجوي الحزن والحرقة وتطاول المرض وداء في الصدر وملالة القلب، والتقوى دواء للأمراض القلبية والبدنية الموجبة لفساد الظاهر والباطن وميلهما عن صراط الحق الى الباطل (فاعتبر وقاس) أي فاعتبر بأحوال الماضين وسرعة انتقالهم من هذه الدار الى دار القرار وفراقهم عن المال والعيال وسكونهم في القبور مع أعمالهم وقاس نفسه عليهم حتى أنه كأحدهم (وترك الدنيا والناس) الواو إما بمعنى مع أي ترك الدنيا مع الناس المائلين إليها ولا يشاركهم فيها أو للعطف أي ترك الدنيا بالإعراض عنها وترك الناس بالاعتزال منهم لعلمه بأن مجالستهم تفسد دينه ودنياه (يتعلم للتفقه والسداد) التفقه: التفهم من الفقه وهو الفهم وغلب إطلاقه على علم الدين لشرفه والسداد، بالفتح: الصواب من القول والفعل يعنى غرضه من التعلم أمران أحدهما تفهم القوانين الشرعية والآداب والأخلاق النبوية وتكميل النفس بها وثانيهما تسديد طاهره وباطنه بالعمل بها وليس غرضه منه الرياء والسمعة ورياسة الخلق وصرف وجوههم إليه (وقد وقر قلبه ذكر المعاد) التوقير هنا بمعنى التعظيم والتبجيل أو بمعنى الترزين والتسكين، وقلبه على الأول فاعل وذكر المعاد مفعول، وعلى الثاني بالعكس، والمراد بتعظيم ذكر المعاد هو التوجه الى الاستعداد له وتحصيل ما ينفع فيه وترك ما ينافيه من أعراض الدنيا وبتسكين القلب وترزينه تسكينه عن الاضطراب من فوات الدنيا وترزينه عن الميل الى زهراتها (وطوى مهاده وهجر وساده) المهد والمهاد: الفراش، وهذا كناية عن الإتيان بما أقرت به الشريعة من الكمالات الباقية والمبالغة في تحصيلها خصوصا في الليل فإن العبادة فيها لكثرة المشقة وبعد الرياء وحضور القلب اعظم أجرا منها في النهار (منتصب على أطرافه) أي على قديمه أو على جميع جوارحه باستعمال كل منها فيما طلب منه (داخل في أعطافه) كأنها جمع عطف الشئ بالكسر: وهو جانبه وهو إشارة الى أن غلبة النوم المحرك له إلى جوانبه لا تمنعه من القيام بوظائف الطاعات، ويمكن أن يراد بها الازر والأردية (خاشعا لله تعالى) أي مقبلا على الله تعالى بظواهره المشغولة بما هو مطلوب منها (يراوح بين الوجه والكفين) يضع وجهه تارة على التراب ويرفع كفيه تارة الى السماء أو يرفع وجهه الى السماء تارة وكفيه إليها أخرى (خشوع في السر لربه) أي مقبل على الله بقلبه ساكن مطمئن إليه فارغ عما سواه.

[ 213 ]

(لدمعه صبيب ولقلبه وجيب) الصبيب والوجيب مصدران يقال: صب الماء من باب ضرب صبيبا: إذا انسكب ووجب القلب وجيبا: إذا رجف واضطرب، ولعل الأول لألم الفراق والثاني لكمال الاشتياق (شديدة أسباله) أسبل المطر والدمع: إذا هطلا وتتابعا، والاسم السبل بالتحريك ويجمع على أسبال كالبطل على الأبطال (يرتعد من خوف الله عز ذكره أوصاله): أي مفاصله (وقد عظمت فيما عند الله رغبته) من القرب والكرامة والسعادة والثواب ونعيم الأبد وعلامة تلك الرغبة هي الاشتغال بأسباب الوصول إلى ما ذكر (واشتدت منه رهبته) علامة صدق الرهبة هي الفرار من أسباب ما يخافه (راضيا بالكفاف من أمره) الدنيوي في كل ما يحتاج إليه في البقاء من المأكل والمشرب والمسكن والملبس وغيرها، والكفاف بالفتح مقدار الحاجة من الرزق من غير زيادة ونقص سمى بذلك لأنه يكف عن سؤال الناس ويغني عنهم (وأحسن طول عمره) أي في طول عمره ومدة حياته فهو ظرف للإحسان، والمراد به فعل ما ينبغي وترك مالا ينبغي (يظهر دون ما يكتم) أي يظهر ما ينبغي كتمانه من كمالاته وعباداته وأسراره وغيرها مما في إظهاره فساده أو فساد غيره، وفيه ترغيب في الاقتصار على الإظهار قبل البلوغ الى حد ما يكتم (ويكتفي بأقل مما يعلم) أي يكتفي في إفادته بأفل مما يعلم من معلوماته اكتفاء بقدر الحاجة وحذرا من الفخر والعجب من إظهار الحال على وجه الكمال (اولئك ودائع الله في بلاده) فيجب على أهل البلاد حفظهم كما يجب حفظ الوديعة، ويحتمل أن يراد بالودايع العهود والمواثيق من قولهم توادع الفريقان إذا أعطى كل واحد منهما الآخر عهدا واسم ذلك العهد الوديع، يقال أعطيته وديعا أي عهدا كذا في النهاية فكأنه تعالى أخذ على أهل البلاد عهدا بحفظهم وهم أخذوا على الله تعالى عهدا على دفعه عنهم ما أقاموا على الوفاء بذلك العهد وهذا أنسب بقوله (المدفوع بهم عن عباده) كما روى عن أبي جعفر (عليه السلام) قال " إن الله ليدفع بالمؤمن الواحد عن القرية الفناء (لو أقسم أحدهم على الله جل ذكره لأبره) القسم: اليمين وقد أقسم بالله وتعديته بعلى لتضمين معنى الإيجاب ومعناه كما صرح في الفائق أن يقول بحقك يا رب أفعل كذا فإذا قال ذلك لأبره أي أمضى يمينه بالصدق تعظيما له واستجابة لسؤاله وقضاء لطلبته (أودعا على أحد نصره الله) كما دعا نوح وموسى (عليهم السلام) على قومهما فأجاب الله تعالى دعائهم وأهلك قومهما بالغرق ودعا كثير من الصالحين على عدوهم فأخذهم الله بغتة وأهلكهم. (يسمع إذا ناجاه) أي يسمع سماع قبول (ويستجيب له إذا دعاه) قد دعا كثير من الأولياء واستجاب دعائهم بلا مهلة كما نطقت به الآيات والرويات (جعل الله العاقبة للتقوى والجنة لأهلها مأوى) ترغيب في التقوى لنرتب حسن العاقبة ودخول الجنة عليها كما قال عز وجل * (والعاقبة للمتقين) * وقال * (تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا) * (دعائهم فيها أحسن الدعاء

[ 214 ]

سبحانك اللهم) الظاهر أن أحسن خبر مبتدأ، وأن سبحانك اللهم خبر بعد خبر أو بدل عنه أو خبر مبتدأ محذوف وهم يقولون ذلك عند إرادتهم طعاما أو شرابا أو غيرهما فإذا قالوا ذلك بادرت الخدمة بما يشتهون من غير طلبهم ووجه كونه أحسن الدعاء أنه دال على ذاته المتصف بجميع الكمالات وتوحيده المطلق وتنزيهه عن جميع النقايص (دعاؤهم المولى على ما آتاهم) من النعماء التي لا يحيط بها البيان، والظاهر أنه بدل أو بيان لقوله دعائهم (وآخر دعواهم) إذا فرغوا من لذاتهم من الطعام والشراب وغيرهما (أن الحمد لله رب العالمين) هذا التفسير ذكره الباقر (عليه السلام) في آخر حديث النوق والجنان.

[ 215 ]

خطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) * الأصل: 194 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن محمد بن النعمان أو غيره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه ذكر هذه الخطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) يوم الجمعة: الحمد لله أهل الحمد ووليه ومنتهى الحمد ومحله، البدئ البديع، الأجل الأعظم الأعز الأكرم المتوحد بالكبرياء، والمتفرد بالآلاء، القاهر بعزه ؟ والمسلط بقهره، الممتنع بقوته، المهيمن بقدرته، والمتعالي فوق كل شئ بجبروته، المحمود بامتنانه وبإحسانه، المتفضل بعطائه وجزيل فوائده، الموسع برزقه، المسبغ بنعمه، نحمده على آلائه وتظاهر نعمائه حمدا يزن عظمة جلاله ويملأ قدر آلائه وكبريائه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الذي في أوليته متقادما وفي ديموميته متسيطرا، خضع الخلائق لوحدانيته وربوبيته وقديم أزليته ودانوا لدوام أبديته. وأشهد أن محمدا (صلى الله عليه وآله) عبده ورسوله وخيرته من خلقه، اختاره بعلمه واصطفاه لوحيه وائتمنه على سره وارتضاه لخلقه وانتدبه لعظيم أمره ولضياء معالم دينه ومناهج سبيله ومفتاح وحيه وسببا لباب رحمته ابتعثه على حين فترة من الرسل، وهدأة من العلم، واختلاف من الملل، وضلال عن الحق، وجهالة بالرب، وكفر بالبعث والوعد، أرسله إلى الناس أجمعين رحمة للعالمين بكتاب كريم قد فضله وفصله وبينه وأوضحه وأعزه وحفظه من أن يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه تنزيل من حكيم حميد، ضرب للناس فيه الأمثال وصرف فيه الآيات لعلهم يعقلون، أحل فيه الحلال وحرم فيه الحرام وشرع فيه الدين لعباده عذرا أو نذرا لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ويكون بلاغا لقوم عابدين، فبلغ رسالته وجاهد في سبيله وعبده حتى أتاه اليقين (صلى الله عليه وآله) وسلم تسليما كثيرا. أوصيكم عباد الله واوصي نفسي بتقوى الله الذي ابتدأ بدأ الأمور بعلمه وإليه يصير غدا ميعادها وبيده فناؤها وفناؤكم وتصرم أيامكم وفناء آجالكم وانقطاع مدتكم، فكأن قد زالت عن قليل عنا وعنكم كما زالت عمن كان قبلكم، فاجعلوا عباد الله اجتهادكم في هذه الدنيا التزود من يومها القصير ليوم الآخرة الطويل فانها دار عمل والآخرة دار القرار والجزاء، فتجافوا عنها فان المغتر من اغتر بها، لن تعدا والدنيا إذا تناهت إليها امنية أهل الرغبة فيها المحبين لها، المطمئنين إليها المفتونين بها، أن تكون كما قال الله عز وجل: * (كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام) * الآية، مع أنه لم يصب امرء منكم في هذه الدنيا حبرة إلا أورثته

[ 216 ]

عبرة، ولا يصبح فيها في جناح آمن إلا وهو يخاف فيها نزول جائحة أو تغير نعمة أو زوال عافية، مع أن الموت من وراء ذلك وهول المطلع والوقوف بين يدي الحكم العدل تجزى كل نفس بما عملت * (ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى) *. فاتقوا الله عز ذكره وسارعوا إلى رضوان الله والعمل بطاعته والتقرب إليه بكل ما فيه الرضا فإنه قريب مجيب، جعلنا الله وإياكم ممن يعمل بمحابه ويجتنب سخطه، ثم إن أحسن القصص وأبلغ الموعظة وأنفع التذكر كتاب الله جل وعز قال الله عز وجل: * (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) *. أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم " بسم الله الرحمن الر حيم والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر " " إن الله وملائكته يصلون علي النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما " اللهم صل على محمد وآل محمد وبارك على محمد وآل محمد، وتحنن على محمد وآل محمد وسلم على محمد وآل محمد كأفضل ما صليت وباركت وترحمت وتحننت وسلمت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم أعط محمدا الوسيلة والشرف والفضيلة والمنزلة الكريمة، اللهم اجعل محمدا وآل محمد أعظم الخلائق كلهم شرفا يوم القيامة وأقربهم منك مقعدا وأوجههم عندك يوم القيامة جاها وأفضلهم عندك منزلة ونصيبا، اللهم أعط محمدا أشرف المقام وحباء السلام وشفاعة الاسلام، اللهم وألحقنا به غير خزايا ولاناكثين ولا نادمين ولامبدلبن. إله الحق آمين. ثم جلس قليلا ثم قام فقال: الحمد لله أحق من خشي وحمد وأفضل من اتقي وعبد وأولى من عظم ومجد نحمده لعظيم غنائه، وجزيل عطائه، وتظاهر نعمائه، وحسن بلائه، ونؤمن بهداه الذي لايخبو ضياؤه ولايتهمد سناؤه ولا يوهن عراه ونعوذ بالله من سوء كل الريب وظلم الفتن ونستغفره من مكاسب الذنوب ونستعصمه من مساوي الأعمال ومكاره الآمال والهجوم في الأهوال ومشاركة أهل الر يب والرضا بما يعمل الفجار في الأرض بغير الحق. اللهم اغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات الذين توفيتهم على دينك وملة نبيك (صلى الله عليه وآله)، اللهم تقبل حسناتهم وتجاوز عن سيئاتهم وأدخل عليهم الر حمة والمغفرة والرضوان واغفر للأحياء من المؤمنين والمؤمنات الذين وحدوك وصدقوا رسولك وتمسكوا بدينك وعملوا بفرائضك واقتدوا بنبيك وسنوا سننك وأحلوا حلالك وحرموا حرامك وخافوا عقابك ورجوا ثوابك ووالوا أولياءك وعادوا أعداءك، اللهم اقبل حسناتهم وتجاوز عن سيأتهم

[ 217 ]

وأدخلهم برحمتك في عبادك الصالحين. إله الحق آمين. * الشرح: (خطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام)) مشتملة على معان لطيفة وأسرار خفية ونكات دقيقة وألفاظ رشيقة بحيث تقف في أول منزل من منازلها عقول الخطباء وفي أول مرحلة من مراحلها فحول العلماء (الحمد لله أهل الحمد ووليه) علق الحمد باسم الذات وحكم بأنه أهله وأولى به للتنبيه على أنه مستحق له لذاته، وما اشتهر من أن الحمد متعلق بالفضايل أو الفواضل فهو باعتبار الأكثر والأغلب دون الاختصاص، ويؤيده أن الحمد عبادة وهو سبحانه مستحق لها بالذات (ومنتهى الحمد ومحله) فالحمد كله ينتهى إليه ومن ثم قيل باختصاص جنس الحمد وجميع أفراده به وبين الاختصاصين تلازم (البدئ البديع) البدئ: فعيل بمعنى فاعل من بدأ الخلق أي فطرهم وأنشأهم وذكر البديع بعده: وهو الذي يخترع الشئ لاعن شئ للدلالة على أنه خلقهم لاعن مادة ولاعن مثال سابق (الأجل الأعظم الأعز الأكرم) إن كان أفعل صفة وان كانت خلاف ظاهر فالأمر ظاهر وإن كان اسم تفضيل والمفضل عليه غيره فالتفضيل باعتبار وجود أصل الفعل في ذلك الغير وجودا اعتباريا إضافيا، والأحسن أن معناه أجل وأعظم وأعز وأكرم من أن يوصف أو يعرف كنه ذاته وصفاته أو يتخيل بالأوهام أو يتصور في العقول والإفهام كما روي في الله أكبر من أن معناه الله أكبر من أن يوصف لا أنه أكبر من كل شئ فإنه لا يقاس بشئ حتى يقال إنه أكبر منه. (المتوحد بالكبرياء) أي المتفرد بالعظمة المطلقة لأن العظمة إما باعتبار شرف الذات أو الوجود أو الصفات الذاتية والفعلية وجميع ذلك له وكل ما سواه في ذل الحاجة إليه متضرع في طلب كماله بيين يديه (والمتفرد بالآلاء) المتفرد إما بالتاء المثناة الفوقانية أو بالنون أو الأول أولى لأنه أنسب بالمتوحد مع ما فيه من المبالغة في الإنفراد. والألى بالقصر وفتح الهمزة وكسرها: النعمة مطلقا والجمع الآلاء على أفعال مثل سبب وأسباب لكن أبدلت الهمزة التي هي فاء ألفا استثقالا لاجتماع همزتين ووجه التفرد ظاهر لأن كل نعمة منه تعالى وكل من له نعمة أخذها منه (القاهر بعزه) أي الغالب على جميع الأشياء ووضعها في مواضعها وتقدير حقايقها وصفاتها وكمالاتها لشدة قوته وقدرته بحيث لا يقدر شئ على أن يتجاوز عما قدر له ويطلب غيره (والمتسلط بقهره) على جميع ما سواه بالإيجاد والإبقاء والإعدام والإفناء (الممتنع بقوته) أي المتقوي بها فلا يحتاج في التقوى الى أحد ولا يقدر عليه من يريده من امتنع بقومه إذا تقوى بهم فلا يقدر عليه من يريده أو الممتنع بها عن الشريك والنظير والاستعانة من أحد من امتنع من الأمر إذا كف عنه وأبى منه (المهيمن بقدرته) قيل هو الشهيد لأنه تعالى شاهد على خلقه بما يكون منهم من قول وفعل وغيرهما ومنه قوله تعالى " مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه " وقيل: هو الرقيب على

[ 218 ]

الممكنات الحافظ لها، وقيل: هو اسم من أسمائه تعالى في الكتب، وقيل: هو المؤتمن، وقيل: هوالقايم بامور الخلق، وقيل: هو المؤمن غيره من الخوف وأصله مؤيمن قلبت الهمزة الثانية ياء والأولى هاء (والمتعالي فوق كل شئ بجبروته): أي المتعالي عن مشابهة الأعراض والأجسام عن ادراك العقول والأوهام وهو فوق كل شئ بجبروته، والجبروت من الجبر: بمعنى الإفناء والإصلاح لأنه تعالى يفني ما يشاء، ويبقي ما يشاء ويصلح مفاقر الخلق ونقايص حقايق الممكنات بإفاضة الوجود وما يتبعه من الخيرات والكمالات أو بمعنى الإلزام لأنه الجبار الذي ألزم خلقه وجبرهم على قبول أمره التكويني والتكليفي، أو بمعنى التكبر لأن العظيم المتكبر الذي له حق على كل شئ وليس لشئ حق عليه، وعلى التقادير فيه إيماء الى أن المراد بالفوقية بالاستيلاء والشرف والعلية والحكم، ويمكن أن يراد به علوه على كل شئ والتعبير بالمتعالى للمبالغة فيه ومابعده حينئذ تفسير له. (المحمود بامتنانه وباحسانه) الامتنان: الإنعام وانما لم يذكر المفعول للدلالة على التعميم، ولأن ذكر الكل تفصيلا متعذر وذكر البعض والكل إجمالا يوهم التخصيص من غير مخصص وليقدر السامع كل ما يخطر بباله أو لأن المقصود أنه المحمود بأصل الامتنان والإحسان، ولا يبعد أن يراد بالامتنان الإنعام بافاضة وجوداتهم وتكميل ذواتهم بلوازم ماهياتهم وبالإحسان الإنعام بعد ذلك بما يحتاج إليه كل شخص في التربية والبقاء والخروج من حد النقص الى الكمال (المتفضل بعطائه) العطاء: العطية أي المحسن بها على وجه الكمال من غير استحقاق (وجزيل فوايده) الجزيل: الوسيع والعظيم، والفوايد جمع الفايدة: وهي الزيادة من علم وأدب ومال وغيرها ووصفها بالجزالة لأن كل فائدة من فوايده أمر عظيم في نفسه لا يقدر قدره العارفون (الموسع برزقه) وسع الله على عباده رزقه يوسع وسعا من باب نفع وأوسعه ايساعا ووسعه توسيعا إذا بسطه وكثره، والباء للمبالغة في التعدية والقول بأن معناه أنه تعالى ذوسعة برزقه على أن يكون الموسع من أوسع الرجل إذا صار ذاسعة بعيد (المسبغ بنعمته) الإسباغ: الإتمام والكمال وقد أسبغ الله تعالى على عباده نعمه الظاهرة والباطنة كما نطق به القرآن الكريم وتخصيصها بالظاهرة خلاف الظاهر ولما حمده على وجه يدل على الدوام والثبات أراد أن يحمده على وجه يدل على تجدده واستمراره لوقوعه بإزاء آلائه المتعددة ونعمائه المتظاهرة المتواترة. فقال: (نحمده على آلائه وتظاهر نعمائه) أي مجئ بعضها ظهر بعض وعقبه على وجه التعاون وتقوية كل واحدة للأخرى، والعطف للتفسير أو التأسيس بتخصيص احداهما بالباطنة والأخرى بالظاهرة (حمدا يزن عظمة جلاله) أي يعادلها طلب أن يجعل الله تعالى تفضلا حمده عظيما لا يصل إليه أفهام الحامدين كما لا يصل الى عظمة جلاله عقول العارفين ويثيبه عليه (ويملأ

[ 219 ]

قدر آلائه وكبريائه) أي يساويها في الكثرة والعظمة وهذا من باب الكناية لأن الملأ يستلزم التساوي بين الظرف والمظروف (الذي كان في أوليته متقادما) أريد بأوليته سيق وجوده وجود الموجودات كلها، وبقدمه: عدم كون وجوده حادثة مسبوقا بالعدم، وأشار بلفظ التقادم الى أن ليس المراد بالقدم طول الزمان بناء على أن زيادة المباني تدل على زيادة المعاني وأن الفعل بين الاثنين على وجه الغلبة وإن لم يكن هنا بين اثنين يوجب وقوعه على وجه الكمال وتلك الزيادة والكمال يدلان على أن المراد هو الأولية المنافية للحدوث (وفي ديمومية متسيطر): أي متسلطا على جميع ما سواه فلا يجري عليه الزوال والفناء وإلا كان الزوال أو غيره متسلطا عليه، هذا خلف أو متعهدا لبقائه أبدا ولأمور الخلائق، أو رقيبا حفيظا عليهم، والأولان أنسب لدلالتهما على ديموميته المنافية لانقطاع وجوده وطريان العدم عليه كما أن في السابق دلالة على أزلية المنافية للحدوث. (خضع الخلائق بوحدانيته وربوبيته وقديم أزليته) أن ذل واستكان له جميع الخلائق بسبب أوصافه الثلاثة أما الوحدانية والأزلية القديمة فلأن الشركة والحدوث يقتضيان عدم خضوع الجميع له بل خضوعه لغيره في الجملة، وأما الربوبية فلأن مالكية الجميع وإيجادهم وتربيتهم من حد النقص الى حد الكمال اللائق بالكل وضع كل في مرتبته ويقتضي خضوع الكل له (ودانوا الدوام أبديته) أي تعبدوا بأحكامه وشرائعه وآدابه وأوامره ونواهيه لدوام أبديته الباعث على العبادة له الموجب لاستحقاقه لها لأن غير الدائم الأبدي لا يستحق العبادة ولا يقدر على الوفاء بما وعد به بعد الفناء. (وارتضاه لخلقه): أي اختاره لهم لأنه نور يهديهم الى منافعهم الدنيوية والأخروية نقول رضيت الشئ ورضيت به وارتضيته إذا اخترته (وانتدبه لعظيم أمره) الظاهر أن اللام بمعنى إلى تقول ندبته إلى الأمر ندبا من باب قتل وانتدبته إليه إذا دعوته فانتدب يستعمل لازما ومتعديا، ولعل المراد بالأمر العظيم المندوب إليه تبليغ الرسالة والصبر على أذى الأمة أو الأعم منهما ومن تحمل الصبر على الإتيان بالعبادات (ولضياء معالم دينه) ضياء " روشنى " وهو اسم من أضاء القمر إضاءة: أنار وأشرق، والمراد بمعالم الدين: مواضع علومه وهي القوانين الشرعية الجارية الى يوم القيامة المضيئة في قلوب أهل العلم (ومناهج سبيله) الإضافة بيانية، والمناهج: جمع منهج وهو طريقته الواضحة المؤدية للسالكين بأيسر سعى الى رضوانه (ومفتاح وحيه) لعل التركيب من قبيل لجين الماء أي دعاه إلى وحيه الذي كالمفتاح في فتح أبواب العلوم الربانية والأسرار الإلهية وسببا لباب رحمته السبب في الأصل: الحبل: وهو ما يتوسل به للاستعلاء ثم استعير لكل شئ يتوسل به إلى أمر من الأمور وهو (صلى الله عليه وآله) سبب يتوسل به للوصول الى رحمته تعالى والظاهر أن نصبه على المفعولية بتقدير جعل عطفا على قوله وانتدبه وفي الكلام مكنية وتخييلية (ابتعثه على حين

[ 220 ]

فترة من الرسل) استيناف أو حال والابتعاث الإرسال والفترة مابين الرسولين من الزمان الذي انقطع فيه الوحي والرسالة وفشا الجهل والجور والهرج والقساوة وفيه وفيما بعده تحريك إلى معرفة قدر نعمة البعثة وإلى الشكر عليها والانقياد لها (وهدأة من العلم): أي سكون من العلم الشرعي وزواله عن الخلق حتى صاروا سايرين في تيه الجهالة وبيداء الضلالة لا يهتدون إلى الحق دليلا ولا الى الخير سبيلا (واختلاف من الملل الباطلة) حيث عدلوا كلهم عن الحق والعرفان واخترعوا مذاهب باطلة وعبدوا الأصنام والنيران وأعرضوا عن الكتاب والتوحيد والإيمان فصاروا تائهين حايرين متمسكين بذيل آثار الجهل وقوانين الجور، كافرين. (وضلال عن الحق) الضلال: مصدر، تقول: ضل الرجل عن الحق ضلالا وضلالة إذا زل عنه فلم يهتد إليه فهو ضال والمراد بالحق: إما الله تعالى أو ضد الباطل أو الأعم منهما (وجهالة بالرب) وعدم العلم به وبصافته الذاتية والفعلية ولزوم الطاعة أو الانقياد له (وكفر بالبعث والوعد) لأن أكثرهم كانوا منكرين لذلك كما حكى الله عنهم في القرآن الكريم بقوله * (قالوا من يحيي العظام وهي رميم) * وبعضهم وإن قالوا به كأهل الكتاب إلا أنهم لما حرفوا كتابهم ولم يعملوا بما فيه ومالوا الى آرائهم الزائلة وأهوائهم الباطلة كانوا في حكم المنكرين الكافرين (أرسله الى الناس أجمعين) أكد لدفع توهم تحصيصهم ببعض الأصناف دون بعض وخصهم بالذكر للاهتمام بهم وبهدايتهم أو المراد بهم من جميع من أرسل إليهم على سبيل التغليب (رحمة للعالمين) ذكروا في تفسيرها وجوها، الأول: أنه الهادي إلى الله والقائد إلى رضوانه، الثاني: أن تكاليفه أسهل من تكاليف ساير الأنبياء، الثالث: أنه تعالى يعفو عن امته بسبب شفاعته، الرابع: أنه رحم كثيرا من أعدائه ببذل الأمان لهم وقبول الجزية منهم ولم يكن ذلك قبله، الخامس: أنه سأل الله تعالى أن يرفع عن أمته بعده عذاب الاستيصال رحمة (بكتاب كريم) الباء للمصاحبة بمعنى مع والكريم العزيز والنفيس ويوصف به كل ذي قدر وشرف لبيان عظمة قدرته وشرفه (قد فضله) على سائر الكتب بالفصاحة والبلاغة واشتماله على الأحكام والدقائق والأسرار والخواص والحقائق وكل ماكان وما يكون وما هو كاين إلى يوم القيامة (وفصله وبينه وأوضحه وأعزه)، أي فصل القرآن بأن جعل بعضه في الواجبات وبعضه في المحرمات وبعضه في المندوبات وبعضه في المكروهات وبعضه في العقوبات وبعضه في المباحات وبعضه في الأخلاق والآداب وبعضه في المواعظ والنصائح وبعضه في أحوال الجنة وداخليها وبعضه في أحوال النار وساكنيها الى غير ذلك وبين كل ذلك وأوضحه بحيث لا يشبه شئ منها بالاخر وأعزه أي جعله عزيزا لم يوجد مثله ولا يوجد أقواه بحيث لا يغلبه شئ من الكتاب ولايقهره كامل من الخطاب. (وحفظه من أن يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه): أي لا يتطرق الباطل الى ما فيه من

[ 221 ]

الأخبار الماضية والآتية لأنه حق أو من جهة الكتب الماضية والاتية أما الأولى فلأنها مصدقة له وأما الثانية: فلختم الكتاب به ولا يأتي بعده كتاب حتى يبطله، أو لا يتطرق شك وشبهة الى لفظه ومعناه على أن يراد باليدين اللفظ وبالخلف المعنى، أو لا يتطرق إليه الباطل من جهة من الجهات الست واكتفى بذكر الجهتين عن البواقي، أو لأن الإتيان الى الشي غالبا من هاتين الجهتين (تنزيل من حكيم حميد): أي هو منزل من عند الحكيم المستحق للحمد والثناء الذي علم الأشياء كلها وفعل أفعالا محكمة لا يتطرق إليها نقص، وهذا كالتأكيد للسابق (ضرب للناس فيه الأمثال) كما قال عز وجل: * (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون) * والمثل: كلام يقصد به إلحاق خفي بجلي محسوس أو مشهور ولا يدرك حسن مبانية ولطف معانيه وكيفية ارتباطه بالمقصود وطريق دلالته على المطلوب إلا العلماء الذين ينتقلون بنور بصيرتهم وضياء سريرتهم من ظاهره إلى باطنه ومن محسوسه الى معقوله، وقد روي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: " أمثال القرآن لها فوائد فأنعموا النظر وتفكروا في معانيها ولاتمروا بها " (وصرف فيه الآيات لعلهم يعقلون): أي بين فيه الآيات الدالة على وجوده ووحدته وعلمه وحكمته وقدرته وحشره ونشره وحسابه وأحكامه وثوابه وعقابه وكيفية ايجاده للخلق والغرض منه، لعلهم يعقلون ويفهمون الغرض من تلك الآيات والمقصود من تصريفها (أحل فيه الحلال وحرم فيه الحرام): الحرام مالايجوز، والحلال: ما يجوز، فيشمل الأقسام الأربعة، ولايجوز لأحد الحكم بتحليل الشئ ولا بتحريمه إلا ما وجده فيه أو خذه من العالم به (وشرع فيه الدين لعباده) أي أظهره وأوضحه بتفسير النبي والوصي (عليهم السلام) (عذرا أونذرا) قيل: هما بالضم وضمتين للاتباع كالنكر والنكر مصدران من عذر إذا محى الإساءة ورفع اللوم ومن نذر إذا خوف بعد الإعلام وكل منهما مفعول له لشرع أي شرع فيه الدين عذرا للمحقين لاشتماله على رفع اللوم عنهم وذكر مثوباتهم ورفع درجاتهم أو نذرا للمبطلين لاشتماله على ذكر عقوباتهم وشدائدهم ودركاتهم أو بدل عن الدين ويحتمل أن يكونا حالبين عن فاعل شرع أو عن ضمير فيه أو عن الدين وهما حينئذ بمعنى العاذر المنذر (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) إذ بعد إرسال الرسول وإنزال الكتاب وإظهار الدين لم يكن للمبطلين حجة على الله تعالى لترك الحق ومتابعة الباطل، وأما قبله فلهم أن يقولوا لرفع التعذيب عن أنفسهم لولا أرسلت إلينا رسولا وأنزلت إلينا كتابا وأوضحت لنا دينا والتعليل متعلق بجميع ما تقدم وتخصيصه بالبعض بلا مخصص. (ويكون بلاغا لقوم عابدين) الظاهر أنه معطوف على أن لا يكون والضمير عائد الى الكتاب أو الرسول أو الدين واشتمال المعطوف على الضمير دون المعطوف عليه غير ممتنع على الظاهر على أنه عطف جملة على جملة لقصد الاشتراك في العلية، والبلاغ: مصدر بمعنى الوصول الى

[ 222 ]

المقصود، والحمل للمبالغة في السببية أي ليكون سبب الوصول الى الحق لقوم مؤمنين بالله عابدين له أي مستعدين للإيمان والعبادة (فبلغ رسالته) الى عباده كما أمر من غير زيادة ولا نقصان (وجاهد في سبيله) حق جهاده من غير تقصير ولاتوان (وعبده) حق عبادته ظاهرا وباطنا (حتى أتاه اليقين) وهو الموت فخرج عن الدنيا طاهرا مطهرا (صلى الله عليه وآله وسلم تسليما) امتثالا لقوله تعالى * (يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) *. (أوصيكم عباد الله) أي أمركم أو أذكركم كذا في المصباح (وأوصي نفسي بتقوى الله) الجار متعلق بالفعلين على سبيل التنازع، والتقوى: وقاية عن شدائد الدنيا والآخرة وكثيرا ما يعبر عنها بالطاعة وإن كانت أخص منها في بعض المواضع كما مرت مرارا (الذي ابتدأ بدأ الامور بعلمه) البداء الأول الخلق والايجاد ومنه " بدء الخلق " أي خلقهم وأوجدهم أي ابتدأ خلق الامور وإيجادها بعلمه المحيط بها المقتضي لإعطاء كل شئ ما أراده من الحقيقة ولوازمها وآثارها وكمالاتها وفيه دلالة على اختياره وحدوث الممكنات (وإليه يصير غدا معادها) كما قال عز وجل: * (الا إلى الله تصير الأمور) * والمراد بالغد: يوم الموت أو يوم القيامة وفيه وعد ووعيد وترغيب في التقوى والطاعة وتخويف عن المخالفة والمعصية (وبيده فناؤها وفناؤكم) اليد: القدرة، والتقديم للحصر وفيه تنبيه على أن الإفناء والإماتة أيضا منه تعالى كما أن الوجود منه والرجوع إليه فهو أهل لأن يتقى منه ويطاع (فكان قد زالت عن قليل عنا وعنكم كما زالت عمن كان قبلكم) أشار به الى قلة مدة العمر وسرعة زوالها، وحث بالتشبيه على العبرة بالماضين كيف دخلوا في الدنيا ومضوا مسرعين بزوال آجالهم، وبقوا مشتغلين بأعمالهم إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا فقدر نفسك كأحدهم (فاجعلوا عباد الله اجتهادكم في الدنيا التزود من يومها القصير ليوم الآخرة الطويل) الفناء للتفريع لأن ما بعده كالمعلول للسابق إذ كون الوجود منه ذكر القصير تنفير عن الدنيا وتسهيل لتحمل التعب من العمل كما أن في ذكر الطويل تهويلا من الفقر والإفلاس فيه، والمراد بالزاد الأعمال الصالحة سميت زادا لاحتياج الناس في البقاء الاخروي إليها كاحتياجهم إلى الزاد في البقاء الدنيوي (فإنها دار عمل) ولا عمل بعد الخروج منها (والآخرة دار القرار والجزاء) أي المكافاة وفيها بجد كل عامل ما عمل من خير وشر (فتجانوا عنها) أي عن الدنيا ولا تركنوا إليها وخذوا من هذه الدار الفانية أنواع المعارف والطاعات للدار الباقية (فإن المغتز من اغتر بها) الظاهر أن الأول من الغرة بالكسر: وهي الغفلة، والثاني من الغرور: وهو الخدعة، أي الغافل عن الله وعن أمر الآخرة من انخدع بالدنيا وزهراتها فإنها تعرض نفسها للراكن إليها حتى تجدد له مطالب وهمية وأمارات خيالية في تحصيلها فربما لم تحصل له وينكشف بطلان تلك الأمارات بعد العناء الطويل وربما تحصل له مع مشقة شديدة ولا تدوم له بل

[ 223 ]

تأخذه الدنيا منه عن قريب وتغلبه فتخرج منها فريدا وحيدا مسكينا وكلا الأمرين شاق على النفس، كما أشار إليه بقوله (لن تعدوا الدنيا إذا تناهت إليها أمنية أهل الرغبة فيها المحبين لها المطمئنين إليها المفتونين بها، أن تكون كما قال الله عز وجل. اه‍) أي لن تتجاوز الدنيا عند تناهي أماني الراغبين فيها وحصول متمنياتهم كما هي أن تكون مشابهة لما تضمنته الآية الكريمة فقوله " أن تكون " مفعول لن تعدوا، وبالجملة شبه حالهم في سرعة زوالهم وذهاب نعيمهم وانقطاع متمنياتهم بعد إقبالها واهتزازهم بها بحال الأرض في نضرتها وخضرتها وبهجتها وحسنها بالنبات الحاصل من الماء، ثم سرعة تعقب الهلاك والزوال والفناء، ثم أشار الى أن نعماء الدنيا مشوبة ببلائها وزهراتها مختلطة بآفاتها جرا عن الميل إليها وصرف العمر فيها وتبديل النعماء الاخروية الصافية الدايمة بها بقوله (مع أنه لم يصب امرء منكم في هذه الدنيا حبرة) وهي بالفتح: النعمة الحسنة وسعة العيش (إلا أورثته عبرة) وهي بالفتح: الدمعة قبل أن يفيض أو الحزن بلا بكاء (ولا يصبح فيها في جناح أمن) أي في ظل جناح أمن أو تحت جناحه كبيض الطير أو فرخه تحت جناحه وفيه مكنية وتخييلية (إلا وهو يخاف فيها نزول جايحة): هي آفة تهلك الثمار ومصيبة عظيمة وفتنة مبيرة (أو تغير نعمة أو زوال عافية) كل ذلك ظاهر لأهل الدنيا بمشاهدة انقلاباتها وتغير حالاتها ثم ذكر ما يوجب ترك الدنيا لمن تأمل وتدبر وتعقل وتفكر فقال: (مع أن الموت من وراء ذلك) من تفكر في أمر الموت وشدائده وضرورة وقوعه يستعد له ويمنعه عن الطعام والشراب فضلا عن الاطمينان في الدنيا التي هي بمنزلة السراب (وهول المطلع) قيل: هو رؤية ملك الموت وفي الصحاح هو موضع الاطلاع من أشرف إلى انحدار وفي الحديث هول المطلع شبه ما أشرف من أمر الآخرة عليه، وفي النهاية يريد به الموقف يوم القيامة أو مايشرف عليه من أمر الآخرة عقيب الموت، فشبهه بالمطلع الذي يشرف عليه من موضع عال (والوقوف بين يدي الحكم العدل) أشار بذكر الوقوف الى ذل الخلائق حينئذ ويذكر الحكم الى جريان حكمه عليهم وبذكر العدل الى أنه يثيب المطيع ويعاقب العاصي، ولايجوز أن يعكس أو يمنع الحق عن المستحق وفيه تحريض على الطاعة وتبعيد عن المعصية وأعظمها حب الدنيا والميل إليها (تجزي كل نفس بما عملت) كأنه استيناف جوابا عن سبب الوقوف أو غرضه والمراد بالموصول الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة وأضدادهما ثم فصل ذلك مع زيادة بقوله (ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى) أي: المثوبة الحسنى أو المعاملة الحسنى أو المنزلة والمرتبة الحسنى وهي الزلفى أو الجنة وفي جعل جزاء الإساءة ما عملوا وجزاء الإحسان الحسنى تنبيه على أن جزاء السيئة لايضاعف وجزاء الحسنة يضاعف، ثم أمر بعد الأوصاف المقتضية للتقوى والمسارعة الى الطاعة وما يوجب الرضوان والتقرب بهذه الأمور على سبيل التفريع فقال:

[ 224 ]

(فاتقوا الله عز ذكره) حق تقاته بالحذر عما يكرهه من منهياته. (وسارعوا الى رضوان الله) أي: إلى سبب رضوانه (والعمل بطاعته) المندرجة فيها طاعته رسوله وطاعة ولي الأمر بعده (والتقرب إليه بكل ما فيه الرضا) الظاهر أنه متعلق بالتقرب فيدل على أن كل ما فيه رضاه تعالى هو سبب للتقرب إليه لكن بشرط مقاربته للخلوص بل الخلوص داخل فيه لأنه في نفسه سبب للتقرب وشرط لاعتبار سائر ما يتقرب به ولايكون في غيره رضاه تعالى حتى يقترن به ثم حرض على ما ذكر بقوله (فإنه قريب مجيب) كما قال عز وجل: * (فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان) * وذلك لأن العاقل إذا علم أنه قريب مجيب بعثه هذا العلم على السعي في العمل والاجتهاد فيه ثم أشار إلى أنه لابد للعامل من سلب الحول والقوة عن نفسه والتمسك بحول الله وقوته ولطفه وتوفيقه في جميع الأمور بقوله (جعلنا الله واياكم ممن يعمل بمحابه ويجتنب سخطه) والمراد بهذا الجعل صرف وجوه توفيقاته وألطافه وهداياه الخاصة التي لأوليائه إلينا والعبد بعد توجهه إلى الخيرات يستحق لهذه الفيوضات والمحاب: اسم مفعول بمعنى المحبوب في لغة هذيل، والمراد بسخطه: موجباته وهي ما يقتضي عقوبته (ثم أن أحسن القصص) أي: أحسن الخبر والحديث المنقول على وجهه ولزوم متابعته يقال: قصصت الخبر قصا من باب فتل أي حدثته على وجهه والاسم القصص بفتحتين وقصصت الأثر تتبعته (وأبلغ الموعظة) أي أكملها البالغ غاية الكمال أو غاية الفصاحة والبلاغة، والموعظة كما مر كلام مشتمل على زجر وتخويف وحمل على طاعة الله تعالى على وجه يرق له القلب (وأنفع التذكر) أي تذكر أمر الآخرة ودوام ثوابها وعقابها وعظمة شدايدها وأمر الدنيا وسرعة زوالها وفناء نعيمها وشوب زهراتها بمصيباتها وتحولاتها. (كتاب الله تعالي) وهو الوافي بجميع ذلك لمن تفكر، والكافي لمن تأمل وتذكر، لم يترك شيئا مما ينبغي وما لا ينبغي من أمر الدنيا والآخرة (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) أمر بالاستماع لينتقل الى المقصود وبالانصات لئلا يشتغل القلب بغيره وجعل الغاية رجاء نيل الرحمة التي هي غايه أمنية العابدين (والعصر) أقسم بالعصر وهو الدهر الذي من أعظم آثار قدرته الجديد ان أو ما بعد الزوال إلى الغروب أو آخر ساعة من النهار أو صلاة العصر أو عصر النبوة على اختلاف المفسرين وجواب القسم قوله (إن الإنسان لفي خسر) في أعمالهم وصرف أعمارهم واللام للاستغراق والتنكير للتعظيم. (إلا الذين آمنوا) بالله ورسوله واليوم الآخر (وعملوا الصالحات) فنجوا بهذين الوصفين عن الخسران واستخقوا للسعادة والكرامة والإحسان (وتواصوا بالحق) أي أوصى بعضهم بعضا وأمر كل واحد الآخر بالحق من العقد والعمل والصبر على أخذه ومشقة تحمله أو على مصائب الدنيا

[ 225 ]

ونوائبها أو عن المعصية والتقحم فيها، هذا وقد قرأ (عليه السلام) سورة كاملة في الخطبة الأولى ولم يقرأ شيئا في الثانية والمشهور أنه لابد فيها أيضا من سورة كاملة، واكتفى بعض الأصحاب بالآية التام الفائدة والاحتياط ظاهر (وبارك على محمد وآل محمد) بارك: إما من بروك البعير إذا استناخ ولزم مكانا واحدا لا يخرج منه أو من البركة: بمعنى النماء والزيادة، والمعنى على الأول: أدم عليهم الكرامة والتشريف، وعلى الثاني: زدهم تشريفا بعد تشريف وكرامة بعد كرامة (وتحنن على محمد وآل محمد) في كنز اللغة: " تحنن مهرباني كردن " (وسلم على محمد وآل محمد) أي خلصهم من الآفات الدنيوية والأخروية، وطهرهم من الأرجاس البدنية والروحانية وهم طاهرون منها، والطلب للتيمن والتبرك والتقرب بهم (كأفضل ما صليت وباركت وترحمت وتحننت وسلمت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد) أراد أن يكون كل فرد من أفراد الصلاة على محمد (صلى الله عليه وآله)، وكذا كل فرد من أفراد ما عطف عليها كأفضل أفراد الصلاة على إبراهيم وأفضل أفراد ما عطف عليها في كونه في غاية الكمال وبالجملة للصلاة على إبراهيم أفراد متفاوتة بعضها في غاية الكمال دون بعض وأراد باتشبيه أن يكون كل فرد من افراد الصلاة على محمد وآله كأفضل أفراد الصلاة على إبراهيم في بلوغه إلى حد الكمال، فلا يلزم منه إلحاق الناقص بالكامل بل إلحاق كل فرد من طرف المشبه بأفضل الأفراد من طرف المشبه به بل يفهم منه تفضيله (صلى الله عليه وآله) على إبراهيم (عليه السلام) وتفضيل صلاته على صلاته وعليه فقس فليتأمل (اللهم أعط محمدا الوسيلة) في كنز اللغة الوسيلة: " دست آويز وهر چه باو نزديكى جويند بچيزى " والوسيلة أيضا: أعلى درجات الجنة ونهاية القرب، وأيضا: المنبر يوضع يوم القيامة له ألف مرقاة كما مر وهذه الأمور التي طلبها له (صلى الله عليه وآله) كلها حاصلة له وليس الغرض من طلبها طلب حصولها له لاستحالة تحصيل الحاصل بل الغرض منه إظهار الشعف والسرور بحصولها له وطلب التقرب منه بذكر فضائله والرضا بها (وأوجههم عندك يوم القيامة جاها) أي أفضلهم وأكرمهم والوجه سيد القوم والجاه القدر والمنزلة (وحباء السلام) حبى فلانا أعطاه والاسم الحباء ككتاب (وألحقنا به غير خزايا) خزى يخزي خزاية بالفتح استحيى فهو خزيان، والجمع خزايا والمخزية على صيغة فاعل من أخزى: الخصلة الذميمة أي غير مستحيين منه بالمخزية من الأفعال والأخلاق (ولا ناكثين) أي غير ناقضين لعهده وعادلين عن طريقة (ولا نادمين) عن قبايح أعمالنا والسلب باعتبار انتفاء الموضوع (ولا مبدلين) لأحكامه وشرائعه وآدابه أوله بغيره (إله الحق آمين) في المصباح آمين بالقصر في الحجاز والمد بإشباع بدليل أنه لا يوجد في العربية كلمة على فاعيل ومعناه " اللهم استجب " وقيل: معناه كذلك يكون والموجود في مشاهير الأصول المعتمدة أن التشديد خطأ وقال بعضهم التشديد لغة وهو وهم قديم وذلك أن أبا العباس أحمد بن يحيى قال " وآمين مثل عاصين " أن المراد صيغة الجمع

[ 226 ]

لأنه قابله بالجمع وهو مردود بقول ابن جنى وغيره أن المراد موازنة اللفظ اللفظ لاغير ويؤيده قول صاحب التمثيل في الفصيح والتشديد خطأ. (ثم جلس قليلا) الجلوس بين الخطبتين واجب للتأسي ولدلالة الروايات المعتبرة عليه ولايجوز تركه إلا مع الضرورة (ثم قام فقال: الحمد لله أحق من خشي وحمد) لأن استحقاق أحد للخشية والخوف منه والحمد والثناء له إنما هو على قدر عظمة وقدرته وكثرة إحسانه ومحامده وقد عجزت عن معرفة عظمته وقدرته عقول العارفين، وعن إحسانه ومحامده ألسنة العاملين (وأفضل من اتقى وعبد) لأنه أهل لأن يتقى من مخالفته وعقوبته ويتذلل له بعبادته وطاعته، والاتقاء من الغير والطاعة له فإنما هو بأمره (وأولى من عظم ومجد) لأن التعظيم والمجد: أي العز والشرف يكونان إما لشرف الذات أو لشرف الوجود أو لصفات أو لكمال الأفعال والإحسان وكل ذلك على وجه الكمال له وأما غيره فهو في ذل الحاجة إليه من جميع هذه الجهات والسائل المفتقر إليه في الاتصاف بجميع الكمالات، فتعظيمه وتمجيده راجعان إليه في الحقيقة، ثم حمده على وجه يدل على التجدد لوقوعه مقابل نعمة بقوله (نحمد لعظيم غنائه): أي نفعه وفي الكنز: " غنى آسوده داشتن وفايده دادن " (وجزيل عطائه) كثرة عطاياه في حد لا يحمل قليلا منها الدفاتر ويعجز عن عد واحد من ألف ألسنة الأكابر (وتظاهر نعمائه) أي ظهور بعضها عقب بعض وتقوية السابق باللاحق (وحسن بلائه) البلاء المنحة والعطية والنعمة والبلاء الحسن العطاء الجميل ولو أريد به المحنة فالمراد به البلاء الموجب لتذكر أمر الآخرة والرجوع إليه سبحانه وأما الموجب لفساد الدين فقد وقعت الاستعاذة منه (ونؤمن بهداه الذي لايخبو ضياؤه) الخبوء: خمود لهب النار خبت النار خبوا من باب قعد خمد لهبها ويعدى بالهمزة، والمراد بالهدى: القرآن أو الرسول أو القوانين الشرعية، وعلى التقادير تشبيهة بالنار مكنية وإثبات الضياء له تخييلية والخبو: ترشيح (ولايتهمد سناؤه) التهمد والهمود: وهو الموت وطفؤ النار أو ذهاب حرارتها وفي بعض النسخ " يتمهد " من المهد وهو الوضع ومنه المهاد للفراش يوضع ويوطأ والسناء على الأول بالقصر وهو ضوء البرق وفيه مكنية وتخييلية وترشيح وعلى الثاني بالمد وهو الرفعة. (ولا يوهن عراه) الوهن الضعف وفعله من باب وعد وورث وكرم وأوهنه أضعفه، والمراد بالعروة القوانين الشرعية والأحكام الإلهية وفيه أيضا مكنية وتخييلية وترشيح (ونعوذ بالله من سوء كل الريب): الشك في الحقوق الثابتة لله وللخلق مثل الشك في ذاته تعالى ووجوده ووحدته واختياره وساير صفاته اللايقة به وفي كتابه ورسوله وما جاء به رسوله وفي أوصيائه واحد بعد واحد الى غير ذلك كله سوء يجب الاستعاذة منه على كل أحد وإن كان متصفا باليقين لأن الإنسان لا يأمن من المزلة والنسيان ولكن ذلك منه (عليه السلام) على سبيل التعليم أو التعبد وإظهار العجز والعبودية،

[ 227 ]

وإلا فساحة عصمته وكمال علمه منزهة من دخول الريب اللازم للجهل فيها (وظلم الفتن) الفتنة: المحنة والبدعة وغيرهما مما يوجب الميل عن الحق مثل المال والجمال والحسب الكريم والنسب الشريف وكثرة العشائر وغيرها وتشبيهها بالشئ المظلم في عدم اهتداء من وقع فيه مكنية واثبات الظلمة لها تخييلية (ونستغفره من مكاسب الذنوب) جمع الذنب: الاثم، ومكاسب الذنوب: مواضع كسبها من الأفعال القبيحة والأخلاق الذميمة والعقائد الفاسدة (ونستعصمه عن مساوئ الأعمال) مساوئ: " بديها " وكأنها جمع سوء على غير قياس كالمحاسن جمع حسن أو جمع مساوة، وفي المصباح المساءة نقيض المسرة وأصله مسوءة على مفعلة بفتح الميم والعين ولهذا ترد الواو في الجمع فيقال هي المساوى لكن استعملوا الجمع مخففا (ومكاره الآمال) المكاره: المقابح من كره الأمر والمنظر كراهة فهو كريه مثل قبح قباحة فهو قبيح وزنا ومعنى، والأمل والطمع والرجاء في الأمور الدنيوية زيادة على القدر المحتاج إليه في أصل البقاء وقوام البدن والقوة على العبادة وهو المسمى بالكفاف كلها مقابح والفرق بينها أن أكثر استعمال الأمل فيما يستبعد حصوله والطمع فيما يقرب حصوله، والرجاء بين الأمل والطمع، فإن الراجي قد يخاف أن لا يحصل مرجوه فإن قوى الخوف يستعمل استعمال الأمل وإلا استعمل بمعنى الطمع (والهجوم في الأهوال) هجمت وعليه هجموما من باب قعد دخلت فيه بغتة على غفلة، والهول: ما يخاف منه ويفزع لشدته واضراره، وموضع مهيل بفتح الميم ومهال أيضا أي مخوف (ومشاركة أهل الريب) في مجالستهم أو في معاملتهم أو في دينهم بالتظاهر والتعاون فيه (والرضا بما يعمل الفجار في الأرض بغير الحق) لأن الرضاء بالفسق فسق، فالراضي به فاسق مثل العامل به وقوله " بغير الحق " تأكيدان خص عملهم بالفجور، وتقييد أن عمم والبواقي ظاهر (وسنوا سنتك) أي ساروها أو أحسنوا القيام عليها والسنة الطريقة والسيرة. * الأصل: 195 - الحسين بن محمد الأشعري، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن محمد ابن الفضيل، عن أبي حمزه قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: لكل مؤمن حافظ وسايب، قلت: وما الحافظ وما السايب يا أبا جعفر ؟ قال: الحافظ من الله تبارك وتعالى حافظ من الولاية يحفظ به المؤمن أينما كان، وأما السايب فبشارة محمد (صلى الله عليه وآله) يبشر الله تبارك وتعالى بها المؤمن أينما كان وحيثما كان. * الشرح: قوله: (حافظ من الولاية) أي ملك حافظ من الولاية بأن لا يزل من ولاية الحق إلى ولاية الباطل يحفظه الله تعالى بذلك الحافظ المؤمن من الخروج عنها أينما كان من شرق الأرض أو غربها أو

[ 228 ]

سهلها أو جبلها أو برها أو بحرها (وأما السايب) كأنه من السيب: بمعنى العطاء أو الجري (فبشارة محمد (صلى الله عليه وآله)) بشرته أبشره من باب قتل في لغة تهامه وما والاها والتعدية بالتثقيل لغة عامة العرب والبشارة بكسر الباء والضم: لغة وإضافتها الى الفاعل وهي في الخير أكثر من الشر وإذا أطلقت اختصت بالخير (يبشر الله تبارك وتعالى بها المؤمن أينما كان وحيثما كان) لعل هذه البشارة عند لقاء الموت فإنه يحضر المؤمن ويبشره بكرامة الله ورحمته ويخبره بمال حاله في الجنة كما دلت عليه الروايات. * الأصل: 196 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن الحجال، عن حماد، عن الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " خالط الناس تخبرهم ومتى تخبرهم تقلهم ". * الشرح: قوله (خالط الناس تخبرهم ومتى تخبرهم تقلهم) خبرت الشئ أخبره من باب قتل خبرا: علمته وأنا خبير، والخبرة: معرفة بواطن الأمور. والقلي بالكسر والقصر وبالفتح والمد: البغض، قلاه، يقليه: أبغضه وكرهه غاية الكراهة فتركه وقليه كرضيه يقلاه لغة طي والمعنى: خالط الناس وجربهم فإنك إن خالطتهم وجربتهم تخبرهم: أي تعرف مآل حالهم في الآخرة وانهماكهم في تحصيل الدنيا وجمع زخارفها وخبث عقايدهم وسوء أخلاقهم وكمال بعدهم عن ذكر الله تعالى، ومتى تخبرهم وتعرفهم بهذه الخصائل الذميمة تقلهم، يعني: تبغضهم أشد بغض ولا تحبهم، وهذا في اللفظ أمر وفي المعنى خبر أي من خالطهم أبغضهم وتركهم قال السيد رضى الدين في نهج البلاغة قال أمير المؤمنين (عليه السلام): " تخبره تقله " ثم قال: وروى ثعلب عن ابن الأعرابي قال: قال المأمون: لولا أن عليا (عليه السلام) قال " أخبره تقله " لقلت أنا: أقله تخبر قال بعض الشارحين حمل مأمون أخبر على معنى اختبر أي تبغضه تختبره ولكل وجه فإن من اختبر من لا يحصل مرامه منه يبغضه ومن أبغض آخر يختبره ومن الناس من روى هذا لرسول (صلى الله عليه وآله) ومما يقوى أنه من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) ما حكاه ثعلب عن ابن الأعرابي. * الأصل: 197 - سهل، عن بكر بن صالح رفعه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الناس معادن كمعادن الذهب والفضة فمن كان له في الجاهلية أصل فله في الاسلام أصل. * الشرح: قوله (الناس معادن كمعادن الذهب والفضة) قيل: إنما جعلوا كالمعادن لمافيهم من الاستعدادات المتفاوتة، فمنهم قابل لفيض الله تعالى على مراتب المعادن، ومنهم غير قابل لها

[ 229 ]

وقيل: لأن فيهم مبدأ الإيمان والكفران وأصل الطاعة والعصيان وغير ذلك من الخيرات والشرور وهي فيه كالنخلة في النواة والنار في الحجر، كما أن في المعادن ذهب وفضة وجيد وردئ، يظهر كل بالتمحيص والتجربة والامتحان وإلى ذلك أشار بقوله (فمن كان له في الجاهلية أصل فله في الإسلام أصل) أصل كل شئ ما يستند إليه ذلك الشئ، كالأب للولد والعرق للشجر، والنهر للجدول، ولعل المراد أن من له في علم الله أصل الإيمان ومادته في الجاهلية فله ذلك بعد الإسلام وهو يؤمن به ومن له مادة الكفر فيها فله ذلك بعده وهو يكفر به والغرض هو إظهار البعد بين حال المؤمن وحال الكافر ويقرب منه ما مر عن سيد العابدين (عليه السلام) قال: " إن العبد إذا كان خلقه الله في الأصل أصل الخلق مؤمنا في علمه لم يمت حتى يكره الله إليه الشر ويباعده منه، وإن العبد إذا كان الله خلقه في الأصل أصل الخلق كافرا لم يمت حتى يحبب إليه الشر ويقربه منه " وهذا بعض كلامه وإن شئت تمامه فارجع إلى حديثه المذكور في صدر هذا الكتاب، ويمكن أن يكون ذلك إشارة إلى تقدم بني هاشم على غيرهم في الشرف والمنزلة في الجاهلية والإسلام، فإن شرفهم في الجاهلية أيضا مشهور ومكارم أخلاقهم لا يدفعها دافع ويؤيده أن معاوية كتب إلى أمير المؤمنين 7 أن فلانا وفلانا أقدم منك، وأظهر أيضا أولويته عليه فكتب (عليه السلام) في جوابه: " لولا نهى الله تعالى من تزكية المرء لنفسه لذكرت جمة من فضايلي فإنا صنايع ربنا والناس بعد صنايع لنا " ثم أظهر أن عزه قديم دون عزه وعز قومه وبين التفاوت بين بني هاشم وبني أمية، قال بعض الشارحين لكلامه (عليه السلام): وفيه إشارة إلى أن شرفهم لا يختص بالإسلام فإن شرفهم وعلو منزلتهم ومنزلة آبائهم قبل الإسلام أيضا مشهور. * الأصل: 198 - سهل بن زياد، عن بكر بن صالح، عن محمد بن سنان، عن معاوية بن وهب قال: تمثل أبو عبد الله (عليه السلام) ببيت شعر لابن أبي عقب: وينحر بالزوراء منهم لدى الضحى * ثمانون ألفا مثل ما تنحر البدن وروى غيره البزل. ثم قال لي: تعرف الزوراء ؟ قال: قلت: جعلت فداك يقولون: إنها بغداد قال: لا، ثم قال (عليه السلام): دخلت الري ؟ قلت: نعم، قال: أتيت سوق الدواب ؟ قلت: نعم، قال: رأيت الجبل الأسود عن يمين الطريق ؟ تلك الزوراء يقتل فيها ثمانون ألفا منهم ثمانون رجلا من ولد فلان كلهم يصلح للخلافة، قلت: ومن يقتلهم جعلت فداك ؟ قال: يقتلهم أولاد العجم. * الشرح: قوله: (تمثل أبو عبد الله (عليه السلام) ببيت شعر لابن أبي عقب. انتهى) كأنه سمعه من المعصوم

[ 230 ]

وأدرجه في سلك النظم ويدل على جواز التمثيل بالشعر وإنشاده إذا كان صادقا غير مؤذ لأحد أو حكمة، وينحر على صيغة المجهول، وثمانون في مقام الفاعل والباء في بالزوراء بمعنى " في " والبدن بضمتين وإسكان الدال تخفيف جمع البدنة محركة وهي الإبل (وروى غيره البزل) بدل البدن والظاهر أن ضمير غيره راجع إلى معاوية بن وهب وأن هذا كلام المصنف أو محمد بن سنان، والبازل من الإبل: مادخل في السنة التاسعة، والذكر والأنثى سواء، يقال: جمل وناقة بازل وبزول إذا طلع نابه، والجمع كركع وكتب وبوازل (قال: لا) لعل المراد أن المقصود بالزوراء ههناليس بغداد إلا أن الزوراء لا يطلق عليها لأن صاحب القاموس قال فيه: زوراء دجلة وبغداد لأن أبوابه الداخلة جعلت مزورة عن الخارجة (منهم ثمانون رجلا من ولد فلان كلهم يصلح للخلافة) لرفعة شأنهم من حيث الدنيا وكونهم من أولاد الخلفاء وكأنه أراد بفلان عباسا وأشار بذلك الى قتال أمين مع المأمون فإنه وقع بالري وقتل عساكر أمين هناك وكان عسكر مأمون أهل خراسان وحواليها ويمكن أن يكون إشارة الى قضية هلاكو. * الأصل: 199 - علي بن محمد، عن علي بن العباس، عن محمد بن زياد، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: " والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا "، قال: مستبصرين ليسوا بشكاك. * الشرح: قوله: (قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: * (والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا) *، قال: مستبصرين ليسوا بشكاك) في تلك الآيات بإنكارها أو بعدم معرفة حقها، والمعنى لم يسقطوا ولم يقيموا عليها غير واعين لها ولا مبتصرين بما فيها كمن لا يسمع ولا يبصر بل أكبوا عليها سامعين بأذن واعية متبصرين بعيون واعية وفيه وعد بأن الثواب المذكور في الآية إنما هو للمؤمن المستبصر الموقن والآيات شاملة للائمة (عليهم السلام) لأنهم الآيات الكبرى وأعظم أفرادها بهم يعرف الله ويعبد. * الأصل: 200 - عنه، علي، عن إسماعيل بن مهران، عن حماد بن عثمان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول في قول الله تبارك وتعالى: " ولا يؤذن لهم فيعتذرون " فقال: الله أجل وأعدل [ وأعظم ] من أن يكون لعبده عذر لا يدعه يعتذر به، ولكنه فلج فلم يكن له عذر. * الشرح: قوله: (ولكنه فلج فلم يكن له عذر) الفلج بالضم والسكون والجيم: الغلبة يقال فلج أصحابه

[ 231 ]

وعلى أصحابه إذا غلبهم ويمكن أن يكون بالحاء المهملة بمعنى: القطع والشق يقال فلجت الحديد فلجا من باب منع إذا قطعته وشققته وفلج على الاحتمالين مبني للمفعول أي غلب أو قطع وكسر فلم يكن له عذر في ترك الحق والإقرار بالإمام العادل ومتابعته حتى يعتذر به. * الأصل: 201 - علي، عن علي بن الحسين، عن محمد الكناسي، قال: حدثنا من رفعه إلى أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله عز ذكره: " ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب " قال: هؤلاء قوم من شيعتنا ضعفاء ليس عندهم ما يتحملون به إلينا فيسمعون حديثنا ويقتبسون من علمنا فيرحل قوم فوقهم وينفقون أموالهم ويتعبون أبدانهم حتى يدخلوا علينا فيسمعوا حديثنا فينقلونه إليهم فيعيه هؤلاء ويضيعه هؤلاء، فاولئك الذين يجعل الله عز ذكره لهم مخرجا ويرزقهم من حيث لا يحتسبون. وفي قول الله عز وجل: * (هل أتاك حديث الغاشية) * ؟ قال: الذين يغشون الإمام إلى قوله عز وجل: * (لا يسمن ولا يغني من جوع) * لا ينفعهم ولا يغنيهم، لا ينفعهم الدخول ولا يغنيهم القعود. * الشرح: قوله: (قال: هؤلاء قوم من شيعتنا ضعفاء) إشارة إلى من الموصولة والجمع باعتبار المعنى والمراد بالضعف: ضعف حالهم في الدنيا للفقر كما فسره بقوله (ليس عندهم ما يتحملون به إلينا) التحمل: تكلف حمل شئ أي ليس عندهم ما يتحملون به المسير إلينا من الزاد والراحلة وغيرهما من أسباب السفر (فيسمعون حديثنا) متفرع على المنفى (ويقتبسون من علمنا) اقتبس العلم استفاده (فيرحل قوم فوقهم) فوقية دنيوية بالغناء والمال، ولعل المراد بالقوم أهل الخلاف كالزيدية والإسماعيلية والفطحية والواقفية وأمثالهم، ولو أريد بهم الإمامية أو الامامية أيضا ينبغي حمل التضييع على تضييع العمل بالمروي أو على الأعم منه ومن إنكاره، إلا أنه يرد أن الإمامية الناقلين إن عملوا كانوا مندرجين تحت الآية كالضعفاء بل هم أولى بالدخول، والضعفاء إن لم يعملوا كانوا خارجين عنها، فالفرق بينهما بأن الناقلين خارجون والمنقول إليهم داخلون غير واضح فليتأمل (وينفقون أموالهم) بتجهيز أسباب السفر (ويتعبون أبدانهم) بتحمل مشاقه (حتى يدخلوا علينا فيسمعوا حديثنا فينقلوه إليهم) أي الى شيعتنا الضعفاء (فيعيه هؤلاء) أي يحفظه الشيعة الضعفاء (ويضيعه هؤلاء) أي الأغنياء (فأولئك الذين يجعل الله لهم مخرجا) من الضيق ويرزقهم رزقا روحانيا وهو العلم بالشرع والعمل به (من حيث لا يحتسبون) رزقهم منه، وبالجملة لما دلت الآية الكريمة على أن التقوى: وهي التحرز من الكفر مطلقا وما يوجب التأثم والشغل بغير

[ 232 ]

الله تعالى سببا للرزق الجسماني والروحاني بتوارد الفيض الرباني من حيث لا يحتسبون أشار (عليه السلام) إلى أن من اتصف بها هم الشيعة وإن من جملة رزقهم الذي يأتيهم من حيث لا يحتسبون تعلمهم حديث أهل العصمة (عليهم السلام) والعمل به ونقله إليهم على النحو المذكور. (وفي قول الله تعالى هل أتاك حديث الغاشية، قال: الذين يغشون الإمام) الغاشية: الداهية التي يغشى الناس شدايدها، قال أكثر المفسرين: هي القيامة، وقال بعضهم: هي النار وقال (عليه السلام): من يغشى الإمام المنصوب من قبل الله تعالى بالسوء والآية لبيان شدائدهم الأخروية وعقوباتهم الأبدية ومن جملتها أن ليس لهم طعام إلا من ضريع، روي عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: الضريع: شئ في جهنم أمر من الصبر وأنتن من الجيفه وأحر من النار، وتأويل الغاشية بهذا تأويل آخر غير ما ذكر من أن الغاشية، الصاحب المنتظر (عليه السلام)، يغشاهم بالسيف إذا ظهر، والتاء للمبالغة ويعلم منه أنه قد يكون للآية تأويلات كلها صحيحة * (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) * الى قوله تعالى (لا يسمن ولا يغني من جوع قال: لا ينفعهم ولا يغنيهم لا ينفعهم الدخول ولا يغنيهم القعود) الإسمان: إكثار اللحم والشحم وقد يجعل كناية عن النفع. والإغناء: النفع والجوع: ضد الشبع ويطلق أيضا على العطش وعلى الاشتياق الى الشئ. والدخول في الأمر الأخذ فيه، والقعود عن الأمر التأخر والتباعد عنه والقعود للأمر الاهتمام له عرفت هذا فنقول: إن قوله: لا يسمن وما عطف عليه على تفسير المفسرين صفة لضريع أو استيناف كأنه قيل هل في أكل الضريع نفع مطلوب من الأكل وهو السمن ورفع الجوع، فأجيب بأنه لا، وعلى تأويله (عليه السلام) استيناف عن سؤال آخر كأنه قيل: هل ينفع الغاشية ما قصدوه من إيصال الضر إلى الإمام واطفاء نوره وهل يترتب على فعلهم ذلك ؟ فاجيب بأنه لا ينفعهم الدخول فيما يقتضى وصول الضرر إليه ولا ينفعهم القعود لذلك والاهتمام به * (يريدون ليطفئوا نور الله بافواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون) * وهذا الذي ذكرناه من باب الاحتمال والله يعلم. * الأصل: 202 - عنه، عن علي بن الحسين، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل: " ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شئ عليم " قال: نزلت هذه الآية في فلان وفلان وأبي عبيدة الجراح وعبد الرحمن بن عوف وسالم مولى أبي حذيفه والمغيرة بن شعبة حيث كتبوا الكتاب بينهم وتعاهدوا وتوافقوا: لئن مضى محمد لا تكون الخلافة في بني هاشم ولا النبوة أبدا، فأنزل الله عز وجل فيهم هذه الآية، قال: قلت: قوله عز وجل: " أم أبرموا أمرا فانا مبرمون * أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلي

[ 233 ]

ورسلنا لديهم يكتبون ". قال: وهاتان الآيتان نزلنا فيهم ذلك اليوم، قال أبو عبد الله (عليه السلام): لعلك ترى أنه كان يوم يشبه يوم كتب الكتاب إلا يوم قتل الحسين (عليه السلام) وهكذا كان في سابق علم الله عز وجل الذي أعلمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن إذا كتب الكتاب قتل الحسين (عليه السلام) وخرج الملك من بني هاشم فقد كان ذلك كله. قلت: * (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل) * قال: الفئتان إنما جاء تأويل هذه الآية يوم البصرة، وهم أهل هذه الآية وهم الذين بغوا على أمير المؤمنين (عليه السلام) فكان الواجب عليه قتالهم وقتلهم حتى يفيئوا إلى أمر الله ولو لم يفيئوا لكان الواجب عليه فيما أنزل الله أن لا يرفع السيف عنهم حتى يفيئوا ويرجعوا عن رأيهم لأنهم بايعوا طائعين غير كارهين، وهي الفئة الباغية كما قال الله تعالى فكان الواجب على أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يعدل فيهم حيث كان ظفر بهم، كما عدل رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أهل مكة إنما من عليهم وعفى وكذلك صنع أمير المؤمنين (عليه السلام) بأهل البصرة حيث ظفر بهم مثل ما صنع النبي (صلى الله عليه وآله) بأهل مكة حذوا النعل بالنعل. قال: قلت: قوله عز وجل: " والمؤتفكة أهوى " قال: هم أهل البصرة هي المؤتفكة، قلت: " والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات " ؟ قال: اولئك قوم لوط ائتفكت عليهم انقلبت عليهم. * الشرح: قوله: (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم) ذكر الثلاثة والخمسة دون الاثنين والأربعة لأن الله تعالى وتريحب الوتر مع الإشعار بذكر الزوج بعد الاستثناء الى أن شيئا من العدد لا يخلو من الازدواج معه كما صرح في قوله (ولا ادنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم) للتعميم بعد التخصيص (أينما كانوا من فوق الأرض وتحتها وشرقها وغربها والخلاء والملاء (ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة) من خير وشر ويجزيهم به (إن الله بكل شئ عليم) إشارة إلى أن المراد بكونه معهم علمه محيطا بظواهرهم وضمائرهم لا معية زمانية أو مكانية (لا تكون الخلافة في بني هاشم ولا النبوة أبدا) أي تعاهدوا في حجة الوداع في الكتاب إلى منع اجتماعتهما في بني هاشم حسدا وعنادا وعداوة وحبا للدنيا وميلا الى كون الخلافة في قريش لئلا تذهب مكر متهم في العرب (فأنزل الله عز وجل فيهم هده الآية) توبيخا ووعيدا لهم والآية وإن نزلت فيهم مضمونها عام ولا ينافي خصوص السبب عمومها ولا يخصصه. (قال: قلت: قوله عز وجل أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون) هم أبرموا أمر التعاهد ورد الخلافة عن بني هاشم وأحكموا ذلك بزعمهم والله سبحانه أبرم وأحكم أمر الخلافة في أهلها (قال أبو عبد الله (عليه السلام) لعلك ترى أنه كان يوم يشبه يوم كتب الكتاب إلا يوم قتل الحسين (عليه السلام). انتها) شبه يوم

[ 234 ]

قتل الحسين (عليه السلام) بيوم كتب فيه الكتاب في كونه مصيبة عظيمة وبلية شديدة على الهاشمين والعلويين والشيعة أجمعين لكونه أصلا ليوم القتل وسببا له إذ لو كانت الخلافة في بني هاشم ولم ينقلوها منهم إلى بني تيم وبني عدى وبني أمية لم يقع قتل الحسين (عليه السلام) (فقد كان ذلك كله) أي كتب الكتاب وقتل الحسين (عليه السلام) وخروج الملك من بني هاشم وكان تامة أو ناقصة وخبرها محذوف أي في علم الله تعالى. (قلت: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) أي تقاتلوا والافتعال يجئ بمعنى التفاعل مثل اختصموا وفعل الشرط محذوف لوجود مفسر له كما في قوله تعالى " وإن أحد من المشركين استجارك " (فأصلحوا بينهما) بالوعظ والنصح والدعاء الى حكم الله تعالى (فإن بغت احداهما على الأخرى) أي ظلمت وتعدت (فقاتلوا التي تبغى حتى تفئ الى أمر الله) أي ترجع إلى حكمه أو إلى ما أمرت به من ترك البغي (فإن فاءت) بعد المقاتلة الى أمر الله (فأصلحوا بينهما بالعدل) قيل تقييد الإصلاح بالعدل هنا لأنه مظنة الحيف من حيث أنه بعد المقاتلة ومن العدل العفو عنهم ورد أمواله كما يشير إليه) قال الفئتان) قيل السائل سأل عن الطائفتين فقال (عليه السلام) الفئتان أي هما الفئتان اللتان تعرفهما واللام للعهد وهم الذين بغوا على أمير المؤمنين (عليه السلام) أي خرجوا عليه كالمرأة وأصحابها (فكان الواجب عليه) أي على أمير المؤمنين (عليه السلام) وعلى من تبعه (قتالهم وقتلهم حتى يفيئوا إلى أمر الله) أي إلى طاعة الله تعالى وطاعة الإمام أو يقتلوا كالحربي (لأنهم بايعوه طائعين غير كارهين) فهم كانوا مؤمنين ثم نكثوا وارتدوا فكان هذا دليل لقوله (وهم أهل هذه الآية) إذ هو يقتضي تحقق الإيمان في الطائفتين ولا ينافي ذلك خروج الباغي عن الإيمان (فكان الواجب على أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يعدل فيهم حيث كان ظفر بهم كما عدل رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أهل مكة إنما من عليهم وعفى وكذلك صنع أمير المؤمنين (عليه السلام) بأهل البصرة حيث ظفر بهم مثل ما صنع النبي (صلى الله عليه وآله) بأهل مكة حذو النعل بالنعل) أي عمل مثل عمله من غير تفاوت كما تقطع إحدى النعلين على قدر النعل الأخرى، والحذو: التقدير والقطع، واعلم أنه كان للنبي (صلى الله عليه وآله) سبي نساء مشركي أهل مكة وذراريهم وأخذ أموالهم غنيمة جايز وإنما لم يسب ولم يأخذ على سبيل المن عليهم دون استحقاقهم وظاهر التشبيه في قوله " وكذلك صنع أمير المؤمنين (عليه السلام) بأهل البصرة " وظاهر قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في بعض كلامه " مننت على أهل البصرة كما من النبي (صلى الله عليه وآله) على أهل مكة يشعر بجواز سبي نساء مقاتلي أهل البصرة وذراريهم وأخذ أموالهم مطلقا لأمير المؤمنين (عليه السلام) وإنما لم يسب ولم يأخذ على طريق المن أيضا وجواز أخذ الأموال مشهور بين الأصحاب منهم الشهيد (ره) في خمس الدروس ويؤيده وأنه (عليه السلام) بعد الغلبة على أهل البصرة قسم أموالهم أولا ثم أمر بردها على أصحابها ولولا جوازه لما فعله أولا، ولكن قيدها المجوزون بالأموال التي حواها

[ 235 ]

العسكر مع عدم رجوعهم الى الطاعة ونقلوا الإجماع على ذلك، وأما ما لم يحوها العسكر وإن كان مما ينقل ويحول أوحواها مع رجوعهم إلى الطاعة وعدم إصرارهم على المخالفة فلا يجوز قطعا، وقال بعضهم لا يجوز أخذ أموالهم مطلقا منهم الشهيد (ره) في اللمعة وأما السبي فلا يجوز على المشهور وجوزه بعض عملا بظاهر التشبيه المذكور. (قال قلت قوله عز وجل والمؤتفكة أهوى) هو الشئ يهوي هويا بالفتح: سقط من علو إلى سفل، وأهواه: أسقطه، قال المفسرون: هي قرى قوم لوط ائتفكت بأهلها، انقلبت أهواها بعد أن رفعها وقلبها وقال (عليه السلام): هو البصرة يدل عليه أيضا قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في بعض خطبه في ذم أهل البصرة " يا أهل البصرة يا أهل المؤتفكة ائتفكت بأهلها انقلبت بهم ثلاثا وعلى الله تمام الرابعة " وقال في خطبة اخرى: " وإنها: يعني البصرة لاسرع الأرض خرابا وأخبثها ترابا وأشدها عذابا ولقد خسف بها في القرون الخالية مرارا وليأتين عليها زمان " وقال علي بن إبراهيم في تفسيره: وقد ائتفكت بأهلها مرتين وعلى الله تمام الثالثة (قلت والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات قال: اولئك قوم لوط ائتفكت عليهم انقلبت عيهم) كما هو المشهور، قال بعض المفسرين كانت أربعة صواهم وزاد وما وعامورا وسدوم. * الأصل: 203 - علي بن إبراهيم، عن عبد الله بن محمد بن عيسى، عن صفوان بن يحيى، عن حنان قال: سمعت أبي يروي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان سلمان جالسا مع نفر من قريش في المسجد فأقبلوا ينتسبون ويرفعون في أنسابهم حتى بلغوا سلمان، فقال له عمر بن الخطاب: أخبرني من أنت ومن أبوك وما أصلك ؟، فقال: أنا سلمان بن عبد الله كنت ضالا فهداني الله عز وجل بمحمد (صلى الله عليه وآله) وكنت عائلا فأغناني الله بمحمد (صلى الله عليه وآله) وكنت مملوكا فأعتقني الله بمحمد (صلى الله عليه وآله) هذا نسبي وهذا حسبي. قال: فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلمان (رضي الله عنه) يكلمهم، فقال له سلمان: يا رسول الله ما لقيت من هؤلاء جلست معهم فأخذوا ينتسبون ويرفعون في أنسابهم حتى إذا بلغوا إلي قال عمر بن الخطاب: من أنت وما أصلك وما حسبك ؟ فقال النبي (صلى الله عليه وآله) فما قلت له يا سلمان ؟ قال: قلت له: أنا سلمان بن عبد الله كنت ضالا فهداني الله عز ذكره بمحمد (صلى الله عليه وآله) وكنت عائلا فأغناني الله عز ذكره بمحمد (صلى الله عليه وآله) وكنت مملوكا فأعتقني الله بمحمد (صلى الله عليه وآله) هذا نسبي وهذا حسبي. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا معشر قريش، إ ن حسب الرجل دينه، ومروءته خلقه، وأصله عقله وقال الله عز وجل: * (إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) * ثم قال النبي (صلى الله عليه وآله) لسلمان: ليس لأحد من هؤلاء عليك فضل إلا بتقوى الله عز وجل وإن

[ 236 ]

كان التقوى لك عليهم فأنت أفضل. * الشرح: قوله: (حتى بلغوا سلمان فقال له عمر بن الخطاب: أخبرني من أنت ومن أبوك وما أصلك) افتخر عمر على سلمان بشرف آبائه ولم يعلم أن الشرف كل رجل بأفعال شريفة وأخلاق كريمة وأن شرف الآباء لو كان لا ينفعه وأن العبد الحبشي لو كان له دين ومروة وعقل وتقوى وورع خير من رجل قرشي لم يكن له، ذلك وأنه ليس للانسان إلا ما سعى، وأجاب سلمان بأمور دلت على تذلله وتواضعه لله تعالى، والشكر على نعمه وهي نسبه المشعر بالعبودية والهداية بعد الضلالة التي هي الخروج من دين الحق أو الجهل بالأحكام الشرعية والغنى بعد العيلة، والفقر والعتق بعد الملك، والمراد به: العتق المعروف حمله على العتق من قيد النفس الأمارة بعيد ومما يناسب ذكره في هذا المقام ما ذكره القرطبي قال " سلمان يكنى أبا عبد الله (عليه السلام) وكان ينسب إلى الإسلام فيقول أنا سلمان بن الإسلام ويعد من موالي رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأنه أعانه بما كوتب عليه فكان سبب عتقه، وكان يعرف بسلمان الخير، وقد نسبه رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى بيته فقال: سلمان منا أهل البيت، وأصله فارسي من رامهرمز قرية يقال لهاجي وقيل: بل من أصبهان وكان أبوه مجوسيا فنبهه الله تعالى على قبح ماكان عليه أبوه وقومه وجعل في قلبه التشوق إلى طلب الحق فهرب بنفسه إلى أن وصل إلى الشام فلم يزل يجول في البلدان ويختبر الأديان ويكتشف الأحبار والرهبان إلى أن دل على واهب الوجود فوصل إلى المقصود بعد مكابدة عظيمة انتهى وسنذكر تفصيل أحواله إن شاء الله تعالى. (فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا معشر قريش إن حسب الرجل دينه) في المصباح الحسب بفتحتين: ما يعد من المآثر وهو يكون في الإنسان وإن لم يكن لآبائه شرف، ورجل حسيب: كريم في نفسه، ولا ريب في أن الدين والعمل بما فيه أشرف المآثر والمفآخر (ومروءته خلقه) في المصباح، المروءة: آداب نفسانية تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات، يقال: مرؤ الإنسان فهو مرئ، مثل قرب فهو قريب أي ذومروءة قال الجوهري وقد شدد فيقال مروة (وأصله عقله) إذ به يتم كماله وحقيقته وينتسب إلى الأنبياء والأوصياء وقد أشار (صلى الله عليه وآله) أن مزية الإنسان وشرفه بهذه الأمور الثلاثة لا بالنسب وشرف الآباء وشهرتهم (قال الله عز وجل إنما خلقناكم من ذكر وأنثى): أي: من رجل وامرأة وهما آدم وحوا عليهما السلام أو المراد بهما الأب والأم لكل واحد فالكل سواء في ذلك فلا وجه للتفاخر بالنسب والتعيير والاعتياب به والخطاب لجميع الناس من العرب والعجم والذكر والنثى والحر والعبد (وجعلناكم شعوبا وقبائل) الشعب بالفتح: ما انقسمت فيه قبائل العرب، والجمع شعوب مثل فلس وفلوس ويقال الشعب: هو الحي العظيم المنسوبون إلى أصل واحد وشعبت القوم شعبا من باب منع جمعتهم وفرقتهم فيكون

[ 237 ]

من الأضداد فالجمع باعتبار جمع كل شعب لأولاده والتفريق باعتبار تميز كل شعب من آخر ويقال أنساب العرب أنقسم ست مراتب: شعب، ثم قبيلة، ثم عمارة بفتح العين وكسرها، ثم بطن، ثم فخذ، ثم فصيلة، فالشعب: هو النسب الأول كعدنان فهو بمنزلة الجنس يندرج فيه سائر المراتب، والقبيلة: ما انقسم فيه أنساب الشعب، والعمارة: ما انقسم فيه أنساب القبيلة، والبطن: ما انقسم فيه أنساب العمارة، والفخذ: ما انقسم فيه أنساب البطن، والفصيلة: ما انقسم فيه أنساب الفخذ، فخزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة، وقيل: الشعوب بطون العجم، والقبايل بطون العرب، وقيل: الشعوب باعتبار المدينة والبلد مثل مكي ومدني وغيرهما، والقبايل باعتبار الآباء كالتميمي والهاشمي وغيرهما (لتعارفوا) أي ليعرف بعضكم بعضا لا للتفاخر بالآباء (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) هو من يكون دينه ومروءته وعقله على حد الكمال. * الأصل: 204 - علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لما ولى علي (عليه السلام) صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إني والله لا أرزؤكم من فيئكم درهما ما قام لي عذق بيثرب فلتصدقكم أنفسكم أفتروني مانعا نفسي ومعطيكم ؟ قال: فقام إليه عقيل فقال له: والله لتجعلني وأسود بالمدينة سواء ؟ ! فقال: اجلس أما كان ههنا أحديتكلم غيرك وما فضلك عليه إلا بسابقة أو بتقوى. * الشرح: قوله: (ثم قال: إني والله لا أرزؤكم من فيئكم درهما ما قام لي عذق بيثرب) رزأه ماله كجعله وعلمه رزءا بالضم: أصاب منه شيئا وأخذه، والفئ: الغنيمة والخراج، والعذق بالفتح: النخلة بحملها، وبالكسر: العرجون بما فيه من الشماريخ (فلتصدقكم أنفسكم) أي فلتكن قلوبكم موافقه لألسنتكم في الجواب ولا تقولوا بأفواهكم ما ليس في قلوبكم (أفتروني مانعا نفسي ومعطيكم) ممن لا يستحق أو زائدا عما تقضية القسمة الشرعية وفيه قطع لطمعهم عن الجور في القسمة ضرورة أن الجائر يقدم نفعه على نفع غيره فعدم الأول يدل على عدم الثاني (قال: فقام إليه عقيل فقال له: والله لتجعلني وأسود بالمدينة سواء) كأنه أراد بالأسود من اعتقه عمار فأعطاه أمير المؤمنين (عليه السلام) وأعطى مولاه وساير المسلمين ثلاثة دنانير كما مر في شرح الأصول وفيه دلالة على سوء أدب عقيل وأنه لم يرض بما فعله العالم الراباني حتى توسل بمعاوية كما هو المشهور وعلى كمال عدل أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث لم يفضل القريب على البعيد والشريف على غيره (ومافضلك

[ 238 ]

عليه إلا بسابقة أو بتقوى) أي ما فضلك على الأسود لما افتخر عقيل بشرف النسب وكرم الأصل زجره (عليه السلام) عن ذلك وأشار الى أن التفاضل بين الناس إنما هو بالإيمان والاعمال أو بتقوى الله الذي يتحقق بترك الدنيا ورفض الأهواء النفسانية والمعاصي لا بالأنساب. * الأصل: 205 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن علي بن رئاب، عن أبي عبيدة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قام رسول الله (صلى الله عليه وآله) على الصفا فقال: يا بني هاشم ! يا بني عبد المطلب ! إني رسول الله إليكم وإني شفيق عليكم وإن لي عملي ولكل رجل منكم عمله لا تقولوا: إن محمدا منا وسندخل مدخله، فلاوالله ما أوليائي منكم ولا من غيركم يا بني عبد المطلب إلا المتقون. ألا فلا أعرفكم يوم القيامة تأتون تحملون الدنيا على ظهوركم ويأتون الناس يحملون الآخرة، ألا إني قد أعتذرت إليكم وفيما بيني وبينكم وفيما بيني وبين الله عز وجل فيكم. * الشرح: قوله: (ويأتيني الناس يحملون الآخرة) هم الذين رفضوا الدنيا وحيها وتزينوا بحب الآخرة وأعمالها (ألا إني قد أعذرت إليكم فيما بيني وبينكم وفيما بيني وبين الله عز وجل فيكم) أعذر في الأمر: أبدى عذرا وبالغ وفي المثل، اعذر من أنذر يقال: ذلك لمن يحذر أمرا يخاف سواء حذر أم لم يحذر كذا في المصباح ولعل المراد إني أبديت عذرا يرتفع عني اللوم فيما بيني وبينكم من أن القرابة لا تنفعكم وفيما بيني وبين الله عز وجل فيكم من تبليغ ما هو المطلوب منكم وهو التقوى وغيرها. * الأصل: 206 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن النضر بن سويد، عن الحلبي، عن ابن مسكان، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: رأيت كأني على رأس جبل والناس يصعدون إليه من كل جانب حتى إذا كثروا عليه تطاول بهم في السماء وجعل الناس يتساقطون عنه من كل جانب حتى لم يبق منهم أحد إلا عصابة يسيرة ففعل ذلك خمس مرات في كل ذلك يتساقط عنه الناس ويبقي تلك العصابة أما إن قيس بن عبد الله بن عجلان في تلك العصابة قال: فما مكث بعد ذلك إلا نحوا من خمس حتى هلك. * الشرح: قوله: (وجعل الناس يتساقطون عنه من كل جانب) كأنه أخبر بخروج كثير ممن توسل به عن الدين بعد موته (عليه السلام) (فما مكث بعد ذلك إلا نحوا من خمس حتى هلك) قيل: ذكر الكشي هذه

[ 239 ]

الرواية بعينها عن زرارة مع زيارة يسيرة وفيه " فما مكث بعد ذلك إلا نحوا من سنتين حتى هلك صلوات الله عليه ". * الأصل: 207 - عنه، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن حماد بن عثمان، قال: حدثني أبو بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن رجلا كان على أميال من المدينة فرأى في منامه فقيل له: انطلق فصل على أبي جعفر (عليه السلام) فان الملائكة تغسله في البقيع فجاء الرجل فوجد أبا جعفر (عليه السلام) قد توفي. * الشرح: قوله: (فإن الملائكة تغسلة في البقيع) دل على تحقق الرؤيا الصادقة وعلى أن الملائكة تغسل المعصوم باطنا. * الأصل: 208 - علي بن إبراهيم، عن أحد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن محمد بن سليمان، عن أبيه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قوله تعالي: " وكنتم على شفاحفرة من النار فأنقذكم منها (بحمد) " هكذا والله نزل بها جبرئيل (عليه السلام) على محمد (صلى الله عليه وآله). * الشرح: قوله (وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها (بمحمد) هكذا والله نزل بها جبرئيل (عليه السلام) على محمد (صلى الله عليه وآله)) شفا كل شئ طرفه المشرف عليه وفيه دلالة ظاهرة على وقوع الحذف فيه (1). * الأصل: 209 - عنه، عن أبيه، عن عمر بن عبد العزيز، عن يونس بن ظبيان، عن أبي عبد الله (عليه السلام): " لن تنالوا البر حتى تنفقوا ما تحبون " هكذا فاقرأها. * الشرح: قوله: (لن تنالوا البر) أي ما هو أولى بإطلاق اسم البر عليه وهو الثواب الكامل والرحمة الواسعة والمقام العالي في الجنة أو ما يوجبها (حتى تنفقوا ما تحبون هكذا فاقرأها) في هذا القرآن مما تحبون وهذه الرواية لو صحت دلت على أن المنزل ما تحبون والفرق بينهما أن " مما " ظاهر في التبعيض مع احتمال أن يكون من لبيان الجنس و " ما " ظاهر في بيان الجنس مع احتمال


1 - قد مر مرارا أن احتمال السقط في القرآن زعم باطل عند أكابر المحدثين والعلماء ومحمد بن سليمان الديلمي كان غالبا كذابا وكذا أبوه، ولو صحت الرواية فالمراد أن التنزيل بهذا المعني. (*)

[ 240 ]

أن يكون للعموم ولو كان المحبوب متعددا ينبغي انفاق الأحب ويندرج فيه الإنفاق الواجب وغيره. * الأصل: 210 - عنه، عن أبيه، عن علي بن أسباط، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام): " ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم (وسلموا للامام تسليما) أو اخرجوا من دياركم (رضى له) ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أن (أهل الخلاف) فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا " وفي هذه الآية " ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت (من أمر الوالي) ويسلموا (لله الطاعة) تسليما. * الشرح: قوله: (ولو أنا كتبنا عليهم) أي على أهل النفاق والتحاكم الى الطاغوت وأهل الخلاف المنكرين لو إلى الحق في مرتبته (أن اقتلوا أنفسكم) الأمارة العاصية بالسياسات العقلية والآداب الشرعية (وسلموا للامام تسليما) طوعا ورغبته ظاهرا وباطنا (أو أخرجوا من دياركم) للجهاد ولقاء العدو المحتاج الى قطع المسافة بعيدة أم لا (رضا له) أي للامام لا لطلب الحياة الدنيا (ما فعلوه إلا قليل منهم) نور الله تعالى قلوبهم بنور الإيمان وهداهم بالهدايات الخاصة إلى سبيل الجنان، هذا من باب الاحتمال والمفسرون فسروه بوجه آخر والله يعلم (ولو أن أهل الخلاف) وهم المذكورون (فعلوا ما يوعظون به) من التسليم للإمام ومتابعته طوعا ورغبته وغير ذلك مما فيه صلاحهم في الدنيا والآخرة. (لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا) في دينهم لتوقف حصوله ورفع الشك عليه أو في ثواب أعمالهم، والظاهر أن لفظ الخير والأشد هنا إما صفة أو مجرد عن معنى التفضيل كما في قوله تعالى " خير من اللهو "، أو على فرض الفعل في المفضل عليه وفيه ثلاثة أمور زائدة على ما هو في القرآن الكريم الأول قوله: " وسلموا للإمام تسليما " الثاني: قوله: " رضاله "، الثالث: قوله: " أهل الخلاف " إذا المتواتر ولو أنهم فعلوا ولعل الثالث تفسير للضمير وبيان لمرجعه، والثاني تفسير لعلة الخروج وبيان لغايته، وأما الأول فحمله على التفسير بعيد والظاهر أنه تنزيل ويمكن حمل الأخيرين أيضا على التنزيل والله يعلم " وفي هذه الآية " أي في تفسير هذه الآية وهو عطف على قوله " ولو أنا كتبنا فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم " (ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت) من أمر الوالي (وسلموا لله الطاعة تسليما) قيل: " لا " في قوله: " فلا وربك " زائدة لتأكيد القسم أي فوربك لا يؤمنون بك حتى يجعلوك حكما فيما اختلف بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا أي ضيقا أو شكا مما حكمت به من أمر الوالي بعدك بأمر الله تعالى ويسلموا لله طاعته في

[ 241 ]

نصب الوالي وطاعة الوالي تسليما عاريا عن الشك، والظاهر إنما فيه من الزائد على ما في القرآن الكريم تفسير له لا تنزيل. * الأصل: 211 - علي بن إبراهيم، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبي جناده الحصين بن المخارق بن عبد الرحمن بن ورقاء بن حبشي بن جناده السلولي صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، عن أبي الحسن الأول (عليه السلام) في قول الله عز وجل: " اولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم (فقد سبقت عليهم كلمة اشقاء وسبق لهم العذاب) وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا ". * الشرح: قوله: (في قول الله عز وجل أولئك) أي المنافقون المتحاكمون إلى الطاغوت المعتذرون إليك بأنهم ما أراد بذلك إلا إحسانا وتوفيقا بين الخصمين والفصل بينهما دون مخالفتك الحالفون على ذلك حلفا كاذبا (الذين يعلم الله ما في قلوبهم) من النفاق والشك والمخالفة والحلف الكاذب، فلا ينفعهم الكتمان وإظهار المعذرة باللسان (وأعرض عنهم) أي عن عقابهم أو عن قبول عذرهم (فقد سبقت عليهم كلمة الشقاء) هو والشقاوة ضد السعادة (وسبق لهم العذاب) في الأزل لعلمه تعالى بأنهم لا يؤمنون (وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا) في الوعد والوعيد والترغيب والترهيب، لئلا يكون لهم على الله حجة يوم القيامة وفي هذا القرآن المتواتر، وأعرض عنهم، وعظهم، وقل لهم، والظاهر أن ما ذكره (عليه السلام) تفسير واحتمال التنزيل بعيد والله يعلم. * الأصل: 212 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن اذينة، عن بريد بن معاوية قال: تلا أبو جعفر (عليه السلام): " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولي الأمر منكم " فإن خفتم تنازعا في الأمور فارجعوه إلى الله وإلى والرسول وإلى اولي الأمر منكم " ثم قال: كيف يأمر بطاعتهم ويرخص في منازعتهم إنما قال ذلك للمأمورين الذين قيل لهم: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ". * الشرح: قوله: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن خفتم تنازعا في الأمر فارجعوه الى الله وإلى الرسول وإلى أولي الأمر منكم) في القرآن الكريم " فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله وإلى الرسول " والظاهر أن ما ذكره (عليه السلام) تفسير وبيان للمقصود (ثم قال كيف يأمر بطاعتهم) أي بطاعة اولي الأمر، والاستفهام للإنكار (ويرخص في منازعتهم)، إنما قال ذلك للمأمورين الذين قيل لهم (أطيعوا الله واطيعوا الرسول) فيه رد على العامة، قال القاضي وغيره: فإن تنازعتهم أنتم وأولو الأمر في شئ من أمور الدين فراجعوا فيه إلى كتاب الله والسؤال من الرسول في زمانه وإلى سنته

[ 242 ]

بعده ويريد بأولي الأمر أمراء المسلمين في عهد الرسول وبعده ويندرج فيهم الخلفاء والقضاة وأمراء السرية أمر الله تعالى بطاعتهم بعد الأمر بالعدل تنبيها على أن وجوب طاعتهم ماداموا على الحق أراد بأولي الأمر علماء الشرع وأنت خبير بأن هذا القول بطلانه أظهر من أن يحتاج إلى البيان، وقد أوضحنا ذلك في شرح الأصول.

[ 243 ]

حديث قوم صالح (عليه السلام) * الأصل: 213 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) سأل جبرئيل (عليه السلام) كيف كان مهلك قوم صالح (عليه السلام) ؟ فقال: يا محمد إن صالحا بعث إلى قومه وهو ابن ست عشرة سنة فلبث فيهم حتى بلغ عشرين ومائة سنة لا يجيبونه إلى خير، قال: وكان لهم سبعون صنما يعبدونها من دون الله عز وجل، فلما رأى ذلك منهم قال: يا قوم بعثت إليكم وأنا ابن ست عشرة سنة وقد بلغت عشرين ومائة سنة، وأنا أعرض عليكم أمرين إن شئتم فاسألوني حتى أسأل إلهي فيجيبكم فيما سألتموني الساعة، وإن شئتم سألت آلهتكم فإن أجابتني بالذي أسألها خرجت عنكم، فقد سئمتكم وسئمتموني، قالوا: قد أنصفت يا صالح فاتعدوا ليوم يخرجون فيه قال: فخرجوا بأصنامهم إلى ظهرهم ثم قربوا طعامهم وشرابهم فأكلوا وشربوا فلما أن فرغوا دعوه. فقالوا: يا صالح سل، فقال لكبيرهم: ما اسم هذا ؟ قالوا: فلان، فقال له صالح: يا فلان أجب فلم يجبه، فقال صالح: ماله لا يجيب ؟ قالوا: ادع غيره، قال: فدعاها كلها بأسمائها فلم يجبه منها شئ، فأقبلوا على أصنامهم فقالوا لها: مالك لا تجيبين صالحا ؟ فلم تجب فقالوا تنح عنا ودعنا وآلهتنا ساعة، ثم نحوا بسطهم وفرشهم ونحوا ثيابهم وتمرغوا على التراب وطرحوا التراب على رؤوسهم، وقالوا لأصنامهم: لئن لم تجبن صالحا اليوم لتفضحن. قال: ثم دعوه فقالوا: يا صالح ادعها، فدعاها فلم تجبه، فقال لهم: يا قوم قد ذهب صدر النهار ولا أرى آلهتكم تجيبوني فاسألوني حتى أدعوا إلهي فيجيبكم الساعة. فانتدب له منهم سبعون رجلا من كبرائهم والمنظور إليهم منهم، فقالوا يا صالح نحن نسألك فإن أجابك ربك اتبعناك وأجبناك ويبايعك جميع أهل قريتنا، فقال لهم صالح (عليه السلام): سلوني ما شئتم، فقالوا: تقدم بنا إلى هذا الجبل، وكان الجبل قريبا منهم، فانطلق معهم صالح فلما انتهوا إلى الجبل قالوا: يا صالح ادع لنا ربك يخرج لنا من هذا الجبل الساعة ناقة حمراء شقراء وبراء عشراء بين جنبيها ميل، فقال لهم صالح لقد سألتموني شيئا يعظم علي ويهون على ربي جل وعز قال: فسأل الله تعالى صالح ذلك فانصدع الجبل صدعا كادت تطير منه عقولهم لما سمعوا ذلك ثم اضطرب ذلك الجبل اضطرابا شديدا كالمرأة إذا أخذها المخاض ثم لم يفجأهم إلا رأسها قد طلع عليهم من ذلك الصدع فما استتمت رقبتها حتى اجترت ثم خرج سائر جسدها ثم استوت قائمة على الأرض.

[ 244 ]

فلما رأوا ذلك قالوا: يا صالح: ما أسرع ما أجابك ربك، ادع لنا ربك يخرج لنا فصيلها فسأل الله عز وجل ذلك فرمت به فدب حولها فقال لهم: يا قوم أبقى شئ ؟ قالوا: لا، انطلق بنا إلى قومنا نخبرهم بما رأينا ويؤمنون بك قال: فرجعوا فلم يبلغ السبعون إليهم حتى ارتد منهم أربعة وستون رجلا وقالوا: سحر وكذب قال: فانتهوا إلى الجميع فقال الستة: حق وقال الجميع: كذب وسحر قال: فانصرفوا على ذلك، ثم ارتاب من الستة واحد فكان فيمن عقرها. قال ابن محبوب: فحدثت بهذا الحديث رجلا من أصحابنا يقال له: سعيد بن يزيد فأخبرني أنه رأى الجبل الذي خرجت منه بالشام قال: فرأيت جنبها قد حك الجبل فأثر جنبها فيه وجبل آخر بينه وبين هذا ميل. * الشرح: قوله: في حديث صالح (كيف كان مهلك قوم صالح) مهلك بالكسر: مصدر هلك، كضرب ومنع (فاتعدوا اليوم) وعدة واتعده بمعنى (فخرجوا بأصنامهم الى ظهرهم) أي ظهر بلدهم وفي بعض النسخ إلى ظهورهم (وقالوا لأصنامهم لئن لم تجيبين صالحا اليوم لتفضحن) فضحه فافتضح: إذا انكشف مساوية والاسم الفضيحة وفي بعض النسخ لتفضحنا (فانتدب له منهم سبعون رجلا) فأجاب يقال ندبته فانتدب أي دعوته فأجاب قالوا (يا صالح ادع لنا ربك يخرج لنا ناقة حمراء شقراء وبراء عشراء بين جنبيها ميل) الناقة الشقراء: ما كانت حمرتها شديدة صافية، والعبراء: ما كان لها وبر كثير، والعشراء بالضم وفتح الشين والمد: ما أتى على حملها عشرة أشهر أو ثمانية أشهر، وقيل شهران ثم اتسع فقيل لكل حامل عشراء وأكثر ما يطلق على الإبل والخيل (ثم لم يفجأهم الا رأسها قد طلع) الفجأة: " ناگاه در آمدن " وفعلها من باب سمع ومنع (فما استتمت رقبتها حتى اجترت) الجرة بالفتح: ما يخرجه البعير من بطنه ليمضغه ثم يبلعه يقال اجتر البعير يجتر قوله (كذبت ثمود بالنذر): جمع نذير كرغف جمع رغيف، وثمود: اسم قبيلة، وهم قوم صالح (عليه السلام) (قالوا أبشرا منا واحدا) أي منفردا لاتبع له أو من آحاد الناس وأوساطهم دون أشرافهم وهو منصوب بفعل مقدر يفسره. * الأصل: 214 - علي بن محمد، عن علي بن العباس، عن الحسن بن عبد الرحمن، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: " " كذبت ثمود بالنذر * فقالوا أبشر منا واحدا نتبعه واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر * ءالقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر " قال: هذا كان بما كذبوا به صالحا، وما أهلك الله عز وجل قوما قط حتى يبعث إليهم قبل ذلك الرسل فيحتجوا عليهم. فبعث الله إليهم صالحا فدعاهم إلى الله فلم يجيبوا وعتوا عليه وقالوا: لن

[ 245 ]

نؤمن لك حتى تخرج لنا من هذه الصخرة ناقة عشراء، وكانت الصخرة يعظمونها ويعبدونها ويذبحون عندها في رأس كل سنة ويجتمعون عندها فقالوا له: إن كنت كما تزعم نبيا رسولا فادع لنا إلهك حتى تخرج لنا من هذه الصخرة الصماء ناقة عشراء، فأخرجها الله كما طلبوا منه. ثم أوحى الله تبارك وتعالى إليه أن يا صالح قل لهم: أن الله قد جعل لهذه الناقة [ من الماء ] شرب يوم ولكم شرب يوم، وكانت الناقة إذا كان يوم شربها شربت الماء ذلك اليوم فيحلبونها فلا يبقي صغير ولا كبير إلا شرب من لبنها يومهم ذلك فإذا كان الليل وأصبحوا غدوا إلى مائهم فشربوا منه ذلك اليوم ولم تشرب الناقة ذلك اليوم فمكثوا بذلك ما شاء الله. ثم إنهم عتوا على الله ومشى بعضهم إلى بعض وقالوا: اعقروا هذه الناقة واستريحوا منها، لا نرضى أن يكون لنا شرب يوم ولها شرب يوم، ثم قالوا: من الذي يلي قتلها ونجعل له جعلا ما أحب، فجاءهم رجل أحمر، أشقر، أزرق ولد زنى ولا يعرف له أب يقال له: قدار، شقي من الأشقياء مشؤوم عليهم فجعلوا له جعلا فلما توجهت الناقة إلى الماء الذي كانت ترده تركها حتى شربت الماء وأقبلت راجعة فقعد لها في طريقها فضربها بالسيف ضربة فلم تعمل شيئا فضربها اخرى فقتلها وخرت إلى الأرض على جنبها وهرب فصيلها حتى صعد إلى الجبل فرغى ثلاث مرات إلى السماء، وأقبل قوم صالح فلم يبق أحد منهم إلا شركه في ضربته واقتسموا لحمها فيما بينهم فلم يبق منهم صغير ولا كبير إلا أكل منها فلما رأى ذلك صالح أقبل إليهم فقال: يا قوم ما دعاكم إلى ما صنعتم أعصيتم ربكم. فأوحى الله تبارك وتعالى إلى صالحا (عليه السلام) أن قومك قد طغوا وبغوا وقتلوا ناقة بعثتها إليهم حجة عليهم ولم يكن عليهم فيها ضرر، وكان لهم منها أعظم المنفعة، فقل لهم: إني مرسل عليكم عذابي إلى ثلاثة أيام فإن هم تابوا ورجعوا قبلت توبتهم وصددت عنهم وإن هم لم يتوبوا ولم يرجعوا بعثت عليهم عذابي في اليوم الثالث. فأتاهم صالح (عليه السلام) فقال لهم: يا قوم إني رسول ربكم إليكم وهو يقول لكم: إن انتم تبتم ورجعتم واستغفرتم غفرت لكم وتبت عليكم، فلما قال لهم ذلك كانوا أعتى ما كانوا وأخبث و " قالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين " قال: يا قوم إنكم تصبحون غدا ووجوهكم مصفرة واليوم الثاني وجوهكم محمرة واليوم الثالث وجوهكم مسودة. فلما أن كان أول يوم أصبحوا ووجوههم مصفرة فمشى بعضهم إلى بعض وقالوا: قد جاءكم ما قال لكم صالح: فقال العتاة منهم: لا نسمع قول صالح ولا نقبل قوله وإن كان عظيما. فلما كان اليوم الثاني أصبحت وجوههم محمرة فمشي بعضهم إلى بعض فقالوا: يا قوم قد جاءكم ما قال لكم صالح (عليه السلام)، فقال العتاة منهم: لو أهلكنا جميعا ما سمعنا قول صالح (عليه السلام) ولا تركنا آلهتنا التي كان آباؤنا يعبدونها ولم يتوبوا ولم يرجعوا. فلما كان اليوم الثالث أصبحوا

[ 246 ]

ووجوههم مسودة فمشى بعضهم إلى بعض وقالوا: يا قوم أتاكم ما قال لكم صالح، فقال العتاة منهم: قد أتانا ما قال لنا صالح فلما كان نصف الليل أتاهم جبرئيل (عليه السلام) فصرخ بهم صرخة خرقت تلك الصرخة أسماعهم وفلقت قلوبهم وصدعت أكبادهم وقد كانوا في تلك الثلاثة الأيام قد تحنطوا وتكفنوا وعلموا أن العذاب نازل بهم فماتوا أجمعون في طرفة عين صغيرهم وكبيرهم فلم يبق لهم ناعقة ولاراغية ولا شئ إلا أهلكه الله فأصبحوا في ديارهم ومضاجعهم موتى أجمعين ثم أرسل الله عليهم مع الصيحة النار من السماء فأحرقتهم أجمعين وكانت هذه قصتهم. * الشرح: قوله: (نتبعه) والاستفهام للإنكار والتوبيخ (انا إذا لفي ضلال وسعر) السعر: بالضم الجنون كالسعر. (ءألقى الذكر عليه من بيننا) ظنوا أن البشرية ما نعة للرسالة وإلا لجاز اتصاف كل أحد بها ولم يعلموا أنها متوقفه على صفات لا توجد في كل أحد والذكر هو الكتاب أو الوحي (بل هو كذاب أشر) الأشر: البطر، وهو الكبر وقيل أشد البطر أرادوا أن الكبر وحب الدنيا والرئاسة والفرح بها وبالرفع علينا حمله على المبالغة في الكذب وادعاء الرسالة (وكانت الصخرة يعظمونها) قيل كانت تلك الصخرة مفردة من ناحية الجبل وكانوا يسمونها الكاينة (إن الله قد جعل لهذه الناقة شرب يوم) الشرب بالكسر: نصيب من الماء قيل إذا كان يوم شربها وضع رأسها في البئر ولم يرفعه حتى شرب كل ماء فيها (وقالوا اعقروا هذه الناقة واستريحوا منها) قيل كانت إذا وقع الحررعت في ظهر الوادي فتهرب منها أنعامهم فتهبط إلى بطنه، وإذا وقع البرد رعت في بطن الوادي فتهرب مواشيهم إلى ظهره، فشق ذلك عليهم فدعاهم الى عقرها وعلى هذا قولهم (لا نرضى أن يكون لها شرب يوم ولنا شرب يوم)، علة أخرى باعثة لهم على قتلها (ونجعل له جعلا) في النهاية الجعل الاسم بالضم والمصدر بالفتح، يقال: جعلت لك كذا جعلا وجعلا وهو: الأجرة على الشئ فعلا وقولا (فجاءهم رجل أحمر أشقر) الاشقر من الناس: من يعلوا بياضه حمرته فتكون حمرة صافية وبشرته مايلة إلى البياض (يقال له قدار شقي من الأشقياء) في القاموس قدار بضم القاف وتخفيف الدال: ابن سالف عاقر الناقة وقيل: قدار بن سالف الذي يقال له أحمر عاقر ناقة صالح (عليه السلام) وقال عياض: إنه كان مغرورا بالشهوات عرما جريئا في الفسوق حاذقا في الحيل والعصيان (هرب فصيلها فصعد الى الجبل فرغا ثلاث مرات) رغا البعير صوت وضج، قيل: كان فصيلها شبيها بها في العظم وقال بعض الأفاضل صعد الى جبل يقال له قارة وكان صالح قال لهم: ادركوا الفصيل يرفع عنكم العذاب، فلم يقدروا عليه وانفتحت الصخرة فدخلها (فلم يبق لهم ناعقة ولا راغية ولا شئ إلا أهلكه الله) النعيق: الصوت والصياح، يقال: نعق الراعي بغنمه إذا صاح والغراب إذا

[ 247 ]

صوت وفيه مبالغة في إحاطة العذاب حتى أنه لم يبق واحد من ذي روح ولا شئ من أموالهم إلا أهلكه. * الأصل: 215 - حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد الكندي، عن غير واحد من أصحابنا عن أبان بن عثمان، عن الفضيل بن الزبير قال: حدثني فروة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ذاكرته شيئا من أمرهما فقال: ضربوكم على دم عثمان ثمانين سنة وهم يعلمون أنه كان ظالما فكيف يا فروة إذا ذكرتم صنميهم. * الشرح: قوله: (قال ذاكرته شيئا من أمرهما) أي من أمر الأول والثاني وظلمهما على أهل البيت (عليهم السلام) وثمانون سنة هي مدة سلطان بين أمية (فكيف يا فروة إذا ذكرتم صنميهم) أي معبوديهم الأول والثاني لأنهم كانوا يعتقدون بهما ويصفونهما بالعدل فتعصبهم لهما أشد من تعصبهم لعثمان وفيه حث على التقية منهم. * الأصل: 216 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن علي بن النعمان، عن عبد الله بن مسكان، عن سدير قال: كنا عند أبي جعفر (عليه السلام) فذكرنا ما أحدث الناس بعد نبيهم (صلى الله عليه وآله) واستذلالهم أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال رجل من القوم: أصلحك الله فأين كان عز بني هاشم وما كانوا فيه من العدد ؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): ومن كان بقي من بني هاشم ؟ ! إنما كان جعفر وحمزة فمضيا وبقي معه رجلان ضعيفان ذليلان حديثا عهد بالإسلام: عباس وعقيل وكانا من الطلقاء، أما والله لو أن حمزة وجعفرا كانا بحضرتهما ما وصلا إلى ما وصلا إليه ولو كانا شاهديهما لأتلفا نفسيهما. * الشرح: قوله: (وكانا من الطلقاء) لأنه (صلى الله عليه وآله) خلى عنهما في فتح بدر وأطلقهما ولم يسترقهما والطليق: فعيل بمعنى مفعول وهو الأسير إذا أطلق سبيله (ولو كان شاهديهما لأتلفا نفسيهما) الضمير في نفسيهما راجع إلى الأول والثاني لا إلى حمزة وجعفر لدلالة السابق عليه ولئلا يلزم تفكيك الضمير. * الأصل: 217 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أبيه، عن عبد الله بن المغيره، عن إسماعيل بن مسلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من اشتكى الواهنة أو كان به صداع أو غمرة بول فليضع يده على ذلك الموضع وليقل: " اسكن سكنتك بالذي سكن له ما في الليل والنهار وهو

[ 248 ]

السميع العليم ". * الشرح: قوله: (من اشتكى الواهنة) بالنون: ريح تأخذ في المنكبين أو في العضد، وفي أكثر النسخ الواهية بالياء المثناة التحتانية: وهي الجراحة والدمل والخراج وغيرها مما يخرج في البدن من القروح وفي القاموس، الوهي: الشق في الشئ وهي كوهي وولي تخرق وانشق واسترخى رباطه (أو كان به صداع) وهو بالضم: وجع الرأس، والهمزة ليست في بعض النسخ (أو غمرة بول) غمرة الشئ بالراء المهملة: شدته ومزدحمه، وغمر الماء غمرة وغمورة كثر ولعل المراد بها حرقة البول أو سلسه (فليضع يده على ذلك الموضع) الأولى وضع اليمنى عليه (وليقل اسكن سكنتك بالذي سكن له) أي لأمره وحكمه (ما في الليل والنهار وهو السميع العليم) باء القسم متعلق بالفعلين من باب التنازع وذكر الموصول للإشعار بصلته الى المقصود والرغبة في حصوله، وفي ذكر هذين الوصفين به تعالى حث لمن طلب منه السكون عليه لأنه لايرد مطلوبه بعد تذكيره بأنه تعالى يسمع ويعلم ما جرى بينهما، واستبعاد الخطاب الى الجوع مدفوع بأنه عز وجل قادر على إسماعه وإفهامه والله على كل شئ قدير. * الأصل: 218 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمد بن أبي بصير، والحسن ابن علي بن فضال، عن أبي جميلة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الحزم في القلب، والرحمة والغلظة في الكبد، والحياء في الرية وفي حديث آخر لأبي جميلة: العقل مسكنه في القلب. * الشرح: قوله: (قال: الحزم في القلب) لعل المراد بالقلب هنا الجسم الصنوبري النابت في الصدر، والحزم: ضبط الرجل أمره والحذر من فواته من قولهم حزمت الشئ: أي شددته 0 (والرحمة والغلظة في الكبد) هو بالفتح والكسر وككتف معروف، والرحمة تحرك الرقة والمغفرة والتعطف والغلظة ضد الرقة وفي كنز اللغة الكبد " جگر " والغلظة " سختى وبى رحمى " (والحياة في الرية) الحياء حالة للنفس مانعة من القبايح لأجل خوف اللوم ولاريب في أن تلك الأحوال عارضة للنفس الناطقة لعل الوجه هو الإشارة إلى أنها أحوال مادية عارضة لها من حيث تعلقها بتلك الأعضاء وتصرفها فيها كما أن لها أحوال عارضة فايضة من المبدأ من حيث أنها مجردة وإليه أشار الفاضل الأمين الاسترابادي حيث قال: وكان المراد أن أو لا يفيض من المبدأ حالة على الأرواح المخزونة في تلك الأعضاء ويتسبب ذلك لفيضان تلك الأمور على الناطقة.

[ 249 ]

* الأصل: 219 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن علي بن حسان، عن موسى بن بكر قال: اشتكى غلام إلى أبي الحسن (عليه السلام) فسأل عنه، فقيل: إنه به طحالا فقال: أطعموه الكراث ثلاثة أيام. فأطعمناه إياه فقعد الدم ثم برأ. * الشرح: قوله: (فقيل أن به طحالا) في القاموس الطحال: ككتاب، لحمة معروفة وفي " كنز " طحال: " سپرز " (فقال أطعموه الكراث) في القاموس: الكراث كرمان وكتان بقل وفي كنز اللغة كراس: " گندنا ". * الأصل: 220 - محمد بن يحيى، عن غير واحد، عن محمد بن عيسى، عن محمد بن عمرو بن إبراهيم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) وشكوت إليه ضعف معدتي، فقال: اشرب الحزاء بالماء البارد، ففعلت فوجدت منه ما احب. * الشرح: قوله: (اشرب الحزاء بالماء البارد) الحزاء بالحاء المهملة والزاي المعجمة يقصر ويمد: وهو نبت بالبادية يشبه الكرفس إلا أنه أعرض ورقا منه والواحدة حزاة وحزاءة بالقصر والمد. * الأصل: 221 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن بكر بن صالح قال: سمعت أبا الحسن الأول (عليه السلام) يقول: من به الريح الشايكة والحام والابردة في المفاصل تأخذ كف حلبة وكف تين يابس تغمرهما بالماء وتطبخهما في قدر نظيفة ثم تصفي ثم تبرد ثم تشربه يوما وتغب يوما حتى تشرب منه تمام أيامك قدر قدح روي. * الشرح: قوله: (من به الريح الشايكة): أي الشدية الحديدة من الشوكة وهي الشدة والحدة وهو داء معروف وحمرة تعلو الوجه والجسد يقال شاكه شوكة وشيك الرجل فهو مشوك إذا دخلت في جسمه (والحام والأبردة في المفاصل. انتهى) الحام بشد الميم الحار كالريح الحارة من الحمة وهي الحرارة والابردة بالكسر: برد في الجوف والمفاصل، وهي علة معروفة من غلبة البرودة والرطوبة والحلبة: بالضم نبت نافع للصدر والسعال والبلغم والبواسير والظهر والكبد والمثانة والباه ومن طريق العامة " لو يعلم الناس ما في الحلبة لا شتروها ولو بوزنها ذهبا "، وفي النهاية الحلبة: حب معروف وقيل: هو من ثمرة العضاه، والحلبة أيضا: العرفج وقد تضم اللام. والقدح بالتحريك:

[ 250 ]

آنية تروي الرجلين اسم يجمع الصغار والكبار، وروى كغني والظاهر أن أيام الشرب ثلاثة لأنها أقل الجمع. * الأصل: 222 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن محمد بن علي، عن نوح بن شعيب، عمن ذكره، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: من تغير عليه ماء الظهر فلينقع له اللبن الحليب والعسل. * الشرح: قوله: (من تغير عليه ماء الظهر) لعل المراد به المني وبتغيره فتوره وضعفه وقلة الباه (فلينقع له اللبن الحليب والعسل) الانقاع: الجمع والخلط وكل ما ألقي في ماء فقد انقع والنقوع بالفتح: ما ينقع في الماء ليلا ليشرب نهارا من غير طبخ وبالعكس ضمير به راجع إلى الموصول أو إلى ماء الظهر والحلب ويحرك استخراج ما في الضرع من اللبن والحليب اللبن المحلوب أو ما لم يتغير طعمه. * الأصل: 223 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن محمد بن جمهور، عن حمران قال: قال: أبو عبد الله (عليه السلام): فيم يختلف الناس ؟ قلت: يزعمون أن الحجامة في يوم الثلاثاء أصلح، قال: فقال لي: وإلى ما يذهبون في ذلك ؟ قلت: يزعمون أنة يوم الدم، قال: فقال: صدقوا فأحرى أن لا يهيجوه في يومه أما علموا أن في يوم الثلاثاء ساعة من وافقها لم يرق دمه حتى يموت أو ما شاء الله. * الشرح: قوله: (أما علموا ؤن في يوم الثلثاء ساعة. انتهى) دل على كراهية الحجامة فيه وحمله على التحريم باعتبار أنه مظنة الوقوع إلى التهلكة بعيد. * الأصل: 224 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن يعقوب بن يزيد، عن رجل من الكوفيين، عن أبي عروة أخي شعيب أو عن شعيب العقر قوفي قال: دخلت على أبي الحسن الأول (عليه السلام) وهو يحتجم يوم الأربعاء في الحبس فقلت له: إن هذا يوم يقول الناس: إن من أحتجم فيه أصابه البرص فقال: إنما يخاف ذلك على من حملته امة في حيضها.

[ 251 ]

* الأصل: 225 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لا تحتجموا في يوم الجمعة مع الزوال فان من احتجم مع الزوال في يوم الجمعة فأصابه شئ فلا يلومن إلا نفسه. * الأصل: 226 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن علي، عن أبي سلمة، عن معتب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الدواء أربعة: السعوط والحجامة والنورة والحقنة. * الشرح: قوله: (الدواء أربعة) خصها بالذكر لكونها أنفع الأدوية في الأمراض المخصوصة التي يعرفها أهل الصناعة (السعوط والحجامة والنورة والحقنة) السعوط كصبور: الدواء الذي يدخل في الأنف والمسعط بالضم وكمنبر: ما يجعل فيه ذلك الدواء ويصب منه في الأنف سعطه الدواء كمنعه ونصره وأسعطه الدواء سعطة واحدة في أنفه فاستعط، والحجامة بالكسر: حرفة الحجام والمحجم والمحجمة بكسرها ما يحجم به، والنورة: تفتح وتسمن وتدفع الرياح، والحقنة: أن يعطى المريض الدواء من أسفله وهو معروفة عن الأطباء وذكروا لها فوائد كثيرة. * الأصل: 227 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن ادينة قال: شكارجل إلى أبي عبد الله (عليه السلام) السعال وأنا حاضر، فقال له: خذفي راحتك شيئا من كاشم ومثله من سكر فاستفه يوما أو يومين، قال ابن أذينة: فلقيت الرجل بعد ذلك، فقال: ما فعلته إلا مرة واحدة حتى ذهب. * الشرح: قوله: (حذفي راحتك شيئا من كاشم ومثله من سكر فاستفه) الكاشم: الانجدان الرومي وهو معرب " انكدان ونكوان " والسف والاستفاف: أكل الدواء غير ملتوت وذلك الدواء سفوف كصبور تقول سففت الدواء بالكسر سفا وأستفته إذا أكلته غير ملتوت. * الأصل: 228 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن سعيد بن جناح، عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن موسى بن عمران (عليه السلام) شكا إلى ربه تعالى البلة والرطوبة فأمر الله تعالى أن يأخذ الهليلج، والبليلج، والأ ملج فيعجنه بالعسل ويأخذه، ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): هو الذي يسمونه عند كم الطريفل. * الشرح:

[ 252 ]

قوله: (فيعجنه بالعسل ويأخذه) الضمير لكل واحد والعجن: التخليط والاعتماد باليدين على الأرض عند النهوض ومنه يقال عجنه إذا اعتمد على يديه يجمع كفيه يغمزه كما يعتمد الكبير عند النهوض بيديه على الأرض فهو عجين ومعجون وفيه تنبيه على أنه ينبغي أن يخلطه على وجه يحصل للمجموع مزاج تركيبي ثم يأخذه أي يأكله. * الأصل: 229 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد، عن محمد بن يحيى، عن أخيه العلاء، عن إسماعيل بن الحسن المتطبب قال: قلت: لأبي عبد الله (عليه السلام): إني رجل من العرب ولي بالطب بصر وطبي طب عربي ولست آخذ عليه صفدا ؟ فقال: لا بأس، قلت: إنا نبط الجرح ونكوي بالنار ؟ قال: لا بأس، قلت: ونسقي هذه السموم الاسمحيقون والغاريقون ؟ قال: لا بأس، قلت: إنه ربما مات ؟ قال: وإن مات. قلت: نسقي عليه النبيذ ؟ قال: ليس في حرام شفاء، قد اشتكى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال له عائشة: بك ذات الجنب: فقال أنا أكرم على الله عز وجل من أن يبتليني بذات الجنب، قال: فأمر فلد بصبر. * الشرح: قوله: (عن إسماعيل بن الحسن المتطبب) في القاموس الطب مثلثة الطاء: علاج الجسم والنفس يطب ويطب بالكسر: الشهوة والإرادة، والشأن وبالفتح الماهر الحاذق بعمله كالطبيب والمتطيب المتعاطي علم الطب (ولي بالطب بصر) أي علم وبصر القلب نظره وخاطره والبصير: العالم (وطبي طب عربي) أعرف به الأدوية المعروفة بين مهرة الأعراب للأمراض (ولست آخذ عليه صفدا): أي أجرا على شرط أو مطلقا والصفد محركة العطاء والوثاق (قلت: أنا نبط الجرح ونكوي بالنار قال: لا بأس البط) شق الدمل والجراحة ونحوهما والجراحة ونحوهما والجرح بالضم: واحد الجروح، وبالفتح: مصدر وليس بمراد هنا وفيه تجويز للكي إذا ظنت منفعته ودعت إليه حاجة والنهى عنه في بعض المواضع إنما هو إذا وجد عنه غني وينبغي أن يؤخر العلاج به حتى تدعو الضرورة إليه لما فيه من استعجال الألم الشديد في دفع ألم قد يكون أضعف منه ومن المشهور آخر الدواء الكي (قلت ونسقي) المريض (هذه السموم الأسمحيقون والغاريقون) في الأمراض التي نظن أنهما نافعان لها بالتجربة وفي القاموس غاريقون أو أغاريقون: أصل نبات أو شئ يتكون في الأشجار المسوسة، ترياق للسموم، مفتح مسهل للخلط الكدر مفرح صالح للنسا والمفاصل ومن علق عليه لا تلسعه عقرب. (قال: لا بأس، قلت: انه ربما مات قال: وإن مات) فيه تجويز للطبيب الماهر الحاذق علما

[ 253 ]

وعملا في المعالجة وإن انجرت إلى الموت لكن بشرط تشخيص المرض وسببه مع عدم التقصير في تفتيش أحوال المريض واستعمال الأدوية على القانون المعتبر، ولا ينافي الجواز ضمانه المشهور بين الأصحاب، وتفصيل الاختلاف في الضمان ومواضعه ومواضع عدمه في كتب الفروع (قلت: نسقي عليه النبيذ) المراد بالنبيذ هنا: الشراب المسكر سواء اتخذ من التمر أو الزبيب أو العسل أو العنب أو غيرها، قال في النهاية: يقال للخمر: المعتصر من العنب نبيذكما يقال للنبيذ: خمر (قال ليس في حرام شفاء) دل هذا وأمثال ما روى أن الله تعالى لم يجعل في شئ مما حرم الله دواء ولا شفاء وأن من اكتحل بميل من مسكر كحله الله بميل من نار " على أنه لا يجوز التدواي به واستعماله مطلقا طلاء واكتحالا وأكلا وشربا ومفردا ومركبا واختيارا واضطرارا، قال العلامة في الإرشاد: يباح للمضطر وهو خائف التلف لو لم يتناول أو المرض أو عسر علاجه أو الضعف عن مصاحبة الرفقة مع خوف العطب عند التخلف أو عن الركوب المؤدي إلى الهلاك تناول كل المحرمات إلا الباغي وهو الخارج على الإمام والعادي وهو قاطع الطريق، ثم قال بعد ثلاثة أسطر: ولا يجوز التداوي بشئ من الأنبذة ولا بشئ من الأدوية معها شئ من المسكر أكلا وشربا ويجوز عند الضرورة التدواي به للعين، والظاهر أن كلامه الثاني لكونه دالا على عدم جواز الاستعمال أكلا وشربا عند الضرورة في غير العين ينافي الأول لدلالته على جواز تناول كل المحرمات عند الضرورة من غير فرق بين الخمر وغيرها من المحرمات الأنبذة وغير الأنبذة والقول بأنه رجوع عن الأول بعيد وحمل كل المحرمات على غير الأنبذة أبعد، وقال الشهيد الثاني: جواز تناول المحرمات غير الخمر عند الاضطرار موضع وفاق، وأما الخمر فقد قيل بالمنع مطلقا وبالجواز مع عدم قيام غيرها مقامها، وهو ظاهر عبارة العلامة في الإرشاد وكأنه أراد بها العبارة الأولى ومصرح الدروس جواز استعمالها للضرورة مطلقا. ونقل عن الشهيد الأول أنه حمل رواية المنع على الاختيار وعن العلامة أنه حملها على طلب الصحة لا طلب السلامة من التلف، وقيل: الرواية دلت على أنه ليس فيما اتصف بالحرمة شفاء والحرام عند الضرورة وانحصار الدواء فيه ليس حراما بل حلال وهذا القول مع أن قائله غير معلوم بعيد جدا لأن الغرض من الرواية هو منع استعماله كما لا يخفى وللكلام في الطرفين مجال واسع. (قد اشتكى رسول الله (صلى الله عليه وآله)) أي أصابه داء (فقالت عائشة بك ذات الجنب) قال القرطبي: ذات الجنب: هو الوجع الذي يكون في الجنب المسمى بالشوصة، وقال الترمذي: هي السل وفيه بعد والأول هو المعروف وقال ابن الاثير: ذات الجنب: هي الدبيلة والدمل الكبيرة التي تظهر في باطن الجنب فتنفجر الى داخل وقلما يسلم صاحبها وذو الجنب الذي يشتكي بسبب الدبيلة إلا أن ذو للمذكر وذات للمؤنث وصارت ذات الجنب علما لها وإن كانت في الأصل صفة مضافة (فقال:

[ 254 ]

أنا أكرم على الله من أن يبتليني بذات الجنب) أما لأنها قاتلة أو لأن باطنه أطهر من أن يبتلي بها ويتدنس بقيحها أو لغير ذلك (فأمر فلد بصبر) وهو من السموم كالإسمحيقون والغاريقون واللدود كصبور: ما يسقاه المريض في أحد شقي الفم ولديد الفم جانباه وقد لده لدا. * الأصل: 230 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن يونس بن يعقوب قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يشرب الدواء ويقطع العرق وربما انتفع به، وربما قتله ؟ قال: يقطع ويشرب. * الشرح: قوله: (الرجل يشرب الدواء ويقطع العرق. انتهى) المراد بقطع العرق فصده وهو شقه وهذا كالسابق في تجويز العمل بالقوانين الطبية على الشرائط المذكورة. * الأصل: 231 - أحمد بن محمد بن الكوفي، عن علي بن الحسن بن علي بن فضال، عن محمد بن عبد الحميد، عن الحكم بن مسكين، عن حمرة بن الطيار قال: كنت عند أبي الحسن الأول (عليه السلام) فرآني أتأوه فقال: مالك ؟ قلت: ضرسي، فقال: لو احتجمت فاحتجمت فسكن فأعلمته فقال لي: ما تدواى الناس بشئ خير من مصة دم أو مزعة عسل، قال: قلت: حعلت فداك ما المزعة [ من ] عسل ؟ قال: لعقة عسل. * الشرح: قوله: (ضرسي) ضرس بالكسر السن وهوا ما فاعل أو مبتدأ أي وجع ضرسي أو ضرسي وجع (فقالوا لو احتجمت) لو للتمني أو للشرط على حذف الجزاء أي لنفعك (فقال لي: ما تداوي الناس بشئ خير من مصة دم أو مزعة عسل) المزعة بالفتح والزاي المعجمة والعين المهملة: مصدر، يقال: مزع القطن مزعة كمنع إذا نفشه وفرقه بأصابعه، وبالضم وبالكسر: اللعقة والجرعة من الماء (قال: لعقة من عسل) لعقه كسمعه لعقة ويضم لحسه وأخذه بلسانه ومنه فلان لعق الأصابع والقصعة إذا لحس ولطع ما عليها من أثر الطعام واللعوق كصبور اسم ما يلعق به أي يؤكل بالملعقة ومثل هذا الحديث رواه مسلم عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " أن كان في شئ من أدويتكم خير ففي شرطة محجم أو شربة من عسل " قال محيى الدين المحجم بكسر الميم الحديدة التي يشرط بها موضع الحجامة وقال القرطبي: هو الوعاء الذي يجمع فيه موضع الحجامة ويجمع فيه الدم وقد يطلق على الحديدة التي يشرط بها وهي المراد بها وهي المراد هنا، ثم قال محيي الدين: هذا من بديع علم الطب لمن عرفه فإن الأمراض الامتلائية اما دموية أو صفراوية أو سوداوية أو بلغمية فالدموية: شفاؤها بإخراج الدم والثلاثة الباقية شفاؤها بالإسهال بالمسهل الذي يليق بكل خلط منها فنبه (عليه السلام)

[ 255 ]

بالحجامة على إخراج الدم ويدخل الفصد ووضع العلق وغيرهما مما في معناهما ونبه بالعسل على المسهلات وإنما خصت المذكورات بالذكر لأنها أنفع. * الأصل: 232 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن بكر بن صالح، عن سليمان بن جعفر الجعفري قال: سمعت أبا الحسن موسى (عليه السلام) يقول: دواء الضرس: تأخذ حنظلة فتقشرها ثم تستخرج دهنها فإن كان الضرس مأكولا منحفرا تتقطر فيه قطرات وتجعل منه في قطنة شيئا وتجعل في جوف الضرس وينام صاحبه مستلقيا يأخذه ثلاث ليالي فإن كان الضرس لا أكل فيه وكانت ريحا قطر في الاذن التي تلي ذلك الضرس ليالي، كل ليلة قطرتين أو ثلاث قطرات يبرأ بإذن الله، قال: وسمعته يقول: لوجع الفم والدم الذي يخرج من الأسنان والضربان والحمرة التي تقع في الفم، تأخذه حنظلة رطبة قد اصفرت فتجعل عليها قالبا من طين، ثم تثقب رأسها وتدخل سكينا جوفها فتحك برفق، ثم تصب عليها خل تمر حامضا شديد الحموضة ثم تضعها على النار فتغليها غليانا شديدا، ثم يأخذ صاحبه منه كلما احتمل ظفره فيدلك به فيه ويتمضمض بخل وإن أحب أن يحول ما في الحنظلة في زجاجة أو بستوقة فعل وكلما فني خله أعاد مكانه وكلما عتق كان خيرا له إن شاء الله. * الشرح: قوله: (تأخذ حنظلة فتقشرها ثم تستخرج دهنها. انتها) في القاموس الحنظل: معروف والمختار منه أصفره، شحمه يسهل البلغم الغليظ المنصب في المفاصل شربا والقاؤه في الحقن نافع للماليخوليا والصرع، والوسواس، وداء الثعلب، والجذام، ومن لسع الافاعي، والعقارب لا سيما أصله، ولوجع السن تبخرا بحبه، ولقتل البراغيث رشا بطبيخه، وما على شجرة حنظلتة واحدة قتاله، والقشر بالكسر: الجلد وغشاء الشئ قشره يقشره ويقشره إذا كشط قشره، والدهن بالضم: الرطوبة اسم من دهنه إذا بله، وبالكسر: الشئ القاتل، والضربان: الاضطراب والتحرك ووثوب العرق والجرح وتموجهما والقالب بكسر اللام وفتحها: أكثر معروف ولعل المراد بخل خمر الخل العنبي واحتمال إرادة ما كان أصله خمرا بعيد والبستوقة بالضم: من الفخار معرب " بستو " كذا في المغرب. * الأصل: 233 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن ابن فضال، عن الحسن بن أسباط، عن عبد الرحمن بن سيابة قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت لك الفداء إن الناس يقولون: إن النجوم لا يحل النظر فيها وهي تعجبني فإن كانت تضر بديني فلا حاجة لي في شئ يضر بديني

[ 256 ]

وإن كانت لا تضر بديني فوالله إني لأشتهيها وأشتهي النظر فيها ؟ فقال: ليس كما يقولون، لا تضر بدينك، ثم قال: إنكم تنظرون في شئ منها كثيرة لا يدرك وقليله لا ينتفع به، تحسبون على طالع القمر، ثم قال: أتدري كم بين المشتري والزهرة من دقيقة ؟ قلت: لا والله قال: أفتدري كم بين الزهرة وبين القمر من دقيقة ؟ قلت: لا، قال: أفتدري كم بين الشمس وبين السنبلة من دقيقة ؟ قلت: لا والله ما سمعته من أحد من المنجمين قط، قال: أفتدري كم بين السنبلة وبين اللوح المحفوظ من دقيقة قلت: لا والله ما سمعته من منجم قط، قال: ما بين كل واحد منهما إلى صاحبه ستون - أو سبعون - دقيقة، شك عبد الرحمن، ثم قال: يا عبد الرحمن هذا حساب إذا حسبه الرجل ووقع عليه عرف القصبة التي وسط الأجمة وعدد ما عن يمينها وعدد ما عن يسارها وعدد ما خلفها وعدد ما أمامها حتى لا يخفى عليه من قصب الأجمة واحدة (1). * الشرح: قوله: (فقال: ليس كما يقولون لا تضر بدينك) لأنها لا تنافيه ولا تستلزم ما ينافيه وما ورد في


1 - حاصل مفاد الحديث جواز النظر في النجوم سواء كان في الأحكام أو في الحساب، وإن كانت الأحكام مما لا يعتمد عليه لكن بطلان الشئ غير حرمته وهذا هو مذهب المحصلين من علمائنا، وذهب بعضهم إلى حرمة التعلم ولكن في الحديث أمور لا يمكن أن ينسب إلى الإمام المعصوم (عليه السلام)، ويجب حمله على تحريف بعض الرواة فيما سمع وروي كما هو العادة في نقل العلوم إذا كان الناقل لا بصيرة له وقد ذكرنا تفصيل ذلك في حاشية الوافي ونشير إليه هنا إشارة إجمالية، ونقول: الفواصل بين السيارات ليست مقدارا ثابتا سواء كانت بحسب الدرجات والدقائق أو بحسب المسافة الطولية والبعد وليس هذا مما تختلف فيه في الهينة القديمة والحديثة والمراد في الحديث الفاصلة بحسب الدرجات فقد يكون بين السيارتين نصف الدوران، أعني مائة وثمانين درجة كما يشاهد بين القمر حالة البدر والشمس وقد يجتمعان في درجة واحدة ليس بينهما فاصلة كما في المحاق، وكذلك غيرهما من السيارات وأما تعيينها في كل يوم وساعة فأسهل الأمور على المنجمين ويمكنهم أن يعلموا الفواصل ويضبطون ذلك في حاشية التقاويم. أن في اليوم الفلاني والساعة الفلانية بين القمر والزهرة تسديسا أو تثليثا أو تربيعا أو مقابلة أو اقترانا ولا فرق عندهم بين أن يذكروا ذلك باعتبار الدرجة أو الدقيقة، إذ من المعلوم أن الدرجة ستون دقيقة وكلما كان بين السيارتين بحسب الدرجة يضرب في الستين يحصل الدقيقة واستصعاب الراوي هذه الأمور يدل على عدم خبرته وبصيرته وأسهل من جميع ذلك تعيين الفاصلة بين الشمس والسنبلة سواء أريد بها البرج أو الكوكب إذ يحسب المنجم بسهولة موضع الشمس من البروج فإذا كانت مثلا في أول السرطان كانت الفاصلة بينها وبين أول السنبلة ستين درجة، ولا يخفى ذلك على العوام أيضا. إلا أن يكون بدل السنبلة السكينة كما في بعض النسخ. وزعم بعض من لا خبرة له أن تخطئة الإمام (عليه السلام) مبنية على بناء المخاطب على الهيئة القديمة وهو غلط إذ لا فرق في هذه الأمور بين الهيئة القديمة والجديدة وأن أردت تفصيل ذلك أكثر من هذا فراجع الى الوافي. وأما الحسن بن أسباط في الإسناد فلم أر اسمه إلا في هذه الرواية وهو مجهول جدا (ش). (*)

[ 257 ]

بعض الروايات من ذمها وذم أهلها وهو متمسك من قال: لا يحل النظر فيها محمول على أنه علم لا يدرك كله فيظن أهله أن الحكم مترتب على المدرك، وأنه مستقل فيه والحال أنه مترتب على مجموع المدرك وغير المدرك أو أن غير المدرك مانع منه وهذا جهل، ولهذا يتخلف الحكم في كثير من المواضع أو على أن ذلك إذا اعتقد أن الآثار الفلكية علة مستقلة على ما يترتب عليها وأما إذا اعتقد أن ذلك من الفاعل الحقيقي عند تلك الآثار فلا تضر أو على أنها ليست من العلوم الدينية المطلوبة للشارع النافعة في الآخرة فصرف الفكر في تحصيله المانع من صرفه في تحصيل تلك العلوم موجب لذمها (ثم قال: إنكم تنظرون في شئ منها كثيرة لا يدرك) لأن عقول البشر إلا المؤيد من عند الله تعالى قاصر عن الوصول إليه. (وقليلة) الذي يدرك لا ينتفع به) ولا يمكن القطع بترتب الحكم عليه لاحتمال أن يكون له ضد أقوى منه يقتضي نقيض ذلك الحكم أو يكون ذلك المدرك جزء سبب لذلك الحكم أو يكون هناك مانع من التأثير (تحسبون على طالع القمر) ونظراته مع السيارات بالتربيع والتثليث والمقابلة مثلا وتغفلون عن النسب الكثيرة الواقعة في نفس الأمر الدالة على أحكام كثيرة (ثم قال: أتدري كم بين المشترى والزهرة من دقيقة ؟ انتهى) الظاهر أنه أراد بهذه النسب المذكورة النسب الواقعة عند السؤال، وإلا فالظاهر أنها قد تزيد وتنقص وتنتفي بحسب التفاوت في القرب والبعد والاجتماع وأن الاحكام تختلف باختلافها (ثم قال: يا عبد الرحمن هذا حساب إذا حسبه الرجل) أي عده من باب نصر ووقع عليه من جميع جوانبة وأحاطه به علمه (عرف القصبة التي وسط الأجمة. انتهى) الأجمة محركة: الشجر الكثير الملتف والجمع أجم بالضم وبضمتين وبالتحريك وآجام وأجام واجمات، والمراد بالرجل العالم الماهر بعلم النجوم المحيط علمه بحقايقها فأنه عرف النسب المخصوصة والمناسبة بينهما وحسب بالحساب المعلوم عنده ينتقل ذهنه اللطيف منها إلى ما في اللوح المحفوظ من صور الكائنات وترتيبها ومواضعها وعددها وكيفيتها وسائر أحوالها المثبتة فيه حتى لا يخفى عليه ما في وسط الأجمة من القصبة الى آخره ولا يبعد أن يكون بناء ما ذكره أمير المؤمنين (عليه السلام) من أنه كان عالما بما في الشرق والغرب وعدد الرمال ومدر الأرض على هذا الحساب لأن المبادي والمقدمات والنسب والحساب المتعلق بها مع المطالب وهي ما في اللوح من العلوم كانت في نفسه القدسية معا والله يعلم. * الأصل: 234 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب قال: أخبرنا النضر بن قرواش الجمال قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الجمال يكون بها الجرب أعزلها من إبلي مخافة أن يعديها جربها والدابة ربما صفرت لها حتى تشرب الماء فقال أبو عبد الله (عليه السلام): إن

[ 258 ]

أعرابيا، أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله إني اصيب الشاة والبقرة والناقة بالثمن اليسير وبها جرب فاكره شراءها مخافة أن يعدي ذلك الجرب إبلي وغنمي، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا أعرابي فمن أعدى الأول، ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا عدوى، ولا طيرة (1) ولا هامة، ولا شوم، ولا صفر، ولا رضاع بعد فصال، ولا تعرب بعد هجرة، ولا صمت يوما إلى الليل، ولا طلاق قبل نكاح، ولا عتق قبل ملك، ولا يتم بعد إدراك. * الشرح: قوله: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الجمال يكون بها الجرب أعزلها من إبلي مخافة أن يعديها جربها) ضمير يعديها للإبل، وجربها للجمال، يقال أعداه الداء يعديه أعداء: إذا أصابه مثل ما بصاحب الداء بسبب المخالطة فعزلها من أبله حذرا أن يتعدى جربها إلى إبله فيصيبها ما أصابها (والدابة ربما صفرت لها حتى تشرب الماء) صفرت من الصفير: وهو الصوت بالشفتين والفم (فقال أبو عبد الله (عليه السلام): إن أعرابيا أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله)) قال الشيخ في الأربعين: الأعرابي بفتح الهمزة: منسوب إلى الأعراب: وهم سكان البادية خاصة، ويقال لسكان الأمصار: عرب، وليس الأعراب جمعا للعرب بل هو مما لا واحد له نص عليه في الصحاح، وقال صاحب النهاية: الأعراب: ساكني البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار ولا يدخلونها إلا لحاجة والعرب اسم لهذا الجيل المعروف من الناس، ولا واحد له من لفظه سواء أقام بالبادية أو المدن والنسبة إليها أعرابي وعربي (فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا أعرابي فمن أعدى الأول) أي من أين صار إليه الجرب فرد ما ظنه من أن المرض بنفسه يتعدى وأعلمه بأنه ليس كذلك وإنما الله هو الذي يمرض وينزل


1 - " لا عدوى ولا طيره " ومما لا ريب فيه أن بعض الأمراض معدية، وأثبت ذلك التجربة والحس، وحمل أهل التحصيل هذا الحديث على أن المقصود ليس إنكار السراية أصلا بل إنكار الاعتقاد بأن الأمور الطبيعية مستقلة في التأثير وأن العدوى ليست علة تامة وقضية كلية بل قضية مهملة وعلة ناقصة قد يتخلف ولا يدعي الأطباء أيضا كليتها إذ قد يقع الأمراض الوبائية في بلد وتنجو منه الأكثر وقد ينسب ابو هريرة راوي الخبر من طرق العامة إلى السهو والخطأ ويقال: قيل له: أنت قد رويت خلاف ذلك فتعتع وبالجملة فلا ينبغي الشك في أن ظاهر الحديث غير مراد أو أصله غير صحيح وذكر وذكر السديدي هذا الشعر في الأمراض الموروثة والمعدية: متوارث الأمراض عد حروفها بنساجمد * وحروف جبرق حج وج تعدي الجسد في الامراض المتوارثة الباء البرص * والنون: النقرس، والسين: السل، والألف أبليميا: وهو الصرع، والجيم: الجذام، والميم: المانيا نوع من الجنون، والدال: الدق، وفي المعدية الجيم: الجرب، والباء: البخر، والراء: الرمد، والقاف: القروح العفنة، والحاء: الحصبة (سرخجة)، والجيم: الجدري، والواو: الوباء، والجيم: الجذام. (ش) (*)

[ 259 ]

الداء. ومثله رواه مسلم عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال " لا عدوى ولا صفر ولا هامة " فقال أعرابي: يا رسول الله فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء فيجئ البعير الأجرب فيدخل فيها فيجر بها كلها ؟ " قال: فمن أعدى الأول " قال صاحب إكمال الاكمال في شرحه: انقدح في نفس الأعرابي شبهة العدوى والسراية يعني اعتقد أن الإبل تجرب أن دخلها البعير الجرب فأزالها (عليه السلام) بقوله " فمن أعدى الأول " يعني أن جربت الإبل لهذا الداخل فالداخل أن جرب لأنه عدي عليه جرب بعير آخر تسلسل لا إلى نهاية والتسلسل باطل وإن كان لأن الله أجر به فكذلك تلك الإبل وهذا النوع من الاستدلال الذي أشار إليه (عليه السلام) هو عمدة المتكلمين في الرد على القائلين بالقدم حيث قالوا: الحوادث لا أول لها لان كل ولد مسبوق بوالدو كل زرع مسبوق ببذر وحركة الفلك اليوم مسبوقة بحركته أمس وهكذا إلى ما لا نهاية له، ورد عليهم المتكلمون بأنه يؤدي إلى التسلسل، كما أشار إليه في الحديث. وهم أجابوا عن ذلك بأن التسلسل المحال إنما هو فيما بين آحاد ترتب طبيعي كالعلل والمعلولات فعندهم أن معلولا عن علة لا إلى نهاية محال وأما التسلسل في الأمثلة المذكورة فليس بمحال وقام البرهان عند أهل الحق أنه لا فرق في استحالته بين الأمرين ولا يمكن أن يحتج بعدم الفرق بحديث فمن أعدى لأنه من باب العلة والمعلول الذي يوافقونا في استحالته لأن الأعرابي جعل جرب الإبل معلولا لجرب الداخل وانما قال: فمن أعدى دون ما أعدى وهو الظاهر ليجاب بقول الله وذكر أعدى للمشابهة والازدواج كما في قوله كما تدين تدان انتهى، وقال الطيبي العدوي تجاوز العلة عن صاحبها إلى غيره يقال: عدي فلانا في علته، والأطباء يجعلون ذلك في سبع علل في الجذام والجرب والجدري والحصبة والبخر والرمد والأمراض الوبائية واختلف في قوله (عليه السلام) " لا عدوى " فحمله الأكثر على أن المراد به إبطاله في نفسي كما هو الظاهر، وقيل: ليس المراد به إبطاله، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " فر من المجذوم فرارك من الأسد " وإنما المراد به نفي ما يعتقدونه من أن تلك العلل المعدية مؤثرة بنفسها مستقلة في التأثير فأعلمهم أن الأمر ليس كذلك وإنما هو بمشيئة الله تعالى وفعله وبين بقوله " فر من المجذوم فرارك من الأسد " أن مداواة ذي العلة أحد أسباب العلة فليتق كما يتقي الجدار المائل وقد يرجح هذا القول من حيث أنه يقع به الجمع بين الأحاديث. وأجاب الأولون عن حديث الفرار: بأنه أمر بالفرار من المجذوم خوف أن تقع العلة فيعتقد أن العدوى حق، ثم قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): " لا عدوى " في النهاية العدوى: اسم من الاعداء كالرعوى والبقوى من الإرعاء والإبقاء (ولا طيره) تطيرت من الشئ وبالشئ تشأمت والاسم منه الطيرة

[ 260 ]

مثل الغيبة وهو ما يتشأم به من الفال الردي كذا في الصحاح، وقيل الطيرة بكسر الطاء وفتح الياء: مصدر وقد تسكن الياء والناس كانوا يتشأمون ويتطيرون في السوانح من الطير والذئب والظباء وغيرها من الأشياء التي يجئ ذكرها بعد ذلك فأبطل الشرع حكمها وبين أنها ليس لها تأثير في جلب نفع أو دفع ضرر، وفي عدمهما وقد ذكرنا سابقا ما يناسب هذا المقام فلا يعيده. (ولا هامة) قال في النهاية: الهامة: الرأس واسم طائر وهو المراد في الحديث وذلك أنهم كانوا يتشأمون بها وهي من طير الليل، وقيل: هي البومة، وقيل: إن العرب كانت تزعم أن روح القتيل الذي لا يدرك بثأره تصير هامة فتقول إسقوني إسقوني فذا أرادك بثاره طارت وقيل كانوا يزعمون أن عظام الميت وقيل روحه تصير هامة فتطير ويسمونه الصدى فنفاه الإسلام ونهاهم عنه انتهى. وقال المازري: المشهور فيي " لا هامة " تخفيف الميم وقيل بالتشديد واختلف في تأويلها ثم ذكر الأقوال التي ذكرها صاحب النهاية وزاد في البومة فقال: وهي الطائر المعروف وكانوا يرون أنها إذا سقطت على دار أحد يراها ناعية لنفسه أو لبعض أهله (ولا شوم) كانوا يعتقدون أن هذه الدار شوم يعني يكون سكناها سببا للضرر والهلاك والإصابة بمكروه إذا شاهدوا ذلك مرارا وان هذا الرجل والمرأة والغلام والفرس شوم لعدم الفوز بالمطالب أو وجدان الضرر عند رؤيتهم أو لغير ذلك فنفاه (عليه السلام) لأنه أمر وهمي لا تأثير له في نفس الأمر ولو فرض تأثير ما فانما هو مستند إلى التوهم ولو أرادوا بشوم الدار: ضيقها أو سوء جوارها أو غير ذلك من الأمور التي توجب نقصان الميل إليها، وبشوم الفرس: نقص كماله، وبشوم الغلام والمراة: عدم موافقتهما إلى غير ذلك من الأمور المنفرة للطبع فذلك أمر آخر أذن الشارع لمن كره شيئا منها أن يتركوا ويستبدل منه ما تطيب به نفسه في بيع الدار والفرس والغلام ويطلق المرأة. فإن قلت: الفاختة شوم كما قال الصادق (عليه السلام) لابنه إسماعيل حين رآها في بيته " هذا الطير المشوم أخرجوه فإنه يقول فقدتكم فافقدوه قبل أن يفقدكم " فكيف يصح نفي الشوم على الإطلاق ؟ قلت شوم الفاختة لأمر محقق وهو الدعاء على صاحب البيت بالهلاك والمقصود نفي الشوم المستند إلى مجرد التوهم وسوء الظن (ولا صفر) قال ابن الاثير: كانت العرب تزعم أن في البطن حية يقال لها الصفر تصيب الإنسان إذا حاع وتؤذية وإنها تعدي فأبطل الإسلام ذلك، وقيل: أراد به النسئ الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية وهو تأخير المحرم إلى صفر ويجعلونه هو الشهر الحرام فأبطله انتهى، وقال عياض: فيه قولان، قال مالك وأبو عبيدة: هو تأخير المحرم إلى صفر وهو النسئ الذي كانوا يحرمونه عاما ويحلونه عاما، وقال جماعة: الصفر: هو دواب البطن كانوا يعتقدون أنها كانت تهيج عند الجوع وربما قتلت وتراها العرب أعدى من الجرب وقيل: إنهم كانوا يشأمون بدخول صفر لكثرة الدواهي والفتن فيه، انتهى، وقال المازري: الصفر: دواب البطن بالدال

[ 261 ]

المهملة والباء الموحدة المشددة وقيل: بالذال المعجمة والتاء المثناة من فوق وله وجه انتهى (ولا رضاع بعد فصال) فلو حصل عدد الرضاع كله أو بعضه بعد الحولين لم ينشر الحرمة ونقل الشهيد الإجماع عليه وخلاف ابن الجنيد لا يقدح لتأخره عنه وللنص. (ولا تعرب بعد هجرة) الهجرة تطلق على معان: الأول: الإنتقال من البدو والقرى وغيرها من المساكن الى المدينة لنصرة النبي (صلى الله عليه وآله) وهي تنقسم إلى قسمين: الأول: إنشاؤها، قيل: الفتح ولا خلاف في وجوبها وتحريم التعرب بعدها وقبل الفتح عند الخاصة والعامة قال الصادق (عليه السلام): " التعريب بعد الهجرة من الكبائر " وقال ابن الأثير: التعرب هو أن يعود إلى البادية ويقيم مع الأعراب بعد أن كان مهاجرا، وكان من رجع بعد الهجرة إلى موضعه من غير عذر يعدونه كالمرتد، وقال: أجمع القوم على حرمة ترك المهاجرة بالرجوع إلى وطنه والخروج إلى البادية محل الأعراب، وأما تعربه بعد الفتح فالظاهر أنه أيضا حرام للاستصحاب والظاهر ما نقلناه عن الصادق (عليه السلام) ويحتمل عدمه لكثرة الناصر وقوة الدين بعد الفتح احتمالا بعيدا والعامة قد اختلفوا في تحريمه بعده، قال الآبي: المجمع على حرمته من التعرب ما كان في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) وقبل الفتح وأما بعده فقيل: يسقط فرض المقام بالمدينة. وثانيهما: إنشاؤها بعد الفتح في حياة النبي (صلى الله عليه وآله) ووجوب الهجرة حينئذ وتحريم التعرب بعدها ما احتمل لتحقق النصرة وعدم وجوبها وعدم تحريمها أيضا محتمل لكثرة الناصر ولم يحضرني الآن قول من علمائنا وحديث من رواياتنا في ذلك واختلفت العامة فيه. قال القرطبي: الهجرة بعد الفتح، قيل: إنها واجبة وقيل: إنها مندوبة، أقول: يدل على الثاني ما رواه مسلم عنه (صلى الله عليه وآله) قال " لا هجرة بعد الفتح " إذ الظاهر أن معناه لا إنشاء هجرة بعده ويبقي النظر في إدامتها على ما مر، الثاني الانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام قال الشهيد الثاني: هذا الحكم باق إلى اليوم إذ لم تنقطع الهجرة بعد الفتح عندنا، أقول قوله " عندنا " يشعر بانقطاع الهجرة بهذا المعنى عند العامة وليس كذلك فإن المازري قال: قال العلماء: إن الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام واجبة إلى قيام الساعة وعلى هذا فلا يجوز لمسلم الدخول بلد الكفر إلا لضرورة في الدين كالدخول لفداء المسلم وقد أبطل مالك شهادة من دخل دار الحرب للتجارة هذا كلامه، الثالث: الانتقال من البدو والقرى إلى الأمصار لتحصيل العلوم وكمالات النفس فإن الغالب من أهل القرى والبدو الجفاء والغلظة والبعد عن العلوم لكن تحريم التعرب بعد الهجرة وتكميل النفس محل الكلام. (ولا صمت يوما إلى الليل)، صوم الصمت: هو أن ينوى الصوم ساكتا، إلى الليل، وهو محرم في شرعنا وأن كان ترك الكلام في جميع النهار غير محرم مع عدم ضمه إلى الصوم في النية.

[ 262 ]

* الأصل: 235 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد الله بن المغيرة، عن عمرو بن حريث قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): الطيرة على ما تجعلها إن هونتها تهونت، وإن شددتها تشددت وإن لم تجعلها شيئا لم تكن شيئا. * الشرح: قوله: (قال أبو عبد الله (عليه السلام) الطيره على ما تجعلها. انتهى) دل على أن الطيرة لا حقيقة لها وأن تأثيرها أمر وهمي فمن كانت له نفس قوية لا يتأثر منها أصلا ومن كانت له نفس ضعيفة وعدها شيئا قد يتأثر منها. * الأصل: 236 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كفارة الطيرة التوكل. * الشرح: قوله: (كفارة لاطيرة التوكل) يعني أن التوكل على الله تعالى وهو تفويض الأمور إليه يدفع تأثيرها في النفس والبدن. * الأصل: 237 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن عمر بن يزيد وغيره، عن بعضهم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) وبعضهم عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله عز وجل: " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم الوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم " فقال: إن هؤلاء أهل مدينة من مدائن الشام وكانوا سبعين ألف بيت وكان الطاعون يقع فيهم في كل أوان، فكانوا إذا أحسوا به خرج من المدينة الأغنياء لقوتهم وبقي فيها الفقراء لضعفهم، فكان الموت يكثر في الذين أقاموا ويقل في الذين خرجوا فيقول الذين خرجوا لو كنا أقمنا لكثر فينا الموت ويقول الذين أقاموا: لو كنا خرجنا لقل فينا الموت، قال: فاجتمع رأيهم جميعا أنه إذا وقع الطاعون فيهم وأحسوا به خرجوا كلهم من المدينة فلما أحسوا بالطاعون خرجوا جميعا وتنحوا عن الطاعون حذر الموت فساروا في البلاد ما شاء الله. ثم إنهم مروا بمدينة خربة قد جلا أهلها عنها وأفناهم الطاعون فنزلوا بها فلما حطوا رحالهم وأطمأنوا بها، قال لهم الله عز وجل: موتوا جميعا، فماتوا من ساعتهم وصاروا رميما يلوح وكانوا على طريق المارة فكنستهم المارة فنحوهم وجمعوهم في موضع فمر بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له حزقيل، فلما رأى تلك العظام بكي واستعبر، وقال: يا رب لو شئت لأحييتهم

[ 263 ]

الساعة كما أمتهم فعمروا بلادك وولدوا عبادك وعبدوك مع من يعبدك من خلقك فأوحى الله تعالى إليه: أفتحب ذلك ؟ قال: نعم يا رب فاحيهم قال: فأوحى الله عز وجل إليه أن قل: كذا وكذا، فقال الذي أمره الله عز وجل أن يقوله، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): وهو الاسم الأعظم فلما قال: حزقيل ذلك الكلام نظر إلى العظام يطير بعضها إلى بعض فعادوا أحياء ينظر بعضهم إلى بعض يسبحون الله عز ذكره ويكبرونه ويهللونه، فقال حزقيل عند ذلك: أشهد أن الله على كل شئ قدير. قال عمر بن يزيد: فقال أبو عبد الله (عليه السلام): فيهم نزلت هذه الآية. * الشرح: قوله: (وكان الطاعون يقع في كل أوان. انتهى) في طريق العامة أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " الطاعون: غدة كغدة البعير تخرج في المراق والأباط " وقال بعضهم: هذا هو الغالب وقد تخرج في الأيدي والأصابع وقيل: الوباء والطاعون واحد، وقيل: الطاعون: القروح التي تخرج كما ذكر، والوباء: كل مرض عام يعم الكثير من الناس في جهة دون جهة خلاف المعتاد من أمراض الناس في ساير الأوقات وقد يسمى طاعونا لشبهه به في أنه مهلك فكل طاعون وباء ولا ينعكس (وصاروا رميما يلوح): أي يظهر ويبرق المراد بالرميم هنا العظم الخالص (فمر بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له حزقيل) حزقل: كزبرج وزنبيل بالحاء المهملة والزاي المعجمة اسم نبي من الأنبياء (عليهم السلام). * الأصل: 238 - ابن محبوب، عن حنان بن سدير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال قلت: له أخبرني عن قول يعقوب (عليه السلام) لبنيه (اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه) أكان يعلم أنه حي وقد فارقه منذ عشرين سنة ؟، قال: نعم، قال قلت: كيف علم ؟ قال إنه دعا في السحر وسأل الله عز وجل أن يهبط عليه ملك الموت فهبط عليه بريال وهو ملك الموت، فقال له بريال: ما حاجتك يا يعقوب ؟ قال: أخبرني عن الأرواح تقبضها مجتمعة أو متفرقة ؟ قال: بل أقبضها متفرقة روحا روحا. قال له: فأخبرني هل مر بك روح يوسف فيما مر بك ؟ قال: لا، فعلم يعقوب أنه حي فعند ذلك قال لولده: " اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ". * الشرح: قوله: (فتحسسوا من يوسف وأخيه): أي استمعوا لحديث القوم منهما واطلبوا خبرهما تقول تحسست من الشئ إذا تخبرت خبره. * الأصل: 239 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن محمد بن الحصين، عن خالد بن يزيد القمي، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل

[ 264 ]

" وحسبوا ألا تكون فتنة " قال: حيث كان النبي (عليه السلام) بين أظهرهم " فعموا وصموا " حيث قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) " ثم تاب الله عليهم " حيث قام أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: " ثم عموا وصموا " إلى الساعة. * الشرح: قوله: (وحسبوا أن لا تكون فتنة. انتهى): أي حسبوا أن لا تكون فتنة في الدين وخروج منه في حياة النبي (صلى الله عليه وآله)، فعموا عن الدين والهدى وصموا عن استماع الحق عند قبضه (صلى الله عليه وآله) ثم تابوا ورجعوا إلى الحق والهدى، فتاب الله عليهم، وقيل: توبتهم عند قيام علي (عليه السلام) بالخلافة ثم عموا وصموا إلى قيام القائم (عليه السلام)، والمقصود أن حكم الآية كلي صادق على كل من كان على الحق فرجع عنه ثم عاد إليه ثم رجع عنه والمذكورون من هذه الأمة من جملتهم فلا يرد أن الآية في ذم بني إسرائيل بقرينة السابق واللاحق. * الأصل: 240 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن أبي عبيدة الحذاء عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل: " لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم " قال: الخنازير على لسان داود والقردة على لسان عيسى بن مريم (عليهما السلام). * الشرح: قوله: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم. انتهى) لما اعتدى أهل أيلة في السبت لعنهم داود (عليه السلام) فمسخهم الله خنازير، ولما كفر أصحاب المائدة لعنهم عيسى (عليه السلام) فمسخهم الله قردة، وصرح بعض المفسرين بالعكس والحديث دليل على الأول. * الأصل: 241 - محمد ين يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن محمد بن أبي حمزة، عن يعقوب بن شعيب، عن عمران بن ميثم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قرأ رجل على أمير المؤمنين (عليه السلام) " فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " فقال: بلى والله لقد كذبوه أشد التكذيب ولكنها مخففة: " لا يكذبونك ": لا يأتون بباطل يكذبون به حقك. * الشرح: قوله: (قرأ رجل على أمير المؤمنين (عليه السلام): فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) الظاهر أن الرجل أراد بآيات الله أمير المؤمنين (عليه السلام) والأئمة (عليهم السلام) وقد روي تفسيرها بهم ولا ينافيه صدقها على آيات القرآن أيضا (فقال: بلى والله لقد كذبوه أشد التكذيب) وهو التكذيب

[ 265 ]

على وجه المبالغة والإصرار عليه فلا ينبغي قراءة " لا يكذبونك " بالتشديد لأنه خلاف الواقع لوقوعه فيه بل ينبغي أن يقال بالتخفيف من أكذبه إذا بين كذبه بدليل كما أشار إليه بقوله (ولكنها مخففة) من أكذبه، قال بعض المفسرين: قرأ نافع والكسائي بالتخفيف من أكذبه والضمير في لكنها راجع إلى لا يكذبونك والتأنيث باعتبار الكلمة أو الصيغة أو إلى الآية والتخفيف باعتبار جزئها، ثم أشار إلى حاصل المعنى بقوله (لا يكذبونك لا يأتون بباطل يكذبون به حقك) يكذبون به حقك أما من أكذبه إذا وجده كاذبا مثل أبخلته أو من كذبه تكذيبا إذا نسبه إلى الكذب مثل فسقته فمعنى لا يكذبونك من أكذبه أنهم لا يأتون بباطل أي بأمارة باطلة وشبهة كاذبة يجدون به حقك كاذبا أو ينسبونه إلى الكذب هذا ما خطر بالبال والله يعلم حقيقة كلامه وكلام وليه. * الأصل: 242 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان بن يحيى، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن قول الله عز وجل: " ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال اوحي إلي ولم يوح إليه شئ " قال: نزلت في ابن أبي سرح الذي كان عثمان استعمله على مصر وهو ممن كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم فتح مكة هدر دمه وكان يكتب لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فإذا أنزل الله عز وجل " إن الله عزيز حكيم " كتب " إن الله عليم حكيم " فيقول له رسول الله (صلى الله عليه وآله): دعها فان الله عليم حكيم وكان ابن أبي سرح يقول للمنافقين. إني لأقول من نفسي مثل ما يجئ به فما يغير علي فأنزل الله تبارك وتعالى فيه الذي أنزل. * الشرح: قوله: (قال: نزلت في ابن أبي سرح) اسمه عبد الله بن سعد بن أبي سرح الأموي الذي كان عثمان استعمله على مصر لقرابته مع أنه كان في عهد الشيخين مطرودا (وهو ممن كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم فتح مكة هدر دمه) هدر من باب ضرب ونصر هدرا بالتسكين والتحريك لازم ومتعد (وكان يكتب القرآن) عند نزوله لرسول الله (صلى الله عليه وآله) (فإذا أنزل الله عز وجل أن الله عزيز حكيم، كتب: الله عليم حكيم، فيقول له رسول الله (صلى الله عليه وآله): دعها) أي أسقطها واتركها (فإن الله عليم حكيم) في الواقع ولكن المنزل أن الله عزيز حكيم فاكتب ما نزل، وقيل معناه دعها بحالها فإنها سترجع إلى ما نزل بأمر الله تعالى وأيده بأنه ذكر بعض المفسرون أنه قد يتغير من الغيب بقدرة الله تعالى لفظ عليم بلفظ عزيز بدون أن يكتبه كاتب. أقول آخر هذا الحديث أيضا يؤيده والله يعلم، قال القاضي: كان عبد الله بن سعد بن أبي سرح يكتب لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ولما نزلت " ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين " فلما بلغ قوله تعالى " ثم أنشأناه خلقا آخر " قال عبد الله: تبارك الله أحسن الخالقين تعجبا من تفصيل خلق الإنسان فقال (عليه السلام) اكتبها كذلك نزلت، فشك عبد الله وقال: لئن كان محمد صادقا لقد

[ 266 ]

أوحى إلي كما أوحي إليه، ولئن كان كاذبا لقد قلت كما قال. ولبعض علماء العامة كلام دال على جملة من قبايح عثمان في نصب ابن أبي السرح ورعاية حاله حتى صار ذلك سببا لقتله فلا بأس أن نذكره بطوله فنقول: قال أبو عبد الله في كتاب إكمال الإكمال: ذكر البياسي أن ابن شهاب قال: قلت لابن المسيب: ألا تخبرني كيف قتل عثمان قال: انه لما ولى كره جماعة من الصحابة ولايته لأنه كان كلفا بأقاربه يولي منهم ثم يجئ منهم ما يسوءه فلا يعزلهم وكان ولى ابن أبي سرح مصر فظلم أهلها وقدموا على عثمان يشكون له فلم يعزله فضرب ابن أبي سرح رجلا ممن أتى عثمان فقتله فخرج أهل مصرفي سبعمائة راكب حتى أتوا المدينة فنزلوا في المسجد وشكوا إلى أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما صنع ابن أبي سرح، فدخل عليه طلحة وكلمه كلاما شديدا وأرسلت إليه عائشة وإنه قد سألك أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن عزل هذا الرجل فأبيت وقد أدعوا عليه دما فاعزله واقض بينهم وإن وجب عليه حق فأنصفهم منه. فقال لهم عثمان: اختاروا رجلا نوله عليكم مكانه فاختاروا محمد بن أبي بكر فكتب له وخرج في جماعة من المهاجرين والأنصار لينظروا فيما بين أهل مصر وابن أبي سرح فلما بعدوا من المدينة بثلاثة أيام إذا هم بغلام أسود على بعير يسرع كأنه يطلب أو يطلب، فقالوا ما شأنك كانك طالب أو هارب ؟ فقال: أنا غلام أمير المؤمنين بعثني إلى أمير مصر، فقالوا: هذا أمير مصر، فقال: ليس هذا أريد فأتوا به إلى محمد بن أبي بكر فجعل مرة يقول أنا غلام أمير المؤمنين ومرة أنا غلام مروان بن الحكم فعرفه رجل أنه غلام عثمان، وأنكر أن يكون معه كتاب ففتش فوجد معه كتاب فجمع محمد من معه من المهاجرين والأنصار وغيرهم ففتحوا الكتاب فإذا فيه: إذا أتاك محمد وفلان وفلان وفلان فاحتل لقتلهم، وأبطل كتابهم، وقر على عملك حتى يأتيك أمري، واحبس من جاء يتظلم منك حتى يأتيك أمري، فختموا الكتاب بخواتم القوم ورجعوا إلى المدينة وجمعوا عليا ومن بها من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم فك الكتاب بمحضرهم وأخبرهم بقصة الغلام فلم يبق أحد من أهل المدينة إلا خنق وزاد غضب من غضب لابن مسعود من عشيرته هذيل لضربه إياه حتى كسر ضلعيه ولأبي ذر من عشيرته غفار لضربه إياه وإخراجه إلى الربذة، ولعمار من عشيرته بني مخزوم لضربه إياه حتى فتق، فاجتعموا وأحاطوا داره وحاربوا مدة ثم دخل فيها محمد بن أبي بكر مع جماعة فقتلوه، وقال القرطبي: ألقوه بعد القتل على مزبلة ثلاثة أيام لم يقدر أحد على دفنه حتى جاء جماعة بالليل فحملوه ودفنوه بالبقيع وعمي قبره حتى لا يعرف، ونسب أهل الشام قتله إلى علي وهذا كذب محض انتهى. وقال ابن العربي كان المكاشفون بالحصار والإنكار أربعة آلاف.

[ 267 ]

* الأصل: 243 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن اذينة، عن محمد بن مسلم قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): قول الله عز وجل: " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله " فقال: لم يجئ تأويل هذه الآية بعد، إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) رخص لهم لحاجته وحاجة أصحابه فلو قد جاء تأويلها لم يقبل منهم لكنهم يقتلون حتى يوحدوا الله عز وجل، وحتى لا يكون شرك. * الشرح: قوله: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة): أي لا توجد فيهم شرك ونفاق واختلاف (ويكون الدين كله لله) ويرتفع بينهم الأديان الباطلة والمذاهب المختلفة والعقائد الفاسدة (فقال: لم يجئ تأويل هذه الآية بعد) تأويلها ظهور القايم (عليه السلام) وفي كتب العامة أيضا ما يشعر بذلك روي مسلم بإسناده عن عائشة قالت: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول " لا تذهب الليل والنهار حتى يعبد اللات والعزى، فقلت: يا رسول الله إن كنت لا ظن حين أنزل الله عز وجل " هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق إلى قوله ولو كره المشركون " إن ذلك تام، قال: أنه سيكون ذلك ما شاء الله " وحاصل هذا الجواب إنما دلت عليه الآية من ظهوره على الدين كله ليس قضية دائمة بل سيكون إن شاء الله إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) رخص لهم في بقائهم على دينهم الفاسد بأخذ الجزية والفدية، يقال: رخص له في كذا ترخيصا فترخص هو أي لم يستقص ولم يضق عليه (لحاجته وحاجة أصحابه) الى أخذ المال لا صلاح أحوال بعض العساكر المنصورة. * الأصل: 244 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن إبن أبي عمير، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول في هذه الآية " يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما اخذ منكم ويغفر لكم " قال: نزلت في العباس وعقيل ونوفل وقال: إن رسول الله نهى يوم بدر أن يقتل أحد من بني هاشم وأبو البختري فاسروا فأرسل عليا (عليه السلام) فقال: انظر من ههنا من بني هاشم ؟ قال فمر علي (عليه السلام) على عقيل بن أبي طالب كرم الله وجهه فحاد عنه فقال له عقيل: يا ابن ام علي أما والله لقد رأيت مكاني قال: فرجع إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: هذا أبو الفضل في يد فلان وهذا عقيل في يد فلان وهذا نوفل بن الحارث في يد فلان فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى انتهى إلى عقيل فقال له: يا أبا يزيد قتل أبو جهل، فقال: إذا لا تنازعون في تهامة فقال: إن كتم أثخنتم القوم وإلا فاركبوا أكتافهم فقال: فجئ بالعباس فقيل له: افد نفسك وافد ابني أخيك فقال: يا محمد تتركني أسأل قرشيا في كفي، فقال: أعط مما خلفت عند ام الفضل وقلت لها: إن أصابني في وجهي هذا شئ فأنفقيه على ولدك ونفسك، فقال له: يا ابن أخي من

[ 268 ]

أخبرك بهذا ؟ فقال: أتاني به جبرئيل (عليه السلام) من عند الله عز وجل، فقال ومحلوفه. ما علم بهذا أحد إلا أنا وهي، أشهد أنك رسول الله، قال: فرجع الأسرى كلهم مشركين إلا العباس وعقيل ونوفل كرم الله وجوههم وفيهم نزلت هذه الآية: * (قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا) * - إلى آخر الآية -. * الشرح: قوله: (يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى): جمع الأسير كالمرضى جمع المريض (أن يعلم الله في قلوبكم خيرا) أي إيمانا خالصا (يؤتكم خيرا مما أخذمنكم من الفداء) نقل أن العباس بعد حسن حالة وكثرة ماله، قال: صدق الله أعطانا خيرا مما أعطينا من الفداء (قال: نزلت في العباس بن عبد المطلب وعقيل) إبن أبي طالب بن عبد المطلب (ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب. (فحاد عنه): أي مال عنه وأعرض (فقال له عقيل يا بن أم علي) أي أقبل علي وفي ذكر أم زيادة استعطاف واسترقاق (أما والله لقد رأيت مكاني) من الحبس والأسر والضيق وهذا محل الإقبال دون الإعراض وأرادة المنزلة والقرابة منه (عليه السلام) من المكان بعيدة (فقال له يا أبا يزيد قتل أبو جهل فقال إذا لا تنازعوني في تهامة) الظاهر أن فاعل قال في الثاني كالأول رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتهامة بالكسر: مكة شرفها الله تعالى، وفيه دلالة على أن الباعث على المنازعة هو أبو جهل فإذا عدم عدمت (فقال: إن كنتم أثخنتم القوم وإلا فاركبوا أكتافهم) فاعل قال: رسول الله (صلى الله عليه وآله) والمخاطبون من عندهم الأسرى أو الأعم، والإثخان: المبالغة في الجرح، يقال أثخن في العدو إذا بالغ في الجراحة وفلانا أو هنه و " حتى إذا أثخنتموهم " أي غلبتموهم وكثر فيهم الجراح ولعل المراد أنكم إن أثخنتم الأسارى وجرحتموهم حتى أنهم لا يقدرون على الفرار فلا حاجة إلى شد وثاقهم وإلا فاركبوا أكتافهم وشدوا وثاقهم (فقال: يا محمد تتركني أسأل قريشا في كفي) لتحصيل الفداء يعني ليس لي شئ أفدي به ولا يمكن إلى تحصيله إلا بالسؤال وأم الفضل زوجته. * الأصل: 245 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان بن يحيى، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أحدهما (عليهما السلام) في قول الله عز وجل: (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر) نزلت في حمزة وعلي وجعفر والعباس وشيبة، إنهم فخروا بالسقاية والحجامة فأنزل الله جل وعز " أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر " وكان علي وحمزة وجعفر صلوات الله عليهم الذين آمنوا بالله واليوم الآخر وجاهدوا في سبيل الله، لا يستوون عند الله.

[ 269 ]

* الشرح: قوله: (قال: نزلت في حمزة وعلي وجعفر والعباس وشيبة أنهم فخروا بالسقاية والحجامة) ضمير أنهم راجع الى العباس ومن تبعه وكانت له السقاية وإلى شبية ومن تبعد وكانت له الحجامة ومفتاح الكعبة (فأنزل الله عز ذكره أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر) تمام الآية " وجاهدوا في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم " السقاية والعمارة مصدرا أسقى وعمر فلا يشبهان بأهل لجنة بل لا بد من إضمار تقديره أجعلتم أهل سقاية الحاج كمن آمن، أو أجعلتم سقاية الحاج كإيمان من آمن، ويؤيد الأول قراءة من قرأ " سقاة الحاج وعمرة المسجد الحرام " والمعنى: إنكار أن يشبه المشركون وأعمالهم المحبطة الفاسدة بالمؤمنين وأعمالهم الصالحة المثبتة، وسبب نزولها ما ذكر في الحديث وليس للعامة أن يقولوا هذه الآية نزلت في ثلاثة رجال، قال أحدهم: سقاية الحاج أفضل، وقال ثانيهم: عمارة المسجد أفضل، وقال ثالثهم: الجهاد بناء على ما رواه مسلم عن النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال رجل: ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد الاسلام إلا أني أعمر المسجد الحرام، وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يوم الجمعة ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفيته فيما اختلفتم فيه فأنزل الله عز وجل * (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله) * الآية، وإنما قلنا ليس لهم أن يقولوا ذلك لأنه قال عياض وهو من أعاظم علمائهم: ما يقتضية قول نعمان أن الآية نزلت عند اختلافهم مشكل لأنها إنما نزلت قبل ذلك مبطلة لمن افتخر من المشركين بسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام وافتخر علي (رضي الله عنه) بالإيمان والجهاد فنزلت الآية مصدقة لعلي ومكذبة لهما ويدل على أنها إنما نزلت في المشركين ختمها بقوله تعالى * (والله لا يهدي القوم الظالمين) * وأيضا فإن الثلاثة الذين هم في الحديث لم تختلفوا في أن السقاية أفضل من الإيمان والجهاد وإنما اختلفوا أي الاعمال أفضل بعد الإيمان وإذا أشكل أنها نزلت عند اختلافهم فيحل الإشكال بأن يكون بعض الرواة تسامح في قوله " فأنزل الله. الآية " وإنما الواقع أنه (عليه السلام) قرأ على عمر الآية حين سأله مستدلا بها على أن الجهاد أفضل مما قال أولئك فظن الراوي أنها نزلت إنتهى كلامه بعبارته. قيل: ما فهم من الآية تفضيل الجهاد والردبها على المشركين فأنها إنما دلت على نفي المساواة بين أمرين وهو لا يدل على تعيين الأرجح منهما ولذا تجده يدل على تعيين الأرجح من الأمرين

[ 270 ]

بعد نفي المساواة بينهما كما في قوله تعالى: * (لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون) * وأجيب بأنه قد نص هنا على تعينه بقوله بعد " الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا " لأنه من تمام ما نزل، وقد يجاب بأن الآية وحدها كافية في بيان أن الجهاد أفضل من دون نظر إلى ما بعدها لأنها خرجت مخرج إنكارا أن يكون كل واحد من الأمرين أفضل من الجهاد وقد بقيت المساواة بين أحدهما والجهاد فيتعين أن يكون الجهاد أفضل ولا يمكن أن يدعى أن السقاية أو العمارة أفضل لأنه المنكر. * الأصل: 246 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن عمار الساباطي قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله تعالى: " وآذا مس الإنسان ضر دعاربه منيبا إليه " قال: نزلت في أبى الفصيل إنة كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) عنده ساحرا فكان إذا مسة الضر - يعني السقم - دعاربه منيبا إليه يعني تائبا إليه من قوله في رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما يقول " ثم إذا خوله نعمة منه " يعني العافية - نسى ما كان يدعو إليه من قبل يعني نسى التوبة إلى الله عز وجل مما كان يقول في رسول الله (صلى الله عليه وآله) إنه ساحر ولذلك قال الله عز وجل: * (قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار) * يعني أمرتك على الناس بغير حق من الله عز وجل ومن رسوله (صلى الله عليه وآله). قال: ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام) ثم عطف القول من الله عز وجل في علي (عليه السلام) يخبر بحاله وفضله عند الله تبارك وتعالى فقال: " أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوى الذين يعلمون (أن محمدا رسول الله) والذين لا يعلمون (أن محمدا رسول الله وأنه ساحر كذاب) إنما يتذكر اولوا الألباب " ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): هذا تأويله يا عمار. * الشرح: قوله: (نزلت في أبي الفصيل. انتهى) كناية عن فلان باعتبار معناه الاضافي والفصيل هو البكر وهم ولد الناقة إذا فصل عن أمه وهذا كغيره من الروايات المعتبرة صريح في أنه كان منافقا لم يؤمن بالرسول مع العلم بأنه رسول وفي ارتداده مرة بعد أخرى بدليل توبته عند مس الضر ورجوعه عنها بعد التحويل وإعطاء الصحة والإمرة بالكسر: الإمارة اسم من أمر علينا مثلثة إذا ولى (ثم عطف القول من الله عز وجل في علي (عليه السلام) يخبر بحاله وفضله علما وعملا عند الله تعالى فقال أمن هو قانت) أي قايم بوضايف الطاعات من القراءة والصلاة والدعاء والخشوع كمن هو ليس بقانت ففيه حذف كما قيل، والمقصود نفي المساواة بينهم وإثبات الفضل للأول (آناء الليل): أي ساعاته خصها بالذكر مع أن للعبادة في كل وقت فضلا لوجوه منها فراغ القلب فيه والعبادة معه أفضل، ومنها أن الليل وقت النوم والاستراحة فتكون العبادة فيه أشق وأفضل، ومنها أن العبادة فيها أقرب

[ 271 ]

من الخلوص وأبعد من الرياء فتكون أفضل، ومنها أنه ساعة الغفلة فتكون العبادة والذكر فيه أفضل (ساجدا وقائما) حال عن فاعل قانت وتقديم السجود للاهتمام به لكونه أرفع منازل العارفين (يحذر الآخرة): أي أهوالها وعذابها (ويرجو رحمة ربه) استيناف للتعليل كأنه قيل ما سبب قنوته وقيامه وسجوده فأجيب ببيان سببها أو في موضع النصب على الحال ولعل النكتة في إيراد بعض الأحوال جملة وبعضها مفردة هي التنبيه على استمرار الحذر والرجاء ووجود كل واحد منهما في زمان وجود الآخر بخلاف السجود والقيام وإنما آثر الحذر على الخوف مع أن الخوف في مقابل الرجاء لأن الحذر أبلغ من الخوف إذ هو خوف مع الاحتراز (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) يعني أن عليا (عليه السلام) لكونه قانتا بالأوصاف المذكورة وعالما بأن محمدا رسول الله ليس مثل أبي الفصيل وهو لا يقنت ولا يعلم أن محمدا رسول الله ويعتقد أنه ساحر كذاب فقوله (وأنه ساحر كذاب) عطف على لا يعلمون بتقدير فعل. (إنما يتذكر أولوا الألباب) أي لا يتذكر التفاوت بين العالم والجاهل وبين القانت وغيره ولا يعرفه إلا ذوو العقول الصحيحة عن غواشي الأوهام لأنهم القادرون على التمييز بين الحق والباطل دون غيرهم وروي عن الباقر (عليه السلام) أنه قال في تفسير هذه الآية: " نحن الذين يعلمون، وعدونا الذين لا يعلمون، وشيعتنا أولوا الألباب " (ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام) هذا تأويله يا عمار) التأويل متعلق ببطون الآية بالغا ما بلغ وقد يكون للآية معاني كثيرة ظاهرة وباطنة كلها مراد ولا يعلمها إلا أهل العصمة (عليهم السلام). * الأصل: 247 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد بن عثمان قال: تلوت عند أبي عبد الله (عليه السلام) " ذوا عدل منكم "، فقال: " ذو عدل منكم " هذا مما أخطأت فيه الكتاب. * الشرح: قوله: (تلوت عند أبي عبد الله (عليه السلام) ذوا عدل منكم) قال الله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتل منكم (متعمدا) فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم) * إذ كما أن في التقويم المحتاج إلى النظر والاجتهاد لابد من متعدد كذلك في الحكم بالجزاء المماثل المحتاج إليهما لابد من متعدد لأن الأنواع تتشابه في الخلقه والصورة كثيرا فقال: ذوا عدل منكم أشار إلى أن المنزل ذو عدل بالافراد والمراد به الإمام (عليه السلام) وقد نقلت القراءة به أيضا قال القاضي وقرئ ذو عدل على إرادة الجنس أو الإمام. * الأصل: 248 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن رجل، عن أبي جعفر (عليه السلام): " لا تسألوا عن أشياء (لم تبدلكم) إن تبدلكم تسؤكم ".

[ 272 ]

* الشرح: قوله: (لا تسألوا عن أشياء (لم تبدلكم) إن تبدلكم تسؤكم) لم تبد لكم صفة لأشياء وهي ليست في هذا القرآن والشرطية صفة أخرى أو استيناف، أي لا تسألوا الرسول عن أشياء لم تظهر لكم إن تظهر لكم تغمكم فالسؤال عنها يغمكم ويدخل المشقة عليكم كما سأله رجل وقال: أين أبي ؟ فقال: أبوك في النار، وسأله آخر وقال: من أبي ؟ فقال: أبوك فلان الراعي وسأل بنو إسرائيل نبيهم عن البقرة مرارا حتى ضيقوا على أنفسهم، وبالجملة ينبغي ترك السؤال عن أشياء سكت عنها الشارع حذرا عن الجواب الذي يكرهه الطبع ويثقل عليه وقد روي من طرق العامة أنه لما نزل ولله على الناس حج البيت، قال سراقة بن مالك: أفي كل عام فأعرض عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى أعاد ثلاثا فقال لا ويحك ما يؤمنك أن أقول نعم، والله لو قلت نعم لو وجبت ما استطعتم ولو تركتم لكفرتم فاتركوني ما تركتكم. * الأصل: 249 - علي بن إبراهيم، عن أحمد بن محمد بن خالد البرقي، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن محمد بن مروان قال: تلا أبو عبد الله (عليه السلام) " وتمت كلمت ربك (الحسنى) صدقا وعدلا " فقلت جعلت فداك إنما نقرؤها: " وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا " فقال: إن فيها الحسنى. * الشرح: قوله: (وتمت كلمة ربك الحسنى) بلغت غاية الكمال (صدقا) فيما ينطق به من الأخبار والمواعيد وغيرهما (وعدلا) في الأقضية والأحكام، قال المفسرون: المراد به آيات القرآن وقد مر في كتاب الحجة الإيماء إلى تأويلها بالائمة (عليه السلام). * الأصل: 250 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن الحسن بن شمون، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأصم، عن عبد الله بن القاسم البطل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: " وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين " قال: قتل علي بن أبي طالب (عليه السلام) وطعن الحسن (عليه السلام) " ولتعلن علوا كبيرا " قال: قتل الحسين (عليه السلام) " فإذا جاء وعد اولاهما " فإذا جاء نصر دم الحسين (عليه السلام) " بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار " قوم يبعثهم الله قبل خروج القائم (عليه السلام) فلا يدعون وترا لآل محمد إلا قتلوه " وكان وعدا مفعولا " خروج القائم (عليه السلام) " ثم رددنا لكم الكرة عليهم " خروج الحسين (عليه السلام) في سبعين من أصحابه عليهم البيض المذهب لكل بيضة وجهان، المؤدون إلى الناس أن هذا الحسين قد خرج حتى لا يشك المؤمنون فيه وأنه ليس بدجال ولا شيطان والحجة القائم بين أظهرهم فإذا استقرت المعرفة في قلوب المؤمنين أنه

[ 273 ]

الحسين (عليه السلام) جاء الحجة الموت فيكون الذي يغسله ويكفنه ويحنطه ويلحده في حفرته الحسين ابن علي (عليهما السلام) ولا يلي الوصي إلا الوصي. * الشرح: قوله: (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب) أي أوحينا إليهم في التوراة وحيا مقضيا مبتوتا لا راد له [ " وبنو امية وقريش وأكثر العرب من أولاد إسرائيل يعقوب (عليه السلام) " كذا ؟ " ومن شاركهم في الافساد المذكور من غيرهم حكمه حكمهم فهو داخل فيهم من باب التغليب ] (فإذا جاء وعد أولاهما) من حيث النصرة وعقوبة الظلمة لا من حيث الوقوع كما يشعر به قوله (فإذا جاء نصر دم الحسين (عليه السلام) بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد) أي ذوي قوة وبطش شديد في الحرب (فجاسوا خلال الديار) أي ترددوا في وسط دياركم للقتل والغارة والنهب والسبي (قوم يبعثهم الله قبل خروج القائم (عليه السلام)) أي هم قوم كأبي مسلم والمسيب والمختار وأتباعهم أو غيرهم على احتمال (فلا يدعون وترا لآل محمد (صلى الله عليه وآله) إلا قتلوه) الوتر بالكسر: الجناية التي يجنبها الرجل على غيره من قتل أو نهب أو سبي، ولعل المراد به المتصف بها (وكان وعدا مفعولا خروج القائم (عليه السلام)) الظاهر أنه اسم كان وقد مر أنه يقتل قتلة الحسين وبني امية (ثم رددنا لكم الكرة عليهم) الكرة: الرجعة والحملة (خروج الحسين (عليه السلام) في سبعين من أصحابه) الذين قتلوا معه، وفي: بمعنى مع (عليهم البيض المذهب) البيض بفتح الباء وسكون الياء جمع بيضة: الحديد وهي الخود، والمدون: صفة لا صحابه (والحجة القائم بين أظهرهم) يقال: هو قائم بين أظهرهم إذا قام بينهم على سبيل الاستظهار والاستناد إليهم ثم كثر استعماله في الإقامة بين القوم مطلقا (ويلحده) في القاموس اللحد ويضم: الشق يكون في عرض القبر ولحد القبر كمنع وألحده عمل له لحدا والميت دفنه. * الأصل: 251 - سهل، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن حفص التميمي قال: حدثني أبو جعفر الخثعمي قال: لما سير عثمان أبا ذر إلى الربذة شيعه أمير المؤمنين وعقيل والحسن والحسين (عليهم السلام) وعمار بن ياسر (رضي الله عنه) فلما كان عند الوداع قال أمير المؤمنين (عليه السلام): يا أبا ذر إنك إنما عضبت لله عز وجل فارج من عضبت له، إن القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينك فأرحلوك عن الفناء وامتحنوك بالبلاء ووالله لو كانت السماوات والأرض على عبد رتقا ثم اتقى الله عز وجل جعل له منها مخرجا فلا يؤنسك إلا الحق ولا يوحشك إلا الباطل. ثم تكلم عقيل فقال: يا أبا ذر أنت تعلم أنا نحبك ونحن نعلم أنك تحبنا وأنت قد حفظت فينا ما ضيع الناس إلا القليل فثوابك على الله عز وجل ولذلك أخرجك المخرجون وسيرك

[ 274 ]

المسيرون فثوابك على الله عز وجل فاتق الله واعلم أن استعفاءك البلاء من الجزع واستبطاءك العافية من اليأس، فدع اليأس والجزع وقل: حسبي الله ونعم الوكيل. ثم تكلم الحسن (عليه السلام) فقال: يا عماه إن القوم قد أتوا إليك ما قد ترى وإن الله عز وجل بالمنظر الأعلى فدع عنك ذكر الدنيا بذكر فراقها، وشدة ما يرد عليك لرجاء ما بعدها، واصبر حتى تلقى نبيك (صلى الله عليه وآله) وهو عنك راض إن شاء الله. ثم تكلم الحسين (عليه السلام) فقال: يا عماه إن الله تبارك وتعالى قادر أن يغير ما ترى وهو كل يوم في شأن إن القوم منعوك دنياهم ومنعتهم دينك فما أغناك عما منعوك وما أحوجهم إلى ما منعتهم، فعليك بالصبر فان الخير في الصبر والصبر من الكرم ودع الجزع فان الجزع لا يغنيك. ثم تكلم عمار (رضي الله عنه) فقال: يا أبا ذر أوحش الله من أوحشك وأخاف من أخافك إنه والله ما منع الناس أن يقولوا الحق إلا الركون إلى الدنيا والحب لها ألا إنما الطاعة مع الجماعة والملك لمن غلب عليه وإن هؤلاء القوم دعوا الناس إلى دنياهم فأجابوهم إليها ووهبوا لهم دينهم فخسروا الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين. ثم تكلم أبو ذر (رضي الله عنه) فقال: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته بأبي وامي هذه الوجوه فإني إذا رأيتكم ذكرت رسول الله (صلى الله عليه وآله) بكم، ومالي بالمدينة شجن ولا سكن غيركم وإنه ثقل على عثمان جواري بالمدينة كما ثقل على معاوية بالشام فآلى أن يسيرني إلى بلدة فطلبت إليه أن يكون ذلك إلى الكوفة فزعم أنه يخاف أن افسد على أخيه الناس بالكوفة وآلى بالله ليسيرني إلى بلدة لا أرى فيها أنيسا ولا أسمع بها حسيسا، وإني والله، اريد إلا الله عز وجل صاحبا ومالي مع الله وحشه، حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين. * الشرح: قوله: (لما سير عثمان أبا ذر إلى الربذة): هي بالتحريك قرية معروفة قرب المدينة بها قبره (رضي الله عنه) واسمه جندب بن جنادة وهو من بني غفار بالكسر والتخفيف: قبيلة من كنانة أسلم بمكة وسيجئ سبب إسلامه وكان يتولى عليا وأهل بيته (عليهم السلام) ولم يبايع الشيوخ الثلاثة وكان ينكر عليهم قولا وفعلا وسرا وجهارا ووجه إخراجه أنه خاف منه الفتنة فأخرجه إلى الشام أولا ثم استحضره إلى المدينة ثم استخرجه منها إلى الربذة قال أبو عبد الله صاحب كتاب إكمال الإكمال وجه استحضاره من الشام أنه كان إذا صلى الناس الجمعة وأخذوا في مناقب الشيوخ، يقول: لو رأيتهم ما أحدثوا بعده شيدوا البناء ولبسوا الناعم وركبوا الخيل وأكلوا الطيبات وكاد يفسد بأقواله الأمور ويشوش الأحوال فاستدعاه من الشام وكان إذا رأى عثمان قال: " يوم يحمى عليها جباههم وجنوبهم - الآية " فضربه

[ 275 ]

بالسوط أدبا لذلك، وللامام أن يؤدب من أساء إليه وإن أدى الأدب إلى هلاكه ثم قال له: إما أن تكف وإما أن تخرج حيث شئت فخرج إلى الربذة هذا كلامه. أقول يرد عليه المثل المشهور ثبت العرش ثم انقش لوجوب البراءة من امام أنكره مثل أبي ذر (رحمه الله) وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في وصفه ومنقبته ما هو مذكور في كتبهم، ومنه أنه قال: " ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر " منه أنه قال (صلى الله عليه وآله) " إن الله أمرني أن أحب أربعة وأخبرني أنه يحبهم علي وأبو ذر والمقداد وسلمان " نقله القرطبي في شرح فضائل سلمان (رضي الله عنه)، وأما قوله إن عثمان لم يخرجه بل خيره بين الكف عما يقول وبين الخروج فمناف لما قال بعض علمائهم أن أبا ذر كان يغلظ القول في إنكار ما يراه منكرا وفي حق عثمان يقول لم يبق أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) على ما عهد وينفر بهذا القول وأمثاله الناس عنه فارجه لذلك وقول أمير المؤمنين (عليه السلام) (فارحلوك عن الفناء) يدل عليه. فناء الدار بالكسر: ما اتسع من أمامها ولعل المراد به فناء الروضة المقدسة وقوله (عليه السلام) (إنما غضبت لله) دليل على أن إنكاره بما كان ينكره إنما يقصد به وجه الله تعالى وقوله (أن القوم خافوك على دنياهم) يعني خافوك على أمر الخلافة بتنفيرك عنهم (وخفتهم على دينك) بترك موافقتهم والمماشاة معهم وأخذ العطاء منهم وبردك إلى الارتداد كما ارتدوا وقوله (ولو كانت السموات والأرض إلى آخره) بشارة له بخلاصه مما هو فيه من ضيق الحال بسبب الإخراج وشرطه في ذلك تقوى الله إشارة إلى قوله تعالى (ومن يتق الله يجعل له مخرجا) - الآية. ونقل عن ابن عباس أنه قال قرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله) " ومن يتق الله يجعل له مخرجا " قال: من شبهات الدنيا وغمرات الموت وشدائد يوم القيامة ومن البين عقلا ونقلا أن التقوى عند استشعارها سبب قاطع لطمع المتقي من الدنيا وقنياتها وهو مستلزم لراحته من مجاذبة النفس الأمارة بالسوء والوقوع في شبهات الدنيا وهي في استلزامه الخلاص من غمرات الموت وشدايد يوم القيامة أظهر. وكنى (عليه السلام) بالغاية وهي رتق السموات والأرض على العبد عن غاية الشدة مبالغة لبيان فضل التقوى ثم أمره بالاستيناس بالحق وحده والاستيحاش من الباطل وحده بقوله (فلا يؤنسك إلا الحق ولا يوحشك إلا الباطل) " لا " إما للنفي أو للمنهي، والوحشة: الهم والخلوة والخوف ضد الانس وفي الكنز: " وحش رميدن ودورى جستن وحشت خالي واندوه ورميدگى " وقول عقيل من الجزع في قوله: (واعلم أن استعفاءك البلاء من الجزع واستبطاءك العافية من الإياس) خبر أن رغبة في الصبر على البلاء وتلقية بالقبول وتوقع حضور العافية في كل آن حيث عد استعفاء الأول وكراهته جزعا واستبطاء الثاني يأسا، ثم أمره بترك اليأس والجزع بقوله (فدع الإياس والجزع) واصبر على البلاء والعافية من الله تعالى وفي نسخه " اليأس في " الموضعين ثم أمره بتفويض الأمور إلى الله تعالى

[ 276 ]

والتوكل عليه بقوله (وقل حسبي الله ونعم الوكيل) أي هو بتقدير المخصوص بالمدح بعده وعطف الفعلية الانشائية على الاسمية الخبرية جائز إذا كان لها محل من الأعراب كما صرح به جماعة من المحققين وأن أبيت فقدر المخصوص بالمدح قبله وأول الخبر بالتأويل المشهور. ثم نبهه الحسن (عليه السلام) بأنه تعالى عالم بحاله وحال من سيره بقوله (وأن الله عز وجل بالمنظر الأعلى) المنظر اما مصدر بمعنى النظر وفعله من باب ضرب وسمع أو ما نظرت إليه أو أشرف المراتب ومنه مناظر الأرض أي أشرفها والمعنى على جميع التقادير أنه تعالى ينظر إلى كل شئ ويرى أسفله وباطنه كما يرى أعلاه وظاهره ويرى قلوب العباد وخطراتها وأعمالهم الجلية وخفياتها، ثم قال الحسين (عليه السلام) تسلية (إن الله تبارك وتعالى قادر أن يغير ما ترى من ضعف) أهل الدين وقوة أهل الجور (وهو كل يوم في شأن) أي في أمر من الأمور وحال من الأحوال فيجدد أمورا ويغفر ذنبا ويفرج كربا ويرفع قوما ويضع آخرين وله في الجميع حكمة واختيار (فما أغناك عما منعوك وأحوجهم الى ما منعتهم) " ما " تعجبية والمعنى أن لك غني عظيم عن دنياهم ولهم حاجة عظيمة إلى دينك فإذا لم يأخذوا عنك الدين مع شدة احتياجهم إليه فكيف تأخذ عنهم الدنيا مع كمال غناك عنها فاترك لهم دنياهم وانج بدينك واصبر، ثم دعا عمار على عثمان بقوله (أوحش الله من أو حشك) أي أبعد الله عن رحتمه من أبعدك عن المدينة أو جعل الله بلا أنيس من جعلك بلا أنيس أو جعل الله مهموما من جعلك مهموما وأخاف من أخافك من سلطانه وبطشه (أنه والله ما منع الناس أن يقولوا) ما تقول أو الحق ويؤيد الثاني وجوده في بعض النسخ والمال واحد (إلا إنما الطاعة مع الجماعة) أي ما طاعة الله وطاعة الرسول إلا مع الجماعة وهم أهل البيت (عليهم السلام) ثم أجابهم أبو ذر بعد التسليم والثناء عليهم بقوله (ومالي بالمدينة شجن ولا سكن غيركم) في المصباح الشجن بفتحتين: الحاجة والجمع شجون مثل أسد وأسود وأشجان مثل سبب وأسباب والسكن بالتحريك ما يسكن إليه (وأنه ثقل على عثمان جواري بالمدينة كما ثقل على معاوية بالشام) كان (رحمه الله) يذمهم عند أهل الشام ويعد قبايح عثمان ومن قبله وما صنعوا من غصب الخلافة وإبطال حق آل الرسول فكتب معاوية إلى عثمان وأخبره فطلبه إلى المدينة فكان يفعل في المدينة مثل ما كان يفعل الشام فخاف عثمان أن يفسد عليه أمره فضربه فلم ينفع فحلف أن يسيره إلى بلدة فطلب (رحمه الله) أن يسيره إلى الكوفة فخاف عثمان أن يفسد على أخيه وليد أهل الكوفة فأخرجه إلى الربذة لئلا يكون فيها أنيسا ولا جليسا ولا يسمع فيها صوتا ولا حسيسا. * الأصل: 252 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن ابن فضال، والحجاج جميعا، عن ثعلبة، عن عبد الرحمن بن مسلمة الجريري قلت: لأبي عبد الله (عليه السلام) يوبخونا وبكذبونا، إنا نقول:

[ 277 ]

إن صيحتين تكونان، يقولون: من أين تعرف المحقة من المبطلة إذا كانتا ؟ قال: فماذا تردون عليهم ؟ قلت: ما نرد عليهم شيئا، قال: قولوا: يصدق بها - إذا كانت - من كان يؤمن بها من قبل، إن الله عز وجل يقول: " أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدي فما لكم كيف تحكمون ". * الشرح: قوله: (يوبخونا ويكذبونا) أي المخالفون لنا (أنا نقول أن صيحتين تكونان) عند ظهور القائم (عليه السلام) صيحة في أول اليوم بأن فلان بن فلان وشيعته هم الفايزون، وصيحة في آخره بأن عثمان وشيعته هم الفائزون كما سيأتي وهاتان الصيحتان للاختبار والتمحيص (قال: قولوا يصدق لها) أي بالمحقة (إذا كانت من كان يؤمن بها من قبل) أي من قبل وقوعها وزادتهم إيمانا لمشاهدتهم وجود ما أخبر الصادقون بأنه سيوجد (إن الله عز وجل يقول أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون) بما يقتضي صريح العقل بطلانه وأصل لا يهدي لا يهتدي أبدلت التاء بعد إسكانها دالا وادغمت وكسرت الهاء لا لتقاء الساكنين ومن قرأ بفتح الهاء نقل فتح التاء إليها ولعل وجه انطباق الآية على ما ذكر أن الموصول الأول من له الصيحة الأولى والموصول الثاني من له الصيحة الثانية، والأول أحق بالاتباع وليس ذلك إلا لظهور الحق في قلوب المستعدين لقبوله، وقد روي أن الأول: أمير المؤمنين (عليه السلام) والثاني: الشيوخ الثلاثة كما مر في الحجة. وربما يقال: الأول: هو لله سبحانه، والثاني: أشرف آلهة المشركين كالملائكة ومسيح وعزير فإنهم لا يهتدون إلا أن يهديهم الله تعالى ويؤيده الآية السابقة عليها والظاهر أن الجميع حق لأن الآية قد يكون لها وجوه متعدده كلها صحيحة. * الأصل: 253 - عنه، عن محمد، عن ابن فضال، والحجاج، عن داود بن فرقد قال: سمع رجل من العجلية هذا الحديث قوله: ينادي مناد ألا إن فلان بن فلان وشيعته هم الفائزون أول النهار وينادي آخر النهار ألا إن عثمان وشيعته هم الفائزون، قال: وينادي أول النهار منادي آخر النهار فقال الرجل: فما يدرينا أيما الصادق من الكاذب ؟ فقال: يصدقه عليها من كان يؤمن بها قبل أن ينادي، إن الله عز وجل يقول: " أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي أن يهدي - الآية ". * الشرح: قوله: (قال: سمع رجل من العجلية هذا الحديث) أي رجل منسوب الى طائفة من بني عجل

[ 278 ]

قيل منهم محمد بن إدريس صاحب السرائر (رضي الله عنه) (وقوله: ينادي مناد. انتهى) بدل أو بيان لهذا الحديث والظاهر أن الضمير راجع الى أبي عبد الله (عليه السلام) والمراد بفلان بن فلان صاحب الزمان (عليه السلام) وهو كناية عن اسمه واسم أبيه (عليهما السلام) (قال: وينادي أول النهار منادي آخر النهار) دل بظاهره على أن المنادي واحد لكن روى الصدوق في كتاب كمال الدين وتمام النعمة بإسناده عن المعلى بن خنيس عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " صوت جبرئيل من السماء وصوت إبليس من الأرض فاتبعوا الصوت الأول وإياكم أن تفتنوا به " وبإسناد آخر عن زرارة عنه (عليه السلام) قال: " ينادي مناد باسم القائم (عليه السلام) قلت: خاص أو عام قال: عام يسمع كل قوم بلسانهم قلت: فمن يخالف القائم (عليه السلام) وقد نودي باسمه ؟ قال: لا يدعهم إبليس ينادي في آخر الليل ليشكك الناس ولذلك قال بعض الأصحاب هذا الخبر من باب الاستفهام الإنكاري أو التقدير ولا ينادي كما في قول الهذلي " تالله يبقى على الأيام ذوحيد " قال الجواهري: لا يبقى (فقال: يصدقه عليها) أي يصدق الصادق أو المنادي على الصيحة الأولى. * الأصل: 254 - علي ابن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لا ترون ما تحبون حتى يختلف بنو فلان فيما بينهم فإذا اختلفوا طمع الناس وتفرقت الكلمة وخرج السفياني. * الشرح: قوله: (لا ترون ما تحبون) هو ظهور القائم (عليه السلام) ورواج دين الحق (حتى يختلف بنو فلان فيما بينهم) أي يجئ بعضهم عقيب بعض حتى ينتهي دولتهم، أو المراد بالاختلاف ضد الاتفاق فيكون كناية عن زوال ملكهم ولعل المراد بهم بنو عباس كما في أحاديث أخر حتى يختلف بنو عباس منها ما سيجئ بعيد هذا (فإذا اختلفوا طمع الناس) في السلطنة والدولة الملكية وقامت طائفة من كل ناحية واختلطت الرايات (وتفرقت الكلمة كناية عن تفرقهم واختلاف أهوائهم والكلمة تطلق على القول والأمر والحكم والعهد والبيعة والحال والشأن (وخرج السفياني) وهو الدجال وفيه دلالة على أن خروجه بعد ما ذكر وأما أنه قريب منه أو بعيد فلا دلالة فيه عليه.

[ 279 ]

حديث الصيحة * الأصل: 255 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي نجران وغيره، عن إسماعيل بن الصباح، قال: سمعت شيخا يذكر عن سيف بن عميرة قال: كنت عند أبي الدوانيق فسمعته يقول ابتداء من نفسه: يا سيف بن عميرة لابد من مناد ينادي باسم رجل من ولد أبي طالب. قلت: يرويه أحد من الناس ؟ قال والذي نفسي بيده لسمعت اذني منه يقول، لابد من مناد ينادي باسم رجل. قلت: يا أمير المؤمنين إن هذا الحديث ما سمعت بمثله قط، فقال لي: يا سيف إذا كان ذلك فنحن أول من يجيبه أما إنه أحد بني عمنا قلت: أي بني عمكم ؟ قال رجل من ولد فاطمة (عليها السلام)، ثم قال: يا سيف لولا أني سمعت أبا جعفر محمد بن علي يقوله، ثم حدثني به أهل الأرض ما قبلته منهم ولكنه محمد بن علي (عليهما السلام). * الشرح: قوله: (حديث الصيحة) الأنسب أن يذكر الحديثين السابقين بعد هذا العنوان (قال: والذي نفسي بيده لسمعت أذني منه) الضمير راجع إلى محمد بن علي (عليهما السلام) بقرينة المقام أو لكونه معهودا ولما سيصرح به وذكر الأذن للمبالغة في أنه سمع منه بلا واسطة. * الأصل: 256 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال: كنت مع أبي جعفر (عليه السلام) جالسا في المسجد إذ أقبل داود بن علي وسليمان بن خالد وأبو جعفر عبد الله بن محمد أبو الدوانيق فقعدوا ناحية من المسجد فقيل لهم: هذا محمد بن علي جالس، فقام إليه داود بن علي وسليمان بن خالد وقعد أبو الدوانيق مكانه حتى سلموا على أبي جعفر (عليه السلام) فقال لهم أبو جعفر (عليه السلام): ما منع جباركم من أن يأتيني ؟ فعذروه عنده فقال عند ذلك أبو جعفر محمد بن علي (عليهما السلام): أما والله لا تذهب الليالي والأيام حتى يملك ما بين قطرييها ثم ليطأن الرجال عقبه ثم لتذلن له رقاب الرجال ثم ليملكن ملكا شديدا، فقال له داود بن علي: وإن ملكنا قبل ملككم ؟ قال: نعم يا داود إن ملككم قبل ملكنا وسلطانكم قبل سلطاننا، فقال له داود: أصلحك الله فهل له من مدة ؟ فقال: نعم يا داود والله لا يملك بنوامية يوما إلا ملكتم مثليه ولا سنة إلا ملكتم مثلها، وليتلقفها الصبيان منكم كما تلقف الصبيان الكرة، فقام داود بن علي من عند أبي جعفر (عليه السلام) فرحا يريد أن يخبر أبا الدوانيق بذلك فلما نهضا جميعا هو وسليمان بن خالد ناداه أبو حعفر (عليه السلام) من خلفه: يا سليمان بن خالد: لا يزال القوم في فسحة من ملكهم ما لم

[ 280 ]

يصيبوا منا دما حراما - وأومأ بيده إلى صدره - فإذا أصابوا ذلك الدم فبطن الأرض خير لهم من ظهرها يومئذ لا يكون لهم في الأرض ناصر ولا في السماء عاذر، ثم انطلق سليمان بن خالد فأخبر أبا الدوانيق فجاء أبو الدوانيق إلى أبي جعفر (عليه السلام) فسلم عليه ثم أخبره بما قال له داود بن علي وسليمان بن خالد، فقال له: نعم يا أبا جعفر دولتكم قبل دولتنا وسلطانكم قبل سلطاننا، سلطانكم شديد عسر لا يسر فيه، وله مدة طويلة والله لا يملك بنو امية يوما إلا ملكتم مثليه ولا سنة إلا ملكتم مثليها وليتلقفها صبيان منكم فضلا عن رجالكم كما يتلقف الصبيان الكرة أفهمت ؟ ثم قال: لا تزالون في عنفوان الملك ترغدون فيه ما لم تصيبوا منا دما حراما فإذا أصبتم ذلك الدم غضب الله عز وجل عليكم فذهب بملككم وسلطانكم وذهب بريحكم وسلط الله عز وجل عليكم عبدا من عبيده أعور - وليس بأعور من آل أبي سفيان - يكون استيصالكم على يديه وأيدي أصحابه ثم قطع الكلام. * الشرح: قوله: (ما منع جباركم من أن يأتيني) الجبار: المتمرد العاتي، وقيل: الذي يقهر الخلائق على ما أراد من أمر ونهي (فعذروه عنده) المعذر بالتشديد: المظهر للعذر اعتلالا من غير أن يكون له حقيقة (قال: نعم يا داود لا يملك بنو أمية يوما إلا ملكتم مثلية ولا سنة إلا ملكتم مثليها) إثبات زيادة المثل لا ينافي زيادة الأكثر منه إلا بمفهوم اللقب وهو ليس بحجة اتفاقا فلا يرد أن مدة ملك بني امية ثمانون سنة ومدة ملك بني عباس خمسمائة سنة ولعل النكتة في الاقتصار على المثلين بيان أصل الزيادة لا قدرها أو التنبية على سرعة زوال ملكهم كيلا يغتروا به (وليتلقفها الصبيان عنهم كما يتلقف الصبيان الكرة) عند اللعب، والتلقف: الأخذ والتناول بسرعة وفي الكنز: الكرة " گوى كه بصولجان يعنى بچوگان بازند " (لا يزال القوم في فسحة): أي في سعة (من ملكهم ما لم يصيبوا منا دما حراما. انتهى). قال الأمين الإسترابادي: يمكن أن يكون المراد ما فعله هارون قتل في ليلة واحدة كثيرا من السادات، ويمكن أن يكون المراد قتلهم المقتولين بفخ وهو موضع قريب مكة والعاذر: اسم فاعل من عذرت له عذرا من باب ضرب رفعت عنه اللوم فهو معذور أي غير ملوم (ثم قال: لا تزالون في عنفوان الملك): أي في أوله وأول بهجته ونضارته (ترغدون فيه) في القاموس عيشة رغد ورغد: واسعة طيبة والفعل كسمع وكرم (وذهب بريحكم) الريح: الغلبة والقوة والنصرة والدولة (وسلط الله عليكم عبدا من عبيده أعور) في النهاية العرب تقول للذي ليس له أخ من أبيه وامه أعور وقيل: إنهم يقولون للردي من كل شئ من الأمور والأخلاق أعور وللمؤنث منه عوراء (وليس بأعور من آل أبي سفيان) بل المراد به أعور من أولاد الترك وهو هلاكو وقد كان رديا في المذهب والأفعال

[ 281 ]

والأخلاق وما ذكره (عليه السلام) من علامات الإمامة لأنه أخبر بما سيقع وقد وقع. * الأصل: 257 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن المفضل بن مزيد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له أيام عبد الله بن علي: قد اختلفت هؤلاء فيما بينهم، فقال: دع ذا عنك إنما يجئ فساد أمرهم من حيث بد اصلاحهم. * الشرح: قوله: (قلت له أيام عبد الله بن علي) هو أول خليفة من العباسية (قد اختلفت هؤلاء فيما بينهم) كأنه يخبر أن هذه الاختلاف يفسد ملكهم أو يعرضه (عليه السلام) في الطمع فيه (فقال دع ذاعنك إنما يجئ فسادا مرهم من حيث بدا صلاحهم) (1) كما جاءت دولتهم من جهة الشرق بيد أبي مسلم المروزي كذلك يجئ فسادها من جهة الشرق بيد هلاكو. * الأصل: 258 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن ثعلبة بن ميمون، عن بدر بن الخليل الأزدي قال: كنت جالسا عند أبي جعفر (عليه السلام) فقال: آيتان تكونان قبل قيام القائم (عليه السلام) لم تكونا منذ هبط آدم إلى الأرض: تنكسف الشمس في النصف من شهر رمضان والقمر في آخره فقال رجل: يا ابن رسول الله تنكسف الشمس في آخر الشهر والقمر في النصف ؟ ! فقال أبو جعفر (عليه السلام): إني أعلم ما تقول ولكنهما آيتان لم تكونا منذ هبط آدم (عليه السلام). * الشرح: قوله: (تنكسف الشمس في النصف من شهر رمضان والقمر في آخره فقال رجل: يا ابن رسول الله تنكسف الشمس في آخر الشهر والقمر في النصف) وذلك لأن كسوف الشمس على ما هو المعروف بتوسط جرم القمر بينها وبين الناظرين ولا يتحقق التوسط إلا في آخر الشهر لأن الشمس والقمر في آخر الشهر يجتمعان في درجة واحدة وأما في غيره فهما متفارقان والقمر ينكسف في النصف لأن نوره مستفاد من الشمس وفي النصف قد تقع الأرض واسطة بين مركزيهما فتمنع من وصول نور الشمس إليه وعلى هذا فكسوف الشمس في النصف والقمر في الآخرة علامة من علامات قيام الصاحب (عليه السلام) ولعل الكسوف حينئذ أثر يخلقه الله تعالى في جرمهما من غير سبب ولا ربط كما هو مذهب طائفة في كسوفهما أو لا زالة الفلك من مجراه فيدخل الشمس


1 - قوله " من حيث بدا صلاحهم " أي من حيث بدأ دولتهم وملكهم كان من شرق خراسان هذا من أخبار الغيب التي لا ريب في صحتها فإن كتاب الكافي صنف في صدر دولة بني العباس وليس من الأخبار بعد الوقوع وكان زوال ملكهم على يد المغول (ش). (*)

[ 282 ]

والقمر في البحر الذي بين السماء والأرض فيطمس ضوءهما كما نقل ذلك عن سيد العابدين (عليه السلام). * الأصل: 259 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمرو بن أبي المقدام قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: خرجت أنا وأبي حتى إذا كنا بين القبر والمنبر إذا هو باناس من الشيعة فسلم عليهم ثم قال: إني والله لاحب رياحكم وأرواحكم فأعينوني على ذلك بورع واجتهاد واعلموا أن ولايتنا لا تنال إلا بالورع والاجتهاد ومن ائتم منكم بعبد فليعمل بعمله، أنتم شيعة الله. وأنتم أنصار الله، وأنتم السابقون الأولون والسابقون الآخرون والسابقون في الدنيا والسابقون في الآخرة إلى الجنة قد ضمنا لكم الجنة بضمان الله عز وجل وضمان رسول الله (صلى الله عليه وآله) والله ما على درجة الجنة أكثر أرواحا منكم فتنافسوا في فضائل الدرجات، أنتم الطيبون ونساؤكم الطيبات كل مؤمنة حوراء عيناء وكل مؤمن صديق ولقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لقنبر: يا قنبر أبشر وبشر واستبشر فوالله لقد مات رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو على امته ساخط إلا الشيعة. ألا وإن لكل شئ عزا وعز الإسلام الشيعة. ألا وإن لكل شئ دعامة ودعامة الإسلام الشيعة. ألا وإن لكل شئ ذروة وذروة الإسلام الشيعة. ألا وإن لكل شئ شرفا وشرف الإسلام الشيعة. ألا وإن لكل شئ سيدا وسيد المجالس مجالس الشيعة. ألا وإن لكل شئ إماما وإمام الأرض أرض تسكنها الشيعة، والله لو لا ما في الأرض منكم ما رأيت بعين عشبا أبدا والله لو لا ما في الأرض منكم ما أنعم الله على أهل خلافكم ولا أصابوا الطيبات مالهم في الدنيا ولا لهم في الآخرة من نصيب، كل ناصب وإن تعبد واجتهد منسوب إلى هذه الآية * (عاملة ناصبة * تصلى نارا حامية) * فكل ناصب مجتهد فعمله هباء، شيعتنا ينطقون بنور الله عز وجل ومن يخالفهم ينطقون بتفلت، والله ما من عبد من شيعتنا ينام إلا أصعد الله عز وجل روحه إلى السماء فيبارك عليها فإن كان قد أتى عليها أجلها جعلها في كنوز رحمته وفي رياض جنته وفي ظل عرشه وإن كان أجلها متأخرا بعث بها مع أمنته من الملائكة ليردوها إلى الجسد الذي خرجت منه لتسكن فيه، والله إن حاجكم وعماركم لخاصة الله عز وجل وإن فقراءكم لأهل الغنى وإن أغنياءكم لأهل القناعة وإنكم كلكم لأهل دعوته وأهل إجابته. * الشرح: قوله (إني والله لا حب رياحكم وأرواحكم) في الكنز ريح " بوى " ورياح جمع وروح: " جان وزندگانى " (فأعينوا على ذلك بورع واجتهاد) ذلك إشارة إلى الحب ولما كان (عليه السلام) متكفلا بنجاة شعيته عن عقبات الآخرة وعقوباتها طلب منهم الإعانة له بالورع وهو الكف عن المحارم وبالاجتهاد في الأعمال الصالحة وتزكية النفس ليكون له تحصيل النجاة لهم أيسر وأسهل وفي

[ 283 ]

بعض النسخ فأعينوني (ومن ائتم منكم بعبد فيلعمل بعمله) ليتحقق معنى الإيتمام ويبعد عن الهزء والنفاق والشقاق (وأنتم شيعة الله وأنتم) أنصار الله أي أولياؤه وانصاره في دينه وأصل الشيعة من المشايعة وهي المتابعة والمطاوعة (وأنتم السابقون الأولون والسابقون الآخرون والسابقون في الدنيا والسابقون في الآخرة) لعل المراد أنتم السابقون الأولون إلى قبول الولاية والتصديق بها عند التكليف الأول في العالم الروحاني الصرف، وأنتم السابقون الآخرون إلى قبولها عند التكليف الثاني في عالم الذر والسابقون في الدنيا إلى الوفاء بالعهد والمتابعة والسابقون في الآخرة إلى دخول الجنة وقيل السابقون الأولون إشارة إلى قوله تعالى: * (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار) * والسابقون الآخرون إشارة إلى قوله تعالى: * (والذين اتبعوهم بإحسان) * إن الذين هم اتبعوا السابقين الأولين بإحسان (والله ما على درجة الجنة أكثر أرواحا منكم) دل على أن الشيعة أكثر من غيرهم في الجنة ويمكن أن يراد بها الراحة والسعة والفضيلة فيدل على أن مرتبتهم أشرف المراتب وهذا أنسب بما بعده - كل مؤمنة حوراء عيناء) في النهاية الحور العين نساء أهل الجنة واحدتهن حوراء وهي الشديدة بياض العين الشديدة سوادها والعيناء الواسعة العين. (وكل مؤمن صديق) هو فعيل للمبالغة في الصدق وهو الذي يصدق قوله فعله (يا قنبر أبشر وأبشر واستبشر) بشرت به كعلم وضرب وأبشرت فرحت وسررت وبشرته تبشيرا فرحته وسررته بأخبار ما يوجبهما واستبشرت فرحت وسررت مع اضهارهما بطلاقة الوجه ونحوها (إلا وأن لكل شئ عزا وعز الإسلام الشعية) لأنهم سبب لعزه وقوته ولولاهم لذل الإسلام واحتقر (ودعامة الإسلام الشيعة) لأن الإسلام بهم قائم كقيام الخيمة بالدعامة وفيه مكنية وتخييلية (وذروة الإسلام الشيعة) ذروة الشئ بالضم وبالكسر أشرف مواضعه وأعلاه والشيعة أعلى درجة في الإسلام لا تصافهم بالإيمان يعلو ولا يعلى عليه (وشرف الإسلام الشيعة) الشرف محركة العلو والمكان العالي والشيعة سبب لشرف الإسلام وعلوه ولو لا الشيعة لكان الإسلام مخفوضا موضوعا (وسيد المجالس مجالس الشيعة) السيد الشريف والفاضل والكريم والرئيس وامقدم ذو الفضيلة وكل هذه الخصال لمجالس الشيعة باعتبار أهلها (وإمام الارض تسكنها الشيعة) الإمام ما يؤتم به ويقصد إليه من رئيس وغيره والمجالس كلها ينبغي لها الاقتداء بمجالس الشيعة باعتبار شرافة أهلها وكونها محلا للمعرفة والفضل والإيمان (والله لو لا ما في الأرض منكم ما رأيت بعين عشبا أبدا) أي بعيني، والعشب: الكلأ مادام رطبا ولا يقال له حشيش حتى يهيج والظاهر أن " ما " في لو لا ما زائدة ويحتمل أي يراد به شئ أي أحد أو الإيمان أو عبادة وطاعة (والله لو لا ما في الأرض منكم ما أنعم الله على أهل خلافكم ولا أصابوا الطيبات) من الرزق وغيره لا حاطة غضب الله

[ 284 ]

تعالى حينئذ بأهل الأرض جميعا وفيه دلالة على أن أصابتهم الطيبات بالعرض وباعتبار وجود المؤمن (ما لهم في الدنيا ولا في الآخرة من نصيب) أما في الآخرة فلا نصيب لهم أصلا وأما في الدنيا فلا نصيب لهم بالذات ويحتمل أن يكون جملة دعائية (كل ناصب وإن تعبد واجتهد) في العبادة كما وكيفا والمراد بالناصب هنا أهل الخلاف جميعا (منسوب إلى هذه الآية) ومصداق لها (عاملة ناصبة) تعمل وتتعب في أعمال غير نافعة يوم ينفع العاملين أعمالهم (تصلى نارا حامية) أي تدخل نارا متناهية في الحرارة والإحراق ثم أكد ذلك بقوله (كل ناصب مجتهد فعمله هباء) الهباء: التراب وهو في الأصل ما ارتفع من تحت سنابك الخيل والشئ المنبث الذي تراه في ضوء الشمس شبه به أعمالهم في انتشارها وعدم تصور النفع (فيها شيعتنا ينطقون) في الولاية والأحكام وغيرهما (بنور الله عز وجل) أي بعمله المنزل إلى الرسول (صلى الله عليه وآله) (ومن خالفهم ينطق) (1) فيما ذكر (بتفلت) أي فجأة من عند أنفسهم بلا رؤية واستناد الى أصل متحقق وفي النهاية التفلت التعرض للشئ فجأة ومنه حديث عمر " إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها " أراد بالفلتة: الفجأة، ومثل هذه البيعة جدير بأن تكون هيجة للشر والفتنة فعصم الله من ذلك ووقى، والفلتة: كل شئ وفعل من غير روية وإنما بودر بها خوف انتشار الأمر، وقيل: أراد بالفلتة: الخلسة أي أن الإمامة يوم السقيفة مالت إلى توليها الأنفس ولذلك كثر فيها التشاجر فما قلدها أبو بكر إلا انتزاعا من الأيدي واختلاسا. فانظر رحمك الله كيف أنطق الله لسان ذلك الرجل بالحق ليكون حجة عليه وعلى من تبعه (والله ما من عبد من شيعتنا ينام إلا أصعد الله روحه إلى السماء فيبارك عليها) أي يديم عليها ما أعطاها من التشريف والكرامة أو يزيدهما لها (جعلها في كنوز رحمته) أي جعلها مدخرة تحت رحمته ليردها إليه يوم البعث كما يدخر المال تحت الأرض (وفي رياض جنته) هي إما الجنة المعروفة أو جنة في الدنيا معدة لأرواح المؤمنين كما مر مثله (وفي ظل عرشه) أي ظل رحمته أو في كنفها وهو كناية عن القرب حتى كان الرحمة ألقت الظل عليها ويحتمل أن يراد بالعرش: العرش الجسماني وقد مر (وإن كان أجلها متأخرا بعث بها مع أمنته من الملائكة) الأمنة: جمع الأمين وهو الحافظ (ليردها إلى الجسد الذي خرجت منه لتسكن فيه) قال الله تعالى: * (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليه الموت فيرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) * (وإن فقراءكم لأهل الغنى) يحسبهم الناس أغنياء من التعفف لغناء نفوسهم الشريفة عن السؤال أو المراد به الغناء الأخروي لتحصيلهم أسباب الآخرة (وإن أغنياءكم


1 - كذا. (*)

[ 285 ]

لأهل القناعة) يقنعون بالكفاف ولا يسرفون ولا يقترون ولا يضيعون عمرهم في طلب الزيادة. * الأصل: 260 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن الحسن بن شمون، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن القاسم، عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبي عبد الله (عليه السلام): مثله وزاد فيه ألا وإن لكل شئ جوهرا وجوهر ولد آدم محمد (صلى الله عليه وآله) ونحن وشيعتنا بعدنا، حبذا شيعتنا ما أقربهم من عرش الله عز وجل وأحسن صنع الله إليهم يوم القيامة والله لو لا أن يتعاظم الناس ذلك أو يداخلهم زهو لسلمت عليهم الملائكة قبلا، والله ما من عبد من شيعتنا يتلو القرآن في صلاته قائما إلا وله بكل حرف مائة حسنة، ولا قرأ في صلاته جالسا إلا وله بكل حرف خمسون حسنة ولا في غير صلاة إلا وله بكل حرف عشر حسنات وإن للصامت من شيعتنا لأجر من قرأ القرآن ممن أخالفه، أنتم والله على فرشكم نيام، لكم أجر المجاهدين وأنتم والله في صلاتكم لكم أجر الصافين في سبيله، أنتم والله الذين قال الله عز وجل: " ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين " إنما شيعتنا أصحاب الأربعة الأعين: عينان في الرأس وعينان في القلب، ألا والخلائق كلهم كذلك إلا أن الله عز وجل فتح أبصاركم وأعمى أبصارهم. * الشرح: قوله: (وزاد فيه الأوان لكل شئ جوهرا وجوهر ولد آدم محمد (صلى الله عليه وآله) ونحن وشيعتنا بعدنا) الجوهر من كل شئ: ما له فضيلة كاملة، ومزية واضحة، وخصلة ظاهرة بها يصطفي ويمتاز عن غيره من أفراد ذلك الشئ كالياقوت في الاحجار مثلا وبذلك يظهر وجه ما ذكر (والله لو لا أن يتعاظم الناس ذلك) فيأخذونهم أنبياء ورسلا (أو يداخلهم زهو): أي كبر وفخر (لسلمت عليهم الملائكة قبلا) في القاموس رأيته قبلا محركة وكصرد وكعنب أي عيانا ومقابلة (أنتم والله على فرشكم نيام لكم أجر المجاهدين) لأن الشيعة أكياس ينامون على قصد الخير ولذا قال أمير المؤمنين (عليه السلام): " حبذا نوم الأكياس " قال المحققون: الأكياس: هم الذين اشتغلت قلوبهم بالحق وتزينت بالمعارف وقالوا: سر ذلك أنهم ينامون على نية ان تقووا به على الطاعة فإذا هم حال النوم في عين الطاعة (أنتم والله الذين قال الله عز وجل " ونزعنا ما في صدروهم من غل إخوانا على سرر متقابلين ") الغل: الحقد والحسد والبغض والشبهة في الولاية الحقة وغيرها وأعظم النزع في الدنيا وبعضه في الآخرة ليدخل المؤمن طاهرا خالصا من النقص في الجنة (إنما شيعتنا أصحاب الأربعة الأعين عينان في الرأس وعينان في القلب) يرون بعيني القلب الحقايق والمعقولات ويميزون بين صحيحها وسقيمها وحقها وباطلها فيتبعون الحق ويتركون الباطل كما يرون بعيني الرأس المبصرات مثل الأضواء والألوان ويميزون بيهما.

[ 286 ]

* الأصل: 261 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن منصور بن يونس، عن عنبسة بن مصعب قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: أشكوا إلى الله عز وجل وحدتي وتقلقلي بين أهل المدينة حتى تقدموا وأراكم وآنس بكم فليت هذه الطاغية أذن لي فأتخذ قصرا في الطائف فسكنته وأسكنتكم معي واضمن له أن لا يجئ من ناحيتنا مكروه أبدا. * الشرح: قوله: (أشكو إلى الله وحدتي وقلقي. انتهى) القلق محركة الإنزعاج وفي بعض النسخ " تقلقلي " وهو الحركة والإضطراب والطاغية: إما السفاح وهو أول خليفة من العباسية ومدة ملكه أربع سنين وتسعة أشهر وقبض إلى جهنم في حياته (عليه السلام) أو أخوه أبو جعفر المنصور الدوانيقي ومدة ملكه اثنتي وعشرين سنة والتاء للمبالغة. * الأصل: 262 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن الوليد، عن يونس بن يعقوب قال: أنشد الكميت أبا عبد الله (عليه السلام) شعرا فقال: أخلص الله لي هواى فما اغرق نزعا ولا تطيش سهامي. فقال أبو عبد الله (عليه السلام): لا تقل هكذا " فما اغرق نزعا " ولكن قل: " فقد اغرق نزعا ولا تطيش سهامي ". * الشرح: قوله: (أنشد الكميت أبا عبد الله (عليه السلام) شعرا): الكميت بن زيد الأسدي الكوفي من أصحاب الباقر (عليه السلام) مات في حياة أبي عبد الله (عليه السلام) روى الكشي عن حمدويه عن حسان بن عبيد بن زرارة عن أبيه عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال للكميت: " لا تزال مؤيدا بروح القدس ما دمت تقول فينا " وفي رواية اخرى " أن أبا جعفر (عليه السلام) قال له: لا تزال معك روح القدس ما ذببت عنا " (فقال أخلص الله لي هواي) أي حبي لكم أهل البيت (فما أغرق نزعا ولا تطيش سهامي) نزع في القوس: مدها، وأغرق في نزعها استوفى مدها هذا في الأصل ثم استعير للمبالغة في الأمر والانتهاء فيه، وطاش السهم جاز الهدف وأطاشه أماله عن الهدف ولعل المراد بالقوس قوس المحبة، وبالسهم سهمها على سبيل التشبيه، إذا عرفت هذا فنقول: هذا الكلام يحتمل وجهين: الأول: أن يكون الواو لعطف المنفي على المنفي فدل بحسب المنطوق على عدم الإغراق في نزع قوس المحبة وعدم المبالغة فيها وعدم طيش سهم المحبة عن الهدف إلى الغلو مثلا وبحسب المفهوم على أنه لو أغرق طاش سهم المحبة عن الهدف فلذلك لم

[ 287 ]

يغرق، والثاني أن يكون الواو للحال عن فاعل أغرق ويكون النفي راجعا إلى القيد فيدل على أنه أغرق وطاش السهم لأجل إغراقه ولما كان في الأول نقص في إظهار المحبة من وجهين: الأول: عدم المبالغة في المحبة، والثاني: جواز سهم المحبة عن الهدف على تقدير المبالغة فيها وفي الثاني نقص بالوجه الثاني غير (عليه السلام) عبارته ليندفع كلا النقصين (فقال أبو عبد الله (عليه السلام): لا تقل هكذا فما أغرق نزعا ولكن قل فقد أغرق نزعا ولا تطيش سهامي) وهذا أبلغ وأكمل في مقام إظهار المحبة حيث دل على عدم طيش سهمهما مع المبالغة فيها ومد قوسها على حد الكمال هذا ما خطر بالبال على سبيل الاحتمال والله يعلم حقيقة الحال. * الأصل: 263 - سهل بن زياد، عن محمد بن الحسن، عن أبي داود المسترق، عن سفيان بن مصعب العبدي قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال: قولوا لام فروة تجيئ فتسمع ما صنع بجدها قال: فجاءت فقعدت خلف الستر ثم قال: أنشدنا قال: فقلت: " فرو ! جودي بدمعك المسكوب " قال: فصاحت وصحن النساء فقال أبو عبد الله (عليه السلام): الباب الباب فاجتمع أهل المدينة على الباب قال: فبعث إليهم أبو عبد الله (عليه السلام) صبي لنا غشئ عليه فصحن النساء. * الشرح: قوله: (عن سفيان بن مصعب العبدي) شاعر كوفي من أصحاب الصادق (عليه السلام) وفي رواية قال له (عليه السلام): قل شعرا تنوح به النساء، وفي أخرى قال (عليه السلام): " يا معشر الشيعة علموا أولادكم شعر العبدي فإنه على دين الله " (فقال: قولوا لأم فروة) قال الأمين الإسترابادي: أم فروة: من بنات الصادق (عليه السلام) كما صرح به في أعلام الورى وغيره (فرو جودى) أي يا فروة فحذف حرف النداء والهاء للترخيم (الباب الباب) أي أغلقوا الباب أو احفظوه (فبعث إليهم أبو عبد الله (عليه السلام) صبي لنا غشى فصحن النساء) النساء بدل من الضمير، قيل: هذا القول إما للتقية أو لبيان الواقع في تلك الساعة من صيحتهن أو المراد بالصبي من صار شهيدا في كربلا في حجر الحسين (عليه السلام) بسهم العدو. * الأصل: 264 - سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لما حفر رسول الله (صلى الله عليه وآله) الخندق مروا بكدية فتناول رسول الله (صلى الله عليه وآله) المعول من يد أمير المؤمنين (عليه السلام) - أو من يد سلمان (رضي الله عنه) - فضرب بها ضربة فتفرقت بثلاث فرق، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لقد فتح علي في ضربتي هذه كنوز كسرى وقيصر، فقال أحدهما لصاحبه: يعدنا بكنوز كسرى وقيصر وما يقدر أحدنا أن يخرج يتخلى.

[ 288 ]

* الشرح: قوله: (مروا بكدية) الكدية بالضم: الأرض الغليظة والصفاء العظمية الشديدة والشئ الصلب بين الحجارة والطين. * الأصل: 265 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أبي يحيى الواسطي، عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن لله تبارك وتعالى ريحا يقال لها: الأزيب لو أرسل منها مقدار ثور لأثارت ما بين السماء والأرض وهي الجنوب. * الشرح: قوله: (إن لله تعالى ريحا يقال له الأزيب) في النهاية في حديث الريح " اسمها عند الله الأزيب وعندكم الجنوب، الأزيب من السماء: الريح الجنوب، وأهل مكة يستعلمون هذا الاسم كثيرا " وفي القاموس الأزيب: كالأحمر الجنوب أو النكباء تجري بينها وبين الصبا والأمر المنكر والداهية. * الأصل: 266 - علي بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن زريق أبي العباس، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أتى قوم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالوا: يا رسول الله إن بلادنا قد قحطت وتوالت السنون علينا فادع الله تبارك وتعالى يرسل السماء علينا فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالمنبر فاخرج واجتمع الناس فصعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ودعا وأمر الناس أن يؤمنوا فلم يلبث أن هبط جبرئيل فقال: يا محمد أخبر الناس أن ربك قد وعدهم أن يمطروا يوم كذا وكذا وساعة كذا وكذا فلم يزل الناس ينتظرون ذلك اليوم وتلك الساعة حتى إذا كانت تلك الساعة أهاج الله عز وجل ريحا فأثارت سحابا وجللت السماء وأرخت عزاليها فجاء اولئك النفر بأعيانهم إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقالوا يا رسول الله ادع الله لنا أن يكف السماء عنا فإنا كدنا أن نغرق فاجتمع الناس ودعا النبي (صلى الله عليه وآله) وأمر الناس أن يؤمنوا على دعائه فقال له رجل من الناس: يا رسول الله أسمعنا فإن كل ما تقول ليس نسمع فقال: قولوا: اللهم حوالينا ولا علينا اللهم صبها في بطون الأدوية وفي نبات الشجر وحيث يرعى أهل الوبر، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابا. * الشرح: قوله: (فقالوا: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) إن بلادنا قد قحطت وتوالت السنون علينا فادع الله تعالى يرسل السماء علينا) السنة القحط والمجدبة من الأرض، والسماء: السحاب أو المطر والقحط قد ينسب إلى المطر يقال: قحط المطر بفتح القاف والحاء: أي قل واحتبس وانقطع، وقد ينسب إلى غيره يقال: قحط الناس وقحط الناس وقحط البلاد بفتح القاف وكسر الحاء وحكى بضم القاف أيضا: أي

[ 289 ]

أصابهم القحط كذا في المغرب وبعض حواشيه وقال الآبي مثلة في كتاب إكمال الإكمال وقال الجوهري: القحط: الجدب وقحط المطر يقحط قحوطا إذا احتبس وحكى الفراء قحط المطر بالكسر يقحط وأقحط القوم أي أصابهم القحط وقحط أيضا على ما لم يسم فاعله قحطا. (فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالمنبر فأخرج) دل على أن إخراج المنبر إلى الصحراء مستحب في الاستسقاء وقد مر في باب صلاة الاستسقاء ما يدل على ذلك فهو حجة على ابن الجنيد حيث قال: والأظهر في الروايات أنه لا ينقل المنبر بل يكون كمنبر العيد معمولا من طين والروايات التي رأيناها لا يدل على ما ذكره والله يعلم (وأمر الناس أن يؤمنوا) أمن فلان تأمينا قال بعد الدعاء: آمين بالمد والقصر ومعناه اللهم استجب أو كذلك فليكن أو كذلك فافعل (وجللت السماء): أي غمرت وعمت، يقال: جلل الشئ تجليلا غمر والمجلل: السحاب الذي يجلل الأرض بمطر أي يعم (وأرخت عزاليها) قد مر مرارا فلا نعيد (قد كدنا أن نغرق) غرق في الماء من باب علم غرقا وأغرقه غيره (اللهم حوالينا ولا علينا يقال رأيت الناس حوله وحواليه بفتح اللام أي مطيقين به من جوانبه أراد أنزال الغيث في مواضع النبات لا في مواضع الأبنية وفيه أدبه الكريم إذا لم يدع برفعه لأنه رحمة بل دعا بكشف ما يضرهم وإنزاله إلى حيث يبقى نفعه وخصبه ولا يستضر به ساكن ولا ابن سبيل فيجب التأدب بمثله في مثل هذا (وحيث يرعى أهل الوبر) يرعى من باب منع والوبر الإبل. * الأصل: 267 - جعفر بن بشير، عن زريق، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما أبرقت قط في ظلمة ليل ولا ضوء نهار إلا وهي ما طرة. * الشرح: قوله: (ما أبرقت قط. انتهى): أي ما أبرقت السماء، يقال: برقت السماء بروقا وأبرقت إذا لمعت أو جاءت ببرق. * الأصل: 268 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن ابن العرزمي رفعه قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) وسئل عن السحاب أين يكون ؟ قال: يكون على شجر على كثيب على شاطئ البحر يأوي إليه فإذا أراد الله عز وجل أن يرسله أرسل ريحا فأثارته ووكل به ملائكة يضربوه بالمخاريق وهو البرق فيرتفع ثم قرأ الآية " الله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت. الآية " والملك اسمه الرعد. * الشرح:

[ 290 ]

قوله: (على " كثيب " هو الرمل المستطيل المحدودب (يضربونه بالمخاريق) من طريق العامة عن علي (عليه السلام): " البرق مخاريق الملائكة " قال في النهاية: هي جمع مخراق وهو في الأصل ثوب يلف ويضرب به الصبيان بعضهم بعضا، أراد أنها آلة تزجر بها الملائكة السحاب. وتسوقه ويفسره حديث ابن عباس " البرق سوط من نور تزجر به الملائكة السحاب ". * الأصل: 269 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن مثنى الحناط ومحمد بن مسلم قالا: قال أبو عبد الله (عليه السلام): من صدق لسانه زكى عمله ومن حسنت نيته زاد الله عز وجل في رزقه ومن حسن بره بأهله زاد الله في عمره. * الشرح: قوله: (من صدق لسانه زكى عمله) لأن استقامة اللسان تابعة لاستقامة القلب وهي تقتضي جميع الجوارح وزكاء جميع الأعمال الصادرة منها أو لأن أعمال اللسان أعظم وأكثر من أعمال جميع الجوراح إذ هو يحكي عن جميع أعمال الظواهر ويخبر عن أسرار الضماير فاذن استقامته إنما تكون باستقامة جميع الأعمال وتوجب زكاءها (ومن حسنت نيته) في الأعمال والأخلاق وتحصيل الأرزاق وخلصت لله عز وجل (زاد الله عز وجل في رزقه) لأنه المتقي والمتقي مرزوق من حيث لا يحتسب كما نطق به القرآن الكريم. * الأصل: 270 - الحسين بن محمد الأشعري، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن الحسن بن محمد الهاشمي قال: حدثني أبي [ عن أحمد بن محمد بن عيسى ] قال: حدثني جعفر بن محمد، عن أبيه عن جدة عن علي (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يقول الله تبارك وتعالى لابن آدم: إن نازعك بصرك إلى بعض ما حرمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقين فأطبق ولا تنظر، وإن نازعك لسانك إلى بعض ما حرمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقين فأطبق ولا تكلم، وإن نازعك فرجك إلى بعض ما حرمت عليك فقد أعنتك عليك بطبقين فأطبق ولا تأت حراما. * الشرح: قوله: (فقد أعنتك عليه بطبقين فأطبق ولا تنظر) الطبق محركة غطاء كل شئ وأطبقه غطاء. * الأصل: 271 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن أسباط، عن مولى لبني هاشم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ثلاث من كن فيه فلا يرج خيره: من لم يستح من العيب ويخش الله بالغيب ويرعو عند الشيب.

[ 291 ]

* الشرح: قوله: (من لم يستح من العيب) فينقل قبايح أعماله ورذائل أخلاقه عند الناس ولا يبالي اطلاع الناس عليها (ويخش الله بالغيب) أي لم يخش الله حال كونه متلبسا بالغيب والخفاء فيقول ويعمل في السر ما لا يجوز شرعا أو عقلا وحاله في ذلك كحال المنافق. ويحتمل أن يراد بالغيب القلب أي لم يخش الله بقلبه وإنما يظهر الخشية بلسانه وجوارحه (ويرعو عند الشيب) في القاموس الرعو والرعوة ويثلثان والرعوى ويضم والارعواء والرعياء بالضم: التورع عن الجهل وحسن الرجوع عنه وقد ارعوى، وفي النهاية ارعوى عن القبيح يرعوي ارعواء: إذا انكف عنه وانزجر منه. والشيب بياض الشعر كالمشيب وقال الأصمعي: المشيب: دخول الرجل في حد الشيب. * الأصل: 272 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن الحجال قال: قلت لجميل بن دراج قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا أتاكم شريف قوم فأكرموه ؟ قال: نعم، قلت له: وما الشريف ؟ قال: قد سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ذلك فقال: الشريف من كان له مال [ قال ]: قلت: فما الحسيب " قال: الذي يفعل الأفعال الحسنة بما له، وغير ماله. قلت: فما الكرم ؟ قال: التقوى. * الشرح: قوله: (الشريف من كان له مال) بين ما هو المراد من قوله (صلى الله عليه وآله) " إذا أتاكم شريف قوم فأكرموه " وليس المراد بيان حقيقة الشريف بدليل أن الشريف يطلق أيضا على من هو شريف في الدين وفي القاموس شرف ككرم شرفا محركة علا في دين أو دنيا (قلت: فما الحسيب ؟ قال: الذي يفعل الأفعال الحسنة بما له وغير ما له) هذا يقوى قول من قال الحسب يكون في الرجل باعتبار أعماله الحسنة وإن لم يكن له آباء لهم شرف وهو حجة على من قال بأنه في الأصل الشرف بالإباء وما يعده الإنسان من مفاخرهم ويؤيده ما روي من طرق العامة " حسب الرجل دينه ومروءته وخلقه " (قلت: فما الكرم ؟ قال: التقوى) أي التحرز عما يوجب الإثم ومن طريق العامة " الكرم التقوى " وهذا يقرر ما في قوله تعالى " ان أكرمكم عند الله أتقاكم " وليس الغرض بيان حقيقة الكرم وأنه التقوى فقط بدليل أن الكرم يطلق على الجود، ومن أسمائه تعالى الكريم وهو الكريم المطلق لأنه الجواد المعطي الذي لا ينفد عطاؤه لا يريد الجزاء ولا يرى سبق الاستحقاق. * الأصل: 273 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما أشد حزن النساء وأبعد فراق الموت ؟ ! وأشد من ذلك كله فقر يتملق صاحبه

[ 292 ]

ثم لا يعطي شيئا. * الشرح: قوله: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما أشد حزن النساء) إذا الزاجر عنه وهو الصبر على المصائب والنوائب وفقد المقاصد والمطالب الدنيوية مفقود فيهن لضعف عقولهن (وما أبعد فراق الموت) لعل المراد أن الفراق عن الموت بعيد والفرار منه صعب شديد لكونه قريبا ضروري الوقوع " قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم " (وأشد من ذلك كله فقر يتملق صاحبه ثم لا يعطي شيئا) في الكنز تملق " چاپلوسى كردن ودوستى نمودن " وفي النهاية التملق بالتحريك: الزيادة في التودد والدعاء والتضرع فوق ما ينبغي.

[ 293 ]

حديث يأجوج ومأجوج * الأصل: 274 - الحسين بن محمد بن الأشعري، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد بن عبد الله، عن العباس بن العلاء، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: سئل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن الخلق فقال: خلق الله ألفا ومائتين في البر وألفا ومائتين في البحر وأجناس بني آدم سبعون جنسا والناس ولد آدم ما خلا يأجوج ومأجوج. * الشرح: قوله (حديث يأجوج ومأجوج، قال القاضي: هما اسمان أعجميان بدليل منع الصرف وقيل عربيان من اج الظليم إذا أسرع وأصلهما الهمز كما قرأ عاصم ومنع صرفهما للتعريف والتأنيث وفي القاموس من لا يهمز هما يجعل الألفين زايدتين (فقال: خلق الله ألفا ومائتين في البر وألفا ومائتين في البحر) كان المراد بها الأصناف بقرينة قوله (وأجناس بني آدم سبعون جنسا) إذ المراد بها الأصناف (والناس ولد آدم ماخلايا جوج ومأجوج) هما امة عظيمة في الكثرة والبطش أما الكثرة فلقوله تعالى " وهم من كل حدب ينسلون " ولما نقل من طريق العامة " ان أولهم يمر ببحيرة طبرية فيشربونها ويمر آخرهم فيقولون كان في هذه ماء، وأما البطش فلقوله تعالى " إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض " وقيل ان الواحد منهم ذكر وأنثى لا يموت حتى يلد ألفا فإذا ولدها كان علامة موته، وأنهم يتسافدون في الطرقات كالبهايم، ويقال: إن في خلقهم تشويها فمنهم المفرط في الطول كالنخلة وفي القصر كالشبر ودونه ومنهم صنف طوال الأذن الواحدة موبرة يشتى فيها والأخرى جلدة يصيف فيها، ويقال: إنه يأكل بعضهم بعضا واختلفوا في أصلهم فهذا الحديث ظاهرة دل على أنهم ليسوا من ولد آدم. وقال عكب: هم بادرة من آدم دون حوا احتلم فاختلطت نطفته بالتراب فكان عن ذلك يأجوج ومأجوج، ورده القرطبي بأن الأنبياء (عليهم السلام) لا يحتلمون، وقال جماعة منهم القاضي: إنهما قبيلتان من ولد يافث بن نوح، وقيل في كتاب العلل تصريح بأنهما من أولاد نوح (عليه السلام) ونقل الآبي في كتاب إكمال الإكمال عن مقاتل أنهما أمة من الترك ومساكنهم وراء السد طول السد بين الجبلين، قيل: مائة فرسخ وعرضه خمسون فرسخا، وقال الجزري: جبل الردم الذي فيه السد طوله سبعمائة فرسخ وينتهي إلى البحر المظلم والكلام في بعثة الرسول إليهم وعدمها وفي إيمانهم وعدمه طويل إذ لا نص عندنا على ذلك والقرآن العزيز إنما أخبر أنهما مفسدون في الأرض والفساد أعم من الكفر وقد قيل: إن إفسادهم كان بأكل الناس وافتراس الدواب كافتراس السبع وإهلاك الحرث ونقل من طريق

[ 294 ]

العامة ما يدل على كفرهم ولكن الأكثر توقفوا فيه والتحقيق أن لهم أربع حالات: الأولى: قبل السد عليهم وهم حينئذ كغيرهم لمخالطتهم أهل الأرض فكفرهم وعدمه حينئذ محتمل لأنا لم نقف ما يدل على شئ منهما. الثانية بعد السد إلى مجئ الإسلام وهذه مثل السابقة لأنا لم نقف ما يدل على أن الله تعالى أرسل إليهم رسولا منهم، وعلى أنه بلغتهم دعوة رسول من غيرهم والظاهر عدم بلوغ الدعوة لتعذر وصولها إليهم، الثالثة: بعد مجئ الاسلام إلى زمان خروجهم وهذه أيضا مثل السابقة لاحتمال بلوغ دعوة نبينا (صلى الله عليه وآله) إليهم فآمنوا أو كفروا واحتمال عدم بلوغها فلا يتصفون بالكفر لأن بلوغ التكليف شرط للحكم بذلك وفي طريق العامة نقل واثلة وأبو عمرو عن وهب بن منبه أنه قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) " انطلق بي جبرئيل (عليه السلام) ليلة أسري بي فدعوت يأجوج ومأجوج فلم يجيبوني فهم في النار مع المشركين من ولد آدم وإبليس هذا صريح في بلوغ الدعوة وفي الكفر، لكن قال أكثر علمائهم هو من الأخبار التي لا تصح من جهة السند إذ لا سند له وإنما هو من الأقاصيص التي تؤدي مقطوعة ومرسلة ولا من جهة المعنى لتعذره عادة ولظلمة الليل والنوم وافتراقهم في منازلهم فكيف يجتمعون له حتى يدعوهم ويقرأ عليهم القرآن فينظرون في معجزاته، وأيضا فالزمان ضيق عن فهمهم وتفهيمه لهم التفهيم الذي تقوم به الحجة. الرابعة بعد خروجهم من السد في آخر الزمان فهم في ذلك الزمان كغيرهم من الخلائق مكلفون بشريعة نبينا (صلى الله عليه وآله) بتبليغ صاحب الامر (عليه السلام) ولكن لا يؤمنون على ما قيل والله يعلم حقيقة أحوالهم. * الأصل: 275 - الحسين بن محمد الأشعري، عن معلي بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن مثنى، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: [ إن ] الناس طبقات ثلاث: طبقة هم منا ونحن منهم، وطبقة يتزينون بنا، وطبقة يأكل بعضهم بعضا [ بنا ]. * الشرح: قوله (ان الناس طبقات ثلاث طبقة هم منا ونحن منهم) أي هم من زمرتنا ونحن من زمرتهم لثبوت المتابعة والإنقياد وقبول الهداية والإرشاد وهم الشيعة كلهم (وطبقة يتزينون بنا) وهم أهل الاسلام المنتسبون إلى أجداده (عليهم السلام) لأن الاسلام منهم (عليه السلام) وهم مبادية وان لم تكن تلك الزينة نافعة لهم يوم القيامة لتركهم أعظم أركان الإسلام (وطبقة يأكل بعضهم بعضا) أي يهلك بعضهم بعضا بوضع قوانين الشرك والكفر أو يلعن بعضهم بعضا يوم القيامة كما قيل وهم سائر الناس ويحتمل أن يراد بالطبقة الأولى خواص الشيعة وخلصهم، وبالثانية: ضعفاؤهم، بالثالثة: سائر الناس والله يعلم. * الأصل: 276 - عنه، عن معلى، عن الوشاء، عن عبد الكريم بن عمرو، عن عمار بن مروان، عن

[ 295 ]

الفضيل بن يسار قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): إذا رأيت الفاقة والحاجة قد كثرت وأنكر الناس بعضهم بعضا فعند ذلك فانتظر أمر الله عز وجل، قلت: جعلت فداك هذه الفاقة والحاجة قد عرفتهما فما إنكار الناس بعضهم بعضا ؟ قال: يأتي الرجل منكم أخاه فيسأله الحاجة فينظر إليه بغير الوجه الذي كان ينظر إليه، ويكلمه بغير اللسان الذي كان يكلمه به. * الشرح: قوله: (إذ رأيت الفاقة والحاجة قد كثرت وأنكر الناس بعضهم بعضا. انتهى) لعل المراد بالفاقة والإنكار فيما بين الشيعة ويحتمل مطلقا وهذه من علامات ظهور الصاحب (عليه السلام) لأنه إنما يظهر عند شدة الزمان وفقد الرحمة بين الخلق كما بعث النبي (صلى الله عليه وآله) في مثل ذلك الزمان. * الأصل: 277 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن محمد بن علي، عن عبيد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده (عليهم السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ووكل الرزق بالحمق ووكل الحرمان بالعقل ووكل البلاء بالصبر. * الشرح: قوله: (وكل الرزق بالحمق ووكل الحرمان بالعقل) وكل على صيغة المجهول تقول وكلت الأمر به وإليه أكله وكلا ووكولا إذا سلمته إليه وتركته معه ولعل السرفيه أن الأحمق يطلب الدنيا فيجدها كما قال الله تعالى " ومن يرد حرث الدنيا نزد له في حرثه " والعقل يترك الدنيا ويطلب الآخرة فيصيبه قليل في الدنيا أو الوجه فيه أن يعلم العقل أن الرزق بيد غيره لا يناله بالتدبير فيحصل له بذلك زيادة معرفة (ووكل البلاء بالصبر) فلو لم يكن الصبر لم يكن البلاء لانه بدون الصبر مستقل في الهدم والهضم كما روى لو لا أن الصبر خلق قبل البلاء لتفطر المؤمن كما تنفطر البيضة على الصفا وروي " من لا يعد الصبر لنوايب الدهر يعجز ". * الأصل: 278 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن عبد الحميد العطار، عن يونس بن يعقوب، عن عمر أخي عذافر قال: دفع إلى إنسان ستمائة درهم - أو سبعمائة درهم - لابي عبد الله (عليه السلام) فكانت في جوالقي فلما انتهيت إلى الحفيرة شق جوالقي وذهب بجميع ما فيه ووافقت عامل المدينة بها فقال: أنت الذي شقت زاملتك وذهب بمتاعك ؟ فقلت: نعم، فقال: إذا قدمنا المدينة فاءتنا حتى أعوضك قال: فلما انتهيت إلى المدينة دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال: يا عمر شقت زاملتك وذهب بمتاعك ؟ فقلت: نعم، فقال: ما أعطاك الله خير مما أخذ منك، إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ضلت ناقته فقال الناس فيها: يخبرنا عن السماء ولا يخبرنا عن ناقته

[ 296 ]

فهبط عليه جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا محمد ناقتك في وادي كذا وكذا ملفوف خطامها بشجرة كذا وكذا قال: فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا أيها الناس أكثرتم على في ناقتي ألا وما أعطاني الله خير مما أخذ مني، ألا وإن ناقتي في وادي كذا وكذا ملفوف خطامها بشجرة كذا وكذا، فابتدرها الناس فوجدوها كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال: ثم قال: ائت عامل المدينة فتنجز منه ما وعدك فانما هو شئ دعاك الله إليه لم تطلبه منه. * الشرح: قوله: (دفع إلى إنسان ستمائة أو سبعمائة درهم لأبي عبد الله (عليه السلام) فكانت في جوالقي فلما انتهيت إلى الحفيرة انتهى) الجوالق بكسر الجيم واللام وبضم الجيم وفتح اللام وكسرها: وعاء معروف والجمع جوالق كصحايف وجوالقات وفي الكنز أنه فارسي معرب يقال له بالفارسية " خورجين " والحفيرة بضم الحاء وفتح الفاء: موضع بين ذي الحليفة ومكة يسلكه الحاج، والزاملة: التي يحمل عليها من الإبل وغيرها والمراد بها هنا الجوالق مجازا من باب إطلاق المحل على الحال (ما أعطاك خير مما أخذ منك) وهو دين الحق وولاية علي (عليه السلام) أو الثواب في الآخرة أو ما يعطيك عامل المدينة باعتبار أنه أكثر على احتمال بعيد وفيه تسلية له وترغيب في الشكر (ثم قال: ايت عامل المدينة فتنجز منه ما وعدك فإنها هو شئ دعاك الله إليه لم تطلبه منه) تنجز أمر من تتنجز يقال: تنجز الرجل حاجته إذا استنجحها وظفر بها. * الأصل: 279 - سهل، عن محمد بن عبد الحميد، عن يونس، عن شعيب العقرقوفي قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): شئ يروى عن أبي ذر (رضي الله عنه) أنه كان يقول: ثلاثة يبغضها الناس وأنا احبها احب الموت، واحب الفقر، واحب البلاء ؟ فقال: إن هذا ليس عى ما يروون إنما عني: الموت في طاعة الله أحب إلي من الحياة في معصية الله، والبلاء في طاعة الله أحب إلي من الصحة في معصية الله، والفقر في طاعة الله أحب إلي من الغنى في معصية الله. * الشرح: قوله: (انما عنى الموت في طاعة الله أحب إلي من الحياة في معصية الله. انتهى) أشار إلى أنه لم يحب الموت على الإطلاق ولم يكره الحياة كذلك بل أحب الموت في الطاعة وكره الحياة في المعصية، وأما الحياة في الطاعة فهي أمر مطلوب للمؤمن إذ بقية عمر المؤمن عطية يتدارك بها ما فات ويستعد بها لما هو آت وكذا رجحان البلاء والفقر في الطاعة عند العقلاء على الصحة والغنى في المعصية واضح وأما رجحانا لصحة والغنى في الطاعة على البلاء والفقر فيها فمشكل والظاهر رجحان البلاء والفقر لأن فيهما صبران وفي الأولين صبر واحد والثواب والجزاء يتفاوت باعتبار

[ 297 ]

تفاوت الصبر والله يعلم. * الأصل: 280 - سهل بن زياد، عن محمد بن عبد الحميد، عن يونس، عن علي بن عيسى القماط، عن عمه قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: هبط جبرئيل (عليه السلام) على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورسول الله (صلى الله عليه وآله) كئيبا حزينا ؟ فقال: يارسول الله مالي أراك كئيب حزينا ؟ فقال: إني رأيت الليلة رؤيا قال: وما الذي رأيت ؟ قال: رأيت بني أمية يصعدون المنابر وينزلون منها قال: والذي بعثك بالحق نبيا ما علمت بشئ من هذا، وصعد جبرئيل (عليه السلام) إلى السماء ثم أهبطه الله جل ذكره بآي من القرآن يعزيه بها قوله: " أفرأيت إن متعناهم سنين * ثم جاءهم ما كانوا يوعدون * ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون " وأنزل الله جل ذكره (إنا أنزلناه في ليلة القدر * وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر " للقوم، فجعل الله عز وجل ليلة القدر لرسوله خيرا من ألف شهر. * الشرح: قوله: (ثم أهبطه الله عز وجل بآى من القرآن يعزيه بها) الآي كالآيات جمع آية: وهي العلامة والشخص ووزنها فعلة محركة أو فاعلة والتعزية التسلية والحمل على العزاء وهو الصبر على البلاء والمصيبة (أفرأيت إن متعناهم سنين) أي تركنا هم ينتفعون وفي الكنز تمتع " برخوردارى دادن " أو أبقيناهم وعمرناهم (ثم جاءهم ما كانوا يوعدون) من الاهلاك والاستيصال والعقاب (ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون) أي ما نفعهم ما كانوا ينتفعون به من الملك والإمارة ولا يدفع البأس عنهم (وأنزل الله جل ذكره إنا أنزلناه) أي القرآن كله إلى السماء الدنيا على السفرة أو إلى اللوح المحفوظ (في ليلة القدر) ثم نزل به الروح الأمين إلى النبي (صلى الله عليه وآله) نجوما في مدة ثلاث وعشرين سنة (وما أدراك ما ليلة القدر) فيه تفخيم لشأنها وتعظيم لشرفها (ليلة القدر خير من ألف شهر) لم تكن فيها ليلة القدر، وقوله " للقوم " صفة لألف شهر والمراد بهم بنو امية وتعلقه بخير وحمل القوم على المؤمنين بعيد. * الأصل: 281 - سهل بن زياد، عن محمد بن عبد الحميد، عن يونس، عن عبد الأعلى قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: " فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم " قال: فتنة في دينه أو جراحة لا يأجره الله عليها. * الشرح: قوله (فليحذر الذين يخالفون عن أمره) بترك الامتثال أو بعدم الاقرار به والأول أنسب (إن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) الفتنة: الامتحان والإختبار وفيه فتنة القبر وفتنة الدجال وغير

[ 298 ]

ذلك ثم كثر استعمالها فيما أخرجه الاختبار للمكروه ثم كثر حتى استعمل بمعنى الإثم والكفر والقتال والإحراق والإزالة والصرف عن الحق والعذاب أعم من الجراحه وغيرها ولعل ذكر الفتنة في الدين والجراحة من باب التمثيل. * الأصل: 282 - سهل بن زياد، عن محمد، عن يونس، عن عبد الأعلى قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن شيعتك قد تباغضوا وشنئ بعضهم بعضا فلو نظرت - جعلت فداك - في أمرهم فقال: لقد هممت أن أكتب كتابا لا يختلف علي من اثنان: قال: فقلت: ما كنا قط أحوج إلى ذلك منا اليوم، قال: ثم قال: إني هذا ومروان وابن ذر ؟ ! قال: فظننت أنه قد منعني ذلك، قال: فقمت من عنده فدخلت على إسماعيل فقلت: يا أبا محمد إني ذكرت لأبيك اختلاف شيعته وتباغضهم فقال: لقد هممت أن أكتب كتابا لا يختلف علي منهم اثنان، قال: فقال ما قال مروان وابن ذر ! قلت: بلى، قال: يا عبد الأعلى إن لكم علينا لحقا كحقنا عليكم والله ما أنتم إلينا بحقوقنا أسرع منا إليكم، ثم قال: سأنظر، ثم قال: يا عبد الأعلى ما على قوم إذا كان أمرهم أمرا واحدا متوجهين إلى رجل واحد يأخذون عنه ألا يختلفوا عليه ويسندوا أمرهم إليه، يا عبد الأعلى إنه ليس ينبغي للمؤمن وقد سبقة أخوه إلى درجة من درجات الجنة أن يجذبه عن مكانه الذي هو به ولا ينبغي لهذا الاخر الذي لم يبلغ أن يدفع في صدر الذي لم يلحق به ولكن يستلحق إليه ويستغفر الله. * الشرح: قوله: (إن شعيتك قد تباغضوا وشنأ بعضم بعضا) شنأه كمنعه وسمعه شنئا ويثلث وشناءة مثل شناعة: أبغضه (فلو نظرت جعلت فداك في أمرهم) بالنصح والإصلاح ولو للتمني أو للشرط والجزاء محذوف ثم قال: (لقد هممت أن أكتب كتابا إليهم لا يختلف علي منهم اثنان) كناية عن رفع الاختلاف بينهم بالكلية وذكر الاثنين لأنهما أقل محل المنازعة والمخاصمة (ثم قال: إني هذا ومروان وابن ذر) لعل المراد أني يمكن هذا الكتاب مع وجودهما أو الحال أنهما موجودان وكأنه (عليه السلام) كان يتقي منهما ويؤيد هذا الاحتمال قول السايل فظننت أنه قد منعنى ذلك وقول إسماعيل ما قال مروان وابن ذر والله يعلم (يا عبد الأعلى إن لكم علينا لحقا كحقنا عليكم) الحق الأول: هو الهداية والعدل والنصيحة والإرشاد، والحق الثاني: هو الطاعة والرضا والتسليم والانقياد ثم أشار إلى أنهم (عليهم السلام) أولى في أداء حقوق الشيعة من الشيعة في أداء حقوقهم بقوله (والله ما أنتم إلينا بحقوقنا أسرع منا إليكم بحقوقكم) وإذا كان كذلك لم يكن منع الكتاب إلا لمانع منه (ثم قال سأنظر) في أمر الكتاب وإرساله إلى الشيعة وأشاور معه (عليه السلام) فلعله يكتب، ان رأى فيه صلاحا (قال: يا عبد الأعلى) على سبيل التعجب والتوبيخ وإظهار نوع من الشكاية من سوء معاملة الشيعة (ما

[ 299 ]

على قوم إذا كان أمرهم أمرا واحدا) وهو دين الحق (متوجهين إلى رجل واحد) يدعوهم إلى ذلك الأمر (يأخذون عنه) ذلك الأمر وغيره مما أمرهم به (ألا يختلفوا عليه) فإن قلت: إنما اختلفوا فيما بينهم بالتباغض والتحاسد لا عليه. قلت: اختلافهم باطل غير مرضي عنده (عليه السلام) وميلهم إلى الباطل اختلاف عليه (ويسندوا أمرهم إليه) أن يتجاوزوا عما أراد منهم من التعاون والتناصر ثم أشار إلى النصح الخالص المقتضي لقوام نظامهم بقوله (يا عبد الاعلى ليس ينبغي للمؤمن وقد سبقة أخوه إلى درجة من درجات الجنة) أي إلى ما يوجبها من العلم والعمل والورع وغير ذلك (أن يجذبه من مكانه الذي هو به) بأن ينقص حقه من التعظيم والتوقير وينكر فضله ويحسده ويبغضه (ولا ينبغي لهذا الآخر الذي لم يبلغ) الظاهر أن لم يبلغ مبني للمفعول أي الذي لم يبلغه الأول المسبوق (أن يدفع في صدر الذي لم يلحق به) بأن يذمه ويلومه ويعيره ويحقره ولا يعينه (ولكن يستلحق إليه ويستغفر الله له) ولنفسه والغرض أنه ينبغي لكل واحد أن يعرف حق آخر فالمفضول يقر بفضل الافضل يعين المفضول ويسعى في ترقيه حتى يستقر بالهم وينتظم حالهم وينزلوا منزله الابرار ومرتبة الأخيار. * الأصل: 283 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن أبي خالد الكابلي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا فلان سلما لرجل هل يستويان مثلا " قال: أما الذي فيه شركاء متشاكسون ورجلا الأول يجمع المتفرقون ولايته وهم في ذلك يلعن بعضهم بعضا ويبرأ بعضهم من بعض، فأما رجل سلم لرجل فإنه الأول حقا وشيعته ثم قال: إن اليهود تفرقوا من بعد موسى (عليه السلام) على إحدى وسبعين فرقة منها فرقة في الجنة وسبعون فرقة في النار وتفرقت النصارى بعد عيسى (عليه السلام) على اثنين وسبعين فرقة، فرقة منها في الجنة وإحدى وسبعون في النار وتفرقت هذه الامة بعد نبيها (صلى الله عليه وآله) على ثلاث وسبعين فرقة اثنتان وسبعون فرقة في النار وفرقة في الجنة ومن الثلاث وسبعين فرقة ثلاث عشرة فرقة تنتحل ولايتنا ومودتنا، اثنتا عشرة فرقة منها في النار وفرقة في الجنة وستون فرقة من سائر الناس في النار. * الشرح: قوله: (ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون): أي مختلفون متنازعون يوم القيامة يتبرأ بعضهم من بعض ويلعن بعضهم بعضا حين رأوا ضلالتهم وإحاطة العذاب بهم وهم الأول وأتباعه كما ذكر (عليه السلام) (ورجلا سلما لرجل) السلم، بالتحريك: الصلح والإستسلام والإذعان والإنقياد، قال الله تعالى " وألقوا إليكم السلم ": أي الإنقياد، وهو مصدر يقع على الواحد والاثنين والجمع وهم

[ 300 ]

علي (عليه السلام) وشيعته كما ذكر (عليه السلام) حيث أنه (عليه السلام) راض عنهم وهم راضون عنه وبينهم الإستسلام في الدينا والآخرة. * الأصل: 284 - وعنه، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لم تزل دولة الباطل طويلة ودولة الحق قصيرة. الشرح: قوله: (لم تزل دولة الباطل طويلة ودولة الحق قصيرة) مدة الباطل وإن كانت قصيرة ومدة الحق طويلة فإن الباطل يزهق يبقي لكن دولة الباطل وهي ظهوره وشيوعه بين الخلق أكثر من دولة الحق وظهوره بينهم لكثرة أهل الباطل وقلة أهل الحق فيصير الباطل مشهورا بينهم والحق مغلوبا مستورا. * الأصل: 285 - وعنه، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن يعقوب السراج قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): متى فرج شيعتكم ؟ قال: فقال: إذا اختلف ولد العباس وهي سلطانهم وطمع فيهم من لم يكن يطمع فيهم وخلعت العرب أعنتها ورفع كل ذي صيصية صيصيته وظهر الشامي وأقبل اليماني وتحرك الحسني خرج صاحب هذا الأمر من المدينة إلى مكة بتراث رسول الله (صلى الله عليه وآله). فقلت: ما تراث رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ قال: سيف رسول الله ودرعه وعمامته وبرده وقضيبه ورايته ولامته وسرجه حتى ينزل مكة فيخرج السيف من غمد ويلبس الدرع وينشر الراية والبردة والعمامة ويتناول القضيب بيده ويستأذن الله في ظهوره فيطلع على ذلك بعض مواليه فيأتي الحسني فيخبره الخبر فيبتدر الحسني إلى الخروج. فيثب عليه أهل مكة فيقتلونه ويبعثون برأسه إلى الشامي فيظهر عند ذلك صاحب هذا الأمر فيبايعه الناس ويتبعونه. ويبعث الشامي عند ذلك جيشا إلى المدينة فيهلكهم الله عز وجل دونها ويهرب يومئذ من كان بالمدينة من ولد علي (عليه السلام) إلى مكة فيلحقون بصاحب هذا الأمر ويقبل صاحب هذا الأمر نحو العراق ويبعث جيشا إلى المدينة فيأمن أهلها ويرجعون إليها. * الشرح: قوله: (إذا اختلف ولد العباس) أي جاء بعضهم بعد بعض وقام بأمر الإماره والسلطنة (ووهى سلطانهم) وهي كوعي وولى تخرق وانشق واسترخى رباطه وضعف (وطمع فيهم) أي في هضمهم وملكهم (من لم يكن يطمع فيهم) وهو هلاكو وقد نهض إليهم من بلاد الترك وما وراء النهر بتقدير إلهى " وإذا أراد الله أمرا فلا مرد له " (وخلعت العرب أعنتها) العنان ككتاب سير

[ 301 ]

اللجام الذي تمسك به الدابة والجمع أعنة وكان خلعها كناية عن الذل والانكسار والخوف والفرار (ورفع كل ذي صيصية صيصيته): هي بالتخفيف قرن البقر وما خلف رجل الديك والحصن والجمع الصياصي وكأنه كناية عن قيام كل ذي قوة لطلب الملك والرئاسة أو عن رفع السلاح مثل الأسنة والرماح وغيرهما أو عن رفع الحصون والقلاع حفظا من تسلط الأعداء والغرض هو الإشارة إلى شدة ذلك الزمان وصعوبة الأمر فيه (وظهر الشامي) كأنه السفياني الدجال (وأقبل اليماني) إلى العراق (وتحرك الحسني) من مكة لإرادة الخروج. (خرج صاحب هذا الأمر من المدينة إلى مكة) جزاء لقوله إذا اختلف إلى آخره (بتراث رسول الله (صلى الله عليه وآله)) التراث بالضم: الميراث وأصله وراث قلبت الواو ياء للتخفيف، والدرع معروف وهو المنسوج من الحديد وقد يذكر ويؤنث والبرد بالضم ثوب مخطط وأكسية يلتحف بها. الواحدة بردة والقضيب العود والسيف اللطيف الدقيق القاطع. واللامة بالهمز أداة الحرب كالمغفر والدرع ونحوهما (فيخرج السيف من غمده) يخرج إما من الإخراج وفاعله ضمير الصاحب (عليه السلام) أو من الخروج والسيف فاعله فيكون ذلك علامة لظهوره (عليه السلام) وينشر الراية النشر خلاف الطي كالتنشير (والبردة والعمامة) إلا نسب أنه عطف على الدرع فيدل على جواز العطف على جزء جملة بعد الفصل بجملة أخرى والعطف على الراية بعيد (فيطلع على ذلك بعض مواليه) الأنسب أن ضمير مواليه عائد إلى الحسني المذكور سابقا وعوده إلى الصاحب بعيد جدا (فيظهر عند ذلك صاحب هذا الأمر) روي الصدوق في كتاب كمال الدين بإسناده عن أبي بصير قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): " يخرج القائم (عليه السلام) يوم السبت يوم عاشورا اليوم الذي قتل فيه الحسين (عليه السلام) " (ويبعث الشامي عند ذلك جيشا إلى المدينة فيهلكهم الله عز وجل دونها) بالبيداء بالخسف كما روى (ويقبل صاحب هذا الأمر نحو العراق) أي الكوفة مع عصا موسى والحجر الذي انبجست منه اثنتا عشرة عينا ومنه طعامهم وشرابهم كما روي. * الأصل: 286 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن مالك بن عطية، عن بعض أصحاب أبي عبد الله (عليه السلام) قال: خرج إلينا أبو عبد الله (عليه السلام) وهو مغضب فقال: إني خرجت آنفا في حاجة فتعرض لي بعض سودان المدينة فهتف بي: لبيك يا جعفر بن محمد لبيك، فرجعت عودي على بدئي إلى منزلي خاوفا ذعرا مما قال حتى سجدت في مسجدي لربي وعفرت له وجهي وذللت له نفسي وبرئت إليه مما هتف بي ولو أن عيسى بن مريم عدا ما قال الله فيه إذا لصم صما لا يسمع بعده أبدا وعمي عمى لا يبصر بعده أبدا وخرس خرسا لا يتكلم بعده أبدا، ثم قال: لعن الله أبا الخطاب وقتله بالحديد.

[ 302 ]

* الشرح: قوله: (فتعرض لي بعض سودان المدينة) وكان غاليا تابعا لأبي الخطاب (فهتف بي لبيك يا جعفر بن محمد لبيك) كأنه قصد به ربوبيته (عليه السلام) أو قال لبيك اللهم يا جعفر بن محمد لبيك فحذف (عليه السلام) اللهم لكراهته ذكره في الحكاية ومعناه: أقيم على طاعتك يا رب إقامة بعد إقامة وإجابة بعد إجابة من لب بالمكان وألب إذا أقام به ولم يفارقه وهو مصدر منصوب بفعل مقدر أي ألب البابا لك بعد إلباب، وقيل معناه اتجاهي وقصدي إليك يا رب من قولهم داري تلب دارك أي تواجهها، وقيل معناه إخلاصي لك من قولهم حب لباب إذا كان خالصا فلا يرد أن مثل هذا الكلام قد يقال لقصد تعظيم المخاطب لا لقصد ربوبيته (فرجعت عودي على بدئي إلى منزلي) قال السيد رضى الدين (رضي الله عنه): عودي حال مؤكده وعلى متعلق به أو برجعت، والبدء مصدر بمعنى الابتداء جعل بمعنى المفعول أي رجعت عائدا على ما ابتدئه. أقول: المقصود منه هو المبالغة في عدم الاستقرار وكون عوده من السير متصلا بابتدائه، ثم قال ويجوز أن يكون عودي مفعولا مطلقا لرجع أي رجع على يديه عودا معهودا وكأنه عهد منه أن لا يستقر على ما ينتقل إليه بل يرجع إلى ما كان عليه قبل (خايفا ذعرا مما قال) الذعر بالضم: اسم من أذعرته ذعرا إذا أفزعته وأخفته وخوفه (عليه السلام) من الله كخوف الوزير من غيرة السلطان ومؤاخذته عند نسبة الرعية إليه السلطنة وتسميته سلطانا وإن لم يكن له تقصير فيه (ولو أن عيسى بن مريم عدا ما قال الله فيه) أي جاوز عما قال الله في وصفه من أنه رسوله وكلمته إلى ما عداه من الربوبية والصفات المختصة بالرب (إذا لصم صمما لا يسمع بعده أبدا. انتهى) الضاهر منه ومن نظائره المعنى الحقيقي مع احتمال حمله على المعنى المجازي وهو على الأول مختص بأهل الكمال عند تجاوزهم عن حدهم بدليل أن بعض الجهلة ادعى الربوبية لنفسه ولم يصم ولم يعم ولم يخرس حقيقة (ثم قال: لعن الله أبا الخطاب) اسمه محمد بن مقلاص وكان غاليا ملعونا يعتقد بأن جعفر بن محمد إله وكان يدعو من تبعه إليه وأمره مشهور. * الأصل: 287 - عنه عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن جهم بن أبي جهمة، عن بعض موالي أبي الحسن (عليه السلام) قال: كان عند أبي الحسن موسى (عليه السلام) رجل من قريش فجعل يذكر قريشا والعرب فقال له أبو الحسن (عليه السلام) عند ذلك، دع هذا، الناس ثلاثة عربي ومولى وعلج فنحن العرب وشيعتنا الموالي ومن لم يكن على مثل ما نحن عليه فهو علج فقال القرشي: تقول هذا يا أبا الحسن ؟ ! فأين أفحاذ قريش والعرب ؟ فقال أبو الحسن (عليه السلام): هو ما قلت لك. * الشرح:

[ 303 ]

قوله: (كان عند أبي الحسن موسى (عليه السلام) رجل من قريش فجعل يذكر قريشا والعرب. انتهى) تفاخر الرجل بشرافة الآباء والأنساب والقبائل باعتبار الشهرة أو بنوع من المزية الدنيوية وهذه مفاخرة جاهلية مذمومة في القرآن والأخبار ولذلك أمره (عليه السلام) بتركها وزجرها عنها بقوله (دع هذا، الناس ثلاثة: عربي ومولى وعلج فنحن العرب وشيعتنا الموالي ومن لم يكن على مثل ما نحن عليه فهو علج) اشار بتقسيم الناس إلى ثلاثة أقسام إلى أن المزية والكمال والشرافة المعتبرة شرعا وعقلا إنما هي دينية وأراد بالعرب من قنن القوانين والشرعية وأوضحها وبين الأمور الدينية وأفصحها وهو محمد (صلى الله عليه وآله) وأوصياؤه (عليهم السلام) وبالموالي من تبعهم ونصرهم وأحبهم ووفى وهم الشيعة، وبالعلج: وهو الحمار الوحشي، والكافر: العجمي الذي لا يفهم المقاصد ولا يعرف المراشد من سواهم ولما كان ذلك الرجل رسخ في طبعه ما ذكره أو لا قال من باب التعجب (تقول هذا يا أبا الحسن فأين أفخاذ قريش والعرب) الأفخاذ: جمع فخذ ككتف وهو دون البطن والبطن دون عمارة بفتح العين وكسرها وهي دون قبيلة وهي دون شعيب هو بمنزلة الجنس كما نقلنا عن بعض المحققين سابقا. وفي المصباح الفخذ بالكسر دون القبيلة وفوق البطن وقيل دون البطن وفوق القبيلة وفي القاموس الفخذ حي الرجل إذا كان أقرب عشيرته. * الأصل: 288 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن الأحول، عن سلام بن المستنير قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يحدث: إذا قام القادم عرض الإيمان على كل ناصب فإن دخل فيه بحقيقته وإلا ضرب عنقه أو يؤدي الجزية كما يؤديها اليوم أهل الذمة ويشد على وسطه الهميان ويخرجهم من الأمصار إلى السواد. * الشرح: قوله: (إذا قام القائم عرض الإيمان على كل ناصب فإن دخل فيه بحقيقة والا ضرب عنقه أو يؤدي الجزية. انتهى) الهميان بالكسر: شداد السراويل ووعاء الدراهم، والسواد من البلد: قراها، والمراد بحقيقة الإيمان الإيمان الخالص وبالناصب غير الإمامية من فرق الإسلام، وفي هذا الخبر دلالة على أنه (عليه السلام) يقبل الجزية منهم إن لم يؤمنوا إيمانا خالصا إلا أنه ضعيف وعلى تقدير العمل به فلعل الجمع بينه وبين ما روي من أنه يضع الجزية عند ظهوره أنه يضعها عن أهل الكتاب فإنهم حينئذ بمنزلة الحربي لا يرفع عنهم السيف حتى يؤمنوا أو يقتلوا والله أعلم. 289 - الحسين بن محمد الاشعري، عن علي بن محمد بن سعيد، عن محمد بن مسلم بن أبي

[ 304 ]

سلمة عن محمد بن سعيد بن غزوان (1) عن محمد بن بنان، عن أبي مريم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال أبي (عليه السلام) يوما وعنده أصحابه: من منكم تطيب نفسه أن يأخذ جمرة في كفه فيمسكها حتى تطفأ ؟ قال: فكاع الناس كلهم ونكلوا، فقمت وقلت: يا أبة أتأمر أن أفعل ؟ فقال: ليس إياك عنيت إنما أنت مني وأنا منك، بل إياهم أردت [ قال: ] وكررها ثلاثا، ثم قال: أأكثر الوصف وأقل الفعل ؟ ! إن أهل الفعل قليل، إن أهل الفعل قليل، ألا وإنا لنعرف أهل الفعل والوصف معا وما كان هذا منا تعاميا عليكم بل لنبلوا أخباركم ونكتب آثاركم، فقال: والله لكأنما مادت بهم الأرض حياء مما قال حتى أني لا نظر إلى الرجل منهم يرفض عرقا ما يرفع عينيه من الأرض فلما رأى ذلك منهم قال: رحمكم الله فما أردت إلا خيرا، ان الجنة درجات فدرجة أهل الفعل لا يدركها أحد من أهل القول ودرجة أهل القول لا يدركها غيرهم. قال: فوالله لكأنما نشطوا من عقال. * الشرح: قوله: (فكاع الناس كلهم ونكلوا) الكيع الجبن والخوف تقول كعت عنه أكيع إذا هبته وجنبت عنه، والنكول عن الشئ: الامتناع منه وترك الإقدام عليه، ثم قال: (ما اكثر الوصف وأقل الفعل) أي: من وصف نفسه بالتشيع كثير والفاعل العامل بلوازمه قليل جدا وما ذلك إلا لضعف يقينهم حيث لم يستيقنوا بأن المعصوم لا يطلب منهم ما يضرهم ولو أخذوا جمرة لصارت عليهم بردا وسلاما كما صارت على خليل الرحمن نظير ذلك ما نقل أن موسى (عليه السلام) عند تعاقب فرعون أمر قومه بالمرور على وجه البحر فلم يقبل منه إلا يوشع فمضي عليه راكبا سالما غانما (إلا وأنا لنعرف أهل الفعل والوصف معا) بالمشاهدة القلبية في حال الغيبة والمشاهدة العينية في حال الحضور وقوله " معا " لإفادة أن معرفة أحدهما لا يمنع معرفة الآخر فإن العلم الحصولي إذا كمل يصير بمنزلة العلم الحضوري ثم أكده بقوله (وليس ذلك منا تعاميا عليكم) أي ليس ذلك القول المذكور في الصدر جهلا منا بأحوالكم الماضية والحاضرة والآتية وطلبا لحصول العلم إذ هي معلومة لنا (بل لنبلوا أخباركم ونكتب آثاركم) أي بل ذلك القول منا لنختبر أخباركم عن إيمانكم وطاعتكم وموالاتكم لنا ونكتب آثاركم وأعمالكم البدنية والقلبية من العلم واليقين وغيرهما ليظهر لكم صدقها وكذبها وحسنها وقبحها ومراتبها لا ليحصل لنا العلم بها.


1 - الظاهر كما سيأتي تحت رقم 314 هو محمد بن سالم بن أبي سلمة المعنون في فهرست الشيخ فصحف وذلك نشأ من اختلاف كتابه سلم وسالم وسفين وسفيان وعثمن وعثمان وعلي بن محمد بن سعيد غير موجود في كتب الرجال والظاهر أنه علي بن محمد بن أبي سعيد وفي رجال الشيخ علي بن محمد بن سعد الأشعري. (*)

[ 305 ]

(فقال والله فكأنما مادت بهم الأرض حياء مما قال حتى أني لأنظر إلى الرجل منهم يرفض عرقا. انتهى) الميد: التحرك والميل والاضطراب يقال ما ديميد ميدا إذا تحرك ومال الإرفضاض: الجريان والسيلان، يقال: أرفض عرقا ارفضاضا إذا جرى عرقه وسال، والحياء تغير وإنكسار ويلحق من فعل أو ترك ما يذم به وهو ههنا حصل لهم مما قال (عليه السلام) من كثرة الوصف وقلة الفعل وهو في الحقيقة ذمهم بأنهم ليسوا من أهل الفعل فحصل لهم بذلك انقباض واضطراب ويأس من كونهم من أهل الجنة لما فهموا من أن أهل الجنة هو أهل الفعل، فلما رأى (عليه السلام) منهم ترحم بهم وقال ليس المراد ذلك وإنما المراد بيان تفاوت درجات أهل الوصف وأهل الفعل فلما بشرهم بذلك خرجوا من القنوط واليأس وحصل لهم الانبساط حتى كأنهم نشطوا من عقال أي خرجوا منه، قولهم: نشط من المكان ينشط أي خرج منه وهذا كناية عما حصل لهم من ذلك الترحم والبيان من كثرة النشاط والفرح والسرور. * الأصل: 290 - وبهذا الإسناد، عن محمد بن سليمان، عن إبراهيم بن عبد الله الصوفي قال: حدثني موسى بن بكر الواسطي قال: قال لي أبو الحسن (عليه السلام): لو ميزت شيعتي لم أجدهم إلا واصفة ولو امتحنتهم لما وجدتهم إلا مرتدين ولو تمحصتهم لما خلص من الألف واحد ولو غربلتهم غربلة لم يبق منهم إلا ما كان لي، إنهم طال ما اتكؤا على الأرائك، فقال: نحن شيعة علي، إنما شيعة علي من صدق قوله فعله. * الشرح: قوله: (لو ميزت شيعتي ما وجدتهم إلا واصفة. انتهى) أي لو ميزتهم عن غيرهم ما وجدتهم إلا واصفين قائلين بالتشيع وهذا الوصف لم يوجد في غيرهم فهم به يمتازون عنهم ثم الواصفين لو امتحنتهم واختبرت أحوالهم ما وجدت أكثرهم إلا مرتدين صارفين عن سيرتي غير آخذين بأمري ولا عاملين بما هو خير لهم، ثم الآخذون العاملون لو تمحصتهم وفتشت كيفية أخذهم وعملهم وأخلاقهم بنوع من التمحيص والتخليص ما وجدت أكثرهم إلا غير خالصين، ثم الخالصون وهم الأقلون جدا لو غربلتهم غربلة وحركتهم تحريكا بغربلة البلايا والمحن والمصائد والشدائد لم يبق منهم إلا قليل وهو من كان لي وأخذ بسيرتي، وإليه يرشد قول الصادق (عليه السلام) " المؤمن أعز من الكبريت الأحمر فمن رأى منكم الكبريت الأحمر " وإن شئت أن تعرف قلة المؤمن وندرته فارجع إلى الأحاديث المذكورة في أبواب الكفر والإيمان من كتاب الأصول (أنهم طال ما اتكؤا على الأرائك) في القاموس، الأريكة كسفينة: سرير في حجلة أو كل ما يتكأ عليه من سرير ومنصة وفراش أو سرير متخذ مزين في قبة أو بيت وإذا لم يكن فيه سرير فهو حجلة وجمع أريكة أرائك

[ 306 ]

(فقالوا: نحن شيعة علي) قولا متفردا عن لوازمه وآثاره وهو الوصف المذكور (وإنما شيعة علي من صدق قوله فعله) بالعمل بسيرته ليتحقق معنى التشيع والمتابعة ويبعد عن شبه الاستهزاء وسيجئ عن علي بن الحسين (عليهما السلام) " إن أبغض الناس إلى الله من يقتدي بسنة إمام ولا يقتدي بأعماله ". * الأصل: 291 - حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد الكندي، عن أحمد بن الحسن الميثمي، عن أبان ابن عثمان، عن عبد الأعلى مولى آل سام قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: يؤتى بالمرأة الحسناء يوم القيامة التي قد افتتنت في حسنها فتقول: يا رب حسنت خلقي حتى لقيت ما لقيت، فيجاء بمريم (عليها السلام) فيقال: أنت أحسن أو هذه ؟ قد حسناها فلم تفتتن، ويجاء بالرجل الحسن الذي قد افتتن في حسنه فيقول: يا رب حسنت خلقي حتى لقيت من النساء ما لقيت فيجاء بيوسف (عليه السلام) فيقال: أنت أحسن أو هذا ؟ قد حسناه فلم يفتتن، ويجاء بصاحب البلاء الذي قد أصابته الفتنة في بلائه فيقول: يا رب شددت علي البلاء حتى افتتنت فيؤتى بأيوب (عليه السلام) فيقال: أبليتك أشد أو بلية هذا ؟ فقد ابتلي فلم يفتتن. * الشرح: قوله: (يؤتي بالمرأة الحسناء يوم القيامة. انتهى) ليس الغرض منه مجرد الإخبار بل فيه وعد ووعيد للممتحن وحمل له على الصبر وبيان لرفع حجه على الله يوم القيامة. * الأصل: 292 - وبهذا الإسناد، عن أبان بن عثمان، عن إسماعيل البصري قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: تقعدون في المكان فتحدثون وتقولون ما شئتم وتتبرؤون ممن شئتم وتولون من شئتم، قلت: نعم، قال: وهل العيش إلا هكذا. * الشرح: قوله: (تقعدون في المكان فتحدثون. انتهى) فيه ترغيب للشيعة في المجالسة والمخالطة والتحديث سيما فضائل أهل البيت (عليهم السلام) والتولى بهم والتبري من أعدائهم فإنما توجب التودد والتواصب ورواج الدين وقوام نظام المسلمين وتحقق الصداقة والإلفة ورفع الفرقة والوحشة وكل ذلك يورث طيب العيش في الدنيا والآخرة. * الأصل: 293 - حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد، عن وهيب بن حفص، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: رحم الله عبدا حببنا إلى الناس ولم يبغضنا إليهم، أما والله لو يروون

[ 307 ]

محاسن كلامنا لكانوا به أعز وما استطاع أحد أن يتعلق عليهم بشئ ولكن أحدهم يسمع الكلمة فيحط إليها عشرا. * الشرح: قوله: (رحم الله عبدا حببنا إلى الناس ولم يبغضنا إليهم) المراد بالناس المخالفون وأصحاب الدولة الباطلة ولابد للمؤمن في حفظه وحفظ إمامه أن تكلم عندهم في أمور الدين من أن يتكلم بما يوجب حبهم لا بغضهم وعداوتهم فإن فيه هلاكه وهلاك إمامه (أما والله لو يروون محاسن كلامنا لكانوا به أعز) ضمير الجمع للشيعة والمحاسن جمع الحسن على غير قياس والإضافة بيانية أو بتقدير في والمقصود أنهم لو نقلوا كلامنا بعينه من غير زيادة ونقصان لكانوا عندهم أعز (وما استطاع أحد أن يتعلق عليهم بشئ) إذ ليس في كلامنا ما يوجب طعنهم صريحا بل قد يكون له وجوه يمكن التخلص بها (ولكن أحدهم يسمع الكلمة فيحط إليها عشرا) هذا من باب المبالغة المشهور بين العرب والعجم وذلك التغيير قد يقع عمدا لغرض من الأغراض وقد يقع سهوا وقد يقع باعتبار فهم المخاطب من كلام له وجوه ونقله ما هو المقصود منها، وينبغي أن يعلم أن كلامهم (عليهم السلام) قسمان قسم من باب الأسرار فلا يجوز نقله لغير أهله أصلا وقسم يجوز نقله مطلقا وهذا القسم ينبغي نقله عندهم على الوجه المسموع من غير تغيير يوجب طعنهم والمراد بالكلام هنا هو هذا القسم وهو لكونه من الحكيم العادل غير مشتمل على ما توجب طعنهم وبغضهم صريحا وأذية وأذى شيعته وإلا لمنع نقله عندهم كالأول. * الأصل: 294 - وهيب، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله عز وجل، " والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة " قال هي شفاعتهم ورجاؤهم يخافون أن ترد عليهم أعمالهم إن لم يطيعوا الله عز ذكره ويرجون أن يقبل منهم. * الشرح: قوله: (عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله عز وجل " والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة " قال: هي شفاعتهم ورجاؤهم يخافون أن ترد عليهم أعمالهم أن لم يطيعوا الله عز ذكره) بفتح الهمزة علة للخوف (ويرجون أن يقبل منهم) الإيتاء: الإعطاء وضمير هي راجع إلى ما والتأنيث لرعاية المعنى أو باعتبار الخبر والمراد بشفاعتهم ورجائهم شفاعة الأئمة لهم ورجاؤهم لها ولقبول الأعمال لمحبتهم فالآية في وصف المحبين للأوصياء بأنهم مع ذلك يخافون أن ترد عليهم أعمالهم لأجل أنهم لم يطيعوا الله عز وجل في الأمر بمحبتهم وطاعتهم كما هي ويرجون أن تقبل منهم أعمالهم باعتبار الانتساب إليهم والإقرار بولايتهم وتفسيرها بهذا ذكره أبو

[ 308 ]

عبد الله (عليه السلام) قبل حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ذيل حديث نادر. * الأصل: 295 - وهيب بن حفص، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ما من عبد يدعوا إلى ضلالة إلا وجد من يتابعه. * الشرح: قوله: (قال أبو عبد الله (عليه السلام) ما من عبد يدعوا إلى ضلالة إلا وجد من يتابعه) لكثرة الجهلة وميل طبايعهم إلى الباطل ولذلك كانت دولة الباطل أشد وأدوم من دوله الحق كما مر وفيه تسلية لأهل الحق في قتلهم وحث في الصبر عليه. * الأصل: 296 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن عبد الله بن الصلت، عن رجل من أهل بلخ قال: كنت مع الرضا (عليه السلام) في سفره إلى خراسان فدعا يوما بمائدة له فجمع عليها مواليه من السودان وغير هم فقلت: جعلت فداك لو عزلت لهؤلاء مائدة ؟ فقال: مه إن الرب تبارك وتعالى واحد والام واحدة والأب واحد والجزاء بالأعمال. * الشرح: قوله: (فقال له: إن الرب واحد والدين واحد والأم واحدة والأب واحد والجزاء بالأعمال) ترغيب في حسن المعاشرة بخلق الله ولو كانوا مماليك وجهالا وضعفاء، وفي العمل الصالح فإن به النجاة والتقرب إلى الله تعالى والجزاء. * الأصل: 297 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن سنان قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: طبايع الجسم على أربعة فمنها الهواء الذي لا يحيي النفس إلا به وبنسيمه ويخرج ما في الجسم من داء وعفونة، والأرض التي قد تولد اليبس والحرارة، والطعام ومنه يتولد الدم ألا ترى أنه يصير إلى المعدة فتغذيه حتى يلين ثم يصفوا فتأخذ الطبيعة صفوه دما ثم ينحدر الثفل والماء وهو يولد البلغم. * الشرح: قوله (طبايع الجسم على أربعة) الطبايع جمع طبيعة كالصبايح جمع صبيحة أو جمع طباع بالكسر كالشمائل جمع شمال والطبيعة والطباع ما ركب في الإنسان من المطعم والمشرب وغير ذلك من الأخلاق التي لا تزايلة ولعل المقصود أن بقاء جسم الإنسان ودوام نظامه إلى أجل مقدر موقوف على أربعة أشياء فلابد من طلب ما هو أوفق به (فمنها الهواء الذي لا يجئ النفس إلا به

[ 309 ]

وبنسيمه) النسيم أول الريح إذا كان ضعيفا لينا ولا يجئ بالجيم، وفي بعض النسخ بالحاء المهملة من الحياة (ويخرج ما في الجسم من داء وعفونة بمروره عليه في الخارج ودخوله فيه وخروجه لأن لتحرك النفس تأثيرا عظيما في دفع الداء والعفونة والفضلات البدنية ومنها الأرض التي تولد اليبوسة والحرارة في البدن. أما تولد اليبوسة فباعتبار المجاورة وأما توليد الحرارة فاما لأن شعاع الشمس ينعكس من الأرض إلى البدن كما قيل أو لأن اليبوسة توجب جمود البدن المقتضي لاحتباس الحرارة الغريزية فيه وهي موجبة لقوة المزاج (ومنها الطعام ومنه يتولد الدم) أي من الطعام يتولد الدم الذي له مدخل تام في بقاء الحياة حتى قيل أنه روح البدن وكذا يتولد منه السوداء والصفراء كما ذكره الأطباء (ألا ترى أنه) أي ألا ترى برؤية عقلية وبصيرة ذهنية (أن الطعام يصير إلى المعدة) التي أولها فضاء الفم وفيه ابتداء الهضم (فتغذيه) أي تربيه (حتى يلين) ويصير كيلوسا ثم يصفو فيأ خذ الطبيعة صفوه دما) وتوصل إلى كل عضو حظه ونصيبه بدلا لما يتحلل منه ثم تجعله القوة المشبهة شبيها بالعضو (ثم ينحدر الثفل) ألى الأمعاء المعدة له دافعة (ومنهما الماء وهو يولد البلغم) الذي هو خلط من اخلاط البدن والقدر الصالح منه نفع فيه ومن منافع الماء أيضا ترقيق الغذاء وتلطيفه وإعانته في نفوذه في المجاري الضيقة. * الأصل: 298 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن يزيد النوفلي، عن الحسين بن أعين أخي مالك بن أعين قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الرجل للرجل: جزاك الله خيرا، ما يعني به ؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام): إن خيرا نهر في الجنة مخرجه من الكوثر، والكوثر مخرجه من ساق العرش عليه منازل الأوصياء وشيعتهم، على حافتي ذلك النهر جواري نابتات، كلما قلعت واحدة نبتت اخرى سمي (1) بذلك النهر وذلك قوله تعالى: " فيهن خيرات حسان " فإذا قال الرجل لصاحبه: جزاك الله خيرا، فانما يعني بذلك تلك المنازل التي قد أعدها الله عز وجل لصفوته وخيرته من خلقه. * الشرح: قوله: (إن خيرا نهر في الجنة. انتهى) هذا هو الفرد الخفي للخير والجلي بحسب الرتبة والشرف والعرش هو الجسماني وحمله على الرحمة أو القدرة ممكن و " جواري " في بعض النسخ بالجيم جمع جارية وفي بعضها بالحاء المهملة جمع حوراء على احتمال وضمير فيهن راجع إلى الجنان أو إلى آلائها والخيرات جمع خير بالتشديد فخفف لأن المخفف للتفضيل لا يثنى ولا


1 - سمي مجهول والنهر نائب الفاعل ويمكن أي يقراء على المعلوم أي سماه الله بما في الآية. (*)

[ 310 ]

يجمع ولا يؤنث وهن حسان في الخلق والخلق والصورة ولا ينبغي استبعاد ما ذكره (عليه السلام) لأن من يقدر أن يخلق من تراب آدم ومن خشبة حية ويخرج من الأرض إلا موات يقدر أن يخلق في الجنة ما ذكر لإظهار قدرته وتفريح المؤمن. * الأصل: 299 - وعنه، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي عمير، عن الحسين بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن في الجنة نهرا خافتاه حور نابتات فإذا مر المؤمن باحداهن فأعجبته اقتلعها فأنبت الله عز وجل مكانها. * الشرح: قوله: (إن في الجنة نهرا خافتاه حور نابتات) هن نساء أهل الجنة واحدتهن حوراء وهي الشديدة بياض العين، الشديدة سوادها كالظباء ولا تطلق على نساء الدنيا إلا على سبيل الاستعارة.

[ 311 ]

حديث القباب * الأصل: 300 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الوشاء، عن عبد الله بن سنان، عن أبي حمزة قال: قال لي أبو جعفر (عليه السلام) ليلة وأنا عنده ونظر إلى السماء فقال: يا أبا حمزة هذه قبه أبينا آدم (عليه السلام) وإن الله عز وجل سواها تسعة وثلاثين قبه فيها خلق ما عصوا الله طرفة عين. (حديث القباب) القباب بالكسر جمع القبة بالضم وهي البناء والخيمة (هذه قبة أبينا آدم (عليه السلام). انتهى) كأنه أشار بهذه إلى السماء الدنيا وعندها قبة آدم باعتبار أنها خلقت له ولذريته كما نطقت به الآيات والروايات أو باعتبار أنه لم تكن له (عليه السلام) قبة سواها وأراد بتسعة وثلاثين ما فوقها من السموات ولا دليل عقلا ونقلا على انحصار السموات في تسع بل يجوز العقل الأقل والأكثر، وأراد بالخلق الملائكة أو الأعم الشامل للأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) وأيضا أو أشار إلى قبه (عليه السلام) في الجنة وأراد بتسعة وثلاثين القباب التي فيها والجنة موجودة في السماء كما ذهب إليه أهل الحق، والحديث التالي يؤيد الأول مع ما فيه من التنبيه على رفض البناء في الدنيا وتزيينه وتذهيبه فإن هذه القبة الخضراء تكفيك كما كانت لابيك. * الأصل: 301 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن أبي يحيى الواسطي، عن عجلان أبي صالح قال: دخل رجل على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال له: جعلت فداك هذه قبة آدم (عليه السلام) ؟ قال: نعم ولله قباب كثيرة، ألا إن خلف مغربكم هذا تسعة وثلاثون مغربا أرضا بيضاء مملوة خلقا يستضيئون بنوره لم يعصوا الله عز وجل طرفة عين، ما يدرون خلق آدم أم لم يخلق، يبرؤون من فلان وفلان. * الشرح: قوله: (ألا أن خلف مغربكم هذا تسعة وثلاثون مغربا أرض بيضاء. انتهى) المشارق والمغارب كثيرة غير محصورة إذ ما من مشرق لبلد إلا وهو مغرب لبلد يقابله والمغرب بالعكس والأرض البيضاء الأرض الملساء والظاهر أن الضمير في نوره راجع إلى الله تعالى، والمراد به العلم الفائض عليهم وإرجاعه وجعل التذكير باعتبار أنها مؤنث غير حقيقي وبراءتهم من فلان وفلان باعتبار أنه تعالى الهمهم خبث ذواتهما وقبح صفاتهما ولا يتوقف ذلك على علمهم بنسبهما وأنهما من أولاد آدم فلا ينافي قوله (ما يدرون خلق آدم لم يخلق) وتسليم مضمون الحديث والإقرار به لازم (1) ولا


1 - قوله: " والإقرار به لازم " لم أعرف وجه كلام الشارح فإن أبا يحيى الواسطي سهيل بن زياد ذكره العلامة (رضي الله عنه) = (*)

[ 312 ]

يجوز أن يستبعد العاقل أو ينكر ما لم يدركه خصوصا إذا أخبر المخبر الصادق (عليه السلام) بوجوده. * الأصل: 302 - علي بن محمد، عن صالح بن أبي حماد، عن يحيى بن المبارك، عن عبد الله بن جبلة، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من خصف نعله ورقع ثوبه وحمل سلعته فقد برئ من الكبر. * الشرح: قوله: (من خصف نعله ورقع ثوبه وحمل متاعه فقد برئ من الكبر) أي من خصف نعله أي حرزها بنفسه أو بغيره من الخصف وهو ضم الشئ إلى الشئ. ورقع ثوبة كمنع: رمه وأصلحه بالرقعة وهي بالضم ما يرقع به الثوب وحمل متاعه بيده أو رأسه أو ظهره " فهو برئ منزه عن الكبر هذا إذا كان من باب القناعة والخلوص لله وأما إذا كان لصرف وجوه الناس إليه فهو من أسباب الكبر كالمال والجاه ونحوهما. * الأصل: 303 - عنه، عن صالح، عن محمد بن اورمة، عن ابن سنان، عن المفضل بن عمر قال: كنت أنا والقاسم شريكي ونجم بن حطيم وصالح بن سهل بالمدينة فتناظرنا في الربوبية قال: فقال بعضنا لبعض: ما تصنعون بهذا ؟ نحن بالقرب منه وليس منا في تقية قوموا بنا إليه، قال: فقمنا فوالله ما بلغنا الباب إلا وقد خرج علينا بلا حذاء ولا رداء قد قام كل شعرة من رأسه منه وهو يقول


= في الضعفاء وكذلك ابن داود وعلى فرض الصحة لم يقل أحد من محصلي أصحابنا بوجوب‍ الاقرار والتسليم بحديث الآحاد خصوصا إذا لا يعرف معناه ولا يتجه إلا بتكليف، فإن قيل يؤيده الحديث المذكور قبله قلنا بينهما فرق بين لأن المغرب خلف المغرب غير معقول وأما وجود قبة سوى هذه القبة معقول وصرح الشارح رحمه الله بأن المغارب غير محصورة فيكيف يوجه انحصاره في تسعة وثلاثين فإن قيل وجود قبة غير هذه القبة أيضا مخالف لصريح القرآن الكريم سبع سموات طباقا " وخلقنا فوقكم سبعا شدادا " والقباب التسعة والثلاثين لا يمكن أن تكون تحت السموات ولا فوقها قلنا: أو لا لم يقل أحد من الحكماء ألا وائل والأواخر بانحصار السموات في عدد معين بدليل عقلي ولا أهل الشرع بدليل نقلي كما ذكر الشارح وإنما ذكر من ذكر التسع أو السبع لأن ما اطلعوا عليه وقادتهم الحجة إليه ورأوا من اختلاف حركات الكواكب يقتضي أفلاكا أقلها ما ذكروه وكذلك مراد مشائي المسلمين من العقول العشرة أن هذا اقل عدد يعتقدونه لا أن لهم دليلا على الانحصار وقد صرحوا بذلك وعلى هذا فلا ينكر أن يكون خارج هذه القبة الزرقاء قباب كثيرة ثم أن هذه القبة الزرقاء ليس سماء في اصطلاح المنجمين والحكماء وقد صرح الطوسي رحمه الله بأن هذه الزرقة من اختلاط النور والظلمة في الفضاء وأن السماوات شفافة ليست بمرئية فلا يبعد أن يكون تخيل الزرقة في مواضع كثيرة من الفضاء والله العالم (ش). (*)

[ 313 ]

لالا يا مفضل ويا قاسم ويا نجم، لالا بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون. * الشرح: قوله: (عن المفضل قال: كنت أنا والقاسم شريكي ونجم بن حطيم وصالح بن سهل بالمدينة) المفضل ابن عمر من أصحاب الصادق والكاظم (عليهما السلام)، نقل عن النجاشي أنه كان فاسد المذهب خطابيا والمفيد في ارشاده عده من شيوخ أصحاب أبي عبد الله وخاصته وبطانته وثقاته الفقهاء الصالحين، وشريكه القاسم بن عبد الرحمن الصيرفي من أصحاب الصادق (عليه السلام)، ويجئ في آخر هذا الكتاب من المصنف أنه كان رجل صدق، ونجم بن حطيم العجلي الكوفي من أصحاب الباقر والصادق (عليهما السلام) ومات في حياة أبي الحسن (عليه السلام) وصالح بن سهل من أصحاب الباقر والصادق (عليهما السلام) ونقل العلامة عن الكشي وأنه قال: روى محمد بن أحمد عن محمد بن الحسين عن الحسن بن علي الصيرفي عن صالح بن سهل قال كنت أقول في أبي عبد الله (عليه السلام) بالربوبية فدخلت عليه فلما نظر إلي قال: " يا صالح إنا والله عبيد مخلوقون لنا رب نعبده وأن لم نعبده عذبنا " (فتناظرنا في الربوبية قال: فقال بعضنا لبعض ما تصنعون بهذا ونحن في قرب منه وليس منا في تقية فقوموا بنا إليه. انتهى) الظاهر أن ضمير منه وليس واليه راجع إلى الصادق (عليه السلام) وبناء المناظرة على أن بعضهم قال بربوبيته قال الأمين الاسترابادي كان بعض الشيعة من ضعفاء العقول بعدما شاهدوا ظهور بعض الخوارق عن الأئمة (عليهم السلام) وسوس الشيطان في قلوبهم أن الله فوض كاينات الجو إلى محمد وعلي واولادهما الطاهرين (عليهم السلام) بعد أن خلقهم كما في آخر شرح المواقف واشتهر من جماعة من الغلاة في حق أمير المؤمنين (عليه السلام). * الأصل: 304 - عنه، عن صالح، عن علي بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن لابليس عونا يقال له تمريح، إذا جاء الليل ملأ ما بين الخافقين. * الشرح: قوله: (إن لإبليس عونا يقال له تمريح) تسميه بالمصدر للمبالغة في إفساده وتخليطه من المرج بالتحريك: وهو الفساد والاختلاط ومنه أمر مريج أي فاسد مختلط وفي بعض النسخ بالحاء المهملة من المرح: وهو الفساد وفي بعضها بالخاء المعجمة من المرخ وفي الكنز مرخ " آلودن " لأنه يمرخ الإنسان ويدنسه بالمعاصي والمرخ أيضا: الجري والسرعة وهو يسرع في أمره ويحري عساكره في أقطار الأرض (ويملأ ما بين الخافقين دفعة والخافقان المشرق والمغرب أو أفقاهما لأن الليل والنهار يختلفان فيهما أو طرفا السماء والأرض أو منتهاهما. * الأصل:

[ 314 ]

305 - عنه، عن صالح، عن الوشاء، عن كرام، عن عبد الله بن طلحة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الوزغ فقال: رجس وهو مسخ كله فإذا قتلته فاغتسل فقال: إن أبي كان قاعدا في الحجر ومعه رجل يحدثه فإذا هو بوزغ يولول بلسانه فقال أبي للرجل: أتدري ما يقول هذا الوزغ ؟ قال: لا علم لي بما يقول، قال: فانه يقول: والله لئن ذكرتم عثمان بشتيمة لأشتمن عليا حتى تقوم من ههنا، قال: وقال أبي: ليس يموت من بني امية ميت إلا مسخ وزغا قال: إن عبد الملك بن مروان لما نزل به الموت مسخ وزغا فذهب من بين يدي من كان عنده وكان عنده ولده فلما أن فقدوه عظم ذلك عليهم فلم يدروا كيف يصنعون ثم اجتمع أمرهم على أن يأخذوا جذعا فيصنعوه كهيئه الرجل قال: ففعلوا ذلك وألبسوا الجذع درع حديد ثم لفوة في الأكفان فلم يطلع عليه أحد من الناس إلا أنا وولده. * الشرح: قوله: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الوزغ فقال رجس وهو مسخ كله) الوزغ: جمع الوزغة محركه وهي سام أبرص وفي الكنز سوسمار، والرجس: القذر النجس ويحرك ويفتح الراء ويكسر الجيم والمسخ تحويل صورة إلى أخرى أقبح منها ومسخه الله قردا فهو مسخ ومسيخ. (فإذا قتلته فاغتسل) الحكمة للإغنسال خفية ولا يبعد أنها للخروج من الذنوب كالغسل بعد التوبة والأمر بقتله في كتب العامة أيضا روى مسلم عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه أمر بقتل الوزغ وسماه فويسقا، وعنه (صلى الله عليه وآله) " من قتل وزغا في أول ضربة كتبت له مائة حسنة، وفي الثانية دون ذلك وفي الثالثة دون ذلك " قال صاحب كتاب إكمال الإكمال: أقل درجات الأمر بقتلها الندب وسماها فويسقا لأن أصل الفسق الخروج وقد حرجت عن أبناء جنسها من الحشرات بكثرة أذايتها فإن لها أنواعا من الأذاية، وقال عياض: تكثر أجر من قتلها بالضربة الأولى على أجر من قتلها في الضربة الثانية عكس ما ألف من الشريعة بأن أكثر ما جاء من تكثره إنما هو على كثرة العمل فالله سبحانه أعلم بحكمة ذلك ولعل الحكمة فيه الحض على المبادرة إلى قتلها والحث على تعجيله خوف أن يفوت (فإذا هو بوزغ يولول بلسانه) في القاموس الولوال: البلبال والدعاء بالويل. ولولت المرأة ولو إلا أعولت، وفي النهاية الولولة: صوت متتابع بالويل والإستغاثة وقيل: هي حكاية صوت النائحة، قال: (فأنه يقول: والله لئن ذكرتم عثمان بشتيمة لا شتمن عليا حتى تقوم من هنا) كراهة لاستماع شتمه (عليه السلام) والشتيمة: اسم لما يشتم به وهو السب الفعله من باب نصر وعلمه بأنه (عليه السلام) كان على الحق وعثمان على الباطل لا ينافي عداوته فإن العداوة بين المؤمن والكافر لا تزول في البرزخ بل في القيامة أيضا كما قال خليل الرحمن " وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة " (وقال: إن عبد الملك بن مروان لما نزل به الموت مسخ وزغا فذهب بين يدي من

[ 315 ]

كان عنده) قد تكثرت الأخبار من طرق العامة والخاصة على انتقال الروح الإنساني من بدن إلى بدن آخر إما في هذا العالم أو في عالم آخر ومن هذا القبيل مسخ بعض الأمم الماضية كما نطق به القرآن الكريم وتعلق الروح بعد مفارقة البدن بمثال شبيه به بحيث لو رأيته لقلت هذا ذاك وليس هذا قولا بالتناسخ الذي أبطله المسلمون وذهب إليه الملاحدة وقسموه إلى أربعة أقسام: النسخ والمسخ والفسخ والرسخ وذهبوا إلى أن الأرواح في هذا العالم دائما ينتقل من محل إلى محل آخر ومن بدن إلى بدن آخر بلا انقطاع وأنكروا إنشاؤه الأخروية وإعادة الأجسام فيها وسائر أحوالتها وقالوا بقدم العالم والتناسخ بهذا المعنى أبطله أهل الإسلام وحكموا بكفر القائل به وأما متعلق الروح ببدن آخر إلى أن تقوم القيامة وتعود إلى البدن الأصليى فهذا عند أهل الشرع ليس من باب التناسخ وإن سميته به فلا مشاحة في التسمية إلا أن الأولى عدم هذا التسمية لئلا يقع الإلتباس وقد صرح بما ذكرنا شيخ المحققين في الأربعين ونقل عن الفخر الرازي في باب تعلق الأرواح بعد خراب البدن بالمثال أنه قال في نهاية العقول المسلمون يقولون بحدوث الارواح وردها إلى الأبدان لا في هذا العالم والتناسخية يقولون بقدمها وردها إليها في هذا العالم وينكرون الآخرة والجنة والنار وإنما كفروا من جهة هذا الإنكار، والفرق بين القولين ظاهر (1). (ثم اجتمع أمرهم على أن يأخذوا جذعا) الجذع بالكسر ساق النخلة والباس الحديد ليثقل على الحامل. * الأصل: 306 - عنه، عن صالح، عن محمد بن عبد الله بن مهران، عن عبد الملك بن بشير، عن عيثم بن سليمان، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا تمنى أحدكم القائم فليتمنه في عافية فان الله بعث محمدا (صلى الله عليه وآله) رحمة ويبعث القائم نقمة. * الشرح: قوله: (إذا تمنى أحدكم القائم) أي إذا تمنى أحدكم ظهور القائم (عليه السلام) (فليتمنه في عافيته) وهي كونه على دين الحق ومتابعته ظاهرا وباطنا (فإن الله بعث محمدا (صلى الله عليه وآله) رحمة) للعباد بالمداراة مع أهل النفاق وأهل الكتاب والكفرة وأهل الأمان وقبول الجزية والعمل بظاهر الشرع (ويبعث القائم نقمة) عليهم وهو الحكم بعلمه وعدم تقرير أحد على الباطل وقتل الكفرة إلى أن يؤلوا إلى الحق.


1 - قوله " والفرق بين القولين ظاهر " هذا هو القول الفصل والفرق بين التناسخ وهو متعلق الروح بالبدن المادي وهذا المسخ وهو تعلق الروح بالبدن البرزخي مما لاريب فيه وقد بين ذلك في غير موضع لكن لا يراه غير الأولياء أو غيرهم بتصرفهم (ش). (*)

[ 316 ]

* الأصل: 307 - عنه، عن صالح، عن محمد بن عبد الله، عن عبد الملك بن بشير، عن أبي الحسن الأول (عليه السلام) قال: كان الحسن (عليه السلام) أشبه الناس بموسى بن عمران ما بين رأسه إلى سرته، وأن الحسين أشبه الناس بموسى بن عمران ما بين سرته إلى قدمه. * الشرح: قوله: (كان الحسن (عليه السلام) أشبه الناس بموسى بن عمران ما بين رأسه إلى سرته وأن الحسين (عليه السلام) أشبه الناس بموسى بن عمران ما بين سرته إلى قدمه) علمه بذلك إما بإخبار النبي (صلى الله عليه وآله) أو بإخبار الملك المحدث له أو برؤيته موسى والحسنين (عليهم السلام) وقد مر أن الأئمة (عليهم السلام) كانوا يرون الأنبياء والأوصياء في كل ليلة الجمعة، وفي كثير من النسخ " عن أبي الحسن (عليه السلام) قال كان الحسين (عليه السلام) أشبه الناس بموسى بن عمران ما بين سرته، إلى قدمه " وليس فيه ذكر الحسن (عليه السلام). * الأصل: 308 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن مقاتل بن سليمان (1) قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) كم كان طول آدم (عليه السلام) حين هبط به إلى الارض وكم كان طول حواء ؟، قال: وجدنا في كتاب علي بن أبي طالب (عليه السلام) أن الله عز وجل لما أهبط آدم وزوجته حواء (عليهما السلام) إلى الأرض كانت رجلاه بثنية الصفا ورأسه دون افق السماء، وإنه شكا إلى الله ما يصيبه من حر الشمس فأوحى الله عز وجل إلى جبرئيل (عليه السلام) أن آدم قد شكا ما يصيبه من حر الشمس فأعمره غمزة وصير طوله سبعين ذراعا بذراعه وأغمز حواء غمزة فصير طولها خمسة وثلاثين ذراعا بذرعها. * الشرح: قوله: (كانت رجلاه بثنية الصفا ورأسه دون أفق السماء) في النهاية الثنية في الجبل: كالعقبة فيه، وقيل هو الطريق العالي فيه، وقيل: أعلى المسيل في رأسه والأفق باضم وبضمتين: الناحية فهو كناية عن طول قامته كثيرا ولم يعلم به مقداره حقيقة) فأغمز غمزة وصير طوله سبعين ذراعا بذراعه. انتهى) الغمز: الحصر والكبس باليد، والذراع بالكسر: من طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى ولا خفاء ما فيه من الغرابة والإشكال إذ قامة كل أحد ثلاثة أذرع ونصف بذراعه وليس أحد سبعين ذرعا أو ثلاثين ذراعا بذراعه إذ هو مع كونه خلاف الواقع يوجب خروج اليد عن استواء الخلقة والحوالة على المجهول والذي يخطر بالبال من باب الاحتمال إن ضمير ذراعه


1 - (عن مقاتل بن سليمان) بتري عامي ضعيف لا يحتج بقوله ولا يلزمنا التكلف في تصحيح روايته (ش). (*)

[ 317 ]

وذراعها راجع إلى آدم وحواء باعتبار فرد آخر من الرجل والأنثى المعلومين في عصره (عليه السلام) من باب الاستخدام وفي رواية مسلم عن النبي (عليه السلام) قال: " خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا " ولا شك أن المراد بالذراع في حديثه الذراع المعهود في عصره (صلى الله عليه وآله) لئلا يلزم الحوالة على المجهول وهو مؤيد لما ذكرناه وأما قوله ستون ذرعا فيمكن أن يكون من سهو الراوي وتبديل السبعين بالستين وحمل الذراع في حديثنا على ما يذرع به الثوب ونحوه مع كونه بعيدا جدا لا يدفع القصور في الحوالة على المجهول والله يعلم. * الأصل: 309 - عنه، عن ابن محبوب، عن أبي أيوب، عن الحارث بن المغيرة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أصاب أباه سبي في الجاهلية فلم يعلم أنه كان أصاب أباه سبي في الجاهلية إلا بعد ما توالدته العبيد في الإسلام واعتق، قال: فقال: فلينسب إلى آبائه العبيد في الاسلام، ثم هو بعد من القبيلة التي كان أبوه سبي فيها إن كان [ أبوه ] معروفا فيهم ويرثهم ويرثونه. * الشرح: قوله: (عن الحارث بن المغيرة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أصاب أباه سبي في الجاهلية فلم يعلم أنه كان أصاب أباه سبي في الجاهلية إلا بعد ما توالدته العبيد في الإسلام وأعتق) أي أعتق ذلك الرجل وهو عطف على توالدته والضمير المنصوب راجع إليه والمراد بأبيه الذي سبي جد من أجداده (1) بقرينة قوله توالدته العبيد لدلالته على أن له آباء كلهم عبيد (قال: فقال: فلينسب) أي ذلك الرجل (إلى آبائه العبيد في الإسلام) لا إلى من سبى أباه لظهور أن الولد


1 - (جد من أجداده). مسألة كانت مبتلى بها في صدر الإسلام فإن قبائل العرب في الجاهلية كانوا يغيرون بعضهم على بعض ويتخذون الأسارى عبيدا وربما بقى منهم من أدرك الإسلام وجرى عليهم العبودية والسؤال عن صحة الاسترقاق الواقع في الجاهلية على خلاف قواعد الشرع فإن الاسترقاق المشروع أن يتخذ المؤمن من المشرك لا المشركون بعضهم من بعض فأجاب (عليه السلام) باستمرار ملك العبد الثابت في الجاهلية بعد الاسلام أيضا كما في ساير أملاكهم وعقودهم، فإن من اشترى شيئا في الجاهلية وملكه بوجه محرم في الإسلام جائز قبل الإسلام يبقى حكم الملك على ما كان وإلا وقع الهرج والمرج، والرجل الذي سبي جده في الجاهلية وبقى هو واولاده مستمرين على الرقية بعد السلام أيضا ينسب إلى آبائه الأرقاء باعتبار بقاء حكم الرقية فيهم وأما الإنتساب إلى القبائل فأمر عرفي لم يبطله الشرع وكان لهم قانون معروف وهو أن العبيد كانوا يعدون من قبائل أربابهم فإذا اسر هاشمي مثلا عبدا غير معروف أبوه وقبيلته يقال هذا العبد هاشمي بالولاء أو يقال هاشمي مولاهم وبين الإمام (عليه السلام) أن العبد المأسور هكذا يعد من قبيلة أربابه إذا لم يعرف نسبه أو كان من غير العرب وأما العربي المعروف كما في مورد المسألة يعد من قبيلته الأصلية هكذا ينبغي أن يفهم هذا الحديث (ش). (*)

[ 318 ]

ينسب في النسب إلى آبائه (ثم هو) أي ذلك الرجل (يعد من القبيلة التي كان أبوه سبي فيها فهو) مثلا قيسي أن كان أبوه من قبيلة قيس وتميمي فإن كان من قبيلة تميم (إن كان معروفا فيهم) أي إن كان أبوه أو هو معروفا في كونه من تلك القبيلة وإلا فلا يجوز أن يعد منهم لأن من ليس من أولاد قيس مثلا ولا ينسب إليه لا يعد من أولاده (ويرثهم ويرثونه) أي يرث ذلك الرجل تلك القبيلة ويرثونه ان كان بينه وبينهم قرابة موجبة للإرث مع شرائط، واعلم أن ذلك الحكم غير مختص بالرجل المذكور لأن كل رجل حرا كان أو عبدا معتقا كان أ / غير معتق ينسب إلى آبائه أحرارا كانوا أم عبيدا في الإسلام أم في الكفر لأن النسب لا يتغير ولا يتبدل بتلك الأوصاف، وكذا كل اثنين بينهما قرابة موجبة للإرث بشرائطه يقع التوارث بينها إلا أن السائل لما سأل عن الرجل المذكور أجاب (عليه السلام) على وفق سؤاله. * الأصل: 310 - ابن محبوب، عن أبي أيوب، عن عبد المؤمن الأنصاري، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن الله تبارك وتعالى أعطى المؤمن ثلاث خصال: العز في الدنيا والآخرة والفلج في الدنيا والآخرة والمهابة في صدور الظالمين. * الشرح: قوله (ان الله تبارك وتعالى أعطى المؤمن ثلاث خصال العزة في الدنيا والآخرة) الخصال بالكسر: جمع الخصلة بالفتح وهي الفضيلة، والعزة الغلبة وخلاف الذلة، والمؤمن غالب في الحجة على قصمه وعزيز غير ذليل عنده تعالى في الدنيا والآخرة " ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون " (والفلح في الدنيا والآخرة) الفلح بالحاء المهملة والتحريك: الفوز والنجاة والنقاء في الخير كالفلاح، وبالجيم: الظفر بالمقصود والفوز بالمطلوب والمؤمن فايز في الدنيا بالصراط المستقل وفي الآخرة بجنات النعيم (والمهابة في صدور الظالمين) لأن المؤمن يكون من الله قريبا حتى لو كشف الغطاء لرأيت أمرا عجيبا فلذلك يهابه الناس خصوصا الظالمون لأنهم يهابون الله ويخافونه ولذلك كان المشركون مع كثرة عددهم وغاية شوكتهم يخافون رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأصحابه مع قلة عددهم وضعف عدتهم كما نطق به القرآن الكريم. * الأصل: 311 - ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ثلاثة هن فخر المؤمن وزينته في الدنيا والآخرة: الصلاة في آخر الليل، ويأسه مما في أيدي الناس، وولايته الإمام من آل محمد (صلى الله عليه وآله) قال: وثلاثة هم شرار الخلق ابتلى بهم خيار الخلق: أبو سفيان أحدهم قاتل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعاداه، ومعاوية قاتل عليا (عليه السلام) وعاداه، ويزيد بن معاوية لعنه الله قاتل

[ 319 ]

الحسين بن علي (عليهما السلام) وعاداه حتى قتله. * الشرح: قوله: (ثلاث هن فخر المؤمن وزينته في الدنيا والآخرة. انتهى) الفخر ويحرك: التمدح بالخصال والكبر والعظم والشرف كالافتخار ولعل المراد أن الثلاثة زينة كاملة للمؤمن صالحة الفخر بها لو جاز الفخر ولو ذكرها المؤمن من حيث أنها نعم جليلة أعطاه الله أياها ووفقه لها فهو جائز بل هو شكر كما قال سيد المرسلين " أنا سيد ولد آدم ولا فخر ": أي لا أقوله تكبرا وتعظما بل شكرا وتحدثا بنعمته. * الأصل: 312 - ابن محبوب، عن مالك بن عطيه، أبي حمزة الثمالي، عن علي بن الحسين (عليهما السلام) قال: لا حسب لقرشي ولا لعربي إلا بتواضع، ولا كرم إلا بتقوى، ولا عمل إلا بالنية ولا عبادة إلا بالتفقه، ألا وإن أبغض الناس إلى الله من يقتدي بسنة إمام ولا يقتدي بأعماله. * الشرح: قوله: (لا حسب لقرشي ولا لعربي إلا بتواضع) الحسب: الشرف والكمال، والقرشي بضم القاف وفتح الراء: منسوب إلى قريش على غير قياس قريشي بإثبات الياء، والتواضع من الوضع: خلاف الرفع والتكبر، والمراد به التواضع لرب العالمين ولرسوله وأوليائه وللمؤمنين ومن تواضع وأظهر الذل والانكسار لهم فهو ذوشرف وكمال رفع الله قدرة في الدينا والآخرة ومن تكبر عليهم فهو خسيس ناقص خفضه الله فيهما (ولا كرم إلا بتقوى) وهي اتخاذ الوقاية من عقوبة الله تعالى وسخطه بترك المعصية وفعل الطاعة (ولا عمل إلا بالنية) لأن عمل القلب والجوارح تابع للنية فإن صحت صح وإن فسدت فسد وإن شئت زيادة توضيح فارجع إلى ما ذكرناه في باب النية وغيره من كتاب الكفر والإيمان (ولا عمل إلا بالتفقه) لأن الإتيان بالعمل المطلوب شرعا متوقف على معرفة حقيقة العمل وأجزائه وأركانه وشرائطه ومصلحه ومفسده وكيفيته وحدوده ومن ثم روى أن الجاهل إصلاحه للعمل أكثر من إفساده (وإن أبغض الناس إلى الله من يقتدي بسنة إمام ولا يقتدي بأعماله) قال أبو جعفر على سبيل الإنكار: " حسب الرجل أن يقول أحب عليا وأتولاه ثم لا يكون فعالا فلو قال: إني أحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورسول الله (صلى الله عليه وآله) خير من على ثم لا يتبع سيرته ولا يعمل بسنته ما نفعه حبه إياه وقال: من كان لله مطيعا فهو لنا ولى ومن كان لله عاصيا فهو لنا عدو وما تنال ولايتنا إلا بالعمل والورع " الحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة. * الأصل: 313 - ابن محبوب، عن أبي أيوب، عن بريد بن معاوية قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إن

[ 320 ]

يزيد بن معاوية دخل المدينة وهو يريد الحج (1) فبعث إلى رجل من قريش فأتاه فقال له يزيد: أتقر لي أنك عبد لي، إن شئت بعتك وإن شئت استرققتك فقال له الرجل: والله يا يزيد ما أنت بأكرم مني في قريش حسبا ولا كان أبوك أفضل من أبي في الجاهلية والإسلام وما أنت بأفضل مني في الدين ولا بخبر مني فكيف أقر لك بما سألت ؟ فقال له يزيد: إن لم تقر لي والله قتلتك، فقال له الرجل: ليس قتلك إياي بأعظم من قتلك الحسين ابن علي (عليهما السلام) ابن رسوله (صلى الله عليه وآله) فأمر فقتل. (حديث علي بن الحسين (عليهما السلام) مع يزيد لعنه الله " ثم أرسل إلى علي بن الحسين (عليهما السلام) فقال له مثل مقالته للقرشي فقال له علي بن الحسين (عليهما السلام). أرأيت إن لم أقر لك أليس تقتلني كما قتلت الرجل بالأمس فقال له يزيد لعنه الله: بلى فقال له علي ابن الحسين (عليهما السلام): قد أقررت لك بما سألت أنا عبد مكروه فإن شئت فأمسك وإن شئت فبع، فقال له يزيد لعنه الله: أولى لك حقنت دمك ولم ينقصك ذلك من شرفك. * الشرح: قوله: (فقال له يزيد لعنه الله أولى لك) أي هذا القول أولى لك وأنفع من تركه. 314 - الحسين بن محمد الأشعري، عن علي بن محمد بن سعيد، عن محمد بن سالم بن أبي مسلمة، عن محمد بن سعيد بن غزوان قال: حدثني عبد الله بن المغيرة قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام). إن لي جارين أحدهما ناصب والآخر زيدي ولابد من معاشرتهما فمن اعاشر ؟ فقال: هماسيان، من كذب بآية من كتاب الله فقد نبذ الإسلام وراء ظهره وهو المكذب بجميع القرآن والأنبياء والمرسلين قال: ثم قال: إن هذا نصب لك وهذا الزيدي نصب لنا. * الشرح: قوله: (ثم قال: إن هذا نصب لك وهذا الزيدي نصب لنا) فيه أن هذا نصب له (عليه السلام) أيضا لأنه رد إمامه ورفض مذهبه وهذا الزيدي نصب للقائل أيضا لذلك ويمكن أن يوجه بأن القضية شخصية كما يشعر به لفظ هذا وأن النصب متوقف على العلم بالرفض وأن هذا الزيدي لم يكن عالما برفض


1 - قوله: (وهو يريد الحج) ذكر العلماء الأصوليون من علائم كذب الخبر عدم تواتر ما من شأنه أن يتواتر ومثلوا لذلك بخبر سقوط المؤذن من المنارة يوم الجمعة في المسجد الجامع إذا لم يتواتر، ووجود بلد عظيم بين بغداد وسرمن رآه لم يره أحد، وسفر يزيد إلى الحجاز لم ينقله أحد ولو كان حقا بتواتر واستوجه العلامة المجلسي (رضي الله عنه) بسهو الراوي واشتباه يزيد بمسلم بن عقبة وهو خلاف عبارة الرواية فإن مسلم بن عقبة لم يكن قريشا، والظاهر سراية السهو إلى المتن أيضا والصحيح ما في مروج الذهب أن مسلم بن عقبة لما نظر إلى علي بن الحسين (عليهما السلام) سقط في يديه وقام واعتذر منه وأرجعه بتكريم وقيل له رأيناك تسب هذا الغلام وسلفه فلما أتي به إليك رفعت منزلته فقال ما كان ذلك لرأي مني لقد ملئ قلبي منه رعبا (ش). (*)

[ 321 ]

القائل وهذا الناصب لم يكن عالما برفضه فليتأمل. 315 - محمد بن سعيد قال: حدثني القاسم بن عروة، عن عبيد بن زرارة، عن أبيه، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: من قعد في مجلس يسب فيه إمام من الائمة يقدر على الانتصاف فلم يفعل ألبسه الله عز وجل الذل في الدنيا وعذبه في الآخرة وسلبه صالح ما من به عليه من معرفتنا. * الشرح: قوله: (من قعد في مجلس يسب فيه امام من الأئمة يقدر على الانتصاف. انتهى) في الكنز انتصاف " دادستانده " وذلك إما بزجره أو إلزامه بالحجة أو ضربه أو قتله ولو قدر على إلزامه بالحجة وصرفه عن الباطل وعلى قتله فالراجح الاول لأن فيه إحياء النفس عن الموت الحقيقي، ولو لم يقدر على شئ فلا يبعد القول بوجوب القيام عليه كمال يدل عليه ظاهر بعض الروايات. * الأصل: 316 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن ابن فضال عن إبراهيم ابن أخي أبي شبل، عن أبي شبل قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) ابتداء منه: أحببتمونا وأبغضنا الناس وصدقتمونا وكذبنا الناس ووصلتمونا وجفانا الناس فجعل الله محياكم محيانا ومماتكم مماتنا أما والله ما بين الرجل وبين أي يقر الله عينه إلا أن تبلغ نفسه هذا المكان - وأومأ بيده إلى حلقه فمد الجلدة - ثم أعاد ذلك فوالله ما رضي حتى حلف لي فقال: والله الذي لا إله إلا هو لحدثني أبي محمد بن علي (عليهما السلام) بذلك يا أبا شبل أما ترضون أن تصلوا ويصلوا فيقبل منكم ولا يقبل منهم، أما ترضون أن تزكوا ويزكوا فيقبل منكم ولا يقبل منهم، أما ترضون أن تحجوا ويحجوا فيقبل الله جل ذكره منكم ولا يقبل منهم والله ما تقبل الصلاة إلا منكم ولا الزكاة إلا منكم ولا الحج إلا منكم فاتقوا الله عز وجل فإنكم في هدنة وأدوا الأمانة فإذا تميز الناس فعند ذلك ذهب كل قوم بهواهم وذهبتم بالحق ما أطعتمونا، أليس القضاة والامر وأصحاب المسائل منهم ؟ قلت: بلى، قال (عليه السلام): فاتقوا الله عز وجل فانكم لا تطيقون الناس كلهم إن الناس أخذوا ههنا وههنا وإنكم أخذتم حيث أخذ الله عز وجل، إن الله عز وجل اختار من عباده محمدا (صلى الله عليه وآله) فاخترتم خيرة الله فاتقوا الله وأدوا الأمانات إلى الأسود والأبيض وإن كان حروريا وإن كان شاميا. * الشرح: قوله: (فجعل الله محياكم محيانا ومماتكم مماتنا) أي جعل الله حياتكم كحياتنا في الاستقامة والهداية والرشاد وموتكم كموتنا على الحق والسعادة والسداد، والمحيا مفعل من الحياة ويقع على المصدر والزمان والمكان وكذلك الممات (أما والله ما بين الرجل منكم وبين أن يقر الله عينه إلا أن تبلغ نفسه هذا المكان. انتهى) أقر الله عينه: من القر بالضم وهي البرد أي أبرد دمعتها وهو

[ 322 ]

كناية عن الفرح والسرور لأن دمعتها باردة أو أراها ما كانت متشوقة إليه من القرار أي أثبتها وأسكنها بمشاهدة الكرامة حتى لا تستشرف إلى غيرها (أما ترضون أن تصلوا ويصلوا فيقبل منكم ولا يقبل منهم. انتهى) فيه تسلية للمؤمنين إذا كما أن هلاكهم يشفي غيظ صدور المؤمنين كذلك بقاءهم على أعمالهم الفاسدة وعدم أجرهم عليها وقبول أعمال المؤمنين وأخذهم أجورها يشفي غيظ صدورهم (فاتقوا الله تعالى فإنكم في هدنة) هي بالضم: المصالحة، وكأنه أمر بالتقية في دولتهم بقرينة التعليل والتقية من تقوى الله تعالى وطاعته (وأدوا الأمانات) إلى أهلها وإن كان كافرا كما يؤتي ويدل عليه الآية الكريمة (فإذا تميز الناس فعند ذلك ذهب كل قوم بهواهم وذهبتم بالحق ما أطعتمونا) التميز عند ظهور الصاحب (عليه السلام) أو عند قيام الساعة والباء في الموضعين للتعدية أو بمعنى مع أوالي، والمراد بالإطاعة المتابعة في الأعمال وحملها على الإقرار بعيد (أليس القضاة والأمراء وأصحاب المسائل منهم. انتهى) الاستفهام للتقريب وأصحاب المسائل هم الفقهاء وأهل الإفتاء وفيه ترغيب في المماشاة معهم والتقية منهم لكثرتهم وقوتهم وضعف الشيعة وقلتهم والحروري الخارجي منسوب إلى حروراء مدا وقصرا هي قرية كان أول اجتماعهم بها والمراد بالشامي بنو أمية أو أهل الشام مطلقا وهم كانوا مرتدين معاونين للمرتد. * الأصل: 317 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن فضال، عن إبراهيم بن أخي أبي شبل، عن أبي شبل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثله. * الأصل: 318 - سهل بن زياد، عن محمد بن سنان، عن حماد بن أبي طلحة، عن معاذ بن كثير قال: نظرت إلى الموقف والناس فيه كثير فدنوت إلى أبي عبد الله (عليه السلام) فقلت له: إن أهل الموقف لكثير ؟ قال: فصرف ببصره فأداره فيهم ثم قال: ادن مني يا أبا عبد الله، غثاء يأتي به الموج من كل مكان لا والله ما الحج إلا لكم، لا والله ما يتقبل الله إلا منكم. * الشرح: قوله: (ثم قال: ادن مني يا أبا عبد الله غثاء يأتي به الموج من كل مكان) فيه إيجاز الحذف أي فدنوت منه فقال يا أبا عبد الله. والغثاء بالضم والمد: ما يجئ فوق السيل مما يحمله من الزبد والوسخ وغيره. * الأصل: 319 - الحسين بن محمد الاشعري، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير قال: كنت جالسا عند أبي عبد الله (عليه السلام) إذا دخلت عليه أم خالد التي كان

[ 323 ]

قطعها يوسف بن عمر تستأذن عليه فقال أبو عبد الله (عليه السلام): أيسرك أن تسمع كلامها ؟ فقلت نعم فقال أما الآن فاذن لها قال، وأجلسني معه على الطنفسة ثم دخلت فتكلمت فإذا امرأة بليغة فسألته عنها فقال لها: توليهما ؟ قالت: فأقول لربي إذا لقيته إنك أمرتني بولايتهما قال: نعم، قالت فان هذا الذي معك على الطنفسة يأمرني بالبراءة منهما وكثير النوا يأمرني بولايتهما فأيهما خير وأحب إليك، قال: هذا والله أحب إلي من كثير النوا وأصحابه، إن هذا يخاصم فيقول: " ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الكافرون " " ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الضالمون "، " ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الفاسقون ". * الشرح: قوله: (إن هذا يخاصم فيقول ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الضالمون. انتهى) مر هذا الحديث متنا وسندا مع شرحه، قال الأمين الاسترابادي: هذا ناظر إلى دليل شايع بين أصحابنا وأصحاب الأئمة عليهم السلام وكانوا يحتجون به على العامة، وملخصه أن هذه الآيات صريحة في أن من حكم برأيه أي الاجتهاد الظني وأخطأ فهو آثم فاسق صرح بذلك رئيس الطايفة في آخر كتاب العدة في الأصول وقال: هذه مدهب شيخنا أبي عبد الله المفيد ومذهب سيدنا الأجل المرتضى ومذهب جميع المتقدمين والمتأخرين من أصحابنا وحاصل الدليل أنه إذا ثبت حرمة الاعتماد على الاجتهاد الظني فيما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله) في الأحكام الخمسه والأحكام الوضعية فتعين أن يكون في الخلق دائما رجل يعلم ما يحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة بوحى إلهى لا رأى ظني بشري وانعقد إجماع المسلمين على أن غير الأئمة الأثنى عشر ليس كذلك فتعين أن يكون هم خزان علم الله وتراجمة وحيه وأن يكونوا مصداق قوله " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ". أقول: ان أراد بالاجتهاد الظني، الاجتهاد المستند إلى الرأي والقياس فلا نزاع بين الأصحاب في أنه باطل موجب للإثم وإن أراد به الاجتهاد المستند إلى النص المفيد للظن بالحكم فكونه باطلا موجبا للإثم بين جميع المتقدمين والمتأخرين محل كلام ثم مقصوده ان الحكم يجب أن يكون من باب اليقين ولا ريب في أن دلالة الآيات المذكورة على ما ذكره من الحكم ظنية فقد قر في ما فر منه فليتأمل. * الأصل: 320 - عنه عن المعلى، عن الحسن، عن أبان، عن أبي هاشم قال: لما اخرج بعلي (عليه السلام) خرجت فاطمة (عليها السلام) واضعة قميص رسول الله 9 على رأسها آخذة بيدي ابنيها فقالت: مالي ومالك يا أبا بكر تريد أن تؤتم ابني وترملني من زوجي ؟ والله لولا أن تكون سيئة لنشرت شعري ولصرخت إلى ربي، فقال رجل من القوم: ما تريد إلى هذا، ثم أخذت بيده فانطلقت به.

[ 324 ]

* الشرح: قوله: (عن أبي هاشم قال: لما أخرج بعلي (عليه السلام) خرجت فاطمة (عليها السلام)) أي أخرج (عليه السلام) قسرا وقهرا ليبايع أبا بكر ولم يعلم أن هذه قول أبي هاشم أو قول المعصوم. (لولا أن تكون سيئة لنشرت شعري) " تكون " تامة والمراد بالسيئة هلاكهم ونزول البلاء عليهم أو نشرت الشعر. (فقال رجل من القوم: ما تريد إلى هذا ؟) كان " إلى " بمعنى " من " للإبتداء، وهذا إشارة إلى علي (عليه السلام) والخطاب لأبي بكر وضمير الغايب كما في بعض النسخ له والاستفهام للإنكار ما أراد منه أخذ البيعة قهرا أو إيصال المكروه إليه وفي بعض النسخ " إلا هذا " وعلى هذا ما نافية وهذا إشارة إلى ما ذكرته فاطمة (عليها السلام) وضمير الخطاب أو الغيبة بحاله. روى مسلم أن فاطمة بقيت بعد أبيها ستة أشهر وبايع على مع أبي بكر بعد وفاتها، قال شارحه أبو عبد الله الآبي: كان لعلي في حياتها وجه من الناس فلما ماتت فاطمة استنكر على وجوههم فاخذ البيعة. أقول: تأمل فيه فانه صريح في أنه (عليه السلام) لم يبايع إلا بعد ستة شهر مكرها فإن كان أبو بكر على الحق كان علي (عليه السلام) فاسقا حتى أنه لو مات قبل البيعة مات ميتة جاهلية عندهم، وإن كان على الباطل كما هو الحق كان كافرا مرتدا وهو كذلك. * الأصل: 321 - أبان، عن علي بن عبد العزيز، عن عبد الحميد الطائي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: والله لو نشرت شعرها ماتوا طرا. * الأصل: 322 - أبان، عن ابن أبي يعفور قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إن ولد الزنا يستعمل إن عمل خيرا جزي به وإن عمل شرا جزي به. * الشرح: قوله: (ان ولد الزنا يستعمل إن عمل خيرا جزي به، وإن عمل شرا جزي به) أي يطلب العمل من ولد الزنا ويكلف به فهو كساير المكلفين في العمل والثواب والعقاب، واختلف العلماء في كفره وإسلامه فذهب ابن إدريس إلى الأول لقول النبي (صلى الله عليه وآله) " ولد الزنا لا يدخل الجنة " وقال: لو كان مسلما لدخلها وذهب الاكثر إلى الثاني للإخبار الدالة عليه وأولوا أخبار الكفر بالبناء على الغالب، وتفصيل الكلام فيه في الكتب المبسوطة. * الأصل: 323 - أبان، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: سمعت أبا عبد الله (صلى الله عليه وآله) يقول: خرج رسول

[ 325 ]

الله (صلى الله عليه وآله) من حجرته ومروان وأبوه يستمعان إلى حديثه، فقال له: الوزغ بن الوزغ. قال أبو عبد الله (عليه السلام): فمن يومئذ يرون أن الوزغ يسمع الحديث. * الشرح: قوله: (خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) من حجرته ومروان وأبوه يستمعان إلى حديثه فقال له الوزغ بن الوزغ) مروان وأبوه الحكم بن العاص كانا مطرودين ملعونين بلسان النبي (صلى الله عليه وآله) وتقلد مروان أمر الخلافة بعد معاوية بن يزيد بن معاوية سنة وتسعة أشهر وبعده ابنه عبد الملك وبعد عبد الملك بنوه وليد وسليمان ويزيد وهشام على الترتيب وفعلوا في الدين ما فعلوا وقتلوا من أولاد الرسول وشعيتهم من قتلوا (فمن يومئذ يرون أن الوزغ يستمع الحديث) لفهمهم أن وجه التشبيه استماع الحديث وفي بعض النسخ " يروون " بالواوين من الرواية. * الأصل: 324 - أبان، عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: لما ولد مروان عرضوا به لرسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يدعو له فأرسلوا به إلى عائشة ليدعو له، فلما قربته منه قال: أخرجوا عني الوزغ بن الوزغ: قال زرارة: ولا أعلم إلا أنه قال، ولعنه. * الشرح: قوله: (لما ولد مروان عرضوا به لرسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يدعو له. انتهى) قيل كانوا يعرضون الطفل عليه (صلى الله عليه وآله) ليدعوا له ويحنكه قصدا لأن يكون أول ما دخل جوفه ما أدخل (صلى الله عليه وآله) وطلبا للتبرك به، وفيه دلالة على حسن عشرته لأمته بالتألف والتودد وهذا لاجل التأسي جرى في جميع الأعصار فأهل كل عصر تأدبوا بمثل هذا الأدب من التبرك بآثار الصالحين فحملوا بالولد عند ولادته إليهم يحنكونه ويدعون له. * الأصل: 325 - أبان، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن أبي العباس المكي قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إن عمر لقى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: أنت الذي تقرأ هذه الآية " بأيكم المفتون " تعرضا بي وبصاحبي قال: أفلا اخبرك بآية نزلت في بني امية " فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم " فقال: كذبت، بنو امية أوصل للرحم منك ولكنك أبيت إلا عداوة لبني تيم وعدي وبني امية. * الشرح: قوله: (سمعت أبا جعفر (عليه السلام) أن عمر لقى أمير المؤمنين (عليه السلام)) مر هذا الحديث متنا وسندا مع شرحه في حديث أبي بصير مع المرأة.

[ 326 ]

* الأصل: 326 - علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان علي (عليه السلام) يقوم في المطر أول ما يمطر حتى يبتل رأسه ولحيته وثيابه، فقيل له: يا أمير المؤمنين الكن الكن فقال: إن هذا ماء قريب عهد بالعرش. ثم أنشأ يحدث فقال: إن تحت العرش بحرا فيه ماء ينبت أرزاق الحيوانات فإذا أراد الله عز ذكره أن ينبت به ما يشاء لهم رحمة منه أوحى الله إليه فمطر ما شاء من سماء إلى سماء حتى يصير إلى السماء الدنيا فيما أظن فيلقيه إلى السحاب والسحاب بمنزلة الغربال، ثم يوحى الله إلى الريح أن اطحنيه وأذيبيه ذوبان الماء، ثم انطلقي به إلى موضع كذا وكذا وفأمطري عليهم فيكون كذا وكذا عبابا وغير ذلك فتقطر عليهم على النحو الذي يأمرها به فليس من قطرة تقطر إلا ومعها ملك حتى يضعها موضعها ولم ينزل من السماء قطرة من مطر إلا بعدد معدود ووزن معلوم إلا ما كان من يوم الطوفان على عهد نوح (عليه السلام) فإنه نزل ماء منهمر بلا وزن ولا عدد. قال: وحدثني أبو عبد الله (عليه السلام) قال: قال لي أبي (عليه السلام): قال أمير المؤمنين (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن الله عز وجل جعل السحاب غرابيل للمطر، هي تذيب البرد حتى يصير ماء لكي لا يضر به شيئا يصيبه، الذي ترون فيه من البرد والصواعق نقمة من الله عز وجل يصيب بها من يشاء من عباده. ثم قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا تشيروا إلى المطر ولا إلى الهلال فان الله يكره ذلك. * الشرح: قوله: (فقيل له: يا أمير المؤمنين الكن الكن) أي اطلب الكن وأدخله وهو بالكسر: ما يرد من الحر والبرد من الأبنية والمساكن (فقال: ان هذا ماء قريب عهد بالعرش) العرش يطلق بلسان الشرع على العلم والقدرة وعلى الجسم المحيط بالعالم وهو الأنسب هنا ويفهم منه استحباب التبرك بالمطر سيما قبل استقراره بالأرض التي عبد عليها غير الله تعالى وقبل أن تمسه الايدي الخاطئة لأن المطر رحمة لقوله تعالى " بشرى بين يدي رحمته " ومبارك لقوله تعلى " ماء مباركا فأنبتنا به " وقريب عهد من محل رحمته وهو العرش ويحتمل أن يراد بالعرش هنا الإرادة ومعنى قرب عهده بتعلقها وإلا فإرادته تعالى قديمة وأن يراد بها الرحمة والحديث حجة لمن رجح ماء المطر على مياه الأرض والأطباء يقولون أنه أنفع المياه ما لم يختزن وفيه أيضا دلالة على زيادة تعظيم كل موجود في بدء وجوده لأنه قريب عهد برحمة الإيجاد ولهذا بالغ الشرع في رعاية الأطفال (ثم يوحي إلى الريح أن اطحنيه وأذيبيه ذوبان الماء. انتهى) طحن البركمنع: جعله دقيقا وذاب ذوبا وذوبانا محركة ضد جمد وأذابه غيره وفيه دلالة على أنه في الأصل برد (فيكون كذا وكذا عبابا وغير ذلك) كذا اسم مبهم ويجري مجرى " كم " فينتصب ما بعده على التميز، والعباب

[ 327 ]

بالضم: معظم السيل وارتفاعه وكثرته أو موجه، وأول الشئ والمراد بغير ذلك سائر مراتب القلة والكثرة، كل ذلك لمصلحة لا يعلمها إلا هو (فإنه نزل لماء منهمر) ضمير المنصوب ليوم الطوفان أي نزل فيه ماء منسكب يقال: انهمر الماء انسكب وسال وفي الكنز انهمار " ريزان شدن آب " ومثل آن (لا تشيروا إلى المطر ولا إلى الهلال فإن الله يكره ذلك) ظاهره غريب وكيفية الإشارة إلهيما غير معلومة ويمكن أن يكون كناية عن نسبة منافعهما إليهما، ولو قرء بالتاء المثناة الفوقانية من شتر به كفرح إذا سبه أو من شتر فلانا إذا غته وجرحه وجعل إلى بمعنى الباء وزائدة لكان له وجه. * الأصل: 327 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن علي بن أسباط رفعه قال: كتب أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى ابن عباس: أما بعد فقد يسر المرء ما لم يكن ليفوته ويحزنه ما لم ليكن ليصيبه أبدا وإن جهد فليكن سرورك بما قدمت من عمل صالح أو حكم أو قول وليكن أسفك فيما فرطت فيه من ذلك ودع ما فاتك من الدنيا فلا تكثر عليه حزنا وما أصابك منها فلا تنعم به سرورا وليكن همك فيما بعد الموت والسلام. * الشرح: قوله: (أما بعد فقد يسر المرء ما لم يكن ليفوته ويحزنه ما لم يكن ليصيبه أبدا وان جهد) أي وإن اجتهد يعني أن المرء يكون من هذه الحالة وهي أنه تسره إصابة ما ينفعه ويحزنه فواته وما ينفع على قسمين أحدهما ما ينفع في الآخرة وثانيهما: ما ينفع في الدنيا والعقل اللبيب ينبغي أن يسر بإصابة الأول ويحزن بفواته وإليه اشار بقوله (فليكن سرورك بما قدمت من عمل صالح أو حكم) بالعدل أو (قول) بالحق (وليكن أسفك وحزنك فيما فرطت فيه من ذلك) فإن هذا السرور أبدي وهذا الحزن مع كونه ندامة وعبادة موجب للزيادة والتدارك وأن لا يحزن بفوات الثاني ولا يسر بإصابته وإليه أشار بقوله (ودع ما فاتك من الدنيا فلا تكثر عليه حزنا وما أصابك منها فلا تنعم به سرورا) كما يسر وينعم أهل الدنيا يقال نعم العود كفرح إذا اخضر ونضر ثم أمر بما هو كالسبب لجميع ذلك. * الأصل: 328 - سهل بن زياد، عن الحسن بن علي، عن كرام، عن أبي الصامت، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: مررت أنا وأبو جعفر (عليه السلام) على الشيعة وهم ما بين القبر والمنبر، فقلت لأبي جعفر (عليه السلام): شيعتك ومواليك جعلني الله فداك قال: أين هم ؟ فقلت أراهم ما بين القبر والمنبر، فقال اذهب بي إليهم فذهب فسلم عليهم، ثم قال: والله إني لاحب ريحكم وأرواحكم فأعينوا مع هذا بورع واجتهاد إنه لا ينال ما عند الله إلا بورع واجتهاد وإذا ائتممتم بعبد فاقتدوا به، أما والله إنكم لعلى

[ 328 ]

ديني ودين آبائي إبراهيم وإسماعيل وإن كان هؤلاء على دين أولئك فأعينوا على هذا بورع واجتهاد. * الشرح: قوله (وليكن همك فيما بعد الموت والسلام) لأن التذكير بهادم اللذات والتخويف بذكره تنفير عن محبة الدنيا والحزن بفواتها وترغيب في محبة الآخرة والعمل لها والحزن بفواتها (فقال: اذهب بي إليهم. انتهى) أمره بذلك لأنه (عليه السلام) كان بدنا عظيم الجثة متكئا عليه والمحبة بينه وبين الشيعة جبلية للتقارب بينهما بحسب الذات والأرواح والصفات كما مر في كتاب الكفر والإيمان وفيه حث على الميل إلى الشيعة والمخالطة بهم وإظهار المحبة لهم (فأعينوا مع هذا بورع واجتهاد) أي فاعينوا بعضكم بعضا بورع عن المعصية واجتهاد في العلم والطاعة أو فأعينوني بذلك وإنما جعل ورعهم واجتهادهم اعانة له (عليه السلام) لأن الأئمة (عليهم السلام) يشفعون لشيعتهم ويدخلونهم الجنة كما دلت عليه الأخبار ولا ريب في أن الورع والإجتهاد مما يعينهم على ذلك لأن قبول الشفاعة في محل قابل أقرب إلى الاستجابة (وإن كان هؤلاء على دين أولئك) كان الإشارة الاولى إلى المخالفين والثانية إلى شيوخهم. * الأصل: 329 - أبو علي الأشعري، عن الحسن بن علي الكوفي، عن العباس بن عامر، عن الربيع بن محمد المسلي، عن أبي الربيع الشامي قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن قائمنا إذا قام مد الله عز وجل لشيعتنا في أسماعهم وأبصارهم حتى [ لا ] يكون بينهم وبين القائم بريد يكلمهم فيسمعون وينظرون إليه وهو في مكانه. * الشرح: قوله: (إن قائمنا إذا قام مد الله عز وجل لشيعتنا في أسماعهم وأبصارهم) أي يقوي القوة السامعة والباصرة لهم كما يقويهما لهم وهم في الجنان (حتى لا يكون بينهم وبين القائم بريد يكلمهم (1) فيسمعون وينظرون إليه وهو في مكانه) البريد: الرسول وفي قليل من النسخ حتى يكون بدون لا والمراد فيه بالبريد فرسخان اواثنى عشر ميلا أو ما بين المنزلين. * الأصل: 330 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن عثمان بن عيسى، عن هارون بن خارجة، عن


1 - قوله " بريد يكلمهم. أراد بالبريد هنا الإنسان الحامل للمكتوب والرسالة لا المسافة ويمكن أن يكون إشارة الى صنعة تقرب الصوت والنظر كما في عهدنا لكن ظاهر الخبر أنه يختص بالشيعة وما بالصنعة يعم الناس أجمعين. (ش) (*)

[ 329 ]

أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من استخار الله راضيا بما صنع الله له خار الله له حتما. * الشرح: قوله: (من استخار الله راضيا بما صنع الله له خار الله له حتما) (1) استخاره طلب منه الخيرة وخار الله له في الأمر جعل له فيه الخير وهذا أمر ضروري لأن الله تعالى يريد خير العباد كلهم فإذا توجه إليه العبد العاجز عن معرفة صلاح أمره وفساده يهديه إلى الخير قطعا. * الأصل: 331 - سهل بن زياد، عن داود بن مهران، عن علي بن إسماعيل الميثمي، عن رجل، عن جويرية بن مسهر قال: اشتددت خلف أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال لي: يا جويرية إنه لم يهلك هؤلاء الحمقى إلا بخفق النعال خلفهم، ما جاء بك قلت جئت أسألك عن ثلاث: عن الشرف، وعن المروءة، وعن العقل، قال: أما الشرف فمن شرفه السلطان شرف، وأما المروءة فإصلاح المعيشة وأما العقل فمن اتقى الله عقل. * الشرح: قوله: (اشتددت خلف أمير المؤمنين (عليه السلام). انتهى) أشد العدو اشتد عدوا وهؤلاء إشارة إلى الخلفاء وأضرابهم، والأحمق: قليل العقل، وقوم ونسوة حمقى بالفتح والقصر، والخفق: صوت النعال والشرف محركة: القدر المنزلة والعلو والمجد وشرف الآخرة لمن شرفه السلطان الاعظم


1 - قوله: " خار الله له حتما " الاستخارة: طلب الخير من الله تعالى وهي إما دعاء وهو أن يطلب من الله تعالى أن يسهل له وسائل الوصول إلى ما هو خير له ويهيئ له اسبابه حتى إذا رآه خيرا وتبين له مصلحته أقدم عليه كمن يريد سفر حج أو زيارة فيطلب منه تعالى أن يسهل له أسباب السفر من الزاد والراحلة وتخلية السرب بأحسن وجه وأسهل طريق، ودليل مشروعيته آيات القرآن المرغبة في مطلق الدعاء، وقد تكون الاستخارة طلب الخير من الله تعالى عند التحير بأن يكون أمران مقدوران كلاهما وجائزان له شرعا وعرفا ولا يعلم وجه الترجيح فيطلب من الله تعالى ازالة الحيرة وأرائة طريق الترجيح بأن يتبين له بالقرائن العقلية رجحان أحد الأمرين حتى يختاره بعقله وهذا أيضا يشمله الآيات القرآنية المرغبة في الدعاء وقد يكون حيرته بحيث لا يتوقع زوالها بظهور القرائن العقلية على الترجيح فيدعو الله تعالى ويطلب منه أن يهديه لما هو خير له بأول آية يقع نظره عليها من المصحف أو ما ينتهي به عدد أسماء الجلالة أو غيرها وهذا أيضا دعاء يشتمله آيات القرآن مثل " قال ربكم ادعوني استجب لكم " وكذلك الاستخارة بالسبحة أو بالرقاع على ما في كتب الأدعية فإنها دعاء وسؤال حاجة من الله مع أنه قدود في الحديث الصحيح المعمول به " والقرعة لكل أمر مشكل " ويدل عليه أيضا عمل النبي زكريا عليه السلام حيث اشترك مع جماعة يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم على ما في القرآن الكريم ولكن يتوقف ذلك على الإيمان بالغيب والاعتقاد بتأثير الأمور الروحانية واليقين بقدرة الله تعالى والاطمينان بإنجاز وعده حيث قال " ادعوني أستجب لكم " ولا يتمشى من الملاحدة ومن يقرب مذهبه منهم والله الهادي إلى سواء السبيل. (ش) (*)

[ 330 ]

بالهدايات الخاصة إلى الأعمال الصالحة وشرف الدنيا لمن شرفه هؤلاء السلاطين، والمعيشة: ما يعاش به وإصلاحها تحصيلها من حلال وصرفها في حلال والتحرز عن الإسراف والتقتير، والعقل ما يقتضي القيام بطاعة الله والاتقاء عن عقوبته. * الأصل: 332 - سهل بن زياد، عن علي بن حسان، عن علي بن أبي النوار، عن محمد بن مسلم قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): جعلت فداك لاي شئ صارت الشمس أشد حرارة من القمر ؟ فقال: إن الله خلق الشمس من نور النار وصفو الماء، طبقا من هذا وطبقا من هذا حتى إذا كانت سبعة أطباق ألبسها لباسا من نار، فمن ثم صارت أشد حرارة من القمر، قلت: جعلت فداك والقمر ؟ قال: إن الله تعالى ذكره خلق القمر من ضوء نور النار وصفو الماء، طبقا من هذا وطبقا من هذا حتى إذا كانت سبعة أطباق ألبسها لباسا من ماء فمن ثم صار القمر أبرد من الشمس. * الشرح: قوله: (فقال: إن الله خلق الشمس من نور النار. انتهى) هذا على تقدير صدق الخبر سر من أسراره تعالى وجب الإقرار به والسكوت عن تفسيره إلا أنه يخطر بالبال من باب الاحتمال أن المراد بنور النار لهبها وبضوئه ما انعكس من نورها في الجسم المقابل لها وأن النسبة بين حرارة في طبقات الشمس وحرارة في طبقات القمر كالنسبة بين حرارة لهب النار وضوئه وتلك النسبة لا يعلمها إلا الله عز وجل ومن عصمه ولذلك صارت الشمس أشد حرارة من القمر وقوله في الشمس وألبسها لباسا من نار وفي القمر فألبسها لباسا من ماء يحتمل وجهين أحدهما أن الشمس أجزائها النارية أغلب من أجزائها المائية فلذلك أفاض عيلها كيفية نارية وألبسها بها والقمر بالعكس، وثانيهما أنه وقع نور النار أول طبقة في نضد طبقات الشمس وآخر طبقة فلذلك ألبسها لباسا من نار لكون النار ظاهرة والماء مستبطنا ووقع صفوالماء في نضد طبقات القمر أولا وآخرا فصار صفوالماء ظاهرا وضوء نور النار باطنا فلذلك صار القمر ملبسا بلباس من ماء والله يعلم. * الأصل: 333 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن بعض أصحابنا، عن محمد بن الهيثم، عن زيد أبي الحسن قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: من كانت له حقيقة ثابتة لم يقم على شبهة هامدة حتى يعلم منتهى الغاية ويطلب الحادث من الناطق عن الوارث وبأي شئ جهلتم ما أنكرتم وبأي شئ عرفتم ما أبصرتم إن كنتم مؤمنين. * الشرح: قوله: (من كانت له حقيقة ثابتة) هو من رسخت ثبتت له حقيقة العهد الأول المأخوذ عليه

[ 331 ]

بالولاية أو حقيقة الإيمان أو من كان طبعه مستقيما على فطرته الأصلية (لم يقم على شبهة هامدة) أي بالية زائلة باطلة من همدت النار إذا خمدت والثوب إذا بلي ولعل المراد بها شبهة المعاندين في الإمامة وغيرها من أصول الدين وفروعه (حتى يعلم منتهى الغاية) غاية كل شئ: منتهاه وقد تطلق على المسافة أيضا والإضافة على الأول بيانية وعلى الثاني لامية أي حتى يعلم غاية تلك الشبهة ومفاسدها المرتبة عليها ويعلم أن الحق وراءها. (ويطلب الحادث من الناطق عن الوارث) أي يطلب الأمر الحادث من أمور الدين أصلا كان أم فرعا من الإمام الناطق عن الوارث وهو الله تعالى ولو بواسطة من العلماء الناقلين منهم عليهم السلام (وبأي شئ جهلتم ما أنكرتم) الظاهر أنه عطف على منتهى الغاية، أي حتى يعلم بأي سبب أنكرتم ما أنكرتم من ولاية الظالمين وهو كونهم جاهلين غاصبين للولاية غير منصوبين من قبل الله تعالى ورسوله (وبأي شئ عرفتم ما أبصرتم) من ولاية الإمام العادل العالم المنصوب بأمر الله تعالى (ان كنتم مؤمنين) يجوز فتح الهمزة ليكون تعليلا لقوله " أنكرتم، وعرفتم " ويجوز كسرها على حذف الجزاء أي إن كنتم مؤمنين تعرفون أن ما ذكرناه لا ريب فيه والله يعلم. * الأصل: 334 - عنه، عن أبيه، عن يونس بن عبد الرحمن رفعه قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ليس من باطل يقوم بأزاء الحق إلا غلب الحق الباطل وذلك قوله عز وجل: " بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ". * الشرح: قوله: (ليس من باطل يقوم بأزاء الحق الأغلب الحق الباطل) إذ الحق من حيث أنه حق ثابت في نفس الأمر يغلب الباطل من حيث أنه باطل غير ثابت فيها الضرورة أن كل ما هو ثابت يوجب زوال ضده ولا ينافي هذا غلبة الباطل واشتهاره من حيث أن طبايع أكثر الخلق مايلة إليه إذ هو مع اشتهاره مغلوب للحق زائل في نفس الأمر وذلك قوله تعالى: (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق) القذف: الرمي بقوة والدمغ كسر الدماغ مع شق أمه وهو جليدة رقيقة كخريطة هو فيها يقال دمغه يدمغه من باب منع ونصر وأدمغه: إذا أصاب دماغه فقتله، والزهوق: خروج الروح، والمعنى ليس من أمرنا اتخاذ اللهو بل يغلب الحق على الباطل فيبطله إلا أنه استعار له لفظ القذف والدمغ ورشح بذكر الزهوق تصويرا لإبطاله مبالغة فيه كما صرح به المفسرون. * الأصل: 335 - عنه، عن أبيه مرسلا قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): لا تتخذوا من دون الله وليجة فلا تكونا مؤمنين، فان كل سبب ونسب وقرابة ووليجة وبدعة وشبهة منقطع مضمحل كما يضمحل الغبار

[ 332 ]

الذي يكون على الحجر الصلد إذا أصابه المطر الجود إلا ما أثبته القرآن. قوله: (لا تتخذوا من دون الله وليجة فلا تكونوا مؤمنين) وليجة الرجل: بطانته وخاصته وصاحب سره ومن اتخذه معتمدا عليه، وهو صريح كالآية في أن من اتخذ أمينا في الدين وإماما ومعتمدا لم يأمر الله تعالى باتخاذه خرج من الإيمان (فإن كل سبب وقرابة ووليجة وبدعة وشبهة منقطع مضمحل كالغبار الذي يكون على الحجر الصلد إذا أصابه المطر الجود إلا ما أثبته القرآن) وروى العامة عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " كل سبب ونسب منقطع إلا سببي ونسبي " السبب: كل ما يتوصل به إلى الشئ كطرق الأرزاق والمعارف والأحكام ونحوها واصله الحبل الذي يتوصل به إلى الماء، والنسب بالولاية والقرابة بالرحم والعطف اما للتفسير أو من باب عطف العام على الخاص إن خص النسب بالأب وعمت القرابة بالأب والعم أو بالعكس ان خصت القرابة بالأقرب وعم النسب بالأقرب والأبعد، والبدعة: كل ما خالف الشريعة، والشبهة: كل باطل مزج بالحق أخذه الوهم بصورة الحق وشبهته به، والصلد بالفتح وقد يكسر: الصلب الأملس، والجود بالفتح المطر الواسع الغنزير والإستثناء من غير الأخيرين والمعنى أن جميع هذه الأمور ومنافعها لكونها من الأمور الإضافية والإعتبارات الوهمية والخيالية منقطعة بانقطاع الدنيا وفانية بفناء الأبدان فمن اعتمد عليها وركن إليها وغفل عن الحق بعد من الإيمان واستحق الخسران كما قال الله تعالى " وتقطعت بهم الأسباب " فقال " فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم ولا يتساءلون ". وقال: " يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون " وقال: " يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه " وقال: " ولا تتخذوا من دون الله وليجه " إلى غير ذلك من الآيات الكريمة والروايات الصحيحة وأما ما أثبته القرآن منها فإنه ثابت أبدا ومنافعها باقية غير منقطعة بانقطاع الدنيا ومفارقة النفوس من الأبدان، فيجيب على المؤمن الطالب للحياة الأبدية والخيرات الدائمة الآخروية والنجاة من العقوبات الروحانية والبدنية أن يتمسك بالأسباب والأنساب والولايج التي أثبتها القرآن وقررها النبي (صلى الله عليه وآله) ويترك البدعة والشبهة والوليجه التي تدعو إلى النار. * الأصل: 336 - علي بن محمد بن عبد الله، عن إبراهيم بن إسحاق، عن عبد الله بن حماد، عن ابن مسكان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: نحن أصل كل خير ومن فروعنا كل بر فمن البر التوحيد والصلاة والصيام وكظم الغيظ والعفو عن المسئ ورحمة الفقير وتعهد الجار والإقرار بالفضل لأهله، وعدونا أصل كل شر ومن فروعهم كل قبيح وفاحشة فمنهم الكذب والبخل والنميمة والقطيعة وأكل الربا وأكل مال اليتيم بغير حقه وتعدي الحدود التي أمر الله وركوب الفواحش ما

[ 333 ]

ظهر منها وما بطن والزنا والسرقة وكل ما وافق ذلك من القبيح. فكذب من زعم أنه معنا وهو متعلق بفروع غيرنا. * الشرح: قوله: (نحن أصل كل خير ومن فروعنا كل بر) لعل المراد بالخير العلم وبالبر العمل الصالح المتفرع عليه وقد نبه بأن التشيع إنما يتحقق بالمتابعة فيهما والروايات الدالة على ذلك كلها مستفيضة بل متواترة معنى، قوله (قال لرجل: اقنع بما قسم الله لك) القنوع بالضم والقناعة بالكسر: الرضا باليسير من الرزق، ومن الحديث المتفق عليه بين الأمة والقناعة كنز لا ينفد لأن الإنفاق منها لا ينقطع كلما تعذر عليه شئ من أمور الدنيا قنع بما دونه ورضى به (ولا تنظر إلى ما عند غيرك) لأن النظر إليه يورث الطمع والذل وعدم الرضا بالقسمة (ولا تتمن ما لست نائله) إذ مع ما فيه من تفريغ القلب عن الله تعالى وعن أمر الآخرة همه لأجل فقدان المطلوب وحزنه لفواته وهو ألم روحاني أشر من الألم الجسماني ثم أشار إلى تعليل عدم النظر والتمني. * الأصل: 337 - عنه، عن غيره، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن خالد ابن نجيح، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال لرجل: أقنع بما قسم الله لك ولا تنظر إلى ما عند غيرك ولا تتمن ما لست نائله فانه من قنع شبع ومن لم يقنع لم يشبع وخذ حظك من آخرتك. وقال أبو عبد الله (عليه السلام): أنفع الأشياء للمرء سبقه الناس إلى عيب نفسه، وأشد شئ مؤونة إخفاء الفاقة، وأقل الأشياء غناء النصيحة لمن لا يقبلها ومجاورة الحريص، وأروح الروح اليأس من الناس. وقال: لا تكن ضجرا ولا غلقا وذلل نفسك باحتمال من خالفك ممن هو فوقك ومن له الفضل عليك فانما أقررت بفضله لئلا تخالفه، ومن يعرف لأحد الفضل فهو المعجب برأيه. وقال لرجل: اعلم أنه لا عز لمن لا يتذلل لله تبارك وتعالى ولا رفعة لمن لم يتواضع لله عز وجل. وقال لرجل: أحكم أمر دينك كما أحكم أهل الدنيا أمر دنياهم فانما جعلت الدنيا شاهدا يعرف بها ما غاب عنها من الآخرة فاعرف الآخرة بها، ولا تنظر إلى الدنيا إلا باعتبار. * الشرح: بقوله: (فإنه من قنع شبع قلبه وعينه) فلا ينظر إلى ما عند غيره ولا يتمنى ما ليس نائلا له (ومن لم يقنع لم يشبع) بل ينظر ويتمنى ويفهم منه أن بين القناعة والشبع تلازما ثم أشار إلى أن القناعة لا توجب الكمال كل الكمال حتى تقترن بالأعمال بقوله (وخذ حظك من آخرتك) أي خذ نصيبك في الدنيا من أجل آخرتك كما روي خذ من الدنيا للاخرة ويحتمل أن يراد بآخرتك عملها

[ 334 ]

أو حذف مضاف أي من عمل آخرتك (وقال أبو عبد الله (عليه السلام)) للحث على المبادرة إلى تطهير النفس من العيوب وفي بعض النسخ فقال بالفاء (أنفع الأشياء للمرء سبقه الناس إلى عيب نفسه) لأن النافع ما يوجب السعادة في الآخرة والتقرب من الحق وهو إما تخلية عن العيوب والرذائل أو تحليه بالأعمال الصالحة والفضايل، والأول أقدم وأنفع من الثاني مع أنه أيضا عمل معين كسائر الأعمال في النفع والتأثير في الترقي إلى المقامات العالية كما قيل ادفع القيد وجد في السير (وأشد شئ مؤونة اخفاء الفاقة) لعل السر فيه أن المطلوب كلما كان أقوى كان فواته أشد ومن البين أن أقوى مطالب النفس التذاذها بالغنى والراحة وكل ذلك مفقود عند الفاقة فهو أشد وأخفاؤها أشد عليها من غيرهما. (وأقل الأشياء غناء النصيحة لمن لا يقبلها ومحاورة الحريص) الغناء بالفتح والمد: النفع والمحاورة في أكثر النسخ بالجيم وفي بعضها بالحاء المهملة ومن البين أنه لا نفع في تلك المحاورة فوجب تركها بل فيها ضرر وهو سبب آخر لتركها بالأولوية ولذا لم يذكره وأنه لا نفع في هذه النصيحة للمنصوح أصلا ولا للناصح لأن النفع المقصود له أصالة تسديد المنصوح وهو لم يقبله وإن كان له نفع من حيث أنه ناصح ولكنه غير مقصود له أصالة ولهذا حكم بالقلة. (وأروح الروح اليأس من الناس) لأن اليأس منهم يوجب رفض الطلب وسكون النفس عن الإضطراب وتوجه السر إلى الله تعالى ونزول الرزق من قبله، وكل ذلك سبب الروح والراحة النفسانية والجسمانية (وقال: لا تكن ضجرا ولا غلقا) الضجر: التبرم والإنزعاج، ضجر منه وبه كفرح: تبرم وانزعج فهو ضجر، والغلق بالغين المعجمة محركة ضيق الصدر وقلة الصبر وسوء الخلق وهما يورثان نقص الإيمان وكسر القلوب وضيق العيش وتبدد النظام (وذلل نفسك باحتمال من خالفك ومن هو فوقك ومن له الفضل عليك) أمر بتذليل النفس باعتبار أمور من صنفين وان كان شاقة عليها أحدهما ذوو القدرة من أهل الخلاف فإن إظهار مخالفتهم يورث الهلاك في الدنيا وثانيهما ذوو الفضل والعلم وأقدمهم الأئمة عليهم السلام فإن خلافهم يوجب الهلاك في الآخرة (ومن لا يعرف لأحد الفضل فهو المعجب برأيه) أي بتخيلاته الفاسدة وتوهماته الباطلة، كعلماء المخالفين وأئمتهم وأتباعهم الذين يأخذون بآرائهم فيما يشكل من أمر الدين، وما لم يأتهم فيه حديث ولا أثر، والمحدثون يسمون أصحاب القياس أصحاب الرأي (وقال لرجل: اعلم أنه لا عز لمن لم يتذلل لله تبارك وتعالى ولا رفعة لمن لم يتواضع لله عز وجل) العزة والرفعة في الحقيقة لمن أعزه الله ورفعه فإنهما تدومان أبدا وهما لا يتحققان إلا بالتذلل والتواضع والإنقياد له. ولأوليائه، وأما ما سماه الجهلة عزة فهي مع كونها عين الذلة أمر إضافي اعتباري لا حقيقة له ولذلك تكون في آن وتزول في آن آخر.

[ 335 ]

(وقال لرجل: أحكم أمر دينك كما أحكم أهل الدنيا أمر دنياهم) إحكام أهل الدنيا أمرها مع أنها غير محكمة لسرعة زوالها بتعلق قلوبهم الضعيفة وعقولهم السخيفة بها فسعوا لجمعها وتحصيلها وحفظها من كل وجه فليكن قلبك الكامل وعقلك الفاضل متعلقا بأمر الآخرة وتحصيل مقاماتها العالية ونعمائها الكاملة الباقية فهذب نفسك عن الرذائل التي أعظمها حب الدنيا والفانيات وأعمل بالصالحات الباقيات (وإنما جعلت الدنيا شاهدا يعرف بها ما غاب عنها من الآخرة) لأن من تفكر في الدنيا وفي نعمائها الناضرة وآلائها الظاهرة وأمتعتها الفاخرة مع كونها سجنا ضيقا وبيتا منتنا ومحلا مبغوضا يبغضها الله تعالى يعرف الآخرة التي دار أحبها الله تعالى لأوليائه ويعرف قدر نعمائها وكمال آلاتها وشرف حالاتها وكمال مقاماتها ولذلك قال (فاعرف الآخرة بها) وأن الدنيا وما فيها من النعماء التي لا تحصى دليل واضح على معرفة الآخرة وما فيها من النعماء التي تعجز عن تعديدها عقول العقلاء وعن تحديدها فحول العلماء وعن معرفة تفاصيلها وكميتها وكيفيتها أذهان الأزكياء، ثم نهى عن النظر إلى الدنيا وتعليق القلب بزينتها الخداعة فقال (ولا تنظر إلى الدنيا إلا باعتبار) منها ومن زينتها الفانية إلى الآخرة وزينتها الباقية، وقد تكرر الأمر بالإعتبار في الأحاديث وله وجوه منها: النظر إلى الدنيا وتغيير أحوالها في نفسها فإنه يوجب الإنقطاع منها إلى الآخرة، ومنها النظر إلى شدائدها الزائلة فإنه يوجب الإنتقال إلى شدة شدائد الآخرة الباقية والتحرز عما يوجبها، ومنها النظر إلى نعيمها وزينتها الداثرة مع كونها مبغوضة فإنه يوجب الإنتقال إلى كمال نعيم الآخرة وزينتها الدائمة والإجتهاد لها، ومنها النظر إلى أحوال الماضين وما كانوا فيه من خضرة الأحوال وسعة الأرزاق والأموال وقطع أيديهم منها اضطرارا بالموت وسكونهم في التراب وفراقهم من الأحباب واشتغالهم بما معهم من الخير والشر والثواب والعقاب فانه يوجب تبرد القلب، منها والميل إلى الآخرة التي هي دار القرار ومن ثم قيل الدنيا واعظة لمن اتعظ منها فمن لم يتعظ منها ولم يجعلها على الآخره دليلا فهو كالحمار بل هو أضل سبيلا. * الأصل: 338 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه جميعا، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول لحمران بن أعين: يا حمران انظر إلى من هو دونك في المقدرة ولا تنظر إلى من هو فوقك في المقدرة فان ذلك أنفع لك بما قسم لك وأحرى أن تستوجب الزيادة من ربك، واعلم أن العمل الدائم القليل على اليقين أفضل عند الله جل ذكره من العمل الكثير على غير يقين. واعلم أنه لا ورع أنفع من تجنب محارم الله والكف عن أذى المؤمنين واغتيابهم ولا عيش

[ 336 ]

أهنأ من حسن الخلق ولا مال أنفع من القنوع باليسير المجزي، ولا جهل أضر من العجب. * الشرح: قوله: (انظر إلى من هو دونك في المقدرة ولا تنظر إلى من هو فوقك في المقدرة) المقدرة مثلثة الدال الغنى واليسار والقوة (فإن ذلك أقنع لك بما قسم لك) أي يوجب زيادة القناعة والرضا بها (وأحرى أن تستوجب الزيادة من ربك) لأن الرضا بالنعمة ومعرفة قدرها تعظيم للمنعم وشكر له والشكر يوجب الزيادة كما نطق به القرآن الكريم بخلاف نظرك إلى الفوق فإنه يوجب عدم القناعة والرضا بما في يدك وهو كفران يوجب زوال النعمة وسخط المنعم (واعلم أن العمل الدائم القليل على اليقين أفضل عند الله عز وجل من العمل الكثير على غير يقين) اليقين: العلم الجازم الثابت المطابق للواقع، وبعبارة أخرى العلم بالحق مع العلم بأنه لا يكون خلافه فهو في الحقيقة مركب من علمين كما صرح به المحقق في أوصاف الأشراف ويندرج فيه العلم بالمبدأ والمعاد والرسالة والإمامة وغير ذلك مما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله) ولابد من تقييد العمل الكثير بالدوام وليتحقق أن الفضل من جهة اليقين (واعلم أنه لا ورع أنفع من تجنب محارم الله والكف عن أذى المؤمنين واغتيابهم) الورع في الأصل: الكف عن محارم الله تعالى والتحرج منه ثم استعير للكف عن المباح كالشبهات وعن الحلال الذي يتخوف منه أن ينجر إلى الحرام كالتحدث بأحوال الناس لمخافة أن ينجر إلى الغيبة وعما سوى الله للتحرز عن صرف العمر ساعة فيما لا يفيد زيادة القرب والأول وهو الكف عن المحارم أنفع لشدة العقوبة على ارتكابها بخلاف البواقي ثم الأذى والإغتياب داخلان في المحارم ومن افرادهما وذكرهما بعدها من باب ذكر الخاص بعد العام للاهتمام لأنهما أشد قبحا وأقوى فسادا وأبعد عفوا وأصعب توبة. (ولا عيش أهنأ من حسن الخلق) العيش: الحياة وما يعاش به والمقصود به أن حسن خلق الرجل مع بني نوعه أدخل في نضارة عيشه من المال ونحوه لأنه يوجب ميلهم إليه ونصرتهم له بخلاف سوء خلقه فإنه يوجب التنفر عنه والأضرار له والوقيعة فيه وكل ذلك يوجب تكدر عيشه وإن كان ذا مال (ولا مال أنفع من القنوع باليسير المجزي) شبه القنوع باليسير المجزي وهو الكفاف بالمال في النفع وتنظيم الأحوال وعده أنفع أفراده لأن الأقل أو الأكثر منه يشوش القلب ويفسده ويتعب البدن ويضر بالدين ويبطله، كما أن الماء الذي يكفي في تعمير الأرض بعمرها والأقل والأكثر منه يفسدها (ولا جهل أضر من العجب) العجب: حالة نفسانية تنشأ من تصور الكمال واستعظامه وإخراج النفس عن حد النقص والتقصير يتعلق بجميع الخصال مثل العلم والعبادة والإحسان إلى الغير وإعطاء المال، والنسب والجمال إلى غير ذلك مما لا يحصى ثم هو والجهل سواء في أصل الأضرار والإهلاك وإفساد القلب إلا أنه أقوى في ذلك وأضر من الجهل لأن

[ 337 ]

تفويت المنافع الحاصلة أشد وأصعب وأدخل في الحزن مع عدم تحصيلها ابتداء ولأن ذكر الجاهل في التندم من الجهل وفكر المعجب في التبختر والتعاظم إدعاء الشركة بالباري ومن ثم روي أن الذنب خير من العجب لأنه لو لا العجب لما خلا الله تعالى بين عبد المؤمن وبين ذنب أبدا فجعل الذنب فداء من العجب لكونه أشد منه. * الأصل: 339 - ابن محبوب، عن عبد الله بن غالب، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب قال: سمعت علي بن الحسين (عليهما السلام) يقول: إن رجلا جاء إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: أخبرني إن كنت عالما عن الناس وعن أشباه الناس وعن النسناس. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): يا حسين أجب الرجل. فقال الحسين (عليه السلام): أما قولك: أخبرني عن الناس، فنحن الناس ولذلك قال الله تعالى ذكره في كتابه " ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس " فرسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي أفاض بالناس. وأما قولك: أشباه الناس فهم شيعتنا وهم موالينا وهم منا ولذلك قال إبراهيم (عليه السلام): " فمن تبعني فإنه مني ". وأما قولك: النسناس، فهم السواد الأعظم وأشار بيده إلى جماعة الناس ثم قال: " إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ". * الشرح: قوله: (فنحن الناس. انتهى) أريد بالناس هنا: من كملت صورته الظاهرة والباطنة وبلغت غاية الكمال وهم الرسول والأئمة (عليهم السلام) وبأشباه الناس التابعون لهم والذاهبون معهم حيث ما ذهبوا فحصلت لهم بذلك المشابهة بهم وبالناس في قوله " إلى جماعة الناس " من لهم هذه الصورة الظاهرة مع فساد الصورة الباطنة ولذلك شبههم بالأنعام في عدم التدبر والتفكر بل هم أضل لا بطالهم الفطرة الأصلية والعقول المدركة للمعقولات بخلاف الأنعام، وأما النسناس بكسر النون وقد تفتح فقال ابن الأعرابي: هم يأجوج ومأجوج وقيل: خلق على صورة الناس أي أشبهوهم في شئ وخالفوهم في شئ وليسوا من بني آدم، وقيل: هم من بني آدم وفي حديث العامة أن الأحياء من عاد عصوا رسولهم فمسخوا نسناسا لكل منهم يد ورجل من شق واحد ينقرون أي يثبون كما ينقر الطائر ويرعون كما ترعى البهائم وقيل: أولئك انقرضوا والموجود على تلك الخلقة خلق على حده كذا في النهاية والفائق والقاموس. * الأصل: 340 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حنان بن سدير، ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن إسماعيل، عن حنان بن سدير، عن أبيه قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عنهما فقال: يا أبا الفضل ما تسألني عنهما فوالله ما مات منا ميت قط إلا ساخطا عليهما وما منا اليوم إلا

[ 338 ]

ساخطا عليهما، يوصي بذلك الكبير منا الصغير، إنهما ظلمانا حقنا ومنعانا فيئنا وكانا أول من ركب أعناقنا ويثقا علينا بثقا في الإسلام لا يسكر أبدا حتى يقوم قائمنا أو يتكلم متكلمنا. ثم قال: أما والله لو قد قام قائمنا [ أ ] وتكلم متكلمنا لأبدي من أمورهما ما كان يكتم، ولكتم من امورهما ما كان يظهر والله ما اسست من بلية ولا قضية تجري علينا أهل البيت إلا هما أسسا أولها فعليها ما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. * الشرح: قوله: (إنهما ظلمانا حقنا ومنعانا فيئنا) لعل المراد بالحق: الخلافة، وبالفئ: الغنيمة والخمس والأنفال لأن الفئ في الأصل: الرجوع، والأموال كلها للإمام وما كان فيها في يد غيره إذا رجع إليه بقتال فهو غنيمة وما رجع إليه بغير قتال فهو أنفال، وأن أرادت زيادة توضيح فارجع إلى ما ذكرنا في آخر كتاب الحجة من باب الفئ والأنفال وتفسير الخمس (وكانا أول من ركب أعناقنا) كناية عن التسلط والغلبة عليهم وإيصال المكروه والشدة إليهم (ويثقا علينا بثقا في الإسلام لا يسكر أبدا) بثق السيل بثقا إذا أسرع جريه جرى جريا شديدا وبثق السيل السد إذا كسره وفتحه، وسكرت النهر سكرا إذا سددته وسكرت الريح سكورا إذا سكنت وقوله " لا يسكر " على الأول مجهول وعلى الثاني معلوم وفيه مكنية بتشبيهها بالسيل وتخيلية باثبات البثق لها وترشيح بذكر السكر وفي بعض النسخ لا يسكن، ولعل المراد بامورهما المكتوبة التي يبديها الصاحب (عليه السلام) النفاق والقابيح وسوء الخاتمة، وبأمورهما المظهرة أو الظاهرة عند أتباعهم أضدادها وبكتمانها بيان أنها كانت باطلة في نفس الأمر. * الأصل: 341 - حنان، عن أبيه، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان الناس أهل ردة بعد النبي (صلى الله عليه وآله) إلا ثلاثة فقلت: ومن الثلاثة ؟ فقال: المقداد بن الأسود وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي رحمة الله وبركاته عليهم، ثم عرف اناس بعد يسير وقال: هؤلاء الذين دارت عليهم الرحا وأبوا أن يبايعوا حتى جاؤوا بأمير المؤمنين (عليه السلام) مكرها فبايع وذلك قول الله تعالى: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين ". * الشرح: قوله: (المقداد بن الأسود وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي رضى الله عنهم) قال الشيخ القرطبي في شرح مسلم: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " ان الله أمرني أن أحب أربعة وأخبرني أنه يحبهم على وأبو ذر والمقداد وسلمان " (ثم عرف أناس بعد يسير) يسير بالجر على الإضافة: أي بعد

[ 339 ]

زمان قليل أو بالرفع صفة لاناس ولفظة بعد على الأول للتقييد وعلى الثاني للتأكيد (وقال: هؤلاء الذين دارت عليهم الرحا) أي رحى الإسلام شبههم بقطب الرحى في توقف نظام الإسلام وجريانه عليهم (وذلك قول الله عز وجل. انتهى) ذلك اشارة إلى ارتداد الأمة وبقاء قليل على الإسلام وهم المقربون بنعمة الله التي هي الولاية الشاكرون عليها. * الأصل: 342 - حنان، عن أبيه، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: صعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) المنبر يوم فتح مكة فقال: أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتفاخرها بآبائها (ألا إنكم من آدم (عليه السلام) وآدم من طين) ألا إن خير عباد الله عبد اتقاه، إن العربية ليست بأب والد ولكنها لسان ناطق فمن قصر به عمله لم يبلغه حسبه، ألا إن كل دم كان في الجاهلية أو إحنة - والاحنة الشحناء - فهي تحت قدمي هذه إلى يوم القيامة. * الشرح: قوله (أيها الناس إن الله أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتفاخرها بآبائها) حيث نهى عنهما وجعل الشرف بالإسلام والنخوة التعظيم والتكبر والعجب والأنفة والحمية (ألا أنكم من آدم عليه السلام وآدم من طين) كل واحد من هذين يقتضي انتفاء كل واحد من النخوة والتفاخر وتخصيص الأول بالأول والثاني بالثاني بعيد، ثم أشار إلى ما هو سبب للتعاظم والشرف من عند الله حثا عليه بقوله (إلا أن خير عباد الله عبد اتقاه) تمسك بدينه وارتكب طاعته واجتنب مخالفته (إن العربيه ليست باب والد ولكنها لسان ناطق) الملة النبوية العربية ليست من جهة الأب حتى يتفاخر بالأب بل من جهة النطق بالحق فيها فمن كانت له هذه الجهة فهو من أهل الشرف والتفاخر ويحتمل أن يراد بالعربية لغة العربية والإنتساب إلى إبراهيم (عليه السلام) فيكون ردا على مشركي العرب وأضرابهم ممن يتفاخر بها على غيرهم بأن المنتسب إليه كل من تكلم بالحق وإن لم تكن من أولاده وهذا أنسب بقوله (فمن قصر به عمله لم يبلغه حسبه) ولا ينفعه إذ الشرف بالأعمال لا بالآباء (ألا ان كل دم كان في الجاهلية أو إحنة - والإخنة: الشحناء - فهي تحت قدمي هذه إلى يوم القيامة) الاحنة بكسر الهمزة وسكون الحاء المهملة الحقدو والغضب والعداوة جمعه كعنب فعله كسمع والشحنة: والشحناء العدواة، قوله " تحت قدمي " مثل للردع والقمع وعبارة عن الإهدار والإبطال وهذا كما يقول الموادع لصاحبه: اجعل ما سلف تحت قدميك يريد طأ عليه واقمعه. * الأصل: 343 - حنان، عن أبيه، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: ما كان ولد يعقوب أنبياء ؟ قال: لا ولكنهم كانوا أسباط أولاد الأنبياء ولم يكن يفارقوا الدنيا إلا سعداء تابوا وتذكروا ما

[ 340 ]

صنعوا وإن الشيخين فارقا الدنيا ولم يتوبا ولم يتذكرا ما صنعا بأمير المؤمنين (عليه السلام) فعليهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. * الشرح: قوله: (ولكنهم كانوا أسباط أولاد الأنبياء) الأسباط جمع السبط بالكسر: وهو ولد الولد قيل المراد بالأسباط هنا الأشراف من الأولاد. * الأصل: 344 - حنان، عن أبي الخطاب، عن عبد صالح إليه (عليه السلام) قال: إن الناس أصابهم قحط شديد على عهد سليمان بن داود (عليهما السلام) فشكوا ذلك إليه وطلبوا أن يستسقي لهم قال: فقال لهم: إذا صليت الغداوة مضيت فلما صلى الغداة مضى ومضوا، فلما أن كان في بعض الطريق إذا هو بنملة رافعة يدها إلى السماء واضعة قدميها إلى الأرض وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك ولا غنى بنا عن رزقك فلا تهلكنا بذنوب بني آدم، قال: فقال سليمان (عليه السلام): ارجعوا فقد سقيتم بغيركم، قال: فسقوا في ذلك العام ما لم يسقوا مثله قط. * الأصل: 345 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن موسى بن جعفر، عن عمرو بن سعيد، عن خلف بن عيسى، عن أبي عبيد المدائني، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن الله تعالى ذكره عبادا ميامين مياسير يعيشون ويعيش الناس في أكنافهم وهم في عباده بمنزلة القطر ولله عز وجل عباد ملاعين مناكير، لا يعيشون ولا يعيش الناس في أكنافهم وهم في عباده بمنزلة الجراد لا يقعون على شئ إلا أتوا عليه. * الشرح: قوله: (إن الله تعالى ذكره عبادا ميامين مياسير. انتهى) ميامين جمع ميمون: وهو ذويمن وبركة ومياسير جمع ميسور: وهو الغني من اليسر وهو الغني. والأكناف: الأطراف، والجوانب جمع كنف وهو الجانب، والقطر: ما قطر من المطر والواحد قطرة والجمع قطار كجمل وجمال ووجه التشبيه هو النفع وإيصال الخير، وهذا الكلام، وإن كان خبرا لكن الغرض منه هو الحث على الإتصاف بصفاتهم والأسوة بكمالاتهم لأنه من أعظم اوصاف المتقربين ثم أشار إلى أضدادهم تحذيرا عن صفاتهم بقوله: (والله عز وجل عباد ملاعين مناكير. انتهى) ملاعين جمع ملعون: وهو البعيد عن الرحمة، ومناكير جمع منكر: وهو الشديد الغيظ الذي يتفزع عنه الناس، وتشبيههم بالجراد في الأضرار وإيصال المكروه كما أشار إليه.

[ 341 ]

* الأصل: 346 - الحسين بن محمد، ومحمد بن يحيى [ جميعا ] عن محمد بن سالم بن أبي سلمة عن الحسن بن شاذان الواسطي قال: كتبت إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أشكو جفاء أهل واسط وحملهم علي وكانت عصابة من العثمانية تؤذيني فوقع بخطه: إن الله تبارك وتعالى أخذ ميثاق أوليائنا على الصبر في دولة الباطل فاصبر لحكم ربك، فلو قد قام سيد الخلق لقالوا: " يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون ". * الشرح: قوله: (لا يقعون على شئ إلا أتوا عليه) أي أهلكوه وأفسدوه يقال: أتى عليه الدهر إذا أهلكه وأفسده قوله: (فلو قام سيد الخلق لقالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا) الويل: الحزن والهلاك والمشقة من العذاب والنداء للتحير والتحزن والمعنى يا ويلنا احضر فهذا وقتك وأوان حضورك، والمرقد استعارة تبعية للقبر بتشبيه الموت بالرقاد في عدم ظهور الفعل والأثر والظاهر أن المراد بسيد الخلق الصاحب (عليه السلام) وفيه دلالة على الرجعة ويحتمل أن يراد به الله تعالى والمراد بقيامه قيامة لحشر الخلائق وإرادته إياه وفي لفظه مرقد جمع بين الضدين فالأولى الإشارة إلى أن أكثر الخلق لغفلتهم كأنهم ينكرون القيام، والثانية للدلالة على تحققه ووقوعه (هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون) هذا إشارة إلى البعث وهو كلامهم لإظهار التفجع والندامة في إنكاره أو جواب الملائكة أو المؤمنين عن سؤالهم لتقريعهم. * الأصل: 347 - محمد بن سالم بن أبي سلمة، عن أحمد بن الريان، عن أبيه، عن جميل ابن دراج، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لو يعلم الناس ما في فضل معرفة الله عز وجل ما مدوا أعينهم إلى ما متع الله به الأعداء من زهرة الحياة الدنيا ونعيمها وكانت دنياهم أقل عندهم مما يطؤونه بأرجلهم ولنعموا بمعرفة الله جل وعز وتلدذوا بها تلذذ من لم يزل في روضات الجنان مع أولياء الله، إن معرفة الله عز وجل آنس من كل وحشة وصاحب من كل وحدة ونور من كل ظلمة وقوة من كل ضعف وشفاء من كل سقم ثم قال (عليه السلام): وقد كان قبلكم قوم يقتلون ويحرقون وينشرون بالمناشير وتضيق عليهم الأرض برحبها فما يردهم عماهم عليه شئ مما هم فيه من غير ترة وتروا من فعل ذلك بهم ولا أذى بل ما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد، فاسألوا ربكم درجاتهم واصبروا على نوائب دهركم تدركوا سعيهم. * الشرح: قوله: (لو يعلم الناس ما في فضل معرفة الله تعالى ما مدوا أعينهم إلى ما متع الله به الأعداء من

[ 342 ]

زهرة الحياة الدنيا) دل على أن الواغلين في زهرات الدنيا كلهم أعداء الله تعالى لربط قلوبهم بها فهم عنه تعالى وعن الآخرة غافلون، والمراد بمعرفته تعالى معرفته بمعرفته الكاملة بقرينة أن أصل المعرفة حاصلة للناس كلهم الا ما شذ مع أن أكثر هم ما دون أعينهم إلى الزهرات وإنما يتحقق تلك معرفة تعالى كما ينبغي ومعرفة ما جاء به ومعرفة أوصيائه والتسليم لهم في الأوامر والنواهي ومن حصلت لهم تلك المعرفة كانت له مقامات روحانية وتقربات إلهية وتفضلات ربانية وحالات نورانية ينظرون به إلى أهل الجنة وهم فيها متنعمون وإلى النار وهم فيها مصطرخون فتهون في نظرهم الدنيا وما فيها وكانت الدنيا عندهم أقل مما يطأونه من التراب (ولنعموا بمعرفة الله تعالى) النعم " توانگر شدن " وفعله من باب سمع ونصر وضرب وفي بعض النسخ " وتنعموا " من التنعم وهو الترفه (وتلذذوا بها تلذذ من لم يزل في روضات الحنان مع أولياء الله) من الأنبياء والأوصياء والصلحاء والوجه في المشبه به أشهر وإن كان في المشبه أقوى وأوفر لأن التلذذ الروحاني أقوي وأكمل من التلذذ الجسماني والنسبة بينهما كالنسبة بين الروح والبدن (إن معرفة الله عز وجل انس من كل وحشة. انتهى) من في المواضع المذكورة مرافقة عند كما في قوله تعالى " لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا ". وفيه ترغيب في تحصيل المعرفة بذكر بعض فوائدها الأولى أنها أنيس عند كل وحشة لا يستوحش العارف بشئ من الوحشة وأسبابها وهي الهم والخوف والخلوة، وفي كنز اللغة وحشة: " خالي واندوه ورميدگى " الثانية: أنها صاحب عند كل وحدة إذ العارف مع الله ومع الرسول والأوصياء والعلماء وما كان معه من العارف فلا تؤثر فيه الوخدة واعتزال الناس بل هو مستوحش منهم، الثالثة: أنها نور يهتدى به عند كل ظلمة نفسانية وهي الحجب المانعة من الوصول إلى الحق وسلوك سبيله كالجهالات والمهويات النفسانية والشيطانية والشبهات المؤدية إلى الكفر والضلالة. الرابعة: أنها قوة عند كل ضعف إذا العارف لا يدخل الضعف في قلبه لقوته في المعارف ولا في بدنه لقوته في الأعمال ولا في نطقه لقوته في الأقوال، الخامسة أنها شفاء عند كل سقم نفساني وبدني إذ لا يتطرق إليه الأمراض القلبية والبدنية مثل العقائد الفاسدة والأخلاق الذميمة والأعمال القبيحة (ثم قال (عليه السلام):) للترغيب في الصبر على الإصلاح والسداد والمصائب الثقيلة على النفس (قد كان قبلكم قوم) من الأنبياء والأوصياء والعلماء والصلحاء (يقتلون ويحرفون وينشرون بالمناشير وتضيق عليهم الأرض برحبها): أي بسعتها (فلا يردها عماهم عليه) من العقائد الحقة والأعمال الصالحة (شئ مما هم فيه) من العقوبات المذكورة (من غير ترة وتروا من فعل ذلك بهم ولا أذى) من متعلق بيقتلون وما عطف عليه من غير جناية جنوا على من فعل ذلك المذكور من القتل وغيره بهم ومن غير أذى صدر منهم والترة بالكسر التبعة والجناية التي يجنيها الرجل على

[ 343 ]

غيره من قتل أو نهب أو سبي أو نحوها والهاء فيه عوض عن الواو المحذوفه كما في وعد وعدة. * الأصل: 348 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن سعيد بن جناح، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما خلق الله عز وجل خلقا أصغر من البعوض والجرجس أصغر من البعوض والذي نسميه نحن الولع أصغر من الجرجس وما في الفيل شئ إلا وفيه مثله وفضل على الفيل بالجناحين. * الشرح: قوله: (ما خلق الله عز وجل خلقا أصغر من البعوض، والجرجس أصغر من البعوض، والذي نسميه نحن الولع أصغر من الجرجس) البعوض جمع بعوضة: وهي البقة، والجرجس بالكسر: البعوض الصغار، والمراد بخلقا النوع منه ومن البعوض في قوله " أصغر من البعوض " الكبار فلا ينافي أول الكلام آخره، وفيه تحريك إلى التفكر في أمثال هذا الخلق والإنتقال منه إلى عظمة الخالق وقدرته وعلمه المحيط بكل شئ. * الأصل: 349 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن خالد، والحسين ابن سعيد جميعا، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن عبد الله بن مسكان، عن زيد ابن الوليد الخثعمي، عن أبي الربيع الشامي قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: " يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم "، قال: نزلت في ولاية علي (عليه السلام) قال: وسألته عن قول الله عز وجل: " وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يا بس إلا في كتاب مبين " قال: فقال: الورقة السقط، والحبة: الولد، وظلمات الأرض: الأرحام، والرطب: ما يحيى من الناس، واليابس، وكل ذلك في إمام مبين قال: وسألته عن قول الله عز وجل: " قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلكم " فقال: عنى بذلك أن انظروا في القرآن فاعلموا كيف كان عاقبة الذين من قبلكم وما أخبركم عنه قال: قلت: فقوله عز وجل: " وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وبالليل أفلا تعقلون " ؟ قال: تمرون عليهم في القرآن إذا قرأتم القرآن، فقرأ ما قص الله عز وجل عليكم من خبرهم. * الشرح: قوله: (نزلت في ولاية علي (عليه السلام)) أشار إلى أن المراد أصالة بما يحييكم ولاية علي (عليه السلام) وهي توجب حياة القلب التي هي الحياة الأبدية ونزولها يها لا ينافي شمولها بغيرها مما يوجب الحياة كما في سائر الآيات (فقال: الورقة: السقط) السقط بالفتح والضم والكسر أكثر: الولد الذي يسقط

[ 344 ]

من بطن أمه قبل تمامة، الورق محركة: من الشجر معروف وما يسقط من جراحة واطلاقها على السقط من باب الإستعارة والتشبيه في السقوط وفيه تنبيه على علمه. بالجزئيات (والحبة: الولد) على سبيل التشبيه في النبات والنمو (وظلمات الأرض الأرحام) على تشبيه الأرحام بالظلمات في الظلمة أو بالأرض في كونها محلا للنبات، والأول أنسب بظاهر العبارة (وكل ذلك في إمام مبين) قيل: المراد بالكتاب المبين علم الله تعالى، وقيل: اللوح المحفوظ، وقيل القرآن الكريم وفسره (عليه السلام) بإمام مبين وكانه علي (عليه السلام) لأن فيه علم الأولين والآخرين وعلم ما كان وما يكون وما هو كاين وعلم اللوح والقرآن الكريم، ووصفه بالمبين إما لأنه ظاهر في نفسه أو لأنه يبين الحق من الباطل ويفرق بينهما (قال: وسألته عن قول الله " سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم " فقال: عني بذلك) أي سيروا وانظروا أي (أنظروا في القرآن فاعلموا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وما أخبركم) القرآن (عنه) فهذا خطاب للعلماء وأمر لهم بالتدبر والتفكر في القرآن ليحصل لهم السير المعنوي في الأرض والعبور الروحاني بأحوال أهلها وكيفية أهلاكهم وأخذهم وسوء عاقبتهم وقبح خاتمتهم بمخالفتهم لله وللرسول والأوصياء فإن القرآن متضمن لجميع ذلك إجمالا وتفصيلا ولا يخفى لطف هذا التفسير لأن السير الظاهر في الأرض وأقطارها متعذر أو متعسر وعلى تقدير وقوعه ليس فيها ما يدل على عاقبة السابقين وأي شئ فيها مثلا يدل على عاقبة فرعون وهامان وقارون وقوم لوط وقوم صالح وشداد ونمرود وقوم عاد وثمود (قال: تمرون عليهم في القرآن إذا قرأتم القرآن فقرأ ما قص الله عليكم من خبرهم) القراءة التلاوة وفاعل قرأ القرآن، والقص: الإخبار والتبيين يقال قص الخبر إذا أعلمه وبينه والمراد بالمرور المرور العقلي على أحوالهم والعبور الفكري بسوء عاقبتهم عند تلاوة القرآن في الليل والنهار. * الأصل: 350 - عنه، عن ابن مسكان، عن رجل من أهل الجبل لم يسمه قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): عليك بالتلاد وإياك وكل محدث لا عهد له ولا أمانة ولا ذمة ولا ذمه ولا ميثاق وكن على حذر من أوثق الناس في نفسك فان الناس أعداء النعم. * الشرح: قوله: (عليكم بالتلاد وإياك وكل محدث (1) لا عهد له ولا أمانة ولا ذمة ولا ميثاق) التلاد: المال


1 - " وإياك وكل محدث " أصحاب البيوت القديمة في الدين مؤدبون بآداب الشرع ومتخلقون بحسن الأخلاق يتوحشون من خلف العهد وهم أصحاب المكارم والعادات الشريفة بخلاف الأرذال والسفلة إذا اتفق لهم الفوز بالجاه والمال ونالوا دولة مستعارة فإن غاية همتهم التعزز بدولتهم والتفاخر بما لهم ولا يرون مكارم الأخلاق شرفا ورعاية الآداب فضلا ولا اعتماد على عهدهم وميثاقهم وقد جربنا ذلك مرارا ولا يتخلف عنها = (*)

[ 345 ]

القديم، والحدث: خلافه وهذه النصيحة يندرج فيها أمور منها التمسك بالأحكام الشرعية والخلافة النبوية والولاية الإمامية الثابتة بالوحي والنص في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) وترك ما سواها مما حدث بعده (صلى الله عليه وآله) بالآراء البشرية، ومنها الصحبة والمعاشرة والقرض والإستقراض والإيداع والإستيداع وإظهار السر والذهب والمذهب والمعاملة مع المجرب مره بعد أخرى وترك جميع ذلك مع غيره والفروق بين العهد وما عطف عليه دقيق، ولعل المراد بالعهد تذكر الحقوق ورعايتها والأمر بها وبالأمانة رد حق الغير إليه عند الإرادة وبالذمة حفظ ما يجب حفظه وبالميثاق الوفاء بالعهود والإيمان وغيرها، ثم أمر بالحذر من أوثق الناس فضلا عن غيره وأمره بكتمان السر والمذهب والمال فقال: (وكن على حذر من أوثق الناس في نفسك فإن الناس أعداء النعم) فيحسدون ويجهدون في إزالتها ويتعاونون على ذلك وربما يقتلون صاحبها كما فعل الأولون في أهل الولاية ولايمان وتبعهم الآخرون إلى عصر صاحب الزمان (عليه السلام). * الأصل: 351 - يحيى الحلبي، عن أبي المستهل، عن سليمان بن خالد قال: سألني أبو عبد الله (عليه السلام) فقال: ما دعاكم إلى الموضع الذي وضعتم فيه زيدا ؟ قال: فقلت خصال ثلاث: أما إحداهن: فقلة من تخلف معنا إنما كنا ثمانية نفر، وأما الاخرى: فالذي تخوفنا من الصبح أن يفضحنا، وأما الثالثة: فإنه كان مضجعه الذي كان سبق إليه فقال: كم إلى الفرات من الموضع الذي وضعتموه فيه ؟ قلت: قذفه حجر، فقال: سبحان الله أفلا كنتم أوقرتموه حديدا وقذفتموه في الفرات وكان أفضل، فقلت جعلت فداك لا والله ماطقنا لهذا فقال: أي شئ كنتم يوم خرجتم مع زيد ؟ قلت: مؤمنين قال: فما كان عدوكم ؟ قلت: كفارا، قال: فإني أجد في كتاب الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا " إذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها " فابتدأتم أنتم بتخلية من أسرتم سبحان الله ما استطعتم أن تسيروا بالعدل ساعة. * الشرح: قوله: (عن سليمان بن خالد) قيل كان قاريا فقيها وجها روى عن الباقر والصادق (عليهما السلام) خرج مع زيد ولم يخرج من أصحاب الباقر (عليه السلام) غيره فقطع أصبعه - وقيل يده - يوسف ابن عمر بنفسه ورجع إلى الحق قبل موته ورضى أبو عبد الله (عليه السلام) عنه بعد سخطه وتوجع بموته ودعا لولده وأوصى بهم


= أحد حتى أن الفاسق من البيت الشريف أرجى من العادل في الأنذال وأصل التلاد المال القديم استعير هنا للبيت القديم (ش). (*)

[ 346 ]

أصحابه (فقال: ما دعاكم إلى الموضع الذي وضعتم فيه زيدا) حتى أخرجوه وحرقوه فيه توبيخ لهم على ذلك (أما إحداهن فقله من تخلف معنا) لقتل بعضهم وهرب آخرين وأما الثلاثة فانه كان مضجعه الذي سبق إليه) لعل المراد أنه كان مضجعه الذي قتل فيه ومقتله ويحتمل بعيدا أن يراد أنه كان مضجعه في العلم الأزلي (قال فإني أجد كتاب الله عز وجل. انتهى) أشار إلى أنهم تركوا حكم الله فصاروا مغلوبين وذلك لأن الله تعالى أمر المؤمنين بالثبات في القتال وضرب رقاب الكفار حتى يثخنوهم: أي يغلبوهم ويوهنوهم ثم أمر بعد الإثخان بشدة الوثاق وهو بالفتح: ما يشد به الأسير إلى أن تضع الحرب أوزارها أي سلاحها وآلاتها وهم غلبوا في أول الحرب على الأعداء وأسروهم وخلوا سبيل الإسراء فصاروا لذلك بعد الغلبة مغلوبين مقهورين. * الأصل: 352 - يحيى الحلبي، عن هارون بن خارجة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله عز وجل أعفى نبيكم أن يلقى من امته ما لقيت الأنبياء من اممها وجعل ذلك علينا. * الشرح: قوله: (إن الله أعفى نبيكم) أعفاه الله من القتل مثلا وهب له العافية منه وفيه إظهار لشكر نعمته حيث أنه رضى لهم ما رضى لأولياء والإعفاء أيضا نعمة كل ذلك لمصلحة. * الأصل: 353 - يحيى، عن عبد الله بن مسكان، عن ضريس قال: تمارى الناس عند أبي جعفر (عليه السلام) فقال بعضهم: حرب علي شر من حرب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال بعضهم: حرب رسول الله (صلى الله عليه وآله) شر من حرب علي (عليه السلام) قال: فسمعهم أبو جعفر (عليه السلام) فقال: ما تقولون، فقالوا: أصلحك الله تمارينا في حرب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفي حرب علي (عليه السلام) فقال بعضنا حرب علي (عليه السلام) شر من حرب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال بعضنا: حرب رسول الله (صلى الله عليه وآله) شر من حرب علي (عليه السلام) فقال أبو جعفر (عليه السلام): لابل حرب علي (عليه السلام) شر من حرب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقلت له: جعلت فداك أحرب علي (عليه السلام) شر من حرب رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: نعم وسأخبرك عن ذلك، إن حرب رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يقروا بالإسلام وإن حرب علي (عليه السلام) أقروا بالإسلام ثم جحدوه. * الشرح: قوله: (وقال بعضهم: حرب على شر من حرب رسول الله (صلى الله عليه وآله)) الحرب: النزاع والخصومة والقتال والعدو المحارب للذكر والأنثى والجمع والواحد، والثاني هنا أنسب لقوله إن حرب رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يقروا بالإسلام، ويفهم منه أن مخالفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد الإقرار به أقبح وأشد عليه من مخالفته قبله وأن المنافقين أشد عذابا من المنكرين ظاهرا وباطنا وأن المرتد أشد كفرا وعقوبة من

[ 347 ]

غيره من الكفار ولهذا تقبل توبته دون المرتد كما نطقت به الأخبار. * الأصل: 354 - يحيى بن عمران، عن هارون بن خارجة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل: " وآتيناه أهله ومثلهم معهم " قلت: ولده كيف اوتي مثلهم معهم ؟ قال: أحيى له من ولده الذين كانوا ماتوا قبل ذلك بآجالهم مثل الذين هلكوا يومئذ. * الشرح: قوله: (أحيى له من ولده. انتهى) يعني أحيى له أولاده الذين ماتوا بآجالهم على التفريق وأولاده الذين هلكوا دفعة يوم نزلت به البلية وفيه ترغيب في الصبر وتبشير بأنه مقرون بالفرج كما قيل " أقرب ما يكون اليسر عند اشتداد العسر ". * الأصل: 355 - يحيى الحلبي، عن المثنى، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل: " كأنما اغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما " قال: أما ترى البيت إذا كان الليل كان أشد سوادا من خارج فلذلك. * الشرح: قوله: (كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما) ضمير وجوههم راجع إلى الذين كسبوا السيئات التي هي جحود الحق والرسول والولي ومخالفتهم ومظلما حال عن الليل للتأكيد أو للتقييد وتمثيله (عليه السلام) بالبيت لإيضاح المقصود والتنبيه على أن في وجوههم أفراد من السواد بعضها فوق بعض وفيه تنفير عن السيئة الموجبة لهذة البلية الشديدة التي يتنفر عنها الطباع. * الأصل: 356 - الحسين بن محمد، عن المعلى بن محمد، عن الوشاء، عن أبان بن عثمان، عن الحارث بن المغيرة قال: سمعت عبد الملك بن أعين يسأل أبا عبد الله (عليه السلام) فلم يزل يسأله حتى قال: فهلك الناس إذا ! قال: إي والله يا ابن أعين فهلك الناس أجمعون قلت: من في المشرق ومن المغرب قال: إنها فتحت بضلال. إي والله لهلكوا إلا ثلاثة. * الشرح: قوله: (قلت: من في المشرق ومن في المغرب) كلام الحارث من باب الإستفهام دون الإنكار لأنه ثقة من الأصحاب وله مدح عظيم من أبي عبد الله (عليه السلام) (قال: إنها فتحت بضلال) في عهد الخلفاء الضالة المضلة فلا يستبعد ضلالة من فيها لدخولهم في الدين الذي أخترعوه. والقول بأن النبي (صلى الله عليه وآله) فتحها حين كونهم في ضلالة فلا يستبعد رجوعهم إليها بعده لعدم استقرار الإيمان في

[ 348 ]

قلوبهم محتمل بعيد. أي (والله لهلكوا إلا ثلاثة) المقداد بن الأسود وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي كما مر ولا حاجة إلى استثناء أهل البيت كما زعم لأن هلاك الناس بهم وبترك محبتهم فهم غير داخلين في المواضع ولا إلى استثناء من رجع عن الباطل ثانيا لأن المقصود اثبات الهلاك في الجملة وغير الثلاثة ارتدوا بعده وإن رجع قليل منهم فتاب كما مر من حديث حنان. * الأصل: 357 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن إسحاق بن يزيد، عن مهران عن أبان بن تغلب وعدة قالوا: كنا عند أبي عبد الله (عليه السلام) جلوسا فقال (عليه السلام): لا يستحق عبد حقيقة الإيمان حتى يكون الموت أحب إليه من الحياة ويكون المرض أحب إليه من الصحة ويكون الفقر أحب إليه من الغنى فأنتم كذا ؟ فقالوا: لا والله جعلنا الله فداك وسقط في أيديهم ووقع اليأس في قلوبهم فلما رأى ماداخلهم من ذلك قال: أيسر أحدكم أنه عمر ما عمر ثم يموت على غير هذا الأمر أو يموت على ما هو عليه ! قالوا: بل يموت على ما هو عليه الساعة قال: فأرى الموت أحب إليكم من الحياة، ثم قال: أيسر أحدكم إن بقي ما بقي لا يصيبه شئ من هذه الأمراض والأوجاع حتى يموت على غير هذا الأمر ! قالوا: لا يا ابن رسول الله، قال: فأرى المرض أحب إليكم من الصحة، ثم قال: أيسر أحدكم أن له ما طلعت عليه الشمس وهو على غير هذا الأمر ؟ قالوا: لا يا ابن رسول الله، قال: فأرى الفقر أحب إليكم من الغنى. * الشرح: قوله: (كنا عند أبي عبد الله جلوسا) أي جالسين فهو بالضم جمع جالس كقعود جمع قاعد (فقال لا يستحق عبد حقيقة الإيمان حتى يكون الموت إليه من الحياة) أريد بحقيقة الإيمان: الإيمان الكامل بأركانه وشرايطه التي من جملتها الأعمال الصالحة أو الإيمان الثابت المستقر الذي ليس بمستودع أو الثواب الجزيل المترتب عليه ويؤيده لفظ الإستحقاق (وسقط في أيديهم): أي ندموا وتحيروا يقال، سقط في يده وأسقط مضمومتين: أي ذل وأخطأ وندم وتحير. * الأصل: 358 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن علي، عن حماد اللحام، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أن أباه قال: يا بني إنك إن خالفتني في العمل لم تنزل معي غدا في المنزل، ثم قال: أبى الله عز وجل أن يتولى قوم قوما يخالفونهم في أعمالهم ينزلون معهم يوم القيامة كلا ورب الكعبة. * الشرح: قوله: (يا بني إنك إن خالفتني في العمل لم تنزل معي في المنزل) أي الجنة في منزلي

[ 349 ]

ودرجتي وهذا مما لا ريب فيه لأن قليل العمل لا يبلغ درجة كثيرة وليس المراد انك لم تنزل في الجنة إلا أن يراد بالمخالفة الإنكار لدلالة روايات متكثرة على أن أهل الإيمان يدخلون الجنة وإن قل عملهم وقد مر بعضها وكذا قوله (أبى الله عز وجل - إلى آخره) دل على أن الشيعة المقصرين في العمل لا ينزلون معهم ولا يدل على أنهم لا يدخلون الجنة ويمكن أن يراد أنهم لا ينزلون معهم ابتداء قبل الخروج عن عهدة التقصير أو قبل الشفاعة. * الأصل: 359 - الحسين بن محمد الاشعري، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: ما أحد من هذه الأمة يدين بدين إبراهيم (عليه السلام) إلا نحن وشيعتنا ولا هدي من هدي من هذه الامة إلا بنا ولا ضل من ضل من هذه الأمة إلا بنا. * الشرح: قوله: (ما أحد من هذه الأمة يدين بدين إبرهيم (عليه السلام). انتهى) أي بأصول دينه التي لا ينسخ أبدا كالتوحيد وتنزيه الحق عما لا يليق به والقول بأن العصر لا يخلو من رسول أو وصي وأنهما بالنص إلى غير ذلك من الأمور التي لا تتغير بتواتر الأنبياء والرسل ثم أشار. * الأصل: 360 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن علي بن عطية عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كنت عنده وسأله رجل عن رجل يجئ منه الشئ على حد الغضب يؤخذه الله به ! فقال: الله أكرم من أن يستعلق عبده وفي نسخة أبي الحسن الأول (عليه السلام): يستفلق عبده. * الشرح: قوله: (ولا هدي من هدي من هذه الأمة إلا بنا. انتهى) أي أن هذه الأمة بعد نبيهم صاروا فرقتين فرقة هدوا إلى الحق وإلى الصراط المستقيم بسبب متابعتهم، وفرقة ضلوا عنهما بسبب مخالفتهم، قوله: (الله أكرم من ان يستعلق عبده. انتهى) بالعين المهملة: أي يخاصمه بزلالة ولم يجعل له بابا لنجاته وهو التوبة من العلق محركة: وهو الخصومة وفي بعض النسخ بالغين المعجمة من استغلقه في بيعه إذا لم يجعل له خيارا في رده، والاستقلاق بالقافين: من القلق محركة وهو الإنزجاع والإضطراب وهذه المعاني متقاربة والله أعلم. * الأصل: 361 - علي، عن أبيه، عن ابن عمير، عن محمد بن أبي حمزة، وغير واحد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (عليهما السلام): إن لكم في حياتي خيرا وفي مماتي خيرا، قال: فقيل: يا رسول الله أما حياتك فقد علمنا فمالنا في وفاتك ؟ فقال (عليه السلام): أما في حياتي فان الله عز وجل قال:

[ 350 ]

" وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم " وأما في مماتي فتعرض علي أعمالكم فأستغفر لكم. * الشرح: قوله: (فتعرض علي أعمالكم) عرض الأعمال عليه متفق عليه بين الأمة إلا أن في وقت العرض وتفصيله خلاف بيننا وبينهم ذكرناه في شرح كتاب الحجة من الأصول. * الأصل: 362 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إن ممن ينتحل هذا الأمر ليكذب حتى أن الشيطان ليحتاح إلى كذبه. * الشرح: قوله: (ان ممن ينتحل هذا الأمر. انتهى) الإنتحال " چيزي بر خود بستن " وفيه دلالة على أن الفاسقين المكذبين من الشيعة من أهل النفاق ليس لهم حقيقة التشيع. * الأصل: 363 - علي بن محمد، عن صالح بن أبي حماد، عن علي بن الحكم، عن مالك بن عطيه، عن أبي حمزة قال: إن أول ما عرفت علي بن الحسين (عليهما السلام) أني رأيت رجلا دخل من باب الفيل فصلى أربع ركعات فتبعته حتى أتى بئر الزكاة وهي عند دار صالح بن على وإذا بناقتين معقولتين ومعها غلام أسود، فقلت له: من هذا ؟ فقال: هذا علي بن الحسين (عليهما السلام) فدنوت إليه فسلمت عليه وقلت له: ما أقدمك بلادا قتل فيها أبوك وجدك ! فقال: زرت أبي وصليت في هذا المسجد ثم قال: ها هو ذا وجهي. صلى الله عليه. قوله: (ثم قال ها هو ذا وجهي) " ها " للتنبيه وهو مبتدأ مبهم، والجملة بعده خبر مفسر له كما قيل في قل هو الله أحد، و " ذا " إشارة إلى طريق المدينة ووجه كل شئ مستقبلة وهو ما يستقبل ويتوجه إليه والظاهر أن قوله (صلى الله عليه) من كلام الراوي وقيل يحتمل أن يكون من كلامه (عليه السلام) حيث أشار إلى طريق المدينة فصلى على النبي. * الأصل: 364 - عنه، عن صالح، عن الحجال، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله عز وجل: " ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل " قال: نزلت في الحسين (عليه السلام)، لو قتل أهل الأرض به ما كان سرفا. * الشرح: قوله: (نزلت في الحسين (عليه السلام) لو قتل أهل الأرض به ما كان سرفا) لعل المراد من أهل الأرض من اجتمعوا واتفقوا على قتله (عليه السلام) ورضوا به إلى يوم القيامة وهذا التفسير يدل على أن لا يسرف

[ 351 ]

خبر، والثابت في القرآن نهي ولا يبعد أن يحتمل النهي هنا على الخبر كما يحمل الخبر على النهي في كثير من المواضع والله يعلم. * الأصل: 365 - عنه، عن صالح، عن بعض أصحابه، عن عبد الصمد بن بشير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الحوت الذي يحمل الأرض أسر في نفسه أنه إنما يحمل الأرض بقوته فأرسل الله تعالى إليه حوتا أصغر من شبرو أكبر من فتر فدخلت في خياشيمه فصعق، فمكث بذلك أربعين يوما ثم أن الله عز وجل رؤوف به رحمه وخرج، فإذا أراد الله جل وعز بأرض زلزلة بعث ذلك الحوت إلى ذلك الحوت فإذا رآه اضطرب فتزلزلت الأرض. * الشرح: قوله: (أصغر من شبرو أكبر من فتر) الفتر بالكسر: بابين طرفي السبابة والإبهام إذا فتحتهما (فدخل في خياشيمه فصعق) الخيشوم من الأنف: ما فوق نخرته من القصبة وما تحتها من خشارم الرأس والخياشيم غراضيف في أقصى الأنف بينه وبين الدماغ أو عروق في بطن الأنف، والصعق: الغشي صعق كسمع صعقا ويحرك فهو صعق ككتف غشي عليه وفيه إشارة إلى سبب الزلزلة وقد يكون لها سبب آخر كما صرح به الصدوق وإلى أن التكبر والعجب يوجبان الذل وتنبيه على أن البلاء النازلة على العباد كلها لمصلحة يرجع فيها نفعها إليهم. * الأصل: 366 - عنه، عن صالح، عن محمد بن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي بكر الحضرمي، عن تميم بن حاتم قال: كنا مع أمير المؤمنين (عليه السلام) فاضطرب الأرض فوحاها بيده ثم قال لها: اسكني مالك ! ثم التفت إلينا وقال: أما إنها لو كانت التي قال الله عز وجل لأجابتني ولكن ليست بتلك. * الشرح: قوله: (فوحاها بيده ثم قال لها اسكني مالك ؟) فسكنت ولم تجب عن قوله مالك. والوحي هنا: الإشارة ثم أشار (عليه السلام) إلى أن هذا الوقت جوابها وإنما وقتها عند زلزلة الساعة بقوله (أما إنها لو كانت التي قال الله لأجابتني ولكنها ليست بتلك) قال الله تعالى " إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض اثقالها وقال الإنسان مالها يومئذ تحدث أخبارها " أي بلسان المقال ما لأجله زلزالها وما عمل عليها وما وقع فيها من خير وشر وذلك سبب أنه تعالى أوحى لها بالنطق وأمرها بالإخبار قال على بن إبراهيم في تفسيره: المراد بالإنسان أمير المؤمنين (عليه السلام). * الأصل: 367 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان بن يحيى، عن أبي اليسع، عن

[ 352 ]

أبي شبل - قال صفوان: ولا أعلم إلا أني قد سمعت من أبي شبل - قال قال أبو عبد الله (عليه السلام): من أحبكم على ما أنتم عليه دخل الجنة وإن لم يقل كما تقولون. * الشرح: قوله: (عن أبي اليسع عن أبي شبل) قال الفاضل الاسترابادي في رجاله أبو شبل اسمه عبد الله ابن سعيد ثقة وأبو اليسع داود الابزاري مشترك بين مهملين ابن راشد وابن سعيد ويحتمل غيرهما فتدبر انتهى، أقول: يحتمل ابن فرقد الثقة بقرينة ان له كتابا يروي عنه صفوان بن يحيى كما ذكره هذا الفاضل ويحتمل غيره أيضا. (قال صفوان ولا أعلم الا أني قد سمعت من أبي شبل) يعني ظننت ذلك فهو يروي عنه أيضا بلا واسطة (قال قال أبو عبد الله (عليه السلام) من أحبكم على ما أنتم عليه) من ولاية علي وأولاده الطاهرين عليهم السلام دخل الجنة وإن لم يقل كما تقولون) لإخفاء في أن من أحب أحدا بولاية علي عليه السلام كان معتقدا بها مؤمنا وإن لم يظهرها باللسان ولم يعمل بمقتضاها فهو يدخل الجنة بالعفو والشفاعة مع بقاء إيمانه عند الخروج من الدنيا والله يعلم. * الأصل: 368 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن محمد بن النعمان أبي جعفر الأحول، عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال: إن أمير المؤمنين (عليه السلام) لما انقضت القصة فيما بينه وبين طلحة والزبير وعائشة بالبصرة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم قال: أيها الناس إن الدنيا حلوة خضرة تفتن الناس بالشهوات وتزين لهم بعاجلها وأيم الله إنها لتغر من أملها وتخلف من رجاها وستورث أقواما الندامة والحسرة بإقبالهم عليها وتنافسهم فيها وحسدهم وبغيهم على أهل الدين والفضل فيها ظلما وعدوانا وبغيا وأشرا وبطرا، وبالله إنه ما عاش قوم قط في غضارة من كرامة نعم الله في معاش دنيا ولا دائم تقوى في طاعة الله والشكر لنعمه فأزال ذلك عنهم إلا من بعد تغيير من أنفسهم، وتحويل عن طاعة الله والحادث من ذنوبهم وقلة محافظة وترك مراقبة الله جل وعز وتهاون بشكر نعمة الله لأن الله عز وجل يقول في محكم كتابه: " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " " وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال " ولو أن أهل المعاصي وكسبة الذنوب إذا هم حذروا زوال نعم الله وحلول نقمته وتحويل عافيته أيقنوا أن ذلك من الله جل ذكره بما كسبت أيديهم، فأقلعوا وتابوا وفزعوا إلى الله جل ذكره بصدف من نياتهم وإقرار منهم بذنوبهم وإسائتهم لصفح لهم عن كل ذنب وإذا لأقالهم كل عثرة ولرد عليهم كل كرامة نعمة، ثم أعاد لهم من صلاح أمرهم ومما كان أنعم به عليهم كل ما زال عنهم وأفسد عليهم. فاتقوا الله أيها الناس حق تقاته، استشعروا خوف الله جل ذكره وأخلصوا اليقين، وتوبوا إليه

[ 353 ]

من قبيح ما استفزكم الشيطان من قتال ولي الأمر وأهل العلم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وما تعاونتم عليه من تفريق الجماعة وتشتت الأمر وفساد صلاح ذات البين، إن الله عز وجل " يقبل التوبة ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون ". * الشرح: قوله: (أيها الناس إن الدنيا حلوة خضرة): أي تامة الحلاوة شديدة الخضرة وإنما وصف الدنيا ومتاعها بهما لميل الطبايع الفاسدة إليها (تفتن الناس بالشهوات): أي تعجبهم أو تضلهم، يقال: فتنه بفتنه: وفتنه وأفتنه: أوقعه في الفتنة ولها معان منها: الإعجاب والإضلال والدنيا تعجبهم وتضلهم لأنها تعطف عليها قلوبهم وتصرف إليها ميولهم وتعمى عيون بصايرهم وتطفأ أنوار ضمائرهم فتمنعهم عن إدراك الحق وتعجزهم عن سلوك سبيلة والإقتداء بحججه والإهتداء إلى منهجه وإليه الإشارة في قوله تعالى " ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه " (وتزين لهم بعاجلها) وهي زهراتها البائدة الحاضرة التي تغفل القلوب الناقصة القاصرة عن التوجه إلى السعادة الدائمة والظاهر الباء زايدة، ثم أشار إلى ما يوجب النفور منها مؤكد بالقسم وغيره بقوله (وأيم الله أنها لتغر من أملها) غره غرا وغرورا وغرة بالكسر فهو مغرور وغرير خدعه وأطمعه بالباطل والدنيا غرارة خداعة تغر من أملها ومال قلبه إليها وتغفله بزهراتها الزائلة وشهواتها الباطلة عن الله تعالى وعن أمر الآخرة (وتخلف من رجاها) بعدم إعطاء مرجوه أو بأخذه منه ورده فقيرا إلى الآخرة (وستورث غدا أقواما) التنكير والجمع للتكثير والمبالغة في الكثرة والمراد بالغد يوم القيامة أو يوم الموت وما بعده (الندامة والحسرة) حين رأوا سعادة الزاهدين في الدنيا وخسران أنفسهم (بإقبالهم عليها وتنافسهم فيها) التنافس: التسابق إلى الشئ أيهم يأخذه أولا ومنشأه كثرة الرغبة وهو أول التحاسد (وحسدهم وبغيهم على أهل الدين والفضل فيها) أي في الدنيا والمراد بهم أمير المؤمنين (عليه السلام) وأهل العصمة من أولاده الطاهرين ثم من تبعهم إلى يوم الدين. (ظلمنا وعدوانا وبغيا وأشرا وبطرا) قيل الإشر البطر، وقيل أشد البطر، والبطر: الطغيان عند النعمة وطول الغنا، وقيل: هو التكبر عن الحق وعدم قبوله، وكان هذه الأمور متعلقة بالأمور السابقة على الترتيب فظلما علة لإقبالهم على الدنيا لظلمهم على أنفسهم وعدو لهم عن طريق الآخرة إلى الدنيا وعدوانا علة لتنافسهم فيها لتجاوزهم عن حد الحق ودخولهم في حد الباطل وبغيا علة لحسدهم على أهل الدين والفضل لتجاوزهم عن حدهم فخرجوا عن طاعة الإمام العادل وحسدوا عليه، وأشرا وبطرا علة لبغيهم عليهم وجعل كل واحد متعلقا بكل واحد أو بحسدهم وبغيهم محتمل ولكن قوله بغيا يأباه في الجملة فليتأمل، ثم نبه (عليه السلام) لمناسب المقام بقوله (وبالله أنه ما

[ 354 ]

عاش قوم قط في غضارة. انتهى) على أن كل من له نعمة وغضارة عيش وطيبه وطاعة لله تعالى وشكر له وغيرها من الفضايل النفسانية والبدنية ثم سلب منه تلك النعمة وأزيلت عنه تلك الفضيلة ما كان سبب السلب والإزالة إلا ثغيرهم ما بأنفسهم من الأحوال الحسنة إلى الأحوال القبيحة وتحويلهم من الطاعة إلى المعصية وقلة محافظة ما أراد الله تعالى منهم وترك مراقبته في مقام المعصية، ثم استدل على ذلك بقوله تعالى فقال: (لأن الله عز وجل يقول في محكم كتابه: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) من الكمالاث وحسن الحالات إلى أضدادها (وإذ أراد الله بقوم سوءا) إرادة حتم (فلا مرد له) إذ لا يقدر شئ أن يعارضه في إرادته (وما لهم من دونه من وال يلي صلاح أمرهم ودفع السوء عنهم، واعلم أن المشتغلين بالمعصية حاملون لوزرها دافعون لنعمتهم الحاصلة ما نعون من حصول المترقبة مفسدون لحالهم ونظامهم ولو أنهم أيقنوا حين خافوا زوال النعمة وحلول النقمة وتحويل العافية أن ذلك بسبب معصيتهم فتابوا إلى الله توبة نصوحا لتجاوز الله عن ذنوبهم وعثراتهم ورد عليهم النعمة المصروفة عنهم وأنزالها إليهم أعاد لهم كل ما زال عنهم من النعمة الحاصلة وفسد عليهم من الحالة الصالحة وإلى جميع ذلك أشار عليه الصلاة والسلام بقوله: (ولو أن أهل المعاصي وكسبة الذنوب إذا هم حذروا زوال نعمة الله وحلول نقمته وتحويل عافيته أيقنوا أن ذلك من الله عز ذكره بما كسبت أيديهم) من الذنوب فقوله: " أيقنوا خبر " " أن " وقوله " إذا هم " ظرف زمان له وقوله " لصفح " جزاء الشرط (فاقلعوا) عن المعاصي والذنوب (وتابوا) إلى الله عز وجل منها (وفزعوا إلى الله تعالى): أي خافوا عدم قبول التوبة راجعين أو متضرعين إليه في قبولها واستغاثوا إليه للتوفيق في التوبة والثبات عليها (بصدق نياتهم) على أن لا يرجعوا إليها أبدا وهن التوبة الخاصة وتوبة النصوح (وإقرار منهم بذنوبهم وإسالتهم) تفصيلا أو إجمالا (لصفح بهم عن كل ذنب) أذنبوه والصفح: التجاوز والعفو. (وإذا لأقالهم كل عثرة) إذا: جواب وجزاء تأويلها إن كان الأمر كما ذكرت والإقالة: نقض البيع والمراد هنا نقض العثرات والتجاوز عنها وهذا كالتأكيد أو التعميم بعد التخصيص لأن العثرة أعم من الذنب (ولرد عليهم كل كرامة نعمة) كانت ممنوعة الوصول إليهم والظاهر أن الإضافة بيانية (ثم أعاد لهم من صالح أمرهم ومما كان أنعم الله به عليهم) من للابتداء أو التعليل (كل ما زال عنهم وفسد عليهم) بسبب المعصية من النعماء والأحوال الحسنة وفي ثم إشعار بأن هذا التفضل أبلغ وأكمل من الأول ثم صرف الكلام عن هذه الموعظة العامة إلى من حاربوه وقاتلوه وخرجوا عليه على سبيل التفريع فقال (فاتقوا الله أيها الناس حق تقاته) أي تقواه وهي التجنب عن كل ما يوجب سخطه والتمسك بكل ما يوجب مع نية خالصة (واستشعروا خوف الله جل ذكره) أي اجعلوه علامة لكم تعرفون بها أو محيطا بقلوبكم إحاطة الشعار بالبدن أو في ذكركم من الشعور

[ 355 ]

وهو العلم (وأخلصوا اليقين بالله) وبما جاء به الرسول من الحقوق الدينية والدنيوية، واليقين: هو العلم الذي لا يتطرق إليه شك ولعل المراد بإخلاصه العمل بمقتضاه لأن العامل بخلاف مقتضى العلم كان له شك فلا يكون له يقين خالص وفي بعض النسخ " النفس " في موضع اليقين والمراد بإخلاصها تنزيهها من النقايص (وتوبوا إلى الله من قبيح ما استفزكم الشيطان) فزه عن موضعه فزا: أزعجه واستفزه استخفه وأخرجه من داره وأزعجه من حاله إلى حال (من قتال ولي الأمر وأهل العلم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)) بعد متعلق بالقتال أو بولي الأمر والمراد به نفسه المقدسة ومن تبعه من المؤمنين (وما تعاونتهم عليه من تفريق الجماعة) جماعة المسلمين (وتشتيت الأمر) أي تفريق أمرهم (وفساد صلاح ذات البين) في القاموس ذات بينكم أي حقيقة وصلكم أو ذات الحال التي يجتمع بها المسلمون وفي الكنز ذات البين عبارة عن نفس البين أي صلاح بينكم (إن الله يقبل التوبة ويعفو عن السيئات) ترغيب في التوبة وتعليل لقوله " توبوا " وفيه دلالة على أن قبول التوبة من باب التفضل، وقيل: من باب الوجوب وقد مر وعلى أن توبة المرتد مطلقا مقبولة والخلاف في الفطري مشهور وفي بعض النسخ " عن السيئة " و (يعلم ما تفعلون) وعد ووعيد للمطيع والعاصي بالثواب والعقاب وحث على ترك القبيح لأن العلم بأن على العمل رقيبا عالما يبعث على تجويد العمل وترك القبيح. * الأصل: 369 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن الحسن بن علي بن عثمان قال: حدثني أبو عبد الله المدائني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله عز وجل خلق نجما في الفلك السابع فخلقه من ماء بارد وسائر النجوم الستة الجاريات من ماء حار وهو نجم الأنبياء والأوصياء، وهو نجم أمير المؤمنين (عليه السلام) يأمر بالخروج من الدنيا والزهد فيها ويأمر بافتراش التراب وتوسد اللبن ولباس الخشن وأكل الجشب وما خلق الله نجما أقرب إلى الله تعالى منه. * الشرح: قوله: (إن الله عز وجل نجما (1) في الفلك السابع) الظرف صفة لنجما أو متعلق لخلق (فخلقه من ماء بارد. انتهى) إذا كان الماء أصل كل شئ من الأجسام كما مر لم يبعد ذلك ويمكن أن يكون كناية عن لينة طبعه ولطفه بالسفليات وأمره للناس بما ذكر إما بالتأثير في المستعدين الراغبين في الآخرة أو بالقول وسماع الكاملين له وإخبارهم به يكفي لزوم التصديق به لو كان النقل صحيحا وكونه نجم الأنبياء إلى آخره باعتبار أن تأثيره لهم وسماعهم لأمره أظهر هذا ويمكن أن يراد به


1 - يعني الزحل وهو عند المنجمين كوكب الدهاقين واصحاب المهن (ش). (*)

[ 356 ]

النبي (صلى الله عليه وآله) وحينئذ جميع ما ذكر ظاهر ويؤيده ما روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى " وعلامات وبالنجم هم يهتدون " قال: النجم رسول الله (صلى الله عليه وآله) والعلامات هم الأئمة (عليهم السلام). * الأصل: 370 - الحسين * عن أحمد بن هلال، عن ياسر الخادم قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): رأيت في النوم كأن قفصا فيه سبعة عشر قارورة، إذا وقع القفص فتكسرت القوارير، فقال: إن صدقت رؤياك يخرج رجل من أهل بيتي يملك سبعة عشر يوما ثم يموت، فخرج محمد بن إبراهيم بالكوفة مع أبي السرايا فمكث سبعة عشر يوما ثم مات. * الشرح: قوله: (إن صدقت رؤياك) الرؤيا الصادقة ما له خارج هي تخبر عنه والكاذبة وهي أضغاث أحلام ما ليس له خارج ولا تأويل لها إذ تأويلها بيان ما دلت عليه من الأمور الخارجة ولا خارج لها كما مر. * الأصل: 371 - عنه، عن أحمد بن هلال، عن محمد بن بن سنان قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام) في أيام هارون: إنك قد شهرت نفسك بهذا الأمر وجلست مجلس أبيك وسيف هارون يقطر الدم !، فقال: جرأني على هذا ما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن أخذ أبو جهل من رأسي شعرة فاشهدوا أني لست بنبي، وأنا أقول لكم: إن أخذ هارون من رأسي شعرة فاشهدوا أني لست بإمام. * الشرح: قوله (إنك قد شهرت نفسك) شهرت الأمر أشهره شهرا وشهرته تشهيرا أوضحه وأضهرته. * الأصل: 372 - عنه، عن أحمد (عليه السلام) عن زرعة، عن سماعة قال: تعرض رجل من ولد عمر بن الخطاب بجارية رجل عقيلي (1) فقالت له: إن هذا العمري قد آذاني فقال: لها عديه وأدخليه الدهليز فأدخله فشد عليه فقتله وألقاه في الطريق فاجتمع البكريون والعمريون والعثمانيون وقالوا: ما لصاحبنا كفو لن نقتل به إلا جعفر بن محمد وما قتل صاحبنا غيره وكان أبو عبد الله (عليه السلام) قد مضى نحو قبا فلقيته بما اجتمع القوم عليه. فقال: دعهم، قال: فلما جاء ورأوه وثبوا عليه وقالوا: ما قتل صاحبنا أحد غيرك وما نقتل به أحدا غيرك، فقال: ليكلمني منكم جماعة فاعتزل قوم منهم فأخذ


1 - الخبر موضوع بلا مرية، والمتهم بالوضع أحمد بن هلال الملعون على لسان العسكري (عليه السلام) وذكرنا علته في حواشي كتاب روضة من الوافي (ص 110 من الجزء 14) (ش). (*)

[ 357 ]

بأيديهم فأدخلهم المسجد فخرجوا وهم يقولون: شيخنا أبو عبد الله جعفر بن محمد معاذ الله أن يكون مثله يفعل هذا ولا يأمر به، انصرفوا قال: فمضيت معه فقلت: جعلت فداك ما كان أقرب رضاهم من سخطهم ؟ ! قال: نعم دعوتهم فقلت: أمسكوا وإلا أخرجت الصحيفة. فقلت: وما هذه الصحيفة جعلني الله فداك فقال: إن ام الخطاب كانت أمة للزبير بن عبد المطلب فسطر بها نفيل فأحبلها فطلبه الزبير فخرج هاربا إلى الطائف فخرج الزبير خلفه فبصرت به ثقيف فقالوا: يا أبا عبد الله ما تعمل ههنا ! قال: جاريتي سطربها نفيلكم، فهرب منه إلى الشام وخرج الزبير في تجارة له إلى الشام فدخل على ملك الذمة فقال له: يا أبا عبد الله لي إليك حاجة، قال: وما حاجتك أيها الملك فقال: رجل من أهلك قد أخذت ولده فاحب أن ترده عليه، قال: ليظهر لي حتى أعرفه فلما أن كان من الغد دخل على الملك فلما رآه الملك ضحك، فقال: ما يضحكك أيها الملك ؟ قال: ما أظن هذا الرجل ولدته عربية، لما رآك قد دخلت لم يملك استه أن جعل يضرط، فقال: أيها الملك إذا صرت إلى مكة قضيت حاجتك فلما قدم الزبير، تحمل عليه ببطون قريش كلها أن يدفع إليه ابنه فأبى ثم تحمل عليه بعبد المطلب فقال: ما بيني وبينه عمل، أما علمتم ما فعل في ابني فلان ولكن امضوا أنتم إليه فقصدوه وكلموه فقال لهم الزبير: إن الشيطان له دولة إن ابن هذا ابن الشيطان ولست آمن أن يترأس علينا ولكن أدخلوه من باب المسجد علي على أن أحمي له حديدة وأخط في وجهه خطوطا وأكتب عليه وعلى ابنه ألا يتصدر في مجلس ولا يتأمر على أولادنا ولا يضرب معنا بسهم، قال: ففعلوا وخط وحهه بالحديدة وكتب عليه الكتاب وذلك الكتاب عندنا فقلت لهم: إن أمسكتم وإلا أخرجت الكتاب ففيه فضيحتكم فأمسكوا. وتوفي مولى لرسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يخلف وارثا فخاصم فيه ولد العباس أبا عبد الله (عليه السلام) وكان هشام بن عبد الملك قد حج في تلك السنة فجلس لهم فقال داود بن علي: الولاء لنا وقال أبو عبد الله (عليه السلام): بل الولاء لي فقال داود بن علي: إن أباك قاتل معاوية، فقال: إن كان أبي قاتل معاوية فقد كان حظ أبيك فيه الأوفر ثم فر بخيانته، وقال: والله لاطو قنك غدا طوق الحمامة، فقال له داود بن علي: كلامك هذا أهون علي من بعرة في وادي الأزرق، فقال: أما إنه واد ليس لك ولا لأبيك فيه حق قال: فقال هشام: إذا كان غدا جلست لكم فلما أن كان من الغد خرج أبو عبد الله (عليه السلام) ومعه كتاب في كرباسة وجلس لهم هشام فوضع أبو عبد الله (عليه السلام) الكتاب بين يديه فلما أن قرأه قال: ادعوا لي جندل الخزاعي وعكاشة الضمري وكانا شخين قد أدركا الجاهلية فرما بالكتاب إليهما فقال: تعرفان هذه الخطوط ! قالا: نعم هذا خط العاص بن امية وهذا خط فلان وفلان لفلان من قريش وهذا خط حرب بن امية، فقال هشام: يا أبا عبد الله أرى خطوط أجدادي عندكم ؟ فقال: نعم، قال: فقد

[ 358 ]

قضيت بالولاء تلك قال: فخرج وهو يقول: إن عادت العقرب عدنا لها * وكانت النعل لها حاضرة قال: فقلت: ما هذا الكتاب جعلت فداك ؟ قال: فإن نثيلة كانت أمة لام الزبير ولأبي طالب وعبد الله فأخذها عبد المطلب فأولدها فلانا فقال له الزبير: هذه الجارية ورثناها من امنا وابنك هذا عبد لنا فتحمل عليه ببطون قريش، قال: فقال قد أجبتك على خلة على أن لا يتصدر ابنك هذا في مجلس ولا يضرب معنا بسهم فكتب عليه كتابا وأشهد عليه فهو هذا الكتاب. * الشرح: قوله: (بجارية رجل عقيلي) الجارية البنت وهي فتية النساء وتطلق على الأمة أيضا ولعل المراد هنا الأولى (وأدخليه الدهليز) الدهليز بالكسر ما بين الباب والدار (قد مضي نحو قباء) هي بالضم وتذكر وتقصر: قرية قرب المدينة (فلقيته بما اجتمع القوم عليه) فيه اختصار فطلبته فليقته وأخبرته (معاذ الله أن يكون مثله يفعل هذا ولا يأمر به) نفي للفعل عنه من باب الكناية ومعاذ الله مصدر منصوب بفعل مقدر أي نعوذ معاذا إلى الله ولا لتأكيد النفي المستفاد ضمنا (فقال إن أم الخطاب كانت أمة للزبير بين عبد المطلب فسطر بها نفيل فأحبلها) في القاموس سطر تسطيرا: ألف وعليه إياه بالأساطير: وهي الأحاديث التي لا نظام لها وفي النهاية سطر فلان على فلان إذا زخرف له الأقاويل ونمقها، وتلك الأقاويل الأساطير ذكر الآبي في كتاب إكمال الإكمال نسب عمر هكذا عمر يكني أبا الحفص وهو ابن الخطاب بن نفيل بن عبدالعزي بن رباح بن عبد الله بن قرط بن زيد بن عدي بن كعب بن لوي (فبصرت به ثقيف) كامير أبو قبيلة من هوزان واسمه قسى بن منبه بن بكر بن هوزان (فهرب منها إلى الشام) أي فهرب نفيل لما سمع خبر وصول الزبير من ثقيف من الطايف إلى الشام (فدخل على ملك الدومة) دومة الجندل: اسم حصن على خمسة عشر ليلة من المدينة ومن الكوفة على عشر مراحل وأصحاب اللغة يضمون الدال وأصحاب الحديث يفتحونها كذا نقل عن المغرب فقال (ما أظن هذا الرجل ولدته عربية) قال ذلك لأن الضرطة عيب وعار خصوصا عند العرب ولأنها نشأت من الخوف والجبن والشجاعة معروفة في العرب وانما شك في أمه لعلمه بأن أباه كان عربيا، والإست بالكسر: الدبر، فقال: (أيها الملك إذا صرت إلى مكة قضيت حاجتك) فجعل له الأمان ووعد الملك بقضاء حاجته برد الولد (فلما قدم الزبير مكة) ورجع نفيل إليها أيضا (تحمل) نفيل (عليه ببطون قريش) أي كلفه برد الولد وجعلهم شفعاء له (فقال: ما بيني وبينه عمل) أي فقال عبد المطلب أبو الزبير ما بيني وبين الزبير عمل فلا أتكلم معه أما علمتم ما فعل في ابني فلان وهو العباس وسيجيئ حكايته (ولكن امضوا إليه) أي إلى الزبير والخطاب لساير أولاده ومن حضره من بطون قريش (ولست آمن أن

[ 359 ]

يترأس علينا) الرئيس سيد القوم رأسته ترئيسا إذا جعلته رئيسا وارتأس صار رئيسا كترأس وفي الكنز ترأس " سردار شدن " وقد صار كما قال. (ولا يضرب معنا بسهم) في الغنيمة وغسرها ويمكن أن يراد به سهم الميسر لأنهم كانوا يعملونه مع الأكفاء (وتوفي مولى لرسول الله (صلى الله عليه وآله)) المراد بالمولى هنا العبد المعتق (فخاصم فيه ولد العباس أبا عبد الله (عليه السلام)) كان ولد العباس من أهل المكابرة لأن الولاء للمعتق وأولاده (وقال داود بن علي إن أباك قاتل معاوية، قال: ذلك إغراء وتحريشا لهشام عليه (عليه السلام) ولم يكن لم حجة للغلبة سوى هذا (فقال: إن كان أبي قاتل معاوية فقد كان حظ أبيك) هو عبد الله بن العباس (فيه الأوفر) إذا قاتله بنصره وهو أقبح في العرف (ثم فر بجنايته) فقد جمع بين القتال والفرار، قيل: كأنه إشارة إلى ما حكاه الكشي أن أمير المؤمنين (عليه السلام) استعمله على البصرة فحمل بيت المال وفر منها إلى الحجاز وكان مبلغه ألفي ألف درهم وفي بعض النسخ بخيانته بالخاء المعجمة وفي بعضها بجناحيه (وقال: والله لا طوقنك غدا طوق الحمامة) فعل قال أبو عبد الله (عليه السلام): وهذا مثل لإيصال المكروه إلى أحد من حيث لا يعلم (في وادي الأزرق) واد وسيع كانت ترعى فيه الأنعام والأباعر (فقال: أما أنه واد ليس لك ولا لأبيك فيه حق) فيه تحقير له وإنما قال ذلك مع كمال حلمه لما روي عن أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: البشر يدفعه الشر، وقال: ردوا الحجر من حيث جاء، ولما اشتهر من أن الحلم مع الأحمق السفية حمق، وفيه دلالة على جواز أمثال ذلك في جواب الخصم المعتدي (وعكاشة الضمري) بضم العين وشد الكاف وفي القاموس بنو ضمر: رهط عمرو بن أمية الضمري (إن عادت العقرب عدنا لها * وكانت النعل لها حاضرة) هذا مثل لدفع الخصم المؤذي بما أمكن وقت الحاجة إليه (قال: فإن نثيلة كانت أمة لأم الزبير ولأبي طالب وعبد الله) هم بنوا عبد المطلب من أم واحدة ونثيلة كسفينة بالنون والثاء المثلثة وفي القاموس: النثيلة: اللحم السمين وفي بعض النسخ " نفيلة " بالنون والفاء وكأنها من النفل بمعنى العطية أو من النفل: الذي هو نبت له نور طيب الرائحة (فأولدها فلانا) هو العباس. * الأصل: 373 - الحسين بن محمد، عن محمد بن أحمد النهدي، عن معاوية بن حكيم، عن بعض رجاله، عن عنبسة بن بجاد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل: " فأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين " فقال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): هم شيعتك فسلم ولدك منهم أن يقتلوهم. * الشرح: قوله: (عن عنبسة بن بجاد) بالباء الموحدة المكسورة والجيم (فأما إن كان من أصحاب

[ 360 ]

اليمين) قيل: أصحاب اليمين من كان له حالة حسنة ومنزلة رفيعة ومرتبة سنية وأصحاب الشمال من كان له حالة شنيعة ومنزلة دنية ومرتبة وضيعة، يقال: أتاه عن يمينه إذا أتاه من الجهة المحمودة وأصحاب الشمال الذين يؤتون صحايفهم بشمائلهم وقيل: أصحاب اليمين يسلكون في إيمانهم إلى الجنة لأن الجنة عن يمين الناس وأصحاب الشمال الذين يسلكون في شمائلهم إلى النار لأن النار عن شمالهم، وقيل: أصحاب اليمين والبركة وأصحاب الشمال أصحاب الشوم والنكبة لأن السعداء ميامين على أنفسهم بسبب طاعتهم والأشقياء مشائيم على أنفسهم بسبب معصيتهم، وقيل: أصحاب اليمين هم الذين أوحدهم الله تعالى في وقت الذر بجنب اليمين من آدم وأصحاب الشمال هم الذين أوجدهم بجنب الشمال منه. وقيل أصحاب اليمين هم الذين مقامهم على يمين العرش وأصحاب الشمال هم الذين مقامهم على شماله ولا يبعد أن يراد بأصحاب اليمين من خلق من التراب الذي في يمين جبرئيل (عليه السلام) وأصحاب الشمال من خلق من التراب الذي في شماله. * الأصل: 374 - حدثنا محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن علي عن صفوان، عن محمد بن زياد بن عيسى، عن الحسين بن مصعب عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): كنت ابايع لرسول الله (صلى الله عليه وآله) على العسر واليسر والبسط والكره إلى أن كثر الإسلام وكثف قال: وأخذ عليهم [ علي (عليه السلام) ] أن يمنعوا محمدا وذريته مما يمنعون منه أنفسهم وذراريهم فأخذتها عليهم نجا من نجا وهلك من هلك. (كنت أبايع لرسول الله (صلى الله عليه وآله) على العسر واليسر والبسط والكره) أي بالمتابعة على حال العسر في المعيشة واليسر فيها وفي حال السرور والحزن من بسطت فلانا إذا سترته أو في حال سعة البلاء وضيقها من بسط المكان القوم إذا وسعهم، أو في حال عدم الحاجة إلى المحاربة وحال الحاجة إليها والكره بالضم والفتح: المشقة أو بالضم ما أكرهت أنفك عليه وبالفتح من أكرهك غيرك عليه، والكريهة: الحرب أو الشدة في الحرب والنازلة، وذو الكريهة السيف والصارم لا يبنو عن شئ (إلى أن كثر الإسلام وكثف) أي كثر أهل الإسلام والكثف: الجماعة والكثرة وفعله من باب كرم (قال: وآخذ عليهم على أن يمنعوا محمدا وذريته مما يمنعون منه انفسهم وذراريهم) الظاهر أن فاعل قال، رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفاعل وأخذ بصيغة الأمر، علي (عليه السلام) ومفعوله البيعة وفي أكثر النسخ وأخذ عليهم علي (عليه السلام) أن يمنعوا وحينئذ فاعل، قال أبو عبد الله (عليه السلام) ويأباه قوله فيما بعد فأخذتها عليهم على صيغة المتكلم إذ المناسب فأخذها عليهم وفي بعض النسخ فأخذ بها بالباء فتأمل (نجى من نجى وهلك من هلك) أي نجى بسبب الوفاء بالبيعة المذكورة كل من نجى وخلص من عقوبته الله وسخطه وهلك بسبب نقص تلك البيعة كل من هلك بعقوبة الأبد.

[ 361 ]

* الأصل: 375 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن أبي يحيى الواسطي، عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن من وراء اليمن واديقال له: وادي برهوت ولا يجاوز ذلك الوادي إلا الحيات السود، والبوم من الطيور. في ذلك الوادي بئر يقال لها بلهوت، يغدي ويراح إليها بأرواح المشركين، يسقون من ماء الصديد خلف ذلك الوادي قوم يقال لهم الذريح، لما أن بعث أن بعث الله تعالى محمد (صلى الله عليه وآله) صاح عجل لهم فيهم وضرب بذنبه فنادى فيهم يا آل الذريح - بصوت فصيح - أتى رجل بتهامة يدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله قالوا: لإمر ما أنطق الله هذا العجل ؟ قال: فنادى فيهم ثانية فعزموا على أن يبنوا سفينة فبنوها ونزل فيها سبعة منهم وحملوا من الزاد ما قذف الله في قلوبهم ثم رفعوا شراعها وسيبوها في البحر فما زالت تسير بهم حتى رمت بهم بجدة فأتوا النبي (صلى الله عليه وآله) فقال لهم النبي (صلى الله عليه وآله): أنتم أهل الذريح نادى فيكم العجل ؟ قالوا: اعرض علينا يا رسول الله الدين والكتاب فعرض عليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) الدين والكتاب والسنن والفرائض والشرائع كما جاء من عند الله جل وعز وولي عليهم رجلا من بني هاشم سيره معهم فما بينهم اختلاف حتى الساعة. * الشرح: قوله: (في ذلك الوادي بئر يقال لها بلهوت) قد يقال: برهوت تسمية باسم ذلك الوادي في القاموس برهوت محركة وبالضم: بئر أو واد، وقيل في الصحاح: برهوت على مثال رهبوت: بئر بحضر موت، يقال: فيها أرواح الكفار (يسقون من ماء صديد) في القاموس، الصديد: ماء الجرح الرقيق والحمبم أغلي حتى خثر قيل في المغرب صديد الجرح ماؤه المخلوط بالدم وفي الكنز صديد " ريم وخون " (يقال لهم: الذريح) في القاموس الذريح أبوحى (ضرب بذنبه) يمكن أن يراد بالضرب معناه الظاهري وأن يراد به الإشارة إلى تهامة وأن يراد به المشي إليها ليريهم سمتها يقال: ضرب فلان بذنبه إذا أسرع الذهاب في الأرض كما صرح به في النهاية (فنادى فيهم يا آل ذريح بصوت فصيح. انتهى): أي خالص مظهر للمقصود كما ينطق به الفصحاء من الناس وتهامة بالكسر: مكة شرفها الله تعالى. وقيل: تهامة ما بين ذات عرق إلى مرحلتين من وراء مكة ولا استبعاد في نداء العجل بالنظر إلى قدرة الباري جل شأنه وإذا جاز أن تنطق قطعة من البقرة المذبوحة لأمر جزئي حدث في بني إسرائيل جاز تكلم عجل حي بطريق الأولى، وقد ورد تكلم البقرة من طريق العامة أيضا عن أبي هريرة قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) بينما يسوق رجل بقرة له قد حمل عليها التفتت إليه البقرة فقالت: إني لم أخلق لهذا ولكني خلقت للحرث، فقال الناس: سبحان الله تعجبنا وفزعا أبقرة تتكلم " (ثم

[ 362 ]

رفعوا شراعها وسيبوها في البحر) شرع السفينة وككتاب ما يرفع فوقها من ثوب لتدخل فيه الريح فتجريها والتسييب باليائين المثناتين الإرسال وفي الكنز تسييب " رها كردن چارپا تا هر جا كه خواهد برود " (رمت بهم بجدة) وهي الضم: ساحل البحر بمكة واسم لموضع بعينه منه هي مدينة قريبة من مكة (فعرض عليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) الدين والكتاب. انتهى) تعليم الشرايع كلها مع أنها تكاملت بعد ذلك لأنه تعالى ألهمها أو أوحاها في ذلك الوقت وحملها على الشرايع التي نزلت قبل بعيد. * الأصل: 376 - عي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن حديد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لما اسري برسول الله (صلى الله عليه وآله) أصبح فقعد فحدثهم بذلك فقالوا له: صف لنا بيت المقدس قال: فوصف لهم وإنما دخله ليلا فاشتبه عليه النعت فأتاه جبرئيل (عليه السلام) فقال: انظر ههنا، فنظر إلى البيت فوصفه وهو ينظر إليه ثم نعت لهم ما كان من عير لهم فيما بينهم وبين الشام ثم قال: هذه عير بني فلان تقدم مع طلوع الشمس يتقدمها جمل أورق أو أحمر، قال: وبعثت قريش رجلا على فرس ليردها، قال: وبلغ مع طلوع الشمس، قال قرطة بن عبد عمرو: يا لهفا ألا أكون لك جذعا (1) حين تزعم أنك أتيت بيت المقدس ورجعت من ليلتك. * الشرح: قوله: (لما اسري برسول الله (صلى الله عليه وآله)) أي سيره بالليل (قال: انظر ههنا فنظر في البيت قد ذكرنا سابقا أنه يحتمل أن يكون ذلك بخلق الله تعالى مثله قريبا منه أو بنقله إلى قريب أو بإزالة الحجاب بينه وبينه (يتقدمها جمل أورق أو أحمر) ضمير التأنيث للعير وهي بالكسر: القافلة، والترديد من الراوي والأورق من الإبل ما في لونه بياض إلى سواد وفي بعض النسخ أزرق (وبلغ) أي بلغ العير أو ذلك الرجل (مع طلوع الشمس عند قدومهم) وهذا أيضا من الإعجاز، (قال قرطبة بن عبد عمرو: يا لهفا أن لا أكون لك جذعا. انتهى) أي لأن، أو على أن وحذف الجار مع أن قياس. والجدع بالدال المهملة: قطع الأنف أو الأذن أو اليد أو الشفة وقد يجعل كناية عن الإذلال الشديد، واللهف: الحزن والتحسر، لهف كفرح حزن وتحسر كتلهف عيله ويا لهفا كلمة يتحسر بها على فايت والفائت هنا عدم تحقق الجدع لكونه غير قادر عليه. * الأصل: 377 - حميد بن زياد، عن محمد بن أيوب، عن علي بن أسباط، عن الحكم بن مسكين، عن


1 - كذا. وفي النهاية " يا ليتني فيها جذعا " أي ليتني كنت شابا. (*)

[ 363 ]

يوسف بن صهيب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أقبل يقول لأبي بكر في الغار: اسكن فإن الله معنا وقد أخذته الرعدة وهو لا يسكن فلما رأى رسول الله (عليه السلام) حاله قال له: تريد أن اريك أصحابي من الأنصار في مجالسهم يتحدثون فأريك جعفرا وأصحابه في البحر يغوصون، قال: نعم، فمسح رسول الله (صلى الله عليه وآله) بيده على وجهه فنظر إلى الأنصار يتحدثون ونظر إلى جعفر (عليه السلام) وأصحابه في البحر يغوصون فأضمر تلك الساعة أنه ساحر. قوله: (وقد أخذته الرعدة. انتهى) ارتعد: اضطرب والإسم الرعدة بالكسر والفتح وأرعد بالضم أخذته الرعدة قال السهيلي: الغار هو بجبل ثور وهو أحد جبال مكة، وقال عياض: وكان من حديث الغار أن المشركين اجتمعوا لقتل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبيتوه فأمر عليا (عليه السلام) أن يرقد على فراشه فخرج عليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهم على الباب ولم يروه ووضع على رأس كل واحد منهم ترابا وانصرف عنهم إلى غار ثور فاختلفوا فيه وأخبروا أنه قد خرج عليهم ووضع التراب على رؤوسهم فمدوا أيديهم إلى رؤوسهم فوجدوا التراب فدخلوا الدار فوجدوا عليا على الفراش فلم يتعرضوا له ثم خرجوا في كل وجه يطلبونه ويقفون أثره بقايف معهم إلى أن وصلوا الغار فوجدوا العنكبوت قد نسجت عليه، وقال ثابت في الدلايل: ولما دخلاه يعني النبي (عليه السلام) وأبو بكر أنبت الله سبحانه على بابه شجرة مثل قامة الإنسان. وفي مسند البزار أن الله سبحانه أمر العنكبوت فنسجت على وجه الغار وأمر حمامتين فعشتا على فم الغار اوان ذلك مما صد المشركين عنه وأن حمام مكة من نسل تينك الحمامتين وان قريشا لما انتهى بهم قايفهم إلى فم الغار وجدوا ما ذكر على فمه فحين رآهم أبو بكر اشتد خوفه فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) له: لا تحزن إن الله معنا أي بالحفظ والكلأ، وقال القرطبي فيه دلالة ظاهرة على قوة توكلة (عليه السلام). * الأصل: 378 - علي بن إبراهيم، عن أبيه عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما خرج من الغار متوجها إلى المدينة وقد كانت قريش جعلت لمن أخذه مائة من الإبل، فخرج سراقة بن مالك بن جعشم فيمن يطلب فلحق برسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اللهم اكفني شر سراقة بما شئت فساخت قوائم فرسه فثنى رجله ثم اشتد فقال: يا محمد إني علمت أن الذي أصاب قوائم فرسي إنما هو من قبلك فادع الله أن يطلق لي فرسي فلعمري إن لم يصبكم مني خير لم يصبكم مني شر، فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأطلق الله عز وجل فرسه فعاد في طلب رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى فعل ذلك ثلاث مرات كل ذلك يدعو رسول الله (صلى الله عليه وآله) فتأخذ الأرض قوائم فرسه فلما أطلقه في الثالثة قال: يا محمد هذه إبلي بين يديك فيها غلامي فإن احتجت إلى ظهر أو لبن فخذ منه وهذا سهم من كنانتي علامة وأنا أرجع فأرد عنك الطلب، فقال: لا حاجة لنا

[ 364 ]

فيما عندك. * الشرح: قوله: (فخرج سراقة بن مالك بن جعشم فيمن يطلب) في القاموس سراقة بن مالك بن جعشم كقنفد وجندب صحابي روى مسلم في كتاب الأشربة باسناده عن أبي اسحاق الهمداني قال: " سمعت البراء يقول: لما أقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله) من مكة إلى المدينة تبعه سراقة بن مالك بن جعشم فدعا عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فساخت فرسه فقال ادع الله لي ولا أضرك قال: فدعا الله الحديث. جعشم مكتوب بتقديم العين المهملة على الشين، قال الآبي: سرافة هو ابن مالك الكناني وكان من حديث أن الله سبحانه لما أذن لرسوله (صلى الله عليه وآله) في الهجرة وخرج هو وأبو بكر جعلت قريش لمن رده عليهم مائة ناقة فخرج سراقة في أثره ليرده وكان من أمره ما ذكر في الحديث. وفي سيرة ابن اسحاق أنه لما ساخت قوائم فرسه في الأرض تبعتها عثان والعثان: الدخان وذكر غير ابن إسحاق أن سراقة لما رجع بغير شئ لامه أبو جهل فانشد. أبا حكم واللات لو كنت شاهدا * لأثر جوادي إذ تسوخ قوائمه علمت ولم تشكك بأن محمدا * رسول ببرهان فمن ذا يقاومه عليك بكف القوم عنه فإنني * أرى أمره يوما ستبدو معالمه وآمر برد الناس فيه بأسرهم * فان جميع الناس طرا يسالمه وروى مسلم وغيره أن سراقة بن مالك تبع النبي (صلى الله عليه وآله) وهو في جلد من الأرض أي في صلب وغلظه فقال أبو بكر: قد أتانا فقال (عليه السلام) لا تحزن إن الله معنا، فدعا عليه فارتطمت فرسه إلى بطنها يعني غاصت قوائمها فقال: إني قد علمت أنكما قد دعوتما علي فادعوا لي فلله أن أرد عنكما الطلب - وهو بضم الطاء وشد اللام جمع الطالب - فدعا الله عز وجل فنجا فرجع لا يلقى أحدا إلا قال: قد كفيتكم ما هنا فلا يلقى أحد إلا رده ووفى. وفي رواية اخرى لهم فلما دنا دعا عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فساخ فرسه في الأرض إلى بطنه ووثب عنه وقال يا محمد قد علمت أن هذا عملك فادع الله أن يخلصني مما أنا فيه ولك علي لأعمين على من ورأي وهذه كنانتي فخذ سهما منها فإنك ستمر على إبلي وغلماني بمكان كذا وكذا فخذ منها حاجتك، قال: لا حاجة لي في إبلك. * الأصل: 379 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي نجران، عن محمد بن سنان، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لا ترون الذي تنتظرون حتى تكونوا كالمعزي الموات التي لا يبالي الخابس أين يضع يده فيه، ليس لكم شرف ترقونه ولا سناد تسندون إليه أمركم.

[ 365 ]

* الشرح: قوله: (لا ترون الذي تنتطرون) هو ظهور القائم (عليه السلام) (حتى تكونوا كالمعزي الموات) المعز بالفتح وبالتحريك والمعزي ويمد خلاف الضأن من الغنم (التي لا يبالي الخابس أن يضع يده منها) الخابس الآخذ من خبس الشئ بكفه إذا أخذه ولعل المراد لا يكره من يأخذ الشئ بكفه أن يرفع يده منها لكونه في غاية السقوط، ويحتمل أن يراد بالخابس الظالم يبس فلانا حقه إذا ظلمه - وبوضع اليد منها أو فيها على اختلاف النسخ: أيصال الأذى والقتل، وبعدم المبالاة: عدم الخوف من المؤاخذة لعدم وجود الناصر ظاهرا والله يعلم (ليس لكم شرف ترقونه) الشرف محركة: العلو والمكان العالي والمجد أي ليس لكم مكان عالي تصعدونه وهو كناية عن فقد الحامي لهم وضيق الأرض عليهم (ولا سناد تسندون إليه أمركم) السناد بالكسر: الناقة القوية، ولعل المراد به الأمير العادل القوي على دفع الأعداء وهذا من عظم أسباب ضعفهم ونزول البلاء والنكال من الأعداء إليهم. * الأصل: 380 - وعنه، عن علي بن الحكم، عن ابن سنان، عن أبي الجارود مثله، قال: قلت لعلي بن الحكم: ما الموات من المعز ؟ قال: التي قد استوت لا يفضل بعضها على بعض. * الشرح: قوله: (التي قد استوت لا يفضل بعضها عل بعض) أي استوت في الضعف والهزال حتى لغت إلى حد لا يلتفت إليها أحد لغاية الإحتقار كالميتة. * الأصل: 381 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن صفوان بن يحيى، عن عيص بن القاسم قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: عليكم بتقوى الله وحده لا شريك له وانظر والأنفسكم فوالله إن الرجل ليكون له الغنم فيها الرعي فإذا وجد رجلا هو أعلم بغنمه من الذي هو فيها يخرجه ويجئ بذلك الرجل الذي هو أعلم بغنمه من الذي كان فيها، والله لو كانت لأحدكم نفسان يقاتل بواحدة يجرب بها ثم كانت الأخرى باقية فعمل على ما قد استبان لها ولكن له نفس واحدة، إذا ذهبت فقد والله ذهبت التوبة فأنتم أحق أن تختاروا لأنفسكم، إن أتاكم آت منا فانظروا على أي شئ تخرجون ولا تقولوا خرج زيد، كان عالما وكان صدوقا ولم يدعكم إلى نفسه إنما دعاكم إلى الرضا من آل محمد (عليهم السلام) ولو ظهر لوفي بما دعاكم إليه إنما خرج إلى السلطان مجتمع لينقضه فالخارج منا اليوم إلى أي شئ يدعوكم ؟ إلى الرضا من آل محمد (عليه السلام) فنحن نشهدكم أنا لسنا نرضى به، وهو يعصينا اليوم وليس معه أحد وهو إذا كانت الرايات والألوية أجدر أن لا يسمع منا إلا مع من

[ 366 ]

اجتمعت بنو فاطمة معه فوالله ما صاحبكم إلا من اجتمعوا عليه، إذا كان رجب، فأقبلوا على اسم الله عز وجل وإن أحببتم أن تتأخروا إلى شعبان فلا ضيرو إن أحببتم أن تصوموا في أهاليكم فلعل ذلك أن يكون أقوى لكم، كفاكم بالسفياني علامة. * الشرح: قوله: (عليكم بتقوى الله وحده لا شريك له) برعاية أوامره ونواهيه والقيام بطاعته والفرار عن معصيته (وانظروا لأنفسكم) واختاروا من يجب عليكم طاعته بأمر الله تعالى ورسوله (فوالله إن الرجل ليكون له الغنم. انتهى) نبه بهذا التمثيل على أنه تعال لا يرضى أن يختار الخلائق لأنفسهم أميرا لعدم علمهم بصفات الإمارة بل بختار سبحانه وتعالى وهذا غاية للنظر المأمور به لأن النظر الصحيح يحكم بأنه حق لا ريب فيه (والله لو كانت لأحدكم نفسان يقاتل بواحدة يجرب بها) أي يجتهد بواحدة في تحصيل العلوم والتجربيات والتميز بين الحق والباطل والخير والشر (ثم كانت الأخرى باقية) مع بقاء الأولى أو عدمه (فعمل بالأخرى على ما قد استبان لها) بالأولى لأمكن له ترك العمل والتوبة من التقصير فيه في زمان الأولى توقعا لتدركهما بالثانية فالجزاء محذوف بقرينة السياق وكونه يقاتل أو يعمل بعيد. (ولكن له نفس واحدة كما نطق به القرآن الكريم إذا ذهبت فقد والله ذهبت التوبة) لانقطاع العمل والتوبة بعد ذهابها فوجب على كل أحد تحصيل العلم والعمل والتوبة من التقصير فيه قبل ذهابها، وإنما استثنى (عليه السلام) نقيض الشرط للدلالة على أن انتفاء الجزء في الخارج إنما هو بسبب إنتفاء الشرط فيه كما هو المقرر في لو عند أرباب اللغة لا للدلالة على أن العلمل بإنتفاء الشرط علة للعلم بإنتفاء الجزاء كما هو المقرر عند الميزان حتى يروا أن استثناء نقيض المقدم لا ينتج برفع التالي (فأنتم أحق أن تختاروا لانفسكم) قبل ذهابها وما هو خير لكم من الإمام العادل والعمل الصالح والتوبة من التقصير (إن أتاكم آت فانظروا أي شئ تخرجون) أمر بالنظر في السبب المجوز أو الموجب للخروج معه وهو كونه مالكا للخلافة أو مأذونا من مستحقها وإذ ليس فلا يجوز (ولا تقولوا خرج زيد) فيجوز لنا الخروج مع من يخرج من الفاطميين كاينا من كان تأسيا به وبأصحابه (فإن زيدا كان عالما بالحق) والولاية ومستحقها (صدوقا) في القول والعمل والعهد (لم يدعكم إلى نفسه بإقرار الإمامة والولاية له (بل إنما دعاكم إلى الرضا من آل محمد): أي إلى من فيه رضاهم أو إلى المرضى منهم وهو من له الإمامة بالنص (ولو ظهر) على الأعداء وغلبهم (لو في بما دعاكم إليه) وسلم الملك والخلافة إلى أهلها وانقاد له (إنما خرج إلى سلطان) مجتمع شديد اجتمعت له جنود الشياطين وأهل الجور من كل أوب (لينقضه) ويفرق جمعه ليرجع الحق إلى أهله ولا دلالة فيه على الاذن أو الرضا بخروجه فلا ينافي الأخبار الدالة على عدمهما (فالخارج من

[ 367 ]

اليوم هنا إلى أي شئ يدعوكم إلى نفسه أو إلى الرضا من آل محمد (صلى الله عليه وآله)) ولم يذكر الأول لفهمه بالأولوية لكون المعصية فيه أشد وأكمل وإن كان الفساد في الثاني أقوى وأشمل (فنحن نشهدكم أنا لا نرضى به) أي بذلك الخارج أو بخروج لكونه معصية ومع ذلك لا تترتب عليه فائدة بل يوجب مفسدة عظمية هي إثارة الأعداء على إهراق الدماء المحرمة (وهو يعصينا اليوم) بالخروج وبترك النهي عنه وعدم الإقرار بوحوب الطاعة لنا والحال (أنه ليس معه أحد) ينصره ويوجب قوته وسطوته (وهو) أي ذلك الخارج العاصي في حال وحدته (إذا كانت الرايات والألوية) ووجدت معه على تقدير الغلبة على الأعداء. (أجدر أن لا يسمع منا) ولا يقر بولايتنا لكون السلطنة مانعة عن ذلك كله إلا من اجتمعت بنو فاطمة معه في بعض النسخ إلا مع من والإستثناء على الأول من قوله " فالخارج منا اليوم لا نرضى به " وعلى التأني مما استفيد من الكلام السابق أي لا تخرجوا إلا مع من، وفي بعض النسخ " لا تخرج إلا مع من " ولو كان بدله لا تخرجوا لكان أنسب بالسابق واللاحق ولكنه لم يثبت (فوالله صاحبكم إلا من اجتمعوا عليه) قد مر أن بني فاطمة والعلويين يلتجأون إلى الصاحب (عليه السلام) ويجتمعون عليه عند ظهوره (إذا كان رجب فأقبلوا على اسم الله عز وجل) أي فأقبلوا إلينا مع اسم الله عز وجل أو متبركين به فعلى للمصاحبة كمع أو بمعنى الباء ولم يرد أن ظهوره (عليه السلام) في رجب بل أراد أن فيه بعض علامات ظهوره كخروج السفياني ونحوه من الأمور الغريبة الدالة على قرب ظهوره ومن ثم قيل " عش رجبا ترى عجبا " ويؤيده آخر الحديث وخبر سدير فلا ينافي ما رواه الصدوق في كمال الدين باسناده عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: يخرج القائم يوم السبت، يوم عاشوراء اليوم الذي قتل فيه الحسين (عليه السلام). * الأصل: 382 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن ربعي رفعه، عن علي بن الحسين (عليه السلام) قال: والله لا يخرج واحد منا قبل خروج القائم (عليه السلام) إلا كان مثله مثل فرخ طار من وكره قبل أن يستوي جناحاه فأخذه الصبيان فعبثوا به. * الأصل: 383 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن عثمان بن عيسى، عن بكر بن محمد، عن سدير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): يا سدير الزم بيتك وكن حلسا من أحلاسه واسكن ما سكن الليل والنهار فإذا بلغك أن السفياني قد خرج فارحل إلينا ولو على رجلك. * الشرح: قوله: (وكن حلسا من أحلاسه) الإحلاس جمع حلس: وهو الكساء الذي يلي ظهر البعير تحت

[ 368 ]

القتب شبهه به للزومه ودوامه. * الأصل: 384 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن كامل بن محمد عن محمد بن إبراهيم الجعفي قال: حدثني أبي قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال: ما لي أراك ساهم الوجه ؟ فقلت: إن بي حمى الربع، فقال: ما [ ذا ] يمنعك من المبارك الطيب * إسحق السكر ثم امخضه بالماء واشربه على الريق وعند المساء قال: ففعلت فما عادت إلي. * الشرح: (مالي أراك ساهم الوجه) أي متغيره لعارض، يقال: سهم لونه يسهم إذا تغير عن حاله لعارض، وحمى الربع بالكسر: أن تأخذ يوما وتترك يومين ثم تجئ في اليوم الرابع، والسكر معرب شكر واحدته بالضم وشد الكاف بهاء والمخض التحريك الشديد. * الأصل: 385 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن السحن بن علي بن النعمان، عن بعض أصحابنا قال: شكوت إلى أبي عبد الله (عليه السلام) الوجع، فقال: إذا أويت إلى فراشك فكل سكرتين قال: ففعلت فبرأت وأخبرت به بعض المتطببين وكان أفره أهل بلادنا فقال: من أين عرف أبو عبد الله (عليه السلام) هذا، هذا من مخزون علمنا، أما إنه صاحب كتب ينبغي أن يكون أصابه في بعض كتبه. * الشرح: (فكل سكرتين) قيل: دوحب: نبات والفاره الحاذق من فره ككرم إذا حذق. * الأصل: 386 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن جعفر بن يحيى الخزاعي، عن الحسين بن الحسن، عن عاصم بن يونس، عن رجل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال لرجل: بأي شئ تعاجلون محمومكم إذا حم ؟ قال: أصلحك الله بهذه الأدوية المرة بسفايج والغافث وما أشبه، فقال: سبحان الله، الذي يقدر أن يبرئ بالمر يقدر أن يبرئ بالحلو، ثم قال: إذا حم أحدكم فليأخذ إناء نظيفا فيجعل فيه سكرة ونصفا، ثم يقرأ عليه ما حضر من القرآن ثم يضعها تحت النجوم ويجعل عليها حديدة فإذا كان في الغداة صب عليها الماء ومرسه بيده ثم شربه فإذا كانت الليلة الثانية زاده سكرة اخرى فصارت سكرتين ونصفا فإذا كانت الليلة الثالثة زاده سكرة اخرى فصارت ثلاث سكرات ونصفا. * الشرح: (بسفايج والعاقث) قيل في منهاج الأدوية البسفايج: عود لونه يميل إلى السواد القليل مع

[ 369 ]

الحمرة القليلة وله طعم كطعم القرنفل ولما يكسر فلون وسطه أخضر كالفستق وبالفارسية " پسته " ولذا يسمى بسافيح الفستقي حار مسهل للسوداء والغافث نبت يشبه ورقة بورق حبة الخضراء يعني شاهد انج له قبوضه ومرارة كمرارة الصبر لونه يميل بالسواد يجاء به من نواحي الروم ومن جبال الفارس أيضا حار يابس وقيل معتدل لطيف (فتجعل فيه سكره ونصفا) ظاهره عدم اعتبار السحق مع احتمال اعتباره، والمرس: الدلك مر سته أمرسه من باب نصر دلكته فأذبته، والمريس: التمر الممروس وفي كنز اللغة " مرس بدست ماليدن ودر آب جنبانيدن چسزى را بچنگال " والظاهر أن الضمير في قوله " وزاده سكرة أخرى " في الموضعين راجع إلى الإناء وأنه يفعل بها مثل ما فعل بما مر (كتموا بسم الله الرحمن الرحيم) هو عند أهل البيت وأشياعهم جزء من القرآن وتكرارها في أوائل السور لا ينافيه كتكرار الآيتين في سورة الرحمن والمرسلات وكثير من العامة لم يجعلوه منه وقولهم مردود كما بين في موضعه. * الأصل: 387 - أحمد بن محمد الكوفي، عن علي بن الحسن بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن هارون، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال لي: كتموا بسم الله الرحمن الرحيم فنعم - والله - الأسماء كتموها، كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا دخل إلى منزله واجتمعت عليه قريش يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ويرفع بها صوته فتولي قريش فرارا فأنزل الله عز وجل في ذلك 0 وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا ". * الشرح: قوله: (" والله " في قوله (فنعم والله الأسماء كتموها) معترض بين فعل المدح وفاعله للتأكيد وكان اجتماعهم عليه لقصد الأذي والإضرار به ونفورهم عند سماع التسمية لكرهة استماعها أو لكونها رجما لهم كما أن الإستعارة رجم للشياطين وهي المراد بالقرآن في الآية المذكورة فيتم الإستشهاد بها على أنها قرآن. * الأصل: 388 - عنه، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن أبي هارون المكفوف، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان أبو عبد الله (عليه السلام) إذا ذكر رسول الله (عليه السلام) قال: بأبي وامي وقومي وعشيرتي عجب للعرب كيف لا تحملنا على رؤوسها والله عز وجل يقول في كتابة: " وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها " فبرسول الله (صلى الله عليه وآله) أنقذوا. * الشرح: قوله: (بأبي وأمي وقومي وعشيرتي عجبا للعرب) الباء للتفدية أي نفديه بهؤلاء والغرض منها

[ 370 ]

الإجلال والتعظيم وعجب في بعض النسخ بالنصب على حذف الناصب أي عجبت عجبا وفي بعضها بالرفع على الإبتداء واللام بمعنى من أي لي عجب من العرب. * الأصل: 389 - عنه، عن إبراهيم بن أبي بكر بن أبي سماك، عن داود بن فرقد، عن عبد الأعلى مولى آل سام، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: 0 قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء " أليس قد آتى الله عز وجل بني امية الملك ؟ قال: ليس حيث تذهب إليه إن الله عز وجل آتانا الملك وأخذته بنو أمية، بمنزلة الرجل يكون له الثوب فيأخذه الآخر فليس هو اللذي أخذه. * الشرح: (أليس قد أتى الله بني أمية الملك قال ليس حيث تذهب. انتهى) غرض السائل تقرير المنفي لزعمه أنه حق كما يرشد إليه قوله (عليه السلام) " ليس حيث تذهب إليه " فأجابه بتقرير النفي تنبيها له على أن المراد بالملك الخلافة الإلهية وبنزعها نقلها من الأول بقبضه إلى الآخر، وعلى أنه حق لهم (عليهم السلام) آتاهم الله تعالى اياه وأخذته منهم بنو أمية غصبا وعدوانا واقدارهم على أخذه لا يوجب الرضا به كما في إقدار العباد على المعاصي وفي بعض النسخ " التور " بدل الثوب وهو إناء بشرب فيه. * الأصل: 390 - محمد بن أحمد بن الصلت، عن عبد الله بن الصلت، عن يونس، عن المفضل بن صالح، عن محمد الحلبي أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: " اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها " قال: العدل بعد الجور. * الشرح: (قال: العدل بعد الجور) عند ظهور الصاحب (عليه السلام) وهو الذي يملأ الأرض عدلا وقسطا بعد ما ملئت ظلما وجورا والمقصود أنه الفرد الأكمل من أفراد الأحياء لا أنه منحصر فيه فلا ينافي ما ذهب إليه المفسرون. * الأصل: 391 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن محمد بن أشيم، عن صفوان ابن يحيى قال: سألت أبالحسن الرضا (عليه السلام) عن ذي الفقار سيف رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: نزل به جبرائيل (1) من السماء وكانت حلقته فضة.


(1) قوله: ذي الفقار " ذو الفقار بفتح الفاء سيف العاص بن منبه قتل يوم بدر فصار إلى النبي (صلى الله عليه وآله) ثم صار إلى = (*)

[ 371 ]

قوله: (سألت أبالحسن الرضا (عليه السلام) عن ذي الفقار سيف رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: نزل به جبرئيل (عليه السلام) من السماء. انتهى) سمي به لأنه كان فيه حفر صغار حسان وما ذكره أصحاب السير من أنه كان سيف منبه بن الحجاج أو عاص بن منبه أخذ يوم بدر اصطفاه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم أعطاه عليا (عليه السلام) ليس له أصل والحلقة بسكون اللام، وقد تفتح وتكسر معروفة والجمع حلق بالتحريك وبكسر الحاء وفتح اللام وفي بعض النسخ حليته.


= علي (عليه السلام) كذا في القاموس، واتفق على ذلك أصحاب السير والتواريخ. وأما هذا الخبر وأمثاله إن صح فيجب أن يحمل أن وصول السيف إلى علي (عليه السلام) بحكم الله وتقديره كما يقال فيمن وجد ما لا يحل له تملكه هذا رزق ساقه الله تعالى إليه وربما كان حمل عبارة الرواية على هذا المعنى تكلفا والعهدة في التعبير على الراوي حيث نقل كلام الإمام على ما فهمه (ش). (*)

[ 372 ]

حديث نوح (عليه السلام) يوم القيامة * الأصل: 392 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد، عن القاسم بن محمد، عن جميل ابن صالح، عن يوسف بن أبي سعيد قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) ذات يوم فقال لي: إذا كان يوم القيامة وجمع الله تبارك وتعالى الخلائق كان نوح صلى الله عليه أول من يدعى به فيقال له: هل بلغت ؟ فيقول: نعم فيقال له: من يشهد لك فيقول: محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله) قال: فيخرج نوح (عليه السلام) فيتخطا الناس حتى يجيئ إلى محمد (صلى الله عليه وآله) وهو على كثيب المسك ومعه علي (عليه السلام) وهو قول الله عز وجل: * (فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا) * فيقول نوح لمحمد (صلى الله عليه وآله): يا محمد إن الله تبارك وتعالى سألني هل بلغت فقلت: نعم فقال: من يشهد ذلك فقلت: محمد (صلى الله عليه وآله): فيقول: يا جعفر يا حمزة اذهبا واشهدا له أنه قد بلغ. فقال أبو عبد الله (عليه السلام): فجعفر وحمزة هما الشاهدان للأنبياء (عليهم السلام) بما بلغوا، فقلت: جعلت فداك فعلي (عليه السلام) أين هو ؟ فقال: هو أعظم منزلة من ذلك. * الشرح: (حديث نوح عليه السلام يوم القيامة) يطلب منه الشاهد على تبليغ الرسالة وكما يطلب منه يطلب من غيره أيضا كما دل عليه آخر الحديث ولعل الغرض منه إسكات أممهم وإكمال الحجة عليهم وإظهار شرف نبينا (صلى الله عليه وآله)، والتخطي: المجاوزة، وفلان تخطى الناس ركبهم وجاوزهم والكثيب: التل، والزلفة والزلفى: القرب. * الأصل: 393 - حدثني محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن عمر بن عبد العزيز، عن جميل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقسم لحظاته بين أصحابه ينظر إلى ذا وينظر إلى ذا بالسوية. * الشرح: (كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقسم لحظاته بين أصحابه) تقسيم اللحظات: أي النظرات بالعين من الآداب المرغوبة في المجالس لأنه يورث الأنس وجلب القلوب وعدم انكسارها وتحاسدها وتعاندها وفوائده كثيرة. * الأصل: 394 - عنه، أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن بعض أصحابنا قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ما كلم رسول الله (صلى الله عليه وآله) العباد بكنه عقله قط قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنا معاشر الأنبياء امرنا أن نكلم الناس على

[ 373 ]

قدر عقولهم (1). * الشرح: (ما كلم رسول الله (صلى الله عليه وآله) العباد بكنه عقله قط) أي بكنه ما بلغه عقله الشريف لأن عقولهم لا تبلغه كما لا تبلغ عقول الأطفال كنه ما بلغه عقول العلماء من الأسرار المعضلة والمسائل المشكلة فيكون التكلم به موجبا للحيرة والفتنة والضلالة وفيه تنبيه على كيفية التعليم ورعاية حال المخاطب في التفيهم والحكيم يعرف موارد الكلام فيأتى به على وفق المقام ويستثنى من العباد وصيه على بن أبي طالب (عليه السلام). * الأصل: 395 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، وعدة من أصحابنا عن سهل بن زياد جميعا، عن ابن محبوب، عن مالك بن عطية قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إني رجل من بجيلة وأنا أدين الله عز وجل بأنكم موالي وقد يسألني بعض من لا يعرفني فيقول ممن الرجل ؟ فأقول له: أنا رجل من العرب ثم من بجيلة. فعلي في هذا إثم حيث لم أقل: إني مولى لبني هاشم فقال: لا أليس قلبك وهواك منعقد [ أ ] على أنك من موالينا فقلت: بلى والله، فقال: ليس عليك في أن تقول: أنا من العرب، إنما أنت من العرب في النسب والعطاء والعدد والحسب فأنت في الدين وما حوى الدين بما تدين الله عز وجل به من طاعتنا والأخذ به منا من موالينا ومنا وإلينا.


1 - " على قدر عقولهم " معاشر الأنبياء بعثوا على عامة البشر بخلاف الحكماء فإن مخاطبهم الخاصة من الناس وقد جربنا ذلك كثيرا فربما ينقل معنى واحد عن الأنبياء بعبارة وعن الحكماء بعبارة أخرى فيقبل الناس عبارة الأنبياء ولا يقبلون عبارة الحكماء مع أن المعنى واحد وتراه العامة متناقضا مثلا روي عن بعض الحكماء ان الله تعالى عالم بالجزئيات بوجه كلي، وعن الأنبياء أنه تعالى سميع بصير لا بمعنى أن له تعالى عينا وأذنا بل بمعنى أنه عالم بالمسموعات والمبصرات والمعنى واحد ولكن يشمئز العوام عن عبارة الحكماء ويرونها مخالفا لما رووه عن الأنبياء، وكذلك روي عن الحكماء أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد وأن الصادر الأول هو العقل الأول، وروي عن المعصومين أن أول ما خلقه الله تعالى هو العقل أي موجود عاقل عقله مقتضى ذاته لا يكتسب مما دونه، وعن الحكماء أن الموجودات صادرة عنه تعالى بواسطة العقل الأول وعن الأنبياء أن الملائكة مامورون بأمور العالم وحوادثه فينكر العامة الأول ويؤمنون بالثاني، وروى عن الحكماء أن كل حادث مسبوق بماة واستعداد وينكره الناس أشد انكار ويروى عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أن اختلاف الناس باختلاف مبادئ طينتهم وهذا عين ذاك ولا ينكره أحد إلى غير ذلك مما لا يحصى والسبب في ذلك ان الأنبياء كلموا الناس على قدر عقولهم فقبلوه والحكماء عبروا عن ذلك المعنى بعينه بأي عبارة اتفقت فقبله فهماؤهم وأنكره عوامهم. (ش) (*)

[ 374 ]

* الشرح: (إني رجل من بجيلة) وهي كسفينة: حي باليمن من معد والنسبة بجلى محركة (وأنا أدين الله عز وجل) أي اطيعه (بأنكم موإلي) المولى هنا الأمير والصاحب والسيد والمنعم والمعتق بالكسر لأنفاقهم علينا في الدنيا بالنعم الجسام واعتاقهم رقابنا من النار في دار المقام (فأقول له: أنا رجل من العرب ثم من بجيلة (فعلى في هذا القول) ثم حيث إنى (لم أقل إني مولى لبنى هاشم) المولى هنا المحب والناصر والمعتق والمنعم بالفتح فيهما والمراد ببنى هاشم الأئمة (عليهم السلام) وكان وجه السؤال أن العرب وبجيلة كانوا مخالفين لأهل البيت عليهم السلام معاندين لهم فتوهم أن نسبته إليهم يوجب التحرب والإثم (فقال لا) أي لا اثم فيه إذا كان قلبك مقرا بالولاية مطمئنا بالإيمان وكان هذا القول لإظهار النسب كما أشار إليه بقوله (أليس هواك وقلبك منعقد (على أنك من موالينا) لو كان منعقدا على أنك منصوبا كان المعنى واضحا ولكنه مرفوع في النسخ التي رأيناها فلو جعل اسم ليس لزم خلوه من الخبر وتقديم الفاعل من حيث أنه فاعل، ويمكن أن يقال اسم ليس ضمير راجع إلى القول المذكور وهواك خبره وقلبك منعقد مبتدأ وخبر والواو للحال والمعنى أليس ذلك القول هواك ومحض إرادتك الإخبار بالنسب والحال أن قلبك منعقد على موالاتنا فقال السائل: بلى والله ذلك. (فقال (عليه السلام): ليس عليك) أي بأس أو إثم (في أن تقول أنا من العرب) في النسب ثم أكد ذلك بقوله (إنما أنت من العرب في النسب والعطا) وداخل فيهم لو وقع النظر لهم أو الوقف عليهم مثلا (والعدد والحسب) إذا النسب وما عطف عليه لا ينقطع باختلاف المنسوب والمنسوب إليه في الدين (وأنت في الدين وما حوى الدين بما تدين الله عز وجل به من طاعتنا والأخذ به منا من موالينا ومنا وإلينا) أي من زمرتنا وملتنا أو من طينتنا وراجع إلينا في الدنيا والآخرة وأنت مبتدأ وفي الدين خبره والمراد به أصوله وبما حواه فروعه والباء في قوله بما للسببية وقوله " من موالينا " وما بعده أحوال عن فاعل العامل في الخبر أو أخبار آخر فليتأمل. * الأصل: 396 - حدثنا ابن محبوب، عن أبي يحيى كوكب الدم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن حواري عيسى (عليه السلام) كانوا شيعته وإن شيعتنا حواريونا وما كان حواري عيسى بأطوع له من حوارينا لنا وإنما قال عيسى (عليه السلام) للحواريين: * (من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله) * فلا والله ما نصروه من اليهود ولا قاتلوهم دونه وشيعتنا والله لم يزالوا منذ قبض الله عز ذكره رسوله (صلى الله عليه وآله) ينصرونا ويقاتلون دوننا ويحرقون ويعذبون ويشردون في البلدان، جزاهم الله عنا خيرا وقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): والله لو ضربت خيشوم محبينا بالسيف ما أبغضونا، ووالله لو أدنيت [ أدليت ظ ] إلى

[ 375 ]

مبغضينا وحثوت لهم من المال ما أحبونا. * الشرح: (إن حوارى عيسي (عليه السلام) اه) حوارى الرجل ناصره وخاصته ومن أخلص له محبته وصداقته، والتشريد والطرد والتفريق. والادناء التقريب، أدناه قربه والحشو الإعطاء حشوت له أعطيت. (وكتب إلى ملك فارس كتابا) فارس كصاحب الفرس أو بلادهم ينصرف ولا ينصرف للعجمة وقد نقل أنه (صلى الله عليه وآله) أرسل في السنة السادسة من الهجرة كتبا إلى السلاطين والحكام يدعوهم إلى دينه فأرسل إلى پرويز خسرو سلطان فارس بيد عبد الله بن حذافة السهمي فلما قرأ كتابه مزقه فدعا عليه النبي (صلى الله عليه وآله) أن يمزق الله ملكه فعجل قتله ومزق ملكه كل ممزق فأرسل كتابا بيد دحية الكلبي إلى هرقل قيصر روم وكتابا بيد عمرو بن أمية الضمري إلى نجاشى ملك الحبشة وكتابا بيد حاطب بن أبي بلتعة إلى حاكم إسكندرية وكتابا بيد وهب الأسدي إلى الحارث الغساني وإلى الشام وكتابا بيد سليط بن مرة العامري إلى هودة صاحب اليمامة وكتابا بيد العلا الحضرمي إلى منذر بن ساوى ولم يؤمن من هولاء إلا النجاشي ومنذر (وكان المسلمون يهوون) أي يحبون يقال: هويه كرضيه إذا أحبه (وكانو لنا حيثه أرجا منهم لملك فارس) أي كانوا لجانب ملك الروم أو ملكه ارجا للاسلام أو دخوله في تصرف أهله. * الأصل: 397 - ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن أبي عبيدة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عز وجل * (الم * غلبت الروم في أدنى الأرض) * قال: فقال: يا أبا عبيدة إن لهذا تأويلا لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم من آل محمد صلوات الله عليهم إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما هاجر إلى المدينة و [ أ ] ظهر الاسلام كتب إلى ملك الروم كتابا وبعث به مع رسول يدعوه إلى الاسلام وكتب إلى ملك فارس كتابا يدعوه إلى الاسلام وبعثه إليه مع رسوله فأما ملك الروم فعظم كتاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأكرم رسوله وأما ملك فارس فإنه استخف بكتاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومزقه واستخف برسوله وكان ملك فارس يومئذ يقاتل ملك الروم وكان المسلمون يهوون أن يغلب ملك الروم ملك فارس وكانوا لناحيته أرجا منهم لملك فارس فلما غلب ملك فارس ملك الروم كره ذلك المسلمون واغتموا به فأنزل الله عز وجل بذك كتابا قرآنا * (الم * غلبت الروم في أدنى الارض (يعني غلبتها فارس في أدنى الارض وهي الشامات وما حولها) وهم (يعني وفارس) من بعد غلبهم (الروم) سيغلبون * (يعني يغلبهم المسلمون) في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله ينصر من يشاء " عز وجل فلما غزا المسلمون فارس وافتتحوها فرح المسلمون بنصر الله عز وجل قال: قلت: أليس الله عز وجل يقول: * (في بضع سنين) * وقد مضى للمؤمنين سنون كثيرة مع رسول

[ 376 ]

الله (صلى الله عليه وآله) وفي إمارة أبي بكر وإنما غلب المؤمنين فارس في إمارة عمر فقال: ألم أقل لكم إن لهذا تأويلا وتفسيرا والقرآن - يا أبا عبيدة - ناسخ ومنسوخ، أما تسمع لقول الله عز وجل: * (لله الأمر من قبل ومن بعد) * يعني إليه المشيئة في القول أن يؤخر ما قدم ويقدم ما أخر في القول إلى يوم يحتم القضاء بنزول النصر فيه على المؤمنين فذلك قوله عز وجل * (ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله [ ينصر من يشاء ]) * أي يوم يحتم القضاء بالنصر. * الشرح: * (الم غلبت الروم) * جبل من ولد روم بن عيصو وهي الشامات وما حولها وهي أدنى الأرض من العرب (يعني وفارس من بعد غلبهم الروم سيغلبون) بناء هذا التأويل على أن غلبت بالضم وأن ضميرهم لفارس كما أشار إليه (عليه السلام) بقوله يعني وإن غلبهم مصدر مضاف إلى الفاعل وأن سيغلبون بالضم (يعني يغلبهم المسلمون في بضع سنين وذهب أكثر المفسرين إلى أن ملك فارس غلب ملك الروم ثم عكس الأمر فغلب ملك الروم ملك فارس يوم الحديبية والضمير عندهم للروم والإضافة إلى المفعول وسيغلبون بالفتح وذهب بعضهم إلى أن الروم غلبوا على ريف الشام ثم المسلمون غلبوهم في السنة التاسعة من نزولها وفتحوا بعض بلادهم وبناؤه على قراءة غلبت بالفتح وسيغلبون بالضم والضمير بحاله والإضافة إلى الفاعل فكل وافقوه (عليه السلام) من وجه وخالفوه من وجه آخر ولما كان هذا التأويل ينافيه ظاهرا لفظ البضع. (قال السائل: أليس الله عز وجل يقول في بضع سنين) سائلا عن وجه صحته وذلك لأن البضع في العدد بالكسر وقد يفتح ما بين الثلث إلى التسع وقال الأخفش: ما بين الواحد إلى العشرة وقال الفراء: ما دون العشرة، وبالجملة نهايته العشرة أو ما دونها لغة وقد كان فتح المسلمين بعد نزولها أكثر منها فنبه (عليه السلام) على أن السؤال غير متوجه بعد قبوله أولا أن لهذا تأويلا لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم (فقال: ألم أقل لك أن لهذا تأويلا وتفسيرا) والفرق بينهما ما ذكره بعض المحققين من أن التأويل صرف الكلام عن معناه الظاهر إلى الأخفى منه والتفسير كشف معناه وإظهاره وبيان المراد منه ثم أشار إلى التأويل وتوضيحه على وجه يندفع عنه السؤال بقوله (والقرآن يا أبا عبيدة ناسخ ومنسوخ أما تسمع لقول الله عز وجل الله الأمر) أي الحكم (من قبل ومن بعد) أي قبلا وبعدا يعني أولا وآخرا يعني إليه المشيئة في القول إن شاء أخره وإن شاء قدمه بلا مانع ولا دافع فقوله أن " يوخر " بدل أو بيان للقول يعني إليه المشيئة في أن يؤخر ما قدم ويقدم ما أخر (1) إلى يوم تحتم القضاء بنزول النصر فيه على المؤمنين) توضيحه أن وعد النصر في البضع


1 - " يقدم ما أخر " مخالف صريح للآية الكريمة ودلالة العقول قال تعالى * (وعد الله لا يخلف الله وعده) * ولم = (*)

[ 377 ]

منسوخ إلى الأزيد منه بدليل ما بعده ويمكن أيضا أن يراد به أن حقيقة البضع وهي قطعة معينة من العدد نسخت وأزيلت بارادة المجاز منه وهو قطعة أريد منه وقعه القضاء والحتم فيها والقرينة عليه ما بعده وهذا بناء على ما ذهب إليه جميع المحققين من أن الكلام لا يصرف إلى الحقيقة ولا إلى المجاز ولا يستقر شئ منهما إلا بعد تمامه والفراغ من متعلقاته فإن ذكرت قرينة المجاز حمل عليه وإلا فعلى الحقيقة هذا من باب الاحتمال والله سبحانه يعلم حقيقة كلامه وكلام وليه. * الأصل: 398 - ابن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبيه قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) إن العامة يزعمون أن بيعة أبي بكر حيث اجتمع الناس كانت رضا لله جل ذكره وما كان الله ليفتن أمة محمد (صلى الله عليه وآله) من بعده فقال أبو جعفر (عليه السلام): أو ما يقرؤن كتاب الله ؟ أو ليس الله يقول: * (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين) * قال: فقلت له: إنهم يفسرون على وجه آخر، فقال: أو ليس قد أخبر الله عز وجل عن الذين من قبلهم من الامم أنهم قد اختلفوا من بعدما جاءتهم البينات حيث قال: * (وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدنه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد) * وفي هذا ما يستدل به على أن أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) قد اختلفوا من بعده فمنهم من آمن ومنهم من كفر. * الشرح: قوله: (ان العامة يزعمون أن بيعة أبي بكر حيث اجتمع الناس كانت رضا لله عز وجل وما كان الله ليفتن امة محمد (صلى الله عليه وآله) بعده) أي ما كان يوقعهم في الفتنة والضلالة يعني يحفظهم منها وهذا الزعم منهم مكابرة ومعاندة كيف لا وقد ورد أن إمامهم عمر بن الخطاب قال " أن بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها " قال صاحب النهاية: أراد بالفلتة الفجأة ومثل هذه البيعة جدير بأن يكون هيجة للشر والفتنة فعصم الله من ذلك ووقى، والفلتة: كل شئ فعل من غير روية وإنما بودر بها خوف انتشار الأمر وقيل: أراد بالفلتة: الخلسة أي إن الامامة يوم السقيفة مالت إلى توليها الأنفس ولذلك كثرت فيها التشاجر فما قلدها أبو بكر إلا انتزاعا من الأيدى واختلاسا وقيل: الفلتة آخر ليلة من الأشهر


= يزل يحتج بهذه الآية على إعجاز القرآن بأخبار الغيب وليس النسخ إلا في الأحكام فلو جاز تقديم ما أخر وتأخير ما قدم فقد كذب القرآن وأخلف الله وعده ولم يكن هذا اخبارا بالغيب وطال لسان الملاحدة على المسلمين ولكن المعتمدين على هذه الأخبار التاركين لنص القرآن من أكثر الناس حيث قال بعد ذكر الروم * (وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون) *. (ش) (*)

[ 378 ]

الحرم فيختلفون فيها أمن الحل هي أم من الحرم فيسارع الموتور إلى درك الثأر فيكثر الفساد وتسفك الدماء فشبه أيام النبي (صلى الله عليه وآله) بالأشهر الحرم ويوم موته بالفتنة من وقوع الشر من ارتداد العرب وتخلف الانصار عن الطاعة ومنع الزكاة والجرى على عادة العرب في أن لا يسود القبيلة إلا رجل منها انتهى. وروى مسلم في صحيحه قال: " كنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال احصوا بى كم يلفظ الإسلام قال: فقلنا: يا رسول الله أتخاف علينا وما نحن ما بين الستمائة إلى السبعمائة قال: إنكم لا تدرون لعلكم أن تنقلوا: قال فابتلينا حتى جعل الرجل منا لا يصلي إلا سرا " انتهى قال أبو عبد الله شارح هذا الصحيح: احصوا: أي عدوا والإسلام منصوب على إسقاط الجار أي بالإسلام وكم استفهامية أي كم شخصا وقال القرطبي: شارحه هذا لم يقع في زمنه (صلى الله عليه وآله) ويحتمل أن يكون ذلك في فتنة عثمان، وقال المازري: شارحه ولعله من بعض الفتن الواقعة بعد موته فكان أحدهم يخفي نفسه ويصلي سرا مخافة الظهور والمشاركة في الحرب، وروى مسلم في صحيحه أيضا عن ابن عمر عن النبي (صلى الله عليه وآله) " أن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ " قال القرطبي في شرحه المقصود الأخبار بأن الإسلام نشأ في أحاد وقلة وسيلحقه النقص حتى يصير في أحاد وقلة انتهى، وروى فيه أيضا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " ترد على امتي الحوض وأنا أذود الناس عنه كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله قالوا: يا رسول الله تعرفنا قال: نعم لكم سيماء ليست لأحد من الأمم غيركم تردون علي غراء محجلين من آثار الوضوء ولتصدن عني طائفة منكم فلا تصلون فأقول: يا رب هولاء من أصحابي فيجيبني ملك فيقول فهل تدري ما أحدثوا بعدك " وروي عنه أيضا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حديث طويل أنه قال في آخره: " ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال أناديهم ألا هلم فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك فأقول سحقا سحقا " قال بعض فضلائهم: هم المرتدون بعد وفاته (صلى الله عليه وآله) وقال بعض آخر منهم وفي الحديث من أعلام نبوته المتعلقة بالأخبار عن المغيبات أربعة: صفة أمته في الآخرة، وتبديلهم بعده، والثالث: مالهم في الآخرة وتقرير الحكم فيهم، والرابع: أن له حوضا في الآخرة وقال أبو عبد الله شارحه بعد نقل هذا القول روى عن مالك أنه ندم عن رواية هذا الحديث فقال: ليتنى لم أروه وإنما قال ذلك لما فيه من تبديل أصحابه (عليه السلام) انتهى. وفيه أيضا عن أبى حازم عن سهل يقول: سمعت النبي (صلى الله عليه وآله) يقول: " أنا فرطكم علي الحوض من ورد شرب ومن شرب لم يظمأ أبدا وليردن على أقوام أعرفهم ويعرفوني ثم يحال بيني وبينهم " وروي هذا الحديث عن أبي سعيد الخدري وهو يزيد في آخره " فأقول: إنهم منى فيقال: إنك لا تدري ما فعلوا بعدك فأقول سحقا سحقا لمن بدل بعدي " وفيه أيضا بطرق متعددة عن أبي سعيد

[ 379 ]

الخدري وعن عبد الله بن عمرو بن العاص وعن أسماء بنت أبي بكر أنهم قالوا " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إني على الحوض حتى أنظر من يرد علي منكم وسيؤخذ أناس دوني فأقول: يا رب مني ومن امتي فيقال: أما شعرت ما عملوا بعدك والله ما برحوا بعدك يرجعون على أعقابهم " وفيه أيضا مثله عن عائشة وفيه أيضا عن أم سلمة أنها قالت: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنى لكم فرط على الحوض فإياى ليأتين أحدكم فيذب عني كما يذب البعير الضال فأقول فيم هذا ؟ فيقال: انك لا تدري ما احدثوا بعدك فأقول سحقا سحقا " وفيه أيضا عن عقبة بن عامر " أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت ثم انصرف إلى المنبر فقال: إنى فرط لكم وأنا شهيد عليكم وإني والله لانظر إلى حوضى الان وانى قد أعطيت مفاتيح خزائن الارض أو مفاتيح الأرض وإنى والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدى ولكن أخاف عليكم أن تتنافسوافيها " وفيه أيضا بطريق آخر عن عقبة بن عامر قريب منه مع زيادة في آخره " ولكني أخشى عليكم الدنيا فتتنافسوا فيها وتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم " قال عقبة: فكانت آخر ما رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) على المنبر. وفيه أيضا عن عبد الله أنه قال رسول الله: " أنا فرطكم على الحوض ولأنازعن أقواما ثم لأغلبن عليهم فأقول يا رب أصحابي أصحابي فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك " (1) وفيه أيضا في باب الآخرة والقيامة عنه (صلى الله عليه وآله) " ألا وإنه سيجاء من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: يا رب أصحابي. فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا فأقول كما قال العبد الصالح: * (وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ قدير - الى قوله - فإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) * " فيقال لي: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم مذ فارقتهم ". (فقال أبو جعفر (عليه السلام): أوما يقرؤون كتاب الله) ليعلموا بطلان ما زعموه (أو ليس الله يقول وما محمد إلا رسول) لا يتجاوز عن الرسالة إلى التنزه من الموت أو القتل * (قد خلت من قبله الرسل) * بالموت أو القتل فبخلوا كما خلوا * (أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) * أنكر ارتدادهم عن الدين بموته أو قتله، قال القاضي: قيل الفاء للسببية والهمزة لإنكار أن يجعلوا خلوه سببا لانقلابهم على أعقابهم بعد وفاته خلوا الرسل قبله سببا لانقلابهم على أعقابهم بعد وفاتهم * (ومن ينقلب على عقبيه) * بعد موته بالارتداد فلن يضر الله شيئا بل يضر نفسه * (وسيجزي الله الشاكرين) * على نعمة الإسلام والثبات عليه وفيه وعد ووعيد (قال فقلت له انهم يفسرون على وجه آخر) وهو أنه شرط أو نهى عن ارتدادهم وشئ منهما لا يستلزم وقوعه والجواب أنه إنكار لارتدادهم وتوبيخ لهم وهو تابع لوقوعه على أن النهي عن الشئ يستلزم إمكان وقوعه في نفس الأمر وهم يزعمون أن وقوعه


1 - صحيح مسلم: ج 7 ص 65 - 67. (*)

[ 380 ]

ممتنع بالغير لأنه تعالى حفظهم عنه ولم يتعرض له (عليه السلام) أما لظهوره أو لأن الخصم مباهت مكابر وأشار إلى الأوضح منه (فقال أو ليس قد أخبر الله عز وجل عن الذين من قبلهم من الأمم) كاليهود والنصارى وأضرابهما أنهم (قد اختلفوا) في الدين (من بعد ما جائتهم البينات) الواضحات الفارقة بين الحق والباطل (حيث قال وآتينا عيسى ابن مريم البينات) الواضحة والمعجزات الظاهرة * (وأيدناه بروح القدس) * وهو جبرئيل (عليه السلام) أو ملك آخر كان معه يسدده ويحدثه (ولو شاء الله) هداية الناس جبرا ومنعهم من الضلالة قهرا (ما اقتتل الذين من بعدهم) من بعد الرسل أي ما اختلفوا * (من بعد ما جائتهم البينات) * لكونهم حينئذ مجبورين على قبول الدين والثبات عليه غير قادرين على الاختلاف فيه والارتداد عنه * (ولكن اختلفوا) * لعدم المشيئة الحتمية والإرادة والارتداد الجبرية * (فمنهم من آمن) * بالنبي وثبت على الإيمان * (ومنهم من كفر به) * وارتد عن الدين * (ولو شاء الله ما اقتتلوا) * قال المفسرون: هذا تأكيد للسابق * (ولكن الله يفعل ما يريد) * أي لا يفعل ما ذكر من الجبر على الإيمان والثبات عليه ولكن يفعل ما يريد من اقدارهم عليه وعلى ضده تحقيقا لمعنى التكلف أو من إحسان من يشاء وتوفيقه فضلا وخذلان من يشاء وتعذيبه عدلا، وفي هذا ما يستدل به على أن أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) قد اختلفوا إلى آخر، ولعل موضع الاستدلال قوله * (ولو شاء الله ما اقتتلوا - اه) * على أن يكون المراد بضمير الجمع هذه الأمة فإنه سبحانه لما بين وقوع الاختلاف في الأمم السابقة بعد نبيهم صرف الكلام عنهم إلى بيان وقوع الاختلاف في هذه الامة أيضا، وهذا الكلام الشريف على هذا تأسيس وهو خير من التأكيد والله يعلم. * الأصل: 399 - عنه، عن هشام بن سالم، عن عبد الحميد بن أبي العلاء، قال: دخلت المسجد الحرام، فرأيت مولى لأبي عبد الله (عليه السلام) فملت إليه لأسأله عن أبي عبد الله (عليه السلام) فإذا أنا بأبي عبد الله (عليه السلام) ساجدا فانتظرته طويلا فطال سجوده علي، فقمت وصليت ركعات وانصرفت وهو بعد ساجدا فسألت مولاه متى سجد ؟ فقال: من قبل أن تأتينا فلما سمع كلامي رفع رأسه، ثم قال: أبا محمد ادن مني فدنوت منه فسلمت عليه فسمع صوتا خلفه فقال: ما هذه الأصوات المرتفعة ؟ فقلت: هؤلاء قوم من المرجئة والقدرية والمعتزلة، فقال: إن القوم يريدوني فقم بنا فقمت معه فلما أن رأوه نهضوا نحوه فقال لهم: كفوا أنفسكم عني ولا تؤذوني وتعرضوني للسلطان فإني لست بمفت لكم ثم أخذ بيدي وتركهم ومضى فلما خرج من المسجد قال لي: يا أبا محمد والله لو أن إبليس سجد لله عز ذكره بعد المعصية والتكبر عمر الدنيا ما نفعه ذلك ولا قبله الله عز ذكره ما لم يسجد لآدم كما أمره الله عز وجل أن يسجد له، وكذلك هذه الأمة العاصية المفتونة بعد نبيها (صلى الله عليه وآله) وبعد تركهم الإمام الذي نصبه نبيهم (صلى الله عليه وآله) لهم فلن يقبل الله تبارك وتعالى لهم عملا ولن يرفع لهم حسنة حتى يأتوا الله

[ 381 ]

عز وجل من حيث أمرهم ويتولوا الإمام الذي أمروا بولايته ويدخلوا من الباب الذي فتحه الله عز وجل ورسوله لهم، يا أبا محمد إن الله افترض على امة محمد (صلى الله عليه وآله) خمس فرائض: الصلاة والزكاة والصيام والحج وولايتنا فرخص لهم في أشياء من الفرائض الأربعة ولم يرخص لأحد من المسلمين في ترك ولايتنا، لا والله ما فيها رخصة. * الشرح: (ولا تؤذوني وتعرضوني للسلطان) عرضته له من باب علم وضرب أظهرته له (فرخص لهم في أشياء من الفرائض الأربعة ولم يرخص لأحد من المسلمين في ترك ولايتنا إلا والله ما فيها رخصة) الرخصة بضم وبضمتين: ترخيص الله تعالى العبد فيما يخففه عليه والتسهيل ورخص له في كذا ترخيصا جوز له تركه تخفيفا، ولعل المراد بالرخصة فيها تجويز تركها عند الاعذار كفوات الطهارة والنصاب والقدرة والاستطاعة وأمثال ذلك مما هو شرط لوجوبها بخلاف الولاية فإنه لا يجوز تركها في حال من الأحوال ويمكن ان يكون كناية عن عدم العقوبة بتركها بالعفو والشفاعة ونحوهما بخلاف الولاية فإن تاركها معاقب أبدا، ويقرب منه قول من قال الرخصة عبارة عن عدم الحكم بكفر تاركها وعدمها عبارة عن الحكم بكفره. * الأصل: 400 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن أبي إسحاق الجرجاني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله عز وجل جعل لمن جعل له سلطانا أجلا ومدة من ليال وأيام وسنين وشهور فإن عدلوا في الناس أمر الله عز وجل صاحب الفلك أن يبطئ بادارته فطالت أيامهم ولياليهم وسنيهم وشهورهم وإن جاروا في الناس ولم يعدلوا أمر الله تبارك وتعالى صاحب الفلك فأسرع بإدارته فقصرت لياليهم وأيامهم وسنيهم وشهورهم، وقد وفي لهم عز وجل بعدد الليالي والشهور. * الشرح: (فإن عدلوا في الناس أمر الله عز وجل صاحب الفلك أن يبطئ بإدارته - اه) (1) إسراع الفلك


1 - قوله " صاحب الفلك " يعني به الملك الموكل بإدارة الفلك ويعبر عنه الفلاسفة بالنفس الفلكية أو العقل المجرد الذي يتعلق الفلك ونفسه به إذ ثبت عندهم أن الحركات الدورية لا تكون طبيعية حتى يلزم أن يكون الطبع طالبا للوضع الذي إذا حصل عليه فر عنه وبين ذلك في ما سلف، وأما طول أيامهم إذا عدلوا وقصرها إذا ظلموا فلعلها أمر نفساني كقصر المدة للنائم إذا مضى عليه زمان كثير، واعلم أن أهل الحديث يأولون أمثال هذه الروايات على غير ظاهرها فهم معترفون بأن الحديث إذا كان ظاهره مخالفا للواقع يجب تأويله وانما يقفون عن التأويل إذا لم يعلموا مخالفته، وعلى فرض العلم بالمخالفة لا يتأبون من التأويل فليس خلافهم = (*)

[ 382 ]

وابطاؤه على القدر المعتاد أمر ممكن بالنسبة إلى القدرة القاهرة وقد مر نظيره مع شرحه في حديث الناس يوم القيامة وقال بعض الأفاضل هذا: من قبيل الاستعارة والكناية والمراد أن العادل ينتفع بإمامته وسلطنته ويصلح أمر دنياه وآخرته فيها، وأن الجائر لا ينتفع بإمامته لغفلته وسكره فكأنما قصرت ولم نحمله على الحقيقة لا لما ذكره الطبعيون من عدم اختلاف في دور الفلك بل لأنا نعلم أنه قد يكون في قطر من الأرض ذو سلطان عادل وفي قطر آخر ذو سلطان جائر انتهى، ولك أن تقول المراد بالسلطان العادل المعصوم إذ غيره لا يكون عادلا حقيقيا ويؤيده أن المطلق ينصرف إليه وما ذكره المحقق الطوسي من أن العدالة استقامة القوة العقلية والغضبية والشهوية وجميع القوى البدنية واستقرارها في الوسط وعدم إنحرافها إلى طرفي الإفراط والتفريط أصلا والعدالة بهذا المعنى لا يتحقق إلا في المعصوم وأما العدالة المشهورة بين الناس فهي أمر إضافي لا تخلو من الجور قطعا فليتأمل. * الأصل: 401 - أبو علي الأشعري، عن بعض أصحابه، عن محمد بن الفضيل، عن العرزمي قال: كنت مع أبي عبد الله (عليه السلام) جالسا في الحجر تحت الميراب ورجل تخاصم رجلا وأحدهما يقول لصاحبه: والله ما ندري من أين تهب الريح، فلما أكثر عليه قال أبو عبد الله (عليه السلام): فهل تدري أنت ؟ قال: لا ولكني أسمع الناس يقولون، فقلت أنا لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك من أين تهب الريح ؟ فقال: إن الريح مسجونة تحت هذا الركن الشامي فإذا أراد الله عز وجل أن يخرج منها شيئا أخرجه أما جنوب فجنوب وأما شمال فشمال، وصبا فصبا، ودبور فدبور ثم قال من آية ذلك أنك لا تزال ترى هذا الركن متحركا أبدا في الشتاء والصيف والليل والنهار. * الشرح: (من أين تهب الريح فقال: إن الريح مسجونة تحت هذا الركن الشامي - اه) (1) مر نظيره مع


= مع غيرهم في أصل التأويل بل في مخالفة المضمون للواقع. (ش) 1 - قوله " هذا الركن الشامي " قال صاحب الوافي (الصفحة 127 من المجلد 13) في شرح قول أبي جعفر (عليه السلام): " فأما الرياح الأربع الشمال والجنوب والصبا والدبور فإنما هي أسماء الملائكة الموكلين بها " قال: وإنما أضاف الرياح الأربع إلى الملائكة لأن لكل شئ في هذا العالم ملكوتا في عالم أعلى منه به حياته وتسبيحه انتهى. وفي الحديث الذي رواه هناك عند ذكر الركن الشامي: " فإذا أحب الله أن يهب شمالا أمر الملك الذي اسمه الشمال فيهبط على البيت الحرام فقال على الركن الشامي فضرب بجناحه فتفرقت ريح الشمال حيث يريد الله من البر والبحر وإذا أراد أن يبعث جنوبا أمر الملك الذي اسمه الجنوب فهبط على البيت الحرام فقام على الركن الشامي " وهكذا ذكر في الصبا والدبور فتبين من ذلك أنه ليس المراد من سجن الرياح تحت الركن الشامي أن مهب الرياح من هناك لأنهم (عليهم السلام) وأصحابهم وجدوا بالحس أن الرياح الأربع تدخل مكة من = (*)

[ 383 ]

شرحه في حديث الرياح. * الأصل: 402 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، وعلي بن إبراهيم [ عن أبيه ] جميعا، عن ابن محبوب، عن داود الرقي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ليس خلق أكثر من الملائكة إنه لينزل كل ليلة من السماء سبعون ألف ملك فيطوفون بالبيت الحرام ليلتهم وكذلك في كل يوم. * الشرح: (أنه لينزل كل ليلة سبعون ألف ملك فيطوفون البيت الحرام ليلتهم وكذلك في كل يوم) الظاهر أن نزولهم كذلك منذ خلقت الكعبة إلى آخر الدهر وأن الطائفين متغايرون فهم في الكثرة مالا يعلم عددهم إلا الله سبحانه. * الأصل: 403 - حدثنا ابن محبوب، عن عبد الله بن طلحة رفعه قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله) الملائكة على ثلاثة أجزاء: جزء له جناحان وجزء له ثلاثة أجنحة وجزء له أربعة أجنحة (1). * الشرح: (الملائكة على ثلاثة أجزاء - اه) أي على ثلاثة أصناف كما قال تعالى * (جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع) * والظاهر حمله على الظاهر، قال القاضي، هم وسائط بين الله وبين أنبيائه والصالحين من عباده يبلغون إليهم رسالته بالوحي والإلهام والرؤياا لصادقة أو بينه وبين خلقه يوصلون إليهم آثار صنعه وذو اجنحة متعددة متفاوتة بتفاوت مالهم من المراتب ينزلون بها ويعرجون أو يسرعون بها نحو ما وكلهم الله عليه فيتصرفون فيه على ما أمرهم به، ولعله لم يرد خصوصية الإعداد ونفى ما زاد عليها لما روى أنه (عليه السلام) أتاه جبرئيل ليلة المعراج وله ستمائة جناح انتهى. ويمكن أن يكون كناية عن القوة على الأمر والاجتهاد فيه وتفاوت مراتبهم فيها وأن يراد


= الجوانب وليس تخرج منها إلى الجوانب بل المراد بالسجن كما في هذا الحديث ان الرياح موقوفة على أمر الله تعالى والملك الموكل بخزائن الرياح وهذا الملك مستول على ركن من أركان بيت الله تعالى، وفي كتاب الفقيه الركن اليماني بدل الشامي فالأمر مردد بين كون سلطان الملك على الشمال أو الجنوب دون المشرق والمغرب أعني الركن العراقي والمغربي لأن الريح لاختلاف الهواء حرارة وبرودة والاختلاف انما هو بين الشمال والجنوب وأما المغرب والمشرق فكلاهما سيان في نسبة الحرارة والبرودة إليهما غالبا وليس الصبا والدبور من محض المغرب والمشرق بل الصبا من الشمال الشرقي لانها تهب من نجد إلى الحجاز والدبور من الجنوب الغربي أي من جانب مراكز أفريقية والله العالم. (ش) 1 - كما في القرآن الكريم " اولى اجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء " فورد في بعضهم ستمائة ألف جناح. (ش). (*)

[ 384 ]

بالفرقة الأولى: المتصرفون في العالم الجسماني، وبالثانية: المتصرفون في النفوس المجردة بعد مفارقتها الأبدان وبالثالثة: الوالهون في عظمة الله تعالى، ولبعض الأفاضل تأويل آخر مذكور في شرح نهج البلاغة. * الأصل: 404 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن معاوية بن ميسرة، عن الحكم بن عتيبة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن في الجنة نهرا يغتمس فيه جبرئيل (عليه السلام) كل غداة، ثم يخرج منه فينتفض فيخلق الله عز وجل من كل قطرة تقطر منه ملكا. * الشرح: (فينتفض) أي: يتحرك ليزيل ما عليه من الماء يقال نفض الثوب إذا حركه لينتفض (يخلق الله من كل قطرة يقطر منه ملكا) الظاهر أن هذا من خواص جبرئيل (عليه السلام) وأنه تعالى يخلق بعض الملائكة من شئ وبعضها لامن شئ يخلق الله ما يشاء كيف يشاء ويفعل ما يريد. * الأصل: 405 - عنه، عن بعض أصحابه، عن زياد القندي، عن درست بن أبي منصور عن رجل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن لله عز وجل ملكا ما بين شحمة إذنه إلى عاتقه (1) مسيرة خمسمائة عام خفقان الطير. * الشرح: (ان لله عز وجل ملكا ما بين شحمة إذنه إلى عاتقه مسير خمسمائة عام خفقان الطاير) الخفقان محركة: الإضطراب والتحرك وخفق الطاير والتفكير في آثار القدرة القاهرة يدفع التعجب والاستعباد منه وفيه دلالة على أن للملك جسم لطيف كما ذهب إليه جماعة من المحققين. * الأصل: 406 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن محمد بن الفضيل، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن لله عز وجل ديكا رجلاه في الأرض السابعة (2) وعنقه مثبتة تحت العرش


1 - قوله " إلى عاتقه " لا يخفى أن العالم الجسماني لا يسع وجود هذا الملك ولو كان هو جسما شاغلا للفضاء زاحم السموات والأرضين وسائر الأشياء وتداخل معهم والضرورة قضت ببطلان الطفرة والتداخل والمستفاد من جميع ما ورد في الملائكة (عليهم السلام) أنهم لا يزاحمون غيرهم في المكان فهم مجردون ذاتا من سنخ عالم الأرواح ولا ينافي ذلك تمثلهم للأنبياء والاولياء في صورة الإنسان بأعضائه (ش). 2 - " رجلاه في الأرض السابعة " هذا الديك بهذه العظمة أيضا شاغل لجميع الامكنة لا يترك مكانا لساير الملائكة فضلا عن السموات ولو كانوا (عليهم السلام) اجساما لزم التزاحم والتداخل وهما محالان فالديك والملائكة = (*)

[ 385 ]

وجناحاه في الهوى إذا كان في نصف الليل أو الثلث الثاني من آخر الليل ضرب بجناحيه وصاح: " سبوح قدوس ربنا الله الملك الحق المبين فلا إله غيره رب الملائكة والروح " فتضرب الديكة بأجنحتها وتصيح. * الشرح: قوله: (إذا كان في نصف الليل أو الثلث الباقي من آخر الليل) الترديد من باب منع الخلو وكونه من الراوي بعيد (ضرب بجناحيه) أي حركهما (وقال: سبوح قدوس) قيل: في السين والقاف الضم والفتح نقل المازري عن ثعلب أن كل اسم على فعول فهو مفتوح الأول إلا سبوحا وقدوسا فالضم فيهما أكثر، وقيل: قد يرويان بضم الحاء والسين وفتحهما بإضمار فعل أي اسبح سبوحا وأقدس قدوسا، والضم هو أكثر استعمالها على الخبر أي هو سبوح وقدوس وبناؤهما للمبالغة من التسبيح والتقديس والمعنى أنه تبارك وتعالى مطهر منزه عن صفات المخلوقين (ربنا الله الملك الحق المبين) قدم الخبر للحصر ووصف الجلالة بالأوصاف المذكورة للدلالة على أنه مالك الدنيا والآخرة وما فيهما وأنه الحق الثابت الذي لا يتغير بوجه وأنه موجود ظاهرا ومظهر الأشياء بحقايقها ولوازمها وساير ما يتعلق بها (فلا إله غيره) متفرع على الحصر المذكور أو على سبوح وقدوس لأن تنزهه عن جميع المعايب والنقايص يقتضي تفرده بالالهية وتنزهه عن نقص الشركة (رب الملائكة والروح) قيل الروح جبرئيل (عليه السلام) وقيل: ملك عظيم غيره وقيل خلق لا تريهم الملائكة وقيل هو الروح الذي به الحياة (فتضرب الديكة بأجنحتها وتصيح) دل على جواز الاعتماد بهذه الصيحة في معرفة انتصاف الليل وقد روى مثل ذلك في معرفة الزوال والحق جوازه عند عدم إمكان المعرفة بأدلة أقوى منها خصوصا مع تجربة صدقها. * الأصل: 407 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحجال، عن ثعلبة بن ميمون، عن عمار الساباطي قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ما يقول من قبلكم في الحجامة ؟ قلت: يزعمون أنها على


= بجملتهم من سنخ الأرواح المجردة، فإن قيل: إن الديوك تصبح وقت الصبح في جميع الأرض وما من لحظة إلا وهي مصادفة للصبح في صقع من الاصقاع فما من وقت إلا والديك تصيح فيلزم من ذلك إما أن يصيح الديك العرشي دائما فتصيح جميع ديوك جميع الأصقاع دائما وإما أن يصيح العرشى وقتا ما فتصيح جميع ديوك الأرض في وقت واحد بعينه وليس كذلك ؟ قلنا: بل يصيح الديك العرشي في وقت معين وهو الفجر مثلا لكن تعينه تعين عقلي وانطباق الأوقات المختلفة في الأصقاع المختلفة أي الفجر في كل صقع على وقت صياح الديك العرشي نظير انطباق أفراد الإنسان من أول الدهر إلى آخره على مفهوم الإنسان العقلي كان الديك العرشي وهو المثال العالي لهذا النوع يأمر الديوك بأن يصيحوا كل ديك وقت فجر بلده فتصيح وهذا الديك عند الإشراقيين فرد من أفراد العقول العرضية. (ش) (*)

[ 386 ]

الريق أفضل منها على الطعام، قال: لا، هي على الطعام أدر للعروق وأقوى للبدن. * الشرح: قوله: (لا هي على الطعام أدر للعروق وأقوى للبدن) أما أنها أقوى للبدن فظاهر لكونها مصونا من الضعف وأما أنها أدر للعروق فلأن جاذبة كل عضو لجذبها الغذاء إليه يميل الدم إلى ظاهر البدن فإذا ضم إليه جذب الحجام يخرج الدم بسهوله ولعل حكم الفصد حكم الحجامة في ذلك. * الأصل: 408 - عنه، عن ابن محبوب، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: اقرأ آية الكرسي واحتجم أي يوم شئت وتصدق واخرج أي يوم شئت. * الشرح: (اقرأ آية الكرسي واحتجم أي يوم شئت وتصدق واخرج أي يوم شئت) ثبت في عرف الشرع كراهة الاحتجام في بعض الأيام كيوم الثلاثاء وكراهة السفر في بعضها كالقمر في العقرب ويوم الاثنين، وفي عرف المنجمين في كثير منها وربما يختلج في بعض النفوس من ذلك شئ وتدفع كراهة ذلك بقراءة آية الكرسي والتصدق وحكاية رجل مع شريكه المنجم في خروجهما لتقسيم المشترك وفوزه بأفضل السهمين عند القرعة لتصدقه عند الخروج مع اختيار المنجم أشرف الساعات لنفسه وأخبثها له مشهورة، وفي بعض الروايات مذكورة. * الأصل: 409 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسن: عن معاوية بن حكيم قال: سمعت عثمان الأحول يقول: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: ليس من دواء إلا وهو يهيج داء وليس شئ في البدن أنفع من إمساك اليد إلا عما يحتاج إليه. * الشرح: قوله: (ليس من دواء إلا وهو يهيج داء وليس شئ في البدن أنفع من امساك اليد إلا عما يحتاج إليه) الدواء بالمد والتثليث كالحاكم الجائر يدفع جور الغير عن الرعية ويجور عليهم وإمساك اليد كناية عن قلة الأكل وفيها منافع جمة منها حفط البدن عن الامراض فإن جميعها من كثرة الأكل ومنها تصفية القلب عن الأمراض المتعلقة به بالرياضة الكاملة فإن النفس إذا شبعت صدرت منها أنواع القبايح، ومنها اتصال النفس بعالم المجردات للمناسبة في التجرد فإذا زال المانع وهو الشواغل مالت إليها بمقتضى الطبع وينعكس إليها الصور الإدراكية القدسية الخالصة عن شوائب الشكوك والأوهام التي تحصل من طرق الحواس.

[ 387 ]

* الأصل: 410 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد رفعه إلى أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الحمى تخرج في ثلاث: في العرق والبطن والقئ. * الشرح: (الحمى تخرج في ثلاث: في العرق والبطن والقئ) العرق بالتحريك معروف ونفعه للمحموم مجرب وقراءته بالكسر وهو الأجوف الذي يكون فيه الدم بإرادة القصد بعيدة، والمراد بالبطن إخراج ما فيه من الأخلاط بشرب مسهل والحقنة ونحوهما، وأما البطن محركة: فهو داء في الجوف مهلك غالبا وليس بمراد ههنا، والقئ نافد لدفع الصفراء والسوداء والبلغم والزائد من الطعام وله مدخل عظيم في حفظ الصحة ودفع المرض فإن خرج بسهولة وإلا فليربط العين بعد وضع القطن ونحوه عليها (الغبرة على من أثارها) الغبر محركة وبهاء الغبار كالغبرة والغبرة بالضم لونه وهذا مثل لمن تعرض أمرا يوجب ضرره وزجر للشيعة عن التعرض للمخالفين في دولتهم ثم رغب في المداناة والمماشاة معهم وترك العجلة والانكار عليهم. * الأصل: 411 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن محمد بن علي، عن حفص بن عاصم، عن سيف التمار، عن أبي المرهف، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: الغبرة على من أثارها، هلك المحاصير، قلت جعلت فداك وما المحاصير ؟ قال: المستعجلون أما إنهم لن يريدوا إلا من يعرض لهم، ثم قال: يا أبا المرهف أما إنهم لن يروكم بمحجفه إلا عرض الله عز وجل لهم بشاغل. ثم نكت أبو جعفر (عليه السلام) في الأرض ثم قال: يا أبا المرهف قلت: لبيك قال: أترى قوما حسوا أنفسهم على الله عز ذكره لا يجعل الله لهم فرجا ؟ بلى والله ليجعلن الله لهم فرجا. * الشرح: قوله: (هلك المحاصير قلت جعلت فداك ما المحاصير قال: المستعجلون) المحاصير بالصاد المهملة جمع محصور كالميامين والملاعين جمع ميمون وملعون، ومحصور: الضيق الصدر الذي لا يصبر على شئ، وفي بعض النسخ بالضاد المعجمة جمع محضار كمصابيح جمع مصباح وهو الفرس المسرع في العدو المرتفع فيه والمراد على التقديرين الاستعجال في الامر من غير تأني فيه وصبر عليه. ثم أكد التحذير عن ذلك بقوله (أما أنهم لن يريدوا إلا من تعرض لهم) بذمهم على الباطل أو بالطعن والسب لإمامهم أو بغير ذلك فعليكم تركه تحرزا من ضررهم، ثم أشار إلى أنه لولا وقاية الله تعالى لا ينجو منهم أحد من هذه الفرقة الناجية قوله " أما أنهم لن يريدوكم بمحجفة إلا عرض الله لهم بشاغل) يشتغلون به عنكم، والمجحفة بتقديم الجيم: الداهية والبلية، سميت بها

[ 388 ]

لأنها تجتحف موردها أي تختطفه وتستلبه ثم حث على الصبر بذكر بعض لوازمه وهو أنه مفتاح للفرج فقال: (أترى قوما حبسوا أنفسهم على الله عز وجل) أي على سبيله طلبا لجزيل أجره (لا يجعل الله لهم فرجا) عن الضيق وضرر الأعداء والاستفهام للإنكار أو التقدير كما أشار إليه بقوله (بلى والله ليجعلن الله لهم فرجا) يرشدك إلى ذلك صبر النبي (صلى الله عليه وآله) وغيره من الأنبياء على تبليغ الدين وأذى المشركين حتى أتاهم النصر كما قال الله تعالى * (ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأذوا حتى أتاهم نصرنا) *. * الأصل: 412 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن عبد الرحمن بن أبي هاشم، عن الفضل الكاتب قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فأتاه كتاب أبي مسلم فقال: ليس لكتابك جواب اخرج عنا، فجعلنا يسار بعضنا بعضا، فقال: أي شئ تسارون يا فضل إن الله عز ذكره لا يعجل لعجلة العباد، ولإزالة جبل عن موضعه أيسر من زوال ملك لم ينقض أجله، ثم قال: إن فلان بن فلان حتى بلغ السابع من ولد فلان، قلت: فما العلامة فيما بيننا وبينك جعلت فداك ؟ قال: لا تبرح الأرض يا فضل حتى يخرج السفياني فإذا خرج السفياني فأجيبوا إلينا - يقولها ثلاثا - وهو من المحتوم. * الشرح: (فأتاه كتاب أبي مسلم فقال ليس لكتابك جواب اخرج عنا) الخطاب في الموضعين للرسول وهو يطلب منه (عليه السلام) الخروج لطلب الخلافة بعد استيصال بني أمية وإنما لم يقبله (عليه السلام) لعلمه بأن هذا الأمر لا يتمشى وأن خلافة بني عباس بعد بني أمية أمر مقدر حتما وأن خروجه موجب لهلاكه وهلاك شيعته وقد نقل أنهم نصبوا السفاح قبل عود الرسول إليهم، واعلم أن أبا مسلم كان من أهل إصفهان ولما كان ابتداء خروجه على بني أمية من مرو نسب إليه وقيل له المروزي وكان معينا لإبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس في أمر الخلافة فلما قتل إبراهيم في الشام فر أخواه سفاح وأبو جعفر المنصور إلى الكوفة وتوجه أبو مسلم عساكره إليها كتب إلى أبي عبد الله (عليه السلام) واستدعاء للخلافة فلم يقبله (عليه السلام). (فجعلنا يسار بعضنا بعضا) المسارة والسرار " باكسى راز كفتن " يقال: ساره في أذنه مسارة وسرارا وتساروا: إذا تناجوا وكان سبب المسارة حرصهم على ظهور دين الحق وإرادتهم تعجيله (فقال: أي شئ تسارون يا فضل ؟) الاستفهام للإنكار والتوبيخ دون الحقيقة (إن الله عز وجل لا يعجل لعجلة العباد) فلا يقدم ما أخره حتما لإرادة العباد تقديمه (ولإزالة جبل عن موضعه) ونقله إلى موضع آخر (أيسر من زوال ملك) هو ملك بنى عباس (لم ينقض أجله) المقدر حتما وفيه مبالغة عرفا على عدم إمكان زواله لا إمكانه مع صعوبة والزوال هنا بمعنى الازالة تقول أزلته وزولته وزلته بالكسر إذا أزلته فلا يردان الصحيح هو الإزالة خصوصا مع

[ 389 ]

رعاية التقابل (ثم قال) تأكيدا لما ذكر وتوضيحا له (أن فلان بن فلان) وفلان بن فلان (حتى بلغ السابع من ولد فلان) يعني العباس والمقصود أنه عد الأول والثاني إلى السابع من خلفاء بني عباس بأسمائهم وأسماء آبائهم وإنما لم يذكر البواقي لأن المقصود بيان أن هذا الزمان ليس زمان ظهور الحق ورجوع الخلافة إلى أهلها وذكر هذا القدر كاف في بيانه ولو كان الابتداء في العد من الآخر وهو المستعصم إلى الأول وهو السفاح لورد أن الأول ليس هو السابع من ولد العباس بل هو الرابع منهم كما مر. واعلم أن خبر أن محذوف تقديره يصيرون أو يملكون الخلافة أو نحوهما هذا ويبعد أن يراد بقوله (عليه السلام) " إن فلان بن فلان " الصاحب (عليه السلام) وبيان نسبه إلى نفسه المقدسة وأنه الذي يظهر دين الحق ويعود إليه الخلافة وإن كان هذا أنسب بقوله (فما العلامة فيما بيننا وبينك) يدل على خروج صاحب الأمر وتملكه للخلافة (قال: لا تبرح الارض يا فضل) أي لا تزول بقيام الساعة (حتى يخرج السفياني) روى الصدوق في كتاب كمال الدين بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن أمر السفياني من الأمر المحتوم وخروجه في رجب وفي حديث آخر " يخرج ابن آكلة الأكباد وهو رجل ضخم الهامة بوجهه أثر الجدري إذا رأيته حسبته أعور اسمه عثمان وأبوه عنبسة وهو من ولد أبي سفيان " و " في آخر أنك لو رأيت السفياني رأيت أخبث الناس أشقر أحمر أزرق، وفي آخر أنه يملك كور الشام الخمس دمشق وحمص وفسطنطين والأردن وقنسرين فتوقعوا عند ذلك الفرج ". * الأصل: 413 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن علي بن حديد، عن جميل بن دراج قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن إبليس أكان من الملائكة أم كان يلي شيئا من أمر السماء ؟ فقال، لم يكن من الملائكة ولم يكن يلي شيئا من أمر السماء ولا كرامة، فأتيت الطيار فأخبرته بما سمعت فأنكره وقال: وكيف لا يكون من الملائكة والله عز وجل يقول: " وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس " فدخل عليه الطيار فسأله وأنا عنده فقال له: جعلت فداك رأيت قوله عز وجل: " يا أيها الذين آمنوا " في غير مكان من مخاطبة المؤمنين أيدخل في هذا المنافقون ! قال: نعم يدخل في هذا المنافقون، والضلال، وكل من أقر بالدعوة الظاهرة. * الشرح: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن إبليس) هو اسم أعجمي أو من أبليس إذا يئس وتحير، والبلس محركة من الأخير عنده أو عنده إبلاس وشر (أكان من الملائكة لم كان يلي شيئا من أمر السماء) بأن يكون من المدبرات فيها كسائر الملائكة أو يكون ممن يلي أمر الملائكة كما قالت العامة أنه كان يلي أمرهم يعظهم ؟ فأجاب (عليه السلام) بأنه لم يكن شيئا منها (ولا كرامة): أي لا شرف ولا عزة ولا قدر ولا

[ 390 ]

عظمة له عند الله تعالى (فأتيت الطيار فأخبرته بما سمعة فأنكر) كأنه أنكر ثبوت الرواية لا قول المعصوم بعد ثبوته (وقال) على سبيل الإنكار أو الاستبعاد (كيف لا يكون من الملائكة والله عز وجل يقول: * (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس) * تمسك بتوجه اللوم إليه وبما هو الأصل في الاستثناء من الاتصال المقتضي لدخول المستثنى في المستثنى منه لولا الإخراج ومن ثم قيل: الاستثناء من علامات العموم وقد عقل عن قوله تعالى * (وكان من الجن ففسق عن أمر ربه) * فدخل عليه الطيار وسأله وأنا عنده، فقال له: جعلت فداك أرأيت، أي أخبرني عن (قوله عز وجل * (يا أيها الذين آمنوا) * في غير مكان) أي في مواضع متعددة (فهي مخاطبة المؤمنين (أيدخل في هذا المنافقون) إنما سأله هكذا ولم يسأله عن مطلوبه صريحا لأنه قصد بذلك حصول المطلوب مع زوال شبهته (قال: نعم يدخل في هذا المنافقون والضلال) بالضم وشد اللام: جمع ضال (وكل من أقر بالدعوة الظاهرة) وهذا الوصف شامل لأهل الإسلام كلهم لأن المقر بالدعوة إلى الولاية مثلا إن أقر بها ظاهرا لا باطنا فهو منافق وإن أقر بها باطنا أيضا فإن بقي عليه بعد النبي (صلى الله عليه وآله) فهو مؤمن وإن لم يبق عليه فهو ضال لأنه خرج عن الطريق وضل عنه بعد الدخول فيه هذا وقع في البين فنرجع إلى ما نحن فيه ونقول: إذا جاز دخول المنافق والضال في خطاب المؤمنين إما باعتبار التغليب أو باعتبار الاختلاط وكونهما فيما بينهم أو باعتبار التجوز في الإيمان جاز دخول إبليس في خطاب الملائكة بتلك الاعتبارات فحصل المطلوب وهو أن إبليس ليس من الملائكة حقيقة وبطل شبهة السائل وتمسكه بالآية المذكورة. * الأصل: 414 - عنه، عن علي بن حديد، عن مرازم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أن رجلا أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله إني اصلي فأجعل بعض صلاتي لك، فقال: ذلك خير لك، فقال: يا رسول الله فأجعل نصف صلاتي لك، فقال: ذلك أفضل لك، فقال: يا رسول الله فاني أصلي فأجعل صلواتي لك ؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا يكفيك الله ما أهمك من أمر دنياك وآخرتك. ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): إن الله كلف رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما لم يكلفه أحدا من خلقه: كلفه أن يخرج على الناس كلهم وحده بنفسه إن لم يجد فئة تقاتل معه ولم يكلف هذا أحد من خلقه قبله ولا بعده ثم تلا هذه الاية * (فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك) * ثم قال: وجعل الله أن يأخذ له ما أخذ لنفسه فقال عز وجل: * (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) * وجعلت الصلاة على رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعشر حسنات. * الشرح: (فقال: يا رسول الله اني أصلي وأجعل بعض صلواتي لك - اه‍) نظير ما رواه المصنف في باب الصلاة على محمد وأهل بيته من كتاب الدعاء عن أبى علي الأشعري عن محمد بن عبد الجبار

[ 391 ]

عن صفوان عن أبي اسامة زيد الشحام عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) " أن رجلا أتى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله اجعل لك ثلث صلاتي لا بل أجعل لك نصف صلاتي لا بل أجعلها كلها لك، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا تكفى مؤونة الدنيا والآخرة " وتأويل هذا ما رواه المصنف أيضا في الباب المذكور بإسناده عن أبي بصير قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام): ما معنى أجعل صلاتي كلها لك فقال، يقدمه بين يدي كل حاجة فلا يسأل الله عز وجل شيئا حتى يبدأ بالنبي (صلى الله عليه وآله) فيصلي عليه ثم يسأل حوائجه " أقول ومنه يظهر تأويل البعض والثلث والنصف ولولا هذا التأويل لأمكن أن تراد بالصلاة المندوة وببعضها بعض من واحدة أو من متعددة وكذا النصف والكل والله أعلم. 415 - عنه، عن علي بن حديد، عن منصور بن روح، عن فضيل الصائغ قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: أنتم والله نور في ظلمات الأرض، والله إن أهل السماء لينظرون إليكم في ظلمات الأرض كما تنظرون أنتم إلى الكوكب الدري في السماء وإن بعضهم ليقول لبعض: يا فلان عجبا لفلان كيف أصاب هذا الأمر وهو قول أبي (عليه السلام) والله: ما أعجب ممن هلك كيف هلك ؟ ولكن أعجب ممن نجا كيف نجا. 416 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن علي بن أسباط، عن إبراهيم بن محمد ابن حمران، عن أبيه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من سافر أو تزوج والقمر في العقرب لم ير الحسنى. * الأصل: 417 - عنه، عن ابن فضال، عن عبيس بن هشام، عن عبد الكريم بن عمرو، عن الحكم بن محمد بن القاسم أنه سمع عبد الله بن عطاء يقول: قال أبو جعفر (عليه السلام): قم فاسرج دابتين: حمارا وبغلا فأسرجت حمارا وبغلا فقدمت إليه البغل ورأيت أنه أحبهما إليه، فقال: من أمرك أن تقدم إلي هذا البغل ؟ قلت: اخترته لك، قال وأمرتك أن تختار لي ؟ ثم قال: إن أحب المطايا إلي الحمر، قال: فقدمت إليه الحمار وأمسكت له بالركاب فركب فقال: الحمد لله الذي هدانا بالإسلام وعلمنا القرآن ومن علينا بمحمد (صلى الله عليه وآله) " الحمد لله الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون والحمد لله رب العالمين، " سار وسرت حتى إذا بلغنا موضعا قلت له: الصلاة جعلت فداك، فقال: هذا وادي النمل لا يصلى فيه، حتى إذا بلغنا موضعا آخر، قلت له مثل ذلك، فقال: هذه الأرض مالحة لا يصلى فيها: قال: حتى نزل هو من قبل نفسه فقال لي: صليت أو تصلي سبحنك ؟ قلت: هذه صلاة تسميها أهل العراق الزوال، فقال: أما هؤلاء الذين يصلون هم شيعة علي بن أبي طالب (عليه السلام) وهي صلاة الأوابين فصلى وصليت ثم أمسكت له بالركاب ثم قال ؟ مثل ما قال في بدايته، ثم قال: اللهم العن المرجئة فإنهم أعداؤنا في الدنيا والآخرة، فقلت له ما ذكرك جعلت

[ 392 ]

فداك المرجئة ؟ فقال: خطروا على بالي. * الشرح: (اللهم العن المرجئة) المرجئة بالهمز والمرجية بالياء مخففة: طائفة يقدمون القول ويؤخرون العمل ويقولون إن من لم يصل ولم يصم ولم يغتسل من جنابة وهدم الكعبة ونكح أمه وفعل غير ذلك من الكبائر فهو على إيمان جبرئيل وميكائيل كما مر في كتاب الحجة ولا يبعد أن يراد هنا كل من أخر عليا عن مرتبته. * الأصل: 418 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أبن أبي عمير، وعلي ابن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن الحسين بن أبي حمزة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لما أرادت قريش قتل النبي (صلى الله عليه وآله) قالت: كيف لنا بأبي لهب ؟ فقالت أم جميل: أنا أكفيكموه أنا أقول له: إني احب أن تقعد اليوم في البيت نصطبح فلما أن كان من الغدو تهيأ المشركون للنبي (صلى الله عليه وآله) قعد أبو لهب وأمرته يشربان، فدعا أبو طالب عليا (عليه السلام) فقال له: يا بني اذهب إلى عمك أبي لهب فاستفتح عليه فإن فتح لك فادخل وإن لم يفتح لك فتحامل على الباب واكسره وادخل عليه، فإذا دخلت عليه فقل له: يقول لك أبي: إن أمرءا عمه عينه في القوم فليس بذليل. قال: فذهب أمير المؤمنين (عليه السلام) فوجد الباب مغلقا فاستفتح فلم يفتح له فتحامل على الباب وكسره ودخل فلما رآه أبو لهب قال له: مالك يا ابن أخي فقال له: إن أبي يقول لك إن امرءا عمه عينه في القوم ليس بذليل فقال له: صدق أبوك فما ذاك يا ابن أخي ؟ فقال له: يقتل ابن أخيك وأنت تأكل وتشرب فوثب وأخذ سيفه فتعلقت به أم جميل فرفع يده ولطم وجهها لطمة ففقئ عينها، فماتت وهي عوراء، وخرج أبو لهب ومعه السيف فلما رأته قريش عرفت الغضب في وجهه، فقالت، مالك يا أبا لهب، فقال: أبايعكم على ابن أخي، ثم تريدون قتله واللات والعزى لقد هممت أن أسلم ثم تنظرون ما أصنع، فاعتذروا إليه ورجع. * الشرح: (فنصطبح) الاصطباح: أكل الصبوح وهو الغدا والاغتباق: أكل الغبوق وهو العشاء وأصلها في الشرب ثم استعملا في الأكل (إن أمرء أعمه عينه في القوم ليس بذليل) ليس خبر " إن " والجملة قبله صفة لاسمها، والعين: الحافظ وفي بعض النسخ فليس بذليل والجملة فيه خبر. * الأصل: 419 - عنه، عن أبان، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان إبليس يوم بدر يقلل المسلمين في أعين الكفار ويكثر الكفار في أعين المسلمين فشد عليه جبرئيل (عليه السلام) بالسيف فهرب منه وهو يقول:

[ 393 ]

يا جبرئيل إني مؤجل، إني مؤجل، حتى وقع في البحر قال زرارة: فقلت لأبي جعفر (عليه السلام): لأي شئ كان يخاف وهو مؤجل قال: يقطع بعض أطرافه. * الشرح: (يقلل المسلمين في أعين الكفار ويكثر الكفار في أعين المسلمين فشد عليه جبرئيل (عليه السلام) بالسيف) الشد بالفتح: الحملة في الحرب وهذا العمل أعني التقليل والتكثير نوع من السحر أو الشعبذة وغرض الخبيث عنه تقوية قلوب الكفار وتحريكهم على القتال وإلقاء الروع في قلوب المؤمنين ولهما مدخل عظيم في الغلبة والمغلوبية وفي آخر الحديث دلالة واضحة على أن الشيطان الرجيم جسم إلا أنه لطيف يتشكل بأشكال مختلفة كما ذهب إليه المتكلمون. * الأصل: 420 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن هشام بن سالم، عن أبان ابن عثمان، عمن حدثه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قام رسول الله (صلى الله عليه وآله) على التل الذي عليه مسجد الفتح في غزوة الأحزاب في ليلة ظلماء قرة فقال: من يذهب فيأتينا بخبرهم وله الجنة ! فلم يقم أحد ثم أعادها، فلم يقم أحد - فقال أبو عبد الله (عليه السلام) بيده: وما أراد القوم ؟ أرادوا أفضل من الجنة ! ؟ - ثم قال: من هذا ؟ فقال: حذيفة، فقال: [ أما ] تسمع كلامي منذ الليلة ولا تكلم أقترب ؟ فقام حذيفة وهو يقول: القر والضر جعلني الله فداك منعني أن أجيبك، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): انطلق حتى تسمع كلامهم وتأتيني بخبرهم، فلما ذهب قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله حتى ترده، وقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا حذيفة لا تحدث شيئا حتى تأتيني فأخذ سيفه وقوسه وحجفته قال حذيفة فخرجت وما بي من ضر ولا قر، فمررت على باب الخندق وقد اعتراه المؤمنون والكفار، فلما توجه حذيفة قام رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونادى: يا صريخ المكروبين ويا مجيب المضطرين اكشف همي وغمي وكربي فقد ترى حالي وحال أصحابي، فنزل عليه جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا رسول الله أن الله عز ذكره قد سمع مقالتك ودعاءك وقد أجابك وكفاك هول عدوك فجثا رسول الله (صلى الله عليه وآله) على ركبتيه وبسط يديه وأرسل عينيه ثم قال: شكرا شكرا كما رحمتني ورحمت أصحابي، ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): قد بعث الله عز وجل عليهم ريحا من السماء الدنيا فيها حصى وريحا من السماء الرابعة فيها جندل. قال حذيف: فخرجت فإذا أنا بنيران القوم وأقبل جند الله الأول ريح فيها حصى فما تركت لهم نارا إلا أذرتها ولا خبأ إلا طرحته ولا رمحا إلا ألقته حتى جعلوا يتترسون من الحصى فجعلنا نسمع وقع الحصى في الأترسة، فجلس حذيفة بين رجلين من المشركين فقام إبليس في صورة رجل مطاع في المشركين، فقال: أيها الناس إنكم قد نزلتم بساحة هذا الساحر الكذاب، ألا وإنه لن يفوتكم من أمره شئ فانه ليس سنة مقام قد هلك الخف والحافر،

[ 394 ]

فارجعوا ولينظر كل رجل منكم من جليسه ؟ قال حذيفة: فنظرت عن يميني فضرب بيدي، فقلت: من أنت فقال: معاوية فقلت للذي عن يساري: من أنت ؟ فقال: سهيل بن عمرو، قال حذيفة وأقبل جند الله الأعظم فقال: فقام أبو سفيان إلى راحلته ثم صاح في قريش، النجاء النجاء وقال طلحة الأزدي: لقد زادكم محمد بشر، ثم قام إلى راحلته وصاح في بني أشجع: النجاء النجاء وفعل عيينة ابن حصن مثلها، ثم فعل الحارث بن عوف المزني مثلها، ثم فعل الأقرع بن حابس مثلها، وذهب الأحزاب ورجع حذيفة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأخبره الخبر. وقال أبو عبد الله (عليه السلام): إنه كان ليشبه يوم القيامة. * الشرح: (في غزوة الأحزاب في ليلة ظلماء قرة) القر بالضم: البرد، وبالفتح: البارد، في النهاية يوم قر بالفتح أي بارد وليلة قرة وإنما سميت هذه الغزوة بغزوة الاحزاب لأن الكفار كانوا طوايف متعددة وأحزاب متفرقة بيان ذلك أن رسول (صلى الله عليه وآله) أجلى بنى النضير من حوالي المدينة لنقض عهدهم وقصدهم قتله (عليه السلام) حين طلب منهم الجزية فخرجوا إلى خيبر ثم أجتمعت منهم ومن غيرهم من اليهود فخرج بعضهم إلى مكة لاستنفار القريش ومن يحذو حذوهم ودان بمقالتهم إلى حرب الرسول (صلى الله عليه وآله) وبعضهم إلى غطفان وبعضهم إلى سليم وبعضهم إلى بني أسد وبعضهم إلى غير هؤلاء من قبايل العرب وحرضوهم على المحاربة واستنفروهم فأجمعت قريش السير إلى المدينة مع أربعة آلاف وأميرهم أبو سفيان بن حرب بن أمية ولحق بهم غطفان وأميرهم عيينة بن حصن الفزاري ومنهم بنو أشجع قبيلة بن غطفان وأميرهم طلحة الأزوي بنو فزارة وبنو أسد وبنو سليم وبنو عمرو وغيرهم وأميرهم عامر بن الطفيل إلى غير هؤلاء حتى بلغوا عشرة آلاف واتصل خبرهم برسول الله (صلى الله عليه وآله) فأمر بحفر الخندق حول المدينة وكان أمرا لم تعهده العرب وإنما كان من عمل فارس والروم، وأشار به سلمان الفارسي رضى الله عنه فورد الأحزاب جميعا وحصرو المدينة في شوال سنة خمس وقيل سنة أربع، وبنو قريظة عاهدوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) على أن لا يلحقه منهم ضرر فلما حاصروا دخلهم بنو النضير وحملوهم على نقض العهد فساءت الظنون ورسول الله (صلى الله عليه وآله) يبشر ويعدهم بالنصر من عند الله تعالى والأحزاب يطلبون من الخندق مضيقا للمرور ولم يجدوه مع أن سلمة بن أسلم مع مائتي نفر وزيد بن حارثة مع ثلاثمائة نفر كانو يحرسون الخندق وعند ذلك برز عمرو بن عبدود وكان شجاعا معروفا في العرب ومعه عكرمة بن أبي جهل وطايفة أخرى فطلب عمرو مبارزا فخرج أمير المؤمنين (عليه السلام) فقتله وانهزم عكرمة وأصحابه وألقى الله الرعب في قلوب المشركين ويئسوا من الظفر، ثم أن الله سبحانه أرسل ريح الصبا فهدمت خيامهم وقطعت حبالهم وأكفأت قدورهم ولم يمكنهم معها قرار. وقد قيل إن الله تعالى بعث مع الرياح ملائكة تشددوها

[ 395 ]

فخافوا حتى أزمعوا الرحلة بعد بضع وعشرين ليلة فانصرفوا خائبين وفي بعض السير أنهم قالوا: ما هذا الذي صنعوه ومن فعله والعرب لم يروا مثله يعني الخندق فقيل إنه من عمل رجل فارسي (فقال أبو عبد الله (عليه السلام) بيده) أي أومأ بها والعرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال وتطلقه على غير الكلام فتقول: قال برجله: أي مشى وقال برأسه: أي أومأ، وقال بالماء على يده: أي قلب، وكل ذلك على المجاز والاتساع كما صرح به في النهاية فقال: (أما تسمع كلامي منذ الليلة ولا تكلم اقترب) أمره بالاقتراب والدنو بعد توبيخه من التجاهل عن سماع كلامه ولا تكلم بحذف إحدى التائين ومنذ مبني على الضم وما بعده مجرور ومعناه ابتدا الزمان أو بمعنى في الظرفية (يا حذيفة لا تحدث شيئا حتى تأتيني فأخذ سيفه وقوسه وحجفته) أمره بأن لا يذعرهم خوفا عليه لأنه إذا ذعرهم تجسسوا عليه فيقع في الهلكة، والحجفة بتقديم الحاء المهملة: الترس (وقد اعتراه المؤمنون والكفار): أي تدانوا وتقاربوا وفي الكنز، اعترا: " نزديك آمدن " والضمير للباب (يا صريخ المكروبين) الصريخ: بمعنى الصارخ وهو المغيث والمستغيث ضد، والمراد هنا الأول (وأرسل عينيه) أي ألقاهما إلى الارض تخشعا أو بكى وأرسل دموعها (فإنه ليس سنة مقام) إنما قال إبليس ذلك لعلمه بأن ذلك من عذاب الله تعالى على الأحزاب لو أقاموا فخاف أن يهلكوا جميعا ويستولى النبي (صلى الله عليه وآله) على جميع البلاد بلا منازع ولا محارب فأمرهم بالارتحال طمعا لحياتهم ووقوع الكرة والاجتماع مرة أخرى (فقام أبو سفيان) ابن حرب بن عبد شمس بن عبد مناف وهو أموى وكان من صناديد قريش في الجاهلية وعداوته للنبي (صلى الله عليه وآله) ومحاربته معه يوم أحد مشهورة أسلم ظاهرا يوم الفتح قال القرطبي: قال أبو عمر واختلف هل حسن إسلامه أم لا فطائفة على الأول وشهد حنينا وطائفة على الثاني وقالوا: إنه كان كهفا للمنافقين منذ أسلم وكان إسلامه يوم الفتح كرها (ثم صاح في قريش النجاء النجاء) قال أبو عبد الله شارح مسلم: النجاء بالمد والقصر وهو مصدر بمعنى انج وحكى عن عياض أنه إن أفرده المعروف فيه المد، وعن أبي زيد فيه القصر أيضا فأما إذا كرروه وقالوا النجا النجا ففيه الوجهان وقال ابن الاثير في النهاية: معناه أنجوا بأنفسكم وهو مصدر منصوب بفعل مضمر أي انجو النجاء. وتكراره للتأكيد والنجاء: السرعة، يقال: نجا ينجو نجاء إذا أسرع (ثم فعل الحارث بن عون المري مثلها) مرة أبو قبيلة من قريش وهو مرة بن كعب والنسبة إليها مري وفي بعض النسخ عوف بالفاء (فمن غيره عن خطته) الخطة بالكسر: المكان المعلم عليه المختط لبناء دار وغيرها من العمارات. * الأصل: 421 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن هشام الخراساني عن المفضل بن عمر قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) بالكوفة أيام قدم على أبي العباس فلما انتهينا إلى الكناسة قال: ههنا

[ 396 ]

صلب عمي زيد رحمه الله ثم مضى حتى انتهى إلى طاق الزياتين وهو آخر السراجين فنزل وقال: انزل فإن هذا الموضع كان مسجد الكوفة الأول الذي خطه آدم (عليه السلام) وأنا أكره أن أدخله راكبا قال: قلت: فمن غيره عن خطته ؟ قال: أما أول ذلك الطوفان في زمن نوح (عليه السلام) ثم غيره أصحاب كسرى ونعمان ثم غيره بعد زياد بن أبي سفيان، فقلت: وكانت الكوفة ومسجدها في زمن نوح (عليه السلام) ؟ فقال لي: نعم يا مفضل وكان منزل نوح وقومه في قرية على منزل من الفرات مما يلي غربي الكوفة قال: وكان نوح (عليه السلام) رجلا نجارا فجعله الله عز وجل نبيا وانتجبه ونوح (عليه السلام) أول من عمل سفينة تجري على ظهر الماء. قال: ولبث نوح (عليه السلام) في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله عز وجل فيهزؤون به ويسخرون منه، فلما رأى ذلك منهم دعا عليهم فقال: " رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا * إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا " فأوحى الله عز وجل إلى نوح أن اصنع سفينة وأوسعها وعجل عملها، فعمل نوح سفينة في مسجد الكوفة بيده، فأتى بالخشب من بعد حتى فرغ منها، قال المفضل: ثم انقطع حديث أبي عبد الله (عليه السلام) عند زوال الشمس، فقام أبو عبد الله (عليه السلام) فصلى الظهر والعصر، ثم انصرف من المسجد فالتفت عن يساره وأشار بيده إلى موضع دار الداريين وهو موضع دار ابن حكيم وذاك فرات اليوم: فقال لي: يا مفضل [ و ] ههنا نصبت أصنام قوم نوح (عليه السلام) " يغوث ويعوق ونسرا " ثم مضى حتى ركب دابته. فقلت: جعلت فداك في كم عمل نوح سفينته حتى فرغ منها ؟ قال: في دورين، قلت: وكم الدورين، قال: ثمانين سنة. قلت: وإن العامة يقولون: عملها في خمسمائة عام، فقال: كلا كيف والله يقول: * (ووحينا) * قال: قلت: فأخبرني عن قول الله عز وجل: * (حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور) * فأين كان موضعه ؟ وكيف كان ؟ فقال: كان التنور في بيت عجوز مؤمنة في دبر قبلة ميمنة المسجد فقلت له: فان ذلك موضع زاوية باب الفيل اليوم ثم قلت له وكان بدء خروج الماء من ذلك التنور فقال: نعم إن الله عز وجل أحب أن يرى قوم نوح آية، ثم إن الله تبارك وتعالى أرسل عليهم المطر يفيض فيضا وفاض الفرات فيضا، والعيون كلهن فيضا، فغرقهم الله عز ذكره وأنجى نوحا ومن معه في السفينة، فقلت له: كم لبث نوح في السفينة حتى نضب الماء وخرجوا منها ؟ فقال: لبثوا فيها سبعة أيام ولياليها وطافت بالبيت اسبوعا ثم استوت على الجودي وهو فرات الكوفة فقلت له: إن مسجد الكوفة قديم فقال: نعم وهو مصلى الأنبياء (عليهم السلام) ولقد صلى فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين اسري به إلى السماء فقال له جبرئيل (عليه السلام)، يا محمد هذا مسجد أبيك آدم (عليه السلام) ومصلى الأنبياء (عليهم السلام) فانزل فصل فيه، فنزل فصلى فية، ثم إن جبرئيل (عليه السلام) عرج به إلى السماء.

[ 397 ]

* الشرح: (ثم غيره بعد زياد بن أبي سفيان) هنا حكاية غريبة وهي ما رواه مسلم في باب من ادعى إلى غير أبيه فهو كافر حيث قال: حدثني عمر والناقد، قال: حدثنا هشين بن بشير، قال: حدثنا أبو خالد الجذاء عن أبى عثمان قال: لما ادعى زياد لقيت أبا بكرة فقلت له ماهذا الذي صنعتم إني سمعت سعد بن أبى وقاص يقول: سمعت أذنى من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يقول: من أدعى أبا في الإسلام غير أبيه يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام، فقال أبو بكرة: فأنا سمعت من رسول الله (صلى الله عليه وآله) انتهى، قال أبو عبد الله شارحه: زياد أخو أبى بكرة لأمه ادعاه معاوية وألحقه بأبيه أبى سفيان وكان أبو بكرة أنكر ذلك وهجر زيادا وحلف أن لا يكلمه أبدا فلعل أبا عثمان لم يبلغه إنكار أبي بكرة أو بلغه وعنى ما هذا الذي صنع أخوك، وسبب الاستلحاق أن زيادا كان واليا في الفارس وذا مال كثير وحشر عظيم فخاف معاوية عصيانه فأرسل إليه المغيرة بن شعبة ودعاه إليه على أن يلحقه بأبيه فحضر وأحضر معاوية شاهدين على أن أبا سفيان كان يقول: زياد ابني وقال أبو مريم: إنى كنت خمارا في الطائف فمر بي أبو سفيان في سفر فطعم وشرب، ثم سألني بغيا، فأتيته بسمية جارية بني عجلان وهي من أصحاب الرايات بالطائف فوقع بها فحملت بزياد، فقال زياد: مهلا يا أبا مريم لا تشتم، قال أبو مريم: قلت الحق، فقال يونس بن عبيد الثقفى: يا معاوية ليس لك أن تلحقه بأبيك لشهادة أبي مريم فأخرجه معاوية وألحقه بأبيه وإنما نسبه (عليه السلام) إلى أبي سفيان باعتبار أنه خلق من مائه أو لشهرة تلك النسبة فيما بينهم. (ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا) علم (عليه السلام) ذلك بالوحي كما سيجئ أو بتجربتهم ألف سنة إلا خمسين عاما، والداربين (1): العشارين من الدرب وهو الطريق (قال: كلا فكيف والله يقول: ووحينا) قال الله تعالى * (فأوحينا إليه أن أصنع الفلك بأعيننا) * أي بحفظنا له من الخطأ في صنعه أو من مفسد يفسده " ووحينا " أي بتعجيلنا لإتمامه من الوحا بالقصر وقد يمد وهو العجلة والإسراع يقال: وحا وتوحا إذا عجل وأسرع وفسره المفسرون بالأمر والتعليم (إن الله عز وجل أحب أن يرى قوم نوح آية) فإن خروج الماء من تنور معد للنار غير متوقع خروج الماء منه آية عظيمة من آيات القدرة ومعجزة بينة لصدق دعوى الرسالة (وطافت بالبيت أسبوعا) قيل: المراد منه فعل كل الأفعال حتى طواف النساء * (ثم استوت على الجودي) * قيل: هو جبل في نجف أمير المؤمنين (عليه السلام)، وفي القاموس هو جبل في الجزيرة وروي أنه تعالى أوحى إلى الجبال " أني واضع سفينة نوح عبدي على جبل منكن فتطاولت وشمخت وتواضع الجودي فضربت السفينة بجؤجؤها الجبل ".


1 - كذا والصواب باليائين كان المتن يعني العطارين. (*)

[ 398 ]

* الأصل: 422 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن أبى نصر، عن أبان بن عثمان، عن أبى حمزة الثمالى، عن أبي رزين الأسدي، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: إن نوحا صلى الله عليه لما فرغ من السفينة وكان ميعاده فيما بينه وبين ربه في إهلاك قومه أن يفور التنور ففار فقالت امرأته: إن التنور قد فار فقام إليه فختمه فقام الماء وأدخل من أراد أن يدخل وأخرج من أراد أن يخرج، ثم جاء إلى خاتمه فنزعه يقول الله عز وجل: * (ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر * وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر * وحملناه على ذات ألواح ودسر) * قال: وكان نجرها في وسط مسجدكم ولقد نقص عن ذرعه سبعمائة ذراع. * الشرح: (يقول الله عز وجل: ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر): أي منصب، قال القاضي: وهو مبالغة وتمثيل لكثرة الأمطار وشدة انصبابها * (وفجرنا الأرض عيونا) *: أي فجرنا عيون الأرض إلا أنه علق الفعل على الأرض للمبالغة حتى كأنها كلها صارت عيونا منفجرة (فالتقى الماء) ماء السماء وماء الأرض (على أمر قد قدر) أي على مقدار قدره الله في الأزل من غير زيادة ونقصان أو على أمر قدره الله تعالى وهو هلاك قوم نوح * (وحملناه على ذات ألواح ودسر) * أراد بها السفينة بذكر أوصافها للدلالة على كمال قدرته والدسر بالضم وبضمتين: جمع الدسار وهو المسمار والخيط من ليف يشد بها ألواح السفينة (ولقد نقص عن ذرعه سبعمائة ذراع) الظاهر أن الضمير المجرور وفاعل نقص راجعان إلى المسجد وأن المراد بالنقص النقص الأول بالطوفان فلا يستبعد نحر سفينة طولها ألف ومائتا ذراع في وسطه. 423 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن علي، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: جاءت امرأة نوح (عليه السلام) وهو يعمل السفينة فقالت: إن التنور قد خرج منه ماء فقام إليه مسرعا حتى جعل الطبق عليه وختمه بخاتمه فقام الماء فلما فرغ من السفينة جاء إلى الخاتم ففضه وكشف الطبق ففار الماء. * الأصل: 424 - على بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن إسماعيل الجعفي، عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: كانت شريعة نوح (عليه السلام) أن يعبد الله بالتوحيد والإخلاص وخلع الأنداد وهي الفطرة التي فطر الناس عليها وأخذ ميثاقه على نوح (عليه السلام) وعلى النبيين (عليهم السلام) أن يعبدوا الله تبارك وتعالى ولا يشركوا به شيئا، وأمر بالصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحلال والحرام، ولم يفرض عليه أحكام حدود ولا فرض مواريث فهذه شريعة فلبث فيهم نوح

[ 399 ]

ألف سنة الا خمسين عاما يدعوهم سرا وعلانية فلما أبوا وعتوا قال: * (رب إني مغلوب فانتصر) * فأوحى الله جل وعز إلى " أنه لن يؤمن من قومك الا من قد آمن فلا تبتس بما كانوا يعملون فلذلك قال نوح (عليه السلام): * (ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا) * فأوحى الله عز وجل إليه * (أن اصنع الفلك) *. * الشرح: (كانت شريعة نوح أن يعبد الله بالتوحيد والاخلاص وخلع الأنداد) التوحيد: الإقرار بأنه تعالى واحد لا شريك له في الوجود والوجوب الذاتيين ولا يتجزى ولا ينقسم، والإخلاص: تنزيه النية والعمل عن أن يكون لغيره تعالى فيها نصيب، والأنداد جمع الند - بالكسر -: وهو مثل الشئ الذي يضاده في أموره ويناده أي يخالفه (وهي الفطرة التي فطر الناس عليها) نبه به على أن الولادة تقع على ذلك حتى يقع التغيير من الأبوين أو من غيرهما وإلى هذا ميل بعض العامة وقال بعضهم: المراد بالفطرة كونه خلقا قابلا للهداية وإدراك الحق ومتهيأ لهما لا فطرة الإسلام والتوحيد وذلك الاستعداد موضوع في العقول وإنما يمنعها عنهما الابوان أو غيرهما وقال بعضهم: المراد بها ما سبق في العلم الأزلي من سعادة أو شقاوة (أخذ الله ميثاقه على نوح وعلى النبيين اه‍) يعني أن هذه طريقة مستمرة في جميع الأمم والأديان وهذا وإن كان خبرا لكن معناه الأمر بالقيام عليها. * الأصل: 425 - عنه، عن أبيه، ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد جميعا، عن الحسن بن علي، عن عمر ابن أبان، عن إسماعيل الجعفي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن نوحا (عليه السلام) لما غرس النوى مر عليه قومه فجعلوا يضحكون ويسخرون ويقولون قد قعد غراسا حتى إذا طال النخل وكان جبارا طوالا قطعه ثم نحته فقالوا: قد قعد نجارا، ثم ألفه فجعله سفينة فمروا عليه فجعلوا يضحكون ويسخرون ويقولون: قد قعد ملاحا في فلاة من الأرض حتى فرغ منها. * الشرح: (حتى إذا طال النخل وكان جبارا طوالا) الجبار بالتشديد: العالي وهو من أبنية المبالغة وتسمى النخلة العالية جبارة لطولها وعظمتها التي تفو يد يد المتناول (ويقولون قد قعد ملاحا في فلاة من الأرض) الظاهر أنهم لم يعرفوا قبل ذلك ملاحا ولم يروا سفينة جرت على الماء فكأنهم علموا ذلك بإخبار نوح (عليه السلام) عنه حين أراد نجر السفينة. * الأصل: 426 - علي، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن الحسن بن صالح الثوري، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان طول سفينة نوح (عليه السلام) ألف ذراع ومائتي ذراع وعرضها ثمانمائة ذراع وطولها في السماء ثمانين [ ذراعا ] وسعت بين الصفا والمروة بالبيت سبعة أشواط ثم استوت على الجودي.

[ 400 ]

* الشرح: (وسعت بين الصفا والمروة وطافت بالبيت سبعة أشواط) الظاهر أن سبعة أشواط متعلق بالفعلين على سبيل التنازع والواو لا يدل على الترتيب فلا ينافي تأخر السعي عن طواف الزيارة ويمكن أن يراد بالطواف طواف النساء فإنه بعد السعي لطواف الزيارة. * الأصل: 427 - محمد بن أبي عبد الله، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن سنان، عن إسماعيل الجعفي، وعبد الكريم بن عمرو، وعبد الحميد بن أبى الديلم، عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: حمل نوح (عليه السلام) في السفينة الأزواج الثمانية التي قال الله عز وجل: * (ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين) * فكان من الضأن اثنين زوج داجنة يربيها الناس، والزوج الآخر الضأن التي تكون في الجبال الوحشية احل لهم صيدها، ومن المعز اثنين زوج داجنة يربيها الناس والزوج الآخر الظبي التي تكون في المفاوز، ومن الإبل اثنين البخاتي والعراب، ومن البقر اثنين زوج داجنة للناس والزوج الآخر البقر الوحشية وكل طير طيب وحشى [ أ ] وإنسى، ثم غرقت الأرض. * الشرح: (حمل نوح في السفينة الأزواج الثمانية - اه‍) يعني حمل فيها من كل صنف من الحيوان زوجا الذكر والأنثى لبقاء النسل، والداجن: الشاة التي يعلفها الناس في منازلهم وهي الأهلية (ارتفع الماء على كل جبل وعلى سهل خمسة عشر ذراعا) دل على تحقق هذا المقدار في الكل ولا ينافي الزيادة عليه في البعض فلا يلزم تفاوت سطح الماء في الارتفاع والانخفاض تفاوتا فاحشا مستبعدا طبعا وعادة مانعا من جري السفينة. 428 - محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن علي، عن داود بن أبي يزيد، عن من ذكره عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ارتفع الماء على كل جبل وعلى كل سهل خمسة عشر ذراعا. * الأصل: 429 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: عاش نوح (عليه السلام) ألفي سنة وثلاثمائة سنة منها ثمانمائة وخمسين سنة قبل أن يبعث وألف سنة إلا خمسين عاما وهو في قومه يدعوهم وخمسمائة عام بعد ما نزل من السفينة ونضب الماء فمصر الأمصار وأسكن ولده البلدان ثم أن ملك الموت جاءه وهو في الشمس فقال: السلام عليك فرد عليه نوح (عليه السلام) قال ما جاء بك يا ملك الموت ! قال جئتك لأقبض روحك. قال: دعني أدخل من الشمس إلى الظل فقال له: نعم، فتحول ثم قال: يا ملك الموت كل ما مر بي من الدنيا مثل

[ 401 ]

تحويلي من الشمس إلى الظل فامض لما امرت به فقبض روحه (عليه السلام). * الشرح: قوله: (يا ملك الموت كل ما مر بى من الدنيا مثل تحويلي من الشمس إلى الظل) في القلة والنقصان وعدم الاعتداد به وهذا من باب المبالغة في التعبير عن التعلق بالزائل أو باعتبار أن الزيادة والنقصان في الماضي أمر وهمي اعتباري وفيه زجر لكل أحد عن التمسك بالدنيا وإن رجا طول العمر فكيف مع قصره. * الأصل: 430 - محمد بن أبي عبد الله، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر، وعبد الكريم بن عمرو، وعبد الحميد بن أبي الديلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال عاش نوح (عليه السلام) بعد الطوفان خمسمائة سنة، ثم أتاه جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا نوح إنه قد انقضت نبوتك واستكملت أيامك فانظر إلى الاسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة التي معك فادفعها إلى ابنك سام فإنى لا أترك الأرض إلا وفيها عالم تعرف به طاعتي وتعرف به هداي ويكون نجاة فيما بين مقبض النبي ومبعث النبي الآخر ولم أكن أترك الناس بغير حجة لي وداع إلي وهاد إلى سبيلي وعارف بأمري، فإني قد قضيت أن أجعل لكل قوم هاديا أهدي به السعداء ويكون حجة لي على الأشقياء قال: فدفع نوح (عليه السلام) الاسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة إلى سام وأما حام ويافث فلم يكن عندهما علم ينتفعان به، قال: وبشرهم نوح (عليه السلام) بهود (عليه السلام) وأمرهم أن باتباعه وأمرهم أن يفتحوا الوصية في كل عام وينظروا فيها ويكون عيدا لهم. * الشرح: (فانظر إلى الاسم الاكبر - اه‍ قد مر هذه الأسماء وفيه تنبيه على أن النبوة والولاية والإمامة من قبل الله تعالى ولا مدخل لعقول البشر فيها كما مر (أن بعض أصحابنا يفترون ويقذفون من خالفهم) أي يلومونهم أو يقطعونهم قطعة قطعة بنسبة القبايح إليهم بالهجو ونحوه من فرى فلانا كرضى إذا لامه أو من فراه يفريه إذا شقة وقطعه على جهة الإفساد ومنه حديث حسان " لأفرينهم فري الأديم) لأقطعنهم بالهجاء كما يقطع الأديم وفي بعض النسخ ويعيرون من التعيير. * الأصل: 431 - علي بن محمد، عن علي بن العباس، عن الحسن بن عبد الرحمن، عن عاصم بن حميد، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: إن بعض أصحابنا يفترون ويقذفون من خالفهم ؟ فقال لي: الكف عنه أجمل، ثم قال: والله يا أبا حمزة إن الناس كلهم أولاد بغايا ما خلا شيعتنا، قلت: كيف لي بالمخرج من هذا فقال لي: يا أبا حمزة كتاب الله المنزل يدل عليه أن الله تبارك وتعالى

[ 402 ]

جعل لنا أهل البيت سهاما ثلاثة في جميع الفيئ ثم قال عز وجل * (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) * فنحن أصحاب الخمس والفيئ وقد حرمناه على جميع الناس ما خلا شيعتنا والله يا أبا حمزة ما من أرض تفتح ولا خمس يخمس فيضرب على شى منه إلا كان حراما على من يصيبه فرجا كان أو مالا، ولو قد ظهر الحق لقد بيع الرجل الكريمة عليه نفسه فيمن لا يزيد حتى أن الرجل منهم ليفتدي بجميع ماله ويطلب النجاة لنفسه فلا يصل إلى شئ من ذلك وقد أخرجونا وشيعتنا من حقنا ذلك بلا عذر ولا حق ولا حجة. قلت: قوله عز وجل: * (هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين) * قال: إما موت في طاعة الله أو إدراك ظهور إمام ونحن نتربص بهم مع ما نحن فيه من الشدة " أن يصيبهم الله بعذاب من عنده " قال: هو المسخ " أو بأيدينا " وهو القتل. قال الله عز وجل لنبيه (صلى الله عليه وآله): * (قل تربصوا فإنا معكم متربصون) * والتربص: انتظار وقوع البلاء بأعدائهم. * الشرح: (فقال لي: الكف عنهم أجمل) لأن فيه تحرزا عن المجازاة بالمثل أو أشد (ثم قال: يا أبا حمزة إن الناس كلهم أولاد بغايا ما خلا الشيعة - اه‍) تبيان ذلك على ما ذكر فيه وفي غيره من الروايات أن نصف الغنيمة وكل الأنفال والخراج بل كل ما في الدنيا للإمام (عليه السلام) يعطي من يشاء ويملكه ما يشاء فما تصرفوا فيه من الإماء وقيمها ومهور النساء فقد حرمه عليهم فهم لذلك أولاد بغايا وأما الشيعة فقد أحله لهم لطيب ولادتهم (ولا خمس يخمس) أي يؤخذ وفي القاموس خمستهم أخمسهم بالضم: أخذت خمس أموالهم (فيضرب على شئ منه): أي فيمسكه يقال ضرب على يده إذا أمسك والبواقي ظاهرة (ولو قد ظهر الحق وهو قيام القائم (عليه السلام) لقد بيع الرجل الكريمة علية نفسه أي العزيزة والتأنيث باعتبار الفاعل وهو النفس (فيمن لا يريد) شراؤه للإهانة به أو لكثرة هذا الصنف، ولا يزيد بالزاي المعجمة أي لا يزيد في ثمنه احتمال. * الأصل: 432 - وبهذا الإسناد، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله عزوجل: * (قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين * إن هو إلا ذكر للعالمين) * قال: هو أمير المؤمنين (عليه السلام) * (ولتعلمن نبأه بعد حين) * قال: عند خروج القائم (عليه السلام) وفي قوله عز وجل: * (ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه) * قال: اختلفوا كما اختلف هذه الأمة في الكتاب وسيختلفون في الكتاب الذي مع القائم الذي يأتيهم به حتى ينكره ناس كثير فيقدمهم فيضرب أعناقهم. وأما قوله عز وجل: * (ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم) * قال: لولا ما تقدم فيهم من الله عز وجل ما أبقى القائم (عليه السلام) منهم واحدا. وفي قوله عز وجل: * (والذين يصدقون

[ 403 ]

بيوم الدين) * قال: بخروج القائم (عليه السلام) وقوله عز وجل: * (والله ربنا ما كنا مشركين) * قال: يعنون بولاية علي (عليه السلام). وفي قوله عز وجل: * (وقل جاء الحق وزهق الباطل) * قال: إذا قام القائم (عليه السلام) ذهبت دولة الباطل. * الشرح: (وما أنا من المتكلفين) المتكلف المتعرض لما لا يعنيه. (والذين يصدقون بيوم الدين) قال: بخروج القائم (عليه السلام)) لا ينافيه التفسير بيوم القيامة أيضا لأن الآية الواحدة لها معان كثيرة. * الأصل: 433 - عنه، عن علي بن الحسن، عن منصور بن يونس، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: * (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم * إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون) * ؟ فقال: يا أبا محمد يسلط والله من المؤمن على بدنه ولا يسلط على دينه ! قد سلط على أيوب (عليه السلام) فشوه خلقه ولم يسلط على دينه وقد يسلط من المؤمنين على أبدانهم ولا يسلط على دينهم قلت: قوله تعالى: * (إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون) * قال: الذين هم بالله مشركون يسلط على أبدانهم وعلى أديانهم. * الشرح: (فقال: يا أبا محمد يسلط والله من المؤمن على بدنه ولا يسلط على دينه) وإن قال يقع التنافي من الآية الأولى والآية الثانية فإن الأولى يدل على أن لها سلطانا والثانية على أنه لا سلطان له. * الأصل: 434 - عنه، عن علي بن الحسن، عن منصور، عن حريز بن عبد الله، عن الفضيل قال: دخلت مع أبي جعفر (عليه السلام) المسجد الحرام وهو متكئ علي فنظر إلى الناس ونحن على باب بني شيبة فقال: يا فضل هكذا كان يطوفون في الجاهلية لا يعرفون حقا ولا يدينون دينا، يا فضيل انظر إليهم مكبين على وجوههم لعنهم الله من خلق مسخوا بهم مكبين على وجوههم ثم تلا هذه الآية: * (أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم) * يعني والله عليا (عليه السلام) والأوصياء، ثم تلا هذه الآية: * (فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هذا الذي كنتم به تدعون) * أمير المؤمنين (عليه السلام) يا فضيل لم يتسم بهذا الاسم غير علي (عليه السلام) إلا مفتر كذاب إلى يوم البأس هذا. أما والله يا فضيل مالله عز ذكره حاج غيركم ولا يغفر الذنوب إلا لكم ولا يتقبل إلا منكم وإنكم لأهل هذه الآية: * (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما) *.

[ 404 ]

يا فضيل أما ترضون أن تقيمو الصلاة وتؤتوا الزكاة وتكفوا ألسنتكم وتدخلوا الجنة، ثم قرأ * (ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) * أنتم والله أهل هذه الآية. * الشرح: (يا فضيل (1) انظر إليهم منكبين (2) على وجوههم لعنهم الله من خلق مسخوا) من لبيان الجنس أو للتبعيض، وانظر، إما على صيغة المتكلم أو الأمر، والانكباب محمول على الحقيقة لأنه (عليه السلام) رآهم على الصورة المبدلة المسخية وحمله على التشبيه محتمل. * الأصل: 435 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن محمد بن سلمان الأزدي، عن أبي الجارود، عن أبي إسحاق، عن أمير المؤمنين (عليه السلام): " وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل (بظلمه وسوء سيرته) والله لا يحب الفساد ". * الشرح: (وإذا تولى سعى في الأرض - اه‍) فيه وفيما بعده من الأحاديث دلالة على وقوع التغير في الآيات المذكورة والله يعلم. 436 - سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن حمران بن أعين، عن أبى جعفر (عليه السلام) * (والذين كفروا أولياؤهم الطواغيت) *. 437 - علي بن إبراهيم، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد، عن محمد بن سنان عن أبى جرير القمي - وهو محمد بن عبيد الله وفي نسخة عبد الله - عن أبي الحسن (عليه السلام) * (له ما في السموات وما في الأرض * (وما بينهما وما تحت الثرى عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم) * من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) * 438 - محمد بن خالد، عن حمزة بن عبيد، عن إسماعيل بن عباد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) * (ولا يحيطون بشئ من علمه إلا بما شاء) * وآخرها * (وهو العلي العظيم) * والحمد لله رب العالمين وآيتين بعدها. 439 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سيف، عن أخيه عن أبيه، عن أبي بكر بن محمد قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقرأ * (وزلزلوا (ثم زلزلوا) * حتى يقول الرسول ".


1 - كذا. 2 - كذا. (*)

[ 405 ]

* الأصل: 440 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن أسباط، عن علي بن أبي حمزة عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) * (واتبعوا ما تتلوا الشياطين (بولاية الشياطين) * على ملك سليمان " ويقرأ أيضا: * (سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة (فمنهم من آمن ومنهم من جحد ومنهم من أقر ومنهم من بدل) * ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب) *. * الشرح: (واتبعوا ما تتلوا الشياطين بولاية الشياطين على ملك سليمان) الظاهر أنه تنزيل ويمكن أن يكون تأويلا وفيه إشارة إلى ما وقع في عهد نبينا (صلى الله عليه وآله). * الأصل: 441 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن عبد الرحمن بن حماد، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن الفيض قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): يمرض منا المريض فيأمره المعالجون بالحمية فقال: لكنا أهل بيت لا نحتمي إلا من التمر، ونتداوى بالتفاح والماء البارد، قلت: ولم تحتمون من التمر ؟ قال: لأن نبي الله حمى عليا (عليه السلام) منه في مرضه. * الشرح: (فيأمره المعالجون بالحمية - اه‍) حمى المريض ما يضره حمية منعه إياه فاحتمى وتحمى امتنع وبالفارسية حمية " پرهيز فرمودن " واحتماء " پرهيز كردن ". 442 - عنه، عن أحمد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن الحلبي قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا تنفع الحمية المريض بعد سبعة أيام. 443 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن علي بن الحكم، عن موسى بن بكر، عن أبى الحسن موسى (عليه السلام) قال: ليس الحمية أن تدع الشئ أصلا لا تأكله، ولكن الحمية أن تأكل من الشئ وتخفف. * الأصل: 444 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أبى يحيى الواسطي، عن بعض أصحابنا قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إن المشي للمريض نكس، إن أبي (عليه السلام) كان إذا اعتل جعل في ثوب فحمل لحاجته يعني الوضوء وذاك أنه كان يقول: إن المشي للمريض نكس. * الشرح: (إن المشي للمريض نكس) وهو بالضم عود المرض في النقاهة أو بعدها.

[ 406 ]

* الأصل: 445 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة أن رجلا دخل علي أبي عبد الله (عليه السلام) فقال: رأيت كأن الشمس طالعة على رأسي دون جسدي فقال: تنال أمرا جسيما ونورا ساطعا ودينا شاملا فلو غطتك لانغمست فيه ولكنها غطت رأسك أما قرأت * (فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي...) * فلما أفلت تبرأ منها إبراهيم (عليه السلام): قال: قلت جعلت فداك إنهم يقولون: إن الشمس خليفة أو ملك فقال: ما أراك تنال الخلافة ولم يكن في آبائك وأجدادك ملك وأي خلافة وملوكية أكبر من الدين والنور، ترجو به دخول الجنة، إنهم يغلطون قلت: صدقت جعلت فداك. * الشرح: (تنال أمرا جسيما ونورا ساطعا ودينا شاملا - اه‍) كأنه أراد بالأمر الجسيم أمرا من أمور الدنيا وإرشاد الخلق، وبالنور الساطع: العلم وبالدين الشامل العمل به وبزوغ الشمس وشروقها وابتداء طلوعها ولعل الاستشهاد بالاية لدلالة على أن طلوع الشمس وشروقها ثم أفولها كما صار دليلا للخليل (عليه السلام) على معرفة الحق حيث قال: " وجهت وجهي - الآية " كذلك يصير دليلا للرائي في المنام إليه فيدل على ما ذكر. * الأصل: 446 - عنه، عن رجل رأى كان الشمس طالعة على قدميه دون جسده، قال ما يناله نبات من الأرض من بر أو تمر يطأه بقدميه ويتسع فيه وهو حلال إلا أنه يكد فيه كما كد آدم (عليه السلام). * الشرح: وأما قوله: (قلت: جعلت فداك إنهم يقولون إن الشمس خليفة أو ملك) فكأنهم عبروا رؤياه بأنك تصير خليفة وذا ملك باعتبار أن الشمس خليفة على الكواكب يجري أثرها عليها واحتياجها في كسب الضوء إليها فأجاب (عليه السلام) بأن هذا التعبير ليس بصواب لما ذكرو فيه دلالة على أن الرائي لو كان من أهل بيت الخلافة والملوك لأمكن ذلك في حقه (إلا أنه يكد فيه) أي في تحصيله أو في ضبطه أو في كليهما أو لأمر يؤول إليه بسببه كما هو شأن الدنيا. * الأصل: 447 - علي، عن أبيه، عن الحسن بن علي، عن أبي جعفر الصائغ، عن محمد بن مسلم، قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) وعنده أبو حنيفة فقلت له: جعلت فداك رأيت رؤيا عجيبة ! فقال لي: يا ابن مسلم هاتها فإن العالم بها جالس وأومأ بيده إلى أبي حنيفة، قال: قلت: رأيت كأني دخلت داري وإذا أهلي قد خرجت علي فكسرت جوزا كثيرا ونثرته علي، فتعجبت من هذه الرؤيا فقال أبو حنيفة: أنت رجل تخاصم وتجادل لئاما في مواريث أهلك فبعد نصب شديد تنال حاجتك منها

[ 407 ]

إن شاء الله، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): أصبت والله يا أبا حنيفة، قال: ثم خرج أبو حنيفة من عنده، فقلت جعلت فداك إنى كرهت تعبير هذا الناصب، فقال: يا ابن مسلم لا يسوؤك الله، فما يواطئ تعبيرهم تعبيرنا ولا تعبيرنا تعبيرهم وليس التعبير كما عبره، قال: فقلت له: جعلت فداك فقولك: أصبت وتحلف عليه وهو مخطئ ؟ ! قال: نعم حلفت عليه أنه أصاب الخطأ، قال: فقلت له: فما تأويلها قال: يا ابن مسلم إنك تتمتع بأمرأة فتعلم بها أهلك فتمزق عليك ثيابا جددا فان القشر كسوة اللب، قال ابن مسلم: فو الله ما كان بين تعبيره وتصحيح الرؤيا إلا صبيحة الجمعة فلما كان غداة الجمعة أنا جالس بالباب إذ مرت بي جارية فأعجبتني فأمرت غلامي فردها ثم أدخلها داري فتمتعت بها فأحست بي وبها أهلي فدخلت علينا البيت فبادرت الجارية نحو الباب وبقيت أنا فمزقت علي ثيابا جددا كنت ألبسها في الأعياد. وجاء موسى الزوار العطار إلى أبي عبد الله (عليه السلام) فقال له: يا ابن رسول الله رأيت رؤيا هالتني، رأيت صهرا لي ميتا وقد عانقني وقد خفت أن يكون الأجل قد اقترب، فقال: يا موسى توقع الموت صباحا ومساء فإنه ملاقينا ومعانقة الأموات للأحياء أطول لأعمارهم فما كان اسم صهرك ؟ قال: حسين فقال: أما إن رؤياك تدل على بقائك وزيارتك أبا عبد الله (عليه السلام) فإن كل من عانق سمي الحسين (عليه السلام) يزوره إن شاء الله. * الشرح: (يا ابن مسلم هاتها فإن العالم بها جالس وأومأ بيده إلى أبي حنيفة) قدمه وسماه عالما للتقية أو لاظهار جهله عند بعض الأصحاب ثم في هذا الخبر دلالة على أن الرؤيا ليست على ما يعبر بها أولا لأنه لم يقع تعبير أبى حنيفة ووقع تعبيره (عليه السلام) بعده، ولأنه لو كانت لأول عابر لما خطأه (عليه السلام) وهذا ينافي ظاهر ما سيجيئ عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: " الرؤيا على ما يعبر " وقال (عليه السلام): " امرأة رأت أن جذع بيتها انكسر فأتت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقصت عليه الرؤيا فقال (عليه السلام) زوجك يقدم وهو صالح وقد كان غايبا فقدم كما قال، ثم رأت هذه الرؤيا ثانية فقصت على النبي (صلى الله عليه وآله) فعبرها بما مر، ثم رأتها ثالثة فقصت على رجل أعسر فقال يموت زوجك فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله) فقال ألا كان عبر لها خيرا " فإن فيها أيضا دلالة على أن الرؤيا على وفق ما يعبر والجواب المراد أن الرؤيا تجيئ على وفق ما يعبر في بعض الأحيان لأن التعبير قد يؤثر في النفس من باب التطير والتفأل لا دائما فلا منافاة. (رأيت صهرا لي ميتا اه‍ " الصهر بالكسر: القرابة وزوج بنت الرجل وزوج أخته وأبو امرأته. * الأصل: 448 - إسماعيل بن عبد الله القرشي، قال: أتى إلى أبي عبد الله (عليه السلام) رجل فقال له: يا ابن رسول الله رأيت في منامي كأني خارج من مدينة الكوفة في موضع أعرفه وكان شبحا من خشب أو رجلا منحوتا من خشب على فرس من خشب يلوح بسيفه وأنا أشاهده، فزعا مرعوبا فقال له (عليه السلام): أنت

[ 408 ]

رجل تريد اغتيال رجل في معيشته، فاتق الله الذي خلقك ثم يميتك فقال الرجل: أشهد أنك قد أوتيت علما واستنبطه من معدنه اخبرك يا ابن رسول الله عما [ قد ] فسرت لي إن رجلا من جيراني جاءني وعرض علي ضيعته فهممت أن أملكها بوكس كثير لما عرفت أنه ليس لها طالب غيري فقال أبو عبد الله (عليه السلام): وصاحبك يتولانا ويبرأ عدونا ؟ فقال: نعم يا ابن رسول الله رجل جيد البصيرة مستحكم الدين وأنا تائب إلى الله عز وجل وإليك مما هممت به ونويته فأخبرني يا ابن رسول الله لو كان ناصبا حل لي اغتياله فقال: أد الأمانة لمن ائتمنك وأراد منك النصيحة ولو إلى قاتل الحسين (عليه السلام). * الشرح: (وكان شبحا من خشب أو رجلا منحوتا من خشب على فرس يلوح بسيفه وأنا اشاهده فزعا مرعوبا) لوح بسيفه وألاح به: لمع به (فقال (عليه السلام): أنت رجل تريد اغتيال رجل في معيشة اه‍) أي قيما يعيش به، يقال: اغتاله وغاله: أهلكه وأخذه من حيث لم يدر، والو كس كالوعد: النقصان والتنقيص لازم متعد والنصيحة طلب الخير للمنصوح وكانه أول رؤياه بالإلهام والتعليم الرباني، ويحتمل أنه استنبط أن ذلك الرائي منافق يريد اغتيال غيره من قوله تعالى * (كأنهم خشب مسندة) * وقد فسر بعض المعبرين الخشب: بالمنافق نظرا إلى هذه الآية فذلك الشبح الخشبي كان مثاله وذلك الفرس الخشبي كان نفاقه وكما أن المنافق في ترويج أمره راكب على فرس النفاق الذي لا يكون أمره رايجا ولا يوصل صاحبه إلى منزل كذلك الفرس الخشبي وسيف ذلك الشبح قصد الرائي إهلاك غيره وأما كون الاغتيال في أمر المعيشة فيحتمل أنه مستنبط من ركوبه على الفرس لأن الفرس قد يأول بالدنيا وسعة المعاش ولأنه سبب لازدياد الرزق والتوسعة في المعيشة وطلب الدنيا كما في بعض الروايات والله يعلم. * الأصل: 449 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيوب، عن سيف بن عميرة، عن أبي بكر الحضرمي، عن عبد الملك بن أعين، قال: قمت من عند أبي جعفر (عليه السلام) فاعتمدت على يدي فبكيت، فقال: مالك ؟ فقلت: كنت أرجو أن أدرك هذا الأمر وبي قوة فقال: أما ترضون أن عدوكم يقتل بعضهم بعضا وأنتم آمنون في بيوتكم: إنه لو قد كان ذلك اعطى الرجل منكم قوة أربعين رجلا وجعلت قلوبكم كزبر الحديد، لو قذف بها الجبال لقلعتها وكنتم قوام الأرض وخزانها * الشرح: (وجعلت قلوبكم كزبر الحديد - اه‍) الزبر والزبر جمع زبرة: وهي القطعة من الحديد (لو قذف

[ 409 ]

بها الجبال لقلعتها) لقوتها وشدتها وصلابتها وكنتم (قوام الأرض وخزانها) في بعض النسخ " وجيرانها " جمع الجار، والمراد به الناصر المجير الذي يجير من أراد ويؤمنه من أن يظلم (وسمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) مرة بعد أخرى) وهو يقول. * الأصل: 450 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن محمد بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي هاشم، عن سفيان الجريري، عن أبي مريم الأنصاري، عن هارون بن عنترة، عن أبيه قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) مرة بعد مرة وهو يقول وشبك أصابعه بعضها في بعض ثم قال: تفرجي تضيقي وتضيقي تفرجي، ثم قال: هلكت المحاضير ونجا المقربون وثبت الحصى على أوتادهم، أقسم بالله قسما حقا إن بعد الغم فتحا عجبا. * الشرح: (وشبك) أي وقد شبك أصابعه (بعضها في بعض ثم قال: تفرجي تضيقي وتضيقي تفرجي) دلت الآية والرواية والتجربة على أن بعد كل ضيق وشدة فرجا ومن كلامه (عليه السلام) " أدنى ما يكون الفرج عن مضيق الأمر " والحمل للمبالغة في اتصال أحدهما بالآخر وتشبيك الأصابع تمثيل للإيضاح ولو جعل تفرجي وتضيقي خطابا للأصابع مع بعده كان فيه إشارة إلى ما ذكرنا (ثم قال: هلكت المحاصير: أي المستعجلون ظهور الصاحب (عليه السلام) الموقنون له وقد مرت هذ اللفظة وتصحيحها في ذيل حديث نوح (عليه السلام) (ونجا المقربون) الذين يسلمون ظهوره ويقرون به غير موقتين له، روى المصنف في باب كراهة التوقيت بإسناده عن عبد الرحمن بن كثير قال: " كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) إذ دخل عليه مهزم فقال له: جعلت فداك أخبرني عن هذا الأمر الذي تنتظره متى هو ؟ فقال: يا مهزم كذب الوقاتون وهلك المستعجلون ونجا المسلمون " (وثبت الحصى على أوتادهم) الضمير للمقربين وهذا كناية عن ثباتهم في مقام الصبر على أذى الأعداء وتحملهم مكاره الضيق وشدايد البلاء حتى لا يسقط خيام صبرهم بصرصر شبهات المعاندين ولا تتحرك أوتادها بحصيات مفتريات المخالفين، وهذه العبارة كالمثل في مقام الشدايد ثم أقسم بالقسم البار تأكيدا لمضمون ما سبق (فقال: أقسم بالله قسما حقا أن بعد الغم) الذي لحقنا ولحق شيعتنا بتسلط الأعداء ونزول الشدايد والبلاء (فتحا عجبا) وهو ظهور الصاحب (عليه السلام) واستيلاؤه على مشارق الأرض ومغاربها. * الأصل: 451 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن علي بن عقبة، عن أبيه، عن ميسر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: يا ميسر ! كم بينكم وبين قرقيسا ؟ قلت هي قريب على شاطئ الفرات فقال: أما إنه سيكون بها وقعة لم يكن مثلها منذ خلق الله تبارك وتعالى السماوات والأرض

[ 410 ]

ولا يكون مثلها ما دامت السماوات والأرض مأدبة للطير تشبع منها سباع الأرض وطيور السماء، يهلك فيها قيس ولا يدعى لها داعية قال: وروى غير واحد وزاد فيه: وينادي مناد هلموا إلى لحوم الجبارين. * الشرح: (يا ميسر كم بينكم وبين قرقيسيا) في بعض النسخ قرقيسا بالكسر: بلد على الفرات سمي بقرقيسا بن طهمورث، والوقعة: المحاربة وكأنها ما وقع بين أبي مسلم ومروان الحمار وعساكره واستيصالهم أو ما وقع بين هلاكو والمستعصم واستيصاله بني عباس وقوله مأدبة صفة لوقعة أو خبر مبتدأ محذوف أي هي مأدبة للطير والسباع تأكل لحومهم والمشهور في المأدبة ضم الدال وقد تفتح وهي طعام يصنع لدعوة أو عرس (يهلك فيها قيس ولا يدعى لها داعية) الظاهر أن ضمير لها لقيس باعتبار القبيلة وأن الواو للحال وفي النهاية يدعى له أي ينسب إليه فيقال: فلان بن فلان وفي القاموس داعية اللبن: بقيته التي في الضرع بعد الحلب، يقال: دعا في الضرع داعية أبقاها فيه سميت بها لأنها تدعو ما وراه وتنزله، وفيه أيضا الداعية: صريخ الخيل في الحروب، والمعنى على الأول لا تنسب إليها نفس داعية تدعو الانتساب إليها، وعلى الثاني لا تبقى لها بقية، وعلى الثالث لا تطلب لها خيول صارخة ومن يقوم بطلب دمائهم لعدم وجوده، ويحتمل أن يكون الضمير للوقعة والواو للعطف والأنسب حينئذ هو المعنى الأخير والله أعلم. (قال: وروى غير واحد وزاد فيه وينادي مناد هلموا إلى لحوم الجبارين) فاعل قال محمد ابن يحيى ويحتمل غيره، والمنادي إما ملك أو إنسان، وهلم بضم اللام بمعنى تعال مركب من هاء للتنبيه ومن لم أي ضم نفسك إلينا وفيه لغتان فأهل الحجاز يطلقونه على الواحد والجمع والاثنين والمذكر والمؤنث بلفظ واحد مبنى على الفتح، وبنو تميم تذكر وتؤنث وتثنى وتجمع فيقول هلم وهلما وهلموا وهلمي وهلمن، والظاهر أن وهلموا خطاب للطيور والسباع وضمير العقلاء باعتبار تشبيهها بأناس يدعون إلى مأدبة. * الأصل: 452 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن حماد بن عيسى، عن الحسين بن المختار، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كل راية ترفع قبل قيام القائم فصاحبها طاغوت يعبد من دون الله عز وجل. * الشرح: (كل راية ترفع قبل قيام القائم) (عليه السلام) وإن كان رافعها يدعو إلى الحق (فصاحبها طاغوت يعبدون من دون الله) الطاغوت: الشيطان والأصنام وكل ما يعبد من دون الله ويطلق على الواحد والجمع

[ 411 ]

ويعبدون بالضم وصف له. * الأصل: 453 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن هشام بن سالم، عن شهاب بن عبد ربه، قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): يا شهاب يكثر القتل في أهل بيت من قريش حتى يدعى الرجل منهم إلى الخلافة فيأباها، ثم قال: يا شهاب ولا تقل: إني عنيت بني عمي هؤلاء، قال شهاب: أشهد أنه قد عناهم. * الشرح: (ولا تقل إنى عنيت بني عمي هؤلاء) إشارة إلى بني عباس لا إلى بني الحسن فإنها احتمال بعيد. * الأصل: 454 - حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد الكندي، عن غير واحد، عن أبان بن عثمان، عن الفضيل، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن الناس لما صنعوا ما صنعوا إذ بايعوا أبا بكر لم يمنع أمير المؤمنين (عليه السلام) من أن يدعو إلى نفسه إلا نظرا للناس وتخوفا عليهم أن يرتدوا عن الإسلام فيعبدوا الأوثان ولا يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكان الأحب إليه أن يقرهم على ما صنعوا من أن يرتدوا عن جميع الإسلام وإنما هلك الذين ركبوا ما ركبوا، فأما من لم يصنع ذلك ودخل فيما دخل فيه الناس على غير علم ولا عداوة لأمير المؤمنين (عليه السلام) فإن ذلك لا يكفره ولا يخرجه من الإسلام ولذلك كتم علي (عليه السلام) أمره وبايع مكرها حيث لم يجد أعوانا. * الشرح: (فأما من لم يصنع ذلك ودخل فما دخل فيه الناس على غير علم ولا عداوة لأمير المؤمنين (عليه السلام) فإن ذلك لا يكفره ولا يخرجه من الإسلام) قال الفاضل الأردبيلي: المخالف: الجاهل المحض الذي لم يعرف الحق بحيث لا يعد مقصرا لو وجد أو عد مقصرا في الجملة حيث دل عقله على التفتيش وما فعل لتقصير أو لجهل يرجى له دخول الجنة في الجملة ووجدت قريبا إلى هذا المعنى في بعض الأخبار بل إنه كل من لم يبر أو ليس بعد ولنا يرجى له الجنة وليس ببعيد من كرم الله وكرمهم (عليهم السلام). أقول: لعل مراده ببعض الأخبار هذا الخبر إلا أنه ضعيف بالإرسال مع أن الحسن واقفي وإن كان ثقة ثم قال وأما الذين يموتون على غير الإيمان فالكافر منهم مخلد في النار وعبادتهم غير مقبولة عند الله ويحتمل حصول عوض له بسبب بعض الأفعال الحسنة من الله أما في الدنيا أو في الآخرة بتخفيف عقاب ما كما قيل فيمن لم يستحق دخول الجنة والثواب فيها وكذا من كان معاندا أو مقلدا

[ 412 ]

للآباء أو لمن تقدمه من العلماء مع معرفته للحق في الجملة كما حكى عن بعض الفضلاء منهم أن هذا حق ولكن العلماء المتقدمين هكذا كانوا وكذا من اطلع على الحق بالعقل والنقل متهاونا في الدين ومتغافلا عن الحق وعن التأمل فيه لقلة التقيد به وعدم اعتباره ذلك وذلك أيضا كثير ولهذا نجد نقل العلماء والعظماء منهم حكايات وأخبارا دالة على خلاف معتقدهم مثل ما يرون من الأخبار في الصحاح أن الأئمة اثني عشر وما نقلوا في آية التطهير من حصر أهلها في آل العبا وآية المباهلة وخبر " إني تارك فيكم الثقلين " وأنه لابد لكل زمان إماما فإنه من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية وإن القياس في الأصول لا يجزي وأن الاجماع لا يكون حجة إلا إذا كان له سنده وأن القياس له شرايط وفيه الاختلافات الكثيرة والاعتراضات العظيمة وكذلك في الإجماع ومع ذلك يسندون أصلهم وهو خلافة الأول إلى إجماع ما كان إلا بعض من في المدينة في ذلك الزمان مسندا إلى قياس بصلاة خلفه برضى عنه (صلى الله عليه وآله) [ وأنه أمر أخروى والإمامة أمر دنيوي ] فيرضى له أيضا مع أنهم صرحوا في بابها بأنها رياسة عامة في الدين والدنيا مع تجويزهم الصلاة خلف كل فاسق وفاجر ويتركون ما نقلوه من النصوص بسبب ذلك مع نقلهم أن عليا (عليه السلام) ما بايع إلا بعد فوت فاطمة (عليها السلام) وبالجملة من تفكر فيما قالوا فقط من غير شئ آخر مذكور في طرقنا لجزم إما بجنونهم أو قلة مبالاتهم أو غفلتهم ومثل ما روي أن ضربة علي يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين، وهم يقولون قد يكون غيره أفضل منه بمعنى أكثر ثوابا ومثل ما قال شارح التجريد أن معنى قول عمر: بيعة أبى بكر فلتة من عاد إلى مثلها فاقتلوه، انه من عاد إلى خلاف كاد أن يظهر عندها فاقتلوه، وهل يمكن مثل هذا التقدير في الكلام مع أنه ينافي معنى الفلتة وهو ظاهر لا خلاف فيه، ومثل ما قال الشريف في إلهيات شرح المواقف: الاجتهاد وقد يكون صوابا وقد يكون خطأ وليس فيه عقاب وقصور مثل تخلف الأولى والثاني عن جيش أسامة حين أمرهم النبي (صلى الله عليه وآله) بالرواح معه وقالوا ليس مصلحة في أن نترك النبي (صلى الله عليه وآله) في تلك الحالة التي يمكن مفارقة الدنيا وتخلى المدينة ومثل ما قالوا في توجيه قول الثاني حين قال النبي (صلى الله عليه وآله): ايتوني بالدوات والقلم الحديث. فقال الثاني: إن الرجل ليهذر، حسبنا كتاب الله، فقالوا: إن ذلك القول منه من باب الاجتهاد ولم يعلموا أن رد قول الرسول والعمل بخلافه كفر محض ومثل ما قال العضدي في توجيه إنكار الثاني العدول من الإفراد إلى التمتع حين أمر النبي (صلى الله عليه وآله) من لم يسق الهدي بذلك مع عدم سياقه وقال: نغتسل والنبي أغبر، فقال العضدي: إنه دليل على تقديم فعله على قوله عند التعارض وما علم أن لا تعارض هنا لأن فعله وعدم عدوله (عليه السلام) لأنه ساق الهدي وقوله وأمره بالعدول لمن لم يسقه فكان فرضه غير فرضهم، ومثل ما بالغ ابن أبي الحديد في كون الخطبة الشقشقية منه (عليه السلام) وقال: إن كونها منه مثل ضوء النهار وقد اطلع على النكاية التي فيها حتى قال فيشكل الأمر علينا لا على الشيعة ثم

[ 413 ]

أجاب بأنه وقع لترك الأولى وهل يقول العاقل مثل هذه الأقاويل التي لا يعذر صاحبها أصلا فهؤلاء وأمثالهم مخلدون في النار، ويمكن حمل الأخبار الواردة في عدم قبول طاعاتهم وعباداتهم على هؤلاء. * الأصل: 455 - حدثنا محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد عن علي بن النعمان، عن عبد الله بن مسكان، عن عبد الرحيم القصير قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): إن الناس يفزعون إذا قلنا: إن الناس ارتدوا، فقال: يا عبد الرحيم ان الناس عادوا بعدما قبض رسول الله (عليه السلام) أهل جاهلية، إن الأنصار اعتزلت فلم تعتزل بخير، جعلوا يبايعون سعدا وهم يرتجزون ارتجاز الجاهلية، يا سعد أنت المرجى، وشعرك المرجل، وفحلك المرجم. * الشرح: (قلت لأبي جعفر (عليه السلام): إن الناس يفزعون إذا قلنا ان الناس ارتدوا - اه‍) لا وجه لفزعهم لأنهم نقلوا في صحاحهم ما يدل على أن ارتدادهم منه ما ذكر قبل ذلك بسبعة أوراق ومنه ما رواه مسلم في صحيحه عن حذيفة قال: حدثنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) حديثين قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر حدثنا أن الأمانة نزل في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة، ثم حدثنا عن رفع الأمانة، قال: ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه مثل الوكت. ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل أثر المجل كجمرد حرجته على رجلك فنفط فتراه منتبرا وليس فيه شئ ثم أخذ حصاة فدحرجها على رجله فيصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة حتى يقال أن في بني فلان رجلا أمينا حتى يقال للرجل ما أجلده، ما أطرفه، ما أعقله وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم بايعت لئن كان مسلما ليردنه على دينه، وإن كان نصرانيا أو يهوديا ليردنه على ساعيه فأما اليوم فما كنت أبايع منكم إلا فلانا وفلانا انتهى، قال محيى الدين شارح مسلم: الجذر بالجيم والذال المعجمة: الأصل من كل شئ ونزول الأمانة في جذر قلوب الرجال كناية عن خلقه تعالى في تلك القلوب قابلية الالتزام حفظها والقيام بها فلما نزل القرآن والسنة عمل بمقتضاهما من خلقت فيه تلك القابلية ثم رفعت وانتزعت عنهم إلا في أفراد من الناس، ومات حذيفة في خلافة عثمان، والوكت: الأثر اليسير، والمجل بفتح الميم وسكون الجيم أو فتحها، تنفط اليد من العمل بفأس ونحوه وفاعل نفط ضمير الرجل والتذكير باعتبار لفظ الرجل ومنتبر معناه مرتفع. وقال المازري: والمعنى أنه شبه زوال نور الأمانة بعد استقرارها واعتقاب الظلمة إياها بجمر دحرج على رجل فاثر ثم زال الجمر وبقي الأثر الذي هو التنفط وبالجملة المقصود من الحديث،

[ 414 ]

الأخبار عن تغير الحال برفع الأمانة من تلك القلوب التي جبلت على حفظها وعدم الخوف فيها حتى لا يبقى فيها إلا مثل الوكت، ثم مثل المجل، وقوله: أيكم بايعت، فسره الآبي شارح مسلم بالبيع أي لا يؤمن على البيع والشراء إلا القليل برفع الامانة وحمله القرطبى شارح مسلم على بيعة الخلافة وفسر الساعي بالعامل. أقول إذا مات حذيفة في خلافة عثمان كما صرح به محيى الدين وأنه رأى رفع الأمانة عن الصحابة ورأى اتصافهم بالكفر كما دل عليه الحديث إلا في قليل منهم فقد دل ذلك على مدعانا وهو ارتدادهم بعد فوت النبي (صلى الله عليه وآله)، وتخصيص رفع الأمانة بالبيع والشراء كما فسره الآبي لاوجه له بل هو فرد من أفراده فما زادوا في ذلك إلا قسوة على قسوة، على أن لنا أن نقول إذا لم يكونوا أمينا في البيع والشراء فكيف صاروا أمينا في نصب الخليفة للأمة إلى يوم القيامة هذا والأمر الآخر الذي انتظر مجيئه حذيفة هو وقوع الفتن في الحديث الآتي كما صرح به الآبي ومنه ما رواه مسلم عن حذيفة، قال: كنا عند عمر، فقال: أيكم سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يذكر الفتن ؟ فقال قوم: نحن سمعناه، فقال: لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله وماله وجاره ؟ قالوا: أجل قال: تلك تكفرها الصلاة والصيام والصدقة ولكن أيكم سمع النبي (صلى الله عليه وآله) يذكر الفتن التي تموج موج البحر ؟ قال حذيفة: فأسكت القوم، فقلت: أنا: قال: ايت لله أبوك قال حذيفة: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: تعرض الفتن على القلوب كالحصير عوذا عوذا فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض والآخر أسود مر بدا كالكوز مخجيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه، قال حذيفة: وحدثته أن بينك وبينها بابا مغلقا يوشك أن يكسر قال عمرا اكسرا لا أبالك فلو أنه فتح لعله كان يعاد، قال لا بل يكسر، قال الأصمعي: سكت القوم صمتوا واسكتوا أطرقوا وعوذا بالذال المعجمة من الاستعاذة أي يعرض الفتن على القلوب يلصقها مثل لصوق الحصر، وتأثيرها بجنب النائم عليها عوذ بالله واشربها أي حلت منه محل الشراب وقوله: مثل الصفا في أنه لا يلصق به شئ من الفتن كما لا يلصق به شئ، ومربد: مثل محمر معنى لا صورة يسير بياض في سواد ؟، والمخجى: المنكوس المائل الذي لا يقع فيه شئ وأن بينك وبينها بابا أي لا يخرج شئ منها في حياتك. اكسرا أي يكسر كسرا استعظم الكسر لأنه إنما يكون عن غلبة وإكراه ولا يرجى إعادته بخلاف الفتح، لا أبا لك كلمة تستعمل للحث على الفعل أي جد في الفعل جد من لا أب له بعينه أقول هذا الحديث يدل على وقوع الفتنة وتخصيص حذيفة وقوعها بما بعد عمر لا يكون سندا لأنه لم ينقله من باب الرواية ولئن سلم فنقول ما وقع بعد عمر من الفتن هو فتنة طلحة وزبير وعايشة ومعاوية وأهل نهروان وأكثر أصحابهم فكيف يدعون أن الصحابة لم يرتدوا ولا يصح نسبة الارتداد إليهم،

[ 415 ]

فإذا ثبت هذا ثبت أن نسبة الارتداد إليهم بعد النبي (صلى الله عليه وآله) ليس مستبعدا لأجل أنهم كانوا من أصحابه ومنه ما رواه أيضا عن جابر قال: قال رسول الله: " مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها وهو يذبن عنها فأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون من بين يدي " وفي رواية " أنا آخذ بحجزكم عن النار فتغلبوني وتقمحون في النار " وفي أخرى " أنا آخذ بحجزكم وأنتم تقحمون فيها " قال محيى الدين: الفراش: الذي يطير كالبعوض وقيل: هو الطير الذي يتساقط في النار، والحجزة: معقد الأزار والسراويل وإذا أخذ الرجل من يخاف سقوطه أخذ بذلك الموضع منه، والتقحم: التقدم والوقوع في الاهوية وشبهها، فقد شبه (عليه السلام) دخول الصحابة وغيرهم ممن ارتد عن دينه في نار الآخرة بتساقط الفراش في نار الدنيا لجهله وعدم تمييزه وتخصيص الذم بما عدى الصحابة تخصيص بلا مخصص ومحض الحمية الجاهلية ومن العجايب أنهم مع ذلك يدعون أن كل واحد من الصحابة عدل وذلك قول من لم يشم رائحة صدق ودليل وأيضا روى مسلم في كتاب الأمارة أن النبي (صلى الله عليه وآله) ذكر ذات يوم الفلول فعظمه وعظم أمره ثم قال لا ألفين أحدكم يجئ يوم القيامة على رقبة بعير له رغاء يقول: يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك - الحديث " قال الآبى: هذا خطاب مواجهة وفيه دلالة على عدم عدالة الصحابة ثم قال: ولا بعد في ذلك (صلى الله عليه وآله) قد جلد في الخمر وقطع في السرقة. (إن الأنصار اعتزلت) عن الدين أو عن المهاجرين أو عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (فلم تعزل بخير وجعلوا يبايعون سعدا) سعد بن عبادة من أشراف الأنصار (وهم يرتجزون ارتجاز الجاهلية) في القاموس الرجز بالتحريك: ضرب من البحر ووزنه مستفلن ست مرات سمي به لتقارب أجزائه وقلة حروفه وزعم الخليل أنه ليس بشعر وانما هو إنصاف أبيات وأثلاث والأرجوزة كالقصيدة منه والجمع أراجيز وقد رجز وارتجز ورجز به رجزة أنشد أرجوزة (يا سعد أنت المرجا وشعرك المرجل وفحلك المرجم) أي أنت الذي تأمل حصول المقاصد منه من الترجية وهي ضد اليأس، والمرجل: اسم مفعول من الترجيل وهو تسريح الشعر وتنظيفه وتحسينه كما يفعله المترفون والمتنعمون، والمرجم إما من جعل على قبره الرجمة بالضم: وهي الحجارة أو من رجم في المعارك ورمى فيها، أو من لا يوقف على حقيقة أمره لفخامته والفحل على الأول الخصم المدعى للغلبة أو المساواة، وعلى الأخيرين أبو المخاطب أو هو على سبيل الكناية كما في قولك مثلك لا يبخل. * الأصل: 456 - حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد الكندي، عن غير واحد من أصحابه عن أبان بن عثمان، عن أبي جعفر الأحول، والفضيل بن يسار، عن زكريا النقاض عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

[ 416 ]

سمعته يقول: الناس صاروا بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمنزلة من اتبع هارون (عليه السلام) ومن اتبع العجل وإن أبا بكر دعا فأبى علي (عليه السلام) إلا القرآن وإن عمر دعا فأبى علي (صلى الله عليه وآله) إلا القرآن وإن عثمان دعا فأبى علي (عليه السلام) إلا القرآن، وإنه ليس من أحد يدعو - إلى أن يخرج الدجال - إلا سيجد من يبايعه ومن رفع راية ضلال‍ [ - ة ] فصاحبها طاغوت. * الشرح: (وأنه ليس من أحد يدعو) أي إلى بدعة حذفت للتعميم ولقرينة المقام (إلى أن يخرج الدجال سيجد من يبايعه) أي إلى زمان خروجه والمراد به جميع زمانه المتصل آخره بزمان نزول عيسى وظهور الصاحب (عليهم السلام) فلا يرد أن إلى تفيد خروج ما بعدها عن الحكم المذكور وليس كذلك في السين في " سيجد " لمجرد التأكيد كما صرح به صاحب الكشاف في قوله تعالى * (سنكتب ما قالوا) * (ومن رفع راية ضلالة فصاحبها طاغوت) وهي كل راية رفعت قبل قيام القائم (عليه السلام) كما مر.

[ 417 ]

حديث أبي ذر رضى الله عنه * الأصل: 457 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن عبد الله بن محمد، عن سلمة اللؤلؤي، عن رجل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ألا اخبركم كيف كان إسلام سلمان وأبي ذر فقال الرجل وأخطأ: أما إسلام سلمان فقد عرفته فأخبرني بإسلام أبي ذر فقال: إن أبا ذر كان في بطن مر يرعى غنما له فأتى ذئب عن يمين غنمه فهش بعصاه على الذئب، فجاء الذئب عن شماله فهش عليه أبو ذر ثم قال له أبو ذر: ما رأيت ذئبا أخبث منك ولا شرا، فقال له الذئب: شر والله مني أهل مكة بعث الله عز وجل إليهم نبيا فكذبوه وشتموه فوقع في اذن أبي ذر، فقال لامرأته: هلمي مزودي وأدواتي وعصاي، ثم خرج على رجليه يريد مكة ليعلم خبر الذئب وما أتاه به، حتى بلغ مكة فدخلها في ساعة حارة وقد تعب ونصب فأتى زمزم وقد عطش، فاغترف دلوا فخرج لبن فقال في نفسه: هذا والله يدلني على أن ما خبرني الذئب وما جئت له حق، فشرب وجاء إلى جانب من جوانب المسجد فإذا حلقة من قريش فجلس إليهم فرآهم يشتمون النبي (صلى الله عليه وآله) كما قال الذئب، فمازالوا في ذلك من ذكر النبي والشتم له حتى جاء أبو طالب من آخر النهار فلما رأوه قال بعضهم لبعض: كفوا فقد جا عمه، قال: فكفوا فما زال يحدثهم ويكلمهم حتى كان آخر النهار، ثم قام وقمت على أثره فالتفت إلي فقال: اذكر حاجتك ! فقلت: هذا النبي المبعوث فيكم، قال: وما تصنع به ؟ قلت: اومن به وأصدقه وأعرض عليه نفسي ولا يأمرني بشئ إلا أطعته فقال: وتفعل ؟ فقلت: نعم قال: فتعال غدا في هذا الوقت إلي حتى أدفعك إليه قال: بت تلك الليلة في المسجد حتى إذا كان الغد جلست معهم فما زالوا في ذكر النبي (صلى الله عليه وآله) وشتمه حتى إذا طلع أبو طالب فلما رأوه قال بعضهم لبعض: أمسكوا فقد جاء عمه، فأمسكوا فما زال يحدثهم حتى قام فتبعته فسلمت عليه فقال: اذكر حاجتك فقلت: النبي المبعوث فيكم، قال: وما تصنع به ؟ فقلت: أو من به وأصدقه وأعرض عليه نفسي ولا يأمرني بشئ إلا أطعته، قال: وتفعل قلت: نعم، فقال: قم معي، فتبعته فدفعني إلى بيت فيه حمزة (عليه السلام) فسلمت عليه وجلست فقال لي: ما حاجتك ! فقلت هذا النبي المبعوث فيكم، فقال: وما حاجتك إليه ؟ قلت: اومن به واصدقه وأعرض عليه نفسي ولا يأمرني بشئ إلا أطعته فقال: تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قال: فشهدت قال: فدفعني حمزة إلى بيت فيه جعفر (عليه السلام) فسلمت عليه وجلست فقال لي جعفر (عليه السلام): ما حاجتك ؟ فقلت: هذا النبي المبعوث فيكم قال: وما حاجتك إليه ! فقلت: أو من به وأصدقه وأعرض عليه نفسي ولا يأمرني بشئ الا أطعته، فقال تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، فقال: فشهدت

[ 418 ]

فدفعني إلى بيت فيه علي (عليه السلام) فسلمت وجلست فقال: ما حاجتك ؟ فقلت: هذا النبي المبعوث فيكم قال: ما جتك إليه ؟ قلت: أو من به واصدقه وأعرض عليه نفسي ولا يأمرني بشئ إلا أطعته، فقال: تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، قال: فشهدت فدفعني إلى بيت فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسلمت وجلست، فقال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما حاجتك ؟ قلت: النبي المبعوث فيكم، قال: وما حاجتك إليه ؟ قلت: أو من به واصدقه ولا يأمرني بشئ إلا أطعته فقال: تشهد أن إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فقال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا أبا ذر انطلق إلى بلادك فإنك تجد ابن عم لك قد مات وليس له وارث غيرك فخذ ماله وأقم عند أهلك حتى يظهر أمرنا، قال: فرجع أبو ذر فأخذ المال وأقام عند أهله حتى ظهر أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله). فقال أبو عبد الله (عليه السلام): هذا حديث أبي ذر وإسلامه رضي الله عنه وأما حديث سلمان فقد سمعته ؟ فقال: جعلت فداك حدثني بحديث سلمان، فقال: قد سمعته، ولم يحدثه لسوء أدبه. * الشرح: (حديث أبي ذر رضي الله عنه) قال القرطبي: أبو ذر اسمه جندب بن جنادة، من كبار الصحابة، أسلم بعد أربعة، ثم انصرف إلى بلاد قومه فأقام بها حتى قدم عام الحديبية بعد أن مضت بدر وأحد والخندق وكان غلب عليه التعبد والتزهد ودخل بعد موت النبي (صلى الله عليه وآله) الشام فوقع بينه وبين معاوية نزاع فشكاه معاوية إلى عثمان فأقدمه عثمان المدينة ثم خرج إلى الربذة فأقام فيها في موضع منقطع إلى أن مات سنة اثنتين وثلاثين فصلى عليه ابن مسعود عن منصرفه من الكوفة في ركب ولم يوجد له ما يكفن فيه فكفنه رجل من أهل الركب في ثوب من غزل أمه وكان أوصى أن لا يكفنه أحد ولى شيئا من أعمال السلطان وخبره في ذلك معروف انتهى. أقول: خروجه إلى الشام ثم إلى المدينة ثم من المدينة بعد ضرب عثمان أياه إلى الربذة كان بأمر عثمان لأنه كان ينقل دائما ذمائمهم وقد ذكرنا ذلك سابقا نقلا من كلام أصحابهم (فقال: إن أبا ذر كان في بطن مريرعى غنما له فأتى ذئب عن يمين غنمه فهش بعصاه على الذئب) بطن مرو يقال له الظهر إن بفتح الميم وتشديد الراء موضع بقرب مكة على مرحلة، والهش: الخيط وهو الضرب الشديد وخرط الورق من الشجر ولعله ههنا كناية عن الطرد والفعل كدب ومل، والمزود كمنبر: ما يجعل فيه الزاد، والاداوة: المطهرة هذا وأما سبب إسلام سلمان فقيل لما وافى رسول الله (صلى الله عليه وآله) نزل بقبا وقال: لا أدخل المدينة حتى يلحق بي علي وكان سلمان كثير السؤال عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكان قد اشتراه بعض اليهود وكان يخدم نخلا لصاحبه فلما وافى (عليه السلام) قبا وكان سلمان عرف بعض أحواله من بعض أصحاب عيسى (عليه السلام) وغيره فحمل طبقا من تمر وجاءهم به فقال: سمعنا أنكم غرباء وافيتم هذا الموضع فحملنا هذا إليكم من صدقتنا فكلوه، فقال رسول الله " ص): سموا وكلوا

[ 419 ]

ولم يأكل هو منه شيئا وسلمان واقف ينظر فأخذ الطبق وانصرف وقال: هذه واحدة بالفارسية، ثم جعل في الطبق تمرا أخر فحمله فوضعه بين يديه (عليه السلام) فقال: رأيتك لم تأكل من تمر الصدقة فحملت هذا هدية فمد (عليه السلام) يده وقال لأصحابه: كلوا بسم الله فأخذ سلمان الطبق وهو يقول: هذا اثنان، ثم دار خلف رسول الله (عليه السلام) فعلم (عليه السلام) مراده منه فأرخى رداءه عن كتفه فرأى سلمان الشامة فوقع عليها وقبلها وقال: أشهد أن لا اله إلا الله وانك رسول الله ثم قال: إنى عبد ليهودي فما تأمرني ؟ فقال: فكاتبه على شئ تدفعه إليه فصار سلمان إلى اليهودي فقال له: إنى أسلمت واتبعت هذا النبي على دينه ولا تنتفع بي وكاتبني على شئ أدفعه إليك وأملك نفسي، فقال اليهودي: أكاتبك على أن تغرس لي خمسمائة نخلة وتخدمها حتى تحمل ثم تسلمها إلي وعلى أربعة أوقية ذهبا جيدا فانصرف إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأخبره بذلك فقال (عليه السلام) اذهب فكاتبه على ذلك فمضى سلمان وكاتبه على ذلك وقدر اليهودي أن هذا لا يكون إلا بعد سنين وانصرف سلمان بالكتاب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال (عليه السلام) اذهب فأتني بخمسمائة نواة وفي رواية الحشوية بخمسمائة نبلة فجاءه سلمان بخمسمائة نواة فقال: سلمها إلى علي (عليه السلام) ثم قال لسلمان: اذهب بنا إلى الأرض التي طلب النخل فيها فذهبوا إليها وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يثقب الأرض بإصبعه ثم يقول لعلي (عليه السلام) ضع في الثقب نواة ثم يرد التراب عليها ويفتح رسول الله أصابعه فتفجر الماء من بينها فيسقى ذلك الموضع ثم يصير إلى موضع الثانية فإذا فرغ من الثانية تكون الأولى قد نبتت ثم يصير إلى موضع الثالثة فإذا فرغت تكون الأولى منها قد حملت ثم يصير إلى موضع الرابعة وقد نبتت الثالثة وحملت الثانية وهكذا حتى فرغ من غرس الخمسمائة وقد حمل كلها فنظر اليهودي وقال: صدقت قريش أن محمدا ساحر، وقال: قبضت منك النخل فأين الذهب فتناول رسول الله (صلى الله عليه وآله) حجرأ كان بين يديه فصار ذهبا أجود ما يكون فقال اليهودي: ما رأيت ذهبا قط مثله وقدره مثل تقدير عشر أواق فوضعه في الكف فرجح فزاد عشرا حتى صار أربعين أوقية لا يزيد ولا ينقص، قال سلمان فانصرف إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلزمت خدمته وأنا حر. * الأصل: 458 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) أن ثمامة بن أثال أسرته خيل النبي (صلى الله عليه وآله) وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: اللهم أمكني من ثمامة فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): إني مخيرك واحدة من ثلاث: أقتلك ؟ قال: إذا تقتل عظيما، أو افاديك، قال: إذا تجدني غاليا، أو أمن عليك قال: إذا تجدني شاكرا، قال: فإني قد مننت عليك قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك محمد رسول الله وقد والله علمت أنك رسول الله حيث رأيتك وما كنت لأشهد بها وأنا في الوثاق.

[ 420 ]

* الشرح: (إن ثمامة بن أثال أسرته خيل النبي (صلى الله عليه وآله)) قيل في المغرب أثال بالضم: المال والمجد وبه سمي والد ثمامة و " أبال " تصحيف وأبو وجزة بن أبى عمرو بن أمية - اه‍) ضبط وجزة بالزاي المعجمة وعتبة بضم العين وسكون التاء، وفلسطين: كورة بالشام وقرية بالعراق، والشامة: علامة تخالف البدن التي هي فيه ويقال لها بالفارسية " خال "، والدكنة بالضم: لون إلى السواد دكن كفرح فهو أدكن. * الأصل: 459 - عنه، عن أبيه، عن أحمد بن محمد، عن أبان، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لما ولد النبي (صلى الله عليه وآله) جاء رجل من أهل الكتاب إلى ملأ من قريش فيهم هشام بن المغيرة والوليد بن المغيرة والعاص بن هشام وأبو وجزة بن أبي عمرو بن أمية وعتبة بن ربيعة فقال: أولد فيكم مولود الليلة ؟ فقالوا: لا قال: فولد إذا بفلسطين غلام اسمه أحمد به شامة كلون الخز الأدكن ويكون هلاك أهل الكتاب واليهود على يديه قد أخطأكم والله يا معشر قريش فتفرقوا وسألوا فأخبروا أنه ولد لعبد الله بن عبد المطلب غلام فطلبوا الرجل فلقوه، فقالوا: إنه قد ولد فينا والله غلام قال: قبل أن أقول لكم أو بعد ما قلت لكم ؟ قالوا: قبل أن تقول لنا، قال: فانطلقوا بنا إليه حتى ننظر إليه فانطلقوا حتى أتوا أمه فقال: أخرجي ابنك حتى ننظر إليه فقالت إن ابني والله لقد سقط وما سقط كما يسقط الصبيان لقد اتقى الأرض بيديه ورفع رأسه إلى السماء فنظر إليها، ثم خرج منه نور حتى نظرت إلى قصور بصرى وسمعت هاتفا في الجو يقول: لقد ولدتيه سيد الأمة فإذا وضعتيه فقولي: أعيذه بالواحد من شر كل حاسد وسميه محمدا، قال الرجل: فأخرجيه فأخرجته فنظر إليه ثم قلبه ونظر إلى الشامة بين كتفيه فخر مغشيا عليه فأخذوا الغلام فأدخلوه إلى أمه وقالوا: بارك الله لك فيه، فلما خرجوا أفاق فقالوا له: مالك ويلك ؟ قال: ذهبت نبوة بني إسرائيل إلى يوم القيامة هذا والله من يبيرهم ففرحت قريش بذلك فلما رآهم قد فرحوا قال: [ قد ] فرحتم أما والله ليسطون بكم سطوة يتحدث بها أهل المشرق والمغرب وكان أبو سفيان يقول: يسطو بمصره. * الشرح: وقوله: (قد أحظاكم) إما بالحاء المهملة والظاء المعجمة من الحظوة بالضم أو الكسر: وهي المكانة والمنزلة أي جعلكم ذوي منزلة رفيعة بين للناس أو بالخاء المعجمة والطاء المهملة من الخطو وهو المشي والركوب والتجاوز، يقال تخطى الناس وأخطاهم إذا ركبهم وجاوزهم وقال بعض الأفاضل في توجيه علم الرجل بذلك وتوجيه قوله " فولد إذا بفلسطين " بعد قولهم " لا " مذكور في الكتب المنزلة على الأنبياء المتقدمين (عليهم السلام) يولد في مكة رجل معصوم اسمه أحمد وكنيته أبو القاسم وكذلك في قرية من العراق أحدهما نبي والآخر إمام ومذكور الليلة التي يولد فيها أحد

[ 421 ]

الأحمدين، والمراد باتقاء الأرض بيديه الحذر من ضررها عند السقوط بتقديمها، والقصور جمع القصر وهو بناء معروف " وبصرى " كحبلى: بلد بالشام وقرية قرب بغداد، والسطو " گرفتن " بعنف سطى عليه وبه سطوا وسطوة قهره وأذله وبطشه بشدة وقول أبى سفيان (يسطو بمصر - اه) استفهام إنكار واعلم أن هذه الشامة هي التي تسمى بخاتم النبوة وإنما سميت بذلك لأنها إحدى العلامات التي يعرف بها علماء الكتب السابقة وكذا لما حصل عند سلمان من علامات صدقه ما حصل كموضع مبعثه ومهاجره جد في طلبه فلما جعل يتأمل ظهره فعلم (عليه السلام) أنه يريد أن يقف على ما يعرف به من خاتم النبوة فأزال الرداء عن ظهره الكريم، فلما رأى سلمان الخاتم أكب عليه يقبله ويقول أشهد أنك رسول الله، قيل: وكذلك حين خرج مع عمه أبى طالب إلى الشام ومروا بصومعة بحيرا الراهب نزل إليهم وكان قبلها لا يخرج لأحد فجعل يتخللهم فلما رآه أخذ بيده وقال: هذا سيد العالم هذا رسول رب العالمين فقالت له مشيخة من قريش: ما علمك به ؟ قال: لما أشرفتم من العقبة لم يبق حجر وشجر إلا سجد له ولا يسجد إلا لنبي وإنى أعرفه بخاتم النبوة مثل التفاحة وفيه أن موضعه كان بين الكتفين ومن طريق العامة أنه كان عند ناغض كتفه اليسرى، قال بعضهم: الناغض من الإنسان: أصل العنق حيث ينغض رأسه ونغض الكتف هو العظم الرقيق على طرفيهما وقيل للناغض فرع الكتف سمي ناغضا للحركة ومنه قيل للظليم ناغض لأنه يحرك رأسه إذا جرى، وقال المازري: ناغض الكتف ما رق منه وسمي بذلك لنغوضه أي لتحركه نغض رأسه أي حركه ومنه قوله تعالى * (فسينغضون إليك رؤوسهم) * أي يحركونها استهزاء وأما مقداره فلم أجد تقديره في كلام الأصحاب وفي بعض أخبار العامة أنه كان مثل التفاحة وفي بعضها مثل بيضة الحمامة، وفي بعضها مثل بيضة الحجلة، وفي بعضها مثل الجمع، قال عياض: الجمع: الكف إذا جمع، يقال: ضربته بجمع كفي إذا جمع كفه فضربه بها وقال المازري: الجمع: الكف وصورته بعد أن تجمع الأصابع وتضمها ثم فيه دلالة على أنه (عليه السلام) ولد به وفي بعض روايات العامة دلالة واضحة على أنه لم يولد به وهو ما رووه من حديث شق الصدرفيه " فلما أزال الملكان حظ الشيطان وعلق الدم منه قال أحدهما للآخر: خطه فخطه ووضع الخاتم بين الكتفين " وقال السهيلي: وحكمة وضع الخاتم أنه لما شق صدره وأزيل مغمز الشيطان ملئ قلبه حكمة وإيمانا فختم عليه كما يختم على الإناء المملوء مسكا، وحكمة وضعه عند نغض الكت لأنه المحل الذي يوسوس منه الشيطان وقد ذكروا في كتبهم أن شق الصدر كان بعد ما كان (عليه السلام) قادرا على المشي مع الأطفال ونقل الوسناني في إكمال الإكمال أنه (عليه السلام) كان بين الأطفال فرأوا رجلين أخذاه وشقا صدره فنادوا قتل محمد. * الأصل: 460 - حميد بن زياد، عن محمد بن أيوب، عن محمد بن زياد، عن أسباط بن سالم، عن أبي

[ 422 ]

عبد الله (عليه السلام) قال: كان حيث طلقت آمنة بنت وهب وأخذها المخاض بالنبي (صلى الله عليه وآله) حضرتها فاطمة بنت أسد امرأة أبي طالب فلم تزل معها حتى وضعت فقالت إحداهما للأخرى: هل ترين ما أرى ؟ فقالت: وماترين قالت: هذا النور الذي قد سطع ما بين المشرق والمغرب فبينما هما كذلك إذ دخل عليهما أبو طالب: فقال لهما: مالكما من أي شئ تعجبان ؟ فأخبرته فاطمة بالنور الذي قد رأت فقال لها أبو طالب: ألا أبشرك ؟ فقالت: بلى، فقال: أما إنك ستلدين غلاما يكون وصي هذا المولود. * الشرح: (حيث طلقت آمنة - اه‍) الطلق والمخاض بالفتح: وجع الولادة وقد طلقت المرأة تطلق على ما لم يسم فاعله أصابها الطلق وفيه دلالة على كمال أبي طالب وقيل: إنه كان من أوصياء عيسى (عليه السلام) وفي بعض الأخبار دلالة عليه. * الأصل: 461 - محمد بن أحمد بن عبد الله بن الصلت، عن يونس، وعن عبد العزيز بن المهتدي، عن رجل، عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام) في قوله تعالى: * (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم) * قال: صلة الإمام في دولة الفسقة. * الشرح: (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا - اه‍) القرض الحسن: ما أقصد منه وجه الله تعالى وما ذكره (عليه السلام) من أكمل أفراده ويندرج في صلة الإمام محبته وطاعته وإيصال المال إليه وغير ذلك من أنواع البر. * الأصل: 462 - يونس، عن سنان بن طريف قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ينبغى للمؤمن أن يخاف الله تبارك وتعالى خوفا كأنه مشرف على النار ويرجوه رجاء كأنه من أهل الجنة، ثم قال: إن الله عز وجل عند ظن عبده إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا. * الشرح: (ينبغي للمؤمن أن يخاف الله خوفا كأنه مشرف على النار ويرجو رجاء كأنه من أهل الجنة) دل على أنه ينبغى المساواة بين الخوف والرجاء، والنظر في الأول إلى جواز التقصير في الأعمال القلبية والبدنية مع ملاحظة عظمة الرب وقهره على جميع الممكنات بغنائه عنها، وفي الثاني إلى العجز والمسكنة مع بسط نعمته وسعة كرمه ورحمته وغنائه عن تعذيب العباد وعبادتهم وإنعامه عليهم في هذه الدار بلا سبق استحقاق فلا يبعد إجراء أعظم منها في دار القرار، فمن نظر إلى هذا تارة وإلى ذاك أخرى حصلت له ملكة الخوف وملكة الرجاء وهو متحير بين الحالتين ومتردد بين

[ 423 ]

المنزلتين، ومن علاماته: الزهد في الدنيا، وترك مالا ينبغي، والرغبة في الآخرة، وطلب ما ينبغي كما روى " من رجا شيئا طلبه ومن خاف من شئ هرب منه " (ثم قال: إن الله تبارك وتعالى عند ظن عبده إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا) نظيره من طرق الخاصة كثير وفي كتب العامة موجود، روى مسلم عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي "، فإن قلت: هل فيه دلالة على ما ينافي صدر الحديث من أن الرجاء ينبغي أن يكون غالبا على الخوف ؟ قلت لا، لوجوه: الأول: أن فيه ترغيبا في رجاء المغفرة وزجرا عن القنوط عند فعل المعصية فالخير هو الرجاء والشر هو القنوط والقنوط كفر وإليه أشار القابسي في حل حديث مسلم، الثاني: أنه تعالى عند ظن عبده في حسن عمله وسوء عمله لأن من حسن عمله حسن ظنه، ومن ساء عمله ساء ظنه وإليه أشار الخطابى في حله، الثالث: أن ظن الخير أن يرجو العبد رحمة الله من فضله ولا يتكل على عمله ولا يخاف إلا من ذنبه ولا من ذاته تعالى لأنه ليس بظلام للعبيد، وظن الشر المترتب عليه جزاء الشر أن يرجو من عمله ويخاف منه تعالى لا من ذنبه واستفدت هذا من كلام مولانا الصادق (عليه السلام) قال " حسن الظن بالله أن لا ترجو إلا الله ولا تخاف إلا من ذلك " الرابع: أن ظن الخير مركب من الرجاء والخوف المتساويين وظن الشر ما ليس كذلك وهو على أربعة أقسام، وهذا استفدته من قول إمامنا أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث قال: " العبد إنما يكون حسن ظنه بربه على قدر خوفه من ربه " معناه على قدر خوفه من عذاب ربه لأجل ذنبه، وقيل: ظن الخير أن يظن المغفرة إذا استغفر، وظن قبول التوبة إذا تاب، وظن قبول العمل الصالح إذا عمله. وظن الشر أن يأتي بهذه الأشياء ويظن أنها لا تقبل ولا تنفعه وذلك قنوط. * الأصل: 463 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن سنان، عن إسماعيل، بن جابر قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) بمكة إذ جاءه رسول من المدينة فقال له: من صحبت ؟ قال: ما صحبت أحدا، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): أما لو كنت تقدمت إليك لأحسنت أدبك ؟ ثم قال: واحد شيطان واثنان شيطانان وثلاث صحب وأربعة رفقاء. * الشرح: (أما لو كنت تقدمت إليك لأحسنت أدبك) أي لو جئتك لأحسنت أدبك بالضرب وأما إذ جئتني فلا أضربك لقبح ضرب الضيف والزائر (ثم قال: واحد شيطان واثنان شيطانان وثلاثة صحب وأربعة رفقاء) أي قافلة ولعل المراد أن المتفرد في السفر والذاهب على الأرض وحده أو مع واحد شيطان أي متمرد عات بعيد عن الله تعالى لأنه يوقع نفسه في الضرر والوحشة والتهلكة، وأيضا إن مات لم يوجد من يجهزة ويدفنه ويوصل خبره إلى أهله فيشكل عليهم أمر التزويج

[ 424 ]

والإرث، قال ابن الأثير: يريد أنه من الشيطان أو أنه شئ يحمله عليه الشيطان وهو حث على الاجتماع في السفر. * الأصل: 464 - عنه، عن أحمد، عن الحسين بن سيف، عن أخيه علي، عن أبيه قال: حدثني محمد بن المثنى قال: حدثني رجل من بني نوفل بن عبد المطلب قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن علي (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أحب الصحابة إلى الله أربعة وما زاد قوم على سبعة إلا كثر لغطهم. * الشرح: (وما زاد قوم على سبعة إلا كثر لغطهم) اللغطة بالغين المعجمة: صوت وضجة لا يفهم معناه والمقصود أن أكثر كلامهم لغو باطل منحرف عن الصواب والظاهر أن هذا غير مختص بالسفر. * الأصل: 465 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه عمن ذكره، عن أبى الحسن موسى (عليه السلام)، عن أبيه، عن جده (عليهما السلام) في وصية رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): لا تخرج في سفر وحدك فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، يا علي إن الرجل إذا سافر وحده فهو غاو، والاثنان غاويان، الثلاثة نفر، قال: وروى بعضهم سفر. * الشرح: (فإن الشيطان مع الواحد - اه) يوسوسه ويفزعه في النوم واليقظه ويدعوه إلى أمر غير ملايم بالشرع. والغاوي: الضال، والنفر: جماعة الناس من ثلاثة إلى عشرة، والسفر: جمع سافر كصحب وصاحب. * الأصل: 466 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمد، وعلي بن محمد القاساني، عن سليمان بن داود، عن حماد بن عيسى، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال في وصية لقمان لابنه: يا بني سافر بسيفك وخفك وعمامتك وخبائك وسقائك وأبرتك وخيوطك ومخرزك وتزود معك من الأدوية ما تنتفع بها أنت ومن معك وكن لأصحابك موافقا إلا في معصية الله عز وجل. * الشرح: (يا بني سافر بسيفك وخفك وعمامتك - اه‍) أمر بأخذ هذه الأشياء لأن المسافر كثيرا ما يحتاج إليها ولا يمكن تحصيلها في القفار. والسقاء ككساء جلد يتخذ للماء، واللبن ونحوهما والمخرز بالكسر: ما يخرز به وهو بالفارسية " درفش " وموافقة الأصحاب في الأمور المباحة وهي المماشاة معهم مطلوبة في السفر لأنها توجب الفرح والابتهاج وحسن التودد.

[ 425 ]

* الأصل: 467 - علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من شرف الرجل أن يطيب زاده إذا خرج في سفره. * الشرح: (من شرف الرجل) أي مجده وإصالته ونجابته (أن يطيب زاده) كما وكيفا ولا يعد ذلك إسرافا مع القدرة بشرط أن لا يبلغ حد التكلف المشعر بالإدلال والتفاخر، وقال الصادق (عليه السلام) " إذا سافرتم فاتخذوا سفرة وتنوقوا فيها ". * الأصل: 468 - علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان علي بن الحسين (عليه السلام) إذا سافر إلى الحج والعمرة تزود من أطيب الزاد من اللوز والسكر والسويق المحمض والمحلى. * الشرح: (كان علي بن الحسين (عليهما السلام) إذا سافر إلى الحج والعمرة تزود من أطيب الزاد من اللوز والسكر والسويق المحمض والمحلى) اللوز: " بادام " والسويق: الدقيق المشوي، وقد تحمض تحميضا بالسماق ونحوه وقد يحلى بالسكر والعسل ونحوهما وقيل: إنه من أطيب أطعمة العرب. * الأصل: 469 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن الوليد بن صبيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: دخلت عليه يوما فألقى إلي ثيابا وقال: يا وليد ردها على مطاويها فقمت بين يديه، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): رحم الله المعلى بن خنيس فظننت أنه شبه قيامي بين يديه بقيام المعلى بين يديه، ثم قال: اف للدنيا، اف للدنيا إنما الدنيا دار بلاء يسلط الله فيها عدوه على وليه، وإن بعدها دارا ليست هكذا، فقلت: جعلت فداك وأين تلك الدار ؟ فقال: ههنا وأشار بيده إلى الأرض. * الشرح: (ياوليد ردها على مطاويها - اه‍) مطاوي الثوب: اطواؤها جمع المطوى وهو بالفارسية " درهم پيچيده شده ". والمعلى بن خنيس قتله داود بن على وإلى المدينة وأخذ مال الصادق (عليه السلام) فقام (عليه السلام) راكعا وساجدا فلما كان في السحر دعا عليه وهو ساجد فسمعت الصيحة في داره قبل أن يرفع (عليه السلام) رأسه وأف: معناه الاستقذار لما شتم، وقيل: معناه الاحتقار والاستقذار وهو صوت إذا صوت به الإنسان علم أنه متضجر متكدر وفيها عشر لغات ضم الهمزة مع الحركات الثلاث في الفاء منونة وغير منونة، وأف بكسر الهمزة وفتح الفاء، وأف بضم الهمزة وسكون الفاء، وأف بضم الهمزة

[ 426 ]

والقصر، وافت بالتاء، وقال أبو البقاء: هي اسم لجملة خبرية أي كرهت وضجرت وقال أبو حيان: وظاهر هذا أنها اسم فعل الماضي فموجب البناء فيها قائم وهو وقوعها موضع المبني، قال أبو البقاء: فمن بناها على الأصل ومن فتح طلب التخفيف ومن نون أراد التنكير ومن لم ينون أراد التعريف والإشارة إلى الأرض إشارة إلى القبر والبرزخ لأن الجنة في السماء السابعة كما نطقت به الأخبار وصرح بذلك أيضا بعض الأفاضل. 470 - محمد بن أحمد، عن عبد الله بن الصلت، عن يونس، عمن ذكره، عن أبى بصير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): يا أبا محمد إن لله عز وجل ملائكة يسقطون الذنوب عن ظهور شيعتنا، كما تسقط الريح الورق من الشجر في أوان سقوطه وذلك قوله عز وجل: * (يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون للذين آمنوا) * والله ما أراد بهذا غيركم. * الأصل: 471 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن اذينة، عن زرارة قال: حدثني أبو الخطاب في أحسن ما يكون حالا قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: * (وإذ ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة) * فقال: وإذا ذكر الله وحده بطاعة من أمر الله بطاعته من آل محمد * (اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين (لم يأمر الله بطاعتهم) إذا هم يستبشسرون) *. * الشرح: (اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالله وبرسوله واليوم الآخر): أي انقبضت ونفرت ومنشاؤه كراهة ذلك في سمعهم. * الأصل: 472 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم صاحب الشعير، عن كثير بن كلثمة، عن أحدهما (عليهما السلام) في قول الله عز وجل: * (فتلقى آدم من ربه كلمات) * قال: لا إله إلا أنت سبحانك اللهم وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي وأنت خير الغافرين لا إله إلا أنت سبحانك اللهم وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي وارحمني وأنت أرحم الراحمين، لا إله إلا أنت سبحانك اللهم وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم، وفي رواية اخرى في قوله عز وجل: * (فتلقى آدم من ربه كلمات) * قال: سأله بحق محمد وعلي والحسن والحسين وفاطمة صلى الله عليهم. * الشرح: (في قول الله تعالى فتلقى آدم من ربه كلمات - اه‍) أي استقبلها بالأخذ والقبول حين علمها

[ 427 ]

بالوحي أو الإلهام والتنكير للتعظيم والظاهر أن الواو في قوله " وبحمدك " للحال أي وأنا متلبس بحمدك على التوفيق على التنزيه أو على إعطاء هذه الكلمات أو في جميع الأحوال وفيها اعتراف بالتقصير وطلب المغفرة لا يستلزم لأن العفو عن الذنوب لا يستلزم القرب وهذه الرواية لا ينافيها الأخرى لجواز تعدد السبب لشئ واحد على أن التوسل بهؤلاء الطاهرين سبب لاستجابة الدعاء المذكور كما روي أن الدعاء المقرون به لا يرد. * الأصل: 473 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه عن ابن أبي عمير، عن أبي أيوب الخزاز، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لما رأى إبراهيم (عليه السلام) ملكوت السماوات والأرض التفت فرأى رجلا يزني فدعا عليه فمات، ثم رأى آخر فدعا عليه فمات حتى رأى ثلاثة فدعا عليهم فماتوا، فأوحى الله عز ذكره إليه: يا إبراهيم إن دعوتك مجابة فلا تدع على عبادي فإني لو شئت لم أخلقهم، إني خلقت خلقي على ثلاثة أصناف: عبدا يعبدني لا يشرك بي شيئا فأثيبه، وعبدا يعبد غيري فلن يفوتني، وعبدا عبد غيري فاخرج من صلبه من يعبدني، ثم التفت فرأى جيفة على ساحل البحر نصفها في الماء ونصفها في البر، تجئ سباع البحر فتأكل ما في الماء، ثم ترجع فيشد بعضها على بعض فيأكل بعضها بعضا وتجئ سباع البر فتأكل منها، فيشد بعضها على بعض فيأكل بعضها بعضا فعند ذلك تعجب إبراهيم (عليه السلام) مما رأى وقال: * (رب أرني كيف تحيي الموتى) * قال: كيف تخرج ما تناسل التي أكل بعضها بعضا ؟ * (قال أولم تؤمن ؟ قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي) * يعني حتى أرى هذا كما رأيت الأشياء كلها ؟ * (قال: فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم أجعل على كل جبل منهن جزءا) * فقطعهن واخلطهن كما اختلطت هذه الجيفة في هذا السباع التي أكل بعضها بعضا، فخلط ثم [ ا ] جعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا، فلما دعاهن أجبنه وكانت الجبال عشرة. * الشرح: (لما رأى إبراهيم ملكوت السموات والأرض) الملكوت: فعلوت من الملك والتاء للمبالغة والمراد برؤيتها رؤية تفاصيلها ومشاهدة عجايبها وبدايعها الدالة على كمال القدرة والربوبية (إني خلقت خلقي على ثلاثة أصناف عبدا يعبدني) عبدا بالنصب بدل عن خلقي وتقدير الناصب له بعيد (ثم التفت فرأى جيفة على ساحل البحر) هذا السبب للسؤال الآتي ذكره الحسن وقتادة وعطاء وابن جريج. وقال ابن جريج: وكانت الجيفة حمارا، وقال عطاء: رآها في ساحل بحيرة طبرية وقيل: السبب أن نمرود لما قال: أنا احيي وأميت، قتل واحدا وأطلق آخر، قال له إبراهيم (عليه السلام): إن إحياء الله تعالى يرد الروح إلى الأبدان بعد الموت، فقال نمرود: هل عاينته ؟ فلم

[ 428 ]

يقدر أن يقول: نعم فانتقل إلى جواب آخر ثم سأل ربه أن يريه ليطمئن قلبه على الجواب إن سئل عنه مرة أخرى (قال: كيف تخرج ما تناسل التي أكل بعضها بعضا) نسل ولد كانسسل وتناسلوا أنسل بعضهم بعضا. والظاهر أن ما عبارة عن أجزاء تلك الجيفة التي انتقلت من صلب الحيوانات الآكلة إلى أولادها وإنما سأل عن كيفية إخراج تلك الأجزاء عن أولاد الأكلة لا عن الأكلة والمأكولة لأن التعجب فيه أكثر إذ كلما كان الامتزاج والاختلاط أكثر وأكمل كان التميز والتفريق أشد وأشكل * (قال أولم تؤمن) * بأني قادر على ذلك وإني على كل شئ قدير، قال ذلك مع علمه بأن إيمانه (عليه السلام) به في غاية الكمال ليجيب بما أجاب ويسمع السامعون غرضه وهو ان يشاهد المعلوم مشاهدة عيان * (قال بلى) * آمنت * (ولكن) * سألت * (ليطمئن قلبي) * بحصول المطلوب عيانا فإن القلب إذا طلب شيئا ولم يجده اضطرب فإذا وجده اطمأن وهذا أحسن مما قاله بعض المفسرين من أنه يطمأن قلبي بزيادة بصيرة بسبب مضامة العيان لأن بصيرته كانت في غاية الكمال ولم يكن فيها نقص أصلا حتى يكمل بمشاهدة العيان. وإلى ما ذكرنا أشار (عليه السلام) بقوله (يعني حتى أرى هذا كما رأيت الأشياء كلها) حيث دل على أن مقصوده مجرد الرؤية كما في المشبه به وانطباق علمه بالمعلوم وأما علمه بالقدرة ففي الحالين على سواء وإليه أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله " لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا " * (قال فخذ أربعة من الطير) * قيل: طاووسا وديكا وغرابا وحمامة، وحكى عن ابن عباس نسرا بدل حمامة. قيل فيه إيماء إلى إحياء النفس بالحياة الطيبة الأبدية فإن قتل الطاووس إيماء إلى ترك الزينة، وقتل الديك: إلى ترك الصولة والشهوة، وقتل الغراب: إلى ترك الخسة وبعد الأمل، وقتل الحمامة: إلى ترك الترفع والمسارعة إلى الهوى فإن من أمات هذه الصفات عن نفسه فقد أحياها بحياة طيبة أبدية * (فصرهن اليك) * أمر من صاره يصوره إذا أماله يعنى أملهن وضمهن اليك لتعرفها بخصوصياتها كيلا تشتبه عليك بعد الأحياء * (ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا) * بينه وبين ما سبق جمل محذوفة بقرينة المقام والكلام ففيه إيجاز الحذف كما في قوله حكاية * (فأرسلون * يوسف أيها الصديق) * وقد أشار إليها (عليه السلام) بقوله * (فقطعهن واخلطهن) * بالدق ونحوه (كما اختلطت هذه الجيفة في هذه السباع التي أكل بعضها بعضا) قال الفاضل: الأمين الاسترآبادي فيه إشارة إلى أن الخلط في الصورتين على نهج واحد وفيه تنبيه على أن الله تعالى قدر أن لا يصير الأجزاء الأصلية لحيوان جزءا لحيوان آخر وكأنه أراد أنه لا يجب إعادة الفواضل وفي بعض الروايات دلالة على إعادتها * (فخلط ثم جعل على كل جبل منهن جزءا) * وفي بعض النسخ * (ثم اجعل) * بصيغة الأمر ولكل وجه كما لا يخفى * (ثم ادعهن) * وقل لهن: تعالين بإذن الله تعالى * (يأتينك سعيا) * ساعيات مسرعات بالمشي أو الطيران * (فلما دعاهن أجبنه) * قيل: إنه (عليه السلام) أمسك رؤوسهن ثم ناداهن بعد فعل ما أمر به فجعل كل جزء يطير إلى الآخر حتى صارت جثثا، ثم

[ 429 ]

أقبلن سعيا فانضممن إلى رؤوسهن فصرن كما كن (وكانت الجبال عشرة) قال القاضي: قيل: كانت أربعة، وقيل كانت سبعة. * الأصل: 474 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محجوب، عن مالك بن عطية، عن سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحر والبرد مما يكونان فقال لي: يا أبا أيوب إن المريخ كوكب حار (1) وزحل كوكب بارد فإذا بدأ المريخ في الارتفاع انحط زحل وذلك في الربيع فلا يزالان كذلك كلما ارتفع المريخ درجة انحط زحل درجة ثلاثة أشهر حتى ينتهي المريخ في الارتفاع وينتهي زحل في الهبوط فيجلو المريخ فلذلك يشتد الحر فإذا كان في آخر الصيف وأول الخريف بدأ زحل في الارتفاع وبدأ المريخ في الهبوط فلا يزالان كذلك كلما ارتفع زحل درجة انحط المريخ درجة حتى ينتهى المريخ في الهبوط وينتهى زحل في الارتفاع فيجلو زحل وذلك في أول الشتاء وآخر الخريف فلذلك يشتد البرد وكلما ارتفع هذا هبط هذا وكلما هبط هذا ارتفع هذا فإذا كان في الصيف يوم بارد فالفعل في ذلك للقمر وإذا كان في الشتاء يوم حار فالفعل في ذلك للشمس هذا تقدير العزيز العليم وأنا عبد رب العالمين. * الشرح: قول: (إن المريخ كوكب حار وزحل كوكب بارد) (2) وصفها بالحرارة والبرودة إما بالذات أو باعتبار التسخين والتبريد بالخاصية والتأثير (فإذا بدأ المريخ في الارتفاع) في التسخين (انحط زحل) عن التبريد وليس المراد بالارتفاع والانحطاط الميل إلى الشمال والجنوب ولا الطلوع والغروب (وذلك في الربيع) عند بلوغ الشمس أول الحمل وميلها إلى الشمال من معدل النهار إذ حينئذ ينضم تسخينه إلى تسخين الشمس وتتدرج يوما فيوما (فلا يزالان كذلك) يرتفع المريخ في التسخين ينحط زحل عن التبريد كما أشار إليه (كلما ارتفع المريخ درجة) من التسخين انحط زحل درجة من التبريد إلى (ثلاثة أشهر) وحينئذ تصل الشمس إلى الانقلاب الصيفي أول السرطان وهو غاية الميل عن معدل النهار ونهاية تسخين الشمس والمريخ كما أشار إليه بقوله (حتى ينتهي المريخ في الارتفاع) ويبلغ تسخينه حد الكمال (وينتهي زحل حينئذ في الهبوط) من التبريد ويبلغ غاية النقصان فيه (فيجلو المريخ) في التسخين لأنه حينئذ في حد الكمال منه (فلذلك يشتد الحر) لكمال سببه بلا معارض ولما فرغ عن بيان سبب الحر أشار إلى سبب البرد بقوله " فإذا كان في آخر


1 - يأتي بيانه تحت رقم 507. 2 - يأتي بيانه تحت رقم 507. (*)

[ 430 ]

الصيف وأول الخريف " عن بلوغ الشمس في أول الميزان وميلها إلى الجنوب وبعدها عن سمت رأس البلدان (بدأ زحل في الارتفاع) في التبريد (وبدأ المريخ في الهبوط) من التسخين (فلا يزالان كذلك كلما ارتفع زحل درجة) من التبريد (انحط المريخ درجة) من التسخين (حتى ينتهي المريخ في الهبوط) ويبلغ غاية النقصان في التسخين (وينتهي زحل في الارتفاع) في التبريد ويبلغ غاية الكمال فيه (فيجلو زحل) في التبريد لأنه حينئذ في حد الكمال منه (وذلك في أول الشتاء وآخر الخريف) عند بلوغ الشمس أول الجدي وغاية بعدها عن سمت الرأس (فلذلك يشتد البرد) لكما سببه بلا معارض (وكلما ارتفع هذا هبط هذا وكلما هبط هذا ارتفع هذا) هذا تأكيد لجميع ما تقدم والمراد بالارتفاع والهبوط، الارتفاع والهبوط في التأثير كما ذكرنا ولما كان ههنا سؤال أشار إلى جوابه بقوله (فإذا كان في الصيف يوم بارد فالفعل في ذلك للقمر) لأنه بارد كما مر لا للشمس والمريخ وهو ظاهر ولا لزحل لأنه حينئذ مغلوب فلا يصير غالبا (وذا كان في الشتاء يوم حار فالفعل في ذلك للشمس) لا لزحل وهو ظاهر ولا للمريخ لأنه مغلوب له وأما تأثير الشمس في ذلك اليوم دون غيره من الأيام فلجواز زوال المانع مع تأثيرها فيه ووجوده في غيره غير البعد المشترك في الجميع (هذا تقدير العزيز العليم) بأحوال العباد والبلاد ومصالحهم فقدر نظام العالم بذلك لتحقق الفصول، وفوائد الفصول كثيرة لا يسع المقام ذكرها (وأنا عبد رب العالمين) فيه إظهار العجز والمسكنة وغاية التذلل والانقياد هذا الذي ذكرناه من باب الاحتمال وإنما لم نحمله على ظاهره الدال على أن الحرارة والبرودة منهما فقط لا من الشمس بسبب القرب والبعد وعلى تساويهما في الحركة وتقابلهما في الوضع ودورهما في سنة لأن الكل مناف لما هو المقرر عند الرياضيين إذ حركة التدوير للأول في يوم سبعة وعشرون دقيقة وللثاني سبعة وخمسون دقيقة وحركة الحامل للأول إحدى وثلاثون دقيقة وللثاني دقيقتان فلا تساوي ولا تقابل ولا دورة في سنة فيهما لا باعتبار حركة التدوير ولا باعتبار حركة الحامل وزيادة تداوير أو خارج مركز لكل منهما مع اعتبار حركة للزائد على وجه توافق مجموع حركته وحركة المزيد عليه حركة خارج مركز الشمس وهي في كل يوم تسعة وخمسون دقيقة ليتحقق المساواة في الحركة وحركة المزيد عليه ويتم الدورة في سنة مناف للمحسوس والمرصود ومع ذلك لا يرفع الاختلاف بالكلية فليتأمل فإنه دقيق جدا. 475 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمد الأشعري، عن عبد الله بن ميمون القداح، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا علي من أحبك ثم مات فقد قضى نحبه ومن أحبك ولم يمت فهو ينتظر وما طلعت شمس ولا غربت إلا طلعت عليه برزق وإيمان - وفي نسخة نور. 476 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال

[ 431 ]

رسول الله (صلى الله عليه وآله): سيأتي على أمتي زمان تخبث فيه سرائرهم وتحسن فيه علانيتهم طمعا في الدنيا ولا يريدون به ما عند الله ربهم، يكون دينهم رياء، لا يخالطهم خوف، يعمهم الله منه بعقاب فيدعونه دعاء الغريق فلا يستجيب لهم. حديث الفقهاء والعلماء * الأصل: 477 - عنه، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): كانت الفقهاء والعلماء إذا كتب بعضهم إلى بعض كتبوا بثلاثة ليس معهن رابعة، من كانت همته آخرته كفاه الله همه من الدنيا ومن أصل سريرته أصلح الله علانيته ومن أصلح فيما بينه وبين الله عز وجل أصلح الله تبارك وتعالى فيما بينه وبين الناس. * الشرح: (حديث الفقهاء والعلماء) العالم أعم من الفقيه باعتبار أن الفقه يتعلق بالأحكام والعلم يتعلق بها وبغيرها، أو باعتبار أن الفقه في عرف المحدثين المتقدمين كما صرح به جماعة من المحققين بصيرة قلبية تامة في الدين تابعة للإدراك توجب الميل إلى الآخرة ورفض الدنيا ومقت أهلها في ذات الله تعالى والعلم أعم منها ومن الإدراك وإن أريد بالعلم أيضا في عرفهم تلك البصيرة كما صرح به بعض الأكابر كانت بينهما مساواة والعطف للتفسير، ثم المراد بهم إما فقهاء هذه الأمة وعلمائهم أو الأعم الشامل للأمم السابقة (من كانت همته آخرته كفاه الله همه من الدنيا) الهمة بالكسر وتفتح: ما هم به ليفعل، وفي بعض النسخ " من كان همه " وهو الحزن والقصد يعني من كان حزنه بأمر الآخرة وقصده إليه وجد في تحصيله كفاه الله همه ومؤونته من الدنيا، نعم من كان لله كان الله له ومن أقبل إلى ما يحب الله أقبل الله إلى ما يحبه (ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته) إصلاح السريرة: وهو تنزيه القلب عن الرذائل وتزيينه بالفضايل وربطه بالعقايد الحقة يوجب صلاح الظاهر لأن الظاهر تابع للباطن ولو صدر منه مالا ينبغي نادرا أو مال إليه أصلح الله له بالعفو والتفضل ووفقه للصرف عنه (ومن أصلح فيما بينه وبين الله عز وجل أصلح الله تبارك وتعالى فيما بينه وبين الناس) إصلاح الأول هو الامتثال بأوامره وزواجره وآدابه ومن داوم عليه أصلح الله تعالى بينه وبين الناس وصرف قلوبهم إليه بالمحبة له والإيتان بما فيه نظام حاله ألا ترى أن عبدك إذا كان في رعاية حقوقك وامتثال أمرك دائما تأمر سائر عبيدك بالمحبة له ورعاية حقوقه ولو صدرت منه بادرة بالنسبة إليهم تطلب منهم العفو عنه والرضا منه. واعلم أن هذه الكلمات الجزيلة مشتملة على جميع أنواع الفضيلة الدنيوية والأخروية والعقلية

[ 432 ]

والعملية ولذلك داوم على مكاتبتها الفقهاء والعلماء وليس المقصود من نقل مكاتبتهم مجرد الأخبار بل الحث على الأسوة بهم في العلم والعمل. * الأصل: 478 - الحسين بن محمد الأشعري، عن معلى بن محمد، عن علي بن أسباط، عن سعدان بن مسلم، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان رجل بالمدينة يدخل مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) فقال: اللهم آنس وحشتي وصل وحدتي وارزقني جليسا صالحا، فإذا هو برجل في أقصى المسجد فسلم عليه وقال له: من أنت يا عبد الله فقال: أنا أبو ذر، فقال الرجل: الله أكبر، الله أكبر، فقال أبو ذر: ولم تكبر يا عبد الله ؟ فقال إني دخلت المسجد فدعوت الله عز وجل أن يؤنس وحشتي وأن يصل وحدتي وأن يرزقني جليسا صالحا. فقال له أبو ذر: أنا أحق بالتكبير منك إذ كنت ذلك الجليس فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: أنا وأنتم على ترعة يوم القيامة حتى يفرغ الناس من الحساب قم يا عبد الله فقد نهى السلطان عن مجالستي. * الشرح: (أنا وأنتم على ترعة يوم القيامة حتى يفرغ الله من الحساب) الترعة: كالقرعة في الأصل الروضة على المكان المرتفع خاصة فإذا كانت في المطمئن فهي روضة وفيه دلالة على أنه ليس على خواص الشيعة حساب وعليه روايات أخر مر ذكر بعضها. * الأصل: 479 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): سيأتي على الناس زمان لا يبقى من القرآن إلا رسمه ومن الإسلام إلا اسمه، يسمون به وهم أبعد الناس منه، مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدى، فقهاء ذلك الزمان شر فقهاء تحت ظل السماء منهم خرجت الفتنة وإليهم تعود. * الشرح: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): سيأتي على الناس زمان لا يبقى من القرآن إلا رسمه ومن الإسلام إلا اسمه - اه‍) ما أخبر به (صلى الله عليه وآله) من باب الإعجاز فإنه أخبر بما سيقع وقد وقع زمان موته (صلى الله عليه وآله) إلى الآن هو عين ذلك الزمان إذ أكثر الصحابة ومن بعدهم من المخالفين وفقهائهم إلى يومنا هذا موصوفون بالصفات المذكورة ومنهم خرجت الفتنة والضلالة والإضلال وإليه تعود ثمرتها بعد هذه الدار بل لا يبعد أن يدخل في الذم من كان في زماننا هذا من الشيعة وعلمائهم فإن كلهم راغبون عن أمر الآخرة ما يلون إلى الدنيا والفتنة، ساعون إلى الجبابرة والظلمة، ألا يعملون بما في القرآن ويظهرون الإسلام باللسان وقلوبهم مملوة من نفاق المؤمنين وصدورهم محشوة بعداوة المسلمين إلا من شذ

[ 433 ]

وقليل ماهم والله هو المستعان. * الأصل: 480 - الحسين بن محمد الأشعري، عن معلى بن محمد، عن علي بن أسباط، عن محمد بن الحسين ابن يزيد قال: سمعت الرضا (عليه السلام) بخراسان وهو يقول: إنا أهل بيت ورثنا العفو من آل يعقوب وورثنا الشكر من آل داود - وزعم أنه كان كلمة أخرى ونسيها محمد - فقلت له: لعله قال: وورثنا الصبر من آل أيوب ؟ فقال: ينبغي. قال علي بن أسباط: وإنما قلت ذلك لأني سمعت يعقوب بن يقطين يحدث عن بعض رجاله قال: لما قدم أبو جعفر المنصور المدينة سنة قتل محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن إلتفت إلى عمه عيسى بن علي فقال له: يا أبا العباس إن أمير المؤمنين قد رأى أن يعضد شجر المدينة وأن يعور عيونها وأن يجعل أعلاها أسفلها، فقال له: يا أمير المؤمنين هذا ابن عمك جعفر بن محمد بالحضرة فابعث إليه فسله عن هذا الرأي، قال: فبعث إليه فأعلمه عيسى فأقبل عليه فقال له: يا أمير المؤمنين إن داود (عليه السلام) اعطي فشكر وإن أيوب (عليه السلام) ابتلي فصبر، وإن يوسف (عليه السلام) عفا بعد ما قدر، فاعف فإنك من نسل أولئك. * الشرح: قوله: (وأن يعور عيونها) في النهاية: هو من عورت الركية واعرتها وعرتها إذا طمستها وسددت أعينها التي ينبع منها الماء. وفي القاموس عاره يعوره ويعيره أتلفه وفي بعض النسخ يغور بالغين المعجمة من التغوير وهو إذهاب الماء عن وجه الأرض. * الأصل: 481 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن زرعة بن محمد، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل: * (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا) * فقال: كانت اليهود تجد في كتبها أن مهاجر محمد (صلى الله عليه وآله) ما بين عير واحد فخرجوا يطلبون الموضع فمروا بجبل يسمى حداد فقالوا: حداد واحد سواء فتفرقوا عنده، فنزل بعضهم بتيماء وبعضهم بفدك وبعضهم بخيبر، فاشتاق الذين بتيماء إلى بعض إخوانهم فمر بهم أعرابي من قيس فتكاروا منه وقال لهم: أمر بكم ما بين عير واحد، فقالوا له: إذا مررت بهما فآذنا بهما فلما توسط بهم أرض المدينة قال لهم: ذاك عير وهذا احد فنزلوا عن ظهر إبله. وقالوا: قد أصبنا بغيتنا فلا حاجة لنا في إبلك فاذهب حيث شئت وكتبوا إلى إخوانهم الذين بفدك وخيبر: إنا قد أصبنا الموضع فهلموا إلينا. فكتبوا إليهم: إنا قد استقرت بنا الدار واتخذنا الأموال وما أقربنا منكم فإذا كان ذلك فما أسرعنا إليكم فاتخذوا بأرض المدينة الأموال فلما كثرت أموالهم بلغ تبع

[ 434 ]

فغزاهم فتحصنوا منه فحاصرهم وكانوا يرقون لضعفاء أصحاب تبع فيلقون إليهم بالليل التمر والشعير فبلغ ذلك تبع فرق لهم وآمنهم فنزلوا إليه فقال لهم: إني قد استطبت بلادكم ولا أراني إلا مقيما فيكم فقالوا له: إنه ليس ذاك لك، إنها مهاجر نبي وليس ذلك لأحد حتى يكون ذلك. فقال لهم: إني مخلف فيكم من أسرتي من إذا كان ذلك ساعده ونصره فخلف حيين: الأوس والخزرج فلما كثروا بها كانوا يتناولون أموال اليهود وكانت اليهود تقول لهم: أما لو قد بعث محمد ليخرجنكم من ديارنا وأموالنا فلما بعث الله عز وجل محمدا (صلى الله عليه وآله) آمنت به الأنصار وكفرت به اليهود وهو قول الله عز وجل: * (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين) *. * الشرح: قوله: (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا - اه‍) الاستفتاح: الاستنصار ومهاجر بضم الميم وفتح الجيم موضع للهجرة ومكان لها، وعير بالفتح: اسم جبل بالمدينة، وتيماء: موضع قريب من المدينة، والبغية بالكسر: المطلوب، وتبع: ملك في الزمان الأول، قيل اسمه أسعد أبو كرب، والتبابعة: ملوك اليمن، قيل: كان لا يسمى تبعا حتى يملك حضرموت وسبأ وحمير، وأسرة الرجل: رهطه الأدنون. * الأصل: 482 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن صفوان بن يحيى، عن إسحاق بن عمار قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله تبارك وتعالى: * (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به) * قال: كان قوم فيما بين محمد وعيسى صلى الله عليهما وكانوا يتوعدون أهل الأصنام بالنبي (صلى الله عليه وآله) ويقولون: ليخرجن نبي فليكسرن أصنامكم وليفعلن بكم [ وليفعلن ] فلما خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) كفروا به. * الشرح: قوله: (كان قوم فيما بين محمد وعيس (صلى الله عليه وآله)) كأنهم المذكورون مع احتمال غيرهم لكثرة أهل الاستفتاح قبل البعثة. * الأصل: 483 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن أبي أيوب الخزاز، عن عمر بن حنظلة قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: خمس علامات قبل قيام القائم: الصيحة والسفياني والخسف وقتل النفس الزكية واليماني، فقلت جعلت فداك إن خرج أحد من أهل بيتك قبل هذه العلامات أنخرج معه ؟ قال: لا فلما كان من الغد تلوت هذه الآية * (إن نشأ ننزل

[ 435 ]

عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين) * فقلت له: أهي الصيحة ؟ فقال: أما لو كان خضعت أعناق أعداء الله عز وجل. * الشرح: قوله: (خمس علامات قبل قيام القايم (عليه السلام) - اه‍) العلامات كثيرة وقد مرت هذه الخمسة وعدة أخرى قبل ذلك ولعل المراد بالنفس الزكية الحسني المذكور سابقا والمنادي الأول ملك والثاني شيطان ويفرق بينهما من كان يؤمن بولاية الصاحب قبل ومن شاء الله أن يهديه كما مر. 484 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن أبي جميلة، عن محمد بن علي الحلبي، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: اختلاف بني العباس من المحتوم والنداء من المحتوم وخروج القائم من المحتوم، قلت: وكيف النداء ؟ قال: ينادي مناد من السماء أول النهار، ألا إن عليا وشيعته هم الفائزون، قال: وينادي مناد [ في ] آخر النهار، ألا إن عثمان وشيعته هم الفائزون. * الأصل: 485 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن محمد بن سنان عن زيد الشحام قال: دخل قتادة بن دعامة على أبي جعفر (عليه السلام) فقال: يا قتادة أنت فقيه أهل البصرة فقال: هكذا يزعمون فقال أبو جعفر (عليه السلام): بلغني أنك تفسر القرآن ؟ فقال له قتادة: نعم فقال له أبو جعفر (عليه السلام): بعلم تفسره أم بجهل ؟ قال لا، بعلم. فقال له أبو جعفر (عليه السلام): فإن كنت تفسره بعلم فأنت أنت وأنا أسألك، قال قتادة: سل، قال: أخبرني عن قول الله عز وجل في سبأ * (وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين) * فقال قتادة: ذلك من خرج من بيته بزاد حلال وراحلة وكراء حلال يريد هذا البيت كان آمنا حتى يرجع إلى أهله، فقال أبو جعفر (عليه السلام): نشدتك الله يا قتادة هل تعلم أنه قد يخرج الرجل من بيته بزاد حلال وراحلة وكراء حلال يريد هذا البيت فيقطع عليه الطريق فتذهب نفقته ويضرب مع ذلك ضربة فيها اجتياحه ؟ قال قتادة: اللهم نعم، فقال أبو جعفر (عليه السلام): ويحك يا قتادة إن كنت إنما فسرت القرآن من تلقاء نفسك فقد هلكت وأهلكت وإن كنت قد أخذته من الرجال فقد هلكت وأهلكت، ويحك يا قتادة ذلك من خرج من بيته بزاد وراحلة وكراء حلال يروم هذا البيت عارفا بحقنا يهوانا قلبه كما قال الله عز وجل: * (واجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم) * ولم يعن البيت فيقول: إليه، فنحن والله دعوة إبراهيم (عليه السلام) التي من هوانا قلبه قبلت حجته وإلا فلا، يا قتادة فإذا كان كذلك كان آمنا من عذاب جهنم يوم القيامة، قال قتادة: لا جرم والله لا فسرتها إلا هكذا، فقال أبو جعفر (عليه السلام) ويحك يا قتادة إنما يعرف القرآن من خوطب به.

[ 436 ]

* الشرح: (فإن كنت تفسره بعلم فأنت أنت - اه‍) أي أنت المفسر الذي يجوز له التفسير والرجوع إليه والحاصل أنت كامل في العلم وفي هذا الخبر دلالة على أن متشابهات القرآن بل متشابهات الأحاديث أيضا وجب ردها إلى أهل الذكر (عليه السلام) ولا يجوز التفسير بما استحسنه الرأي واختلف مخالفونا فبعضهم قال: وجب الرد إلى الله سبحانه وذهب معظم المتكلمين إلى أنها تصرف عن ظاهرها المحال ثم تأول على ما يليق ويقتضيه الحال. * الأصل: 486 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن مفضل بن صالح عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله): أخبرني الروح الأمين أن الله لا إله غيره إذا وقف الخلائق وجمع الأولين والآخرين اتي بجهنم تقاد بألف زمام أخذ بكل زمام مائة ألف ملك من الغلاظ الشداد ولها هده وتحطم وزفير وشهيق. وإنها لتزفر الزفرة فلولا أن الله عز وجل أخرها إلى الحساب لأهلكت الجميع، ثم يخرج منها عنق يحيط بالخلائق البر منهم والفاجر فما خلق الله عبدا من عباده ملك ولا نبي إلا وينادي يا رب نفسي نفسي، وأنت تقول: يا رب امتي امتي ثم يوضع عليها صراط أدق من الشعر وأحد من السيف، عليه ثلاث قناطر: الاولى: عليها الأمانة والرحمة، والثانية: عليها الصلاة، والثالثة: عليها رب العالمين لا إله غيره فيكلفون الممر عليها فتحبسهم الرحمة والأمانة فإن نجوا منها حبستهم الصلاة، فإن نجوا منها كان المنتهى إلى رب العالمين جل ذكره وهو قول الله تبارك وتعالى: * (إن ربك لبالمرصاد) * والناس على الصراط فمتعلق تزل قدمه وتثبت قدمه، والملائكة حولها ينادون يا كريم يا حليم اعف واصفح وعد بفضلك وسلم، والناس يتهافتون فيها كالفراش فإذا نجا ناج برحمة الله تبارك وتعالى نظر إليها فقال: الحمد لله الذي نجاني منك بعد يأس بفضله ومنه إن ربنا لغفور شكور. * الشرح: (أتى بجهنم تقاد بألف زمام أخذ بكل زمام مائة ألف ملك - اه‍) كما قال عز وجل * (وبرزت الجحيم لمن يرى) * وقال * (وجئ يومئذ بجهنم) * قال القاضي وفي الحديث يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام ألف ملك يجرونها، والزمام بالكسر: ما يزم به من زمه إذا شده، والهدة: صوت ما يقع من السماء مثل الرعد، والتحطم: التلظي والتلهب، والزفير: إخراج النفس بعد مدة، والشهيق: رده، والعنق من الشئ: قطعة منه ونفسي منصوب بفعل مقدر أي احفظ أو أخلص أو أنج نفسي والتكرير للمبالغة، والصراط لغة: الطريق، وعرفا: جسر يضرب على ظهر جهنم يمر الناس عليه إلى الجنة فينجوا المؤمنون على كيفيات مختلفة وهيآت متفاوتة ويسقط المنافقون

[ 437 ]

والكافرون واتفقوا على حمله على ظاهره بدون تأويل وظاهر قوله (ثم وضع) أنه يخلق الوقت الموعود وقيل: يحتمل أنه خلق مع جهنم والوضع كناية عن الإذن على المرور والرحمة والأمانة معروفتان، وقيل: الأولى: الرسالة، والثانية: الولاية لقوله تعالى * (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) * وقوله تعالى * (إنا عرضنا الأمانة على السموات) * وتخصيص الصلاة بالذكر لأنها عمود الدين إن قبلت قبل ما سواها، أو لأن سائر الفرائض الضرورية مندرجة فيها، والمرصاد: الطريق والمكان الذي تترصد فيه عدوك، والتهافت: التساقط، والفراش بالفتح: ما يسقط على السراج. * الأصل: 487 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس، عن إسماعيل بن جابر، عن أبى خالد، عن أبى جعفر (عليه السلام) في قول الله عز وجل * (فاستبقوا الخيرات أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا) * قال: الخيرات الولاية وقوله تبارك وتعالى: * (أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا يعنى أصحاب القائم الثلاثمائة والبضعة عشر رجلا، قال: وهم - والله - الأمة المعدودة قال: يجتمعون والله في ساعة واحدة قزع كقزع الخريف. * الشرح: (وهم والله الأمة المعدودة) في قوله تعالى * (ولئن أخرنا عنهم العذاب الى أمة معدودة) * جماعة قليلة (ليقولن ما يحبسه) أي ما يمنع وقوعه " ألا يوم يأيتهم " وهو يوم ظهور الصاحب (عليه السلام) " وليس مصروفا عنهم " أي ليس العذاب مدفوعا عنهم " وحاق بهم " أي أحاط العذاب بهم " ما كانوا به يستهزؤن " من وجوده وظهوره (عليه السلام) وقال بعض المفسرين: أريد به عذاب يوم بدر وتفسيره (عليه السلام) أولى بالاتباع على أنه لا منافاة بينهما لأن الآية الواحدة قد يتضمن وجوها كثيرة. (قزع كقزع الخريف) القزع بالتحريك: السحاب المتقطع والواحدة بهاء، وخصه بالخريف لأنه أسرع فيه حركة واجتماعا. * الأصل: 488 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن منذر بن جيفر، عن هشام بن سالم قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: سيروا البردين ؟ قلت: إنا نتخوف من الهوام، فقال: إن أصابكم شئ فهو خير لكم مع أنكم مضمونون. * الشرح: (سيروا البردين - اه‍) البردان والأبردان: الغداة والعشي، وقيل: ظلاهما ويحتمل السحر والغداة، والهوام بالتشديد: الأسد وبالتخفيف: جمع هامة وهي كل ذات سم يقتل، ولما أظهر السائل الخوف من الهوام في البردين رغب (عليه السلام) في السير فيهما بأن المصاب مأجور والمسافر

[ 438 ]

في ضمان الله تعالى وحمايته ولعل المراد بالخوف توهمه وإلا فالاجتناب واجب لدلالة الآية والرواية عليه. * الأصل: 489 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) فقال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): عليكم بالسفر بالليل فإن الأرض تطوى بالليل. * الشرح: قوله: (فإن الأرض تطوى بالليل) أي في آخره كما سيجئ. * الأصل: 490 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن إسماعيل بن مهران عن سيف بن عميرة، عن بشير النبال، عن حمران بن أعين قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): يقول الناس تطوى لنا الأرض بالليل كيف تطوى ؟ قال: هكذا - ثم عطف ثوبه - * الشرح: (كيف تطوى ؟ قال: هكذا ثم عطف ثوبه) ظاهره أن الطي محمول على الحقيقة ولا بعد فيه لأنه ممكن والله سبحانه قادر على الممكنات. ومن ثم ذهب جمع إلى تحقق القبض والبسط في المكان والزمان وأن ذلك تختلف باختلاف الأشخاص فقد يكون قبض بالنسبة إلى شخص وبسط بالنسبة إلى آخر في زمان واحد ومكان واحد ولابد أن يقع ذلك وإن استبعده الوهم لعدم المشاهدة فيما إذا دفن ميتان في قبر واحد في آن وحد يستحق أحدهما الضغطة دون الآخر والتأويل محتمل بعيد. 491 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد بن عثمان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الأرض تطوى في آخر الليل. * الأصل: 492 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عثمان بن عيسى عن أبي أيوب الخزاز قال: أردنا أن نخرج فجئنا نسلم على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال: كأنكم طلبتم بركة الاثنين ؟ فقلنا: نعم، فقال: وأي يوم أعظم شوما من يوم الاثنين يوم فقدنا فيه نبينا وارتفع الوحي عنا، لا تخرجوا واخرجوا يوم الثلاثاء. * الشرح: (وأي يوم أعظم شوما من الاثنين - اه‍) دل على كراهة السفر وغيره من الأفعال المحدثة يوم الاثنين وإن كان لابد فليتصدق كما مر.

[ 439 ]

* الأصل: 493 - عنه، عن بكر بن صالح، عن سليمان الجعفري، عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: الشوم للمسافر في طريقه خمسة أشياء: الغراب الناعق عن يمينه والناشر لذنبه، والذئب العاوي الذي يعوي في وجه الرجل وهو مقع على ذنبه يعوي ثم يرتفع ثم ينخفض ثلاثا، والظبي السانح من يمين إلى شمال، والبومة الصارخة والمرأة الشمطاء تلقاء فرجها، والأتان العضباء يعني الجدعاء فمن أوجس في نفسه منهن شيئا فليقل: " اعتصمت بك يا رب من شر ما أجد في نفسي " قال: فيعصم من ذلك. * الشرح: (الشوم للمسافر في طريقه خمسة أشياء) في التفصيل سبعة ويمكن عد الأولين واحدا وكذا الأخيرين، وعد هذه الأشياء شوما باعتبار أن العرب كانوا يتشأمون به لا أنها شوم ولها تأثير في نفس الأمر لما في بعض الروايات من إبطال حكم الطيرة ويدل عليه أيضا قوله " فمن أوجس في نفسه منهن شيئا فليقل اعتصمت بك يا رب من شر ما أجد في نفسي فيعصم من ذلك " إشارة إلى أن هذه الأشياء م الايجاس ربما له تأثير في الجملة ويدل عليه أيضا بعض الروايات، والوجس: فزعة القلب وأوجس في نفسه خيفة أي أضمر وأحس (الغراب الناعق عن يمينه) قيل: لما قدم كثير عزة من الحجاز لزيارة عزة بالشام أو بمصر فمر بغراب على شجرة ينعق وينتف ريشه فتطير بذلك فلما دخل وجد الناس منصرفين من جنازة عزة (والناشز لذنبه) عطف على الناعق فهو وصف آخر للغراب فهما في الحقيقة واحدة وفي الفقيه " والكلب الناشر لذنبه " (والذئب العاوي) العواء بالضم والمد: صوت السباع وكأنه بالذئب والكلب أخص، يقال: عوى يعوي عواء فهو عاو (والظبي السانح من يمين الى شمال) في بعض النسخ السايح بالياء المثناء من تحت وفي بعضها بالنون فهو على الثاني من ساح إذا جرى وذهب وعلى الأول من سنح للظبى إذا برح من اليمين إلى الشمال (والبومة الصارخة) البوم والبومة بضمهما طائر كلاهما للذكر والأنثى فيشملهما هنا (والمرأة الشمطاء تلقاء فرجها) مواجهة بوجهها وفرجها وفي المغرب، الشمط: بياض شعر الرأس يخالط سواده ولا يقال للمرأة شيباء ولكن شمطاء، وقيل: هو بياض شعر الرأس في مكان واحد والباقي أسود (والأتان العضباء يعنى الجدعاء) الأتان بالفتح: الحمار يقع على الذكر والأنثى والأتانة وإن كانت قليلة تقع على الأنثى خاصة، والجدع كالمنع بالجيم والدال المهملة: قطع الأنف أو الأذن أو اليد أو الشفة جدعه فهو أجدع وهي جدعاء وهاتان واحدة من الخمسة ولذلك قال بعض العلماء: الواو في قوله والأتان بمعنى أن الشمطاء شوم إذا كانت مصاحبة مع الأثان.

[ 440 ]

* الأصل: 494 - محمد بن يحيى، عن سلمة بن الخطاب، عن عبد الله، عن محمد بن سنان عن عبد الله بن القاسم، عن عمرو بن أبي المقدام قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) إن الله تبارك وتعالى زين شيعتنا بالحلم وغشاهم بالعلم لعلمه بهم قبل أن يخلق آدم (عليه السلام). * الشرح: (إن الله تبارك وتعالى زين شيعتنا بالحلم وغشاهم بالعلم - اه‍) لعل المراد أن الشيعة لما كانوا العلم الأزلي من خواصه تبارك وتعالى وأوليائه وكانت قلوبهم صافية بنور الله جعل الحلم والعلم زينة لهم كالحلي واللباس الفاخرة للصور الحسنة وعلى هذا لايردأن غير الشيعة أيضا قد يتصف بالحلم والعلم لأن ذلك ليس زينهم بل هو كتعليق الجواهر على أعناق الخنازير. * الأصل: 495 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، وعدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد جميعا، عن ابن فضال، عن ثعلبة بن ميمون، عن عمر بن أبان، عن الصباح بن سيابة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الرجل ليحبكم وما يدري ما تقولون فيدخله الله عز وجل الجنة وإن الرجل ليبغضكم وما يدري ما تقولون فيدخله الله عز وجل النار. وإن الرجل منكم لتملأ صحيفته من غير عمل، قلت: وكيف يكون ذلك ؟ قال: يمر بالقوم ينالون منا فإذا رأوه قال بعضهم لبعض: كفوا فان هذا الرجل من شيعتهم فيمر بهم الرجل من شيعتنا فيهمزونه ويقولون فيه فيكتب الله له بذلك حسنات حتى يملأ صحيفته من غير عمل. * الشرح: (إن الرجل ليحبكم ولا يدري ما تقولون فيدخله الله عز وجل الجنة) كان المراد من يحب الشيعة للتشيع أولا من هذه الحيثية ولا يعرف الحق والولاية ولا ينكرهما وهو المراد بقوله ولا يدري ما يقولون يدخل الجنة، أما الأول فإنه داخل في المستضعفين من الشيعة وهم يدخلون الجنة، وأما الثاني فلأنه داخل في المستضعفين من أهل الإسلام وهم وإن كانوا في المشيئة إلا أنه بسبب هذه المحبة يدخلون الجنة وإن الرجل ليبغضكم (ولا يدري ما تقولون فيدخله الله عز وجل النار) أي يبغضكم من أجل التشيع أولا من أجله والأول ناصبى يدخل النار، والثاني مستضعف يدخلها بسبب البغض. * الأصل: 496 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن أبي الجهم عن أبي خديجة قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): كم بينك وبين البصرة قلت: في الماء خمس إذا طابت الريح

[ 441 ]

وعلى الظهر ثمان ونحو ذلك، فقال: ما أقرب هذا ؟ تزاوروا ويتعاهد بعضكم بعضا فانه لابد يوم القيامة من أن يأتي كل إنسان بشاهد يشهد له على دينه. وقال: إن المسلم إذا رأى أخاه كان حياة لدينه إذا ذكر الله عز وجل. * الشرح: قوله: (ما أقرب هذا تزاوروا ويتعاهد بعضكم بعضا - اه‍) حث على وقوع الملاقاة والزيارة والخلطة والتعاهد وتفقد الأحوال وذكر الله تعالى وذكر أوصاف الأئمة (عليهم السلام) بين المؤمنين وعلى أنه ينبغى أن لا يجعل بعد المقام والمنازل سببا لترك شئ من ذلك فيا عجبا من أهل عصر يأكل بعضهم لحم بعض في الحضور والغيبة. * الأصل: 497 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن ربعي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: والله يحبنا من العرب والعجم إلا أهل البيوتات والشرف والمعدن ولا يبغضنا من هؤلاء إلا كل دنس ملصق. * الشرح: (والله لا يحبنا من العرب والعجم إلا أهل البيوتات والشرف والمعدن - اه‍) في المغرب البيوتات جمع البيوت جمع البيت ويختص بالأشراف فعلى هذا عطف الشرف عليها للتفسير ويمكن أن يراد بأحدهما الشرف في النسب وبالآخر الشرف في الحسب، والمعدن كمجلس: في الأصل مركز كل شئ ومكانه الذي فيه أصله ومنبت الجواهر من عدن إذا أقام وثبت ولعل المراد به هنا الأصيل الثابت الأصل الذي لا كلام في أصله، والدنس بكسر النون: الذليل الذي لا قدر له، من الدنس بالتحريك وهو الوسخ، والملصق، هو الرجل المقيم في الحي وليس منهم بنسب ولعل المراد به من ليس له اب ويحتمل أن يكون الصاد بدلا من السين كما هو المقرر، والملسق كمعظم: الدعي كالغني وهو المتهم في نسبه. * الأصل: 498 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد، والحسين بن سعيد عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن هارون بن خارجة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله عز وجل: * (إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه) * قال: لم يكن من سبط النبوة ولا من سبط مملكة، * (قال إن الله اصطفاه عليكم) * وقال: * (إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هرون) * فجاءت به الملائكة وتحمله وقال الله جل ذكره: * (إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه

[ 442 ]

فإنه مني) * فشربوا منه إلا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، منهم من اغترف ومنهم من لم يشرب فلما برزوا قال الذين اغترفوا: * (لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده) * وقال الذين لم يغترفوا: * (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين) *. * الشرح: قول: (إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا) قيل طالوت علم عبرى كداود وقيل أصله طولوت فعلوت من الطول سمي به لطول قامته وكان أطول من كل أحد برأسه ومنكبه واسمه بالعبرانية شاول بن قيس، ورد هذا القول بأن منعه من الصرف لتعريفه وعجمته يدفعه * (قالوا أنى يكون له الملك علينا) * أي من أين وهو استفهام أو استبعاد أو إنكار * (ونحن أحق بالملك منه) * وراثة ومالا ومكنة واقتدارا (قال: لم يكن من سبط النبوة ولا من سبط المملكة) لأنه كان من أسباط بنيامين بن يعقوب (عليه السلام) ولم يكن فيهم النبوة ولا الملك والسلطنة وإنما كانت النبوة في أسباط لاوى والملك في أسباط يهودا ومع ذلك قيل كان فقيرا راعيا أو سقاء يسقي على حمار له أو دباغا يدبغ الأديم على اختلاف الأقوال فيه، والملكة والمملكة مصدران، يقال: ملكه يملكه ملكا مثلثة وملكة محركة ومملكة بضم اللام أو تثلث احتواه قادرا على الاستبداد به، وفي الكنز مملكة وملكة " پادشاهي كردن وپادشاه شدن " * (قال: إن الله اصطفاه عليكم) * أي قال نبيهم إشمويل (عليه السلام) بعد ما استبعدوا أن يكون طالوت ملكا لهم لما ذكر أن الله الذي عالم بالمصالح الكلية والجزئية، اصطفاه واختاره عليكم لعلمه تعالى بأنه أقدر منكم على إجراء أمور السياسة (وقال نبيهم) حين طلبوا منه آية على أنه تعالى اصطفى طالوت عليهم * (إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت) * هو فعلوت من التوب: وهو الرجوع لا يزال يرجع إليه ما يخرج منه كما قيل أو لأنه يرجع من نبي بعد انقضاء مدته إلى آخر، قيل: إنه كان صندوقا من عود الشمشاد ثلاثة أذرع في ذراعين أنزله الله تعالى إلى آدم (عليه السلام)، وكانت فيه صور الأنبياء وأسماؤهم وأعمارهم وأزمنتهم، ولما مات آدم صار إلى شيث ثم الأنبياء بعده يتوارثون إلى أن بلغ موسى (عليه السلام) وكان يضع فيه التوراة ومتاعا من متاعه ثم رفعه الله بعد موسى، وقيل: كان بعده في أنبياء بني إسرائيل حتى أفسدوا فغلبهم الكفار عليه فوقع في أرض جالوت فابتلوا بالطاعون فتشأموا به فوضعوه على ثورين فساقتهم الملائكة إلى قوم طالوت (فيه سكينة من ربكم) أي في إتيانه سكون وطمأنينة لكم أو في التابوت ما تسكنون إليه وهو التوراة قيل كان موسى (عليه السلام) إذا قاتل قدمه فتسكن نفوس بني إسرائيل ولا يفرون وفيه أقوال أخر. (وبقية مما ترك آل موسى وآل هرون) قال القاضي: هي رضاض الألواح وعصا موسى وثيابه وعمامة هرون، وفي الحواشي القطبية لما رجع موسى من الطور مع الألواح التي فيها التوراة وجد قومه مشتغلين بعبادة العجل فغضب ورماها على الأرض فانكسر بعضها فجمعت تلك القطع وهي رضاض الألواح

[ 443 ]

(فجاءت به الملائكة تحمله بعد رفعه أو بعد وقوعه في أرض الكفار، وفي الآية رمز إلى أن سبط النبي والملك أولى بالملك والخلافة إلا أن يختار الله تعالى غيره ويتحقق الآية فيه فكيف يجوز رد الملك والخلافة عن أسباط خاتم الأنبياء مع تحقق الاختيار والآية فيهم (وقال الله عز ذكره: إن الله مبتليكم بنهر) أي يعاملكم معاملة المختبر * (فمن شرب منه فليس مني) * إلا من اغترف غرفة بيده * (ومن لم يطعمه) * أي من لم يشرب منه أصلا أو شرب منه قليلا واقتصر على ما وقعت فيه الرخصة وهو الغرفة * (فإنه مني) * أي من أتباعي وأشياعي * (فشربوا منه) * بالإفراط والتجاوز عن قدر الرخصة فغلب عليهم عطشهم ولم يقدروا أن يمضوا ويعبروا النهر (إلا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا منهم من اغترف) غرفة بيده على القدر المجوز * (ومنهم من لم يشرب) * أصلا * (فلما برزوا لجالوت وجنوده) * أي أظهروا لهم ودنوا منهم قال الذين اغترفوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده لقلتنا وكثرتهم وضعفنا وقوتهم * (وقال الذين لم يغترفوا كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله) * أي بحكمه ونصره وتيسيره وكم خبرية أو استفهامية * (والله مع الصابرين) * على الشدائد بالنصر والإعانة والإثابة وتفسيره (عليه السلام) بذلك رد على عامة المفسرين من المخالفين حيث قالوا في قوله تعالى * (قالوا لا طاقة لنا اليوم) * راجع إلى الكثير الشاربين زائدا على الرخصة المنخذلين المنقطعين عن طالوت، قالوا ذلك اعتذارا للتخلف وتخذيلا للقليل حين كان النهر بينهما. 499 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيوب عن يحيى الحلبي، عن عبد الله بن سليمان، عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قرأ " إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة " ؟ قال: كانت تحمله في صورة البقرة. * الأصل: 500 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عمن أخبره، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله تبارك وتعالى: * (يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة) * قال: رضاض الألواح فيها العلم والحكمة. * الشرح: (رضاض الألواح فيها العلم والحكمة) الرضاض: مارق من الحصى ونحوه ولعل المراد به الرضاضة المذكورة، وبالعلم العلم بالشرايع والأخلاق والحكمة أعم منه وكون العطف للتفسير محتمل. * الأصل: 501 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن الحسن بن ظريف عن عبد الصمد

[ 444 ]

ابن بشير، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال [ لي ] أبو جعفر (عليه السلام): يا أبا الجارود ما يقولون لكم في الحسن والحسين (عليهما السلام) ؟ قلت: ينكرون علينا أنهما ابنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: بأي شئ احتججتم عليهم ؟ قلت: احتججنا " عليهم بقول الله عز وجل في عيسى بن مريم (عليهما السلام): * (ومن ذرية داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين * وزكريا ويحيى وعيسى فجعل عيسى بن مريم من ذرية نوح (عليه السلام) قال فأي شئ قالوا لكم ؟ قلت: قالوا قد يكون ولد الابنة من الولد ولا يكون من الصلب قال: بأي شئ احتججتم عليهم قلت: احتججنا عليهم بقول الله تعالى لرسوله (صلى الله عليه وآله): * (قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم) *. قال: فأي شئ قالوا ؟ قلت: قالوا قد يكون في كلام العرب أبناء رجل وآخر يقول: أبناؤنا. قال: فقال أبو جعفر (عليه السلام): يا أبا الجارود لاعطينكها من كتاب الله جل وتعالى أنهما من صلب رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يردها الا الكافر. قلت: وأين ذلك جعلت فداك. قال: من حيث قال الله تعالى: * (حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم - الاية) * إلى أن انتهى إلى قوله تبارك وتعالى: * (وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم) * فسلهم يا ابا الجارود هل كان يحل لرسول الله (صلى الله عليه وآله) نكاح حليلتيهما ؟ فإن قالوا: نعم كذبوا وفجروا، وإن قالوا لا فهما ابناه لصلبه. * الشرح: قوله: (ينكرون علينا أنهما ابنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أي أبناؤه حقيقة من صلبه إذ لا نزاع في إطلاق الابن والبنت والولد والذرية على ولد البنت وإنما النزاع في ان هذا الإطلاق من باب الحقيقة أو المجاز فذهب طائفة من أصحابنا منهم السيد المرتضى إلى الأول وذهب طائفة منهم ومنهم الشهيد الثاني وجمهور العامة إلى الثاني، وتظهر الفائدة في كثير من المواضع كإطلاق السيد وإجراء أحكام السيادة والنذر لأولاد الأولاد والوقف عليهم، والظاهر هو الأول للآيات والروايات وأصالة الحقيقة وضعف هذه الرواية بأبى الجارود الزيدي الذي ينسب إليه الفرقة الجارودية لايظر لأن المستمسك هو الآية ودلالة الآيتين الأوليتين على المطلوب ظاهرة والثالثة صريحة واحتمال التجوز غير قادح لإجماع أهل الإسلام على أن ظاهر القرآن لا يترك إلا بدليل لا يجامعه بوجه وما روي عن الكاظم (عليه السلام) وهو مستند الشهيد على تقدير صحة سنده حمله على التقية ممكن واستناده باستعمال اللغة غير تام لأن اللغة لا تدل على مطلوبه، قال في القاموس: ولدك من دمى عقبيك أي من نفست به فهو ابنك فليتأمل. (لما انهزم الناس يوم أحد) هو الجبل المعروف بالمدينة، قال السهيلي: إنما سمي أحد لتوحده وانقطاعه عن جبال آخر، وكان من حديث غزوة أحد أنه لما قتل ببدر من أشراف قريش اجتمع ناس منهم ممن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم فكلموا أبا سفيان ومن كانت له في تلك العير تجارة أن يعينوهم بذلك المال على حرب رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلهم يدركوا

[ 445 ]

ثارا ففعلوا فاجتمع قريش ومن تابعهم من كنانة وأهل تهامة وأبو سفيان قائدهم حتى نزلوا مقابل المدينة في ثلاثة آلاف وكان النبي (صلى الله عليه وآله) يكره الخروج لما رآه في المنام وأخبرهم بقتل أصحابه وقتل رجل من أهل بيته وقال: نقيم بالمدينة فإن أقاموا أقاموا بشر وإن دخلوا علينا قاتلناهم، واجتمع رأى الأصحاب على الخروج فخرج في ألف حتى إذا كان بين المدينة واحد رجع أهل النفاق مثل عبد الله بن أبي وأضرابه وهم قريب من ثلث الناس، ثم التهب القتال بينهم وأنزل الله نصره على المسلمين حتى كشفوا العدو عن وجوههم ونهكوهم قتالا وقلعوهم عن مقامهم فاشتغل المسلمون بالغنيمة ورجع الرماة الحافظون لخلفهم إليهم وقد عهد إليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن لا يفارقوا موضعهم، فعند ذلك دخل خيل العدو على ظهورهم وصرح صارخ أن محمدا قد قتل فانهزم المسلمون، وقيل: كان الصارخ هو الشيطان وكان يوم بلاء وتمحيص للمسلمين وأكرم الله فيه بالشهادة من أكرم ودمى (صلى الله عليه وآله) بالحجارة حتى أصابه ما أصاب ثم نصره الله تعالى بعلي والملائكة (عليهم السلام) حتى هزم العدو وقتلوا مخذولين. * الأصل: 502 - محمد بن يحيي، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن الحسين أبي العلاء الخفاف، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لما انهزم الناس يوم احد عن النبي (صلى الله عليه وآله) انصرف إليهم بوجهه وهو يقول: أنا محمد أنا رسول الله لم اقتل ولم أمت، فالتفت إليه فلان وفلان فقالا: الآن يسخر بنا أيضا وقد هزمنا وبقي معه علي (عليه السلام) وسماك بن خرشة أبو دجانة رحمه الله فدعاه النبي (عليه السلام) فقال: يا أبا دجانة انصرف وأنت في حل من بيعتك، فأما علي فأنا هو وهو أنا فتحول وجلس بين يدي النبي (صلى الله عليه وآله) وبكى وقال: لا والله ورفع رأسه إلى السماء وقال: لا والله لا جعلت نفسي في حل من بيعتي إني بايعتك فإلى من أنصرف يا رسول الله ؟ إلى زوجة تموت، أو ولد يموت، أو دار تخرب ومال يفنى وأجل قد اقترب ؟ فرق له النبي (صلى الله عليه وآله) فلم يزل يقاتل حتى أثخنته الجراحة وهو في وجه وعلي (عليه السلام) في وجه فلما أسقط احتمله علي (عليه السلام) فجاء به إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فوضعه عنده، فقال: يا رسول الله أوفيت بيعتي ؟ قال: نعم، وقال له النبي (صلى الله عليه وآله) خيرا وكان الناس يحملون على النبي (صلى الله عليه وآله) الميمنة فيكشفهم علي (عليه السلام) فإذا كشفهم أقبلت الميسرة إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فلم يزل كذلك حتى تقطع سيفه بثلاث قطع، فجاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فطرحه بين يديه وقال هذا سيفي قد تقطع فيومئذ أعطاه النبي (صلى الله عليه وآله) ذا الفقار ولما رأى النبي (صلى الله عليه وآله) اختلاج ساقيه من كثرة القتال رفع رأسه إلى السماء وهو يبكي وقال: يا رب وعدتني أن تظهر دينك وإن شئت لم يعيك فأقبل علي (عليه السلام) إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال يا رسول الله أسمع دويا شديدا وأسمع أقدم حيزوم وما أهم أضرب أحدا إلا سقط ميتا قبل أن أضربه فقال: هذا جبرئيل وميكائيل وإسرافيل في الملائكة.

[ 446 ]

ثم جاء جبرئيل (عليه السلام) فوقف إلى جنب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا محمد إن هذه لهي المواساة فقال: إن عليا مني وأنا منه فقال جبرئيل: وأنا منكما، ثم انهزم الناس فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): يا علي امض بسيفك حتى تعارضهم فإن رأيتهم قد ركبوا القلاص وجنبوا الخيل فإنهم يريدون مكة، وإن رأيتهم قد ركبوا الخيل وهم يجنبون القلاص فإنهم يريدون المدينة، فأتاهم علي (عليه السلام) فكانوا على القلاص، فقال أبو سفيان لعلي (عليه السلام): يا علي ما تريد هو ذا نحن ذاهبون إلى مكة ؟ فانصرف إلى صاحبك، فأتبعهم جبرئيل (عليه السلام) فكلما سمعوا وقع حافر فرسه جدوا في السير وكان يتلوهم فإذا ارتحلوا قالوا: هو ذا عسكر محمد قد أقبل فدخل أبو سفيان مكة فأخبرهم الخبر وجاء الرعاة والحطابون فدخلوا مكة فقالوا: رأينا عسكر محمد كلما رحل أبو سفيان نزلوا يقدمهم فارس على فرس أشقر يطلب آثارهم، فأقبل أهل مكة على أبي سفيان يوبخونه ورحل النبي (صلى الله عليه وآله) والراية مع علي (عليه السلام) وهو بين يديه فلما أن أشرف بالراية من العقبة ورآه الناس نادى علي (عليه السلام): أيها الناس هذا محمد لم يمت ولم يقتل. فقال صاحب الكلام الذي قال: " الآن يسخر بنا وقد هزمنا ": هذا علي والراية بيده حتى هجم عليهم النبي (صلى الله عليه وآله) ونساء الأنصار في أفنيتهم على أبواب دورهم وخرج الرجال إليه يلوذون به ويثوبون إليه، والنساء نساء الأنصار قد خدشن الوجوه ونشرن الشعور وجززن النواصي وخرقن الجيوب وحزمن البطون على النبي (صلى الله عليه وآله) فلما رأينه قال لهن خيرا وأمرهن أن يستترن ويدخلن منازلهن وقال: إن الله عز وجل وعدني أن يظهر دينه على الأديان كلها. وأنزل الله على محمد (صلى الله عليه وآله): * (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا - الآية) *. * الشرح: (وبقي معه علي (عليه السلام) وسماك بن خرشة) سماك بكسر السين وكنيته أبو دجانة بضم الدال وخرشه بالتحريك وفي القاموس خراشة بالألف بعد الراء وفي بعض التفاسير أن عليا (عليه السلام) قاتل ذلك اليوم قتالا خارجا عن طوق البشر، وأن ستة رجال من شجعان العرب وأبطالهم تعاهدوا على أن يحيطوا به دفعة فأحاطوا به فقتل (عليه السلام) بعضهم وهرب بعض ونقل في كيفية قتاله حكاية غريبة (وقال: لا والله لا جعلت نفسي في حل من بيعتي إنى بايعتك) بايعت مفاعلة من البيع وكانوا إذا بايعوا أحدا قبضوا على يده اليمنى توكيدا للأمر فاشبه ذلك فعل البايع والمشتري فجاءت المفاعلة في بايعت من ذلك وأما البيعة فهي عرفا معاهدته على تسليم النظر في كل الأمور إليه على وجه لا ينازع ولا ينصرف عنه ولو قتل (فلم يزل يقاتل حتى أثخنته الجراحة اه‍) أي أثقلته وأوهنته، يدل ظاهر هذا على أن أبا دجانة استشهد يوم أحد لكن صرح بعض العامة ببقائه بعد النبي (صلى الله عليه وآله) قال القرطبى: أبو دجانة اسمه سماك بن خرشة الخزرجي وهو مشهور بكنيته وشهد بدرا

[ 447 ]

وأحدا ودافع عن النبي (صلى الله عليه وآله) يومئذ هو ومصعب بن عمير وكثرت فيه الجراحات وقتل مصعب وكان أبو دجانة أحد الشجعان له المقامات المحمودة مع رسول الله في مغازيه، استشهد يوم اليمامة، قال أنس: رمى أبو دجانة بنفسه الحديقة التي كان فيها مسيلمة فانكسرت رجله فقاتل حتى قتل، وقيل أنه شارك وحشيا في قتل مسيلمة، وقيل: إنه عاش حتى حضر صفين مع علي (فقال: يا رسول الله أسمع دويا شديدا وأسمع أقدم حيزوم) في النهاية، الدوى: صوت ليس بعال كصوت النحل ونحوه وفيها أيضا في حديث بدر أقدم حيزوم جاء في التفسير أنه اسم فرس جبرئيل (عليه السلام) أراد أقدم يا حيزوم فحذف حرف النداء والياء فيه زائدة هذا ولعل ركوب الملائكة (عليهم السلام) وقتالهم على الوجه المعتاد وإلا فأقل حركتهم كافية في إهلاكهم كما اتفق في إهلاك الأمم السابقة، لا يقال القتال على الوجه المعتاد يقتضى أن يروهم لأنا نقول ليس هنا ما يدل على أنهم لم يروهم فلعلهم رأوهم وظنوا أنهم من العساكر المنصورة، وقال بعض العامة: إن إظهارهم للمشركين عند أخر القتال واحتضار الموت كما قال تعالى * (يوم يرون الملائكة لا بشرى - الآية) * وقال بعضهم: يجوز أن يروهم وإنما لم يموتوا بلاغا للأعذار وزيادة إقامة الحجة عليهم (فقال: يا محمد أن هذه لهي المواساة) في النهاية المواساة: المشاركة والمساهمة في المعاش والرزق وأصلها الهمز فقلبت واوا تخفيفا، ولعل المراد بها هنا مواساته بنفسه وماله من قولهم واساه بماله مواساة أناله منه (فقال (صلى الله عليه وآله): إن عليا مني وأنا منه قال جبرئيل: وأنا منكما) قال في الفائق: يقال: هو مني أي هو بعضي والغرض الدلالة على شدة الاتصال وتمازج الأهواء واتحاد المذاهب ومثله قوله تعالى * (فمن تبعني فإنه مني) * وقال الصدوق في العلل: قول جبرئيل وأنا منكما تمنى منه لأن يكون منهما فلو كان أفضل منهما لم يقل ذلك ولم يتمن أن ينحط عن درجته إلى أن يكون ممن دونه وإنما قال: وأنا منكما ليصير من هو أفضل منه فيزداد محلا إلى محله وفضلا إلى فضله (يا علي أمض بسيفك حتى تعارضهم) أي حتى تأتيهم من عارضه إذا أتاه معرضا من بعض الطريق أو حتى تظهر لهم ويظهروا لك من أعرض الشئ يعرض إذا ظهر له أو حتى تقابلهم من عارضه إذا قاتله " فإن رأيتهم قد ركبوا القلاص وجنبوا الخيل فإنهم يريدون مكة " في القاموس، القلوص من الابل: الشابة أو الباقية على السير أو أول ما يركب من إناثها إلى أن تثني، ثم هي ناقة، والناقة: الطويلة القوايم خاص بالإناث والجمع قلاص وقلص وجمع الجمع قلاص، والجنيبة: فرس تقاد إلى جنب الراكب أو قدامه ليتحول إليها ويركبها إذا فتر مركوبه يقال جنبه جنبا محركة ومجنبا قاده إلى جنبه فهو جنيب ومجنوب (يقدمهم فارس على فرس أشقر) الأشقر من الدواب الأحمر في مغرة حمرة يحمر منه العرف والذنب والمغر محركة والمغرة بالضم لون ليس بناصع الحمرة أو شقرة بكدرة (وحر من البطون) أي منعن حقها وهو الطعام يقال حرمه الشئ كضربه وعلمه حرمانا بالكسر إذا منعه حقه

[ 448 ]

وهو محروم وفي بعض النسخ حزمن بالزاي المعجمة أي شددنها، يقال حزمه يحزمه كضربه إذا شده وفي بعضها " حرضن البطون " يعني أفسدنها يقال حرض نفسه يحرضها من باب ضرب أي أفسدها. * الأصل: 503 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، وغيره، عن معاوية ابن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لما خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) في غزوة الحديبية خرج في ذي القعدة فلما انتهى إلى المكان الذي أحرم فيه أحرموا ولبسوا السلاح فلما بلغه أن المشركين قد أرسلوا إليه خالد بن الوليد ليرده قال: ابغوني رجلا يأخذني على غير هذا الطريق فأتي برجل من مزينة - أو من جهينة - فسأله فلم يوافقه فقال: ابغوني رجلا غيره، فأتي برجل آخر إما من مزينة وإما من جهينة: قال فذكر له فأخذه معه حتى انتهى إلى العقبة، فقال: من يصعدها حط الله عنه كما حط الله عن بني إسرائيل. فقال لهم: * (ادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطاياكم) * قال: فابتدرها خيل الأنصار: الأوس والخزرج. قال: وكانوا ألفا وثمانمائة، فلما هبطوا إلى الحديبية إذا امرأة معها ابنها على القليب فسعى ابنها هاربا فلما أثبتت أنه رسول الله (صلى الله عليه وآله) صرخت به: هؤلاء الصابئون ليس عليك منهم بأس فأتاها رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأمرها فاستقت دلوا من ماء فأخذه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فشرب وغسل وجهه فأخذت فضلته فأعادته في البئر فلم تبرح حتى الساعة. وخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأرسل إليه المشركون أبان بن سعيد في الخيل فكان بازائه، ثم أرسلوا الحليس فرأى البدن وهي تأكل بعضها أو بار بعض فرجع ولم يأت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال لأبي سفيان: يا أبا سفيان أما والله ما على هذا حالفناكم، على أن تردوا الهدي عن محله. فقال: اسكت فانما أنت أعرابي، فقال: أما والله لتخلين عن محمد وما أراد أو لأنفردن في الأحابيش. فقال: اسكت حتى نأخذ من محمد ولثا فأرسلوا إليه عروة بن مسعود وقد كان جاء إلى قريش في القوم الذين أصابهم المغيرة بن شعبة كان خرج معهم من الطائف وكانوا تجارا فقتلهم وجاء بأموالهم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأبى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يقبلها وقال: هذا غدر ولا حاجة لنا فيه، فأرسلوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالوا: يا رسول الله هذا عروة بن مسعود قد أتاكم وهو يعظم البدن، قال: فأقيموها فأقاموها فقال: يا محمد مجيئ من جئت ؟ قال: جئت أطوف بالبيت وأسعى بين الصفا والمروة وانحر هذه الإبل واخلي عنكم وعن لحمانها قال: لا واللات والعزى فما رأيت مثلك رد عما جئت له، إن قومك يذكرونك الله والرحم أن تدخل عليهم بلادهم بغير إذنهم وأن تقطع أرحامهم وأن تجري عليهم عدوهم فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما أنا بفاعل حتى أدخلها قال: وكان عروة بن مسعود حين كلم رسول الله (صلى الله عليه وآله) تناول لحيته والمغيرة قائم على رأسه فقال: من هذا يا محمد فقال هذا ابن أخيك المغيرة، فقال: يا غدر

[ 449 ]

والله ما جئت إلا في غسل سلحتك، قال: فرجع إليهم فقال لأبي سفيان وأصحابه: لا والله ما رأيت مثل محمد رد عما جاء له فأرسلوا إليه سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزي، فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأثيرت في وجوههم البدن، فقالا: مجئ من جئت ؟ قال: جئت لأطوف بالبيت وأسعى بين الصفا والمروة وأنحر البدن وأخلي بينكم وبين لحمانها. فقالا: إن قومك يناشدونك الله والرحم أن تدخل عليهم بلادهم بغير إذنهم وتقطع أرحامهم وتجرى عليهم عدوهم، قال: فأبى عليهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا أن يدخلها. وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أراد أن يبعث عمر، فقال: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) إن عشيرتي قليل وإني فيهم على ما تعلم ولكني أدلك على عثمان بن عفان، فأرسل إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: انطلق إلى قومك من المؤمنين فبشرهم بما وعدني ربى من فتح مكة فلما انطلق عثمان لقى أبان بن سعيد فتأخر عن السرج فحمل عثمان ببن يديه ودخل عثمان فأعلمهم وكانت المناوشة فجلس سهيل بن عمرو عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجلس عثمان في عسكر المشركين وبايع رسول الله (صلى الله عليه وآله) المسلمين وضرب بإحدى يديه على الأخرى لعثمان وقال المسلمون: طوبى لعثمان قد طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وأحل، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما كان ليفعل فلما جاء عثمان قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): أطفت بالبيت ؟ فقال: ما كنت لأطوف بالبيت ورسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يطف به ثم ذكر القصة وما كان فيها فقال لعلي (عليه السلام): اكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل: ما أدري ما الرحمن الرحيم إلا أني أظن هذا الذي باليمامة ولكن اكتب كما نكتب: بسمك اللهم قال: واكتب: هذا ما قاضى [ عليه ] رسول الله سهيل بن عمرو، فقال سهيل: فعلى ما نقاتلك يا محمد ؟ فقال: أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد الله، فقال الناس: أنت رسول الله، قال: اكتب فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله، فقال الناس: أنت رسول الله وكان في القضية أن من كان منا أتى إليكم رددتموه إلينا ورسول الله غير مستكره عن دينه ومن جاء إلينا منكم لم نرده إليكم فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا حاجة لنا فيهم، وعلى أن يعبد الله فيكم علانية غير سر. وإن كانوا ليتهادون السيور في المدينة إلى مكة وما كانت قضية أعظم بركة منها لقد كاد أن يستولي على أهل مكة الإسلام فضرب سهيل بن عمرو على أبي جندل ابنه فقال: أول ما قاضينا عليه. فقال رسول الله (عليه السلام): وهل قاضيت على شئ فقال: يا محمد ما كنت بغدار قال: فذهب بأبي جندل فقال: يا رسول الله تدفعني إليه ؟ قال: ولم أشترط لك، قال: وقال: اللهم اجعل لأبي جندل مخرجا. * الشرح: قوله: (لما خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) في غزوة الحديبية) هي موضع على عشرة أميال من مكة سمي بها لبئر هناك تسمى الحديبية وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) محرما بعمرة قصده المشركون فصالحهم ورجع ولم يدخل مكة العام ودخلها العام المقبل، ونقل عن الكسائي أنه يشدد الياء وهي لغة أهل

[ 450 ]

الحجاز، وعن الأصمعي أنه يخففها وهي لغة العراق، وانما سميت هذه الرحلة غزوة مع أنها كانت للعمرة لا للغزاء لأنها كانت في صورة العزوة أو لقصدها على تقدير منع المشركين (خرج في ذى القعدة) سنة ست من الهجرة معتمرا لا يريد حربا واستنهض من حوله من الأعراب وأبطأ عليه كثير منهم وخرج بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق من العرب وساق معه الهدي وأحرم بالعمرة من ذي الحليفة كما قيل ليأمن الناس من حربه وليعلموا أنه خرج زائرا (فقال: أبغوني رجلا) أي أطلبوه لي يقال: أبغاه الشئ طلبه له كبغاه إياه كرماه (وكانوا ألفا وثمانمائة) روايات العامة في عددهم ذلك اليوم مختلفة ففي بعضها ألف وأربعمائة وفي بعضها ألف وخمسمائة وفي بعضها ألف وثلاثمائة (إذا امرأة معها ابنها على القليب) في النهاية، القليب: البئر التي لم تطو يذكر ويؤنث وفي القاموس، القليب: البئر أو العادية القديمة منها ويؤنث (فلما أثبتت) أي عرفت حق المعرفة (صرخت به هؤلاء الصابئون) الصابي: الخارج من دين إلى دين، وفي النهاية صبأ فلان إذا خرج من دين إلى غيره من قولهم صبأ ناب البعير إذا طلع وصبأت النجوم إذا خرجت من مطالعها. وكانت العرب تسمي النبي (صلى الله عليه وآله) الصابي لأنه خرج من دين قريش إلى دين الإسلام ويسمون من يدخل في الإسلام مصبوا لأنهم كانوا لا يهمزون فأبدلوا من الهمزة واوا ويسمون المسلمين الصباة بغير همز كأنه جمع صابي غير مهموز كغاز وغزاة وقاض وقضاة (فأرسل المشركون إليه أبان بن سعيد في الخيل فكان بإزائه) يمنعه من الوصول إلى مكة (ثم أرسلوا الحبيش) هو الحبيش بن علقمة الكناني سيد الأحلس، وفي كتاب إكمال الإكمال حليش باللام، وفي بعض النسخ الحلش مكبرا، والغرض من إرساله إلى النبي (صلى الله عليه وآله) ليعلم حاله واستعداده ويعلم أنه لماذا جاء هل جاء محاربا أو جاء زائرا ؟ فلما رأى البدن في عرض الوادي على هيئة الهدي علم أنه جاء زائرا فرجع قبل الوصول إليه إعظاما لما رأى فأخبر أبا سفيان بذلك (فرأى البدن) في البادية وهي بضمتين جمع البدنه محركة: وهي من الإبل والبقر كالأضحية من الغنم تهدى إلى مكة للذكر والأنثى (وهي يأكل بعضها أو بار بعض) كناية عن عض بعضها ظهر بعض والمقصود تجرها عن القتب والجهاز وهي علامة الهدى لأن إبل الهدى تساق كذلك (والله ما على هذا حالفناكم) يعنى حالفناكم على أن نرد عنكم عدوكم إن جاؤوا محاربين لا ما إذا جاؤوا زائرين للبيت قال ذلك لأن المشركين كانوا يعظمون البيت والزائرين لها، وكان الصد والمنع من بلوغ الهدي محله قبيحا عندهم (فقال: اسكت فإنما أنت أعرابي) لاعلم لك بالحيل وتدبير الحروب ودفع الجيوش، فقال: (والله لتخلين عن محمد وما أراد) من دخول مكة وطوايف البيت ونحر الجزور في محله (أولأ نفردن في الأحابيش) في القاموس حبشي بالضم: جبل بأسفل مكة ومنه أحابيش قريش لأنهم تحالفوا بالله على أنهم ليد على غيرهم ما سحاليل ووضح نهار وما رساحبشى، وفي النهاية الأحابيش: أحياء من القارة

[ 451 ]

انضموا إلى بني ليث في محاربتهم قريشا والتحبش: التجمع، وقيل: حالفوا قريشا تحت جبل يسمى حبشي فسموا بذلك (فقال: اسكت حتى تأخذ من محمد ولثا) الولث بفتح الواو وسكون اللام والثاء المثلثة: العهد الغير المحكم والمؤكد من ولث السحاب ذا أتى بندى يسير كذا ذكره في الفائق وفسره الأصمعى وقيل: هو العهد المحكم وقيل: هو الشئ اليسير من العهد (وقد كان جاء إلى قريش) الغرض منه بيان سبب انضمام عروة بن مسعود إلى قريش وحاصله أن قوما من التجار فيهم عروة خرجوا من الطائف وخرج معهم المغيرة بن شعبة فقتلهم غيلة وهرب عروة إلى قريش وكان بينهم. وقوله (فأرسلوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)) تكرار لتحقق الربط بعد وقوع البسط بالقصة المذكورة قال (فأقيموها فأقاموها) لعل الغرض من إقامتها أن يعلم عروة أنها هدي وأنه جاء زائرا لا محاربا فيخبر قومه إذا رجع إليهم (وأخلي عنكم وعن لحمانها) اللحمان كاللحوم: جمع اللحم (وأن تجرى عليهم عدوهم) أي أن تجعل عدوهم جريا عليهم، لأن الدخول عليهم بدون إذنهم سبب لجرأة سائر الأعداء عليهم من جرأته عليه تجريئا فاجترء، ويحتمل أن يكون تجرى بالياء من الإجراء وأن يراد بالعدو من كان معه (صلى الله عليه وآله) من أهل الإسلام (فقال: يا غدر) الغدر كصرد: الغادر من الغدر وهو ترك الوفاء غدره وبه كضرب ونصر وسمع غدرا (والله ما جئت إلا في غسل سلحتك) في بمعنى الباء، والسلحة: النجو وهذا كناية عن دفع عاره بتوسله بالنبي (صلى الله عليه وآله) ومن طريق العامة في حديث الحديبية والمغيرة " وهل غسلت سوأتك إلا أمس " قال في النهاية: السوءة في الأصل: الفرج ثم نقل إلى ما يستحي منه إذا ظهر من قول أو فعل وهذا القول إشارة إلى غدر كان المغيرة فعله مع قوم صحبوه في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم قال أبو عبد الله شارح صحيح مسلم: بعثوا عروة بن مسعود الثقفي إليه فلما جلس بين يديه قال: يا محمد أجمعت أوباش الناس وجئت إلى بيضتك لتفتضها بهم إن قريشا خرجت بالعود المطافيل ولبسوا جلود النمور ويعاهدون الله أن لا تدخلها عليهم عنوة أبدا وأيم الله لكأني بهؤلاء انكشفوا عنك، ثم جعل عروة يتناول لحية رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يكلمه والمغيرة بن شعبة واقف على رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الحديد فجعل يقرع يده إذا فعل ذلك ويقول: كف يدك عن وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبل أن لا يصل إليك فقال عروة: من هذا ويحك ما أفظك وأغلظك ؟ فتبسم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال عروة: من هذا يا محمد ؟ فقال: ابن أخيك المغيرة بن شعبة الثقفي، فقال: أي غدر هل غسلت سوأتك إلا بالأمس ؟، يريد أن المغيرة كان قتل ثلاثة عشر رجلا من ثقيف فهاج رهط المقتولين ورهط المغيرة فودى عروة المقتولين ثلاثة عشر دية فقام عروة بعد أداء الرسالة واستماع ما قال (صلى الله عليه وآله) وقد رأى ما يصنع به أصحابه لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه ولا يبصق إلا ابتدروا ذلك ولا يسقط من شعره شعرة إلا أخذوها فرجع إلى قريش وقال: يا معشر قريش إني جئت كسرى في ملكه وقيصر في ملكه والنجاشي في ملكه وإني والله ما

[ 452 ]

رأيت ملكا في قوم قط مثل محمد في أصحابه (وإنى فيهم على ما تعلم) من الفظاظة أو المذلة والحقارة، قال في النهاية: فيه يعني في الحديث كان عمر في الجاهلية مبرطشا: وهو الساعي بين البايع والمشتري شبه الدلال ويروى بالسين المهملة بمعناه وفي القاموس المبرطش: الذي يكتري الناس الإبل والحمير ويأخذ عليه جعلا (فتأخر عن السرج فحمل عثمان بين يديه) أي تأخر أبان عن سرج دابته وحمل عثمان بين يديه وصار رديفا له وفي كتاب إكمال الإكمال أنه نزل عن دابته وحمله عليها (وكانت المناوشة بين المسلمين والمشركين) النوش: التناول والأخذ ناشه ينوشه نوشا تناوله وأخذه، والمناوشة في القتال: تداني الفريقين وأخذ بعضهم بعضا (وبايع رسول الله (صلى الله عليه وآله) المسلمين) هذه البيعة يسمونها بيعة الرضوان وبيعة تحت الشجرة وفي كتاب إكمال الإكمال سبب هذه البيعة أنه (صلى الله عليه وآله) قصد مكة ليعتمر فصده المشركون ولما نزل الحديبية وهي على عشرة أميال من مكة وظهر صد المشركين أرسل إليهم خداش الخزاعى يعرفهم أنه لا يريد الحرب وإنما جاء معتمرا فعقروا به الجمل وأرادوا قتله فمنعه الأحابيش وهي اسم لأخلاط العشائر فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله) فأراد أن يبعث عمر فقال: يا رسول الله قد علمت فظاظتي على قريش وهم يبغضونني وليس بمكة من بني عدي بن كعب من يمنعني ولكن ابعث عثمان فبعثه فلقيه أبان بن عثمان بن العاص فنزل له عن دابته وحمله عليها وأجاره حتى أتى قريشا فأخبرهم فقالوا: يا عثمان إن أردت أن تطوف فطف وأما دخلوكم علينا فلا سبيل إليه، فقال: ما كنت لأطوف حتى يطوف رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصرخ صارخ في عسكر رسول الله قتل عثمان فقال المسلمون: إن يكن حقا فلا نبرح حتى نلقى القوم فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى البيع ونادى مناديه أيها الناس البيعة البيعة نزل روح القدس فما تخلف عن البيعة إلا ابن قيس الأنصاري المنافق حينئذ جعل رسول الله يده وقال: هذه يد عثمان وهي خير من يد عثمان فبايعوا على السمع والطاعة والصبر وعدم الفرار وعلى أن لا ينازعوا الأمر أهله انتهى كلامه، أقول: روى مسلم في باب طاعة الأمير عن عبادة بن الوليد بن عبادة عن أبيه عن جده، قال: بايعنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكروه وعلى أثره علينا وعلى أن لا ننازع الأمر أهله وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف لومة لائم، قال القرطبي شارح مسلم: قال جماعة: البيعة على عدم المنازعة ورد في الإمام العدل وقيل: إنه بايع الأنصار أن لا ينازعوا قريشا في الخلافة، أقول: إذا عرفت هذا فقد علمت أنه يمكن لنا أن نحمل البيعة على عدم منازعة الأمر أهله في بيعة الرضوان على أحد هذين الوجهين وإن تلك البيعة وقعت بأمر جبرئيل (صلى الله عليه وآله) فتدبر (فقال سهيل: ما أدري ما الرحمن إلا أني أظن هذا الذي باليمامة) أهل اليمامة كانوا يقولون لمسيلمة الكذاب رحمن اليمامة وهي دون المدينة في وسط الشرق عن مكة على ستة عشر مرحلة من البصرة وعن الكوفة نحوها (ولكن اكتب كما نكتبه

[ 453 ]

بسمك اللهم) في كتاب إكمال الإكمال عن السهيلي أنه قال: بسمك اللهم كانت قريش تقولها وأول من قالها أمية بن أبى الصلت ومنه تعلموها وتعلمها هو من رجل من الجن في خبر طويل ذكره (قال: واكتب هذا ما قاضى رسول الله سهيل بن عمرو) قاضى مفاعله من القضاء وهو الفصل والحكم ومنه القاضي وهذا يدل على أنه يجوز في الصلح الاختصار بالاسم أو اللقب المختص خلافا لبعض العامة فإنه قال: لابد فيه من ذكر أربعة أسماء اسمه واسم أبيه واسم جده وكنيته (فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله) قيل مساعدته (صلى الله عليه وآله) على ذلك هي رغبة في إتمام الصلح الذي علم أن عاقبته الغلبة والظهور وليس عدم كتب ما ذكر من الرسالة ضارا وإنما الضار كتب مالا يحل اعتقاده من ذكر آلهتهم وشركهم ونحوهما وسنذكر بعض فوائده (وكان في القصة) أي في قصة الصلح والقضاء وفي بعض النسخ في القضية بالضاد المعجمة والياء المثناة التحتانية (أن من كان منا أتى اليكم) أي من كان من المشركين أتى مسلما إليكم رددتموه إلينا أن طلبناه (ورسول الله (صلى الله عليه وآله) غير مستكره عن دينه) أي عن قضائه وحكمه بالرد إلينا، والدين هنا: القضاء والحكم ومنه الديان من أسمائه تعالى لأنه القاضي والحاكم (ومن جاء إلينا منكم) مرتدا عن الإسلام أو غير مرتد (لم نرده اليكم) ان طلبتموه (فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا حاجة لنا فيهم) أي فيمن جاء من أهل الاسلام إليكم حتى نطلبهم (وعلى أن يعبد الله فيكم علانية غير سر) أي يعبد الله المسلمون بينكم جهارا بلا مانع (وإن كانوا ليتهادون السيور في المدينة إلى مكة) التهادي: أن يهدى بعضهم إلى بعض، والسيور: حلة فيها خطوط من أبريسم من السير وهو القد، ويحتمل أن يراد بها: الحصر المدنية أيضا لأنها كانت تنسج من السيور وهي ما يقدمن الجلد المدبوغ وهذا صريح في أن الصلح وقع على أن يرد المسلمون إلى الكفار من جاء من الكفار مسلما إليهم وأن لايرد الكفار إلى المسلمين من ذهب من المسلمين إليهم ومثلهه ما نقل من طرق العامة عن ابن عباس، قال: لما وقع صلح الحديبية تضمن أن من جاء منهم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) يرد عليهم ومن أتاهم من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يرد ولذلك رد أبو جندل وكأنه جاء بعد وقوع الصلح وقدمت سبيعة بنت الحارث الأسلمية مسلمة بعد ختم الكلام فقدم زوجها وهو كافر فقال: يا محمد اردد علي امرأتي فإنك شرطت لنا أن ترد علينا من أتاك منا وهذه طينة الكتاب لم تجف، وكذلك جاءت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وجاء وليها وطلب ردها لمكان الشرط فنزل قوله تعالى * (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتوهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار - الاية) * فنسخ الشرط في النساء هذا بناء على أن الشرط كان شاملا صريحا لرد الرجال والنساء جميعا وقد صرح بشموله بعض العامة وقال بعضهم: الشرط إنما كان في رد الرجال دون النساء وعلى هذا فلا نسخ بل هو بيان للحكم وتأكيد، وقيل: كان الشرط مجملا من غير

[ 454 ]

تفصيل وبه صرح بعض أصحابنا فإنه قال: وجب الوفاء بما تضمنه عقد الصلح من الشروط الصحيحة لا الفاسدة وصلح الحديبية وأن تضمن رد من أتانا منهم لكنه مطلق قابل للتقييد بعدم الاشتمال على المفسدة، ولذلك كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يرد من الرجال من له عشيرة يمنعونه من الفتنة عن دينه أما من ليس له عشيرة يمنعونه فلم يرده خوفا من الفتنة وكذا لم يرد المرأة مطلقا وإن كان لها عشيرة لأنهم لا يمنعونها من التزويج بالكافر وحينئذ لا تؤمن فتنتها من زوجها فإن المرأة تأخذ من دين بعلها، قال أفصح الدين والظاهر أنه من علماء العامة في شرحه على نهج البلاغة عند قوله (عليه السلام) " ولقد علم المستحفظون من أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) أني لم أرد على الله ولا على رسوله شيئا قط " قيل: وفيه إيماء إلى ماكان يفعله بعض الصحابة من التسرع والاعتراض على الرسول (صلى الله عليه وآله) كما نقل عن عمر يوم الحديبية عند سطر كتاب الصلح أنه أنكر ذلك وقال لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ألسنا على الحق ! قال: بلى قال: أو ليسوا الكاذبين قال بلى، قال وكيف الدنية في ديننا ؟ فقال (صلى الله عليه وآله) إنما أعمل بما أومر به، فقام عمر فقال لقوم من الصحابة: ألم يكن قد وعدنا بدخول مكة وها نحن قد صددنا عنها ؟ ثم ينصرف بعد أن أعطينا الدنية في ديننا، والله لو وجدت أعوانا لم أعط الدنية أبدا، فقال بعضهم ويحك إلزم غرزه فوالله إنه لرسول الله وإن الله لا يضيعه، ثم قال له: أقال لك انه سيدخل مكة هذا العام ؟ فقال: لا، قال: سيدخلها، فلما فتح الله مكة أخذ مفاتيح الكعبة ودعاه فقال: هذا الذي وعدتم " هذا كلامه ومثله نقله الآبي في كتاب إكمال الإكمال وفيه دلالة على أنه لم يؤمن قلبه برسالته وإقراره إنما كان بلسانه. (وما كانت قضية أعظم بركة منها لقد كاد أن يستولي على أهل مكة الإسلام) فيه أن للإمام أن يعقد الصلح على ما رآه مصلحة للمسلمين وإن كان يظهر خلاف ذلك في بادئ الرأي لبعض الناس وفيه احتمال المفسدة اليسيرة لدفع مضرة كثيرة أو جلب مصلحة أعظم منها، ومن مصالح هذا الصلح فتح مكة وإسلام أهلها ودخول الناس في دين الله أفواجا لأنه لما وقع الصلح اختلط الناس بعضهم ببعض وجاؤوا إلى المدينة وذهبوا إلى مكة فسمعوا منهم أقوال الرسول (صلى الله عليه وآله) مفصلة ووقفوا على معجزاته الظاهرة وأعلام نبوته وحسن سيرته وحميدة طريقته وعاينوا بأنفسهم كثيرا من ذلك فمالت نفوسهم إلى الإيمان، فآمنوا، فإن قلت: المنقول أنه (صلى الله عليه وآله) بعد الصلح ذبح الهدي وحلق ورجع فإذا وقع الصلح زال الصد فلم لم يدخل مكة ولم يتم الأفعال ؟ قلت: شرط المشركون في الصلح أن لا يدخلها ذلك العام خوف أن يتحدث العرب أنه دخلها عنوة (فضرب سهيل بن عمرو على أبي جندل ابنه) ضرب عليه أي أمسكه (فقال: أول ما قضينا عليه) فوجب رده إلينا (فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): هل قاضيت على شئ) الظاهر ان قاضيت على صيغة المتكلم: أي هل نقضي لك شئ من المال ليكون هو عندنا انه عبر عن المستقبل بالماضي للدلالة على ترقب وقوعه فلم

[ 455 ]

يرض سهيل بن عمرو (فقال: يا محمد ما كنت بغدار) طالبا لرده، فرده رسول الله (صلى الله عليه وآله) فذهب بأبي جندل فقال:) أبو جندل من باب الإنكار أو الاستفهام (يا رسول الله تدفعني إليه ؟ قال (صلى الله عليه وآله): لم أشترط لك) حين العقد ولم يقع الإستثناء لك (وقال: اللهم اجعل لأبي جندل مخرجا) من الضيق وأذى المشركين وقد استجاب الله تعالى دعاءه قال أبو عبد الله في شرحه لكتاب مسلم أبو جندل ولد سهيل بن عمرو الذي بعثته قريش ليعقد الصلح، وكان أبو جندل أسلم وحبسه المشركون بمكة فلما كان يوم عقد الصلح وكتب الكتاب جاء موثقا في قيوده وقد انفلت من المشركين إليه (صلى الله عليه وآله) فطلبه أبوه فدفعه وهو يصرخ يا معشر المسلمين أتردوني إلى المشركين فدخل المسلمين أمر عظيم حتى كادوا يهلكون، ثم أن الرجال الذين أسلموا من قريش وغيرهم كرهوا أن يقدموا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمكان الهدنة اجتمعوا مع أبي بصير وهو من الذين آمنوا بعد الهدنة ومع أبى جندل وبلغوا نحو الثلاثمائة فخرجوا وقطعوا مارة قريش إلى الشام فبعث أبو سفيان وقومه إلى رسول الله يتضرعون أن يبعث إلى أبي بصير وأبي جندل ليقدموا عليه وقالوا من خرج منا إليكم فأمسكوه من غير حرج فإن هؤلاء فتحوا علينا بابا وضيقوا الأمر علينا، فعند ذلك علم الذين اغتموا بدفع أبي جندل إلى أبيه وأشاروا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن لا يدفعه إلى أبيه إنما فعله (صلى الله عليه وآله) كان أحسن وأن ما خصه الله تعالى به من العلم أفضل وأتقن وليس لقريش في فعل أبي بصير وأبي جندل حجة على النبي (صلى الله عليه وآله) لأنهما ما عاهداهم وإنما عاهدهم النبي (صلى الله عليه وآله) على أن لا يخرج معه بأحد منهم ولا يحبسه عنهم ولم يعاهدهم على أن لا يخرج عليهم من أسلم. * الأصل: 504 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبان عن الفضل أبي العباس، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل: * (أو جاؤوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو تقاتلوا قومهم) * قال: نزلت في بني مدلج لأنهم جاؤوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالوا: إنا قد حصرت صدورنا أن نشهد أنك رسول الله فلسنا معك ولا مع قومنا عليك، قال: قلت: كيف صنع بهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: وادعهم إلى أن يفرغ من العرب ثم يدعوهم فإن أجابوا وإلا قاتلهم. * الشرح: قوله: (أو جاؤوكم حصرت صدورهم) حصرت حال بتقدير قد والحصر الضيق والانقباض (أن يقاتلوكم) أي عن أن أو لأن يقاتلوكم (أو تقاتلوا قومهم) من المشركين (قال: نزلت في بني مدلج) بضم الميم: قبيلة من كنانة (وادعهم): أي صالحهم في القاموس توادعا تصالحا وفي بعض النسخ واعدهم.

[ 456 ]

* الأصل: 505 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن فضال، عن داود بن أبى يزيد وهو فرقد، عن أبي يزيد الحمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله تعالى بعث أربعة أملاك في إهلاك قوم لوط: جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وكروبيل (عليهم السلام) فمروا بإبراهيم (عليه السلام) وهم معتمون فسلموا عليه فلم يعرفهم ورأى هيئة حسنة فقال: لا يخدم هؤلاء أحد إلا أنا بنفسي وكان صاحب أضياف فشوى لهم عجلا سمينا حتى أنضجه ثم قربه إليهم فلما وضعه بين أيديهم رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة، فلما رأى ذلك جبرئيل (عليه السلام) حسر العمامة عن وجهه وعن رأسه فعرفه إبراهيم (عليه السلام) فقال: أنت هو ؟ فقال: نعم ومرت امرأته سارة فبشرها باسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب فقالت: ما قال الله عز وجل، فأجابوها بما في الكتاب العزيز فقال إبراهيم (عليه السلام) لهم: فيماذا جئتم ؟ قالوا له: في إهلاك قوم لوط، فقال لهم: إن كان فيها مائة من المؤمنين تهلكونهم ؟ فقال جبرئيل (عليه السلام): لا، قال: فإن كانوا خمسين ؟ قال: لا، قال فإن كانوا ثلاثين قال: لا، قال: فإن كانوا عشرين ؟ قال لا، قال: فإن كانوا عشرة قال: لا، قال فإن كانوا خمسة قال: لا، قال: فإن كانوا واحدا قال: لا، قال: إن فيها لوطا قالوا: نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين. ثم مضوا. وقال الحسن العسكري أبو محمد: لا أعلم ذا القول إلا وهو يستبقيهم وهو قول الله عز وجل: * (يجادلنا في قوم لوط) * فأتوا لوطا وهو في زراعة له قرب المدينة فسلموا عليه وهم معتمون فلما رآهم رأى هيئة حسنة عليهم عمائم بيض وثياب بيض فقال لهم: المنزل، فقالوا: نعم فتقدمهم ومشوا خلفه فندم على عرضه عليهم المنزل وقال: أي شئ صنعت آتي بهم قومي وأنا أعرفهم ؟ فالتفت إليهم فقال: إنكم تأتون شرار خلق الله وقد قال جبرئيل (عليه السلام): لا نعجل عليهم حتى يشهد ثلاث شهادات، فقال جبرئيل (عليه السلام) هذه واحدة ثم مشى ساعة ثم التفت إليهم فقال: إنكم تأتون شرار خلق الله، فقال جبرئيل (عليه السلام) هذه اثنتان، ثم مضى فلما بلغ باب المدينة التفت إليهم فقال: إنكم تأتون شرار خلق الله، فقال جبرئيل (عليه السلام): هذه ثالثة ثم دخل ودخلوا معه، فلما رأتهم امرأته رأت هيئة حسنة فصعدت فوق السطح وصعقت فلم يسمعوا فدخنت فلما رأوا الدخان أقبلوا يهرعون إلى الباب فنزلت إليهم فقالت عنده قوم ما رأيت قط أحسن منهم هيئة، فجاؤوا إلى الباب ليدخلوها فلما رآهم لوط قام إليهم فقال: * (يا قوم اتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد) * فقال (عليهم السلام) * (هؤلاء بناتي هن أطهر لكم) * فدعاهم إلى الحلال فقالوا: * (لقد علمت مالنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد) *، فقال: * (لو أن لي بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد) * فقال جبرئيل (عليه السلام) لو يعلم أي قوة له، فكاثروه حتى دخلوا البيت قال: فصاح به جبرئيل يا لوط دعهم يدخلون فلما دخلوا أهوى

[ 457 ]

جبرئيل بأصبعه نحوهم فذهبت أعينهم وهو قوله: * (فطمسنا أعينهم) * ثم نادى جبرئيل فقال: * (إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل) * وقال له جبرئيل: إنا بعثنا في إهلاكهم فقال: يا جبرئيل عجل فقال: * (إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب) *، قال: فأمره فتحمل ومن معه إلا امرأته قال: ثم اقتلعها جبرئيل بجناحيه من سبع أرضين ثم رفعها حتى سمع أهل السماء الدنيا نباح الكلاب وصياح الديكة ثم قلبها وامطر عليها وعلى من حول المدينة حجارة من سجيل. * الشرح: قوله: (نكرهم وأوجس منهم خيفة) نكره وأنكره واستنكره بمعنى أي استنكر عليه السلام عدم مد أيديهم إلى العجل وترك تناولهم وأدرك في نفسه خوفا منهم وخاف أن يريدوا به مكروها لأنه كان من عادة العدو أن لا يأكل طعام من يريد إضراره (فبشرها بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب) ليس هذا لفظ القرآن إذ فيه فبشرناها ويعقوب إما بالفتح عطف على إسحاق وفتحته للجر لأنه غير منصرف إلا أنه وقع الظرف بين المتعاطفين أو بالرفع على أنه مبتدء خبره محذوف، أي ويعقوب مولود من وراء إسحق كما صرح به صاحب الكشاف وغيره ويفهم البشارة به أيضا يجعل الجملة حالا، ولا يلزم منه كونه يعقوب مولودا حين البشارة لأن اللازم منه أن يكون مضمون الجملة مقارنا لها وهو أن يكون يعقوب من وراء إسحق فإن قل لا يفهم على التقديرين أن يعقوب من صلب إبراهيم أو من صلب إسحق (عليهما السلام) لأن الوراء يحتمل كليهما قلت الوراء ولد الولد كما صرح به في القاموس وبه فسره بعض المفسرين على أن المتبادر منه هو الثاني (فقالت ما قال الله عز وجل وأجابوها بما في الكتاب العزيز) * (قالت يا ويلتى ءألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشئ عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد) * الويلة قد يرد بمعنى التعجب كما صرح به في النهاية أي يا عجبا احضر فهذا وقتك وأوان حضورك وإنما تعجبت نظر إلى العادة لا إلى القدرة الإلهية لأنها كانت بنت تسعة وتسعين وبعلها ابن مائة وعشرين كما قيل، وحصول الولد لمن في هذا السن أمر عجيب بحسب العادة (فقال إبراهيم (عليه السلام) لهم فيماذا جئتم ؟ قالوا له: في إهلاك قوم لوط) كما حكى في القرآن الكريم * (قال فما خطبكم أيها المرسلون قالوا إنا أرسلنا الى قوم مجرمين) * هم قوم لوط * (لنرسل عليهم حجارة من طين) * أي من طين متحجر، مسومة: أي معلمة عند ربك للمسرفين المتجاوزين عن الحد من أسمت الخيل إذا أرسلتها أو معلمة من المسومة بالسمة وهي العلامة، وفي القاموس مسومة عليها أمثال الخواتيم أو معلمة ببياض وحمرة ليعلم أنها ليست من حجارة الدنيا، وقيل: معلمة بأسماء هؤلاء المسرفين (فقال: ان كان فيها مائة الف - الى قوله - فإن فيها لوطا) وإنما لم يكتف (عليه السلام) أولا بذكر الواحد ليحتج عليهم بأن حرمة المؤمن الواحد كحرمة الكثير فإذا لم تهلكهم مع فرض وجود الكثير فيهم فكيف تهلكهم مع

[ 458 ]

وجود الواحد ؟ قال ذلك شفاعة وشفقه على عباد الله وتوهم أن إهلاكهم في معرض البداء فلذلك مدحه تعالى * (وقال فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا) * أي يجادل رسلنا في قوم لوط ومجادلته إياهم قوله * (إن فيها لوطا إن إبراهيم لحليم) * كثير الحلم غير عجول على الانتقام من المسئ إليه * (أواه منيب) * أي كثير التأوه من التقصير والتأسف على الناس وكثير الرجوع الى الله تعالى ثم نبه جل شأنه بأن عذابهم أمر محتوم لا تدفعه الشفاعة ولا الجدال والدعاء بقوله (يا إبراهيم أعرض عن هذا أنه قد جاء أمر ربك وأنهم آتيهم عذاب غير مردود). (فندم على عرضه عليهم المنزل) كما دل عليه قوله تعالى * (وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب) * أي ضاق صدره لعلمه بأن عاجز عن دفع المكروه عنهم والعصيب الشديد (أقبلوا يهرعون الى الباب) أي يسرعون من الهرع محركة: وهي مشي في اضطراب وسرعة وإنما بنى الفعل للمفعول للتنبيه على شدة اضطرابهم وسرعتهم حتى كأنهم يدفع بعضهم بعضا ويحثه على السرعة * (فقال يا قوم اتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد) * نسبهم أولا إلى ذاته المقدس فقال يا قوم طلبا للترحم والتعطف، وأمرهم ثانيا بتقوى الله وترك ما أرادوا من الفاحشة، ونهاهم ثالثا عن خزيه في شأن ضيفه لأن خزي الضيف خزي المضيف وخجالته خجالته، وعيرهم رابعا بعدم الرشد والرجوع إلى الحق ورفض القبيح (فقال) بعدما علم أنهم لم يقبلوا نصحه * (هؤلاء بناتي هن أطهر لكم) * الطهر: وهو النظافة والنزاهة في المفضل محقق وفي المفضل عليه مقدر موهوم أو محقق بزعمهم ويحتمل أن يكون اسم التفضيل لمجرد أصل الفعل (فدعاهم إلى الحلال بالتزويج) قال في الكشاف: وكان تزويج المسلمات من الكفار جائزا، وقيل: المراد بالبنات نساؤهم لأن كل نبى أبو أمته من حيث الشفقة والتربية * (فقالوا لقد علمت مالنا في بناتك من حق) * أي من حاجة أو شهوة وإرادة وقيل هذا بناء على أنهم اتخذوا نكاح الإناث مذهبا باطلا وإتيان الذكران مذهبا حقا (وأنك لتعلم ما نريد) دل على أن عادتهم القبيحة كانت مشهورة، واعلم أنما ذكره (عليه السلام) على خلاف ترتيب هذا القرآن فكأنه نقله بالمعنى أو كان المنزل على هذا الترتيب والله يعلم * (فقال لو أن لي بكم قوة) * أي لو قويت عليكم بنفسي * (أو آوى إلى ركن شديد) * أي إلى قوي عزيز ذي قوة وشدة وبطش، شبهه بالركن من الجبل في شدته وصلابته، وجواب لو محذوف كما ذكره المفسرون، أي لدفعتكم وشددت عليكم والتمنى محتمل، وقيل: أراد بالركن العشيرة جريا على سنة الناس في اعتصام الرجل منهم بعشيرته في دفع الأعداء، وقال بعض العامة: أنساه ضيق صدره من قومه اللجاء إلى الله تعالى الذي هو أشد الأركان، والحق أنه (عليه السلام) لم ينس اللجاء إلى الله تعالى في هذه القضية وإنما قال ذلك تطييبا لنفوس الأضياف وأبداء العذر لهم بحسب ما ألف في العادة من أن الدفع إنما يكون بقوة أو عشيرة وهذا محمدة عظيمة وكرم أخلاق يستحق صاحبها الحمد (فقال جبرئيل (عليه السلام) لو

[ 459 ]

يعلم أي قوة له) جواب لو محذوف والتمني محتمل (فكاثروه) أي غالبوه في الكثرة فغلبوه (حتى دخلوا البيت) ومع ذل يمنعهم لوط (عليه السلام) بقدر الإمكان من أن يدخلوا البيت بيت الأضياف (فصاح به جبرئيل (عليه السلام)) بعد مشاهدة ما به من كرب (يالوط دعهم يدخلون فلما دخلوا أهوى جبرئيل (عليه السلام) بأصبعه نحوهم فذهبت أعينهم) وعموا جميعا وقيل كان لجبرئيل (عليه السلام) في ذلك اليوم وشاح من در منظوم وهو قوله * (فطمسنا أعينهم) * الطمس: المحو والاستيصال، تقول: طمست الشئ: أي محوته واستأصلت أثره ورجل طميس ومطموس ذاهب البصر ولما ذهبت أعينهم خرجوا وهم لا يعرفون الطريق ويصيحون ويقولون: النجا النجا إن في بيت لوط سحرة فخاف لوط من قومه على نفسه وعلى أضيافه (فقال) جبرئيل (عليه السلام) عند ذلك بشارة له * (إنا رسل ربك لن يصلوا إليك) * أي إلى إضرارك * (فأسر بأهلك بقطع من الليل) * * (ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك) * في القاموس، السري كالهدي: سير عامة الليل ويذكر، سرى يسري واسراره وبه وأسرى بعبده ليلا تأكيد ومعناه سيره، والقطع بالكسر: ظلمة آخر الليل أو القطعة منه كالقطع كعنب أو من أوله إلى ثلثه (فقال يا جبرئيل عجل فقال: إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب) قال في الكشاف: روي أنه قال لهم متى موعد هلاكهم ؟ قالوا: الصبح، فقال أريد أسرع من ذلك، فقالوا: أليس الصبح بقريب وما ذكره (عليه السلام) أحسن منه لأنه يبعد من نبى الله إذا علم أن الله تعالى أراد هلاكهم وقت الصبح أن يريد وقوعه قبله (قال: فأمره) بالخروج من القرية (فتحمل ومن معه إلا امرأته) تحمل واحتمل بمعنى انتقل وارتحل أو تحمل متاع والواو بمعنى مع فلا يلزم على الأول العطف على المرفوع المتصل بلا فصل أو تأكيد، ولا على الثاني العطف إلى المحذوف وفيه دلالة واضحة على أنه (عليه السلام) لم يخرج معه أمرأته بل أخلفها مع قومها وهذا أحد القولين للمفسرين وقيل أخرجها وأمر أن لا يلتفت منهم أحد إلى الوراء فلما سمعت في الطريق هدة العذاب وصوت وقع الأرض التفتت إلى الخلف وقالت: يا قوماه فأدركها حجر فقتلها، فقوله تعالى إلا امرأتك على الأول بالنصب استثناء من قوله * (فأسر بأهلك) * وعلى الثاني بالرفع استثناء من احد (وامطر عليها وعلى من حول المدينة حجارة من سجيل) حجارة كالمدر معرب " سنك گل " أو طين طبخ بنار جهنم وكتب فيه أسماء القوم، أو من سجل أي مما كتب أنهم يعذبون بها أو أصله من سجين أي من جهنم فأبدلت نونه لاما وهذه الوجوه ذكرها المفسرون وأرباب اللغة. * الأصل: 506 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن أبي الصباح بن عبد الحميد، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: والله للذي صنعه الحسن بن علي (عليه السلام) كان خيرا لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس والله لقد نزلت هذه الآية: * (ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا

[ 460 ]

أيديكم وأقيموا الصلوة وآتو الزكوة) * إنما هي طاعة الإمام، وطلبوا القتال فلما كتب عليهم القتال مع الحسين (عليه السلام) قالوا: ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أرادوا تأخير ذلك إلى القائم (عليه السلام). * الشرح: قوله: (والله الذي صنعه الحسن بن علي (عليهما السلام)) وهو الصلح مع معاوية مع عدم رضاء أصحابه حتى خاطبوه بالمنكر من القول (كانت خيرا لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس) إذ به كانت نجاتهم من القتل والاستيصال وبقاء دين الحق ونسل الهاشميين والعلويين والشيعة في الأعقاب، ثم أكد ذلك مع الإشارة إلى ذم الأمة بأن الإمام إذا أمر بترك القتال طلبوه وإذا أمر بالقتال كرهوه (بقوله: والله لقد نزلت هذه الآية ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم) عن القتال مع الأعداء * (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) * اشتغلوا بهما وبغيرهما من الطاعات والظاهر أن جواب القسم محذوف أي نزلت هذه الآية في الحث على طاعة الإمام بقرينة السياق ولدلالة قوله: (إنما هي طاعة الإمام) (عليه السلام) والإمام وهو من يقتدى به، يشمل الرسول وأولي الأمر من بعده (وطلبوا القتال) مع الأمر بكفهم عنه (فلما كتب عليهم القتال مع الحسين (عليه السلام) قالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا الى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل) * أرادوا تأخير ذلك الى القائم (عليه السلام)) قالوا ذلك كراهة للموت وخوفا من الأعداء وحبا للبقاء إما باللسان أو في أنفسهم فلامهم الله تعالى بما نطقوا بلسانهم وأضمروا في جنانهم واعلم أن لآيات القرآن وجوها متكثرة ومعاني متعددة كلها مراد منها ولا يعلمها إلا أهل العصمة (عليهم السلام) وما ذكره (عليه السلام) من جملة ما يراد من هذه الآية الكريمة. * الأصل: 507 - محمد بن يحيى، عن سلمة بن الخطاب، وعدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد جميعا، عن علي بن حسان، عن علي بن عطية الزيات، عن معلى بن خنيس قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن النجوم أحق هي ؟ فقال: نعم إن الله عز وجل بعث المشتري إلى الأرض في صورة رجل (1) فأخذ


1 - الحديث ضعيف يجب رد علمه على فرض صدوره إلى أهله هكذا قلنا في حاشية الوافي وذكرنا ما عندنا هناك لاشتمال باب النجوم فيه على جميع ما ورد في الكتب الأربعة في مواضع مختلفة، وحاصل ما نعتقده في ذلك أن الفقهاء بين إفراط وتفريط في ذلك فكثير منهم أكثر من تنقيص هذا العلم وذمه وتخطئة المعتقدين لتأثير النجوم وكفرهم مع عدم وجود أحد منهم في هذه الأزمنة ولا معنى لتكفيرهم في عصرنا كما لا معنى لتكفير بخت نصر وقوم فرعون، وهذا بحث مفروغ عنه راجع إلى قوم كانوا فهلكوا ولم يبق منهم أحد، وقوم اعتمدوا في زماننا على النجوم وصححوا أحكامها وتمسكوا بروايات تدل على ذلك وإن قل العالم بها منها هذه الرواية وتدل على تمهر أهل الهند، والرواية التي بعدها تدل على علم أهل الهند والعرب، وقد مضى في الحديث 473 ما يدل على صحة بعض أحكام النجوم وأن المريخ كوكب حار وزحل بارد وأن برد الهواء أو = (*)

[ 461 ]

رجلا من العجم فعلمه النجوم حتى ظن أنه قد بلغ ثم قال له: انظر أين المشتري، فقال ما أراه في الفلك وما أدري أين هو ؟ قال: فنحاه وأخذ بيد رجل من الهند فعلمه حتى ظن أنه قد بلغ وقال: انظر إلى المشترى أين هو ؟ فقال: إن حسابي ليدل على أنك أنت المشتري، قال: وشهق شهقة فمات وورث علمه أهله فالعلم هناك. * الشرح: قوله: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن النجوم) أي عن علم النجوم وأحكامها (أحق هي ؟ فقال: نعم إن الله عز وجل بعث المشتري إلى الأرض - اه‍) الظاهر أن هذا محمول على ظاهره ولا باعث للعدول عنه لأن الذي يقدر أن يجعل العصا حية ويخرج الناقة الجسيمة مع حملها من الجبل يقدر أن ينزل المشتري لتعليم بعض العلوم الغريبة والآثار السماوية، ثم هذه الرواية والتي تليها دلت على حقيقة علم النجوم وحقيقة أهله وقد وقع في بعض الروايات ذمهما فوجه الجمع أن الله سبحانه جعل للأشياء أسبابا كما جعل الشمس سببا لإضاءة العالم وجعل اتصال الكواكب بعضها ببعض سببا لنزول المطر أو لغير ذلك من الأمور المعلومة في علم النجوم، فمن جعل هذه الأمور أسبابا وعلامات لما يترتب عليها لا بالاستقلال بل بفعل الله تعالى شأنه فهو ليس بمذموم، وأما من جعل هذه الأمور علة موجدة بالاستقلال سواء اعتقد ذلك أو لا لكن أتى بعبارة موهمة لذلك فهو مذموم بل كافر بالله تعالى وذلك كما كانت العرب ينسبون المطر إلى النجوم لأن ثمانية وعشرين كوكبا معروفة المطالع في السنة وهي المسماة بمنازل القمر الثمانية والعشرين يسقط منها في كل ليلة ثلاث عشرة كوكب عند طلوع الفجر ويظهر نظيره، فكانت العرب إذا حدث عند ذلك مطر نسبه بعضهم إلى الغارب وبعضهم إلى الطالع نسبة إيجاد وتأثير كما يقول بعض الفلاسفة إن الله سبحانه لم يخلق إلا واحدا هو العقل الأول ثم كان عن هذا العقل غيره إلى أن ينتهى ذلك إلى الأمطار والعناصر والمعادن والنباتات والحوادث اليومية فنهى الشرع عن القول بذلك لأن ذلك إن


= حره بتأثير ارتفاع الكوكبين أو هبوطهما وهذا موافق لما ذكره أهل الأحكام ولكن الراوي لم ينقل الرواية بغير تصرف في ألفاظها والقدر المسلم برد زحل وحر مريخ عندهم وأن تأثير كل كوكب في أحسن أحوالها أشد، والحق ما ذكره الحكيم أبو نصر الفارابي أنه لا دليل على هذه الأحكام وإنما العلم الصحيح ما هو المبتني على التسييرات وحساب الحركات، وقد ألف في ذلك رسالة واختاره من فقهاءنا السيد المرتضى والكراجكي وسديد الدين الحمصي وأكثر أهل التحقيق ومنهم الشارح - وحساب الكسوف والخسوف والأهلة والأبعاد والنسب بين الكواكب من الصحيح: وأما الأحكام والسعد والنحس فباطل لكن لا يوجب الفسق والتكفير كالاعتقاد بساير الأباطيل التي لا يلزم منه إنكار التوحيد والرسالة، وأما نزول المشترى في صورة رجل فمبني على اعتقاد البابليين بكون الكواكب ذات روحانية وأن روحانيتها تتمثل لمن أراد روح الكوكب هدايته كما يتمثل الملائكة عندنا (ش). (*)

[ 462 ]

كان عن اعتقاد فهو كفر وإن كان بمجرد قول كما إذا قال المؤمن بأن الفاعل هو الله تعالى أمطرنا السحاب أو أبرد الهواء طلوع الكوكب الفلاني أو نحو ذلك فهو شبيه بالكفر فنهى الشارع عنه أيضا حسما لمادة الكفر ومنعا لترويجه وخوفا لأن يعتقد أحد بظاهر هذا القول، والحاصل أن العلم لايذم من حيث أنه علم وإنما الذم متوجه عليه لأحد أسباب ثلاثة، أحدها: أن يكون مؤديا إلى ضرر إما بصاحبه أو بغيره كما يذم علم السحر والطلسمات إذ به يتوسلون إلى ما يفرقون به بين المرء وزوجه. الثاني: غموض بعض العلوم ودقته فإن الخوض في علم لا يفهمه الخائض مذموم فيجب كف النفس عن الخوض فيه كعلم القدر لأنه سر من أسرار الله لا يعلمه إلا هو أو من أظهره الله عليه من خواصه، الثالث: أن يكون مؤديا إلى ضرر يعود إلى صاحبه غالبا كعلم النجوم فإنه في نفسه ليس بمذموم إذ هو قسمان: قسم يتعلق بالحساب والهيئة وقد نطق القرآن بأن مسير الكواكب محسوب إذ قال * (والشمس والقمر بحسبان) * وقال * (والقمر قدرناه منازل - الاية) * وقال * (ولتعلموا عدد السنين والحساب) * والقسم الثاني: الإحكام وحاصله يرجع الى الاستدلال بالأسباب على الحوادث وقد نهى الشارع عنه لثلاثة أوجه: الأول: أنه مضر بأكثر الخلق فانه إذا ألقى إليهم أن هذه الآثار تحدث عقيب سير هذه الكواكب والأنظار وقع في نفوسهم أن هذه الكواكب هي الموثرات والآلهة المدبرات لأنها جواهر شريفة سماوية فيعظم وقعها في القلوب فتلتفت إليها وترى الخير والشر من جهتها ويمحو ذكر الله عن القلب فإن الضعيف يقصر نظره على الوسائط كالأطفال فإنهم يظنون أن الرازق آباؤهم وأمهاتم، والعالم الراسخ هو الذي يعلم أن الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره سبحانه. والثاني: أن أحكام النجوم تخمين محض ليس بعلم لا باليقين ولا بالظن فالحكم به حكم بجهل فيكون مذموما من حيث أنه جهل ووهم لا من حيث أنه علم وحق وقد قيل إنه كان من معجزة إدريس النبي (عليه السلام) وقد اندرس وانمحى ولا يعرفه إلا الخواص وما يتفق أحيانا من اصابة المنجم فهو اتفاق، والثالث: أنه لا فائدة فيه فإن كل ما قدر فهو كائن والاحتراز عنه غير ممكن فالخوض فيه خوض فيما لا يعني وتضييع العمر الذي هو أنفس بضاعة الإنسان بغير فائدة وهو الخسران المبين والأنبياء لكونهم أطباء القلوب يحملون الضعفاء على ما يوجب ترقيهم إلى جوار الله والوصول إلى دار كرامته وما لم يصل إليه عقلك ولم تعرف وجه الحكمة فيه فأعزل عقلك عن الفكرة فيه والزم على نفسك اتباعهم والتسليم لهم فإن فيه السلامة والله ولي التوفيق. 508 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن صالح، عمن أخبره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سئل عن النجوم قال: ما يعلمها إلا أهل بيت من العرب وأهل بيت من الهند.

[ 463 ]

* الأصل: 509 - حميد بن زياد، عن أبي العباس عبيد الله بن أحمد الدهقان، عن علي ابن الحسن الطاطرى، عن محمد بن زياد بياع السابري، عن أبان، عن صباح بن سيابة، عن المعلى بن خنيس قال: ذهبت بكتاب عبد السلام بن نعيم وسدير وكتب غير واحد إلى أبي عبد الله (عليه السلام) حين ظهرت المسودة قبل أن يظهر ولد العباس بأنا قد قدرنا أن يؤول هذا الأمر إليك فما ترى ؟ قال: فضرب بالكتب الأرض ثم قال: اف اف ما أنا لهؤلاء بإمام يعلمون أنه إنما يقتل السفياني. * الشرح: قوله: (حين ظهرت المسودة قبل أن يظهر ولد العباس - اه‍) المسودة بتشديد الواو وكسرها: من التسويد والمراد بهم أبو مسلم وعساكره سموا بها لأنهم كانوا يسودون لباسهم وليس المراد بهم ولد عباس وإن كانوا يسمون بها أيضا، قال في القاموس: المبيضة كمحدثة: فرقة من الثنوية لتبيضهم ثيابهم مخالفة المسودة من العباسيين، وقدرنا: إما من التقدير أي قدرنا ذلك في أنفسنا تقديرا أو من القدرة أي قدرنا على ذلك بكثرة الأعوان والأنصار. * الأصل: 510 - أبان، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل * (في بيوت أذن الله أن ترفع) * قال: هو بيوت النبي (صلى الله عليه وآله). * الشرح: قوله: (في بيوت أذن الله أن ترفع، قال: هي بيوت النبي (صلى الله عليه وآله)) الآية في سورة النور بعد قوله تعالى * (مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة) * وقد مر في كتاب الحجة أن المشكاة والزجاجة فاطمة (عليها السلام) والمصباح الأول: الحسن، والثاني: الحسين (عليهما السلام)، والظرف وهو في بيوت متعلق بمشكوة أي مثل نوره كمشكوة في بيوت أذن الله أن ترفع أي بالثناء والتعظيم * (ويذكر فيها اسمه) * فالمقصود منها مدح أهل البيت (عليهم السلام) والحث على متابعتهم. * الأصل: 511 - أبان، عن يحيى بن أبي العلاء قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: درع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات الفضول لها حلقتان من ورق في مقدمتها وحلقتان من ورق في مؤخرها وقال: لبسها علي (عليه السلام) يوم الجمل. * الشرح: قوله: (درع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات الفضول - اه‍) في النهاية اسم درعه (صلى الله عليه وآله) ذات الفضول، وقيل: ذو الفضول لفضلة كان فيها وسعة، والورق بكسر الراء: الفضة، وقد تسكن، وقد مر في كتاب الحجة

[ 464 ]

أن سلاحه (صلى الله عليه وآله) كان عنده (عليه السلام) ثم بعده عند أولاده الطاهرين. * الأصل: 512 - أبان، عن يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: شد علي (عليه السلام) على بطنه يوم الجمل بعقال أبرق نزل به جبرئيل (عليه السلام) من السماء وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يشد به على بطنه إذا لبس الدرع. * الشرح: (شد علي (عليه السلام) بطنه يوم الجمل بعقال أبرق) من ذكر الأبرق ووصفه في كتاب الحجة في باب ما عند الأئمة من سلاح رسول الله (صلى الله عليه وآله). * الأصل: 513 - أبان، عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن عثمان قال للمقداد: أما والله لتنتهين أو لأردنك إلى ربك الأول، قال: فلما حضرت المقداد الوفاة قال لعمار: أبلغ عثمان عني أني قد رددت إلى ربي الأول. * الشرح: (إن عثمان قال للمقداد أما والله لتنتهين أو لاردنك إلى ربك الأول) أي لتنتهين عن القول في وفي ذمي في الملأ من الناس، قال أبو عبد الله شارح مسلم: لما ضرب عمر وجعل الخلافة شورى بين ستة وهم عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف، وأمر أبا طلحة الأنصاري أن يختار سبعين رجلا من الشجعان وأن يكونوا مع هؤلاء حتى يختاروا واحدا منهم ويبايعوه، وقال: إذا بايعوا واحدا منهم فمن لم يرض به ولم يبايعه فاضربوا عنقه، اجتمع القوم وقال عبد الرحمن بن عوف: يا قوم أعطوني مواثقكم على أن تكونوا معي على من غير وبدل وأنا أختار لكم فأعطاه القوم مواثقهم، فقال عبد الرحمن: ما تقول يا أبا الحسن ؟ فقال: أعطني موثقا أن لا تتبع الهوى ولا تخص ذا رحم فأعطاه مواثقه فلما امتد الزمان وكثر الكلام في أهل المسجد فقال سعد: يا عبد الرحمن أفرغ قبل أن يفتتن الناس، فرفع عبد الرحمن رأسه إلى سقف المسجد وقال: اللهم اسمع واشهد اللهم إني جعلت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان، وازدحم الناس يبايعونه والشجعان في المسجد موكلين عليهم وبايعه علي رضي الله عنه وهو يقول: خدعة وأي خدعة ليس هذا أول يوم تظاهرتم علينا فصبر جميل والله ما وليت عثمان إلا ليرد الأمر اليك، والله كل يوم هو في شأن فخرج وهو يقول: سيبلغ الكتاب أجله، وقال المقداد: ما رأيت مثل ما أوذي به أهل هذا البيت بعد نبيهم وإني لأعجب من قريش تركوا رجلا ما أقول إن أحدا أعلم منه ولا أقضى منه بالعدل، فقال عبد الرحمن: وما أنت وذلك يا مقداد ؟ قال: إني أحبهم لحب رسول الله (صلى الله عليه وآله)

[ 465 ]

إياهم وأن الحق فيهم ومعهم يا عبد الرحمن وإني لأعجب من قريش فإنهم إنما تطاولوا على الناس بفضل أهل هذا البيت وقد أطبقوا على نزع سلطان رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعده من أيديهم، والله لو أجد على قريش أنصارا لقاتلتهم كقتال آبائهم فقال عبد الرحمن: اتق الله يا مقداد فإني أخشى عليك الفتنة، هذا كلامه وكان يقول مثل ذلك دائما. قال الآبي أيضا في كتاب الإمامة من مسلم والناس تحاملوا في القول على عثمان فمن بعضهم قال: دخلت المسجد فرأيت رجلا جاثيا على ركبتيه يتلهف تلهف من كانت له الدنيا فسلبها وهو يقول: واعجبا من قريش ودفعهم هذا الأمر عن أهل بيت نبيهم وفيهم أول المسلمين إيمانا وابن عم نبيهم وأعلم الناس وأفقههم في دين الله وأعظمهم عناء في الإسلام وأهداهم للصراط المستقيم، والله لقد ردوها عن الهادي المهتدي الطاهر المتقي وما ازدادوا إصلاحا للأمة ولا صوابا في المذهب ولكنهم آثروا الدنيا على الآخرة فبعدا وسحقا للقوم الظالمين، فدنوت منه وقلت من أنت يرحمك الله ومن الرجل ؟ فقال: أنا المقداد والرجل علي بن أبي طالب انتهى كلامه. أقول لما صدر منه (ره) أمثال ذلك مرارا وخاف عثمان على نفسه وامرأته هدده بالقتل مع عدم الانتهاء عنه، وأراد بالرب الأول: واجب الوجود جل شأنه أو النبي (صلى الله عليه وآله)، وبالثاني المستفاد من الأول: علي بن أبي طالب (عليه السلام) على سبيل التهكم وما فعل هذا بمقداد وحده بل سوء معاملته مع أبي ذر (ره) وإخراجه من المدينة إلى الشام ثم من الشام إلى المدينة ثم من المدينة إلى الربذة مشهور كل ذلك لأنه رحمه الله كان ينكر عليه في كل باب وفي كل موضع وكان يعيره دائما وقد ذكرنا هذا في موضعه. * الأصل: 514 - أبان، عن فضيل وعبيد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لما حضر محمد بن أسامة الموت دخلت عليه بنو هاشم فقال لهم: قد عرفتم قرابتي ومنزلتي منكم وعلي دين فأحب أن تضمنوه عني، فقال علي بن الحسين (عليهما السلام): أما والله ثلث دينك علي، ثم سكت وسكتوا، فقال علي بن الحسين (عليهما السلام): علي دينك كله، ثم قال علي بن الحسين (عليهما السلام): أما إنه لم يمنعني أن أضمنه أولا إلا كراهية أن يقولوا: سبقنا. * الشرح: (قال علي بن الحسين (عليهما السلام): علي دينك كله) يدل على استحباب إجابة المؤمن وعلى صحة ضمان البرئ وترك المبادرة إلى فعل كل الخير إذا أمكن أن يكون للجلساء فيه أيضا نصيب. * الأصل: 515 - أبان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كانت ناقة رسول الله (صلى الله عليه وآله) القصواء إذا نزل

[ 466 ]

عنها علق عليها زمامها، قال فتخرج فتأتي المسلمين قال: فينا ولها الرجل الشئ ويناوله هذا الشئ فلا تلبث أن تشبع قال: فأدخلت رأسها في خباء سمرة بن جندب فتناول عنزة فضرب بها على رأسها فشجها فخرجت إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فشكته. * الشرح: (كانت ناقة رسول الله (صلى الله عليه وآله) القصواء إذا نزل عنها علق عليها زمامها - اه‍) المقصود هو البعد، والقصية: الناقة الكريمة النجيبة المبعدة عن الاستعجال، والقصواء: لقب ناقة رسول الله (صلى الله عليه وآله) سميت بذلك لذلك، وفي النهاية، القصواء: لقب ناقة رسول الله، والقصواء: الناقة التي قطع طرف أذنها وكل ما قطع من الأذن فهو جدع، فإذا بلغ الربع فهو قصع، فإذا جاوزه فهو عصب، فإذا استؤصلت فهو صلم، يقال: قصوته قصواء فهو مقصو، والناقة قصواء ولا يقال بعير أقصى. ولم تكن ناقة النبي (صلى الله عليه وآله) قصواء وإنما كان هذا لقبا لها، وقيل: كانت مقطوعة الأذن، وقد جاء في الحديث أنه كان له ناقة تسمى العضباء وناقة تسمى الجدعاء، وجندب: كقنفذ ودرهم، وقيل: سمرة كان منافقا وقد مر في كتاب التجارة (1) من هذا الكتاب في باب الضرار عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " إن سمرة بن جندب كان له عذق في حائط رجل من الأنصار وكان منزل الأنصاري بباب البستان وكان يمر إلى نخلته ولا يستأذن فكلمه الأنصاري أن يستأذن إذا جاء فأبى سمرة فلما تأبى جاء الأنصاري إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فشكا إليه وأخبره الخبر فأرسل إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فخبره بقول الأنصاري وما شكى وقال: إذا أردت الدخول فاستأذن، فأبى فلما أبى ساومه حتى بلغ به من الثمن ما شاء الله فأبى بيعه فقال: لك بها عذق يمد لك في الجنة فأبى أن يقبل فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) للأنصاري: اذهب فاقطعها وارم بها إليه فإنه لا ضرر ولا ضرار ". * الأصل: 516 - أبان، عن رجل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن مريم (عليها السلام) حملت بعيسى (عليه السلام) تسع ساعات كل ساعة شهرا. * الشرح: قول: (إن مريم حملت بعيسى تسع تسع ساعات كل ساعة شهرا) الظاهر أن يكون شهر مرفوعا على الخبر أي كل ساعة لها شهر لغيرها ولكنه في النسخ التي رأيناها منصوب فكان ناصبه مقدر


1 - هذا ينافي قول الأستاد الأكبر البهبهانى في رسالة الاجتهاد نقلا عن أبيه رحمهما الله أن المولى محمد صالح المازندرانى بعد فراغه من شرح أصول الكافي أراد أن يشرح فروعه أيضا فقيل له يحتمل أن لا يكون لك رتبة الاجتهاد فترك لأجل ذلك شرح الفروع. انتهى، لأن ظاهر قول الشارح: " قد مر في كتاب التجارة من هذا الكتاب " دليل على شرحه فروع الكافي ولعله إشارة إلى الكافي. (*)

[ 467 ]

أي كل ساعة تعد أو تماثل شهرا أو بدل عن تسع ساعات أي حملت شهرا في كل ساعة، ثم الظاهر أن حمله على الظاهر وحمله على القبض والبسط في الزمان بأن يكون زمان حملها تسعة أشهر لغيرها وتسع ساعات لها على نحو ما مر سابقا في المكان بعيد جدا. * الأصل: 517 - أبان، عن عمر بن يزيد قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن المغيرية يزعمون أن هذا اليوم لهذه الليلة المستقبلة: فقال كذبوا هذا اليوم لليلة الماضية إن أهل بطن نخلة حيث رأوا الهلال قالوا: قد دخل الشهر الحرام. * الشرح: قوله: (إن المغيرة) المغيرة اسم فاعل من التغيير ولعل المراد أن الفرقة المغيرة لأحكام الله تعالى يعنى العامة (يزعمون أن هذا اليوم لهذه الليلة المستقبلة) قيل: قال الصادق (عليه السلام): إنهم غيروا كل شئ من أحكام الدين إلا استقبال الكعبة في الصلاة وفي بعض النسخ " المغيرية ": وهم الفرقة المنسوبة إلى المغيرة بن سعيد الملقب بالأبتر، والبترية بالضم: من الزيدية تنسب إليه وكان بناء هذا الزعم على أن النهار مقدم على الليل (فقال: كذبوا هذا اليوم لليلة الماضية) يمكن التمسك به على تقدم الليل على النهار، ثم أشار إلى وضوح ذلك عند الناس بقوله: (إن أهل بطن نخلة) وهو موضع بين مكة والطائف (حيث رأوا الهلال قالوا: قد دخل الشهر الحرام) أشار به إلى ما ذكره المفسرون في تفسير قوله تعالى * (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه - الاية) * من أن النبي (صلى الله عليه وآله) بعث سرية قبل بدر بشهرين وأمر عليهم ابن عمته عبد الله بن جحش الأسدي إلى عير قريش فيهم عمرو بن عبد الله الحضرمي وغيرهم فوجدوا العير في بطن نخلة في آخر يوم من جمادي الآخرة وقد طلبوا الهلال في الليلة الماضية فلم يروه فظنوه أنه من جمادى الآخرة فشدوا على ابن الحضرمي فقتلوه وساقوا العير وأخذوا أموالهم فقالوا أهل بطن نخلة إنا قد رأينا الهلال وشنعوا على المسلمين بأنهم استحلوا القتال في الشهر الحرام وفي قبول هذه الغنيمة وردها اختلاف ففي معالم التنزيل أن النبي (صلى الله عليه وآله) أخذ تلك الغنيمة وأخرج منها الخمس وقسم الباقي بين أصحاب السرية، ومثله روي عن ابن عباس وقيل ردها إلى أهلها والله أعلم. * الأصل: 518 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن سلار أبى عمرة، عن أبي مر [ يم ] الثقفي، عن عمار بن ياسر قال: بينا أنا عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن الشيعة الخاصة الخالصة منا أهل البيت، فقال عمر: يا رسول الله عرفناهم حتى نعرفهم، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما قلت لكم إلا وأنا أريد أن أخبركم ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنا الدليل على الله عز وجل

[ 468 ]

وعلي نصر الدين ومنارة أهل البيت وهم المصابيح الذين يستضاء بهم فقال عمر: يا رسول الله فمن لم يكن قلبه موافقا لهذا ؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما وضع القلب في ذلك الموضع إلا ليوافق أو ليخالف فمن كان قلبه موافقا لنا أهل البيت كان ناجيا ومن كان قلبه مخالفا لنا أهل البيت كان هالكا. * الشرح: قوله: (وعلي نصر الدين ومنارة أهل البيت وهم المصابيح الذين يستضاء بهم) النصر بمعنى الناصر أو الحمل من باب المبالغة لكونه كاملا في العلم بالدين وحدوده ودافعا لمن يدفعه بالسيف واللسان ومانعا له من الزيادة والنقصان، وهو (عليه السلام) منارة: أي علامة به يهتدون ومن متابعته يرشدون ومحل الأنوار العلوم الإلهية والأسرار الربوبية، والظاهر أن المراد بأهل البيت الشيعة المذكورة أو الأعم منهم، وشبههم بالمصابيح وأشار إلى وجه الشبه بقوله: الذين يستضاء بهم وفيه تصريح بأن الخلص من علماء الشيعة بمنزلة أهل البيت (عليهم السلام). * الأصل: 519 - أحمد، عن علي بن الحكم، عن قتيبة الأعشى، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: عاديتم فينا الآباء والأبناء والأزواج وثوابكم على الله عز وجل، أما إن أحوج ما تكون إذا بلغت الأنفس إلى هذه - وأومأ بيده إلى حلقه. * الشرح: قوله: (إن أحوج ما تكونون إذا بلغت الأنفس إلى هذه وأومأ بيده إلى حلقه) في القاموس، الحوج: السلامة والاحتياج أي أسلم وقت تكونون فيه وقت بلوغ النفس إلى الحلق فإنكم ترون فيه من الروح والراحة مالا يخطر على قلب بشر أو أشد وقت تكونون محتاجين إلى ثواب الله وكرامته هو هذا الوقت فلذا آخره إليه والله أعلم. * الأصل: 520 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن علي، عن داود بن سليمان الحمار عن سعيد بن يسار قال: استأذنا على أبي عبد الله (عليه السلام) أنا والحارث بن المغيرة النصري ومنصور الصيقل فواعدنا دار طاهر مولاه فصلينا العصر ثم رحنا إليه فوجدناه متكئا على سرير قريب من الأرض فجلسنا حوله ثم استوى جالسا، ثم أرسل رجليه حتى وضع قدميه على الأرض، ثم قال: الحمد لله الذي ذهب الناس يمينا وشمالا فرقة مرجئة وفرقة خوارج وفرقة قدرية وسميتم أنتم الترابية، ثم قال بيمين منه: أما والله ما هو إلا الله وحده لا شريك له ورسوله وآل رسوله (صلى الله عليه وآله) وشيعتهم كرم الله وجوههم وما كان سوى ذلك فلا، كان علي والله أولى الناس بالناس بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقولها ثلاثا.

[ 469 ]

* الشرح: قوله: (أما والله ما هو إلا الله وحده لا شريك له) هو راجع إلى الشئ الموصوف بحقيقة الشيئية أو إلى الموجود بالحقيقة بقرينة المقام. 521 - عنه، عن أحمد، عن علي بن المستورد النخعي، عمن رواه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إن من الملائكة الذين في السماء الدنيا ليطلعون على الواحد والاثنين والثلاثة وهم يذكرون فضل آل محمد (عليهم السلام) فيقولون: أما ترون هؤلاء في قلتهم وكثرة عدوهم يصفون فضل آل محمد (عليهم السلام) فتقول الطائفة الاخرى من الملائكة: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. * الأصل: 522 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن عمر بن حنظلة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: يا عمر لا تحملوا على شيعتنا وارفقوا بهم فإن الناس لا يتحملون ما تحملون. * الشرح: قوله: (يا عمر لا تحملوا على شيعتنا وارفقوا بهم فإن الناس لا يتحملون ما تحملون) كان المراد بالناس والشيعة ضعفاء الشيعة فإنهم لا يقدرون أن يتحملوا ما يتحمله العلماء والأقوياء، وقد مر في كتاب الكفر والإيمان عن أبى جعفر (عليه السلام) " أن المؤمنين على منازل منهم على واحدة ومنهم على اثنين ومنهم على ثلاث ومنهم على أربع ومنهم على خمس ومنهم على ست ومنهم على سبع فلو ذهبت تحمل على صاحب الواحدة اثنتين لم يقو، وعلى صاحب الثنتين ثلاثا لم يقو، وعلى صاحب الثلاث أربعا لم يقو، وعلى صاحب الأربع خمسا لم يقو، وعلى صاحب الخمس ستا لم يقو، وعلى صاحب الستة سبعا لم يقو، وعلى هذه الدرجات، وفي حديث آخر طويل عن أبي عبد الله (عليه السلام) " وإذا رأيت من هو أسفل منك بدرجة فارفعه اليك برفق ولا تحملن عليه مالا يطيق فتكسره ومن كسر مؤمنا فعليه جبره ". * الأصل: 523 - محمد بن أحمد القمي، عن عمه عبد الله بن الصلت، عن يونس بن عبد الرحمن عن عبد الله بن سنان، عن حسين الجمال، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله تبارك وتعالى * (ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين) * قال: هما. ثم قال: وكان فلان شيطانا. * الشرح: قوله: (عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله تبارك وتعالى وقال الذين كفروا ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا) قيل: ندسهما انتقاما منهما، وقيل: نجعلهما في الدرك

[ 470 ]

الأسفل (ليكونا من الأسفلين) ذلا أو مكانا (قال: هما، ثم قال: وكان فلانا شيطانا) الظاهر أنه عليه السلام فسر الانس بهما والجن بالثالث لأنه كان بمنزلة الشيطان يظهر الكفر ويأمر بالعصيان وتفسيرهما بشياطين النوعين قريب منه وهذا التفسير أولى من تفسيرهما بإبليس وقابيل باعتبار أنهما سنا الكفر والقتل وكما نزلت هذه الآية في اتباع الثلاثة نزلت ما يتلوها في اتباع علي (عليه السلام) وهو قوله تعالى * (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا - أي بولاية علي (عليه السلام) - تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون) *. * الأصل: 524 - يونس، عن سورة بن كليب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله تبارك وتعالى * (ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين) * قال: يا سورة ! هما والله هما - ثلاثا - والله يا سورة إنا لخزان علم الله في السماء وإنا لخزان علم الله في الأرض. * الشرح: قوله: (والله يا سورة إنا لخزان علم الله في السماء، وإنا لخزان علم الله في الأرض) أي إنا خزان علم الله في أهل السماء وأهل الأرض أو في أمور السماء وأمور الأرض أو حال كوننا في السماء وفي الأرض يعني في عالم المثال وعالم الشهود. قوله: * الأصل: 525 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيس، عن الحسين بن سعيد، عن سليمان الجعفري قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول في قول الله تبارك وتعالى: * (أذ يبيتون مالا يرضى من القول) * قال: يعني فلانا وفلانا وأبا عبيدة بن الجراح. * الشرح: (إذ يبيتون مالا يرضى من القول) أي يدبرونه ليلا لئلا يطلع عليه أحد (قال: يعني فلانا وفلانا وأبا عبيدة بن الجراح تعاهدوا على أن يخرجوا الخلافة من آل الرسول وشاركهم في ذلك عبد الرحمن بن عوف وسالم مولى أبي حذيفة والمغيرة بن شعبة كما مر. * الأصل: 526 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، ومحمد بن إسماعيل، وغيره، عن منصور بن يونس، عن ابن أذينة، عن عبد الله بن النجاشي قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول في قول الله عز وجل * (أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا) * يعني والله، فلانا وفلانا، * (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما) * يعني: والله، النبي (صلى الله عليه وآله) وعليا (عليه السلام) مما صنعوا أي لو

[ 471 ]

جاؤوك بها يا علي فاستغفروا الله مما صنعوا واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما * (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم) * فقال أبو عبد الله (عليه السلام): هو والله علي بعينه * (ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت) * على لسانك يا رسول الله يعني به من ولاية علي * (ويسلموا تسليما) * لعلي. * الشرح: قوله: (سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول في قول الله عز وجل أولئك الذين) إشارة إلى الذين يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وهم أهل النفاق بعلي (عليه السلام) المتعاهدون بسلب الخلافة عنه * (يعلم الله ما في قلوبهم) * من النفاق والإنكار له (عليه السلام) (فأعرض عنهم) أي عن عقابهم لمصلحة في استبقائهم وقد روي أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يعرفهم * (وعظهم) * موعظة حسنة لعلهم يرجعون * (وقل لهم في أنفسهم) * قيل في الخلوة بهم لأن النصح في السر أنفع * (قولا بليغا) * في الترغيب والترهيب لعله يؤثر في نفوسهم (يعني والله فلانا وفلانا) ومن وافقهما في رد الخلافة، وفيه إشارة إلى أنهم هم المنافقون المذكورون * (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع باذن الله) * أي بسبب إذنه في طاعته أو بأمره بها وقد جاء في بعض الروايات تفسير الإذن بالأمر، قال القاضي: كأنه احتج بذلك على أن الذي لم يرض بحكمه ولم يطعه كان كافرا لأنه لم يقبل رسالته * (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم) * بالنفاق والتعاهد على رد الخلافة * (جاؤوك) * تايبين عن ذلك معتذرين * (فاستغفروا الله) * بالتوبة والرجوع إليه * (واستغفر لهم الرسول) * بالشفاعة وطلب التجاوز عن ذنوبهم * (لوجدوا الله توابا رحيما) * قال القاضي: لعلموه قابلا لتوبتهم وإن فسر * (وجد) * بصادف كان توابا حالا ورحيما بدلا منه أو حالا من ضمير فيه (يعني والله النبي (صلى الله عليه وآله) وعليا (عليه السلام) مما صنعوا) يحتمل وجهين، أحدهما: أنه تفسير لقوله تعالى * (إذ ظلموا أنفسهم) * يعني: أنهم ظلموهما (عليهما السلام) مما صنعوا من رد أمر الرسول (صلى الله عليه وآله) وإنكار ولاية علي (عليه السلام) ولكن ثمرة الظلم لما كانت عائدة إليهم نسب الظلم إلى أنفسهم، وثانيهما: أنه تفسير للرسول والخطاب في جاؤوك وهذا أنسب بقوله: (أي لو جاؤوك يا علي فاستغفروا مما صنعوا واستغفر لهم الرسول) أي مما صنعوا حذف بقرينة السابق * (لوجدوا الله توابا رحيما) * * (فلا وربك) * لا زائدة لتأكيد القسم كما قيل * (حتى يحكموك) * أي يجعلونك حاكما تقول حكمته في مالى تحكيما إذا جعلت الحكم إليه (فيما شجر بينهم) أي فيما اختلف من الأمر بينهم وتنازعوا فيه (فقال أبو عبد الله (عليه السلام) هو والله على بعينه) أي هو المراد بالخطاب في يحكموك * (ثم لا يجدوا في أنفسهم) * بعد تحكيمهم إياه * (حرجا) * أي ضيقا وشبه إنكار (مما قضيت على لسانك يا رسول الله) أشار إلى أن الخطاب في " قضيت " له (عليه السلام) ولولا هذا التفسير لأمكن جعل الخطاب لعلي عليه السلام (يعني به) أي الموصول (ولاية علي عليه السلام) وعلى تقدير امكان ما ذكر يراد بالموصول قضاءه

[ 472 ]

وحكمه (ويسلموا تسليما لعلي) (عليه السلام) في قضائه وحكمه فيما اختلفوا فيه وفي غيره، أو المراد بالتسليم الإخبات له وهو الخشوع والتواضع وقد فسره به الصادق (عليه السلام) في كتاب الحجة. واعلم أن كون الخطاب في هذه الآية لعلي (عليه السلام) مما ذكره المصنف في باب التسليم وفضل المسلمين من كتاب الحجة بإسناده عن زرارة أو بريد عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال: " لقد خاطب الله أمير المؤمنين (عليه السلام) في كتابه قال: قلت: في أي موضع ؟ قال: في قوله: * (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك - الآية) * ولا خفاء في أن هذا أولى من كون الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله) إذ كان الأنسب حينئذ أن يقول: واستغفرت لهم. * الأصل: 527 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن معمر بن خلاد قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: ربما رأيت الرؤيا فاعبرها والرؤيا على ما تعبر. * الشرح: قوله: (سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول ربما رأيت الرؤيا فأعبرها والرؤيا على ما تعبر) دل على أن الرؤيا ينبغى أن لايعبرها إلا عالم وإنما تقع على ما عبرت به وعلى شرف العلم بها لما فيه من العلم بالغيب والأسرار الربوبية، وقد ورد أنها جزء من أجزاء النبوة ودل على شرفه أيضا حكاية يوسف (عليه السلام). * الأصل: 528 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن الحسن بن جهم قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: الرؤيا على ما تعبر، فقلت له: إن بعض أصحابنا روى أن رؤيا الملك كانت أضغاث أحلام، فقال أبو الحسن (عليه السلام): إن امرأة رأت على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن جذع بيتها قد انكسر فأتت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقصت عليه الرؤيا فقال لها النبي (صلى الله عليه وآله): يقدم زوجك ويأتي وهو صالح وقد كان زوجها غائبا فقدم كما قال النبي (صلى الله عليه وآله) ثم غاب عنها زوجها غيبة اخرى فرأت في المنام كأن جذع بيتها قد انكسر فأتت النبي (صلى الله عليه وآله) فقصت عليه الرؤيا فقال لها: يقدم زوجك ويأتي صالحا فقدم على ما قال: ثم غاب زوجها ثالثة فرأت في منامها أن جذع بيتها قد انكسر فلقيت رجلا أعسر فقصت عليه الرؤيا فقال لها الرجل السوء: يموت زوجك: قال: فبلغ [ ذلك ] النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: ألا كان عبر لها خيرا. * الشرح: قوله (فقلت له) تصديقا لقوله (عليه السلام) " الرؤيا على ما تعبر " (أن بعض أصحابنا روى أن رؤيا الملك) أن ملك مصر (كانت أضغاث أحلام - اه‍) وهي التي لا يصح تأويلها لاختلاطها من الضغث بالكسر:

[ 473 ]

وهو قبضة حشيش مختلطة الرطب باليابس وإنما فسرها يوسف (عليه السلام) فوقعت على نحو تفسيره والظاهر أن رؤياه كان مطابقة لما في الواقع إلا أن اختلاط بعض أجزائها ببعض أعجز المعبرين عن الانتقال منها إلى مدلولها، ويمكن أن يراد بالملك أي ملك كان لتشوش خواطر الملوك وتكثر خيالاتهم فتكون رؤياهم مختلطة غالبا والأول أنسب بالسابق وبكانت، والجذع بالكسر: ساق النخلة، والرجل الأعسر: الشديد أو الشوم، وفي هذا الخبر وما قبله دلالة واضحة على أن الرؤيا بالأول عابر وعلى نحو ما وقع به العبارة أولا إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا، وهذا ينافي ما مر من أن أبا حنيفة عبر رؤيا محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) على خلاف ما هو في الواقع ثم عبرها أبو عبد الله (عليه السلام) بعد خروج أبي حنيفة بما هو في الواقع وقد وقع ما عبره (عليه السلام) بعد أيام قلائل ولا يمكن الجمع بينهما بأن الرؤيا لأول عابر إذا أصاب وجه العبارة وإلا فهي لمن أصابها بعده، بل الجمع أن ذلك محمول على الإيجاب الجزئي إذ قد يؤثر التعبير في النفس قبضا أو انبساطا من باب التطير أو التفأل فيؤثر لأجل ذلك كما قال، نظير ذلك في المسحور من قال: السحر لا حقيقة له وقد ورد في بعض الروايات أن الطيرة لا أثر لها مع أنه ورد في بعضها كيفية الاستعاذة منها ليتخلص من شرها من يجد في نفسه منها شيئا وبالجملة لأمثال ذلك قد يكون تأثير في النفوس وقد لا يكون، لا يقال الرؤيا لا يغيرها عبارة عابر وكيف يغير لما جاءت نسخته من أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ قول أحد أو فعله لأنا نقول ذلك ممنوع إذ يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب، وبالجملة تغيرها مثل تغير البلايا والأمراض ونحوها بالدعاء والصدقات، فإن قلت: قد سمعت هذه المرأة تعبير رؤياها من النبي (صلى الله عليه وآله) مرتين فلم قصت على رجل أعسر قلت بعثها على ذلك طلب الشعف والسرور لظنها أن ذلك الرجل يعبر لها كما عبر لها النبي (صلى الله عليه وآله) أو اعتقدت أن الرؤيا الواحدة قد يختلف تعبيرها بحسب الأوقات المختلفة أو كان قصدها مجرد الأخبار دون الاستعبار. * الأصل: 529 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه، [ جميعا ] عن ابن محبوب، عن عبد الله بن غالب، عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر (عليه السلام) أن رسول الله كان يقول إن رؤيا المؤمن ترف بين السماء والأرض على رأس صاحبها حتى يعبرها لنفسه أو يعبرها له مثله فإذا عبرت لزمت الأرض فلا تقصوا رؤياكم إلا على من يعقل. * الشرح: (فلا تقصوا رؤياكم إلا على من يعقل) المراد بالعاقل: العالم بالتعبير القادر على الانتقال من الأصل إلى الفرع ومن الجلي إلى الخفي ومن الظاهر إلى الباطن أو الأعم من ذلك وذلك لئلا يعبرها له بما يحزنه وقد تخرج الرؤيا على نحو ما تعبر كما دل عليه الحديث السابق، وبالجملة الرؤيا

[ 474 ]

تنقسم إلى ما هو حسن في الظاهر والباطن وإلى ما هو مكروه فيهما وإلى ما هو حسن في الظاهر ومكروه في الباطن وإلى العكس والمعبر لابد أن يكون عاقلا عالما بطرق التعبير إما بالتجربة أو بالإلهام أو بالسماع من أهل التجربة والإلهام، وقال علماء التعبير: طرق التعبير أربعة: الاشتقاق كاشتقاق العاقبة من رؤية العقبة والرفعة من رؤية الرافع، الثاني: ما يعبر بمثاله في الشكل أو في الصفة مثل أن يعبر الرطب بالدين لأنه حلو في القلوب ولأن الدين كمل بعد تدريج كما أن الرطب حلو كمل بعد تدريج من الطلع إلى أن صار حلوا، الثالث: تعبيره بالمعنى المقصودي من ذلك الشئ المرئي كدلالة فعل السفر على السفر وفعل السوق على المعيشة وفعل الدار على الزوجة والجارية. الرابع: التعبير بما تقدم له ذكر في القرآن والسنة والشعر أو كلام العرب وأمثالها أو كلام الناس وأمثالهم أو خبر معروف أو كلمة حكمة وذلك كتعبير الخشبة بالمنافق لقوله تعالى * (كأنهم خشب مسندة) *، وتعبير الفأرة بالفاسق لأنها تسمى في الحديث فويسقة، وتعبير الزجاجة بفم المرأة لتسمية بعض الشعراء إياه بذلك إلى غير ذلك من الاعتبارات والمناسبات التي لا يقدر على استنباطها الجاهل، فربما يكون الرؤيا مكروهة في الظاهر حسنا في الباطن والرائي محزون بمراعات ظاهرها فإذا عبرها الجاهل نظرا إلى ظاهرها زاده غما على غم ومع ذلك قد يؤثر تأويله بصرفه إلى المكروه فيقع الرائي في مكروه بمقتضى تأويله. * الأصل: 530 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد، عن القاسم بن عروة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الرؤيا لا تقص إلا على مؤمن خلا من الحسد والبغي. * الشرح: قوله: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الرؤيا لا تقص إلا على مؤمن خلا من الحسد والبغي) فإن الغالب في الموصوف بهما أنه يعبر الرؤيا بما يوجب ضرر الرائي وكراهته وتشوش نفسه عاجلا وآجلا أما عاجلا فظاهر لأن النفس معتادة بالانقباض عند سماع مالا يوافقها من المكاره وأما آجلا فلأنه ربما يقع ما عبر به إذ للتعبير مدخل عظيم في وقوعه كما مر ولو لم يقع فلا شبهة في أنه قد يبطئ وقوع خلافه وهو ما تقتضيه رؤياه في نفس الأمر فهو في تلك المدة مشوش مغموم لتجوزه ووقوع ذلك التعبير. * الأصل: 531 - حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد الكندي، عن أحمد بن الحسن الميثمي، عن أبان ابن عثمان، عن رجل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) رجل يقال له: ذو

[ 475 ]

النمرة وكان من أقبح الناس، وإنما سمي ذو النمرة من قبحه فأتى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله أخبرني ما فرض الله عز وجل علي ؟ فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): فرض الله عليك سبعة عشر ركعة في اليوم والليلة وصوم شهر رمضان إذا أدركته والحج إذا استطعت إليه سبيلا والزكاة وفسرها له، فقال: والذي بعثك بالحق نبيا ما أزيد ربي على ما فرض علي شيئا ؟ فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): ولم يا ذا النمرة ؟ ! فقال كما خلقني قبيحا قال: فهبط جبرئيل (عليه السلام) على النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله إن ربك يأمرك أن تبلغ ذا النمرة عنه السلام وتقول له: يقول لك ربك تبارك وتعالى: أما ترضى أن أحشرك على جمال جبرئيل يوم القيامة فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) يا ذا النمرة هذا جبرئيل يأمرني أن ابلغك السلام ويقول لك ربك: أما ترضى أن أحشرك على جمال جبرئيل ؟ فقال: ذو النمرة فإني قد رضيت يا رب فوعزتك لأزيدنك حتى ترضى. * الشرح: قوله: (ويقال له: ذو النمرة) في القاموس، النمرة بالضم: النكتة من أي لون كان والأنمر ما فيه نمرة بيضاء وأخرى سوداء وهي نمراء وإنما أقسم أن لا يفعل الخيرات وقد صح النهي عنه لأن النهي لم يبلغه أو بلغه وعلم أن الحلف على ذلك غير منعقد لكنه لم يرد القسم حقيقة بل أتى بصورته ترويجا لمقصوده وهو عدم الإتيان بغير الفرائض.

[ 476 ]

حديث الذي أحياه عيسى (عليه السلام) * الأصل: 532 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن أبي جميلة، عن أبان بن تغلب وغيره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه سئل: هل كان عيسى بن مريم أحيا أحدا بعد موته حتى كان له أكل ورزق ومدة وولد ؟ فقال: نعم إنه كان له صديق مواخ له في الله تبارك وتعالى وكان عيسى (عليه السلام) يمر به وينزل عليه وإن عيسى غاب عنه حينا ثم مر به ليسلم عليه فخرجت إليه امه فسألها عنه، فقالت: مات يا رسول الله، فقال: أفتحبين أن تراه ؟ قالت: نعم: فقال لها: فإذا كان غدا [ ف‍ ] - آتيك حتى احييه لك بإذن الله تبارك وتعالى، فلما كان من الغد أتاها فقال لها: إنطلقي معي إلى قبره، فانطلقا حتى أتيا قبره فوقف عليه عيسى (عليه السلام) ثم دعا الله عز وجل فانفرج القبر وخرج ابنها حيا فلما رأته امه ورآها بكيا فرحمهما عيسى (عليه السلام) فقال له عيسى: أتحب أن تبقى مع امك الدنيا ؟ فقال: يا نبي الله بأكل ورزق ومدة أم بغير أكل ولا رزق ولا مدة ؟ فقال له عيسى (عليه السلام): بأكل ورزق ومدة وتعمر عشرين سنة وتزوج ويولد لك ؟ قال: نعم إذا، قال: فدفعه عيسى إلى امه فعاش عشرين سنة وتزوج وولد له. * الشرح: قوله: (حديث الذي أحياه عيسى (عليه السلام)) فيه دلالة واضحة على استحباب زيارة الأحباء وتفقد أحوالهم وعلى صحة الرجعة وقد دل عليهما روايات اخر. 533 - ابن محبوب، عن أبي ولاد وغيره من أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل: * (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم) * فقال: من عبد فيه غير الله عز وجل أو تولى فيه غير أولياء الله فهو ملحد بظلم وعلى الله تبارك وتعالى أن يذيقه من عذاب أليم. * الأصل: 534 - ابن محبوب، عن أبى جعفر الأحول، عن سلام بن المتستتر، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله تبارك وتعالى: * (الذين اخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله) * قال: نزلت في رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلي وحمزة وجعفر وجرت في الحسين (عليهما السلام) أجمعين. * الشرح: قوله: (في قول الله تعالى الذين اخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله) فيه مبالغة لمدحهم وتأكيد له ولكون إخراجهم بغير حق حيث علق اتصافهم بصفة ذم مقتضية لإخراجهم على هذه الصفة وهو قولهم " ربنا الله " على تقدير كونها صفة ذم وهذا التقدير محال لأن تلك الصفة

[ 477 ]

عن أكمل الصفات الحسنة والمعلق على المحال محال فاتصافهم بصفة ذم مقتضية للإخراج محال، والاستثناء على هذا التقدير متصل ويمكن أن يكون منقطعا فإن إرادة الاستثناء بعد نفي جميع صفات الذم عنه، وهو المستفاد من قوله * (بغير حق) * يوهم استثناء شئ منها بناء على أن أصل الاستثناء هو الاتصال فلما لم يوجد شئ منها ذكر صفة مدح بعدها فصار الاستثناء منقطعا ووقع المدح على المدح. * الأصل: 535 - ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن يزيد الكناسي قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا " قال: فقال: إن لهذا تأويلا يقول: بماذا اجبتم في أوصيائكم الذين خلفتموهم على اممكم ؟ قال: فيقولون لا علم لنا بما فعلوا من بعدنا. * الشرح: قوله: (يوم يجمع الله الرسل فيقول: ماذا أجبتم ؟ قالوا: لا علم لنا - اه‍) دل على أنه كانت للرسل أوصياء فكيف يتخلف تلك عن خاتم الأنبياء وعلى أن الله تعالى يسأل عباده عن متابعتهم ومخالفتهم، ثم الظاهر أن الرسل يشمل رسولنا (صلى الله عليه وآله) فحينئذ قوله * (فيقولون لا علم لنا بما فعلوا من بعدنا) * ينافي الأخبار الدالة على عرض الأعمال عليه (صلى الله عليه وآله) والأخبار الدالة على أنه (صلى الله عليه وآله) أخبر وصيه بما يفعلون به بعده، فلابد من تخصيص الرسل بغيره (صلى الله عليه وآله) أو تخصيص العلم المنفي بالعلم المخصوص وهو العلم بطريق المشاهدة والعيان أو القول بأن ذلك القول منهم تخشع وتذلل وإظهار العجز بمشاهدة جلال الله تعالى مع علمه الشامل لكل صغير وكبير فكان علمهم في جنبه ليس بعلم، وأما القول بأن العرض عليه عرض مجمل فيقال عملت أمتك كذا أو عرض من غير تعيين العامل فبعيد جدا يظهر ذلك لمن تأمل في الأخبار الدالة على العرض.

[ 478 ]

حديث إسلام علي (عليه السلام) * الأصل: 536 - ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبي حمزة، عن سعيد بن المسيب قال: سألت علي بن الحسين (عليهما السلام): ابن كم كان علي بن أبي