الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




شرح أصول الكافي - مولي محمد صالح المازندراني ج 11

شرح أصول الكافي

مولي محمد صالح المازندراني ج 11


[ 1 ]

كتاب الكافي الأصول والروضة لثقة الإسلام أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني مع شرح الكافي الجامع للمولى محمد صالح المازندراني المتوفى 1081 ه‍ مع تعاليق الميرزا أبو الحسن الشعراني المجلد الحادي عشر

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم كتاب فضل القرآن 1 - علي بن محمد، عن علي بن العباس، عن الحسين بن عبد الرحمن، عن سفيان الحريري، عن أبيه عن سعد الخفاف، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: يا سعد تعلموا القرآن، فإن القرآن يأتي يوم القيامة في أحسن صورة نظر إليها الخلق، والناس صفوف عشرون ومائة ألف صف، ثمانون ألف صف امة محمد، وأربعون ألف صف من سائر الأمم، فيأتي على صف المسلمين في صورة رجل، فيسلم فينظرون إليه ثم يقولون: لا إله إلا الله الحليم الكريم، إن هذا الرجل من المسلمين نعرفه بنعته وصفته غير أنه كان أشد اجتهادا منا في القرآن، فمن هناك اعطي من البهاء والجمال والنور ما لم نعطه، ثم يتجاوز حتى يأتي على صف الشهداء فينظر إليه الشهداء ثم يقولون: لا إله إلا الله الرب الرحيم إن هذا الرجل من الشهداء نعرفه بسمته وصفته غير أنه من شهداء البحر فمن هناك، اعطي من البهاء والفضل ما لم نعطه، قال: فيتجاوز حتى يأتي [ على ] صف شهداء البحر في صورة شهيد فينظر إليه شهداء البحر فيكثر تعجبهم ويقولون: إن هذا من شهداء البحر نعرفه بسمته وصفته غير أن الجزيرة التي اصيب فيها كانت أعظم هولا من الجزيرة التي اصبنا فيها، فمن هناك اعطي من البهاء والجمال والنور ما لم نعطه، ثم يجاوز حتى يأتي صف النبيين والمرسلين في صورة نبي مرسل، فينظر النبيون والمرسلون إليه فيشتد لذلك تعجبهم ويقولون: لا إله إلا الله الحليم الكريم، إن هذا لنبي مرسل نعرفه بسمته وصفته غير أنه اعطي فضلا كثيرا، قال: فيجتمعون فيأتون رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فيسألونه ويقولون: يا محمد من هذا ؟ فيقول لهم: أو ما تعرفونه ؟ فيقولون: ما نعرفه هذا ممن لم يغضب الله عليه، فيقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): هذا حجة الله على خلقه. فيسلم ثم يجاوز حتى يأتي على صف الملائكة في سورة ملك مقرب، فتنظر إليه الملائكة، فيشتد تعجبهم، ويكبر ذلك عليهم لما رأوا من فضله، ويقولون: تعالى ربنا وتقدس إن هذا العبد من الملائكة نعرفه بسمته وصفته غير أنه كان أقرب الملائكة إلى الله عزوجل مقاما، فمن هناك البس من النور والجمال ما لم نلبس، ثم يجاوز حتى ينتهي إلى رب العزة تبارك وتعالى فيخر تحت العرش فيناديه تبارك وتعالى: يا حجتي في الأرض وكلامي الصادق الناطق ارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع فيرفع رأسه فيقول الله تبارك وتعالى: كيف رأيت عبادي ؟ فيقول: يا رب منهم من صانني وحافظ علي ولم يضيع شيئا ومنهم من ضيعني واستخف بحقي وكذب بي وأنا حجتك على جميع خلقك، فيقول الله تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني

[ 4 ]

لاثيبن عليك اليوم أحسن الثواب، ولاعاقبن عليك اليوم أليم العقاب. قال: فيرفع القرآن رأسه في صورة اخرى. قال: فقلت له: يا أبا جعفر في أي صورة يرجع ؟ قال: في صورة رجل شاحب متغير يبصره أهل الجمع، فيأتي الرجل من شيعتنا الذي كان يعرفه ويجادل به أهل الخلاف، فيقوم بين يديه، فيقول: ما تعرفني ؟ فينظر إليه الرجل فيقول: ما أعرفك يا عبد الله، قال: فيرجع في صورته التي كانت في الخلق الأول ويقول: ما تعرفني ؟ فيقول: نعم، فيقول القرآن: أنا الذي أسهرت ليلك وأنصبت عيشك وفي سمعت الأذى ورجمت بالقول في، ألا وإن كل تاجر قد استوفى تجارته وأنا وراءك اليوم، قال: فينطلق به إلى رب العزة تبارك وتعالى فيقول: يا رب يا رب عبدك وأنت أعلم به قد كان نصبا بي مواظبا علي، يعادي بسببي ويحب في ويبغض، فيقول الله عزوجل: أدخلوا عبدي جنتي واكسوه حلة من حلل الجنة وتوجوه بتاج، فإذا فعل به ذلك عرض على القران، فيقول له هل رضيت بما صنع بوليك ؟ فيقول: يا رب إني أستقل هذا له فزده مزيد الخير كله، فيقول: وعزتي وجلالي وعلوي وارتفاع مكاني لأنحلن له اليوم خمسة أشياء مع المزيد له ولمن كان بمنزلته، ألا أنهم شباب لا يهرمون وأصحاء لا يسقمون، وأغنياء لا يفتقرون، وفرحون لا يحزنون، وأحياء لا يموتون. ثم تلا هذه الآية * (لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الاولى) * قال: قلت: جعلت فداك يا أبا جعفر وهل يتكلم القرآن ؟ فتبسم ثم قال: رحم الله الضعفاء من شيعتنا إنهم أهل تسليم، ثم قال: نعم يا سعد والصلاة تتكلم ولها صورة وخلق تأمر وتنهى، قال: سعد فتغير لذلك لوني، وقلت: هذا شئ لا أستطيع [ أنا ] أتكلم به في الناس، فقال أبو جعفر: وهل الناس إلا شيعتنا فمن لم يعرف الصلاة فقد أنكر حقنا، ثم قال: يا سعد اسمعك كلام القرآن ؟ قال: سعد: فقلت: بلى صلى الله عليك، فقال: * (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر) * فالنهى كلام والفحشاء والمنكر رجال ونحن ذكر الله ونحن أكبر. * الشرح: قوله: (يا سعد تعلموا القرآن) هو في اللغة مصدر بمعنى الجمع والقراءة، وفي العرف كلام منزل للإعجاز بسورة منه وسمي قرآنا لأنه جمع القصص والأمر والنهي والوعد والوعيد والآيات والسور بعضها إلى بعض، والغرض من هذا الحديث هو الحث على مدارسته وممارسته وتعلمه وفهمه وحفظه وتذكر ما فيه من الأمور الغريبة والأسرار العجيبة بقدر الوسع والإمكان، ثم التوقع لشفاعته في يوم يشفع لمحبيه من أهل الإيمان، وقد نقل عن بعض المشايخ أنه قال: كنت أحب قراءة القرآن وأكثر منها، ثم أني اشتغلت بكتابة الأحاديث والعلم فقلت قراءتي وتلاوتي فنمت ليلة فرأيت قائلا يقول:

[ 5 ]

إن كنت تزعم حبي فلم جفوت كتابي * أما تدبرت فيه من لذيذ خطابي فانتبهت فزعا وعدت إلى قراءتي. (فإن القرآن يأتي يوم القيامة في أحسن صورة نظر إليها الخلق) تصويره بالصورة المذكورة أمر ممكن كتصوير الأعمال والأعراض بالأجسام كما نطقت به رواياتنا وروايات العامة، وذهب إليه المحققون من الطرفين فوجب أن لا يستبعد ولا ينكر تعلق القدرة القاهرة به، قال صاحب كتاب إكمال الإكمال لشرح مسلم: القرآن يصور بصورة ويجئ بها يوم القيامة، ويراها الناس كما تجعل الأعمال صورا، وتوضع في الميزان، ويقع فيها الوزن والقدرة صالحة لإيجاد كل ممكن والإيمان به واجب. انتهى كلامه بعبارته وإنما كان صورته أحسن الصور لأنه كلام رب العزة وهو أحب الخلق إليه فألبسه صورة هي أحسن الصور وأحبها لديه، وأيضا حسن الصورة في يوم القيامة تابع للكمال وكل كمال صوري ومعنوي موجود فيه هذا، وقيل: هذه الصورة هي صورة المسلمين على تقدير رعايته حق الرعاية والإتيان بجميع ما فيه ولكن لما لم يتيسر لهم جميع ذلك رأوه بصورتهم التي كانت لهم على تقدير الإتيان. والظاهر أن صورة خاتم الأنبياء أحسن منه، لأن وجوده تابع لوجوده، ولولا وجوده (صلى الله عليه وآله) لم يوجد أحد من الممكنات، فوجوده أحب إليه عز وجل من جميع الممكنات. (والناس صفوف) وكذا الملائكة كما يومئ إليه والواو للحال. (مائة وعشرون ألف صف) (كذا) بيان لصفوف أو خبر بعد خبر (ثمانون ألف صف امة محمد (صلى الله عليه وآله)) الأمة يطلق على شيعته وأتباعه وعلى عموم أهل دعوته، فنيدرج فيها أصناف أهل الكفر وأكثر استعمالها في الأحاديث المعنى الأول، ولا يبعد أن يكون المراد هنا هو المعنى الثاني (وأربعون ألف صف من سائر الأمم) الكلام في الأمة كالسابق. (فيأتي على صف المسلمين) أي من هذه الأمة على الظاهر والتعميم محتمل، والمراد بهم بعضهم الواقفون في صف واحد بقرينة الشهداء، وفي على دلالة على الإشراف والإستعلاء الموجب لرؤية الجميع. (في صورة رجل فيسلم فينظرون إليه) في التسليم بشارة لأن السلامة من الآفات دليل واضح على النجاة. (ثم يقولون: لا إله إلا الله الحليم الكريم) فيه مع قصد التوحيد تعجب من صنعه وتوقع لكرمه وعفوه عن التقصير في العمل بالنسبة إلى عمل من رأوه كما صرحوا به. (إن هذا الرجل من المسلمين) قالوا ذلك لأنهم رأوه في صفهم (نعرفه بنعته وصفته) خبر آخر والنعت وصف الشئ بما فيه من حسن، ولا يقال في القبيح. والصفة وصف الشئ بما فيه من

[ 6 ]

حسن أو قبح، فهي أعم من النعت، والمراد هنا الأول ولعل المقصود أنا نعرفه بهذا الوصف، وهو كونه من المسلمين (غير أنه كان أشد اجتهاد منا في القرآن) أي في تعلمه ومدارسته والعمل بما فيه وفيه دلالة على ما ذكرنا من أن حسن الصورة تابع لكمال العلم. (ثم يجاوز حتى يأتي على صف الشهداء) الظاهر أنهم كل من قتل بين يدي الإمام وشمول كل من له ثواب الشهداء محتمل. (نعرفه بسمته وصفته) في المغرب السمت الطريق ويستعار لهيئة أهل الخير، فيقال: ما أحسن سمته (فيكثر تعجبهم) منشأ التعجب مشاهدة أمر غريب عظيم القدر فائق في الحسن والبهاء رائق في النور والضياء مع خفاء سببه وحقيقته. (إن هذا لنبي مرسل) في ظننا بسبب كونه في صورة نبي مرسل، كما مر فلا يلزم الكذب (نعرفه بسمته وصفته) وهي كونه من صنف الأنبياء والمرسلين (غير أنه أعطي فضلا كثيرا) امتاز به عن سائر الأنبياء. (ويقولون: يا محمد من هذا ؟) الذي يمتاز عن سائر الأنبياء بالحسن والبهاء سألوا عن أصله ونسبه واسمه (فيقول لهم: أو ما تعرفونه ؟) الإستفهام للتعجب والواو للعطف على محذوف يعني أتسألون عنه وما تعرفونه. (فيقولون: ما نعرفه) بخصوصياته الموجبة لتعينه (هذا من لم يغضب الله عليه) يعني إنما نعرفه بهذا الوجه الذي لا يفيد تعيينه وهو أنه لم يفعل شيئا يوجب غضب الله عليه ولو كان ترك الأولى فيقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): هذا حجة الله على خلقه فعلموا أنه القرآن لشيوع اطلاق الحجة عليه أو أبهم (عليه السلام) لمصلحة اطلاق الحجة على غيره أيضا شائع، ووجه كون القرآن حجة الله على العباد أنه يخبرهم بكل ما أراد الله تعالى منهم مما له مدخل في نظام دينهم ودنياهم. (ويقولون تعالى ربنا وتقدس) أي تعالى في الشرف والرتبة عن وصف الواصفين ونعت الناعتين وتطهر عن النقائص والتشابه بالمخلوقين. (ثم يجاوز حتى ينتهي إلى رب العزة) أي إلى عرشه أو محل مناجاته نظيره قول إبراهيم (عليه السلام): * (إني ذاهب إلى ربي) * أي معبد ربي أو محل عبادته وقول موسى (عليه السلام): * (عجلت إليك رب لترضى) * أي إلى محل مناجاتك وهو الطور. (واشفع تشفع) شفع كمنع شفاعة طلب العفو عن ذنب أحد وشفعته تشفيعا قبلت شفاعته (كيف رأيت عبادي ؟) في صونك وحفظك وتلاوتك ومدارستك وامتثال ما أمرت به ونهيت عنه. (فيقول: يا رب منهم من صانني) عن تحريف الغالين وانتحال المبطلين (وحافظ علي)

[ 7 ]

بالتلاوة وضبط الآيات والمعاني الظاهرية والباطنية والأوامر والنواهي والمواعظ كلها، وتعدية (حافظ) ب‍ (على) لتضمينه معنى القيام ونحوه. (ولم يضيع شيئا) لقيامه على العمل والإجتهاد ودوامه على الإمتثال والإنقياد. ومنهم من ضيع) بترك العمل والمتابعة (واستخف بحقي) بترك الدراية والمحافظة (وكذب بي) بالتحريف والتبديل والإنكار. وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني) أقسم بعزته القاهرة وعظمته الكاملة ومرتبة الفائقة (لاثيبن عليك اليوم أحسن الثواب) وهو الذي لا نقص فيه والظاهر أن (على) للتعليل كاللام كما قيل في قوله تعالى: * (لتكبروا الله على ما هداكم) *. (ولاعاقبن عليك اليوم أليم العقاب) وصف العقاب باللأليم وهو المؤلم للمبالغة في شدته (فقال في صورة شاحب متغير) الشاحب بالشين المعجمة والحاء المهملة من تغير لونه من جوع أو هزال أو سفر أو غيره والوصف للتوضيح وكأن هذه الصورة هي التي حدثت بملامسة العصاة وهي موجودة أيضا في هذه الدار إلا إنها لا تراها الأبصار والصورة السابقة صورته الحقيقية التي ناشية بذاته وكمالاته، وقيل: سبب رجوعه إلى هذه الصورة سماعه الوعيد الشديد وهو وإن كان على غيره لكنه لا يخلو من التأثير في من اطلع عليه. (يبصره أهل الجمع) على وصف التغير لكونه في موضع عال كالشمس المنكسفة وفي بعض النسخ فينكره (فيأتي الرجل من شيعتنا) من بيان للرجال أو حال عنه (الذي كان يعرفه) أريد بمعرفته معرفة تلاوته وقراءته وظاهره وباطنه بالتدبر والتفكر على قدر الإمكان كما يشعر به قوله: (ويجادل به أهل الخلاف) من الكفار وأهل الإسلام بالإعجاز وفروع العقائد وأصولها التي من جملتها الولاية لأهلها. (فيقول القرآن: أنا الذي أسهرت ليلك وانصبت عيشك) السهر ترك النوم في الليل، سهر كفرح إذا لم ينم ليلا وأسهره غيره، وانصب التعب نصب كفرح تعب، وأنصبه غيره أتعبه، والعيش الحياة وما يعاش به ويكون به الحياة، والظاهر أن إسناد الإسهار إلى القرآن وهو سبب له مجاز عقلي كتعلقه بالليل، وتعلق الإنصاب بالعيش. (وفي سمعت الأذى) أي في شأني ومتابعة حكمي وإجراء أمري سمعت من أعدائي وأعدائك الأذى والمكروه من القول. (ورجمت بالقول في) الرجم القذف واللعن والشتم والطرد والرمي بالحجارة. (ألا وأن كل تاجر قد استوفى تجارته) يعني كل عامل يأخذ اليوم جزاء عمله ونفعه كاملا أنه

[ 8 ]

شبهه بالتاجر في أنه يشتري بعمله الثواب والعقاب. (وأنا وراءك اليوم) الوراء الخلف، والقدام ضد، يعني أنا خلفك أو قدامك نحفظك من الأهوال والمكاره، ونسوقك إلى الجنة (فزده مزيد الخير كله) المزيد والزيادة بمعنى وفي ذكره إيماء إلى طلب الزيادة الموعودة في قوله تعالى * (ولدينا مزيد) * مع ما فيه من المبالغة كما في التأكيد (لأنحلن له اليوم خمسة أشياء) نحله ينحله كنصره نحلا بالضم أعطاه، والإسم النحلة بالكسر والضم وهي العطاء والعطية، وأنحله أعطاه مالا خصه بشئ منه كنحله بالتشديد فيهما، فيجوز في الفعل المذكور ثلاثة أوجه. (مع المزيد له) دل على أن المزيد غير ما أعطاه سابقا وغير هذه الخمسة، ولعل المراد به النعماء الغير المحصورة في الجنة أو تجليات الحق وأنواره كما يكون للأنبياء والأوصياء. (ولمن كان بمنزلته) عطف على له في قوله " لأنحلن له " لا في قوله " سمع المزيد له " مع احتماله ويظهر الفرق بالتأمل (إلا أنهم شباب لا يهرمون) الشباب الفتيان وأيضا جمع شاب وهو المراد هنا (وأحياء لا يموتون) لعل المراد بالحياة الحياة الطيبة، وهي التي لا تعب ولا مشقة ولا كدرة معها، فلا يرد أن أهل النار أيضا أحياء لا يموتون، فإن حياتهم مكدرة شبيهة بالموت (ثم تلا هذه الآية * (لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى) * تشبيه الموت بالمطعوم مكنية والذوق، وهو إدراك طعم الشئ تخييلية وقد يجعل كناية عن العلم كالشم في قولنا فلان لم يشم هذه المسألة والضمير للجنة والإستثناء إما متصل يعني لا يعلمون في الجنة الموت الواقع في أحد الأزمنة ولا يتعقلونه إلا الموتة الأولى، وهي التي بعد الحياة الدنيوية والقبرية أو منقطع يعني لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى، أو أمكن ذوقها ولكنه ممتنع لأن الموتة التي قدر وقوعها وذوقها في زمان ماض لا يمكن وقوعها وذوقها في المستقبل، فهو من باب التعليق بالمحال، والمقصود على التقديرين نفي الموت منهم وثبوت الحياة الأبدية لهم. ورام بعض المفسرين، ومنهم القاضي جعل الإستثناء متصلا، فقالوا: تارة الضمير للآخرة والموت أول أحوالها، وقالوا: تارة للجنة والمؤمن يشارفها بالموت ويشاهدها عنده، فكأنه فيها. وظني أن فيهما تكلفا، أما في الأول فلأن الظاهر بل المتعين أن الضمير للجنة وأما في الثاني فلأن مجاز المشارفة والظرفية المجازية خلاف الظاهر. (قال: قلت جعلت فداك يا أبا جعفر، وهل يتكلم القرآن ؟) قوله " وجعلت فداك " ليس في بعض النسخ والواو إما زائدة أو للعطف على مقدر - أي أتقول ذلك - وهل يتكلم القرآن، والظاهر أن المراد بالتكلم باللسان، وأن سعدا لم يشك فيه بعد سماعه من المعصوم (عليه السلام)، وإنما سأل لتقريره

[ 9 ]

وتثبيته ذلك في الذهن لكونه أمرا مستبعدا بين الناس، فلذلك قال: لا أستطيع أتكلم به في الناس، أو قال ذلك تعجبا وفزعا، ثم استبعادهم لا وجه له لأنه من استحضر أن نسبة الكائنات إلى قدرة الله سبحانه سواء لا يستغرب شيئا من ذلك، وقال بعض المعاصرين: تكلم القرآن عبارة عن إلقائه على السمع ما يفهم منه المعنى، وهذا هو معنى حقيقة الكلام، ولا يشترط صدوره من لسان لحمي، وكذا تكلم الصلاة فإن من أتى بالصلاة بحقها أو حقيقتها نهته الصلاة عن متابعة أعداء الدين وغاصبي حقوق الأئمة الراشدين الذين من عرفهم عرف الله، ومن ذكرهم ذكر الله، وفيه أن التكلم بهذا المعنى لا يستبعده أحد. (فقال: نعم يا سعد) أي نعم القرآن يتكلم فقوله (والصلاة تتكلم) عطف على الجملة الدالة عليها نعم (ولها صورة وخلق تأمر وتنهى) الظاهر أن لها صورة كصورة الإنسان وخلقا كخلقهم، إلا أنها لا ترى في هذه الدار لكونها دار كمون ودار تكليف. (قال سعد: فتغير لذلك لوني) دل على أنه فهم من التكلم ما ذكرنا لا ما ذكره المعاصرو إلا لما كان للاستبعاد والتغير وجه ولا لقوله: (وقلت: هذا شئ لا أستطيع أنا أتكلم به في الناس) وجه لأن الشيعة كلهم قائلون بتكلمه على ما ذكره ذلك المعاصر، وكذا العامة إلا في الولاية ونحوها. (فقال أبو جعفر (عليه السلام): وهل الناس إلا شيعتنا) الإستفهام للإنكار أي ليس الناس الموصوفون بحقيقة الإنسانية إلا شيعتنا وهم يقبلون منا وإما غيرهم فهم نسناس وبهائم في صورة الناس، فطمع القبول منهم كطمعه منها. (فمن لم يعرف الصلاة) بالوصف المذكور وهو أنها تتكلم ولها صورة وخلق تأمر وتنهى (فقد أنكر حقنا) لرده قولنا بأنها بذلك الوصف وبإنكاره تكلمه بحقنا. (والفحشاء والمنكر رجال) تنكيرهم للتحقير أو للتكثير وأوائلهم أولهم بهذا الإسم لأن كل من سواهم من الخلفاء الأموية والعباسية والجابرين إلى يوم القيامة واتباعهم نشأوا من جورهم. (ونحن ذكر الله) لأن الناس بنا يذكرون الله ويعبدونه. (ونحن أكبر) من أن يذكر وصفنا الواصفون ويعرف قدرنا العارفون، وقد دلت على أنه لا يمكن معرفة وصفهم وحقيتهم روايات أخر مذكورة في محلها. * الأصل: 2 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عن آبائه (عليهم السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أيها الناس إنكم في دار هدنة، وأنتم على ظهر سفر والسير بكم سريع، وقد

[ 10 ]

رأيتم الليل والنهار والشمس والقمر يبليان كل جديد، ويقربان كل بعيد، ويأتيان بكل موعود، فاعدوا الجهاز لبعد المجاز. قال: فقام المقداد بن الأسود، فقال: يا رسول الله وما دار الهدنة ؟ قال: دار بلاغ وانقطاع، فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن، فإنه شافع مشفع، وما حل مصدق، ومن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو الدليل يدل على خير سبيل، وهو كتاب فيه تفصيل وبيان وتحصيل، وهو الفصل ليس بالهزل، وله ظهر وبطن، فظاهره حكم وباطنه علم، ظاهره أنيق وباطنه عميق له نجوم وعلى نجومه نجوم لا تحصى عجائبه ولا تبلى غرائبه، فيه مصابيح الهدى ومنار الحكمة، ودليل على المعرفة لمن عرف الصفة، فليجل جال بصره وليبلغ الصفة نظره ينج من عطب ويتخلص من نشب فإن التفكر حياة قلب البصير، كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور، فعليكم بحسن التخلص وقلة التربص. * الشرح: قوله: (أيها الناس أنكم في دار هدنة) يصلح أن يكون أمرا للأخبار بعده بالمصالحة مع الأشرار، ولكن له تفسير آخر يأتي ذكره. (وأنتم على ظهر سفر) الظهر الصلب، وأيضا الأبل التي يحمل عليها ويركب والإضافة لامية وفيه على الأول مكنية وتخييلية وعلى الثاني استعارة تحقيقية بتشبيه الليل والنهار بالظهر، واستعارته لهما وفيه على التقادير مبالغة في شدة السير وسرعته والوغول فيه، كما أشار إليه بقوله: (والسير بكم سريع) السير الذهاب والاذهاب يقال: سار يسير إذا ذهب وساره غيره إذا أذهبه كسار به، وفاعل السير الظهر، والباء على الأول للتعدية، وعلى الثاني للمبالغة فيها، ثم أشار إلى تحقق ذلك وظهوره لمن له بصيرة بقوله: (وقد رأيتم الليل والنهار) وتعاقبهما (والشمس والقمر) ودورهما. (يبليان كل جديد) كما هو المشاهد في الحيوانات والنباتات وغيرهما من المكونات، وحسبك النظر إلى نفسك من بدء وجودك إلى كمال الشيخوخة (ويقربان كل بعيد) ألا ترى أن كل ما هو في الحال كان بعيدا في زمان نوح مثلا، وكل ما يقع في الإستقبال سيصير حالا، وما ذلك إلا بتعاقب الليل والنهار ودوران الشمس والقمر. (ويأتيان بكل موعود) ألا ترى كيف أتيا بغاية آجال آبائك وأجدادك وكل من كان في الأعصار السابقة ولا يتفكر في أنهما سيأتيان بغاية أجلك وبما وعد الله تعالى للمطيعين والعاصين، ثم أشار إلى ما هو كالنتيجة لهذا الكلام البليغ والمقصود منه بقوله:

[ 11 ]

(فأعدوا الجهاز لبعد المجاز) أي لبعد الطريق وطول السفر المفتقر إلى تحمل الزاد الكافي فيه. وجهاز المسافر بالكسر والفتح ما يحتاج إليه في سفره، والمراد به هنا الطاعات والعبادات المفروضة والمندوبة. (وما دار الهدنة) سأل عن تفسيرها لكونها مبهمة محتملة لوجوه (قال: دار بلاغ) إلى حين (وانقطاع) منها إلى الآخرة والبلاغ بالفتح اسم لما يتبلغ ويتوصل به إلى الشئ المطلوب، وبالكسر مصدر بمعنى الإجتهاد يقال: بالغ مبالغة وبلاغا إذا اجتهد. (فإذا التبست عليكم الفتن) في الدين بعدي بافتراء المفترين وانتحال المبطلين. (كقطع الليل المظلم) شبه الفتن بها في كونها مظلمة سوداء، تعظيما لشأنها أو في أنها ساترة للمقصود مانعة من الإهتداء إليه. والوجه في المشبه به حسي وفي المشبه عقلي (فعليكم بالقرآن) أي ألزموا أحكامه وما نطق به ولا تتعدوه. (فإنه شافع) لمن تمسك به وعمل بما فيه (مشفع) مقبول الشفاعة والمشفع بشد الفاء المفتوحة من تقبل شفاعته، وبكسرها من يقبل الشفاعة. (وما حل مصق) المحل الجدال والسعاية. محل به إذا سعى به إلى السلطان، يعني أنه مجادل مخاصم لمن رفضه وترك العمل بما فيه أوساع يسعى به إلى الله عز وجل مصدق فيما يقول. (ومن جعله أمامه) بأن يقر به ويعتقد بحكمه ويعمل ما فيه (قاده إلى الجنة) وأنزله في المقام اللائق بحسب اجتهاده. (ومن جعله وراء ظهره) بإنكاره أو ترك العمل بما فيه (ساقه إلى النار) نسبة القود والسوق إليه مجاز كنسبة الفعل إلى السبب أو حقيقة بإعتبار أنه يصور بصورة إنسانية في القيامة كما مر (وهو الدليل) يدل الحائرين في بيداء الضلالة والجهالة. (إلى خير سبيل) يوصل إلى الكرامة والسعادة (وهو كتاب) رفيع الشأن عظيم القدر لا يبلغ كنه حقائقه إلا الراسخون في العلم. (فيه تفصيل وبيان وتحصيل) لاشتماله على تفاصيل العلوم والأخلاق والآداب وغيرها، وبيان كل ما يتم به نظام الخلق في الدنيا، وتحصيل الأمور يعني تحقيقها واثباتها من حصلت الأمر إذا حققته وأثبته. (وهو الفصل) أي الفاصل بين الحق والباطل (ليس بالهزل) لأنه جد كله والهزل واللعب من واد واحد، وهو ضد الجد. (وله ظهر وبطن) من طريق العامة * (ما نزل من القرآن آية إلا ولها ظهر وبطن) * قال ابن الأثير في

[ 12 ]

النهاية: قيل: ظهرها لفظها، وبطنها معناها، وقيل: أراد بالظهر ما ظهر تأويله وعرف معناه، وبالبطن ما بطن، وقيل: قصصه في الظاهر أخبار، وفي الباطن عبر وتنبيه وتحذير وغير ذلك، وقيل: أراد بالظهر التلاوة وبالبطن التفهم والتفهيم. أقول: يمكن أن يراد بالظهر ما يدل عليه اللفظ من المفهومات اللغوية وبالبطن ما يندرج تحت تلك المفهومات من الحقائق واللطائف والدقائق والأسرار التي بعضها فوق بعض، ولا يعرف جميعها إلا الطاهرون الراسخون في العلم. (فظاهره حكم) الحكم بالضم القضاء، والحاكم منفذ الحكم والمنع، ومنه حكمة اللجام بالتحريك، وهي حديدة في فم الفرس تمنعه من مخالفة راكبه، والإحكام الإتقان، وفي الكنز حكم استواركار شدن، ومنه الحكيم لأنه يحكم الأشياء ويتقنها، فهو فعيل بمعنى مفعل يعني أن ظاهره، وهو ألفاظه وعباراته وأسلوبه وآياته حاكم قاض لنا وعلينا، أو كلام مانع من الجهل والسفه، وينهى عنهما أو محكم متقن لا إختلاف فيه ولا إضطراب. (وباطنه) علم بتفاصيل الأشياء من المواعظ والأمثال والأحكام والأخلاق وأحوال المبدء والمعاد وغير ذلك مما ينتفع به الناس ويستقيم به نظامهم في الدنيا والآخرة. (وظاهره أنيق) الأنق محركة الفرح والسرور والكلاء أنق كفرح والشئ أحبه وبه أعجب يعني أن ظاهره حسن معجب لاشتماله على أسلوب عجيب، وتركيب غريب، ومزايا فاخرة، ونكات ظاهرة، يتحير في حسنه الفصحاء، ويتعجب منه البلغاء. (وباطنه) عميق لا يصل إلى قعره عقول العلماء، ولا يبلغ إلى أصله فحول الحكماء. (له نجوم وعلى نجومه نجوم) إما مصدر بمعنى الطلوع والظهور، يقال: نجم الشئ ينجم بالضم نحو ما، إذا طلع وظهر أو جمع نجم بمعنى الكوكب أو الأصل أو الوقت المضروب بحضور الشئ، والمقصود على التقادير أن معانيه مترتبة غير محصورة يظهر بعضها من بعض ويطلع بعضها عقيب بعض. (لا تحصى عجايبه) العجب الشئ الذي عظم موقعه عند الناس. (ولا تبلى غرايبه) لأن غرائبه وهي المزايا والأسرار الخارجة عن طوق البشر البعيدة عن أفهامهم وأوهامهم، كلما أدركت مرة بعد أخرى كانت جديدة معجبة للنفس موجبة للنشاط بها والميل إليها. (مصابيح الهدى) الهدى بضم الهاء وفتح الدال الرشاد والدلالة، والمصباح السراج، والجمع بإعتبار السور والآيات، والإضافة لامية وإطلاقها على القرآن من باب الإستعارة. (ومنار الحكمة) أي محل ظهورها والإضافة لامية، وأصله منور من النور، وهو الظاهر في نفسه

[ 13 ]

المظهر لغيره، والحكمة قيل: هي عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، وشاع إطلاقها على العلم بالشرائع النبوية. (ودليل على المعرفة) أي معرفة الرب وصفاته الذاتية والفعلية أو الأعم الشامل لمعرفة ما يراد من الإنسان وما يتم به نظامهم في الدارين، وفي بعض النسخ (دليل على المغفرة). (لمن عرف الصفة) هي إما مصدر يقال: وصف الشئ يصف وصفا وصفه إذا بين حاله وذكر أوصافه، أو نعت وهو حال الشئ وخواصه وآثاره، يعني القرآن دليل على المعرفة لمن عرف وصف القرآن للأشياء، ونطقه بأحوالها التي من جملتها الولاية إذ لا يتم المعرفة بدون معرفتها، أو لمن عرف نعته وصفته من الغرائب والعجائب والمزايا المندرجة فيه، والله أعلم. (فليجل جال بصره) أي بصره القلبي ليدرك جواب الكلام وأطرافه وحقائق مدلولاته وأسراره، وقوله: (فليجل) إما من الجلاء، يقال: جلا السيف والمرآة أصقلهما، أو من الإجالة وهي الإرادة يقال: أجاله وبه أداره، وجال إذا دار، وفي جال قلب أصله جائل كما في شاكي السلاح. (وليبلغ الصفة نظره) إما من البلوغ، وهو الوصول أو من الإبلاغ وهي الإيصال، فإن فعل ذلك (ينج من عطب) أي من هلاك لتميزه بين الحق والباطل والضلالة والهداية وثباته في سبيل الرشاد بمتابعة أهل العصمة والولاية. (ويتخلص من نشب) النشب بالتحريك علوق العظم ونحوه في الحلق وعدم نفوذه فيه، وهو مهلك غالبا لسد مجرى النفس، فهو كناية عن الهلاك، ويمكن أن يراد به نشب الضلالة والجهالة والغواية على تشبيهها بطعام ذا غصة في الإضرار والإهلاك، ثم علل ذلك بقوله: (فإن التفكر) في الأسرار الإلهية واللطائف القرآنية. (حياة قلب البصير) أي سبب لحياته، فالحمل للمبالغة، وذلك لأن التفكر سبب للعلم، والعلم سبب للحياة، كما أن الجهل سبب للموت، وإليهما يرشد قوله تعالى: * (أو من كان ميتا فأحييناه) * والبصر محركة من العين حسها، ومن القلب نظره وخاطره وإدراكه بصر به كفرح وكرم صار بصيرا، أي مبصرا، والمراد به هنا العالم أو الفطن الذكي، وإضافة القلب إليه إما لامية أو بيانية وفي الجمع بينهما فائدة، وهي أنه لو لم يذكر القلب لتوهم أن المراد بالبصير البصير بالعين، ولو لم يذكر البصير لتوهم أن التفكر سبب لحياة قلب الجاهل والغبي أيضا، وليس كذلك. (كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور) أي بنور المصباح أو المشعل والظرفان يتعلقان بيمشي أو بالمستنير أو بهما على سبيل التنازع أو الأول بالأول والثاني بالثاني أو بالعكس، وفيه تشبيه معقول بمحسوس على سبيل التمثيل لقصد الإيضاح.

[ 14 ]

(فعليكم بحسن التخلص) أي بحسن النجاة من الباطل (وقلة التربص) أي قلة الإنتظار والمكث عند الشبهات، لأن الشبهة مرض مهلك والفرار من المهلكات واجب، وإنما التربص الضروري هو قدر أن يحصل العلم بالحق، ويكفي فيه أدنى تفكر، وقد مر شرحه في آخر كتاب العقل. * الأصل: 3 - علي، عن أبيه، عن عبد الله بن المغيرة، عن سماعة بن مهران، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): (إن العزيز الجبار أنزل عليكم كتابه، وهو الصادق البار، فيه خبركم، وخبر من قبلكم، وخبر من بعدكم، وخبر السماء والأرض، ولو أتاكم من يخبركم عن ذلك لتعجبتم). * الشرح: قوله: (إن الله العزيز الجبار) أي الذي غلب على جميع الخلائق بالإيجاد والإفناء وجبر مفاقر العباد بكفاية أسباب المعاش والأرزاق، وأصلح نقائص حقائق الممكنات بإفاضة الوجود، وما يتبعه من الخيرات والكمالات (أنزل عليكم كتابه، وهو الصادق البار) لأنه صادق في جميع ما نطق به، ومتسع إحسانه إلى جميع الأنام، وسائق قائد لهم إلى دار السلام (فيه خبركم) خطاب للموجودين الحاضرين والغائبين على سبيل التغليب. (وخبر من قبلكم وخبر من بعدكم) يعني فيه أخبار كل واحد واحد وبيان أحواله المختص به والمشتركة بينهم، وبين جماعة من المصائب والنوائب، وما يصدر منه، وما يرد عليه، وما يتعلق به ويراد منه على الخصوص أو العموم. (وخبر السماء والأرض) يعني فيه خبر جوهر السماء وسكانها وحركات الأفلاك ودورآنها وأحوال الملائكة ومقاماتها وحركات الكواكب ومداراتها ومنافع تلك الحركات وتأثيراتها إلى غير ذلك من الأمور الكائنة في العلويات، وفيه خبر جوهر الأرض وكيفية إيجادها وانتهائها، وخبر ما في سطحها وأرجائها، وما في تحتها وأهوائها، وخبر ما فيها من المعدنيات، وما في جوف فلك القمر من البسائط والمركبات إلى غير ذلك من الأحوال المتعلقة بالسفليات. (ولو أتاكم من يخبركم عن ذلك) أي عما في القرآن من العلوم والحقائق والأسرار والدقائق، وما كان وما يكون وما هو كائن. (لتعجبتم منه) لسمو حاله وعلو كماله ونهاية لطافته وغاية غرابته، والحاصل أنكم متعجبون منه لو علمتم ما فيه، واحتمال أنكم تتعجبون ممن يخبر عما فيه فكيف لا تتعجبون منه مع أنه مخبر عنه أيضا بعيد، لأن التعجب بعد العلم لا يستلزم التعجب قبله فتأمل.

[ 15 ]

* الأصل: 4 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن أبي الجارود، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنا أول وافد على العزيز الجبار يوم القيامة وكتابه وأهل بيتي، ثم امتي، ثم أسألهم ما فعلتم بكتاب الله وبأهل بيتي). * الشرح: قوله: (ثم أسألهم ما فعلتم بكتاب الله وبأهل بيتي) هذا خبر وفي الحقيقة أمر بمتابعتهما، والتمسك بهما لئلا يضلوا، وقد روى أحمد بن حنبل في مسنده، عن أبي سعيد الخدري، ومسلم في صحيحه بإسناده إلى زيد بن أرقم عنه (صلى الله عليه وآله) مثله ذكرناه في كتاب الحجة. * الأصل: 5 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (إن هذا القرآن فيه منار الهدى ومصابيح الدجى، فليجل جال بصره ويفتح للضياء نظره فإن التفكر حياة قلب البصير، كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور). * الشرح: (إن هذا القرآن فيه منار الهدى ومصابيح الدجى) الإضافة الأولى لامية والثانية الظرفية، والدجى بالضم الظلمة وإطلاقها على الشبهة والبدعة من باب الإستعارة، كإطلاق للمنار والمصباح وهما محل النور والضوء، يعني العلم على ما في القرآن من الآيات التي أعظمها الأئمة عليهم السلام (فليجل جال.. اه) قد مر تفسيره قبيل ذلك. * الأصل: 6 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن أبي جميلة، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): (كان في وصية أمير المؤمنين (عليه السلام) أصحابه: اعلموا أن القرآن هدى النهار ونور الليل المظلم على ما كان من جهد وفاته). * الشرح: قوله: (إن القرآن هدى النهار ونور الليل المظلم على ما كان من جهد وفاقة) كان تامة والجهد المشقة والفاقة الفقر والحاجة، والظاهر أن على متعلق بهدى ونور، وبمعنى في للظرفية كما في قوله تعالى * (ودخل المدينة على حين غفلة) * يعني أن القرآن هدى للمؤمنين في النهار ونور لهم في الليل المظلم في حال شدة ومشقة من التباس الفتن وتوارد الشبهات، إذ يهديهم إلى الحق وسلوك سبيله، وفي حال الفقر والفاقة إذ يحملهم على الصبر لجزيل الأجر، أو يدفعها عنهم بالخاصية أو

[ 16 ]

بعض الآيات والسور الموجبة لزيادة الرزق، وفيه حث على إلتزام قراءته والتذكر فيه في الليل والنهار بذكر فائدتين أحديهما: للأخروية، والاخرى للدنيوية، هذا ما خطر بالبال، والله أعلم. * الأصل: 7 - علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله، عن آبائه (عليه السلام)، قال: (شكا رجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وجعا في صدره، فقال (صلى الله عليه وآله): استشف بالقرآن، فإن الله عزوجل يقول الصدور) *). * الشرح: قوله: (استشف بالقرآن) أي بقراءته مطلقا، أو على قصد الشفا، وإطلاق القرآن يقتضي أن كل آية وكل سورة شفاء، وقد روي الإستشفاء ببعض الآيات وبعض السور في خصوص بعض الأمراض، والحمد مجرب للجميع خصوصا سبعين مرة (إن الله عز وجل) يقول في وصف القرآن: * (وشفاء لما في الصدور) * عمومه شامل لجميع الأمراض الصدرية من الأوجاع والأحزان والهموم والجهالات وغيرها ولا وجه لتخصيصها بالجهل. * الأصل: 8 - أبو علي الاشعري، عن بعض أصحابه، عن الخشاب، رفعه، قال: قال أبو - عبد الله (عليه السلام): لا والله لا يرجع الأمر والخلافة إلى آل أبي بكر وعمر أبدا، ولا إلى بني امية أبدا ولا في ولد طلحة والزبير أبدا، وذلك أنهم نبذوا القرآن، وأبطلوا السنن، وعطلوا الأحكام، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): القرآن هدى من الضلالة، وتبيان من العمى، واستقالة من العثرة، ونور من الظلمة، وضياء من الأحداث، وعصمة من الهلكة، ورشد من الغواية، وبيان من الفتن، وبلاغ من الدنيا إلى الآخرة، وفيه كمال دينكم وما عدل أحد عن القرآن إلا إلى النار). * الشرح: قوله: (لا والله لا يرجع الأمر والخلافة إلى آل أبي بكر وعمر أبدا.. اه) أشار (عليه السلام) إلى أن أمر الإمامة والخلافة التي هي الرئاسة العظمى، إنما يرجع إلى من علم القرآن ظاهره وباطنه وعمل به وهو علي (عليه السلام) وأهل العصمة من أولاده، لا إلى المذكورين أولادهم الجاهلين بالقرآن، النابذين له وراء ظهورهم، المعطلين لأحكامه وحدوده، التابعين لأهواء نفوسهم الأمارة، الضالين المضلين، وذلك ظاهر، لأن خليفة النبي (صلى الله عليه وآله) يجب أن يكون مثله عالما بالقرآن عاملا به، ليكون مرجعا للخلائق في جميع ما يحتاجون إليه. (القرآن هدى من الضلالة) " من " هنا إما لابتداء الغاية، أو بمعنى في كما في قوله تعالى: * (إذا

[ 17 ]

نودي للصلاة من يوم الجمعة) * يعني أن القرآن يهدي من الضلالة، أو فيها إلى الحق ويبين سبيله (وتبيان من العمى) التبيان الكشف والإيضاح، والعمى الضلالة والجهالة، يعني أن القرآن يكشف الحق من الجهل ويوضحه. (واستقالة من العثرة) العثرة العثار من المشي والسقوط على الوجه، واستعيرت هنا للسقوط في الذنوب، والمراد بالإستقالة طلب التجاوز عنها من الإستقالة في البيع، وهي طلب فسخه ورفع عقده، والمداومة على القرآن سبب للحفظ عنها ورفع ما وقع منها. (ونور من الظلمة) يدفع ظلمة الشبهة والجهالة عمن تمسك به (وضياء من الأحداث) جمع الحدث، وهو الأمر المنكر الذي ليس بمعروف في السنة، يعني أنه ضياء يعرف به المعروف من المنكر ويفرق بينهما. (وعصمة من الهلكة) لأنه يبين ما يوجب الهلاك والعقاب ويحفظ صاحبه منه (ورشد من الغواية) الغواية الضلال والإنهماك في الباطل، والرشد خلافها، يعني أنه يرشد الخلائق إلى الحق والصواب وسبيل الهداية ويزجرهم عن الباطل والغي وسلوك سبيل الغواية. (وبيان من الفتن) يظهر المقصود بابلغ وجه ويميزه من الفتن وهي كل ما يصرف عنه (وبلاغ من الدنيا والآخرة) البلاغ الإيصال أي موصل من الدنيا بالمنع من الركون إليها والرغبة فيها إلى أمر الآخرة والحث على ما يوجب رفع الدرجة فيها. (وفيه كمال دينكم) أي ما يوجب كماله ومنه ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام)، كما روي في تفسير قوله تعالى: * (اليوم أكملت لكم دينكم) * أنه أكمله بولايته (عليه السلام). (وما عدل عن القرآن أحد إلا إلى النار) العدول عنه يشمل إنكاره، وانكار بعضه كإنكار مخالفينا ولاية علي (عليه السلام)، وترك العمل بما فيه، فإن كل ذلك ذنب عظيم يوجب الدخول في النار. * الأصل: 9 - حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد، عن وهيب بن حفص، عن أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (إن القرآن زاجر وآمر يأمر بالجنة ويزجر عن النار). * الشرح: قوله: (يأمر بالجنة ويزجر عن النار) أي يأمر بما يوجب الدخول في الجنة، ويزجر عما يوجب الدخول في النار، وهذا في المعنى أمر بالإمتثال بأمره ونهيه والمداومة عليه. * الأصل: 10 - علي بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن سعد الاسكاف قال: قال

[ 18 ]

رسول الله (صلى الله عليه وآله): (اعطيت السور الطوال مكان التوراة، واعطيت المئين مكان الإنجيل، واعطيت المثاني مكان الزبور، وفضلت بالمفصل ثمان وستون سورة، وهو مهيمن على سائر الكتب، فالتوارة لموسى، والإنجيل لعيسى، والزبور لداود (عليهم السلام)). * الشرح: قوله: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أعطيت السور الطوال مكان التوراة، وأعطيت المئين مكان الإنجيل، وأعطيت المثاني مكان الزبور، وفضلت بالمفصل ثمان وستون سورة) في مجمع البيان الطوال: جمع " طولى " تأنيث " الأطول ". وهي سبع سور: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والأنفال مع التوبة، لأنهما تدعيان القرينتين، ولذلك لم يفصل بينهما ببسم الله الرحمن الرحيم، وقيل: السابعة سورة يونس، وإنما سميت هذه السور الطوال لأنهما أطول سور القرآن، والمثاني قيل: هي جمع مثنى كمعنى ومعاني، وقال الفراء: جمع مثناة، وهي أيضا سبع سور: سورة يونس، وهود ويوسف والرعد وإبراهيم والحجر والنحل وإنما سميت مثاني لأنها تثنت الطول، أي تلتها فكان الطول المبادي، والمثاني لها ثواني، وقيل المثاني: سور القرآن طوالها وقصارها من قوله تعالى: * (كتابا متشابها مثاني) * ووجه التسمية أنها يثنى فيه الحدود والأمثال، وقيل هي سورة الحمد، وهو المروي عن الأئمة (عليهم السلام) سميت بذلك لأنها تثنى في كل صلاة وكل سورة تكون مائة آية أو فويق ذلك أو دوينه، وهي أيضا سبع سور بني إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء والحج والمؤمنون. وقيل: المئون ما ولى السبع الطول والمثاني بعدها، وهي التي يقصر من المئين وتزيد عن المفصل سميت مثاني لأن المئين مبادئها وهي مثانيها، والمفصل ما بعد الحواميم إلى آخر القرآن، وهو ثمان وستون سورة طواله من سور محمد (صلى الله عليه وآله) إلى النبأ، ومتوسطاته منه إلى الضحى، وقصاره منه إلى آخر القرآن وسمي مفصلا لكثرة الفصول ببسم الله الرحمن الرحيم. وفي النهاية السابعة من الطول، وهي التوبة ولم يذكر الأنفال لا إنفرادا ولا إنضماما معها. وفي القاموس المثاني القرآن أو ما ثني به منه مرة بعد مرة أو الحمد أو البقرة إلى براءة أو كل سورة دون الطول ودون المئين وفوق المفصل أو سورة الحج والنمل والقصص والعنكبوت من النور والأنفال ومريم والروم ويس والفرقان والحجر والرعد وسبأ والملائكة وإبراهيم وص ومحمد (صلى الله عليه وآله) ولقمان والغرف والزخرف والمؤمن والسجدة والأحقاف والجاثية والدخان والأحزاب. أقول: في قوله من قال إن المثاني بعد المئين ؟ وأقصر منها نظر لأنه إن أراد أنها أقصر بحسب

[ 19 ]

الآية ورد عليه أن سورة يونس أقل بحسب الآية من بني إسرائيل والكهف والأنبياء والمؤمنون وهود والنحل أقل بحسبها من المؤمنون وسورة يوسف بحسبها مساو لبني إسرائيل والكهف والأنبياء وأقل من المؤمنون، وإن أريد أنها أقل بحسب الكتابة، ورد عليه أن سورة الرعد والحجر أكثر بحسب الكتابة من بني إسرائيل إلى آخر المثاني وهو المؤمنون، وسورة إبراهيم أقل بحسبها من سورة الأنبياء والحج والمؤمنون. (وهو مهيمن على سائر الكتب) أي شاهد عليها ولولا شهادته لما علم أنها كتب سماوية لعدم بلوغها حد الإعجاز. * الأصل: 11 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن سالم، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (يجيئ القرآن يوم القيامة في أحسن منظور إليه صورة، فيمر بالمسلمين فيقولون: هذا الرجل منا فيجاوزهم إلى النبيين، فيقولون: هو منا فيجاوزهم إلى الملائكة المقربين، فيقولون: هو منا حتى ينتهى إلى رب العزة عزوجل فيقول: يا رب فلان بن فلان أظمأت هواجره وأسهرت ليله في دار الدنيا، وفلان بن فلان لم أظمأ هواجره، ولم أسهر ليله، فيقول تبارك وتعالى: أدخلهم الجنة على منازلهم، فيقول فيتبعونه فيقول للمؤمن: إقرأ وارقه، قال: فيقرء ويرقى حتى يبلغ كل رجل منهم منزلته التي هي له فينزلها. * الشرح: قوله: (اظمأت هواجره وأسهر ليله في دار الدنيا) الهواجر جمع الهاجرة، وهي نصف النهار عند أشتداد الحر أو من زوال الشمس إلى العصر سمي بذلك لأن الناس يهاجرون فيه من شدة الحر ويستكنون في بيوتهم، وإسناد الإظماء والإسهار إلى القرآن إسناد مجازي، لكونه سببا لهما وكذا تعلقهما بالهواجر، والليل تعلق مجازي لكونهما ظرفا لهما. (وفلان ابن فلان لم اظمأ هواجره ولا أسهر ليله) قيل: هذا مجاز عقلي بالإتفاق، ولا يصدق عليه تعريفه لأنه إسناد الشئ إلى غير ما هو له وإيقاعه على غير ما حقه أن يوقع عليه وفيه نفي الإسناد ونفي التعلق، وأجيب بأن المتصف بالتجوز هو الإسناد والتعلق بحسب الذات مع قطع النظر عن النفي والإثبات، فكما أنهما متصفان بالتجوز في حال الإثبات كذلك متصفان به في حال النفي، (فيقول للمؤمن:) الذي عمل به في الليل والنهار (اقرأ وارقه) رقى إليه كرضى صعد كارتقى وترقى، والهاء للوقف (قال: فيقرأ ويرقى) أي يقرأ آية ويصعد درجة فوق الأولى وهكذا.

[ 20 ]

(حتى يبلغ كل رجل منهم منزلته التي هي له فينزلها) الفعلان وهما يبلغ وينزل، إما من البلوغ والنزول، أو من الإبلاغ والإنزال، وكل رجل على الأول فاعل، وعلى الثاني مفعول. * الأصل: 12 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، وعدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد وسهل بن زياد، جميعا، عن ابن محبوب، عن مالك بن عطية، عن يونس بن عمار، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): (إن الدواوين يوم القيامة ثلاثة: ديوان فيه النعم وديوان فيه الحسنات وديوان فيه السيئات، فيقابل بين ديوان النعم وديوان الحسنات، فتستغرق النعم عامة الحسنات، ويبقى ديوان السيئات فيدعى بابن آدم المؤمن للحساب فيتقدم القرآن أمامه في أحسن صورة، فيقول: يا رب أنا القرآن، وهذا عبدك المؤمن قد كان يتعب نفسه بتلاوتي، ويطيل ليلة بترتيلي، وتفيض عيناه إذ تهجد، فأرضه كما أرضاني، قال: يقول العزيز الجبار: عبدي ابسط يمينك فيملأها من رضوان الله العزيز الجبار، ويملأ شماله من رحمة الله، ثم يقال: هذه الجنة مباحة لك، فأقرأ واصعد، فإذا قرأ آية صعد درجة). * الشرح: قوله: (إن الدواوين يوم القيامة ثلاثة) في مصباح اللغة الديوان جريدة الحساب، ثم أطلق على موضع الحساب، وهو معرب، والأصل دوان فابدل من أحد المضعفين ياء للتخفيف، ولهذا يرد في الجمع إلى أصله دواوين وبالتصغير دويوين لأن التصغير وجمع التكسير يردان الأسماء إلى أصولها، ودونت الديوان أي وضعته وجمعته. (فتستغرق النعم عامة الحسنات) أي جميعها، وفي لفظ الإستغراق إيماء إلى أنه يبقى بعض النعم، بل أكثرها بلا مقابل له من الحسنات أي جميعها. (ويطيل ليله بترتيلي) في الصحاح الترتيل في القراءة الترسل والتبيين بغير بغي وكلام رتل بالتحريك أي مرتل، وفي القاموس الرتل محركة حسن تناسق الشئ، والحسن من الكلام، والطيب من كل شئ، ورتل الكلام ترتيلا أحسن تأليفه، وترتل فيه ترسل. وفي النهاية الترتيل الجودة، وتبيين الحروف بحيث يتمكن السامع عندها، وقال بعض الأصحاب: هو حفظ الوقوف وأداء الحروف أي كمال أدائها. والإطالة كناية عن السهر وترك النوم، لأن الليل عند الساهر طويل. (وتفيض عيناه إذا تهجد) التهجد النوم في الليل، والإستيقاظ فيه ضد والمراد هنا هو الثاني. (فأرضه كما أرضاني.. إلى آخره) تلاوته وترتيله من جملة الحسنات التي قوبلت بالنعماء لكن شفاعته المقبولة سبب للنجاة

[ 21 ]

وعلو الدرجات ورفع السيئات، ولعل بسط اليمين وملؤها من الرضوان، ومل ء الشمال من الرحمة من باب التمثيل لأن كل من أخذ شيئا من غيره أخذه بيمينه وشماله. * الأصل: 13 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، وعلي بن محمد القاساني، جميعا، عن القاسم بن محمد، عن سليمان بن داود، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، قال: قال علي بن الحسين (عليهما السلام): (لو مات من بين المشرق والمغرب لما استوحشت بعد أن يكون القرآن معي). وكان (عليه السلام) إذا قرأ * (مالك يوم الدين) * يكررها حتى كاد أن يموت. * الشرح: قوله: (لو مات من بين المشرق والمغرب ما استوحشت بعد أن يكون القرآن معي) أراد أن من كان معه القرآن بالتلاوة والتدبر في آياته والتفكر فيما فيه من أسراره وأحكامه وقصصه وحكاياته لا يستوحش من الوحدة ولا يهتم بالإنقطاع عن الخلق، والظاهر أن المراد بالموت المعنى المعروف مع إحتمال أن يراد به إنقطاع الخلق كلهم عنه إذ فيه موت نفوسهم بالضلالة والجهالة. (وكان إذا قرأ * (مالك يوم الدين) * يكررها حتى كاد أن يموت) خوفا من ملاحظة عظمة المالك وكمال كبريائه وجبروته ومشاهدة شدائد ذلك اليوم وأهواله وأحوال الخلائق فيه. * الأصل: 14 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن إسحاق بن غالب، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): (إذا جمع الله عزوجل الأولين والآخرين إذا هم بشخص قد أقبل لم يرقط أحسن صورة منه، فإذا نظر إليه المؤمنون وهو القرآن قالوا: هذا منا هذا أحسن شئ رأينا، فإذا انتهى إليهم جازهم، ثم ينظر إليه الشهداء، حتى إذا انتهى إلى آخرهم جازهم، فيقولون: هذا القرآن فيجوزهم كلهم حتى إذا انتهى إلى المرسلين، فيقولون: هذا القرآن، فيجوزهم حتى ينتهي إلى الملائكة فيقولون: هذا القرآن فيجوزهم ثم ينتهي حتى يقف عن يمين العرش فيقول الجبار: وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لاكرمن اليوم من أكرمك، ولاهينن من أهانك). * الشرح: قوله: (ثم ينظر إليه الشهداء حتى إذا انتهى إلى آخرهم.. اه) هذا لا ينافي ما دل عليه الخبر الأول من أنهم لا يعرفونه، وأنهم يقولون هذا منا، لوجهين: الأول أنهم لم يعرفوه في بادي النظر، فقالوا ذلك ثم بعد التفكر أو الإلهام عرفوه، وقالوا: هو القرآن، ومثل ذلك كثير شائع. والثاني أن القائل بعضهم والقائل الثاني بعض آخر، وبالجملة لا منافاة عند مغايرة الوقتين أو مغايرة القائلين.

[ 22 ]

باب فضل حامل القرآن 1 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن أبي الحسين الفارسي، عن سليمان بن الجعفر الجعفري، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (إن أهل القرآن في أعلى درجة من الادميين ما خلال النبيين والمرسلين فلا تستضعفوا أهل القرآن حقوقهم، فإن لهم من الله العزيز الجبار لمكانا [ عليا ]). * الشرح: قوله: (إن أهل القرآن في أعلى درجة من الآدميين) المراد به من تعلمه وحفظه وواظب على تلاوته والعمل بما فيه، فإن كل ذلك يصدق عليه أن من أهل القرآن بل صدقه على العامل أولى من صدقه على القارئ، لأن العمل هو المقصود بالذات، والقراءة تابعة وصدقة على القارئ العامل أولى من صدقه على أحدهما. * الأصل: 2 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، وسهل بن زياد، جميعا، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن الفضيل بن يسار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (الحافظ للقرآن العامل به مع السفرة الكرام البررة). * الشرح: قوله: (الحافظ للقرآن العامل به مع السفرة الكرام البررة) من طريق العامة " مثل الماهر بالقرآن مثل السفرة " في النهاية هم الملائكة جمع سافر، والسافر في الأصل الكاتب سمي به لأنه يبين الشئ يوضحه، قوله تعالى: * (بأيدي سفرة كرام بررة) * وفي كتاب إكمال الإكمال لشرح مسلم هو الملائكة سموا بذلك لنزولهم بما يقع به الصلاح بين الناس تشبيها بالسفير، وهو الذي يصلح بين الرجلين، وقيل: لأنهم يسفرون بين الله تعالى وأنبيائه عليهم السلام بالوحي، وقيل: هم الكتبة من الملائكة، لأنهم ينتسخون الكتب من اللوح المحفوظ، وقيل: هم الأنبياء، لأنهم سفراء بينه تعالى وبين عباده. والمراد بكونهم كراما أنهم أعزاء على الله تعالى أو متعطفون على المؤمنين، مستغفرون لهم. وبكونهم بررة أنهم مطيعون له تعالى، فاعلون للخيرات، منزهون عن النقائص والسيئات. والظاهر أن المراد بكونه الحافظ للقرآن معهم أنه معهم في درجتهم ومنازلهم في الآخرة ورفيق لهم فيها لاتصافه بصفتهم في جملة كتاب الله عز وجل، وقيل: المراد أنه عامل بعملهم كما يقال: فلان مع

[ 23 ]

بني فلان، أي في الرأي والمذهب، كما قال لوط (عليه السلام): * (ونجني ومن معي) *.. الآية. * الأصل: 3 - وبإسناده، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): تعلموا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة صاحبه في صورة شاب جميل شاحب اللون، فيقول له القرآن: أنا الذي كنت أسهرت ليلك، وأظمأت هواجرك، وأجففت ريقك، وأسلت دمعتك أؤول معك حيثما الت، وكل تاجر من وراء تجارته، وأنا اليوم لك من وراء تجارة كل تاجر، وسيأتيك كرامة [ من ] الله عزوجل فأبشر، فيؤتى بتاج فيوضع على رأسه، ويعطى الأمان بيمينه، والخلد في الجنان بيساره، ويكسى حلتين، ثم يقال له: إقرأ وارق، فكلما قرأ آية صعد درجة ويكسى أبواه حلتين إن كانا مؤمنين، ثم يقال لهما: هذا لما علمتماه القرآن). * الشرح: قوله: (وكل تاجر من وراء تجارته) يطلب ربحها لنفسه بنفسه في هذا اليوم وهو حاجته (وأنا لك اليوم من وراء تجارة كل تاجر) أطلب لك كل ربح يطلبه كل تاجر من تجارته، هذا محض الإحتمال، والله أعلم بحقيقة الحال. (فيؤتى بتاج ويوضع على رأسه) التاج الأكليل، وهو ما يصاغ للملوك، ويرصع بالجواهر والجمع تيجان، والياء في الأصل واو. (ويعطى الأمان) من العذاب والخذلان (بيمينه والخلد في الجنان بيساره) أي يعطى كتاب الأمان والخلد أو يعطى الأمان والخلد في ملكته فاستعار اليمين والشمال لأن الأخذ والقبض بهما. (ويكسى أبواه حلتين إن كانا مؤمنين) وقد يخفف العذاب عنهما إن كانا كافرين، كما يشعر به كلام بعض الأكابر. (ويقال: هذا لما علمتماه القرآن) الظاهر أن " ما " مصدرية والقرآن مفعول ثان للتعليم، قال بعض المفسرين: إذا قال الولد عند التعلم: * (بسم الله الرحمن الرحيم) *، وكان أبواه معذبين رفع الله تعالى عنهم العذاب ببركة تعلم الولد. * الأصل: 4 - ابن محبوب، عن مالك بن عطية، عن منهال القصاب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (من قرأ القرآن وهو شاب مؤمن اختلط القرآن بلحمه ودمه، وجعله الله عزوجل مع السفرة الكرام البررة، وكان القرآن حجيزا عنه يوم القيامة، يقول: يا رب إن كل عامل قد أصاب أجر عمله غيره عاملي فبلغ به أكرم عطاياك، قال: فيكسوه الله العزيز الجبار حلتين من حلل الجنة، ويوضع على رأسه

[ 24 ]

تاج الكرامة، ثم يقال له: هل أرضيناك فيه ؟ فيقول القرآن: يا رب قد كنت أرغب له فيما هو أفضل من هذا، فيعطى الأمن بيمينه، والخلد بيساره، ثم يدخل الجنة، فيقال له: اقرأ واصعد درجة، ثم يقال له: هل بلغنا به وأرضيناك ؟ فيقول: نعم. قال: ومن قرأ كثيرا وتعاهده بمشقة من شدة حفظه أعطاه الله عزوجل أجر هذا مرتين). * الشرح: قوله: (من قرأ القرآن وهو شاب مؤمن) لعل المراد أن تكون القراءة دأبه وعادته، وأن تكون من باب التفهم والتدبر، لا مجرد المرة ولا مجرد النطق مع إحتماله. (اختلط القرآن بلحمه ودمه) يعني يؤثر في ظاهره وباطنه، ويوجب استقامة أعضائه، وقلبه وجوارحه، وتستقر فيها المواعظ الربانية والنصائح القرآنية استقرارا تاما، لعدم اعوجاجها بالمعاصي المانعة من قبول الحق بعد، ومن ثم اشتهر أن التعلم في الصغر كالنقش في الحجر. (وكان القرآن حجيزا عنه يوم القيامة) أي كان مانعا يمنع عنه ذلك اليوم أهواله ومكارهه، وحذف المفعول للدلالة على التعميم. (قال: ومن قرأ كثيرا وتعاهده بمشقة من شدة حفظه أعطاه الله عز وجل أجر هذا مرتين) هذا الحديث متفق عليه بين الخاصة والعامة، روى مسلم بإسناده عن عائشة، قالت: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه، وهو عليه شاق له أجران " وفي رواية أخرى " والذي يقرؤه وهو يشتد عليه له أجران " قيل: المراد بالتتعتع التردد فيه لقلة حفظه، والأجران أحدهما في قراءة حروفه والآخر في تعبه ومشقته، وليس المراد أنه أكثر أجرا من الماهر، بل الماهر أكثر أجرا لأنه مع السفرة عليهم السلام وله أجور كثيرة وكيف يلتحق من لم يعتن بكتاب الله بمن اعتنى به حتى مهر فيه، وقيل: أحد الأجرين تعاهد المشقة في تعلمه والآخر تعاهدها من شدة حفظه ورجحه على الأول بأن به يظهر الفرق بينه وبين من لم يكن له مشقة لا بالأول إذ لكل قارئ أجران أحدهما للتعلم والحفظ، وإن لم يكن فيهما مشقة والآخر لأجل القراءة. أقول: ظاهر رواياتنا وروايتهم هو الأول. * الأصل: 5 - أبو علي الأشعري، عن الحسن بن علي بن عبد الله، وحميد بن زياد، عن الخشاب، جميعا عن الحسن بن علي بن يوسف، عن معاذ بن ثابت، عن عمرو بن جميع، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن أحق الناس بالتخشع في السر والعلانية لحامل القرآن، وإن أحق الناس في

[ 25 ]

السر والعلانية بالصلاة والصوم لحامل القرآن، ثم نادى بأعلى صوته: يا حامل القرآن تواضع به يرفعك الله، ولا تعززبه فيذلك الله، يا حامل القرآن تزين به لله يزينك الله [ به ]، ولا تزين به للناس فيشينك الله به، من ختم القرآن فكأنما أدرجت النبوة بين جنبيه ولكنه لا يوحى إليه، ومن جمع القرآن فنوله لا يجهل مع من يجهل عليه، ولا يغضب فيمن يغضب عليه، ولا يحد فيمن يحد، ولكنه يعفو ويصفح، ويغفر، ويحلم لتعظيم القرآن، ومن اوتي القران فظن أن أحدا من الناس اوتي أفضل مما اوتي، فقد عظم ما حقر الله وحقر ما عظم الله). * الشرح: قوله: (إن أحق الناس بالتخشع في السر والعلانية) أي في الباطن بتقويم النفس بالأخلاق الفاضلة والعقائد الحقة الراسخة، وفي الظاهر بتسديد الجوارح والأعضاء بالأعمال الفاضلة، والأفعال الكاملة. (لحامل القرآن) المراد به القارئ العالم المتدبر فيه، العامل به، ويرشد إلى ذلك قوله تعالى: * (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون) *. (وإن أحق الناس في السر والعلانية) لعل المراد بهما هنا حالة الإنفراد والإجتماع (بالصلاة والصوم) وغيرهما من العبادات. (لحامل القرآن) أذله مرتبة المراقبة بالعبادات والمحافظة عليها والأمر بها والنهي من ضياعها لما شاهد فيه من الوعد والوعيد، والأمر والتهديد، ودرجات المطيعين، ودركات الفاسقين، وعقوبات العاصين (يا حامل القرآن تواضع به) أي بسبب القرآن وحمله لله تعالى ولرسوله وللمؤمنين. (يرفعك الله) في الدنيا والآخرة فتكون من المقربين (ولا تغزز به) عند الخلائق (فيذلك الله) فيهما فتكون من الهالكين. (يا حامل القرآن تزين به) أي بالقرآن وترتيله وجواهر أسراره وحلل حقائقه ولطائف رقائقه (يزينك الله) بحلل الجنان وكرائم الإحسان، أو يمدحك في أعلى عليين وزمرة المقربين وفي الكنز زين آراستن ومدح كردن. (ولا تزين به للناس) طلبا للعزة والتقرب والمدح والإحسان منهم (فيشينك الله به) أي يعيبك الله به عند الصالحين، ويقبحك عند إكرام الحاملين العاملين لله، وفي الكنز شين عيب كردن. (ومن ختم القرآن فكأنما أدرجت النبوة في جنبيه) يعني في قلبه، لأن آثار النبوة وهي كل ما أوحى الله إلى النبي (صلى الله عليه وآله) دخل في قلبه تفصيلا وإجمالا فوقع التشابه. (لكنه لا يوحى إليه) كما أوحى إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فحصل به التميز والتفارق، ثم أشار إلى بعض

[ 26 ]

خواص حامل القرآن وصفاته التي ينبغي أن يكون عليها بقوله: (ومن جمع القرآن) قراءة وعلما وعملا به (فنوله لا يجهل مع من يجهل عليه) بالإستخفاف والإستهزاء، والتجبر، والتكبر، والغلظة في القول، والمعاشرة، وترك الحقوق، وأمثال ذلك، بل شأنه الملاينة والمداراة عملا بقوله تعالى: * (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا: سلاما) * والنول بالفتح الحظ والنصيب وما ينبغي (ولا يغصب فيمن يغصب عليه ولا يحد فيمن يحد) " في " في الموضعين بمعنى مع أو على، و " يحد " في بعض النسخ بالحاء المهملة والدال المشددة من الحدة بالكسر وهي الطيش والنزق والوثوب والخفة عند الغضب، وفي بعضها بالجيم والدال المخففة من الوجد وهو الغضب، ويقال: وجد عليه يجد وجدا وجدة وموجدة إذا غضب، ولعل المراد بقوله: " لا يغضب " زجر عن إجراء أحكامه صونا للكلام عن التكرار. والله أعلم. * الأصل: 6 - أبو علي الأشعري، عن الحسن بن علي بن عبد الله، عن عبيس بن هشام قال: حدثنا صالح القماط، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (الناس أربعة، فقلت: جعلت فداك وما هم ؟ فقال: رجل اوتي الإيمان ولم يؤت القرآن، ورجل اوتي القرآن ولم يؤت الإيمان، ورجل اوتي القرآن واوتي الإيمان، ورجل لم يؤت القرآن ولا الإيمان. قال: قلت: جعلت فداك فسر لي حالهم، فقال: أما الذي اوتي الإيمان ولم يؤت القرآن فمثله كمثل التمرة طعمها حلو ولا ريح لها، وأما الذي اوتي القرآن ولم يؤت الإيمان فمثله كمثل الاس ريحها طيب وطعمها مر، وأما من اوتي القرآن والإيمان فمثله كمثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب، وأما الذي لم يؤت القرآن ولا الإيمان فمثله كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها). * الشرح: قوله: (قال الناس أربعة) التأنيث بإعتبار الجامعة، أو المراد أربعة أصناف (فقلت: جعلت فداك وما هم ؟) سأل عن صفاتهم وخواصهم التي يتميز بها كل صنف عن الآخر. (فقال: رجل أوتي الإيمان ولم يؤت القرآن) أريد بالإيمان التصديق بالله ورسوله وبما جاء به الرسول، وعدم إتيان القرآن شامل لعدم قدرته على قراءته وعدم قراءته مع القدرة عليها، وعدم اتخاذ قراءته دأبا وعادة. (ورجل اوتي القرآن ولم يؤت الإيمان) كالمنافق الذي يقرأ القرآن. (ورجل أوتي القرآن وأوتي الإيمان) وهو المؤمن الذي يقرأ القرآن ويتخذ القراءة دأبا وعادة. (ورجل لم يؤت القرآن ولا الإيمان) كالمنافق الذي لا يقرأ القرآن. (قال: قلت: جعلت فداك فسر لي حالهم ؟) سأل بعد معرفتهم بالصفات المذكورة عن تفسير

[ 27 ]

حالهم بمثال جزئي طلبا لزيادة الإنكشاف. (فقال: أما الذي أوتي الإيمان ولم يؤت القرآن فمثله كمثل التمرة طعمها حلو ولا ريح لها) لعل المراد أنه لا ريح لها ريح فائق مشتهي، وإلا فللتمرة ريح في الجملة. (وأما الذي اوتي القرآن ولم يؤت الإيمان فمثله كمثل الاس ريحها طيب وطعمها مر) الاس شجر معروف واحدتها آسة. (وأما من اوتي القرآن والإيمان فمثله كمثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب) الاترج بضم الهمزة والراء بينهما تاء مثناء ساكنة وآخرها جيم ثقيلة، وقد تخفف ويزاد قبلها نون ساكنة ويقال بحذف الألف مع الوجهين. (وأما الذي لم يؤت الإيمان ولا القرآن فمثله كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها) مثل هذا الحديث موجود في كتب العامة روى مسلم بإسناده عن أنس عن أبي موسى الأشعري: قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس فيها ريح وطعمها مر " قال صاحب كتاب إكمال الإكمال: وجه التشبيه في التمثيل بالأترجة مجموع الأمرين طيب الطعم وطيب الرائحة لا أحدهما على التفريق، كما في بيت امرئ القيس: كان قلوب الطير رطبا ويابسا * لدى وكرها العناب والحشف البالي ولما كان طيب الطعم وطيب الرائحة في النفس المؤمنة عقليان، وكانت الأمور العقلية لا تبرز عن موصوفها ألا بتصويرها بصورة المحسوس المشاهد شبه (عليه السلام) بالأترجة الموجود فيها ذلك حسا تقريبا للفهم والإدراك، فطيب الطعم في النفس المؤمنة الإيمان، لأنه ثابت في النفس هي به طيبة باطنا كثبوته في الأترجة، وطيب الرائحة فيها يرجع إلى قراءته القرآن لأن القراءة قد يتعدى نفعها بالغير فينتفع بها المستمع كما أن طيب رائحة الأترجة يتعدى وينتفع بها المستروح أي الشام، بقي أن يقال لم خص التمثيل بما يخرج من الشجر من الثمار، ثم خص الأترجة دون غيرها مع وجود الأمرين في غيرها كالتفاحة ؟ فيقال: في الجواب عن الأول خص الثمار للشبه الذي بينها وبين الأعمال لأن الأعمال ثمار النفوس، ويقال: في الجواب عن الثاني أما لأن وجود الأمرين في الأترجة أظهر، وأما لبقائها وعدم سرعة تغيرها، وأما لأن الجن لا يقرب البيت الذي فيه الأترجة فناسب أن يمثل به القرآن الذي لا يقر به الشياطين، وأما لأن غلاف حبها أبيض فناسب قلب المؤمن، وأما لأنها أفضل الثمار كما أن المؤمن أفضل الإنسان ووجه كونها أفضل الثمار أنها جامعة

[ 28 ]

للصفات المطلوبة قبل الأكل وبعده وأنها في ذاته تنقسم على الطبائع، أما قبل الأكل فكبير الجرم وحسن المنظر صفراء فاقع لونها تسر الناظرين، وطيب الريح، ولين اللمس اشتركت فيه الحواس الأربع: البصر، والذوق، والشم، وأما بعد الأكل فالالتذاذ بذوقها وطيب النكهة، ودباغ المعدة قوة الهضم، وأما انقسامها على الطبائع فقشرها حار يابس، ولحمها حار رطب، وحامضها بارد يابس، وبزرها حار مجفف، مع ما فيها من المنافع التي يذكرها الأطباء في المفردات، ثم قيل: خص صفة الإيمان بالطعم وصفة التلاوة بالريح، لأن الإيمان ألزم للمؤمن من القرآن إذ يمكن حصول الإيمان بدون القراءة، وكذلك الطعم ألزم للجوهر من الريح، فقد يذهب الريح من الجوهر ويبقى طعمه. * الأصل: 7 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، وعلي بن محمد القاساني، جميعا، عن القاسم بن محمد، عن سليمان بن داود، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري قال: قلت لعلي بن الحسين (عليهما السلام) أي الأعمال أفضل ؟ قال: (الحال المرتحل.) قلت: وما الحال المرتحل ؟ قال: (فتح القرآن وختمه، كلما جاء بأوله ارتحل في آخره وقال: قال رسول الله 9: من أعطاه الله القرآن فرأى أن رجلا اعطي أفضل مما اعطي فقد صغر عظيما وعظم صغيرا). * الشرح: قوله: (قال قلت لعلي بن الحسين (عليهما السلام) أي الأعمال أفضل ؟ قال: الحال المرتحل قلت: وما الحال المرتحل ؟ قال: فتح القرآن وختمه) هذا مجمل فسره بقوله: (كلما جاء بأوله ارتحل في آخره). الحال بشد اللام النازل من حل المكان إذا نزل به والمرتحل بكسر الحاء المنتقل والإرتحال الإنتقال، وكان آخره ظرف للإنتقال منه إلى أوله ولو كانت " في " بمعنى " من " لكان أظهر، ومثل هذا الحديث موجود في كتب العامة قال ابن الأثير: (هو الذي يختم القراءة بتلاوته، ثم يفتتح التلاوة من أوله شبهه بالمسافر يبلغ المنزل فيحل فيه، ثم يفتح سيره) أي يبتدء به ولذلك قراء مكة إذا ختموا القرآن بالتلاوة ابتدأوا وقرأوا الفاتحة وخمس آيات من أول سورة البقرة إلى قوله * (هم المفلحون) * ثم يقطعون القراءة ويسمون فاعل ذلك الحال المرتحل، أي أنه ختم القرآن وابتدأ بأوله ولم يفصل بينهما بزمان. * الأصل: 8 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن عيسى، عن سليمان بن رشيد، عن أبيه، عن معاوية بن عمار قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): (من قرأ القرآن فهو غني ولا فقر بعده وإلا ما به غنى).

[ 29 ]

* الشرح: قوله: (من قرأ القرآن فهو غني لا فقر بعده وإلا ما به غنى) لعل المراد من قرأ القرآن ودارسه فهو غني عن غيره، لاشتماله على أقسام العلوم وأصناف الحقائق كلها وليس بعده فقر يحوجه إلى الغير وإن لم يقرأ ما به غنى عن غيره والغير لا يغنيه منه شيئا بل ربما يضله وفي حديث العامة " من لم يتغن بالقرآن فليس منا " قال ابن الأثير: أي من لم يستغن بالقرآن عن غيره، ويحتمل أن يراد بالغنى الغنى الاخروي بسبب تلك العبادة، وهي القراءة وما يتبعها من الأخلاق الصالحة والأعمال الفاضلة وما يترتب عليها من المثوبات الجزيلة والتفضلات الجميلة يؤيده قول أمير المؤمنين (عليه السلام): " الغنى والفقر يظهران بعد العرض " يعني بعد العرض على الله يوم القيامة. * الأصل: 9 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن ابن أبي نجران، عن أبي جميلة، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (قال رسول الله 9: يا معاشر قراء القرآن اتقوا الله عزوجل فيما حملكم من كتابه فإني مسؤول وإنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، وأما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله وسنتي). * الشرح: قوله: (يا معاشر قراء القرآن، اتقوا الله عز وجل فيما حملكم من كتابه) أمر قارئ القرآن وحامله بالإجتناب عن عقوبة الله وسخطه في شأن القرآن بالإنقياد لأوامره ونواهيه، والإتعاظ بنصائحه ومواعظه، والتسليم لأحكامه وحدوده والإمتثال بها، والقيام على إجرائها على الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورغب فيه بأن كل أحد مسؤول يوم القيامة عما أمر به، فالنبي (صلى الله عليه وآله) مسؤول عن تبليغ الرسالة، وقد بلغها كما أمر، والقراء والعلماء مسؤولون عن حفظ ما بلغه (صلى الله عليه وآله) من القرآن والسنة. * الأصل: 10 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمد، عن سليمان بن داود المنقري، عن حفص قال: سمعت موسى بن جعفر (عليه السلام) يقول لرجل: (أتحب البقاء في الدنيا ؟ فقال: نعم. فقال: ولم ؟ قال: لقراءة قل هو الله أحد، فسكت عنه فقال له بعد ساعة: يا حفص، من مات من أوليائنا وشيعتنا ولم يحسن القرآن علم في قبره ليرفع الله به من درجته فإن درجات الجنة على قدر آيات القرآن يقال له: اقرأ وارق، فيقرأ ثم يرقى. قال حفص: فما رأيت أحدا أشد خوفا على نفسه من موسى بن جعفر (عليهما السلام) ولا أرجا الناس منه وكانت قراءته حزنا، فإذا قرأ فكأنه يخاطب إنسانا.

[ 30 ]

* الشرح: قوله: (فما رأيت أحد أشد خوفا على نفسه من موسى بن جعفر ولا أرجا الناس منه) يعرف خوف أحد ورجاؤه من علاماتها، وعلامة شدة الرجاء الإتيان عن كل ما يؤثم ويوجب البعد عن الحق، بل عن ترك خلاف الأولى، وعلامة شدة الخوف التحرز عن كل ما يؤثم ويوجب البعد عن الحق بل عن ترك خلاف الاولى وعلامة شدة الرجاء الإتيان بالطاعات والخيرات كلها والإقبال إليها والعكوف عليها مع غاية الخضوع والتضرع والإبتهال. (كانت قراءته حزنا) أي موجبا لحزن القلب ورقته، وقد يجعل الحزن كناية عن البكاء. (فإذا قرأ فكأنه يخاطب إنسانا) لعل المراد أنه كان يبين الحروف، ولا ينثرها نثر الرمل، وهو معنى الترتيل كما سيجئ، وفيه إشعار بأنه لم يكن يقرأ بالصوت المشتمل على النغمة، وإن كان جائزا لما سيجئ. * الأصل: 11 - علي. عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (حملة القرآن عرفاء أهل الجنة والمجتهدون قواد أهل الجنة والرسل سادة أهل الجنة). * الشرح: قوله: (حملة القرآن عرفاء أهل الجنة) أي رؤساءهم جمع عريف وهو القيم بأمور القبيلة. (والمجتهدون قواد أهل الجنة) القواد بالضم، والقادة جمع القائد، والمجتهدون هم الذين عملوا الكتاب والسنة النبوية ظاهرهما وباطنهما واستنبطوا ما هو المقصود منهما وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وهم الراسخون في العلم، ثم العلماء التابعون لهم. (والرسل سادة أهل الجنة) لما أعطاهم الله تعالى من زيادة الفضل والشراف والكرامة حتى صاروا بذلك سادات أهل الجنة وسلاطينهم وغيرهم من المذكورين أمراء ورؤساء على تفاوت مراتبهم وتفاضل درجاتهم.

[ 31 ]

باب من يتعلم القرآن بمشقة * الأصل: 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، وسهل بن زياد، جميعا، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن الفضيل بن يسار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: (إن الذي يعالج القرآن ويحفظه بشمقة منه وقلة حفظ له أجران). * الشرح: قوله: (من شدد عليه في القرآن) أي من شدد عليه في تعلمه وتعليمه وتحفظه وقراءته (كان له أجران) وقد مر تفسيرهما. (ومن يسر عليه كان مع الأولين) أي من يسر عليه في تعلمه وحفظه وتلاوته كان مع الأولين الذين سبقوا إلى الإيمان والطاعة بعد سماعهم من غير توان ولا تراخ أو مع الأنبياء الأولين ويؤيده قوله (صلى الله عليه وآله): " علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل " وفيه دلالة على أن الميسر عليه أكثر أجرا من المشدد عليه. * الأصل: 2 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس، عن الصباح بن سيابة، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (من شدد عليه في القرآن كان له أجران ومن يسر عليه كان مع الأولين). * الأصل: 3 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمد، عن سليم الفراء، عن رجل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (ينبغي للمؤمن أن لا يموت حتى يتعلم القرآن أو يكون في تعليمه). * الشرح: قوله: (ينبغي للمؤمن أن لا يموت حتى يتعلم القرآن أو يكون في تعليمه) الذي يسبق إلى الأفهام من تعلم القرآن وتعليمه غالبا تحفظه بدوام الدرس والتلاوة وحملها على إطلاقها بحيث يتناول ضبطه تحفظا وتلاوة وفهما وتفقها ودراية أنسب ويدل عليه بعض أخبارنا. وكان هذا هو الأغلب عليهم في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله) ويؤيده ما روى من طرق العامة عن ابن مسعود قال: " كان أقرأنا للقرآن أعلمنا به ما كان أحدنا يحفظ خمس آيات فيجاوزها حتى يعلم علمها ".

[ 32 ]

باب من حفظ القرآن ثم نسيه * الأصل: 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، وأبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن ابن فضال، عن أبي إسحاق ثعلبة بن ميمون، عن يعقوب الأحمر، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك إني كنت قرأت القرآن ففلت مني فادع الله عزوجل أن يعلمنيه، قال: فكأنه فزع لذلك، فقال: (علمك الله هو وإيانا جميعا) قال: ونحن نحو من عشرة، ثم قال: (السورة تكون مع الرجل قد قرأها، ثم تركها فتأتيه يوم القيامة في أحسن صورة وتسلم عليه فيقول: من أنت فتقول أنا سورة كذا وكذا فلو أنك تمسكت بي وأخذت بي لأنزلتك هذه الدرجة فعليكم بالقرآن) ثم قال: (إن من الناس من يقرء القرآن ليقال: فلان قارئ، ومنهم من يقرء القرآن ليطلب به الدنيا ولا خير في ذلك، ومنهم من يقرء القرآن لينتفع به في صلاته وليله ونهاره). * الشرح: قوله: (فقلت مني) من تفلت وأفلت وانفلت بمعنى. قوله (ثم قال إن من الناس من يقرء القرآن ليقال فلان قارئ ومنهم من يقرأ.. اه) دل على أن ثواب القراءة ليس إلا لمن قرأ القرآن اخلاصا لله تعالى ودل عليه أيضا أحاديث " إنما الأعمال بالنيات " ويؤيده ما رواه مسلم في حديث طويل " رجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن أتى به يوم القيامة قال فما فملت فيها ؟ قال تعلمت القرآن وعلمته وقرأت فيك القرآن قال كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، ثم أمر به فيسحب على وجهه حتى ألقى في النار " قال الأبي قراءته ليتخلص به من الجهل من وجوه قراءته محبة لله تعالى، وقال ابن رشد الوعيد إنما هو لمن أصل قراءته الرياء فأما من كان أصل قراءته لله تعالى وعلى ذلك عقد فلا يضره الخطرات التي تقع بالقلب ولا يملك دفعها وإنما هي من الشيطان ليمنعه من العمل فمن وجد شيئا من ذلك فلا يكسله عن التمادي في فعل الخير وليدرأ الشيطان عن نفسه ما استطاع ويجرد النية لله تعالى. * الأصل: 2 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أبي عمير، عن أبي العزا، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): من نسي سورة من القرآن مثلت له في صورة حسنة ودرجة رفيعة في الجنة فإذا رآها قال: ما أنت ما أحسنك ليتك لي ؟ فيقول: أما تعرفني ؟ أنا سورة كذا وكذا ولو لم تنسني رفعتك إلى هذا.

[ 33 ]

* الشرح: قوله: (ولو لم تنسني لرفعتك إلى هذا) إشارة إلى الدرجة بإعتبار المقام أو المنزل. * الأصل: 3 - ابن أبي عمير، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن يعقوب الأحمر قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن علي دينا كثيرا وقد دخلني ما كان القرآن يفلت مني، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): (القرآن، القرآن، إن الآية من القرآن والسورة لتجيئ يوم القيامة حتى تصعد ألف درجة - يعني في الجنة - فيقول: لو حفظتني لبلغت بك هاهنا. * الشرح: قوله: (إن الآية من القرآن والسورة لتجئ يوم القيامة حتى تصعد ألف درجة.. اه) يحتمل أن يحمل هذا على ظاهره من أن الدرجات منازل بعضها فوق بعض، وهذه صفة منازل أهل الجنة كما ورد من طرقنا وطرق العامة، وفي بعض أخبارهم " أنهم يتراؤون كالكوكب الدري " ويحتمل أن يريد به كثرة النعيم وعظمة أهل الإحسان ورفعة قدر الجزاء مما لم يخطر على قلب بشر، وإن أنواع النعيم يتباعد ما بينهما في الفضل تباعد ما بين السماء والأرض. * الأصل: 4 - حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد بن سماعة، وعدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، جميعا، عن محسن بن أحمد، عن أبان بن عثمان، عن ابن أبي يعفور، قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (إن الرجل إذا كان يعلم السورة ثم نسيها، أو تركها ودخل الجنة أشرفت عليه من فوق في أحسن صورة فتقول: تعرفني ؟ فيقول: لا، فتقول: أنا سورة كذا وكذا لم تعمل بي وتركتني أما والله لو عملت بي لبلغت بك هذه الدرجة وأشارت بيدها إلى فوقها). * الأصل: 5 - أبو علي الأشعري، عن الحسن بن علي بن عبد الله، عن العباس بن عامر، عن الحجاج الخشاب، عن أبي كهمس الهيثم بن عبيد، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل قرأ القرآن ثم نسيه - فرددت عليه ثلاثا - أعليه فيه حرج ؟ قال: (لا). * الشرح: قوله: (فرددت عليه ثلاثا أعليه فيه حرج ؟ قال: (لا) يعني ليس فيه أثم، ولا ينافي ذلك فوات أجر عظيم عنه.

[ 34 ]

* الأصل: 6 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن خالد، والحسين بن سعيد، جميعا، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن عبد الله بن مسكان، عن يعقوب الأحمر، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك إنه أصابتني هموم وأشياء لم يبق شئ من الخير إلا وقد تفلت مني منه طائفة حتى القرآن لقد تفلت مني طائفة منه، قال: ففزع عند ذلك حين ذكرت القرآن، ثم قال: (إن الرجل لينسى السورة من القرآن فتأتيه يوم القيامة حتى تشرف عليه من درجة من بعض الدرجات فنقول: السلام عليك، فيقول: عليك السلام من أنت ؟ فتقول: أنا سورة كذا وكذا ضيعتني وتركتني أما لو تمسكت بي بلغت بك هذه الدرجة) ثم أشار بأصبعه، ثم قال: (عليكم بالقرآن فتعلموه فإن من الناس من يتعلم القرآن ليقال: فلان قارئ، ومنهم من يتعلمه فيطلب به الصوت، فيقال: فلان حسن الصوت، وليس في ذلك خير، ومنهم من يتعلمه فيقوم به في ليله ونهاره ولا يبالي من علم ذلك ومن لم يعلمه) * الشرح: قوله: (ثم أشار بأصبعه) ضمير المرفوع والمجرور راجعان إلى السورة بإعتبار القرآن، ويحتمل عودهما إلى أبي عبد الله (عليه السلام)، ويؤيد الأول قوله سابقا، وأشارت بيدها إلى فوقها.

[ 35 ]

باب في قراءته * الأصل: 1 - علي، عن أبيه، عن حماد، عن حريز، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (القرآن عهد الله إلى خلقه، فقد ينبغي للمرء المسلم أن ينظر في عهده، وأن يقرأ منه في كل يوم خمسين آية). * الأصل: 2 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، وعلي بن محمد، عن القاسم بن محمد، عن سليمان بن داود، عن حفص بن غياث، عن الزهري قال: سمعت علي بن الحسين (عليهما السلام) يقول: (آيات القرآن خزائن، فكلما فتحت خزانة ينبغي لك أن تنظر ما فيها). * الشرح: قوله (آيات القرآن خزائن.. الخ) إذ فيها أنواع من جواهر المعاني والأسرار والحقائق وأصناف من فرائد اللطائف والفوائد والدقائق ولذلك كان القرآن مع قلة لفظه وصغر حجمه مشتملا على جميع ما كان وما هو كائن، وما يكون إلى يوم القيامة. وفيه.

[ 36 ]

باب البيوت التي يقرأ فيها القرآن * الأصل: 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن الفضيل ابن عثمان، عن ليث بن أبي سليم، رفعه قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله): (نوروا بيوتكم بتلاوة القرآن، ولا تتخذواها قبورا كما فعلت اليهود والنصارى، صلوا في الكنائس والبيع وعطلو بيوتهم، فإن البيت إذا كثر فيه تلاوة القرآن كثر خيره واتسع أهله، وأضاء لأهل السماء كما تضيئ نجوم السماء لأهل الدنيا). * الشرح: قوله: (نوروا بيوتكم بتلاوة القرآن) العبادة مثل التلاوة والصلاة والدعاء ونحوها بحسب الحقيقة نور عند ذوي البصيرة الكاملة، وإنما اختفى نورانيتها عن الأكثر في هذه النشأة لمصالح لا يعلمها إلا هو، فقوله: (نوروا بيوتكم) على حقيقته، والظاهر من التلاوة حقيقتها. ويمكن أن يراد بها الصلاة من باب تسمية الشئ باسم أشرف أجزائه ليكمل التناسب مع قوله: (كما فعلت اليهود والنصارى صلوا في الكنائس.. اه) ففيه - حينئذ - حث على فعل الصلاة في البيوت، ولا يبعد حملها على النافلة فإن السر فيها أفضل بخلاف المكتوبة، فإنها في المسجد أفضل كما دل على هذا التفصيل بعض الروايات، والحث على فعل بعض الصلاة في البيت، وقع من طرق العامة أيضا روى مسلم بإسناده عن ابن عمر، عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال " اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا "، وعن جابر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيبا من صلاته فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيرا "، وقد خص أكثرهم الصلاة بالنافلة لما رووه من حديث " صلاة أحدكم في البيت أفضل إلا المكتوبة "، وقال بعضهم: المراد بها الفرض، وإنما أمر بفعلها في البيت ليقتدى بهم من لا يخرج بهم من النساء والعبيد والمرضى، وقال: والمتخلف عن الجماعة للصلاة في جماعة دونها ليس بمتخلف. (ولا تتخذوها قبورا كما فعلت اليهود والنصارى.. اه) يعني لا تتخذوها مهجورة من التلاوة وهو من التمثيل البديع، لأنه شبه النائم بالميت وشبه البيت الذي لا تلاوة فيه بالقبر الذي لا تتأتى العبادة من ساكنه، لأن العمل إنما يكون من الحي ويمكن أن يكون تشبيه البيت بالقبر في معنى الظلمة، بل هو الظاهر بالنظر إلى قوله: " نوروا بيوتكم " إلى قوله فيما بعد: " وأضاء ". * * الأصل: 2 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن خالد، والحسين بن سعيد،

[ 37 ]

جميعا، عن النضر بن سويد، عن يحيى بن عمران الحلبي، عن عبد الأعلى مولى آل سام، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (إن البيت إذا كان فيه المرء المسلم يتلو القرآن يتراءاه أهل السماء كما يتراءا أهل الدنيا الكوكب الدري في السماء)، * الشرح: قوله: (قال: إن البيت إذا كان فيه المرء المسلم يتلو القرآن) ليلا ونهارا. (يتراءاه أهل السماء) أي ينظرون ويرون، كذا في النهاية أو المراد أن بعضهم يريه بعضا كما يتراءاه أهل الدنيا الكوكب الدري في السماء تشبيه، معقول بمحسوس لقصد الإيضاح، وفي النهاية الكوكب الدري الشديد الإنارة كأنه نسب إلى الدر تشبيها بصفاته، وقال الفراء: الكوكب الدري عند العرب هو العظيم المقدر، وقيل هو: أحد الكواكب الخمسة السيارة. * * الأصل: 3 - محمد، عن أحمد، وعدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، جميعا، عن جعفر بن محمد بن عبيد الله، عن ابن القداح، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (البيت الذي يقرأ فيه القرآن ويذكر الله عزوجل فيه تكثر بركته وتحضره الملائكة وتهجره الشياطين، ويضيئ لأهل السماء كما يضيئ الكواكب لأهل الأرض، وإن البيت الذي لا يقرأ فيه القرآن، ولا يذكر الله عزوجل فيه تقل بركته وتهجره الملائكة وتحضره الشياطين.

[ 38 ]

باب ثواب قراءة القرآن * الأصل: 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، وسهل بن زياد، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان، عن معاذ بن مسلم، عن عبد الله ابن سليمان، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (من قرأ القرآن قائما في صلاته كتب الله له بكل حرف مائة حسنة، ومن قرأ في صلاته جالسا كتب الله له بكل حرف خمسين حسنة، ومن قرأ في غير صلاته كتب الله له بكل حرف عشر حسنات). قال ابن محبوب: وقد سمعته عن معاذ على نحو مما رواه ابن سنان. * الشرح: قوله: (كتب الله له بكل حرف مائة حسنة.. اه) أريد به الحرف التهجي دون الكلمة، والآية كما سيجئ. * الأصل: 2 - ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن الفضيل بن يسار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (ما يمنع التاجر منكم المشغول في سوقه إذا رجع إلى منزله أن لا ينام حتى يقرأ سورة من القرآن فتكتب له مكان كل آية يقرؤها عشر حسنات، ويمحي عنه عشر سيئات). * الشرح: قوله: (فيكتب له مكان كل آية يقرؤها عشر حسنات، ويمحي عنه عشر سيئات) هذا المجموع أكثر من وجه مما ذكر من أنه يكتب له بكل حرف عشر حسنات، وكتابة الكل من باب التفضل، وللتفضل مراتب. * الأصل: 3 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم أو غيره، عن سيف بن عميرة، عن رجل، عن جابر، عن مسافر، عن بشر بن غال الأسدي، عن الحسين بن علي (عليهما السلام) قال: (من قرأ آية من كتاب الله عزوجل في صلاته قائما يكتب له بكل حرف مائة حسنة فإذا قرأها في غير صلاة كتب الله له بكل حرف عشر حسنات وإن استمع القرآن كتب الله له بكل حرف حسنة وإن ختم القرآن ليلا صلت عليه الملائكة حتى يصبح، وإن ختمه نهارا صلت عليه الحفظة حتى يسمي، وكانت له دعوة مجابة، وكان خيرا له مما بين السماء إلى الأرض). قلت: هذا لمن قرأ القرآن فمن لم يقرأ ؟ قال: (يا أخا بني أسد، إن الله جواد ماجد كريم، إذا قرأ ما معه أعطاء الله

[ 39 ]

ذلك. * الشرح: قوله (وإن ختم القرآن ليلا صلت عليه الملائكة حتى يصبح.. اه) الظاهر من ختمه ليلا قراءة كله فيه مع إحتمال أن يكون اتمامه فيه، والظاهر من الملائكة العموم مع إحتمال إرادة الموكلين على أمور بني آدم أو الحفظة، وذكر الحفظ في آخر الحديث لا يؤيد الأخير، لأن الختم في الليل أشق فلا يبعد أن يكون أجره أكمل. قوله: (فمن لم يقرأ) هكذا في أكثر النسخ وفي بعضها " فمن لم يقدر أن يقرأ " وهو بالجواب أنسب. * الأصل: 4 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن النضر بن سعيد، عن خالد بن ماد القلانسي، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (من ختم القرآن بمكة من جمعة إلى جمعة أو أقل من ذلك أو أكثر وخته في يوم جمعة كتب له الاجر والحسنات من أول جمعة كانت في الدنيا إلى آخر جمعة تكون فيها، وإن ختمه في سائر الأيام فكذلك). * الشرح: قوله: (عن نضر بن سعيد) هو غير مذكور في رجال الوسيط للاسترآبادي وفي بعض النسخ " عن النضر بن سويد " ويؤيده أن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب يروي عنه، وفي بعضها عن النضر بن شعيب، والمؤيد أنه يروي عن خالد بن ماد، وإنه في هذا السند بعينه في فهرست الشيخ وأسانيد الفقيه. (ومن ختم القرآن بمكة) وإن كان في غير المسجد (من جمعة إلى جمعة) بأن يبتدء في جمعة ويختم في جمعة بعدها (أو أقل من ذلك) بأن يبتدأ في الأربعاء مثلا ويختم في جمعة بعدها (أو أكثر) بأن يبتدء في جمعة مثلا ويختم في جمعة ثالثة فقوله: (وختمه في يوم جمعة) تفسير للختم في الجميع (كتب له من الأجر والحسنات من أول جمعة كانت في الدنيا إلى آخر جمعة تكون فيها) لعل المراد أنه كتب له أجر ختم كل جمعة في الدنيا من أولها إلى آخرها، ويحتمل أجر كل عبادة وقعت في كل جمعة في الدنيا، واشتراك الفروض الثلاثة في هذا الأجر لا يوجب التساوي من جميع الوجوه لجواز التفاوت بينهما في الفضل بإعتبار قلة الزمان وكثرته وجودة التدبر والترتيل وعدمها. (وإن ختمه في سائر الأيام فكذلك) فإن ختمه في يوم الإثنين مثلا كتب له من الأجر

[ 40 ]

والحسنات من أول يوم إثنين في الدنيا إلى آخر يوم إثنين فيها. * الأصل: 5 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن خالد، والحسين بن سعيد، جميعا، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن محمد بن مروان، عن سعد بن طريف، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (قال رسول الله 9: من قرأ عشر آيات في ليلة لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ خمسين آية كتب من الذاكرين، ومن قرأ مائة آية كتب من القانتين، ومن قرأ مائتي آية كتب من الخاشعين، ومن قرأ ثلاثمائة آية كتب من الفائزين، ومن قرأ خمسمائة آية كتب من المجتهدين، ومن قرأ ألف آية كتب له قنطار من تبر، والقنطار خمسة عشر ألف مثقال من ذهب، والمثال أربعة وعشرون قيراطا أصغرها مثل جبل احد، وأكبرها ما بين السماء إلى الأرض). * الشرح: قوله: (من قرأ عشر آيات في ليلة لم يكتب من الغافلين ومن قرأ خمسين آية كتب من الذاكرين) عدم كتب الأول من الغافلين فضيلة شريفة له، ولا يستلزم ذلك من كتبه من الذاكرين على أنه لو استلزم لأمكن أن يكون المراد الذاكرين في الجملة، والمراد بالذاكرين في الثاني الذاكرون كثيرا. (ومن قرأ مائة آية كتب من القانتين) هم المطيعون لله والقائمون بوظائف طاعته، من القنوت بمعنى الطاعة والقيام (ومن قرأ مائتي آية كتب من الخاشعين) هم الذين قاموا بوظائف العبادات القلبية والبدنية مع التذلل وسكون القلب إلى الله عز وجل. (ومن قرأ ثلاثمائة آية كتب من الفائزين) هم الذين ظفروا بالطاعات والخيرات ونجوا من المهلكات والعقوبات. (ومن قرأ خمسمائة آية كتب من المجتهدين) هم الذين بذلوا الوسع في أمر الدين وطلب اليقين وإقامة الشرع وحفظه، والإجتهاد افتعال من الجهد وهو الطاقة. (ومن قرأ ألف آية كتب له قنطار من تبر) أي من حسنة (القنطار خمسة عشرة ألف مثقال من الذهب والمثقال أربعة وعشرون قيراطا) فالقنطار ثلاثمائة ألف قيراط وستون ألف قيراط يحصل ذلك بضرب خمسة عشر ألف في أربعة وعشرين، والمقصود من ذكر هذا العدد أن له حسنات بقدره وسماها قراريط بإعتبار أن الأعمال توزن (أصغرها بقدر جبل احد وأكبرها ما بين السماء إلى الأرض) هذا التفاوت مع أن القراريط متساوية في الوزن والمقدار إما بإعتبار النمو فبعضها ينمو حتى يبلغ وزنه أو مقداره جبل احد، وبعضها ينمو حتى يبلغ وزنه أو مقداره ما بين السماء

[ 41 ]

والأرض، على حسب تفاوت الأحوال والأوقات، وأما بإعتبار أن القيراط المستعمل في بيان كمية الثواب غير ما هو المتعارف عند الناس لغة وعرفا وتساوي الأوزان والمقدار معتبر في هذا دون الأول، وهذا الوجهان ذكرهما صاحب كتاب إكمال الإكمال لشرح مسلم، ثم قال: وكان صاحب الصحاح أشار إلى الوجه الاخير بقوله، والقيراط نصف دانق، وأما القيراط الذي جاء في الحديث فقد جاء تفسيره فيه أنه مثل جبل احد. أقول: وبهذا يمكن أن يوجه أيضا قوله (عليه السلام): " والمثقال أربعة وعشرون قيراطا " مع أن المعروف أنه عشرون قيراطا. واعلم أن للقنطار تفسيرا آخر سيجئ بينهما تخالف، ويمكن دفعه كما سنشير إليه. * الأصل: 6 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد جميعا، عن علي بن حديد، عن منصور، عن محمد بن بشير، عن علي بن الحسين (عليهما السلام) قال: وقد روي هذا الحديث عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (من استمع حرفا من كتاب الله عزوجل من غير قراءة كتب الله له حسنة ومحا عنه سيئة ورفع له درجة ومن قرأ نظرا من غير صوت كتب الله بكل حرف حسنة ومحا عنه سيئة ورفع له درجة ومن تعلم منه حرفا ظاهرا كتب الله له عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات). قال: (لا أقول بكل آية ولكن بكل حرف باء أو تاء أو شبههما) قال: (ومن قرأ حرفا ظاهرا وهو جالس في صلاته كتب الله له خمسين حسنة، ومحا عنه خمسين سيئة، ورفع له خمسين درجة، ومن قرأ حرفا وهو قائم في صلاته كتب الله له بكل حرف مائة حسنة، ومحا عنه مائة سيئة، ورفع له مائة درجة، ومن ختمه كان دعوة مستجابة مؤخرة أو معجلة. قال: قلت: جعلت فداك ختمه كله ؟ قال: (ختمه كله). * الشرح: قوله: (وقد روى هذا الحديث) الذي يذكره، وروي على البناء للمفعول، والظاهر هو أنه من كلام المصنف قال في بعض النسخ قال وقد روي والقائل أحد من الرواة. (من استمع حرفا من كتاب الله عز وجل من غير قراءة) قوله: من غير قراءة تقييد إذ لو استمع وقرأ كان له أجر الإستماع والقراءة أو لتأكيد محتمل. (ومن قرأ نظرا غير صلاة... اه) أي نظرا إلى القرآن بالعين أو المراد بالنظر التدبر والتفكر فيه، وفي بعض النسخ " من غير صوت ". (ومن تعلم حرفا ظاهرا.. اه) إما تميز للتعلم أو صفة ل‍ (حرفا)، والمراد به على الأول ظاهر

[ 42 ]

القلب، وعلى الثاني الحرف الملفوظ عند القراءة دون المستور، والله أعلم. (قال: لا أقول بكل آية ولكن بكل حرف باء أو تاء أو شبههما) لما كان الحرف في اللغة تطلق على حرف التهجي وعلى الطرف، والطرف يصدق على الجملة والآية أيضا، لأن كلا منهما في طرف من الأخرى بين أن المراد هو الأول. (ومن ختمه كانت له دعوة مستجابة مؤخرة أو معجلة) تفصيل للدعوة بكونها متعلقة بأمر الآخرة أو بأمر الدنيا أو للإستجابة بأنها متحققة قطعا بالإستقبال أو بالفعل. * الأصل: 7 - منصور، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعت أبي (عليه السلام) يقول: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ختم القرآن إلى حيث يعلم). * الشرح: قوله: (ختم القرآن إلى حيث يعلم) أي يعلم القارئ كلا أو بعضا، فإذا علم بعضه وقرأه ولم يقدر على غيره فله أجر ختم القرآن كله يدل عليه رواية بشر بن غالب الأسدي المذكورة في هذا الباب، وفي بعض النسخ " ختم القرآن إلى ربي حيث يعلم " لعل المراد به ما ذكرناه، وفي بعضها ربي بدل إلى ربي، والظاهر أن ضمير يعلم - حينئذ - راجع إلى الرب، ولعل المراد أن بجميع معلوماته عز وجل في القرآن، لأن معلومه شئ وكل شئ في القرآن، فمن قرأ كله فقد أحاط بجميع معلوماته تفصيلا وإجمالا، وفيه ترغيب في ختمه كله، والله أعلم.

[ 43 ]

باب قراءة القرآن في المصحف * الأصل: 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن يعقوب بن يزيد، رفعه إلى أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (من قرأ القرآن في المصحف متع ببصره، وخفف عن والديه وإن كانا كافرين). * الأصل: 2 - عنه، عن علي بن الحسين بن الحسن الضرير، عن حماد بن عيسى، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (إنه ليعجبني أن يكون في البيت مصحف يطرد الله عزوجل به الشياطين). * الأصل: 3 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن فضال، عمن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (ثلاثة يشكون إلى الله عزوجل: مسجد خراب لا يصلي فيه أهله، وعالم بين جهال، ومصحف معلق قد وقع عليه الغبار لا يقرأ فيه). * الأصل: 4 - علي بن محمد، عن ابن جمهور، عن محمد بن عمر بن مسعدة، عن الحسن بن راشد عن جده، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قراءة القرآن في المصحف تخفف العذاب عن الوالدين ولو كانا كافرين). * الأصل: 5 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن يحيى بن المبارك، عن عبد الله بن جبلة، عن معاوية بن وهب، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: جعلت فداك إني أحفظ القرآن على ظهر قلبي فأقرؤه على ظهر قلبي أفضل أو أنظر في المصحف ؟ قال: فقال لي: (بل اقرأه وانظر في المصحف فهو أفضل، أما علمت أن النظر في المصحف عبادة). * الشرح: قوله (أما علمت أن النظر في المصحف عبادة) فالقارئ في المصحف له أجران: أحدهما للنظر فيه، والآخر للقراءة.

[ 44 ]

باب ترتيل القرآن بالصوت الحسن * الأصل: 1 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن معبد، عن واصل بن سليمان، عن عبد الله بن سليمان، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عزوجل: * (ورتل القرآن ترتيلا) * قال: (قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: بينه تبيانا ولا تهذه هذ الشعر، ولا تنثره نثر الرمل، ولكن أفزعوا قلوبكم القاسية، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة). * الشرح: قوله: (قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل * (ورتل القرآن ترتيلا) * قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) بينه تبيانا) أشار إلى أن الترتيل أداء الحروف عن مخارجها وإظهارها متميزة بحيث يقرع السمع ويمكن عدها. (ولا تهذه هذ الشعر، ولا تنثره نثر الرمل)، هذ القرآن هذا أسرع في قراءته كما يسرع في قراءة الشعر، والهذ سرعة القطع ونصبه على المصدر، واعلم أنه لا خلاف بين العلماء في أن الهذ المفضى إلى لف الكلمات وعدم إقامة الحروف لا يجوز لأنه لحن، وأما بعد إقامتها فالأفضل عند علمائنا وعند أكثر العامة الترسيل والترتيل، لأنه من تحسين القراءة المأمور به في الآية، ولأنه المستفيض من كلام أهل البيت (عليهم السلام)، ولأنه مظنة التدبر والوقوف على حدوده، ورجح بعض العامة الهذ تكثيرا للأجر بعدد الكلمات، وقال مالك: من الناس من إذا هذ خف عليه، وإذا رتل خطأ، ومنهم من لا يحسن الهذ وكل واسع ولا يخفى أن من اختار الهذ لاحظ له إلا التلاوة، وأما من وفقه الله تعالى لتلاوته بتفكر وتدبر وتفهم لمعانيه واستنباط لأحكامه فلا مرية أن تلاوته وإن قلت أفضل من ختمات لا تدبر فيها. (ولكن افزعوا قلوبكم القاسية) الإفزاع الإخافة يعني أخيفوا قلوبكم القاسية الغليظة الغافلة بالتدبر فيه والتفكر في أوامره ونواهيه وزواجره ووعده ووعيده وما نطق به من إهلاك الأمم الماضية بالمخالفة، ومن البين أن ذلك لا يحصل بدون الترتيل، وفي بعض النسخ اقرعوا بالقاف في بعضها افرغوا بالغين المعجمة. * الأصل: 2 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عمن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (إن القرآن نزل بالحزن فاقرؤوه بالحزن).

[ 45 ]

* الشرح: قوله: (إن القرآن نزل بالحزن) لاشتماله على ما يوجب الحزن من أحوال الحشر والنشر والثواب والعقاب وأحوال الأمم الماضية وإهلاكهم ومسخهم وغير ذلك مما يتطاير عند سماعه قلوب أولي الألباب، والمراد بالحزن إما ضد السرور أو رقة القلب. وقوله: (فاقرؤوه بالحزن) معناه اقرؤوه بصوت يوجب الحزن، وإنما أمر بذلك لأنه يوجب للنفس خشية وخضوعا وميلا إلى الآخرة ويؤثر في قلوب السامعين. * الأصل: 3 - علي بن محمد، عن إبراهيم الأحمر، عن عبد الله بن حماد، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إقرؤوا القرآن بألحان العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الفسق وأهل الكبائر فإنه سيجئ من بعدي أقوام يرجعون القرآن ترجيع الغناء والنوح والرهبانية، لا يجوز تراقيهم، وقلوبهم مقلوبة وقلوب من يعجبه شأنهم). * الشرح: قوله: (اقرؤوا القرآن بألحان العرب وأصواتها) اللحن هنا اللغة يعني اقرؤوا القرآن بلغات العرب بأداء الحروف وإظهارها وحفظ الوقوف رعاية الحركات والسكنات وبصوت مناسبة لأصواتهم. (وإياكم ولحون أهل الفسق وأهل الكبائر) اللحون جمع اللحن كالألحان، والمراد هذا التطريب في القراءة والخطأ فيها. (فإنه سيجئ من بعدي أقوام يرجعون القرآن ترجيع الغناء) قيل: الترجيع ترديد القراءة، ومنه ترجيع الأذان، وقيل: هو يتفاوت بضروب الحركات في الصوت، وقيل: هو مد الصوت في القراءة (والنوح والرهانية) مثل ما يفعله بعض المتصوفة. (لا يجوز تراقيهم) أي لا يجوز القرآن حناجرهم ولا يصل إلى قلوبهم، وفي المغرب التراقي جمع الترقوة وهي عظام وصل بين نقرة النحر والعاتق من الجانبين، ويقال لها بالفارسية: چنبر گردن (قلوبهم مقلوبة) كالكوز المقلوب لا يستقر فيها شئ. (وقلوب من يعجبه شأنهم) أيضا مقلوبة، واعلم أن قراءة القرآن بإخراج الحروف من مواضعها واعتبار صفاتها بدون تلبسها بصوت حسن حسن ومع تلبسها به أحسن بما ستعرفه وستعرف أيضا مفهومه وقراءته بالتغني به حرام عندنا، وعند أكثر العامة وعرفه جماعة من أصحابنا بأنه الترجيع المطرب فلا يتحقق مهيته بدون الترجيع والإطراب ولا يكفي أحدهما، ورده بعضهم إلى العرف

[ 46 ]

فما سماه أهل العرف غناء حرم طرب أو لم يطرب، ولا يخلو من قوة لأن الشائع في مثله مما لا نعرف مغزاه لغة ولم يعرف مقصوده شرعا هو الرجوع إلى العرف. وقال بعض العامة: قراءة القرآن بالتغني قراءته بالألحان، وهي قراءته بطريق أهل علم الموسيقى في الألحان، أي في النغم والأوزان حسبما رتبوه في صنعة الغناء، وسمع عارفها قاريا يقرأ فاستحسن قراءته، وقال أنه يقرأ من نغمة كذا، وقيل: هي قراءته بالتطريب والترجيع وتحسين الصوت، ثم قال: واختلفوا في قراءته بالألحان، فقال الشافعي مرة لا بأس به، ومرة مكروه، وقال بعض أهل مذهبه: مراده أنه إن أفرط في المد واشباع الحركة حتى تولد عن الفتحة ألف، وعن الضمة واو وعن الكسرة ياء أو ادغم في غير موضع الإدغام كره وإلا جاز، وقال بعض آخر منهم إذا انتهى إلى ذلك فهو حرام يفسق فاعله ويعزر ويأثم المستمع، وهو مراد الشافعي بالكراهة، وكيف يؤخذ في كلام الله تعالى بأخذ أهل الألحان في النشد والغزل. انتهى. أقول: تفسير الغناء بما مر وإن لم يثبت من جهة الشرع لكن الإحتياط والتقوى يوجبان الإحتراز عنه عما دون ذلك، وإما قراءته بالترجيع فظاهر بعض الروايات الآتية تشعر برجحانها، حيث وقع الأمر به، وظاهر هذه الرواية يشعر بأنه أعم من الغناء، فلا يكون راجحا على الإطلاق، بل هو راجح في فرد وحرام في فرد آخر، فلابد للعامل به من التميز بين الفردين، وهو في غاية الإشكال، فالأولى بل الواجب على غير المميز تركه. * الأصل: 4 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن حسن بن شمون قال: حدثني علي بن محمد النوفلي، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: ذكرت الصوت عنده فقال: (إن علي بن الحسين 8 كان يقرأ فربما مر به المار فصعق من حسن صوته، وإن الإمام لو أظهر من ذلك لما احتمله الناس من حسنه). قلت: ولم يكن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلي بالناس ويرفع صوته بالقرآن ؟ فقال: (إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يحمل الناس من خلفه ما يطيقون). * الشرح: قوله: (إن علي بن الحسين (عليه السلام) كان يقرأ القرآن فربما مر به المار فصعق) أي غشي عليه أو صاح صيحة شديدا، وسر ذلك أن الأصوات الطيبة والأحان الموزونة والنغمات المناسبة لها مدخلا عظيما في نشاط النفس وفرح الروح، ولها تأثيرا عظيما، فمنها ما يفرح، ومنها ما يحزن، ومنها ما يندم، ومنها ما يضحك، ومنها ما يبكي، ومنها ما يصعق، ومنها ما يزعج القلب إلى الحق ويحركه من بلاد الغربة إلى الوطن الأصلي، ويختلف الإنزعاج بالنسبة إلى الأشخاص بحسب قوة

[ 47 ]

الإستعداد وضعفه، فلا إستحالة عقلا أن يوجب الصعقة وغيرها، وقد يقع مثل ذلك عند المصائب الشديدة، وأية مصيبة أعظم من خروج الروح من موطنها الأصلي، وفراقها من الكرامات الأبدية، واحتباسها في سجن هذه الدار والبلية. (من حسن صوته، وإن الإمام لو أظهر من ذلك) أي من حسن صوته (لما احتمله الناس من حسنه) دل هذا الخبر على جواز تحسين الصوت بالقراءة، ودلت الأخبار الآتية على رجحانه، وكذا دل عليه أيضا، ما رواه مسلم عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: " ما أذن الله لشئ كما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به " قال بعض العامة: معنى ما أذن ما استمع، والمراد بالشئ المسموع والمضاف مقدر قبل نبي أي لصوت نبي. والحاصل أنه ما استمع الله لصوت كما استمع لصوت نبي، والمراد بالإستماع إجزال ثواب القارئ أو الرضا به، ومعنى قوله: " يتغنى بالقرآن " عند الشافعية، والأكثر يحسن الصوت بالقرآن، وعند ابن عباس يستغني به عن الناس، وقال مرة يستغني به عن غيره من الكتب، وعن سفيان بن عيينة يقال: تغنيت وتغانيت بمعنى استغنيت فعلى أن المراد به تحسين الصوت، فهو من الغناء المحمود، وكل من رفع صوته ومده ووالى به فهو عند العرب غناء، وعلى أنه من الإستغناء فهو من الغنى ضد الفقر وهو مقصور، والمراد بتحسين الصوت تزيينه بالترتيل والجهر والتحزين والترقيق فهو مستجب ما لم يخرج عن حد القراءة بالتمطيط فإن أفرط حتى زاد حرفا أو أخفاه حرم انتهى، فقد ظهر مما ذكرنا أن أخبار العامة والخاصة متفقة في الدلالة على رجحان تحسين الصوت بالقرآن وعلى حسن صوت النبي (صلى الله عليه وآله) ولكن لابد من ترك الإفراط فيه لئلا يبلغ حد الإلحان والغناء ولا يمكن ذلك إلا للعارف بوجوه التحسين. (قلت ولم يكن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلي بالناس ويرفع صوته بالقرآن) أي ولم يكن من باب الإستفهام ولعل غرضه من هذا السؤال أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان أحسن صوتا منه (عليه السلام) وكان يقرء ويرفع صوته بالقراءة ويسمعه الصحابة ولم يصعق أحد من حسن صوته فكيف لحسن الصوت نحو هذا التأثير ؟ (فقال إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يحمل الناس من خلفه ما يطيقون) فلم يظهر من حسن صوته ما يصعقهم ولذلك أيضا ما كلم الناس قط إلا بقدر عقولهم وهذا الجواب أحسن مما قاله بعض العامة من أن الغشى لضعف العقل عن تحمل ما ورد عليه وعقول الصحابة لما كانت أكمل لم يطرء عليهم الغشى، لأن كون عقول كلهم أكمل من عقول غيرهم ممنوع.

[ 48 ]

* الأصل: 5 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن سليم الفراء، عمن أخبره عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أعرب القرآن فإنه عربي. * الشرح: قوله (اعرب القرآن فإن عربي) إما من أعرب كلامه إذا ظهر إعرابه ولم يلحن فيها، أو من أعرب بكلامه إذا أفصح به ولم يلحن في حروفه ومواده وهذا مثل ما سبق من قوله (عليه السلام) " واقرؤوا القرآن بألحان العرب ". * الأصل: 6 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن معبد، عن عبد الله بن القاسم، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (إن الله عزوجل أوحى إلى موسى بن عمران 7: إذا وقفت بين يدي فقف موقف الذليل الفقير، وإذا قرأت التوراة فاسمعنيها بصوت حزين). * الشرح: قوله (وإذا قرأت التوراة فاسمعنيها بصوت حزين) الحزن خلاف السرور، وحزن الرجل بالكسر فهو حزين وحزن، فوصف الصوت بالحزن على سبيل المبالغة، لأن الحزين في الحقيقة صاحب الصوت، ويحتمل أن يكون الصوت مضافا إليه بتقدير اللام، وعلى التقديرين يحتمل أن يجعل الحزن كناية عن البكاء، وعلى التقدير الأول يمكن أن يجعل بمعنى الرقة، قال في الصحاح: فلان يقرء التحزين إذا رق صوته، فالوصف - حينئذ - على سبيل الحقيقة. * الأصل: 7 - عنه، عن علي بن معبد، عن عبد الله بن القاسم، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لم يعط امتي أقل من ثلاث: الجمال، والصوت الحسن، والحفظ). * الشرح: قوله (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يعط أمتي أقل من ثلاث: الجمال، والصوت الحسن، والحفظ) الجمال بالفتح حسن الخلق والخلق والحفظ قلة الغفلة عن القرآن أو عن الحق مطلقا، ولعل المراد أن هذه الخصال الشريفة أقل ما أعطيت الأمة المجيبة من الخصال العظيمة التي لا تعد ولا تحصى، والله يعلم. * الأصل: 8 - عنه، عن أبيه، عن علي بن معبد، عن يونس، عن عبد الله بن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي

[ 49 ]

عبد الله (عليه السلام) قال: (قال النبي (صلى الله عليه وآله): إن من أجمل الجمال الشعر الحسن، ونغمة الصوت الحسن). * الشرح: قوله (من أجمل الجمال الشعر الحسن للمرء) الظاهر فتح الشين والكسر محتمل لما في بعض الروايات (أن من طيب عيش المرأة شعره الذي يتغنى به). والمراد بحسنه اشتماله على المرغبات في أمر الآخرة أو على مدح أهل الذكر. (ونغمة الصوت الحسن) في القراءة، والنغم محركة ويسكن الكلام الخفي الواحدة بهاء، يقال: فلان حسن النغمة، إذا كان حسن الصوت في القراءة. * الأصل: 9 - عنه، عن علي بن معبد، عن عبد الله بن القاسم، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قال النبي (صلى الله عليه وآله): لكل شئ حلية وحلية القرآن الصوت الحسن). * الشرح: (وحلية القرآن الصوت الحسن) روى الصدوق في العيون بإسناده، عن الرضا (عليه السلام)، عن النبي (صلى الله عليه وآله)، قال " حسنوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا، ويزيد في الخلق ما يشاء ". * الأصل: 10 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن موسى بن عمر الصيقل، عن محمد ابن عيسى، عن السكوني، عن علي بن إسماعيل الميثمي، عن رجل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (ما بعث الله عزوجل نبيا إلا حسن الصوت). * الأصل: 11 - سهل [ بن زياد ] عن الحجال، عن علي بن عقبة، عن رجل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (كان علي بن الحسين صلوات الله عليه أحسن الناس صوتا بالقرآن وكان السقاؤون يمرون فيقفون ببابه، يسمعون قراءته، وكان أبو جعفر (عليه السلام) أحسن الناس صوتا). * الشرح: قوله: (كان علي بن الحسين (عليهم السلام) أحسن الناس صوتا بالقرآن، وكان السقاؤون يمرون، فيقفون ببابه يسمعون قراءته) فيه حث على تحسين الصوت بالقرآن، وعلى الإصغاء إلى سماع الصوت الحسن به، فإن سماعه يزيد حسنا في العقائد، ويوجب الخشوع، ورقة القلب وميله إلى الآخرة والخيرات.

[ 50 ]

* الأصل: 12 - حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد الأسدي، عن أحمد بن الحسن الميثمي، عن أبان بن عثمان، عن محمد بن الفضيل، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): (يكره أن يقرأ * (قل هو الله أحد) * بنفس واحد). * الشرح: قوله: (يكره أن يقرأ * (قل هو الله أحد) * بنفس واحد) لما فيه من ترك التعظيم والتفكر فيما فيه من الأسرار الغريبة الإلهية. * الأصل: 13 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): إذا قرأت القرآن فرفعت به صوتي جاءني الشيطان، فقال: إنما ترائي بهذا أهلك والناس قال: (يا أبا محمد اقرأ قراءة ما بين قراءتين تسمع أهلك، ورجع بالقرآن صوتك، فإن الله عزوجل يحب الصوت الحسن يرجع فيه ترجيعا). * الشرح: قوله: (ورجع بالقرآن صوتك) دل على استحباب ترجيع الصوت بالقرآن، كما دل عليه ما رواه مسلم عن عبد الله بن مغفل " إن النبي (صلى الله عليه وآله) قرأ عام الفتح في مسير له سورة الفتح على راحلته فرجع في قراءته "، وقال في رواية أخرى " على ناقته ". ثم قال معاوية فقرأ ابن مغفل، ورجع حكاية لقراءته، ولولا أني أخاف أن يجتمع الناس لحكيت قراءته. وفي الصحاح: ترجيع الصوت: ترديده في الحلق كقراءة أصحاب الألحان، وقال في المغرب رجعه ردده، ومنه الترجيع في الأذان، لأنه ياتي الشهادتين خافضا بهما صوته، ثم يرجعهما رافعا بهما صوته وفسره بذلك أيضا الطبري من علماء العامة ونقل ذلك البخاري أيضا، وأنه قال في صفته " آ " ثلاث مرات، وقال ابن الأثير في النهاية: قيل: هو تقارب ضروب الحركات في الصوت، وقد حكى ابن مغفل ترجيعه بمد الصوت في القراءة نحو اآالآآ لاه، وقال ابن حجر هو تقارب ضروب الحركات في القراءة وأصله الترديد وترجيع الصوت ترديده في الحلق، وقد فسر في حديث ابن مغفل " اآا " بهمزة مفتوحة بعدها ألف ساكنة، ثم همزة أخرى. وأنكر ترجيع القرآن جماعة من العامة وقالوا: ترجيعه (صلى الله عليه وآله) محمول على إشباع المد أو على حصوله بهز الناقة وتحركها وتنزيها، ولذلك ورد في حديث آخر أنه كان لا يرجع ووجهه أنه لم يكن - حينئذ - راكبا، فلم يحدث في قراءته ترجيع.

[ 51 ]

أقول: للترجيع مراتب بعضها الغناء، كما دل عليه قوله (عليه السلام) في الحديث السابق " سيجئ من بعدي أقوام يرجعون القرآن ترجيع الغناء " فمن عرف مراتبه وميز بينها وعرف مرتبة الغناء، فالظاهر أنه يجوز له ما دون هذه المرتبة ولكن التميز بينها مشكل جدا، والترجيع أكثر ما يبلغ الغناء كما هو المتعارف من قراءة أهل الحزب، ولا سيما عند إرادة الفراغ لما فيها من الخروج عن التلاوة، فالإحتياط تركه إلا ما علم قطعا أنه لا يضر بالتلاوة.

[ 52 ]

باب فيمن يظهر الغشية عند [ قراءة ] القرآن * الأصل: 1 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن يعقوب بن إسحاق الضبي: عن أبي عمران الأرمني، عن عبد الله بن الحكم، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت: إن قوما إذا ذكروا شيئا من القرآن أوحد ثوابه صعق أحدهم حتى يرى أن أحدهم لو قطعت يداه أو رجلاه لم يشعر بذلك ؟ فقال: (سبحان الله ذاك من الشيطان ما بهذا نعتوا، إنما هو اللين والرقة والدمعة والوجل). أبو علي الأشعري، عن محمد بن حسان عن أبي عمران الأرمني، عن عبد الله بن الحكم، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) مثله. * الشرح: قوله: (إن قوما إذا ذكروا شيئا من القرآن) أي قرؤوها (أو حدثوا به) أي تعريفه وبيانه وهو عطف على شيئا وكونه ماضيا مجهولا لا معطوفا على ذكروا بعيد جدا. (صعق أحدهم) أي غشي عليه (حتى يرى أن أحدهم) يرى مبني للمفعول من أراه أرائة أي يظن أو من الرؤية، وأحدهم من باب وضع الظاهر موضع الضمير. (لو قطعت يداه أو رجلاه لم يشعر بذلك) لزوال العقل والحس (فقال: سبحان الله) استعجاب أو استبعاد مما ذكر أو تنزيه لله تعالى أن يكون ذلك من قبله وهو أنسب بقوله: (ذاك من الشيطان) لتصرفه فيه حتى جعله على هذه الحالة أو لإغوائه حتى يتصنع ذلك لإظهار كماله عند الناس (ما بهذا نعتوا) أي ما بهذا وصف الذين لهم أهلية التأثر من القرآن (إنما هو) أي نعتهم ووصفهم: (اللين والرقة والدمعة والوجل) قال الله تعالى * (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذ تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا) * وقال: * (إن الذين اوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم) *.. إلى قوله * (ويخرون للأذقان ويبكون ويزيدهم خشوعا) * وهذه الأوصاف وهي الوجل وزيادة الإيمان والخشوع والبكاء والخرور للأذقان لا تنفك عن اللين والرقة والدمعة ؟ والظاهر أنه لا منافاة بين هذا الخبر وما مر من خبر السكوني الدال على صعق المار من حسن صوت علي بن الحسين (عليهما السلام) بالقراءة لجواز أن يكون هذا التأثير لصوت الإمام دون غيره، ويؤيده ما مر في ذلك الخبر من أن الإمام لو أظهر من ذلك شيئا لما احتمله الناس من حسنه على أنه يمكن أن يكون المراد بهذا الخبر هو الحث على ضبط النفس حتى لا تبلغ تلك الحالة الموجبة لزوال العقل والحرمان عن ثواب سماع الأسرار القرآنية.

[ 53 ]

باب في كم يقرأ القرآن ويختم * الأصل: 1 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد، عن الحسين بن المختار، عن محمد بن عبد الله قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أقرء القرآن في ليلة ؟ قال: (لا يعجبي أن تقرأه في أقل من شهر). * الشرح: قوله: (لا تعجبني أن تقرأه في أقل من شهر) والأدب أن تجزأه ثلاثين جزءا، وتقرء كل يوم وليلة جزء واحدبترتيل، وترسل، وتفكر في معانيه الظاهرة والباطنة، ويقف عند آية فيها ذكر الجنة، وآية فيها ذكر النار، وتطلب الأولى وما يوجب الدخول فيها، وتتعوذ من الثانية وما يوجب الوصول إليها مع تضرع، وخشوع، وبكاء على قدر الإمكان. * الأصل: 2 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن بعض أصحابه، عن علي بن أبي حمزة قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال له أبو بصير: جعلت فداك أقرء القرآن في شهر رمضان في ليلة ؟ فقال: (لا، قال: ففي ليلتين ؟ قال: لا، قال: ففي ثلاث ؟ قال: ها وأشار بيده، ثم قال: يا أبا محمد إن لرمضان حقا وحرمة لا يشبهه شئ من الشهور وكان أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) يقرأ أحدهم القرآن في شهر أو أقل. إن القرآن لا يقرأ هذرمة، ولكن يرتل ترتيلا وإذا مررت بآية فيها ذكر الجنة فقف عندها واسأل الله عزوجل الجنة، وإذا مررت بآية فيها ذكر النار فقف عندها وتعوذ بالله من النار. * الشرح: قوله (قال ففي ثلاث قالها وأشار بيده) " هاء " كلمة تنبيه للمخاطب ينبه على ما يساق إليه من الكلام كذا في النهاية وكأنه (عليه السلام) أشار بيده إلى الرخصة ويؤيده حديث آخر الباب والإشارة إلى السكوت محتملة والرخصة حينئذ مستفاد من قوله: (ثم قال يا أبا محمد ان لرمضان حقا وحرمة) التنكير للتعظيم أو للتكثير (ولا يشبهه شئ عمن الشهور) لكثرة العبادة المطلوب فيه ومن جملتها تلاوة القرآن فتلاوته في كل ثلاث حسن وفي كل شهر أو أقل منه أو أكثر من ثلاث أحسن كما أشار بقوله: (وكان أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) يقرأ أحدهم القرآن في شهر أو أقل) لرعاية الترتيل والتفكر فيه كما أشار إليه بقوله (إن القرآن لا يقرأ هذرمة) هي السرعة في الكلام والمشي ويقال للتخليط هذرمة كذا في النهاية (ولكن يرتل ترتيلا) فيه آداب التلاوة في الصلاة وغيرها ومثله موجود من

[ 54 ]

طرق العامة أيضا، روى مسلم عن حذيفة قال " قرأ النبي (صلى الله عليه وآله) في الصلاة مترسلا وإذا مر بآية فيها تسبيح سبح وإذا مر بسؤال سأل وإذا مر بتعوذ تعوذ " قال المازري: مذهبنا استحباب هذه الآداب في غير الصلاة وفي الصلاة للإمام والمأموم والفذ. * الأصل: 3 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن علي بن النعمان، عن يعقوب بن شعيب عن حسين بن خالد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: في كم أقرء القرآن ؟ فقال: (إقرأه أخماسا، إقرأه أسباعا، أما إن عندي مصحفا مجزى أربعة عشر جزءا). * الأصل: 4 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن يحيى بن إبراهيم بن أبي البلاد، عن أبيه، عن علي بن المغيرة، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: قلت له: إن أبي سأل جدك عن ختم القرآن في كل ليلة، فقال له جدك: (في كل ليلة)، فقال له: في شهر رمضان، فقال له جدك: في شهر رمضان، فقال له أبي: نعم ما استطعت فكان أبي يختمه أربعين ختمة في شهر رمضان، ثم ختمته بعد أبي فربما زدت وربما نقصت على قدر فراغي وشغلي ونشاطي وكسلي فإذا كان في يوم الفطر جعلت لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ختمة ولعلي (عليه السلام) اخرى ولفاطمة (عليها السلام) اخرى، ثم للأئمة (عليهم السلام) حتى انتهيت إليك فصيرت لك واحدة منذ صرت في هذا الحال فأي شئ لي بذلك ؟ قال: (لك بذلك أن تكون معهم يوم القيامة). قلت: الله اكبر [ ف‍ ] لي بذلك ؟ ! قال: (نعم). ثلاث مرات. * الشرح: قوله: (عن علي بن المغيرة عن أبي الحسن (عليه السلام).. اه) هو أبو الحسن الأول والمراد بالحال في قوله منذ صرت في هذا الحال التشيع أو العمل المذكورة، وفي هذا الخبر دلالة على جواز الختم أو أكثر في ليلة واحدة. * الأصل: 5 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن علي بن أبي حمزة قال: سأل أبو بصير أبا عبد الله (عليه السلام) وأنا حاضر فقال له: جعلت فداك اقرأ القرآن في ليلة ؟ فقال: (لا). فقال في ليلتين ؟ فقال: (لا). حتى بلغ ست ليال فأشار بيده، فقال: ها، ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): (يا أبا محمد إن من كان قبلكم من أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) كان يقرأ القرآن في شهر وأقل، إن القرآن لا يقرأ هذرمة، ولكن يرتل ترتيلا إذا مررت بآية فيها ذكر النار وقفت عندها وتعوذت بالله من النار). فقال أبو بصير: اقرأ القرآن في رمضان في ليلة ؟ فقال: (لا). فقال في ليلتين ؟ فقال: (لا)، فقال في

[ 55 ]

ثلاث ؟ فقال: (ها) وأومأ بيده، (نعم. شهر رمضان لا يشيهه شئ من الشهور. له حق وحرمة. أكثر من الصلاة ما استطعت). * الشرح: (يا أبا محمد ان [ من كان قبلكم ] من أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) كان يقرأ القرآن في شهر وأقل) هذا نحو ما تقدم من الإرشاد إلى القصد في التلاوة وفي كتاب إكمال الإكمال: للسلف في ختم القرآن عادات مختلفة فبعضهم كان يختم في كل شهر وبعضهم في كل عشرين وبعضهم في كل عشرة وأكثرهم في سبعة وكثير منهم في ثلاث وبعضهم في يوم وليلة وبعضهم في كل ليلة وبعضهم في كل يوم وليلة ثلاث ختمات وبعضهم ثماني ختمات.

[ 56 ]

باب أن القرآن يرفع كما أنزل * الأصل: 1 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله): (إن الرجل الأعجمي من امتي ليقرأ القرآن بعجمته فتعرفه الملائكة على عربيته). * الشرح: قوله: (إن الرجل الأعجمي من أمتي ليقرأ القرآن بعجمته) أي يلحن في الحروف والحركات ولا يخرجها عن مخارجها ولا يراعي صفاته المميزة لعدم الإقتدار عليها. (فترفعه الملائكة على عربيته) في الكنز عجمة: " عربي نا بودن كلام وكند زبانى ". وفي القاموس: العجم بالضم والتحريك خلاف العرب ورجل وقوم أعجم الأعجم لا يفصح كالأعجمي. وفي الصحاح: الأعجم من لا يقدر على الكلام أصلا والأعجم أيضا الذي لا يفصح ولا يبين كلامه وفي النسبة يقال: لسان أعجمي وكتاب أعجمي ولا يقال: رجل أعجمي فننسبه إلى نفسه إلا أن يكون أعجم وأعجمي بمعنى دوار ودواري. * الأصل: 2 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن سليمان، عن بعض أصحابه، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: قلت له: جعلت فداك إنا نسمع الآيات في القرآن ليس هي عندنا كما نسمعها ولا نحسن أن نقرأها كما بلغنا عنكم، فهل نأثم ؟ فقال: (لا اقرؤوا كما تعلمتم فسيجيئكم من يعلمكم). * الشرح: قوله: (إنا نسمع الآيات في القرآن ليس هي عندنا كما نسمعها) هكذا في النسخ كلها والأصوب ليست ولعل السؤال من آيات مسموعة عنهم (عليهم السلام) في قرآن علي (عليه السلام) ليست في هذا القرآن (ولا نحسن أن نقرأها) أي آيات القرآن. (كما بلغنا عنكم) من الترتيل والترسل وأداء الحروف ورعاية الصفات وهذا سؤال آخر (فهل نأثم) بعدم قراءة الآيات في قرآنكم إذ ليست في هذا القرآن وبعدم الترتيل في آيات هذا القرآن إذ لا نقدر عليه. (فقال لا أقرؤوا كما تعلمتم) في هذا القرآن باللسان الأعجمي (فسيجيئكم من يعلمكم) حق التعليم وهو الصاحب (عليه السلام) أو الملك في القبر، وقد روي أن الشيعة بعد الموت يتكلمون بالعربية وأن الملك يعلمهم القرآن هذا الذي ذكرنا من باب الإحتمال، والله أعلم.

[ 57 ]

باب فضل القرآن * الأصل: 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن بدر، عن محمد بن مروان، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (من قرأ * (قل هو الله أحد) * مرة بورك عليه ومن قرأها مرتين بورك عليه وعلى أهله ومن قرأها ثلاث مرات بورك عليه وعلى أهله وعلى جيرانه ومن قرأها اثنى عشر مرة بنى الله له اثنى عشر قصرا في الجنة فيقول الحفظة: اذهبوا بنا إلى قصور أخينا فلان فننظر إليها، ومن أقرأها مائة مرة غفرت له ذنوب خمسة وعشرين سنة ما خلا الدماء والأموال ومن قرأها أربعمائة مرة كان له أجر أربعمائة شهيد كلهم قد عقر جواده واريق دمه ومن قرأها ألف مرة في يوم وليلة ولم يمت حتى يرى مقعده في الجنة أو يرى له). * الشرح: قوله: (من قرأ * (قل هو الله أحد) * مرة بورك عليه) أي زيد في تشريفه وكرامته وإحسانه ولطفه وتوفيقه يقال: بارك الله فيك ولك وعليك وباركك وقال تعالى * (أن بورك من في النار) *. (ومن قرأها ألف مرة في يوم أو ليلة لم يمت حتى يرى مقعد من الجنة) أي يرى في المنام منزلة منها، وفي بعض النسخ " في " بدل " من " أو تراءى له يظهر مقعده له بالكشف في حال الإحتضار أو قبله على إحتمال وفي النهاية: تراءا إلى الشئ أي ظهر حتى رأيته. * الأصل: 2 - حميد بن زياد، عن الحسين بن محمد، عن أحمد بن الحسن الميثمي، عن يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (لما أمر الله عزوجل هذه الآيات أن يهبطن إلى الأرض تعلقن بالعرش وقلن: أي رب إلى أين تهبطنا إلى أهل الخطايا والذنوب فأوحى الله عزوجل إليهن أن اهبطن فوعزتي وجلالي لا يتلوكن أحد من آل محمد وشيعتهم في دبر ما افترضت عليه من المكتوبة في كل يوم إلا نظرت إليه - بعيني المكنونة - في كل يوم سبعين نظرة أقضي له في كل نظرة سبعين حاجة وقبلته على ما فيه من المعاصي وهي أم الكتاب و * (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم) وآية الكرسي وآية الملك). * الشرح: قوله: (لما أمر الله تعالى هذه الآيات أن يهبطن إلى الأرض تعلقن بالعرش) أي توسلن بعلم الله تعالى بما يقع في دار الغرور وعالم السرور أو تعلقن بالعرش الجسماني الذي هو مطاف الملائكة

[ 58 ]

المقربين، وقد مر أن القرآن يتصور بمثل جسداني وهيكل إنساني فنسبة التعلق إليه صحيحة وهنا شئ لابد في توضيحه من تقديم مقدمة، وهي أنه روى أن القرآن نزل جملة واحدة في أول ليلة من شهر رمضان وأنه نزل إلى الأرض تدريجا لا جملة واحدة، فقال السيد المحقق ابن طاووس: أنه نزل جملة واحدة من بعض المقامات العالية بأمر الله جل شأنه إلى مقام آخر ثم نزل من هذا المقام تدريجا إلى الأرض فلا منافاة بين نزوله جملة ونزوله تدريجا. أقول: سيجئ في باب النوادر ما يدل على ذلك التوجيه وأن هذا المقام هو البيت المعمور إذا عرفت هذا فتقول: يحتمل أن يراد بهبوط هذه الآيات هبوطها أول مرة وهو هبوطها في ضمن الكل وقوله " إلى الأرض " بإعتبار أن هذا الهبوط آيل إلى هبوطها إلى الأرض بالآخرة وسبب له في الجملة وحينئذ فالظاهر من قوله. " يتلوكن " تلاوة مجموعها من حيث المجموع وترتب الجزاء المذكور أعني قوله تعالى * (نظرت إليه.. اه) * على تلاوة المجموع لا على تلاوة كل واحد منها، ويحتمل أن يراد بهبوطها هبوطها مرة ثانية إلى الأرض وظاهر أن هذا الهبوط كان تدريجيا وأن هبوط هذه الآيات لم يكن دفعة واحدة ولم ينقل أحد حينئذ، فالظاهر أن الجزاء المذكور يترتب على تلاوة كل واحدة على حدة إذ الظاهر حينئذ أن زمان تعلق كل واحدة بالعرش غير زمان تعلق الأخرى به وكذلك الوحي إليها بذلك الجزاء غير الوحي إلى الأخرى به فليتأمل. * الأصل: 3 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن حسان، عن إسماعيل بن مهران، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن محمد بن سكين، عن عمرو بن شمر، عن جابر قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: (من قرأ المسبحات كلها قبل أن ينام لم يمت حتى يدرك القائم، وإن مات كان في جوار محمد النبي (صلى الله عليه وآله)). * الشرح: قوله: (من قرأ المسبحات كلها قبل أن ينام لم يمت حتى يدرك القائم (عليه السلام)) قيل المسبحات سور أولها سبح أو يسبح أو سبحان واعلم أن ظاهر مضمون الشرط يفيد أن ادراك القائم (عليه السلام) يتحقق بتحقق القراءة مرة واحدة وكذلك الجوار ولكن الظاهر بحسب المقام حيث أن المقصود الحث على قراءتها والترغيب في أخذها دأبا وعادة هو أن الإدراك والجوار يتحققان بالتكرار والعادة والظاهر أن تركها في بعض الأحيان لا يضر بالتكرار المستلزم للإدراك والجوار، ثم الظاهر أن المراد بإدراك القائم (عليه السلام) بأنه القائم (عليه السلام) والسبب في ذلك إما لاشتمال المسبحات على ذكر القائم وصفاته وأحواله وأن لم يعلمها بخصوصها وأما بالخاصية وكذلك السبب في غيرها من السور والآيات

[ 59 ]

المترتب عليها ثواب وجزاء معين. * الأصل: 4 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن علي بن النعمان، عن عبد الله بن طلحة، عن جعفر (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من قرأ * (قل هو الله أحد) * مائة مرة حين يأخذ مضجعه غفر الله له ذنوب خمسين سنة) *. * الأصل: 5 - حميد بن زياد، عن الخشاب، عن ابن بقاح، عن معاذ، عن عمرو بن جميع رفعه إلى علي بن الحسين (عليهما السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من قرأ أربع آيات من أول البقرة وآية الكرسي وآيتين بعدها وثلاث آيات من آخرها لم ير في نفسه وماله شيئا يكرهه ولا يقربه شيطان ولا ينسى القرآن). * الشرح: قوله: (من قرأ أربع آيات من أول البقرة وآية الكرسي وآيتين بعدها) الظاهر أن آية الكرسي من قوله * (الله.. إلى العلي العظيم) * والآيتين بعدها من قوله * (لا كراه إلى هم فيها خالدون) * وثلاث آيات من آخرها أي آخر البقرة، روي مسلم أربع روايات عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال " من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة واحدة كفتاه " قوله: كفتاه قيل: معناه أجزأتا عنه من قيام الليل أو كفتاه ومنعتاه من أن يكون ممن ترك القراءة أو كفتاه أذى الشيطان، وقيل: كفتاه أي منعتاه شر الجن والإنس ويبعد أن يكون من الكفاية أي كفتاه ملازمة التلاوة وقيل: كفتاه عن الآفات وقيل: كفتاه عن الجميع. قال ابن الحجر: المراد بالآيتين قوله تعالى * (آمن الرسول) * إلى آخر السورة. فآخر الآية الأولى " المصير " ومن ثمة إلى آخر السورة آية واحدة وأما " ما اكتسبت " فليس رأس آية بإتفاق القراء. انتهى. أقول: والمراد بثلاث آيات كما في روايتنا هذه " آمن الرسول.. إلى آخر السورة " يجعل " ما اكتسبت " آخر الآية الثانية واتفاق القراء على خلافه لا يقدح لأن ذلك من طرق العامة أو المراد بها قوله * (لله ما في السماوات) * إلى آخر السورة. * الأصل: 6 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن سيف بن عميرة، عن رجل، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (من قرأ إنا أنزلناه في ليلة القدر، يجهر بها صوته كان كالشاهر سيفه في سبيل الله ومن قرأها سرا كان كالمتشحط بدمه في سبيل الله ومن قرأها مرات غفرت له على نحو ألف ذنب من ذنوبه).

[ 60 ]

* الأصل: 7 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان بن يحيى، عن يعقوب ابن شعيب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (كان أبي صلوات الله عليه يقول: * (قل هو الله أحد) * ثلث القرآن * (وقل يا أيها الكافرون) * ربع القرآن). * الشرح: قوله: (* (قل هو الله أحد) * ثلث القرآن) كان المراد أن له أجرا مقدرا يملكه القارئ من باب الإستحقاق إلا أنه تعالى يضاعف ثوابه من باب التفضل بقدر أجر يستحقه قارئ الثلث وإن كان لقارئ الثلث أيضا ثواب مضاعفا بمقتضى الوعد الصادق وبالجملة ثوابه مع التضعيف مثل أجر الثلث بدونه وكذا ثوابه ثلاث مرات معه مثل أجر ختمة بدونه وإن كان ثواب الثلث والختم بالتضعيف وبدونه أكثر من أجره بإعتبار الإستحقاق بدونه وحينئذ لا يرد أن كون أجره مرة كأجر الثلث وثلاث مرات كأجر الختم خلاف الإجماع والمنقول من " أن أفضل الأعمال أحمزها " وأنه لو كان كذلك لآثروا قراءته على قراءة الثلث والكل طلبا للتسهيل والله يعلم، واعلم أن مثل هذا الحديث رواه مسلم عن قتادة أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " إن الله جزأ القرآن ثلاثة أجزاء فجعل * (قل هو الله أحد) * جزءا من أجزاء القرآن ". وعن أبي هريرة " ان النبي (صلى الله عليه وآله) قال: أحشدوا أي اجتمعوا فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن فحشد من حشد فقرأ * (قل هو الله) * " وهم اختلفوا في توجيه ذلك وقال بعضهم: كان ثلث القرآن لأنه ثلاثة أنحاء قصص وأحكام وصفات و * (قل هو الله أحد) * مشتملة على الصفات فهي ثلثه بهذا الإعتبار، وقال بعضهم: ثواب قراءتها يعدل ثواب ثلث القرآن دون تضعيف أي يعدل ثواب ثلث ختمه ليس فيها * (قل هو الله أحد) *، وقال بعضهم: إنما قال ذلك لرجل بعينه قصده، وقيل: لمن ردد قرأتها فحصل له من قراءتها قدر قراءة ثلث القرآن ولا يخفى عليك بعد هذين القولين وتنافيهما لحديث احشدوا لقراءته (صلى الله عليه وآله) مرة واحدة، وقال بعضهم: معنى يعدل ثلث القرآن أن ما رتب من الثواب على ختمه واحدة ثلثه لها وثلثاه لبقيتها وليس معناه أن من قرأها وحدها يكون له مثل ثواب ثلث كل القرآن ولو كان كذلك لآثر العلماء قراءتها على قراءة السور الطوال في الصلاة ولم يفعلوا وقد أجمعوا على أن من قرأها ثلاث مرات لا يساوي في الأجر من أحيى الليل ختم القرآن وهذا كالثواب المترتب على الصلاة أكثره للنية وباقيه لغيرها من قيام وقعود وغيرهما لحديث " نية المؤمن خير من عمله " وفيه نظر لأن الإجماع المذكور غير مسلم بل من كررها ثلاثا يكون له ثواب ختمه وعدم إثار العلماء قراءتها على قراءة السور الطوال لأن المطلوب الثواب والتدبر والإتعاظ واقتباس الأحكام.

[ 61 ]

(* (قل يا أيها الكافرون) * ربع القرآن) لعل الوجه فيه أن القرآن نزل على أربعة أرباع ربع في المؤمنين وربع في الكافرين وربع في السنن والأمثال وربع في الفرائض والأحكام وهذه السورة مشتملة على ربع الكافرين وسائر الوجوه المذكورة للتوحيد جارية هنا أيضا. * الأصل: 8 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن علي، عن الحسن بن الجهم، عن إبراهيم بن مهزم، عن رجل سمع أبا الحسن (عليه السلام) يقول: (من قرأ آية الكرسي عند منامه لم يخف الفالج إن شاء الله ومن قرأها في دبر كل فريضة لم يضروه ذو حمة وقال: من قدم * (قل هو الله أحد) * بينه وبين جبار منعه الله عزوجل منه، يقرأها من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، فإذا فعل ذلك رزقه الله عزوجل خيره ومنعه من شره، وقال: إذا خفت أمرا فاقرأ مائة آية من القرآن من حيث شئت ثم قل: اللهم اكشف عني البلاء - ثلاث مرات). * الشرح: قوله: (من قرأ آية الكرسي) الظاهر إلى * (هم فيها خالدون) * وهي تجمع أصول الأسماء والصفات من الإلهية والحياة والوحدانية والعلم والملك والقدرة والإرادة. (عند منامه) حين أخذ مضجعه أو أراد النوم (لم يخف الفالج: إن شاء الله) ذلك اليوم، والليلة أو مطلقا إذا اعتاد قراءتها أو مطلقا. والفالج داء معروف يرخى بعض البدن لإنصباب خلط بلغمي تنسد منه مسالك الروح. (ومن قرأها في دبر كل فريضة لم يضره ذو حمة) الحمة بالضم والتخفيف وقد تشدد السم ويطلق على أبرة العقرب والزنبور وناب الحية للمجاورة لأن السم يخرج منها وأصلها حموا وحمى بوزن صرد والهاء فيها عوض من الواو أو لياء. * الأصل: 9 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن علي، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (من قرأ مائة آية يصلي بها في ليلة كتب الله عزوجل له بها قنوت ليلة، ومن قرأ مائتي آية في غير صلاة لم يحاجه القرآن يوم القيامة، ومن قرأ خمسمائة آية في يوم وليلة في صلاة النهار والليل كتب الله عزوجل له في اللوح المحفوظ قنطارا من [ ال‍ ] حسنات والقنطار ألف ومائتا وقية، والوقية أعظم من جبل احد). * الشرح: قوله: (من قرأ مائة آية) حيث شاء (يصلي بها في ليلة) في نافلة وكذا إن قرأ سورة مشتملة على مائة آية في فريضة.

[ 62 ]

(كتب الله له بها قنوت ليلة) أي عبادتها أو صلاتها أو قيامها بالطاعة (ومن قرأ مائتي آية) حيث شاء على الترتيب أو مطلقا إذا كانت كل واحدة تامة. (لم يحاجه القرآن يوم القيامة) أي لم يخاصمه فيما ضيعه وأعرض عنه (ومن قرأ خمسمائة آية في صلاة النهار والليل) في فريضة أو نافلة أو فيهما. (كتب الله له عز وجل في اللوح المحفوظ قنطارا من حسنات والقنطار ألف ومائتا أوقية والوقية أعظم من جبل احد) هذا التفسير للقنطار يخالف التفسير المذكور في باب ثواب قراءة القرآن وهو أن القنطار خمسة عشر ألف مثقال من ذهب المثقال أربعة وعشرون قيراطا أصغرها مثل جبل احد وأكبرها ما بين السماء والأرض، وفسره هنا بألف ومائتي أوقية، قال في الصحاح: الأوقية في الحديث أربعون درهما وكذلك كان فيما مضى فأما اليوم فما يتعارفها الناس ويقدر عليه الأطباء والأوقية عندهم وزن عشرة دراهم وخمسة أسباع درهم وهو أستار وثلثا أستار فالقنطار بالتفسير المذكور هنا ثمانية وأربعون ألف درهم وهو أكثر من القنطار المذكور سابقا وكل قنطار درهم وثلاثة أسباع درهم ويمكن أن يقال ليس المراد بالأوقية هنا - يعني في تقدير الثواب - الأوقية المتعارفة عند الناس لغة وعرفا أعني ما قدروها بأربعين درهما بل المراد بها ما هو أعظم من جبل احد وقد أشرنا إلى نظير ذلك سابقا فليتأمل. * الأصل: 10 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن حسان، عن إسماعيل بن مهران، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن منصور بن حازم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (من مضى به يوم واحد فصلى فيه بخمس صلوات ولم يقرأ فيها ب‍ * (قل هو الله أحد) * قيل له: يا عبد الله لست من المصلين). * الشرح: قوله: (من مضى به يوم واحد فصلى فيه خمس صلوات) مفروضات (ولم يقرأ فيها ب‍ * (قل هو الله أحد) * قيل له: يا عبد الله لست من المصلين) في هذا اليوم والمقصود نفي الكمال وفيه مبالغة على قراءته في الصلوات وعلى أنه لا ينبغي أن يترك في الصلوات اليومية كلها وقد وقع النهي في بعض الروايات عن قراءة سورة واحدة في الركعتين إلا سورة التوحيد وفي روايات العامة أيضا دلالة على ذلك روى مسلم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعث رجلا على سرية وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم ب‍ * (قل هو الله أحد) * فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: " سلوه لأي شئ فعل ذلك " ؟ فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن فأنا أحب أن أقرأها فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) " أخبروه أن الله يحبه ".

[ 63 ]

* الأصل: 11 - وبهذا الإسناد، عن الحسن بن يوسف بن عميرة، عن أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع أن يقرأ في دبر الفريضة ب‍ * (قل هو الله أحد) *، فإنه من قرأها جمع الله له خير الدنيا والآخرة، وغفر له ولوالديه وما ولدا). * الشرح: قوله: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر) إيمانا كاملا لا يتصف بالنقص (فلا يدع أن يقرأ) أمر أو خبر (في دبر الفريضة) الظاهر المتبادر هو الترغيب إلى قراءتها بعد الفراغ منها وقد ذكر فضل التعقيب به في بعض الروايات وإحتمال الحث على قراءتها بعد الحمد كما في السابق بعيد. * الأصل: 12 - عنه، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، رفعه قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): (إن سورة الانعام نزلت جملة شيعها سبعون ألف ملك حتى انزلت على محمد (صلى الله عليه وآله) فعظموها وبجلوها فإن اسم الله عزوجل فيها في سبعين موضعا ولو يعلم الناس ما في قراءتها ما تركوها). * الشرح: قوله: (فعظموها أو بجلوها) أمر أو خبر، والتبجيل التعظيم فالعطف للتفسير والتأكيد ويحتمل أن يكون من البجل بالتحريك وهو الحث والكفاية أي اجعلوها بالمداومة عليها كفاية لأموركم. * الأصل: 13 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام). ان النبي (صلى الله عليه وآله) صلى على سعد بن معاذ فقال: لقد وافى من الملائكة سبعون ألفا وفيهم جبرئيل (عليه السلام) يصلون عليه فقلت له: يا جبرئيل بما يستحق صلاتكم عليه ؟ فقال: بقراءته * (قل هو الله أحد) * قائما وقاعدا وراكبا وماشيا وذاهبا وجائيا). * الشرح: قوله: (لقد وافى من الملائكة سبعين ألفا) (كذا) أي أتاهم يقول: وافيت القوم إذا أتيتهم أو أشرف وأطلع عليهم. * الأصل: 14 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمد بن بشير، عن عبيدالله الدهقان، عن درست، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من قرأ * (ألهكم التكاثر) * عند النوم وقي فتنة القبر).

[ 64 ]

* الشرح: قوله: (من قرأ (ألهكم التكاثر) * عند النوم وقى فتنة القبر) هي ما يمتحن به الميت في القبر من ضغطه ومسائلة منكر ونكير وغير ذلك مما يؤذيه. * الأصل: 15 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن عبد الله بن الفضل النوفلي رفعه قال: (ما قرئت الحمد على وجع سبعين مرة إلا سكن). * الشرح: قوله: (ما قرئت الحمد على وجع سبعين مرة إلا سكن) الظاهر أن قرئت مبني للمفعول والتأنيث بإعتبار السورة والحمد شفاء من كل داء وسيجئ من لم يبرأه الحمد لم يبرأه كل شئ وهذا أمر متفق عليه بين العامة والخاصة روى مسلم بإسناده عن أبي سعيد الخدري " أن ناسا من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) كانوا في سفر فمروا بحي من أحياء العرب فاستضافوهم فلم يضيفوا، فقالوا لهم: هل فيكم راق ؟ فإن سيد الحي لديغ أو مصاب، فقال رجل منهم: نعم فأتاه فرقاه بفاتحة الكتاب فبرء الرجل فأعطي قطيعا من غنم فأبى أن يقبلها، وقال: حتى أذكر ذلك للنبي (صلى الله عليه وآله) فذكر ذلك له، فقال: يا رسول الله ما رقيت إلا بفاتحة الكتاب فتبسم، وقال: (ما أدريك أنها رقية) ثم قال: " خذوا منهم " وفي بعض رواياتهم حين قال له: وما أدريك أنها رقية يعني أي شئ أعلمك أنها رقية قال: يا رسول الله شئ ألقى في روعي قبل وكان الرجل أخذ ذلك من أنها خصت بأمور ومشتملة على علوم القرآن من الثناء على الله تعالى والأمر بالعبادة والإخلاص فيها والإعتراف بالعجز على القيام بشئ منها إلا بإعانة الله تعالى وهم قد اختلفوا فقيل: أن كلها رقية نظرا إلى ظاهر الرواية المذكورة وقيل: موضع الرقية منها * (إياك نعبد وإياك نستعين) *. * الأصل: 16 - علي بن إبراهيم، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (لو قرئت الحمد على ميت سبعين مرة ثم ردت فيه الروح ما كان ذلك عجبا). * الأصل: 17 - عنه، عن أحمد بن بكر، عن صالح، عن سليمان الجعفري، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سمعته يقول: (ما من أحد في حد الصبي يتعهد في كل ليلة قراءة * (قل أعوذ برب الفلق) * و * (قل أعوذ برب الناس) * كل واحدة ثلاث مرات و * (قل هو الله أحد) * مائة مرة فإن لم يقدر فخمسين إلا صرف الله عزوجل عنه كل لمم أو عرض من أعراض الصبيان والعطاش وفساد المعدة وبدور

[ 65 ]

الدم أبدا ما تعوهد بهذا حتى يبلغه الشيب فإن تعهد نفسه بذلك أو تعوهد كان محفوظا إلى يوم يقبض الله عزوجل. * الشرح: قوله: (ما من أحد في حد الصبي يتعهد في كل ليلة قراءة * (قل أعوذ برب الفلق) * و * (قل أعوذ برب الناس) *) المعوذتان من القرآن لدلالة الرواية من العامة والخاصة عليه أما من طرق الخاصة فلما سيجئ من رواية صابر مولى بسام قال أمنا أبو عبد الله (عليه السلام) في صلاة المغرب فقرأ المعوذتين ثم قال (هما من القرآن) وأما من طرق العامة فلما رواه مسلم عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (ألم تر آيات أنزلت الليلة لم أر مثلهن قط * (قل أعوذ برب الفلق) * و * (قل أعوذ برب الناس) *) ولم يقل أحد بخلاف ذلك إلا ما نقل عن ابن مسعود ولم يثبت وما نقل عن بعض أن لفظة قل ليست من السورتين وإنما أمر أن يقول فقال وقال بعض العامة والإجماع وكتبها في المصحف يرده، وقيل: قوله " لم ير مثلهن " معناه أنه لم يكن سورة آياتها كلها تعويذ من شر الأشرار غيرهما ولذا كان النبي (صلى الله عليه وآله) يتعوذ من شر الجن والإنس بغيرهما فلما نزلتا ترك التعوذ بما سواهما ولما سحر استشفى بهما، وقيل: معناه لم " ير مثلهن " في الفضل ولا بما نقل في الحمد وآية الكرسي ونحوهما لأنه عام مخصوص. (كل واحد ثلاث مرات) بأن يقرأ الأولى ثلاث مرات ثم الثانية كذلك أو يقرأهما متواليتين ثم يستأنف كذلك مرتين. (و * (قل هو الله أحد) * مائة مرة فإن لم يقدر فخمسين) لعل المراد بعدم القدرة حصول المشقة أو المانع أو كلال النفس وتضجرها (إلا صرف الله عز وجل عنه كل لمم) اللمم طرف من الجنون يلم بالإنسان أي يقرب منه ويعتريه وأيضا صغار الذنوب ومقاربة معصية من غير إيقاع فعل ونوازل الدهر ومخاطرات النفس ووسوة الشيطان. (أو عرض من أعراض الصبيان) وهي ما يعرضهم فيه من الجن وغيره من الآفات. والعرض بالتحريك ما يعرض الإنسان من مرض ونحوه. (والعطاش وفساد المعدة وبدورة الدم أبدا ما تعوهد بهذا حتى يبلغه الشيب) العطاش بالضم: داء يصيب الإنسان ويشرب ولا يروي، والمعدة ككلمة وبالكسر موضع الطعام قبل انحدار إلى الأمعاء وهي للإنسان بمنزلة الكرش للأظلاف والأخفاف، والبدورة والبدور كما في بعض النسخ الإسراع والحدة ولعل المراد بها غلبته بحيث لا يقدر على معالجته ودفعه. (فإن تعهد نفسه بذلك أو تعوهد) بأن يقرأ هوءان قدر أو يقرأ عليه إن لم يقدر وكون الترديد من

[ 66 ]

الراوي وإن ناسبه السابق بعيد. (كان محفوظا) من المكاره المذكورة أو مطلقا (إلى يوم يقبض الله عز وجل نفسه) دل على أن المراد بقوله " حتى يبلغه الشيب " آخر العمر. * الأصل: 18 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن الحسين بن أحمد المنقري قال: سمعت أبا إبراهيم (عليه السلام) يقول: (من استكفى بآية من القرآن من الشرق إلى الغرب كفى إذا كان بيقين). * الشرح: قوله: (من استكفى بآية من القرآن.. اه) يعني من طلب الكفاية من شر أهل الشرق إلى الغرب كفى من شرهم (إذا كان بيقين) وهو أصل لحصول المطالب بالدعاء والقراءة وغير موجود في بعض النسخ. * الأصل: 19 - الحسين بن محمد، عن أحمد بن إسحاق، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا، عن بكر بن محمد الأزدي، عن رجل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في العوذة قال: (تأخذ قلة جديدة فتجعل فيها ماء ثم تقرأ عليها * (إنا أنزلناه في ليلة القدر) * ثلاثين مرة ثم تعلق وتشرب منها وتتوضأ ويزداد فيها ماء إن شاء الله). * الشرح: قوله: في العوذة قال: (تأخذ قلة جديدة) العوذ الإلتجاء وبالهاء الرقية، والقلة بالضم، الحب العظيم أو الجرة العظيمة أو عامة أو من الفخار والكوز الصغير ضد كذا في القاموس (تجعل فيها ماء ثم تقرأ * (إنا أنزلناه في ليلة القدر) * ثلاثين مرة) الأولى أن يكون القراءة متوالية من غير نفث ولا نفخ ولا نقل وثم هنا لمجرد الترتيب من غير إعتبار مهلة. (ثم يعلق) في الكنز التعليق " در آويختن " (ويزداد فيها ماءأن شاء) ليمتزج بالباقي ويؤثر للمجموع تأثيره. * الأصل: 20 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن إدريس الحارثي، عن محمد بن سنان، عن مفضل بن عمر قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): (يا مفضل احتجز من الناس كلهم ب‍ * (بسم الله الرحمن الرحم) * و ب‍ * (قل هو الله أحد) اقرأها عن يمينك وعن شمالك ومن بين يديك ومن خلفك ومن فوقك ومن تحتك، فإذا دخلت على سلطان جائر فاقرأها حين تنظر إليه ثلاث مرات واعقد بيدك اليسرى ثم

[ 67 ]

لا تفارقها حتى تخرج من عنده. * الشرح: (احتجز من الناس كلهم) أي امتنع من شرهم من الحجز بمعنى المنع (ب‍ * (بسم الله الرحمن الرحيم) * وب‍ * (قل هو الله أحد) *) الظاهر وحدة التسمية والتعدد محتمل. (اقرأها عن يمينك وعن شمالك ومن بين يديك ومن خلفك ومن فوقك ومن تحتك) الظاهر هو الترتيب المذكور مع إحتمال تقديم القراءة بين اليدين على اليمين، ثم اليسار على الخلف، ولعل المعتبر في الفوق والتحت رفع الرأس وخفضه وفي الجهات الباقية التوجه بالوجه ومقاديم البدن إليها مع إحتمال الإكتفاء بالقصد في الجميع (ثم لا تفارقها حتى تخرج من عنده) نفى أو نهى أي لا تفارق قراءة التوحيد وعقد اليسري والتخصيص بأحدهما بعيد. * الأصل: 21 - محمد بن يحيى، عن عبد الله بن جعفر، عن السياري، عن محمد بن بكر عن أبي الجارود، عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه أنه قال: (والذي بعث محمد 9 بالحق وأكرم أهل بيته ما من شئ تطلبونه من حرز من حرق أو غرق أو سرق أو إفلات دابة من صاحبها أو ضالة أو آبق إلا وهو في القرآن، فمن أراد ذلك فليسألني عنه) قال: فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عما يؤمن من الحرق والغرق ؟ فقال: اقرأ هذه الآيات * (الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين) * * (وما قدروا الله حق قدرة) * - إلى قوله - سبحانه تعالى * (وعما يشركون) * فمن قرأها فقد أمن الحرق والغرق) قال: فقرأها رجل واضطرمت النار في بيوت جيرانه وبيته وسطها فلم يصبه شئ، ثم قام إليه آخر فقال: يا أمير المؤمنين إن دابتي استصعبت علي وأنا منها على وجل، فقال: (اقرأ في اذنها اليمنى * (وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون) *) فقرأها فذلت له دابته وقام إليه رجل آخر فقال: يا أمير المؤمنين إن أرضي أرض مسبعة وإن السباع تغشى منزلي ولا تجوز حتى تأخذ فريستها. فقال: إقرأ * (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم * فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم) * فقرأهما الرجل فاجتنبته السباع ثم قام إليه آخر فقال: يا أمير المؤمنين إن في بطني ماء أصفر فهل من شفاء ؟ فقال: (نعم بلا درهم ولا دينار ولكن اكتب على بطنك آية الكرسي وتغسلها وتشربها وتجعلها ذخيرة في بطنك فتبرأ بإذن الله عز وجل) ففعل الرجل فبرأ باذن الله، ثم قام إليه آخر

[ 68 ]

فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن الضالة ؟ فقال: (إقرأ يس في ركعتين وقل: يا هادي الضالة رد علي ضالتي) ففعل فرد الله عزوجل عليه ضالته، ثم قام إليه آخر فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن الآبق ؟ فقال: (اقرأ * (أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج) * - إلى قوله: - * (ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور) *. فقالها الرجل فرجع إليه الآبق، ثم قام إليه آخر فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن السرق فإنه لا يزال قد يسرق لي الشئ بعد الشئ ليلا ؟ فقال له: (اقرأ إذا أويت إلى فراشك * (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن) * - إليه قوله: * (وكبره تكبيرا) * ثم قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (من بات بأرض قفز فقرأ هذه الآية * (إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش) * - إلى قوله: تبارك الله رب العالمين) * حرسته الملائكة وتباعدت عنه الشياطين) قال: فمضى الرجل فإذا هو بقرية خراب فبات فيها ولم يقرأ هذه الآية فتغشاه الشيطان وإذا هو آخذ بخطمه فقال له صاحبه: أنظره واستيقظ الرجل فقرأ الآية فقال الشيطان لصاحبه: أرغم الله أنفك احرسه الآن حتى يصبح فلما أصبح رجع إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فأخبره وقال له: رأيت في كلامك الشفاء والصدق، ومضى بعد طلوع الشمس، فإذا هو بأثر شعر الشيطان مجتمعا في الأرض. * الشرح: قوله: (من حرق أو غرق أو سرق) هذه الثلاثة بفتح الراء وقد تسكن في الأولين وتكسر في الأخير مصادر وقد يطلق الأول على النار أيضا. * (الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين) * هذه الآية في سورة الأعراف وصدرها * (إن ولي الله الذي) * وفي عدم ذكره إيماء إلى جواز الإقتصار في التعويذ على ما ذكر والظاهر أن ذكره أولى * (وما قدروا الله حق قدره) * في سورة الزمر * (وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون) * وقد مر تفسيره، والظاهر أن الأثر وهو الأمن من الحرق والغرق مترتب على مجموع الآيتين وترتبه على كل واحدة منهما أيضا محتمل. * (ولقد جاءكم رسول) * التنكير للتعظيم * (من أنفسكم) * أي من نوعكم وهو صفة لرسول أو متعلق بجاء * (عزيز عليه ما عنتم) * ما مصدرية أي شاق شديد عليه ولحوق الإثم والهلاك والفساد والمشقة بكم * (حريص عليكم) * أي على إيمانكم بالله وصلاحكم وهدايتكم إليه. * (بالمؤمنين) * منكم * (رؤوف رحيم) * ذكر الرحمة بعد الرأفة وهي أشد الرحمة من باب ذكر العام بعد الخاص * (فإن تولوا) * عنك وأعرضوا عن الإيمان بك * (فقل حسبي الله) * أي يكفي عنكم

[ 69 ]

وينصرني عليكم. * (لا إله إلا هو) * كالدليل على السابق * (عليه توكلت) * في جميع الأمور فلا أرجو غيره ولا أطلب النصر إلا منه * (وهو رب العرش العظيم) * أي الملك العظيم أو الجسم المحيط. * (ولكن اكتب على بطنك آية الكرسي) * إلى * (العلي العظيم) * والأولى * (إلى هم فيها خالدون) * والأفضل أن يكون الكتابة بتربة الحسين (عليه السلام) لما روي من أنه شفاء. (وتغسلها وتشريها وتجعلها ذخيرة في بطنك) الذخيرة ما يبقى ويحفظ من الطعام والشراب مثلا لوقت الحاجة إليه والظاهر أن " في " للتعليل والظرفية محتملة (اقرأ يس في ركعتين) يعني بعد الحمد على الظاهر. (وقل) بعد الفراغ من الركعتين أو قبله على إحتمال (: يا هادي الضالة) يعني إلى طريق الصواب وهو طريق العود إلى صاحبها. (حرسته الملائكة وتباعدت عنه الشياطين) نظيره في كتب العامة قال أبو عبد الله شارح مسلم: شرط حصول تلك الحراسة والتباعد القبول. فمن قاله ورأى خلاف ذلك فهو دليل على أن الله سبحانه لم يقبله وكذا غيره من الأذكار. (وإذا هو آخذ بخطمه) بخطمه بالباء الموحدة في أكثر النسخ وهو من الدابة مقدم أنفها وفيها، وفي بعضها بالياء المثناة التحتانية على صيغة المضارع يقال: خطمه يخطمه إذا ضرب أنفه وخطمه بالخطام إذا جعله على أنفه وإذا جر ليضع عليه الخطام وفي بعضها بلحيته. (فقال الشيطان لصاحبه: أرغم الله أنفك أحرسه الآن حتى يصبح) لعل المراد بصاحبه الذي أمره بالإنظار هو الملك ولو أريد به الشيطان لورد أن الحراسة فعل الملك دون الشيطان كما مر ويمكن دفعه بأنه لا منافاة بين إثبات الحراسة للملك سابقا وللشيطان هنا فليتأمل (فإذا هو بأثر شعر الشيطان مجتمعا في الأرض) دل على أن الشيطان جسم له شعر ويمكن أن يراد بالشعر شعر ذلك الرجل الساقط منه لجذب الشيطان وإضافته إليه لأدنى ملابسة. * الأصل: 22 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن سلمه بن محرز قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: (من لم يبرأه الحمد لم يبرأه شئ). * الأصل: 23 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن إسماعيل بن مهران، عن صفوان بن يحيى، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: (من قرأ إذا أوى إلى فراشه: * (قل يا أيها الكافرون) *

[ 70 ]

و * (قل هو الله أحد) * كتب الله عزوجل له براءة من الشرك). * الأصل: 24 - علي من إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن معبد، عن أبيه، عمن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: (لا تملوا من قراءة * (إذا زلزلت الأرض زلزالها) * فانه من كانت قراءته بها في نوافله لم يصبه الله عزوجل بزلزلة أبدا ولم يمت بها ولا بصاعقة ولا بآفة من آفات الدنيا حتى يموت، وإذا مات نزل عليه ملك كريم من عند ربه فيقعد عند رأسه فيقول: يا ملك الموت ارفق بولي الله فإنه كان كثيرا ما يذكرني ويذكر تلاوة هذه السورة، وتقول له السورة مثل ذلك ويقول ملك الموت: قد أمرني ربي أن أسمع له واطيع ولا اخرج روحه حتى يأمرني بذلك فإذا أمرني أخرجت روحه، ولا يزال ملك الموت عنده حتى يأمره بقبض روحه وإذا كشف له الغطاء فيرى منازله في الجنة فيخرج روحه من ألين ما يكون من العلاج، ثم يشيع روحه إلى الجنة سبعون ألف ملك يبتدرون بها إلى الجنة). * الشرح: قوله: (لا تملوا من قراءة * (إذا زلزلت الأرض) *.. الخ) دل على أن الجزاء المذكور مترتب على إكثار القراءة وأخذها عادة فإذا مات يعني إذا حضره الموت.

[ 71 ]

باب النوادر * الأصل: 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن إسماعيل بن مهران، عن عبيس بن هشام، عمن ذكره، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (قراء القرآن ثلاثة: رجل قرأ القرآن فاتخذه بضاعة واستدر به الملوك واستطال به على الناس، ورجل قرأ القرآن فحفظ حروفه وضيع حدوده وأقامه إقامة القدح فلا كثر الله هؤلاء من حملة القرآن ورجل، قرأ القرآن فوضع دواء القرآن على داء قلبه فأسهر به ليله وأظمأ به نهاره وقام به في مساجده وتجافى به عن فراشه، فبأولئك يدفع الله العزيز الجبار البلاء وبأولئك يديل الله عزوجل من الأعداء وبأولئك ينزل الله عزوجل الغيث من السماء فوالله لهؤلاء في قراء القرآن أعز من الكبريت الأحمر). * الشرح: قوله: (فاتخذه بضاعة) هي بالكسر قطعة من المال تعد للتجارة يعني اتخذ القرآن رأس ما يطلب منه المنافع والأرباح عند الناس. (واستدر به الملوك.. اه) استدر الشئ إذا استجلبه يعني استجلب بسبب القرآن المال من الملوك واستطال بسببه على الناس لكثرة المال وعزة السلاطين له. (ورجل قرأ القرآن فحفظ حروفه) وكلماته وحركاته وسكناته وغيرهما مما يعد من المحسنات اللفظية والإعتبارات العربية. (وضيع حدوده) بترك ما نطق به من الأوامر والنواهي والأخلاق والمواعظ والآداب والأمثال (وإقامة القدح) القدح بالكسر السهم قبل أن يراش وينصل وهذا تأكيد لحفظ الحروف وتضييع الحدود جميعا إذ فيه حفظ لبعض الحقوق وترك لأعظمها كما في القدح وكذا إن قرأ القدح بالتحريك لأنه انتفع به من بعض الوجوه وضيعه من وجه آخر حيث جعله وراء ظهره كما ينتفع أحد من القدح ويشرب منه ثم يعلقه في آخر رحله عند ترحاله ويجعله خلفه وإليه أشار (صلى الله عليه وآله) بقوله: " ولا تجعلوني كقدح الراكب ". * الأصل: 2 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا عن ابن محبوب، عن أبي حمزة، عن أبي يحيى، عن الأصبغ بن نباتة قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: (نزل القرآن أثلاثا: ثلث فينا وفي عدونا، وثلث سنن وأمثال، وثلث فرائض وأحكام).

[ 72 ]

* الشرح: قوله (نزل القرآن أثلاثا.. اه) الغرض منه هو الإخبار عما في الواقع مع الحث على الإقرار بالولاية والبراءة من أعدائها والإتعاظ بالعبر والأمثال والعمل بالسنن والفرائض والأحكام وينبغي أن يعلم أن مثل هذا التقسيم وهو تقسيم الكل إلى الأجزاء قد يتفاوت بحسب الإعتبار ولا يجب فيه التساوي في المقدار. نعم لابد من عدم خروج جزء منه فلو دخل جزء في جزء أو عد جزئين جزءا لصح فلذلك دخل الثلث الأول من هذا التقسيم في الربع الأخير من التقسيم الثاني إذ فصل ما بينكم يشمله وجعل هذا الثلث جزئين في التقسيم الثالث حيث قال (عليه السلام) (ربع فينا وربع في عدونا) ومن هذا تبين أنه لا منافاة بين هذا التقسيم والتقسيمين الباقيين له وأنه لا يرد أن القرآن سبعة عشر ألف آية كما سيجئ وآيات الفرائص والأحكام خمسمائة فكيف يكون ثلثه ؟. * الأصل: 3 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحجال، عن علي بن عقبة، عن داود بن فرقد، عمن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (إن القرآن نزل أربعة أرباع: ربع حلال، وربع حرام، وربع سنن وأحكام، وربع خبر ما كان قبلكم ونبأ ما يكون بعدكم وفصل ما بينكم). * الأصل: 4 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان، عن إسحاق بن عمار عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (نزل القرآن أربعة أرباع: ربع فينا، وربع في عدونا، وربع سنن وأمثال، وربع فرائض وأحكام). * الأصل: 5 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، وسهل بن زياد، عن منصور بن العباس، عن محمد ابن الحسن السري، عن عمه علي بن السري، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (أول ما نزل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) * (بسم الله الرحمن الرحيم اقرأ باسم ربك) * وآخره * (إذا جاء نصر الله) *. * الشرح: قوله: (إن أول ما نزل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) * (بسم الله الرحمن الرحيم اقرأ باسم ربك) *) مثله في رواية العامة وفيه دلالة على أن البسملة جزء من هذه السورة وتأويل الشاطبي بأنه دليل على أنه لابد منها لا على أنه جزء من السورة بعيد جدا وفي بعض رواياتهم أن أول ما نزل * (اقرأ باسم ربك) * واستدل بعضهم بذلك على أن البسملة ليست من السورة لأن اقرء أول سورة نزلت ثم قال فيه دلالة على بطلان مذهب الشافعي وهو أن البسملة آية من كل سورة أقول فيه نظر من وجهين: الأول أن

[ 73 ]

المذكور في الرواية أن * (اقرأ باسم ربك) * أول ما نزل وليس فيها أنه أول سورة نزلت فيجوز أن يكون البسملة نزلت بعد ذلك وقد صح عندهم أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان إذا نزلت آية يقول: (اجعلوها في موضع كذا) ولعله قال في البسملة: (اجعلوها في كل سورة فهي جزء منه.) ومما يدل على ذلك أنهم قالوا أول ما نزل اقرأ إلى قوله تعالى * (ما لم يعلم) * ثم نزل * (يا أيها المزمل) * و * (يا أيها المدثر) * فكما أن بقية السورة نزلت بعد ذلك ثم ضم مع ما نزل أولا ثم صار جزءا للسورة فكذلك نزول البسملة بعد ضمها إلى ما نزل أولا لا ينافي أن يكون جزءا من السورة والثاني: يجوز أن يكون * (اقرأ باسم ربك) * علما للسورة التي أولها البسملة فلا دلالة في الرواية على أن البسملة ليست جزءا من السورة قطعا. (وآخره) أي آخر ما نزل * (إذا جاء نصر الله) * اختلف العامة في أول سورة (1) نزلت كاملة فقيل: براءة وقيل * (إذا جاء نصر الله) * وكانوا يسمونها بسورة التوديع واختلفوا في وقت نزولها على أقوال: أشبهها أنها نزلت في حجة الوداع، ثم نزل بعدها * (اليوم أكملت لكم دينكم) * فعاش بعدها ثمانين يوما ثم نزلت بعدها آيت الكلالة * (يستفتونك.... في الكلالة) * فعاش بعدها خمسين يوما ثم نزل بعدها * (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) * فعاش بعدها خمسة وثلاثين يوما وقيل: سبعة أيام. * الأصل: 6 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، وعلي بن محمد، عن القاسم بن محمد، عن سليمان بن داود عن حفص بن غياث، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله عزوجل: * (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) * وإنما انزل في عشرين سنة بين أوله وآخره ؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام): (نزل القرآن جملة واحدة في شهر رمضان إلى البيت المعمور ثم نزل في طول عشرين سنة، ثم قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله): نزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من شهر رمضان وانزلت التوراة لست مضين من شهر رمضان وانزل الانجيل لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر رمضان وانزل الزبور لثمان عشر خلون من شهر رمضان وانزل القرآن في ثلاث وعشرين من شهر رمضان). * الشرح: قوله: (وإنما انزل) القرآن (في عشرين سنة) الغرض منه بيان طول زمان النزول لا تحديد زمانه بحسب الواقع أو أهمل ذكر الكسر بحسب المتعارف وإلا فهو أنزل في ثلاثة وعشرين سنة. (وأنزل القرآن في ثلاث وعشرين من شهر رمضان) هذا مع قوله تعالى: * (إنا أنزلناه في ليلة


1 - في بعض النسخ " آخر سورة ". (*)

[ 74 ]

القدر) * دليل واضح على أن ليلة القدر ثلاث وعشرين من شهر رمضان ويدل عليه روايات أخر. * الأصل: 7 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن عيسى، عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (لا تتفأل بالقرآن). * الشرح: قوله: (لا تتفأل بالقرآن) التفاؤل مهموز فيما يسر ويسوء يقال: تفألت بالتشديد وتفألت بالتخفيف وتفايلت بالقلب وقد أولع الناس بترك همزة تخفيفا وقالوا الفال بوزن المال والفال بالقرآن متصور بوجوه الاول أن يقصد مطلبا ويسمع مقارنا له آية يستنبطه منها الخير والشر أو من أول حرف منها كما يفعله أصحاب الحروف الناظرون إلى خواصها، الثاني أن يفتح المصحف ويستنبط الخير والشر من الآية الأولى في الصفحة اليمنى أو من أول حرف منها، الثالث أن يفتحه ويعد اسم الله في الصفحة اليمنى ويعد بعدده أوراقا من اليسرى وبعدده سطورا من اليسرى وينظر إلى أية بعد تلك السطور أو إلى أول حرف منها ولعل النهي عنه محمول على الكراهية جميعا بينه وبين ما دل على الجواز مع أن الخلف والسلف عملوا به ولم ينكر عليهم من يعتد به وقد صرح بذلك جماعة من المفسرين منهم صاحب الكشاف في آية الإستقسام بالأزلام ومن المعاصرين من حمل النهي على التحريم وخصه بذكر الأمور الغيبية وبيان الأشياء الخفية هذا حال التفأول بالقرآن وأما التفأول بديوان الشعراء كما هو المتعارف عند العوام فالظاهر أنه حرام وأنه من الأزلام والله يعلم. * الأصل: 8 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن محمد بن الوراق قال: عرضت على أبي عبد الله (عليه السلام) كتابا فيه قرآن مختم معشر بالذهب وكتب في آخره سورة بالذهب فأريته إياه فلم يعب شيئا إلا كتابة القرآن بالذهب وقال: (لا يعجبني أن يكتب القرآن إلا بالسواد كما كتب أول مرة). * الأصل: 9 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن عيسى، عن ياسين الضرير عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (قال تأخذ المصحف في الثلث الثاني من شهر رمضان فتنشره وتضعه بين يديك وتقول: " اللهم إني أسألك بكتابك المنزل وما فيه وفيه اسمك الأعظم الأكبر واسماؤك الحسنى وما يخاف ويرجى أن تجعلني من عتقائك من النار " وتدعو بما بدالك من

[ 75 ]

حاجة. * الأصل: 10 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن سالم، عن أحمد بن النضر، عن عمر وابن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (لكل شئ ربيع وربيع القرآن شهر رمضان). * الشرح: قوله: (لكل شئ ربيع وربيع القرآن شهر رمضان) سمي شهر رمضان ربيع القرآن وشبهه بربيع الأزمنة وهو أول ما يظهر فيه النور والكمأة إلى أن يدرك الثمار والوجه نشاط القلوب في شهر رمضان وميلها إلى تلاوة القرآن ومشاهدة أسراره كنشاطها وميلها إلى مشاهدة الربيع ومشاهدة أزهاره وأنواره وأثماره أو نمو أجر التلاوة وثواب القراءة فيه زيادة على غيره من الشهور كنمو النباتات والأشجار والأثمار والله يعلم. * الأصل: 11 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن سنان أو عن غيره، عمن ذكره قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن القرآن والفرقان أهما شيئان أو شئ واحد ؟ فقال (عليه السلام): (القرآن جملة الكتاب والفرقان المحكم الواجب العمل به). * الشرح: قوله: (القرآن جملة الكتاب) القرآن في الأصل مصدر بمعنى الجمع تقول قرأت الشئ قرآنا إذا جمعته، ثم نقل إلى هذا الكتاب لأنه جمع القصص والأمثال، والأمر والنهي، والوعد والوعيد، والسور وغيرهما من الأسرار التي لا تحصيها. قوله: (الفرقان المحكم الواجب العمل به) الفرقان في الأصل مصدر بمعنى الفرق ثم نقل إلى الواجب العمل به على الوجه المطلوب لأنه فارق فاصل بين الواجب والحرام وغيرهما من الأحكام وقد يطلق على جملة الكتاب أيضا لأنه فاصل بين الحق والباطل والمراد بالمحكم الحكم المتقن الباقي إلى آخر الدهر. * الأصل: 12 - الحسين بن محمد، عن علي بن محمد، عن الوشاء، عن جميل بن دراج، عن محمد بن مسلم، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (إن القرآن واحد نزل من عند واحد ولكن الاختلاف يجيئ من قبل الرواة.

[ 76 ]

* الشرح: قوله: (إن القرآن واحد نزل من عند واحد ولكن الإختلاف يجئ من قبل الرواة) (1) لعل المراد القرآن نزل بلغة واحدة على قراءة واحدة هي لغة قريش وقراءتهم يدل عليه قوله تعالى: * (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) * والنبي (صلى الله عليه وآله) كان قريشيا وإنما جاء إختلاف القراءة في اللغاة من قبل الرواة كما تعرفه بعيد ذلك. * الأصل: 13 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن اذينة، عن الفضيل بن يسار، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن الناس يقولون: إن القرآن نزل على سبعة أحرف فقال: (كذبوا أعداء الله ولكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد). * الشرح: قوله: (فقال: كذبوا أعداء الله) التركيب من باب * (وأسروا النجوى الذين ظلموا) * في أن الظاهر يدل من الضمير أو فاعل والضمير علامة الجمعية.


1 - قوله: (لكن الإختلاف يجئ من قبل الرواة) هذه الرواية موافقة لمقتضى العقل والعادة في نقل الكتب ورواياتها والأشعار والخطب وغيرها إذا لم نرى كتابا أو قصيدة أو خطبة حفظ الرواة واتفقوا على جميع ألفاظها وحركاتها وتقديمها وتأخيرها وزيادتها ونقصانها مهما اهتموا بضبطها وحفظها من أولها إلى آخرها يعلم ذلك المتتبعون للكتب القديمة بل الغال إختلاف النسخ في سطور وصفحات أقل أو أكثر من أن المصنف لم يعمل كتابه وشعره إلا على وجه واحد ولو ادعى أن حفظ جميع الرواة لجميع الألفاظ محال لم يبعد لكن لما كان العلم بما هو الواقع محالا لم يؤمر أحد بتحصيله واختياره وجاز الإكتفاء بإحدى الروايات والقرآن احفظ ما بقي وأقل ما وقع الخلاف فيه ولعل إختلاف القراءة فيه مما لا يعبأ به لكونه تافها جدا وشرط ما يقرء أن يكون متواترا عن أحد الأئمة الذين اتفقوا على اتقانهم وضبطهم ممن يعلم أنهم لم يقرؤوا إلا بما تواتر لديهم. وهذا غاية ما يمكن فيه التحري ولذا اتفق المسلمون قاطبة على عدم قبول غير المتواتر وإن القرآن لا يثبت بإخبار الآحاد ولا طريق لنا إلى قراءة أمثال ابن مسعود وأبي بن كعب وغيرهما إلا بطريق الآحاد لعدم شهرة قراءتهم بين الأنام وإنما نقل ما نقل عنهم شاذا وأما قراءة السبعة فكانت مشهورة متداولة في مشارق الأرض ومغاربها من عهدهم إلى زماننا بحيث يمتنع تواطؤ الناقلين عنهم على الكذب عمدا أو سهوا كما يمتنع تواطؤ الناقلين مواضع المشاعر وقبور الأئمة وحدود مسجد النبي (صلى الله عليه وآله) والمسجد الحرام والمسعى وعرفات ومنى وحفظ أيام الأسابيع ولو كنا في زمن الأئمة عليهم السلام وأمكننا تحصيل التواتر على قراءة ابن مسعود مثلا لجاز لنا إختيارها في عرض سائر القراءات لإحتمال وجود القراءة الأولى التي نزل بها جبرئيل فيها وفي غيرها على السواء ولكن لم يبق لنا طريق متواتر إلا إلى السبع ولا يبعد عندي تواتر العشر أيضا وأما ما سواها فلا يجوز لنا قطعا والقراءة المنسوبة إلى النبي (صلى الله عليه وآله) أو الأئمة (عليهم السلام) منقولة لنا أيضا بطريق الآحاد ولا نثق بصحة النسبة والله العالم. (ش) (*)

[ 77 ]

قوله: (ولكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد) لا بأس أن نشير إلى بعض رواياتهم وإختلاف علمائهم وأن طال لإيضاح المقام (1) وللإحاطة بأطراف الكلام فنقول روى مسلم سبع روايات على أن القرآن نزل على سبعة أحرف منها ما رواه عن عمر يقول: سمعت هشام ابن حكيم حزام يقرء سورة الفرقان على غير ما أقرؤها وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) اقرأنيها فكدت أن أعجل عليه ثم أمهلته حتى انصرف ثم كببته بردائه فجئت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقلت: يارسول الله اني سمعت هذا يقرء سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (أرسله يقرأ). فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ فقال: (هكذا أنزلت) ثم قال لي: (اقرء) فقرأت فقال: (هكذا أنزلت إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه) ومنها ما رواه عن أبي بن كعب قال: " أن جبرئيل (عليه السلام) أتى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف فقال: (اسأل الله تعالى معافاته ومغفرته وإن أمتي لا يطيق ذلك) ثم أتاه الثانية فقال: إن الله تعالى يأمرك أن تقرأ أمتك على حرفين فقال: (اسأل الله معافاته ومغفرته فإن أمتي لا يطيق ذلك). ثم جاءه الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف فقال: (أسأل الله معافاته ومغفرته فإن أمتي لا يطيق ذلك) ثم جاءه الرابعة فقال إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف فأيما حرف قرؤوا عليه فقد أصابوا " قال العامة: سبب إنزاله عليها التسهيل والتخفيف على الأمة فلذا قال فاقرؤوا ما تيسر منه " وقال: " أمتي لا يطيق ذلك " واختلفوا فقيل: ليس المعنى الحصر في السبعة لأن بعض الكلمات تقرأ على أكثر من سبعة أوجه وإنما هو توسعة وتسهيل وقال الأكثر هو حصر للعدد في السبعة لأن الزيادة على السبعة وفي بعض الكلمات إما لا


1 - قوله: " وإن طال لإيضاح المقام " ولكن ليس للتطويل فائدة معتد بها لأن الرواية إن كانت صحيحة أو والمراد من السبع سبع قراءات أو سبع لغات أو سبعة أقسام من أصناف المطالب أو غيرها لم يؤثر في تكليفنا في القراءة بعد عصر النبي (صلى الله عليه وآله) إذ الحصول على الواقع محال كما قلنا والإختلاف قليل جدا ولا محيص عن القراءة بهذه القراءات المشهورة فإن اكتفينا بالمتواتر فهو وإلا فيجب تجويز كل ما روي بطريق الآحاد والشواذ ويعظم الخرق ويزيد الإختلاف على ما هو موجود أضعافا مضاعفة وطبع المسلم الموحد يأبى ذلك قطعا. وقد بينا ذلك بالتفصيل في حواشي الوافي فراجع إليه. واعلم أن أمثال هذا الإختلاف في القراءات لو وقعت في غير القرآن من الكتب والأشعار لا يعد اختلافا أصلا مثلا في قول امرئ القيس: " وقوفا بها صحبي على مطيهم " أو مطيهم بضم ياء مطيهم أو فتحها وكذا " الأعم صباحا أيها الطلل البالي " أو " ألا أنعم صباحا " لا يعد إختلافا وإنما الإختلاف المنظور فيها زيادة جملة أو نقصانها أو تبديل كلمة بمغايرتها في الكتاية والتلفظ ولذلك يصح لنا أن ندعي أنه ليس في القرآن إختلاف إذ لو قلنا أن فيه ما في سائر الكتب لذهب الوهم إلى ما هو المتعارف فيها من الإختلاف وليس كذلك (ش) (*)

[ 78 ]

يثبت وأما يكون من قبيل الإختلاف في كيفية الأداء كما في المد والإمالة ونحوهما. واختلفوا أيضا فقالت طائفة منهم: المراد بالأحرف السبعة اللغات لما نقل عن ابن عباس أنه قال " نزل القرآن على سبع لغات " وهؤلاء قد اختلفوا فقال أبو عبيد: ليس المراد أن كل كلمة تقرأ على سبع لغات بل اللغات السبعة مفرقة فيه فبعضه بلغة قريش، وبعضه بلغة هذيل، وبعضه بلغة هوزان، وبعضه بلغة اليمن وغيرهم، وبعض هذه اللغات أسعد بها من بعض وأكثر نصيبا وقال ابن حجر: المراد أن القرآن نزل على سبعة أوجه يجوز أن يقرء بكل وجه منها وليس المراد أن كل كلمة وجملة منه تقرأ على سبعة أوجه بل المراد أن غاية ما ينتهي إليه عدد القراءات في الكلمة الواحدة سبعة فتقرأ الكلمة بوجه وبوجهين إلى سبعة، وقيل: اللغات السبعة كلها من مضر وهم سبع قبائل هذيل وكنانة وقيس وضبة وتيم الرباب وأسد بن خزيمة وقريش وقال أبو حاتم السجستاني: نزل القرآن بلغة هذيل وقريش وتيم الرباب والأزد وربيعة وهوازن وسعد بن بكر وقال ابن قتيبة اللغات السبعة كلها في بطون قريش واحتج بقوله تعالى: * (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) * والنبي (صلى الله عليه وآله) كان قريشيا وبذلك جزم أبو علي الأهوازي ونقل أبو اسامة عن بعض شيوخهم أنه نزل القرآن أولا بلسان قريش ومن جاورهم من الفصحاء ثم أبيح للعرب أن يقرؤوه بلغاتهم التي جرت عادتهم بإستعمالها على خلافهم في الألفاظ والإعراب ولم يكلف أحد منهم الإنتقال من لغة إلى لغة أخرى للمشقة ولما كان فيهم من الحمية وطلب تسهيل فهم المراد مع إتفاق المعنى وعلى هذا ينزل إختلافهم في القراءة. وقال ابن حجر: وتتمة ذلك أن يقال أن الإباحة المذكورة لم تقع بالتشهي أي أن كل أحد يغير الكلمة بمرادفها في لغته بل المراعي في ذلك السماع عن النبي (صلى الله عليه وآله) ويشير إليه قول كل من عمر وهشام في الحديث المذكور: اقرأني النبي (صلى الله عليه وآله) ولكن ثبت عن غير واحد من الصحابة أنه كان يقرأ بالمرادف ولو لم يكن مسموعا له وقال الصحابي: الأحرف السبعة إنما كانت في أول الأمر لإختلاف لغات العرب ومشقة تكلمهم بلغة واحدة فلما كثر الناس والكتب عادت إلى قراءة واحدة وقيل: أجمعوا على أن ليس المراد كما تقدم أن كل لفظ منه يقرأ على سبعة أوجه بل هو غير ممكن بل لا يوجد في القرآن كلمة تقرأ على سبعة أوجه إلا الشئ القليل مثل عبد الطاغوت * (ولا تقل لهما أف) * وحاصل ما ذهب إليه هؤلاء أن القرآن نزل سبع لغات للتوسعة على القارئ بأن يقرأه بأي لغة أراد منها على البدل من صاحبها وذلك للتسهيل إذ لو أخذوا بأن يقرؤوه على لغة واحدة لشق عليهم فلذلك جوز لهم أن يقرؤوه بلغات متعددة وقال بعضهم: أنكر أكثر أهل العلم أن يكون معنى الأحرف اللغات واختلف هؤلاء على أقوال فقيل: هي في المعاني يعني أنه نزل القرآن على

[ 79 ]

سبعة أصناف من المعاني واحتج بحديث ابن مسعود عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (كان الكتاب الأول منزلا من باب واحد على حرف واحد ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف زاجر وآمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال) ورد أولا بعدم ثبوت هذا الحديث من طريق معتبر وثانيا بأن قوله: (زاجر) وما بعده استيناف كلام آخر أي هو يعني القرآن زاجر لا تفسير للأحرف أو تفسير للأبواب لا للأحرف يعني أن القرآن سبعة أبواب من أبواب الكلام وقيل: هي في إختلاف اللفظ وإتحاد المعنى مثل أقبل وأسرع عجل وهلم وتعال وقد جاء هذا مبينا في قوله تعالى: * (كلما أضاء لهم مشوا فيه) * مضوا فيه مروا فيه وقيل: هي في صفة التلاوة الإظهار والإدغام والتخفيف والتفخيم والترقيق والمد والإمالة لأن العرب كانت تختلف لغاتها في هذه الوجوه فسهل الله سبحانه ويسر أن يقرأ كل بلغته. وقيل هي: تبديل خواتم الآي كجعل سميع بصير مكان غفور رحيم وقال محيي الدين: هذا القول فاسد لأنه استقر الإجماع على منع التغيير في القرآن ولو شدد إنسان ما هو مخفف لبادر الناس إلى الإنكار فكيف بتبديل كثيره وكذلك القول الثاني لإجماع المسلمين على إمتناع تبديل آيات الأحكام بآيات الأمثال ورجح القول الثالث وقال ابن قتيبة: المراد التغاير في سبعة أشياء الأول ما يتغير حركته ولا يزول معناه ولاصورته مثل " ولا يضار كاتب ولا شهيد " بنصب الراء ورفعها. الثاني ما يتغير بتغير الفعل مثل " بعد بين أسفارنا " و " باعد بين أسفارنا " بصيغة الطلب والفعل الماضي. الثالث ما يتغير بنقط بعض الحروف المهملة مثل ننشرها بالراء والزاي. الرابع ما يتبدل بإبدال حرف قريب من مخرج الآخر مثل طلح منضود وطلع منضود. والخامس ما يتغير بالتقدم والتأخر مثل وجاءت سكرة الموت بالحق وجاءت سكرة الحق بالموت. السادس ما يتغير بزيادة أو نقصان مثل * (والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى) * هذا في النقصان وأما في الزيادة فكما في قراءة من قرأ * (وأنذر عشيرتك الأقربين، ورهطك منهم المخلصين) *. السابع ما يتغير بإبدال كلمة بكلمة كما في العهن المنفوش والصوف المنقوش وقال بعضهم: المراد بسبع أحرف وجوه القراءة التي اختارها القراء وهي السبعة المشهورة وقال صاحب المغرب هذا أحسن الأقوال فيها وهو ظاهر كلام الباقلاني وقال أبو أسامة ظن قوم أن القراءة السبع الموجودة الآن هي التي أريدت في الحديث وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة وإنما يظن ذلك بعض أهل الجهل ويقرب منه قول ابن عمار وقال محمد بن أبي صغرة القراءات السبع التي يقرأها الناس اليوم إنما هي حرف واحد من تلك الأحرف السبعة ويقرب منه قول مكي بن أبي طالب حيث قال: هذه القراءات التي يقرأ بها الناس اليوم وصحت روايتها عن الأئمة جزء من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ثم

[ 80 ]

قال: وأما ظن أن قراءة هؤلاء القراء كنافع وعاصم وابن كثير وابن عامر وحمزة وكسائي وأبي عمرو هي الأحرف السبعة التي في الحديث فقد غلط غلطا عظيما ويلزم من هذا أن ما خرج عن قراءة هؤلاء السبعة مما يثبت عن غيرهم من الأئمة ووافق خط المصحف لا يكون قرآنا وهذا غلط عظيم فإن الذين صنفوا القراءات من الأئمة المتقدمين كأبي عبيد القسم بن سلام وأبي حاتم السجستاني وأبي جعفر الطبري وإسماعيل بن إسحاق القاضي قد ذكروا اضعاف هؤلاء قال ابن حجر ذكر أبو عبيد في كتابه خمسه عشر رجلا من كل مصر ثلاثة أنفس فذكر من مكة ابن كثير وابن محيصن وحميد الأعرج ومن أهل المدينة أبا جعفر وشيبة ونافعا، ومن أهل البصرة أبا عمرو وعيسى بن عمر وعبد الله بن أبي إسحاق ومن أهل الكوفة يحيى بن وثاب وعاصما والأعمش. ومن أهل الشام عبد الله بن عامر ويحيى بن الحرث قال: وذهب عني اسم الثالث ولم يذكر في الكوفيين حمزة ولا الكسائي بل قال: إن جمهور أهل الكوفة بعد الثلاثة صاروا إلى قراءة حمزة ولم يجتمع عليه جماعتهم قال: وأما الكسائي فكان ينجزي القراءات فأخذ من قراءة الكوفيين بعضا وترك بعضا وذكر أبو حاتم زيادة على عشرين رجلا ولم يذكر فيهم ابن عامر ولا حمزة ولا الكسائي، وذكر الطبري في كتابه اثنين وعشرين رجلا، ثم قال مكي وكان الناس على رأس المائتين بالبصرة على قراءة أبي عمرو ويعقوب، وبالكوفة على قراءة حمزة وعاصم، وبالشام على قراءة ابن عامر، وبمكة على قراءة ابن كثير وبالمدينة على قراءة نافع واستمروا على ذلك فلما كان على رأس الثلاثمائة أثبت ابن مجاهد اسم الكسائي وحذف يعقوب، قال: والسبب في الإقتصار على السبعة مع أن في أئمة القراءة من هو أجل منهم قدرا وأكثر منهم عددا أن الراة عن الأئمة كانوا كثيرا جدا فلما تقاصرت الهمم به اقتصورا مما يوافق خط المصحف على ما يسهل حفظه وينضبط القراءة به فنظروا إلى من اشتهر بالثقة والأمانة وطول العمر في ملازمة القراءة والإتفاق على الأخذ عنه فأفردوا من كل مصر إماما واحدا ولم يتركوا مع ذلك نقل ما كان عليه الأئمة غير هؤلاء من القراءات ولا القراءة به كقراءة يعقوب وعاصم الجحدري وأبي جعفر وشيبة وغيرهم وقد صنف ابن جبير المكي وكان قبل ابن مجاهد كتابا في القراءات فاقتصر على خمسة اقتصر من كل مصر إماما وإنما اقتصر على ذلك، لأن المصاحف التي أرسلها عثمان إلى هذه الأمصار كانت خمسة. ويقال أنه وجه سبعة هذه الخمسة ومصحفا إلى اليمن ومصحفا إلى البحرين لكن لما لم يسمع لهذين المصحفين خبر وأراد ابن مجاهد وغيره مراعاة عدد المصاحف استبدلوا من غير البحرين واليمن قاريين كمل بهما العدد فصادف ذلك العدد الذي ورد الخبر به وهو " ان القرآن أنزل على سبعة أحرف " فوقع ذلك لمن لم يعرف أصل المسألة ولم يكن له فطنة فظن أن المراد بالأحرف

[ 81 ]

السبعة القراءات السبع ولا سيما قد كثر استعمالهم الحرف في موضع القراءة فقالوا قرأ بحرف نافع وبحرف ابن كثير فتأكد الظن بذلك وليس الأمر كما ظنه والأصل المعتمد عليه عند الأئمة في ذلك أن الذي يصح سنده في السماع ويستقيم وجهه في العربية ويوافق خط المصحف وربما زاد بعضهم الإتفاق عليه ويراد بالإتفاق ما اتفق عليه قراء المدينة والكوفة ولا سيما إذا اتفق نافع وعاصم وقال وربما يراد بالإتفاق ما اتفق عليه أهل الحرمين قال وأصح القراءة سنة قراءة نافع وعاصم وأفصحها قراءة أبي عمرو والكسائي. وقال البغوي المصحف الذي استقر عليه الأمر هو آخر العرضات على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فنسخ في المصاحف وجمع الناس عليه وأذهب ما سوى ذلك قطعا لمادة الخلاف فصار ما يخالف خط المصحف في حكم المنسوخ والمرفوع كسائر ما نسخ ورفع فليس لأحد أن يعدوا في اللفظ إلى ما هو خارج من الرسم، ويقرب منه قول الباجي حيث قال لا سبيل إلى تغيير حرف من تلك الحروف التي في هذا المصحف لأن عثمان والصحابة حرقوا المصاحف الاول ما سوى هذا المصحف ولو كان فيها شيئا من بقية تلك الحروف التي أنزل عليها القرآن لم يحرقوه وأيضا حرقوه لأنها كانت على غير ترتيب هذا المصحف المتفق على ترتيبه. وبالجملة اتفقت العامة على أن القرآن نزل على سبعة أحرف وان اختلفوا في تفسيرها وتعيينها حتى نقل عن ابن حبان أنه بلغ الإختلاف في معنى الأحرف السبعة إلى خمسة وثلاثين قولا. وبالغ الصادق (عليه السلام) في الرد عليهم وقال: أنه نزل على حرف واحد والإختلاف إنما جاء من قبل الرواة فالتبس ذلك الحرف المنزل بغيره على الأمة لأجل ذلك فيجوز لهم القراءة بأحد هذه الحروف حتى يظهر الأمر كما دل عليه الحديث الآتي عن سفيان بن السمط قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن تنزيل القرآن قال: (اقرؤوا كما علمتم) " ودل عليه أيضا أخبار أخر. * الأصل: 14 - محمد بن يحيى، عن عبد الله بن محمد، عن علي بن الحكم، عن عبد الله بن بكير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (نزل القرآن بإياك أعني واسمعي يا جارة). وفي رواية اخرى، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (معناه ما عاتب الله عزوجل به على نبيه (صلى الله عليه وآله) فهو يعني به ما قد مضى في القرآن مثل قوله: * (ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا) * عنى بذلك غيره). * الشرح: قوله: (نزل القرآن بإياك أعني واسمعي يا جارة) الجارة بالتخفيف ضرة المرأة من المجاورة بينهما والمراد أنه نزل بعض آيات القرآن وهو أيضا قرآن على سبيل التعريض وهو توجيه الخطاب

[ 82 ]

إلى شخص وإرادة غيره لكونه أدخل في النصح وأقرب إلى القبول أو لغرض آخر ومنه قوله تعالى خطابا لنبيه (صلى الله عليه وآله): * (لئن أشركت ليحبطن عملك) * فإنه تعريض لغيره. قوله: (معناه) أي معنى نزول القرآن بإياك أعني واسمعي يا جارة (ما عاتب الله به عز وجل على نبيه (صلى الله عليه وآله)) العتب الموجدة والملامة كالعتاب والمعاتبة والظاهر أنه مبتدء وخبره ما في آخر الحديث وهو قوله: " عني بذلك غيره " (فهو يعني به ما قد مضى في القرآن) أي أوحى فيه. (مثل قوله: * (ولولا ثبتناك) *) خطابا للنبي (صلى الله عليه وآله) * (لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا) * الظاهر أن قوله " فهو " إلى آخر كلام الراوي أو المصنف وقع بعد المبتدء وقبل الخبر تفسيرا للمبتدء وتمثيلا له وإن ضمير " هو " و " يعني " راجع إلى أبي عبد الله (عليه السلام) وضمير " به " إلى الموصول (عنى بذلك غيره) لتنزهه (صلى الله عليه وآله) عن الركون إليهم وذلك إشارة إلى الموصول والله يعلم. * الأصل: 15 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن علي بن الحكم، عن عبد الله ابن جندب، عن سفيان بن السمط قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام): عن تنزيل القرآن قال: (اقرؤوا كما علمتم). * الشرح: قوله: (اقرؤوا كما علمتم) القرآن نزل على حرف واحد من غير إختلاف فيه ولا يعلمه إلا أهل الذكر عليهم السلام، والإختلاف إنما جاء من قبل الناس فأمر (عليه السلام) بقراءته على وجه علموه لنا إلى أن يخرج الصاحب (عليه السلام)، فإذا خرج حمل الناس على ما أنزله تعالى على رسوله كما سيجئ. * الأصل: 16 - علي بن محمد، عن بعض أصحابه، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: دفع إلي أبو الحسن (عليه السلام) مصحفا وقال: (لا تنظر فيه) ففتحته وقرأت فيه * (لم يكن الذين كفروا) * فوجدت فيها اسم سبعين رجلا من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم قال: فبعث إلي (ابعث إلي بالمصحف). * الشرح: قوله: (عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: دفع إلي أبو الحسن (عليه السلام) مصحفا وقال لا تنظر فيه.. الخ) أحمد بن محمد بن أبي نصر معروف بالبزنطي ثقة جليل القدر وكان له إختصاص بأبي الحسن الرضا وأبي جعفر عليهما السلام وكان عظيم المنزلة عندهما وكان هذا المصحف المدفوع إليه هو الذي جمعه أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد وفات النبي (صلى الله عليه وآله) وأخرجه وقال: (هذا هو القرآن الذي أنزله سبحانه). ورده قومه ولم يقبلوه وهو الموجود عند المعصوم ومن ذريته كما دل عليه الأخبار وفي هذا الخبر دلالة على وجود مصحف غير هذا المشهور بين الناس وعلى وجود التحريف

[ 83 ]

والتغيير والحذف فيما أنزله الله تعالى من القرآن على محمد (صلى الله عليه وآله) ورفعه لا يضر لإعتضاده بأخبار أخر من طرقنا وهي كثيرة مذكورة في كتاب الروضة وغيره، وقد دل الأخبار من طرقهم أيضا على وقوع التغيير لأنهم رووا أن القرآن نزل على سبعة أحرف وقد فسره كثير منهم بأن المراد بالأحرف لغات العرب وبأن العرب كانوا يقرؤونه بلغاتهم إلى عهد عثمان فلما ملك عثمان أمر الأمة أمر الصحابة بجمع مصحف غير المصاحف التي جمعوها قبل ذلك فلما امتثلوا بأمره حرق المصاحف الأول، وقال أبو عبد الله الأبي من علمائهم: إنما حرقها لأنها كانت على غير ترتيب المصحف الذي اتفقوا على ترتيبه أو لأن بعض ما فيها لم يكن من القرآن أو لأنه القرآن ثم نسخ ولم يعلم بعضهم نسخه فقرأه على ما أنزل وحمل عليه قراءة ابن مسعود * (والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى) * وأمثال ذلك كثير فهي إما أن يكون من القرآن أو لم يكن وعلى التقديرين لزم التحريف وإدخال الصحابة ما ليس بقرآن من القرآن مستبعد جدا وثبوت النسخ في أمثال ذلك إما أن يكون بإعتقاد بعضهم أو بإجماعهم أو بالنقل والأول ليس بحجة والثاني ليس بمتحقق قطعا لأن أنكار بعضهم لفعله وضربه لابن مسعود مشهور، والثالث يستبعد وقوعه مع غفلة مشاهير الصحابة عنه وعلى تقدير تحققه فلا يجري في الجميع لأنه لم يدع أحد نقل النسخ في جواز القراءة بسبع لغات وليس في المصحف المشهور بين الناس إلا بعض اللغات دون جميعها فليتأمل. * الأصل: 17 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن حسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن القاسم بن سليمان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أبي (عليه السلام): (ما ضرب رجل القرآن بعضه ببعض إلا كفر). * الشرح: قوله: (ما ضرب رجل القرآن بعضه ببعض إلا كفر) يحتمل وجهين: الأول أن يراد بالضرب المعنى المعروف فإن كان من باب الإستخفاف فهو كفر جحود وإلا فهو كفر النعمة وترك الأدب. الثاني أن يستعمل الرأي في المجمل والمؤول والمطلق والعام والمجاز والمتشابه وغيرها من المعضلات ويجمع بينها بإعتبارات خيالية وإختراعات وهمية ويستنبط منها أحكاما يعمل بها ويفتي بها من غير أن يكون له مستند صحيح ونقل صريح عن أهل الذكر عليهم السلام، وقد نقل عن الصدوق أنه قال في كتاب معاني الأخبار " سألت محمد بن الحسن عن معنى هذا الحديث فقال: هو أن يجيب الرجل في تفسير آية بتفسير آية أخرى ".

[ 84 ]

* الأصل: 18 - عنه، عن الحسين بن النضر، عن القاسم بن سليمان، عن أبي مريم الأنصاري، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته يقول: (وقع مصحف في البحر فوجدوه وقد ذهب ما فيه ألا هذه الآية * (ألا إلى الله تصير الامور) *. * الشرح: قوله: (وقد ذهب ما فيه إلا هذه الآية إلا * (إلى الله تصير الأمور) *) فيه إضهار شرفه وكماله لانبائه عن فناء كل شئ ورجوعه إلى الله وحثه إلى غاية هو غاية الغايات المطلوبة من الإنسان وهو الفناء في الله المتوقف على رفض ما سواه بالمرة تقويم الظاهر والباطن بكل ما هو مطلوب منهما. * الأصل: 19 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن أبان، عن ميمون القداح قال: قال لي أبو جعفر (عليه السلام): (اقرأ) قلت: من أي شئ أقرأ ؟ قال: (من السورة التاسعة) قال: فجعلت التمسها فقال: (أقرأ من سورة يونس) قال: فقرأت * (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة) * قال: (حسبك) قال: (قال رسول الله 9: إني لاعجب كيف لا أشيب إذا قرأت القرآن). * الشرح: قوله: (عن أبان بن ميمون القداح) هكذا في النسخ وهو غير مذكور في كتب الرجال التي رأيناها وكتب في بعض النسخ المعتبرة " عن " بدل ابن ولعل المراد بأبان حينئذ أبان بن تغلب بن رياح وكان ثقة جليل القدر عظيم المنزلة قاريا فقيها لغويا وله قراءة مفردة مشهورة عند القراء وقال له أبو جعفر (عليه السلام) " اجلس في مسجد المدينة وأفت الناس فإني أحب أن يرى في شيعتي مثلك " كذا في كتب الرجال. قوله: (قال قال: لي أبو جعفر (عليه السلام) (اقرأ) قلت من أي شئ ؟ أقرأ قال من السورة التاسعة.. اه) وهي سورة التوبة ولعل سبب أمره بالقراءة أنه اشتهى أن يسمعه من غيره أو ليعلمه طريق الأداء أو لأنه أبلغ في قبوله التفهيم لأنه يتفرغ في الشغل بالقراءة وتخصيصه ابن القداح يحتمل أنه لم يحضره غيره أو لم يحضره أعلم منه أو لحسن صوته وجودة قراءته ثم الظاهر أنه قرأ من أول السورة إلى قوله: * (ولا ذلة) * فلما بلغها قال له حسبك ويمكن أن يحتج به أهل التجويد على جواز الوقف الكافي من المقاطع والفصل لأن الآية لم تستقل وتمامها بما بعدها، ويحتمل أن يكون قوله " حسبك " تنبيها على ما في الآية، والإحسان هو الإتيان بالطاعات والإجتناب عن المنهيات وان تعبده كأنك تراه وأنه يراك والمراد بالحسنى المثوبات الحسنى وبالزيادة التفضلات زائدة على

[ 85 ]

تلك المثوبات، والرهق الغشية رهقة كفرح رهقا غشيه والقتر والقترة محركتين الغبرة. (قال: قال: رسول الله (صلى الله عليه وآله) إني لأعجب كيف لا أشيب إذا قرأت القرآن) لاشتماله على الحزن والغم من عقوبات يوم القيامة وعقباته وشدائده وأهواله ووخامة الأمم الماضية وعقوباتهم في الدنيا بالمخالفة ولذلك قال الله تعالى * (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله) * وهذا القول لكونه صادقا ويفيد تحقق الجزاء قطعا على تقدير تحقق الشرط مع أن الشرط متحقق بالنسبة إلى الإنسان ولا يتصدع قلبهم منه لا يظهر أن قلوبهم أصلب وأقسى من الصخرة الصماء كما نطق به القرآن الكريم. * الأصل: 20 - علي بن محمد، عن صالح بن أبي حماد، عن الحجال، عمن ذكره، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن قول الله عز وجل: * (بلسان عربي مبين) * قال: (يبين الألسن ولا تبينه الألسن). * الشرح: قوله: (سألته عن قول الله عز وجل " بلسان عربي مبين " قال: يبين الألسن ولا يبينه الألسن) قيل المراد أن القرآن لا يحتاج إلى الإستشهاد بأشعار العرب وكلامهم بل الأمر بالعكس لأنه أفصح الكلام وفيه أن الله سبحانه أخبر بأنه بلسان العرب فلو وقع فيه ما لا يوافق لسانه بحسب الظاهر وتمسك به المنكرون في القدح والتكذيب لابد من الإستشهاد لإخراجه من الكذب والأصوب أن المبين من الإبانة بمعنى القطع، وإن القرآن يقطع بالفصاحة والبلاغة البالغة حد الإعجاز ألسنة الفصحاء والبلغاء عن المعارضة والإتيان بمثله ولا يقطعه ألسنتهم بالمعارضة. * الأصل: 21 - أحمد بن محمد بن أحمد، عن محمد بن أحمد النهدي، عن محمد بن الوليد، عن أبان، عن عامر بن عبد الله بن جذاعة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (ما من عبد يقرأ آخر الكهف إلا تيقظ في الساعة التي يريد). * الأصل: 22 - أبو علي الأشعري وغيره، عن الحسن بن علي الكوفي، عن عثمان بن عيسى، عن سعيد ابن يسار قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): سليم مولاك ذكر أنه ليس معه من القرآن إلا سورة يس، فيقوم من الليل فينفد ما معه من القرآن أيعيد ما قرأ ؟ قال: (نعم لا بأس). * الأصل: 23 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن عبد الرحمن بن أبي هاشم، عن سالم بن

[ 86 ]

سلمة قال: قرأ رجل على أبي عبد الله (عليه السلام) وأنا أستمع حروفا من القرآن ليس على ما يقرؤها الناس، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): (كف عن هذه القراءة اقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم فإذا قام القائم (عليه السلام) قرأ كتاب الله عزوجل على حده وأخرج المصحف الذي كتبه علي (عليه السلام) وقال أخرجه علي (عليه السلام) إلى الناس حين فرغ منه وكتبه، فقال لهم: هذا كتاب الله عزوجل كما أنزله [ الله ] على محمد (صلى الله عليه وآله) وقد جمعته من اللوحين. فقالوا هو ذا عندنا مصحف جامع فيه القرآن لا حاجة لنا فيه، فقال: (أما والله ما ترونه بعد يومكم هذا أبدا، إنما كان علي أن اخبركم حين جمعته لتقرؤوه). * الشرح: قوله: (قد جمعته من اللوحين) اللوح كل صحيفة عريضة خشبا أو كتفا وقد كانوا في صدر الإسلام يكتبون فيه لقلة القراطيس و " من " إما ابتدائية أو بمعنى في فعلى الأول كان مكتوبا قبل الجمع فيهما وعلى الثاني جمع فيهما، وحمل اللوحين في الأول على القلبين الطاهرين قلبه وقلب النبي (صلى الله عليه وآله) وهما بمنزلة اللوح المحفوظ بعيد جدا. * الأصل: 24 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن صفوان، عن سعيد بن عبد الله الأعرج قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يقرأ القرآن ثم ينساه ثم يقرأ ثم ينساه أعليه فيه حرج ؟ فقال: لا. * الأصل: 25 - علي، عن أبيه، عن النضر بن سويد، عن القاسم بن سليمان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أبي (عليه السلام): (ما ضرب رجل القرآن بعضه ببعض إلا كفر). * الأصل: 26 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، جميعا، عن ابن محبوب، عن جميل، عن سدير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (سورة الملك هي المانعة تمنع من عذاب القبر وهي مكتوبة في التوراة سورة الملك، ومن قرأها في ليلته فقد أكثر وأطاب ولم يكتب بها من الغافلين وإني لأركع بها بعد عشاء الآخرة وأنا جالس وإن والدي (عليه السلام) كان يقرؤها في يومه وليلته ومن قرأها إذا دخل عليه في قبره ناكر ونكير من قبل رجليه قالت رجلاه لهما: ليس لكما إلى ما قبلي سبيل قد كان هذا العبد يقوم علي فيقرأ سورة الملك في كل يوم وليلة، وإذا أتياه من قبل جوفه قال لهما: ليس لكما إلى ما قبلي سبيل، قد كان هذا العبد أوعاني سورة الملك، وإذا أتياه من قبل لسانه قال لهما: ليس لكما إلى ما قبلي سبيل قد كان هذا العبد يقرأ بي في كل يوم وليلة سورة الملك.

[ 87 ]

* الأصل: 27 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن عبد الله بن فرقد والمعلى بن خنيس قالا: كنا عند أبي عبد الله (عليه السلام) ومعنا ربيعة الرأي فذكرنا فضل القرآن فقال أبو عبد الله (عليه السلام): (إن كان ابن مسعود لا يقرأ على قراءتنا فهو ضال). فقال ربيعة: ضال ؟ فقال: (نعم ضال) ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): (أما نحن فنقرأ على قراءة ابي). * الشرح: قوله: (ومعنا ربيعة الرأي) في المغرب هو كان فقيه أهل المدينة (أما نحن فنقرأ على قراءة ابي) ضبط أبي في بعض النسخ بضم الهمزة وفتح الباء وشد الياء، فقيل: أنه عليه السلام قال ذلك تقية من ربيعة. * الأصل: 28 - علي بن الحكم، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (إن القرآن الذي جاء به جبرئيل 7 إلى محمد 9 سبعة عشر ألف آية). * الشرح: قوله: (إن القرآن الذي جاء به جبرئيل (عليه السلام) إلى النبي (صلى الله عليه وآله) سبعة عشر ألف آية) قيل: في كتاب سليم بن قيس الهلالي (1) أن أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد وفات رسول الله (صلى الله عليه وآله) لزم بيته وأقبل على القرآن يجمعه ويؤلفه فلم يخرج من بيته حتى جمعه كله وكتب على تنزيله الناسخ والمنسوخ منه والمحكم والمتشابه والوعد والوعيد وكان ثمانية عشر ألف آية. انتهى. وقال صاحب إكمال الإكمال شارح مسلم نقلا عن الطبرسي: أن آي القرآن ستة آلاف


1 - قوله: " قيل في كتاب سليم " أقول: أما كلمة سبعة عشر ألف آية في هذا الخبر فكلمة " عشر " زيدت قطعا من بعض النساخ أو الرواة وسبعة ألاف تقريب كما هو معروف في إحصاء الأمور لغرض آخر غير بيان العدد كما يقال أحاديث الكافي ستة عشر ألف والمقصود بيان الكثرة والتقريب لا تحقيق العدد فإن عدد آي القرآن بين الستة والسبعة آلاف، والعجب من هذا القائل الذي لا أعرفه ومن جماعة يعمدون إلى كتاب غير ثابت الصحة، ثم إلى كلمات منه كانت في معرض التغيير والتصحيف ورأوا الأختلاف فيها أكثر من مائة مرة ثم يطمئن أنفسهم بالمشكوك ويعتمدون عليه ويجعلونه دليلا على ثبوت التغيير في القرآن العظيم الذي تداولته آلاف ألوف من النفوس، وهل يتصور من عاقل أن يجعل كتاب سليم بن قيس مقدما على القرآن وأليق بالإعتماد وأولى بالقبول منه وقد حكم جل محققي الطائفة بكونه مجعولا ورأوا من إختلاف نسخة ما لا يحصى واشتماله على ما هو خلاف المعلوم بالتواتر، ولا أدري ما أقول فيمن يتظاهر بالخروج عن معتاد النفوس السالمة وأما دفع تواتر التحريف فقد بيناه في حاشية الوافي تفصيلا فلا نطيل بالتكرار. (ش) (*)

[ 88 ]

وخمسمائة منها خمسة آلاف في التوحيد وبقيتها في الأحكام والقصص والمواعظ. أقول: كان الزائد على ذلك مما في الحديث سقط بالتحريف وإسقاط بعض القرآن وتحريفه ثبت من طرقنا بالتواتر معنى كما يظهر لمن تأمل في كتب الأحاديث من أولها إلى آخرها تم كتاب فضل القرآن بمنه وجوده ويتلوه كتاب العشرة من كتاب الكافي تصنيف محمد بن يعقوب رحمه الله تعالى.

[ 89 ]

بسم الله الرحمن الرحيم كتاب العشرة باب ما يجب من المعاشرة * الأصل: 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن حديد، عن مرازم قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): (عليكم بالصلاة في المساجد وحسن الجوار للناس وإقامة الشهادة وحضور الجنائز، إنه لابد لكم من الناس إن أحدا لا يستغني عن الناس حياته والناس لابد لبعضهم من بعض). * الشرح: كتاب العشرة العشرة بالكسر الصحبة والخلطة من المعاشرة وهي المصاحبة والمخالطة. قوله: (عليكم بالصلاة في المساجد) جماعة وفرادى والمراد بالصلاة الفريضة لأن النافلة في المنزل أفضل (وحسن الجوار للناس) بأن تحفظ الجار غايبا وتكرمه شاهدا وتنصره مظلوما وتستر عيوبه وتغفر ذنوبه وتخلص بصحبته وتقيل عثرته ولا تسلمه عند شدائده، وبالجملة تفعل ما يرضيه وتترك ما يؤذيه. (وإقامة الشهادة) لهم وعليهم (وحضور الجنائز) ذكر في هذا الخبر من الحقوق أربعا بعضها واجب وبعضها مندوب (أنه لابد لكم من الناس) أي من مخالطتهم ومعاشرتهم ومعاملتهم ثم أكد ذلك بقوله: (أن أحدا لا يستغني عن الناس حياته) أي في حال حياته وبقائه في الدنيا. (والناس لابد لبعضهم من بعض) ومن ثمة قيل: الناس [ مدنين ] بالطبع يحتاج بعضهم إلى بعض في التمدن والتعيش والبقاء، إذا لا يقدر أحد على إصلاح جميع ما يحتاج إليه من المأكول والمشروب والملبوس والمسكن وغيرها وفيه دلالة على أفضلية الاجتماع والتآلف. من رجح العزلة مطلقا فقد أخطأ وما دل على رجحانها ينبغي حمله على الإعتزال من شرار

[ 90 ]

الناس وأهل البدعة تحرزا عن الدخول فيما هم فيه وصرح بعضهم بأن العزلة أفضل بشرط رجاء السلامة بتحصيل منافع الإختلاط كشهود الجمعة والجماعة والجنائز وعيادة المرضى. * الأصل: 2 - محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، وأبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، جميعا، عن صفوان بن يحيى، عن معاوية بن وهب قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): كيف ينبغي لنا أن نصنع فيما بيننا وبين قومنا وفيما بيننا وبين خلطائنا من الناس ؟ قال: فقال: (تؤدون الأمانة إليهم وتقيمون الشهادة لهم وعليهم وتعودون مرضاهم وتشهدون جنائزهم). * الشرح: قوله: (فقال: تؤدون الأمانة إليهم) وإن كانوا كفارا (وتقيمون الشهادة لهم وعليهم وتعودون مرضاهم وتشهدون جنائزهم) ذكر في هذا الخبر أيضا من الحقوق أربعا وجمع بين الواجب وغيره فإن أداء الأمانة وإقامة الشهادة واجبان لدلالة القرآن والسنة عليه وعيادة المريض مستحبة إلا إذا لم يقم أحد بأمره فيجب القيام على الكفاية لئلا يموت جوعا وعطشا، وأصل العيادة لتفقد الأحوال والقيام بها وشهود الجنائز فرض كفاية إلا أن لا يوجد من العدد ما يقوم به فيتعين. * الأصل: 3 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، ومحمد بن خالد، جميعا عن القاسم بن محمد، عن حبيب الخثعمي قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (عليكم بالورع والاجتهاد واشهدوا الجنائز وعودوا المرضى واحضروا مع قومكم مساجدكم وأحبوا للناس ما تحبون لأنفسكم أما يستحيي الرجل منكم أن يعرف جاره حقه ولا يعرف حق جاره). * الشرح: قوله: (عليكم بالورع) في الدين بفعل الطاعات وترك المنهيات والتمسك بالآداب الشرعية والآثار النبوية (والاجتهاد) لله في العلم والعمل وإصلاح النفس وإرشاد الخلق. (وأحبوا للناس ما تحبون لأنفسكم) هذا هو الإنصاف التابع للإستقامة في القوة الشهوية والعقلية والغضبية ولعل المراد بالناس الفرقة الناجية لأن المحبة وهي أمر قلبي غير مطلوبة بالنسبة إلى غيرهم وإنما المطلوب مع غيرهم حسن المعاشرة بحسب الظاهر لدفع الضرر وتكميل النظام (أما يستحيي الرجل منكم أن يعرف جاره حقه ولا يعرف حق جاره) الحياء حالة نفسانية مانعة من القبايح للفرار من اللوم، وفيه ترغيب في رعاية حقوق الجار سيما إذا كان أحد الجارين مراعيا لها لأن معاملة الإحسان بالإحسان أحسن وأتم ومعاملته بالإساءة أقبح وألوم.

[ 91 ]

* الأصل: 4 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن معاوية بن وهب قال: قلت له: كيف ينبغي لنا أن نصنع فيما بيننا وبين قومنا وبين خلطائنا من الناس ممن ليسوا على أمرنا ؟ قال: (تنظرون إلى أئمتكم الذين تقتدون بهن فتصنعون ما يصنعون فوالله إنهم ليعودون مرضاهم ويشهدون جنائزهم ويقيمون الشهادة لهم وعليهم ويؤدون الأمانة إليهم). * الأصل: 5 - أبو علي الاشعري، عن محمد بن عبد الجبار، ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، جميعا، عن صفوان بن يحيى، عن أبي اسامة زيد الشحام قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): (إقرأ على من ترى أنه يطيعني منهم ويأخذ بقولي السلام واوصيكم بتقوى الله عزوجل والورع في دينكم والاجتهاد لله وصدق الحديث وأداء الامانة وطول السجود وحسن الجوار، فبهذا جاء محمد (صلى الله عليه وآله)، أدوا الامانة إلى من ائتمنكم عليها برا أو فاجرا، فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يأمر بأداء الخيط والمخيط، صلوا عشائر كم واشهدوا جنائزهم وعودوا مرضاهم وأدوا حقوقهم فان الرجل منكم إذا ورع في دينه وصدق الحديث وأدى الامانة وحسن خلقه مع الناس قيل: هذا جعفري فيسرني ذلك ويدخل علي منه السرور وقيل: هذا أدب جعفر، وإذا كان على غير ذلك دخل علي بلاؤه وعاره وقيل: هذا أدب جعفر، فوالله لحدثني أبي (عليه السلام) أن الرجل كان يكون في القبيلة من شيعة علي (عليه السلام) فيكون زينها، آداهم للأمانة وأقضاهم للحقوق وأصدقهم للحديث، إليه وصاياهم وودائعهم، تسأل العشيرة عنه فتقول: من مثل فلان إنه لادانا للأمانة وأصدقنا للحديث). * الشرح: قوله: (وأوصيكم بتقوى الله عز وجل والورع) التقوى: كف النفس عما يؤثم، والورع: كفها عنه وعما يشغله عنه تعالى وإن كان حلالا. (كان يأمر بأداء الخيط والمخيط) الخيط السالك والمخيط كمنبر الإبرة. (صلوا عشائركم) عشيرة الرجل بنو أبيه الأدنون أو قبيلته لأنه يعاشرهم ويعاشرونه من العشرة وهي الصحبة والخلطة (قيل: هذا جعفري فيسرني ذلك) هذا بعض فوايد تلك الخصال ولها فوائد كثيرة في الدنيا والآخرة مذكورة في محلها. (فيكون زينها آداهم للآمانة) آداهم بعد الألف يقال: فلان آدى منك للأمانة إذا كان أحسن أداء.

[ 92 ]

باب حسن المعاشرة * الأصل: 1 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد، عن حريز، عن محمد بن مسلم قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): (من خالطت فإن استطعت أن تكون يدك العليا عليهم فافعل). * الشرح: قوله: (من خالطت فإن استطعت أن تكون يدك العليا عليهم فافعل) يدك اسم تكون والعليا عليهم خبره وجعلها صفة لليد عليهم خبره بعيد، وهو كناية عن الإحسان وإيصال النفع الديني والدنيوي إليهم بقدر الإمكان. * الأصل: 2 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن إسماعيل بن مهران، عن محمد بن حفص، عن أبي الربيع الشامي قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) والبيت غاص بأهله فيه الخراساني والشامي ومن أهل الآفاق فلم أجد موضعا أقعد فيه فجلس أبو عبد الله (عليه السلام) وكان متكئا قال: (يا شيعة آل محمد اعلموا أنه ليس منا من لم يملك نفسه عند غضبه ومن لم يحسن صحبة من صحبه ومخالقة من خالقه ومرافقة من رافقه ومجاورة من جاوره وممالحة من مالحه، يا شيعة آل محمد اتقوا الله ما استطعتم، ولا حول ولا قوة إلا بالله). * الشرح: قوله: (اعلموا أنه ليس منا) أي من زمرتنا وشيعتنا أو من مذهبنا وملتنا (من لم يملك نفسه عند غضبه) مبادي الغضب - وهو حركة النفس نحو الإنتقام بسبب الطغيان في القوة الغضبية - داخلة تحت قدرة العبد فلابد له من الأقدام على دفعها بملاحظة الآيات والروايات الدالة على ذم الغضب وحسن المعافات. (ومن لم يحسن صحبة من صحبه) في السفر أو الحضر ومن حسنها طلاقة الوجه والبشاشة والسلام والكلام والمصافحة والمؤاكلة معه وتحصيل ما يحتاج إليه ورفع ما يغتم منه والإنتظار له إذا نزل والإرتحال معه إذا ارتحل، ونقل عن بعض المسافرين أنه قال: أدركنا المطر ليلة في صحراء فدعاني صاحبي وأجلسني إلى جنب حائط ثم أحنى علي متكئا بيديه على الحائط يظلني من المطر حتى سكن المطر. (ومخالقة من خالقه ومرافقة من رافقه) خالقهم عاشرهم بحسن خلق. في الكنز: مخالقت با

[ 93 ]

كسى خوشخلقى نمودن ومرافقت با كسى همراهى كردن ويارى كردن وگرمى نمودن) (ومجاورة من جاوره) المجاورة بالجيم في النسخ التي رأيناها يقال جاوره مجاورة إذا صار جاره وإذا استجاره وفي الكنز: " مجاورة همسا يكى كردن ودر زنهار كسى شدن ". والمراد بالمجاورة على الأول رعاية حقوق الجار وعلى الثاني إجارته وانقاذه عن المكاره كلها، والقراءة بالحاء المهملة محتملة (وممالحة من مالحه) الممالحة المؤاكلة في الكنز: " ممالحة با كسى همنمكى كردن ". * الأصل: 3 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عمن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عزوجل: * (إنا نريك من المحسنين) * قال: (كان يوسع المجلس ويستقرض للمحتاج ويعين الضعيف). * الشرح: قوله: (في قول الله تعالى) حكاية عن أخوة يوسف: * (إنا نريك من المحسنين) * قالوا ذلك حين أخذهم لسرقة الصاع وهم توصلوا بإحسانه العام وجعلوه شفيعا في استخلاصه وأخذ أحدهم مكانه. * الأصل: 4 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن علاء بن الفضيل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (كان أبو جعفر (عليه السلام) يقول: عظموا أصحابكم ووقروهم ولا يتهجم بعضكم على بعض ولا تضاروا ولا تحاسدوا وإياكم والبخل كونوا عباد الله المخلصين). * الشرح: قوله (عظموا أصحابكم ووقروهم) التوقير التعظيم فالعطف للتأكيد والمبالغة في الإتيان بجميع أنحائه وتخصيص أحدهما بفعل ما يوجب التعظيم والآخر بترك ما يوجب التحقير بعيد (ولا يتهجم بعضهم على بعض) أي لا يدخل عليه بغتنة وغفلة من غير اذن حذرا من المخافة ورؤية ما يكرهه وقد كان الإستيذان دأب الأنبياء والصالحين. * الأصل: 5 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحجال، عن داود بن أبي يزيد وثعلبة وعلي بن عقبة، عن بعض ما رواه، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: (الانقباض من الناس مكسبة للعداوة).

[ 94 ]

باب من يحب مصادقته ومصاحبته * الأصل: 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن حسين بن الحسن، عن محمد بن سنان، عن عمار بن موسى، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لا عليك أن تصحب ذا العقل وإن لم تحمد كرمه ولكن انتفع بعقله واحترس من سيئ أخلاقه ولا تدعن صحبة الكريم وإن لم تنتفع بعقله ولكن انتفع بكرمه بعقلك وافرر كل الفرار من اللئيم الأحمق). * الشرح: قوله: (لا عليك أن تصحب ذا العقل) وإن كان سئ الخلق غير كريم فإنك (وإن لم تحمد كرمه) في بعض النسخ لم تجد (ولكن انتفع بعقله) في أمر المعاش والمعاد (واحترس من سيئ أخلاقه) ولا تتبعه. وفيه إرشاد إلى متابعته في مقتضيات العقل وترك متابعته في مقتضيات الأخلاق الذميمة (ولا تدعن صحبة الكريم) وإن لم يكن له عقل. (فإن لم تنتفع بعقله) لضعفه (لكن انتفع بكرمه بعقلك) واكتسب نوائله لنفسك وخصلة كرمه بعقلك (وافرر كل الفرار من اللئيم الأحمق) لأنه ليس كريما لتنتفع بكرمه ولا عاقلا لتنتفع بعقله مع أن في صحبة مفاسد من وجوه شتى: الأول: أن يشغلك عن طاعة الله وذكره ومناجاته واستكشاف أسراره في خلق السماوات والأرض وما بينهما لأن ذلك يستدعي فراغا ولا فراغ مع صحبته. الثاني: إمكان مسارقة طبعك عن رذائل أخلاقه وقبايح أعماله. الثالث: إمكان وقوعك في الفتن والمصيبات التي لا ينفك عنها غالبا. الرابع: أنه ربما يؤذيك تارة بالغيبة ومرة بسوء الظن والتهمة وتارة بالإقتراحات والأطماع الكاذبة التي يشكل الوفاء عليها وتارة بالنميمة والكذب فربما يسمع منك قولا أو يرى منك ما لا يوافقه فيتخذه ذخيرة عنده ليوم يكون له فيه فرصة لتداركه. الخامس: أن رؤية الأحمق والثقيل ثقيلة، وكذا سماع كلماته الركيكة ومشاهدة أطواره وأخلاقه القبيحة، وقد قيل: قال بعض الحمقاء للأعشى: لم أعشيت عينك. فقال: لئلا ننظر إلى الثقلاء والحمقاء، وقال جالينوس: لكل شئ حمى وحمى الروح النظر إلى الثقلاء. وبالجملة مفاسد صحبته أكثر من أن تحصى.

[ 95 ]

* الأصل: 2 - عنه، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن محمد بن الصلت، عن أبان، عن أبي العديس قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): (يا صالح اتبع من يبكيك وهو لك ناصح ولا تتبع من يضحكك وهو لك غاش وستردون إلى الله جميعا فتعلمون). * الشرح: قوله (اتبع من يبكيك وهو لك ناصح) بزهادته وعبادته وتلاوته وموعظته وحسن أفعاله وزواجر أمثاله والمراد بإتباعه إلتزام ملازمته ومجالسته ومصاحبته واقتفاء آثاره وأطواره. (ولا تتبع من يضحكك وهو لك غاش) حيث يريد فساد حالك واشتغال بالك عن أمر الآخرة بذكر الهزليات ونقل المضحكات المفسدة للدين. * الأصل: 3 - عنه، عن محمد بن علي، عن موسى بن يسار القطان، عن المسعودي، عن أبي داود، عن ثابت بن أبي صخرة، عن أبي الزعلي قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): انظروا من تحادثون فإنه ليس من أحد ينزل به الموت إلا مثل له أصحابه إلى الله إن كانوا خيارا فخيارا وإن كانوا شرارا فشرارا، وليس أحد يموت إلا تمثلت له عند موته). * الشرح: قوله: (انظروا من تحادثون) أمر باعتبار حال المصاحب في الصلاح والفساد والعلم والعمل والإثم للتمسك بذيل المصلح والتحرز عن المفسد وعلل ذلك ترهيبا وترغيبا بقوله: (فإن ليس أحد يموت إلا مثل له أصحابه إلى الله) أي مثل أصحابه الذين يسيرون إلى الله ويحشر هو معهم (إن كانوا خيارا فخيارا) يبشرهم ويبشرونه فيفرح ويكرم. (وإن كانوا شرارا فشرارا) يوبخهم ويوبخونه فيتحير ويندم (وليس أحد يموت) من محبينا ومنكرينا (إلا تمثلت له عند موته) أما المحبون فلتكريمهم وإبشارهم وأما المنكرون فلتوبيخهم وانذارهم وهذا كلام الرسول (صلى الله عليه وآله) أو أمير المؤمنين (عليه السلام) وتمثلهما متواتر عندنا معنى. * الأصل: 4 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن بعض الحلبيين، عن عبد الله بن مسكان، عن رجل من أهل الجبل لم يسمه قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): (عليك بالتلاد وإياك وكل محدث لا عهد له ولا أمان ولا ذمة ولا ميثاق وكن على حذر من أوثق الناس عندك).

[ 96 ]

* الشرح: قوله: (عليك بالتلاد وإياك وكل محدث لا عهد له.. اه) التلاد والتالد من المال القديم الأصلي الذي ولد عندك نقيض الطارف ولعل فيه حث على مصاحبة الإمام القديم وهو من كانت إمامته عن النبي (صلى الله عليه وآله) دون الحادث بعده عند الناس وعلى مصاحبة من علم صلاحه بالتجربة مرارا دون غير المجرب وعلى مصاحبة الشيوخ الذين علموا الخير والشر بالتجربة دون الشبان الذين ليست لهم تجربة وكانت طبايعهم مايلة إلى الشرور. (وكن على حذر من أوثق الناس عندك) فلا تظهر عليه كل سرك فإنه يتغير عليك، أو لا تأخذ صديقا بدون الإختبار نظرا إلى ظاهر الوثوق. * الأصل: 5 - عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد، رفعه الى أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (أحب إخواني إلي من أهدى إلي عيوبي). * الشرح: قوله: (أحب أخواني إلي من أهدى إلي عيوبي) وذلك لأن الإنسان يحب نفسه فلا يرى عيوبه فإذا أظهرها له صديقه بمقتضى الصداقة والنصيحة تركها طلبا لكماله وذلك من أجل منافع الصداقة وعظمها. وفيه حث للصديقين على إظهار كل منهما عيب صاحبه وعلى عد ذلك الإظهار عطية وهدية لا منقصة موجبة للتفارق والعدوان كما هو شأن أكثر أبناء الزمان. * الأصل: 6 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن الحسن، عن عبيد الله الدهقان، عن أحمد بن عائذ، عن عبيد الله الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (لا تكون الصداقة إلا بحدودها، فمن كانت فيه هذه الحدود أو شئ منها فانسبه إلى الصداقة ومن لم يكن فيه شئ منها فلا تنسبه إلى شئ من الصداقة فأولها أن تكون سريرته وعلانيته لك واحدة، والثاني أن ترى زينك زينه وشينك شينه، والثالثة أن لا تغيره عليك ولاية ولا مال، والرابعة أن لا يمنعك شيئا تناله مقدرته، والخامسة - وهي تجمع هذه الخصال - أن لا يسلمك عند النكبات). * الشرح: قوله: (لا يتحقق الصداقة إلا بحدودها) وهي أمور بتحقق مهية الصداقة بكل واحدة منها (فمن كانت فيه هذه الحدود كلها أو شئ منها) واحد واثنان أو ثلاث أو أربع. (فانسبه إلى الصداقة وإن كانت متفاوتة في الشدة والضعف ومن لم يكن فيه شئ منها فلا

[ 97 ]

تنسبه إلى شئ من الصداقة) ولا تتخذه صديقا ولا يتحقق العلم بوجود تلك الحدود وعدمه في أحد إلا بمجالسة متعددة ومخالطة متكررة ومصاحبة باطنية ومعاشرة ظاهرية أو بشهادة حاله مع اشتهاره بالإتصاف بها عند المعتمدين. (فأولها) أي أول الحدود ورجوع الضمير إلى الصداقة بعيد والتذكير هنا بإعتبار لفظ الحد والتأنيث في البواقي بإعتبار إرادة الخصلة منه. (أن تكون سريرته وعلانيته لك واحدة) لعل المراد أن يكون كل قوله موافقا لضميره وإلا لكان نفاقا منافيا للصداقة لا أن لا يكتم سرا من أسراره إذ كتمان بعض السر من باب الحزم قد يكون مطلوبا كما دل عليه بعض الروايات. (والثانية: أن يرى زينك زينه وشينك شينه) فيريد ويكره لك ما يريد ويكره لنفسه. (والثالثة: أن لا يغيره عليك ولاية أو مال) بأن يكون صداقته بعد وجدان الحكومة والمال كما يكون قبله بلا تفاوت وهي نادرة. (والرابعة: أن لا يمنعك شيئا يناله مقدرته) هي مثلثة الدال القدرة والغنا واليسار وهي أيضا نادرة. (والخامسة: وهي تجمع هذه الخصال أن لا يسلمك عند النكبات) النكبة بالفتح المصيبة وما يصيب الإنسان من الحوادث والإسلام هنا الخذلان والإلقاء إلى الهلكة يقال: أسلم فلان فلانا إذا خذله ولم ينصره أو إذا ألقاه إلى الهلكة ولم يحمه من عدوه وقوله: " وهي تجمع هذه الخصال " جملة معترضة بين المبتدء والخبر والظاهر أنه من كلام الصادق (عليه السلام) ويحتمل أن يكون من الراوي وشمولها للخصال المذكورة يظهر بأدنى تأمل.

[ 98 ]

باب من تكره مجالسته ومرافقته * الأصل: 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عمرو بن عثمان، عن محمد ابن سالم الكندي، عمن حدثه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا صعد المنبر قال: (ينبغي للمسلم أن يتجنب مواخاة ثلاثة: الماجن الفاجر والأحمق والكذاب فأما الماجن الفاجر فيزين لك فعله ويحب أنك مثله ولا يعينك على أمر دينك ومعادك ومقاربته جفاء وقسوة ومدخله ومخرجه عار عليك، وأما الأحمق فإنه لا يشير عليك بخير ولا يرجى لصرف السوء عنك ولو أجهد نفسه. وربما أراد منفعتك فضرك فموته خير من حياته وسكوته خير من نطقه وبعده خير من قربه، وأما الكذاب فإنه لا يهنئك معه عيش، ينقل حديثك وينقل إليك الحديث كلما أفنى احدوثة مطرها باخرى مثلها حتى أنه يحدث بالصدق فما يصدق ويفرق بين الناس بالعداوة فينبت السخائم في الصدور، فاتقوا الله عزوجل وانظروا لأنفسكم). * الشرح: قوله: (الماجن الفاجر) مجن مجونا صلب وغلط ومنه الماجن لمن لا يبالي قولا وفعلا كأنه صلب الوجه والفاجر هو المنبعث في المعاصي والمحارم. (والأحمق والكذاب) الأحمق قليل العقل ضعيف الرأي والكذاب كثير الكذب المعروف به وهو الذي صار الكذب عادة له يدل عليه ما رواه ابن أبي عمير عن عبد الرحمن بن الحجاج قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الكذاب هو الذي يكذب في الشئ ؟ قال: " لا ما من أحد إلا أن يكون ذلك منه ولكن المطبوع على الكذب ". (ومقاربته جفاء وقسوة ومدخله ومخرجه عار عليك) الحمل في الثلاثة من باب حمل المسبب على السبب للمبالغة، وفي الكنز: " جفاستم كردن وقرار نگرفتن چيزى بر جاى خود " ولعل وجه الجفاء أنه لما لم يبال بما قال وما فعل وشق ستر الديانة لا يحفظ حق الصداقة فيقول ويفعل ما يؤذيه ويبيعه باليسير ويهتك عرضه بالحقير، ولذلك قال أمير المؤمنين (عليه السلام): " إياك ومصادقة الفاجر فإنه يبيعك بالتافه " ووجه القسوة أنه قسى القلب والقساوة مسرية ووجه العار ظاهر (وربما أراد منفعتك فضرك) في الدين والدنيا لعدم علمه بأن كلامه حق أو باطل وفعله حسن أو قبيح فيتكلم بالباطل ويفعل القبيح لقصد المنفعة وهو يضرك ولذلك ورد النهي عن الإستشارة بالأحمق (كلما افنى احدوثة مطرها بأخرى مثلها) الأحدوثة ما يتحدث به. والمطر

[ 99 ]

الإسراع مطرت الطير يمطر مطرا إذا أسرع في هويها والخيل إذا جاءت يسبق بعضها بعضها وفي بعض النسخ مطها أي مدها (حتى أنه يحدث بالصدق فما يصدق) ولذلك تركوا العمل برواية الكذابين وهنا حكاية مناسبة وهي أن جماعة وخلوا في بيئة فانفرد واحد في ناحية فنادى السبع فاجتمعوا عليه فوجدوه كاذبا فتفلوا في وجهه ورجعوا ثم فعل وفعلوا ذلك مرتين والمرة الرابعة وهي مرتبة صدقه لم يصدقوه ولم يجتمعوا عليه فافترسه السبع. (ويعرف بين الناس بالعداوة) يعرف بالعين المهملة والفاء وفي بعض النسخ يفرق من التفريق وفي بعضها يغري من الإغراء (فينبت السخائم في الصدور) السخيمة الحقد والضغن والغضب. * الأصل: 2 - وفي رواية عبد الأعلى، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لا ينغبي للمرء المسلم أن يواخي الفاجر فإنه يزين له فعله ويحب أن يكون مثله ولا يعينه على أمر دنياه ولا أمر معاده ومدخله إليه ومخرجه من عنده شين عليه). * الأصل: 3 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن عثمان بن عيسى، عن محمد بن يوسف عن ميسر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (لا ينبغي للمرء المسلم أن يواخي الفاجر ولا الأحمق ولا الكذاب). * الأصل: 4 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن علي بن أسباط، عن بعض أصحابه عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: (قال عيسى بن مريم 7: إن صاحب الشر يعدي وقرين السوء يردي فانظر من تقارن). * الشرح: قوله: (إن صاحب الشر يعدي) أي يظلم صاحبه من أعدى عليه إذا ظلمه أو يسري شره إليه من أعداه الداء يعديه اعداء إذا أصابه مثل ما يصاحب الداء أو صرفه عن الحق وشغله بالباطل من عداء عن الأمر بالتخفيف والتشديد إذا صرفه وشغله. (وقرين السوء يردي) ردى كرضى ردى هلك وأرداه أهلكه والإضافة في قرين السوء على الأول لامية وعلى الثاني بيانية (فانظر من تقارن) يعني فانظر أولا إلى صفات رجل واختبره مرارا فإذا وجدته أهلا للأخوة والصداقة فاتخذه صديقا لأن أخذ الصديق قبل الإختبار يؤدي سريعا إلى الفراق ومفاسده كثيرة.

[ 100 ]

* الأصل: 5 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، ومحمد بن الحسين، عن محمد بن سنان، عن عمار بن موسى قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): (يا عمار إن كنت تحب أن تستب لك النعمة وتكمل لك المروءة وتصلح لك المعيشة، فلا تشارك العبيد والسفلة في أمرك فإنك إن ائتمنتهم خانوك، وإن حدثوك كذبوك، وإن نكبت خذلوك، وإن وعدوك أخلفوك). * الشرح: قوله: (إن كنت تحب أن تستتب لك النعمة) استتيب لك الأمر أي تهيأ واستقام واستمر (فلا تشارك العبيد والسفلة في أمرك) في الصحاح السافل نقيض العالي والسفالة بالفتح النذالة والسفلة بكسر الفاء السقاط من الناس يقال هو من السفلة ولا تقل هو سفلة لأنها جمع والعامة تقول: رجل سفلة من قوم سفل قال ابن السكيت: وبعض العرب تخفف فيقول: فلان من سفلة الناس فينقل كسرة الفاء إلى السين (حب الأبرار للأبرار وثواب للأبرار) الظاهر أن المراد بالأبرار المحب والمحبوب كلاهما فعلى هذا يتعدد ثوابهما على قدر تعددهما. * الأصل: 6 - قال: وسمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (حب الأبرار للأبرار ثواب للأبرار وحب الفجار للأبرار فضيلة للأبرار وبغض الفجار للأبرار زين للأبرار وبغض الأبرار للفجار خزي على الفجار). * الشرح: قوله: (وحب الفجار للأبرار فضيلة للأبرار) إذ ليس مما يتوقعه البار ولا من مقتضيات البر والفجور بل من فضل الله عز وجل حيث جعل قلب الفاجر مايلا إليه نافعا له في بعض الأمور الدنيوي (وبغض الفجار للأبرار زين للأبرار) إذ هو ما يقتضيه البر والفجور ويتوقعه البار لإنقطاع الربط بالمرة (وبغض الأبرار للفجار خزي للفجار) لم يذكر حب الأبرار لهم للتنبيه على أنه ينبغي أن لا يكون وقد دل على الأمرين قول خليل الرحمن: * (بدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء) * إلى يوم القيامة. * الأصل: 7 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا عن عمرو بن عثمان، عن محمد بن عذافر، عن بعض أصحابهما، عن محمد بن مسلم وأبي حمزة عن أبي عبد الله، عن أبيه (عليهما السلام) قال: (قال لي أبي علي بن الحسين صلوات الله عليهما: يا بني انظر خمسة فلا

[ 101 ]

تصاحبهم ولا تحادثهم ولا ترافقهم في طريق، فقلت: يا أبة من هم عرفنيهم ؟ قال: إياك ومصاحبة الكذاب فإنه بمنزلة السراب يقرب لك البعيد ويبعد لك القريب، وإياك ومصاحبة الفاسق فإنه بايعك بأكلة أو أقل من ذلك، وإياك ومصاحبة البخيل فإنه يخذلك في ماله أحوج ما تكون إليه، وإياك ومصاحبة الأحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرك وإياك ومصاحبة القاطع لرحمه فإني وجدته ملعونا في كتاب الله عزوجل في ثلاثة مواضع قال الله عزوجل: * (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم، اولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم) * وقال عزوجل: * (الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض اولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار) * وقال في البقرة: * (الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض اولئك هم الخاسرون) *. * الشرح: قوله: (قال: إياك ومصاحبة الكذاب) المصاحبة شاملة للمجالسة والمخالطة والمحادثة والمرافقة والكذاب كما يطلق على من يأتي بخبر لا يطابق الواقع كذلك يطلق على من يرغب في أمر لا أصل له ومنه قول العرب: كذبته نفسه إذا منته الأماني وخيلت إليه من الآمال ما لا يكاد تكون وذلك مما يرغب الرجل فيما لا يعنيه ويبعثه على التعرض له. (فإنه بمنزلة السراب) الضمير المنصوب راجع إلى الكذاب أو إلى الكذب المستفاد منه والسراب الأول اللامع في المغازة وقت الهاجرة شبيه بالماء سمي سرابا لانسرابه وجريانه في مرأى العين ويطلق أيضا على ما لا حقيقة له وأشار إلى وجه الشبه بقوله: (يقرب لك البعيد ويبعد لك القريب) إذ كل منهما يقرب لك البعيد وهو ما ليس بواقع في نفس الأمر بإخباره وإحضاره في مرأى العين ويبعد القريب لعدم صفاء اللفظ وبقاء النطق به وانسرابه وجريانه في مرأى العين فالقريب حينئذ هو الذي قرباه ويمكن أن يكون في طرف المشبه الحق لأن تقريب الباطل يستلزم تبعيد الحق والله يعلم. (وإياك ومصاحبة الفاسق) مفاسد مصاحبته كثيرة أشار إلى بعضها بقوله: (فإنه بايعك بأكلة أو أقل من ذلك) الأكلة بالفتح المرة من الأكل وبالضم اللقمة والقرص من الخبز وذلك لأنه لا زاجر له من القبيح فإذا قصرت فيه بهذا القدر من الطعام يذمك عند الناس أو يذهب إلى عدوك فيتكلم فيه بغير الجميل ليجيزه بجائزة فيهتك ستر المصاحبة (وإياك ومصاحبة البخيل) الذي يبخل في الفرائض المالية فضلا عن مندوباتها. (فإنه يخذلك في ماله أحوج ما تكون إليه) أحوج خبر تكون وضمير إليه للبخيل وما مصدرية

[ 102 ]

زمانية يعني يخذلك في وقت كونك محتاجا إليه أشد إحتياج فكيف في غير هذا الوقت (وإياك ومصاحبة القاطع لرحمه) بترك حقوقها اللازمة. (فإني وجدته ملعونا في كتاب الله في ثلاثة مواضع) وأول من دخل فيه بنو أمية وبنو عباس حيث قطعوا أرحام النبي (صلى الله عليه وآله) وهي رحمهم بالقتال والظلم والتجاذب للخلافة. (قال الله تعالى: * (فهل عسيتم أن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم) * من القطع أو التقطيع للمبالغة * (أرحامكم) * أن توليتم معترضة وأن تفسدوا وما عطف عليه خبر عسى والإستفهام للتقرير والتوبيخ يعني يتوقع منكم قطعا أن توليتم أمور الناس أو أعرضتم عن الدين بالفساد في الأرض وقطع الأرحام لضعفكم في الدين وحرصكم إلى الدنيا وميلكم إلى الجور، ثم أشار إلى ثمرة عملهم وصرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة للتنبيه على بعدهم من الحق بقوله * (أولئك الذين) * الموصوفون بالصفات المذكورة. * (لعنهم الله) * وبعدهم عن الرحمة الشاملة لمن يستعد قبولها * (فأصمهم) * عن اسماع الحق * (وأعمى أبصارهم) * الظاهرة والباطنة عن إدراكه الإهتداء إلى سبيله (وقال تعالى) في سورة الرعد * (الذين ينقضون عهد الله) * المأخوذ عليهم بقوله: * (ألست بربكم قالوا: بلى) * أو بالعقل الدال على وجوده وتوحيده وصدق رسوله وما جاء به بعد مشاهدة المعجزات أو بإرسال الرسل وإنزال الكتب الدالة على أمر المبدء والمعاد والحلال والحرام وغيرها مما يتم به نظام الدارين وكمال السعادتين. * (من بعد ميثاقه) * أي من بعد احكامه تعالى ذلك العهد بالآيات والكتب أو بعد أحكامهم إياه بالإقرار والقبول والإذعان * (ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل) * كترك صلة الأرحام وموالاة أهل الولاية وغيرهما مما يوجب الوصل بينه تعالى وبين العبد. * (ويفسدون في الأرض) * بالظلم والجور وتحريك الفتن هذا في القرآن موجود وفي نسخ هذا الكتاب مكتوب مضروب. * (أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار) * عذاب النار أو قبح عاقبة الدنيا. * الأصل: 8 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن موسى بن القاسم قال: سمعت المحاربي يروى عن أبي عبد الله (عليه السلام)، عن آبائه (عليهم السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ثلاثة مجالستهم تميت القلب: الجلوس مع الأنذال والحديث مع النساء والجلوس مع الأغنياء).

[ 103 ]

* الشرح: قوله: (ثلاثة مجالستهم تميت القلب) أي تغفلهم عن أمر الآخرة وتميله إلى الشهوات وزهرات الدنيا لضعف عقولهم وشدة ميلهم إلى الدنيا فلا يأمن الجليس من الإغترار بخدائعهم. والأنذال: جمع النذل وهو الخسيس من الناس المحتقر في جميع أحواله، وقد نذل ككرم فهو نذل ونذيل أي خسيس محتقر. * الأصل: 9 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن بعض أصحابه، عن إبراهيم بن أبي البلاد، عمن ذكره، رفعه، قال: قال لقمان (عليه السلام) لابنه: (يا بني لا تقترب فتكون أبعد لك ولا تبعد فتهان، كل دابة تحب مثلها، وإن ابن آدم يحب مثله، ولا تنشر بزك إلا عند باغيه كما ليس بين الذئب والكبس خلة كذلك ليس بين البار والفاجر خلة، من يقترب من الزفت يعلق به بعضه كذلك من يشارك الفاجر يتعلم من طرقه، من يحب المراء يشتم، ومن يدخل مداخل السوء يتهم، ومن يقارن قرين السوء لا يسلم ومن لا يملك لسانه يندم). * الشرح: قوله: (قال: لقمان لابنه يا بني لا تقترب فيكون أبعد لك ولا تبعد فتهان) هذا الكلام من المتشابهات ولعل معناه لا تقترب من الفاجر فيكون اقترابه أبعد لك من الخير أو يكون عدم اقترابه أبعد لك من الشر ولا تبعد من البار فتهان وتخزى في الدنيا والآخرة أو معناه لا تقترب من الناس اقترابا تاما ولا تبعد منهم والمقصود هو الحث على الإعتدال في المخالطة معهم أو معناه لا تقترب من الصديق كثيرا ليكون أبعد لك من زوال المحبة والصداقة ولا تبعد منه كثيرا فتهان والمشهور " زر غبا تزدد حبا " والله يعلم. (إن كل دابة تحب مثلها وأن ابن آدم يحب مثله) أي كل صنف من الدابة، وكل صنف من بني آدم يحب مثله وهذا كالتأكيد للسابق. (ولا تنشر برك إلا عند باغيه.. اه) البر الصلة والإحسان والطاعة وكل وصف يتصف به البار، والباغي الطالب وفيه حث على مصاحبة البار دون الفاجر. وفي بعض النسخ " بزك " بالزاي المعجمة وهو الثياب والمتاع، والمراد به المعاني المذكورة والمال واحد الخلة بالكسر الصداقة والمحبة والزفت بالكسر القار. (ومن لا يملك لسانه يندم) ميدان اللسان في الخير والشر واسع فمن لا يملك لسانه ولا يتفكر في صحة قوله وفساده ولا في عاقبته يتكلم كثيرا بما يعود ضرره إليه أو إلى أحد من المؤمنين

[ 104 ]

فيندم ولا ينفعه الندم قال أمير المؤمنين (عليه السلام): " لسان العاقل ولاء قلبه وقلب الأحمق وراء لسانه " ومن ثم قال بعض الأفاضل: لا تتكلم بلسانك وما تكسر به أسنانك. * الأصل: 10 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن بن أبي نجران، عن عمر بن يزيد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: (لا تصحبوا أهل البدع ولا تجالسوهم فتصيروا عند الناس كواحد منهم، قال: رسول الله (صلى الله عليه وآله): (المرء على دين خليله وقرينه). * الشرح: قوله: (المرء على دين خليله وقرينه) أي عند الناس أو في نفس الأمر لأنه يعدي. * الأصل: 11 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن الحجال، عن علي بن يعقوب الهاشمي، عن هارون بن مسلم، عن عبيد بن زرارة قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): (إياكم ومصادقة الأحمق فإنك أسر ما تكون من ناحيته أقرب ما يكون إلى مساءتك). * الشرح: قوله: (ومصادقة الأحمق فإنك أسر ما تكون من ناحيته أقرب ما يكون إلى مساءتك) لأن الأحمق شأنه أن لا يضع شيئا في موضعه فربما يطلب شيئا يزعم أنه خير وهو شر عليك.

[ 105 ]

باب التحبب إلى الناس والتودد إليهم * الأصل: 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (إن أعرابيا من بني تميم أتى النبي 9 فقال له: أوصني، فكان مما أوصاه: تحبب إلى الناس يحبوك). * الأصل: 2 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال: (مجاملة الناس ثلث العقل). * الشرح: قوله (مجاملة الناس ثلث العقل) المجاملة المعاملة بالجميل فلعل السر في كونه ثلث العقل تكميل القوة والحكمة العلمية والحكمة العملية ينقسم إلى ما بين الخالق وبين العبد وإلى ما بينه وبين المخلوق والمجاملة من هذا القسم. * الأصل: 3 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قال رسول (صلى الله عليه وآله): ثلاث يصفين ود المرء لأخيه المسلم: يلقاه بالبشر إذا لقيه ويوسع له في المجلس إذا جلس إليه ويدعوه بأحب الأسماء إليه). * الأصل: 4 - وبهذا الإسناد قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (التودد إلى الناس نصف العقل). * الأصل: 5 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن علي بن حسان، عن موسى بن بكر، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: (التودد إلى الناس نصف العقل). * الشرح: قوله: (التودد إلى الناس نصف العقل) لأن العقل نصفان: عقل المعاد ونصف عقل المعاش وهذا هو هكذا في شرح النهج. * الأصل: 6 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن حذيفة بن

[ 106 ]

منصور قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (من كف يده عن الناس فإنما يكف عنهم يدا واحدة ويكفون عنه أيديا كثيرة). * الشرح: قوله: (من كف يده عن الناس) بأن يترك مجاملتهم ومعاملتهم ومخالطتهم ومودتهم وحسن الأخلاق معهم فإنما يكف عنهم يدا واحدة ويكفون عنه أيدي كثيرة وهي أيدي ذلك الرجل وأتباعه وحشمه وأحباؤه وأولاده وأنصاره وأقرباؤه فكيف إذا كف يده عن جماعة. * الأصل: 7 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن بعض أصحابه، عن صالح بن عقبة، عن سليمان بن زياد التميمي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قال الحسن بن علي (عليهما السلام): القريب من قربته المودة وإن بعد نسبه والبعيد من بعدته المودة وإن قرب نسبه، لا شئ أقرب إلى شئ من يد إلى جسد وإن اليد تغل فتقطع وتقطع فتحسم). * الشرح: قوله: (لا شئ أقرب إلى شئ من يد إلى جسد وإن اليد تغل) غلو غلولا وأغل خان في الفئ على الخصوص ويراد به هنا مطلق الخيانة. (فتقطع وتقطع فتحسم) يحتمل أن يراد بالقطع الأول قطع البعض وبالثاني قطع الكل وأن يكون العطف للتفسير والتأكيد والحسم القطع والكي، قال في القاموس: العرق قطعه ثم كواه لئلا يسيل دمه، وفي التمثيل تنبيه على المهاجرة عن القريب وإن كان شاقه بإعتبار القرابة النسبية لكن لابد منها إن كان خائنا فاسقا.

[ 107 ]

باب إخبار الرجل أخاه بحبه * الأصل: 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن محمد بن عمر، عن أبيه، عن نصر بن قابوس قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): (إذا أحببت أحدا من إخوانك فأعلمه ذلك فإن إبراهيم (عليه السلام) قال: * (رب أرني كيف تحيى الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي) *. * الشرح: قوله: (إذا أحببت أحدا من أخوانك فأعلمه ذلك) إعلام المحبة موجب لثباتها في الطرفين وحصولها للآخر إن لم تكن وهو مجرب، وقد أخبرني بعض أخواني بها وبالغ في صدقة فلم أنسه منذ أخبرني بها وأنا أخبرت بعضا آخر ثم لقيته بعد سنين كثيرة فأخبرني بأنه لم ينسني منذ أخبرته بها. (فإن إبراهيم (عليه السلام) قال * (رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي) * على الخلة وبهذا التقرير يتضح التقريب والذي يدل عليه ما رواه الصدوق في الباب الخامس عشر من كتاب العيون بإسناده عن علي بن محمد بن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون وعنده الرضا علي بن موسى عليهما السلام، فقال المأمون له (عليه السلام): أخبرني عن قول إبراهيم * (رب أرني...) * الآية، قال الرضا (عليه السلام): " إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى إبراهيم (عليه السلام) إني اختار من عبادي خليلا أن سألني أحياء الموتى أجبته فوقع في نفسه (عليه السلام) أنه ذلك الخليل فقال: رب أرني كيف تحيي الموتى قال: أولم تؤمن بي قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي على الخلة ". * الأصل: 2 - أحمد بن محمد بن خالد، ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، جميعا، عن علي بن الحكم، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (إذا أحببت رجلا فأخبره بذلك فإنه أثبت للمودة بينكما).

[ 108 ]

باب التسليم * الأصل: 1 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): السلام تطوع والرد فريضة). * الشرح: قوله: (قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): السلام تطوع والرد فريضة) البداية بالسلام سنة بإجماع الأمة ولا عبرة بقول بعض العامة أنه لا خلاف في أنه سنة أو فرض كفاية أن أراد به ما هو الظاهر وأول كلامه القرطبي بأنه ليس قوله أو فرض كفاية مخالفا للإجماع على أنه سنة لأن معناه إقامة السنة وإحياؤها فرض كفاية، ثم الرد فريضة عينية أن كان المسلم عليه واحدا معينا ولو كانوا جماعة لظاهر قوله تعالى * (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها) * إن وجوب الرد عيني لتبادره منه لكن الأخبار الواردة في الباب الثاني من هذا الباب وإجماع الأمة إلا أبو يوسف من علماء العامة فإنه قال: لا يرد إلا الجميع هو أنه كفائي يسقط رد واحد منهم وجوب الرد عن الباقين، وهنا زيادة تحقيق سنذكره إن شاء الله تعالى، ثم أن قوله تطوع والرد فريضة مختص بما إذا كان المسلم والمسلم عليه بالغين مكلفين ولو كانوا صبيين مميزين أولا أو كان أحدهما صبيا والآخر بالغا فلا تطوع ولا فرض، وقيل: بوجوب الرد إذا كان المسلم مميز أو المسلم عليه مكلفا وهذا على تقدير كون أفعال المميز شرعيا ظاهر والإحتياط واضح. * الأصل: 2 - وبهذا الإسناد قال: (من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه) وقال: (إبدؤوا بالسلام قبل الكلام فمن بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه). * الشرح: قوله: (من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه) لأن ترك السنة الموكدة والإستخفاف بها وبالمؤمن خصوصا إذا كان بالتجبر يقتضي مقابله التارك بالإستخفاف. * الأصل: 3 - وبهذا الإسناد قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (أولى الناس بالله وبرسوله من بدأ بالسلام). * الشرح: قوله: (أولى الناس بالله وبرسوله (صلى الله عليه وآله) من بدأ بالسلام) أي أولى الناس برحمة الله وإكرامه

[ 109 ]

وأقربهم برسول الله (صلى الله عليه وآله) وأحبهم وأحسنهم مقاما وأفضلهم وأكثرهم ثوابا من بدأ بالسلام لأنه البادي بإظهار التودد والتآلف وطلب الخير والسلامة المطلوبة شرعا، ويفهم منه أن الإبتداء بالسلام أفضل من رده مع أنه واجب. * الأصل: 4 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن عبد الرحمن بن أبي نجران عن عاصم بن حميد، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (كان سلمان رحمه الله يقول: افشوا سلام الله فان سلام الله لا ينال الظالمين). * الشرح: قوله: (كان سليمان (عليه السلام)) في بعض النسخ سلمان (رحمه الله) بدون الياء بعد اللام (يقول: افشوا السلام فإن سلام الله لا ينال الظالمين) سلام الله هو الرحمة والسلام من الآفات في الدنيا والمكاره في الآخرة والمراد بإفشاء السلام أن السلام على كل من تلقاء من المسلمين خصوصا الفقراء والمساكين عرفته أولم تعرفه ولم تخص به جماعة دون آخرين وإن كانوا من الظالمين، فإن السلام لا ينفعهم ولا يضرك بل ينفعك إذ تستوجب به كمال نظامك ومغفرة ذنوبك وحسن مقامك بينهم ومما ينبغي الإشارة إليه أنه هل يجوز لنا أن نقول قال زيد عليه السلام: كذا فالذي يقتضيه الدليل جواز ذلك وعليه علماؤنا وأكثر العامة قال أبو محمد الجويني: لا يجوز ذلك لأن السلام تحية مختصة بالأنبياء كالصلاة فلا يقال علي عليه السلام: كما لا يقال: علي صلى الله عليه وآله أقول: دعوى الإختصاص لا دليل عليها لا من طرقنا ولا من طرقهم وقد بسطنا الكلام عليه فيما سبق. * الأصل: 5 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن ثعلبة بن ميمون عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (إن الله عزوجل يحب إفشاء السلام). * الأصل: 6 - عنه، عن ابن فضال، عن معاوية بن وهب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (إن الله عزوجل قال: [ إن ] البخيل من يبخل بالسلام). * الشرح: قوله: (البخيل من يبخل بالسلام) إعطاء السلام أسهل من إعطاء المال فالبخل بالسلام أشد وأقبح من البخل بالمال حتى كان البخيل منحصر فيه.

[ 110 ]

* الأصل: 7 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن جعفر محمد الأشعري، عن ابن القداح، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (إذا سلم أحدكم فليجهر بسلامه لا يقول: سلمت فلم يردوا علي ولعله يكون قد سلم ولم يسمعهم فإذا رد أحدكم فليجهر برده ولا يقول المسلم: سلمت فلم يردوا علي، ثم قال: كان علي 7 يقول: لا تغضبوا ولا تغضبوا افشوا السلام واطيبوا الكلام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام ثم تلا 7 عليهم قول الله عزوجل: * (السلام المؤمن المهيمن) *. * الشرح: قوله: (ثم كان صلوات الله عليه يقول لا تغضبوا ولا تغضبوا) نهى عن الغضب والإغضاب مطلقا لأن تركهما من أعظم أسباب حسن النظام أو عن الغضب بترك الجواب إذا لم يجهر بالسلام وعن إخفاء الجواب الموجب للإغضاب. (افشوا السلام وأطيبوا الكلام) تأكيد للسابق على الإحتمالين ولذا ترك العاطف. والنيام بالفتح والتخفيف والتشديد جمع نائم، وأما بالكسر فهو النعاس والرقاد (تدخلوا الجنة بسلام) أي متلبسين بسلامة من الآفات والمكاره كلها. (ثم تلا (عليه السلام) قوله تعالى: * (السلام المؤمن المهيمن) * من أسمائه تعالى السلام لسلامته من النقص والآفات أو لأنه مسلم عباده من المهالك أو لأنه مسلم عليهم في الجنة فهو على الأول من أسماء التنزيه كالقدوس وعلى الثاني راجع إلى القدرة وعلى الثالث إلى الكلام ومن أسمائه المؤمن من الإيمان التصديق لأنه يصدق وعده أو من الأمن ضد الخوف يؤمنهم في القيامة عذابه ومن أسمائه المهيمن لأنه الراقب الشهيد، وفي ذكر هذه الآية إيماء إلى أنه تعالى يحب سلام العباد بعضهم بعضا ويجزيهم له يوم الجزاء. * الأصل: 8 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (البادي بالسلام أولى بالله وبرسوله). * الأصل: 9 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن علي بن الحكم، عن أبان، عن الحسن بن المنذر قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (من قال: السلام عليكم فهي عشر حسنات، ومن قال: [ ال‍ ] سلام عليكم ورحمة الله وبركاته فهي عشرون حسنة، ومن قال: [ ال‍ ] سلام عليكم ورحمة الله وبركاته فهي ثلاثون حسنة.

[ 111 ]

* الشرح: قوله: (من قال: سلام عليكم فهي عشر حسنات.. اه) قال بعض العامة: السلام اسم من اسمائه تعالى أو معنى السلام عليكم كما يقال: الله معك أي حفيظ عليك والظاهر أن المراد بالسلام هنا معنى السلامة من الآفات والنجاة من النار، وقد فسره بذلك كثير من الفضلاء ورحمته سبحانه عبارة من ألطافه وإحسانه وإكرامه وإنعامه والمراد بالبركة هنا إما زيادة الخير أو الثبات على ذلك من قولهم: بركت الأبل إذا ثبت على الأرض أو التطهير من المعايب وتضاعيف الحسنات هنا من باب " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها " فكل كلمة من الكلمات الثلاث حسنة، ثم الظاهر أنه يصح السلام بكل صيغة صحيحة متعارفة في الشرع والعرف بالقواعد المقررة في العربية مثل سلام عليك سلام عليكم بالتنكير والإفراد والجمع وإن كان المخاطب واحدا، والجمع أولى وأفضل كما دل عليه ما بعد هذا الخبر ومثله تعريف السلام في الصيغتين وتقديمه أفضل لتقدمه في القرآن والإخبار وتأخيره أيضا جائز مثل وعليك السلام وقال بعض العامة: يكره أن يقدم لفظ عليكم على لفظ السلام وجاء في رواياتهم النهى عنه وأنها تحية الموتى فقيل معنى كونها تحية الموتى أنها من عادة الشعراء في رثائهم الموتى وخطابهم مثل: عليك سلام الله قيس بن عاصم * ورحمته ما شاء أن يترحما ولا يعني أنها السنة في تحية الموتى فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (السلام عليكم دار قوم مؤمنين) فحياهم بتحية الاحياء وقيل: وجه الكراهة إن عادة العرب تقديم اسم المدعو عليه في الشر كقولهم: عليه لعنة الله وغضبه، وقوله تعالى: * (وإن عليك لعنتي) * ورد بأن الله تعالى في آية اللعان قدم اللعنة والغضب على الإسم وقيل: السلام اسم الله فهو أولى بالتقديم وهذا أحسن لو سلم عن المعارضة فإنه قدم عليكم على الإسم الصادر عن الرحمة وهل يتحقق السلام والتحية بمثل السلام بحذف الخبر كما هو المتعارف بين بعض الناس فالظاهر نعم لأنه مندرج تحت القانون ويحتمل العدم لعدم كونه متعارفا شرعا وعرفا ويتفرع عليه وجوب الرد وعدمه. * الأصل: 10 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن منصور بن حازم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (ثلاثة ترد عليهم رد الجماعة وإن كان واحدا: عند العطاس يقال: يرحمكم الله وإن لم يكن معه غيره، والرجل يسلم على الرجل فيقول: السلام عليكم والرجل يدعو للرجل فيقول: عافاكم الله وإن كان واحدا فإن معه غيره).

[ 112 ]

* الشرح: قوله: (ثلاثة ترد عليهم رد الجماعة وإن كان واحدا) أي تخاطبهم خطاب الجماعة فيشمل الإبتداء والجواب. (عند العطاس يقول: يرحمكم الله وإن لم يكن معه غيره) أي بحسب الظاهر فلا ينافي ما في آخر الحديث فإن معه غيره يعني معه غيره من الملائكة والمؤمنين والمؤمنات بحسب القصد والواقع. * الأصل: 11 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، رفعه قال: كان أبو عبد الله (عليه السلام) يقول: (ثلاثة لا يسلمون، الماشي مع الجنازة، والماشي إلى الجمعة، وفي بيت حمام). * الشرح: قوله: (ثلاثة لا يسلمون) محمول على الكراهة (الماشي مع الجنازة والماشي إلى الجمعة وفي بيت حمام) ولعل السر في الأولين أنه ينافي التعجيل المطلوب فيهما أو المراد أنهما لا يبتد ئان بالسلام على غيرهما بل ينبغي العكس لفضل المشي مع الجنازة وإلى الجمعة وفي الأخير أنه يوجب النظر إلى ما يكره والإطلاع عليه والله أعلم. * الأصل: 12 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن عثمان بن عيسى، عن هارون بن خارجة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (من التواضع أن تسلم على من لقيت). * الشرح: قوله: (من التواضع أن تسلم على من لقيت) وإن وقعت الملاقات في اليوم مرارا كما دلت عليه رواية أبي عبيدة المذكور في باب المصافحة عن أبي جعفر (عليه السلام). * الأصل: 13 - أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن جميل، عن أبي عبيدة الحذاء، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (مر أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوم فسلم عليهم فقالوا: عليك السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته رضوانه، فقال لهم أمير المؤمنين (عليه السلام): لا تجاوزا بنا مثل ما قالت الملائكة لأبينا إبراهيم (عليه السلام) إنما قالوا: رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت). * الأصل: 14 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن علي بن رئاب، عن أبي

[ 113 ]

عبد الله (عليه السلام) قال: (إن من تمام التحية للمقيم المصافحة وتمام التسليم على المسافر المعانقة). * الشرح: قوله: (وتمام التسليم على المسافر المعانقة) عند قدومه وظني أنه مروي وقد مر فضل المعانقة في بابها. * الأصل: 15 - علي بن إبراهيم، عن أبيه عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (يكره للرجل أن يقول: حياك الله ثم يسكت حتى يتبعها بالسلام). * الشرح: قوله (يكره للرجل أن يقول: حياك الله ثم يسكت حتى يتبعها بالسلام) الحياة البقاء ضد الموت والحياء بالفتح والقصر الخصب والرخاء والملك والتحية وهي السلام ومعنى حياك الله أبقاك من الحياة أو رزقك رزقا حسنا أو ملكك وفرحك أو سلام عليك من الحيا بالمعاني المذكور.

[ 114 ]

باب ن يجب ان يبدأ بالسلام * الأصل: 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن القاسم بن سليمان، عن جراح المدائني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (يسلم الصغير على الكبير والمار على القاعد والقليل على الكثير). * الشرح: قوله: (يسلم الصغير على الكبير والمار على القاعد والقليل على الكثير) أما بداية الصغير على الكبير فلأن للكبير على الصغير فضلا في السن فحصل له بذلك مزية التقدم بالتحية نعم لو كان للصغير فضائل نفسانية مثل العلم والأدب دون الكبير لا يبعد القول بالعكس لأن مراعات الفضل البدني يقتضي مراعاة الفضائل النفسانية بالطريق الأولى ولأن العالم له نسبة مؤكدة إلى النبي والأئمة المعصومين (عليهم السلام) دون الجاهل ومن اعتبر حال بعض الأئمة وبعض الأنبياء (عليه السلام) علم أن تقدمهم على غيرهم مع صغر سنهم إنما كان لأجل كمالاتهم وحمل الصغير والكبير على الصغير المعنوي والكبير المعنوي مستبعد، وأما بداية المار على القاعد فلأن القاعد قد يقع في نفسه خوف من القادم فإذا ابتدء القادم بالسلام أمن أو لأن القاعد لو أمر بالبداية على المارين شق عليه لكثرة المارين بخلاف العكس وأما بداية القليل على الكثير فلفضيلة الجماعة وأيضا لو بدأت الجماعة على الواحد خيف منه الكبر ويحتمل غير ذلك والله تعالى يعلم. * الأصل: 2 - علي بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن عنبسة بن مصعب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (القليل يبدؤون الكثير بالسلام والراكب يبدأ الماشي وأصحاب البغال يبدؤون أصحاب الحمير وأصحاب الخيل يبدؤون أصحاب البغال). * الشرح: قوله: (والراكب يبدأ الماشي.. اه) اما بداية الراكب الماشي فلأن الراكب فضلا دنيويا فعدل الشرع بينهما فجعل للماشي فضيلة أن يبدأ بالسلام، واما لأن الماشي قد يخاف من الراكب فإذا سلم عليه أمن أو لأنه لو ابتدأ الماشي بالسلام على الراكب خيف من الراكب الكبر وهذه التعاليل يجري فيما بعد أيضا.

[ 115 ]

* الأصل: 3 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن علي بن أسباط، عن ابن بكير عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: (يسلم الراكب على الماشي والماشي على القاعد وإذا لقيت جماعة جماعة سلم الأقل على الأكثر، وإذا لقى واحد جماعة سلم الواحد على الجماعة). * الشرح: قوله: (وإذا لقى واحد جماعة سلم الواحد على الجماعة) هذا من الآداب سواء كان الواحد أفضل وأعلم من الجماعة أم لا لما مر أن أمير المؤمنين (عليه السلام) مر بقوم فسلم عليهم، نعم لو سلم الجماعة على الواحد إذا كان أفضل منهم كان لهم مع ثواب فضيلة التقدم بالسلام ثواب فضيلة التعظيم للعالم. * الأصل: 4 - سهل بن زياد، عن جعفر بن محمد الأشعري، عن ابن القداح، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (يسلم الراكب على الماشي والقائم على القاعد). * الأصل: 5 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن عمر بن عبد العزيز، عن جميل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (إذا كان قوم في مجلس ثم سبق قوم فدخلوا فعلى الداخل الأخير إذا دخل أن يسلم عليهم). * الشرح: قوله: (إذا كان قوم في مجلس ثم سبق قوم فدخلوا فعلى الداخل أخيرا أن يسلم عليهم) أي على أهل المجلس جميعا الكائنين فيه والسابقين في الدخول سواء استقر السابقون في القعود أم لا، وسواء فصل بينهم وبين الأخير زمان أم لا.

[ 116 ]

باب " إذا سلم واحد من الجماعة أجزأهم وإذا رد واحد من الجماعة أجرأ عليهم " * الأصل: 1 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن علي بن أسباط، عن ابن بكير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (إذا مرت الجماعة بقوم أجزأهم أن يسلم واحد منهم، وإذا سلم على القوم وهم جماعة أجزأهم أن يرد واحد منهم). * الشرح: قوله: (إذا مرت الجماعة بقوم أجزأهم أن يسلم واحد منهم وإذا سلم على القوم وهم جماعة أجزأهم أن يرد واحد منهم) دل هذا وما بعده على أن وجوب الرد كفائي إذا رد أحد من جماعة كفى وهو مذهب جماعة من أصحابنا وأكثر العامة ويؤيده أنه سلم سلاما واحدا فليس له إلا عوض واحد فإذا تحقق خرجوا من العهدة وعليه يحمل قوله تعالى: * (إذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها) * إلا أن يحمل الأمر على الندب لعدم وجوب الأحسن وهو ضعيف لأن الجواب غير منحصر في الأحسن بل هو مردد بين المثل والأحسن ثم رد واحد منهم إنما يكفي لو كان داخلا في المجموع المسلم عليهم وكان مكلفا بالجواب فلو لم يكن داخلا أو كان داخلا ولم يكن مكلفا لا يسقط جوابه عن الباقين لأنه قد وجب الرد عليهم ولم يأت أحد بذلك الواجب إذ لا يجب على غير الداخل ولا على غير البالغ، وقال الفاضل الأردبيلي: يمكن أن يقال لو سلم على جماعة يدخل فيهم غير البالغ وهو مقصود بالسلام أيضا يكفي رده عن الباقين إذ المسلم كأنه ما أوجب الرد بل جاء بكلام يريد عوضه بواجب وغير واجب فيكفي غير الواجب. * الأصل: 2 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: (إذا سلم الرجل من الجماعة أجزأ عنهم). * الأصل: 3 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن يحيى، عن غيات بن إبراهيم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (إذا سلم من القوم واحد أجزأ عنهم وإذا رد واحد أجزأ عنهم).

[ 117 ]

باب التسليم على النساء * الأصل: 1 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن ربعي بن عبد الله، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (كان رسول الله 9 يسلم على النساء ويرددن عليه السلام وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) يسلم على النساء وكان يكره أن يسلم على الشابة منهن ويقول: أتخوف أن تعجبني صوتها فيدخل علي أكثر مما أطلب من الأجر). * الشرح: قوله: (كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يسلم على النساء ويرددن عليه السلام وكان أمير المؤمنين (عليه السلام).. اه) دل هذا الخبر على جواز السلام على النساء وإن كانت شابة وعلى جواز ردهن وسماع صوتهن ويؤيده الأصل وتكلم فاطمة عليها السلام مع سلمان وبلال وغيرهما من الأصحاب وهو الظاهر من مذهب بعض الأصحاب، وظاهر عبارات أكثر الأصحاب أن صوتهن عورة واستماعه حرام وان سلامهن على الأجنبي حرام، وكذا سلامه عليهن وأن الجواب في الصورتين ليس بمشروع لأن الشارع لا يأمر برد الجواب عن الحرام وأنه ليس ذلك بتحية شرعا فلا يوجب الأجر والعوض ويدل عليه ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: " لا تبدؤوا النساء بالسلام " وما روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " لا تسلم على المرأة " ويمكن حمل النهي فيهما على الكراهة مطلقا أو عند توهم الفتنة أو إذا كانت شابة للجمع بين الأخبار ويؤيده ما في آخر هذا الحديث لأن الظاهر أن أمير المؤمنين (عليه السلام) أراد بما نسب إلى نفسه غيره، واختلف العامة أيضا فأجاز مالك والجمهور السلام على المسنة وكرهوا على الشابة خوف الفتنة من مكالمتها وردها وقال بعضهم: يسلم عليهن ولا يرددن لأنه إذا سقط عنهن الأذان والإقامة والجهر بالقراءة سقط عنهن الرد، وقال بعضهم: لا يسلم الرجال على النساء ولا النساء على الرجال، وقال المازري: إذا كانت النساء جماعة يسلم عليهن وإن كانت واحدة مسنة لا تشتهي يسلم عليها وتسلم هي وإن كانت تشتهي أو شابة لا يسلم عليها ولا تسلم هي ومن سلم منهما لم يستحق جوابا.

[ 118 ]

باب التسليم على أهل الملل * الأصل: 1 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): قال: (دخل يهودي على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعائشة عنده فقال: السام عليكم فقال: رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليكم، ثم دخل آخر فقال مثل ذلك، فرد عليه كما رد على صاحبه، ثم دخل آخر فقال مثل ذلك فرد رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما رد على صاحبيه فغضبت عائشة فقالت: عليكم السام والغضب واللعنة يا معشر اليهود يا إخوة القردة والخنازير، فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا عائشة إن الفحش لو كان ممثلا لكان مثال سوء، إن الرفق لم يوضع على شئ قط إلا زانه ولم يرفع عنه قط إلا شأنه، قالت: يا رسول الله أما سمعت إلى قولهم السام عليكم ؟ فقال: بلى أما سمعت ما رددت عليهم ؟ قلت: عليكم. فإذا سلم عليكم مسلم فقولوا: سلام الله عليكم وإذا سلم عليكم كافر فقولوا: عليك. * الشرح: قوله (دخل يهودي على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعائشة عنده فقال: السلام عليكم فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): عليكم.. اه) نظير ذلك في كتب العامة كثير منها ما روي عن عروة عن عائشة قالت: استأذن رهط من اليهود على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالوا السام عليكم فقالت عائشة: بل عليكم السام واللعنة فقال رسول الله: " يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله قالت: ألم تسمع ما قالوا قال: قد قلت وعليكم " وفي حديث آخر " قد قلت عليكم " ولم يذكر الواو، وفي حديث آخر " قاتل ألم تسمع ما قالوا قال بلى قد سمعت ورددت عليهم وأنا نجاب عليهم ولا يجابون علينا " قال القرطبي: السام الموت ومنه الحديث " لكل داء دواء إلا السام) فقيل: يا رسول الله ما السام ؟ فقال: " الموت " وفيه دلالة على الإنتصار للسلطان وأهل الفضل ووجوب ذلك على حواشيهم والمسلمين، وقال القتادة: المراد بالسام السامة أي تسئمون دينكم مصدر سئمت سامة وساما مثل رضاعا، وقال المازري: في زجره (عليه السلام) لعائشة وقوله: أن الله يحب الرفق في الأمر كله دلالة على عظمة خلقه وكمال حلمه وعلى الحث على الحلم والصبر والرفق ما لم يدع إلى المخاشنة، والفحش ما يقبح من القول وفيه أمر عام بترك الجفاء في الكلام بالنسبة إلى كافة الناس وبالتثبيت والرفق وعدم الإستعجال باللعن والطعن وغيرهما وقد كان (صلى الله عليه وآله) يستألف الكفار بالأموال الظاهرة فكيف بالكلام الخشن. * الأصل: 2 - محمد بن يحيى، أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن يحيى، عن غياث بن إبراهيم

[ 119 ]

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لا تبدؤوا أهل الكتاب بالتسليم وإذا سلموا عليكم فقولوا: وعليكم. * الشرح: قوله (لا تبدؤوا أهل الكتاب بالتسليم.. اه) دل على تحريم ابتدائهم بالتسليم ولا ينافي ذلك ما سيجئ في هذا الباب، عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: قلت لأبي الحسن موسى (عليه السلام): أرأيت أن احتجت إلى متطبب وهو نصراني أن أسلم عليه وأدعوا له ؟ قال: " نعم ولا ينفعه دعاؤك " لأن هذا محمول على حال الضرورة والإحتياج إليه والتحريم على حال الإختيار وكذا لا ينافي ما مر " افشوا سلام الله فإن سلام الله لا ينال الظالمين " لأن هذا عام مخصوص بهذا الحديث وقوله " فقولوا وعليكم " بالواو وفي الرواية المتقدمة على هذه الرواية " فقولوا عليك " وفي رد الرسول (صلى الله عليه وآله) عليكم وفي الرواية المتأخرة عليها قل: عليك ويقول: عليكم بدون الواو وروايات العامة أيضا مختلفة في بعضها بالواو وفي بعضها بدونها والمعنى بدون الواو ظاهر لأن المقصود حينئذ أن الذي تقولون علينا مردود عليكم، وأما مع الواو فمشكل لأن الواو يقتضي اثبات ما قالوا على نفسه وتقريره عليها حتى يصح العطف فيدخل معهم فيما دعوا به ولهذا قال محيى الدين البغوي نقلا عن بعضهم والمختار في الرد عليكم بدون الواو. وقال ابن الأثير: قال الخطابي: عامة المحدثين يروون وعليكم بإثبات واو العطف وكان ابن عيينة يرويه بغير واو وهو الصواب لأنه إذا حذف الواو صار قولهم الذي قالوه نفسه مردودا عليهم خاصة، وإذا أثبت الواو وقع الإشتراك معهم فيما قالوه لأن الواو تجمع بين الشيئين والمثبتون للواو اختلفوا فقال بعضهم: إنها للإستيناف لا للعطف فلا يقتضي المشاركة. وقال عياض: هذا بعيد والأولى أن يقال: الواو على بأبها من العطف غير أنا نجاب فيهم ولا يجابون فينا كما دل عليه الحديث ثم قال: حذف الواو أحسن معنى واثباتها أصح رواية وأشهر. أقول: ما اختاره ليس بأولى لأن المفسدة هي قبول المجيب دعاءهم على نفسه وتقريره عليها وقبوله المشاركة وهي باقية غير مدفوعة بما ذكره، ثم أقول: يمكن أن يقال: إذا علم أنهم قالوا: السام عليك يجيب بعليكم دون واو كما فعله النبي (صلى الله عليه وآله) وإذا علم أنهم قالوا: السلام عليك كما هو المعروف في التحية يجيب وعليكم فيقبل سلامهم على نفسه ويقررها عليها ويأتي بلفظ يفيد ذلك إلا أن ذلك لا ينفعهم وفائدته مجرد الرفق وتأليف القلوب وكذا يصح أن يجيب بعليك دون واو وبذلك يتحقق الجمع بين الروايات. ثم ان الأمر بردهم على سبيل الرخصة والجواز دون الوجوب وان احتمل نظرا إلى ظاهره كما نقل عن ابن عباس والشعبي وقتادة من علماء العامة واستدلوا بعموم الآية * (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن

[ 120 ]

منها أو ردوها) * حيث قالوا: بأحسن منها للمسلمين وقوله: * (أو ردوها) * لأهل الكتاب، والحق أن كليهما للمسلمين لعدم وجوب الرد بالإحسن للمسلمين اتفاقا بل الواجب أحد الأمرين إما الرد بالأحسن أو بالمثل. * الأصل: 3 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن اليهودي والنصراني والمشرك إذا سلموا على الرجل وهو جالس كيف ينبغي أن يرد عليهم ؟ فقال: (يقول: عليكم). * الأصل: 4 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن بريد بن معاوية، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (إذا سلم عليك اليهودي والنصراني والمشرك فقل: عليك). * الأصل: 5 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن سالم، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (أقبل أبو جهل بن هشام ومعه قوم من قريش فدخلوا على أبي طالب فقالوا: إن ابن أخيك قد آذانا وآذى آلهتنا فادعه ومره فليكف عن آلهتنا ونكف عن آلهه، قال: فبعث أبو طالب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فدعاه، فلما دخل النبي (صلى الله عليه وآله) لم ير في البيت إلا مشركا فقال: السلام على من اتبع الهدى ثم جلس فخبره أبو طالب بما جاؤوا له فقال: أو هل لهم في كلمة خير لهم من هذا يسودون بها العرب ويطأون أعناقهم ؟ فقال أبو جهل: نعم وما هذه الكلمة ؟ فقال: تقولون: لا إله إلا الله، قال: فوضعوا أصابعهم في آذانهم وخرجوا هرابا وهم يقولون: ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق فأنزل الله تعالى في قولهم: * (ص والقرآن ذي الذكر) * - إلى قوله - * (إلا اختلاف) *. * الشرح: قوله: (فادعه ومر فليكف عن آلهتنا ونكف عن آلهه) الظاهر أن الواو في قولهم ونكف عن الهه للحال عن فاعل يكف أو بمعنى الفاء لا للعطف على يكف لأنه لا يخلو عن مناقشة ودفعه بأن التقدير ومره ومرنا أن يكف إلى اه بعيد فليتأمل. (لم ير في البيت إلا مشركا) غير أبي طالب أو المراد لم ير في البيت من الواردين إلا مشركا أو المراد بالمشرك المشرك بحسب الواقع أو الظاهر وقد كان أبو طالب يخفي إيمانه منهم ويريهم أنه

[ 121 ]

مشرك والله أعلم. (فقال: السلام على من ابتع الهدى) فيه بيان لكيفية التسليم على أهل الملل الباطلة وإنما لم يسلم على أبي طالب وحده مع أنه كان مسلما لئلا يفهموا بذلك إسلامه (ثم جلس فخبره أبو طالب بما جاء له) خبره تخبيرا بمعنى أخبره. فقال: أو هل له في كلمة خير لهم من هذا ؟) الهمزة للإستفهام والواو للعطف على مقدر ولهم متعلق بمحذوف وخير خبر مبتدء والتقدير أقالوا هذا وهل لهم رغبة في كلمة هي خير لهم من هذا الذي طلبوه. (فوضعوا أصابعهم في آذانهم) تحاشيا من استماع هذه الكلمة الشريفة الدالة على التوحيد المطلق (وخرجوا هرابا) بضم الهاء وشد الراء للمبالغة في الهرب. (وهم يقولون ما سمعنا بهذا) الذي يقول والواو للحال (في الملة الآخرة) هي ملة آبائهم أو ملة عيسى التي هي آخر الملل لأن النصارى كانوا على التثليث (ان هذا إلا اختلاق) أي كذب اختلقه وافتراه. * الأصل: 6 - محمد بن يحيى، عن عبد الله بن محمد، عن علي بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن زرارة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (تقول في الرد على اليهودي والنصراني: سلام). * الشرح: قوله: (تقول في الرد على اليهودي والنصراني: سلام) يحتمل أن يكون سلام بفتح ويؤيده قوله تعالى: * (سأستغفر لك ربي) * وقوله تعالى: * (وقل سلام فسوف تعلمون) * والوجه في جواز ذلك انه لم يقصد بهذا السلام التحية وإنما قصد به المباعدة والمشاركة ويحتمل أن يكون بكسر السين ويؤيده مذهب بعض العامة من أنه ينبغي أن يقول في الرد عليكم السلام بكسر السين والسلام بالكسر الحجارة. * الأصل: 7 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: قلت لأبي الحسن موسى (عليه السلام): أرأيت إن احتجت إلى متطبب وهو نصراني أن اسلم عليه وأدعو له ؟ قال: (نعم لا ينفعه دعاؤك). 8 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن عبد الرحمن ابن الحجاج قال: قلت لأبي الحسن موسى (عليه السلام): أرأيت إن احتجت إلى الطبيب وهو نصراني [ أن ] اسلم

[ 122 ]

عليه وأدعو له ؟ قال: (نعم إنه لا ينفعه دعاؤك). 9 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن محمد ابن عرفة، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: قيل لأبي عبد الله (عليه السلام): كيف أدعو لليهودي والنصراني قال: تقول له: (بارك لك في دنياك). * الأصل: 10 - حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد، عن وهيب بن حفص، عن أبي بصير، عن أحدهما (عليهما السلام) في مصافحة المسلم اليهودي والنصراني قال: (من وراء الثوب فإن صافحك بيده فاغسل يدك). * الشرح: قوله: (فإن صافحك بيده فاغسل يدك) وجوبا مع الرطوبة وندبا مع عدمها والظاهر أن للمؤمن ثواب المصافحة كما أن له ثواب الجماعة لو صلى خلف من لا يقتدى به. * الأصل: 11 - أبو علي الأشعري، عن الحسن بن علي الكوفي، عن عباس بن عامر، عن علي بن معمر، عن خالد القلانسي قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ألقى الذمي فيصافحني قال: (أمسحها بالتراب وبالحائط). قلت: فالناصب ؟ قال: (اغسلها). * الشرح: قوله: (اسمحها بالتراب أو بالحائط) بدون الرطوبة تطييبا للقلب وأما معها فالظاهر وجوب الغسل كما مر. * الأصل: 12 - أبو علي الأشعري، عن محمد عبد الجبار، عن صفوان، عن العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) في رجل صافح رجلا مجوسيا قال: (يغسل يده ولا يتوضأ). * الشرح: قوله: (يغسل يده ولا يتوضأ) أما غسل اليد وجوبا مع الرطوبة وندبا بدونها فظاهر وأما عدم الوضوء فلأنه ليس بمبطل له كملاقاة النجاسات بالبدن.

[ 123 ]

باب مكاتبة أهل الذمة * الأصل: 1 - أحمد بن محمد الكوفي، عن علي بن الحسن بن علي، عن علي بن أسباط، عن عمه يعقوب بن سالم، عن أبي بصير قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون له الحاجة إلى المجوسي أو إلى اليهودي أو إلى النصراني أو أن يكون عاملا أو دهقانا من عظماء أهل أرضه فيكتب إليه الرجل في الحاجة العظيمة أيبدأ بالعلج ويسلم عليه في كتابه وإنما يصنع ذلك لكي تقضى حاجته ؟ قال: (أما ان تبدأ به فلا ولكن تسلم عليه في كتابك فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد كان يكتب إلى كسرى وقيصر). * الشرح: قوله: (أو دهقانا.. اه) الدهقان بضم الدال وكسرها: القوى على التصرف مع حدة والتاجر وزعيم فلاحي العجم ورئيس الأقليم والقرية، والعلج بالكسر: الرجل من كفار العجم وغيرهم وقوله (عليه السلام): " أما أن تبدأ به فلا " محمول على الكراهة جمعا بينه وبين ما دل على جواز تقديم اسمه كحديث ابن سنان. * الأصل: 2 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن إسماعيل بن مرار، عن يونس، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكتب إلى رجل من عظماء عمال المجوس فيبدأ باسمه قبل اسمه ؟ فقال: (لا بأس إذا فعل لاختيار المنفعة). باب الاغضاء * الأصل: 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن عبد الله بن محمد الحجال، عن ثعلبة بن ميمون، عمن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان عنده قوم يحدثهم إذ ذكر رجل منهم رجلا فوقع فيه وشكاه فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): (وأنى لك بأخيك كله - وأي الرجال المهذب -). * الشرح: قوله: (فوقع فيه وشكاه) وقع فلان في فلان سبه وثلبه وذكر عيوبه ولعل الوقوع فيه من باب إظهار التظلم كما يشعر به قوله " وشكاه " وهو جائز عند الحاكم. قوله: (فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): وأنى ذلك بأخيك كله) أنى بمعنى أين للإستبعاد يعني من أين لك أخوك كل الأخ أي الكامل في الأخوة المنزه عما يوجب النقص فيها ثم آكد ذلك بقوله (وأي الرجال المهذب) يعني الرجل المهذب الخالص عن العيب والنقص نادر جدا مستبعد وجوده

[ 124 ]

فلابد للصديق من الأغضاء والإغماض عن عيوب صديقه لئلا يبقى بلا صديق. * الأصل: 2 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، ومحمد بن سنان، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): (لا تفتش الناس فتبقى بلا صديق). * الشرح: قوله: (لا تفتش الناس فتبقى بلا صديق) يعني أن وجدت صديقا صالحا بحسب ظاهر حاله فحسبك صداقته فلا تفتش في باطن أمره فإنك إن فتشت تجده فاسدا فتتركه وتبقى بلا صديق والبقاء بلا صديق غير مستحسن لأن الإنسان في السراء والضراء والشدة والرخاء والتعيش والبقاء محتاج إليه. باب نادر * الأصل: 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن العلاء بن الفضيل وحماد بن عثمان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (انظر قلبك فإذا أنكر صاحبك فإن أحد كما قد أحدث). * الشرح: قوله: (انظر قلبك فإذا انكر صاحبك) أي أبغضه وهو لا محالة أبغضك أيضا (فإن أحدكما أحدث) سببه فإن بغضك له أمر ممكن ولكل ممكن سبب فإن كان احداثه منه سببا لبغضك له كان إحداثه منك أيضا سببا لبغضه لك لعدم الفرق، وهذا التعليل في غاية اللطف في الدلالة على أن البغض من الطرفين. * الأصل: 2 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن إسماعيل بن مهران، الحسن بن يوسف، عن زكريا بن محمد، عن صالح بن الحكم قال: سمعت رجلا يسأل أبا عبد الله (عليه السلام) فقال: الرجل يقول: أودك فكيف أعلم أنه يودني ؟ فقال: (امتحن قلبك فإن كنت توده فإنه يودك). * الشرح: قوله: (امتحن قلبك فإن كنت توده فإنه يودك) أريد بالود الحب في الله وهو بين الطرفين ولا يزول إلا الله وأما الود المجازي لأغراض الدنيا فهو قد لا يكون من الطرفين وكثيرا ما يزول لعدم حصول تلك الأغراض. * الأصل: 3 - أبو بكر الحبال، عن محمد بن عيسى القطان المدائني قال: سمعت أبي يقول: حدثنا مسعدة

[ 125 ]

ابن اليسع قال: قلت لابي عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام): إني والله لاحبك فأطرق ثم رفع رأسه فقال: (صدقت يا أبا بشر، سل قلبك عما لك في قلبي من حبك فقد أعلمني قلبي عما لي في قلبك). * الشرح: قوله: (صدقت يا أبا بشر سل قلبك عما لك في قلبي من حبك فقد اعلمني قلبي عما لي في قلبك) يريد أن حبك لي مستلزم لحبي لك وبالعكس فإذا سألت قلبك الذي وجد الأول استدل به على وجود الثاني فيخبرك به كما أن قلبي الواجد للثاني استدل به على وجود الأول فأخبرني به. * الأصل: 4 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن علي بن أسباط، عن الحسن بن الجهم قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): لا تنسني من الدعاء، قال: ([ أ ] وتعلم أني أنساك ؟) قال: تفكرت في نفسي وقلت: هو يدعو لشيعته وأنا من شيعته، قلت: لا، لا تنساني، قال: (وكيف علمت ذلك ؟) قلت: إني من شيعتك وإنك لتدعو لهم. فقال: (هل علمت بشئ غير هذا ؟) قال: قلت: لا، قال: (إذا أردت أن تعلم مالك عندي فانظر [ إلى ] مالي عندك. 5 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النضر بن سويد، عن القاسم بن سليمان، عن جراح المدائني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: انظر قلبك فإن أنكر صاحبك فاعلم أن أحدكما قد أحدث. * الشرح: قوله (وينصح له إذا غاب) بأن يمنع عنه المغتاب ويجلب له ولأهله المنافع ويدفع عنهم المضار (ويسمته إذا عطس) قال ابن الأثير التسميت بالسين والشين، والمعجمة أعلاهما يقال شمت فلانا وشمت عليه تشميتا فهو مشمت واشتقاقه من الشوامت وهي القوائم كأنه دعاء للعاطس بالثبات على طاعة الله تعالى وقيل معناه أبعدك الله من الشماتة وجنبك ما يشمت به عليك، واشتقاق المهملة من السمت وهو الهيئة الحسنة أي جعلك الله على سمت حسن لأن هيئته تتزعج للعطاس. وقال القرطبي شمت وسمت والمعجمة أعلا. وقال ابن الأنباري كل داع بالخير مشمت ومسمت، وقال ثعلب والأصل المهملة من السمت وهو القصد وحسن المودة ومنه الحديث " دعا لفاطمة وسمت عليها ". باب العطاس والتسميت * الأصل: 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن النضر ابن سويد، عن القاسم بن سليمان، عن جراح المدائني قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): (للمسلم على أخيه من الحق أن يسلم عليه إذا لقيه ويعوده إذا مرض وينصح له إذا غاب ويسمته إذا عطس يقول:

[ 126 ]

" الحمد لله رب العالمين لا شريك له " ويقول له: " يرحمك الله " فيجبيبه فيقول: " يهديكم الله ويصلح بالكم " ويجيبه إذا دعاه ويتبعه إذا مات). * الشرح: (يقول: الحمد لله رب العالمين لا شريك له) الظاهر أن يقول: حال عن فاعل عطس وضميره للعاطس فيفيد أن استحباب التسميت مشروط بقول العاطس ذلك وساقط بدونه ونظيره موجود في كتب العامة قال القرطبي: تسميت العاطس فرض كفاية وشرطه أن يقول العاطس: الحمد لله ولا يبعد القول بأن التسميت مستحب مطلقا لظواهر الروايات الآتية ويتأكد إذا قال العاطس ذلك (ويجيبه إذا دعاه) إلى طعامه وغيره من الأمور المشروعة كالإعانة والنصرة ونحوهما. * الأصل: 2 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (إذا عطس الرجل فسمتوه ولو كان من وراء جزيرة، وفي رواية اخرى ولو من وراء البحر). * الشرح: قوله: (إذا عطس الرجل فسمتوه ولو من وراء جزيرة) دل على تأكد استحبابه والأحوط أن لا يترك، وقال عياض: اختلف في حكم التسميت فمذهب مالك وهو قول جماعة أنه فرض كفاية وقال بعض أهل الظاهر: أنه فرض عين وذهب الأكثر إلى أنه مستحب. * الأصل: 3 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي، عن مثنى، عن إسحاق ابن يزيد ومعمر بن أبي زياد وابن رئاب قالوا: كنا جلوسا عند أبي عبد الله (عليه السلام) إذا عطس رجل فما رد عليه أحد من القوم شيئا حتى ابتدأ هو فقال: (سبحان الله ألا سمتم إن من حق المسلم على المسلم أن يعوده إذا اشتكى وأن يجيبه إذا دعاه وأن يشهده إذا مات وأن يسمته إذا عطس). 4 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن صفوان بن يحيى قال: كنت عند الرضا (عليه السلام) فعطس: فقلت له: صلى الله عليك، ثم عطس، فقلت: صلى الله عليك ثم عطس فقلت: صلى الله عليك وقلت له: جعلت فداك إذا عطس مثلك يقال له كما يقول بعضنا لبعض: يرحمك الله ؟ أو كما نقول ؟ قال: نعم أليس تقول: (صلى الله على محمد وآل محمد ؟) قلت: بلى قال: (ارحم محمد وآل محمد ؟) قال: بلى وقد صلى الله عليه ورحمه وإنما صلواتنا عليه رحمة لنا وقربة. * الشرح: قوله: (عن صفوان بن يحيى قال: كنت عند الرضا (عليه السلام) فعطس فقلت له صلى الله عليك ثم

[ 127 ]

عطس فقلت له صلى الله عليك ثم عطس فقلت صلى الله عليك) دل على استحباب التسميت في الثالثة كما دل عليه أيضا حديث زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في آخر الباب إلا أنه دل أيضا على عدمه بعدها وهو أيضا مذهب مالك، قال صاحب كتاب إكمال الإكمال: ذهب مالك إلى أنه يسمت ثلاثا ثم يمسك، ثم قال: وإن تكرر العطاس سقط التسميت وليقل في الثالثة والرابعة: انك مزكوم وقيل: في الثانية أيضا لما رواه مسلم ان رجلا عطس عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال له: (يرحمك الله) ثم عطس أخرى فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) (الرجل مزكوم). قال المازري: يعني أنك لست ممن يسمت بعد هذا لأن هذا لذي بك مرض، ثم أورد عليه بأنه ان كان مريضا كان أحق بالدعاء له وأجاب بأنه يستحب أن يدعى له بالعافية لا بدعاء العاطس. (وقلت: جعلت فداك إذا عطس مثلك من أهل العصمة عليهم السلام نقول له كما يقول بعضنا لبعض يرحمك الله أو كما نقول) الترديد من الراوي ولعل بناء السؤال على أن مثلكم مرحومون قطعا فلا فائدة في طلب الرحمة لهم لأنه تحصيل الحاصل (قال: نعم) قولوا كما تقولون لغيرنا ثم أشار إلى أن الفائدة لكم لا لنا مع البيان. (وقال: أليس يقول صلى الله عليه وآل محمد قلت بلى) الإستفهام للتقرير وكذا في قوله (ارحم) أي أرحم الله (محمد وآل محمد) ثم بادر (عليه السلام) إلى الجواب والتقرير. (فقال: بلى وقد صلى) أي وقد صلى عليه ورحمه ففائدة صلواتنا عليه ورحمتنا له لا تعود إليه لحصولهما له من الله تعالى على وجه الكمال. (وإنما صلواتنا عليه رحمة لنا وقربة) إلى الله تعالى وإليه (صلى الله عليه وآله) فكذلك صلواتكم لنا رحمة وقربة لكم وقد صرح بذلك الشهيد الثاني في شرح اللمعة حيث قال وغاية السؤال بها أي بالصلاة عائد إلى المصلي لأن الله تعالى قد أعطى نبيه (صلى الله عليه وآله) من المنزلة والزلفى لديه ما لا يؤثر فيه صلاة مصل كما نطقت به الأخبار وصرح به العلماء الأخيار. * الأصل: 5 - عنه، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: (التثأب من الشيطان والعطسة من الله عزوجل). * الشرح: قوله: (سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: التثأب من الشيطان والعطسة من الله عز وجل) روى مسلم بإسناده عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " التثأب من الشيطان " وفي رواية أخرى له: " إذا تثأب أحدكم فليمسك بيده على فمه فإن الشيطان يدخل " قال عياض: التثأب بشد الهمزة والإسم الثوباء بالمد، وقال ابن دريد: أصله من ثأب الرجل فهو مثؤوب إذا استرخى وكسل وقيل: التثأب بالهمز التنفس الذي ينفتح منه الفم وإنما نسبه إلى الشيطان لأنه من تكسيله وسببه وقيل: أضيف إليه لأنه يرضيه وقيل: إنما ينشأ من امتلاء وثقل النفس وكدورة الحواس ويورث الغفلة والكسل وسوء الفهم ولذاكره الله

[ 128 ]

تعالى وأحبه الشيطان وضحك منه. والعطاس لما كان سببا لخفة الدماغ، واستفراغ الفضلات وصفاء الروح وتقوية الحواس كان أمره بالعكس ولكونه من الشيطان قيل: إنه ما تثأب نبي قط. * الأصل: 6 - علي بن محمد، عن صالح بن أبي حماد قال: سألت العالم (عليه السلام) عن العطسة وما العلة في الحمد لله عليها ؟ فقال: (إن لله نعما على عبده في صحة بدنه وسلامة جوارحه وأن العبد ينسى ذكر الله عزوجل على ذلك وإذا نسي أمر الله الريح فتجاوز في بدنه ثم يخرجها من أنفه فيحمد الله على ذلك فيكون حمده عند ذلك شكرا لما نسي). 7 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن ابن فضال، عن جعفر ابن يونس، عن داود بن الحصين قال: كنا عند أبي عبد الله (عليه السلام) فأحصيت في البيت أربعة عشر رجلا فعطس أبو عبد الله (عليه السلام) فما تكلم أحد من القوم فقال: أبو عبد الله (عليه السلام): (ألا تسمتون ألا تسمتون، من حق المؤمن على المؤمن إذا مرض أن يعوده وإذا مات أن يشهد جنازته وإذا عطس أن يسمته - أو قال: يسمته - وإذا دعا أن يجيبه). * الشرح: قوله: (قال أبو عبد الله (عليه السلام): ألا تسمتون ألا تسمتون) بالتكرير وفي بعض النسخ بدونه وفي بعضها بالمهملة وفي بعضها بالمعجمة، وإلا بالفتح والشد حرف تخصيص والتخفيف على أن يكون الهمزة للإستفهام والتوبيخ محتمل. * الأصل: 8 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن سالم، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): (نعم الشئ العطسة تنفع في الجسد وتذكر بالله عزوجل). قلت: إن عندنا قوما يقولون: ليس لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في العطسة نصيب فقال: (إن كانوا كاذبين فلا نالهم شفاعة محمد (صلى الله عليه وآله)). 9 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه قال: عطس رجل عند أبي جعفر (عليه السلام) فقال: الحمد لله، فلم يسمته أبو جعفر (عليه السلام) وقال: (نقصنا حقنا)، ثم قال: (إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وأهل بيته)، قال: فقال: الرجل، فسمته أبو جعفر. * الشرح: قوله: (عطس رجل عند أبي جعفر (عليه السلام) فقال: الحمد لله رب العالمين فلم يسمته أبو جعفر (عليه السلام) وقال: نقصنا حقنا.. اه) نقصه ونقصه بالتخفيف والتشديد بمعنى ولعل في نقصنا حذف وإيصال أي نقص منا أو علينا والحاصل لم يعطنا حقنا وهو الصلاة عليهم وطلب الرحمة لهم وفيه دلالة

[ 129 ]

على أن استحباب التسميت موقوف على تحميد العاطس والصلاة النبي وآله عليهم السلام فلو لم يأت بذلك لم يستحق التسميت، ومن طرق العامة أيضا دلالة على أنه لا يستحب إذا لم يأت من عطس بالحمد روى مسلم عن أنس بن مالك قال: " عطس عند النبي (صلى الله عليه وآله) رجلان فشمت أحدهما ولم يشمت الآخر فقال الذي لم يشمته عطس فلان فشمته وعطست أنا فلم تشمتني فقال أن هذا حمد الله عز وجل وإنك لم تحمد الله عز وجل. * الأصل: 10 - علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن إسماعيل البصري، عن الفضيل بن يسار قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): إن الناس يكرهون الصلاة على محمد وآله في ثلاثة مواطن: عند العطسة وعند الذبيحة وعند الجماع، فقال أبو جعفر (عليه السلام): (ما لهم ويلهم نافقوا لعنهم الله). 11 - عنه، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن سعد بن أبي خلف قال: كان أبو جعفر (عليه السلام) إذا عطس فقيل له: يرحمك الله قال: (يغفر الله لكم ويرحمكم الله) وإذا عطس عنده إنسان قال: (يرحمك الله عز وجل). 12 - عنه، عن أبيه، عن النوفلي، أو غيره، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: عطس غلام لم يبلغ الحلم عند النبي (صلى الله عليه وآله): فقال: الحمد لله، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): (بارك الله فيك). 13 - محمد بن يحيى، عن عبد الله بن محمد، عن علي بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (إذا عطس الرجل فليقل: الحمد لله [ رب العالمين ] لا شريك له وإذا سمت الرجل فليقل: يرحمك الله وإذا رد [ دت ] فليقل: يغفر الله لك ولنا، فإن رسول الله 9 سئل عن آية أو شئ فيه ذكر الله فقال: كلما ذكر الله فيه فهو حسن). * الشرح: قوله: (فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) سئل عن آية) يقال عند العطسة (أو شئ فيه ذكر الله فقال: كلما ذكر الله فيه فهو حسن) لا خلاف بين الأمة أن تحميد العاطس والتسميت له ورده للمسمت مطلوب والظاهر على التخيير في عبارات جميع ذلك مثل أن يقول العاطس: الحمد لله أو يضيف إليه رب العالمين أيضا على كل حال أو غير ذلك ومثل أن يقول المسمت هذه العبارات أو يرحمك الله أو يرحمنا وإياكم إلى غير ذلك من الألفاظ الدالة على ثناء الواجب والدعاء بالخير للعاطس. * الأصل: 14 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن الحسين بن نعيم، عن مسمع بن عبد الملك قال: عطس أبو عبد الله (عليه السلام) فقال: (الحمد لله رب العالمين ثم جعل أصبعه في أنفه فقال: رغم أنفي لله رغما داخرا). 15 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن سالم، عن أحمد بن النضر، عن محمد بن مروان رفعه

[ 130 ]

قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): من قال إذا عطس: (الحمد لله رب العالمين على كل حال لم يجد وجع الاذنين والأضراس). 16 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد أو غيره، عن ابن فضال، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (في وجع الأضراس ووجع الأذان إذا سمعتم من يعطس فابدؤوه بالحمد). 17 - علي بن إبراهيم [ عن أبيه ] عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن عثمان، عن أبي اسامة قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): (من سمع عطسة فحمد الله عزوجل وصلى على النبي وأهل بيته (صلى الله عليه وآله) لم يشتك عينه ولا ضرسه،) ثم قال: (إن سمعتها فقلها وإن كان بينك وبينه البحر). 18 - أبو علي الأشعري، عن بعض أصحابه، عن ابن أبي نجران، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (عطس رجل نصراني عند أبي عبد الله (عليه السلام) فقال له: القوم هداك الله، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): فقولوا: يرحمك الله، فقالوا له: إنه نصراني ؟ فقال: لا يهديه حتى يرحمه). 19 - علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال (رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا عطس المرء المسلم ثم سكت لعلة تكون به قالت الملائكة عنه: الحمد لله رب العالمين، فإن قال: الحمد لله رب العالمين، قالت الملائكة: يغفر الله لك. قال: وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): العطاس للمريض دليل العافية وراحة للبدن. 20 - محمد بن يحيى، عن محمد بن موسى، عن يعقوب بن يزيد، عن عثمان بن عيسى، عن عبد الصمد بن بشير، عن حذيفة بن منصور، [ عن أبي عبد الله (عليه السلام) ] قال: قال: (العطاس ينفع في البدن كله ما لم يزد على الثلاث فإذا زاد على الثلاث فهو داء وسقم). * الشرح: قوله: (العطاس ينفع البدن كله ما لم يزد على الثلاث فإذا زاد على الثلاث فهو داء وسقم) كالزكام ونحوه وفيه مع حديث آخر الباب دلالة على ترك التسميت في الرابعة وما بعدها وحمله على الرخصة ونفي التأكيد غير مستبعد وفي رواية العامة دلالة على سقوطه في الثانية وأقوالهم في الثالثة والرابعة كما مر والأولى التسميت في جميع المراتب لظاهر قول الصادق (عليه السلام) فيما مر وان يسمته إذا عطس والأولى أيضا أن يضيف العاطس إلى التحميد في الرابعة وما بعدها العافية. * الأصل: 21 - أحمد بن محمد الكوفي، عن علي بن الحسن، عن علي بن أسباط، عن عمه يعقوب بن سالم، عن أبي بكر الحضرمي قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: * (إن أنكر الاصوات لصوت الحمير) * قال: (العطسة القبيحة). * الشرح: قوله (العطسة القبيحة) هي المشتملة على الصوت الشديد المستنكر له في السمع يعني أنها

[ 131 ]

مندرجة تحت الاية الا ان الاية مختصة بها وفيه ارشاد للعاطس الى مراعاة الاعتدال فيها. * الأصل: 22 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن ابن راشد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (من عطس ثم وضع يده على قصبة أنفه ثم قال: الحمد لله رب العالمين، الحمد لله حمدا كثيرا كما هو أهله وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم خرج من منخره الأيسر طائر أصغر من الجراد وأكبر من الذباب حتى يسير تحت العرش يستغفر الله له إلى يوم القيامة 23 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن بعض أصحابه رواه، عن رجل من العامة قال: كنت اجالس أبا عبد الله (عليه السلام) فلا والله ما رأيت مجلسا أنبل من مجالسة قال: فقال لي ذات يوم: من أين تخرج العطسة ؟ فقلت: من الانف، فقال لى: أصبت الخطاء، فقلت: جعلت فداك من أين فقال: (من جميع البدن كما أن النطفة تخرج من جميع البدن ومخرجها من الإحليل) ثم قال: أما رأيت الإنسان إذا عطس نفض أعضاؤه وصاحب العطسة يأمن الموت سبعة أيام). * الشرح: قوله (وما رأيت مجلسا أنبل من مجالسه) أي أفضل أو أنجب وأعظم وأكبر من النبل وهو الفضل والنجابة والكبار وفعله ككرم. (وصاحب العطسة يأمن الموت سبعة أيام) لخروج الريح المنتشر في الأعضاء وحصول خفه البدن وصفاء الروح واستقامة المزاج وميله إلى الإعتدال في الجملة. * الأصل: 24 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): تصديق الحديث عند العطاس). 25 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا كان الرجل يتحدث فعطس عاطس فهو شاهد حق). 26 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمد الأشعري عن ابن القداح، عن ابن أبي عمير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): تصديق الحديث عند 27 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن محسن بن أحمد، عن أبان ابن عثمان، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (إذا عطس الرجل ثلاثا فسمته ثم اتركه). * الشرح: قوله: (تصديق الحديث عند العطاس) لعل السر فيه أن العطسة رحمة من الله تعالى للعبد ويستبعد نزول الرحمة في مجلس يكذب فيه خصوصا عند صدور الكذب فإذا قارنت الحديث دلت على صدقه.

[ 132 ]

باب وجوب إجلال ذي الشيبة المسلم * الأصل: 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان، قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): (إن من إجلال الله عزوجل إجلال الشيخ الكبير). * الشرح: قوله: (إن من إجلال الله تعالى إجلال الشيخ الكبير) أي توقيره وتعظيمه في جميع الأحوال والأوقات بالسلام والكلام والإحترام وحسن المعاشرة والمعاملة والمعاونة والمصادقة والنصرة والمداراة والمحبة وترك كل ما يؤذيه من المخاصمة والمناقشة والمماراة وغيرها من الأمور المنافية للعظمة كل ذلك لكونه أكبر سنا وأضعف بدنا وأعظم تجربة وأكيس حزما وأقدم إسلاما وأكثر عبادة وأقرب خروجا من الدنيا ورجوعا إلى المولى. 2 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من عرف فضل كبير لسنه فوقره أمنه الله من فزع يوم القيامة). * الأصل: 3 - وبهذا الإسناد قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (من وقر ذا شيبة في الإسلام أمنه الله عز وجل من فزع يوم القيامة). 4 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن محمد بن علي، عن محمد بن الفضيل، عن إسحاق بن عمار قال: سمعت أبا الخطاب يحدث، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (ثلاثة لا يجهل حقهم إلا منافق معروف [ ب‍ ] النفاق: ذو الشيبة في الإسلام وحامل القرآن والإمام العادل). 5 - عنه، عن أبيه، عن أبي نهشل، عن عبد الله بن سنان قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): (من إجلال الله عزوجل إجلال المؤمن ذي الشيبة ومن أكرم مؤمنا فبكرامة الله بدأ ومن استخف بمؤمن ذي شيبة أرسل الله إليه من يستخف به قبل موته). * الأصل: 6 - الحسين بن محمد، عن أحمد بن إسحاق، عن سعد بن مسلم، عن أبي بصير وغيره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال: (من إجلال الله عز وجل إجلال ذي الشيبة المسلم).

[ 133 ]

باب اكرام الكريم * الأصل: 1 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمد الأشعري، عن عبد الله بن القداح، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: دخل رجلان على أمير المؤمنين (عليه السلام): فألقى لكل واحد منهما وسادة فقعد عليها أحدهما وأبي الآخر فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): (اقعد عليها فإنه لا يأبى الكرامة إلا حمار). ثم قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه). * الشرح: قوله: (فإنه لا يأبى الكرامة إلا الحمار) ترغيب في قبول الكرامة والتشريف والتعظيم وتنبيه على أنه لا يردها إلا الأحمق الخسيس اللئيم خصوصا إذا كانت من الشريف الكريم ولا يبعد إدراج التحف والهدايا في هذا النحو من الإكرام لشمول التعليل وعموم الدليل. * الأصل: 2 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه). 3 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن محمد بن عيسى، عن عبد الله العلوي، عن أبيه، عن جده قال: (قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لما قدم عدي بن حاتم إلى النبي (صلى الله عليه وآله) أدخله النبي (صلى الله عليه وآله) بيته ولم يكن في البيت غير خصفة ووسادة من ادم فطرحها رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعدي بن حاتم). * الشرح: قوله: (لما قدم عدي بن حاتم إلى النبي (صلى الله عليه وآله).. اه) عدي بن حاتم الطائي كان رئيس قبيلة بني طي وكان من مشاهير العرب وكان هو وقومه مشركين يعبدون الأصنام فقاتلهم أمير المؤمنين (عليه السلام) بأمر النبي (صلى الله عليه وآله) وغلبهم وكسر أصنامهم وأخذ غنائمهم وهرب عدي إلى الشام ثم تفكر في أن محمدا إما سلطان أو نبي مرسل وعلى التقديرين لابد من صحبته فرجع إلى المدينة فأكرمه النبي (صلى الله عليه وآله) وأدخله بيته كما ذكر فلما رأى شيئا من أخلاق النبوة وآثارها وأسرارها أسلم. والخصفة بالخاء المعجمة واحدة الخصف بالتحريك فيهما من الخصف بالفتح والتسكين وهو ضم الشئ إلى الشئ ويطلق على الثوب الغليظ جدا وعلى الحصير المنسوج من خوص النخل ولعله المراد هنا. والوسادة بفتح الواو وكسرها المتكأ والمخدة والادم بضمتين جمع أديم كرغف ورغيف وهو الجلد أو أحمره أو مدبوغة وبالضم والسكون للجمع.

[ 134 ]

باب حق الداخل * الأصل: 1 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن من حق الداخل على أهل البيت أن يمشوا معه هنيئة إذا دخل وإذا خرج. وقال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا دخل أحدكم على أخيه المسلم في بيته فهو أمير عليه حتى يخرج). * الشرح: قوله: (إن من حق الداخل على أهل البيت أن يمشوا معه هنيئة إذا دخل وإذا خرج) هنئة بالتخفيف والترحيك معناها شئ وهنيئة مصغر هنة وأصلها هنيوة أي شئ يسير قلبت الواو ياء وأدغمت ويروي هنيهة بإبدال الياء هاء والمراد بالمشي معه عند الخروج المشايعة وعند الدخول الإستقبال وفي من دلالة على أن حقوق الداخل كثيرة المذكورة بعضها. (وقال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا دخل أحدكم على أخيه المسلم في بيته فهو أمير عليه حتى يخرج) أي الداخل أمير على صاحب البيت حتى يخرج من بيته فينبغي لصاحب البيت أن يطيعه في مقاصده المشروعة ويسعى في أداء حقوقه وإرجاع ضمير هو إلى الأخ بناء على أن له أيضا حقا على الداخل بعيد جدا. باب المجالس بالامانة * الأصل: 1 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، وأحمد بن محمد، جميعا عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عوف، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: (المجالس بالأمانة). * الأصل: 2 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد بن عثمان، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): المجالس بالأمانة). * الشرح: قوله: (المجالس بالأمانة) نهى عن إعادة ما يجري في المجالس من قول أو فعل فكان ذلك أمانة عند من سمعه أو رآه فإنه يجب عليه حفظه فإنه قد يترتب على إفشائه مفاسد كثيرة. * الأصل: 3 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عمن ذكره، عن أبي

[ 135 ]

عبد الله (عليه السلام) قال: (المجالس بالأمانة وليس لأحد أن يحدث بحديث يكتمه صاحبه إلا بإذنه إلا أن يكون ثقة أو ذكر له بخير). * الشرح: قوله: (وليس لأحد أن يحدث بحديث يكتمه صاحبه إلا بإذنه) عموما أو خصوصا لشخص ومع ذلك لابد من كتمانه إن كان في إظهار سوء عاقبة لا يعلمه صاحبه. (إلا أن يكون فقها أو ذكرا له بخير) فإن إظهارهما لا يحتاج إلى الإذن إلا أن يكون في إظهاره الفقه ضرر. وفي بعض النسخ " ثقة " بدل فقها.

[ 136 ]

باب في المناجات * الأصل: 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن مالك ابن عطية، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (إذا كان القوم ثلاثة فلا يتناجى منهم اثنان دون صاحبهما فإن في ذلك [ م‍ ] ما يحزنه ويؤذيه). * الشرح: قوله: (إذا كان القوم ثلاثة فلا يتناجى منهم اثنان دون صاحبهما فإن ذلك مما يحزنه ويؤذيه) وكذلك الجماعة دون الواحد للإشتراك في العلة، ثم حزنه إما لكتمان السر عنه وعدم ايتمانه بحفظه أو لتوهمه أنهما يقولان في حقه شيئا مما يكرهه أو لتخصيص البر ومكاره الأخلاق وحسن المبرة ولطف المعاشرة بغيره فيقدر في نفسه أنهما لم يرياه أهلالان يشركون يشركوه في حديثهم وذلك يوحش صدره ويوجب حزنه إلى غير ذلك من تسويلات النفس وأحاديث الشيطان، لا يبعد تخصيص ذلك بما إذا لم يحتاجا إلى السر شرا أو عرفا أو لم يعلما عدم حزن الخارج إذ لو اضطرا إليه في أمر الدين أو الدنيا أو علما أنه لم يحزنه كما إذا كان الخارج خادما أو عبدا لا يتوقع أن يكون من أهل السر، فالظاهر أنه لا يكره وفي مفهوم الشرط دلالة على أنه إذا كان القوم أربعة أو أكثر جاز مناجاة الاثنين دون صاحبهما لانتفاء العلة وهي الحزن والإيذاء لأن كل واحد من الصاحبين قد يقدر في نفسه أن محل الأسرار عنه هو الآخر فلا يدخل في واحد منهما حزن وإذاء مثل ما يدخل في الواحد، ثم أن هذا الحكم باق إلى يوم القيامة غير مختص عندنا بالسفر ولا بمكان الخوف ولا بزمان خلافا للعامة فإنه قال بعضهم: هذا خاص بالسفر وبالمواضع التي لا يأمن الرجل فيها صاحبه ويخاف غدره وأما في الحضر والعمارة فلا، وقال بعضهم: كان ذلك في أول الإسلام حين كان المنافقون يفعلونه بمحضر المؤمنين ليحزنوهم قال الله تعالى: * (إنما النجوى من الشيطان.. الآية) * وقال عبد الله بن عمرو ومالك: على العموم وهو الحق. * الأصل: 2 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد أبي عبد الله، عن محمد بن علي، عن يونس بن يعقوب، عن أبي الحسن الأول (عليه السلام) قال: (إذا كان ثلاثة في بيت فلا يتناجى إثنان دون صاحبهما فإن ذلك مما يغمه).

[ 137 ]

* الأصل: 3 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من عرض لأخيه المسلم [ المتكلم ] في حديثه فكأنما خدش وجهه). * الشرح: قوله: (من عرض لأخيه المسلم المتكلم في حديث فكأنما خدش في وجهه) عرض له ظهر وبرز وعرضت له الشئ بالتخفيف فيهما أظهرته وأبرزته والمعنى على الثاني وهو الأظهر من أبرز كلاما في كلام وأدخل فيه ومنعه عن اتمامه فكأنما خدش في وجه أخيه وفعل ما يشينه لأنه عمل ما يوجب استخفافه واحتقاره وكسر قلبه ووضع قدره، وعلى الأول من برز له في حديثه السر ليسمعه خدش في وجه نفسه لأن ذلك موجب لاستخفاف نفسه وكلاهما مذموم شرعا أو عقلا.

[ 138 ]

باب الجلوس * الأصل: 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن النوفلي، عن عبد العظيم بن عبد الله بن الحسن العلوي رفعه قال: (كان النبي (صلى الله عليه وآله) يجلس ثلاثا: القرفصا وهو أن يقيم ساقيه ويستقبلهما بيديه ويشد يده في ذراعه وكان يجثوا على ركبتيه وكان يثنى رجلا واحدة ويبسط عليها الاخرى ولم ير (صلى الله عليه وآله) متربعا قط. * الشرح: قوله: (قال: كان النبي (صلى الله عليه وآله) يجلس ثلاثا) أي ثلاث جلسات. (القرفصا وهو أن يقيم ساقيه ويستقبلهما بيديه ويشد يده في ذراعه) وفاعل قال غير معلوم يحتمل أن يكون كلام المعصوم والمصنف وغيره وفي القاموس: القرفصا مثلثة القاف والفاء مقصورة والقرفصا بضم القاف والراء على الإتباع أن يجلس على إليتيه ويلصق فخذيه على بطنه ويحتبى بيديه يضعهما على ساقيه أو يجلس على ركبتيه منكبا ويلصق بطنه على فخذيه ويتأبط كفيه. وفي الصحاح: القرفصة أن يجمع الإنسان ويشد يديه ورجليه والقرفصا ضرب من القعود يمد ويقصر فإذا قيل: قعد فلان القرفصا فكأنك قلت: قعد قعودا مخصوصا وهو أن يجلس على إليتيه ويلصق فخذيه ببطنيه ويحتبي بيديه يضعهما على ساقيه كما يحتبي بالثوب يكون يداه مكان الثوب عن أبي عبيد وقال أبو المهدي: هو أن يجلس على ركبيته منكبا ويلصق بطنه بفخذيه ويتأبط كفيه وهي جلسة الاعراب. (وكان يجثو على ركبتيه) جثى كدعا ورمى جثوا وجثيا بضمهما جلس على ركبتيه ففيه تجريد (وكان يثني رجلا واحدة ويبسط عليها الأخرى) وهو التورك. (ولم ير (صلى الله عليه وآله) متربعا قط) تربع في مجلسه جلس مربعا وهو أن يقعد على وركيه ويمد ركبته اليمنى إلى جانب يمينه وقدمه اليسرى إلى جانب يساره ويمد ركبته اليسرى إلى جانب يساره وقدمه اليسرى إلى جانب يمينه. * الأصل: 2 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عمن ذكره، عن أبي حمزة الثمالي قال: رأيت علي بن الحسين (عليهما السلام) قاعدا واضعا إحدى رجليه على فخذه فقلت: إن الناس يكرهون هذه الجلسة ويقولون: إنها جلسة الرب، فقال: (إني إنما جلست هذه الجلسة للملالة والرب لا يمل ولا تأخذه

[ 139 ]

سنة ولا نوم). * الشرح: قوله: (عن أبي حمزة الثمالي قال: رأيت علي بن الحسين عليهما السلام قاعدا واضعا إحدى رجليه على فخذه) وهي التورك والتربع وتمتار عنهما بوضع الرجل على الفخذ. (فقلت: إن الناس يكرهون هذه الجلسة ويقولون: هذا جلسة الرب) أراد بالناس اليهود أو الأعم منهم ومن العامة القائلين: بأنه تعالى جسم، والغرض من السؤال إما مجرد حكاية قولهم أو الشك في أصل الكراهة لا في استنادها إلى العلة المذكورة لأن أبا حمزة ثابت بن دينار من أكابر الشيعة وثقاتهم وقد روى أنه في زمانه مثل سلمان في زمانه فلا يشك أنه ليس للرب جلسة. (فقال: اني إنما جلست هذه الجلسة للملالة) من جلسات اخر والتحول من نوع منها إلى آخر سبب للإستراحة (والرب لا يمل أبدا) لأن الملال تابع لضعف المزاج والقوى الجسمانية وهو على الله سبحانه محال. (ولا تأخذه سنة ولا نوم) السنة النعاس وقيل: فتور يتقدم النوم والهاء فيها عوض عن الواو المحذوفة. والنوم حال يعرض للحيوان لاسترخاء أعصاب الدماغ من الرطوبات والأبخرة المتصاعدة بحيث تقف الإحساس ولعل المراد بيان فساد قولهم بأن اتصافه تعالى بالجلوس مستلزم لاتصافه بالملال، والسنة والنوم واللازم باطل بالإتفاق فالملزوم مثله. * الأصل: 3 - علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن مرازم، عن أبي سليمان الزاهد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (من رضي بدون التشرف من المجلس لم يزل الله عزوجل وملائكته يصلون عليه حتى يقوم). * الشرح: قوله: (من رضى بدون التشرف من المجلس لم يزل الله تعالى وملائكته يصلون عليه حتى يقوم) صدر المجلس وأعلاه وإن كان للعالم وأهل الكمال لكنه إن جلس دونه تواضعا لله وللمؤمنين وهضما لنفسه وحفظا لها من التفاخر والتجبر استحق الصلاة والرحمة. * الأصل: 4 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن بعض أصحابه، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (كان رسول الله (صلى الله عليه وآله): أكثر ما يجلس تجاه القبلة). * الشرح:

[ 140 ]

(كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أكثر ما يجلس تجاه القبلة) في حال الإجتماع والإنفراد فلابد من التأسي فيه وفيه فوائد جمة لا تخفى على العارف والظاهر أن " ما " مصدرية. * الأصل: 5 - أبو عبد الله الأشعري، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن حماد بن عثمان قال: جلس أبو عبد الله (عليه السلام) متوركا رجله اليمنى على فخذه اليسرى فقال له رجل: جعلت فداك هذه جلسة مكروهة، فقال: (إنما هو شئ قالته اليهود، لما أن فرغ الله عز وجل من خلق السماوات والأرض واستوى على العرش جلس هذه الجلسة ليستريح فأنزل الله عز وجل * (الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم) * وبقي أبو عبد الله (عليه السلام) متوركا كما هو. * الشرح: قوله: (فأنزل الله تعالى لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم) هذه الآية الشريفة إلى آخرها رد عليهم لدلالتها على أنه منزه عن الوسن والنوم والتحيز والحلول والتغير والفتور والمناسبة بالأشباح وقبول ما تقبله ذوات الأمزجة والأرواح إلى غير ذلك من مسائل التوحيد. * الأصل: 6 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن عبد الله بن المغيرة عمن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا دخل منزلا قعد في أدنى المجلس إليه حين يدخل). * الشرح: قوله: (كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا دخل منزلا قعد في أدنى المجلس إليه حين يدخل) هذا الجلوس مع اشتماله على الهضم والتواضع أبعد من الأذية والكلفة وأقرب من الدعة والألفة والإستراحة من مؤونة الزحام وسهولة التصرف والقعود والقيام ومراعاة حق الوارد من التوسعة والتفسح والإكرام. * الأصل: 7 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن يحيى، عن طلحة ابن زيد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قال أمير المؤمنين (عليه السلام): سوق المسلمين كمسجدهم فمن سبق إلى مكان فهو أحق به إلى الليل) قال: (وكان لا يأخذ على بيوت السوق كراء). * الشرح: قوله: (سوق المسلمين كمسجدهم) التشبيه يفيد أن الحكم في المشبه به كان معروفا مشهورا

[ 141 ]

ويمكن أن يكون المقصود إفادة الحكم فيهما لا إلحاق غير المشهور بالمشهور وأشار إلى وجه الشبه أو إلى الحكم بقوله: (فمن سبق إلى مكان فهو أحق به إلى الليل) لأنه لسبقه اختص به وملك الإنتفاع فهو أحق به ما دام فيه ولا يجوز لأحد أن يقيمه ويجلس فيه ولا خلاف فيه عندنا وإليه ميل أكثر العامة لما رواه مسلم عن النبي (صلى الله عليه وآله) " لا يقيمن الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه " وقال بعضهم: النهي للكراهة لأنه غير مملوك له قبل الجلوس فكذا بعده ولا يخفى ضعفه نعم لو قام إعراضا أو تواضأ للغير ليجلس فيه جاز ذلك للغير فإذا جلس فهو أحق به ما دام فيه. قوله: (وكان لا يأخذ على بيوت السوق كراء) الكراء بالكسر والمد الأجرة والسوق يشرك فيه الناس بحق المرور ويجوز الجلوس فيه وضرب البيوت من الشعر والكرباس ونحوهما للتجارة بشرط أن لا يمنع المارة ولا يضرهم ولا كراء لها لأن السوق ليس ملكا لأحد بخصوصه. * الأصل: 8 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ينبغي للجلساء في الصيف أن يكون بين كل اثنين مقدار عظم الذراع لئلا يشق بعضهم على بعض في الحر). * الشرح: قوله: (ينبغي للجلساء في الصيف أن يكون بين كل اثنين مقدار عظم الذراع لئلا يشق بعضهم على بعض في الحر) من الحرارة والرائحة الكريهة من العرق وغيره وروي أيضا " إن حريم المؤمن في الصيف مقدار باع " ولعل المراد أن الباع وهو مقجار مد اليدين حريم مجموع الجانبين فيكون في كل جانب ذراعات وعلى التقديرين بين الروايتين اختلاف ويمكن الجمع بأن ذلك بإعتبار ضيق المكان وسعته وقيل: الذراع في صلاة الجماعة والباع في غيرها وقيل: إن هذا الحريم من باب الإستحسان فيتخير. * الأصل: 9 - علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد بن عثمان قال: رأيت أبا عبد الله (عليه السلام) يجلس في بيته عند باب بيته قبالة الكعبة.

[ 142 ]

باب الاتكاء والاحتباء * الأصل: 1 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) الإتكاء في المسجد رهبانية العرب، إن المؤمن مجلسه مسجده وصومعته بيته). * الشرح: قوله: (الإتكاء في المسجد) انتظارا للصلاة وغيرها من الطاعات (رهبانية العرب) وهي بفتح الراء منسوبة إلى رهبنة النصارى بزيادة الألف وأصلها من الخوف من الرهبة حيث كانوا يترهبون بالتخلي من أشغال الدنيا وترك ملاذها والزهد فيها والعزلة من أهلها وتعهد مشاقها حتى أن منهم من كان يخصي نفسه ويضع السلسلة في عنقه ويترك اللحم ويلبس المسوح وغير ذلك من أنواع التعذيب وأنحاء المشقة فنفاها (صلى الله عليه وآله) عن هذه الأمة وألزمهم لزوم المساجد والإنتظار فيها للصلاة وغيرها من العبادات والطاعات. (إن المؤمن مجلسه مسجده) للعبادة والإنتظار له. (وصومعته بيته) عند الفراغ من العبادة للإستراحة والصومعة بيت للنصارى ويقال لبيت: الخلوة أيضا. * الأصل: 2 - عنه، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الاحتباء في المسجد حيطان العرب). * الشرح: قوله: (الإحتباء في المسجد حيطان العرب) الإحتباء هو أن يضم الإنسان ساقيه إلى بطنه يجمعهما به مع ظهره ويشده عليهما وقد يكون الإحتباء باليدين عوض الثوب وشبهه بالحيطان لأنه يمنعهم من السقوط ويصير لهم كالجدار. * الأصل: 3 - محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): العرب).

[ 143 ]

* الأصل: 4 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يحتبي بثوب واحد ؟ فقال: (إن كان يغطي عورته فلا بأس). * الشرح: قوله: (إن كان يغطي عورته فلا بأس) بأن يكون طويلا يبلغ ذيله الأرض عند رفع الركبتين ويفهم منه البأس عند عدم التغطية سواء كان هناك ناظر أم لا. * الأصل: 5 - عنه، عن محمد بن علي، عن علي بن أسباط، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (لا يجوز للرجل، أن يحتبي مقابل الكعبة).

[ 144 ]

باب الدعابة والضحك * الأصل: 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن معمر بن خلاد قال: سألت أبي الحسن (عليه السلام) فقلت: جعلت فداك الرجل يكون مع القوم فيجري بينهم كلام يمزحون ويضحكون ؟ فقال: (لا بأس ما لم يكن)، فظننت أنه عنى الفحش، ثم قال: (إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يأتيه الأعرابي فيهدي له الهدية ثم يقول: مكانه أعطنا ثمن هديتنا فيضحك رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكان إذا اغتم يقول: ما فعل الأعرابي ليته أتانا). * الشرح: قوله: (الرجل يكون مع القوم فيجري بينهم كلام يمزحون ويضحكون فقال: لا بأس.. اه) المزح الدعابة وقد مزح يمزح مزحا كمنع يمنع والإسم المزاح بالضم والمزاحة أيضا إما المزاح بالكسر فهو مصدر مازح وهما يتمازحان واعلم أن أصل المزاح جائز ومزاح النبي (صلى الله عليه وآله) مع العجوز وكذا مزاح الوصي أمير المؤمنين معروف بالروايات الدالة على جواز متكثرة مستفيضة فعلى هذا ما ورد في ذمه مأول مثل ما نقله السيد الرضي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: " ما مزح رجل مزحة إلا مج عن عقله مجة " واستعار (عليه السلام) قوله مج من مج فلان الماء من فيه أي رمى به قليلا قليلا أراد أن العقل يأمر بالوقار واشتغال الأوقات بالطاعات والأذكار فإذا داعب وخالف فكأنه مجه والتأويل فيه على أحد الوجهين أحدهما أنه (عليه السلام) تكلم بهذا الكلام في المقام المقتضي للنهي عن المزاح وثانيهما ان المنهي عنه ما يسقط الوقار والمهابة، وأما ما سلم من هذا وهو الذي كان النبي (صلى الله عليه وآله) يفعله وكذلك الوصي (عليه السلام) على الندرة لمصلحة وتطييب نفس المخاطب ومؤانسته فهو سنة مستحبة يعظم الإحتياج إليه، وبالجملة الضحك جائز ما لم يؤد إلى خلاف الشرع فإنه حرام وإلى خلاف مروءة فإنه مكروه ولكن يكره الإكثار منه لأنه يميت القلب وصفة أهل البطالة المستحسن منه اللائق بأهل الفضل التبسم وهو كان أكثر ضحكه (صلى الله عليه وآله). * الأصل: 2 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن شريف بن سابق، عن الفضل بن أبي قرة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (ما من مؤمن إلا وفيه دعابة). قلت: وما الدعابة ؟ قال: (المزاح). * الشرح: قوله: (ما من مؤمن إلا وفيه دعابة) الدعابة بالضم والتخفيف اللعب والمزاح ورجل دعابة

[ 145 ]

بالفتح والشد كثير المزاح واللعب، ودعب ككتف ودعيب كقنفذ وداعب لاعب مازح (قلت وما الدعابة قال: المزاح) لما كان الدعابة يطلق أيضا على معان أخر ولو مجازا في بعضها كالأسود والأحمق والضعيف الذي يهزئ منه والنشيط سأل عن المراد عنه فأجاب (عليه السلام) بأن المراد هو المزاح. * الأصل: 3 - عنه، عن محمد بن علي، عن يحيى بن سلام، عن يوسف بن يعقوب، عن صالح بن عقبة، عن يونس الشيباني قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): (كيف مداعبة بعضكم بعضا ؟) قلت: قليل، قال: (فلا تفعلوا فإن المداعبة من حسن الخلق وإنك لتدخل به السرور على أخيك ولقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يداعب الرجل يريد أن يسره). * الأصل: 4 - صالح بن عقبة، عن عبد الله بن محمد الجعفي قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: (إن الله عزوجل يحب المداعب في الجماعة بلا رفث). * الشرح: قوله: (إن الله تعالى يحب المداعب في الجماعة بلا رفث) الرفث الفحش والقول القبيح. * الأصل: 5 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن علي بن أسباط، عن الحسن بن كليب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (ضحك المؤمن تبسم). * الشرح: قوله: (ضحك المؤمن تبسم) التبسم أقل الضحك وأحسنه ومن خصال الكرام وهو الذي لم يبلغ حد القهقهة وهي من خصال اللئام. * الأصل: 6 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن منصور، عن حريز، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (كثرة الضحك تميت القلب). وقال: (كثرة الضحك تميث الدين كما يميث الماء الملح). * الشرح: قوله: (كثرة الضحك تميت القلب) أي تفسده وتهلكه بالجهل والغفلة عن الحق والميل إلى الباطل وفي بعض النسخ تميث بالثاء المثلثة أي تذيبه يقال: مثثت الشئ أموثه إذا أذبته. * الأصل:

[ 146 ]

7 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ([ إن ] من الجهل الضحك من غير عجب) قال: وكان يقول: (لا تبدين عن واضحة وقد عملت الأعمال الفاضحة ولا يأمن البيات من عمل السيئات). * الشرح: قوله: (إن من الجهل الضحك من غير عجب) العجب محركة ما يتعجب منه الإنسان لحسنه أو قبحه مع عظم موقعه عنده وخفاء سببه عليه ولا خفاء في أن من ضحك بدونه فهو جاهل ضعيف العقل سخيف الراي وأن العاقل لا يضحك من قليله فكيف مع عدمه. (وكان يقول: لا تبدين عن واضحة وقد عملت الأعمال الفاضحة) ابديت الشئ أظهرته فمن زائده أو الإبداء متضمن للكشف و " لا " فيه وفيما بعده للنهي والواضحة الأسنان لاتصافها بالوضح وهو البياض (ولا يأمن البيات من عمل السيئات) المراد بالبيات هنا نزول العذاب والبلاء في الليل أو مطلقا بغته من غير علم وشعور به. * الأصل: 8 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حفص بن البختري قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): (إياكم والمزاح فإنه يذهب بماء الوجه). * الشرح: قوله: (إياكم والمزاح فإنه يذهب بماء الوجه) كان التحذير عن كثرة المزاح أو عن أصله إذا كان قبيحا أو مع لئيم فإنه الذي يذهب بماء الوجه ويوجب سقوط العزة والوقار والمهابة ونزول الذلة والحقارة والمهانة. * الأصل: 9 - عنه، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عمن حدثه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (إذا أحببت رجلا فلا تمازحه ولا تماره). * الشرح: قوله: (إذا أحببت رجلا فلا تمازحه ولا تماره) إذا لممارات والمجادلة وكثرة المزاح والمداعبة تورثان البغضة والعداوة وتوجبان العزلة والمفارقة. * الأصل: 10 - عنه، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (القهقهة من الشيطان).

[ 147 ]

* الشرح: قوله: (القهقهة من الشيطان) التبسم من صفات أهل النجدة والصالحين وأما القهقهة فهي من قهقة الرجل إذا رجع في ضحكه أو اشتد ضحكه فهي من صفات الجاهلين الغافلين وإنما نسبها إلى الشيطان لأنها تنشأ من تزيينه وتحسينه للباطل وإغفاله لهم عن الحق. * الأصل: 11 - حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد الكندي، عن أحمد بن الحسن الميثمي، عن عنبسة العابد قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (كثرة الضحك تذهب بماء الوجه). * الأصل: 12 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمد الأشعري، عن ابن القداح، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إياكم والمزاح فانه يجر السخيمة ويورث الضغينة وهو السب الأصغر). * الشرح: قوله: (وإياكم والمزاح فإنه يجر السخيمة) وهي الحقد في النفس. (ويورث الضغينة) وهي الحقد والعداوة والبغضاء (وهو السب الأصغر) كثيرا ما يجر إلى السب الأكبر، واعلم أن المزاح مشروع مطلوب إلا أنه يتفاوت بإعتبار الكمية والكيفية والأزمنة والمقام والأشخاص والعاقل اللبيب يعلم كيفية إستعماله بحسب تلك الإعتبارات بخلاف غيره فلذلك ورد الأمر به تارة والنهي عنه أخرى. * الأصل: 13 - محمد بن يحيى، عن عبد الله بن محمد، عن علي بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن خالد بن طهمان، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (إذا قهقهت فقل حين تفرغ: اللهم لا تمقتني). * الشرح: قوله: (إذا قهقهت فقل حين تفرغ: اللهم لا تمقتني) في المصباح مقته من باب قتل أبغضه أشد البغض من قبيح. * الأصل: 14 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحجال، عن داود بن فرقد وعلي بن عقبة وثعلبة، رفعوه إلى أبي عبد الله وأبي جعفر أو أحدهما (عليهما السلام) قال: (كثرة المزاح تذهب بماء الوجه وكثرة الضحك تمج الايمان مجا).

[ 148 ]

* الشرح: قوله: (كثرة الضحك تمج الإيمان مجا) أي ترميه من الصدر وتقذفه من القلب من مج الشراب من الفم إذا رماه والمقصود أنها تنقض الإيمان وتنقصه. * الأصل: 15 - حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد، عن أحمد بن الحسن الميثمي، عن عنبسة العابد قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (المزاح السباب الأصغر). 16 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن ابن مسكان، عن محمد بن مروان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (إياكم والمزاح فإنه يذهب بماء الوجه ومهابة الرجال). 17 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن البرقي، عن أبي العباس، عن عمار ابن مروان قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): (لا تمار فيذهب بهاؤك ولا تمازح فيجترأ عليك). 18 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن عمار بن مروان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (لا تمازح فيجترأ عليك). 19 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن سعد بن أبي خلف، عن أبي الحسن (عليه السلام) أنه قال في وصية له لبعض ولده - أو قال: قال أبي لبعض ولده -: (إياك والمزاح فإنه يذهب بنور إيمانك ويستخف بمروءتك). 20 - عنه، عن ابن فضال، عن الحسن بن الجهم، عن إبراهيم بن مهزم، عمن ذكره، عن أبي الحسن الأول (عليه السلام) قال: (كان يحيى بن زكريا (عليه السلام) يبكي ولا يضحك وكان عيسى بن مريم (عليهما السلام) يضحك ويبكي وكان الذي يصنع عيسى (عليه السلام) أفضل من الذي كان يصنع يحيى (عليه السلام)). * الشرح: قوله: (كان يحيى بن زكريا يبكي ولا يضحك.. اه) كثرة بكائه مشهورة وشدة حزنه معروفة وفي كتب السير والتفاسير مذكورة قيل: البكاء لغفران الذنوب فما وجه بكاء المعصوم المنزه عنها وأجيب عنه بأن العارفين يبكون شوقا إلى المحبوب والمذنبين يبكون خوفا من الذنوب ولذا قال بعض العرفاء: البكاء رشحات قراب القلوب عند حرارة الشوق والعشق، على أن بكاء المعصوم يمكن أن يكون بملاحظة شدائد القيامة بالنظر إلى ضعفاء الأمة.

[ 149 ]

باب حق الجوار * الأصل: 1 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، ومحمد بن يحيى، عن الحسين بن إسحاق، عن علي بن مهزيار، عن علي بن فضال، عن فضالة بن أيوب، جميعا، عن معاوية بن عمار، عن عمر بن عكرمة قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فقلت: لي جار يؤذيني ؟ فقال: (ارحمه)، فقلت: لا رحمه الله، فصرف وجهه عني، قال: فكرهت أن أدعه، فقلت: يفعل بي كذا وكذا [ ويفعل بي ] ويؤذيني، فقال: (أرأيت إن كاشفته انتصفت منه ؟). فقلت: بلى اربى عليه فقال: (إن ذا ممن يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله فإذا رأى نعمة على أحد فكان له أهل جعل بلاءه عليهم وإن لم يكن له أهل جعله على خادمه فإن لم يكن له خادم أسهر ليله وأغاظ نهاره، إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أتاه رجل من الأنصار فقال: إني اشتريت دارا في بني فلان وإن أقرب جيراني مني جوارا من لا أرجو خيره ولا آمن شره، قال: فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليا (عليه السلام) وسلمان وأبا ذر - ونسيت آخر وأظنه المقداد - أن ينادوا في المسجد بأعلى أصواتهم بأنه لا إيمان لمن لم يأمن جاره بوائقه، فنادوا بها ثلاثا، ثم أومأ بيده إلى كل أربعين دارا من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله). * الشرح: قوله: (عن عمر بن عكرمة) عمر بدون الواو كأبيه عكرمة بالكسر مجهول وفي بعض النسخ بالواو وهو غير ثابت. (فقال: أرحمه فقلت: لا رحمه الله فصرف وجهه عني) طلب منه الرحمة العفو لجاره على سبيل الشفاعة والندب فأساه الأدب بترك المطلوب والإتيان بضده فلذلك صرف وجهه عنه (قال: فكرهت أن أدعه) أي أتركه ولم أذكر شيئا من أفعاله القبيحة. (فقلت: يفعل بي كذا وكذا ويؤذيني) إشارة إلى بعض قبايحه المنافية لحق الجوار وفي بعض النسخ " كذا وكذا ويفعل بي.. ". (فقال: أرأيت) أي أخبرني (إن كاشفته انتصفت منه) أي أن أظهرت العداوة له استوفيت منه حقك وعدلت (فقلت: بلى أربى عليه) في الكنز: " أربا نوا دادن وإحسان كردن " يعنى بل أزيد في الإحسان إليه والحاصل أن الصادر مني هو الإحسان دون المكاشفة. (فقال: إن ذا ممن يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله) " ذا " إشارة إلى الجار ووجه التفريع

[ 150 ]

أن ايذاء أحد لجاره غالبا اما بسبب إيذاء الجار له أو للحسد وحيث انتفى الأول تحقق الثاني فإذا رأى أي راء أو الحاسد مطلقا. (نعمة على أحد فكان له) أي لذلك الأحد (أهل جعل) أي الحاسد (بلاءه عليهم) أي على أهل ذلك الأحد المحسود ويؤذيهم مبالغة لإيذاء المحسود. (وإن لم يكن له أهل جعله) أي بلاءه (على خادمه وإن لم يكن له خادم أسهر ليله وأغاظ نهاره) ضمير المجرور عائد إلى الأحد المحسود وتعلق الاسهار والاغاظة بالليل والنهار تعلق مجازي والأصل أسهره في ليله وأعاظه في نهاره بالإيذاء له وإيصال المكاره هذا من باب الإحتمال والله يعلم. (وإن أقرب جيراني مني جوارا من لا أرجو خيره ولا آمن شره) جوازا منصوب على التميز يجوز فيه الحركات الثلاث والكسر أفصح. (لا إيمان لمن لم يأمن جاره بوائقه) البوائق جمع البائقة وهي الداهية والغائلة والشر والظلم. والظاهر أنه خبر لادعاء ويمكن أن يراد به نفي الإيمان الكامل إذ الإيمان عند أهل العصمة كأنه هذا حتى كان غيره ليس بإيمان وإنما أولناه بذلك لما مر في كتاب الكفر والإيمان من أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: " أدنى ما يكون العبد مؤمنا أن يعرفه الله تعالى نفسه فيقر له بالطاعة. ويعرفه نبيه فيقر له بالطاعة ويعرفه أمامه وحجته على أرضه وشاهده على خلقه فيقر له بالطاعة فقيل يا أمير المؤمنين وان جهل جميع الأشياء إلا ما وصفت ؟ قال نعم إذا أمر أطاع وإذا نهى انتهى " إن قلت: من لم يأمن جاره بوائقه إن وقعت منه إذاية أو تسبب فيها فالأمر واضح وإن لم يقع فغايته أنه هم بها فيعارض ما مر في باب من هم بالسيئة والحسنة ان من هم سيئة ولم يعمل لم تكتب عليه، قلت: أو لا عدم الكتابة لا يدل على عدم نقص الإيمان به، وثانيا أن المراد بمن لم يأمن جاره بوائقه من أوصل بوائقه وأذاه إلى جاره على أن الهم الذي لا يكتب إنما هو الهم الذي لم يقع متعلقه بالخارج كالهم بشرب الخمر ولم يشرب وهذا وقع متعلقه بالخارج لتأذى جاره بتوقعه ذلك كالمحارب يخيف السبيل ولم يصب. (ثم أومأ بيده.. اه) الظاهر أنه أومأ النبي (صلى الله عليه وآله) وهذا الخبر على تقدير صحته حجة لمن ذهب إلى الجار بأربعين دارا من كل جانب وسيجئ في الباب الآتي أيضا ونذكر الأقوال هناك إن شاء الله تعالى. * الأصل: 2 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن يحيى، عن محمد بن عيسى، عن طلحة بن زيد،

[ 151 ]

عن أبي عبد الله، عن أبيه (عليهما السلام) قال: (قرأت في كتاب علي 7 أن رسول الله 9 كتب بين المهاجرين والأنصار ومن لحق بهم من أهل يثرب أن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، وحرمة الجار كحرمة أمه) الحديث مختصر. * الشرح: قوله: (وحرمة الجار على الجار كحرمة أمه) فيه مبالغة عظيمة في حرمة الجار لأن حرمة الأم مقرونة بحرمة الله تعالى والروايات في إحترام الجار متظافرة من طرق الخاصة والعامة قال أمير المؤمنين (صلى الله عليه وآله): " الله الله في جيرانكم فإنه وصية نبيكم وما زال يوصي بهم حتى ظننا أنه سيورثهم " وفي خبر العامة " لا تحقرن جارة جارتها ولو فرس شاة " قيل: هو من النهي عن الشي والأمر بضده كناية عن التحاب والتواد كأنه قيل: لتحاب جارة جارتها بإرسال هدية ولو كانت حقيرة والفرس عظم قليل اللحم والترغيبات في الإشفاق على الجار ودفع المضار عنهم كثيرة وفي الفقيه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) " ما زال جبرئيل (عليه السلام) يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه " ومثله في كتاب مسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما زال جبرئيل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه " قال القرطبي: لما أكثر جبرئيل (عليه السلام) من الوصية عليه غلب على ظنه (صلى الله عليه وآله) أن الله سيحكم بالإرث بين الجارين وقيل: إنما خرج الكلام بذلك مخرج التأكيد والمبالغة ورجح الأبى هذا بأنه لو غلب على ظنه ذلك لوقع لأن ظنونه (صلى الله عليه وآله) صادقة واقع متعلقها وما ذكره ابن الحاجب في باب الإجتهاد في كتابه الأصلي من اجتهاده ليس هو بمعصوم فيه لم يزل الشيوخ ينكرونها عليه قديما وحديثا، ثم قال: وهذا الحديث يدل على أنه لا شفعة للجار لأنه خرج مخرج أخص أوصاف الإتصاف وأخص أوصافه الإرث ولو كان في غير ذلك بينه أقول وفيه دلالة على المبالغة في مراعاة أولي الأرحام. * الأصل: 3 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن إسماعيل بن مهران، عن إبراهيم بن أبي رجاء، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: حسن الجوار يزيد في الرزق. * الشرح: قوله: (حسن الجوار يزيد في الرزق) من حسن الجوار أن تعينه في اموره وتقرضه ان احتاج إليه وتهديه بهدية من الاطعمة والاشربة والفواكه وغيرها وتدفع عنه كربه وظلمه وان لا ترفع بناء مشرفا على داره ولا تنظر الى حرمه وجواريه ولا تمنع وضع خشبة على جدارك ولا تمنعه الماعون وأن تستر عورته وعيوبه الى غير ذلك من المحاسنات القولية والفعلية.

[ 152 ]

* الأصل: 4 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن علي بن أسباط، عن عمه يعقوب بن سالم، عن إسحاق بن عمار، عن الكاهلي قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (إن يعقوب (عليه السلام) لما ذهب منه بنيامين نادى يا رب أما ترحمني أذهب عيني واذهبت ابني ؟ فأوحى الله تبارك وتعالى لو أمتهما لأحييتهما لك حتى أجمع بينك وبينهما ولكن تذكر الشاة التي ذبحتها وشيوتها وأكلت وفلان وفلان إلى جانبك صائم لم تنله منها شيئا). * الشرح: قوله: (ولكن تذكر الشاة التي ذبحتها وشويتها وأكلت وفلان وفلان إلى جانبك صائم لم تنله منها شيئا) الظاهر صائمان ولم تنلهما والأفراد بتأويل كل واحد وفيه تأديب على ترك إصابة الجار بمعروف قليلا كان أو كثيرا والجار غنيا كان أو فقيرا ولو لم يكن عنده إلا القليل المحتقر فليهده ولا يترك الهدية لأجل احتقاره والمهدي له مأمور بقبوله والمكافأة عليه ولو بالشكر لأنه وإن كان محتقرا فهو دليل المحبة وفي كتاب مسلم " عن أبي ذر قال أن خليلي (صلى الله عليه وآله) أوصاني إذا طبخت مرقا فأكثر ماءه ثم انظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم منها بمعروف " قال القرطبي: هذا تنبيه لطيف على تيسير الأمر على البخيل إذ الزيادة إنما هي شئ لا ثمن له إذ لم يقل أكثر لحمها إذ لا يتسير ذلك على كل أحد وأعني بالإكثار غير المفسد. * الأصل: 5 - وفي رواية اخرى قال: (فكان بعد ذلك يعقوب (عليه السلام) ينادي مناديه كل غداة من منزله على فرسخ: ألا من أراد الغداء فليأت إلى يعقوب، وإذا أمسي نادى: ألا من أراد العشاء فليأت إلى يعقوب). * الأصل: 6 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن إسحاق بن عبد العزيز، عن زرارة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (جاءت فاطمة (عليها السلام) تشكو إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعض أمرها فأعطاها رسول الله (صلى الله عليه وآله) كربة (1) وقال: تعلمي ما فيها فإذا فيها: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت).


1 - في بعض النسخ " كريسة " مصغر الكراسة وهي الجزء من الصحيفة. (*)

[ 153 ]

* الشرح: قوله: (فأعطاها رسول الله (صلى الله عليه وآله) كربة) (1) الكرب بالتحريك أصول النخل الغلاظ أمثال الكتف والواحد بهاء. (ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) الضيف القادم ويقع على الواحد والكثير والذكر والأنثى ويجمع على أضياف وضيوف وضيفان ويقال ضفته وتضيفته إذا نزل به وضيفته إذا أنزلته، والمراد بإكرامه تعظيمه ورعاية حقوقه والتكلم معه والإستفسار عن حاله وإظهار حسن الخلق معه ولا ينقبض وجهه لديه ولا يشتم ولا يضرب خدمه عنده لئلا يضجر والضيافة ليست بواجبة فالأمر للإستحباب المؤكد ولكنها من أخلاق النبيين وآداب المرسلين وإجادة الطعام مستحبة ما لم تبلغ حد التكلف والإسراف لأنهما مذمومان اما الإسراف فظاهر وأما التكلف فلما فيه من المشقة ولأنه يمنع من الإخلاص والسرور بالضيف وربما ينجر ذلك الى حد يتأذى الضيف بذلك فهو ينافي اكرامه المأمور به بخلاف إجادة الطعام مما لا يتعذر عليه ولم يبلغ حد المشقة فإنها من السنة فقد ذبح إبراهيم (عليه السلام) لاضيافه عجلا. (ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت) المراد بالخير ما يثاب عليه سواء كان واجبا أو مندوبا فالأمر لمطلق الطلب الراجح، والمراد بالسكوت السكوت عما لا يثاب عليه فيدخل في المسكوت عنه المباح والحرام والمكروه فالنهي أيضا لمطلق الطلب عن الكف ولذلك قيل هذا الخطاب من باب التهييج أي من صفة المؤمن الكامل أن يتكلم بما يثاب عليه أو يسكت لأمن سكت نجا، والحق أن المباح يكتب لما ذكر آنفا، ونقل عن ابن عباس أنه لا يكتب إذ لا يجازى عليه والجواب عنه قد ذكراه آنفا فتدبر. * الأصل: 7 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد خالد، عن أبيه، عن سعدان وعن أبي مسعود، قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): (حسن الجوار زيادة في الأعمار، وعمارة الديار). * الشرح: قوله: (حسن الجوار يعمر الديار وينسي في الأعمار) نسأه كمنعه وأنسأه أخره والحديث محمول على ظاهره لأن العمر مما يزيد وينقص، واختلف العامة فقال عياض والطيبي: المراد بتأخير الأجل بقاء الذكر الجميل بعده فكأنه لم يمت دون تأخير الأجل لأن الأجل لا يزيد ولا


1 - في بعض النسخ " كرية " مصغر الكراسة وهي الجزء من الصحيفة. (*)

[ 154 ]

ينقص، وقال بعضهم: معنى الزيادة في العمر أنه بالبركة فيه بتوفيقه إلى أعمال الطاعة وعمارة أوقاته بما ينفعه في الآخرة والتوجيه ببقاء ذكره بعد الموت ضعيف ورد بعضهم هذين القولين بأن العمر يزيد وينقص إذ قد يكون قد سبق في أم الكتاب أنه إن فعل كذا وكذا فعمره كذا وإن لم يفعله فكذا. * الأصل: 8 - عنه، عن النهيكي، عن إبراهيم عن عبد الحميد، عن الحكم الخياط قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): (حسن الجوار يعمر الديار ويزيد في الأعمار). * الأصل: 9 - عنه، عن بعض أصحابه، عن صالح بن حمزة، عن الحسن بن عبد الله، عن عبد صالح (عليه السلام) قال: قال: (ليس حسن الجوار كف الأذى ولكن حسن الجوار صبرك على الأذى). * الأصل: 10 - أبو علي الأشعري، عن الحسن بن علي الكوفي، عن عبيس بن هشام، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): حسن الجوار يعمر الديار وينسى في الأعمار). * الأصل: 11 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن إسماعيل بن مهران، عن محمد بن حفص، عن أبي الربيع الشامي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قال - والبيت غاص بأهله -: (اعلموا أنه ليس منا من لم يحسن مجاورة من جاوره). * الأصل: 12 - عنه، عن محمد بن علي، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (المؤمن من آمن جاره بوائقه). قلت: وما بوائقه ؟ قال: (ظلمه وغشمه). * الشرح: قوله: (ظلمه وغشمه) الغشم بفتح الغين وسكون الشين المعجمتين الجور والظلم. * الأصل: 13 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن محمد بن إسماعيل، عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فشكا عليه أذى من جاره فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): اصبر، ثم أتاه ثانية فقال له النبي (صلى الله عليه وآله) اصبر، ثم عاد إليه فشكاه ثالثة فقال

[ 155 ]

النبي (صلى الله عليه وآله) للرجل الذي شكا: إذا كان عند رواح الناس إلى الجمعة فأخرج متاعك إلى الطريق حتى يراه من يروح إلى الجمعة، فإذا سألوك فأخبرهم. قال: ففعل فأتاه جاره المؤذي له فقال: رد متاعك فلك الله علي أن لا أعود). * الأصل: 14 - عنه، عن محمد بن عبد الجبار، عن محمد بن إسماعيل، عن عبد الله بن عثمان، عن أبي الحسن البجلي، عن عبيدالله الوصافي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع، قال: (وما من أهل قرية يبيت [ و ] فيهم جائع ينظر الله إليهم يوم القيامة). * الشرح: قوله: (ما آمن بي من مات شبعان وجاره جايع) فيه حث على تفقد أحوال الجار وإكرامه وإطعامه لما فيه من حسن العشرة وجلب المحبة والألفة ودفع الحاجة المفسدة عنه إذ قد يكون الجار لضعفه وكثرة عياله وصغار ولده لا يقدر على تحصيل ما يكفيه وقد يكون يتيما وأرملة ثم أنه لو لم يقدر على القيام بمطالب الجميع كان عليه تقدير الأقرب فالأقرب ولو كان الأبعد ذا رحم فلا يبعد القول بتقديمه. * الأصل: 15 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن أبي جميلة، عن سعد بن طريف، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (من القواصم الفواقر التي تقصم الظهر جار السوء، إن رأى حسنة أخفاها وإن رأى سيئة أفشاها). * الشرح: قوله: (من القواصم الفواقر) الفاقرة الداهية الشديدة الكاسرة يقال: فقرته الفاقرة أي كسرت فقار ظهره. * الأصل: 16 - عنه، عن محمد بن علي، عن محمد بن الفضيل، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أعوذ بالله من جار السوء في دار إقامة، تراك عيناه ويرعاك قلبه، إن رآك بخير ساءه وإن رآك بشر سره).

[ 156 ]

باب حد الجوار * الأصل: 1 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمار، عن عمر بن عكرمة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كل أربعين دارا جيران من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله). * الشرح: قوله: (علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمار بن عمر بن عكرمة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كل أربعين دار أجيران من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله) كان هذا الحديث هو المذكور في صدر الباب السابق وفيه اقتصار على المتن والسند. واعلم أن ما دل عليه هذا الحديث والذي بعده من أن الجوار أربعون دارا من كل جانب مذهب طائفة من أصحابنا وذهب جماعة منهم الشهيد الأول في اللمعة إلى أنه أربعون ذراعا، وقال الشهيد الثاني: الأقوى في الجيران الرجوع إلى العرف لأن مستند الأول رواية عامية روتها عائشة عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال " الجار إلى أربعين دارا " والثاني وإن كان مشهورا مستنده ضعيف وكأنه " ره " غفل عن هاتين الروايتين وجعل مستند الأول رواية عائشة. * الأصل: 2 - وعنه، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (حد الجوار أربعون دارا من كل جانب من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله).

[ 157 ]

باب حسن الصحابة وحق الصاحب في السفر * الأصل: 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن عمار بن مروان قال: أوصاني أبو عبد الله (عليه السلام) فقال: (اوصيك بتقوى الله وأداء الأمانة وصدق الحديث وحسن الصحابة لمن صحبت ولا قوة إلا بالله). * الشرح: قوله: (وحسن الصحابة لمن صحبت) في السفر والحضر بالحلم والرفق والصفح كظم الغيظ وحسن الخلق وكف الأذى وحفظ السر والدعوة إلى الزاد والقيام بالخدمة في الصحة والمرض وقضاء الحوائج والاقتراض عند الحاجة والإرشاد إلى المصالح والتكلم والمزاج بما يوجب إنبساط القلب. 2 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد، عن حريز، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (من خالطت فإن استطعت أن تكون يدك العليا عليه فافعل). 3 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قال رسول الله 9: ما اصطحب إثنان إلا كان أعظمهما أجرا وأحبهما إلى الله عزوجل أرفقهما بصاحبه). 4 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن عدة من أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): حق المسافر أن يقيم عليه أصحابه إذا مرض ثلاثا). 5 - علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله عن آبائه (عليهم السلام): إن أمير المؤمنين (عليه السلام) صاحب رجلا ذميا فقال له الذمي: أين تريد يا عبد الله ؟ فقال: اريد الكوفة، فلما عدل الطريق بالذمي عدل معه أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له الذمي: ألست زعمت أنك تريد الكوفة ؟ فقال له: بلى، فقال له الذمي: فقد تركت الطريق ؟ فقال له: قد علمت: قال: فلم عدلت معي وقد علمت ذلك ؟ فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): هذا من تمام حسن الصحبة أن يشيع الرجل صاحبه هنيئة إذا فارقه وكذلك أمرنا نبينا (صلى الله عليه وآله) فقال له الذمي: هكذا قال ؟ قال: نعم، قال الذمي لا جرم إنما تبعه من تبعه لأفعاله الكريمة فأنا أشهدك أني على دينك ورجع الذمي مع أمير المؤمنين (عليه السلام) فلما عرفه أسلم).

[ 158 ]

باب التكاتب * الأصل: 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، وسهل بن زياد، جميعا، عن ابن محبوب عمن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (التواصل بين الاخوان في الحضر التزاور وفي السفر التكاتب). * الشرح: قوله: (التواصل بين الأخوان في الحضر التزاور وفي السفر التكاتب) التواصل مطلوب عقلا وشرعا لحسن النظام وتحقق الإلتيام وبه ينتظم أمور الدين والدنيا بين الأنام وهو يتحقق في الحضر بالتزاور وبسط بساط الوفاق وفي السفر بالتكاتب وإظهار السلامة والمحبة والإشتياق والتألم بالفراق. * الأصل: 2 - ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (رد جواب الكتاب واجب كوجوب رد السلام، والبادي بالسلام أولى بالله ورسوله). * الشرح: قوله: (رد جواب الكتاب واجب كوجوب رد السلام) هذا من باب الحاق النظير بنظيره في الحكم إذ السلام تحية وتحفة من الحاضر والكتاب تحفة وتحية من الغائب فكما يجب رد السلام بالسلام يجب رد الكتاب بالكتاب، وأيضا رعاية حقوق الأخوة وكمال المروءة وثبات الألفة مقتضية لرد الكتاب بالكتاب.

[ 159 ]

باب النوادر * الأصل: 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الوشاء، عن جميل بن دراج، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقسم لحظاته بين أصحابه فينظر إلى ذا وينظر إلى ذا بالسوية، قال: ولم يبسط رسول الله (صلى الله عليه وآله) رجليه بين أصحابه قط وإن كان ليصافحه الرجل فما يترك رسول الله 9 يده من يده حتى يكون هو التارك فلما فطنوا لذلك كان الرجل إذا صافحه قال بيده فنزعها من يده). * الشرح: قوله: (وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقسم لحظاته بين أصحابه فينظر إلى ذا وينظر إلى ذا بالسوية) اللحظات النظرات وفي تسوية النظر فوائد منها عدم إنكسار قلوب بعضهم ومنها ميل القلوب إلى الناظر لحسن خلقه ولطف سيرته ومنها حصول المروءة وزيادة المحبة بين المنظورين لأن تخصيص بعضهم بزيادة الإلتفات يورث العداوة بينهم وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) لبعض عماله: " واخفض للرعية جناحك وواس بينهم في اللحظة والنظرة والإشارة ". قوله: (قال بيده فنزعها من يده) في النهاية: العرب يجعل القول عبارة عن جميع الأفعال ويطلقه على ا غير اللسان والكلام فيقول: قال بيده أي أخذ وقال برجله أي مشى وقالت له العينان: سمعا وطاعة أي أو مات وقال بالماء على يده أي قلب وقال بثوبه أي رقعة كل ذلك على سبيل المجاز والإتساع. * الأصل: 2 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن معمر بن خلاد، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: (إذا كان الرجل حاضرا فكنه وإذ كان غائبا فسمه). 3 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (إذا أحب أحدكم أخاه المسلم فليسأله، عن اسمه، واسم أبيه واسم قبيلته وعشيرته فإن من حقه الواجب وصدق الاخاء أن يسأله عن ذلك وإلا فإنها معرفة حمق). * الشرح: قوله: (وصدق الاخاء) الإخاء بالكسر والمد مصدر كالمواخاة يقال: آخاه مؤاخاة وأخاه إذا اتخذه أخا وصديقا وفي الكنز: " أخا باهم برادرى داشتن ". (وإلا فإنها معرفة حمق) الحمق ككتف الأحمق وهو قليل العقل وسخيف الرأي والحمق

[ 160 ]

بضمتين جمع الأحمق وضمير التأنيث راجع بقرينة المقام إلى المعرفة الحاصلة بمجرد النظر إلى شخصه وهذه المعرفة غير مختصة بالعاقل لثبوتها للأحمق الجاهل وغيره من الحيوانات. * الأصل: 4 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن يعقوب بن يزيد، عن علي بن جعفر، عن عبد الملك بن قدامة، عن أبيه، عن علي بن الحسين (عليهما السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوما لجلسائه: تدرون ما العجز قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال: العجز ثلاثة أن يبدر أحدكم بطعام يصنعه لصاحبه فيخلفه ولا يأتيه. والثانية أن يصحب الرجل منكم الرجل أو يجالسه يحب أن يعلم من هو ومن أين هو فيفارقه قبل أن يعلم ذلك، والثالثة أمر النساء يدنو أحدكم من أهله فيقضي حاجته وهي لم تقض حاجتها) فقال عبد الله بن عمرو بن العاص: فكيف ذلك يا رسول الله ؟ قال: يتحوس ويمكث حتى يأتي ذلك منهما جميعا. قال: وفي حديث آخر قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (إن من أعجز العجز رجل لقى رجلا فأعجبه نحوه فلم يسأله عن اسمه ونسبه وموضعه). * الشرح: قوله: (فقال: العجز ثلاثة) لعل المراد به العجز عن الإتيان بالآداب الشرعية والضعف عن الوفاء بحسن المصاحبة وأداء حقوق المعاشرة والمخالطة. (فقال: يتحوس ويمكث حتى يأتي ذلك منهما جميعا) يتحوس أي يتحبس ويبطئ ومنه تحوس المسافر إذا أبطئ وأقام مع إرادة السفر وتحوس فلان إذا تحبس وأبطاء في أمره وفي بعض النسخ بالشين المعجمة أي يتنحى عن الحركة ويتأنى فيها. * الأصل: 5 - وعنه عن عثمان بن عيسى، عن سماعة قال: سمعت أبا الحسن موسى (عليه السلام) يقول: (لا تذهب الحشمة بينك وبين أخيك أبق منها فإن ذهابها ذهاب الحياء). * الشرح: قوله: (لا تذهب الحشمة بينك وبين أخيك.. اه) الحشمة بالكسر وهي الإنقباض عن بعض الأمور حياء وإذا ذهب الحياء منهما بالمرة وبطلت العزة والحرمة صدرت منهما أفعال وأقوال شبيهة بأفعال الأراذل واللئام وأقوالهم. * الأصل: 6 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن إسماعيل، عن عبد الله بن واصل عن

[ 161 ]

عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): (لا تثق بأخيك كل الثقة فإن صرعة الاسترسال لن تستقال). * الشرح: قوله: (لا تثق بأخيك كل الثقة) قال الحكماء: وجب إختبار الرجل ثم إختياره للصداقة إذ اختياره قبل إختباره ينجر سريعا إلى وحشة الفراق وذل الإنكسار ثم بعد إختياره لابد من الحزم وعدم الوثوق به كل الوثوق فلا يظهر عليه جميع الأسرار بل يحفظ منها ما يخاف اللوم وسوء العاقبة من افشائه وإنتشاره. (فإن صرعة الإسترسال لن تستقال) في القاموس: الصرع ويكسر الطرح على الأرض صرعة كمنعه والصرعة بالكسر للنوع ومنه المثل سوء الإستمساك خير من حسن الصرعة، ويروي بالفتح بمعنى المرة، وبالضم من يصرعه الناس، وكهمزة من يصرعهم. والاسترسال الاستيناس والإنبساط والطمأنينة فيما يحدثه. والاستقالة طلب فسخ البيع وهذا كمثل يقال لمن دخل في أمر من غير تأمل وروية فوقع في محنة وبلية لا طريق إلى دفعها وإقالتها ولا سبيل إلى علاجها وإزالتها. * الأصل: 7 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن عمر بن عبد العزيز، عن معلى بن خنيس وعثمان بن سليمان النخاس، عن مفضل بن عمر، ويونس بن ظبيان قالا: قال أبو عبد الله (عليه السلام): (اختبروا إخوانكم بخصلتين فإن كانتا فيهم وإلا فاعزب ثم اعزب ثم اعزب: محافظة على الصلوات في مواقيتها والبر بالإخوان في العسر واليسر).

[ 162 ]

باب * الأصل: 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن عمر بن عبد العزيز، عن جميل بن دراج قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): (لا تدع بسم الله الرحمن الرحيم وإن كان بعده شعر). * الشرح: قوله: (لا تدع بسم الله الرحمن الرحيم وإن كان بعده شعر) سواء كتبته أو قرءته والنهي للتنزيه الدال على الإستحباب. * الأصل: 2 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن محمد بن علي، عن الحسن بن علي، عن يوسف بن عبد السلام، عن سيف بن هارون مولى آل جعدة قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): (اكتب بسم الله الرحمن الرحيم من أجود كتابك ولا تمد الباء حتى ترفع السين). * الشرح: قوله: (عن سيف بن هارون مولى آل جعدة) جعدة بالفتح والسكون اسم رجل وآل جعدة حي، وسيف بن هارون غير مذكور فيما رأيناه من كتب الرجال والمراد بكونه مولاهم أنه غير العربي ونشأ فيهم منتسب إليهم. (اكتب بسم الله الرحمن الرحيم من أجود كتابك) أي حسن موضعه وهو الصدر، ويحتمل أن يراد بالكتاب المصدر ويجعل الجودة وصفا لكتب البسملة بإظهار الحروف وترصيفها وغير ذلك " مما له مدخل في جودتها ". (ولا تمد الباء حتى ترفع السين) كما هو المعروف في المصاحف وقبل استحباب رفع السين قبل مد الباء مخصوص بخط الكوفي. * الأصل: 3 - عنه، عن علي بن الحكم، عن الحسن بن السري، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال: (لا تكتب بسم الله الرحمن الرحيم لفلان ولا بأس أن تكتب على ظهر الكتاب لفلان). * الشرح: قوله: (لا تكتب) في داخل الكتاب (بسم الله الرحمن الرحيم لفلان) بل اكتب إلى فلان (ولا بأس أن تكتب على ظهر الكتاب لفلان) ليعرف من غير فتح سيما إذا كان مختوما والفرق أن المراد

[ 163 ]

بالأول إبلاغ الدعاء والسلام والأحوال وأرسالها إليه ومن الثاني هو الإعلام بأن الكتاب لمن. ومفاد هذا الحديث وتاليه واحد. * الأصل: 4 - عنه، عن محمد بن علي، عن النضر بن شعيب، عن أبان بن عثمان، عن الحسين بن السري، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (لا تكتب داخل الكتاب لأبي فلان واكتب " إلى أبي فلان " واكتب على العنوان لأبي فلان). 5 - عنه، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يبدأ بالرجل في الكتاب، قال: (لا بأس به، ذلك من الفضل، يبدأ الرجل بأخيه يكرمه). * الشرح: قوله: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يبدأ بالرجل في الكتاب) بأن يكتب بعد التسمية من فلان إلى فلان. * الأصل: 6 - عنه، عن علي بن الحكم، عن أبان بن الأحمر، عن حديد بن حكيم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (لا بأس بأن يبدأ الرجل باسم صاحبه في الصحيفة قبل اسمه). * الشرح: (قال: لا بأس) بذلك (ذلك من الفضل يبدأ الرجل بأخيه يكرمه) قال بعض العامة: الأولى بداية الإنسان بنفسه في الدعاء ونحوه من أمور الآخرة يرشد إليه قوله تعالى حكاية * (ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب) * بخلاف حظوظ الدنيا فإن الأدب أن يبدأ باسم غيره وأما الرسائل فقيل بتقديم المكتوب إليه إلا أن يكون الكاتب الأمير أو الأب لابنه أو السيد لعبده وقيل بتقديم نفسه كيف كان ومنه كتبه (صلى الله عليه وآله) محمد بن عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم وقوله (عليه السلام) في هذا الخبر والذي بعده " لا بأس " يشعر بالتساوي بين الأمرين والله يعلم. * الأصل: 7 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن مرازم بن حكيم قال: أمر أبو عبد الله (عليه السلام) بكتاب في حاجة فكتب ثم عرض عليه ولم يكن فيه استثناء فقال: (كيف رجوتم أن يتم هذا وليس فيه استثناء انظروا كل موضع لا يكون فيه استثناء فاستثنوا فيه). * الشرح: قوله: (ولم يكن فيه استثناء) ينبغي لمن قال: أفعل أو سأفعل ونحوها أن يقول: إن شاء الله

[ 164 ]

متصلا به أو منفصلا إذا ذكر بعد النسيان لأن له مدخلا عظيما في تيسير المقصود. * الأصل: 8 - عنه، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أنه كان يترب الكتاب وقال: (لا بأس به). * الشرح: قوله: (أنه كان يترب الكتاب وقال: لا بأس به) يترب أما من الإتراب أو من التتريب قال الجوهري ترب الشئ بالكسر أصابه التراب وتربت الشئ تتريبا فتترب أي تلطخ بالتراب وأتربت الشئ جعلت عليه التراب. وفي الحديث أتربوا الكتاب فإنه أنجح للحاجة وفي مجمع البحار معنى الحديث اجعلوا عليه التراب أو أسقطوا على التراب اعتمادا على الله تعالى في إيصاله إلى المقصد أو ذروا التراب على المكتوب أو خاطبوا في الكتاب خطابا في غاية التواضع للمكتوب إليه. * الأصل: 9 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن علي بن عطية أنه رأى كتبا لأبي الحسن (عليه السلام) متربة.

[ 165 ]

باب النهي عن احراق القراطيس المكتوبة * الأصل: 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن عبد الملك بن عتبة، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن القراطيس تجتمع هل تحرق بالنار وفيها شئ من ذكر الله ؟ قال: (لا، تغسل بالماء أولا قبل). * الشرح: قوله: (يمحوه الرجل بالتفل) ان احتاج إلى محوه والتفل بالضم البصاق. * الأصل: 2 - عنه، عن الوشاء، عن عبد الله بن سنان، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (لا تحرقوا القراطيس ولكن امحوها وخرقوها). 3 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد بن عثمان، عن زرارة قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الاسم من أسماء الله يمحوه الرجل بالتفل قال: (امحوه بأطهر ما تجدون). 4 - علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): امحوا كتاب الله [ تعالى ] وذكره بأطهر ما تجدون ونهى أن يحرق كتاب الله ونهى أن يمحى بالأقلام). * الشرح: قوله: (امحو كتاب الله وذكره باطهر ما تجدون) إن كان محوه مطلوبا بأن وقع فيه الغلط أو وقع في غير موضعه أو وقع في موضع يوطأ ونحو ذلك. (ونهى عن أن يحرق كتاب الله ونهى أن يمحي بالأقلام) النهي الأول للتحريم والثاني للتنزيه. وفي نسخة بالاقدام والظاهر أنه تحريف. * الأصل: 5 - علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن إسحاق بن عمار، عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) في الظهور التي فيها ذكر الله عزوجل قال: (اغسلها). * الشرح: قوله: (في الظهور) أي الجلود التي فيها ذكر الله تعالى (قال: اغسلها) إن كانت غير مذكاة أو كانت هي والمداد نجسة أو وجد شيئا آخر من أسباب المحو التي ذكرنا بعضها.

[ 166 ]

* الأصل: تم كتاب العشرة ولله الحمد والمنة وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين. * الشرح: هذا آخر كتاب العشرة وبه تم قسم الأصول من الكافي) نحمد الله ونشكره على جزيل نعمائه وجميل فعاله وعلى أن وفقنا لإتمام هذا الأثر القيم الخالد وذلك من فضله ومنه. ولرواد الفضيلة والأجلاء الذين وازرونا في هذا المشروع لا سيما الاستاذ العظم العلامة الحجة (الحاج الميرزا أبو الحسن الشعراني) دامت بركاته، شكر متواصل غير مقطوع ولا ممنوع. علي أكبر الغفاري عفا الله عنه

[ 167 ]

كتاب الروضة * الشرح: (بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الروضة) وهي في اللغة: البستان ومستنقع الماء أيضا مستعارة لهذا الكتاب بتشبيه ما فيه من المسائل الشريفة والخصايل العجيبة والفضايل الغريبة بهما في البهجة والصفا والنضارة والبهاء أو في كونه سببا لحياة النفوس كالماء. * الأصل: بسم الله الرحمن الرحيم 1 - محمد بن يعقوب الكليني قال: حدثني علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن فضال عن حفص المؤذن، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وعن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن محمد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه كتب بهذه الرسالة إلى أصحابه وأمرهم بمدارستها والنظر فيها وتعاهدها والعمل بها فكانوا يضعونها في مساجد بيوتهم فإذا فرغوا من الصلاة نظروا فيها. قال: وحدثني الحسن بن محمد، عن جعفر بن محمد بن مالك الكوفي، عن القاسم ابن الربيع الصحاف، عن إسماعيل بن مخلد السراج، عن أبي عبد الله (عليه السلام). قال: (خرجت هذه الرسالة من أبي عبد الله (عليه السلام) إلى أصحابه: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد: فاسألوا ربكم العافية وعليكم بالدعة والوقار والسكينة وعليكم بالحياء والتنزه عما تنزه عنه الصالحون قبلكم وعليكم بمجاملة أهل الباطل تحملوا الضيم منهم وإياكم ومما ظنتهم دينوا بينكم وبينهم إذا أنتم جالستموهم وخالطتموهم ونازعتموهم الكلام، فإنه لابد لكم من مجالستهم ومخالطتهم ومنازعتهم الكلام بالتقية التي أمركم الله أن تأخذوا بها فيما بينكم وبينهم فإذا ابتليتم بذلك منهم فانهم سيؤذونكم وتعرفون في وجوههم المنكر ولولا أن الله تعالى يدفعهم عنكم لسطوابكم وفي صدورهم من العداوة والبغضاء أكثر مما يبدون لكم مجالسكم ومجالسهم واحدة وأرواحكم وأرواحهم مختلفة لا تأتلف، لا تحبونهم أبدا ولا يحبونكم غير أن الله تعالى أكرمكم بالحق وبصركموه ولم يجعلهم من أهله فتجاملونهم وتصبرون عليهم وهم لا مجاملة لهم ولا صبر لهم على شئ وحيلهم وسواس بعضهم إلى بعض فان أعداء الله إن

[ 168 ]

استطاعوا صدوكم عن الحق، فيعصمكم الله من ذلك فاتقوا الله وكفوا ألسنتكم إلا من خير. وإياكم أن تذلقوا ألسنتكم بقول الزور والبهتان والإثم والعدوان فإنكم إن كففتم ألسنتكم عما يكرهه الله مما نهاكم عنه كان خيرا لكم عند ربكم من أن تذلقوا ألسنتكم به فان ذلق اللسان فيما يكره الله وما [ ي‍ ] - نهى عنه مرادة للعبد عند الله ومقت من الله وصم وعمي وبكم يورثه الله إياه يوم القيامة فتصيروا كما قال الله: * (صم بكم عمي فهم لا يرجعون) * يعني لا ينطقون * (ولا يؤذن لهم فيعتذرون) *. وإياكم وما نهاكم الله عنه أن تركبوه وعليكم بالصمت إلا فيما ينفعكم الله به من أمر آخرتكم ويأجركم عليه وأكثروا من التهليل والتقديس والتسبيح والثناء على الله والتضرع إليه والرغبة فيما عنده من الخير الذي لا يقدر قدره ولا يبلغ كنهه أحد، فاشغلوا ألسنتكم بذلك عما نهى الله عنه من أقاويل الباطل التي تعقب أهله خلودا في النار من مات عليها ولم يتب إلى الله ولم ينزع عنها، وعليكم بالدعاء فإن المسلمين لم يدركوا نجاح الحوائج عند ربهم بأفضل من الدعاء والرغبة إليه والتضرع إلى الله والمسألة [ له ] فارغبوا فيما رغبكم الله فيه وأجيبوا الله إلى ما دعاكم إليه لتفلحوا وتنجوا من عذاب الله وإياكم أن تشره أنفسكم إلى شئ مما حرم الله فانه من انتهك ما حرم الله عليه ها هنا في الدنيا حال الله بينه وبين الجنة ونعيمها ولذتها وكرامتها القائمة الدائمة لأهل الجنة أبد الأبدين. واعلموا أنه بئس [ الحظ ] الخطر لمن خاطر الله بترك طاعة الله وركوب معصيته فاختار أن ينتهك محارم الله في لذات دنيا منقطعة زائلة عن أهلها على خلود نعيم في الجنة ولذاتها وكرامة أهلها. ويل لاولئك ما أخيب حظهم وأخسر كرتهم وأسوء حالهم عند ربهم يوم القيامة، استجيروا الله أن يخزيكم (1) في مثالهم أبدا وأن يبتليكم بما ابتلاهم به ولا قوة لنا ولكم إلا به. فاتقوا الله أيتها العصابة الناجية إن أتم الله لكم ما أعطاكم به فإنه لا يتم الأمر حتى يدخل عليكم مثل الذي دخل على الصالحين قبلكم وحتى تبتلوا في أنفسكم وأموالكم وحتى تسمعوا من أعداء الله اذى كثيرا فتصبروا وتعركوا بجنوبكم وحتى يستذلوكم ويبغضوكم وحتى يحملوا [ عليكم ] الضيم فتحملوا منهم تلتمسون بذلك وجه الله والدار الآخرة وحتى تكظموا الغيظ الشديد في الأذى في الله عزوجل يجترمونه إليكم وحتى يكذبوكم بالحق ويعادوكم فيه


1 - كذا وفي بعض النسخ " يجيركم ". (*)

[ 169 ]

ويبغضوكم عليه فتصبروا على ذلك مهنم، مصداق ذلك كله في كتاب الله الذي أنزله جبرئيل (عليه السلام) على نبيكم (صلى الله عليه وآله) سمعتم قول الله عزوجل لنبيكم (صلى الله عليه وآله): * (فاصبر كما صبر اولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم) * ثم قال: * (وإن يكذبوك) * * (لقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا واوذوا) * فقد كذب نبي الله والرسل من قبله واوذوا مع التكذيب بالحق فإن سركم أمر الله فيهم الذي خلقهم له في الأصل - أصل الخلق - من الكفر الذي سبق في علم الله أن يخلقهم له في الأصل ومن الذين سماهم الله في كتابه في قوله: * (وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار) * فتدبروا هذا واعقلوه ولا تجهلوه فانه من يجهل هذا وأشباهه مما افترض الله عليه في كتابه مما أمر الله به ونهى عن ترك دين الله وركب معاصيه فاستوجب سخط الله فأكبه الله على وجهه في النار. وقال: أيتها العصابة المرحومة المفلحة إن الله أتم لكم ما آتاكم من الخير واعلموا أنه ليس من علم الله ولا من أمره أن يأخذ أحد من خلق الله في دينه بهوى ولا رأي ولا مقائيس قد أنزل الله القرآن وجعل فيه تبيان كل شئ وجعل القرآن ولتعلم القرآن أهلا لا يسمع أهل علم القرآن الذين آتاهم الله علمه أن يأخذوا فيه بهوى ولا رأي ولا مقائيس أغناهم الله عن ذلك بما آتاهم من علمه وخصهم به ووضعه عندهم كرامة من الله أكرمهم بها وهم أهل الذكر الذين أمر الله هذه الامة بسؤالهم وهم الذين من سألهم، وقد سبق في علم الله أن يصدقهم ويتبع أثرهم، أرشدوه وأعطوه من علم القرآن ما يهتدي به إلى الله باذنه إلى جميع سبل الحق وهم الذين لا يرغب عنهم وعن مسألتهم وعن علمهم الذي أكرمهم الله به وجعله عندهم إلا من سبق عليه في علم الله الشقاء في أصل الخلق تحت الأظله فأولئك الذين يرغبون عن سؤال أهل الذكر والذين آتاهم الله علم القرآن ووضعه عندهم وأمر بسؤالهم. وأولئك الذين يأخذون بأهوائهم وآرائهم ومقائيسهم حتى دخلهم الشيطان لأنهم جعلوا أهل الايمان في علم القرآن عند الله كافرين وجعلوا أهل الضلالة في علم القرآن عند الله مؤمنين وحتى جعلوا ما أحل الله في كثير من الأمر حراما وجعلوا ما حرم الله في كثير من الأمر حلالا فذلك أصل ثمرة أهوائهم وقد عهد إليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبل موته فقالوا: نحن بعد ما قبض الله عزوجل رسوله يسعنا أن نأخذ بما اجتمع عليه رأي الناس بعدما قبض الله عزوجل رسوله (صلى الله عليه وآله) وبعده عهده الذي عهده إلينا وأمرنا به مخالفا لله ولرسوله 9 فما أحد أجرأ على الله ولا أبين ضلالة ممن أخذ بذلك وزعم أن ذلك يسمعه والله إن لله على خلقه أن يطيعوه ويتبعوا أمره في حياة محمد (صلى الله عليه وآله) وبعد موته هل يستطيع اولئك أعداء الله أن يزعموا أن أحدا ممن أسلم مع محمد (صلى الله عليه وآله) أخذ بقوله ورأيه ومقائيسه ؟ فإن قال: نعم، كذب على الله وضل ضلالا بعيدا وإن قال: لا لم يكن لأحد أن يأخذ برأيه وهواه ومقائيسه، فقد أقر بالحجة على نفسه

[ 170 ]

وهو ممن يزعم أن الله يطاع ويتبع أمره بعد قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد قال الله وقوله الحق * (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين) * وذلك لتعلموا أن الله يطاع ويتبع أمره في حياة محمد (صلى الله عليه وآله) وبعد قبض الله محمد (صلى الله عليه وآله) وكما لم يكن لأحد من الناس مع محمد (صلى ولا رأيه ولا مقائيسه خلافا لأمر محمد (صلى الله عليه وآله) فكذلك لم يكن لأحد من الناس بعد محمد (صلى الله عليه وآله) أن يأخذ بهواه ولا رأيه ولا مقائيسه. وقال: دعوا رفع أيديكم في الصلاة إلا مرة واحدة حين تفتتح الصلاة فان الناس قد شهروكم بذلك والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله. وقال: أكثروا من أن تدعوا الله فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه وقد وعد الله عباده المؤمنين بالاستجابة والله مصير دعاء المؤمنين يوم القيامة لهم عملا يزيدهما به في الجنة فأكثروا ذكر الله ما استطعتم في كل ساعة من ساعات الليل والنهار فان الله أمر بكثرة الذكر له والله ذاكر لمن ذكره من المؤمنين، واعلموا أن الله لم يذكره أحد من عباده المؤمنين إلا ذكره بخير، فأعطوا لله من أنفسكم الاجتهاد في طاعته فان الله لا يدرك شئ من الخير عنده إلا بطاعته واجتناب محارمه التي حرم الله في ظاهر القرآن وباطنه فان الله تبارك وتعالى قال في كتابه وقوله الحق: * (وذروا ظاهر الإثم وباطنه) * واعلموا أن ما أمر الله به أن تجتنبوه فقد حرمه واتبعوا آثار رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسنته فخذوا بها ولا تتبعوا أهواءكم وآراءكم فتضلوا فان أضل الناس عند الله من اتبع هواه ورأيه بغير هدى من الله، وأحسنوا إلى أنفسكم ما استطعتم فإن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها، وجاملوا الناس ولا تحملوهم على رقابكم، تجمعوا مع ذلك طاعة ربكم وإياكم وسب أعداء الله حيث يسمعونكم فيسبوا الله عدوا بغير علم وقد ينبغي لكم أن تعلموا حد سبهم لله كيف هو ؟ إنه من سب أولياء الله فقد انتهك سب الله ومن أظلم عند الله ممن استسب لله ولأولياء الله فمهلا مهلا فاتبعوا أمر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله. وقال: أيتها العصابة الحافظ الله لهم أمرهم ! عليكم بآثار رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسنته وآثار الأئمة الهداة من أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) من بعده وسنتهم، فإنه من أخذ بذلك فقد اهتدى ومن ترك ذلك ورغب عنه ضل، لأنهم هم الذين أمر الله بطاعتهم وولايتهم وقد قال أبونا رسول الله (صلى الله عليه وآله): المداومة على العمل في اتباع الآثار والسنن وإن قل أرضى لله وأنفع عنده في العاقبة من الاجتهاد في البدع واتباع الأهواء، ألا إن اتباع الأهواء واتباع البدع بغير هدى من الله ضلال وكل ضلالة بدعة وكل بدعة في النار ولن ينال شئ من الخير عند الله إلا بطاعته والصبر والرضا لأن الصبر

[ 171 ]

والرضا من طاعة الله، واعلموا أنه لن يؤمن عبد من عبيده حتى يرضى عن الله فيما صنع الله إليه وصنع به على ما أحب وكره ولن يصنع الله بمن صبر ورضي عن الله إلا ما هو أهله وهو خير له مما أحب وكره، وعليكم بالمحافظة على الصلوات والصلاة والوسطى وقوموا لله قانتين كما أمر الله به المؤمنين في كتابه من قبلكم وإياكم، وعليكم بحب المساكين المسلمين فانه من حقرهم وتكبر عليهم فقد زل عن دين الله والله له حاقر ماقت وقد قال أبونا رسول الله (صلى الله عليه وآله) " أمرني ربي بحب المساكين المسلمين [ منهم ] " واعملوا أن من حقر أحدا من المسلمين ألقى الله عليه المقت منه والمحقرة حتى يمقته الناس والله له أشد مقتا، فاتقوا الله في إخوانكم المسلمين المساكين فان لهم عليكم حقا أن تحبوهم فان الله أمر رسوله (صلى الله عليه وآله) بحبهم فمن لم يحب من أمر الله بحبه فقد عصى الله ورسوله ومن عصى الله ورسوله ومات على ذلك مات وهو من الغاوين. وإياكم والعظمة والكبر، فان الكبر رداء الله عزوجل:، فمن نازع الله رداءه قصمه الله عزوجل وأذله يوم القيامة، وإياكم أن يبغي بعضكم على بعض فانها ليست من خصال الصالحين فانه من بغي صير الله بغيه على نفسه وصارت نصرة الله لمن بغي عليه ومن نصره الله غلب وأصاب الظفر من الله، وإياكم أن يحسد بعضكم بعضا فان الكفر أصله الحسد. وإياكم أن تعينوا على مسلم مظلوم فيدعو الله عليكم ويستجاب له فيكم فان أبانا رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يقول: " إن دعوة المسلم المظلوم مستجابة " وليعن بعضكم بعضا فان أبانا رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يقول: " إن معونة المسلم خير وأعظم أجرا من صيام شهر واعتكافه في المسجد الحرام " وإياكم وإعسار أحد من إخوانكم المسلمين أن تعسروه بالشئ يكون لكم قبله وهو معسر فإن أبانا رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يقول: " ليس لمسلم أن يعسر مسلما ومن أنظر معسرا أظله الله بظله يوم لا ظل إلا ظله ". وإياكم أيتها العصابة المرحومة المفضلة على من سواها، وحبس حقوق الله قبلكم يوما بعد يوم وساعة بعد ساعة فانه من عجل حقوق الله قبله كان الله أقدر على التعجيل له إلى مضاعفة الخير في العاجل والآجل، وإنه من أخر حقوق الله قبله كان الله أقدر على تأخير رزقه ومن حبس الله رزقه لم يقدر أن يرزق نفسه فأدوا إلى الله حق ما رزقكم يطيب الله لكم بقيته وينجز لكم ما وعدكم من مضاعفته لكم الأضعاف الكثيرة التي لا يعلم عددها ولا كنه فضلها إلا الله رب العالمين. وقال: اتقوا الله أيتها العصابة وإن استطعتم أن لا يكون منكم محرج الأمام فإن محرج الإمام هو الذي يسعى بأهل الصلاح من أتباع الإمام، المسلمين لفضله، الصابرين على أداء حقه، العارفين بحرمته، واعملوا أنه من نزل بذلك المنزل عند الإمام فهو محرج الإمام، فإذا فعل ذلك عند

[ 172 ]

الإمام أحرج الإمام إلى أن يلعن أهل الصلاح من أتباعه، المسلمين لفضله، الصابرين على أداء حقه، العارفين بحرمته، فإذا لعنهم لاحراج أعداء الله الإمام صارت لعنته رحمة من الله عليهم وصارت اللعنة من الله ومن الملائكة ورسله على اولئك. واعلموا أيتها العصابة أن السنة من الله قد جرت في الصالحين قبل. وقال: من سره أن يلقى الله وهو مؤمن حقا فليتول الله ورسوله والذين آمنوا وليبرأ إلى الله من عدوهم ويسلم لما انتهى إليه من فضلهم لأن فضلهم لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا من دون ذلك، ألم تسمعوا ما ذكر الله من فضل أتباع الأئمة الهداة وهم المؤمنون قال: * (فاولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا) * فهذا وجهه من وجوه فضل أتباع الأئمة فكيف بهم وفضلهم ؟ ومن سره أن يتم الله له إيمانه حتى يكون مؤمنا حقا حقا فليف لله بشروطه التي اشترطها على المؤمنين فانه قد اشترط مع ولايته وولاية رسوله وولاية أئمة المؤمنين إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وإقراض الله قرضا حسنا واجتناب الفواحش ما ظهر منها وما بطن فلم يبق شئ مما فسر مما حرم الله إلا وقد دخل في جملة قوله، فمن دان الله فيما بينه وبين الله مخلصا لله ولم يرخص لنفسه في ترك شئ من هذا فهو عند الله في حزبه الغالبين وهو من المؤمنين حقا، وإياكم والاصرار على شئ مما حرم الله في ظهر القرآن وبطنه وقد قال الله تعالى: * (ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون) * - إلى ها هنا رواية القاسم بن الربيع - يعني المؤمنين قبلكم إذا نسوا شيئا مما اشترط الله في كتابه عرفوا أنهم قد عصوا الله في تركهم ذلك الشئ فاستغفروا ولم يعودوا إلى تركه فذلك معنى قول الله: * (ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون) *. واعملوا أنه إنما أمر ونهى ليطاع فيما أمر به ولينتهى عما نهى عنه، فمن اتبع أمره فقد أطاعه وقد أدرك كل شئ من الخير عنده ومن لم ينته عما نهى الله عنه فقد عصاه فإن مات على معصيته أكبه الله على وجهه في النار. واعملوا أنه ليس بين الله وبين أحد من خلقه ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا من دون ذلك من خلقه كلهم إلا طاعتهم له، فجدوا في طاعة الله، إن سركم أن تكونوا مؤمنين حقا حقا ولا قوة إلا بالله. وقال: وعليكم بطاعة ربكم ما استطعتم فان الله ربكم اعلموا أن الاسلام هو التسليم والتسليم هو الإسلام فمن سلم فقد أسلم ومن لم يسلم فلا إسلام له ومن سره أن يبلغ إلى نفسه في الاحسان فليطع الله فإنه من أطاع الله فقد أبلغ إلى نفسه في الاحسان. وإياكم ومعاصي الله أن تركبوها فانه من انتهك معاصي الله فركبها فقد أبلغ في الاساءة إلى نفسه وليس بين الاحسان والاساءة منزلة، فلأهل الاحسان عند ربهم الجنة ولأهل الاساءة عند

[ 173 ]

ربهم النار، فاعملوا بطاعة الله واجتنبوا معاصيه واعلموا أنه ليس يغني عنكم من الله أحد من خلقه شيئا لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا من دون ذلك فمن سره أن تنفعه شفاعة الشافعين عند الله فليطلب إلى الله أن يرضى عنه واعلموا أن أحدا من خلق الله لم يصب رضا الله إلا بطاعته وطاعة رسوله وطاعة ولاة أمره من آل محمد صلوات الله عليهم. ومعصيتهم من معصية الله ولم ينكر لهم فضلا عظم أو صغر واعملوا أن المنكرين هم المكذبون وأن المكذبين هم المنافقون وأن الله عزوجل قال للمنافقين وقوله الحق: * (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا) * ولا يعرفن أحد منكم ألزم الله قلبه طاعته وخشيته من أحد من الناس أخرجه الله من صفة الحق ولم يجعله من أهلها فان من لم يجعل الله من أهل صفة الحق فأولئك هم شياطين الانس والجن وإن لشياطين الانس حيلة ومكرا وخدائع ووسوسة وبعضهم إلى بعض يريدون إن استطاعوا أن يردوا أهل الحق عما أكرمهم الله به من النظر في دين الله الذي لم يجعل الله شياطين الأنس من أهله إرادة أن يستوي أعداء الله وأهل الحق في الشك والانكار والتكذيب فيكونون سواء كما وصف الله تعالى في كتابه من قوله: * (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواءا) *. ثم نهى الله أهل النصر بالحق أن يتخذوا من أعداء الله وليا ولا نصيرا فلا يهولكم ولا يردنكم عن النصر بالحق الذي خصكم الله به حيلة شياطين الانس ومكرهم من اموركم تدفعون أنتم السيئة بالتي هي أحسن فيما بينكم وبينهم، تلتمسون بذلك وجه ربكم بطاعته وهم لا خير عندهم لا يحل لكم أن تظهروهم على اصول دين الله فانهم إن سمعوا منكم فيه شيئا عادوكم عليه ورفعوه عليكم وجهدوا على هلاككم واستقبلوكم بما تكرهون ولم يكن لكم النصفة منهم في دول الفجار، فاعرفوا منزلتكم فيما بينكم وبين أهل الباطل فانه لا ينبغي لأهل الحق أن ينزلوا أنفسهم منزلة أهل الباطل لأن الله لم يجعل أهل الحق عنده بمنزلة أهل الباطل ألم يعرفوا وجه قول الله في كتابه إذ يقول: * (أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار) * أكرموا أنفسكم عن أهل الباطل ولا تجعلوا الله تبارك وتعالى - وله المثل الأعلى - وإمامكم ودينكم الذي تدينون به عرضة لأهل الباطل فتغضبوا الله عليكم فتهلكوا، فمهلا مهلا يا أهل الصلاح لا تتركوا أمر الله وأمر من أمركم بطاعته فيغير الله ما بكم من نعمة، أحبوا في الله من وصف صفتكم وابغضوا في الله من خالفكم وابذلوا مودتكم ونصيحتكم [ لمن وصف صفتكم ] ولا تبتذلوها لمن رغب عن صفتكم وعاداكم عليها وبغالكم الغوائل. هذا أدبنا أدب الله فخذوا به وتفهموه واعقلوه ولا تنبذوه وراء ظهوركم، ما وافق هداكم أخذتم به وما وافق هواكم طرحتموه ولم تأخذوا به، وإياكم والتجبر على الله واعلموا أن عبدا لم

[ 174 ]

يبتل بالتجبر على الله إلا تجبر على دين الله، فاستقيموا لله ولا ترتدوا على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين. أجارنا الله وإياكم من التجبر على الله ولا قوة لنا ولكم إلا بالله. وقال (عليه السلام): إن العبد إذا كان خلقه الله في الأصل - أصل الخلق - مؤمنا لم يمت حتى يكره الله إليه الشر ويباعده عنه ومن كره الله إليه الشر وباعده عنه عافاه الله من الكبر أن يدخله والجبرية فلانت عريكته وحسن خلقه وطلق وجهه وصار عليه وقار الاسلام وسكينته وتخشعه وورع عن محارم الله واجتنب مساخطه ورزقه الله مودة الناس ومجاملتهم وترك مقاطعة الناس والخصومات ولم يكن منها ولا من أهلها في شئ، وإن العبد إذا كان الله خلقه في الأصل - أصل الخلق - كافرا لم يمت حتى يحبب إليه الشر ويقر به منه فإذا حبب إليه الشر وقربه منه ابتلي بالكبر والجبرية فقسا قلبه وساء خلقه وغلظ وجهه وظهر فحشه وقل حياؤه وكشف الله ستره وركب المحارم فلم ينزع عنها وركب معاصي الله وأبغض طاعته وأهلها فبعد ما بين حال المؤمن وحال الكافر سلوا الله العافية واطلبوها إليه ولا حول ولا قوة إلا بالله، صبروا النفس على البلاء في الدنيا فان تتابع البلاء فيها والشدة في طاعة الله وولايته وولاية من أمر بولايته خير عاقبة عند الله في الآخرة من ملك الدنيا وإن طال تتابع نعيمها وزهرتها وغضارة عيشها في معصية الله وولاية من نهى الله عن ولايته وطاعته فان الله أمر بولاية الأئمة الذين سماهم الله في كتابه في قوله: * (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا) * وهم الذين أمر الله بولايتهم وطاعتهم والذين نهى الله عن ولايتهم وطاعتهم وهم أئمة الضلالة الذين قضى الله أن يكون لهم دول في الدنيا على أولياء الله الأئمة من آل محمد يعملون في دولتهم بمعصية الله ومعصية رسوله (صلى الله عليه وآله) ليحق عليهم كلمة العذاب وليتم أن تكونوا مع نبي الله (صلى الله عليه وآله) والرسل من قبله فتدبروا واما قص الله عليكم في كتابه مما ابتلى به أنبياءه وأتباعهم المؤمنين، ثم سلوا الله أن يعطيكم الصبر على البلاء في السراء والضراء والشدة والرخاء مثل الذي أعطاهم، وإياكم ومماظة أهل الباطل وعليكم بهدي الصالحين ووقارهم وسكينتهم وحلمهم وتخشعهم وورعهم عن محارم الله وصدقهم ووفائهم واجتهادهم لله في العمل بطاعته فانكم إن لم تفعلوا ذلك لم تنزلوا عند ربكم منزلة الصالحين قبلكم. واعلموا أن الله إذا أراد بعبد خيرا شرح صدره للإسلام، فإذا أعطاه ذلك نطق لسانه بالحق وعقد قلبه عليه فعمل به فإذا جمع الله له ذلك تم له إسلامه وكان عند الله إن مات على ذلك الحال من المسلمين حقا، وإذا لم يرد الله بعبد خيرا وكله إلى نفسه وكان صدره ضيقا حرجا، فإن جرى على لسانه حق لم يعقد قلبه عليه وإذا لم يعقد قلبه عليه لم يعطه الله العمل به فإذا اجتمع ذلك عليه حتى يموت وهو على تلك الحال كان عند الله من المنافقين وصار ما جرى على لسانه من

[ 175 ]

الحق الذي لم يعطه الله أن يعقد قلبه عليه ولم يعطه العمل به حجة عليه يوم القيامة، فاتقوا الله وسلوه أن يشرح صدوركم للاسلام وأن يجعل ألسنتكم تنطق بالحق حتى يتوفاكم وأنتم على ذلك وأن يجعل منقلبكم منقلب الصالحين قبلكم ولا قوة إلا بالله والحمد لله رب العالمين. ومن سره أن يعلم أن الله يحبه فليعمل بطاعة الله وليتبعنا، ألم يسمع قول الله عزوجل لنبيه (صلى الله عليه وآله): * (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم) * ؟ والله لا يطيع الله عبد أبدا إلا أدخل الله عليه في طاعته اتباعنا ولا والله لايتبعنا عبد أبدا إلا أحبه الله ولا والله لا يدع أحد اتباعنا أبدا إلا أبغضنا ولا والله لا يغضنا أحد أبدا إلا عصى الله ومن مات عاصيا لله أخزاه الله وأكبه على وجهه في النار والحمد لله رب العالمين. * الشرح: (محمد بن يعقوب الكليني) هذا كلام الرواة عنه أو كلامه بلسانهم أو أخبار عنه بطريق الغيبة " عن محمد بن إسماعيل " عطف على قوله " عن ابن فضال " لأن في مرتبته ولرواية إبراهيم بن هاشم عنه وعطفه على " علي " بعيد جدا كما لا يخفى (كتب بهذه الرسالة) هي بالفتح والكسر الكتاب والمكتوب الذي يرسل إلى الغير. (وأمرهم بمدارستها) أي بقراءتها وتعليمها وتعلمها (والنظر فيها) بالتفكر والتدبر أو بالبصر أو بهما (وتعاهدها) أي اتيانها مرة بعد أخرى وتجديد العهد بها (والعمل بها) فيما يتعلق بالعمل أو أريد به ما يشمل الإعتقاد بحقيتها أيضا. (قال: وحدثني الحسن بن محمد) الواو للعطف على " حدثني " وكانت في المنقول لا في كلام الناقل وإلا لدخلت على قال. واعلم أن الحديث وإن كان ضعيفا بأسانيده الثلاثة عند المتأخرين لكنه غير مضر لأن أثر الصحة في مضمونه لايح مع تأيده بالعقل والنقل. (بسم الله الرحمن الرحيم) دل على رجحان التسمية في صدر المكاتيب والرقاع تيمنا وتشرفا وتعظيما لمضمونها (أما بعد) التسمية الإستعانة بالله تعالى في جميع الأمور (فاسئلوا ربكم العافية) من الأسقام والبلايا أو من الذنوب أو من أذى الناس قال أمير المؤمنين (عليه السلام) " فنسأله المعافاة في الاديان كما نسأله المعافاة الأبدان ". (وعليكم بالدعة والوقار والسكينة) الدعة الراحة والرفاهية في العيش أمر بالتزامها لا بإعتبار أكثار المال بل لإصلاح الحال فإن من أصلح بينه وبين الخلق صديقا كان أو عدوا طاب عيشه وترفه حاله واستقر باله، والوقار بالفتح: رزانة النفس بالله وسكونها إليه وفراغها عن غيره قال الله تعالى:

[ 176 ]

* (ما لكم لا ترجون لله وقارا) * والسكينة سكون الجوارح وهي تابعة للوقار لأن من شغل قلبه بالله اشتغلت جوارحه بما طلب منها وفرغ عن كل ما يليق بها وهذا أحسن من القول بترادفها. (وعليكم بالحياء والتنزه عما تنزع عنه الصالحون قبلكم) الحياء: كيفية نفسانية مانعة من القبيح والتقصير في الحقوق خوفا من اللوم وقد يتخلق به من لم يجبل عليه وهو الحياء المكتسب وإطلاقه على ما هو مبدأ الإنفعال من الإتيان بالحقوق على سبيل المجاز كما ذكرناه في شرح أحاديث العقل، والمراد بالصالحين من الأنبياء والأوصياء أو الأعم منهم وبما تنزه المنهيات وترك المأمورات والأخلاق الردية والآداب الذميمة وإرتكاب أمور الدنيا التي لا حاجة إليها وبالجملة كل ما يصد عن السير إلى الله تعالى. (وعليكم بمجاملة أهل الباطل) المجاملة بالجيم: المعاملة بالجميل ولما كان هنا مظنة أن يقولوا: كيف نجاملهم ؟ أجاب على سبيل الإستيناف بقوله: (تحملوا الضيم) أي الظلم (منهم) ولا تقابلوهم بالإنتقام فإن الإنتقام منهم في دولتهم لقلة ناصركم يوجب زيادة الظلم عليكم، وقال الفاضل الأمين الاسترآبادي: الظاهر قراءتها بالحاء المهملة فإن الظاهر قوله: " تحملوا الضيم " بيان لها وكذا قوله فيما يأتي: " وتصبرون عليهم " بيان لقوله: " فتحاملونهم " ويمكن قراءتها بالجيم كما في بعض النسخ وعليه فقس. (وإياكم ومماظتهم) حذر عن منازعتهم ومناقشتهم في أمور الدين والدنيا لأنها تميت القلب وتثير العداوة واضطراب القلب بإستماع الشبهات وهي مذمومة مع أهل الحق فكيف مع أهل الباطل ولذلك قال سبحانه: * (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن) * إما نصحية من استعد منهم لقبولها فيكفيه أدنى الإشارة وأقل البيان ومن لم يستعد له لم ينفعه السيف والسنان كما ورد في بعض الروايات. (دينوا فيما بينكم وبينهم) في الأمور المختلفة لأنها محل التقية، والدين بالكسر العادة والعبادة والمواظبة أي عودوا أنفسكم بالتقية أو أعبدوا الله أو أطيعوه بها أو واظبوا عليها فقوله فيما بعد: (بالتقية) متعلق بدينوا ثم أشار إلى زمان الحاجة إليها بقوله: (إذا أنتم جالستموهم وخالطتموهم ونازعتموهم الكلام) أي خاصمتموهم في الكلام المتعلق بأصول الدين وفروعه أو الأعم منه ومن المحاورات وأصل المنازعة الجذب والقلع كان أحد المتخاصمين يجذب الآخر ويقلعه ثم أشار إلى جواز المجالسة وما بعدها بل على رجحانها بقوله (فإنه لابد لكم من مجالستهم ومخالطتهم ومنازعتهم) لأجل التقية أو لأن الإنسان مدني بالطبع يحتاج في تحصيل مطالبته وتكميل مآربه إلى بني نوعه ولا يتم ذلك إلا بالمجالسة وإذا

[ 177 ]

تحققت تحققت المنازعة والمخاصمة في (الكلام بالتقية التي أمركم الله أن تأخذوا بها) في قوله عز وجل: * (أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا) * قال الصادق (عليه السلام) " بما صبروا على التقية ". وفي قوله: * (يدرؤن بالحسنة السيئة) *. وفي قوله: * (لا تستوي الحسنة ولا السيئة) * قال (عليه السلام): " الحسنة التقية والسيئة الاذاعة " وفي قوله: * (ادفع بالتي هي أحسن السيئة فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) * قال (عليه السلام): " التي هي أحسن التقية " وفي قوله: * (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) * والظاهر أنه لا خلاف في وجوب التقية عند الحاجة إليها وأن تاركها آثم ولكن أثمه لا يوجب دخول النار لما روي عن أبي جعفر (عليه السلام): " في رجلين من أهل الكوفة أخذا فقيل لهما: ابرئا من أمير المؤمنين (عليه السلام) فبرئ واحد منهما وأبى الآخر فخلى سبيل الذي برئ وقتل الآخر فقال (عليه السلام): أما الذي برئ فرجل فقيه في دينه وأما الذي لم يبرأ فرجل تعجل إلى الجنة " وقد أوضحنا ذلك في محله. (فإذا ابتليتم بذلك منهم) الظاهر أن جزاء الشرط محذوف أي فاعملوا بالتقية ولا تتركوها بدليل ما قبله وما بعده وأن قوله: (فإنم سيؤذونكم وتعرفون في وجوههم المنكر) من القول والشتم والغلظة ونحوها دليل على الجزاء المذكور وقائم مقامه وأمثال ذلك كثيرة في كلام الفصحاء والبلغاء، ويحتمل أيضا أن يكون جزاء الشرط (ولولا أن الله تعالى يدفعهم عنكم) بتقرير التقية أو يصرف قلوبهم (لسطوا بكم) السطو: القهر والبطش. يقال: سطا عليه وبه وفي كنز اللغة " السطو بعنف گرفتن وشكستن " (وما في صدورهم من العداوة والبغضاء أكثر مما يبدون لكم) لأن ما يبدون من بحر عداوتهم يلقيه بالتموج وبعبارة أظهر قصدهم إيصال كل فرد من أفراد الإيذاء وافراد الايذاء غير محصورة قطعا وما يبدونه قليل، والبغض ضد الحب كالعداوة والبغضة والبغضاء شدته ثم استأنف كلاما من باب التأكيد مشتملا على سبب المفارقة الروحانية والمصابرة على فعالهم فقال: (مجالسكم ومجالسهم واحدة) لتحقق الدواعي وهي جلب النفع ودفع الضرر والتشارك في الجسمية والإحتياج في الوجود والبقاء إلى التعاون في أمور الدنيا فلذلك كانت مجالستهم مطلوبة بشروطها وهي الملاينة والمداراة والتقية لئلا يقع ضد ما هو المطلوب منها. (وأرواحكم وأرواحهم مختلفة لا تأتلف) لأن ذوات أرواحكم وصفاتها نورانية ومن عليين وذوات أرواحهم وصفاتها ظلمانية ومن سجين ولا يقع الايتلاف بين النور والظلمة ولذلك قال خليل الرحمن: * (وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة) * ويحتمل أن يراد بالإختلاف الإختلاف الواقع في عالم الأرواح لأن أرواح المؤمنين كانت مايلة إلى الحق والطاعة وأرواح الكفار

[ 178 ]

كانت مايلة إلى الباطل والمعصية فمن ثم وقع الإختلاف والتعارف بينهما ولا يقع الايتلاف أبدا كما روي: " الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف " وفيه تنبيه على أن اتحاد المنازل في العالم الجسماني لا يستلزم اتحادها في العالم الروحاني ولا بالعكس (لا تحبونهم أبدا ولا يحبونكم) لأن الشئ لا يحب ضده ولا يميل إليه ولذلك ترى كلا من صاحب الخير والشر يميل إلى الجنة مثله ويحبه. (غير أن الله تعالى أكرمكم بالحق وبصركموه ولم يجعلهم من أهله) المراد بالحق جميع ما أنزل الله تعالى على رسوله وأمره بتبليغه وأعظمه الولاية وقد أكرمكم بجميع ذلك جعلكم على بصيرة منه ولم يجعلهم من أهله لسلب التوفيق عنهم لإبطالهم الفطرة الأصلية الداعية إلى الخير (فتجاملونهم وتصبرون عليهم) لأنكم على خصال شريفة منها المجاملة والمصابرة (وهم لا مجاملة لهم ولا صبر لهم على شئ) لفقدهم جل الفضائل بل كلها إلا ما شذ ومن المعلوم أن بقاء المخالطة متوقف على الصبر والمجاملة بين الطرفين أو بتحققهما من أحدهما ولا يتصوران فيهم لما ذكر فوجبا عليكم لأنهما مطلوبان منكم ولعلمكم بأن فيهما فوائد كثيرة كنجدة النفس وإبقاء النظام وحوالة الأنتقام إلى الله وترقب أجر الصابرين وتوقع الأمن من القتل والأسر والبهت سيما إذا كان الظالم قويا وتوقع صداقته وترحمه بمشاهدة العجز والإنكسار وفي ضدهما مفاسد كثيرة ولذلك صبر جميع الأنبياء والأوصياء على ما وصل إليهم من جهلاء الأمة ثم أشار إلى أن كل واحد منهم لا يكتفي بما عنده من قصد الإيذاء والصد عن الحق بل هم يتعاونون فيه لشدة الإهتمام به بقوله: (وحيلهم وسواس بعضهم إلى بعض) الحيلة المكر والروية في الأمور والتصرف فيها للتوصل بها إلى المقصود والوسواس بمعنى الوسوسة كالزلزال بمعنى الزلزلة، والوسوسة الصوت الخفي يقال وسوس الرجل بلفظ ما سمى فاعله إذا تكلم بكلام خفي يكدره وهو فعل لازم ورجل موسوس بالكسر ولا يقال بالفتح ولكن وسوس له أو إليه أي يلقى إليه الوسوسة ثم علل ذلك بقوله: (فإن أعداء الله إن استطاعوا صدوكم عن الحق) إذ اهتمامهم بالصد المتوقف على الإستطاعة يقتضي الإجتهاد في تحصيلها من كل وجه ومن التعاون ثم أشار إلى أن تلك الحيل لا تنفعهم ولا تضركم بقوله (يعصمكم الله من ذلك) لأنه إما خير أو دعاء وعلى التقديرين لا يضر كيدهم مع عصمة الله تعالى (فاتقوا الله) لأنها حرز من المكاره الدنيوية ومن يتق الله يجعل له مخرجا وطريقا إلى المثوبات الأخروية إن الله يحب المتقين. (وكفوا ألسنتكم إلا من خير) وهو ما ينفع في الآخرة وفي الدنيا أيضا بشرط أن لا بكون مخالفا

[ 179 ]

للعقل والنقل وبه يخرج غير النافع ان كان مباحا. (وإياكم أن تذلقوا ألسنتكم) أي تحدوها يقال: ذلق السكين بالذال المعجمة كنصر وفرح وذلقه واذلقه) إذا حده. (بقول الزور والبهتان والإثم والعدوان) المراد بالزور الكذب والباطل والتهمة وتدخل شهادة الزور قال الله تعالى: * (والذين لا يشهدون الزور) * والبهتان والبهت الكذب في حق أحد والإفتراء عليه وكل ما قلت مما لم يكن فيه فهو من قول الزور والكذب المطلق والإثم أريد به القول المقتضي له كالغيبة والأقوال الفاحشة ونقلها ونقل الأقوال الكاذبة والعدوان الظلم ولعل المراد به الأمر بالظلم كالقتل والضرب والحبس ونحوها، وبالجملة حذر عن مقابح اللسان وأصولها الأربعة المذكورة وكل ما سواها مندرح تحت واحد منها ثم علل التحذير المذكور وحفظ اللسان بذكر مفاسده ومنافعه بقوله: (فإنكم إن كففتم ألسنتكم عما يكرهه الله مما نهاكم عنه) تنزيها وتحريما كان خيرا لكم عند ربكم في الدنيا والآخرة والتفضيل بإعتبار فرض الخير وتقديره في المفضل عليه وذلك شايع والمراد به أصل الفعل. (من أن تذلقوا ألسنتكم فإن ذلق اللسان) أي حديد اللسان أو حدته والأخير أنسب بالأخبار المذكورة (فيما يكره الله) وهو اللغو من الكلام ومنه إكثار المباح (وفيما ينهى عنه) وهو المحرم منه كالشتم والقذف ونحوهما (مرداة للعبد عند الله) بالكسر أو الفتح اسم آلة أو مكان من ردى كرضي إذا هلك وأصله مردية كمفعلة قلبت الياء الفاء. (ومقت من الله) مقته تعالى للعبد عبارة عن سلب الإحسان والإفضال والتوفيق إلى الخيرات ووكوله على نفسه المشتاقة إلى الطغيان والعصيان وترك القربات حتى تؤديه إلى الجهالة والبطالة والخسارة والعقوبات. (وصم وعمي وبكم) الصم بالفتح والصم محركة إنسداد الأذن وثقل السمع، والعمى ذهاب البصر كله، والبكم محركة الخرس أو مع عي وبله، أو أن يولد لا ينطق وإنما حملناها على المصدر دون الجمع كما في الآتي ليصح حملها على اسم إن ولا يصح في الجمع إلا بتكلف بعيد وحمل هذه الأخبار على اسم إن من باب حمل المسبب على السبب للمبالغة (يورثه الله إياه يوم القيامة) الضمير الأول راجع إلى ذلق اللسان والثاني إلى كل واحد من الأمور الثلاثة وإنما سماها ميراثا لأنها ثمرة ذلاقة لسانه تصل إليه بعد فنائها (فتصيروا) بهذه الخصال المذمومة (كما قال الله: * (صم بكم عمي فهم لا يرجعون) *) الصم جمع الأصم والبكم جمع الأبكم، والعمى جمع الأعمى والمراد بهم

[ 180 ]

في الدنيا من لا يسمع نداء الحق فكأنه لا سمع ولا يتكلم به فكأنه لا نطق له ولا يبصر طريقه فكأنه لا بصر له وفي الآخرة من لا يسمع نداء الرحمة ولا يقدر على التكلم بالمعذرة ولا يبصر وجه الجنة فلذلك قال: (يعني لا ينطقون) في الآخرة بالمعذرة لانتفائها فلذلك قال: * (ولا يؤذن لهم فيعتذرون) * لاستحالة أن يكون لهم معذرة لا يؤذن لهم التكلم بها وقال بعض المفسرين: معناه لا يرجعون من الضلالة إلى الهدى وتفسيره (عليه السلام) أحسن منه بدليل ما بعده، وإنما خص التفريع بالبكم لأنه يعلم منه حال جاريه بالمقايسة أو أريد بهما الحقيقة (وإياكم وما نهيكم عنه أن تركبوه) أي تقترفوه من ركبت الذنب اقترفته أو تتبعوه من ركبت الأثر تبعته أو تعلوه من ركبت الفرس علوته وقد شبه المنهي عنه بالمركوب في أنه يصل صاحبه إلى مقام البعد من الحق كما يشبه الطاعة به في الإيصال إلى مقام القرب ولما كانت عرصة اللسان وسبعة وهو يحكي عن أحوال المبدء والمعاد والشرايع والأشياء الموجودة والموهومة وعقائد القلوب وأفعال الجوارح كانت خطيئاته غير محصورة وزلاته غير معدودة فلذلك بالغ حفظه مكررا وقال: (وعليكم بالصمت في كل شئ إلا فيما ينفعكم الله به في أمر آخرتكم) وفي بعض النسخ " من " بدل " في " (ويأجركم عليه) مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والوعظ والنصيحة وإرشاد الخلق وغير ذلك فإنه راجح بل قد يكون واجبا، ولما أمر بالتكلم بالنافع إجمالا أشار إلى بعضه تفصيلا بقوله: (وأكثروا من التهليل) وهو قول: لا إله إلا الله (والتقديس والتسبيح) وهما التطهير والتنزيه عن العيوب والنقائص والثاني تأكيد ويمكن أن يراد بأحدهما إذ إجتمعا تنزيه الصفات وبالاخر تنزيه الذات عن الشريك والتركيب. (والثناء على الله) قيل: المفهوم من الصحاح والكشاف وغيرهما من الكتب أن الثناء هو الإتيان بما يدل على التعظيم والتمجيد كلاما كان أو غيره إلا أن في المجمل خصه بالكلام الجميل وهو أنسب بهذا المقام. (والتضرع إليه) في طلب الحاجات والتوفيق للطاعات والقبول لها وحفظ النفس عن المنهيات وعدم الركون إليها وطلب العافية وخير الخاتمة. (والرغبة فيما عنده) مع الإتيان بما يوجب الوصول إليه لأن الرغبة في الشئ من غير تمسك بأسبابه حماقة كما دل عليه بعض الأخبار. (من الخير الذي لا يقدر قدره ولا يبلغ كنهه أحد) أحد فاعل الفعلين على سبيل التنازع والقدر والتقدير ببان قدر الشئ وكميته وكيفيته، يقال: قدرت الشئ قدرا من باب ضرب وقتل وقدرته

[ 181 ]

تقديرا بمعنى والإسم القدر بفتحتين والمراد بالخير نعيم الجنان وما فوقها وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وإذا كان كذلك فكيف يقدر أحد يقدر قدره ويبين مقداره ويبلغ كنهه ؟ ! (فاشغلوا ألسنتكم بذلك.. إلى آخره) الشغل بالضم وضمتين ضد الفراغ. شغله كمنعه وأشغله لغة، و " ذلك " إشارة إلى ما ذكر من الكلام النافع وإكثار التهليل وما بعده، وفيه إشارة إلى وجه الفرار من الكلام الباطل بجعل اللسان مشغولا بما ذكر دائما أو في أكثر الأوقات فإن شغله بذلك مانع من صدور ضده ضرورة لأن ما ذكر حينئذ يصير عادة وهي أيضا مانعة منه، ثم أن أريد بأقاويل الباطل ما يوجب الخروج من الإيمان فالخلود ظاهر، وإن أريد بها ما لا يوجبه فالمراد بالخلود طول الزمان واستعماله فيه شايع. (من مات عليها ولم يتب إلى الله) توبة خالصة يوجب الخروج تبعتها وعدم الرجوع إليها كما أشار إليه بقوله: (ولم ينزع عنها) فإن التوبة بدون ذلك غير نافعة بل هي استهزاء، وينبغي لمن ابتلي بالمعصية أن يذكر الله تعالى ويتداركها بالتوبة ولا يؤخرها فإن تأخيرها معصية أخرى وأحسن التوبة توبة الشبان وهي تورث محبة الله تعالى وأما توبة الشيوخ وهي وإن كانت مقبولة أيضا لكنه بعد في مقام التقصير، وقد قيل: إن الشيخ الهرم إذا تاب قالت له الملائكة الآن وقد خمدت حواسك وبردت أنفاسك. (وعليكم بالدعاء) لأنفسكم ولأخوانكم بظهر الغيب فإن الدعاء لهم في نجاح حوائجهم كما دلت عليه الروايات ففي بعضها " لكم مثلا ما دعوتم لهم " وفي بعضها " مائة ألف ضعف ". (فإن المسلمين لم يدركوا نجاح الحوائج) الدنيوية والاخروية، النجاح بالفتح الظفر بالمطلوب واصابته والحوايج جمع الحاجة على غير قياس أو مولدة. (عند ربهم بأفضل من الدعاء) المقصود أن الدعاء أفضل من غيره في إصابة الحوايج وذلك ظاهر لأنه من عرف أنه تعالى كريم رحيم قادر بمصالح العباد وغيرها وأنه لا ينفعه المنع ولا يضره الإعطاء ورجع إلى العقل والنقل والتجربة والوعد علم أنه إذا رفع حاجته المشروعة إليه تعالى بقلب تقي نقي ونية خالصة كانت مقرونة بالإجابة وأما غيره من الوسائل مثل الإعتماد بالكسب والرجوع إلى الخلق فلا علم له بترتب الحاجة عليه وعلى تقدير ترتبها فهو وسيلة أيضا بأذن الله تعالى فالدعاء أفضل منه وأصل لجميع الحاجات. (والرغبة إليه) في الخيرات كلها (والتضرع) إليه في تحصيلها (والمسألة له) هي والسؤال

[ 182 ]

واحد (فارغبوا فيما رغبكم الله فيه) من الأمور النافعة لكم. (وأجيبوا الله إلى ما دعاكم إليه) من الدعاء بقوله * (ادعوني استجب لكم) * وغيره، أو الأعم منه ومن غيره والأول أنسب بالمقام والثاني أنسب بقوله: (لتفلحوا وتنجوا من عذاب الله) فإن الفلاح والنجاة منه متوقف على إجابته في جميع ما دعاه إليه ولما نهى عن مناهي اللسان نهى عن المناهي مطلقا واكثارها بقوله: (وإياكم وإن تشره أنفسكم إلى شئ مما حرم الله عليكم) صغيرا كان أو كبيرا ظاهرا كان أو باطنا. والشره غلبة الحرص وفعله من باب فرح. (فإنه من انتهك.. اه) الإنتهاك التناول على وجه المبالغة من النهك وهو مبالغة في كل شئ (وهاهنا) ظرف للإنتهاك وفيها [ في الدنيا ] بدل منه وكرامتها كزيارة الملائكة والفيوضات الإلهية كما قال * (ولدينا مزيد) * أو الأعم مما ذكر. (القائمة الدائمة لأهل الجنة) لعل المراد بقيامها ثباتها وعدم زوالها وبدوامها استمرارها بلا تخلل انقطاع أو العطف للتفسير. (أبد الآبدين) كأرضين والجمع بإعتبار القطاعات ولو كانت موهومة والأبد الزمان الذي لا نهاية له والإضافة للمبالغة وفي دوامها. (واعلموا أنه بئس الخطر لمن خاطر الله بترك طاعة الله وركوب معصيته) الخطر الحظ والنصيب وما يتراهن عليه المتراهنان والمخاطرة المراهنة، ولعل المراد أن من خاطر الله واستبق إلى الخطر الذي أخرجته النفس الأمارة وهو ترك الطاعة وفعل المعصية وانتهى إليه ولا محالة كان معه علمه تعالى حتى انطبق على المعلوم فهو ذو حظ قبيح في الدنيا والآخرة وأما من خاطره واستبق إلى ما جعله تعالى خطرا للعباد وهو فعل الطاعة وترك المعصية وانطبق علمه تعالى بذلك على المعلوم فهو ذو حظ جميل وثواب جزيل ومن الطاعة والمعصية بل أصلهما الإقرار بولاية علي (عليه السلام) وإنكارها ويحتمل أن يراد بالمخاطرة لازمها وهو المبارزة. وأما حملها على المخاطرة من الخطور والمذاكرة أي من ذكر الله تعالى وذكره سبحانه بهذه الخصلة الذميمة فهو بعيد (فاختار أن ينتهك محارم الله في لذات دنيا منقطعة زايلة عن أهلها على خلود نعيم في الجنة ولذاتها وكرامة أهلها) " في " متعلق بينتهك أو بالمحارم و " منقطعة " صفة للدنيا ولذاتها. " على " متعلق باختار أي اختار هذا الرجل لفقد بصيرته وغلبة شهوته وتوهمه أن الحاضر الفاني خير من الغائب الباقي أن يتناول ما حرمه الله تعالى لذات الدنيا المنقطعة الزايلة بزوال الدنيا أو بالموت أو قبله في حال الحياة أيضا ويؤثره على نعيم الجنة وما يوجب الوصول

[ 183 ]

إليها مع أن تلك اللذات وإن كانت حلالا ينبغي تركها فكيف إذا كانت حراما لبقاء خسارتها بعد زوالها كما أشار إليه بقوله: (ويل لأولئك) الويل حلول الشر والفضيحة وكلمة العذاب أو واد في جهنم أو بئر فيها أو باب لها، ولاحظ في الموصول الأفراد سابقا والجمع هنا نظرا إلى اللفظ والمعنى. (ما أخيب حظهم) الخيبة الحرمان و " ما " للتعجب أي أي شئ عظيم قبيح لا يدرك حقيقة قبحه عقول العقلاء يجعل حظهم خائبا من الوصل إليهم أن أريد به الحظ المقدر لهم في الجنة بشرط الطاعة أو من رحمة الله أن أريد به الحظ الواصل إليهم بالمعصية ويستلزم ذلك خيبتهم منها أيضا وقس عليه قوله: (أخسر كرتهم) أي رجوعهم إلى الله تعالى فإن خسران الكرة مستلزم لخسرانهم أيضا وإسناد الخيبة إلى الحظ والخسران إلى الكرة اسناد مجازي. (وأسوء حالهم عند ربهم يوم القيامة) حين شاهدوا ما أعد لهم من العقوبة والخذلان ورأوا ما وصل إلى الصالحين من الكرامة والإحسان. استجيروا الله أن يخزيكم في مثالهم أبدا) أي اطلبوا من الله أن يجيركم ويعيذكم من أن يخزيكم في صفاتهم مثل ترك الولاية ورفض الهداة والعقايد الداثرة والأعمال الخاسرة والظاهر أن يخزيكم من الخزي، يجزيكم من الجزاء تصحيف. (وأن يبتليكم بما ابتلاهم به) من الميل إلى الباطل وحب أهله والفرار من الحق وبغض أهله فأبطلوا بذلك فطرتهم الاصلية وقوتهم الفطرية واستحقوا الخذلان وسلب التوفيق وهو معنى البتلاء فيهم وفيه تنبيه على أنه ينبغي لطالب الحق أن لا يثق بنفسه ولا بعمله لأن النفس أمارة بالسوء والعمل لا يخلو من التقصير فيه بل يرجع إلى ربه ويلوذ به ويطلب منه أن يجيره من صفة أهل الباطل باللطف والتوفيق والامداد وصرف همته عنها. (ولا قوة لنا ولكم إلا به) أي لا قوة لنا على طاعة الله والفرار من معصيته والنجاة من صفة أعدائه وما ابتلاهم به إلا بمعونته وتوفيقه وهذه أعظم كلمة يقولها العبد لإظهار الفقر إليه وطلب المعونة منه على ما يحاول من الأمور وهو حقيقة العبودية. ثم أشار إلى أنه وإن انتفى عنكم إبتلاء الفاسقين لكن ثبت فيكم إبتلاء الصالحين والفرق بينهما ظاهر لأن الأول يوجب زيادة الكفر والخذلان والثاني يوجب كمال القرب والإيمان فقال (فاتقوا الله) من العقوبة والمخالفة بالصبر على الطاعة والبلية الواردة عليكم لرفع درجتكم واعلاء منزلتكم (أيتها العصابة الناجية) من العقوبة الأبدية بولاية علي أمير المؤمنين وأولاده الطاهرين (عليهم السلام)، والعصب محركة خيار القوم وقوم الرجل الذي يتعصبون له والعصابة بالكسر ما بين العشرة إلى

[ 184 ]

الأربعين وإنما سماهم بها لشرافتهم وتعصبهم في الدين مع قلتهم (إن أتم الله لكم ما أعطاكم به) من الإيمان به وبرسوله وبأئمة الهدى (فإنه لا يتم الأمر) أي أمر الدين والثبات عليه والثواب والجزاء الأوفى: (حتى يدخل عليكم مثل الذي دخل على الصالحين قبلكم) من الإبتلاء والإمتحان والشدايد كما قال عز وجل * (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا أن نصر الله قريب) * (حتى تبتلوا في أنفسكم وأموالكم) بالمصائب والمحن والنوائب والفتن والأمراض والأسقام والبلايا والآلام والجهاد مع الكفار وتلف الأموال والنقص والنهب والغصب وأداء الحقوق الواجبة والمندوبة والإنفاق في وجوه البر كما قال عز شأنه: * (ولنبلونكم بشئ من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين) *. (وحتى تسمعوا من أعداء الله أذى كثيرا) أي كلاما كثيرا يؤذيكم بالسب والشتم واللعن والقذف والتحريش والغيبة والبهتان ونحوها. (فتصبروا) على ذلك كما صبر الصالحون قبلكم (وتعركوا بجنوبكم) أي تحملوا الأذى منهم بجنوبكم كما يحمل البعير حمله يقال هو يعرك الاذى بجنبه أي يتحمله وفيه اشارة الى قوله تعالى: (لنبلونكم في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور). (وحتى يستذلوكم) بكل وجه يمكن أو المراد يروكم أذلاء يقال استذله أي رآه ذليلا (ويبغضوكم) البغض ضد الحب وأشد العداوة وفعله من باب كرم ونصر وفرح. (وحتى يحملوا عليكم الضيم) من كل جهة توجبه (فتحملوا منهم) من التحمل بحذف احدى التائين يقال حملة الأمر تحميلا فتحمله تحملا. (تلتمسون بذلك وجه الله والدار الآخرة) الجملة في محصل النصب على الحال من فاعل تحملوه والإلتماس الطلب وذلك إشارة إلى الصبر على ما ذكر وتحمل الضيم والوجه الذات والجانب والثواب، والدار الآخرة الجنة ومنازلها الرفيعة التي أعدت للصابرين. (وحتى تكظموا الغيظ في الأذى في الله) أي في سبيل الله، وكظم الغيظ تجرعه وإحتمال سببه والصبر عليه وحبس النفس فيه مهما أمكن ولفظ " في " الثاني متعلق بالأذى و " في " الأول متعلق بتكظموا أو بالغيظ وهي للظرفية مجازا أو بمعنى الباء في الأخير. (تجترمونه إليكم) حال من فاعل تكظموا والإجترام بالجيم الكسب وفي القاموس اجترم

[ 185 ]

لأهله كسب وإلى بمعنى اللام أو بمعناها مع تضمين معنى الضيم ونحوه والضمير راجع إلى الكظم وفيه تنبيه على أنه من جملة الأعمال الصالحة وقيل الإجترام وفي الجنايه القاموس: اجترم عليهم وإليهم جريمة جنى جناية مصداق وذلك كله في كتاب الله أشار بذلك إلى ما دخل على الصالحين من الإبتلاء والإفتتان والأذى والإستدلال وتكذيب الحق مع صبرهم وكظم غيظهم. (فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل) المقصود منه هو الترغيب في الصبر الكامل باعتبار أنه من خصايل أولي العزم دون إلحاق الناقص بالكامل (ولا تستعجل لهم) بالإنتقام منهم والدعاء عليهم والإعراض عنهم. (وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا) الجزاء محذوف وما بعد الفاء قائم مقامه ودال عليه وفيه تسكين لقلبه المقدس على أذى قومه وإن كان ساكنا كما يفعل ذلك المحب بحبيبه (فقد كذب نبي الله) فعليكم الأسوة به. (فإن سركم أمر الله فيهم الذي خلقهم له في الأصل أصل الخلق من الكفر الذي سبق في علم الله أن يخلقهم له في الأصل) الأمر واحد الأمور وهو الفعل والموصول صفة له (الخلق) أما بمعنى الإيجاد والتقدير واللام في له للعاقبة كما قيل في قوله (عليه السلام) " لدوا للموت وابنوا للخراب " أو للغاية المجازية وإلا فالغاية الحقيقية هي العبادة كما قال عز وجل: * (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) * والمراد بأصل الخلق الوجود الظلي وهو عالم الأرواح أو الأعم منه والوجود العيني " من الكفر " بيان للموصول وهو شامل لكفر الجحود والمخالفة وتكذيب أهل الحق وإيذائهم ومعاداتهم وبغضهم وجميع قبايحهم المذكورة وغيرها وفي قوله: " الذي سبق في علم الله " إيماء إلى أن علمه تعالى بصدور الكفر منهم اختيارا سبب لخلقهم له لوجوب المطابقة بين العلم والمعلوم. (ومن الذين سماهم الله في كتابه) في قوله تعالى: * (وجعلنا منهم أئمة يدعون إلى النار) * الظاهر أنه عطف على فيهم وفي لفظة من إشعار بأن أمر الله نشأ من سوء أعمالهم وقبح أفعالهم ولعل المراد بذلك الأمر شدة العقوبة أو سوء الخاتمة أو ختم القلوب أو جعلهم أئمة ضلال بإعتبار حبهم للرئاسة وصرف همتهم وتحصيلها وتخليته تعالى بينه وبين ما أرادوا وعدم جبرهم على تركها فكأنه جعلهم أئمة، والفرق بين المعطوف عليه والمعطوف أن الأول أعم من الثاني لصدقه على التابع والمتبوع بخلاف الثاني فإنه صادق على المتبوع فقط (فتدبروا هذا واعقلوه ولا تجهلوه) جزاء لقوله: " فإن سركم أمر الله " والضمائر للأمر وقد عرفت شموله لجميع صفاتهم القبيحة، ودبر كل شئ عقبه يقال تدبر الأمر تدبر أو دبره تدبيرا إذا نظر في عاقبته ورأى فيها ما لم يره في صدره وإنما أمر بتدبر وعقله أي إدراكه ونهى عن الجهل به إبتداء ونسيانه بعد معرفته مبالغة في الإحاطة

[ 186 ]

به والعلم بحقيقته وغايته كما هي، ووجه السرور بما ذكر أنهم أعداء ونكال العدو وخذلانه موجب للسرور، ووجه ترتب الجزاء عليه أن السرور بنكال العدو يقتضي التدبر في سببه ليمكن التخلص منه والفرار عنه، ثم علل الأمر بالتدبر فيه وفي غيره مما يجب العلم به بذكر ما يتعلق على ضده من المفاسد فقال: (فإنه من يجهل هذا وأشباهه) فيه وفي غيره مما يجب العلم به بذكر ما يتعلق على ضده من المفاسد فقال (فإنه من يجهل هذا وأشباهه) في وجوب معرفته كما دل عليه قوله: (مما افترض الله عليه في كتابه مما أمر به ونهى عنه ترك دين الله وركب معاصيه) لأن جاهل هذا كثيرا ما يدخل فيه ويترك دين الله وجاهل أشباهه يترك الأمتثال بالأوامر والنواهي فاستوجب سخط الله (وأكبه الله على وجهه في النار) استيجاب الأول أبدى دون الثاني وفي الإكباب مبالغة في التعذيب والإذلال، يقال: كبه وأكبه إذا ألقاه على وجهه فأكب هو فكب متعد وأكب متعد ولازم على خلاف المعهود، وفيه تنبيه على أنه ينبغي لأهل الحق أن يعلموا ما يخرجهم عن دينه وما يكمل به دينهم. (إن الله أتم لكم ما أتاكم من الخير) هو دين الإسلام وإتمامه وإكماله بولاية علي (عليه السلام) وهو إشارة إلى قوله تعالى: * (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) * يعني بولاية علي (عليه السلام) أو هو ذكر كل ما يحتاج إليه العباد فيه وهذا تمهيد لما يجئ من أنه لا يجوز فيه القول بالهوى والرأي والقياس بل يجب الرجوع إلى العالم (عليه السلام) (واعملوا أنه ليس من علم الله ولا من أمره أن يأخذ أحد من خلق الله في دينه بهوى ولا رأي ولا مقائيس) أي ليس الأخذ بما ذكر من علم الله المنزل إلى رسوله (صلى الله عليه وآله) أو ليس من علمه بأنه حق في دينه ومما أمر به أحدا. وإذا كان كذلك فهو باطل اخترعه أهله لزعمه أن دين الله ناقص لم ينزل فيه جميع ما يحتاج إليه الامة وفوض تكميلة إليهم ولئلا ينسب الجهل إليه بالسكوت عما لا يعلم ثم اشار الى أن جميع ما يحتاجون إليه قد أنزله الله تعالى في القرآن بقوله: (قد أنزل الله القرآن وجعل فيه تبيان كل شئ) حال عن الله أو استيناف لبيان أنهم لا يحتاجون إلى الأخذ بما ذكر لأن القرآن تبيان كل شئ يحتاجون إليه أولا، ثم العلم كله وإن كان في القرآن لكن لا يعلمه كل أحد بالتجربة والإتفاق بل إنما يعلمه جماعة مخصوصون كما أشار إليه بقوله: (وجعل للقرآن ولعلم القرآن أهلا) يعلمه ويدفع من لفظه ومعناه تحريف المبطلين مع إحتمال أن يكون العطف للتفسير. ثم أشار إلى أنه لا يجوز لأهل علم القرآن الأخذ بما ذكر فقال (لا يسع أهل علم القرآن الذين آتاهم الله علمه كله) كما آتاه رسول الله (صلى الله عليه وآله) (أن يأخذوا فيه بهوى ولا رأي ولا مقائيس) فإذا لم يجز ذلك لهم مع كمال نفوسهم وقوة عقولهم وشمول علمهم الأحكام وعللها

[ 187 ]

كيف يجوز ذلك لغيرهم، ثم أشار بعد التصريح بعدم جواز أخذهم بما ذكر إلى عدم احتياجهم إلى الأخذ به أيضا بقوله: (أغناهم الله تعالى عن ذلك بما آتاهم الله من علمه) دل على أن هذا العلم موهبي والضمير للقرآن أو لله تعالى. (وخصهم به ووضعه عندهم) فلا يشاركهم غيرهم وهم يحفظونه ولا ينسونه أبدا (كرامة من الله أكرمهم بها) مفعول له لآتاهم أو ما عطف عليه والإستيناف محتمل. (وهم أهل الذكر) الذكر القرآن أو محمد (صلى الله عليه وآله) (الذين أمر الله هذه الأمة بسؤالهم) في قوله: * (فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) ثم رغب في الرجوع إليهم بقوله: (وهم الذين من سألهم، وقد سبق في علم الله أن يصدقهم ويتبع أثرهم، أرشدوه) إلى مسؤله، الواو للحال دون الإعتراض لأن هذه الجملة لها محل من الإعراب (وأعطوه من علم القرآن) لا من الهوى والرأي والقياس. (ما يهتدي به إلى الله باذنه) أي بتوفيقه أو بعلمه أنه يقبل الهداية وفيه حينئذ كما في الجملة الحالية إشارة إلى أن إرشادهم للسائل واهتدائه لا يكونان إلا مقرونا بعلمه تعالى في الأزل بتصديقه واستعداده بقبول الهداية، ثم أشار بقوله: (وإلى جميع سبل الحق) إلى أنهم كما يرشدون السائل إلى ما سأله كذلك يرشدونه إلى جميع سبل الحق لأنهم أدلاء يدلون العباد إذا وجدوهم مصدقين لهم إلى طرق الخيرات كلها مع السؤال وبدونه ولما ذكر الراغبين فيهم والمصدقين لهم في علم الله تعالى وأنهم لا يأخذون بالهوى والرأي والقياس كما لا يأخذ بها أئمتهم أشار إلى الراغبين عنهم والمكذبين لهم في علمه تعالى والأخذين بما ذكر مثل أئمتهم بقوله: (وهم الذين لا يرغب عنهم ولا عن مسئلتهم وعن علمهم الذين أكرمهم الله به وجعله عندهم إلا من سبق عليه في علم الله الشقاء في أصل الخلق تحت الأظلة) هي عالم الأرواح الصرفة أو عالم الذر وهو عالم المثال وإطلاق الظل على الروح والمثال مجاز تشبيها لهما بالظل في عدم الكثافة وتقريبا لهما إلى الفهم. (فأولئك الذين يرغبون عن سؤال أهل الذكر) بعد الوجود في الأعيان (وأولئك الذين يأخذون بأهوائهم وآرائهم ومقائيسهم) لما ذكرناه سابقا، ويفهم منه أن المصدق بأئمة الحق في الأعيان هو المصدق لهم في علم الله وتحت الأظلة، والمكذب لهم فيها هو المكذب لهم هناك ويدل عليه أيضا صريح كثير من الروايات ثم ذكر للأخذ بها غايتين أشار إلى أوليهما وهي توجب

[ 188 ]

الغلط في الأصول بقوله (حتى دخلهم الشيطان) دخولا تاما يقتضي كفرهم (لأنهم جعلوا أهل الإيمان) المذكورين (في علم القرآن) والظرف متعلق بأهل الإيمان بإعتبار أنه عبارة عن المؤمنين (عند الله كافرين وجعلوا أهل الضلالة في علم القرآن عند الله مؤمنين) والظرف يحتمل الأمرين وأشار إلى الثانية وهي توجب الغلط في الفروع بقوله: (وحتى جعلوا) عطف على قوله: " حتى دخلهم " (ما أحل الله في كثير من الأمر حراما وجعلوا ما حرم الله في كثير من الأمر حلالا) كما هو شأن أصحاب الرأي والقياس لأن قلوبهم المنقلبة مائلة إلى القلب في أمر الله وأحكامه. (فذلك أصل ثمرة أهوائهم) ذلك إشارة إلى رغبتهم عن سؤال أهل الذكر وإعراضهم عنه وإضافة الأولى لامية والثانية بيانية والمراد بأهوائهم مهويات نفوسهم ومشتهياتها كجعل المؤمن كافرا وجل الكافر مؤمنا وجعل الحلال حراما وبالعكس وبغض المؤمن ومعاداته وقتله وأسره ونهب ماله وتكذيب الحق وتصديق الباطل ونحوها، وبالجملة رغبتهم عن سؤال أهل الذكر اصل بنو عليه جميع أهوائهم المذكورة وغيرها إذ لو رغبوا في سؤالهم وتمسكوا بأقوالهم وأعمالهم وعقايدهم لم يقع منهم شئ من ذلك كما لم يقع من الشيعة، ويحتمل أن يكون الإضافة الثانية أيضا لامية إلا أنه لا يفيد صريحا أن الأهواء أيضا من ثمرة ذلك. (وقد عهد إليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبل موته) أي أوصاهم بولاية وصيه ورعايتها وحفظها في مواضع عديدة منها يوم الغدير. (فقالوا: نحن بعد ما قبض الله رسوله يسعنا) " يسعنا " خبر لنحن وبعد متعلق به أو بقالوا أي لم يكتفوا بالرغبة عن سؤال أهل الذكر بل قالوا: يجوز لنا. (أن نأخذ بما اجتمع عليه رأي الناس) وهو رأيهم في خلافة الأول متمسكين بإجماعهم عليها وهو غير متحقق بالإتفاق كما ذكرنا في كتاب الحجة وعلى تقدير تحققه ليس بحجة. (بعدما قبض الله تعالى رسوله) متعلق بيسعنا أو بأخذ أو بإجتمع أو بالجميع على سبيل التنازع وهو في بعض الإحتمال تأكيد للسابق (وبعد عهده) وهو عهد الولاية. (مخالفا لله ولرسوله) حال عن فاعل اجتمع وتلك المخالفة كفر بهما لإنكار قولهما. (فما أحد أجرأ على الله ولا أبين ضلالة ممن أخذ بذلك وزعم أن ذلك يسعه) من التفضيلية متعلق بأجرا وأبين على سبيل التنازع وذلك إشارة إلى الرأي المذكور والمقصود أن كل من أخذ من هذه الأمة بذلك الرأي وزعم أنه يجوز له الأخذ فهو أجرأ على الله أو أبين ضلالة وخروجا عن سبيل الحق من غيره مطلقا سواء كان ذلك الغير من هذه الأمة أم من غيرها لأنه أنكر قولهما مع علمه به وأخذه بخلافه وهو كفر بالله العظيم بخلاف من لم يأخذ من هذه الأمة بذلك الرأي فإنه لو خالفهما

[ 189 ]

في أفعاله لم يكن بذلك كفرا وجحودا، وأما من أنكر قولهما في نصب الخلافة من غير هذه الأمة فإنه وأن كان كافرا أيضا لكن إنكاره ليس مسبوقا بالعلم والفرق بين الإنكار مع العلم وعدمه واضح، ثم قال تأكيدا لما ذكر وتمهيدا لما يأتي: (والله إن الله على خلقه أن يطيعوه ويتبعوا أمره في حياة محمد (صلى الله عليه وآله) وبعد موته) لأن وجوب طاعته ومتابعة أمره مطلق غير مقيد بحياة محمد (صلى الله عليه وآله) ولا بشخص دون آخر فيجب عليهم ذلك في حياته وبعد موته فمن أنكره بعد موته فهو كافر منكم بالرسالة والغرض المطلوب منها (هل يستطيع أولئك أعداء الله) الذين أخذوا بعد النبي (صلى الله عليه وآله) برأيهم ونصبوا إماما خلافا لأمره، والإستفهام على حقيقته لا على الإنكار لأنه غير مناسب لسياق الكلام وأعداء الله بدل عن أولئك للتصريح بأنهم خرجوا بذلك عن الدين وصاروا من الكافرين المعاندين، توضيح المقام يحتاج إلى تقديم مقدمة هي أن قول الرسول قول الله تعالى وأن متابعته واجبة وأن وجوبها غير مقيد بحياته وأن الأخذ بالرأي على خلافه في حياته غير جائز وكل ذلك أمر بين لا ينكره أحد إلا من خرج عن دين الإسلام وأنكر الرسالة، وليس الكلام معه. (أن يزعموا.. اه) الزعم بالضم والفتح الظن ويطلق غالبا على ما لا أصل ولا سند له (مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومخالفة له) في أكثر النسخ وهو حال عن فاعل أخذ. (فإن قال: نعم) أي فإن قال قائل منهم: نعم يجوز ذلك والظاهر قالوا عدل الى الأفراد للتشبيه على أن اعتباره أولى من الجميع في مقام النصح كما قال عز وجل * (قل انما اعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة) *. * (فقد كذب على الله) * لما ذكرنا من المقدمات * (وضل ضلالا بعيدا) * أكد الفعل بالمصدر والمصدر بالبعد المفرط للمبالغة فيى خروجه بذلك عن حد الإسلام كما خرج الثاني بإنكار عدول المفرد إلى التمتع وإنكار صلح الحديبية وإنكار الأمر بإحضار الدوات والقلم. (وإن قال: لا لم يكن لأحد أن يأخذ برأيه وهواه ومقائيسه) لم يكن إما بدل لقوله لا أو جزاء الشرط والتقدير على الأول لم يكن له ذلك مع الرسول خلافا لأمره وعلى الثاني لم يكن له ذلك بعد موته وقوله: (فقد أقر بالحجة على نفسه) على الأول جزاء الشرط وعلى الثاني متفرع على الجزاء ووجه الإقرار أن القول بعدم جواز الأخذ بالرأي في حياة محمد (صلى الله عليه وآله) على خلاف أمره يستلزم القول بعدم جوازه بعد موته هو ظاهر لا ينكره إلا كافر وإبداء الفرق بينهما بأنه (صلى الله عليه وآله) كان مجتهدا وأن قول الميت كالميت يوجب بطلان دينه بعده بالمرة ولا يقدم على إلتزامه إلا ملحدا. ووجه آخر هو أن الدين واحد والتكليف واحد لا تختلف في حياته وبعد موته فلا يجوز التمسك بالرأي والقياس

[ 190 ]

بعد موته خلافا لأمره كما لا يجوز ذلك في حياته. (وهو ممن يزعم أن الله يطاع ويتبع أمره بعد قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله)) الظاهر أنه حال عن فاعل أقر وإشارة إلى أن الإعتراف بوجوب طاعته وإتباع أمره في حياة النبي (صلى الله عليه وآله) مستلزم للإعتراف به بعد موته كما أن الاعتراف بعدم جواز الاخذ بالرأى في حياته مستلزم للاعتراف بعدم جوازه بعد موته وفي لفظ الزعم إيماء إلى أنه يلزمه ذلك وإن لم يكن مذهبا له، ولما أشار إلى الدليل إلزامي أو عقلي على المطلوب أراد أن يشير إلى دليل تحقيقي أو نقلي عليه فقال (وقد قال الله وقوله الحق) وهو جملة حالية أو إعتراضية: * (وما محمد إلا رسول) * لا يجاوز الرسالة إلى التبري من الموت أو القتل. * (قد خلت من قبله الرسل) * بالموت أو القتل * (أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) * قال القاضي: هذا إنكار لارتدادهم على أعقابهم عن الدين بموته أو قتله بعد علمهم بموت الرسل أو قتلهم وبقاء دينهم متمسكا به. (ومن ينقلب على عقبيه) بإرتداده (فلن يضر الله شيئا) بل يضر نفسه (وسيجزي الله الشاكرين) على نعمة الإسلام بالثبات عليه (وذلك لتعلموا.. اه) ذلك إشارة إلى قول الله تعالى ذلك القول ومحصله أن الآية تدل على وجوب متابعة أمره في حياة محمد (صلى الله عليه وآله) وبعد موته وعلى عدم جواز الأخذ بالرأي مخالفا لأمره في حياته وبعد موته فمن أنكر شيئا من ذلك فهو مرتد خارج عن الإسلام. (وقال) (عليه السلام): (دعوا رفع أيديكم في الصلاة الأمرة واحدة حين تفتتح الصلاة) والأمر بترك رفع اليدين في الصلاة مع أنه عندنا مستحب عند كل تكبرة والقول بالوجوب نادر إنما هو للتقية كما صرح به (عليه السلام) في قوله: (فإن الناس قد شهروكم بذلك) أي برفع اليدين ويوجب ذلك لحوق الضرر العظيم بكم وبامامكم، وشهر اما بتخفيف الهاء أو تشديدها. (والله المستعان) في رفع كيد الأعداء وإضرارهم وإنما استثنى الرفع في الإفتتاح لأن العامة كلهم قائلون أيضا بإستحبابه كما صرح به المازري وإنما اختلفوا في غيره فأشهر الروايات عند مالك سقوطه وقال ابن القصار: لا يستحب الرفع في شئ من الصلاة وظاهره عدم الإستحباب في الإفتتاح أيضا وعلى أي تقديرهم كانوا يتركون الرفع رغما للشيعة وخلافا لهم ويجعلونه من علامة الرفض وليس مختصا بالرفع بل هم يتركون الصلاة على آل النبي (صلى الله عليه وآله) وتسطيح القبور التسنيم رغما لهم مع وجود الدلايل عليهما عنهم كما صرح به صاحب الكشاف وإذا كانوا كذلك وجب علينا

[ 191 ]

ترك الرفع عند الخوف منهم. (وقال) (عليه السلام): (أكثروا من أن تدعوا الله) أمر بإكثار الدعاء وهو يتحقق بالإشتغال به دائما أو في أكثر الأوقات ويورث جلاء القلب وقرب الحق ثم علل ذلك ورغب فيه بقوله: (فإن الله يحب من المؤمنين أن يدعوه.. اه) فذكر أنه تعالى يحب من عباده المؤمنين ويستجيب لهم كما قال: * (ادعوني أستجب لكم) * ويصيره عملا يوجب علو الدرجة في الجنة وأما دعاء الكافرين وإن كان مستجابا فهو مبغوض وليس بعمل ينفعه يوم القيامة. (فأكثروا ذكر الله.. اه) كل عبادة لها حد إلا ذكر الله تعالى فإنه مطلوب على قدر الإستطاعة والقدرة منه فإن الله تعالى أمر بكثرة الذكر له بقوله: * (يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا) * وبقوله: * (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون) * إلى غير ذلك من الآيات الكريمة والمراد به ذكره باللسان والقلب وعند المصيبة والطاعة والمعصية وفي جميع الأحوال. (والله ذاكر لمن ذكره من المؤمنين) أي مثيب له، سمي ثواب الذكر ذكرا لوقوعه في صحبته، أو المراد أنه ذاكر له في الملاء الأعلى وزمرة الروحانيين ويراد بخير فيما يأتي هذا المعنى أيضا. (فاعطوا الله من أنفسكم الإجتهاد في طاعته) الطاعة شاملة للذكر وغيره بل كل طاعة ذكر كما يرشد إليه قوله تعالى: * (أقم الصلاة لذكري) ثم رغب فيها بقوله: (فان الله لا يدرك شئ من الخير) الأخروي بالإستحقاق (عنده إلا بطاعته) أما الخير الدنيوي فقد يدركه الكافر أيضا والخير الأخروي بالتفضل قد يدرك بدون الطاعة إلا أن يقال منشأه الطاعة أيضا (واجتناب محارمه التي حرم الله في ظاهر القرآن وباطنه) باطنه لا يعلمه كل أحد فلابد أن يرجع إلى العالم به ولعل المراد بالمحرمات الباطنة ولاية أئمة الجور يدل على ذلك ما ذكره المصنف في باب من ادعى الإمامة وليس لها بأهل بإسناد عن محمد بن منصور قال: " سألت عبد صالحا (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: * (قل انما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن) * قال فقال: إن القرآن له ظهر وبطن فجميع ما حرم الله تعالى في القرآن هو الظاهر، والباطن من ذلك أئمة الجور وجميع ما أحل الله تعالى في الكتاب هو الظاهر، والباطن من ذلك أئمة الحق ". ثم استشهد لذلك بقوله: (فإن الله تعالى قال في كتابه وقوله الحق: * (وذروا ظاهر الإثم وباطنه) * دل الإستشهاد على أن ظاهر الإثم ما ظهر تحريمه من ظاهر القرآن، وباطن الإثم ما ظهر تحريمه من باطنه وهو على تأويل العبد الصالح ولاية أئمة الجور وقيل: ظاهر الإثم ما يعلن أو ما يصدر بالجوارح وباطنه ما يسر أو ما يصدر بالقلب وقيل: غير ذلك.

[ 192 ]

(واعلموا أن ما أمر الله به أن يجتنبوه فقد حرمه) على أن الأوامر القرآنية للوجوب إلا ما أخرجه الدليل وتخصيص الأمر بصيغة اجتنبوا أو حمل التحريم على الأعم من معناه الحقيقي والتنزيهي محتمل بعيد، ويمكن أن يراد بالأمر بإجتناب الطاغوت. (واتبعوا آثار سول الله وسنته فخذوا بها) أمر بإتباع آثاره وسنته على وجه العموم وأعظمها أثرا الولاية كما يرشد إليه قوله: (ولا تتبعوا أهوائكم وآرائكم) في أصول الدين وفروعه خصوصا في الأمة (فتضلوا) من الحق، ثم علل ذلك بقوله: (فإن أضل الناس عند الله من ابتع هواء ورأيه بغير هدى من الله) الظرف حال عن فاعل أتبع أي متمسكا بغير هاد منصوب من قبل الله تعالى يدل على ذلك ما رواه أيضا في باب من دان الله عز وجل بغير إمام من الله بإسناده عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن أبي الحسن (عليه السلام) في قول الله عز وجل * (ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله) * قال: يعني من اتخذ دينه رأيه بغير إمام من أئمة الهدى. وتعميمه بشموله آثار رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسنته محتمل. (وأحسنوا إلى أنفسكم ما استطعتم) المراد بالإحسان إليها الإتيان بما ينفعها يوم القيامة وتهذيب الظاهر والباطن عن الأخلاق والأعمال الفاسدة وتزيينها بالأخلاق والأعمال الفاضلة. (فإن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها) رغب في الإحسان وترك الإساءة بأن النفع والضرر راجعان إليكم لا إلى غيركم والعلم به محرك عظيم إلى الإحسان لأن كل أحد يطلب النفع له ويدفع الضر عنه (وجاملوا الناس ولا تحملوهم على رقابكم) جاملوا بالجيم أو الحاء المهملة كما مر وفيه إشارة إلى حسن المعاشرة معهم ظاهرا ولابد منه فإن النفوس العاصية المطيعة لإبليس وجنوده إن وقع الإفتراق منهم بالمرة أو وقع المخالطة معهم على وجه الشقاق وإظهار العداوة وثبوا لما فيهم من الغواية والضلالة والغلظة وخشونة الوجه وقلة الحياء إلى الأذى والضرب والشتم والقتل والنهب والمعاشر على هذا الوجه فرد من الطاعة مضافا إلى الرب ظاهرا وباطنا وبه يتم نظام الدين والدنيا جميعا كما أشار إليه بقوله: (تجمعوا مع ذلك طاعة ربكم) تجمعوا مجزوم بالشرط المقدر بعد الأمر وذلك إشارة إلى الأمر المستفاد من الكلام السابق والمراد بالطاعة التقية أو الأعم منها ومن غيرها (وإياكم وسب أعداء الله..) إلخ أي أئمة الجور وأتباعهم. (حيث يسمعونكم) دل على جواز الشتم حيث لا يسمعونه ويجوز أن يقرأ بضم الياء من أسمعه إذا شتمه فدل على النهي عن شتمهم مع شتمهم إياكم فكيف مع عدمه.

[ 193 ]

(فيسبوا الله عدوا بغير علم) هذه العبارة يحتمل وجهين أحدهما ما ذكر الفاضل الأمين الاسترابادي: وهو أنهم يسبون من رباكم ومن علمكم السب ومن المعلوم أن المربي والمعلم هو الله تعالى بواسطة النبي وآله عليهم السلام فينتهي سبهم إلى الله من غير علمهم به وثانيهما أنهم يسبون أولياء الله كما دل عليه بعض الروايات صريحا ودل عليه أيضا ظاهر هذه الرواية كما أشار إليه بقوله: (وقد ينبغي لكم أن تعلموا حد سبهم لله) أي معناه كيف هو. (أنه من سب أولياء الله فقد انتهك سب الله) أي دخل فيه وتناوله وقد عد سبهم سب الله تعظيما لهم من ذلك ونظيره في آخر كتاب التوحيد. (ومن أظلم عند الله ممن استسب الله ولأوليائه) قال الفاضل الاسترابادي: فيه دلالة واضحة على أنه لا يجوز السب حيث يسمعون مطلقا عند الخوف والأمن. (فمهلا مهلا) منصوب مقدر والتكرير للمبالغة، والمهل بالتسكين الرفق بالتحريك الثاني ويطلق على الواحد والإثنين والجمع المذكر والمؤنث (فاتبعوا أمر الله) في جميع الأمور ومنها الولاية والمجاملة مع الناس والتقية منهم. (وقال: أيتها العصابة الحافظ الله لهم أمرهم) الدنيوي والأخروي والجملة الوصفية إما دعائية أو خبرية وإشارة إلى أنه ينبغي التوسل بالله وحفظه في جميع الأمور وعدم الإعتماد بحولهم وقوتهم (عليكم بآثار رسول الله (صلى الله عليه وآله) من بعده.. آه) أي بأحاديثه وأحاديث الأئمة عليهم السلام أو بطريقتهم وهي عدم التكلم في الدين بالرأي والقياس. (وقد قال أبونا رسول الله (صلى الله عليه وآله): المداومة على العمل في إتباع الآثار والسنن وإن قل أرضى لله.. آه) لأن القليل المداوم عليه إذا كان موافقا للقانون الشرعي يوجب القرب ويوصل إلى المطلوب بخلاف الكثير المخالف له، وإسم التفضيل على معناه بفرض الفعل في المفضل عليه (إلا أن إتباع الأهواء) كما هو شأن أتباعهم (بغير هدى من الله) تأكيد لأن إتباع الأهواء والبدع يكونان بغير هدى من الله قطعا (ضلال وكل ضلالة بدعة وكل بدعة في النار) فيه ترغيب في ترك الآراء المخترعة والاهواء المبتدعة معللا بأن اتباعهما ضلالة وأن الضلالة توجب الدخول في النار لان التمسك بها يقود إلى حمل أثقال الخطايا وقد ذكر نظير ذلك في كتب العامة روى مسلم عن النبي (صلى الله عليه وآله) " إن شر الأمور محدثاتها وكل محدث بدعة وكل بدعة ضلالة " قال المازري: البدعة ما أحدثت ولم يسبق لها مثال وحديث كل بدعة في النار من العام المخصوص لأن من البدع واجب كترتيب الأدلة على طريقة المتكلمين للرد على الملاحدة ومنها مندوب كبناء المدارس والزوايا. ومنها مباح كالبسط في أنواع الأطعمة والأشربة.

[ 194 ]

أقول: هذا إن فسرت البدعة بما ذكروا أما إن فسرت بما خالف الشرع أو بما نهى عنه الشارع فلا تصدق على الأمور المذكورة. (ولن ينال شئ من الخيرات عند الله إلا بطاعته والصبر والرضا) أي الصبر على المصائب والمكاره وفعل الطاعات وترك المنهيات والرضا بقضاء الله لأن الصبر والرضا من طاعة الله ونيل الخير بالطاعة أمر مسلم لا يحتاج إلى تعليل والقول بأنه ينال بالصبر والرضا حينئذ لا يتم إلا ببيان أنهما من الطاعة فالتعليل لبيان ذلك وحينئذ ذكرهما بعد الطاعة من قبيل ذكر الخاص بعد العام للعناية والإهتمام (واعلموا أنه لن يؤمن عبد من عبيده حتى يرضى عن الله فيما صنع الله إليه وصنع به) العائذ إلى الموصول وهو المفعول الأول محذوف. محبوب أن عدي إلى الثاني بإلى ومكروه إن عدى بالباء في الأغلب وقد يقوم كل منهما مقام الآخر كما يجئ فقوله: (على ما أحب وكره) لف ونشر مرتب والمراد بالإيمان الإيمان الكامل بدليل ان من لم يبلغ مرتبة الرضا لم يخرج معن أصل الإيمان، وفيه دلالة على أنه كما لابد في كماله من الرضا بالمكروه كذلك لابد فيه من الرضا بالمحبوب مثل الصحة والأمن والغنى ونحوها على تفاوت درجاتها (ولن يصنع الله بمن صبر ورضى عن الله إلا بما هو أهله وهو خير له) من خلافه لأنه تعالى عالم بمصالح العبد يصنع له ما هو يصلح له فإن أفقره كان خيرا له وإن أغناه كان خيرا له وكذلك جميع الحالات المتضادة وفيه دلالة على أن الخيرية مشروطة بالرضا والصبر وإلا فجرت عليه المقادير وهو محروم عن أجر الصابرين. (مما أحب وكره) الظاهر أنه بيان للمصول وتعلقه بخير بعيد من حيث المعنى، ويؤيده أنه وقع " فيما " بدل " مما " في بعض النسخ. (عليكم بالمحافظة على الصلوات) بإيقاعها مع شرائطها في أوقاتها (والصلاة الوسطى) أي الفضل أو الواقعة في الوسط فيها أقوال على عدد اليومية والمشهور أنها العصر ولعل السر في اخفائها هو الترغيب في محافظة جميعها. (وقوموا لله قانتين) ظاهر الصدوق أنه القنوت المعروف وأنه واجب، وظاهر ابن أبي عقيل وجوبه في الجهرية والمشهور أنه مندوب وقيل: المراد به الخشوع والإطاعة والدعاء مطلقا (كما أمر الله به المؤمنين في كتابه من قبلكم وإياكم) دل على أن خطاب القرآن شامل للحاضرين والغائبين وقت النزول من باب التغليب كما صرح به بعض أرباب الأصول فهو حجة على من خصه بالأول وأجرى الحكم في الغائب بالإجماع. (وعليكم بحب المساكين المسلمين) الحب: ميل القلب وهو مطلوب لجميع المسلمين

[ 195 ]

وتخصيص المساكين بالذكر لزيادة الإهتمام بحالهم أو للكشف والإيضاح فإن المسلمين وهم المؤمنون كلهم مساكين في دولة الباطل على تفاوت درجاتهم ومن المحبة لهم أن تحب لهم ما تحب لنفسك وتكره لهم ما تكره لنفسك. هر كسى را لقب مكن مؤمن * گرچه از سعى جان وتن كاهد تا نخواهد برادر خود را * آنچه از بهر خويشتن خواهد (فإنه من حقرهم وتكبر عليهم) حقره حقرا كضربه ضربا وحقره تحقيرا إذا أذله وأهانه. وتكبر عليهم إذا تعظم وترفع عليهم بأن يرى نفسه أعظم وأرفع منهم والتحقير والتكبر متلازمان مهلكان خصوصا إذا ظهر آثارهما بالجوارح واللسان. (فقد زل عن دين الله) أي عن أصله أو عن كماله إن سلمت عاقبته (والله له حاقر ماقت) يفعل به ما يوجب ذله وأهانته ويعاقبه ويسلب عنه رحمته وقد كرر الأمر بحب المسلمين المؤمنين لأنهم عياله وعيال الله وغرباء فقراء في هذه الدار فاقتضى المقام المبالغة فيه لشده الإهتمام والإغتمام بحالهم. (واعلموا أن من حقر أحدا من المسلمين ألقى الله عليه المقت منه والمحقرة) وهي بالفتح المذلة (حتى يمقته الناس) أو المراد بهم الأنبياء والأوصياء والصلحاء أو الأعم لأن الفساق و المتكبرين يمقتون المتكبر، والفاسق قد يذم الفاسق وهو غافل عن فسقه. (فإن لهم عليكم حقا أن تحبوهم) أي بأن تحبوهم وحذف الجار في مثله قياس وهو بدل عن حقا وهو من الغاوين الذين أوعد الله عليهم بالنار قال: * (فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود إبليس أجمعون) * (وإياكم والعظمة والكبر) العطف للتفسير أو العظمة عبارة عن إعتبار كمال ذاته ووجوده وصفاته والكبر هذا مع إعتبار فضله على الغير. (فإن الكبر رداء الله) شبه الكبر وهو العظمة بحسب الذات والصفات والرفعة على الغير من جميع الجهات بالرداء في الإحاطة والشمول فهي موجودة في المشبه تخييلا وفي المشبه به تحقيقا أو في الإختصاص لأن رداء كل شخص مختص به لا يشاركه غيره والمقصود من هذا التشبيه إخراج المعقول إلى المحسوس لقصد الإيضاح والإفهام. (فمن نازع الله رداءه قصمه الله) أي كسره (وأذله يوم القيامة) وفي الخبر: " أنه يجعل في صورة الذر يتوطأه الناس حتى يفرع الله من الحساب ". (وإياكم أن يبغى بعضكم على بعض فإنها ليست من خصال الصالحين) ضمير التأنيث راجع إلى البغي بإعتبار الخصلة وهو الظلم والميل عن الحق والترفع والاسطالة والكذب والخروج عن

[ 196 ]

طاعة الإمام وأصله المجاوزة عن الحد. (فإنه من بغى صير الله بغيه على نفسه) لعود ضرره إليها في الدنيا والآخرة كما قال تعالى: * (يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم) *. (وإياكم أن يحسد بعضكم بعضا) بتمني زوال نعمته ما لا كان أو حالا (فإن الكفر أصله الحسد) كما كفر إبليس بإنكار السجود لآدم حسدا له. وكفر بعضهم بغصب الخلافة وإنكار الولاية كذلك والحاسد كافر بالله العظيم لنسبة الجور إليه في القسمة وكافر بنعمته لتحقيرها وكافر بمخالفة الأمر بترك الحسد، ومفاسد الحسد أكثر من أن تحصى. (وإياكم أن تعينوا على مسلم مظلوم) الإعانة إذا عدى بعلى للضر وبنفسه للنفع كما سيجئ (إن دعوة المسلم المظلوم مستجابة) دل على جواز الدعاء على الظالم لأن التحذير من قبوله إقرار له وقد وقع الأمر بالدعاء عليه في بعض الأخبار ولا فرق في ذلك بين من عم ظلمه ومن خص بواحد ولا بين من يكون ظلمه متجاوزا عن الحد ومن لا يكون، ولا بين أن يكون الظالم مؤمنا أو كافرا إلا أن الأولى ترك الدعاء على الظالم المؤمن عم ظلمه أو لا لأنه أوفر للأجر (وإياكم وإعسار أحد.. اه) الإعسار: طلب الحق من الغريم على عسره وضيق حاله والإعسار أيضا الإفتقار ومنه المعسر بمعنى المفتقر كما سيجئ. (ومن أنظر معسرا أظله الله بظله) أي بظل عرش أو برحمته شبهها بالظل في نجاة من استقر فيها من حر الشدائد واستعار لفظه. (يوم لا ظل إلا ظله) أي رحمته كما قال تعالى: * (لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم) * (وحبس حقوق الله قبلكم) أمر بأداء الحقوق الموقتة في أوقاتها والمشروطة بشروطها والمطلقة والثابتة في أول أوقات أمكانها وهي أعم من الواجبات والمندوبات. (كان الله أقدر على التعجيل له إلى مضاعفة الخير في العاجل والآجل) من كان لله كان الله له والخير في العاجل أعم من الطاعة والنعمة في الأجل الثواب والرحمة وهو يدل على أن أداء حقوق الله سبب زيادة الرزق كما قال: * (من يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب) * (فأدوا إلى الله حق ما رزقكم) من النعماء الظاهرة والباطنة التي لا يمكن احصاؤها وحق ذلك هو الطاعة والشكر والوفاء به سبب لبقاء الواصل، وحصول غير الحاصل، كما قال تعالى: * (لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد) * وزوال النعمة عذاب أيضا وقد قيل: إن النعمة صيد والشكر قيد. (وإن استطعتم أن لا يكون منكم محرج الإمام فإن محرج الإمام هو الذي يسعى بأهل الصلاح

[ 197 ]

من أتباع الإمام، المسلمين لفضله الصابرين على أداء حقه العارفين بحرمته) في النهاية: أحرجه بالحاء المهملة أوقعه في الحرج، وفي الصحاح: أحرجه إليه الجأه، وفيه سعى به إلى الوالي إذا وشى به أي نقل أمره إليه ونمه ليؤذيه والظاهر أن المراد بالمحرج هنا من يسعى بأهل الصلاح وينهى حاله إلى الإمام باذاعة السر والإتيان بالمعصية الموبقة ونحوها، وإحتمال سعايته إلى الوالي الجائر بعيد لأنه فيما بعد: " فإذا فعل ذلك عند الإمام " ينافيه في الجملة فعلى الأول لعن الإمام إياه بإعتبار ما افتراه الساعي ولما لم يكن هو على ما إفتراه يرجع اللعن إلى الساعي وأما على الثاني فلأن الجائر يؤذيه ولما لم يكن له ناصر يدفع أذاه عنه (واعلموا أنه من نزل بذلك المنزل عند الإمام) هو منزل السعاية والغمز ونسبة السوء إلى المؤمن الصالح وهذا كما هو قبيح عند الإمام كذلك قبيح مطلقا. (يلعن الإمام أهل الصلاح) لعدم نصرتهم إياه وتخاذلهم له ويعود اللعن إلى الساعي في الحقيقة. (فإذا لعنهم لاحراج أعداء الله الإمام صارت لعنته رحمة من الله عليهم.. اه) الإمام فاعل لعنهم ومفعول لإحراج على سبيل التنازع وإضافة الإحراج إلى الأعداء إضافة المصدر إلى الفاعل والمراد بهم الساعون بأهل الصلاح إلى الإمام أو إلى الجائر على الإحتمال ويحتمل أن يكون فاعل لعنهم ضمير راجع إلى الإمام. (قال: ومن سره أن يلقى الله وهو مؤمن حقا حقا.. اه) تأكيد لمضمون جملة أو صفة لمفعول مطلق محذوف أي ايمانا حقا والتكرير لزيادة التأكيد. (فليتول الله ورسوله والذين آمنوا وليبرء الى الله من عدوهم) المراد بالذين آمنوا أمير المؤمنين وأولاده الطاهرون عليهم السلام وفيه دلالة على أن أصل الإيمان لا يتحقق بدون أمور أربعة وأن البراءة من عدوهم جزء منه كما دل عليه غيره من الأخبار. (ويسلم لما انتهى إليه من فضلهم) أي يصدقه تصديقا جازما وإن لم يعرف حقيقته. (لأن فضلهم لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا من دون ذلك) تعليل لما سبق وإشارة إلى أن فضلهم البالغ إليه وإن كان في غاية الكمال التي يستبعده ضعفاء العقول ينبغي أن لا ينكره بل يسلمه ويذعنه لأن ما بلغ إليه ليس في حد الكمال بالنسبة إلى ما هو لهم في الواقع من الفضل والجمال (لم تسمعوا ما ذكر الله من فضل أتباع الأئمة الهداة) الإستفهام للتقرير ووصف الأئمة بالهداة للمدح أو للتقييد بإخراج أئمة الضلالة (وهم المؤمنون) التابعون لهم في العقائد والأعمال والأخلاق والتعريف للحصر.

[ 198 ]

(قال: * (أولئك) *) قال الله ومن يطع الله ورسوله فأولئك * (مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين) * الإشارة للموصول وهم المطيعون لله وللرسول في جميع الأمور وأعظمها النهي عن طاعة الأئمة الغواة والأمر بطاعة الأئمة الهداة فقد ظهر أن الآية في فضل أتباعهم والفرق بين الفرق الأربعة أن كل لاحق أعم مطلقا من السابق إن أريد بالشهداء في العباد وأما إن أريد بهم الشهداء في الجهاد فالنسبة بينهم وبين من قبلهم أعم من وجه، ويمكن أن يراد بالثلاثة الأخيرة الأئمة الهداة وذكر هذه الصفات للدلالة على اتصافهم بها وللمفسرين فرق آخر بين هؤلاء لا يخلوا من تكلف. (وحسن أولئك رفيقا) في معنى التعجب ورفيقا نصب على التميز أو الحال ولم يجمع لأنه يقال للواحد والجمع كالصديق أو لأنه أريد وحسن كل واحد منهم رفيقا كذا في تفسير القاضي (فهذا وجه من وجوه فضل إتباع الأئمة) أشار إلى أن هذا فضل واحد وأن لهم فضائل كثيرة غير محصورة. (فكيف بهم وفضلهم) أي فكيف يبلغ بذواتهم وحقيقة فضلهم أحد والإستفهام للإنكار. (ومن سره أن يتم الله له إيمانه.. اه) دل على أن الإيمان هو التصديق بالولايات المذكورة وأن الأعمال خارجة عنه وشروط لكماله كما دل عليه أيضا روايات أخر (أقام الصلاة) حذفت التاء من المصدر للتخفيف من ثقل الإضافة. (وإقراض الله قرضا حسنا) بفعل الطاعات والإحسان إلى الخلق وإقراضهم والإنفاق في وجوه البر وصلة الإمام. روى المصنف في باب صلة الإمام بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال " ما من شئ أحب إلى الله من إخراج الدرهم إلى الإمام وإن الله ليجعل له الدرهم في الجنة مثل جبل أحد، ثم قال إن الله يقول في كتابه: * (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة) * قال: وهو والله صلة الإمام خاصة " ولعل المقصود من قوله خاصة أن الآية نزلت قصدا وبالذات في صلة الامام ولا ينافي تعميمها بإدخال جميع ما ذكر فيها، والمراد بحسنه خلوصه عن غير وجه الله مع طيب النفس من غير من ولا أذى وغير ذلك من موجبات النقص وإنما سمي قرضا لأن الفاعل يأخذ العوض وهو الأجر الجزيل والثواب الجميل منه تعالى. (وإجتناب الفواحش ما ظهر منها وما بطن) مر تفسيره آنفا (فلم يبق شئ مما فسر مما حرم الله إلا وقد دخل في جملة قوله) الفسر الإبانة وكشف الغطاء كالتفسير والفعل كضرب ونصر ومما حرم بيان لما فسر أو لشئ والأول أظهر والثاني أشمل، والمراد بالجملة على الأول الفواحش يعني أن هذا المجمل شامل لجميع المحرمات في الآيات والروايات وعلى الثاني أقام الصلاة إلى

[ 199 ]

آخره فإنه شامل لجميع الطاعات أيضا. (فمن دان الله فيما بينه وبين الله مخلصا لله) أي من عنده سرا أو في الدين الذي بينه وبين الله تعالى لا في دين الرأي والقياس حال كونه مخلصا لله منزها لعمله أن يكون لغير الله فيه شرك ونصيب. (ولم يرخص لنفسه في ترك شئ من هذا) الذي ذكر من الولايات وشروطها والترخيص عدم الإستقصاء، رخص له في كذا ترخيصا فترخص هو أي لم يستقص ولم يبلغ الغاية فالمراد بعدم الترخيص في الترك هو المبالغة في عدمه. (فهو عند الله في حزبه الغالبين) على النفس الأمارة بالكسر أو على المذاهب الباطلة بالحجة، أو على الأعداء بالغلبة وهم حزب الإمام المنتظر أو الأعم ومن حزب الأنبياء والرسل كما قال تعالى: * (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز) *. (إلى ها هنا رواية القاسم بن الربيع) وما يأتي رواية حفص المؤذن وإسماعيل بن جابر وإنما لم يقل إلى ها هنا رواية إسماعيل بن مخلد السراج لأنه لو قال ذلك لفهم أنه لم يروا الباقي وذلك ليس بمعلوم لجواز روايته وعدم نقله للقاسم أو نقله له وإختصار القاسم على القدر المذكور. (يعني المؤمنين قبلكم إذا نسوا شيئا.. اه) الظاهر أنه كلام المصنف لتفسير الآية المذكورة والنسيان كناية عن الترك ما دل عليه ما بعده وفسره أبو جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: * (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما) * بالترك، وبالجملة إطلاقه على الترك شايع فلا يرد أن النسيان ليس بعصيان. (واعلموا أنه إنما أمر ونهى ليطاع - إلى آخره) أعظم الأمر والنهي الامر بطاعة الأئمة الهداة والنهي عن طاعة الأئمة الغواة. (واعلموا أنه ليس بين الله وبين أحد من خلقه ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا من دون ذلك من خلقه كلهم إلا طاعتهم له فجدوا في طاعة الله) الظاهر أن ملك اسم ليس ومن خلقه متعلق بأحد وإحتمال جعله اسم ليس بزيادة من وجعل ملك مجرورا بدلا عن لفظه ومرفوعا بدلا عن محله بعيد فكأنه رغب كل واحد في العلم بأن كل بلية بينه وبين الله كانت طاعتهم له ليجتهد فيها ولا يتخلف في السباق عنهم والأظهر أن ملك بدل من الخلق وأن اسم ليس محذوف أي ليس بين الله وبين أحد من الخلائق شئ نافع إلا الطاعة فجدوا فيها. (وقال: عليكم بطاعة ربكم ما استطعتم) أمر (عليه السلام) في هذا الحديث بطاعة الرب مكررا لاقتضاء المقام المبالغة فيه لأن القايل بالحق قليل واللسان عن الصدق كليل والناس معتكفون على العصيان

[ 200 ]

وراغبون في المعصية والطغيان. (فإن الله ربكم) أخرجكم من العدم وأفاض علكيم الوجود وتوابعه من الكمالات وأعطاكم نعمه ظاهرة وباطنة ورباكم في جميع الحالات وكل ذلك يقتضي طاعتكم له بقدر الإمكان (واعلموا أن الإسلام هو التسليم والتسليم هو الإسلام) أي الإسلام هو التسليم لله ولرسوله ولأولي الأمر والإنقياد لهم في الأوامر والنواهي وليس هو بمجرد القول وفي تعريفها باللام وتوسيط الضمير دلالة على الحصر والتأكيد فيه هذا بناء على التلازم بينهما ويمكن حمله على إتحاد الحقيقة يعني أن عرفت معنى الإسلام والتسليم وحقيقتهما فهذا ذاك فمن سلم فقد أسلم ومن لم يسلم فلا إسلام له لأن وجود اللازم على وجود الملزوم وعدمه على عدمه وعلى القول بالإتحاد فالأمر ظاهر. (ومن سره أن يبلغ إلى نفسه في الإحسان فليطع الله.. اه) الإبلاغ الإيصال يقال: أبلغ إليه شيئا أي أوصله إليه وفي زائدة للتأكيد مثل * (اركبوا فيها بسم الله مجريها) * أو هي كإلى متعلقة بيبلغ بتضمين معنى الإجتهاد أو بمفعول مقدر أي من سره أن يوصل إلى نفسه إجتهادا في الإحسان فليطع الله في أوامره ونواهيه ويحتمل أن يراد بالإبلاغ المبالغة وهي الإجتهاد يقال: بالغ في كذا إذا اجتهد فيه، وإلى حينئذ متعلقة بالإحسان وتقديم معمول المصدر إذا كان ظرفا ونحوه جائز (وإياكم ومعاصي الله أن تركبوها) أي تتبعوها من ركبت الأثر إذا تبعته أو تعلوها بتشبيه المعصية بالدابة في إيصال صاحبها لى منزل الشقاوة ونسبة الركوب إليها مكنية وتخييلية. (وليس بين الإحسان والإساءة منزلة فلأهل الإحسان عند ربهم الجنة) ولأهل الإساءة عند ربهم النار كما قال تعالى: * (فريق في الجنة وفريق في السعير) * قال الأمين الاسترابادي: قد تواترت الأخبار عن الأئمة الأطهار بأن الناس ثلاثة أصناف منهم من هو تحت المشية فالظاهر أن مراده (عليه السلام) أن الذي أبرم الله أمره قسمان. أقول: يريد أن الذي وقع الحتم فيه قسمان لا ثالث لهما لأنه إما مقر بالولايات المذكورة متمسك بشروطها أو منكر لشئ منها فالأول محسن والثاني مسئ وأما المستضعف وهو من لم يقر ولم ينكر فهو خارج عن المقسم فلا يرد أنه قسم ثالث (واعلموا أنه ليس يغني عنكم من الله أحد) أي لا يصرف ولا يكف عنكم أحد ممن ذكر شيئا من عقوبة الله إلا برضاه عنكم ولم يذكر الإستثناء لظهوره ولدلالة التفريع عليه وهو قوله: (فمن سره أن تنفعه شفاعة الشافعين عند الله فيطلب متضرعا إلى الله) أي فليرغب إليه من طلب إليه رغب. (أن يرضى عنه) المراد بطلب الرضا طلب وسيلة له وهي طاعة الله وطاعة الرسول وطاعة ولاة

[ 201 ]

الأمر بعده فإنه أن صدر منه حينئذ ما يوجب سخط الله من ترك بعض الطاعات أو فعل بعض المنهيات وتدركه الرحمة والشفاعة بإذن الله لرضائه عنه من وجه آخر فاستحق بذلك قبولهما. (واعلموا أن أحدا من خلق الله لم يصب رضا الله بطاعته وطاعة رسوله وطاعة ولاة أمره من آل محمد (صلى الله عليه وآله)) طاعتهم مع كونها سببا للرضا سبب أيضا لبقاء النظام بالتناصر والتعاون وقمع طمع الناكثين والمارقين والقاسطين والمنافقين الذين ليس لهم من الإسلام نصيب. (ومعصيتهم من معصية الله ولم ينكر لهم فضلا عظم أو صغر) المراد بالفضل العظيم ما لا يصل إليه الفهم ويستبعده العقل ولا يعرف حقيقته، والبصغير ما هو خلاف ذلك والظاهر أن قوله: " ومعصيتهم " عطف على اسم " أن " وقوله " لم ينكر " على خبرها وفيه شئ لأن كثيرا من الناس أنكروا فضلهم بل نصبوا عداوتهم، ولعل المراد بعدم إنكار أحد عدم الإنكار ولو حين الإحتضار ولدلالة بعض الروايات على أن المنكرين يعترفون بفضلهم حينئذ أو المراد به العلم بفضلهم وإن لم يصدقوا به أو المراد أنه ينبغي عدم إنكار فضلهم أو المراد بالخلق الأنبياء والأوصياء وأهل المعرفة من الأمم السابقة ومن هذه الأمة والله أعلم. (واعلموا أن المنكرين هم المكذبون.. اه) يريد أن منكر واحد منهم ومنكر فضلهم مكذب لله ولرسوله في الأمر بطاعتهم ومنافق داخل (في الدرك الأسفل من النار) قيل: أي الطبقة السفلى من جهنم وقيل وهي توابيت من نار تطبق على أهلها (ولن تجد لهم نصيرا) ينصرهم ويدفع عنهم العقوبة بالشفاعة ونحوها، وفيه دلالة على خلودهم في النار. (ولا يعرفن أحد منكم ألزم الله قلبه طاعته وخشيته من أحد من الناس) " من أحد " متعلق بلا يعرفن على صيغة المجرد المجهول والمراد بهم المخالفون وألزم صفة لأحد والمراد به القائل بولاية على وأولاده الطاهرين عليهم السلام أي لا يفعل أحد منكم عندهم ما يعرف به وتميز عنهم وفيه ترغيب في التقية للإحتراز من ضررهم. (ممن أخرجه الله من صفة الحق ولم يجعله من أهلها) إنما نسب الإخراج من صفة الحق وهي القول بالولاية إلى الله تعالى لعلمه أزلا بعدم إتصافها وإضطراب قلبه من قبولها فأخرجه منها ولم يجعله من أهلها جبرا لأن الجبر مناف للحكمة، ومنه يظهر الزامه تعالى قلب أحد طاعته وصفة الحق لأنه لما علم منه قبولها إختيارا وفقه لقبولها ونصره عليه وهذا معنى الإلزام فانتفى الجبر في الموضعين وملك كل أحد ماله بإختياره. (فإن لم يجعله الله من أهل صفة الحق فأولئك هم شياطين الإنس والجن فإن لشياطين الإنس حيلة ومكرا وخدايع ووسوسة بعضهم إلى بعض) الظاهر أنه تعليل لقوله: " لا يعرفن أحد منكم "

[ 202 ]

من أحد من الناس لتضمنه معنى الشيطنة التي تقتضي الحذر منهم بالتقية وحينئذ يكون قوله: " فإن الشياطين الإنس " بيانا وتفصيلا لما تضمنه معنى الشيطنة وإنما قلنا الظاهر ذلك لأنه يحتمل أن يكون تفصيلا وبيانا لإثبات معنى آخر للمخرجين من صفة الحق وهو التمرد والشيطنة والقول المذكور حينئذ تعليل لقوله: " لا يعرفن " ثم أن أريد بمن الموصولة الإنس والجن فحمل شياطين الإنس والجن عليهم ظاهر، وإن أريد به الإنس فحمل شياطين الجن عليهم من باب التشبيه في التمرد والشيطنة والمراد بالحيلة إستعمال الحذق والتصرف في الأمور للتوصل بها إلى المقصود وبالمكر إيصال المكروه إلى الغير من حيث لا يعلم الخديعة هذا المعنى أو تلبيس شبهات باطلة بلباس الحق لإنخذاع الغير بها وبالوسوسة مشاورة بعضهم بعضا في تحصيل أسباب الغلبة والإضرار ولما كان هذا مظنة أن يقال ما غرضهم من الحيلة وما عطف عليها أجاب على سبيل الإستيناف بقوله: (يريدون إن استطاعوا أن يردوا أهل الحق عما أكرمهم الله به من النظر في دين الله الذي لم يجعل الله شياطين الإنس من أهله) وهو الدين الذي أنزله إلى رسوله وأكمله للناس بولاية علي (عليه السلام) والمراد بالنظر فيه العلم به والتصديق بحقيته. (إرادة أن يستوي أعداء الله وأهل الحق في الشك والإنكار والتكذيب.. اه) مفعول له ليريدون والأصل أن يستوون هم وأهل الحق عدل عن الضمير إلى الظاهر لقصد دمهم صريحا بنسبة العداوة إليهم ولعدم حاجة صحة العطف إلى الضمير الفصل والمراد بالشك دينهم الباطل أو الشك في دين الحق وبالإنكار الإنكار لقول الله تعالى وبالتكذيب التكذيب لقول رسوله في التنصيص بالولاية. (فلا يهولنكم ولا يردنكم عن النصر بالحق الذي خصكم الله من حيلة شياطين الإنس ومكرهم من أموركم) في القاموس: هاله يهوله هولا: أفزعه كهوله فاهتال فعلى هذا يجوز في لا يهولنكم تخفيف الواو وتشديدها ورده عن الأمر صرفه عنه فارتد هو وضمير الجمع الفاعل المحذوف راجع إلى أعداء الله أو إلى شياطين الإنس ولعل النهي راجع إلى الإهتيال والإرتداد المقصودين من الفعلين وقوله: " من حيلة شياطين الإنس " متعلق بالفعلين و " من " إما ابتدائية أو للتعليل أو بمعنى الباء والأصل من حيلتهم عدل عن الضمير إلى الظاهر لنسبة الشيطنة إليهم وتوبيخهم عليها ومن أموركم متعلق بمكرهم ومن كالمذكورة في المعاني الثلاثة أو بمعنى في أي لا تخافوا ولا ترتدوا عن نصرة الحق من أجل حيلتهم ومكرهم من أموركم واخيالهم في صرفكم عنها فإنهم شياطين الإنس " وأن كيد الشيطان كان ضعيفا ". (تدفعون عنهم السيئة بالتي هي أحسن.. اه) لعل المراد بالسيئة عداوتهم وإضرارهم وبالتي

[ 203 ]

هي أحسن التقية وفيه ترغيب، في دفع ضررهم بها. (لا يحل لكم أن تظهروهم على أصول دين الله) هي الولاية وعدم الجبر والتفويض وزيادة الصفات وجواز الرؤية ونحوها أو الأعم منها ومن الأحكام المختصة بالشيعة مثل وجوب المسح وإستحباب القنوت ورفع اليدين بالتكبيرات المندوبة وأشباهها. (فإنهم إن سمعوا منكم فيه شيئا) من الأمور المخصوصة بكم (عادوكم عليه) وآذوكم به بل ربما قتلوكم (ورفعوه عليكم) إلى الجائر أو إلى الناس بالتشهير والإفشاء (وجهدوا على هلاككم) بقدر الإمكان (واستقبلوا بما تكرهون) من الأقوال الغليظة وغيرها. (ولم يكن لكم النصفة منهم في دون الفجار) النصف والنصفة محركتين والإنصاف داد دادن والمنصف داد دهنده يعني أنهم وحاكمهم يجورون عليكم ولا يعدلون فيكم وفيه ترغيب بالتقية منهم وعدم إظهار ما يخالف مذهبهم عندهم لأنهم حينئذ يجتهدون على هلاككم وليس لكم من يدفع الظلم عنكم. (اعرفوا منزلتكم فيما بينكم وبين أهل الباطل) المنزلة موضع النزول والدرجة يعني وجب عليكم معرفة منزلتكم فيما بين الناس وهي الإيمان بالله وما يليق به وبالرسول وما جاء به وبالولاية ومن اتصف بها، وإظهار أصول الدين وأحكامه على أهلها والإتصاف بآدابه وأخلاقه والإمتثال بأوامره ونواهيه ليحصل لكم التميز بينها وبين منزلة أهل الباطل والتمكن من التحرز عنها وإنطباق الدليل عليه وهو قوله: (فإنه لا ينبغي لأهل الحق أن ينزلوا أنفسهم منزلة أهل الباطل) ظاهر لأن أهل الحق ينبغي أن يكونوا مع الحق فلا ينبغي لهم الإتصاف بالباطل كأهله، وهنا إحتمال أخر وهو أنه يجب عليكم معرفة منزلتكم فيما بينكم وهي ما ذكر ومنزلتكم فيما بين أهل الباطل وهي حسن المعاشرة معهم ظاهرا والتقية منهم للإحتراز من ضررهم إلا أن في إنطباق الدليل المذكور عليه خفاء إلا أن يراد بأهل الباطل في الدليل أعم من أهل الخلاف وتارك التقية لأن تاركها أيضا في باطل والله أعلم. (لأن الله لم يجعل أهل الحق عنده بمنزلة أهل الباطل) دليل لقوله لا ينبغي وبيان لشرافة منزل أهل الحق وخساسة منزل أهل الباطل عنده تعالى لأن منزل أهل الحق جنات النعيم أعدها لعباده المؤمنين الذين تمسكوا في الدين بالأئمة الطاهرين ومنزل أهل الباطل نار ذات عقارب وأغلال وذات سلاسل وأنكال فلا ينبغي لأهل الحق أن ينزلوا منزلهم. (لم يعرفوا وجه قول الله عز وجل في كتابه: إذ يقول أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار) وهذا وصف أهل الباطل وبيان لضعف

[ 204 ]

عقولهم حيث لم يعرفوا معنى الآية فإن قلت: أكثرهم أهل اللسان فكيف لم يعرفوا معناها ؟ قلت: المراد أنهم لاذهانهم السقيمة وأفكارهم العقيمة أخطأوا في المقصود منها فزعموا أنهم المؤمنون الصالحون المتقون وأن من عداهم ممن رفض طريقتهم هم الفجار المفسدون فقلبوا المقصود لفساد قلبهم ذلك مبلغهم من العلم ولذلك أدرج لفظ الوجه لأن وجه الكلام هو السبيل المقصود منه. (أكرموا أنفسهم عن أهل الباطل) لعله استيناف ولذلك ترك العاطف كأنهم قالوا إذا أوجب علينا النزول في منزلتنا والفرار من منزلتهم فكيف نصنع إذا كنا معهم فأجاب بما ذكر يعني عظموا أنفسكم وشرفوها عن ظلم أهل الباطل وجورهم بالموافقة في العمل تقية منهم (فلا تجعلوا لله تعالى وله المثل الأعلى) أي الشرف الأعلى من جميع الوجوه والواو للعطف (وإمامكم ودينكم الذي تدينون به) أي تعبدون ربكم وتطيعونه. (عرضه لأهل الباطل) العرضة بالضم المنصوب تقول جعله عرضة للناس أي نصبة لهم فلا يزالون يقعون فيه ويذكرون عيوبه وفي كنز: " اللغة العرضة در ميان انداخته ". (فتغضبوا الله عليكم) بفعل ما يوجب غضبه وعقوبته (فتهلكوا) على صيغة المجهول من الإهلاك أو المعلوم من الهلاك، وفعله كضرب ومنع وعلم. (لا تتركوا أمر الله وأمر من أمركم بطاعته) كما قال: * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) * (فيغير الله ما بكم من نعمة) متفرع على الترك وقد جرت سنة الله أن لا يغير ما بقوم من النعمة حتى يغيروا ما عليهم من الطاعة كما وقع ذلك في كثير من الأمم الماضية. (أحبوا في الله من وصف صفتكم) أي في سبيل الله أو بسبب الله، منشأ تلك المحبة هي الإشتراك في دين الحق وإتحاد المطلوب والطريق الموصل إليه والرفاقة فيه وإتحاد الأصل لأن المؤمنين أخوة بل هم كنفس واحدة وكونها في الله مشروط بأن لا يشوب بشئ من أغراض الدنيا فإنه لا إعتناء بها ولاثبات لها وقس على ذلك البغض في الله. (وابذلوا مودتكم ونصيحتكم لمن وصف صفتكم) النصيحة إرادة الخير للمنصوح له ويعتبر في حقيقتها الخلوص عن الغش والمراد ببذلها إرشاده إلى الخير وببذل المودة بذل آثارها ولوازمها ومن جملتها دفع المكاره والشر عنه وجلب المنافع والخير له. (وبغاكم الغوايل) أي الدواهي والمكاره وفي دستور: " اللغة الغائلة بدى ". (هذا أدبنا أدب الله) لأنه بأمره ووحيه وهو شامل للمحاسن والمحامد كلها وفي كنز: " اللغة الأدب كار پسنديده " ولكل عضو منه نصيب فأدب العين النظر إلى المصنوعات مثل الإستدلال بها

[ 205 ]

على وجود الصانع وقدرته وحكمته وأدب السمع إستماع الآيات وغيرها من الكلام الحق وأدب التكلم التكلم بما ينبغي والسكوت عن غير من الفضول وأدب القلب معرفة الله وما يليق به ومعرفة الرسول والاحكام والأخلاق والإتصاف بها وقس على ذلك. (فخذوا به وتفهموه واعقلوه) أمر أولا: بالأخذ به وهو تناوله وقبوله بالقلب. وثانيا: بتفهمه وهو معرفته ومعرفة حسنه وكماله. وثالثا: بعقله وهو الغور فيه وإدراك حسن عاقبته أو إمساكه وحفظه من عقلت الشئ إذا أمسكته وحفظته وهذه أمور ثلاثة لابد منها في كل مطلوب (ولا تنبذوه وراء ظهوركم) النبذ الرمى ونبذه كناية عن عدم الإلتفات إليه دائما. (ما وافق هداكم أخذتم وما وافق هواكم طرحتموه ولم تأخذوا به) الهدى القرآن والطريق المستقيم أيضا والهوى مشتهيات النفس وأمانيها وهو الهها ومعبودها كما قال عز شأنه: * (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه) * والإضافة فيهما لامية والخبر بمعنى الأمر على الظاهر وفيه إشارة إجمالية إلى أنه يجب على كل عاقل أن يزن ما ورد عليه بميزان العقل والشرع فما وافق الحق يأخذه وما وافق الباطل يتركه. (وإياكم والتجبر على الله) حذر عن التجبر على الله لأنه مهلك والمراد به ترك الإمتثال بأوامره ونواهيه وآدابه وأحكامه ومواعظه نصايحه أو المراد به التجبر على أولياء الله أو على الناس كلهم. (واعلموا أن عبدا لم يبتل بالتجبر على الله إلا تجبر على دين الله) وهو ظاهر لأن التجبر بالمعنيين المذكورين يوجب ترك ما اشتمل عليه دين الله وأيضا المتجبر يترك كل كمال وفضيلة حفظا لمرتبته كما هو شأن الجبارين. (فاستقيموا لله) بالثبوت على ولايته وولاية الرسول والأئمة عليهم السلام والإنقياد لأوامرهم ونواهيهم وآدابهم (ولا ترتدوا على أعقابكم) بإنكار شئ من ذلك بعد إذ هديتم. (فتنقلبوا خاسرين) كما هو حال المخالفين. وذلك هو الخسران المبين. (أجارنا الله وإياكم من التجبر على الله) هذا دعاء لنفوسهم القدسية ولمن تبعهم إلى يوم الدين، والتجاء إلى الله من التخلص عن هذه الخصلة الذميمة. (ولا قوة لنا ولكم إلا بالله) أي لا قوة في الطاعة والتحلي بالفضائل والتخلي من الرذائل وترك التجبر إلا بعون الله، وفيه إنقطاع عن الغير بل عن نفسه وإلتجاء إلى الله تعالى وطلب لتوفيقه على الخيرات كلها وإظهار للعجز والمسكنة والإفتقار إليه في جميع الأمور. (وقال: إن العبد إذا كان خلقه الله في الأصل الخلق مؤمنا) المراد بالخلق الإيجاد أو التقدير

[ 206 ]

وبأصل الخلقة الوجود الظلي والعيني وقوله: " مؤمنا " حال عن مفعول خلقه أو تميز عن النسبة فيه واللازم على التقديرين أن يكون خلق العبد مقرونا بإيمانه في علم الله ولا يلزم أن يكون إيمانه من فعله تعالى كما في قولك: ضربت زيدا قائما إذا كان قائما حالا عن زيد وهذا العبد المؤمن إذا ارتكب شرا وإن كان كفرا في بعض الأزمان بإغواء النفس الأمارة والشيطان (لم يمت حتى يكره الله إليه الشر) كره الشر تكريها صيره لديه كريها وذلك لأنه لحسن استعداده ونداء الملك الموكل بقلبه يهتدي إلى الخير وحسنه وحسن عاقبته ويعرف الشر وقبحه وقبح خاتمته فيميل إلى الخير ويحبه ويكره الشر ويبغضه وحينئذ يباعده الله منه بلطفه وتوفيقه وحيلولته بينه وبين الشر مع تأثر قلبه اللطيف من دعاء الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين والأرواح القديسين. (ومن كره الله إليه الشر وباعده منه عافاه الله من الكبر أن يدخله والجبرية) المراد بالكبر أن يعتقد العبد أنه أعظم من غيره وليس لأحد حق عليه بالجبرية بسكون الباء مع كسر الجيم وفتحها أن يظهر بأقواله وأفعاله وكلاهما من المهلكات لأنهما من أخص صفاته تعالى ومن ادعاهما فقد جعل لله شريكا. (فلانت عريكته) أي نفسه وطبيعته، دل التفريع كالتجربة على أن حصول اللينة متوقف على زوال الكبر إذ المتصف به خشن فظ غليظ القلب وهذه الأمور تنافي اللينة فلعدمه مدخل في حصولها ويتبعها كثير من الفضايل. (وحسن خلقه) وهو إنما يحصل من الإعتدال بين الإفراط والتفريط في القوة العقلية والشهوية والغضبية ويعرف ذلك بمخالطة الناس بالجميل والتودد والصلة والصدق واللطف والمبرة وحسن الصحبة والمراعاة والمواساة والرفق والحلم والاحتمال لهم والإشفاق عليهم وبالجملة هو تابع لإستقامة جميع الأعضاء الظاهرة والباطنة. (وطلق وجهه) بانبساطه وتهلله عند لقاء المؤمنين (وصار عليه وقار الإسلام وسكينته) مر تفسيرهما والفرق بينهما، ويمكن الفرق بينهما بوجه آخر وهو أن الوقار سكون النفس في مقتضى القوة الشهوية، والسكينة سكونها في مقتضى القوة الغضبية ويؤيده أن المحقق الطوسي عد الأول من أنواع العفة الحاصلة بإعتدال القوة الأولى، وعد الثاني من أنواع الشجاعة الحاصلة بإعتدال القوة الثانية. (وتخشعه) وهو التذلل والتضرع وإنما أضاف الثلاثة إلى الإسلام لأنها من أعظم ما يقتضيه الإسلام ولها فوائد جمة وإن كان الكل كذلك ثم الخضوع، والخشوع والتواضع متقاربة في المعنى ويمكن الفرق بينهما بأن لينة القلب من حيث أنها توجب الخوف والخشية والعمل خشوع، ومن

[ 207 ]

حيث أنها توجب الإنكسار والإفتقار خضوع ومن حيث أنها توجب إنحطاط الرتبة عن الغير وتعظيمه تواضع. (وورع عن محارم الله واجتنب مساخطه) هذا من آثار الحياء والحياء من آثار اللينة لأن اللين ينفعل قلبه سريعا عن إرادة المحارم والمساخط فيكف نفسه عنهما خوفا من اللوم وذلك الإنفعال هو الحياء والكف هو الورع (ورزقه الله مودة الناس) المراد بهم الشيعة إذ لا ينبغي المودة لغيرهم. (ومجاملتهم) في المعاملات والمحاورات والإحسان إليهم وفعل ما هو جميل لهم وهي من لوازم المودة. والرزق كلما ينتفع به فإطلاقه على المودة والمجاملة حقيقة ولهما منافع كثيرة لأن العاقل يعلم أن مودته ومجاملته لهم يستلزم مودتهم ومودة اتباعهم وخدمهم وحواشيهم ومجاملتهم له فيجلب لنفسه من مودة واحد ومجاملته مودة أشخاص كثيرة ومجاملتهم له وميل قلوبهم إليه وأنسهم به ومدافعتهم عنه وبذلك يتم نظامه وصلاح حاله في الدنيا وفي الآخرة (وترك مقاطعة الناس والخصومات) لأنها موجبة لنفارهم عنه وإضرارهم إياه وبعدهم عنه وعداوتهم له وبذلك يفسد نظامه والمراد بالناس كلهم ولذلك أتى باسم الظاهر (ولم يكن منها ولا من أهلها في شئ) أي لم يكن ثابتا في شئ من المقاطعة والخصومات، صغيرها وكبيرها، جليلها، وحقيرها، ولا في شئ من صفة أهلها من التباغض والتحاسد والتشاتم والتفاحش ونحوها. (وإن العبد إذا كان الله خلقه في الأصل أصل الخلق كافرا لم يمت حتى يحبب إليه الشر ويقربه منه) قال الفاضل الأمين الاسترابادي: معناه التخلية بينه وبين شيطانه وإخراج الملك عن قلبه وهذا من باب جزاء العمل في الدنيا كما وقع التصريح به في الأحاديث وفي كلام ابن بابويه (فإذا حبب إليه الشر وقربه منه) بالتخلية وسلب اللطف والتوفيق لسوء استعداده وفساد قلبه (ابتلى بالكبر والجبرية) المندرج فيهما جميع الرذائل النفسانية. (فقسا قلبه) أي صلب وغلظ واسود بحيث لا يهتدي إلى الخير ولا يقبله (وساء خلقه) لأن المتصف بالكبر والجبرية بترك محاسن الأخلاق كلها مثل السلم والكلام والتواضع والإنصاف والملاينة والمداراة ونحوها ويتصف بأضدادها لزعمه أنها منافية، لمرتبته وموجبة لإنكسار عظمته (وغلظ وجهه) كناية عن عبوسة وتصعره وعدم انبساطه وبشاشته. (وظهر فحشه) هو ما اشتد قبحه من الذنوب ويندرج فيه الغيبة والبهتان وسائر أكاذيب اللسان (وقل حياؤه) فلا يبالي وقوع شئ من القبايح والظاهرة والباطنة. (وكشف الله ستره) لعل المراد بالستر هو الحجاب بين الذنوب وبين المقربين فإذا كشفه فضحه عندهم فيبغضونه ويلعنونه والله سبحانه ستار يستر ذنوب العبد إذا لم يتجاوز عن الحد أو المراد به

[ 208 ]

لطف الحق وتوفيقه الحاجز بين العبد والمعصية أو الملك الموكل بقلبه لدلالته على الخيرات فإذا رفعه منه وقع في الشرور والفرق بينه وبين التخلية كالفرق بين اللازم والملزوم لأن كشف الستر مستلزمة للتخلية. (فبعد ما بين حال المؤمن وحال الكافر) " بعد " بالضم والتنوين مبتدأ و " ما " زائدة للمبالغة في التعظيم والظرف خبر، والفعل محتمل والمقصود أن بينهما مباينة في الذات والصفات لأن ذات المؤمن وصفاته نورانية وذات الكافر وصفاته ظلمانية فلا جامع بينهما (سلوا الله العافية) من حال الكافر أو من الذنوب والأسقام أيضا. (صبروا النفس على البلاء في الدنيا) تصبر النفس حملها على الصبر، والبلاء بالفتح الإمتحان وشاع استعماله فيما يختبر به مثل التكاليف والأمراض والمصائب والفقر وتحمل الأذى ونحوها ومما يسهل الصبر النظر فيما ورد على الصلحاء من البلاء مما يعجز عن إدراك كميته عقول الأعلام وعن بيان كيفيته بيان الأقلام من تدبر فيه وفي حسن عاقبته وصبرهم عليه تيقن أن ذلك ليس لأجل استحقاقهم واستحقارهم بل لرفع درجتهم وإعلاء منزلتهم تلقاء بالقبول تأسيا بهم (فإن تتابع البلاء فيها والشدة في طاعة الله وولايته وولاية من أمر بولايته خير عاقبة عند الله في الآخرة من ملك الدنيا وإن طال تتابع نعيمها وغضارة عيشها في معصية الله وولاية من نهى الله عن ولايته) الشدة بالنصب عطف على التتابع وإحتمال نصبها على المعية بعيد كإحتمال جرها عطفا على البلاء والولاية بالفتح النصرة وبالكسر السلطان والإمارة، وزهرة الدنيا زينتها وبهجتها وكثرة خيرها وغضارة عيش الدنيا طيبها ولذتها يقال: إنهم لقى غضارة من العيش أي في خصب وخير، و " في " متعلق بملك الدنيا ومن متعلق بخير والتفضيل بإعتبار فرض الفعل وتقديره في المفضل عليه والمقصود أن المشقة في الدنيا مع الطاعة خير من الراحة فيها مع المعصية أما الطاعة فظاهرة وأما المشقة فلأن فيها ثواب وفي الراحة حساب، ولو قال: في طاعة الله لفهم أن المشقة في الدنيا خير من الراحة فيها وليس ذلك بمقصود وإنما المقصود ما ذكر لترغيب أهل الحق في الصبر على المشقة والطاعة وبيان أنهما خير من الراحة والمعصية التي من جملتها ترك الولاية ورفض طاعة الإمام (عليه السلام)، ولما أمر بصبر النفس على البلاء والطاعة وولاية من أمر الله بولايته ورفض ولاية من نهى الله عن ولايته أراد أن يشير على وجه المبالغة إلى تحقيقه وسببه وبيان من اتصف بالولاية الأولى ومن اتصف بالولاية الثانية وبيان شئ من أحوالهما والغاية المترتبة على جميع ذلك. (فقال: إن الله أمر بولاية الأئمة الذين سماهم الله في كتابه في قوله وجعلناهم أئمة) بتطهير ظاهرهم وباطنهم عن الأرجاس كلها ونصبهم للخلافة والإمامة وهي كالرسالة من قبله تعالى إذ هي

[ 209 ]

متوفقة على قدرة كاملة مانعة من الخطأ مطلقا ولا يعلم تلك القوة إلا هو. (يهدون بأمرنا) لا بأمر الناس، يقدمون أمر الله قبل أمرهم وحكم الله قبل حكمهم وقد مر في كتاب الحجة تفسيره بذلك عن أبي عبد الله (عليه السلام) أو يهدون بسبب أمرنا لهم بالهداية لا يحب الدنيا ورئاسة أهلها أو بسبب أمرنا فيهم وهو اللطف والعصمة المانعة من الزلل أو إلى أمرنا وهو ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله). (وهم الذين أمر الله بطاعتهم وولايتهم) في قوله: * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) * وفي قوله: * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا.. الآية) *. (والذين نهى الله عن ولايتهم وطاعتهم) بقوله: * (وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار) * فإن الغرض منه النهي عن إعتقاد ولايتهم وبقوله * (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء) * فإنه وإن ورد لسبب خاص يتناول النهي عن إعتقاد ولاية كل عدو لله. (هم أئمة الضلالة) يقدمون أمرهم وحكمهم قبل حكم الله ويتخذون بأهوائهم خلاف ما في كتاب الله تعالى وسنة رسوله (صلى الله عليه وآله) فيضلون ويضلون كما مر في كتاب الحجة تفسيره بذلك عنه (عليه السلام). (الذين قضى الله لهم أن يكون لهم دول في الدنيا) هي مثلثة جمع الدولة بالضم في المال والجاه وبالفتح في الحرب. وقيل هما فيهما سواء (على أولياء الله الأئمة من آل محمد) أي حكم بذلك وأمر به وفي هذا القضاء حكمة لا يعلمها إلا هو ولا يبعد أن يكون فيها إختبارهم وإختبار هذه الأمة بهم كإختبار جميع الأمم بالشيطان ليتميز الخبيث منهم من الطيب وله الحكم وهو المستعان، والظاهر أن الموصول الأول وهو قوله: * (والذين نهى الله) * مبتدأ والموصول الثاني وهو قوله: * (الذين قضى الله) * صفة لائمة الضلالة وقوله: (يعملون في دولتهم بمعصية الله ومعصية رسوله (صلى الله عليه وآله)) خبر المبتدأ ويحتمل أن يكون الموصول الثاني بيانا وتفسيرا للموصول الأول وأن يكون خبرا وحينئذ قوله يعملون حال عن ضمير لهم أو استيناف كأنه قيل ما يصنعون في دولتهم فأجاب بما ذكر. (ليحق عليهم كلمة العذاب) وهي أمر الله به أو الآيات الدالة عليه كما يقال كلمة التوحيد ويراد بها الكلام الدال عليه أي فعل ما فعل وقضى ما قضى لتحق تلك الكلمة عليهم وعلى أتباعهم حقا مطابقة للإيمان أو ليثبت ثبوتا ظاهرا لا يخفى استحقاقهم له عليهم ولا على غيرهم، إذ قد جرت حكمة الله تعالى أن لا يعذب أحدا بسبب علمه بما يوجب استحقاقهم له وحكمة الله تعالى أن لا يعذب له حتى يتحقق المعلوم في الخارج ويطابق علمه به ويظهر استحقاقه للخلق. (وليتم أن تكونوا مع نبي الله تعالى محمد (صلى الله عليه وآله) والرسل من قبله) صلوات الله عليهم لعل المراد

[ 210 ]

بقوله: " ليتم " ليحق وإنما عدل إليه للتفنن ووجهه يعلم مما ذكر، ويمكن أن يكون فيه إيماء إلى أن علمه تعالى بإستحقاقهم للثواب كاف في الإثابة ولأعمالهم مدخل في تمامها وكمالها ويؤيده ظاهر بعض الآيات والروايات. (فتدبروا ما قص الله عز وجل عليكم في كتابه الكريم مما ابتلى به أنبياءه عليهم السلام وأتباعهم المؤمنين) يظهر ذلك بالتأمل في أحوال الماضين من المؤمنين كيف كانوا في حال التمحيص والبلاء كانوا أثقل الخلايق عناء وأجهدهم بلاء وأضيقهم حالا وأقلهم مالا، اتخذهم الفراعنة عبيدا وآذوهم شديدا وساموهم سوء العذاب وراموهم إلى أشد العقاب فلم تبرح الحال بهم في الهلكة وقهر الغلبة، لا يجدون حيلة في إمتناع ولا وسيلة إلى دفاع وقد جرت سنة الله في عباده الصالحين بالإختبار والإمتحان والتمحيص وما يلقاها إلا الصابرون الفائزون وهم خير عاقبة عند الله تعالى في الدنيا والآخرة وهم المؤمنون المفلحون فتأس بهم عند نزول البلاء وقل: مرحبا بشعار الصالحين. (ثم سلوا الله أن يعطيكم الصبر على البلاء في السراء والضراء) الصبر وإن كان من فعل البعد ولذلك وقع التكليف به لكن التوفيق والقوة المعدة له من فعله تعالى، والضراء الحالة التي تضر وهي نقيض السراء وهما بناءان للمؤنث ولا مذكر لهما (والشدة والرخاء) لعل المراد بالفقرة الأولى ما يتعلق بالبدن مثل الصحة والسلامة والأمراض ونحوها وبالثانية ما يتعلق بالمال كضيق العيش وسعته وفي الرخاء والسراء أيضا ابتلاء لكثرة ما يطلب فيهما وقد ذكرنا توضيح ذلك في أول كتاب الكفر والإيمان. (مثل الذي أعطاهم) من الصبر والتوفيق له والقوة عليه والعائد إلى الموصول محذوف. (وإياكم ومماظة أهل الباطل) هي شدة المخاصمة والمنازعة مع طول اللزوم في أمر الدين والدنيا وقد ذكرنا مفاسدها آنفا. (وعليكم بهدى الصالحين) الهدى بفتح الهاء وفد تكسر وسكون الدال السيرة والطريقة والهيئة وأما ضم الهاء وفتح الدال هنا بمعنى الرشاد فبعيد، ثم ذكر للصالحين ثمانية أوصاف هي أمهات الفضايل وأمر بالإقتداء بهم فيها أولها الوقار وهو أصل للسبعة الباقية لأن الوقار سكون النفس بالله وعدم اضطرابها لشئ مما سواه وهو في الحقيقة يتحقق بالإعتدال في القوة العقلية والشهوية والغضبية فإذا تحقق هذا حصلت سكينة الأعضاء وصفة الحلم الموجب للعفو عن الأنام والصفح عن الإنتقام، وصفة التخشع لله ولرسوله ولجميع المؤمنين، وصفة الورع عن المحارم، وصدق اللسان في الأقوال كلها، والوفاء بعهد الله وعهد الناس، والإجتهاد في العمل لله خالصا ثم

[ 211 ]

رغب في الأمور المذكورة بقوله: (فإنكم إن لم تفعلوا ذلك) المذكور من الصبر على البلاء والإحتراز عن المماظة والإتصاف بسيرة الصالحين. (لم تنزلوا عند ربكم منزلة الصالحين قبلكم) لأن تلك المنزلة المقررة للصلحاء لا ينزلها من لم يتصف بصفاتهم. (وأعلموا أن الله عز وجل إذا أراد بعبد خيرا) لعل المراد بالخير اللطف والتوفيق لاستعداد العبد في قبولهما، أو خلق حب الحق وكراهة الباطل في قلبه - عند الفاضل الأمين الاسترابادي - أو الأذن في دخول الجنة - عند بعض المفسرين - أو الهداية إليها في الآخرة بسبب إيمانه في الدنيا وهذا مروي عن الرضا (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: * (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام) * أو المراد بالإرادة العلم وصح إطلاقها عليه كما ذكره بعض المحققين وعلى التقادير لا يرد أنه تعالى أراد خير العباد كلهم فلا وجه للتخصيص ببعضهم. (شرح صدره للإسلام) أي بكشف الحجب المانعة منه حتى يقبله أو يبسطه ويوسعه لقبوله وقبول أحكامه ومعارفه والتسليم لله والثقة به والسكون إلى ما وعده من ثوابه ولا محالة يصير عالما بها ولذلك قال: (فإذا أعطاه ذلك) أي شرح الصدر اللازم لإرادة الخير والمستلزم للعلم (نطق لسانه بالحق وعقد قلبه عليه) عقدا ثابتا لا يزول بالشبهات وغيرها والمراد بالحق ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله) والإقرار بالولاية وذلك لظهور أن النطق به وعقد القلب عليه فرع العلم فتأمل. (إذا جمع الله تعالى له ذلك) المذكور وهو إرادة الخير وشرح الصدر والنطق بالحق والعقد عليه والعمل به وإنما نسب الجميع إليه سبحانه مع أن أكثر ذلك فعل العبد بإعتبار توفيقه إياه ثم إسلامه دل على أن حق العمل خارج عن حقيقته متمم له موجب لكماله. (وكان عند الله عز وجل إن مات على ذلك الحال من المسلمين حقا حقا) مفعول مطلق لفعل مقدر تأكيد للحق المستفاد من مضمون الجملة لرفع إحتمال الباطل، والحال يذكر ويؤنث فلذلك ذكره هنا وأنثه فيما يأتي. (وإذا لم يرد الله تعالى بعبد خيرا) يعرف ذلك بما مر وإنما لم يرد ذلك له لإبطاله الإستعداد الفطري والعقل النظري بسوء أعماله واعراضه عن الإيمان بالله وبمن أمر بطاعته. (وكله إلى نفسه) أي خلاه مع نفسه جزاء لعمله والنفس أمارة بسوء (فكان صدره ضيقا حرجا) الحرج الضيق أو أشد أفراده فعلى الأول تأكيدا وعلى الثاني تأسيس ومبالغة في عدم قبوله

[ 212 ]

للحق وإنكاره لأهله. (فإن جرى على لسانه حق) على سبيل الإتفاق أو لغرض من الأغراض (لم يعقد قلبه) لعدم اعتقاده به إذا لم يعقد قلبه عليه. (لم يعطه الله العمل به) ولم يوفقه له ضرورة أن العمل قد يتوقف على الإعتقاد به (فإذا اجتمع ذلك عليه حتى يموت) دل على قبول توبته إن تاب، وإنما لم ينسب الجمع هنا إلى الله تعالى كما في السابق لأن ذلك من سوء صنيعه وعوج تدبيره (وهو على تلك الحال) باقيا على الباطل (كان عند الله من المنافقين) الذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم (وصار ما جرى على لسانه من الحق الذي لم يعطه الله أن يعقد قلبه عليه) لإنقلاب قلبه عنه. (ولم يعطه العمل به) بسبب خذلانه وسلب توفيقه عنه ووكوله إلى نفسه وهو معنى الإضلال في قوله تعالى * (يضل الله من يشاء) *. (حجة عليه يوم القيامة) لتصوره إياه مع عدم إعتقاده به فيلوم نفسه متأسفا بفواته. (فاتقوا الله وسلوه أن يشرح صدوركم للإسلام.. اه) أمر بالإتقاء من عقوبة الله وخذلانه والتحرز من صفات المنافقين بالسؤال المذكور للإشعار بأن ذلك لا ينال إلا بتوفيق الله والإستعانة به، واعلم أن فعل العبد وإن كان منه لكن يتوقف حصوله على أسباب ومسببات وشرائط متكثرة لو انتفت واحدة منها أو انتقصت لم يتحقق الفعل أو انتقص، وأكثرها من الله تعالى وبعضها وإن كان من العبد يتوقف على توفيق ولطف واستعانة به كما روى " أبى الله أن يجري الأشياء إلا بأسبابها " مثلا كف بصرك عن المحارم يتوقف على العلم بنفعه وضرر ضده والقدرة عليه وإلهام حتى تنتهي إلى الكف وكل ذلك من الله تعالى إلا الأخير وهو الإرادة الجازمة المقارنة للفعل وقد ذكرنا في كتاب التوحيد جملة منها على سبيل الإجمال ولكن لا تجب علينا معرفة تفاصيل ذلك وإنما الواجب علينا عقلا ونقلا وتجربة أن نعرف أنا نحتاج في أفعالنا إلى التوسل بالله تعالى والإستعانة به وطلب التوفيق واللطف منه كما في هذه الرواية وغيرها من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والأخبار العلوية فلذلك كرر (عليه السلام) الأمر بالتوسل به والسؤال عنه والإستعانة منه والله ولي التوفيق. (وإن يجعل منقلبكم منقلب الصالحين قبلكم) الإنقلاب الرجوع والمنقلب بضم الميم وفتح اللام أما مكان أو زمان أو مصدر أي يجعل مرجعكم أو رجوعكم إلى الله تعالى في جميع الأوقات أو في وقت الإحتضار أو في القيامة مثل مرجع الصالحين أو رجوعهم في الإشتمال على السرور والكرامة والروح والراحة المعرى عن الحسرة والندامة. (ومن سره أن يعلم أن الله يحبه فليعمل بطاعة الله وليتبعنا) أشار إلى أن محبة الله تعالى لعبده

[ 213 ]

مسببة عن طاعة الله ومتابعة الأئمة عليهم السلام استشهد لذلك بقوله: (ألم يسمع قول الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله): " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم) تطبيقه على المدعى من جهة أن متابعته متابعة النبي (صلى الله عليه وآله) أو سبب لها وهي سبب لمحبة الله تعالى للعبد.

[ 214 ]

صحيفة علي بن الحسين عليهما السلام وكلامه في الزهد * الأصل: 2 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه جميعا عن الحسن بن محبوب، عن مالك بن عطية، عن أبي حمزة قال: ما سمعت بأحد من الناس كان أزهد من علي بن الحسين (عليهما السلام) إلا ما بلغني من علي بن أبي طالب (عليه السلام)، قال أبو حمزة: كان الإمام علي بن الحسين (عليهما السلام) إذا تكلم في الزهد ووعظ أبكى من بحضرته، قال أبو حمزة: وقرأت صحيفة فيها كلام زهد من كلام علي بن الحسين (عليهما السلام) وكتبت ما فيها ثم أتيت علي بن الحسين صلوات الله عليه فعرضت ما فيها عليه فعرفه وصححه وكان ما فيها: بسم الله الرحمن الرحيم كفانا الله وإياكم كيد الظالمين وبغي الحاسدين وبطش الجبارين أيها المؤمنون لا يفتننكم الطواغيت وأتباعهم من أهل الرغبة في هذه الدنيا المائلون إليها المفتتنون بها، المقبلون عليها وعلى حطامها الهامد وهشيمها البائد غدا، واحذروا ما حذركم الله منها وازهدوا فيما زهدكم الله فيه منها ولا تركنوا إلى ما في هذه الدنيا ركون من اتخذها دار قرار ومنزل استيطان، والله إن لكم مما فيها عليها [ ل‍ ] - دليلا وتنبيها من تصريف أيامها وتغير انقلابها ومثلاتها وتلاعبها بأهلها، إنها لترفع الخميل وتضع الشريف وتورد أقواما إلى النار غدا ففي هذا معتبر ومختبر وزاجر لمتنبه، إن الامور الوارة عليكم في كل يوم وليلة من مظلمات الفتن وحوادث البدع وسنن الجور وبوائق الزمان وهيبة السلطان ووسوسة الشيطان لتثبط القلوب عن تنبهها وتذهلها عن موجود الهدى ومعرفة أهل الحق إلا قليلا ممن عصم الله، فليس يعرف تصرف أيامها وتقلب حالاتها وعاقبة ضرر فتنتها إلا من عصم الله ونهج سبيل الرشد وسلك طريق القصد، ثم استعان على ذلك بالزهد فكرر الفكر واتعظ بالصبر فازدجر، وزهد في عاجل بهجة الدنيا وتجافى عن لذاتها ورغب في دائم نعيم الآخرة وسعى لها سعيها وراقب الموت وشنئ الحياة مع القوم الظالمين، نظر إلى ما في الدنيا بعين نيرة حديدة البصر، وأبصر حوادث الفتن وضلال البدع وجور الملوك الظلمة، فلقد لعمري استدبرتم الامور الماضية في الأيام الخالية من الفتن المتراكمة والانهماك فيما تستدلون به على تجنب الغواة وأهل البدع والبغي والفساد في الأرض بغير الحق فاستعينوا بالله وارجعوا إلى طاعة الله وطاعة من هو أولى بالطاعة ممن اتبع فاطيع.

[ 215 ]

فالحذر الحذر من قبل الندامة والحسرة والقدوم على الله والوقوف بين يديه وتا الله ما صدر قوم قط عن معصية الله إلا إلى عذابه وما آثر قوم قط الدنيا على الآخرة إلا ساء منقلبهم وساء مصيرهم وما العلم بالله والعمل إلا إلفان مؤتلفان فمن عرف الله خافه وحثه الخوف على العمل بطاعة الله وإن أرباب العلم وأتباعهم: الذين عرفوا الله فعملوا له ورغبوا إليه وقد قال الله تعالى: * (إنما يخشى الله من عباده العلماء) * فلا تلتمسوا شيئا مما هذه الدنيا بمعصية الله واشتغلوا في هذه الدنيا بطاعة الله واغتنموا أيامها واسعوا لما فيه نجاتكم غدا من عذاب الله فان ذلك أقل للتبعة وأدنى من العذر وأرجا للنجاة، وقدموا أمر الله وطاعة من أوجب الله طاعته بين يدي الامور كلها، ولا تقدموا الامور الواردة عليكم من طاعة الطواغيت من زهرة الدنيا بين يدي الله وطاعته وطاعة اولي الأمر منكم. واعلموا أنكم عبيد الله ونحن معكم يحكم علينا وعليكم سيد حاكم غدا وهو موقفكم، ومسائلكم فأعدوا الجواب قبل الوقوف والمسائلة والعرض على رب العالمين، يومئذ لا تكلم نفس إلا باذنه. واعملوا أن الله لا يصدق يومئذ كاذبا ولا يكذب صادقا ولا يرد عذر مستحق ولا يعذر غير معذور، له الحجة على خلقه بالرسل والأوصياء بعد الرسل فاتقوا الله عباد الله واستقبلوا في إصلاح أنفسكم وطاعة الله وطاعة من تولونه فيها، لعل نادما قد ندم فيما فرط بالأمس في جنب الله وضيع من حقوق الله، واستغفروا الله وتوبوا إليه فانه يقبل التوبة ويعفو عن السيئة ويعلم ما تفعلون. وإياكم وصحبة العاصين ومعونة الظالمين ومجاورة الفاسقين، احذروا فتنتهم وتباعدوا من ساحتهم، واعلموا أنه من خالف أولياء الله ودان بغير دين الله واستبد بأمره دون أمر ولي الله كان في نار تلتهب، تأكل أبدانا قد غابت عنها أرواحها وغلبت عليها شقوتها، فهم موتى لا يجدون حر النار ولو كانوا أحياء لوجدوا مضض حر النار، واعتبروا يا اولى الأبصار واحمدوا الله على ما هداكم، واعلموا أنكم لا تخرجون من قدرة الله إلى غير قدرته وسيرى الله عملكم ورسوله ثم إليه تحشرون، فانتفعوا بالعظة وتأدبوا بآداب الصالحين. * الشرح: (صحيفة علي بن الحسين عليهما السلام وكلامه في الزهد) الزهد ترك الدنيا وصرف الإرادة عنها والفرار عن متاعها ومناهيها وقيل: الزهد ثلاثة أحرف: فالزاء ترك الزينة والهاء ترك الهوى والدال ترك الدنيا، وقيل: هو صرف الهمة إلى الله تعالى ورفض حلال الدنيا فضلا عن حرامها، وقال علي بن الحسين عليهما السلام: إن الزهد في آية من كتاب الله عز وجل: * (لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم) *. (كفانا الله وإياكم كيد الظالمين وبغي الحاسدين وبطش الجبارين) في النهاية: كفاه الله الأمر إذا

[ 216 ]

قام مقامه فيه والفرق بين الثلاثة أن الظالم الخارج عن الدين مكره وخدعته لقصد إخراج الغير منه تابع لفساد قوته العقلية، والحاسد بغيه وعداوته في زوال نعمة الغير على الأنحاء الممكنة وإرادتها لنفسه تابع لفساد قوته الشهوية، والجبار تسلطه وبطشه تابع لفساد قوته الغضبية والكل خارج عن حد العدل داخل في رذيلة الإفراط. (أيها المؤمنون لا يفتننكم الطواغيت وأتباعهم من أهل الرغبة في هذه الدنيا المائلون إليها المفتتنون بها المقبلون عليها وعلى حطامها الهامد وهشيمها البائد غدا) الطاغوت: الطاغي المتمرد عن أمر الله وكل ما عبد من دون الله ويأتي للواحد والجمع والمراد به هنا الراغب المنهمك في الدنيا وجمع أسبابها كسلطان الجور ومن دونه على تفاوت درجاتهم فلا يضلنكم ولا تمدن عينيك إلى ما هم فيه من كثرة النعم والتسلط على الغير فإنها حجب حائلة بين العبد والرب لو كانت مباحة فكيف إذا كانت محرمة، والحطام بالضم: " خرد وشكسته وريزه چيزى " والهامد: البالي المسود المتغير، واليابس من النبات والهشيم: " كياه ريزنده خشك درهم شكسته وضعيف "، والهاشم: الكاسر والبائد الزائل الهالك، و " غدا " ظرف له أو للهامد أيضا وهو كناية عن وقت الموت أو قبله في أقرب الأوقات أو بعده يوم القيامة أو الجميع والمراد بالحطام والهشيم متاع الدنيا سماه بهما ووصفه بما ذكر تحقيرا له وتنفيرا عنه على سبيل الإستعارة ووجه المشابهة أن معناهما وهو النبات اليابس كما أنه لا نفع له بالنسبة إلى ما تبقى خضرته ونضرته ويكون ذا ثمرة كذلك متاع الدنيا بالنسبة إلى الأعمال الصالحة النافعة الباقية في الآخرة على أن في الهشيم لو كان بمعنى الهاشم إشارة إلى معنى آخر وهو أنه يكسر عقله في الدنيا وقدره في الآخرة كما أن في وصفه بالبائد إشارة إلى انقطاعه وزواله سريعا فلا ينبغي أن يتوجه العاقل إلى الكاسر له والزائل عنه وقد ذكر للطواغيب وأتباعهم أوصاف أربعة مترتبة: الأول: الرغبة في الدنيا وهي بمنزلة إرادتها بعد تصور منافعها الزائلة، والثاني: الميل إليها وهي بمنزلة العزم لها. والثالث: الإفتتان بها أي إصابة فتنتها وقبول ضلالها حتى يذهب العقل الداعي إلى الخيرات الأخروية ويحصل القوة الداعية إلى الدنيا وجمع زخارفها. والرابع: الإقبال عليها وصرف العمر في تحصيلها وضبطها. (وأحذروا ما حذركم الله منها) ضمير الموصول محذوف وضمير التأنيث راجع إلى الدنيا ورجوعه إلى الموصول بإعتبار إرادة الدنيا والمعصية منه لا يناسب قوله: (وازهدوا فيما زهدكم الله فيه منها) كما لا يخفى وآيات التحذير والتزهيد أكثر من أن تحصى.

[ 217 ]

(ولا تركنوا إلى ما في هذه الدنيا ركون من اتخذها دار قرار ومنزل استيطان) الركون الميل والسكون وفعله من باب علم ونصر ومنع والمراد أن الدنيا مذمومة من هذه الجهة وهي الرضا بذاتها واتخاذها وطنا ودار إقامة كما يتخذها كذلك أبناء الدنيا وإلا فهي ممدوحة من حيث أنها محل للعبادة واتخاذ زاد الآخرة وما فيها سبب للقوة عليهما وإلى هذا أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: " ولنعم دار من لم يرض بها دارا ومحل من لم يوطنها محلا ". (والله أن لكم مما فيها عليها لدليلا وتنبيها من تصريف أيامها وتغير انقلابها ومثلاتها وتلاعبها بأهلها) لعل المراد من تصريف أيامها ذهاب قوم ومجئ آخرين، لا في الذاهبين رجوع إلى الدنيا ولا في الآخرين سكون فيها ويتغير انقلابها تغير الأمن والصحة والرخاء والسراء ونحوها إلى الخوف والسقم والشدة والضراء وبالعكس، وبمثلاتها صورها وأشكالها وشدائدها وهي جمع المثلة بفتح الميم وضم الثاء بمعنى العقوبة والشدائد ويتلاعبها بأهلها عرض زينتها وأسبابها عليهم فإذا ركنوا إليها أدبرت عنهم كما أدبرت عن الماضين أو البأس أسبابها الخسيسة بالصور الحسنة وتزيينها عند أهلها وهذا العمل شبيه بالملاعبة وفي الصيغة الدالة على وقوع الفعل من الطرفين دلالة على وقوعه منها على وجه الكمال وهذا العمل كما يسمى ملاعبة كذلك يسمى خدعة وغرارا على سبيل المكنية والتخييلية وفيه ترغيب لتنبيه اللبيب في الإتعاظ من تصاريفها وتقلبها على أهلها وتغيراتها وعدم ثباتها على وجه واحد كما تشهد عليه الديار الخاوية والمنازل الخالية فإن المنتبه إذا عرف هذه الأمور اتعظ بها وعبر منها ولا يركن إليها. (أنها لترفع الخميل وتضع الشريف وتورد أقواما إلى النار غدا) بإعطاء لذاتها الموجبة للدخول فيها ونسبة أمثال هذه الأفعال إلى الدنيا بإعتبار أنها سبب متأدي لها والمراد بالخميل من خفي ذكره وصوته والساقط الذي لا نباهة له، وهذه الفقرة يحتمل أن يكون بيانا لما قبلها فإن مضمونها شبه الملاعبة. (وفي هذا معتبر ومختبر وزاجر) أي ما ذكر من تصريف أيام الدنيا إلى آخره إعتبار وإختبار أو محل لهما، زاجر عن الميل إليها لمنتبه عاقل. وخصصه بالذكر لكونه المقصود بالخطاب وكل ذلك ظاهر لأن الدنيا ماضية بأهلها على طريقة واحدة وحالها مع القرون الباقية كحالها مع القرون الماضية والمنتبه إذا نظر إلى آفات الدنيا وتغيراتها والعقوبات النازلة فيها على اتخذها دار إقامة وشاهد أن كل ذلك أمور باطلة وأظلال زائلة ظهر في قلبه نور يمنعه عن التقحم فيها والركون إليها. (أن الأمور الواردة عليكم في كل يوم وليلة من مظلمات الفتن) الظاهر أن من بيانية للأمور مع إحتمال أن يكون إبتدائية لبيان منشأها والإضافة من باب جرد قطيفة، وفي بعض النسخ " من

[ 218 ]

ملمات الفتن " والملمة: النازلة من نوازل الدهر والمراد بالفتنة: فتنة الخلفاء وبني أمية وأضرابهم وأتباعهم الجارية من صدر الإسلام إلى يومنا هذا وكونها فتنة ومحنة ظاهر لشدتها على الإيمان وأهله وكثرة بلوى أهل الدين فيها بالقتل والأذى ونحوهما ويكفي في عظمتها هتكهم حرمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقتلهم الحسين (عليه السلام) وذريته وأصحابه وشيعته وسب أمير المؤمنين (عليه السلام) ثمانين سنة وما أحدثوا من البلاء على شيعتهم إلى غير ذلك من منكراتهم المعروفة الجارية إلى آخر الدهر وإنما وصفها بالظلمة لأن الواقع فيها لا يجد إلى الناصر سبيلا وإلى سبيل الخلاص دليل كالساير في الظلمة وحمل الفتنة على الأعم محتمل. (وحوادث البدع) البدعة كل ما أحدث في الدين مما لم يكن في عهد سيد المرسلين وصفها بالحدوث للكشف والإيضاح وقد أحدث العادلون عنه أحكاما غير محصورة خارجة من قانون الشرع وقع به الهرج والمرج وأنواع الشرور على أهل الإيمان (وسنن الجور) هو الظلم والضلال عن طريق الحق والسنة إذا أطلقت يراد بها ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله) وإذا أضيفت يراد بها معنى تقتضيه الإضافة فالمراد بها هنا طريقة الجاير وسيرته الخبيثة كغصب الفئ والأموال وقتل النفوس والإضلال وغير ذلك من أنواع الظلم والعدوان وأنحاء البغي والطغيان. (وبوائق الزمان) أي غوائله وشروره واحدها بايقة وهي الداهية وكل ما يصعب على النفس تحمله (وهيبة السلطان) هاب الشئ يهابه إذا أخافه والهيبة المخافة وإضافتها إضافة المصدر إلى المفعول. (ووسوسة الشيطان) لمن وجده أهلا لها ومستعدا لقبولها ليرده عن طريق الحق بالإرتداد كما رد بعد النبي (صلى الله عليه وآله) كثيرا من الصحابة والتابعين والشيعة ولم يبق منهم على دين الحق إلا أعناق الإسلام وأعراق الإيمان. (لتثبط القلوب عن تنبهها) أي تشغلها وتعوقها لكمال حيرتها ودهشتها عن فطنتها ويقظتها أو عن إدراكها وجه فسادها وكيفية التخلص منها وهذا في اللفظ خبر وفي المعنى زجر عن تثبط القلوب بأمثال هذه الموانع عن الحق ومعرفة أهله بالتفكر في أن هذه الأمور خارجة من القوانين العدلية وزمانها قليل منصرم وعقوبة مخالفة الحق وأهله شديدة دائمية. (وتذهلها عن موجود الهدى) أي تنسيها عن الهدى الموجود بينهم وهو الإمام المنصوب من قبل الله تعالى أو دينه الحق والقرآن الكريم وعرفة أهل الحق وهم الأوصياء وأتباعهم ولعل الذهول المفهوم من الإذهال كناية عن الترك والخروج من الحق إلى الباطل (إلا قليلا ممن عصم الله) وهم الذين آمنوا بالله وبرسوله وبالأئمة عليهم السلام في الميثاق وقد مر في كتاب الحجة أن من آمن بهم في الدنيا ولم يؤمن بهم في العهد الأول كان إيمانه غير مستقر ويخرج من الدنيا بغير إيمان.

[ 219 ]

(وعاقبة ضرر فتنتها) ضررها الخروج من الدين وعاقبته الدخول في النار والإضافة بيانية (نهج سبيل الرشد) أي سلكه والرشد الهداية والإستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه (وسلك طريق القصد) وهو طريق العدل وضد الإفراط كالإقتصاد. (بالزهد) في فضول الدنيا وزوائدها وإن كانت حلالا (فكرر الفكر في أحوالها) وانتقل إلى مآلها وتكراره يوجب ملكة الإعتبار وقوة الإزدجار. (واتعظ بالصبر فازدجر) الإتعاظ: قبول الوعظ من الواعظ الأمين والإزدجار: منع النفس من الميل إلى الدنيا أي اتعظ من أحوال الماضين أو من أحوال الدنيا مع أهلها متلبسا بالصبر على مكارهها ونوازلها فازدجر من الركون إليها والوقوف عليها وجعل الباء صلة للإتعاظ بعيد. (وزهد في عاجل بهجة الدنيا) بهجة الدنيا نعيمها وحسنها وزينتها وإضافة العاجل إليها اما بيانية أو من إضافة الصفة إلى الموصوف. (وتجافى عن لذتها) التجافي من الجفاء وهو البعد عن الشئ (ورغب في دائم نعيم الاخرة) الذي لا ينقطع طول الزمان. (وسعى لها سعيها) في ذكر المصدر وإضافته إلى الآخرة مبالغة وترغيب في السعي والإجتهاد لها والإتيان بأسبابها ومنافعها على قدر الإمكان. (وراقب الموت) مراقبة الموت وإنتظاره يزعج النفوس إلى الإستعداد لأمور الآخرة وقطع طريق الجنة وسلوك سبيلها ومما يعين على مراقبته أن يتصور أيام عمره فراسخ وساعاته أميالا وأنفاسه خطوات فكم من شخص بقيت له فراسخ وآخر بقيت له أميال وآخر بقيت له خطوات ولما لم يكن له علم ببقاء شئ من ذلك فليجوز وجود الموت في الآن الموجود هو فيه وليتعوذ بالله من وروده على غير عدة. (وشنئ الحياة مع القوم الظالمين) شنأه كمنعه وسمعه شنئا أبغضه وذلك لعلمه بأن في الميل إليهم فساد الدين وفي الرغبة عنهم هلاك النفس مع كراهته مشاهدة معصية الرب. (نظر إلى ما في الدنيا بعين نيرة) ظاهرة وباطنة وهذا كالتأكيد للسابق ولذا ترك العاطف (حديدة النظر) يبلغ نظره إلى أقصى ما فيها من المفاسد والمقابح. (وأبصر حوادث الفتن) المذكورة وغيرها مما في الاعصار السابقة والحاضرة (وضلال البدع) الحادثة في الدين من ابتدع المضلين. (وجور الملوك الظلمة) بالقتل والأسر والنهب وغير ذلك من سيرتهم الخبيثة وسنتهم السيئة. (فقد لعمري استدبرتم الأمور الماضية في الأيام الخالية من الفتن المتراكمة) أي فقد استدبرتم، حذف الفعل لوجود المفسر وقد لتقريب الماضي إلى الحال لإحضار مضمونه عند

[ 220 ]

المخاطب وهو أدخل في التحريص على التفكر فيه واللام للإبتداء والخبر محذوف وجوبا لقيام جواب القسم مقامه أي لواهب عمري على حذف المضاف أو المراد به صورة القسم تأكيدا لمضمون الكلام وترويجه وليس المراد به القسم حقيقة فلا يرد أنه لا يقسم بغير الله والعمر بالضم والفتح وفي القسم بالفتح فقط البقاء والزمان المقدر له، والركم بالسكون جمع شئ فوق آخر حتى يصير ركاما مركوما كركام الرمل وارتكم الشئ وتراكم اجتمع. (والإنهماك فيما تستدلون به) عطف على الفتن أو على الأمور إحتمال بعيد واللام عوض عن الإضافة أي أنهماكهم ولجاجهم وتماديهم فيما يستدلون به من غيهم وبدعهم وبغيهم وفسادهم في الأرض وما ورد عليهم بسبب ذلك من الإستيصال والنكال والعقوبات الدنيوية فإنكم إذا تأملتم في قوم نوح وعاد وشداد وثمود وفي قوم لوط وفرعون وقارون وهود إلى غير ذلك مما اشتمل عليه القرآن الكريم والخبر وذكره أرباب الأثر والسير يمكنكم الإستدلال به (على تجنب الغواة وأهل البدع والبغي والفساد في الأرض) بغير الحق فإن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار وازدجار لأهل الإعتبار. (فاستعينوا بالله) على التجنب منهم ومن صفاتهم، أو على دفع الشدائد كلها فإن الإنقطاع إلى الله وإلى معونته مادة كل مطلوب ووسيلة كل مرغوب والسعيد من استعان به في جلب الفوائد ورفع الشدائد (وارجعوا إلى طاعة الله وطاعة من هو أولى بالطاعة) وهم النبي والأوصياء عليهم السلام. (ممن اتبع فاطيع) كالخلفاء وأضرابهم في الجور والتفريع يدل على أن الإتباع غير الإطاعة وهو كذلك لأن الأول اعتقاد أنه حق والثاني اقتفاؤه في أقواله وأفعاله وسيرته المبتدعة والمراد بالإتباع اتباع الأولين وبالإطاعة إطاعة الآخرين كالأغنام يعد وبعضهم عقب بعض (فالحذر الحذر) أي ألزمو الحذر والإحتراز من موافقة الغواة وأهل البدع والبغي والفساد أو من مخالفة الله ومخالفة من وجبت طاعته أو من جميع القبايح أو من الجميع والتكرير للتأكيد (من قبل الندامة والحسرة) حيث لا تنفعان وهو وقت الموت وما بعده والفرق بينهما أن الندامة على فعل ما لا ينبغي والحسرة على ترك ما ينبغي. (والقدوم على الله والوقوف بين يديه) للحساب والجزاء والعطف للتفسير ويمكن أن يكون القدوم في البرزخ الوقوف في الحشر. (وتالله ما صدر قوم عن معصية الله إلا إلى عذابه) أي ما رجعوا عن معصية لله تعالى وما فرغوا منها إلا إلى عذابه، فيدل مقارنة العذاب للمعصية من غير مفارقة بينهما ولا مهلة فإن جهنم لمحيطة بالكافرين.

[ 221 ]

(وما آثر قوم قط الدنيا على الآخرة إلا ساء منقلبهم وساء مصيرهم) إيثارهم إما بطلب الزائد عن قدر الحاجة أو بطلبه من شبهة أو من غير حل أو بمنع الحقوق خوفا من النقص أو بطلبها المفضى إلى التقصير في العمل للآخرة أو إلى تركه رأسا أو إلى إنكاره وإنكار أهله سيما الإمام الهادي، وسوء المنقلب متفاوت وكل لاحق أسوء منقلبا من السابق. (وما العلم بالله والعمل إلا الفان مؤتلفان) وفي المصباح: ألفته من باب علم آنسته وأحببته واسم الفاعل أليف مثل عليم وآلف مثل عالم، وفي القاموس: الألف بالكسر والألف ككتف الأليف وعلى هذا يجوز في الفان مد الألف وكسرها وفتحها مع كسر اللام، وفي وصفهما بالإيتلاف مبالغة في وجود الألفة بينهما حتى لا يرضى أحدهما وجوده بدون الآخر كما روي عن أبي عبد الله (عليه السلام): " العلم مقرون إلى العمل فمن علم عمل ومن عمل علم والعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل عنه ". (فمن عرف الله خافه) لظهور أن من عرف عظمته وكبرياءه وغناه عن الخلق وغضبه وقهره وكمال قدرته عليهم وعلى تعذيبهم واهلاكهم من غير أن يسأله سائل أو يمنعه مانع أو يعود إليه ضرر وعرف كمال إحتياجهم إليه في الوجود والبقاء في جميع الحالات حصلت له حالة نفسانية موجبة لاضطرابه تحت الهيبة وهذه الحالة تسمى خوفا ولها مراتب غير محصورة بحسب تفاوت مراتب المعرفة. (وحثه الخوف على العمل بطاعة الله) لأن الخوف يحرك الخائف إلى ما يوجب القرب والإستعداد لفيضه ورفض ما يورث البعد عنه والإستحقاق لفيضه فيعمل بطاعته ويطهر ظاهره وباطنه عن الرذايل الموجبة للعقوبة والخذلان وبزينهما بالفضايل الموجبة للأمن والأمان (وأن أرباب العلم وأتباعهم الذين عرفوا الله وعملوا له ورغبوا إليه) الموصول خبر ان والمراد بأرباب العلم الأئمة عليهم السلام أو علماء الشيعة أيضا وبأتباعهم الشيعة وأما غيرهم فلم يعرفوا الله ولم يعملوا له لأن أصولهم فاسدة وطاعتهم باطلة. (وقد قال الله تعالى * (إنما يخشى الله من عباده العلماء) *) هم العلماء الربانيون الذين لهم معرفة بالله وبدينه على وجه يمنعهم من الركون إلى الدنيا وشهواتها ويزجرهم عن متابعة النفس ومشتهياتها ويبعثهم على عمل الآخرة وهم الموصوفون بالخشية وغيرها من الكمالات، ثم الخوف والخشية في اللغة بمعنى واحد فتم الإستشهاد بالآية إلا أن بينهما في عرف العارفين فرقا كما أشار إليه المحقق الطوسي في أوصاف الأشراف وهو أن الخوف ألم النفس من المكروه والمنتظر والعقاب المتوقع بسبب إحتمال فعل المنهيات وترك الطاعات، والخشية: حالة نفسانية

[ 222 ]

تنشأ من الشعور بعظمة الرب وهيبته وخوف الحجاب عنه بسبب الوقوف على النقصان والتقصير في أداء حقوق العبودية ورعاية الأدب فهي خوف خاص وإليه يرشد قوله تعالى: * (ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب) *. (فلا تلتمسوا شيئا مما في هذه الدنيا بمعصية الله) نهى عن إكتساب المعصية مطلقا ومنها الدنيا المانعة من الطاعة أو المفيضة إلى ترك الطهارة كبعض الأسفار للتجارة (واشتغلوا في هذه الدنيا بطاعة الله) في أوقاتها بشرايطها. (واغتنموا أيامها) إذ لا يمكن التدارك بعد الفراغ من الدنيا وضمير التأنيث لها وللطاعة (واسعوا لما فيه نجاتكم غدا) من عذاب الله من المفروضات والمندوبات. (فإن ذلك أقل للتبعة وأدنى من العذر) أي أقرب منه والتبعة بفتح التاء وكسر الباء على أحد من حق الغير سمي بها لأن صاحبه يتبعه ويطلبه ويطلب منه، وفيه تنبيه على أن العبد وإن اجتهد في الطاعة هو بعد في مقام التقصير إلا أن عذره لقلة تبعته قريب من القبول. (وأرجى للنجاة من العقوبة) وفيه إشعار بأن العامل المطيع لا ينبغي له الجزم بنجاته والإعتماد بعمله وإنما له رجاء النجاة كما دلت عليه الآيات والروايات والله سبحانه لا يخيب رجاءه إن شاء الله. (وقدموا أمر الله.. اه) أمر بتقديم أمر الله تعالى وطاعة الإمام المنصوب من قبله على جميع الأمور الدنيوية وإن كانت مباحة ولا يتحقق ذلك إلا بمراقبة العبد جميع حركاته وسكناته (ولا تقدموا الأمور الواردة عليكم من طاعة الطواغيت.. اه) من الأولى بيان للأمور أو ابتدائية لها وكذا الثانية يعطفها على الأولى من غير عاطف وتركها شايع ويحتمل أن يكون الثانية بيانا لطاعة الطواغيت أو ابتدائية لها والمراد بزهرة الدنيا متاعها سمي بها لحسنه وزينته ونضارته وكثرة خيره عند أهله وقد نهى (عليه السلام) عن تقديم طاعة الطواغيت من الجن والإنس وتقديم زهرات الدنيا ومتاعها على أمر الله وطاعته وطاعة أولي الأمر كما هو شأن أكثر الناس ذلك يوجب الدخول في النار وغضب الجبار كما نطق به الآيات والروايات. (واعلموا أنكم عبيد الله ونحن معكم) أي بين أظهركم إن أريد به المعية في الوجود أو عالمون بأحوالكم وأعمالكم وقد مر في الأصول أنهم عليهم السلام يعلمونها وفيه على الأول إشارة إلى أنه ينبغي تصحيح جميع الأعمال والأخلاق. (يحكم علينا وعليكم سيد حاكم غدا) أي يحكم علينا من جهة الهداية والإرشاد وعليكم من جهة الطاعة والإنقياد سيد متول لأمور الخلائق، حاكم عليهم غدا صبح يوم القيامة لا يرد أحد حكمه.

[ 223 ]

(وهو موقفكم ومسائلكم) عن دينكم وإمامكم وعقائدكم وأعمالكم ومكسب أموالكم ومصرفها لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا وهو يسألها. (فأعدوا الجواب قبل الوقوف والمسائلة والعرض على رب العالمين) أي فأعدوا الجواب النافع لكم وحاسبوا أنفسكم قبل الوقوف بين يدي الله عز وجل وقبل المسائلة والعرض عليه ولعل الغرض من الأمر بإعداد الجواب هو الحث على الإتيان بما فيه رضاه وفي ذكر الرب ترغيب فيه لأن من أخرجكم من العدم إلى الوجود ورباكم من حد النقص إلى الكمال استحق منكم الإتيان بمراضيه والإجتناب من مناهيه. (يومئذ لا تكلم نفس إلا بإذنه) هذه الكلمة الشريفة محركة إلى الخيرات كلها فإن كل أحد يتشبث يوم القيامة بأمر ينجيه من العذاب مثل الشفاعة والطاعة والإحسان إلى الخلق وغيرها مما فيه رضاه تعالى وكلفه به فإنه كان صادقا يؤذن له ويصدق وإلا فلا كما أشار إليه بقوله (واعلموا أن الله لا يصدق يومئذ كاذبا) فإن الكذب غير مصدق خصوصا في ذلك اليوم الذي لا رواج للكذب فيه وهو يوم بروز الكامنات وظهور الفاضحات ولا يكذب صادقا فيما توسل به كيف وهو يوم ينفع الصادقين صدقهم ولا يرد عذر مستحق لقبوله كمن ترك الصلاة قائما وصلاها جالسا أو موميا أو مع النجاسة لعدم القدرة أو تبرء من الإمام ظاهرا أو لم يظهر الإيمان للتقية وأمثال ذلك مما له عذر. (ولا يعذر غير معذور) عذرته فيما صنع عذرا من باب ضرب رفعت منه اللوم فهو معذور أي غير ملوم والإسم العذر أي يلوم ويعاقب من ليس له عذر في ترك ما أمر به من طاعته وطاعة رسوله وطاعة ولي الأمر بعدها إذ ليس له حجة وعذر على الله بعد البيان وإنما الحجة لله عليه كما أشار إليه بقوله: (له الحجة على خلقه بالرسل والأوصياء بعد الرسل) فمن أعرض عنهم ورجع إلى الطاغوت واتبع هواه في زهرات الدنيا وأصول الدين وفروعه محجوج معاقب يوم التناد وملوم معاقب على رؤوس الأشهاد ولما كانت التقوى أعظم ما ينتفع به العبد في الدنيا والآخرة حث عليها بقوله: (فاتقوا الله عباد الله بلزوم خوفه) في مراعات حقوقه وحقوق خلقه، والتقوى: ملكة واقية للعبد عما يورث الندامة يوم القيامة وموصلة له إلى أرفع المقام وأشرف الكرامة كما قال تعالى: * (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) *. (واستقبلوا في إصلاح أنفسكم) فيما بينكم وبين الخالق والمخلوق وحقيقته تهذيب النفس عن الرذائل وتزيينها بالفضائل، وتعدية الإستقبال في بإعتبار تضمينه بمعنى السعي أو الشروع أو هي بمعنى على كما في قوله تعالى: * (ولأصلبنكم في جذوع النخل) *. (وطاعة الله وطاعة من تولونه فيها) أول الطاعة معرفتهم والتصديق بما يليق بهم ثم الإنقياد

[ 224 ]

والتسليم لهم في الأوامر والنواهي ثم الإستعانة بهم والتوصل إليهم في جميع الأمور. (لعل نادما قد ندم فيما فرط بالأمس في جنب الله وضيع من حقوق الله) الجنب يطلق على الأمر وعلى معظم الشئ والولاية معظم أمر الله وحقوقه. ولعل كلمة رجاء وطمع وشك وإنما رجا (عليه السلام) وجود نادم من التفريط والتضييع فيما مضى من الحقوق اللازمة لقلة وجوده، وقيل: معناه أنه يمكن أن يندم نادم يوم القيامة على ما فرط وضيع في الدنيا وإمكان ذلك كاف في الحذر فكيف مع تحققه. (واستغفروا الله وتوبوا إليه) الإستغفار: طلب الغفر وهو الستر من الذنوب خوفا من مخالفة رب العالمين وإكشاف القبايح عند المقربين وهو سبب للعوض في الدنيا بإنزال البركات وفي الآخرة برفع الدرجات كما قال الله تعالى حكاية: * (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا) * والتوبة: الندم على الذنب وتركه لقبحه والعزم على عدم العود إليه مع تدارك ما أمكن تداركه من الأعمال الفائتة ورد المظالم إلى صاحبها أو تحصيل البراءة منه (فإنه يقبل التوبة ويعفوا عن السيئة) كما دلت عليه الآيات والروايات وإجماع أهل الإسلام ولعل المراد بقبولها إسقاط العقاب المرتب على الذنب الذي تاب منه تفضلا ورحمة بعباده كما ذهب إليه الأشاعرة والشيخ الطوسي في الإقتصاد والعلامة في بعض كتبه الكلامية وعلى هذا قوله: * (ويعفو عن السيئة) * التي تاب منها وقال المعتزلة: إن قبول التوبة واجب على الله تعالى حتى لو عاقب بعدها كان ظلما وتوقف المحقق في التجريد ومال الشيخ في الأربعين إلى الأول حيث قال: ومختار الشيخين هو الظاهر ودليل الوجوب مدخول (ويعلم ما تفعلون) فيه وعد بالثواب بفعل الطاعات ووعيد بالعقاب بفعل المنهيات وترغيب في تركها لأن المرايد لها إذا علم أن عليه رقيبا يتركها حياء. (وإياكم وصحبة العاصين) إلا مع إرادة نصحهم مع توقع التأثير وذلك للفرار من اللعن والعذاب النازل عليهم ولئلا يميل الطبع إلى طبعهم. (ومعونة الظالمين) في ظلمهم أو فيما يعود إليه أو يوجبه والأحوط ترك معونتهم مطلقا لعموم الآية والرواية (ومجاورة الفاسقين) بالسكنى في دارهم أو في جوارهم أو في بلادهم كما يظهر من بعض الروايات (احذروا فتنتهم) الفتنة الإضلال والفضيحة والمحنة والعذاب والإثم وهذا ناظر إلى الأولين أو إلى الأخير أيضا. (وتباعدوا من ساحتهم) أي ناحيتهم وفناء ديارهم وهو ناظر إلى الأخير. (واعلموا أنه من خالف أولياء الله) برد أقوالهم أو أفعالهم أو عقايدهم أو أوامرهم ونواهيهم وآدابهم أو بالشك فيها والأولياء هم السالكون طريق الحق بالمحبة الصادقة والرغبة التامة وهم

[ 225 ]

الأئمة عليهم السلام. (ودان بغير دين الله) أي من أخذ دينا مغايرا لدين الله أو عبد الله وأطاعه بغير دينه الذي جاء به الرسول (صلى الله عليه وآله) (واستبد بأمره دون أمر ولي الله) انفرد بأمره وعمل برأيه متجاوزا عن أمر ولي الله غير متمسك به. (كان في نار تلتهب) قال الفاضل الأمين الاسترابادي: كان بالتشديد ليكون من الحروف المشبهة بالفعل والمراد أن حاله هكذا ي الدنيا في نظر أولياء الله، أقول الجزاء حينئذ غير مرتبط بالشرط وتقدير العائد خلاف الظاهر والظاهر أن كان ناقصة وأنه شبه أعماله القبيحة وأخلاقه الذميمة وعقايده الفاسدة بالنار في الإهلاك واستعار لفظ النار لها ورشح بذكر الإلتهاب أو سماها نارا مجازا مرسلا بإعتبار أنها تصير نارا في القيامة. قال الشيخ في الأربعين: نقلا عن بعض العارفين مع تصويبه أن الحيات والعقارب والميزان في القيامة بعينها تلك الأعمال والأخلاق والعقائد الباطلة وإن اسم الفاعل في قوله تعالى: * (يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) * للحال وعلى حقيقته لا للإستقبال كما قيل وأن قبايحهم الخلقية والعملية والإعتقادية محيطة بهم في هذه النشأة وهي بعينها جهنم التي ستظهر عليهم في النشأة الأخروية بصورة النار وعقاربها وحياتها، ويحتمل أن يراد بالنار البعد والحرمان والسخط والخذلان على سبيل الإستعارة أو المجاز المرسل من باب تسمية السبب بإسم المسبب. (تأكل أبدانا) أي تحرقها أو تحكها أو تفسدها بتشبيه النار بالأكل في الفناء والإفساد وإثبات الأكل لها مكنية وتخييلية. (قد غابت عنها أرواحها) من باب نسبة الجمع إلى الجمع بالتوزيع والمراد بغيوبها فسادها بالمهلكات (وغلبت عليها شقوتها) الشقوة بالكسر ضد السعادة والشقوة الغالبة هي المخرجة عن الإيمان. (فهم موتى لا يجدون حر النار) كما لم يجده الميت لفقد شرطه وهو الروح والشعور وبالجملة كما أنه لابد في إدراك المعقولات من شعور خاص كذلك لابد في إدراك المحسوسات أيضا من شعور خاص ولم يوجد فيهم لأنهم بمنزلة الموتى مع أن الحكمة مقتضية لعدم وجدانه (ولو كانوا أحياء) كما يكون يوم القيامة (لوجدوا مضض حر النار) كما يجدون فيه والمضض محركة الألم والوجع (فاعتبروا يا أولي الأبصار) خطاب للشيعة وإنما أمرهم بالإعتبار من أحوالهم للفرار من مآلهم. (واحمدوا الله على ما هداكم) دل على أن الهداية موهبة من الله تعالى يلقيها في القلب ويوفق من قبلها. (واعلموا أنكم لا تخرجون من قدرة الله إلى غير قدرته) لأن قدرته دائمة أبدية فلا مفر لكم إلى غيره ففروا إلى الله، أو المراد منه سلب القدرة والقوة عن النفس والتمسك بقدرة الله وقوته في جميع الأمور (وسيرى الله عملكم ثم إليه تحشرون) فيه وعد ووعيد وترغيب في العمل الصالح

[ 226 ]

وتنفير عن القبايح روى عن أبي جعفر وأبي عبد الله وأبي الحسن الرضا عليهم السلام " إن أعمال العباد تعرض على رسول الله (صلى الله عليه وآله) والأئمة عليهم السلام قرأوا قوله تعالى: * (اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) * قالوا: المؤمنون علي بن أبي طالب والأئمة عليهم السلام وفي رواية أخرى " فلا تسوؤا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسروه ". (فانتفعوا بالعظة) هي بالكسر المنع من الدخول فيما منعه الله تعالى وحرمه. (وتأدبوا بآداب الصالحين) أدبه فتأدب أي علمه فتعلم أو الأدب كل ما فيه صلاح النفس سمي أدبا لأنه تعالى دعاهم إليه. * الأصل: 3 - أحمد بن محمد بن أحمد الكوفي وهو العاصمي، عن عبد الواحد بن الصواف، عن محمد ابن إسماعيل الهمداني، عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يوصي أصحابه ويقول: اوصيكم بتقوى الله فانها غبطة الطالب الراجي وثقة الهارب اللاجي واستشعروا التقوى شعارا باطنا واذكروا الله ذكرا خالصا تحيوا به أفضل الحياة وتسلكوا به طريق النجاة، انظروا في الدنيا نظر الزاهد المفارق لها فانها تزيل الثاوي الساكن وتفجع المترف الآمن ولا يرجى منها ما تولى فأدبر ولا يدري ما هو آت منها فينتظر، وصل البلاء منها الرخاء والبقاء منها إلى فناء، فسرورها مشوب بالحزن، والبقاء فيها إلى الضعف والوهن، فهي كروضة اعتم مرعاها وأعجبت من يراها، عذب شربها، طيب تربها، تمج عروقها الثرى، وتنطف فروعها الندي، حتى إذا بلغ الشعب إبانه واستوى بنانه هاجت ريح تحت الورق وتفرق ما اتسق فأصبحت كما قال الله: * (هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شئ مقتدرا) * انظروا في الدنيا في كثرة ما يعجبكم وقلة ما ينفعكم. * الشرح: (قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يوصي أصحابه ويقول: أوصيكم بتقوى الله) بالتجنب عن المعاصي والتنزه عما يشغل القلب عنه تعالى وهي أكمل ما ينفع في الدنيا والآخرة ولذلك بعد الوصية بها ذكر لها غايتين للترغيب فيها الأول أنها لعظم ثوابها في الآخرة يتمنى الناظر إليها منزلة صاحبها، الثانية أنها واقية تقي صاحبها عن المكاره والعقوبات الدنيوية والأخروية وإلى الأولى أشار بقوله: (فإنها غبطة الطالب الراجي) الغبطة بالكسر: النعمة والمسرة وحسن الحال من غبطته كضربته وسمعته إذا اشتهيت أن يكون لك مثل ما يكون له من غير أن يزول عنه فأنت غابط وذاك مغبوط ولعل المقصود أن التقوى غبطة لطالب لقاء الله الراجي له ونعمة عظيمة توجب علو منزلته ورفع درجته إلى حد يتمنى الناظر إليه منزلته وإنما جعلنا الطالب مغبوطا لا غابطا لأن إضافة الغبطة

[ 227 ]

إليه بتقدير اللام المفيدة للإختصاص تقتضي ذلك وأشار إلى الثانية بقوله: (وثقة الهارب اللاجي) الثقة مصدر بمعنى: الأحكام والإعتماد وغير مصدر بمعنى المحكم والمعتمد، والظاهر أن المراد هنا هو الثاني يعني أن التقوى ثقة للهارب من المكاره والعقوبات في الدنيا والأخرة واللاجي إلى الله منها وإلى هاتين الغايتين أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) في بعض خطبه بقوله: " فإن التقوى في اليوم الحرز والجنة وفي غد الطريق إلى الجنة " أراد باليوم مدة الحياة وبالغد القيامة يعني أن التقوى في حال الحياة حرز من المكاره وفي الآخرة حرز من العقوبات والشدائد كما ينطق به قوله تعالى: * (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب) * حيث دل على أن التقوى مناط للخروج من المضائق والمفاسد والوصول إلى المنافع والفوائد ثم أمر بالتزامها بقوله: (واستشعروا التقوى شعارا باطنا) الشعار بالكسر وقد يفتح الثوب الذي تلى الجسد لأنه يلي شعره واستشعره لبسه وشعارا إما حال عن التقوى أو مفعول بتضمين معنى الجعل والإتخاذ وإطلاقه على التقوى على وجه استعارته من الثوب لها والوجه ملازمة الجسد والإحاطة به مع الإشعار بلزوم خفائها وخلوصها عن الرياء والسمعة كخفاء الشعار بالدثار وفي وصفه بالباطن لقصد الإيضاح إيماء إليه ثم أمر بعد الحث على التقوى بما هو عبادة وأصل لجميع العبادات بل هو روح لها بقوله: (واذكر الله) بالقلب واللسان وعند الطاعة والمعصية (ذكرا خالصا) من الرياء والسمعة فإنكم إن ذكرتموه (تحيوا به أفضل الحياة) في الجنة مع الأبرار أو أراد به حياة القلب بروح الأذكار (تسلكوا به طريق النجاة) من العقوبات وهي طريق الجنة فإن الذكر مع كونه عبادة وسببا لسلوك طريقتها سبب أيضا لكمال غيره من العبادات الباعثة للنجاة (انظروا في الدنيا نظر الزاهد المفارق لها) أمر بترك الدنيا واحتقارها إلا بمقدار الضرورة، علل ذلك بذكر معايبها المنفرة عنها بقوله: (فإنها تزيل الثاوي الساكن) أي تزيل المقيم الساكن المطمئن إليها عما ركن إليه منها (وتفجع المترف الأمن) الفجع: الإيجاع والإيلام فجعه كمنعه أوجعه كفجعه والترفة بالضم: النعمة والطعام الطيب والشئ الطريف أترفته النعمة أطعمته والمترف كمكرم المتروك يصنع ما يشاء والمتنعم لا يمنع من تنعمه الحياء. أي الدنيا تفجع المتنعم بها الذي خدعته بأمانيها بسلب ما ركن إليه وأمن عليه زوال ماله وتغير حاله أو المراد بالأمن الأمن من الموت وما بعده فإن المترف الغافل حال إنهماكه في لذات الدنيا لا يعرض له خوف الموت بل يكون في تلك الحال آمنا منه (ولا يرجى منا ما تولى فأدبر) أي أعرض وولى الدبر من شباب وصحة ومال وعمر ونحوها. (ولا يدري ما هو آت منها فينتظر) إذ لا علم بالمستقبل منها من خير فينتظر وروده ولا من شر فيحترز منه (وصل البلاء منها بالرخاء والبقاء منها إلى فناء) وصل الشئ بالشئ وصلا وصلة بلغة وانتهى إليه وفيه تحريك للغافل بأن لا يرضى بالرخاء المتصل بالفناء.

[ 228 ]

(فسرورها مشوب بالحزن) أي مختلط مشبك به وفي بعض النسخ مشرب والإشراب: خلط لون بلون آخر كان أحد اللونين سقي اللون الآخر والتشريب مثله مع المبالغة والتكثير، والمراد به هنا مطلق الخلط وهذا ناظر إلى وصل البلاء بالرخاء. (والبقاء فيها إلى الضعف والوهن) كما قال عز وجل: * (ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة) * ولعل العطف للتفسير ويمكن أن يراد بالضعف ضعف القوى والحواس وبالوهن وهن العظم وسائر الأعضاء وهذا ناظر إلى وصل البقاء بالفناء. (فهي كروضة اعتم مرعاها) اعتم النبت بشد الميم: اكتهل أي أتم طوله وظهر نوره (وأعجت من يراها) بحسن منظرها وكمال زينتها. (عذب شربها) استعار الشرب بالكسر وهو الماء للذات الدنيا ورشحها بذكر العذب في ميل الطبع إليها (طيب تربها) لما فيه من أنواع الأشجار والأزهار والأثمار وغيرها مما يعجب النفس ويبعث الميل إليها. (تمج عروقها الثرى وتنطف فروعها الندى) الثرى بفتح الثاء والراء: الندى التراب الندى أو الذي إذا بل لم يصر طينا لازبا ولعل المراد هو الأول والمج الرمي يقال: مج الرجل الماء من فمه من باب نصر إذا رماه. ونطف الماء من باب نصر وضرب إذا قطر قليلا قليلا أو إذا سال والمقصود بيان كثرة مائها بحيث ترميه عروقها وفروعها وإنما قلنا: لعل لأنه لو أريد الثاني لكان له أيضا وجه وهو أي عروقها ترمي التراب عن جنبيها وتنقب فيه لقوتها. (حتى إذا بلغ العشب أبانه) العشب بالضم: الكلاء ما دام رطبا وأبان الشئ وقت ظهوره وكماله والنون أصلية فيكون فعالا بكسر الفاء وقيل: هي زايدة وهو فعلان من أب الشئ إذا تهيأ للذهاب. (واستوى بنانه) وتم قوته (هاجت ريح تحت الورق وتفرق ما اتسق) حت الورق بتشديد التاء فركها وقشرها فانحتت وتحاتت أي سقطت والورق محركة من الشجر معروفة والواحدة بهاء وتطلق على جمال الدنيا وبهجتها أيضا، وتفرق من التفريق وعطف على تحت والمراد به تفريق انتظامها وإزالة إجتماعها حتى كان لم تكن كما أشار إليه بقوله: (كما قال الله تعالى * (هشيما) *) أي مهشوما مكسورا * (تذروه الرياح) * أي اطارته من مكانه إلى أمكنة متفرقة * (وكان الله على كل شئ مقتدرا) * في غاية الإقتدار على إيجاده وإفنائه بلا مانع يمنعه ولا دافع يدفعه (انظروا في الدنيا في كثرة ما يعجبكم وقلة ما ينفعكم) ختم الكلام بعد ذم الدنيا والركون إليها بالنهي عن الإغترار بكثرة ما يعجبكم منها وعلله بقلة ما ينفعكم منها وقوله: " في كثرة " بدل لقوله: " في الدنيا " أو " في " بمعنى على أو مع والله ولي التوفيق.

[ 229 ]

خطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) وهي خطبة الوسيلة * الأصل: 4 - محمد بن علي بن معمر، عن محمد بن علي بن عكاية التميمي، عن الحسين بن النضر الفهري، عن أبي عمرو الأوزاعي، عن عمرو بن شمر، عن جابر بن يزيد قال: دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) فقلت: يابن رسول الله قد أرمضني اختلاف الشيعة في مذاهبها فقال: يا جابر ألا اوقفك على معنى اختلافهم من أين اختلفوا ومن أي جهة تفرقوا ؟ قلت: بلى يابن رسول الله. قال: فلا تختلف إذا اختلفوا يا جابر إن الجاحد لصاحب الزمان كالجاحد لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في أيامه، يا جابر اسمع وع، قلت: إذا شئت، قال: اسمع ودع وبلغ حيث انتهت بك راحلتك إن أمير المؤمنين (عليه السلام) خطب الناس بالمدينة بعد سبعة أيام من وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وذلك حين فرغ من جمع القرآن وتأليفه فقال: الحمد لله الذي منع الأوهام أن تنال إلا وجوده وحجب العقول أن تتخيل ذاته لامتناعها من الشبه والتشاكل بل هو الذي لا يتفاوت في ذاته ولا يتبعض بتجزئة العدد في كماله، فارق الأشياء لا على اختلاف الأماكن ويكون فيها لا على وجه الممازجة، وعلمها لا بأداة، لا يكون العلم إلا بها وليس بينه وبين معلومه علم غيره به كان عالما بمعلومه، إن قيل: كان فعلى تأويل أزلية الوجود وإن قيل: لم يزل، فعلى تأويل نفي العدم، فسبحانه وتعالى عن قول من عبد سواه واتخذ إلها غيره علوا كبيرا. نحمده بالحمد الذي ارتضاه من خلقه وأوجب قبوله على نفسه وأشهد أن لا إله إلا الله حده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، شهادتان ترفعان القول وتضاعفان العمل، خف ميزان ترفعان منه وثقل ميزان توضعان فيه وبهما الفوز بالجنة والنجاة من النار والجواز على الصراط بالشهادة تدخلون الجنة بالصلاة تنالون الرحمة، أكثروا من الصلاة على نبيكم * (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) * صلى الله عليه وآله وسلم تسليما. أيها الناس إنه لا شرف أعلى من الإسلام ولا كرم أعز من التقوى ولا معقل أحرز من الورع ولا شفيع أنجح من التوبة ولا لباس أجمل من العافية ولا وقاية أمنع من السلامة ولا مال أذهب بالفاقة من الرضى بالقناعة ولا كنز أغنى من القنوع ومن اقتصر على بلغة الكفاف فقد انتظم الراحة وتبوأ خفض الدعة، والرغبة مفتاح التعب والاحتكار مطية النصب والحسد آفة الدين والحرص داع إلى التقحم في الذنوب وهو داع إلى الحرمان والبغي سائق إلى الحين والشره جامع لمساوي العيوب

[ 230 ]

رب طمع خائب وأمل كاذب ورجاء يؤدي إلى الحرمان وتجارة تؤول إلى الخسران، ألا ومن تورط في الامور غير ناظر في العواقب فقد تعرض لمفضحات النوائب وبئست القلادة قلادة الذنب للمؤمن. أيها الناس إنه لا كنز أنفع من العلم، ولا عز أرفع من الحلم، ولا حسب أبلغ من الأدب ولا نسب أوضع من الغضب، ولا جمال أزين من العقل، ولا سوأة أسوء من الكذب، ولا حافظ أحفظ من الصمت، ولا غائب أقرب من الموت. أيها الناس [ إنه ] من نظر في عيب نفسه اشتغل عن عيب غيره، ومن رضي برزق الله لم يأسف على ما في يد غيره، ومن سل سيف البغي قتل به، ومن حفر لأخيه بئرا وقع فيها، ومن هتك حجاب غيره انكشف عورات بيته، ومن نسي زلله استعظم زلل غيره، ومن أعجب برأيه ضل، ومن استغنى بعقله زل، ومن تكبر على الناس ذل، ومن سفه على الناس شتم، ومن خالط الأنذال حقر، ومن حمل ما لا يطيق عجز. أيها الناس إنه لا مال [ هو ] أعود من العقل، ولا فقر [ هو ] أشد من الجهل ولا واعظ [ هو ] أبلغ من النصح، ولا عقل كالتدبر، ولا عبادة كالتفكر، ولا مظاهرة أوثق من المشاورة، ولا وحشة أشد من العجب، ولا ورع كالكف عن المحارم، ولا حلم كالصبر والصمت. أيها الناس في الإنسان عشر خصال يظهرها لسانه: شاهد يخبر عن الضمير، حاكم يفصل بين الخطاب، وناطق يرد به الجواب، وشافع يدرك به الحاجة، وواصف يعرف به الأشياء، وأمير يأمر بالحسن، وواعظ ينهى عن القبيح، ومعز تسكن به الأحزان، وحاضر تجلى به الضغائن، ومونق تلتذ به الأسماع. أيها الناس إنه لا خير في الصمت عن الحكم كما أنه لا خير في القول بالجهل وأعلموا أيها الناس إنه من لم يملك لسانه يندم، ومن لا يعلم بجهل، ومن لا يتحلم لا يحلم، ومن لا يرتدع لا يعقل، ومن لا يعقل يهن، ومن يهن لا يوقر، ومن لا يوقر يتوبخ، ومن يكتسب مالا من غير حقه يصرفه في غير أجره، ومن لا يدع وهو محمود يدع وهو مذموم، ومن لم يعط قاعدا منع قائما، ومن يطلب العز بغير حق يذل، ومن يغلب بالجور يغلب، ومن عاند الحق لزمه الوهن، ومن تفقه وقر، ومن تكبر حقر، ومن لا يحسن لا يحمد. أيها الناس إن المنية قبل الدنية، والتجلد قبل التبلد، والحساب قبل العقاب، والقبر خير من الفقر، وغض البصر خير من كثير من النظر، والدهر يوم لك ويوم عليك فإذا كان لك فلا تبطر وإذا كان عليك فاصبر فبكليهما تمتحن - وفي نسخة: وكلاهما سيختبر -. أيها الناس أعجب ما في الإنسان قلبه وله مواد من الحكمة وأضداد من خلافها فإن سنح له

[ 231 ]

الرجاء أذله الطمع، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الأسف، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ، وإن أسعد بالرضى نسي التحفظ، وإن ناله الخوف شغله الحذر وإن اتسع له الأمن استلبته الغرة - وفي نسخة: أخذته الغرة، - وإن جددت له نعمة أخذته العزة، وإن أفاد مالا أطغاه الغنى، وإن عضته فاقة شغله البلاء - وفي نسخة: جهده البكاء - وإن أصابته مصيبة فضحه الجزع، وإن أجهده الجوع قعد به الضعف، وإن أفرط في الشبع كظته البطنة فكل تقصير به مضر وكل إفراط له مفسد. أيها الناس إنه من قل ذل، ومن جاد ساد، ومن كثر ماله رأس، ومن كثر حلمه نبل، ومن أفكر في ذات الله تزندق، ومن أكثر من شئ عرف به، ومن كثر مزاحه استخف به، ومن كثر ضحكه ذهبت هيبته. فسد حسب من ليس له أدب، إن أفضل الفعال صيانة العرض بالمال، ليس من جالس الجاهل بذي معقول، من جالس الجاهل فليستعد لقيل وقال، لن ينجو من الموت غني بماله ولا فقير لإقلاله. أيها الناس لو أن الموت يشترى لاشتراه من أهل الدنيا الكريم الأبلج واللئيم الملهوج. أيها الناس إن للقلوب شواهد تجري الأنفس عن مدرجة أهل التفريط، وفطنة الفهم للمواعظ ما يدعو النفس إلى الحذر من الخطر، وللقلوب خواطر للهوى، والعقول تزجر وتنهى، وفي التجارب علم مستأنف، والإعتبار يقود إلى الرشاد، وكفاك أدبا لنفسك ما تكرهه لغيرك، وعليك لأخيك المؤمن مثل الذي لك عليه، لقد خاطر من استغنى برأيه، والتدبر قبل العمل فإنه يؤمنك من الندم، ومن استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ ومن أمسك عن الفضول عدلت رأيه العقول، ومن حصن شهوته فقد صان قدره، ومن أمسك لسانه أمنه قومه ونال حاجته، وفي تقلب الأحوال علم جواهر الرجال، والأيام توضح لك السرائر الكامنة، وليس في البرق الخاطف مستمتع لمن يخوض في الظلمة، ومن عرف بالحكمة لحظته العيون بالوقار والهيبة، وأشرف الغنى ترك المنى، والصبر جنة من الفاقة، والحرص علامة الفقر، والبخل جلباب المسكنة، والمودة قرابة مستفادة، ووصول معدم خير من جاف مكثر، والموعظة كهف لمن وعاها، ومن أطلق طرفه كثر أسفه، وقد أوجب الدهر شكره على من نال سؤله، وقل ما ينصفك اللسان في نشر قبيح أو إحسان، ومن ضاق خلقه مله أهله، ومن نال استطال، وقل ما تصدقك الامنية، والتواضع يكسوك المهابة، وفي سعة الأخلاق كنوز الأرزاق، كم من عاكف على ذنبه في آخر أيام عمره. ومن كساه الحياء ثوبه خفي على الناس عيبه، وانح القصد من القول فإن من تحرى القصد خفت عليه المؤن، وفي خلاف النفس رشدك، من عرف الأيام لم يغفل عن الاستعداد، ألا وإن من كل جرعة شرقا وإن في كل أكلة غصصا، لا تنال نعمة إلا بزوال اخرى. ولكل ذي رمق قوت ولكل حبة

[ 232 ]

آكل وأنت قوت الموت. اعلموا أيها الناس إنه من مشى على وجه الأرض فإنه يصير إلى بطنها، والليل والنهار يتنازعان، وفي نسخة: اخرى يتسارعان - في هدم الأعمار. يا أيها الناس كفر النعمة لؤم، وصحبة الجاهل شؤم، إن من الكرم لين الكلام، ومن العبادة إظهار اللسان وإفشاء السلام، إياك والخديعة فإنها من خلق اللئيم، ليس كل طالب يصيب ولا كل غائب يؤوب، لا ترغب فيمن زهد فيك، رب بعيد هو أقرب من قريب، سل عن الرفيق قبل الطريق وعن الجار قبل الدار، ألا ومن أسرع في المسير أدركه المقيل، استر عورة أخيك لما يعلمها فيك، اغتفر زلة صديقك ليوم يركبك عدوك، من غضب على من لا يقدر على ضره طال حزنه وعذب نفسه، من خاف ربه كف ظلمه - وفي نسخة: من خاف ربه كفي عذابه - ومن لم يزغ في كلامه أظهر فخره، ومن لم يعرف الخير من الشر فهو بمنزلة البهيمة، إن من الفساد إضاعة الزاد، ما أصغر المصيبة مع عظم الفاقة غدا، هيهات هيهات وما تناكرتم إلا لما فيكم من المعاصي والذنوب، فما أقرب الراحة من التعب والبؤس من النعيم وما شر بشر بعده الجنة وما خير بخير بعده النار وكل نعيم دون الجنة محقور وكل بلاء دون النار عافية، وعند تصحيح الضمائر تبدو الكبائر تصفية العمل أشد من العمل، وتخليص النية من الفساد أشد على العاملين من طول الجهاد هيهات لولا التقى لكنت أدهى العرب. أيها الناس: إن الله تعالى وعد نبيه محمدا (صلى الله عليه وآله) الوسيلة ووعده الحق ولن يخلف الله وعده ألا وإن الوسيلة على درج الجنة وذروة ذوائب الزلفة ونهاية غاية الامنية لها ألف مرقاة ما بين المرقاة إلى المرقاة حضر الفرس الجواد مائة عام وهو ما بين مرقاة درة إلى مرقاة جوهرة، إلى مرقاة زبرجد إلى مرقاة لؤلؤة، إلى مرقاة ياقوتة، إلى مرقاة زمردة، إلى مرقاة مرجانة، إلى مرقاة كافور، إلى مرقاة عنبر، إلى مرقاة يلنجوج، إلى مرقاة ذهب، إلى مرقاة غمام، إلى مرقاة هواء، إلى مرقاة نور قد أنافت على كل الجنان ورسول الله (صلى الله عليه وآله) يومئذ قاعد عليها، مرتد بريطتين ريطة من رحمة الله وريطة من نور الله، عليه تاج النبوة وإكليل الرسالة قد أشرق بنوره الموقف وأنا يومئذ على الدرجة الرفيعة وهي دون درجته وعلي ريطتان ريطة من ارجوان النور وريطة من كافور، والرسل والأنبياء قد وقفوا على المراقي، وأعلام الأزمنة وحجج الدهور عن أيماننا، وقد تجللهم حلل النور والكرامة، لا يرانا ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا بهت بأنوارنا، وعجب من ضيائنا وجلالتنا، وعن يمين الوسيلة عن يمين الرسول (صلى الله عليه وآله) غمامة بسطة البصر يأتي منها النداء: يا أهل الموقف طوبى لمن أحب الوصي وآمن بالنبي الامي العربي ومن كفر فالنار موعده، وعن يسار الوسيلة عن يسار الرسول (صلى الله عليه وآله) ظلة منها النداء: يا أهل الموقف طوبى لمن أحب الوصي وآمن بالنبي الأمي، والذي له الملك الأعلى لا فاز

[ 233 ]

أحد ولا نال الروح والجنة إلا من لقي خالقه بالإخلاص لهما والاقتداء بنجومهما، فأيقنوا يا أهل ولاية الله ببياض وجوهكم وشرف مقعدكم وكرم مآبكم وبفوزكم اليوم على سرر متقابلين ويا أهل الانحراف والصدود عن الله عز ذكره ورسوله وصراطه وأعلام الأزمنة أيقنوا بسواد وجوهكم وغضب ربكم جزاء بما كنتم تعملون وما من رسول سلف ولا نبي مضى إلا وقد كان مخبرا امته بالمرسل الوارد من بعده ومبشرا برسول الله (صلى الله عليه وآله) وموصيا قومه باتباعه ومحليه عند قومه ليعرفوه بصفته وليتبعوه على شريعته ولئلا يضلوا فيه من بعده، فيكون من هلك [ أ ] وضل بعد وقوع الإعذار والإنذار عن بينة وتعيين حجة. فكانت الامم في رجاء من الرسول وورود من الأنبياء ولئن اصيبت بفقد نبي بعد نبي على عظم مصائبهم وفجائعها بهم فقد كانت على سعة من الأمل، ولا مصيبة عظمت ولا رزية جلت كالمصيبة برسول الله (صلى الله عليه وآله) لأن الله ختم به الإنذار والإعذار وقطع به الاحتجاج والعذر بينه وبين خلقه وجعله بابه الذي بينه وبين عباده ومهيمنه الذي لا يقبل إلا به ولا قربة إليه إلا بطاعته، وقال في محكم كتابه: * (من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا) * فقرن طاعته بطاعته ومعصيته بمعصيته فكان ذلك دليلا على ما فوض إليه وشاهدا له على ما اتبعه وعصاه وبين ذلك في غير موضع من الكتاب العظيم، فقال تبارك وتعالى في التحريض على اتباعه والترغيب في تصديقه والقبول لدعوته: * (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم) * فاتباعه (صلى الله عليه وآله) محبة الله ورضاه غفران الذنوب وكمال الفوز ووجوب الجنة وفي التولي عنه والاعراض محادة الله وغضبه وسخطه والبعد منه مسكن النار وذلك قوله: * (ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده) * يعني الجحود به والعصيان له فان الله تبارك اسمه امتحن بي عباده وقتل بيدي أضداده وأفنى بسيفي جحاده وجعلني زلفة للمؤمنين وحياض موت على الجبارين وسيفه على المجرمين وشد بي أزر رسوله وأكرمني بنصره وشرفني بعلمه وحباني بأحكامه واختصني بوصيته واصطفاني بخلافته في امته فقال (صلى الله عليه وآله) وقد حشده المهاجرون والأنصار وانغصت بهم المحافل: أيها الناس إن عليا مني كهارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي فعقل المؤمنون عن الله نطق الرسول إذ عرفوني أني لست بأخيه لأبيه وامه كما كان هارون أخا موسى لأبيه وامه ولا كنت نبيا فاقتضى نبوة ولكن كان ذلك منه استخلافا لي كما استخلف موسى هارون (عليهما السلام) حيث يقول: * (اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين) * وقوله (صلى الله عليه وآله) حين تكلمت طائفة فقالت: نحن موالي رسول الله (صلى الله عليه وآله) فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى حجة الوداع ثم صار إلى غدير خم فأمر فأصلح له شبه المنبر ثم علاه وأخذ بعضدي حتى رئي بياض إبطيه رافعا صوته قائلا في محفله: " من كنت

[ 234 ]

مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " فكانت على ولايتي ولاية الله وعلى عداوتي عداوة الله. وأنزل الله عزوجل في ذلك اليوم: * (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) * فكانت ولايتي كمال الدين ورضا الرب جل ذكره وأنزل الله تبارك وتعالى اختصاصا لي وتكرما نحلنيه وإعظاما وتفضيلا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) منحنيه وهو قوله تعالى: * (ثم ردوا إلى الله موليهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين) *، في مناقب لو ذكرتها لعظم بها الارتفاع فطال لها الاستماع ولئن تقمصها دوني الأشقيان ونازعاني فيما ليس لهما بحق وركباها ضلالة واعتقداها جهالة فلبئس ما عليه وردا ولبئس ما لأنفسهما مهدا. يتلاعنان في دورهما ويتبرأ كل واحد منهما من صاحبه يقول لقرينه إذا التقيا: ياليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين، فيجيبه الأشقى على رثوثة: ياليتني لم أتخذك خليلا، لقد أضللتني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا، فأنا الذكر الذي عنه ظل السبيل الذي عنه مال والإيمان الذي به كفر والقرآن الذي إياه هجر والدين الذي به كذب والصراط الذي عنه نكب، ولئن رتعا في الحطام المنصرم والغرور المنقطع وكانا منه على شفا حفرة من النار لهما على شر ورود، في أخيب وفود، وألعن مورود، يتصارخان باللعنة ويتناعقان بالحسرة مالهما من راحة ولا عن عذابهما من مندوحة، إن القوم لم يزالوا عباد أصنام وسدنة أوثان، يقيمون لها المناسك وينصبون لها العتائر ويتخذون لها القربان ويجعلون لها البحيرة والوصيلة والسائبة والحام ويستقسمون بالأزلام، عامهين عن الله عز ذكره، حائرين عن الرشاد، مهطعين إلى العباد، وقد استخوذ عليهم الشيطان، وغمرتهم سوداء الجاهلية ورضعوها جهالة وانفطموها ضلالة فأخرجنا الله إليهم رحمة وأطلعنا عليهم رأفة وأسفر بنا عن الحجب نورا لمن اقتبسه وفضلا لمن اتبعه وتأييدا لمن صدقه. فتبوؤا العز بعد الذلة والكثرة بعد القلة وهابتهم القلوب والأبصار وأذغنت لهم الجبابرة وطوائفها وصاروا أهل نعمة مذكورة وكرامة منشورة وأمن بعد خوف وجمع بعد كوف وأضاءت بنا مفاخر معد بن عدنان وأولجانهم باب الهدى وأدخلناهم دار السلام وأشلمناهم ثوب الإيمان وفلجوا بنا في العالمين وأبدت لهم أيام الرسول آثار الصالحين من حام مجاهد ومصل قانت، ومعتكف زاهد، يظهرون الأمانة ويأتون المثابة حتى إذا دعا الله عزوجل نبيه (صلى الله عليه وآله) ورفعه إليه لم يك ذلك بعده إلا كلمحة من خفقة أو وميض من برقة إلى أن رجعوا على الأعقاب وانتكصوا على الأدبار وطلبوا بالأوتار وأظهروا الكتائب وردموا الباب وفلوا الديار وغيروا آثار رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورغبوا عن أحكامه وبعدوا من أنواره واستبدلوا بمستخلفه بديلا اتخذوه وكانوا ظالمين وزعموا أن من اختاروا من آل أبي قحافة أولى بمقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) ممن اختار رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمقامه وأن

[ 235 ]

مهاجر آل أبي قحافة خير من المهاجري الأنصاري الرباني ناموس هاشم بن عبد مناف ألا وإن أول شهادة زور وقعت في الإسلام شهادتهم أن صاحبهم مستخلف رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلما كان من أمر سعد بن عبادة ما كان رجعوا عن ذلك وقالوا: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مضى ولم يستخلف فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) الطيب المبارك أول مشهود عليه بالزور في الإسلام وعن قليل يجدون غب ما يعلمون وسيجدون التالون غب ما أسسه الأولون ولئن كانوا في مندوحة من المهل وشفاء من الأجل وسعة من المنقلب واستدراج من الغرور وسكون من الحال وإدراك من الأمل فقد أمهل الله عزوجل شداد بن عاد وثمود بن عبود وبلعم بن باعور وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة وأمدهم بالأموال والأعمار وأتتهم الأرض ببركاتها ليذكروا آلاء الله وليعرفوا الإهابة له والإنابة إليه ولينتهوا عن الاستكبار فلما بلغوا المدة واستتموا الأكلة أخذهم الله عزوجل واصطلمهم فمنهم من حصب ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من أحرقته الظلة ومنهم من أودته الرجفة ومنهم من أردته الخسفة * (وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) *. ألا وإن لكل أجل كتابا فإذا بلغ الكتاب أجله لو كشف لك عما هوى إليه الظالمون وآل إليه الأخسرون لهربت إلى الله عزوجل مما هم عليه مقيمون وإليه صائرون. ألا وإني فيكم أيها الناس كهارون في آل فرعون وكباب حطة بني إسرائيل وكسفينة نوح في قوم نوح إني النبأ العظيم والصديق الأكبر وعن قليل ستعلمون ما توعدون وهل إلا كلعقة الآكل ومذقة الشارب وخفقة الوسنان، ثم تلزمهم المعرات خزيا في الدنيا، ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما يعملون فما جزاء من تنكب محجته وأنكر حجته، وخالف هداه، وحاد عن نوره واقتحم في ظلمه واستبدل بالماء السراب وبالنعيم العذاب وبالفوز الشقاء وبالسراء الضراء وبالسعة الضنك، إلا جزاء اقترافه وسوء خلافه فليوقنوا بالوعد على حقيقته وليستيقنوا بما يوعدون، * (يوم تأتي الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج * إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير * يوم تشقق الأرض عنهم سراعا) * - إلى آخر السورة -. * الشرح: قوله (خطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) وهي خطبة الوسيلة) لاشتمالها على ذكر الوسيلة ومقامها وكيفيتها ومن عليها. عن جابر بن يزيد قال: دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) فقلت: يابن رسول الله قد أرمضني اختلاف الشيعة في مذاهبها) أي أحرقني وأوجعني اختلافهم واختيار كل صنف منهم مذهبا حتى صاروا فرقا كثيرة مختلفة في الأصول والفروع. (فقال: يا جابر ألا أوقفك على معنى اختلافهم من أين اختلفوا ومن أي جهة تفرقوا) قيل

[ 236 ]

وقفه عليه قبل ذلك لا في هذه الخطبة. أقول: ذكر (عليه السلام) فيها اختلاف الصحابة بعد النبي (صلى الله عليه وآله) ورجوعهم عن أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى خلفاء الجور وصار ذلك محلا لإختلاف الشيعة وسببا له إذ لو رجعوا إليه لما ادعى الكاذب الإمامة ولم يطمعها أحد ولما حصل الاختلاف بينهم فاختلاف الصحابة معنى يقتضي اختلاف الشيعة ومحله وسببه. (قلت بلى يا بن رسول الله. قال فلا تختلف إذا اختلفوا) لكثرتهم أو لشبهتهم وتلبيسهم كما اختلف لذلك كثير من الناس (يا جابر: إن الجاحد لصاحب الزمان كالجاحد لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في أيامه) لأنه مكذب له فيما جاء به والمكذب له جاحد وذكر الصاحب (عليه السلام) على سبيل التمثيل، (يا جابر اسمع وع) أمر بالمحافظة والفهم بعد السماع لأن السماع لا ينفع بدونهما ثم أمر بتبليغه لينشر بين أهله (قلت: إذا شئت) بفتح التاء بمنزلة إن شاء الله لأن مشيئته مشيئة الله تعالى وفي إذا دلالة على وقوع المشيئة المستفاد في الأمر والجزاء محذوف بقرينة المقام أي إذا شئت أسمع أو بضم التاء واذن بالتنوين كما قيل. (إن أمير المؤمنين (عليه السلام) خطب الناس بالمدينة) في مسجدها على رؤوس الأشهاد كما سيصرح به (حين فرغ من جمع القرآن وتأليفه) وجاء به للصحابة فلم يقبلوه لاشتماله على ما ينافي مذهبهم صريحا وهو عند الصاحب (عليه السلام). (فقال: الحمد لله الذي منع الأوهام أن تنال إلا وجوده) لأن الأوهام لا تدرك إلا المعاني الجزئية المعلقة بالمحسوسات والمواد الجسمانية كالوضع والتحيز والمقدار ونحوها والله سبحانه ليس شيئا من هذه الأمور فلا يمكن للأوهام أن تدركه وتطلع على حقيقته نعم لها أن تنال وجوده لظهوره في صورة وجودها ووجود سائر مدركاتها وعوارض وجوداتها والتغيرات اللاحقة بها من جهة ما هو صانعها وموجدها إذ الوهم عند مشاهدة هذه المدركات المشخصة يحكم بذاته أو بمعونة العقل بوجوده تعالى لحاجتها إلى موجد ومقيم ومغير، ونسبة هذا الحكم إلى الوهم على الأول ظاهر وأما على الثاني فلأن العقل لما حكم بوجوده بتوسط هذه المعاني الجزئية مع مشاركة الوهم نسب الحكم به إليه وللعقل طريق آخر للحكم بوجوده وهو المفهومات الكلية والمعقولات العارية عن التشخصات فإنه يجعلها عنوانات للحكم بوجوده ومن هنا تسمعهم ينسبون الحكم بوجوده تارة إلى الوهم وتارة إلى العقل وظهر لك الفرق بينهما ولا يخفى عليك أن حمل الأوهام هنا على العقول أو الأعم منهما كما ظن غير معقول أما أولا فلأنه مجاز لا قرينة له لجواز حملها على الحقيقة وأما ثانيا فلأنها في مقابل العقول ولما بين (عليه السلام) أن الأوهام قاصرة عن إدراكه تعالى بذاته وصفاته أشار إلى أن العقول المدركة للكليات قاصرة عن إدراكه أيضا لسد باب من يدعي إدراكه لأن الإدراك لا يخلو من أحد هذين الوجهين فإذا امتنعا امتنع فقال:

[ 237 ]

(وحجب العقول أن تتخيل ذاته) أي تدركها وعبر عنه بالتخيل للتنبيه على أن العقل في عدم قدرته على إدراك ذاته كالخيال إذ الصور العقلية كالصور الخيالية في الحدوث والتجزي والتحليل والتحيز والاتصاف بالعوارض والافتقار إلى محل وعلة، وقدس الحق منزه عن جميع ذلك وإنما غاية عرفان العقل له أن يحكم بوجوده بالعنوانات العقلية ويعرفه بصفاته الإضافية والسلبية ثم علل المنع والحجب بقوله: (لامتناعها من الشبه والتشاكل) في التحليل والتوصيف والتصوير والتحيز والحلول والحاجة والتكيف والتشبه بالخلق وكل ذلك ممتنع في ذاته تعالى وبالجملة إدراك العقل والوهم حقيقة ذاته وصفاته يستلزم تشاكله وتشابهه بالخلق في الأمور المذكورة ونحوها وهي ممتنعة في حقه تعالى بل (هو الذي لا يتفاوت في ذاته) إشارة إلى نفي التركيب عنه مطلقا لأن كل مركب من أجزاء ذهنية أو خارجية له تفاوت في ذاته وذاتياته بالعموم والخصوص والمغايرة المباينة ونحوها أو إلى نفي اتصافه بصفات الخلق وتحقق التشابه بينه وبينهم لأن ذلك يوجب تحقق التفاوت في ذاته وأنه باطل بيان ذلك أن هويته المستفادة من قوله " بل هو " ذاتية مطلقة غير مضافة إلى الغير ومن كان كذلك فهو هو دائما من غير تبدل وتغير في ذاته وهويته فلو طرأ عليه المعاني وصفات الخلق لزم انتقاله من هويته الذاتية إلى هويته الإضافية فلزم التفاوت في ذاته وأنه محال ولما نفى التركيب واتصافه بصفات الخلق أشار إلى نفي اتصافه بصفات كماله كما زعمه طائفة من المبتدعة بقوله: (ولم يتبعض بتجزية العدد في كماله) أي في صفات كماله أو بسببها لأن كلها عين ذاته وقد مر معنى العينية في كتاب التوحيد والمراد بتجزية العدد تحليله بأجزائه المستلزم للكثرة وإنما نفى التبعض والتجزي للتنبيه على أنه يلزم القائلين لزيادة الصفات أن يكون الواجب مجموع الصفة والموصوف لأن الواجب كامل بالاتفاق والبرهان والكامل هذا المجموع لا كل واحد منها بانفراده بالضرورة والقول بأن المجموع واجب الوجود أقبح وأشنع للزوم التركيب والحدوث والإمكان والافتقار من جهات شتى وإن كان القول بأن الواجب أحدهما دون الآخر أيضا باطلا بالضرورة. (فارق الأشياء لا على اختلاف الأماكن) لاستحالة أن يكون له مكان ويكون البعد والفراق بينه وبينها مكانيا كما هو بين الأشياء المتباعدة بحسب الأمكنة بل المراد بمفارقته للأشياء مباينة ذاته وصفاته عن مشابهة شئ منها وهذه أمر سلبي اعتبره العقل له تعالى بعد الحكم بوجوده ولما كانت هنا مظنة أن يتوهم القاصرون من عدم كونه في مكان أنه غافل عن المكان وعما فيه كما يفعل عنها الخلق أشار إلى دفعه بقوله: (ويكون فيها لا على وجه الممازجة) أي المداخلة والحواية كما يقتضيهما الظرفية بل بالعلم والإحاطة بها وبما فيها فقوله: لا على وجه الممازجة، قرينة صارفة للظرفية عن مقتضاها إلى ما

[ 238 ]

ذكرنا ولما كان في وهم القاصر أن علمه تعالى بالمكان والمكانيات كعلمنا بها في الافتقار إلى الحواس والآلات دفعه بقوله: (وعلمها لا بأداة لا يكون العلم إلا بها) لأن علمه تعالى بالمحسوسات ليس من جهة الحواس والآلات الجسمانية والقوى البدنية كعلمنا بها وذلك لأنه منزه عن الصفات الجسمانية والأدوات البدنية ولاستحالة افتقاره في علمه إلى الغير لأنه من خواص الإمكان وفي قوله " لا يكون العلم إلا بها " إيماء إلى أن نفي كون علمه تعالى بأداة إنما يحتاج إليه في العلم بالمحسوسات لأنه محل الوهم لا مطلقا. (وليس بينه وبين معلومه علم غيره.. اه) بالتنوين والتوصيف أي ليس بينه وبين معلومه علم مغاير له تعالى بسببه كان عالما بمعلومه بل ذاته تعالى علم بمعلوماته ولو قرئ علم بالإضافة كان معناه ليس بينهما علم مغاير له تعالى بعلم ذلك العالم كان عالما بمعلومه وهو حينئذ رد على من ذهب إلى أنه يعلم الأشياء بصورها الحالة في المبادي العالية والعقول المجردة أو على من ذهب إلى أن إيجاده للخلق ليس من باب الاختراع والاهتداء، توضيحه أنه ليس إنشاؤه للخلق على وجه التعليم من الغير بحيث يشير عليه وجه الصواب حتى يكون أقرب إليه كما أشار إليه جل شأنه بقوله * (ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم) * وأشار إليه أمير المؤمنين في بعض خطبه بقوله " مبتدع الخلائق بعلمه بلا اقتداء ولا تعليم ". (إن قيل: كان فعلى تأويل أزلية الوجود) لما فهم من قولنا: فلان كان موجودا، حدوث وجوده في الزمان الماضي لدلالة " كان " عليه، أشار عليه الصلاة والسلام إلى نفي ذلك بأن المراد به أزلية وجوده. والأزل عبارة عن عدم الأولية والابتداء وذلك أمر يلحق واجب الوجود لما هو بحسب الإعتبار العقلي وهو ينافي لحوق الابتداء والأولية لوجوده لاستحالة اجتماع النقيضين (وإن قيل: لم يزل، فعلى تأويل نفي العدم) لما فهم من قولنا: لم يزل موجودا كون وجوده في الزمان وعدم زواله عنه، أشار إلى نفي ذلك - إذ لا زمان لوجوده - بأن معناه نفي العدم عنه وأن وجوده ليس مسبوقا. (فسبحانه وتعالى عن قول من عبد سواه واتخذ إلها غيره) أشار إلى أن من لم يعرفه على الوجه المذكور واعتقد أنه تعالى يدرك بالعقل والوهم بكنه ذاته وصفاته ويشابه الخلق بوجه من الوجوه أو يدخل التفاوت والتجزية في ذاته أو يحيط به المكان أو يعلم الأشياء بعلم زائد أو بعلم عالم آخر أو يلحق الزمان بوجوده إلى غير ذلك مما لا ينبغي له فقد اتخذ إلها غيره وعبد من لم يستحق العبودية فهو شرك بالله العظيم. (نحمده بالحمد الذي ارتضاه من خلقه وأوجب قبوله على نفسه) حمده بعد الحمد على

[ 239 ]

سبيل الدوام والثبات بما يدل على التجدد والإستمرار في جميع الأوقات للتنبيه على لزوم الاهتمام بحمده ويتجدد إرادته في جميع الآنات لأنه من أعظم الطاعات والقربات فلا ينبغي أن يكون مغفولا عنه في شئ من الساعات وأشار بالوصف الأول له إلى طلب كماله بالإخلاص الشافي النفس عن الرذايل الموجب للرضا والاختصاص وبالوصف الثاني إلى رجاء قبوله الموجب لمزيد الامتنان في الدنيا والرضوان في الآخرة. وهو حجة على من أنكر وجوب شئ عليه. (وأشهد أن لا إله إلا الله) قالوا: هذه الكلمة أشرف كلمة منطبقة على جميع مراتب التوحيد (وحده لا شريك له) حال بتأويل منفردا وتأكيدا للحصر (وأشهد أن محمدا عبده ورسوله) قدم العبودية لتقدمها في الواقع ولتحقق معنى الترقي ولئلا يكون ذكرها بلا فائدة وإنما لم يقل: نشهد، كما قال نحمد للتنبيه على قلة المشارك في الأول وكثرته في الثاني * (وإن من شئ إلا يسبح بحمده) *. (شهادتان ترفعان القول وتضاعفان العمل) أي كل واحدة من هاتين الشهادتين من صميم القلب وإذعانه وهي ترفع القول إلى درجة القبول كما قال سبحانه: * (إليه يصعد الكلم الطيب) * وهي التي صدرت من جهة الإذعان وصميم القلب لا بمجرد التقول بها وهذه الشهادة موجبة لتضاعف العمل لأن إخلاصها أصل لقبول الأعمال والعبادات وسبب لتضاعف الحسنات ولو لم تكن لم تقبل الأعمال فضلا عن المضاعفة. (خف ميزان ترفعان منه وثقل ميزان توضعان فيه) قال الشيخ في الأربعين: ثقل الميزان كناية عن كثرة الحسنات ورجحانها على السيئات وقد اختلف أهل الإسلام في أن وزن الأعمال الوارد في الكتاب والسنة هل هو كناية عن العدل والإنصاف والتسوية أو المراد به الوزن الحقيقي فبعضهم على الأول لأن الأعراض لا يعقل وزنها وجمهورهم على الثاني للوصف بالخفة والثقل في القرآن والحديث. والموزون صحائف الأعمال أو الاعمال نفسها بعد تجسمها في تلك النشأة، ثم قال: الحق أن الموزون في النشأة الأخرى هو نفس الأعمال لا صحايفها وما يقال من أن تجسم العرض طور خلاف طور العقل فكلام ظاهري عامي والذي عليه الخواص من أهل التحقيق أن سنخ الشئ أي أصله وحقيقته أمر مغاير بصورته التي يتجلى بها على المشاعر الظاهرة ويلبسها لدى المدارك الباطنة وأنه يختلف ظهوره في تلك الصور بحسب اختلاف المواطن والنشات فيلبس في كل موطن لياسا ويتجلبب في كل نشأة بجلباب كما قالوا: إن لون الماء لون إنائه وأما الأصل الذي يتوارد هذه الصور عليه ويعبرون عنه تارة بالسنخ ومرة بالوجه وأخرى بالروح فلا يعلمه إلا علام الغيوب فلا بعد في كون الشئ في موطن عرضا وفي آخر جوهرا، ألا ترى إلى الشئ المبصر فإنه

[ 240 ]

إنما يظهر لحس البصر إذا كان محفوفا بالجلابيب الجسمانية ملازما لوضع خاص وتوسط بين القرب البعد المفرطين وأمثال ذلك وهو يظهر بالحس المشترك عريا من تلك الأمور التي كانت شرط ظهوره لذلك الحس، ألا ترى الى ما يظهر في اليقظة من صورة العلم فإنه في تلك النشأة أمر عرضي ثم أنه يظهر في النوم بصورة اللبن فالظاهر في الصورتين سنخ واحد تجلى في كل موطن بصورة وتحلى في كل نشأة بحلية وتزيا في كل عالم بزي ويسمى في كل مقام باسم فقد تجسم في مقام ما كان عرضا في مقام آخر. (وبهما الفوز بالجنة والنجاة من النار والجواز على الصراط) الحصر إما للمبالغة في توقف الأمور الثلاثة عليهما أو لأن غيرهما من الأعمال الصالحة سبب لرفع الدرجة في الجنة، ثم المراد بهما أن لهما هذه الفضيلة بشروطها ومن شروطها الإقرار بالولاية بل له مدخل في تحقيق حقيقتها عند أهل الحق. واعلم أن الصراط الموعود به في القرآن والسنة حق يجب الإيمان به وإن اختلف الناس في حقيقته فظاهر الشريعة والذي عليه جمهور المسلمين ومن أثبت المعاد الجسماني يقتضي أنه جسم في غاية الدقة والحدة ممدود على جهنم وهو طريق إلى الجنة يجوزه من أخلص لله ومن عصاه سلك عن جنبيه أحد أبواب جهنم وقيل: هو دين الإسلام والحق أن كلا القولين صادق ويؤيده ما ذكره بعض العلماء من أنه روي عن الحسن العسكري (عليه السلام) " إن الصراط صراطان صراط في الدنيا وصراط في الآخرة فأما الصراط المستقيم في الدنيا فهو ما قصر عن الغلو وارتفع عن التقصير واستقام ولم يعدل إلى شئ من الباطل " وصراط الآخرة هو طريق المؤمنين إلى الجنة لا يعدلون عن الجنة إلى النار ولا إلى غير النار سوى الجنة والناس في ذلك متفاوتون فمن استقام على هذا الصراط وتعود سلوكه مر على صراط الآخرة مستويا ودخل الجنة أما قوله (عليه السلام): " فهو ما قصر عن الغلو وارتفع عن التقصير " ما ذهب إليه بعض الحكماء في تفسير الصراط وقالوا: هو الوسط الحقيقي بين الأخلاق المتضادة كالسخاوة بين التبذير والبخل والشجاعة بين التهور والجبن والاقتصاد بين الإسراف والتقصير والتواضع بين التكبر والمهانة والعفة بين الجمود والشهوة والعدالة بين الظلم والانضلام فالأوساط بين هذه الأوصاف المتضادة هي الأخلاق المحمودة ولكل واحد منها طرفا تفريط وإفراط هما مذمومان والصراط المستقيم وهو الوسط (وبالصلاة تنالون الرحمة) المراد بالصلاة الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) وبالرحمة القرب والكرامة، ورفع الدرجة (أكثروا من الصلاة على نبيكم) ذكر أم لم يذكر ومرجع الإكثار العرف واختلف الأمة في وجوبها فقال بعض العامة وجبت في العمر مرة، وقال بعضهم: في كل مجلس، وقال بعضهم: كلما ذكر، منهم الزمخشري وهو منقول عن ابن بابويه من أصحابنا: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا

[ 241 ]

أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) قيل: المراد بالتسليم الانقياد له. وقيل: السلام عليك أيها النبي وهو المنقول من الزمخشري والقاضي في تفسيرهما ومن الشيخ في تبيانه، واستدل بهذه الآية من قال بجواز استعمال المشترك في معنييه فإن الصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة الاستغفار وهي مستعملة فيهما وأجاب المانع أولا بأن المراد بالصلاة هنا معنى واحد وهو الاعتناء بإظهار الشرف ولو مجازا وثانيا بتقدير فعل للأول أي: إن الله يصلي، ومثله شايع. (أيها الناس أنه لا شرف أعلى من الإسلام) يعني متابعة الشريعة والإعراض عن الطبيعة وظاهر أنه لا شرف أعلى من شرف الإسلام إذ هو في الدنيا والعقبى. (ولا كرم أعز من التقوى) في كنز اللغة: الكرم بزرگوارى والمراد أن التقوى كرم فيها غاية عزة ليست في غيرها والعزة إما العظمة أو القدرة أو الغلبة والتقوى مستلزم لجميع ذلك لأنها تحمى أولياء الله محارمه وألزمت قلوبهم مخافته حتى أسهرت لياليهم وأظمأت هواجرهم وتربط الأبدان بالعبادات من الصيام والصلاة ونحوها فصاروا بذلك من أهل العظمة والقدرة والغلبة لأنهم حزب الله وحزبه هم الغالبون. (ولا معقل أحرز من الورع) المعقل كمنزل الملجأ والحصن يعني أن الورع عن محارم الله وعن ملاذ الدنيا أحرز حصن وأقوى ملجأ في دفع المخاطرات ومنع أسباب العقوبات ورد سهام الشيطان وكيد أرباب الطغيان لأن تلك المفاسد إنما تنشأ من الميل إلى الدنيا والورع بمعزل عنها. (ولا شفيع أنجح من التوبة) النجح بالضم والنجاح بالفتح الظفر بالشئ والذب يظفر بالتوبة النصوح بما لا يظفر به أحد من الشفاعة ونحوها لأن التوبة ماحية للذنوب كلها والشفاعة قد لا يتحقق ومع تحققها قد لا تقبل ومع قبولها قد لا تكون إلا بعد عقوبة شديدة في مدة طويلة (ولا لباس أجمل من العافية) أي العافية من الأسقام والبلاء والشدة والضراء والذنوب والكروب أجمل لباس وزينة والوجه في تشبيه العافية باللباس وهو الحسن والزينة في المشبه به حسي وفي الشبه عقلي. (ولا وقاية أمنع من السلامة) عن إيذاء الناس وبغضهم وغير ذلك مما يوجب التنافر بينهم وهي أمنع وقاية لدفع شرورهم. (ولا مال أذهب بالفاقة من الرضا بالقناعة) الرضا بالقناعة والاختصار بالواصل وعدم الاعتماد بغير الحاصل أقوى في إذهاب الفاقة من المال لأن القانع لا يفتقر إلى الغير إلى سؤاله بخلاف غير القانع فإنه في فقر وفاقه دائما وإن كان له مال. (ولا كنز أغنى من القنوع) أغنى من غنى بالكسر إذا ثبت وبقي يعني أن القنوع وهو الرضا

[ 242 ]

بالقوت أثبت وأبقى من الكنز لأنه لا ينقص ولا يغني بخلاف الكنز. (ومن اقتصر على بلغة الكفاف فقد انتظم الراحة وتبوأ خفض الدعة) البلغة ما تبلغ به من العيش، الكفاف من الرزق القوت وهو ما كف عن الناس وأغنى عنهم والدعة الخفض والسكون والراحة والتبوؤ النزول والاتخاذ يقال: تبوأ منزلا نزله واتخذه، والمراد به النزول في الراحة والسعة والتزامهما. (والرغبة مفتاح التعب) شبه الرغبة بالمفتاح من حيث أن الرغبة في الزيادة عن الكفاف وإرادتها آلة فتح باب التعب لأن في تحصيلها وحفظها تعبا شديدا مع عدم الحاجة إليها وفيه زجر عنها ومنع من تحملها، قال بعض المحققين: فيه إشارة إلى مسألة وهي أن الإتيان بالفعل الاختياري لا يتصور إلا لمن رغب فيه أولا وقد برهن عليه في موضعه. (والاحتكار مطية النصب) الاحتكار اللجاجة والظلم والاستبداد بالشئ وإساءة المعاشرة واحتباس الغلة لانتظار الغلاء والكل مناسب وتشبيه الاحتكار بالمطية من حيث أن النصب يرد عليه فكأنه يركب. (والحسد آفة الدين) أي مرض مفسد له لأن الحاسد يضاد إرادة الله تعالى في التقسيم والتدبير والإفضال والإنعام ويحتقر نصيبه ويكفر به ويلتذ طبعه بمضار الناس وزوال نعمتهم ويغتم بمصالحهم ومنافعهم ويشتغل بالهم والحزن بمشاهدة انتظام أحوالهم ويصرف الفكر في تحصيل أسباب زوالها حتى لا يفرغ لتحصيل ما يعود نفعه إليه من الأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة وحفظ ما حصل له من الملكات الخيرية والصور العلمية وكل ذلك موجب لفساد الدين ولذلك قال أمير المؤمنين (عليه السلام): " لا تحاسدوا فإن الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب ". (والحرص داع إلى التقحم في الذنوب) لأن الحريص لا يبالي الدخول في المحارم من المكاسب والمآكل والمشارب والملابس والمساكن والمناكح والحرص على المباح أيضا مذمومة ألا ترى أن أبانا آدم (عليه السلام) لما حمله الحرص على الأكل من الشجرة مع كونه مباحا لحقه وذريته ما لحقه من المحنة والمصايب التي يعجز عن تحملها الجبال الرواسي. (وهو داع إلى الحرمان) الظاهر أن الضمير راجع إلى التقحم في الذنوب لأن الدخول فيها بلا روية وإلقاء النفس عليها من غير مبالاة داع إلى الحرمان من الرزق ولكن يكون ذلك غالبا في المؤمن الممتحن وقد روي: " إن الله عز وجل إذا كان من أمره أن يكرم عبدا وله ذنب ابتلاه بالسقم فإن لم يفعل به ذلك ابتلاه بالحاجة فإن لم يفعل ذلك شدد عليه بالموت ليكافيه بذلك الذنب " ويحتمل أن يعود الضمير إلى الحرص لأن الحرمان عن المطلوب لازم للحرص إذ مراتب الحرص على الأمور غير محصورة وحصول تلك الأمور كلها متعسر جدا فالحريص دائما في ألم الحرمان.

[ 243 ]

(والبغي سائق إلى الحين) البغي الزنا والخروج طاعة الإمام والاستطالة والكذب. والحين بفتح الحاء المهملة الهلاك والمحنة والبغي بالمعاني المذكورة مستلزم لهما كما دلت عليه روايات أخر. (والشر جامع لمساوي العيوب) في كنز اللغة: شر سوء وبدى ومساوى بديها والمقصود أن الشر أمر كلي يندرج فيه جميع أفراد المساوي والعيوب كما أن ضده وهو الخير كلي جامع لجميع المحاسن والمتصف بالمحاسن والمساوي يشمله الوعد والوعيد في قوله تعالى: * (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) * وقال بعض المحققين: كل واحد من الخير والشر إما مطلق كالعقل وعدمه وإما مقيد كالمال ونحوه وفي النسخ المصححة " الشره " بالهاء وفتح الراء وهي غلبة الحرص. (رب طمع خائب) الطمع بما في أيدي الناس مع كونه مهانة ظاهرة ومذلة حاضرة أكثره خائب والعاقل لا يرتكب العار مع الفوائد العظيمة فكيف ترتكبه مع عدمها. (وأمل كاذب) الأمل في المقتنيات الفانية مع كونها مانعا من التوجه إلى الآخرة وسبب لزوال ما حصل من أحوالها في الذهن أكثره كاذب لا يحصل أبدا والعاقل لا يعقد قلبه عليه (ورجاء يؤدي إلى الحرمان) من المرجو وإن كان من الله كرجاء ثوابه والتجاوز عن عقابه مع الاستمرار في العصيان لأن ذلك الرجاء حماقة كما دل عليه بعض الروايات وكذا من الخلق فإن حصول المرجو منهم نادر جدا، وبالجملة الرجاء من الله حسن بشرط الطاعة ومن الخلق مذموم مطلقا واعلم أن الطمع والأمل والرجاء متقاربة في اللغة ويمكن الفرق بأن المطلوب من الطمع أقرب في الحصول من المرجو ويؤيده أن الحرص معتبر في مفهوم الطمع والحرص على الشئ لا يكون إلا إذا كان ذلك الشئ ممكنا قريب الوقوع والمرجو أقرب في الحصول من المأمول والله أعلم. (وتجارة تؤول إلى الخسران) كما يكون في تجارة الدنيا كذلك يكون في تجارة الآخرة من كسب الأعمال والعقايد والأخلاق فإن العمل كثيرا ما لا يقع على الأمر المعتبر في ذاتياته وصفاته وشروطه ويحصل بذلك انحراف عن الدين وضلال عن الحق فيضيع العمل ويخسر كما في الخوارج وأضرابهم وفي هذه الفقرات توبيخ للناس على إدبارهم عن الآخرة وإقبالهم إلى الدنيا وتنفير لهم عنها بذكر الخيبة والكذب والحرمان والخسران وليست الدنيا كل من طلبها وجدها، عن النبي (صلى الله عليه وآله) " من جعل الدنيا أكثر همه فرق الله عليه همه وجعل فقره بين عينيه ولم يأته منها إلا ما كتب له ". (ومن تورط في الأمور) أي وقع فيها فلم يسهل المخرج منها، والورطة الغامض والهلكة وكلما يعسر النجاة منه وأصله الهوة العميقة والوهدة من الأرض ثم استعيرت للأمر المذكور (غير ناظر في العواقب) يعرف حسنها وقبحها وصلاحها وفسادها.

[ 244 ]

(فقد تعرض لمفضحات النوائب) التي توجب فضيحته وإهانته وصعوبة التخلص منها، وفي بعض النسخ " المقطعات النوائب " والتركيب على الأول من باب جرد قطيفة. وعلى الثاني من باب لجين الماء بتشبيه النوائب بالمقطعات وهي الثياب التي قطعت كالقميص والجبة ونحوهما دون غير المقطوعة كالإزار ونحوه وإنما شبهها بها لكونها أشد اشتمالا وأقوى إحاطة ونقل الشيخ عن بعض أهل اللغة في الأربعين أن المقطعات جمع لا واحد لها من لفظه واحدها ثوب والحاصل أنه لا يقال: للجبة مثلا مقطعة بل يقال: لجملة الثياب مقطعات وللواحد ثوب كما صرح به الشهيد في شرح النفلية ويمكن أن يقرأ المفظعات بالفاء والظاء المعجمة جمع المفظعة بكسر الظاء من فظع الأمر بالضم فظاعة وهو فظيع أي شديد شنيع كما فسر بذلك بعض الأصحاب في دعاء الوضوء. (وبئست القلادة قلادة الذنب للمؤمن) شبه الذنب بالقلادة في لزومهم للمذنب لزوم القلادة للأعناق ووجه الذم العام أن الذنب مع كونه موجبا للعقوبة الأخروية والمذلة الأبدية يوجب نقص الثمرات وحبس البركات وإغلاق خزائن الخيرات في الدنيا والغرض منه هو الحث على رفع حجب النفوس التي هي الذنوب والمعاصي واستعدادها بذلك لقبول الرحمة بالتوبة والإقلاع من المعصية والانزجار عنها والتذكر للمبدء الأول وما أعد لأوليائه الأبرار في دار القرار. (أيها الناس أنه لا كنز أنفع من العلم) شبه العلم بالكنز في الخفاء والنفع وميل الطبع إليه ورجحه عليه لكونه روح النفس وحياة القلب وكمال الإنسان وسببا لبقائه ونجاته مع زيادته بالإنفاق والغرض منه هو الحث على تحصيل علم الدين وما يتعلق به. (ولا عز أرفع من الحلم) الحلم هو الأناة والتثبت في الأمور يحصل بالاعتدال في القوة الغضبية ويمنع النفس من الانفعال عن الواردات المكروهة المؤذية والجزع عند الأمور الهائلة والطيش في المؤاخذة وصدور حركات غير منتظمة وإظهار للمزية على الغير والتهاون في حفظ ما يجب حفظه شرعا وعقلا وهو أرفع وأعظم ما يوجب العز في الآخرة برفع الدرجات وفي الدنيا عند الخلائق بوجوه الإعتبارات ولذلك قال أمير المؤمنين (عليه السلام): " الحلم عشيرة " يعني أن كما أن الرجل يتمنع بالعشيرة يتمنع بالحلم ويتوقر لأجله. (ولا حسب أبلغ من الأدب) قيل: الأدب وضع الأشياء موضعها ولا يتحقق ذلك إلا بالعلم والعمل، والحسب الشرف بالإباء وما يعده الإنسان من مفاخرهم، وقيل: هو الشرف المكتسب في الرجل وإن لم يكن آباؤه أشرافا والغرض منه الترغيب إلى تحصيل الأدب لأنه أشرف الكمالات للإنسان وأكملها والتزهد في التفاخر بشرف الإباء لأنه اعتباري لا نصيب فيه للولد حقيقة، والإيماء إلى أن الآباء ينبغي أن يورثوا الآداب. (ولا نصب أوضع من الغصب) النصب والتعب والنصب بالضم والضمتين الداء والبلية

[ 245 ]

والمحنة والغضب، وهو ثوران النفس وحركتها بسبب تصور المؤذي والضار إلى الانتقام، من أخس أفراد النصب وأقبحه لكثرة مفاسده من الأفعال الشنيعة والأقوال القبيحة والأخلاق الذميمة والحركات الخارجة عن القوانين الشرعية والعقلية. (ولا جمال أزين من العقل) عد العقل جمالا وهو الحسن في الخلق والخلق ورجحه عليه في الرتبة لأن بالعقل يستقيم الظاهر والباطن ويتم الكمالات الدينية والدنيوية وكل خير يصلح التزين به تابع له والغرض منه هو الحث على تكميله بالعلوم والآداب. (ولا سوء أسوأ من الكذب) لأن الكذب مع أنه ليس من خصلة الصالحين يوجب خراب الدنيا والدين وقتل النفوس وفساد النظام وهلاك الأموال وغيرها من المفاسد ألا ترى أن إبليس اللعين كيف أفسد بكذب واحد نظام آدم وأولاده إلى يوم الدين وأن الأول وناصره كيف أفسدا به دين سيد المرسلين. (ولا حافظ أحفظ من الصمت) رغب إلى الصمت بذكر فائدته وهي أنه أقوى حافظ من آفات الدنيا وعذاب الآخرة لأن آفات اللسان ومعاصيه لكثرة موارده من الموجودات والمعدومات والموهومات وغيرها كثيرة جدا فمن صمت إلا عن خير نجا. (ولا غايب أقرب من الموت) حث على ذكر الموت وانتظاره في كل نفس لاحتمال حضوره آنا فآنا كما روي في قوله تعالى: * (وما تدري نفس بأي أرض تموت) * أنها لا تدري بأي قدم تموت، والغرض منه هو الاستعداد له والعمل للآخرة والتحرز عن الإشتغال بالدنيا. (أيها الناس من نظر في عيب نفسه اشتغل عن عيب غيره) أمر بالكف عن عيب غيره باعتبار ما يعلم من عيب نفسه اتحد العيب أو اختلف بل ينبغي أن يذم نفسه ويشتغل بالتدارك ورفعه إن أمكن ولو لم يعلم في نفسه عيبا فهو مع كونه عيبا فليكن الشكر شاغلا له على معافاته مما ابتلى به غيره. قال الشهيد الثاني: وردت الرخصة في غيبة الفاسق المتجاهر بفسقه كالخمار والعشار والمخنث الذين ربما يفتخرون بفسوقهم ولا يستحيون منها قال النبي (صلى الله عليه وآله): " من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له " لكن تركها إلى السكوت ونصحه إن نفع أولى. (ومن رضي برزق الله لم يأسف على ما في يد غيره) الأسف محركة أشد الحزن، أسف كفرح وعليه غضب يعني من رضي بقسمه من رزق الله لا يتوقع الزائد عليه مما في يد غيره فلا يحزن بفواته والغرض منه الأمر بالرضا بما في يده وعدم الحزن على ما في يد غيره فلا يحزن بفواته من الزائد لأن في ذلك نسبة الجور إلى قاسم الأرزاق وتحقيرا لقسمته وكفرانا له وتوقع ما لا يحتاج إليه والتحزن بفواته وهو ألم شديد. (ومن سل سيف البغي قتل به) يحتمل الظاهر والإضافة للملابسة ويحتمل أن يشبه البغي

[ 246 ]

بالسيف وإضافته إليه للبيان والسل ترشيح. (ومن حفر لأخيه بئرا) فيها تحذير عن مكر المؤمن وخدعته وإرادته والوسوسة به وإيقاعه عليه بأن مثل ذلك يقع على الماكر في الدنيا مع ما عليه في الآخرة كما قال تعالى: * (ولا يحيق المكر السئ إلا بأهله) *. (ومن هتك حجاب غيره انكشف عورات بيته) قد جرت السنة بكشف عورة من كشف عورة غيره من المؤمنين في نفسه وعرضه روى عن النبي (صلى الله عليه وآله): " ألا لا تغابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فمن يتبع عورة أخيه يتبع الله عورته ويفضحه في جوف بيته ". (ومن نسي زلله استعظم زلل غيره) لأن استعظام زلل الغير وانحرافه عن سبيل الحق إنما هو لعظمة قبحه وقبح المخالفة ولا يرتكب ذلك إلا من نسى زلل نفسه وإلا لاشتغل بإصلاحها تحرزا من القبيح وخوفا من اللوم وحياء من الله. (ومن أعجب برأيه ضل) أي من أعجب برأيه وعقله من جهة كمال اكتسبه في ظنه ضل عن طريق الحق لأن العجب ضلالة ومرض مهلك ومانع من الازدياد مع احتمال أن يكون رأيه فاسدا (ومن استغنى بعقله زل) عن المطلوب في أمور الدين والدنيا ولابد في الأول من المشورة مع العقلاء الأمناء وفي الثاني إلى الرجوع إلى صاحب الشريعة. (ومن تكبر على الناس ذل) في الدنيا والآخرة عند المقربين والخلائق أجمعين وما يرى في بعض المتكبرين من استعظام الخلق له أمر اعتباري لا حقيقة له يرتكبه بعض المنافقين وأما العزة الحقيقة الباقية فإنها لله ورسوله وللمؤمنين الذين تنزهوا عن التكبر وكانوا من الخاشعين (ومن سفه على الناس شتم) السفه الخفة والطيش والاضطراب وإيذاء الناس وعدم تحمل شئ منهم وقد نفر عنه بذكر شئ من مفاسده وهو شتم الناس له ووقوعهم عليه والعاقل لا يرتكب ما لا يليق بذي المروة. (ومن خالط الأنذال حقر) الأنذال وهي جمع النذل وهي الخسيس المحتقر من الناس عندهم في جميع أحواله. (ومن حمل ما لا يطيق عجز) أي من حمل من الأعمال والمطالب والمعاملة والمعاجلة التي لا تكون في وسعه عجز عنها أو عن كمالها واستحق بذلك التحقير والإهانة ولا يرتكب ذلك إلا الأحمق كما قال (عليه السلام): " ومن الخرق العجلة قبل الإمكان " وقال " من عجز عن أعماله أدبر في أحواله " أي صارت أحواله متغيرة منكوسة منقلبة. (أيها الناس، إنه لا مال أعود من العقل) أعود من العائدة وهي النعمة والمقصود أن العقل أنفع الأموال لأن نفعه في الدنيا والآخرة وبه كمال الإنسان فيهما بخلاف غيره من الأموال وفي عد

[ 247 ]

العقل من أفراد المال تجوز واستعارة والوجه الانتفاع وفيه ترغيب في اكتساب العقل بالعلوم والآداب (ولا فقر أشد من الجهل) لأن الفقر عدم النافع وأشد النافع هو العلم ولا فقر أشد من الجهل لاشتراك الفقر والجهل في العجز عن تحصيل المرام وعجز الثاني أشد لأنه في الدنيا والعقبى وعجز الأول في الدنيا فقط وفي التنفير عن الجهل بجعله من أشد أفراد الفقر تنفير عن الفقر أيضا وهذا ينافي ما ورد من مدح الفقر والفقراء والترغيب فيه ويمكن دفعه أولا بأن المراد بالفقر هنا ما يكسر الظهر ويدفع الصبر وهو الذي وقع الاستعاذة منه في بعض الروايات، وثانيا بأن المراد به الفقر الظاهري مع الفقر الباطني والمتصف به من جمع فيه فقر الدنيا وعذاب الآخرة، وثالثا بأن المراد به الفقر المعروف المتنفر عند الناس وهذا القدر كاف في تشبيه الجهل به والتنفير عنه. (ولا واعظ أبلغ من النصح) الواعظ يدعو إلى الخيرات ويمنع عن المنهيات ونصح القرآن والسنة أبلغ منه فهو أولى بالاستماع لأن النداء الرباني أولى بالاتباع من النداء الإنساني وإلى ذلك أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) في بعض خطبه بقوله: " كيف يراعي النبأة من أصمته الصيحة " ؟ أي كيف يحفظ الصوت الخفي من أصمته الصيحة الإلهية والنبوية ؟ استعار (عليه السلام) النبأة لدعائه (عليه السلام) لهم وندائه إلى سبيل الحق والنصيحة لخطاب الله ورسوله وهي كناية عن ضعف دعائه بالنسبة إلى قوة دعاء الله تعالى وتقرير ذلك أن الصوت الخفي لا يسمع عند القوى لاشتغال الحواس به وكان كلامه (عليه السلام) أضعف في جذب الخلق إلى الحق من كلام الله وكلام رسوله فأجراه مجرى الصوت القوي وأجرى كلامه مجرى الصوت الخفي، واسناد الإصمام إلى الصيحة ترشيح له للاستعارة إذ من شأن الصيحة العظيمة الإصمام ذا قرعت السمع. (ولا عقل كالتدبر) في العواقب ليسلم عن المكاره والنوايب والعقل قوة بها إدراك المعقولات والمحسوسات بتوسط الآلات وقد يطلق على الإدراك أيضا، والتدبر النظر في عاقبة الامر وهو دليل على العقل حتى أن من لا تدبر له لا عقل له، فلذلك فضله عليه ورغب فيه (ولا عبادة كالتفكر) في الأمور من حيث الصدور وعدمه إذ بالتفكر يشاهد صور المعقولات ويبصر وجوه العبادات فهو مع كونه عبادة أصل للبواقي والأصل أفضل من الفرع. (ولا مظاهرة أوثق من المشاورة) في الأمور مع الأصدقاء وأصحاب العقول والأذكياء فإن معاونة العقول أقرب من الوصول إلى المطلوب وأدخل في حصول الألفة بينهم ولذلك خاطب الله تعالى حبيبه مع كمال عقله ولطف جوهره بقوله: * (وشاورهم في الأمر) *. (ولا وحشة أشد من العجب) لأن المعجب لما رأى في نفسه من الفضل والكمال واعتنى به حتى أخرجه عن حد الاعتدال يستوحش من غيره وذلك الغير أيضا يستوحش منه ويتنفر عنه إلا

[ 248 ]

إذا كان سلطانا أو ذا مال فتقرب منه الراغب في الدنيا مع الوحشة للضرورة وقد مر حقيقة العجب وبيان أنه من المهلكات في بابه. (ولا ورع كالكف عن المحارم) الورع عبارة عن لزوم الأعمال الجميلة المفيدة في الآخرة والغفلة معه عن الأمورا لدنيوية والمصالح المتعلقة بجزئياتها ليست بضارة بل ربما كانت سببا للنجاة من عذاب الآخرة له أفراد متكثرة أفضلها الكف عن محارم الله خوفا من الله تعالى (ولا حلم كالصبر والصمت) لما كان الحلم هو ملكة العفو والصفح عن الأنام والتجاوز عن الانتقام لا يحصل إلا بالصبر على المكاره والشدايد والسكوت في مقام البطش عن المقابح والمفاسد عدهما أفضل منه لأن الأصل أفضل من الفرع، وإنما أورد (عليه السلام) هذه النصايح وما يأتي في صورة الأخبار للاهتمام بشأنها. (أيها الناس في الإنسان عشر خصال يظهرها) مبتدأ لشاهد فعلى الأول المبتدأ محذوف وعلى الثاني فاعل يظهر ضمير راجع إلى الإنسان وهذه الخصال يحتاج إليها الإنسان في بقائه ونظامه والغرض من ذكرها وذكر آلاتها الترغيب في معرفة قدرها ومنعمها وشكرها وصرفها في وجوه البر وهي الوجوه التي طلبها المنعم. (لسانه شاهد يخبر عن الضمير) فليكن ما في الضمير لا يضره غيره ولا يوجب وباله في الدنيا ونكاله في الآخرة. (وحاكم يفصل بين الخطاب) الحق والباطل والبليغ وغيره ويمكن أن يراد بالفصل تقطيع الحروف وجعل بعضها خطابا وبعضها خطابا آخر واضح الدلالة على المقصود. (وناطق يرد به الجواب) بعد السؤال عن أمور الدين والدنيا ولابد أن يكون الجواب على وجه الصواب (وشافع يدرك به الحاجة) لنفسه ولغيره ولابد أن تكون مشروعة لأن غيرها كفران للنعمة (وواصف يعرف به الأشياء) ذواتها وصفاتها تصورا وتصديقا تعليما وتعلما (وأمير يأمر بالحسن) العقلي والنقلي، الديني والدنيوي. (وواعظ ينهى عن القبيح) نهي تحريم أو تنزيه كذلك (ومعز تسكن به الأحزان) من المصائب والنوائب والتعزية هي الحمل على الصبر بذكر ما يسهله. (وحاضر تجلى به الضغاين) الضغينة هي الحقد والعداوة والبغضاء ولعل المراد أنه حاضر يعرف وجوه الكلام يأتي به على وجه يكشف الضغاين عن القلوب. (ومونق يلهي الأسماع) المونق المعجب من أنقه إيناقا أعجبه وألهاه عن كذا أشغله ووصفه بالإيناق باعتبار حاله وهو الكلام وفي بعض النسخ " تلتذ به الأسماع ". (أيها الناس لا خير في الصمت عن الحكم كما أنه لا خير في القول بالجهل) دل على أن

[ 249 ]

كتمان العلم والحق مع القدرة على إظهارهما مثل إفشاء الجهل والباطل في الحرمة وأما بدون القدرة فقد يجب الكتمان كما دلت عليه الروايات المتكثرة. (واعلموا أيها الناس أنه من لم يملك لسانه يندم) يعني من لم يملك لسانه وأجراه في ميدانه وتكلم في كل طور من الأسرار والعلوم والمجادلة والمخاصمة والجرح والغيبة والتهمة والكذب والتكذيب والمضحكة والمزاح الكثير وكل ما لا يعني من غير تفكر في حسن حاله وقبح مآله يندم بالآخرة لما رآه من الإفساد وذل النفس واحتقارها وسفهها واستهزاء الحاضرين ومعاداة السامعين ولا ينفعه الندم وقد روي: " إن نجاة المؤمن من حفظ لسانه " وبالجملة في كثرة الكلام وإظهار ما ينبغي إخفاؤه وبال الدنيا ونكال الآخرة وإنما أمر بالعلم أو لا للاعتناء بمضمون هذه النصيحة وليس المقصود مجرد العلم به بل المراد به العمل بمقتضاه. (ومن لا يعلم يجهل) يعلم مجهول من التعليم والتعليم إنما يكون من معلم رباني وفيه إشارة إلى أن الناس يحتاجون في رفع الجهل عنهم إليه، أو معلوم من العلم أي من ليس له حقيقة العلم فهو جاهل إذ لا واسطة بينهما فوجب تحصيله أو المراد من لم يعلم قدره فهو جاهل لأن العلم مستلزم لمعرفته وانتفاء اللازم دليل على انتفاء الملزوم ويؤيده قول أمير المؤمنين (عليه السلام): " كفى بالمرء جهلا أن لا يعرف قدره ". (ومن لا يتحلم لا يحلم) التحلم إظهار للحلم واستعماله إياه بنوع كلفة حتى يظن أنه متصف به وفيه ترغيب في التحلم لتحصيل الحلم لأن الحلم المكتسب إنما يحصل به حتى يصير ملكة (ومن لا يرتدع لا يعقل) ردعه عنه كمنعه كفه ورده فارتدع أي من لا يرتدع عن القبايح وطريق الضلال ولا يكف نفسه عنهما لا يعقل أصلا أو لا يعقل قبحها وفسادها وسوء خاتمتها إذ لو عقلها لارتدع عنها وفيه لوم للصحابة أيضا حيث تركوه وأقبلوا إلى الباطل (ومن لا يعقل يهن) بالاستخفاف والاستحقار والاستهزاء لأن غير العاقل سفيه مستحق لجميع ذلك في الدنيا والآخرة (ومن يهن لا يوقر) بالضرورة لأن الإهانة ضد للتوقير والتعظيم ووجود أحد الضدين يستلزم نفي الآخر. (ومن لا يتوقر يتوبخ) وبخه توبيخا فتوبخ لامه وعذله وأنبه وهدده وقبول هذه المعاني لازم لعدم التوقير، وهذه المقدمات إذا اعتبرت انتاجها ينتج أن من لم يرتدع يتوبخ وفي بعض النسخ المعتبرة " ومن يتق ينج " بدلا للمذكور. (ومن يكتسب مالا من غير حقه) الضمير للكسب أو للمال والأخير أولى ليوافق الضمائر الآتية (يصرفه في غير أجره) وإن أعطاه مسكينا أو أطعمه جائعا لأن الواجب عليه رده إلى صاحبه والغرض أنه لا آجر في صرفه وأما أنه يعاقب به فيعلم من مقام آخر. (ومن لا يدع وهو محمود يدع وهو مذموم) أي من لم يترك الدنيا والقبايح بالاختيار وهو

[ 250 ]

ممدوح يتركها بالاضطرار وهو مذموم والعاقل لا يؤثر الذم على المدح لأمر يتركه بالاضطرار. (ومن لم يعط قاعدا منع قائما) يحتمل وجهين الأول وهو الأظهر أن يكون الفعلان مجهولين يعني من لم يعط زائدا على القوت حال كونه قاعدا غير طالب له منع منه حال كونه قائما طالبا له لأن المقدر يأتيه طلبه أو لم يطلبه وغير المقدر لا يحصل وإن طلبه كما دل عليه بعض الروايات. والثاني أن يكونا معلومين يعني من لم يعط قاعدا غير سائل منع قائما سائلا لاشتراكهما في علة المنع وهي البخل وفيه ترغيب في إعطاء غير السائل. (ومن يطلب العز بغير حق يذل) عند الله في الدنيا والآخرة كما طلبه الخلفاء الثلاثة وأضرابهم (ومن يغلب بالجور يغلب) وقتا ما إما في الدنيا أو في الآخرة والإمهال في الجملة للاستدراج أو لغرض آخر لا ينفعه لأنه تعالى ينتقم منه * (والله عزيز ذو انتقام) * ولأن المظلوم من حزب الله وحزب الله هم الغالبون وفيه أيضا تعريض لمن غلبه بالخلافة. (ومن عاند الحق لزمه الوهن) كما قال الله تعالى في وصف المنافقين: * (يحسبون كل صيحة عليهم) * وقال في وصف الكفار: * (تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى) * ويحتمل أن يكون المراد أن المطلوب إذا كان أمرا عظيما كإظهار دين الحق لا يمكن حصوله إلا بعد قوتهم وتظاهر بعضهم ببعض وفيه تنبيه على وجوب الألفة والاتحاد في الدين وعدم تشتت الآراء والتعاند فيه فإن ذلك يدعو إلى التفرق والتحزب ودخول الوهن والضعف عليهم وكل ذلك مناف لمطلوب الشارع ألا ترى أن الملك في تحصيل الملك يحتاج إلى تعاون العساكر وتآلفهم وتظاهرهم حتى يحصل له القوة وتتجلى له صورة النصر وفيه أيضا تعريض لمن ذكر. (ومن تفقه وقر) دل على أن التوقير والتعظيم من لوازم التفقه في الدين والآيات والروايات الدالة عليه أكثر من أن تحصى ويكفي في ذلك أن الملائكة تضع أجنحتها له رضى به وأنه من ورثة الأنبياء وأنه يستغفر له جميع الموجودات حتى الحوت في البحر. (ومن تكبر حقر) عند الله وعند الأنبياء والمرسلين بل عند جميع المخلوقين والله سبحانه يوصل إليه ضد ما قصده. (ومن لا يحسن لا يحمد) الإحسان ضد الإساءة يعني من لا يحسن إلى الخلائق لا يكون محمودا عندهم وقد اشتهر أن الإنسان عبيد الإحسان وأن الإحسان وإن كان ثقيلا إلا أن فيه أثرا جميلا وإن ذا القرنين قال لأستاذه ارسطاطاليس: انصح لي، فقال: " ملكت البلاد بالفرسان فاملك القلوب بالإحسان ". (أيها الناس أن المنية قبل الدنية) المنية الموت والدنية الخصلة المذمومة يعني احتمال الموت قبل احتمال ما يعيبك وخير منه.

[ 251 ]

(والتجلد قبل التبلد) الجلد محركة الشدة والقوة والجليد القوى الشديد وجلد ككرم جلادة وتجلد تكلف الجلادة والتبلد ضد التجلد تبلد أي تحير في أمره مترددا وفي كنز اللغة: تجلد جلدى كردن، تبلد كند كشتن وبرهم زدن از پشيمانى ومتردد شدن از حيرت، ولعل المراد أن التجلد في الأمور المطلوبة عقلا ونقلا ينبغي أن يكون قبل التبلد فيها إذ التبلد يوجب فواتها وفيه لوم لمن تجلد في الباطل وتبلد في الحق وحث لخلص أصحابه على الثبات والمتابعة (والحساب قبل العقاب) بالضرورة فلا ينبغي تأخيره إلى القيامة لإمكان ظهور الخيانة عند المحاسبة فيها ولا يمكن التدارك حينئذ بل ينبغي تقديمه والاشتغال به في الدنيا بأن يراقب المكلف أعضاءه ويعطي كل عضو منها ما طلب منه ويمنعه عما نهى عنه فإن صدر منه خلاف ما ينبغي تداركه بالتوبة والقضاء والأداء والإبراء ونحوها وهكذا يراعي حاله حتى يخرج من الدنيا سالما من المحاسبة في العرض الأكبر. (والقبر خير من الفقر) أي من الفقر القلبي والإفلاس الحقيقي وهو فقر الآخرة لوجود الأعمال الباطلة وفقد الأعمال الصالحة أو من الفقر المعروف الذي لا يكون معه شئ ولا صبر ولا ورع حاجز عن المهلكات. (وغض البصر خير من كثير من النظر) أمر بغض البصر وترك النظر إلى ما لا يجوز النظر إليه إذ أكثر المفاسد والخطر إنما يحصل من إرسال النظر. (والدهر يوم لك ويوم عليك) بإعطاء المطالب ومنعها (فإذا كان لك فلا تبطر) البطر محركة النشاط والأشر والطغيان والتكبر وفعل الكل كفر. (وإذا كان عليك فاصبر) لأن الصبر في مواطن المكاره والشدائد من صفات الأنبياء والأولياء وهو مع كونه سببا للمقامات العلية الدرجات الرفيعة سبب أيضا لسهولة المحنة ونزول الفرج (فبكلهما تمتحن) فأنت دايما في الاختبار أما بأسباب تبطر والبغي والاستكبار أو بأسباب الجزع والشكاية والاصطبار. وفي نسخة: (وكلاهما ستختبر) الاستخبار الاستعلام من الخبر بالكسر والضم العلم بالشئ كالاختبار وإفراد الفعل باعتبار اللفظ إن كان غائبا وإن كان خطابا يحتاج إلى إضمار. (أيها الناس أعجب ما في الإنسان قلبه) كل ما في الإنسان من الجوارح والأعضاء والعروق الساكنة والمتحركة والعظام الصغيرة والكبيرة والأعصاب الغليظة والدقيقة والرباطات الدقيقة وغيرها مما يشتمل على قليل منها علم التشريح أمر عجيب ووضع غريب يدل على قدرة الصانع وحكمته وتدبيره بحيث يعجز عن دركه عقول العقلاء وعن فهمه فحول العلماء وأعجب ما فيه قلبه وهو الجوهر المجرد المسمى بالنفس الناطقة التي خلقت له ساير الجوارح والقوى ووجه كونه

[ 252 ]

أعجب ما أشار إليه إجمالا بقوله: (وله مواد من الحكمة) النظرية والعملية لأن له قوة نظرية بها يدرك المعقولات الكلية والأسرار الإلهية وصور المجردات وحقايق الأشياء كما هي ويطير بأجنحة الكمال إلى عالم الروحانيات ويدرك أيضا صور المحسوسات ووجوه الصناعات بتوسط الآلات وقوة أخرى عليه بها بتصرف في البدن وقواه فيأمر اللسان بالتكلم فيتكلم ويأمر البصر بالإبصار فيبصر وهكذا وهو بهذه القوة مع الاستعانة بالأولى يتخلى من الرذايل ويتحلى بالفضايل إن كانت القوى تابعة له ومحصورة على ما يليق بها ويجعله نصيبا لها، ثم أشار إلى أنه مع كماله وشرفه وكونه من العالم العلوي أمير في هذا العالم الجسماني فقير عاجز للهوى والحواس والقوى بقوله: (وأضداد من خلافها) منشأ هذه هو القوة العملية وأشار إلى تفسير الأضداد إجمالا وهي أحواله العارضة المتولدة بعضها من بعض بقوله: (فإن سنح له الرجاء) من الدنيا وأهلها (إذ له الطمع) فيها (وإن هاج به الطمع) فيها وحركه إلى الرغبة إليها (أهلكه الحرص) عليها وهو عدم الرضا بالواصل وصرف العمر في تحصيل غير الحاصل وهذه الصفات مترتبة في الوجود ناشية من الإفراط في القوة الشهوية مذلة للنفس والنفس مع كونها من عالم القدس ونظرها إليه بالذات كثيرا ما تصير مغلولة أسيرة لها والنجاة من حبسها إنما تكون بردها إلى الوسط وتقريرها عليه. (وإن ملكها اليأس) من الدنيا العالية أو السافلة (قتله الأسف) والحزن الشديد على فواتها والأسف على اليأس من الأولى أقبح من الثاني والكل دليل على ضعفه من حيث انقياده لتلك القوة المتجاوزة على الوسط إلى حد الإفراط والتفريط حتى أنه يغتم بفوات مطلوبها. (وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ) غضبه حركته نحو الانتقام أو انفعاله عن تلك الحركة ومبدؤه الطغيان في القوة الغضبية والأنفة عن تحمل ما هو ثقيل عليه والغيظ ثمرة الغضب يحصل من احتقانه وغليان النفس منه وسبب قريب لطريان أحكامه (وإن أسعد بالرضا) أسعده أعانه والمراد أنه أعين بالرضا وتهيأت له مقاصد الدنيا على الوجه المرضي عنده. (نسي التحفظ) والتحرز عن مخاطرات النفس ومكائد الشيطان فيقع بذلك في مهاوي العصيان وفيه ترغيب في التيقظ وترك الغفلة في تلك الحالة. (وإن ناله الخوف) من الخلق أو من فوات الدنيا (شغله الحذر) من المخوف عن أمر الآخرة وأما خوفه من الله والحذر من موجباته فهو من كماله وقوته. (وإن اتسع له الأمن) في النفس والمال والجاه (استلبته الغرة) الشيطانية وأوقعته في موارد الشهوة النفسانية والاستمتاع بلذات الدنيا والاستلاب والاختلاس. والغرة بكسر الغين المعجمة الغفلة (وإن جددت له نعمة أخذته العزة) في نفسه وهي العجب أو على الغير فهي الكبر وكلاهما

[ 253 ]

من جهة نقصه في القوة العقلية وأسره في يد القوى البدنية. (وإن أفاد مالا) أفاده استفاده وأعطاه ضد، والمراد هنا الأول (أطغاه الغنى) جعله طاغيا عاصيا بالعجب والتكبر والتفاخر والضلال عن الحق كما قال عز وجل * (إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى) * (وإن عضته فاقة) وفقر وفيه مكنية وتخييلية. (شغله البلاء) والمحنة والحزن على ما فاته خصوصا بعد حصوله عن الله وعن سلوك سبيله والعمل الخالص لوجهه. (وفي نسخة: جهده البكاء) أي أتعبه لأن الفقير الطالب للدنيا المتعلق قلبه بها يبكي على فواتها كبكاء الثكلى وهذا أقبح من الأصل وأدل على كمال ضعفه. (وإن أصابته مصيبة) في النفس والمال والحال (فضحه الجزع) والاضطراب الدال على خفته وسفاهته حتى يكشف مساويه عند الناس. (وإن جهده الجوع) بكسر المزاج والطبيعة لقلة الغذاء (أقعد به الضعف) عن الحركات والأفعال اللايقة به، والغرض منه بعد إظهار عجزه وضعفه ترغيبه في رفع الجزاء برفع الشرط وتناول الغذاء على قدر يحتاج إليه في البقاء لا رفع الجزاء مع وجود الشرط كما في النصائح السابقة (وإن أفرط في الشبع) بأن جاوزه وهو حرام مع الضرر والأفضل دون الشبع. (كظته البطنة) أي كربته وجهدته حتى عجز عن تحمله وهضمه، والبطنة بالكسر كثرة الأكل أو شئ يعتري من إمتلاء الطعام إنما قلنا: الأفضل دون الشبع، لأن الشبع وما فوقه يثقل البدن ويكدر الحواس ويجمد الشعور ولذلك قيل البطنة تذهب الفطنة وتورث القسوة والغلظة وقلة الأكل يوجب لطف الحواس وقلة الأبخرة المتعددة من التملي بالطعام والشراب وطهارة جوهر النفس من الحياة البدنية وكل ذلك سبب لاتصالها بعالمها واستشراقها الأنوار من الملأ الأعلى ثم أشار إلى كيفية التخلص من هذه الأضداد بقوله: (فكل تقصير به مضر وكل إفراط له مفسد) فينبغي أن يكون بين هذا وذاك وهو الصراط المستقيم وسبيل الحق فإنه تحصل له حينئذ باعتدال القوى العقلية والشهوية والغضبية ملكة الحكمة والعفة والشجاعة وحصلت باشتباك هذه الأمور ملكة العدالة ويتأيد شرفه الذاتي بهذه الكمالات الشريفة وتمت خلافته في عالم الأبدان وتنقاد له جميع القوى والحواس حتى ينتهي سيره إلى منزل السعادة الأبدية. (أيها الناس من قل ذل) القلة بالكسر ضد الكثرة وقل الشئ إذا لم يكثر وقله إذا أتى بقليل فالمعنى على الأول من قل ولم يكن له أنصار وأعوان ذل وهان عند الناس وفيه حث على اتخاذهم بالإحسان وحسن المعاشرة ليوم الحاجة كما يرشد إليه قول أمير المؤمنين (عليه السلام) أيضا: " أيها الناس

[ 254 ]

أنه لا يستغني الرجل وإن كان ذا مال عن عشيرته ودفاعهم عنه " وعلى الثاني من قل عطاؤه ذل وقال بعض المحققين: الموجود في النسخ المصححة قل بالقاف والظاهر أنه بالفاء وبالقاف تصحيف قال في الصحاح: فله فانفل أي كسره فانكسر. (ومن جاد ساد) أي جل قدره عند الناس متوليا لأمورهم يرجعون إليه وينقادون له وقد رغب في الجود بذكر بعض فوائده المرغوبة. (ومن كثر ماله رأس) رأس رؤسا مثل قال قولا مشي متبخترا وأكل كثيرا ورأس يريس ريسا مشى متبخترا والشئ ضبطه والقوم اعتلا عليهم وقد نفر عن إكثار المال بذكر بعض خصاله المذمومة التابعة له. (ومن كثر حلمه نبل) نبل ككرم نبالة فهو نبيل نجيب كريم حسيب وقد رغب في الحلم بذكر شئ من منافعه المطلوبة. (ومن أفكر في ذات الله تزندق) الفكر بالكسر ويفتح إعمال النظر في الشئ ليعرفه فكر فيه وفكر وأفكر وتفكر بمعنى والزنديق بالكسر من الثنوية أو القائل بالنور والظلمة أو من لا يؤمن بالله وبالربوبية أو من يبطن الكفر ويظهر الإيمان أو هو معرب زن دين أي دين المرأة يعني من نظر في ذات الله بالتحديد والتوصيف والتجزئة والتشبيه والتجسيم والمقدار والغاية والنهاية وأين هو وكيف هو ومتى هو فقد أنكر ربوبيته وكفر بالله العظيم. (ومن أكثر من شئ عرف به) إن خيرا فخير وإن شرا فشر، وفيه ترغيب في الخير ليعرف به وفي بعض النسخ: " في شئ ". (ومن كثر مزاحه استخف به) إكثار المزاح والمطايبة في الأمر الجايز مذموم لما ذكر من الاستخفاف والاستهزاء والسخرية به وأما أصل المزاح فليس بمنهي عنه مع الأصدقاء والأحباء ومزاحه (عليه السلام) ومزاح رسول الله (صلى الله عليه وآله) مشهوران حتى قالوا: يا رسول الله إنك تداعبنا قال: " إني أمزح ولا أقول إلا حقا) ولذلك قال العلماء المنهي عنه من المزاح ما يسقط المهابة والوقار ودل على قلة العقل وخفته وأما الذي سلم من هذا فهو الذي كان النبي (صلى الله عليه وآله) يفعله وكذلك الوصي على الندرة لمصلحة وتطييب نفس المخاطب ومؤانسته وهو مستحب. (ومن كثر ضحكة ذهبت هيبته) إكثار الضحك مذموم لذهاب هيبته وخوفه وتوقيره وتعظيمه عن القلوب وأما أصله فليس بمنهي عنه لما مر وقد روي أن النبي (صلى الله عليه وآله) إن ضحك لم يعل صوته لغلبة ذكر الموت وما بعده وكان أكثر ضحكه التبسم وقد يفتر أحيانا ولم يكن من أهل القهقهة (فسد حسب من ليس له أدب) إذ الحسب إنما يحصل بالآدب وإذ ليس فليس، ولو أريد بالحسب شرف الولد باعتبار شرف الآباء ففساده بعدم الأدب أيضا ظاهر.

[ 255 ]

(إن أفضل الفعال صيانة العرض بالمال) في النهاية العرض موضع المدح والذم من الإنسان سواء كان في نفسه أو في سلفه أو من يلزمه أمره وقيل: هو جانبه الذي يصونه من نفسه وحسبه ويحامي عنه أن ينقض ويثلب وقال ابن قتيبة: عرض الرجل نفسه وبدنه لا غير، وفيه ترغيب في ترك المماطلة مع العزماء وصرف المال بالإنفاق وصلة الأرحام وإخراج الحقوق المالية الواجبة والمندوبة وإعطاء الجائر مع الخوف منه تحرزا من اللوم والبخل والضرر وهتك السر ونحوها مما ينتقص به عرضه. (ليس من جالس الجاهل بذي معقول) أي بذي علم لأن الجاهل منتهى غرضه التصرف في أحوال الدنيا وكيفية تحصيلها والتمتع بها والتكلم بالفضول ولا ينفذ بصره إلى أحوال الآخرة والعالم على عكس ذلك فبينهما تضاد والمتضادان لا يجتمعان في محل واحد وأيضا المجالسة تقتضي المكالمة والجاهل لا يقدر أن يتكلم في المعقولات والعالم يقدر أن يتكلم في أبواب الجهالات فلا محالة يجري مجراه وذلك يفسد نور علمه وأمر دنياه وعقباه وكأنه إلى هذا أشار بقوله: (ومن جالس الجاهل فليستعد لقيل وقال) أي للتكلم بفضول ما يتحدث به المتجالسون الجاهلون من قولهم: قيل كذا وقال كذا، بناؤهما على أنهما فعلان ماضويان متضمنان للضمير والإعراب على إجرائهما مجرى الأسماء خاليان من الضمير وإدخال حرف التعريف عليهما في قولهم القيل والقال وقيل القيل الابتداء والقال الجواب. وبالجملة أمر بالاستعداد لفضول الكلام وكثرته مبتديا ومجيبا وحكاية أقوال الناس والبحث عما لا يجدي نفعا بل يوجب ضياع العمر وجهد الكتبة وسواد القلب وسواد دفتر الأعمال والصعوبة في الآخرة وقال: (لن ينجو من الموت غني بماله ولا فقير لإقلاله) الإقلال قلة الجدة والفقر ورجل مقل أي فقير يعني أن الموت وروده على الغني والفقير ضروري لا يقدر أن يدفعه الغني بماله ولا الفقير بفقره وأقلاله وطلب الترحم منه إذ لا يرحم أحدا، وفيه حث على ذكر الموت وانتظاره والاستعداد لما بعده ورفض كل ما هو مانع من أمر الآخرة وتحصيل الزاد لها. (أيها الناس لو أن الموت يشترى لاشتراه من أهل الدنيا الكريم الأبلج واللئيم الملهوج) الاشتراء خريدن وفروختن، ضد والمراد هنا الأول والكريم الشريف والأبلج الواضح المشرق والمراد به أهل العلم والعمل واللئيم ضد الكريم والملهوج من اللهج يقال: لهج بالشئ كفرح إذا أغرى به والإغرا در حرص افتادن ودر حرص انداختن كذا في كنز اللغة، وقد رغب في توقع الموت ورجحه على هذه الحياة بالنسبة إلى كل أحد إما إلى الكريم فلتخلصه من آلام الدنيا بسببه ووصوله إلى نعيم الأبد فلذلك قال سيد الوصيين حين ضرب بالسيف: " فزت ورب الكعبة " وأما بالنسبة إلى اللئيم الحريص في الدنيا فلتخلصه منها ومما يوجب زيادة العقوبة في الآخرة وحمل

[ 256 ]

الاشتراء على المعنى الثاني باعتبار أن الكريم يحب البقاء للطاعات واللئيم يحب الدنيا بعيدا جدا لأن المقام يقتضي حب الموت والترغيب فيه. (أيها الناس: إن للقلوب شواهد تجري النفس عن مدرجة أهل التفريط) عن للمجاوزة والمدرجة الطريق ولعل المراد بالشواهد الأدلة على الصراط المستقيم والهدايات إليه لأنها تشهد أنه حق وأن خلافه باطل، وفيه تنبيه على أنه لابد من قبول شهادتها بإجراء النفس فيه متجاوزا عن طريق أهل التفريط والتقصير مع الإيماء إلى أن تفريط الصحابة في حقه (عليه السلام) كان على علم ومعرفة منهم. (وفطنة الفهم للمواعظ ما يدعو النفس إلى الحذر من الخطر) الظاهر أنه مبتدأ وخبر عطفا على اسم إن وخبرها والعطف على الشواهد يقتضي خلو الموصول عن الإعراب ظاهرا والفطنة والفهم في اللغة معرفة الشئ بالقلب وفي العرف جودة تهيأ الذهن لقبول ما يرد عليه من العلوم والمعارف فالإضافة بيانية ولو أريد بالفطنة المعنى العرفي وبالفهم المعنى اللغوي أو كان الفهم بكسر الهاء كانت الإضافة لامية واللام في قوله: للمواعظ، صلة للفهم والموعظة كلام مشتمل على الأمر بالخيرات والزجر عن المنهيات والخطر بالخاء المعجمة ما يخطر بالبال من الهواجس النفسانية وبالظاء المعجمة الحرام ولعل المراد أن فطنة الذهن وفهمه للمواعظ القرآنية والنبوية ما يدعو النفس إلى الاحتراز عن المخاطرات الداعية إلى الخروج عن منهج السداد والنفور عن سبيل الرشاد وفيه توبيخ لمن ترك مقتضى فهمه وسلك سبيل البغي والعناد. (وللقلوب خواطر للهوى) هو ميل النفس الأمارة بالسوء التابعة للقوى الشهوية والغضبية إلى مقتضى طباعها من اللذات الدنيوية إلى حد الخروج عن الحدود الشرعية وهو أشد جاذب للإنسان عن قصد الحق وأقوى ساد له عن سلوك سبيله. (والعقول تزجر وتنهى عنه) وقد مر في كتاب الأصول أن بين العقول الخالصة المائلة إلى العالم الأعلى وبين النفس الأمارة الراغبة في الدنيا تجاذب وأن التخلص منها إنما يحصل بكسر هاتين القوتين وإعطاء كل واحدة منهما ما يليق بها شرعا وعقلا. (وفي التجارب علم مستأنف) أي علم جديد لأن العلوم أكثرها إنما تحصل بالتجربة وعرفها بعض المحققين بأنها عبارة عن حكم العقل بأمر على أمر بواسطة مشاهدات متكررة معدة لليقين بسبب انضمام قياس خفي إليها [ إن كان ] وهو أنه لو كان هذا أمرا اتقائيا لما كان دائما ولا أكثريا وهي مركبة من مقتضى الحس والعقل واجتماعهما وبهما يكمل العقل، ولذلك ورد في الخبر: " إن التجارب لقاح العقول " ومما علم به عدم اعتبار الدنيا وزهراتها ووفائها لأهلها كما قيل: ومن يذق الدنيا فإني طعمتها * وسيق إلينا عذبها وعذابها

[ 257 ]

فلم أرها إلا غرورا وباطلا * كما لاح ظهر الفلاة سرابها وليس الاحتياج إليها مختصا بالجاهل بل العالم أيضا يحتاج إليها ولذلك قالوا: لا يتم رأي العالم ما لم تنضم إليه التجربة وذلك أن العالم وإن علم وجه المصلحة في الأمر إلا أن ذلك الأمر قد يشتمل على بعض وجوه المفاسد الذي لا يطلع عليه إلا بالتجربة مرارا ولذلك قال أمير المؤمنين (عليه السلام): " رأي الشيخ أحب من جلد الغلام " قيل وجه ذلك أن المشايخ يكونون أولى بالتجربة وأكثر رأيهم صواب والشبان وإن كانوا أصحاب فطانة فكثيرا ما يخبطون إذ لا تجربة لهم وأكثر الأمور الدنيوية التجربيات. (والإعتبار يقود إلى الرشاد) أي أبصار الدنيا والإعتبار بأحوالها الحاضرة والماضية وبما ورد على الناس بسبب مخالفة الدين وأهله وجعلها مادة للتفكر يقود إلى الهداية والرشاد ورفض الدنيا والأعمال الصالحة للآخرة والعلم بما هو المطلوب للإنسان لعلمه بأن الدنيا متكدرة وأحوالها متغيرة وزهراتها متصرمة وأن الحكمة في خلق بدنه وما فيها من الآلات والمنافع إنما هي استكمال نفسه بتحصيل العلوم الكلية والأعمال الصالحة الحسنة وفضائل الأخلاق النفسية بتصفح جزئيات ومقايسات بعضها إلى بعض كالإستدلال بحدوث الممكنات وعجائب المخلوقات على وجوده تعالى وحكمته وقدرته وجوده فتحصل الهداية إلى عالم الملك وأسرار الملكوت وإلى السعادة الأبدية التي هي قرب الحق ومن ههنا علم أن الإعتبار سبب مادي لجميع ذلك. (وكفاك أدبا لنفسك ما تكرهه لغيرك) من الأمور الثقيلة عليه كما روي: " إن من حقوق المؤمن أن تحب له ما تحب لنفسك وتكره له ما تكره لنفسك " وهذا من أعظم الآداب الشرعية بل لا يتم إلا بتحقق جميعها أو من الأمور المذمومة شرعا لأن كراهتها سبب لأدب النفس وهو معرفة حقوق الله تعالى والإعراض عن تلك الأمور. (وعليك لأخيك مثل الذي لك عليه) حقوق المؤمن كثيرة منها إشباع جوعته ومواراة عورته وتفريج كربته وقضاء حاجته والسؤال عن حاله عند رؤيته والزيارة والدعاء له في غيبته والاجتهاد والرغبة في خدمته والخلافة في أهله وولده بعد موته والإتيان بمرضاته في جميع الأحوال والإعانة له بالنفس واللسان والمال وغير ذلك مما هو مذكور في كتاب الكفر والإيمان. (ولقد خاطر من استغنى برأيه) أي من استغنى برأيه وهواه في أمور الدين والدنيا خاطر وذهب يمينا وشمالا وخرج عن طريق القصد من الخطر بمعنى الاهتزاز والاضطراب أو ألقى بنفسه في الهلكة. يقال: خاطر بنفسه إذا ألقاها فيها وفي النهاية المحدثون يسمون أصحاب القياس أصحاب الرأي، يعني أنهم يأخذون بأرائهم فيما يشكل من الحديث أو ما لم يأت فيه حديث ولا أثر انتهى.

[ 258 ]

وفيه رد على من جوز استعمال الرأي في باب المعارف والأسرار والأحكام ونصب الإمام فما ذهب إليه بعض الصوفية ومنهم الغزالي في كتاب الكيميا من أنه يجوز انكشاف العلوم والبلوغ إلى مرتبة النبوة بالرياضة والمجاهدة بلا توسط نبي وأن الفرق بينه وبين النبي أن النبي مأمور بالتبليغ دونه لأن النبي مثلنا في الإنسانية كما قال: * (إنما أنا بشر مثلكم) * وأن العلم بالمحسوسات حجاب بين العبد والرب، باطل لدلالة الروايات الصحيحة على بطلانه ولأن هذا الرجل ينبغي أن يكون نبيا صاحب الوحي أمر بالتبليغ أولا والعلم بالمحسوسات والانتقال منها إلى الصانع وما له من الحكمة والقدرة على ما قرره الشرع ليس بحجاب كيف وقد حث عليه عز شأنه في آيات كثيرة منها قوله: * (ويتفكرون في خلق السماوات والأرض..) * الآية ثم أنهم قالوا وجب الرجوع إلى المرشد وقد صرح به الغزالي في الكتاب المذكور فإن أرادوا بالمرشد النبي أو من أخذ الإرشاد منه فنعم الوفاق مع أنه مناقض لما مر أنه لا حاجة إلى توسط نبي وإن أرادوا غيره فهو أول البحث. (والتدبر قبل العمل فإنه يؤمنك من الندم) هذه كلمة جامعة للنصايح كلها إذ العمل شامل للأقوال والأفعال والعقائد مطلقا والندامة أعم من ندامة الدنيا والآخرة والمدبر قبل العمل بسبب ملاحظة ما يترتب عليه لا يأتي بما يضره أو غيره ويورث الندامة فيهما ويحبس كل عضو على ما هو المطلوب منه ولا يتحقق ذلك إلا برعاية قانون الشرع وآدابه وبالله التوفيق. (ومن استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ) لعل المراد أن من استقبل بالقلب الخالص عن الشبهات وجوه الآراء المختلفة المتفرقة ومقدماتها الوهمية والخالية وعرفها حق المعرفة عرف مواقع الخطأ فيها كما بين في موضعه مع أن مناط الرأي والقياس جمع المتشابهات في الحكم وتفريق المختلفات فيه والأمر بالعكس في كثير من المواضع، ويحتمل أن يراد بالوجوه الأدلة الشرعية المنصوبة على موارد الرأي والقياس الدالة على حكم مخالف لها فإن من استقبل إليها وعرفها عرف مواقع خطاء تلك الآراء وفيه على التقديرين زجر عن استعمال الرأي وحث على الرجوع إليه (عليه السلام) كما قال في بعض خطبه: " فاهدوا عني وانظروا ماذا يأتيكم به أمري ". (ومن أمسك عن الفضول عدلت رأيه العقول) التعديل التقويم والتزكية والرأي في اللغة الاعتقاد مطلقا سواء كان له مستند شرعي أم لا وإن شاع عند المحدثين إطلاقه على الثاني ولعل المراد أن من أمسك عن الفضول من الأفعال والأقوال وهي ما لا ينفع وإن لم يكن موجبا للعقوبة عدلت عقول أهل العرفان رأيه واعتقاده وحكمت باستقامته وتزكيته لأن استقامة الظاهر بسبب إستقامة الباطن ووجود المسبب دليل على وجود السبب. (ومن حصر شهوته فقد صان قدره) لعل المراد بحصر الشهوة حبسها على القدر اللايق بها عقلا ونقلا وهو الوسط بين الأفراط والتفريط المقتضي للعفة المندرجة تحتها أنواع كثيرة من

[ 259 ]

الفضائل كما ذكره المحقق في علم الأخلاق ويتبعها الاعتدال في القوة الغضبية والعقلية أما الغضبية فلأنها معينة للشهوية في تحصيل مطالبها بالغلبة والتسلط فإذا اعتدلت اعتدلت، وأما العقلية فلأن فسادها بفساد هاتين القوتين وغلبتهما عليها فإذا اعتدلتا اعتدلت ووقعت في الوسط المقتضي للعلم والحكمة ومن هنا ظهر أن حصر الشهوة يتسبب لصيانة القدر وحفظ المنزلة عند الخالق والخلائق إذ قدر الرجل إنما هو باعتبار الكمال الحاصل من الإعتدال في تلك القوى وفي بعض النسخ: " ومن حصن شهوته ". (ومن أمسك لسانه أمنه قومه ونال حاجته) في القاموس: القوم الجماعة من الرجال والنساء معا أو الرجال خاصة أو تدخل النساء على التبعية والأمن ضد الخوف وفعله من باب فرح يعني من أمسك لسانه عن الأقوال المضرة بالفعل أو بالقوة كان قومه منه في أمن ونال حاجته منهم ومن غيرهم لميل القلوب إليه وهما فائدتان له في الدنيا وفائدته في الآخرة كثيرة. (وفي تقلب الأحوال علم جواهر الرجال) أي يعلم جواهر الرجال وطبايعهم وكونها حسنة أو قبيحة محمودة أو لئيمة بتقلب أحوالهم في الدنيا وتغيرها وتبدلها فإن ذا الجوهر الشريف والطبع اللطيف والنية الصادقة والعزيمة الثابتة لا يتغير أعماله ولا تتبدل أحواله بل يكون كما كان الطريق المستقيم والنمهج القويم ولا ينقص شيئا من عبادته ولا يترك أمرا من عادته وإن سطا الدهر عليه وغلب وسلب منه ما كسب وانعكس حاله وانقلب وفيه ترغيب في البقاء على الطاعات والصبر على المصيبات. (والأيام توضح لك السرائر الكامنة) قد شاع عند الفصحاء والبلغاء نسبة ذلك إلى الزمان تجوزا باعتبار أن الزمان من الأسباب المعدة لظهور الأسرار المستورة التي في علم الله تعالى من خير أو شر ولذلك قيل: الأمور مرهونة بأوقاتها وقد تتفاوت الأزمنة في الاستعداد لقبولها ففي بعضها يكون الشر أكثر سيما زمان ضعف الشريعة التي هي سبب نظام العالم أو الحياة الأبدية وفي بعضها يكون الخير أكثر وهو الزمان الذي تكون أحوال الخلق منتظمة فيه خصوصا زمان قوة الشريعة ولعل فيه إيماء إلى ما وقع من أمر الخلافة وانقلاب أحوال الصحابة وسلطنة بني أمية وبني عباس وتغيير قوانين الشرع وشيوع الجور والظلم على أهله وترجيح المسئ على المحسن والدني على الشريف والجائر على العادل والباطل على الحق والرذائل على الفضايل أو الأعم منها ومن نوائب الدهر وفيه ترغيب للمؤمنين في الصبر عليها والرضا بالقضاء. (وليس في البرق الخاطف مستمتع لمن يخوض في الظلمة) هذا تمثيل متضمن لتشبيه زهرات الدنيا وزينتها وأسبابها الطالعة من مطالعها في سرعة زوالها وقلة الانتفاع بها واستعقابها ظلمة شديدة بالبرق الخاطف بالنسبة إلى من يخوض في الليل المظلم والغرض منه التنفير عنها

[ 260 ]

وعن الركون إليها وصرف الفكر في تحصيلها والحث على الآخرة والأعمال الصالحة لها (ومن عرف الحكمة لحظته العيون بالوقار والهيبة) يعني المعروف بالحكمة النظرية والعملية وهي العلم بالقوانين الشرعية والعمل بها نظرت إليه العيون بالوقار له والهيبة منه لعظمته وكذلك كان حال الأنبياء والحكماء الراسخين في العلم والعمل وحمل الهيبة على هيبته من عظمة الله بعيد وفيه ترغيب في تحصيل الحكمة لما فيها من المنافع الدنيوية وأما المنافع الاخروية فظاهرة. (وأشرف الغنى ترك المنى) الغنى ك‍ " إلى " ضد الفقر وفي المصباح منى الله الشئ من باب رمى قدره والاسم المنا ك‍ " العصا " وتمنيت كذا قيل: مأخوذ من المنا وهو القدر لأن صاحبه يقدر حصوله والاسم المنية والامنية وجمع الأولى منى مثل غرفة وغرف وجمع الثانية الأماني وفيه استعارة حسية مرغبة في ترك المنى حيث شبهه بالغنى وجعله أشرف أفراده باعتبار أنه يوجب النفع والراحة والنجاة من التعب والهلاك في الدنيا والآخرة. (والصبر جنة من الفاقة) فيه أيضا استعارة حسية مرغبة في الصبر حيث شبهه بالجنة وهي الترس ووجه التشبيه أن بالصبر يأمن من أصابه سهام الفاقة وثوران دواعي الاحتياج إلى ارتكباب المحرمات المورثة للهلاك والدخول في النار كما يأمن لابس الجنة من أذى الضرب والجرح الموجب للهلاك. (والحرص علامة الفقر) في الآخرة لشغله عنها بالدنيا أو في الدنيا أيضا لأنه الفقير متشاركان في التعب والحزن والهم والاضطراب. (والبخل جلباب المسكنة) الجلباب كسرداب وسمسار القميص وثوب واسع للمرأة دون الملحفة أو هو الخمار ولعل الإضافة من باب لجين الماء والوجه هو الإحاطة والشمول والمراد أن البخل الحاجز للبخيل عن الإنفاق على نفسه وعياله وأهل الحاجة مسكنة محيطة به في الدنيا والآخرة كما روي عنه (عليه السلام): " عجب للبخيل يستعجل الفقر الذي هرب منه ويفوته إلى الذي إياه طلب فيعيش في الدنيا عيش الفقراء ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء ". (والمودة قرابة مستفادة) أي مودة الناس والتقرب إليهم بها وفعل ما يوده الناس لذلك الفعل قرابة مستفادة مكتسبة وهم كالأقارب يؤنسونه في السراء ويعينونه في الضراء وينصرونه في الشدة والرخاء ويجتهدون له في تحصيل المطالب ورفع النوائب ومن ثم قال (عليه السلام): " التودد نصف العقل " لأن العقل نصفان نصف عقل المعاد ونصف عقل المعاش والتودد منه (ووصول معدم خير من جاف مكثر) الوصول من الصلة والجفاء ضدها والمكثر من أكثر إذا أتى بكثير، والمعدم الفقير من أعدم الرجل افتقر، والمراد أن الفقير الوصول الحافظ لصلة الأرحام وغيرها خير من الجافي القاطع الكثير الإعطاء لأن الجفاء مذهب للعطاء والمحبة وميل القلوب إلى الوصول أكثر.

[ 261 ]

(والموعظة كهف لمن وعاها) أي الموعظة وهي ما اشتمل عليه الآيات العظيمة والسنة الكريمة من الوعد والوعيد وضرب الأمثال والتذكير بالقرون الماضية وأحوال الأمم الخالية والآراء المحمودة الجاذبة للقلوب القابلة إلى سبيل الحق كهف منيع وملجأ رفيع لمن وعاها وحفظها وتأثر قلبه اللطيف وذهنه الشريف بها فإنها تدفع عنه شهوات النفس ومكائد الشيطان وتمنعه عن السلوك في سبيل البغي وموارد العصيان وتجذبه إلى صراط الحق وطريق الجنان. (ومن أطلق طرفه كثر أسفه) الطرف العين والطرف اللسان والفم والكل هنا مناسب وفي إطلاقه مفاسد كثيرة موجبة للأسف والحزن الطويل في الدنيا والآخرة. (وقد أوجب الدهر شكره على من نال سؤله) لكونه نعمة غير مترقبة باعتبار تضييقه على المؤمن لا لتحقيره وإذلاله بل لتعظيمه وإجلاله كيلا يشغل بالدنيا عن الآخرة ويمكن أن يراد به دهره (عليه السلام) وما يشابهه في الشدة والصعوبة ويؤيده قوله (عليه السلام) في بعض خطبه: " أيها الناس قد أصبحنا في دهر عنود وزمن شديد - إلى قوله - ولا نتخوف قارعة حتى تحل بنا " ونسبة الإيجاب وأمثاله إلى الدهر مجاز شايع عند العرب وإلا فالفاعل هو الله تعالى. (وقل ما ينصفك اللسان في نشر قبيح أو إحسان) النصف بالكسر والسكون العدل كالإنصاف والوسط بين الموضعين أي قل ما يعدل بك اللسان ويقتصر على النصف عند البيان في نشر القبيح والإحسان والمدح والذم للإنسان بل هو في الأكثر في حد التفريط والإفراط والطغيان وهذا في المعنى أمر بحفظه وقد كرره لكثرة مفاسده. (ومن ضاق خلقه مله أهله) الملالة الضجر والسآمة، مله ومل منه سأمه، والخلق بالضم والضمتين السجية والطبع والمروءة والدين وفي النهاية وحقيقته أنه لصورة الإنسان الباطنة وهي نفسه وأوصافها ومعانيها المختصة بها بمنزلة الخلق لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها ولهما أوصاف حسنة وقبيحة الثواب والعقاب مما يتعلقان بأوصاف الصورة الباطنة أكثر مما يتعلقان بأوصاف الصورة الظاهرة ولهذا تكررت الأحاديث في مدح الأحاديث في مدح حسن الخلق في غير موضع وفيه تنفير عن سوء الخلق وترغيب في تصفية النفس عنه وعن الأمور المؤدية إليه بذكر بعض مفاسده الدنيوية وأما مفاسده الاخروية فكثيرة. (ومن نال استطال) أي من نال الدنيا وكثر حطامها لديه استطال على الغير وطلب العلو والترفع عليه وفيه تنفير عن الدنيا وما يلزمها من الاستطالة والكبر جميعا. (وقل ما يصدقك الأمنية) يحتمل تخفيف الدال من صدقني فلان إذا كان صادقا في خبره فكأن الأمنية تخبرك بحصولها وهي غير صادقة غالبا فكذبها ولا تلتفت إليها كما يحتمل تشديدها بناء على أن في نفسك حصولها ولا تحصل غالبا فلا تصدقك وفيه على التقديرين مكنية وتخييلية.

[ 262 ]

(والتواضع يكسوك المهابة) أي خوفك من الله لعظمته أو خوف الناس منك لشرفك وعظمتك ولأنك بالتواضع لله ولأهله خايف من الله ومن خاف الله خاف منه كل شئ وفيه أيضا مكنية وتخييلية. (وفي سعة الأخلاق كنوز الأرزاق) الظاهرة للبدن والباطنة للنفس كالعلوم والمعارف والمراد بسعة الأخلاق إظهارها لكل أحد وجودها في كل شخص وهي سبب لزيادة الرزق أما بالخاصية أو باعتبار أنها جاذبة للقلوب إلى التعاون والتناصر. (كم من عاكف على ذنبه في آخر أيام عمره) المراد بأيام العمر مدته وبآخرها نهايته وكم خبرية دالة على الكثرة وفيه إشعار بفساد أكثر الناس وتحذير لهم عن الذنوب وحيث لا يكون العمر معلوما يجوز أن يكون زمان الذنب آخره. (ومن كساه الحياء ثوبه خفى على الناس عيبه) خفى كرضى خفاء فهو خاف إذا لم يظهر وذلك لانتفاء العيب لأن الحياء كما مر مرارا مانع من صدور ما يعاب به عقلا ونقلا خوفا من اللوم والظاهر أن المراد بثوب الحياء تغير حالة يعتري الإنسان بسبب الحياء والوجه في تشبيهه بالثوب هو الإحاطة والشمول وإسناد الفعل إلى الحياء مجاز عقلي. (وانح القصد من القول فإن من تحرى القصد خفت عليه المؤن) أمر بطلب الاقتصاد من القول والتكلم بما فيه خير والتحرز عن غيره معللا بأن فيه النجاة من المشقات والشدايد اللازمة للأقوال الفاسدة في الدنيا والآخرة. (وفي خلاف النفس رشدك) أي هدايتك واستقامتك على طريق الحق أمر بجهاد النفس الأمارة واللوامة حتى تصير مطمئنة سالكة لطريق الحق ومنهج الشرع حافظة لحدوده ومستمرة على ذلك حتى ترجع إلى المقصد الأولى والمرجع الأصلي ولا يتحقق ذلك إلا بوزن عقائدها وأعمالها وحركاتها وسكونها وميولها بميزان الشرع والعقل ومخالفة مقتضاها وكسر هواها وآلاتها البدنية وسد أبواب الإغواء والوساوس الشيطانية. (من عرف الأيام لم يغفل عن الاستعداد) أي من عرف الأيام وصنعها بأهلها من قلب أحوالهم وخيبة آمالهم ابتلائهم بالموت والآلام وتأديبهم بالأمراض والأسقام وأخذهم بالعقوبة والإنتقام مع مشاهدة سرعة فنائها وعدم بقائها يرد قلبه عن حب الدنيا والميل إليها ولم يغفل عن الاستعداد لأمر الآخرة وما يوجب المقام الرفيع فيها. (ألا وإن مع كل جرعة شرقا وإن في كل أكلة غصصا) الجرعة بالفتح والضم فالضم الاسم من الشرب اليسير والفتح المرة الواحدة، والأكلة بالفتح المرة الواحدة من الأكل وبالضم اللقمة والشرق والغصة الشجي وما اعترض من الماء والطعام في الحلق والمراد بالجرعة والأكلة متاع الدنيا

[ 263 ]

وحطامها وبالشرق والغصص أن عيشها كدر وعذبها أجاج وحلوها صبر وصفوها متغير وحلالها مختلط بحرامها وخيرها بشرها وصحتها بسقمها وفرحها بألمها ونعمها بنقمها وحياتها بموتها وغير ذلك من المخاوف والنغصات التي لا يخلو منها أحد، وبالجملة شبه متاع الدنيا بالماء واللقمة إذ عليهما مدار الحياة فتشابها وأثبت لهم الشرق والغصة اللذين لا يساغ بهما الشارب والأكل بل يفضيان إلى هلاكهما وأومأ إلى تحققهما في المشبه أيضا لتنفير النفس عن قبوله وطلبه وتسكين قلب من تركه. (لا تنال نعمة إلا بزوال أخرى) تنفير عن الدنيا بزوال نعمها ولذاتها وعدم بقائها وثباتها وتوقف لاحقها على فوات سابقها إذ كل نوع من النعمة واللذة فإنما يتجدد شخص منها والالتذاذ بها بعد زوال مثله كلذة المأكول والمشروب والملبوس والمركوب وغيرها من الملاذ الجسمانية فإن نيلها يستدعي فوات اختها السابقة وما استلزم نيله مفارقة نعمة أخرى لا يعد في الحقيقة نعمة ملتذا بها فلابد للعاقل اللبيب من صرف عمره في تحصيل النعم الباقية من العلوم والمعارف والحكمة الإلهية والأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة النافعة في الدار الآخرة (ولكل رمق قوت) مقدر يأتيه قطعا والرمق محركة بقية الروح والحياة وآخر النفس خصه بالذكر للتنبيه على أن الحياة والقوت متلازمان لا يكون أحدهما بدون الآخر زجر للطالب عن الإهتمام به وصرف العمر في طلبه. (ولكل حبة آكل) معلوم مقدر عند الله تعالى ولابد من أن ينالها وإن لم يطلبها ولا ينالها غيره وإن طلبها (وأنت قوت الموت) شبه الموت بالسبع في الإفناء والإهلاك ونبه بأنه لا خير في حياة تفنى كفناء الزاد. (واعلموا أيها الناس أنه من مشى على وجه الأرض فإنه يصير إلى بطنها) إلا ما أخرجه الدليل أو هو كناية عن الهلاك وهذا مع كونه ظاهرا كأنه مغفول عنه مجهول عند الأكثر فلذا احتاجوا إلى التذكير والتنبيه والزجر عن الركون إليها والاعتماد على البقاء فيها والحث على العمل لما ينفع في بطنها وبعد الخروج منها. (والليل والنهار يتنازعان) أي يتسارعان من التنزع وهو التسرع أو يهتمان من النزعة بالفتح والكسر وهي الهمة أو يتخاصمان ويتجادلان كان كل واحد منهما يريد أن يصدر الهدم منه، وفي نسخة أخرى: (يتسارعان) بدل: يتنازعان، وفي أخرى: " يتسارعان ". (في هدم الإعمار) فيه مكنية وتخييلية وتنبيه للغافلين الذين لا يعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الرجوع إلى الآخرة غافلون. (يا أيها الناس كفر النعمة لؤم) معرفة المنعم وقدر النعمة ومنها الولاية والاعتراف بأنها منه

[ 264 ]

تفضلا شكر كما أن الإتيان بما يوافق ذلك الاعترف ويدل عليه من الأقوال والأفعال المطلوبة للمنعم والموافقة لأوامره ونواهيه شكرا أيضا وترك شئ من ذلك كفران للنعمة وجحد للمنعم وتعظيمه وهو يوجب اللوم والتعنيف في الدنيا والآخرة والحمل للمبالغة. (وصحبة الجاهل شؤم) فسر (عليه السلام) في بعض كلامه الجاهل بأنه من لا يضع الأشياء مواضعها، وقيل: هو من لا يعرف أحوال الموت وما بعده من سعادة الآخرة وشقاوتها وإنما يعرف الدنيا وما فيها، ولا خفاء في أن صحبته شؤم مطلقا سواء كان جهله مركبا أم بسيطا لأن طبعه لئيم وذهنه عقيم وفعله سقيم وقوله أليم وكل ذلك علة مسرية إلى الجليس وإن كان ذا عقل شريف وطبع نظيف ففي صحبته مضار غير معدودة وفي تركها منافع غير محدودة. (إن من الكرم لين الكلام) عند معاملات الناس ووعظهم ومحاورتهم وهو من أجزاء التواضع وله تأثير عظيم في حسن المعاشرة وجذب القلوب وتحصيل الفوائد والكرم يطلق على سعة الخلق والخير والفضل والشرف والجود والعزة والصفح والعظمة والتنزه عن مخالفة الرب (ومن العبادة إطهار اللسان) في كنز اللغة: اطهار پاك كردن، يريد اطهاره عن الفضل من القول ووضعه في غير موضعه والغيبة والنميمة والشتم والهجو القذف ونحوه وكل ذلك في طرف الإفراط من العدل ومهلك في الدنيا والآخرة والظاهر أن الإظهار بالظاء المعجمة كما في بعض النسخ تصحيف ولو صح كان المراد باللسان القول الحق أو التكلم عن قومه حيث عجزوا عن البيان. (وإفشاء السلام) مبتدئا ومجيبا والأول أفضل مجهرا به على البر والفاجر والوضيع والشريف والصغير والكبير إلا من أخرجه الدليل مثل اليهودي والنصراني وغيرهم من أرباب الملل الباطلة ولو بدؤوا بالسلام فقل: عليك أو سلام، كما دلت عليه الروايات وفي بعضها جواز السلام عليهم عند الحاجة إليهم إلا أنه لا ينفعهم. (إياك والخديعة فإنها من خلق اللئيم) الجاهل بالله واليوم الآخر المايل إلى الدنيا وأما الكريم فإنه يستنكف منها ويعدها عيبا شديدا ولذلك لم تكن من خصال الأنبياء والأوصياء والتابعين لهم. (ليس كل طالب يصيب) نفر عن الدنيا وطلب حطامها بذكر غايتها وهو عدم الإصابة إما لفقد أسبابها أو لمصلحة أو لوجود مانع منها وأشد الموانع أن تحصيلها أكثر ما يكون بمنازعة أهلها عليها ومجاذبتهم إياها ومن المعلوم أن ثوران الشهوة والغضب والحرص عند المجاذبة للشئ وقوة بعضهم سبب لتقويته على الآخرين ووجه التنفير أن شدة السعي والتعب على الشئ مع عدم إصابته مكروهة للسامعين. (ولا كل غايب يؤوب) يحتمل وجهين أحدهما أن ما مضى من عمرك لا يرجع فاغتنم ما بقى وتدارك ما فات وإليه أشار (عليه السلام) بقوله: " ولو اعتبرت ما مضى حفظت ما بقى " وثانيهما أن الدنيا بعد

[ 265 ]

انصرافها لا ترجع فاغتنم حضورها واعمل فيها للآخرة. (لا ترغب فيمن زهد فيك) دل بحسب المفهوم على الرغبة في راغب فيك يدل على الأمرين قوله (عليهم السلام) " زهدك في راغب فيك نقصان حظ ورغبتك في زاهد فيك ذل نفس " والتجوز في الإسناد للمبالغة في السببية والوجه في الأول أن الراغب في شخص يبذل ماله لجهاته وله منه حظ ونصيب من جهات شتى إذا لم يزهد فيه وإن زهد فيه وأعرض عنه فات جميع ذلك فيكون ناقص الحظ والوجه في الثاني أن الراغب في الشخص المعرض عنه يصير حقيرا ذليلا بحسب ذاته وأفعاله وأقواله وسائر مقاصده وفيه إشارة إلى من ينبغي المخالطة معه ومن لا ينبغي. (رب بعيد وهو أقرب من قريب) رب للكثير وفيه تنبيه على أن البعيد يصير بالإحسان والمحبة وحسن المعاشرة أقرب من القريب أو على أن الآخرة أقرب من الدنيا أو على أن الميت أقرب من الحي المصاحب لقرب الحي من الميت باللحاق وبعد الميت من الحي بالفراق (سل عن الرفيق قبل الطريق) فإنها مخوفة دقيقة واللصوص الظاهرة والباطنة كثيرة ولذا قال عزوجل: * (وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله) * وهو كناية عن وجوب متابعة أهل البيت عليهم السلام في سفر الآخرة أو الأعم الشامل للسفر المحسوس أيضا. (وعن الجار قبل الدار) فيجب أن يعلم الشخص أولا حال من يصحبه فيقرب منه فإن كان حقيقا بالصحبة والجوار قرب وإلا بعد وهذا أيضا يحتمل الأمرين. (ألا ومن أسرع في المسير أدركه مقيل) أي من أسرع إلى السير إلى الله والتزم مراد الله تعالى كان له مقيل حسن غدا كما هو معلوم في السفر الحسي. (استر عورة أخيك لما يعلمها فيك) العورة كل ما يقبح ذكره ويذم به من العيوب الخلقية والخلقية والعملية فإذا علمتها من أخيك فاسترها منه لما تعلمها أنت أو لما يعلمها هو فيك ففي الأول تنبيه على أن من علم عيب نفسه ينبغي أن يشتغل عن عيب غيره وعلى الثاني على أنه يعامل معك مثل معاملتك معه فإن سترتها يسترها وإن أظهرتها يظهرها والإظهار مع ما فيه من المذلة توجب ثوران العداوة وانقطاع النظام والألفة وغير ذلك من المفاسد. (اغتفر زلة صديقك ليوم يركبك عدوك) الصديق الحبيب الخالص المحبة للواحد والجمع والمؤنث وهي بهاء أيضا ولابد لكل شخص من صديق في الرخاء للأنس بحضوره والاستلذاذ بصحبته وفي الضراء للإمداد والمعاونة فلو وقع منه زلة عمدا أو خطأ ينبغي الإغماض عنه والاغتفار له وإلا فلا تجد صديقا مرضيا من جميع الجهات. (من غضب على من لا يقدر على ضره طال حزنه وعذب نفسه) نفر عن الغضب عليه بذكر غايتين يتنفر عنهما الطبايع لأن الغضب مع عدم القدرة على إمضاء يوجب طول الحزن وعذاب

[ 266 ]

النفس ومع ذلك يد ينتهض المغضوب عليه للانتقام وهو حزن وعذاب آخر. (من خاف ربه كف ظلمه - وفي نسخة: - من خاف ربه كفى عذابه) لأن الخوف منه تعالى إنما هو لملاحظة عظمته، أو للتقصير في أداء حقوقه وكلاهما سبب للكف عن الظلم على نفسه وعلى غيره والكفاية من العذاب. (ومن لم يزغ في كلامه أظهر فخره) لم يزغ مثل لم يقل من زاغ الرجل مال وحاد عن الشئ أولم يرغ من رغا يرغو إذا لم يفصح أو من رغى البعير إذا صوتت عند رفع الأحمال عليها أي من لم يمل في كلامه عما يوجب حسنه وفصاحته أو من أفصح في كلامه أو من لان قوله ولم يرفع صوته شديدا حتى يزجر السامعين أظهر فخره لأن جودة الكلام ولينه دليل على فخر المتلكم هذا من باب الاحتمال والله أعلم. (من لم يعرف الخير من الشر فهو بمنزلة البهيمة) الخير مفهوم كلي يندرج تحته جميع ما أراد الله تعالى من العباد، والشر ضده: والمعنى من لم يعرفهما ولم يتميز بينهما كالجملة أو من لم يعرف الإحسان من الإساءة وقابله بها فهو والبهيمة سواء في البهيمية وعدم العقل وانقطاع حقيقة الإنسانية فيه وإن كان صورته صورة إنسان. (إن من الفساد إضاعة الزاد) أي زاد الدنيا أو زاد الآخرة ففيه على الأول ترغيب في حفظ ما يحتاج إليه في البقاء والقيام بوظائف الطاعات وعلى الثاني في تحصيل الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة لما بعد الموت. (ما أصغر المصيبة مع عظم الفاقة غدا) لعل المراد أن الفاقة الأخروية وهي عدم ما يوجب السعادة الأبدية مصيبة عظيمة بحسب الذات وطول الزمان وكل مصيبة دنيوية صغيرة في جنبها فالفرار من هذه دون الأولى سفه أو الفرار في هذه للفرار من الأولى لازم. (هيهات هيهات) أي بعد عملكم بالآخرة وعظمة فاقتها وحقارة مصائب الدنيا بالنسبة إليها أو بعد نسبة هذه المصائب إليها إذ لا نسبة بين سريع الانقطاع وأبدي البقاء. (وما تناكرتم إلا لما فيكم من المعاصي والذنوب) أي ما تجاهلتم في أمر الدين وترك قوانينه وطلب ما ينجيكم من فاقة الآخرة إلا للمعاصي والذنوب المسودة لقلوبكم المانعة من طلب الآخرة وترك الدنيا ولو لم يكونا كانت قلوبكم منورة وجوارحكم مطهرة ورأيتم الآخرة بعين اليقين واشتغلتم بأمر الدين والغرض بالذات في أمثال هذه الفقرات هو الرد على من تركه (عليه السلام) وتمسك بالباطل والشبهات. (فما أقرب الراحة من التعب) أي راحة الآخرة من تعب الدنيا أو بالعكس أو كلاهما في الدنيا كما قال عز وجل: * (إن مع العسر يسرا) * وفيه ترغيب في الصبر والصبر مفتاح الفرج (والبؤس من

[ 267 ]

النعيم) البؤس بالضم الفقر والحاجة وهذا مثل السابق في الاحتمال والحمل على الصبر (وما شر بشر بعده الجنة وما خير بخير بعده النار) أراد بالشر شر الدنيا وما يثقل على النفس فيها والخير حطام الدنيا وما تميل النفس إليه فيها وكل واحد منهما في معرض الفناء فلا يضر الأول إذا كان بعده الجنة ولا ينفع الثاني إذا كان بعده النار. (كل نعيم دون الجنة محقور وكل بلاء دون النار عافية) صغر نعيم الدنيا وبلاؤها مع سرعة فنائها وعظمة نعيم الجنة وألم النار مع دوام بقائهما فلا تصرف عمرك في طلب الدنيا ونعمها ولا تحزن ببلائها وألمها إذا كان لك ما يوصلك إلى الجنان وينجيك من النيران (وعند تصحيح الضماير تبدو الكبائر) الضماير الأمور المستورة القلبية من العقايد والأخلاق وقد يطلق على القلوب وعلى الأمور المستورة مطلقا وتصحيحها في يوم القيامة وذلك يوم تبلى السرائر وعند ذلك يتميز الصحيح من السقيم والحق من الباطل ويظهر الفرق بينهما ظهورا تاما لا يشتبه على أحد ويجد كل ما أعد له وأما الدنيا فلكونها دار كمون (1) قد يدلس المدلسون ويدعون الحق ويذعن لهم القاصرون ويمكن أن يراد تصحيحها بالمحاسبة وكونها سببا لظهور الكبائر والفرار منها ظاهر. (تصفية العمل أشد من العمل) هي جعله صافيا عن المقتضيات والمفسدات الداخلة والخارجة وخالصا لوجه الله تعالى غير ملحوظ فيه غيره حتى الفوز بالثواب والخلاص من العقاب هذه مرتبة علية ودرجة رفيعة لا يصل إليها إلا العارفون وقليل ما هم. (وتخليص النية من الفساد أشد على العاملين من طول الجهاد) النية هي القصد إلى إيقاع الفعل المأمور به شرعا وهذا وإن كان سهلا في بادي النظر لكنه صعب في نفس الأمر إذ النية ليست مجرد القول ولا مفهومه الحاصل في الذهن بل المعتبر فيها حقيقة هو ميل القلب إلى المنوي ميلا تاما بحيث لا يعتريه ما يوجب فساده بالكلية كالرياء والسمعة وقت الفعل وبعده إلى آخر العمر ولا ما يوجب فساد كماله كالأخلاق الذميمة وآثارها وتوجه النفس إلى الغير عند الفعل فتحقق هذا الميل موقوف على تطهير القلب عن الرذايل وتزيينه بالفضايل وتنزيهه عن حب الدنيا والميل إليها ولا يتحصل ذلك إلا بمجاهدات نفسانية ورياضات بدنية في مدة طويلة، ولا خفاء في أن تخليص النية عن هذا الفساد أشد من طول الجهاد أما أولا فلأن مجاهدة النفس والشيطان مجاهدة عدو لا يزال مخادعا ولا ينال غرضه إلا بالخروج في زي الناصحين للأصدقاء ولا شك أن جهاد مثل هذا العدو أشد من جهاد عدو مظهر للعداوة. وأما ثانيا فلأن جهاد العدو الظاهر يقع في العمر مرة أو مرتين لا دائما بخلاف العدو الخفي فلا


1 - غموض. (*)

[ 268 ]

ريب أنه أشق وأصعب وأما ثالثا فلأن جهاد العدو الظاهر أسهل لأن القوى البدنية كالغضب والشهوة تثوران عند محاربته طلبا لدفعه وتصيران تابعين للمجاهد فيما يراه ويأمر بخلاف جهاد العدو الخفي فإنهما تابعان للعدو ناصران له وأما رابعا فلأن مضرة العدو الظاهر دنياوية فانية ومضرة العدو الباطن أخروية باقية ومن كانت مضرته أشد وأعظم كان جهاده أكبر وأفخم ومن هنا ظهر سر ما روي: " نية المؤمن خير من عمله " لأنها أشق منه، (هيهات) أي بعد ظنكم بي. (لا التقى لكنت أدهى العرب) الدهاء النكر والمكر والخدعة واستعمال الرأي في تحصيل المطالب الدنيوية وإن كان مخالفا للقوانين الشرعية وكان هذا الكلام صدر منه (عليه السلام) كالجواب لما كان يسمعه من أقوال الجاهلين بحاله ونسبتهم له إلى قلة التدبر وسوء الرأي في أمور الدنيا ونسبة غيره إلى جودة الرأي وحسن التدبر فيها لما بينهم من المشاركة في هذا العمل فمن كان فيه أتقن وأكمل كان عندهم أحسن وأفضل وغفلوا أنه (عليه السلام) كان في جميع حركاته على القوانين الشرعية ورفض ما كان عادتهم من استعمال الدهاء في الأمور الدنيوية فأفاد (عليه السلام) أن تمسكه بزمام الورع والتقوى منعه من الدهاء واستعمال كل فعل وقول وبطش مخالف للكتاب والسنة وإلا فهو أعرف بالدهاء وطرقه وكيفية استعماله من غيره ولم يكن ذلك مختصا به (عليه السلام) بل جاهل كل قوم يظن بعالمهم ذلك لأن العالم ملجم بلجام التقوى فطوره في معاملة الدنيا غير طورهم (أيها الناس إن الله تعالى وعد نبيه محمدا (صلى الله عليه وآله) الوسيلة) هي في الأصل ما يتوسل به إلى الشئ وجمعه الوسائل يقال: وسل إليه وسيلة وتوسل، وذكرت في الحديث مكررا وفسرت بالقرب من الله تعالى وبالشفاعة يوم القيامة وبالمنزل من منازل الجنة وهو المراد. هنا كما سيصرح به (ووعده الحق) كل ما وعد به في الدنيا أو في الآخرة فهو حق مطابق للواقع ولن يخلف الله وعده أبدا لأن الخلف في الوعد كذب وهو على الله محال وهو كقوله تعالى: * (إن الله لا يخلف الميعاد) *. (ألا وإن الوسيلة أعلى درج الجنة) للجنة درجات يستقر فيها أهلها على تفاوت مراتبهم وأعلى درجاتها منازل الأنبياء والأوصياء وأعلى درجاتهم نبينا وأوصياؤه عليهم السلام والظاهر من العلو العلو الحسي ويحتمل العقلي باعتبار الشرف والرتبة. (وذروة ذوائب الزلفة) الزلفة القربة والمنزلة وتشبيهها بالصورة الحسنة في الرغبة وإثبات الذوائب لها وهي الخصلة المجتمعة من الشعر على الرأس مكنية وتخييلية والذروة بالضم والكسر الأعلى من كل شئ وإضافتها إلى الذوائب بيانية وحملها على الوسيلة من باب التشبيه بالسنام للبعير في العلو والارتفاع. والحاصل أن الوسيلة هي أعلى درجات القربة والمنزلة ويحتمل أن يشير بالذوائب إلى تفاوت درجات الزلفة وبذروتها إلى أعلى درجاتها ووجه المشابهة تدلي درجات

[ 269 ]

القربة من الأعلى إلى الأسفل كتدلي ذؤابة الشعر عن الرأس. (ونهاية غاية الأمنية) المراد بالغاية هنا المسافة الوهمية لأهل الأماني والوسيلة نهايتها إذ لا منزلة فوقها. (حتى تتمنى لها ألف مرقاة) المرقاة ويكسر الدرجة والظاهر أن الضمير راجع إلى الوسيلة وأن مرقاتها ودرجاتها حسية في العلو، والعقلية محتملة كما مر. (ما بين المرقاة إلى المرقاة حضر الفرس الجواد مائة عام) من أعوام الدنيا على الظاهر لأن العام عند الإطلاق ينصرف إليه الحضر بالضم العدو، احضر فهو محضر إذا عدى والجواد من الفرس الجيد المعجب السابق السريع والظاهر أن التحديد بهذه المسافة حقيقي والحمل على المبالغة محتمل (وهو ما بين مرقاة درة إلى مرقاة جوهرة.. اه) الظاهر أن الضمير راجع إلى حضر الفرس وأن التدريج من الأسفل إلى الأعلى حتى يكون مرقاة النور على المراتب والعكس محتمل وإن الدرة والجوهرة وباقي الأسماء محمولة على ظواهرها إذ ا استبعاد في وجودها بالنظر إلى إرادة الحق وقدرته الكاملة وحملها على أرض الجنة المشابهة بالمذكورات في الألوان والصورة أو المنثورة فيها هذه المذكورات أو المسماة بها محتمل، وهنا شئ وهو أن الموعود من المرقاة ألف والمذكور خمس عشرة وأن حضر الفرس بين المرقاتين في نسخة: مائة عام وفي آخر ألف عام، بين الأمرين تفاوت كثير ويمكن دفع الأول بأن في المذكور اقتصارا أو أن المذكور أسامي بعض الألف بأن ذكر من كل جملة اسم واحدة وبين كل مرقاتين من المعدودة جملة غير معدودة بأسمائها، مثلا بين مرقاة درة وجوهرة جميلة وهكذا، ويمكن دفع الثاني بأن الواقع أحدهما معينا، وأما دفعه بأن مائة عام حضر الفرس بين كل مرقاتين من الألف وألف عام حضر الفرس بين المرقاتين اللتين بينهما جملة فتتقارب النسختان ويندفع التفاوت الفاحش فبعيد والله يعلم حقيقة الحال، وفي القاموس: في فصل اللام والجيم يلنجوج عود البخور نافع للمعدة المسترخية جدا والغمام جمع الغمامة وهي السحابة أو البيضاء والهواء الفضاء المرتفع بين الأرض والسماء وكأن إضافة المرقاة إلى هذه الثلاثة باعتبار الاشتمال على الريح المخصوص واستقرار غمام الرحمة فوقها وارتفاعها والله يعلم حقيقة هذه الأشياء ونحن من أهل التسليم. (قد أنافت على كل الجنان) أناف على كذا أشرف عليه وارتفع والظاهر أن ضمير التأنيث في أنافت وفي عليها في قوله: " ورسول الله (صلى الله عليه وآله) يومئذ قاعد عليها " راجع إلى مرقاة نور بناء على أن التدريج من الأسفل إلى الأعلى واحتمال رجوعه إلى الوسيلة بعيد. (مرتد بريطتين) في النهاية: الريطة كل ملاءة ليست بلفقتين، وقيل: كل ثوب رقيق والجمع ريط ورياط والملاءة الإزار والجمع ملاء بالضم والمد وقال بعضهم: إن الجمع ملا بالضم والقصر

[ 270 ]

والواحد ممدود والأول أثبت. (عليه تاج النبوة وإكليل الرسالة) التاج الإكليل فالعطف للتفسير والإكليل بالكسر شبه عصابة محيطة بالرأس مزينة بالجواهر. (قد أشرق بنوره الموقف) موقف القيامة يفرج ويستبشر ويستضئ بنوره كل من آمن به وبوصيه والظاهر أن الوسيلة وإن كانت من الجنة مشرقة على أهل الموقف. (وأنا يومئذ على الدرجة الرفيعة وهي دون درجته) لأن الوزير دون الأمير قريب منه والظاهر أن هذه الدرجة مرقاة هواء وهو مؤيد لما ذكرنا من أن وصف المرقاة به باعتبار الرفعة والله يعلم. (وعلى ريطتان ريطة من أرجوان النور وريطة من كافور) الأرجوان بالضم الأحمر يعني أحديهما أحمر كالأرجوان والأخرى أبيض كالكافور. (والرسل والأنبياء قد وقفا) في بعض النسخ " قد وقفوا " (على المراقي) الباقية على تفاوت درجاتهم (وأعلام الأزمنة وحجج الدهور عن أيماننا) اريد بهم الأئمة عليهم السلام لأنهم أعلام ظاهرة وحجج نيرة في العالم لدلالة الخلق على ما يتم به نظامهم في المعاش والمعاد وفيه دلالة على تقديمهم على سائر الأنبياء. (وعن يمين الوسيلة عن يمين الرسول (صلى الله عليه وآله) غمامة بسطة البصر) أي مد البصر ولعل المراد بالغمامة إما معناها الحقيقي وهي السحابة البيضاء أو طائفة من الملائكة مجتمعون كاجتماع الغمامة في جو السماء يأتي منها النداء: (يا أهل الموقف طوبى لمن أحب الوصي.. اه) أي طيب العيش في هذا اليوم أو الجنة له لأنها يوجب طيب العيش (ومن كفر [ به ] فالنار موعده) أي من كفر بالنبي كفر جحود وكفر مخالفة بإنكار ما جاء به من الولاية وغيرها. (عن يسار الرسول (صلى الله عليه وآله) ظلة) في بعض النسخ: " ظلمة " فيها الاحتمالان المذكوران (له الملك الأعلى) وهي الجنة والسعادة العظمى. (والاقتداء بنجومهما) المراد بها الأئمة عليهم السلام لأنهم نجوم يهتدى بهم أهل الأرض في نيه الجهالة (فأيقنوا يا أهل ولاية الله ببياض وجوهكم.. اه) المراد بولاية الله ولايته وولاية من أمر بولايته وفيه تبشير للتابعين له (عليه السلام) بقرب المنزلة وشرف المقام وتحريض لهم على المتابعة كما أن ما بعده إنذار للمخالفين ببعد المرتبة وسوء المقام وتخويف لهم عن المخالفة لعله يتذكر من يتذكر ويخشى. (وما من رسول سلف ولا نبي مضى إلا وقد كان مخبرا أمته.. اه) قد جرت سنة الله تعالى أن يخبر كل نبي من لدن آدم (عليه السلام) إلى خاتم الأنبياء أمته ووصيه برسول يأتي من بعده ويبشرهم برسول

[ 271 ]

الله (صلى الله عليه وآله) ويذكر حليته وصفته عندهم (ليعرفوه بصفته) التي وصفه بها بينهم (وليتبعوه على شريعته) القويمة وطريقته المستقيمة التي منها الولاية لأوصيائه. (ولئلا يضلوا فيه من بعد) أي في رسول الله (صلى الله عليه وآله) من بعد ظهوره، فالضميران راجعان إليه ولو رجع الأول إليه والثاني إلى النبي المخبر بصفته لزم تفكيك الضمير (فيكون من هلك) بإنكاره (وضل) بإنكار شئ مما جاء به كالولاية مثلا (بعد وقوع الإعذار والإنذار) من مخالفته وترك شريعته والإعذار بالكسر مصدر يقال: أعذر الله إليه إذا لم يبق منه موضعا للإعتذار فالهمزة للسلب. (عن بينة وتعيين حجة) خبر يكون أي هلك عن بينة واضحة وحجة ظاهرة حتى لا يمكن له أن يقول يوم القيامة: إني كنت عن هذا من الغافلين ولذلك بعث الله تعالى رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. (فكانت الأمم) الماضية (في رجاء من الرسل) أي من مجئ بعضهم عقب بعض آخر. (وورود من الأنبياء) بعد من مضى منهم. (ولئن أصيبت بفقد نبي بعد نبي على عظم مصائبهم وفجائعها بهم) العظم بضم العين وسكون الظاء أو بكسر العين وفتح الظاء، والفجايع جمع الفجيعة وهي الرزية (فقد كانت على سعة من الأمل) لعدم انقطاع الوحي وخبر السماء وورود الرسل. (ولا مصيبة عظمت ولا رزية جلت كالمصيبة برسول الله (صلى الله عليه وآله).. إلى آخره) أشار إلى أن الناس ما أصيبوا بمصيبة أعظم منها إذا انقطع بموته النبوة وأنباء الأسرار وأخبار السماء لكونه خاتم الأنبياء فلا يصاب الناس بمثل تلك المصيبة أبدا فهي مسلية لهم عن المصيبة بمن سواه وما يسكن قلوب الناس عن هذه المصيبة العظيمة في الجملة هو التوسل بذيل من أقامه مقامه كما أشار إليه بعد هذا. (وجعله بابه الذي بينه وبين عباده) لأنه (صلى الله عليه وآله) باب جنته وعلمه وحكمته وأسراره وتوحيده وشريعته ورحمته ومن أراد أن يصل إلى الله وجب عليه أن يتوسل إليه ويتمسك به ولفظ الباب مستعار (ومهيمنه الذي لا يقبل إلا به) أي رقيبه وشاهده على عباده في أقوالهم وأعمالهم وعقائدهم (ولا قربة إليه إلا بطاعته) أي لا قربة لأحد إلى الله تعالى ولا وسيلة يتوسل بها إليه إلا بطاعته فيما أمر به ونهى عنه وأعظم ما جاء به هو نصب خليفة له. لئلا يضل أمته بعده فمن أنكر خليفته لم يطعه (ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا) أي من تولى وأعرض عن طاعة الله أو عن طاعتك فما أرسلناك عليهم حفيظا تحفظهم عن التولي والإعراض جبرا وإنما عليك البلاغ فكأن ذلك دليلا على ما فوض الله إليه أي رد عليه أمر العباد وجعله الحاكم فيه فوجب عليهم الطاعة له والتسليم لأمره ونهيه والانقياد له في جميع ما جاء به من أصول الدين وفروعه ولا يجوز لهم التقول في شئ من ذلك برأيهم وفيه زجر لهم عما ارتكبوا من أمر الخلافة ونحوه من الأمور

[ 272 ]

الدينية المخالفة للقوانين الشرعية. (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله.. اه) المحبة ميل القلب إلى ما يوافق والله تعالى منزه عن أن يميل ويمال إليه فمعنى محبة العبد ربه طاعته وهي إنما تحصل باتباعه (صلى الله عليه وآله) كما أشار إليه بقوله: (فاتباعه (صلى الله عليه وآله) محبة الله) ومعنى محبة الله عبده رضاه عنه وهو سبب لغفران ذنوبه وكمال فوزه بالسعادة العظمى وكمال نور إيمانه ووجوب الجنة له ويمكن أن يقال: معنى محبة العبد ربه هو الميل إليه حقيقة والذي يتنزه الله سبحانه عنه إنما هو الميل إليه في الحس لإشعاره بالجهة والمكان وليست المحبة الميل بالحس بل بالقلب ولا يمتنع ميل القلب إليه وتعلقه به كما يتعلق به المعرفة ولما كانت محبته بهذا المعنى أيضا لا تحصل إلا بمتابعة النبي (صلى الله عليه وآله) لأنه وسيلة إليه ومبين لما يجوز ويمتنع عليه وجب على من أراد أن يشرب من رحيق المحبة أن يتمسك بعروة المتابعة التي لا انفصام لها ولا يخفى ما في جعل المتابعة واسطة بين محبة الطرفين من الإيماء إلى أنه (صلى الله عليه وآله) هو المحبوب على الإطلاق وفي المقام دقايق لا يخفى على العارفين (وفي التولي عنه والإعراض محادة الله) أي في التولي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بإنكار رسالته وفي الإعراض عنه بإنكار ما جاء به الذي منه الولاية معاداة الله ومخالفته ومنازعته (وغضبه وسخطه والبعد منه) أي من رحمته وعدم نيلها أبدا والغضب والسخط إذا نسبا إليه تعالى يراد بهما سلب الإكرام والإحسان والعقوبة بالسلاسل والنيران. (مسكن النار) أي كل واحد من الأمور المذكورة مسكنة في النار ونسبة الإسكان إليه مجاز باعتبار أنه سبب للدخول فيها يعني الجحود به والعصيان له إشارة الى أن الكفر به شامل لكفر الجحود وكفر المخالفة بانكار ما جاء به، ولما أومأ مرارا إلى أن الخلافة حق له كما أشرنا إليه في بعض الفقرات المذكورة أراد أن يذكر شيئا من صفاته الكريمة ونعوته العظيمة الدالة على ذلك مع التفصيل والتصريح به فقال: (فإن الله تبارك اسمه امتحن بي عباده) حيث كلفهم بطاعته والانقياد له والتسليم لحكمه كما كلفهم بطاعة رسوله (وقتل بيدي أضداده وأفنى بسيفي جحاده) أشار (عليه السلام) إلى غاية شجاعته ونصرته للدين وصبره على الجهاد والقتال مع الكافرين وكان في قوة الحرب مشهورا بين العرب والعجم ولم يكن يعادله أو يقاربه أحد من الأمم وكان (عليه السلام) سيفا داميا وشجاعا حاميا قد تولى الحرب بنفسه النفيسة فخاض غمارها واصطلى نارها ورفع أوزارها وأجرى بالدماء أنهارها حتى قام الدين على ساقه غالبا مسرورا بعد ما كان من صدمات المشركين مغلوبا مقهورا (وجعلني زلفة للمؤمنين) لأنه حصل لهم بحبه قرب ومنزلة عند رب العالمين وحمل الزلفة للمبالغة إذ هو سبب

[ 273 ]

لها. (وحياض موت على الجبارين) الحياض بالحاء المهملة كناية عن المعارك لورود الموت وكثرة أسبابه فيها ومنه سمي الحوض حوضا لأن الماء يسيل إليه ويجتمع فيه وفي نسخة بالخاء المعجمة وهو مصدر يقال: خاض الماء يخوضه خوضا وخياضا دخله وعلى الاستيلاء والاستعلاء والجبار المتكبر العاتي الذي لا يرى لأحد عليه حقا والعظيم القوي والشجاع أي جعلني موتا على الجبارين إلا أنه أدرج لفظ الخياض للدلالة على سهولة ذلك والمراد بالموت إما إزهاق النفس بالقتل أو موتها بالمخالفة له (عليه السلام) والحمل على التقديرين للمبالغة. (وسيفه على المجرمين) إطلاق السيف عليه على سبيل التشبيه بالقطع والإهلاك والإفناء (وشد بي أزر رسوله) الأزر الضعف والظهر وقد كان (عليه السلام) ظهيرا له (صلى الله عليه وآله) في المعارك كلها على أبطال العرب حين فشل الصحابة وجبنوا حتى قوي به ظهره واشتدت به قوته على الأعداء. (وأكرمني بنصره) قد كان (عليه السلام) ناصرا له في جميع الأحوال خصوصا في حال هجوم الأعادي عليه والأبطال كما هو المشهور والمذكور في كتب السير والآثار. (وشرفني بعلمه) المكنون المخزون مثل العلم بأسرار القضاء والقدر والتوحيد وبما كان وما يكون وما هو كاين وبأحوال القيامة والجنة والنار ومن فيها وأمثال ذلك. (وحباني بأحكامه) أي أعطاني أحكامه الدينية يقال: حباه كذا وبكذا إذا أعطاه وأحباه العطية (وقد حشده المهاجرون والأنصار) أي اجتمعوا إليه يقال: حشده القوم فهو محشود إذا اجتمعوا وخدموه (وانغصت بهم المحافل) المحافل جمع المحفل بكسر الفاء وهو مجتمع الناس والانغصاص والامتلاء يقال: منزل غاص بالقوم إذا امتلأ بهم. (أيها الناس إن عليا مني كهارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي.. اه) لا بأس أن نذكر ما نقله العامة في صحاحهم وحكموا بصحته ونذكر أقاويلهم وتأويلاتهم وما سنح لي وما ذكره أصحابنا في جوابهم ليظهر لك أطراف الكلام فنقول: روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله) علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في غزوة تبوك فقال: يا رسول الله تخلفني في النساء والصبيان ؟ فقال " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي " وفي مسند أحمد بن حنبل من عدة طرق وفي صحيح البخاري وغيره من صحاحهم من عدة طرق أن النبي (صلى الله عليه وآله) لما خرج إلى تبوك استخلف عليا مدينة وعلى أهله فقال علي: وما كنت أوثر أن تخرج إلا وأنا معك ؟ فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي. واستدل أصحابنا رضوان الله عليهم بهذا الحديث المتواتر عند العامة والخاصة بالتنصيص على خلافته (عليه السلام) وتوضيحه أن النبي (صلى الله عليه وآله) أثبت لعلي (عليه السلام) جميع منازل هارون من موسى واستثنى

[ 274 ]

النبوة فبقي الباقي على عمومه لأنه قضية الاستثناء ومن جملة منازل هارون من موسى أنه كان خليفة لموسى (عليه السلام) * (اخلفني في قومي) *. وقوله تعالى حكاية عن موسى: * (واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي أشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا إنك كنت بنا بصيرا قال قد أوتيت سؤلك يا موسى) * قال الآبي في كتاب إكمال الإكمال عند شرح هذا الحديث: قال ابن العربي: إنما قال (صلى الله عليه وآله) ذلك تأنيسا وبيانا لفضله حين قال أهل النفاق: إنما خلفه كراهية فيه، فإن قيل: إن هارون (عليه السلام) أفضل الناس بعد موسى فكذلك يكون علي رضي الله عنه، أجيب بأن هارون (عليه السلام) إنما كان أفضل الناس لأنه كان رسولا انتهى. أقول: كما جاز أن يكون النبي أفضل من غيره لنبوته جاز أن يكون غير النبي أفضل من غيره لاختصاصه بفضيلة لم توجد في غيره. فالجواب المذكور تحكم. وقال الآبي قال الآمدي: لا يخفى أن عليا رضي الله عنه كان مستجمعا لخلال شريفة ومناقب منيفة بعضها كاف في استحقاق الإمامة وقد اجتمع فيه من حميد الصفات وأنواع الكمالات ما تفرق في غيره من الصحابة حتى قيل: إنه من أشجع الصحابة وأعلمهم وأزهدهم وأنصحهم وأسبقهم إيمانا وأكثرهم جهادا بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأقربهم نسبا وصهرا منه كان معدودا في أول الجريدة وسابقا إلى كل فضيلة وقد قال فيه رباني هذه الأمة ابن عباس رضي الله عنه وسأله معاوية عنه قال: كان وكان، فلم يبق محمدة من محامد الدين والدنيا إلا وصفه بها مع ما ورد فيه من الآثار المنهية على مناقبه. وذكر ابن عبد البر بإسناده إلى ضرار الصعداني وقال له معاوية: صف لي عليا يا ضرار ؟ فقال: أعفني يا أمير المؤمنين. فقال: لا بد. فقال: أما إذ ولابد من وصفه فكان والله شديد القوي، بعيد المدى، يقول فصلا، ويحكم عدلا يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويأنس بالليل ووحشته، وكان غريز الدمعة، طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن، وكان بيننا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، ويفتينا إذا استفتيناه، ونحن مع تقريبه إيانا وقربه منا لا نكاد نكلمه هيبة له، يعظم أهل الدين، ويقرب المساكين، لا يطمع القوي في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه قابضا على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين ويقول: يا دنيا غري غيري أبي تعرضت أم إلي تشوقت هيهات هيهات قد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيك فعمرك قصير وخطرك قليل آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق " فبكى معاوية وقال رحم الله أبا الحسن كان والله كذلك كيف حزنك عليه يا ضرار ؟ قال: حزن من ذبح ولدها في حجرها، ثم قال الآمدي: وهذه صفاته وأما إثبات إمامته فبإجماع الأمة عليها بعد قتل عثمان واتباعهم له ودخولهم تحت قضاياه بعده من غير منازع

[ 275 ]

ولا مدافع انتهى. أقول فانظر رحمك الله كيف اعتقد بالحق ثم أنكره من حيث لا يعلم لاتفاق جماعة من المنافقين على عبادة العجل وفي المقام زيادة بسط يطلب في علم الكلام، وقال الآبي: قال عياض: احتجت بهذا الحديث الإمامية والروافض وسائر فرق الشيعة على أن الإمامة حق لعلي بعده وأنه (صلى الله عليه وآله) استخلفه بهذا اللفظ وشبهه على سائر الأمة بعده ثم اختلفوا فكفر بعضهم ساير الصحابة لتركهم الحق بتقديمهم غيره وكفر بعضهم عليا إذ لم يطلب حقه ومذهب هؤلاء أسخف من أن يرد عليه ولا خفاء في كفر القائلين بهذا لأن من كفر كل الأمة والصدر الأول فقد أبطل ثقل الشريعة وهدم الإسلام وأما غير هؤلاء فلا نكفرهم ثم اختلفوا فالإمامية وبعض المعتزلة يخطيهم وبعض المعتزلة لا يخطيهم لأنه يجوز تقديم المفضول على الفاضل ولا حجة في الحديث لأحد من الفريقين لأنه لم يستخلفه عموما بل على المدينة خاصة عند سفره لتبوك كما استخلف موسى هارون الذي شبه به عند سفره إلى المناجاة بقوله: " اخلفني في قومي " فلما رجع منها رجع هارون إلى حالته الأولى وكذلك علي رضي الله عنه فالمعنى أنت خليفتي على المدينة عند سفري كما كان هارون (عليه السلام) ومعنى " ولا نبي بعدي " أي بعد بعثتي وفي ظني أن ذلك تنبيه على ما اقترفه الرافضة من نبوة علي حتى تجاوز بعضهم إلى أن ادعى أنه الله سبحانه وقد أحرق علي رضي الله عنه بعض من قال ذلك فافتتن بذلك جماعة وقالوا الآن حققنا أنه الله لا يعذب بالنار إلا الله، وما دل عليه الحديث لا يحط من مزلة غيره، انتهى. أقول: ليس في لفظ الحديث ما يشعر باختصاص استخلافه (عليه السلام) على أهل المدينة فقط ولا على حال حياته فقط ولا على عزله بعد الاستخلاف بل هو نص على عموم الاستخلاف وعدم العزل وكونه (عليه السلام) خليفة له (صلى الله عليه وآله) في سفر تبوك لا يقتضي تخصيص الخلافة العامة المستفادة من الحديث بذلك الوقت بوجه من الوجوه إذ لا منافاة بينهما. وبالجملة خلافته (عليه السلام) مثل خلافة هارون (عليه السلام) ولا تفاوت بينهما إلا في النبوة وكما كان خلافة هارون ثابتة له ما دام حياته من غير توسط عزل من موسى عليه السلام كذلك خلافة علي (عليه السلام) ثابتة له ما دام حياته من غير توسط عزل من النبي (صلى الله عليه وآله) وعدم بقاء خلافة هارون بعد موسى (عليه السلام) لموت هارون قبله لا يقتضي عدم بقاء خلافة علي (عليه السلام) بعد نبينا (عليه السلام) لما عرفت من أن كل واحد منهما كان خليفة في عمره وما ذكره من أن هارون كان خليفة لموسى في حال سفره فقط ولما رجع عزله ورجع هارون إلى حالته الأولى يعني عدم الخلافة كلمة هو قائلها، لأن دعوى اختصاص خلافة هارون بحال السفر وعزله بعد الرجوع من الدعاوي الباطلة لا مستند له بل خلافته كانت ثابتة له ما دام حياته كيف وقد سأل موسى (عليه السلام) ربه طلب خلافته ووزارته في بدء الرسالة لقوله * (واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي) * وقال سبحانه * (قد أوتيت

[ 276 ]

سؤلك يا موسى) * (1). وقوله " ومعنى لا نبي بعدي " أي بعد بعثتي غرضه من هذا التقرير تخصيص خلافة علي (عليه السلام) بكونها في حياة النبي (عليه السلام) وبيان عدم دلالة لا نبي بعدي على ثبوتها بعد وفاته (صلى الله عليه وآله). أقول: التقدير خلاف الظاهر من غير داع لما عرفت لثبوت عموم الخلافة على أن التقدير لا ينافيه لأنه إذا ثبت في حال الحياة ثبت بعد الوفاة أيضا إذ لم يتحقق العزل اللهم إلا أن يقال: رجوع النبي من السفر عزل لعلي (عليه السلام) عن الخلافة ولا يخفى سخافة هذا القول لأن الرجوع ليس بعزل لا عادة ولا عرفا ولا لغة. قيل: هذا يوجب أن يكون إماما في حياة النبي والمنقول من السلف خلافه، أجيب بأن الظاهر يقتضي ذلك وفي الأصحاب من قال منزلة الإمامة ثابتة له في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) وإنما لم يسم اماما لوجود النبي (صلى الله عليه وآله) مع أن تسميته أمير المؤمنين في حياة النبي (صلى الله عليه وآله) وارد قد نقله كثير من العلماء، وامتناع اجتماع الخليفة والمستخلف في عصر واحد ممنوع ولا دليل عليه لا عقلا ولا نقلا إذا كان أحدهما أصلا والآخر تابعا فإن النبي (صلى الله عليه وآله) كان ينطق بالوحي وعلي (عليه السلام) كان باب مدينة علمه قيل: قد استخلف النبي معاذ بن جبل وابن أم مكتوم وغيرهما ولم يوجب ذلك لهم إمامة فكذا علي (عليه السلام). قلنا: نحن لا نثبت إمامته بمجرد استخلافه وجعله نايبا بل بالحديث المذكور ولم يرد مثل ذلك في شأنهم على أن الإجماع من الأمة على أن هؤلاء لا حظ لهم بعد الرسول في الإمامة فارق. فإن قيل هذا: الاستخلاف كان مختصا بالمدينة فقط لا يقتضي ذلك الرئاسة العامة التي هي الإمامة. قلت: الحديث لا يدل على ذلك الاختصاص أصلا كما أشرنا إليه وعلى تقدير التسليم إذا ثبت له الخلافة وفرض الطاعة بالنص في بعض الأمة بعده ثبت له ذلك في جميعهم إذ لا قائل بالفصل فكان الإجماع مانعا من هذا القول. قيل: دلالة الحديث على أن له منازل هارون كلها لا يدل على نفي إمامة الثلاثة قبله لأن لفظ بعدي يحتمل البعدية بلا فصل وبفصل فمن جعله إماما بعد عثمان فقد عمل بموجب الخبر، أجيب بأنه من حيث وضع اللغة محتملة لأمرين لكن صار المفهوم منه بحسب العرف البعدية بلا فصل إذ لو قال قائل هذا المال بعدي للفقراء تبادر إلى الأفهام أنه أراد بعد موته بلا فصل والتبادر


1 - أقول: هذا كله بناء على صدور الحديث قبيل غزوة تبوك فقط، ولكن الصحيح أنه صدر من فم أبي صلوات المصلين عليه في أكثر من موضع منها عند ولادة الحسن ومنها عند ولادة الحسين عليهما السلام، ومنها عند مرض النبي (ص) ومنها في مرض موته في بيته، ومنها في أخر خطبتة خطبها في المدينة في المسجد، وقد فصلنا ذلك في كتابنا النصوص على آل محمد (صلى الله عليه وآله) (المصحح). (

[ 277 ]

دليل الحقيقة فيكون البعدية بلا فصل حقيقة عرفية، وكذا إذا قيل فلان جلس على سرير الملك بعد فلان فإنه لا يفهم منه إلا ذلك فكذا فيما نحن فيه وأيضا إذا سلم الخصم أن له جميع منازل هارون ومن منازل هارون أنه لم يعزله موسى (عليه السلام) عن الخلافة فكذا لم يعزل النبي (صلى الله عليه وآله) عليا (عليه السلام) عن الخلافة فإذا كانت خلافته ثابتة مستمرة في حال الحياة وفي حال الموت وبعد الموت فلم يبق بعد الموت محل لخلافة الثلاثة. ثم من قال بإمامته بعد الرسول بلا فصل وفرض طاعته كطاعة الرسول لم يكفر جميع الصحابة وجميع الصدر الأول وإنما كفر من بلغه النص وخالفه ولا دليل على إمتناع تكفير بعض الصحابة بل الأحاديث الدالة على كفر بعضهم وخروجهم من الرحمة الإلهية موجودة من طرق العامة أيضا وقد نقلناها في مواضع من هذا الكتاب ومن جملتها الأحاديث الدالة على طرد بعضهم عن الحوض فيقول (صلى الله عليه وآله) " أصحابي أصحابي، فيقال: ما تدري ما فعلوا بعدك فيقول " سحقا سحقا ". وأما تكفير بعضهم عليا (عليه السلام) لعدم طلبه حقه فهو ظاهر الفساد لأنه (عليه السلام) طلب حقه وهم لم يسمعوا منه وقد ذكروا في كتبهم ذلك ونقلناه منهم في بعض المواضع من هذا الكتاب، نعم لم يجادلهم بالسيف لقلة ناصره. (وقوله (صلى الله عليه وآله)) الظاهر أنه مبتدأ خبره محذوف، أي في ولايتي أو في نحوه وأن هذه الجملة يفسرها ما بعدها وهو قوله: (قائلا في محفله). (حين تكلمت طائفة فقالت: نحن موالي رسول الله (صلى الله عليه وآله)) أي ملاك أموره ومتوليها بعده وكل من ولي أمره فهو مولاه ووليه أو ملاك أمور الخلائق القائمون بها بعده من قبله وبالجملة ادعوا أن أمور الأمة والتدبير والتصرف فيها لهم. (فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى حجة الوداع ثم صار) بعد الفراغ منها (إلى غدير خم) هو موضع على ثلاثة أميال من الجحفة بين الحرمين أو خم اسم غيضة هناك بها غدير ماء وفيها مسجد للنبي (صلى الله عليه وآله). (فأمر فأصلح له شبه المنبر) قيل: أصلح له ذلك من جهازات الإبل روي أنه تعالى أمر رسوله (صلى الله عليه وآله) في حجة الوداع أن يجعل عليا (عليه السلام) خليفته ووصيه بمحضر الخلائق ليبلغ الشاهد الغائب فلما أمره بذلك ضاق به صدره وتخوف أن يرتدوا عن دينهم وأن يكذبوه فراجع ربه فلما بلغ غدير خم أوحى الله إليه: * (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين) * فنزل وأمر بإجتماع الناس فاجتمعوا وأصلح له شبه المنبر فعلاه وقال: من وليكم وأولى بكم من أنفسكم ؟ فقالوا: الله ورسوله. فقال: (من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه) ثلاث مرات فوقعت حسكة النفاق في قلوب القوم وقالوا: ما أنزل الله تعالى هذا على محمد قط وما يريد إلا أن يرفع

[ 278 ]

بضبع ابن عمه والحديث مشهور بين العامة والخاصة في غاية البسط ونهاية المبالغة، وفي قوله (صلى الله عليه وآله): " من كنت مولاه فعلي مولاه " إفادة ثبوت الولاية له (عليه السلام) على نحو ثبوتها له (صلى الله عليه وآله) من غير تفاوت وهي أنه سيد الأمة ومقتداهم ومالك أمورهم ومتوليها وأولى بالتصرف منهم فيها والمنعم عليهم بالعلم والتعليم والهداية والإرشاد، وفي الفائق قال ثعلب: معناه من أحبني وتولاني فليتوله وفيه قوله: " اللهم وال من والاه " معناه أحب من يحبه. (وأنزل الله تعالى في ذلك اليوم * (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) *) دل على أنها نزلت يوم غدير خم ودل عليه روايات أخر وهذا ينافي ما رواه المصنف في كتاب الحجة في باب ما نص الله تعالى ورسوله على الأئمة بإسناده عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث طويل " ثم نزلت الولاية وإنما آتاه ذلك في يوم الجمعة بعرفة أنزل الله تعالى * (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) *، وروي مثله في طريق العامة روى مسلم عن ابن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر فقال: آية في كتابكم تقرؤونها لو نزلت علينا معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. وأي آية ؟ قال: * (اليوم أكملت لكم دينكم) * الآية. فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه والمكان الذي نزلت فيه نزلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعرفات في يوم الجمعة ونحن معه، قال القرطبي: هو يوم عرفة في حجة الوداع. وقال مجاهد: نزلت يوم فتح مكة. ويمكن رفع المنافاة بأنها نزلت مرتين. إذا عرفت هذا فنقول: الولاية آخر فريضة نزلت ولم تنزل بعدها فريضة يدل عليه ما رواه المصنف باسناده في الباب المذكور عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " كانت الفريضة نزلت بعد الفريضة الأخرى وكانت الولاية آخر الفرائض فأنزل الله تعالى * (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) * قال أبو جعفر (عليه السلام): يقول الله تعالى لا أنزل عليكم بعد هذه فريضة قد أكملت لكم الفرائض " وذهب إليه أيضا مجاهد قال: ودينكم معناه شرايع دينكم لأنها نزلت نجوما وآخر ما نزل منها هذه الآية. وكذا ذهب إليه ابن عباس قال: ولم ينزل بعد هذه الآية حكم ومعنى الآية بتفسير أهل البيت عليهم السلام * (اليوم أكملت لكم دينكم) * بولاية علي (عليه السلام) وأتممت عليكم نعمتي بإكمال الشرايع بإمامته ورضيت لكم الإسلام دينا بخلافته. والعامة لما لم يعرفوا ذلك اعترضوا على الآية بأنه تعالى لم يزل كان راضيا بدين الإسلام فلم يكن لتقييده باليوم. فائدة: وأجاب عنه القرطبي بأن معنى قوله * (رضيت لكم الإسلام دينا) * أعلمتكم اليوم برضاي له دينا وإلا فهو سبحانه كان دائما راضيا بذلك فلا يرد أن لا فائدة للتقييد باليوم لأن رضاه وإن كان دائما لكن الإعلام برضاه وقع في ذلك اليوم، فاعرف قبح ذلك الاعتراض مع الجواب وكن من الشاكرين. وهو قوله:

[ 279 ]

(ثم ردوا إلى الله موليهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين) ثم ردوا بعد الموت أو بعد الحشر إلى الله أي إلى حكمه وجزائه وهو يتولى أمرهم يعدل بينهم ولا يحكم إلا بالحق وله الحكم يومئذ لا لغيره ويحاسبهم في أقل زمان حتى قيل: في مقدار حلب شاة، لا يشغله حساب عن حساب وهذه الأمور وإن كانت لله تعالى ظاهرا لكنها له (عليه السلام) باطنا وهو سبحانه يكلها عليه ويفوضها إليه وإنما نسبها إلى ذاته المقدسة لأنه الآمر ولأن حكمه (عليه السلام) حكم الله تعالى وكثيرا ما ينسب ما لوليه إلى ذاته تعالى كما مر نظيره في آخر كتاب التوحيد. (في مناقب لو ذكرتها لعظم بها الارتفاع فطال لها الاستماع) أشار إجمالا إلى ما دل على علو قدره من المناقب والمفاخر والكمالات التي لم يكن قليل منها لجميع الأمة وقد اتفقت عليه العامة والخاصة كما مر في كتاب الحجة وأوضحنا من طريق العامة أيضا كما أشار إليه أيضا في بعض خطبه بقوله: " وينحدر عني السيل ولا يرقى إلى الطير " كنى بالأول عن علوه وشرفه وفيضان العلوم والتدبيرات السياسية عنه واستعار لتلك الكمالات لفظ السيل وبالثاني إلى غاية أخرى من العلو إذ ليس كل مكان بحيث ينحدر عنه السيل وجب أن لا يرقى إليه الطير فكان ذلك علوا أزيد إذ لا تصل إليه عقول البشر ومن مناقبه هو العلم بكل شئ كما أشار إليه في بعض خطبه: والله لو شئت أن أخبر كل رجل منكم بمخرجه ومولجه وجميع شأنه ولكن أخاف أن يكفروا في برسول الله (صلى الله عليه وآله). والحاصل أني أخاف أن يغلو في أمري ويفضلوني على رسول الله (صلى الله عليه وآله) بل كان يخاف أن يكفروا فيه بالله كما ادعت النصارى في المسيح حيث أخبرهم بالأمور الغايبة، ثم ذم ذما بليغا للخلفاء الثلاثة وأتباعهم وتفرقهم عنه وغصب الخلافة منه ومنازعتهم إياه واجتماعهم على من هو أولى منه مع الإشارة إلى أنهم كانوا من عبدة الأوثان فلم يكونوا مستحقين للخلافة وأمثال هذه الشكاية صدر منه (عليه السلام) في مواضع غير محصورة فقال: (ولئن تقمصها دوني الأشقيان) (1) اللام دليل على قسم محذوف تأكيد لمضمون الشرط والجزاء والقمص لبس القميص يقال: قمصه تقميصا فتقمص إذا لبسه وضمير التأنيث للأمر المعلوم وهو الخلافة وتشبيهها بالثواب مكنية ونسبة التقمص إليها تخييلية ودون بمعنى التجاوز في محل النصب على الحال والاشقيان الأول والثاني والمعنى والله لئن لبس الاشقيان الخلافة متجاوزين عني غير تابعين لي فيها (ونازعاني فيما ليس لهما بحق) ثابت من الله ومن رسوله ولا لهما أهلية له بل هو لي من قبلهما وبالاستحقاق. (وركباها ضلالة واعتقداها جهالة) ضلالة وجهالة بالنصب على المفعول له أو على التميز


1 - ظاهر الفقرات أن هذه الخطبة كانت بعد انقضاء دولتهما فما مر في أول الخبر من أنها كانت بعد سبعة أيام من وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) سهو من بعض الرواة. (*)

[ 280 ]

لنسبة الفعلين ففيه على الأول تنبيه على أن ثمرة الفعلين هي الضلالة والخروج عن الدين والجهالة في أحكامه وتبديلها وتغييرها وعلى الثاني على أن المتحقق من الفعلين فيهما هو هذا الفرد أعني ركوب الضلالة والجهالة دون الآخر أعني ركوب الحق والعلم (فلبئس ما عليه وردا) في الدنيا من الجهالة والضلال. (ولبئس ما لأنفسهما مهدا) في الآخرة من العقوبة والنكال وفي الذم العام دلالة على غاية فخامة ذلك ونهاية فظاعته بحيث لا يصل إليه عقول البشر ولا يحوم حوله طائر النظر. (يتلاعنان في دورهما) وهي القبور وفي دار الآخرة أو جهنم أو الجميع. (ويتبرأ كل واحد منهما من صاحبه) لشدة الغيظ منه بتحصيل الأسباب لإضلاله وتكميل البواعث لخسرانه ونكاله. (يقول لقرينه) الذي كان يضله ويغويه دائما والقرين المقارن والمصاحب والشيطان المقرون للإنسان الذي لا يفارقه وقد كان صاحبه شيطانا له. (إذا التقيا يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين) أي بعد المشرق من المغرب غلب المشرق وثني وأضيف البعد إليهما أو بعد مشرقي رجوع الشمس وهما طرفا طول الأيام وقصرها، (فبئس القرين) أنت إذ أصابني ما أصابني بإغوائك وإضلالك. (فيجيبه الأشقى على رثوثة) أي حال كونه على قبح منظر وسوء حال ورثاثة هيئة لتغير صورته وتكسر جثته بألم النار وشدة الغم في دار البوار. (يا ليتني لم أتخذك خليلا لقد أضللتني عن الذكر بعد إذ جاءني) وتمكنت من الاقتداء به هذا كلامه عند اللقاء كما صرح به (عليه السلام) وأما عند مفارقته وزوال الاقتراب وتألمه بشدة العقوبة والعذاب وكمال غيظه عن صاحبه اللئيم فيقول ما ذكره الله عز وجل في القرآن الكريم من باب الغيبة وهو قوله تعالى: * (ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان - يعني قرينه المضل له - للإنسان خذولا) * يؤذيه بالوسوسة والاغواء والاضلال الى الهلاك والعقوبة والنكال ثم يتركه ويخذله ولا ينفعه والخذول فعول الخذلان. (فأنا الذكر الذي عنه ضل) بعد إذ جاءه وتمكن من الاقتداء به. (والسبيل الذي عنه ضل) وتمنى الأخذ به حيث لا ينفعه التمني في قوله * (يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا) *. (والإيمان الذي به كفر) في قوله تعالى: * (ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين) * وهو (عليه السلام) إيمان لأن الإيمان إنما يتحقق بالإقرار بولايته (والقرآن الذي إياه هجر) في

[ 281 ]

قوله تعالى: * (وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا) * سمي هجره هجر القرآن لأنه مترجم القرآن ولسانه ولأن من هجره هجر القرآن ومقتضاه من الأمر بولايته. (والدين الذي به كذب) في قوله تعالى: * (أرأيت الذي يكذب بالدين) * سمي دينا لأن بولايته تمام الدين (والصراط الذي عنه نكب) في قوله تعالى: * (وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون) *. (ولئن رتعا في الحطام المنصرم) الحطام النبات اليابس واستعارة للمال ومتاع الدنيا ووجه المشابهة قلة الانتفاع والبقاء وسرعة الزوال والفناء ووصفه بالانصرام وهو الانقطاع للمبالغة والتأكيد في عدم الاعتماد عليه وتشبيه الرجلين بالبهائم مكنية وإثبات الرتع لهما تخييلية وذكر الحطام ترشيح. (والغرور المنقطع) الغرور بالفتح الدنيا سمي به لأنها توجب غرة أهلها وغفلتهم عن الآخرة وأما الغرور بالضم وهي الأباطيل جمع غار فيأباه تذكير المنقطع. (وكانا منه على شفا حفرة من النار) الشفا طرف كل شئ وجانبه وأشفى عليه أشرف أي وكانا من الرتع في الحطام والغرور المقتضي لتركهما دين الحق وارتكاب الخلافة على طرف حفرة من نار جهنم لم يكن حاجز من الدخول فيها إلا الموت يقال: لمن فعل فعلا على غير أصل أو يتوقع منه عقوبة لكونه على غير قانون عقلي أو طريق شرعي: إنه على شفا حفرة من النار، ونحوه قوله تعالى: * (أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار..) * الآية. (لهما على شر ورود) على الله تعالى يوم القيامة مع السلاسل والأغلال على أقبح الوجوه والأحوال وهو جزاء الشرط واللام زايدة للتأكيد. (في أخيب وفود) الوفود إما مصدر بمعنى القدوم والورود أو جمع وافد وهم قوم يجتمعون ويردون البلاد أو يقصدون الأمراء للزيارة أو الاسترفاد يقال: وفد إليه وعليه يفد وفدا ووفود ووفادة قدم وورد وهو وافد وهم وفود ووفد. (وألعن مورود) يردان عليه وهو نار جهنم أو صديدها نزلهما منزلة الماء على سبيل التهكم لأن الماء يراد لتبريد الأكباد وتسكين العطش والنار وصديدها بالضد وقيل مثل ذلك في قوله تعالى: * (وما أمر فرعون برشيد يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود) * يقال: ورد يرده ورودا إذا حضره ليشرب والورد الماء الذي يرد عليه الواردون وهو مورود. (يتصارخان باللعنة) أي لعنة كل واحد منهما على صاحبه والصراخ الصوت والصيحة الشديدة (ويتناعقان بالحسرة) على ما فرطا في ولاية ولي الله وقصرا في حقوقه والنعق الصيحة وفي التصارخ والتناعق إيماء إلى استمرار ذلك في جميع الأوقات تحقيقا لمعنى المقارنة (ما لهما

[ 282 ]

من راحة) من الآلام والشدائد. (ولا عن عذابهما من مندوحة) أي سعة وفسحة من النجاة عنه يقال: إنه لفي مندوحة من كذا أي في سعة منه ثم أشار إلى ما كان القوم عليه من الشرك وآثار الجاهلية وما أنعم الله عليهم بإرسال الرسول وإخراجهم عنها وكفرانهم بتلك النعمة الجليلة ورجوعهم إلى الجاهلية الأولى بقوله: (إن القوم لم يزالوا عباد أصنام وسدنة أوثان) أي خدمتها جمع سادن وهو الخادم المتولي لأمور الغير. (يقيمون لها المناسك) هي جمع المنسك بفتح السين وكسرها وهو المذبح والنسيكة الذبيحة وجمعها نسك والمتعبد ويقع على المصدر والزمان والمكان ثم سميت أمور الحج كلها مناسك ثم اتسعت وسميت الطاعات والعبادات كلها مناسك وبه صرح الزمخشري في الفائق وبالجملة كلما يتقرب به العبد إلى الله تعالى يسمى مناسك وهم ظلموا أنفسهم فوضعوها في غير موضعها. (وينصبون لها العتائر) أي الذبايح جمع العتيرة وهي الذبيحة التي كانوا في الجاهلية يذبحونها للأصنام ويصبون دمها على رؤوسها. ويتخذون لها القربان) للتقرب منها (ويجعلون لها البحيرة والوصيلة والسائبة والحام) كما قال الله تعالى ردا وإنكارا لما أبدعوه في الجاهلية و: * (ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام) * أما البحيرة وهي من البحر وهو الشق وفي تفسير القاضي: إن أهل الجاهلية إذا انتجب الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر بحروا أذنها أي شقوها وخلوا سبيلها فلا تركب ولا تحلب وسموها البحيرة وفي النهاية: إن ابلهم إذا ولدت خمسا بحروا أذنه، وقالوا: اللهم إن عاش فقسى وإن مات فذكى فإذا مات أكلوه وسموه البحيرة، وفي القاموس: إنهم كانوا إذا انتجت الناقة عشرة أبطن بحروها وتركوها ترعى وحرموا لحمها إذا ماتت على نسائهم وأكلها الرجال وسموها البحيرة أو هي التي خليت بلا راع أو التي إذا نتجت خمسة أبطن والخامس ذكر نحروه فأكله الرجال والأنثى وإن كان أنثى بحروا أذنها فكان حراما عليهم لحمها ولبنها وركوبها فإذا ماتت حلت للنساء أو هي في النساء خاصة إذا نتجت خمسة أبطن بحرت وهي العزيزة أيضا وفي الأخيرين قيل: البحيرة بنت السائبة وحكمها حكم أمها وأما السائبة ففي الأول أن الرجل منهم كان يقول إن شفيت فناقتي سائبة ويجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها، وفي الثاني: كان الرجل منهم إذا جاء من سفر أو برأ من مرض أو غير ذلك قال ناقتي سائبة فلا تمنع من ماء ولا مرعى ولا تحلب ولا تركب. وقيل: البحيرة بنت السائبة كانوا إذا تابعت الناقة بين عشر أناث لم يركب ظهرها ولم يجز وبرها ولم يشرب لبنها إلا ضيف وتركوها مسيبة لسبيلها وسموها السائبة فما ولدت بعد ذلك من أنثى شقوا أذنها وخلو سبيلها وحرم منها ما حرم من أمها وسموها البحيرة وفي الأخيرة السائبة المهملة

[ 283 ]

والبعير يدرك نتاج نتاجه فيسيب أي يترك لا يركب والناقة تسيب في الجاهلية لنذر أو نحوه أو كانت إذا ولدت عشرة أبطن كلهن اناث سيبت وكان الرجل إذا قدم من سفر بعيد أو نجيت دابته من مشقة أو جرب قال هي سايبة وكانت لا تمنع من ماء وكلاء ولا تركب. وأما الوصيلة ففي النهاية: هي الشاة إذا ولدت ستة أبطن اثنين اثنين وولدت في السابعة ذكرا أو انثى قالوا: وصلت أخاها فاحلوا لبنها للرجال وحرموا على النساء، وقيل: إن كان السابع ذكرا ذبح وأكل منها الرجال والنساء وإن كانت أنثى تركت مع الغنم وإن كان ذكرا وأنثى قالوا: وصلت أخاها ولم يذبح وكان لبنها حراما على النساء. وفي القاموس: الناقة التي وصلت بين عشرة أبطن ومن الشاة التي وصلت سبعة أبطن عناقين وإن ولدت في السابعة عناقا وجديا قيل: وصلت أخاها فلا يشرب لبن الأم إلا الرجال دون النساء ويجري مجرى السائبة أو الوصيلة خاصة بالغنم كانت الشاة إذا ولدت الأنثى فهي لهم وإذا ولدت ذكرا جعلوا لآلهتهم فإن ولدت ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم أو هي شاة تلد ذكرا ثم أنثى فتصل أخاها فلايذبحون أخاها من أجلها فإذا ولدت ذكرا قالوا: هذا قربان لإلهتنا. وأما الحامي ففي القاموس: إنه الفحل من الإبل يضرب الضراب المعدود أو عشرة أبطن ثم هو حام حمى ظهره فيترك ولا ينتفع منه بشئ ولا يمنع من ماء ولا مرعى. (ويستقسمون بالأزلام) الزلم محركة وكصرد قدح لا ريش عليه والجمع أزلام سهام ثلاثة كانوا يستقسمون بها في الجاهلية بيان ذلك أنهم إذا قصدوا فعلا مهما كالسفر والزواج وغيرهما ضربوا ثلاثة أسهم وجعلوها في وعاء، مكتوب على أحدها أمرني ربي وعلى الثاني نهاني ربي والثالث غفل. وفي النهاية مكتوب على أحدهما افعل وعلى الآخر لا تفعل ولم يذكر الثالث وهو الغفل كما ذكره القاضي وغيره فإن خرج الأول مضو على ذلك وإن خرج الثاني كفوا عنه وإن خرج الثالث أجالوها ثانيا فمعنى الاستقسام بالأزلام طلب ما قسم لهم بها وإليه أشار جل شأنه في أول سورة المائدة بقوله * (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير.. - الى قوله - وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم) * أي وحرم عليكم الاستقسام بالأقداح لأنه فسق قال القاضي: لأنه دخول في علم الغيب وضلال بإعتقاد أن ذلك طريق إليه وافتراء على الله إن أريد بربي الله وشرك إن أريد به الصنم وقال بعض المحققين منهم صاحب الكشاف: لأن فيه طلب علم الغيب من غير الله كاستعلام الخير والشر من الكهنة والمنجمين. وأما طلبه منه تعالى ففيه كلام وقد أطبقوا على جواز الإستخارة بالقرآن. أقول من قبيل الاستقسام بالأزلام ما اشتهر اليوم من الاستخارة بديوان بعض الشعراء ويمكن أن

[ 284 ]

يراد به هنا وفي الآية استقسام الجزور بالأقداح العشرة على الأنصباء المعلومة والسهام العشرة على هذا الترتيب كما صرح به بعض الشعراء في نظمه إياها. الفذ والتوأم والرقيب والنافس والمسبل * والحلس والمعلى والسفيح والمنيح والوغد والثلاثة الأخيرة لا نصيب لها وكانت على مخرجها قيامة الجزور ولكل واحد من السبعة السابقة نصيب بتزايد واحد على السابق حتى كان للمعلى النصيب الأعلى فمن أخرج واحدا منها أخذ نصيبه وجعل صاحب القاموس الحلس رابعا والنافس خامسا والمسبل سادسا أو خامسا. (عامهين عن الله عز ذكره) أي غافلين عنه تعالى جاهلين عما أراد منهم، في النهاية العمه في البصيرة كالعمى في البصر فكما أن الأعمى لا يهتدي إلى مقاصده المحسوسة بالبصر لعدمه كذلك فاقد البصيرة لا يهتدي إلى مقاصده المعقولة لاختلال بصيرته، وفي القاموس: العمه محركة التردد في الضلال والتحير في منازعة أو طريق أو أن لا يعرف الحجة وفعله كمنع وفرح. (جائرين عن الرشاد) أي ما يلين عن طريق الحق ضالين عن منهج الصواب من جار عن الطريق يجور إذا مال وضل. وفي بعض النسخ: " حائرين " بالحاء المهملة أي راجعين من الحور بمعنى الرجوع. (مهطعين إلى البعاد) الإهطاع الإسراع في العدو أي مسرعين إلى البعاد عن رحمة الله تعالى أو عن الخير أو عن سبيل الحق أو إلى الهلاك أو إلى الخيانة أو إلى اللعن والبعاد في الثلاثة الأولى من البعد ضد القرب وفي الثلاثة الأخيرة من البعد بهذه المعاني وكل ذلك لجهلهم بربهم وكتابهم نبيهم وشريعتهم ومراشد أمورهم ومصالحها. (قد استحوذ عليهم الشيطان) أي استولى عليهم وألجمهم بلجامه وقادهم إلى سبيله لكون نفوسهم قابلة لذلك وهذه اللفظة أحد ما جاء على الأصل من غير إعلال خارجة عن أخواتها نحو استقال واستقام (وغمرتهم سوداء الجاهلية) الغمر التغطية يقال: غمره الماء إذا غطاه ففيه مكنية وتخييلية والمراد بالسوداء إما الجاهلية على أن يكون الإضافة بيانية أو الجهالة أو الخصلة الذميمة على أن تكون الإضافة بتقدير في، ووصفها بالسوداء للدلالة على حيرتهم فيها ولعل المراد أنهم كانوا غائصين في الجاهلية أو في جهالتها أو في خصالها الذميمة وهو كناية عن تصرفاتهم الباطلة على جهل منهم بما ينبغي لهم من وجوه التصرفات الصحيحة، ويمكن أن يكون المراد أنهم كانوا في شدة وبلية وذلك لأن العرب كانت حينئذ في شدائد من ضيق المعاش والنهب والغارات وسفك الدماء. (ورضعوها جهالة) تشبيه الجهالة باللبن مكنية ونسبة الرضاع إليها تخييلية وفيه تنبيه على أنهم كانوا في أول العمر ساعين في طلب الجهالة راغبين في تحصيل لوازمها.

[ 285 ]

(وانتظموها ضلالة) في كنز اللغة: الانتظام بهم - باز دوختن - وهو يفيد أنه يجئ للتعدية والافتعال قد يجئ لها وإن كان غالبا للمطاوعة كالاحترام والاتهام ونحوهما ولعل المعنى انتظموا الجهالة بالضلالة ووصلوها بها وفيه تنبيه على أن ضلالتهم وخروجهم عن الدين ثمرة جهالتهم فيه وفي بعض النسخ " وانفطموا " أي انفطموا عن رضاع الجهالة من أجل غذاء الضلالة شبه الضلالة بالطعام بعد الفطام والمقصود بيان تمرنهم بالجهالة والضلالة حتى صار ذلك حاجبا لهم عن قبول الحق سابقا والرجوع عنه لاحقا. (فأخرجنا الله إليهم رحمة) لنخرجهم من الظلمات إلى النور (واطلعنا عليهم رأفة) لنهديهم إلى سبيل الحق وننجيهم عن دار الغرور. (وأسفر بنا عن الحجب نورا لمن اقتبسه وفضلا لمن اتبعه وتأييدا لمن صدقه) الإسفار الإضاءة والإشراق، والباء في " بنا " للسببية، والمراد بالحجب أغشية الجهالة المنصوبة على قلوب الكافرين وأغطية الغفلة المضروبة على عقول الغافلين حتى غفلوا عن الرب وصفاته وما ينتظم به أمر معاشهم ومعادهم وهي ناشئة من ظلمات الهيئات البدنية والمعارضات الوهمية والخيالية المانعة عن مشاهدة أنوار عالم الغيب والشهادة وهي قابلة للزيادة والنقصان والقوة والضعف وإليه أشار جل شأنه بقوله: * (أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور) * فمثلهم كرجل وقع في بحر لجي صفته كذلك فأشار به إلى مالهم في الدنيا من الأخطاء المهلكة والموج الأول موج الشهوات الداعية إلى الصفات البهيمية، والثاني موج الصفات السبعية الباعثة على الغضب والعداوة والحقد والحسد والمباهاة والمفاخرة والسحاب هو الاعتقادات الباطلة والحالات الفاسدة التي صارت حجبا لبصيرتهم عن إدراك نور الحق إذ خاصية الحجاب أن يحجب نور الشمس عن الأبصار الظاهرة وإذا كانت هذه كلها مظلمة فبالحري أن يكون ظلمات بعضها فوق بعض، و " نورا " وما عطف عليه منصوب على التميز وهو في المعنى فاعل لأسفر كما هو المقرر في النحو. والمراد به إما القرآن أو الشريعة أو العلوم الحقة أي يبصر بنورها ذو العماية ويرشد بهداها ذو الغواية، والمراد بالفضل إما الإحسان بهداية القلوب بعدما كانت غائصة في ظلمات الذنوب أو العلم والفضيلة وهي الدرجة الرفيعة في الفضل والكمال أو النعمة الجسيمة ومنه الفواضل وهي الأيادي الجميلة والمراد بالتأييد التقوية والنصرة في الدين والإعانة في طلب اليقين من الأيد بمعنى القوة وملخص المعنى والله يعلم أسفر الحق أي أضاء وأشرق وكشف نوره وفضله وتأييده عن الحجب الظلمانية المذكورة بسبب وجودنا فوجودنا سبب لوصول تلك النعماء الجسيمة من

[ 286 ]

الله تعالى إليهم ويمكن أن يكون أسفر باعتبار أنه بمعنى أضاء متعديا ونورا مفعوله والباء للسببية كما مر فإن أضاء قد يجئ للتعدية أيضا. (فتبوؤا العز بعد الذلة) أي نزلوا في عز الدنيا والآخرة بالهداية بعد الذلة فيهما بالغواية والقتل والغارة والنهب والأسر وعبادة الأصنام ونحوها من أسباب الذلة، والكثرة بعد القلة لاجتماعهم على دين واحد حتى كأنهم صاروا شخصا واحدا بخلاف أحوالهم سابقا فإنهم كانوا على مذاهب مختلفة وآراء متشتتة وقلوب متفرقة ومنازل متباعدة حتى لا يقدر أن يبيت كل صنف منهم خوفا في بيوتهم وخيامهم ولكن في منازلهم ومقامهم. (وهابتهم القلوب والأبصار) لكثرة الأعوان والأنصار حتى بلغت هيبتهم إلى الأقطار والأمصار كما دلت عليه السير والأخبار. (وأذعنت لهم الجبابرة وطوايفها) في بعض النسخ " وطواغيتها " والظاهر أن إضافة الطوائف أو الطواغيت إلى ضمير التأنيث بتقدير اللام وأن المراد بهم الولاة المنصوبة من قبلها. (وصاروا أهل نعمة مذكورة) في ألسنة العباد، هذا ناظر إلى الإذعان والانقياد (وكرامة منشورة) في البلاد هذا ناظر إلى الهيبة. (وأمن بعد خوف) من أهل البغي والفساد هذا ناظر إلى العز (وجمع بعد كوف) من أهل العناد هذا ناظر إلى الكثرة. والكوف القطع. (وأضاءت بنا مفاخر معد بن عدنان) قد كانت له مفاخر كثيرة وكان بينهم إلى عدنان عشرون بطنا روي عنه (صلى الله عليه وآله): إن الله اصطفى من العرب معدا واصطفى من معد بني النضر بن كنانة واصطفى هاشما من بني النضر واصطفاني من بني هاشم. (وأولجناهم باب الهدى) إذ بهم خرج الناس من تيه الضلالة وظلم الغواية وبهم الجهالة ودخلوا باب الهداية واهتدوا إلى القوانين الشرعية والنواميس الإلهية والسياسات المدنية والأخلاق الفاضلة النفسانية (وأدخلناهم دار السلام) أي دار الإسلام وإن أريد الجنة فالتقدير أدخلناهم فيما يوجب دخولها لأن الإدخال في السبب إدخال في المسبب. (وأشملناهم ثوب الإيمان) أي أعطيناهم إياه يقال: أشمله إذا أعطاه إياه والتركيب من باب لجين الماء والوجه هو الإحاطة والشمول والزينة. (وفلجوا بنا في العالمين) أي غلبوا وظفروا أو ظهروا لأنهم كانوا في خمول الذكر في جهل الجاهلية وظلمة الكفر وبهدايتهم عليهم السلام خرجوا إلى نور الإسلام واشتهروا وظهروا في البأس كالساكن في الظلمة إذا خرج إلى ضوء النهار.

[ 287 ]

(وأبدت لهم أيام الرسول آثار الصالحين) الإبداء الإظهار فالأيام فاعله والإسناد مجاز والآثار مفعوله ولو كان الإبداء بمعنى الظهور أو الابتداء كانت الآثار فاعله والأيام ظرفا له. ثم أشار إلى بعض أنواع من آثار صلاحهم بقوله: (من حام مجاهد) أي حام لنفسه وأصحابه من لحوق العار والضرر والإيذاء مجاهد في دين الحق مع المعاندين والأعداء. (ومصل قانت) أي خاشع أو قائم أو ساكت عن الفضول أو داع أو قانت بالقنوت المعروف (ومعتكف زاهد) أي معتكف في المسجد على شروطه زاهد في الدنيا تارك لها أو قليل الأكل (يظهرون الأمانة) هي حفظ حقوق الخالق والمخلوق وفيه إيماء إلى أنهم لم يكونوا مستقرين فيها ولا موصوفين في نفس الأمر. (ويأتون المثابة) هي المنزل لأن أهله يثوبون إليه أي يرجعون ومنه قوله تعالى: * (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس) * أي مرجعا ومجتمعا، ولعل المراد بها بيت الشريعة أو بيت الله الحرام ويمكن أن يراد بها ما يورث الثواب من الأعمال الصالحة، ثم أشار إلى سرعة انتقالهم عن الحالات المذكورة لعدم رسوخها واستقرارها إلى حالات منافية لها كانت راسخة في طبايعهم في أيام الجاهلية والاستبعاد غير مسموع كما دلت عليه روايات العامة أيضا وقد ذكرنا بعضها في شرح الأصول. (حتى إذا دعا الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله) ورفعه إليه) أي إلى رحمته ورضوانه (لم يك ذلك) أي المذكور من أحوالهم الدالة على استقامتهم ظاهرا. (إلا كلمحة من خففة) الخفقة تحريك الناعس رأسه والتاء للوحدة والتنكير للتقليل واللمحة زمان رؤية واحدة وكثيرا ما يعبر بها عن الزمان القليل جدا ولذلك فسرها بمقدار زمان النعاس القليل أو زمان اختلاس النظر منه وهذا من أحسن العبارات في إفادة قلة الزمان مع إشارة لطيفة إلى دخولهم حينئذ في غفلة النعاس. (أو وميض من برقة) أي لمعانها يقال: ومض البرق يمض ومضا وميضا وومضانا إذا لمع خفيفا، ولم يعترض في نواحي الغيم وهذه أيضا من أحسن البيان لإفادة قلة الزمان مع إشارة خفية إلى اضطرابهم. (إلى أن رجعوا على الأعقاب) فضلوا عن طريق الصواب والرشاد، وسلكوا سبيل الغي والفساد، وعدلوا بالخلافة عنه وعن أهل بيته عليهم السلام إلى خلافة أبي الفصيل والرجوع على الأعقاب كناية عن الرجوع عما كانوا عليه ظاهرا من الانقياد للشريعة وأمر الله تعالى ورسوله ووصيته بأهل بيته وقد صح من طرق العامة والخاصة أنهم لم يشتغلوا بعد رجوعه (صلى الله عليه وآله) إلى الحق

[ 288 ]

بدفنه واشتغلوا بنصب الخليفة وعللوا ذلك بأنه لا يجوز بقاء الأمة بعده بلا إمام طرفة عين ولم يعلموا لجهلهم أنه يلزمهم ذلك لبقاء الأمة عندهم بلا إمام أكثر وأنه يلزم أن يكونوا أعلم منه (صلى الله عليه وآله) حيث لم يعلم أنه لا يجوز ذلك ومضى بلا نصب إمام، لا والله علموا جميع ذلك ولكن حب الدنيا والرئاسة حملهم عليه. من أضله الله فلا هادي له. (وانتكصوا على الأدبار) النكوص الرجوع إلى وراء هو القهقري وبذلك قد أدبر من الدنيا ما كان مقبلا في عهده (صلى الله عليه وآله) من الخير وصلاح أهلها وأقبل منها ما كان مدبرا من الشرور التي أدبرت فيه وظهور الإسلام وإليه أشار (صلى الله عليه وآله) بقوله " الإسلام بدأ غريبا وسيعود كما بدأ " وفيه تنبيه على أن رجوعهم عن الدين على هذا الوجه تمويه وتدليس منهم إذ لو أدبروا عنه بالكلية وتركوه من جميع الوجوه لم يحصل ما هو مطلوب لهم من الرئاسة لعدم تحقق الانقياد لهم من العرب وغيرهم من أهل الإسلام. (وطلبوا الأوتار) جمع وتر وهو الجناية التي يجنيها الرجل على غيره من قتل أو نهب أو سبي ومنه الموتور الذي قتل له قتيل ولم يدرك بدمه وكأنه إشارة إلى سبب إنحرافهم عنه (عليه السلام) وهو أنه جنى من كل قوم من العرب جنايات وقتل منهم جماعة في الحروب فصار ذلك سببا لميلهم عنه أو إشارة إلى ما وقع بينه وبين معاوية وأصحاب الجمل وأهل النهروان فإن كلهم نسبوا الجناية إليه من قتل عثمان وغيره مما لم يفعله فيكون حينئذ إخبارا بالغيب لأنه أخبر بما سيقع وقد وقع والإتيان بالماضي للدلالة على تحقق وقوعه. (وأظهروا الكتائب) جمع الكتيبة وهي القطعة العظيمة من الجيش وهذا أيضا يحتمل الأمرين الأول الجيوش التي سيخرجون عليه والثاني جيش أبي بكر لأنه صار سلطانا صاحب جيش يحارب بهم كل من خالفه (وردموا الباب) سدوه وأراد به ذاته المقدسة لأنه باب الله وباب الشريعة وباب مدينة العلم والمراد بسده منع الناس من الرجوع إليه والدخول فيه (وفلوا الديار) أي كسروا دار الإسلام والشريعة وغلبوا على أهلها قهرا وعنوة (وغيروا آثار رسول الله (صلى الله عليه وآله)) وهي سنته وقوانينه التي قررها بأمر الله في بضع وعشرين سنة (ورغبوا عن أحكامه) من الحلال والحرام وغيرهما لأن بناء تصرفاتهم في الدين على القياسات والاجتهادات والاستنباطات المخالفة لمناط الأحكام الشرعية وقد كان المعروف من الأحكام ما عرفوه بآرائهم وإن كان منكرا في الشريعة والمنكر منها عندهم ما أنكره طباعهم وإن كان معروفا فيها. (وبعدوا من أنواره) وهي العلوم الإلهية والأسرار القرآنية أو الأئمة الطاهرة فخرجوا بذلك من طاعة الله ورسوله ورجعوا إلى الضلال القديم والجهل الذي كانوا عليه. (واستبدلوا بمستخلفه بديلا اتخذوه) فيه إيماء إلى أن منشأ الاستبدال إنما هو أهواؤهم من

[ 289 ]

غير أن يكون له أصل صحيح أو سند صريح وكانوا ظالمين في هذا الاستبدال على أنفسهم ومن اتبعهم إلى يوم الدين (وزعموا أن من اختاروا.. اه) فيه تصريح ببطلان اختيارهم لأنه مضاد لاختيار الرسول (صلى الله عليه وآله) وأكثر مما يستعمل فيه الزعم في كلام الفصحاء الكذب والباطل والشك واعلم أن الأحاديث المشتركة بين العامة والخاصة وصريح كلام علمائهم المشهورين دلت على أنهم غصبوا الخلافة منه (عليه السلام) وظلموه قال أبو عبد الله الآبي في شرح مسلم: ونقل عن بعض أصحابه أيضا أنه لم يكن بعد النبي (صلى الله عليه وآله) أحد يماثله (عليه السلام) أو يدانيه ويقاربه في صفات كماله وأنه كان في كل واحدة من صفال الكمال فائقا على جميع الأمة وأنه كان أولى باستحقاق الخلافة والإمامة من الجميع إلا أنه أجمعت الصحابة على أبي بكر مع أنه ذكر في الشرح المذكور أن كثيرا من الصحابة لم يبايعوا صاحبهم وعدهم بأسمائهم وظني أني ذكرتها في شرح الأصول. أقول: لعل السبب لعدولهم عنه (عليه السلام) حب الدنيا والرئاسة وغلبة تصرفهم في أمور المسلمين وأموالهم وبيت المال وطمع الفاسقين منهم في الولايات الجزئية وشدة حسدهم وعداوتهم على أهل البيت عليهم السلام خصوصا على ذاته المقدسة حيث قتل من أقربائهم جمعا كثيرا واعتقادهم أن مخالفة حكم النبي (صلى الله عليه وآله) سهل كمخالفة حكم ساير الإمراء والسلاطين. (وإن مهاجر آل أبي قحافة خير من المهاجري الأنصاري الرباني) الياء فيها للنسبة والجمع إن كان علما كالأنصار لا يرد إلى الواحد في النسبة والمراد به ذاته المقدسة (عليه السلام) وفي النهاية الرباني منسوب إلى الرب بزيادة الألف والنون للمبالغة وقيل: هو من الرب بمعنى التربية كانوا يربون المتعلمين بصغار العلوم قبل كبارها والرباني العالم والراسخ في العلم والدين والذي يطلب بعلمه وجه الله تعالى وقيل: العالم العامل المعلم. (ناموس هاشم بن عبد مناف) الناموس صاحب سر الملك والحاذق وقيل: صاحب سر الخير وفيه إشارة إلى مفاخر هاشم وقد كان في حسن الظاهر والباطن والكرم والأخلاق والعلم والعفاف مشهورا في العرب. (ألا وإن أول شهادة زور) أي كذب وافتراء (وقعت في الإسلام شهادتهم أن صاحبهم مستخلف رسول الله (صلى الله عليه وآله)) دل على أنهم ادعوا استخلافه ولم أطلع في رواياتهم ما يدل عليه إلا مارووه من أنه (صلى الله عليه وآله) استخلفه عند اشتداد المرض على الصلاة بالقوم وفيه على تقدير صحته أنهم نقلوا أيضا أنه (صلى الله عليه وآله) مع شدة مرضه جاء متكئا على علي (عليه السلام) وعباس إلى المسجد وعزله وصلى بالقوم فلعله استخلفه ثم عزله ليظهر أنه لا يستحق الخلافة للصلاة فضلا للخلافة العامة كما استخلفه في تبليغ سورة البراءة ثم عزله بنصب علي (عليه السلام) لذلك ومنهم من أخذته العصبية فقال لم يعزله واقتدى به وهذا افتراء ومخالف لقوله تعالى * (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله

[ 290 ]

ورسوله..) * الآية. (فلما كان من أمر سعد بن عبادة ما كان.. اه) حيث اجتمعت طائفة من الأنصار عليه في سقيفة بني ساعدة وأرادوا أن يأخذوا له البيعة فحضر الأول والثاني مع أتباعهم فقالوا: إنه (صلى الله عليه وآله) مضى ولم يستخلف أحد ولابد من خليفة لحفظ بيضة الإسلام وكل واحد من الفريقين يدعي أن يكون الخليفة منهم ويذكر لمطلبهم مرجحات حتى علت الأصوات واشتدت المناظرة فبادر عمر وبعض المنافقين إلى بيعة أبي بكر واستقر الأمر فيه طوعا وكرها. (وعن قليل يجدون غب ما يعملون) الغب بالكسر عاقبة الشئ وفيه وعيد لهم بأنهم يجدون جزاء عملهم عند الموت وبعده (وسيجد التالون غب ما أسسه الأولون) وعيد للتالين عن متابعة هذه السنة المتبعة التي أسسها الأولون وكون المراد منهم من يعرف قبحها ويحترز عنها بعيدا جدا (ولئن كانوا في مندوحة من المهل) أي من رفق الله تعالى بهم أو من تأخيرهم أو من تقدمهم في الدنيا وخيراتها والمهل بالتسكين وقد يحرك والمهلة بالضم الرفق والتأخير وبالتحريك التقدم. (وشفاء من الأجل) الأجل يطلق على مدة العمر وعلى غايته أيضا وهي وقت الموت ولعل المراد أنهم في صحة الأجسام والأبدان من تمام العمر على أن يكون الشفاء بالكسر والمد وهو الدواء والبرء من المرض كناية عنها أو في طرف من غايته على أن يكون الشفاء بالفتح والقصر ولكن رسم الخط يأباه أو على شقاوة منهم على أن يكون بالقاف كما في بعض النسخ والله يعلم. (وسعة من المنقلب) وهي بكسر اللام متاع الدنيا ونعيمها لأنه منقلب على أهلها وبفتحها انقلابهم فيه (واستدراج من الغرور) هو بالفتح الدنيا ومتاعها وبالضم مصدر بمعنى الغفول والخدعة والطمع بالباطل وجمع غار وهي الأباطيل وأصل الاستدراج الخدعة واستدراج الله تعالى العبد أنه كلما جدد خطيئة جدد له نعمة وأنساه الاستغفار وأن يأخذه قليلا قليلا ولا يباغته (وسكون من الحال) هو ما كانوا عليه من رفاه الخاطر وطيب العيش وصحة المزاج وكثرة الأسباب والأموال ونصرة الأعوان والأنصار والمراد بسكونه ثبوته واستقراره لهم وعدم تغيره وانقلابه عليهم. (وإدراك من الأمل) في لذات الدنيا من المنكوح والمأكول والمشروب والمسكن والملبوس والمركوب وغيرها من ملاذ الدنيا كما شأن السلاطين والأمراء والجبارين والمقبلين إليها التاركين لقواعد الدين وأحكامه والراجعين عن صاحبه وقد أتى (عليه السلام) بالشرط وحذف جزاءه لقرينة المقام أي فليعلموا أن الله تعالى لم يقصم جباري دهر وتاركي شرع إلا بعد تمهيل ورخاء ليستعدوا بذلك استعدادا تاما للأخذ والإهلاك والعقوبة الشديدة كما قال عز وجل * (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا) * وأقام مقامه ما يدل عليه وهو قوله:

[ 291 ]

(فقد أمهل الله عز وجل شداد بن عاد وثمود بن عبود) قال الشيخ محمد (رحمه الله) عبود بفتح العين وشد الباء، من تاريخ المدينة، وذكر في القاموس: أيضا عبود كتنور، وفي نسخة: من تاريخ المدينة بالنون المخففة ولا يخفى أنه تصحيف. (وبلعم بن بحور) في القاموس: بلعم كجعفر الأكول الشديد البلع ورجل معروف أو هو بلعام انتهى وكان أباه سمي بالبحور لكثرة ما له من تبحر في المال إذا كثر ماله أو لكثرة حمقة أو كذبه أو فضوله ومنه الباحر وهو الأحمق والمكذاب والفضولي وفي بعض النسخ " باعور " بدل بحور (وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة) النعمة كل ما يصح الانتفاع به فإن كان من شأنها أن تنالها الحواس فظاهرة وإلا فباطنة، أو المراد بالظاهر كل ما يحتاجون إليه في الحياة الدنيوية وبالباطنة كل ما يحتاجون إليه في الحياة الأخروية مثل إنزال الكتب وبعث الأنبياء وتقرير الحجة ونصب الأوصياء. أو المراد بالظاهرة بعث الرسول بالباطنة تكميل العقول. (وأمدهم بالأموال والأعمار) وهما من جلايل النعماء أما الأول فلأنها دافعة للحاجات والبليات وباعثة على جلب المنافع والمرغوبات ووسيلة إلى تحصيل المطالب جلها بل كلها ولذلك من الله تعالى به في مواضع عديدة وأما الثاني فلأن طول العمر سبب لزيادة التجربة وتحصيل المعارف وتكميل النفس وتحصيل الثواب والتلذذ بنعيم الدنيا مع الغنى والشكر له وتحمل الصبر والمشقة وألم الغربة مع الفقر وكل ذلك نافع في الآخرة وسبب لرفع الدرجات (وأتتهم الأرض ببركاتها) أي بعطاياها لهم ولإنعامهم وهو كناية عن الخصب والرخاء فيها وإسناد الإتيان إلى الأرض مجاز باعتبار أنها سبب مادي لها (ليذكروا آلاء الله) الظاهرة والباطنة ويؤدوا شكرها طلبا للزيادة في الدنيا والفلاح في الآخرة كما قال الله تعالى * (فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون) * وفيه ايماء الى أن ما فعله بهم ابتلاء منهم ليبلوهم أيهم أحسن عملا وأكثر ذكرا، ولذكر الآلاء فوائد أشار إلى ثلاثة منها بقوله: (وليعترفوا الإهابة) (كذا) ليعترفوا بالتعظيم والتوقير له على سبيل الكناية وعلى أن أهاب بمعنى هاب يقال: هاب الشئ يهابه إذا وقره وعظمه وفي بعض النسخ بالواو والأول أنسب لما ستعرفه (والإنابة إليه) للخوف من أخذه والطمع في رفده. (ولينتهوا عن الاستكبار) على الله وعلى أوليائه بالمعصية والمخالفة وترك المتابعة وذكر الآلاء للسبب للانتهاء عنه إذ من ذكر آلائه تعالى على نفسه في بدء وجوده إلى كماله علم أنه عبد ذليل بين يدي رب جليل فيحصل له الذل والانكسار وملكة الانتهاء عن الاستكبار، ومما ذكرنا ظهر أن ترتبه على قوله ليذكروا كما يقتضيه ثم أظهر من ترتبه على سوابق هذا القول كما يقتضيه الواو. (فلما بلغوا المدة) في وقت الموت أو الوقت المقدر لنزول العذاب عليهم (واستتموا الأكلة)

[ 292 ]

هي بالفتح المرة من الأكل وبالضم اللقمة والقرصة والطعمة والمراد هنا الرزق. (أخذهم الله تعالى) أخذ عزيز مقتدر (واصطلمهم) الاصطلام افتعال من الصلم وهو القطع المستأصل وقد أشار جل شأنه إلى جميع ذلك بقوله * (أفرأيت أن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون) *. (فمنهم من حصب) أي رمى بالحصباء من السماء وهي الأحجار الصغار كقوم لوط أو بريح عاصفة فيها حصباء كقوم عاد وقوم هود. (ومنهم من أخذته الصيحة) وهلكوا جميعا كأهل مدين قوم شعيب (ومنهم من أحرقته الظلة) كأصحاب الأيكة وقد بعث إليهم شعيب كما بعث إلى مدين فكذبوه وعتوا عن أمر ربهم فسلط عليهم الحر سبعة أيام حتى غارت أنهارهم وأظلتهم السحابة فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا. (ومنهم من أودته الرجفة) أي أهلكته كقوم صالح قال الله تعالى * (فعقروا الناقة وعتو عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين * فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين) * الرجف والرجوف التحريك والاضطراب ومنه سميت الزلزلة رجفة لاضطراب الأرض بها والمراد بالرجفة هنا إما ما لحقهم في الأيام الثلاثة من التغير والاضطراب أو ما أتاهم من الصيحة في ضحوة اليوم الرابع فتقطعت قلوبهم. (ومنهم من أردته الخسفة) في الأرض كقارون وأضرابه (وما كان الله ليظلمهم) أي يعاملهم معاملة الظالم فيعاقبهم من غير جرم كما هو شأن الظلمة (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) يفعل ما يوجب عذابهم واستيصالهم. (ألا وإن لكل أجل كتابا) كتب فيه ذلك الأجل ولعله اللوح المحفوظ المرقوم فيه كل شئ وقيل: هو العلم الإلهي المعبر عنه بالكتاب المبين. (فإذا بلغ الكتاب أجله) كناية عن انتهائه والظاهر أن جزاء الشرط هو قوله: (لو كشف لك عما هوى إليه الظالمون) أي لو كشف الحجاب بينك وبين ما هبطوا إليه ونزلوا فيه من نار ذات لهب ألمها شديد وقعرها بعيد. (وآل إليه الأخسرون) من شناعة عاقبتهم وفضاعة عقوبتهم وشدة نكالهم وعظمة وبالهم وتغير صورتهم وانكسار هيئتهم. (لهربت إلى الله عز وجل) واستعذت به (مما هم عليه مقيمون) من الكفر بالله وبرسله وكتبه وشرائعه وترك أوامره ونواهيه، وفيه إحضار للصورة الماضية للتنبيه على ظهورها والتنفير منها (وإليه صائرون) مما يعجز عن وصفه البيان ويستوحش من ذكره اللسان، ولما ذكر (عليه السلام) أن زمرة من

[ 293 ]

الجاهلين وجملة من الجبارين الذين أماتوا سنن المرسلين وأحيوا سنن الشياطين وغلبوا العباد وخربوا البلاد وعسكرو العساكر وأظهروا المفاخر أمهلهم الله زمانا طويلا ثم أخذهم أخذا وبيلا، فصاروا إلى الآخرة وهم خاسرون وإلى العذاب وهم مشتركون، تذكرة للعالمين وتنبيها للغافلين عاد إلى إظهار حاله وبيان أنه الإمام للمؤمنين والخليفة بعد الرسول الأمين فقال: (ألا وإني فيكم أيها الناس كهارون في آل فرعون) فهو خليفة الرسول (صلى الله عليه وآله) ووزيره كهارون لموسى (عليه السلام) (وكباب حطة في بني إسرائيل) أمر بنو إسرائيل بعد التيه بدخول قرية بيت المقدس أو أريحا على اختلاف القولين من باب ساجدين لله تعالى عند الدخول قائلين: حطة، وهي فعلة من الحط كالجلسة بمعنى حط عنا ذنوبنا حطة فأشار (عليه السلام) إلى أنه مثل هذا الباب في أن من تمسك به دخل في الدين وكان مطيعا لله تعالى ولرسوله ومغفورا والله سبحانه يزيد لمن يشاء منهم كما أشار إليه بقوله * (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين) *. (وكسفينة نوح في قوم نوح) حديث السفينة مشهور ووجه المشابهة أن من تمسك به نجا، ومن تخلف عنه هلك. (إني النبأ العظيم) الذي هم فيه مختلفون روى المصنف بإسناده عن عبد الله بن كثير عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: * (عم يتساءلون عن النبأ العظيم) * قال: النبأ العظيم الولاية. (والصديق الأكبر) الصديق فعيل للمبالغة في الصدق وهو الذي يصدق قوله بالعمل ووصفه بالأكبر للمبالغة أنه لم يصدر منه الخطأ أصلا من أول العمر إلى آخره ومن السرقات أن الأول سرق هذا الاسم كما سرق الخلافة مع أن جهله وصرف أعظم أجزاء عمره في عبادة الأصنام مشهور (وعن قليل سيعلمون ما يوعدون) (كذا) نعم كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون وفيه تنبيه على أن من أنكر حقه في هذه الدار يعلم حقيقة ذلك بعلم اليقين ويجد عقوبته في دار القرار (وهل هي) أي الدنيا أو خلافتهم. (إلا كلعقة الأكل) لعقة كسمعة لحسة شبههما في التحقير والتقليل وقلة الانتفاع وزمانه باللعقة وهي بالضم ما تأخذه في الملعقة وبالفتح المرة الواحدة والغرض منه هو التنفير عنهما وعن ترك الآخرة بهما (ومذقة الشارب) وهي الشربة من اللبن الممذوق بالماء من المذق وهو المزج والخلط تقول: مذقت اللبن فهو مذيق إذا خلطته بالماء. (وخفقة الوسنان) خفق راسه حركة إذا نعس، والوسن محركة ثقل النوم أو أوله والنعاس، وسن كفرح فهو وسن ووسنان، كذا في القاموس وفي النهاية: الوسنان النائم الذي ليس بمستقر في نومه، والوسن أول النوم.

[ 294 ]

(ثم تلزمهم المعرات خزيا في الدنيا) المعرة مفعلة العرو هي الشدة وسوء الخلق والإثم والأذى والغرم والدية والجناية وكل ذلك لازم للخلافة مع الجهل، والخزي - رسوا شدن وخوار شدن وهلاك شدن -، يقال: خزى كرضى خزيا ذل وهان وافتضح ووقع في بلية وشهوة يذل بها (ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب) بحسب الكم والكيف والبقاء، والظاهر أن الواو للحال عن ضمير الجمع والعطف على تلزمهم محتمل. (وما الله بغافل عما يعملون) فيه وعد ووعيد وحث على الخير وزجر عن الشر لأن العامل إذا علم أنه تعالى يعلم عمله ويجزيه بحسبه يجتهد في الخير ويجتنب عن الشر. (فما جزاء من تنكب محجته) أي أعرض عن الطريق المستقيم والضمير إما راجع إلى الله تعالى أو إلى الموصول وهو أنسب وكذا في البواقي (وأنكر حجته) هي الدليل والبرهان ولعل المراد بها الرسول (صلى الله عليه وآله). (وخالف هداته) (كذا) لعل المراد بهم الأئمة عليهم السلام (وحاد عن نوره) أي رجع وأعرض عنه ولعل المراد به القرآن أو الشريعة إذ هما كالنور في كشف الحجاب عن وجه المطلوب. (واقتحم في ظلمه) أي دخل فيه بلا روية في سوء خاتمته ولا تفكر في قبح عاقبته. (واستبدل بالماء السراب) السراب ما تراه نصف النهار في فلاة من لمعان الشمس عليها فظن أنه ماء يسرب أي يجري وأراد (عليه السلام) بالماء نفسه القدسية فإنها بمنزلة الماء في كثرة الانتفاع وإحياء القلوب القابلة أو العلوم الشرعية وبالسراب من انتحل الخلافة أو الجهل. (وبالنعيم العذاب) أراد بالنعيم نعيم الجنة أو ذاته الطاهرة النافعة كما فسر به في قوله تعالى: * (ثم لتسألن يومئذ عن النعيم) *. (وبالفوز الشقاء) أي استبدل بالفوز بالسعادة والرحمة والرضوان بالشقاء الموجب للحسرة والخيبة والخسران (وبالسراء الضراء) السراء كما مر الحالة التي تسر والضراء نقيضها وهي الحالة التي تضره ولعل المراد بالأولى حالة النفس بسبب اتصافها بالإيمان وأركانه ولوازمه وبالثانية حالتها بسبب اتصافها بالكفر وأركانه ولوازمه. (وبالسعة الضنك) أي استبدل بسعة العيش في الأخرة ضنكه وضيقه فيها لتركه أسباب الأول وتحصيله أسباب الثاني أو في الدنيا أيضا لأن سعة العيش فيها إنما هي بمتابعة الإمام العادل الدافع للظلم والجور عن النفس والمال والقسمة وضيقه بمتابعة الجائر الداعي إليها. (إلا جزاء اقترافه وسوء خلافه) أي اقترافه ما ذكر من التنكب وما عطف عليه أو الأعم وسوء خلافه مع الرسول ووصيه وأفاد بالاستثناء أنه لا ظلم في ذلك الجزاء.

[ 295 ]

(فليوقنوا بالوعد على حقيقته) كل ما جاء به الرسول حق وله حقيقة ولا ينتفع أحد إلا بالتمسك بحقيقته وإلا فهو من أهل النفاق وقد ذكرنا توضيحه في باب حقيقة الإيمان واليقين من كتاب الأصول وفيه كفاية للمسترشد إلا أنا نقول هنا: الوعد حق ظاهر وله حقيقة باطنة والإيمان بالوعد لا ينفع إلا أن يكون مقرونا بالإيقان على حقيقته الذي يقتضي تأثر القلب بالخوف والخشية والرهبة الداعية إلى فعل الطاعات وترك المنهيات والتضرع إلى الله والفرار عن مخالفته فمن ادعى الإيمان بالوعد وقلبه غير متأثر به وتارك لمقتضاه فهو منافق شبيه بمن حمل الوعد على مجازه وهو مجرد التخويف كما يخوف أحد أحدا بما لا وجود له في الخارج. (وليستيقنوا بما يوعدون يوم يأتي الصيحة بالحق) قال المفسرون: الصيحة النفخة الثانية وبالحق متعلق بها والمراد به البعث للجزاء (ذلك يوم الخروج) من الأرض للحساب والجزاء. (إنا نحن نحيي ونميت) في الدنيا أو نميت في الدنيا ونحيي في الآخرة، والواو لا تدل على الترتيب (وإلينا المصير) للجزاء بالأعمال والعقائد. (يوم تشقق الأرض عنهم سراعا) أي مسرعين في الخروج والرجوع إلى الله (إلى آخر السورة): * (ذلك حشر علينا يسير نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد) * وفي تضمين الآية الكريمة وعيد لهم بأنهم سيجدون جزاء ما كانوا يعملون.

[ 296 ]

الخطبة الطالوتية * الأصل: 5 - محمد بن علي بن معمر، عن محمد بن علي قال: حدثنا عبد الله بن أيوب الأشعري، عن عمرو الأوزاعي عن عمرو بن شمر، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الهيثم بن التيهان أن أمير المؤمنين (عليه السلام) خطب الناس بالمدينة فقال: الحمد لله الذي لا إله إلا هو، كان حيا بلا كيف ولم يكن له كان ولا كان لكانه كيف، ولا كان له أين، ولا كان في شئ، ولا كان على شئ، ولا ابتدع لكانه مكانا ولا قوي بعدما كون شيئا، ولا كان ضعيفا قبل أن يكون شيئا، ولا كان مستوحشا قبل أن يبتدع شيئا، ولا يشبه شيئا ولا كان خلوا عن الملك قبل إنشائه، ولا يكون خلوا منه بعد ذهابه، كان إلها حيا بلا حياة، ومالكا قبل أن ينشئ شيئا، ومالكا بعد إنشائه للكون، وليس يكون لله كيف ولا أين ولا حد يعرف، ولا شئ يشبهه، ولا يهرم لطول بقائه، ولا يصعق لذعره، ولا يخاف كما تخاف خليقته من شئ لكن سميع بغير سمع، وبصير بغير بصر، وقوي بغير قوة من خلقه، لا تدركه حدق الناظرين ولا يحيط بسمعه سمع السامعين، إذا أراد شيئا كان بلا مشورة ولا مظاهرة ولا مخابرة ولا يسأل أحدا عن شئ من خلقه أراده، لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون فبلغ الرسالة وأنهج الدلالة (صلى الله عليه وآله). أيها الامة التي خدعت فانخدعت وعرفت خديعة من خدعها فأصرت على ما عرفت واتبعت أهواءها وضربت في عشواء غوايتها وقد استبان لها الحق فصدت عنه والطريق الواضح فتنكبته، أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو اقتبستم العلم من معدنه وشربتم الماء بعذوبته وادخرتم الخير من موضعه وأخذتم الطريق من واضحه وسلكتم من الحق نهجه لتبهجت بكم السبل، وبدت لكم الأعلام، وأضاء لكم الإسلام فأكلتم رغدا وما عال فيكم عايل ولا ظلم منكم مسلم ولا معاهد ولكن سلكتم سبيل الظلام فأظلمت عليكم دنياكم برحبها وسدت عليكم أبواب العلم فقلتم بأهوائكم واختلفتم في دينكم فأفتيتم في دين الله بغير علم، واتبعتم الغواة فأغوتكم وتركتم الأئمة فتركوكم، فأصبحتم تحكمون بأهوائكم، إذا ذكر الأمر سألتم أهل الذكر فإذا أفتوكم قلتم هو العلم بعينه فكيف وقد تركتموه ونبذتموه وخالفتموه ؟ رويدا عما قليل تحصدون جميع ما زرعتم وتجدون وخيم ما اجترمتم وما اجتلبتم، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لقد علمتم أني صاحبكم والذي به امرتم، وأني عالمكم والذي بعلمه نجاتكم ووصي

[ 297 ]

نبيكم وخيرة ربكم ولسان نوركم والعالم بما يصلحكم فعن قليل رويدا ينزل بكم وما وعدتم وما نزل بالامم قبلكم وسيسألكم عزوجل عن أئمتكم، معهم تحشرون، وإلى الله عزوجل غدا تصيرون، أما والله لو كان لي عدة أصحاب طالوت أو عدة أهل بدر وهم أعداؤكم لضربتكم بالسيف حتى تؤولوا إلى الحق وتنيبوا للصدق فكان أرتق للفتق وآخذ بالرفق اللهم فاحكم بيننا بالحق وأنت خير الحاكمين. قال: ثم خرج من المسجد فمر بصيرة فيها نحو من ثلاثين شاة، فقال: والله لو أن لي رجالا ينصحون لله عزوجل ولرسوله بعدد هذه الشياه لأزلت ابن آكلة الذبان عن ملكه. قال: فلما أمسى بايعه ثلاثمائة وستون رجلا على الموت فقال لهم أمير المؤمنين (عليه السلام): اغدوا بنا إلى أحجار الزيت محلقين. وحلق أمير المؤمنين (عليه السلام) فما وافى من القوم محلقا إلا أبو ذر والمقداد وحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر وجاء سلمان في آخر القوم، فرفع يده الى إلسماء فقال: اللهم إن القوم استضعفوني كما استضعفت بنو إسرائيل هارون، اللهم فإنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى عليك شئ في الأرض ولا في السماء، توفني مسلما وألحقني بالصالحين، أما والبيت والمفضي إلى البيت - وفي نسخة: والمزدلفة والخفاف إلى التجمير - لولا عهد عهده إلي النبي الامي (صلى الله عليه وآله) لأوردت المخالفين خليج المنية ولأرسلت عليهم شآبيب صواعق الموت وعن قليل سيعلمون. * الشرح: (خطبة الطالوتية) سمي بها لاشتمالها على طالوت وأصحابه كما تسمى السور القرآنية باسم بعض أجزائها (عن أبي الهيثم بن التيهان) في المغرب: تيهان فيعلان بالفتح من تاه وبه سمي والد أبي هيثم مالك بن تيهان وهو من الصحابة وقيل: التيهان بتشديد الياء وسكونها وهو من الأنصار كنية أبي الهيثم واسمه مالك بن مالك، وقيل: بل اسم أبيه عمرو بن الحارث وهو التيهان كان أحد النقباء ليلة العقبة وشهد بدرا والمشهور أنه شهد صفين معه (عليه السلام) وقتل بها، وقيل: توفي في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله). (الحمد لله الذي لا إله إلا هو) العايد إلى الموصول أو الموصوف محذوف ونسبة الحمد إلى اسم الذات وتعليقه بما يدل على التوحيد للدلالة على أنه يستحق الحمد بحسب الذات وأنه المتفرد بالاستحقاق لانصحار العلة فيه. (كان حيا بلا كيف) أما أنه حي فقد اتفقت ألسنة الأنبياء والأوصياء وزبر الحكماء والعقلاء ودلت الآيات الكريمة والروايات الصحيحة على أنه تعالي حي وهذا كاف في التصديق بحياته ولا يقدح عدم العلم بحقيقتها كما لا يقدح عدم العلم بحقيقة ذاته في العلم بوجوده ولأن علمه

[ 298 ]

وقدرته وصدور أفعاله محكمة عنه دلت على أنه حي بالضرورة ولذلك قيل: حياته توجب صحة العلم والقدرة، وقال صاحب العدة: الحي هو الفعال المدرك وهو حي بنفسه لا يجوز عليه الموت والفناء ولا يحتاج إلى حياة بها يحيى، وقال القطب في درة التاج: حياته تعالى ادراك الاشياء وهو لما كان عالما بذاته ومعلوماته كما هي على الوجه الأتم الأبلغ كان حيا وليست حياته أمرا زائدا قائما به بل هي عين ذاته كالعلم وسائر صفاته. وأما أنه بلا كيف فلأن الكيفيات على أقسامها مخلوقة محدثة والقديم الأزلي الكامل بالذات يمتنع أن يتصف بالمحدثات ولأنه لو اتصف بها لكان الواجب بالذات إما المجموع أو الموصوف بدون الصفة أو العكس والكل محال أما الأول فلأنه يوجب تركيبه وحدوثه وافتقاره إلى الأجزاء وموجدها وإلى المؤلف والتأليف والصورة وهو منزه عن جميع ذلك وأما الأخيران فلأنهما يوجبان النقص والافتقار إلى الحال والمحل والتغير من حال إلى حال وأنه محال (ولم يكن له) أي ولم يكن الكيف ثابتا له، والواو إما للعطف والتفسير أو للحال (كان ولا كان لكانه) أي لكونه ووجوده (كيف) كان أولا تامة أو ناقصة بتقدير الخبر أي كان موجودا في الأزل والواو للحال عن اسمه وثانيا ناقصة، وكيف بالرفع اسمه والظرف المقدم خبره يعني أنه كان أزلا والحال أنه ما كان لوجوده كيف لأن الكيف حادث وإذا كان كذلك فوجب أن لا يتصف به أبدا لأن أبده كأزله وأزله كأبده ولأن الكيف إن كان من صفات كماله لزم نقصه في الأزل لعدم اتصافه به وإن لم يكن منها كان نقصا له فيلزم النقص بالاتصاف به في الأبد والنقص عليه محال. (ولا كان له أين) أي كان في الأزل ولا كان له أين لأن الأين أيضا حادث فيستحيل كونه فيه لمثل ما مر ويحتمل أن يكون المراد بالفقرتين أنه كان في الأزل وما كان له استعداد الاتصاف بالكيف ولا استعداد الحصول في الأين حتى ينتقل من الاستعداد إلى الفعل بعد إيجاد الكيف والأين (ولا كان في شئ) كالجزء في الكل والصفة في الموصوف والصورة في المادة والعرض في الموضوع والمقدار في الجسم والروح في البدن والمظروف في الظرف والجسم في الهواء وذلك لأن معنى الحلول في الشئ هو الحصول فيه على سبيل التبعية وهو عليه محال لأنه إن افتقر إلى ذلك المحل في وجوده وكماله لزم الإحتياج المنافي للوجوب الذاتي وإن لم يفتقر إليه في كماله كان الحلول فيه نقصا له لأن ما ليس بكمال فهو نقص وهو منزه عنه (ولا كان على شئ) بالإستقرار فيه ولا بعدمه كالملك على السرير والراكب على المركوب والسقف على الجدران والجسم على المكان والهواء على الماء والسماء على الهواء للزوم التشابه بالجسم والجسمانيات والافتقار والنقص والإختصاص ببعض الجهات وأنه محال (ولا ابتدع لكانه مكانا) لتقدس وجوده عن المكان وللزوم النقصان اللازم للإمكان وتوهم كون كل شئ في مكان باطل لأن المكان شئ ولا

[ 299 ]

مكان له، وفي الابتداع إشعار بأنه لو كان له مكان لكان مكانه مبتدعا حادثا فلم يكن جل وعز قبل حدوثه في مكان فلا يكون بعده أيضا فيه لما مر (ولا قوى بعدما كون شيئا) ليس الغرض من تكوين الأشياء تحصيل القوة والاستعانة بها في سلطانه على غيره بل الغرض منه إظهار ربوبيته وحكمته وقدرته وإمضاء تقديره وتدبيره وعظمته (ولا كان ضعيفا قبل أن يكون شيئا) فلم يكونه لجبر ضعفه وتشديد قدرته ورفع العجز عنه كما يفعله الصانع منا لتصحيل القوة والقدرة على تحسين صناعته ورفع العجز منها عن نفسه لأنه إنما يحتاج إلى ذلك العاجز الناقص في القدرة والقوة والله سبحانه هو القادر القوي على الإطلاق (ولا كان مستوحشا) أي مغتما بتفرده والاستيحاش ضد الإستيناس (قبل أن يبتدع شيئا) فلم يبتدعه ليستأنس به ويدفع ألم الوحشة عن نفسه لأن الوحشة من لوازم التغير وتوابع المزاج ولواحق الحيوان الذي يأخذ من جنسه أو من غير جنسه أنيسا يستأنس به وقدس الحق منزه عن ذلك (ولا يشبه شيئا) لا في الذات ولا في الصفات لتنزهه عن المشابهة بخلقه إذ الوجوب الذاتي يتأبى عن المشابهة بما في عالم الإمكان. (ولا كان خلوا من الملك قبل إنشائه، ولا يكون خلوا منه بعد ذهابه) لأنه تعالى لما ليس زمانا ولا زمانيا ولا مكانا ولا مكانيا ولا امتداد فيه كانت نسبته إلى ملكه وهو الموجودات العينية قبل إنشائها وحين إنشائها وبعد فنائها نسبة واحدة لا تقدم ولا تأخر فيها بل كلها حاضرة عنده لا باعتبار أنها كانت في الأزل أو تكون معه فيما لا يزال لبطلان ذلك بل باعتبار أنه لا يجري فيه زمان واحكامه وأن نسبته إلى الأزل والأبد والوسط واحدة فالعقل الصحيح إذا تجرد عن شبهات الأوهام ولواحق الزمان ولاحظ أنه لا امتداد في قدس وجود الحق يحكم حكما جازما بأنه لا يخلو من الملك قبل إنشائه وبعد فنائه ويمكن أن يراد بالملك سلطنته وتسلطه على ما سواه وبضميره المخلوق على سبيل الإستخدام والمقصود أنه لا يخلو من السلطنة قبل إنشاء الخلق وبعد ذهابه إذ سلطنته بعلمه وقدرته على الممكنات عند أرباب العصمة عليهم السلام سواء أوجدها أو لا، وإن أردت زيادة توضيح فارجع إلى ما ذكرنا في باب الكون والمكان من كتاب الأصول. (كان إلها) مستحقا للألوهية والعبودية في الأزل (حيا بلا حياة) زايدة قائمة بذاته بل هي عين ذاته باعتبار أنه يصدر منه أفعال الأحياء وفيه تنزيه لحياته عن التشابه بحياة خلقه فإنها صفة زائدة عن ذواتهم منشأ لعلمهم وقدرتهم وصدور الأفعال عنهم (ومالكا قبل أن ينشئ شيئا) لما عرفت أنه لا يخلو من الملك قبل إنشائه (ومالكا بعد إنشائه للكون) لما مر أيضا وللكون متعلق ب‍ " مالكا " أو بالإنشاء ففيه على الأول إشعار بأنه مالك لوجود كل شئ وبيده أزمة بقائه وفنائه وعلى الثاني إيماء إلى الجعل البسيط بأفاضة الوجود وأما الجعل المركب فهو مسكوت عنه وفيه كلام طويل مذكور في موضعه وإنما كرر ذكر المالك لدفع استبعاد كونه مالكا قبل وجود المملوك وبعد فنائه

[ 300 ]

(وليس لله كيف ولا أين) لما مر من أنهما مخلوقان فلو كانا له لزم افتقاره إلى خلقه به واتصافه به وانتقاله من حال إلى حال والكل محال وإنما كرر نفي الكيف والأين عنه لأن أكثر الخلق يتوهمونهما له (ولا حد يعرف) نفى عنه الحد العرفي وهو المتألف من أجزاء الماهية وخواصها والحد اللغوي وهو النهايات المحيطة بالجسم والجسمانيات لأن الأول مستلزم للتركيب والتوصيف والثاني من لواحق الكم وتوابعه (ولا شئ يشبهه) لأن المشابهة بين الشيئين إما في الحقيقة أو في أجزائها أو في عوارضها ولا يشبهه الممكن في شئ من ذلك أما الأول فظاهر وأما الأخيران فلأنه لا جزء ولا عوارض له. (ولا يهرم لطول بقائه) لأن الهرم إنما يحصل بتغير المزاج وانفعاله وانكساره بطول الزمان وتوارد المصايب وكل ذلك ممتنع (ولا يصعق لذعره) الذعر بالضم الخوف والضمير راجع إليه عز وجل أي لا يفزع أو لا يموت أو لا يغشى عليه لخوفه من شئ لأنه قاهر على كل شئ قادر على إعدامه في أقل من طرفة عين فكيف يصعق خوفا منه ؟ ولأن ذلك تابع للحياة الزائدة عن الذات فتزول بطريان أسباب الزوال وحياته ليست بزائدة (ولا يخاف كما تخاف خليقته من شئ) لأن الخوف تابع للانفعال وهو منزه عنه والنفي راجع إلى القيد والمقيد جميعا (ولكن سميع بغير سمع وبصير بغير بصر) لأن سمعه وبصره عبارة عن العلم بالمسموعات والمبصرات فهما نوعان من مطلق العلم (وقوى بغير قوة من خلقه) أي قوى بذاته لا بقوة زائدة هي خلقه أو بعض خلقه أو نشأت من خلقه فمن على الأول للتيين وعلى الثاني للتبعيض وعلى الثالث للإبتداء والحاصل أنه لو كانت له قوة زائدة لزم إما اتصافه بخلقه أو الاستعانة به كما يستعين السلطان منا بقوة عساكره (لا تدركه حدق الناظرين) الحدق جمع الحدقة وهي العين أو الناظرة منها وفيه تنزيه له عن الرؤية بحاسة البصر لتنزهه عن الضوء واللون والجسمية ولواحقها من الجهة والأين وتوجيه البصر وإدراكه به (ولا يحيط بسمعه سمع السامعين) لأنه يسمع بذاته ما لا يسمع السامعون من الأصوات الخفية التي بلغت في الخفاء حدا لا يدركه حديد السمع كحسيس النملة على الصخرة الملساء وصوت جناح الجرجس في الهواء. ثم أشار إلى تنزيه صنعه من الحاجة إلى الآلة والحيلة والمشورة والاستعانة وغيرها بقوله: (إذا أراد شيئا كان) ذلك الشئ كما أراد من غير تراخ ولا مهلة (بلا مشورة) من الغير ليعلم صلاح أمره وفساده (ولا مظاهرة) من أحد في الإيجاد ليجئ الفعل كاملا بانضمام القوتين (ولا مخابرة) هي أن يعطى الرجل أيضا أرضا غيره ليزرع فيها على النصف والثلث والربع وغيرها يعني أنه تعالى لم يفوض أمر ملكه وخلقه إلى غيره ليعمل فيه ويكون له نصيب منه إما للعجز عن العمل فيه أو لغرض آخر كما يقوله من زعم أنه تعالى واحد لا يصدر منه إلا الواحد وأن أمر الباقي مفوض إلى

[ 301 ]

العقول العشرة وأن لها نصيبا في خلق عالم الروحانيات والجسمانيات ويحتمل أن يكون المخابرة من الخبر وهو العلم وهي أن يعطي كل واحد منهما الآخر ما عنده من العلم ليتحقق كمال الفعل بانضمام العلمين (ولا يسأل أحدا عن شئ من خلقه أراد) ليخبره بصلاحه وفساده وخيره وشره ويفتح عليه أبواب علمه وحكمته لأن السائل جاهل والله سبحانه عالم بجميع الأشياء لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء (لا تدركه الأبصار) أي أحداق العيون (وهو يدرك الأبصار) أي يحيط علمه بها وبمدركاتها. ولهذه الآية تفسير آخر أدق وأحسن وهو ما رواه المصنف في باب الرؤية من الأصول بإسناده عن أبي هاشم الجعفري عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال سألت عن الله هل يوصف ؟ فقال: " أما تقرأ القرآن ؟ قلت: بلى، قال: أما تقرأ قوله تعالى: * (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار) * قلت: بلى، قال: فتعرفون الأبصار ؟ قلت: بلى، قال: ما هي ؟ قلت: أبصار العيون، فقال: إن أوهام القلوب أكبر من أبصار العيون فهو لا تدركه الأوهام وهو يدرك الأوهام ". وفيه روايات أخر دالة على أن المراد منها أنه لا تدركه القلوب المجردة والعقول المقدسة ويلزم منه أن لا يدركه البصر أيضا لأن كل ما يدركه البصر يدركه العقل دون العكس ونفي العام يستلزم نفي الخاص وبالجملة في الآية دلالة على نفي إدراكه مطلقا وهذا أولى من نفي ادراكه بالعين. (وهو اللطيف الخبير) أي العالم بلطائف الأمور وخفياتها والخبير بحقايقها وحقايق ظواهرها وبواطنها، ويمكن أن يكون من باب النشر المرتب أي وهو اللطيف فلا تدركه الأبصار وهو الخبير فهو يدرك الأبصار (أرسله بالهدى) أي بسبب هداية الخلق أو متلبسا بها أو بالقرآن أو بساير المعجزات (ودين الحق) الذي يوصل إليه وهو دين الإسلام أو الولاية لعلي عليه السلام وقد فسره بها أبو الحسن الماضي عليه السلام كما مر في باب النكت من كتاب الأصول (ليظهره على الدين كله) أي ليغلبه على الأديان كلها عند قيام القائم عليه السلام كما صرح به أيضا في الباب المذكور (ولو كره المشركون) إظهاره وغلبته على الأديان (فبلغ الرسالة) كما أمر به وذكره في معرض المدح لكونها أمانة عظم قدرها وقدر تبليغها (وأنهج الدلالة صلى الله عليه وآله) أي أوضح الدلالة على جميع ما يحتاج إليه الخلق من أمر المبدأ والمعاد والمعاش وغيرها وأعظم ما يحتاجون إليه معرفة الإمام بعده كيلا يضلوا. (أيها الأمة التي خدعت) من النفس الأمارة وهواجسها ومن مردة الجن والإنس ووساوسها (فانخدعت) لاستعداد طبعها للقبول وميل نفسها إلى الفضول (وعرفت خديعة من خدعها فأصرت على ما عرفت) فيه مبالغة في ذمهم لأن الإصرار على الانخداع مع معرفة الخدعة والخادع من كمال الشقاوة (واتبعت أهواءها) أي دواعي نفوسها إلى الشهوات الخارجة عن

[ 302 ]

حدود الله الداعية إلى ترك أمر الله ورفض ولاية ولي الله (وضربت في عشواء غوايتها) الضرب السير والعشواء الظلمة أو ما بين أول الليل إلى ربعه وإضافتها إلى الغواية وهي الضلالة من قبيل لجين الماء أي وسارت في غوايتها وضلالتها التي هي كالظلمة في عدم الاهتداء إلى المقصود والمنع من الوصول إلى المطلوب، ولو كانت في بمعنى على كما في قوله تعالى: * (ولأصلبنكم في جذوع النخل) * كان المراد بالعشواء الناقة التي لا ترى أمامها، والوجه عدم الإيصال إلى المطلوب (وقد استبان لها الحق) وهو ولايته وخلافته عليه السلام (فصدت عنه) أي صرفته أو تفرقت عنه واشمأزت عن قبوله (والطريق الواضح) وهي النصوص الدالة على الولاية (فتنكبته) أي عدلت عنه (أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة) أي شق الحبة وخلق الإنسان وكان (عليه السلام) كثيرا ما يحلف به لدلالته على كمال الحكمة والقدرة لأن من تفكر في شق الحبة وجعل أسفلها عروقا تخرق الأرض مع لطافتها ودقتها بحيث لو دلكها الإنسان بأدنى قوة صارت كالماء وجعل أعلاها شعوبا صاعدة في الهواء مغتذية من الطين والماء منفصلة بالأغصان والأوراق والأثمار وجعل بعض الأثمار مختلفة في الطبايع كالأترج فإن قشره حار يابس ولحمه بارد رطب وحماضه بارد يابس وبذره حار رطب وجعل الأوراق مشتملة على خطوط مستقيمة ومعوجة صغار وكبار لحفظها ولوصول الماء والغذاء إلى جميع أطرافها وتفكر في خلق الإنسان وعجائب الصنع فيه التي يعجز عن إدراك قليل منها عقول الأذكياء علم أن الصانع عالم حكيم قاهر قادر على جميع الأشياء. (لو اقتبستم العلم من معدنه) المعدن كمجلس منبت الجواهر من ذهب وفضة ونحوهما والمراد به هنا هو وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام بعد النبي (صلى الله عليه وآله) على سبيل الاستعارة لانهم معادن العلوم الإلهية والأحكام الشرعية ومن صدورهم الطاهرة يخرج العلم وينتشر في العالم كما أن من المعادن تخرج الجواهر وتنتشر (وشربتم الماء بعذوبته) شبه العلم بالماء في الأحياء لأن العلم سبب لحياة القلوب بعد موتها كما أن الماء سبب لحياة الأرض وأطلق المشبه به على المشبه وذكر الشرب والعذوبة وهي الخلوص من الكدرة ترشيحا للإستعارة وتنبيها على أن النافع من العلم هو الخالص من كدرة الشبهات والقياسات. (وادخرتم الخير من موضعه) لعل المراد بالخير العقائد الصحيحة والأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة النافعة في الدنيا والآخرة وكيفية التخلص من أضدادها (وأخذتم الطريق من واضحه) أي من موضع واضح منه وهو وسطه الذي يوصل سالكه إلى المطلوب وفيه تنبيه على خروجهم عنه يمينا وشمالا وإليه أشار عليه السلام في بعض كلامه " اليمين والشمال مضلة والطريق الوسطى هي الجادة " وفي بعض النسخ " وأخذتم من الطريق واضحه " وهو واضح (وسلكتم من الحق نهجه) النهج الطريق الواضح ولعل المراد به هو (عليه السلام) وبالحق كل ما جاء به

[ 303 ]

الرسول (صلى الله عليه وآله) (لتبهجت بكم السبل) سبل الإسلام وهي أركانه وقوانينه وسبب تبهجها وسرورها ومباهاتها بهم حينئذ أنها صارت منصورة مروجة عزيزة لكثرة أعوانها وأنصارها وفيه استعارة مكنية وتخييلية (وبدت لكم الأعلام) الداعية إلى الله وإلى خلقه وهي القوانين الشرعية القائدة إليه وهذه الأعلام بأيدي الدعاة إليه وهم الرسول ومن بعده من أهل بيته والتابعين لهم بإحسان (وأضاء لكم الإسلام) لكشف الحجاب عنه بإيضاح إمام عالم عادل وهو هو (عليه السلام) (وأكلتم رغدا) في القاموس: عيشة رغد أو رغدا واسعة طيبة والفعل كمنع وكرم وقوم رغد ونساء رغد محركتين فقوله: رغدا، إما تمييز أو حال والمفعول مقدر أو الفعل بمنزلة اللازم لأن المقصود بيان كيفية الأكل لا بيان المأكول وهذا الأمر - وهو سعة الرزق وطيب العيش ونزول البركة في عصر الإمام العادل ونشر العدل بين الخلق - أمر تشهد له الآية والرواية والتجربة واتفقت عليه أرباب السير. (وما عال فيكم عايل) العايل الفقير عال يعيل عيلة إذا افتقر وذلك لنزول البركة وشمول الرحمة ولأن الإمام العادل يقسم بيت المال والحقوق المالية الواجبة والمندوبة بينهم على السوية ويعطي كل واحد ما يحتاج إليه ولا يصنع ما صنع الخلفاء الثلاثة من إعطاء الفاسق والكافر والغني ومنع المؤمن والفقير وقد نقلوا أن عثمان أعطى الحكم بن العاص طريد رسول الله (صلى الله عليه وآله) أموالا خارجة عن الحساب وكان فقراء المدينة وغيرهم محتاجين إلى قوت ليلة (ولا ظلم منكم مسلم ولا معاهد) فإن الإمام العادل يأخذ للمظلوم من الظالم على ما تقتضيه القوانين النبوية فيكف الظالم نفسه عن الظلم خوفا منه، وبالجملة الكف عن الظلم إما للخوف من الله ومن العقوبة الاخروية أو للخوف من السلطان، وأكثر الخلق بعيد من الأول فلابد من سلطان يخافون من سطوته والسلطان إن كان جائرا كثيرا ما يغمض عن الأخذ إما للرشوة أو لرعاية القرابة أو لغير ذلك فيشتغل الظالم بظلمه للأمن منه كما هو المعروف الآن وإن كان عالما بالقوانين الشرعية، والسياسة النبوية وعادلا يعدل بينهم ولا يترك حق أحد حصل لهم الخوف منه فيكفون عن الظلم، وطريق العدل مع المعاهد وهو رفع الظلم في النفس والمال عنه لعهده وعدم التقريب والمحبة له لكفره، إذ في عدم الأول نقض للعهد وفي وجود الثاني نقص في الدين. (ولكن سلكتم سبيل الظلام) بمتابعة الإمام الظالم الجاهل وترك متابعة الإمام العالم العادل والمراد بالظلام الجهالات والوجه عدم اهتداء السالك فيها إلى المقصود (فاظلمت عليكم الدنيا برحبها) أي بسعتها لأفول نور الإيمان والعدل في آفاقها ودخول ظلمة الكفر والجور في أطرافها فصرتم متحيرين فيها كتحيركم في الجاهلية الأولى (وسدت عليكم أبواب العلم) كناية عن خفاء العلم عليهم لأن ظهوره إنما هو بالتعلم من العالم الرباني والسؤال عنه وهم قد عزلوه عن التعليم وأعرضوا عنه (فقلتم بأهوائكم) هذا من لوازم الجهل مع الاستنكاف عن ظهوره، وهكذا حال

[ 304 ]

الجاهل المستنكف فإنه إذا سئل عن أمر مبهم أو ورد عليه أمر مشكل أوضحه بأهوائه الفاسدة وبينه بآرائه الكاسدة لئلا يقولوا: إنه جاهل (واختلفتم في دينكم) الذي اخترعتموه بالأهواء إذ الأهواء مستلزمة إلى الاختلاف قطعا لتفاوت الأشخاص فيها (فأفتيتم في دين الله بغير علم) مأخوذ من صاحب الوحي أو ممن أخذ منه فحصل بذلك دينكم المخترع (واتبعتم الغواة فأغوتكم) عن دين الله وأضلتكم عن سبيله، والذي ذكره (عليه السلام) معلوم لمن نظر في أصولهم وفروعهم فإنه يجد أكثرها مخالفة للكتاب والسنة وجهل الخلفاء أمر معروف ورجوعهم عن الخطأ في بعض الموارد إلى قوله (عليه السلام) مشهور حتى قال عمر مرارا " لولا علي لهلك عمر " وإلزام العجوزة له في كتبهم مذكور وكان الأول في المنبر يقول " أنا مثلكم فإن قلت صوابا فاتبعوني وإن أخطأت فاهدوني " وأما الثالث فهو الفاسق الأحمق الذي لم يعلم الهر من البر (وتركتم الأئمة) الهداة من أهل بيت نبيكم الذين أخذوا العلوم من مشكاة نبوته (فتركوكم) في الضلالة لشقاوة نفوسكم وقساوة قلوبكم وبطلان استعدادكم عن قبول الهداية لكمال الغواية. (فأصبحتم تحكمون بأهوائكم) لجهالتكم بالدين وإعراضكم عن أهل العلم واليقين (إذا ذكر الأمر سألتم أهل الذكر وإذا أفتوكم قلتم هو العلم بعينه فكيف وقد تركتموه ونبذتموه وخالفتموه) الذكر القرآن أو النبي (صلى الله عليه وآله) وقد روي تفسيره به في الأصول وأهله أهل بيته (عليهم السلام) والمراد بالأمر الأمر الديني أو الأعم منه ومما كان وما يكون وما هو كائن، وإذا للشرط في الإستقبال وقد يأتي في الماضي أيضا ولعل المراد أن أهل الذكر كانوا مرجعكم فيما ورد عليكم من الأمر المبهم وأنتم تسالونهم عنه وهم إذا أفتوكم فيه وفسروه لكم صدقتموهم وقلتم - للمدح والتحسين -: هو العلم الحق الذي جاء به الرسول (صلى الله عليه وآله) بعينه من غير نقص وزيادة فكيف تسألونهم عنه وتقولون هذا القول والحال أنكم تركتموهم وأزلتموهم عن منزلتهم ونبذتموهم وراء ظهوركم كأن لم تعرفوهم وخالفتموهم فيما لهم من حق الولاية والخلافة التي بناؤها على العلم والحكمة التي عندهم، وفيه توبيخ وإنكار عليهم وتعجب من حالهم حيث جمعوا بين الضدين اللذين أحدهما من لوازم العقل والآخر من توابع الجهل والله أعلم. (رويدا) تصغير رود بالضم وهو هنا إما مصدر أو صفة وكونه اسم فعل بمعنى أمهله بعيد ومعناه على الأول كما في كنز الغة آهسته رفتن وعلى الثاني آهسته، ونصبه بفعل مقدر أي سيروا سيرا رويدا وإنما أمر به لأن سرعة السير في طريق الباطل توجب غاية البعد من الحق بخلاف البط ء فإنه قد يفضي إلى الشعور به والرجوع عن الباطل (عما قليل تحصدون جميع ما زرعتم) من الأعمال والأفعال والآراء والأهواء وفيه تشبيه المعقول بالمحسوس لقصد الإيضاح (وتجدون وخيم ما أجترمتم) أي ما اكتسبتم من ترك الولاية والرجوع إلى الإمام العالم العادل، والوخامة

[ 305 ]

الثقل يقال: وخم الطعام إذا ثقل فلم يستمرئ فهو وخيم وقد تكون الوخامة في المعاني يقال: هذا الأمر وخيم العاقبة أي ثقيل ردئ (وما اجتلبتم من ولاية أهل الجور، وخلافتهم ولسان نوركم) أي قرآنكم أو شريعتكم وهو (عليه السلام) لسانهما لأنه ينطق بما هو المقصود منهما (فعن قليل رويدا ينزل بكم ما وعدتم) من العذاب بسبب المخالفة للكتاب والشريعة وقول النبي والوصي (عليهما السلام) (وما نزل بالأمم قبلكم) بسبب مخالفتهم لكتابهم ونبيهم وأوصيائه (وسيسألكم الله تعالى عن أئمتكم) الهداة والضلالة فيسألكم عن ترك المتابعة للأئمة الهداة من العلم والحجة أو يسألكم عن سبب المتابعة لأئمة الضلالة مع عدمها والأخير أنسب بقوله (معهم تحشرون) لأن حشرهم مع أئمة الضلالة كما دلت عليه الرواية والآية مثل قوله تعالى: * (يوم ندعوا كل أناس بإمامهم) *. (وإلى الله عز وجل غدا تصيرون) فيه وعيد بأنهم سيجدون جزاء ما كانوا يعملون ثم أبدى عليه السلام عذره في ترك طلب الخلافة وعدم المنازعة والمقاتلة معهم وهو قلة الأنصار والمعاون بل عدم وجودهم أصلا ومن أقدم في تلك الحال على مقاتلة الأبطال بدون إذن الرسول والملك المتعال ألقى نفسه إلى التهلكة فكيف إذا وقع الأمر بتركه لمصلحة جليلة كما أشار إليه آخرا فقال: (أما والله لو كان لي عدة أصحاب طالوت) العدة بالكسر الجماعة وبالضم الاستعداد والأهبة والإضافة على الأول بيانية وعلى الثاني لامية والمشهور أنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا وقيل ثلاثة آلاف وقيل: ألف (أو عدة أهل بدر) ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا على المشهور وزاد بعضهم أربعة وبعضهم اثنين، قيل: روى نصر بن مزاحم في كتاب صفين أنه (عليه السلام) كان يقول: لو وجدت أربعين ذوي عزم (وهم أعداؤكم) متعطشون بدمائكم كأصحاب بدر وأصحاب طالوت بالنسبة إلى خصومهم والواو للحال ولابد من هذا القيد لأن المقاتلة لا تتمشى بدون قوم متصفين بالعداوة وفي بعض النسخ " وهم أعدادكم " بالدال وكأنه إشارة إلى أن مثلهم في العدد موجود فيكم لتكون تحريضا لهم في الاجتماع عليه والانقياد له في أمر المحاربة (لضربتكم بالسيف حتى تؤولوا إلى الحق) أي حتى ترجعوا من الدين الباطل وهو الذي أخذتموه بأهوائكم إلى الدين الحق وهو ما جاء به الرسول (صلى الله عليه وآله) (وتنيبوا للصدق) وهو الولاية له (عليه السلام). (فكان أرتق للفتق) الفتق شق عصا المسلمين ووقوع المنازعة بينهم في أمر الدين وأحكامه المبتنية على العلم واليقين والرتق ضد الفتق والظاهر أن ضمير كان راجع إلى الأول والإنابة (وآخذ بالرفق) الأخذ التناول والرفق ضد الخرق وهو اللين والتلطف وترك العنف والعجلة والخشونة والتفريع ظاهر لأن الإمام إذا كان عالما عادلا معصوما لم يقع بينهم شقاق في الدين ولا منازعة في شئ من أحكامه ولا عجلة وجور وعنف وخشونة على أحد بخلاف ما إذا كان ظالما جاهلا فإن الظلم والجهل منشآن للفتق والخرق ولواحقهما (اللهم فاحكم بيننا بالحق وأنت أحكم

[ 306 ]

الحاكمين) لا راد لحكمك ولا حيف فيه، وقد حكم الله الملك الديان بذلهم وخذلانهم بسيف صاحب الزمان وبخزيهم وهوانهم عند الأبرار وسوء مآلهم في الآخرة بالدخول في النار. (ثم خرج من المسجد فمر بصيرة) بكسر الصاد وسكون الياء المثناة التحتانية وهي حظيرة تتخذ للدواب من الحجارة وأغصان الشجر وجمعها أي يكون جميع حركاتهم وسكناتهم لله ولرسوله وموافقة للقوانين الشرعية لا يكون لهم تعلقا بالدنيا وحياتها (لأزلت ابن آكلة الذبان عن ملكه) الذبان بالكسر جمع الذباب بالضم هو معروف والعرب في مقام ذم رجل ينسبونه إلى أمه خصوصا إذا اشتهرت بلقب خبيث (فلما أمسى بايعه ثلاثمائة وستون رجلا على الموت) على أن لا يفروا عند القتال وإن قتلوا (فقال أمير المؤمنين عليه السلام اغدوا بنا إلى أحجار الزيت) موضع بالمدينة (محلقين) أي لا بسين للحلقة وهي بسكون اللام السلاح مطلقا وقيل: هي الدروع خاصة ويحتمل أن يراد بالتحليق إزالة شعر الرأس وكأنه أمرهم به ليكون شعارا لهم وليخبرهم بالطاعة والامتثال لأمره والله أعلم (فما وافى من القوم محلقا إلا أبو ذر والمقداد وحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر) والباقون تركوا التحليق أو تركوا الحضور (وجاء سلمان في آخر القوم) لم يعلم أنه كان محلقا أم لا بل الظاهر عدمه (فرفع يده إلى السماء فقال اللهم إن القوم استضعفوني كما استضعفت بنو إسرائيل هارون) بإعراضهم عن نصحه وزجره عن عبادة العجل عند خروج موسى (عليه السلام) من بينهم حتى كادوا يقتلونه وفيه شكاية عن ترك الأصحاب نصرته وتقاعدهم عن متابعته، وبالجملة لم يكن له معين ولا دافع لهم عنه ولا مساعد إلا قليل من أهل بيته فضن بهم عن المنية فصبر على القذى وجرع ريقه على الشجى وحمل نفسه على كظم الغيظ. وهنا كلام للمخالفين لا بأس أن نشير إليه فنقول: قال المخالفون: لو كان علي رضي الله عنه وصيا ومستحقا للخلافة بعد النبي (صلى الله عليه وآله) بالوصاية لما جاز له أن يقعد عن طلبها بالسيف مع شجاعته وحيث قعد عنه ولم يطلبها بالسيف علم أنه لم يكن وصيا ولم يكن منكرا لخلافة من تقدمه. أقول: لا حجة لهم في ذلك وما ذكروه أوهن من بيت العنكبوت أما أولا فلأن الله تعالى أمر بثبات الواحد على الاثنين وقد كان علي عليه السلام داخلا في هذا النص غير مستثنى ولا مأمور بأن يقاوم الألوف وحده بالاتفاق وأما ثانيا فلأن النبي (صلى الله عليه وآله) وأبا بكر فرا من مكة إلى المدينة فإذا جاز لهما ذلك فقد جاز لعلي (عليه السلام) وحده بالأولوية، وأما ثالثا فلأنه عليه السلام مع وجود النبي (صلى الله عليه وآله) استحصن بالخندق ولم يبرز للأحزاب وحده مع كونه شجاعا فإذا جاز له ذلك عند حضوره جاز له بعد مفارقته أيضا. وأما رابعا فلأنه لا يجب على الشجاع بل لا يجوز القيام بالمحاربة على العدد الكثير بدون أمر الله تعالى إذا ظن أو علم الغلبة لهم ولعله (عليه السلام) علم أنه لا يقاومهم وحده وهو أعلم بنفسه منكم.

[ 307 ]

وأما خامسا فلأن العياض شارح مسلم نقل في حديث الإفك عن بعض علمائكم أن النبي (صلى الله عليه وآله) إنما لم يحد عبد الله بن أبي رأس المنافقين بالافتراء على زوجته عائشة لأنه كانت منعة منه ويخشى من إقامته افتراق الكلمة وظهور الفتنة فإذا جاز للنبي (صلى الله عليه وآله) ترك الحد لخوف الفتنة مع كثرة أعوانه وأنصاره فقد جاز لعلي (عليه السلام) ترك المحاربة والمقاتلة مع عدم المعاون لمثل ذلك، وأما سادسا فلأنه يجوز أن يكون ترك المحاربة بأمر النبي (صلى الله عليه وآله) لعلمه بمفاسد ذلك بالوحي، وأما سابعا فلأن هارون (عليه السلام) لما لم يقاتل السامري وأتباعه مع كثرة أعوانه لزم أن يكون السامري وأتباعه محقين في عبادة العجل على ما ذكرتم، وبالجملة ما ذكرتم من المزخرفات التي لا يرتضي به الجاهل فضلا عن العاقل. (اللهم فإنك تعلم ما نخفي وما نعلن.. اه) كأن الفاء فصيحة أي إن فعلوا ذلك فإنك تعلم والغرض منه بسط الشكوى إليه تعالى لعلمه بما هم فيه من العقائد الباطلة والأعمال الفاسدة وشدة الشكيمة وإعراضهم عن متابعة الولي الحق ثم الاستعصام به تعالى والالتجاء إليه من مثل هذه البلية العظيمة الصادرة من النفوس الأمارة (أما والبيت والمفضي إلى البيت وفي نسخة والمزدلفة والخفاف إلى التحمير) الواو للقسم والمقسم به محذوف والبيت الكعبة والإفضاء المس يقال گ أفضى إلى الأرض إذا مسها براحته، والمزدلفة المشعر الحرام، والخفاف بالخاء المعجمة والفائين جمع الخف وهو النعل وقد يطلق على القدم مجازا، والتجمير رمي الجمرة بالأحجار أي أما ورب الكعبة ورب من مسها بكفه والمراد به النبي (صلى الله عليه وآله) لأنه أفضل من مسها ورب المزدلفة والأقدام المتحركة إلى رمي الجمرة هذا ما خطر بالبال والله أعلم بحقيقة الحال. وقال الفاضل الأمين الاسترآبادي: والمعنى ورب الكعبة التي تفضي إلى البيت المعمور لأنهما متحاذيان وكأن المفضي كان في نسخته بدون الواو، ثم قال: وفي كثير من النسخ الخفاف بالخاء المعجمة والفائين بعدها ولم أقف على معنى يناسب ولعل صوابه الحقاف بالحاء المهملة والقاف والفاء بمعنى الرمال المستطيلة والله أعلم (لولا عهد عهده إلي النبي الأمي) أي المنسوب إلى أم القرى وهي مكة أو أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ لعلمه بما فيه أو إلى الأم في أصل ولادته لم يقرأ ولم يدرس ولم يكتب وهو من أوصاف كما له لدلالته أن كمالاته التي تعجز عقول البشر عن الإحاطة بها كانت من فيض الحق لا من جهة الاكتساب، والمراد بالعهد هو الوصية بالصبر على ما فعلوا وترك المحاربة معهم لمصالح جليلة (لأوردت المخالفين خليج المنية) الخليج نهر يقتطع من النهر الأعظم والإضافة من باب لجين الماء والوجه أن المنية يذهب بهم كما أن الخليج يذهب عند طغيان سيله بما فيه، ويحتمل أن يراد بالمنية الموت الأحمر وهو القتل وبخليجها النهر الجاري من دمائهم والإضافة حينئذ لامية (ولأرسلت عليهم شآبيب صواعق الموت) الشآبيب

[ 308 ]

جمع شؤبوب وهو الدفعة من المطر وغيره والصاعقة النار التي يرسلها الله تعالى مع الرعد الشديد واستعيرت للصوارم القاطعة التي هي من آلات الموت لجامع الإهلاك وإزالة الحياة والإضافة إما لامية أو لأدنى ملابسة والمراد بشآبيبها دفعاتها وتعاقب حركاتها عليهم (وعن قليل سيعلمون) فيه إشارة إجمالية إلى ما تجده نفوسهم الشريرة بعد مفارقتها من العذاب الأليم والغم الشديد والأحوال الموحشة في البرزخ وفي الآخرة التي يطير منها الألباب. * الأصل: 6 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن سليمان، عن أبيه قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) إذ دخل عليه أبو بصير وقد حفزه النفس فلما أخذ مجلسه قال له أبو عبد الله (عليه السلام): يا أبا محمد ما هذا النفس العالي ؟ فقال: جلعت فداك يا بن رسول الله كبرت سني ودق عظمي واقترب أجلي مع أنني لست ادري ما أرد عليه من أمر آخرتي، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): يا أبا محمد وإنك لتقول هذا ! قال: جعلت فداك وكيف لا أقول هذا ؟ ! فقال: يا أبا محمد أما علمت أن الله تعالى يكرم الشباب منكم ويستحيي من الكهول ؟ قال: قلت: جعلت فداك فكيف يكرم الشباب ويستحيي من الكهول ؟ فقال: يكرم الله الشباب أن يعذبهم ويستحيي من الكهول أن يحاسبهم، قال: قلت: جعلت فداك هذا لنا خاصة أم لأهل التوحيد ؟ قال: فقال: لا والله إلا لكم خاصة دون العالم، قال: قلت: جعلت فداك فانا قد نبزنا نبزا انكسرت له ظهورنا وماتت له أفئدتنا واستحلت له الولاة دماءنا في حديث رواه لهم فقهاؤهم، قال: فقال أبو عبد الله (عليه السلام): الرافضة ؟ قال: قلت: نعم قال: لا والله ما هم سموكم ولكن الله سماكم به، أما علمت يا أبا محمد أن سبعين رجلا من بني إسرائيل رفضوا فرعون وقومه لما استبان لهم ضلالهم فلحقوا بموسى (عليه السلام) لما استبان لهم هداه فسموا في عسكر موسى الرافضة لأنهم رفضوا فرعون وكانوا أشد أهل ذلك العسكر عبادة وأشدهم حبا لموسى وهارون وذريتهما (عليهما السلام) فأوحى الله عزوجل إلى موسى (عليه السلام) أن أثبت لهم هذا الاسم في التوراة فاني قد سميتهم به ونحلتهم إياه، فأثبت موسى (عليه السلام) الاسم لهم ثم ذخر الله عزوجل لكم هذا الاسم حتى نحلكموه، يا أبا محمد رفضوا الخير ورفضتم الشر، افترق الناس كل فرقة وتشعبوا كل شبعة فانشعبتم مع أهل بيت نبيكم (صلى الله عليه وآله) وذهبتم حيث ذهبوا واخترتم من اختار الله لكم وأردتم من أراد الله فأبشروا ثم ابشروا، فأنتم والله المرحومون المتقبل من محسنكم والمتجاوز عن مسيئكم، من لم يأت الله عزوجل بما أنتم عليه يوم القيامة لم يتقبل منه حسنة ولم يتجاوز له عن السيئة، يا أبا محمد فهل سررتك ؟ قال: قلت: جعلت فداك زدني، يا أبا محمد إن لله عزوجل ملائكة يسقطون الذنوب عن ظهور شيعتنا كما يسقط الريح الورق في أو ان سقوطه وذلك قوله عزوجل: * (الذين يحملون العرش ومن حوله

[ 309 ]

يسبحون بحمد ربهم... ويستغفرون للذين آمنوا) * استغفارهم والله لكم دون هذا الخلق، يا أبا محمد فهل سررتك ؟ قال: قلت: جعلت فداك زدني. قال: يا أبا محمد لقد ذكركم الله في كتابه فقال: * (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا) * إنكم وفيتم بما أخذ الله عليه ميثاقكم من ولايتنا وإنكم لم تبدلوا بنا غيرنا ولو لم تفعلوا لعيركم الله كما عيرهم حيث يقول جل ذكره: * (وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين) * يا أبا محمد: فهل سررتك ؟ قال: قلت: جعلت فداك زدني فقال: يا أبا محمد لقد ذكركم الله في كتابه فقال: * (إخوانا على سرر متقابلين) * والله ما أراد بهذا غيركم، يا أبا محمد فهل سررتك ؟ قال: قلت: جعلت فداك زدني، فقال: يا أبا محمد * (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين) * والله ما أراد بهذا غيركم، يا أبا محمد فهل سررتك ؟ قال: قلت: جعلت فداك زدني، فقال: يا أبا محمد لقد ذكرنا الله عزوجل وشيعتنا وعدونا في آية من كتابه فقال: عزوجل: * (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر اولوا الألباب) * فنحن الذين يعلمون وعدونا الذين لا يعلمون وشيعتنا هم اولوا الالباب، يا أبا محمد فهل سررتك ؟ قال: قلت: جعلت فداك زدني، فقال: يا أبا محمد والله ما استثنى الله عزوجل بأحد من أوصياء الأنبياء ولا أتباعهم ما خلا أمير المؤمنين (صلى الله عليه وآله) وشيعته فقال في كتابه وقوله الحق: * (يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون * إلا من رحم الله) * يعني بذلك عليا (عليه السلام) وشيعته، يا أبا محمد فهل سررتك ؟ قال: قلت: جعلت فداك زدني، قال: يا أبا محمد لقد ذكركم الله تعالى في كتابه إذ يقول: * (يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم) * والله ما أراد بهذا غيركم، فهل سررتك يا أبا محمد ؟ قال: قلت: جعلت فداك زدني. فقال: يا أبا محمد لقد ذكركم الله في كتابه فقال: * (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) * والله ما أراد بهذا إلا الأئمة (عليهم السلام) وشيعتهم فهل سررتك يا أبا محمد ؟ قال: قلت: جعلت فداك زدني، فقال: يا أبا محمد لقد ذكركم الله في كتابه فقال: * (فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا) * فرسول الله (صلى الله عليه وآله) في الآية النبيون ونحن في هذا الموضع الصديقون والشهداء وأنتم الصالحون فتسموا بالصلاح كما سماكم الله عزوجل: يا أبا محمد فهل سررتك ؟ قال: قلت: جعلت فداك زدني، قال: يا أبا محمد لقد ذكركم الله إذ حكى عن عدوكم في النار بقوله: * (وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الاشرار * اتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الابصار) * والله ما عني ولا أراد بهذا غيركم، صرتم عند أهل هذا العالم شرار الناس وأنتم والله في الجنة تحبرون وفي النار تطلبون، يا أبا محمد فهل سررتك ؟ قال: قلت: جعلت فداك زدني،

[ 310 ]

فقال: يا أبا محمد ما من آية نزلت تقود إلى الجنة ولا تذكر أهلها بخير إلا وهي فينا وفي شيعتنا وما من آية نزلت وتذكر أهلها بشر تسوق إلى النار إلا وهي في عدونا ومن خالفنا، فهل سررتك يا أبا محمد ؟ قال: قلت: جعلت فداك زدني، قال: يا أبا محمد ليس على ملة إبراهيم إلا نحن وشيعتنا وسائر الناس من ذلك براء، يا أبا محمد فهل سررتك ؟ وفي رواية اخرى فقال: حسبي. * الشرح: قوله (عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد) العدة الناقلة عن سهل: علي بن محمد بن علان ومحمد بن أبي عبد الله ومحمد بن الحسن ومحمد بن عقيل الكليني، والظاهر أن محمد بن أبي عبد الله هو محمد بن جعفر الأسدي الثقة (قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام إذ دخل عليه أبو بصير) مشترك بين ليث بن البختري المرادي ويحيى بن القاسم المكفوف وكنيتهما أيضا أبو محمد (وقد حفزه النفس) الحفز بالحاء المهملة والزاي المعجمة بعد الفاء الحث والإعجال والموالاة بين الشيئين بلا مهلة (كبرت سني) السن مقدار العمر مؤنثة في الناس وغيرهم والمراد بكبرها طولها (ودق عظمي) الذي هو أصلب أعضاء البدن وعمودها فكيف غيرها ودقته كناية عن الوهن والضعف اللازمين لطول العمر. (مع أنني لست أدري ما أرد عليه من أمر آخرتي) " ما " زائدة وفي بعض النسخ " مع أني " (فقال أبو عبد الله عليه السلام: يا أبا محمد وإنك لتقول هذا) إنكارا لقوله " مع ما أنني.. إلى آخره " (قال جعلت فداك وكيف لا أقول) ذلك مع عدم علمي بمال حالي وما أرد عليه من أمر الآخرة (فقال: يا أبا محمد أما علمت أن الله تعالى يكرم الشباب منكم ويستحيي من الكهول) الاستفهام إما للحقيقة أو للتوبيخ أو للتقرير فقال (يكرم الله الشباب أن يعذبهم ويستحيي من الكهول أن يحاسبهم) الكهل من الرجال من زاد على ثلاثين سنة إلى الأربعين وقيل من ثلاث وثلاثين إلى تمام الخمسين وقيل من زاد أربعا وثلاثين إلى أحدى وخمسين ولما لم يكن في كرمه تعالى وحيائه نقص لزم من عدم تعذيب الشباب عدم حسابهم لئلا يخجلوا ومن عدم حساب الكهول عدم تعذيبهم بل عدم حساب الشيوخ وتعذيبهم بالطريق الأولى فإذا تدخل الشيعة كلهم بلا تعذيب ولا حساب في الجنة وله الحمد أولا وآخرا (قال قلت جعلت فداك هذا لنا خاصة أم لأهل التوحيد) كلهم ولما لم يكن في قوله (عليه السلام) يكرم الشباب منكم... إلى آخره دلالة على الحصر سأله عنه. (قال فقال لا والله إلا لكم خاصة دون العالم) أي لا يكون هذا والله أو لا والله ليس هذا إلا لكم خاصة دون أهل العالم، وإنما لم يقل: دون أهل التوحيد، كما قال أبو بصير للتنبيه على أن غير الشيعة ليسوا من أهل التوحيد بل هم مشركون (قال قلت جعلت فداك فإنا قد نبزنا نبزا انكسرت له ظهورنا.. الخ) النبز بالتحريك اللقب وقد كثر استعماله فيما كان ذما ومنه قوله تعالى: * (ولا

[ 311 ]

تنابزوا بالألقاب) * التنابز التداعي بالألقاب القبيحة وإنما قال أبو بصير ذلك لزعمه أن هذا لقب قبيح لا لشكه في دينه فرفع (عليه السلام) زعمه وبشره بأن هذا لقب حسن لكم ولمن كان على دين الحق ثم بين أن كل الخلق ملقب بهذا اللقب أما أنتم فلرفضكم دين الباطل وأما هؤلاء فلرفضهم دين الحق فهذا اللقب ممدوح لكم ومذموم لهم (افترق الناس كل فرقة وتشعبوا كل شعبة) التشعب التفرق والشعبة بالضم الفرقة والطائفة والمراد بكل فرقة وكل شعبة فرقة كثيرة وشعبة كثيرة وذلك لأن الباطل له طرق كثيرة فذهبت إلى كل طريق طائفة لتوافق عقولهم وتناسب آرائهم. (فانشعبتم مع أهل بيت نبيكم) أي صرتم معهم شعبة واحدة (وذهبتم حيث ذهبوا) في الأصول والفروع وصرتم من أهل التسليم لهم وصرفتم عقولكم عن الأهواء والآراء كما صرفوا عقولهم إليها ولم يعلموا أنه لا يجوز ذلك بعد النبي (صلى الله عليه وآله) كما لا يجوز معه (يا أبا محمد أن لله ملائكة يسقطون الذنوب عن ظهور شيعتنا كما يسقط الريح الورق في أوان سقوطه) في ذكر الظهر إيماء إلى تشبيه الذنوب بالأثقال والأحمال المحمولة على الظهر تشبيه المعقول بالمحسوس لقصد الإيضاح، وفي صدر الكلام إيماء إلى أن طائفة من الملائكة مخصوصون بهذا العمل وفي آخره إلى أن ذنوب المؤمن غير مستحكمة لضعفها بمضادة الإيمان بخلاف ذنوب غيره فإنها مستحكمة لقوتها بمواد من الكفر (وذلك قوله عز وجل * (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم... ويستغفرون للذين آمنوا) * ذلك إشارة الى اسقاط الملائكة ذنوب الشيعة، وجه دلالة الآية عليه أن إستغفار الملائكة لهم غير مردود بل هو سبب له وجود السبب دليل على وجود المسبب (استغفارهم والله لكم دون هذا الخلق) المراد بكاف الخطاب كل من أقر بولاية علي عليه السلام ووصايته، وبهذا الخلق كل من أنكرها فيشمل كل من آمن وبه وأنكره من هذه الأمة ومن الأمم السابقة فإن ولايته عليه السلام مأخوذة على جميع الخلق من الأولين والآخرين كما دلت عليه الروايات فمن آمن به منهم فهو مغفور باستغفار الملائكة ومن أنكره فهو محروم منه. (فقال من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) أي أقامو ظاهرا وباطنا وفي كنز اللغة: صدق راست گفتن وراست شدن وراست داشتن والمراد به هنا هو المعنى الأخير (فمنهم من قضى نحبه) في القاموس: النحب الموت والأجل والنفس والنذر، وفي النهاية في حديث طلحة ممن قضى نحبه النحب النذر كأنه ألزم نفسه أن يصدق أعداء الله في الحرب فوفى به وقيل النحب الموت كأنه ألزم نفسه أن يقاتل حتى يموت (ومنهم من ينتظر) أي نحبه (وما بدلوا تبديلا) وأما غير هؤلاء من المؤمنين فقد بدلوا العهد ونقضوه بعد النبي (صلى الله عليه وآله) فارتدوا وخرجوا عن الإيمان، والظاهر أن الجار والمجرور في المواضع الثلاثة مبتدأ على معنى بعضهم وما بعده خبر دون العكس لعدم الفائدة في الإخبار وإن كان العكس هو المعروف بين النحاة وقد صرح بذلك الشريف

[ 312 ]

في هذه الآية وفي قوله تعالى: * (ومن الناس من يقول آمنا بالله واليوم الآخر وما هم بمؤمنين..) * الآية والشيخ في الحديث الخامس والثلاثين من الأربعين في قوله " وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر لو صرفته إلى غير ذلك لهلك " ولجواز العكس وبيان فائدته مجال من التوجيه فتأمل (ولو لم تفعلوا لعيركم الله كما عيرهم) أي لو لم تفعلوا الوفاء بالعهد وبدلتم بأولياء الله غيرهم كما بدلوا لدخلتم في التعيير أيضا. (حيث يقول جل ذكره * (وما وجدنا لأكثرهم من عهد) * عهد الولاية * (وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين) * الكاملين في الفسق بترك الولاية، وان مخففة وهي تدخل الجملتين ففي الإسمية تعمل وتهمل، وفي الفعلية يجب إهمالها وحيث وجدت إن وبعدها لام مفتوحة فاحكم بأنها مخففة (فقال * (أخوانا على سرر متقابلين في جنات النعيم يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين لا يصدعون عنها ولا ينزفون وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون جزاء بما كانوا يعملون) * وهم مع أهل الولاية شركاء في هذه النعمة (فقال عز وجل هل * (يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب) * يعني إنه لا مساواة بين العالم والجاهل وأنه لا يعلم الفرق بينهما إلا ذوو العقول الصحيحة الخالصة عن شوائب الأوهام. (فنحن الذين يعلمون وعدونا الذين لا يعلمون وشيعتنا هم أولوا الألباب) روي مثله أيضا عن أبي جعفر (عليه السلام) وسيجئ عن الصادق (عليه السلام) أيضا قبل حديث الصيحة أن الآية نزلت في وصف علي (عليه السلام) وذم أبي الفصيل يعني أن عليا عليه السلام لكونه عالما بأن محمدا (صلى الله عليه وآله) رسول الله ليس مثله وهو لا يعلم ذلك ويقول باطنا: إنه ساحر كذاب (يعني بذلك عليا وشيعته) لعل المراد بشيعته كل من أقر بولايته من لدن آدم إلى آخر الدهر فإذن ليس المرحوم إلا هو وشيعته وبقي المستثنى منه بعد الاستثناء على عمومه لعدم صدقه بعده على مؤمن ولا يتحقق الإغناء والنصرة في غيره، وروى المصنف بإسناده في كتاب الأصول عن أبي عبد الله (عليه السلام) في هذه الآية قال " نحن والله الذي يرحم الله ونحن والله الذي استثنى الله لكنا نغني عنهم " (قال لقد ذكركم الله عز وجل في كتابه إذ يقول * (يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم) * والله ما أراد بهذا غيركم) لأن المخاطبين بهذا الخطاب الشريف هم المؤمنون باتفاق الأمة لخروج غيرهم عن هذا التشريف والإيمان لا يتحقق بالعقل والنقل إلا لمن أقر بالأوصياء وولايتهم وهم الشيعة رضي الله تعالى عنهم (فقال * (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) * والله ما أراد بهذا إلا الأئمة عليهم السلام وشيعتهم) إضافة العباد تفيد الاختصاص والمراد بهم المخلصون له تعالى المطيعون لأمره بقوله * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) * وهم الأئمة عليهم السلام وشيعتهم.

[ 313 ]

(قال: يا أبا محمد لقد ذكركم الله في كتابه فقال * (فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم) *) لما ذكر الله تعالى أهل الكتاب والمنافقين وذمهم ونصحهم قال * (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم) *، فأولئك إشارة إليهم ووعد لهم بمرافقة الأخيار في دار القرار بشرط الطاعة * (من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا) * ترغيب إلى تحصيل ما يوجب رفاقتهم، ورفيقا نصب على التمييز أو الحال قيل: ولم يجمع لأنه يصدق على الواحد والجمع أو لأنه أريد وحسن كل واحد منهم رفيقا (فرسول الله صلى الله عليه وآله في الآية النبيون) الجمع للتعظيم أو لأن المصدق به مصدق بالجميع (ونحن في هذا الموضع الصديقون والشهداء) لصدق جميع أقوالهم وعقائدهم ووفائهم بجميع العهود وكونهم شهداء في بلاده على عباده أو كونهم شهداء بيد الأعداء (وأنتم الصالحون) فتسموا بالصلاح (كما سماكم الله عز وجل) ترغيب في الصلاح والاجتهاد في العمل والورع والتقوى قسم الله عز وجل العارفين بثلاثة أقسام لأن العارف إما صاحب الوحي وهو الاول أو وصيه وهو الثاني أو التابع لهما وهو الثالث ورغب غير العارف في الطاعة في صدر الآية طلبا لمرافقة هؤلاء الأخيار (إذ حكى عن عدوكم في النار) حال عن العدو بقوله * (وقالوا مالنا لا نرى رجالا كنا) * في الدنيا * (نعدهم من الأخيار) * عدوهم منها لزعمهم أن دينهم الباطل حق وأن دين الحق وهو دين هؤلاء الرجال باطل فاسترذلوهم وسخروا بهم وكذلك كان حال الكفرة بالنسبة إلى أهل الإيمان في قديم الأيام أيضا * (اتخذناهم سخريا) * بكسر الهمزة صفة ثانية لرجال وأما بفتحها كما في بعض القراءة على الاستفهام فهو توبيخ وإنكار لأنفسهم في سخرية هؤلاء بالرجال واسترذالهم، والسخرى بالضم والكسر والسخرية اسم من سخر منه وبه إذا هزأه واسترذله وأهانه * (أم زاغت عنهم الأبصار) * أي مالت عنهم فلا تراهم و " أم " معادلة لما لا ترى أي عدم رؤيتهم في جهنم إما لغيبتهم وعدم دخولهم فيها أو لزيغ الأبصار عنهم، ولعل صدور هذا القول منهم إما لتأسفهم أو لكمال دهشتهم من شدة عقوبتهم وإلا فقد علموا أن سبب دخولهم في النار ترك دين هؤلاء الرجال وفيه دلالة على أن أهل جهنم يرون كل من دخل فيها. (والله ما عني ولا أراد بهذا غيركم) أي ماعني الله عز وجل ولا أراد بهذا القول أو بقوله: (رجالا) غيركم وفي بعض النسخ " ماعنى الله " وفيه دلالة على أن الشيعة لا تدخل النار، ويدل على ذلك أيضا ما روي عن أمير المؤمنين والأئمة الطاهرين عليهم السلام من قولهم " إنما الأئمة قوام الله على خلقه عرفاؤه على عباده لا يدخل الجنة إلا من عرفهم وعرفوه ولا يدخل النار إلا من أنكرهم وأنكروه " ويظهر منه أن المقر بالأئمة لا يدخل النار والمنكر لهم لا يدخل الجنة، وسر ذلك أن معرفة ولايتهم وحقيقة إمامتهم أعظم ركن من أركان الدين وأفخم أصل من أصول الإيمان

[ 314 ]

فمن أقر بها فهو مؤمن ومن أنكرها فهو كافر (صرتم عند أهل هذا العالم) ماداموا فيه (شرار الناس) باعتبار أنكم تبعتم وصي نبيكم وتركتم عبادة العجل. (وأنتم والله في الجنة تحبرون) الحبر بالكسر والفتح النعمة وسعة العيش، وحسن الهيئة والسرور يقال: أحبره إذا أسره أي والله أنتم مسرورون في الجنة بكثرة النعمة وسعة العيش وطيبه ولذته وحسن الجمال ونضارة الوجه ورضوان الحق (وفي النار تطلبون) يطلبكم أعداؤكم ولا يجدونكم وهذا أيضا عذاب آخر عليهم (قال يا أبا محمد ما من آية نزلت تقود إلى الجنة ولا يذكر أهلها بخير إلا وهي فينا وفي شيعتنا.. الخ) الحصر حقيقي لما ثبت من أحاديث أهل البيت عليهم السلام من أنه لا يدخل الجنة إلا شيعتهم ومن أقر بولايتهم من الأولين والآخرين ولا يدخل النار إلا من أنكرهم، وأيضا ثبت من طرق العامة والخاصة أن عليا عليه السلام قسيم النار والجنة وفي النهاية الأثيرية في حديث علي عليه السلام " أنا قسيم النار " أراد أن الناس فريقان فريق معي فهم على هدى وفريق علي فهم على ضلال فنصف معي في الجنة ونصف علي في النار وقسيم فعيل بمعنى فاعل كالجليس والسمير قيل أراد بهم الخوارج وقيل كل من قاتله انتهى، وفي الفايق يعني أنا قاسمها فإن الناس في حقه على قسمين مهتدون وضالون فكأنه قاسم للنار فشطر لها من الضالين وشطر له من المهتدين (قال يا أبا محمد ليس على ملة إبراهيم إلا نحن وشيعتنا وسائر الناس من ذلك براء) المراد بملة إبراهيم أصول شرايعه المشتركة كالتوحيد وأسراره وغير ذلك مما لا يطرأ عليه النسخ وهذه الفائدة مثل السوابق راجعة إلينا إلا أنها أرفعها وأسناها وأجلها وأعلاها لكونها غاية الكمالات البشرية المقتضية لسكون العبد تحت الهوية الإلهية وفتور اضطراب قلبه فلذلك لما بلغ الكلام إلى هذا المقام (قال: حسبي) لأنه ليس للعبد مطلب سواه ولا للمشتاق مقصد عداه.

[ 315 ]

حديث أبي عبد الله (عليه السلام) مع المنصور في موكبه * الأصل: 7 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن بعض أصحابه، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير جميعا، عن أبي حمزة، عن حمران قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) وذكر هؤلاء عنده وسوء حال الشيعة عندهم فقال: إني سرت مع أبي جعفر المنصور وهو في موكبه وهو على فرس بين يديه خيل ومن خلفه خيل وأنا على حمار إلى جانبه فقال لي: يا أبا عبد الله قد كان ينبغي لك أن تفرح بما أعطانا الله من القوة وفتح لنا من العز ولا تخبر الناس أنك أحق بهذا الأمر منا وأهل بيتك فتغرينا بك وبهم، قال: فقلت: ومن رفع هذا إليك عني فقد كذب. فقال لي: أتحلف على ما تقول: قال: فقلت: إن الناس شجرة بغي يحبون أن يفسدوا قلبك علي فلا تمكنهم من سمعك فإنا إليك أحوج منك إلينا. فقال لي: تذكر يوم سألتك هل لنا ملك ؟ فقلت: نعم طويل عريض شديد فلا تزالون في مهلة من أمركم وفسحة من دنياكم حتى تصيبوا منا دما حراما في شهر حرام في بلد حرام، فعرفت أنه قد حفظ الحديث، فقلت: لعل الله عزوجل أن يكفيك فاني لم أخصك بهذا وإنما هو حديث رويته ثم لعل غيرك من أهل بيتك يتولى ذلك فسكت عني فلما رجعت إلى منزلي أتاني بعض موالينا فقال: جعلت فداك والله لقد رأيتك في موكب أبي جعفر وأنت على حمار وهو على فرس وقد أشرف عليك يكلمك كأنك تحته فقلت بيني وبين نفسي: هذا حجة الله على الخلق وصاحب هذا الأمر الذي يقتدي به وهذا الآخر يعمل بالجور ويقتل أولاد الأنبياء ويسفك الدماء في الأرض بما لا يحب الله وهو في موكبه وأنت على حمار فدخلني من ذلك شك حتى خفت على ديني ونفسي، قال: فقلت: لو رأيت من كان حولي وبين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي من الملائكة لاحتقرته واحتقرت ما هو فيه فقال: الآن سكن قلبي. ثم قال: إلى متى هؤلاء يملكون ؟ أو متى الراحة منهم ؟ فقلت: أليس تعلم أن لكل شئ مدة ؟ قال: بلى، فقلت: هل ينفعك علمك أن هذا الأمر إذا جاء كان أسرع من طرفة العين ؟ إنك لو تعلم حالهم عند الله عزوجل وكيف هي ؟ كنت لهم أشد بغضا ولو جهدت أو جهد أهل الأرض أن يدخلوهم في أشد ما هم فيه من الإثم لم يقدروا فلا يستفزنك الشيطان فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون، ألا تعلم أن من انتظر أمرنا وصبر على ما يرى من الأذى والخوف هو غدا في زمرتنا، فإذا رأيت الحق قد مات وذهب أهله، ورأيت الجور قد شمل البلاد، ورأيت القرآن قد خلق واحدث فيه ما ليس فيه ووجه على الأهواء، ورأيت الدين قد انكفى كما

[ 316 ]

ينكفي الماء، ورأيت أهل الباطل قد استعلوا على أهل الحق، ورأيت الشر ظاهرا لا ينهى عنه ويعذر أصحابه، ورأيت الفسق قد ظهر، واكتفى الرجال بالرجال والنساء بالنساء، ورأيت المؤمن صامتا لا يقبل قوله، ورأيت الفاسق يكذب ولا يرد عليه كذبه وفريته، ورأيت الصغير يستحقر بالكبير، ورأيت الأرحام قد تقطعت، ورأيت من يمتدح بالفسق يضحك منه ولا يرد عليه قوله، ورأيت الغلام يعطي ما تعطي المرأة ورأيت النساء يتزوجن النساء، ورأيت الثناء قد كثر، ورأيت الرجل ينفق المال في غير طاعة الله فلا ينهى ولا يؤخذ على يديه، ورأيت الناظر يتعوذ بالله مما يرى المؤمن فيه من الاجتهاد، ورأيت الجار يؤذي جاره وليس له مانع، ورأيت الكافر فرحا لما يرى في المؤمن. مرحا لما يرى في الأرض من الفساد، ورأيت الخمور تشرب علانية ويجتمع عليها من لا يخاف الله عزوجل ورأيت الأمر بالمعروف ذليلا ورأيت الفاسق فيما لا يحب الله قويا محمودا. ورأيت أصحاب الآيات يحقرون ويحتقر من يحبهم، ورأيت سبيل الخير منقطعا وسبيل الشر مسلوكا، ورأيت بيت الله قد عطل ويؤمر بتركه، ورأيت الرجل يقول ما لا يفعله، ورأيت الرجال يتسمنون للرجال والنساء للنساء، ورأيت الرجل معيشته من دبره ومعيشة المرأة من فرجها، ورأيت النساء يتخذن المجالس كما يتخذها الرجال، ورأيت التأنيث في ولد العباس قد ظهر وأظهروا الخضاب وامتشطوا كما تمتشط المرأة لزوجها وأعطوا الرجال الأموال على فروجهم وتنوفس في الرجل وتغاير عليه الرجال، وكان صاحب المال أعز من المؤمن، وكان الربا ظاهرا لا يعير، وكان الزنا تمتدح به النساء، ورأيت المرأة تصانع زوجها على نكاح الرجال، ورأيت أكثر الناس وخير بيت من يساعد النساء على فسقهن، ورأيت المؤمن محزونا محتقرا ذليلاو. ورأيت البدع والزنا قد ظهر، ورأيت الناس يعتدون بشاهد الزور، ورأيت الحرام يحلل ورأيت الحلال يحرم، ورأيت الدين بالرأي وعطل الكتاب وأحكامه، ورأيت الليل لا يستخفى به من الجرأة على الله، ورأيت المؤمن لا يستطيع أن ينكر إلا بقلبه، ورأيت العظيم من المال ينفق في سخط الله عزوجل، ورأيت الولاة يقربون أهل الكفر ويباعدون أهل الخير، ورأيت الولاة يرتشون في الحكم ورأيت الولاية قبالة لمن زاد، ورأيت ذوات الأرحام ينكحن ويكتفى بهن، ورأيت الرجل يقتل على التهمة وعلى الظنة ويتغاير على الرجل الذكر فيبذل له نفسه وماله ورأيت الرجل يعير على إتيان النساء، ورأيت الرجل يأكل من كسب امرأته من الفجور، يعلم ذلك ويقيم عليه، ورأيت المرأة تقهر زوجها وتعمل ما لا يشتهي وتنفق على زوجها، ورأيت الرجل يكري امرأته وجاريته ويرضى بالدني من الطعام والشراب ورأيت الأيمان بالله عزوجل

[ 317 ]

كثيرة على الزور، ورأيت القمار قد ظهر ورأيت الشراب يباع ظاهرا ليس له مانع، ورأيت النساء يبذلن أنفسهن لأهل الكفر، ورأيت الملاهي قد ظهرت يمر بها، لا يمنعها أحد أحدا ولا يجترئ أحد على منعها، ورأيت الشريف يستذله الذي يخاف سلطانه، ورأيت أقرب الناس من الولاة من يمتدح بشتمنا أهل البيت، ورأيت من يحبنا يزور ولا تقبل شهادته، ورأيت الزور من القول يتنافس فيه، ورأيت القرآن قد ثقل على الناس استماعه وخف على الناس استماع الباطل، ورأيت الجار يكرم الجار خوفا من لسانه، ورأيت الحدود قد عطلت وعمل فيها بالأهواء، والمساجد قد زخرفت، ورأيت أصدق الناس عند الناس المفتري الكذب، ورأيت الشر قد ظهر والسعي بالنميمة، ورأيت البغي قد فشا، ورأيت الغيبة تستملح ويبشر بها الناس بعضهم بعضا، ورأيت طلب الحج والجهاد لغير الله، ورأيت السلطان يذل للكافر المؤمن، ورأيت الخراب قد اديل من العمران، ورأيت الرجل معيشته من بخس المكيال والميزان، ورأيت سفك الدماء يستخف بها، ورأيت الرجل يطلب الرئاسة لعرض الدنيا ويشهر نفسه بخبث اللسان ليتقى وتسند إليه الامور، ورأيت الصلاة قد استخف بها. ورأيت الرجل عنده المال الكثير ثم لم يزكه منذ ملكه، ورأيت الميت ينبش من قبره ويؤذى وتباع أكفانه، ورأيت الهرج قد كثر، ورأيت الرجل يمسي نشوان ويصبح سكران لا يهتم بما الناس فيه، ورأيت البهائم تنكح، ورأيت البهائم يفرس بعضها بعضا، ورأيت الرجل يخرج إلى مصلاه ويرجع وليس عليه شئ من ثيابه، ورأيت قلوب الناس قد قست وجمدت أعينهم وثقل الذكر عليهم، ورأيت السحت قد ظهر يتنافس فيه، ورأيت المصلي إنما يصلي ليراه الناس، ورأيت الفقيه يتفقه لغير الدين يطلب الدنيا والرئاسة، ورأيت الناس مع من غلب، ورأيت طالب الحلال يذم ويعير وطالب الحرام يمدح ويعظم، ورأيت الحرمين يعمل فيهما بما لا يحب الله لا يمنعهم مانع ولا يحول بينهم وبين العمل القبيح أحد، ورأيت المعازف ظاهرة في الحرمين. ورأيت الرجل يتكلم بشئ من الحق ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فيقوم إليه من ينصحه في نفسه فيقول: هذاعنك موضوع. ورأيت الناس ينظر بعضهم إلى بعض ويقتدون بأهل الشرور، ورأيت مسلك الخير وطريقه خاليا لا يسلكه أحد، ورأيت الميت يهزأ به فلا يفزع له أحد، ورأيت كل عام يحدث فيه من الشر والبدعة أكثر مما كان، ورأيت الخلق والمجالس لا يتابعون إلا الأغنياء، ورأيت المحتاج يعطى على الضحك وبه يرحم ولغير وجه الله، ورأيت الآيات في السماء لا يفزع لها أحد ورأيت الناس يتسافدون كما تتسافد البهائم لا ينكر أحد منكرا تخوفا من الناس، ورأيت الرجل ينفق الكثير في غير طاعة الله ويمنع اليسير في طاعة الله، ورأيت العقوق قد ظهر واستخف بالوالدين وكانا من

[ 318 ]

أسوء الناس حالا عند الولد ويفرح بأن يفترى عليهما، ورأيت النساء قد غلبن على الملك وغلبن على كل أمر، لا يؤتى إلا ما لهن فيه هوى، ورأيت ابن الرجل يفتري على أبيه ويدعو على والديه ويفرح بموتهما ورأيت الرجل إذا مر به يوم ولم يكسب فيه الذنب العظيم من فجور أو بخس مكيال أو ميزان أو غشيان حرام أو شرب مسكر كئيا حزينا يحسب أن ذلك اليوم عليه وضيعة من عمره، ورأيت السلطان يحتكر الطعام، ورأيت أموال ذوي القربى تقسم في الزور ويتقامر بها وتشرب بها الخمور، ورأيت الخمر يتداوى بها وتوصف للمريض ويستشفى بها، ورأيت الناس قد استووا في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وترك التدين به، ورأيت رياح المنافقين [ وأهل النفاق ] قائمة ورياح أهل الحق لا تحرك، ورأيت الأذان بالأجر والصلاة بالأجر، ورأيت المساجد محتشية ممن لا يخاف الله، يجتمعون فيها للغيبة وأكل لحوم أهل الحق ويتواصفون فيها شراب المسكر. ورأيت السكران يصلي بالناس وهو لا يعقل ولا يشان بالسكر وإذا سكر اكرم واتقي وخيف وترك، لا يعاقب ويعذر بسكره، ورأيت من أكل أموال اليتامى يحمد بصلاحه، ورأيت القضاة يقضون بخلاف ما أمر الله، ورأيت الولاة يأتمنون الخونة للطمع ورأيت الميراث قد وضعته الولاة لأهل الفسوق والجرأة على الله، يأخذون منهم ويخلونهم وما يشتهون، ورأيت المنابر يؤمر عليها بالتقوى ولا يعمل القائل بما يأمر، ورأيت الصلاة قد استخف بأوقاتها، ورأيت الصدقة بالشفاعة لا يراد بها وجه الله ويعطى لطلب الناس، ورأيت الناس همهم بطونهم وفروجهم، لا يبالوا بما أكلوا وما نكحوا، ورأيت الدنيا مقبلة عليهم، ورأيت أعلام الحق قد درست، فكن على ذر واطلب إلى الله عزوجل النجاة واعلم أن الناس في سخط الله عزوجل وإنما يمهلهم لأمر يراد بهم فكن مترقبا واجتهد ليراك الله عزوجل في خلاف ما هم عليه فإن نزل بهم العذاب وكنت فيهم عجلت إلى رحمة الله وإن أخرت ابتلوا وكنت قد خرجت مما هم فيه من الجرأة على الله عزوجل واعلم أن الله لا يضيع أجر المحسنين وأن رحمة الله قريب من المحسنين. * الشرح: (حديث أبي عبد الله عليه السلام مع المنصور في موكبه) الموكب بفتح الميم وكسر الكاف جماعة ركاب يسيرون برفق من غير سرعة لإظهار السكينة والوقار وهم أيضا القوم الركوب للزينة والتنزه وقيل: الموكب ضرب من السير (فقال: إني سرت مع أبي جعفر) وهو الثاني من خلفاء بني عباس بعد أخيه السفاح ولقب بالدوانيقي لبخله وفي بعض النسخ " مع أبي جعفر المنصور (وهو على فرس وبين يديه خيل ومن خلفه خيل) أي جماعة فرسان أو أفراس والأول أولى والثاني إما محمول على الظاهر أو على حذف مضاف أي أصحاب خيل (وأنا على حمار إلى جانبه) لا لأنه

[ 319 ]

لم يقدر على غيره بل للتذلل لله تعالى في مقابلة تكبر ذلك الطاغي عليه. (فقال لي يا أبا عبد الله قد كان ينبغي لك أن تفرح.. الخ) للقرابة النسبية ولإزالة بني أمية الذين كانوا أعداء لنبي هاشم وكانوا يسبون عليا عليه السلام (ولا تخبر الناس أنك أحق بهذا الأمر) أي بأمر الخلافة (منا وأهل بيتك) بالنصب عطف على كاف الخطاب أي ولا تخبر الناس أن أهل بيتك أحق بهذا الأمر منا (فتغرينا بك وبهم) أي تهيجنا على الإيذاء والإضرار بك وبهم وفي كنز اللغة: الإغواء در حرص انداختن وبرانگيختن (فقال: أتحلف على ما تقول) من أن الرافع كاذب أو من أنك لم تخبر أحدا بأنك أحق بهذا الأمر وعدم الإضرار بعدم الحلف مع طلب الطاغي إنما هو بلطف الله وحفظه وصرف قلبه عنه (فقلت: إن الناس شجرة بغي) أي ظلم وفساد وجور وعناد شبههم بالشجرة وبغيهم بالثمرة فكما أن الثمرة يتولد من الشجرة كذلك البغي والفساد يتولد من الناس (يحبون أن يفسدوا قلبك علي) فينقلون مني إليك ما يوجب تغيرك علي (فلا تمكنهم من سمعك) أي فلا تسمع قولهم في وعلله بقوله (فإنا إليك أحوج منك إلينا) لأن احتياجه عليه السلام إليه في حفظ دمه ودم شيعته ورعاية حقوقهم وترك الجور عليهم ومراعاة الصلة وهذا أمر متحقق ثابت وإما احتياجه إليه عليه السلام فقد كان في الأمور الدينية وقد أفسد الدين ولوازمه فكأنه لم يكن محتاجا إليه. (فقال لي: تذكر يوم سألتك هل لنا ملك) سأل هذا الطاغي أبا جعفر (عليه السلام) أيضا فأجابه بما أجابه خلفه الصادق عليه السلام مع زيادة كما يجيئ في حديث الصيحة (فقلت نعم طويل عريض شديد) طويل بحسب المدة والزمان، عريض بحسب المساكن والبلدان، شديد بحسب القوة والسلطان (فلا تزالون في مهلة من أمركم) هو السلطنة (وفسحة من دنياكم) الفسحة بالضم السعة والمراد بها السعة في الأموال والبلاد (حتى تصيبوا منا دما حراما في شهر حرام في بلد حرام) وحينئذ تستحقون زوال دولتكم وفناء سلطنتكم ولا يكون لكم في الأرض ناصر ولا في السماء عاذر، قال بعض الأفاضل كأنه إشارة إلى المقتولين بفخ في ذي الحجة الحرام، وفخ من الحرم بين تنعيم ومكة، وقال الأمين الاسترآبادي: يمكن أن يكون المراد ما فعله هارون قتل في ليلة واحدة كثيرا من السادات. ويمكن أن يكون المراد قتلهم المقتولين بفخ وهو موضع قرب مكة انتهى، ونظير ما نحن فيه من طرق العامة عن الحسن بن علي عليهما السلام قال " إن هؤلاء أخافوني وهم قاتلي فإذا فعلوا ذلك سلط الله عليهم من يقتلهم حتى يكونوا أذل من فرم الأمة " الفرم بالفتح والسكون خرقة الحيض وما يجيئ في حديث الناس يوم القيامة عن أبي عبد الله (عليه السلام) " إن الله عز ذكره أذن في هلاكه بني أمية بعد إحراقهم زيدا بسبعة أيام " ويفهم من جميع ذلك أنه لا يلزم أن يكون الزوال بعد فعلهم ذلك بلا فصل (فعرفت أنه قد حفظ الحديث) فيكف من إصابة دمائنا خوفا من زوال

[ 320 ]

ملكه. (فقلت: لعل الله عز وجل أن يكفيك) من الإصابة ومقتضاها (فإني لم أخصك بهذا) أي بزوال الملك من إصابة الدماء (وإنما هو حديث رويته) عن آبائي وفيه تبعيد لنفسه عن العلم بالغيب خوفا منه (لعل غيرك من أهل بيتك يتولى ذلك) أي أمر الخلافة أو إصابة الدماء ويجري فيه حكم الله تعالى بالتغير والزوال (قد دخلني من ذلك شك) في التوحيد وعدله أو في الولاية لوسوسة الخبيث بأن إعطاء الفاسق الدني اللئيم ومنع العادل الشريف الكريم جور في القسمة أو بأن المذلة تنافي الولاية كل ذلك لعدم علمه بالحكمة (حتى خفت على ديني) بالارتداد والزوال (وعلى نفسي) بالعقوبة والنكال ولما كان منشأ شكه تخيل الجور في القسمة أو تخيل الذل عليه السلام أشار إلى دفعه بقوله (لو رأيت من كان حولي الخ) وبين أن ما أعطاه خير مما أعطى المنصور لأن جنود الملائكة أشرف وأكرم من جنود شيطان الأنس وبذلك ظهر عزه واحتقار المنصور (فقال الآن سكن قلبي) بزوال الاضطراب وذهاب الوسوسة عنه. (فقال: إلى متى هؤلاء يملكون ؟ أو متى الراحة منهم ؟) لعل الترديد من الراوي مع احتمال الجمع بأن يكون الأول سؤالا عن مدة ملكهم والثاني عن نهايته أو عن بداية ظهور الصاحب عليه السلام (فقلت: أليس تعلم أن لكل شئ) من الأمور الممكنة (مدة قال بلى) الاستفهام لتقرير المنفي ولذلك أجاب به (فقلت هل ينفعك علمك) الظاهر أن الإستهفام للإنكار لأن العلم بأن للجور مدة وللراحة مدة والعلم بنهاية الأولى وبداية الثانية لا ينفع في رفع الجور وحصول الراحة قبلهما بالفعل وأما بعدهما فترتفع الجور وتحصل الراحة سواء علم أم لم يعلم فلا نفع للعلم بهما فلا فائدة في السؤال عنهما، ثم رغب في انتظار الفرج والتوقع في حصوله على سبيل الاستيناف بقوله: (إن هذا الأمر إذا جاء كان أسرع من طرفة العين) لأنه تعالى إذا أراد شيئا يجيئ ذلك الشئ بلا تخلف ولا مهلة، والمراد بهذا الأمر إما زوال مدة ملكهم أو الراحة بظهور القائم عليه السلام ثم صرف الكلام إلى ذم الطاغي وأصحابه لتنفير المخاطب عما رآه من حسن ظاهرهم بقوله (إنك لو تعلم حالهم عند الله عز وجل وكيف هي كنت لهم أشد بغضا) لأن كل مالهم مما يدل على حسن ظواهرهم عند القاصرين فهي سموم قاتلة وحيات مهلكة وصور موحشة عند الصالحين ولما كان من المقرر أن كل شخص مجتهد في إضرار عدوه وراض بلحوق الإثم والعقوبة به حمل عليه السلام المخاطب على الرضا بما هم عليه من حيث أنهم أعداء له بقوله (ولو جهدت وجهد أهل الأرض أن يدخلوهم في أشد مما هم فيه من الإثم لم يقدروا) لأن ما دخلوا فيه إثم وكفر يوجب الخلود في النار وعقوبة الأبد في دار البوار وكل ما سواه من العقوبة التي يوصله العدو إلى عدوه فإنما هي عقوبة دنيوية وهي سهل بالنسبة إلى العقوبة الاخروية. ثم نفر المخاطب

[ 321 ]

عن الميل إلى مثل ما هم فيه بقوله (فلا يستفزنك الشيطان) أي فلا يستخفنك شيطان الجن والإنس من مقامك في الإيمان ولا يخرجنك مما أنت فيه من الدين والإيقان بالوسوسة وتزيين أمر مقتضي للخسران وفي بعض النسخ " فلا يغرنك " ثم أشار إلى أن ما عده جملة الناس عزة بكثرة الأموال والأنصار فهو أمر اعتباري لا حقيقة له وإن العزة الحقيقية الثابتة الباقية هي أمر آخر بقوله (فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون) يعني أن العزة والغلبة لله تعالى لكونه مبدأ لجميع الممكنات المحتاجين إليه في جميع الجهات ولمن تقرب إليه بالوسايل المشروعة على تفاوت الدرجات وأما المنافقون والجاهلون فلشدة قساوتهم وقوة جهالتهم ظنوا أن العزة هي حصول أسباب الدنيا ولذلك كل من كانت الدنيا عنده أوفر وأكثر كان عندهم أعز وأغر، ثم حثه على أمرين أحدهما أصل من أصول الإيمان والآخر موجب للثبات عليه بقوله (ألا تعلم أن من انتظر أمرنا) وهو الخلافة الظاهرة القاهرة في عهد الإمام المنتظر عليه السلام (وصبر على ما يرى من الأذى والخوف) من أعدائنا الطالبين لدمائنا (هو غدا في زمرتنا) الزمرة بالضم الفوج والجماعة ثم أشار إلى بعض علامات ظهور الصاحب عليه السلام بقوله (فإذا مات الحق وذهب أهله) المراد بالحق القوانين الشرعية وبموته اندراسه ونقصه وبذهاب أهله وهو العالم به أو كونه غير ملتفت إليه (ورأيت الجور قد شمل البلاد) منشأه طغيان القوة الشهوية في جلب المنافع الدنيوية وإعانة القوة الغضبية لها في تحصيلها ودفع الموانع منها ولو بالضرب والشتم والقتل ونحوها مع ضعف القوة العقلية وعجزها عن مقاومتهما لفقدها ملكة العلم والحكمة الزاجرة عن القبايح (ورأيت القرآن قد خلق) خلق الثوب ككرم ونصر وسمع بلى، وهو كناية عن هجره وترك تلاوته والعمل بأحكامه (وأحدث فيه ما ليس فيه ووجه على الأهواء) من غير نص صريح أو مستند صحيح كما فعله المبتدعة في مجمله ومتشابهه وغيرهما. (ورأيت الدين قد انكفى كما ينكفي الإناء) أي بقى اسمه وضاع ما فيه من الأحكام وغيرها تقول كفأت الإناء أو أكفأته إذا كببته وقلبته لتفرغ ما فيه فانكفأ وفيه تشبيه للمعقول بالمحسوس لقصد الإيضاح (ورأيت أهل الباطل قد استعلوا على أهل الحق) لعل المراد بأهل الباطل الحكام الجائرون وبأهل الحق العلماء الراسخون وبالاستعلاء جريان أحكامهم عليهم أو عدم الطاعة لهم (ورأيت الشر ظاهرا لا ينهى عنه ويعذر أصحابه) إما لعدم الناهي واللائم لشمول الجهل للكل أو لوجوده مع ترك النهي واللوم لعدم اعتنائه بالدين ومخالفة رب العالمين. وكل ذلك دليل واضح على ضعف الدين وتعاونهم على عدمه (ورأيت الفسق قد ظهر واكتفى الرجال بالرجال والنساء بالنساء) كناية عن اللواط والمساحقة، والفسق بالكسر الترك لأمر الله والعصيان والخروج عن طريق الحق أو الفجور وهو الزنا ونحوه والأخير أنسب لأن الظاهر أن

[ 322 ]

العطف للتفسير. (ورأيت المؤمن صامتا لا يقبل قوله) لإيمانه أو لضعف حاله (ورأيت الفاسق يكذب ولا يرد عليه كذبه وفريته) لعدم وجود الراد أو لوجوده مع عدم القدرة على الرد أو مع القدرة وعدم المبالاة بالكذب، والفرية الكذب عن عمد فذكرها بعد الكذب من باب ذكر الخاص بعد العام (ورأيت الصغير يستحقر الكبير) في السن أو الرتبة وهو من خلاف الآداب الشرعية المطلوبة للتخلق بالأخلاق الحسنة ولحفظ نظام الكل. (ورأيت الأرحام قد تقطعت) أعظم الأرحام رحم محمد (صلى الله عليه وآله) ثم أرحام الناس وفي صلتها بالشفقة والرأفة والتقرب والإحسان باليد واللسان فوائد كثيرة في الدنيا والآخرة وفي قطعها مفاسد عظيمة فيهما ولذلك وقع الأمر بحفظها في الآيات والروايات كما في كتاب الأصول (ورأيت من يمتدح بالفسق يضحك منه ولا يرد قوله) امتدحه امتداحا ومدحه كمنعه مدحا أحسن الثناء عليه، والمراد بالفسق كل ما هو قبيح شرعا ولا ريب في أن مدح الفاسق بفسقه أي نوع كان وضحك السامع منه ونشاطه باستماعه وعدم رد قوله دليل على ضعف دينه وفساد قلبه. (ورأيت الغلام يعطي ما تعطي المرأة) فيه إشارة إلى فساد المفعول وذمه وفي السابق إشارة إلى فساد الفاعل وذمه فلا تكرار (ورأيت النساء يتزوجن بالنساء) كأن المراد به تزويج الخنثى بالخنثى أو بالمرأة وإن أريد بالتزويج المساحقة مع أنه بعيد لزم التكرار والله يعلم (ورأيت الثناء قد كثر) الروايات في ذم ثناء الناس كثيرة وهو من توابع الفساد في القوة الشهوية وميل النفس الأمارة إلى الدنيا وغلبتها على القوة العقلية الحاكمة بأن المستحق للثناء ليس إلا الله عز وجل وفي بعض النسخ " البناء " بالنون بعد الباء الموحدة المراد بكثرته الزائد على قدر الحاجة كما وكيفا (ورأيت الرجل ينفق المال في غير طاعة الله فلا ينهى عنه ولا يؤخذ على يديه) وجب نهي المسرف عن الإسراف فإن لم ينته وجب أخذ يديه من التصرف في ماله وإعطاء قوته اللايق به وإن لم يتحقق شئ من ذلك فقد اتفقوا على هدم الشريعة (ورأيت الناظر يتعوذ بالله مما يرى المؤمن فيه من الاجتهاد) في العلم والعمل والورع والتقوى وتحسين الأخلاق والناظر إليه ينبغي إليه التأسي به فإذا تعوذ من عمله فقد عد الخير شرا والشر خيرا وسعى في تخريب الدين وإغراء الناس بالصالحين (ورأيت الجار يؤذي جاره وليس له مانع) حفظ الجار ورفع الجور والأذى والظلم عنه واجب فمن يؤذي جاره ولا يمنعه أحد اتفقوا في الجور ورفع الأحكام وتبديل النظام. (ورأيت الكافر فرحا لما يرى في المؤمن، مرحا لما يرى في الأرض من الفساد) الفرح والمرح محركة السرور والبطر والأشر والإحتيال والتبختر والنشاط، وقيل: المرح أشد من الفرح والمراد بالفساد إما الفساد الناشئ من الكفر لكون الحاكم العادل مقهورا بسبب عدم الناصر له أو

[ 323 ]

الفساد الناشئ من أهل الإسلام وفيه على التقديرين إشارة إلى ضعف في الدين وذم المسلمين. (ورأيت الخمور تشرب علانية) المراد بالخمر كل ما أسكر سواء كان من العنب أم من البسر أم من التمر أم من غيرها وهو يذكر ويؤنث وشربها حرام مطلقا، سرا وعلانية، منفردا أو مجتمعا إلا أن الإعلان والاجتماع أقبح لما فيهما من التشهير والتحقير المنافيين لوجوب حفظ الشرع وتعظيمه (ورأيت الأمر بالمعروف ذليلا ورأيت الفاسق فيما لا يحب الله قويا محمودا) وفيه فساد لحكم الشارع وبطلان لدينه إذ حكمه ودينه عكس ذلك (ورأيت أصحاب الآيات يحتقرون ويحتقر من يحبهم) المراد بأصحاب الآيات أو أصحاب الآثار كما في بعض النسخ الأئمة عليهم السلام أو العلماء التابعون لهم أيضا والمحقر لهم كافر وإن كان من أهل ملتهم كما قد يفعل ذلك جهال هذه الملة بالنسبة إلى علمائهم. (ورأيت سبيل الخير منقطعا وسبيل الشر مسلوكا) الخير كل ما طلبه الشارع والشر كل ما أنكره وترك سبيل الأول وسلوك سبيل الثاني أعم من أن يكون مع العلم والجهل ومع الإقرار والإنكار إذ فيه أيضا قلب لحكم الشارع وأمره (ورأيت بيت الله قد عطل ويؤمر بتركه) أريد به بيت الله الحرام أو المسجد أيضا وليس للقادر المستطيع تركه ولا لأحد الأمر بتركه لأنه يوجب إبطال شعائر الإسلام (ورأيت الرجل يقول ما لا يفعله) وذلك دليل على النفاق والإستهزاء بالشرع ومشتمل على التضاد وخال عن التأثير إذ بقوله يقول: افعل، وبفعله يقول: لا تفعل، ولذلك ورد الآية والرواية على ذمه (ورأيت الرجال يتسمنون للرجال والنساء للنساء) قال في النهاية: فيه - أي في الحديث - يكون في آخر الزمان قوم يتسمون أي يتكثرون ما ليس فيهم ويدعون ما ليس لهم من الشرف وقيل أراد جمعهم الأموال وقيل: يحبون التوسع في المآكل والمشارب وهي أسباب السمن (ورأيت الرجل معيشته من دبر ومعيشة المرأة من فرجها) المعيشة ما يعاش به من المطعم والمشرب وما يكون به الحياة وقد أشار هنا إلى خبث بعض الأزمنة من جهة الاكتساب بهذا العمل وفي السابق إلى خبثه من جهة هذا العمل فلا تكرار. (ورأيت النساء يتخذن المجالس كما يتخذها الرجال) ينبغي للنساء أن يسكن احفظ بيت من بيوتهن ولا يخرجن منه كما قال تعالى * (وقرن في بيوتكن) * فإن في خروجهن مفاسد كثيرة خصوصا إذا اتخذن مجالس معهن أو مع الرجال فإن الصالحات منهن قل ما يتخلصن من الفساد فضلا عن الفاجرات ولذلك كان أهل العزة والصلاح يمنعون الإجنبيات عن الدخول على نسائهم (ورأيت التأنيث في ولد العباس قد ظهر) في كنز اللغة: التأنيث مادة گردانيدن والمراد به عمل الأمرد والرجل ما تعمله النساء للرجال وترغيبهم إلى أنفسهن وقد أشار إلى بعض منه بقوله (وأظهروا الخضاب في اليد والرجل) لقصد الزينة وميل الرجال إليهم وامتشطوا الغداير للرجال

[ 324 ]

كما تمتشط المرأة لزوجها ولعل تخصيص ولد العباس بالذكر للتمثيل أو لبيان الواقع وإلا فكل من تصنع به فهو مثلهم (واعطوا الرجال الأموال على فروجهم) يحتمل إعطاء الفاعل المفعول لتمكينه على ما أراد منه وإعطاء المفعول الحكام لتمكينهم له على عمله كما تعطي الفواحش من النساء (وتنوفس في الرجل وتغاير عليه الرجال) التنافس والمنافسة الرغبة في الشئ والانفراد به لكونه جيدا في نوعه والتغاير من الغيرة وهي الحمية والأنفة يقال: رجل غيور وامرأة غيور بلا هاء لأن فعولا يشترك فيه الذكر والأنثى والظاهر أن في الرجل قائم مقام الفاعل وأن ضمير عليه راجع إليه أي رغب في الرجل وهو مرغوب له لنوع من الحسن والجمال وتغاير عليه الرجال حسدا كما تغاير النساء على ضرتهن عند إرادة الزوج لها (وكان صاحب المال أعز من المؤمن) باعتبار ترجيح المال على الإيمان والدنيا على الآخرة لفساد الطبيعة وزوال البصيرة (وكان الربا ظاهرا لا يغير) بالغين المعجمة وفي بعض النسخ بالعين المهملة والأول أظهر (وكان الزنا تمتدح به النساء) وهو مضاد لحكم الله تعالى حيث أمر بالنهي عنه ومحرك لهن وللرجال على الفساد (ورأيت المرأة تصانع زوجها على نكاح الرجال) المصانعة الرشوة والمداراة والمداهنة ولعل المراد أنها تعطيه مالا ليرضى به على زنائها (ورأيت أكثر الناس وخير بيت من يساعد النساء على فسقهن) بإذنهن على الخروج والبروز والصحبة مع الرجال والميل إلى الملاهي والزنا ونحوها. (ورأيت المؤمن محزونا محتقرا ذليلا) لما رآه من زوال الدين واندراس الإيمان ورواج الكفر وظهور العصيان وعزة أهل الفجور وغلبة أهل الطغيان وهو محتقر ذليل بينهم لا يجد ناصرا يعينه ولا مغيثا يغيثه (ورأيت البدع والزنا قد ظهر) لطغيان القوة الشهوية وضعف القوة العقلية واتصافها بالجهل والبدعة خلاف ما نطق به الشرع على وجه العموم أو الخصوص. (ورأيت الناس يعتدون بشهادة الزور) يعتدون إما بتخفيف الدال من الاعتداء وهو التجاوز عن الحد والخروج عن الوضع الشرعي أو بتشديدها من الاعتداد وفي بعض النسخ " يقتدون " بالقاف من الاقتداء وفي بعضها: بشاهد الزور. (ورأيت الحلال يحرم ورأيت الحرام يحلل) إما عمدا لأخذ رشوة أو لغيرها من الأغراض النفسانية أو خطأ لظنه أن القياس والاستحسان ونحوهما من الأمور المخترعة حجة شرعية وهذه الرؤية غير مختصة بالعالم لأن الحكم قد يكون ضروريا يعرفه غيره أيضا (ورأيت الدين بالرأي وعطل الكتاب وأحكامه) وإن وافق الرأي حكم الكتاب أو كان صاحب الرأي على ملة أهل البيت عليهم السلام بل استعمال الرأي منه أقبح (ورأيت الليل لا يستخفى به من الجرأة على الله) أي لا يترك بسبب الجرأة على الله بالزنا والقتل والنهب والسرقة ونحوها يقال: استخفى من الشئ إذا استتر وتوارى منه بالبعد والفرار عنه والغرض الأصلي من تقدير الليل وخلقه هو السكون عن

[ 325 ]

الحركات والأفعال الموافقة للقوانين الشرعية وغيرها فكما أن من ارتكب الأولى كان في غاية الحرص في الدنيا كذلك من ارتكب الثانية كان في نهاية الشقاوة والجرأة على الله (ورأيت المؤمن لا يستطيع أن ينكر إلا بقلبه) لقوة أهل الباطل وضعف أهل الحق فلا يقدر المؤمن على إظهاره خوفا من الضرر على نفسه وعرضه وعياله وإخوانه وأما الإنكار بالقلب وهو الاعتقاد بوجوب ما يترك وتحريم ما يفعل وعدم الرضا به مع بغض التارك والفاعل لله تعالى فهو واجب على كل مؤمن غير مشروط بشئ. (ورأيت العظيم من المال ينفق في سخط الله عز وجل) كالزنا والشرب ومعونة الظالمين ونحوها والفرق بينه وبين ما سبق من قوله (ورأيت الرجل ينفق ماله في غير طاعة الله فلا ينهى ولا يؤخذ على يديه) أن الغرض هنا بيان الفساد من جهة الإنفاق وفي السابق بيانه من جهة ترك النهي عنه وعدم الحجر (ورأيت الولاة يقربون أهل الكفر ويباعدون أهل الخير) أن اريد بالكفر جحود الرب والرسالة أو الولاية كان المراد بالخير الإيمان بها وان أريد به أعم من المذكور ومن كفر المخالفة بترك المأمور به وفعل المنهي عنه ومن كفر النعمة بترك الشكر عليها كان المراد بالخيرات أيضا أعم مما ذكر ومن الطاعة والشكر على النعمة فيندرج الفاسق في الأول والصالح في الثاني ومنشأ صدور هذا الفعل من الولاة خروجهم من الدين أو ضعفهم فيه والغرض منه ترويج الكفر ورفعه وتحقير الحق ووضعه. (ورأيت الولاة يرتشون في الحكم) أي يأخذون الرشوة وهي مثلثة الجعل (ورأيت الولاية قبالة لمن زاد) الولاية بالكسر الإمارة والقبالة بالفتح مصدر بمعنى الكفالة والضمان ثم صار اسما لما يتقبله العامل من المال وحملها على الولاية من باب حمل السبب على المسبب للمبالغة في السببية، وفي بعض النسخ " لمن أراد " (ورأيت ذوات الأرحام ينكحن ويكتفي بهن) مع العلم بالتحريم أو عدمه أو عدم الإعتقاد بالتحريم أصلا. (ورأيت الرجل يقتل على التهمة وعلى الظنة) التهمة من الوهم وهو من خطرات القلب أو مرجوح طرفي المتردد فيه وقد تطلق على الظن وهو التردد والراجح بين طرفيه والاعتقاد الغير الجازم، والظنة بالكسر التهمة والشك (ويتغاير على الرجل الذكر فيبذل له نفسه وماله) الظاهر أن يتغاير عطف على يقتل وأن الذكر مفعوله أي ورأيت الرجل يتغاير الذكر على رجل فيبذل لذلك الرجل نفسه وماله ويفديهما له والحاصل أنهما يتغايران عليه ويريد كل واحد انفراده به كما هو المعروف بين العشاق (ورأيت الرجل يعير على إتيان النساء) لتحريصه على إتيان الرجال، ويعير يحتمل المجهول والمعلوم والأول أظهر لاحتياج الثاني إلى تقدير مفعول (ورأيت الرجل يأكل من كسب امرأته من الفجور يعلم ذلك ويقيم عليه) الظاهر من الفجور هو الزنا ويحتمل الأعم منه

[ 326 ]

وسمي ذلك الرجل مع العلم بفجورها ديوثا وهو الذي لا يغار على امرأته إما بحفظها منه أو بفراقها. (ورأيت المرأة تقهر زوجها) أي تغلبه على ما أرادته (وتعمل ما لا يشتهي) من الزنا وغيره مما لا يجوز شرعا (وتنفق على زوجها) وهو يرضى بإنفاقها ويقبله والفساد هنا من الطرفين (ورأيت الرجل يكري امرأته وجاريته ويرضى بالدني من الطعام والشراب) في كنز اللغة: الكرى بكراية دادن چاروا غير آن، يقال: كراه وأكراه وكاراه دابته إذا آجرها فإن أريد به إكراء البضع فهو والرضا به والأكل منه حرام، وإن أريد به إكراء العمل فهو من خلاف المروة الذي لا يرضى به أهل الدين والشرف (ورأيت الإيمان بالله عز وجل كثيرة على الزور) اليمين الكاذبة حرام مطلقا خصوصا إذا بلغت حد الكثرة من شخص واحد أو من أشخاص متعددة فإنها تدل على عدم إيمانهم بالله وباليوم الآخر والوعد والوعيد. (ورأيت القمار قد ظهر) القمار بالكسر كل ما له خطر كالنرد والشطرنج ونحوهما وكله حرام إلا ما استثنى كالسبق والرماية إلا أنه لا يسمى قمارا عرفا (ورأيت الشراب) يعني كل مسكر من أي جنس كان (يباع ظاهرا) وإن كان البايع مستحلا له ليس له مانع لعدم وجود المانع أو لعدم القدرة على المنع أو لعدم المبالاة به (ورأيت النساء يبذلن أنفسهن) بالعقد أو عدمه وبالأجرة أو عدمها (لأهل الكفر) مليا كان أو حربيا إذ العقد فاسد والأجرة سحت وهي زانية والولد من الزنا (ورأيت الملاهي قد ظهرت) اللهو اللعب والملاهي آلاته كالطنبور والدف والطبل وغيرها وقد تطلق الملاهي على أنواع اللهو في كنز اللغة: الملاهي بازيها (يمر بها لا يمنعها أحد أحدا) مع القدة على المنع (ولا يجتري أحد على منعها) لعدم القدرة عليه لغلبة الجور على العدل (ورأيت الشريف) وهو المؤمن مطلقا أو المؤمن الصالح العابد أو العلماء أو الأعم (يستذله الذي يخاف سلطانه) سواء كان من أهل ملته أم لا والأول أقبح وأشنع من الثاني والموصول فاعل ويخاف على صيغة المجهول أو المعلوم وضمير فاعله راجع إلى الشريف (ورأيت أقرب الناس من الولاة) وأعزهم لديهم (من يمتدح) أي يمدح ويثني (بشتمنا أهل البيت) وذلك إذا كانت الولاة خارجية أو ناصبية. (ورأيت من يحبنا يزور) على صيغة المجهول من التزوير أي ينسب إلى الزور والكذب والافتراء (ولا تقبل شهادته) لاتصافه بالمحبة واتهامه بالتزوير كما هو المعروف عند المبتدعة فإنهم يردون شهادة الشيعة ويسمونها رافضية. (ورأيت الزور من القول يتنافس فيه) أي يرغب فيه ويعتقد به كالمبتدعة قاطبة فإنهم يرغبون إلى قول الزور في الفروع والأصول وكالجهلة من الناس عموما فإن طبايعهم مائلة إلى الأقوال

[ 327 ]

الكاذبة داعية على استماعها وترويجها (ورأيت القرآن قد ثقل على الناس استماعه وخف على الناس استماع الباطل) سر ذلك أن القرآن بحر عميق لا يصل إلى قعره إلا العارفون ولا يستخرج فرائده إلا العالمون بخلاف الباطل فإنه مبتذل يعرفه الجاهلون ومن البين أن كل ما تعجز النفس عن إدراكه فهو ثقيل عليها وكل ما تدركه بسهولة فهو خفيف عليها فإذا ذهب العلم والعلماء وبقي الجهل والجهلاء كان استماع القرآن عليهم ثقيلا واستماع الباطل خفيفا (ورأيت الجار يكرم الجار خوفا من لسانه) الظاهر من الجار هو المعنى المعروف ويحتمل إرادة المصاحب به أيضا والذم إما راجع إلى الجار الأول باعتبار أن صدور الإكرام منه بسبب الخوف لا بدونه أو إلى الجار الثاني باعتبار قبح لسانه أو إليهما جميعا (ورأيت الحدود قد عطلت) بتركها أو ترك كميتها وكيفيتها (وعمل فيها بالأهواء) المستلزمة للاختلاف إذ الحدود متعينة والأهواء مختلفة والاتفاق نادر جدا. (ورأيت المساجد قد زخرفت) بالذهب والنقش والصورة وظاهر كثير من الأصحاب أن تذهيب المساجد مطلقا وإن لم يكن بالنقش والتصوير والنقش مطلقا وإن لم يكن بالتذهيب والتصوير والتصوير مطلقا وإن لم يكن بالذهب وصورة حيوان حرام والاحتياط ظاهر (ورأيت أصدق الناس عند الناس المفتري الكذب) على الله والرسول وأولي الأمر وعلى سائر الناس وفي المحاورات (ورأيت الشر قد ظهر) أشار هنا إلى فساد أهل الزمان باعتبار ظهور الشر بينهم وأشار بقوله سابقا " وإذا رأيت الشر ظاهرا لا ينهى عنه ويعذر أصحابه " إلى فسادهم باعتبار عدم النهي عن المنكر عند ظهور الشر فلا تكرار (والسعي بالنميمة) أي ورأيت السعي بالنميمة قد ظهر والنميمة نقل الحديث من قوم إلى قوم للافساد واثارة الشر بينهم وقد نم الحديث ينمه - وينمه من باب نصر وضرب - نما فهو نمام والاسم النميمة، ونم الحديث إذا ظهر فهو لازم ومتعد (ورأيت البغي قد فشا) بين الناس والبغي الظلم والتجاوز عن الحدود الشرعية والخروج عن طاعة الإمام العادل ومنه الفئة الباغية (ورأيت الغيبة تستملح) أي تعد مليحة حسنة مرغوبة وكل شئ حسن مرغوب فيه يقول العرب: هو مليح، والغيبة بالكسر أن يذكر الإنسان في غيبته بسوء وإن كان فيه فإن لم يكن فيه فهو البهت والبهتان وإن ذكر في وجهه فبينهما عموم من وجه (ويبشر به الناس بعضهم بعضا) لئلا يغفل أخوه الفاسق عن هذه الفضيلة التي اكتسبها هو بزعمه (ورأيت طلب الحج والجهاد لغير الله) بل للسمعة والرياء وإظهار التجلد والشجاعة وكسب الدنيا وغيرها من التخيلات المفسدة للعبادة وكذا غيرهما من العبادات وذكرهما على سبيل التمثيل (ورأيت السلطان يذل للكافر المؤمن) بالضرب والشتم والقتل وغيرها إما لكفره أو لعدم علمه بأن ذلك لا يجوز شرعا أو مع علمه به وعدم اعتنائه بالشرع. (ورأيت الخراب قد أديل من العمران) الإدالة الغلبة وكان ذلك لمهاجرة الناس من العمران إلى

[ 328 ]

الخراب فرارا من الجور (ورأيت الرجل معيشته من بخس المكيال والميزان) البخس النقص والظلم والغبن وهما مفعال من الكيل والوزن والميم فيهما للآلة والذهب والفضة موزونان خاصة بالمثاقيل والدوانيق وأما غيرهما من الأجناس المقدرة بأحدهما فكل ما كان في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) مقدرا بأحدهما بني عليه وإلا فلكل بلد حكمه في اعتبارهما. (ورأيت سفك الدماء يستخف بها) قتلا وجرحا بالاستحلال أو التهوين أو الإهدار (ورأيت الرجل يطلب الرئاسة لعرض الدنيا) العرض بالتحريك متاع الدنيا وحطامها وفي بعض النسخ بالغين المعجمة وذمه هنا من وجهين حب الدنيا وطلب الرئاسة وقد روي عنه عليه السلام: إن من طلب الرئاسة هلك، لضرورة أن الرئاسة حق العالم الرباني الخالص عن الفساد النفساني لأن التصرف والتدبير في أمور الخلق وإجراء الأحكام عليهم وإقامة العدل بينهم موقوف على العلم بالقوانين الشرعية كلها ومعرفة مراتب أحوال الناس وطهارة النفس واتصافها بجميع الكمالات وتنزهها عن جميع المهلكات فمن ملك الرئاسة من الجهلة أفسد الشرع ونظام الخلق في أول الوهلة (ويشهر نفسه بخبث اللسان ليتقى وتسند إليه الأمور) يعني ذلك الرجل يشهر نفسه الأمارة وذاته المكارة بخبث اللسان التابع لفساد قواه وقوة هواه ليتقيه الناس من خبث لسانه ويسندوا إليه الأمور العرفية والدينية خوفا منه فيتم له أمر الرياسة كما هو شأن الرؤساء الجاهلين والأمراء الفاسقين. (ورأيت الصلاة قد استخف بها بتركها) أو ترك شئ من شرائطها أو شئ من الأمور المعتبرة فيها أو عدم الإتيان بها في أوقاتها أو فعل ما ينافي كمالها أو عدم حضور القلب فيها (ورأيت الرجل عنده المال الكثير) وهو ما بلغ نصابا فصاعدا (لم يزكه منذ ملكه) لعدم اعتقاده بوجوبها أو لبخله عن إخراجها (ورأيت الميت ينبش من قبره) النبش إبراز الشئ المستور وكشف الشئ عن الشئ ومنه النباش وفي بعض النسخ ينشر (ويؤذى وتباع أكفانه) إيذاؤه عبارة عن غضب بيته وإخراجه منه وإحراق عظامه وأخذ أكفانه وأمثال ذلك وذكر البيع على سبيل التمثيل والإختصار لأن جميع التصرفات مثله (ورأيت الهرج قد كثر) قال عياض: الهرج الإختلاط، وقال ابن دريد: الهرج الفتنة في آخر الزمان. وقال صاحب القاموس: هرج الناس يهرجون وقعوا في فتنة واختلاط، وقال صاحب النهاية: فيه بين يدي الساعة هرج أي قتال واختلاط وقد هرج الناس يهرجون هرجا إذا اختلطوا وأصل الهرج الكثرة والاتساع، وقال صاحب الكنز: الهرج بسيار قتل كردن وگشتن وآشوب وفتنة شدن وسر گشته شدن، وروى مسلم عن النبي (صلى الله عليه وآله) " والذي نفسي بيده ليأتين على الناس زمان لا يدري القاتل في أي شئ قتل ".

[ 329 ]

(ورأيت الرجل يمشي نشوان) في النهاية: الانتشاء أول السكر ومقدماته، وقيل: هو السكر نفسه ورجل نشوان بين النشوة (ويصبح سكران) السكر بضم السين وسكون الكاف حالة السكران، وفي كنز اللغة: سكران مست (لا يهتم بما الناس فيه) من خير وشر والاهتمام إما من هم بالأمر إذا عزم عليه ليفعله أو من همه الأمر هما فاهتم إذا حزنه، وفي كنز اللغة: اهتمام تيمار كردن وكوشيدن وشفقت داشتن واندوه خوردن، ولعل المراد أنه لا يعزم بما هم فيه من خير ليفعله أو لا يحزن بما هم فيه من شر ليدفعه عنهم وعن نفسه (ورأيت البهائم تنكح) لتجاوز القوة الشهوية عن حد العدل مع ضعف القوة العقلية عن معرفة قبح ذلك وسوء خاتمته وعن درك الأحكام الشرعية فينسلك في سلك البهائم. (ورأيت البهائم يفرس بعضها بعضا) لعله إشارة إلى خروج يأجوج ومأجوج وأكل بعضهما بعضا فإنه من أشراط الساعة أو إلى كثرة الشرور حتى سرت إلى البهائم أو إلى عدم زجرها عن ذلك يقال: أفرس الرجل الأسد حماره إذا تركه له ليفترسه، وفي بعض النسخ " يورش بعضها بعضا " وهو الأظهر والتوريش التحريش وهو الإغراء بين البهائم (ورأيت الرجل يخرج إلى مصلاه ويرجع وليس عليه شئ من ثيابه) بالاختلاس أو السرقة أو الغصب (ورأيت قلوب الناس قد قست وجمدت أعينهم وثقل الذكر عليهم) فلا يرحم على نفسه ولا على غيره ولا يبكي خوفا من الآخرة ولا يذكر الله تعالى بالقلب واللسان وكل ذلك من آثار قساوة القلب وهي صلابته وغلظته وشدته المانعة من إدراك الخير والميل إليه. (ورأيت السحت قد ظهر يتنافس فيه) السحت بالضم وبضمتين الحرام الذي لا يحل كسبه لأنه يسحت البركة ويذهبها أو ما خبث من المفاسد فلزم عنه العار (ورأيت المصلي إنما يصلي ليراه الناس) ويعتقدوا أنه عبد صالح ليسعوا في رفع حاجاته وتحصيل مقاصده ومتمنياته (ورأيت الفقيه يتفقه) أي يطلب الفقه ويتعلمه (لغير الدين يطلب الدنيا والرئاسة) جواز رئاسته بل وجوبها في بعض الأوقات وحصول الدنيا بسبب فقاهته من الجهات المشروعة لا يقتضي جواز قصده ذلك في التفقه (ورأيت الناس مع من غلب) من أهل الدنيا على الغير كما هو شأن الجهلة يميلون إلى الغالب الفاسق من السلاطين والأمراء ويعرضون عن الأولياء وإن كانوا من أوصياء الأنبياء (ورأيت طالب الحلال يذم ويعير، ورأيت طالب الحرام يمدح ويعظم) فإن أهل الدنيا إذا مالوا إلى دنياهم يحبون جمع المال وإن كان بالنهب والغصب وغيرهما من وجوه الحرام فمن خالف طوره طورهم يذمونه ويحقرونه ويسمونه سفيها أو ضعيفا ومن وافق طوره طورهم يمدحونه ويعظمونه ويسمونه عظيما رشيدا وهكذا حال أكثر الناس ولكن إذا بلغ ذلك حد الكمال كان من أشراط الساعة.

[ 330 ]

(ورأيت الحرمين يعمل فيهما.. الخ) حرم مكة وحرم مدينة وقد يطلق عليهما وذكرهما بعد ذكر شمول الجور والشر للبلاد من باب ذكر الخاص بعد العام للاهتمام والتنبيه على أن الشر فيهما أقبح وترك النهي عن المنكر فيهما أشنع حتى عدت الصغيرة فيهما كبيرة موعودة بالنار ولذلك كره الفقهاء المقام فيهما. (ورأيت المعازف ظاهرة في الحرمين) في القاموس: المعازف الملاهي كالعود والطنبور الواحد معزف كمنبر والعازف اللاعب بها والمغني، وفي المصباح: المعازف آلات تضرب والمعزف بكسر الميم نوع من الطنابير يتخذه أهل اليمن وفي النهاية العزف اللعب بالمعازف وهي الدفوف وغيرهما مما يضرب، وقيل: لكل لعب عزف ووجه ذكر المعازف والملاهي فيهما بعد ذكرها وذكر ظهورها في البلاد ما عرفت (ورأيت الرجل من أهل العلم والمعرفة يتكلم بشئ من الحق) في الأصول والفروع وغيرهما من الأمور بين الناس (ويأمر بالمعروف) من يتركه (وينهى عن المنكر) من يفعله (فيقوم إليه من ينصحه في نفسه) أي بزعمه والا فهو بعيد عن حقيقة النصيحة إذ هي طلب الخير للمنصوح وهذا يطلب الشر له. (فيقول: هذا عنك موضوع) زجرا له عن إظهار الحق ودفع الشر والذم هنا راجع إلى هذا الناصح لأنه خادع ضال مضل جاهل بأمر الله تعالى وأحكامه، صاد عن سبيله مفسد لدينه (ورأيت الناس ينظر بعضهم إلى بعض ويقتدون بأهل الشرور) لكون الشر أنفع وألذ وأقرب إلى نفوسهم الجاهلة وطبايعهم الباطلة من الخير بل إلى العالمة أيضا إلا أنها بعلمها النافع ولطفها المانع ونورها الساطع يدفع ظلمة الشر عنها وتلتزم ملازمة الأخيار وتجتنب مصاحبة الأشرار (ورأيت مسلك الخير وطريقه خاليا لا يسلكه أحد) لا يبعد أن يراد بطريق الخير في هذا القول طريق العلم وهي القوانين الشرعية وفي قوله سابقا: " ورأيت طريق الخير منقطعا " طريق العمل أو بالعكس لئلا يلزم التكرار ويمكن الفرق بوجه آخر فتأمل (ورأيت الميت يهزأ به فلا يفزع له أحد) أي يذكر بالخناء والفحش والخطأ والغيبة وغيرهما مما دل على قبح حاله فلا يفزع له ولا يغيثه ولا يدفع عنه أحد. وفي النهاية الفزع الخوف في الأصل فوضع موضع الإغاثة والنصرة لأن من شأنه الإغاثة والدفع عن الحريم مراقب حذر (ورأيت كل عام يحدث فيه من الشر والبدعة أكثر مما كان) هذا من أشراط الساعة لأن القوى وطبايع الإنسان في آخر الزمان مترقبة في الفساد والطغيان ومن البين أنه إذا تكاملت العلل والأسباب جاءت المعلولات والمسببات على وجه الكمال. (ورأيت الخلق والمجالس لا يتابعون إلا الأغنياء) بالتعظيم والتكلم والمصاحبة والمجالسة والمخالطة ويستنكفون في جميع ذلك من الفقراء.

[ 331 ]

(ورأيت المحتاج يعطي على الضحك به) أي على السخرة به دون الرأفة والشفقة أو على فعله ما يضحك منه والله أعلم (ويرحم لغير وجه الله) كالرياء والسمعة ونحوهما. (ورأيت الآيات في السماء) كالكسوف والخسوف والزلزلة من باب التغليب والريح المظلمة وغيرها من أخاويف السماء على المشهور بين الفقهاء من أن الصلاة لجميع ذلك واجبة (لا يفزع لها أحد) إلى الله بالتوبة والإنابة ولا يأتي بالفريضة لها جماعة ومنفردا (ورأيت الناس يتسافدون كما تتسافد البهايم) في الطرقات وعند الحاضرين مع عدم الاستحياء من الناظرين أو هو كناية عن الركوب على الظهور. (ورأيت العقوق قد ظهر في الأرحام) أو في حقوق الأخوة أو في حقوق الوالدين وعلى هذا قوله (واستخف بالوالدين) للتفسير والتوضيح ويمكن أن يراد بالوالدين رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) لأنهما والدان روحانيان لأهل العلم والإيقان، روى المصنف بإسناده عن أمير المؤمنين (عليه السلام) يفسر قوله تعالى: * (أن أشكر لي ولوالديك إلي المصير) * بذلك كما مر في باب النكت من كتاب الحجة. (ورأيت النساء قد غلبن على الملك) إما لأنها سلطان أو إليها ميل سلطان وهواه وهكذا كان حال كل عصر من أعصار سلاطين الجور إلا أن في آخر الزمان كان ذلك في غاية الشدة ونهاية الكمال (ورأيت ابن الرجل يفتري على أبيه ويدعو على والديه ويفرح بموتهما) هذا نوع خاص من العقوق فذكره بعدها على بعض الاحتمال للاهتمام بذمه (ورأيت الرجل إذا مر به يوم ولم يكتسب فيه الذنب العظيم) الوصف للتوضيح لأن كل ذنب عظيم كما صرح به بعض المحققين ويحتمل التقييد (من فجور أو بخس مكيال أو ميزان أو غشيان حرام أو شرب مسكر) التقابل بين الجميع ظاهر إلا بين الفجور وغشيان حرام، ويمكن أن يراد بالأول الكذب والافتراء وبالثاني الإتيان بحرام من غشيه كرضيه غشيانا إذا أتاه فيكون تعميما بعد تخصيص لأن الحرام يشمل الكذب وغيره وأن يراد بالأول الذنوب مطلقا وبالثاني الزنا من غشي امرأة إذا جامعها فيكون من باب ذكر الخاص بعد العام (كئيبا حزينا) الكآبة تغير النفس بالإنكسار من شدة الهم والحزن يقال: كأب كآبة واكتأب فهو كئيب ومكتئب (يحسب أن ذلك اليوم عليه وضيعة من عمره) أي ساقط أو خسارة لزعمه أن فائدة العمر إنما هي هذه الرذائل وأن العمر هو الذي يصرف في تحصيلها * (زين لهم سوء أعمالهم) *. (ورأيت السلطان يحتكر الطعام) إحتكار الطعام - وهو حبسه ليقل فيغلوا - حرام مطلقا على الأشهر. وقال الشيخ (رحمه الله): إنه مكروه سواء كان الحابس سلطانا أم غيره وسواء اشتراه وحبسه أم حصل من ملكه وظاهر العلامة في المنتهى هو الأول وحسنة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام

[ 332 ]

يدل على أن الحكم في الاشتراء وإنما خص السلطان بالذكر لأن حبسه أقوى إذ لا جابر عليه في البيع بخلاف غيره والمراد بالطعام الحنطة والشعير والتمر والزبيب والسمن والملح، ولحرمته شروط مذكورة في الفروع (ورأيت أموال ذوي القربى تقسم في الزور) الزور الكذب والشرك بالله والقوة والغلبة وفي بمعنى الباء أي بسبب كذبهم في أنها أموالهم أو بسبب شركهم بالله أو بسبب قوتهم واستيلائهم والمراد بذوي القربى الأئمة عليهم السلام الذين لهم قرابة مخصوصة برسول الله (صلى الله عليه وآله) وهم المقصودون في الآية الكريمة لا بنو عبد المطلب كلهم كما ذهب إليه جمهور العامة ولا قريش كلهم كما ذهب إليه طائفة منهم وحكم الآية ثابت غير منسوخ عند الأمة إلا أبي حنيفة فإنه ذهب إلى أن حق ذوي القربى ساقط بعد النبي (صلى الله عليه وآله) والمراد بأموالهم الأنفال وسهامهم الثلاثة من الخمس. (ورأيت الخمر يتداوى بها وتوصف للمريض ويستشفى بها) دل على أن التداوي بالخمر حرام وأنه لا يجوز للمريض الإستشفاء بها وإن حكم الطبيب الحاذق بأن فيها شفاء لمرضه، وأن التداوي بها لا يجوز شربا وطلاء انفرادا وتركيبا ويؤيده روايات آخر والله يعلم (ورأيت الناس قد استووا في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وترك التدين به) أي بالمذكور من الأمر والنهي إما لعدم وجود عالم بهما لقيام الكل على الجهل أو لوجوده مع عدم قدرته عليهما خوفا منهم أو مع قدرته وعدم الاهتمام بهما (ورأيت رياح المنافقين دائمة) في بعض النسخ " قايمة " (ورياح أهل الحق لا تحرك) أي لا تتحرك بحذف إحدى التائين شبه الغلبة والقوة والنصرة والدولة بالريح واستعار لها لفظه والوجه انتشارها وسرعة سيرها في الأقطار، ورشحها بذكر الحركة (ورأيت الأذان بالأجر والصلاة) مع الناس وعلى الناس (بالأجر) ويجوز الارتزاق مع الحاجة من بيت المال من غير شرط. (ورأيت المساجد محتشية) أي ممتلية من احتشى الشئ امتلأ (ممن لا يخاف الله) وإن كان من أهل الإيمان، والخوف كيفية نفسانية مانعة من ارتكاب القبايح (يجتمعون فيها للغيبة وأكل لحوم أهل الحق) من الأحياء والأموات، وفي تشبيه الغيبة بأكل لحومهم تنفير عنها (ويتواصفون شراب المسكر) بتخفيف الراء أي يذكرون فيها أوصاف الشراب المسكر وخواصه وفوائده وكيفية تأثيره في البدن والروح وحصول النشاط منه إلى غير ذلك من المرغبات فيه والمحركات إلى شربه، ويحتمل تشديد الراء أي يصفون شاربه ويمدحونه (ورأيت السكران يصلي بالناس وهو لا يعقل) مثل ما فعله وليد بن عقبة بن أبي معيط أخو عثمان من أمه حين كان واليا من قبله على أهل الكوفة صلى الصبح بالناس وهو سكران أربع ركعات فلما فرغ قال أيها الناس إن لي نشاطا إن شئتم أزيد لكم ركعات أخر (ولا يشان بالسكر) أن لا يعاب من الشين وهو العيب (وإذا سكر أكرم)

[ 333 ]

سكر كفرح زال عقله (واتقي وخيف وترك لا يعاقب ويعذر بسكره) فيه توبيخ لأهل الدين بإكرامه وتعظيمه والإتقاء والخوف منه وترك عيبه ولومه وعقوبته بإقامة الحد عليه لأن الشارب وإن كان واليا ذا قوة ينزجر لو اجتمعوا في منعه واتفقوا عليه. فالفساد هنا نشأ من الكل كما في قوله (ورأيت من يأكل أموال اليتامى يحمد بصلاحه) فإن الفساد من جهة أكل بعض وثناء آخرين له بالصلاح وفي بعض النسخ " يحدث " (ورأيت القضاة يقضون بخلاف ما أمر الله) لعدم علمهم به أو للارتشاء أو لغرض آخر (ورأيت الولاة يأتمنون الخونة للطمع) الخونة والخانة جمع الخاين وهو الذي يأخذ من المظلوم ويعطي الوالي الطامع ويقضي طمعه ويبيع آخرته بالدنيا لغيره وأما الناصح الأمين العادل فهو بعيد عن ذلك بمراحل فلذلك لا يأتمنه الوالي الطامع الجائر (ورأيت الميراث قد وضعته الولاة لأهل الفسق والجرأة على الله يأخذون منهم ويخلونهم وما يشتهون) كما يفعله الولاة والصدور في عصرنا هذا فإنهم يفتشون أحوال الناس ويجدون أجهلهم وأفسقهم ويأخذون منه ما أرادوا ويجعلونه مسلطا على أموال الناس ومواريثهم ويخلونه مع ما تشتهي نفسه الأمارة. (ورأيت المنابر يؤمر عليها بالتقوى) الدافعة للرذايل الجالبة للفضايل (ولا يعمل القائل بما يأمر) ليس قصده من ذلك إقامة الدين وترويج الشرع المبين بل قصده الشهرة بين الناس وصرف وجوههم إليه وسعيهم في حوائجه وقيامهم بين يديه (ورأيت الصلاة قد استخف بأوقاتها) بأن أخرت عن أوقاتها الفاضلة بلا عذر يقتضي التأخير (ورأيت الصدقة) الواجبة والمندوبة (بالشفاعة لا يراد بها وجه الله) أي ذات الله ورضاه وقربته أو أمر الله وإنما يعطي لطلب الناس المعروفين وقصد التقرب بهم أو الاستحياء من رد قولهم. (ورأيت الناس همهم بطونهم وفروجهم لا يبالون بما أكلوا وما نكحوا) من الحلال أو من الحرام وهم حينئذ مطايا الخطيئات وزوامل الآثام ليست أحمالهم إلا خطيئات ولا أعمالهم إلا سيئات ومن ثم قال (عليه السلام): " أبعد ما يكون العبد من الله عز وجل إذا لم يهمه إلا بطنه وفرجه " (ورأيت الدنيا مقبلة عليهم) وهم حينئذ أهل غفلة ومعصية إذ الدنيا رأس كل فتنة وخطيئة ولذلك قال أمير المؤمنين عليه السلام: " مثل الدنيا كمثل الحية ما ألين مسها وفي جوفها السم الناقع، يحذره الرجل العاقل ويهوى إليها الصبي الجاهل " إن شئت معرفة مفاسد الدنيا فارجع إلى كتاب الكفر والإيمان من الأصول. (ورأيت أعلام الحق قد درست) وهي القوانين الشرعية والأحكام الإلهية أو العلماء الراسخون في العلم لأنهم أعلام يوصل التمسك بهم إلى الله تعالى روى مسلم عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل ويفشو الزنا " وقال أيضا: " إن بين يدي الساعة أياما يرفع فيها العلم وينزل فيها الجهل ويكثر فيها الهرج ".

[ 334 ]

(فكن على حذر) من الله تعالى أو منهم أو من نفسك لئلا تصير مثلهم، وهو جزاء لقوله " فإذا رأيت الحق قد مات " وما عطف عليه (واطلب إلى الله عز وجل النجاة) منهم ومن أطوارهم أو من عقوبة الله تعالى أو مما أنت فيه من الشدائد (واعلم أن الناس في سخط الله عز وجل) لاتصافهم بما يوجب سخطه وغضبه عليهم في الدنيا والآخرة. (وإنما يمهلهم لأمر يراد بهم) وهو الاستدراج ليأخذهم أخذا شديدا ويعذبهم عذابا أليما أو رجوعهم من المعاصي ويؤيده ما أشار إليه أمير المؤمنين عليه السلام بقوله " قد أمهلوا في طلب المخرج " قال المحققون: المراد أنهم أمهلوا في الدنيا لطلب رجوعهم إلى الطاعة وخروجهم من ظلمات الجهل وورطات المعاصي إلى نور الحق ومتسع الجود (فكن مترقبا) لأمرنا ومنتظرا لظهور دولتنا أو لنزول العذاب عليهم (واجتهد ليراك الله عز وجل في خلاف ما هم عليه) من الأخلاق الرذيلة والأطوار الشنيعة والأحوال الفظيعة (فإن نزل بهم العذاب) الدنيوي (وكنت فيهم) فهلكت معهم (عجلت إلى رحمة الله فارغا) من شدائد الدنيا لأن الله تعالى يجزي في الآخرة كلا بأعماله. (وإن أخرت ابتلوا) بعذاب الدنيا والآخرة (وكنت قد خرجت مما هم فيه من الجرأة على الله عز وجل) التي توجب غضبه عليهم وسلمت منها واستوجبت الثواب الجزيل والأجر الجميل (واعلم أن الله لا يضيع أجر المحسنين) كما قال في القرآن المبين: * (وإن رحمة الله قريب من المحسنين) * الذين حفظوا حقوق الله تعالى وامتثلوا بأوامره واجتنبوا عن نواهيه، وفيه حث على الإحسان لأنه منشأ لنيل الأجر والرحمة من الله تعالى.

[ 335 ]

حديث موسى (عليه السلام) * الأصل: 8 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عمرو بن عثمان، عن علي بن عيسى، رفعه، قال: إن موسى (عليه السلام) ناجاه الله تبارك وتعالى فقال له في مناجاته: يا موسى لا يطول في الدنيا أملك فيقسو لذلك قلبك وقاسي القلب مني بعيد. يا موسى كن كمسرتي فيك فإن مسرتي أن اطاع فلا اعصى، وأمت قلبك بالخشية وكن خلق الثياب جديد القلب، تخفى على أهل الأرض وتعرف في أهل السماء، حلس البيوت، مصباح الليل واقنت بين يدي قنوت الصابرين وصح إلي من كثرة الذنوب صياح الهارب من عدوه واستعن بي على ذلك فاني نعم العون ونعم المستعان. يا موسى إني أنا الله فوق العباد والعباد دوني وكل لي داخرون، فاتهم نفسك على نفسك ولا تأتمن ولدك على دينك، إلا أن يكون ولدك مثلك يحب الصالحين. يا موسى اغسل واغتسل واقترب من عبادي الصالحين. يا موسى كن إمامهم في صلاتهم وأمامهم فيما يتشاجرون واحكم بينهم بما أنزلت عليك فقد أنزلته حكما بينا وبرهانا نيرا ونورا ينطق بما كان في الأولين وبما هو كائن في الآخرين. اوصيك يا موسى وصية الشفيق المشفق بابن البتول عيسى بن مريم صاحب الأتان والبرنس والزيت والزيتون والمحراب ومن بعده بصاحب الجمل الأحمر الطيب الطاهر المطهر، فمثله في كتابك أنه مؤمن مهيمن على الكتب كلها وأنه راكع ساجد، راغب، راهب، إخوانه المساكين، وأنصاره قوم آخرون ويكون في زمانه أزل وزلزال، وقتل وقلة من المال، اسمه أحمد محمد الأمين من الباقين من ثلة الأولين الماضين، يؤمن بالكتب كلها ويصدق جميع المرسلين ويشهد بالإخلاص لجميع النبيين امته مرحومة مباركة ما بقوا في الدين على حقائقه، لهم ساعات موقتات يؤدون فيها الصلوات أداء العبد إلى سيده نافلته، فبه فصدق ومنهاجه فاتبع فإنه أخوك. يا موسى إنه امي وهو عبد صدق، يبارك له فيما وضع يده عليه ويبارك عليه كذلك كان في علمي وكذلك خلقته، به أفتح الساعة وبامته أختم مفاتيح الدنيا فمر ظلمة بني إسرائيل أن لا يدرسوا اسمه ولا يخذلوه، وإنهم لفاعلون، وحبه لي حسنة، فأنا معه وأنا من حزبه وهو من حزبي وحزبهم الغالبون، فتمت كلماتي لأظهرن دينه على الأديان كلها ولاعبدن بكل مكان ولانزلن عليه قرآنا فرقانا شفاء لما في الصدور من نفث الشيطان فصل عليه يا بن عمران فإني اصلي عليه وملائكتي.

[ 336 ]

يا موسى أنت عبدي وأنا إلهك، لا تستذل الحقير والفقير ولا تغبط الغني بشئ يسير وكن عند ذكري خاشعا وعند تلاوته برحمتي طامعا وأسمعني لذاذة التوراة بصوت خاشع حزين، اطمأن عند ذكري وذكر بي من يطمئن إلي واعبدني ولا تشرك بي شيئا، وتحر مسرتي إني أنا السيد الكبير، إني خلقتك من نطفة من ماء مهين، من طينة أخرجتها من أرض ذليلة ممشوجة فكانت بشرا فأنا صانعها خلقا فتبارك وجهي وتقدس صنعي، ليس كمثلي شئ وأنا الحي الدائم الذي لا أزول. يا موسى كن إذا دعوتني خائفا مشفقا وجلا، عفر وجهك لي في التراب واسجد لي بمكارم بدنك واقنت بين يدي في القيام وناجني حين تناجيني بخشية من قلب وجل، واحي بتوراتي أيام الحياة وعلم الجهال محامدي وذكرهم آلائي ونعمتي وقل لهم لا يتمادون في غي ما هم فيه فان أخذي أليم شديد. يا موسى إذا انقطع حبلك مني لم يتصل بحبل غيري، فاعبدني وقم بين يدي مقام العبد الحقير الفقير، ذم نفسك فهي أولى بالذم ولا تتطاول بكتابي على بني إسرائيل، فكفى بهذا واعظا لقلبك ومنيرا، وهو كلام رب العالمين جل وتعالى. يا موسى متى ما دعوتني ورجوتني فاني سأغفر لك على ما كان منك، السماء تسبح لي وجلا والملائكة من مخافتي مشفقون والأرض تسبح لي طمعا وكل الخلق يسبحون لي داخرون، ثم عليك بالصلاة، الصلاة فإنها مني بمكان ولها عندي عهد وثيق وألحق بها ما هو منها زكاة القربان من طيب المال والطعام فإني لا أقبل إلا الطيب يراد به وجهي. وقرن مع ذلك صلة الأرحام فإني أنا الله الرحمن الرحيم والرحم أنا خلقتها فضلا من رحمتي ليتعاطف بها العباد ولها عندي سلطان في معاد الآخرة وأنا قاطع من قطعها وواصل من وصلها وكذلك أفعل بمن ضيع أمري. يا موسى أكرم السائل إذا أتاك برد جميل أو إعطاه يسير فإنه يأتيك من ليس بإنس ولا جان، ملائكة الرحمن يبلونك كيف أنت صانع فيما أوليتك وكيف مواساتك فيما خولتك ؟ واخشع لي بالتضرع واهتف لي بولولة الكتاب واعلم أني أدعوك دعاء السيد مملوكه ليبلغ به شرف المنازل، وذلك من فضلي عليك وعلى آبائك الأولين. يا موسى لا تنسني على كل حال ولا تفرح بكثرة المال فان نسياني يقسي القلوب ومع كثرة المال كثرة الذنوب، الأرض مطيعة والسماء مطيعة والبحار مطيعة وعصياني شقاء الثقلين وأنا الرحمن الرحيم، رحمن كل زمان، آتي بالشدة بعد الرخاء وبالرخاء بعد الشدة وبالملوك بعد الملوك وملكي دائم قائم لا يزول ولا يخفى علي شئ في الأرض ولا في السماء وكيف يخفى

[ 337 ]

علي ما مني مبتدؤه وكيف لا يكون همك فيما عندي وإلي ترجع لا محالة. يا موسى اجعلني حرزك وضع عندي كنزك من الصالحات وخفني ولا تخف غيري إلي المصير. يا موسى ارحم من هو أسفل منك في الخلق ولا تحسد من هو فوقك فان الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. يا موسى إن ابني آدم تواضعا في منزلة لينالا بها من فضلي ورحمتي فقربا قربانا ولا أقبل إلا من المتقين، فكان من شأنهما ما قد علمت فكيف تثق بالصاحب بعد الأخ والوزير. يا موسى ضع الكبر ودع الفخر واذكر أنك ساكن القبر فليمنعك ذلك من الشهوات. يا موسى عجل التوبة وأخر الذنب وتأن في المكث بين يدي في الصلاة ولا ترج غيري، اتخذني جنة للشدائد وحصنا لملمات الامور. يا موسى كيف تخشع لي خليقة لا تعرف فضلي عليها وكيف تعرف فضلي عليها وهي لا تنظر فيه وكيف تنظر فيه وهي لا تؤمن به وكيف تؤمن به وهي لا ترجو ثوابا وكيف ترجو ثوابا وهي قد قنعت بالدنيا واتخذتها مأوى وركنت إليها ركون الظالمين. يا موسى نافس في الخير أهله فان الخير كاسمه، ودع الشر لكل مفتون. يا موسى اجعل لسانك من وراء قلبك تسلم وأكثر ذكري بالليل والنهار تغنم ولا تتبع الخطايا فتندم فان الخطايا موعدها النار. يا موسى اطلب الكلام لأهل الترك للذنوب وكن لهم جليسا واتخذهم لغيبك إخوانا وجد معهم يجدون معك. يا موسى الموت يأتيك لا محالة فتزود زاد من هو على ما يتزود وارد [ على اليقين ]. يا موسى ما اريد به وجهي فكثير قليله وما اريد به غيري قليل كثيره وإن أصلح أيامك الذي هو أمامك فانظر أي يوم هو فأعد له الجواب فانك موقوف ومسؤول وخذ موعظتك من الدهر وأهله فان الدهر طويله قصير وقصيره طويل وكل شئ فان، فاعمل كأنك ترى ثواب عملك لكي يكون أطمع لك في الآخرة لا محالة فان ما بقي من الدنيا كما ولى منها وكل عامل يعمل على بصيرة ومثال فكن مرتادا لنفسك يا بن عمران لعلك تفوز غدا يوم السؤال فهنالك يخسر المبطلون. يا موسى ألق كفيك ذلا بين يدي كفعل العبد المستصرخ إلى سيده فانك إذا فعلت ذلك رحمت وأنا أكرم القادرين. يا موسى سلني من فضلي ورحمتي فإنهما بيدي لا يملكهما أحد غيري وانظر حين تسألني

[ 338 ]

كيف رغبتك فيما عندي، لكل عامل جزاء وقد يجزى الكفور بما سعى. يا موسى طب نفسا عن الدنيا وانطو عنها فإنها ليست لك ولست لها، مالك ولدار الظالمين ؟ إلا لعامل فيها بالخير فإنها له نعم الدار. يا موسى ما آمرك به فاسمع ومهما أراه فاصنع، خذ حقائق التوراة إلى صدرك وتيقظ بها في ساعات الليل والنهار ولا تمكن أبناء الدنيا من صدرك فيجعلونه وكرا كوكر الطير. يا موسى أبناء الدنيا وأهلها فتن بعضهم لبعض فكل مزين له ما هو فيه والمؤمن من زينت له الآخرة فهو ينظر إليها ما يفتر، قد حالت شهوتها بينه وبين لذة العيش فأدلجته بالاسحار كفعل الراكب السائق إلى غايته يظل كئيبا ويمسي حزينا فطوبى له لو قد كشف الغطاء ماذا يعاين من السرور. يا موسى الدنيا نطفة ليست بثواب للمؤمن ولا نقمة من فاجر فالويل الطويل لمن باع ثواب معاده بلعقة لم تبق وبلسعة لم تدم (1) وكذلك فكن كما أمرتك وكل أمري رشاد. يا موسى إذا رأيت الغنى مقبلا فقل: ذنب عجلت لي عقوبته وإذا رأيت الفقر مقبلا فقل: مرحبا بشعار الصالحين ولا تكن جبارا ظلوما ولا تكن للظالمين قرينا. يا موسى ما عمر وإن طال يذم آخره وما ضرك ما زوي عنك إذا حمدت مغبته يا موسى صرخ الكتاب إليك صراخا بما أنت إليه صائر فكيف ترقد على هذا العيون ؟ أم كيف تجد قوم لذة العيش لولا التمادي في الغفلة والاتباع للشقوة والتتابع للشهوة ؟ ومن دون هذا يجزع الصديقون. يا موسى مر عبادي يدعوني على ما كان بعد أن يقروا إلي أني أرحم الراحمين، مجيب المضطرين وأكشف السوء وأبدل الزمان وآتي بالرخاء وأشكر اليسير واثيب الكثير واغني الفقير وأنا الدائم العزيز القدير، فمن لجأ إليك وانضوى إليك من الخاطئين فقل: أهلا وسهلا يا رحب الفناء بفناء رب العالمين واستغفر لهم وكن لهم كأحدهم ولا تستطل عليهم بما أنا أعطيتك فضله وقل لهم فليسألوني من فضلي ورحمتي فإنه لا يملكها أحد غيري وأنا ذو الفضل العظيم. طوبى لك يا موسى كهف الخاطئين وجليس المضطرين ومستغفر للمذنبين، إنك مني بالمكان الرضي فادعني بالقلب النقي واللسان الصادق وكن كما أمرتك أطع أمري ولا تستطل على عبادي بما ليس منك مبتدأه وتقرب إلي فإني منك قريب فإني لم أسألك ما يؤذيك ثقله ولا حمله إنما سألتك أن تدعوني فاجيبك وأن تسألني فاعطيك وأن تتقرب إلي بما مني أخذت تأويله وعلي تمام تنزيله.


1 - كذا ولعل الصحيح لحسة. (*)

[ 339 ]

يا موسى انظر إلى الأرض فإنها عن قريب قبرك وارفع عينيك إلى السماء فان فوقك فيها ملكا عظيما وابك على نفسك ما دمت في الدنيا وتخوف العطب والمهالك (1) ولا تغرنك زينة الدنيا وزهرتها ولا ترض بالظلم ولا تكن ظالما فإني للظالم رصيد حتى اديل منه المظلوم. يا موسى إن الحسنة عشرة أضعاف ومن السيئة الواحدة الهلاك، لا تشرك بي، لا يحل لك أن تشرك بي، قارب وسدد وادع دعاء الطامع الراغب فيما عندي، النادم على ما قدمت يداه فان سواد الليل يمحوه النهار وكذلك السيئة تمحوها الحسنة وعشوة الليل تأتي على ضوه النهار وكذلك السيئة تأتي على الحسنة الجليلة فتسودها. * الشرح: (حديث موسى عليه السلام) (قال: إن موسى عليه السلام ناجاه الله تبارك وتعالى) أي خاطبه وحدثه وساره والحديث مضمر قائله غير معلوم (يا موسى لا يطول في الدنيا أملك فيقسو بذلك قلبك وقاسي القلب مني بعيد) الأمل محركة الرجاء وطوله من أعظم مصائد الشيطان يصيد به قلوب الجهلة فإن المؤمل في مطالب الدنيا لا يزال يتجدد له أمارات خيالية على مطالب وهمية ويذهب فكره إلى كيفية تحصيلها وضبطها فيشتغل قلبه عن ذكر الله ويحصل فيه رين يمنعه من التوجه إليه وظلمة صارفة له من العمل للآخرة وما يوجب القرب منه تعالى وهذا معنى القساوة وأكثر هذه النصايح وأمثالها راجعة إلى الأمة من باب التعريض (يا موسى كن كمسرتي فيك فإن مسرتي أن أطاع فلا أعصى) المسرة مصدر كالسرور يقال: سره سرورا بالضم ومسرة أفرحه، وفي كنز اللغة: مسرة شادى كردن، أي كن ملزوما للطاعة وعدم المعصية كما أن مسرتي ملزومة لهما فإنهما سبب لها، وحملهما عليها من باب حمل السبب على المسبب للمبالغة ونسبة المسرة إليه تعالى من باب التمثيل أو أريد بها لازمها وهو الإحسان والإكرام وسيأتي مثل هذه العبارة في حديث عيسى (عليه السلام) وفيه كن لمسرتي باللام وهو أظهر والمال واحد والله يعلم (وامت قلبك بالخشية) أي أمت نفسك الأمارة عن الطمع في الدنيا ولذاتها وشهواتها بالخشية من عقوبة الله وبالخوف من مخالفته وهو أشد جاذب للخائف عن سبيل المعصية إلى مسلك الطاعة لأن الخائف من شئ هارب منه إلى جانب ضده، وأمانته بهذه المعنى توجب له حياة أبدية بالطاعة والورع والتقوى وما ورد في بعض الروايات من الأمر بإحيائه أريد به إحياؤه بما ذكر. (وكن خلق الثياب جديد القلب) بتغسيله عن الجهل والغفلة والرذايل وتزيينه بالعلم والذكر والفضائل على عكس ما عليه أبناء الزمان حيث يجعلون ثيابهم جديدة وقلوبهم كثيفة وكون ثوب


1 - كذا. (*)

[ 340 ]

أمير الأمة خلقا مطلوبا خصوصا إذا لم يجد غيره إلا بتصنع وتكلف لئلا يشق ذلك على ضعفائهم ولو وجد غيره على وجه مشروع كان لبسه أيضا جائز لئلا يعيروا بذلك كما مر كل ذلك في كتاب الحجة (تخفى على أهل الأرض وتعرف في أهل السماء) الظاهر أنه حال والأول ناظر إلى الأول والثاني إلى الثاني (حلس البيوت) أي كن حلس البيوت الحلس بالكسر ويحرك كساء يلقى على ظهر البعير تحت القتب وبساط يبسط في البيت، وفي بعض النسخ " جليس البيوت " بالجيم والياء بعد اللام أمره عليه السلام بلزوم البيت وعدم الخروج منه إلا بقدر الضرورة وحثه على العزلة للاشتغال بطاعة الله تعالى والبكاء والندم على خطيئته ومنافع عزلة العالم عن شرار الخلق كثيرة ولذلك قال أمير المؤمنين عليه السلام: " فطوبى لمن لزم بيته وأكل قوته واشتغل بطاعة ربه وبكى على خطيئته ". (مصباح الليل) الإضافة بتقدير " في " والمصباح استعارة له (عليه السلام) والوجه هو الإضاءة والإنارة والغرض هو التحريص على الاشتغال بالقيام في الليل لأن العابد فيها يضئ لأهل السماء كما تضئ النجوم لأهل الأرض وكذلك البيت الذي يعبد فيه (واقنت بين يدي قنوت الصابرين) القنوت الطاعة والخشوع والصلاة والدعاء والعبادة والقيام وطول القيام والكل هنا محتمل وله مراتب وأعظم مراتبه قنوت الصابرين على تحمل المشقات في العبادات لوجه الله تعالى. (وصح إلى كثرة الذنوب صياح الهارب من عدوه) طلبا للمستغاث وهو كناية عن البكاء والتضرع والدعاء والإنابة إليه والاستعانة به (واستعن بي على ذلك) في الأمر بالاستعانة به إيماء إلى أن صرف النفس عن المهلكات وميلها إلى الطاعات إنما يتيسر بالإستعانة منه تعالى لأن النفس أمارة بالسوء (فإني نعم العون ونعم المستعان) ترغيب في الاستعانة به لأن المضطر إليها لا يتركها إذا علم أنه يعينه قطعا (يا موسى إني أنا الله) هذا الحكم وإن كان معلوما لكل عاقل لا مجال للإنكار فيه إلا أن العباد لما قصروا في رعاية حقوقه صاروا كأنهم منكرون له فلذلك وقع فيه التأكيد والحصر. (فوق العباد والعباد دوني) بالقهر والغلبة والقدرة والقوة والعلية والشرف والكمال (وكل لي داخرون) أي صاغرون ذليلون من دخر كمنع وفرح دخورا صغر وذل وليس الغرض من هذا الخبر إفادة الحكم ولا لازمه بل الحث على طاعته وانقياده وامتثال أوامره ونواهيه ومواعظه ونصايحه (فاتهم نفسك على نفسك) بكشف سرك أو بكتمانه ولا تعتمد عليها فضلا عن غيرها ففيه مبالغة في كتمانه بإنك إذا لم تعتمد على نفسك مع أنها أولى بحفظ سرك فكيف تعتمد على غيرك وهذا نظير قول أبي الحسن (عليه السلام) في الترغيب والمبالغة في كتمانه: " إن كان في يدك هذه شئ فإن استطعت أن لا تعلم هذه فافعل " والفرق بين الفاعل والمفعولين بالاعتبار والحيثية ولهذا الكلام

[ 341 ]

احتمال آخر بعيد وهو أن يراد بالنفس الثانية النفس المطمئنة وبالأولى النفس الأمارة وهي محل التهمة لأنها كثيرا ما ترى أن الشر خير والخير شر ويحكم على العابد بأن عبادته مقبولة قطعا واقعة على حد الكمال الموصل إلى المطلوب وهذا الوهم مبدأ للتعجب بالعبادة والتقاصر عن الازدياد والخروج عن التقصير وغير ذلك من المفاسد وكل ذلك من المهلكات (ولا تأتمن ولدك على دينك) مع أنه أقرب الناس منك وأشفقهم لك فغيره أولى بعدم الايتمان منه. وفيه حث على التقية والتقية دين جميع المرسلين والصالحين والأخبار فيه كثيرة بعضها مذكور في كتاب الأصول (إلا أن يكون ولدك مثلك يحب الصالحين) دل على جاز إظهار الدين للقابلين له والصالحين وهو كذلك ليبقى في الآخرين والروايات الدالة عليه بل على وجوبه أيضا كثيرة. (يا موسى اغسل واغتسل واقترب من عبادي الصالحين) كأنه أمره (عليه السلام) بغسل الباطن من الرذايل والعيوب وغسل الظاهر من الأخباث والذنوب أو بالوضوء من الأصغر والغسل من الأكبر أو بالجميع وفيه ترغيب في مجالسة الصالحين ومخالطتهم وهم الذين يوجب ذكر الله تعالى رؤيتهم ويزيد في العلم منطقهم (يا موسى كن إمامهم في صلاتهم) أمر بالجماعة فيها أو بتعليم أحكامها أو بالجميع (وإمامهم فيما يتشاجرون) أي يتنازعون من أمور دينهم ودنياهم (واحكم بما أنزلت عليك) الظاهر أن وجوب الحكم بما أنزله الله تعالى غير مختص بالنبي والوصي وأن من حكم بالإجتهاد والرأي بغيره فهو من الفاسقين كما دل عليه القرآن المبين والتخصيص لابد له من مخصص إلا أن يدعى أن الحكم الاجتهادي المخالف أيضا مما أنزله الله تعالى. وهو كما ترى مع أنه أيضا يحتاج إلى دليل آخر (فقد أنزلته حكما بينا متضحا ظاهرا غير مشتبه. (وبرهانا نيرا) حجة مشرقة دلالته ظاهرة على ما فيه من الأحكام وغيرها داعية للخلق إليها (ونورا ينطق بما كان في الأولين وبما هو كائن في الآخرين) النور هو الظاهر بنفسه لضيائه وشعاعه والمظهر لغيره لإضاءة انارته، شبهه بالنور واستعار له لفظه استعارة تحقيقية باعتبار الاهتداء به في سلوك سبيل الله إلى المطالب الحقيقية والأسرار اليقينية والأحكام الربوبية وشبه دلالته على ما كان فيه بنطق الناطق واستعار له لفظ ينطق استعارة تبعية والمراد بالأولين والآخرين الموجودون في عصره (عليه السلام) والذين يوجدون بعده إلى قيام شريعته أو من لدن آدم (عليه السلام) إلى آخر الدهر (أوصيك يا موسى وصية الشفيق المشفق) الوصية العهد والأمر بحفظه والشفق محركة الشفقة والرأفة وحرص الناصح على صلاح المنصوح وهو شفيق ومشفق والتكرير للمبالغة أو المراد الشفيق المشفق على الناس (بابن البتول عيسى بن مريم) سميت مريم بتولا لانقطاعها عن الرجال ولم يكن لها شهوة فيها وأما فاطمة عليها السلام فسميت بتولا لانقطاعها عن نساء زمانها فضلا ودينا ونسبا، وقيل: لانقطاعها عن الدنيا إلى الله تعالى (صاحب الإتان والبرنس) الإتان

[ 342 ]

الحمارة الانثى خاصة، والإتانة قليلة، وأما الحمار فيقع على الذكر والانثى، والبرنس قلنسوة طويلة كان النساك يلبسونها في صدر الإسلام وعن الأزهري كل ثوب رأسه منه تلتزق. (والزيت والزيتون والمحراب) الزيت دهن والزيتون شجرته أو ثمرتها أيضا أو مسجد دمشق أو جبال الشام وكأنه عليه السلام كان يدهن بالأول ويأكل الثاني كما سيجئ في حديث نادر في وصف علي عليه السلام وأما كونه صاحب محراب فظاهر لكثرة صلاته ولزومه له ويحتمل أن يراد به محراب مسجد الأقصى والله أعلم (ومن بعده) عطف على ابن البتول وجعل الواو بمعنى مع بعيد جدا (بصاحب الجمل الأحمر) بدل لمن بعده وعطفه عليه بحذف العاطف بعيد أيضا أو متعلق بأوصيك على أن يكون " من " حرف جر (الطيب الطاهر المطهر) في النهاية: الطيب أكثر ما يرد بمعنى اللحال كما أن الخبيث كناية عن الحرام وقد يرد الطيب بمعنى الطاهر وفي القاموس: الطيب الحلال وأطاب ولد بين طيبين وتزوج حلال ولعل المراد به الطيب في الولادة من جهة الآباء والأمهات لم يدنسهم الأخباث الجاهلية مثل الشرك والكفر والسفاح وغيرها والطاهر من العيوب الخلقية والخلقية والمطهر عن الذنوب الظاهرة والباطنة (فمثله في كتابك) أي صورته وصفته أو فضله وشرفه والظاهر أن الفاء بمعنى الواو وتقدير الشرط محتمل أي أن شئت وصفه فوصفه. (أنه مؤمن مهيمن على الكتب كلها) أي مؤمن بحقيقة الإيمان والتصديق وهو رأس المؤمنين ورئيسهم من الأولين والآخرين أو مؤمن يؤمنهم في الدنيا من الخزي والوبال وفي الآخرة من العقوبة والنكال فهو على الأول من الإيمان وعلى الثاني من الأمان والأمن ضد الخوف أو نفاع وإطلاق المؤمن عليه من باب التشبيه كإطلاقه على النهر الفائض على وجه الأرض فيسقي الحرث والزرع ويحيي الأرض بعد موتها وهو صلى الله عليه وآله يحيي قلوب المؤمنين بما جاء من عند رب العالمين بعد موتها (ومهيمن على الكتب) السماوية أي رقيب أو شاهد عليها أو أمين على أن يكون أصله مؤيمن بهمزتين من الأمانة قلبت الثانية ياء ثم الأولى هاء أو قائم عليها من الهيمنة وهي القيام على الشئ (راكع ساجد) راكع تارة ساجد أخرى فقد وصفه بالقوة العملية بعد وصفه بالقوة العلمية (راغب) فيهما عند الله تعالى من المقامات العالية والتقربات الإلهية والمثوبات الاخروية (راهب) خائف من مشاهدة عظمته وحقوق ربوبيته مع ملاحظة التقصير في أداء حقوق عبوديته وكلما ازدادت تلك المشاهدة ازدادت الرهبة والخشية ولذلك قال الله تعالى * (إنما يخشى الله من عباده العلماء) * (إخوانه المساكين) هم المهاجرون أو الأعم وأنصاره قوم آخرون من غير عشيرته وقبيلته (ويكون في زمانه أزل وزلزال وقتل وقلة من المال) الأزل الضيق والشدة أزل الرجل يأزل من باب ضرب أزلا صار في ضيق وجدب والزلزال الحركة والاضطراب زلزلة زلزالا

[ 343 ]

مثلثة حركة والقتل الجهاد أو الأعم، والمراد بزمانه زمان بعثته أو قبله أيضا فإن قبله أيضا كانت هذه الشدائد كما مر في الأصول (اسمه أحمد محمد) لكونه محمودا في أهل السماوات والأرضين (الأمين من الباقين) الظاهر أن الأمين صفة لمحمد وأن من متعلق به وأن المراد بالباقين خلائق آخر الزمان وهم الأمة المدعوة والأمين منهم في أمرهم وأمر الخالق هو صلى الله عليه وآله فلذلك جعله رسولا إليهم (من ثلة الأولين) صفة ثانية ومن للتبعيض والثلة بالضم الجماعة والإضافة إلى الأولين بيانية والمراد بهم الأنبياء والرسل عليهم السلام (يؤمن بالكتب كلها) بإيمانه بها آمنا بها وإلا لما علمنا أنها كتب سماوية وزبر إلهية لأنها لم يكن معجزة بخلاف القرآن العظيم فإنما علمنا أنه كتاب إلهي لكونه معجزا (ويصدق جميع المؤمنين والمرسلين) ونحن نصدقهم بتصديقه ألا يرى أن من لم يؤمن به أنكر بعضهم. (ويشهد بالإخلاص لجميع النبيين) كما نطق به القرآن المبين وأخبار الأئمة الطاهرين ولفظ الإخلاص يفيد أن هذه الشهادة من صميم القلب كما هو المعتبر فيها (أمته مرحومة مباركة) أي ثابتة على الحق قائمة بأمره أو ذوو بركة ويمن وخير، والمراد بأمته أمته المجيبة بجميع ما جاء به وأعظمه الولاية (ما بقوا في الدين على حقايقه) لعل المراد بها أركانه التي بها يتحقق ويقوم مثل المعرفة بالله والرسول والولاية والتسليم لهم أو تصديقاته اليقينية المتعلقة بما جاء به الرسول فلو شك أحد في شئ منه أو أنكره لم يكن من الأمة المذكورة وفيه دلالة على أن المعتبر هو الخاتمة (لهم ساعات موقوتات) في بعض النسخ " موقتات " أي محدودات معينات يقال: وقت موقوت وموقت أي محدود (يؤدون فيها الصلوات) كل صلاة بوقتها (أداء العبد إلى سيده نافلته) النافلة العطية والغنمية ولعل المراد بها فوائده ومكتسباته (فبه فصدق) الظاهر أن " به " متعلق بما بعده وأن التقديم لقصد الحصر أو الاهتمام وأن إحدى الفاءين زائدة أو متعلق بفعل مقدر أي فصدق به حذف لوجود المفسر له (ومنهاجه فاتبع فإنه أخوك) في الرسالة وهو تعليل للتصديق والاتباع جميعا وتحريص عليهما وتحريك للشفقة به ولعل المراد بإتباع منهاجه سلوك سبيله في الانقطاع إلى الله تعالى والتوسل به في المهمات كلها أو التصديق بحقيقة شرعه وحقيته وصدق طريقته (يا موسى إنه أمي) منسوب إلى أم القرى وهي مكة أو إلى الأم لا يقرأ الكتاب ولا يعرف الخط وهذا من كماله (صلى الله عليه وآله) لئلا يقولوا: إن كمالاته الفائقة من جهة الاكتساب والتعلم (وهو عبد صدق) لصدق أقواله وأعماله وظاهره وباطنه أو لشدته وقوته وصلابته في الدين وفي القاموس: الصدق بالكسر الشدة ومنه رجل صدق (يبارك له فيما وضع يده عليه) من الطعام والشراب وغيرهما والبركة محركة النماء والزيادة والسعادة يقال: بارك الله لك وفيك وعليك (ويبارك عليه) أي يدام له ما أعطي من ذلك وغيره من التشريف والكرامة غير منقطع عنه وفي الدعاء: وبارك على محمد وآل

[ 344 ]

محمد أي أدم لهم ما أعطيتهم من الشرف والكرامة والفخر والعز والفضل (كذلك كان في علمي وكذلك خلقته) أي مثل الوصف المذكور الذي عرفته كان هو في علمي الأزلي ومثل الوصف المذكور خلقته أي قدرته أو أوجدته لوجوب المطابقة بين العلم والمعلوم وفيه تنبيه على أن اتصافه بما ذكر أمر موهبي (وبه افتح الساعة) كأنه كناية عن حشره أولا (وبأمته أختم مفايتح الدنيا) في كنز اللغة: ختم بآخر رسانيدن هر چيزى وفيه مكنية وتخييلية وإشارة إلى أن الدنيا تختم بأمته وليس بعدهم أمة يملكون مفاتيحها ويدخلون فيها (فمر ظلمة بني إسرائيل أن لا يدرسوا اسمه) أي لا يمحوه من التورية (ولا يخذلوه) بالعداوة وعدم النصرة إذا وجدوه (وأنهم لفاعلون) ما نهوا عنه فيكفرون بالله وبرسولهم وبخاتم الأنبياء بل بجميعهم لأن المنكر لواحد منهم منكر للجميع كما دلت عليه الروايات وظاهر بعض الآيات (وحبه لي حسنة) تكتب في ديوان من أحبه سوي حسنات أعماله ولا يبعد أن يكون حبه حسنات باعتبار استمراره وقتا فوقتا وعلى هذا تكون له حسنات غير محصورة خصوصا إذا أعطي بواحدة عشرا كما نطقت به الآية الكريمة (فأنا معه) معيته معنوية روحانية لا معية زمانية ومكانية (وأنا من حزبه) في النصرة والإعانة (وهو من حزبي) في النصرة لديني والطاعة لأمري (وحزبهم الغالبون) على الأعداء بالحجة والنصرة وضمير " حزبهم " لمحمد (صلى الله عليه وآله) والجمع للتعظيم أوله ولله تعالى أولهما وللأوصياء أيضا (فتمت كلماتي) يحتمل أن يراد بها أحكامه ومواعيده وأخباره بما قدر له من كونه مؤمنا مهيمنا وإظهار دينه وإنزال قرآنه وغير ذلك مما ذكر أولم يذكر. والمراد بتمامها بلوغها حد الكمال أو إبرامها وإحكامها بحيث لا يتطرق إليه التبدل والزوال أو انتهاؤها إليه لا تكون لأحد غيره إذ لا نبي بعده، ويحتمل أن يراد بها هو (صلى الله عليه وآله) وأوصياؤه عليهم السلام للانتفاع بهم وبكلامهم ولأنهم مترجمون لكلامه تعالى ووحيه وقد مر في كتاب الحجة تفسير الكلمات بهم في قوله تعالى: * (وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم) *. (لأظهرن دينه على الأديان كلها) بنسخه إياها أو بظهور صاحب الأمر (عليه السلام) والأخير مروي (ولا عبدن بكل مكان) لزوال الكفر والشرك والملل الباطلة بسيف الصاحب (عليه السلام) (ولأنزلن عليه قرآنا فرقانا) هما مصدران في الأصل ثم صارا علمين لهذا الكتاب المبارك المنزل للإعجاز والهداية وإنما سمي بهما لكونه متلوا أو جامعا للحلال والحرام والوعد والوعيد والمواعظ والنصائع وكل ما كان وما يكون وما هو كائن وفارقا بين الحق والباطل (شفاء لما في الصدور من نفث الشيطان) كمرض الجهل والكفر والشك والنفاق والغي والضلال والنفث مصدر مضاف إلى الفاعل والمفعول محذوف يقال: نفث الشيطان شيئا في القلب إذا ألقاه فيه وهي بمنزلة الداء والقرآن بمنزلة الدواء والشفاء ولكن معرفة ذلك الدواء وكيفية استعماله إنما تحصل بتعليم أهل الذكر (عليه السلام) وإليه أشار أمير

[ 345 ]

المؤمنين (عليه السلام) حين وصف القرآن بأنه النور المقتدى به بقوله: " فاستنطقوه ولن ينطق لكم ولكن أخبركم عنه ألا أن فيه علم ما يأتي والحديث عن الماضي ودواء دائكم ونظم ما بينكم " وسر ذلك أنه (عليه السلام) لسان القرآن ينطق بدواء داء القلوب وذلك الداء هو الرذائل المنقصة ودواؤه لزوم الفضائل العلمية والعملية المشتمل عليها القرآن الكريم، ونظام ما بينهم إشارة إلى ما اشتمل عليه من القوانين الشرعية والحكم السياسية التي بها نظام العالم (فصل عليه يا بن عمران فإني أصلي عليه وملائكتي) المشهور أن الصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة الاستغفار ومن المؤمنين الدعاء وهو طلب الرحمة، وقال الشهيد الثاني: أصل الصلاة الدعاء إلا أنها من الله تعالى الرحمة مجازا ورجحه على المشهور بأن المجاز خير من الاشتراك كما بين في الأصول ثم قال: وغاية السؤال بها عائدة إلى المصلي لأن الله تعالى قد أعطى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم من المنزلة والزلفى ما لا يؤثر فيه صلاة مصلي كما نطقت به الأخبار وصرح به العلماء الأخيار ولك أن تقول أن الصلاة لها تأثير في حصول السرور له (صلى الله عليه وآله) وهذا أيضا فائدة. (يا موسى أنت عبدي وأنا إلهك) الغرض منه تحريكه إلى الإتيان بحقيقة العبودية ورعاية حقوق الإلوهية والانقطاع عن الغير لا مجرد الأخبار بمضمونه (لا تستذل الحقير الفقير) يمكن أن يراد بالحقير له أعوان وأنصار وبالفقير من ليس له أموال وأسباب واستذلاله يتحقق بترك حقوق الأخوة وهي كثيرة كما مر في الأصول (ولا تغبط الغني بشئ يسير) أي لا تتمن مثل ما في يده من متاع الدنيا وهو شئ يسير بذاته وبالنسبة إلى مالك في الدنيا والآخرة (وكن عند ذكري خاشعا) في الباطن والظاهر بصرف كل منهما فيما طلب منه والفراغ عن غيره والذكر شامل لذكر القلب واللسان وسائر العبادات (وعند تلاوته برحمتي طامعا) برحمتي متعلق بما بعده والتقديم للاهتمام أو للحصر للتنفير عن الرياء والسمعة. والظاهر أن الضمير المجرور راجع إلى الذكر وعوده إلى الكتاب وهو التورية بقرينة المقام محتمل بعيد (واسمعني لذاذة التورية) بصوت خاشع حزين. اللذة نقيض الألم واللذاذة مصدر فعلها لازم ومتعد يقال: لذ بشئ لذاذة صار ذا لذة ولذذته أنا لذاذة التذذت به ووجدته لذيذا وفي كنز اللغة: لذاذة خوش مزه شدن وخوش مزه يافتن فإضافتها إلى التوارة على الأول إلى الفاعل وعلى الثاني المفعول ثم هي في الأصل للأكل والشرب وشاع استعمالها في كل ما يلتذ به مثل الصوت والكلام والزمان الخالي عن الشرور ونحوها فلا يرد أن اللذة مدركة بالذوق لا بالسمع وخشوع الصوت خضوعه وخفضه قال الله تعالى * (وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا) * أي خضعت وخفضت والهمس الصوت الخفي وحزن الصوت رقته، يقال: فلان يقرأ بالتحزين أي يرقق صوته ولو كان المراد بالحزن خلاف السرور كان

[ 346 ]

اتصاف الصوت به مجازا لاتصاف صاحبه به بقراءة ما يوجب حزنه من أحوال الحشر والنشر والثواب والعقاب وغيرها مما يتحير فيه أولوا الألباب أو كناية عن البكاء (اطمئن عند ذكري) كل قلب صحيح طالب للحق يطمئن عند ذكره ويسكن إليه ويستقر فيه ويتخلص من الاضطراب لوصوله الى مطلوبه واتصاله به اتصالا معنويا فإذا لم يذكره أو ذكره ولم يحصل له الاطمئنان كان سقيما مضطربا متصفا بالنفاق غير دافع عنه علايق الإمكان وغواشي الأبدان الموجبة للاضطراب ولكل واحد من الاطمينان والاضطراب مقامات متفاوتة ودرجات متباعدة وأسباب متكثرة لا يليق بهذا المختصر ذكرها (وذكر بي من يطمئن إلي) ترغيب في تذكر من يتذكر ويطمئن قلبه إلى الله وتعليمه لأن منع التذكير والتعليم من القابل ظلم وأما غيره من لا رجاء في تذكيره وتعلمه واطمينانه أو خيف منه فهو جدير بالإعراض عنه. (واعبدني ولا تشرك بي شيئا) شركا جليا وخفيا وقت العبادة وبعدها إذ العبادة الخالصة عنه هي التي لا يكون الغرض منها إلا الله ولا يقصد لها حامد سواه في وقت من الأوقات (وتحر مسرتي) أي ما يوجب سروري وفي تعميمه دلالة على طلب جميعه وهو إنما يكون بضبط جميع الحركات والسكنات وحصره على ما فيه رضاه، ثم رغب فيما ذكر بذكر أمرين مقتضيين للامتثال به أحدهما كمال قوته تعالى واستحقاقه لذلك والثاني كمال ضعف المخاطب واحتياجه إليه فأشار إلى الأول على سبيل المبالغة في التأكيد والحصر بقوله: (فإني أنا السيد الكبير) هو السيد أي الملك الواجب الطاعة كما صرح به في العدة والكبير لا بالمقدار والجسمية بل بالاستغناء عن الغير بما له من الصفات الكمالية الذاتية والشرف والعلية وأشار إلى الثاني بقوله: (إني خلقتك من نطقة من ماء مهين) الثاني بدل للأول أو من بيان لنطفة والمهين الحقير والضعيف والقليل (من طينة أخرجتها من أرض ذليلة ممشوجة) من ابتدائية وذليلة من الذل بمعنى الهوان والحقارة وكل شئ غيره تعالى ذليل تحت أمره وقدرته، وممشوجة من المشج وهو الخلط وهي صفة ثانية لطينة، والمراد بها طينة خلق الله تعالى منها آدم عليه السلام كما نطق به القرآن الكريم وهي مخلوطة مأخوذة من حزن الأرض وما غلظ منها ومن سهلها وما لان منها ومن عذبها وما طاب منها ومن سبخها وما ملح منها وبالماء العذب والماء الاجاج فخلق منها صورة حسنة ذات أحناء وأضلاع وذات مفاصل وأعضاء ونفخ فيها من روحه كما صرح به أمير المؤمنين عليه السلام في بعض خطبه (فكانت بشرا) كاملا ناطقا عاقلا عالما مفكرا مدركا لما في عالم الملك والملكوت فايقا على الملائكة المقربين في العلم والمناظرة (فأنا صانعها خلقا) عظيما وهو تأكيد للسابق والتأسيس محتمل (فتبارك وجهي) أي تنزه ذاتي عن النقايص (وتقديس صنعي) أي تطهر عن العيوب والنواقص (ليس كمثلي شئ) الكاف زائدة أو المقصود

[ 347 ]

نفي المثل على سبيل الكناية لأن نفي مثل مثله بعد العلم بوجوده تعالى مستلزم لنفي مثله والكناية أبلغ من التصريح (وأنا الحي الدائم الذي لا أزول) أي الفعال المدرك بنفسه لا بحياة قائمة به بها يدرك ويفعل في وصف الدوام بعدم الزوال والفناء دفع لتوهم حمله على مجازه وهو الزمان الكثير وهو حث على الطاعة والانقياد له لأن المطيع إذا علم أنه أبدى لا يخاف فوات مقصوده من الطاعة أبدا وهو مدرك إليها (يا موسى إذا دعوتني خايفا مشفقا وجلا) لعل الخوف بملاحظة عظمته وغناه عن الخلق والإشفاق بملاحظة التقصير في الدعاء والثناء ورعاية حقوقه والوجل من صد النفس الأمارة سبيله وقطع نفثات الشيطات طريقه أو من رد الدعاء لعدم كونه على الوجه اللايق به كما روي عن علي بن الحسين (عليهما السلام) أنه كان في التلبية وهو على راحلته فخر مغشيا فلما أفاق عليه السلام قيل له ذلك فقال: خشيت أن يقول لي: لا لبيك ولا سعديك. والتأكيد محتمل (عفر وجهك لي في التراب) العفر محركة ظاهر التراب ويسكن وعفره في التراب يعفره وعفره فانعفر وتعفر مرغه فيه أو دسه أو ضرب به الأرض وأكثر جزاء الشرط يتحقق بعده ويترتب عليه وقد يتحقق في حال تحققه ومعه كقولك: إذا جئتني فالبس ثيابك واركب فرسك، والظاهر هنا هو الثاني مع احتمال الأول (واسجد لي مكارم بدنك) هذا أعم من السابق لأنه يشمل غير الوجه أيضا وفيهما غاية التذلل ونهاية الخضوع والخشوع له تعالى " واقنت بين يدي في القيام " ذكر اليدين من باب التمثيل والقنوت قد مر تفسيره سابقا (وناجني حين تناجيني بخشية من قلب وجل " لا يتحقق ذلك إلا بحضور القلب وتوجهه إلى معرفته ومعرفة من يناجيه والظاهر أن الباء للمصاحبة أي مع خشيته أو الظرف حال من الفاعل أي متلبسا بها (وأحي بتوراتي أيام الحياة) أي بتلاوتها وإجراء أحكامها والعمل بما فيها والأيام مفعول الإحياء مجازا أو ظرف له والمفعول محذوف وهو قلبك (وعلم الجهال محامدي) هي ما يستحق أن يحمد ويثني عليه من الفضائل وهي الصفات الذاتية وأما الفواضل الواصلة إلى الغير فأشار إليها بقوله: (وذكرهم آلائي ونعمتي) العطف للتفسير أو المراد بالأولى النعماء الباطنة وبالثانية النعماء الظاهرة والغرض من التعليم والتذكرة المعرفة والقيام بوظايف الحمد والشكر ووجه تخصيص التعليم بالمحامد والتذكير بالآلاء أن المحامد يعني الصفات الذاتية إنما تعلم بالشرع وأما الآلاء فقد تعرف بالعقل والشرع مذكر (وقل لهم لا يتمادون في غي ما هم فيه) نهي في صورة الخبر وما هم فيه من المعصية وهي مستلزمة للغي والضلالة وسبب له فالإضافة وسبب له فالإضافة لامية كإضافة المسبب إلى السبب (فإن أخذي أليم شديد) وعيد للمذنبين المصرين وتحريك لهم إلى الإنابة والرجوع (يا موسى إن انقطع حبلك مني لم يتصل بحبل غيري) استعار الحبل لما يوجب القرب منه والوصول إليه والوجه أنه سبب لنجاة المتمسك به من وهدة الهوى إلى الدرجات العلى كالحبل ورشح بذكر الانقطاع وأشار

[ 348 ]

بمضمون الشرط إلى أن حبله الموجب للقرب منه ما كان له خاصة فأما إذا انقطع بقصد غيره أيضا أو غيره وحده فهو حبل غيره لا حبله ولا ما اتصل به حبله فليس سببا للوصول إليه فلذلك فرع عليه طلب العبادة الخالصة بقوله: (فاعبدني) لا غيري بالاشتراك والانفراد فإن الرياء المشوب والخالص ليس لله فيه نصيب (وقم بين يدي للعبادة مقام العبد الفقير الحقير) الذي لا ملجأ له غير مولاه والمقام بضم الميم مصدر ميمي وفتحها على أنه اسم مكان بعيد. (وذم نفسك فهي أولى بالذم) من الشيطان إذ لا حجة له في دعوته وإنما يدعوك إلى ما لا أصل له فتبعته نفسك الأمارة بالسوء ولذلك يقول الخبيث يوم القيامة على سبيل الإلزام: * (فلا تلوموني ولوموا أنفسكم..) * الآية. وفيه حث على حفظ النفس الأمارة وتطويعها للنفس المطمئنة القدسية بحيث تصير مؤتمرة لها ومتصرفة تحت أحكامها العقلية ومنصرفة عما لا أصل له من اللذات الفانية (ولا تتطاول بكتابي على بني إسرائيل) أي لا تعلو ولا تترفع عليهم بكتابي المنزل إليك أو بالعلم به أو بتعليمه وكل هذا وإن كان نعمة جليلة وفضيلة عظيمة توجب علو المنزلة ورفع الدرجة لكن لا يجوز الإستعلاء والترفع به على الغير ولما فهم من هذا ضمنا ومما مر صريحا أنه كتاب كامل مفيد للكمال فرع عليه قوله (فكفى بهذا) أي بهذا الكتاب (واعظا لقلبك ومنيرا) لاشتماله على النصايح والمواعظ الإلهية والأحكام والأسرار الربانية والتي هي من أشعة الجلال والعظمة ولوا مع الأنوار والحكمة فيكفي وعظه لقلبك الشريف الخبير وإنارته لطبعك اللطيف المستنير وفي وصفه بالمنير تشبيه له بالسراج لما فيه من العلوم الكاملة والأخلاق الفاضلة (وهو كلام رب العالمين) هذا بمنزلة التعليل للسابق لأن وصف ربوبيته يقتضي أن يكون كلامه المنزل لإصلاح المربوبين مشتملا على جميع ما يحتاجون إليه كافيا لوعظ قلوبهم وإنارة صدورهم. (يا موسى متى ما دعوتني ورجوتني) حذف مفعول الفعلين للدلالة على التعميم والظاهر أن " متى " اسم شرط كما في قوله: متى أضع العمامة تعرفوني وأن " ما " زائدة (فإني سأغفر لك) بعد إجابة الدعاء وتحصيل الرجاء على ما كان منك من التقصير لأن الدعاء والرجاء حسنة والحسنة تدفع السيئة وفيه وعد للداعي والراجي بعد حصول مرجوه ومطلوبه بغفران ذنوبه (السماء تسبح لي وجلا) دلت الآيات الكريمة والروايات الصحيحة الصريحة والاعتبارات الذوقية على أن كل شئ من الممكنات صامتها وناطقها صغيرها وكبيرها جوهرها وعرضها يسبح له عز وجل قال الله تعالى * (تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن) *. * (وإن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم) * قال المحققون والمفسرون أن تسبيح السماء والأرض والأشجار والأحجار ونحوها من المكونات الغير العاقلة عبارة عن تنزيهه تعالى بما هو فيهن من لوازم الإمكان وتوابع الحدوث وبواعث الإفتقار إلى الغير في الوجود والبقاء والكمالات وغيرها مما هو ملحوظ في

[ 349 ]

الممكنات بلسان الحال حيث تدل بإمكانها وحدوثها وافتقارها على وجود الصانع القديم الواجب بالذات الغني عن الغير من جميع الجهات المنزه عن الإتصاف بصفات الممكنات تحقيقا للفرق بين الصانع والمصنوع وأن تسبيحهم هذا إنما يفقهه من له عقل صحيح ونظر صريح لا غيرهم وان الخطاب في قوله تعالى: * (ولكن لا تفقهون تسبيحهم) * لهذا الغير. هذا، ويمكن أن يقال: لجميع الممكنات تسبيح بلسان القال أيضا ولا يبعد إعطاء هذه القدرة لهم من القدرة القاهرة الإلهية ويؤيده نطق الأحجار والحصا للنبي والوصي عليهما السلام وسماعه بعض الحاضرين ونطق الجوارح يوم القيامة كما نطق به القرآن المبين وظاهر قوله تعالى وجلا وتسبيحهم مع عدم الحاجة حينئذ إلى تخصيص الخطاب في قوله * (ولكن لا تفقهون) * بمن ليس له نظر صحيح ولا إلى حمل التسبيح في الآية على الحقيقة والمجاز أو على القدر المشترك بينهما والله يعلم * (والملائكة من مخافتي مشفقون) * لعل المراد أنهم من أجل مشاهدة العظمة والمهابة أو من أجل الخوف الحاصل لهم من مشاهدتهما مشفقون من نزول العذاب عليهم بسبب التقصير فيما أمروا به أو من زوال كمالاتهم المحتاجة إليه أو من سقوط منزلتهم لديه والفرق بين الوجهين أن مشاهدة العظمة سبب للإشفاق في الأول والخوف الحاصل منها سبب له في الثاني وفي الأول تجوز باعتبار أنه أريد بالمخافة وهي الخوف من مشاهدة العظمة نفس تلك المشاهدة مجازا وبه فسر بعض المفسرين قوله تعالى في وصف الملائكة: * (هم من خشية ربهم مشفقون) * نقل عن بعض أهل العرفان أن لله تعالى ملائكة حول العرش يسمون المخلصين تجري أعينهم مثل الأنهار من خشية الله فيقول لهم الرب جل جلاله: ملائكتي ما الذي يخيفكم، فيقولون: ربنا لو أن أهل الأرض اطلعوا من عزتك وعظمتك على ما اطلعنا عليه لما ساغوا طعاما ولا شرابا ولا انبسطوا في فرشهم ولخرجوا إلى الصحراء يخورون كما يخور الثور (والأرض تسبح لي طمعا) في إحيائها بإرسال القطرات وإنزال البركات وفي نسبة الطمع إلى الأرض الموضوعة والوجل إلى السماء المرفوعة رعاية للمناسبة. (وكل الخلق يسبحون لي داخرين) متذللين تحت ظل الحاجة إلى كمال قدرته صاغرين في الخشوع بين يدي رحمته. والتسبيح هنا محمول على القدر المشترك بين النطق بالتنزيه المطلق والدلالة عليه لإسناده إلى ما يتصور منه النطق والى ما لا يتصور منه أو عليهما عند من جوز إطلاق اللفظ على معنييه وعلى الإحتمال المذكور سابقا لا حاجة إلى شئ من التوجهين وفي نسبة التسبيح إلى جميع المخلوقين تحريك للناس أجمعين إليه لما أعطاهم من قلب صحيح ولسان فصيح وزيادة الإحسان والإنعام والإكمال توجب زيادة التسبيح والتقديس والإجلال (ثم عليك بالصلاة الصلاة) التكرير للتعظيم

[ 350 ]

والإهتمام و " عليك " للإيجاب والإلزام (فإنها مني بمكان) قريب على منيع ومقام شريف سني رفيع، والتنوين العظيم. (ولها عندي عهد وثيق) لعل المراد به أن من حفظها وحفظ حرمتها وفعلها في أوقاتها وراعى حدودها وأركانها وشرائطها جعله من عباده المقربين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وأن من ضيعها وضيع حقوقها ضيعه تبارك وتعالى وجعله من الأخسرين، ثم أمر بأداء ما هو قريب من الصلاة في الفضل والأجر وهو الزكاة فقال: (وألحق بها ما هو منها) أي من الصلاة أو قريب منها وفي رواية: (إن من منع الزكاة وقفت صلاته حتى يزكي " وفي أخرى: " زكوا أموالكم تقبل صلاتكم " ولذلك قارنها عز وجل بالصلاة في القرآن (زكاة القربان) بيان للموصول أو بدل منه والقربان إما مصدر بمعنى القرب أو ما يتقرب به الى الله تعالى، والاضافة الى على الأول لامية من باب إضافة السبب إلى المسبب وعلى الثاني بيانية وحملة على ما كان معروفا في سالف الزمان بعيد (من طيب المال والطعام) لا من خبيثه ومعيوبه إلا إذا كان المال كله أو بعضه معيوبا فإنه يجوز المعيوب أو الموزع حينئذ (فإني لا أقبل إلا الطيب يراد به وجهي) الجملة حال عن الطيب والقبول مشروط بأمرين إخراج الطيب وقصد القربة. (واقرن مع ذلك صلة الأرحام) في القاموس: الرحم بالكسر وككتف بيت منبت الولد ووعاؤه والقرابة أو أصلها أو أسبابها وقال بعض العلماء: المراد بالرحم قرابة الرجل من جهة طرفيه آبائه وإن علوا وأبنائه وإن سفلوا وما يتصل بالطرفين من الأعمام والعمات والأخوة والأخوات وأولادهم، والظاهر أنه لا خلاف في وجوب صلتها في الجملة لدلالة ظاهر الآيات والروايات على العقوبة بتركها، وللصلة درجات متفاوتة بعضها فوق بعض وأدناها الكلام والسلام وجوابه وترك المهاجرة وتختلف أيضا باختلاف القدرة عليها والحاجة إليها فمن الصلة ما يجب ومنها ما يستحب ومن وصل بعض الصلة ولم يبلغ أقصاها هل هو واصل أو قاطع فيه تأمل، وفوائدها المستفادة من الأخبار كثيرة فإنها توجب زيادة العمر والمال والرزق والمحبة والعون عند الحاجة والتزكية في العمل والسماحة وتحسين الخلق وتطييب النفس وتعمير الديار والوقاية من مصارع السوء والعصمة من الذنوب (فإني أنا الله الرحمن الرحيم والرحم أنا خلقتها من رحمتي ليتعاطف بها العباد) أشار بالجلالة إلى ذاته المقدسة الملحوظة معها الالوهية المقتضية لانقياد كل شئ له فيما يريد ويكره للترغيب فيه وأشار بالرحمن الرحيم إلى اتصافه بالرحمة الكاملة التي وسعت كل شئ، ثم أشار إلى أنه خلق الرحم من رحمته للتوالد والتناسل فضلا على العباد وإحسانا إليهم ليتعاطف بعضهم بعضا ولم يخلق كل واحد من تراب كما خلق آدم عليه السلام منه لأن الأول أقوى في التعاطف فلابد من اتصاف الرحم بالرحمة والتعاطف لئلا يفوت نظامهم والغرض من خلقها.

[ 351 ]

(ولها عندي سلطان في معاد الآخرة) أي حجة مقبولة لا مرد لها وهي طلب الوصل منه تعالى لمن وصلها وطلب القطع لمن قطعها. روى المصنف بإسناده عن الفضيل بن يسار قال قال أبو جعفر (عليه السلام) " إن الرحم معلقة يوم القيامة بالعرش تقول: اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني " وباسناده عن يونس بن عمار قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): " أول ناطق من الجوارح يوم القيامة الرحم تقول: يا رب من وصلني في الدنيا فصل اليوم ما بينك وبينه ومن قطعني في الدنيا فاقطع اليوم ما بينك وبينه ". أقول: الرحم تصدق على رحم آل محمد (صلى الله عليه وآله) بل هي أعظمها وأحفظها روى المصنف بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سمعته يقول: " إن الرحم معلقة بالعرش تقول: اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني وهي رحم آل محمد وهو قول الله عز وجل * (الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل) * ورحم كل ذي رحم " وفيه أيضا روايات آخر (وأنا قاطع من قطعها وواصل من وصلها) لعل المراد بوصله تعالى من وصلها رحمته لهم وعطفه عليهم بنعمه الدائمة الباقية أو وصله لهم بأهل ملكوته والرفيق الأعلى أو قربه منهم وشرح صدورهم لمشاهدة عظمته أو جميع أنواع الإكرام والإفضال. (وكذلك أفعل بمن ضيع أمري) التكويني والتكليفي لأن من ضيع الغرض من التكوين والتكليف بالعصيان استحق العقوبة والخذلان (يا موسى أكرم السائل إذا أتاك) ولو كان راكبا أو على ثياب التجمل أو مجهول الحال إلا أن تكون العطية زكاة مفروضة فإنه لابد من تفتيش حاله (برد جميل أو إعطاء يسير) خصوصا إذا أتاك في الليل، لما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " إذا طرقكم سائل ذكر بليل فلا تردوه " والمراد بالرد الجميل ما لا يؤدي إلى أذاه وكسر قلبه مثل أن يقول: الله يعطيك أو يعطينا الله وإياك ونحو ذلك وذكر اليسير للتسهيل وإلا فيجوز الكثير أيضا ويفهم من بعض الروايات أن أقل ما يعطى دون الدرهم وأكثره أربعة دوانيق والروايات المرغبة في إعطائه كثيرة ومنافعه جليلة وأجوره جزيلة حتى روي: " لو يعلم المعطي ما في العطية ما رد أحد أحدا ". وروي: " لولا أن المساكين يكذبون ما أفلح من ردهم " إلا أنه أشار إلى بعض العلل والمرغبات فيه بقوله: (فإنه يأتيك) بصورة إنسان معروف أو غير معروف في الليل أو النهار (من ليس بإنس ولا جان) في الواقع (ملائكة الرحمن) بدل عن الموصول وفي ذكر الرحمن إشعار بأن ذلك من باب الرحمة والشفقة ليشكروا لك إن شكرت (يبلونك كيف أنت صانع فيما أوليتك) أي أعطيتك والظاهر أن يبلونك بتخفيف النون وسكون الواو، وضمها مع شد النون محتمل. (وكيف مواساتك فيما خولتك) من النعم والتحويل الإعطاء والمواساة فيما خولتك من النعم والتخويل الإعطاء والمواساة أن تنيل غيرك من مالك وتجعله أسوة فيه وفي القاموس: واساه بماله

[ 352 ]

مواساة أنال منه وجعله فيه أسوة ولا يكون ذلك إلا من كفاف وإن كان من فضله فليس بمواساة (واخشع لي بالتضرع) الباء للمصاحبة أي مع التضرع أو الظرف حال عن الفاعل ولعل المراد بالخشوع سكون القلب والجوارح إلى الله تعالى واشتغال كل واحد منهما بما طلب منه وإعراضه عما سواه والتضرع إظهار الذل والمسكنة والافتقار إليه باللسان (واهتف بولولة الكتاب) الهتف التصويب والنداء هتف إذا صوت ونادى، والولولة الدعاء بالويل وصوت متتابع به والاستغاثة والإعوال وهو الصياح ورفع الصوت بالبكاء (واعلم أني أدعوك) في الدنيا إلى ما هو خير لك أو في الآخرة إلى الحساب والثواب والجزاء أو فيهما (دعاء السيد مملوكه) المطيع له الذي لا ملجأ له إلا إليه (ليبلغ به شرف المنازل) العالية وفيه حث له على قبول دعائه وإجابته (وذلك من فضلي عليك وعلى آبائك الأولين) من الأنبياء والمرسلين أو الأعم منهم ومن المؤمنين، وفيه من عليه وتحريك له على الشكر. (يا موسى لا تنسني على كل حال) حث على ذكره ظاهرا وباطنا في جميع الأحوال كحال الصحة والمرض والشدة والرخاء والفقر والغناء وغيرها من الأحوال الغير المحصورة للإنسان (ولا تفرح بكثرة المال) وإن حصل من طرق الحلال (فإن نسياني يقسي القلوب) تعليل للنهي الأول بأن نسيانه يوجب قساوة القلب وغلظته وظلمته المانعة عن إدراك الحق وما يوجب القرب منه (وفي كثرة المال كثرة الذنوب) تعليل للنهي الثاني بأن كثرة المال يوجب كثرة الذنوب كالعجب والتكبر والتجبر والتفاخر والتطاول على الغير والإسراف والتقتير وترك الحقوق المالية وصرف العقل عن تحصيل المعارف الإلهية والواجبات العقلية والنقلية وحث القوة الشهوية والغضبية على الطغيان وتحريك النفس الأمارة إلى المخالفة والعصيان وذلك ظاهر لمن نظر في أحوال أبناء الزمان (الأرض مطيعة والسماء مطيعة والبحار مطيعة) لا يصدر منها العصيان في وقت من الأوقات والمراد بطاعتها انقيادها في كل ما هو المقصود من إيجادها بخلاف الإنس والجن فإنهم يعصون الله في كثير ما هو المطلوب منهم ويكتسبون الشقاوة كما أشار إليه بقوله (وعصياني شقاء الثقلين) والسر فيه أن بواعث الطاعة والمعصية موجودة فيهم وموانع الأولى قوية فلذلك صاروا معركة للمجاهدة الكبرى وابتلوا بالمصيبة العظمى فإن نجوا من هذه البليات صاروا من أشرف المخلوقات والله ولي الخيرات ومنه الاستعانة في المهمات. (وأنا الرحمن الرحيم رحمن كل زمان) تحريك على الرجوع إليه في المهمات والالتجاء إليه في البليات والاستعانة منه في التحرز عن المنهيات لأنه برحمته ينجي من يشاء من المهلكات (آتي بالشدة بعد الرخاء وبالرخاء بعد الشدة وبالملوك بعد الملوك) هذا من آثار رحمته إذ لولا الشدة بعد الرخاء حصلت الغرة والغفلة ولولا الرخاء بعد الشدة حصل اليأس والقنوط، ولولا موت

[ 353 ]

الملوك ادعو الإلوهية وظلموا ظلما عظيما إذ ذكر الموت زاجر لهم في الجملة وفيه أيضا تحريك على الرجوع إليه. (وملكي دائم قائم لا يزول) لا يزول إما حال عن الفاعلين على سبيل التنازل أو خبر ثالث ووجه العدول إلى الفعل لإفادة الاستمرار الأبدي وفائدته ما مر سابقا وهي صرف الدوام والقيام عن توهم المجاز إلى الحقيقة، والمراد بقيام ملكه عدم عروض الاضطراب والتغير فيه بوجه ما وهذا غير مستفاد من دوامه إذ دوام الشئ لا ينافي وقوع الإضطراب فيه في الجملة والمراد بملكه سلطنته وقوته وقدرته على جميع الممكنات وهو بهذا المعنى ثابت له قبل وجودها وبعد عدمها كما مر في كتاب التوحيد. (ولا يخفى على شئ في الأرض ولا في السماء) صيغرا كان أم كبيرا جليا كان أم خفيا ظاهرا كان أم باطنا، وفيه ترغيب في فعل الخيرات وترك المنهيات لأن العلم بأنه عالم بجميع الأشياء يكون داعيا للعبد إلى الإتيان بجميع ما كلف به على وجه الكمال (وكيف يخفى على ما مني مبتدؤه) أي ابتداؤه والاستفهام للإنكار والأمر في فعله تعالى واضح وكذا في فعل العباد لأن أكثر مقدماته من فعله تعالى كالعلم به والقوة والقدرة عليه والجزء الأخير من علته وهو الكف أو عدمه وإن كان فعل العبد ولكن الاقتدار عليه من فعله تعالى فوجب أن يكون له تعالى علم بذلك الفعل والترك، وفيه رد على من أثبت له العلم الإجمالي وعلى من نفى عنه العلم بالجزئيات وإن شئت زيادة توضيح فارجع إلى ما ذكرنا في أوايل كتاب التوحيد (وكيف لا يكون همك فيما عندي) من السعادة الأبدية والمثوبات الأخروية بفعل أسبابها (وإلي ترجع لا محالة) يقال: لا محالة منه بفتح الميم أي لابد ولا فراغ منه وكيف لإنكار النفي والتوبيخ فيه لأن العاقل القاصد لمنزل يسكن فيه أبدا يهيئ جميع ما يحتاج إليه في ذلك المنزل من أسباب العيش ويجتنب عن جميع ما يضره فيه ومن ترك الأول وفعل الثاني كان محلا للتوبيخ (يا موسى اجعلني حرزك) أي ملجأك الدافع عنك البليات والمكروهات بالدعاء والتوسل قبل نزولها وبعده، وأصل الحرز بالكسر العوذة والموضع الحصين يقال: هذا حرز حريز أي حصن حصين متين حافظ لمن دخله. (وضع عندي كنزك من الصالحات) المفروضات والمندوبات من الماليات وغيرها، وسماها كنزا لأنها مذخورة ليوم الحاجة كالكنز (خفني ولا تخف غيري إلي المصير) الخوف من عقوبة الله يقتضي الفرار من أسبابها لأن الخائف من الشئ يفر منه ومما يفضي إليه. (يا موسى ارحم من أسفل منك في الخلق) بجلب الخير له ودفع الضر عنه (ولا تحسد من هو فوقك) مالا وحالا بتمني زوال نعمته عنه (فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب) الحاسد عدو المنعم، منكر لمصلحته وحكمته، وقائل بالجور في قسمته، وكافر بنعمته الواصلة إليه

[ 354 ]

ومستحقر لها، وعدو للمنعم عليه متعرض للإضرار به على قدر الإمكان وضرره عليه أمر مجرب معلوم لمن نظر في كتب السير والآثار حتى خربت به البيوتات والديار وعدو نفسه وجسده كما أشار إليه بعض شراح نهج البلاغة أما لنفسه فلأنه يصرف فكرها في أمر المحسود حتى لا تفرغ للتصرف فيما يعود نفعه إليها وينسى ما حصل لها من الحسنات المنقوشة في جوهرها وتضمحل تلك الحسنات على طول الحسد واشتغال الفكر فيه وطول الحزن والهم بالكلية وأما لجسده فلأنه يعرض له عند حدوث هذه الأعراض للنفس طول السهر وسوء الاغتذاء ورداءة اللون وسوء السجية وفساد المزاج وتعطيل الجوارح عن الأعمال الحسنة. إذا عرفت هذا فنقول استعار لفظ الأكل لكون الحسد ماحيا لما في النفس والجوارح من الأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة التي هي الحسنات ومانعا من صيرورتها ملكات وذلك بسبب استغراقه في حال المحسود واشتغاله به وشبه ذلك بأكل النار الحطب ووجه التشبيه ما يشترك فيه الحسد والنار من إفناء الحسنات والحطب واستهلاكهما. (يا موسى إن ابني آدم) من صلبه هابيل وقابيل والقول بأنهما لم يكونا من صلبه وأنهما رجلان من بني إسرائيل ضعيف (تواضعا) من المواضعة وهي الموافقة في أمر، لا من التواضع بمعنى التخاشع والتذلل والتخاضع لعدم تحقق هذا المعنى في أحدهما وهو قابيل (في منزلة لينالا بها من فضلي ورحمتي) لعل المراد بالمنزلة منزلة الكرامة والشرف والقرب بالحق (فقربا قربانا) كان قربان هابيل كبشا من أفضل أفراد غنمه فقبل بنزول النار البيضاء عليه وأكلها له وكان قربان قابيل من أخس أفراد زرعه وأرداه فلم يقبل. والمراد بالقربان هنا ما يتقرب به إلى الله من الذبيحة وغيرها وهو في الأصل مصدر ولذلك لم يثن مع أن المراد منه اثنان، وقيل: تقديره فقرب كل واحد منهما قربانا فلا يحتاج إلى التثنية (ولا أقبل إلا من المتقين) فقبل من هابيل لأنه كان من أهل التقوى لا من قابيل لمعصيته وخسة قربانه وعدم خلوص نيته. قال جماعة منهم الفاضل الأردبيلي: فيه دلالة على أن قبول الطاعة مشروط بالتقوى وأن عبادة الفاسق غير مقبولة وإن كانت صحيحة إذا وقعت على وجهها، ثم قال هذا الفاضل: يمكن أن يقال: المراد أن قبول العبادة مشروطة بالتقوى في تلك العبادة بأن يأتي بها بحيث لا تكون عصيانا مثل أن يقصد الرياء أو غيره من المفسدات، أو بالتقوي عن ذنب ينافي تلك العبادة فيكون إشارة إلى أن الأمر بالشئ يستلزم النهي عن ضده، وقال بعض المتأخرين يمكن أن يكون المراد أن التقوي شرط لقبول مثل هذه العبادة المخصوصة وهي القربان بهذا الوجه وكان من شأنهما ما علمت من قتل قابيل هابيلا حسدا عليه وكان ينبغي أن يقتل نفسه لأن سبب عدم القبول كان من قبله لا من

[ 355 ]

قبل أخيه. (فكيف تثق بالصاحب بعد الأخ والوزير) يعني لم تبق الوثوق بالأخ مع كمال قربه منك وحمله الثقل عنك فكيف تثق بغيره وفيه مبالغة في الحزم وإخفاء النعم عن الغير لكثرة أهل الحسد (يا موسى ضع الكبر ودع الفخر) الكبر رذيلة تحت الفجور مقابل التواضع وهو أن يعتقد الإنسان أنه أعظم من الغير بأن يرى لنفسه مرتبة من الحال والكمال أو المال والنسب وللغير مرتبة ثم يعتقد أن مرتبته فوق مرتبة ذلك الغير ويوجب ذلك نفحة وهزة وتعززا وتعظما وركونا إلى ما اعتقد من كمالها وشرفها على الغير ولو حصل لها هذه الأمور مع قطع النظر عن الغير كان ذلك عجبا، وآفات الكبر وثمراته الفاسدة من الأعمال الباطنة والظاهرة والتروك كثيرة غير محصورة ذكرنا بعضها في شرح الأصول، والفخر التمدح بالخصائل وإظهار السرور بالفضائل ونحوها والركون إليها لا من جهة إضافتها إلى الله عز وجل باعتبار أنها منه ومن جلائل نعمه عليه وأما لو ذكرها ونسبها إليه تعالى لإظهار شكره فليس ذلك بفخر ولذلك قال (صلى الله عليه وآله): " أنا سيد أولاد آدم ولا فخر " (واذكر أنك ساكن القبر) في الحال أو في المآل والأول أظهر لأن اسم الفاعل في الاستقبال مجاز وقوله عليه السلام: " موتوا قبل أن تموتوا " إشارة إلى هذا (فليمنعك ذلك من الشهوات) لأن ذكر الموت الذي هو هادم اللذات يمنع النفس عن الميل إلى الشهوات ويبعثها على المسارعة إلى الخيرات فكيف فرض حصوله بالفعل. (يا موسى عجل التوبة وأخر الذنب) تعجيل التوبة من الذنوب والتقصير مطلوب لدلالة الآيات والروايات على أنها فورية ولأن رفع سواد الذنب قبل استقراره وتمكنه في لوح النفس أسهل مع إمكان ورود الموت قبلها بغتة وهو مستلزم لشدة الحسرة وطول الندامة يوم القيامة وكذا تأخير الذنب مطلوب فلعل الله يحول بينك وبينه ويصرف نفسك عنه برحمته ويمكن أن يكون تأخيره كناية عن تركه رأسا وصرف النفس عن الميل إليه قطعا، روي " إن ترك الذنب أسهل من التوبة عنه ". (وتأن في المكث بين يدي في الصلاة) المكث مثلثا ويحرك اللبث والتأني التلبث فالتأني في المكث تأكيد ومبالغة فيه روي: " إن ملكا موكل ينادي لو يعلم المصلي من يناجي ما انفتل " (ولا ترج غيري) صرف وجه الرجاء إليه لا إلى غيره في الأمور الأخروية مثل الثواب ورفع الدرجات وغيرهما ظاهر ولكن لابد من العمل لها لئلا يكون ذلك الرجاء سفها وحمقا كما دلت عليه الروايات وكذا في الأمور الدنيوية لأنها أما أسباب أو مسببات وزمام كلها بيد قدرته فلو كان في حصول المرجو مصلحة حصل له في أقرب الأوقات من غير أن يذل نفسه ويضطرب برجاء غيره، إذ قد لا يكون ذلك الغير محلا لرجائه أو كان ولا يقضيه أو يقتضيه ويمن عليه ولو لم يمن لم يخرج

[ 356 ]

هو من ذل وإنكسار وكل ذلك مكروه عند الله تعالى ولذلك ورد النهي عن إذلال المؤمن نفسه، ووردت الروايات على ترغيب المؤمن في طلب المطالب كلها، قليلها وكثيرها، عظيمها وحقيرها منه تعالى. (اتخذني جنة للشدايد وحصنا لملمات الأمور) الأمور الملمة هي النازلة من نوازل الدهر ونوائبه الثقيلة على النفس ويتحقق الاتخاذ بالتوجه إليه عند نزولها وقبله، ففيه حث على الدعاء والتضرع والابتهال في جميع الأحوال. (يا موسى كيف تخشع لي خليقة لا تعرف فضلي عليها ؟) المراد بالخليقة الناس وبفضله نعمته وإحسانه ولطفه على عباده وهي باطنة وظاهرة والباطنة ما يكمل به كل شخص ويتم به ماهيته كالقوى وغيرها من الجوارح والأعضاء. والظاهرة منها ما يتوقف عليها بقاء وجوده واستمراره المقدر من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها ومنها ما يتوقف عليه كمال نفسه الناطقة من الأخلاق والأعمال والأوامر والنواهي وإرسال الرسول وإنزال الكتاب والوعد بالثواب والعقاب وغيرها مما نطق به لسان الشرع، إذا عرفت هذا فنقول تخشع الناس وتذللهم لله تعالى متوقف على التصديق بفضله عليهم بالضرورة إذ لا يتخشع ولا يتذلل أحد لمن لا فضل له عليه ولا حاجة له إليه، ولهذا نفى التخشع عمن لم يكن له هذه المعرفة والتصديق، ثم هذا التصديق متوقف على تصور المحكوم به وهو الفضل وهذا التصور متوقف على الإيمان بالفضل والإقرار بوجوده وهذا الإقرار متوقف على الرجاء بالثواب اللازم للفضل وهذا الرجاء متوقف على رفض الدنيا وعدم اتخاذها دار استيطان فأشار إلى الأول وهو توقف هذا التصديق على تصور المحكوم به بقوله (وكيف تعرف فضلي عليها وتصدق به وهي لا تنظر فيه) أي في الفضل ولا تتصوره لإنتفاء التصديق بانتفاء التصور، وأشار إلى الثاني بقوله (وكيف تنظر فيه) أي في الفضل وتتصوره (وهي لا تؤمن به) أي لا تقر بوجوده وأشار إلى الثالث بقوله (وكيف تؤمن به وهي لا ترجو ثوابا) لأن الإقرار بوجود الفضل الذي من جملته الشرع يستلزم الرجاء بالثواب الموعود فيه وانتفاء اللازم يستلزم انتفاء الملزوم، وأشار إلى الرابع بقوله: (وكيف ترجو ثوابا وهي قد قنعت بالدنيا) وغفلت عن الآخرة (واتخذتها مأوى) أي دار استيطان ومسكن استقرار وركنت إليها ركون الظالمين الخارجين من الدين لأن الرجاء بالثواب يستلزم التمسك بأسبابه والعمل للآخرة وعدم القناعة بالدنيا والركون إليها وانتفاء اللازم دليل على انتفاء الملزوم، ويظهر من هذه المقدمات أن القانع بالدنيا الغافل عن الآخرة مسلوب عنه جميع ما تقدم لأن انتفاء الموقوف عليه والأسباب مستلزم لانتفاء الموقوف والمسببات وليس للدنيا وأهلها ذم أبلغ من هذا والله يعلم.

[ 357 ]

(يا موسى نافس في الخير أهله فإن الخير كاسمه) نافسه في الأمر شاركه في الرغبة فيه على وجه المباراة والمغالبة والخير اسم جامع لكل ما هو وسيلة للقرب منه تعالى ولابد من الرغبة فيه والاجتهاد في طلبه لأنه حسن خيرة من الله تعالى كاسمه من بين الأسماء والواضع لاحظ كمال المناسبة بينهما (ودع الشر لكل مفتون) به وبالدنيا على قدر ما تعلق به العلم الأزلي وجرى عليه القضاء الإلهي كما قال (صلى الله عليه وآله) " كل ميسر لما خلق له ". (يا موسى اجعل لسانك من وراء قلبك تسلم) أشار إلى أنه ينبغي عند إرادة القول من التثبت والتأمل فيما يريد النطق به وفيما لا ينبغي من القول بعد مراجعة الفكر وإلى أن غايته هي سلامته في نفسه وماله وسلامة الغير أيضا فيهما عن الآفات إذ مفاسد الكلام أكثر من أن تحصى وقد يفسد بكلام واحد البلاد والعباد وإلى مضمون ذلك أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله " وإن لسان المؤمن من وراء قلبه وإن قلب المنافق من وراء لسانه " وقرن الأول بالإيمان للترغيب فيه والثاني بالنفاق للتنفير عنه (وأكثر ذكري بالليل والنهار تغنم) في الدنيا بشرح الصدر وصلاح الحال وفي الآخرة بسعادة القرب وأشرف المآل ولم يذكر ما يغنم به للدلالة على التعميم والتعظيم. (ولا تتبع الخطايا فتندم) وقت الموت وبعده لمشاهدة سوء خاتمتها، ولا تتبع من الإتباع بشد التاء أو تخفيفها أو من التبع يقال: تبعه كفرح تبعا مشى خلفه ومر به فمضى معه (فإن الخطايا موعدها النار) تعليل للفعلين بأن الخطايا تجر صاحبها إلى النار سواء قيل بعرضيتها أو بتجسهما وصيرورتها حيات وعقارب ونحوها على اختلاف القولين (يا موسى اطب الكلام لأهل الترك للذنوب) وبشرهم بما يعملون ولا تقل لهم ما يكرهون، ويقرب منه قول أمير المؤمنين (عليه السلام): " ولا تضعوا من رفعته التقوى " وصى عليه السلام برعاية حاله وترك أذاه إما بقول كرهه والاستهزاء به أو بفعل كضربه أو فعل ما يستلزم إهانته أو ترك قول أو فعل يستلزم ذلك (وكن لهم جليسا) ترغيب في مجالسة الصالحين لأن مجالستهم نافعة في الدنيا والدين والروايات فيه كثيرة (واتخذهم لغيبك إخوانا) يدعون لك في ظهر الغيب ويذكرونك بخير ويدفعون عنك سوءا ويحملون ثقل أهلك وعيالك وفي بعض النسخ " لعيبك " بالعين المهملة أي لستره أو عفوه أو إصلاحه " إخوانا " إما بدل عن ضمير الجمع أو حال عنه (وجد معهم يجدون معك) أي جد معهم في حوائجهم يجدون معك في حوائجك أو الأعم منها ومن الأمور الدينية والجد الإجتهاد في الأمر والسعي فيه. (يا موسى الموت لاقيك لا محالة) فيه تنفير عن الميل إلى شهوات النفس ولذات الدنيا فإن من علم أنه يموت وينقل إلى منزل وحشة وبيت حفرة ومسكن غربة سهل في عينه الدنيا وما فيها ثم رغب في العمل لما بعد الموت بقوله: (فتزود زاد من هو على ما يتزود وارد على اليقين) المراد بالزاد ما ينفع في الآخرة مثل التقوى وغيرها (يا موسى ما أريد به وجهي فكثير قليله) إما

[ 358 ]

لأن ثوابه الأبدي جزيل أو لأنه تعالى ينميه ويجعله عظيما أو لأنه يعطي به أضعافا مضاعفة كما نطقت بجميع ذلك الروايات (وما أريد به غيري) من باب الاشتراك أو الانفراد (فقليل كثيره) لعل المقصود من الفقرتين صريحا نفي القلة في الأول والكثرة في الثاني وضمنا حصر الصحة والقبول في الأول ونفيهما عن الثاني بناء على مقدمة ضرورية ومقدمة شرعية أما الأولى فهي أن كل ما لزم من وجوده عدمه أو وجود ضده المستلزم لعدمه كان محالا وعلى هذا كانت القلة في الأول والكثرة في الثاني محالين إذ لزم من فرض الأولى ضدها وهو الكثرة ومن فرض الثانية ضدها وهو القلة فلا توجد القلة في الأول والكثرة في الثاني، وأما الثانية فلأن العمل الواحد الصحيح المقبول كثير فسلب الكثرة عن الأعمال المتعددة إنما هو لعدم صحتها وقبولها (وإن أصلح أيامك هو أمامك) وهو يوم القيامة أو يوم حضور الموت وهو يوم خروج المؤمن من سجن الدنيا إلى الروح والراحة (فانظر أي يوم هو) لتعرف شدته وعظمته المميزة له عن سائر الأيام (فأعد له الجواب فإنك موقوف به) أي بسبب الجواب أو في ذلك اليوم (ومسؤول) عما فعلت من صغير وكبير كما دلت عليه الآيات والروايات وأمره بإعداد الجواب أمر بضبطه جميع حركاته النفسانية والبدنية ومكاسب المال ومصارف ووزنه بميزان الشرع باسقاط الزائد وإتمام الناقص فإنه إذا فعل ذلك في أيام عمره وسئل يوم القيامة عما صنع كان جوابه النافع حاضرا وإن كان خلاف ذلك كان جوابه صعبا والخروج عن عهدة الحساب مشكل وأمره خطير. (وخذ موعظتك من الدهر وأهله) لعل المراد من الدهر هنا عمر كل شخص وهو يذهب مع أهله ويبقى عليه ما اكتسبه من خير وشر وعلل الأخذ أو وعظ الدهر بقوله (فإن الدهر طويله قصير وقصيره طويل) لعل المراد أن طويله قصير في نفس الأمر لسرعة زواله ولأنه الذي أنت فيه وقصيره طويل باعتبار طول الحساب والجزاء ولا يخفى لطف هذه العبارة لإيهام حمل الشئ على ضده ظاهرا مع إفادة معنى لطيف والغرض منه هو الحث على العمل للآخرة وترك الركون إلى البقاء فيه (وكل شئ فإن) فاعمل كأنك ترى ثواب عملك لكي يكون أطمع لك في الآخرة لا محالة " كل شئ فان " إما مرفوعان على الابتداء والخبر معطوفان على محل اسم إن وخبرها كما في قولك: إن زيدا قائم وعمرو قاعدا والاول منصوب والثاني مرفوع عطفا على اسم إن وخبرها وهو على اليقين كالتفسير والتأكيد للسابق وما هو المقصود منه فإن العلم بفناء كل شئ من الدهر وما يتعلق به يقتضي تركه وترك تعلق القلب به ويتفرع منها الاجتهاد في العمل الخالص للآخرة وهو العمل الذي ترى ثوابه بعين البصيرة وتتيقن بحصوله فيها وثواب هذا العمل هو الذي يتعلق الطمع في حصوله في الآخرة قطعا، وأما العمل الغير الخالص فالطمع في حصول ثوابه غير متحقق بل غير معقول لدلالة الأخبار على ذلك (فإن ما بقي من الدنيا كما ولى

[ 359 ]

منها) كأنه تعليل لقوله " وكل شئ فان " وإشارة إلى أن الدهر يجري بالباقين كجريه بالماضين ويذهب دهر الباقين معهم كما ذهب دهر الماضين ويكون آخره كأوله إذ أموره وأطواره متشابهة وأفعاله وآثاره مناسبة وطبيعته التي يعامل الناس بها قديما وحديثا متعاضدة يتبع بعضها بعضا وفيه تنبيه للسامعين ليتذكروا أنهم أمثال الماضين وأنهم لاحقون بهم وتحريك لهم على العمل لما بعد الموت واستعداد له ونسب هذه الأمور إلى الدهر جريا على ما في أوهام الناس وإلا فالفاعل هو الله تعالى. (وكل عامل يعمل على بصيرة ومثال) ضرورة أن كل عامل يتوجه ذهنه إلى عمل معلوم ومثال متمثل في خياله سواء كان ذلك العمل مستندا إلى وحي رباني أو اختراع نفساني أو إلهام شيطاني (فكن مرتادا لنفسك يا بن عمران) المراد بالارتياد هنا طلب العمل على وجه التفكر في أوله وآخره وحسنه وقبحه ومورده ومأخذه وإنما أمره بطلب هذا العمل لأنه النافع كما أشار إليه بقوله (لعلك تفوز غدا يوم السؤال) وأما غيره من العمل المخترع وان اجتهد عامله فإنه يصير في ذلك اليوم هباء منثورا كما نطق به القرآن الكريم وأشار إليه بقوله: (فهنالك يخسر المبطلون) العاملون بأهوائهم وآرائهم التابعون لآبائهم وكبرائهم التاركون لرسلهم وأوصياء أنبيائهم (يا موسى ألق كفيك ذلا بين يدي) كأنه أمره برفع اليدين إلى السماء في القنوت والدعاء أو بالسجود له والتضرع فيه عند ورود الحاجة أو نزول البلية أو صدور الذنب (كفعل العبد المستصرخ إلى سيده) الذي لا ملجأ له إلا إليه ولا وثوق له إلا عليه (إذا فعلت ذلك رحمت) مجهول على صيغة الخطاب أو معلوم على صيغة المتكلم وحذف المفعول (وأنا أكرم القادرين) وعد بحصول الرغبة وحث على ترقبه لأن القادر الكريم لا يخيب المضطر إليه ولا يمنع الخاضع لديه فكيف إذا اتصف بزيادة الكرم زيادة عثرت قبل الوصول إليها عقول العلماء وعجزت عن معرفة كنهها فحول الحكماء. (يا موسى سلني من فضلي ورحمتي فإنهما بيدي ولا يملكهما أحد غيري) المسؤول إما الفضل والرحمة أو بعضهما على أن تكون من زائدة أو للتبعيض أو محذوف وهو خير الدنيا والآخرة على أن تكون من للتعليل والمقصود حثه على صرف وجه السؤال إليه وفراغه عن الغير والاشتغال بالتضرع بين يديه فإنه مالك الفضل والرحمة يهيئ له أسباب مسؤوله ومطلوبه ويفتح له أبواب مأموله ومرغوبه (وانظر حين تسألني كيف رغبتك فيما عندي) ترغيب في حسن الظن به في قبول سؤاله ودعائه وفي بعض الأخبار عن الأئمة الأطهار: " والذي لا إله إلا هو ما أعطي مؤمن قط إلا بحسن ظنه، " وفي بعضها: " أحسن الظن بالله فإن الله عز وجل يقول أنا عند ظن عبدي المؤمن بي إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا " ثم قال لزيادة الترغيب فيه (لكل عامل جزاء) في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما (وقد يجزى الكفور بما سعى) من خير إما في الدنيا أو في الآخرة

[ 360 ]

بتخفيف العذاب. (يا موسى طب نفسا عن الدنيا وانطو عنها) طيب النفس والسرور بالمجاوزة عن الدنيا والانطواء وطي الكشح عنها غاية الزهد فيها ولذلك أمره بهما وعلل الأمرين بقوله: (فإنها ليست لك ولست لها) فإنها باعتبار ما فيها من الزهرات واللذات للفاسقين وروحك المطهر من أعلى عليين، ثم حذره عنها على سبيل الإنكار والتوبيخ في الميل إليها بقوله (ما لك ولدار الظالمين) المغرورين بها والمشغولين بشهواتها (إلا لعامل فيها بالخير فإنها له نعم الدار) فالدنيا ممدوحة باعتبار أنها مضمار للآخرة ومحل لاكتساب الزاد لها وتحصيل مقام القرب والدرجة الرفيعة فيها وإنما ذمها باعتبار ما فيها من الزهرات الشاغلة للمائلين إليها المفتونين بها عن الله تعالى وعن العمل للآخرة وظاهر هذا الاستثناء الانقطاع ويمكن صرفه إلى الاتصال بأن يكون المراد بالظالم العامل بالظلم وهو من حيث هو مع قطع النظر عن تقييده بالظلم يصدق على العامل بالخير فليتأمل. (يا موسى ما آمرك به فاسمع) كناية عن الأخذ والقبول والعمل به كما في قولنا: إذا نصحتك فاسمع (ومهما أراه فاصنع) أي مهما أراه خيرا لك فاصنع على حذف المفعول الثاني لأن الرؤية بمعنى العلم تتعدى إلى مفعولين (خذ حقايق التوراة إلى صدرك) المراد بحقايقها المعاني الأولية وما فوقها والأسرار الإلهية والنصايح والمواعظ الربانية المذكورة فيها (وتيقظ بها في ساعات الليل والنهار) أي تيقظ بقراءة التوراة والعمل بأحكامها والعلم بحقايقها في جميع الأوقات (ولا تمكن أبناء الدنيا) الذين يميلون وينتسبون إليها كميل الابن وانتسابه إلى أبيه (من صدرك فيجعلونه وكرا كوكر الطير) الوكر بالفتح والتسكين عش الطاير، وإنما نهاه عن تمكينهم من صدره وميل قلبه إليهم لأنهم حينئذ يجعلونه وكرا لأنفسهم ويتصرفونه ويلازمونه كما يلازم الطائر عشه ويتولد منهم حب الدنيا. (يا موسى أبناء الدنيا وأهلها فتن بعضهم لبعض فكل مزين له ما هو فيه) تأكيد لما مر وتنبيه على ترك مودتهم ومجالستهم لأنهم يزينون زينة الدنيا لجلسائهم قولا وفعلا ويتصرفون في صدورهم تصرفا تاما ويقرب منه قول أمير المؤمنين (عليه السلام) " ولا ترفعوا من رفعته الدنيا " وذلك لأن من رفعته الدنيا وأهلها لما كان عادلا من التقوى كان الميل إليه واحترامه ومحبته ومجالسته يستلزم المحبة للدنيا والميل إليها فكان منهيا عنه وعدم توقيره ومجالسته زهدا في الدنيا وفي أهلها وهو من جملة التقوى فكان مأمورا به (والمؤمن زينت له الآخرة) زينها الله تعالى بإنزال الكتاب وإرسال الرسول وبيان أوصافها ونعيمها (فهو ينظر إليها ما يفتر) الفتور الضعف والسكون وضد الحدة يقال: طرف فاتر أي حسير كليل ليس بحاد، والمراد بالنظر النظر بالبصيرة القلبية والقوة العقلية الحاصلة بالعلوم الشرعية والرياضة النفسية بعد رفض العلائق وقطع العوائق فهو حينئذ

[ 361 ]

ينظر إلى الآخرة ومقاماتها وأحوال الناس فيها ودرجاتها ويبصر نعيمها وشهواتها لا يكل ولا يضعف نظره ولا يسكن ولا يصرف عنها بصره (قد حالت شهوتها بينه وبين لذة العيش) في الدنيا لأن ملاحظته فضل الآخرة على الدنيا وعلمه بأحوال المعاد بعثه على شهوة الآخرة والعمل لها وتركه لذة عيش الدنيا (فأدلجته بالأسحار) الإدلاج بتخفيف الدال السير في أول الليل وبالتشديد السير في آخره ولعل التعدية باعتبار تضمين معنى التصيير أي صيرته شهوة الآخرة مدلجا سائرا في آخر الليل مشتغلا بالعبادة لعلمه بأن تلك الشهوة لا تنال إلا به (كفعل الراكب السابق إلى غايته) أي مقصده وخطره، شبه سير ذلك المؤمن بسير الراكب السابق إلى غايته لعلمه بأنها لا تنال إلا به، ويمكن أن يكون المشبه به سير الراكب المسافر والوجه هو الوصول إلى المطلوب والراحة والنجاة من الشدايد (يظل كئيبا ويمسي حزينا) فهو دائما في هم وغم وسوء حال وانكسار وحزن من ألم الفراق والغربة والخوف من التقصير وسوء الخاتمة، وفي المصباح ظل يفعل كذا يظل ظلولا إذا فعله نهارا، قال الخليل: لا تقول العرب ظل إلا لعمل يكون بالنهار. (فطوبى له) أي طيب العيش أو الجنة له، وقد يطلق على المدح وحسن الحال (ولو قد كشف الغطاء) المانع من المشاهدة العينية " ماذا يعاين من السرور " وموجباته المعدة لأولياء الله التي لا ينال وصفها العقل واللسان ولا يدرك قدرها الوهم والبيان، وماذا كلمة استفهام على التركيب أو ما استفهام وذا موصولة أو زائدة. (يا موسى الدنيا نطفة ليست بثواب للمؤمن ولا نقمة من فاجر) النطفة بالضم ماء الرجل والماء الصافي قل أو كثر، وقليل ما يبقى من دلو أو قربة، قيل: وهو من أقرب العبارات وأعجبها وأفصح الكنايات عن الماء وأغربها، والنقمة بالكسر والفتح وكفرحة المكافات بالعقوبة والجمع نقم ككلم وعنب وكلمات، نقم منه كضرب وعلم وانتقم عاقبه (فالويل الطويل من باع ثواب معاده بلعقة لم تبق) في بعض النسخ " بلقطة " وهي ما يؤخذ من مال مطروح وفي بعضها بلعبة وهي بالضم التمثال وما يلعب به كالشطرنج ونحوه، استعارها لمتاع الدنيا لكونه كل يوم في يد أحد (وبلعقة لم تدم) (1) في القاموس: لعقة كسمعة لعقة ويضم لحسه وبالضم ما تأخذه في الملعقة شبه بها حطام الدنيا في القلة والخسة والحقارة والمراد ببيع ثواب المعاد بها تبديل ما يوجبه من الزهد والورع والتقوى وغيرها بها وهذا التبديل يوجب الويل وهو حلول الشر والفضيحة والتفجع والعذاب أو هو واد في جهنم أو بئر فيها (وكذلك) أي والحال أن الدنيا ووصف أهلها ما ذكر لا ريب فيه (فكن كما أمرتك) مما فيه صلاحك مثل طيب النفس عن الدنيا والعمل بحقايق التوراة


1 - كذا ولعل الصحيح لحسة. (*)

[ 362 ]

وغير ذلك ثم رغبه في أخذ ما أمره به بقوله (وكل أمري رشاد) أي طريق مستقيم يوصلك إلى ما فيه سرورك في الدين ونجاتك عن دار الظالمين. (يا موسى إذا رأيت الغنى مقبلا فقل ذنب عجلت لي عقوبته) أطلق الذنب على الغنى مبالغة لأن الغنى سبب لذنوب كثيرة مثل التكبر والتفاخر وتحقير المؤمن وعصيان الرب وترك الحقوق الواجبة المالية ونحوها وإلى جميع ذلك أشار جل شأنه بقوله * (إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى) * ويحتمل أن يكون المراد أن الغنى مسبب عن ذنب سابق فإنه تعالى قد يغني المذنب استدراجا له في غيه. (وإذا رأيت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصالحين) الرحب السعة أو الواسع ونصبه بفعل مقدر أي صادفت سعة أو واسعا والياء للمصاحبة بمعنى أو للسببية والشعار بالفتح العلامة وما ولي الجسد من الثياب وفيه مبالغة في كمال لزومه والتصاقه بالصالحين حتى أن يتميز الصالح من الطالح (ولا تكن جبارا ظلوما) أي متكبرا عاتيا متمردا ظالما على نفسك وغيرك (ولا تكن للظالمين قرينا) أي مقارنا مصاحبا لأن صحبتهم تميت القلب وتميل إلى الظلم والرضا به وتورث حبهم وعونهم وغير ذلك من المفاسد. (يا موسى ما عمر وإن طال يذم آخره) حث على رعاية حسن الخاتمة وتحصيل ما يوجبه في كل وقت من أوقات العمر لأنه يحتمل أن يكون آخره (وما ضرك ما زوي عنك إذا حمدت مغبته) الزي التنحية والقبض زواه عنه إذا نحاه وقبضه، والمغبة بفتح الغين عاقبة الشئ كالغب بكسرها وفيه تسلية للفقراء بأن ما نحي عنهم وقبض من متاع الدنيا وزهراتها لا يضرهم بل ينفعهم لأنه محمود العاقبة وهم يحمدون ويشكرون إذا رأوا خزي أهل الدنيا وخسرانهم (يا موسى صرخ الكتاب إليك صراخا بما أنت إليه صابر) في القيامة من عوائدها ودرجاتها المعدة لأهل الطاعة وشدايدها ودركاتها المقدرة لأهل المعصية وفيه استعارة مكنية وتخييلية بتشبيه الكتاب بالإنسان وإثبات الصراخ وهو الصيحة والصوت الشديد له أو استعارة تبعية بتشبيه دلالة الكتاب ينطق الناطق وصراخه واستعارة الفعل له (فكيف يرقد على هذا العيون) الاستفهام للتعجب أو التوبيخ بترك التيقظ والطاعة في ساعات الليل (أم كيف يجد قوم لذة العيش) في الدنيا ويرضى بها لولا التمادي في الغفلة عن صراخ الكتاب وأحوال القيامة (والاتباع للشقوة والتتابع للشهوة) هذه الأمور الثلاثة أسباب لنوم العيون ووجدان لذة العيش لأنها حجب ظلمانية مضروبة على الجوهر القدسي مانعة له عن رؤية أحوال الآخرة ولو قد كشفت تلك الحجب عنه لرآها بعين اليقين وعلم أنه من أين جاء ولم جاء وإلى ما يصير واستعمل جميع الجوارح فيما يحتاج إليه بعد العود فلا ينام ولا يجد لذة العيش شوقا إلى درجات الآخرة ومثوباتها وخوفا من دركاتها وعقوباتها (ومن دون

[ 363 ]

هذا يجزع الصديقون) أي من عند تمادي الخلق في الغفلة يجزع الصديقون بمشاهدتهم مخالفة الرب وصعوبتها عليهم أو من غير التمادي في الغفلة يجزع الصديقون فأهل التمادي أولى بالجزع أو من غير صراخ الكتاب إلى أحوال القيامة يجزع الصديقون من التقصير لعلمهم بأنه تعالى مستحق للعبادة لذاته ولو لم تكن الجنة والنار كما أشار إليه سيد الوصيين بقوله: " ما عبدتك طمعا في جنتك ولا خوفا من نارك بل وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك " والله يعلم. (يا موسى مر عبادي يدعوني على ما كان) من الذنوب والبلايا والحاجات مطلقا ولما كان الاجتهاد في الدعاء وحسن الظن بالله عز وجل أمرا مطلوبا ولا يتحقق ذلك إلا بأن يقر الداعي له تعالى بأوصاف مقتضية لهما أشار إليها بقوله: (بعد أن يقروا لي أني أرحم الراحمين) إذ لولا هذا الإقرار لكان الداعي غافلا أو حاكما بالتساوي أو مرجحا رحمة الغير أو منكرا لرحمته تعالى والكل ينافي الإجتهاد وحسن الظن به تعالى (مجيب المضطرين) إذ لولا الإقرار بأنه يجيب المضطرين كلهم لجوز أن لا يجيبه لعدم المنافاة بين الإيجاب والسلب الجزئيين وهذا يوجب الفتور فيما ذكر (واكشف السوء) إذ لو لم يقر بأنه يكشف السوء كله لجوز أن لا يكشف سوءه هذا وهو أيضا ينافي ما ذكر (وأبدل الزمان وآتي بالرخاء) إذ لو لم يقر بأن تبدل الزمان من الرخاء إلى الشدة ومن الشدة إلى الرخاء وإتيان الرخاء منه تعالى لجوز أن يكون من غيره فهذا الغير أولى بالرجوع إليه وهو مناف لما ذكر (واشكر اليسير وأثيب الكثير وأغني الفقير) الإقرار له بقبول اليسير وإثابة الكثير وإغناء الفقير داع إلى ما قلنا (وأنا الدائم العزيز القديم) الإقرار له بالدوام الذي لا انقطاع له والعزة التي لا يغلب معها والقدرة التي لا يقدر شئ على الامتناع منها باعث على ما مر والكل ظاهر (فمن لجأ إليك وانضوى إليك) أي أوى ومال وانضم إليك، وفي الفايق: ضوى إليه وأضواه آواه فانضوى (من الخاطئين) بيان للموصول والظاهر أن ميله إليه عليه السلام بالتوبة والإنابة والاعتراف بالخطأ والتقصير (فقل: أهلا وسهلا) نصبهما بفعل محذوف وجوبا أي أتيت أو صادفت أهلا وعشيرة لا أجانب ووطئت سهلا من البلاد لا حزنا ولا خرابا وهذا الكلام يقوله العرب لإظهار الرضا عن المخاطب وتعظيمه وتوقيره. (يا رحب الفناء بفناء رب العالمين) الرحب بالضم والسعة وبالفتح الواسع والفناء بالكسر ما امتد من جوانب الدار وفي كنز اللغة: " فنا " استان در، والظرف متعلق بالرحب وصف اللاجئ بأنه واسع الفناء في فناء رب العالمين من باب تشبيه المعقول بالمحسوس لقصد الإيضاح والدلالة على تعظيمه وتوقيره فإن قولنا: فلان واسع المكان في باب السلطان يدل على ذلك والله يعلم (واستغفر لهم وكن لهم كأحدهم) من لطف الله تعالى بعباده المذنبين ورحمته عليهم ومحبته لهم أن أمر رسوله الكريم بالاستغفار لهم وحسن المعاشرة معهم وترك التحشم والاستطالة عليهم

[ 364 ]

وأمرهم بالسؤال من فضله ورحمته ورغبهم فيه بأنه ذو الفضل العظيم، فوجب عليهم أن يكفوا عن مخالفته ويشغلوا بطاعته أداء لشكر نعمته (يا موسى كهف الخاطئين) لأنهم رجعوا من الباطل إلى الحق واهتدوا إلى الإيمان وتخلصوا عن يد الشيطان واستظلوا في ظل الأمن والأمان بإرشاده وهدايته وحسن عنايته ورعايته. (وجليس المضطرين ومستغفر للمذنبين) المراد بالجلوس معناه الحقيقي أو هو كناية عن السعي في دفع شدتهم واضطرارهم والاهتمام برفع حاجاتهم وافتقارهم وفي مدحه عليه السلام بهذه الأوصاف حث لعلماء المؤمنين وصلحائهم على الأسوة به (إنك مني بالمكان الرضي) الرضي فعيل بمعنى مفعول وهو مكان النبوة والرسالة والقرب والسعادة ورئاسة الدارين (فادعني بالقلب النقي) أي الخالص عن الرياء والسمعة والاشتغال بغيره تعالى أو عن الرذائل كلها. (واللسان الصادق) أي الموافق للقلب أو مع حضوره وفراغه عن الغير إذ لو كان قلب طالب الحاجة منه غافلا عنه أو مشغولا بالغير عد كاذبا بل مستهزئا (وكن كما أمرتك.. الخ) قد مر شرحه والتكرير للتأكيد وهو مطلوب في مقام النصح والوعظ والتذكير وقد وقع مثل ذلك في القرآن العزيز في مدح العلم والعلماء وذم الجهل والجهلاء وذم الدنيا وأهلها وغير ذلك وفيه مبالغة في نفي الاستطالة إذ كل ما يتصور منه الاستطالة من الأمور الذاتية والعرضية والنعماء الظاهرة والباطنة فمنه تعالى ابتداؤه (وتقرب إلي) بالعلم والعمل والدعاء والتضرع ورفع الحاجات (فإني منك قريب) الفاء للتعليل لأن قربه تعالى من الخلق مع الاستغناء عنهم يقتضي تقربهم منه مع كمال الاحتياج إليه وتقديم الظرف لتعظيم المخاطب ولئلا يقع الفصل بينه وبين الله تعالى وإن كان لفظ القرب لأنه مشعر بالانفصال في الجملة (فإني لم أسألك ما يؤذيك ثقله ولا حمله) تعليل آخر للأمر بالتقرب أو للدعاء والعمل المستفاد من الأمر بالتقرب والظاهر أن العطف للتأكيد والتفسير وأن فيه حملا وثقلا في الجملة إلا أنه لا يؤذي لكثرة نفعه كما أشار إليه بقوله (إنما سألتك أن تدعوني فأجيبك وأن تسألني فأعطيك) فيه ترغيب في الدعاء والسؤال وفي الفاء المقتضية للتعقيب بلا فصل دلالة على سرعة الإجابة قال الصادق عليه السلام: " إذا دعوت فظن حاجتك بالباب " ولكن له شرائط مذكورة في كتاب الدعاء منها تقديم حمده تعالى وتذكر نعمته الشكر لها والصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) وذكر الذنوب والاستغفار منها وفي حذف المفعول دلالة على التعميم فكل ما دعاه من أمور الدين والدنيا وفيه صلاحه فالله يجيبه قطعا ولو وقع التأخير كان فيه أيضا مصلحة وقد روي عنه (عليه السلام): " من تمنى شيئا وهو لله رضى لم يخرج من الدنيا حتى يعطاه " (وأن تتقرب إلي بما مني أخذت تأويله وعلي تمام تنزيله) لعل الموصول عبارة عن الكتاب وما فيه من العلوم والأسرار والأحكام كل ذلك أسباب للقرب إليه تعالى والمراد بتأويله بيان باطنه وباطن باطنه ولازمه ولازم لازمه وهكذا إذ

[ 365 ]

للكتب الإلهية ظهور معلومة وبطون مكنونة وأسرار مصونة ولوازم مستورة وأحكام معينة تعلم بتعليم رباني وتأويل إلهي وبتمام تنزيله تنزيل كل ما يحتاج إليه الأمة من أمر الدنيا والدين. (يا موسى انظر إلى الأرض فإنها عن قريب قبرك) أمر بذكر الموت والرجوع إلى القبر وحيدا غريبا فإن ذلك يبعث على ترك الدنيا والعمل للآخرة (وارفع عينيك إلى السماء فإن فوقك فيها ملكا عظيما) لعل المراد به ملكوت السماوات وهو الذي أراه خليله عليه السلام ليكون من الموقنين أو الجنة وهي موجودة الآن في السماء عند جماعة منهم المحقق الطوسي وقالت طائفة إنما توجد في القيامة وللطرفين كلام مذكور في موضعه، ويحتمل أن يكون ملكا بالتحريك، والغرض منه هو الحث على العبادة أو إظهار عظمته تعالى. (وابك على نفسك ما دمت في الدنيا) لأنها جوهر عزيز شريف نزل من عند رب جليل لطيف إلى مقام الوحشة ودار الغربة ومنزل الكربة فصار مسجونا في سجن الطبيعة ومغلولا بغل السجية بعد كونه في مقام العز رفيعا وعالم القدس منيعا فاستحق ما دام في الدنيا البكاء على حاله والصراخ على ذله ونكاله إلى أن يتخلص منها ويرجع إلى مقامه الأصلي ومنزله الأولي (وتخوف العطب من المهالك) (1) لأن الإنسان ما دام في الدنيا التي هي دار البلية والامتحان وإن كان في غاية التقوى ونهاية الكمال ليس بآمن من انقلاب الحال وانعكاس المآل واتباع أهواء النفس ومخاطرات الشيطان وسلوك مسالكهما ولذلك اجتهد العقلاء والصلحاء في طلب حسن العاقبة (ولا تغرنك زينة الدنيا وزهرتها) الدنيا بزينتها وزهرتها تغر الناس وتخدعهم وتجذبهم إليها والعاقل لا يغتر منها لعلمه بمفاسدها وإغفالها عن الحق وعدم بقائها وسرعة انتقالها منه إلى غيره (ولا ترض بالظلم) الرضا بالظلم مثله في العقوبة ومن علاماته الاستبشار به والمدح له وعدم إنكاره مع القدرة عليه ومصاحبة الظالم وإعانته (ولا تكن ظالما فإني للظالم رصيد) أي مترقب منتظر لآخذه بغتة من رصد السبع يرصد فهو رصيد إذا رقب الوثوب على صيده (حتى أديل منه المظلوم) في القاموس: أدالنا الله من أعدائنا من الدولة والإدالة الغلبة وهو سبحانه يجعل الدولة والغلبة للمظلوم على الظالم في الدنيا أو يوم القيامة. (يا موسى إن الحسنة عشرة أضعاف) قد من على هذه الأمة أيضا بقوله: * (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) * وفيه تبشير للمحسن وترغيب له في فعل الحسنة لأنه إذا علم أنه للواحدة عشرة يسعى لها كالتاجر (ومن السيئة الواحدة الهلاك) فيه وعيد للمسئ وتنفير له عن السيئة مطلقا لأن النفس تتنفر من المهلكات (لا تشرك بي) شيئا جليا وخفيا لا تحل لك أن تشرك بي لأن الشرك


1 - كذا. (*)

[ 366 ]

ظلم لا يحل لأحد خصوصا لمن وصل مرتبة القرب فإنه تعالى لا يساهل معه في خفيه فضلا عن جليه (قارب إلي) بفعل الخيرات (وسدد) نفسك بترك المنهيات (وادع) في جميع الحالات (دعاء الطامع الراغب فيما عندي) المنقطع عن غيري لأن الدعاء مع توجه القلب إلى غيره والطمع فيما عنده شرك في الجملة (النادم على ما قدمت يداه) من الذنوب لأن الدعاء معراج السالكين وموجب العروج إلى مقام القرب وهو لا يفيد ذلك مع التقييد بأغلال الذنوب وقد ذكروا في كتب الأدعية أن تقديم الندامة والتوبة والاستغفار من شرائط إجابة الدعاء (فإن سواد الليل يمحوه النهار) وكذلك السيئة يمحوها الحسنة لأن السيئة رين القلب والحسنة جلاؤها كما قال عز وجل * (إن الحسنات يذهبن السيئات) * وفيه تشبيه المعقول بالمحسوس لقصد الإيضاح والتقريب إلى الفهم. وقول جارية المأمون له: " كلام الليل يمحوه النهار " كأنه مأخوذ من هذا " وعشوة الليل تأتي على ضوء النهار " هي بفتح العين المهلمة ظلمته (وكذلك السيئة تأتي على الحسنة الجليلة فتسودها) إذ اختلاط الظلمة بالنور يسوده كما أن الماء الكدر يكدر الماء الصافي، وفيه دلالة على الإحباط والاختلاف بين العلماء في تفسيره وثبوته وعدمه مشهور ليس هذا موضع ذكره. * الأصل: 9 - علي بن محمد، عمن ذكره، عن محمد بن الحسين، وحميد بن زياد، عن الحسن بن محمد الكندي جميعا، عن أحمد بن الحسن الميثمي، عن رجل من أصحابه قال: قرأت جوابا من أبي عبد الله (عليه السلام) إلى رجل من أصحابه، أما بعد فاني أوصيك بتقوى الله فإن الله قد ضمن لمن اتقاه أن يحوله عما يكره إلى ما يحب، ويرزقه من حيث لا يحتسب فإياك أن تكون ممن يخاف على العباد من ذنوبهم ويأمن العقوبة من ذنبه فإن الله عزوجل لا يخدع عن جنته ولا ينال ما عنده إلا بطاعته إن شاء الله. * الشرح: (أما بعد) أي بعد الحمد والصلاة ونحوهما ولم يذكرهما لكونهما معلومين بحسب المقام أو ذكرهما في الجواب أولا ولم يذكرهما المصنف اختصارا لعدم تعلق الغرض بذكرهما هنا كما فعل مثل ذلك في كثير من المواضع (فإني أوصيك بتقوى الله) أي بفعل الطاعات وترك المنهيات (فإن الله قد ضمن لمن اتقاه أن يحوله عما يكره إلى ما يحب ويرزقه من حيث لا يحتسب) كما قال عز وجل * (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب) * وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) " من أخذ بالتقوى غربت عنه الشدايد " وفيه وعد لمن اتقاه بأنه يحوله من الفتن والشدائد وضيق المعيشة إلى أضدادها ومن ظلمة الجهل وعداوة الخلق إلى نور العلم ومحبتهم له ومن طريق النار إلى طريق

[ 367 ]

الجنة ومن ألم الفراق من الحق إلى لذة الوصال به إلى غير ذلك وإليه أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله " واعلموا أن من يتق الله يجعل له مخرجا من الفتن ونورا من الظلم ويخلده فيما اشتهت نفسه وينزله منزل الكرامة عنده في دار اصطنعها لنفسه " وهذه كناية عن الجنة ونسبها إلى نفسه تعظيما لها وترغيبا فيها والجنة الحسية أشرف المقامات لأشرف المخلوقات وكذا الجنة العقلية وهي درجات الوصول والاستغراق في المعارف الإلهية التي بها السعادة والبهجة الأبدية والتقوى أعظم الأسباب لهما (إياك أن تكون ممن يخاف على العباد من ذنوبهم ويأمن العقوبة من ذنبه) كمن وعظ وأمر ونهى غيره وخالف ونسي نفسه ومن اغتاب أحدا على ذنبه أو كرهه وهو يعمله ولا يكره ذنب نفسه (فإن الله عز وجل لا يخدع عن جنته ولا ينال ما عنده إلا بطاعته إن شاء الله) أشار إلى أنه تعالى ليس بجاهل ولا غافل عما يعمله العباد من الطاعة والمعصية فيرد المستحق للجنة والثواب ويكرم المستحق للعقوبة والعذاب كما هو شأن كثير من الناس بل هو عالم بكل شئ وحقيقته فنزل كل أحد في منزله ومرتبته. * الأصل: 10 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن سليمان، عن عيثم بن أشيم، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: خرج النبي (صلى الله عليه وآله) ذات يوم وهو مستبشر يضحك سرورا فقال له الناس: أضحك الله سنك يا رسول الله وزادك سرورا فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنه ليس من يوم ولا ليلة إلا ولي فيها تحفة من الله، ألا وإن ربي أتحفني في يومي هذا بتحفة لم يتحفني بمثلها فيما مضى، إن جبرئيل أتاني فأقرأني من ربي السلام وقال: يا محمد إن الله عزوجل اختار من بني هاشم سبعة، لم يخلق مثلهم فيمن مضى ولا يخلق مثلهم فيمن بقي: أنت يا رسول الله سيد النبيين وعلي بن أبي طالب وصيك سيد الوصييين والحسن والحسين سبطاك سيدا الأسباط وحمزة عمك سيد الشهداء وجعفر ابن عمك الطيار في الجنة يطير مع الملائكة حيث يشاء ومنكم القائم يصلي عيسى بن مريم خلفه إذا أهبطه الله إلى الأرض من ذرية علي وفاطمة من ولد الحسين (عليهم السلام). * الشرح: (خرج النبي (صلى الله عليه وآله) ذات يوم) الذات في مثله بمعنى النفس يقال: أتيت ذات يوم أي يوما كما صرح به في كنز اللغة (وهو مستبشر يضحك سرورا) قيل: الضحك حالة تغير يوجبها سرور يغلب فينشط لها عروق القلب فيجري فيها الدم فيفيض إلى سائر عروق الجسد فيثور لذلك حرارة ينبسط لها الوجه ويضيق وينفتح عنها الغم وهو التبسم فإذا زاد السرور تمادى ولم يضبط الإنسان نفسه قهقه (فقال له الناس أضحك الله سنك وزادك سرورا) السن الضرس بالكسر فيهما وجعله مفعول

[ 368 ]

الإضحاك باعتبار أن الضحك منه يظهر أو بتضمين معنى الكشف (فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنه ليس من يوم ولا ليلة إلا ولي فيها تحفة) التحفة بالضم وكهمزة البر واللطف والطرفة اتحفه تحفة والغرض منه إظهار الشكر له عز وجل (والحسن والحسين سبطاك سيدا الأسباط) أي سيدا أسباط الأنبياء والسبط بالكسر ولد الولد ويندرج في هذا الحكم ساير الأئمة عليهم السلام. (وحمزة عمك سيد الشهداء) لعل المراد بهم الشهداء في عصره (صلى الله عليه وآله) والحكم إضافي وإلا فسيد الشهداء على الإطلاق الحسين بن علي (عليهما السلام) (ومنكم القائم) ظهور القائم المهدي صاحب الزمان ونزول عيسى عليه السلام وصلاته خلفه مما اتفق عليه العامة والخاصة والروايات بين الكل متظافرة، أما طريق الخاصة فظاهر وأما طريق العامة ففي صحيح مسلم بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " كيف إذا نزل ابن مريم فيكم وامامكم منكم " قال ابن العربي: ويعني بمنكم من قريش، وقيل: يعني الإمام المهدي الآتي في آخر الزمان الذي صح فيه حديث الترمذي من طريق ابن مسعود قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " لا تذهب الدنيا حتى يهلك العرب رجل من أهل بيتي يوافق اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي " ومن طريق أبي هريرة: " لو لم تبق من الدنيا إلا يوم لطوله الله حتى يلي.. " وفي أبي داود عن أبي سعيد قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " المهدي من عترتي من ولد فاطمة يعمل في الناس بسنة نبيهم " قال ابن العربي: وما قيل أنه المهدي بن أبي جعفر المنصور لا يصح فإنه وإن وافق اسمه اسمه واسم أبيه اسم أبيه، فليس من ولد فاطمة وإنما هو المهدي الآتي في آخر الزمان. فالعامة وافقونا في أن المهدي الموعود من ولد فاطمة عليها السلام لكنا نقول هو موجود غايب عن الأبصار وهم يقولون أنه يتولد في آخر الزمان. * الأصل: 11 - سهل بن زياد، عن محمد بن سليمان الديلمي المصري، عن أبيه، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له قول الله عزوجل: * (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق) * قال: فقال: إن الكتاب لم ينطق ولن ينطق ولكن رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو الناطق بالكتاب قال الله عزوجل: * (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق) * قال: قلت: جعلت فداك إنا لا نقرؤها هكذا. فقال: هكذا والله نزل به جبرئيل على محمد (صلى الله عليه وآله) ولكنه فيما حرف من كتاب الله. * الشرح: قوله (عن محمد بن سليمان الديلمي المصري) هكذا في النسخ التي رأيناها وفي بعض كتب الرجال البصري بالباء الموحدة وفي بعضها النصري بالنون وهو وأبوه من كبار الغلاة (عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: قلت له: قول الله عز وجل * (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق) * قال:

[ 369 ]

فقال: إن الكتاب لم ينطق ولن ينطق اه) حمل عليه السلام النطق على المعنى الحقيقي وهو التكلم باللسان وتقطيع الصوت بالحنجرة وتأليف الحروف على نحو مخصوص يشعر بما في الذهن والكتاب بوزن الحساب لا ينطق حقيقة وإن أمكن اتصافه بالنطق مجازا باعتبار أنه يظهر منه المقصود كما يظهر من النطق ولذلك حكم (عليه السلام) بأنه تحريف وأن المنزل هو كتابنا بفتح الكاف وشد التاء على صيغة المبالغة وهو العالم الذي بلغ علمه حد الكمال والمراد به رسول الله (صلى الله عليه وآله) والاوصياء بعده واحدا بعد واحد، ويحتمل أن يكون التحريف في ينطق بصيغة المعلوم بأن يكون المنزل هو المجهول والله يعلم. * الأصل: 12 - جماعة، عن سهل عن محمد، عن أبيه [ عن أبي محمد ]، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله عزوجل: * (والشمس وضحيها) * قال: الشمس رسول الله (صلى الله عليه وآله) به أوضح الله عزوجل للناس دينهم. قال: قلت: * (والقمر إذا تليها) * قال: ذاك أمير المؤمنين (عليه السلام) تلا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونفثه بالعلم نفثا،. قال: قلت: * (والليل إذا يغشيها) * ؟ قال: ذاك أئمة الجور الذين استبدوا بالأمر دون آل الرسول (صلى الله عليه وآله) وجلسوا مجلسا كان آل الرسول أولى به منهم فغشوا دين الله بالظلم والجور فحكى الله فعلهم فقال: * (والليل إذا يغشيها) * قال: قلت * (والنهار إذا جليها) * ؟ قال: ذلك الإمام من ذرية فاطمة (عليها السلام) يسأل عن دين رسول الله (صلى الله عليه وآله) فجيليه لمن سأله فحكى الله عزوجل قوله فقال: * (والنهار إذا جليها) *. * الشرح: (قال سألته عن قول الله عز وجل * (والشمس وضحيها) * قال الشمس رسول الله (صلى الله عليه وآله) به أوضح الله عز وجل للناس دينهم) استعار الشمس لرسول الله (صلى الله عليه وآله) والوجه هو الإضاءة والإنارة وإيضاح الدين برفع ظلمة الجهل والفتن (قال قلت * (والقمر إذا تليها) * قال ذاك أمير المؤمنين (عليه السلام) تلا رسول الله (صلى الله عليه وآله)) استعار القمر لعلي (عليه السلام) والوجه أن نور علمه مستفاد من نور علم النبي (صلى الله عليه وآله) كما أن نور القمر مستفاد من نور الشمس وقد أشار إليه بقوله (ونفثه بالعلم نفثا) أي أوحى إليه العلم وألقاه إلى صدره اللطيف وأصل النفث النفخ (قال: قلت: * (والليل إذا يغشيها) * قال: ذلك أئمة الجور الذين استبدوا بالأمر.. الخ) أي انفردوا واستقلوا بأمر الدين والخلافة غاصبين شبه أئمة الجور مثل الخلفاء وبني أمية وبني عباس وأضرابهم وأعوانهم بالليل في الظلمة وعدم اهتداء الخلق في خلافتهم إلى دين الحق وفي تغشية ظلمتهم نور النبي وهو دينه الحق كما يغشى ظلمة الليل ضوء النهار وإليه أشار جل شأنه بقوله * (أو كظلمات في بحر لجي يغشيه موج من فوقه موج من فوقه

[ 370 ]

سحاب) * وقد مر تفسيره في كتاب الحجة (قال: قلت: * (والنهار إذا جليها) * قال: ذاك الإمام من ذرية فاطمة عليها السلام.. اه) فإن نور علم النبي (صلى الله عليه وآله) ودينه وقوانينه وآدابه يتجلى بالإمام القائم مقامه من ذرية فاطمة عليها السلام كما يتجلى نور الشمس إذا انبسط النهار فهو عليه السلام يشبه النهار في التجلية. * الأصل: 13 - سهل، عن محمد، عن أبيه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت: * (هل أتيك حديث الغاشية) * ؟ قال: يغشاهم القائم بالسيف. قال: قلت: * (وجوه يومئذ خاشعة) * ؟ قال: خاضعة لا تطيق الامتناع. قال: قلت: * (عاملة) * ؟ قال: عملت بغير ما أنزل الله، قال: قلت: * (ناصبة) * ؟ قال: نصبت غير ولاة الأمر. قال: قلت: * (تصلى نارا حامية) * ؟ قال: تصلى نار الحرب في الدنيا على عهد القائم وفي الآخرة نار جهنم. * الشرح: (سهل عن محمد عن أبيه عن أبي عبد الله (عليه السلام)) أعاده للإشارة إلى طريق آخر عنه أو للرواية عنه بلا واسطة وإن بعدت (قال: قلت: * (هل أتيك حديث الغاشية) * قال: يغشاهم القائم بالسيف) الغاشية الداهية التي يغشى الناس شدائدها أو النار كما في قوله تعالى: * (تغشى وجوههم النار) * شبهه عليه السلام بالداهية لأنه بلاء على أعدائه يورد عليهم الشدائد من القتل والأسر والنهب وغيرها أو بالنار لأنه يحرقهم بالسيف القاطع ويهلكهم كالنار (قال: قلت: * (تصلى نارا حامية) * أي شديد الحراة متناهية فيها (قال: تصلى نار الحرب في الدنيا.. الخ) أي تدخل تلك الوجوه في نار الحرب فتهلك كما يدخل الحطب في النار فتحرقه في تشبيه الحرب بالنار الحامية إشارة إلى كمال شوكة الصاحب (عليه السلام) ونهاية قدرته على المحاربة مع الأعداء. * الأصل: 14 - سهل، عن محمد، عن أبيه، عن أبي بصير قال: قلت: لأبي عبد الله (عليه السلام): قوله تبارك وتعالى: * (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون) * ؟ قال: فقال لي: يا أبا بصير ما تقول في هذه الآية ؟ قال: قلت: إن المشركين يزعمون ويحلفون لرسول الله (صلى الله عليه وآله) إن الله لا يبعث الموتى قال: فقال: تبا لمن قال هذا، سلهم هل كان المشركون يحلفون بالله أم باللات والعزى ؟ قال: قلت: جعلت فداك فأوجدنيه. قال: فقال لي: يا أبا بصير لو قد قام قائمنا بعث الله إليه قوما من شيعتنا قباع سيوفهم على عواتقهم فيبلغ ذلك قوما من شيعتنا لم يموتوا فيقولون بعث فلان وفلان وفلان من قبورهم وهم مع القائم فيبلغ ذلك قوما من عدونا فيقولون: يا معشر الشيعة ما أكذبكم هذه دولتكم وأنتم

[ 371 ]

تقولون فيها الكذب لا والله ما عاش هؤلاء ولا يعيشون إلى يوم القيامة. قال: فحكى الله قولهم فقال: * (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت) *. * الشرح: (فقال لي: يا أبا بصير ما تقول في هذه الآية ؟) الظاهر أن تقول للخطاب أي ما تقول أنت يا أبا بصير في تفسير هذه الآية (قال: قلت: إن المشركين يزعمون ويحلفون لرسول الله (صلى الله عليه وآله) أن الله لا يبعث الموتى) أي ينكرون القيامة وحشر الناس فيها (قال: فقال: تبا لمن قال هذا) التب الهلاك والخسران ونصبه على المصدر بإضمار فعل أي ألزم الله هلاكا وخسرانا لمن فسر الآية به وهذا إما خبر أو دعاء وينبغي حمله في مثل أبي بصير على التوبيخ (سلهم) أي أهل العلم العارفين بأحوال المشركين. (هل كان المشركون يحلفون بالله أم باللات والعزى ؟) فإنهم يجيبونك أنهم إنما كانوا يحلفون بهما لا بالله فهذا التفسير ينافي قوله تعالى: * (وأقسموا بالله جهد أيمانهم) * (قلت جعلت فداك فأوجدنيه) أي بين لي المطلوب من الآية وأظفرني به حتى أعرفه من أوجد فلانا على مطلوبه إذا أظفره به وإنما قلنا: الظاهر أن (تقول) للخطاب لاحتمال أن يكون للغايبة وفاعله العامة ويؤيده قوله " سلهم " و " تبا " لأن الظاهر أن ضمير الجمع للعامة وأن التب لهم على الحقيقة لكنه احتمال بعيد إذ يأباه ظاهر قول أبي بصير " أوجدنيه " مع احتياجه إلى محذوف بغير قرينة ظاهرة فإن قوله " قلت: إن المشركين يزعمون " تقديره حينئذ قلت: يقولون: إن المشركين فليتأمل. (قال: فقال: يا أبا بصير لو قد قام قائمنا بعث الله إليه قوما من شيعتنا بعد موتهم قباع سيوفهم على عواتقهم) القباع بالكسر جمع قبيعة كسفينة وهو ما على طرف مقبض السيف من فضة أو حديد، وقيل: هي تحت شادتي السيف والعاتق المنكب (فيقولون يا معشر الشيعة ما أكذبكم هذه دولتكم وأنتم تقولون فيها الكذب) نسبوا الكذب إلى الشيعة في هذا القول وتعجبوا منه لزعمهم أن الرجعة باطلة وأن هذه الدولة القاهرة لا تحتاج إلى المعاونة بالموتى ثم قالوا ترويجا لكذبهم على سبيل المبالغة: (لا والله ما عاش هؤلاء ولا يعيشون إلى يوم القيامة) العيش الحياة عاش يعيش عيشا إذا حيى وأنت خبير بأن قولهم بإبطال الرجعة باطل إذ لا دليل لهم عقلا ونقلا على بطلانه مع دلالة الآيات والروايات على وقوعها في هذه الأمة وفي الأمم السابقة كما في حكاية عزير وموسى وعيسى عليهم السلام ومن البين أن الحكم بعد وجود شئ لا يستحيل وجوده عقلا باعتبار عدم وجدان الدليل على وجوده باطل فكيف إذا وجد الدليل عليه وأما عدم احتياج هذه الدولة القاهرة إلى الاستعانة بالموتى فممنوع وعلى تقدير التسليم يجوز أن يكون فائدة الرجوع إدخال السرور فيهم وتشفى صدورهم من مشاهدة نكال الأعداء واكتسابهم الأجر مرتين.

[ 372 ]

* الأصل: 15 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن فضال، عن ثعلبة بن ميمون، عن بدر بن الخليل الاسدي قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول في قول الله عزوجل: * (فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون * لا تركضوا وارجعوا إلى ما اترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون) * قال: " إذا قام القائم وبعث إلى بني امية بالشام هربوا إلى الروم فيقول لهم الروم: لا ندخلنكم حتى تتنصروا فيعلقون في أعناقهم الصلبان فيدخلونهم فإذا نزل بحضرتهم أصحاب القائم طلبوا الأمان والصلح فيقول أصحاب القائم: لا نفعل حتى تدفعوا إلينا من قبلكم منا، قال: فيدفعونهم إليهم فذلك قوله: * (لا تركضوا وارجعوا إلى ما اترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسئلون) * قال: يسألهم الكنوز وهو أعلم بها، قال: فيقولون * (يا ويلنا إنا كنا ظالمين * فما زالت تلك دعويهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين) * بالسيف. * الشرح: (فلما أحسوا بأسنا.. الخ) البأس العذاب والشدة في الحرب والركض تحريك الرجل ومنه " اركض برجلك " والعدو استحثاث الفرس للعدو والهرب ومنه * (إذا هم منها يركضون) * والترفه بالضم النعمة والطعام الطيب والشئ الطريف والمترف كمكرم المتروك يصنع ما يشاء ولا يمنع والمتنعم الواسع في ملاذ الدنيا وشهواتها الذي لا يمنع من تنعمه والروم جيل من ولد روم بن عيصم والتنصر الدخول في النصرانية وهي دين النصارى والصليب للنصارى معروف وحضرة الرجل قربه وفناؤه والحصيد الزرع والمحصود بالمنجل وإطلاقه عليهم من باب الاستعارة والخمود السكون والسكوت، والأموي بفتح الميم وضم الهمزة وفتحها شاذ منسوب إلى أمية بحذف التاء والياء الزائدة وقلب الأخيرة واوا لكراهة اجتماع أربع ياءات وثلاث أيضا والرحبة بالضم قرية حد القاسية وناحية بالمدينة والشام قرب وادي القرى وبالفتح قرية بدمشق ومحلة بها أيضا محلة بالكوفة وموضع ببغداد.

[ 373 ]

رسالة أبي جعفر (عليه السلام) الى سعد الخير * الأصل: 16 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن عمه حمزة بن بزيع، والحسين بن محمد الأشعري، عن أحمد بن محمد أبي عبد الله، عن يزيد بن عبد الله، عمن حدثه قال: كتب أبو جعفر (عليه السلام) إلى سعد الخير: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد: فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله عزوجل يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله، وبالتقوى نجا نوح ومن معه في السفينة وصالح ومن معه من الصاعقة، وبالتقوى فاز الصابرون ونجت تلك العصب من المهالك ولهم إخوان على تلك الطريقة يلتمسون تلك الفضيلة، نبذوا طغيانهم من الإيراد بالشهوات لما بلغهم في الكتاب من المثلات، حمدوا ربهم على ما رزقهم وهو أهل الحمد وذموا أنفسهم على ما فرطوا وهم أهل الذم وعلموا أن الله تبارك وتعالى الحليم العليم إنما غضبه على من لم يقبل منه رضاه وإنما يمنع من لم يقبل منه عطاه وإنما يضل من لم يقبل منه هداه، ثم أمكن أهل السيئات من التوبة بتبديل الحسنات، دعا عباده في الكتاب إلى ذلك بصوت رفيع لم ينقطع ولم يمنع دعاء عباده فلعن الله الذين يكتمون ما أنزل الله وكتب على نفسه الرحمة فسبقت قبل الغضب فتمت صدقا وعدلا فليس يبتدئ العباد بالغضب قبل أن يغضبوه وذلك من علم اليقين وعلم التقوى وكل امة قد رفع الله عنهم علم الكتاب حين نبذوه وولاهم عدوهم حين تولوه وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه وحرفوا حدوده فهم يروونه ولا يرعونه والجهال يعجبهم حفظهم للرواية والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية وكان من نبذهم الكتاب أن ولوه الذين لا يعلمون فأورودهم الهوى وأصدروهم إلى الردى وغيروا عرى الدين، ثم ورثوه في السفه والصبا، فالامة يصدرون عن أمر الناس بعد أمر الله تبارك وتعالى وعليه يردون، فبئس للظالمين بدلا ولاية الناس بعد ولاية الله وثواب الناس بعد ثواب الله ورضا الناس بعد رضا الله فأصبحت الامة كذلك وفيهم المجتهدون في العبادة على تلك الضلالة، معجبون، مفتنون فعبادتهم فتنة لهم ولمن اقتدى بهم ؟ وقد كان في الرسل ذكرى للعابدين إن نبيا من الأنبياء كان يستكمل الطاعة، ثم يعصي الله تبارك وتعالى في الباب الواحد يخرج به من الجنة وينبذبه في بطن الحوت، ثم لا ينجيه إلا الاعتراف والتوبة، فاعرف أشباه الأحبار والرهبان الذين ساروا بكتمان الكتاب وتحريفه فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين، ثم اعرف أشباههم من هذه الامة الذين أقاموا حروف الكتاب

[ 374 ]

وحرفوا حدوده فهم مع السادة والكبرة فإذا تفرقت قادة الأهواء كانوا مع أكثرهم دنيا وذلك مبلغهم من العلم، لا يزالون كذلك في طبع وطمع لا يزال يسمع صوت إبليس على ألسنتهم بباطل كثير يصبر منهم العلماء على الأذى والتعنيف ويعيبون على العلماء بالتكليف والعلماء في أنفسهم خانة إن كتموا النصيحة إن رأوا تائها ضالا لا يهدونه أو ميتا لا يحيونه، فبئس ما يصنعون لأن الله تبارك وتعالى أخذ عليهم الميثاق في الكتاب أن يأمروا بالمعروف وبما امروا به وأن ينهوا عما نهوا عنه وأن يتعاونوا على البر والتقوى ولا يتعاونوا على الإثم والعدوان، فالعلماء من الجهال في جهد وجهاد، إن وعظت قالوا: طغت وإن علموا الحق الذي تركوا قالوا: خالفت وإن اعتزلوهم قالوا: فارقت، وإن قالوا: هاتوا برهانكم على ما تحدثون قالوا: نافقت. وإن أطاعوهم قالوا: عصيت الله عزوجل، فهلك جهال فيما لا يعلمون، اميون فيما يتلون، يصدقون بالكتاب عند التعريف ويكذبون به عند التحريف فلا ينكرون، اولئك أشباه الأحبار والرهبان قادة في الهوى، سادة في الردى، وآخرون منهم جلوس بين الضلالة والهدى لا يعرفون إحدى الطائفتين من الاخرى، يقولون: ما كان الناس يعرفون هذا ولا يدرون ما هو ؟ وصدقوا تركهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) على البيضاء ليلها من نهارها، لم تظهر فيهم بدعة ولم يبدل فيهم سنة لا خلاف عندهم ولا اختلاف فلما غشى الناس ظلمة خطاياهم صاروا إمامين: داع إلى الله تبارك وتعالى وداع إلى النار فعند ذلك نطق الشيطان فعلا صوته على لسان أوليائه وكثر خيله ورجله وشارك في المال والولد من أشركه فعمل بالبدعة وترك الكتاب والسنة ونطق أولياء الله بالحجة وأخذوا بالكتاب والحكمة فتفرق من ذلك اليوم أهل الحق وأهل الباطل وتخاذل وتهاون أهل الهدى وتعاون أهل الضلالة حتى كانت الجماعة مع فلان وأشباهه فاعرف هذا الصنف، وصنف آخر فأبصرهم رأي العين نجباء وألزمهم حتى ترد أهلك، فإن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين. إلى ههنا رواية الحسين وفي رواية محمد بن يحيى زيادة: لهم علم بالطريق فإن كان دونهم بلاء فلا تنظر إليه فإن كان دونهم عسف من أهل العسف وخسف ودونهم بلايا تنقضي ثم تصير إلى رخاء، ثم اعلم أن إخوان الثقة ذخائر بعضهم لبعض ولولا أن تذهب بك الظنون عني لجليت لك عن أشياء من الحق غطيتها ولنشرت لك أشياء من الحق كتمتها ولكني أتقيك وأستبقيك وليس الحليم الذي لا يتقي أحدا في مكان التقوى، والحلم لباس العالم فلا تعرين منه والسلام. * الشرح: (رسالة أبي جعفر (عليه السلام)) إلى سعد الخير الرسالة بالكسر والفتح اسم من الإرسال وفي كنز اللغة:

[ 375 ]

رسالة كتاب ونامه، وسعد الصاحب لأبي جعفر (عليه السلام)، كثير ولم أعرف أحدا منهم بهذا اللقب والمصنف نقلها بطريقين أحدها عن محمد بن يحيى إلى حمزة بن بزيع، والثاني عن الحسين بن محمد الأشعري وعلى هذا كان الأنسب أن يقول: قالا: كتب أبو جعفر (عليه السلام) بتثنية الضمير وإفراده بعيد وإن كان صحيحا (بسم الله الرحمن الرحيم) على استحباب تصدير الرسالة والمكاتيب بالتسمية كما أمر. (أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله) تقواه تعود إلى خشيته المستلزمة للامتثال بأمره ونهيه والاتصاف بالكمالات النفسانية ثم رغب فيها بذكر فوائدها فقال (فإن فيها السلامة من التلف) أي الهلاك بالآفات والشهوات والخصومات والآمال والخزي والنكال ولفظة " في " للنظر فيه أو للسببية (والغنيمة في المنقلب) أي الآخرة وهي النجاة من عقوباتها والوصول إلى مقام السعادة والنزول في دار الكرامة التي أعدت للمتقين كما نطق به القرآن المبين، وإلى مضمون هاتين الفقرتين أشار أمير المؤمنين عليه السلام بقوله: " واستعينوا بها - أي بالتقوى - على الله فإن التقوى في اليوم حرز وجنة وفي غد الطريق إلى الجنة ". ثم علل مضمون كل واحدة منهما وآكده بقوله: " إن الله عز وجل يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله " أي ما بعد عن إدراكه عقله من خزي الآخرة وعقوباتها وآفات الدنيا ومهلكاتها كما يظهر مما بعد ومن الفكير في أحوال الصالحين والظالمين وما ورد عليهم مما دلت عليه الآيات والروايات (ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله) في القاموس: جلى فلانا الأمر كشفه عنه كجلاه وجلى عنه أي يكشف بسبب التقوى عن العبد حجاب الجهل ولوازمه فيدرك المعارف والأسرار والحقايق وما فيه صلاح الدنيا والآخرة ويحترز من الأقوال الكاذبة والأعمال الفاضحة والعقائد الباطلة والأخلاق الفاسدة وهكذا يسير بعلم ويقين إلى أن يبلغ مقام الأنس ومنزل القرب والتقوى وإن كان حصولها موقوفا على علم وعمل لكنه بعد العلوم وإعمال غير محصورة كما لا يخفى على العارفين. (وبالتقوى نجى نوح ومن معه في السفينة) من الغرق ونجى (صالح ومن معه من الصاعقة) في القاموس: الصاعقة الموت وكل عذاب مهلك وصيحة العذاب والمخراق الذي بيد الملك سائق الحساب ولا يأتي على شئ إلا أحرقه أو نار يسقط من السماء. وفيه دلالة على أن التقوى وإن لم يكن في نهاية الكمال حرز من التلف والهلاك ضرورة أن تقوى قوم نوح وقوم صالح لم يكن في مرتبة تقواهما بل على أن التقوى هي تصديق الرسول ومتابعته في جميع ما جاء به فالشيعة مشتركون في أصل التقوى وإن اختلفوا في درجاتها (وبالتقوى فاز الصابرون) الفوز النجاح والظفر فازمنه نجا وفاز به ظفر أي نجى الصابرون على تحمل البليات والطاعات وترك المنهيات والمشتهيات من المهلكات الدنيوية والعقوبات الاخروية أو ظفروا بالخيرات الحاضرة والمثوبات

[ 376 ]

الوافرة في الدنيا والآخرة (ونجت تلك العصب من المهالك) العصب محركة خيار القوم وأشرافهم والمراد بهم نوح وصالح ومن معهما والصابرون على الشدئد من الامم السابقة (ولهم) أي لنوح وصالح ومن تبعهما من الصابرين والصالحين (إخوان على تلك الطريقة) المستقيمة وهي التقوى والامتثال بالأوامر والنواهي وتطهير الظاهر والباطن (يلتمسون تلك الفضيلة) أي النجاة من التلف والغنيمة في المنقلب والطريقة المذكورة فيكون تأكيدا أو طلبا لبقائها واستمرارها أو زيادتها ولعل المراد بالإخوان أرباب الإيقان من أصحاب الرسول وأمير المؤمنين وأولاده الطاهرين عليهم السلام ومن تبعهم إلى يوم الدين (نبذوا طغيانهم من الإيراد بالشهوات) زايدة عن قدر الضرورة وفي بعض النسخ " الالتذاذ " بدل الإيراد (لما بلغهم في الكتاب من المثلات) هي بضم الثاء العقوبات الواقعة على أرباب العصيان والجنايات وأصحاب الطغيان في الشهوات كما دل عليه كثير من الآيات وحفظوا أنفسهم من تلك الخطرات (حمدوا ربهم على ما رزقهم) من التقوى والتوفيق للخيرات والعصمة من اللذات المهلكات (وهو أهل الحمد) بالذات وبما أعطاهم من القدرة على الطاعات والتوفيق لها وغير ذلك من الألطاف والنعم التي لا تحصى. (وذموا أنفسهم على ما فرطوا وهم أهل الذم) لأنهم وإن بالغوا في طاعة ربهم كانوا بعد مقصرين ولم يأتوا بما هو حقه ولذلك لم يكن أحد من الأولياء إلا وهو معترف بالتقصير وينبغي أن يعلم أن بناء الرشاد والتقوى على ثلاثة أمور: الأول قبول الهادي وهدايته وهو النبي والوصي عليهما السلام، الثاني قبول ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله) من الأوامر والنواهي وغيرهما، الثالث قبول ما أراد بالأمر والنهي من العمل بالطاعات وترك المنهيات فأشار عليه السلام إلى الثالث بقوله: (واعلموا أن الله تبارك وتعالى الحليم العليم) في ذكر هذين الوصفين ترغيب في قبول ما يلقى إليهم أما العلم فظاهر وأما الحلم فلأن أخذ الحليم شديد كما اشتهر " اتقوا من غضب الحليم " (إنما غضبه على من لم يقبل منه رضاه) أي ما يوجب رضاه من الطاعات وترك المنهيات، وأشار إلى الثاني بقوله (وإنما يمنع) أي الرحمة (من لم يقبل منه عطاء) وهو ما جاء به الرسول (صلى الله عليه وآله) من دينه الحق لأنه عطية منه تعالى إلى عباده ومتضمن لمصالحهم وأشار إلى الطريق وأعرض عن هدايته ضل عنه ثم رغب في التوبة بقوله (ثم أمكن أهل السيئات من التوبة) بتبديل الحسنات في كنز اللغة: الإمكان دست دادن أي أمكن أهل السيئات مطلقا من التوبة والندامة منها بتبديل سيئاتهم حسنات لأن أصل التوبة الخالصة والعفو عن السيئة بعدها والثواب بها ومحبة الله تعالى لأهلها وستره عليه حتى لا يعلم أحد سيئاته كيلا يخجل حسنات مبدلة من السيئات روى المصنف بإسناده عن معاوية بن وهب قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " إذا تاب العبد توبة نصوحا أحبه الله فستر عليه في الدنيا والآخرة. فقلت: وكيف يستر عليه ؟ قال: ينسي ملكيه ما كتبا

[ 377 ]

عليه من الذنوب ويوحي إلى جوارحه اكتمي عليه ذنوبه ويوحي إلى بقاع الأرض اكتمي عليه ما كان يعمل عليك من الذنوب فيلقى الله حين يلقاه وليس شئ يشهد عليه بشئ من الذنوب ". أقول: لا يبعد أن يقال: إنه تعالى يزيل تلك الذنوب عن باله وينسيه أيضا لئلا يستحيي منه تعالى بذكرها (دعا عباده في الكتاب إلى ذلك بصوت رفيع لم ينقطع) إلى قيام الساعة في مواضع عديدة منها قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا) * هي أن يتوب العبد من الذنب ثم لا يعود فيه ومنها قوله: * (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما) * (ولم يمنع دعاء عباده) من القبول بل وعده به في قوله: * (أمن يجيب المضطر إذا دعاه) * وفي قوله * (ادعوني استجب لكم) * وفي قوله: * (فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان) * (فلعن الله الذين يكتمون ما أنزل الله) * من الأمر بأداء حقوق ذوي القربى ومودتهم وإطاعتهم وولايتهم والإقرار بفضائلهم وغير ذلك مما ذكر في القرآن الكريم (وكتب على نفسه الرحمة) أي فرضها أو قدرها وهي تستعمل تارة في الرقة المجردة عن الإحسان وتارة في الإحسان المجرد عن الرقة وهو المراد هنا لأن الله الملك المتعال لا يوصف برقة الطبع والانفعال. (فسبقت قبل الغضب) أي سبقت الرحمة إليه تعالى من حيث الصدور أو إلى الخلق من حيث الوقوع قبل الغضب ووصلت قبل وصوله ألا ترى أن بداية نوع الإنسان مثلا ووجوداته وكمالاته بمحض الرحمة والإحسان، ثم الغرض من إيجاده وهو رجوعه إليهما وأن نزول الغضب والعقوبة عليه إنما هو لسوء عمله ومن هنا يظهر أن الرحمة سابقة على الغضب بمراحل (فتمت صدقا وعدلا) لعل المراد بتمامية صدق الرحمة وعدلها وقوعها في موقعها على وجه الصواب إذ لا يتصور الخطأ من رحمته تعالى بخلاف رحمة الإنسان بعضهم بعضا ومن رحمته تعالى أن جعل لعباده خليفة وأوجب طاعتهم له ليستقحوا بذلك الرحمة ثم أشار إلى سبقها على الغضب بقوله: (فليس يبتدي العباد بالغضب قبل أن يغضبوه) ويفعلوا ما يوجب غضبه وعقوبته كما يبتديهم بالرحمة قبل أن يفعلوا ما يوجب استحقاقهم بها كما عرفت من إحسانهم في الإيجاد وإعطائهم لوازم الوجودات (وذلك من علم اليقين وعلم التقوى) أن ذلك العلم المذكور وهو العلم بأن غضبه على من لم يقبل منه رضاه إلى آخره من علم اليقين الذي لا ريب فيه وعلم التقوى الذي للمطيع الخالص عن شبهات الأوهام (وكل أمة قد رفع الله عنهم علم الكتاب حين نبذوه) أن طرحوه من وراء ظهورهم وحين ظرف للرفع وقيد للمبتدأ أيضا والمراد بعلم الكتاب العلم بمواعظه ونصايحه ومجمله ومفصله ومحكمه ومتشابهه وحلاله وحرامه وأمره ونهيه وناسخه ومنسوخه إلى غير ذلك

[ 378 ]

من العلوم المندرجة فيه التي بها يتم نظام الخلق في الدنيا والآخرة وأعظمها العلم بالولاية (وولاهم عدوهم حين تولوه) أي جعل واليهم عدوهم الديني الذي يتبرؤون منه في الآخرة ويلعنونه لإضلاله إياهم حين تولوا ذلك العدو وأحبوه أو حين تولوا الكتاب وأدبروا عنه وأعرضوا عن علمه فإن التولي يجئ لكلا المعنيين. والمراد بجعله واليا لهم التخلية بينهم وبين أنفسهم الأمارة حتى يجعلوه واليا (وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه) وكلماته وإعرابه وصححوها وحفظوها عن التصحيف والتحريف (وحرفوا حدوده) وأحكامه وجعلوا حلاله حراما وحرامه حلالا وولاية الحق مردودة وولاية الباطل مقبولة (فهم يروونه) بضبط حروفه ومبانيه. (ولا يرعونه) بحفظ حدوده ومعانيه مثلهم كمثل الحمار يحمل أسفارا بل هو أقبح حالا من الحمار لأن الحمار لا يحرف ما حمله وهم يحرفون (والجهال يعجبهم حفظهم للرواية) لظنهم أنه العلم (ولا يحزنهم تركهم للرعاية) لأنهم غافلون وسيورثهم حسرة يوم القيامة وهم نادمون والمراد بالجهال هم النابذون وإنما وضع الظاهر موضع الضمير للتصريح بأنهم الجاهلون (والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية) على ما ينبغي فكم من فرق بين الجاهل والعالم ؟ ! حيث أن الجاهل مع كمال جهله ونقصه في العلم والعمل يعجبه ما ليس يعلم ولا عمل في الحقيقة والعالم مع كمال علمه وعمله وروايته ودرايته ورعايته محزون خوفا من التقصير فيها (وكان من نبذهم الكتاب أن ولوا الذين لا يعلمون) معالم الدين أو ليس لهم حقيقة العلم وأعرضوا عن الذين يعلمون ورفضوا قوله تعالى: * (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) * وغيره من الآيات الدالة على وجوب متابعة أهل العلم وفي بعض النسخ " ولوه " بالضمير وهو عايد إلى الكتاب أو الدين أو أمر الخلافة (فأوردوهم الهوى) النفساني وهو الباطل من العقايد والأعمال وأصله ميل النفس إلى مقتضاها من المشتهيات الموجبة للخروج عن الحدود الشرعية (وأصدروهم الى الردى) وهو الهلاك في الآخرة والاصدار الارجاع من الصدر وهو الرجوع (وغيروا عرى الدين) التي هي أركانه وأحكامه وقوانينه المشبهة بالعروة في أن المتمسك بها متمسك بالدين وحامل له، ثم أشار إلى أنهم لم يختصوا الإيراد إلى الهوى والإصدار إلى الردى وتغيير العرى مختصا بأنفسهم بل جعلوه من القوانين، وأدرجوا في الدين وورثوه من بعدهم من المفسدين بقوله (ثم ورثوه في السفه والصبا) في للتأكيد كما في قوله تعالى: * (اركبوا فيها بسم الله مجريها) * أو متعلق بالتوريث بتضمين معنى الجعل أو الوضع. والسفه محركة الجهل والخشونة والطيش وخفة العمل وضد الحلم والصبا بالكسر من الصبوة وهي الميل إلى الجهل وفتوة الجهلة وفعله من باب نصر وبالفتح اللعب مع الصبيان وفعله من باب علم وهذا الذي ذكره عليه السلام ظاهر لمن نظر في أحوالهم وأحوال خلفائهم فإنهم أورثوا جميع

[ 379 ]

ما ابتدعوه خلفاء بني أمية وبني عباس وعلمائهم الأربعة ومن تبعهم إلى قيام القائم (عليه السلام) (فالأمة) التابعون (يصدرون عن أمر الناس) مع كدورة مشربهم بعد أمر الله تبارك وتعالى بولاية وليه أمير المؤمنين (عليه السلام) (وعليه يردون أمره) ويأخذون أمر الناس والظاهر أن الواو للحال عن فاعل يصدرون ثم أشار إلى الذم العام للجميع بقوله (بئس للظالمين) التي اختاروها لأنفسهم بنصب الجاهل (بعد ولاية الله) التيى اختارها لهم وهي ولاية أمير المؤمنين وأولاده الطاهرين الذين هم أساس الدين وعماد اليقين ولهم خصايص الولاية كلها (وثواب الناس) أي أجرهم وأخذ ما في أيديهم من متاع الدنيا (بعد ثواب الله) الباقي الدائم من غير نقص ولا إنقطاع (ورضا الناس بعد رضا الله) الذي لا يحصل إلا بقبول أمره ونهيه وطاعته (فأصبحت الأمة لذلك) المراد بالأمة الأمة الضالة المضلة والتابعون لهم وأصبح بمعنى صاروا (لذلك) أو " كذلك " كما في بعض النسخ خبره وذلك إشارة إلى نبذهم الكتاب وتحريفهم حدوده وغيرهما من صفاتهم الذميمة المذكورة (وفيهم المجتهدون) في العبادة مثل الصلاة والحج والصوم والجهاد ونحوها وإنما سماها عبادة للصورة الظاهرة أو لكونها عبادة عندهم وإلا فبينها وبين العبادة المطلوبة له تعالى بون بعيد وفيه تنبيه على أن عبادتهم واجتهادهم فيها لا ينفعهم كعبادة اليهود والنصارى غيرهما من أصحاب الملل الباطلة (على تلك الضلالة) المبنية على الجهالة ولما كان هنا مظنة أن يقال: ما سبب اجتهادهم في العمل مع فساد عقيدتهم ؟ أجاب عنه بقوله (معجبون) بعملهم بتزيين الشيطان له ليزداد حسرتهم يوم القيامة حين يرونه هباء منثورا (مفتونون) لافتتان الشيطان لهم وإضلال بعضهم بعضا بالحث عليه والميل إليه (فعبادتهم فتنة لهم) أي محنة وبلية ابتلوا بها مع مشقة شديدة أو سبب لزيادة ميلهم عن الحق إلى الباطل من فتن المال الناس من باب ضرب فتونا استمالهم إلى مفاسده ولمن اقتدى بهم كما هو شأن خلفهم من متابعة سلفهم تقليدا لأعمالهم الفاسدة وعقائدهم الباطلة من غير نظر إلى أن أمثالهم الماضين وشيوخهم العاصين كانوا في ضلال مبين فصارت عبادة المتبوع فتنة وبلية للتابع أيضا (وقد كان في الرسل.. الخ) فيه حث بليغ لأرباب الذنوب على الاستغفار والتوبة والاعتراف بالتقصير وتحذير شديد لأصحاب المعاصي في العقائد والأعمال من غير بنائهما على علم ويقين فإن من تصور ما جرى على آدم ويونس عليهما السلام بالزلة الواحدة والمعصية الصغيرة التي هي خلاف الأولى بالنسبة إلى الأنبياء عليهم السلام يكون على وجل شديد من المعاصي العظيمة خصوصا إذا تعاقبت وتكاثرت ويحكم بأنها سبب تام للمنع من دخول الجنة فكيف يطمع دخولها مع بقائه على تلك المعاصي وعدم تداركه بالتوبة والاستغفار والاعتراف. (فاعرف أشباه الأحبار والرهبان) نفى عنهم الحبر والترهب أعني العلم والتعبد والتزهد لعدم اتصافهم بهما وإنما الموجود فيهم هو صورتهم المحسوسة وزيهم وهيئتهم المقتضية لتشبيههم

[ 380 ]

بالأحبار والرهبان (الذين ساروا بكتمان الكتاب وتحريفه) أي بكتمان ما في التوراة والإنجيل من الحلال والحرام ونعت النبي (صلى الله عليه وآله) وتحريف ذلك لإخفاء الحق وإظهار الباطل (فما ربحت تجارتهم) التجارة استعارة لأعمالهم والربح ترشيح لها أي بطل بسبب الكتمان والتحريف المقتضيين لكفرهم جميع أعمالهم الدينية فلا فائدة لها في الآخرة وذلك هو الخسران المبين (وما كانوا مهتدين) إلى سبيل التجارة لأن المقصود منها طلب الربح بحفظ رأس المال وهو هنا الإيمان وهم قد أضاعوه (ثم اعرف أشباههم من هذه الأمة الذين أقاموا حروف الكتاب وحرفوا حدوده) وانحرفوا عن منهج الإيمان فصاروا مثل هؤلاء حذو النعل بالنعل فما كانت تجارتهم رابحة كتجارتهم فإن سنة الله تعالى لا تختلف بل تجري في اللاحقين كما جرت في السابقين ولن تجد لسنة الله تحويلا (فهم مع السادة والكبرة) يدورون معهم حيث داروا وينقادون لهم في كل ما أرادوا طمعا فيما عندهم من متاع الدنيا ويتبرؤون منهم يوم القيامة كما قال عز وجل حكاية: * (قالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبرائنا فاضلونا السبيلا ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا) *. وفي بعض النسخ " والكثرة " بالثاء المثلثة (فإذا تفرقت) وتعددت (قادة الأهواء) هم المشغوفون بالأهواء والآراء القائدون لمن تبعهم إليها (كانوا مع أكثرهم دنيا) لأن مطلوبهم عنده أكثر وحصوله منهم أعظم وأوفر كما هو المعروف من شأن إخوان الشيطان وأطوار أبناء الزمان وفيه ذم للمفتي بالرأي ومن تبعه من هذه الأمة (وذلك مبلغهم من العلم) أي غايتهم وحاصلهم منه. (لا يزالون كذلك في طمع) في الدنيا ومتاعها وما في أيدي الناس (وطبع) هو بالسكون الختم في الطين ونحوه وليس هنا ختم في الحقيقة وإنما المقصود بيان أنه حدثت في قلوبهم هيئة تمنعها من دخول الحق فيها وقبولها إياه كالختم المانع من دخول الشئ في المختوم وبالتحريك الوسخ الشديد من الصدأ والدنس والشين والعيب ودناءة الخلق وقلة الحياء ثم استعمل فيما يشبه ذلك من الآثام والأوزار وغيرها من القبايح، وفي النهاية: " أعوذ بالله من طمع يهدي إلى طبع " أي إلى شين وعيب (فلا يزال يسمع صوت إبليس على ألسنتهم بباطل كثير) جعل صوتهم صوت إبليس كأنه نشأ من نفثه في صدورهم وإلهامه في قلوبهم حتى صار صوتهم بغير الحق وإفتاؤهم بالباطل صوته لكماله في السببية وفي " على " دون " من " تنبيه على استيلائه عليهم وكونهم مقهورين لحكمه ثم أشار إلى ذمهم بوجه آخر غير خروجهم من الدين وتخريبه بآرائهم الفاسدة وهو إيذاؤهم أهل العلم وتشديدهم عليهم بقوله (يصير منهم العلماء على الأذى والتعنيف) أي على أذيهم وإضرارهم وتعنيفهم وتشديدهم والعنف ضد الرفق عنف ككرم عليه وبه إذا لم يرفق به وأعنفه وعنفه تعنيفا إذا بالغ في الغلظة والشدة عليه وفي بعض النسخ " التعسف " وهو الظلم يقال: عسف السلطان إذا ظلم أو الميل عن منهج الصواب (ويعيبون على العلماء بالتكليف) أي

[ 381 ]

بتكليف العلماء إياهم بالأحكام الشرعية والاتباع للحق ورفض الباطل ثم أشار إلى أن للعلماء امتحانا آخر هو سبب لامتحان المذكور أعني تحمل الأذى والتعنيف من الجهال وهو وجوب أداء الأمانة بالوعظ والأمر والنهي بقوله (والعلماء في أنفسهم خانة) جمع خائن أصلها خونة قلبت الواو ألفا (إن كتموا النصيحة) في أمر الدين والدنيا وهي الرشاد إلى ما هو خير وصلاح فيهما. (إن رأوا تائها ضالا لا يهدونه) هداية التائه المتحير في أمره والهالك الواقع في بلية ومصيبة والضال الخارج عن طريق الحق أو الواقف بين الحق والباطل واجبة على العالم مع الإمكان وهي من الأمانات التي تركها خيانة (أو ميتا لا يحيونه) المراد بالميت من لم يستكمل نفسه بالكمالات العقلية من العلوم والأخلاق والآداب الشرعية ولم يعمل بها ولم يزهد في الدنيا وزهراتها المضلة الفانية (فبئس ما يصنعون) الذم للعلماء بالخيانة وترك النصيحة أو للجهال أيضا بإيذائهم وعدم إجابتهم لأن الله تعالى كما أخذ على العلماء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كذلك أخذ على الجهال القبول والإجابة وأخذ على الجميع المعاونة على البر والتقوى وعدم المعاونة على الإثم والعدوان. (فالعلماء من الجهال في جهد وجهاد) أي في جهد ومشقة من أذاهم وتعنيفهم وعيبهم وعدم إجابتهم وفي جهاد معهم ظاهرا وباطنا من الأقوال الناصحة لهم والكلمات الوافية والأفكار الصحيحة في تطويعهم إلى الحق وصرف قلوبهم من الباطل، ثم أشار إلى الجهد والجهاد بقوله (إن وعظت قالوا: طبعت) أي دنست وخبثت ووسخت لزعمهم أن هذا الوعظ باطل دنس، وفي بعض النسخ " طغت " من الطغيان وهو الخروج عن الحق وضمير التأنيث للعلماء باعتبار الجماعة (وإن علموا الحق الذي تركوا قالوا خالفت) الحق لزعمهم أن باطلهم حق (وإن اعتزلوهم قالوا فارقت) أهل السنة والجماعة (وإن قالوا هاتوا برهانكم على ما تحدثون) من الأقاويل حتى نتبعكم إن كنتم صادقين (قالوا: نافقت) أي ماتت وهلكت لزعمهم أن مطلوبهم من ضروريات الدين حتى أن طالب البرهان عليه هالك أو فعلت فعل المنافق لإظهار الإسلام وإبطان الكفر بإنكار مطلوبهم فهو على الأول من النفوق وهو الموت وعلى الثاني من النفاق وهو فعل المنافق (وإن أطاعوهم قالوا) على سبيل الإلزام (عصيت الله عز وجل) فقد أشار (عليه السلام) إلى أن أحوال الجهال منقلبة متفرقة لا يقدر العالم على حسن السلوك معهم بوجه ذلك (فهلك جهال) التنكير للتحقير (فيما لا يعلمون) من فساد عقائدهم وأعمالهم وأقوالهم وأطوارهم فهم جهال بجهلهم وهو الجهل المركب المهلك (أميون) منسوبون إلى الأم (فيما يتلون) من الكتاب ولا يفهمون معناه كالمتولد من الأم الذي هو في مرتبة العقل الهيولاني (يصدقون بالكتاب عند التعريف ويكذبون به عند التحريف) أي تحريف معانيه وصرفها إلى غير المقصود منه كما هو

[ 382 ]

شأنهم في تفسير كثير من الآيات الكريمة مثل آية الطاعة وآية الولاية ونحوهما (فلا ينكرون) الظاهر أنه معلوم من الإنكار أو النكر والنكور والنكير وفعله من باب علم وفي القاموس: نكر الأمر فلان كفرح نكرا ونكرا ونكورا ونكيرا وأنكره واستنكره وتناكره جهله والمنكر ضد المعروف وفي كنز اللغة: إنكار ونكر ونكورا نا شناختن ونكير نا خوش داشتن أي لا يستقبحون ذلك بل يعدونه حسنا أو لا يعلمون أنه جهل بل يعتقدون أنه علم، وإنما قلنا: الظاهر ذلك لإحتمال أن يكون مجهولا من الإنكار (أولئك أشباه الأحبار والرهبان) الذين ساروا بكتمان الكتاب وتحريف حدوده. (قادة في الهوى سادة في الردى) لأنهم أرباب الأهواء النفسانية وأصحاب الآراء الشيطانية قائدون لهم إلى المهلكات الدنيوية والاخروية، ولما أشار إلى صنفين منهم الأئمة المضلة والمأمومين لهم أراد أن يشير إلى صنف ثالث منهم وهم المستضعفون فقال (وآخرون منهم جلوس بين الضلالة والهدى) أن بين طريق الباطل وطريق الحق ولا يميزون بين أهل الهداية والضلالة ولا بين صلاح أحدهما وفساد الآخر (لا يعرفون إحدى الطائفتين من الأخرى) فلا يكونون من هؤلاء ولا من هؤلاء بل واقفون مترددون يقولون (ما كان الناس) في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) (يعرفون هذا) أي هذا الاختلاف بين الأمة في أمرا لدين حيث لم يكن فيهم (ولا يدرون ما هو) الظاهر أنه عطف على ميقولون أي ولا يدري الآخرون الجالسون ما هذا الاختلاف ولا أي شئ سببه والعطف على يعرفون (وصدقوا) في هذا القول وهو أنه لم يكن اختلاف بين الأمة في عهده (صلى الله عليه وآله) واعلم أن هذا الصنف هو الثالث فيما روي من أن عليا عليه السلام باب الله من دخل فيه فهو مؤمن ومن خرج منه فهو كافر ومن لم يدخل فيه ولم يخرج منه فهو مستضعف في مشيئة الله تعالى. ثم أشار عليه السلام من باب الاستيناف إلى سبب صدقهم وسبب الاختلاف بعده (صلى الله عليه وآله) بقوله (تركهم) أي الأمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين قبض (على البيضاء ليلها من نهارها) أي على الملة البيضاء ليلها متميزة من نهارها وهذا يحتمل وجهين الأول أن يراد بالنهار ظاهر الملة وبالليل باطنها لخفائه بالنسبة إلى الظاهر بحيث لا يهتدي إليه كل أحد، الثاني أن يراد بالنهار الحق وبالليل الباطل والبدعة بتشبيه الحق بالنهار والبدعة بالليل في الظلمة وإضافتها إلى الملة باعتبار أن الملة كاشفة مبينة لها والله أعلم (لم تظهر فيهم بدعة) هي ما لم يكن في عهده (صلى الله عليه وآله) وكان مخالفا لما جاء به (ولم تبدل فيهم سنة) هي ما جاء به (صلى الله عليه وآله) ويمكن أن يراد بالبدعة ولاية الجور وبالسنة ولاية الحق، الأولى لم تكن حينئذ والثانية لم تبدل (لا خلاف عندهم) حينئذ في السنة (ولا اختلاف) في الولاية والإمامة بل كانوا كلهم على سنة واحدة وولاية واحدة هي ولاية علي (عليه السلام) طوعا أو كرها أو غير مظهرين لخلافه.

[ 383 ]

(فلما غشي الناس ظلمة خطاياهم) حين قبض النبي (صلى الله عليه وآله) والتغشية التغطية والغشاوة بالكسر الغطاء شبه الخطايا بالليل وأثبت لها الظلمة مكنية وتخييلية أو شبهها بالظلمة والتركيب من باب لجين الماء ووجه التشبيه هو تحير الناس فيها وعدم اهتدائهم إلى المقصود لضرب الحجاب بينهم وبينه (صاروا إمامين داع إلى الله تعالى) أي إلى طريقه وأسباب التقرب منه وهو علي عليه السلام بأمر الله تعالى وأمر رسوله (صلى الله عليه وآله) (وداع إلى النار) أي إلى أسباب الدخول فيها وهو الأول وأخواه فعند ذلك (نطق الشيطان) في النار لحصول رجائه في إضلالهم وكمال ظنه في إغوائهم كما قال عز وجل: * (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين) *. (فعلا صوته) الحادث من أوتار النغمات المنصوبة على طنبور الخيالات، المحركة إلى أنواع الشهوات (على لسان أوليائه) من الجن والإنس ودعاهم الى الباطل وزينه في قلوبهم فمالوا إليه (وكثر خيله ورجله) الخيل الفرسان والمراد بهم أصحاب الشوكة والقدرة على المكر والخدعة واستعمال الرأي في وضع القوانين الباطلة، والرجل ككتف من لا ظهر له يركبه، والمراد بهم الضعفاء والتابعون لهم في باطلهم (وشارك الشيطان) في المال والولد (من أشركه فيهما) فحملهم على كسب الأموال من طرق الحرام والتصرف فيها فيما لا ينبغي وعلى تحصيل الولد بالسبب الحرام كجعل مال الإمام مهور النساء وقيم السراري وأمثال ذلك، وقد روي " إن أكثر المخالفين من أولاد الزنا " (فعمل بالبدعة وترك الكتاب والسنة) ضمير " عمل " راجع إلى الموصول والعمل بالبدعة مستلزم لتركهما بالضرورة ولذلك قال سيد الوصيين: " ما أحدثت بدعة إلا تركت بها سنة " (ونطق أولياء الله بالحجة) وهم الأوصياء عليهم السلام ومن تبعهم، والمراد بالحجة البرهان الدال على الحق (وأخذوا بالكتاب والحكمة) التي قال الله تعالى في وصفها وتعظيم أهلها: * (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا) * وهي في لسان الشرع العلم النافع في الآخرة وقد يطلق على ما هو أعم من ذلك (فتفرق من ذلك اليوم) الذي قبض فيه صلى الله عليه وآله وتركهم (أهل الحق وأهل الباطل) سلك أهل الحق مسلك الحجة والإيمان وأهل الباطل مسلك الرأي والشيطان. (وتخاذل وتهاون أهل الهدى) فاعل الفعلين على سبيل التنازع والمراد أن أهل الهدى تخاذلوا وتهاونوا وتركوا النصرة والتعاون بينهم ولولا ذلك لما غلب الضلالة عليهم وفيه نوع شكاية من التابعين لعلي (عليه السلام) بعدم نصرتهم له كما مر مثله عنه (عليه السلام) في الخطبة الطالوتية وبعض أهل العلم غير هذه العبارة وقرأ تخادن بالنون وتهادن بالدال والهوى بالواو والظاهر أنه تحريف (وتعاون أهل الضلالة) وتناصروا بمقتضى القوة الشهوية والغضبية والحمية الجاهلية الغالبة في أهل الفساد مع إنضمام الوساوس الشيطانية إليها حتى (كانت) أهل الضلالة هي الجماعة. (مع فلان وأشباهه) أراد به الأول والثاني والثالث وأضرابهم من الخلفاء المضلة وعلمائهم إلى

[ 384 ]

قيام الصاحب عليه السلام (فاعرف هذا الصنف) من أهل الضلالة بأشخاصهم وعقايدهم وأعمالهم وأطوارهم وأقوالهم الخارجة عن القوانين الشرعية (وصنف آخر فابصرهم رأى العين نجباء) المراد بهم أهل الهدى (والزمهم) ولا تفارقهم (حتى ترد أهلك) أهل الجنة والسعادة وقد أمر عليه السلام بمعرفة الصنفين حق المعرفة ومعرفة أحوالهما ومتابعة صنف الحق إلى الموت فإنه يوجب الحياة الأبدية والورود على أهل الجنة ويمكن أن يكون " ترد " بتشديد الدال أي حتى ترد أهلك عن صنف أهل الضلالة إلى أهل الحق وهذا أنسب بقوله (فإن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة) باختيار الضلالة أو ترك النصيحة والدعاء إلى الخير والأعمال الصالحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (ألا ذلك هو الخسران المبين) لأن خسران الآخرة لبقائه أبدا هو الخسران المبين وأما خسران الدنيا لانقضائه فليس بخسران بالنظر إليه. (إلى ههنا رواية الحسين) ورواية محمد بن يحيى أيضا بقرينة قوله (وفي رواية محمد بن يحيى زيادة) فإن لفظ زيادة يشعر بذلك (لهم علم بالطريف) أي لصنف آخروهم أهل الحق علم كامل بطريقه يعرفونه ويعرفون به (فإن كان دونهم بلاء فلا تنظر إليه) ولا تلومهم ولا تفارقهم فإن البلاء موكل بالأولياء (فإن كان دونهم عسف من أهل العسف) أي ظلم وجور من الظالمين والجابرين وأهل العسف الأخذ على غير طريق وركوب الأمر من غير روية ثم نقل إلى الظلم والجور (وخسف) أي نقصان وهوان وتغير وانكسار (ودونهم بلايا تنقضي) وقتا ما لأن كل ذلك في معرض الزوال (ثم تصير إلى رخاء) وسعة ورفاهية في الآخرة بل في الدنيا أيضا خصوصا في عهد الصاحب عليه السلام وفي كل ذلك ترغيب في مودتهم وتآلفهم ومتابعتهم (ثم اعلم أن إخوان الثقة ذخائر بعضهم لبعض) المراد بهم المتحابون المتدينون والتابعون له (عليه السلام) في الأقوال والأعمال وهم ذخائر بعضهم لبعض يتناصرون ويتعاونون ويتباذلون والقائمون بأوامره تعالى وأسراره وعلمه والذابون عنه دينه والنافعون كل واحد صاحبه في الشدة والرخاء. (ولولا أن يذهب بك الظنون عني) إلى اعتقاد الرسالة أو الالوهية كما يرشد إليه الحديث النبوي في مدح وصيه علي عليه السلام وهو يأتي بعيد هذا (لجليت لك عن أشياء من الحق غطيتها ولنشرت لك أشياء من الحق كتمتها) لعل المراد بها العلوم الدينية والأسرار الغيبية التي لا يعلمها إلا الله تعالى ومن ارتضاه من رسول وأوصيائه عليهم السلام وهم لا يظهرونها إلا لمن يوثق به من خواص الأولياء وقد ظهر أدنى مراتبها لبعض القاصرين فادعوا لهم الربوبية (ولكني أتقيك) خوفا مني ومنك (واستبقيك) على الحق كيلا تزل منه (وليس الحليم الذي لا يتقي أحدا في مكان التقوى) الموصول خبر " ليس " فدل على أن من لم يتق في مكان التقية ليس بحليم متأن في الأمور متثبت فيها (والحلم لباس العالم فلا تعرين منه والسلام) أمره بالحلم وهو التأني والتثبت في

[ 385 ]

الأمور والتعمق في أولها وآخرها وحسنها وقبحها ونفعها وضرها وعدم إظهار ما عنده من الأسرار لغيرها وشبهه باللباس في الزينة والإحاطة والشمول وحفظ النفس ودفع الضرر.

[ 386 ]

رسالة منه (عليه السلام) إليه أيضا * الأصل: 17 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن عمه حمزة بن بزيع قال: كتب أبو جعفر (عليه السلام) إلى سعد الخير: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: فقد جاءني كتابك تذكر فيه معرفة ما لا ينبغي تركه وطاعة من رضى الله رضاه، فقلت من ذلك لنفسك ما كانت نفسك مرتهنة لو تركته تعجب أن رضى الله وطاعته ونصيحته لا تقبل ولا توجد ولا تعرف إلا في عباد غرباء أخلاء من الناس قد اتخذهم الناس سخريا لما يرمونهم به من المنكرات وكان يقال: لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يكون أبغض إلى الناس من جيفة الحمار. ولولا أن يصيبك من البلاء مثل الذي أصابنا فتجعل فتنة الناس كعذاب الله - واعيذك بالله وإيانا من ذلك - لقربت على بعد منزلتك. واعلم - رحمك الله - أنه لا تنال محبة الله إلا ببغض كثير من الناس ولا ولايته إلا بمعاداتهم وفوت ذلك قليل يسير لدرك ذلك من الله لقوم يعلمون. يا أخي إن الله عزوجل جعل في كل من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون معهم على الأذى، يجيبون داعي الله ويدعون إلى الله فأبصرهم رحمك الله فإنهم في منزلة رفيعة وإن أصابتهم في الدنيا وضيعة إنهم يحيون بكتاب الله الموتى ويبصرون بنور الله من العمى، كم من قتيل لإبليس قد أحيوه وكم من تائه ضال قد هدوه، يبذلون دماءهم دون هلكة العباد وما أحسن أثرهم على العباد وأقبح آثار العباد عليهم. * الشرح: (رسالة منه إليه أيضا) كان منشؤها أن سعدا كتب إليه كتابا مشتملا على ذكر الولاية وطاعة أهلها وخفاء الحق وقلة أهله وظهور الباطل وكثرة أهله وشكى إليه من ذلك فكتب إليه عليه السلام تسلية له ورفعا لاستبعاده وشكايته (أما بعد: فقد جاءني كتابك تذكر فيه معرفة ما لا ينبغي تركه) وهو الولاية التي بها نظام الدين وقوام الإيمان والمؤمنين (وطاعة من رضى الله رضاه) وهو أمير المؤمنين عليه السلام، ورضا إما فعل أو مصدر مضاف إلى الفاعل ورضاه مفعول أو خبر والمراد أن رضاه تعالى منوط برضائه عليه السلام (فقلت من ذلك لنفسك ما كانت نفسك مرتهنة) " قلت " على صيغة الخطاب، والتكلم محتمل " ومن " للتعليل وذلك إشارة إلى ترك الأمة ولاية الحق وقلة أهلها وهو إما مذكور في كتاب سعد أو مفهوم من سياقه والموصول عبارة عما خطر في نفسه وهو

[ 387 ]

التأسف والتألم والتأمل في سر ذلك وسببه حتى صارت نفسه مرتهنة به لا تتخلص إلا بزواله وكل ما حبس به شئ فذلك الشئ رهنة ومرتهنة (لو تركته تعجب) أي لو تركت ما خطر في نفسك تعجب وتسر منه لأن ذلك الخاطر يوجب الحزن الشديد للمؤمن بلا منفعة والإضطراب لغيره وكل ما كان كذلك كان تركه أعجب وأولى، هذا من باب الاحتمال والله أعلم بحقيقة الحال. ثم أشار إلى أن الحق ضعيف وأهله قليل لما في طبع أكثر الخلق من الميل إلى الباطل بقوله (إن رضا الله وطاعته ونصيحته) أي نصيحة الله لخلقه بدعائه إلى ما هو خير لهم في الدنيا والآخرة أو نصيحتهم لأنفسهم بالتزام مرضاة الله تعالى أو نصيحتهم لله وهي راجعة إلى نصيحتهم لأنفسهم وهي الإيمان بالله ونفي الشريك وترك الإلحاد في ذاته وصفاته وتنزيهه عن النقايص والقيام بطاعته والاجتناب عن معصيته والحب له والبغض فيه ومولاة من أطاعه ومعاداة من عصاه والاعتراف بنعمته والشكر عليها أو نصيحتهم لأئمة المسلمين بمعرفة حقوقهم ومعاونتهم على الحق وتأليف قلوب الناس بطاعتهم أو نصيحة عامة الناس بإرشادهم إلى مصالحهم وكف الأذى عنهم وستر عورتهم وسد خلتهم وغير ذلك من حقوقهم أو الأعم من الجميع (لا تقبل ولا توجد ولا تعرف) النشر غير مرتب أو كل لكل (إلا في عباد غرباء) الغريب من فارق أهله أو فارقوه فكل مؤمن لم يجد مؤمنا في منزل الإيمان وفارقه الناس ومالوا إلى الكفر والعصيان فهو غريب في دار الغربة وهي الدنيا وهم عليهم السلام كانوا كذلك لمفارقة الناس عنهم وخروجهم عن مسكن الإسلام وموطن الإيمان (أخلاء من الناس) الاخلاء جمع الخلي كالأشراف جمع الشريف، والمراد بالخلي الفارغ من الناس والمعتزل من اشرارهم (قد اتخذهم الناس سخريا) أي هزوا وهو بالكسر والضم مصدر زيدت الياء للمبالغة ولذلك لم يجمع (لما يرمونهم به من المنكرات) لزعمهم أن ماهم عليه من الخيرات منكرات وحمل المنكرات على الأمور الشاقة الشديدة من الأقوال وغيرها محتمل وكان يقال: (لا يكون المؤمن مؤمنا) كاملا (حتى يكون أبغض إلى الناس من جيفة الحمار) وجه ذلك أن المؤمن قليل والجاهل كثير لقلة العلم وغلبة الجهل وبين العلم والجهل والعالم والجاهل تضاد وتعاند فالجاهلون المذمومون بلسان الكتاب والرسول يذمون المؤمن العالم ويبغضونه لترويج جهلهم وإخفاء فضله وشرفه وكل من علمه أكثر وأتم كان بغضهم له أكمل وأعظم (ولولا أن يصيبك من البلاء مثل الذي أصابنا فتجعل فتنة الناس كعذاب الله - وأعيذك بالله وإيانا من ذلك - لقربت على بعد منزلتك) المراد بالبلاء هنا الفتنة والبلية الواردة من قبل الناس وقوله " فتجعل " تضمين لمضمون الآية الكريمة وهي قوله تعالى: * (ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله) * يعني إذا أوذي بأن عذبه الكفرة على إيمانه جعل عذابهم وأذاهم في الصرف عن الإيمان كعذاب الله في الصرف عن الكفر، ولولا الامتناع الثاني وهو قرب المنزلة

[ 388 ]

لوجود الأول وهو مجموع إصابة البلاء وجعل فتنة الناس كعذاب الله فيفيد أن إصابة البلاء مع البقاء على الإيمان وعدم التزلزل فيه خوفا من عذاب الله سبب تام لقرب المنزلة وقوله " وأعيذك بالله وإيانا من ذلك) جملة معترضة دعائية طلبا للثبات وذلك إشارة إلى الجعل المذكور. (واعلم رحمك الله أنه لا تنال محبة الله إلا ببغض كثير من الناس) كما أنهم لا ينالون غضب الله إلا ببغضنا (ولا ولايته إلا بمعاداتهم) كما أنهم لا ينالون ولاية الشيطان إلا بمعاداتنا والظاهر أن إضافة البغض والمعادات إلى المفعول، وكون الإضافة إلى الفاعل بعيد (وفوت ذلك قليل يسير لدرك ذلك من الله لقوم يعلمون) أي زوال بغضهم وعداوتهم بسبب محبتهم لنيل الدنيا أو السبق والتبادر إليهما من قولهم: فاتني فلان بكذا أي سبقني به قليل يسير لدرك محبة الله وولايته والله أعلم (يا أخي إن الله عز وجل جعل في كل من الرسل بقايا من أهل العلم) هم الأوصياء عليهم السلام وكذلك جرت سنة الله في الأولين والآخرين وهذا أمر يقتضيه العقل الصحيح إذ لو لم يكن للخق حاجة إلى الرسل والأنبياء لزم من ذلك أن يكون إرسال الرسل وإنزال الكتاب عبثا (يدعون بعد الرسل من ضل عن سبيلهم إلى الهدى وهو دين الحق ويصبرون معهم) أي مع من تبعهم أو مع الرسل أو مع الضالين (على الأذى) أي على أذاهم من جهلهم (يجيبون داعي الله) وهو الرسول بما جاء إليهم من الله (ويدعون إلى الله) بما يوجب القرب منه (فأبصرهم رحمك الله) بعين البصيرة واليقين فإنهم في منزلة رفيعة من المنازل الإلهية والمقامات الروحانية وإن أصابتهم في الدنيا وضيعة باعتبار تخلف الخلق عنهم وأضرارهم. (إنهم يحيون بكتاب الله الموتى) أي الجهال الذين ماتت قلوبهم بمرض الجهالة وداء الضلالة بالتعليم والتفهيم والإرشاد إلى الدين القويم وحمل الموتى على المعنى المعروف وإن كانت لهم قدرة أيضا على إحيائهم باذن الله بعيد (ويبصرون بنور الله من العمى) المراد بالنور العلم على سبيل الإستعارة وبالعمى ظلم الجهالات والشبهات وقد شاع إطلاقه عليها مجازا ولعل المراد أنهم يبصرون بنور العلم الذي لا يضل من اهتدى به صراط الحق ودينه من ظلمات الجهالة والشبهات التي أحدثها الجاهلون في الشريعة (كم من قتيل لإبليس قد أحيوه وكم من تائه ضال قد هدوه) " كم " في الموضعين خبرية لبيان الكثرة، والمراد بالقتيل المنكر للرسول وبالتايه المنكر للولاية أو المستضعف (يبذلون دماءهم دون هلكة العباد) شفقة لهم وترجيحا لنجاتهم من العقوبة الأبدية، على صب دمائهم وزوال حياتهم الدنيوية والهلكة بالتحريك الهلاك (ما أحسن أثرهم على العباد) بالرحمة والهداية والمعونة والنصرة (وقبح آثار العباد عليهم) بالإضرار والمخالفة والغلظة. * الأصل: 18 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن سليمان، عن أبيه، عن أبي بصير قال:

[ 389 ]

بينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات يوم جالسا إذ أقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن فيك شبها من عيسى بن مريم ولولا أن تقول فيك طوائف من امتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت فيك قولا لا تمر بملاء من الناس إلا أخذوا التراب من تحت قدميك يلتمسون بذلك البركة، قال: فغضب الأعرابيان والمغيرة بن شعبة وعدة من قريش معهم، فقالوا: ما رضي أن يضرب لابن عمه مثلا إلا عيسى ابن مريم فأنزل الله على نبيه (صلى الله عليه وآله) فقال: * (ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون * وقالوا ءآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون * إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل * ولو نشاء لجعلنا منكم (يعني من بني هاشم) ملائكة في الأرض يخلفون) *. قال: فغضب الحارث بن عمرو الفهري فقال: " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك (أن بني هاشم يتوارثون هرقلا بعد هرقل) فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ". فأنزل الله عليه مقالة الحارث ونزلت هذه الآية * (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) *. ثم قال له: يا [ ابن ] عمرو إما تبت وإما رحلت ؟ فقال: يا محمد بل تجعل لسائر قريش شيئا مما في يديك فقد ذهبت بنو هاشم بمكرمة العرب والعجم، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): ليس ذلك إلي، ذلك إلى الله تبارك وتعالى، فقال: يا محمد قلبي ما يتابعني على التوبة ولكن أرحل عنك فدعا براحلته فركبها فلما صار بظهر المدينة أتته جندلة فرضخت هامته ثم أتى الوحي إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: * (سأل سائل بعذاب واقع للكافرين (بولاية علي) ليس له دافع * من الله ذي المعارج) * قال: قلت: جعلت فداك إنا لا نقرؤها هكذا. فقال: هكذا والله نزل بها جبرئيل على محمد (صلى الله عليه وآله) وهكذا هو والله مثبت في مصحف فاطمة (عليها السلام) فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمن حوله من المنافقين: انطلقوا إلى صاحبكم فقد أتاه ما استفتح به قال الله عزوجل * (واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد) *. * الشرح: (عن أبي بصير قال بينا) الظاهر أنه نقله عن المعصوم وأنه الصادق عليه السلام (فغضب الاعرابيان) الأول والثاني شبههما بالأعرابي لكونهما أشد كفرا ونفاقا (فأنزل الله على نبيه (صلى الله عليه وآله)) إشارة إلى سبب نزول الآية وقال جماعة من العامة سببه أن ابن الزبعرى جادل رسول الله (صلى الله عليه وآله) في قوله تعالى: * (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم) * بأن النصارى يعبدون عيسى فإن كان هو في النار فلتكن آلهتنا معه فأنزل الله تعالى هذه الآية ولا يخفى بعده فقال: * (ولما ضرب ابن مريم مثلا) * ضربه رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي عليه السلام وعندهم ضربه ابن الزبعري (إذا قومك) كفرة قريش ومن تبعهم (يصدون) عن الحق ويعرضون عنه (وقالوا: آلهتنا خير أم هو) عن علي (عليه السلام) أو

[ 390 ]

محمد (صلى الله عليه وآله) حتى نعبدهما ونترك آلهتنا، وقرئ بإثبات همزة الاستفهام أيضا ولعل غرضهم منه هو التقرير بأن آلهتهم خير وفيه دلالة على أنهم كانوا باقين على الشرك (ما ضربوه) أي هذا القول (لك إلا جدلا) أي لأجل الخصومة والمنازعة بمقتضى الحسد والحمية الجاهلية مع علمهم بأنه باطل (بل هم قوم خصمون) في أعلى درجات الشدة والقوة على الخصومة * (ان هو إلا عبد أنعمنا عليه) * بالنبوة والرسالة والكرامة * (وجعلناه مثلا) * فيما ذكر أو أمرا عجيبا غريبا كالمثل السائر * (لبني إسرائيل) * وأمرناهم بمتاعبته فلا يبعد أن نجل عليا مثله في الفضل والكرامة (ولو نشاء لجعلنا) بدلا * (منكم - يعني من بني هاشم - ملائكة في الأرض يخلفون) * أي يخلفونكم في الأرض وإذا قدرنا على ذلك فكيف لا نقدر على أن نجعل واحدا من البشر في الفضل والكمال بحيث يستحق خلافتكم وبذلك أبطل إنكارهم لفضله عليه السلام. (قال: فغضب الحارث بن عمرو الفهري) المنسوب إلى الفهر وهو بالكسر قبيلة من قريش فقال (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك) نسب عليه السلام هذا القول إلى الحارث وحده لأنه القائل به حقيقة ونسب جل شأنه إليه وإلى شركائه في التهكم والتكذيب والإصرار على الإنكار حيث قال * (وإذ قالوا اللهم) * باعتبار رضائهم بصدور الفعل عنه والراضي بالفعل فاعل مجازا ولفظ هذا إشارة إلى ما ذكر من فضل علي عليه السلام الدال على تقدمه على الغير واستحقاقه للخلافة ولذلك قال على سبيل البيان والتوبيخ: (إن بني هاشم يتوارثون بعضهم بعضا هرقلا بعد هرقل) أي توارث هرقل بعد هرقل حذف المفعول المطلق وأقيم المضاف إليه مقامه وأعرب بإعرابه. وفي القاموس: هرقل كسبحل وزبرج ملك الروم أول من ضرب الدينار وأول من أخذ البيعة * (فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم) * غيرها عقوبة على إنكاره وقال ذلك لكونه جازما بكذب النبي (صلى الله عليه وآله) ولو كان شاكا لما اجترأ عليه (فأنزل الله تعالى عليه مقالة الحارث) فقال * (وإذ قالوا اللهم..) * الآية (ونزلت هذه الآية وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) بيان لما كان الموجب لإمهالهم والتأخير في إجابة دعائهم على أنفسهم واللام لتأكيد النفي والدلالة على أن تعذيبهم بالاستيصال والنبي فيهم خارج عن رعايته غير جار في قضائه ومن بركته رفعت العقوبات الدنيوية الفظيعة مثل المسخ وغيره عن هذه الأمة * (وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) * أي وفيهم المستغفرون من المؤمنين أو على فرض استغفارهم يعني لو استغفروا لم يعذبوا لقوله تعالى * (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون) * كذا فسره بعض المفسرين (ثم قال له: يا عمروا إما تبت وإما رحلت) لعله كان قد يسمى باسم أبيه أيضا وفي بعض النسخ يا أبا عمرو وقراءة با عمرو بالباء الموحدة وحذف حرف النداء محتملة أيضا (فقال: يا محمد بل تجعل لساير قريش) أراد نفسه الخبيثة أو الأعم (شيئا مما في يديك) من الملك والخلافة أو العز والكرامة (فقد ذهبت بنو

[ 391 ]

هاشم بمكرمة العرب والعجم) أي بشرفهم ومفاخرهم ومناقبهم إذ دانت لأسيافهم وانقادت لهم بالقهر والغلبة والسلطنة (فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): ليس ذلك إلي) حتى اجعل لسائر قريش فيه نصيبا (ذلك إلى الله تعالى) يختار من يشاء وله الخيرة (فقال يا محمد قلبي ما يتابعني بالتوبة) لكون قلبه الكثيف مشغولا باللذات الدنيوية فارغا عن الله ورسوله وللأمور الأخروية بل مكذبا كما مر (ولكن أرحل عنك) اختار هذا الشق لما رأى أن في ملازمة صاحب الدولة القاهرة مذلة له. (فدعا براحلته فركبها فلما صار بظهر المدينة) وخرج عن محل الأمن (أتته جندلة) من السماء (فرضحت هامته) الجندلة الحجارة والرضح بالحاء المهملة والمعجمة الشدخ والدق والكسر وفعله كمنع والهامة بالتشديد الرأس ومقدمه (ثم أتى الوحي إلى النبي (صلى الله عليه وآله)) أريد بالوحي هنا جبرئيل عليه السلام فقال * (سأل سائل بعذاب) * أي دعا داع به يعني استدعاء بقوله: اللهم إن كان هذا هو الحق، ولذلك عدي الفعل بالباء * (واقع للكافرين) * وصفان لعذاب أو الثاني صلة لواقع * (ليس له دافع من الله) * أي يرده من جهته تعالى لحتمه وتعلق إرادته * (ذي المعارج) * يعرج فيها العارفون أو الملائكة المقربون. واعلم أن المصنف روى في باب نكت من التنزيل بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: * (سأل سائل بعذاب واقع) * للكافرين بولاية علي ليس له دافع ثم قال (عليه السلام) (هكذا والله نزل بها جبرئيل) وعلى هذا [ فإن صحت الرواية ] فالظاهر أنه سقط هنا قوله: بولاية علي عليه السلام من قلم الناسخ (1) وأن قوله (عليه السلام) هكذا في قوله " قال: قلت له: جعلت فداك إنا لا نقرؤها هكذا، فقال: هكذا والله نزل اه " إشارة إلى هذا الساقط. وقال الفاضل الأمين الاسترآبادي: إشارة إلى قوله: " ان بني هاشم يتوارثون هرقلا بعد هرقل " فليتأمل. * الأصل: 19 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن علي بن النعمان، عن ابن مسكان عن محمد ابن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله عزوجل: * (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس) * قال: ذلك والله حين قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير ". * الشرح: (عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله عز وجل * (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس) * قال:


1 - احتمال السقط في القرآن زعم باطل عند أكابر العلماء والمحدثين. ورد رواية أبي بصير التي في طريقها سليمان الديلمي (الذي قيل فيه: إنه كان غاليا كذابا، وكذلك ابنه الراوي عنه كما في " صه " و " جش ") أولى من احتمال التحريف في القرآن العظيم، على أن السورة مكية بالاتفاق فالقول بأنها نزلت بعد نصب أمير المؤمنين عليه السلام للخلافة قول باطل كما لا يخفى، ونسبته إلى الصادق (عليه السلام) فرية محضة، نستجير بالله منها. (*)

[ 392 ]

ذاك والله حين قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير) مجمل القول أنه لما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) اجتمعت الصحابة في سقيفة بني نجار فخطبهم سعد بن عبادة وأغراهم بطلب الإمامة وكان يريدها لنفسه فبلغ الخبر أبا بكر وعمر فجاءا مسرعين فتكلم أبو بكر فقال للأنصار ألم تعلموا أنا معاشر المسلمين أول الناس إسلاما ونحن عشيرة رسول الله وأنتم الأنصار الذين وزراؤه وإخواننا في كتاب الله وأحق الناس بالرضا بقضاء الله والتسليم لما ساق الله إلى إخوانكم، فدعاهم إلى بيعة أبي عبيدة أو عمر فقال: أما ينبغي أحد من الناس أن يكون فوقك. فقالت الأنصار: نحن أصحاب الدار والإيمان لن يعبد الله علانية إلا عندنا وفي بلادنا ولا عرف الإيمان إلا من أسيافنا ولاجمعت الصلاة إلا في مساجدنا فنحن أولى بهذا الأمر فإن أبيتم فمنا أمير ومنكم أمير فقال عمر: هيهات هيهات لا يجتمع سيفان في غمد وإن العرب لا ترضى بأن نؤمركم لهذا الأمر - إلى أن قال - والله لا يرد على أحد إلا حطمت أنفه بسيفي هذا، فقام بشر بن سعد الخزرجي وكان يحسد سعدا أن يصل إليه هذا الأمر وقال: إن محمدا رجل من قريش وقومه أحق بميراث أمره فلا تنازعوهم معشر الأنصار، فقام أبو بكر وقال: هذا عمر وأبو عبيدة بايعوا أيهما شئتم، فقالا: لا يتولى هذا الأمر غيرك وأنت أحق به أبسط يدك، فبسط يده فبايعاه وبايعه بشر والأوس كلها وحمل سعد وهو مريض فادخل منزلة وقيل: إنه بقى ممتنعا من البيعة حتى مات. * الأصل: 20 - وعنه، عن محمد بن علي، عن ابن مسكان، عن ميسر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت قول الله عزوجل: * (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها) * قال: فقال: يا ميسر إن الأرض كانت فاسدة فأصلحها الله عزوجل بنبيه (صلى الله عليه وآله) فقال: * (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها) *. * الشرح: (فقال: يا ميسر إن الأرض كانت فاسدة فأصلحها الله عز وجل بنبيه (صلى الله عليه وآله) فقال ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها) وذلك إذ بعث في وقت كان أهل الأرض كافرين ولم يكن فيهم مؤمن ظاهرا أو كان الهرج والمرج والقتل والنهب والفساد شايعة بينهم كما مر تفصيل ذلك في كتاب الأصول.

[ 393 ]

خطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) * الأصل: 21 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عثمان عن سليم بن قيس الهلالي قال: خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) فحمد الله وأثنى عليه، ثم صلى على النبي (صلى الله عليه وآله) ثم ألا إن أخوف ما أخاف عليكم خلتان: اتباع الهوى وطول الأمل أما اتباع الهوى فيصد عن الحق وأما طول الأمل فينسي الآخرة، ألا إن الدنيا قد ترحلت مدبرة وإن الآخرة قد ترحلت مقبلة ولكل واحدة بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب وإن غدا حساب ولا عمل وإنما بدء وقوع الفتن من أهواء تتبع وأحكام تبتدع، يخالف فيها حكم الله يتولى فيها رجال رجالا، ألا إن الحق لو خلص لم يكن اختلاف ولو أن الباطل خلص لم يخف على ذي حجى لكنه يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان فيخللان معا فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه ونجا الذين سبقت لهم من الله الحسنى، إني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: كيف أنتم إذ ألبستكم فتنة يربو فيها الصغير ويهرم فيها الكبير، يجري الناس عليها ويتخذونها سنة فإذا غير منها شئ قيل قد غيرت السنة وقد أتى الناس منكرا. ثم تشتد البلية وتسبى الذرية وتدقهم الفتنة كما تدق النار الحطب، وكما تدق الرحى بثفالها ويتفقهون لغير الله ويتعلمون لغير العمل ويطلبون الدنيا بأعمال الآخرة. ثم أقبل بوجهه وحوله ناس من أهل بيته وخاصته وشيعته فقال: قد عملت الولاة قبلي أعمالا خالفوا فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله) متعمدين لخلافه، ناقضين لعهده مغيرين لسنته ولو حملت الناس على تركها وحولتها إلى مواضعها وإلى ما كانت في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) لتفرق عني جندي حتى أبقى وحدي أو قليل من شيعتي الذين عرفوا فضلي وفرض إمامتي من كتاب الله عزوجل وسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أرأيتم لو أمرت بمقام إبراهيم (عليه السلام) فرددته إلى الموضع الذي وضعه فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ ورددت فدك إلى ورثة فاطمة (عليها السلام)، ورددت صاع رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما كان، وأمضيت قطائع أقطعها رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأقوام لم تمض لهم ولم تنفذ، ورددت دار جعفر إلى ورثته وهدمتها من المسجد ورددت قضايا من الجور قضي بها. ونزعت نساء تحت رجال بغير حق فرددتهن إلى أزواجهن واستقبلت بهن الحكم في الفروع والأحكام. وسبيت ذراري بني تغلب. ورددت ما قسم من أرض خيبر. ومحوت دواوين العطايا وأعطيت كما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعطي بالسوية ولم أجعلها دولة بين الأغنياء. وألقيت المساحة.

[ 394 ]

وسويت بين المناكح. وأنفذت خمس الرسول (صلى الله عليه وآله) كما أنزل الله عزوجل وفرضه. ورددت مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى ما كان عليه. وسددت ما فتح فيه من الأبواب وفتحت ما سد منه. وحرمت المسح على الخفين. وحددت على النبيذ. وأمرت بإحلال المتعتين، وأمرت بالتكبير على الجنائز خمس تكبيرات، وألزمت الناس الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم وأخرجت من أدخل مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مسجده ممن كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخرجه وأدخلت من اخرج بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ممن كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أدخله. وحملت الناس على حكم القرآن وعلى الطلاق على السنة، وأخذت الصدقات على أصنافها وحدودها، ورددت الوضوء والغسل والصلاة إلى مواقيتها وشرائعها ومواضعها، ورددت أهل نجران إلى مواضعهم. ورددت سبايا فارس وسائر الامم إلى كتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله) إذا لتفرقوا عني. والله لقد أمرت الناس أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلا في فريضة وأعلمتهم أن اجتماعهم في النوافل بدعة فتنادى بعض أهل عسكري ممن يقاتل معي: يا أهل الإسلام غيرت سنة عمر ! ينهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوعا ولقد خفت أن يثوروا في ناحية جانب عسكري ما لقيت من هذه الامة من الفرقة وطاعة أئمة الضلالة والدعاة إلى النار. وأعطيت من ذلك سهم ذي القربى الذي قال الله عزوجل: * (إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان) *. فنحن والله الذي عنى بذي القربى الذي قرننا الله بنفسه وبرسوله (صلى الله عليه وآله) فقال تعالى: * (فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل (فينا خاصة) كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتيكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله (في ظلم آل محمد) إن الله شديد العقاب) * لمن ظلمهم. رحمة منه لنا وغنى أغنانا الله به ووصى به نبيه (صلى الله عليه وآله) ولم تجعل لنا في سهم الصدقة نصيبا، أكرم الله رسوله (صلى الله عليه وآله) وأكرمنا أهل البيت أن يطعمنا من أوساخ الناس فكذبوا الله وكذبوا رسوله وجحدوا كتاب الله الناطق بحقنا ومنعونا فرضا فرضه الله لنا، ما لقي أهل بيت نبي من امته ما لقينا بعد نبينا (صلى الله عليه وآله) والله المستعان على من ظلمنا ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. * الشرح: (خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام) ذكر المصنف بعضها عن سليم بضم السين (ألا إن أخوف ما أخاف عليكم خلتان) أي خصلتان هما أعظم مهلك للإنسان فلذلك كان الخوف منهما أشد وأزيد ولما كان عليه السلام هو المتولي لإصلاح حال الخلق في أمور معاشهم ومعادهم وكان

[ 395 ]

صلاحهم منوطا بهمته العالية نسب الخوف عليهم إلى نفسه القدسية (اتباع الهوى) هو ميل النفس الأمارة بالسوء إلى مقتضاها من اللذات الدنيوية خصوصا إذا كانت خارجة عن القوانين الشرعية (وطول الأمل) لما لا ينبغي من المقتضيات الفانية (أما اتباع الهوى فيصد عن الحق) لأن اتباع النفس الأمارة في مقتضياتها والاقتفاء بها في لذاتها أعظم جاذب للإنسان عن قصد الحق وأفخم ساد له عن سلوك سبيله (وأما طول الأمل فينسي الآخرة) لأنه يوجب شغل الفكر فيما يؤمله ويرجوه وفي كيفية تحصيله وضبطه بعد حصوله وكيفية العمل به ويورث سهو القلب عما هو أولى به من أمر معاده ومن ذكر الله وذكر ما بعد الموت من أحوال الآخرة ومحو ما تصور منها في الذهن وذلك معنى النسيان لها الموجب للشقاء الأبدي فيها. (ألا إن الدنيا قد ترحلت مدبرة) الرحل الانتقال يقال: ترحم القوم عن المكان إذا انتقلوا، وفيه إشارة إلى تقضي الأحوال الحاضرة بالنسبة إلى كل شخص من صحة وشباب وجاه ومال وكل ما يكون سببا لصلاح حاله فإن كل ذلك أجزاء الدنيا لدنوها منه ولما كانت هذه الأمور أبدا في التغير والتقضي المقتضي لمفارقته لها وبعدها عنه لا جرم حسن إطلاق اسم الترحل والإدبار على تقضيها وبعدها استعارة تشبيها لها بالحيوان في إدبارها والغرض هو الحث على ترك الركون إليها والعكوف عليها وصرف العمر فيها. ولما نبه على أن الدنيا سريعة الزوال أردف ذلك بالتنبيه على سرعة لحوق الآخرة وإقبالها بقوله (وإن الآخرة قد ترحلت مقبلة) لما كانت الآخرة عبارة عن الدار الجامعة للأحوال التي يكون كل شخص عليها من سعادة وشقاوة وألم وراحة وكان تقضي العمر والدنيا موجبا للوصول إلى تلك الدار والحصول فيما يشتمل عليه من خير أو شر حسن إطلاق الترحل والإقبال عليها مجازا وبالجملة أحوال الإنسان إذا كانت متقضية يطلق عليها اسم الإدبار وإذا كانت متوقعة يطلق عليها اسم الإقبال (ولكل منهما بنون) استعار اسم الابن للخلق بالنسبة إلى الدنيا والآخرة ولفظ الأب لهما ووجه الاستعارة أن الابن لما كان من شأنه الميل إلى الأب إما بالطبع أو بتصور المنفعة وكان وكان الخلق منهم من يريد الدنيا لما يتوهم من لذة وخير فيها ومنهم من يريد الآخرة لما يتصور من لذة وسعادة فيها ويميل كل منهما إلى مراده شبههم بالابن وشبهها بالأب فاستعار لفظ الابن والأب لهما بتلك المشابهة ولما كان غرضه عليه السلام حث الخلق على الآخرة والميل إليها والرغبة فيها والإعراض عن الدنيا وحطامها قال: (فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا) لدوام الآخرة ولذاتها وفناء الدنيا وزهراتها ثم حث على العمل في الدنيا للآخرة للوصول إلى نعيمها ودرجاتها والتحرز عن حسابها وعقوباتها فقال (فإن اليوم عمل ولا حساب وإن غدا حساب ولا

[ 396 ]

عمل) أراد باليوم مدة الحياة وبالغد ما بعد الموت، واليوم اسم " إن " و " عمل " قائم مقام الخبر استعمالا للمضاف إليه مقام المضاف أي يوم عمل وقيل: يحتمل أن يكون اسم " إن " ضمير الشأن واليوم جملة من مبتدأ وخبر هي خبرها وكذا " غدا حساب " ثم أشار إلى أصل الفتنة والفساد في الخلق بقوله: (إنما بدء وقوع الفتن من أهواء تتبع وأحكام تبتدع يخالف فيها حكم الله) وذلك لأن المقصود من بعثة الرسل ووضع الشرايع إنما هو نظام الخلق فكان كل هوى متبع وحكم مبتدع خارج عن حكم الله وحكم الله وحكم رسوله سببا لوقوع الفتنة وتبدد نظام الوجود في هذا العالم وذلك كأهواء المخالفين والبغاة والخوارج والغلاة وغيرهم، ثم أكد ذلك مع الإشارة إلى سبب اشتهار الفتنة وانتشارها بقوله: (يتولى فيها رجال رجالا) أي يتولى طائفة طائفة في الأهواء المتبعة والأحكام المبتدعة التي اتبعها وابتدعها أولا ضال في الشريعة على خلاف حكم الله ورسوله ويرجونها فتشتهر بين الخلق. ثم أشار إلى أن أسباب تلك الأهواء الفاسدة والأحكام الباطلة امتزاج المقدمات الحقة بالباطلة وبين ذلك بشرطيتين متصلتين أحداهما قوله (إن الحق لو خلص) من مزج الباطل (لم يكن اختلاف) بين الناس ضرورة أن مقدمات الدليل التي استعملها أهل الباطل وترتيبها لو كانت حقا كانت النتيجة حقا فلا يتمكنون من العناد فيه والمخالفة له فوقوع الاختلاف دل على عدم الخلوص، واخراهما قوله: (ولو ان الباطل خلص) من مزج الحق (لم تخف) وجه بطلانه (على ذي حجى) الحجى بكسر الحاء المهملة وفتح الجيم العقل وذلك لأن مقدمات الشبهة إذا كانت كلها باطلة غير مشوبة بالحق أدرك العاقل الطالب للحق وجه بطلانها ولما خفي وجه البطلان علم عدم الخلوص وكان ذلك سبب الغلط واتباع الباطل لأن النتيجة تابعة لأخس المقدمتين ومن ثم قال المحقق الطوسي قد علم بالاستقراء أن المذاهب الباطلة كلها نشأت من مذهب أهل الحق إذ الباطل الصرف لا أصل له ولا حقيقة ولا يعتقده العاقل إلا إذا اقترن بشبه الحق ثم أشار إلى ما هو في حكم نتيجة هذين القياسين بقوله (لكنه يؤخذ من هذا ضغث) أي قبضة (ومن هذا ضغث فيمزجان فيجتمعان فيخللان معا) التخليل إدخال الشئ في خلال الشئ، وفي تاج اللغة: تخليل پوشانيدن چيزى ولفظ الضغث هو في الأصل قبضة حشيش مختلطة الرطب باليابس مستعار والمقصود هو التصريح بلزوم الآراء الباطلة والأهواء المتبعة والأحكام المبتدعة لمزح الحق بالباطل وخلط قول الأنبياء بقول الأشقياء ولذلك قال: (فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه) فيزين لهم اتباع الآراء والأهواء والأحكام الخارجة عن حكم الله وكتابه وسنة نبيه بسبب إغوائهم عن تمييز الحق من الباطل فيما سلكوه من الشبهة (ونجا الذين سبقت لهم) في القضاء

[ 397 ]

الأزلي (من الله الحسنى) هي السعادة والطاعة والبشر للجنة وهم الذين أخذت العناية الأزلية بأيديهم في ظلم الشبهات وقادتهم التوفيقات الربانية في الأئمة الهداة للاستعلام عن حل المشكلات والمتشابهات فهداهم إلى سبيل النجاة فاهتدوا بنور هدايتهم إلى تمييز الحق من الباطل والصحيح من السقيم واعلم أن غرضه عليه السلام من هذه الخطبة هو الشكاية عن الأمة بتركهم الإمام الهادي الفارق بين الحق والباطل وتمسكهم بعقولهم الناقصة وأهوائهم الفاسدة فصار ذلك سببا لعدولهم عن القوانين الشرعية لسوء فهمهم وعدم وقوفهم على مقاصدها وضموا إليها متخيلات أوهامهم ومخترعات أفهامهم فحملوها على غير وجوهها كأهل الخلاف فإنهم ضموا حقا - وهو أنه لابد لهذه الأمة من إمام - إلى باطل وهو أن النبي (صلى الله عليه وآله) لم ينص به فاخترعوا لأنفسهم إماما وكالمجسمة فإنها ضموا حقا وهو مثل قوله تعالى: * (الرحمن على العرش استوى) * إلى باطل وهو أنه مستقر على العرش كاستقرار الملك على السرير فزعموا أنه تعالى جسم، وكالغلاة فإنهم ضموا حقا وهو كرامته عليه السلام وإخباره بالغيب إلى باطل وهو أن من كان كذلك فهو إله فزعموا أنه إله وكذلك غيرها من أصحاب الملل الفاسدة التي بذكرها يطول الكلام فصاروا بتلك العقائد من أولياء الشيطان في إضلال الناس ولو كانوا يرجعون إليه عليه السلام لخلصهم من تلك الشبهات ونجاهم من هذه الهلكات. (إني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: كيف أنتم إذا ألبستكم فتنة) أي أحاطت بكم المحنة والبلية الداعية إلى الضلال عن الحق وسلوك سبيل الباطل كفتن الخلفاء الثلاثة ومن تبعهم (يربو فيها الصغير) أي ينموا أو يرتفع وهو كناية عن امتداد زمانها أو يموت من فزع من ربا فلان إذا انتفخ من فزع (ويهرم فيها الكبير) لشدتها وقوتها وكثرة المشقة بها لاختلاطها وتراكم بعضها فوق بعض ومقاساة الخلق بسبب تبدد نظام أحوالهم (يجري الناس عليها) ويتلقونها بالقبول والإذعان (ويتخذونها سنة) أي قوانين كلية وطرقا شرعية ثم أشار إلى كمال جهلهم المركب بقوله: (فإذا غير منها شئ قيل قد غيرت السنة وقد أتى الناس منكرا) لزعمهم أن الحق منكر وأن المنكر الذي ابتدعوه حق فيردون على العالم الرباني ويعتقدون أنه ليس وراء ما ذهبوا إليه علم، ويمكن أن يكون قوله: " وقد أتى " كلامه عليه السلام لبيان أن ما جاؤوا به منكر في الشريعة ثم أشار إلى اشتداد تلك الفتنة في بعض الأعصار كعصر معاوية ويزيد عليهما العذاب الشديد وسائر خلفاء بني أمية وبني عباس وأضرابهم بقوله (ثم تشتد البلية وتسبى الذرية وتدقهم الفتنة كما تدق النار الحطب وكما تدق الرحى بثفالها) الدق الهشم والكسر وهو كناية عن الإفناء والإعدام والثفال بكسر الثاء المثلثة والفاء بعدها وقد تضم جلدة تبسط تحت رحى اليد ليقع عليه الثفل وهو بالضم

[ 398 ]

الدقيق سمي ثفلا لأنه من الأقوات التي يكون لها ثفل بخلاف المايعات ثم سمي الحجر الأسفل من الرحى ثفالا والباء زائدة للمبالغة في التعدية والمعنى أنها تدقهم دق الرحى للثفال أو للحب، فقد شبه الفتنة تارة بالنار في الإفناء والإحراق وتارة بالرحى في الكسر والهدم والصدم وأشار بهذا إلى البلية الواردة في أعصارهم على عامة أهل الإسلام خصوصا على الشيعة وأهل العلم والتقوى والصالحين من هذه الأمة وكفاك شاهدا ما ثبت بالتواتر أنهم آذوا أهل الإيمان وقتلوا كثيرا منهم وسبوا ذراريهم ونهبوا أموالهم وقتلوا الحسين عليه السلام وأولاده وذريته وأصحابه وهتكوا حرمة الرسول وحرمة الإسلام وهدموا الكعبة وسبوا عليا عليه السلام ثمانين سنة إلى غير ذلك من المنكرات التي لا يحيط بها البيان. ثم أشار إلى فساد قلوبهم وقبايح نفوسهم الأمارة بالسوء بقوله (ويتفقهون لغير الله ويتعلمون لغير العمل ويطلبون الدنيا بأعمال الآخرة) فإن التفقه والتعلم والعمل ينبغي أن يكون للآخرة ونيل درجاتها والنجاة من عقوباتها وهم يجعلونها وسيلة للدنيا وتحصيل قنياتها (ولو حملت الناس على تركها وحولتها إلى مواضعها) نظر عليه السلام إلى التحويل وعدمه فرجح الثاني لما في الأول من المفاسد العظيمة وهي رجوع الخلق عنه وخروجهم عليه مع عدم تحقق التحويل لإبقائهم بدع شيوخهم بحالها وما فعله عليه السلام محض الحكمة وفيه دلالة على جواز ارتكاب أقل القبيحين عند التعارض. (أرأيتم لو أمرت بمقام إبراهيم عليه السلام) أي برده (فرددته إلى الموضع الذي وضعه فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله)) مقامه عليه السلام كان متصلا بجدار البيت عند الباب نقل في الجاهلية إلى الموضع المعروف الآن ثم رده رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى الموضع الأول ثم رده الثاني إلى الموضع الثاني (ورددت فدك إلى ورثة فاطمة عليها السلام) دل على أنه عليه السلام لم يرد فدك في خلافته لإفضائه إلى الفساد والتفرقة فلا يرد ما أورده بعض العامة من أن أخذ فدك لو لم يكن حقا لرده (عليه السلام) في خلافته (ورددت صاع رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما كان) الصاع الذي يكال به ويدور عليه أحكام المسلمين أربعة أمداد بالاتفاق وان اختلفوا في تفسير المد كما هو مذكور في الفروع وأما صاع النبي (صلى الله عليه وآله)، فقد روى الشيخ بطريقين عن سليمان بن حفص المروزي عن أبي الحسن عليه السلام والظاهر أنه الهادي عليه السلام وبطريق آخر عن سماعة أنه خمسة أمداد والأول ضعيف والثاني موثق ولو ثبت ذلك فالأمر مشكل لأن الظاهر أن الأحكام الصاعية مترتبة على صاعه (صلى الله عليه وآله) لا على صاع حدث بعده إلا أن يقال: أن الأئمة عليهم السلام جوزوا بناءها عليه والله أعلم (وأمضيت قطايع أقطعها رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأقوام لم تمض لهم ولم تنفذ)

[ 399 ]

القطايع جمع قطيعة وهي أرض أو دار أقطعها رسول الله (صلى الله عليه وآله) لبعض الصحابة ليعمروها ويزرعوها أو يسكنوها ويستبدوا بها والإقطاع يكون تمليكا وغير تمليك ولعل المراد هنا هو الأول (ورددت دار جعفر) عليه السلام (إلى ورثته وهدمتها من المسجد) كأنها غصبت وأدخلت في المسجد. (ونزعت نساء تحت رجال بغير حق) كالمعقودات بعقد فاسد والمطلقات بغير سنة أو بغير شاهد أو في الحيض وغير ذلك (ورددت ما قسم من أرض خيبر) التي كانت للمسلمين كلهم لكونها مفتوحة عنوة (ومحوت دواوين العطايا) أي دفاترها المكتوبة فيها عطاياهم من بيت المال على قدر حالاتهم وأول من وضعها الثاني (وأعطيت كما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعطي بالسوية) بين الشريف والوضيع والعرب والعجم والمهاجرين والأنصار ولم يفضل بعضهم على بعض، وقد فضله الثاني خلافا له، ففضل المهاجرين على الأنصار على غير غيرهم والعرب على العجم وبعض النساء على بعض، وتفضيل النبي (صلى الله عليه وآله) بعض المنافقين والمستضعفين في غنائم حنين بأمر الله تعالى به لا يقتضي جوازه لغيره مطلقا. (لم أجعلها دولة بين الأغنياء) يتناولونها دون الفقراء وفي النهاية: دولة بالضم ما يتداول من المال فيكون لقوم دون قوم (وألقيت المساحة) المقدرة بينهم وهي بالكسر الذرع الذي يقدر به الجريب وهو أربعة أقفزة والقفيز مائة وأربعة وأربعون ذرعا فالجريب عندهم خمسمائة وستة وسبعون ذرعا (وسويت بين المناكح) أي بين النساء في النفقة والكسوة والقسمة والعطية من بيت المال هذا من باب الإحتمال والله أعلم (وأنفذت خمس الرسول) كان الأول يملكه ويصرفه في أقاربه والثاني يصرفه في المسلمين ويمنع منه آل الرسول (وأمرت بإحلال المتعتين) اللتين كانتا حلالا في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) وحرمهما الثاني فإنه صعد المنبر وقال: أيها الناس ثلاث كن على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنا أنهى عنهن وأحرمهن وأعاقب عليهن وهن متعة النساء ومتعة الحج وحي على خير العمل (وأخرجت من أدخل مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مسجده) صلى الله عليه وآله (ممن كان رسول الله أخرجه وأدخلت من أخرج بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ممن كان رسول الله أدخله) أدخلوا كثيرا من المنافقين الذين أخرجهم النبي (صلى الله عليه وآله) وأدخل فيه الثالث الحكم بن عاص وأولاده وكانوا طريد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأعداؤه فزوج إحدى بنتيه مروان بن الحكم وأخريهما حارث بن الحكم وأعطاهم خمس غنائم أفريقية ومن بيت مال المسلمين أموالا جزيلة ورجحهم على أعاظم الصحابة وأخرج أبا ذر إلى الشام ثم إلى الربذة لأنه كان يخطئه ويعد قبايحه على رؤوس الأشهاد. (وحملت الناس على حكم القرآن) الذي حرفوه وبدلوه فجعلوا حلاله حراما وحرامه حلالا

[ 400 ]

(وعلى الطلاق على السنة) وهو الطلاق الشرعي المشتمل على الشرائط المعتبرة في الشرع ومقابله الطلاق البدعي كطلاق النفساء وطلاق الحائض بعد الدخول مع حضور الزوج أو مع غيبته بدون المدة المشترطة أو في طهر المقاربة وطلاق الثلاث في مجلس واحد وأمثال ذلك والكل باطل عندنا (وأخذت الصدقات على أصنافها وحدودها) المراد بها صدقات الرسول (صلى الله عليه وآله) قال أبو عبد الله الآبي - وهو من أعاظم علمائهم في كتاب إكمال الإكمال - صدقات النبي التي كان ملكها ثلاثة أوجه: الأول الهبة كالسبع الحوايط من أرض بني النضير التي أوصى له بها مخيريق اليهودي حين أسلم يوم أحد وكالذي أعطاه الأنصار من أرضهم وكان منه موضع سوق المدينة، الثاني ما كان ملكه بالفئ كأرض بني النضير حين أجلاهم عنها وحملوا من أموالهم ما حملت الإبل إلا السلاح تركوها مع الأرض فكان له (صلى الله عليه وآله) خاصة لأنه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب وكنصف أرض فدك الذي صالح عليها أهلها من يهود وكثلث وادي القرى الذي صالح أهله عليه فكان له ثلثه ولهم ثلثاه وكحصن الرضيح وحصن الإسلام ومن حصون خيبر أخذهما صلحا على أن أجلى من فيها عنها، الثالث سهمه من خمس خيبر حين افتتحها عنوة وصار في ذلك الخمس حصن الكتيبية كله فهذه الأشياء كانت له خاصة ومع ذلك لم يستأثر بشئ منها بل كان يصرفها في مصالح المسلمين بعد إخراج ما يحتاج إليه عياله ويدل على أنها كانت ملكه إقطاعه الزبير منها إذ لا يقطع ملك غيره وأجمع العلماء على أنها صدقات محرمة الملك ثم ما كان بالمدينة من أموال بني النضير دفعه عمر لعباس وعلي على أن يعملا فيه ويصرفا في مصالح بني هاشم وأما ما عدا ذلك فأمسكه عمر لنوائب المسلمين كما أمسك كلها قبله أبو بكر لأنه كان يرى أنه الخليفة وأنه القائم مقام النبي (صلى الله عليه وآله) فلم ير إخراج ذلك عن نظره لأنه كان يصرفه في مصالح قرابته وغيرهم. هذا كلامه بعبارته. (ورددت الوضوء والغسل والصلاة إلى مواقيتها وشرايعها ومواضعها) من رجع إلى أصولهم وفروعهم وإلى أصول أهل البيت عليهم السلام وفروعهم ظهر له كيفية الاختلاف وكميته بوجوه غير محصورة. (ورددت أهل نجران إلى مواضعهم) كأنهم كانوا من أهل الذمة وهم أخرجوها عن مواضعهم (1) ونجران موضع باليمن وبالبحرين وبقرب دمشق وبين الكوفة وواسط كذا في القاموس وفي النهاية: موضع معروف بين الحجاز والشام واليمن (ورددت سبايا فارس وسائر الأمم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله) في القاموس: فارس الفرس أو بلادهم. وفيه دلالة


1 - أخرجهم الثاني كما في فتوح البلدان للبلاذري ص 70 إلى 75. (*)

[ 401 ]

على أن تلك السبايا لم تقسم على وجه مشروع بل على أنها من حقه عليه السلام لدلالة الأخبار على أنها أخذه السلطان الجائر من الكفار بالحرب بغير إذن الإمام فهو له عليه السلام (إذا لتفرقوا عني) جواب للشرط وهو قوله سابقا " أرأيت لو أمرت.. الخ " وفيه دلالة على أن أكثر أصحابه وعساكره كانوا من أهل الخلاف القائلين بخلافة الثلاثة ثم أكد عليه السلام مضمون الشرط والجزاء بأنه أنكر أحقر منكراتهم فصار ذلك سببا لفتنتهم حتى ترك الإنكار وأبقاهم بحالهم فكيف إنكار أقواها أو كلها فقال (والله لقد أمرت الناس أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلا في فريضة وأعلمتهم أن اجتماعهم في النوافل بدعة فتنادى بعض أهل عسكري ممن يقاتل معي: يا أهل الإسلام غيرت سنة عمر.. اه) النهي إما عن الجماعة فيها كما هو ظاهر كلامه عليه السلام أو عن فعلها كما هو ظاهر كلام المنادي والمراد بها حينئذ صلاة الضحى وهي بدعة عندنا وورد النهي عنها وروى بكير بن أعين وزرارة عن أبي جعفر عليه السلام أن النبي (صلى الله عليه وآله) ما صلاها قط (ولقد خفت أن يثوروا في ناحية جانب عسكري) الثور الهيجان والوثب وأثاره وثوره غيره والناحية الجانب وهي على الأول بالإضافة وعلى الثاني بالتنوين وجانب مفعول (ما لقيت من هذه الأمة) قال الفاضل الأمين الاسترآبادي: هذا تعليل ل‍ " خفت " ولامه محذوفة والتقدير لما لقيت. (وأعطيت من ذلك سهم ذي القربى) الظاهر أنه عطف على لقيت وأن ذلك إشارة إلى خمس أو ما يجب فيه الخمس بقرينة المقام وقال الفاضل المذكور إشارة إلى غنيمة كانت حاضرة في ذلك الوقت وسهم ذي القربى بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) ثلاثة سهمهم وسهم الله تعالى وسهم رسوله (صلى الله عليه أسهم تصرف في الباقين بحكم الآية وهو ثابت مستمر إلى آخر الدهر على النحو المذكور فيها وهي ما أشار إليه عليه السلام بقوله قال الله عز وجل * (واعلموا أنما غنمتم من شئ فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) * * (إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان) * قيل: يوم الفرقان يوم بدر فإنه تعالى فرق فيه بين الحق والباطل والجمعان المسلمون والكفار وإنما اقتصر عليه السلام بذكر بعض الآية لأن مقصوده بالذات هو الإشارة إلى أن الإيمان يقتضي تسليم الخمس إلى ذي القربى وأن المانع منه ليس بمؤمن، قال القاضي وغيره " إن كنتم " متعلق بمحذوف دل عليه " واعلموا " أي إن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أنه جعل الخمس لهؤلاء فسلموه إليهم واقتنعوه بالأخماس الأربعة فإن العلم العملي إذا أمر به لم يرد منه العلم المجرد لأنه مقصود بالعرض والمقصود بالذات هو العمل. وقوله عليه السلام: (فنحن والله عني بذي القربى.. اه) رد على جماعة من العامة فقال بعضهم: ذوو القربى بنو هاشم وبنو عبد المطلب، وقال بعضهم: بنو هاشم وحدهم، وقال بعضهم: جميع قريش الغني

[ 402 ]

والفقير فيه سواء، وقيل: لفقرائهم فقط، وقال بعضهم: الخمس كله لهم، وقال أبو حنيفة: سقط سهم الله تعالى وسهم رسوله وسهم ذي القربى بوفاته ويصرف كله إلى الثلاثة الباقية، وقال مالك: الرأي فيه مفوض إلى الإمام كاينا من كان يصرفه إلى من شاء، وقال بعضهم: يصرف سهم الله إلى الكعبة والباقي يقسم إلى خمسة، وقال بعضهم: سهم الله لبيت المال ويصرف في مصالح المسلمين كما فعله الشيخان. (فينا خاصة) الظاهر أنه متعلق بقال (رحمة منه لنا وغنى أغنانا الله به) الرحمة قد تطلق على الرقة المجردة عن الإحسان وعلى الرقة المقترنة معه وعلى الإحسان المجرد والإفضال وهو المراد هنا وليس المراد بالغني المعنى المعروف عند الناس بل المراد به الكفاف وهو سهم ذي القربى من الخمس هذا إن جعل رحمة وما عطف عليه مفعولا له لقوله: " عني بذي القربى " أو لقوله: " قرننا " كما هو الظاهر، وأما إن جعل مفعولا له لشدايد العقاب فالمراد به العقل والعلم والعمل والمنزلة الرفيعة التي هي كمال النفس وغناها كما أشار إليه أمير المؤمنين عليه السلام " لا غنى كالعقل ولا فقر كالجهل " وبقوله " الغنى والفقر يظهران بعد العرض " وهم عليهم السلام أغنى الأغنياء بهذه المعاني قد أغناهم الله تعالى بها عن غيرهم " والله المستعان على من ظلمنا " فيه إظهار للعجز وفيه تعظيم للرب وطلب النصرة منه على الظالمين والله عزيز ذو انتقام ولو بعد حين (ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) فيه استبسال وانقطاع عن الغير بالكلية وإبراز للعجز والمسكنة البشرية بسبب سلب الحول والقوة والحركة في جميع الأمور المطلوبة الدنيوية والأخروية عن نفسه وإثباتها لله تعالى تعظيما وتوقيرا له وفيه تعليم وترغيب في الرجوع إليه سبحانه عند توارد المصائب والشدائد والله ولي التوفيق.

[ 403 ]

خطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) * الأصل: 22 - أحمد بن محمد الكوفي، عن جعفر بن عبد الله المحمدي، عن أبي روح فرج بن قرة، عن جعفر بن عبد الله، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) بالمدينة فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي وآله ثم قال: أما بعد فإن الله تبارك وتعالى لم يقصم جباري دهر إلا من بعد تمهيل ورخاء ولم يجبر كسر عظم من الامم إلا بعد أزل وبلاء، أيها الناس في دون ما استقبلتم من عطب (1) واستدبرتم من خطب، معتبر وما كل ذي قلب بلبيب ولا كل ذي سمع بسميع ولا كل ذي ناظر عين ببصير. عباد الله ! أحسنوا فيما يعنيكم النظر فيه، ثم انظروا إلى عرصات من قد أقاده الله بعلمه كانوا على سنة من آل فرعون أهل جنات وعيون وزروع ومقام كريم، ثم انظروا بما ختم الله لهم بعد النضرة والسرور والأمر والنهي. ولمن صبر منكم العاقبة في الجنان والله مخلدون ولله عاقبة الامور. فيا عجبا ! وما لي لا أعجب من خطأ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها، لا يقتصون أثر نبي ولا يقتدون بعمل وصي ولا يؤمنون بغيب ولا يعفون عن عيب، المعروف فيهم ما عرفوا والمنكر عندهم ما أنكروا وكل امرئ منهم إمام نفسه، آخذ منها فيما يرى بعرى وثيقات وأسباب محكمات فلا يزالون بجور ولن يزدادوا إلا خطأ لا ينالون تقربا ولن يزدادوا إلا بعدا من الله عزوجل، انس بعضهم ببعض وتصديق بعضهم لبعض، كل ذلك وحشة مما ورث النبي الامي (صلى الله عليه وآله) ونفورا مما أدى إليهم من أخبار فاطر السماوات والأرض. أهل حسرات وكهوف شبهات وأهل عشوات وضلالة وريبة، من وكله الله إلى نفسه ورأيه فهو مأمون عند من يجهله، غير المتهم عند من لا يعرفه، فما أشبه هؤلاء بأنعام قد غاب عنها رعاؤها ووا أسفا من فعلات شيعتي من بعد قرب مودتها اليوم، كيف يستذل بعدي بعضها بعضا وكيف يقتل بعضها بعضا، المتشتة غدا عن الأصل النازلة بالفرع، المؤملة الفتح من غير جهته، كل حزب منهم آخذ [ منه ] بغصن، أينما مال الغصن مال معه.


1 - كذا. (*)

[ 404 ]

مع أن الله - وله الحمد - سيجمع هؤلاء لشر يوم لبني امية كما يجمع قزع الخريف، يؤلف الله بينهم، ثم يجعلهم ركاما كركام السحاب. ثم يفتح لهم أبوابا يسيلون من مستثارهم كسيل الجنتين سيل العرم حيث بعث عليه فأرة فلم يثبت عليه أكمة ولم يرد سننه رض طود يدغدعهم الله في بطون أودية ثم يسلكهم ينابيع في الأرض يأخذ بهم من قوم حقوق قوم ويمكن بهم قوما في ديار قوم تشريدا لبني امية. ولكيلا يغتصبوا ما غصبوا، يضعضع الله بهم ركنا وينقض بهم طي الجنادل من إرم ويملأ منهم بطنان الزيتون فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة ليكونن ذلك وكأني أسمع صهيل خيلهم وطمطمة رجالهم. وأيم الله ليذوبن ما في أيديهم بعد العلو والتمكين في البلاد كما تذوب الألية على النار من مات منهم مات ضالا وإلى الله عزوجل يفضي منهم من درج ويتوب الله عزوجل على من تاب ولعل الله يجمع شيعتي بعد التشتت لشر يوم لهؤلاء وليس لأحد على الله عز ذكره الخيرة بل لله الخيرة والأمر جميعا. أيها الناس إن المنتحلين للإمامة من غير أهلها كثير ولو لم تتخاذلوا عن مر الحق ولم تهنوا عن توهين الباطل لم يتشجع عليكم من ليس مثلكم ولم يقومن قوي عليكم وعلى هضم الطاعة وإزوائها عن أهلها لكن تهتم كما تاهت بنو إسرائيل على عهد موسى [ بن عمران ] (عليه السلام) ولعمري ليضاعفن عليكم التيه من بعدي أضعاف ما تاهت بنو إسرائيل ولعمري أن لو قد استكملتم من بعدي مدة سلطان بني أمية لقد اجتمعتم على سلطان الداعي إلى الضلالة وأحييتم الباطل وخلفتم الحق وراء ظهوركم وقطعتم الأدنى من أهل بدر ووصلتم الأبعد من أبناء الحرب لرسول الله (صلى الله عليه وآله). ولعمري أن لو قد ذاب ما في أيديهم لدنا التمحيص للجزاء وقرب الوعد وانقضت المدة وبدا لكم النجم ذو الذنب من قبل المشرق ولاح لكم القمر المنير. فإذا كان ذلك فراجعوا التوبة واعلموا أنكم إن اتبعتم طالع المشرق سلك بكم مناهج الرسول (صلى الله عليه وآله) فتداويتم من العمى والصمم والبكم وكفيتم مؤونة الطلب والتعسف ونبذتم الثقل الفادح عن الأعناق ولا يبعد الله إلا من أبى وظلم واعتسف وأخذ ما ليس له * (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) *. * الشرح: (خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام) ذكر فيها أنواعا من توبيخ الأمة على اختلاف آرائهم في

[ 405 ]

الدين واستبداد كل فرقة منهم بمذهب في الأصول والفروع مع وجوده عليه السلام بينهم وإعراضهم عنه مع علمهم بحاله ومعرفتهم بكماله (ثم قال: أما بعد فإن الله تعالى لم يقصم جباري دهر إلا من بعد تمهيل ورخاء) وخوف عليه السلام من اشتد عناده وامتد فساده ورغب في الدنيا ونسي الآخرة واغتر بماله وابتهج بحاله واستبد في الدين برأيه ولم يرجع إليه بالاستفاده منه بذكر أحوال الجبارين الذين كانوا معرضين عن دين الله ودين رسوله فمهلهم الله تعالى من باب الاستدراج تمهيلا وأنعمهم جزيلا فكانوا في نعمة ورخاء ثم قصمهم وأخذهم أخذا وبيلا لعله يتذكر أو يخشى ثم عطف الكلام إلى المؤمنين وحملهم إلى الاتحاد والاجتماع والصبر على الشدة والرخاء ورجاء المعونة والقوة من الله تعالى فقال: (ولم يجبر كسر عظم من الأمم إلا بعد أزل وبلاء) الأزل الضيق والشدة والجدب، وجبر العظم المكسور كناية عن قوتهم بعد ضعفهم يظهر ذلك لمن نظر في أتباع الأنبياء أول الأمر فإنهم كانوا في غاية الضعف والشدة ثم حصلت لهم القوة بالاتحاد والصبر والتناصر والتعاون وفيه ترغيب في الصبر على النوازل وتنبيه على أن اليسر مقرون بالعسر كما قال تعالى * (إن مع العسر يسرا) * وعلى وجوب الإتحاد في الدين وعدم تشتت الآراء وتفرق الذهن فيه لقلة أهله فإن الحق يعلو بالآخرة مع أن التشتت يوجب الوهن والضعف والعجز وكل ذلك ضد مطلوب الشارع. ويحتمل أن يراد بالجبارين المخالفون له عليه السلام وبقوله " لم يجبر " شيعته وأنصاره فنبه بالأول على أن أولئك الجبارين وإن طالت مدتهم وقويت شوكتهم فهم من إمهال الله لهم ليستعدوا به الهلاك وبالثاني على أنكم وإن ضعفتم وابتليتم فذلك من عادة الله فيمن يريد أن ينصره وينصركم بظهور دولتنا القاهرة ثم إبدالهم مضمون قوله: ولم يجبر، من باب التأكيد بقوله: (أيها الناس في دون) أي في أقل أو عند (ما استقبلتم من خطب) الخطب الشأن والحال والأمر عظم أو صغر وفي بعض النسخ: من عتب، أي من عتابي لكم وهو إشارة إلى ما كانوا فيه بعد ظهور الإسلام في حال الحروب مثل حرب بدر وحرب أحد وحرب الأحزاب من الأهوال والوهن والضعف راجعين إلى صاحب الوحي والعلم الإلهي صابرين على أذى المشركين، ثابتين في الدين، متحدين فيه غير مختلفين فأيدهم الله بنصره وأزال عنهم وهنهم وجبر عظمهم بما تقر به عينهم (واستدبرتم من خطب) وهو إشارة إلى ما كانوا فيه من الأهوال والوهن والشدة في مبدأ الإسلام مع قلتهم وكثرة عدوهم فلما اتحدوا ولم يختلفوا وصبروا ورجعوا إلى الرسول (صلى الله عليه وآله) أيدهم الله تعالى وقواهم وجبر عظمهم بمن أسلم ودخل في الدين، ويحتمل أن يكون الخطب المستقبل والمستدبر واحدا وهو جميع ما استقبلوه ورأوه من أول الإسلام واستدبروه إلى أن قبضه (صلى الله عليه وآله) وإعادة الخطب يؤيد الأول

[ 406 ]

وحذف الموصول في المعطوف يؤيد الثاني والله أعلم (معتبر) أي في دون ذلك إعتبار لمن اعتبر فكيف فيه فإنكم من ذلك الإعتبار تعلمون أنه يجب عليكم بعده الاتحاد في الدين والتعاون والتناصر ومقاساة مرارة الصبر والرجوع إلى أعلمكم بالفروع والأصول وبجميع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله والإجتماع عليه وعدم التفرق عنه بالرأي ليرد عليكم نصر الله ورحمته ويتم لكم دين الله ونعمته ثم حثهم على الإعتبار لئلا يعدوا ناقصين في العقل والسمع والبصر بقوله (وما كل ذي قلب بلبيب) أي عاقل كامل خالص ينتفع بعقله فيما خلق لأجله بل عقل الأكثر تابع للوهم والخيال والنفس الأمارة التابعة للشيطان المايلة إلى شهوات الدنيا والعصيان (ولا كل ذي سمع بسميع ولا كل ذي ناظر عين ببصير) إذ السميع والبصير من استعمل سمعه في المسموعات وبصره في المبصرات وعمل بهما واستفاد العبرة منهما وأصلح حاله في أمر المعاد واجتنب عما يوجب الفساد. (عباد الله أحسنوا فيما يعنيكم النظر فيه) أي يهمكم ومن حسن إسلام المرء ترك النظر فيما لا يعنيه ولا يهمه وفيه حث على النظر فيما ينفع في الآخرة ومنه الاعتبار واحتمال قراءة يعينكم من الإعانة بعيد (ثم انظروا إلى عرصات من قد أقاده الله بعلمه) العرصات جمع العرصة وهي كل موضع واسع لا بناء فيه ولعل المراد بها دورهم الخربة وأراضيهم الميتة والاقادة من القود وهو محركة القصاص وإنما سمي إهلاكه قصاصا لأنه أمات دين الله تعالى فاستحق بذلك القصاص وقيل من القود نقيض السوق أي جعله الله قايدا لمن تبعه وقوله " بعلمه " بالعين المهملة في أكثر النسخ وبالمعجمة في بعضها وهو الشهوة ولعل المراد بها شهوة الدنيا وفي بعضها بعمله بتقديم الميم على اللام (كانوا على سنة من آل فرعون) جمع الضمير هنا باعتبار المعنى وإفراده في السابق باعتبار اللفظ والسنة الطريقة والسيرة. (أهل جنات وعيون وزروع ومقام كريم) أي محافل مزينة ومنازل حسنة والظاهر أنه خبر بعد خبر لكانوا مع احتمال أن يكون بيانا للسنة (ثم انظروا بما ختم الله لهم بعد النضرة والسرور والأمر والنهي) أي بعد جريان أمرهم ونهيهم على الناس أو بعد أمر الله لهم بالطاعات ونهيهم عن المنهيات وعدم قبولهم ولفظة " ثم " هنا لمجرد التفاوت في الرتبة لأن العذاب الاخروي أقوى وأشد من العذاب الدنيوي وفيها دلالة على الفخامة والفظاعة. والنضرة النعمة والعيش الطيب وحسن الحال، والسرور الفرح اللازم لها وفي كل ذلك تحريك على الاعتبار لمن له قلب معتبر وعقل متفكر (ولمن صبر منكم العاقبة في الجنان) أي ولمن صبر منكم على الثبات في الدين وأذى الفاسقين وتحمل التكليفات الشرعية حسن العاقبة في الجنان

[ 407 ]

والعاقبة آخر كل شئ (والله مخلدون) أي والله أنتم مخلدون فيها على حذف المبتدأ (ولله عاقبة الأمور) أي الأمور الخيرية يؤتيها من يشاء بفضله ويمنعها من يشاء بعدله والمراد أن له عاقبة أمور كل أحد إن خيرا فخير وإن شرا فشر. ثم تعجب عليه السلام من حال الأمة وأردفه ما هو سبب له ونادى العجب منكرا ليحضر له فقال: (فيا عجبا) أقبل فهذا أو أن أقبالك ويحتمل أن يكون نصبه على المصدر بحذف المنادى أن يا قوم عجبت عجبا. (ومالي لا أعجب من خطأ هذه الفرق) الاستفهام للتعجب من عدم التعجب مع حصول أسبابه وقوتها وهي ترك هذه الفرق ما ينبغي فعله وفعلهم ما ينبغي تركه كما يظهر مما يذكره (على اختلاف حججها في دينها) أي على اختلاف قصورها أو ترددها أو سننها وطرقها أو دلايلها في أصول دينها وفروعه وقوله: " في دينها " متعلق بالخطأ أو بالإختلاف أو بهما على سبيل التنازع وإنما سميت مفتريات أوهامهم ومخترعات أوهامهم حججا على سبيل التهكم (لا يقتصون أثر نبي) في بعض النسخ: " لا يقتفون " وهو تفصيل لخطايا هذه الفرق والمذام التي كان إجتماعهم فيهم سببا لتعجبه منهم (ولا يقتدون بعمل وصي) أراد به نفسه قطعا لعذرهم فإن الاختلاف في الدين قد تعرض عن ضرورة وهي عدم وجود الهادي بينهم فأما إذا كان موجودا هو هو عليه السلام لا عذر لهم على الاختلاف ولا يجوز لهم القيام عليه (ولا يؤمنون بغيب) أي بالله وصفاته واليوم الآخر وأهواله وثوابه وعقابه وحسابه أو بما جاء به الرسول (صلى الله عليه وآله) من عند الله تعالى وهو المروي عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: * (الذين يؤمنون بالغيب) * أو بما هو غائب عن حواسهم مما يعلم بالدليل هذا كله إن جعل قوله " بغيب " صلة ليؤمنون ويحتمل أن يكون حالا عن ضمير الجمع أي لا يؤمنون متلبسين بغيب يعني في حال الغيبة والخفاء كما هو شأن المنافقين (ولا يعفون عن عيب) أي عن زلات أخيهم أو عن عيوبه فيكون إشارة إلى الغيبة وهي فجور وعبور إلى طرف الإفراط من العفة. (المعروف فيهم ما عرفوا والمنكر عندهم ما أنكروا) أي المعروف والمنكر تابعان لإرادتهم وميل طبعهم فما أنكرته طباعهم هو المنكر بينهم وإن كان معروفا في الشريعة وما أرادته طباعهم ومالت إليه كان هو المعروف بينهم وإن كان منكرا في الدين والواجب أن تكون إرادتهم تابعة للقوانين الشرعية في اتباع ما كان فيها معروفا وترك ما كان فيها منكرا (وكل امرئ منهم إمام نفسه آخذ منها فيما يرى) دل الأول على أنه أمام لنفسه والثاني على أن نفسه إمام له ولا ضير فيه لأنه هو نفسه ونفسه هو فهو من حيث أنه آخذ مأموم ومن حيث أنه مأخوذ منه إمام (بعرى وثيقات

[ 408 ]

وأسباب محكمات) الظرف متعلق بآخذ أو حال عن فاعله يعني يفزع في المعضلات إلى نفسه ويعول في المبهمات على رأيه ويتمسك بما تذهب إليه نفسه من الآراء كأنها عنده عرى وثيقة لا يضل من تمسك بها ونصوص جلية لا اشتباه فيها ولفظ العرى مستعار (فلا يزالون بجور) أي بميل قلوبهم (ولن يزدادوا إلا خطأ) لأن النفس الأمارة إذا كانت إماما كان الإمام والمأموم دائما في الجور والظلم والخطأ في الحكم لظهور أن هذا الإمام شأنه ذلك والمأموم لا محالة تابع له (ولا ينالون تقربا) لأن نيل التقرب إنما هو بالتشبث بذيل الإمام العادل والميل إلى الخيرات والعمل بها والاجتناب عن المنهيات والفعل منها وهم معزولون عن جميع ذلك (ولن يزدادوا إلا بعدا من الله عز وجل) لأن الميل عن الحق يوجب بعدا والرجوع إلى خلافه والاعتقاد به وسرعة السير فيه والاستمرار عليه يوجب زيادة البعد وقوله: من الله عز وجل، متعلق بالتقرب والبعد على سبيل التنازع (أنس بعضهم ببعض وتصديق بعضهم لبعض) لتحقق الرابطة والاتحاد في الجنسية والتوافق في الطريق ولا أنس لهم بالله وبرسوله ولا بالوصي ولا تصديق لهم بهم لانتفاء الرابطة (كل ذلك وحشة.. اه) الوحشة ضد الأنس وحملها على ذلك من باب حمل المسبب على السبب وكذا حمل النفور (أهل حسرات) لباطل صنعوه وحق تركوه وفي بعض النسخ: " أهل خسران " من الخسارة (وكهوف شبهات) الكهف الملجأ يعني لا يتوقفون فيما أشتبه عليهم أمره ولا يبحثون عن وجه الحق ولا يرجعون إلى أهل العلم بل يفتون بما قادهم إليه الهوى ويعملون به وفي بعض النسخ: " وكفروا شبهات ". (وأهل عشوات وضلالة وريبة) العشوة بالفتح الظلمة وبالتثليث الأمر الملتبس وركوب أمر بجهل من غير بيان ومعرفة بوجهه وضلالة الإنسان خروجه عن طريق الحق وضلالة العمل بطلانه، والريبة بالكسر الشك والتهمة والشبهة والظنة (من وكله الله إلى نفسه ورأيه) بعدم منعه عن مقتضيات نفسه واستعمال رأيه أو بسلب اللطف والتوفيق عنه لإبطاله استعداده الفطري (فهو مأمون عند من يجهله، غير المتهم) بالخيانة والفساد (عند من لا يعرفه) ضمير المفعول في الفعلين راجع إلى الموصول الأول فيفيد أن العالم بحاله يعلم وجوه اختلاله ورجوعه إلى الله محتمل لأن من عرف الله علم أن ذلك الرجل متهم في الدين غير مأمون فيه لعلمه بوجوب الرجوع إلى من نصبه الله تعالى لإقامة دينه وإجراء أحكامه وأنه المأمون دون غيره (فما أشبه هؤلاء بأنعام قد غاب عنها رعاؤها) وجه التشبيه هو الحيرة والهلاك وعدم الاهتداء إلى المصالح الكلية والجزئية والوجه فيهم آكد لأن الأنعام بلا راع قد لا تهلك وهم قد هلكوا بدواعي النفس الأمارة وإغواء الشيطان الذي لا يغفل عنه طرفة عين (ووا أسفا من فعلات شيعتي) ألحق الأسف بذاته

[ 409 ]

المقدسة وهو الحزن الشديد بسبب ما شاهده بعلم اليقين من الأحوال المنكرة اللاحقة بالشيعة بعده عليه السلام في دولة بني أمية وبني عباس من استذلال بعضهم بعضا وقتل بعضهم بعضا بالمباشرة والتسبب وخروجهم على هؤلاء الكفرة بلا راع مفترض الطاعة وهلاكهم بأيدهيم وغير ذلك من المكاره الواردة عليهم (المتشتة غدا عن الأصل) أريد بالأصل الإمام المفترض الطاعة وبالغد زمان بعده عليه السلام والمتشتة وصف للشيعة وبيان لتفرقهم بفرق مختلفة (النازلة بالفرع) إشارة الى جماعة منهم خرجوا على هؤلاء الكفرة مع جماعة من العلويين والهاشميين وغيرهم، والمراد بالفرع خلاف الأصل وهو الرعية كزيد وأضرابه (المؤملة الفتح من غير جهته) وصف ثالث للشيعة وإشارة إلى خطائهم في توقيع الفتح بأيديهم لأن الفتح إنما يكون بيد الصاحب عليه السلام (كل حزب منهم أخذ منه بغصن) إشارة إلى تحزبهم بأحزاب مختلفة وأخذ كل حزب لنفسه إماما كما هو المشهور ولفظ " منه " موجود في أكثر النسخ والضمير راجع إلى الفرع. (أينما مال الغصن مال معه) تشبيه تمثيلي لقصد الإيضاح والوجه في المشبه به حسي وفي المشبه عقلي أو مركب منه ومن حسي وهذا من أحسن التشبيهات في إفادة لزوم المتابعة إذ كما أن حركة الورق إلى جهات حركة الغصن بتحريك الريح أو غيره تابعة لازمة غير منفكة كذلك حركة كل حزب إلى جهات حركة إمامه في الأمور العقلية والعملية وبعد الإشارة إجمالا إلى صولة بني أمية وشوكتهم وأن الخارج عليهم مغلوب مقهور أشار إلى زوال ملكهم وتبدد نظامهم بخروج أبي مسلم مع أهل خراسان ومرو، وساير الأعاجم عليهم بقوله (مع أن الله وله الحمد سيجمع هؤلاء) أي الشيعة بالمعنى الأعم أو الأعم منهم ومن غيرهم " وله الحمد " معترضة لثنائه تعالى على ذلك (لشر يوم لبني أمية) وهو يوم زوال دولتهم ونزول نكبتهم (كما يجمع قزع الخريف) القزع محركة قطع السحاب المتفرقة وإنما خص الخريف لأنه أول الشتاء والسحاب يكون فيه متفرقا غير متراكم ولا مطبق ثم يجتمع بعضه إلى بعض بعد ذلك (يؤلف الله بينهم) فيتوافق قلوبهم على أمر واحد (ثم يجعلهم ركاما كركام السحاب) الركام الرمل المتراكم بعضه فوق بعض وكذلك السحاب المتراكم وما أشبه من الركم وهو جمع شئ فوق آخر حتى يصير ركاما. (ثم يفتح لهم أبوابا يسيلون من مستشارهم) في بعض النسخ " من مستثارهم " بالثاء المثلثة استعار الأبواب للطرق ورشح بذكر الفتح مع ما فيه من الإيماء إلى أن حدود ملك بني أمية كأنها كان عليها سور لشدة قوتهم من منع دخول العدو فيه وأريد المستشار موضع شورهم وهو عرض كل واحد ما في ضميره على غيره ليتفقوا على أمر واحد هو أحسن وأوفق لهم، وقال الفاضل الأمين الاسترآبادي: أريد أن الشيعة بعد اجتماعهم على أبي مسلم يتفرقون إلى البلاد من محل ثورانهم

[ 410 ]

لقمع أمراء بني أمية من البلاد، وفيه استعارة تبعية حيث شبه سيرهم في البلاد بالسيل الجاري إلى المنحدر في السرعة والإزدحام والتخريب وعدم احتمال الرجوع واستعار له لفظ الفعل (كسيل الجنتين سيل العرم) المذكور في القرآن الكريم والعرم بفتح العين وكسر الراء فسر بالسد والصب والمطر الشديد والوادي الذي جاء السيل من قبله والجرذ الذكر، وإضافة السيل إليه لأنه نقب السد فجرى السيل فخرب البلدة والجنات التي تحته (حيث بعث عليه فارة) حيث للتعليل وضمير المجرور راجع إلى العرم إن أريد به السد أو إلى السيل بحذف المضاف أي على سده والفأرة معروفة وهي مهموزة وقد يترك همزها تخفيفا (فلم تثبت عليه أكمة) لأنه قلعها لشدته وقوته والأكمة محركة التل من حجارة، أو هي دون الجبال أو الموضع المرتفع مما حوله وهو غليظ صلب لا يبلغ أن يكون حجرا (ولم يرد سننه رض طود) السنن الوجه والطريق والشدة والسير وصب الماء، والرض بالضاد المعجمة الدق والرس بالسين المهملة كما في بعض النسخ الدس والثبوت ومنه الرسيس وهو الشئ الثابت الطود الجبل أو عظيمه وفي إعتبار هذه الأوصاف في المشبه به دلالة على إعتبارها في المشبه وهو كذلك لأن الشيعة وغيرهم بعد اجتماعهم على أبي مسلم ساروا من محلهم إلى أمراء بني أمية وهم مع كثرة عدتهم وشدتهم لم يقدروا على ردهم حتى جرى عليهم قضاء الله تعالى بالاستئصال ولما شبههم بالسيل ووصفهم بما يناسبه فقال (يدغدغهم الله في بطون أودية) أي يحركهم تحريكا شديدا في طرقهم المسلوكة إلى بلاد بني أمية وسماها بطون أودية لمناسبة السيل والجملة حال عن فاعل يسيلون. (ثم يسلكهم ينابيع في الأرض) الإسلاك إدخال الشئ في الشئ وكذا السلوك إذا كان متعديا يقال: سلك المكان سلكا وسلوكا دخل وسلكه غيره وفيه وأسلكه إياه وفيه وعليه أدخله فيه والظاهر أن في الأرض متعلق به وهي أرض بني أمية وأن ينابيع حال عن ضمير الجمع على تشبيههم بها في جريانهم أو في وصول المدد إليهم من غير انقطاع (يأخذ بهم من قوم حقوق قوم) الجملة حال عن فاعل يسلكهم أي يأخذ الله بسبب هؤلاء المجتمعين لإهلاك بني أمية منهم حقوق قوم مظلومين من سطوتهم سيما الحسين عليه السلام واتباعه رضي الله عنهم (ويمكن بهم قوما في ديار قوم) أي يمكنهم في ديار بني أمية بناء على أن نصب قوما من باب التجريد للمبالغة في كثرتهم حتى أنهم بلغوا فيها حدا يصلح أن ينتزع منهم مثلهم كما قالوا في مثل لقيت بزيد أسدا أو يمكن بهم بني عباس في ديارهم (تشريدا لبني أمية ولكيلا يغتصبوا ما غصبوا) مفعول له ليمكن أو لقوله سيجمع هؤلاء، وما عطف عليه على سبيل التنازع ولعل المراد أن غاية هذه الأفعال أمران: أحدهما تشريد بني أمية، والثاني أن لا يغصب هؤلاء ما غصب بني أمية من حق آل

[ 411 ]

محمد صلى الله عليه وآله والأول وقع لكونه حتميا والثاني لم يقع لكونه تكليفا والله أعلم (يضعضع الله بهم ركنا) أي يهدمه ويذله والركن هنا مروان الحمار. (وينقض بهم طي الجنادل من إرم) إرم كعنب دمشق وأيضا أحجار يوضع بعضها على بعض علما للطريق ونحوه فمن على الأول متعلق بينقض أي ينقض من دمشق طي الأحجار أو الأحجار المطوية وعلى الثاني متعلق به أو بالطي والنقض على التقديرين كناية عن تخريب الآثار والديار وهدمها (ويملأ منهم بطنان الزيتون) بطنان الشئ بفتح الباء وسطه وبضمها جمع بطن وهو المطمئن من الأرض والغامض منها والزيتون جبال الشام ومسجد دمشق وقال الفاضل الأمين الاسترآبادي: فيه إشارة إلى استيلاء الشيعة على دمشق وحواليها على من كان فيهما من بني أمية (فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة) قد مر أنه عليه السلام كثيرا ما كان يقسم به لدلالته على كمال عظمته تعالى (ليكونن) ذلك أي ذلك المذكور وهو جميع ما أخبر به عليه السلام (وكأني أسمع صهيل خيلهم) الصهل محركة حدة الصوت وكأمير صوت الفرس (وطمطمة رجالهم) أي كلماتهم المنكرة يقال: رجل طمطم وطمطمي بكسرهما إذا كانت في لسانه عجمة وإنما سمي كلماتهم طمطمة لكون لغات أكثرهم عجمية وقد نزل عليه السلام علمه بالصهيل والطمطمة بمنزلة سماعهما أو جعل زمانهما المستقبل حاضرا فأخبر بسماعهما (أيم الله ليذوبن ما في أيديهم) أيم الله من ألفاظ القسم أصله أيمن الله بفتح الهمزة وضم الميم جمع يمين الله حذفت النون للتخفيف وتشبيه ما في أيديهم بالرصاص ونحوه مكنية ونسبة الذوب إليه تخييلية ويفهم منه تشبيه عدوهم بالنار وفي قوله (بعد العلو والتمكين في البلاد) مبالغة في قوة أعدائهم المنصورين (كما تذوب الإلية على النار) شبه ما في أيديهم بالإلية في الذوب وهو في المشبه عقلي وفي المشبه به حسي والغرض منه تقرير حال المشبه في نفس السامع لأن إلف النفس بالحسيات أتم من إلفها بالعقليات أو شبه ذوبه بذويها في الظهور والغرض منه بيان إمكانه (من مات منهم مات ضالا خارجا) عن دين الله عز وجل (وإلى الله عز وجل يفضي) فيجزي بما عمل وهل يجازى إلا الكفور (منهم من درج) أي انقرض أو لم يخلف نسلا وفي القاموس: درج القوم انقرضوا وفلان لم يخلف نسلا وهو من أخباره عليه السلام بالغيب لأن بني أمية مع كثرتهم ليس لهم الآن نسل مشهور وإنما أتى بلفظ الماضي للدلالة على القطع بوقوعه فكأنه وقع هذه من باب الإحتمال والله أعلم (ويتوب الله عز وجل على من تاب) أي يقبل توبته ورجوعه إلى الحق ولا يعاقبه بذنوب آبائه (ولعل اللله يجمع شيعتي بعد التشتت لشر يوم هؤلاء) هذا إما تأكيد لما مر أو إخبار بالإجتماع الشيعة في عصر المهدي عليه السلام كما مر وسيجئ (وليس لأحد على الله عز ذكره الخيرة) في أمر الدين

[ 412 ]

ونصب الإمام حتى يحلل ما يشاء ويحرم ما يشاء ويختار من يشاء (ولو لم تتخاذلوا عن مر الحق.. اه) أي لو لم تتدابروا عنه وصبرتم عليه واتفقتم على توهين الباطل وإزهاقه لم يغلب عليكم أهل الباطل ولم يقدروا على هضم طاعة امامكم وإزوائها وإبعادها وغصبها منه (لكن تهتم وتحيرتم) عن أمركم وضللتم بعد نبيكم (كما تاهت بنو إسرائيل) وتحيروا على عهد موسى عليه السلام وتدابروا عن خليفته هارون عليه السلام وعبدوا العجل وفيه توبيخ للشيعة عن تفرقهم عن الحق ونصرته مع علمهم به بعد اجتماع أرباب الضلالة على باطلهم وقد وقع ذلك في عهده عليه السلام وبعده ثم أشار إلى أن الضلالة في هذه الأمة أكثر من ضلالة بني إسرائيل بقوله (ولعمري) حلف ببقائه وحياته لترويج مضمون الخبر وتحقيق ثبوته. (ليضاعفن عليكم التيه) أي الضلالة والحيرة والفتنة (من بعدي أضعاف تاهت بنوا إسرائيل) أخبر عليه السلام بما يقع بعده وقد وقع فإن الشيعة وغيرهم صاروا فرقا متكثرة ومذكورة بتفصيلها وتفصيل مذاهبها وعقايدها في الكتب المعتبرة ثم أشار إلى أن لهم بعد بلية بني أمية بلية أخرى بقوله (ولعمري أن لو قد استكملتم من بعدي مدة سلطان بني أمية) أي مدة سلطنتهم وقدرتهم وهي إحدى وتسعون سنة (لقد اجتمعتم على سلطان الداعي إلى الضلالة) وهو السفاح عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس أول خلفاء بني عباس ومدة سلطنتهم خمسمائة وثلاثة وعشرون سنة وشهران وثلاثة وعشرون يوما (وأحييتم الباطل) بترويجه وتقويته وتشهيره وفي بعض النسخ وأجبتم من الإجابة (وخلفتم الحق وراء ظهوركم) أريد بالحق الإمام المنصوب من قبله تعالى أو دينه أيضا (وقطعتم الأدنى من أهل بدر ووصلتم الأبعد من أبناء الحرب لرسول الله (صلى الله عليه وآله)) الظاهر أن من بيان للأدنى والأبعد أو حال عنهما وأن المراد بالأدنى ذاته المقدسة وبالأبعد عمه العباس لأنه عليه السلام أقرب إلى الرسول من حيث الإيمان به والنصرة له في المواطن كلها خصوصا في بدر من عباس وهو من أبناء الحرب للرسول وقد أسر فيه والمعنى قطعتموني وتركتم الأئمة من ذريتي ووصلتموه وأقررتم بخلافة أولاده الفسقة. و " أبناء الحرب " من باب الاستعارة يظهر وجهها بما ذكرنا سابقا في أبناء الدنيا والله أعلم (ولعمري أن لو قد ذاب ما في أيديهم) بما أوقده هلاكو من نار الحرب عليهم وقد أخبر به عليه السلام في موضع آخر (لدنا التمحيص للجزاء) أي لقرب ابتلاء هؤلاء بغيرهم من أرباب الملل الباطلة كلهم لجزائهم بما كانوا يعملون (وقرب الوعد) بظهور المهدي عليه السلام (وانقضت المدة) المقررة لغيبته يعني أكثرها أو بعضها أخبر (عليه السلام) بأنه لابد من وقوع هذه الأمور قبل ظهور ولده الطيب الهادي عليه السلام ثم أخبر بقرب زمان ظهوره بناء على أن كل ما هو آت فهو قريب ولم

[ 413 ]

يقل: إن ظهوره مقارن لانقضاء هذه الأمور بل لظهوره علامات أخر كما في الأخبار (وبدا لكم النجم ذو الذنب) هذه علامة أخرى وقد طلع في زماننا سنة خمس وسبعين بعد ألف من الهجرة نجم ذو ذنب من قبل المشرق وامتد إلى شهر وآخر وكان ضوؤه وامتداده أقل من ذلك ويحتمل بعيدا أن يراد به الأجل أو الوقت المضروب فيكون إشارة إلى خروج الدجال أو يأجوج ومأجوج مع عساكرهما واتباعهما والله أعلم (ولاح لكم القمر المنير) يحتمل أن يراد به ظهور القايم أو نزول عيسى عليهما الصلاة والسلام فراجعوا التوبة لتضيق وقتها ولأنها نافعة من الهلاك (واعلموا أنكم إن اتبعتم طالع المشرق) أراد به الصاحب عليه السلام وشبهه بالشمس في النور والظهور والاستيلاء على العالم ورفع حجب ظلم الجهالات. وقال الفاضل الأمين الاسترآبادي: يحتمل أن يكون المراد به المهدي الموعود لا يقال: طلوعه من مكة وهي وسط الأرض لأنا نقول اجتماع العساكر الكثيرة على المهدي عليه السلام وتوجهه إلى فتح البلاد إنما يكون من الكوفة وهي شرق الحرمين وكثير من بلاد الإسلام (سلك بكم مناهج الرسول صلى الله عليه وآله) الباء في بكم للتعدية والمناهج جمع المنهج وهو الطريق الواضح المستقيم. (فتداويتم من العمى والصم والبكم) هذه الأمراض الثلاثة من أمهات الأمراض المهلكة فإن عمى البصر عن رؤية آثار الصنع وعمى البصيرة عن إدراك الحق وصمم الأذن المانع عن سماع نداء منادي الحق وبكم اللسان المانع عن التكلم بالأقوال الصالحة مهلكة وظهور الصاحب عليه السلام دواء لها (وكفيتم مؤونة الطلب والتعسف) أي الاضطراب والتحير في طريق المعاش وفي كنز اللغة: التعسف بر بى آرامى رفتن وذلك النزول البركة لأن الأرض وحاصلها ما له والخلق عياله يعطي كل أحد ما يكفيه ويستقيم حاله (ونبذتم الثقل الفادح عن الأعناق) الفادح الأمر الصعب المثقل فوصف الثقل به للمبالغة فيه (ولا يبعد الله) من رحمته وفضله (إلا من أبى) متابعته وظلم عليه وعلى نفسه (واعتسف) عن طريق الحق ومال عنه (وأخذ ما ليس له) من أمر الولاية وغيره وهذا إما دعاء أو إخبار (وسيعلم الذين ظلموا) على الأوصياء وأخذوا حقوقهم (أي منقلب ينقلبون) فيه وعيد عظيم لهم بأنهم سيعلمون عند الموت وبعده سوء منقلبهم وما يجدون فيه من الويل والندامة والحسرة على ما فرطوا في جنب الله واحتمال أنهم سيعلمون بعده عليه السلام سوء منقلبهم في دولة بني أمية وغيرهم من القتل والذل والصغار بعيد.

[ 414 ]

خطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) * الأصل: 23 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن علي بن رئاب، ويعقوب السراج، عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) لما بويع بعد مقتل عثمان صعد المنبر فقال: " الحمد لله الذي علا فاستعلى ودنا فتعالى وارتفع فوق كل منظر وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله خاتم النبيين وحجة الله على العالمين، مصدقا للرسل الأولين وكان بالمؤمنين رؤوفا رحيما، فصلى الله وملائكته عليه وعلى آله. أما بعد: أيها الناس فإن البغي يقود أصحابه إلى النار وإن أول من بغي على الله جل ذكره عناق بنت آدم وأول قتيل قتله الله عناق وكان مجلسها جريبا [ من الأرض ] في جريب وكان لها عشرون إصبعا في كل إصبع ظفران مثل المنجلين فسلط الله عزوجل عليها أسدا كالفيل وذئبا كالبعير ونسرا مثل البغل فقتلوها وقد قتل الله الجبابرة على أفضل أحوالهم وآمن ما كانوا وأمات هامان وأهلك فرعون وقد قتل عثمان، ألا وإن بليتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث الله نبيه (صلى الله عليه وآله) والذي بعثه بالحق لتبلبلن بلبلة ولتغربلن غربلة ولتساطن سوطة القدر حتى يعود أسفلكم أعلاكم وأعلاكم أسفلكم وليسبقن سابقون كانوا قصروا وليقصرن سابقون كانوا سبقوا والله ما كتمت وشمة ولا كذبت كذبة، ولقد نبئت بهذا المقام وهذا اليوم. ألا وإن الخطايا يا خيل شمس حمل عليها أهلها وخلعت لجمها فتقحمت بهم في النار، ألا وإن التقوى مطايا ذلل حمل عليها أهلها واعطوا أزمتها فأوردتهم الجنة وفتحت لهم أبوابها ووجدوا ريحها وطيبها وقيل لهم: * (ادخلوها بسلام آمنين) * ألا وقد سبقني إلى هذا الأمر من لم أشركه فيه ومن لم أهبه له ومن ليست له منه نوبة إلا بنبي يبعث، ألا ولا نبي بعد محمد (صلى الله عليه وآله) أشرف منه على شفا جرف هار فانهار به في نار جنهم. حق وباطل ولكل أهل، فلئن أمر الباطل لقديما فعل ولئن قل الحق فلربما ولعل ولقلما أدبر شئ فأقبل ولئن رد عليكم أمركم أنكم سعداء وما علي إلا الجهد وإني لأخشى أن تكونوا على فترة ملتم عني ميلة، كنتم فيها عندي غير محمودي الرأي، ولو أشاء لقلت: عفى الله عما سلف، سبق فيه الرجلان وقام الثالث كالغراب همه بطنه، ويله لو قص جناحاه وقطع رأسه كان خيرا له، شغل عن الجنة، والنار أمامه، ثلاثة واثنان خمسة ليس لهم سادس: ملك يطير بجناحيه ونبي أخذ الله بضبعيه، وساع مجتهد، وطالب يرجو، ومقصر في النار، اليمين والشمال مضلة والطريق

[ 415 ]

الوسطى هي الجادة عليها ما في الكتاب وآثار النبوة، هلك من ادعى وخاب من افترى إن الله أدب هذه الأمة بالسيف والسوط وليس لأحد عند الإمام فيهما هوادة فاستقروا في بيوتكم وأصلحوا ذات بينكم والتوبة من ورائكم، من أبدى صفحته للحق هلك. * الشرح: (خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام) مشتملة على التخويف بذكر أحوال الجبارين وتنكيلهم وعلى شدة ابتلاء الناس وذم الخلفاء الثلاثة وبيان أقسام الناس وغير ذلك (الحمد لله الذي علا فاستعلى) أي على كل شئ علوا عقليا بالرتبة والشرف والعلية فاستعلى أن يكون شئ فوقه أو أن يدرك كنه ذاته عقول العارفين (ودنى فتعالى) أي قرب من كل شئ قربا معنويا فتعالى عن المشابهة بالمخلوقين أو عن التحيز بحيز بل قربه بالعلم المحيط بكل شئ والتفريع يشعر بأن الدنو المطلق سبب لتعاليه عما ذكره لاستحالة أن يكون المشابه بالخلق والمفتقر إلى مكان قريبا من كل شئ في آن واحد (وارتفع فوق كل منظر) المنظر إما مصدر بمعنى النظر أو ما ينظر إليه يعني أنه ارتفع من جهة ذاته وصفاته وهو فوق النظر الحسي والعقلي أو فوق ما ينظر إليه الحس والعقل لأن مدركهما وهو الصورة المحسوسة والمعقولة من الأمور الممكنة أو فوق كل سبب والسبب منظر مجازا لأن المسبب ينظر إليه والله أعلم. (أما بعد: أيها الناس فإن البغي يقود أصحابه إلى النار) البغي الظلم والتجاوز عن الحد والخروج عن طاعة الإمام العادل (وإن أول من بغي على الله عز وجل عناق بنت آدم) في معارج النبوة وهي أول من بني الفسق والفجور من النساء، وعوج بن عناق اسم أبيه سيخان واشتهر نسبته إلى أمه ولم ينج من الطوفان إلا عوج لطول قامته (وأول قتيل قتله الله عناق) لفجورها المعروف من الفاسقات أو لبغيها على المؤمنين والمؤمنات وفيه وعيد الباغي بتعجيل عقوبته مع ما عليه في الآخرة (وكان مجلسها جريبا [ من الأرض ] في جريب) في المغرب الجريب بالفتح ستون ذراعا في ستين (وكان لها عشرون أصبعا) الظاهر أن هذه الأصابع ليديها لا لمجموع يديها ورجليها كما هو المعروف من نوع الإنسان وإن كان محتملا، وفي معارج النبوة: كان طول كل أصبع ثلاثة أذرع وعرضه ذراعين بذراع أزيد من ذراع عامة الخلائق بقبضة والقبضة أربع أصابع (في كل أصبع ظفران مثل المنجلين) أحدهما في الظاهر والآخر في الباطن أو كلاهما في الظاهر أحدهما فوق الآخر والمنجل بالكسر حديدة يحصد بها الزرع وقوله " من الأرض " ليس في بعض النسخ (ونسرا مثل البغل) في القاموس: النسر طاير لأنه ينتسر الشئ ويقتلعه، وقيل، طائر معروف له قوة في الصيد لا مخلب له وإنما له ظفر كظفر الدجاجة (وقد قتل الله الجبابرة) الذين جبروا الخلائق على

[ 416 ]

ما أرادوا من الأوامر والنواهي ولم يرفقوا لفسادهم وبغيهم (على أفضل أحوالهم وآمن ما كانوا) من القوة والقدرة والنعمة وطيب العيش والجاه والمال والسلطنة ولم ينفعهم شئ من ذلك حين نزل غضب الله بساحتهم (وأمات هامان وأهلك فرعون) وقومهما لبغيهم وتجاوزهم عن الحد وفيه زجر لأصحاب القدرة والاقتدار عن البغي والفساد وتنبيه على أنه تعالى أشد قوة منهم وهو القوي العزيز (وقد قتل عثمان) لما صدر منه من الفساد في الدين والبغي على المسلمين (ألا وإن بليتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث الله نبيه) أشار به إلى أن حالهم عند قيامه عليه السلام بالخلافة كحالهم عند بعثة النبي (صلى الله عليه وآله) في كونهم في البلية وهي الضلالة والشبهة واختلاف الأهواء وتشتت الآراء وعدم الألفة والاجتماع والنصرة لدين الحق وفيه تنبيه على أنهم ارتدوا بعد النبي (صلى الله عليه وآله) ولم يكونوا من أهل الدين والتقوى. ثم أشار إلى أنهم كما عادت بليتهم بعد النبي (صلى الله عليه وآله) كذلك تعود بعده عليه السلام مؤكدا بالقسم البار بقوله (والذي بعثه بالحق لتبلبلن بلبلة) البلبلة والبلابل اختلاط الألسنة وتفريق الآراء وشدة الهم والبلية أي لتخلطن اختلاطا في ألسنتكم أو لتفترقن افتراقا في آرائكم أو لتبتلين ببلية شديدة وتتحركن بالشدائد وهي إشارة إلى ما يوقع بهم بنو أمية وبنو عباس وغيرهم من أمراء الجور من الفتن المزعجة والبلايا المتراكمة وخلط بعضهم ببعض وخفض أكابرهم ورفع أراذلهم (ولتغربلن غربلة) إشارة إلى التقاط آحادهم وقصدهم بالقتل والأذى كما فعلوا بكثير من الصحابة والتابعين والصالحين شبه فعلهم ذلك بغربلة الدقيق لتميز بعضهم عن بعض وأستعار له لفظها (ولتساطن سوطة القدر) أشار إلى خلطهم بعده عليه السلام في خلافة الجبابرة كخلط ما في القدر والسوط الخلط وهو أن تخلط شيئين في قدر ونحوه وتضربهما بيدك أو بالسوط حتى يختلطا والمسوط خشبة تحرك بها ما في القدر ليختلط واستعار لفظ السوط مع غايته المذكورة لتصريف أئمة الجور لهم من حال إلى حال وتقليبهم من طور إلى طور وخفض شريفهم ورفع وضيعهم وتعظيم جاهلهم وتحقير عالمهم بجميع أسباب الإهانة والتعبير لما كانوا عليه في ذلك الوقت من القواعد ثم أشار إلى بعض نتائج تقلب الزمان وتغير أحوالهم بقوله (وليسبقن سابقون كانوا قصروا وليقصرن سابقون كانوا سبقوا) أراد بالمقصرين الذين يسبقون قوما لهم سابقة في الإسلام قصروا في نصرته وطاعته أولا حين وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) ثم أطاعوه ونصروه في ولايته وبالسابقين الذين يقصرون قوما أطاعوه في أول الأمر ثم قصروا في طاعته وخذلوه وانحرفوا عنه. وقيل: أراد بالأول كل من هداه الله إلى طاعته وامتثال أوامره ونواهيه وزواجره بعد تقصيره في ذلك وبالثاني من كان في مبدأ الأمر مشمرا في سبيل الله مجتهدا في طاعته ثم جذبه هواه إلى غير

[ 417 ]

ما كان عليه فاستبدل بسبقه في الدين تغييرا وانحرافا ثم أقسم الصادق المصدق تأكيدا لما سبق وما يأتي فقال (والله ما كتمت وشمة) هي بالشين المعجمة الكلمة وبالمهملة العلامة (ولا كذبت كذبة) التاء فيهما للوحدة والتنكير للتحقير (ولقد نبئت بهذا المقام وهذا اليوم) أي مقام الخلافة واجتماع الناس عليه، ثم صرف الكلام إلى نصحهم وزجرهم عن الخطايا وحثهم على الطاعة والتقوى على سبيل المبالغة فقال (ألا وإن الخطايا خيل) أي كخيل حذفت أداة التشبيه وحمل المشبه به على المشبه للمبالغة وقوله (شمس حمل عليها أهلها وخلعت لجمها) ترشيح للتشبيه، وشمس بضمتين جمع شموس وهو النفور من الدواب الذي لا يستقر لشغبه وحدته ولجم ككتب جمع لجام ككتاب للدابة فارسي معرب (فتقحمت بهم في النار) في النهاية: تقحمت به دابته إذا ندت به فلم يضبط رأسها فربما طرحت به في أهوية وتقحم الإنسان الأمر العظيم إذا رمى نفسه فيه من غير رؤية وتثبت وعلى هذا فالباء في " بهم " بمعنى مع ولفظة " في " زائدة للمبالغة في التعدية وفيه تنفير بليغ للسامعين عن الخطايا حيث صورها في أذهانهم بصورة فرس شموس خلع لجامها ومن البين أن العاقل يتنفر عن ركوبها لعلمه بأنها تلقيه في المهالك فكذلك يتنفر عن ركوب الخطايا لعلمه بأنها تلقيه في النار، فإن قلت: كل ما اعتبر في جانب المشبه به ينبغي اعتباره في جانب المشبه أيضا فما معنى شموس الخطايا وما معنى لجمها المخلوعة. قلت شموسها ظاهرة لكونها جاذبة لصاحبها إلى خلاف نظام الشرع وقوانينه واللجم هي القوانين الشرعية وهي مخلوعة منها (ألا وإن التقوى مطايا ذلل حمل عليها أهلها وأعطوا أزمتها فأوردتهم الجنة) فيه ترغيب في التقوى والميل إلى ركوبها في السير إلى الله تعالى وإلى الغياية المعينة وهي الجنة حيث صورها بالمطية الموصوفة بالوصف المذكور الموصلة راكبها إلى الغاية المقصودة له وذلك الوصف كونها ذلولا ومع زمام يتمسك به الراكب وكما أنها بهذا الوصف تلزم الطريق المستقيم ولا تتجاوزه وتسير براكبه حتى توصله إلى مقصده كذلك التقوى إذ سهولة طريق السالك إلى الله بالتقوى تشبه ذل المطية والحدود الشرعية وقوانينها التي تكون مع التقوى تشبه زمامها، وإيصال التقوى صاحبها إلى السعادة الأبدية التي هي قرب الحق ودخول الجنة تشبه إيصال المطية المذكورة راكبها إلى مقتصده والتشبيه فيه وفي السابق تشبيه معقول بمحسوس لقصد الإيضاح. ثم أشار عليه السلام إلى أن من سبقه في أمر الخلافة ليس مستحقا له بوجه من الوجوه بقوله (ألا ومن سبقني إلى هذا الأمر) أمر الخلافة (من لم أشركه فيه ومن لم أهبه له) دل على أن أمر الخلافة كان حقه عليه السلام (ومن ليست له منه نوبة إلا بنبي يبعث ألا ولا نبي بعد محمد (صلى الله عليه وآله))

[ 418 ]

في بعض النسخ توبة بالتاء والباء وليس لها في ظني معنى محصل وفي بعضها ثوية بالثاء المثلثة والياء المثناة من تحت وفي بعضها ثوبة بالثاء المثلثة والباء الموحدة وفي بعضها " نوبة " بالنون والباء الموحدة وكان المعنى على هذه النسخ أنه ليس له مقام ونوبة من أمر الخلافة الأعلى فرض محال وهو بعث نبي بعد نبينا صلى الله عليه وآله والموقوف على المحال محال، والفاضل الأمين الاسترآبادي نقل الثانية والثالثة لا غير وقال: لم أجدهما مناسبا للمقام وصوابه ومن لبس ثوبه ومعناه من لبس ثوب الإمامة ممن سبقني " أشرف منه على شفا جرف هار " انتهى وأنت خبير بأن العبارة آبية عنه والله أعلم. ولما كان هنا مظنة السؤال وهو أنه ما حال مآله أجاب عنه على سبيل الإستيناف بقوله (ألله شرف منه) أي من أجل هذا الأمر (على شفا جرف هار فإنهار به في نار جهنم) شفا جرف ظرفه وجرف واد شقه السيل ومكان هار ضعيف رخو يتساقط بعضه على بعض وأصله هاير نقلت الهمزة إلى بعد الراء كما قالوا في شايك السلاح شاكي السلاح ثم عمل به ما عمل بالمنقوص نحو قاض وداع، والانهيار السقوط وفيه تشبيه معقول بمحسوس للتنبيه على أن ما هو عليه في صدد الوقوع في النار ساعة فساعة ثم مصيره إليها لا محالة (حق وباطل) لما ذكر أن ههنا طريقين مسلوكين طريق التقوى وطريق الخطاء ذكر بعده أنهما حق وباطل كأنه قال: وهما حق وهو التقوى وباطل وهو الخطأ (ولكل أهل) أي ولكل من الحق والباطل قوم أعد لهم القدرة الأزلية والعلوم الإلهية لسلوكهما ثم أردف ذلك بما يشبه الاعتذار لنفسه ولأهل الحق في قلته وذم أهل الباطل على كثرته وهو قوله (فلئن أمر الباطل) أي كثر يقال: أمر كفرح أمرا وأمرة إذا كثر وتم (لقديما ما فعل) والمراد أن كثرة الباطل في هذا الوقت ليست بديعة حتى أجهد نفسي وأجهدتم أنفسكم في الإنكار على أهله. (ولئن قل الحق فلربما ولعل) نبه على أن الحق وإن قل فربما يعود كثيرا وفي هذه العبارة الوجيزة إخبار بقلة الحق ووعد بقوته مع نوع تشكيك في ذلك وتمني لكثرته (ولقلما ما أدبر شئ فأقبل) استبعاد لرجوع الحق إلى الكثرة والقوة بعد الضعف والقلة على وجه كلي فإن إدبار نور الحق يوجب إقبال ظلمة الباطل وظاهر أن عود الحق وإضاءة نوره بعد إدباره وإقبال ظلمة الباطل أمر بعيد في عادة هذا الخلق ولعله يعود بقوة فتستضئ قلوب المستعدين بأنواره وما كان ذلك على الله بعزيز وفي ذلك تنبيه على لزوم الحق كيلا يضمحل بتخاذلهم عنه فلا يمكنهم تداركه (ولئن رد عليكم أمركم) أي الحق الذي كنتم عليه في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) وصلاح أحوالكم واستقامة سيرتكم التي كانت لكم في زمانه (أنكم سعداء) عند الله في الدنيا والآخرة (وما علي إلا الجهد) في

[ 419 ]

إصلاح حالكم ورد أمركم وعود ذلك الأمر إليكم. (وإني لأخشى أن تكونوا على فترة) هي الزمان الذي بين الرسولين وإذا أطلقت يراد به ما بين عيسى عليه السلام ونبينا صلى الله عليه وآله والمراد هنا الجاهلية إطلاقا لاسم الظرف على المظروف أي أخشى أن تكون أحوالكم أحوال الجاهلية إطلاقا لاسم الظرف على المظروف أي أخشى أن تكون أحوالكم أحوال الجاهلية في التعصبات الباطلة بحسب الأهواء المختلفة ولما كان هنا مظنة أن يقال: ما سبب تلك الخشية ؟ أجاب عنه بقوله (ملتم عني ميلة كنتم فيها عندي غير محمودي الرأي) وهي تقديم الخلفاء الثلاثة عليه وتخصيصها بتقديم عثمان عليه وقت الشورى وما جرى فيها من الأقوال والأفعال بعيد (ولو أشاء لقلت) يفهم منه أنه لو قال لكان مقتضى قوله نسبة من تقدم عليه الى الظلم له وتخطئتهم في التقدم عليه وذكر معائب تقتضي عدم استحقاقهم للخلافة وتقدير الكلام ولكي لا أقول فلم أكن مريدا للقول (عفا الله عما سلف) إشارة إلى مسامحته لهم بما سبق منهم وعدم إظهار فضايحهم إذ العادة جارية على أن يقول الإنسان ذلك فيما يسامح به غيره من الذنوب (سبق فيه) أي في أمر الخلافة (الرجلان) اللذان نصب كل واحد منهما صاحبه وتبعهما الجاهلون (وقام الثالث) بالأمر بنصب زوج أخته لأمه عبد الرحمن بن عوف (كالغراب همته بطنه) وقد كان أكولا متوسعا في الأكل مثل الغراب وجه التشبيه أن الغراب كما لا هم له بشئ أكثر من الأكل ولذلك هو أكبر الطيور لطلب الغذاء كذلك لم يكن أكبر همه إلا الترفه والتوسع في المطعم وسائر مصالح البدن دون ملاحظة أمور المسلمين ومراعاة مصالحهم (ويله لو قص جناحاه) كناية عن الفقر وسلب القدرة وعدم حصول أسباب الدنيا والإمارة له (وقطع رأسه كان خيرا له) إذ الأول يوجب المشقة الدنيوية والثاني يوجب زوال الحياة البدنية وهما خير له مما لحقته بسبب الإمارة من العقوبة الدايمة الاخروية وزوال الحياة الروحانية الأبدية (شغل عن الجنة والنار أمامه) أي شغل عما يوجب الدخول في الجنة بغيره والحال أن النار أمامه لابد له من المصير إليها وقيل يحتمل أن يكون " عن " للتعليل أي شغل كل أحد بأمر من أجل ما هو أمامه من الجنة والنار يعني جعل له شغل من أجلهما بذلك الأمر فيجب عليه أن لا يشتغل إلا به وهو ما يوجب الفوز بالجنة والنجاة من النار، والمراد بكونهما أمامه أنه مذكر لهما مدة عمره أو أنه مسافر إليه تعالى كذلك وسفره ينتهي إلى الجنة أو إلى النار فهما على التقديرين أمامه ومن كان كذلك وجب عليه أن لا يشتغل إلا بذلك الأمر و " شغل " على الوجهين مبني للمفعول لأن المقصود هنا ذكر الشغل دون الفاعل وهو الشاغل أو لكون الفاعل ظاهر لأنه في الأول هو الشيطان أو النفس الأمارة وفي الثاني هو الله تعالى بإيجاد الجنة والنار والترغيب فيما يوجب دخول الأولى والترهيب

[ 420 ]

عما يوجب دخول الثانية والله أعلم، ثم بعد ذكر التقوى وخلافها والخلفاء الثالثة وأحوالهم والجنة والنار والاشتغال بهما عن غيرهما على سبيل الإجمال قسم الخلق خمسة أقسام ليعرف الناظر فيه مرتبته ويطلب درجته. (فقال: ثلاثة واثنان خمسة ليس لهم سادس) أي هم ثلاثة واثنان وإنما قال ذلك ولم يقل: خمسة إبتداء للتنبيه على أن ثلاثة من أصحاب العصمة والاثنين صنف آخر (ملك يطير بجناحيه) أي يسير في عالم الملك والملكوت بقدرته التي خلقها الله تعالى فيه فهو استعارة تبعية مرشحة مع احتمال أن يراد بالطيران والجناح معناهما الحقيقي كما يدل عليه ظاهر الآيات والروايات وإليه ميل أكثر أهل الإسلام حيث ذهبوا إلى أن الملائكة أجسام لطيفة قادرة على التشكل بأشكال مختلفة (ونبي أخذ الله بضبعيه) الضبع بسكون الباء وسط العضد، وقيل: ما هو تحت الإبط وأخذه كناية عن تطهيره من الأرجاس ورفع قدره بين الناس (وساع مجتهد) في طلب الحق ومتابعة الرسول في جميع ما جاء به وهو الوصي المعصوم مثله. (وطالب يرجو) أي طالب للحق مطلقا أو حق النبوة والولاية وهو الشيعة يرجو من الله الرحمة والمغفرة والجنة وإن كان بطيئا في الطلب والعمل وهذه الأربعة كلهم من أهل النجاة على تفاوت الدرجات (ومقصر في النار) وهو الذي ترك طلب الحق وتبع النفس الأمارة والشيطان وورد في موارد الهلاك والشقاء والبغي والعصيان وظاهر أنه في النار له فيها زفير وشهيق ولما أشار عليه السلام إلى أقسام الخلق أراد أن يشير إلى طريق الباطل التي عليها أصحاب الهوى وأعوان الشياطين وطريق الحق التي عليها أعلام الهدى وأنصار المؤمنين ليجتنب السالك عن الأولى ويطلب الأخرى فقال (اليمين والشمال مضلة) أي المضلة لمن سلكهما عن الصواب أو موضع ضلال عنه والمراد بهما الإفراط والتفريط (والطريق الوسطى هي الجادة) إلى الله تعالى وجنته (عليها باقي الكتاب) أي الباقي الذي في الكتاب إلى آخر الدهر، أو الكتاب الباقي فالإضافة إما بتقدير " في " أو من باب جرد قطيفة وفي بعض النسخ: ما في الكتاب بلفظ الموصول (وآثار النبوة) وهي ما جاء به من عند الله تعالى وأعظمه الولاية، وبالجملة طريق السالكين إلى الله تعالى إما العلم أو العمل فالعلم طريق القوة النظرية والعمل طريق القوة العملية وكل منهما بين رذيلتين هما طرف التفريط والإفراط والوسط بينهما هو العدل وهو الجادة الواضحة لمن اهتدى عليها ما في القرآن من المقاصد الحكمية وعليها آثار النبوة التي بها يحصل النجاة في الدنيا والآخرة (هلك من ادعى وخاب من افترى) هذا إما دعاء أو إخبار أي هلك من ادعى ما ليس له أهلا هلاكا أخرويا وخاب من كذب أي لن يحصل مطلوبه إذا جعل الكذب وسيلة إليه.

[ 421 ]

(إن الله أدب هذه الأمة بالسيف والسوط) لعلمه بأن حالهم لا يستقيم إلا بهما لقوة فظاظتهم وشدة غلاظتهم. (وليس لأحد عند الإمام فيهما هو أداة) أي صلح وميل وفيه كما في السابق وعيد لهم بالقتل والحد لمن استحقهما وردع لطمع الدافع بالقرابة وغيرها (فاستتروا في بيوتكم) أمر بلزومها للفرار عن الاجتماع للمنافرات والمفاخرات والمشاجرات وقال الفاضل الأمين الاسترآبادي: أمر بالتوبة عما يوجب الحد قبل ثبوته عند الإمام والاستتار بها (وأصلحوا ذات بينكم) قيل أحوال بينكم وقيل خصومة بينكم وقيل نفس بينكم ومعناه أصلحوا بينكم (والتوبة من ورائكم) تنبيه للعصاة على الرجوع بالتوبة عن الجري في ميدان المعصية واقتفاء أثر الشيطان والنفس الأمارة قبل كونها وراء لأن الجواذب الإلهية إذا أخذت بقلب العبد فجذبته عن المعصية حتى أعرض عنها والتفت بوجه نفسه إلى ما كان معرضا عنه من الندم على المعصية والتوجه إلى القبلة الحقيقية فإنه يصدق عليه حينئذ أن التوبة وراءه أي وراء عقليا وهو أولى من قول من قال: إن وراءكم بمعنى أمامكم (من أبدى صفحته للحق هلك) أي من كاشف الحق مخاصما له هلك وهي كلمة جارية مجرى المثل أو من أبدى صفحته لنصرة الحق وإظهاره في مقابلة كل باطل اورد من الجهال جهلهم على مر الحق في كل وقت يكون في معرض الهلاك بأيديهم وألسنتهم إذ لا يعدم منهم من يوصل إليه المكروه ويسعى في ذمه.

[ 422 ]

حديث علي بن الحسين (عليهما السلام) * الأصل: 24 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن هلاك بن عطية، عن أبي حمزة، عن علي بن الحسين (عليهما السلام) قال: كان يقول: إن أحبكم إلى الله عزوجل أحسنكم عملا وإن أعظمكم عند الله عملا أعظمكم فيما عند الله رغبة وإن أنجاكم من عذاب الله أشدكم خشية لله وإن أقربكم من الله أوسعكم خلقا وإن أرضاكم عند الله أسبغكم على عياله وإن أكرمكم على الله أتقاكم لله. * الشرح: (حديث علي بن الحسين عليهما السلام) فضل فيه رجالا بخصال فيهم لفظا وأمرهم بها معنى (إن أحبكم إلى الله عز وجل أحسنكم عملا) أي أصوبكم عملا بخلوص النية وحضور القلب وقد فسره الصادق عليه السلام به في قوله تعالى: * (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) * قيل محبته تعالى لعبده إرادته لثوابه وتكميله وما هو خير له (وإن أعظمكم عملا) أي أحسنكم إطلاقا للمسبب على السبب لأن حسن العمل سبب لعظمته فكلما ازداد ازدادت (أعظمكم فيما عند الله رغبة) إذ عظمة الرغبة فيما عند الله من الأجر والثواب والكرامة والسعادة والنعمة والفضل والإحسان يوجب المبالغة في عظمة العمل وتكثيره وحسنه وتخليصه عن شوايب النقص (وإن أنجاكم من عذاب الله أشدكم خشية لله) الخشية له تعالى تابعة للعلم بعظمته وقدرته وغلبته على جميع ما سواه وغناه عنهم وشدة حاجتهم وفقرهم وفاقتهم إليه جل شأنه ولذلك قال الله تعالى * (إنما يخشى الله من عباده العلماء) * ومن البين أنها جاذبة إلى فعل الطاعات وترك المنهيات الموجبين للنجاة فكلما كانت الخشية أكمل وأوفى كانت النجاة أتم وأقوى (وإن أقربكم من الله أوسعكم خلقا) على خلق الله والمراد بالقرب القرب المعنوي وهو السعادة العظمى والغاية الكبرى للسالكين إليه تعالى وبالخلق سداد النفس بفواضلها، ومن ثم قيل: يندرج فيه كثير من الفضايل مثل الصلة والبر واللطف والمراعاة والمواساة والرفق وحسن الصحبة بين العشيرة وغيرهم (وأرضاكم عند الله أسبغكم على عياله) في الطعام والشراب واللباس كما وكيفا مع القدرة وعدم الاسراف ورضاه تعالى عن العبد يعود إلى ثوابه له، وقيل: الرضا قريب من المحبة ويشبه أن يكون أعم منها لأن كل محب راض عما أحبه ولا ينعكس فرضاه تعالى عن العبد يعود إلى علمه بموافقته لأمره وطاعته له (وإن أكرمكم على الله أتقاكم) كما دلت عليه الآية الكريمة وفي " على " دلالة على لزوم الإكرام

[ 423 ]

عليه تعالى. * الأصل: 25 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن موسى بن عمر الصيقل، عن أبي شعيب المحاملي، عن عبد الله بن سليمان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) [ قال: ] قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ليأتين على الناس زمان يطرف فيه الفاجر ويقرب فيه الماجن ويضعف فيه المصنف، قال: فقيل له: متى ذاك يا أمير المؤمنين ؟ فقال: إذا اتخذت الأمانة مغنما والزكاة مغرما والعبادة استطالة، والصلة منا، قال: فقيل: متى ذلك يا أمير المؤمنين ؟ فقال: إذا تسلطن النساء وسلطن الاماء وامر الصبيان. * الشرح: (ليأتين على الناس زمان يطرف فيه الفاجر) أي يدعى طريفا أي شريفا كريما وينسب إليه الطرافة والفاجر هو المنبعث في المعاصي والمحارم (ويقرب فيه الماجن) في القاموس: مجن مجونا صلب وغلظ ومنه الماجن لمن لا يبالي قولا وفعلا كأنه صلب الوجه وفي بعض النسخ: " الماحل " وهو الذي يمكر ويكيد ويسعى بالناس إلى السلطان يقال: محل به أي سعى به الملك فهو ماحل ومحول والمماحلة المماكرة والمكائدة وتمحل إحتال (ويضعف فيه المنصف) العادل المتمسك بالشريعة المستقيمة المجتنب عن الباطل (قال: قيل له: متى ذاك يا أمير المؤمنين فقال إذا اتخذت الأمانة مغنما) أي غنيمة كأنها خالص أموالهم (والزكاة معزما) كأنها غرامة يغرمها وعد ذلك في طريق العامة " من شرائط الساعة " (والعبادة استطالة) على الناس يستطيلون بها عليهم (والصلة منا) يمنون بها على من وصوله أو على الله تعالى والمنة تذكير المنعم للمنعم عليه بنعمته والتطاول عليه بها والمن يستلزم إعتبار الكثرة والكبر والفخر والتطاول وتوقع الجزاء عليه ويؤدي المنعم عليه ويبطل استعداد المنعم لقبول رحمة الله وجزائه ولذلك ورد النهي عنه في قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى) * واعلم أن قوله " قال فقيل.. إلى قوله.. منا " ليس في أكثر النسخ (قال: فقيل: متى ذلك يا أمير المؤمنين ؟ فقال: إذا تسلطن النساء وسلطن الإماء وأمر الصبيان) أمره عليه مثلثة إذا ولي والاسم الإمرة بالكسر وكل هؤلاء لضعف عقولهن ونقصان تدبيرهن وعدم علمهن بقبح الأشياء وحسنها يقدمن من أخره الشرع ويؤخرن من قدمه وللتناسب بينهن وبين ضعفاء العقول وقد وقع ذلك في أزمنة سلاطين الجور كثيرا فإنهم سلطوا بعض النسوان والجواري وأجروا أحكامها الناقصة على عباد الله وقوله (إذا تسلطن النساء) بحذف إحدى التائين من مضارع التفعل والظاهر تسلط بدون النون وكذا الظاهر من قوله سلطن أو تسلطن على اختلاف النسخ لوجوب إفراد الفعل إذا أسند إلى الظاهر وحمل النون على التأكيد غير

[ 424 ]

مناسب سيما في نسخة الأصل وهي سلطن بلفظ الماضي فلابد من ارتكاب إحدى التأويلين إما بأن يجعل النون حرفا دالة على جمعية الفاعل قبل ذكره أو بأن يجعل الفعل خبرا مقدما على المبتدأ وهو اسم الظاهر والسلاطة القهر وقد سلطه الله فتسلط عليهم ومنه السلطان وهو الوالي يذكر ويؤنث ثم المراد بتسلط النساء والإماء وغلبتهن على الرجال إمارتهن عليهم على ما هو الظاهر ويحتمل أن يكون المراد أعم من ذلك وهو دخول الرجال تحت حكمهن سواء كن سلاطين أو لم تكن وسلطن يجوز أن يكون من المجرد المعلوم وأن يكون من المزيد المجهول، ويمكن أن يكون المراد تسليط الإماء على الحراير. * الأصل: 26 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن يعقوب بن يزيد، عن محمد بن جعفر العقبي رفعه قال: خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن آدم لم يلد عبدا ولا أمة وإن الناس كلهم أحرار ولكن الله خول بعضكم بعضا فمن كان له بلاء فصبر في الخير فلا يمن به على الله عزوجل، ألا وقد حضر شئ ونحن مسوون فيه بين الأسود والأحمر، فقال مروان لطلحة والزبير: ما أراد بهذا غيركما، قال: فأعطى كل واحد ثلاثة دنانير وأعطى رجلا من الأنصار ثلاثة دنانير وجاء بعد غلام أسود فأعطاه ثلاثة دنانير فقال الأنصاري: يا أمير المؤمنين هذا غلام أعتقته بالأمس تجعلني وإياه سواء ؟ فقال: إني نظرت في كتاب الله فلم أجد لولد إسماعيل على ولد إسحاق فضلا. * الشرح: (إن آدم لم يلد عبدا ولا أمة وإن الناس كلهم أحرار) دل على أصالة الحرية ولذلك قدم بعضهم قول المنكر للعبودية وهذا تمهيد للتسوية في القسمة ورفع توهم من يتوقع التفاضل من أهل الشرف (ولكن الله خول) أي أعطى بعضكم بعضا من باب التمليك تفضلا بالحكمة الداعية له (فمن كان له بلاء فصبر في الخير فلا يمن به على الله عز وجل) أي فمن كان له بلاء واختبار فصبر عليه ثابتا في الخير بأن يرضى ولا يشكو فلا يمن به على الله عز وجل بل لله عليه المن حيث وفقه له ولطف به وأحسن إليه وأجزل ثوابه ورفع درجته، وفيه حث على الصبر على البلاء مطلقا خصوصا للشريف المبتلى بالتسوية بينه وبين الوضيع في الإعطاء كما ابتلى بالتسوية بينهما في الدماء (إلا وقد حضر شئ قليل) من الدراهم والدنانير (ونحن مسوون فيه بين الأسود والأحمر) أي بين العرب والعجم أي بين الناس كلهم وفي بعض النسخ: " مستوون " (فقال مروان لطلحة والزبير ما أراد بهذا غيركما) قال المخذول ذلك حثا لهما على المخالفة وإنكار حكمه وهو مروان

[ 425 ]

بن الحكم بن العاص زوج بنت عثمان ولي الخلافة بعد معاوية بن يزيد بن معاوية أربعة أشهر وعشرا ونقل ستة أشهر وهو أبو الخبائث الأربعة عبد الملك ولي الخلافة بعده وعبد العزيز ولي مصر وبشر ولي العراق ومحمد ولي الجزيرة ثم بعد عبد الملك ولي الخلافة بنوه الوليد وسليمان ويزيد وهشام ولم يل الخلافة أربعة أخوة إلا هم (فقال: إني نظرت في كتاب الله فلم أجد لولد إسماعيل على ولد إسحاق فضلا) قال الفاضل الأمين الاسترآبادي: يعني مع أن النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة وبني هاشم وقريش من ولد إسماعيل واليهود من ولد إسحاق إذا كانا مسلمين سواء في الغنايم وشبهها بمقتضى كتاب الله فثبت المساواة بين غيرهما من باب الأولوية.

[ 426 ]

حديث النبي (صلى الله عليه وآله) حين عرضت عليه الخيل * الأصل: 27 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن سالم وعلي بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا، عن أحمد بن النضر، ومحمد بن يحيى، عن محمد بن أبي القاسم، عن الحسين بن أبي قتادة جميعا عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعرض الخيل فمر بقبر أبي احيحة فقال أبو بكر: لعن الله صاحب هذا القبر فوالله إن كان ليصد عن سبيل الله ويكذب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: خالد إبنه، بل لعن الله أبا قحافة فوالله ما كان يقري الضيف ولا يقاتل العدو فلعن الله أهونهما على العشيرة فقدا، فألقى رسول الله (صلى الله عليه وآله) خطام راحلته (صلى الله عليه وآله) على غاربها ثم قال إذا أنتم تناولتم المشركين فعموا ولا تخصوا فيغضب ولده، ثم وقف فعرضت عليه الخيل فمر به فرس فقال عيينة بن حصين: ان من أمر هذا الفرس كيت وكيت، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ذرنا فأنا أعلم بالخيل منك، فقال: عيينة وأنا أعلم بالرجال منك، فغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى ظهر الدم في وجهه فقال له: فأي الرجال أفضل ؟ فقال عيينة بن حصين: رجال يكونون بنجد يضعون سيوفهم على عواتقهم ورماحهم على كواثب خيلهم ثم يضربون بها قدما قدما، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كذبت بل رجال أهل اليمن أفضل، الإيمان يمان والحكمة يمانية ولولا الهجرة لكنت امرءا من أهل اليمن. الجفا والقسوة في الفدادين أصحاب الوبر ربيعة ومضر، من حيث يطلع قرن الشمس، ومذحج أكثر قبيل يدخلون الجنة وحضرموت خير من عامر بن صعصعة (روى بعضهم: خير من الحارث بن معاوية) وبجيلة خير من رعل وذكوان وإن يهلك لحيان فلا ابالي. ثم قال: لعن الله الملوك الأربعة جمدا ومخوسا ومشرحا وأبضعة واختهم العمردة، لعن الله المحلل والمحلل له. ومن يوالي غير مواليه ومن ادعى نسبا لا يعرف. والمتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال. ومن أحدث حدثا في الإسلام أو آوى محدثا، ومن قتل غير قاتله أو ضرب غير ضاربه، ومن لعن أبويه، فقال رجل: يا رسول الله أيوجد رجل يلعن أبويه ؟ فقال: نعم، يلعن آباء الرجال وامهاتهم فيلعنون أبويه، لعن الله رعلا وذكوان وعضلا وليحان والمجذمين من أسد وغطفان وأبا سفيان بن حرب وشهيلا ذا الأسنان وابني مليكة بن حزيم ومروان وهوذة وهونة. * الشرح: (حديث النبي صلى الله عليه وآله حين عرضت عليه الخيل) الخيل الأفراس والفرسان

[ 427 ]

(يعرض الخيل) أي يأتيها ويقصدها ليعرف حالها وفي بعض النسخ " لعرض الخيل " (فمر بقبر أبي أحيحة) بالحائين المهملتين مصغرا (بل لعن الله أبا قحافة) عثمان بن عمرو والد أبي بكر (ما كان يقري الضيف) قري الضيف قرى بالكسر والقصر والفتح والمد إضافة وأحسن إليه كاقتراه (فلعن الله أهونهما على العشيرة فقدا) عشيرة الرجل من يعاشرهم ويعاشرونه من العشرة وهي الصحبة والفقد الغيبة والعدم والموت يقال: فقده يفقده فقدا عدمه فهو فقيد ومفقود وافتقده وتفقده طلبه عند غيبته، ولعل المقصود أن عدمه هين على العشيرة لكونه غير نافع لهم في حال حياته (فألقى رسول الله صلى الله عليه وآله خطام راحلته على غاربها) الخطام بالكسر ما وضع على أنف البعير لينقاد به والغارب الكاهل أو ما بين السنام والعنق. (ثم قال إذا تناولتم المشركين فعموا ولا تخصوا فيغضب ولده) مثله رواه العامة عنه صلى الله عليه وآله قال: " لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء " نهى عن سب الميت المشرك بخصوصه لأنه يؤذي قريبه الحي من المؤمنين في الحال بتألم قلبه إما لغضاضة تلحقه في حسبه أو لألم يتحذر له من أجله وأذى المؤمن لا يجوز تقول عرضت عليه الشئ إذا أريته إيله وأظهرته ليراه ويعلم حاله، (فمر به فرس فقال عيينة بن حصن) الفزاري كان من رؤساء المشركين وكان أمير غطفان في حرب الأحزاب كما سيجئ (إن من أمر هذا الفرس كيت وكيت) في النهاية: هي كناية عن الأمر نحو كذا وكذا قال أهل العربية: إن أصلها كية بالتشديد والتاء فيها بدل من إحدى اليائين والهاء التي في الأصل محذوفة وقد تضم التاء وتكسر (فقال عيينة: وأنا أعلم بالرجال منك) كذب عدو الله بادعاء زيادة العلم لأنه كان أجهل الناس بالناس ونسب الجهل إلى معدن العلم والصفوة (فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله حتى ظهر الدم في وجهه) القوة الغضبية إذا تحركت تحرتك الروح الحيواني والعروق وما فيها وما في البدن من الدماء فيتخلخل وينتشر ويتصاعد مع مصاحبة بخار إلى أن ينصب في الوجه ونحوه فيحمر (فقال له فأي الرجال أفضل ؟) الغرض من هذا السؤال إظهار جهله وتنبيهه على خطئه فيمن يعتقد أنه أفضل (فقال عينية بن حصن رجال يكونون بنجد) أي في نجد وأهله يومئذ كانوا مضر وربيعة وكانوا مشركين وصفهم ابن حصن بالشجاعة حيث قال (يضعون سيوفهم على عواتقهم ورماحهم على كواثب خيلهم) الكاثبة من الفرس مجتمع كتفه قدام السرج (ثم يضربون بها قدما قدما) الظاهر أنه حال والقدم محركة وبالضم بضمتين الشجاع وقد يكون بمعنى المتقدم في الحرب يقال: مضى قدما إذا تقدم ولم يعرج لم يقم ولم ينعطف (فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: كذبت بل رجال أهل اليمن أفضل والإيمان يماني والحكمة يمانية ولولا الهجرة لكنت أمرءا من أهل اليمن) كذبه (صلى الله عليه وآله) وأشار إلى أن أفضل الرجال ليس ما ذكره سيما إذا

[ 428 ]

كان من الحمية الجاهلية بل فضلهم هو الإيمان والحكمة وهو غير موجود فيهم بل هو في رجال أهل اليمن قيل: المراد بهم الأنصار الذين استجابوا لله ولرسوله طوعا ونصروه وهم يماني النسب وقيل: المراد بهم أهل مكة أي بعضهم إما لأن مكة من تهامة وتهامة من أرض اليمن أو لأنه قال: هذا وهو بتبوك ومكة بينه وبين اليمن فأشار إلى ناحية اليمن وأراد مكة ويؤيده قوله " ولولا الهجرة لكنت امرأ من أهل اليمن " فإنه صريح في أن المراد باليمن مكة بأحد الوجهين المذكورين وقوله " الإيمان يماني " أي منسوب إلى اليمن معناه على القول الأول أن قوة الإيمان واشتهاره من أهل اليمن لكونهم من أنصار الدين وعلى القول الثاني أن مبدأه مكة والمشهور في يماني تخفيف الياء لأن ألفه زيدت بدلا من ياء النسبة فلا يجمع بينهما وحكى المبرد وسيبويه عن بعض العرب التشديد فيها وهذه الوجوه تجري في قوله " والحكمة يمانية " والحكمة لغة ما يمنع من الجهل والحكيم من منعه عقله عنه وفي العرف الفقه في الدين وهو العلم النافع المصحوب بإنارة البصيرة وتهذيب النفس وبه فسر قوله تعالى: * (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا) * (الجفا والقسوة في الفدادين أصحاب الوبر ربيعة ومضر من حيث يطلع قرن الشمس) الجفاء بالمد خلاف البر وهي كيفية للنفس تمنع من إيصال النفع إليها أو إلى غيرها وهي تتفاوت في الأشخاص والقسوة والقساوة غلظة القلب وشدته وأعظم أسبابه الذنوب وهي كيفية تمنع القلب من قبول للخير والموعظة، والفدادين ضبطه بعضهم بتخفيف الدال جمع فدان بتشديدها وفسره ببقر الحرث ورده أبو عبيد بأن العرب لم تكن تعرف الحرث وإنما هو في الروم والشام وهي إنما فتحت بعد وفاته صلى الله عليه وآله وفيه نظر، ثم قال: وإنما هي بالتشديد جمع فداد بالتشديد أيضا فسره بالمكثر من كسب الإبل والكسب من المائتين إلى الألف من الفديد وهي الإبل الكثيرة وفسره الأصمعي بأنه الذي يرفع صوته في حرثه وماشيته من فد الرجل فديدا إذا اشتد صوته، وقال ابن دريد: هو رجل شديد وطؤه للأرض بمرح أو سرعة، وقال بعضهم: هو المكثر من غير تقييده بكسب الإبل لأن الإكثار موجب للفخر والخيلاء واحتقار الناس وهي مستتبعة للجفاء والقساوة، وقال ثعلب: الفدادون الجمالون والبقارون والحمالون والرعيان. أقول: أقرب المعاني ههنا ما ذكره أبو عبيد لأن قوله صلى الله عليه وآله " أصحاب الوبر " بدل من الفدادين والوبر بكسر الباء الإبل وبفتحها ما للإبل كالصوف للغنم والشعر للمعز، قال في الصحاح الوبر للبعير بالتحريك الواحدة وبرة وقد وبر البعير بالكسر وهو وبر قوله " ربيعة ومضر " أما بدل من الفدادين أو من أصحاب الوبر وهما إخوان ابنا نزار بن معد بن عدنان معروفان في كثرة العدد وغلبة العدد وفي الكفر وعداوة الرسول وكانا ساكنين في النجد وهي شرقي المدينة وتبوك كما أشار

[ 429 ]

إليه (صلى الله عليه وآله) بقوله " من حيث يطلع قرن الشمس " أي من جانب المشرق وعني به نجدا والقرن جانب الرأس وإثباته للشمس من باب الاستعارة المكنية والتخييلية (ومذحج أكثر قبيل يدخلون الجنة) في القاموس: مذحج كمجلس أكمة ولدت ما لكا وطيئا أمهما عندها فسموا مذحجا (وحضرموت خير من عامر بن صعصعة) حضرموت وتضم الميم بلد وقبيلة وعامر بن صعصعة أبو قبيلة وهو عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن (وبجيلة خير من رعل وذكوان) بجيلة كسفينة حي باليمن من معد والنسبة بجلي محركة ورعل وذكوان قبيلتان من سليم وهم الذين قتلوا أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) في بئر معونة وكان الأصحاب أربعون رجلا على ما في السير وسبعون رجلا في كتاب مسلم ولم ينج منهم إلا عمرو بن أمية الضمري فجاء وأخبره صلى الله عليه وآله وقد أخبره جبرئيل عليه السلام قبل وروده فتوجع بقتلهم وأقام شهرا يدعو في صلاة الغداة على قاتليهم (وإن يهلك لحيان فلا أبالى) لحيان أبو قبيلة هو لحيان بن هذيل بن مدرك (ثم قال: لعن الله الملوك الأربعة جمدا ومخوسا ومشرحا وأبضعة وأختهم العمردة) جمدا بسكون الميم وفتحا ومحوس كمنبر ومشرح بضم الميم وفتح الراء المشددة على الظاهر وأبضعة بفتح الهمزة وسكون الباء وفتح الضاد المعجمة وقيل: بالصاد المهملة، بنو معد يكرب من ملوك كندة وفي القاموس: وهو معد يكرب من الملوك الأربعة لعنهم النبي (صلى الله عليه وآله) ولعن أختهم العمردة وفدوا مع الأشعث وأسلموا ثم ارتدوا فقتلوا يوم النجير وقالت نايحتهم: " يا عين أبكي للملوك الأربعة ". (لعن الله المحل والمحلل له) كأنه لعن الملوك الأربعة ومن تبعوه واعتقدوا بحكمه وهو جنادة بن عوف الكندي وكان مطاعا في الجاهلية وكان يقوم في الموسم ويقول بأعلى صوته: إن الهتكم قد أحلت لكم المحرم فأحلوه: ثم يقوم في القابل يقول: إن الهتكم قد حرمت عليكم المحرم فحرموه. ومثله في تفسير علي بن إبراهيم بعبارة أخرى قال: " كان رجل من كنانة يقف في الموسم فيقول: قد أحللت دماء المحللين طي وخثعم في شهر المحرم وأنسأته وحرمت بدله صفر، فإذا كان العام المقبل يقول قد أبطلت صفر وأنسأته وحرمت بدله شهر المحرم " وفي النهاية: معنى قوله صلى الله عليه وآله: لعن الله المحلل والمحلل له، أن يطلق الرجل امرأته ثلاثا فيتزوجها رجل آخر على شريطة أن يطلقها بعد وطيها لتحل لزوجها الأول، وقيل: سمي محللا بقصده إلى التحليل كما يسمى مشتريا إذا قصد الشراء (ومن يوالي غير مواليه) لعل المراد بالمولى هنا المنعم عليه وهو المعتق بفتح التاء وكان ولاؤه لمن اعتقه يرثه هو أو وارثه وهو كالنسب فلا يزال بالإزالة ولا يجوز بيعه وهبته واشتراطه للغير نفيه كما لا يجوز ذلك في النسب وكانت العرب تبيعه وتهبه فلعن (صلى الله عليه وآله)،

[ 430 ]

عليهم، ويحتمل أن يراد بالمولى المنعم وهو هو صلى الله عليه وآله وأوصياؤه الطاهرون فلعن على من يوالي غيرهم والله أعلم (ومن ادعى نسبا لا يعرف) بأن نسب نفسه إلى غير نسبه وهو حرام استحق به اللعن، روى المصنف بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " كفر بالله من تبرأ من نسب وإن دق ". (والمتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال) المروي عن أبي عبد الله عليه السلام: " إنهم المخنثون واللاتي ينكحن بعضهن بعضا " ويمكن إرادة التشابه في الحلي واللباس وغيرهما من المختصات أيضا (ومن أحدث حدثا في الإسلام أو آوى محدثا) ورد في بعض رواياتنا تفسير الحدث بالقتل وتفسير المحدث بالقاتل وهذا الكلام رواه العامة عنه صلى الله عليه وآله أيضا، قال القرطبي، المراد بالحدث حدث الدين وبالمحدث من يأتي بفساد في الأرض، وقال صاحب النهاية الحدث الأمر الحادث المنكر الذي ليس بمعتاد ولا بمعروف في السنة والمحدث يروي بكسر الدال وفتحها على الفاعل والمفعول فمعنى الكسر من نصر جانيا وآواه وأجاره من خصمه وحال بينه وبين أن يقتص منه والفتح هو الأمر المبتدع نفسه ويكون معنى الإيواء فيه الرضا به والصبر عليه فإنه إذا رضي بالبدعة وأقر فاعلها ولم ينكرها عليه فقد آواه (ومن قتل غير قاتله أو ضرب غير ضاربه) ضمير قاتله للمصول باعتبار أنه قاتل مورثه وفيه زجر للناس عن القتل والضرب ظلما خصوصا للعرب حيث كانوا يقتلون ويضربون لقتل واحد من ضرب واحد كثيرا (ومن لعن أبويه فقال رجل يا رسول الله أيوجد رجل لعن أبويه.. الخ) مثله موجود في طرق العامة أيضا، ولعل بقاء السؤال على استبعاد أن يقع ذلك من أحد وهو دليل على أن ذلك ما كان في عهدهم وفي الجواب دلالة على أن فعل السبب كفعل المسبب فيمكن أن يستنبط منه حرمة بيع العنب لمن يعمل خمرا أو الحرير لمن لا يحل لبسه وأمثال ذلك إلا أنه بالقياس أقرب وهو غير معمول عندنا (لعن الله رعلا وذكوانا وعضلا ولحيان) عضلا بالتحريك ابن الهون بن خزيمة أبو قبيلة. (والمجذمين من أسد وغطفان) أي المسرعين منهم إلى قطع المودة والصلة من الإجذام وهو الإسراع والمجذام رجل سريع القطع للمودة، وغطفان بالتحريك حي من قيس (وأبا سفيان بن حرب وشهيلا ذا الأسنان وابني مليكة بن جزيم ومروان وهوذة وهونة) شهيل في بعض النسخ المقروة بالشين المعجمة والباء الموحدة، وفي بعضها بالياء المثناة التحتانية كأمير أو زبير مصغر شهل لقب رجل كأنه لقب به لزرق أو حمرة في حدقته وفي بعضها بالسين المهملة والياء المثناة التحتانية وكأنه سهيل بن عمرو من رؤساء المشركين وهو الذي منع من أن يكتب في كتاب صلح الحديبية بسم الله الرحمن الرحيم وقال: ما أدري الرحمن الرحيم إلا أني أظن هذا الذي باليمامة،

[ 431 ]

وعني به مسيلمة الكذاب، وأن يكتب فيه: هذا ما قاضي رسول الله، وقال: إنما نقاتلك لادعائك الرسالة، واكتب: هذا ما قاضى محمد بن عبد الله. و " جريم " في بعض النسخ بالجيم والراء المهملة اسم لرجل وكأنه لقب به لكثرة ذنوبه أو لعظمة جسده، وفي بعضها بالزاي المعجمة وكأنه لقب به لكونه قاطعا للأرحام أو للإسلام وفي شق منه وفي بعضها حريم كأمير أو زبير بالحاء والراء المهملتين لقب لرجال وكأنه لقبوا به لكونهم محرومين ممنوعين من الخير، وهونة وهوذة بالذال المعجمة وفي بعض النسخ بالدال المهملة وقيل هو تصحيف اسمان لرجلين والله أعلم. * الأصل: 28 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن مولى لأمير المؤمنين (عليه السلام) سأله مالا فقال: يخرج عطائي فاقاسمك هو، فقال: ولا أكتفي، وخرج إلى معاوية فوصله فكتب إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) يخبره بما أصاب من المال فكتب إليه أمير المؤمنين (عليه السلام): أما بعد: فإن ما في يدك من المال قد كان له أهل قبلك وهو صائر إلى أهله بعدك وإنما لك منه ما مهدت لنفسك فآثر نفسك على صلاح ولدك فإنما أنت جامع لإحد رجلين: إما رجل عمل فيه بطاعة الله فسعد بما شقيت وإما رجل عمل فيه بمعصية الله فشقي بما جمعت له، وليس من هذين أحد بأهل أن تؤثره على نفسك ولا تبرد له على ظهرك، فارج لمن مضى رحمة الله وثق لمن بقي برزق الله. * الشرح: (إن مولى لأمير المؤمنين عليه السلام) المراد بالمولى إما الناصر أو المحب أو التابع (إما رجل عمل فيه بطاعة الله فسعد بما شقيت) أي بسبب ما شقيت به أما سعادته فلأنه وجد مالا بلا تعب وصرفه في وجوه البر فله ما وعد به المنفقون، وأما شقاوة الجامع له إن جمع من وجه حرام أو حلال ولم يخرج واجباته أو أخرجها ولم يخرج مندوباته فظاهرة لأن عليه في الأولين عقوبات وفي الأخير حسرات بسبب رؤية ثواب ماله في ميزان غيره (وأما رجل عمل فيه بمعصية الله فشقي بما جمعت له) فشقيت أيضا لأنك كنت عونا له على معصيته (وليس من هذين أحد بأهل أن تؤثره على نفسك) هذا ناظر إلى الأول (ولا تبرد له على ظهرك) هذا ناظر إلى الثاني وفي الصحاح: ما برد لك على فلان أي ما تثبت ووجب وبردلى عليه كذا من المال ولي عليه ألف بارد وسموم بارد أي ثابت لا يزول، والظاهر أن تبرد معطوف على تؤثره و " لا " زائدة لتأكيد النفي

[ 432 ]

والمعنى ليس أحد هذين بأهل أن تثبت له مالا أو ثقلا أو عقوبة على ظهرك فقد نهاه عليه السلام من إبقاء المال بعد الانتقال ونبهه على أنه إأن ترك فإما عليه الحساب ولغيره الثواب وإما عليه العقاب كما على غيره، وقد ذكر مثل هذا الحديث في نهج البلاغة بلا تفاوت إلا في قوله: " ولا تبرد له على ظهرك " فإنه في النهج: " ولا تحمل له ظهرك " قال بعض الشارحين: ولا تحمل معطوف على تؤثره أي وأن لا تحمل ثقلا لأجله على ظهرك (وثق لمن بقي برزق الله) الرزق كل ما ينتفع به أو كل ما يصح أن ينتفع به فالحرام رزق على الأول كما هو مذهب الأشاعرة دون الثاني كما هو مذهب المعتزلة.

[ 433 ]

كلام علي بن الحسين (عليه السلام) * الأصل: 29 - حدثني محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه جميعا، عن الحسن بن محبوب، عن عبد الله بن غالب الأسدي، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب قال: كان علي بن الحسين (عليهما السلام) يعظ الناس ويزهدهم في الدنيا ويرغبهم في أعمال الآخرة بهذا الكلام في كل جمعة في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحفظ عنه وكتب كان يقول: أيها الناس اتقوا الله واعلموا أنكم إليه ترجعون فتجد كل نفس ما عملت في هذه الدنيا من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه، ويحك يا بن آدم الغافل وليس بمغفول عنه. يا بن آدم إن أجلك أسرع شئ إليك، قد أقبل نحوك حثيثا يطلبك ويوشك أن يدركك وكأن قد أوفيت أجلك وقبض الملك روحك وصرت إلى قبرك وحيدا فرد إليك فيه روحك واقتحم عليك فيه ملكان ناكر ونكير لمساءلتك وشديد امتحانك، ألا وإن أول ما يسألانك عن ربك الذي كنت تعبده وعن نبيك الذي ارسل إليك وعن دينك الذي كنت تدين به وعن كتابك الذي كنت تتلوه وعن إمامك الذي كنت تتولاه، ثم عن عمرك فيما كنت أفنيته ومالك من أين اكتسبته وفيما أنت أنفقته، فخذ حذرك وانظر لنفسك وأعد الجواب قبل الامتحان والمسألة والاختبار فإن تك مؤمنا عارفا بدينك، متبعا للصادقين، مواليا لأولياء الله لقاك الله حجتك وأنطق لسانك بالصواب وأحسنت الجواب وبشرت بالرضوان والجنة من الله عزوجل واستقبلتك الملائكة بالروح والريحان وإن لم تكن كذلك تلجلج لسانك ودحضت حجتك وعييت عن الجواب وبشرت بالنار واستقبلتك ملائكة العذاب بنزل من حميم وتصلية جحيم. واعلم يا بن آدم إن من وراء هذا أعظم وأفظع وأوجع للقلوب يوم القيامة: ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود يجمع الله عزوجل فيه الأولين والآخرين ذلك يوم ينفخ في الصور وتبعثر فيه القبور وذلك يوم الأزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين وذلك يوم لا تقال فيه عثرة ولا تؤخذ من أحد فدية ولا تقبل من أحد معذرة ولا لأحد فيه مستقبل توبة، ليس إلا الجزاء بالحسنات والجزاء بالسيئات فمن كان من المؤمنين عمل في هذه الدنيا مثقال ذرة من خير وجده، ومن كان من المؤمنين عمل في هذه الدنيا مثقال ذرة من شر وجده. فاحذروا أيها الناس الذنوب والمعاصي ما قد نهاكم الله عنها وحذركموها في كتابه الصادق

[ 434 ]

والبيان الناطق ولا تأمنوا مكر الله وتحذيره وتهديده عند ما يدعوكم الشيطان اللعين إليه من عاجل الشهوات واللذات في هذه الدنيا فإن الله عزوجل يقول: * (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون) * وأشعروا قلوبكم خوف الله وتذكروا ما قد وعدكم الله في مرجعكم إليه من حسن ثوابه كما قد خوفكم من شديد العقاب فإنه من خاف شيئا حذره ومن حذر شيئا تركه ولا تكونوا من الغافلين المائلين إلى زهرة الحياة الدنيا الذين مكروا السيئات فان الله يقول في محكم كتابه: * (أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون * أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين * أو يأخذهم على تخوف) * فاحذروا ما حذركم الله بما فعل بالظلمة في كتابه ولا تأمنوا أن ينزل بكم بعض ما تواعد به القوم الظالمين في الكتاب. والله لقد وعظكم الله تعالى في كتابه بغيركم فإن السعيد من وعظ بغيره ولقد أسمعكم الله في كتابه ما قد فعل بالقوم الظالمين من أهل القرى قبلكم حيث قال: * (وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة) * وإنما عنى بالقرية أهلها حيث يقول: * (وأنشأنا بعدها قوما آخرين) * فقال عزوجل: * (فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون * (يعني يهربون قال:) لا تركضوا وارجعوا إلى ما اترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون * (فلما أتاهم العذاب) قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين * فما زالت تلك دعويهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين) * وأيم الله إن هذه عظة لكم وتخويف إن اتعظتم وخفتم، ثم رجع القول من الله في الكتاب على أهل المعاصي والذنوب فقال عزوجل: * (ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين) * فإن قلتم أيها الناس: إن الله عزوجل إنما عنى بهذا أهل الشرك فكيف ذلك وهو يقول: * (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين) *. اعلموا عباد الله أن أهل الشرك لا ينصب لهم الموازين ولا ينشر لهم الدواوين وإنما يحشرون إلى جهنم زمرا وإنما نصب الموازين ونشر الدواوين لأهل الإسلام. فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن الله عزوجل لم يحب زهرة الدنيا وعاجلها لأحد من أوليائه ولم يرغبهم فيها وفي عاجل زهرتها وظاهر بهجتها وإنما خلق الدنيا وخلق أهلها ليبلوهم فيها أيهم أحسن عملا لآخرته وأيم الله لقد ضرب لكم فيه الأمثال وصرف الآيات لقوم يعقلون ولا قوة إلا بالله. فازهدوا فيما زهدكم الله عزوجل فيه من عاجل الحياة الدنيا فإن الله عزوجل يقول - وقوله الحق - * (إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس

[ 435 ]

والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتيها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون) *. فكونوا عباد الله من القوم الذين يتفكرون ولا تركنوا إلى الدنيا فإن الله عزوجل قال لمحمد (صلى الله عليه وآله): * (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) * ولا تركنوا إلى زهرة الدنيا وما فيها ركون من اتخذها دار قرار ومنزل استيطان فإنها دار بلغة ومنزل قلعة ودار عمل، فتزودوا الأعمال الصالحة فيها قبل تفرق أيامها وقبل الإذن من الله في خرابها فكأن قد أخربها الذي عمرها أول مرة وابتدأها وهو ولي ميراثها فأسأل الله العون لنا ولكم على تزود التقوى والزهد فيها: جعلنا الله وإياكم من الزاهدين في عاجل زهرة الحياة الدنيا، الراغبين لأجل ثواب الآخرة فإنما نحن به وله، وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. * الشرح: (كلام علي بن الحسين عليهما السلام) ذكر فيه من المواعظ والنصايح والترغيب والترهيب والتزهيد في الدنيا ما لو لم يكن غيره في هذا الباب لكان كافيا لأولي الألباب (قال كان علي بن الحسين عليهما السلام يعظ الناس) الوعظ الأمر بالطاعة والوصية بها وقيل هو تذكير مشتمل على زجر وتخويف وحمل على طاعة الله بلفظ يرق له القلب والاسم الموعظة (ويزهدهم في الدنيا) أي يحقرها ويقللها في أعينهم ويأمرهم برفض الوغول فيها وعلامة الزاهد أن لا يغلب الحلال شكره ولا الحرام صبره (ويرغبهم في أعمال الآخرة) علامة الراغب فيها أن يقنع من حلال الدنيا بما تكفيه ولا يصرف عمره فيما لا يعنيه إن وجد الحلال شكر وإن لم يجده صبر وتشتاق نفسه إلى فعل الطاعات وتضطرب بالوقوع في أدنى المنهيات (أيها الناس اتقوا الله) بفعل الطاعات وترك المنهيات والمخالفة له فيما أمر به من طاعة أوليائه (واعلموا أنكم إليه ترجعون) فيه وعد ووعيد بوجدان جزاء العمل إن خيرا فخير وإن شرا فشر كما أشار إليه اقتباسا للآية الكريمة بقوله (فتجد) وفيها " يوم تجد " (كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء) أي محضرا حذف للاختصار ولدلالة العطف وما بعده عليه، ومن مزيدة للمبالغة في عموم الخير والسوء لجميع الأفراد وإن كان في غاية الحقارة كما نطق به قوله تعالى: * (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) * (تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا) تود استيناف أو حال عن فاعل ما عملت " ولو " للتمني وللمبالغة فيه وضمير التأنيث للنفس وضمير التذكير ليوم أو لسوء على احتمال، ومن المفسرين من جعل ما علمت مبتدأ وتود خبرا له وتجد مقصورا على ما عملت من خير وعلى هذا لا حذف فيه (ويحذركم الله نفسه) فلا تتعرضوا لسخطه بمخالفة أحكامه وأوليائه وموالاة أعدائه،

[ 436 ]

قال بعض المفسرين: هذا تهديد عظيم مشعر بتناهي المنهي في القبح وذكر النفس ليعلم أن المحذر منه عقاب يصدر منه فلا يؤبه دونه بما يحذر من الكفرة، وقال الغزالي: خوف العوام من عذابه وخوف الخواص من نفسه. (ويحك يا بن آدم الغافل) عما يراد منه ويفعل به (وليس بمغفول عنه) لأنه تعالى يعلم ما يفعله من الخير والشر كما قال: * (إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله) * مع أنه جعل عليهم من الملائكة حفيظا رقيبا وفيه تنفير عن معصية الله والغفلة عما يراد منه من الأمور النافعة بعد الموت وظاهر أن تلك الأمور مما غفل عنها أكثر الناس في الدنيا ما داموا في حجب الأبدان فإذا نزعت عنهم تلك الحجب اطلعوا على ما قدموا من خير أو شر وما أعد لهم بسبب ذلك من سعادة أو شقاوة كما دلت عليه الآية المذكورة وغيرها (ابن آدم إن أجلك اسرع شئ إليك) الأجل محركة غاية الوقت في الموت ومدة العمر أيضا والثاني كالمسافة للأول لأن الأول يقطعه بأقدام الآنات والأنفاس فمرور كل آن ونفس يقرب منك وليس شئ أسرع من مرورهما وفيه مكنية وتخييلية وترشيح (قد أقبل نحوك حثيثا) أي سريعا (يطلبك ويوشك أن يدركك) لأن الطالب إذا كان سريعا والزمان يسيرا والمسافة قليلة كان وصوله قريبا وفيه تذكير بالموت وقرب ما يخاف من أهوال الآخرة والوصول إليه وتحذير عن الإصرار على المعصية وترغيب في الطاعة باعتبار أن كل عامل سيجد ثمرة عمله. (وكأن قد أوفيت أجلك) وفي الشئ تم وكمل وأوفى فلانا حقه إذا أعطاه وافيا تاما أو في فلانا إذا أتاه فأوفيت إما مبني للمفعول أو للفاعل وفيه تحريك على فرض ما هو قريب الوقوع واقعا والغرض منه هو الحث على الاستعداد له قبل نزوله (وقبض الملك روحك) إما بسهولة أو بصعوبة باعتبار التفاوت في الإيمان والأخلاق والأعمال ولا يبعد أن يجعل هذا وجه الجمع بين الروايات المختلفة في صعوبة قبض الروح وسهولته (وصرت إلى قبرك وحيدا) أي متفردا عن الأهل والأقارب وفيه إشارة إلى وحشة القبر وترغيب في فعل ما يزيلها وما يستأنس به النفوس حينئذ وهو الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة لما روي أنهما يظهران لصاحبها بصور حسنة (فرد إليك فيه روحك) سؤال الميت وتعذيبه في القبر مذهب أهل الإسلام والروايات فيه من طريق العامة والخاصة كثيرة، قال عياض: خالفنا في ذلك الخوارج ومعظم المعتزلة وبعض المرجئة، والمعذب عند أهل الحق الجسد بعينه أو جزء منه بعد رد الروح إليه أو إلى جزء منه وخالف محمد بن جرير وعبد الله بن كرام وقالوا: لا يشترط إعادة الروح في تعذيب الميت وهو فاسد لأن الألم والإحساس إنما يكون في الحي وليس لأحد أن يمنع من عذاب القبر ويقول: إنا نشاهد هذا

[ 437 ]

الجسم على هيئة غير مغير ولا معذب فإن لذلك نظيرا في الخارج وهو النائم فإنه يجد لذة وألما ونحن لا نحسن من ذلك وكذلك اليقظان يجد لذة وألما بما يسمع ويتفكر فيه ولا يشاهد ذلك جليسه وكذلك كان جبرئيل عليه السلام يأتيه صلى الله عليه وآله بالوحي ولا يدركه الحاضرون. (واقتحم عليك ملكان ناكر ونكير) فتانا القبور والروايات في غلظتهما ورقتهما وفي حسن الصورة وقبحها مختلفة ولعل ذلك باعتبار حسن عمل الميت وقبحه (فخذ حذرك) الحذر بالكسر ويحرك الاحتراز ولا يحصل ذلك إلا بمحاسبة النفس قبل الموت وحملها على فعل ما ينبغي وترك ما لا ينبغي كما أشار إليه بقوله (وانظر لنفسك وأعد الجواب قبل الامتحان والمسألة والاختبار) فإن النظر لها يبعث على طلب ما ينفعها بعد فراغها وطلب ذلك لا يتحقق إلا بمعرفة الرب والرسول والإمام والدين والكتاب وصرف العمر فيما ينفع من الأعمال وتحصيل المال من طرق الحلال وانفاقه في وجوه البر. وبالجملة ذلك الطلب لا يتحقق إلا بتكميل القوة النظرية والعملية وكل من بلغ هذه المرتبة يرتفع عنه الشك ويسهل له الجواب عند اختبار الملكين وفيه إشعار بأن سؤالهما إنما هو للاختبار والتنبيه على الخطأ والصواب ليترتب عليه الثواب والعقاب وقد جرى قضاء الله تعالى على اختبار الخلائق في بدء التكليف إلى أن يستقروا في دار القرار أو دار البوار (فإن تك مؤمنا عارفا بدينك متبعا للصادقين مواليا لأولياء الله) هم الأئمة عليهم السلام قال الله تعالى * (واتقوا الله وكونوا مع الصادقين) * قال أبو جعفر عليه السلام في تفسيره " إيانا عنى " (لقاك الله حجتك) أي أفاضها عليك وألهمك إياها. (وبشرت بالرضوان والجنة من الله عز وجل) أي برضاء الله عنك وهو والرضوان بالكسر والضم ضد السخط إلا أن الرضا لغة أهل الحجاز والرضوان لغة قيس وتميم، والجنة بالفتح الحديقة ذات الشجر، وقيل: ذات النخل، والمراد بها إما جنة الآخرة أو جنة الدنيا المعدة لنزول أرواح المؤمنين كما دل عليه بعض الروايات (واستقبلتك الملائكة بالروح والريحان) الروح بالفتح الراحة والرحمة ونسيم الريح وبالضم الحياة الدائمة وحكم الله تعالى بالبقاء والسعادة والريحان الرزق (وإن لم تكن كذلك تلجلج لسانك ودحضت حجتك وعييت عن الجواب) أي تردد لسانك وبطلت حجتك وعجزت عن الجواب (وبشرت بالنار) في لفظ البشارة تهكم واستهزاء (واستقبلتك ملائكة العذاب بنزل من حميم وتصلية جحيم) النزل بضمتين الطعام وما أعد للضيف النازل، والحميم الماء الحار، والجحيم النار الشديدة التأجج وكل نار بعضها فوق بعض والمكان الشديد الحر، والتصلية الإحراق والإدخال في النار، قال القاضي: وذلك ما يجد في القبر من سموم النار ودخانها (ذلك يوم مجموع له الناس) يجتمعون فيه لأجل الحساب والجزاء

[ 438 ]

* (وذلك يوم مهود) * أي مشهود فيه لأن الخلق يشهدون أي يحضرونه للخروج عن عهدة ما كلفوا به في الدنيا (ويجمع الله فيع الأولين والآخرين) تفسير وبيان لما ذكر ولعل المراد بالأولين الأمم السابقة وبالآخرين هذه الأمة مع احتمال أن يراد بهم هذا النوع بالأولين من قبله. (يوم ينفخ في الصور) في النهاية: هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام عند بعث الموتى إلى الحشر، وقيل: الصور جمع صورة يريد صور الموتى ينفخ فيها الأرواح، والصحيح: الأول لأن الأحاديث تعاضدت عليه تارة بالصور وتارة بالقرن (وتبعثر فيه القبور) في النهاية: تبعثرت النفس جاشت وانقلبت وغثت، وفي القاموس: بعثر الشئ فرقه وبدده وكشفه وأثار ما فيه، والفعل إما ماض معلوم من باب التفعلل على تشبيه القبر بإنسان أكل طعاما فلم يستقر في معدته فرده أو مضارع مجهول من الرباعي المجرد (وذلك يوم الأزفة) أزف الوقت كفرح دنى وقرب والأزف محركة الضيق وسوء العيش سميت القيامة أزفة لقرب حضورها أو لضيق عيش أكثر الناس فيها (إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين) من الغم وهو حال عن القلوب أو عن أصحابها المعلومة بقرينة المقام، والحناجر جمع الحنجرة وهي الحلق وفيه إشارة إلى اضطراب القلوب في ذلك اليوم وأنها ترتفع من الغم والخوف عن محلها فتلصق بحلوقهم فلا تعود فيتروحوا ولا تخرج فيستريحوا. (وذلك يوم لا تقال فيه عثرة) إقاله الله عثرته وافقه في نقض العهد وأجابه إليه إذ وقع العهد بين العبد وبينه تعالى في أنه إذا عصاه يعاقب فإذا استقال العاصي في ذلك اليوم وندم من ذلك العهد وطلب منه تعالى أن ينقضه ليتخلص من العقاب لا يقال: ولا يجاب، لأن العهد مبرم لا ينقض بالإقالة (ولا تؤخذ من أحد فدية) هي ما يعطيه لينقذ به نفسه من مال أو نفس آخر (ولا تقبل من أحد معذرة) أي معذرة غير محق وإلا فالله سبحانه أعدل وأكرم من أن لا يقبل معذرة المحق، أو المراد به ليس له معذرة في المخالفة حتى تقبل لأنه تعالى قطع الأعذار ببعث الرسول وإنزال الكتاب ونصب الوصي والهداية إلى سبيله (ولا لأحد فيه مستقيل توبة) أي ليس لأحد مستقيل طالب للرجوع إلى الدنيا توبة ورجوع إيها ليفعل فيها ما يكفره أو المراد أنه ليس لطالب غفران الذنب في ذلك اليوم توبة منه لفوات محلها وهو الدنيا. (ليس إلا الجزاء بالحسنات والجزاء بالسيئات) لأن دفع العثرة إما بالإقالة أو بالفدية أو بإبداء المعذرة أو بالاستقالة بأحد الوجهين ولا يكون شئ منها في ذلك اليوم فلم يبق إلا الجزاء ثم أشار إلى نتيجة ما ذكره بقوله (فمن كان من المؤمنين) إما غيرهم فسيذكر حالهم في قوله " واعلموا عباد الله " (عمل في هذه الدنيا مثال ذرة من خير وجده.. الخ) كما دلت عليه الآيات والروايات في

[ 439 ]

مواضع عديدة وقيل ذلك مشروط بعدم التوبة والتكفير عنه بالمصائب ونحوها وعدم الإحباط والمغفرة، والذرة النملة الصغيرة أو الهباء (فاحذروا أيها الناس من الذنوب والمعاصي) يمكن تخصيص أحديهما بالكبائر والأخرى بالصغائر أو العطف للتفسير (ما قد نهاكم الله عنها وحذركموها في كتابه الصادق والبيان الناطق) العطف للتفسير أو المراد بالمعطوف بيان أهل الذكر عليهم السلام لأن مناهي الكتاب وتحذيره بعضها ظاهر وبعضها باطن يظهر ببيانهم، ووصف البيان بالناطق مجاز باعتبار أنه مظهر للمقصود كالنطق (ولا تأمنوا مكر الله وتحذيره وتهديده) المكر من النار الخديعة وهي أن يوهم غيره خلاف ما يخفيه من المكروه وإيصال السوء وإذا نسب إليه تعالى يراد به لازمه وهو العقوبة وإيصال المكروه كناية، وقيل: هو إستعارة لاستدراج العبد وأخذه من حيث لا يحتسب وقيل هو إيصال المكروه إلى الغير على وجه يخفى فيجوز صدوره منه تعالى، ثم أشار إلى تعليل ذلك في الحث على ذكر الله تعالى عند دعوة الشيطان إلى معصيته بقوله (فإن الله عز وجل يقول: * (إن الذين اتقوا) * من عذاب الله * (إذا مسهم طائف من الشيطان) * من الطواف كأنه يطوف حولهم ليؤثر في قلوبهم بميلها إلى المعصية * (تذكروا) * الله وما أمر به ونهى عنه * (فإذا هم مبصرون) * بسبب التذكر موارد الخطأ ومكايد الشيطان فيحترزون منها. سئل الصادق عليه السلام عن هذه الآية فقال: " هو العبد يهم بالذنب ثم يتذكر فيمسك فذاك قوله: * (تذكروا فإذا هم مبصرون) * ". (وأشعروا قلوبكم خوف الله) أي اجعلوا خوفه شعارها شبه الخوف بالشعار في اللزوم والاختصاص كلزوم الشعار للسجد واختصاصه به أو اجعلوا خوفه شعارا وعلامة لقلوبكم غير مفارق عنها واجعلوا قلوبكم شاعرة غير غافلة من خوفه (ولا تكونوا من الغافلين) عن الله تعالى وعن أوامره ونواهيه ومواعظه وأحوال الآخرة وإصلاح أنفسكم. (المايلين إلى زهرة الحياة الدنيا) أي حطامها ومتاعها لحسنها ونضارتها وبهجتها المغفلة عن الآخرة وأعمالها (الذين مكروا السيئات) أي مكروا المكرات السيئات مع الله والرسول والوصي بالمخالفة والإنكار مع المؤمنين بالأذى والإضرار وصدهم عن الإيمان والإقرار، ثم أشار إلى سوء خاتمة المكر مستشهدا بالآية الكريمة بقوله (فإن الله يقول في محكم كتابه * (أفأمن الذين مكروا السيئات) *) الإستفهام للإنكار والتوبيخ * (ان يخسف الله بهم) * كما خسف بقارون وغيره من أهل الخسف * (أو يأتيهم العذاب) * بغتة من السماء * (من حيث لا يشعرون) * كما فعل بقوم لوط أو قوم صالح * (أو يأخذهم في تقلبهم) * أي حال سفرهم ومسيرهم في الحوائج أو في تقلبهم من اليقظة إلى النوم * (فما هم بمعجزين) * لله تعالى عما أراد منهم من أنحاء العقوبة * (أو يأخذهم على تخوف) * أي على مخافة بأن يهلك قوما فتخوفوا فيأتيهم العذاب وهم متخوفون، أو على أن

[ 440 ]

ينقص شيئا بعد شئ في أنفسهم وأموالهم حتى يهلكوا من تخوفه وتنقصه كذا قاله بعض المفسرين (فاحذروا ما حذركم الله بما فعل بالظلمة في كتابه) كفرعون وهامان وقارون وقوم عاد وهود وقوم صالح وغير هؤلاء فإن فعله تعالى بهم لأجل ظلمهم وإنكارهم للحق وعنادهم لأهله كاف في تحذير غيرهم ممن له بصيرة الإعتبار فاعتبروا يا أولي الأبصار (ولا تأمنوا أن ينزل بكم بعض ما تواعد به القوم الظالمين في الكتاب) من العقوبة الدنيوية وهذا نظير قوله تعالى حكاية عن مؤمن آل فرعون للترغيب في متابعة موسى عليه السلام: * (وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم) * يعني لا أقل من أن يصيبكم بعضه، قال القاضي وغيره: فيه مبالغة في التحذير وإظهار للإنصاف وعدم التعصب أو ينزل بكم ماتواعدهم لأن عذاب الدنيا وهو بعض ما توعدون به كأن خوفهم بما أقرب وقوعا وأعظم قدرا عندهم لأن عذاب الدنيا عند الغافلين أعظم من عقاب الآخرة لغفلتهم عنها فضلا عن عذابها (والله لقد وعظكم الله في كتابه بغيركم) من الظالمين بسبب ظلمهم وخروجهم عن طاعة الله وطاعة رسوله (فإن السعيد من وعظ بغيره) قد صارت هذه القضية في معنى المثل أي السعيد في الآخرة من اعتبر حال غيره فشاهد بعين بصيرته مصير الظالمين فخاف عاقبتهم فعدل عن طريقتهم وتذكر مآل المتقين فمال إلى سيرتهم ورغب في الاتعاظ بالغير بذكر استلزامه للسعادة، وإنما عني بالقرية أهلها هذا ظاهر في نفسه ومع هذا دل عليه الدليل المذكور ويؤيده نسبة الظلم إلى القرية مجازا باعتبار ظلم أهلها. (وقال عز وجل * (فلما أحسوا بأسنا) *) أي شدة عذابنا وقد مر تفسيره عن أبي جعفر عليه السلام قبل رسالته إلى سعد الخير متصلا بها * (إذا هم منه يركضون يعني يهربون) * قال القاضي يهربون مسرعين راكضين دوابهم أو متشبهين بهم في فرط إسراعهم * (قال لا تركضوا) * على سبيل الاستهزاء ولفظ قال من كلامه عليه السلام للتنبيه على أنه لابد من تقدير القول أي قال ذلك بلسان الحال أو المقال أو القائل ملك أو من ثم من المؤمنين * (وارجعوا إلى ما اترفتم) * من التنعم والتلذذ والإتراف إبطار النعمة * (ومساكنكم) * التي كانت لكم * (لعلكم تسألون) * عن كنوزكم وذخايركم كما مر. وقال القاضي وغيره: تسألون غدا عن أعمالكم وفيه أنه لا مدخل للرجوع عن هذا السؤال * (قالوا يا ويلنا) * أقبل فهذا أوان إقبالك * (إنا كنا ظالمين) * اعترفوا بظلمهم بعد نزول العذاب فلذلك لم ينفعهم * (فما زالت تلك دعواهم) * يكررونها لشدة التحسر والتأسف * (حتى جعلناهم حصيدا) * أي محصودا * (خامدين) * ميتين، خمدت نفوسهم كخمود النار، واعلم أن هذه القضية قضية بني أمية وقتلهم بسيف الصاحب عليه السلام وعساكره المنصورة لما فعلوه بالحسين عليه

[ 441 ]

السلام وأصحابه ورضائهم بذلك كما مر عن الباقر عليه السلام، وقال المفسرون من العامة: إنها قضية بني إسرائيل وبخت نصر لقتلهم نبيهم فغضب الله عليهم وسلطه على استيصالهم وليس في لفظ الماضي ترجيح لهم لأن متحقق الوقوع في عرف البلغاء يعبر عنه بالماضي * (ولئن مستهم نفحة) * أدنى شئ * (من عذاب ربك) * قال القاضي وغيره: وفيه مبالغات ذكر المس وما في النفحة من معنى القلة فإن أصل النفح هبوب رائحة الشئ والتاء الدالة على المرة * (ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين) * على أنفسنا بمخالفة الرب. (فإن قلتم أيها الناس إن الله عز وجل إنما عني بهذا) وأمثاله مما دل على عقوبة الظالمين (أهل الشرك) بالله لا أهل الإسلام لأنهم غير معاقبين وهذا القول غلط واضح (فكيف ذلك) أي اختصاص العقوبة بأهل الشرك (وهو يقول * (ونضع الموازين القسط) *) أي العدل لوزن الأعمال أو صحايفها على اختلاف القولين عند المحققين القائلين بتجسم الأعمال في النشأة الآخرة، وقيل: الأعمال أعراض لا يعقل وزنها ووضع الميزان كناية عن العدل والإنصاف في الجزاء وقد ذكرنا توضيح ذلك سابقا * (ليوم القيامة) * أي لجزائه أو لأهله أو فيه * (فلا تظلم نفس شيئا) * من حقه أو من الظلم * (وإن كان) * العمل حقا كان أو باطلا * (مثقال حبة من خردل أتينا بها) * من غير زيادة ونقصان * (وكفى بنا حاسبين) * إذ لا يقع الغلط في حسابنا ولا يدخل الجهل في علمنا. (اعلموا عباد الله أن أهل الشرك لا ينصب لهم الموازين ولا ينشر لهم الدواوين) هي دفاتر أعمالهم وصحائف أفعالهم (وإنما يحشرون إلى جهنم زمرا) الزمرة الجماعة من الناس والزمر الجماعات (وإنما نصب الموازين ونشر الدواوين لأهل الإسلام) ليتبين قدر حسنات كل أحد وسيئاته فيثاب من زادت حسناته ويعاقب من زادت سيئاته فلا فائدة في وضعها لأهل الشرك (فاتقوا الله عباد الله) من مخالفة الله ومخالفة أوليائه (واعلموا أن الله عز وجل لم يحب زهرة الدنيا وعاجلها لأحد من أوليائه) هم الأنياء والأوصياء والتابعون لهم وفيه تنبيه على حقارة الدنيا إذ لو كان لها قدر عنده تعالى لأحبها لخلص عباده وترغيب في رفضها كما رفضوها (ولم يرغبهم فيها وفي عاجل زهرتها وظاهر بهجتها) إذ صرف الفكر فيها وبذل التدبير في تحصيلها ليس مطلوبا له تعالى لأنه يمنعهم عن التقرب به. (وإنما خلق الدنيا وخلق أهلها ليبلوهم فيها أيهم أحسن عملا لآخرته) أي ليختبرهم ونسبة الاختبار إليه ليست من باب الحقيقة إذ هو طلب الخبر بالشئ ومعرفته حيث لا يكون معلوما وكان الله تعالى عالما بمضمرات القلوب وخفيات الغيوب فيعرف المطيع من العاصي بل من باب الاستعارة باعتبار أن ثوابه وعقابه للخلق لما كانا موقوفين على تكليفهم بما كلفوا به فإن أطاعوه

[ 442 ]

أثابهم وإن خالفوه عاقبهم أشبه ذلك اختيار الإنسان لعبيده وتمييزه للمطيع منهم من العاصي فأطلق عليه لفظ الاختبار مجازا (وأيم الله لقد ضرب لكم فيه الأمثال وصرف الآيات لقوم يعقلون) أي ضرب لكم الأمثال للدنيا والآخرة والمطيع والعاصي وصرف الآيات الدالة على أحوال كل واحد منهما وكررها بوجوه مختلفة زيادة للتقرير والبيان لقوم يعقلون الغرض من تلك الأمثال والآيات ويتفكرون فيما هو المقصود منهما فيعكفون عليه ويتمسكون به (ولا قوة إلا بالله) أي لا قوة لنا على الإتيان بالطاعات والاجتناب عن المنهيات والامتثال بجميع الخيرات إلا بتوفيق الله وهذا غاية الإبتهال وإظهار إليه تعالى (فازهدوا فيما زهدكم الله عز وجل فيه) الزهد ترك حب الدنيا والركون الفقر إليها وهو من أعظم أسباب السلوك إلى الله تعالى والبلوغ إلى درجة الأبرار وله مراتب أعلاها حذف كل شاغل من التوجه إلى حضرة الحق (فان الله عز وجل يقول) للتزهيد في الدنيا (وقوله الحق) الثابت الذي لا ريب فيه * (إنما مثل الدنيا) * في سرعة زوالها بعد إقبالها وإقبال الناس إليها. * (كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض) * وامتزج حتى بلغ حد الكمال أو اشتبك بسببه حتى اختلط بعضه ببعض * (مما يأكل الناس والأنعام) * من الثمرات والحبوبات وأنواع النباتات * (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها) * بالتمتع والتلذذ بها وبحاصلها * (أتاها أمرنا) * بهلاكها * (ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا) * من أصولها * (كأن لم تغن بالأمس) * ولم تقم قريبا من وقت الزوال والفناء من غنى كرضى إذا قام وعاش وهذا مثل في سرعة زوال الشئ بعد وجوده * (كذلك نفصل الآيات) * الدالة على سرعة زوال الدنيا وفنائها * (لقوم يتفكرون) * فيها ويجدون ما هو المقصود منها. واعلم أن أهل العربية قالوا الأصل في الكاف أن يليه المشبه به مثل زيد كالأسد إلا أنه قد يليه غيره كما في هذه الآية إذ ليس المقصود تشبيه حال الدنيا بالماء بل المراد تشبيه حالها في خضرتها وبهجتها وما يتعقبها من الهلاك والفناء بحال النبات الحاصل من الماء يكون أخضر ناضرا شديدة الخضرة ثم ييبس فتطيره الرياح كأن لم يكن ثم أشار إلى نتيجة هذا التفكر بقوله (فلا تركنوا إلى الدنيا) الركون إليها شامل للركون إلى أهلها الظالمين الذين اتخذوها دار قرار طلبا لما في أيدهيم كما أشار إليه بقوله (فإن الله عز وجل قال لمحمد صلى الله عليه وآله * (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) * قد أراد بهذا غيره لأنه (صلى الله عليه وآله) أرفع من أن يركن إليهم ثم أكد الزجر عن الركون إليها بقوله (ولا تركنوا إلى زهرة الدنيا وما فيها ركون من اتخذها دار قرار ومنزل استيطان) فيه تنبيه على أن الركون إليها لا بهذا الاعتبار بل باعتبار تحصيل الكفاف المتوقف عليه بقاء الحياة وفعل

[ 443 ]

الطاعات غير مذموم بل هو من العبادات أو مقدماتها إلا أنه ليس بركون حقيقة (فإنها دار بلغة) في المصباح البلغة: ما يتبلغ به من العيش ولا يفضل، يقال: تبلغ به إذا اكتفى به وفي هذا بلاغ وبلغة وتبلغ أي كفياة (ومنزل قلعة) أي تحول وارتحال وتقلع منها إلى الآخرة وفي القاموس: القلعة بالضم العزل كالقلع والمال العارية وما لا يدوم والضعيف الذي إذا بطش به لم يثبت، وهذا منزل قلعه بالضم وبمضتين وكهمزة أي ليس بمستوطن كأنه يقلع ساكنه أو معناه لا يملكه أي لا يدري متى يتحول عنه والدنيا دار قلعة أي انقلاع وهو على قلعة أي رحلة، وفيه تنبيه على أن الدنيا ليست بدار لهم ليلتفتوا عن الركون إليها ويتوقعوا الارتحال والخروج منها (ودار عمل) يجب فيها المبادرة إليه والآخرة دار جزاء فلذلك أمر باتخاذ العمل زادا قبل انصرام الدنيا وخرابها بقوله (فتزودوا الأعمال الصالحة فيها قبل تفرق أيامها وقبل الإذن من الله في خرابها) المراد بأيامها أيام عمر كل شخص وبخرابها انقضاء تلك الأيام، وإنما شبه العمل بالزاد لاشتراكهما في التسبب للحياة والوجه في المشبه به أجلى وأظهر وفي المشبه أقوى وأكمل لأنه سبب للحياة الأبدية وهو (ولي ميراثها) لأنها تفنى وهو يبقى كالوارث (فإنما نحن به وله) أي إنما نحن موجودون بالله تعالى وله ففي الأول إشارة إلى تفويض الأمور كلها إليه وفي الثاني إشارة الى طلب التقرب منه بالإتيان بالمأمورات والاجتناب عن المنهيات وبهما يتم النظام في الدارين وعلو المنزلة في النشأتين.

[ 444 ]

حديث الشيخ مع الباقر (عليه السلام) * الأصل: 30 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن إسحاق بن عمار قال: حدثني رجل من أصحابنا، عن الحكم بن عتيبة قال: بينا أنا مع أبي جعفر (عليه السلام) والبيت غاص بأهله إذ أقبل شيخ يتوكؤ على عنزة له حتى وقف على باب البيت فقال: السلام عليك يا بن رسول الله ورحمة الله وبركاته ثم سكت فقال أبو جعفر (عليه السلام): وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ثم أقبل الشيخ بوجهه على أهل البيت وقال: السلام عليكم، ثم سكت حتى أجابه القوم جميعا وردوا عليه السلام، ثم أقبل بوجهه على أبي جعفر (عليه السلام) ثم قال: يا بن رسول الله أدنني منك جعلني الله فداك فوالله إني لاحبكم واحب من يحبكم ووالله ما احبكم واحب من يحبكم لطمع في دنيا و [ الله ] إني لابغض عدوكم وأبرأ منه ووالله ما ابغضه وأبرأ منه لوتر كان بيني وبينه والله إني لاحل حلالكم واحرم حرامكم وأنتظر أمركم فهل ترجو لي جعلني الله فداك ؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): إلي إلي، حتى أقعده إلى جنبه ثم قال: أيها الشيخ إن أبي علي بن الحسين (عليهما السلام) أتاه رجل فسأله عن مثل الذي سألتني عنه فقال له أبي (عليه السلام): إن تمت ترد على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلى علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين ويثلج قلبك ويبرد فؤادك وتقر عينك وتستقبل بالروح والريحان مع الكرام الكاتبين لو قد بلغت نفسك ههنا - وأهوى بيده إلى حلقه - وإن تعش ترى ما يقر به الله به عينك وتكون معنا في السنام الأعلى. [ ف‍ ] - قال الشيخ: كيف قلت يا أبا جعفر ؟ فأعاد عليه الكلام، فقال الشيخ: الله أكبر يا أبا جعفر إن أنا مت أرد على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلى علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين (عليهم السلام) وتقر عيني ويثلج قلبي ويبرد فؤادي وأستقبل بالروح والريحان مع الكرام الكاتبين لو قد بلغت نفسي إلى ههنا وإن أعش أرى ما يقر به عيني فأكون معكم في السنام الأعلى ؟ ! ! ثم أقبل الشيخ ينتحب ينشج هاهاها حتى لصق بالأرض وأقبل أهل البيت ينتحبون وينشجون لما يرون من حال الشيخ وأقبل أبو جعفر (عليه السلام) يمسح باصبعه الدموع من حماليق عينيه وينفضها، ثم رفع الشيخ رأسه فقال لأبي جعفر (عليه السلام): يا بن رسول الله ناولني يدك جعلني الله فداك فناوله يده فقبلها ووضعها على عينيه وخده، ثم حسر عن بطنه وصدره فوضع يده على بطنه وصدره، ثم قام فقال: السلام عليك وأقبل أبو جعفر (عليه السلام) ينظر في قفاه وهو مدبر ثم أقبل بوجهه على القوم فقال: من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا. فقال الحكم بن عتيبة: لم أر مأتما قط يشبه ذلك المجلس.

[ 445 ]

* الشرح: (حديث الشيخ مع الباقر عليه السلام) يذكر فيه فضيلة المحبة للأئمة عليهم السلام وحصول النجاة بها وشيئا من الآداب (والبيت غاص بأهله) أي ممتلي بهم (إذا أقبل شيخ يتوكؤ على عنزة له) العنزة بالتحريك أطول من العصاء وأقصر من الرمح فيها زج كزج الرمح. (فقال: السلام عليك يا بن رسول الله.. اه) فيه شئ من آداب التسليم إذ دل على أنه ينبغي أن يسلم الداخل على جماعة أولا على أفضلهم ويخاطبه بخطاب شريف وأن يضم مع السلام الرحمة والبركة ويصبر حتى يسمع الجواب ثم يسلم على الحاضرين بإسقاط الضميمة (ووالله ما أحبكم وأحب من يحبكم لطمع في الدنيا.. اه) أشار إلى حبه لله وبغضه لله وهذا من صفات المؤمن الخالص العارف بمناهج الخير والشر المالك لزمام نفسه يسوقها إلى امتثال أوامر ربه (لوتر كان بيني وبينه) الوتر بالكسر الجناية التي يجنيها الرجل على غيره من قتل أو نهب أو سبي (وانتظر أمركم) وهو ظهور الدولة النبوية بيد إمام عادل منتظر منهم والانتظار لهذا من أفضل العبادات كما نطقت به الروايات (فهل ترجو لي) مفعول " ترجو " محذوف وهو النجاة والرحمة أو نحوهما وأشار بذلك إلى أنه مع ما ذكر خائف من التقصير راج من الله النجاة والعفو عنه وهذا من لوازم الإيمان الكامل (فقال أبو جعفر عليه السلام: إلي إلي) أي سر أو امشي إلي والتكرير للتأكيد وتنشيط المخاطب وتفريحه (ويثلج قلبك) ثلج صدره بالأمر كنصر وفرح ثلوجا وثلجا اطمأن وسكن فيه ووثق به (ويبرد فؤادك) برد الفؤاد برودة مثل سهل سهولة إذا سكت حرارته وهو كناية عن زوال كل مكروه يوجب غيظ القلب وحرراته (وتقر عينك) قرت العين قرة بالضم وقرورا بردت سرورا وأقر الله العين بالولد وغيره إقرارا في التعدية والأصل فيه أن دمعة الحزن حارة فقرة العين كناية عن السرور (ويستقبل بالروح والريحان) مر تفسيرهما في الحديث السابق (لو قد بلغت نفسك) النفس بالتسكين الروح وبالتحريك معروف والأول أنسب (وإن تعش ترى ما يقر الله به عينك) أقر الله عينه أعطاه من موجبات السرور حتى تسر وحاصله مع السابق أن لك إحدى الحسنيين إما أن تموت في طاعة الله وطاعة الإمام فترد على رسول الله إلى آخره أو تعيش إلى أن تدرك ظهور إمام منا. (وتكون معنا في السنام الأعلى) استعار لفظ السنام لأشرف مرتبة من المراتب الإنسانية وأرفع درجة من درجات الكرامة الربانية ثم وصفها بالأعلى ترشيحا لها وتصريحا بعلوها (فقال الشيخ كيف قلت يا أبا جعفر ؟) ليس السؤال لعدم الفهم أولا بل لانبساط القلب وسروره باستماعه تارة أخرى (فقال الشيخ الله أكبر) للتعجب فيما سمعه وتعظيمه (ثم أقبل الشيخ ينتحب وينشج)

[ 446 ]

النحب والانتحاب البكاء بصوت طويل والنشيج صوت معه توجع وبكاء كما يردد الصبي بكاءه في حلقه وفعله من باب نصر (هاهاها) حكاية عن صوت معروف ممن اشتد بكاؤه (وأقبل أبو جعفر عليه السلام يمسح بإصبعه الدموع من حماليق عينيه) حملاق العين بالكسر والضم وكعصفور باطن أجفانها الذي يسود بالكحل أو ما غطته الأجفان من بياض المقلة أو باطن الجفن الأحمر الذي إذا قلب للكحل به بدت حمرته أو مالزق بالعين من موضع الكحل من باطن والجمع حماليق (ثم قام: فقال السلام عليكم) دل على أنه ينبغي للخارج عن المجلس أن يسلم على أهله جميعا.

[ 447 ]

قصة صاحب الزيت * الأصل: 31 - عنه، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان رجل يبيع الزيت وكان يحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) حبا شديدا كان إذا أراد أن يذهب في حاجته لم يمض حتى ينظر إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد عرف ذلك منه فإذا جاء تطاول له حتى ينظر إليه، حتى إذا كانت ذات يوم دخل عليه فتطاول له رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى نظر إليه ثم مضى في حاجته فلم يكن بأسرع من أن رجع فلما رآه رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد فعل ذلك أشار إليه بيده اجلس فجلس بين يديه فقال: ما لك فعلت اليوم شيئا لم تكن تفعله قبل ذلك ؟ فقال: يا رسول الله والذي بعثك بالحق نبيا لغشى قلبي شئ من ذكرك حتى ما استطعت أن أمضي في حاجتي حتى رجعت إليك. فدعا له وقال له خيرا. ثم مكث رسول الله (صلى الله عليه وآله) أياما لا يراه فلما فقده سأل عنه فقيل: يا رسول الله ما رأيناه منذ أيام، فانتعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وانتعل معه أصحابه وانطلق حتى أتوا سوق الزيت فإذا دكان الرجل ليس فيه أحد، فسأل عنه جيرته فقالوا: يا رسول الله مات ولقد كان عندنا أمينا صادقا إلا أنه قد كان فيه خصلة، قال: وما هي ؟ قالوا: كان يرهق - يعنون يتبع النساء - فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): رحمه الله والله لقد كان يحبني حبا لو كان نخاسا لغفر الله له. * الشرح: (قصة صاحب الزيت) هذا في بعض النسخ يذكر فيها أيضا فضل المحبة (فتطاول له) تطاول واستطال ارتفع ومد عنقه لينظر إلى شئ يبعد عنه (منذ أيام) وفي كنز اللغة: مذ ومنذ لابتداء زمان وبمعنى في أيضا (قالوا كان يرهق) رهق كفرح غشيه ولحقه أو دنى منه سواء أخذه أم لم يأخذه والرهق محركة السفه والنوك والخفة وركوب الشر والظلم وغشيان المحارم واسم من الإرهاق وهو أن يحمل الإنسان على ما لا يطيقه والكذب والعجلة. ورهق كفرح في الكل ولما كان الرهق يجئ لهذه المعاني بينه عليه السلام بقوله (يعنون يتبع النساء) لعل المراد أنه كان مايلا إلى ملامستهن لا يلزم أن يكون ذلك على وجه الحرام مع إحتماله (لو كان نخاسا لغفر الله له) النخاس بياع الرقيق وهو فظ غليظ القلب فاجر فاسق لا يبالي بالفسوق والتدليس والمكر وقد وردت في ذمه روايات كثيرة منها ما روي عن الباقر عليه السلام " إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن شر الناس من باع الناس "

[ 448 ]

* الأصل: 32 - علي بن محمد، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن عثمان بن عيسى، عن ميسر قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال: كيف أصحابك ؟ فقلت جعلت فداك لنحن عندهم أشر من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا، قال: وكان متكئا فاستوى جالسا، ثم قال: كيف قلت ؟ قلت: والله لنحن عندهم أشر من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا فقال: أما والله لا يدخل النار منكم اثنان لا والله ولا واحد، والله إنكم الذين قال الله عزوجل: * (وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الاشرار * اتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار * إن ذلك لحق تخاصم أهل النار) * ثم قال: طلبوكم والله في النار فما وجدوا منكم أحدا. * الشرح: (فقال: أما والله لا يدخل النار منكم اثنان.. اه) فإن قلت قال الله تعالى * (وإن منكم إلا واردها) * قلت: قال الله تعالى * (ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا) * توضيح الجواب أن عموم الورود مسلم لكن المراد بالورود العبور لا ورود الدخول، بيان ذلك: أن جهنم محيطة بأرض المحشر وعلى متنها الصراط وليس للناس طريق إلى الجنة إلا عليه فلابد لكل من ضمه المحشر من الجواز عليه، فمخدوش مرسل ومكدوش في نار جهنم وناج مسلم وهو موافق لقوله تعالى * (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى.) * الآية وقوله تعالى: * (وقالوا مالنا لا نرى رجالا.) * الآية فإذا امتحنوا بالجواز على الصراط ينجي من سبقت له الحسنى ويسقط فيها الكفار ومن أراد الله سبحانه، لا يقال: التنجية إنما يكون بعد الوقوع في المهالك. لأنا نقول: التنجيه كما قيل حقيقتها أن لا تلحق المكروه إذ لا يقال: نجي فلان من الأمير بعد أن وقع به المكروه وإنما يقال: نجي عنه إذا لم يلحقه مكروه أصلا، ولو سلم فلا خفاء في أن أصل المرور عليه وخوف السقوط مكروه عظيم * (إن ذلك لحق تخاصم أهل النار) * أي الذي حكينا عنهم لحق لابد أن يتكلموا به ثم بين ما هو فقال: * (تخاصم أهل النار) * وهو بدل من حق أو خبر مبتدأ محذوف وقرئ تخاصم بالنصب على البدل من ذلك كذا ذكره بعض المفسرين.

[ 449 ]

وصية النبي (صلى الله عليه وآله) لامير المؤمنين (عليه السلام) * الأصل: 33 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن النعمان، عن معاوية بن عمار قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: كان في وصية النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) أن قال: يا علي أوصيك في نفسك بخصال فاحفظها عني ثم قال: اللهم أعنه، أما الاولى: فالصدق ولا تخرجن من فيك كذبة أبدا، والثانية: الورع ولا تجترئ على خيانة أبدا. والثالثة: الخوف من الله عز ذكره كأنك تراه. والرابعة: كثرة البكاء من خشية الله يبنى لك بكل دمعة ألف بيت في الجنة، والخامسة بذلك مالك ودمك دون دينك. والسادسة الأخذ بسنتي في صلاتي وصومي وصدقتي أما الصلاة فالخمسون ركعة وأما الصيام فثلاثة أيام في الشهر: الخميس في أوله والأربعاء في وسطه والخميس في آخره، وأما الصدقة فجهدك حتى تقول: قد أسرفت، ولم تسرف، وعليك بصلاة الليل وعليك بصلاة الزوال وعليك بصلاة الزوال، وعليك بصلاة الزوال وعليك بتلاوة القرآن على كل حال وعليك برفع يديك في صلاتك وتقليبهما، وعليك بالسواك عند كل وضوء وعليك بمحاسن الأخلاق فاركبها ومساوي الأخلاق فاجتنبها فإن لم تفعل فلا تلومن إلا نفسك. * الشرح: (وصية النبي صلى الله عليه وآله لأمير المؤمنين عليه السلام) ذكر فيها خصالا شريفة وأعمالا جليلة ترغيبا للمؤمن في العكوف عليها (والثالثة الخوف من الله عز ذكره كأنك تراه) هذا إشارة إلى مقام المشاهدة أي خف منه تعالى وأنت من أهل الرؤية المعنوية إلا أنه شبهها بالرؤية العينية في الظهور والكمال للإيضاح وهذا مقام عال في مقامات السالكين لا ينزل فيه إلا الخواص الذين استغرقوا في بحار وجوده وقدرته وكماله بحيث لا ينظرون إلا إليه وهذه مرتبة الأنبياء والأوصياء ومن عصمه الله تعالى من الزلل والخطأ ودونه مقامان آخران أحدهما مقام المراقبة وهو أن تخاف منه كأنه يراك وهو مقام من بلغ في تكميل النفس إلى حد يعرف أنه تعالى يطلع عليه في جميع الأحوال ويعلم بحقيقة البصيرة أنه تعالى يراه ولكن قصرت بصيرته عن مشاهدته تعالى ولو عاونته العناية الأزلية لأمكنه الانتقال من هذا المقام إلى المقام المذكور وثانيهما أن تخاف منه تعالى ولكن لم تبلغ إلى حد تراه أو تعلم أنه يراك وهذا مقام أكثر العابدين الذين يعبدونه على الوجه الذي يسقط معه التكليف مع الشرائط والأركان ومن ليس له شئ من هذه المقامات فهو منحرف عن سبيل النجاة وداخل في سلك سائر الحيوانات بل هو أضل.

[ 450 ]

* الأصل: 34 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن بكر بن صالح، عن الحسن بن علي، عن عبد الله ابن المغيرة قال: حدثني جعفر بن إبراهيم [ بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر الطيار ] عن أبي عبد الله، عن أبيه (عليهما السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) حسب المرء دينه ومروءته وعقله وشرفه [ و ] جماله، وكرمه وتقواه. * الشرح: (حسب المرء دينه ومروته وعقله وشرفه جماله) وفي بعض النسخ " وجماله " بالواو (وكرمه وتقواه) أي من له اعتقاد بالدين ومروة داعية لرعاية حقوق المؤمنين وعقل مدرك لما ثبت في الشرع من القوانين وجمال أي حسن ظاهر بالأعمال الصالحة وحسن باطن بالأخلاق الفاضلة وتقوى من الله داعية إلى اجتناب المنهيات والسبق إلى الخيرات فهو حسيب نجيب شريف كريم ومن لم يكن له هذه الخصال وإن كان ذا حسب بالآباء والجاه والمال فهو خسيس دني لئيم فرب عبد حبشي خير من رجل هاشمي. * الأصل: 35 - عنهم، عن سهل بن زياد، عن الحسن بن علي بن فضال، عن علي بن عقبة، وثعلبة بن ميمون، وغالب بن عثمان، وهارون بن مسلم، عن بريد بن معاوية قال: كنت عند أبي جعفر (عليه السلام) في فسطاط له بمنى فنظر إلى زياد الأسود منقلع الرجل فرثا له فقال له: ما لرجليك هكذا ؟ قال: جئت على بكر لي نضو فكنت أمشي عنه عامة الطريق، فرثا له وقال له عند ذلك زياد: إني ألم بالذنوب حتى إذا ظننت أني قد هلكت ذكرت حبكم فرجوت النجاة وتجلى عني، فقال أبو جعفر (عليه السلام): وهل الدين إلا الحب ؟ قال الله تعالى: * (حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم) * وقال: * (إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) * وقال: * (يحبون من هاجر إليهم) * إن رجلا أتى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله احب المصلين ولا اصلي واحب الصوامين ولا أصوم ؟ فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنت مع من أحببت ولك ما اكتسبت وقال: ما تبغون وما تريدون أما إنها لو كان فزعة من السماء فزع كل قوم إلى مأمنهم وفزعنا إلى نبينا وفزعتم إلينا. * الشرح: (فنظر إلى زياد الأسود منقطع الرجلين فرثا له) أي رق وتوجع له وفي بعض النسخ " منقلع " وهو حال عن زياد (قال: جئت على بكر لي نضو) البكر بالفتح الفتي من الإبل بمنزلة الغلام من الناس والأنثى بكرة، والنضو بالكسر الدابة التي هزلتها الأسفار وأذهبت لحمها (إنى ألم بالذنوب..

[ 451 ]

اه) أي أنزل بها واقترفها أو اقرب منها وأكاد اقترفها فذكر المحبة على الأول سبب لرجاء النجاة من العقوبة وتجلي ظن الهلاك بها وعلى الثاني سبب لرجاء النجاة من الذنوب وتجليها عنه والله أعلم (وهل الدين إلا الحب) أي ليس الدين إلا حبنا ولا يتحقق إلا به لأنه أصل يثبت الدين بثبوته وينتفي بانتفائه ولا يغتفر التقصير فيه (قال الله تعالى: * (حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم) * الدين هو الإيمان أعني الإقرار بالله وبالرسول والأوصياء والإيمان لا يتحقق إلا بحكم الآية فالدين لا يتحقق إلا بحبهم وبعبارة أخرى الإيمان هو الإقرار بعلي أمير المؤمنين وأوصيائه عليهم السلام لأن الإقرار يستلزم الإقرار بالله برسوله دون العكس وهو لا يتحقق إلا بحبهم والتقرب على التقديرين واضح. (وقال: * (إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) * الدين وهو متابعة النبي فيما جاء به الذي أعظمه الولاية متوقف على المحبة وثمرته المحبة بدليل الشرط المذكور والمقدر فهو محفوف بالمحبتين محبة العبد له تعالى ومحبة الله تعالى فلا يتحقق إلا بها وهو المطلوب (وقال: * (يحبون من هاجر إليهم) * مدحهم بحب المهاجرين ليس إلا بحبهم للدين وهو المطلوب (إن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله فقال يا رسول الله أحب المصلين.. اه) الظاهر أن الرجل كان مؤمنا وأن المراد بالصلاة والصيام المندوبات مع احتمال الأعم وأن المراد بقوله (أنت مع من أحببت) أن المحبة سبب للنجاة وأن قوله (ولك ما اكتسبت) إشارة إلى أن أعمال الخير سبب لرفع الدرجات والله أعلم (وقال: ما تبغون وما تريدون) بعد أن كان لكم أصل يورث نجاتكم وفيه بشارة عظيمة للشيعة المحبين لهم عليهم السلام (أما أنها لو كانت فزعة من السماء.. اه) الفزعة بالضم ما يفزع منه ويخاف كالضحكة بالضم وما يضحك منه ولعل المراد بها الصور أو زلزلة الساعة. * الأصل: 36 - سهل، عن ابن فضال، عن علي بن عقبة، وعبد الله بن بكير، عن سعيد بن يسار قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: الحمد لله صارت فرقة مرجئة وصارت فرقة حرورية وصارت فرقة قدرية وسميتم الترابية وشيعة علي، أما والله ما هو إلا الله وحده لا شريك له ورسوله (صلى الله عليه وآله) وآل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وشيعة آل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وما الناس إلا هم، كان علي (عليه السلام) أفضل الناس بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأولى الناس بالناس - حتى قالها ثلاثا -. * الشرح: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: الحمد لله صارت فرقة مرجئة) الحمد لوجود الفرقة الناجية وهم الترابية الآتية لا بوجود الفرق الضالة المضلة لأن وجود الناجية مع افتراق الأمة نعمة

[ 452 ]

عظيمة من الله تعالى يستحق الحمد بها. والمرجئة كما يطلق على طائفة يؤخرون العمل عن النية والعقد وعلى طائفة يؤخرون حكم صاحب الكبيرة إلى يوم القيامة ولا يقضون عليه بحكم ما في الدنيا وهم والوعيدية فرقتان متقابلتان كذلك تطلق على من أخر عليا عليه السلام من الدرجة الأولى إلى الرابعة وهم الشيعة فرقتان متقابلتان كما في الملل والنحل. (وصارت فرقة حرورية) هم الخوارج الذين خرجوا على علي عليه السلام ولما كان اجتماعهم في قرية حرورا قرب الكوفة سماهم عليه السلام حرورية وقصتهم مشهورة (وصارت فرقة قدرية) هم الجبرية الذين ذهبوا إلى أن أفعال العباد خيرها وشرها صادرة عنه تعالى وهما صنفان صنف يقولون ليس للعبد قدرة على الفعل أصلا، وصنف يقولون: له قدرة عليه وإذا توجهت قدرتهم إلى الفعل بادرت القدرة الإلهية إليه فتوجده (وسميتم الترابية) للنسبة إلى أبي تراب وهو من أسماء علي عليه السلام قيل: وجه تسميته به أن النبي (صلى الله عليه وآله) جاء إلى بيت فاطمة عليها السلام فلم يجد عليا عليه السلام فقال: أين ابن عمك ؟ فقالت: خرج، فقال النبي صلى الله عليه وآله لإنسان: انظر أين هو فقال يارسول الله هو في المسجد راقد، فجاءه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو مضطجع قد سقط رداؤه عن شقه فأصابه تراب فجعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) يمسحه عنه ويقول: قم أبا تراب. (أما والله ما هو إلا الله وحده لا شريك له) لعل ضمير هو راجع إلى الحق أو إلى من وجبت طاعته بقرينة المقام (ما الناس إلا هم) الضمير للرسول إلى آخره والمراد بالناس هذا الهيكل مع كمال صورته الظاهرة بالأعمال الصالحة وصورته الباطنة بالعلم والإيمان والأخلاق الفاضلة دون الهيكل فقط لأنه بدون الصورة المذكورة عند أهل الحق في الظاهر كالناس المصنوع من الخشب كما قال تعالى * (كأنهم خشب مسندة) * وفي الباطن كالكلب أو كالحمار كما قال عز وجل * (فمثله كمثل الكلب) * وقال * (مثلهم كمثل الحمار) * (كان علي أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله) أي أفضل كل من سواه، كما في قولنا: زيد أفضل أهل البلد، فلا يلزم تفضيل الشئ على نفسه، والمراد بالناس هنا وفيما بعد أعم ممن ذكر، وهذا الحكم أمر قال به أيضا جمهور علماء أهل السنة وقد ذكرناهم في شرح الأصول (وأولى الناس بالناس) أي بأمر الناس وإمارتهم وهذا الحكم أيضا نقله أبو عبد الله في شرح مسلم عن جماعة من علمائهم إلا أنهم قالوا: كيف نصنع وقد اجتمعت الأمة على خلافة أبي بكر ؟ وقد ذكرنا في شرح الأصول عدم تحقق الإجماع عندهم لمخالفة كثير من أهل الفضل من الصحابة (حتى قالها ثلاثا) أي قال هذه الكلمة ثلاث مرات وهي قوله " كان علي أفضل الناس إلى آخره ".

[ 453 ]

* الأصل: 37 - عنه، عن ابن فضال، عن علي بن عقبة، عن عمر بن أبان الكلبي، عن عبد الحميد الواسطي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: أصلحك الله لقد تركنا أسواقنا انتظارا لهذا الأمر حتى ليوشك الرجل منا أن يسأل في يده، فقال: يا [ أبا ] عبد الحميد أترى من حبس نفسه على الله لا يجعل الله له مخرجا ؟ بلى والله ليجعلن الله له مخرجا، رحم الله عبدا أحيا أمرنا، قلت: أصلحك الله إن هؤلاء المرجئة يقولون: ما علينا أن نكون على الذي نحن عليه حتى إذا جاء ما تقولون كنا نحن وأنتم سواء ؟ فقال: يا عبد الحميد صدقوا من تاب تاب الله عليه ومن أسر نفاقا فلا يرغم الله إلا بأنفه ومن أظهر أمرنا أهراق الله دمه يذبحهم الله على الإسلام كما يذبح القصاب شاته. قال: قلت: فنحن يومئذ والناس فيه سواء ؟ قال: لا أنتم يومئذ سنام الأرض وحكامها لا يسعنا في ديننا إلا ذلك، قلت: فإن مت قبل أن ادرك القائم (عليه السلام) ؟ قال: إن القائل منكم إذا قال: إن أدركت قائم آل محمد نصرته كالمقارع معه بسيفه والشهادة معه شهادتان. * الشرح: (لقد تركنا أسواقنا إنتظارا لهذا الأمر) قال الفاضل الأمين الاسترآبادي: كأنه ناظر إلى ما نطقت به الأحاديث من أن الله تعالى قدر أولا أن يكون ظهور الأمر على يد الصادق عليه السلام ثم قدر تقديرا آخر أن يكون على يد المهدي عليه السلام فهذه الجماعة كانوا غافلين عن التقدير الآخر فاشتغلوا بأخذ السلاح وتعلم آداب الحرب وما أشبه ذلك (إن هؤلاء المرجئة) لعل المراد بهم من أخر عليا عليه السلام عن الثلاثة (يقولون: ما علينا أن نكون على الذي نحن عليه حتى إذا جاء ما تقولون كنا نحن وأنتم سواء) كأنهم قالوا ما نحن عليه من الاعتقاد بخلافة الثلاثة على تقدير بطلانه كما زعمتم لا يضرنا إذا جاء ما تقولون من ظهور المهدي المنكر لخلافتهم فإنا إذا علمنا أنه أيضا ينكرها كما تنكرونها نؤمن به ونتوب عما كنا فيه والتوبة تمحو تلك الخطيئة عنا وحينئذ نحن كنا وأنتم سواء في الدين وأمر الخلافة فأجاب عليه السلام بأنهم في القول صادقون فإن (من تاب) منهم توبة خالصة (تاب الله عليه) وقبل توبته ورفع عنه خطيئة (ومن أسر نفاقا) وأبطنه وأظهر إيمانا لسانا (فلا يرغم الله إلا بأنفه) الرغم مصدر وفي رائه الحركات الثلاثة والمشهور منها الفتح وهو من الرغام بالفتح وهو التراب فمعنى أرغم الله أنفه ورغم الله بأنفه ألصقه بالتراب هذا معناه بحسب اللغة ثم استعمل في الذل مجازا فأرغم الله أنفه معناه أذله من باب إطلاق السبب على المسبب، وقيل: إنه مأخوذ من المراغمة وهي الاضطراب والتحير ومنه قوله تعالى: * (يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة) * أي مهربا واضطرابا فالمعنى على الأول ومن أسر نفاقا أذله الله في

[ 454 ]

الدنيا والآخرة وعلى الثاني جعله الله مضطربا فيهما. (ومن أظهر أمرنا أهراق الله دمه) دعاء على من أظهر أمرهم من أهل النفاق عند أعدائهم للإضرار بهم وبشيعتهم وأهراق من باب الأفعال أصله أراق يقال: أراق الماء بريقه أراقه إذا صبه ثم أبدلت الهمزة هاء، فقيل: هراقه بفتح الهاء يهريقه هراقة ثم جمع بين البدل والمبدل منه فقيل: أهراق، وإفراد ضمير الموصول هنا باعتبار اللفظ وجمعه باعتبار المعنى في قوله (يذبحهم الله على الإسلام كما يذبح القصاب شاته) الظاهر أن الظرف حال عن المفعول وان على للاستيلاء والاستعلاء. (قال: قلت فنحن يومئذ والناس فيه سواء) يعني نحن معاشر الشيعة والناس والمخالفون لنا إذا تابوا في عهد الصاحب عليه السلام سواء في المنزلة والدرجة عنده، هو متفرع على قولهم: وكنا نحن وأنتم سواء، وقوله عليه السلام " صدقوا " (قال: لا، أنتم يومئذ سنام الأرض وحكامها) سنام كل شئ أعلاه وهو كناية عن شرف الشيعة يومئذ ورفعة قدرهم وجريان حكمهم على أهل الأرض (قال: إن القائل منكم إذا قال: إن أدركت قائم آل محمد نصرته كالمقارع معه بسيفه والشهادة معه شهادتان) فله ثواب شهيدين بشهادته معه ولكونه مؤمنا منتظرا لأمره لما روي: " إن المؤمن شهيد وإن مات على فراشه " أو المراد أن الحضور معه حضوران بالقصد والفعل، قال بعض أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام حين أظفره الله بأصحاب الجمل: وددت أن أخي فلانا كان شاهدنا ليرى ما نصرك الله على أعدائك، فقال عليه السلام: أهوى أخيك معنا ؟ أي محبته وميله معنا قال: نعم، فقال: شهدنا - أي حضرنا - والله لقد شهدنا في عسكرنا هذا قوم في أصلاب الرجال وأرحام النساء، أشار عليه السلام إلى أن من سيوجد من أنصار الحق شاهدون معه عليه السلام أيضا فدل على أن من لم يوجد من أنصاره فهو بمنزلة الموجود بالفعل في نصرته له. * الأصل: 38 - عنه، عن الحسن بن علي، عن عبد الله بن الوليد الكندي قال: دخلنا على أبي عبد الله (عليه السلام) في زمن مروان فقال: من أنتم، فقلنا: من أهل الكوفة، فقال: ما من بلدة من البلدان أكثر محبا لنا من أهل الكوفة ولا سيما هذه العصابة، إن الله جل ذكره هداكم لأمر جهله الناس وأحببتمونا وأبغضنا الناس واتبعتمونا وخالفنا الناس وصدقتمونا وكذبنا الناس فأحياكم الله محيانا وأماتكم [ الله ] مماتنا فأشهد على أبي أنه كان يقول: ما بين أحدكم وبين أن يرى ما يقر الله به عينه وأن يغتبط إلا أن تبلغ نفسه هذه - وأهوى بيده إلى حلقه - وقد قال الله عزوجل في كتابه: * (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية) * فنحن ذرية رسول الله (صلى الله عليه وآله).

[ 455 ]

* الشرح: (فأحياكم الله محيانا وأماتكم مماتنا) أحياه جعله حيا وفي النهاية: المحيا مفعل من الحياة، ويقع على المصدر والزمان والمكان أي جعل حياتكم وموتكم كحياتنا وموتنا في الميل إلى الخيرات والفوز بالسعادات. * الأصل: 39 - حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد الكندي، عن أحمد بن عديس، عن أبان بن عثمان، عن أبي الصباح قال: سمعت كلاما يروى عن النبي (صلى الله عليه وآله) وعن علي (عليه السلام) وعن ابن مسعود على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال: هذا قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) أعرفه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الشقي من شقي في بطن امه والسعيد من وعظ بغيره وأكيس الكيس التقى وأحمق الحمق الفجور وشر الروي روي الكذب وشر الأمور محدثاتها وأعمى العمى عمى القلب وشر الندامة ندامة يوم القيامة وأعظم الخطايا عند الله لسان الكذاب وشر الكسب كسب الربا وشر المأكل أكل مال اليتيم وأحسن الزينة - زينة الرجل - هدي حسن مع إيمان وأملك أمره به وقوام خواتيمه ومن يتبع السمعة يسمع الله به الكذبة ومن يتول الدنيا يعجز عنها ومن يعرف البلاء يصبر عليه ومن لا يعرفه ينكل، والريب كفر ومن يستكبر يضعه الله ومن يطع الشيطان يعص الله ومن يعص الله يعذبه الله ومن يشكر يز [ ي‍ ] - ده الله ومن يصبر على الرزية يعنه الله ومن يتوكل على الله فحسبه الله، لا تسخطوا الله برضا أحد من خلقه ولا تقربوا إلى أحد من الخلق تتباعدوا من الله، فإن الله عزوجل ليس بينه وبين أحد من الخلق شئ يعطيه به خيرا ولا يدفع به عنه شرا إلا بطاعته واتباع مرضاته وإن طاعة الله نجاح من كل خير يبتغى ونجاة من كل شر يتقى وإن الله عز ذكره يعصم من أطاعه ولا يعتصم به من عصاه ولا يجد الهارب من الله عزوجل مهربا، وإن أمر الله نازل ولو كره الخلائق، وكل ما هو آت قريب، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب. * الشرح: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الشقي من شقى في بطن أمه) روي: " السعيد سعيد في بطن أمه والشقي شقي في بطن أمه " وذلك أن الله سبحانه علم سعادة كل شخص وهي ثباته في سبيل الله وسلوكه فيه وعلم شقاوة كل أحد وهي سلوكه في سبيل الطاغوت وثباته فيه فالسعيد سعيد في الأزل والشقي شقي في الأزل ولكن لما كان وجوده العيني وانطباق العلم بالمعلوم في هذا الوقت وهو أول وجوده في بطن أمه نسب في هذا الوقت إليه السعادة والشقاوة.

[ 456 ]

قيل: روي أن الملك المصور إذا وقعت النطفة في الرحم يأخذها ويقول يا رب أسعيد أم شقي ؟ أغني أم فقير ؟ عالم أم جاهل وهكذا فيجيبه بما يعلم فيكتبه الملك فإذا رجع وجد كل ذلك مكتوبا في اللوح المحفوظ (والسعيد من وعظ بغيره) السعيد في الآخرة من اعتبر حال غيره فشاهد بعين البصر والبصيرة حال الظالمين فخاف عاقبته فعدل عن طريقتهم وتذكر حال المتقين فمال إلى سيرتهم وسلك مسالكهم فرغب في الاتعاظ بالغير بذكر ما يستلزمه من السعادة والشقاوة. (وأكيس الكيس التقى) الكيس بالتخفيف الفطنة والعقل وهو مصدر كاس كيسا وبالتشديد اسم فاعل والجمع أكياس مثل جيد وأجياد ومعنى التفضيل ظاهر لأن الكيس هو الفطن العاقل العالم بالشرع وأفضله التقي العامل بالأوامر والتارك للنواهي (وأحمق الحمق الفجور) الحمق فساد في العقل حمق يحمق فهو حمق من باب تعب وحمق بالضم فهو أحمق وهي حمقاء والحماقة اسم منه وفي النهاية: حقيقة الحمق وضع الشئ في غير موضعه مع العلم بقبحه، والفجور بالفتح اسم فاعل من فجر العبد فجورا بضم الفاء من باب قعد قعودا فسق وزنا ووجه التفضيل ظاهر لأنه جمع بين الجهل والفسق وعليه لوم من وجهين (وشر الروي روي الكذب) الروي فعيل بمعنى فاعل إما من الرؤية وهي ما يرى أحد في نفسه من التزوير في القول والفعل أو من الرواية وفي النهاية: الروايا جمع روية وهي ما يرى الانسان في نفسه من القول والفعل أي يزور ويفكر وأصله الهمز يقال: روأت في الأمر، وقيل: هي جمع راوية للرجل الكثير الرواية والهاء للمبالغة وقيل جمع رواية أي الذين يروون الكذب وتكثر رواياتهم فيه. أقول: كونه شرا ظاهر لأنه مفسدة عظيمة في الدنيا والدين وأصل للنفاق وسبب لسواد القلب وعدم قبوله لصورة الحق والصدق والإلهامات ومورث لخراب البلاد وتفرق العباد وقتل النفوس وسفك الدماء ونهب الأموال وغيرها من أنواع الظلم ولذلك اتفق أهل العلم من أرباب الملل وغيرهم على تحريمه وادعت المعتزلة قبحه بالضرورة لذاته وهو رذيلة متقابلة للصدق وداخلة تحت رذيلة الفجور (وشر الأمور محدثاتها) المحدثات جمع محدثة بفتح الدال وهي ما لم يكن في الدين ولا معروفا في الكتاب والسنة من الأمور المنكرة في الشريعة كخلافة الثلاثة وما أحدثها أئمة المذاهب الأربعة وغيرهم بقياساتهم الباطلة وآرائهم الفاسدة وشبهاتهم الكاسدة ونحوها ومقابلها الأمور القديمة وهي ما كان من أمور الدين في عهده صلى الله عليه وآله. وبالجملة الأمر إما حق أو باطل والأول هو الأمر القديم والثاني إما متعلق بالعقائد الدينية والأحكام الشرعية أو بنفس العمل والأول وهو المراد بالمحدث أشد شرا من الثاني لأنه يفسد أصل الدين بخلاف الثاني (وأعمى العمى عمى القلب) عمي كرضي عمى ذهب بصره وهي

[ 457 ]

أعمى والمرأة عمياء والجمع عمي من باب أحمر وحمر وعميان أيضا ولا يقع العمى إلا على العينين جميعا ويستعار القلب كناية عن الضلالة وعدم الإدراك والعلاقة عدم الاهتداء للمقصود وهو في الفرع أشد من الأصل لأن المطلوب فيه أكثر وأعظم والضرر اللاحق بفواته أفخم وأدوم. (وشر الندامة ندامة يوم القيامة) وذلك لأن الندامة على ترك الشئ أو فعله إنما هي على قدر نفع ذلك الشئ أو ضره ومن البين عقلا أو نقلا أن نفع يوم القيامة وضره أشد وأبقى من نفع الدنيا وضرها فلذلك تكون ندامة القيامة أشد وأقوى (وأعظم الخطايا عند الله لسان الكذب) لما عرفت من أن الكذب خطيئة متضمنة لخطايا غير محصورة وعد لسان الكذاب خطيئة مجاز من باب تسمية المحل بإسم الحال أو المراد باللسان الكلام وهذا شايع كما يقال: أنا لا أعرف لسان فلان (وشر الكسب كسب الربا) سواء انتفع به بالأكل وغيره أم لا وتخصيص الأكل بالذكر في قوله تعالى: * (والذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس) * أي لا يقومون من قبورهم إلا قياما كقيام المصروع الذي يتخبطه الشيطان فيصرعه بزعم العرب للتنبيه بذكر الأكل على سائر وجوه الانتفاع أو لأن الأكل أعظم المقاصد من تحصيل المال وقد عد الصادق عليه السلام درهما من الربا أعظم من سبعين زنية بذات محرم في بيت الله الحرام ومما يدل على أنه شر الكسب أن كل كسب يقصد به الخير والبركة والنماء ولا خير ولا بركة ولا نماء في الربا بل هو يذهب ويذهب المال ويوجب محقه ونقصانه كما قال تعالى * (يمحق الله الربا ويربي الصدقات) * والمحق هو نقصان الشئ حتى يذهب على أن فيه ظلما على المحتاج الفقير بأخذ زائد على ما عليه مع أنه يشيد فقره ويزيده ويسد باب المواساة والمعروف والإحسان وقرض الحسنة إذ لو حل الربا لشق على النفس جميع ذلك لإمكان الزائد به وإذا حرم سهل عليه ففي تحريمه حكمة بليغة فمن أخذه بعده فهو دافع لتلك الحكمة. (وشر المأكل أكل مال اليتيم) الظاهر أن المأكل مصدر ميمي بقرينة حمل المصدر عليه وقد مر تفسيره في باب الكبائر وغيره (وأحسن الزينة زينة الرجل هدى حسن مع إيمان) زينة الرجل بدل من الزينة وتخصيصه بالذكر للتمثيل وهدي بالفتح والسكون السيرة والطريقة ورفعه على الخبر ووصفه بالحسن للاحتراز عن الهدي القبيح وتقييده بالإيمان للدلالة على أنه لا ينفع بدونه وفيه ترغيب في تحصيله (واملك أمره به وقوام خواتيمه) الملاك بالفتح والكسر قوام الشئ ونظامهم وما يعتمد عليه فيه وضمير أمره وخواتيمه راجع إلى الرجل وضمير به إلى الهدي الحسن مع الإيمان وفيه أيضا ترغيب فيه إذ به يستقيم أمره ما دام العمر وينتظم خواتيمه عند الموت وما بعده (ومن يتبع السمعة يسمع الله به الكذبة) السمعة وتضم وتحرك ما نوه بذكره ليرى ويسمع وتسميع

[ 458 ]

الشئ إذاعته وتشهيره ليقوله الناس وضمير به راجع إلى الموصول والكذبة مصدر، ولعل المراد بها كذبة نفسه يقال: كذبته نفسه إذا منته الأماني وخيلت إليه من الآمال فتنشطه وتبعثه على نقل ما يفضي إليها من الأعمال، ولعل المراد أن من أراد بعمله المشتغل به السمعة أو أظهر عمله الذي فعله في السر ليسمعه الناس ويحمدوه عليه يشهر الله به أمانيه وآماله ويظهر للناس غرضه وأن عمله كان للسمعة والرياء ولم يكن خالصا لله أو المراد أن من ذكر لنفسه عملا لم يفعله ونسب إلى نفسه خيرا لم يصنعه يشهر الله بين الناس كذبه ويفضحه (ومن يتول الدنيا يعجز عنها) فإن أمورها جلها أو كلها صعب إما بالذات أو لكثرة الموانع وإليه أشار أمير المؤمنين عليه السلام بقوله " من ساعاها " أي سعى للدنيا " فاتته " قيل: أقوى أسباب الفوت أن تحصيل الدنيا أكثر ما يكون بمنازعة أهلها ومجاذبتهم إياها ومن البين أن ثوران الشهوة والغضب والحرص عند المجاذبة للشئ وقوة منع الإنسان له سبب لتفويت بعضهم له على بعض وفيه تنبيه على وجوب ترك الحرص عليها والإعراض عنها إذ كان فواتها اللازم عن شدة السعي فيها مكروها للسامعين. (ومن يعرف البلاء يصبر) لأنه عاقل حيث يعرف أنه من تقدير الرب تبارك وتعالى على العبد لمنافع تعود إليه فلا محالة يصبر عليه أو المراد أن من يعرف البلاء قبل نزوله وهيأ نفسه لقبوله يصبر بعد وصوله كما يرشد إليه بعض الروايات (ومن لا يعرفه ينكل) أي يجبن ويضعف وفيه أمر بحسن الاستعداد لقبوله لئلا يعجز عند نزوله (والريب كفر) أي الشك في أصول الدين وفروعه أو في نصح الإمام العادل أو القلق والاضطراب لدى الحق كفر (ومن يستكبر يضعه الله) أي من يستكبر على الله وعلى الرسول وأولي الأمر في قبول الأمر والنهي والطاعة أو على المؤمنين أو على قبول الحق مطلقا يضعه الله في الدنيا والآخرة (ومن يطع الشيطان يعص الله ومن يعص الله يعذبه الله) دل بالأول من الشكل الأول على أن من يطع الشيطان يعذبه الله أما الصغرى فظاهرة لأن أمر الشيطان مخالف لأمر الله وأما الكبرى فينبغي تقييدها بعدم التوبة والعفو والإحباط والتكفير أو بتخصيص الطاعة بما يقتضي الكفر ومن يشكر يزده الله الشكر ربط الظاهر والباطن بالمنعم الحق صرفهما فيما خلقا له، وهو تابع لمعرفته وسبب لزيادة النعمة والطاعة كما قال تعالى * (ولئن شكرتم لأزيدنكم) * وفي بعض النسخ " يزيده الله " وهو ضعيف لأن الشرط والجزاء إذا كانا مستقبلين كان الأحسن جزم الجزاء فرفعه ضعيف. (ومن يصبر على الرزية يعنه الله) بالتوفيق للخيرات كلها والوصول إلى أعلى مقامات الرضا بقضاء الله والصبر يفضي إلى غاية الكمال وإليه يرشد ما نقل من أنه يقول الله تعالى " لو أن ابن آدم قصدني في أول المصائب لرأى من العجائب ولو انقطع إلي في أول النوائب لشاهد مني الغرائب

[ 459 ]

ولكنه انصرف إلى أشكاله فرد في أشغاله " وفيه حث بليغ على الصبر عند ورود المصائب وزجر عن الجزع بنزول النوائب وفي بعض النسخ " يعينه الله " وهو أيضا ضعيف لما مر (ومن يتوكل على الله فحسبه الله) كما قال تعالى * (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) * أي من توكل على الله وانقطع عن غيره ورجع إليه بصدق النية فالله حسبه وكافيه في إيصال النفع ودفع الضر لأن الوكيل إذا كان أمينا عالما حكيما قادرا يفعل لموكله كل ما هو خير له بالضرورة (ولا تسخطوا الله برضا أحد من خلقه) نهى عن إرضاء المخلوق بما فيه سخط الله وغضبه والمساهلة معهم فيما هو خلاف مراد الله تعالى طلبا لرضائهم كاتباع السلاطين والجائرين في جورهم وأقوالهم وأفعالهم والثناء لهم والتكلم على وفق مرادهم والنصرة لهم ويندرج فيه الحمية بالباطل للحميم وشهادة الزور ورعاية أحد المتخاصمين لصداقته وموافقة الرفقاء في الغيبة ليرضوا عنه ويميلوا إلى صحبته (ولا تقربوا إلى أحد من الخلق تتباعدوا من الله) نهى عن التقرب من الخلق والتوسل بهم فإنه سبب للبعد من الله ولابد من حملهم على من ليسوا من أهل التقرب بهم فإن التقرب بالأولياء والعلماء والصلحاء الذين هم وجه الله تعالى تقرب إلى الله كما دلت عليه الروايات المعتبرة ولما كان المذكور دالا على النهي عن طاعة الخلق وطلب مرضاتهم والغرض منه طلب طاعة الله وطلب مرضاته علله بقوله: (فإن الله عز وجل ليس بينه وبين أحد من الخلق شئ يعطيه به خيرا ولا يدفع به عنه شرا إلا بطاعته واتباع مرضاته) لعل المراد بالخير الأعم منهما والمراد أنه ليس بين الله وبين الخلق شئ يوجب الوصول إلى الخير ودفع الشر إلا طاعته واتباع مرضاته وهما لا يتحققان فيمن تقرب بشرار الخلق وطلب رضاهم بما فيه سخط الله تعالى، ثم رغب في الطاعة بذكر ثمرتها التي هي أعظم الثمرات وأكمل الفوائد بقوله (إن طاعة الله) فيما أمر ونهى (نجاح من كل خير يبتغى) أي يطلب في الدنيا والآخرة (ونجاة من كل شر يتقى) أي يحترز منه فإن المطيع لله فائز بكل خير وعده للمطيعين وناج من كل شر أوعده للعاصين ثم علل الحكمين بأن المطيع في وقاية الله بفضله وإن لم يقصد من الطاعة ذلك والعاصي لا يقدر على الامتناع من عقوبته كما أشار إليه بقوله (وإن الله عز ذكره يعصم من أطاعه) أي يحفظه ويقيه عن كل مكروه وشر (ولا يعتصم به) أي يمتنع بالله (من عصاه) لعدم قدرته عليه وعدم وجود ما يعتصم به عن الطاعة، ولما بقي احتمال آخر وهو أن يهرب من الله أشار إلى امتناع هذا الاحتمال بقوله (ولا يجد الهارب من الله مهربا) إذ كل مهرب يفرض فهو داخل في قدرة الله وسلطانه، وبالجملة تخلص العاصي إما بامتناعه وقدرته أو بفراره ولا يتصور شئ منهما هنا ثم أشار على سبيل التأكيد إلى الخلق مسخر لأمره تعالى بقوله (وأن أمر الله نازل ولو كره الخلائق) وليس لهم الإباء عن نزوله وإن لم يوافق طباعهم وإذا كان كذلك وجب

[ 460 ]

عليهم الإتيان بما فيه رضاه والاجتناب عما فيه سخطه ولعل المراد بأمر الله الموت كما قيل في تفسير * (فإذا جاء أمر الله) * * (لا مرد له) *، ويحتمل الأعم منه ثم رغب في الطاعة وزجر عن المعصية بانقطاع زمانهما سريعا وترتب ما لكل منهما عليه عن قريب في قوله (وكل ما هو آت قريب) أراد به الموت وما بعده أو الأعم (ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن) دل على أنه يشاء كل ما يكون وهذا في فعله تعالى ظاهر وأما في فعل العباد فبإعتبار أنه لما أعطاهم القوة على الطاعة والمعصية ولم يجبرهم على شئ منهما تحقيقا لمعنى الاختيار والتكليف فقد شاء صدورهما منهم إذ لو لم يشأ لما أعطاهم القوة ولجبرهم على الطاعة أو باعتبار أنه لما شاء مشيئتهم فقد شاء أفعالهم وبهذا فسر بعض المفسرين قوله تعالى: * (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله) * وهذا قريب من الأول وقيل المراد بالمشيئة العلم وهذا التوجيه وإن كان بعيدا لغة وعرفا لكنه أنسب معنى إذ لا يحتاج إلى التوجيه أصلا وعلى التقادير يظهر سر ما روي من أنه شاء ولم يرض وقد ذكرنا في شرح التوحيد في باب المشيئة وغيره ما ينكشف به الغطاء. (فتعاونوا على البر والتقوى) الظاهر أن الفاء فصيحة أي إذا عرفتم ما ذكر من المواعظ والنصايح ولزوم الطاعة والتحرز عن المعصية " فتعاونوا على البر والتقوى " وإنما أمر بالتعاون فإن نظام الدين وقوامه لا يحصل إلا به كما ستعرفه في خطبة أمير المؤمنين عليه السلام ولعل المراد بالبر الإحسان إلى الخلق مثل العفو والإغضاء وغيرهما والإتيان بالمأمور به وبالتقوى الإجتناب عن المنهي عنه. ويمكن تخصيص البر بالإحسان وتعميم التقوى وشمولها للامتثال والاجتناب (ولا تعاونوا على الإثم) بترك الأوامر وفعل المناهي (والعدوان) بالتشفي والانتقام وترك الإحسان (واتقوا الله إن الله شديد العقاب) وعيد عظيم بأنه يعذب من خالفه عذابا شديدا لشدة شكيمته وعظمة جريمته. * الأصل: 40 - وبهذا الإسناد، عن أبان، عن يعقوب بن شعيب أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عزوجل * (كان الناس امة واحدة) * فقال: كان الناس قبل نوح امة ضلال فبدا لله فبعث المرسلين وليس كما يقولون لم يزل وكذبوا، يفرق الله في ليلة القدر ما كان من شدة أو رخاء أو مطر بقدر ما يشاء الله عزوجل أن يقدر إلى مثلها من قابل. * الشرح: (كان الناس أمة واحدة) فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب، قال القاضي: أريد به الجنس ولا يريد أنه أنزل مع كل واحد كتابا يخصه فإن أكثرهم لم يكن له كتاب يخصهم

[ 461 ]

وإنما كانوا يأخذون بكتب من قبلهم وعن كعب: الذي علمته من عدد الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألفا والمرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر والمذكور في القرآن باسم العلم ثمانية وعشرون (فقال كان قبل نوح أمة ضلال) كان بين آدم ونوح عشرة آباء وأنبياء وأوصياء إلا أنهم كانوا مستخفين للعلم والإيمان وميراث النبوة وذلك لأن قابيل بعد موت آدم قال: يا هبة الله - وهو شيث وصي آدم عليه السلام - إني قد رأيت أبي قد خصك من العلم وهو العلم الذي دعا به أخوك هابيل فتقبل قربانه وإنما قتلته كيلا يكون له عقب فيفتخرون على عقبي فإن أظهرت العلم قتلتك كما قتلت أخاك فلبث هبة الله والعقب منه مستخفين بما عندهم من العلم وغيره من آثار النبوة وشاع الجهل والضلالة حتى بعث الله نوحا فأظهر الدعوة (فبدا لله فبعث المرسلين وليس كما يقولون لم يزل وكذبوا، يفرق الله في ليلة القدر.. اه) قال الفاضل الأمين الاسترآبادي: فحدثت لله إرادة متعلقة ببعث نوح عليه السلام ومن بعده من الأنبياء لهداية الناس فإرادة الله تعالى حادثة وليست قديمة كما زعمت الفلاسفة ومولعوا فن الكلام من علماء الإسلام وكيف تكون قديمة وفي ليلة القدر من كل سنة يقدر الله ما يقع في تلك السنة والبداء في حقه تعالى حدوث إرادته وفي حق غيره حدوث علمه.

[ 462 ]

حديث البحر مع الشمس * الأصل: 41 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن بن محبوب، عن عبد الله بن سنان، عن معروف بن خربوذ، عن الحكم بن المستورد عن علي بن الحسين (عليهما السلام) قال: إن من الأقوات التي قدرها الله للناس مما يحتاجون إليه البحر الذي خلقه الله عزوجل بين السماء والأرض، قال: وإن الله قد قدر فيها مجاري الشمس والقمر والنجوم والكواكب وقدر ذلك كله على الفلك، ثم وكل بالفلك ملكا ومعه سبعون ألف ملك، فهم يديرون الفلك فإذا أداروه دارت الشمس والقمر والنجوم والكواكب معه فنزلت في منازلها التي قدرها الله عزوجل فيها ليومها وليلتها فإذا كثرت ذنوب العباد وأراد الله تبارك وتعالى أن يستعتبهم بآية من آياته أمر الملك الموكل بالفلك أن يزيل الفلك الذي عليه مجاري الشمس والقمر والنجوم والكواكب فيأمر الملك اولئك السبعين ألف ملك أن يزيلوه عن مجاريه، قال: فيزيلونه فتصير الشمس في ذلك البحر الذي يجري في الفلك قال: فيطمس ضوؤها ويتغير لونها فإذا أراد الله عزوجل أن يعظم الآية طمست الشمس في البحر على ما يحب الله أن يخوف خلقه بالآية قال: وذلك عند انكساف الشمس، قال: وكذلك يفعل بالقمر، قالا فإذا أراد الله أن يجليها ويردها إلى مجراها أمر الملك الموكل بالفلك أن يرد الفلك إلى مجراه فيرد الفلك فترجع الشمس إلى مجراها، قال: فتخرج من الماء وهي كدرة، قال: والقمر مثل ذلك، قال: ثم قال علي بن الحسين 8: أما إنه لا يفزع لهما ولا يرهب بهاتين الآيتين إلا من كان من شيعتنا، فإذا كان كذلك فافزعوا إلى الله عزوجل ثم ارجعوا إليه. * الشرح: (حديث البحر مع الشمس) (1) هذا الحديث غريب متشابه لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم (إن من الأقوات التي قدرها الله للناس مما يحتاجون إليه البحر.. اه) الأقوات جمع قوت وهو ما يؤكل ليمسك الرمق والبحر قوت مجازا لأنه سبب أو حقيقة ان أريد بالقوت ما يشرب أيضا لأن مياه الأرض من ذلك البحر لدلالة بعض الأخبار على أنه ينزل منه ماء والسحاب بمنزلة غربال له (وإن الله تعالى قد قدر فيها) أي في السماء أو في البحر باعتبار أنه آية (مجاري الشمس والقمر


1 - هذا الخبر مجهول بحكم بن المستورد ولا يوجد في كتب الرجال هذا العنوان وما عثرت عليه في الكافي غير هذا المورد على ما أظن. وأورد الصدوق رحمه الله هذا الحديث عن علي بن الحسين عليهما السلام في الفقيه مرسلا بدون ذكر السند. (*)

[ 463 ]

والنجوم والكواكب) العطف للتفسير أو للتعميم (وقدر ذلك كله على الفلك) الظاهر أنه الفلك الأعظم الذي به قوام الحركة اليومية والجنس محتمل فيشمل الخوارج المراكز بل التداوير أيضا ولا يبعد أن يكون للشمس أيضا تداوير وإن لم يثبتوه (ثم وكل بالفلك ملكا ومعه سبعون ألف ملك) حمل الملك على الظاهر أظهر فدل على أن حركة الفلك قسرية وحمله على نفس فلكيه متبوعة لنفوس كثيرة معينة لها في تحصيل ما هو المطلوب منها محتمل وهذه النفوس بالنسبة إليها كالقوى بالنسبة إلى النفس الإنسانية (وأراد الله تعالى أن يستعتبهم) أي يلومهم ويخوفهم بآية من آياته ليرجعوا عن الذنوب والاساءة (فتصير الشمس) أي بعضها (في ذلك البحر) الظرفية إما حقيقية أو مجازية باعتبار أنها تصير بحذائه وبالأخير صرح بعض المحققين (فيطمس ضوءها) أي يمحو بعض ضوئها) (ويتغير لونها بطموس ضوئها (فإذا أراد الله أن يعظم الاية) لاصرار العباد على الذنوب (طمست الشمس) كلها (في البحر على ما يحب الله أن يخوف خلقه بالآية) أي على مقدار ما يحب من طمس الكل أو البعض وقلة المدة وكثرتها (وكذلك يفعل بالقمر) أي مثل ما يفعل بالشمس يفعل بالقمر من أجراء كله أو بعضه في ذلك البحر أو بحذائه لينخسف بعضه أو كله على قدر ما أحب من التخويف (أما انه لا يفزع لهما ولا يرهب بهاتين الآيتين إلا من كان من شيعتنا) المعتقدين بأن الكسوف والخسوف من الله تعالى لتخويف العباد بهما وقد أخبر عليه السلام بأنه لا يخاف بهاتين الآيتين إلى قيام الساعة على وجه يوجب صلاتهما إلا الشيعة. وهذا من إخباره بالغيب لأنه لم يقل بوجوب هذه الصلاة من العصر إلى هذا الزمان أحد من المخالفين مع تواتر أخبارهم بأنه صلى الله عليه وآله صلاها وأمر بها يظهر ذلك لمن تتبع أصولهم وفروعهم، قال الآبي من مشاهير علمائهم: هذه الصلاة سنة عند الجميع وقد بسطنا الكلام فيه في موضعه، قال الأمين الاسترآبادي: كان العلة في أن الشيعة يرهبون بهما دون غيرهم أن مضمون هذا الحديث لا يصدق به إلا الشيعة لأنه منقول بطريق أهل البيت عليهم السلام وغير الشيعة يقول العلة في الكسوف والخسوف الحيلولة التي من مقتضى الحركات الفلكية (وإذا كان كذلك فافزعوا) أي الجأوا واستغيثوا (إلى الله عز وجل) بالصلاة (ثم ارجعوا إليه) بالتوبة والاستغفار والتضرع والخشوع قال الصدوق رحمه الله " إن الذي يخبر به المنجمون من الكسوف فيتفق على ما يذكرونه ليس من هذا الكسوف في شئ وإنما يجب الفزع إلى المساجد والصلاة عند رؤيته لأنه مثله في المنظر وشبيه له في المشاهد كما أن الكسوف الواقع مما ذكره سيد العابدين عليه السلام إنما وجب الفزع فيه إلى المساجد والصلاة لأنه آية تشبه آيات الساعة فأمرنا بتذكر القيامة عند مشاهدتها والرجوع إلى الله تبارك وتعالى بالتوبة والإنابة والفزع إلى المساجد التي هي بيوته في

[ 464 ]

الأرض والمستجير محفوظ في ذمة الله تعالى ". أقول: كأن الصدوق حمل البحر على حقيقته ويرفع استبعاد ذلك الله تعالى قادر على جميع الممكنات وأن وجود البحر على الوجه المذكور ممكن عقلا وكذا زوال الفلك عن مداره سواء كانت حركته عليه إرادية أو قسرية أو طبيعية أما على الأولين فظاهر وأما على الأخير فلجواز مفارقة مقتضى الطبع عنه من باب خرق العادة بأمر الخالق له كما يشهد عليه صيرورة نار نمرود بردا وسلاما لخليل الرحمن، فإذا أخبر المخبر الصادق على وجوده وجب علينا التسليم والقبول وإن لم نعرف حقيقة ذلك البحر وكميته وكيفيته وضعه وموضعه ووحدته وتعدده على أن يكون أحدهما بين سماء الدنيا والأرض والآخر بين السماء فإن العلم بذلك موضوع عنا كما في ساير الأسرار الغيبية. ثم أقول: يمكن أن يأول بوجهين الأول أن يراد بالبحر الأرض مع ظلها المخروطي الداير في الهواء وجرم القمر مع ظله الداير في السماء فبالأول يتحقق خسوف القمر والنجوم إذا وصل الخط المخرج من مركز الشمس ورأس الظل الأول إلى مركز القمر والنجوم وبالثاني يتحقق الكسوف إذا وصل الخط الشعاعي إلى مركز القمر والشمس، الثاني أن يراد بالبحر الغضب على سبيل الاستعارة أيضا وهو محيط بالسفليات يصل أثره إليها بالإهلاك والاستيصال وغيرهما وبالعلويات يطمس أنوارها والملائكة واسطة في إيصال أثره إليهما كما هو معروف في قصة قوم لوط وطمس أعينهم وغيرها مما وقع في الأمم السابقة وإزالتهم الفلك عن مجاريه وصيرورة النجوم في ذلك البحر وخروجها منه عبارة عن تغير حالها إلى حال ووصفها إلى وصف والله يعلم حقيقة كلام وليه. * الأصل: 42 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد بن سليمان، عن الفضل بن إسماعيل الهاشمي، عن أبيه قال: شكوت إلى أبي عبد الله (عليه السلام) ما ألقى من أهل بيتي من استخفافهم بالدين، فقال: يا إسماعيل لا تنكر ذلك من أهل بيتك فان الله تبارك وتعالى جعل لكل أهل بيت حجة يحتج بها على أهل بيته في القيامة فيقال لهم: ألم تروا فلانا فيكم، ألم تروا هديه فيكم، ألم تروا صلاته فيكم، ألم تروا دينه، فهلا اقتديتم به، فيكون حجة عليهم في القيامة. * الشرح: (يا إسماعيل لا تنكر ذلك من أهل بيتك.. اه) أشار إلى أن استخفافهم بالدين لا يضرك وأنه غير مختص بهم بل هو في كل أهل بيت وأنك حجة على أهل بيتك كما أن في كل أهل بيت من هو حجة عليهم.

[ 465 ]

* الأصل: 43 - عنه، عن أبيه، عن محمد بن عثيم النخاس، عن معاوية بن عمار قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن الرجل منكم ليكون في المحلة فيحتج الله عزوجل يوم القيامة على جيرانه [ به ] فيقال لهم: ألم يكن فلان بينكم، ألم تسمعوا كلامه، ألم تسمعوا بكاءه في الليل، فيكون حجة الله عليهم. * الشرح: (إن الرجل منكم ليكون في المحلة فيحتج الله يوم القيامة على جيرانه به.. اه) دل على أنه ينبغي لكل فرقة وقبيلة الاقتداء بالصالح منهم لئلا يجعله الله تعالى حجة عليهم يوم القيامة. * الأصل: 44 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن جميل بن صالح، عن أبي مريم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله عزوجل * (وأرسل عليهم طيرا أبابيل * ترميهم بحجارة من سجيل) * قال: كان طير ساف جاءهم من قبل البحر، رؤوسها كأمثال رؤوس السباع وأظفارها كأظفار السباع من الطير، مع كل طائر ثلاثة أحجار: في رجليه حجران وفي منقاره حجر، فجعلت ترميهم بها حتى جدرت أجسادهم فقتلهم بها وما كان قبل ذلك رئي شئ من الجدري ولا رأوا ذلك من الطير قبل ذلك اليوم ولا بعده قال: ومن أفلت منهم يومئذ انطلق حتى إذا بلغوا حضرموت وهو واد دون اليمن، أرسل الله عليهم سيلا فغرقهم أجمعين قال: وما رئي في ذلك الوادي ماء قط قبل ذلك اليوم بخمسة عشر سنة، قال: فلذلك سمي حضرموت حين ماتوا فيه. * الشرح: (أرسل عليهم طيرا أبابيل) الطير جمع طائر وقد يقع على الواحد وأبابيل جمع بلا واحد بمعنى الجماعات، وقيل: جمع إبالة كإجانة وقد تخفف وهي في الأصل الحزمة الكبيرة من الحشيش والمراد هنا القطعة الكبيرة من الطير والجماعات على تشبيهها بالحزمة في تضامها وتلاصق بعضها ببعض * (ترميهم بحجارة من سجيل) * في القاموس: سجيل كسكيت حجارة كالمدر معرب سنك وكل أو كانت طبخت بنار جهنم وكتب فيها أسماء القوم وقوله تعالى: * (من سجيل) * أي من سجل أي مما كتب لهم أنه يعذبون بها (قال: كانت طير ساف) بتشديد الفاء من سف الطاير إذا دنا من الأرض في طيرانه أو بتخفيفها من سفا يسفوا سفوا إذا أسرع في المشي أو الطيران (رؤوسها كأمثال رؤوس السباع) من الطير بقرينة ما يأتي والسباع ما يفترس الحيوان ويأكله قهرا

[ 466 ]

وقسرا (حتى جدرت أجسادهم) الجدر خروج الجدري بضم الجيم وفتحها وفتح الدال فيهما قروح تنقط من الجلد بقيح وقد جدر وجدر كغنى ويشدد فهو مجدور وبالتحريك سلع يكون في البدن خلقه أو من ضرب أو من جراحة كالجدر كصرد واحدتها بهاء (حتى إذا بلغوا حضر موت) بفتح الميم وضمها قرية وبلد باليمن بقرب عدن والنسبة إليها حضرمي. * الأصل: 45 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن فضال، عن عبد الله بن بكير، وثعلبة بن ميمون، وعلي بن عقبة، عن زرارة، عن عبد الملك قال: وقع بين أبي جعفر وبين ولد الحسن (عليهما السلام) كلام فبلغني ذلك فدخلت على أبي جعفر (عليه السلام) فذهبت أتكلم فقال لي: مه، لا تدخل فيما بيننا فإنما مثلنا ومثل بني عمنا كمثل رجل كان في بني إسرائيل، كانت له ابنتان فزوج إحداهما من رجل زراع وزوج الاخرى من رجل فخار، ثم زارهما فبدأ بامرأة الزراع فقال لها: كيف حالكم ؟ فقالت، قد زرع زوجي زرعا كثيرا فإن أرسل الله السماء فنحن أحسن بني إسرائيل حالا، ثم مضى إلى امرأة الفخار فقال لها: كيف حالكم ؟ فقالت: قد عمل زوجي فخارا كثيرا فإن أمسك الله السماء فنحن أحسن بني إسرائيل حالا. فانصرف وهو يقول، اللهم أنت لهما، وكذلك نحن. * الشرح: (وزوج الأخرى من رجل فخار) الفخار عامل الفخار بالفتح والشد فيهما والأخير جمع الفخارة كالجبانة وهي ضرب من الخزف معروف يعمل منه الجرار والكيزان وغيرها (اللهم أنت لهما) كما أن مقصدهما أنت ونظرهما إليك وإلى إحسانك في الرزق وغيره فكن أنت لهما وحصل مقصدهما وإن كانت الوسيلة متضادة كنزول المطر وعدم نزوله فإنك قادر على ذلك (وكذلك نحن) قال الأمين الاسترآبادي: أي نريد الخير لبني عمنا كما نريد لأنفسنا ولا نرضى بالشر في حقهم فلا نكلم عليهم وإنما جهالتهم بحقنا تسبب لما جرى بيني وبينهم كما أن الرجل يريد خير بنتيه انتهى. والأولى أنه أراد لا تدخل بيني وبين عمي فإني لا أريد أن يدخل بيننا ثالث غير الله تعالى. * الأصل: 46 - محمد، عن أحمد، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن ذريح قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يعوذ بعض ولده ويقول: " عزمت عليك يا ريح ويا وجع، كائنا ما كنت بالعزيمة التي عزم بها علي بن أبي طالب أمير المؤمنين (عليه السلام) رسول رسول الله (صلى الله عليه وآله) على جن وادي الصبرة

[ 467 ]

فأجابوا وأطاعوا لما أجبت وأطعت وخرجت عن ابني فلان ابن ابنتي، الساعة الساعة ". * الشرح: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يعوذ بعض ولده) دل على أن العوذة والرقية على الجن جائزة إذا كانت بكتاب الله تعالى أو بأسمائه وسيجئ تعويذ جبرئيل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأسمائه عز وجل وصرح بعض العامة بأنه كره العوذة والرقية بغيرهما من الأسماء العجمية لأنها كانت العرب تفعل في الجاهلية وكانوا يعتقدون أنها تدفع عنهم الجن واختلف في رقيا الكتابي المسلم فأجازها مرة إذا رقي بكتاب الله عز وجل ومنعها مرة وقال: لا نعلم ما رقي الكتابي به (ويقول: عزمت عليك يا ريح وياوجع كاينا ما كنت.. اه) عزمت على الرجل أقسمته والعزيمة آية أو دعاء تقرأ على المكروب لدفع كربه (على جن وادي الصبرة) هي بالضم الحجارة الغليظة المجتمعة وفيه دلالة على وجود الجن وتأثيره في بني آدم والمنكر لهما مكابر لصريح القرآن وكثير من الروايات (لما أجبت وأطعت.. اه) لما بمعنى إلا، يقال: سألتك لما فعلت أي إلا فعلت ومنه * (إن كل نفس لما عليها حافظ) * * (وان كل لما جميع لدينا محضرون) * * (إن كل كذب الرسل) *. * الأصل: 47 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن ابن سنان، عن أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) من يتفقد يفقد، ومن لا يعد الصبر لنوائب الدهر يعجز، ومن قرض الناس قرضوه ومن تركهم لم يتركوه، قيل: فأصنع ماذا يا رسول الله ؟ قال، أقرضهم من عرضك ليوم فقرك. * الشرح: (من يتفقد يفقد) افتقده وتفقده طلبه أي من يتفقد أحوال الناس ويتعرفها فإنه لا يجد ما يرضيه لأن الخير في الناس قليل (ومن لا يعد الصبر لنوائب الدهر يعجز) أي من لم يجعل الصبر ملكة لنوائب الدهر يعجز عن تحملها والصبر عليها ومنع النفس من الاضطراب والاختناق والإتيان بما يوجب نقص الأجر أو فساد الإيمان وفيه ترغيب للمؤمن على أن يجعل الصبر ملكة حصينة وكيفية متينة ليحصل له الثبات والتمكن والرزانة عند المكاره والحدثان ولا يعجز عن تحملها ولا يجزع جزع المجانين والصبيان (ومن قرض الناس قرضوه) قرضه يقرضه قطعة وجازاه أي من سب الناس ونال منهم سبوه ونالوا منه ووقعوا فيه (ومن تركهم لم يتركوه) لفساد طبعهم وكساد عقلهم وخروجهم عن سبيل الرشاد ومنهج السداد، فالاعتزال منهم أحسن (قيل: فأصنع ماذا يا رسول

[ 468 ]

الله ؟ قال: أقرضهم من عرضك ليوم فقرك) عرض الرجل جانبه الذي يصونه من نفسه وحسبه ويحامي عنه أن ينتقص أي إذا نال أحد من عرضك فلا تجازه ولكن اجعله قرضا في ذمته لتأخذه منه يوم حاجتك إليه يعني يوم القيامة. * الأصل: 48 - عنه، عن أحمد، عن البرقي، عن محمد ين يحيى، عن حماد بن عثمان قال: بينا موسى بن عيسى في داره التي في المسعى يشرف على المسعى إذ رأى أبا الحسن موسى (عليه السلام) مقبلا من المروة على بغلة فأمر ابن هياج رجلا من همدان منقطعا إليه أن يتعلق بلجامه ويدعي البغلة فأتاه فتعلق باللجام وادعى البلغة فثنى أبو الحسن (عليه السلام) رجله فنزل عنها وقال لغلمانه: خذوا سرجها وادفعوها إليه، فقال: والسرج أيضا لي، فقال أبو الحسن (عليه السلام): كذبت عندنا البينة بأنه سرج محمد بن علي وأما البغلة فإنا اشتريناها منذ قريب وأنت أعلم وما قلت. * الشرح: (فثنى أبو الحسن عليه السلام رجله.. اه) إن قلت هو عليه السلام كان عالما بما كان وما يكون وما هو كاين إلى يوم القيامة فكيف ركب البغلة المسروقة، قلت: البغلة لم تكن مسروقة وكانت ملكه عليه السلام والمدعي كان كاذبا إلا أنه عليه السلام دفعها إليه لأنه أحب ترك المناقشة معه وإنما لم يدفع السرج إليه لأنه ملكه بالإرث من جده عليه السلام فأمسكه تيمنا وتبركا. * الأصل: 49 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن مرازم، عن أبيه قال: خرجنا مع أبي عبد الله (عليه السلام) حيث خرج من عند أبي جعفر المنصور من الحيرة فخرج ساعة أذن له وانتهى إلى السالحين في أول الليل فعرض له عاشر كان يكون في السالحين في أول الليل فقال له: لا أدعك أن تجوز فألح عليه وطلب إليه، فأبى إباء وأنا ومصادف معه فقال له مصادف: جعلت فداك إنما هذا كلب قد آذاك وأخاف أن يردك وما أدري ما يكون من أمر أبي جعفر وأنا ومرازم أتأذن لنا أن نضرب عنقه، ثم نطرحه في النهر ؟ فقال: كف يا مصادف، فلم يزل يطلب إليه حتى ذهب من الليل أكثر فأذن له فمضى فقال: يا مرازم هذا خير أم الذي قلتماه ؟ قلت: هذا جعلت فداك، فقال: إن الرجل يخرج من الذل الصغير فيدخله ذلك في الذل الكبير. * الشرح: قوله (خرج من عند أبي جعفر من الحيرة) أبو جعفر الدوانيقي ثاني خلفاء بني العباس والحيرة - بالكسر - بلد قرب الكوفة (وانتهى إلى السالحين) في المغرب: السالحون موضع على

[ 469 ]

أربعة فراسخ من بغداد إلى المغرب وأما السيلحون فهو مدينة باليمن وقول الجوهري سيلحون قرية والعامة تقول سالحون وفيه نظر (فعرض له عاشر) في المصباح عشرت المال عشرا من باب قتل وعشورا أخذت عشره واسم الفاعل عاشر وعشار. * الأصل: 50 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن الحجال، عن حفص بن أبي عائشة قال: بعث أبو عبد الله (عليه السلام) غلاما له في حاجة فأبطأ فخرج أبو عبد الله (عليه السلام) على أثره لما أبطأ عليه فوجده نائما فجلس عند رأسه يروحه حتى انتبه قال له أبو عبد الله (عليه السلام): يا فلان والله ما ذاك لك تنام الليل والنهار، لك الليل ولنا منك النهار. * الشرح: قوله (فجلس عند رأسه يروحه) دل أنه ينبغي الرفق على الخدم والعبيد وإن صدر منهم ما يوجب التأديب شرعا فإن العفو من صفة الكرم. * الأصل: 51 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن حسان [ عن ] أبي علي قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا تذكروا سرنا بخلاف علانيتنا ولا علانيتنا بخلاف سرنا، حسبكم أن تقولوا ما نقول وتصمتوا عما نصمت، إنكم قد رأيتم أن الله عزوجل لم يجعل لأحد من الناس في خلافنا خيرا، إن الله عزوجل يقول: * (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) *. * الشرح: (قوله: (قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا تذكروا سرنا بخلاف علانيتنا ولا علانيتنا بخلاف سرنا) كأن قوله " بخلاف " متعلق بلا تذكروا أو حال عن مفعوله والسر عبارة عن العقائد الحقة والأحكام الإلهية الواقعة في نفس الأمر وهم عليهم السلام قد يتكلمون بخلافها عند التقية وقد يتكلمونبها عند عدمها فنهى أولا أن يذكروا سرهم بخلاف علانيتهم وهي ما تكلموا به خوفا على نفسه وعليهم ونهى ثانيا أن يذكروا علانيتهم بخلاف سرهم لعدم الخوف ووجوب حفظ التكلم بما تكلموا به والسكوت عما سكتوا عنه ولذا قال عليه السلام (حسبكم أن تقولوا ما نقول وتصمتوا عما نصمت) لأنا أعرف بمواضع القول والسكوت * (فليحذر الذين يخالفون عن أمره) * أي عن أمر الله تعالى أو أمر الرسول والأئمة عليهم السلام لأن أمرهم أمره تعالى * (أن تصيبهم فتنة) * من الناس بترك التقية * (أو يصيبهم عذاب أليم) * بترك حكم الله تعالى في الواقع عند عدمها ولعل القصد أن الآية متضمنة لما ذكر.

[ 470 ]

حديث الطبيب * الأصل: 52 - محمد، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن زياد بن أبي الحلال، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال موسى (عليه السلام): يا رب من أين الداء ؟ قال: مني، قال فالشفاء ؟ قال: مني قال: فما يصنع عبادك بالمعالج ؟ قال: يطيب بأنفسهم، فيومئذ سمي المعالج الطبيب. * الشرح: قوله (حديث الطبيب) الطبيب في الأصل الحاذق بالأمور العارف بها (قال فما يصنع عبادك بالمعالج قال يطيب بأنفسهم فيومئذ سمي المعالج الطبيب) طب طبا من باب قتل داواه والاسم الطب بالكسر والفاعل طبيب والجمع أطباء وفلان يستطب لوجعه أو يستوصف الدواء أيها يصلح لدائه وفي وجه التسمية مناقشة لأن الطيب أجوف والطبيب مضاعف لا يدل على طيب النفس ويمكن دفعها بأن الفصحاء قد ينتقلون من لفظ إلى معنى لفظ آخر باعتبار أدنى مناسبة بينهما وهاهنا كذلك لأن الطبيب يدل على الطيب باعتبار اشتماله على حروفه مع زيادة وهي الباء الأولى وهذا القدر كاف في وجه التسمية ونظيره ما روي عن أبي الحسن عليه السلام قال " سمي علي عليه السلام أمير المؤمنين لأنه يميرهم العلم " فإن يمير أي يعطي أجوف والأمير مهموز الفاء والجواب يظهر بما ذكرنا ونظير ذلك أيضا ما ذكره ميرزا جان في حاشيته على شرح المختصر من أنه يفهم التزاما معنى الجمع والشمع من لفظ الجعم والشعم باعتبار دلالتهما على لفظ الجمع والشمع. * الأصل: 53 - عنه، عن أحمد، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن أبي أيوب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما من داء إلا وهو يسارع (1) إلى الجسد ينتظر متى يؤمر به فيأخذه. وفي رواية اخرى: إلا الحمى فإنها ترد ورودا. * الشرح: قوله (قال ما من داء إلا وهو شارع (2) إلى الجسد.. اه) الداء العلة والمرض والشارع بالشين


1 - كذا. 2 - كذا. (*)

[ 471 ]

المعجمة المتصل وفي المصباح: شرع الباب إلى الطريق اتصل به وفي بعض النسخ بالسين المهملة ولعل الغرض منه هو الترغيب في الدعاء والصدقة. * الأصل: 54 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن عبد العزيز بن المهتدي، عن يونس بن عبد الرحمن، عن داود بن زربي قال: مرضت بالمدينة مرضا شديدا فبلغ ذلك أبا عبد الله (عليه السلام) فكتب إلي: قد بلغني علتك فاشتر صاعا من بر ثم استلق على قفاك وانثره على صدرك كيفما انتثر وقل: " اللهم إني أسألك باسمك الذي إذا سألك به المضطر كشفت ما به من ضر ومكنت له في الأرض وجعلته خليفتك على خلقك أن تصلي على محمد وعلى أهل بيته وأن تعافيني من علتي " ثم استو جالسا واجمع البر من حولك وقل مثل ذلك وأقسمه مدا امدا لكل مسكين وقل مثل ذلك. قال داود: ففعلت مثل ذلك فكأنما نشطت من عقال وقد فعله غير واحد فانتفع به. * الشرح: قوله (وقل اللهم اني أسألك.. اه) ينبغي أن يقرأه المريض ولو بالتلقين ولو لم يقدر فليقرأه غيره وهو مجرب (وجعلته خليفتك على خلقك) الخليفة من يخلف غيره وينوب منابه وأصله خليف والهاء للمبالغة كعلامة ونسابة وهو كما يطلق على الأنبياء والأوصياء لأنهم خلفاء الله في أرضه استخلفهم في سياسة الناس وتكميل نفوسهم وتنفيذ أمره فيهم لا لحاجة به إلى من ينوبه بل لقصور المستخلف عليه عن قبول فيضه وتلقي أمره بغير وسط، كذلك يطلق على هذا النوع كلهم لأنهم خلفاء من سكن الأرض قبلهم أو لأنه يخلف بعضهم بعضا والمراد هنا المعنى الثاني (قال داود: ففعلت مثل ذلك فكأنما نشطت من عقال) أي خرجت منه أو حللت فنشطت على الأول معلوم وعلى الثاني مجهول يقال: نشط من المكان إذا خرج منه ونشطت الملائكة نفس المؤمن إذا قبضتها وحللتها حلا رفيقا فلا يرد ما أورده ابن الأثير حيث قال في حديث السحر: فكأنما انشط من عقال أي حل وقد تكرر في الحديث وكثيرا ما يجئ في الرواية كأنما نشط من عقال وليس بصحيح يقال: نشطت العقدة إذا عقدتها وأنشطتها إذا حللتها.

[ 472 ]

حديث الحوت على أي شئ هو * الأصل: 55 - محمد، عن أحمد، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الأرض على أي شئ هي ؟ قال هي على حوت، قلت: فالحوت على أي شئ هو ؟ قال: على الماء، قلت: فالماء على أي شئ هو ؟ قال: على صخرة، قلت: فعلى أي شئ الصخرة ؟ قال: على قرن ثور أملس، قلت: فعلى أي شئ الثور ؟ قال: على الثرى، قلت: فعلى أي شئ الثرى ؟ فقال: هيهات عند ذلك ضل علم العلماء. * الشرح: قوله (حديث الحوت) هو الحوت الذي على ظهره الأرض وهو بحر تحت الأرض السفلي كما صرح به المفسرون (قال: سألته عن الأرض على أي شئ هي ؟ قال: هي على حوت.. اه) دل على أن الأرض على الحوت والحوت على الماء والماء على الصخر ة والصخرة على الثور الأملس أي الشديد أو صحيح الظهر أو ضد الخشن والأول أنسب والثور على الثرى وسيجئ حديث زينب العطارة " إن الأرض على الديك والديك على الصخرة والصخرة على الحوت، والحوت على البحر والبحر على الهواء والهواء على الثرى والثرى عند السماء الأولى " ولعل المراد به كرة الأثير بقرينة كونه فوق الهواء وتحت السماء بينهما منافاة بحذف الوسائط بين الأرض والحوت في هذا الحديث، ويمكن دفعها بالعناية، وبكون الصخرة على قرن ثور فيه وعلى الحوت في حديث زينب وبكون الثور على الثرى فيه وكون الهواء على الثرى في حديثها ويمكن أن يكون بين البحر والهواء واسطتان محذوفتان أي البحر على الصخرة ويراد بها غير المذكورة أولا والصخرة على الثور وأن يكون بين الثور والثرى في الأول واسطة محذوفة وهي الهواء والله يعلم حقايق تلك الأشياء وكيفية ترتيبها، ثم أن هذا الترتيب أمر ممكن عقلا والله سبحانه قادر على جميع الممكنات وقد أخبر به المخبر الصادق فوجب الإذعان به. * الأصل: 56 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن زرارة، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: إن الله عزوجل خلق الأرض ثم أرسل عليها الماء المالح أربعين صباحا والماء العذب أربعين صباحا حتى إذا التقت واختلطت أخذ بيده قبضة فعركها عركا شديدا جميعا ثم فرقها فرقتين، فخرج من كل واحدة منهما عنق مثل عنق الذر فأخذ عنق إلى الجنة وعنق إلى

[ 473 ]

النار. * الشرح: قوله (ان الله عز وجل خلق الأرض) لما دلت الروايات المذكورة في أول كتاب الكفر والإيمان على أنه تعالى خلق الإنسان من طينتين طينة الجنة وطينة سجين لم يبعد أن يراد بالأرض هنا قطعة مختلطة من هاتين الطينتين (ثم أرسل عليها الماء المالح أربعين صباحا والماء العذب أربعين صباحا) للخلط بين الطينتين وتخميرهما بالمائين فوائد كثيرة أشرنا إليها في شرح الكتاب المذكور منها حصول القدرة على الضدين ومنها حصول الارتباط بين المؤمن والكافر والصالح والفاجر ولولا ذلك لما أمكن تعيش المؤمنين والصالحين بين الكافرين والفاسقين ومنها كون المؤمن دائما بين الخوف والرجاء حيث لا يعلم أن الغالب فيه الخير أو الشر ومنها رفع العجب عنه بفعل المعصية ولولا ذلك لما صدرت عنه المعصية فربما يدخله العجب، ومنها الرجوع إليه تعالى وطلب حفظه عنها ومنها تولد المؤمن من الكافر وبالعكس وهو دليل على كمال قدرته تعالى كما قال * (يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي) *. (حتى إذا التقت واختلطت) المراد به التقاء أجزاء الأرض واختلاطها بتخمير المائين (أخذ بيده) أي بقدرته أو هو تمثيل (فعركها عركا شديدا جميعا) ليستكمل إلتيامها ويشتد إرتباط بعضهابعض (ثم فرقها فرقتين) فرقة لأبدان المؤمن وهي طينة الجنة وتتعلق بتلك الأبدان الأرواح المطيعة في العهد الأول وفرقة لأبدان الكافر وهي طينة السجين وتتعلق بتلك الأبدان الأرواح العاصية فيه (فخرج من كل واحدة منهما عنق) العنق بالضم وبالضمتين الجماعة من الناس (مثل عنق الذر) في الصغر والحركة (فأخذ عنق إلى الجنة) وهم المؤمنون (وعنق إلى النار) وهم الكافرون ولا تظن أن العباد لأجل ذلك مجبورون على الطاعة والمعصية لأن طايفة من الأرواح لما كانت مطيعة في العهد الأول خلقت لهم أبدان طاهرة وطائفة منها لما كانت عاصية خلقت لهم أبدان خبيثة كيلا يدخل الجنة إلا طاهر ولا يدخل النار إلا خبيث.

[ 474 ]

حديث الاحلام والحجة على أهل ذلك الزمان * الأصل: 57 - بعض أصحابنا، عن علي بن العباس، عن الحسن بن عبد الرحمن، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: إن الاحلام لم تكن فيما مضى في أول الخلق وإنما حدثت. فقلت: وما العلة في ذلك ؟ فقال: إن الله عز ذكره بعث رسولا إلى أهل زمانه فدعاهم إلى عبادة الله وطاعته فقالوا: إن فعلنا ذلك فما لنا فوالله ما أنت بأكثرنا مالا ولا بأعزنا عشيرة ؟ فقال: إن أطعتموني أدخلكم الله الجنة وإن عصيتموني أدخلكم الله النار، فقالوا: ما الجنة والنار ؟ فوصف لهم ذلك فقالوا: متى نصير إلى ذلك ؟ فقال: إذا متم فقالوا: لقد رأينا أمواتنا صاروا عظاما ورفاتا، فازدادوا له تكذيبا وبه استخفافا فأحدث الله عزوجل فيهم الأحلام فأتوه فأخبروه بما رأوا وما أنكروا من ذلك فقال: إن الله عزوجل أراد أن يحتج عليكم بهذا، هكذا تكون أرواحكم إذا متم وإن بليت أبدانكم تصير الأرواح إلى عقاب حتى تبعث الأبدان. * الشرح: قوله (حديث الأحلام والحجة على أهل ذلك الزمان) الذي حدثت فيه الأحلام وهي حجة على كل من أنكر الحشر إلى آخر الزمان (فقالوا: إن فعلنا ذلك فما لنا.. اه) أي فما لنا من الأجر للطاعة والعبادة وليس لك مال تعطينا ولست أعزمنا عشيرة حتى نطلب العزة والمعاونة منك فأي فائدة لنا في ذلك (فقال إذا متم) دل على دخول الناس بعد الموت في الجنة أو النار (فقالوا: لقد رأينا أمواتنا صاروا عظاما ورفاتا) رفاة كغراب الحطام وهو ما كسر ودق رفته يرفته كسره ودقه فانكسر واندق لازم ومتعد، ومرادهم من هذا القول أن أمواتهم صاروا كذلك ولم يدخلوا الجنة ولا النار ولم يعاقبوا وأنهم إذا صاروا كذلك يحيون ويدخلون النار فأحدث الله عز وجل فيهم الاحلام المعذبة لأرواحهم والحلم بضم الحاء وسكون اللام مصدر حلم بفتحهما إذا رأى في منامه حسنا أو مكروها ويجمع على أحلام في القلة وعلى حلوم في الكثرة، وقيل: الحلم اسم لما يراه النائم مثل رؤيا لكن غلب اسم الرؤيا على ما يراه من الخير والشئ الحسن وغلب الحلم على ما يراه من الشر والقبيح وقد يستعمل كل منهما في موضع الآخر وإنما جمع هاهنا وهو مصدر لاختلاف أنواعه، قال محيي الدين اختلف الناس في حقيقة الرؤيا ولغير الإسلاميين فيها أقوال منكرة وسبب خطئهم أن الرؤيا لا تعلم بالعقل ولا يقوم عليها البرهان وهم لا يصدقون بالسمع فلذلك اضطربت أقوالهم فمن ينتحل الطب منهم ينسب جميع الرؤيات إلى الاخلاط ولبعض أئمة الفلاسفة تخليط طويل

[ 475 ]

في هذا وكأنه يرى أن صور ما يجري في الأرض هو في العالم العلوي كالنقوش وكأنه يدور بدوران الآخر فما جاء بعض النفوس انتقش فيها وهذا تحكم لم يقع عليه برهان، وقال أهل السنة: الرؤيا اعتقاد يخلقه الله تعالى في قلب النائم كما يخلقه في قلب اليقظان ويجعله علما على أمر يخلقه في ثاني الحال أو على أمر خلقه فإذا خلق في قلب النائم اعتقاد الطيران وليس بطاير فغايته أنه اعتقد الشئ على خلاف ما هو عليه وكم من في اليقظة يعتقد الشئ على خلاف ما هو عليه ويجعل ذلك الاعتقاد علما على غيره كما يجعل الغيم علما على نزول المطر بفعل الله سبحانه. وقال القرطبي: قيل: إن لله تعالى ملكا موكلا بعرض الرؤيات على المحل المدرك من النائم فيمثل له صورا محسوسة فتارة تكون تلك الصور أمثلة موافقة لما يقع في الوجود وتارة تكون أمثلة لمعان معقولة غر محسوسة وفي الحالين تكون مبشرة ومنذرة وقيل الرؤيا إدراك أمثلة منضبطة، وأورد عليه بأنه لا يصح تفسير الرؤية بالإدراك لأن النوم ضد عام للإدراك كما أن الموت ضد عام له فلا يجامعه، وأجيب بأن الجزء المدرك من النائم لا يحله النوم فلا يجتمع الإدراك مع النوم فالعين نائمة والقلب يقظان كما قال صلى الله عليه وآله: " تنام عيناي ولا ينام قلبي " وقال عياض: اتفق المتكلمون على أن النائم الذي استغرق النوم جميع أجزاء قلبه لا يصح أن يعلم لأن النوم آفة تضاد التمييز، واختلفوا في الاعتقادات والظنون والتخيلات، فقال قوم: إنها لا تصح منه أيضا ولا تصح منه الرؤيا لأن الرؤيا ضرب أمثلة ولا يصح ضربها للنائم ومن لا تمييز له، وقال قوم: لا يمتنع أن يكون ظانا أو متخيلا وإنما يمتنع أن يكون عالما وقد رجح الأول بأن الظنون والاعتقادات والتخيلات جنس واحد مضاد للعلم فكما يضاده النظر في العلم فكذلك يضاده أضداده وأما الرؤيا التي يراها النائم فإنما يراها لأن النوم لم يستغرق الجزء الذي هو محل الإدراك من القلب ولا يلزمهم ما لزم الآخر من أنه لو كان كذلك لكان مكلفا لأنهم لا يقولون أنه مميز حقيقة وإنما يقولون: أن عنده بقية حياة وبعض تمييز، وقال الآبي: قال بعض المعتزلة: الرؤيا هي رؤيا العينين، وقال بعضهم: هي رؤية بعينين يخلقهما الله تعالى في القلب وسماع بأذنين يخلقهما الله تعالى وقال أكثرهم: هي تخيلات لا حقيقة لها ولا تدل على شئ. أقول هذا ما بلغني من أقوالهم ولا يبعد أن يقال: إن جميع ما كان وما هو يكون وما كائن في اللوح المحفوظ فإذا تعطلت الحواس بالنوم وفرغت النفس عن الاشتغال بها يعرض عليها ملك الرؤيا ما كان فيه بقدر استعدادها وما كان من هذا القبيل فهي الرؤيا الصادقة ولذلك قد يخبر النائم بما وقع في العالم وبما هو واقع وبما يقع بعد وتلك الرؤيا هي التي تعد جزءا من أجزاء النبوة كما سيأتي وقد تشتغل النفس بالصور والمعاني التي في الحس المشترك والخيال وتركبها على أنحاء

[ 476 ]

مختلفة وقد يكون ذلك التركيب مطابقا لما في نفس الأمر وقد لا يكون وهذه قد تكون صادقة وقد تكون كاذبة وأضغاث أحلام وقد يعرض عليها الشيطان ويشوشه ويفزعه وهذا من تسويله وتحذيره كما سيجئ وفي بعض الروايات تعليم دعاء للفرار من ذلك المكروه والله أعلم بحقائق الأمور. 58 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: رأى المؤمن ورؤياه في آخر الزمان على سبعين جزءا من أجزاء النبوة. * الشرح: قوله (رأي المؤمن ورؤياه في آخر الزمان على سبعين جزءا من أجزاء النبوة) المراد برأي المؤمن فراسته الصادقة وإدراكاته الحقة وبرؤياه رؤياه الصادقة وبآخر الزمان زمان غيبة المعصوم ويحتمل الأعم قال الفاضل الأمين الاسترآبادي: " المراد بالأول ما يخلق الله في قلبه من الصور العلمية في حال اليقظة وبالثاني ما يخلق الله في قلبه حال النوم وكأن المراد بآخر الزمان زمان ظهور الصاحب عليه السلام فإن في بعض الأحاديث وقع التصريح بأن في زمن ظهوره عليه السلام يجمع الله قلوب المؤمنين على الصواب في كل باب ولفظة " على " ههنا نهجية أي على نهج سبعين جزءا يعني يكونان مثل الوحي موافقا للواقع دائما وهما نوع من الوحي يتفضل الله به في زمن ظهور المهدي عليه السلام " انتهى. ومن طريق العامة عن النبي صلى الله عليه وآله قال: " إذا اقترب الزمان لم تكن رؤيا المسلم تكذب وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا ورؤيا المؤمن جزء من خمسة وأربعين جزءا من النبوة " ومن طريق آخر لهم: " إنها جزء من سبعين جزءا من النبوة " قال محيي الدين البغوي: فسر أبو داود تقارب الزمان باعتدال الليل والنهار ووجه ذلك باعتدال الأمزجة حينئذ فلا تكون في المنام أضغاث أحلام فإن موجب التخليط إنما هو غلبة خلط على المزاج وفسره غيره بقرب القيامة، ويشهد للثاني أن هذا الخبر جاء من طريق أبي هريرة أنه قال: " في آخر الزمان لا تكذب رؤيا المؤمن " وقال القرطبي: المراد بآخر الزمان الزمان الذي فيه الطائفة التي تبقى مع عيسى عليه السلام بعد قتل الدجال يبقى سبع سنين ليس بين اثنين عداوة فهم أحسن الأمة حالا وأصدقهم قولا وكانت رؤياهم لا تكذب، وقد قال صلى الله عليه وآله: " أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا " ورد ابن العربي التفسير الأول بأنه لا أثر لإعتدال الزمان في صدق الرؤيا إلا على ما يقوله الفلاسقة من اعتدال الأمزجة حينئذ، ثم أنه وإن كان هذا في الاعتدال الأول لكن في الإعتدال الثاني حين تحل الشمس برأس الميزان الأمر بالعكس لأنه يسقط حينئذ الأوراق ويتغلس الماء عن الثمار، ثم قال:

[ 477 ]

والصحيح التفسير الثاني لأن القيامة هي الحاقة التي تحق فيها الحقائق فكل ما قرب منها فهو أخص بها. وقال الآبي: فسره بعض الشافعية بثالث هو من قوله صلى الله عليه وآله: " يتقارب الزمان حتى تكون السنة كالشهر والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم واليوم كالساعة " قالوا: وذلك عند خروج المهدي عليه السلام وهو زمان يقصر ويتقارب أجزاؤه للاستلذاذ به هذا كلامهم، ثم أنه لابد هنا من بيان شيئين أحدهما بيان السبب لكون رؤيا المؤمن جزء من أجزاء النبوة وثانيهما بيان السبب لهذه النسبة المخصوصة أعني كونها جزءا من سبعين جزءا، أما الأول فنقول: الرؤيا الصادقة من المؤمن الصالح جزء من أجزاء النبوة لما فيها من الإعلام الذي هو على معنى النبوة على أحد الوجهين. وقد قال كثير من الأفاضل أن للرؤيا الصادقة ملكا وكل بها يري الرائي من ذلك ما فيه من تنبيه على ما يكون له أو يقدر عليه من خير أو شر وهذا معنى النبوة لأن لفظ النبي قد يكون فعيلا بمعنى مفعول أي يعلمه الله تعالى ويطلعه في منامه من غيبه ما لا يظهر عليه أحد الا من ارتضى من رسول، وقد يكون بمعنى فاعل كعليم أي يعلم غيره بما ألقى إليه وهذا أيضا صورة صاحب الرؤيا. وقال القرطبي: الرؤيا لا تكون من أجزاء النبوة إلا إذا وقعت من مسلم صالح صادق لأنه الذي يناسب حاله حال النبي وكفى بالرؤيا شوقا أنها نوع مما أكرمت به الأنبياء وهو الاطلاع على شئ من علم الغيب كما قال صلى الله عليه وآله " لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصادقة يراها الرجل المسلم " وأما الكافر والكاذب والمخلط وإن صدقت رؤياهم في بعض الأحيان فإنها لا تكون من الوحي ولا من النبوة إذ ليس كل من صدق في حديث عن غيب يكون خبره نبوة بدليل الكاهن والمنجم فإن أحدهم قد يحدث ويصدق لكن على الندرة وكذلك الكافر قد تصدق رؤياه كرؤيا العزيز سبع بقرات ورؤيا الفتيان في السجن ورؤيا عاتكة عمة رسول الله صلى الله عليه وآله وهي كافرة ولكن ذلك قليل بالنسبة إلى مناماتهم المخلطة الفاسدة. وأما الثاني فقيل: يحتمل أن يكون هذه التجزية من طريق الوحي منه ما سمع من الله تعالى بدون واسطة كما قال تعالى * (أو من وراء حجاب) * ومنه ما سمع بواسطة الملك ومنه ما يلقى في القلب كما قال تعالى: * (أو من وراء حجاب) * أي الالهام، ومنه ما يأتي معه الملك وهو على صورته، ومنه ما يأتيه به وهو على صورة آدمي، ومنه ما يأتيه في منامه بحقيقته، ومنه ما يأتيه بمثال أحيانا يسمع الصوت ويرى الضوء، ومنه ما يأتي به كصلصة الجرس ومنه ما يلقيه روح القدس في روعه إلى غير ذلك مما وقفنا عليه ومما لم نقف ويكون مجموع الطرق سبعين فتكون الرؤيا التي هي ضرب مثال جزءا من ذلك العدد من أجزاء الوحي. والحاصل أن للنبي طرق إلى العلم وإحدى تلك الطرق الرؤيا ونسبتها إلى تلك الطرق أنها جزء

[ 478 ]

من سبعين ولا يلزم أن نبين تلك الأجزاء لأنه لا يلزم العلماء أن يعلموا كل شئ جملة وتفصيلا وقد جعل لله سبحانه لهم في ذلك حدا يوقف عنده فمنها ما لا يعلم أصلا ومنها ما يعلم جملة ولا يعلم تفصيلا وهذا منه ومنها ما يعلم جملة وتفصيلا لا سيما فيما طريقه السمع وبينه الشارع. وقيل: مجموع خصال النبوة سبعون وإن لم نعلمها تفصيلا ومنها الرؤيا والمنام الصادق من المؤمن خصلة واحدة لها هذه النسبة مع تلك الخصال، ويحتمل أن يكون المراد أن ثمرة رؤيا المؤمن أعني الإخبار بالغيب في جنب فوائدها المقصودة يسيرة نسبتها إلى ما أطلعه الله تعالى على نبيه من فوائدها بذلك القدر لأنه يعلم من فوائد مناماته بنور نبوته ما لا نعلمه من حقايق مناماتنا وأن يكون المراد أن دلالة رؤيا المؤمن على الإخبار بالغيب جزء من دلالة رؤيا النبي صلى الله عليه وآله والنسبة بذلك القدر لأن المنامات إنما هي دلالات والدلالات منها خفي ومنها جلي والخفي له نسبة مخصوصة مع الجلي في نفس الأمر، فبينها عليه السلام بأنها بذلك القدر والفرق بين هذين الوجهين أن الأول منهما باعتبار التفاوت في الثمرات والثاني باعتبار التفاوت في الدلالات والمراد بأجزاء النبوة فيهما أجزاء رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وليس المراد بها جميع أجزاء النبوة. وهذا وإن كان بعيدا بحسب اللفظ لكنه غير مستبعد بحسب الواقع إذ الظاهر أن خصال النبوة غير منحصرة في السبعين ومن طريق العامة أيضا " إن رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من أجزاء النبوة " فقيل في توجيهه: إن ذلك باعتبار مدة النبوة لأن النبي أقام يوحى إليه ثلاثا وعشرين سنة ثلاثة عشرة بمكة وعشرا بالمدينة وكان قبل ذلك نسبة أشهر يرى في المنام ما يلقى إليه الملك وسنبة نصف سنة من ثلاثة وعشرين سنة جزء من ستة وأربعين. * الأصل: 59 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن معمر بن خلاد، عن الرضا (عليه السلام) قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان إذا أصبح قال لأصحابه: هل من مبشرات ؟ يعني به الرؤيا. * الشرح: قوله (إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان إذا أصبح قال لأصحابه " هل من مبشرات " يعني به الرؤيا) من طريق العامة عن سمرة بن جندب قال " كان النبي صلى الله عليه وآله إذا صلى الصبح أقبل عليهم بوجهه فقال: " هل رأى منكم أحد البارحة الرؤيا " قال عياض: التعبير بعد الصبح وأول النهار أولى اقتفاء بفعله عليه السلام ولما جاء أن في البكرة بركات ولأن الذهن حينئذ أجمع لخلوه عن الشغل بأعمال النهار ولقرب عهد الرائي لما رآه ولعدم طرو ما يخلط عليه رؤياه وفيه الكلام في العلم بعد صلاة الصبح.

[ 479 ]

* الأصل: 60 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن أبي جميلة، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رجل لرسول الله (صلى الله عليه وآله): في قول الله عزوجل: * (لهم البشرى في الحياة الدنيا) * قال: هي الرؤيا الحسنة يرى المؤمن فيبشر بها في دنياه. * الشرح: قوله (قال: هي الرؤيا الحسنة يرى المؤمن فيبشره بها في دنياه) يعرف حسنها وصدقها باطمينان قلبه وسكونه الذي ألقاه الله تعالى إليه. * الأصل: 61 - علي بن إبراهيم، عن ابن أبي عمير، عن سعد بن أبي خلف، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الرؤيا على ثلاثة وجوه: بشارة من الله للمؤمن. وتحذير من الشيطان، وأضغاث أحلام. * الشرح: قوله (قال الرؤيا على ثلاثة وجوه: بشارة من الله للمؤمن وتحذير من الشيطان وأضغاث أحلام) من طريق العامة عن النبي صلى الله عليه وآله " إن الرؤيا ثلاث فرؤيا صالحة بشرى من الله ورؤيا تحزن من الشيطان ورؤيا فيما يحدث المرء نفسه " أقول: إنما نسب الاولى الى الله تعالى لطهارتها من حضور الشيطان وإفساده لها وسلامتها من الغلط والخطأ والتخليط من الأشياء المتضادة، والرؤيا التي منه تعالى غير منحصرة في البشارة إذ قد يكون إنذارا منه لاعتنائه بعبده لئلا يأتي ما قدر عليه أو يتوب ويرجع عما فعله من المعاصي ويكون منه على حذر كما يقع ذلك في كثير من الصالحين ونسب الثانية إلى الشيطان لأنها نشأت من تشويشاته وتدليساته تحذيرا من شئ أو ترغيبا فيه ليشغل بال الرائي ويدخل الضرر والهم فيه، وسيأتي قبل حديث محاسبة النفس عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا رأى الرجل ما يكره في منامه فليتحول من شقه الذي كان عليه نائما وليقل * (إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله) * ثم ليقل: عذت بما عاذت به ملائكة الله المقربون وأنبياؤه المرسلون وعباده الصالحون من شر ما رأيت ومن شر الشيطان الرجيم " والثالثة أضغاث أحلام وهي الرؤيا التي لا يمكن تأويلها لاختلاطها وجمعها للأشياء المتضادة والمختلفة كما أن الضغث يجمعها لأنه قبضة من حشيش مختلطة الرطب اليابس قال بعض المعبرين: الرؤيا ثمانية أقسام سبعة لا تعبر، من السبعة أربعة نشأت من الخلط الغالب على مزاج الرائي فمن غلب على مزاجه الصفراء رأى الألوان الصفر والطعوم المرة والسموم والصواعق لأن الصفراء مسخنة مرة، ومن غلب عليه الدم رأى الألوان الحمر والطعوم

[ 480 ]

الحلوة وأنواع الطرب لأن الدم مفرح حلو، ومن غلب عليه البلغم رأى الألوان البيض والمياه والأمطار والثلج، ومن غلب عليه السوداء رأى الألوان السود والأشياء المحرقة والطعوم الحامضة لأنه طعام السوداء ويعرف ذلك بالأدلة الطبية الدالة على غلبة ذلك الخلط على الرائي، والخامس ما كان عن حديث النفس ويعرف ذلك بجولانه في اليقظة فيستولي على النفس فيتكلف به فيراه في النوم، والسادس ما هو من الشيطان ويعرف ذلك بكونه فيه حض على أمر تنكره الشريعة أو يأمره بجايز يؤول إلى منكر كأمره بالحج مثلا ويؤدي إلى تضييع ماله أو عياله أو نفسه، والسابع ما كان فيه احتلام، والثامن هو الذي يجوز تعبيره وهو ما خرج عن هذه السبعة وهو ما ينقله ملك الرؤيا من اللوح المحفوظ من أمر الدنيا والآخرة من كل خير أو شر فإن الله تعالى وكل ملكا باللوح المحفوظ ينقل لكل واحد من اللوح ما يبين ذلك، علمه من علمه وجهله من جهله. أقول: إذا تأملت في الحديث وجدته شاملا لجميع الأقسام الثمانية لأن الخمسة الأولى داخلة في أضغاث أحلام والاثنين بعدها داخلان في القسم الثاني وهو ما كان من الشيطان، والثامن عين الأول، وهو ما كان من الله تعالى. * الأصل: 62 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن النضر بن سويد، عن درست بن أبي منصور، عن أبي بصير قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك الرؤيا الصادقة والكاذبة مخرجهما من موضع واحد ؟ قال: صدقت أما الكاذبة [ ال‍ ] - مختلفة فإن الرجل يراها في أول ليله في سلطان المردة الفسقة وإنما هي شئ يخيل إلى الرجل وهي كاذبة مخالفة لا خير فيها، وأما الصادقة إذا رآها بعد الثلثين من الليل مع حلول الملائكة وذلك قبل السحر فهي صادقة، لا تخلف إن شاء الله إلا أن يكون جنبا أو ينام على غير طهور ولم يذكر الله عزوجل حقيقة ذكره فإنها تختلف وتبطئ على صاحبها. * الشرح: قوله (قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك الرؤيا الصادقة والكاذبة مخرجهما من موضع واحد ؟) المخرج هنا مصدر بمعنى الخروج، قال الفاضل المذكور: حقيقة الأحلام أن الله تعالى يخلق بأسباب مختلفة في الأذهان عند النوم صورا علمية منها مطابقة لما مضى ولما يستقبل ومنها غير مطابقة كما يخلقها كذلك في اليقظة وحينئذ معنى هذا الكلام أن كليهما صور علمية يخلقه الله في قلب عباده بأسباب روحانية أو شيطانية أو طبيعية.

[ 481 ]

فهرس الآيات ج 11 (آمن الرسول) البقرة: 288... 58 (اخلفني في قومي) الأعراف: 142... 275 (إخوانا على سرر متقابلين) الحجر: 47. (في جنات النعيم) الواقعة: 12. (يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق) الواقعة: 17 - 18... 313 (ادعوني استجب لكم) غافر: 60... 181 - 379 - 190 (ادفع بالتي هي أحسن السيئة فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) فصلت: 34... 177 (إذا جاء نصر الله) النصر: 1... 71 (إذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها) النساء: 86... 106 (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة) الجمعة: 9... 16 (إذا هم منها يركضون) الأنبياء: 12... 374 (اركبوا فيها بسم الله مجريها) هود: 41... 199 - 380 (اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) التوبة: 105... 225 (اقرأ باسم ربك) العلق: 1... 71 إلا الموتة الاولى) الدخان: 56... 4 (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) النحل: 106... 177 (الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل) الرعد: 21... 352 (الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض اولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار) الرعد: 25... 99 (الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض اولئك هم الخاسرون) البقرة: 27... 99 (الذين يؤمنون بالغيب) البقرة: 3... 409 (الرحمن على العرش استوى) طه: 5... 399 (الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين)... 67 (الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين) الأعراف: 196... 66 (الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم) البقرة: 255... 140

[ 482 ]

(اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) المائدة: 3... 186 - 17 - 72 - 279 (إليه يصعد الكلم الطيب) فاطر: 10... 239 (إنا أنزلناه في ليلة القدر) القدر: 1... 72 (إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى) العلق: 6... 363 (إن الإنسان ليطغى أن رآه) العلق: 6... 253 (إن الذين اوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم.. إلى قوله - ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا) الإسراء: 107 - 109... 51 (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى.. الآية) الأنبياء: 101... 450 (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) العنبكوت: 45... 4 (إن الله لا يخلف الميعاد) آل عمران: 9... 269 (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا) النساء: 145... 173 (إنا نراك من المحسنين) يوسف: 36... 91 (إنا نريك من المحسنين) يوسف: 36... 91 (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) الحجرات: 13... 222 (إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش - إلى قوله: - تبارك الله رب العالمين) الأعراف: 54... 67 (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) الحجر: 42... 313 (إن كل كذب الرسل) ص: 14... 469 (إن كل نفس لما عليها حافظ) الطارق: 4... 469 (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم) الأنبياء: 98... 391 (إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم) الأنفال: 41... 403 (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذ تليت علهم آياته زادتهم إيمانا) الأنفال: 2... 51 (إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله) المجادلة: 10... 481 - 136 (إنما أنا بشر مثلكم) الكهف: 110... 258 (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا.. الآية) المائدة: 55... 208

[ 483 ]

(إنما يخشى الله من عباده العلماء) الفاطر: 28... 214 - 344 - 424 (إن مع العسر يسرا) الشرح: 6... 267 - 407 (إن ولي الله الذي) الأعراف: 196... 67 (إني ذاهب إلى ربي) الصافات: 99... 6 (أرأيت الذي يكذب بالدين) الماعون: 1... 281 (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) النساء: 59... 203 - 208 - 314 (أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءوا ما كانوا يوعدون ما أغنى ما كانوا يمتعون) الشعراء: 205 - 207... 293 (أفرأيت من اتخذ الهه هواه) الحاشية: 23... 204 (أقم الصلاة لذكري) طه: 14... 191 (ألا إلى الله تصير الامور) الشورى: 53... 82 (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا أن نصر الله قريب) البقرة: 214... 184 (أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار.. الآية) التوبة: 109... 282 (أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار) ص: 28... 173 (أمن يجيب المضطر إذا دعاه) النمل: 62... 379 (أن أشكر لي ولوالديك إلي المصير) لقمان: 14... 332 (أن بورك من في النار) النمل: 8... 56 (أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج - إلى قوله: - ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور) النور: 40... 66 (أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات) النور: 40... 286 (أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا) القصص: 54... 176 (أو من كان ميتا فأحييناه) الانعام: 122... 13 (أو من وراء حجاب) الشورى: 51... 479 (بأيدي سفرة كرام بررة) عبس: 16... 22 (بدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء) الممتحنة: 4 (إلى يوم القيامة) المائدة: 64... 98

[ 484 ]

(بلسان عربي مبين) الشعراء: 195... 83 (تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى) الحشر: 14... 250 (تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن) الإسراء: 44... 350 (تصلى نارا حامية) الغاشية: 4... 372 (تغشى وجوههم النار) ابراهيم: 50... 372 (تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا) آل عمران: 30... 437 (ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة) الروم: 54... 227 (ثم لتسألن يومئذ عن النعيم) التكاثر: 8... 295 (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير.. الى قوله وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم المائدة: 3... 284 (رب أرني كيف تحيى الموتى قال: أو لم تؤمن ؟ قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي) البقرة: 60... 105 (ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب) ابراهيم: 41... 163 (رضيت لكم الإسلام دينا) المائدة: 3... 279 (زين لهم سوء أعمالهم) التوبة: 37... 333 (سأستغفر لك ربي) مريم: 47... 119 (سأل سائل بعذاب واقع) المعارج: 7... 393 (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) البقرة: 185... 72 (صم بكم عمي فهم لا يرجعون) البقرة: 18... 168 (ص والقرآن ذي الذكر - إلى قوله - إلا اختلاق) ص: 1 - 7... 118 (عجلت إليك رب لترضى) طه: 84... 6 (عم يتساءلون عن النبأ العظيم) النبأ: 1... 294 (فإذا جاء أمر الله) الغافر: 78 (لا مرد له) الشورى: 47... 461 (فاذكروا آلاء الله لعلكم) الأعراف: 69... 292 (فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) النحل: 43... 187 (فاصبر كما صبر اولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم) الأحقاف: 35... 169 (فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان) البقرة: 186... 379 (فاولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا) النساء: 69... 172

[ 485 ]

(فريق في الجنة وفريق في السعير) الشورى: 7... 200 (فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين * فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين) الأعراف: 77 - 78... 293 (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا) نوح: 10 - 11... 223 (فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود إبليس أجمعون) الشعراء: 94 - 95... 195 (فمثله كمثل الكلب) الأعراف: 176... 454 (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام) الأنعام: 125... 210 (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) الزلزلة: 7 - 8... 243 - 437 (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم، اولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم) محمد (صلى الله عليه وآله): 22 - 23... 99 (قالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبرائنا فاضلونا السبيلا ربنا آتهم ضعفين من العذاب وألعنهم لعنا كبيرا) الأحزاب: 67 - 68... 382 (قد أوتيت سؤلك يا موسى) طه: 36... 276 (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن - إليه قوله: - وكبره تكبيرا) الإسراء: 110 - 111... 67 (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم) آل عمران: 31... 175 (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن) الأعراف: 33... 191 (قل هو الله أحد) التوحيد: 1... 49 (كأنهم خشب مسندة) المنافقون: 4... 454 (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز) المجادلة: 21... 198 (كلما أضاء لهم مشوا فيه) البقرة: 20... 78 (لا تستوي الحسنة ولا السيئة) فصلت: 34... 176 (لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم) هود: 43... 196 (لا يذوقون فيها الموت الدخان: 56... 4 (لتكبروا الله على ما هداكم) البقرة: 185... 7 (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم * فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم) التوبة: 128 - 129... 66 - 72 (لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم) الحديد: 23... 214

[ 486 ]

(للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة) يونس: 26... 83 (لم يكن الذين كفروا) البينة: 1... 81 (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الامثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون) الحشر: 21... 25 - 83 (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) الملك: 2... 424 (ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم) الكهف: 51... 238 (ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام) المائدة: 103... 283 (ما لكم لا ترجون لله وقارا) نوح: 13... 175 (مالك يوم الدين) الفاتحة: 4... 20 (مثلهم كمثل الحمار) الجمعة: 5... 454 (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) الانعام: 160... 367 (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة) البقرة: 245... 198 (من يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب) الطلاق: 2... 196 (وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله) المائدة: 35... 266 (واتقوا الله وكونوا مع الصادقين) التوبة: 119... 439 (واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي أشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا إنك كنت بنا بصيرا قال قد أوتيت سؤلك يا موسى) طه: 29 - 36... 275 - 276 (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا) الإسراء: 16... 291 (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) الفرقان: 63... 26 (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس) البقرة: 125... 288 (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين) البقرة: 58... 294 (واعلموا إنما غنمتم من شئ فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) الأنفال: 41... 403 (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق إثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من الفرقان: 68 - 70... 379

[ 487 ]

(والذين لا يشهدون الزور) الفرقان: 72... 179 (والذين هي الله عن ولايتهم وطاعتهم)... 208 (والذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس) البقرة: 275... 459 (والشمس وضحيها والقمر إذا تليها... والليل إذا يغشيها) الشمس: 1 - 4... 371 (والله عزيز ذو إنتقام) آل عمران: 4... 250 (وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون) المؤمنون: 74... 281 (وإن رحمة الله قريب من المحسنين) الأعراف: 56... 335 (وإن عليك لعنتي) ص: 78... 109 (وان كل لما جميع لدينا محضرون) يس: 32... 469 (وإن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم) الإسراء: 44... 350 - 239 (وإن منكم إلا واردها ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا) مريم: 71 - 72... 450 (وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا واوذوا) الأنعام: 33... 169 (وأسروا النجوى الذين ظلموا) الأنبياء: 3... 75 (وأقسموا بالله جهد أيمانهم) الأنعام: 109... 373 (وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء) الممتحنة: 4... 177 (وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار)... 169 (وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار) القصص: 41... 208 (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا) الأنبياء: 73... 174 (وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا) طه: 108... 347 (ودل المدينة على حين غفلة) القصص: 15... 15 (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواءا) النساء: 89... 173 (وذروا ظاهر الإثم وباطنه) الأنعام: 120... 170 (ورتل القرآن ترتيلا) المزمل: 4... 44 (وشاورهم في الأمر) آل عمران: 159... 248 (وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا) الفرقان: 30... 281 (وقالوا مالنا لا نرى رجالا.. الآية) ص: 62... 450 (وقرن في بيوتكن) الأحزاب: 33... 324

[ 488 ]

(وقل سلام فسوف تعلمون) الزخرف: 59... 119 (ولئن أشركت ليحبطن عملك) الزمر: 65... 80 (ولئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد) ابراهيم: 7... 196 - 460 (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن) العنكبوت: 46... 176 (ولا تنابزوا بالألقاب) الحجرات: 11... 312 (ولأصلبنكم في جذوع النخل)... 303 (ولأصلبنكم في جذوع النخل) طه: 71... 223 (ولا يحيق المكر السئ إلا بأهله) فاطر: 43... 246 (ولا يؤذن لهم فيعتذرون) المرسلات: 36... 168 (ولدينا مزيد) ق: 35... 7 - 182 (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين) سبأ: 20... 385 (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما) طه: 115... 199 (ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون) 135... 172 (ولنبلونكم بشئ من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين) البقرة: 155... 184 (ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا) الإسراء: 74... 80 (وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون) آل عمران: 83... 66 (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) ابراهيم: 4... 75 - 77 (وما أمر فرعون برشيد يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود) هود: 97 - 98... 282 (وما تدري نفس بأي أرض تموت) لقمان: 34... 245 (وما تشاءون إلا أن يشاء الله) الإنسان: 30... 462 (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) الذاريات: 56... 185 (وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون) الزمر: 67... 67 - 66 (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون) هود: 117... 392 (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب

[ 489 ]

على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين) آل عمران: 144... 170 (ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله) العنكبوت: 10... 390 - 313 (ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله) القصص: 50... 192 (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب) الطلاق: 2 - 3... 226 - 368 (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) الطلاق: 3... 460 (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله من النبيين، النساء: 69... 314 (ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين) المائدة: 5... (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا) البقرة: 269... 385 - 430 (ونجني ومن معي) الشعراء: 118... 22 (ويتفكرون في خلق السماوات والأرض.. الآية) آل عمران: 191... 258 (ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب) الرعد: 21... 221 (ويعفوا عن السيئات) الشورى: 25... 223 (ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان - يعني قرينه المضل له - للإنسان خذولا) الفرقان: 27 - 29... 281 (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق) الجاثية: 29... 370 (هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شئ مقتدرا) الكهف: 45... 225 (هل أتيك حديث الغاشية) الغاشية: 1... 372 (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) الزمر: 9... 380 (هم من خشية ربهم مشفقون) المؤمنون: 57... 350 (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون) الأنفال: 45... 190 (يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا) الأحزاب: 41 - 42... 190 (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا) التحريم: 8... 379 (يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى) البقرة: 264... 425 (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء) الممتحنة: 1... 208 (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله.. الآية) الحجرات: 1... 290

[ 490 ]

(يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين) المائدة: 67... 278 (يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم) يونس: 23... 195 (يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم) الزمر: 53... 313 (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين) المائدة: 67... 278 (يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم) يونس: 23... 195 (يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم) الزمر: 53... 313 (يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة) النساء: 100... 455 (يحسبون كل صيحة عليهم) المنافقون: 4... 250 (يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي) الروم: 19... 475 (يدرؤون بالحسنة السيئة) الرعد: 22... 176 (يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) العنكبوت: 54... 224 (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة) النساء: 176... 72 (يضل الله من يشاء) الرعد: 27... 211 (يمحق الله الربى ويربي الصدقات) البقرة: 276... 459 (يوم ندعوا كل أناس بإمامهم) الإسراء: 71... 306

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية