الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




شرح أصول الكافي - مولي محمد صالح المازندراني ج 9

شرح أصول الكافي

مولي محمد صالح المازندراني ج 9


[ 1 ]

كتاب الكافي الأصول والروضة لثقة الاسلام أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني مع شرح الكافي الجامع للمولى محمد صالح المازندراني المتوفى 1081 ه‍ مع تعاليق الميرزا أبو الحسن الشعراني المجلد التاسع

[ 3 ]

باب الاستغناء عن الناس 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: شرف المؤمن قيام الليل وعزه استغناؤه عن الناس. * الشرح: قوله (شرف المؤمن قيام الليل وعزه استغناؤه عن الناس) الشرف علو القدر ورفعته والعز والعزة بالكسر بمعنى وهو القوة في الدين أو الغلبة على الأمثال في اليقين، والعزيز من لا يعادله شئ ولا له نظير، والحمل للمبالغة. وقيام الليل سبب للشرف والرفعة، والاستغناء عن الناس سبب للعزة والمنعة لأن من استغنى عن الناس ظاهرا بترك السؤال، وباطنا بقطع الطمع عنهم صار عزيزا عند الخالق والخلق، ومن سألهم وطمع ما في أيديهم ورفع حاجته إليهم فقد ذل، ولذا قال أمير المؤمنين (عليه السلام) " ورضي بالذل من كشف ضره " وذلك لأن من كشف القناع عن وجه ضره وسوء حاله علم أنه يرى بعين الحقارة فقد رضي بالذل وإلا لم يكشفه اختيارا. 2 - علي بن إبراهيم، عن أبيه وعلي بن محمد القاساني، جميعا، عن القاسم بن محمد، عن سليمان بن داود المنقري، عن حفص بن غياث قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا أراد أحدكم أن لا يسأل ربه شيئا إلا أعطاه فلييأس من الناس كلهم ولا يكون له رجاء إلا عند الله، فإذا علم الله عز وجل ذلك من قلبه لم يسأل الله شيئا إلا أعطاه. * الشرح: قوله (إذا أراد أحدكم أن لا يسأل ربه شيئا إلا أعطاه فلييأس من الناس كلهم ولا يكون له رجاء إلا عند الله) الظاهر أن قوله " ولا يكون " عطف إخبار على إنشاء، ويمكن أن يكون الواو للحال، واليأس القنوط، وقد يئس من الشئ ييأس من باب علم، وفيه لغة أخرى يئس ييئس بالكسر فيهما، فهو شاذ، ورجل يؤوس. قال المبرد: ومنهم من يبدل في المستقبل من الياء الثانية ألفا ويقول يائس. وأشار إلى بيان الشرطية والتنبيه عليه بقوله: (فإذا علم الله عز وجل ذلك من قلبه لم يسأل الله شيئا إلا أعطاه) إذ العبد انقطع عن الخلق إلى الله واتصل به اتصالا روحانيا وقرب منه قربا معنويا، إذا ناداه لباه وإذا سأله أعطاه، بل صارت إرادته كإرادته وقدرته كقدرته، كما دل عليه بعض الروايات. 3 - وبهذا الإسناد، عن المنقري، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن علي بن الحسين صلوات الله عليهما قال: رأيت الخير كله قد اجتمع في قطع الطمع عما في أيدي الناس ومن لم يرج الناس في شئ ورد أمره إلى الله عز وجل في جميع اموره استجاب الله عز وجل له في كل

[ 4 ]

شئ. * الشرح: قوله (رأيت الخير كله قد اجتمع في قطع الطمع عما في أيدي الناس) قطع الطمع خير كثير متضمن لغيره من الخيرات كلها لأن الاتصاف به يوجب الانقطاع عن الخلق والاتصال بالحق، وهو في نفسه خير، وكل خير غيره إما موقوف عليه أو لازم له غير منفك عنه. 4 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن الحسين بن أبي العلاء، عن عبد الأعلى بن أعين قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: طلب الحوائج إلى الناس استلاب للعز ومذهبة للحياء، واليأس مما في أيدي الناس عز المؤمن في دينه والطمع هو الفقر الحاضر. * الشرح: قوله (طلب الحوائج إلى الناس استلاب للعز ومذهبة للحياء) إما أنه سبب لسلب العز فلأنه يجلب الذل والاحتقار كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) " أزرى بنفسه من استشعر الطمع " أي احتقر بنفسه من جعل الطمع شعارا له، وإما أنه آلة لذهاب الحياء فلأنه فتح باب لوم وهتك حجاب الحياء المانع من ارتكاب ما يلام به (واليأس مما في أيدي الناس) أي تفريغ القلب عنه وقطع الطمع والرجاء منه (عز للمؤمن في دينه) وسبب لرفعته وعلو منزلته عند الله وعند المؤمنين والملائكة المقربين. (والطمع هو الفقر الحاضر) لأن الله تعالى يكله إلى نفسه ويحيله إلى غيره وهو فقر حاضر، ومن العجب أن الطامع يطلب اليسر بالعسر ويغفل أن الشئ ليس بمحصل لضده. 5 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): جعلت فداك اكتب لي إلى إسماعيل بن داود الكاتب لعلي أصيب منه، قال: أنا أضن بك أن تطلب مثل هذا وشبهه ولكن عول على مالي. * الشرح: قوله (أنا أضن بك أن تطلب مثل هذا) ضن بالشئ يضن ضنا من باب علم: بخل، ومن باب ضرب لغة (ولكن عول على مالي) عولت به وعليه: استعنت، أي: استعن بمالي. 6 - عنه، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن معاوية بن عمار، عن نجم بن حطيم الغنوي. عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (اليأس مما في أيدي الناس عز المؤمن في دينه أوما سمعت قول حاتم: إذا ما عزمت اليأس ألفيته الغنى * إذا عرفته النفس والطمع الفقر * الشرح: قوله (أو ما سمعت قول حاتم) لم يذكره للاستشهاد بل للشهرة والدلالة على أن ذلك مما يذعن

[ 5 ]

به العاقل وإن لم يكن من أهل الدين. (إذا ما عزمت اليأس) العزم: العقد المؤكد المعرى من التردد، وألفيته بمعنى وجدته، والضمير راجع إلى الياس، وحمل الغنى عليه للمبالغة، و " إذا " ظرف ل‍ " ألفيته " واللام في الفقر يفيد الحصر كالسابق. 7 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن عمار الساباطي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان أمير المؤمنين صلوات الله عليه يقول: ليجتمع في قلبك الافتقار إلى الناس والاستغناء عنهم، فيكون افتقارك إليهم في لين كلامك وحسن بشرك ويكون استغناؤك عنهم في نزاهة عرضك وبقاء عزك. علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن معبد قال: حدثني علي بن عمر، عن يحيى بن عمران، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان أمير المؤمنين صلوات الله عليه يقول، ثم ذكر مثله. * الشرح: قوله (ليجتمع في قلبك الافتقار إلى الناس والاستغناء عنهم) أي ليجتمع في قلبك أمران بالنسبة إلى الناس: الأول اعتقادك بأنك مفتقر إليهم لأن الإنسان مدني بالطبع يعاون بعضهم بعضا في تحصيل المقاصد، والثاني: اعتقادك بأنك مستغن عنهم غير محتاج إلى السؤال عنهم لأنه تعالى تكفل أرزاق العباد وأمرهم بالسؤال عنه وهو مسبب الأسباب إن شاء هيأ أسباب مقاصدهم، وفائدة الأول حسن المصاحبة والمخالطة معهم بلين الكلام وحسن البشر والطلاقة ونحوها لأن ذلك له مدخل عظيم في تحصيل المقاصد وتكميل النظام، وفائدة الثاني حفظ العرض وصونه عن النقص وحفظ العز بترك السؤال والطمع فيما في أيديهم.

[ 6 ]

باب صلة الرحم 1 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله جل ذكره: * (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا) * قال: فقال: هي أرحام الناس، إن الله عز وجل أمر بصلتها وعظمها، ألا ترى أنه جعلها منه. * الشرح: قوله * (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا) * أي حفيظا مطلعا، قال القاضي: أي يسأل بعضكم بعضا فيقول: أسألك بالله، وأصله " تتساءلون " فأدغمت التاء الثانية في السين، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بطرحها. انتهى، والظاهر أن ضمير " به " راجع إلى الله، وعوده إلى التقوى بعيد، وإن الأحارم بالجر عطفا على الضمير المجرور، وقد قرأ به حمزة واستدل به الكوفيون على جواز العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار، ومنعه البصريون لأنه من قبيل العطف على بعض الكلمة، وأجابوا عن الآية بأن الأرحام مرفوعة كما في بعض القراءة على أنه مبتدأ محذوف الخبر تقديره: " والأرحام كذلك " أي مما يتقى أو يتساءل به. أو منصوبة على محل الجار والمجرور كما في قولك: مررت بزيد وعمرا. أو على الله أي اتقوا الأرحام فصلوها ولا تقطعوها على أن الواو يحتمل أن يكون للقسم أو بمعنى مع. والجواب أن الكل خلاف الظاهر. أما الأول فلأن الأصل عدم الحذف. وأما الثاني فلأن العطف على المحل نادر في كلام الفصحاء، والمثال المذكور مصنوع، ومع ندرته لا يجوز إلا مع تعذر العطف على اللفظ، ودليل التعذر غير تام لأن امتناع العطف على بعض الكلمة إذا كان ذلك البعض أيضا كلمة ممنوع وقد اتفقوا على جواز العطف على الظاهر المجرور بدون إعادة الجار مع قيام الدليل المذكور عليه أيضا، وتأثير الفرق بشدة الاتصال في الضمير دون الظاهر في جواز العطف وعدمه ممنوع، وإثباته مشكل جدا، وأما الثالث فلبعد المسافة ولعدم فهم المسائلة في الأرحام حينئذ. وأما الاخيران فلأن الأصل في الواو هو العطف، ولا يعدل عنه إلا لدليل على أن الأرحام حينئذ غير مندرجة تحت الأمر بالتقوى ظاهرا وهو خلاف ما نطق به قوله (عليه السلام): " إن الله عز وجل أمر بصلتها " ومعنى المعية في تعلق السؤال غير ظاهر كما لا يخفى. إن قلت: السؤال يتعدى بنفسه وب‍ " عن " كما يقال: سألته الشئ وسألته عن الشئ فما الوجه في تعلقه هنا بالباء ؟ قلت: الباء هنا بمعنى " عن " كما في قوله تعالى * (سأل سائل بعذاب) * أي عن عذاب، كما صرح به الجوهري. على أن الظاهر من كلام الأخفش حيث قال: خرجنا نسأل عن فلان

[ 7 ]

وبفلان جواز الاستعمال بالباء أيضا حقيقة. وفيه دلالة على تأكد صلة الأرحام لأنه سبحانه خصها بالذكر وقرنها باسمه ونسب حفظها وضبطها إليه جل شأنه دون الملكين وهو دل على عظمة شأنها ورفعة مكانها، وإليه يشير قوله (عليه السلام): " ألا ترى أنه جعلها منه ". بقي شئ ينبغي الإشارة إليه وهو تحقيق معنى الرحم فنقول: قيل: الرحم والقرابة نسبة واتصال بين المنتسبين يجمعها رحم واحدة، وهذا يشبه أن يكون دوريا، وقيل: الرحم عبارة عن قرابة الرجل من جهة طرفيه آبائه وإن علوا وأبنائه وإن سفلوا وما يتصل بالطرفين من الأعمام والعمات والإخوة والأخوات وأولادهم، وقيل الرحم التي تجب صلتها كل رحم بين اثنين لو كان ذكرا لم يتناكحا. فعلى هذا لا يدخل أولاد الأعمام وأولاد الأخوال، وقيل: هي عام في كل رحم من ذوي الأرحام المعروفين بالنسب محرمات أو غير محرمات وإن بعدوا، وهذا أقرب إلى الصواب ويدل عليه ما رواه علي بن إبراهيم في تفسير قوله تعالى * (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم) * أنها نزلت في بني أمية وما صدر منهم بالنسبة إلى أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، ويؤيده روايات أخر. والظاهر أنه لا خلاف في أن صلة الرحم واجبة في الجملة وأن لها درجات متفاوتة بعضها فوق بعض وأدناها الكلام والسلام وترك المهاجرة، وتختلف ذلك أيضا باختلاف القدرة عليها والحاجة إليها، فمن الصلة ما يجب ومنها ما يستحب ومن وصل بعض الصلة ولم يبلغ أقصاها، ومن قصر عما ينبغي أو قصر عما يقدر عليه هل هو واصل أو قاطع فيه تأمل، والأقرب عدم القطع لصدق الصلة في الجملة. 2 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن النعمان، عن إسحاق بن عمار قال: قال: بلغني عن أبي عبد الله (عليه السلام) أن رجلا أتى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله أهل بيتي أبوا إلا توثبا علي وقطيعة لي وشتيمة فأرفضهم ؟ قال: إذا يرفضكم الله جميعا، قال: فكيف أصنع ؟ قال: تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك، فإنك إذا فعلت ذلك كان لك من الله عليهم ظهير. * الشرح: قوله (وشتيمة اه‍) الشتيمة دشنام وهي اسم من شتمه شتما من باب ضرب، ورفض الله كناية عن سلب الرحمة والنصرة وإنزال العقوبة عاجلا وآجلا، وتصل وما عطف عليه خبر بمعنى الأمر والظهير الناصر والمعين وهو رب العالمين وصالح المؤمنين وجميع المقربين، فأي وزن لقطع أهل البيت وإهانتهم لك إن وصلتهم بعد نصرة هؤلاء. 3 - وعنه، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن محمد بن

[ 8 ]

عبيدالله قال: قال أبو الحسن الرضا (عليه السلام): يكون الرجل يصل رحمه فيكون قد بقي من عمره ثلاث سنين فيصيرها الله ثلاثين سنة ويفعل الله ما يشاء. * الشرح: قوله (يكون الرجل يصل رحمه فيكون قد بقي من عمره ثلاث سنين فيصيره الله ثلاثين سنة) هذا صريح في أن العمر يزيد وينقص وأن صلة الرحم توجب زيادته، وينبغي أن يراعى الأقرب فالأقرب مع التزاحم وعدم القدرة على بر الجميع وأما مع عدم القدرة فالأولى أن يبر الجميع ولو بالتفاوت. وقوله " يفعل الله ما يشاء " إشارة إلى المحو والإثبات. 4 - وعنه، عن علي بن الحكم، عن خطاب الأعور، عن أبي حمزة قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): صلة الأرحام تزكي الأعمال وتنمي الأموال وتدفع البلوى وتيسر الحساب وتنسئ في الأجل. * الشرح: قوله (صلة الأرحام تزكي الأعمال) تزكي مضارع من باب الإفعال أو التفعيل أي تجعلها نامية أو طاهرة من النقص أو من الرد وإن كان فيها نقص ما (وتنمي الأموال) مثله قول أمير المؤمنين (عليه السلام) " صلة الرحم مثراة في المال " قال بعض الشارحين له: وذلك من وجهين أحدهما أن العناية الإلهية قسمت لكل حي قسطا من الرزق يناله مدة الحياة، وإذا أعدت شخصا من الناس للقيام بأمر جماعة وكفلته بإمدادهم ومعونتهم وجب في العناية إفاضة أرزاقهم على يده وما يقوم بإمدادهم على حسب استعداده ذلك، سواء كانوا ذوي الأرحام أو مرحومين في نظره حتى لو نوى قطع أحد منهم فربما نقص ماله بحسب رزق ذلك المقطوع وذلك معنى كونها مثراة للمال، الثاني أنها من الأخلاق الحميدة التي يستمال بها طباع الخلق فواصل رحمه مرحوم في نظر الكل فيكون ذلك سببا لامداده ومعونته من ذوي الإمداد والمعونات كالملوك. (وتدفع البلوى) البلاء والبلية والبلوى بمعنى وهو ما يبتلى به الإنسان ويمتحن به من النوائب والمصائب والمكاره الثقيلة على النفس. (وتيسر الحساب) أي حساب الأموال أو الأعمال أيضا (وتنسئ في الأجل) مثله في نهج البلاغة عن علي (عليه السلام) وفي كتب العامة أيضا عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " من أحب أن ينسأ في أجله فليصل رحمه " وفي طريق آخر: " من سره أن ينسأ له في أثره فليصل رحمه " (1) قال شارح النهج: " النساء التأخير وذلك من وجهين أحدهما أنها توجب تعاطف ذوي الأرحام وتوازرهم وتعاضدهم


1 - صحيح مسلم ج 8 ص 8. (*)

[ 9 ]

لواصلهم فيكون عن أذى الأعداء أبعد وفي ذلك مظنة تأخيره وطول عمره، الثاني أن مواصلة ذوي الأرحام توجب همهم ببقاء واصلهم وإمداده بالدعاء، وقد يكون دعاؤهم له وتعلق همهم ببقائه من شرائط بقائه وإنساء أجله ". أقول: يمكن أن يكون للصلة بالخاصية تأثير في تأخير الأجل وأن يكون تأخير الأجل عناية من الله تعالى للواصل ليصل فيضه وبره إلى عباد الله فيستريحوا بظل حمايته، وقال عياض: الأثر: الأجل، سمي بذلك لأنه تابع للحياة. والمراد بنساء الأجل يعني تأخيره هو بقاء الذكر الجميل بعده فكأنه لم يمت وإلا فالاجل لا يزيد ولا ينقص، وقال بعضهم: يمكن حمله على ظاهره لأن الأجل يزيد وينقص، إذ قد يكون في أم الكتاب أنه إن وصل رحمه فأجله كذا وإن لم يصل فأجله كذا، وقال المازري: وقيل معنى الزيادة في عمره أنه بالبركة فيه بتوفيقه إلى أعمال الطاعة وعمارة أوقاته بما ينفعه في الآخرة والتوجيه ببقاء ذكره بعد الموت ضعيف، وقال الطيبي: بل التوجيه به أظهر فإن أثر الشئ هو حصول ما يدل على وجوده، فمعنى يؤخر في أثره يؤخر ذكره الجميل بعد موته، قال الله تعالى: * (ونكتب ما قدموا وآثارهم) * ومنه قول الخليل (عليه السلام): * (واجعل لي لسان صدق في الآخرين) *. 5 - وعنه، عن الحسن بن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اوصي الشاهد من امتي والغائب منهم ومن في أصلاب الرجال وأرحام النساء إلى يوم القيامة أن يصل الرحم وإن كانت منه على مسيرة سنة، فإن ذلك من الدين. قوله (وإن كان منه على مسيرة سنة) فينبغي الارتحال لزيارتهم أو إرسال الكتاب والهدايا إليهم وفي بعض النسخ " ولو كانت منه " بالتأنيث وكلاهما جائز لأن الرحم يذكر ويؤنث. 6 - وعنه، عن علي بن الحكم، عن حفص، عن أبي حمزة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: صلة الأرحام تحسن الخلق وتسمح الكف وتطيب النفس وتزيد في الرزق وتنسئ في الأجل. قوله (صلة الأرحام تحسن الخلق) ذكر للصلة خمسة أوصاف الأول أنها (تحسن الخلق) وهو ملكة تصدر منها الأفعال بسهولة مثل الصدق واللطف والألفة وحسن الصحبة والعشرة والطلاقة والبشاشة ونحوها، وذلك لأن الصلة من حسن الخلق وسبب لزيادته ورسوخه وكماله والثاني أنها: (تسمح الكف) أي توجب جوده وبذله بالنسبة إلى عموم الخلق لأن الجود يصير عادة ويتكامل بالتدريج حتى يزيل مادة البخل، والثالث أنها (تطيب النفس) أي تبسطها وتشرحها حتى تطهرها من خوف الفقر للبر والإنفاق ومن سائر الخبائث مثل الغلظة والحقد ونحوهما، والرابع أنه (تزيد في الرزق) أو توجب بسطه وسعته والبركة فيه، والخامس أنها (تنسئ في الأجل) وتؤخره كما مر.

[ 10 ]

7 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: إن الرحم معلقة بالعرش تقول: اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني. وهي رحم آل محمد وهو قول الله عز وجل: * (الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل) * (1) ورحم كل ذي رحم. * الشرح: قوله (إن الرحم معلقة بالعرش تقول اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني) فيه إخبار عن تأكد صلة الرحم وأنه سبحانه نزلها منزلة من استجار به فأجاره وجار الله غير مخذول، والقول محمول على الظاهر إذ لا يبعد من قدرة الله أن يجعلها ناطقة كما ورد أمثال ذلك في بعض الأعمال أنه يقول أنا عملك، والمراد بصلة الله تعالى من وصلها رحمته لهم وعطفه بنعمته عليهم أو صلته لهم بأهل ملكوته والرفيق الأعلى، أو قربه منهم وشرح صدورهم لمعرفته، أو جميع أنواع الإكرام والإفضال فإن صلة الرحم تجلب خير الدنيا والآخرة، وقيل: المشهور من تفاسير الرحم أنها قرابة الرجل من جهة طرفيه وهي أمر معنوي والمعاني لا تتكلم ولا تقوم فكلام الرحم وقيامها وقطعها ووصلها استعارة لتعظيم حقها وصلة واصلها وإثم قاطعها ولذلك سمى قطعها عقوقا، وأصل العق الشق فكأنه قطع ذلك السبب الذي يصلهم، وقيل يحتمل أن الذي تعلق بالعرش ملك من ملائكة الله وتكلم بذلك عنها من أمر الله سبحانه فأقام الله ذلك الملك يناضل عنها ويكتب ثواب واصلها واثم قاطعها وكل الحفظة يكتب الأعمال، وفيه: أن جميع ذلك خلاف الظاهر، والحمل على الظاهر غير بعيد بالنظر إلى القدرة القاهرة وأراد بقوله (وهي رحم آل محمد) أن رحمهم (عليهم السلام) متصلة بجميع الأمة لا بالاتصال النسبي بل بالاتصال المعنوي وقرابة أولي النعمة والإيمان، وبالجملة كونهم (عليهم السلام) أصلا للايمان صار ذلك باعثا لقرابة المؤمنين معهم كما أن أصل الدين سبب لأخوة المؤمنين، فالمراد برحمهم (عليهم السلام) رحم الايمان، فالرحم رحمان: خاصة وهي رحم قرابة وعامة وهي رحم الايمان، والظاهر أن قوله تعالى: * (أن يوصل) * بدل من ضمير " به " وأن قوله (عليه السلام) (ورحم كل ذي رحم) عطف على رحم آل محمد للدلالة على التعميم. 8 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن مالك بن عطية، عن يونس بن عمار قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): أول ناطق من الجوارح يوم القيامة تقول: يا رب من وصلني في الدنيا فصل اليوم ما بينك وبينه ومن قطعني في الدنيا فاقطع اليوم ما بينك وبينه.


1 - الرعد: 21. (*)

[ 11 ]

9 - عنه، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) صل رحمك ولو بشربة من ماء، وأفضل ما توصل به الرحم كف الأذى عنها، وصلة الرحم منسأة في الأجل، محببة في الأهل. * الشرح: قوله (وصلة الرحم منسأة في الأجل ومحببة في الأهل) أي آلة لتأخير أجل الواصل وسبب لزيادة عمره ومحبة أهله لأن الإنسان مجبول بحب من أحسن إليه، ومن ثم قيل: الإنسان عبيد الإحسان. 10 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن حريز بن عبد الله، عن فضيل بن يسار قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): إن الرحم معلقة يوم القيامة بالعرش تقول: اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني. 11 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال أبو ذر رضي الله عنه، سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: حافتا الصراط يوم القيامة الرحم والأمانة، فإذا مر الوصول للرحم، المؤدي للأمانة نفذ إلى الجنة وإذا مر الخائن للأمانة، القطوع للرحم لم ينفعه معهما عمل وتكفأ به الصراط في النار. 12 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حفص ابن قرط، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: صلة الأرحام تحسن الخلق وتسمح الكف وتطيب النفس وتزيد في الرزق وتنسئ في الأجل. 13 - عنه، عن عثمان بن عيسى، عن خطاب الأعور، عن أبي حمزة قال: قال أبو جعفر (عليه السلام) صلة الأرحام تزكي الأعمال وتدفع البلوى وتنمي الأموال وتنسئ له في عمره وتوسع في رزقه وتحبب في أهل بيته، فليتق الله وليصل رحمه. 14 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان جميعا، عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن الحكم الحناط قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) صلة الرحم وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار. * الشرح: قوله (صلة الرحم وحسن الجوار) قيل: حسن الجوار فضيلة تنشعب إلى فضيلتين لأن حفظه يكون بالكف عن أذاه، وذلك فضيلة تحت العدل ويكون الإحسان إليه ومصادقته ومسامحته ومواساته وتلك الأمور تحت العفة.

[ 12 ]

15 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمد الأشعري، عن عبد الله بن ميمون القداح، عن أبي عبيدة الحذاء، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن أعجل الخير ثوابا صلة الرحم. * الشرح: قوله (إن أعجل الخير ثوابا صلة الرحم) لأن كثيرا من ثوابها يصل إلى الواصل في الدنيا مثل زيادة العمر والرزق ومحبة الأهل ونحوها. 16 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من سره النساء في الأجل والزيادة في الرزق فليصل رحمه. 17 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن صفوان بن يحيى، عن إسحاق بن عمار، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ما نعلم شيئا يزيد في العمر إلا صلة الرحم، حتى أن الرجل يكون أجله ثلاث سنين فيكون وصولا للرحم فيزيد الله في عمره ثلاثين سنة فيجعلها ثلاثا وثلاثين سنة، ويكون أجله ثلاثا وثلاثين سنة، فيكون قاطعا للرحم فينقصه الله ثلاثين سنة ويجعل أجله إلى ثلاث سنين. الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، مثله. * الشرح: قوله (ما نعلم شيئا يزيد في العمر إلا صلة الرحم) دل على أن غيرها ليس سببا لزيادة العمر وإلا كان هو (عليه السلام) عالما به، ولعل المراد أنها أكمل أفراد ما يوجب زيادة العمر مثل الصدقة وحسن الجوار وغيرهما، ويمكن إدراج غيرها فيها بوجه. وفيه وفي ما مر من حديث أبي الحسن الرضا (عليه السلام) دلالة واضحة على أن المراد بالنساء في الأجل زيادة العمر لا ما ذهب إليه بعض العامة من بقاء الذكر الجميل بعد موته ولا ما ذهب إليه بعضهم أيضا من البركة في العمر بمعنى توفيقه للطاعة والعبادة كما ذكرناه سابقا، وما ذهبوا إليه وإن كان صحيحا يوجبه الصلة لكنه غير مراد من النساء في الأجل. 18 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن بعض أصحابه، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لما خرج أمير المؤمنين (عليه السلام) يريد البصرة، نزل بالربذة فأتاه رجل من محارب، فقال: يا أمير المؤمنين إني تحملت في قومي حمالة وإني سألت في طوائف منهم المؤاساة والمعونة فسبقت إلي ألسنتهم بالنكد فمرهم يا أمير المؤمنين بمعونتي وحثهم على مؤاساتي، فقال: أين هم ؟ فقال: هؤلاء فريق منهم حيث ترى، قال: فنص راحلته فأدلفت كأنها ظليم فأدلف بعض أصحابه في طلبها فلأيا بلأي ما لحقت، فانتهى إلى القوم فسلم عليهم وسألهم ما يمنعهم

[ 13 ]

من مؤاساة صاحبهم فشكوه وشكاهم، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): وصل امرؤ عشيرته، فإنهم أولى ببره وذات يده ووصلت العشيرة أخاها إن عثر به دهر وأدبرت عنه دنيا فإن المتواصلين المتباذلين مأجورون، وإن المتقاطعين المتدابرين موزورون، [ قال ] ثم بعث راحلته وقال: حل. * الشرح: قوله (نزل بالربذة) الربذة بالتحريك قرية معروفة قرب المدينة بها قبر أبي ذر الغفاري (فأتاه رجل من محارب) هي قبيلة (إني تحملت في قومي حمالة) هي بالفتح: ما يتحمله الإنسان عن غيره من دية أو غرامة مثل أن يقع حرب بين الفريقين سفك فيها الدماء فيدخل بينهم رجل فيتحمل ديات القتلى ليصلح ذات البين. (وإني سألت في طوائف منهم المواساة والمعونة) في أداء الحمالة ويحتمل الأعم (فسبقت إلي ألسنتهم بالنكد) أي بالشدة والغلظة والعسر (قال فنص راحلته) أي استحثها واستخرج أقصى ما عندها من السير، وأصل النص بالصاد المهملة أقصى الشئ وغايته ثم سمى به ضرب من السير سريع (فأدلفت كأنها ظليم) الظليم: ذكر النعام، وأدلفت من باب الافتعال أو التفعل، والأخير أشهر من الدليف وهو المشي مع تقارب الخطو والإسراع وكانه الوخدان، قال الثعالبي في سر الأدب: الوخدان: نوع من سير الإبل وهو أن ترمي بقوائمها كمشي النعام. (فدلف بعض أصحابه في طلبها) أي في طلب راحلته وأثرها، وفي بعض النسخ: فأدلف (فلأيا بلأي ما لحقت) اللأي كالسعي: الجهد والمشقة، أي فجهد جهدا بعد جهد ومشقة بعد مشقة ما لحقت الراحلة (وصل امرؤ عشيرته فإنهم أولى ببره وذات يده) الأظهر أنه خبر بمعنى الأمر وكذا ما عطف عليه أي: وليصل امرؤ عشيرته وقومه فإنهم أولى ببره أي بإفاضة خيره عليهم وإحسانه إليهم وإعطاء ما في يده إياهم، وكذا العكس إن احتاج إلى إحسانهم. (ثم بعث راحلته وقال حل) حل بفتح الحاء المهملة وسكون اللام زجر للناقة إذا حثها للسير، قال ابن عباس: إن حل لتوطئ الناس وتؤذى وتشغل عن ذكر الله تعالى يعني أن كلمة حل وزجرك بها ناقتك عند الإفاضة من عرفات توطئ الناس وتؤذيهم وتشغل قلبك عن ذكر الله فسر على هينك. 19 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن عثمان بن عيسى، عن يحيى عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لن يرغب المرء عن عشيرته وإن كان ذا مال وولد وعن مودتهم وكرامتهم ودفاعهم بأيديهم وألسنتهم، هم أشد الناس حيطة من ورائه وأعطفهم عليه وألمهم لشعثه، إن أصابته مصيبة أو نزل به بعض مكاره الامور، ومن يقبض يده عن عشيرته

[ 14 ]

فإنما يقبض عنهم يدا واحدة ويقبض عنه منهم أيدي كثيرة، ومن يلن حاشيته يعرف صديقه منه المودة، ومن بسط يده بالمعروف إذا وجده يخلف الله له ما أنفق في دنياه ويضاعف له في آخرته، ولسان الصدق للمرء يجعله الله في الناس خيرا من المال يأكله ويورثه، لا يزدادن أحدكم كبرا وعظما في نفسه ونأيا عن عشيرته، إن كان موسرا في المال، ولا يزدادن أحدكم في أخيه زهدا ولا منه بعدا، إذا لم ير منه مروة وكان معوزا في المال ولا يغفل أحدكم عن القرابة بها الخصاصة أن يسدها بما لا ينفعه إن أمسكه ولا يضره إن استهلكه. * الشرح: قوله (لن يرغب المرء عن عشيرته وإن كان ذا مال وولد) المراد به النهي المؤبد والمنع المؤكد يعني لا يعرض المرء عن عشيرته وعونهم باليد واللسان وإن كان ذا مال وولد، فإنه محتاج إلى العشيرة من جهات شتى، وماله وولده لا يغنيانه عنهم فكيف إذا لم يكن له مال وولد فإن احتياجه إليهم حينئذ أشد وأكمل، وفيه ترغيب في صلة العشيرة على كل حال. (وعن مودتهم وكرامتهم) الإضافة إلى الفاعل أو المفعول والأول أنسب بقوله: (ودفاعهم بأيديهم وألسنتهم) لأن الإضافة فيها إلى الفاعل (هم أشد الناس حيطة) أي حفظا ورعاية له (من ورائه) أي في غيبته (وأعطفهم عليه) في الغيبة والحضور (وألمهم لشعثه) الشعث محركة: انتشار الأمور وتفرقها واللم الإصلاح، تقول: لممت شعثه لما من باب قتل إذا أصلحت من حاله ما تشعث وتفرق (إن أصابته مصيبة أو نزل به بعض مكاره الأمور) قيده بهذه الشرط لأن الاحتياج إليهم حينئذ أظهر، ويناسب هذا ما روى عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: " وأكرم عشيرتك فإنهم جناحك الذي به تطير وأصلك الذي إليه تصير ويدك التي بها تصول " أمر باكرامهم ورغبه فيه بذكر المنافع الدنيوية وهي أنه يتقوى بهم حيث إنهم يصيرون أعوانا له وبهم يتحقق كماله وقوته (ومن يقبض يده عن عشيرته فإنما يقبض عنهم يدا واحدة ويقبض عنه منهم أيدي كثيرة) لأنهم يهجرونه ولا يعاونونه فيما ينزل به من مصائب الدنيا ونوايب الدهر وغلبة الأعادي وقد مر شرحه مفصلا في آخر باب المداراة. (ومن يلن حاشيته يعرف صديقه منه المودة) يعني لين الجانب وحسن الصحبة مع العشيرة وغيرهم موجب لمعرفتهم المودة منه ومن البين أن ذلك موجب لمودتهم له فلين الجانب مظهر للمودة من الجانبين وبها يتم النظام في الدارين. (ومن بسط يده بالمعروف) تخصيصه بالمندوب محتمل وتعميمه أولى (إذا وجده يخلف الله له ما أنفق في دنياه) سواء أنفق على ذوي الأرحام أو على غيرهم (ويضاعف له في آخرته) حتى أن الرجل ليتصدق بالتمرة أو بشق التمرة فيربيها الله تعالى فيلقاها يوم القيامة وهو مثل أحد أو

[ 15 ]

أعظم منه، هذا إذا اكتسب المال من حله وأنفقه في حله لوجه الله تعالى كما دلت عليه الرواية وتشهد عليه التجربة. (ولسان الصدق للمرء يجعله الله في الناس خيرا من المال يأكله ويورثه) يعني مدح الناس له بالجميل وذكرهم بالخبر ودعاؤهم له بالمغفرة خير من المال يأكله ويورثه إذ ليس في المأكل مدح وكمال مع انقطاع نفعه، والتوريث إنما هو بغير اختيار مع أن الوارث إن صرفه في وجوه البر كان الثواب له لا للمورث (لا يزدادن أحدكم كبرا وعظما في نفسه ونأيا عن عشيرته إن كان موسرا في المال) لما كان أعظم أسباب كبر الرجل وعظمته وبعده عن العشيرة هو يسره وكونه ذا مال، قيد النهي عن تلك الأمور به، وليس المراد جواز هذه الأمور مع العسر بل تعلق النهي بها مع العسر أولى. (ولا يزدادن أحدكم في أخيه زهدا ولا منه بعدا إذا لم ير منه مروة وكان معوزا في المال) المروة كمال الرجولية بالإحسان ونحوه. والمعوز بكسر الواو: المفتقر الذي لا شئ له، من أعوز الرجل إعوازا افتقر، وبفتحها: الفقير، من أعوزه الدهر أفقره وأحوجه. وفيه مبالغة في النهي عن الإعراض من الأخ والبعد منه فإنه إذا قبح ذلك مع عدم مروة الأخ فقد قبح مع مروته بطريق أولى (لا يغفل أحدكم عن القرابة بها الخصاصة أن يسدها بمالا ينفعه إن أمسكه ولا يضره إن استهلكه) الظاهر أن بها الخصاصة مبتدأ وخبر والجملة حال عن القرابة، وأن يسدها بدل عنها أو متعلق ب‍ " لا يغفل " بتقدير من، أي لا يغفل أحدكم من أن يسد خصاصة القرابة واحتياجها بمال لا ينفعه إن أمسكه بالمنع ولا يضره إن استهلكه بالإعطاء وغيره، وفيه ترغيب للمرء في صرف فضل ماله في الأقرباء لأن الفضل لا ينفعه حفظه ولا يضره دفعه. 20 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن عثمان بن عيسى، عن سليمان بن هلال قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن آل فلان يبر بعضهم بعضا ويتواصلون، فقال: إذا تنمى أموالهم وينمون، فلا يزالون في ذلك حتى يتقاطعوا، فإذا فعلوا ذلك انقشع عنهم. * الشرح: قوله (فلا يزالون في ذلك) أي نمو أموالهم وزيادتها ونموهم بزيادة أعمارهم وتكثر أعدادهم. 21 - عنه، عن غير واحد، عن زياد القندي، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن القوم ليكونون فجرة ولا يكونون بررة، فيصلون أرحامهم فتنمى أموالهم وتطول أعمارهم، فكيف إذا كانوا أبرارا بررة.

[ 16 ]

* الشرح: قوله (إن القوم ليكونون فجرة ولا يكونون بررة) إشارة إلى أن الفوائد الدنيوية للصلة تصل إلى المؤمن والفاسق والكافر، وإن المؤمن الصالح أولى بذلك. 22 - وعنه، عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن بن راشد، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): صلوا أرحامكم ولو بالتسليم، يقول الله تبارك وتعالى: * (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا) *. * الشرح: قوله (صلوا أرحامكم ولو بالتسليم) دل على أنه ينبغي المبادرة بالسلام على ذوي الأرحام وإن ظن أنهم لا يردون عليه، والقول بأنه لا يسلم عليهم حينئذ، لأنه يدخلهم في حرام، كما ذهب إليه بعض العامة، ليس بشئ، لإمكان توبتهم وردهم فلا يترك تلك الخصلة العظيمة والفضيلة الشريفة لمجرد الظن. 23 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن صفوان الجمال قال: وقع بين أبي عبد الله (عليه السلام) وبين عبد الله بن الحسن كلام حتى وقعت الضوضاء بينهم واجتمع الناس فافترقا عشيتهما بذلك وغدوت في حاجة، فإذا أنا بأبي عبد الله (عليه السلام) على باب عبد الله بن الحسن وهو يقول: يا جارية قولي لأبي محمد [ يخرج ] قال: فخرج فقال: يا أبا عبد الله ما بكر بك ؟ قال: إني تلوت آية من كتاب الله عز وجل البارحة فأقلقتني، قال: وما هي ؟ قال: قول الله جل وعز ذكره: * (الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب) * فقال: صدقت لكأني لم أقرأ هذه الآية من كتاب الله قط فاعتنقا وبكيا. * الشرح: قوله (حتى وقعت الضوضاء بينهم) الضوضاء أصوات الناس ضوضؤوا أي ضجوا. قوله (ما بكر بك) بكر إلى الشئ بكورا من باب قعد: أسرع أي وقت كان، وبكرت: عجلت، وبكر تبكيرا مثله، وفي بعض النسخ ما يكربك من الإكراب وهو الإسراع. 24 - وعنه، عن علي بن الحكم، عن عبد الله بن سنان قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن لي ابن عم أصله فيقطعني وأصله فيقطعني حتى لقد هممت لقطيعته إياي أن أقطعه، أتأذن لي قطعه ؟ قال: إنك إذا وصلته وقطعك وصلكما الله جميعا وإن قطعته وقطعك قطعكما الله. * الشرح: قوله (إنك إذا وصلته وقطعك وصلكما الله) لأن وصلتك إياه قد يرقق قلبه ويجعله محبا لك

[ 17 ]

ومايلا إليك فيترك القطيعة بتوفيق الله كما يدل عليه قول أمير المؤمنين (عليه السلام) " وخذ على عدوك بالفضل فإنه أحد الظفرين " يريد أن الظفر على العدو إما بالسنان وإما بالإفضال. 25 - عنه، عن علي بن الحكم، عن داود بن فرقد قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) إني احب أن يعلم الله أني قد أذللت رقبتي في رحمي وإني لابادر أهل بيتي، أصلهم قبل أن يستغنوا عني. * الشرح: قوله (إني أحب أن يعلم الله أني قد أذللت رقبتي في رحمي) أي أحب أن يطابق علمه بالمعلوم أو أحب أن يعلم الإذلال بعد الكون كما علمه قبله أو أحب أن يجزيني بالإذلال، فأطلق العلم وأراد الجزاء كناية لأن الجزاء تابع للعلم. 26 - عنه، عن الوشاء، عن محمد بن الفضيل الصيرفي، عن الرضا (عليه السلام) قال: إن رحم آل محمد - الائمة (عليهم السلام) - لمعلقة بالعرش تقول: اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني ثم هي جارية بعدها في أرحام المؤمنين، ثم تلا هذه الآية: * (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام) *. 27 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن عمر بن يزيد قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: * (الذي يصلون ما أمر الله به أن يوصل) * فقال: قرابتك. * الشرح: قوله (فقال قرابتك) أراد أن الآية شاملة لقرابة المؤمنين، لا أنها مختصة بها لدلالة الخبر السابق والخبر الآتي على أنها شاملة لقرابة محمد (صلى الله عليه وآله) أيضا. 28 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد بن عثمان وهشام بن الحكم ودرست بن أبي منصور، عن عمر بن يزيد قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) * (الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل) * ؟ قال: نزلت في رحم آل محمد عليه وآله السلام وقد تكون في قرابتك، ثم قال: فلا تكونن ممن يقول للشئ: إنه في شئ واحد. * الشرح: قوله (فلا تكونن ممن يقول للشئ إنه في شئ واحد) يعني أن الآية شاملة لأرحام المؤمنين وإن نزلت في رحم آل محمد (صلى الله عليه وآله) فلا تقولن باختصاصها بها. 29 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن محمد بن علي، عن أبي جميلة عن الوصافي، عن علي بن الحسين (عليهما السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من سره أن يمد الله في عمره وأن يبسط له في رزقه فليصل رحمه، فإن الرحم لها لسان يوم القيامة ذلق تقول: يا رب صل من وصلني واقطع من قطعني، فالرجل ليرى بسبيل خير إذا أتته الرحم التي قطعها فتهوي به إلى أسفل قعر في النار.

[ 18 ]

* الشرح: قوله (فإن الرحم لها لسان يوم القيامة ذلق) أي فصيح بليغ، وذلق بضم الذال واللام أو فتحها أو سكونها مع فتح الذال، وفيه دلالة واضحة على أن قول الرحم محمول على الحقيقة وقد مر الخلاف فيه. * الشرح: قوله (فتهوى به إلى أسفل قعر في النار) الإضافة في " أسفل قعر " بيانية وهو يدل على أن قاطع الرحم وإن فعل جملة من الأعمال الصالحة يدخل النار، ونحن لا نكفر بالذنوب فلا بد من التأويل، ولعل المراد بالدخول: الدخول مع عدم الدوام. أو المراد بالقاطع: القاطع المستحل. 30 - علي بن محمد، عن صالح بن أبي حماد، عن الحسن بن علي، عن صفوان، عن الجهم بن حميد قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): تكون لي القرابة على غير أمري، ألهم علي حق ؟ قال: نعم حق الرحم لا يقطعه شئ وإذا كانوا على أمرك كان لهم حقان: حق الرحم، وحق الإسلام. 31 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن إسحاق بن عمار قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن صلة الرحم والبر ليهونان الحساب ويعصمان من الذنوب، فصلوا أرحامكم، وبروا بإخوانكم ولو بحسن السلام ورد الجواب. 32 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن عبد الصمد بن بشير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): صلة الرحم تهون الحساب يوم القيامة وهي منساة في العمر وتقي مصارع السوء وصدقة الليل تطفئ غضب الرب. * الشرح: قوله (وتقي مصارع السوء وصدقة الليل تطفئ غضب الرب) أي الصلة تقي صاحبها من الوقوع في المكاره والذنوب وسوء الحساب كما علم ذلك من صريح الروايات السابقة، وإنما خص صدقة الليل مع أن سائر العبادات كذلك لكونها أبعد من الرياء وأقرب إلى الإخلاص فكان أولى بالتقرب منه تعالى وإطفاء غضبه. 33 - علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حسين بن عثمان، عمن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن صلة الرحم تزكي الأعمال وتنمي الأموال وتيسر الحساب وتدفع البلوى وتزيد في الرزق.

[ 19 ]

باب البر بالوالدين 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه جميعا، عن الحسن بن محبوب، عن أبي ولاد الحناط قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: * (وبالوالدين إحسانا) * ما هذا الإحسان ؟ فقال: الإحسان أن تحسن صحبتهما وأن لا تكلفهما أن يسألاك شيئا مما يحتاجان إليه وإن كانا مستغنيين أليس يقول الله عز وجل: * (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) * قال: ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): وأما قول الله عز وجل: * (إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما اف ولا تنهرهما) * قال: إن أضجراك فلا تقل لهما: أف، ولا تنهرهما إن ضرباك، قال: * (وقل لهما قولا كريما) * قال: إن ضرباك فقل لهما: غفر الله لكما، فذلك منك قول كريم، قال: * (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة) * قال: لا تملأ عينيك من النظر إليهما إلا برحمة ورقة ولا ترفع صوتك فوق أصواتهما ولا يدك فوق أيديهما ولا تقدم قدامهما. * الشرح: قوله (فقال الإحسان أن تحسن صحبتهما) بالتلطف وحسن العشرة والطلاقة والبشاشة والتواضع والترحم وغيرها مما يوجب سرورهما وانبساطهما، وإلحاق الأجداد والجدات بهما محتمل، وصرح به عياض من العامة، وقال بعضهم: إنهم أخفض منهما لأنهم ليسوا بآباء وأمهات حقيقة (وأن لا تكلفهما أن يسألاك شيئا مما يحتاجان إليه) بل تبادر إلى قضاء حوائجهما قبل المسألة لأنه تمام البر. (وإن كانا مستغنيين) قادرين على القيام بحاجاتهما (أليس يقول الله عز وجل: * (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) *) البر شامل لبر الوالدين وبهذا الاعتبار وقع الاستشهاد به * (فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما) * الأف في الأصل: وسخ الأظفار، ثم استعمل فيما يستقذر، ثم في الضجر وهو نكرة إن نون ومعرفة إن لم ينون، ومعنى النكرة: لا تقل لهما قولا قبيحا، ومعنى المعرفة: لا تقل لهما القول القبيح. وقيل: معناه الاحتقار أخذ من الأفف وهو القليل، كذا قال محي الدين، والنهي الزجر وفعله من باب نفع. إذا عرفت هذا فنقول: لا ريب في أن هذا القول منهي عنه وإنما الكلام في أنه عقوق أم لا. قال الصدوق في باب الجماعة وفضلها: سأل عمر بن يزيد أبا عبد الله (عليه السلام) عن إمام لا بأس به في جميع أموره عارف غير أنه يسمع أبويه الكلام الغليظ الذي يغيظهما أقرأ خلفه ؟ قال: لا تقرأ ما لم يكن عاقا قاطعا " ويفهم منه أن مثل ذلك القول ليس عقوقا وأن العقوق الذي عدوه من الكبائر هو الذي يورث القطع منهما أو من أحدهما وإن ما يوجب غيظهما نادرا لا يبلغ حد العقوق

[ 20 ]

ولا يوجب الفسق الرافع للعدالة. (ولا ترفع صوتك فوق أصواتهما) للتواضع والتعظيم هكذا ينبغي بالنسبة إلى كل ذي نعمة أو معزز من عند الله تعالى كما قال تعالى شأنه: * (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول...) *. (ولا يدك فوق أيديهما) عند الإعطاء لما فيه من الدلالة على التحقير والإهانة، وقيل: المراد باليد القدرة كما في قوله تعالى * (يد الله فوق أيديهم) *. (ولا تقدم قدامهما) في المشي والمجالس لأنه مناف للتعظيم وخلاف الآداب إلا أن يريدا ذلك على احتمال. والتفصيل أن رفع الصوت واليد والتقدم إن أوجب أذاهما وضجرهما فهو حرام وإلا فلا يبعد القول بأن تركه من الآداب المستحبة، والاحتياط واضح. 2 - ابن محبوب، عن خالد بن نافع البجلي، عن محمد بن مروإن قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن رجلا أتى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال يا رسول الله أوصني فقال: لا تشرك بالله شيئا وإن حرقت بالنار وعذبت إلا وقلبك مطمئن بالإيمان، ووالديك فأطعهما وبرهما حيين كانا أو ميتين وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك فافعل فإن ذلك من الإيمان. * الشرح: قوله (إلا وقلبك مطمئن بالإيمان) دل على أن التلفظ بما يوجب الشرك والكفر عند التقية مع استقرار القلب على الايمان لا يضر بل يوجب ثوابا لأن التقية واجبة وأن الإيمان أمر قلبي كما هو الحق والمشهور (ووالديك فأطعمها) الظاهر أن والديك منصوب بفعل مقدر يفسره الفعل المذكور، والكلام يفيد الحصر والتأكيد إن قدر المحذوف بعده، والتأكيد فقط إن قدر قبله (وبرهما حيين كانا أو ميتين) برهما حيين عبارة عن الإحسان إليهما والطاعة لهما والرفق بهما والتحري لمحابهما والتوقي عن مكارههما، وبرهما ميتين عبارة عن طلب المغفرة لهما وقضاء الصوم والصلاة والديون عنهما وفعل الخيرات لهما وغيرهما مما يوجب وصول النفع والثواب اليهما. ويفهم منه أن العقوق كما يكون في حال حياتهما كذلك يكون بعد موتهما أيضا وسيصرح به. (وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك فافعل فإن ذلك من الايمان) أي من كمال الايمان، والظاهر أن طاعتهما فيما أمرا به لازمة إذا لم يكن معصية سواء كان مباحا أو مندوبا أو واجبا إذا علم أن تركه يوجب أذاهما وضجرهما، لظواهر الآيات والروايات، وإليه ميل أكثر العامة، وقال بعضهم: إذا أمر بالمباح صار مندوبا وإذا أمر بالمندوب صار مؤكدا، ويفهم منه أن أحدهما لو كره زوجته وأمره بطلاقها كان عليه أن يطلقها كما طلق اسماعيل امرأته بأمر أبيه (عليهما السلام)، ويؤيده ما في

[ 21 ]

الترمذي عن ابن عمر قال: " كانت لي زوجة أحبها وكان أبي يكرهها فأمرني بطلاقها فأبيت فذكر ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا عبد الله طلقها " قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. 3 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن سيف، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: يأتي يوم القيامة شئ مثل الكبة فيدفع في ظهر المؤمن فيدخله الجنة، فيقال: هذا البر. * الشرح: قوله (مثل الكبة) الكبة بالفتح الجماعة من الناس والبر قد يراد به كمال الايمان قال الله تعالى: * (ولكن البر من اتقى) * وقد يراد به العفة، ويقابله الفجور، وقد يراد به الإحسان والطاعة للوالدين والرفق بهما وطلب ما يوجب سرورهما وترك ما يوجب حزنهما وهو داخل تحت العفة ومراد هنا. 4 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن منصور بن حازم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت: أي الأعمال أفضل ؟ قال: الصلاة لوقتها وبر الوالدين والجهاد في سبيل الله. * الشرح: قوله (أي الأعمال أفضل قال الصلاة) أريد بالأعمال الأعمال البدنية، فلا يرد أن معرفة الله ومعرفة شرائعه أفضل كما دل عليه بعض الروايات وصرح به الأصحاب ثم الأعمال المذكورة المتقدم منها أفضل من المتأخر بدليل خارج. 5 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس بن عبد الرحمن، عن درست ابن أبي منصور، عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: سأل رجل رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما حق الوالد على ولده ؟ قال: لا يسميه باسمه، ولا يمشي بين يديه، ولا يجلس قبله ولا يستسب له. * الشرح: قوله (لا يسميه باسمه) لما فيه من التحقير وترك التعظيم والتوقير عرفا بل يسميه بالأب فيقول يا أبه أو أخبرني أبي أو باللقب والكنية وغير ذلك من الألفاظ الدالة على التوقير. قوله (ولا يمشي بين يديه ولا يجلس قبله) في المجالس أو عند إرادتهما الجلوس لما فيهما من التحقير وخلاف الآداب (ولا يستسب) أي لا يعرضه للسب ولا يجر السب إليه وذلك بأن يسب أبا زيد فيسب زيد أباه مجازاة، وحكم الأم في جميع ذلك حكم الأب، ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى: * (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم) *. ولا ريب في أن ذلك فسق من وجوه أحدها أنه سب أبا زيد، وثانيها أنه صار سببا لسب أبيه، وثالثها أنه صار سببا لفعل زيد والبادي أظلم. وهل صدر منه كبيرة باعتبار سب أبيه أم لا قيل يحتمل الأول لأن سب الأجنبي كبيرة وسب الأب أقبح منه فيكون كبيرة بالطريق الأولى وفيه نظر لأنا لا نسلم أن سب الأجنبي

[ 22 ]

مطلقا كبيرة، ولا دلالة على ذلك في الأخبار، ولو سلم فلا نسلم أنه سب الأب لأنه لم يقصد من ذلك سبه وليس فعل السبب كفعل المسبب، وقوله " لا يستسب " لا يدل عليه، نعم يدل على تحريم إيجاد السبب ولا يمكن أن يستدل به على تحريم بيع العنب لمن يعصرها خمرا وبيع الحرير لمن لا يحل له لبسه كما زعم لأنه قياس ونحن لا نعمل به. 6 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن عبد الله بن بحر عن عبد الله ابن مسكان، عمن رواه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال وأنا عنده لعبد الواحد الأنصاري في بر الوالدين في قول الله عز وجل: * (وبالوالدين إحسانا) * فظننا أنها الآية التي في بني إسرائيل * (وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه) * [ وبالوالدين إحسانا ] " فلما كان بعد سألته فقال: هي التي في لقمان * (ووصينا الإنسان بوالديه (حسنا) * (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما) * فقال: إن ذلك أعظم أن يأمر بصلتهما وحقهما على كل حال * (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم) * ؟ فقال: لا بل يأمر بصلتهما وإن جاهداه على الشرك ما زاد حقهما إلا عظما. * الشرح: قوله (في قول الله عز وجل وبالوالدين إحسانا) أي في تفسيره للترغيب في بر الوالدين وصلتهما وتعظيمهما وانجر كلامه إلى والدي العلم والحكمة. وقال الراوي: (فظننا أنها) أي الآية التي فسرها (عليه السلام) للترغيب في بر الوالدين (الآية التي في بني إسرائيل * (وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه [ وبالوالدين إحسانا ]) إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما * واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا) * (فلما كان بعد سألته) وقلت: هل الآية التي ذكرتها في بر الوالدين هي التي في بني إسرائيل (فقال) صلوات الله عليه: (هي التي في لقمان ووصينا الإنسان بوالديه) حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك، إلى المصير. * (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب الي ثم الي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون) * وإنما قال (عليه السلام): هي التي في لقمان، لأن مراده بالوالدين والدي العلم والحكمة، ولا يمكن تأويل الوالدين في آية بني إسرائيل بهما كما لا يخفى بخلاف آية لقمان فإنه يمكن تأويل آخرها بهما. وفيه مناقشة: أما أولا فلأن قوله (عليه السلام) أولا * (وبالوالدين إحسانا) * غير مذكور في آية لقمان، وأما ثانيا فلأن آية لقمان ليست على الوجه المذكور وليس فيها أيضا لفظ * (حسنا) *. ويمكن دفع الكل

[ 23 ]

بأن المقصود هو الإشارة إليها بالنقل بالمعنى أو بأن ذلك من تغيير الراوي وتصرفه، ودفع الأول بأن قوله * (وبالوالدين إحسانا) * متعلق ب‍ " قال وأنا عنده "، لا بقول الله. فيكون كلامه (عليه السلام). ودفع الأخير بأنه يمكن أن يكون لفظ حسنا في أصل النزول * (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما) * (فقال: إن ذلك أعظم أن يأمر بصلتهما وحقهما على كل حال) الظاهر أن ضمير قال راجع إلى أبي عبد الله (عليه السلام) وذلك إشارة إلى قوله تعالى: * (وإن جاهداك) * وأعظم: فعل ماض، تقول: أعظمته وعظمته بالتشديد، إذا جعلته عظيما، وأن يأمر مفعوله بتأويل المصدر، والمراد بالأمر بالصلة هو الأمر السابق على هذا القول اللاحق له أعني قوله: * (اشكر لي ولوالديك) * وقوله: * (وصاحبهما) * واتبع فأفاد (عليه السلام) بعد قراءة قوله تعالى: * (وإن جاهداك) * أن هذا القول أعظم الأمر بصلة الوالدين وحقهما على كل حال حيث يفيد أنه تجب صلتهما وطاعتهما مع الزجر والمنع منها فكيف بدونه. * (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم) * فلا تطعهما (فقال: لا بل يأمر بصلتهما وإن جاهداه على الشرك ما زاد حقهما إلا عظما) ثم قرأ هذا القول وهو قوله تعالى: * (وإن جاهداك) * وأفاد بقوله " لا " أنه ليس المراد منه ظاهره وهو مجاهدة الوالدين على الشرك ونهى الولد عن إطاعتهما عليه بل يأمر الولد بصلة الوالدين وإن منعه المانعان عنها وما زاد هذا القول حقهما إلا عظما وفخامة وهذا الحديث بعد مبهم، وهم (عليهم السلام) قد يتكلمون بكلام مبهم للتقية أو لغرض آخر، وتوضيحه: أن صدر الآية في الحث على صلة الأبوين حقيقة، وآخرها وهو قوله تعالى: * (أن اشكر لي ولوالديك...) * في الحث على صلة الوالدين مجازا، وهو العالم الرباني المعلم للعلم والحكمة، وضمير التثنية في جاهداك ولا تطعهما راجع إلى أبي بكر وعمر، والمراد بالشرك بالرب ترك أمره بمتابعة ذلك العالم الرباني، يدل على ذلك ما رواه المصنف في باب نكت التنزيل، عن الحسين بن محمد عن معلى بن محمد عن بسطام بن مرة عن إسحاق بن حسان، عن الهيثم بن واقد عن علي ابن الحسين العبدي، عن سعد الإسكاف عن الأصبغ بن نباتة أنه سأل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن قوله تعالى: * (أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير) * فقال: الوالدان اللذان أوجب الله تعالى الشكر لهما اللذان ولدا العلم وورثا الحكم وأمر الناس بطاعتهما، ثم قال الله تعالى: * (إلي المصير) * فمصير العباد إلى الله تعالى، والدليل على ذلك الوالدان، ثم عطف القول على ابن حنتمة وصاحبه. أقول حنتمة بالحاء المهملة اسم ام عمر بن الخطاب وهي بنت هشام أخت أبي جهل فقال في الخاص والعام: * (وإن جاهداك على أن تشرك بي) * يقول في الوصية وتعدل عمن أمرت بطاعته

[ 24 ]

فلا تطعهما ولا تسمع قولهما. ثم عطف القول على الوالدين فقال: * (وصاحبهما في الدنيا معروفا) * يقول: عرف الناس فضلهما وادع إلى سبيلهما وذلك قوله: * (واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم) * فقال: إلى الله ثم إلينا فاتقوا الله ولا تعصوا الوالدين فإن رضاهما رضا الله وسخطهما سخط الله. ويمكن جعل آخر الآية أيضا لبر الوالدين المعروفين وإرجاع الضمير في * (لا تطعهما) * و * (جاهداك) * إليهما وقال (عليه السلام): إن ذلك أعظم الأمر بصلتهما وحقهما على كل حال أي على حال الشرك وعدمه فقال الراوي: " وإن جاهداك - إلى قوله - فلا تطعهما، دل على عدم إطاعتهما في حال الشرك فكيف يدل على الأمر بصلتهما وحقهما على كل حال ؟ " فقال (عليه السلام): " لا " أي ليس الأمر كما زعمت من النهي عن إطاعتهما في حال الشرك بل يأمر بصلتهما وإحسانهما ومصاحبتهما وإن جاهداه على الشرك. نعم المنهي عنه إطاعتهما في الشرك. 7 - عنه، عن محمد بن علي عن الحكم بن مسكين، عن محمد بن مروإن قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ما يمنع الرجل منكم أن يبر والديه حيين وميتين، يصلي عنهما، ويتصدق عنهما، ويحج عنهما، ويصوم عنهما، فيكون الذي صنع لهما وله مثل ذلك فيزيده الله عز وجل ببره وصلته خيرا كثيرا. * الشرح: قوله (يصلى عنهما ويتصدق عنهما ويحج عنهما ويصوم عنهما) دل على أن ثواب هذه الأعمال وغيرها يصل إلى الميت وهو مذهب علمائنا، وأما العامة فقد اتفقوا على أن ثواب الصدقة يصل إليه، واختلفوا في عمل الأبدان فقيل: يصل قياسا على الصدقة، وقيل: لا يصل، لقوله تعالى: * (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) * إلا الحج لأن فيه شائبة عمل البدن وإنفاق المال فغلب المال. 8 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن معمر بن خلاد قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): أدعو لوالدي إذا كانا لا يعرفان الحق ؟ قال: ادع لهما وتصدق عنهما، وإن كانا حيين لا يعرفان الحق فدارهما، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: إن الله بعثني بالرحمة لا بالعقوق. 9 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله): فقال: يارسول الله من أبر ؟ قال: امك، قال: ثم من ؟ قال امك، قال: ثم من ؟ قال: امك، قال: ثم من ؟ قال: أباك. * الشرح: قوله (فقال: يا رسول الله من أبر ؟ قال: أمك. قال: ثم من ؟ قال أمك. قال: ثم من ؟ قال: أمك. قال:

[ 25 ]

ثم من ؟ قال: أباك) ذكر الأب في المرتبة الرابعة يشعر بأن للام ثلاثة أرباع البر هذا إذا لم يخرج تكرار البر بالام مخرج التأكيد والمبالغة وإلا فالمقصود تفضيل الأم بالبر ولعل وجه ذلك كثرة ما تلقى من ألم الحمل ومشقة الوضع ومقاساة الرضاعة والتربية وشدة المحبة، واختلفت العامة في ذلك فمشهور مالك أن الأم والأب سواء في ذلك، وقال بعضهم: تفضيل الأم مجمع عليه، وقال بعضهم: للأم ثلثا البر مستندا بما رواه مسلم قال: " قال رجل: يا رسول الله من أحق الناس بحسن الصحبة ؟ قال: أمك، ثم أمك، ثم أبوك " وقال بعضهم: لها ثلاثة أرباع البر، مستند بما رواه مسلم أيضا قال: " قال رجل: يا رسول الله من أحق بحسن الصحبة ؟ قال أمك، قال: ثم من قال امك، قال: ثم من ؟ قال: امك قال ثم من ؟ قال أبوك ". 10 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن سالم، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر عن جابر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أتى رجل رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله إني راغب في الجهاد نشيط. قال: فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): فجاهد في سبيل الله، فإنك إن تقتل تكن حيا عند الله ترزق وإن تمت فقد وقع أجرك على الله وإن رجعت رجعت من الذنوب كما ولدت، قال: يا رسول الله إن لي والدين كبيرين يزعمان أنهما يأنسان بي ويكرهان خروجي، فقال: رسول الله (صلى الله عليه وآله): فقر مع والديك فوالذي نفسي بيده لأنسهما بك يوما وليلة خير من جهاد سنة. * الشرح: قوله (فإنك إن تقتل تكن حيا عند الله ترزق وإن تمت فقد وقع أجرك على الله) كما قال عز وجل: * (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين بما آتاهم الله من فضله...) * وقال: * (ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله) *. قوله (فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): فقر مع والديك فوالذي) دل على أن أجر القيام على الوالدين طلبا لرضاهما يزيد على أجر الجهاد، وإطلاق الوالدين مع عدم الاستفسار والتفصيل يشمل الكافرين، ثم إن توقف الجهاد على إذنهما مشروط بعدم تعينه عليه، ويفهم منه أنه لا يجوز له السفر بدون إذنهما مطلقا إلا أن يكون واجبا عليه عينا وهل يلحق الأجداد والجدات بالوالدين في هذا الحكم أم لا، لم يحضرني الآن نص صحيح، ولا قول صريح من أصحابنا وذهب مالك إلى لحوقهم حيث قال: الجدان كالأبوين لا يخرج إلى الجهاد بدون إذنهما. 11 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن علي بن الحكم، عن معاوية بن وهب، عن زكريا بن إبراهيم قال: كنت نصرانيا فأسلمت وحججت فدخلت على أبي عبد الله (عليه السلام)

[ 26 ]

فقلت: إني كنت على النصرانية وإني أسلمت. فقال: وأي شئ رأيت في الإسلام ؟ قلت: قول الله عز وجل: * (ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء) * فقال: لقد هداك الله، ثم قال: اللهم اهده - ثلاثا - سل عما شئت يا بني ! فقلت: إن أبي وأمي على النصرانية وأهل بيتي، وأمي مكفوفة البصر فأكون معهم وآكل في آنيتهم ؟ فقال: يأكلون لحم الخنزير ؟ فقلت: لا ولا يمسونه، فقال: لا بأس فانظر امك فبرها، فإذا ماتت فلا تكلها إلى غيرك، كن أنت الذي تقوم بشأنها ولا تخبرن أحدا أنك أتيتني حتى تأتيني بمنى إن شاء الله. قال: فأتيته بمنى والناس حوله كأنه معلم صبيان، هذا يسأله وهذا يسأله، فلما قدمت الكوفة ألطفت لامي وكنت أطعمها وافلي ثوبها ورأسها وأخدمها فقالت لي: يا بني ما كنت تصنع بي هذا وأنت على ديني فما الذي أرى منك منذ هاجرت فدخلت في الحنيفية ؟ فقلت: رجل من ولد نبينا أمرني بهذا، فقالت: هذا الرجل هو نبي ؟ فقلت: لا ولكنه ابن نبي، فقالت: يا بني إن هذا نبي إن هذا نبي إن هذه وصايا الأنبياء، فقلت: يا امه إنه ليس يكون بعد نبينا نبي ولكنه ابنه، فقالت: يا بني دينك خير دين، اعرضه علي فعرضته عليها فدخلت في الإسلام وعلمتها، فصلت الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة، ثم عرض لها عارض في الليل، فقالت: يا بني أعد علي ما علمتني فأعدته عليها، فأقرت به وماتت، فلما أصبحت كان المسلمون الذين غسلوها وكنت أنا الذي صليت عليها ونزلت في قبرها. * الشرح: قوله (وأي شئ رأيت في الاسلام) فصار سببا لهدايتك فتلا الآية المذكورة الدالة على أن الهداية موهبية كما دل عليه أيضا كثير من الروايات للإشعار بأنها أثرت في نفسه حتى صارت سببا لهدايته فلذلك قال (عليه السلام): " لقد هداك الله " ثم قال: " اللهم اهده - ثلاثا - " أي زد هدايته أو ثبته عليها. وتجويزه (عليه السلام) له الأكل في آنية أهل الكتاب معهم لا يدل عل طهارتهم وطهارة طعامهم مع مباشرتهم له بالرطوبة ولا عدم سراية النجاسة لإمكان أن يأكل في آنيتهم طعاما طاهرا مع عدم مباشرتهم لما يأكله برطوبة وإن كان خلاف الظاهر فلا ينافي ما هو المشهور فتوى ورواية من نجاستهم ونجاسة ما باشروه برطوبة. والفلي " شپش جستن از سر وجامه " وعله من باب رمى. 12 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، وعدة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن إسماعيل بن مهران، جميعا، عن سيف بن عميرة، عن عبد الله بن مسكان، عن عمار بن حيان قال: خبرت أبا عبد الله (عليه السلام) ببر إسماعيل ابني بي، فقال: لقد كنت احبه وقد ازددت له حبا، إن رسول الله أتته اخت له من الرضاعة فلما نظر إليها سر بها وبسط ملحفته

[ 27 ]

لها فأجلسها عليها ثم أقبل يحدثها ويضحك في وجهها، ثم قامت وذهبت وجاء أخوها، فلم يصنع به ما صنع بها، فقيل له: يا رسول الله صنعت باخته ما لم تصنع به وهو رجل ؟ ! فقال: لأنها كانت أبر بوالديها منه. 13 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن عبد الله بن مسكان، عن إبراهيم بن شعيب قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) إن أبي قد كبر جدا وضعف فنحن نحمله إذا أراد الحاجة ؟ فقال: إن استطعت أن تلي ذلك منه فافعل ولقمه بيدك فإنه جنة لك غدا. 14 - عنه، عن علي بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن أبي الصباح، عن جابر قال: سمعت رجلا يقول لأبي عبد الله (عليه السلام): إن لي أبوين مخالفين ؟ فقال: برهما كما تبر المسلمين ممن يتولانا. * الشرح: قوله (فقال برهما كما تبر المسلمين ممن يتولانا) دل على أن بر الوالدين الكافرين واجب وأن المقام معهما أفضل من الجهاد كالمقام مع المسلمين وأن الجهاد إذا لم يتعين عليه يتوقف على إذنهما وهو أيضا مذهب جماعة من العامة، وقال الشافعي: له الغزو دون إذنهما. 15 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، جميعا، عن ابن محبوب، عن مالك بن عطية، عن عنبسة بن مصعب، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ثلاث لم يجعل الله عز وجل لأحد فيهن رخصة: أداء الأمانة إلى البر والفاجر، والوفاء بالعهد للبر والفاجر، وبر الوالدين برين كانا أو فاجرين. * الشرح: قوله (والوفاء بالعهد) الوفاء ملكة تنشأ من لزوم العهد والميثاق كما ينبغي والبقاء عليه وهو فضيلة مقابلة للعذر وداخلة تحت العفة وقد شبهه أمير المؤمنين (عليه السلام) بالجنة في أنه وقاية في الآخرة من النار وفي الدنيا من العار. 16 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من السنة والبر أن يكنى الرجل باسم أبيه. 17 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، وعلي بن محمد، عن صالح بن أبي حماد جميعا، عن الوشاء، عن أحمد بن عائذ، عن أبي خديجة سالم بن مكرم، عن معلى بن خنيس، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: جاء رجل وسأل النبي (صلى الله عليه وآله) عن بر الوالدين فقال: ابرر امك ابرر امك ابرر امك، أبرر أباك ابرر أباك ابرر أباك وبدأ بالام قبل الأب.

[ 28 ]

18 - الوشاء، عن أحمد بن عائذ، عن أبي خديجة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: إني قد ولدت بنتا وربيتها حتى إذا بلغت فألبستها وحليتها ثم جئت بها إلى قليب فدفعتها في جوفه وكان آخر ما سمعت منها وهي تقول: يا أبتاه. فما كفارة ذلك ؟ قال: ألك أم حية ؟ قال: لا، قال: فلك خالة حية ؟ قال: نعم، قال: فابررها فإنها بمنزلة الام يكفر عنك ما صنعت، قال أبو خديجة: فقلت لأبي عبد الله (عليه السلام): متى كان هذا ؟ فقال: كان في الجاهلية وكانوا يقتلون البنات مخافة أن يسبين فيلدن في قوم آخرين. * الشرح: قوله (فلك خالة حية) دل على أن المتقرب بالأم أولى بالبر من المتقرب بالأب. 19 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن حنان بن سدير، عن أبيه قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): هل يجزي الولد والده ؟ فقال: ليس جزاء إلا في خصلتين يكون الوالد مملوكا فيشتريه ابنه فيعتقه أو يكون عليه دين فيقضيه عنه. 20 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن، عن عمرو بن شمر، عن جابر قال: أتى رجل رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: إني رجل شاب نشيط واحب الجهاد ولي والدة تكره ذلك ؟ فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): ارجع فكن مع والدتك فوالذي بعثني بالحق [ نبيا ] لانسها بك ليلة خير من جهادك في سبيل الله سنة. 21 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي، عن عبد الله بن سنان، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن العبد ليكون بارا بوالديه في حياتهما ثم يموتان فلا يقضي عنهما ديونهما ولا يستغفر لهما فيكتبه الله عاقا، وإنه ليكون عاقا لهما في حياتهما غير بار بهما فإذا ماتا قضى دينهما واستغفر لهما فيكتبه الله عز وجل بارا. * الشرح: قوله (إن العبد ليكون بارا بوالديه في حياتهما) البر بالوالدين غير مختص بحال الحياة وكذا العقوق بل البر والعقوق بعد الموت آكد لشدة احتياجهما، فعلى هذا يمكن أن يكون بارا في حال الحياة فيصير عاقا بعد الموت، وبالعكس، كما يمكن أن يكون بارا في حال الحياة في وقت فيصير عاقا في وقت آخر، وبالعكس، وكذا بعد الموت.

[ 29 ]

باب الاهتمام بامور المسلمين والنصيحة لهم ونفعهم 1 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من أصبح لا يهتم بامور المسلمين فليس بمسلم. * الشرح: قوله (قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين) أن لا يعزم على القيام بها ولا يقوم بها مع القدرة (فليس بمسلم) أي ليس بكامل في الإسلام ولا يعبأ بإسلامه، والمراد بأمورهم أعم من الأمور الدنيوية والأخروية، ولو لم يقدر عليها فالعزم حسنة يثاب به وكمال له. 2 - وبهذا الإسناد قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنسك الناس نسكا أنصحهم جيبا وأسلمهم قلبا لجميع المسلمين. * الشرح: قوله (قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنسك الناس نسكا أنصحهم جيبا) رجل ناصح الجيب أي ناصح الصدر والقلب أمين لا غش فيه، وأسلمهم قلبا من الحقد والحسد والعداوة لجيمع المسلمين، فكل من كان نصحه لهم أحسن وأقوم وكان قلبه لهم أصفى وأسلم كان أنسك الناس وأعبدهم وأكثرهم طاعة وأجهدهم، وفيه إشارة إلى نوع واحد من العدالة وهو رعاية رجل حقوق ما بينه وبين الخلق من النصح والمعاملات والمعاوضات والأمانات وحسن الخلق والشفقة والإرشاد وغيرها، والنوع الآخر رعايته حقوق ما بينه وبين الرب من معرفته وتعظيمه وغير ذلك. والأول أفضل لأنه أشق وأحسن من عند الله تعالى وإن كان الثاني أفضل باعتبار آخر. 3 - علي بن إبراهيم، عن علي بن محمد القاساني، عن القاسم بن محمد، عن سليمان بن داود المنقري، عن سفيان بن عيينة قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: عليك بالنصح لله في خلقه، فلن تلقاه بعمل أفضل منه. 4 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن محمد بن القاسم الهاشمي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من لم يهتم بامور المسلمين فليس بمسلم. 5 - عنه، عن سلمة بن الخطاب، عن سليمان بن سماعة، عن عمه عاصم الكوزي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: من أصبح لا يهتم بامور المسلمين فليس منهم ومن سمع رجلا ينادي يا للمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم.

[ 30 ]

* الشرح: قوله (من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس منهم) أي لا يعزم دفع الأذى والكرب عنهم ولا يقصد إعانتهم في أمر الدنيا والآخرة وقضاء حوائجهم وإيصال الخير إليهم وإرشادهم إلى مصالحهم (ومن سمع رجلا ينادي يا للمسلمين) للاستغاثة لدفع المكاره والمصائب ورفع الشرور والنوائب والاستعانة في أمر من الأمور. 6 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الخلق عيال الله فأحب الخلق إلى الله من نفع عيال الله وأدخل على أهل بيته سرورا. * الشرح: قوله (الخلق عيال الله) عيال الرجل من تجب عليه مؤونته ونفقته وتدبير اموره ورعاية مصالحه، واستعار لفظ العيال للخلق بالنسبة إلى الخالق الرازق المقدر لأقواتهم والمدبر لأحوالهم في معاشهم ومعادهم (فأحب الخلق إلى الله) وأرفعهم منزلة وأشرفهم مرتبة وأعلاهم درجة (من نفع عيال الله) بنعمة يسد بها خلتهم ويرفع بها جوعتهم، أو بإعانة يدفع بها بليتهم، أو بإرشاد يزيد به هدايتهم. أو بغير ذلك من نافع الدين والدنيا، ومنافع الدين أشرف قدرا وأبقى وأدوم نفعا وأوفى سيما إذا أخلص في نفعهم وطلب به رضا المولى كما روي: " أن لله عبادا خلقهم لمنافع الناس أولئك الآمنون من عذاب الله ". 7 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن علي بن الحكم، عن سيف بن عميرة قال: حدثني من سمع أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: سئل رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أحب الناس إلى الله ؟ قال: أنفع الناس للناس. 8 - عنه، عن علي بن الحكم، عن مثنى بن الوليد الحناط، عن فطر بن خليفة عن عمر بن علي ابن الحسين، عن أبيه صلوات الله عليهما قال: قال رسول (صلى الله عليه وآله) من رد عن قوم من المسلمين عادية [ ماء ] أو نارا وجبت له الجنة. * الشرح: قوله (من رد عن قوم من المسلمين عادية [ ماء ] أو نار وجبت له الجنة) لفظة ماء ليست في كثير من النسخ، والعادية المتجاوز عن الحد، والتاء للمبالغة، وعدوانهما يشمل الغرق والحرق وتخريب البناء والأموال وغير ذلك من أنواع الضرر. 9 - عنه، عن ابن فضال، عن ثعلبة بن ميمون، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل: * (وقولوا للناس حسنا) * قال: قولوا للناس حسنا ولا تقولوا إلا خيرا حتى تعلموا ما

[ 31 ]

هو ؟ * الشرح: قوله (وقولوا للناس حسنا) يشمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم المسائل والإرشاد إلى منافع الدنيا والآخرة وكل ذلك يندرج في قوله (ولا تقولوا إلا خيرا حتى تعلموا ما هو) ولما كانت بادرة اللسان كثيرة نهى عن القول من غير تفكر وأمر بإحضار القلب وهو التفاته إلى معرفة حقيقة الشئ أولا ثم التكلم بما هو الحق الخالص. 10 - عنه، عن ابن أبي نجران، عن أبي جميلة المفضل بن صالح، عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال في قول الله عز وجل: * (وقولوا للناس حسنا) * قال: قولوا للناس أحسن ما تحبون أن يقال فيكم. 11 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن يحيى بن المبارك، عن عبد الله بن جبلة، عن رجل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال في قول الله عز وجل: * (وجعلني مباركا أينما كنت) * قال: نفاعا. * الشرح: قوله (قال نفاعا) المبالغة لكونه نافعا في الدين والدنيا على وجه الكمال. باب اجلال الكبير 1 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من إجلال الله إجلال ذي الشيبة المسلم. * الشرح: قوله (من إجلال الله إجلال ذي الشيبة المسلم) أي تعظيمه وتوقيره وتواضعه واحترامه ورعاية الأدب معه والإعراض عن مساوئ الأخلاق والآداب إن صدرت منه وعدم معارضته بمثلها، لكبر سنه وضعف قوته وقرب رجوعه إلى المولى الحق وشدة تأثره من الواردات. وكل هذا يقتضى إجلاله، خصوصا إذا كان أكثر تجربة وأفضل علما وأكيس حزما وأقدم إيمانا وأحسن عبادة وأنور قلبا. 2 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، رفعه، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا. * الشرح: قوله (ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا) الكبير سنا أو شأنا مستحق للتوقير والتعظيم،

[ 32 ]

والصغير لقرب عهده بالحق وضعف عقله وقلة تجربته لعواقب الأمور وشدة تأثره بأدنى ما يولم أهل للرحمة والعفو عنه والستر عليه والرفق به ولين القول معه وعدم النظر إليه بالهيبة ونحوها خصوصا إذا كان يتيما، فلتكن بالنسبة إلى الكبير ابنا، وبالنسبة إلى الصغير أبا، ويمكن أن يراد بهما كبير الشيعة وصغيرهم أيضا لأن الاختصاص والنسبة كافية في الإضافة. 3 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد الله بن أبان، عن الوصافي قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): عظموا كباركم وصلوا أرحامكم، وليس تصلونهم بشئ أفضل من كف الأذى عنهم.

[ 33 ]

باب إخوة المؤمنين بعضهم لبعض 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن المفضل بن عمر، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إنما المؤمنون إخوة بنو أب وأم وإذا ضرب على رجل منهم عرق سهر له الآخرون. * الشرح: قوله (إنما المؤمنون اخوة بنو أب وأم) أي مثل الأخوة النسبية في لزوم التعاطف والتوازر والتراحم أو المراد بالأب مادتهم وهي الطينة الجنانية وبالأم روحهم المربية لهم كما سيجئ، وإطلاق الأب والأم عليهما مجاز وحملهما على آدم وحواء بعيد لاشتراك جميع الناس في ذلك، ثم رغب في رعاية الأخوة بقوله: (وإذا ضرب على رجل منهم عرق سهر له الاخرون) ضرب العرق ضربا وضربانا: تحرك بقوة. وهذا كناية عن الألم المخصوص أو مطلقا، وفيه تنبيه على أن المؤمنين لما كانوا من أصل واحد بمنزلة شخص واحد لزم أن يتألم الجميع بتألم واحد منهم كما يتألم سائر أعضاء الجسد بتألم بعضها، و " سهر " إما خبر بحسب المعنى أيضا أو أمر، وعلى الأول دل على أن من لم يتصف بذلك ليس بمؤمن لفقده ما هو من أخص صفات المؤمن. 2 - عنه، عن أبيه، عن فضالة بن أيوب، عن عمر بن أبان، عن جابر الجعفي قال: تقبضت بين يدي أبي جعفر (عليه السلام) فقلت: جعلت فداك ربما حزنت من غير مصيبة تصيبني أو أمر ينزل بي حتى يعرف ذلك أهلي في وجهي، وصديقي، فقال: نعم يا جابر إن الله عز وجل خلق المؤمنين من طينة الجنان وأجرى فيهم من ريح روحه فلذلك المؤمن أخو المؤمن لأبيه وأمه. فإذا أصاب روحا من تلك الأرواح في بلد من البلدان حزن حزنت هذه لأنها منها. * الشرح: قوله (قال تقبضت بين يدي أبي جعفر (عليه السلام)) التقبض الانضمام والانقباض وهو خلاف البسط، ويحصل كثيرا ما بحضور ما يستكرهه الطبع وقد يحصل لا عن سبب ظاهر وإن كان لا يخلو في الواقع عن سبب كما أشار إليه (عليه السلام) بقوله: (يا جابر إن الله عز وجل خلق المؤمنين من طينة الجنان وأجرى فيهم من ريح روحه) الريح هي التي تهب، وقد يجئ بمنعنى النفخ والروح بالضم الذي يقوم به الجسد ويكون بها الحياة وهي

[ 34 ]

النفس الناطقة المستعدة للبيان وفهم الخطاب ولا تفنى بفناء الجسد، والجمع الأرواح. ولعل المراد بالأب تلك الطينة لأنها مادة وجودهم كالأب، وبالأم تلك الفائضة منه تعالى عليهم لأنها بمثابة الأم في التربية والتدبير. لا يقال: السبب الذي ذكره (عليه السلام) لحزن سببه غير معلوم يقتضي أن يكون كل مؤمن محزونا دائما إذ لا يخلو مؤمن من إصابة حزن قطعا لأنا نقول: يجوز أن يتفاوت ذلك بسبب تفاوت القرب والاتصال في الشدة والضعف. 3 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن فضال، عن علي بن عقبة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: المؤمن أخو المؤمن، عينه ودليله، لا يخونه ولا يظلمه ولا يغشه ولا يعده عدة فيخلفه. * الشرح: قوله (قال: المؤمن أخو المؤمن عينه) أي نفسه وذاته من باب المبالغة للمشاركة في الطينة، أو في الصفات، أو عينه الباصرة فيجب عليه حفظه كحفظها أو حافظه أو طليعته يتعرف الأمور النافعة له ويوصل خبرها إليه (ودليله) إلى المنافع والمضار والخيرات الدنيوية والأخروية (لا يخونه) في عهده وأمانته المالية والسرية (ولا يظلمه) في نفسه وماله وأهله وساير حقوقه (ولا يغشه) في النصيحة والمشورة والإرشاد إلى مصالحه. (ولا يعده عدة فيخلفه) لأن خلف الوعد مذموم عقلا وشرعا، وفيه رذالة وخساسة وحقارة وخفة وإيذاء للمؤمن وتكدر لخاطره والنفي بمعناه، أو بمعنى النهى وفي الأول إشارة إلى أنه لو أتى بالمنفي لم يتصف بالأخوة والإيمان. 4 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، وعدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، جميعا، عن ابن محبوب، عن علي بن رئاب، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: المؤمن أخو المؤمن كالجسد الواحد، إن اشتكى شيئا منه وجد ألم ذلك في سائر جسده، وأرواحهما من روح واحدة، وإن روح المؤمن لأشد اتصالا بروح الله من اتصال شعاع الشمس بها. * الشرح: قوله (المؤمن أخو المؤمن كالجسد الواحد ان اشتكى شيئا منه وجد ألم ذلك في ساير جسده) هذا تمثيل وتقريب للفهم حيث شبههم بالواحد لاتحادهم في المادة والروح واتفاقهم في صفة الايمان وتناسبهم في التوحيد والعرفان فكان كل واحد منهم نفس صاحبه معنى وإن تفرقت بهم

[ 35 ]

الصور والأعيان، فيقتضى هذا النوع من الاتحاد والنسب من الايمان أن يتألم كل بتألم الآخر ويفرح بفرحه. وفيه ترغيب في التناصر والتعاون والتراحم والتعاطف في الواجبات والمندوبات والمباحات والضروريات وقضاء الحاجات ودفع البليات، ثم رغب في رعاية المؤمن والفرح بفرحه والتألم بحزنه والتجنب عن أذاه بقوله: (وإن روح المؤمن لأشد اتصالا بروح الله) أي بذاته المقدسة. (من اتصال شعاع الشمس بها) المراد بالاتصال الاتصال المعنوي، وشبهه بالاتصال الحسي الجسماني لإيضاح المقصود وتقريبه إلى الفهم، ووجه الأشدية أن المؤمن مرآة الحق يرى فيه صفاته ولو ظهر ذلك الاتصال ليرى كأنه هو ولا يفرق بينهما إلا العارفون الذين يعلمون بنور البصيرة والعرفان أن هذا خلق اتصف بصفات الخالق، وأما الجاهلون فيزعمون أنه هو بخلاف اتصال الشعاع بالشمس فإنه يفرق بينهما العالم والجاهل. 5 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن مثنى الحناط، عن الحارث بن المغيرة، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): المسلم أخو المسلم هو عينه ومرآته ودليله، لا يخونه ولا يخدعه ولا يظلمه ولا يكذبه ولا يغتابه. * الشرح: قوله (هو عينه ومرآته ودليله) أما أنه مرآته فلأن في كل واحد صفات الآخر مثل الإيمان وأركانه ولواحقه وآثاره والأخلاق والآداب فكان كل واحد مظهرا لصفات الآخر ومرآة له، وأما أنه دليله فلأنه يهديه إلى ما ينفعه في الدنيا والآخرة فيعلمه أمر الدين ويزجره عن المنهيات ويرغبه في الخيرات وينبهه عن الغفلات ويظهر عليه قبح اللذات والشهوات. 6 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حفص بن البختري قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) ودخل عليه رجل فقال لي: تحبه ؟ فقلت: نعم فقال لي: ولم لا تحبه وهو أخوك وشريكك في دينك وعونك على عدوك ورزقه على غيرك. * الشرح: قوله (ولم لا تحبه وهو أخوك وشريكك في دينك وعونك على عدوك ورزقه على غيرك) رغب في المحبة بذكر الفوائد والبواعث ورفع المانع، أما الباعث فثلثه تعود إلى المحب، وأما المانع فإنما هو تكفل مؤونته ورزقه، وليس ذلك إلا على الله عز وجل، وقوله " في دينك " متعلق ب‍ " أخوك وشريكك " على سبيل التنازع، والظاهر أن المراد بالعدو الإنسان المخالف له ويحتمل الأعم منه ومن الشيطان والنفس الأمارة.

[ 36 ]

7 - أبو علي الأشعري، عن الحسين بن الحسن، عن محمد بن اورمة، عن بعض أصحابه، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن فضيل، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته يقول: المؤمن أخو المؤمن لأبيه وأمه لأن الله عز وجل خلق المؤمنين من طينة الجنان وأجرى في صورهم من ريح الجنة، فلذلك هم إخوة لأب وأم. * الشرح: قوله (وأجرى في صورهم من ريح الجنة) الريح بمعنى الرائحة عرض يدرك بحاسة الشم ورائحة الجنة التي جرت في أبدانهم جامعة لهم وبها يعودون إليها ويتطيبون حتى يجد طيبهم مشام العارفين كما قال يعقوب (عليه السلام): * (اني لاجد ريح يوسف) *. 8 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحجال، عن علي بن عقبة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن المؤمن أخو المؤمن، عينه ودليله، لا يخونه ولا يظلمه ولا يغشه ولا يعده عدة فيخلفه. 9 - أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن رجل، عن جميل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: المؤمنون خدم بعضهم لبعض، قلت: وكيف يكونون خدما بعضهم لبعض ؟ قال: يفيد بعضهم بعضا الحديث. * الشرح: قوله (يفيد بعضهم بعضا الحديث) كما يفيد الخادم المخدوم، والظاهر أن الحديث مفعول " يفيد " ففيه إشارة إلى بعض أنواع الإكرام وهو تعليم الحديث ونشر علم الدين. 10 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، جميعا، عن ابن أبي عمير، عن إسماعيل البصري، عن فضيل بن يسار قال. سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إن نفرا من المسلمين خرجوا إلى سفر لهم فضلوا الطريق فأصابهم عطش شديد فتكفنوا ولزموا أصول الشجر فجاءهم شيخ وعليه ثياب بيض فقال: قوموا فلا بأس عليكم فهذا الماء، فقاموا وشربوا وارتووا، فقالوا: من أنت يرحمك الله ؟ فقال: أنا من الجن الذين بايعوا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، إني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: المؤمن أخو المؤمن، عينه ودليله، فلا تكونوا تضيعوا بحضرتي. * الشرح: قوله (فتكفنوا) أي اتخذوا الكفن البسوه وفي بعض النسخ " فتكنفوا " بتقديم النون أي اختاروا الكنف وهو الجانب. قوله (بحضرتي) معناه عندي، وحضرة الرجل: قربه.

[ 37 ]

11 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان جميعا عن حماد ابن عيسى، عن ربعي، عن فضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله [ ولا يغتابه ولا يخونه ولا يحرمه ] قال ربعي: فسألني رجل من أصحابنا، بالمدينة فقال: سمعت فضيلا يقول ذلك ؟ قال فقلت له: نعم، فقال: [ ف‍ ] - إني سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يغشه ولا يخذله ولا يغتابه ولا يخونه ولا يحرمه. * الشرح: قوله (ولا يخذله) أي لا يترك إعانته ونصرته في الحق أو لا يتكبر عليه ولا يستصغره.

[ 38 ]

باب فيما يوجب الحق لمن انتحل الايمان وينقضه 1 - علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول وسئل عن إيمان من يلزمنا حقه وأخوته كيف هو وبما يثبت وبما يبطل ؟ فقال: إن الايمان قد يتخذ على وجهين أما أحدهما فهو الذي يظهر لك من صاحبك فإذا ظهر لك منه مثل الذي تقول به أنت، حقت ولايته واخوته إلا أن يجئ منه نقض للذي وصف من نفسه وأظهره لك، فإن جاء منه ما تستدل به على نقض الذي أظهر لك، خرج عندك مما وصف لك وأظهر، وكان لما أظهر لك ناقضا إلا أن يدعي أنه إنما عمل ذلك تقية ومع ذلك ينظر فيه فإن كان ليس مما يمكن أن تكون التقية في مثله لم يقبل منه ذلك، لأن للتقية مواضع، من أزالها عن مواضعها لم تستقم له. وتفسير ما يتقي مثل [ أن يكون ] قوم سوء ظاهر حكمهم وفعلهم على غير حكم الحق وفعله فكل شئ يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية مما لا يؤدي إلى الفساد في الدين فإنه جائز. * الشرح: قوله (أما أحدهما فهو الذي يظهر لك من صاحبك) لم يذكر الوجه الآخر هنا. وتوضيح الوجه المذكور أن الإيمان أمر قلبي كما مر، والأمر القلبي لا يعلم ثبوته وتحققه إلا بدليل وهو القول والعمل المخبران عنه، فإذا شهدا عليه حكمنا ظاهرا بثبوته وأجرينا عليه أحكام الايمان والولاية والأخوة، ونتوقع الأجر بذلك مع احتمال عدم ثبوته عند الله تعالى لأن دلالتهما ليست بقطعية غير محتملة للتخلف، وإن شهدا بعدمه بأن يكونا منافيين له حكمنا بعدمه ظاهرا إلا أن يدعي أن صدورهما من باب التقية مع إمكانها في شأنه فإنا نحكم بثبوته أيضا. * الشرح: قوله (فإن كان ليس مما يمكن أن تكون التقية في مثله لم يقبل منه) إشارة إلى أنه لا تقبل منه دعوى التقية إذا لم يكن المقام مقتضية لها، وقوله (وتفسير ما يتقي) إشارة إلى موضع تقبل منه دعوى التقية فيه ويحكم له بالايمان والولاية والأخوة، وظاهر حكمهم بالإضافة أو التنوين وإفراده مع كونه صفة ل‍ " قوم " باعتبار أنه مسند إلى الظاهر، وقوله: (مما لا يؤدي إلى الفساد في الدين) إشارة إلى أنه لا تقبل منه التقية فيما لا تقية فيه كقتل المؤمن وإنكار الحق قلبا إذ لا تقية في العقائد والقتل.

[ 39 ]

باب في ان التواخي لم يقع على الدين وانما هو التعارف 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن حمزة بن محمد الطيار، عن أبيه، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لم تتواخوا على هذا الأمر وإنما تعارفتم عليه. 2 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن عثمان بن عيسى، عن ابن مسكان وسماعة، جميعا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لم تتواخوا على هذا الأمر [ و ] إنما تعارفتم عليه. * الشرح: قوله (لم تتواخوا على هذا الأمر وانما تعارفتم عليه) لعل المراد أن المواخاة على هذا الأمر والأخوة في الدين كانت ثابتة بينكم في عالم الارواح ولم تقع في هذا اليوم وهذه الدار وإنما الواقع في هذه الدار هو التعارف على هذا الأمر الكاشف عن الأخوة في ذلك العالم. ويؤيده قوله (صلى الله عليه وآله) (الارواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تخالف منها اختلف) قيل معناه أن الارواح خلقت مجتمعة على قسمين مؤتلفة ومختلفة كالجنود التي يقابل بعضها بعضا، ثم فرقت في الاجساد فإذا كان الايتلاف والمواخاة أولا كان التعارف والتآلف بعد الاستقرار في البدن. وإذا كان التناكر والتخالف هناك كان التنافر والتناكر هنا.

[ 40 ]

باب حق المؤمن على أخيه وأداء حقه 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: من حق المؤمن على أخيه المؤمن أن يشبع جوعته ويواري عورته ويفرج عنه كربته ويقضي دينه، فإذا مات خلفه في أهله وولده. * الشرح: قوله (من حق المؤمن على أخيه المؤمن أن يشبع جوعته) أشبعته: أطعمته حتى شبع، وجاع الرجل جوعا: اشتهى الطعام واشتاق إليه، والجوع بالضم والجوعة بالفتح اسم منه، ونسبة الإشباع إلى الجوعة وتعليقه بها مجاز أو باعتبار تضمين معنى الدفع ونحوه. (ويواري عورته) العورة: كل ما يستحيى منه إذا ظهر وهي من الرجل: القبل والدبر، ومن المرأة: جميع الجسد إلا ما استثنى، والأمة كالحرة إلا الرأس، ويحتمل أن يراد بها العيوب والتعميم أظهر (ويفرج عنه كربته) الكربة اسم من " كربه الأمر فهو مكروب " أي أهمه وأحزنه فأقلقه وشق عليه. (ويقضي دينه) في حياته وبعد موته، وقد نقل أنه كان بين رجلين صداقة وكان على كل واحد دين وقضى كل واحد دين الآخر من غير علم أحدهما بقضاء الآخر (فإذا مات خلفه في أهله وولده) خلفت فلانا على أهله: صرت خليفة، وخلفته: جئت بعده، والمقصود أنه ينبغي أن يقوم مقامه في مهمات أهله وولده فيأتيهم ويسألهم عن حوايجهم من اللباس والطعام والشراب وغيرها، ثم يعزم بقضائها وهكذا يفعل في كل صباح ومساء ولا يتضجر في رعايتهم بطول الزمان وكثرة الحاجات، واعلم أن الله تعالى خلق الإنسان وجعله مدنيا بالطبع يحتاج إلى التعاون والمعاشرة مع الغير فألزم عليه حقوقا بعضها من الواجبات العينية وبعضها من الكفائية وبعضها من السنن اللازمة وبعضها من الآداب، وتفصيلها يعلم من أحاديث هذا الباب وغيرها من الأحاديث المتفرقة. 2 - عنه، عن علي بن الحكم، عن عبد الله بن بكير الهجري، عن معلى بن خنيس عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: ما حق المسلم على المسلم ؟ قال له: سبع حقوق واجبات ما منهن حق إلا وهو عليه واجب، إن ضيع منها شيئا خرج من ولاية الله وطاعته ولم يكن لله فيه من نصيب، قلت له: جعلت فداك وما هي ؟ قال: يا معلى إني عليك شفيق أخاف أن تضيع ولا تحفظ وتعلم ولا تعمل، قال: قلت له: لا قوة إلا بالله قال: أيسر حق منها أن تحب له ما تحب لنفسك وتكره له ما تكره لنفسك، والحق الثاني أن تجتنب سخطه وتتبع مرضاته وتطيع أمره، والحق الثالث أن تعينه

[ 41 ]

بنفسك ومالك ولسانك ويدك ورجلك، والحق الرابع أن تكون عينه ودليله ومرآته، والحق الخامس [ أن ] لا تشبع ويجوع ولا تروى ويظمأ ولا تلبس ويعرى، والحق السادس: أن يكون لك خادم وليس لأخيك خادم فواجب أن تبعث خادمك فيغسل ثيابه ويصنع طعامه ويمهد فراشه، والحق السابع أن تبر قسمه وتجيب دعوته، وتعود مريضه، وتشهد جنازته، وإذا علمت أن له حاجة تبادره إلى قضائها ولا تلجئه أن يسألكها ولكن تبادره مبادرة، فإذا فعلت ذلك وصلت ولايتك بولايته وولايته بولايتك. * الشرح: قوله (ما حق المسلم على المسلم ؟ قال له سبع حقوق واجبات ما منهن حق إلا وهو عليه واجب إن ضيع منها شيئا خرج من ولاية الله وطاعته ولم يكن لله فيه من نصيب) قال في المصباح: الولاية بالفتح والكسر: النصرة، وينبغي أن يعلم أن المؤمن لا يخرج من أصل الايمان ولا يسلب عنه النصيب حقيقة إلا بالكفر وإن ترك الأخلاق المذكورة لا يوجب الكفر، بالإجماع والروايات، وأنها ليست بواجبة بل هي من الآداب المطلوبة المرغبة فيها، فينبغي ارتكاب التأويل وصرف الكلام عن ظاهره، فنقول: لعل المراد بالوجوب التأكد والمبالغة أو وجوب الإقرار بأن تلك الأمور من حقوق الأخوة، وبالولاية: الولاية الكاملة برعاية تلك الحقوق، وبالنصيب: النصيب الكامل الذي في خلص أولياء الله تعالى. قوله (قلت له جعلت فداك وما هي) حتى أعلمها وأعملها (قال يا معلى إني عليك شفيق أخاف أن تضيع ولا تحفظ وتعلم ولا تعمل) دل على أن الجاهل بها معذور في تركها إلا أن يقال ليس بمعذور ولكن عذر العالم أضعف من عذره ولومه أشد. قوله (قال قلت له لا قوة إلا بالله) أي لا قوة لنا في أداء الحقوق أو مطلقا إلا بالله ونصرته، ولما استعان في أدائها بالله تعالى والمستعين به غير ذليل فصلها (عليه السلام) وقال: (أيسر حق منها أن تحب له ما تحب لنفسك وتكره له ما تكره لنفسك) هذا النوع من الاتحاد يتوقف على أن يطلع عن أفق خاطرك أنوار الأسرار الإلهية وتغلق عليه أبواب الوساوس الشيطانية، فإنه إذا حصلت لك تلك المعارف وزالت عنك تلك الوساوس لاحظت قرب المؤمن من الحق ووجدت بينك وبينه اتحادا في الذات وتناسبا في الصفات حتى كأنه وأنت سواء في المعنى وكنفس واحدة، وهذا النوع من الاتحاد والتناسب والقرب يقتضى الحق المذكور (والحق الثاني أن تجتنب سخطه وتتبع مرضاته وتطيع أمره) أي تجتنب ما يوجب سخطه وتتبع ما يوجب رضاه وتطيع أمره إن كان موافقا للشرع وإلا فانصحه برفق حتى يرجع (والحق الثالث أن تعينه بنفسك)

[ 42 ]

بأن تفكر في جلب ما ينفعه ودفع ما يضره أو بأن تقوم مقامه في قضاء حوائجه، ويندرج فيه إنقاذه من يد ظالم، وقد روي عن الرضا (عليه السلام) قال " أفضل ما يقدمه العالم من محبينا وموالينا أمامه ليوم فقره وفاقته وذله ومسكنته أن يغيث في الدنيا مسكينا من محبينا من يد ناصب عدو لله ولرسوله فيقوم من قبره والملائكة صفوف من شفير قبره إلى موضع محله من جنان الله فيحملونه على أجنحتهم ويقولون: طوباك طوباك يا دافع الكلاب عن الأبرار ويا أيها المتعصب للأئمة الاخيار ". (ومالك) بأن تعينه بالمواساة والإيثار وقضاء الدين قبل السؤال وبعده والأول أفضل لما في الثاني من نقص الآخرة (ولسانك) بأن تعينه بطلب الحاجة والدعاء له ودفع الغيبة عنه وذكر محاسنه وتعليمه أمور الدين ونحو بذلك. (ويدك ورجلك) بأن تستعملهما في طلب كل خير ودفع كل شر يتوقفان عليهما. (والحق الرابع أن يكون عينه ودليله ومرآته) فتنظر إلى مقاصده كما ينظر هو وتدله عليها إن غفل عنها، وتقبل عليه بصفاء الظاهر والباطن حتى يرى فيك صور حاجاته. (والحق الخامس [ أن ] لا تشبع ويجوع ولا تروى ويظمأ ولا تلبس ويعرى) بل عليك تشريكه في الطعام والشراب واللباس (والحق السادس أن يكون لك خادم) الخادم يطلق على الذكر والأنثى والخادمة بالهاء في المؤنث قليل والجمع خدم وخدام. (والحق السابع أن تبر قسمه) الظاهر أن قسمه بفتحتين وهو اسم من الأقسام وأن المراد ببر قسمه قبوله، وأصل البر الإحسان ثم استعمل في القبول، يقال: " بر الله عمله " إذا قبله كأنه أحسن إلى عمله بأن قبله ولم يرده كذا في الفائق، وقبول قسمه وإن لم يكن واجبا شرعا لكنه مؤكد لئلا يكسر قلبه ولا يضيع حقه، واحتمال إرادة إحسان القسم - بالكسر - وهو الحصة والنصيب بعيد والله اعلم، ثم أشار إلى ما يقتضيه كمال الأخوة بقوله: (وإذا علمت أن له حاجة تبادره إلى قضائها ولا تلجئه إلى أن يسألكها) لأن الإلجاء إلى السؤال يوجب الإهانة والمذلة، ويدل على نقص في الأخوة والمحبة، وحق الأخوة أن تقضي حاجته المعلومة لك وأن تمشي إليه وتسأله عن حاجته وتسعى في قضاء جميع ما يحتاج إليه لنفسه ولعياله حتى الحطب والخبز والملح وقد كان سيد العابدين (عليه السلام) يحمل على ظهره في جوف الليل قوتا لفقراء الشيعة ويوصله إليهم. 3 - عنه، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن سيف، عن أبيه سيف، عن عبد الأعلى بن أعين قال: كتب [ بعض ] أصحابنا يسألون أبا عبد الله (عليه السلام) عن أشياء وأمروني أن أسأله عن حق المسلم على أخيه، فسألته فلم يجبني، فلما جئت لاودعه فقلت: سألتك فلم تجبني ؟ فقال: إني

[ 43 ]

أخاف أن تكفروا، إن من أشد ما افترض الله على خلقه ثلاثا: إنصاف المرء من نفسه حتى لا يرضى لأخيه من نفسه إلا بما يرضى لنفسه منه، ومؤاساة الأخ في المال، وذكر الله على كل حال، ليس سبحان الله والحمد لله ولكن عند ما حرم الله عليه فيدعه. * الشرح: قوله (وذكر الله على كل حال) أصل الذكر مبدأ لجميع الخيرات، ثم الخيرات مبدأ لرسوخه وثبوته في القلب حتى لا يغفل طرفة عين إلى أن يبلغ مقام المحبة ثم مقام الرضا ثم مقام الفناء في الله بحيث لا يرى في الوجود إلا إياه. وهذا غير متعلق بالسؤال لأن السؤال عن حق المسلم على أخيه ولعل الغرض من ذكره هو التنبيه بأن المهم للمؤمن في الدنيا أمران أحدهما استقامة حاله مع المؤمنين وهي تحصل برعاية الأولين، والثاني استقامة حاله مع رب العالمين وهي تحصل بالذكر. 4 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن جميل، عن مرازم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما عبد الله بشئ أفضل من أداء حق المؤمن. * الشرح: قوله (ما عبد الله بشئ أفضل من أداء حق المؤمن) يعنى أداء حق المؤمن أفضل من أداء جميع العبادات، والأئمة (عليهم السلام) أفضل المؤمنين ورؤساؤهم، فأداء حقوقهم رأس جميع العبادات. قال أمير المؤمنين (عليه السلام): " فضل حرمة المسلم على الحرم كلها " يريد أن الله تعالى جعل حرمة المسلم فوق كل حرمة، وقال أيضا: " وشد بالإخلاص والتوحيد حقوق المسلمين في معاقدها " يعنى أن الله تعالى ربطها بهما فأوجب على المخلصين المعترفين بالوحدانية المحافظة على حقوق المسلمين ومراعاة موضعها وقرن بتوحيده حتى صار فضلها كفضل التوحيد. 5 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: حق المسلم على المسلم أن لا يشبع ويجوع أخوه، ولا يروى ويعطش أخوه، ولا يكتسي ويعرى أخوه، فما أعظم حق المسلم على أخيه المسلم وقال: أحب لأخيك المسلم ما تحب لنفسك، وإذا احتجت فسله وإن سألك فأعطه، لا تمله خيرا ولا يمله لك، كن له ظهرا فإنه لك ظهر، إذا غاب فاحفظه في غيبته وإذا شهد فزره وأجله وأكرمه فإنه منك وأنت منه، فإن كان عليك عاتبا فلا تفارقه حتى تسأل سميحته وإن أصابه خير فاحمد الله، وإن ابتلي فأعضده وإن تمحل له فأعنه وإذا قال الرجل لأخيه: أف انقطع ما بينهما من الولاية وإذا قال: أنت عدوي كفر أحدهما، فإذا اتهمه انماث الايمان في قلبه كما ينماث الملح في الماء، وقال: بلغني أنه قال إن المؤمن ليزهر نوره لأهل السماء كما تزهر نجوم السماء لأهل الأرض، وقال: إن المؤمن ولي

[ 44 ]

الله يعينه، ويصنع له، ولا يقول عليه إلا الحق، ولا يخاف غيره. * الشرح: قوله (وإذا احتجت فسله) أي فسله عن حاله وعن ذات يده وعما أكله هو وعياله البارحة، إلى غير ذلك من ضرورياته فإن احتاج إلى شئ فبادر إلى قضائه. (لا تمله خيرا ولا يمله لك) الظاهر أنه من أمليته بمعنى تركته وأخرته والإملاء: فرو گذاشتن ومهلت دادن ودراز كشيدن مدت، ولامه ياء، وأما الإملال بمعنى " ملول كردن " فبعيد والله أعلم (كن له ظهرا) أي معينا ناصرا في جميع الأمور فإنه لك ظهر وبذلك يتم نظام أموركم في الدنيا والآخرة. (إذا غاب) بالسفر أو الأعم (فاحفظه في غيبته) في نفسه بالذكر الجميل والدعاء وترك الغيبة وزجر الغير عنها، وفي ماله وأهله برعايتهم وقضاء حاجتهم وتكفل أمورهم. (فإن كان عليك عاتبا فلا تفارقه حتى تسأل سميحته) أي جوده بالعفو عن التقصير ومساهلته بالتجاوز لئلا يستقر في قلبه فيوجب التنافر والتباغض، وفي بعض النسخ " سخيمته " بالخاء المعجمة قبل الياء أي حتى تسأل عن سبب سخيمته وهي الحقد والبغض، فإذا ظهر لك فتداركه حتى تزول السخيمة عنه فيخلص لك المودة، فإن استمر فأعذر إليه حتى يقبل منك (وإن تمحل له فاعنه) أي وإن احتال لدفع البلاء عن نفسه بحيلة نافعة فأعنه في إمضائه (وإذا قال أنت عدوي كفر أحدهما) لأن المؤمن عدو للكافر دون المؤمن، فالمخاطب إن كان مؤمنا فالقائل كافر، وإن كان كافرا فالقائل مؤمن، وأيضا هذا القول إما صادق أو كاذب وعلى التقديرين يلزم كفر أحدهما، فليتأمل. (فإذا اتهمه انماث الايمان في قلبه) اتهمه من باب الإفعال أو الافتعال أي من أدخل التهمة على المؤمن ذاب الايمان في قلبه، والتهمة " دروغ بستن بر كسى " ثم بالغ في مواخاة المؤمن وحبه ورعاية حقوقه ورغب فيها بقوله: (إن المؤمن ليزهر نوره لأهل السماء) أي ليزهر إيمانه أو أعماله الصالحة وأخلاقه الفاضلة أو نفسه الناطقة الكاملة أو نور إلهي يغشاه بسبب صفاء ذاته وحسن صفاته. (وقال: إن المؤمن ولى الله يعينه ويصنع له) الولي فعيل بمعنى فاعل أي المؤمن محب الله وناصره وقائم بأمره، وفي المصباح الولي فعيل بمعنى مفعول في حق المطيع فيقال المؤمن ولي الله، والمراد بإعانته لله تعالى إعانة دينه ونصرة أوليائه والحماية لهم والذب عنهم، وبصنعه له العمل بأوامره ونواهيه وآدابه والتسليم والرضا بحكمه قاصدا بذلك وجهه تعالى.

[ 45 ]

6 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن ابن فضال، عن علي بن عقبة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: للمسلم على أخيه المسلم من الحق أن يسلم عليه إذا لقيه ويعوده إذا مرض، وينصح له إذا غاب، ويسمته إذا عطس، ويجيبه إذا دعاه، ويتبعه إذا مات. عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن ابن فضال، عن علي بن عقبة مثله. * الشرح: قوله (ويسمته إذا عطس) تسميت العاطس الدعاء له، والشين المعجمة مثله، وكلاهما مروي، وقال أبو عبيد: الشين المعجمة أعلى وأفشى، وقال ثعلب: المهملة هي الأصل، أخذ من السمت وهو القصد والهدى والاستقامة، وكل داع بخير فهو مسمت أي داع بعوده والبقاء إلى سمته، وقيل: اشتقاق المهملة من السمت وهو الهيئة الحسنة أي جعلك الله على هيئة حسنة، لأن هيئته تنزعج للعطاس، واشتقاق المعجمة من الشوامت كأنه دعاء له بالثبات على طاعة الله أو ببعده عما يشمت به عليه. 7 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس، عن أبي المأمون الحارثي قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما حق المؤمن على المؤمن ؟ قال: إن من حق المؤمن على المؤمن المودة له في صدره، والمواساة له في ماله، والخلف له في أهله، والنصرة له على من ظلمه، وإن كان نافلة في المسلمين وكان غائبا أخذ له بنصيبه وإذا مات الزيارة إلى قبره، وأن لا يظلمه وأن لا يغشه وأن لا يخونه وأن لا يخذله وأن لا يكذبه وأن لا يقول له أف، وإذا قال له: اف فليس بينهما ولاية وإذا قال له: أنت عدوي فقد كفر أحدهما، وإذا اتهمه انماث الايمان في قلبه كما ينماث الملح في الماء. 8 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن أبي علي صاحب الكلل، عن أبان بن تغلب قال: كنت أطوف مع أبي عبد الله (عليه السلام) فعرض لي رجل من أصحابنا كان سألني الذهاب معه في حاجة فأشار إلي فكرهت أن أدع أبا عبد الله (عليه السلام) وأذهب إليه، فبينا أنا أطوف إذ أشار إلي أيضا فرآه أبو عبد الله (عليه السلام) فقال: يا أبان إياك يريد هذا ؟ قلت: نعم، قال: فمن هو ؟ قلت: رجل من أصحابنا، قال: هو على مثل ما أنت عليه ؟ قلت: نعم، قال: فاذهب إليه، قلت: فأقطع الطواف ؟ قال: نعم، قلت: وإن كان طواف الفريضة ؟ قال: نعم، قال: فذهبت معه، ثم دخلت عليه بعد فسألته، فقلت: أخبرني عن حق المؤمن على المؤمن فقال: يا أبان دعه لا ترده، قلت: بلى جعلت فداك فلم أزل اردد عليه، فقال: يا أبان تقاسمه شطر مالك، ثم نظر إلي فرأى ما دخلني. فقال: يا أبان أما تعلم أن الله عز وجل قد ذكر المؤثرين على أنفسهم ؟ قلت: بلى جعلت

[ 46 ]

فداك، فقال: أما إذا أنت قاسمته فلم تؤثره بعد، إنما أنت وهو سواء إنما تؤثره إذا أنت أعطيته من النصف الآخر. * الشرح: قوله (فقال يا أبان أما تعلم أن الله عز جل قد ذكر المؤثرين على أنفسهم) الإيثار الاختيار مصدر أثر على أفعل وهو أشد من السخاوة والاقتصاد لأن السخي يبذل ما زاد عن قدر حاجته والمؤثر يبذل ما يحتاج إليه وقد دل بعض الآيات والروايات على الإيثار وبعضها على الاقتصاد مثل قوله تعالى: * (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط...) * ومثل ما روي " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى " قيل: معناه ما كان يعد كفاية النفس والعيال وغنائمهما عنه، ولعل الوجه فيه أن البذل يتفاوت بتفاوت الأزمان والمقامات وأحوال الطرفين وطيب النفوس فقد يكون الاقتصاد أرجح من الإيثار كما في عامة المؤمنين وقد يكون الأمر بالعكس كما في الصديقين. وأمر النبي (صلى الله عليه وآله) تعليم للمؤمنين. 9 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن فضالة بن أيوب عن عمر بن أبان، عن عيسى بن أبي منصور قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) أنا وابن أبي يعفور و عبد الله بن طلحة فقال ابتداء منه: يا ابن أبي يعفور قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ست خصال من كن فيه كان بين يدي الله عز وجل وعن يمين الله. فقال ابن أبي يعفور وما هن جعلت فداك ؟ قال: يحب المرء المسلم لأخيه ما يحب لأعز أهله. ويكره المرء المسلم لأخيه ما يكره لأعز أهله، ويناصحه الولاية، فبكى ابن أبي يعفور، وقال: كيف يناصحه الولاية ؟ قال: يا ابن أبي يعفور إذا كان منه بتلك المنزلة بثه همه ففرح لفرحه إن هو فرح وحزن لحزنه إن هو حزن، وإن كان عنده ما يفرج عنه فرج عنه وإلا دعا الله، قال: ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): ثلاث لكم وثلاث لنا أن تعرفوا فضلنا وأن تطؤوا عقبنا، وأن تنظروا عاقبتنا، فمن كان هكذا كان بين يدي الله عز وجل فيستضئ بنورهم من هو أسفل منهم وأما الذين عن يمين الله فلو أنهم يراهم من دونهم لم يهنئهم العيش مما يرون من فضلهم، فقال ابن أبي يعفور: وما لهم لا يرون وهم عن يمين الله ؟ فقال: يا ابن أبي يعفور إنهم محجوبون بنور الله، أما بلغك الحديث أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يقول: إن لله خلقا عن يمين العرش بين يدي الله وعن يمين الله وجوههم أبيض من الثلج وأضوأ من الشمس الضاحية، يسأل السائل ما هؤلاء ؟ فقال: هؤلاء الذين تحابوا في جلال الله. * الشرح: قوله (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ست خصال من كن فيه كان بين يدي الله عز جل وعن يمين الله) هذا

[ 47 ]

تمثيل لقصد الإيضاح، أو اليد مجاز عن الرحمة من باب الإرسال أو المكنية والتخييلية، واليمين: الجانب الأشرف والأقوى، ولعل كونه عن يمينه كناية عن كرامته وعظمته وعلو منزلته ورفعته باعتبار أن من عظمت منزلته تبوأ عن يمين الملك، وكل ما جاء في القرآن من إضافة اليد واليمين إلى الله تعالى فهو على سبيل التمثيل أو المجاز والاستعارة والكناية لأنه تعالى منزه عن ظاهرهما. * الشرح: قوله (بثه همه) كأن المراد بالبث: التهييج والإثارة، وبالهم: العزم والإرادة أو الحزن أي هيجه وأثاره عزمه وإرادته خير المؤمن أو حزنه في أمره. وأراد (عليه السلام) بقوله: (ثلاث لكم) ما ذكره قبل، وبقوله (ثلاث لنا) ما يذكر بعد وهي معرفة فضلهم على غيرهم بالعلم والعمل وقرب النبي ووطأ عقبهم واقتفاء أثرهم في العلم والعمل والتمسك بدين الحق وانتظار عاقبتهم في الدنيا بظهور القائم (عليه السلام) وفي الآخرة بالكرامة والشفاعة، ثم أشار إلى بعض فضائلهم للترغيب في تحصيلها والحث على محبة أهلها وحفظ حقوقهم بقوله. (فمن كان هكذا) أي متصفا بالخصال المذكورة (كان بين يدي الله عز وجل) وهو سبحانه ناظر إليهم بنور رحمته وإحسانه. (فيستضئ) بنورهم من هو أسفل منهم) من المؤمنين الذين لم يتصفوا بتلك الخصال وحرموا عن نيل هذا الكمال كما يستضئ بنور الشمس كل من هو أسفل منها، وهذا النور كما يكون لهم في الآخرة يكون لهم في الدنيا أيضا كما مر من أن المؤمن ليزهر نوره لأهل السماء كما تزهر نجوم السماء لأهل الأرض، إلا أن هذه الأبصار قاصرة عن إدراكه. (وأما الذين عن يمين الله) دل على أنهم غير من كانوا بين يدي الله عز وجل وكان المراد بهم الأئمة (عليهم السلام) (فلو أنهم يراهم من دونهم لم يهنئهم العيش مما يرون من فضلهم) لأنهم يبهتون من ملاحظة فضلهم وكمالهم ويتحيرون من مشاهدة حسنهم وجمالهم، وبين سبب عدم رؤيتهم (أنهم محجوبون بنور الله) والنور الساطع والضوء اللامع إذا بلغا حد الكمال يمنعان من المشاهدة كما يشهد له النظر إلى الشمس مع أن نورهم أشد من نورها بل لا نسبة بينهما. 10 - عنه، عن عثمان بن عيسى، عن محمد بن عجلان قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فدخل رجل فسلم، فسأله كيف من خلفت من إخوانك ؟ قال: فأحسن الثناء وزكى وأطرى، فقال له: كيف عيادة أغنيائهم على فقرائهم ؟ فقال: قليلة ؟ قال: وكيف مشاهدة أغنيائهم لفقرائهم قال: قليلة، قال فكيف صلة أغنيائهم لفقرائهم في ذات أيديهم ؟ فقال: إنك لتذكر أخلاقا قل ما هي فيمن عندنا، قال: فقال: فكيف تزعم هؤلاء أنهم شيعة.

[ 48 ]

11 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن سالم، عن أحمد بن النضر، عن أبي إسماعيل قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): جعلت فداك إن الشيعة عندنا كثير فقال: [ ف‍ ] - هل يعطف الغني على الفقير ؟ وهل يتجاوز المحسن عن المسئ ؟ ويتواسون ؟ فقلت: لا، فقال ليس هؤلاء شيعة، الشيعة من يفعل هذا. 12 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن العلاء بن فضيل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان أبو جعفر صلوات الله عليه يقول: عظموا أصحابكم ووقروهم ولا يتجهم بعضكم بعضا ولا تضارروا ولا تحاسدوا وإياكم والبخل كونوا عباد الله المخلصين. * الشرح: قوله (ولا يتجهم بعضكم بعضا) تجهمه وتجهم له استقبله بوجه كريه عبوس. 13 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن الجبار، عن ابن فضال، عن عمر بن أبان، عن سعيد بن الحسن قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): أيجئ أحدكم إلى أخيه فيدخل يده في كيسه فيأخذ حاجته فلا يدفعه ؟ فقلت: ما أعرف ذلك فينا، فقال أبو جعفر (عليه السلام): فلا شئ إذا، قلت: فالهلاك إذا، فقال: إن القوم لم يعطوا أحلامهم بعد. * الشرح: قوله (فقال أبو جعفر (عليه السلام) فلا شئ إذا) أي لا اعتناء به وبدينه، ولعل المراد أن حق الأخوة كما هو غير متحقق فيهم لا أنه منتف عنهم بالمرة، وكان السائل حمله على الثاني لأنه الموجب للهلاك والعقوبة لا على الأول الموجب لرفع الكمال، وقوله (عليه السلام) " إن القوم لم يعطوا أحلامهم " أي عقولهم إشارة إلى عدم هلاكهم بذلك لعدم كمال عقولهم إذ التكليف متفاوت باعتبار تفاوت العقول وجعله رمزا إلى خطاء السائل في ذلك الحمل بعيد. 14 - علي بن إبراهيم، عن الحسين بن الحسن، عن محمد بن أورمة، رفعه، عن معلى بن خنيس قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن حق المؤمن، فقال: سبعون حقا لا اخبرك إلا بسبعة، فإني عليك مشفق أخشى ألا تحتمل، فقلت: بلى إن شاء الله، فقال: لا تشبع ويجوع ولا تكتسي ويعرى، وتكون دليله وقميصه الذي يلبسه ولسانه الذي يتكلم به وتحب له ما تحب لنفسك وإن كانت لك جارية بعثتها لتمهد فراشه وتسعى في حوائجه بالليل والنهار، فإذا فعلت ذلك وصلت ولايتك بولايتنا وولايتنا بولاية الله عز وجل.

[ 49 ]

* الشرح: قوله (وتكون دليله وقميصه الذي يلبسه) أي يكون دليله إلى منافعه الدنيوية والأخروية التي أعظمها العلم بأمور الدين ومكارم الأخلاق ومحاسن الآداب وتكون قميصه أي بطانته وصاحب سره وأهل معاشرته وخاصته ويمكن أن يعتبر تشبيهه بالقميص في دفع المكاره عنه كما أن القميص يدفع الحر والبرد. وضمير تسعى في قوله " وتسعى في حوايجه بالليل والنهار " راجع إلى الجارية فلا يلزم زيادة الحق على السبعة بواحد. 15 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن أبي المغرا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يخونه ويحق على المسلمين الاجتهاد في التواصل والتعاون على التعاطف والمواساة لأهل الحاجة وتعاطف بعضهم على بعض حتى تكونوا كما أمركم الله عز وجل: " رحماء بينكم " متراحمين مغتمين لما غاب عنكم من أمرهم على ما مضى عليه معشر الأنصار على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله). * الشرح: قوله (والتعاقد على التعاطف) التعاقد التعاهد. والتعاطف " باهمديگر مهربانى كردن " وفي بعض النسخ " التعاون " بدل التعاقد وهو الموافق لما في الباب الآتي من رواية أبي المغرا عن أبي عبد الله (عليه السلام). (والمواساة لأهل الحاجة) بتسويته بإعطاء النصف وقد يراد بها التشريك مطلقا في النصف أو أقل أو أكثر. (وتعاطف بعضهم على بعض حتى تكونوا كما أمركم الله عز وجل رحماء بينكم) فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب وايماء إلى أن الآية أمر في المعنى بتلك الخصال لكونها في مقام المدح المستلزم للأمر بها وإلى أن الأمر بها غير مختص بالصحابة وإن نزلت الآية في شأنهم بل يجري في الأمة إلى يوم القيامة، والظاهر أن " متراحمين " خبر ثان ل‍ " تكونوا ". (ومغتمين...) خبر ثالث مع احتمال نصبها على الحال، والظاهر أن ضمير من أمرهم راجع إلى المسلمين وأن المراد بذلك الأمر الغايب أي الفايت هو التعاطف والمساواة والتراحم وغيرهما من حقوقهم، وقد كانت رعاية ذلك وصف الأنصار فإنهم كانوا لا يرى منهم مؤمن إلا سلمه وصافحه وعانقه وراعى حقوقه، وأن الاغتمام بفواتها توبة وندامة توجب التدارك والتلافي في مستقبل الأوقات، وذكر التعاطف لا يخلو من شائبة التكرار إلا أن يراد به هنا إيقاعه، وفي الأول العزم به، والتأكيد المشعر بالاهتمام به محتمل. والله أعلم.

[ 50 ]

16 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): حق على المسلم إذا أراد سفرا أن يعلم إخوانه وحق على إخوانه إذا قدم أن يأتوه.

[ 51 ]

باب التراحم والتعاطف 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن الحسن بن محبوب، عن شعيب العقرقوفي قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول لأصحابه: اتقوا الله وكونوا إخوة بررة، متحابين في الله، متواصلين، متراحمين، تزاوروا وتلاقوا وتذاكروا أمرنا وأحيوه. * الشرح: قوله (سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول لأصحابه اتقوا الله وكونوا إخوة بررة) شبه المؤمنين بالإخوة في الخصال المذكورة على الإطلاق من غير تفاوت بين الغني والفقير والقوي والضعيف والكبير والصغير والشريف والوضيع، ومراعاة هذه الخصال لا تمكن إلا ممن امتحن الله قلبه للإيمان والتقوى وأخصله من الكبر والغين والحقد ونحوها من الأخلاق الذميمة فيؤثر عند ذلك مرضاة الله تعالى على متابعة الهوى، والتواصل من الوصل وهو ضد القطع والتدابر وكثيرا ما يجعل كناية عن الإحسان إلى الأخوة في الدين والإفضال على الأقربين والتعطف عليهم والرفق بهم والرعاية لأحوالهم، والأمر بتذاكر أمرهم (عليهم السلام) بعد الأمر بملاقاة المؤمنين إشارة إلى أنه الغرض الاهم منها، والمراد بأمره تقدمهم وخلافتهم وفضلهم على جميع الأمة أو الأعم منه ومن نشر أحاديثهم وعلومهم. 2 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن كليب الصيداوي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: تواصلوا وتباروا وتراحموا وكونوا إخوة بررة كما أمركم الله عز وجل. 3 - عنه، عن محمد بن سنان، عن عبد الله بن يحيى الكاهلي قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: تواصلوا وتباروا وتراحموا وتعاطفوا. 4 - عنه، عن علي بن الحكم، عن أبي المغرا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: يحق على المسلمين الاجتهاد في التواصل والتعاون على التعاطف والمؤاساة لأهل الحاجة وتعاطف بعضهم على بعض حتى تكونوا كما أمركم الله عز وجل: * (رحماء بينهم) * متراحمين، مغتمين لما غاب عنكم من أمرهم على ما مضى عليه معشر الأنصار على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله).

[ 52 ]

باب زيارة الاخوان 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن [ علي ] ابن فضال، عن علي بن عقبة، عن أبي حمزة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من زار أخاه لله لا لغيره التماس موعد الله وتنجز ما عند الله وكل الله به سبعين ألف ملك ينادونه ألا طبت وطابت لك الجنة. * الشرح: قوله (من زار أخاه لله لا لغيره) كالألفة بسبب حسن الصورة أو الصوت أو الكلام أو بسبب قرب الجوار أو السعي في الحوائج أو نيل الجاه أو المال أو غير ذلك مما لا يتعلق بأمر ديني فإن هذه الأمور قد تتحقق في غير من أحبه الله بل في غير المؤمن فلا تكون سببا للوعد المذكور، وإنما السبب له أن يكون الزيارة لله وهي على وجهين الأول أن يزوره من أجل أنه عبد أحبه الله كزيارة المتعلم للمعلم لملاحظة حق التعليم والإرشاد. وبالعكس لملاحظة حق التعلم والاسترشاد وزيارة الصالح والعابد والزاهد مثلا للصلاح والعبادة والزهد فإن الزيارة لأجل هذه الأمور أيضا زيارة لله لا لغيره. (وكل الله سبعين ألف ملك) الظاهر إرادة هذا العدد، والمبالغة في الكثرة محتملة. (ينادونه إلا طبت وطابت لك الجنة) أي انشرح صدرك بإزالة الخبائث وصفت ذاتك من أدناس الذنوب وحلت لك الجنة ولذ لك نعيمها. 2 - عنه، عن علي بن النعمان، عن ابن مسكان، عن خيثمة قال: دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) اودعه فقال: يا خيثمة أبلغ من ترى من موالينا السلام وأوصهم بتقوى الله العظيم وأن يعود غنيهم على فقيرهم وقويهم على ضعيفهم وأن يشهد حيهم جنازة ميتهم وأن يتلاقوا في بيوتهم، فإن لقيا بعضهم بعضا حياة لأمرنا، رحم الله عبدا أحيا أمرنا، يا خيثمة أبلغ موالينا أنا لا نغني عنهم من الله شيئا إلا بعمل وأنهم لن ينالوا ولايتنا إلا بالورع وأن أشد الناس حسرة يوم القيامة من وصف عدلا ثم خالفه إلى غيره. * الشرح: قوله (وأوصهم بتقوى الله العظيم وأن يعود غنيهم على فقيرهم) الوصية بالشئ: الأمر بأن يفعله. والتقوى: التحرز من سخط الله والمتقي من يجعل بينه وبين الله تعالى وقاية تقيه منه وهو ينشأ من مشاهدة عظمته ولذلك وصفه بها. والعود: الفضل، والاسم منه العائدة وهي المعروف والصلة العطف والمنفعة (وهذا أعود) أي أنفع، واللقيا بكسر اللام أو ضمها وشد الياء، والأصل

[ 53 ]

على فعول مصدر لقيه كرضيه إذا رآه، ووصف العدل ومخالفته مذموم. وقد ورد الآيات والرواية على ذمه وهو الاعتقاد بالحق والتكلم بالصواب والتعلم بالدين وترك العمل به والعمل بخلافه. 3 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): حدثني جبرئيل (عليه السلام) أن الله عز وجل ملكا، فأقبل ذلك الملك يمشي حتى دفع إلى باب عليه رجل يستأذن على رب الدار: فقال له الملك: ما حاجتك إلى رب هذه الدار ؟ قال: أخ لي مسلم زرته في الله تبارك وتعالى، قال: له الملك: ما جاء بك إلا ذاك ؟ فقال ما جاء بي إلا ذاك. فقال: إني رسول الله إليك وهو يقرئك السلام ويقول: وجبت لك الجنة وقال الملك: إن الله عز وجل يقول: أيما مسلم زار مسلما فليس إياه زار. إياي زار وثوابه علي الجنة. * الشرح: قوله (حتى دفع إلى باب عليه رجل) قال في النهاية: دفعت إلى كذا بالبناء للمفعول انتهيت إليه، وقول الملك له: " ما حاجتك إلى رب هذه الدار " دل ظاهرا على أن الثواب الموعود ليس لأهل الحاجة، وقال الغزالي: ليس أيضا للزائر من أجل القرابة ولا من أجل مكافاة الإحسان لما رووه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو مثل هذه الرواية إلا أن الملك قال: ألك حاجة، قال لا، قال: ألك قرابة ؟ قال لا، قال: لمكافاة إحسان اليك ؟ قال: لا فبشره بالجنة كما نقل هنا. (فليس إياه زار إياي زار) لما كانت زيارته إياه في الله وطلبا لقربه ورضاه كان هو المطلوب حقيقة بتلك الزيارة والمقصود بالذات من تلك الوصلة فلذلك نسب زيارته إلى زيارة ذاته المقدسة للتنبيه على أنه المقصود بالذات من كل وصل وفصل وأنه الغاية لكل طالب والمرجع لكل سالك، والمراد بزيارة العبد له عرض نفسه عليه والقيام بين يديه والإنابة والرجوع إليه بقلب خالص وعزم صادق 4 - علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن علي النهدي، عن الحصين، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من زار أخاه في الله قال الله عز وجل: إياي زرت وثوابك علي ولست أرضى لك ثوابا دون الجنة. * الشرح: قوله (ولست ارضى لك ثوابا دون الجنة) لعل المراد أن شيئا من خيرات الدنيا ونعمها لا يصلح أن يكون ثوابا لهذا العمل لانقطاعه وإنما ثوابه الجنة لدوامها ودوام نعيمها. 5 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن سيف بن عميرة عن يعقوب بن شعيب قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: من زار أخاه في جانب المصر ابتغاء وجه الله

[ 54 ]

فهو زوره، وحق على الله أن يكرم زوره. * الشرح: قوله (من زار أخاه في جانب المصر ابتغاء وجه الله فهو زوره) ترغيب في الزيارة وإن كانت المسافة بعيدة، والزور بالفتح الزائر وهو في الأصل مصدر وضع موضع الاسم كصوم ونوم بمعنى صائم ونائم، وقد يكون الزور جمع الزائر كركب وراكب، وحمله هنا على المفرد يمنع حمله على الجمع (وحق على الله أن يكرم زوره) الكرم من صفاته وكل صفة له في غاية الكمال فكرمه في غاية الكمال وانما المانع من قبل العبد فإذا أزال العبد من نفسه ذلك المانع بتوفيقه رأى من آثار كرمه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولذلك حذف متعلق الكرم لقصور العبارة عن بيانه. 6 - عنه، عن علي بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من زار أخاه في بيته قال الله عز وجل له: أنت ضيفي وزائري، علي قراك وقد أوجبت لك الجنة بحبك إياه. 7 - عنه، عن علي بن الحكم، عن إسحاق بن عمار، عن أبي غرة، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: من زار أخاه في الله في مرض أو صحة، لا يأتيه خداعا ولا استبدالا، وكل الله به سبعين ألف ملك ينادون في قفاه: أن طبت وطابت لك الجنة فأنتم زوار الله وأنتم وفد الرحمن حتى يأتي منزله، فقال له يسير: جعلت فداك وإن كان المكان بعيدا ؟ قال: نعم يا يسير وإن كان المكان مسيرة سنة، فإن الله جواد والملائكة كثيرة، يشيعونه حتى يرجع إلى منزله. * الشرح: قوله (لا يأتيه خداعا ولا استبدالا) أي لا يريد مخادعة المزور ولا يطلب بدل زيارته زيارة المزور له، أو الظاهر أن قوله " فإن كان المكان بعيدا " جزاؤه محذوف وهو يشيعه هذا العدد الكثير من الملائكة أو يطلب زيارته. 8 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن علي [ بن ] النهدي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من زار أخاه في الله ولله جاء يوم القيامة يخطر [ يخطو خ‍ ل ] بين قباطي من نور. ولا يمر بشئ إلا أضاء له حتى يقف بين يدي الله عز وجل فيقول الله عز وجل له: مرحبا، وإذا قال: مرحبا أجزل الله عز وجل له العطية. * الشرح: قوله (من زار اخاه في الله ولله) الأخ في الله من تمسك بدين الحق وعمل به واتصف بالطاعة

[ 55 ]

والصلاح، ولله إشارة إلى أن الكرامة المذكورة تترتب على زيارته إذا كانت طلبا لوجه الله ومرضاته لا لأمر آخر (يخطو بين قباطي من نور) في بعض النسخ: يخطر بالراء، أي يتبختر في مشيته ويتمايل كمشية المعجب المتكبر، والقباطي، جمع القبطية وهي ثوب من ثياب مصر بيضاء وكأنها منسوبة إلى قبط من أهل مصر شبه بها النور لقصد الإيضاح. 9 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن خالد والحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن يحيى بن عمران الحلبي، عن بشير، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن العبد المسلم إذا خرج من بيته زائرا أخاه لله لا لغيره، إلتماس وجه الله، رغبة فيما عنده، وكل الله عز وجل به سبعين ألف ملك ينادونه من خلفه إلى أن يرجع إلى منزله: ألا طبت وطابت لك الجنة. 10 - الحسين بن محمد [ عن أحمد بن محمد ] عن أحمد بن إسحاق، عن بكر بن محمد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما زار مسلم أخاه المسلم في الله ولله إلا ناداه الله عز وجل أيها الزائر طبت وطابت لك الجنة. 11 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، وعدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، جميعا، عن ابن محبوب، عن أبي أيوب، عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن لله عز وجل جنة لا يدخلها إلا ثلاثة: رجل حكم على نفسه بالحق، ورجل زار أخاه المؤمن في الله، ورجل آثر أخاه المؤمن في الله. 12 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن صالح بن عقبة، عن عبد الله بن محمد الجعفي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن المؤمن ليخرج إلى أخيه يزوره فيوكل الله عز وجل به ملكا فيضع جناحا في الأرض وجناحا في السماء يظله، فإذا دخل إلى منزله نادى الجبار تبارك وتعالى أيها العبد المعظم لحقي المتبع لآثار نبيي. حق علي إعظامك، سلني أعطك، ادعني أجبك، اسكت أبتدئك. فإذا انصرف شيعه الملك يظله بجناحه حتى يدخل‍ [ - ه ] إلى منزله، ثم يناديه تبارك وتعالى أيها العبد المعظم لحقي حق علي إكرامك قد أوجبت لك جنتي وشفعتك في عبادي. * الشرح: قوله (فيضع جناحا في الأرض وجناحا في السماء) ليحيطه بجناحيه وليكون وطاء له إذا مشى، وقيل هو كناية عن التعظيم والتواضع له.

[ 56 ]

13 - صالح بن عقبة، عن عقبة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لزيارة المؤمن في الله خير من عتق عشر رقاب مؤمنات، ومن أعتق رقبة مؤمنة وقى كل عضو عضوا من النار حتى أن الفرج يقي الفرج. 14 - صالح بن عقبة، عن صفوان الجمال، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أيما ثلاثة مؤمنين اجتمعوا عند أخ لهم، يأمنون بوائقه ولا يخافون غوائله ويرجون ما عنده. إن دعوا الله أجابهم وإن سألوا أعطاهم وإن استزادوا زادهم وإن سكتوا ابتدأهم. * الشرح: قوله (أيما ثلاثة مؤمنين اجتمعوا عند أخ لهم يأمنون بوائقه ولا يخافون غوائله) البوائق جمع البايقة وهي النازلة أي الداهية والشر الشديد وباقتهم البايقة تبوقهم بوقا إذا أصابتهم ونزلت بهم. والغوائل جمع الغائلة وهي الخديعة والفساد والشر والخصلة المهلكة والقيد يفيد أنه ينبغي ترك زيارة من لا يؤمن بوائقه وغوايله بالنسبة إلى الزائر وغيره من المؤمنين، ومن ثم قيل لا يجوز لأحد زيادة السلطان الجائر وأمراءه إلا لضرورة كدفع الضرر عن نفسه أو عن أحد من المسلمين وقد روي " أبغض الخلق إلى الله عالم زار سلطانا وإن العلماء أمناء ما لم يزوروا سلطانا جائرا فإذا زاروهم خانوا في الدين ولزم الفرار منهم " ومن طريق العامة " إن في جهنم واديا لا يدخل فيه إلا عالم زار سلطانا جائرا ". 15 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيوب قال: سمعت أبا حمزة يقول: سمعت العبد الصالح (عليه السلام) يقول: من زار أخاه المؤمن لله لا لغيره، يطلب به ثواب الله وتنجز ما وعد الله عز وجل وكل الله عز وجل به سبعين ألف ملك من حين يخرج من منزله حتى يعود إليه ينادونه: ألا طبت وطابت لك الجنة تبوأت من الجنة منزلا. 16 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لقاء الإخوان مغنم جسيم وإن قلوا. * الشرح: قوله (قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لقاء الإخوان مغنم جسيم وإن قلوا) المغنم الغنيمة وهي الفائدة وفيه إشارة إلى أن الإخوان في الدين الذين يقومون بأمر الله ويعملون له وهم أخوان الثقة قليلون ولو وجدوا فلابد من لقائهم وزيارتهم وتعظيمهم ورعاية حقوقهم سرا وجهرا فإن فيه منافع جزيلة وفوائد جميلة لا يعلم قدرها إلا الله عز وجل.

[ 57 ]

باب المصافحة 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن ثعلبة بن ميمون، عن يحيى بن زكريا، عن أبي عبيدة قال: كنت زميل أبي جعفر (عليه السلام) وكنت أبدأ بالركوب، ثم يركب هو فإذا استوينا سلم وساءل مسألة رجل لا عهد له بصاحبه وصافح، قال: وكان إذا نزل نزل قبلي فإذا استويت أنا وهو على الأرض سلم وساءل مسألة من لا عهد له بصاحبه، فقلت: يا ابن رسول الله إنك لتفعل شيئا ما يفعله أحد من قبلنا وإن فعل مرة فكثير، فقال: أما علمت ما في المصافحة، إن المؤمنين يلتقيان، فيصافح أحدهما صاحبه، فلا تزال الذنوب تتحات عنهما كما يتحات الورق عن الشجر، والله ينظر إليهما حتى يفترقا. * الشرح: قوله (قال كنت زميل أبي جعفر (عليه السلام) وكنت أبدأ بالركوب ثم يركب هو) الزميل كأمير: العديل الذي حمله مع حملك على البعير وقد زاملك عادلك، والزميل أيضا: الرديف والرفيق في السفر الذي يعينك على أمورك. ولعل تأخره (عليه السلام) في الركوب تواضع منه لصاحبه وإراحة للمركوب بعدم المبادرة إلى الركوب، ومنه يفهم وجه تقدمه في النزول وقد رغب في المصافحة بعد فعلها بقوله: أما علمت ما في المصافحة إلى آخره وهي أخذ اليد باليد، والأولى إلصاق صفح الكف بالكف والغمز يسيرا وإقبال الوجه بالوجه، والأولى بعد ذلك اشتباك الأصابع في الأصابع، وفضلها كثير وثوابها جزيل، من ذلك سقوط الذنوب عنهما ونظر الله اليهما بعين الرحمة والشفقة والإحسان حتى يفترقا، وقد يتركها المبتلى بالوسواس تحرزا عن نجاسة أخيه المؤمن التي توهمها ولم يعلم أن المؤمن طاهر مطهر وطيب مبارك، وأن ما توهمه خصلة شنيعة توجب ترك السنة وأذى المؤمن ومتابعة الشيطان وهذا الجاهل يسميه احتياطا ولا يعلم أن هذا الاحتياط بدعة مخالفة للشريعة. 2 - عنه، عن ابن فضال، عن علي بن عقبة، عن أبي خالد القماط، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن المؤمنين إذا التقيا وتصافحا أدخل الله يده بين أيديهما، فصافح أشدهما حبا لصاحبه. * الشرح: قوله (أدخل الله يده بين أيديهما) أي يد وليه الغائب عن الأبصار أو اليد مجازا عن الرحمة أو النعمة والإحسان وتمثيل لقربها من المتصافحين حتى كأنهما يتناولانها والوجه في الخبر الآخر مستعار للجود. 3 - ابن فضال، عن علي بن عقبة، عن أيوب، عن السميدع، عن مالك بن أعين الجهني، عن أبي

[ 58 ]

جعفر (عليه السلام) قال: إن المؤمنين إذا التقيا فتصافحا أدخل الله عز وجل يده بين أيديهما وأقبل بوجهه على أشدهما حبا لصاحبه، فإذا أقبل الله عز وجل بوجهه عليهما تحاتت عنهما الذنوب كما يتحات الورق من الشجر. 4 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم عن أبي عبيدة الحذاء، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن المؤمنين إذا التقيا فتصافحا أقبل الله عز وجل عليهما بوجهه وتساقطت عنهما الذنوب كما يتساقط الورق من الشجر. 5 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن صفوان الجمال، عن أبي عبيدة الحذاء قال: زاملت أبا جعفر (عليه السلام) في شق محمل من المدينة إلى مكة، فنزل في بعض الطريق، فلما قضى حاجته وعاد قال: هات يدك يا أبا عبيدة فناولته يدي فغمزها حتى وجدت الأذى في أصابعي، ثم قال: يا أبا عبيدة ما من مسلم لقى أخاه المسلم فصافحه وشبك أصابعه في أصابعه إلا تناثرت عنهما ذنوبهما كما يتناثر الورق من الشجر في اليوم الشاتي. 6 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن يحيى الحلبي، عن مالك الجهني قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): يا مالك أنتم شيعتنا [ أ ] لا ترى أنك تفرط في أمرنا إنه لا يقدر على صفة الله فكما لا يقدر على صفة الله كذلك لا يقدر على صفتنا وكما لا يقدر على صفتنا كذلك لا يقدر على صفة المؤمن، إن المؤمن ليلقى المؤمن فيصافحه، فلا يزال الله ينظر إليهما والذنوب تتحات عن وجوههما كما يتحات الورق من الشجر، حتى يفترقا، فكيف يقدر على صفة من هو كذلك. * الشرح: قوله (قال قال أبو جعفر (عليه السلام) يا مالك أنتم شيعتنا ألا ترى أنك تفرط في أمرنا إنه لا يقدر على صفة الله) لا ريب في أن أحدا لا يقدر على أن يصف الله تعالى كما هو أهله وإن بالغ وانتقل من وصف إلى ما هو أعلى منه في نظره حتى انتهى إلى غاية قدرته منه إذ لا يصل عقل البشر إلى كنه صفاته كما لا يصل إلى كنه ذاته وانما غاية كمال البشر أن يذعن بأنه موجد عالم قادر مثلا، وأما العلم بحقيقة وجوده وعلمه وقدرته، فمما لا سبيل له إليه ولا يمكن وقوفه عليه وكذلك لا يمكن إدراك ذات الرسول والأئمة والمؤمنين وصفاتهم وكمالاتهم وفضائلهم لكمال قربهم بالحق وعلو مرتبتهم وبعد منزلتهم عن منتهى العقول، ألا ترى أنك لا تقدر على أن تصف نفسك فكيف تقدر على أن تصف ذات الله وصفاته ونفوس أولياء الله وكمالاتهم. 7 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن عمر بن عبد العزيز، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة قال: زاملت أبا جعفر (عليه السلام) فحططنا الرحل، ثم مشى قليلا ثم جاء فأخذ

[ 59 ]

بيدي فغمزها غمزة شديدة، فقلت: جعلت فداك أو ما كنت معك في المحمل ؟ ! فقال: أما علمت أن المؤمن إذا جال جولة ثم أخذ بيد أخيه نظر الله إليهما بوجهه فلم يزل مقبلا عليهما بوجهه ويقول: للذنوب تحات عنهما، فتتحات يا أبا حمزة - كما يتحات الورق عن الشجر، فيفترقان وما عليهما من ذنب. * الشرح: قوله (فحططنا الرحل) الرحل كل شئ يعد للرحيل من وعاء للمتاع والمركب للبعير وحلس ورسن وجمعه أرحل ورحال مثل أفلس وسهام. 8 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن حد المصافحة، فقال: دور نخلة. 9 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن عمرو بن الأفرق، عن أبي عبيدة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ينبغي للمؤمنين إذا توارى أحدهما عن صاحبه بشجرة ثم التقيا أن يتصافحا. 10 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن بعض أصحابه، عن محمد بن المثنى، عن أبيه، عن عثمان بن زيد، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا لقى أحدكم أخاه فليسلم عليه وليصافحه، فإن الله عز وجل أكرم بذلك الملائكة فاصنعوا صنع الملائكة. * الشرح: قوله (إذا لقى احدكم أخاه فليسلم عليه وليصافحه) دل على أنه ينبغي التسليم والتصافح لكل مؤمن عند كل لقاء وما اشتهر بين العوام من أنهم لا يسلمون إلا في أول مرة لمن هو معروف عندهم حتى أنه لو سلم أحد نادرا مرتين أو على غير المعروف ذموه فهو من سنن الجهلة. 11 - عنه، عن محمد بن علي، عن ابن بقاح، عن سيف بن عميرة، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا التقيتم فتلاقوا بالتسليم والتصافح وإذا تفرقتم فتفرقوا بالاستغفار. * الشرح: قوله (وإذا تفرقتم فتفرقوا بالاستغفار) بأن تقول غفر الله لي ولك أو تقول غفر الله لك أو تقول اللهم اغفر للمؤمنين. 12 - عنه، عن موسى بن القاسم، عن جده معاوية بن وهب أو غيره، عن رزين، عن أبي

[ 60 ]

عبد الله (عليه السلام) قال: كان المسلمون إذا غزوا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومروا بمكان كثير الشجر ثم خرجوا إلى الفضاء نظر بعضهم إلى بعض فتصافحوا. 13 - عنه، عن أبيه، عمن حدثه، عن زيد بن جهم الهلالي، عن مالك بن أعين، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إذا صافح الرجل صاحبه فالذي يلزم التصافح أعظم أجرا من الذي يدع، ألا وإن الذنوب لتتحات فيما بينهم حتى لا يبقى ذنب. 14 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن يحيى بن المبارك، عن عبد الله بن جبلة، عن إسحاق بن عمار قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام)، فنظر إلي بوجه قاطب فقلت: ما الذي غيرك لي ؟ قال: الذي غيرك لإخوانك، بلغني يا إسحاق أنك أقعدت ببابك بوابا، يرد عنك فقراء الشيعة، فقلت: جعلت فداك إني خفت الشهرة، فقال: أفلا خفت البلية، أو ما علمت أن المؤمنين إذا التقيا فتصافحا أنزل الله عز وجل الرحمة عليهما فكانت تسعة وتسعين لأشدهما حبا لصاحبه، فإذا توافقا غمرتهما الرحمة فإذا قعدا يتحدثان قال الحفظة بعضها لبعض: اعتزلوا بنا فلعل لهما سرا وقد ستر الله عليهما، فقلت: أليس الله عز وجل يقول: * (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) * ؟ فقال: يا إسحاق إن كانت الحفظة لا تسمع فإن عالم السر يسمع ويرى. * الشرح: قوله (فقال يا إسحاق ان كانت الحفظة لا تسمع فإن عالم السر يسمع ويرى) فعموم الآية بحاله لأن الله تعالى رقيب. 15 - عنه، عن إسماعيل بن مهران، عن أيمن بن محرز، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما صافح رسول الله (صلى الله عليه وآله) رجلا قط فنزع يده حتى يكون هو الذي ينزع [ يده ] منه. * الشرح: قوله (ما صافح رسول الله (صلى الله عليه وآله) رجلا قط فنزع يده حتى يكون هو الذي ينزع [ يده ] منه) فيه إخبار بفعل النبي (صلى الله عليه وآله) للحث على الاقتداء به، ولا خلاف من الخاصة والعامة في جواز الاقتداء بفعله وانما اختلفوا في حكمه هل واجب أو مندوب أو مباح فقال مالك وبعض أصحابه وأكثر الشافعية: واجب، وقال بعضهم: مندوب وقالت طائفة: مباح، والحق أن أفعاله إما جبلية كالقيام والقعود والأكل والشرب فهو مباح منا ومنه، وأما غيرها فإن دل دليل على اختصاصه كوجوب الوتر والتهجد فالاشتراك ينافي الاختصاص وإلا فإن علمت صفته من وجوب أو ندب أو إباحة فالاتباع فيه بحسب ما علم، وإن لم تعلم صفته فالظاهر ثبوت الرجحان المطلق.

[ 61 ]

16 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد، عن ربعي، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته يقول: إن الله عز وجل لا يوصف وكيف يوصف وقال في كتابه: * (وما قدروا الله حق قدره) * فلا يوصف بقدر إلا كان أعظم من ذلك. وإن النبي (صلى الله عليه وآله) لا يوصف وكيف يوصف عبد احتجب الله عز وجل بسبع وجعل طاعته في الأرض كطاعته فقال: * (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) * ومن أطاع هذا فقد أطاعني ومن عصاه فقد عصاني، وفوض إليه، وإنا لا نوصف وكيف يوصف قوم رفع الله عنهم الرجس وهو الشك، والمؤمن لا يوصف وإن المؤمن ليلقى أخاه فيصافحه فلا يزال الله ينظر إليهما والذنوب تتحات عن وجوههما كما يتحات الورق عن الشجر. * الشرح: قوله (وكيف يوصف عبد احتجب الله عز وجل بسبع) لعل المراد أنه لا يمكن ان يوصف عبد اتخذه الله عز وجل حجابا في سبع سموات وسبع أرضين وجهه إليه يستفيض منه ووجهه إلى الممكنات يفيض عليها، أو اتخذه حجابا بسبع صفات الذات لكونه مظهرها وانكشافها له وهي حجب نورانية لو انكشف وصف منها لأضاء بأنوار الهداية كل ملتبس فصار (صلى الله عليه وآله) بانكشافها له حجابا نورانيا مثلها أو أزال عنه الحجاب بسبع سموات وسبع أرضين على أن تكون الهمزة للسلب فقد ترفع قدره عن المجردات الملكوتية والملائكة اللاهوتية وتنزه قلبه عن العوائق البشرية والعلايق الناسوتية، ويمكن أن يكون إشارة إلى ما وصل إليه من حجب المعراج وهذا الذي ذكرنا من باب الاحتمال والله أعلم بحقيقة الحال (وفوض إليه) لعل المراد فوض إليه كثيرا من الأحكام وبيان كيفيتها وحدودها كما دل عليه بعض الروايات وهذا التفويض غير التفويض الذي ذهب إليه الفرقة المفوضة الغالية وهو أن الله تعالى خلق محمدا وعليا وقيل سائر الأئمة أيضا وفوض إليهم خلق السموات والأرض وما بينهما وتقدير الرزق والآجال والإحياء والإماتة، ويتمسكون بظاهر الأخبار وهو عند غيرهم مؤول بالسببية كما في الحديث القدسي " لولاك لما خلقت الأفلاك " لأن الله تعالى لما خلق الأشياء لأجلهم صحت نسبة الخلق إليهم تجوزا، والله أعلم. 17 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن النعمان، عن فضيل بن عثمان، عن أبي عبيدة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إذا التقى المؤمنان فتصافحا أقبل الله بوجهه عليهما وتتحات الذنوب عن وجوههما حتى يفترقا. 18 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: تصافحوا فإنها تذهب بالسخيمة.

[ 62 ]

* الشرح: قوله (تصافحوا فإنها تذهب بالسخيمة) أي بسخيمة صاحبه المصافح له أو مطلقا والسخيمة: الحقد والضغينة والموجدة في النفس. 19 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمد الأشعري، عن ابن القدح، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لقي النبي (صلى الله عليه وآله) حذيفة، فمد النبي (صلى الله عليه وآله) يده فكف حذيفة يده، فقال النبي (صلى الله عليه وآله) يا حذيفة بسطت يدي إليك فكففت يدك عني ؟ فقال حذيفة: يا رسول الله بيدك الرغبة ولكني كنت جنبا فلم احب أن تمس يدي يدك وأنا جنب، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): أما تعلم أن المسلمين إذا التقيا فتصافحا تحاتت ذنوبهما كما يتحات ورق الشجر. * الشرح: قوله (أما تعلم أن المسلمين إذا التقيا) دل على أن الجنابة لا تمنع المصافحة وما فعله حذيفة كان في غاية التعظيم ورعاية الأدب ظاهرا. 20 - الحسين بن محمد، عن محمد بن إسحاق، عن بكر بن محمد، عن إسحاق بن عمار قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) إن الله عز وجل لا يقدر أحد قدره وكذلك لا يقدر قدر نبيه وكذلك لا يقر قدر المؤمن، إنه ليلقى أخاه فيصافحه فينظر الله إليهما والذنوب تتحات عن وجوههما حتى يفترقا، كما تتحات الريح الشديدة الورق عن الشجر. 21 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن رفاعة، قال: سمعته يقول: مصافحة المؤمن أفضل من مصافحة الملائكة. * الشرح: قوله (مصافحة المؤمن أفضل من مصافحة الملائكة) أي مصافحة المؤمنين أفضل من مصافحة الملكين أو مصافحة المؤمن مع المؤمن أفضل من مصافحته مع الملائكة، ولعل السر فيه أن مصافحة المؤمن متوقفة على مجاهدات نفسانية والملائكة منزهة عنها.

[ 63 ]

باب المعانقة 1 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن صالح بن عقبة، عن عبد الله بن محمد الجعفي، عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام) قالا: أيما مؤمن خرج إلى أخيه يزوره عارفا بحقه كتب الله له بكل خطوة حسنة ومحيت عنه سيئة ورفعت له درجة وإذا طرق الباب فتحت له أبواب السماء فإذا التقيا وتصافحا وتعانقا أقبل الله عليهما بوجهه، ثم باهى بهما الملائكة، فيقول: انظروا إلى عبدي تزاورا وتحابا في، حق علي ألا أعذبهما بالنار بعد هذا الموقف، فإذا انصرف شيعه الملائكة عدد نفسه وخطاه وكلامه، يحفظونه من بلاء الدنيا وبوائق الآخرة إلى مثل تلك الليلة من قابل فإن مات فيما بينهما اعفي من الحساب وإن كان المزور يعرف من حق الزائر ما عرفه الزائر من حق المزور كان له مثل أجره. * الشرح: قوله (أيمامؤمن خرج إلى أخيه يزوره عارفا بحقه كتب الله له بكل خطوة حسنة (ومحيت عنه سيئة) قد عرفت حق المؤمن آنفا والمراد بمعرفته معرفته مع أدائه وبالزيارة الزيارة خالصا لله لا لغرض آخر وبمحو السيئة محوها من باب الاحباط أو التفضل أو من أجل أن الخطوة كما هي سبب لحسنة كذلك سبب لمحو سيئة، والمعانقة جعل الرجل يديه على عنق صاحبه وضمه إلى نفسه وفضلها كثير عندنا وعند جماعة من العامة وأبو حنيفة كرهها ومالك رآها بدعة وأنكر سفيان قول مالك واحتج عليه بمعانقته (صلى الله عليه وآله) جعفرا حين قدم من الحبشة فقال مالك هو خاص بجعفر فقال سفيان ما يخص جعفرا يعمنا، فسكت مالك. قال الآبي: سكوته يدل على ظهور حجة سفيان حتى يقوم دليل على التخصيص، وقال القرطبي هذا الخلاف انما هو في معانقة الكبير وأما معانقة الصغير فلا أعلم خلافا في جوازها ويدل على ذلك أن النبي (صلى الله عليه وآله) عانق الحسن (رضي الله عنه). ولعل المراد بقوله (صلى الله عليه وآله) " فإذا انصرف شيعه ملائكة عدد نفسه وخطاه وكلامه " عدد النفس والخطى، والكلام عند العود مع احتمال تعميمه بالذهاب والعود جميعا. 2 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن صفوان بن يحيى، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن المؤمنين إذا اعتنقا غمرتهما الرحمة، فإذا التزما لا يريدان بذلك إلا وجه الله ولا يريدان غرضا من أغراض الدنيا قيل لهما: مغفورا لكما فاستأنفا، فإذا أقبلا على المسألة قالت الملائكة بعضها لبعض: تنحوا عنهما، فإن لهما سرا وقد ستر الله عليهما. قال إسحاق: فقلت: جعلت فداك فلا يكتب عليهما لفظهما وقد قال الله عز وجل: * (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) * ؟ قال:

[ 64 ]

فتنفس أبو عبد الله (عليه السلام) الصعداء ثم بكى حتى اخضلت دموعه لحيته وقال: يا إسحاق إن الله تبارك وتعالى إنما أمر الملائكة أن تعتزل عن المؤمنين إذا التقيا إجلالا لهما وإنه وإن كانت الملائكة لا تكتب لفظهما ولا تعرف كلامهما فإنه يعرفه ويحفظه عليهما عالم السر وأخفى. * الشرح: قوله (فتنفس أبو عبد الله (عليه السلام) الصعداء ثم بكى حتى اخضلت دموعه لحيته) الصعداء " ناليدن ونفس كشيدن " والاخضال " تر كردن " كذا في كنز اللغة.

[ 65 ]

باب التقبيل 1 - أبو علي الأشعري، عن الحسن بن علي الكوفي، عن عبيس بن هشام، عن الحسين بن أحمد المنقري، عن يونس بن ظبيان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن لكم لنورا تعرفون به في الدنيا، حتى أن أحدكم إذا لقى أخاه قبله في موضع النور من جبهته. * الشرح: قوله (إن لكم لنورا تعرفون به في الدنيا) هو نور المعرفة واليقين والإيمان والأخلاق والأعمال والعارفون به الملائكة وأهل السماوات أهل الصلاح من بني نوعه يعرفونه بسيماه وفيه دلالة على أن القبلة على الجبهة، وفي خبر علي بن جعفر على أنها على الخدود كلاهما جايز والجمع أحسن. وقال النيشابوري: في عصر الصحابة لا يرى مؤمن مؤمنا إلا صافحه وعانقه وقبله. والمصافحة جائزة بالاتفاق، وأما المعانقة والتقبيل فكرهما أبو حنيفة وإن كان التقبيل من اليد. 2 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن رفاعة بن موسى، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لا يقبل رأس أحد ولا يده إلا [ يد ] رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو من اريد به رسول الله (صلى الله عليه وآله). * الشرح: قوله (أو من أريد به رسول الله (صلى الله عليه وآله)) أريد به الوصي وسيصرح به في الخبر التالي ويحتمل إرادة الأعم منه وممن يقرب منه. 3 - علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن زيد النرسي، عن علي بن مزيد صاحب السابري قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فتناولت يده فقبلتها، فقال: أما إنها لا تصلح إلا لنبي أو وصي نبي. * الشرح: قوله (أما إنها لا تصلح إلا لنبي أو وصي نبي) ظاهره عدم جواز قبلة اليد لغيرهما. 4 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحجال، عن يونس بن يعقوب قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ناولني يدك أقبلها فأعطانيها، فقلت: جعلت فداك رأسك ففعل فقبلته، فقلت: جعلت فداك رجلاك، فقال: أقسمت، أقسمت، أقسمت - ثلاثا - وبقي شئ، وبقي شئ، وبقي شئ. * الشرح: قوله (فقلت جعلت فداك رجلاك: فقال: أقسمت أقسمت أقسمت - ثلاثا - وبقي شئ وبقي شئ وبقي شئ) لعل المعنى أقسمت أن لا أفعل وليبق شئ مما يجوز أن يقبل وانما منع منه

[ 66 ]

وأتى بالأمر في صورة الخبر تقية من بعض الحاضرين وصرفا لوهمه إلى إرادة الإنكار، وذلك لأن تقبيل اليد والرأس كان شايعا عند العرب فلم يكن فيه تقية، وأما تقبيل الرجل فكان مختصا بالسلطان مع احتمال إرادة المنع والإنكار في نفس الأمر والإشارة إلى عدم جواز ذلك كاحتمال أن يكون أقسمت على صيغة الخطاب من القسم بالكسر وهو الحظ والنصيب أي أخذت حظك ونصيبك وما بعده على الاحتمالين المذكورين، ونقل عن خليل الفضلاء أن معناه أقسمت أنت أن تقبل الاعضاء الثلاثة وقبلت اثنين منها وبقي شئ وهو الرجل فقبلها لتبر بقسمك فقبلها. 5 - محمد بن يحيى، عن العمركي بن علي، عن علي بن جعفر، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: من قبل للرحم ذا قرابة فليس عليه شئ. وقبلة الأخ على الخد وقبلة الإمام بين عينيه. * الشرح: قوله (من قبل للرحم ذا قرابة) أي لأجل الرحم أو لصلتها والتقبيل هنا وإن كان عاما لكن ينبغي أن يراد به تقبيل غير اليد والرجل لما مر. 6 - وعنه، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن محمد بن سنان، عن أبي الصباح مولى آل سام، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ليس القبلة على الفم إلا للزوجة والولد الصغير.

[ 67 ]

باب تذاكر الاخوان 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن فضالة بن أيوب، عن علي بن أبي حمزة قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: شيعتنا الرحماء بينهم، الذين إذا خلوا ذكروا الله [ إن ذكرنا من ذكر الله ] إنا إذا ذكرنا ذكر الله وإذا ذكر عدونا ذكر الشيطان. * الشرح: قوله (شيعتنا الرحماء بينهم الذين إذا خلوا ذكروا الله) الرحماء جمع رحيم كالكرماء جمع كريم يعني إن شيعتنا هم الذين يتراحمون يرحم بعضهم بعضا، والحصر المستفاد من تعريف الخبر باللام للمبالغة والإشعار بأن من لم يتصف منهم بهذه الصفة كأنه ليس بشيعة وربما يدل عليه لفظ الشيعة أيضا لأنها من المشايعة وهي المتابعة فمتى لم يتحقق معنى المتابعة لهم في الأعمال والصفات لم يتحقق معنى التشيع حقيقة، والموصول خبر بعد خبر للإشارة إلى وصف آخر لهم وهو ذكر الله تعالى بالقلب واللسان في حال خلوتهم ثم أشار بقوله " انا إذا ذكرنا ذكر الله " إلى أن ذكرهم (عليه السلام) ذكر الله عز وجل حقيقة لأن ذكرهم عبارة عن ذكر شرف ذواتهم وصفاتهم وكمالاتهم التي هي أفضل نعمائه تعالى عليهم ونقل أحاديثهم المرغبة في الرجوع إليه جل شأنه فهو عين ذكره تعالى، أو مجازا باعتبار أن ذكرهم مستلزم لذكره تعالى، أو باعتبار كمال الإيصال بينهم وبينه تعالى حتى كان ذكرهم ذكره ويعرف من هذه الوجوه بالمقايسة أن ذكر عدوهم ذكر الشيطان. 2 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن صالح بن عقبة، عن يزيد بن عبد الملك، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: تزاوروا فإن في زيارتكم إحياء لقلوبكم وذكرا لأحاديثنا وأحاديثنا تعطف بعضكم على بعض فإن أخذتم بها رشدتم ونجوتم، وإن تركتموها ضللتم وهلكتم، فخذوا بها وأنا بنجاتكم زعيم. * الشرح: قوله (تزاوروا فإن في زيارتكم إحياء لقلوبكم وذكرا لأحاديثنا) لأن زيارة المؤمنين بعضهم بعضا لوجه الله تعالى يوجب سرور القلب وقربه من الحق وكل ما يوجب ذلك فهو سبب لحياته وفيه ترغيب في ذكر أحاديثهم والتفاوض فيها عند التلاقي، والمراد بها أحاديثهم مطلقا سواء تعلقت بالأعمال أو الأخلاق وإن كان قوله (وأحاديثنا تعطف بعضكم على بعض) بأحاديث الأخلاق أنسب. والزعيم الكفيل. 3 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن الوشاء، عن منصور بن يونس، عن عباد بن كثير

[ 68 ]

قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إني مررت بقاص يقص وهو يقول: هذا المجلس الذي لا يشقى به جليس، قال: فقال أبو عبد الله (عليه السلام): هيهات هيهات، أخطأت أستاههم الحفرة: إن لله ملائكة سياحين سوى الكرام الكاتبين، فإذا مروا بقوم يذكرون محمدا وآل محمد قالوا: قفوا فقد أصبتم حاجتكم، فيجلسون فيتفقهون معهم، فإذا قاموا عادوا مرضاهم وشهدوا جنائزهم وتعاهدوا غائبهم، فذلك المجلس الذي لا يشقى به جليس. * الشرح: قوله (قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) إني مررت بقاص يقص وهو يقول هذا المجلس الذي لا يشقى به جليس) القص: البيان والإخبار، والقصص بالفتح: الاسم، وبالكسر: جمع قصة، والقاص: الذي يأتي بالقصة ويخبر بها وهي تطلق على الوعظ والخطبة وأحوال الأمم السابقة سواء كان لها حقيقة أم لا، ويحتمل إرادة كل واحد من هذه المعاني، أما الآخر فظاهر وأما الأولان فالمراد الوعظ المحرك إلى اتباع الفرق الضالة والأقوال والأعمال الباطلة، والخطبة المشتملة على أوصاف المنتحلين للخلافة، وقوله " هذا " مبتدأ وما بعده خبر ويحتمل أن يكون " هذا المجلس " مبتدأ والموصول مع صلته خبرا. قوله (فقال أبو عبد الله (عليه السلام) هيهات هيهات أخطأت استاههم الحفرة) الخطأ والخطاء والخطأ بفتح الخاء في الجميع وسكون الطاء أو فتحها مع القصر أو المد: ضد الصواب، والإخطاء عند أبي عبيد: الذهاب إلى خلاف الصواب مع قصد الصواب، يقال: أخطأ إذا أراد الصواب فصار إلى غيره، فإن أراد غير الصواب وفعله قيل: قصده وتعمده، وعند غيره الذهاب إلى غير الصواب مطلقا عمدا وغير عمد، والأستاه بفتح الهمزة والهاء أخيرا جمع الأست بالكسر وهي حلقة الدبر والعجز أيضا وأصل الأست سته بالتحريك وقد يسكن التاء حذفت الهاء وعوضت منها الهمزة وهذا مثل يضرب لمن بعد عن الحق أو أخطأ في القول أو جلس مجلسا لا ينبغي له الجلوس فيه، ولا يبعد أن يشبه أفواههم بالأستاه والمواضع الباطلة من الأقوال بالحفرة تقبيحا لحالهم. وتكرير هيهات أي بعد هذا القول عن الصواب للمبالغة في البعد عن الحق. 4 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن المستورد النخعي، عمن رواه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن من الملائكة الذين في السماء ليطلعون إلى الواحد والاثنين والثلاثة وهم يذكرون فضل آل محمد قال: فتقول: أما ترون إلى هؤلاء في قلتهم وكثرة عدوهم يصفون فضل آل محمد (صلى الله عليه وآله) ؟ قال: فتقول الطائفة الاخرى من الملائكة: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

[ 69 ]

5 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن ابن مسكان، عن ميسر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال لي: أتخلون وتتحدثون وتقولون ما شئتم ؟ فقلت إي والله إنا لنخلو ونتحدث ونقول ما شئنا، فقال: أما والله لوددت أني معكم في بعض تلك المواطن، أما والله إني لاحب ريحكم وأرواحكم، وإنكم على دين الله وملائكته فأعينوا بورع واجتهاد. * الشرح: قوله (أما والله لوددت أني معكم في بعض تلك المواطن أما والله إني لأحب ريحكم وأرواحكم) للمؤمن ريح أطيب من المسك الأذفر يشمها المجردون ويدركها العارفون سيما إذا كان في بعض تلك المواطن التي أفضلها مدارس العلوم الشرعية ومواضع نشر فضايل الأئمة الطاهرة المرضية، فانظر أيها الطالب إلى كثرة فضلها ورفعة شرفها حتى أنه (عليه السلام) تمنى أن يكون جليسك فيها بل هو (عليه السلام) والملائكة المقربون جلساؤك فيها ولو كشف الغطاء لرأيت منزلا شريفا وأمرا غريبا، ولما كان مجرد التحدث والتقول بالحق غير نافع بل النافع هو مع العمل حث (عليه السلام) بعده على العمل بقوله " فأعينوا بورع واجتهاد " أي فأعينوا بعضكم بعضا أو فأعينوني لأنه (عليه السلام) زعيم بنجاتهم فطلب منهم الورع عن المنهيات، والاجتهاد في الطاعات ليكون له الخروج من عهدة الضمان أسهل، وأيضا طلب منهم ذلك لئلا يخجل عند الله لأنه (عليه السلام) أمير من الله عليهم وفساد الرعية بسوء الأعمال والطغيان يوجب خجالة الأمير عند السلطان. 6 - الحسين بن محمد، ومحمد بن يحيى، جميعا، عن علي بن محمد بن سعد، عن محمد بن مسلم، عن أحمد بن زكريا، عن محمد بن خالد بن ميمون، عن عبد الله بن سنان، عن غياث بن إبراهيم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما اجتمع ثلاثة من المؤمنين فصاعدا إلا حضر من الملائكة مثلهم، فإن دعوا بخير أمنوا وإن استعاذوا من شر دعوا الله ليصرفه عنهم وإن سألوا حاجة تشفعوا إلى الله وسألوه قضاها وما اجتمع ثلاثة من الجاحدين إلا حضرهم عشرة أضعافهم من الشياطين، فإن تكلموا تكلم الشيطان بنحو كلامهم وإذا ضحكوا ضحكوا معهم وإذا نالوا من أولياء الله نالوا معهم، فمن ابتلي من المؤمنين بهم فإذا خاضوا في ذلك فليقم ولا يكن شرك شيطان ولا جليسه، فإن غضب الله عز وجل لا يقوم له شئ ولعنته لا يردها شئ، ثم قال صلوات الله عليه: فإن لم يستطع فلينكر بقلبه وليقم، ولو حلب شاة أو فواق ناقة. * الشرح: قوله (فمن ابتلى من المؤمنين بهم فإذا خاضوا في ذلك) أي دخلوا فيه (فليقم ولا يكن شرك شيطان ولا جليسه) الشرك إما بفتح الشين وكسر الراء: مصدر " شركه في الأمر يشركه " من باب علم:

[ 70 ]

شركا وشركة وزان كلم وكلمة بفتح الأول وكسر الثاني إذا صار له شريكا أو بفتحتين وهو حبالة الصيد وما ينصب للطير. أو بكسر الأول وسكون الثاني وهو النصيب والشريك أيضا، وظاهر هذا الخبر ونحوه وظاهر قوله تعالى * (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا) * دل على وجوب قيام المؤمن ومفارقته عن أعداء الدين وعلى لحوق الغضب واللعنة به مع القعود معهم، بل دل ظاهر الآية على أنه مثلهم في الفسق والنفاق والكفر ولا ريب فيه مع اعتقاد جواز ذلك وأما مع عدمه فظاهر بعض الروايات أن العذاب بالهلاك يحيط به أيضا إذا نزل ولكن قد ينجو في الآخرة بفضل الله تعالى، ثم أشار إلى حكمه عند عدم قدرته على المفارقة بالكلية للتقية أو غيرها بقوله: (فإن لم يستطع فلينكر بقلبه وليقم ولو حلب شاة أو فواق ناقة) أي ولو كان قيامه بقدر زمان حلب شاة أو بقدر زمان فواق ناقة والفواق بفتح الفاء وضمها الزمان الذي بين الحلبتين من الناقة لانها تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر ثم تحلب وكذلك يفعل بالبقرة أيضا. 7 - وبهذا الإسناد، عن محمد بن سليمان، عن محمد بن محفوظ، عن أبي المغرا قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: ليس شئ أنكى لإبليس وجنوده من زيارة الإخوان في الله بعضهم لبعض، قال: وإن المؤمنين يلتقيان فيذكران الله ثم يذكران فضلنا أهل البيت فلا يبقى على وجه إبليس مضغة لحم إلا تخدد حتى أن روحه لتستغيث من شدة ما يجد من الألم فتحس ملائكة السماء وخزان الجنان فيلعنونه حتى لا يبقى ملك مقرب إلا لعنه، فيقع خاسئا حسيرا مدحورا. * الشرح: قوله (ليس شئ أنكى لإبليس وجنوده) نكى العدو فيهم من باب رمى، نكاية بالكسر: قتل وجرح حتى وهن، ونكأ القرحة ينكأ مهموزا من باب منع قشرها وهو كناية عن الإيلام الشديد (فلا يبقى على وجه إبليس مضغة لحم إلا تخدد) المضغة القطعة. والتخدد الهزال والنقص والتشنج وذلك من شدة غمه وتألمه. (فيقع خاسئا حسيرا مدحورا) الخاسئ البعيد من الناس أو من نيل المقصود من خسئ الكلب إذا بعد، وفي القاموس: الخاسئ من الكلاب والخنازير: المبعد لا يترك أن يدنو من الناس. والحسير إما من حسر البعير وهو حسير من باب ضرب إذا أعيى. أو من حسر على الشئ حسرة وهو حسير من باب علم إذا تلهف وتأسف، أو من حسر البصر حسرا وهو حسير من باب نصر إذ اكل وانقطع، والمدحور: المطرود من الدحر أو الدحور وهو الطرد والإبعاد والدفع، وفي كنز اللغة حسير: (كند شده ومانده شده، ومدحور دور كرده شده).

[ 71 ]

باب ادخال السرور على المؤمنين 1 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، جميعا، عن الحسن بن محبوب، عن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من سر مؤمنا فقد سرني ومن سرني فقد سر الله. * الشرح: قوله (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) من سر مؤمنا فقد سرني ومن سرني فقد سر الله) سرور المؤمن يتحقق بفعل موجباته مثل أداء دينه أو تكفل مؤونته أو ستر عورته أو رفع جوعته أو تنفيس كربته أو قضاء حاجته أو إجابة مسألته، والسرور من السر وهو الضم والجمع لما تشتت، والمؤمن إذا مسته فاقة أو عرضته حاجة أو لحقته شدة فإذا سددت فاقته وقضيت حاجته ودفعت شدته فقد جمعت عليه ما تشتت من أمره وضممت ما تفرق من سره ففرح بعد همه واستبشر بعد غمه ويسمى ذلك الفرح سرورا. 2 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن رجل من أهل الكوفة يكنى أبا محمد، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: تبسم الرجل في وجه أخيه حسنة وصرف القذى عنه حسنة، وما عبد الله بشئ أحب إلى الله من إدخال السرور على المؤمن. 3 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن عبد الله بن مسكان، عن عبيدالله بن الوليد الوصافي قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إن فيما ناجى الله عز وجل به عبده موسى (عليه السلام) قال: إن لي عبادا ابيحهم جنتي واحكمهم فيها قال: يا رب ومن هؤلاء الذين تبيحهم جنتك وتحكمهم فيها ؟ قال: من أدخل على مؤمن سرورا، ثم قال: إن مؤمنا كان في مملكة جبار فولع به فهرب منه إلى دار الشرك، فنزل برجل من أهل الشرك فأظله وأرفقه وأضافه فلما حضره الموت أوحى الله عز وجل إليه وعزتي وجلالي لو كان [ لك ] في جنتي مسكن لأسكنتك فيها ولكنها محرمة على من مات بي مشركا ولكن يا نار هيديه ولا تؤذيه ويؤتى برزقه طرفي النهار، قلت: من الجنة ؟ قال: من حيث شاء الله. * الشرح: قوله (إن فيما ناجى الله عز وجل به عبده موسى (عليه السلام) قال: إن لي عبادا أبيحهم جنتي وأحكمهم فيها) الظاهر أن أبيحهم من الإباحة بالباء الموحدة أي جعلت الجنة مباحة لهم وأذنت لهم في التبوء حيث يشاؤون وقد أخبر الله عز وجل عنهم بقوله: * (وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده

[ 72 ]

وأورثنا الأرض نتبوء من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين) *، ويحتمل أن يكون من الإتاحة بالتاء المثناة الفوقانية يقال أتاحه الله لفلان أي هيأه وقدره ويسره له والمتاح المقدر، والمراد بتحكيمهم فيها جعل الحكم إليهم فيشفعون ويدخلون فيها من شاؤوا حيث شاء (فولع به) ولع به كوجل ولعا محركة وولوعا بالفتح: استخف وبحقه ذهب. (ولكن يا نار هيديه ولا تؤذيه) هيدي أمر من تهيدين تقول هاده الشئ يهيده هيدا وهادا إذا أزعجه وحركه وأفزعه وكربه وأصلحه، ولعل المراد تخويفه لكفره وعدم أذاه بالإحراق لإدخاله السرور على المؤمن ويفهم منه أن إدخال السرور يورث أجرا وإن لم يقع لوجه الله تعالى. 4 - عنه، عن بكر بن صالح، عن الحسن بن علي، عن عبد الله بن إبراهيم، عن علي بن أبي علي، عن أبي عبد الله، عن أبيه، عن علي بن الحسين صلوات الله عليهم قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن أحب الأعمال إلى الله عز وجل إدخال السرور على المؤمنين. 5 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام): قال: قال: أوحى الله عز وجل إلى داود (عليه السلام) أن العبد من عبادي ليأتيني بالحسنة فابيحه جنتي، فقال داود: يا رب وما تلك الحسنة ؟ قال: يدخل على عبدي المؤمن سرورا ولو بتمرة، قال داود: يا رب حق لمن عرفك أن لا يقطع رجاءه منك. * الشرح: قوله (ولو بتمرة) ترغيب في الإنفاق وإطعام الجايع وإن كان يسيرا فإن الله كريم يجعل الجزاء كثيرا ويعطي للقليل جزيلا. 6 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن خلف ابن حماد، عن مفضل ابن عمر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لا يرى أحدكم إذا أدخل على مؤمن سرورا أنه عليه أدخله فقط بل والله علينا، بل والله على رسول الله (صلى الله عليه وآله). 7 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، جميعا عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته يقول: إن أحب الأعمال إلى الله عز وجل إدخال السرور على المؤمن: شبعة مسلم أو قضاء دينه. 8 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن سدير الصيرفي قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) في حديث طويل: إذا بعث الله المؤمن من قبره خرج معه مثال يقدم أمامه، كلما رأى المؤمن هولا من أهوال يوم القيامة قال له المثال لا تفزع ولا تحزن وأبشر بالسرور والكرامة من الله عز وجل.

[ 73 ]

حتى يقف بين يدي الله عز وجل فيحاسبه حسابا يسيرا ويأمر به إلى الجنة والمثال أمامه فيقول له المؤمن: يرحمك الله نعم الخارج خرجت معي من قبري وما زلت تبشرني بالسرور والكرامة من الله حتى رأيت ذلك، فيقول من أنت ؟ فيقول: أنا السرور الذي كنت أدخلت على أخيك المؤمن في الدينا خلقني الله عز وجل منه لابشرك. * الشرح: قوله (إذا بعث الله المؤمن من قبره خرج معه مثال يقدم أمامه) قال الشيخ في الأربعين: المثال: الصورة. ويقدم على وزن يكرم أي يقويه ويشجعه، من الإقدام في الحرب وهو الشجاعة وعدم الخوف، ويجوز أن يقرأ على وزن ينصر وماضيه قدم كنصر أي يتقدمه كما قال الله تعالى * (ويقدم قومه يوم القيامة) * ولفظ أمامه حينئذ تأكيد. (نعم الخارج خرجت معي) أي نعم الخارج أنت و " خرجت " مفسر لنعم الخارج أو بدل عنه أو حال بتقدير قد (فيقول أنا السرور الذي كنت أدخلت على أخيك المؤمن في الدنيا) ظاهره أن السرور يصير مثالا فيدل كما صرح به الشيخ على تجسم الأعمال في النشأة الأخروية " قد ورد في بعض الأخبار تجسم الاعتقادات أيضا فالأعمال الصالحة والاعتقادات الصحيحة تظهر صورا نورانية مستحسنة موجبة لصاحبها كمال السرور والابتهاج، والأعمال السيئة والاعتقادات الباطلة تظهر صورا ظلمانية مستقبحة توجب غاية الحزن والتألم، كما قاله جماعة المفسرين عند قوله تعالى * (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا) * ويرشد إليه قوله تعالى * (يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) * ومن جعل التقدير ليروا جزاء أعمالهم ولم يرجع ضمير يره إلى العمل فقد أبعد، وإنما قلت ظاهره (1) ذلك لأنه يحتمل أن يخلق الله مثالا لأجل السرور، والحمل في قوله " أنا


1 - قوله " وإنما قلت ظاهره " لما كان تجسم الأعمال في دار الآخرة مبنيا على أصول حكمية لا يسهل تصورها على كثير من الظاهريين، استدرك ما قرره أولا من التحقيق بهذا الكلام للتقريب إلى أذهانهم، ولا يخفى أن تجسم العمل أيضا بصورة يخلق الله تعالى وليس وجود مادة يخلق فيه الصورة مناقضا لنسبة الخلق إليه تعالى ولا لإطلاق صيغة التحول والصيرورة، كما أن صيرورة الماء هواء لا يناقض الحكم بكون الهواء مخلوقا لله تعالى من الماء، ولكن في مسألة تجسم العمل لا يعترف أهل الظاهر بصيرورة العمل في صورة رجل من غير مادة مشتركة تتبدل عليها الصور كالماء والهواء، ونحن نوافقهم في عالم واحد لا في عوالم مختلفة فالعلم يصير في المنام في صورة اللبن لكون العلم من عالم واللبن من عالم آخر من غير أن يكون للعلم مادة بخلاف تبدل صورة جسمانية في عالم الأجسام إلى صورة جسمانية أخرى في عالم الأجسام = (*)

[ 74 ]

السرور " للمبالغة في السببية ويؤيده بعض روايات هذا الباب كرواية الحكم بن مسكين عن أبي عبد الله (عليه السلام) وقول أمير المؤمنين (عليه السلام) " ما من أحد أودع قلبا سرورا إلا وخلق له من ذلك لطفا فإذا نزل نائبة جرى إليه كالماء في انحداره حتى يطرده عنه " قال بعض المحققين: معناه خلق الله تعالى بدل ذلك السرور وعوضه ملكا ذا لطف ويبعث ذلك الملك اللطيف عند كل بلية على عجلة ليخلصه منها. 9 - محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن السياري، عن محمد بن جمهور قال: كان النجاشي وهو رجل من الدهاقين عاملا على الأهواز وفارس فقال بعض أهل عمله لأبي عبد الله (عليه السلام): إن في ديوان النجاشي علي خراجا وهو مؤمن يدين بطاعتك فإن رأيت أن تكتب لي إليه كتابا، قال: فكتب إليه أبو عبد الله " بسم الله الرحمن الرحيم سر أخاك يسرك الله " قال: فلما ورد الكتاب عليه دخل عليه وهو في مجلسه، فلما خلا ناوله الكتاب وقال: هذا كتاب أبي عبد الله (عليه السلام) فقبله ووضعه على عينيه وقال له: ما حاجتك ؟ قال: خراج علي في ديوانك، فقال له: وكم هو ؟ قال: عشرة آلاف درهم، فدعا كاتبه وأمره بأدائها عنه ثم أخرجه منها وأمر أن يثبتها له لقابل، ثم قال له: سررتك ؟ فقال: نعم جعلت فداك ثم أمر له بمركب وجارية وغلام وأمر له بتخت ثياب في كل ذلك يقول له: هل سررتك ؟ فيقول: نعم جعلت فداك، فكلما قال: نعم زاده حتى فرغ ثم قال له: إحمل فرش هذا البيت الذي كنت جالسا فيه حين دفعت إلي كتاب مولاي الذي ناولتني فيه وارفع إلي حوائجك، قال: ففعل وخرج الرجل فصار إلى أبي عبد الله (عليه السلام) بعد ذلك فحدثه الرجل بالحديث على جهته فجعل يسر بما فعل، فقال الرجل: يا ابن رسول الله كأنه قد سرك ما فعل بي ؟ فقال: إي والله لقد سر الله ورسوله. * الشرح: قوله (كان النجاشي وهو رجل من الدهاقين) النجاشي بفتح النون وكسرها وتشديد الياء وتخفيفها - وهو أفصح - الأب التاسع (1) لأحمد بن علي بن أحمد بن العباس صاحب كتاب الرجال، والدهقان معرب يطلق على رئيس القرية، وعلى التاجر، وعلى من له مال وعقار، وداله مكسورة. وفي لغة تضم. والجمع دهاقين، ودهقن الرجل وتدهقن كثر ماله. كذا في المصباح. 10 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن الحسن بن علي بن فضال عن منصور،


= أيضا. وقد سبق الكلام في تجسم الأعمال في المجلد الأول في الصفحة 91 و 155. (ش). 1 - قوله " وهو الأب التاسع " وهو صاحب الرسالة المذكورة في كتب الفقه عن أبي عبد الله (عليه السلام). ثم إن الشارح لم يشرح عدة أحاديث بعد هذه الرواية اكتفاء بما سبق في نظائرها ونحن نذكر جملة منه تذكارا وتأييدا. (ش). (*)

[ 75 ]

عن عمار بن أبي اليقظان، عن أبان بن تغلب قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن حق المؤمن على المؤمن، قال: فقال: حق المؤمن على المؤمن أعظم من ذلك، لو حدثتكم لكفرتم، إن المؤمن إذا خرج من قبره، خرج معه مثال من قبره (1). يقول له: أبشر بالكرامة من الله والسرور، فيقول له: بشرك الله بخير، قال: ثم يمضي معه يبشره بمثل ما قال وإذا مر بهول قال: ليس هذا لك وإذا مر بخير قال: هذا لك فلا يزال معه يؤمنه مما يخاف ويبشره بما يحب حتى يقف معه بين يدي الله عز وجل فإذا أمر به إلى الجنة قال له المثال: أبشر فإن الله عز وجل قد أمر بك إلى الجنة، قال: فيقول: من أنت رحمك الله تبشرني من حين خرجت من قبري وآنستني في طريقي وخبرتني عن ربي ؟ قال: فيقول: أنا السرور الذي كنت تدخله على إخوانك في الدنيا خلقت منه (2) لابشرك وأونس وحشتك. محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال مثله. 11 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن مالك بن عطية، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أحب الاعمال إلى الله السرور الذي تدخله على تطرد عنه جوعته، أو تكشف عنه كربته. 12 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن الحكم بن مسكين، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من أدخل على مؤمن سرورا خلق الله عز وجل من ذلك السرور خلقا (3) فيلقاه عند موته، فيقول له: أبشر يا ولي الله بكرامة من الله ورضوان ثم لا يزال معه حتى يدخله قبره [ يلقاه ] فيقول له


1 - قوله " خرج معه مثال من قبره " المثال صورة أو شاخص يحكي شيئا، والحكاية مأخوذة في مفهومه ولما كان السرور في الدنيا أمرا معنويا غير محسوس ولا مقدر وفي الآخرة أمرا محسوسا يرى مقدرا أطلق عليه المثال إذ يحكي شيئا غيره، ومفاد الحديث أنه يراه بعد الخروج من القبر ويأتي في رواية أخرى أنه ييراه قبل إدخاله في القبر ويونسه أيضا ولا منافاة. (ش). 2 - قوله " خلقت منه " قال أولا أنا السرور ثم قال خلقت منه ولا منافاة أيضا بينهما إذ يصدق على ما كانت له صورة تبدلت على صورة أخرى كالماء يصير هواء أنه هو باعتبار اشتراك المادة وأنه ليس هو بل خلق منه باعتبار تغير الصورة، فالمثال المرئي يصدق عليه أنه عين السرور بناء على تجسم الأعمال وأنه خلق منه يعني تغير عنه. (ش). 3 - قوله " من ذلك السرور خلقا " الخلق عبارة أخرى عن المثال في الرواية السابقة. وقال المجلسي - رحمه الله - إن هذا دليل على أن الله يخلقه بسبب إدخال السرور لا أن العمل يتجسم. وهو بعيد جدا لأن آخر الكلام صريح في أنه نفس السرور لا خلق مناسب له مخلوق بسببه، والحق أن لا منافاة بين كونه نفس السرور وكونه مخلوقا منه كما قلنا إلا أن يتوهم متوهم أن تغير الصور ليس بفعل الله تعالى ولا ينسب إليه وإن فعله منحصر في إيجاد شئ لا من شئ ابتداء، وهو غلط فإن كل تغير وصيرورة بفعله تعالى كأصل الإيجاد والإبداع. (ش). (*)

[ 76 ]

مثل ذلك، فإذا بعث يلقاه فيقول له مثل ذلك، ثم لا يزال معه عند كل هول يبشره ويقول له مثل ذلك، فيقول له: من أنت رحمك الله ؟ فيقول: أنا السرور الذي أدخلته على فلان. 13 - الحسين بن محمد، عن أحمد بن إسحاق، عن سعدان بن مسلم، عن عبد الله بن سنان، قال: كان رجل عند أبي عبد الله (عليه السلام) فقرأ هذه الآية * (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا) * قال: فقال أبو عبد الله (عليه السلام): فما ثواب من أدخل عليه السرور ؟ فقلت: جعلت فداك عشر حسنات، فقال: إي والله وألف ألف حسنة. * الشرح: قوله (فما ثواب من أدخل عليه السرور ؟ فقلت جعلت فداك عشر حسنات) لعل الغرض من السؤال إعداد المخاطب للحق والإخبار بما لا يعلم أو استعلام مبلغه من العلم فأجاب بأن له عشر حسنات وكأنه استند بقوله تعالى * (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) * فصدقه (عليه السلام) بقوله " إي والله " ثم قال: (والف ألف حسنة) لأن الله تعالى يزيد لمن يشاء ولديه مزيد. 14 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن اورمة، عن علي بن يحيى، عن الوليد ابن العلاء عن ابن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من أدخل السرور على مؤمن فقد أدخله على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن أدخله على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقد وصل ذلك إلى الله وكذلك من أدخل عليه كربا. 15 - عنه، عن إسماعيل بن منصور، عن المفضل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أيما مسلم لقى مسلما فسره سره الله عز وجل. * الشرح: قوله (سره الله عز وجل) أي بالكرامة التي لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. 16 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من أحب الأعمال إلى الله عز وجل إدخال السرور على المؤمن إشباع جوعته أو تنفيس كربته أو قضاء دينه. * الشرح: قوله (أو تنفيس كربته) أي كشفها وإزالتها والكرب بالفتح والكربة بالضم الحزن يأخذ بالنفس وجمع الكربة كرب مثل غرفة وغرف.

[ 77 ]

باب قضاء حاجة المؤمن 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن علي، عن بكار بن كردم، عن المفضل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال لي: يا مفضل إسمع ما أقول لك واعلم أنه الحق وافعله وأخبر به علية إخوانك، قلت: جعلت فداك وما علية إخواني ؟ قال: الراغبون في قضاء حوائج إخوانهم، قال: ثم قال: ومن قضى لأخيه المؤمن حاجة قضى الله عز وجل له يوم القيامة مائة ألف حاجة، من ذلك أولها الجنة، ومن ذلك أن يدخل قرابته ومعارفه وإخوانه الجنة بعد أن لا يكونوا نصابا وكان المفضل إذا سأل الحاجة أخا من إخوانه قال له: أما تشتهي أن تكون من علية الإخوان. * الشرح: قوله (وأخبر به علية إخوانك) علية الناس وعليهم: جلتهم. 2 - عنه، عن محمد بن زياد قال: حدثني خالد بن يزيد، عن المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله عز وجل خلق خلقا من خلقه انتجبهم لقضاء حوائج فقراء شيعتنا ليثيبهم على ذلك الجنة، فإن استطعت أن تكون منهم فكن، ثم قال: لنا والله رب نعبده لا نشرك به شيئا. * الشرح: قوله (لنا والله رب) (1) مبتدأ وخبر وجملة " نعبده " صفة لرب والقسم تأكيد لمضمون الصفة قدم على رب لئلا يفصل بينه وبين صفته، و " لا نشرك " صفة ثانية أو حال عن فاعل " نعبده " ولعل نفي الشرك كناية عن قضائهم حوائج الفقراء وهو أيضا مراد بالعبادة بقرينة المقام ففيه دلالة على أن كل ما خالف أرادة الله تعالى فهو شرك به. 3 - عنه، عن محمد بن زياد، عن الحكم بن أيمن، عن صدقة الأحدب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قضاء حاجة المؤمن خير من عتق ألف رقبة وخير من حملان ألف فرس في سبيل الله. علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد بن زياد، مثل الحديثين. 4 - علي، عن أبيه، عن محمد بن زياد، عن صندل، عن أبي الصباح الكناني قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): لقضاء حاجة امرئ مؤمن أحب إلي من عشرين حجة كل حجة ينفق فيها صاحبها مائة ألف. * الشرح:


1 - (لنا والله رب) المفضل راوي الخبر متهم بالغلو عند كثير من أصحاب الرجال وهذا الكلام لحسم مادته عنه. (ش). (*)

[ 78 ]

قوله (لقضاء حاجة امرئ مؤمن أحب إلي (1) من عشرين حجة كل حجة ينفق فيها صاحبها مائة ألف) أي مائة ألف دينار أو مائة ألف درهم، ولعل المراد إنفاقها في قضاء حوائج نفسه أو أحج بها لا في قضاء حوائج الرفقاء المؤمنين وغيرهم وإلا لزم تفضيل الشئ على نفسه. 5 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن هارون بن الجهم، عن إسماعيل بن عمار الصيرفي قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك المؤمن رحمة على المؤمن ؟ قال: نعم، قلت: وكيف ذاك ؟ قال: أيما مؤمن أتى أخاه في حاجة فإنما ذلك رحمة من الله ساقها إليه وسببها له، فإن قضى حاجته، كان قد قبل الرحمة بقبولها وإن رده عن حاجته وهو يقدر على قضائها فإنما رد عن نفسه رحمة من الله عز وجل ساقها إليه وسببها له وذخر الله عز وجل تلك الرحمة إلى يوم القيامة حتى يكون المردود عن حاجته هو الحاكم فيها، إن شاء صرفها إلى نفسه وإن شاء صرفها إلى غيره، يا إسماعيل فإذا كان يوم القيامة وهو الحاكم في رحمة من الله قد شرعت له فإلى من ترى يصرفها ؟ قلت: لا أظن يصرفها عن نفسه، قال: لا تظن ولكن استيقن فإنه لن يردها عن نفسه. يا إسماعيل من أتاه أخوه في حاجة يقدر على قضائها فلم يقضها له سلط الله عليه شجاعا ينهش إبهامه في قبره إلى يوم القيامة، مغفورا له أو معذبا. * الشرح: قوله (وسببها له) أي جعلها سببا لغفران ذنوبه ورفع درجته والسبب ما يتوصل به إلى أمر من الأمور. قال بعض الأكابر: إن الحاجة إذا عرضت للرجل عندي أبادر إلى قضائها خوفا من أن يستغني عني. قوله (سلط الله عليه شجاعا ينهش إبهامه في قبره إلى يوم القيامة مغفورا له أو معذبا) شجاع كغراب وكتاب الحية: أو الذكر منها أو ضرب منها أو ضرب صغير، وقد يوصف بالأقرع وهو المتمعط شعر رأسه لكثرة سمه، والنهس بالسين المهملة والشين المعجمة أخذ اللحم بمقدم الأسنان ولسعه ونتفه، وفعل الأول من بابي منع وعلم وفعل الثاني من باب منع، وظاهر كثير من أرباب اللغة أن المهملة والمعجمة تكونان لكل ذي ناب مثل الكلب والذئب والحية وغيرها، وهو منقول عن الأصمعي، وقال بعضهم: المعجمة للحية، والمهملة للكلب والذئب والسبع، وقال ثعلب: المهملة تكون بأطراف الأسنان، والمعجمة بالأسنان وبالأضراس، وهذا عكس الثاني


1 - قوله " إلي " تشديد الياء للمتكلم فإذا كان أحب إليه (عليه السلام) كان أحب عند الله تعالى أيضا ولا ينبغي أن يصير هذا الكلام عذرا للملاحدة المتظاهرين بالاسلام لترك الحج أصلا كما نرى منهم كثيرا وعلى كل حال فلا يجوز ترك الواجب بعذر فعل المستحب. (ش). (*)

[ 79 ]

بحسب الظاهر، والمراد بالإبهام إما إبهام الرجل أو إبهام اليد، وبالشجاع المعنى الحقيقي مع احتمال أن يراد به المعنى المجازي لأن كل صفة ذميمة كالشجاع في النهش بعد فراق الدنيا وصيرورة الإبهام ترابا لا يتأبى عن قبول النهش لأن تراب الإبهام كالإبهام في قبوله (1) ولعل الله تعالى يخلق فيه ما يجد به الألم، والله يعلم. 6 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن الحكم بن أيمن، عن أبان بن تغلب قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: من طاف بالبيت أسبوعا كتب الله عز وجل له ستة آلاف حسنة ومحا عنه ستة آلاف سيئة، ورفع له ستة آلاف درجة، قال: وزاد فيه إسحاق بن عمار: وقضى له ستة آلاف حاجة. قال: ثم قال: وقضاء حاجة المؤمن أفضل من طواف وطواف حتى عد عشرا. * الشرح: قوله (ورفع له ستة آلاف درجة) يحتمل أن يراد بتلك الدرجات درجات القرب منه تعالى وأن يراد بها درجات الجنة (2) لأن في الجنة درجات بعضها فوق بعض كما قال الله تعالى * (غرف فوقها غرف مبنية) * قال القرطبي: أهل السفل من الجنة ينظرون إلى من فوقهم على تفاوت منازلهم كما ينظر من بالأرض درارى السماء وعظام نجومها فيقولون هذا فلان وهذا فلان كما يقال هذا المشتري وهذه الزهرة، ويدل على ما ذكره أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال " إن أهل الجنة ليتراؤون الغرفة كما تراؤون الكواكب في السماء ". 7 - الحسين بن محمد، عن أحمد [ بن محمد ] بن إسحاق، عن بكر بن محمد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما قضى مسلم لمسلم حاجة إلا ناداه الله تبارك وتعالى، علي ثوابك ولا أرضى لك بدون الجنة.


1 - " كالإبهام في قبوله " وقال المجلسي رحمه الله: يحتمل أن يكون النهش في الجسم المثالي وهو الظاهر. وما ذكره الشارح تكلف جدا، إذ جميع ما روي في عذاب القبر وثوابه والسؤال فيه والضغطة نظير النهش. ويجب أن يبين وجه دفع الشبهة عن جميع ذلك من جميع الوجوه ويندفع بكلام المجلسي رحمه الله جميع الشبه إن شاء الله. وقوله مغفورا له يدل على النهش ولو مع كونه منعما. (ش). 2 - " وأن يراد بها درجات الجنة " لا فرق بين الاحتمالين في المعنى لأن درجات الجنة بحسب درجات القرب من الله تعالى، وأما سر هذا العدد فخفي عنا وهو من علم الآخرة ولا يمكن أن يعد من التخمين والمبالغة كما توهمه بعض لأن اختيار عدد خاص من بين الأعداد لبيان الكثرة لا يخلو من نكتة في كلام المعصوم (عليه السلام) وأما تضعيفه ثواب قضاء حاجة المؤمن عشر مرات فيحتمل أن يكون الوجه فيه أن العشرة أول مراتب التضعيف لأن العشرات بعد الآحاد، والمئات بعد العشرات، وإذا ذهب الذهن إلى التضعيف فأول ما يسنح له عشر مرات وأما زيادة الآحاد على الآحاد فلا يعد شيئا يعتد به غالبا. (ش). (*)

[ 80 ]

8 - عنه، عن سعدان بن مسلم، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال: من طاف بهذا البيت طوافا واحدا كتب الله عز وجل له ستة آلاف حسنة ومحا عنه ستة آلاف سيئة، ورفع له ستة آلاف درجة حتى إذا كان عند الملتزم فتح الله له سبعة أبواب من أبواب الجنة، قلت له: جعلت فداك هذا الفضل كله في الطواف ؟ قال: نعم وأخبرك بأفضل من ذلك، قضاء حاجة المسلم أفضل من طواف وطواف وطواف حتى بلغ عشرا. 9 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن إبراهيم الخارقي قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: من مشي في حاجة أخيه المؤمن يطلب بذلك ما عند الله حتى تقضى له كتب الله عز وجل له بذلك مثل أجر حجة وعمرة مبرورتين وصوم شهرين من أشهر الحرم واعتكافهما في المسجد الحرام، ومن مشي فيها بنية ولم تقض كتب الله له بذلك مثل حجة مبرورة. فارغبوا في الخير. 10 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن أورمة، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبيه، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): تنافسوا في المعروف لإخوانكم وكونوا من أهله، فان للجنة بابا يقال له: المعروف، لا يدخله إلا من اصطنع المعروف في الحياة الدنيا، فان العبد ليمشي في حاجة أخيه المؤمن فيوكل الله عز وجل به ملكين: واحدا عن يمينه وآخر عن شماله، يستغفران له ربه ويدعوان بقضاء حاجته، ثم قال: والله لرسول الله (صلى الله عليه وآله) أسر بقضاء حاجة المؤمن إذا وصلت إليه من صاحب الحاجة. * الشرح: قوله (ثم قال والله لرسول الله (صلى الله عليه وآله) أسر بقضاء حاجة المؤمن إذا وصلت إليه من صاحب الحاجة) لعل وجه التفضيل أن سرور صاحب الحاجة لقضاء حاجته وسروره (صلى الله عليه وآله) لسرور صاحبها ولقضاء حاجته (صلى الله عليه وآله) لأن صاحب الحاجة عياله ولتمسك القاضي بآدابه. 11 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن خلف بن حماد، عن بعض أصحابه، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: والله لأن أحج حجة أحب إلي من أن اعتق رقبة ورقبة [ ورقبة ] مثلها ومثلها حتى بلغ عشرا ومثلها ومثلها حتى بلغ السبعين ولأن أعول أهل بيت من المسلمين أسد جوعتهم وأكسو عورتهم فأكف وجوههم عن الناس أحب إلي من أن أحج حجة وحجة [ وحجة ] ومثلها ومثلها حتى بلغ عشر أو مثلها ومثلها حتى بلغ السبعين. * الشرح: قوله (ولأن أعول أهل بيت من المسلمين) عالهم يعولهم أي قاتهم وأنفق عليهم وقام

[ 81 ]

بحوائجهم. 12 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي علي صاحب الشعير عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: أوحى الله عز وجل إلى موسى (عليه السلام) أن من عبادي من يتقرب إلي بالحسنة فاحكمه في الجنة، فقال موسى: يا رب وما تلك الحسنة ؟ قال: يمشي مع أخيه المؤمن في قضاء حاجته قضيت أو لم تقض. 13 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد بن عبد الله، عن علي بن جعفر قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: من أتاه أخوه المؤمن في حاجة فانما هي رحمة من الله تبارك وتعالى ساقها إليه، فإن قبل ذلك فقد وصله بولايتنا وهو موصول بولاية الله وإن رده عن حاجته وهو يقدر على قضائها سلط الله عليه شجاعا من نار ينهشه في قبره إلى يوم القيامة، مغفورا له أو معذبا، فإن عذره الطالب كان أسوأ حالا. * الشرح: قوله (فإن عذره الطالب كان أسوأ حالا) عذرته فيما صنع عذرا من باب ضرب: رفعت عنه اللوم فهو معذور أي غير ملوم، والاسم: العذر، وتضم الدال للإتباع وتسكن. 14 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن صالح بن عقبة، عن عبد الله بن محمد الجعفي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن المؤمن لترد عليه الحاجة لأخيه فلا تكون عنده فيهتم بها قلبه، ويدخله الله تبارك وتعالى بهمه الجنة.

[ 82 ]

باب السعي في حاجة المؤمن 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن محمد بن مروإن، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال: مشي الرجل في حاجة أخيه المؤمن يكتب له عشر حسنات ويمحى عنه عشر سيئات، ويرفع له عشر درجات، قال: ولا أعلمه إلا قال: ويعدل عشر رقاب وأفضل من اعتكاف شهر في المسجد الحرام. * الشرح: قوله (مشي الرجل في حاجة أخيه المؤمن يكتب له عشر حسنات) الأجر الموعود في الباب السابق لقضاء الحاجة وفي هذا الباب للسعي إليها سواء قضاها أم لا. والاعتكاف إما واجب بالالتزام أو يؤول إلى واجب. وقضاء حاجة المؤمن سنة مؤكدة، فقوله وأفضل من اعتكاف شهر دل على أن السنة أفضل من الفرض وهو غير عزيز. 2 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن معمر بن خلاد قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: إن لله عبادا في الأرض يسعون في حوائج الناس، هم الآمنون يوم القيامة. ومن أدخل على مؤمن سرورا فرح الله قلبه يوم القيامة. * الشرح: قوله (إن لله عبادا في الأرض يسعون في حوائج الناس هم الآمنون يوم القيامة) يمكن أن يكون هذا الأجر مترتبا على السعي كما هو الظاهر أو عليه وعلى قضاء الحاجة جميعا على احتمال، وإن كان للسعي وحده أجر، والحصر المستفاد من اللام مع تأكيده بضمير الفصل على سبيل المبالغة أو إضافي بالنسبة إلى من تركه أو إلى بعض الأعمال. وتفريج القلب: كشف الغم عنه وإدخال السرور فيه. 3 - عنه، عن أحمد، عن عثمان بن عيسى، عن رجل، عن أبي عبيدة الحذاء قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): من مشى في حاجة أخيه المسلم أظله الله بخمسة وسبعين ألف ملك ولم يرفع قدما إلا كتب الله له حسنة وحط عنه بها سيئة ويرفع له بها درجة، فإذا فرغ من حاجته كتب الله عز وجل له بها أجر حاج ومعتمر. * الشرح:

[ 83 ]

قوله (أظله الله بخمسة وسبعين ألف (1) ملك) أي يجعلهم طائرين فوق رأسه حتى يظلوه لو كان لهم ظل (2) أو يجعله في ظلهم أي في كنفهم وحمايتهم لأن الظل يكنى به عن الكنف والناحية، ويدل ظاهر قوله (فإذا فرغ من حاجته كتب الله عز وجل له بها أجر حاج ومعتمر) على أن الأجر المذكور قبله للمشي في قضاء الحاجة وأجر الحاج والمعتمر لقضاء الحاجة ويحتمل أن يكون للمشي أيضا كما سيجئ. 4 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن هارون بن خارجة، عن صدقة عن رجل من أهل حلوان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لأن أمشي في حاجة أخ لي مسلم أحب إلي أن أعتق ألف نسمة وأحمل في سبيل الله على ألف فرس مسرجة ملجمة. 5 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما من مؤمن يمشي لأخيه المؤمن في حاجة إلا كتب الله عز وجل له بكل خطوة حسنة، وحط عنه بها سيئة، ورفع له بها درجة، وزيد بعد ذلك عشر حسنات وشفع في عشر حاجات. * الشرح: قوله (وزيد بعد ذلك عشر حسنات) أي لكل خطوة أو للجميع، ويؤيد الأول قوله تعالى * (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) * والحاجات في قوله " وشفع في عشر حاجات " أعم من الحاجات الدنيوية والأخروية كالسؤال عن التجاوز من الذنوب والجرائم يقال: شفع يشفع شفاعة فهو شافع وشفيع والمشفع بالكسر من يقبل الشفاعة وبالفتح من تقبل شفاعته. 6 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن أبي أيوب الخزاز، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من سعى في حاجة أخيه المسلم طلب وجه الله كتب الله عز وجل له ألف ألف حسنة، يغفر فيها لأقاربه وجيرانه وإخوانه ومعارفه ومن صنع إليه معروفا في الدنيا فإذا كان يوم القيامة قيل له: ادخل النار فمن وجدته فيها صنع إليك معروفا في الدنيا فأخرجه بإذن الله عز وجل إلا أن يكون ناصبا. * الشرح: قوله (كتب الله عز وجل له ألف ألف حسنة) الروايات مختلفة في الأجر، ففي هذه الرواية هذا


1 - قوله " بخمسة وسبعين ألف " لا نعلم سر هذا العدد فإنه من علوم الآخرة كما مر. (ش). 2 - وقوله " لو كان لهم ظل " لا يبعد أن يكون لأجسام عالم الآخرة وما هو من سنخها كالملائكة ظل لا من جهة الظلمة والكثافة المانعة من النور إذ ليس هناك ظلمة وكثافة بل من جهة الراحة الحاصلة للمستجير بالظل من الهجير، قال الله تعالى: * (أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين آمنوا) *. (ش). (*)

[ 84 ]

العدد وفي بعض ما تقدم عشر حسنات وفي بعضه لكل خطوة حسنة وفي بعض ما يأتي حجة وعمرة واعتكاف شهرين في المسجد الحرام وفي بعضه خير من اعتكاف شهر، ولعل الاختلاف باعتبار حال الساعي وفضله أو اهتمامه به أو باعتبار حال المحتاج وصلاحه أو شدة احتياجه أو باعتبار أن هذا الإحسان من باب التفضل، والله تعالى يزيد لمن يشاء. 7 - عنه، عن أبيه، عن خلف بن حماد، عن إسحاق بن عمار، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من سعى في حاجة أخيه المسلم فاجتهد فيها فأجرى الله على يديه قضاءها كتب الله عز وجل له حجة وعمرة واعتكاف شهرين في المسجد الحرام وصيامهما وإن اجتهد فيها ولم يجر الله قضاءها على يديه كتب الله عز وجل له حجة وعمرة. 8 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن علي، عن جميل ابن دراج، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كفى بالمرء اعتمادا على أخيه أن ينزل به حاجته. * الشرح: قوله (كفى بالمرء اعتمادا على أخيه أن ينزل بها حاجته) لا ريب في أن المحتاج حريص في قضاء حاجته وأنه يحتال ويتفكر فيه وفي سببه، وإنه إذا رأى أن للخلق مدخلا فيه يقصد من له كمال اعتماد عليه فيما بينهم، وفيه ترغيب بليغ على قضاء حاجة الرافع لئلا يفسد ظنه ولا يرد عن نفسه تلك الفضيلة، وقال أفلاطون: إذا بلغ المستور إلى كشف حاله لك فاحذر رده فإنه قد أطلعك على سره مع باريه. 9 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن بعض أصحابنا، عن صفوان الجمال قال: كنت جالسا مع أبي عبد الله (عليه السلام) إذ دخل عليه رجل من أهل مكة يقال له: ميمون فشكا إليه تعذر الكراء عليه فقال لي: قم فأعن أخاك، فقمت معه فيسر الله كراه، فرجعت إلى مجلسي، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): ما صنعت في حاجة أخيك ؟ فقلت: قضاها الله - بأبي أنت وامي - فقال: أما إنك إن تعين أخاك المسلم أحب إلي من طواف اسبوع بالبيت مبتديا ثم قال: إن رجلا أتى الحسن بن علي (عليهما السلام) فقال: بأبي أنت وأمي أعني على قضاء حاجة، فانتعل وقام معه فمر على الحسين صلوات الله عليه وهو قائم يصلي فقال له: أين كنت عن أبي عبد الله (عليه السلام) تستعينه على حاجتك، قال: قد فعلت - بأبي أنت وامي - فذكر أنه معتكف، فقال له: أما إنه لو أعانك كان خيرا له من اعتكافه شهرا. * الشرح: قوله (فشكا إليه تعذر الكراء عليه) الكراء بالكسر والمد أجر المستأجر عليه وهو مصدر وفي الأصل من كاريته من باب قاتل، الكرى كالغنى المكاري وهو الذي يكري الدواب.

[ 85 ]

قوله (فقال أما إنك إن تعين أخاك المسلم أحب إلى من طواف أسبوع بالبيت مبتديا) " مبتديا " إما حال عن فاعل " قال " أي: قال (عليه السلام) ذلك مبتديا قبل أن أسأله عن أجر من قضى حاجة أخيه، أو قبل أن يتكلم بكلام آخر، وذلك لشدة الاهتمام به أو عن فاعل " تعين " أي تعين مبتديا قبل السؤال أو عن الطواف، فيدل على أن الطواف الأول أفضل وأن قضاء الحاجة أفضل منه أو تميز عن نسبة أحب إلى الإعانة أي الإعانة أحب من حيث الابتداء يعني قبل الشروع في الطواف لا بعده، واعلم أن ظاهر الأخبار المعتبرة دل على جواز القطع بل على رجحانه مطلقا والبناء من موضع القطع (1) فرضا كان أو نفلا، جاوز النصف أولا، والتفصيل حسن وهو رجحان القطع والبناء مطلقا في النفل ورجحان البقاء على الطواف، مع جواز القطع والبناء إن جاوز النصف في الفرض، لما رواه الشيخ عن أحدهما (عليهما السلام) أن الرجل يقطع الطواف لحاجته أو حاجة غيره فإن كان نافلة بنى على الشوط والشوطين، وإن كان طواف فريضة لم يبن الظاهر أنه لم يبن على ما ذكر وما رواه الشيخ في الصحيح عن صفوان، عن يحيى الأزرق، والظاهر أنه يحيى بن عبد الرحمن الأزرق الثقة قال: " سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يسعى بين الصفا والمروة فيسعى ثلاثة أشواط أو أربعة أشواط فيلقاه الصديق فيدعوه إلى الحاجة أو الطعام ؟ قال: إن أجابه فلا بأس ولكن يقضي حق الله أحب إلي من أن يقضى حاجة صاحبه " والتعليل يفيد تعدية الحكم إلى الطواف بل هو فيه أولى. قوله (أما انه لو أعانك كان خيرا له من اعتكافه شهرا) هذا من المواضع التي جوز العلماء خروج المعتكف فيها عن معتكفه إلا أنه لا يجلس عند الخروج ولا يمشي تحت الظل اختيارا على المشهور ولا يجلس تحته على قول، ولا ريب في أن قضاء حاجة المؤمن من المرغبات الكفائية وقد ظهر للحسين أن أخاه الحسن (عليهما السلام) يسعى فيه فآثره لأخيه تكريما وتعظيما (2).


1 - قوله " والبناء من موضع القطع " دلالة الروايات المعتبرة على البناء من موضع القطع في الفريضة ممنوعة نعم لا ريب في جواز القطع ورجحانه لقضاء حاجة المؤمن ولا ينافي ذلك وجوب الاستيناف كما صرح به في رواية أبان بن تغلب " عن الصادق (عليه السلام) في رجل طاف شوطا أو شوطين ثم خرج مع رجل في حاجة قال: إن كان طواف نافلة بنى عليه وإن كان طواف فريضة لم يبن " - انتهى - فالحكم في قطع الفريضة لحاجة المؤمن كالحكم فيه لغيرها، يبنى على ما فعل بعد كمال الأربعة ويستأنف قبلها، وإن لم يكن فيه رواية صريحة لكن لا خلاف فيه بين علمائنا ولو لم يكن فتاويهم لقلنا بوجوب الاستيناف مطلقا ولو مع رجحان القطع لقضاء حاجة المؤمن كقطع الصلاة لما يجوز له قطعها. (ش). 2 - " تكريما وتعظيما له " لا يدفع كلام الشارح الاستبعاد عن مضمون الحديث لأن قوله (عليه السلام) " أما إنه لو أعانك كان خيرا له من اعتكافه شهرا " لو كان قوله حقيقة ولم يحرفه الراوي كان عتابا وتخطئة لا يناسب شأن = (*)

[ 86 ]

10 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن علي، عن أبي جميلة، عن ابن سنان قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): قال الله عز وجل: الخلق عيالي، فأحبهم إلي ألطفهم بهم وأسعاهم في حوائجهم. * الشرح: قوله (قال الله عز وجل الخلق عيالي فأحبهم إلي ألطفهم بهم وأسعاهم في حوائجهم) كما أن أحب الخلق إلى الرجل ألطفهم بعياله وأسعاهم في قضاء حوائجهم في حضوره وغيبته وهو يكافيه يوما ما خصوصا إذا كان كريما ذا ثروة. واستعار لفظ العيال للخلق بالنسبة إليه عز وجل، ووجه المشابهة كما ذكرنا سابقا أن عيال الرجل من جمعهم ليقيتهم ويصلح حالهم كذلك الخلق انما خلقهم الله تعالى وجمعهم تحت عنايته ليصلح أحوالهم في معاشهم ومعادهم والتدبير في أقواتهم وأرزاقهم. 11 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن بعض أصحابه عن أبي عمارة قال: كان حماد بن أبي حنيفة إذا لقيني قال: كرر علي حديثك، فاحدثه، قلت: روينا أن عابد بني إسرائيل كان إذا بلغ الغاية في العبادة صار مشاء في حوائج الناس عانيا بما يصلحهم. * الشرح: قوله (أن عابد بني إسرائيل كان إذا بلغ الغاية في العبادة صار مشاء في حوائج الناس) وذلك لأنه لا يصل إلى هذا المطلب العظيم إلا من تنزهت نفسه بالعبادات والرياضات عن الصفات الرذيلة فإنه حينئذ يعرف قدر قضاء الحوائج وفضله وأنه أفضل العبادات ويتمكن من حمل نفسه عليه والاشتغال به. وقوله " عانيا بما يصلحهم " من العناية أي الإرادة والاهتمام.


= الأئمة (عليهم السلام)، فالأولى حمله على وهم الراوي وتصرفه خصوصا مع جهالته. (ش). (*)

[ 87 ]

باب تفريج كرب المؤمن 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن زيد الشحام قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: من أغاث أخاه المؤمن اللهفان اللهثان عند جهده فنفس كربته وأعانه على نجاح حاجته كتب الله عز وجل له بذلك ثنتين وسبعين رحمة من الله، يعجل له منها واحدة يصلح بها أمر معيشته ويدخر له إحدى وسبعين رحمة لأفزاع يوم القيامة وأهواله. * الشرح: قوله (من أغاث أخاه المؤمن اللهفان اللهثان عند جهده) الإغاثة: النصرة والإعانة، واللهفان: المكروب، يقال: لهف - من باب منع - لهفا فهو لهفان ولهف فهو ملهوف، واللهثان، والعطشان يقال: لهث الكلب - من باب منع أيضا - لهثا فهو لهثان إذا أخرج لسانه من شدة العطش والحر. والجهد بالفتح والضم المشقة، وقيل بالضم الطاقة وبالفتح المشقة والكربة والشدة والمشقة للنفس عند طريان الحاجة ونحوها والتنفيس أعم من إزالة كلها أو بعضها، والثواب الموعود حاصل في كليهما. وفي أحاديث هذا الباب والأبواب السابقة دلالة واضحة على أن من سعى في حاجة المؤمن حتى قضاها كان له من الأجر بتنفيس كربته ما ذكر في هذا الباب وللسعي في حاجته ما ذكر في باب قبله، ولقضاء حاجته وادخال السرور عليه ما ذكر في بابيهما. 2 - علي بن إبراهيم، عن [ أبيه، عن ] النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أعان مؤمنا نفس الله عز وجل عنه ثلاثا وسبعين كربة واحدة في الدنيا وثنتين وسبعين كربة عند كربته العظمى، قال: حيث يتشاغل الناس بأنفسهم. * الشرح: قوله (واحدة في الدنيا) يحتمل أن يراد بالوحدة الشخصية والنوعية فتشمل كرب الدنيا كلها. 3 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حسين بن نعيم، عن مسمع أبي سيار، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: من نفس عن مؤمن كربة نفس الله عنه كرب الآخرة وخرج من قبره وهو ثلج الفؤاد، ومن أطعمه من جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، ومن سقاه شربة سقاه الله من الرحيق المختوم. * الشرح: قوله (وهو ثلج الفؤاد) ثلجت نفسي كنصر ثلوجا وثلجا: اطمأنت إليه وسكنت ووثقت به، والرحيق الخمر أطيبها أو أفضلها أو الخالص أو الصافي والمراد به خمر الجنة والمختوم المصون

[ 88 ]

الذي لم يتبدل لأجل ختامه. 4 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن الرضا (عليه السلام) قال: من فرج عن مؤمن فرج الله قلبه يوم القيامة. 5 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن جميل بن صالح، عن ذريح المحاربي قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) أيما مؤمن نفس عن مؤمن كربة وهو معسر يسر الله له حوائجه في الدنيا والآخرة، قال: ومن ستر على مؤمن عورة يخافها ستر الله عليه سبعين عورة من عورات الدنيا والآخرة، قال: والله في عون المؤمن ما كان المؤمن في عون أخيه، فانتفعوا بالعظة وارغبوا في الخير. * الشرح: قوله (ومن ستر على مؤمن عورة) من طرق العامة: " من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة " وليس من لوازم ذلك عدم التعيير بل يعير ويستر فمن وجد مؤمنا يشتغل بحرام يمنعه عنه ولا يذيع ذلك ويمكن تخصيص العورة بالعيوب والزلات التي لا توجب هتك الشريعة وإلا فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب، وسيجئ في باب التعيير زيادة توضيح لمثل هذا إن شاء الله تعالى.

[ 89 ]

باب اطعام المؤمن 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أبي يحيى الواسطي، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من أشبع مؤمنا وجبت له الجنة ومن أشبع كافرا كان حقا على الله أن يملأ جوفه من الزقوم، مؤمنا كان أو كافرا. * الشرح: قوله (من أشبع مؤمنا وجبت له الجنة) وهو مع كونه سببا لحياة المؤمن وسد مجاعته وموجبا للتودد والتآلف المطلوبين في نظام الإسلام والمسلمين من آداب الصالحين وخلق النبيين ولكن ينبغي أن لا يكون معه تكلف وتصنع ممن شقت عليه الزيادة على القدرة المعتادة كما دلت عليه الروايات، ولا فرق في ذلك بين البادي والحاضر خلافا لبعض العامة فإنه يخص ذلك بإطعام أهل البادي لأن في الحضر مرتفقا وسوقا ولا يخفى ضعفه. ولما أشار إلى منافع إطعام المؤمن أشار إلى مضار إطعام الكافر بقوله: (ومن أشبع كافرا كان حقا على الله أن يملأ جوفه من الزقوم مؤمنا كان أو كافرا) الزقوم شجرة تخرج في أصل الجحيم، طلعها كأنه رؤس الشياطين، منبتها قعر جهنم وأغصانها ترتفع في دركاتها ولها ثمرة في غاية القبح، وظاهره عدم جواز إطعام الكافر مطلقا حربيا كان أو ذميا. قريبا كان أو بعيدا، غنيا كان أو فقيرا مشرفا بالموت أولا، لكن عموم بعض الأخبار مثل " أفضل الصدقة إبراد كبد حرى " وصريح خبر مصادف عن أبي عبد الله (عليه السلام) في سقيه نصرانيا غلبه العطش (1) وإطعام الأسير الكافر، وأخبار بر الوالدين وصلة الأرحام مطلقا وإن كانوا كافرين، وجواز الوقف على الذمي يدل على جواز إطعام الكافر في الجملة سيما إذا كان ذميا خصوصا إذا كان ذا رحم. وما يتخيل من أن إطعامهم إعانة لهم على المعصية لأنه موجب لقوتهم المقتضية لطغيانهم فيها، يمكن دفعه بمثل ما ذكره الشهيد الثاني في الوقف من أن الغرض من إطعامهم ليس هو معصيتهم وطغيانهم فيها بل من حيث الحاجة وأنهم عباد الله ومن جملة بني آدم ومن جهة أنه يمكن أن يتولد منهم المسلمون، نعم إطعامهم بقصد الإعانة على المعصية أو لمحبتهم أو لكفرهم لا يجوز قطعا، ويمكن حمل هذا الخبر عليه، والله يعلم.


1 - قوله " نصرانيا غلبه العطش " يكفي في ذلك قوله تعالى * (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم) * وكذلك سورة هل أتى وعمل أهل بيت رسول الله صلوات الله عليهم في إطعامهم لوجه الله مسكينا ويتيما وأسيرا لأن أسير المسلمين كان كافرا لا محالة. (ش). (*)

[ 90 ]

2 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن عثمان بن عيسى، عن بعض أصحابنا، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لأن اطعم رجلا من المسلمين أحب إلي من أن اطعم افقا من الناس، قلت: وما الافق ؟ قال: مائة ألف أو يزيدون. * الشرح: قوله (لأن أطعم رجلا من المسلمين أحب إلى من أن اطعم أفقا من الناس) الطعام عام في كل ما يقتات به من الحنطة والشعير والأرز والتمر والزبيب واللبن ونحوها، ولعل المراد بالرجل من المسلمين: المؤمن، وبالأفق من الناس: المخالفون، وفيه دلالة على جواز إطعامهم، والأفق بضمتين: اسم جمع وليس منحصرا في عدد معين ولهذا فسره (عليه السلام) هنا بمائة ألف أو يزيدون وفسره أبوه (عليه السلام) في خبر عبيدالله الوصافي عنه بعشرة آلاف. 3 - عنه، عن أحمد، عن صفوان بن يحيى، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من أطعم ثلاثة نفر من المسلمين أطعمه الله من ثلاث جنان في ملكوت السماوات والفردوس وجنة عدن وطوبى [ و ] شجرة تخرج في جنة عدن، غرسها ربنا بيده. * الشرح: قوله (من أطعم ثلاثة نفر من المسلمين أطعمه الله من ثلاث جنان في ملكوت السماوات الفردوس وجنة عدن وطوبى وشجرة تخرج في جنة عدن غرسها ربنا بيده) في ملكوت السماوات صفة لجنان أو متعلق بأطعمه، والملكوت فعلوت من الملك بالكسر وخص بملك الله تعالى وقد يطلق على المجردات، والإضافة على الأول بيانية، وعلى الثاني بتقدير في. والفردوس: البستان الذي فيه الكرم والأشجار وضروب من النبت، قال الفراء: هو عربي واشتقاقه من الفردسة وهي السعة، وقيل منقول إلى العربية وأصله رومي. وقيل سريانية، ثم سمي به جنة الفردوس، والعدن: الإقامة، يقال عدن بالمكان يعدن عدنا وعدونا من بابي ضرب وقعد إذا قام فيه ولزم ولم يبرح، ومنه جنة عدن أي جنة إقامة، وطوبى اسم للجنة مؤنث أطيب من الطيب وأصلها طيبى ضمت الطاء وأبدلت الياء بالواو، وقد تطلق على الخير وعلى شجرة في الجنة. وشجرة عطف على ثلاث جنان وإشارة إلى نعمة أخرى بعد ثلاثة، واليد بمعنى القدرة مجازا، والغرس ترشيح، والقول بأن كل شئ بقدرته فلا وجه لذكرها لا وجه له لأن التأكيد والبيان شايع وأيضا لذكرها وجه وجيه وهو التنبيه على أن غرسها ليس كغرس أشجار جنات الدنيا عن وسائط واستعمال آلات بل بمجرد إيجادها بقوله " كن " ويحتمل أن يكون الكلام من باب التمثيل تشبيها لفعل الغائب بالحاضر لقصد الإيضاح.

[ 91 ]

4 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما من رجل يدخل بيته مؤمنين فيطعمهما شبعهما إلا كان أفضل من عتق نسمة. * الشرح: قوله (إلا كان أفضل من عتق نسمة) كمية الزيادة غير معلومة لنا، والنسمة محركة نفس الريح، ثم سمي بها الإنسان والمملوك ذكرا أو أنثى. ولعل السر في كون إطعامهما أفضل أن إطعامهما إحياؤهما وليس عتق نسمة من باب الإحياء، فالفضل بينهما ظاهر. 5 - عنه، عن أبيه، عن حماد، عن إبراهيم، عن أبي حمزة، عن علي بن الحسين (عليهما السلام) قال: من أطعم مؤمنا من جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، ومن سقى مؤمنا من ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم. 6 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمد الأشعري، عن عبد الله بن ميمون القداح، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من أطعم مؤمنا حتى يشبعه لم يدر أحد من خلق الله ماله من الأجل في الآخرة، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا الله رب العالمين، ثم قال: من موجبات المغفرة إطعام المسلم السغبان ثم تلا قول الله عز وجل: * (أو إطعام في يوم ذي مسغبة * يتيما ذا مقربة * أو مسكينا ذا متربة) *. * الشرح: قوله (من أطعم مؤمنا حتى يشبعه لم يدر أحد من خلق الله ماله من الأجر) لعل المراد بهذا المؤمن من بلغ جوعه حدا يوجب هلاكه فإن اطعامه حينئذ إحياء لنفسه وقد قال الله تعالى * (ومن أحياها فكأنما أحيى الناس جميعا) * وحينئذ فلا بعد في ترتب هذا الأجر العظيم عليه، والتعميم ممكن وعدم علم الملك والرسل بما له من الأجر إما لعظمة الأجر أو لأن تعيين قدره إنما هو في علم الله تعالى ولم يظهره عليهم، والأول أظهر لأن المقصود من الحديث إفادة عظمته. قوله (إطعام المسلم السغبان) سغب سغبا وسغبانا بالتسكين والتحريك وسغابة بالفتح وسغوبا بالضم ومسغبة من بابي فرح ونصر: جاع فهو ساغب وسغبان أي جائع، وقيل: لا يكون السغب إلا أن يكون الجوع مع تعب، وأشار بالآية الشريفة إلى أن الإطعام من المنجيات التي رغب الله تعالى فيها، والمسغبة والمقربة والمتربة مصادر على وزن مفعلة من سغب إذا جاع وقرب في النسب وترب إذا افتقر والتصق بالتراب. ووصف اليوم بذي مسغبة مجاز باعتبار صاحبه مثل نهاره صائم. 7 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من سقى مؤمنا شربة من ماء حيث يقدر على الماء أعطاه الله بكل شربة سبعين ألف

[ 92 ]

حسنة وإن سقاه من حيث لا يقدر على الماء فكأنما أعتق عشر رقاب من ولد إسماعيل. * الشرح: قوله (أعطاه الله بكل شربة سبعين ألف حسنة) الظاهر أنه إذا شرب ثلاث مرات كما هو مندوب يستحق الساقي ذلك الأجر ثلاث مرات لصدق الشربة على كل واحدة منها. 8 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن حسين بن نعيم الصحاف قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): أتحب إخوانك يا حسين ؟ قلت: نعم، قال: تنفع فقراءهم ؟ قلت: نعم، قال: أما إنه يحق عليك أن تحب من يحب الله، أما والله لا تنفع منهم أحدا حتى تحبه، أتدعوهم إلى منزلك ؟ قلت: نعم ما آكل إلا ومعي منهم الرجلان والثلاثة والأقل والأكثر، فقال: أبو عبد الله (عليه السلام): أما إن فضلهم عليك أعظم من فضلك عليهم، فقلت: جعلت فداك اطعمهم طعامي وأوطئهم رحلي، ويكون فضلهم علي أعظم ؟ قال: نعم إنهم إذا دخلوا منزلك دخلوا بمغفرتك ومغفرة عيالك وإذا خرجوا من منزلك خرجوا بذنوبك وذنوب عيالك. * الشرح: قوله (أما والله لا تنفع منهم أحدا حتى تحبه) دل ظاهرا على أن النفع تابع للمحبة أو مستلزم لها ومنه يعلم وجه ما سبق من أن من أشبع كافرا كان حقا على الله أن يملأ جوفه من الزقوم. 9 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي محمد الوابشي قال: ذكر أصحابنا عند أبي عبد الله (عليه السلام) فقلت: ما أتغدى ولا أتعشى إلا ومعي منهم الاثنان والثلاثة وأقل وأكثر، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): فضلهم عليك أعظم من فضلك عليهم، فقلت: جعلت فداك كيف وأنا اطعمهم طعامي وانفق عليهم من مالي وأخدمهم عيالي ؟ ! فقال: إنهم إذا دخلوا عليك دخلوا برزق من الله عز وجل كثير وإذا خرجوا خرجوا بالمغفرة لك. * الشرح: قوله (إذا دخلوا عليك دخلوا برزق من الله عز وجل كثير) وصف الرزق بالكثير لدفع توهم تخصيصه بقدر ما أكلوا فيدل على أن الإنفاق موجب لزيادة الرزق كما يدل عليه روايات كثيرة. 10 - عنه، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن مقرن، عن عبيدالله الوصافي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لأن اطعم رجلا مسلما أحب إلي من أن اعتق افقا من الناس، قلت: وكم الافق ؟ فقال: عشرة آلاف. 11 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن ربعي قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): من أطعم أخاه في الله كان له من الأجر مثل من أطعم فئاما من الناس، قلت: وما الفئام [ من الناس ] ؟

[ 93 ]

قال: مائة ألف من الناس. 12 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن الحكم، عن سدير الصيرفي قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ما منعك أن تعتق كل يوم نسمة ؟ قلت: لا يحتمل مالي ذلك، قال: تطعم كل يوم مسلما، فقلت: موسرا أو معسرا ؟ قال: فقال: إن الموسر قد يشتهي الطعام. 13 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن صفوان الجمال، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أكلة يأكلها أخي المسلم عندي أحب إلي من أن اعتق رقبة. * الشرح: قوله (قال أكلة يأكلها أخي المسلم عندي أحب إلي من أن أعتق رقبة) الأكلة بالفتح المرة وبالضم اللقمة والقرصة، وإرادة اللقمة أنسب بما مر من أن إطعام المسلم أحب إلي من أن أعتق أفقا من الناس، ولا اختلاف لما ذكرناه آنفا. 14 - عنه، عن إسماعيل بن مهران، عن صفوان الجمال، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لأن اشبع رجلا من إخواني أحب إلي من أن أدخل سوقكم هذا فأبتاع منها رأسا فاعتقه. 15 - عنه، عن علي بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لأن آخذ خمسة دراهم [ و ] أدخل إلى سوقكم هذا فأبتاع بها الطعام وأجمع نفرا من المسلمين أحب إلي من أن اعتق نسمة. 16 - عنه، عن الوشاء، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سئل محمد بن علي صلوات الله عليهما ما يعدل عتق رقبة ؟ قال: إطعام رجل مسلم. 17 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن محمد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن أبي شبل قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ما أرى شيئا يعدل زيارة المؤمن إلا إطعامه وحق على الله أن يطعم من أطعم مؤمنا من طعام الجنة. 18 - محمد، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن رفاعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لأن اطعم مؤمنا محتاجا أحب إلي من أن أزوره ولأن أزوره أحب إلي من أن اعتق عشر رقاب. 19 - صالح بن عقبة، عن عبد الله بن محمد ويزيد بن عبد الملك، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من أطعم مؤمنا موسرا كان له يعدل رقبة من ولد إسماعيل ينقذه من الذبح، ومن أطعم مؤمنا محتاجا كان له يعدل مائة رقبة من ولد إسماعيل ينقذها من الذبح.

[ 94 ]

20 - صالح بن عقبة، عن نصر بن قابوس، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لإطعام مؤمن أحب إلي من عتق عشر رقاب وعشر حجج، قال: قلت: عشر رقاب وعشر حجج ؟ قال: فقال: يا نصر إن لم تطعموه مات أو تدلونه فيجئ إلى ناصب فيسأله والموت خير له من مسألة ناصب، يا نصر من أحيا مؤمنا فكأنما أحيا الناس جميعا، فإن لم تطعموه فقد أمتموه وإن أطعمتموه فقد أحييتموه. * الشرح: قوله (أو تدلونه) دلوته أدلوه: أرسلته، وكذا أدليته أدليه فتدلونه يحتمل فتح التاء وضمها وأصله على تقدير الضم تدليونه.

[ 95 ]

باب من كسا مؤمنا 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن عمر بن عبد العزيز، عن جميل بن دراج، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من كسا أخاه كسوة شتاء أو صيف كان حقا على الله أن يكسوه من ثياب الجنة وأن يهون عليه سكرات الموت وأن يوسع عليه في قبره وأن يلقى الملائكة إذا خرج من قبره بالبشرى وهو قول الله عز وجل في كتابه: * (وتتلقاهم الملائكة، هذا يومكم الذي كنتم توعدون) *. * الشرح: قوله (وأن يهون عليه من سكرات الموت) أي من شدته وهمه وغشيته ثوبا من عرى العرى بالضم خلاف اللبس يعني " برهنه شدن " وفعله من باب رضى، والمعيشة مكسب الإنسان الذي يعيش به وهي من عاش من باب سار صار ذا حياة فالميم زائدة ووزنها مفعلة. وقيل من معش فالميم أصلية ووزنها فعيلة. 2 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن بكر بن صالح، عن الحسن بن علي، عن عبد الله بن جعفر ابن إبراهيم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من كسا أحدا من فقراء المسلمين ثوبا من عري أو أعانه بشئ مما يقوته من معيشته وكل الله عز وجل به سبعة آلاف ملك من الملائكة، يستغفرون لكل ذنب عمله إلى أن ينفخ في الصور. 3 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن صفوان، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من كسا أحدا من فقراء المسلمين ثوبا من عرى أو أعانه بشئ مما يقوته على معيشته وكل الله عز وجل به سبعين ألف ملك من الملائكة يستغفرون لكل ذنب عمله إلى أن ينفخ في الصور. 4 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر، عن أبي حمزة الثمالي، عن علي بن الحسين (عليه السلام) [ قال: ] من كسا مؤمنا كساه الله من الثياب الخضر. وقال في حديث آخر: لا يزال في ضمان الله ما دام عليه سلك. * الشرح: قوله (ما دام عليه سلك) أي على ذلك الثوب وإن خرج عن حد اللبس والانتفاع. 5 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه كان يقول: من كسا مؤمنا ثوبا من عري كساه الله من إستبرق الجنة

[ 96 ]

ومن كسا مؤمنا ثوبا من غنى لم يزل في ستر من الله ما بقي من الثوب خرقة. * الشرح: قوله (من كسا مؤمنا ثوبا من غنى لم يزل في ستر من الله) يستره من الذنوب أو من العقوبة أو من النوائب أو من الجميع، ويفهم منه أن كساء المؤمن الغني يوجب هذه الكرامة فكيف الفقير.

[ 97 ]

باب في إلطاف المؤمن وإكرامه 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن الحسين بن هشام، عن سعدان بن مسلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من أخذ من وجه أخيه المؤمن قذاة كتب الله عز وجل له عشر حسنات، ومن تبسم في وجه أخيه كانت له حسنة. * الشرح: قوله (من أخذ من وجه أخيه المؤمن قذاة) القذى ما يقع في العين من تراب أو تبن أو وسخ أو غير ذلك، والمراد به كل ما يؤذي المؤمن أو يجرح قلبه أو يكسر قدره وإن قل شبهه بقذى العين. 2 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن عمر بن عبد العزيز، عن جميل بن دراج، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من قال لأخيه المؤمن: مرحبا كتب الله تعالى له مرحبا إلى يوم القيامة. * الشرح: قوله (من قال لأخيه المؤمن مرحبا كتب الله تعالى له مرحبا إلى يوم القيامة) فكأنه قال له: مرحبا إلى يوم القيامة فيكتب له ذلك ويعطي أجره أو يقال له مرحبا إلى يوم القيامة مقابلا لقوله، والرحب بالضم: السعة، وبالفتح: الواسع، ومرحبا منصوب بفعل لازم الحذف سماعا أي أتيت رحبا وسعة أو مكانا واسعا، وفيه تسلية له وإظهار للسرور بملاقاته ومجيئه. 3 - عنه، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن يونس، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من أتاه أخوه المسلم فأكرمه فإنما أكرم الله عز وجل. * الشرح: قوله (من أتاه أخوه المسلم فأكرمه) بأن أكرمه بنوع من أنواع الإكرام وأحسن إليه بنحو من أنحاء الإحسان بأن بسط له رداءه أو تبسم في وجهه أو قال له مرحبا أو أظهر سرورا وبشاشة أو أحضر طعاما أو أعطاه شيئا يفرح به قلبه أو نحو ذلك. 4 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن نصر بن إسحاق، عن الحارث بن النعمان، عن الهيثم بن حماد، عن أبي داود، عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما في امتي عبد ألطف أخاه في الله بشئ من لطف إلا أخدمه الله من خدم الجنة. * الشرح: قوله (ما في أمتي عبدألطف أخاه في الله بشئ من لطف إلا أخدمه الله من خدم الجنة) المراد بالعبد: المؤمن، والظرف - أعنى في الله - متعلق ب‍ " ألطف " أي بر، أو حال عن أخاه أو وصف له

[ 98 ]

واللطف الرفق والإحسان وإيصال المنافع والبر، والإخدام: إعطاء الخادم. 5 - وعنه، عن أحمد بن محمد، عن بكر بن صالح، عن الحسن بن علي، عن عبد الله بن جعفر ابن إبراهيم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من أكرم أخاه المسلم بكلمة يلطفه بها وفرج عنه كربته لم يزل في ظل الله الممدود عليه الرحمة ما كان في ذلك. * الشرح: قوله (لم يزل في ظل الله الممدود عليه الرحمة) أي لم يزل في رحمته أو جوده على سبيل التشبيه والاستعارة حيث إنه يستريح بهما من الأذى والعذاب والتألم الجسماني والروحاني كما يستريح الملتجئ بالظل من حر الشمس أو في جنبه وإطلاق الظل عليها إما من باب الإرسال أو الاستعارة على نحو ما ذكر ووصفه بالممدود للإشعار بثباته واتساعه. 6 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن عمر بن عبد العزيز، عن جميل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: إن مما خص الله عز وجل به المؤمن أن يعرفه بر إخوانه وإن قل، وليس البر بالكثرة وذلك أن الله عز وجل يقول في كتابه: * (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة [ ثم قال: ] ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) * ومن عرفه الله عز وجل بذلك أحبه الله ومن أحبه الله تبارك وتعالى وفاه أجره يوم القيامة بغير حساب، ثم قال: يا جميل أرو هذا الحديث لإخوانك، فإنه ترغيب في البر. * الشرح: قوله (وذلك أن الله عز وجل يقول في كتابه ويؤثرون على أنفسهم - الآية) أي يختارون غيرهم من المحتاجين على أنفسهم ويقدمونه * (ولو كان بهم خصاصة) * أي حاجة وفقر عظيم * (ومن يوق شح نفسه) * بوقاية الله وتوفيقه ويحفظها عن البخل والحرص * (فأولئك هم المفلحون) * أي الفائزون، والتأكيدات ظاهرة للمتدبر، والمشهور أن الآية نزلت في الأنصار وإيثارهم المهاجرين على أنفسهم في أموالهم، وقيل: روي من طريق العامة أنها نزلت في أمير المؤمنين (عليه السلام) وأنه مع بقية أهل بيته لم يطعموا شيئا منذ ثلاثة أيام فاقترض دينارا ثم رأى المقداد فتفرس في وجهه أنه جائع فأعطاه الدينار فنزلت الآية مع المائدة من السماء، والحكاية طويلة، وعلى التقديرين يجري الحكم في غير من نزلت فيه ممن يفعل مثل فعله أو ما يقرب منه ومما يناسب المقام ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) من أنه بات به ضيف وكان عنده طعام قليل فأطفأ المصباح عند إحضاره وأراه أنه يأكل معه. وفيه غاية بر الضيف والإيثار وحسن السياسة في الأمور إذ لو لم يطفئه لرأى الضيف أنه لا يأكل وأنه آثره فربما امتنع من الأكل أو أكل قليلا.

[ 99 ]

7 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن المفضل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن المؤمن ليتحف أخاه التحفة، قلت: وأي شئ التحفة ؟ قال: من مجلس ومتكأ وطعام وكسوة وسلام، فتطاول الجنة مكافاة له ويوحي الله عز وجل إليها. أني قد حرمت طعامك على أهل الدنيا إلا على نبي أو وصي نبي، فإذا كان يوم القيامة أوحى الله عز وجل إليها: أن كافئ أوليائي بتحفهم، فيخرج منها وصفاء ووصايف معهم أطباق مغطاة بمناديل من لؤلؤ، فإذا نظروا إلى جهنم وهولها وإلى الجنة وما فيها طارت عقولهم وامتنعوا أن يأكلوا فينادي مناد من تحت العرش إن الله عز وجل قد حرم جهنم على من أكل من طعام جنته، فيمد القوم أيديهم فيأكلون. * الشرح: قوله (فتطاول الجنة مكافأة له) أي امتدت وارتفعت لإرادة مكافأته وإطعامه في الدنيا عجالة. قوله (فتخرج منها وصفاء ووصائف) قال صاحب المصباح: الوصيف: الغلام المراهق، والوصيفة: الجارية كذلك، والجمع وصفاء ووصائف مثل كريم وكرماء وكرائم. ولعل طيران العقول وتحيرها بسبب مشاهدة الجنة ونعيمها وما فيها من الحور والقصور والامتناع من الأكل لكثرة الهم والخوف بسبب مشاهدة جهنم وأهوالها وزفيرها، والهم المفرط قد يمنع من الأكل كما يقع في الدنيا أيضا. 8 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: يجب للمؤمن على المؤمن أن يستر عليه سبعين كبيرة. * الشرح: قوله (يجب للمؤمن على المؤمن أن يستر عليه سبعين كبيرة) هي أفعال قبيحة شرعا وقبحها عظيم، والمراد بسترها عدم إذاعتها وهذا لا ينافي وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن الأمر بالرجوع عنها لا يستلزم الإذاعة ولا يتوقف عليها، ويفهم منه جواز الإفشاء إذا تجاوز عن السبعين مع إمكان إرادة المبالغة في الستر، ويحتمل أن يراد بالكبيرة إساءة ذلك المؤمن وفعل ما يؤذيه من الأمور العظام وفيه حينئذ ترغيب في الصفح عن المؤذي، والله يعلم. 9 - الحسين بن محمد، ومحمد بن يحيى، جميعا، عن علي بن محمد بن سعد، عن محمد بن أسلم، عن محمد بن علي بن عدي قال: أملأ علي محمد بن سليمان، عن إسحاق بن عمار، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): أحسن يا إسحاق إلى أوليائي ما استطعت، فما أحسن مؤمن إلى مؤمن ولا أعانه إلا خمش وجه إبليس وقرح قلبه.

[ 100 ]

* الشرح: قوله (فما أحسن مؤمن إلى مؤمن ولا أعانه إلا خمش وجه إبليس وقرح قلبه) خمش وجهه من باب ضرب خدشه ولطمه وضربه وجرح ظاهر بشرته وقطع عضوا منه وقرح قلبه إذا غمه وأقرحه إذا أثقله وحقيقته أزال عنه الفرح كأشكيته، ويجوز أن يقرأ بالقاف يقال قرحه من باب منع أي جرحه.

[ 101 ]

باب في خدمته 1 - محمد بن يحيى، عن سلمة بن الخطاب، عن إبراهيم بن محمد الثقفي، عن إسماعيل بن أبان، عن صالح بن أبي الأسود، رفعه، عن أبي المعتمر قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أيما مسلم خدم قوما من المسلمين إلا أعطاه الله مثل عددهم خداما في الجنة. * الشرح: قوله (محمد بن يحيى عن سلمة بن الخطاب عن إبراهيم بن محمد الثقفي) الحديث ضعيف (1) من وجوه شتى إذ في السند رفع ورجاله كلهم غير محمد بن يحيى العطار مجهولون، وأبو المعتمر اسمه غير معلوم وليس هو حامد بن عمير أبو المعتمر الهمداني الكوفي لأنه من أصحاب الصادق (عليه السلام)، والظاهر أن " إلا " في قوله إلا أعطاه الله زائدة وقد صرح صاحب القاموس بجواز زيادتها في الكلام وحملها على الاستثناء بتقدير المستثنى منه بعيد جدا، ويدخل في خدمته المسلم خدمته بنفسه وبخدمه وإعانته للمسلمين في أمور الدنيا والدين. باب نصيحة المؤمن 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن عمر بن أبان، عن عيسى ابن أبي منصور، عن أبي عبد الله (عليه السلام): قال: يجب للمؤمن على المؤمن أن يناصحه. * الشرح: قوله (يجب للمؤمن على المؤمن أن يناصحه) نصحه وله كمنعه نصحا ونصاحة ونصاحية وهو ناصح ونصيح ونصاح، والاسم النصيحة وهي فعل أو كلام يراد بهما الخير للمنصوح، واشتقاقها من: نصحت العسل إذا صفيته، لأن الناصح يصفي فعله وقوله من الغش، أو من: نصحت الثوب إذا خطته لأن الناصح يلم خلل أخيه كما يلم الخياط خرق الثوب، والمراد بنصيحة المؤمن للمؤمن إرشاده إلى مصالح دينه ودنياه وعونه عليها، وتعليمه إذا كان جاهلا، وتنبيهه إذا كان غافلا، والذب عنه وعن أعراضه إذا كان ضعيفا وتوقيره في صغره وكبره وترك حسده وغشه ودفع الضرر عنه وجلب النفع إليه وبالجملة كلما يريد لنفسه يريد لأخيه المؤمن ولو لم يسمع نصيحته سلك به طريق الرفق حتى يقبلها، ولو كانت متعلقة بأمر الدين سلك به طريق الأمر بالمعروف والنهي عن


1 - قوله " الحديث ضعيف " لم أعرف وجه إصرار الشارح وتأكيده في تضعيف الخبر مع أن هذه الأمور غير محتاجة إلى تصحيح الأسناد، والحديث الضعيف في هذه الأبواب كثير جدا، والاعتماد فيها على المعنى (ش). (*)

[ 102 ]

المنكر على الوجه المشروع، ويمكن إرادة النصيحة للرسول والأئمة (عليهم السلام) أيضا لأنهم أفضل المؤمنين. والمراد بالنصيحة لهم القول في شأنهم ما يليق بهم والانقياد لهم في أوامرهم ونواهيهم وآدابهم وأعمالهم والإطاعة لهم في جميع ذلك وحفظ شرائعهم وإجراء أحكامهم على الأمة، وفي الحقيقة النصيحة للأخ المؤمن نصيحة لهم. 2 - عنه، عن ابن محبوب، عن معاوية بن وهب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: يجب للمؤمن على المؤمن النصيحة له في المشهد والمغيب. * الشرح: قوله (يجب للمؤمن على المؤمن النصيحة له في المشهد والمغيب) أي في وقت حضوره بنحو ما مر وفي غيبته بالإعلام بالكتابة أو الرسالة أو بحفظ عرضه والزجر عن غيبته ودفع العادي عنه وطلب المصالح له. 3 - ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن أبي عبيدة الحذاء، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: يجب للمؤمن على المؤمن النصيحة. 4 - ابن محبوب، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لينصح الرجل منكم أخاه كنصيحته لنفسه. 5 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن أعظم الناس منزلة عند الله يوم القيامة أمشاهم في أرضه بالنصيحة لخلقه. 6 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمد، عن المنقري، عن سفيان بن عيينة قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: عليكم بالنصح لله في خلقه فلن تلقاه بعمل أفضل منه. * الشرح: قوله (عليكم بالنصح لله في خلقه فلن تلقاه بعمل أفضل منه) النصح يتعدى إلى المنصوح بنفسه فيقال نصحه، وباللام فيقال نصح له، والأول أفصح، ولا يتعدى إليه بفي، وعلى هذا فظاهر الكلام أنه تعالى منصوح أي يجب عليكم النصيحة لله فيما بين خلقه، ومعنى النصيحة لله هو الإيمان والإقرار بوحدانيته وبما يصح له ويمتنع عليه والتزام تكاليفه والعمل بها على الوجه المطلوب من إخلاص النية وغيره، ويحتمل أن يكون المراد عليكم بنصيحة خلق الله لوجه الله تعالى وتقربا إليه لا للرياء والسمعة ونحوهما وهذا بعنوان الباب أنسب.

[ 103 ]

باب الإصلاح بين الناس 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن حماد بن أبي طلحة عن حبيب الأحول قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: صدقة يحبها الله إصلاح بين الناس إذا تفاسدوا وتقارب بينهم إذا تباعدوا. * الشرح: قوله (صدقة يحبها الله اصلاح بين الناس إذا تفاسدوا وتقارب بينهم إذا تباعدوا) فيه حث بليغ للمؤمن على شئ كثير من منافع الدنيا والآخرة، منها أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بوعظ بليغ نافع، ومنها أن يصلح بين الناس إذا وقعت المنازعة بينهم بأن ينظر برأيه الصائب ويميز بين الظالم والمظلوم وينصح الظالم بنصايح بليغة زاجرة له عن الظلم، ومنها أن يصل الرحم وإن اختاروا فراقه وتباعده، ومنها أن يأمر بصلة الأرحام إذا وقع التفارق والتباغض بينهم بموعظة حسنة، ومنها أن يأمر المؤمنين بالتواصل والتعاون إذا وقع التدابر والتقاطع بينهم، ومنها الإصلاح بين القبيلتين إذ وقع التقابل بينهم، ومنها الإصلاح بين المرء وزوجه. عنه، عن محمد بن سنان، عن حذيفة بن منصور، عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثله. 2 - عنه، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لأن اصلح بين اثنين أحب إلي من أن أتصدق بدينارين. 3 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن ابن سنان، عن مفضل قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا رأيت بين اثنين من شيعتنا منازعة فافتدها من مالي. * الشرح: قوله (إذا رأيت بين اثنين من شيعتنا منازعة فافتدها من مالي) الظاهر أن الإذن بالاقتداء للمفضل خاصة مع احتمال شموله لكل من عنده مال له (عليه السلام). 4 - ابن سنان، عن أبي حنيفة سابق الحاج قال: مر بنا المفضل وأنا وختني نتشاجر في ميراث، فوقف علينا ساعة ثم قال لنا: تعالوا إلى المنزل فأتيناه فأصلح بيننا بأربعمائة درهم فدفعها إلينا من عنده حتى إذا استوثق كل واحد منا من صاحبه، قال: أما إنها ليست من مالي ولكن أبو عبد الله (عليه السلام) أمرني إذا تنازع رجلان من أصحابنا في شئ أن اصلح وأفتديها من ماله، فهذا من مال أبي عبد الله (عليه السلام). * الشرح:

[ 104 ]

قوله (عن أبي حنيفة سابق الحاج (1) اسمه سعيد بن بيان الهمداني وثقه النجاشي وعده ممن روى عن أبي عبد الله (عليه السلام) وورد ذمه في بعض الروايات، والسابق بالباء الموحدة، والختن بالتحريك زوج بنت الرجل وزوج أخته أو كل من كان من قبل المرأة كالأب والأخ ونحوه. 5 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد الله بن المغيرة، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: المصلح ليس بكاذب. * الشرح: قوله (المصلح ليس بكاذب) كما إذا بلغ زيدا من عمرو كلام يسوؤه ويوجب تهيج العداوة وأنت سمعته منه فتلقى زيدا وتقول قد سمعت من عمرو قال: فيك من الخير كذا وكذا، خلاف ما سمعته منه، وهذا وإن كان كذبا في اللغة لأنه خلاف الواقع وليس فيه تورية إلا أنه لما كان القصد منه الإصلاح كان جائزا بل قد يكون واجبا فهو ليس بكذب شرعا، والحاصل أن هذا الكلام صلح لا صدق ولا كذب اصطلاحا وسيجئ أن الكلام ثلاثة صدق وكذب وإصلاح بين الناس، والقسم الأخير وإن كان كذبا لغة لكنه ليس بكذب اصطلاحا لأن المراد بالكذب في الشرع ما لا يطابق الواقع ويذم قائله وهذا لا يذم قائله شرعا فالأولى أن لا يسمى كذبا ولا يطلق الكاذب على المصلح لئلا يتوهم أنه مذموم. 6 - علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن علي بن إسماعيل، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل * (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس) * قال: إذا دعيت لصلح بين اثنين فلا تقل علي يمين ألا أفعل. 7 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن ابن محبوب، عن معاوية بن وهب أو معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال: أبلغ عني كذا وكذا - في أشياء أمر بها - قلت: فأبلغهم عنك وأقول عني ما قلت لي وغير الذي قلت ؟ قال: نعم إن المصلح ليس بكذاب [ إنما هو الصلح ليس بكذب ].


1 - " سابق الحاج " هو الذي يقطع المسافة بين بلده ومكة في أقل زمان ممكن ويسبق سائر الحجاج في الوصول إلى مكة وروي أن أبا حنيفة رأى هلال ذي الحجة في القادسية وأدرك عرفات يوم عرفة وقطع المسافة في تسعة أيام وهو أقل من نصف الزمان الذي قطع فيه سيدنا الحسين (عليه السلام) فإنه خرج يوم التروية ووصل إلى حوالي الكوفة أول المحرم وكان هو (عليه السلام) متسرعا مستعجلا، وأما ذم سابق الحاج فباعتبار أن جهده في السير يمنعه من النوم والغذاء والصلاة بطمأنينة وراحة المركوب وكان فائدته الشهرة. (ش). (*)

[ 105 ]

باب في أحياء المؤمن 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: قول الله عز وجل: * (من قتل نفسا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) * ؟ من أخرجها من ضلال إلى هدى فكأنما أحياها ومن أخرجها من هدى إلى ضلال فقد قتلها. * الشرح: قوله (من أخرجها من ضلال إلى هدى فكأنما أحياها) الحياة الحقيقية عند أهل العرفان هي حياة النفس الإنسانية وهي اتصافها بالهداية والعلم والإيمان والأخلاق المرضية وسائر الكمالات الانسانية، والمراد بإحيائها جعلها متصفة بهذه الصفات، والإحياء في الآية وإن لم يكن مختصا به لكنه من أفراده تأويلا بل هو من أعظم أفراده كما يرشد إليه الحديث الآتي. 2 - عنه، عن علي بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن فضيل بن يسار قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): قول الله عز وجل في كتابه: * (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) * قال: من حرق أو غرق، قلت: فمن أخرجها من ضلال إلى هدى ؟ قال: ذاك تأويلها الأعظم. محمد بن يحيى، عن أحمد و عبد الله ابني محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن أبان، مثله. * الشرح: قوله (من حرق أو غرق) ذكر من جملة الأسباب المزيلة للحياة هذين الأمرين على سبيل التمثيل، والضلال يشمل الكفر والجهل بالولاية وغيرها من القوانين الشرعية والاحكام النبوية. 3 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد، عن النضر بن سويد، عن يحيى ابن عمران الحلبي، عن أبي خالد القماط، عن حمران قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أسألك - أصلحك الله - ؟ فقال: نعم، فقلت: كنت على حال وأنا اليوم على حال اخرى كنت أدخل الأرض فأدعو الرجل والاثنين والمرأة فينقذ الله من شاء وأنا اليوم لا أدعو أحدا ؟ فقال: وما عليك أن تخلي بين الناس وبين ربهم فمن أراد الله أن يخرجه من ظلمة إلى نور أخرجه، ثم قال: ولا عليك إن آنست من أحد خيرا أن تنبذ إليه الشي نبذا، قلت: أخبرني عن قول الله عز وجل: * (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) * قال: من حرق أو غرق، ثم سكت، ثم قال: تأويلها الأعظم أن دعاها فاستجاب له.

[ 106 ]

* الشرح: قوله (وما عليك أن تخلى بين الناس وبين ربهم فمن أراد الله أن يخرجه من ظلمة إلى نور أخرجه) المراد بالظلمة الكفر والضلالة وبنور الإيمان والهداية على سبيل التشبيه والاستعارة ولما كان الناس في ذلك العصر معاندين للحق وأهله حتى كانوا يقتلونهم لو عرفوا حالهم أشار (عليه السلام) أولا إلى ترك دعائهم إلى الحق لما فيه من صلاح الفرقة الناجية وصلاح أئمتهم وعلله بأن من أراد الله تعالى أن يخرجه باللطف والتوفيق والهداية من الباطل إلى الحق أخرجه سواء دعاه أهل الحق أم لا وأشار ثانيا إلى جواز دعاء من كان قابلا للخير ومستعدا لقبوله وظن منه ذلك لأن فيه أمرا بالمعروف مع انتفاء الظن بالضرر وإمكان قبوله.

[ 107 ]

باب في الدعاء للأهل إلى الايمان 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن النعمان، عن عبد الله بن مسكان، عن سليمان بن خالد قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن لي أهل بيت وهم يسمعون مني أفأدعوهم إلى هذا الأمر ؟ فقال: نعم إن الله عز وجل يقول في كتابه: * (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة) *. * الشرح: قوله (فقال نعم إن الله عز وجل يقول في كتابه: يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة) دل على أنه يجب وقاية الأهل من موجبات النار كما يجب وقاية النفس منها. والوقود بالفتح: الحطب وفيه إشارة إلى القسمين من الحكمة العملية: السياسة البدنية والسياسة المنزلية، وخص الخطاب بالمؤمنين لأنهم المنتفعون به.

[ 108 ]

باب في ترك دعاء الناس 1 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن كليب بن معاوية الصيداوي قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): إياكم والناس، إن الله عز وجل إذا أراد بعبد خيرا نكت في قلبه نكتة فتركه وهو يجول لذلك ويطلبه، ثم قال: لو أنكم إذا كلمتم الناس قلتم: ذهبنا حيث ذهب الله واخترنا من اختار الله، واختار الله محمدا واخترنا آل محمد صلى الله عليه وعليهم. * الشرح: قوله (إياكم والناس إن الله عز وجل إذا أراد بعبد خيرا نكت في قلبه نكتة) دل على ترك دعوة المخالف والكافر إلى الإيمان وأركانه ولوازمه والجهاد معهم لأن للجهاد شروطا منها قيام الإمام أو نائبه به وهي مفقودة في عصرهم وعصرنا هذا إلى قيام الصاحب (عليه السلام) وهذا بالنظر إلى الشديد المتصلب المنكر للحق أو مع قيام التقية ظاهر وأما المستعد لقبوله مع عدم التقية فالدعوة بإظهار الحق عليه راجحة كما دل عليه بعض الروايات وإرادته تعالى خير العبد إما من باب اللطف به والتفضل عليه فإنه عز وجل قد يتفضل عليه ويخرجه من الشقاوة إلى السعادة، أو لعلمه تعالى بميله إلى الحق واستعداده لقبول الخير، وعلى التقديرين نكت في قلبه نكتة نورانية تؤثر فيه فيضطرب من الباطل ويجول ويطلب الحق حتى يستقر عليه، ثم قال للإشارة إلى أقل مراتب الدعوة وإظهار الحق حيث يجوز لو أنكم إذا كلمتم الناس العادلين عن الأئمة الطاهرين أو الأعم قلتم: ذهبنا حيث ذهب الله أي اخترنا طريقا اختاره الله تعالى للوصول إليه والتقرب منه اختار الله محمدا فاخترناه وقلنا بنبوته واخترنا آل محمد صلى الله عليه وعليهم وفضلناهم على غيرهم، ثم إذا قالوا لم اخترتموهم ذكرتم البراهين من غير مجادلة وهذا القدر كاف في دعائهم لأن القلوب القابلة المشروحة تقبله إن شاء الله تعالى. 2 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن إسماعيل، عن أبي إسماعيل السراج، عن ابن مسكان، عن ثابت أبي سعيد قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): يا ثابت مالكم وللناس، كفوا عن الناس ولا تدعوا أحدا إلى أمركم، فوالله لو أن أهل السماء وأهل الأرض اجتمعوا على أن يضلوا عبدا يريد الله هداه ما استطاعوا، كفوا عن الناس ولا يقول أحدكم: أخي وابن عمي وجاري، فإن الله عز وجل إذا أراد بعبد خيرا طيب روحه، فلا يسمع بمعروف إلا عرفه ولا بمنكر إلا أنكره، ثم يقذف الله في قلبه كلمة يجمع بها أمره. * الشرح:

[ 109 ]

قوله (يا ثابت مالكم والناس كفوا عن الناس ولا تدعوا أحدا إلى أمركم) نهى (عليه السلام) عن مخاصمة الناس في أمر الدين وأمر بكف النفس عن الوقوع فيهم ومناظرتهم وعن دعائهم إلى أمر الامامة لكون ذلك أصلح للفرقة الناجية ثم أشار إلى أن المجادلة لا يترتب عليها أثر مؤكدا بالقسم وقال: لو أن أهل السموات وأهل الأرضين اجتمعوا وتظاهروا على أن يهدوا عبدا يريد الله ضلالته أي عذابه وسلوكه في الآخرة طريق جهنم بسبب كفره وعصيانه أو يعلم ضلالته عن طريق الخير وأرادوا أن يوصلوه إلى طريق الحق طوعا أو كرها ما استطاعوا أن يهدوه لضرورة أن مراد الله تعالى ومعلومه واقعان لا مرد لهما، وكذا لو اجتمعوا على أن يضلوا عبدا عن طريق الحق يريد الله هداه أي إثابته بالجنة أو سلوكه في الآخرة طريقها بسبب الإيمان والطاعة أو يعلم هدايته وسلوكه طريق الحق ما استطاعوا أن يضلوه لما مر، ثم أمر بالكف عن الناس حتى عن الأقارب ودعائهم إلى الحق على سبيل التأكيد دفعا للحمية العصبية وعلل بأن الله إذا أراد بعبد خيرا لطفا وتفضلا أو بواسطة رجوعه إليه واستعداده لقبوله طيب روحه عن العقائد الخبيثة وطهره عن الجهل المركب فلا يسمع بعد ذلك معروفا إلا عرفه وأقربه ولا منكرا إلا أنكره وعدل عنه، ثم يقذف الله في قلبه لحسن استعداده كلمة يجمع بها أمره وهي أمير المؤمنين وأولاده الطاهرين لأنهم كلمات الله العليا وآياته الكبرى، ويحتمل أن يراد بها ملك موكل بالقلب لتسديده وإن أردت زيادة التوضيح لهذا الحديث وغيره من أحاديث هذا الباب فارجع إلى ما ذكرنا في باب الهداية من آخر كتاب التوحيد. 3 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان بن يحيى، عن محمد بن مروإن، عن الفضيل قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ندعو الناس إلى هذا الأمر ؟ فقال: يا فضيل إن الله إذا أراد بعبد خيرا أمر ملكا فأخذ بعنقه حتى أدخله في هذا الأمر طائعا أو كارها. * الشرح: قوله (ندعو الناس إلى هذا الأمر فقال يا فضيل) كان الفضيل توهم بملاحظة كثرة شيعته (عليه السلام) أنه يجوز لهم دعوة الخلق علانية إلى خلافته (عليه السلام) وأنه يجوز له إظهار إمامته على رؤوس الأشهاد فمنعه (عليه السلام) لأنه لم يكن ذلك الزمان إبان ظهور دولة الحق وأخبره بأن الهداية موهبية يدخل في هذا الأمر بدون الدعوة الظاهرة المثيرة للفتن الموجبة لاستيصال الشيعة [ إلا ] من شاء الله كما هو المشاهد في هذا العصر والمعلوم في غيره من الأعصار. واعلم أن الإنسان مركب من أمرين أحدهما ما يرى وهو هذا البدن والثاني مالا يرى ويقال له الروح والنفس الناطقة والقلب وهو حقيقة الإنسان عند استكماله وليس من هذا العالم الجسماني

[ 110 ]

بل نزل من العالم الروحاني (1) وتعلق بهذا البدن تعلق تصرف وتدبير، والبدن وقواه وآلاته وحواسه خدمة له يحصل له بسببها معرفة صنع الله تعالى وآثاره في عالم المحسوسات وقرب الحق وصفات الملائكة إذا طاب وقهر على خدمه واستعملها فيما هو مطلوب لربه، وأما إذا خبث بغلبة الخدمة عليه بعد عن ربه واتصف بصفات الشياطين وأنكر المعروف وأهله وأقر بالمنكر وأهله. والله سبحانه رقيب شاهد عليه يلقى إليه المعروف ويوكل إليه ملكا ينفخ فيه الخير ويأمره به فإذا مال إليه ميلا ما وخطر فيه قبوله وعلم الله منه ذلك طيبه من الرذائل وأيده بالنصرة والتوفيق وأراد به ذلك الخير فيأخذ الملك بأمر الله يده وعنقه ويصرفه عن مسلك الباطل إلى منهج الخير وعن ولاية الكاذبين إلى ولاية الصادقين فيصير غالبا بعد ما كان مغلوبا ويتوجه إلى المعروف ويعرض عن المنكر ويثبت فيه كلمة الحق، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. 4 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن فضال، عن علي بن عقبة عن أبيه قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): اجعلوا أمركم هذا لله ولا تجعلوه للناس، فإنه ما كان لله فهو لله وما كان للناس فلا يصعد إلى السماء ولا تخاصموا بدينكم الناس فإن المخاصمة ممرضة للقلب إن الله عز وجل قال لنبيه (صلى الله عليه وآله): * (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) * وقال: * (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) * ذروا الناس فإن الناس أخذوا عن الناس وإنكم أخذتم عن


1 - " بل نزل من العالم الروحاني " اختلف الحكماء في وجود النفس قبل البدن فقال بعضهم كانت النفس مجردة غير متعلقة بجسم ثم أهبطها الله لحكمة وأسكنها في البدن ثم يفارقه ويرجع إلى عالمه، وقال بعضهم: بل وجدت بعد حصول استعداد البدن ولم يكن قبل ذلك بوجودها الشخصي موجودا بل كان الموجود علتها وهي العقل الفعال المفيض للصور على المواد المستعدة وعلى هذا فالنزول تعبير عن الصدور عن العلة فإن العلة أشرف وأعلى من المعلول ويصح التعبير عن صدور المعلول عنها بالنزول مثل قوله تعالى * (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد) * وقوله تعالى * (وإن من شئ إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم) * والا فالحق أن الله تعالى جعل مخلوقه في السير إلى الكمال وأن يكون كل يوم أفضل وأكمل من اليوم السابق فكيف يرجع المجرد المحض إلى المادة بل المادة تتحرك بالحركة الجوهرية إلى التجرد فيصير الجماد نباتا وحيوانا وإنسانا مجردا روحانيا يزيد به موجودات العالم العقل، بالجملة فالنزول من العالم الروحاني عبارة عن صدوره عنه بعد استعداد المادة بالحركة الجوهرية لأن تصير حاملة لنفس قدسية، فإن قيل أليست العقول القدسية تباشر أفعالا في مواد الأجسام ومذهبهم أن ما تحت فلك القمر تحت تدبير العقل الفعال مع تجويزهم أن يكون عقول كثيرة لتدبير المواليد والعناصر فما المانع من أن يكون النفس قبل البدن عقلا لتدبيره كتدبير العقول لعالم الأجسام ؟ قلنا كيفية تعلق النفس بالبدن غير تعلق العقول بأجسام العالم ويستحيل على العقل المجرد تعلقه بنحو تعلق النفس بل له تعلق آخر نظير تعلق نفوس الأولياء بأجسام غير أبدانهم. (ش). (*)

[ 111 ]

رسول الله وعلي (عليه السلام) ولا سواء، وإني سمعت أبي يقول: إذا كتب الله على عبد أن يدخله في هذا الأمر كان أسرع إليه من الطير إلى وكره. * الشرح: قوله (اجعلوا أمركم هذا لله ولا تجعلوه للناس فإنه ما كان لله فهو لله وما كان للناس فلا يصعد إلى السماء) (1) أي اجعلوا أيتها الفرقة الناجية أمركم في القول والفعل والعقد خالصا لله ولا تجعلوه للناس طلبا للرياء والسمعة فإنه ما كان لله في الدنيا فهو لله في الآخرة ويصعد إليه، وما كان للناس فلا يصعد إلى السماء كما يصعد إليها ما كان لله، ولا تخاصموا بدينكم الناس فإن المخاصمة ممرضة للقلب فإن كل واحد من المتخاصمين يلقي شبهة على صاحبه والشبهة مرض القلب وهلاكه وإنكم لا تقدرون على هدايتهم إن أراد الله تعالى ضلالتهم، كيف إن الله عز وجل قال لنبيه: * (إنك لا تهدي من أحببت) * أي لا توصله إلى المطلوب أو لا تعينه باللطف والتوفيق * (ولكن الله يهدي من يشاء) * فإذا لم يكن النبي قادرا على هدايتهم فأنتم أولى بعدم القدرة عليها وقال أيضا لنبيه: * (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) * أنكر الله تعالى إكراه نبيه وإجباره إياهم على الإيمان تحقيقا لمعنى التكليف والثواب والجزاء وتنبيها على عدم قدرته عليه فأنتم أولى بذلك فلا تتعرضوا لهم ذروا الناس واتركوهم بحالهم ولا تقصدوا مخالطتهم في دينهم فإن الناس أخذوا دينهم عن الناس بما


1 - " فلا يصعد إلى السماء " يعنى إلى الآخرة وقد يعبر بالسماء ويراد بها ملكوت السماء كما يطلق الإنسان ويراد روحه وعقله [ قال تعالى: ] * (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين) * وقال تعالى: * (لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط) * وعلاقة الإطلاق اشتراكهما في العلو، فالآخرة أعلى من الدنيا، والسماء أعلى من الأرض، وأما السماء الدنيا وهي التي نراها بأبصارنا وزينت بالكواكب كما قال الله تعالى * (زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب) * فليست أقرب إلى الله تعالى من الأرض أما مكانا فواضح وأما فضلا وشرفا فلأن الآخرة أقرب إليه تعالى مرتبة، لحياتها وتجردها عن كثافات الدنيا وكونها عالم العقل والإدراك وأما الأجسام الفلكية والكواكب الثابتة والسيارة فلا فرق من هذه الجهة بينها وبين الأرض، والشرف للموجد المجرد العاقل على المادة الجامدة المقهورة، وقد مر في باب إطعام المؤمن في الحديث الثالث " من أطعم ثلاثة نفر من المسلمين أطعمه الله من ثلاث جنان في ملكوت السماوات فقيد بالملكوت، والملكوت أصرح في تجردها، وأما أصل كون الجنة في السماء فلعله متواتر في الروايات ويدل عليه قوله تعالى * (ولقد رآه نزلة أخرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى) * وفي حديث المعراج " فلما صرت إلى الحجب أخذ جبرئيل بيدي فأدخلني الجنة فإذا الشجرة من نور في أصلها ملكان يطويان الحلي والحلل إلى يوم القيامة، فقلت: حبيبي جبرئيل لمن هذه الشجرة ؟ فقال: هذه لأخيك علي بن أبي طالب " وعن أبي سعيد الخدري عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " ليلة أسرى بي إلى السماء أخذ جبرئيل بيدي فأدخلني الجنة " وبالجملة يصعد الأعمال إلى الجنة حتى تهيأ للعاملين ثواب على طبقه. (ش). (*)

[ 112 ]

يقتضيه آراؤهم الفاسدة وإنكم أخذتم دينكم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعن علي (عليه السلام) ولا سواء بينهما وبينهم ولا بينكم وبينهم لأنكم حزب الله وهم حزب الشيطان فليس في تركهم مضرة لكم ولا في مخالطتهم منفعة لكم، ثم أشار إلى أن من كتب إيمانه بقلم التقدير وكان مؤمنا في علم الله فهو يؤمن دعي أم لم يدع بقوله (إنني سمعت أبي يقول: إن الله إذا كتب على عبد أن يدخل في هذا الأمر كان أسرع إليه من الطير إلى وكره) وهو بفتح الواو وسكون الكاف عش الطائر وموضعه الذي يبنيه من دقاق العيدان ونحوها للتفريخ. 5 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عثمان بن عيسى، عن ابن اذينة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله عز وجل خلق قوما للحق فإذا مر بهم الباب من الحق قبلته قلوبهم وإن كانوا لا يعرفونه وإذا مر بهم الباب من الباطل أنكرته قلوبهم وإن كانوا لا يعرفونه، وخلق قوما لغير ذلك فإذا مر بهم الباب من الحق أنكرته قلوبهم وإن كانوا لا يعرفونه وإذا مر بهم الباب من الباطل قبلته قلوبهم وإن كانوا لا يعرفونه. * الشرح: قوله (ان الله عز وجل خلق قوما للحق فإذ مر بهم الباب من الحق قبلته قلوبهم) قبول الحق والباطل وإنكارهما ليسا باعتبار أنه خلقهم على ذلك بل باعتبار أنهم كانوا كذلك فخلقهم لذلك كما أشرنا إليه سابقا فلا يلزم الجبر فتأمل. 6 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد الحميد بن أبي العلاء عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله عز وجل إذا أراد بعبد خيرا نكت في قلبه نكتة من نور فأضاء لها سمعه وقلبه حتى يكون أحرص على ما في أيديكم منكم وإذا أراد بعبد سوءا نكت في قبله نكتة سوداء، فأظلم لها سمعه وقلبه، ثم تلا هذه الآية * (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء) *. * الشرح: قوله (ان الله عز وجل إذا أراد بعبد خيرا نكت في قلبه نكتة من نور) يعنى إذا أراد الله تعالى بعبد خيرا لصفاء قلبه وميله إليه أو علم منه ذلك نكت في قلبه نكتة من نور العلم والإيمان أو اللطف والتوفيق والفيض وهي هدايته الخاصة (فأضاء لها) أي لأجل تلك النكتة النورانية (سمعه وقلبه) وسائر أعضائه فيهتدي كل عضو إلى ما هو مطلوب منه ويتوجه إليه ويعرض عن غيره حتى يكون حرصه على الإيمان والولاية أشد من حرصكم عليها كزيادة حرص الجوعان في الطعام على حرص الشبعان.

[ 113 ]

(وإذا أراد بعبد سوءا) لميله إلى الباطل وإبطاله لاستعداده الفطري (نكت في قلبه نكتة سوداء) هي نكتة الجهل والكفر والخذلان الذي هو سلب اللطف والتوفيق فأظلم لها (سمعه وقلبه) فلا يسمع الحق ولا يعقل الخير وهو الختم المانع من إدراك الخير (ثم تلا (عليه السلام) هذه الآية) استشهادا لما ذكر * (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام) * أي فمن يرد الله أن يهديه إلى طريق الجنة في الآخرة وإلى الخيرات في الدنيا لميله إليها يشرح صدره للاسلام ويوسعه لقبول أحكامه ومعارفه حتى يتأكد عزمه عليها ويقوى الداعي على التمسك بها وذلك لطف من الله تعالى عليه * (ومن يرد أن يضله) * عن طريق الجنة إلى طريق النار وعن سبيل الخيرات والشرور لإبطال استعداده الفطري بسلب لطفه عنه (يجعل صدره ضيقا حرجا) لانقباضه بقبض الكفر والعصيان وتقيده بقيد الظلمة والطغيان فهو في قبول الإيمان ولوازمه * (كأنما يصعد في السماء) * فيمتنع دخول الإيمان في قلبه كما يمتنع الصعود في السماء. 7 - عنه، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن حمران، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله عز وجل إذا أراد بعبد خيرا نكت في قلبه نكتة بيضاء وفتح مسامع قلبه ووكل به ملكا يسدده وإذا أراد بعبد سوءا نكت في قلبه نكتة سوداء وسد مسامع قلبه ووكل به شيطانا يضله. * الشرح: قوله (إذا أراد الله بعبد خيرا نكت في قلبه نكتة بيضاء وفتح مسامع قلبه) إذا أراد الله بعبد خيرا وهو الإحسان إليه في الآخرة بدخول الجنة وفي الدنيا بالهدايات الخاصة مثل اللطف والتوفيق ونحوهما بسبب ميله إلى الخيرات واختيار سبيلها نكت في قلبه نكتة بيضاء نورانية من هداياته الخاصة وفتح مسامع قلبه وأبواب الحق فيدخل فيه الأنوار الربانية والمعارف الإيمانية ووكل به ملكا يسدده بإلهام الحق ونفخ الصواب فيستضئ جميع جوارحه ويهتدي كل إلى عمله وذلك التسديد يسمى لمة الملك وإذا أراد بعبد سوءا وهو تعذيبه بالنار وسلب اللطف والتوفيق عنه بسبب ميله إلى الشرور وسلوك سبيلها نكت في قلبه نكتة سوداء ظلمانية وسلب اللطف عنه وسد مسامع قلبه التي بها يسمع كلمات الحق وهو الختم وكل به شيطانا يضله عن سبيل الحق ويلهمه الباطل وتركه معه وخلي بينه وبين إضلاله وهذا الإضلال يسمى لمة الشيطان، وقد نقلنا سابقا من طريق العامة أن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق فمن وجد ذلك فليحمد الله ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان الرجيم.

[ 114 ]

باب: أن الله إنما يعطي الدين من يحبه 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن حمزة ابن حمران، عن عمر بن حنظلة قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): يا أبا الصخر إن الله يعطي الدنيا من يحب ويبغض ولا يعطي هذا الأمر إلا صفوته من خلقه، أنتم والله على ديني ودين آبائي إبراهيم وإسماعيل، لا أعني علي بن الحسين ولا محمد بن علي وإن كان هؤلاء على دين هؤلاء. * الشرح: قوله (إن الله يعطي الدنيا من يحب ويبغض ولا يعطي هذا الأمر إلا صفوته من خلقه) المحبوب يجعل الدنيا وسيلة للآخرة ويتزود منها لها والمبغوض قلبه متعلق بالدنيا معرض عن الآخرة وما له في الآخرة من خلاق. ومفعول يحب ويبغض محذوف عايد إلى الموصول وفاعلهما عايد إلى الله أو بالعكس، ومعنى محبة الله للعبد كشف الحجاب عن قلبه وتمكينه على أن يطأ بساط قربه، وعلامة حبه له توفيقه للتجافي عن دار الغرور والترقي إلى عالم النور، والأنس بالله والوحشة عما سواه. قال بعض العارفين: إذا اردت أن تعرف مقامك فانظر فيما أمامك، ومعنى بغضه وعلامته ضد ذلك، ومعنى محبة العبد له راجع إلى دوام الذكر والطاعة والانقياد له، وبغضه له ضد ذلك كما صرح به بعض علمائنا وعلماء العامة، وصفو الشئ بالفتح لا غير: خالصه، والصفوة بالهاء مثله إلا أنه يجوز في الصاد الحركات الثلاث. 2 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن عاصم بن حميد، عن مالك بن أعين الجهني قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: يا مالك إن الله يعطي الدنيا من يحب ويبغض ولا يعطي دينه إلا من يحب. * الشرح: قوله (ولا يعطي دينه إلا من يحب) أريد بالدين الإيمان الذي لا يتحقق إلا بالولاية، وهذا الحديث ونظيره في اللفظ خبر وفي المعنى أمر بطلب الدين وحث على الغبطة بأهله لا بأهل الدنيا. 3 - عنه، عن معلى، عن الوشاء، عن عبد الكريم بن عمر والخثعمي، عن عمر بن حنظلة، وعن حمزة بن حمران، عن حمران، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن هذه الدنيا يعطيها الله البر والفاجر ولا يعطي الإيمان إلا صفوته من خلقه. 4 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن النعمان، عن أبي سليمان، عن ميسر قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إن الدنيا يعطيها الله عز وجل من أحب ومن أبغض وإن الإيمان لا يعطيه إلا من أحبه.

[ 115 ]

باب سلامة الدين 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن النعمان، عن أيوب بن الحر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل: * (فوقاه الله سيئات ما مكروا) * فقال: أما لقد قسطوا عليه وقتلوه ولكن أتدرون ما وقاه ؟ وقاه أن يفتنوه في دينه. * الشرح: قوله في قول الله عز وجل * (فوقاه الله سيئات ما مكروا) * أي شدائد مكرهم وخدعهم، والضمير في وقاه راجع إلى مؤمن آل فرعون، وفي تفسير النيشابوري: الأصح أنه كان قبطيا ابن عم لفرعون واسمه سمعان أو حبيب أو جبرئيل وقيل كان إسرائيليا، وقيل: الضمير راجع إلى موسى (عليه السلام)، ويرده قوله (عليه السلام) (أما لقد قسطوا عليه وقتلوه) لأنهم لم يقتلوا موسى (عليه السلام) كما يرد قول من قال من المفسرين إنهم لم يقتلوا مؤمن آل فرعون وإنه هرب منهم إلى الجبل فلم يقدروا عليه. والقسط بالفتح والسكون، والقسوط بالضم: الجور يقال: قسط قسطا وقسوطا من باب ضرب: جار وعدل عن الحق. 2 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى عن عبيد، عن أبي جميلة قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): كان في وصية أمير المؤمنين (عليه السلام) لأصحابه: إعلموا أن القرآن هدى الليل والنهار ونور الليل المظلم على ما كان من جهد وفاقة، فإذا حضرت بلية فاجعلوا أموالكم دون أنفسكم، وإذا نزلت نازلة فاجعلوا أنفسكم دون دينكم، واعلموا أن الهالك من هلك دينه والحريب من حرب دينه، ألا وإنه لا فقر بعد الجنة، ألا وإنه لا غنى بعد النار، لا يفك أسيرها ولا يبرأ ضريرها. * الشرح: قوله (اعلموا أن القرآن هدى الليل والنهار) ترغيب في تلاوته فيهما واقتباس العلوم والأحكام والأخلاق منه لأنه يهدي إلى جميع المقاصد. (ونور الليل المظلم على ما كان من جهد وفاقة) يمكن أن يراد بالليل المظلم القلب الجاهل أو المنكدر بظلمة الجهد والفاقة لأن القرآن نوره والناظر إليه المتدبر بما فيه من الأسرار والأخلاق والنصائح والمواعظ يعلم كيفية التخلص منها. (فإذا حضرت بلية) يمكن دفعها بالأموال (فاجعلوا أموالكم دون أنفسكم) ووقاية لها لئلا يفوت عنكم النفس والمال جميعا. (وإذا نزلت بكم نازلة) توجب فساد الدين لو اخترتم حياة النفس.

[ 116 ]

(فاجعلوا أنفسكم دون دينكم) وفداء له واختاروا البقاء على الدين والاعتقاد به وإن أوجب ذلك القتل. وفي جعل المال فداء للنفس وجعل النفس فداء للدين إيماء إلى ترجيح طلب الدين على طلب المال كيف لا، والمال ينفع في الدنيا، والدين ينفع في الآخرة، والفضل بينهما كالفضل بين الدنيا والآخرة ثم أشار إلى أن الهلاك منحصر في هلاك الدين ترغيبا في تحصيله والثبات عليه بقوله: (واعلموا أن الهالك من هلك دينه) إما بفواته بالمرة، أو بعدم رعاية ما فيه من الأوامر والنواهي وغيرها. (والحريب من حرب دينه) في المصباح حرب حربا من باب تعب: أخذ جميع ماله فهو حريب، وحرب للبناء للمفعول كذلك فهو محروب، وفي القاموس حربه حربا كطلبه طلبا: سلب ماله فهو محراب وحريب والجمع حربي وحرباء، وحريبته ماله الذي سلب أو ماله الذي يعيش به (ألا وإنه لا فقر بعد الجنة ألا وإنه لا غنى بعد النار) أي لا فقر بعد فعل ما يوجب الجنة فإن فاعله غني. ولا غنى بعد فعل ما يوجب النار فإن فاعله فقير، ونظيره ما روى عنه (عليه السلام) قال: " الفقر والغنى يظهران بعد العرض وأمثاله من الروايات كثيرة. ثم أشار إلى دوام عذاب النار تحذيرا بقوله: (لا يفك أسيرها ولا يبرأ ضريرها) أسيرها أسير الشهوات كما روي " حفت النار بالشهوات " أو الداخل فيها المقيد بسلاسلها، وضريرها من عميت بصيرته وسلك سبيلها ولا يرى سبيل النجاة منها. 3 - علي، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن ربعي بن عبد الله، عن فضيل بن يسار، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سلامة الدين وصحة البدن خير من المال والمال زينة من زينة الدنيا حسنة. - محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن حماد، عن ربعي، عن الفضيل، عن أبي جعفر (عليه السلام) مثله. * الشرح: قوله (سلامة الدين وصحة البدن خير من المال) أما سلامة الدين فظاهرة لأن زواله وفساده يوجب المشقة الأخروية الأبدية، وعدم المال يوجب المشقة الدنيوية الزائلة. وأما صحة البدن فلانها تنفع بدون المال، والمال لا ينفع بدونها، وأيضا: الغرض من المال حفظ البدن وتدبير صحته وغاية الشئ خير منه، ويمكن أن يراد بصحة البدن صحته عن أمراض الأعمال القبيحة وفيه ترغيب للمؤمن المسكين في الرضا عن الله بهاتين النعمتين والحمد لله عليها وأشار بقوله: (والمال زينة من زينة الدنيا حسنة) إلى وجه التفضيل وإلى أن المراد بالمال المال الصالح وهو وإن كان زينة

[ 117 ]

كما قال الله عز وجل * (المال والبنون زينة الحياة الدنيا) * لكنه يزول سريعا والزائل لا عبرة به. 4 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن ابن فضال، عن يونس بن يعقوب، عن بعض أصحابه قال: كان رجل يدخل على أبي عبد الله (عليه السلام) من أصحابه فغبر زمانا لا يحج فدخل عليه بعض معارفه، فقال له: فلان ما فعل ؟ قال: فجعل يضجع الكلام يظن أنه إنما يعني الميسرة والدنيا فقال أبو عبد الله (عليه السلام): كيف دينه ؟ فقال: كما تحب، فقال: هو والله الغني. * الشرح: (فغبر زمانا لا يحج) غبر غبورا مكث (فدخل عليه بعض معارفه) معارف الرجل " شناختهاى أو "، وأحدها كمقعد (فقال) أبو عبد الله (عليه السلام) (له) أي لبعض معارفه (فلان ما فعل) ولم تقاعد عن الحج (قال) بعض أصحاب يونس (فجعل) بعض المعارف (يضجع الكلام) أي يقصر فيه وفي أداء المقصود صريحا من ضجع في الأمر تضجيعا إذا وهن فيه وقصر. (يظن إنما يعني الميسرة والدنيا) يعنى تقاعد عن الحج لفقدهما (فقال أبو عبد الله (عليه السلام) كيف دينه ؟ فقال كما تحب فقال هو والله الغني) تعريف الخبر باللام المفيد للحصر وتأكيده بالقسم للتنبيه على أن الغنى هو الغنى الأخروي الحاصل بسلامة الدين واستقامته، لا ما هو المعروف عند أبناء الدنيا فرب فقير عندهم غني عند الله وبالعكس، وقد روي عنه (عليه السلام) أنه قال: " الفقر الموت الأحمر فقيل له الفقر من الدينار والدرهم ؟ فقال لا ولكن من الدين ".

[ 118 ]

باب التقية 1 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم وغيره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل: * (أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا) * قال: بما صبروا على التقية * (ويدرؤن بالحسنة السيئة) * قال: الحسنة التقية والسيئة الإذاعة. * الشرح: قوله (بما صبروا على التقية) لعل أحد الأجرين السلامة في الدنيا والآخر الثواب في الآخرة، أو أحدهما للعمل بالتقية ظاهرا والآخر للاعتقاد بالحق باطنا، وتفسير الحسنة هنا بالتقية، والسيئة بالإذاعة أي إذاعة الحديث وغيره من الحقوق إذا ظن لحوق الضرر بأهل الحق، لا ينافي تفسيرهما بالعفو والأخذ لأن آيات القرآن تتضمن معاني كثيرة لا تحصى ولا يعلمها إلا أهل العصمة (عليهم السلام). 2 - ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عمر الأعجمي قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): يا أبا عمر إن تسعة أعشار الدين في التقية ولا دين لمن لا تقية له والتقية في كل شئ إلا في النبيذ والمسح على الخفين. * الشرح: قوله (إن تسعة أعشار الدين في التقية) لقلة الحق وأهله وكثرة الباطل وأهله حتى أن الحق عشر والباطل تسعة أعشار ولابد لأهل الحق من المماشاة مع أهل الباطل فيها حال ظهور دولتهم ليسلموا من بطشهم، ولعل المراد بقوله: (ولا دين لمن لا تقية له) نفى الكمال لدلالة بعض الروايات على أن المؤاخذ بترك التقية لا يخرج من الإيمان وأن ثوابه أنقص من ثواب العامل بها، ووجوب التقية والإثم بتركها لا ينافي أصل الإيمان وإنما ينافي كماله، وأشار بقوله: (والتقية في كل شئ إلا النبيذ ومسح الخفين) إلى أن التقية غير مختص بالأحكام والأعمال الدينية، بل تكون في الأفعال العرفية أيضا مثل الخلطة بهم وعيادة مرضاهم ونحوها، وأما عدم التقية في شرب النبيذ ومسح الخفين فقال الشهيد في الذكرى لعدم وقوع الإنكار فيهما من العامة غالبا لأن أكثرهم يحرمون المسكر ولا ينكرون خلع الخف وغسل الرجلين بل الغسل أولى منه وإذا قدر خوف ضرر نادرا جازت التقية. وقال الشيخ: لا تقية فيهما لأجل مشقة يسيرة لا تبلغ إلى الخوف على النفس أو المال، وإن بلغت أحدهما جازت، ويقرب منه قول من قال لا ينبغي الاتقاء فيهما وإن حصل ضرر عظيم ما لم يؤد إلى الهلاك، وقيل: عدم الاتقاء مختص بالمعصوم (عليهم السلام)

[ 119 ]

باعتبار أن الاتقاء لا ينفعه لكون الحكم فيها معروفا من مذهبه. 3 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): التقية من دين الله. قلت: من دين الله ؟ قال: إي والله من دين الله ولقد قال يوسف: * (أيتها العير إنكم لسارقون) * والله ما كانوا سرقوا شيئا ولقد قال إبراهيم: * (إني سقيم) * والله ما كان سقيما. * الشرح: قوله (التقية من دين الله قلت: من دين الله ؟ قال: أي والله من دين الله) أي من دين الله الذي أمر عباده بالتمسك به لأن أكثر الخلق في كل عصر لما كانوا من أهل البدع قرر الله التقية في الأقوال والأفعال والسكوت عن الحق لخلص عباده حفظا لنفوسهم ودمائهم وأعراضهم وأموالهم وسبي ذراريهم وإبقاء لدينه الحق، ولولا التقية بطل دينه بالكلية وأنقرض أهله لاستيلاء أهل الجور، فللتقية فائدتان: توجب بقاء دين الحق وتحفظ أهله فهي مطلوبة بالعرض وأهلها يقولون ما لا يعتقدون فيسبون مثلا أمير المؤمنين (عليه السلام) ويعتقدون خلافته ويغسلون أرجلهم ويعتقدون أن حكمها هو المسح، ولا تقية في العقائد الحقة باعتقاد خلافها لأن العقائد من الأسرار التي لا يعلمها إلا علام الغيوب. واستشهد لجواز وقوع التقية بالآية فقال: (ولقد قال يوسف * (أيتها العير إنكم لسارقون) * والله ما كانوا سرقوا شيئا) نسب القول إلى يوسف باعتبار أنه أمر به والفعل ينسب إلى الآمر كما ينسب إلى الفاعل، والعير بالكسر: القافلة مؤنثة، وهذا القول - مع أنهم لم يسرقوا السقاية - ليس بكذب لأنه صدر منه لمصلحة يعلمها هو. وقد قيل: إن المصلحة هي حبس أخيه عنده بأمر الله تعالى لغرض من الأغراض الصحيحة، ويحتمل أن يكون إطلاق السارق عليهم من باب التشبيه في مجرد إذهاب مال الغير، أو في مجرد أن صورتهم بعد ظهور السقاية عندهم كصورة السارق وحاله ولذا قالوا: * (إن سرق فقد سرق أخ له من قبل) * مع ما فيه من تنبيههم بعد علمهم بالقضية على أن ما زعموه من سرقة يوسف مثل هذه، فكما لم تكن هذه سرقة عندهم وفي الواقع فكذلك ما زعموه، أو من باب التورية والمعاريض والمقصود أنكم لسارقون يوسف من أبيه كما قيل، وإن كان بعيدا لفظا ومعنى، ولعل الاستشهاد بهذه الآية على التقية هو أن التقية وهي إظهار خلاف الواقع لغرض من الأغراض الصحيحة جايزة كما في هذا الآية. * (ولقد قال إبراهيم اني سقيم والله ما كان سقيما) * هذا القول مع عدم سقمه ليس بكذب لأنه أراد من باب التورية بسقمه حزن القلب وهمه من عناد القوم وعبادتهم للاصنام، ومما علمه بالنظر

[ 120 ]

الى النجوم من قتل الحسين (عليه السلام) كما روى أو أراد أنه سيصير سقيما كما قيل ولعل الاستشهاد على التقية أنه كان مبغضا ومعاندا لهم وكارها للخروج معهم ولم يظهر ذلك عليهم خوفا وتقية وتمسك في مفارقتهم بما ذكر والله يعلم. 4 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن خالد، والحسين بن سعيد، جميعا: عن النضر بن سويد، عن يحيى بن عمران الحلبي، عن حسين بن أبي العلاء، عن حبيب ابن بشر قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): سمعت أبي يقول: لا والله ما على وجه الأرض شئ أحب إلي من التقية، يا حبيب إنه من كانت له تقية رفعه الله، يا حبيب من لم تكن له تقية وضعه الله، يا حبيب إن الناس إنما هم في هدنة فلو قد كان ذلك كان هذا. * الشرح: قوله (لا والله ما على وجه الارض شئ أحب إلي من التقية) لأن بالتقية يعبد الرحمن ويبقى على وجه الأرض أهل الإيمان. (يا حبيب إنه من كانت له تقية رفعه الله) في الدنيا بعلمه وبقائه وبقاء أهله وعشيرته وإمامه ومجاهدته مع أعداء الحق وغلبته عليهم وعدم ذله بالضرب والقتل والنهب والسبي لأن التقية باب من أبواب المجاهدة وجنة في دفع شرهم، وفي الآخرة بالأجر الجميل والثواب الجزيل لإبقاء نفسه ودينه وغيرهما بتلك الحيلة. (يا حبيب إن الناس إنما هم في هدنة فلو قد كان ذلك كان هذا) لعل المراد بالناس الفرقة الناجية، والهدنة بالضم: الاسم من هدن إذا صلح، وبالفارسية " آشتى " والمقصود أن الفرقة الناجية في عصر بنبغي لهم الهدنة والمماشاة والتقية مع أهله فمتى كانت هدنة كانت لهم تقية، وإذا زالت الهدنة بخروج القايم (عليه السلام) في ظهور دولة الحق زالت التقية. 5 - أبو علي الأشعري، عن الحسن بن علي الكوفي، عن العباس بن عامر، عن جابر المكفوف، عن عبد الله بن أبي يعفور، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: اتقوا على دينكم فاحجبوه بالتقية، فإنه لا إيمان لمن لا تقية له، إنما أنتم في الناس كالنحل في الطير، لو أن الطير تعلم ما في أجواف النحل ما بقي منها شئ إلا أكلته ولو أن الناس علموا ما في أجوافكم أنكم تحبونا أهل البيت لأكلوكم بألسنتهم ولنحلوكم في السر والعلانية، رحم الله عبدا منكم كان على ولايتنا. * الشرح: قوله (لأكلوكم بألسنتهم ولنحلوكم في السر والعلانية) أي لآذوكم، فالأكل مستعار للإيذاء، وسابوكم وحسموكم. يقال نحل فلانا إذا سابه وحسمه.

[ 121 ]

6 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد، عن حريز، عمن أخبره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل: * (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة) * قال: الحسنة: التقية، والسيئة: الإذاعة وقوله عز وجل: * (ادفع بالتي هي أحسن (السيئة) * قال: التي هي أحسن التقية، * (فإذا الذي بينك وبينه عداوة كانه ولي حميم) *. * الشرح: قوله (لا تستوي الحسنة ولا السيئة) في اللفظ إخبار بعدم المساواة بينهما، وفي المعنى أمر باختيار الحسنة على السيئة، وفسرهما بالتقية والإذاعة لأنهما من أعظم أفرادهما. (قال التي هي أحسن التقية) والسيئة على هذا التفسير إما الإذاعة والضرر الحاصل على تقدير ترك التقية، وتفسيرها بالتقية بناء على أن التقية من أفرادها فلا ينافي تفسيرها سابقا بالعفو عن مؤاخذة المسيئ. 7 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبي عمرو الكناني قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): يا أبا عمرو أرأيت لو حدثتك بحديث أو أفتيتك بفتيا ثم جئتني بعد ذلك فسألتني عنه فأخبرتك بخلاف ما كنت أخبرتك أو أفتيتك بخلاف ذلك بأيهما كنت تأخذ ؟ قلت: بأحدثهما وأدع الآخر، فقال: قد أصبت يا أبا عمرو أبى الله إلا أن يعبد سرا أما والله لئن فعلتم ذلك إنه [ ل‍ ] - خير لي ولكم، [ و ] أبى الله عز وجل لنا ولكم في دينه إلا التقية. * الشرح: قوله (أو أفتيك بفتيا) أفتاه في الأمر أبانه له والفتيا والفتوى ويفتح ما أفتى به الفقيه (قلت باحدثهما وادع الاخر فقال قد اصبت) الاخذ بالاحدث متعين لان الاول إن كان تقية فالاحدث رافع لها وحكم بحسب الواقع وإن كان حكما في الواقع فالاحدث تقية والعمل بها عند الحاجة متعين وبالجملة الا حدث أصلح للمخاطب فالاخذ به متعين. (يا أبا عمرو أبى الله إلا أن يعبد سرا) أي أبى الله في دولة الباطل أن يعبد إلا أن يعبد سرا والعبادة في السر هي الاعتقاد بالحق قلبا، وأما الظاهر فهو يخالفه كثيرا بالتقية وهي وإن كانت عبادة لكنها عبادة بالعرض كما مر. 8 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن علي عن درست الواسطي قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ما بلغت تقية أحد تقية أصحاب الكهف إن كانوا ليشهدون الأعياد ويشدون الزنانير فأعطاهم الله أجرهم مرتين.

[ 122 ]

* الشرح: قوله (ما بلغت تقية أحد تقية أصحاب الكهف) أي ما بلغت في الأمم السابقة أو في هذه الأمة أيضا لأن أعظم التقية في هذه الأمة مع أهل الإسلام المشاركين في كثير من الأحكام، ولا تبلغ التقية منهم إلى حد إظهار الشرك، والزنانير: جمع الزنار، وزان التفاح وهو ما على وسط النصارى والمجوس. وتزنروا شدوا الزنار على وسطهم. 9 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن علي بن فضال، عن حماد بن واقد اللحام قال: استقبلت أبا عبد الله (عليه السلام) في طريق فأعرضت عنه بوجهي ومضيت، فدخلت عليه بعد ذلك، فقلت: جعلت فداك إني لألقاك فأصرف وجهي كراهة أن أشق عليك فقال لي: رحمك الله ولكن رجلا لقيني أمس في موضع كذا وكذا فقال: عليك السلام يا أبا عبد الله، ما أحسن ولا أجمل. 10 - علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة قال: قيل لأبي عبد الله (عليه السلام): إن الناس يروون أن عليا (عليه السلام) قال على منبر الكوفة: أيها الناس إنكم ستدعون إلى سبي فسبوني، ثم تدعون إلى البراءة مني فلا تتبرؤوا مني فقال: ما أكثر ما يكذب الناس على علي (عليه السلام)، ثم قال: إنما قال: إنكم ستدعون إلى سبي فسبوني، ثم ستدعون إلى البراءة مني وإني لعلى دين محمد، ولم يقل: ولا تبرؤوا مني، فقال له السائل: أرأيت إن اختار القتل دون البراءة ؟ فقال: والله ما ذلك عليه وما له إلا ما مضى عليه عمار بن ياسر حيث أكرهه أهل مكة وقلبه مطمئن بالإيمان، فأنزل الله عز وجل فيه * (إلا من اكره وقلبه مطمئن بالإيمان) * فقال له: النبي (صلى الله عليه وآله) عندها: يا عمار إن عادوا فعد فقد أنزل الله عز وجل عذرك وأمرك أن تعود إن عادوا. * الشرح: قوله (إنما قال إنكم ستدعون إلى سبي فسبوني) فيه علمه (عليه السلام) بالمغيبات فإنه أخبر بما سيقع وقد وقع لأن بني أمية لعنهم الله أمروا الناس بسبه (عليه السلام) وكتبوا إلى عمالهم في البلاد أن يأمروهم بذلك وقد شاع ذلك حتى أنهم سبوه في رؤوس المنابر. روى مسلم بإسناده عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال استعمل على المدينة رجل من آل مروإن فدعا سهل بن سعد فأمره أن يشتم عليا قال: فأبى سهل قال فقال له: اما إذا أبيت فقل: لعن الله أبا تراب، فقال سهل: ما كان لعلي اسم أحب إليه من أبي تراب وإنه كان ليفرح إذا دعي به، وعن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعدا فقال: ما منعك أن تسب أبا تراب ؟ فقرأ عليه آية المباهلة وحديث " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " وحديث الراية.

[ 123 ]

(ثم ستدعون إلى البراءة مني وإني لعلى دين محمد ولم يقل ولا تبرؤوا (1) مني) أخبر (عليه السلام) بأن دينه دين محمد (صلى الله عليه وآله) فلا ينبغي البراءة منه باطنا ولم ينهاهم عن البراءة منه ظاهرا عند الحاجة لحفظ النفس فكما يجوز السب عند الضرورة كذلك يجوز البراءة عندها. * الشرح: قوله (وما له إلا ما مضى عليه عمار بن ياسر حيث أكرهه أهل مكة وقلبه مطمئن بالإيمان) نقلوا أن قريشا أكرهوا عمارا وأبويه ياسرا وسمية على الارتداد فلم يقبله أبوه فقتلوهما وأعطاهم عمار بلسانه ما أرادوا مكرها فقيل: يا رسول الله إن عمارا كفر فقال: كلا إن عمارا ملئ ايمانا من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عمارا وهو يبكي فجعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) يمسح عينيه وقال ما لك إن عادوا فعدلهم بما قلت، والتقية عندنا واجبة والمخالفون قالوا تركها أفضل إعزازا للدين. 11 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن هشام الكندي قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إياكم أن تعملوا عملا يعيرونا به، فإن ولد السوء يعير والده بعمله، كونوا لمن انقطعتم إليه زينا ولا تكونوا عليه شينا، صلوا في عشائرهم وعودوا مرضاهم واشهدوا جنائزهم ولا يسبقونكم إلى شئ من الخير فأنتم أولى به منهم والله ما عبد الله بشئ أحب إليه من الخب ء قلت: وما الخب ء ؟ قال: التقية. * الشرح: قوله (إياكم أن تعملوا عملا يعيرونا به فإن ولد السوء يعير والده بعمله) العمل يشمل الديني والعرفي وترك التقية في الأول يوجب القتل ونحوه غالبا، وفي الثاني يوجب التعيير واللوم وفيه دلالة على أن المعلم الرباني والد روحاني للمتعلم وأن السبب للفعل بمنزلة فاعله وأنه ينبغي رعاية حقوق المخالفين وحسن صحبتهم تقية إذا كان تركها موجبا لتعييرهم للمعلم الرباني بأنه


1 - قوله " ولم يقل لا تبرؤوا " ولكن كلامه يدل عليه لتفصيله بين السب والبراءة، والأولى التوجيه الثاني لأن البراءة تطلق على فعل القلب، والسب على الكلام وفعل اللسان، فلا يقال لمن خطر بباله معنى السب أنه سب إذا لم يتلفظ كما يقال لمن نوى الإعراض عن طريقة علي (عليه السلام) بقلبه إنه تبرء منه، وهذا نظير الحلف والعزم فالحلف فعل اللسان، والعزم فعل القلب، ومثله التسبيح والتوحيد فالتسبيح قول " سبحان الله " وهو فعل اللسان، والتوحيد الاعتقاد بالوحدانية وهو فعل القلب، والتعظيم كذلك فعل القلب إذ لم يعهد ذكر " الله أعظم " بخلاف التكبير فإنه فعل اللسان وهو قول الله أكبر، فالسب فعل اللسان وهو مجوز، والبراءة فعل القلب وهو غير جائز لأن التبري من علي (عليه السلام) يساوق التبري من دين محمد (صلى الله عليه وآله) وأما التلفظ بالبراءة فجائز من غير اعتقاد القلب كما يأتي. (ش). (*)

[ 124 ]

معلم سوء وذلك نقص لهم بحسب العرف ولعل قوله: (ولا يسبقونكم إلى شئ من الخير) خبر بمعنى النهي أي لا يغلبوكم على فعل شئ من الخير فإنكم أولى بالخير منهم لأنكم أهل الخير وهو ينفعكم. والخب ء: الإخفاء والستر تقول: خبأت الشئ خبأ من باب منع أخفيته وسترته، والمراد به هنا التقية فيها لأن إخفاء الحق إستاره. 12 - عنه، عن أحمد بن محمد عن معمر بن خلاد قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن القيام للولاة، فقال: قال أبو جعفر (عليه السلام): التقية من ديني ودين آبائي ولا إيمان لمن لا تقية له. * الشرح: قوله (سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن القيام للولاة) أي القيام لولاة الجور تواضعا لهم، ويفهم جواز القيام للصلحاء وعدم جوازه للأشقياء إلا للتقية. 13 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد، عن ربعي، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: التقية في كل ضرورة وصاحبها أعلم بها حين تنزل به. * الشرح: قوله (التقية في كل ضرورة) وإن لم تكن من الأمور الدينية وإن كانت من أهل الإيمان. 14 - علي، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن محمد بن مروإن عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: [ كان ] أبي (عليه السلام) يقول: وأي شئ أقر لعيني من التقية إن التقية جنة المؤمن. 15 - علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن محمد بن مروإن قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): ما منع ميثم رحمه الله من التقية، فوالله لقد علم أن هذه الآية نزلت في عمار وأصحابه * (إلا من اكره وقلبه مطمئن بالإيمان) *. 16 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان، عن شعيب الحداد عن محمد ابن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إنما جعلت التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغ الدم فليس تقية. * الشرح: قوله (فإذا بلغ الدم فليس تقية) فلا يجوز لأحد قتل معصوم الدم تقية لحفظ نفسه من القتل. 17 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كلما تقارب هذا الأمر كان أشد للتقية. * الشرح: قوله (كلما تقارب هذا الأمر كان أشد للتقية) لعل المراد أن التقية في آخر الزمان قريبا من ظهور القائم (عليه السلام) أشد لكثرة الفسوق والظلم فيه وقلة أهل الصلاح وضعفهم عن إجراء الأحكام، وعلى

[ 125 ]

ذلك روايات أخر. 18 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن إسماعيل الجعفي ومعمر ابن يحيى بن سام ومحمد بن مسلم وزرارة قالوا: سمعنا أبو جعفر (عليه السلام) يقول: التقية في كل شئ يضطر إليه ابن آدم فقد أحله الله له. 19 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن ابن مسكان، عن حريز عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال: التقية ترس الله بينه وبين خلقه. 20 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن محمد بن جمهور، عن أحمد بن حمزة، عن الحسين بن المختار، عن أبي بصير قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): خالطوهم بالبرانية وخالفوهم بالجوانية إذا كانت الإمرة صبيانية. * الشرح: قوله (خالطوهم بالبرانية وخالفوهم بالجوانية إذا كانت الإمرة صبيانيه) البرانية: العلانية من البر وهو الصحراء، والألف والنون من زيادات النسب، والجوانية: السر من الجو وهو داخل البيت ونحوه، والإمرة بالكسر: الإمارة. ولعل المراد بكونها صبيانية ميل صاحبها إلى اللغو والباطل والفتنة كأمراء الجور، وفيه حث على التقية والأخذ بها إلى زمان ظهوره القائم (عليه السلام). 21 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن زكريا المؤمن، عن عبد الله بن أسد، عن عبد الله بن عطاء قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): رجلان من أهل الكوفة اخذا فقيل لهما: ابرآ من أمير المؤمنين فبرئ واحد منهما وأبى الآخر، فخلي سبيل الذي برئ وقتل الآخر ؟ فقال: أما الذي برئ فرجل فقيه في دينه وأما الذي لم يبرأ فرجل تعجل إلى الجنة. * الشرح: قوله (أما الذي برئ فرجل فقيه في دينه وأما الذي لم يبرأ فرجل تعجل إلى الجنة) في وصف العامل بالتقية بأنه فقيه في دينه دلالة واضحة على أنه أفضل وأجره أكمل لأن الفقهاء ورثة الأنبياء ففضله على غيره كفضل الأنبياء، ويؤيده ما رواه أبو عبيدة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال قال: " يا زياد ما تقول لو أفتينا رجلا ممن يتولانا بشئ من التقية قال: قلت له أنت أعلم جعلت فداك قال: إن أخذ به فهو خير له وأعظم أجرا وأما التارك للتقية فهو يدخل الجنة وإن كان آثما " لهذا الخبر، ولما روي أنه إن أخذ بها أوجر، وإن تركها أثم ولا منافاة بين الإثم ودخول الجنة (1) على أنه يمكن أن يراد


1 - قوله " ولا منافاة بين الإثم ودخول الجنة " هذا تحكم بين لأن الإثم معصية لا يرضى بها الله تعالى فكيف يكون سببا لدخول الجنة، والمراد هنا اقتضاء الفعل لا تفضل الله تعالى أو كثرة أعماله الحسنة بحيث يستحق = (*)

[ 126 ]

بالإثم قلة الأجر بالنسبة إلى الأخذ بها وفي الرواية التي نقلناها إشعار به، والله يعلم. 22 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن صالح قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): احذروا عواقب العثرات. * الشرح: قوله (احذروا عواقب العثرات) العثرات: الزلات، ومنها ترك التقية والأمر بالحذر من عاقبته التي هي المؤاخذة به، أمر بالأخذ بها لأن ترك سبب المؤاخذة سبب لعدم المؤاخذة وهو مطلوب شرعا وعقلا. 23 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن محمد بن إسماعيل، عن علي بن النعمان، عن ابن مسكان، عن عبد الله بن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: التقية ترس المؤمن والتقية حرز المؤمن، ولا إيمان لمن لا تقية له، إن العبد ليقع إليه الحديث من حديثنا فيدين الله عز وجل به فيما بينه وبينه، فيكون له عزا في الدنيا ونورا في الآخرة، وإن العبد ليقع إليه الحديث من حديثنا فيذيعه فيكون له ذلا في الدنيا وينزع الله عز وجل ذلك النور منه. * الشرح: قوله (وإن العبد ليقع إليه الحديث من حديثنا فيذيعه فيكون له ذلا في الدنيا وينزع الله عز وجل ذلك النور منه) ذله بالقتل والضرب ونحوهما والمراد بذلك النور النور الذي نشأ من كتمان الحديث والعمل بالتقية ولا ينافي ذلك ثبوت نور الإيمان وغيره له وهو يدخل بذلك الجنة ويفهم منه أنه أقل أجرا من العامل بالتقية كما مر.


= العفو، والحق أن التقية تنقسم بانقسام الأحكام الخمسة فإن كان تركها موجبا لقتل النفوس ونهب الأموال وضرر غيره أياما كان، حرم قطعا وصار موجبا لدخول النار، وإن كان سببا لضرر الفاعل فقط ورضي هو به وترك التقية جاز له، وإن كان موجبا لغلبة الكفار وهدم الدين وتسلط الظلمة وإخفاء حكم الله تعالى وجب ترك التقية، وهكذا يقال في المستحب والمكروه. (ش). (*)

[ 127 ]

باب الكتمان 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن مالك بن عطية، عن أبي حمزة، عن علي بن الحسين (عليهما السلام) قال: وددت والله أني افتديت خصلتين في الشيعة لنا ببعض لحم ساعدي: النزق وقلة الكتمان. * الشرح: قوله (وددت والله أني افتديت خصلتين في الشيعة لنا ببعض لحم ساعدي النزق وقلة الكتمان) افتدى به: أعطاه شيئا فأنقذه، وذلك الشئ المعطى الفداء. ونزق كسمع وضرب: طاش وخف وكتم السر والحديث إذا أخفاهما. ولما كانت التقية شديدة في عصرهم (عليهم السلام) أمروا شيعتهم بكتمان أسرارهم وإمامتهم وأحاديثهم وأحكامهم المختصة بمذهبهم عن المعاندين وغيرهم ممن لا يعرفونه ليحفظوا من بطشهم وقد بالغ (عليه السلام) في ذلك ورغب فيه حتى أنه عد ضررهم أشد من قطع لحم الساعد مع أنه يقتل غالبا. 2 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن عمار بن مروإن، عن أبي اسامة زيد الشحام قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): أمر الناس بخصلتين فضيعوهما فصاروا منهما على غير شئ: الصبر والكتمان. * الشرح: قوله (الصبر والكتمان) أي الصبر عن أذى الأعداء أو الأعم منه، وكتمان الدين عن غير أهله، وفيه ترغيب في الأخذ بهما لأنه سبب عظيم لحفظ الدين وأهله. 3 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن يونس بن عمار، عن سليمان بن خالد قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): يا سليمان إنكم على دين من كتمه أعزه الله ومن أذاعه أذله الله. * الشرح: قوله (يا سليمان إنكم على دين من كتمه أعزه الله ومن أذاعه أذله الله) تنكير دين للتعظيم لأنه عظيم في الواقع وعند أهله أو للتحقير باعتبار أنه حقير عند الناس. والمراد أن من كتمه وصانه من غير أهله ومن لا يعرف حاله أعزه الله تعالى في الدنيا والآخرة ومن أذاعه وأفشاه أذله الله تعالى فيهما بالأخذ والعقوبة. وهو إما دعاء أو خبر وأما من عرف حاله وأمانته وحفظه للسر فلا يجب الكتمان منه كما يدل عليه ما يجئ من خبر عبد الأعلى عن أبي عبد الله (عليه السلام) ويدل عليه أيضا قول أمير المؤمنين (عليه السلام)

[ 128 ]

" والطمأنينة إلى كل أحد قبل الاختبار عجز " أراد (عليه السلام) النهي عن طمأنينة الشخص إلى آخر بالاعتماد عليه قبل الاختبار وإظهار السر عنده لأن الأخلاق الذميمة من الحسد والكفر واعتقاد خلاف الحق وغيرها غالبة في أكثر الناس ونقل عنه. لا تودع السر إلا عند ذي كرم * والسر عند كرام الناس مكتوم السر عندي في بيت له غلق * قد ضاع مفتاحه والباب مختوم 4 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن عبد الله بن بكير عن رجل، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: دخلنا عليه جماعة، فقلنا: يا ابن رسول الله إنا نريد العراق فأوصنا، فقال أبو جعفر (عليه السلام): ليقو شديدكم ضعيفكم وليعد غنيكم على فقيركم ولا تبثوا سرنا ولا تذيعوا أمرنا وإذا جاءكم عنا حديث فوجدتم عليه شاهدا أو شاهدين من كتاب الله فخذوا به وإلا فقفوا عنده، ثم ردوه إلينا حتى يستبين لكم، واعلموا أن المنتظر لهذا الأمر له مثل أجر الصائم القائم، ومن أدرك قائمنا فخرج معه فقتل عدونا كان له مثل أجر عشرين شهيدا، ومن قتل مع قائمنا كان له مثل أجر خمسة وعشرين شهيدا. * الشرح: قوله (ليقو شديدكم ضعيفكم) بالاغاثة والاعانة ورفع الظلم (وليعد غنيكم على فقيركم) عاد بمعروفه من باب قال، أفضل، والاسم العائدة وهي المعروف والصلة والعطف والمنفعة (ولا تبثوا سرنا) وهو الأحكام المخالفة لمذهب العامة ونحوها (ولا تذيعوا أمرنا) وهو أمر الامامة والخلافة وغيرها من صفات كمالهم وآثار جلالهم واذاعتها كانت موجبة لاذيهم وقتلهم وقتل شيعتهم إذ كانوا في زمان شديد وكان الناس يفتشون أحوالهم ويقتلون أشياعهم وأتباعهم ومن دان بسيرتهم بل كثيرا ما كانوا بصفة المنافقين يظهرون الانقياد والتسليم ويخفون خبائث قلوبهم ويمشون مع أهل الحق ظاهرا ليأخذوا منهم الاسرار وينقلوها الى الاشرار كما سيظهر سر ذلك لمن نظر في كتب السير والاخبار فلذلك بالغوا (عليهم السلام) في كتمان السر والإيمان من أهل البغي والعدوان، وأما اظهاره عند الامناء وأهل التسليم فأمر مطلوب لئلا يندرس الدين بمرور الازمنة والايام ويبقى آثاره الى ظهور الامام (عليه السلام). قوله (وإلا فقفوا عنده ثم ردوه إلينا) أي لا تنكروه ولا تردوه لعله صدر منا ونزل من الله على نبيه فيخرجكم إنكاره إلى الكفر هذا إذا لم يعلم أصول مذهبهم (عليهم السلام) ولم يعلم وجه صحته ولا وجه فساده كما يرشد إليه قول أبي عبد الله (عليه السلام) " إنما الأمور ثلاثة أمر بين رشده فيتبع، وأمر بين غية فيجتنب، وأمر مشكل يرد علمه إلى الله وإلى رسوله (صلى الله عليه وآله)

[ 129 ]

(ومن أدرك قائمنا فخرج معه فقتل عدونا كان له مثل أجر عشرين شهيدا) دل على أن ضرر المخالفين من هذه الأمة وإثمهم أعظم من ضرر المنكرين لمحمد (صلى الله عليه وآله) وإثمهم. ألا ترى أن ضرر العدو الداخلي أعظم من ضرر العدو الخارجي. 5 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن عبد الأعلى قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إنه ليس من احتمال أمرنا التصديق له والقبول فقط، من احتمال أمرنا ستره وصيانته من غير أهله فأقرئهم السلام وقل لهم: رحم الله عبدا اجتر مودة الناس إلى نفسه، حدثوهم بما يعرفون واستروا عنهم ما ينكرون، ثم قال: والله ما الناصب لنا حربا بأشد علينا مؤونة من الناطق علينا بما نكره، فإذا عرفتم من عبد إذاعة فامشوا إليه وردوه عنها، فإن قبل منكم وإلا فتحملوا عليه بمن يثقل عليه ويسمع منه، فإن الرجل منكم يطلب الحاجة فيلطف فيها حتى تقضى له، فالطفوا في حاجتي كما تلطفون في حوائجكم فإن هو قبل منكم وإلا فادفنوا كلامه تحت أقدامكم ولا تقولوا: إنه يقول ويقول. فإن ذلك يحمل علي وعليكم، أما والله لو كنتم تقولون ما أقول لأقررت أنكم أصحابي، هذا أبو حنيفة له أصحاب، وهذا الحسن البصري له أصحاب، وأنا امرؤ من قريش، قد ولدني رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلمت كتاب الله وفيه تبيان كل شئ بدء الخلق وأمر السماء وأمر الأرض وأمر الأولين وأمر الآخرين وأمر ما كان وأمر ما يكون، كأني أنظر إلى ذلك نصب عيني. * الشرح: قوله (من احتمال أمرنا ستره وصيانته من غير أهله) وهو الذي علم إنكاره أو جهل حاله مع احتمال عدم قبوله لهذا الأمر. وبهذا الخبر يجمع بين الروايات المختلفة فما دل على الكتمان يحمل على الكتمان من غير أهله، وما دل على الإعلان يحمل على الإعلان بأهله، ثم أشار إلى أن الكتمان إنما هو مطلوب في الأمور المنكرة عند أهل الخلاف دون المعرفة بقوله: (حدثوهم بما يعرفون واستروا عنهم ما ينكرون) وذلك أن الأمور الدينية والاحكام الشرعية بعضها مشترك بين الفريقين وبعضها مختص بالفرقة الناجية وهم يعرفونها دون غيرهم فأمر (عليه السلام) بتحديث الأول لينتشر علم الدين واستار الثاني تحفظا عن ضرر المعاندين، ثم أشار (عليه السلام) إلى شرفه بحسب النسب والعلم للحث على اتباعه فيما يقول ويأمر بقوله: (وأنا امرؤ من قريش قد ولدني رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلمت كتاب الله) قد ذكرنا في باب تاريخ مولد النبي (صلى الله عليه وآله) أن قريشا من أين تقرشت ووجه التسمية وأن سائر العرب ليسوا بكفو لقريش، وفيه دلالة على أن ابن بنت الرجل ابن له حقيقة كما في قوله (صلى الله عليه وآله) عن الحسنين (عليهما السلام) " هذان ابناي إمامان " لأن

[ 130 ]

الأصل في الإطلاق الحقيقة وهو مذهب بعض أصحابنا وقال بعض الأصحاب أنه ابن مجازا لاستعمال اللغة وللرواية عن الكاظم (عليه السلام) وهو (عليه السلام) علم جميع ما في كتاب الله تعالى بتأييد رباني وإلهام لدني وتعليم أبوي وإعلام نبوي. (وفيه تبيان كل شئ) تبيان بالكسر والفتح شاذ مصدر الثلاثي المجرد بمعنى " واضح گردانيدن وآشكار كردن بر وجه كمال ". (بدء الخلق وأمر السماء وأمر الأرض وأمر الأولين وأمر الآخرين وأمر ما كان وأمر ما يكون) البدء بالفتح والسكون: الابتداء " يعنى آغاز كردن وأول آفريدن وأول كارى كردن " وهو وما عطف عليه بدل أو بيان لكل شئ أو مبتدأ آخر بترك العاطف أي فيه ابتداء كل خلق وكيفية إيجاده من الملائكة المقربين والمجردات الروحانيين والسموات والأرضين والجن والناس أجمعين وكل ما كان وما يكون إلى يوم الدين من الحوادث اليومية والوقايع الجزئية والآثار العلوية والسفلية وكل ما يجري في هذا العالم. (كأني أنظر إلى ذلك نصب عيني) تأكيد لقوله " وعلمت كتاب الله " وتقرير له بتشبيه الإدراك العقلي بالإدراك الحسي لزيادة الإيضاح، وفيه تنبيه على وجوب رجوع الخلق إليه في جميع الأمور وقد مر مثل ذلك في آخر باب الرد إلى الكتاب والسنة. 6 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن الربيع بن محمد المسلمي، عن عبد الله ابن سليمان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال لي: ما زال سرنا مكتوما حتى صار في يد [ ي ] ولد كيسان فتحدثوا به في الطريق وقرى السواد. * الشرح: قوله (ما زال سرنا مكتوما حتى صار في يد [ ي ] ولد كيسان فتحدثوا به في الطريق وقرى السواد) كنايه عن تشهيره بين الخلائق، وكيسان لقب مختار بن أبي عبيد المنسوب إليه الكيسانية. 7 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن أبي عبيدة الحذاء قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: والله إن أحب أصحابي إلي أورعهم وأفقههم وأكتمهم لحديثنا، وإن أسوأهم عندي حالا وامقتهم للذي إذا سمع الحديث ينسب إلينا ويروى عنا فلم يقبله إشمأز منه وجحده وكفر من دان به وهو لا يدري لعل الحديث من عندنا خرج وإلينا اسند، فيكون بذلك خارجا عن ولايتنا. 8 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن عبد الله بن يحيى، عن حريز، عن معلى بن خنيس قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): يا معلى اكتم أمرنا ولا تذعه، فانه من كتم أمرنا ولم

[ 131 ]

يذعه أعزه الله به في الدنيا وجعله نورا بين عينيه في الآخرة، يقوده إلى الجنة، يا معلى من أذاع أمرنا ولم يكتمه أذله الله به في الدنيا ونزع النور من بين عينيه في الآخرة وجعله ظلمة تقوده إلى النار، يا معلى إن التقية من ديني ودين آبائي ولا دين لمن لا تقية له، يا معلى إن الله يحب أن يعبد في السر كما يحب أن يعبد في العلانية، يا معلى إن المذيع لأمرنا كالجاحد له. * الشرح: قوله (وجعله ظلمة تقوده إلى النار) إذاعة أمرهم وعدم كتمانه من الخصال الذميمة، وكل خصلة ذميمة ظلمة تظلم بها مرآة القلب وتظهر هذه الظلمة في الآخرة لأن الآخرة محل بروز السرائر وتقود صاحبها إلى النار كما أن خصال الخير نور يقود صاحبه إلى الجنة. قوله (يا معلى إن التقية من ديني ودين آبائي) التقية، وهي ما يقي صاحبه عن اللائمة والعقوبة، من دين الله إلى يوم القيامة ومن صفات أهل الايمان أن يعلم حقيتها وحقيقتها وموارد الحاجة إليها. فيقول ويعمل عند الحاجة بخلاف ما يعتقده حفظا لنفسه وماله وغيره من المؤمنين عن الضرر. 9 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن علي، عن مروإن بن مسلم عن عمار قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام)، أخبرت بما أخبرتك به أحدا ؟ قلت: لا إلا سليمان بن خالد، قال: أحسنت أما سمعت قول الشاعر: فلا يعدون سري وسرك ثالثا * ألا كل سر جاوز اثنين شائع * الشرح: قوله (أحسنت أما سمعت قول الشاعر... إلى آخره) أحسنت للتوبيخ والتقريع كما دل عليه ما بعده. 10 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن مسألة فأبى وأمسك، ثم قال: لو أعطيناكم كل ما تريدون كان شرا لكم وأخذ برقبة صاحب هذا الأمر، قال أبو جعفر (عليه السلام): ولاية الله أسرها إلى جبرئيل (عليه السلام) وأسرها جبرئيل إلى محمد (صلى الله عليه وآله) وأسرها محمد إلي علي وأسرها علي إلى من شاء الله، ثم أنتم تذيعون ذلك، من الذي أمسك حرفا سمعه ؟ قال أبو جعفر (عليه السلام): في حكمة آل داود ينبغي للمسلم أن يكون مالكا لنفسه مقبلا على شأنه، عارفا بأهل زمانه، فاتقوا الله ولا تذيعوا حديثنا، فلولا أن الله يدافع عن أوليائه وينتقم لأوليائه من أعدائه، أما رأيت ما صنع الله بآل برمك وما انتقم الله لأبي الحسن (عليه السلام) وقد كان بنو الأشعث على خطر عظيم فدفع الله عنهم بولايتهم لأبي الحسن وأنتم بالعراق ترون أعمال هؤلاء الفراعنة وما أمهل الله لهم فعليكم بتقوى الله، ولا تغرنكم [ الحياة ] الدنيا، ولا تغتروا بمن قد

[ 132 ]

امهل له، فكأن الأمر وقد وصل إليكم. * الشرح: قوله (لو أعطيناكم كل ما تريدون كان شرا لكم وأخذ برقبة صاحب هذا الأمر) الظاهر أن أخذ بصيغة المجهول عطفا على " كان " ويحتمل أن يقرأ آخذ على صيغة التفضيل عطفا على " شرا " أي أشد مؤاخذة. * الشرح: قوله (قال أبو جعفر (عليه السلام) ولاية الله أسرها إلى جبرئيل (عليه السلام)) الظاهر أنه من كلام أبي الحسن الرضا نقلا عن جده (عليهما السلام) ويحتمل أن يكون من المصنف نقلا لحديث آخر بحذف الإسناد والموصول في قوله. (وأسرها علي إلى من شاء الله) من أولاده الطاهرين وأهل السر من المؤمنين وقوله (ثم أنتم تذيعون ذلك) إخبار لفظا ومعنى، والغرض منه ذمهم للإذاعة، وحمله على الإنكار بعيد. والاستفهام في قوله: (من الذي امسك حرفا سمعه) للإنكار أي لم يوجد أحد أمسك كلاما سمعه. وفيه تنبيه على أن الناس كلهم من أهل الإذاعة وأنه لابد من إخفاء السر عنهم. قوله (ينبغي للمسلم أن يكون مالكا لنفسه) فيبعثها إلى ما ينبغي ويمنعها عما لا ينبغي ومنه إظهار السر. (مقبلا على شأنه) فيتفكر فيما ينفعه وما يضره ليمكن له طلب الأول وترك الثاني وفيهما إشارة إلى رعاية السياسة البدنية والحكمة المتعلقة بنفس كل أحد. (عارفا بأهل زمانه) فيعرف حال كل شخص بحسن فراسته ويعلم وصف كل أحد بنور درايته ويميز بين أهل الديانة وأهل الخيانة ويفرق بين صاحب السر والكتمان والإيمان وبين أهل الإذاعة والغدر والعدوان (فاتقوا الله ولا تذيعوا حديثنا) أي لا تذيعوا حديثنا في الولاية والأمور المختصة بين من يتصور منهم الضرر. أما إذاعة الأمور المشتركة، أو المختصة بين من يقبلها ويكتمها من غير أهلها فقد مر أنه لا منع فيها. (فلولا أن الله يدافع عن أوليائه وينتقم لأوليائه من أعدائه) كان جواب لولا محذوف بقرينة المقام أي لم يتخلص أحد من الأولياء من شرهم أو لتضرروا منهم وأشار إلى الانتقام والدفع على غير ترتيب اللف بقوله: (أما رأيت ما صنع الله بآل برمك وما انتقم الله لأبي الحسن (عليه السلام)) دعا أبو الحسن الرضا (عليه السلام) عليهم لكمال عداوتهم وشدة عتوهم فأجاب الله تعالى دعاءه وانتقم منهم كما هو المشهور

[ 133 ]

(وقد كان بنو الأشعث) أشعث قيس بن الكندي ساكن الكوفة ارتد بعد النبي (صلى الله عليه وآله) في ردة أهل ياسر وزوجه أبو بكر أخته أم فروه وكانت عوراء فولدت له محمدا وكان من أصحاب علي (عليه السلام) ثم صار خارجيا ملعونا شديد العداوة لأهل البيت (عليهم السلام) (على خطر عظيم) من سلطان عصرهم (فدفع الله عنهم) شره (بولايتهم لأبي الحسن (عليه السلام)) كما هو المعروف في السير. (وأنتم بالعراق ترون أعمال هؤلاء الفراعنة وما أمهل الله لهم) العراق بالكسر يذكر ويؤنث وهو إقليم معروف محدود من عبادان إلى الموصل طولا ومن القادسية إلى حلوان عرضا، ووجه التسمية مذكور في القاموس وغيره. والعراقان: البصرة والكوفة، والفراعنة: جمع الفرعون وهو كل متمرد عات. والفرعنة: الدهاء والنكر. وفي المصباح هو فعلون أعجمي. والمراد بأعمالهم قتلهم العلماء والصلحاء وأهل الدين والإيمان ونهبهم أموال الناس وغير ذلك من أعمالهم القبيحة وأفعالهم الشنيعة، و " ما " مصدرية، والإمهال: التأخير، ولما كان مقتضى ذلك التقية منهم وعدم الاغترار بالدنيا مثلهم أشار (عليه السلام) إليهما بقوله: (فعليكم بتقوى الله ولا تغرنكم [ الحياة ] الدنيا) أي لا تغلبنكم الدنيا بزهراتها عن مقامكم على الورع والاقتصاد. ولا يزيلنكم بثمراتها من ثباتكم على التقوى والاجتهاد لأن الدنيا ظاهرها زينة معجبة وباطنها سموم مهلكة. ومن التقوى التقية من أهل العناد وإخفاء الحق من أهل الشراد ولما كان ضعفاء العقول قد يغترون بإمهال الله تعالى أهل المعصية وعدم مؤاخذتهم بها عجالة ويميلون إليها مثلهم نهى (عليه السلام) عن ذلك بقوله: (ولا تغتروا بمن أمهل له فكان الأمر قد وصل إليكم) أي لا تصيروا مغرورين بمن أمهل الله له في البقاء على المعصية والركون إلى الدنيا ولم يؤاخذهم بها عجالة فكان أمر الآخرة وعقوبتهم فيها أو أمر اهلاكهم أو أمر الصاحب وظهوره واستيلاؤه على الظلمة أو الجميع وقد وصل إليكم وليس بينه وبينكم زمان يعتد به. 11 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن عمر بن أبان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): طوبى لعبد نومة، عرفه الله ولم يعرفه الناس، اولئك مصابيح الهدى وينابيع العلم ينجلي عنهم كل فتنة مظلمة، ليسوا بالمذاييع البذر ولا بالجفاة المرائين. * الشرح: قوله (طوبى لعبد نومة عرفه الله ولم يعرفه الناس) نومة كهمزة: الخامل. أي: الجنة أو طيب

[ 134 ]

العيش أو الحسنى أو الخير لعبد خامل الذكر عرفه الله في مقام طاعته وعبوديته ولم يعرفه الناس في مشهدهم، وفيه ترغيب في ذكر الله تعالى في جميع الأحوال والفرار من الناس ليتخلص من أذاهم، ولا يكتسب الشرور منهم. (أولئك مصابيح الهدى) لشروق نور المعارف الإلهية على مرآة سرهم، وهو ثمره الاستعداد بالحزن والخوف والعزلة ومثمر الاهتداء به، واستعار لفظ المصباح لنور معرفتهم لاشتراكهما في كون كل منهما سببا للهدى، استعارة لفظ المحسوس للمعقول والهداية على درجات منها معرفة طريق الخير والشر وإليه يرشد قوله تعالى * (وهديناه النجدين) * ومنها هداية الخاص وهي تحصل بالمجاهدات الحسنة وإليها يرشد قوله تعالى * (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) * ومنها هداية خاص الخاص وهي من عند الله تعالى ولا مدخل للعبد فيها وهي للأنبياء والأوصياء والأولياء، وإليها يرشد قوله تعالى * (ان هدى الله هو الهدى) *. (وينابيع العلم) يخرج منهم العلم إلى أراضي القلوب القابلة لبذر المعرفة والحكمة وزرع الأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة، والينابيع جمع الينبوع وهو العين الذي يخرج منه الماء ففيه استعارة مكنية تخييلية بتشبيه العلم بالماء في الإحياء وإثبات الينابيع له. (ينجلي عنهم كل فتنة مظلمة) الفتنة بلاء وفساد و " آزمايش وجنك وآشوب وعذاب ومحنت ". ووصفها بالمظلمة لأنها تسود وجه القلب وتظلم طريق الحق وتمنع من مشاهدته كالظلمة والانجلاء والتجلي " واشدن غم وابر ومانند آن ". والمراد: ذهاب الفتنة وبعدها عنهم. (ليسوا بالمذاييع البذر) المذاييع جمع المذياع بالكسر وهو من لا يكتم سره، والبذر بضمتين جمع البذور كصبر جمع صبور، أو جمع بذير كالنذر جمع نذير، وهما النمام ومن لا يستطيع كتمان سره فيفشيه وينادي به بين الناس. يقال بذرت الكلام بين الناس كما تبذر الحبوب وتتفرق في الأرض. (ولا بالجفاة المرائين) الجفاة جمع الجافي وهو غليظ القلب والطبع والبعيد عن الصلة والبر والخير، والمرائين جمع المرائي وهو من يقصد بأعماله من الفعل والقول، والمناظرة إراءة الناس لإظهار كماله واشتهار حاله. 12 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن أبي الحسن الاصبهاني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): طوبى لكل عبد نومة لا يوبه له، يعرف الناس ولا يعرفه الناس، يعرفه الله منه برضوان، اولئك مصابيح الهدى ينجلي عنهم كل فتنة مظلمة ويفتح لهم باب كل رحمة، ليسوا بالبذر المذاييع ولا الجفاة المرائين وقال: قولوا الخير تعرفوا به واعملوا الخير

[ 135 ]

تكونوا من أهله ولا تكونوا عجلا مذاييع، فإن خياركم الذين إذا نظر إليهم ذكر الله وشراركم المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، المبتغون للبراء المعايب. * الشرح: قوله (طوبى لكل عبد نومة لا يوبه له) أي لا يبالي به يقال: ما وبهت له - من باب علم، وفي لغة من باب وعد - أي ما باليت وما احتفلت ولا اهتممت بشأنه. (يعرف الناس ولا يعرفه الناس) أي يعرف أحوال الناس وقبح أعمالهم وسوء أفعالهم وفساد ضمائرهم وخبث عقائدهم بصفاء طبيعته ونور سريرته وضياء قريحته فيعتزل عنهم ولا يعرفه الناس لذلك (يعرفه الله منه برضوان) الظاهر أن " منه " متعلق برضوان، والضمير عائد إلى الله والتقديم للحصر، وقوله " برضوان " حال عن ضمير يعرفه أي يعرفه الله حال كونه متلبسا برضوان عظيم من الله والرضا والرضوان ضد السخط. (ويفتح لهم باب كل رحمة) أي باب كل أسباب الرحمة والإحسان من الأعمال وغيرها. (ولا تكونوا عجلا) العجل بضم العين وتشديد الجيم المفتوحة جمع عاجل كطلب جمع طالب وجهل جمع جاهل، من: عجل فلان إلى الأمر من باب علم سبق إليه وأسرع فهو عاجل وعجل بكسر الجيم وضمها وعجلان، وفيه ترغيب في التدبر في الأمور والعواقب (المبتغون للبراء المعائب) البراء والبراء جمع برئ كالكرماء والكرام جمع كريم. 13 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن عثمان بن عيسى، عمن أخبره قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): كفوا ألسنتكم وألزموا بيوتكم، فإنه لا يصيبكم أمر تخصون به أبدا ولا تزال الزيدية لكم وقاء أبدا. * الشرح: قوله (كفوا ألسنتكم والزموا بيوتكم فإنه لا يصيبكم أمر تخصون به أبدا) أمر بكف اللسان عما لا ينبغي عن إظهار السر عند غير أهله وبلزوم البيت والاعتزال عن الناس وترك مخالطتهم وبين فائدتهما بأنه لا يصيبكم مكروه تخصون به أبدا لأجل دينكم لأن المكروه لأجل الدين انما يكون مع مخالطة المخالفين وإفشاء السر عندهم (ولا تزال الزيدية لكم وقاء أبدا) وذلك لأن الزيدية لا يجوزون التقية ويوجبون الخروج بالسيف ويدعون الخلافة لعلي (عليه السلام) فالمخالفون يتعرضون لهم لا لكم إذا اتقيتم، وبالجملة هم يظهرون ما تريدون إظهاره فلا حاجة لكم إلى إظهاره حتى تلقوا بأيديكم إلى التهلكة. 14 - عنه، عن عثمان بن عيسى، عن أبي الحسن صلوات الله عليه قال: إن كان في يدك هذه

[ 136 ]

شئ فإن استطعت أن لا تعلم هذه فافعل، قال: وكان عنده إنسان فتذاكروا الإذاعة، فقال: احفظ لسانك تعز ولا تمكن الناس من قياد رقبتك فتذل. * الشرح: قوله (إن كان في يدك هذه شئ فإن استطعت أن لا تعلم هذه فافعل) هذه غاية المبالغة في كتمان سرك من أقرب الناس إليك فإنه وإن كان من خواصك ليس بأحفظ لسرك منك. (فقال احفظ لسانك تعز) فإن أكثر المذلة والخذلان ينشأ من إرسال اللسان وإظهار ما في الجنان. ولذلك قال أمير المؤمنين (عليه السلام) " حفظ ما في الوعاء بشد الوكاء " وهذا مثل، والمراد منه هنا أن ما في القلب إن أريد أن لا يطلع غيره مما سوى الله المطلع على خفيات الصدور وجب أن يحفظ اللسان، فإنه آلة تلف الإنسان ومظهر مكنون الجنان. (ولا تمكن الناس من قياد رقبتك فتذل) هذا كناية عن الحبس والإذلال والأخذ الشديد ونحوها، وكل ذلك مترتب على إفشاء السر وترك التقية. والقياد حبل يشد على عنق البهيمة وتقاد به. 15 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن خالد بن نجيح، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن أمرنا مستور مقنع بالميثاق فمن هتك علينا أذله الله. * الشرح: قوله (إن أمرنا مستور مقنع بالميثاق فمن هتك علينا أذله الله) أي أخذ الله عهدا على المقرين بأمرنا على استتاره وكتمانه على المنكرين له فمن هتك علينا بإظهاره ورفع الحجاب عنه أذله الله لنقض عهده المتضمن للإضرار علينا، والجملة إما دعائية أو إخبارية. 16 - الحسين بن محمد، ومحمد بن يحيى، جميعا، عن علي بن محمد بن سعد، عن محمد بن مسلم، عن محمد بن سعيد بن غزوإن، عن علي بن الحكم، عن عمر بن أبان عن عيسى بن أبي منصور قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: نفس المهموم لنا المغتم لظلمنا تسبيح وهمه لأمرنا عبادة وكتمانه لسرنا جهاد في سبيل الله، قال لي محمد بن سعيد: أكتب هذا بالذهب، فما كتبت شيئا أحسن منه.

[ 137 ]

باب المؤمن وعلاماته وصفاته 1 - محمد بن جعفر، عن محمد بن إسماعيل، عن عبد الله بن داهر، عن الحسن بن يحيى، عن قثم أبي قتادة الحراني، عن عبد الله بن يونس، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قام رجل يقال له: همام - وكان عابدا، ناسكا، مجتهدا - إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو يخطب، فقال: يا أمير المؤمنين صف لنا صفة المؤمن كأننا ننظر إليه ؟ فقال: يا همام المؤمن هو الكيس الفطن، بشره في وجهه وحزنه في قلبه، أوسع شئ صدرا وأذل شئ نفسا، زاجر عن كل فان، حاض على كل حسن، لا حقود ولا حسود، ولا وثاب، ولا سباب، ولا عياب، ولا مغتاب، يكره الرفعة، ويشنأ السمعة، طويل الغم، بعيد الهم، كثير الصمت، وقور، ذكور، صبور شكور، مغموم بفكره، مسرور بفقره، سهل الخليقة، لين العريكة، رصين الوفاء، قليل الأذى، لا متأفك ولا متهتك، إن ضحك لم يخرق، وإن غضب لم ينزق، ضحكه تبسم، واستفهامه تعلم، ومراجعته تفهم، كثير علمه، عظيم حلمه، كثير الرحمة، لا يبخل، ولا يعجل، ولا يضجر، ولا يبطر، ولا يحيف في حكمه، ولا يجور في علمه. نفسه أصلب من الصلد، ومكادحته أحلى من الشهد، لا جشع، ولا هلع، ولا عنف ولا صلف، ولا متكلف ولا متعمق، جميل المنازعة، كريم المراجعة عدل إن غضب، رفيق إن طلب، لا يتهور ولا يتهتك ولا يتجبر، خالص الود، وثيق العهد وفي العقد، شفيق، وصول، حليم، خمول، قليل الفضول، راض عن الله عز وجل مخالف لهواه، لا يغلظ على من دونه، ولا يخوض فيما لا يعنيه، ناصر للدين، محام عن المؤمنين، كهف للمسلمين، لا يخرق الثناء سمعه ولا ينكي الطمع قلبه، ولا يصرف اللعب حكمه، ولا يطلع الجاهل علمه، قوال، عمال، عالم، حازم، لا بفحاش ولا بطياش، وصول في غير عنف، بذول في غير سرف، لا بختال ولا بغدار ولا يقتفي أثرا، ولا يحيف بشرا، رفيق بالخلق، ساع في الأرض، عون للضعيف، غوث للملهوف، لا يهتك سترا، ولا يكشف سرا، كثير البلوى، قليل الشكوى، إن رأى خيرا ذكره، وإن عاين شرا ستره، يستر العيب، ويحفظ الغيب، ويقيل العثرة، ويغفر الزلة، لا يطلع على نصح فيذره، ولا يدع جنح حيف فيصلحه، أمين، رصين، تقي، نقي، زكي، رضي، يقبل العذر ويجمل الذكر، ويحسن بالناس الظن، ويتهم على الغيب نفسه، يحب في الله بفقه وعلم، ويقطع في الله بحزم وعزم، لا يخرق به فرح، ولا يطيش به مرح، مذكر للعالم، معلم للجاهل، لا يتوقع له بائقة، ولا يخاف له غائلة، كل

[ 138 ]

سعي أخلص عنده من سعيه، وكل نفس أصلح عنده من نفسه، عالم بعيبه، شاغل بغمه، لا يثق بغير ربه، غريب وحيد جريد [ حزين ]، يحب في الله ويجاهد في الله ليتبع رضاه ولا ينتقم لنفسه بنفسه، ولا يوالي في سخط ربه، مجالس لأهل الفقر، مصادق لأهل الصدق، موازر لأهل الحق، عون للغريب، أب لليتيم، بعل للأرملة، حفي بأهل المسكنة، مرجو لكل كريهة، مأمول لكل شدة، هشاش، بشاش، لا بعباس ولا بجساس، صليب، كظام، بسام، دقيق النظر، عظيم الحذر، [ لا يجهل وإن جهل عليه يحلم ] لا ينجل وإن نجل عليه صبر، عقل فاستحيى، وقنع فاستغنى، حياؤه يعلو شهوته ووده يعلو حسده، وعفوه يعلو حقده، لا ينطق بغير صواب، ولا يلبس إلا الاقتصاد، مشيه التواضع، خاضع لربه بطاعته، راض عنه في كل حالاته، نيته خالصة، أعماله ليس فيها غش ولا خديعة، نظره عبرة، سكوته فكرة، وكلامه حكمة، مناصحا متباذلا متواخيا، ناصح في السر والعلانية، لا يهجر أخاه، ولا يغتابه، ولا يمكر به، ولا يأسف على ما فاته، ولا يحزن على ما أصابه، ولا يرجو ما لا يجوز له الرجاء، ولا يفشل في الشدة، ولا يبطر في الرخاء، يمزج الحلم بالعلم، والعقل بالصبر، تراه بعيدا كسله، دائما نشاطه، قريبا أمله، قليلا زلله، متوقعا لأجله، خاشعا قلبه، ذاكرا ربه، قانعة نفسه، منفيا جهله، سهلا أمره، حزينا لذنبه، ميتة شهوته، كظوما غيظه، صافيا خلقه، آمنا منه جاره، ضعيفا كبره. قانعا بالذي قدر له، متينا صبره، محكما أمره كثيرا ذكره، يخالط الناس ليعلم، ويصمت ليسلم. ويسأل ليفهم ويتجر ليغنم، لا ينصت للخبر ليفجر به، ولا يتكلم ليتجبر به على من سواه، نفسه منه في عناء والناس منه في راحة، أتعب نفسه لآخرته، فأراح الناس من نفسه، إن بغي عليه صبر حتى يكون الله الذي ينتصر له، بعده ممن تباعد منه بغض ونزاهة، ودنوه ممن دنا منه لين ورحمة، ليس تباعده تكبرا ولا عظمة، ولا دنوه خديعة ولا خلابة، بل يقتدي بمن كان قبله من أهل الخير، فهو إمام لمن بعده من أهل البر. قال: فصاح همام صيحة، ثم وقع مغشيا عليه، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): أما والله لقد كنت أخافها عليه وقال: هكذا تصنع الموعظة البالغة بأهلها، فقال له قائل: فما بالك يا أمير المؤمنين ؟ فقال: إن لكل أجلا لا يعدوه وسببا لا يجاوزه، فمهلا لا تعد فإنما نفث على لسانك شيطان. * الشرح: قوله (قام رجل يقال له همام) همام ككشاف وهو همام بن سريح بن بريد بن مرة بن عمرو بن جابر بن عوف الأصهب. وكان من شيعة علي (عليه السلام) وأوليائه وكان عابدا ناسكا مجتهدا في الدين والأخلاق والأعمال. قال السيد رضى الدين (رضي الله عنه) روي أنه قال يا أمير المؤمنين صف لي المتقين

[ 139 ]

حتى كأني انظر إليهم، فتثاقل عن جوابه ثم قال (عليه السلام) يا همام اتق الله وأحسن فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم يحسنون. فلم يقنع همام بذلك القول حتى عزم عليه، وقال بعض الأعلام تثاقله (عليه السلام) عن جوابه لما رأى من استعداد نفسه لأثر الموعظة وخوفه عليه أن يخرج به خوف الله إلى انزعاج نفسه وصعقها، وأمره بتقوى الله أي في نفسه أن يصيبها فادح بسبب سؤاله، وأمره بالإحسان إليها بترك تكليفها فوق طاقتها، ولذلك قال (عليه السلام) حين صعق همام " أما والله لقد كنت أخافها عليه ". (فقال: يا همام المؤمن هو الكيس الفطن) تعريف الخبر باللام وتوسيط الضمير لقصد الحصر والتأكيد، والكيس وزان فلس جودة القريحة. قال ابن الأنباري: العقل، ويقال أنه مخفف كيس مثل هين وهين والأول أصح لأنه مصدر من كاس كيسا من باب باع، وأما المثقل وهو المراد هنا فاسم فاعل والجمع أكياس مثل جيد وأجياد، والفطنة ذكاء النفس، ورجل فطن بأحواله وأمور الدين عالم بوجوههما حاذق وانما قدمهما لأنهما مبدآن للمحاربة مع النفس الأمارة وآلتان للغلبة عليها (بشره في وجهه وحزنه في قلبه) إذ لا يطمئن من اضطرابه لما فات ووقوع التقصير فيه ولا يسكن من روعته لما هو آت وتوقع التقصير فيه حتى يرفع الحجاب ويدخل الجنة لأن الإنسان وإن بلغ حد الكمال لا يأمن من النقص والوقوع في الخسران، وأما بشره وهو بالكسر: طلاقه الوجه والبشاشة وإظهار السرور فلأنه من حسن العشرة وكمال الرأفة بالإخوان المؤمنين بخلاف العبوس فإنه من علامات الغلظة والتجبر وأمارات أهل النار. (أوسع شئ صدرا وأذل شئ نفسا) سعة الصدر وانفراجه عبارة عن انكشافه لقبول ما في السموات والأرضين وعالم الملك والملكوت من الأسرار اللاهوتية والآثار الربوبية وتجليات أنوار الحق. وذل النفس إشارة إلى الأخذ بزمامها والمنع عن مرامها كيلا تتجاوز عن الحدود الشرعية والآداب العرفية الموافقة للقوانين النبوية أو إلى مذلتها وهونها عنده، فالأذل على الأول من الذل بالكسر بمعنى السهولة والانقياد. يقال ذلت الدابة ذلا بالكسر أي سهلت وانقادت فهي ذلول. وعلى الثاني من الذل بالضم بمعنى الهون والضعف يقال: ذل ذلا بالضم ومذلة إذا ضعف وهان. (زاجر عن كل فان حاض على كل حسن) أي زاجر نفسه أو غيره أو الأعم وكذا حاض، والحض: الحث والتحريض، وذلك لعلمه بأن نفع الاول زائل لا يبقى ونفع الثاني باق لا يفنى وفيه إعلام بصرف همته إلى مولاه وإعراضه بالكلية عما سواه طلبا لرضاه. (لا حقود ولا حسود ولا وثاب ولا سباب ولا عياب ولا مغتاب) الحقد: إمساك العداوة، والبغض في القلب والتربص لفرصتها. والحقود الكثير الحقد و " لا " للمبالغة في النفي لا لنفي المبالغة كما قيل في قوله تعالى * (وما أنا بظلام للعبيد) * ونحوه وقد صرح به التفتازاني في شرح

[ 140 ]

التلخيص فلا يلزم ثبوت أصل الفعل وكذا في البواقي. والحسد إكراه الرجل نعمة الغير وفضيلته وتمني زوالها منه مطلقا أو منه إليه، وهو من توابع الجهل بالحكمة الإلهية وعدم الرضا بالقسمة الربانية. والوثب والوثوب " بر جستن " والعامة تستعمله بمعنى المبادرة والمسارعة إلى الأمر والأخذ وهو من لوازم الحمق وخفة العقل، والسب: القطع والطعن والفحش والشتم وهو من توابع الانحراف عن الاعتدال في القوة الغضبية، والعيب: النقص والنسبة إليه أيضا فهو لازم ومتعد، يقال: عاب المتاع عيبا فهو عايب وعابه صاحبه فهو معيب ومعيوب، والفاعل من هذا عائب وعياب للمبالغة، والاغتياب ذكر الغايب بما يكرهه وهو فيه، وإن لم يكن فيه فهو التهمة، وهما من توابع الطغيان في القوة الشهوية والقوة الغضبية وخفة العقل، إذ الشهوية إذا لم تنل من أحد ما أرادت منه تحركت القوة الغضبية إلى الانتقام منه وهما من أفراده والعقل لخفته لا يعلم أن الوبال عائد إليه حقيقة. (يكره الرفعة ويشنأ السمعة) الشنأ " دشمن داشتن " شنأه كمنعه وسمعه شنئا ويثلث أبغضه، والسمعة بالضم أو الفتح أو التحريك " كارى كه براى شنيدن مردم كنند وآن مانند ريا است " أي يكره رفعة القدر وهي بالكسر مصدر رفع ككرم أي شرف وعلا قدره فهو رفيع ويشنأ أن يعمل ليرى ويسمع فينوه بذكره، وأما إذا عمل فسمعه الناس وأحبوه وأثنوه من غير أن يقصد بعلمه ذلك فقد أعطاه الله أجره مرتين. (طويل الغم بعيد الهم كثير الصمت) طول غمه بسبب تذكر أهوال القيامة وعدم علمه بمال حاله وبعد همه أي حزنه الذي يذيبه ويقلقله بسبب تصور التقصير في العبودية، ويمكن أن يراد بالهم القصد والعزم وطول قصده بسبب تعلقه بالآخرة لا بالدنيا، وكثرة صمته بسبب علمه أن الأقوال أكثرها فاسدة متعلقة بما لا يعني وأن الكلام يشغل السر عن التجرد لذكر الله ويمنع استكماله بالمعارف والحكمة وأن الصمت يلحقه بها. (وقور ذكور صبور شكور) أي وقور في الأمور العظام الموجبة لاضطراب القلوب، وذكور لله تعالى وما يقربه إليه وما ينفعه في الآخرة، وصبور في مكاره الدنيا لثبات قلبه وعلو همته عن أحوالها، وشكور في الضراء والسراء. (مغموم بفكره مسرور بفقره) لأن فكره في المبدأ والمعاد وما يرد على الإنسان بعد الموت وعدم علمه بما يفعل به يورث الغم، وعلمه بمنافع الفقر ومضار الغنى وصعوبة نجاة الأغنياء إلا من رحم الله يوجب السرور. (سهل الخليقة لين العريكة رصين الوفاء قليل الأذى) سهل كضرب وكتف " هموار وخوش

[ 141 ]

ونرم ". والخليقة الطبيعة كالعريكة. يقال لانت عريكته إذا انكسرت نخوته وتكبره عند معاملات الناس وهو من أجزاء التواضع. والرصين بالصاد المهملة: المحكم الثابت، والحفي بحاجة صاحبه وفعله مثل كرم، يقال: رصنه وأرصنه أي أكمله وأحكمه، وفي الأول إشارة إلى سهولة طبيعته في قبول الحق والإقبال إليه، وفي الثاني إلى لين عريكته وعدم نخوته مع الخلق، وفي الثالث إلى الثابت على العهد والوفاء به، وفي الرابع إلى عدم وصول أذاه وضرره إلى الخلق. (لا متأفك ولا متهتك) التأفك والتهتك للمطاوعة تقول أفكه - من باب ضرب وعلم - فائتفك وتأفك أي لا يبالي ما نسب إليه من الإفك وهو الكذب وهتك الستر وغيره من باب ضرب خرقه أو جذبه حتى نزعه من مكانه أو شقه حتى يظهر ما وراه فانتهك وتهتك. ورجل منهتك ومتهتك لا يبالي أن يهتك ستره. وذلك من خفة العقل وسفاهة الرأي كما هو شأن الأجلاف والسقاط الذين لا يبالون بنسبة القبائح إليهم ولا بفعلهم لها. (إن ضحك لم يخرق وإن غضب لم ينزق) الخرق بالفتح والسكون: الشق. وفعله من باب نصر وضرب، وبالضم والسكون وبالتحريك: الحمق، وفعله من باب علم وكرم، والنزق الخفة والطيش عند الغضب، وفعله من باب علم وضرب، يعني: إن ضحك لم يشق فاه ولم يفتحه كثيرا حتى يبلغ القهقهة كما هو شأن الكرماء، أو لم يحمق ولم يضحك كضحك الأحمق الأخرق، وإن غضب على أحد لم يخرجه الغضب إلى حد الخفة والطيش كما هو حال الجهلاء. (ضحكه تبسم واستفهامه تعلم ومراجعته تفهم) يعني ضحكه تبسم غير مشتمل على الصوت لشرف ذاته وغلبة ذكر الموت وما بعده على قلبه، كما نقل من صفاته (صلى الله عليه وآله) أنه كان أكثر ضحكه التبسم، وقد يفتر أحيانا ولم يكن من أهل القهقهة، واستفهامه عن الشئ تعلم له لا تعنت، ومراجعته إلى الشئ ومذاكرته فيه تفهم له ولآثاره ولوازمه، والفهم ملكة سرعة الانتقال من الملزومات إلى اللوازم من غير مكث. (كثير علمه عظيم حلمه كثير الرحمة) الأول إشارة إلى صرف همته بالكلية في تحصيل كمالاته العقلية والنقلية من المعارف اليقينية والشرائع النبوية وإحياء العقل النظري بها، والثاني إشارة إلى كمال مبالغته في تعديل قوته الغضبية التي من شأنها الأخذ والبطش والطغيان والترفع والتسلط والغلبة على الأقران حتى حصلت له بذلك ملكة الحلم المقتضية للصفح والستر والعفو والأناة والحنان والاستكانة، والثالث إشارة إلى بعض لوازم الأول وملزوم الثاني فإن العلم بقباحة الطغيان وشناعة العدوإن وسوء عاقبتهما يستلزم الرحمة بعباد الله أي الشفقة والرأفة بهم، ورقة القلب والتعطف عليهم وهو يستلزم الحلم والصفح عن زلاتهم.

[ 142 ]

(لا يبخل ولا يعجل ولا يضجر ولا يبطر) لعلمه بأن البخل وهو منع الواجبات المالية ومنع المستحق والسائل مما يفضل عنده من أخس الأخلاق المهلكة، وفعله من باب علم وكرم، وإن العجل وهو السرعة إلى الأمر من غير تفكر فيه وتدبر في عاقبته يوجب الندامة والحيرة، وفعله من باب علم، وأن الضجر من الحق وهو التبرم والقلق والاغتمام منه يوجب البعد عنه والانحراف إلى ضده، وفعله من باب علم. وأن البطر وهو بالتحريك النشاط والأشر والدهش عن الحق والحيرة فيه والطغيان بالنعمة وكراهة الشئ من غير أن يستحق الكراهة والتكبر عند الحق وعدم قبوله يوجب كفران النعمة وسخط الرب والبعد منه، وفعله من باب علم. (ولا يحيف في حكمه ولا يجور في علمه) لأن الحيف في الحكم بالميل إلى الباطل في فتواه والجور في العلم بترك العمل بمقتضاه من توابع النقص في القوة النظرية والعملية وقوته النظرية في أقصى مراتب الاعتدال وقوته العملية في أعلى مراتب الكمال. (نفسه أصلب من الصلد ومكادحته أحلى من الشهد) الصلد ويكسر الحجر الصلب الأملس، والكدح العمل والسعى فيه، والشهد بالفتح ويضم العسل وصف نفسه بأنها أصلب من الصلد لأنه لا يد للشيطان عليها ولا تنفذ سهام وسوسته فيها، ووصف عمله ومبالغته في الخيرات بأنه أحلى من العسل في مذاقه وميل طبعه اللطيف إليه. (لا جشع ولا هلع ولا عنف ولا صلف ولا متكلف ولا متعمق) الجشع بفتح الجيم وكسر الشين الحريص الشديد في حرصه وهو الذي يأخذ نصيبه ويطمع في نصيب غيره، وفعله من باب علم، والهلع بفتح الهاء وكسر اللام، والهلوع: من يجزع في المصائب ويفزع من الشر والنوايب جزعا شديدا وفزعا عظيما ويطلق على الحريص والشحيح أيضا، وفعله من باب علم. والعنف ككتف والعنيف: من لا رفق له في القول والفعل، وفعله من باب كرم ويتعدى بالباء وعلى. والصلف ككتف من يتكلم بما يكرهه صاحبه ويمدح نفسه ولا خير عنده ويجاوز قدره ويدعي فوق ذلك تكبرا ويكثر القول بما لا يفعل، وفعله من باب علم. والمتكلف: المتعرض لما لا يعنيه، والمتعمق: المبالغ في الأمور المتشدد فيها والمتنطع في الكلام الغالي فيه. (جميل المنازعة كريم المراجعة) إذ مراجعته من ضروريات الدنيا إلى الله وطلب رضاه ومنازعته مع بنى نوعه إما في أمور الدنيا على وجه لا يؤذيهم، أو في ترويج مكارم الأخلاق ومحامد الأفعال ومحاسن الأمور التي تفاضلت فيها الأماجد بالحكمة والموعظة الحسنة (عدل إن غضب رفيق إن طلب) إشارة إلى أنه عدل في القوة الغضبية فلا يكون مفرطا مقصرا بحيث يبطل حدا من حدود الله ولا مفرطا متجاوزا فيها عن الحد بحيث يكون ظالما لنفسه ولغيره،

[ 143 ]

وبالجملة مالك لزمام تلك القوة يصرفها فيما ينبغي ويمنعها عما لا ينبغي وإلى أنه رفيق إن طلب حقه من الغير فلا يعنف به ولا يشدد عليه أو إن طلب الغير منه حقه فلا يماطله ولا يماكسه، فطلب على الأول معلوم وعلى الثاني مجهول. (لا يتهور ولا يتهتك ولا يتجبر) التهور: الوقوع في الأمر بقلة مبالاة يعني " بي باكانه كار كردن ". والتهتك خرق الستر يعني " پرده دريدن وپرده برادشتن ". والتجبر: التكبر. (خالص الود وثيق العهد وفي العقد) الود بالحركات الثلاث: الحب، والعهد: الموثق والذمة والأمانة التي منها الولاية، والعقد: الضمان والمقرر بالعقود مثل النذر وغيره، يعني: حبه للمؤمنين خالص لله غير مشوب بغرض آخر، وعهده في الولاية والأمانة وغيرهما محكم لا يعتريه النقص، وعقده مقرون بالوفاء لا يعترضه العذر. (شفيق وصول حليم خمول) أي وصول بنفسه إلى المؤمنين غير معتزل عنهم أو وصول بنعمته إلى الأقربين وذوي القربى والمساكين. وحليم ذو أناة وتثبت في الأمور كما هو من شعار العقلاء ودثار الكرماء، وخمول ليس من أبناء الدنيا المشهورين بنعيمها. (قليل الفضول راض عن الله عز وجل مخالف لهواه) أي ليس في فعله وقوله فضول كثيرة فربما يفعل قليلا من المباحات ويتقول بها لحسن المعاشرة وراض عن الله عز وجل بما أعطاه من قسمه ورزقه، ومخالف لهواه بقهره نفسه الأمارة وتطويعها بالحياء وحسن السياسة للنفس المطمئنة فنجي عن الهواء وخلص عن الردى ولم يتجاوز في المأكول والملبوس والمنكوح ونحوها عن الحدود الشرعية. (لا يغلظ على من دونه ولا يخوض فيما لا يعنيه) غلظ الرجل: اشتد فهو غليظ، وفعله كضرب وكرم. وأغلظ له في القول إغلاظا: خشن عليه وعنفه، وغلظ عليه في اليمين تغليظا: شدد عليه. والخوض: الدخول في الأمر، أي: لا يغلظ على من دونه في العلم والعمل والدنيا ولا يشدد عليه ولا يعنفه ولا يدخل فيما لا يعنيه إذ همته متعلقة بالآخرة والملأ الأعلى، وما لا يعنيه يضاد ذلك ويمنعه عن الوصول إلى مقصده، فلذلك يرفضه بالكلية. (ناصر للدين محام عن المؤمنين كهف للمسلمين) أي ناصر للدين يروجه بين المؤمنين ويدفع عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين وكيد الكائدين، ومحام عن المؤمنين يحفظهم عن شر المعاندين ويحرسهم عن ظلم الظالمين وجور الماكرين، وكهف للمسلمين لأنهم يلجأون إليه في المكاره والنوائب، وإطلاق الكهف عليه وهو بيت منقور في الجبل على سبيل الاستعارة

[ 144 ]

(ولا يخرق الثناء سمعه) أي لا يشقه ولا يدخل فيه لأنه يتأبى من استماعه ويستكرهه لعلمه بأن استماعه والرضا به يوجب اهتزاز النفس والاعتراف بكمالها والادلال بخروجها عن حد التقصير والعجب بكمالها وكل ذلك مهلك، ولم يرض أمير المؤمنين (عليه السلام) بالثناء عليه مع كمال تقدسه. فقال حين مدحه قوم في وجهه: " اللهم إنك أعلم بي من نفسي وإني أعلم بنفسي منهم اللهم اجعلنا خيرا مما يظنون واغفر لنا مالا يعلمون ". (ولا ينكي الطمع قلبه) أي لا يقتل أو لا يجرح الطمع في الدنيا أو فيما في أيدي الناس قلبه لسده باب الطمع فلا يدخل فيه حتى يميته أو يجرحه. (ولا يصرف اللعب حكمه) إذ ليس له لعب معروف ولا ميل إلى الدنيا حتى يصرف حكمه وقضاءه عن إصلاح نفسه ودينه ودين إخوانه المؤمنين. (ولا يطلع الجاهل علمه) أي لا يعلم الجاهل علمه، يقال: أطلعه على: افتعله إذا علمه، أو لا يعلو الجاهل علمه ولا يبلغ مبلغه من طلع الجبل - كمنع ونصر وعلم - إذا علاه. وذلك لأنه حكيم يضع علمه وحكمته في موضع ويمنعه عن غير أهله. (قوال عمال عالم حازم) أي كثير القول في أمور الدين وهداية الخلق وكثير العمل لما بعد الموت لأن مخالفة القول للعمل عند الخلق قبيح وعند الله أقبح ولذلك عاتب بقوله * (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) * وعالم بالكتاب والسنة وأحوال المبدأ والمعاد، وحازم ضابط لأمره متقن له آخذ فيه بالثقة لا يرتكب ما يضره في الدنيا والآخرة فهو كامل في قوته النظرية والعقلية والعملية. (لا بفحاش ولا بطياش) الفحش: القول السيئ وعدوإن الجواب وما يشتد قبحه من الذنوب وكل ما نهى الله عز وجل عنه، والطيش: النزق والخفة وذهاب العقل. والطياش من لا يقصد وجها واحدا وذلك ينشأ بتجاوز القوة الغضبية عن حد الاعتدال والمبالغة في النفي كما مر، ولو أريد نفي المبالغة فللإشارة إلى أن الإنسان ليس بمعصوم إلا من عصمه الله تعالى. (وصول في غير عنف بذول في غير سرف) أي وصول بالمؤمنين في غير أن يعنف عليهم ويؤذيهم بالقول والفعل، والعنف مثلثة العين ضد الرفق، وجواد في اقتصاد وهو من كمال العقل، والسرف بفتحتين ضد القصد وهو اسم من أسرف إسرافا إذا جاوز القصد بالتبذير أو الإنفاق في غير طاعة الله. (لا بختال ولا بغدار) الغدار من ينقض عهده ولا يفي به، والختال من يخادع صاحبه، وفي بعض النسخ ولا بختار بالراء وهو الغدار والخداع.

[ 145 ]

(ولا يقتفي أثرا ولا يحيف بشرا) أي لا يتبع أثرا لجهلة لأنهم في واد وهو في واد آخر أو نقل أخبارهم لأنه لغو. ولا يجور بشرا ولا يظلمهم لقيامه على العدل. (رفيق بالخلق ساع في الأرض عون للضعيف غوث للملهوف) رفقه بالخلق من توابع سكون قوته الغضبية والشهوية ووقوفهما على العدل، وسعيه في الأرض لقضاء حوائج المؤمنين وعونه للضعيف وغوثه للملهوف الحزين في دفع الضر عنهما، وتحصيل النفع لهما من لوازم الكمال في قوته العقلية (لا يهتك سترا ولا يكشف سرا) أي لا يهتك ستر غيره وفيما مر ستر نفسه، والتأكيد محتمل ولا يكشف سر غيره أو سر نفسه أو الأعم لعلمه بأن كشفه ليس من صفات العقلاء وسمات الكرماء، وبأنه إذا لم يحفظ سره فغيره أولى بأن لا يحفظه. (كثير البلوى قليل الشكوى) البلوى والبلية اسمان من " بلاه الله بخير أو شر " إذا اختبره وامتحنه بهما لأنهما شاقان على النفوس، يدل الرضا بهما والصبر عليهما وترك الشكاية، على الخلوص في مقام العبودية كما هو شأن الأنبياء والأوصياء ومن يقتفي أثرهم. (إن رأى خيرا ذكره وإن عاين شرا ستره يستر العيب ويحفظ الغيب) لعلمه بأن ذكر خير الغير مطلقا وإن لم يصل إليه وستر شره وإن وصل إليه، وستر عيبه وحفظ غيبه، من صفات الكرام، وخلاف ذلك من نعوت اللئام. (ويقيل العثرة ويغفر الزلة) وهما متقاربان ويمكن تخصيص الزلة بالمنطق، والعثرة بغيره من الأفعال أو تخصيص العثرة بنقض العهد والوعد، وحمل الزلة على غيره، والإقالة في الأصل: فسخ البيع تقول: قلته البيع وأقلته إذا فسخته. والمراد هنا التجاوز عن التقصير على سبيل التشبيه والاستعارة (لا يطلع على نصح فيذره ولا يدع جنح حيف فيصلحه) أي لا يترك النصح في موضع ينبغي النصح فيه ولا يدع الميل إلى الجور بل يصلحه كما هو شأن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر (أمين رصين تقي نقي زكي رضي) أي أمين لا يضيع ما استحفظه الخلق والخالق من دينه وكتابه وحدوده. رصين لكونه محكما ثابتا في أمره ودينه. تقي بالفضائل. نقي عن الرذائل. زكي لكمال قوته العقلية بحيث يدرك المطالب العلية من المبادي الخفية بسهولة لكثرة مزاولتها. رضي عن الله بما قسم له أو مرضى عند الخالق والخلائق. (يقبل العذر ويجمل الذكر) قبول عذر الإخوان وإن ضعف من صفات السمحاء وأرباب الايمان، وإجمال ذكرهم وتحسينه وتكثيره من سمات الصلحاء وأصحاب العرفان. (ويحسن بالناس الظن ويتهم على الغيب نفسه) حسن الظن بالمؤمنين أمر مطلوب كما نطق به

[ 146 ]

القرآن الكريم، وإساءة الظن بهم من وسوسة الشيطان الرجيم، والأمر بالحزم منهم كما في بعض الروايات لا ينافيه لأن بناء الحزم على التجويز والإمكان والغيب على ما صرحوا به يطلق على ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله) وعلى الايمان به وعلى الآخرة وثوابها وعقابها وعلى قبول الأعمال، واتهام النفس راجع إلى الخوف من تقصيرها وهو محرك لها إلى رعاية الحقوق على وجه الكمال وإلى رد ما تحكم به النفس باستعانة الوهم من حسن العقائد والأعمال وكونها مقبولة واقعة على الوجه المطلوب لله تعالى، وهذا الوهم مبدأ للعجب بالعبادة وعدم التقصير فيها وهو من المهلكات. (يحب في الله بفقه وعلم ويقطع في الله بحزم وعزم) الفقه هو البصيرة القلبية كما صرح به كثير من أهل العرفان، والعلم هو معرفة الشرائع وبينهما عموم مطلق، والحزم ضبط الأمر والأخذ فيه بالثقة والإتقان، والعزم عقد الضمير على الفعل والاجتهاد والجد في الأمر، وفيه إشارة إلى أن حبه ووصله في الله، وبغضه وقطعه في الله لا في أمر آخر من الأغراض الدنيوية والهواجس النفسانية، وإلى أن ذلك لا يتحقق إلا في العالم البصير في طلب اليقين وفي الحازم العازم في أمر الدين (لا يخرق به فرح ولا يطيش به مرح) في المصباح: الفرح: يستعمل في معان: أحدها: الأشر والبطر، وعليه قوله تعالى: * (ان الله لا يحب الفرحين) * والثاني: الرضي، وعليه قوله تعالى: * (كل حزب بما لديهم فرحون) *، والثالث: السرور، وعليه قوله تعالى: * (فرحين بما آتاهم الله من فضله) * ويقال فرح بشجاعته وبنعمة الله وبمصيبة عدوه، فهذا الفرح لذة القلب بنيل ما يشتهي، والمرح مثل الفرح وزنا ومعنى، وقيل أشد من الفرح، وفي القاموس: الفرح: محركة السرور والبطر، والمرح: الأشر والبطر والاختيال والنشاط والتبختر. وفي كنز اللغة: فرح " شاد شدن وبافراط شادى نمودن " كما قال الله تعالى: * (إن الله لا يحب الفرحين) * ومرح " از حد در گذشتن بشادي ". (مذكر للعالم معلم للجاهل) يذكر العالم ويخرجه عن الغفلة. ويعلم الجاهل ويهديه إلى طريق الحق، وهو ما يصلح له من أمر المعاش والمعاد فهو لنورية ذاته وفعلية صفاته، يحتاج إليه الخلائق كلهم. (لا يتوقع له بائقة ولا يخاف له غائلة) أي لا يتوقع ولا يخاف لأجل وجوده، وفي المصباح: البائقة: النازلة وهي الداهية والشر الشديد، وباقت الداهية إذا نزلت والجمع: البوائق. والغائلة: الفساد والشر، وغائلة العبد إباقه وفجوره ونحو ذلك، والجمع: الغوائل، وقال الكسائي: الغوائل: الدواهي، والغول من السعالي والجمغ غيلان وأغوال وكل ما اغتال الإنسان فأهلكه فهو غول. (كل سعي أخلص عنده من سعيه وكل نفس أصلح عنده من نفسه) وهو تواضع لله واعتراف بالتقصير ودليل على تمام عقله، وقد مر في صدر الكتاب أنه لا يتم عقل امرئ حتى يرى الناس

[ 147 ]

كلهم خيرا منه وأنه شرهم في نفسه. (عالم بعيبه شاغل بغمه لا يثق بغير ربه) أما علمه بعيبه فلرجوعه إلى نفسه وتفتيشه لأحوالها المذمومة وليس حاله كحال الجاهل الذي يحب نفسه فيغفل عن عيبه كما قيل: حبك للشئ يعمي ويصم. ولو قلع عن نفسه علاقة المحبة يرى عيبه كما يرى عيب غيره، وأما شغله بغمه فلعلمه بما يستقبله من المقامات الهائلة وصعاب الأمور وعدم علمه بما يفعل به فيه ويورث ذلك غمه بإصلاح مآله وشغله بتحسين حاله، وأما عدم وثوقه بغير ربه فلعلمه بأن كل شئ فقير لديه، محتاج إليه، متضرع بين يديه، وأن الوثوق بغيره في الأمر الحقير والخطير كالوثوق في الدلالة على الطريق بالأصم الأبكم الضرير، أو كالوثوق في قضاء الحوائج وكشف المضيق بالسائل المستعير أو لأنه لا يرى في الوجود إلا إياه فسد عنه طريق الوثوق بما سواه. (قريب وحيد جريد) أي قريب بالخلق، وحيد منفرد عنهم، جريد خال عن الرذائل أو عن الميل إلى أخلاقهم وصنايعهم، وهذا من أعجب صفات العارف وكالجمع بين الضدين حيث إنه مع اتصافه بكونه مع الكثرة متصف بكونه مع الوحدة إلا أن الأول باعتبار كونه من العالم الجسماني، والثاني باعتبار كونه من العالم الروحاني فهو بالاعتبار الأول ظفر بالمخالطة وتحمل كلفتها في مكاسبته وبالاعتبار الثاني صفا فكرته في أمور دينه وآخرته وجرد نفسه عن الاتصاف بأخلاقهم بمداهنته. وفي بعض النسخ حزين بدل جريد. (يحب في الله ويجاهد في الله ليتبع رضاه) أشار إلى أن حبه لاخوانه المؤمنين وقربات الحق في الله وجهاده بماله ونفسه في العلم والعمل وتهذيب نفسه في الله لمجرد أن يتبع رضاه ويطأ بساط قربه ويتشرف بإكرامه الذي لأوليائه، وأشار في السابق إلى أن حبه في الله مقرون بالفقه والعلم، على أن تكرير بعض الصفات في المواعظ قد يقصد للتأكيد والمبالغة في رعايته (ولا ينتقم لنفسه بنفسه ولا يوالي في سخط ربه) أي لا ينتقم من المتعدي لنفسه بنفسه بل يكله إلى ربه، أو يعفو ولا يوالي أحدا فيما فيه سخط ربه وعقوبته لما فيه من العلم والحلم والصبر والكرم، وفي قوله " لنفسه " إشارة إلى أنه ينتقم لربه لما فيه من القوة على القيام بالحق وهذا هو الخلق الحسن المحمود لأنه لو ترك القيام في حق الله تعالى كان فيه مهانة ولو انتقم لنفسه لم يكن فيه صبر وكان هذا الخلق بطشا فانتفى عنه الطرفان المذمومان وبقي الوسط، وخير الأمور أوسطها، وفي قوله " بنفسه " إشارة إلى أنه ينتقم له ربه عاجلا أو آجلا. (مجالس لأهل الفقر مصادق لأهل الصدق) مجالسته لأهل الفقر الصابرين على الفقد والسمل، ومجالسته لأهل الصدق الكاملين في القول والعمل من دلائل عقله وكمال فضله حيث إنه مع

[ 148 ]

صفاء ذاته وحسن صفاته طلب البركة والفيض بصحبة الفقراء الصابرين ومصادقة أرباب الصدق واليقين (موازر لأهل الحق) الموازر الوزير أي يحمل ثقلهم يعينهم برأيه. (عون للغريب أب لليتيم بعل للأرملة) لعلمه بأن هؤلاء عاجزون عن تحصيل مطالبهم وترتيب مقاصدهم ومآربهم. فقام بلطفه الطبيعي ورفقه الجبلي على قضاء حوائجهم، والغريب من خرج عن وطنه وبعد عن أقربائه ومسكنه. واليتيم من لا أب له والمؤمنون كلهم غرباء وأيتام في هذا الأوان عند غيبة صاحب الزمان فإعانتهم مثل إعانة الغريب واليتيم في استحقاق الأجر من الله الملك الديان. (حفي لأهل المسكنة) حفي " مهربان ونيك پرسنده " (مرجو لكل كريهة مأمول لكل شدة) لكونه معروفا بدفع المكاره والشدائد ومشهورا به لجريانه على يديه كثيرا وتكرره منه فيتعلق رجاء الخلق وأملهم به عند نزول المكاره والشدائد عليهم، وهذه الخصلة من علامات تثبته بالإيمان لأنه متى قوي الايمان في القلب ظهرت آثاره في الجوارح فيتوجه إلى دفع المكاره والشدائد عن أهلها لكمال الشفقة عليهم. (هشاش بشاش لا بعباس ولا بجساس) الهشاش من الهش وهو الارتياح والرخو واللين والتبسم والخفة والنشاط والفرح عند السؤال عنه وسهولة الشأن فيما يطلب منه. والبشاش من البش وهو طلاقة الوجه واللطف في المسألة والإقبال على أخيك والضحك إليه والأنس به، وفرح الصديق بالصديق، والعباس من العبس وهو الكلوح يعني " ترش روى شدن "، والجساس من الجس وهو تفحص الأخبار كالتجسس ومنه الجاسوس. (صليب كظام بسام) الصليب كأمير: الشديد أي شديد في الأمور التي ينبغي له حفظها لكونه شجاعا، وكظام يكظم غيظه كثيرا من الذي له الانتقام منه. بسام يكثر التبسم في وجه أخيه. (دقيق النظر عظيم الحذر) أي دقيق النظر في الأمور خيرها وشرها بدايتها ونهايتها عظيم الحذر مما ينبغي الحذر منه لما فيه من الحدة في القوة النظرية والجودة في القوة العملية. (لا ينجل وإن نجل عليه صبر) الظاهر أن لا ينجل بالنون والجيم من النجل وهو إظهار العيب ونحوه والطعن وضرب الرجل بمقدم الرجل ليسقطه كما يفعله المصارع والرمي بشئ (عقل فاستحيى وقنع فاستغنى) أي أدرك الخير والشر والطاعة والمعصية فترك الشر والمعصية استحياء من الله تعالى وقنع بما رزقه الله تعالى فاستغنى عن الخلق أو عن الطلب. (حياؤه يعلو شهوته، ووده يعلو حسده، وعفوه يعلو حقده) أي حياؤه من الله أو من الخلق

[ 149 ]

أيضا يغلب شهوته ويمنعه من متابعتها، ووده للخلق يغلب حسده عليهم لأن بناء الحسد على البغض والعداوة، وعفوه للمسئ يغلب حقده عليه لأن الحقد متولد من احتقان الغضب فإذا وقع العفو زال الغضب فيزول الحقد، والحاصل أنه ترك الشهوة بالحياء والحسد بالود والحقد بالعفو (لا ينطق بغير صواب) الصواب فضيلة العدل المتعلقة باللسان وهي تقتضي أن يسكت عما ينبغي أن لا يقال، ويقول ما ينبغي أن لا يسكت عنه، ويضع كل قول في موضعه اللائق به فهو في مقام العدل دون الإفراط والتفريط، والصواب أخص من الصدق لجواز أن يصدق الإنسان فيما لا ينبغي من القول. (ولا يلبس إلا الاقتصاد) أي لباسه التوسط في جميع الأحوال وشعاره الاقتصاد في جميع الأعمال فلا يلبس مثلا ما يلحقه بأهل الخسة والتبذير ولا يأكل ما يدخله في أهل الإسراف والتقتير ويمكن أن يكون المراد باللباس المعنى المعروف. (مشيه التواضع) لكونه على سكون ووقار دون تبختر واختيال كما هو مشي المتكبرين، وقد نهى الله تعالى عن ذلك بقوله * (ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا) * الآية. ويمكن أن يراد بمشى التواضع المشي للطاعة دون المعصية وقد روي أن الله تعالى فرض على الرجلين أن تنقلهما في طاعته وأن لا تمشي بهما مشية عاص. (خاضع لربه بطاعته) إشارة إلى أنه راض نفسه بطاعة ربه وعبادته وهي غاية الخضوع والتذليل (راض عنه في كل حالاته) أي في حال الشدة والرخاء، وحال الصحة والنعمة، وحال السقم والبلاء وذاك من علامات المحبة ضرورة أن المحب راض بجميع ما يرد عليه من الحبيب (نيته خالصة، أعماله ليس فيها غش ولا خديعة) خلوص نيته إشارة إلى توجه سره إلى الله تعالى ورفض جميع ما عداه عنه بعد القيام بطاعته الكاسرة للنفس الأمارة، وهو باب عظيم من أبواب الوصول وسبب تام لاستشراق لوامع الأنوار وظهور بروق الأسرار. وعدم الغش في أعماله إشارة إلى مراعاته جميع الأمور المعتبرة فيها، وعدم إخراجه ما هو داخل فيها وعدم إدخاله ما هو خارج عنها، وعدم الخديعة إشارة إلى التوافق بين ظاهره وباطنه، وعدم قصده اظهار العبادة وابطان خلافها كما هو شأن المنافقين المخادعين الذين ليست صلواتهم وساير عباداتهم إلا مكاء وتصدية. (نظره عبرة، سكوته فكرة، وكلامه حكمة) العبرة " پندگرفتن ". والفكرة " بسيار انديشه كردن "، والحكمة تطلق على معان محصولها العلم بالأمور النافعة في الدين والحمل في الجميع للمبالغة في السببية فإن النظر إلى الدنيا ونعيمها وتصرفها وتقلبها على أهلها وإلى أحوال الماضين

[ 150 ]

وانقطاعهم عما كان في أيديهم وانتقالهم من دار الغرور إلى وحشة القبور واشتغال كل واحد بعمله مثلا سبب للعبرة، والسكوت عما لا يعني سبب للفكرة في الأمور النافعة والأسرار اللامعة من أفق الغيب فإن المفهومات الفاسدة المستفادة من الكلمات الباطلة إذا وردت على القلب تمنعه من الفكر في الحقائق، والكلام سبب لظهور الحكمة وانتشارها في قلوب المستعدين لها، وفيه إشارة إلى أنه ساكت عن اللغو متكلم بالحق وذلك لاستقامة لسانه التابعة لاستقامة قلبه وكماله في القوة العقلية. (مناصحا متباذلا متواخيا) الظاهر أنه حال عن ضمير نظره، وفيه إشارة إلى سياسته المنزلية والمدنية كما أن في السابق إشارة إلى سياسته البدنية ففيهما إشارة إلى أنه حكيم بجميع أقسام الحكمة العملية. (ناصح في السر والعلانية) إشارة إلى أنه حكيم يعرف موارد النصح وكيفيته فينصح في السر إن اقتضته المصلحة وينصح في العلانية إن اقتضته الحكمة، ويحتمل أن يراد بالسر القلب وبالعلانية اللسان فيكون إشارة إلى أن نصحه خالص غير مشوب بالخدعة. (لا يهجر أخاه ولا يغتابه ولا يمكر به) هجر المؤمن واغتيابه بما يكرهه أو يشينه أو يهينه في الأعين، ومكره بإرادة إيصال المكروه إليه من حيث لا يعلم ينشأ من الغيظ والغضب والحسد وميل الطبع إلى قطع رحم الأخوة وشئ من ذلك ليس من صفات المؤمن. (ولا يأسف على ما فاته ولا يحزن على ما أصابه ولا يرجو مالا يجوز له الرجاء) الأسف محركة: أشد الحزن، وفعله من باب علم أي لا يحزن على ما فاته من أمور الدنيا أو الأعم ولا على ما أصابه من الفقر ونوائب الدهر وغيرهما مما يثقل على النفس، ولا يرجو ما لا يجوز له رجاؤه إما لعدم كونه لايقا به، أو لعدم إمكان حصوله لأن هده الخصال ليست من صفات أهل الكمال (ولا يفشل في الشدة ولا يبطر في الرخاء) الفشل والفشل بالتسكين والتحريك: الضعف والجبن، وفعله من باب علم أي لا يضعف ولا يجبن على الشدة ولا يضطرب منها. بل يكون شجاعا يقدم عليها ويتقبلها بقبول حسن، ولا يبطر أي لا يطغى ولا يتكبر بالرخاء وكثرة النعمة بل يشكر عليه. فمقامه في الحالين مقام الصبر والشكر. وهذا غاية كمال النفس في السكون والتفويض (يمزج الحلم بالعلم والعقل بالصبر) العقل العلم بالاشياء وصفاتها من حسنها وقبحها وكمالها ونقصانها، أو قوة للإنسان بها يميز بين الحسن والقبيح، أو هيئة محمودة له في حركاته وكلامه، والحق أنه روحاني تدرك بها النفس العلوم الضرورية والنظرية وابتداء وجوده عند اجتنان الولد ثم لا يزال ينمو إلى أن يكمل عند البلوغ. والمقصود من هذا الكلام أنه عالم حليم وعاقل صبور، وإنما

[ 151 ]

ذكر هذين الخلقين أعني الحلم والصبر لأنهما يستلزمان سائر الأخلاق النفسانية بل جميع الأعمال الصالحة البدنية أيضا. أما الحلم فلأنه من اعتدال القوة الغضبية، واعتدالها يستلزم الاعتدال في القوة الشهوية لأن القوة الغضبية معينة للشهوية في جلب المنافع ودفع المضار فإذا اعتدلت هذه واعتدالهما تابع لكمال القوة العقلية واستيلائها على الظاهر والباطن فيضع كل عضو فيما يليق به، وأما الصبر فلأن توقف الأخلاق - مثل الورع والتقوى والعفو وحسن الخلق وكظم الغيظ وغيرها - والأعمال - مثل الصوم والصلاة والحج ونحوها وتروك المناهي - عليه أظهر من أن يحتاج إلى البيان. (بعيدا كسله دائما نشاطه) الكسل محركة التثاقل عن الشئ والفتور وفعله كفرح، والنشاط بالفتح ويكسر طيب النفس للعمل وغيره، وفيه تنبيه على ثباته في طاعة الله وسلوك سبيله، ومنشأ ذلك قوة اعتقاده فيما وعد الله للعاملين والتصديق بشرف غاية العبادة. (قريبا أمله قليلا زلله) أي ليس له طول أمل لإكثاره ذكر الموت والوصول إلى الله تعالى حتى أنه يترقبه آنا فآنا وليس له زلل ولو وقع لضرورة أو سهوا أو من باب ترك الأولى وقع قليلا نادرا. (متوقعا لأجله خاشعا قلبه) إذا خشع قلبه خشعت جوارحه، والخشوع ثمرة الفكر في جلال المعبود وملاحظة عظمته التي هي روح العبادة، وانتظار الأجل من أشد الجواذب عن الدنيا إلى الله تعالى والشوق إلى لقائه والحزن من ألم فراقه حتى يبلغ ذلك إلى غاية لا يستقر روحه في جسده لولا الأجل الذي كتب له وهذا الشوق إذا بلغ حد الملكة يستلزم دوام ذكره لربه وقناعة نفسه بقليل من الدنيا وهو قدر الضرورة كما قال. (ذاكرا ربه قانعة نفسه) ويعين على ذلك تصور الفرق بين الحاضرة والغايبة والتصديق بعدم المساواة بين الذاكر والغافل وبين القانع والحريص في الآخرة. (منفيا جهله سهلا أمره) لاتصاف نفسه بالعلوم وظهور آثار الحكمة فيه وعدم تكلفه لأحد وعدم تكلف أحد له لأن المؤمن خفيف المؤونة. (حزينا لذنبه ميتة شهوته) حزنه ثمرة الخوف من الله والتقصير في رعاية حقوقه، ولفظ الموت مستعار لخمود شهوته عما حرم عليه وما لا يليق به وهو العفة. (كظوما غيظه صافيا خلقه) كظم الغيظ رده وحبسه من فضائل القوة الغضبية وأعظم الخصائل البشرية، وصفاء الخلق أعني خلوصه من الغش والامتزاج بضده من أعظم صفات الايمان وأفخم سمات الإيقان. (آمنا منه جاره ضعيفا كبره) أمن جاره من ضره وشره وبوائقه وغوائله لكونه أمينا صالحا حافظا

[ 152 ]

لوصية الله ووصية رسوله في الجار وضعف كبره وسلبه عن نفسه لعلمه بأن الكبر صفة أهل الجور وخلق أهل النار، وأن التواضع والتذلل من وصف الصالحين وحال أهل الجنة وشأن المؤمنين كما قال الله تعالى * (قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون) * وقال تعالى * (أهؤلاء من الله عليهم من بيننا) *. (قانعا بالذي قدر له متينا صبره محكما أمره كثيرا ذكره) قناعته بما قدر له تابع لعلمه بأن فيها راحة الدارين وانقياده لحكمة الله تعالى في تقدير المعاش وتقسيم الأرزاق، وصرف نفسه عن الهوى وكسر حرصه في الدنيا ومتانة صبره وقوته على أثقال النفس من الأعمال والتروك والمصائب والنوائب لتوطينه عليها حتى صار الصبر ملكة له بحيث لا يضعفه شئ من المكاره. وإحكام أمره لقوة رأيه وكمال عقله وشدة عزمه لأن خفيف الرأي وسخيف العقل وضعيف العزم أمره مضطرب وكثرة ذكره بالقلب واللسان وسائر الأركان لتوجهه بالكلية إلى مولاه وتطهير قلبه عن نقش ما سواه. (يخالط الناس ليعلم ويصمت ليسلم ويسأل ليفهم ويتجر ليغنم) أي يخالط الناس ليعلم القوانين الشرعية والآداب النبوية أو ليعلم أحوالهم وخيرهم وشرهم للعبرة، ويصمت عن الحق أو الأعم منه ليسلم من شرهم، ويسأل العالم ليفهم ما لم يعلم امتثالا لقوله تعالى * (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) * ويتجر في الدنيا بالعلم والعمل والجهاد بالنفس والمال ليغنم في الآخرة كما قال تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم * تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم) * وبالجملة فيه إشارة إلى جميع ما يحتاج إليه السالك وهو العلم والعمل والتعلم والسكوت في مواضع الضرر. (لا ينصت للخبر ليفخر به ولا يتكلم ليتجبر على من سواه) أي لا ينصت للخبر والحديث لقصد الافتخار به على الناس بل ليعلم ويعمل فيكمل بالعلم والعمل ولا يتكلم به ليتجبر ويتكبر على من سواه كما هو شأن علماء السوء بل لينشر العلم بين أهله، وفي بعض النسخ: لا ينصت للخبر ليفجر به بالجيم، ولعل المراد بالفجور الفخر أو الافتاء مع عدم كونه أهلا له. (نفسه منه في عناء والناس منه في راحة) فسر هذا بقوله: (أتعب نفسه لآخرته) للقيام بالطاعات والانتهاض لوظائف العبادات. (فأراح الناس من نفسه) أي من شر نفسه ومكائدها لأن مبدأ الشرور طغيان النفس ومحبة الدنيا وهو بمعزل عنهما، ويحتمل أن يراد بالفقرة الأولى أن نفسه الأمارة منه في عناء وتعب لمنعها عن

[ 153 ]

هواها وزجرها عن رداها ومقاومته لها وقهره عليها ومراقبتها إياها. والناس في راحة من شر نفسه ومناقشته ومنازعته في أمر الدنيا ولعله أولى لأن التأسيس خير من التأكيد (إن بغي عليه صبر حتى يكون الله الذي ينتصر له) أي إن ظلم لم ينتقم هو بنفسه من الظلم بل يكل أمره إلى الله لينتصر منه. والانتصار " داد ستاندن وكينه كشيدن وبازداشتن " وذلك منه نظر إلى ثمرة الصبر والوعد الصادق، قال الله تعالى * (ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله) * الآية. (بعده ممن تباعد منه بغض ونزاهة ودنوه ممن دنا منه لين ورحمة ليس تباعده تكبرا ولا عظمة ولا دنوه خديعة ولا خلابة) خلبه كنصره خلبا وخلابا وخلابة بكسرهما خدعه، وفي كنز اللغة: خلابة " فريفتن بزبان وبريدن " يعني بعده ممن تباعد منه بغض لما انهمكوا فيه من الدنيا والأعمال القبيحة ونزاهة عن التلوث به وبمشاهدته لا عن كبر وتعظم عليه كما هو شأن المتكبرين المتباعدين من الصلحاء وغيرهم ودنوه ممن دنا منه لين ورحمة منه لهم لا مكر بهم ولا خديعة كما هو حال خبيث الأخلاق. (بل يقتدى بمن كان قبله من أهل الخير) كالأنبياء والأوصياء وغيرهم ممن عرف بالخير واشتهر به (فهو إمام لمن بعده من أهل البر) البر: الصلة والجنة والخير والاتساع في الإحسان والصدق والطاعة، وقد يطلق على العفة، وبهذا الاعتبار يقابله الفجور ويمكن أن يراد بالبر هنا ما دل عليه القرآن الكريم * (ولكن البر من آمن بالله) * إلى قوله * (أولئك هم المتقون) *. * (ولكن البر من اتقى) * فإن المراد بالبر في هاتين الآيتين كمال الايمان والتقوى والأعمال الجميلة والأخلاق الحسنة. (قال فصاح همام صحية ثم وقع مغشيا عليه) في نهج البلاغة: " فصعق صعقة كانت فيها نفسه " يعنى غشي عليه ومات رحمه الله. قال بعض الأفاضل: لم يكن يغلب على ظنه (عليه السلام) الصعقة من الوجد الشديد. فأما إن فيها موته فلم يكن مظنونا له فلا تحم حول ما قيل إنه كيف جاز منه (عليه السلام) أن يجيبه مع غلبة ظنه بهلاكه وهو كالطبيب إنما يعطي كلا من المرضى بحسب احتمال طبيعته من الدواء والحق أنه (عليه السلام) كان عالما بما يرد عليه وربما يشعر به ما نقلناه في أول الباب عن بعض الأعلام كما يشعر به ما نقله الراوي بقوله: (فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) أما والله لقد كنت أخافها عليه) وعدم جواز إجابته بعد مبالغته في السؤال وعزمه عليه مع غلبة ظنه بهلاكه ممنوع لجواز علمه (عليه السلام) وعدم جواز إجابته بعد مبالغته في السؤال وعزمه عليه مع غلبة ظنه بهلاكه ممنوع لجواز علمه (عليه السلام) بأنه تعالى جعل موته بسماع هذه الموعظة البليغة فما فعله إلا بأمر ربه، أو بأن فيه حكمة وإن لم نعلمها وخفاء الحكمة لا تقتضي

[ 154 ]

نفيها. (وقال هكذا تصنع المواعظ البالغة بأهلها) وكان همام لاستعداد نفسه القدسية لاستشراق لوامع الأنوار الإلهية من أهلها فلذلك فعلت به ما فعلت. (فقال له قائل: فما بالك يا أمير المؤمنين، فقال: إن لكل أجلا لن يعدوه وسببا لا يجاوزه فمهلا لا تعد فإنما نفث على لسانك شيطان) اعلم أن هذه الصفات إذا اجتمعت في مؤمن تنور قلبه وتزيد رقته وتجلو رينه وتزيل قسوته وترفع الحجاب بينه وبين ربه وتفتح باب المكاشفة فيلوح فيه جمال الحق وأنوار الربوبية وعالم الملك وآثار القهر والجبروت كما ينتقش الصور في المرآة الصافية المجلوة، وهذا على سبيل التشبيه وإلا فقد ترتفع الأمثلة والأشباح من البين ويتصل هو بالحق اتصالا معنويا فيكون الحق حينئذ سمعه وبصره ويده ولسانه كما ورد في الحديث، وهذه الحالة هي الفناء في الله، وإنما يعرف حقيقتها المستعدون المجتهدون الواصلون دون السامعين ولذا أنكرها كثير منهم ولما كان همام مستعدا مجتهدا واصلا لمعت في قلبه حقيقة هذه الحالة عند سماع هذه الموعظة البالغة التي هي معارج الحق ومدارج النور ولم يقدر أن يملك نفسه فصاح ووقع مغشيا عليه وسؤال ذلك القائل وسوء أدبه إنما نشأ من سوء فهمه وضعف عقله وقلة علمه بأن القلوب تتفاوت في تحمل الأمور العظام والأهوال والجسام ومشاهدة العجائب وملاحظة الغرائب بسبب كثرة الممارسة وقلتها وقوة نور اليقين والتأيد بالتمكين وضعفه كما لا يخفى على الأعلام. وظاهر أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان غريقا في بحر المكاشفة واليقين بل كان قلبه نورا من نور رب العالمين فكيف يدهش من مشاهدة نوره، وإنما لم يجب (عليه السلام) بهذا الجواب لاستلزامه تفضيل نفسه أو لقصور فهم السائل بل أجاب بما هو أقرب إلى فهم السائل من الجواب المقنع له وهو أن بقاءه لعدم حضور أجله المحكوم به في القضاء الإلهي، وبالجملة سبب عدم تأثير هذه الموعظة فيه (عليه السلام) بالموت أمران: أحدهما عدم حضور أجله وثانيهما الفرق بين همام وبينه (عليه السلام) وأجاب (عليه السلام) بالأول دون الثاني. 2 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن عبد الله بن غالب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ينبغي للمؤمن أن يكون فيه ثمان خصال: وقور عند الهزاهز، صبور عند البلاء، شكور عند الرخاء، قانع بما رزقه الله، لا يظلم الأعداء ولا يتحامل للأصدقاء، بدنه منه في تعب والناس منه في راحة، إن العلم خليل المؤمن والحلم وزيره والصبر أمير جنوده والرفق أخوه واللين والده. * الشرح:

[ 155 ]

قوله (علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن عبد الله بن غالب) هو عبد الله بن غالب الأسدي الشاعر الثقة الراوي عن أبي جعفر وأبي عبد الله وأبي الحسن (عليهم السلام)، وهذا الحديث من غير تغيير في المتن إلا في البر والده مروي في باب بعد باب نسبة الاسلام عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب عن جميل بن صالح، عن عبد الملك بن غالب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) ومر شرحه فلا نعيد، والظاهر أن عبد الملك سهو من النساخ وهو غير مذكور فيما رأينا من كتب الرجال. 3 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن ابن فضال، عن منصور بن يونس، عن أبي حمزة، عن علي بن الحسين (عليهما السلام) قال: المؤمن يصمت ليسلم، وينطق ليغنم، لا يحدث أمانته الأصدقاء ولا يكتم شهادته من البعداء ولا يعمل شيئا من الخير رياء ولا يتركه حياء، إن زكي خاف ما يقولون ويستغفر الله لما لا يعلمون، لا يغره قول من جهله ويخاف إحصاء ما عمله. * الشرح: قوله (أبو علي الاشعري، عن محمد بن عبد الجبار عن ابن فضال، عن منصور بن يونس عن أبي حمزة، عن علي بن الحسين (عليهما السلام) قال المؤمن) هذا الحديث مع تغيير يسير في المتن مروي في باب الحلم عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن النعمان، عن ابن مسكان، عن أبي حمزة قال المؤمن -... إلى آخره - ولعل المقول كلام المعصوم وهو علي بن الحسين (عليهما السلام) لا كلام أبي حمزة وقد ذكرنا شرحه ثمة فلا نعيده. 4 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن بعض من رواه، رفعه إلى أبي عبد الله (عليه السلام) قال: المؤمن له قوة في دين وحزم في لين وإيمان في يقين وحرص في فقه ونشاط في هدى وبر في استقامة وعلم في حلم وكيس في رفق وسخاء في حق وقصد في غنى وتجمل في فاقة وعفو في قدرة وطاعة لله في نصيحة وانتهاء في شهوة وورع في رغبة وحرص في جهاد وصلاة في شغل وصبر في شدة، وفي الهزاهز وقور وفي المكاره صبور وفي الرخاء شكور، ولا يغتاب ولا يتكبر، ولا يقطع الرحم وليس بواهن، ولا فظ ولا غليظ، ولا يسبقه بصره، ولا يفضحه بطنه، ولا يغلبه فرجه، ولا يحسد الناس، يعير ولا يعير، ولا يسرف، ينصر المظلوم ويرحم المسكين، نفسه منه في عناء، والناس منه في راحة، لا يرغب في عز الدنيا ولا يجزع من ذلها، للناس هم قد أقبلوا عليه وله هم قد شغله، لا يرى في حكمه نقص ولا في رأيه وهن ولا في دينه ضياع، يرشد من استشاره، ويساعد من ساعده، ويكيع عن الخنى والجهل. * الشرح:

[ 156 ]

قوله (المؤمن له قوة في دين) أي له قوة نظرية وعملية فيه فيعلمه ويعمل به ويقاوم فيه الوسواس ولا يدخل فيه خداع الناس. (وحزم في لين) أي له ضبط وتيقظ في أموره الدينية والدنيوية ممزوجا بلين الطبع وعدم الفظاظة والخشونة مع معامليه وهو فضيلة العدل في المعاملة مع الخلق. وقد يكون عن تواضع. وقد يكون عن مهانة وضعف نفس، والأول هو المطلوب وهو المقارن للحزم في الأمور ومصالح النفس، والثاني رذيلة لا يمكن معه الحزم لانفعال المهين عن كل حادث، وبيان الظرفية على ما استفدنا من كلام بعض الأفاضل ثلاثة أوجه: الأول أن الظرفية مجازية بتشبيه ملابسة الحزم للين طبع في الاجتماع معه بملابسة المظروف للظرف. فيكون لفظة " في " استعارة تبعية. الثاني أن تعتبر تشبيه الهيئة المنتزعة من الحزم واللين ومصاحبة أحدهما الآخر بالهيئة المنتزعة من المظروف والظرف، ومصاحبتهما فيكون الكلام استعارة تمثيلية لكنه لم يصرح من الألفاظ التي هي بإزاء المشبه به إلا بكلمة " في " فإن مدلولها هو العمدة في تلك الهيئة وما أعده تبع له يلاحظ معه في ضمن ألفاظ منوية فلا يكون لفظة في استعارة بل هي على معناها الحقيقي. الثالث أن تشبه اللين بما يكون محلا وظرفا للشئ على طريقة الاستعارة بالكناية. ويكون كلمة " في " قرينة وتخييلا. (وإيمان في يقين) الإيمان وهو التصديق قابل للشدة والضعف فتارة يكون عن تقليد وتارة يكون عن دليل مع العلم بأنه لا يكون معه غيره وهو علم اليقين، والسالكون لا يقفون عند هذه المرتبة بل يطلبون عين اليقين بالمشاهدة بعد طرح حجب الدنيا والإعراض عنها، واليقين في كلامه (عليه السلام) يمكن حمله على أحد هذين المعنيين. (وحرص في فقه) الحرص في أمور الدين مطلوب وأعظمها الفقه والعلم، فميل القلب إليه وطلب زيادته من صفة أهل الايمان وكمال حقيقة الإنسان، ولذلك قال الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله) * (قل رب زدني علما) * (ونشاط في هدى) أي نشاط وسرور في سلوك سبيل الله وهو ينشأ من قوة الاعتقاد فيما وعد الله لمن سلك سبيله والتصديق بشرف غايته وهي الفلاح في الآخرة. (وبر في استقامة) أي خير وطاعة في استقامة بأن لا يتركه أو لا يمزجه بشر ومعصية. (وعلم في حلم) فلا يجهل شيئا من أمور الدين ولا يطيش على أحد من الناس (وكيس في رفق) الكيس الفطنة والظرافة والغلبة والرفق خلاف العنف والخرق. (وسخاء في حق) وهو صرف المال في وجوه البر على قدر يجوز شرعا (وقصد في غنى) وهو

[ 157 ]

الاعتدال في طلب الدنيا وطلب فضولها. (وتجمل في فاقة) بترك الشكاية إلى الخلق والطلب منهم وإظهار الغنى عنهم وينشأ من القناعة والرضا بالقضاء وعلو الهمة ويعين عليه ملاحظة قرب الأجل وما أعد للصابرين (وعفو في قدرة) العفو مع القدرة ممدوح وأما بدونها فلا يمدح بل لا يتحقق. (وطاعة لله في نصيحة) لله ولرسوله وللمؤمنين وقد مر معنى النصيحة لهم (وانتهاء في شهوة) إلى أمر مشروع لاعتداله في القوة الشهوية (وورع في رغبة) أي ورع عن المحارم مع الرغبة فيها وميل النفس إليها، أو مع الرغبة عنها وعدم الميل إليها، وكلاهما من صفات المؤمن إلا أن الأول أشق والثاني أكمل لقمع الشهوة وكسر النفس الأمارة حتى زالت عنها الارادة والميل (وحرص في جهاد) مع الكفار أو مع النفس الأمارة أو الأعم منهما ومن الاجتهاد في الخيرات كلها لأن كلها من صفات أهل الإيمان. (وصلاة في شغل) الشغل بالضم وبضمتين وبالفتح وبفتحتين ضد الفراغ، والجمع أشغال وشغول، والقيام إلى الصلاة في أوقاتها مع وجود الأشغال من أعظم صفات المؤمن، قال الله تعالى * (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله) *. (وصبر في شدة) من الفاقة والمصيبة وغيرهما مما يثقل على النفس ويشق عليها، ومنشؤه العفة وتصور الأجر المعد للصابرين (وفي الهزاهز وقور) عطف على قوله " له قوة في دين " أي المؤمن في الهزاهز وقور رزين لا يحركه الفتن ولا تضطربه، والهزاهز تحريك البلايا والحروب الناس وهزهزه ذلله وحركه، ويطلق على الفتن التي يهتز فيها الناس وتضطرب بها القلوب، والوقور مبالغة في الوقار وهو ملكة تحت الشجاعة. (وفي المكاره صبور) لثبات نفسه وعلو همته عن الجزع وهذا كالتأكيد لما مر أو تعميم بعد تخصيص ان أريد بالشدة الفقر والفاقة (وفي الرخاء شكور) لمحبة المنعم فيزداد شكره في الرخاء وإن قل (لا يغتاب ولا يتكبر ولا يقطع الرحم) لكونه مشفقا على ذوي الأرحام والأقربين (وليس بواهن ولا فظ ولا غليظ) لقيام قوته الغضبية على حد الاعتدال بحكم العقل فخرجت عن حد التفريط الموجب للوهن، وعن حد الافراط الموجب لفظ القلب وغلظته على الغير بالتعدي والضرب والشتم وأمثالها، والفظ: الغليظ الجانب السيئ الخلق القاسي الخشن الكلام. فظ يفظ - من باب علم - فظاظة إذا غلظ حتى يهاب غيره في غير موضعه، والغليظ خلاف الرقيق وفعله

[ 158 ]

من باب كرم. (ولا يسبقه بصره ولا يفضحه بطنه ولا يغلبه فرجه ولا يحسد الناس) النفس الناطقة إذا غلبت على القوة الشهوية وأعطتها حظها وزجرتها عن غيره انقادت لها جميع الجوارح ولا تتجاوز عن القدر اللائق بها شرعا وعقلا فتمنع البصر والبطن والفرج والنفس الأمارة عما حرم الله على كل واحد منها. (لا يرغب في عز الدنيا) لأن مبدأ الرغبة فيه محبة الدنيا وهو بمعزل عنها. (للناس هم قد اقبلوا عليه وله هم قد شغله) هم الناس شغل الدنيا وهمه أمر الآخرة والنجاة من أهوالها والتوصل بما يوجب قرب الحق من الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة. والغرض الفرق بينه وبين أهل الدنيا إذ أهل الدنيا لا يرون لهم كمالا إلا هذه اللذات الحاضرة والمقتنيات الظاهرة (ويكيع عن الخنى والجهل) الخنى: الفحش والمراد بالجهل نفسه، أو آثاره والكيع والكيعوعة الجبن تقول كعت عنه أكيع وأكاع كيعا وكيعوعة إذا هبته وجبنت عنه. 5 - عنه، عن بعض أصحابنا، رفعه، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: مر أمير المؤمنين (عليه السلام) بمجلس من قريش، فإذا هو بقوم بيض ثيابهم، صافية ألوانهم، كثير ضحكهم يشيرون بأصابعهم إلى من يمر، ثم مر بمجلس للأوس والخزرج فإذا قوم بليت منهم الأبدان ودقت منهم الرقاب واصفرت منهم الألوان وقد تواضعوا بالكلام، فتعجب علي (عليه السلام) من ذلك ودخل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال بأبي أنت وأمي إني مررت بمجلس لآل فلان ثم وصفهم ومررت بمجلس للأوس والخزرج فوصفهم، ثم قال: وجميع مؤمنون فأخبرني يا رسول الله بصفة المؤمن ؟ فنكس رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم رفع رأسه فقال: عشرون خصلة في المؤمن فإن لم تكن فيه لم يكمل إيمانه، إن من أخلاق المؤمنين يا علي الحاضرون الصلاة والمسارعون إلى الزكاة والمطعمون المسكين، الماسحون رأس اليتيم، المطهرون أطمارهم، المتزرون على أوساطهم، الذين إن حدثوا لم يكذبوا وإذا وعدوا لم يخلفوا وإذا ائتمنوا لم يخونوا وإذا تكلموا صدقوا، رهبان بالليل، أسد بالنهار، صائمون النهار، قائمون الليل، لا يؤذون جارا ولا يتأذى بهم جار، الذين مشيهم على الأرض هون وخطاهم إلى بيوت الأرامل وعلى أثر الجنائز، جعلنا الله وإياكم من المتقين. * الشرح: قوله (فإن لم تكن فيه لم يكمل إيمانه) دل على أن الايمان نفس التصديق وأن الخصال والأعمال توجب كماله. (الحاضرون الصلاة) لعل المراد حضور صلاة الجماعة مع احتمال أن يراد محافظة أوقات الصلاة مطلقا.

[ 159 ]

(المطهرون أطمارهم) الأطمار جمع الطمر بالكسر وهو الثوب الخلق والكساء البالي، والمراد بتطهيرها تطهيرها بالماء من الدنس والنجاسة، أو تقصيرها كما في بعض الروايات لأن تطويلها كثيرا مذموم يدل عند العرب على التكبر والخيلاء. (وإذا تكلموا صدقوا) كأنه تأكيد لقوله " إن حدثوا لم يكذبوا " مع احتمال أن يراد بالتحديث نقل الأحاديث والأخبار، وبالتكلم غيره (رهبان بالليل أسد بالنهار) الأسد بالضم والسكون جمع أسد بالتحريك، والرهبان جمع الراهب من الرهبة وهي الخوف وهو من ترك الدنيا وملاذها وزهد فيها واعتزل عن أهلها واشتغل بالعبادة لاستيلاء الخوف على سره. (لا يؤذون جارا ولا يتأذى بهم جار) لعل المراد بالأول عدم إيذائهم بلا واسطة، وبالثاني عدم إيذائهم بواسطة بأن لا يتسببوا للإيذاء، أو المراد بالأول عدم الإيذاء مطلقا، وبالثاني عدم توقع الجار ايذاءهم لكونهم معروفين بالخير والصلاح فيأمن الجار من إيذائهم. (وخطاهم إلى بيوت الأرامل) لقصد إيصال النفع إليها والتفقد لأحوالها ليعرف حاجاتها فيتداركها بقدر الإمكان (جعلنا الله وإياكم من المتقين) ضم الكلام بالدعاء لنفسه وللسامعين - أن يجعلهم الله من المتقين الذين يسلكون سبيله الموصول إلى منازل الأبرار، وهي درجات الجنة ومقاماتها - للتنبيه على أن الامتثال بأعمال الخير والاجتناب عن أعمال الشر لا يمكن إلا بتوفيق الله وهو الموفق والمعين. 6 - علي بن إبراهيم عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن القاسم بن عروة، عن أبي العباس قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن. * الشرح: قوله (من سرته حسنة وساءته سيئة فهو مؤمن) هذا خبر لفظا وأمر معنى بالاتصاف بهاتين الخصلتين وكذا الخبران الآتيان وأمثالهما. 7 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن الحسن بن [ ز ] علان، عن أبي إسحاق الخراساني، عن عمرو بن جميع العبدي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: شيعتنا الشاحبون، الذابلون، الناحلون، الذين إذا جنهم الليل استقبلوه بحزن. * الشرح: قوله (شيعتنا الشاحبون الذابلون الناحلون) تعريف الخبر باللام للحصر. والشاحب: المتغير اللون من هزال أو جوع، وفعله من باب منع ونصر وكرم، والذابل: من قل ماء بشرته ونداوته وذهبت نضارته من ذبل النبات كنصر وكرم ذبلا وذبولا: ذوي أي يبس من الحر، والناحل: المهزول

[ 160 ]

من نحل جسمه كمنع وعلم ونصر وكرم نحولا: ذاب من مرض أو سفر ونحوهما (الذين إذا جنهم الليل) أي سترهم، (استقبلوه بحزن) في تفكر أمر الآخرة وأهوالها، واستقبال الليل كناية عن قطعه بالعبادة امتثالا لقوله تعالى * (ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا) * وإنما خص الليل بالذكر لأنها محل للخلوة مع الله والفراغ من الناس والمغفرة والخلوص في العبادة كما قيل إذا كثرت الذنوب منك فداوها برفع يد في الليل المظلم. 8 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني عن رجل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: شيعتنا أهل الهدى وأهل التقى وأهل الخير وأهل الإيمان وأهل الفتح والظفر. * الشرح: قوله (شيعتنا أهل الهدى وأهل التقى وأهل الخير وأهل الايمان وأهل الفتح والظفر) أي أهل لفتح أبواب البر والإسرار، وأهل للظفر بالمقصود، ففي الأول إشارة إلى كمالهم في القوة النظرية، وفي الثاني إشارة إلى كمالهم في القوة العملية حتى بلغوا إلى غايتهما وهو فتح أبواب الأسرار والفوز بقرب الحق. وفيه حث لهم على تحصيل هذه الخصال أعني الهداية إذ سلوك سبيل الحق لا يمكن بدونها ثم التقوى أي الاجتناب عن المنهيات، ثم الخير وهو القيام على الطاعات، ثم الايمان الكامل الذي يتوقف عليهما فلذلك أخره عنهما، ثم الفتح والظفر بالمعنى المذكور. وإنما أخرهما لتوقفهما على الأمور المذكورة، ويمكن أن يكون الفتح والظفر إشارة إلى المجاهدات النفسانية وغلبة جنود العقل على الجنود الشيطانية فإنه إذا تقابل الجندان فثبات العقل ومحارباته مع العدو هو الاجتهاد وغلبته عليه هو الفتح والظفر. 9 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن إسماعيل، عن منصور بزرج، عن مفضل قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إياك والسفلة، فإنما شيعة علي من عف بطنه وفرجه، واشتد جهاده وعمل لخالقه ورجا ثوابه وخاف عقابه، فإذا رأيت أولئك فأولئك شيعة جعفر. * الشرح: قوله (وإياك والسفلة فإنما شيعة علي من عف بطنه وفرجه واشتد جهادته وعمل لخالقه ورجا ثوابه وخاف عقابه فإذا رأيت أولئك فأولئك شيعة جعفر) أي شيعتي، ففيه التفات على قول من جوزه ابتداء، والمراد بالسفلة التابعون للقوة الشهوية والغضبية، التاركون لما يقتضيه القوة العقلية وهو الصفات المذكورة، وإنما سموا سلفة لاستقرارهم كسائر الحيوانات في السافل وعدم ارتقائهم إلى الدرجة الانسانية. وعفة البطن والفرج عما لا يجوز تناوله إشارة إلى كسر القوة الشهوية وضبطها عن التجاوز إلى حد الإفراط فإنها تدعو إلى الشرور والمفاسد التي لا تحصى، واشتداد الجهاد

[ 161 ]

إشارة إلى السعي في طلب زيادة العلم والمبالغة في تنزيه الظاهر والباطن عن الأعمال والأخلاق القبيحة. والعمل الخالص للخالق موقوف عليهما. فلذلك ذكره بعدهما. ثم الخوف والرجاء إنما يعتبران بعد العمل لأنهما بدونه من أثر الحماقة كما مر، ولذا أخرهما والخوف بعد العمل منشؤه جواز التقصير فيه وإمكان عدم قبوله. 10 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن علي بن رئاب عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن شيعة علي كانوا خمص البطون، ذبل الشفاه، أهل رأفة وعلم وحلم، يعرفون بالرهبانية، فأعينوا على ما أنتم عليه بالورع والاجتهاد. * الشرح: قوله (إن شيعة علي (عليه السلام) كانوا خمص البطون وذبل الشفاه) شيعة الرجل بالكسر: أتباعه وأنصاره، ويقع على الواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث وقد غلب هذا الاسم على كل من يتولى عليا (عليه السلام) وأهل بيته حتى صار اسما لهم خاصا. والخمص بالفتح والسكون " لا غر وگرسنه شدن ". يقال خمص البطن مثلثة الميم خمصا إذا خلا وجاع، والخمص والخامص والخميص " مرد لاغر وگرسنه "، والذبل كذلك " خشك شدن لب وبدن ومانند آن " والذبل والذابل مرد خشك لب وبدن، وهما هنا إما مصدران والحمل للمبالغة، أو صفتان، والإفراد لإسنادهما إلى الظاهر، وأما قراءة خمص بضمتين جمع خميص كرغف جمع رغيف وقراءة ذبل بالضم وفتح الباء المشددة جمع ذابل كطلب جمع طالب فبعيدة. والشفاه جمع شفة بالفتح وقد يكسر وشفتا الإنسان طبقتا فمه، وذلك منهم لما علموا من أن في البطنة زوال الفطنة وفوات الرقة وحدوث القسوة والكسل عن العمل وصرف العمر في تحصيل الزائد ويمكن أن يكون كناية عن كثرة صيامهم. 11 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن صفوان الجمال، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إنما المؤمن الذي إذا غضب لم يخرجه غضبه من حق وإذا رضي لم يدخله رضاه في باطل وإذا قدر لم يأخذ أكثر مما له. * الشرح: قوله (إنما المؤمن الذي إذا غضب لم يخرجه غضبه من حق وإذا رضي لم يدخله رضاه في باطل) أي إذا غضب على أحد لم يتجاوز عما يجوز له من حقه وإذا رضي عن أحد لم يدخله رضاه في باطل بالحماية عنه، أو إعطائه ما لا يستحقه أو منع الغير عما يستحقه عليه كما يفعله قضاة السوء وحكام الجور، والمؤمن لا يأثم بشئ من ذلك مع قيام الداعي وهو الغضب والرضا بل يكون على فضيلة العدل في الكل على سواء.

[ 162 ]

12 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن النعمان، عن ابن مسكان، عن سليمان بن خالد، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): يا سليمان أتدري من المسلم ؟ قلت: جعلت فداك أنت أعلم، قال: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، ثم قال: وتدري من المؤمن ؟ قال: قلت: أنت أعلم، قال: [ إن ] المؤمن من ائتمنه المسلمون على أموالهم وأنفسهم والمسلم حرام على المسلم أن يظلمه أو يخذله أو يدفعه دفعة تعنته. * الشرح: قوله (قال المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) أي من شره وانما خص اليد واللسان بالذكر لأنهما أظهر الجوارح في الكسب وليس المقصود حصر المسلم على الموصوف بالصفة المذكورة ونفي الاسلام عن غيره لأن المعنى على الفضل والكمال لا على الحصر (المؤمن من ائتمنه المؤمنون على أموالهم وأنفسهم) لأنه عرف بالأمانة والديانة والصلاح وكمال الايمان بالتجربة واشتهر بها حتى صار أمينا عندهم في أموالهم وأنفسهم. (أو يدفعه دفعة تعنته) كأن المراد يدفعه عن خير ويرده إلى شر يوجب عنته وهو الفساد والإثم والمشقة والشدة والعناء والهلاك والوهي والانكسار والخطاء، وعنت إذا وقع في هذه الأمور، وأعنته غيره تعنيتا شدد عليه وألزمه ما يصعب عليه. وفي كنز اللغة: الدفع: بازداشتن ودور كردن وچيزى را فرا كسى دادن ودافع باز دارنده وبدر آرنده. وفي المصباح: الدفع: التنحية، والدفعة بالفتح: المرة، وبالضم: اسم لما يدفع بمرة. 13 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن أبي أيوب، عن أبي عبيدة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إنما المؤمن الذي إذا رضي لم يدخله رضاه في إثم ولا باطل وإذا سخط لم يخرجه سخطه من قول الحق، والذي إذا قدر لم تخرجه قدرته إلى التعدي إلى ما ليس له بحق. 14 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن أبي البختري رفعه قال: سمعته يقول: المؤمنون هينون لينون كالجمل الآلف إذا قيد انقاد، وإن انيخ على صخرة استناخ. * الشرح: قوله (المؤمنون هينون لينون كالجمل الآلف إذا قيد انقاد، وإن انيخ على صخرة استناخ) هان الشئ هونا بالفتح من باب قال وهو هين بالتخفيف والتثقيل على فيعل وعينه واو وجمعه هينون كذلك، والهون: السهل والسكينة والوقار، وفي الفائق قال ابن الأعرابي: العرب تمدح بالتخفيف وتذم بالتشديد، وقيل: هما واحد. أقول كأنه أراد أن المخفف من الهون بالفتح والمثقل من الهون

[ 163 ]

بالضم. يقال هان الشئ يهون هونا بالضم وهوانا أي ذل وحقر، وفي التنزيل * (أيمسكه على هون) *. ولأن الشئ يلين لينا بالفتح وتلين فهو لين والجمع لينون بالتخفيف والتشديد فيهما وهما بمعنى واحد، أو المخفف للمدح، والمثقل للذم كما مر، والمقصود بيان حسن أخلاقهم وأنهم سهل الانقياد لحكم الله تعالى فيما أمر ونهى قد سمحوا بأنفسهم له فيما قدر وقضى وتلقوا بقبول ما أجرى عليهم وتنزهوا عن مخالفة ما أراد منهم، جمل آلف أي أليف ذلول غير وحشي صعب أن قيد انقاد لصاحبه من غير إباء للقيد، وإن أنيخ وأبرك على صخرة استناخ وبرك، والمنقول من طريق العامة وكتب اللغة مثل الصحاح والنهاية كالجمل الآنف بالنون من أنف البعير وهو آنف أي اشتكى أنفه من البرة وهي حلقة من صفر تجعل في لحم أنف البعير فصار لذلك الوجع الذي به ذلولا منقادا. 15 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ثلاثة من علامات المؤمن: العلم بالله ومن يحب ومن يكره. * الشرح: قوله (من علامات المؤمن العلم بالله ومن يحب ومن يكره) أي من علاماته معرفة الله تعالى ومعرفة من يحبه ومن يكرهه فإن من عرف الله تعالى آمن به ومن عرف من يحبه مثل النبي والأئمة (عليهم السلام) واتباعهم تابعه، ومن عرف من يكرهه الله تعالى اعتزل عنه، وهذه المعارف أصل لجميع الخيرات وأعظم علامات المؤمن. 16 - وبهذا الإسناد قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): المؤمن كمثل شجرة لا يتحات ورقها في شتاء ولا صيف، قالوا: يا رسول الله وما هي ؟ قال: النخلة. * الشرح: قوله (وبهذا الإسناد قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) المؤمن كمثل شجرة لا يتحات ورقها في شتاء ولا صيف. قالوا: يا رسول الله وما هي ؟ قال النخلة) نظير ذلك ورد من طرق العامة ففي مسلم عن عبد الله ابن عمر قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) " إن من الشجرة شجرة لا يسقط ورقها وإنها مثل المسلم فحدثوني ما هي ؟ فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبد الله وقع في نفسي أنها النخلة فاستحييت، ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله ؟ قال فقال: هي النخلة " وإنما شبه المؤمن بالنخلة لكثرة خيرها ودوام ظلها وطيب ثمرها ووجوده على الدوام فإنه من حين يطلع لا يزال يوكل حتى ييبس وبعد أن يبس، وفيها منافع كثيرة جذوعها خشب في البناءات والآلات وجرائدها حطب وعصى ومحابر وحصر، وليفها حبال وحطب، وحشوها للوسايد وغير ذلك من وجوه نفعها وجمال نباتها وحسن

[ 164 ]

هيآتها كما أن المؤمن خير كله من كثرة طاعته وكرم أخلاقه. هذا الصحيح في وجه التشبيه، وقيل: وجه التشبيه أنه إذا قطع رأسها ماتت بخلاف غيرها من الشجر، وقيل: إنها لا تحمل حتى تلقح ولذلك سماها في الحديث عمة فقال " أكرموا عماتكم النخل " وقيل: لأن أحوالها من حين تطلع إلى تمام ثمرها سبعة كأحوال المؤمن من التوبة إلى قرب الحق سبعة: التوبة ثم الاجتهاد ثم الخوف ثم الرجاء ثم الإرادة ثم المحبة ثم الرضا، وثمر النخل طلع ثم أغريص ثم بلح ثم بسر ثم زهو ثم تمر ثم رطب. 17 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن اورمة، عن [ أبي ] إبراهيم الأعجمي، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: المؤمن حليم لا يجهل، وإن جهل عليه يحلم، ولا يظلم وإن ظلم غفر، ولا ينجل وإن نجل عليه صبر. * الشرح: قوله (ولا ينجل وإن نجل عليه صبر) النجل بالنون والجيم الطعن والشق، ونجل الناس بثأرهم وتناجلوا: تنازعوا، يعني: إن طعنه أحد وسفه عليه صبر ولم يقابله بمثله. 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن إسماعيل بن مهران، عن منذر بن جيفر، عن آدم أبي الحسين اللؤلوئي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: المؤمن من طاب مكسبه، وحسنت خليقته، وصحت سريرته وأنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من كلامه، وكفى الناس شره، وأنصف الناس من نفسه. * الشرح: قوله (المؤمن من طاب مكسبه) ذكر فيه من خصال المؤمن سبعة أوصاف: الأول: طيب كسبه أو محل كسبه وهو يشمل طيب مكسبه للدنيا والآخرة بأن يطلب المعيشة من طريق يجوز شرعا وعقلا ولا يطلب زائدا على الكفاف ولا يفنى عمره فيما لا يحتاج إليه ويجعل أعماله موافقة للقوانين الشرعية ويصونها عن العلائق البشرية والشواغل القلبية خالصا لله. الثاني: حسن الخليقة والطبيعة بالتحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل مثل الحقد والحسد والغضب وغيرها. الثالث: صحة السريرة أي القلب باتصافه بصحة العقائد وتيقظه في جميع الحالات ومراقبته في جميع الحركات والسكنات، والرابع: إنفاق الفضل من المال وهو ينشأ من تصور فضل الإنفاق والتصديق بأن إمساك الفضل لا ينفعه وإنفاقه لا يضره.

[ 165 ]

الخامس: إمساك الفضل من الكلام وهو ما لا ينفع في الآخرة سواء يضره أم لا، فيشمل المباح وأكثر كلام الناس في المجالس من هذا القبيل. السادس: كفاية الناس من شره ولا يتم ذلك إلا بالعدالة التابعة للاعتدال في القوة العقلية والشهوية والغضبية. السابع: إنصاف الناس من نفسه بأن يحب للناس ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه، ولا يتصف بالإنصاف إلا من لمعت في قلبه الأسرار الإلهية، وانغلقت عنه أبواب الوساوس الشيطانية فإنه حينئذ لا يرجح نفسه على غيره إذا كان الحق مع ذلك الغير بل هو حاكم له على نفسه. 19 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن الحسن بن علي، عن أبي كهمس، عن سليمان بن خالد، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ألا انبئكم بالمؤمن ؟ من المؤمنون على أنفسهم وأموالهم، ألا انبئكم بالمسلم ؟ من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر السيئات وترك ما حرم الله، والمؤمن حرام على المؤمن أن يظلمه أو يخذله أو يغتابه أو يدفعه دفعة. * الشرح: قوله (والمهاجر من هجر السيئات) أي المهاجر الذي مدحه الله تعالى هو هذا يعنى أنه الفرد الكامل منه وإلا فالمهاجر يطلق أيضا على من هاجر من مكة إلى المدينة قبل الفتح وعلى من هاجر من البدو إلى المدينة وعلى من هاجر من بلاد كفر عند خوف الجور والفساد وعدم التمكن من إظهار شعائر الاسلام كما قيل في قوله تعالى * (يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياى فاعبدون) *. 20 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن مفضل بن عمر، عن أبي أيوب العطار، عن جابر قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): إنما شيعة علي الحلماء، العلماء، الذبل الشفاه، تعرف الرهبانية على وجوههم. * الشرح: قوله (إنما شيعة علي (عليه السلام) العلماء الحلماء الذبل الشفاه تعرف الرهبانية على وجوههم) العلماء إشارة إلى كمال قوتهم النظرية بالعلم النظري وهو معرفة الصانع وصفاته ودينه وغير ذلك، والحلماء إشارة إلى كمالهم في القوة الغضبية لأن الحلم ملكة تحت الشجاعة الحاصلة من اعتدال تلك القوة، والذبل الشفاه وما بعده إشارة إلى كمالهم في القوة العملية، والراهب من انقطع للعبادة ومصدره الرهبة والرهبانية.

[ 166 ]

21 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن الحسن بن محبوب، عن عبد الله بن سنان، عن معروف بن خربوذ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: صلى أمير المؤمنين (عليه السلام) بالناس الصبح بالعراق، فلما انصرف وعظهم فبكى وأبكاهم من خوف الله، ثم قال: أما والله لقد عهدت أقواما على عهد خليلي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإنهم ليصبحون ويمسون شعثا غبرا خمصا، بين أعينهم كركب المعزى، يبيتون لربهم سجدا وقياما يراوحون بين أقدامهم وجباهم، يناجون ربهم ويسألونه فكاك رقابهم من النار والله لقد رأيتهم مع هذا وهم خائفون مشفقون. * الشرح: قوله (لقد عهدت أقواما على عهد خليلي) العهد " ديدن وياد داشتن " ومنهم سلمان وأبو ذر وعمار وابن التيهان - بتشديد الياء وسكونها - وذو الشهادتين وهؤلاء الثلاثة قتلوا في صفين وغيرهم من إخوانهم الذين تعاقدوا على المنية في صفين فقاتلوا حتى قتلوا. (شعثا غبرا خمصا بين أعينهم كركب المعزى) كأن الأخير جمع الخميص وهو الجائع والأولين مؤنث الأشعث والأغبر كحمراء وأحمر، والتأنيث بتأويل الجماعة، والأشعث: المنتشر أمره والمتغير لونه والمتلبد شعره لقلة تعهده بالدهن والمتسخ ثوبه من غير استحداد ولا تنظف، والأغبر: المتلطخ بالغبار، والركب: جمع الركبة كالغرف جمع الغرفة، والمغر: اسم جنس لا واحد له من لفظه وهي ذوات شعر من الغنم، الواحدة: شاة وتفتح العين وتسكن والمعزى ألفها للإلحاق لا للتأنيث، ولهذا تنون في النكرة، والذكر ماعز، والأنثى ماعزة، والمقصود من هذا التشبيه هو وصفهم بكثرة السجود لأنه يحصل بها في الجبهة صلابة وخشونة لكثرة وضعها على الأرض (يراوحون بين أقدامهم وجباههم) أي إذا تعبت أقدامهم بطول القيام يراوحون بينها وبين الجباه فيضعون الجباه على التراب تواضعا لله وتذللا له. (والله لقد رأيتهم مع هذا وهم خائفون مشفقون) أي وهم خائفون من رد أعمالهم، مشفقون من عذاب النار وخوفهم من ذلك يعود إلى الخوف مما يحكم به الأوهام من حسن العبادة وكمالها ووقوعها على الوجه المطلوب الموصل إلى الله تعالى قطعا مع انقياد النفس الأمارة بالسوء لها، وهذا الوهم والانقياد مبدءان للتعجب بالعبادة والتقاصر عن الازدياد، والخوف من ذلك باعث على العمل والسعي فيه وفي تجويده، وكاسر للعجب ومبدئه. والعجب من الملهكات. 22 - عنه، عن السندي بن محمد، عن محمد بن الصلت، عن أبي حمزة، عن علي بن الحسين (عليهما السلام) قال: صلى أمير المؤمنين (عليه السلام) الفجر ثم لم يزل في موضعه حتى صارت الشمس على قيد رمح وأقبل على الناس بوجهه، فقال: والله لقد أدركت أقواما يبيتون لربهم سجدا وقياما

[ 167 ]

يخالفون بين جباههم وركبهم، كأن زفير النار في آذانهم إذا ذكر الله عندهم مادوا كما يميد الشجر، كأنما القوم باتوا غافلين، قال: ثم قام فما رئي ضاحكا حتى قبض صلوات الله عليه. * الشرح: قوله (حتى صارت الشمس على قدر رمح) في بعض النسخ على قيد رمح. القيد: القدر. (يخالفون بين جباههم وركبهم) أي يضعون جباههم على التراب خلف وضع ركبهم عليه يأتون بأحدهما عقب الآخر. (كأن زفير النار في آذانهم) أشار به إلى سبب تمرنهم بالطاعات وإحياء الليالي بالعبادات وهو كون علمهم بأحوال الجنة والنار في مرتبة عين اليقين. (وإذا ذكر الله عندهم مادوا كما يميد الشجر) أي مالوا وتحركوا واضطربوا، وفيه تلميح إلى قوله تعالى * (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) *. (كأنما القوم باتوا غافلين) اللام للعهد والمراد أنهم مادوا واضطربوا عند ذكره تعالى خشية منه كأنهم باتوا غافلين عنه تاركين لعبادته لعدم اعتدادهم بها نظرا إلى كمال عظمته تعالى، والغرض من هذا الحديث هو الحث على الاقتداء به. (فما رئي ضاحكا حتى قبض صلوات الله عليه) لاستيلاء الخوف على قلبه الطاهر والخوف الشديد يوجب الحزن الدائم. 23 - علي بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن المفضل بن عمر قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا أردت أن تعرف أصحابي فانظر إلى من اشتد ورعه وخاف خالقه ورجا ثوابه وإذا رأيت هؤلاء فهؤلاء أصحابي. * الشرح: قوله (إذا أردت أن تعرف أصحابي فانظر إلى من اشتد ورعه وخاف خالقه ورجا ثوابه) أشار به إلى أن أصحابه من أقر به وتبعه في العمل واتصف بالخوف والرجاء المستلزمين للزهد في الدنيا والإقبال إلى الآخرة وقد دلت عليه روايات أخر وكأن المراد بهم الخلص من الشيعة وهم الذين دلت الروايات على أنهم لا يدخلون النار. 24 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن محمد بن الحسن بن شمون عن عبد الله بن عمرو بن الأشعث، عن عبد الله بن حماد الأنصاري، عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبيه، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): شيعتنا المتباذلون في ولايتنا، المتحابون في مودتنا، المتزاورون في إحياء أمرنا، الذين إن غضبوا لم يظلموا وإن رضوا لم يسرفوا، بركة على

[ 168 ]

من جاوروا، سلم لمن خالطوا. * الشرح: قوله (شيعتنا المتباذلون في ولايتنا) ذكر (عليه السلام) للشيعة سبع خصال: الأولى: التباذل أي بذل بعضهم فضل ماله ولفظة " في " إما للسببية أو لأحد المعاني الثلاثة المذكورة قبيل ذلك. الثانية: التحابب أي حب بعضهم بعضا ولا يتحقق ذلك إلا بتحقيق آثاره. الثالثة: التزاور أي زيارة بعضهم بعضا لقصد إحياء أمر الأئمة (عليهم السلام) وذكر شرفهم وفضلهم. الرابعة: رفض الظلم عند سورة الغضب وهو مسبب عن كمال الاعتدال في القوة الغضبية. الخامسة: عدم الإسراف أي عدم التجاوز عن القصد ورفض الميل إلى الباطل وترك التعصب والحمية عند الرضا عن أحد وهو من توابع العدل. السادسة: كونهم بركة على الجار لإيصال النفع إليه ودفع الضر عنه، السابعة: كونهم سلما لمن خالطوه وهو بكسر السين وفتحها الصلح ويذكر ويؤنث. 25 - عنه، عن محمد بن علي، عن محمد بن سنان، عن عيسى النهر يري، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من عرف الله وعظمه منع فاه من الكلام وبطنه من الطعام وعفى نفسه بالصيام والقيام، قالوا: بآبائنا وامهاتنا يا رسول الله هؤلاء أولياء الله ؟ قال: إن أولياء الله سكتوا فكان سكوتهم ذكرا، ونظروا فكان نظرهم عبرة، ونطقوا فكان نطقهم حكمة، ومشوا فكان مشيهم بين الناس بركة، لولا الآجال التي قد كتبت عليهم لم تقر أرواحه في أجسادهم خوفا من العذاب وشوقا إلى الثواب. * الشرح: قوله (عن عيسى البهريري) هكذا بالباء الموحدة قبل الياء الأولى في بعض النسخ، وفي بعضها النهري، وفي بعضها الجريري وهو الموافق لما ذكره الشيخ في الأربعين وقال في حاشيته: الجريري بضم الجيم منسوب إلى جرير بن عباد بالضم والتخفيف، وفي كتاب الرجال: عيسى بن أعين الجريري الأسدي مولى كوفي ثقة روى عن أبي عبد الله (عليه السلام). (من عرف الله وعظمته) في بعض النسخ وعظمه من التعظيم عطفا على عرف والمراد بمعرفته معرفة صفاته الجلالية والجمالية بقدر طاقة الإنسان، وأما معرفة حقيقة ذاته وصفاته فمما لا سبيل إليه لمن اتصف بصفة الإمكان. (منع فاه من الكلام وبطنه من الطعام) فإن حفظ اللسان عن الفضول باب النجاة، وحفظ البطن من الطعام مفتاح الخيرات لأن الفضول من الكلام يسود لوح النفس ويفسد العمل والإكثار من الطعام يوجب زوال الرقة وحدوث القسوة والكسل.

[ 169 ]

(وعفى نفسه بالصيام والقيام) أي جعلها صافية خالصة أو جعلها مندرسة ضعيفة ذليلة لأن الصيام والقيام بوظائف الطاعات يكسران شهوة النفس، وفي بعض النسخ عنا نفسه بالعين المهملة والنون المشددة أي أتعب، والعناء بالفتح والمد: التعب. (قالوا بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله هؤلاء أولياء الله) أي نفديك بآبائنا وأمهاتنا فالباء للتفدية بحذف الفعل وهي في الحقيقة باء العوض نحو خذ هذا بهذا، وقولهم هؤلاء أولياء الله استفهام. ويحتمل أن يكون خبرا قصد به لازم الحكم وهو علمهم بذلك. (قال: إن أولياء الله سكتوا فكان سكوتهم ذكرا) لاشتغال قلوبهم الطاهرة بذكر الله تعالى وذكر علمه وقدرته وحكمته بملاحظة آثاره الغريبة وأفعاله العجيبة وحمل الذكر على السكوت للمبالغة في السببية والاشعار بكونه لازما غير منفك وكذا في القرائن الآتية وهذا إما رد لقولهم: هؤلاء أولياء الله، يعني أولياء الله صنف آخر صفاتهم فوق الصفات الثلاثة المذكورة أو تصديق له، ووصف للأولياء بصفات أخرى زيادة على الصفات المذكورة، وأمر التأكيد على الأول ظاهر لكون المخاطب مترددا أو حاكما بخلافه، وأما على الثاني مع أن المخاطب قائل بالحكم مصدق له فلصدوره عنه (صلى الله عليه وآله) عن كمال الرغبة ووفور النشاط لأنه في وصف أولياء الله بأعظم الصفات فكان مظنة التأكيد، كما ذكره الشيخ في الأربعين وصاحب الكشاف عند قوله تعالى * (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون) *. (ونظروا فكان نظرهم عبرة) نظروا إلى الاشياء كلها وعبروا من أخسها إلى أحسنها، مثلا نظروا إلى الدنيا والآخرة فرأوا بعين البصيرة أن الدنيا دار الغرور، والآخرة دار القرار فطلبوا الآخرة واشتغلوا بإصلاحها وتركوا الدنيا بأسرها ونظروا إلى أحوال الصالحين وأحوال الفاسقين، وعرفوا التفاوت بينهما فطلبوا الأسوة بالصالحين. (ونطقوا فكان نطقهم حكمة) وهي ما ينفع في الآخرة من العلوم والمعارف والعقائد الصحيحة والأخلاق الحسنة والأعمال الصالحة، وهداية الخلق إليها وحثهم عليها، وذلك لكمال اعتدالهم في القوة العقلية. (ومشوا فكان مشيهم بين الناس بركة) لأن قصدهم رفع الحوائج عن الناس وطلب المنافع لهم ودفع المضار عنهم مع أن وجودهم سبب لسعة أرزاقهم ورفع البلاء عنهم. (لولا الآجال التي قد كتبت عليهم لم تقر أرواحهم في أجسادهم خوفا من العذاب وشوقا إلى الثواب) أراد أن غلبة الشوق إلى ثواب الله والخوف من عقابه على نفوسهم القدسية إلى غاية أن أرواحهم لا تستقر في أجسادهم من ذلك، لولا الآجال التي قد كتبت عليهم، وهذا الخوف والشوق

[ 170 ]

يستلزمان دوام الجد في العمل والإعراض عن الدنيا، ومبدؤهما تصور عظمة الخالق وبحسب قوة ذلك التصور يكون قوة الخوف والرجاء وهما بابان عظيمان للجنة. وينبغي أن يعلم أن جوهر البسيط الانساني إذا صفا عن الكدورات الجسمانية وخلا عن اللذات الطبيعية اتصل بعالم القدس وشاهد بنور البصيرة جمال الحق واستغرق في تجلياته وقطع عنه علائق الكثرة. وهذه المرتبة هي مرتبة حق اليقين وليست عند صاحب هذه المرتبة زيادة فرق بين تعلق جوهره ببدنه وتجرده عنه لأن استعمال القوى البدنية لا يمنعه من النظر إلى الكمال الحقيقي إلا أن ذلك النظر بعد تجرده التام ومفارقته بالكلية عن ذلك التعلق أصفى وأتم إذ هو ما دام التعلق لا يخلو من خوف فوات تلك المرتبة بمقتضيات التعلق والشهود التام، والأمن من الخوف إنما يحصلان بعد التجرد التام وزوال التعلق بالكلية فلذلك صاحبها يترقب رفع هذا الحجاب وكشف هذا النقاب خوفا من العذاب، وأشده فوات هذه المرتبة وشوقا إلى الثواب وأعظمه شهود جمال الحق. 26 - عنه، عن بعض أصحابه من العراقيين، رفعه قال: خطب الناس الحسن بن علي صلوات الله عليهما فقال: أيها الناس أنا اخبركم عن أخ لي كان من أعظم الناس في عيني وكان رأس ما عظم به في عيني، صغر الدنيا في عينه، كان خارجا من سلطان بطنه، فلا يشتهي مالا يجد ولا يكثر إذا وجد، كان خارجا من سلطان فرجه، فلا يستخف له عقله ولا رأيه، كان خارجا من سلطان الجهالة فلا يمد يده إلا على ثقة لمنفعة، كان لا يتشهي ولا يتسخط ولا يتبرم، كان أكثر دهره صماتا، فإذا قال بذ القائلين كان لا يدخل في مراء، ولا يشارك في دعوى، ولا يدلي بحجة حتى يرى قاضيا، وكان لا يغفل عن إخوانه، ولا يخص نفسه بشئ دونهم، كان ضعيفا مستضعفا فإذا جاء الجد كان ليثا عاديا، كان لا يلوم أحدا فيما يقع العذر في مثله حتى يرى اعتذارا، كان يفعل ما يقول ويفعل مالا يقول، كان إذا ابتزه أمران لا يدري أيهما أفضل نظر إلى أقربهما إلى الهوى فخالفه، كان لا يشكو وجعا إلا عند من يرجو عنده البرء. ولا يستشير إلا من يرجو عنده النصيحة، كان لا يتبرم ولا يتسخط ولا يتشكى ولا يتشهي ولا ينتقم ولا يغفل عن العدو فعليكم بمثل هذه الأخلاق الكريمة إن أطقتموها، فإن لم تطيقوها كلها فأخذ القليل خير من ترك الكثير ولا حول ولا قوة إلا بالله. * الشرح: قوله (أنا اخبركم عن أخ لي كان من أعظم الناس في عيني) أريد بالأخ أبو ذر الغفاري على احتمال، وبالأعظم: الأعظم قدرا ومنزلة. (وكان رأس ما عظم به في عيني صغر الدنيا في عينه) الرأس: الأصل، والصغر وزان قفل: الذل

[ 171 ]

والهوان، وهو خبر كان، وفاعل عظم ضمير الأخ، وضمير " به " عائد إلى الموصول، والباء للسببية (كان خارجا من سلطان بطنه) أي لم يكن لبطنه سلطنة وغلبة حيث أمات قوته الشهوية. وذكر لهذا علامتين فقال: (فلا يشتهي ما لا يجد ولا يكثر إذا وجد) أي فلا يشتهي ما لا يجد من نعم الدنيا ولا يشتاق إليها ولا يكثر إذا وجد شيئا منها وذلك لأنه ترك الدنيا لهوانها، والدرجة العليا والغاية القصوى من ترك الدنيا قطع المألوفات وترك المستحسنات وعدم صرف الهمة إلى تحصيل ما لم يجد من المشتهيات وإكثار ما وجد من الزهرات. (كان خارجا من سلطان فرجه) أي لم يكن فرجه عليه سلطنة أصلا أو فيما لا يجوز استعماله فيه. وذكر لهذا أيضا علامتين فقال: (فلا يستخف له عقله ولا رأيه) استخفه خلاف استثقله، ومعناه طلب منه الخفة يعني فلا يطلب لأجل فرجه وقضاء شهوته الخفة من عقله ورأيه أو تدبيره في إطاعتهما له. والحاصل أنه لا يجعل عقله ورأيه خفيفين سريعين مطيعين له في قضاء حوائج الفرج بل عقله رزين ورأيه متين لا يحركهما عواصف اللذات، وإرجاع الضمير في له إلى الأخ، ورفع عقله وما عطف عليه بعيد (وكان خارجا من سلطان الجهالة) لكونه كاملا في القوة العقلية فلا سلطنة للجهل عليه وذكر لهذا علامة فقال: (فلا يمد يده إلا على ثقة لمنفعة) لأن العاقل العالم الكامل لا يتناول شيئا إلا على ثقة ويقين بكونه منفعة لكونه عارفا بحقائق الأشياء ومباديها ومآلها ومنافعها ومضارها بخلاف الجاهل فإن أكثر ما يتناوله مضر في الدنيا والآخرة. (وكان لا يتشهى ولا يتسخط ولا يتبرم) أي كان لا يحب الدنيا ولا يرغب فيها ولا يتسخط بنصيبه منها وإن قل، أو لا يستقله من تسخط عطاءه إذا استقله أو لا يغضب لأجلها ولا يضجر ولا يغتم بفواتها (كان أكثر دهره صماتا) أي كثير السكوت إلا عن الخير، والمراد بالدهر هنا مدة العمر (فإذا قال بذ القائلين) أي فإذا تكلم بالحق غلب على القائلين وسبقهم لكمال عقله وكثرة علمه وصيرورة المعارف ملكة في جوهر نفسه. (كان لا يدخل في مراء ولا يشارك في دعوى ولا يدلي بحجة حتى يرى قاضيا) في المصباح: ماريته أماريه مماراة ومراء: جادلته، ويقال ماريته أيضا إذا طعنت في قوله تزييفا للقول وتصغيرا للقائل. ولا يكون المراء إلا اعتراضا بخلاف الجدال فإنه يكون ابتداء واعتراضا، وأدلى بحجته: احتج بها وأثبتها فوصل بها إلى دعواه. يعنى كان لا يتعرض للمجادل وتزييف قوله ولا يتصدى

[ 172 ]

للمدعي وإبطال دعواه ولا يتمسك بحجته في إثبات مدعاه حتى يرى قاضيا بالحق قاطعا للنزاع، وهذا من كمال النفس ورزانة العقل، والتكلم في هذه الأمور قبل وجدان الحاكم العادل المميز بين الحق والباطل من آداب السفهاء وسنن الجهلاء. (وكان لا يغفل عن إخوانه ولا يخص نفسه بشئ دونهم) هذا من كمال شفقته ورقة قلبه ولينة طبعه حيث أنه لا يغفل عن تفقد أحوال إخوانه المؤمنين في جميع الحالات ولا يخص نفسه دونهم بشئ من الخيرات بل يريد لهم ما يريد لنفسه. ويكره لهم ما يكره لنفسه. ووجه تخصيص كان هنا بالعطف خفي فليتأمل. (كان ضعيفا مستضعفا) منشأ الأول كثرة الصيام والقيام بالصلاة وسائر العبادات والسهر وخشونة المطعم والملبس وهجر الملاذ والشهوات الدنيوية، حتى صار ضعيفا في بدنه. ومنشأ الثاني تواضعه للمؤمنين وعدم مجادلته وتغلبه عليهم حتى استضعفوه وعدوه ضعيفا وإن كان قويا في نفس الأمر كما أشار إليه بقوله: (فإذا جاء الجد كان ليثا عاديا) الجد: الاجتهاد في الأمر والمراد به هنا المحاربة والمجاهدة، والسبع العادي الظالم الذي يفترس الناس. يعني إن كان وقت المجاهدة مع أعداء الدين فهو بمنزلة الأسد في الهيبة والقوة والصولة وهذا مقتبس من قوله تعالى في وصف أمير المؤمنين والأئمة من أولاده الطاهرين (عليهم السلام) * (أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين) * وقرئ " غاديا " بالغين المعجمة أيضا وانما وصف الأسد به لأن الأسد إذا غدى كان جايعا فصولته أشد (كان لا يلوم أحدا فيما يقع العذر في مثله حتى يرى اعتذارا) أي كان من عادته الحسنة أن لا يسرع بملامة أحد إذا قصر في حقه لإمكان أن يكون له عذر، وليس المقصود اللوم بعد الاعتذار نظيره قولك: لا أطلب رزقي حتى يأتيني، لأنك لم تقصد الطلب بعد إتيانه. (كان يفعل ما يقول ويفعل ما لا يقول) أي كان يفعل كل ما يقول ويأمر به غيره ويفعل ما لا يقوله، وفيه مبالغة لكمال عنايته بالتقرب إلى الله تعالى، وتلميح إلى تشبثه بقوله تعالى * (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون) *. (كان إذا ابتزه أمر ان لا يدري أيها أفضل نظر إلى أقربهما إلى الهوى فخالفه) البز والابتزاز: القهر والغلبة وأخذ الشئ بجفاء وقهر، وإنما خالف ما تهواه النفس وتميل إليه وهو الأخف الأسهل لطلب الأثقل الأشق عليها. (كان لا يشكو وجعا إلا عند من يرجو عنده البرء) وهو الله تعالى أو غيره أيضا، وذلك لقوة صبره وإحاطة علمه بأن الشكاية عند غيره شكاية من الله تعالى، وهذا ليس من دأب العارفين، وأما

[ 173 ]

عند من يرجو البرء عنده فليس بشكاية بل طلب لعلاجه وهو ممدوح عقلا وشرعا. هذا حال الشكاية عن الوجع حال وجوده. وأما الشكاية عنه بعد الصحة فقيل تجوز لأنها نوع من الشكر. هذا يتم إذا قال مثلا كان بي وجع كذا فمن الله على بالصحة. أما لو قال مثلا كان بي وجع هو لم يكن بأحد فالظاهر أنه شكاية من الله. (ولا يستشير إلا من يرجو عنده النصيحة) لأنه بنور بصيرته وكمال فطنته يعرف أحوال الناس ويميز بين الناصح والغاش فلا يستشير في أمر من اموره إلا من يعلم أو يظن أنه ينصحه ويرشده إلى مصالحه. (كان لا يتبرم ولا يتسخط ولا يتشكى) أي من الوجع فلا تكرار، والتشكي " شكوه وگله كردن " (ولا يتشهى ولا ينتقم) تشهى " آرزو كردن ". انتقام " كينه كشيدن از كسى "، وفيه إشارة إلى اعتداله في القوة الشهوية والغضبية وجعله إياهما تحت حكم العقل. (ولا يغفل عن العدو) الداخل والخارج أما الداخل فكإفراط القوتين المذكورتين والأخلاق الذميمية وأهواء النفس الأمارة بالسوء، وأما الخارج فكالشياطين من الجن والإنس وأفعال الجوارح الخارجة عن القوانين الشرعية، وفيه إشارة إلى كماله في القوة العقلية. 27 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن مهزم، وبعض أصحابنا، عن محمد بن علي، عن محمد بن إسحاق الكاهلي، وأبو علي الأشعري، عن الحسين بن علي الكوفي، عن العباس بن عامر، عن ربيع بن محمد، جميعا، عن مهزم الأسدي قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): يا مهزم شيعتنا من لا يعدو صوته سمعه، ولا شحناؤه يديه ولا يمتدح بنا معلنا ولا يجالس لنا عائبا ولا يخاصم لنا قاليا، إن لقي مؤمنا أكرمه وإن لقي جاهلا هجره. قلت: جعلت فداك فكيف أصنع بهؤلاء المتشيعة ؟ قال: فيهم التمييز وفيهم التبديل، وفيهم التمحيص، تأتي عليهم سنون تفنيهم وطاعون يقتلهم واختلاف يبددهم. شيعتنا من لا يهر هرير الكلب ولا يطمع طمع الغراب ولا يسأل عدونا وإن مات جوعا. قلت: جعلت فداك فأين أطلب هؤلاء ؟ قال: في أطراف الأرض، أولئك الخفيض عيشهم، المنتقلة ديارهم، إن شهدوا لم يعرفوا وإن غابوا لم يفتقدوا، ومن الموت لا يجزعون، وفي القبور يتزاورون، وإن لجأ إليهم ذو حاجة منهم رحموه، لن تختلف قلوبهم وإن اختلف بهم الديار، ثم قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنا المدينة وعلي الباب، كذب من زعم أنه يدخل المدينة لا من قبل الباب وكذب من زعم أنه يحبني ويبغض عليا صلوات الله عليه. * الشرح:

[ 174 ]

قوله (شيعتنا من لا يعدو صوته سمعه) لخفاء صوته الدال على لين طبعه، فإن الصوت الشديد دال على غلظته ولذلك يكون مذموما كما قال عز وجل * (إن أنكر الأصوات لصوت الحمير) * وفي بعض النسخ " من لا يعلو ". (ولا شحناؤه يديه) الشحناء العداوة والبغضاء يعني أنهما تحت يده وقدرته يدفعهما باللطف والرفق (ولا يمتدح بنا معلنا) امتداح " ستودن " من المدح وهو ثناء أحد بما فيه من الصفات الجميلة خلقية كانت أو اختيارية، والظاهر أن الباء في " بنا " للتعدية، ولعل وجه ذلك أن إعلان مدحهم مضر لهم وللمادح. (ولا يجالس لنا عائبا) لئلا يماثله ولا يشاركه في الإثم والعقوبة وقد أمر الله تعالى بالإعراض عنه ونهى عن مجالسته بقوله * (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره) * وقوله * (قد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم) * والآيات الأئمة (عليهم السلام) (ولا يخاصم لنا قاليا) أي مبغضا معاندا لأن مخاصمته لا تثمر إلا الضرر وزيادة العداوة والبغض (إن لقي مؤمنا أكرمه) لإيمانه، بأنحاء من الإكرام والإعظام. (وإن لقي جاهلا هجره) لجهله وهوانه وللتحرز من أثر جهله، ويندرج في الجاهل العاصي والعالم الذي لا يعمل بعلمه بل الهجر عنه أولى لأن له قوة رأي يغلب بها على صاحبه بالحيل والتزوير (قلت جعلت فداك فكيف أصنع بهؤلاء المتشيعة) أي الذين يدعون التشيع وليس لهم معناه وعلاماته. (قال فيهم التمييز وفيهم التبديل وفيهم التمحيص تأتى عليهم سنون تفنيهم وطاعون يقتلهم واختلاف يبددهم) ذكر (عليه السلام) أمورا توجب خروجهم من الفرقة الناجية أو هلاكهم بالأعمال والأخلاق الشنيعة في الدنيا والآخرة، أحدها التمييز بين الثابت الراسخ وغيره يقال مزته ميزا من باب باع بمعنى عزلته وفصلته من غيره، والثقيل مبالغة وذلك يكون في المشتبهات نحو * (ليميز الله الخبيث من الطيب) * وفي المختلطات نحو * (وامتازوا اليوم أيها المجرمون) * وتميز الشئ انفصاله من غيره، وثانيها: التبديل أي تبديل حالهم بحال أحسن أو تبديلهم بقوم آخرين لا يكونوا أمثالهم والله يعلم، وثالثها: التمحيص وهو الابتلاء والاختبار والتخليص، تقول: محصت الذهب بالنار إذا خلصته مما يشوبه، وبذلك التميز والاختبار يخرج خلق كثير، كما يدل عليه ما روي عن ابن أبي يعفور قال " سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ويل لطغاة العرب من أمر قد اقترب، قلت: جعلت فداك كم مع القائم من العرب ؟ قال نفر يسير، قلت: والله إن من يصف هذا الأمر منهم لكثير، قال:

[ 175 ]

لابد للناس من أن يمحصوا ويميزوا ويغربلوا ويستخرج في الغربال خلق كثير " (1)، ورابعها: السنون وهي الجدب والقحط قال الله تعالى * (ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين) * والواحد السنة وهي محذوفة اللام، وفيها لغتان أحدهما جعل اللام هاء والأصل سنهة وتجمع على سنهات مثل سجدة وسجدات وتصغر على سنيهة، وأرض سنهاء: أصابتها السنهة أي الجدب، والثانية جعلها واوا والأصل سنوة وتجمع على سنوات مثل شهوة وشهوات وتصغر على سنية. وأرض سنواء: أصابتها السنوة وتجمع في اللغتين كجمع المذكر السالم أيضا فيقال: سنون وسنين وتحذف النون للإضافة، وفي لغة تثبت الياء في الأحوال كلها وتجعل النون حرف إعراب تنون في التنكير ولا تحذف مع الإضافة كأنها من أصول الكلمة، وعلى هذه اللغة قوله (صلى الله عليه وآله): اللهم اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف. وخامسها: الطاعون وهو الموت من الوباء والجمع الطواعين وطعن الإنسان بالبناء للمفعول أصابه الطاعون فهو مطعون. وسادسها: اختلاف يبددهم أي اختلاف بينهم بالتدابر والتقاطع والتنازع أو غيرها يبددهم ويفرقهم تفريقا شديدا تقول بددت الشئ بدا من باب قتل إذا فرقته، والتثقيل مبالغة وتكثير. (شيعتنا من لا يهر هرير الكلب ولا يطمع طمع الغراب) الهرير صوت الكلب وهو دون النباح وهو مصدر هر يهر من باب ضرب وبه يشبه نظر الكماة بعضهم إلى بعض، ومنه ليلة الهرير وهي وقعة كانت بين علي (عليه السلام) ومعاوية بظاهر الكوفة، وفيه إشارة إلى أن الشيعة من كسر قوته الشهوية والغضبية فإن إفراط القوة الغضبية في رجل يجعله شبيها بالكلاب وإفراط القوة الشهوية يجعله شبيها بالغراب. (ولا يسأل عدونا وإن مات جوعا) كأنه من باب المبالغة أو مع إمكان سؤال غير العدو، وإلا فالظاهر أن السؤال مطلقا عند ظن الموت من الجوع واجب، ثم المراد بالسؤال السؤال بلا عوض، وأما معه كالاقتراض فالظاهر أنه جائز. (قلت جعلت فداك فأين أطلب هؤلاء) لقلة وجود من اتصف بالصفات المذكورة. (قال في أطراف الأرض) لأنهم يستوحشون من الناس لما رأوا منهم ما يوجب تنفر القلوب عنهم (أولئك الخفيض عيشهم) العيش " زندگانى " والخفض: الراحة، ووجه كون عيشهم خفيضا أنهم تركوا الدنيا ولم يحملوا على أنفسهم ثقل ملاذها ونزهوا قلوبهم عن لوث همومها وغمومها (المنتقلة ديارهم) لأنهم سايحون في الأرض وليس لهم مسكن معين لأن طلب الفيض المستعد


1 - تقدم في المجلد السادس ص 320. (*)

[ 176 ]

لقبوله لابد له من رفع الموانع وأعظمها صحبة الناس، الذين طبايعهم معوجة وقلوبهم منكوسة، وعقولهم ضعيفة، وشهواتهم قوية، ورفع هذا المانع لا يمكن إلا بالفرار من ديارهم، ورفض الميل إلى أطوارهم. (إن شهدوا لم يعرفوا) لعدم شهرتهم وخمول ذكرهم بين الناس. (وإن غابوا لم يفتقدوا) أي لم يطلبوا لاستنكاف الناس من صحبتهم وعدم اعتنائهم بشأنهم وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: " إن الله يحب من خلقه الأصفياء الأخفياء الشعثة رؤوسهم، المغبرة وجوههم، الخمصة بطونهم الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذن لهم، وإن خطبوا المتنعمات لم ينكحوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، وإن طلعوا لم يفرح بطلعتهم، وإن مرضوا لم يعادوا، وإن ماتوا لم يشهدوا ". (ومن الموت لا يجزعون) لأن أولياء الله يحبون الموت ويتمنونه لرفع الحجاب والتخلص من ألم الفراق فكيف يجزعون منه. (وفي القبور يتزاورون) أي يزور بعضهم بعضا في البرزخ إلى يوم يبعثون وهم أحياء مرزوقون، أو يزور أحياؤهم أمواتهم في المقابر، والأموات لا يؤذون الزائر ولا يغتابون الغائب ويعظون الحاضر بلسان الحال بل بلسان المقال. (وإن لجأ إليهم ذو حاجة منهم رحموه) لنزاهة نفوسهم وطهارة قلوبهم ورفق صدورهم وإحاطة علمهم بأن قضاء حوائج المضطر الملتجئ من صفات الكرام، ورده مع الاقتدار من سمات اللئام (لن تختلف قلوبهم وإن اختلفت بهم الديار) أي قلوبهم متوافقة غير مختلفة وإن كانت ديارهم مختلفة متباعدة لأن مقصدهم واحد وطريقتهم واحدة بخلاف غيرهم فإن قلوبهم مختلفة لأنهم تابعون للنفس الأمارة بالسوء وأهوائها وطرقها مختلفة أو قلب كل واحد غير مختلف ولا متغير من حال إلى حال وإن اختلفت دياره ومنازله، لأنسه بالله وعدم تعلقه بغيره فلا يستوحش بالوحدة والغربة واختلاف الديار، لأن مقصوده وأنيسه واحد حاضر معه في الديار كلها بخلاف غيره لأن قلبه لما كان متعلقا بغيره تعالى يأنس به إذا وجده ويستوحش إذا فقده. هذا من باب الاحتمال والله يعلم. 28 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة بن مهران، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال: من عامل الناس فلم يظلمهم وحدثهم فلم يكذبهم ووعدهم فلم يخلفهم كان ممن حرمت غيبته وكملت مروءته وظهر عدله ووجبت اخوته.

[ 177 ]

* الشرح: قوله (من عامل الناس فلم يظلمهم وحدثهم فلم يكذبهم... إلى آخره) دخل في المعاملة البيع والشراء والخلطة وغيرها، وفي الحديث نقل الروايات وغيرها وفي الوعد وعد الإعطاء وغيره، وحرمة غيبته أعظم وأفحش، والظاهر أن المفهوم وهو جواز غيبة غيره غير مراد، وزجره بالنهي عن المنكر أمر آخر غير الغيبة، والمروة آداب نفسانية تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات، يقال مرأ الإنسان فهو مرئ مثل قرب فهو قريب أي ذو مروة، قال الجوهري وقد تشدد فيقال: مروة. والعدل ملكة تحصل بتعديل القوى كلها وإقامتها على قانون الشرع والعقل وتوجب صدور الأفعال الجميلة بسهولة فصدور تلك الأفعال دائما دليل على وجوده وظهوره، والمراد بوجوب الأخوة وجوب رعاية حقوقها التي مر بعضها. 29 - عنه، عن ابن فضال، عن عاصم بن حميد، عن أبي حمزة الثمالي، عن عبد الله بن الحسن، عن امه فاطمة بنت الحسين بن علي (عليهما السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ثلاث خصال من كن فيه استكمل خصال الإيمان: إذا رضي لم يدخله رضاه في باطل، وإذا غضب لم يخرجه الغضب من الحق، وإذا قدر لم يتعاط ما ليس له. * الشرح: قوله (ثلاث خصال من كن فيه استكمل (1) خصال الايمان) لأن هذه الثلاث أمهات يتولد منها


1 - قوله " ثلاث خصال من كن فيه استكمل " يشير إلى ما ذكره علماء الأخلاق عند ضبط الفضائل والرذائل قالوا: أصل الفضيلة الاعتدال، وأصل الرذيلة الخروج منه إلى الافراط أو التفريط، وذلك إما بالنسبة إلى القوة الشهوية التي آتاها الله تعالى الحيوان لجذب ما ينفعه أو إلى القوة الغضبية التي آتاها الله إياه لدفع ما يضره وإما بالنسبة إلى قوة تميز خيره من شره. والاعتدال في الأولى هو العفة وفي الثانية الشجاعة وفي الثالثة الحكمة. والرذيلة في القوة الشهوية الخمود والرهبانية والتقشف وأمثالها أو الإفراط في الأكل والوقاع واقتناء الملاهي والتجمل فوق ما ينبغي وأمثال ذلك. وفي القوة الغضبية عدم الغيرة والجبن والخوف والتذلل أو الإفراط في إظهار العداوة والضرب والشتم والحسد والغيبة والتهور والاستشاطة بأقل شئ لا ينبغي أن يستشاط به، والرذيلة في التميز: السفاهة والبلاهة والخلابة وحسن الظن بمن لا ينبغي أن يحسن الظن به ثم الإفراط في الحيلة والمكر والجربزة لسوء الظن بالناس أكثر مما ينبغي والتحذر مما لا يجوز التحذر عنه، وبالجملة فكل الرذائل يرجع إلى الإفراط أو التفريط في أحدى هذه القوى الثلاث ويشير (عليه السلام) إلى الاعتدال في الشهوة بقوله: إذا رضى لم يدخله رضاه في باطل. وإلى الاعتدال في الغضب بقوله: وإذا غضب لم يخرجه الغضب من الحق. وإلى الاعتدال في التميز بقوله: وإذا قدر لم يتعاط ما ليس له. فإن قيل: هذا لا يدل على كون السفاهة والبلاهة رذيلة بل على الجربزة فقط إذ بها يتعاطى ما لا يستحقه وأما البلاهة فتقتضى ترك ما يستحقه، قلنا: لعل البلاهة نقص لا يكلف بالتحذر عنه لعدم القدرة. = (*)

[ 178 ]

خصال الايمان كلها إذ هي إذا تحققت تحقق العدل والعدل ملزوم لجميع الخصال. 30 - عنه، عن أبيه، عن عبد الله بن القاسم، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إن لأهل الدين علامات يعرفون بها: صدق الحديث وأداء الأمانة ووفاء بالعهد وصلة الأرحام ورحمة الضعفاء وقلة المراقبة للنساء - أو قال، قلة المواتاة للنساء - وبذل المعروف وحسن الخلق وسعة الخلق واتباع العلم وما يقرب إلى الله عز وجل زلفى، طوبى لهم وحسن مآب، وطوبى شجرة في الجنة أصلها في دار النبي محمد (صلى الله عليه وآله) وليس من مؤمن إلا وفي


= إذا عرفت ذلك فيمكنك أن تنظر في جميع ما سبق ويأتي من روايات هذا الباب وهي تسعة وثلاثون حديثا فتعرف أن مرجع جميع ما ذكر فيهما من الفضائل والرذائل إلى ما في هذا الحديث، فابتدأ بحديث همام وأوله على ما في الكافي " المؤمن هو الكيس الفطن " فثبت منه أن البلاهة رذيلة. قوله " بشره في وجهه وحزنه في قلبه " إشارة إلى تملكه قوته الغضبية فإن العبوس غاضب على من لا يستحق وأكثر فقره راجعة إلى القوة الغضبية، والحكمة في تحصيل المعرفة والعمل بها. وأول هذا الحديث في نهج البلاغة في وصف المتقين " هم أهل الفضائل منطقهم الصواب وملبسهم الاقتصاد ومشيهم التواضع ". فقوله " منطقهم الصواب " إشارة إلى التوسط بين البلاهة والجربزة، وملبسهم الاقتصاد ناظر إلى التوسط في القوة الشهوية، ومشيهم التواضع إلى التوسط في القوة الغضبية وهكذا ساير فقرات الخطبة ينطبق على الاعتدال في إحدى القوى. ومما يناسب التنبه له هاهنا أن حديث همام في الكافي ونهج البلاغة مختلفان جدا في أكثر عباراتهما بل لا يتفقان إلا في جمل قليلة، بل ورد في الأمالي بألفاظ يخالفهما أيضا، والاعتماد على المعنى وكون مضامين جميعها موافقة لما نعلم ثبوته في الدين الحنيف من محاسن الأخلاق ومساويها، ولا حاجة في أمثال هذه الأمور إلى الأسناد البتة. ومما يناسب التنبيه عليه أن الاعتدال في كل شئ حسن، والإفراط والتفريط مزلة حتى في الاعتماد على الروايات والأسانيد، وممن افرط في الاعتماد من يزعم أن جميع ألفاظ الأحاديث بخصوصياتها صادرة عن المعصوم علما أو ظنا اطمينانيا فيحتجون بكل شئ حتى بكلمة إنما وإلا والتقديم والتأخير والمعرف باللام وغيره. وممن فرط في الإنكار من زعم أن جميع الأحاديث أو أكثرها مصنوعة مختلقة لا يعتمد عليها ولا حجة فيها، والاعتدال ان يعتقد حفظ أكثر المضامين والمعاني وعدم إمكان نقل عين الألفاظ، والشاهد في ذلك حديث همام وأمثاله حسبما أشرنا إليه فإن ألفاظها وعباراتها لا يتفق في الروايات ولو كانت عين الألفاظ محفوظة لم تختلف ونقل الرواة كلام المعصوم نظير نقل التلاميذ مذهب أساتيذهم ونقل المستمعين ما سمعوه من خطبائهم ونقل كل رسالة من أحد إلى غيره شفاها في الأمور الدنيوية والحوائج المعاشية والتعدي عن ذلك إفراط أو تفريط اللهم إلا في جوامع الكلم وقصارها التي تقتضي حسن تركيب ألفاظها أن تثبت في أذهان الناقلين مثل " الرضاع لحمة كلحمة النسب. ولا ضرر ولا ضرار " وقد تنتخب الرواة من أمثال هذه الالفاظ الواقعة في كلام النبي (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبهم نحو عشرها أو أقل في أسطر قليلة لا يمكن أن تكون الخطبة مقصورة عليها لقصرها. (ش). (*)

[ 179 ]

داره غصن منها لا يخطر على قلبه شهوة شئ إلا أتاه به ذلك ولو أن راكبا مجدا سار في ظلها مائة عام ما خرج منه، ولو طار من أسفلها غراب ما بلغ أعلاها حتى يسقط هرما، ألا ففي هذا فارغبوا، إن المؤمن من نفسه في شغل والناس منه في راحة، إذا جن عليه الليل افترش وجهه وسجد لله عز وجل بمكارم بدنه يناجي الذي خلقه في فكاك رقبته، ألا [ ف‍ ] - هكذا فكونوا. * الشرح: قوله (وقلة المراقبة - للنساء أو قال قلة المواتاة للنساء -) مراقبة " چيزى را چشم داشتن " ولعل المراد بها النظر إلى النساء الأجنبيات وأدبارهن، ويمكن أن يراد محافظة آرائهن من رقبته أرقبه من باب قتل إذا حفظته، والمواتاة: " موافقت كردن با كسى در كارى " تقول: واتيته على كذا مواتاة إذا وفقته وطاوعته، وأصل واتيته آتيته، وأهل اليمن يبدلون الهمزة واوا واشتهرت لغتهم على ألسنة الناس، ولعل المراد الحث على مخالفة آرائهن كما روي " شاوروهن وخالفوهن " (وبذل المعروف) أي الخير وهو الإحسان بالفضل من المال إلى الغير. (وحسن الخلق وسعة الخلق واتباع العلم) لعل المراد بحسن الخلق حسن الهيئة وهو كون كل عضو على حد يليق به فإن ذلك دليل على استقامة المزاج ولين الطبع وصحة الأفعال غالبا إلا أنه ليس من صنع العبد وأنه يوجد في غير أهل الدين كما قال عز وجل في وصف المنافقين * (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم) * ويمكن أن يراد به حسن الأعضاء الظاهرة بالأعمال الفاضلة فإنه من علامات أهل الدين. وبسعة الخلق تحققه بالنسبة إلى الناس كلهم من غير فرق بين القريب والبعيد والشريف والوضيع أو صفحه عن الزلات كلها صغارها وكبارها وباتباع العلم: تعلمه أو العمل به أو الأعم. (ولو أن راكبا مجدا سار في ظلها مائة عام ما خرج منه) كان هذه الشجرة هي التي في رواية مسلم عن أبي سعيد الخدري عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " إن في الجنة شجرة يسير راكب الجواد المضمر السريع في ظلها مائة عام " وفي أخرى: " يسير الراكب في ظلها مائة سنة " قال عياض ظلها كنفها وهو ما يستره أغصانها وقد يكون ظلها نعيمها وراحتها من قولهم عيش ظليل، واحتيج إلى تأويل الظل بما ذكر هربا عن الظل في العرف لأنه ما بقي حر الشمس في الجنة ولا برد وإنما نور يتلألأ. انتهى. وقال المازري: المضمر بفتح الضاد وشد الميم ورواه بعضهم بكسر الميم الثانية: صفة للراكب المضمر فرسه. 31 - عنه، عن إسماعيل بن مهران، عن سيف بن عميرة، عن سليمان بن عمرو النخعي قال: وحدثني الحسين بن سيف، عن أخيه علي، عن سليمان، عمن ذكره، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سئل

[ 180 ]

النبي (صلى الله عليه وآله) عن خيار العباد فقال: الذين إذا أحسنوا استبشروا وإذا أساؤوا استغفروا وإذا اعطوا شكروا وإذا ابتلوا صبروا وإذا غضبوا غفروا. 32 - وبإسناده، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله): إن خياركم اولو النهى، قيل: يا رسول الله ومن اولو النهى، قال: هم اولو الأخلاق الحسنة والأحلام الرزينة وصلة الأرحام والبررة بالامهات والآباء والمتعاهدون للفقراء والجيران واليتامى ويطعمون الطعام ويفشون السلام في العالم ويصلون والناس نيام غافلون. * الشرح: قوله (ويصلون والناس نيام غافلون) نام ينام - من باب علم - نوما ومناما فهو نائم والجمع نائمون ونوم ونيام أيضا، والنوم: غشية ثقيلة تهجم على القلب فتقطعه عن المعرفة بالأشياء، ولهذا قيل: هو أخو الموت، ويقال أيضا: نام عن حاجته إذا لم يهتم بها. وقوله " غافلون " خير بعد خبر للدلالة على التعميم أو تفسير للنيام وتنبيه على أن المراد بالنوم الغفلة للمشاركة في التسبب لعدم الإدراك كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) " الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا ". 33 - عنه، عن الهيثم النهدي، عن عبد العزيز بن عمر، عن بعض أصحابه، عن يحيى بن عمران الحلبي قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أي الخصال بالمرء أجمل ؟ فقال: وقار بلا مهابة وسماح بلا طلب مكافاة وتشاغل بغير متاع الدنيا. * الشرح: قوله (وقار بلا مهابة) الوقار: الرزانة والعظمة، والمهابة " بزرگى كردن وخشم آورى داشتن وترسيدن " وهي صفة تحصل بفساد القوة الغضبية، وتجاوزها عن حدها. وأما المهابة من الأولياء فهي من قبله تعالى لا للفساد في تلك القوة. (وسماح بلا طلب مكافاة) أي مكافاة عوض أو ثناء وشكر، والسماحة على هذا الوجه هي السخاوة والجود حقيقة وهي في البشر قليلة (وتشاغل بغير متاع الدنيا) أي تشاغل بالله وبما يقرب منه لا بمتاع الدنيا وزهراتها. 34 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن أبي ولاد الحناط، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان علي بن الحسين (عليهما السلام) يقول: إن المعرفة بكمال دين المسلم تركه الكلام فيما لا يعنيه وقلة مرائه، وحلمه وصبره وحسن خلقه. 35 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن محمد بن عرفة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله): ألا اخبركم بأشبهكم بي ؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: أحسنكم

[ 181 ]

خلقا وألينكم كنفا، وأبركم بقرابته، وأشدكم حبا لإخوانه في دينه، وأصبركم على الحق، وأكظمكم للغيظ، وأحسنكم عفوا، وأشدكم من نفسه إنصافا في الرضا والغضب. * الشرح: قوله (وألينكم كنفا) الكنف الجانب. ولين الجانب سبب لميل الخلق إليه كما قال عز وجل * (ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) *. 36 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن مالك بن عطية، عن أبي حمزة، عن علي بن الحسين (عليهما السلام) قال: من أخلاق المؤمن الإنفاق على قدر الإقتار، والتوسع على قدر التوسع، وإنصاف الناس، وابتداؤه إياهم بالسلام عليهم. * الشرح: قوله (من أخلاق المؤمن الإنفاق على قدر الإقتار والتوسع على قدر التوسع) كما نطقت به الآية الكريمة فالمؤمن لا يمنع أهله من الإنفاق ما يقدر عليه ولا يرتكب منه ما لا يقدر عليه (وابتداؤه إياهم بالسلام عليهم) لما فيه من التواضع والتعظيم وجلب المودة والمحبة والأجر العظيم. 37 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: المؤمن أصلب من الجبل، الجبل يستقل منه والمؤمن لا يستقل من دينه شئ. * الشرح: قوله (المؤمن أصلب من الجبل الجبل يستقل منه والمؤمن لا يستقل من دينه شئ أي الجبل ينقص ويؤخذ منه بعضه بالفأس والمعول ونحوهما، والمؤمن لا ينقص شئ من دينه بمعول الشبهات نظيره ما روي عنه (صلى الله عليه وآله) " المؤمن كالجبل لا تحركه العواصف " أي هو كالجبل لا تحركه ريح الهوى ولا شهوة المنى. 38 - علي بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: المؤمن حسن المعونة، خفيف المؤونة، جيد التدبير لمعيشته، لا يلسع من جحر مرتين. * الشرح: قوله (المؤمن حسن المعونة خفيف المؤونة) المعونة " يارى دادن ". والمؤونة " رنج وسختى كشيدن وگران بار بودن "، وذلك لأنه رفيق زاهد فبرفقه بخلق الله حسنت معونته، وبزهده في الدنيا خفت مؤونته.

[ 182 ]

(جيد التدبير لمعيشته) المعيشة مكسب الإنسان الذي يعيش به وذلك باختياره طريقا مشروعا غير مذموم عقلا وشرعا وعرفا مقتصرا على قدر الكفاف. (لا يلسع من جحر مرتين) اللسع " گزيدن مار وكژدم ". والجحر بتقديم الجيم المضمومة على الحاء المهملة: الساكنة ثقبة الحية أو اليربوع أو الضب وهو استعارة هاهنا أي لا يخدع المؤمن من جهة واحدة مرتين فإنه بالأولى يعتبر. ومثله رواه مسلم عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال الخطابي يروي بضم العين وسكونها فالضم على وجه الخبر ومعناه أن المؤمن هو الكيس الحازم الذي لا يؤتى من جهة الغفلة فيخدع مرة بعد مرة وهو لا يفطن لذلك ولا يشعر به، والمراد به الخداع في أمر الدين لا أمر الدنيا، وأما الكسر فعلى وجه النهي أي لا يخدعن المؤمن ولا يؤتين من ناحية الغفلة فيقع في مكروه أو شر وهو لا يشعر به، وليكن فطنا حذرا وهذا التأويل يصلح أن يكون لأمر الدين والدنيا معا، وذكر عياض هذين الوجهين ورجح الخبر بأن سبب قوله (صلى الله عليه وآله) هذا أن أبا قرة الشاعر أخا مصعب بن عمير كان أسر يوم بدر فسأل النبي (صلى الله عليه وآله) أن يمن عليه ففعل وعاهده أن لا يحرض عليه ولا يهجوه فلما لحق بأهله عاد إلى ما كان عليه ثم أنه أسر يوم أحد فسأله أيضا أن يمن عليه فقال (صلى الله عليه وآله) هذا الكلام البليغ الجامع الذي لم يسبق إليه وفيه تنبيه عظيم على أنه إذا رأى الأذى من جهة لا يعود إليها ثانية. وقال الآبي: رجح الخطابي النهي بعد ذكر الوجهين وكأنه لم يبلغه - أي الخطابي - سبب قوله (صلى الله عليه وآله) هذا الكلام ولو بلغه لم يحمله على النهى، وأجاب الطيبي بأنه وإن بلغه السبب فلا يبعد النهي بل هو أولى من الخبر وذلك أنه لما دعته نفسه (صلى الله عليه وآله) الزكية الكريمة إلى الحلم والصلح جرد من نفسه مؤمنا حازما فطنا ونهاه أن ينخدع لهذا المتمرد الخائن وكان مقام الغضب لله تعالى فأبى إلا الانتقام من أعداء الله لأن الانتقام منهم مطلوب والتجريد أحد ألقاب البديع ومحسناته، وبيان أنه أولى أنه إذا حمل على الخبر تفوت دلالة الحديث على طلبه الانتقام. 39 - علي بن محمد بن بندار، عن إبراهيم بن إسحاق، عن سهل بن الحارث، عن الدلهاث مولى الرضا (عليه السلام) قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يكون فيه ثلاث خصال: سنة من ربه وسنة من نبيه وسنة من وليه، فأما السنة من ربه فكتمان سره، قال الله عز وجل: * (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من رسول) * وأما السنة من نبيه فمداراة الناس فإن الله عز وجل أمر نبيه (صلى الله عليه وآله) بمدارة الناس فقال: * (خذ العفو وأمر بالعرف) * وأما السنة من وليه فالصبر في البأساء والضراء.

[ 183 ]

* الشرح: قوله (وأمر بالعرف) العرف الجود وكل ما يبذله ويعطيه (فالصبر في البأساء والضراء) كالفقر والفاقة والمرض والصعوبة والقحط وأمثالها وهما متقاربان وقبل البأساء ما يتعلق بالمال كالفقر والتلف وغيرهما، والضراء ما يتعلق بالبدن كالمرض والعمى ونحوهما.

[ 184 ]

باب في قلة المؤمن 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن قتيبة الأعشى قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: المؤمنة أعز من المؤمن ولا مؤمن أعز من الكبريت الأحمر، فمن رأى منكم الكبريت الأحمر. * الشرح: قوله (المؤمنة اعز من المؤمن والمؤمن أعز من الكبريت الأحمر) أي المؤمنة أقل وجودا من المؤمن لأن المرأة الصالحة الكاملة في غاية الندرة لضعف عقولهن وشدة ميلهن إلى الدنيا وزينتها وكمال بعدهن عن أحكام الله تعالى، والمراد بالمؤمن المؤمن الكامل وهو الذي تشبث بالمنجيات وتحرز عن المهلكات بتهذيب الظاهر والباطن عن الرذائل وتحليتها بالفضائل وشاهد جمال الأسرار بعين اليقين بكشف الحجاب ورفع النقاب فاطمأن لها قلبه واستراح بها روحه، ولا ريب في أن مثله نادر (فمن رأى منكم الكبريت الأحمر) فيه مبالغة في قلة وجوده لا في نفيه مع احتماله والكبريت فعليت معروف (1). 2 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن أبي نجران، عن مثنى الحناط، عن كامل التمار قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: الناس كلهم بهائم - ثلاثا - إلا قليل من المؤمنين والمؤمن غريب - ثلاث مرات -. * الشرح: قوله (الناس كلهم بهائم) في عدم العقل وإدراك الحق لأن المطاعم الحاضرة والمنافع الدائرة واللذات الظاهرة أعمت بصائر قلوبهم عن إدراك الإيمان ونيل العرفان ومشاهدة الإيقان، وأبعدتهم من الكمالات النفسانية والحقيقة الانسانية والمقامات الروحانية فصاروا يأكلون ويشربون وينكحون غاية همهم بطونهم ونهاية قصدهم فروجهم وهم عن مآل أحوالهم غافلون وعن قبح أعمالهم جاهلون كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون. * الشرح: قوله (المؤمن عزيز) في بعض النسخ غريب. الغريب من سكن في منزل غيره وبعد عن الأهل


1 - قوله (والكبريت معروف) ولكن الكبريت الاحمر غير معروف ويقال إنه جوهر ومعدنه خلف بلاد التبت، والقدر المسلم أنه كان شيئا نادر الوجود سواء كان من جنس الجواهر الكريمة أو نوعا من الذهب أو من اليواقيت الحمراء، ولا حاجة إلى تحقيق ذلك. (ش). (*)

[ 185 ]

والاقران والمؤمن كذلك لأنه بعد عن أهل الايمان وسكن في منزل أهل الكفر والعصيان. 3 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول لأبي بصير: أما والله لو أني أجد منكم ثلاثة مؤمنين يكتمون حديثي ما استحللت أن أكتمهم حديثا. * الشرح: قوله (أما والله لو أني أجد منكم ثلاثة مؤمنين يكتمون حديثي ما استحللت أن أكتمهم حديثا) دل على أن المؤمن الكامل الذي يستحق أن يكون صاحب السر قليل وأن التقية وإخفاء السر صدرا منه (عليه السلام) وأنهما كانا من أكثر من يدعي الايمان كما كانا من أهل الكفر والطغيان وأخبار شكايتهم (عليهم السلام) وإخفاء علومهم وأسرارهم عن المتشيعين أكثر من أن تحصى. 4 - محمد بن الحسن، وعلي بن محمد بن بندار، عن إبراهيم بن إسحاق، عن عبد الله بن حماد الأنصاري، عن سدير الصيرفي قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فقلت له: والله ما يسعك القعود، فقال: ولم يا سدير ؟ قلت: لكثرة مواليك وشيعتك وأنصارك والله لو كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) ما لك من الشيعة والأنصار والموالي ما طمع فيه تيم ولا عدي. فقال: يا سدير وكم عسى أن يكونوا ؟ قلت: مائة ألف، قال: مائة ألف ؟ قلت: نعم ومائتي ألف، قال: مائتي ألف ؟ قلت: نعم ونصف الدنيا، قال: فسكت عني ثم قال يخف عليك أن تبلغ معنا إلى ينبع. قلت: نعم فأمر بحمار وبغل أن يسرجا، فبادرت فركبت الحمار، فقال: يا سدير أترى أن تؤثرني بالحمار ؟ قلت: البغل أزين وأنبل، قال: الحمار أرفق بي، فنزلت فركب الحمار وركبت البغل فمضينا فحانت الصلاة، فقال: يا سدير أنزل بنا نصلي، ثم قال: هذه أرض سبخة لا تجوز الصلاة فيها فسرنا حتى صرنا إلى أرض حمراء ونظر إلى غلام يرعى جداء فقال: والله يا سدير لو كان لي شيعة بعدد هذه الجداء ما وسعني القعود ونزلنا وصلينا فلما فرغنا من الصلاة عطفت على الجداء فعددتها فإذا هي سبعة عشر. * الشرح: قوله (يخف عليك أن يبلغ معنا إلى ينبع) ينبع بفتح الياء وسكون النون وضم الباء الموحدة: قرية بها حصن على سبع مراحل من المدينة من جهة البحر بين مكة والمدينة (قلت البغل أزين وأنبل) أي أكبر وأفضل فهو لذوي الشرف أجدر وأجمل وإنما فعل ذلك تواضعا له (عليه السلام) ورعاية للأدب واختار (عليه السلام) الحمار تواضعا وهضما لنفسه مع سهولة الركوب والنزول (فقال يا سدير انزل بنا نصلي. ثم قال هذه أرض سبخة لا تجوز الصلاة فيها) الأمر بالنزول أولا ثم الإعراض عنه للتنبيه

[ 186 ]

على أنه لا يجوز الصلاة في السبخة وهو محمول على الكراهة. (ونظر إلى غلام يرعى جداء) قال بعض أهل اللغة: الجدى الذكر من أولاد المعز، والأنثى: عناق وقيده بعضهم بكونه في السنة الأولى والجمع أجد وجداء مثل دلو وأدل ودلاء والجدي بالكسر لغة ردية (فقال والله يا سدير لو كان لي شيعة بعدد هذه الجداء ما وسعني القعود) يظهر منه أن الصاحب (عليه السلام) مع كثرة المنتسبين إليه من الشيعة لا يكون له شيعة في الواقع بهذا العدد وإلا لما وسعه القعود لعدم الفرق بينه وبينه (عليهما السلام). 5 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن عمار بن مروإن عن سماعة بن مهران قال: قال لي عبد صالح صلوات الله عليه: يا سمعة أمنوا على فرشهم وأخافوني أما والله لقد كانت الدنيا وما فيها إلا واحد يعبد الله ولو كان معه غيره لأضافه الله عز وجل إليه حيث يقول: * (إن إبراهيم كان امة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين) * فغبر بذلك ما شاء الله ثم إن الله آنسه بإسماعيل وإسحاق فصاروا ثلاثة أما والله إن المؤمن لقليل وإن أهل الكفر لكثير أتدري لم ذاك ؟ فقلت: لا أدري جعلت فداك فقال: صيروا أنسا للمؤمنين، يبثون إليهم ما في صدورهم فيستريحون إلى ذلك ويسكنون إليه. * الشرح: قوله (يا سماعة أمنوا على فرشهم وأخافوني) شكاية من الفرقة المتشيعة حيث أذاعوا الأسرار وأخافوه من الأمراء الأشرار، وأشار إلى قله وجود عبد خالص لله بقوله: (أما والله لقد كانت الدنيا وما فيها إلا واحد يعبد الله) الواو للحال " وما " نافية. (ولو كان معه غيره) من أهل الايمان لإضافة الله عز وجل إليه لأن الغرض ذكر أهل الايمان التارك للشرك فلو كان معه غيره لذكره. (حيث يقول * (ان إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين) * الأمة: الجماعة من الناس وأتباع الأنبياء (عليهم السلام) والجمع أمم مثل غرفة وغرف، ويطلق على عالم دهره، المنفرد بعلمه، الجامع للخير، المقتدي لغيره، كما في المصباح وكنز اللغة وغيرهما، وهذا هو المراد هنا، والقنوت: الدعاء والعبادة، والحنيف: المسلم لأنه مائل إلى الدين المستقيم، والناسك أيضا (فغبر بذلك ما شاء الله) غبر غبورا من باب قعد: مضى، وقد يستعمل فيما بقي أيضا فيكون من الأضداد. وقال الزبيدي: غبر غبورا: مكث وفي لغة بالمهملة للماضي وبالمعجمة للباقي (أما والله إن المؤمن لقليل وإن أهل الكفر لكثير) المراد بالمؤمن المؤمن الكامل وبأهل الكفر من

[ 187 ]

سواهم فإن ادعوا الايمان ظاهرا فإن غير المؤمن الكامل لا يخلو من كفر ما، ثم بين وجه ايمانهم مع اتصافهم بالكفر بأن الله تعالى صيرهم أنسا للمؤمنين الكاملين وأما كثرتهم فهو لغرورهم بالدنيا ووغولهم فيها والدنيا تخدع أكثر من فيها، والغرض من هذا الحديث بيان قلة أهل الايمان والحمل على الصبر عليها وعدم الاستيحاش من الوحدة كما يرشد إليه قول أمير المؤمنين (عليه السلام) " أيها الناس لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلة أهله فإن الناس اجتمعوا على مائدة شبعتها قصيرة وجوعها طويل ". قال بعض الأفاضل: لما كانت العادة أن يستوحش الناس من الوحدة وقلة الرفيق في طريق طويل صعب، نهى (عليه السلام) عن الاستيحاش في تلك الطريق وكنى به عما عساه يعرض لبعضهم من الوسوسة بأنهم ليسوا على حق لقلتهم وكثرة مخالفيهم لأن قلة العدد في الطريق مظنة الهلاك والسلامة مع الكثرة فنبههم على أنهم في طريق الهدى وإن كانوا قليلين، ثم نبه على قلة عدد أهل طريق الهدى وهي اجتماع الناس على الدنيا فقال " فإن الناس - إلى آخره " واستعار للدنيا المائدة بملاحظة تشبيهها في كونها مجتمع اللذات، وكنى عن قصر مدتها بقصر شبعتها عن استعقاب الانهماك فيها للعذاب الطويل في الآخرة بطول جوعها، ولفظ الجوع مستعار للحاجة الطويلة بعد الموت إلى المطاعم الحقيقية الباقية من الكمالات النفسانية وهو بسبب الغفلة في الدنيا فلذلك نسب الجوع إليها. وفي قوله (عليه السلام): (صيروا انسا للمؤمنين يبثون إليهم ما في صدورهم فيستريحون إلى ذلك ويسكنون إليه) دلالة على أن القلب يضيق بحفظ السر فإذا أظهره استراح منه فلذلك جعل بعض الناس من أهل الايمان الناقص ليظهر المؤمن الكامل سره لهم ويستريح من ضيق صدره. 6 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن اورمة، عن النضر، عن يحيى بن أبي خالد القماط، عن حمران بن أعين قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): جعلت فداك ما أقلنا لو اجتمعنا على شاة ما أفنيناها ؟ فقال: ألا احدثك بأعجب من ذلك: المهاجرون والانصار ذهبوا إلا - وأشار بيده - ثلاثا قال حمران: فقلت: جعلت فداك ما حال عمار ؟ قال: رحم الله عمارا أبا اليقظان بايع وقتل شهيدا، فقلت: في نفسي ما شئ أفضل من الشهادة فنظر إلي فقال: لعلك ترى أنه مثل الثلاثة أيهات أيهات. * الشرح: قوله (ألا أحدثك بأعجب من ذلك المهاجرون والأنصار ذهبوا إلا - وأشار بيده - ثلاثا) وجه

[ 188 ]

زيادة التعجب أن ذهابهم يمينا وشمالا وخروجهم من الدين مع إدراكهم صحبة النبي (صلى الله عليه وآله) وقرب العهد به وبالوحي أعجب من خروج من فقد جميع ذلك، ولعل المراد بالثلاثة سلمان وأبو ذر والمقداد. روى الكشي عن علي بن الحكم عن سيف بن عميرة عن أبي بكر الحضرمي قال قال أبو جعفر (عليه السلام) " ارتد الناس إلا ثلاثة نفر سلمان وأبو ذر والمقداد، فقلت: فعمار، قال كان جاض جيضة ثم رجع، ثم قال: إن أردت الذي لم يشك فالمقداد " (1) وروي أيضا عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: " إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين حواري محمد بن عبد الله رسول الله الذين لم ينقضوا العهد ومضوا عليه فيقوم سلمان والمقداد وأبو ذر - الحديث ". (أيهات أيهات) في بعض النسخ: هيهات هيهات وهي كلمة تبعيد، والتاء مفتوحة وناس يكسرونها وقد تبدل الهاء همزة فيقال أيهات وربما قالوا أيهان بالنون كالتثنية. 7 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد بن عبد الله، عن علي بن جعفر قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: ليس كل من قال بولايتنا مؤمنا ولكن جعلوا انسا للمؤمنين.


1 - قوله " إن أردت الذي لم يشك فالمقداد " يدل هذا الحديث على أن المراد بالمؤمن في هذا الباب البالغ أكمل درجات الإيمان والتسليم لا الإيمان في مقابل الكفر فإن أبا ذر وسلمان وعمارا لم يشكوا شكا يخرجهم من حد الإيمان قطعا وقد سبق أحاديث في أن الايمان درجات. (ش). (*)

[ 189 ]

باب الرضا بموهبة الايمان والصبر على كل شئ بعده 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن فضيل بن يسار، عن عبد الواحد بن المختار الأنصاري قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): يا عبد الواحد ما يضر رجلا - إذا كان على ذا الرأي - ما قال الناس له ولو قالوا: مجنون، وما يضره ولو كان على رأس جبل يعبد الله حتى يجيئه الموت. * الشرح: قوله (ما يضر رجلا - إذا كان على ذا الرأي - ما قال الناس له ولو قالوا مجنون) ما قال فاعل ما يضر، ولعل المراد بذى الرأي الإمام (عليه السلام) أو الأعم منه ومن أهل العلم والصلاح مطلقا ويكون الرجل عليه متابعته والإعراض عن غيره، وفيه دلالة على أن الجنون أعظم ما يقال في مقام الذم والتحقير وهو كذلك إذ بالعقل يمتاز الإنسان عن غيره من الحيوانات. والجنون يوجب زواله فيوجب دخوله في الحيوانات بل كونه أخس منها لأنه فاقد لكماله (وما يضره ولو كان على رأس جبل يعبد الله حتى يجيئه الموت) أي ما يضره إذا كان على ذي الرأي ما قال الناس له ولو كان على رأس جبل لأن له مع وحدته ظاهرا أنسا بالله باطنا، ولا يضره شئ مع الأنس به كما لا ينفعه شئ مع البعد عنه، وفيه شئ لأن عدم الضرر وهو فيما بين الناس أخفى من عدمه وهو على رأس جبل فكيف يصح العكس، ويمكن أن يقال معنى قوله " وما يضره " أنه ما يضره شئ سواء كان قول الناس أم غيره مثل الوحشة ونحوها وحينئذ عدم الضرر في الثاني أخفى. إذ في عدم الضرر بالوحشة حينئذ كمال خفاء. أو المراد أنه لا يضره قول الناس بأنه مجنون إذ الجنون حينئذ أظهر فعدمه أخفى. 2 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن ابن مسكان، عن معلى بن خنيس، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): قال الله تبارك وتعالى: لو لم يكن في الأرض إلا مؤمن واحد لاستغنيت به عن جميع خلقي ولجعلت له من إيمانه انسا لا يحتاج إلى أحد. * الشرح: قوله (قال الله تبارك وتعالى لو لم يكن في الأرض إلا مؤمن واحد لاستغنيت به عن جميع خلقي) أي اكتفيت بعبادته عن عبادتهم. وفيه إشارة إلى كمال فضيلة الإيمان وتمام نعمته، فينبغي لمن يؤمن بالله أن لا يحتقر تلك النعمة، ولا يهمل أداء شكرها الذي من جملته أداء وظائف

[ 190 ]

الطاعات وأن لا يجزع على فقد غيرها وأن يصبر على نوائب الدنيا وأن لا يؤذي أحدا من المؤمنين. لأن المؤمن حبيب الله ومن آذاه فقد آذى الله. (ولجعلت له من إيمانه أنسا لا يحتاج إلى أحد) لأن الايمان بالله سبب للتفكر فيه والالتفات إلى فضله والشوق إلى قربه والوثوق بلطفه والعزلة عن شرار خلقه والانس به. فلا يعرضه وحشة فلا يحتاج إلى صحبة أحد لدفع الوحشة. 3 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن الحسين بن موسى، عن فضيل بن يسار، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ما يبالي من عرفه الله هذا الأمر أن يكون على قلة جبل يأكل من نبات الأرض حتى يأتيه الموت. * الشرح: قوله (ما يبالي من عرفه الله هذا الأمر أن يكون على قلة جبل) لأن من عرفه الله تعالى أمر الإمامة والدين ووفقه للايمان به فقد أعطاه نعمة عظيمة مستعقبة لنعم أخروية أبدية وأكرمه بقربه فلا يبالي على فوات خسايس الدنيا الفانية التي توجب الغرور والبعد عن مولاه والحرمان في عقباه. 4 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن كليب بن معاوية عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: ما ينبغي للمؤمن أن يستوحش إلى أخيه فمن دونه، المؤمن عزيز في دينه. * الشرح: قوله (ما ينبغي للمؤمن أن يستوحش إلى أخيه فمن دونه) أي ما ينبغي له أن يستوحش من الله ومن الايمان به إلى أخيه فكيف من دونه إذ للمؤمن أنس بالايمان وقرب الحق من غير وحشة. فلو انتفى الأنس وتحققت الوحشة انتفى الإيمان والقرب، ولعل قوله: (المؤمن عزيز في دينه) استيناف لبيان السبب للحكم المذكور لأن العزيز عند الله له أنس به غير مستوحش عنه والعزيز هو الخطير الذي يقل وجود مثله ويشتد الحاجة إليه ويصعب الوصول إليه والمؤمن كذلك. لأنه بعظمة صفاته يقل وجود مثله ويشتد حاجة الخلق إليه في امور الدين وتعلمها ويصعب الوصول إلى مرتبته لانها لا يتحقق إلا برياضات بدنية ومجاهدات نفسانية لا يلقاها إلا الصابرون. 5 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد، عن فضالة بن أيوب، عن عمر بن أبان وسيف بن عميرة، عن فضيل بن يسار قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) في مرضة مرضها لم يبق منه إلا رأسه فقال: يا فضيل إنني كثيرا ما أقول: ما على رجل عرفه الله هذا الأمر لو كان في رأس جبل حتى يأتيه الموت، يا فضيل بن يسار إن الناس أخذوا يمينا وشمالا وإنا وشيعتنا هدينا

[ 191 ]

الصراط المستقيم، يا فضيل بن يسار إن المؤمن لو أصبح له ما بين المشرق والمغرب كان ذلك خيرا له ولو أصبح مقطعا أعضاؤه كان ذلك خيرا له، يا فضيل بن يسار إن الله لا يفعل بالمؤمن إلا ما هو خير له، يا فضيل ابن يسار لو عدلت الدنيا عند الله عز وجل جناح بعوضة ما سقى عدوه منها شربة ماء، يا فضيل ابن ياسر إنه من كان همه هما واحدا كفاه الله همه، ومن كان همه في كل واد لم يبال الله بأي واد هلك. * الشرح: قوله (في مرضة مرضها لم يبق منه إلا رأسه) أي مرض بها وكأنها للنوع وأن المراد أنه نحف جميع أعضائه وهزلت حتى كانه لم يبق منه شئ إلا رأسه فإنه لقلة لحمه لا يعتريه الهزال كثيرا. أو المراد أنه لم يبق قوة في الحركات في شئ من أعضائه إلا في رأسه (فقال يا فضيل إنني كثيرا ما أقول: ما على رجل عرفه الله هذا الأمر) أي ما وحشة عليه أو ما ضرر عليه من قول الناس له بأنه مجنون ونحوه. (يا فضيل بن يسار إن المؤمن لو أصبح له ما بين المشرق والمغرب كان ذلك خيرا له ولو أصبح مقطعا أعضاؤه كان ذلك خيرا له) لأن الله تعالى عالم بسرائر العباد وأحوالهم ويفعل ما هو الأصلح بحال كل واحد منهم فمنهم من يصلح له الغنى ويفسده الفقر ويشقيه ويورده في المهالك فيفنيه، ومنهم على عكس ذلك فيفقره وهكذا في الأحوال المتقابلة مثل الصحة والسقم ونحوهما. وأكد ذلك بقوله: (يا فضيل بن يسار إن الله لا يفعل بالمؤمن إلا ما هو خير له) وفيه حث على الصبر في جميع الأحوال بعد الإيمان ونوع من الشكر لما أصابه (عليه السلام)، ثم حذر الأغنياء عن الفخر ورغب الفقراء في الصبر بقوله: (يا فضيل بن يسار لو عدلت الدنيا عند الله عز وجل جناح بعوضة ما سقى عدوه منها شربة ماء) أي ليس لجملة الدنيا وما ينتفع به فيها قدر ولا وزن كقدر جناح بعوضة عندكم، ولهذا أقطعها الأعداء وأولاها الاشقياء ومتع بها الجهلاء، ولو كان لها قدر عنده لم يعطهم منها شربة ماء. ألا ترى الجنة لما جعل لها قدرا عنده كيف ولاها الأولياء وحرمها الأشقياء فلم يعطهم منها طعاما ولا شربة ماء فينادون من عطشهم وجوعهم أهل الجنة * (أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين) * ويدل على هوان قدر الدنيا روايات غير محصورة وآيات غير معدودة. ومنها قوله تعالى * (ولولا أن يكون الناس أمه واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم

[ 192 ]

سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون) * وفيه تنفير عن الدنيا وتحذير (1) عن الركون إليها فلا ينبغي للمؤمن أن يشغل قلبه بها ويحزن بفواتها ولا للغني أن يفتخر بها لأنها مال الفراعنة ومتاع الجبابرة، ثم رغب في الإيمان والصبر على تقويم أركانه بذكر ثمرته وذم متاع الدنيا والميل إليه بذكر غايته فقال: (يا فضيل بن يسار إنه من كان همه هما واحدا كفاه الله همه، ومن كان همه في كل واد لم يبال الله بأي وادهلك) الهم القصد والعزم والحزن، ولعل المراد بالهم الواحد هو الآخرة والدين،


1 - قوله " وفيه تنفير عن الدنيا وتحذير " ملاحدة زماننا يعيبون ذلك على الاسلام ويقولون عدم الاعتناء بالدنيا وزخارفها أوجب ضعف المسلمين وذلتهم. وهو غلط من وجوه: الأول: أن المسلمين في عصر تشبثهم بالدين وتمسكهم به في العصور الأول حيث كان عهدهم قريبا والعمل بأحكامه في جميع شؤون حياتهم من معاملاتهم وسياساتهم وأحوالهم الشخصية والنوعية رائجا كانوا أعز الناس وأقوى الامم، وكان الملك فيهم والدولة لهم وألقت الدنيا أزمتها بأيديهم وإنما ضعفوا بعد أن تركوا أحكام دينهم وأدخلوا أهواء ساير الأمم في أعمالهم ورجحوا قوانين الجاهلية على قواعد الاسلام كما ترى. الثاني: أن التنفير عن الدنيا في الاسلام ليس بمعنى تركها بتا، بل بمعنى عدم الركون إليها وعدم الاعتناء بها كشئ مقصود بذاته. بل يجب المعاملة معها معاملة المقدمات والآلات للوصول إلى شئ آخر مقصود بالذات كمن يحب دابته ليركب عليها ويصل بها إلى مقاصدها ويتعاهدها ويطعمها ويعتني بها وإن كانت مقدمة لساير مقاصدها. كذلك الدنيا عند المسلمين وسيلة للوصول إلى الآخرة يتعاهدها كما يتعاهد الدابة وإذا دار الأمر بين عمارة الدنيا بخراب الآخرة أو عمارة الآخرة بخراب الدنيا يختار الثاني كما فعل أبو ذر والمجاهدون في سبيل الله من الصحابة، وساير المعرضين والزاهدين إذا رأو أنه لا يمكن عمارة دنياهم إلا بالقتل والظلم والسرقة والخيانة ومعاونة الظلمة وتصويب أعمالهم الباطلة وقال تعالى * (من حرم زينة الله التي اخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا) * الثالث: أن أعداء الاسلام كلما أرادوا تضعيف قوم وإبطال شوكتهم وتفرقة كلمتهم واضمحلال استقلالهم روجوا بينهم الفساد والفسوق واستخدموا الملاحدة وطردوا أهل الديانة والأمانة من أمر العامة وحذروهم من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر وليس ذلك إلا لأنهم علموا أن الاسلام وتمسك المسلمين بأحكامهم واعتقادهم بأصولها يوجب قوتهم وضعف أعدائهم، وقد رأينا نجاحهم في ما أرادوا، وربما كانت دولة من دول الاسلام في العزة بحيث لم يؤثر في وهنها الحروب الناهكة ولا في شوكتها الهزيمة الفاضحة لتمسكهم ظاهرا بظواهر الاسلام، وكانوا يعدون من الأعضاء الرئيسة للجامعة الانسانية ويحتال غيرهم لموافقتها لهم في مقاصدهم، وكانت المسألة الشرقية من أهم المسائل السياسية إلى ان تنبهوا الحيلة وهي تقوية الملاحدة واستخدامهم وإيجاد التشكيك وتوهين العقائد، وتضعيف التمسك باحكام الاسلام، وتفريق الكلمة، فوفقوا بها لما لم يوفقوا له مدة خمسمائة سنة بالحروب فرأسهم الملاحدة فأزالوا الخوف عن قلوب أعدائهم وأراحوهم وانحطوا إلى التقليد بعد أن كانوا صاحب الرأي ويعتد برأيهم ولم يكن يتجرأ أحد ان يقطع أمرا دون تنفيذهم. (ش). (*)

[ 193 ]

وبكفايته عز وجل: إعانته ونصرته عليه، والمراد بمقابله هم الدنيا وأهواء النفس الأمارة بالسوء وبعدم مبالاته صرف لطفه وتوفيقه عنه وتركه مع نفسه والمراد بكل واد كل واد من أودية جهنم أو كل واد من أودية الدنيا وكل شعبة من شعب النفس وهواها وهي كثيرة منها حب المال والجاه والشرف والعلو ولين المطاعم والمشارب والملابس والمناكح إلى غير ذلك من متعلقات الهوى ومقتضيات الطبع، فمن أرسل نفسه إلى هواها ولم يصرفها عن مقتضاها إلى دين الحق والايمان وأركانه لم يبال الله به وبما ذهب من دينه ولم يمدده بنصره وتوفيقه ولم يكن له عنده قدر يحفظه بتأييده ولا وزن يحرسه بتسديده. ولم يبال به في أي واد هلك ولا في أي طريق سلك ويمكن أن يراد بالهم الواحد القصد إلى الله والتوكل عليه في جميع الأمور فإنه تعالى يكفيه هم الدنيا والآخرة. بخلاف من كان قصده الدنيا وسلب عن نفسه علاقة التوكل فإنه تعالى لم يبال بأي واد هلك، ويؤيده ما روى من جعل الهم هما واحدا كفاه الله هم الدنيا والآخرة. 6 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن ابن مسكان، عن منصور الصيقل والمعلى بن خنيس قالا: سمعنا أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): قال الله عز وجل: ما ترددت في شئ أنا فاعله كترددي في موت عبدي المؤمن، إنني لاحب لقاءه ويكره الموت، فأصرفه عنه وإنه ليدعوني فاجيبه وإنه ليسألني فاعطيه، ولو لم يكن في الدنيا إلا واحد من عبيدي مؤمن لاستغنيت به عن جميع خلقي ولجعلت له من إيمانه انسا لا يستوحش إلى أحد. * الشرح: قوله (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال الله عز وجل ما ترددت في شئ أنا فاعله كترددي في موت عبدي المؤمن، إنني لأحب لقاءه ويكره الموت فأصرفه عنه) هذا الحديث من الأحاديث المشهورة بين الخاصة والعامة، ومن المعلوم عند الموحد أنه لم يرد التردد المعهود من الخلق في الأمور التي يقصدونها فيترددون في إمضائها إما لجهلهم بعواقبها أو لقلة ثقتهم بالتمكن منها لمانع ونحوه، ولهذا قال أنا فاعله أي لا محالة أنا أفعله لحتم القضاء بفعله ولنقل العبد من دار الغرور إلى دار السرور التي هي غاية مأموله ونهاية مقصوده، فلابد فيه من تأويل، وفيه وجوه عند الخاصة والعامة. أما وجوهه عند الخاصة فثلاثة ذكرها الشيخ في الأربعين: الأول أن في الكلام إضمارا والتقدير: لو جاز علي التردد ما ترددت في شئ كترددي في وفاة المؤمن.

[ 194 ]

الثاني: أنه لما جرت العادة بأن يتردد (1) الشخص في مساءة من يحترمه ويوقره كالصديق وأن لا يتردد في مساءة من ليس له عنده قدر ولا حرمة كالعدو، بل يوقعها من غير تردد وتأمل، صح أن يعبر عن توقير الشخص واحترامه بالتردد وعن إذلاله واحتقاره بعدمه، فالمعنى ليس لشئ من مخلوقاتي عندي قدر ولا حرمة كقدر عبدي المؤمن وحرمته، فالكلام من قبيل الاستعارة التمثيلية. الثالث: أنه ورد من طرق الخاصة والعامة أن الله سبحانه يظهر للعبد المؤمن عند الاحتضار من اللطف والكرامة والبشارة بالجنة ما يزيل عنه كراهة الموت ويوجب رغبته في الانتقال إلى دار القرار فيقل تأذيه به ويصير راضيا بنزوله وراغبا في حصوله فأشبهت هذه المعاملة معاملة من يريد أن يؤلم حبيبه ألما يتعقبه نفع عظيم، فهو يتردد في أنه كيف يوصل ذلك الألم إليه على وجه يقل تأذيه فلا يزال يظهر له ما يرغبه فيما يتعقبه من اللذة الجسيمة والراحة العظيمة إلى أن يتلقاه بالقبول ويعده من الغنائم المؤدية إلى إدراك المأمول، فيكون الكلام من الاستعارة التمثيلية. وأما وجوهه عند العامة فأيضا ثلاثة: الأول: أن معناه ما تردد عبدي المؤمن في شئ أنا فاعله كتردده في قبض روحه فإنه متردد بين إرادته للبقاء وإرادتي للموت فأنا ألطفه وأبشره حتى أصرفه عن كراهة الموت، فأضاف سبحانه تردد نفس وليه إلى ذاته المقدسة كرامة وتعظيما له كما يقول غدا يوم القيامة لبعض من يعاتبه من المؤمنين في تقصيره عن تعهد ولي من أوليائه " عبدي مرضت فلم تعدني، فيقول: كيف تمرض وأنت رب العالمين، فيقول: مرض عبدي فلان فلم تعده ولو عدته لوجدتني عنده " فكما أضاف مرض وليه وسقمه إلى عزيز ذاته المقدسة عن نعوت خلقه إعظاما لقدر عبده وتنويها بكرامة منزلته كذلك أضاف التردد إلى ذاته لذلك. الثاني: أن " ترددت " في اللغة بمعنى " رددت " مثل قولهم فكرت وتفكرت ودبرت وتدبرت، فكأنه يقول ما رددت ملائكتي ورسلي في أمر حكمت بفعله مثل ما رددتهم عند قبض روح عبدي المؤمن فأرددهم في إعلامه بقبضي له وتبشيره بلقائي وبما أعددت له عندي كما ردد ملك الموت (عليه السلام) إلى إبراهيم وموسى (عليهما السلام) في القضيتين المشهورتين إلى أن اختارا الموت فقبضهما كذلك خواص المؤمنين من الأولياء يرددهم إليهم رفقا وكرامة ليميلوا إلى الموت ويحبوا لقاء المولى.


1 - قوله " لما جرت العادة بأن يتردد " نسبة التردد إلى الله تعالى كنسبة سائر الحالات الدالة على التغير والاستحالة يتنزه عنه الباري كالغضب والرضا والأسف، والمراد بأمثالها شأنية المقام لعروض هذه الحالات لو كان المورد انسانا. (ش). (*)

[ 195 ]

الثالث: أن معناه ما رددت الإعلال والإمراض والبر واللطف والرفق حتى يرى بالبر عطفي وكرمي فيميل إلى لقائي طمعا، وبالبلاء والعلل فيتبرم بالدنيا ولا يكره الخروج منها، والله أعلم بحقيقة كلامه. وما دل هذا الحديث من أن المؤمن يكره الموت لا ينافي ما دل عليه الروايات المتكثرة من أن المؤمن يحب لقاء الله ولا يكرهه إما لما ذكره الشهيد في الذكرى من أن حب لقاء الله غير مقيد بوقت فيحمل على حال الاحتضار ومعاينة ما يحب فإنه ليس شئ حينئذ أحب إليه من الموت ولقاء الله، أو لأنه يكره الموت من حيث التألم به لا لقاء الله وهما متغايران وكراهة أحد المتغايرين لا يوجب كراهة الآخر أو لأن حب لقاء الله يوجب حب كثرة العمل النافع وقت لقائه وهو يستلزم كراهة الموت القاطع له، واللازم لا ينافي الملزوم. (ولجعلت له من إيمانه أنسا لا يستوحش إلى أحد) أنسه بالله وبالإيمان به من أجل الإيمان ولوازمه موجب لعدم الوحشة بالكلية إذ تحقق أحد الضدين يوجب رفع الآخر، وإذا كان كذلك فلا يستوحش منه إلى أحد إذ ليس له طبع مستوحش.

[ 196 ]

باب في سكون المؤمن إلى المؤمن 1 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس عمن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن المؤمن ليسكن إلى المؤمن، كما يسكن الظمآن إلى الماء البارد. * الشرح: قوله (إن المؤمن ليسكن إلى المؤمن كما يسكن الظمآن إلى الماء البارد) كما أن للظمآن اضطرابا في فراق الماء وكمال ميل إلى طلبه وسكونا واستقرارا عند وجدانه وانتفاعا به في حياة روحه كذلك للمؤمن بالنسبة إلى المؤمن، وفيه تشبيه للمعقول بالمحسوس لزيادة الإيضاح، وهذا السكون ينشأ من أمرين أحدهما الاتحاد في الجنسية للتناسب في الطبيعة والروح كما مر، والمتجانسان يميل أحدهما إلى الآخر وكل ما كان التناسب والتجانس أكمل كان الميل أعظم كما نقل: " الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف " وثانيهما المحبة لأن المؤمن لكمال صورته الظاهرة والباطنة بالعلم والايمان والأخلاق والأعمال محبوب القلوب وتلك الصورة فتدرك بالبصر والبصيرة، وقد يكون سببا للمحبة والسكون بإذن الله تعالى وبسبب العلاقة في الواقع وإن لم يعلم تفصيلها.

[ 197 ]

باب فيما يدفع الله بالمؤمن 1 - محمد بن يحيى، عن علي بن الحسن التيمي، عن محمد بن عبد الله بن زرارة، عن محمد ابن الفضيل، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن الله ليدفع بالمؤمن الواحد عن القرية الفناء. * الشرح: قوله (إن الله ليدفع بالمؤمن الواحد عن القرية الفناء) أي عن أهل القرية بحذف المضاف أو المراد بالقرية أهلها مجازا، وذلك الدفع إما بدعائه أو ببركة وجوده فيهم أو لئلا يلحق الفناء به لأن الفناء قد يلحق البرئ بشوم الجرئ. 2 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لا يصيب قرية عذاب وفيها سبعة من المؤمنين. * الشرح: قوله (لا يصيب قرية عذاب وفيها سبعة من المؤمنين) أي لا يصيب غالبا أو حتما والمفهوم غير معتبر وعلى تقدير اعتباره لا ينافي منطوق السابق لإمكان حمله على جواز الإصابة، وهو لا ينافي عدمها، على أن الايمان والمعصية مراتبهما متفاوتة فقد يدفع بمؤمن واحد في معصية وقد يدفع بسبعة في معصية أخرى أشد ولا يدفع بواحد واثنين فيها. 3 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن غير واحد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قيل له في العذاب إذا نزل بقوم يصيب المؤمنين ؟ قال: نعم ولكن يخلصون بعده. * الشرح: قوله (قيل له في العذاب إذا نزل بقوم يصيب المؤمنين، قال: نعم ولكن يخلصون بعده) أي يخلصون بعده من العذاب الأخروي لإيمانهم الموجب للنجاة منه، وأما العذاب الدنيوي فإنما لحقهم بالعرض من أجل مجاورة الفاسقين، ولا ينافي ذلك ما مر لأن البر والفاجر إذا اختلطا فقد يصل خير البر إلى الفاجر وقد يصل شر الفاجر إلى البر، هذا في الدنيا وأما في الآخرة فكل يعامل بعمله.

[ 198 ]

باب في ان المؤمن صنفان 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن نصير أبي الحكم الخثعمي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: المؤمن مؤمنان فمؤمن صدق بعهد الله ووفى بشرطه وذلك قول الله عز وجل: * (رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) * فذلك الذي لا تصيبه أهوال الدنيا ولا أهوال الآخرة وذلك ممن يشفع ولا يشفع له، ومؤمن كخامة الزرع، تعوج أحيانا وتقوم أحيانا، فذلك ممن تصيبه أهوال الدنيا وأهوال الآخرة وذلك ممن يشفع له ولا يشفع. * الشرح: قوله (فمؤمن صدق بعهد الله ووفى بشرطه) لعل المراد بالعهد عهد الربوبية والايمان بالله وبرسوله وبما جاء به وبالوفاء بالشرط الاتيان بالمأمورات والانتهاء عن المنهيات وهذا المؤمن هو الناظر بعين بصيرته إلى مبادى جميع حركاته وسكناته ومآلهما، والمشاهد لأحوال نفسه في الفعل والترك فيعلم كل ما له فيقدم عليه، وكل ما عليه فيبعد عنه، وبالجملة هو الحارس الناظر إلى صلاح أحواله ظاهرا وباطنا. (فذلك الذي لا تصيبه أهوال الدنيا ولا أهوال الآخرة) أما الآخرة فلحسن استعداده لها وهو يقتضي الفراغ والأمن من أهوالها، وأما الدنيا فلعل المراد بأهوالها الهموم من فوات نعيمها لأن الدنيا ونعيمها لم تخطر بباله فيكف الهموم من فواتها، أو المراد أعم منها ومن عقوباتها ومكارهها ومصايبها لأنها عنده نعمة مرغوبة لا أهوال مكروهة، أو لأنها لا تصيبه لأجل المعصية فلا ينافي إصابتها لرفع الدرجات. (وذلك ممن يشفع ولا يشفع له) لأنه من المقربين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون فلا يحتاج إلى أن يشفع له وله درجة الشفاعة لغيره من أهل العصيان. (ومؤمن كخامة الزرع تعوج أحيانا وتقوم أحيانا) شبه المؤمن بالخامة وهي الغضة اللينة من الزرع، وألفها منقلبة عن واو، وأشار إلى وجه التشبيه بقوله " يعوج أحيانا ويقوم أحيانا " والمراد باعوجاجه ميله إلى الباطل وهو متاع الدنيا والمعصية وهواء النفس ورداها. وبقيامه ميله إلى الحق وهو الآخرة والطاعة ومخالفة النفس في هواها وذلك تصيبه أهوال الدنيا ومكارهها مثل الأمراض وسكرات الموت لتخفيف ذنوبه، وأهوال الآخرة مثل المناقشة في الحساب وغيرها ويندرج فيها أهوال البرزخ ولكن ينجو بالشفاعة له وليست له درجة الشفاعة لغيره إلا أن يشاء الله بمجرد التفضل دون الاستحقاق. 2 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن عبد الله، عن خالد العمي عن خضر بن

[ 199 ]

عمرو، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: المؤمن مؤمنان: مؤمن وفى لله بشروطه التي شرطها عليه، فذلك مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا، وذلك من يشفع ولا يشفع له، وذلك ممن لا تصيبه أهوال الدنيا ولا أهوال الآخرة، ومؤمن زلت به قدم فذلك كخامة الزرع كيفما كفئته الريح انكفأ وذلك ممن تصيبه أهوال الدنيا والآخرة ويشفع له وهو على خير. * الشرح: قوله (كيفما كفئته الريح انكفأ) أي قلبته وأمالته وهو إشارة إلى وجه تشبيهه بخامة الزرع، والتشبيه تمثيل لإمالة أهواء نفسه وريح خاطراته إياه من حال إلى حال فتارة يعوج وأخرى يقوم ويعتدل. 3 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن إسماعيل بن مهران، عن يونس بن يعقوب، عن أبي مريم الأنصاري، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قام رجل بالبصرة إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن الإخوان، فقال: الإخوان صنفان: إخوان الثقة وإخوان المكاشرة، فأما إخوان الثقة فهم الكف والجناح والأهل والمال، فإذا كنت من أخيك على حد الثقة فابذل له مالك وبدنك وصاف من صافاه وعاد من عاداه واكتم سره وعيبه وأظهر منه الحسن، واعلم أيها السائل أنهم أقل من الكبريت الأحمر، وأما إخوان المكاشرة فإنك تصيب لذتك منهم، فلا تقطعن ذلك منهم ولا تطلبن ما وراء ذلك من ضميرهم وابذل لهم ما بذلوا لك من طلاقة الوجه وحلاوة اللسان. * الشرح: قوله (فقال يا أمير المؤمنين أخبرنا عن الإخوان) أراد بالإخوان المؤمنين كما قال عز وجل * (انما المؤمنون إخوة) *. (فقال: الإخوان صنفان إخوان الثقة وإخوان المكاشرة) الثقة مصدر بمعنى الأمانة والاعتماد، والمراد بإخوان الثقة أهل الأمانة والاعتماد في الدين وأرباب الثبوت والقوة في اليقين، وهم المؤمنون المتصفون بالفضائل، المقدسون عن الرذائل. والمكاشرة المضاحكة من الكشر وهو ظهور الأسنان للضحك. وكاشره إذ ضحك في وجهه وباسطه، والاسم الكشرة كالعشرة، والمراد بإخوان المكاشرة أهل الحق والباطل الذين جمعوا بين شئ من الفضائل والرذائل يعملون تارة بمقتضى الايمان وأخرى بحكم النفس والشيطان، ثم أشار (عليه السلام) إلى شئ من أحوال الفريقين وكيفية المعاشرة معهما بقوله: (فأما اخوان الثقة فهم الكف والجناح والأهل والمال) الكف الراحة مع الأصابع سميت بذلك لأنها تكف الأذى عن صاحبها وعن غيره، والجناح للطير معروف ويطلق

[ 200 ]

على العضد والأبط والجانب والعصا أيضا، والأهل أهل البيت ويطلق على الأقرباء والأتباع أيضا، والحمل في الأكثر من باب المبالغة أو بتقدير مضاف أي أهل الكف. (فإذا كنت من أخيك على حد الثقة) أي الاعتماد والديانة والرسوخ في الدين. (فابذل له مالك وبدنك) بذل المال للأخ عند حاجته سأل أو لم يسأل ناظر إلى الكف والمال. وبذل البدن بالسعي في حاجته ناظر إلى الجناح والأهل. (وصاف من صافاه وعاد من عاداه، واكتم سره وعيبه وأظهر منه الحسن) أمر (عليه السلام) بالتزام الصداقة على جميع أنواعها، الأول أن يكون صديقا له، والثاني أن يكون صديقا لصديقه، والثالث أن يكون عدوا لعدوه، فإن الصداقة لصديقه والعداوة لعدوه صداقة له كما يرشد إليه أيضا ما روي عنه (عليه السلام) " أصدقاؤك ثلاثة وأعداؤك ثلاثة، فأصدقاؤك: صديقك، وصديق صديقك، وعدو عدوك. وأعداؤك: عدوك، وعدو صديقك، وصديق عدوك " والحسن بالتحريك أو بالضم والتسكين. (واعلم أيها السائل أنهم أقل من الكبريت الأحمر) يعنى أن إخوان الثقة في غاية القلة ونهاية الندرة لأن جواهر ذواتهم نفيسة وكل نفيس نادر الوجود، وأما إخوان المكاشرة ففي غاية الكثرة لأن أكثر الناس يتبع اللذات الجسمانية والمشتهيات النفسانية والوساوس الشيطانية ولكن لابد من الاختلاط وحسن المعاشرة معهم لأجل الضرورة واستكمال النظام والقطع منهم يوجب تبدده كما أشار إليه عليه بقوله: (وأما إخوان المكاشرة فإنك تصيب لذتك منهم) لعل المراد باللذة اللذة الدنيوية مثل حسن المعاشرة والمعاملة وتحصيل منافع الدنيا ونحوها. (فلا تقطعن ذلك منهم) لعل ذلك إشارة إلى إصابة اللذة منهم، وفيه ترغيب في حسن المعاشرة معهم لأن اعتزالك عمن يريدك ويعينك نقص حظ، كما أن ميلك إلى من لا يريدك ولا يعينك ذل نفس كما يرشد إليه ما روي عنه (عليه السلام) " زهدك في راغب فيك نقصان حظ، ورغبتك في زاهد فيك ذل نفس " وذلك لأن الراغب في شخص يبذل ماله بجهاته ويعينه في حاجاته وله منه نصيب وحظ إذا لم يزهد فيه وإن زهد فيه فلا يبذل ولا يعين فيكون ناقص الحظ، والراغب في الشخص المعرض عنه المستكره لصحبته يصير عنده حقيرا ذليلا، إما بالذات أو بحسب أفعاله المذلة في اعتقاده (ولا تطلبن ما وراء ذلك من ضميرهم) أي لا تطلبن سوى ما أصابت منهم من اللذة الدنيوية من ضميرهم شيئا لتعلق ضميرهم بالعقائد الفاسدة والخاطرات الكاسدة والأهواء الباطلة (وابذل لهم ما بذلوا لك من طلاقة الوجه وحلاوة اللسان) بمنزلة التأكيد لما ذكره أولا من قوله " فإنك تصيب - إلى آخره " وفيه ترغيب في التأنيس بالجهال واستجلاب طباعهم إلى الحق لئلا يزيد نفارهم ولا ينقطع نظام أحوالهم.

[ 201 ]

باب ما اخذه الله على المؤمن من الصبر على ما يلحقه فيما ابتلي به 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن النعمان، عن داود بن فرقد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أخذ الله ميثاق المؤمن على أن لا تصدق مقالته ولا ينتصف من عدوه وما من مؤمن يشفي نفسه إلا بفضيحتها لأن كل مؤمن ملجم. * الشرح: قوله (أخذ الله ميثاق المؤمن على أن لا تصدق مقالته) (1) ألا ترى أن جميع الأنبياء والأوصياء كانوا كذلك، والمراد عدم تصديق أكثر الخلق إذ بعضهم قد يصدقه، وما من متكلم صادق إلا وله مصدق (ولا ينتصف من عدوه) أي لا ينتقم. (وما من مؤمن يشفى نفسه إلا بفضيحتها) شفاه يشفيه من باب ضرب فاشتفى هو، وهو من الشفاء بمعنى البرء من الأمراض ويستعمل في شفاء القلب من الأمراض النفسية والمكاره القلبية كما يستعمل في شفاء الجسم من الأمراض البدنية وكون شفاء نفسه من غيظ العدو موجبا لفضيحتها ظاهر لأن الانتقام من العدو مع عدم القدرة عليه يوجب الفضيحة والذلة وزيادة الإهانة والأذى (لأن كل مؤمن ملجم) تعليل لجميع ما ذكر. 2 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، جميعا، عن ابن محبوب، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن الله أخذ ميثاق المؤمن على بلايا أربع أيسرها عليه مؤمن يقول بقوله يحسده، أو منافق يقفو أثره، أو شيطان يغويه، أو كافر يرى جهاده فما بقاء المؤمن بعد هذا. * الشرح: قوله (ان الله أخذ ميثاق المؤمن على بلايا أربع أيسرها عليه مؤمن يقول بقوله يحسده أو منافق يقفو أثره أو شيطان يغويه) أي يريد أن يغويه ويضله عن سبيل الحق بالوسوسة والخاطرات كما


1 - قوله " على أن لا تصدق مقالته " المراد عدم تصديق مقاله في الحكومات الباطلة والدول الجائرة من أناس طبعوا على اتباع الأيدي القوية لا مطلقا. فإن المؤمن يقول الحق والحق مصدق به لكل أحد حتى السارق في سرقته، والزاني عند الفحشاء يصدق بأن عمل الصلحاء خير من عمله. وكذلك قوله: لا ينتصف من عدوه: يعني يعجز عن الانتصاف لغلبة أهل الباطل لا أنه يحرم عليه الانتصاف بالحق إذا قدر، وقوله " لا يشفى نفسه إلا بفضيحتها " هذا أيضا في دولة الباطل والفضيحة بلسان أهل زمانها، وإن من رام ترويج الحق ودفع الباطل في زمانهم ولم يقدر، غلب عليه وافتضح بالمغلوبية، وصار ذلك موجبا ليأس أهل الحق وضعف إرادتهم. (ش). (*)

[ 202 ]

حكى عنه الكتاب الكريم * (لأقعدن لهم صراطك المستقيم) * وهو كناية عن جذبهم من طريق الحق إلى الطريق الباطل. (أو كافر يرى جهاده) لازما فيجاهده ويضره من كل وجه يمكنه (فما بقاء المؤمن بعد هذا) ولهذا قل أهل الايمان. والمقصود من الحديث أن المؤمن لا يكون إلا ومعه هذه البلايا كلها أو بعضها، فلا ينافي الترديد الدال على منع الخلو، وأيسرها صفة لبلايا أربع وفيه إشعار بأن للمؤمن بلايا أخر أشد منها، وفي بعض النسخ: " أشدها " بدل " أيسرها " فيفيد أن هذه الأربع أشد بلاياه. وقوله " مؤمن " خبر مبتدأ محذوف أي هي مؤمن، وربما يزعم أن " أيسرها " مبتدأ و " مؤمن " خبره، وأن أشدها أولى من أيسرها لئلا ينافي قوله (عليه السلام) فيما بعد: ومؤمن يحسده وهو أشدهم عليه، وفيه أن أيسرها أو أشدها صفة لما تقدم فلا يتم ما ذكر، وكون هذه الأربع أيسر من غيرها لا ينافي أن يكون بعضها أشد من بعضها ولو جعل مبتدأ كما زعم لزم أن لا يكون المؤمن الحاسد أشد من المنافق وما بعده، وهو مناف لما يأتي، فليتأمل. 3 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن ابن مسكان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما أفلت المؤمن من واحدة من ثلاث ولربما اجتمعت الثلاثة عليه، إما بغض من يكون معه في الدار يغلق عليه بابه يؤذيه، أو جار يؤذيه أو من في طريقه إلى حوائجه يؤذيه، ولو أن مؤمنا على قلة جبل لبعث الله عز وجل شيطانا يؤذيه، ويجعل الله له من إيمانه انسا لا يستوحش معه إلى أحد. * الشرح: قوله (ما أفلت المؤمن من واحدة من ثلاث ولربما اجتمعت الثلاثة عليه إما بغض من يكون معه في الدار يغلق عليه بابه يؤذيه) أفلت إفلاتا إذا تخلص وأفلته إذا خلصه لازم ومتعد، وهنا لازم، ومن لطف الله بعباده أنه إذا أحب عبدا صب عليه البلاء صبا، ومن جملته أن يسلط عليه بعضا من شرار خلقه يؤذيه، ويتفاوت ذلك بحسب تفاوت الدرجات والمقامات كما يرشد إليه إيذاء الامة للانبياء والأوصياء والأولياء من لدن آدم (عليه السلام) إلى الآن، وقوله (صلى الله عليه وآله) " ما أوذى أحد في الله ما أوذيت " وقد ذكروا لذلك وجوها من الحكمة منها أنه لكفارة ذنوبه، ومنها أنه لاختبار صبره وإدراجه في الصابرين، ومنها أنه لتزهيده في الدنيا وتبريدها في قلبه لئلا يفتتن بها ولا يطمئن إليها فلا يشق عليه الخروج منها، ومنها لإضعاف نفسه عن الصفات البشرية والقطع عنها مواد العلائق الجسمانية لينقطع علاقته بدنياه ويرجع بكله إلى مولاه ويألف الإقبال عليه في السراء ويستديم المثول بين يديه في الضراء إلى أن يرتقى بذلك إلى أعلى درجة الأحباب والأولياء. ومنها لتنفيره بذلك عن مصاحبتهم، وايحاشه منهم بواسطة أذيتهم ليؤنسه بحضرة ربوبيته ويقتطعه إليه عن بريته، ومنها

[ 203 ]

لإكرامه برفع الدرجة التي لا يبلغها الإنسان قط بكسبه، لأنه ممنوع من ايلام نفسه شرعا وطبعا فإذا سلط عليه في ذلك غيره أدرك ما لا يصل إليه بفعله كدرجة الشهادة لا يبلغها المؤمن قط بقتل نفسه، وانما يبلغها بقتل العدو له في الله فيكرم الله عليه بدرجة الشهادة على يد غيره. ومنها لتشديد عقوبة العدو في الآخرة فإنه يوجب سرور المؤمنين به. والغرض من هذا الحديث وأمثاله حث المؤمن على الاستعداد لتحمل أنواع النوائب والأذى بالصبر والرضا بقضاء الله، وبالله الاستعانة والتوفيق. 4 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن داود بن سرحان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: أربع لا يخلو منهن المؤمن أو واحدة منهن، مؤمن يحسده وهو أشدهن عليه، ومنافق يقفو أثره أو عدو يجاهده، أو شيطان يغويه. * الشرح: قوله (مؤمن يحسده وهو أشدهن) لأن صدور الشر من القريب المجانس أشد وأعظم من صدوره من البعيد المخالف، لتوقع الخير من الأول دون الثاني. 5 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن سنان، عن عمار بن مروإن، عن سماعة بن مهران، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله عز وجل جعل وليه في الدنيا غرضا لعدوه. 6 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن محمد بن عجلان قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فشكا إليه رجل الحاجة، فقال له: اصبر فان الله سيجعل لك فرجا، قال: ثم سكت ساعة، ثم أقبل على الرجل فقال: أخبرني، عن سجن الكوفة كيف هو ؟ فقال: - أصلحك الله - ضيق منتن وأهله بأسوء حال، قال: فإنما أنت في السجن فتريد أن تكون فيه في سعة، أما علمت أن الدنيا سجن المؤمن. * الشرح: قوله (اصبر فإن الله سيجعل لك فرجا) دلت الفاء على أن الفرج مترتب على الصبر كما اشتهر " الصبر مفتاح الفرج " وكما قيل: " من صبر ظفر فاصبر تظفر " ثم قال تسلية له في تحمل المشاق والبليات رجاء لما بعد الدنيا من الخيرات: (أما علمت أن الدنيا سجن المؤمن) قد ورد من طرق الخاصة والعامة " أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر " يعنى أن المؤمن في الدنيا ممنوع من الشهوات المحرمة ومكلف بالأعمال والأخلاق الشاقة، وممتحن بالبلايا والرياضات التامة، فإذا مات استراح من جميع ذلك وانقلب إلى ما أعد الله له من النعيم المقيم، وأما الكافر فإنما له الدنيا حسب، وإذا مات انقلب إلى ما أعد الله له من العذاب الجحيم، فالدنيا جنة له وإن كان ذا مشقة فيها.

[ 204 ]

قيل أن يهوديا رث الهيئة والحالة رأى فقيها وعليه لباس حسن فقال: ألستم تروون عن نبيكم " أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر " فأين ذلك من حالي وحالك ؟ فأجابه بأنه إذا مت وصرت إلى ما أعد الله لك من العذاب علمت أن الدنيا كانت جنة لك، وإذا مت أنا وصرت إلى ما أعد الله لي من النعيم علمت أن الدنيا كانت سجنا لي. 7 - عنه، عن محمد بن علي، عن إبراهيم الحذاء، عن محمد بن صغير، عن جده شعيب قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: الدنيا سجن المؤمن فأي سجن جاء منه خير. 8 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحجال، عن داود بن أبي يزيد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: المؤمن مكفر. * الشرح: قوله (المؤمن مكفر) (1) وفي رواية أخرى: " وذلك أن معروفه يصعد إلى الله فلا ينشر في الناس، والكافر مشكور " الرواية الأخرى تفسر الأولى، ولعل بناء هذا التفسير على أن المؤمن يخفى معروفه من الناس ولا يفعله رياء وسمعة فيصعد إلى الله فلا ينشر فيهم وإلا فالصعود إلى الله مع الإعلان به لا يستلزم عدم نشره فيهم، وعلى هذا فكون الكافر مشكورا معناه أن معروفه لكونه واقعا إعلانا لا لوجه الله ينشر في الناس ولا يصعد إلى الله، وللأولى تفسير آخر أنسب بعنوان الباب، ولعل المصنف باعتباره ذكره فيه وهو أن المؤمن مكفر أي مرزء في نفسه وماله ومصاب بمصيبة لتكفر


1 - قوله " المؤمن مكفر " الناس مفطورون عى طلب منافعهم الفردية والتمتع باللذات الدنيوية وإن استلزم الظلم والإجحاف بغيرهم فبعث الله النبين (عليهم السلام) لتحديد إراداتهم ومنع استرسالهم، حتى يقتصروا على ما لا يضر بالغير، ولا يمنع أحد أحدا عن إراداته المباحة وحوائجه المشروعة، وأشد أعداء الأنبياء والشرائع الجبابرة وأصحاب الدول الظالمة فإن قدرتهم غير محدودة يريدون أن يفعلوا ما يرون صلاحا لهم من غير أن يمنعهم مانع ولا يحد قدرتهم محدد، والأنبياء يحددون قدرتهم، ويمنعهم من أفعالهم فيحدث بينهم العداوة والبغضاء والمنافرة قهرا. ويأخذ جماعة من الناس جانب الظلمة وهم أصحاب الشهوات واللذات لاشتراكهم في طلب حرية أنفسهم وعدم المبالاة بالضعفاء، وجماعة جانب الأنبياء وهم أصحاب النفوس الأبية وأرباب العقول الراجحة والمبغضون للظلم والإجحاف الكارهون لمساءات الخلق لا يرون لائقا بكرامتهم أن يروا جماعة في الضر والبأس ممنوعين عما يريدون من الاستمتاع بحوائجهم لمنع الأقوياء إياهم، ولابد في دولة الباطل من المصادمة بين الفريقين، ويكون الغلبة لغير المؤمن قطعا لأنهم لا يبالون بالظلم وإيذاء الخلق ومصادرة الأموال والقتل والحبس والتشريد لتحقيق مقاصدهم أيا ما كان، والمؤمن في دولتهم منفور إن صدر منه فعل حسن شكره أهل الحق ولا يرضى به أهل الباطل فإن ما يرون منه من منع الباطل لا يكافي فعله الحسن ويذمونه على كل حال، وقد رأينا جماعة من المثرين بذلوا أموالا عظيمة في سبيل الله تعالى، ومع ذلك يكرههم المبطلون ويبغضونهم وينسبونهم إلى كل سوء لأنهم مؤمنون غير موافقين لهم في اتباع الشهوات واعتقاد الكفر والإلحاد. أعاذ الله الناس من شرورهم. (ش). (*)

[ 205 ]

خطاياه وذنوبه بخلاف الكافر. 9 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما من مؤمن إلا وقد وكل الله به أربعة: شيطانا يغويه، يريد أن يضله، وكافرا يغتاله، ومؤمنا يحسده وهو أشدهم عليه، ومنافقا يتتبع عثراته. * الشرح: قوله (وكافرا يغتاله) غاله غولا من باب قال: أهلكه، واغتاله: قتله على غرة وهي بالكسر: الغفلة والخفية، والاسم الغيلة بالكسر. 10 - عدة من أصحابا، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته يقول: إذا مات المؤمن خلي على جيرانه من الشياطين عدد ربيعة ومضر، كانوا مشتغلين به. * الشرح: قوله (إذا مات المؤمن خلي على جيرانه عدد ربيعة ومضر) هما في النسب أخوان ابنا نزار بن معد ابن عدنان، ومضر الجد السابع عشر للنبي (صلى الله عليه وآله) وقبيلتاهما كانتا مشهورتين في كثرة العدد وقساوة القلوب وغلظ الأفئدة ومعاندتهما للنبي (صلى الله عليه وآله) وكفرهما أشهر من كفر إبليس. 11 - سهل بن زياد، عن يحيى بن المبارك، عن عبد الله بن جبلة، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما كان ولا يكون وليس بكائن مؤمن إلا وله جار يؤذيه، ولو أن مؤمنا في جزيرة من جزائر البحر لابتعث الله له من يؤذيه. * الشرح: قوله (ما كان ولا يكون وليس بكائن مؤمن إلا وله جار يؤذيه) ليس المراد به الجار المعروف فقط بل كل من يجاوره ويقاربه رآه أو لم ير، فليس أحد يخلو من جار وأقله الشيطان، فالحصر كلي. 12 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن أبي أيوب، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما كان فيما مضى ولا فيما بقي ولا فيما أنتم فيه مؤمن إلا وله جار يؤذيه. 13 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: ما كان ولا يكون إلى أن تقوم الساعة مؤمن إلا وله جار يؤذيه.

[ 206 ]

باب شدة ابتلاء المؤمن 1 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير عن، هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الأمثل فالأمثل. * الشرح: قوله (إن أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الأمثل فالأمثل) البلاء ما يختبر به ويمتحن به من خير أو شر وأكثر ما يأتي مطلقا في الشر وإذا اريد به الخير يأتي مقيدا كما قال تعالى " بلاء حسنا " وأصله المحنة والله تعالى بلى عبدا بالصنع الجميل ليمتحن شكره، وبما يكره ليمتحن صبره، يقال: بلاه الله بخير أو شر يبلوه بلوا وأبلاه إبلاء وابتلاه ابتلاء بمعنى امتحنه، والاسم البلاء مثل سلام والبلوى والبلية مثله، والمراد بالأمثل فالأمثل الأشرف فالأشرف وإلا على فالأعلى في المرتبة والمنزلة، يقال: هذا أمثل من هذا أي أفضل وأشرف وأدنى إلى الخير، وأماثل الناس خيارهم. وفي هذا الحديث وغيره من الأحاديث المتكثرة من طرق الخاصة والعامة دلالة واضحة على أن الأنبياء في الأمراض الحسية والبلايا الجسمية كغيرهم بل هم أولى بها من الغير تعظيما لأجرهم الذي يوجب التفاضل في الدرجات ولا يقدح ذلك في رتبتهم. بل هو تثبيت لأمرهم وأنهم بشر إذ لو لم يصبهم ما أصاب البشر مع ما يظهر من أيديهم من خرق العادة لقيل فيهم ما قالت النصارى في نبيهم، واستثنى بعض من ذلك ما هو نقص كالجنون والجذام والبرص، وحمل استعاذة النبي (صلى الله عليه وآله) منها على أنها تعليم للخلق، وقال محي الدين: الأنبياء (عليهم السلام) منزهون عن النقص في الخلق والخلق، سالمون من المعايب ولا يلتفت إلى ما نسب بعض إلى بعضهم من العاهات فإن الله تعالى رفعهم عن كل ما هو عيب ينقص العيون وينفر القلوب، وقال الآبي في كتاب إكمال الإكمال: إن الأنبياء والناس في الأمراض سواء، والأنبياء منزهون عن المعايب، ويسمى هذا الابتلاء تنبيه الغافلين وتذكير الصالحين وتنويه الذاكرين، وله فوائد غير محصورة ذكرنا بعضها في باب أن المؤمنين صنفان وابتلاء الأنبياء والمقربين تحفة لهم لرفع الدرجات التي لا يمكن الوصول إليها بشئ من العمل إلا ببلية كما أن بعض الدرجات لا يمكن الوصول إليها إلا بالشهادة فيمن الله سبحانه على من أحب من عباده بهما تعظيما وتكريما له. 2 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن عبد الرحمن ابن الحجاج قال: ذكر عند أبي عبد الله (عليه السلام) البلاء وما يخص الله عز وجل به المؤمن، فقال: سئل

[ 207 ]

رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أشد الناس بلاء في الدنيا ؟ فقال النبيون ثم الأمثل فالأمثل ويبتلي المؤمن بعد على قدر إيمانه وحسن عمله فمن صح إيمانه وحسن علمه اشتد بلاؤه، ومن سخف إيمانه وضعف عمله قل بلاؤه. * الشرح: قوله (ويبتلي المؤمن بعد على قدر إيمانه وحسن عمله فمن صح إيمانه وحسن عمله اشتد بلاؤه) كلما زاد ايمان رجل زاد قربه من الله، وكلما زاد قربه زاد حبه وكلما زاد حبه زاد استحقاقه لعطاياه وأعظم عطاياه البلية، لأنها توجب رفع الذنوب والخطايا وسلب الميل إلى الدنيا والتضرع بين يدي المولى والوصول إلى الدرجة العليا والاختصاص بأعلى مقام الشرف والزلفى والنجاة من أهوال العقبى حتى توصله إلى أعلى درجات المحبين وأقصى مراتب المقربين. نعم ما قيل: أبليت من أحببت يا حسن البلاء * وخصصت بالبلوى رجالا خشع أحببت بلواهم وطول حنينهم * وأطلت ضرهم لكي يتخضعوا (ومن سخف إيمانه) سخف الشئ سخفا بالضم وسخافة بالفتح من باب قرب قربا وقرابة أي رق ونقص (وضعف عمله) بالكمية والكيفية. (قل بلاؤه) لضعف محبته وهو يقتضي قلة عطيته لأنه تعالى إذا أحب عبدا حبا صب عليه البلاء صبا. 3 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن عمار بن مروإن، عن زيد الشحام، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن عظيم الأجر لمع عظيم البلاء، وما أحب الله قوما إلا ابتلاهم. * الشرح: قوله (إن عظيم الأجر لمع عظيم البلاء) يعني أن البلاء والأجر متوازنان فإن زاد البلاء زاد الأجر وإن نقص نقص (وما أحب الله قوما إلا ابتلاهم) بأنواع المشاق الدنيوية من العلل والأمراض والأوجاع والفقر والخوف والمصائب في النفس والأهل والمال لينفرهم عن الدنيا ويعدهم للإقبال إليه والتضرع بين يديه حتى يبلغ كمال محبته وينال ما عنده من الأجر الجميل والثواب الجزيل. 4 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، جميعا، عن حماد ابن عيسى، عن ربعي بن عبد الله، عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأوصياء، ثم الأماثل فالأماثل. 5 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن لله عز وجل عبادا في الأرض من خالص عباده ما ينزل من السماء تحفة إلى

[ 208 ]

الأرض إلا صرفها عنهم إلى غيرهم ولا بلية إلا صرفها إليهم. * الشرح: قوله (ما ينزل من السماء تحفة إلى الأرض إلا صرفها عنهم... ولا بلية إلا صرفها إليهم) المراد بالتحفة التحفة الدنيوية التي يتم بها عيش الدنيا وزينتها وهي التي يفر منها الأولياء والصلحاء فرار الجبان من الأسد، وبالبلية البلية الدنيوية وهي التي يستقبلها الصلحاء والعرفاء الفحول ويتلقونها بالرحب والقبول علما بأنها أبواب لفضله وأسباب لعفوه وذرايع إلى جنانه ووسائل إلى رضوانه. 6 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أحمد بن عبيد، عن الحسين بن علوان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال - وعنده سدير -: إن الله إذا أحب عبدا غته بالبلاء غتا وإنا وإياكم يا سدير لنصبح به ونمسي. * الشرح: قوله (غته بالبلاء غتا) أي عصره بسبب البلاء عصرا شديدا حتى يجد منه المشقة الشديدة كما يجدها من يغمس في الماء قهرا أو غمسه فيه غمسا متتابعا على أن يكون الباء بمعنى في، أو كده يقال غته بالأمر أي كده، والكد: " رنجانيدن وكوفتن " (وإنا وإياكم يا سدير لنصبح به ونمسي) لأنهم كانوا خائفين وجلين من الأعداء، والخوف منهم من أعظم البلاء. 7 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن الوليد بن علاء، عن حماد، عن أبيه، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن الله تبارك وتعالى إذا أحب عبدا غته بالبلاء غتا وثجه بالبلاء ثجا، فإذا دعاه قال: لبيك عبدي لئن عجلت لك ما سألت إني على ذلك لقادر، ولئن ادخرت لك، فما ادخرت لك فهو خير لك. * الشرح: قوله (وثجه بالبلاء ثجا) أي أسال دم قلبه بالبلاء وهو كناية عن أخذه بالشدائد، تقول: ثججت الماء من باب قتل إذا صببته وأسلته، والثلج أيضا: إسالة دم الهدى. (فإذا دعاه) أي لرفع البلاء أو لغيره من المطالب أيضا (قال لبيك عبدي لئن عجلت لك ما سألت) إن كانت في التعجيل مصلحة. (أني على ذلك لقادر ولئن ادخرت لك) إن لم تكن في التعجيل مصلحة (فما ادخرت لك) من أجر الدعاء سوى أجر الابتلاء، (خير لك) مما سألت لأنه ينفع في الآخرة وكل ما ينفع في الآخرة خير مما ينفع في الدنيا وما ينفع فيها داثرة زائلة، وفيه تعظيم لأمر الابتلاء وتفخيم لشأن الداعي والدعاء حيث يقول الله تعالى له: لبيك أي أقيم بخدمتك

[ 209 ]

إقامة بعد إقامة وألزم على طاعتك لزوما بعد لزوم. وأصل " لبيك " لبين لك حذفت اللام ثم النون للاضافة. 8 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن زيد الزراد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن عظيم البلاء يكافأ به عظيم الجزاء، فإذا أحب الله عبدا ابتلاه بعظيم البلاء، فمن رضي فله عند الله الرضا ومن سخط البلاء فله عند الله السخط. * الشرح: قوله (إن عظيم البلاء يكافأ به عظيم الجزاء) الكف ء: النظير، ومنه كافأه إذا ساواه، وكل شئ ساوى شيئا حتى صار مثله فهو مكافئ له، والمكافاة بين الناس من هذا، ومعناه أن عظيم البلاء يساويه عظيم الجزاء. (فإذا أحب الله عبدا ابتلاه بعظيم البلاء) أي إذا أراد الله أن يوصل الخير إلى عبده وأن يرحمه ويرضى عنه ويدخله الجنة ويرفع درجته فيها وهو نقي عن الذنوب ابتلاه ببلاء عظيم إما بأمراض جسمانية أو بمكاره روحانية. (فمن رضي فله عند الله الرضا ومن سخط البلاء فله عند الله السخط) أي فمن رضي عن الله بما قضى عليه من البلاء وصبر وشكر فله رضاه تعالى ورضوانه وإحسانه عند اللقاء في دار البقاء، ومن سخط البلاء وكره القضاء ولم يرض بحكم الله فيه وإجراء البلاء عليه جرى عليه حكم الله وسخط فيلقاه وهو محروم عما أعده الله للصابرين الشاكرين من أهل البلاء، وإنما لم ينسب السخط إليه تعالى كما نسب إليه الرضا للتنبيه على أن السخط ليس من صفاته تعالى ومرادا له تعالى حقيقة، بل إنما هو جزاء عمل العبد، وفيه تنبيه على أن الأجر للبلاء انما يكون لمن رضى وصبر، وتحريص للعبد على الصبر والرضاء الموجبين للإكرام والاصطفاء. 9 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن زكريا بن الحر، عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إنما يبتلى المؤمن في الدنيا على قدر دينه - أو قال: - على حسب دينه. 10 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن بعض أصحابه، عن محمد بن المثنى الحضرمي، عن محمد بن بهلول بن مسلم العبدي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إنما المؤمن بمنزلة كفة الميزان، كلما زيد في إيمانه زيد في بلائه. * الشرح: قوله (انما المؤمن بمنزلة كفة الميزان) الظاهر أنه تشبيه تمثيلي متضمن لتشبيه الايمان بالجنس المرغوب الموزون، وقوله (كلما زيد في إيمانه زيد في بلائه) إشارة إلى وجه التشبيه وإلى أن

[ 210 ]

الايمان والبلاء متساويان. 11 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيوب، عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: المؤمن لا يمضي عليه أربعون ليلة إلا عرض له أمر يحزنه، يذكر به. * الشرح: قوله (المؤمن لا يمضي عليه أربعون ليلة إلا عرض له أمر يحزنه يذكر به) حزن حزنا من باب علم والاسم الحزن بالضم فهو حزين ويتعدى في لغة قريش بالحركة يقال حزنني الأمر يحزنني من باب قتل، قاله ثعلب والأزهري، وفي لغة تميم بالألف ومنع أبو زيد استعمال الماضي من الثلاثي فقال: لا يقال حزنه وإنما يستعمل المضارع من الثلاثي فيقال يحزنه عروض أمر يوجب حزن المؤمن في تلك المدة من لطف الله تعالى عليه لتنفيره عن الدنيا وتنبيهه عن الغفلة وتذكيره للآخرة وإصلاحه لنفسه وإقباله إلى الله تعالى وينبعث من ذلك التفكر فيما فات من عمره في الخيالات وما فرط منه من الهفوات الموجبة لدوام الحسرات والقلب بذلك يرق ويصفو ويتدارك ما فات ويستعد لما هو آت، وقد روي أن الله تعالى أوحى إلى داود (عليه السلام) طهر قلبك بالهموم والأحزان على ما يفوت مني، وقال بعض السلف: القلب الذي لا حزن فيه كالبيت الخراب. 12 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن صفوان، عن معاوية بن عمار، عن ناجية قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن المغيرة يقول: إن المؤمن لا يبتلى بالجذام ولا بالبرص ولا بكذا ولا بكذا ؟ فقال: إن كان لغافلا عن صاحب ياسين إنه كان مكنعا - ثم رد أصابعه - فقال: كأني أنظر إلى تكنيعه أتاهم فأنذرهم، ثم عاد إليهم من الغد فقتلوه، ثم قال: إن المؤمن يبتلى بكل بلية ويموت بكل ميتة إلا أنه لا يقتل نفسه. * الشرح: قوله (إن المغيرة يقول: إن المؤمن لا يبتلى بالجذام ولا بالبرص ولا بكذا وكذا فقال: إن كان لغافلا عن صاحب ياسين إنه كان مكنعا) " إن " في " إن كان " مخففة بدليل دخول اللام على خبر كان. لا يقال صاحب ياسين هو مؤمن آل فرعون لما سيأتي في هذا الباب من رواية يونس بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لقد كان مؤمن آل فرعون مكنع الأصابع فكان يقول هكذا ويمد يديه ويقول * (يا قوم اتبعوا المرسلين) * وهذا ينافي ما صرح به علماء التفسير من أنه غيره وصرح به السيوطي (كذا ؟) في العرايس أيضا قال كان مؤمن آل فرعون اسمه خربيل من أصحاب فرعون وكان نجارا وهو الذي نجر التابوت لأم موسى حين قذفته في البحر، وقيل إنه كان خازنا لفرعون قد خزن له مائة سنة وكان مؤمنا مخلصا يكتم إيمانه فأخذ يومئذ مع السحرة وقتل صلبا، وهو الذي ذكره الله

[ 211 ]

تعالى في قوله * (وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه) * الآية وروي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: " سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين: علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وصاحب ياسين، ومؤمن آل فرعون فهم الصديقون حبيب النجار مؤمن آل ياسين، وخربيل مؤمن آل فرعون، وعلي بن أبي طالب أفضلهم " ويخالف الواقع أيضا لأن صاحب ياسين كان من أمة عيسى (عليه السلام) فلا يكون هو مؤمن آل فرعون موسى (عليه السلام) لأنا نقول: المراد بفرعون من رواية يونس فرعون عيسى (عليه السلام) وهو كان مكنع الأصابع، والمكنع من تشنجت أصابعه حتى رجعت إلى كفه وظهرت رواجبه أي أصول الاصابع أو بواطن مفاصلها (ثم قال: إن المؤمن يبتلى بكل بلية ويموت بكل ميتة إلا أنه لا يقتل نفسه) الميتة بالكسر للحال والهيئة، وفيه دلالة على أن الموت بكل وجه من الوجوه يجامع الايمان ولا ينافيه إلا الموت على الوجه الخاص وهو قتل نفسه فإنه ينافي الايمان ولا يجامعه فيفهم منه كفر من قتل نفسه بأي وجه كان سواء قتلها بالسيف أو السكين أو نحوهما أو بشرب السم ونحوه أو بترك الأكل أو مداواة جراحة أو مرض علم نفعها، أما لو أحرق العدو السفينة فألقى جالس السفينة نفسه في البحر فمات فالظاهر أنه داخل في هذا الحكم خلافا لبعض العامة فإنه أخرجه منه لأنه فر من موت إلى موت وهو ضعيف لا مستند له ويمكن حمل كفره على ما إذا استحل قتل نفسه، أو على أنه ليس بمؤمن كامل يستحق الجنة ابتداء والله أعلم. 13 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن إبراهيم بن محمد الأشعري، عن عبيد بن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن المؤمن من الله عز وجل لبأفضل مكان - ثلاثا - إنه ليبتليه بالبلاء ثم ينزع نفسه عضوا عضوا من جسده وهو يحمد الله على ذلك. * الشرح: قوله (إن المؤمن من الله لبأفضل مكان) هو مكان غاية القرب ونهاية العز ولو رأيته لرأيت مقاما رفيعا ومكانا عليا. (ثم ينزع نفسه عضوا عضوا من جسده) النزع القلع والتفريق تقول نزعته من موضعه نزعا من باب ضرب إذا قلعته وانتزعته مثله والنفس اسم لجملة البدن وللروح أيضا. (وهو يحمد الله على ذلك) لأن كل شئ من الحبيب حبيب ولعلمه بأنه أصلح له وإن فيه رفع الدرجة ونعمة التطهير من الذنوب كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) إن الله تعالى في السراء نعمة الفضل، وفي الضراء نعمة التطهير. 14 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن فضيل بن

[ 212 ]

عثمان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن في الجنة منزلة لا يبلغها عبد إلا بالابتلاء في جسده. * الشرح: قوله (إن في الجنة منزلة لا يبلغها عبد إلا بالابتلاء في جسده) في الجنة منازل ودرجات بعضها يبلغها العبد بكسبه وسعيه وبعضها لرفعته وعلوه خارج عن قدرة البشر وبلوغه إليه بالكسب وانما يبلغه بالابتلاء، ولذلك الابتلاء عند المحبين أحلى من الشهد. 15 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن إبراهيم بن محمد الأشعري، عن أبي يحيى الحناط، عن عبد الله بن أبي يعفور قال: شكوت إلى أبي عبد الله (عليه السلام) ما ألقى من الأوجاع - وكان مسقاما - فقال لي: يا عبد الله لو يعلم المؤمن ما له من الأجر في المصائب لتمنى أنه قرض بالمقاريض. * الشرح: قوله (وكان مسقاما) مسقام " آنكه بسيار رنج شود " (لو يعلم المؤمن ما له من الأجر في المصائب) في لفظة لو والموصول المشعر بالإبهام دلالة واضحة على أن أجر المصائب في العظمة والفخامة على حد لا يصل إليه عقول البشر. (لتمنى أنه قرض بالمقاريض) قرضت الشئ قرضا من باب ضرب: قطعته بالمقراض، ويجمع المقراض بالمقاريض، وفيه تبشير للمؤمن بالصبر على الأمراض والبلايا لما له من الأجر العظيم الذي لا يبلغ كنهه عقول العارفين ولا يقدر على وصفه فحول الواصفين. 16 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن يونس بن رباط قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن أهل الحق لم يزالوا منذ كانوا في شدة أما إن ذلك إلى مدة قليلة وعافية طويلة. * الشرح: قوله (إن أهل الحق لم يزالوا منذ كانوا في شدة) يعنى أن أهل الحق والايمان من أول زمانهم إلى هذا كانوا في شدة كما يشهد له النظر في حال الأنبياء والأوصياء والتفكر في القرآن العزيز والتأمل في السنة والسير. وفيه حث للمؤمن على الصبر بالشدائد والبلايا تأسيا بهؤلاء الكبراء الذين صبروا لله على قضائه وشكروا له على بلائه، ثم حث على الصبر مبالغة بقوله: (إن ذلك إلى مدة قليلة وعافية طويلة) فإن زمان البلاء والصبر مدة العمر وهي قليلة فانية وزمان العافية مدة الآخرة وهي طويلة باقية. ومن البين أن العاقل يرجح العافية الباقية على العافية الفانية. 17 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن بعض أصحابه، عن الحسين بن المختار، عن أبي اسامة، عن

[ 213 ]

حمران، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن الله عز وجل ليتعاهد المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الرجل أهله بالهدية من الغيبة ويحميه الدنيا كما يحمي الطبيب المريض. * الشرح: قوله (إن الله عز وجل ليتعاهد المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الرجل أهله بالهدية من الغيبة) شبه تعاهده وحفظه للمؤمن بالبلاء وإرساله إليه بتعاهد الرجل الغائب وحفظه لأهله بالهدية وإرسالها إليه وفيه تشبيه البلاء بالهدية، والغرض هو النفع وهو وإن كان في المشبه أدوم وأوفر لكنه في المشبه به أجلى وأظهر. (ويحميه الدنيا كما يحمى الطبيب المريض) الحمى: المنع أي يمنعه عن الدنيا ويزوي عنه فضولها ويقطع عنه أسبابها ويبعد عنه المهلك من لذاتها كيلا يتدنس بها ولا يسكن قلبه إليها ولا تقف نفسه عليها كما يمنع الطبيب المريض عن تناول ما يضره من الأطعمة والأشربة شفقة عليه ومحبة له فينبغي للمؤمن الذي حماه الله تعالى عنها أن يعد ذلك من أجل نعماء الله ويفرح بذلك ويشكره به ويفرغ قلبه عنها إلى ذكره ويصير ويسعى في طريق محبته حتى يدخل في أعلى منازل المقربين وأقصى درجات المحبين. 18 - علي، عن أبيه، عن عبد الله بن المغيرة، عن محمد بن يحيى الخثعمي، عن محمد بن بهلول العبدي قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لم يؤمن الله المؤمن من هزاهز الدنيا ولكنه آمنه من العمى فيها والشقاء في الآخرة. * الشرح: قوله (لم يؤمن الله المؤمن من هزاهز الدنيا ولكنه آمنه من العمى فيها والشقاء في الآخرة) هززته أي حركته، والهزاهز الفتن يهتز فيها الناس * (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) * والعمى عمى القلب الموجب للجهل بالله والتنفر عن الحق والبعد من الايمان وكل ذلك يوجب الشقاء في الآخرة. 19 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حسين بن نعيم الصحاف عن ذريح المحاربي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان علي بن الحسين (عليهما السلام) يقول: إني لأكره للرجل أن يعافي في الدنيا فلا يصيبه شئ من المصائب. 20 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن نوح بن شعيب، عن أبي داود المسترق، رفعه قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) دعي النبي (صلى الله عليه وآله) إلى طعام فلما دخل منزل الرجل نظر إلى دجاجة فوق حائط قد باضت فتقع البيضة على وتد في حائط فثبتت عليه ولم تسقط ولم تنكسر، فتعجب

[ 214 ]

النبي (صلى الله عليه وآله) منها فقال له الرجل: أعجبت من هذه البيضة فوالذي بعثك بالحق ما رزئت شيئا قط، [ قال: ] فنهض رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم يأكل من طعامه شيئا وقال: من لم يرزأ فما لله فيه من حاجة. * الشرح: قوله (فوالذي بعثك بالحق ما رزئت شيئا قط) الرزية النقص والمصيبة وأصلها الهمزة والاسم الرزء مثال قفل ورزأته أنا إذا أصبت بمصيبته فرزئت بالهمزة وقد يأتي بغير الهمزة وهو من التخفيف الشاذ (فنهض رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم يأكل من طعامه شيئا) نهوضه (صلى الله عليه وآله) وعدم أكله من طعامه مع كونه من أهل الايمان ظاهرا كما يشعر به الحديث دليل على أن من لم يرزأ ولم يصب في نفسه وماله وأهله بشئ من النقص والمصائب فهو مبغوض ممقوت عند الله ومن بغضه إياه ومقته له أنه زوى عنه مصايب الدنيا كلها وذلك لأمرين أحدهما الاستدراج له ليتمادى في بغيه وطغيانه ويغتر بدوام صحته وسلامة ماله فيزيد في غيه وعصيانه كما قال تعالى * (سنستدرجهم من حيث لا يعلمون) * قيل في تفسيره: كلما أحدثوا معصية جددنا لهم نعمة، والآخر أنه لم يصبه بمصيبة لئلا يكفر عنه شيئا من معاصيه وذنوبه حتى يأتي في الآخرة بجميعها فيكبه في النار بسببها، وبضد هذا المؤمن الخالص المتقي فإنه - تعالى شأنه - يخصه بالبلاء في الدنيا إما تكفيرا لذنوبه أو رفعا لدرجته التي لا يصل إليها إلا بالبلاء أو لغير ذلك. (وقال من لم يرزأ فما لله فيه من حاجة) أي في إعلان دينه والإتيان بتكاليفه، ولفظ الحاجة مستعار في حقه تعالى باعتبار طلبه للعبادات بالأوامر وغيرها كطلب ذي الحاجة ما يحتاج إليه أو سلب الحاجة كناية عن سلب اللطف به وترك الإقبال إليه لأن اللطف والإقبال متلازمان للحاجة، فنفى الملزوم وأراد نفي اللازم. 21 - عنه، عن علي بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن عبد الرحمن، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وأبي بصير (1)، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا حاجة لله فيمن ليس له في ماله وبدنه نصيب. * الشرح: قوله (لا حاجة لله فيمن ليس له في ماله وبدنه نصيب) ضمير " له " راجع إلى " من " أو إلى " الله ". 22 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن عثمان النوا، عمن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله عز وجل يبتلي المؤمن بكل بلية ويميته بكل ميتة ولا يبتليه بذهاب


1 - كذا في النسخ والظاهر " عن أبان بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله وأبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) - الحديث " كما في الوافي. (*)

[ 215 ]

عقله. أما ترى أيوب كيف سلط إبليس على ماله وعلى ولده وعلى أهله وعلى كل شئ منه ولم يسلط على عقله، ترك له ليوحد الله به. * الشرح: قوله (لا يبتليه بذهاب عقله) لأن فائدة الابتلاء التصبر والتذكر والرضا ونحوها ولا يتصور شئ من ذلك بذهاب العقل وفساد القلب ولا ينافي ذهاب العقل لا لغرض الابتلاء على أن الموضوع هو المؤمن والمجنون ليس بمؤمن. 23 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن فضال، عن علي بن عقبة، عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إنه ليكون للعبد منزلة عند الله فما ينالها إلا بإحدى خصلتين إما بذهاب ماله أو ببلية في جسده. * الشرح: قوله (إنه ليكون للعبد منزلة عند الله فما ينالها إلا بإحدى خصلتين) المراد بالعبد العبد المحبوب لله تعالى فإذا أحبه ابتلاه بإحدى الخصلتين ليشرفه بتلك المنزلة التي لا مدخل لكسبه فيها. 24 - عنه، عن ابن فضال، عن مثنى الحناط، عن أبي اسامة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال الله عز وجل: لولا أن يجد عبدي المؤمن في قلبه لعصبت رأس الكافر بعصابة حديد، لا يصدع رأسه أبدا. * الشرح: قوله (قال الله عز وجل لولا أن يجد عبدي المؤمن في قلبه لعصبت رأس الكافر بعصابة حديد لا يصدع رأسه أبدا) الوجد: الحزن، والعصابة بالكسر: العمامة وكل ما يعصب به الرأس. يقال عصبت رأسه بعصابة تعصيبا وعصبته بها عصبا أي شددته بها، والصداع وجع الرأس يقال منه صدع تصديعا بالبناء للمفعول، ولعل المراد أن نزول البلية في الدنيا على الكافر لئلا يحزن المؤمن بصحته وفراغ خاطره دائما ولولا ذلك تنزل عليه البلية ما دام في الدنيا. 25 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حسين بن عثمان، عن عبد الله بن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): مثل المؤمن كمثل خامة الزرع تكفئها الرياح كذا وكذا وكذلك المؤمن تكفئه الأوجاع والأمراض، ومثل المنافق كمثل الإرزبة المستقيمة التي لا يصيبها شئ حتى يأتيه الموت فيقصفه قصفا.

[ 216 ]

* الشرح: قوله (مثل المؤمن كمثل خامة الزرع تكفئها الرياح كذا وكذا وكذلك المؤمن تكفئه الأوجاع والأمراض) مر شرحه في باب أن المؤمنين صنفان. (ومثل المنافق كمثل الإرزبة المستقيمة التي لا يصيبها شئ حتى يأتيه الموت فيقصفه قصفا) الإرزبة بكسر الهمزة مع التثقيل والجمع أرازب وفي لغة: مرزبة بميم مكسورة مع التخفيف، والعامة تثقل مع الميم، قال ابن السكيت: وهو خطأ، والجمع مرازب بالتخفيف أيضا وهي عصية من حديد يكسر بها الحجر والمدر والقصف: الكسر، تقول قصفت العود قصفا فانقصف مثل كسرته فانكسر وزنا ومعنى وربما استعمل لازما أيضا فقيل قصفته فقصف، والمقصود من هذا التمثيل أن المنافق يؤخذ بغتة أخذا شديدا وهو أشد أنواع الأخذ. ومثل هذه الرواية رواها مسلم عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال " مثل المؤمن مثل الخامة من الزرع تكفئها الرياح تصرعها مرة وتعدلها حتى يأتيه أجله، ومثل المنافق مثل الأرزة المجذية التي لا تصيبها حتى يكون انجعافها مرة واحدة " وفي رواية أخرى " مثل الكافر " قال عياض: الخامة هي الزرع أول ما ينبت، ومعنى " تكفيها " بضم التاء: تميلها الريح وتلقيها بالأرض كالمصروع ثم تقيمه يقوم على سوقه، ومعنى المجذية: الثابتة، يقال أجذى يجذى، والانجعاف: الانقطاع، يقال: جعفت الرجل صرعته. وقال محي الدين: الأرزة بفتح الهمزة وسكون الراء: شجر معروف بالشام ويسمى بالعراق الصنوبر، والصنوبر انما هو ثمره وسمي الشجر باسم ثمره، وحكى الجوهري في راء الأرزة بالفتح، وقال بعضهم هي الآرزة بالمد وكسر الراء على وزن فاعلة، وأنكره أبو عبيد، قال أهل اللغة: الآرزة بالمد: النابتة، وهذا المعنى صحيح هاهنا، فإنكار أبي عبيد إنكار الرواية لا إنكار اللغة، وقال أبو عبيد: شبه المؤمن بالخامة التي تميلها الريح لأنه يرزأ في نعمته وأهله وماله، وشبه الكافر بالأرزة لأنه لا يرزأ في شئ حتى يموت، وإن رزئ لم يوجر حتى يلقى الله تعالى بذنوب جمة. 26 - علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوما لأصحابه: ملعون كل مال لا يزكى، ملعون كل جسد لا يزكى ولو في كل أربعين يوما مرة، فقيل: يا رسول الله أما زكاة المال فقد عرفناها فما زكاة الأجساد ؟ فقال لهم: أن تصاب بآفة، قال: فتغيرت وجوه الذين سمعوا ذلك منه، فلما رآهم قد تغيرت ألوانهم قال لهم: أتدرون ما عنيت بقولي، قالوا: لا يا رسول الله، قال: بلى الرجل يخدش الخدشة وينكب النكبة ويعثر العثرة ويمرض المرضة ويشاك الشوكة وما أشبه هذا - حتى ذكر في حديثه اختلاج العين -.

[ 217 ]

* الشرح: قوله (قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوما لأصحابه) هذا الحديث شرحه الشيخ (رضي الله عنه) في الأربعين ونحن نذكر شرحه تيمنا (ملعون كل مال لا يزكى) أي بعيد عن الخير والبركة يعنى لا خير فيه لصاحبه ولا بركة، ويجوز أن يراد ملعون وصاحبه على حذف مضاف أي مطرود مبعد عن رحمة الله تعالى، وقس عليه قوله (ملعون كل جسد لا يزكى) ذكر الزكاة هنا من باب المشاكلة ويجوز أن يكون استعارة تبعية ووجه الشبه أن كلا منهما وإن كان نقصا بحسب الظاهر إلا أنه موجب لمزيد الخير ولا بركة في نفس الأمر. أقول كل مال يمكن حمله على العموم سواء كانت الزكاة فيه واجبة أم لا لأن في كل مال حقا للسائل والمحروم. (ولو في كل أربعين يوما مرة) أقول هذه غاية المدة المضروبة للحوق اللعن أما قبلها فلا لعن وأما بعدها فيشتد ويضعف اللعن بحسب زيادة الزمان ونقصانه. (فقيل يا رسول الله أما زكاة المال فقد عرفناها) أقول: عرفوها لعلمهم بأنها قدر معين من مال معين واجبة كانت أم مندوبة وقدر يقدره الباذل في ماله الفاضل على تقدير التعميم (فما زكاة الأجساد ؟ فقال لهم أن تصاب بآفة) أقول زكاة الجسد وإن كانت أعم من الآفة لشمولها الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة أيضا إلا أنها غير مرادة هنا. (قال فتغيرت وجوه الذين سمعوا ذلك منه) لأنهم ظنوا أن مراده (صلى الله عليه وآله) بالآفة هنا العاهة والبلية الشديدة التي كثيرا ما يخلو عنها الإنسان سنين عديدة فضلا عن أربعين يوما. (فلما رآهم قد تغيرت ألوانهم قال لهم أتدرون ما عنيت بقولي) أقول يدل هذا على جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة. لا يقال ليس فيه تأخير البيان لأن الخبر ليس فيه تكليف بعمل، غاية ما في الباب هناك تكليف باعتقاد فيما يقول. لأنا نقول: لم نعلم أن أحدا فرق في تأخير البيان بين المسايل العلمية والعملية وأدلتهم في المسألة تدل على عدم الفرق وقد أشرنا إليه في أصول الفقه (قالوا: لا يا رسول الله. قال: بلى الرجل يخدش الخدشة) يخدش بالبناء للمعفول وكذا ينكب، والخدشة تفرق اتصال في الجلد من ظفر ونحوه سواء خرج معه دم أم لا. (وينكب النكبة) أقول: النكبة هي ما يصيب الإنسان من حوادث الدهر، والجمع النكبات، مثل: السجدة والسجدات.

[ 218 ]

(ويعثر العثرة) المراد بها عثرة الرجل ويجوز أن يراد بها ما يعم عثرة اللسان أيضا لكنه بعيد، أقول العثار والعثرة بالفارسية " بسر در آمدن ولغزيدن "، إلا أن العثرة للمرة والفعل من باب قتل وفي لغة من باب ضرب ويقال للزلة عثرة لأنها سقوط في الإثم. (ويمرض المرضة) أقول هي للمرة والفعل من باب علم لازم يقال مرض الإنسان مرضا، ويعدى بالألف فيقال أمرضه الله، والمرض حالة خارجة عن الطبع ضارة بالفعل، وقيل: المرض: كل ما خرج به الإنسان عن حد الصحة من علة أو نفاق أو تقصير في أمر. (ويشاك الشوكة) يقال شاكته الشوكة تشوكه شوكة وشيكة إذا دخلت في جسده، وانتصاب الشوكة بالمفعولية المطلقة كانتصاب الخدشة والنكبة والعثرة، فإن قلت: تلك المصادر بخلاف الشوكة فإنها واحدة الشوك وهو من الشجر معروف فكيف يكون مفعولا مطلقا ؟ قلت: يجئ المفعول المطلق غير مصدر إذا لابس المصدر بالآلية ونحوها، نحو: ضربته سوطا، وإن أبيت فاجعل انتصابها بنزع الخافض أي يشاك بالشوكة. (وما أشبه هذا) يحتمل أن يكون من كلام النبي (صلى الله عليه وآله) وأن يكون من كلام الراوي. (حتى ذكر في حديثه اختلاج العين) عده (صلى الله عليه وآله) من جملة الآفات لأن اختلاج العين مرض من الأمراض وقد ذكره الأطباء وهو حركة سريعة متواترة غير عادية تعرض لجزء من البدن كالجلد ونحوه بسبب رطوبة غليظة لزجة تنحل فتصير ريحا بخاريا غليظا يعسر خروجه من المسام وتزاول الدافعة دفعه فيقع بينهما مدافعة واضطراب - أقول فسر (صلى الله عليه وآله) تسلية للمؤمنين الآفة على وجه يعم الآفات المذكورة ودونها، وأمثال هذه الآفات لا يخلو المؤمن عنها في المدة المذكورة ولو فرض خلوه عنها فهو ملعون لا بمعنى أنه بعيد عن الرحمة الواسعة الربانية مطلقا بل عن هذه الرحمة التي تصل إليه من جهة هذه الآفة لأن الآفة رحمة من الله يرفع بها بعض الذنوب ويكفره ويرفع الدرجة، والله أعلم. 27 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن ابن فضال، عن ابن بكير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) أيبتلى المؤمن بالجذام والبرص وأشباه هذا ؟ قال: فقال: وهل كتب البلاء إلا على المؤمن. 28 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عمن رواه، عن الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن المؤمن: ليكرم على الله حتى لو سأله الجنة بما فيها أعطاه ذلك من غير أن ينقص من ملكه شيئا وإن الكافر ليهون على الله حتى لو سأله الدنيا بما فيها أعطاه ذلك من غير أن ينقص من ملكه شيئا وإن الله ليتعاهد عبده المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الغائب أهله بالطرف وإنه ليحميه الدنيا كما

[ 219 ]

يحمي الطبيب المريض. * الشرح: قوله (إن المؤمن ليكرم على الله حتى لو سأله الجنة بما فيها أعطاه ذلك من غير أن ينقص من ملكه شيئا وإن الكافر ليهون على الله حتى لو سأله الدنيا بما فيها أعطاه ذلك من غير أن ينتقص من ملكه شيئا) انتقاص " كم كردن وكم شدن " فهو متعد ولازم، والأول هو المراد هنا يفهم منه أن المؤمن لو سأل تمام الدنيا أو بعضها لم يعطه لأنه يحميه عنها لمصلحة عائدة إليه ولأن الدنيا مبغوضة والمؤمن محبوب، والمبغوض لا يناسب المحبوب، وإنه لا يسأل تمام الجنة لعلمه بأن لغيره من المؤمن نصيبا فيها فطلب الاختصاص محال. لا يقال: الشرطية تقتضي تحقق الإعطاء على تقدير وقوع السؤال، ووقوع السؤال أمر ممكن فيلزم تحقق الإعطاء عند سؤال مؤمن ذلك. لأنا نقول: وقوع السؤال وإن كان ممكنا في نفسه إلا أنه ممتنع بالغير وهو العلم باستحالة الاختصاص، والموقوف على الممتنع بالغير ممتنع بالغير أيضا، على أن الشرطية خرجت مخرج المبالغة في تعظيم المؤمن وأن الدنيا مبغوضة لا قدر لها عند الله حيث يعطيها عدوه وأن الكافر لو سأل الجنة لا يجيبه لأنها محرمة على الكافرين وأنه لا يسأل تمام الدنيا لعلمه بأن غيره من الخلق مرزوق فيها واعتبر فيه سائر ما ذكرناه، والله أعلم وقد مر شرح باقي الحديث في هذا الباب. 29 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن سماعة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن في كتاب علي (عليه السلام) أن أشد الناس بلاء النبيون، ثم الوصيون، ثم الأمثل فالأمثل، وإنما يبتلى المؤمن على قدر أعماله الحسنة فمن صح دينه وحسن عمله اشتد بلاؤه، وذلك أن الله عز وجل لم يجعل الدنيا ثوابا لمؤمن ولا عقوبة لكافر ومن سخف دينه وضعف علمه قل بلاؤه، وإن البلاء أسرع إلى المؤمن النقي من المطر إلى قرار الأرض. * الشرح: قوله (وذلك أن الله عز وجل لم يجعل الدنيا ثوابا لمؤمن ولا عقوبة لكافر) ولو جعلها كذلك لما منع المؤمن من الدنيا ولما اختبره بالبلاء ولما سقى الكافر فيها شربة من الماء وإنما جعل الآخرة كذلك فلذلك يعطي المؤمن فيها ما تقر به عينه من الثواب ويعاقب الكافر فيها بأنواع من العقاب، ولا ينبغي للمؤمن الفقير الممتحن بالبلاء أن يغتم لأنه مشارك للانبياء والأولياء، ولا للغني الخلي منه أن يغتر ويفتخر لأنه مشارك للكفرة والجهلاء (وأن البلاء أسرع إلى المؤمن التقى من المطر إلى قرار الأرض) شبه البلاء النازل إلى المؤمن

[ 220 ]

بالمطر النازل إلى الأرض للإيضاح، والوجه متعدد وهو السرعة والاستقرار بعد النزول وكثرة النفع والتسبب للحياة فإن البلاء سبب للحياة الابدية والمطر سبب للحياة الأرضية. 30 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن مالك بن عطية، عن يونس بن عمار قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن هذا الذي ظهر بوجهي يزعم الناس أن الله لم يبتل به عبدا له فيه حاجة، قال: فقال لي: لقد كان مؤمن آل فرعون مكنع الأصابع فكان يقول هكذا - ويمد يديه - ويقول: * (يا قوم اتبعوا المرسلين) * ثم قال لي: إذا كان الثلث الأخير من الليل في أوله فتوض وقم إلى صلاتك التي تصليها فإذا كنت في السجدة الأخيرة من الركعتين الأوليين فقل وأنت ساجد: " يا علي يا عظيم يا رحمن يا رحيم يا سامع الدعوات يا معطي الخيرات صل على محمد وآل محمد وأعطني من خير الدنيا والآخرة ما أنت أهله وأصرف عني من شر الدنيا والآخرة ما أنت أهله وأذهب عني بهذا الوجع - وتسميه - فإنه قد غاظني وأحزنني " وألح في الدعاء. قال: فما وصلت إلى الكوفة حتى أذهب الله به عني كله. * الشرح: قوله (فقال لي لقد كان مؤمن آل فرعون مكنع الأصابع فكان يقول هكذا - ويمد يديه - ويقول * (يا قوم اتبعوا المرسلين) *) لعل المراد بهذا المؤمن صاحب ياسين المذكور سابقا، وبفرعون فرعون عيسى (عليه السلام) وهو حاكم الأنطاكية لا فرعون موسى (عليه السلام) والفرعون يطلق على كل جبار متكبر، نعم شاع إطلاقه على ثلاثة: فرعون الخليل واسمه سنان، وفرعون يوسف واسمه الريان بن الوليد، وفرعون موسى واسمه الوليد بن مصعب. ويؤيد ما قلنا قوله * (يا قوم اتبعوا المرسلين) * فإن مؤمن آل فرعون موسى قال: * (يا قوم اتبعوني أهدكم سبيل الرشاد) * وإضافته إلى فرعون عيسى باعتبار أدنى الملابسة وهو كونه فيهم واشتغاله بانذارهم أو باعتبار كونه منهم في نفس الأمر، والله أعلم (وألح في الدعاء) إلحاح " مبالغة كردن وايستادن ودائم باريدن سحاب "، قال في المصباح: ألح السحاب إلحاحا: دام مطره، ومنه ألح الرجل على الشئ إذا أقبل عليه مواظبا.

[ 221 ]

باب فضل فقراء المسلمين 1 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن محمد بن سنان، عن العلاء، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن فقراء المؤمنين يتقلبون في رياض الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا ثم قال: سأضرب لك مثل ذلك إنما مثل ذلك مثل سفينتين مر بهما على عاشر فنظر في إحداهما فلم ير فيها شيئا، فقال: أسربوها ونظر في ا [ لا ] خرى فإذا هي موقرة فقال: احبسوها. * الشرح: قوله (إن فقراء المؤمنين يتقلبون في رياض الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا) روى مسلم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): " إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفا " قال صاحب النهاية: الخريف الزمان المعروف من فصول السنة ما بين الصيف والشتاء، ويريد به أربعين سنة لأن الخريف لا يكون في السنة إلا مرة واحدة فإذا انقضى أربعون خريفا فقد مضت أربعون سنة، وفسره صاحب المعالم بأكثر من ذلك كثيرا، وفي بعض رواياتنا أنه ألف عام والله أعلم. ثم الظاهر أن التفاوت بهذه المدة إذا كان الأغنياء من أهل الصلاح والسداد والتزموا الحقوق المالية ولم يكتسبوا من وجه الحرام فيكون حبسهم لمجرد خروجهم عن عهدة الحساب والسؤال عن مكسب المال ومخرجه وحقوقه ورعاية الفقراء والأيتام والأرامل والأرحام والجار وعن التقصير في بعض العبادات لاشتغال قلبه بكسبه وحفظه وإلا فهم على خطر عظيم ونجاتهم في مشية الله. ويفهم منه أن الفقر أفضل من الغنى ومن الكفاف للصابر، وما وقع في بعض الروايات من استعاذتهم (عليهم السلام) من الفقر يمكن حمله على الاستعاذة من الفقر الذي لا يكون معه صبر ولا ورع يحجز عما لا يليق بأهل الدين والمروة أو من فقر القلب وفقر الآخرة وقد صرح به بعض العلماء ودل عليه بعض الروايات. وللعامة في تفضيل الفقر على الغنى والكفاف أو العكس أربعة أقوال ثالثها الكفاف أفضل ورابعها الوقف، ومعنى الكفاف أن لا يحتاج ولا يفضل، وقال بعضهم: الغنى والفقر أفضل من الكفاف، ولكل واحد استدلال لا يناسب المقام ذكره. (ثم قال سأضرب مثل لك ذلك) أي دخول الفقراء في الجنة قبل الأغنياء (إنما مثل ذلك مثل سفينتين مر بهما على عاشر) هو من يأخذ عشر المال ويقال له العشار أيضا مبالغة وفعله من باب

[ 222 ]

قتل (فنظر في إحداهما فلم ير فيها شيئا فقال أسربوها) أي أرسلوها من أسر به إذا ارسله وبعثه وهكذا حال الفقراء (ونظر في الأخرى فإذا هي موقرة) بالأسباب والأحمال، والموقرة على صيغة الفاعل أو المفعول من باب الإفعال يقال أوقرت النخلة إذا كثر حملها فهي موقرة وأوقرت بالبناء للمفعول صار عليها حمل ثقيل (فقال احبسوها) إلى أن يخرج من عهدة ما عليه وهكذا حال الأغنياء. 2 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن سعدان قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): المصائب منح من الله والفقر مخزون عند الله. * الشرح: قوله (المصائب منح من الله) المنح: العطاء، منحته منحا من بابي نفع وضرب: اعطيته، والاسم المنحة بالكسر وهي في الأصل: الشاة التي يعطيها صاحبها رجلا ليشرب لبنها ثم يردها إذا انقطع اللبن ثم كثر استعماله حتى أطلق على كل عطاء، وفيه تنبيه على أنه ينبغي أن يفرح صاحب المصائب بها كما يفرج صاحب العطية بها حيث عد المصائب عطية لأن العطية ما ينتفع به والمصائب كذلك وإن كانت في المذاق مرة كما أن الدواء النافع للمريض عطية وإن كان في مذاقه مرا. (والفقر مخزون عند الله) لخواصه وأوليائه يوصله إليهم تحفة لهم، ويحتمل أن يكون التقدير: وجزاء الفقر مخزون، وفيه تنبيه على كمال منزلته ومنزلة أهله. 3 - وعنه رفعه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا علي إن الله جعل الفقر أمانة عند خلقه، فمن ستره أعطاه الله مثل أجر الصائم القائم ومن أفشاه إلى من يقدر على قضاء حاجته فلم يفعل فقد قتله، أما إنه ما قتله بسيف ولا رمح ولكنه قتله بما نكأ من قلبه. * الشرح: قوله (ولكنه قتله بما نكأ من قلبه) نكأت القرحة أنكؤها مهموز بفتحتين: قشرتها، ونكأت في العدو نكأ من باب نفع أيضا، وفي لغة: نكيت فيه أنكى من باب رمى، والاسم: النكاية بالكسر إذا قطعت وأثخنت. 4 - عنه عن محمد بن علي، عن داود الحذاء، عن محمد بن صغير، عن جده شعيب، عن مفضل قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): كلما ازداد العبد إيمانا ازداد ضيقا في معيشته. * الشرح: قوله (كلما ازداد العبد إيمانا ازداد ضيقا في معيشته) نظيره قول أمير المؤمنين (عليه السلام) " وكل الرزق

[ 223 ]

بالحمق ووكل الحرمان بالعقل " وقوله: كم من أديب عالم فطن * مستكمل العقل مقل عديم وكم من جهول مكثر ماله * ذلك تقدير العزيز العليم ولعل سر ذلك أن الإكثار موجب للتكبر والخيلاء واحتقار الناس والجفاء والخشونة والقسوة والغفلة بسبب اشتغال المكثرين بأموالهم مع كثرة ما وجب عليهم من الحقوق التي قل من يؤديها، وبذلك يتعرضون لسخط الله وبعدهم عن رحمته فلذلك جعل الله عز وجل ازدياد الايمان الموجب لازدياد المحبة سببا لضيق معيشة المحبين لطفا وإكراما ليحفظهم عن المفاسد المذكورة. فطب أيها العاقل اللبيب نفسك بما رضي الله لك من المعاش واكتف بالحلال عن الحرام وبما رزقك الله عما لم يعطك فإنه خير لك وكاف لسد جوعتك ولا تضيع عمرك في طلب ما زاد. 5 - وبإسناده قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): لولا إلحاح المؤمنين على الله في طلب الرزق لنقلهم من الحال التي هم فيها إلى حال أضيق منها. * الشرح: قوله (لولا إلحاح المؤمنين على الله في طلب الرزق لنقلهم من الحال التي هم فيها إلى حال أضيق منها) لأن الله تعالى يحبهم ويحب تقربهم منه. والدنيا على تفاوت درجاتها مانعة من قربه فيمنعهم منها لئلا يشغل قلوبهم بها، ثم إنه يستجيب دعاءهم في طلب الزيادة لئلا تنكسر قلوبهم وقد يصرف قلوبهم عن الثقة بها ويميلها إلى الثقة به وذلك أيضا من توابع المحبة. 6 - عنه، عن بعض أصحابه، رفعه، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ما اعطي عبد من الدنيا إلا اعتبارا وما زوي عنه إلا اختبارا. * الشرح: قوله (ما أعطي عبد من الدنيا إلا اعتبارا ولا زوي عنه إلا اختبارا) جعل الغني غنيا ليرى ما دونه فيشكر، وجعل الفقير فقيرا ليرى ما فوقه فيصبر، والكل ممتحن بامتحانات أخر ومختبر باختبارات أخفى وأظهر، وبالجملة كل ما في الدنيا فهو لاختبار العبد، وحقيقة الاختبار طلب الخبر ومعرفته لمن لا يكون عارفا به، ولما كان الله عز وجل عالما بمضمرات القلوب وخفيات الغيوب كان عالما بالمطيع والعاصي فليس نسبة الاختبار إليه بحقيقة بل مجاز باعتبار أن فعله ذلك مع عباده ليترتب عليه الجزاء مشابه بفعل المختبر منا مع صاحبه. 7 - عنه، عن نوح بن شعيب وأبي إسحاق الخفاف، عن رجل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ليس لمصاص شيعتنا في دولة الباطل إلا القوت، شرقوا إن شئتم أو غربوا لن ترزقوا إلا القوت.

[ 224 ]

* الشرح: قوله (ليس لمصاص شيعتنا في دولة الباطل إلا القوت) المصاص خالص كل شئ يقال فلان مصاص قومه أي خالصهم نسبا يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث، والقوت ما يؤكل ليمسك الرمق، قاله ابن الفارس والأزهري، وقيل: هو البلغة يعني قدر ما يبلغ به من العيش ويسمى ذلك أيضا كفافا لأنه قدر يكفه عن الناس ويغنيه عن سؤالهم وهذا القدر يدفع الفاقة ويوجب الراحة كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) " ولا مال أذهب للفاقة من الرضا بالقوت " والوجه فيه أن من رضي بالقوت وتوكل على الحي الذي لا يموت لم يفتقر إلى غيره لأجل المسكنة. وقال أيضا: " من اقتصر على بلغة الكفاف فقد انتظم الراحة وتبوأ خفض الدعة، والرغبة في الزائد مفتاح النصب ومطية التعب ". ثم بالغ في أن نصيبهم القوت بقوله (شرقوا إن شئتم أو غربوا لن ترزقوا إلا القوت) وهو كناية عن الجد في الطلب والسير في أطراف الأرض فإنه تعالى يمنع خلصهم عن الزائد من القوت لطفا بهم وحفظا لهم عن مفاسد الزائد، وينبغي للعاقل الطالب للحق أن يترك طلب الزيادة ويتصور أن كل أحد انما يأكل قوته ويكفيه ذلك في البقاء والتعيش وأن الزيادة وبال عليه. 8 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن الحسن الأشعري، عن بعض مشايخه، عن إدريس بن عبد الله، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله): يا علي الحاجة أمانة الله عند خلقه، فمن كتمها على نفسه أعطاه الله ثواب من صلى، ومن كشفها إلى من يقدر أن يفرج عنه ولم يفعل فقد قتله، أما إنه لم يقتله بسيف ولا سنان ولا سهم ولكن قتله بما نكأ من قلبه. 9 - عنه، عن أحمد، عن علي بن الحكم، عن سعدان قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إن الله عز وجل يلتفت يوم القيامة إلى فقراء المؤمنين، شبيها بالمعتذر إليهم، فيقول وعزتي وجلالي ما أفقرتكم في الدنيا من هوان بكم علي ولترون ما أصنع بكم اليوم فمن زود منكم في دار الدنيا معروفا فخذوا بيده فأدخلوه الجنة قال: فيقول رجل منهم: يا رب إن أهل الدنيا تنافسوا في دنياهم فنكحوا النساء ولبسوا الثياب اللينة وأكلوا الطعام وسكنوا الدور وركبوا المشهور من الدواب فأعطني مثل ما أعطيتهم. فيقول تبارك وتعالى: لك ولكل عبد منكم مثل ما أعطيت أهل الدنيا منذ كانت الدنيا إلى أن انقضت الدنيا سبعون ضعفا. * الشرح: قوله (ما أفقرتكم في الدنيا من هوان بكم) ويعلم بحكم المقابلة أنه تعالى ما أغنى أحدا للتعظيم والتكريم به، وبالجملة إعطاء المال وغيره ليس تكريما وتعظيما ومنعه ليس إهانة وتحقيرا

[ 225 ]

بل كل واحد من المنع والإعطاء اختبار وامتحان ولكن الفقر خير من الغنى مع الصبر على مشاقة لما فيه من قطع التعلق بغيره تعالى. وفيه رد على من زعم من الجهلة من أن الفقراء لو كانوا من خواص الله وأوليائه وأهل كرامته لم يبتلهم بالشدائد والمكاره، وهل يرى أحد يبتلي محبه كما قال فرعون لموسى (عليه السلام) * (فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب) * وقال كفرة قريش * (أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها) * قالوا ذلك لجهلهم بمصالح الفتنة والاختبار ومواضع الغنى والإقتار، وللفقراء أن يقولوا: لو كان الأغنياء من خواص الله وأوليائه لم يمنحهم بالمال الذي يذكر الدنيا ويقسو القلب وينسى الآخرة فالمال بلية عظيمة لا أنه خيرات عجل الله تعالى لهم، كيف وقد قال الله تعالى * (أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون) * ثم أشار إلى أنه تعالى يشرف الفقراء بشرف درجة الشفاعة لمن أحسن إليهم من الأغنياء والناس في الحساب بقوله: (فمن زود منكم في دار الدنيا معروفا) أي أعطاه (فخذوا بيده فأدخلوه الجنة) فيأخذون بيد من أطعمهم بطعام وسقاهم بماء وألبسهم بلباس وأعانهم في حاجة ويدخلون الجنة والناس في الحساب فعلم أن احتياج الأغنياء إلى الفقراء أشد من العكس. 10 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن إبراهيم بن عقبة، عن إسماعيل بن سهل وإسماعيل بن عباد، جميعا يرفعانه إلى أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما كان من ولد آدم مؤمن إلا فقيرا ولا كافر إلا غنيا حتى جاء إبراهيم (عليه السلام) فقال: * (ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا) * فصير الله في هؤلاء أموالا وحاجة وفي هؤلاء أموالا وحاجة. * الشرح: قوله (فصير الله في هؤلاء أموالا وحاجة وفي هؤلاء أموالا وحاجة) فصار الناس أربعة أصناف موسع عليه في الدنيا والآخرة وهو المؤمن الصالح الغني الشاكر. ومقتور عليه فيهما وهو الكافر الفقير، وموسع عليه في الدنيا فقط وهو الكافر الغني، وموسع عليه في الآخرة فقط وهو المؤمن الفقير الصابر. 11 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عمن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: جاء رجل موسر إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) نقي الثوب فجلس إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فجاء رجل معسر درن الثوب فجلس إلى جنب الموسر، فقبض الموسر ثيابه من تحت فخذيه، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): أخفت أن يمسك من فقره شئ ؟ قال: لا، قال: فخفت أن يصيبه من غناك شئ ؟ قال: لا، قال: فخفت أن يوسخ ثيابك ؟ قال: لا، قال: فما حملك على ما صنعت ؟ فقال: يا رسول الله إن لي قرينا يزين لي كل قبيح ويقبح لي كل حسن. وقد جعلت له نصف مالي، فقال

[ 226 ]

رسول الله (صلى الله عليه وآله) للمعسر: أتقبل ؟ قال: لا، فقال له الرجل: ولم ؟ قال: أخاف أن يدخلني ما دخلك. * الشرح: قوله (فجلس إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)) أي مع رسول الله أو عنده (فجاء رجل معسر درن الثوب) درن بفتح الدال وكسر الراء صفة مشبهة من الدرن بفتحهما وهو الوسخ درن الثوب درنا من باب تعب فهو درن مثل وسخ وسخا فهو وسخ وزنا ومعنى. (فقبض الموسر ثيابه من تحت فخذيه) قال الشيخ: ضمير " فخذيه " يعود إلى الموسر، أي جمع الموسر ثيابه تحت فخذيه وضمها تحت فخذي نفسه لئلا يلاصق ثياب المعسر ويحتمل عوده إلى المعسر، و " من " على الأول إما بمعنى " في " أو زايدة على القول بجواز زيادتها في الإثبات، وعلى الثاني لابتداء الغاية، والعود إلى الموسر أولى كما يرشد إليه قوله (صلى الله عليه وآله) (فخفت أن يوسخ ثيابك) لأن ثيابه لو كانت تحت فخذي المعسر لأمكن أن يكون قبضها من تحت فخذيه خوفا من أن يوسخها في نفس الأمر فلا يكون هذا التقريع في مرتبة الكمال كما يكون التقريعان السابقان في مرتبته. (فقال يا رسول الله إن لي قرينا يزين لي كل قبيح ويقبح لي كل حسن) أي إن لي شيطانا يغويني ويجعل في نظري القبيح حسنا والحسن قبيحا وهذا العمل الشنيع من جملة إغوائه، وفي النهاية ما من أحد إلا وكل به قرينه أي مصاحبه من الملائكة والشياطين فقرينه من الملائكة يأمره بالخير وقرينه من الشياطين يأمره بالشر، والمراد بالقرين هاهنا هو الثاني. (قد جعلت له نصف مالي) مقابلا لكسرى قلبه وزجرا لنفسي عن مثل هذه الزلة (قال أخاف أن يدخلني ما دخلك) من الكبر والغرور والترفع على الناس واحتقارهم وغيرها من الأخلاق الذميمة اللازمة للمال، والغرض من الحديث بيان لما لزم المال من القبايح والمفاسد وإظهار أن اللائق بحال الفقراء رده للفرار من مفاسده. 12 - علي بن إبراهيم، عن علي بن محمد القاساني، عن القاسم بن محمد، عن سليمان بن داود المنقري، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: في مناجاة موسى (عليه السلام): يا موسى إذا رأيت الفقر مقبلا فقل: مرحبا بشعار الصالحين، وإذا رأيت الغنى مقبلا فقل: ذنب عجلت عقوبته. * الشرح: قوله (إذا رأيت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصالحين) الشعار: ما ولي الجسد من الثياب، والشعار: العلامة أيضا، والفقر من شعار الصالحين وصفاتهم مثل الأنبياء والأولياء، والغنى من شعار الظالمين والمتكبرين مثل الفراعنة وأشياعهم، والأمر بترحيبه إشارة إلى التلقي بقبوله والرضا به من

[ 227 ]

صميم القلب لأنه يوجب دخول أهله في حزب الصالحين وحسن أولئك رفيقا (وإذا رأيت الغنى مقبلا فقل ذنب عجلت عقوبته) لعل المراد بالذنب: الغنى، وبالعقوبة: البعد عن الحق في الدنيا وهو من أعظم العقوبات، وقد شبه أمير المؤمنين (عليه السلام) أهل الدنيا تارة بالكلاب والذئاب وأخرى بالأنعام والدواب في أنهم يزرعون أياما قليلة في مزرع الدنيا ويتركون عنان الطبيعة في أيدي الهوى ويعرضون عن حقوق المولى فيحشرون يوم القيامة أعمى، ويحتمل أن يراد بالذنب غير الغنى وبالعقوبة الغنى. 13 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله): طوبى للمساكين بالصبر وهم الذين يرون ملكوت السماوات والأرض. * الشرح: قوله (طوبى للمساكين بالصبر وهم الذين يرون ملكوت السماوات والأرض) لعل المراد أن المساكين الزاهدين في الدنيا الراغبين عن زهراتها، الصابرين في البأساء والضراء، الشاكرين لخالق الأرض والسماء يفتح الله عيون قلوبهم ويرون ملكوت السماوات والأرض وينظرون في الظلمات البشرية إلى الأسرار الإلهية، ويشاهدون في الابدان الناسوتية الإشراقات اللاهوتية وربما يتفاوت ذلك التجلي بتفاوت حالاتهم في الصبر والشكر والسير إلى الله سبحانه وبذلك يتفاوت ذلك التجلى بتفاوت حالاتهم في الصبر والشكر والسير إلى الله سبحانه وبذلك يتفاوت نور الايمان في قلوبهم وبذلك يتفاوت الرؤية، والله يؤيد بنصره من يشاء. 14 - وبإسناده قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله): يا معشر المساكين طيبوا نفسا وأعطوا الله الرضا من قلوبكم يثبكم الله عز وجل على فقركم، فإن لم تفعلوا فلا ثواب لكم. * الشرح: قوله (وأعطوا الله الرضا من قلوبكم يثبكم الله عز وجل على فقركم فإن لم تفعلوا فلا ثواب لكم) الفقر نعمة من الله على عبده فإذا رضي به كان رضاه شكرا يستحق به الأجر والثواب، وإن سخط منه كان سخطه كفرانا لتلك النعمة فلا يستحق الثواب، نعم لو كان عدم الرضا عبارة عن ميل قلبه إلى الغنى دون السخط والاعتراض على قسمة الحق فالظاهر أن له ثوابا دون ثواب الراضي. وملخص القول: أن للفقير ثلاثة أحوال أحدها الرضا بالفقر والفرح به وهو شأن الأولياء والأصفياء، وثانيهما الرضا به دون الفرح وله أيضا ثواب دون الأول، وثالثها عدم الرضا به والكراهة في القسمة وهذا لا ثواب له أصلا. 15 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن عيسى الفراء، عن محمد بن

[ 228 ]

مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إذا كان يوم القيامة أمر الله تبارك وتعالى مناديا ينادي بين يديه أين الفقراء ؟ فيقوم عنق من الناس كثير، فيقول: عبادي ! فيقولون: لبيك ربنا، فيقول: إني لم أفقركم لهوان بكم علي ولكني إنما اخترتكم لمثل هذا اليوم تصفحوا وجوه الناس فمن صنع إليكم معروفا لم يصنعه إلا في فكافوه عني بالجنة. 16 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن إبراهيم الحذاء، عن محمد بن صغير، عن جده شعيب، عن مفضل قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): لولا إلحاح هذه الشيعة على الله في طلب الرزق لنقلهم من الحال التي هم فيها إلى ما هو أضيق منها. 17 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن ابن فضال، عن محمد بن الحسين بن كثير الخزاز، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قال لي: أما تدخل السوق ؟ أما ترى الفاكهة تباع ؟ والشئ مما تشتهيه ؟ فقلت: بلى، فقال: أما إن لك بكل ما تراه فلا تقدر على شرائه حسنة. 18 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن علي بن عفان، عن مفضل بن عمر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله جل ثناؤه ليعتذر إلى عبده المؤمن المحوج في الدنيا كما يعتذر الأخ إلى أخيه، فيقول: وعزتي وجلالي ما أحوجتك في الدنيا من هوان كان بك علي، فارفع هذا السجف فانظر إلي ما عوضتك من الدنيا، قال: فيرفع فيقول: ما ضرني ما منعتني مع ما عوضتني. * الشرح: قوله (فارفع هذا السجف) السجف بالفتح ويكسر وككتاب: الستر. 19 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا كان يوم القيامة قام عنق من الناس حتى يأتوا باب الجنة فيضربوا باب الجنة، فيقال لهم: من أنتم ؟ فيقولون: نحن الفقراء، فيقال لهم: أقبل الحساب ؟ فيقولون: ما أعطيتمونا شيئا تحاسبونا عليه، فيقول الله عز وجل: صدقوا ادخلوا الجنة. 20 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن مبارك غلام شعيب قال: سمعت أبا الحسن موسى (عليه السلام) يقول: إن الله عز وجل يقول إني: لم اغن الغني لكرامة به علي ولم أفقر الفقير لهوان به علي وهو مما ابتليت به الأغنياء بالفقراء ولولا الفقراء لم يستوجب الأغنياء الجنة. * الشرح: قوله (وهو مما ابتليت به الأغنياء بالفقراء) جملة ما في الدنيا خيرها وشرها، عسرها ويسرها،

[ 229 ]

منافعها ومضارها جعلت اختبارا وامتحانا للخلق سبحانه، كما ابتلى بعضهم بالفقر اختبارا لصبره على المكاره وغيره، كذلك اختبر بعضهم بالغني امتحانا لشكره وصبره على ما يثقل عليه من رعاية حال الفقراء بشئ من أمواله، وقوله: (ولولا الفقراء لم يستوجب الأغنياء الجنة) إشارة إلى كثرة مفاسد الغنى وإلى أن نجاة الأغنياء منحصرة في رعاية أحوال الفقراء الذين هم عيال الله وعيال رسوله والتفاتهم إلى تدارك ما يحتاجون إليه ببذل شئ من أموالهم وسد خلتهم ورفع حاجتهم. 21 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن إسحاق بن عيسى، عن إسحاق ابن عمار والمفضل بن عمر قالا: قال أبو عبد الله (عليه السلام): مياسير شيعتنا امناؤنا على محاويجهم، فاحفظونا فيهم يحفظكم الله. * الشرح: قوله (مياسير شيعتنا أمناؤنا على محاويجهم) المفعال يجمع على مفاعيل كالمثقال على مثاقيل (فاحفظونا فيهم يحفظكم الله) أي يحفظكم الله في أموالكم وأنفسكم فدل على أن الأغنياء لو لم يراعوا حال الفقراء سلبت منهم النعمة لأنه إذا ظهرت الخيانة من المؤتمن استحق أن يؤخذ ما في يده. يرشد إليه قول أمير المؤمنين (عليه السلام) " إن لله تعالى عبادا يختصهم بالنعم لمنافع العباد فيقرها في أيديهم ما بذلوها فإذا منعوها نزعها ثم حولها إلى غيرهم "، أقول: فاللائق بحال ذي القدرة أن يشتري درجات الجنة وصحته وبقاء ثروته بمواساة ذوي الحاجات، ويحتمل أن يكون " يحفظكم الله " جملة دعائية. 22 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): الفقر أزين للمؤمن من العذار على خد الفرس. * الشرح: قوله (الفقر أزين للمؤمن من العذار على خد الفرس) أي في الحسن أو الحفظ والمنع لأن الفقر يحفظ النفس من الطغيان كما أن العذار يمنع الفرس من العصيان، والعذار بالكسر من الفرس كالعارض من وجه الإنسان، ثم سمى السير الذي على خده من اللجام عذارا باسم موضعه، وفي المهذب: العذار سر أفسار والعذاران " دوال ازدوسوى روى اسب ". 23 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن غالب، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب قال، سألت علي بن الحسين (عليهما السلام) عن قول الله عز وجل: * (ولولا أن يكون الناس امة واحدة) * قال: عنى بذلك امة محمد (صلى الله عليه وآله) أن يكونوا على دين واحد كفارا كلهم * (لجعلنا لمن

[ 230 ]

يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة) * ولو فعل الله ذلك بأمة محمد (صلى الله عليه وآله) لحزن المؤمنون وغمهم ذلك ولم يناكحوهم ولم يوارثوهم. * الشرح: قوله (عنى بذلك أمة محمد (صلى الله عليه وآله)) أريد بذلك هنا الناس، وبالأمة الأمة المدعوة والمستجيبة جميعا وأريد بالأمة في قوله (ولو فعل ذلك بأمة محمد (صلى الله عليه وآله)) غير المستجيبة وبذلك الجعل المذكور، وأشير بقوله: (ولم يناكحوهم ولم يوارثوهم) إلى أن كونهم أمة واحدة كفرة على تقدير الجعل المذكور من جهة انقطاع النسل والايمان لعدم التناكح والتناسل دون الارتداد، والغرض أن منع الكفار من بعض الدنيا لاسترضاء المؤمنين لئلا يحزنوا بمشاهدة عدوهم في النعمة والزينة الكاملة فيهلكهم الحزن أو ينقطع النسل فيصير كل الأمة كفارا، والله أعلم.

[ 231 ]

باب 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن أبان بن عبد الملك قال: حدثني بكر الأرقط، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أو عن شعيب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه دخل عليه واحد فقال: أصلحك الله إني رجل منقطع إليكم بمودتي وقد أصابتني حاجة شديدة وقد تقربت بذلك إلى أهل بيتي وقومي فلم يزدني بذلك منهم إلا بعدا، قال: فما آتاك الله خير مما أخذ منك. قال: جعلت فداك ادع الله لي أن يغنيني عن خلقه، قال: إن الله قسم رزق من شاء على يدي من شاء ولكن سل الله أن يغنيك عن الحاجة التي تضطرك إلى لئام خلقه. * الشرح: قوله (فما آتاك الله خير مما أخذ منك) المراد بالموصول الأول إما الفقر أو حب الأئمة (عليهم السلام) والانقطاع إليهم، وأما الموصول الثاني فالمراد به الغني ومتاع الدنيا. (ولكن سل الله أن يغنيك عن الحاجة التي تضطرك إلى لئام خلقه) اللئام جمع اللئيم وهو البخيل ومن ليس له مروة وفتوة وذلك لأنه لا يقضي حاجة أحد وربما يلومه في رفع الحاجة إليه أو يمنه بقضائها ومثله الظالم والفاسق المعلن بفسقه، وفي الأدعية " اللهم لا تجعل لظالم ولا فاسق علي يدا ولا منة " وذلك لأن القلب مجبول على حب من أحسن إليه، وفي حب الظالم معاصي كثيرة ولذلك قال الله تعالى * (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) *. 2 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن علي بن أسباط، عمن ذكره عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الفقر الموت الأحمر، فقلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الفقر من الدينار والدرهم ؟ فقال: لا ولكن من الدين. * الشرح: قوله (الفقر الموت الاحمر) شبه الفقر بالموت في الكرب والشدة، ووصفه بالأحمر مبالغة في شدته لأن أشد الموت ما كان بالقتل وسفك الدم. (فقلت لأبي عبد الله (عليه السلام) " الفقر من الدينار والدرهم ؟ فقال: لا ولكن من الدين " نظير قول أمير المؤمنين (عليه السلام) " الفقر والغنى بعد العرض على الله " والمعنى أنهما يتبينان ويظهران بعد العرض على الله والفراغ من الحساب وهو ما أشار إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقوله " أتدرون ما المفلس ؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع له. فقال: المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطي هذا من حسناته

[ 232 ]

وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار (1) بل قد يقال إن المفلس حقيقة هو هذا وأما من ليس له مال أو من قل ماله فالناس يسمونه مفلسا وليس هو بمفلس وفقير حقيقة لأن هذا الإفلاس ينقطع بموته وربما ينقطع بيسار في حياته بخلاف ذلك المفلس الفقير فإنه هالك دائما ويحتمل أن يراد بقوله (عليه السلام) " ولكن من الدين " الفقر القلبي وضده الغنى القلبي، فالفقير على هذا من ليس له في الدين معرفة وعلم بأحكامه ولا تقوى وورع وغير ذلك من الصفات الحسنة، وهذا أيضا أشد من الفقر المتعارف بل لا نسبة بينهما. ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا * لا بارك الله في الدنيا بلا دين


1 - أخرجه مسلم في صحيحه ج 1 ص 18 من حديث أبي هريرة. (*)

[ 233 ]

باب ان للقلب اذنين ينفث فيهما الملك والشيطان 1 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما من قلب إلا وله اذنان، على إحداهما ملك مرشد وعلى الأخرى شيطان مفتن، هذا يأمره وهذا يزجره، الشيطان يأمره بالمعاصي والملك يزجره عنها، وهو قول الله عز وجل: * (عن اليمين وعن الشمال قعيد * ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) *. * الشرح: قوله (ما من قلب إلا وله أذنان على احديهما ملك مرشد وعلى الأخرى شيطان مفتن) الظاهر أن المراد بالقلب النفس الناطقة وهي جوهر روحاني متوسط بين العالمين عالم روحاني صرف وعالم جسماني يفعل فيما دونه وينفعل عما فوقه، وإثبات الإذن له من باب الاستعارة والتشبيه في إدراك الاقوال وهو بمثابة مرآة تجتاز عليه أصناف الصور المختلفة أما من طرق الحواس الظاهرة والباطنة أو من العالم الروحاني (1) فهو دائما محل للحوادث الإدراكية وموضوع للأحوال النفسانية


1 - قوله " أو من العالم الروحاني " هذا ظاهر مشهود في النفوس الانسانية إذ ليست إدراكاتها منحصرة فيما يأتي إليها من الحواس الظاهرة والباطنة بل لها إدراكات يأتي إليها من عالم آخر غير العالم المشهود، وبالجملة النفس برزخ بين عالمي الغيب والشهادة فيدرك الإنسان عالم الشهادة وهو عالم الأجسام بأعضائه الجسمانية ويدرك عالم الغيب بقوة غير جسمانية، ولو كان إدراكه بالحس فقط لكانت معلوماته قليلة جدا فاعتبر ذلك بحال الصبي الرضيع والرجل البالغ المحنك كلاهما مشتركان في الحس، فالصبي يرى الألوان والأضواء ويرى أمه ومن حوله ويسمع الصوت نداء كما يرى ويسمع البالغ، وكلما يدرك البالغ زائدا على الرضيع فإنما يدركه بغير حسه مثل أن الصورة في المرآة لا حقيقة لها وأن اللون ليس موجودا جوهريا قائما بنفسه بل هو في جسم حامل له وأن الكواكب والأجسام البعيدة أعظم مما يرى منها وغير ذلك، فكل المعلومات والمعقولات الحاصلة له مدركات بغير حسه. ملاك الفرق والامتياز بين الحس وغير الحس أن كل قوة تزيد وتنقص وتشتد وتضعف بضعف مزاج بعض أعضاء البدن وقوته فهي حسية وكل قوة لا تتغير لتغير العضو فهي غير جسمانية مثال الأول الإبصار فإن ضعفه تابع لضعف العين وقوته تابعة لقوتها، والسمع فإنه تابع للأذن كذلك، ومثال الثاني التعقل فإنه لا يضعف بضعف أي عضو في البدن فالمهندس في زمان شيخوخته يتعقل المثلث كما كان يتعقل في شبابه وليس معنى المثلث أخفى عند عقله بخلاف الإبصار فإن الخطوط والنقوش عند بصره في الشيخوخة أخفى عنده منها في أيام شبابه بل التعقل بعكس الإبصار يشتد عند ضعف البدن وبالجملة إدراك الإنسان تلك المعقولات الكثيرة التي تزيد على محسوساته أضعافا مضاعفة (بل نسبة المحسوسات إليها اقل من نسبة الواحد إلى آلاف آلاف كنسبة معلومات الرضيع إلى معلومات أعاظم الحكماء) ليس إدراك هذه المعلومات الكثيرة بالحس من عالم الشهادة بل بالعقل من عالم الغيب = (*)

[ 234 ]

فدائما ينتقل من حال إلى حال، وتلك الحوادث والأحوال المسماة بالخواطر محركات للإرادة والأشواق، وهي محركات للعزم والنية، وهي محركة للقوة والقدرة، وهي محركة للأعضاء فيصدر الفعل خيرا كان أو شرا عنهما عن هذه المبادئ المترتبة، وهذا معنى ما روي " أبى الله أن يجري الاشياء إلا بأسبابها (1) " ثم تلك الخواطر المحركة للإرادة تنقسم إلى قسمين (2) قسم يدعو إلى الخيرات وقسم يدعو إلى الشرور فهما خاطران مختلفان فافتقرا إلى اسمين مختلفين، فالخاطر الداعي إلى الخير يسمى إلهاما، والخاطر الداعي إلى الشر يسمى وسواسا، وهما لما كانا حادثين والحادث يحتاج إلى سبب وجب أن تكون أسبابهما القريبة مختلفة، فسبب الالهام يسمى ملكا (3) وسبب الوسواس يسمى


= والحس معد لصاحب العقل لا لفاقده كالرضيع، ولا ريب أن الأعدام لا تمايز بينها فلو لم يكن قوة مسماة بالعقل موجودة في الإنسان الحكيم لم يكن تمايز بينه وبين الرضيع إذ كلاهما واجدان للحس وعادمان للعقل إن فرض عدم قوة مسماة بالعاقلة. ويمكنك أن تجري كلامنا في القوى الباطنة أيضا مثلا الواهمة معنى واحد يعرض للحيوان وقتا ما ويزول من غير أن يكسب منه علما، فالرضيع يحزن لفقد أمه ويسر بحضورها، وهذا الحزن أو السرور حالة واحدة تعرض له في وقت واحد ثم يزول، وخيال المرئي مثلا كذلك لا يوجب كسب علم بل هو جزئي يوجد وقتا ما وحافظة لما أدركه جزئيا مثله، بل نقول ذلك في الفكر أيضا فإنه حالة جسمانية غير العقل عارضة للدماغ لو لم يكن قوة مسماة بالعاقلة مستعملة إياه لم يتحرك لتتبع المعقولات وتركيبها وتفصيلها بل كان يقتصر على تركيب المحسوسات فقط. وبالجملة فهذه القوة العاقلة باب مفتوح على الإنسان من العالم الروحاني به يطلع على عالم الغيب إن لم يدنسها بالاقتصار على الكليات المتعلقة بالموجودات الدنيوية ولم يشتغل بالتفكر في الدنيا عن الآخرة وإلا فهو بمنزلة طائر يطير عن المزبلة ثم يهبط إليها. ثم اعلم وتفطن أنا نتمسك لإثبات تجرد العاقلة بعدم حصول الضعف لا بكثرة المعقولات في الشيخوخة فإن ضعف البصر يدل على جسمانيته وإن كثر به المبصرات كما يأتي قريبا إن شاء الله. (ش). 1 - تقدم في كتاب الحجة باب معرفة الإمام ج 5 ص 167. 2 - قوله " تلك الخواطر المحركة للارادة تنقسم إلى قسمين " يعنى أن كل ما يأتي إليها من طرق حواسه خاطر داع إلى الشر وكل ما يأتي إليها من غير حواسه خاطر داع إلى الخير لأن العقل لا يدعو إلى الشر البتة. فإن رأيت بعض أفراد الإنسان استعمل عاقلته في جمع حطام الدنيا وتحصيل علوم لا ينفع إلا في الدنيا ويضر بالآخرة فإنما دعاه إلى ذلك حبه للمحسوسات وركونه إليها وعاد الشر إلى الحس بالأخرة (ش). 3 - قوله " فسبب الالهام يسمى ملكا " سبق من الشارح أن داعي الخير يأتي إلى القوة العاقلة من العالم الروحاني وهو عالم الملائكة فلابد أن يكون سبب الإلهام ملكا وأما داعي الشر فمن الحواس ولا يدعو الحس نفسه إلى شئ فإذا أبصر الرجل شيئا فربما لا يتشوق إلى القرب منه ولا إلى الهرب عنه. فالشوق أمر زائد على الحس غير حاصل للحواس الظاهرة ويسمون القوة التي بها يتشوق الحيوان الواهمة، والواهمة قوة جسمانية ولا شئ من الجسم يتغير عن حاله إلا أن يغيره غيره. فلو خلي جسم ونفسه بقي على حاله مستمرا = (*)

[ 235 ]

شيطانا. والأمر الذي به يتهيأ القلب لقبول الهام الملك يسمى توفيقا وهداية، والأمر الذي به يتهيأ لقبول وسوسة الشيطان يسمى إغواء وخذلانا فالملك عبارة عن خلق خلقه الله تعالى لإلهام الحق والشيطان عبارة عن خلق شأنه ضد ذلك فالشيطان في مقابلة الملك والوسواس في مقابلة الإلهام، والإغواء والخذلان في مقابلة التوفيق والهداية، فالقلب دائما متجاذب بين الملك والشيطان، الشيطان يأمره بالمعاصي والملك يزجره عنها ويأمر بالخيرات فإن تبع أمر الشيطان بإمضاء القوة الشهوية والغضبية واختبار الأخلاق الذميمة والأعمال القبيحة ظهر تسلطه على الملك وصار القلب ملكه يتصرف فيه ما يشاء كيف شاء، وإن تبع أمر الملك وسلك سبيل الخيرات وترك الهوى والشهوات واتصف بالعلم والطهارة والتقوى والاشتياق إلى الآخرة والزهد في الدنيا ظهر تسلطه على الشيطان وصار القلب ملكا له ومهبطا للإلهامات ومعدنا للمعارف والكرامات وموردا للأنوار


= فالواهمة لا تتغير عن حالها ولا تحصل فيها حالة الشوق بعد العدم إلا بسبب، وليس هذا بسبب الحس الظاهر وإلا لكان كل من أحس شيئا اشتاق إليه أو تنفر عنه وليس كذلك فلابد أن يكون السبب شيئا آخر ينضم إلى الحس وباجتماعها يحصل الشوق فإن كان ذلك لسبب هو العقل فهو داع إلى الخير بإلهام الملك، وخارج عن موضوع بحثنا فلابد أن يكون السبب الداعي إلى الشر شيئا آخر غير العقل وهو الشيطان. ولابد من هذا التفصيل هنا لأن كلام الشارح يوهم أن الشيطان هو نفس الحواس الظاهرة والباطنة وليس مراده ذلك قطعا بل الشيطان موجود آخر مسلط على الحواس غير مسلط على العقل وله سبيل إلى باطن العروق ولا سبيل له إلى داخل القلب، ولما كان أصل كلام الشارح مقتبسا من كلام صدر المتألهين (قدس سره) ننقل كلامه هاهنا توضيحا وتأييدا لما فصلناه، قال في مفاتيح الغيب: إنك تعلم أن هذه الخواطر حادثة وكل حادث لابد له من سبب ومهما اختلفت الحوادث دل على اختلاف الأسباب لكن الاختلاف إن كان بحسب العوارض والخارجيات فيحتاج إلى اختلاف القوابل والاستعدادات وإن كان الاختلاف بحسب الحقائق والمنوعات فيفتقر إلى اختلاف العلل الفاعليات، ولما كان اختلاف الخواطر بحسب الخيرات والشرور وكان الاختلاف بينهما اختلافا حقيقيا ذاتيا فيكون الاختلاف بين مبدأ الالهام ومبدأ الوسواس أيضا كذلك، وهذا مما يشاهد من سنة الله في ترتيب المسببات على الأسباب فمهما استنار حيطان البيت بنور النار وأظلم سقفه بسواد الدخان علمت أن سبب الاسوداد غير سبب الاستنارة كذلك لأنوار القلب وظلماته سببان مختلفان فسبب الخاطر الداعي إلى الخير يسمى ملكا وسبب الخاطر الداعي إلى الشر يسمى شيطانا، واللطف الذي به يتهيأ القلب لقبول إلهام الملك يسمى توفيقا والذي يتهيأ لقبول وسوسة الشيطان يسمى خذلانا، والملك عبارة عن جوهر روحاني نوراني خلقه الله، شأنه إفاضة الخير وإفادة العلم وكشف الحق والوعد بالمعروف وقد سخره الله لذلك، والشيطان عبارة عن موجود روحاني ظلماني شأنه ضد ذلك وهو الوعد بالشر والأمر بالمنكر والتخويف عند الهم بالخير بالفقر ونحوه. انتهى ما أردنا نقله والشارح كما ترى حذف في تعريف الشيطان قوله موجود روحاني ظلماني واكتفى عن ذلك بقوله خلق فصار كلامه موهما (وعذره انصراف لفظ الروحاني إلى الخير) وقالوا يجب الاجتناب في التعريفات عن الكلام المشتبه والمشترك، والخلق يشمل كل شئ حتى المحسوسات والروحاني خاص بالمجردات، وإن أمر بالشر (ش). (*)

[ 236 ]

والإشراقات ومندرجا في زمرة الروحانيين والملائكة المقربين. والله يؤيد بنصره من يشاء وهو على كل شئ قدير. 2 - الحسين بن محمد، عن أحمد بن إسحاق، عن سعدان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن للقلب اذنين فإذا هم العبد بذنب قال له روح الإيمان: لا تفعل، وقال له الشيطان: افعل وإذا كان على بطنها نزع منه روح الإيمان. * الشرح: قوله (أن للقلب أذنين فإذا هم العبد بذنب قال له روح الايمان لا تفعل، وقال له الشيطان: افعل، وإذا كان على بطنها نزع منه روح الايمان) للنفس طريق إلى الخير وطريق إلى الشر وللخير مشقة حاضرة زائلة ولذة غائبة دائمة، وللشر لذة حاضرة فانية ومشقة غائبة باقية والنفس يطلب اللذة ويهرب عن المشقة فهو دائما متردد بين الخير والشر فإذا هم بخير قال له روح الايمان وهو الملك الموكل به: افعل وأوحى إليه منافعه. وقال له الشيطان: لا تفعل وألقى إليه بواعثه، وإذا هم بذنب له قال له روح الايمان لا تفعل وقال له الشيطان افعل، فيقع بينهما تدافع فيقول له الشيطان عند ذلك: ما هذا الزهد ولم تمتنع عن هذه اللذة الحاضرة ؟ وهل ترى أحدا يخالف هواه ويترك نفعه الحاضر ومبتغاه ؟ وهل تريد أن يزيد صلاحك على فلان وفلان وقد فعلوا ما تمتنع منه ؟ وإن خفت من العقوبة الآجلة فإن باب التوبة والإنابة مفتوح والله غفور رحيم، إلى غير ذلك من البواعث على مطلبه فيميل النفس إلى الشيطان ويصغي إلى زخرف أقواله وعند ذلك يقوم الملك بالإرشاد ويقول: لم تسمع ما ألقى اليك عدوك وهل هلك إلا من اتبع اللذة الحاضرة ونسي سوء العاقبة وقنع بلذة يسيرة في مدة قليلة وترك السعادة الأبدية واللذة الحاضرة ونسي سوء العاقبة وقنع بلذة يسيرة في مدة قليلة وترك السعادة الأبدية واللذة الباقية ؟ ولو وقع الناس في المهالك أفتقع فيها وترك الذنب أهون من طلب التوبة ؟ أفما ترى أن كثيرا من المذنبين يموتون بلا توبة وللتوبة شرائط قلما تحصل ومغفرة الرب لمن يشاء فلعل مشيته لا تتعلق بك ؟ ورحمته للمحسن فلعلك لا تكون من المحسنين ؟ وهكذا يقع بينهما مقاولات ويتلو كل واحد فصلا مشبعا من مطالبه ولا يزال النفس يتردد بينهما حتى يستقر على ما شاء الله وعلى ما هو أشد مناسبة له فإن كان الغالب فيه الصفات الملكية صار من حزب الله وجرى على جوارحه الطاعة ودخل في زمرة المقربين وإن كان الغالب فيه الصفات الشيطانية ظهر على جوارحه الأعمال الشنيعة كالزناء وغيره فعند ذلك يفر منه روح الايمان لئلا يشاهد معصية الجبار تعظيما له، أو ليتباعد عمن يستحق العذاب كما خرج لوط عن

[ 237 ]

القرية التي أمطرت عليها مطر السوء بعد التقليب، أو لغلبة غيظه على ذلك المحل، ثم إنه يعود بعد الفراغ كما دل عليه بعض الروايات إن بقي إيمانه ويقع بينهما مقاولة مرة بعد أخرى، وقد لا يعود إن كان الذنب موجبا لزوال الايمان بالكلية، وبالجملة: الإنسان مريض، والمعصية بمنزلة المرض، والطاعة بمنزلة الدواء، والملك بمنزلة طبيب يدله على الدواء، والشيطان بمنزلة عدو يأمره بتناول الداء، والمريض إذا لم يعمل بما يأمره الطبيب الحاذق المشفق وعمل بما يأمر به العدو الجاهل تركه الطبيب بحاله ويصرف عنه عنان عنايته وإقباله، اللهم إني أسألك نصرة الملك وصلاح العمل وأطلب منك الدراية والهداية، وأعوذ بك من إغواء الشيطان في البداية والنهاية، إنك قريب مجيب. 3 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما من مؤمن إلا ولقلبه اذنان في جوفه: اذن ينفث فيها الوسواس الخناس واذن ينفث فيها الملك، فيؤيد الله المؤمن بالملك، فلذلك قوله: * (وأيدهم بروح منه) *. * الشرح: قوله (ما من مؤمن إلا ولقلبه أذنان في جوفه أذن ينفث فيها الوسواس الخناس وأذن ينفث فيه الملك). في طريق العامة " أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم " قال الأزهري: معناه أنه لا يفارق ابن آدم ما دام حيا كما لا يفارقه دمه، وقال: هذا على طريق ضرب المثل، وجمهورهم حملوه على ظاهره وقالوا: إن الشيطان جعل له هذا القدر من التطرق إلى باطن الآدمي بلطافة هيئته فيجري في العروق (1) التي هي مجاري الدم إلى أن يصل إلى قلبه فيوسوسه على حسب ضعف


1 - قوله " بلطافة هيئته فيجري في العروق " كل لفظ لا يقبل الحمل على المعنى المادي الجسماني يؤول عند بعض أهل الظاهر، والثابت في ذهن الجمهور أن الشيطان موجود جسماني كأفراد الإنسان والحيوان، فإن قيل لهم: كيف لا يرى ؟ قالوا: إنه لطيف كالهواء. وإن قيل: كيف يدخل من الباب المسدود في البيت الذي لا منفذ له إلى الخارج ؟ قالوا: إنه للطافته يقدر على النفوذ من المنافذ الضيقة كالدخان. فإن قيل: إن فرض عدم المنافذ أصلا بحيث لا يكون دخول الهواء والدخان بل الرائحة ممكنا ؟ قالوا: يمكنه للطافته أن يعبر الجدر من غير أن يشقها للطافته ولا يستحيل تداخل الجسمين من غير خرق والتيام. فإن قيل: الجسم اللطيف بهذه اللطافة كيف يقدر على الأفعال الشديدة التي يعجز عنه أقوياء الإنس كما فعلوا لسليمان ؟ قالوا: لا منافاة بين اللطافة والقدرة، وهكذا يقال فيما لو اعترضوا على دخوله في العروق وأنه يزاحم الدم الجاري والروح البخاري الساري في العروق قالوا: إنه للطافته لا يزاحم الأجسام الأخر، وأهل المعرفة أيضا يوافقون الجمهور في جميع ذلك فإنهم يقولون ليس سنخ أجسام الشياطين من سنخ هذه الأجسام المشهودة ولذلك ينفذون = (*)

[ 238 ]

إيمان العبد وقلة ذكره وكثرة غفلته ويبعد عنه ويقل تسلطه وسلوكه إلى باطنه بمقدار قوته ويقظته ودوام ذكره وإخلاص توحيده. ونقل عن ابن عباس: أنه تعالى جعله بحيث يجري من بني آدم مجرى الدم وصدور بنى آدم مسكن له كما قال * (من شر الوسواس الخناس * الذي يوسوس في صدور الناس * من الجنة والناس) * والجنة الشياطين، وكما قال النبي (صلى الله عليه وآله): " إن الشيطان ليجثم على قلب بني آدم له خرطوم كخرطوم الكلب إذا ذكر العبد الله عز وجل خنس أي رجع على عقبيه وإذا غفل عن ذكر الله وسوس " فاشتق له اسمان من فعليه: الوسواس من وسوسته عند غفلة العبد، والخناس من خنوسه عند ذكر العبد، وقيل: الناس عطف على الجنة، والإنسي لا يصل في وسوسته بذاته إلى باطن الآدمي فكذا الجنة في وسوسته، وأجيب بأن الإنس ليس له ما للجن من اللطافة، فعدم وصول الإنس إلى الجوف لا يستلزم عدم وصول الجن إليه. ثم إن الله تعالى بلطفه جعل للإنسان حفظة من الملائكة وأعطاهم قوى الإلهام والإلمام بهم في بواطن الإنسان في مقابلة لمة الشيطان كما روي " إن للملك لمة بابن آدم وللشيطان لمة، لمة الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق فمن وجد ذلك فليحمد الله، ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق فمن وجد من ذلك شيئا فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم ".


= في الحس المشترك في النوم من غير طريق الحواس الظاهرة، وهذا النفوذ غير ممكن في الأجسام المادية ولكن المتوسطين من أهل الظاهر يتحيرون ولا يجدون طريقا للتخلص إلا بإنكار بعض ما ورد في الأخبار المستفيضة أو تأويلها بوجه متعسف بعيد نظير ما نقله الشارح عن الأزهري، وهذا طريق خطر والسلامة في التسليم. (ش). (*)

[ 239 ]

باب الروح الذي ايد به المؤمن 1 - الحسين بن محمد، ومحمد بن يحيى، جميعا، عن علي بن محمد بن سعد، عن محمد بن مسلم، عن أبي سلمة، عن محمد بن سعيد بن غزوإن، عن ابن أبي نجران، عن محمد بن سنان، عن أبي خديجة قال: دخلت على أبي الحسن (عليه السلام) فقال لي: إن الله تبارك وتعالى أيد المؤمن بروح منه تحضره في كل وقت يحسن فيه ويتقي وتغيب عنه في كل وقت يذنب فيه ويعتدي، فهي معه تهتز سرورا عند إحسانه وتسيخ في الثرى عند إساءته فتعاهدوا عباد الله نعمه بإصلاحكم أنفسكم تزدادوا يقينا وتربحوا نفيسا ثمينا، رحم الله امرأ هم بخير فعمله أوهم بشر فارتدع عنه، ثم قال: نحن نويد الروح بالطاعة لله والعمل له. * الشرح: قوله (إن الله تبارك وتعالى أيد المؤمن بروح منه تحضره في كل وقت يحسن فيه ويتقي) لعل المراد بالروح هنا الملك كما مر، وبالإحسان الإتيان بالطاعات، وبالاتقاء الاجتناب عن المنهيات. (وتغيب عنه في كل وقت يذنب فيه ويعتدي) أي يتجاوز عن حدود الشريعة ويظلم على نفسه أو على غيره (فهي معه تهتز) أي تتحرك (سرورا عند إحسانه) سروره لمشاهدة طاعة الرب وتعظيمه وصلاح العبد وقربه. (وتسيخ في الثرى عند إساءته) أي تدخل فيه دخول الرجل في الماء فإذا فرغ عاد وفيه ترغيب في اجتناب الذنوب وتخويف بمفارقة هذه النعمة الجليلة لامكان أن لا تعود أصلا لسد النفس الامارة مسالك عودها بزبر الشهوات. (فتعاهدوا عباد الله نعمه بإصلاحكم أنفسكم) بترك الرذائل من الأخلاق والأعمال وتحصيل الفضائل منهما فإنكم إن تعاهدتم بذلك (تزدادوا يقينا) فإن الإنسان بإصلاح النفس ومحاسبتها وتزكيتها كما ينبغي يترقى عن درجة علم اليقين ويبلغ مرتبة حق اليقين التي يشاهد فيها جمال الأسرار اللاهوتية (1) وكمال الأنوار الملكوتية (وتربحوا نفيسا ثمنيا) وهي الجنة ودرجاتها العالية


1 - قوله " يشاهد فيها جمال الأسرار اللاهوتية " اللذة الحاصلة للإنسان بعد موته أعظم وأشد بكثير مما يحصل له في الدنيا من الشهوات فإنها خالية عن الكدورة أولا ومأمونة من الزوال ثانيا ولأنه لا يعقل أن يكون الموجود الدنيوي كالحمار أسعد من الروحانيين وأن يكون الموجود الروحاني محروما من السعادات، ثم يمكنك أن تتأمل في كلامهم هنا وتعرف منه أن الكمال بشدة العقل والإدراك لا بكثرة المعقول وبينهما فرق كما أن قوة الإبصار وكماله ليس بكثرة المبصرات، فرب شيخ ضعيف البصر رأى أمورا كثيرة في بلاد = (*)

[ 240 ]

والسعادة الباقية وقرب الاخيار في دار القرار. (رحم الله امرأ هم بخير فعمله) بلا تأخير لئلا يفوته بإغواء الشيطان ومكائد النفس وطريان النسيان (أو هم بشر فارتدع عنه) تعظيما لله ورجاء في ثوابه وخوفا من عقابه (ثم قال نحن نؤيد الروح بالطاعة لله والعمل له) إشارة إلى أن الروح لا تفارقهم آنا من الآنات لأنهم لا يعصون الله وقتا من الأوقات، في بعض النسخ: " نزيد " بالزاي المعجمة وله وجه ظاهر إن أريد بالروح نور الإيمان، والله أعلم.


= كثيرة طول عمره وشاب حديد البصر لم ير إلا ما حوله في بلده، ويستدل بضعف بصر الشيخ على أن الإبصار جسماني وإن كثر مبصراته، ويستدل في الشيخ على عدم كون عقله جسمانيا بقوة عقله لا بكثرة معقولاته لأن كثرة المعقولات مع ضعف العقل لا يدل على تجرده، وعين اليقين أكمل من علم اليقين من جهة شدة وضوح المعقول لا من جهة كثرته وكذلك حق اليقين بالنسبة إلى عين اليقين، وحصول عين اليقين وحق اليقين للإنسان يدل على كون النفس مجردة إذ لا يحصل هذه الأمور من إدراك الحس البتة. ثم اعلم أن من أهم مبادئ علم الأخلاق إثبات بقاء النفس وبقاء ملكاتها الحسنة أو السيئة معها وقد سبق منا مكررا، وإنما يشتبه على الجاهل قوى النفس الجسمانية بذات النفس إذ يرى الجاهل أن السمع والبصر والذاكرة والمتخيلة تضعف بضعف البدن وتضمحل بانحلال المزاج والموت فيتوهم أن النفس ذاتها أيضا تضمحل ولا يعرف إذ لا يدقق النظر في أن الحس شئ والشعور بالحس شئ آخر والحافظة شئ والتذكر شئ والفكر شئ والتعقل الذي لا يضعف ولا يضمحل بفناء البدن شئ غير ذلك، كلها وكثرة المعقولات شئ وووضح التعقل شئ آخر والاستدلال على تجرد النفس بالأخير. (ش). (*)

[ 241 ]

باب الذنوب 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان أبي (عليه السلام) يقول: ما من شئ أفسد للقلب من خطيئة إن القلب ليواقع الخطيئة فما تزال به حتى تغلب عليه فيصير أعلاه أسفله. * الشرح: قوله (ما من شئ أفسد للقلب من خطيئة) إن قلت: كل ما يفسد القلب فهو خطيئة فما معنى التفضيل وأي شئ المفضل عليه ؟ قلت: لا نسلم ذلك (1) فإن كثيرا من المباحات والأمراض والآلام يفسد القلب وليس بخطيئة وهي أعم من الخطايا الظاهرة مثل الأعمال القبيحة إذ للظاهر تأثير في الباطن ومن الخطايا القلبية كالعقائد الفاسدة والهم بالمعصية، وقوله: (إن القلب ليواقع الخطيئة) كما يناسب الثانية ظاهرا يناسب الأولى أيضا كما لا يخفى. (فما تزال به حتى تغلب عليه) إن لم ترفع بالتوبة الخاصة والاستغفار. (فيصير أعلاه أسفله) أي تكدره وتسوده لأن الأعلى صاف والأسفل دردي من باب التمثيل فإذا صيرت أعلاه أسفله لزم ما ذكرناه، أو تصيره مائلا إلى الباطل بكله لأن أعلاه طرفه المائل إلى الحق وأسفله طرفه المائل إلى الباطل. فإذا جعلت أعلاه أسفله جعلت كله مائلا إلى الباطل، أو جعلته كالكوز المنكوس (2) لا يدخل فيه شئ من الحق، وخرج ما دخل فيه فيصير خاليا من الحق


1 - قوله " قلت لا نسلم ذلك " قال العلامة المجلسي (رحمه الله) قلت: لا نسلم ذلك فإن كثيرا من المباحات تفسد القلب بل بعض الأمراض والآلام (و) الهموم والوساوس أيضا تفسده وإن لم تكن مما تستحق عليه العذاب وهي أعم من الخطايا الظاهرة - إذ للظاهر تأثير في الباطن (بل عند المتكلمين الواجبات البدنية لطف في الطاعات القلبية) - ومن الخطايا القلبية كالعقائد الفاسدة والهم بالمعصية (والصفات الذميمة كالحقد والحسد والعجب وأمثالها) انتهى، وما جعلناه بين الهلالين مما زاده العلامة المجلسي " ره " على عبارة الشارح. وأما قوله عند المتكلمين الواجبات البدنية لطف في الطاعات القلبية فالظاهر أنه سهو أو مسامحة وإنما قال المتكلمون: " التكاليف الشرعية ألطاف في الواجبات العقلية " وهو حق وكلا التكليفين الشرعي والعقلي أعم من أن يكون بدنيا أو قلبيا. وأما قوله " والصفات الذميمة " ففيه مسامحة أيضا لأن الصفة تتبادر منها الذهن إلى الثابتة بغير اختيار وليس مثلها خطيئة ومراد المجلسي " ره " الجري على مقتضى الحسد والحقد في العمل لا أن وجود الصفة خطيئة. (ش). 2 - قوله " كالكوز المنكوس " تمثيل لما ذكره بقوله أو تصيره مائلا إلى الباطل والعلامة المجلسي " ره " جعله وجها ثالثا. قال فيصير أعلاه أسفله أي يصير منكوسا كالإناء المقلوب المكبوب لا يستقر فيه شئ من الحق ولا يؤثر فيه شئ من المواعظ، ثم قال: هذا الذي خطر بالبال أظهر الأقوال من جهة الأخبار، انتهى. والفرق = (*)

[ 242 ]

والمعارف، مظلما قابلا لجميع المفاسد نعوذ بالله من ذلك. 2 عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن عبد الله بن مسكان، عمن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل: * (فما أصبرهم على النار) * فقال: ما أصبرهم على فعل ما يعلمون أنه يصيرهم إلى النار. * الشرح: قوله (فما أصبرهم على النار فقال ما أصبرهم على فعل ما يعلمون أنه يصيرهم إلى النار) هذا التأويل يحتمل أمرين أحدهما حذف المضاف أي على سبب النار وهو الفعل المذكور، وثانيهما إطلاق المسبب على المسبب. 3 - عنه عن أبيه، عن النضر بن سويد، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أما إنه ليس من عرق يضرب ولا نكبة ولا صداع ولا مرض إلا بذنب، وذلك قول الله عز وجل في كتابه: * (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير) * قال: ثم قال: وما يعفو الله أكثر مما يؤاخذ به. * الشرح: قوله (أما إنه ليس من عرق يضرب ولا نكبة ولا صداع ولا مرض إلا بذنب) إن قلت: لزم من هذا أن لا تردد الآلام على الأنبياء والأوصياء لعدم تحقق سببها وهو الذنب فيهم، واللازم باطل بالاتفاق، ولما مر قلت: لا نسلم انتفاء السبب فيهم فإن الذنوب متفاوتة بالذات وبالنسبة إلى الأشخاص، فترك الأولى ذنب بالنسبة إليهم فلذلك قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين. ويؤيده ما أصاب آدم ويونس وغيرهما بسبب تركهم ما هو أولى بهم، ولئن سلم فقد يصاب البرئ بذنب الجري وكما مر، على أنه يمكن تخصيص ذلك بغيرهم جمعا بينه وبين ما دل على أن الغرض من ابتلائهم رفع درجاتهم التي لا مدخل لكسب الإنسان فيها. (وما يعفو الله أكثر مما يؤاخذ به) الذنوب كما تدفعها التوبة والآلام، يدفعها أيضا العفو، والأصل فيه أنه كما لا يرجع إليه سبحانه نفع لطاعة العباد كذلك لا يرجع إليهم ضرر بمعصيتهم. وقد وصف نفسه بأنه غفور وغفار وأنه يغفر الذنوب جميعا إلا الشرك، وأنه لذو مغفرة للناس على ظلمهم، وأخبر بأنه يغفر الذنوب مطلقا فلابد من أن يقع مغفرتها إما بالتوبة، أو بالآلام، أو بالعفو ولا


= بينه وبين كلام الشارح تبديل الكوز بالإناء وأما كونه وجها مخالفا له أو للوجوه الأخر التي نقلها ففيه خفاء، وكون ما خطر بباله أظهر الأقوال أخفى. (ش). (*)

[ 243 ]

قصور في وصفه بالمغفرة حتى يتوقف ظهورها منه على الأولين ومن تاب أو تألم خرج من الذنب فلابد من وقوع العفو عنه في غيرهما ليبقي الآية على عمومها، وأيضا من المعلوم في وصف الكريم أن يعفو في حقه وأيضا قد أمرنا في مواضع بالعفو ويبعد أن لا يعفو هو، وبالجملة في الآيات والروايات حث بليغ على دوام الرجاء لمغفرته تعالى وإن كثرت الذنوب، وحسم مادة الإياس والقنوط من رحمته. إذ فيهما جحد لكرمه وإنكار لمغفرته ورحمته وذلك خروج عن التوحيد. 4 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد، عن حريز عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ما من نكبة يصيب العبد إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر. 5 - علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: لا تبدين عن واضحة وقد عملت الأعمال الفاضحة ولا يأمن البيات من عمل السيئات. * الشرح: قوله (لا تبدين عن واضحة وقد عملت الأعمال الفاضحة) الإبداء: الإظهار، وتقول: أبديته إذا أظهرته، وتعديته ب‍ " عن " لتضمنه معنى الكشف، والوضوح: الانجلاء والانكشاف. يقال: وضح من باب وعد أي انجلى وانكشف. وفي المصباح: الواضحة: الأسنان تبدو عند الضحك. وفيه ردع عن الضحك وزجر عن الأعمال القبيحة وحث على محاسبة النفس، فإن من حاسبها وعرف قبح أفعالها وشناعة أعمالها واستولت عليه الخشية والهيبة، وانقطعت عنه الراحة واللذة وداس في قلبه عساكر الهموم فاستحق أن يبكي بحاله دون أن يضحك، ويؤيده ما روي عنه (صلى الله عليه وآله) " لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا " إشارة إلى علمه بما في عالم الغيب من أحوال البرزخ وأهوال القيامة والنار ودركاتها وشدائدها فإن من عرفها حق المعرفة بنور الايمان لابد من أن يبكي على نفسه. (ولا يأمن البيات من عمل السيئات) البيات: الإغارة ليلا وهو اسم من بيته تبيتتا إذا دبره في الليل، وتبييت العدو هو أن يقصد في الليل من غير أن يعلم فيؤخذ، وهو بالفارسية " شبيخون كردن وبشب كار ساختن "، وفيه وعيد للمذنب بالعقوبات العاجلة. 6 - عنه، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي اسامة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: تعوذوا بالله من سطوات الله بالليل والنهار، قال: قلت له: وما سطوات الله ؟ قال: الأخذ على المعاصي. * الشرح:

[ 244 ]

قوله (تعوذوا بالله من سطوات الله) سطا عليه وبه يسطو سطوا وسطوة قهره وأذله وهو البطش بشدة (قال الأخذ على المعاصي) يعنى عاجلا، والأخذ عليها أعم من الإهلاك والابتلاء ببلية. 7 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن سليمان الجعفري عن عبد الله بن بكير، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: الذنوب كلها شديدة وأشدها ما نبت عليه اللحم والدم، لأنه إما مرحوم وإما معذب، والجنة لا يدخلها إلا طيب. * الشرح: قوله (قال: الذنوب كلها شديدة) (1) وإن كان بعضها أشد من بعض ووجه شدتها أنها مخالفة لأمر الرب الجليل وموجبة للعذاب الوبيل. (وأشدها ما نبت عليه اللحم والدم) يشمل أكل الحرام والإصرار على معصية من غير تكفيرها بالتوبة (لأنه إما مرحوم وإما معذب) لعل المرحوم من كفرت ذنوبه بالتوبة أو البلايا أو العفو، والمعذب من لم تكفر ذنوبه بأحد هذه الوجوه. (والجنة لا يدخلها إلا طيب) أي طاهر خالص من الذنوب. ويشكل هذا بما دل على أن العصاة من المؤمنين يدخلون الجنة بالشفاعة أو بالعفو، ويمكن أن يؤول ذلك بأنه لا يدخلها بدون الشفاعة أو العفو إلا طيب أو بأنه لا يدخلها ابتداء بلا مجازاة إلا طيب، أو بأنه تعالى ينزع عنهم


1 - " الذنوب كلها شديدة " قال علماؤنا: إن الذنوب جميعها معصية ومخالفة لأمر الرب وموجب لاستحقاق العقاب ولا فرق بينها من هذه الجهات، والكبائر والصغائر نسبية، فقد يكون بعض الذنوب بالنسبة إلى ذنب كبيرة وبالنسبة إلى غيره صغيرة كالجرح بالنسبة إلى القتل صغيرة وبالنسبة إلى اللطم كبيرة والزناء بالنسبة إلى القبلة كبيرة وبالنسبة إلى اللواط صغيرة، وليس بين الكبر والصغر حد فاصل يميز بينهما بحيث يكون الكبائر محدودة في حد خاص لا يتجاوزها، وما أوعد الله عليها النار في الكتاب صريحا أكبر مما لم يوعد عليه وما صرح بحرمته فيه أكبر مما لم يصرح لأن ذكر معصية بالخصوص في الكتاب يدل على أهميتها نظيره في عرف الناس البلد الصغير والبلد الكبير والدار الواسعة والدار الضيقة والمشهور والخامل وأعاظم القوم وأصاغرهم والمتاع الغالي والرخيص والمثري والمقل وغير ذلك مما لا حد فاصل بين مراتبها ولذلك لم يعدد في الشرع عدا جازما وعلى هذا فاللمم الذي لا يقدح في العدالة هو الذي يتفق اتفاقا للإنسان من غير أن يصر عليه كما يدل عليه لفظ اللمم وأما الكبائر التي وعد الله عليها النار في القرآن فيقدح في العدالة وإن كان لمما أي اتفاقا نادرا من غير إصرار بدليل خاص كالآية المصرحة بأن القذف يوجب الفسق وأنه لا يقبل من صاحبه الشهادة إلا أن يتوب، والصحيح أن العدل في صفة الشاهد في القرآن أي الرجل المستوي عند الله لا يشمل من ارتكب ذنبا مطلقا وإن كان اتفاقا، ومن ارتكب فقد مال عن الاستواء وهو الأصل في الباب يخرج عنه اللمم في الصغائر بالدليل القطعي، ومع الشك فالأصل الخروج من العدالة وأراد بعضهم حصر الكبائر في عدد معدود بحد فاصل بين الصغر والكبر وهو تكلف غير ممكن البتة بحسب الأدلة. (ش). (*)

[ 245 ]

الذنوب فيدخلونها وهم طيبون من الذنوب ويؤيده قوله تعالى * (ونزعنا ما في صدورهم من غل) * الآية. 8 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن أبان، عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن العبد ليذنب الذنب فيزوي عنه الرزق. * الشرح: قوله (أن العبد ليذنب الذنب فيزوي عنه الرزق) لعل السر في ذلك أن الحكمة البالغة اقتضت تطهير المذنب بالمصائب والبلايا، وصرف الرزق عنه من أعظم المصائب لأن الفقر من كاسرات الظهر. فإن قلت قد نرى كثيرا من الفسقة والكفرة مرزوقين في سعة. قلت: هذا أيضا تعذيب واستدراج كما دلت عليه الآيات والروايات ولله أن يعذب عباده بما يشاء. على أنه يمكن أن يقال: ذلك الصرف والمنع مختص بمن أراد الله تعالى انصرافه من الذنوب واستيقاظه عن الغفلة من المؤمنين الذين استعدوا لقبول الخير. 9 - علي بن محمد، عن صالح بن أبي حماد، عن محمد بن إبراهيم النوفلي، عن الحسين بن مختار، عن رجل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ملعون ملعون من عبد والدرهم. ملعون ملعون من كمه أعمى، ملعون ملعون من نكح بهيمة. * الشرح: قوله (ملعون ملعون من عبد الدينار والدرهم) اللعن: الطرد والإبعاد من الخير. والرجل لعين وملعون، ولعل المراد بعبادة الدينار والدرهم حبهما، والمحبوب إله كما قال سبحانه * (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه) * ولعل المراد بالحب الحب المانع من أداء الحقوق المالية وصلة الأرحام ورعاية حال الفقراء والارامل والجيران ولا يبعد أن يكون حكم غيرهما كحكمهما، وتخصيصهما بالذكر لأن التعلق بهما أعظم وأكثر، ولا ينافي هذا الخبر الأخبار الدالة على وجوب حفظ المال وتحريم تضييعه إذ ليست فيها دلالة على جواز المحبة، والتعلق به والوثوق والركون إليه كما يتكلون عليه أبناء الدنيا. (ملعون ملعون من كمه اعمى) كمه يكمه من باب علم عمى، والأكمه الذي يولد أعمى. وربما يقال للذي عمي بعد، وكمه أيضا حار حيرة، ومنه الكامه الذي يركب فرسه لا يدري أين يتوجه وفلان يتكمه في الأرض، وكمهه بالتشديد أعماه وحيره أيضا، ولعل المراد هنا من حير الاعمى بأن يضله عن طريقه أو لا يهديه إليها، ويمكن أن يراد بالأعمى أعمى القلب الذي لا يهتدي إلى الحق فيكون وعيدا لمن أخرجه منه أو لم يهده إليه والله يعلم.

[ 246 ]

10 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته يقول: اتقوا المحقرات من الذنوب فإن لها طالبا، يقول أحدكم: أذنب وأستغفر، إن الله عز وجل يقول: * (سنكتب ما قدموا وآثارهم وكل شئ أحصيناه في إمام مبين) *، وقال عز وجل: * (إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله، إن الله لطيف خبير) *. * الشرح: قوله (اتقوا المحقرات من الذنوب فإن لها طالبا) لا يغفل عنها ويؤاخذ بها (يقول أحدكم أذنب وأستغفر) في المصباح: الذنب: الإثم والجمع ذنوب، وأذنب: صار ذا ذنب بمعنى تحمله، والظاهر أن هذا بيان ومثال للمحقرات فإن هذا القائل يحقر ذنبه ويقول إنه سهل يرفعه الاستغفار ولا يدري أن الذنب من حيث إنه معصية الله العظيم عظيم، ولا ينبغي للمؤمن أن يحقر شيئا من ذنوبه وقد لا يغفر الله تعالى لأجل تحقيره إياه كما روى زيد الشحام عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " اتقوا المحقرات من الذنوب فإنها لا تغفر " قلت: وما المحقرات ؟ قال: " الرجل يذنب الذنب فيقول طوبى لي لو لم يكن لي غير ذلك " ثم أشار إلى بيان قوله " فإن لها طالبا " وإلى بعض ما يصنعه الطالب تحذيرا عن الذنوب وهو أنه يكتبها ويحفظها ليشاهدها فاعلها بعد الخروج من الدنيا بقوله: ان الله عز وجل يقول * (سنكتب ما قدموا) * من الأعمال مطلقا صالحة كانت أم فاسدة. (وآثارهم) من حسنة أذاعوها وسيئة أظهروها وبقي أثرهما بعدهم كتعليم علم وتأسيس ظلم مثلا، وقيل: أريد بالآثار آثار أقدام المشائين إلى المساجد، وقيل: أريد بها الأعمال وب‍ " ما قدموا " النيات المقدمة عليها، وعلى التقادير فيه حث بليغ على الخير، وزجر عظيم عن الشر، فإن الثبت معلوم والمحو بالاستغفار وغيره غير معلوم. * (وكل شئ أحصيناه في إمام مبين) * فيه تنبيه على أن الكتابة مقرونة بالحفظ والإحصاء، إذ رب مكتوب غير محفوظ ولا مضبوط وتعميم بعد تخصيص. فكأنه قيل: الكتابة غير مختصة بأعمالهم وآثارهم، بل هي لكل شئ حتى أنه كتب أنهم سيفعلون كذا فإذا فعلوا كتب عليهم فعلوا كذا والإمام: اللوح المحفوظ، قيل: سمي به لأن الملائكة يتبعون ما كتب فيه من أجل ورزق وإماتة وإحياء، ووصفه بالمبين لأنه مظهر للأمور وفارق بين أحوال الخلق. (وقال عز وجل) حكاية لقول لقمان في نصيحته ابنه ناتان: * (إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير) * ضمير إنها للخصلة من الإساءة أو الإحسان، وضمير " إن تك " راجع إليها، والمثقال وزنه درهم وثلاثة أسباع

[ 247 ]

درهم فكل سبعة مثاقيل عشرة دراهم، ومثقال الشئ ميزانه، وهو المراد هنا يعني أن تلك الخصله إن تك في الصغر كحبة خردل وتك في أخفى مكان من المذكور وغيره كفوق السموات وقعر البحار وتحت الارضين يأت بها الله، ويحضره ليحاسب عليها إن الله لطيف عالم بلطائف الأمور وأمكنتها، نافذ قدرته فيها، خبير بدقائق الاشياء وحقائقها، وقال بعض المحققين: خفاء الشئ إما لغاية صغره، وإما لاحتجابه، وإما لكونه بعيدا، وإما لكونه في ظلمة فأشار إلى الأول بقوله: * (مثقال حبة من خردل) * وإلى الثاني بقوله * (فتكن في صخرة) * وإلى الثالث بقوله * (أو في السموات) * وإلى الرابع بقوله * (أو في الأرض) *. 11 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن ابن فضال، عن ثعلبة، عن سليمان بن طريف، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: إن الذنب يحرم العبد الرزق. 12 - محمد بن يحيى، عن عبد الله بن محمد، عن علي بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن الفضيل، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن الرجل ليذنب الذنب فيدرء عنه الرزق وتلا هذه الآية: * (إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون * فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون) *. * الشرح: قوله (إن الرجل ليذنب الذنب فيدرأ عنه الرزق وتلا هذه الآية * (إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين * ولا يستثنون * فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون) * اللام في الذنب للجنس باعتبار تحققه في ضمن أي فرد كان وإن كان صغيرا بل وإن كان خلاف مروة كما يدل عليه ظاهر الآية وتفسيرها كما ذكره الطبرسي في جامع الجوامع * (إنا بلوناهم) * أي أهل مكة بالجوع والقحط بدعاء الرسول (صلى الله عليه وآله) كما بلونا أصحاب الجنة وهم إخوة كان لأبيهم هذه الجنة دون صنعاء يمن بفرسخين فكان يأخذ منها قوت سنة ويتصدق بالباقي وكان يترك للمساكين ما أخطأه المنجل وما في أسفل الأكداس وما أخطأه القطاف من العنب وما بقي من البساط الذي يبسط تحت النخلة إذ أصرمت فكان يجتمع له شئ كثير، فلما مات قال بنوه: إن فعلنا ما كان يفعل أبونا ضاق علينا الأمر، ونحن أولو عيال ليصرمنها مصبحين داخلين في وقت الصباح خفية عن المساكين ولا يستثنون أي لم يقولوا إن شاء الله في يمينهم فأحرق الله جنتهم. وإنما سمي ذلك استثناء وهو شرط لأن معنى قولك لأخرج إن شاء الله ولا أخرج إلا أن يشاء الله واحد، فطاف طائف أي هلاك أو بلاء وهم نائمون أي في حال نومهم. 13 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إذا أذنب الرجل خرج في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب انمحت وإن زاد زادت

[ 248 ]

حتى تغلب على قلبه فلا يفلح بعدها أبدا. * الشرح: قوله (إذا أذنب الرجل خرج في قلبه نكتة سوداء فإن تاب انمحت وإن زاد زادت حتى تغلب على قلبه فلا يفلح بعدها أبدا) النكتة النقطة وكل نقطة في شئ بخلاف لونه فهي نكتة، واعلم أن الله تعالى خلق قلب المؤمن نورانيا قابلا للصفات النورانية فإن أذنب خرج فيه نقطة سوداء فإن تاب بأن ندم وعزم أن لا يعود زالت تلك النقطة وعاد محلها إلى نورانيته، وإن زاد في الذنب سواء كان من نوع ذلك الذنب أم من غيره زادت نقطة أخرى سوداء وهكذا حتى تغلب النقاط السود على جميع قلبه فلا يفلح بعدها أبدا، لأن القلب حينئذ لا يقبل شيئا من الصفات النورانية، والظاهر أنه إن تاب من ذنب ثم عاد لم تبطل التوبة الأولى وأنه إن تاب من بعض الذنوب دون بعض فهي صحيحة على أحد القولين فيها. 14 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن أبي أيوب، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن العبد يسأل الله الحاجة فيكون من شأنه قضاؤها إلى أجل قريب أو إلى وقت بطئ، فيذنب العبد ذنبا فيقول الله تبارك وتعالى للملك: لا تقض حاجته واحرمه إياها، فإنه تعرض لسخطي واستوجب الحرمان مني. * الشرح: قوله (إن العبد يسأل الله الحاجة فيكون من شأنه قضاؤها إلى أجل قريب أو إلى وقت بطئ فيذنب العبد ذنبا فيقول الله تعالى للملك لا تقض حاجته وأحرمه إياها فإنه تعرض لسخطي واستوجب الحرمان مني) هذا صريح في أن للذنوب والأعمال الخارجة عن طور الشريعة تأثيرا في سلب الرحمة، وذلك لأن الفيض الإلهي لا بخل ولا منع من قبله وإنما ذلك بحسب عدم الاستعداد، وظاهر أن المذنب معرض عنه غير معترض لرحمته، بل مستعد لضد ذلك أعني سخطه وعذابه فاستحق بذلك أن لا ينال رحمته ويحرم من الإجابة. لا يقال: هذا ينافي ما في بعض الروايات من أن العاصي إذا دعاه أجابه بسرعة كراهة من سماع صوته لأنا نقول: لا منافاة بينهما لأن هناك شيئين: أحدهما المعصية وهي تناسب عدم الإجابة، والثاني كراهة من سماع صوته وهي تناسب سرعة الإجابة، فربما ينظر إلى الأول فلا يجيبه وربما ينظر إلى الثاني فيجيبه، وليس في الأخبار ما يدل على أن العاصي يجاب دائما، ولو سلم لأمكن حمل هذا الخبر على أن المؤمن الصالح إن أذنب وتعرض لسخط ربه استوجب الحرمان ولا يقضي

[ 249 ]

الله حاجته تأديبا لينزجر عما فعله كما هو المعروف بين المحبين. 15 - ابن محبوب، عن مالك بن عطية، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال سمعته يقول: إنه ما من سنة أقل مطرا من سنة ولكن الله يضعه حيث يشاء، إن الله عز وجل إذا عمل قوم بالمعاصي صرف عنهم ما كان قدر لهم من المطر في تلك السنة إلى غيرهم وإلى الفيافي والبحار والجبال وإن الله ليعذب الجعل في جحرها بحبس المطر عن الأرض التي هي بمحلها بخطايا من بحضرتها وقد جعل الله لها السبيل في مسلك سوى محلة أهل المعاصي. قال: ثم قال أبو جعفر (عليه السلام): فاعتبروا يا اولي الأبصار. * الشرح: قوله (وإن الله ليعذب الجعل في جحرها بحبس المطر عن الأرض التي هي بمحلها بخطايا من بحضرتها وقد جعل الله لها السبيل في مسلك سوى محلة أهل المعاصي قال ثم قال أبو جعفر (عليه السلام) فاعتبروا يا أولي الأبصار) الاعتبار: الاتعاظ والتفكر في العواقب وقبول الموعظة والنصح. وفيه دلالة واضحة على وجوب المهاجرة عن بلاد المعاصي وسيجئ في باب عقوبات المعاصي العاجلة مثله. فإن قلت: الجعل لا تعلم وجوب المهاجرة عليها فكيف تعذب على تركها. قلت: بم عرفت أنها لا تعرفه ؟ لعل الله تعالى ألهمها ولا استبعاد في ذلك، ويؤيده حكاية نملة سليمان (عليه السلام). وإذا تأملت أيها اللبيب معاملة ربك جل وعز مع هذا الحيوان الضعيف الذي لا يقدر على قطع الفيافي والمنازل البعيدة أزيد من قدرة قطع الطفل إياها حبوا ولا يقدر على حمل ما تحتاج إليه من الطعام والشراب لأجل معصية بني نوعك، علمت أنك لو عصيته أو سكنت مع أهل المعصية كانت معاملته معك شديدة ومواخذته إياك عظيمة إذ صورك بأحسن صورة وقدرك بأحسن تقدير وسخر لك السماوات والأرض والشمس والقمر وسائر ما يطول الكلام بذكره فيحصل لك حالة شريفة مانعة عن المعصية والميل إلى أهلها. 16 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الرجل يذنب الذنب فيحرم صلاة الليل وإن العمل السيئ أسرع في صاحبه من السكين في اللحم. * الشرح: قوله (إن الرجل يذنب الذنب فيحرم صلاة الليل) هذا التأديب كثيرا ما يقع بالنسبة إلى الصالحين وقد كان بعضهم معتادا بقيام الليل مع خضوع وابتهال وصدرت منه صغيرة يوما فاستغفر

[ 250 ]

واسترجع فلما نام الليلة رأى أنه مسافر إلى بيت الله الحرام وانقطع عن الرفقاء فإذا رجل قبيح المنظر شديد الأهبة ظهر قبال وجهه فتكلم بلسان وهو لا يعرفه وظن أنه لسان ترك فقال: أنا ما أعرف هذا اللسان فتكلم بلسان الفرس وقال ما معناه أعطني جميع ما يكون معك وما لي على حياتك سبيل، فوقع في نفسه أنه شيطان فاستفزع واستيقظ فإذا الفجر طالع فصلى الصبح بتضرع وخشوع وبكاء فدفع عنه ذلك، ولا تنظر أيها الأخ الصالح إلى بعض الظالمين المشتغلين بأخذ أموال الناس وسفك دمائهم وهم مع ذلك يصلون صلاة الليل فإن حرمانها للتأديب والتنبيه وهم بما عملوا خرجوا عن أهلية ذلك. ألا ترى أن كثيرا ممن خرجوا من الدين يسعون في العبادات أشد من سعي المؤمنين. ثم أشار إلى أن العمل القبيح مهلك بقوله: (وإن العمل السيئ أسرع في صاحبه من السكين في اللحم) شبه السيئة بالسكين في سرعة النفوذ وقوة التأثير، والغرض من هذا التشبيه هو الإهلاك، وهو في المشبه به أجلى وإن كان في المشبه أقوى إذ بالمشبه به هلاك الدنيا وبالمشبه هلاك الآخرة. 17 - عنه، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من هم بسيئة فلا يعملها فإنه ربما عمل العبد السيئة فيراه الرب تبارك وتعالى فيقول: وعزتي وجلالي لا أغفر لك بعد ذلك أبدا. * الشرح: قوله (من هم بسيئة فلا يعملها فإنه ربما عمل العبد السيئة فيراه الرب تبارك وتعالى) في مقام معصيته واشتغاله بها (فيقول وعزتي وجلالي لا أغفر لك بعد ذلك) إذا وقع هذا القسم وكله إلى نفسه وخلي بينه وبين شيطانه فيعمل ما يعمل حتى يصير من إخوان الشياطين وهو يخرج عن الدنيا بغير إيمان فلا تدركه شفاعة الشافعين، فلا يرد أنه إذا خرج هذا مع إيمان كيف لا يغفر له والغفران معد للمؤمنين، وفيه تنفير عن السيئة كلها فإن كل سيئة يمكن أن يكون هذه السيئة. 18 - الحسين بن محمد، عن محمد بن أحمد النهدي، عن عمرو بن عثمان، عن رجل، عن أبي الحسن (عليهما السلام) قال: حق على الله أن لا يعصى في دار إلا أضحاها للشمس حتى تطهرها. * الشرح: قوله (حق على الله أن لا يعصى في دار إلا أضحاها للشمس حتى تطهرها) ضحى الشئ ظهر وأضحاه أظهره وهو كناية عن أن المعاصي تخرب الديار. 19 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن الحسن بن شمون، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأصم، عن مسمع بن عبد الملك، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن

[ 251 ]

العبد ليحبس على ذنب من ذنوبه مائة عام وإنه لينظر إلى أزواجه في الجنة يتنعمن. * الشرح: قوله (إن العبد ليحبس على ذنب من ذنوبه مائة عام) نظيره ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) " قال لا تتكلوا بشفاعتنا فإن شفاعتنا لا تلحق بأحدكم إلا بعد ثلثمائة سنة " وفيه دلالة على أن الذنب يمنع من الدخول في الجنة في تلك المدة، ولا دلالة فيه على أنه في تلك المدة في النار أو في شدائد القيامة، وأما من لا ذنب له فلا يحبس في القيامة ويدخل الجنة بغير حساب. 20 - أبو علي الأشعري، عن عيسى بن أيوب، عن علي بن مهزيار، عن القاسم بن عروة، عن ابن بكير، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: [ قال: ] ما من عبد إلا وفي قلبه نكتة بيضاء، فإذا أذنب ذنبا خرج في النكتة نكتة سوداء، فإن تاب ذهب ذلك السواد، وإن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتى يغطي البياض فإذا تغطى البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبدا وهو قول الله عز وجل: * (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) *. * الشرح: قوله (ما من عبد إلا وفي قلبه نكتة بيضاء فإذا أذنب ذنبا خرج في النكتة نكتة سوداء) نظيره قول أمير المؤمنين (عليه السلام) " إن الإيمان يبدو لمطة في القلب كلما ازداد الإيمان ازدادت اللمطة " هذا وإن مر شرحه إلا أنه لا بأس أن نفسره ثانيا لزيادة التوضيح والتقرير فنقول: قال بعض المحققين: اللمطة مثل النكتة أو نحوها من البياض ومنه قيل فرس لمط إذا كان بجحفلته شئ من البياض، وتوضيح الكلام أن بأصل الإيمان يظهر نكتة أبيض في قلب من آمن أول مرة ثم إذا أقر باللسان ازدادت تلك النكتة وإذا عمل بالجوارح عملا صالحا ازدادت وهكذا حتى يصير قلبه نورانيا كالنير الأعظم وبعكس ذلك في العمل السيئ، وتحقيق الكلام في هذا المقام أن المقصود بالقصد الأول بالأعمال الظاهرة والأمر بمحاسنها والنهي عن مقابحها هو ما تكتسب النفس منها من الأخلاق الفاضلة والصفات الفاسدة فمن عمل صالحا أثر في نفسه وبازدياد العمل يزداد الضياء والصفا حتى يصير كمرآة مجلوة صافية، ومن أذنب ذنبا أثر ذلك أيضا وأورث لها كدورة فإن تحقق قبحه وتاب عنه زال الأثر وصارت النفس مصقولة وإن أصر عليه زاد الأثر الميشوم وفشا في النفس واستعلى عليها وصار من أهل الطبع ولم يرجع إلى خير أبدا إذ دواء هذا الداء هو الانكسار وهضم النفس والاعتراف بالتقصير والرجوع إلى الله بالتوبة والاستغفار والانقلاع عن المعاصي ولا محل لشئ من ذلك في هذا القلب المظلم. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ثم أشار إلى أن ذلك هو الرين المذكور في الآية الكريمة بقوله (وهو قول الله عز وجل * (كلا بل

[ 252 ]

ران على قلوبهم) * ما كانوا يكسبون) أي غلب على قلوبهم ما كانوا يكسبون حتى قبلت الطبع والختم على وجه لا يدخل فيها شئ من الحق، والمراد بما كانوا يكسبون: الأعمال الظاهرة القبيحة والأخلاق الباطنة الخبيثة فإن ذلك سبب لرين القلب وصداه وموجب لظلمته وعماه، فلا يقدر أن ينظر إلى وجوه الخيرات ولا يستطيع أن يشاهد صور المعقولات كما أن المرآة إذا القيت في مواضع الندى ركبها الصدا، وأذهب صفاءها وأبطل جلاءها فلا ينتقش فيها صور المحسوسات، وبالجملة يشبه القلب في قسوته وغلظته وزوال نوره بما يعلوه من الذنوب والهوى وما يكسوه من الغفلة والردى بالمرآة المتكدرة من الندى وكما أن هذه المرآة يمكن إزالة ظلمتها بالعمل المعلوم كذلك هذا القلب يمكن تصفيته من ظلمات الذنوب وكدورات الأخلاق بدوام الذكر والتوبة الخالصة والأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة حتى ينظر إلى عالم الغيب بنور الإيمان ويشاهده كمشاهدة العيان إلى أن يبلغ إلى أعلى درجة الإحسان فيعبد الله كأنه يراه ويرى الجنة وما أعد الله فيها لاوليائه، ويرى النار وما أعد الله فيها لأعدائه. 21 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن علي بن أسباط، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لا تبدين عن واضحة وقد عملت الأعمال الفاضحة ولا تأمن البيات وقد عملت السيئات. 22 - محمد بن يحيى، وأبو علي الأشعري، عن الحسين بن إسحاق، عن علي بن مهزيار، عن حماد بن عيسى، عن أبي عمرو المدائني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: كان أبي (عليه السلام) يقول: إن الله قضى قضاء حتما ألا ينعم على العبد بنعمة فيسلبها إياه حتى يحدث العبد ذنبا يستحق بذلك النقمة. 23 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن سدير قال: سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: * (فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم) * الآية. فقال: هؤلاء قوم كانت لهم قرى متصلة ينظر بعضهم إلى بعض وأنهار جارية وأموال ظاهرة فكفروا نعم الله عز وجل وغيروا ما بأنفسهم من عافية الله فغير الله ما بهم من نعمة. وإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فأرسل الله عليهم سيل العرم فغرق قراهم وخرب ديارهم وأذهب أموالهم وأبدلهم مكان جناتهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشئ من سدر قليل، ثم قال: * (ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور) *. * الشرح: قوله (فقال هؤلاء قوم كانت لهم قرى متصلة) هؤلاء كانوا من أولاد سبأ وكانت لهم قرى متصلة

[ 253 ]

متقاربة من مواضع سكناهم باليمن إلى الشام ينظر بعضهم إلى بعض لغاية القرب وكمال الاتصال وأنهار جارية فيها وفيما بينهما وأموال ظاهرة لأبناء السبيل والمسافرين في كل ما يحتاجون إليه بلا تعب في تحصيله وحمله وكانوا يسيرون فيها ليالي وأياما آمنين من غير خوف، وأمروا بأن يأكلوا رزق ربهم ويشكروا له بإزاء تلك النعمة الجليلة فأعرضوا عن الشكر وكفروا أنعم الله عز وجل وغيروا ما بأنفسهم من العافية والخير وقالوا: ربنا باعد بين أسفارنا، طالبين أن يجعل بينهم وبين الشام مفاوز وبراري ليتطاولوا فيها على الفقراء بركوب الرواحل وتزود الزاد، فغير الله ما بهم من نعمة فأرسل عليهم سيل العرم ففرق قراهم وخرب ديارهم وأذهب بأموالهم الصامت والناطق وأبدلهم جناتهم التي كانت عن يمين بلدهم وشماله وعن يمين مسكن كل رجل وشماله * (جنتين ذواتي أكل خمط) * وهو ثمرة بشع أو نوع من شجر أراك به حمل يؤكل، وذواتي أثل وهو نوع من الشجر شبيه بالطرفا لا ثمر له * (وشئ من سدر قليل) * وثمره وهو النبق يطيب أكله ولذا وصفه بالقلة، وتسمية البدل جنتين من باب المشاكلة أو التهكم، ثم قال جل شأنه: * (ذلك) * أي الذي فعلناه بهم وقضينا عليهم * (بما كفروا) * أي بسبب كفرانهم بتلك النعم الجليلة * (وهل نجازي) * بذلك الجزاء أو بمثل ما فعلنا بهم * (إلا الكفور) * أي المبالغ في الكفر، والاستفهام للتقرير. والمفسرون نقلوا في العرم أقوالا الأول أنه السد الذي يحبس الماء وكان له ثلاثة أبواب بعضها فوق بعض فيسقون من الباب الأعلى ثم من الثاني ثم من الثالث بقدر الاحتياج. وأضاف السيل إلى العرم لأنه بخرابه جاء السيل. الثاني أنه اسم الوادي وأضاف السيل إليه لأنه جاء من قبله. الثالث أن العرم صفة السيل من العرام وهو الشدة أي سيلان لا يمنع منه. الرابع أنه الخلد وهو الجرذ الأعمى فنقب السكر من أسفله فسال منه فخرب جناتهم، والإضافة لأدنى ملابسة. 24 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن سماعة قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ما أنعم الله على عبد نعمة فسلبها إياه حتى يذنب ذنبا يستحق بذلك السلب. 25 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا عن ابن محبوب، عن الهيثم بن واقد الجزري قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن الله عز وجل بعث نبيا من أنبيائه إلى قومه وأوحى إليه أن قل لقومك: إنه ليس من أهل قرية ولا [ أ ] ناس كانوا على طاعتي فأصابهم فيها سراء فتحولوا عما احب إلى ما أكره إلا تحولت لهم عما يحبون إلى ما يكرهون، وليس من أهل قرية ولا أهل بيت كانوا على معصيتي فأصابهم فيها ضراء فتحولوا عما أكره إلى ما احب إلا تحولت لهم عما يكرهون إلى ما يحبون، وقل لهم: إن رحمتي سبقت غضبي فلا تقنطوا من رحمتي فإنه لا يتعاظم عندي ذنب أغفره وقل لهم: لا يتعرضوا معاندين لسخطي ولا

[ 254 ]

يستخفوا بأوليائي فإن لي سطوات عند غضبي، لا يقوم لها شئ من خلقي. * الشرح: قوله (فتحولوا عما أحب إلى ما أكره إلا تحولت لهم عما يحبون إلى ما يكرهون) يشهد للفريقين الخبر المشهور وهو " كما تدين تدان " ثم بشر المذنبين بقوله: (وقل لهم إن رحمتي سبقت غضبي... إلى آخره). إذا اشتد سبب الغضب وكان هناك سبب الرحمة ولو كان ضعيفا تعلقت الرحمة إن شاء الله وهو المراد بسبقها، أو المراد به أنه تعالى خلق الإنسان برحمته لإدراجهم في ظلها، والغضب إنما تشأ من سوء أعمالهم وقبح أفعالهم ولذلك لا يتغاظم عنده غفران ذنوبهم إن بقيت علاقة المغفرة في الجملة، وفيه ترغيب في التوبة والرجوع عن المعصية ووعد بقبولها ووعيد عن القنوط من رحمته بسبب معصيته وإن عظمت كما في قوله: (وقل لهم لا يتعرضوا معاندين لسخطي ولا يستخفوا بأوليائي) فإن فيه وعيدا على المعصية والبقاء عليها، والاستخفاف بالأولياء شامل للاستهزاء بهم وقتلهم وحبسهم وضربهم وشتمهم وغيرها مما ينافي تعظيمهم، والسطوة والقهر: الإذلال والبطش الشديد. 26 - علي بن إبراهيم الهاشمي، عن جده محمد بن الحسن بن محمد بن عبيدالله، عن سليمان الجعفري، عن الرضا (عليه السلام) قال: أوحى الله عز وجل إلى نبي من الأنبياء إذا اطعت وإذا رضيت باركت وليس لبركتي نهاية وإذا عصيت غضبت وإذا غضبت لعنت ولعنتي تبلغ السابع من الورى. * الشرح: قوله (ولعنتي تبلغ السابع من الورى) وراء الرجل أولاد أولاده وكل من جاء خلفه، ولعل المراد قد تبلغ وذلك إذا رضوا بفعل أبيهم أو اقتدوا به والله يعلم. 27 - محمد بن يحيى، عن علي بن الحسن بن علي، عن محمد بن الوليد، عن يونس ابن يعقوب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) [ أنه ] قال: إن أحدكم ليكثر به الخوف من السلطان وما ذلك إلا بالذنوب فتوقوها ما استطعتم ولا تمادوا فيها. * الشرح: قوله (إن أحدكم ليكثر به الخوف من السلطان وما ذلك إلا بالذنوب) فكذا بالنسبة إلى السلطان الأعظم وفيه تشبيه للخفي بالظاهر الجلي للتقرير والإيضاح ثم أمر بالوقاية عن الذنوب بقدر الاستطاعة ونهى عن الإصرار عليها والتمادي فيها والمداومة عليها على تقدير الوقوع، وبالجملة يجب حفظ النفس من الذنب ولو صدر وجب التدارك بالتوبة وعدم الإصرار عليه.

[ 255 ]

28 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، رفعه قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لا وجع أوجع للقلوب من الذنوب ولا خوف أشد من الموت، وكفى بما سلف تفكرا، وكفى بالموت واعظا. * الشرح: قوله (لا وجع أوجع للقلوب من الذنوب) إذ كل وجع يفرض لا يوجب بعد القلب من الله المطلوب لكل سالك إلا الذنوب في العقائد والأعمال، وأيضا كل وجع لا يوجب هلاك القلب أبدا وسواده إلا الذنوب. (ولا خوف أشد من الموت) أي من خوف الموت إذ كل شئ يخاف منه وقوعه غير متيقن بخلاف الموت، ولأن الخوف إنما هو من ألم، والموت ألم شديد مع ما يعقبه من الآلام التي لا علم بالنجاة منها قطعا (وكفى بما سلف تفكرا) فإن من تفكر فيما سلف من أحوال القرون وفيمن أنس بالدنيا فغرتهم ووثقوا بها فصرعتهم وعصوا فيها فدمرتهم فأخرجوا من دورهم وحملوا إلى قبورهم فأنزلوا شر الدار وأدخلوا بئس القرار وألبسوا سرابيل القطران وعذبوا بمقطعات النيران حصلت له ملكة الصبر على الطاعة وفضيلة التحرز عن المعصية فيتذكر ما كانوا عنه يغفلون ويحذر عما كانوا به يعلمون. (وكفى بالموت واعظا) لأنه يقرع الآذان بحديث الفناء ويخبر الإنسان بعدم البقاء ويقبح الشغل بالدنيا لسرعة زوالها ويشنع معصية المولى لشدة نكالها ويتعظ بمواعظها من هو سديد أو ألقى السمع إلى زواجرها وهو شهيد. 29 - أحمد بن محمد الكوفي، عن علي بن الحسن الميثمي، عن العباس بن هلال الشامي مولى لأبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: كلما أحدث العباد من الذنوب ما لم يكونوا يعملون أحدث الله لهم من البلاء ما لم يكونوا يعرفون. * الشرح: قوله (كلما أحدث العباد من الذنوب ما لم يكونوا يعملون أحدث الله لهم من البلاء ما لم يكونوا يعرفون) يدل عليه (1) أيضا قول أمير المؤمنين (عليه السلام) " من صارع الحق صرعه " يجوز أن يراد بالحق ذات الله تعالى والمراد بالمصارعة حينئذ مخالفة أوامره ونواهيه، وأن يراد به الصواب أي من عدل


1 - قول " يدل عليه " معنى الحديث أن الناس إذا اخترعوا في المعاصي وجوها لم يكن يعرفها أحد قبلهم كالآت اللهو والقمار وغيرها أحدث الله لهم بلاء لم يكونوا يعرفون كأمراض خطرة ووسائل للقتل والسلب والظلم، ولا أدري ما فهم منه الشارح. (ش). (*)

[ 256 ]

عن طريق الصواب صرعه في مهاوي البلاء والعتاب. 30 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن عباد بن صهيب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: يقول الله عز وجل: إذا عصاني من عرفني سلطت عليه من لا يعرفني. * الشرح: قوله (إذا عصاني من عرفني سلطت عليه من لا يعرفني) لعل المراد به الجاحد له من الإنسان أو المعاند له كالشيطان. 31 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن علي بن أسباط، عن ابن عرفة عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: إن لله عز وجل في كل يوم وليلة مناديا ينادي: مهلا مهلا عباد الله عن معاصي الله، فلولا بهائم رتع وصبية رضع وشيوخ ركع لصب عليكم العذاب صبا، ترضون به رضا. * الشرح: قوله (مهلا مهلا عباد الله) المهل بالتسكين والتحريك لغة: الرفق والتأني والتأخر أي رفقا رفقا يا عباد الله عن معاصي الله يعني تأن فيها ولا تعجل أو تأخر عنها ولا تقربها، وهو للواحد والاثنين والجماعة والمؤنث بلفظ واحد. ورتع ورضع وركع بضم الأول وفتح الثاني مع الشد جمع راتع وراضع وراكع كطلب جمع طالب، والرض: الكسر والدق الجريش وفعله من باب قتل، والمراد بالعذاب العذاب الدنيوي وأما العذاب الأخروي فلا دافع له إلا التوبة أو العفو أو الشفاعة.

[ 257 ]

باب الكبائر 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن أبي جميلة، عن الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل: * (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما) * قال: الكبائر: التي أوجب الله عز وجل عليها النار. * الشرح: قوله (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم) هذا على مذهب من قال بأن الذنوب بعضها كبائر وبعضها صغائر (1) ظاهر فإن الكبائر تكفر الصغائر، وأما على مذهب من قال: إن الذنوب كلها كبائر في ذواتها وإن كان بعضها أكبر من بعض كما هو مذهب الإمامية على ما نقله الشيخ أبو علي الطبرسي في مجمع البيان ففيه خفاء إذ ليس ذنب غير الكباير حتى يكون اجتنابها كفارة له، وأجيب عنه بأن من عن له ذنبان أحدهما أكبر من الآخر ودعت نفسه اليهما بحيث لا يتمالك فترك الأكبر وفعل الأصغر فإنه يكفر عنه الأصغر لما استحقه من الثواب على ترك الأكبر كمن عن له التقبيل والنظر بشهوة فكف عن التقبيل وارتكب النظر، وهذا الجواب مذكور في كنز العرفان وأورده البيضاوي في تفسيره، ونقله الشيخ في الأربعين وأمر بالتأمل فيه، وبين وجه التأمل في الحاشية بأنه يلزم منه أن من كف نفسه عن قتل شخص وقطع يده مثلا يكون مرتكبا للصغيرة وتكون مكفرة عنه اللهم إلا أن يراد بالأصغر ما لا أصغر منه وهو في هذا المثال أقل ما يصدق عليه الضرر لا قطع اليد، ثم قال: وفيه ما فيه فليتأمل، ثم أشار إلى تعريف الكبائر بقوله: (الكبائر التي أوجب الله عز وجل عليها النار) يعني أن الكبائر ما تعلق به الوعيد بالنار في القرآن


1 - قوله " بعضها كبائر وبعضها صغائر " لا أستحسن تعبير الشارح في نقل القولين إذ لا ينكر أحد تقسيم المعاصي إلى كبيرة وصغيرة كما ورد في القرآن إالا أنهم اختلفوا في كون كل منهما محدودة في عدد خاص، أو أن الكبر والصغر نسبي إضافي كالأمثلة التي ذكرناها، والحق هو ما نقله عن الطبرسي ولا يعتبر ذلك بالنسبة إلى ما هم به العبد بل إلى إيجاب سخط الله وعقابه، فكلما هو أشد كراهة عند الله وسخطه فيه أعظم وعذابه آلم وأدوم فهو أكبر. وروي " أن أكبر الكبائر الشرك بالله تعالى " وفي القرآن الكريم: * (الفتنة أشد من القتل) * مع كون القتل كبيرة، وأيضا أن القتال في الشهر الحرام كبير وصد عن سبيل الله والمسجد الحرام، ومع ذلك إخراج أهل المسجد الحرام منه أكبر كما في القرآن. وبالجملة كلما هو أقبح عند الله فهو أعظم وإنما الكلام في تقييد اسم الكبائر بعدة معدودة وهو ممنوع، ويعرف كون بعض المعاصي أعظم عند الله وقباحته أشد بأن يذكره في القرآن مع الوعيد ولو لم يكن شدة قبحه لم يخصصه تعالى بالذكر. وأما تكفير السيئات الصغيرة ففيه كلام ليس هنا موضع تفصيله. (ش). (*)

[ 258 ]

الكريم وله أفراد كثيرة يعرفها من تفكر في القرآن وعرف زواجره ونواهيه. 2 - عنه، عن ابن محبوب قال: كتب معي بعض أصحابنا إلى أبي الحسن (عليه السلام) يسأله عن الكبائر كم هي وما هي، فكتب: الكبائر من اجتنب ما وعد الله عليه النار كفر عنه سيئاته إذا كان مؤمنا والسبع الموجبات: قتل النفس الحرام وعقوق الوالدين وأكل الربا والتعرب بعد الهجرة وقذف المحصنة وأكل مال اليتيم والفرار من الزحف. * الشرح: قوله (كم هي وما هي) العطف إما للتفسير أو الأول سؤال عن عدد الكبائر والثاني عن حدها، والواو لا تفيد الترتيب وإلا فالسؤال عن حد الشئ مقدم على السؤال عن عدد أفراده، فأشار (عليه السلام) إلى تعريفها بأنها ما تعلق به الوعيد بالنار، وإلى بعض خواصها بأنها مكفرة لما دونها من السيئات. وإلى شرائط التكفير بأنه إذا كان مؤمنا، وإلى أفرادها بأنها السبع الموجبات للنار، والظاهر أن قوله " الكبائر " في قوله فكتب " الكبائر " مفعول كتب كما بعدها أي كتب لفظ الكبائر في صدر الكتاب ليعلم أن ما بعدها متعلق ببيانها كما هو المتعارف في ذكر الشئ مجملا، ثم مفصلا. وأن قوله: (والسبع الموجبات) عطف على ما وعد الله أي من اجتنب السبع الموجبات للنار كفر عنه سيئاته من باب عطف الخاص على العام لأن الكبائر أكثر منها كما سنشير إليه أو من باب عطف المفصل على المجمل، ويحتمل أن يكون عطفا على من اجتنب أي الكبائر السبع الموجبات وهي (قتل النفس الحرام) سواء كانت نفس القاتل أو ولده أو غيرهما وقد وقع النهي المشدد عن الكل. (وعقوق الوالدين) وهو ترك ما يجب لهما من البر وفعل ما يتأذيان به ومخالفتهما فيما ليس بمعصية، وفي جواز المخالفة في الشبهات نظر والأقرب عدم الجواز. (وأكل الربا) الربا من أعظم الكبائر وهو حرام مطلقا بالبيع وغيره نقدا ونسية اقتناء وأكلا وغيرهما من التصرفات وإنما خص الأكل بالذكر لأنه أعظم ما يكتسب له حقيقة وعادة، على أنه شاع في العرف إطلاق الأكل على جميع وجوه التصرفات، وقيد الخبر الآخر تحريم أكله يكون أخذه بعد البينة أي بعد البيان النبوي والدليل الشرعي فيفيد كظاهر الآية جواز التصرف فيما أخذه قبلها وإن كانت العين باقية وأما ما لم يأخذه قبلها فلا يجوز أخذه والاحتياط هو الرد مع بقاء العين. (والتعرب بعد الهجرة) قال ابن الأثير: هو أن يعود إلى البادية بعد أن كان مهاجرا وكان من رجع بعد الهجرة إلى موضعه من غير عذر يعدونه كالمرتد، أقول: وجوب المهاجرة إلى المدينة قبل الفتح لنصرة النبي (صلى الله عليه وآله) وتحريم التعرب قبله مما أجمع عليه الأمة، وأما التعرب بعده فالظاهر أنه حرام أيضا للاستصحاب ولظاهر هذا الخبر ونحوه، ويحتمل العدم لقوة الدين وكثرة الناصر بعده

[ 259 ]

وكذا الحكم في وجوب المهاجرة بعده وتحريم التعرب بعد هذه المهاجرة (وقذف المحصنة) أي رميها بالزنا وكذا رمي المحصن به أو باللواط والمراد بها العفيفة سواء كانت ذات بعل أم لا. (وأكل مال اليتيم) الأكل يعم جميع وجوه التصرف عرفا، واليتم لغة: الانفراد، وهو في الناس من فقد أباه وفي البهائم من فقد أمه بشرط الصغر فيهما، والزمخشري لا يشترطه لوجود الانفراد في الكبير أيضا إلا أنه غلب استعماله في الصغير وقال: حديث " لا يتم بعد البلوغ " تعليم شريعة لا تعليم لغة، والمراد هنا الصغير ويمكن إرادة الأعم منه ومن الشيعة مطلقا لأنهم أيتام أهل البيت (عليهم السلام) كما دل عليه بعض الروايات، والحديث نص في تحريم أكل ماله على كل أحد حتى الوصي والولي وجوز بعض الاصحاب أكل الولي بالمعروف لقوله تعالى * (فليأكل بالمعروف) * وأجاب المانع بأنه أمر الولي بأن يأكل من مال نفسه بالمعروف ولا يبذر خوف أن يحتاج فيمد يده إلى مال اليتيم، أو أمره بأن يختار الاقتصاد في صرفه لليتيم أو بأن يأكل على قصد الأداء، والكل ضعيف بل غير مناسب لسوق الآية. ثم تحريم أكل ماله مقيد بما إذا أكل من ماله وحده وأما إذا خلط ماله مع ماله نفسه وأكلا منه فهو جايز بشرط رعاية الغبطة كما في بعض الروايات (والفرار من الزحف) الزحف: المشي يقال زحف إليه زحفا وزحوفا من باب منع إذا مشى، ويطلق على الجيش الكبير تسمية بالمصدر، والفرار من العدو بعد الالتقاء بشرط أن لا يزيدوا على الضعف كبيرة إلا في التحرف لقتال أو التحيز إلى فئة، والمراد بالتحرف لقتال الاستعداد له بأن يصلح آلات الحرب أو يطلب الطعام أو الماء لجوعه أو عطشه أو يجتنب عن مواجهة الشمس والريح أو يطلب مكانا أحسن لثبات القدم أو نحو ذلك، والمراد بالتحيز إلى فئة الرجوع إليهم للاستعانة مع صلاحيتهم لها وعدم البعد المفرط بحيث يعد الرجوع إليهم فرارا. 3 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن عبد الله بن مسكان، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: الكبائر سبع: قتل المؤمن متعمدا وقذف المحصنة والفرار من الزحف والتعرب بعد الهجرة وأكل مال اليتيم ظلما وأكل الربا بعد البينة وكل ما أوجب الله عليه النار. * الشرح: قوله (الكبائر سبع قتل المؤمن متعمدا) الروايات في عدد الكبائر مختلفة ففي رواية عبد العظيم ابن عبد الله الحسني المذكورة في آخر هذا الباب إحدى وعشرون، وفي رواية أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) سبعة، وفي رواية مسعدة بن صدقة عنه (عليه السلام) عشرة وفي هذه الرواية سبعة إلا أن السابعة

[ 260 ]

كل ما أوجب الله عليه النار. وهو كالتعميم بعد التخصيص لأنه يشمل غير ما ذكر امورا كثيرة مثل عقوق الوالدين والشرك بالله واليأس من رحمة الله والأمن من مكر الله ونحوها، وفي الروايتين المذكورتين قبل ما نحن فيه أيضا دلالة على أنها كثيرة جدا وهذا هو الحق، ولعل المعينات في الروايات محمولة على أنها أكبر من البواقي أو على أن الوقوع فيها أكثر فوقع الاهتمام بذكرها ليحترزوا عنها مع أن في أكثرها إشارة إجمالية إلى غيرها لاشتراكها في العلة وهي الوعيد، ومما يؤيده ما نقل عن ابن عباس أن الكبيرة ما نهى الله سبحانه عنه، قيل أهي سبع ؟ قال هي إلى السبعين أقرب، ويروى إلى السبعمائة، وعنه أيضا هي ما توعد الله تعالى عليه بعذاب أو قرن بلعنة أو غضب، وقيل: هي ما توعد عليه بعذاب أو رتب عليه حد، وقيل: هي كل ذنب يؤذن بقلة اعتناء فاعله بالدين، وقيل: هي كل ذنب علم حرمته بدليل قاطع، وقال الغزالي: هي ما فعل دون استشعار خوف ولا اعتقاب ندم لأن الذي يفعل الذنب بدون أحدهما مجتري متهاون وما وقع مع أحدهما صغيرة وهذا التفصيل لم نجد عليه دليلا مع أنه لا يخلو من غرابة كما لا يخفى، وقيل: يعرف الفرق بأن تعرض مفسدة الذنب فإن نقصت عن مفسدة أقل الكباير المنصوص عليها فهي صغيرة وإن ساوتها أو كانت أعظم فهي كبيرة فالشرك كبيرة بالنص، وتلطيخ الكعبة بالقذر وإلقاء المصحف فيه مساو له والزنا والقتل كبيرتان بالنص وحبس امرأة ليزني بها أو ليقبلها لم ينص عليه لكنه أعظم مفسدة من أكل مال اليتيم المنصوص عليه، والفرار من الزحف كبيرة والدلالة على عورة المسلمين مع العلم بأنهم يسبون أموالهم وذراريهم لم ينص عليه ولكنه أعظم من الفرار من الزحف وكذلك لو كذب على مسلم كذبة يعلم أنه يقتل بها. وقال جماعة: الذنوب كلها كبائر لاشتراكها في مخالفة الأمر والنهي لكن قد يطلق الصغير والكبير على الذنب بالإضافة إلى ما فوقه وما تحته، فالقبلة صغيرة بالنسبة إلى النظر بشهوة. قال الشيخ الطبرسي في مجمع البيان بعد نقل هذا القول: وإلى هذا ذهب أصحابنا رضي الله عنهم فإنهم قالوا: المعاصي كلها كبيرة لكن بعضها أكبر من بعض وليس في الذنوب صغيرة وإنما يكون صغيرا بالإضافة إلى ما هو أكبر (1) ويستحق العقاب عليه أكثر، قال الشيخ في الأربعين: لا يخفى أن كلام الشيخ الطبرسي مشعر بأن القول بأن الذنوب كلها كبائر متفق عليه بين علماء الامامية وكفى بالشيخ ناقلا: إذا قالت حذام فصدقوها * فإن القول ما قالت حذام


1 - " وإنما يكون صغيرا بالإضافة إلى ما هو أكبر " هذا تعبير حسن لا يرد عليه ما أوردنا في الحاشية السابقة. (ش). (*)

[ 261 ]

ولكن صرح بعض أفاضل المتأخرين (1) منهم بأنهم مختلفون وإن بعضهم قائل ببعض الأقوال السالفة ونسب هذا القول إلى رئيس الطائفة الشيخ المفيد وابن البراج وأبي الصلاح والمحقق محمد بن إدريس والشيخ أبي علي الطبرسي رضوان الله عليهم. 4 - يونس، عن عبد الله بن سنان، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن من الكبائر عقوق الوالدين واليأس من روح الله والأمن لمكر الله. وقد روي [ أن ] أكبر الكبائر الشرك بالله. * الشرح: قوله (واليأس من روح الله والأمن لمكر الله) اليأس من رحمة الله الواسعة المريحة من الشدائد إنكار لأعظم صفاته تعالى وهي الرحمة المبتنية عليها إفاضة جميع الخيرات دنيوية كانت أم أخروية ولوعده الصادق بمغفرة الذنوب وإن كثرت وإساءة الظن به والأمن لمكر الله تعالى وسكون القلب من عقوبته وعدم الخوف من معصيته جرأة عليه وإنكار لوعيده وجلالته واستخفاف لعظمته وعزته فينبغي للعبد أن يكون دائما بين الخوف والرجاء (وقد روي [ أن ] أكبر الكبائر الشرك (2) بالله) لأن عقوبته أشد لقوله تعالى * (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك) * والشرك أعم من اتخاذ الشريك له في الألوهية كما في عبدة الأوثان والغلاة ومن تشبيهه بالخلق كما في المصورة والمجسمة. 5 - يونس، عن حماد، عن نعمان الرازي قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: من زنى خرج من الإيمان ومن شرب الخمر خرج من الإيمان ومن أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا خرج من


1 - قوله " لكن صرح بعض أفاضل المتأخرين " لعل هذا البعض فهم من اختلاف العلماء في هذه المسألة غير ما هو المقصود وتحليل المطلب أن من قال مثلا الكبائر سبع: الشرك والقتل والزنا.... إلى آخره. هل يكون مقصوده تساوي هذه المعاصي في القبح وكراهة الله تعالى إياها واستحقاق جميعها عقابا واحدا أو يكون مقصوده عدم تساويها في هذه الأمور ولا يتوقع منه الاعتقاد بالتساوي فلابد أن يكون بعضها أكبر وبعضها أصغر، ثم ننقل الكلام إلى ما سوى هذه السبع وما سواها صغائر في اصطلاحه هل يكون مقصوده تساويها في ما ذكر من القباحة والسخط والعذاب أو عدم تساويها، ولا يتوهم في حقه أن يعتقد تساوي جميع الذنوب ما سوى السبع الكبائر. فيكون بعضها أقبح وحينئذ فمرتكب هذه الصغائر في اعتقاد القائل به هل يستحق العذاب أو لا ؟ فإن قالوا لا يستحق العقاب فليست معصية لا كبيرة ولا صغيرة، وإن استحق العقاب فلابد أن يكون العفو عنه تفضلا ويمكن العفو تفضلا عن الكبائر أيضا. فإن فتشنا القائل بكون الكبائر سبعا وجدناه موافقا لمن قال بقول الطبرسي رحمه الله إلا أن يظن بأحد من العلماء تساوي الكبائر في القباحة وتساوي الصغائر فيها وكون القبح ذا مرتبتين فقط وأن الصغائر ليست معصية أصلا، وهم بريئون من هذا الظن. (ش). 2 - قوله " أكبر الكبائر الشرك " يدل على قول الإمامية على ما سبق عن الطبرسي رحمه الله. (ش). (*)

[ 262 ]

الإيمان. * الشرح: قوله (من زنى خرج من الإيمان ومن شرب الخمر خرج من الإيمان ومن أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا خرج من الإيمان) الروايات الدالة على أن العاصي يخرج من الإيمان حين المعصية كثيرة فمنهم من حملها على ظاهرها ومنهم من حملها على نفي الكمال وزواله من باب نفي الشئ بنفي صفته نحو " لا علم إلا ما نفع " ومنهم من حملها على المستحل ومنهم من حملها على أنه ليس آمنا من عقوبة الله، ويرد عليهما أنه لا وجه لتخصيص هذه المعاصي بذلك بل الجميع كذلك ولا للتخصيص بوقت الفعل كما في بعض الروايات، وقد يجاب عن الأول بأن الحكم غير مختص بهذه المعاصي لأنه نبه بالزنا على جميع ما حرمه الله من الشهوات وبالخمر على جميع ما يشغل عن الله وبالسرقة على الرغبة في الدنيا وأخذ الشئ من غير وجهه، ويؤيده ما سيأتي من رواية محمد بن حكيم قال: " قلت لأبي الحسن (عليه السلام): الكبائر تخرج من الإيمان ؟ قال: نعم وما دون الكبائر " (1) ومنهم من حملها على نفي اسم المدح أي لا يقال له مؤمن بل يقال له زان وشارب الخمر وتارك للصوم وسارق. ويقرب منه قول المعتزلة أن الفاسق لا يسمى مؤمنا، ومنهم من حملها على زوال النور الناشئ من الإيمان وهو منقول عن ابن عباس، وأيده بقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) " من زنى نزع الله نور الإيمان من قلبه فإن شاء رده إليه " ومنهم من حملها على زوال استحضار الإيمان أي لا يزني الزاني وهو مستحضر الإيمان، ويقرب منه قول الفخر الرازي " لا يزني الزاني وهو عاقل " لأن المعصية مع استحضار العقوبة مرجوحة والحكم بالمرجوح خلاف المعقول، ومنهم من حملها على نفي الحياء أي لا يزني الزاني وهو مستحي من الله والحياء خصلة من الإيمان وهذا راجع إلى التأويل الأول وهو أقرب التأويلات وإن كان الخبر كاد أن يكون من المتشابهات فترك تأويله إلى العالم (2) بها أولى. 6 - عنه، عن محمد بن عبده قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): لا يزني الزاني وهو مؤمن ؟ قال: لا، إذا


1 - قوله " نعم وما دون الكبائر " يعني الصغائر فإنها أفعال غير مرضية لله تعالى ويستحق فاعلها العقاب فإن ثبت العفو عنها فهو تفضل وهذا يدل على قولنا أيضا. (ش). 2 - قوله " فترك تأويله إلى العالم " هذا حسن بالنسبة إلى المسألة من حيث أنها مسألة اعتقادية أصولية أما من جهة العمل فلا، فلأن الفساق يعاشرون مع الصلحاء وينكحون فيهم ويؤاكلونهم ويدخلون في مساجدهم فإن خرج أحد بالفسق عن الإيمان نجس بدنه ويعامل معه معاملة الكافر وهو خلاف الاجماع فلابد من تأويل هذا الخبر بوجه لا ينافي الحكم المعلوم وخروج الفاسق عن الإيمان بفسقه مذهب الوعيدية من الخوارج. (ش). (*)

[ 263 ]

كان على بطنها سلب الإيمان فإذا قام رد إليه فإذا عاد سلب، قلت: فإنه يريد أن يعود ؟ فقال: ما أكثر من يريد أن يعود فلا يعود إليه أبدا. * الشرح: قوله (قلت فإنه يريد أن يعود -... إلى آخره) توهم أن إرادة العود إلى الفعل مثله فدفعه (عليه السلام) بأنه لليس كذلك وهو لا ينافي أن هم العود معصية باعتبار ترك التوبة. 7 - يونس، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل: * (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم) * قال: الفواحش الزنا والسرقة، واللمم: الرجل يلم بالذنب فيستغفر الله منه. قلت: بين الضلال والكفر منزلة ؟ فقال: ما أكثر عرى الإيمان. * الشرح: قوله (الفواحش الزنا والسرقة) الزنا بالكسر والقصر والسرقة مثل كلمة والفعل من باب ضرب، والفاحشة منها: كل ما اشتد قبحه من الكبائر كالزنا بالمحارم أو مطلقا وتخصيصها بالذكر بعد ذكر الكبائر الشاملة لها للاهتمام بالزجر عنهما لكونهما أشد قبحا وأكثر وقوعا (واللمم) بفتحتين مقاربة الذنب وقيل هو الصغائر وقيل هو أن يفعل الصغيرة ثم لا يعاوده كالقبلة والوط ء بين الفخذين وغيرها مما تكفره الصلاة وقيل هو أن يلم بالشئ ولا يفعله (قلت بين الضلال والكفر منزلة ؟ فقال: ما أكثر عرى الإيمان) كان المراد إثبات المنزلة بينهما بأن الضال من دخل في الاسلام ولم يدخل في الإيمان، والكافر من لم يدخل في الاسلام فبينهما منزلة عريضة هي الإيمان (1) وله مراتب كما أشار إليه بقوله " ما أكثر عرى الإيمان " وهي أركان الإيمان وآثاره التي بها يكمل الإيمان ويستقر على سبيل تشبيهها بعروة الكوز في احتياج حمله إلى التمسك بها فالإيمان بجميع مراتبه منزلة بينهما، ويحتمل أن يراد بالكفر أعم من الخروج من الإيمان وترك رعاية شئ من آثاره، وإطلاقه على هذا المعنى الأعم شايع كما سيجئ، وحينئذ الإيمان الحقيقي وهو المقرون بجميع آثاره منزلة بينهما، والله يعلم. 8 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الكبائر، فقال: هن في كتاب علي (عليه السلام) سبع: الكفر بالله وقتل


1 - قوله " منزلة عريضة هي الإيمان " اثبات المنزلة بين الكفر والإيمان مذهب بعض المعتزلة وغيرهم على نفيها ولما كان لفظ الرواية يوهم موافقة قول المعتزلة أولها الشارح بوجه لا يخالف إجماع الشيعة وأكثر العامة لأنا لم نر أحدا من علمائنا يثبت واسطة بين الإيمان والكفر، فقال جميع المراتب المتصورة هي من الإيمان وللايمان درجات. (ش). (*)

[ 264 ]

النفس وعقوق الوالدين وأكل الربا بعد البينة وأكل مال اليتيم ظلما والفرار من الزحف والتعرب بعد الهجرة، قال: فقلت: فهذا أكبر المعاصي ؟ قال: نعم، قلت: فأكل درهم من مال اليتيم ظلما أكبر أم ترك الصلاة ؟ قال: ترك الصلاة، قلت: فما عددت ترك الصلاة في الكبائر ؟ فقال: أي شئ أول ما قلت لك ؟ قال: قلت: الكفر ؟ قال: فإن تارك الصلاة كافر يعني من غير علة. * الشرح: قوله (فإن تارك الصلاة كافر يعني من غير علة) تاركها من غير علة مستخفا بها كافر جاحد، وغير مستخف بها كافر مخالف لأعظم الأوامر، وإطلاق الكفر على مخالفة الأوامر والنواهي شايع كما سيجئ، والظاهر أن " يعني " كلام المصنف. 9 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن محمد بن حبيب، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأصم، عن عبد الله بن مسكان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: ما من عبد إلا وعليه أربعون جنة حتى يعمل أربعين كبيرة فإذا عمل أربعين كبيرة انكشفت عنه الجنن فيوحي الله إليهم أن استروا عبدي بأجنحتكم فتستره الملائكة بأجنحتها. قال: فما يدع شيئا من القبيح إلا قارفه حتى يمتدح إلى الناس بفعله القبيح، فيقول الملائكة: يا رب هذا عبدك ما يدع شيئا إلا ركبه وإنا لنستحيي مما يصنع، فيوحي الله عز وجل إليهم أن ارفعوا أجنحتكم عنه فإذا فعل ذلك أخذ في بغضنا أهل البيت فعند ذلك ينهتك ستره في السماء وستره في الأرض، فيقول الملائكة: يا رب هذا عبدك قد بقي مهتوك الستر فيوحي الله عز وجل إليهم: لو كانت لله فيه حاجة ما أمركم أن ترفعوا أجنحتكم عنه. * الشرح: قوله (ما من عبد إلا وعليه أربعون جنة) الجنة بالفتح: الساتر، وبالضم: الترس، وقد يراد بها الساتر على سبيل الاستعارة، والأولى تجمع على جنن بكسر الجيم وفتح النون، والثانية على جنن بضم الجيم وفتح النون، وهذه الجنن يحتمل أن تكون أجنحة الملائكة وأن تكون غيرها، والأول أظهر، ولعل الغرض من الستر أن لا يرى معصيته طائفة من المقربين. (حتى يمتدح إلى الناس بفعله القبيح) أي يمدح نفسه عند الناس بفعله القبيح أو يريد أن يمدحه الناس به كذلك زين له الشيطان سوء عمله فيراه حسنا، وفي كنز اللغة: تمدح: " خويشتن را ستردن وستايش خواستن ". (فيقول الملائكة يا رب هذا عبدك قد بقي مهتوك الستر -... إلى آخره)

[ 265 ]

لا يقال: قول الملائكة هذا بناء على أنهم يريدون ستره، وهذا ينافي قولهم المذكور قبله لاشعاره بأنهم يريدون هتك ستره. لأنا نقول: دلالة قولهم الأول على ذلك ممنوع لاحتمال أن يكون طلبا لإصلاحه، ولو سلم فيحتمل أن يكون طلبهم هتك الستر أولا نظر إلى عظمة معصية الرب عندهم ثم بدا لهم طلب الستر له نظرا إلى شفقتهم ببني آدم، ويمكن أن يراد بالملائكة ثانيا غير من رفع أجنحتهم فلا منافاة بين القولين لاختلاف القائلين لكن يأباه قوله " ما أمركم أن ترفعوا أجنحتكم عنه " إلا أن يراد بالخطاب جنس الملائكة. ورواه ابن فضال، عن ابن سكان. 10 - علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: الكبائر القنوط من رحمة الله واليأس من روح الله والأمن من مكر الله وقتل النفس التي حرم الله وعقوق الوالدين وأكل مال اليتيم ظلما وأكل الربا بعد البينة والتعرب بعد الهجرة وقذف المحصنة والفرار من الزحف، فقيل له: أرأيت المرتكب للكبيرة يموت عليها، أتخرجه من الإيمان، وإن عذب بها فيكون عذابه كعذاب المشركين، أوله انقطاع ؟ قال: يخرج من الإسلام إذا زعم أنها حلال ولذلك يعذب أشد العذاب وإن كان معترفا بأنها كبيرة وهي عليه حرام وأنه يعذب عليها وأنها غير حلال فإنه معذب عليها وهو أهون عذابا من الأول ويخرجه من الإيمان ولا يخرجه من الإسلام. * الشرح: قوله (الكبائر القنوط من رحمة الله واليأس من روح الله) الظاهر أن القنوط واليأس مترادفان (1) فالجمع بينهما للتأكيد والمبالغة مع احتمال أن يكون النظر في القنوط إلى قصور الرحمة وفي اليأس إلى عظمة المعصية وحرمان صاحبها من الرحمة أو يكون الروح غير الرحمة كالتنفيس من الكرب والعقوبة وقد ذكرنا ما يتعلق به سابقا ولا بأس أن نشير إليه ثانيا مبالغة لترك هذه الخصلة الذميمة فنقول: اليأس، وهو ضد الرجاء، من الكبائر الموبقة لأن فيه جحدا للرحمة والمغفرة وخروجا من التوحيد وقد جاء في كثير من الآيات الدالة على شمول الرحمة للمذنبين مثل * (رحمتي وسعت


1 - " القنوط واليأس مترادفان " وسره أن الآيسين من روح الله يتمادون في المعاصي ويزيد شرحهم بالنسبة إلى أنفسهم وإلى غيرهم، أما بالنسبة إلى غيرهم فواضح فإن السارق والقاتل إذا أيس من رحمة الله سرق وقتل أكثر مما فعل، وأما بالنسبة إلى نفسه فيزيد ظلمة على ظلمة في قلبه وانحطاطا أكثر من انحطاطه عن السعادة الأخروية كفقير يسرق ومريض يشرب السم. (ش). (*)

[ 266 ]

كل شئ) * * (ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الخاسرون) * و * (يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم) *. وتقييد المغفرة بالتوبة في قوله تعالى * (وإني لغفار لمن تاب) * لا ينافي ثبوتها بلا توبة ولا يوجب تقييد الآيات والروايات المطلقة بها إذ لا قصور في الرحمة حتى لا يتحقق بدونها، على أن من تاب فقد خرج من الذنوب فلو قصرت المغفرة على التائب تعطل معنى الآيات والروايات وذهبت فائدة الرحمة وسعتها فلابد من أن لا ييأس العاصي وأن يكون بين الخوف والرجاء بل يكون طمعه بالرجاء أوثق وقلبه بشمول العناية أعلق كما قيل وبالجملة وجب على العاصي أن يتوب ويرجع وإن لم يتب وجب عليه أن لا يقنط لئلا يزيد على كبيرة كبيرة أخرى. إذا كثرت منك الذنوب فداوها * برفع يد في الليل والليل مظلم ولا تيأسن من رحمة الله إنما * قنوطك منها من ذنوبك أعظم (ويخرجه من الإيمان ولا يخرجه من الاسلام) قد شاع عند أهل البيت (عليهم السلام) اطلاق الإيمان على الإيمان الذي لا كرب معه ولا عقوبة بعد الدنيا وهو الإيمان الكامل وإطلاق الاسلام على ما دونه وهو يجامع أصل الإيمان فهذا العاصي يخرج من كمال الإيمان ولا يخرج من أصله فتدركه الرحمة أو الشفاعة إن شاء الله، والله أعلم. 11 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن ابن بكير قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) في قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا زنى الرجل فارقه روح الإيمان ؟ قال: هو قوله: * (وأيدهم بروح منه) * ذلك الذي يفارقه. * الشرح: قوله (قال قلت لأبي جعفر (عليه السلام) في قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا زنى الرجل فارقه روح الإيمان ؟ قال: هو قوله: * (وأيدهم بروح منه) * ذلك الذي يفارقه) أصل الإيمان وهو التصديق بالربوبية والرسالة والولاية حق وله حقيقة وهي موافقة الظاهر والباطن في التعلق بما ينبغي وإليه يشير قوله (صلى الله عليه وآله) " فما حقيقة ايمانكم " مخاطبا لقوم قالوا " نحن مؤمنون " وقوله لحارثة - حين سأله عن حاله فقال مؤمن حقا -: " إن لكل شئ حقيقة فما حقيقة قولك ؟ " وقوله " إن لكل يقين حقيقة " وقول أمير المؤمنين (عليه السلام) " إن على كل حق حقيقة " وهذا جار بعمومه فإن كل عبادة مثل الصلاة والصوم والحج وغيرها حق وله حقيقة وكل خلق من الأخلاق الحسنة حق وله حقيقة هو أولها وهي غايته وهو ظاهرها وهي كماله وبطانته كالتوكل والتقوى مثلا فإن التوكل حق بضرورة عقد الإيمان مع التعلق بالأسباب وحقيقته ينتهي إليها الخاص بقطع الأسباب وسكون قلبه إلى مسبب الأسباب، والتقوى

[ 267 ]

حق تشمل عوام المؤمنين وهي تقوى الشرك وحقيقتها غاية يبلغها خواص الأولياء كما قال عز وجل * (اتقوا الله حق تقاته) * ثم للحقيقة علامات منها الإعراض عن الدنيا وعدم الميل ونور الإيمان إذ بها يهتدي الطالب إلى المطلوب ويعرف بين أهل السموات والارضين، وروح الإيمان إذ بها حياة الإيمان وحياة قلب المؤمن أبدا، وقد يطلق روح الإيمان على ملك موكل بقلب المؤمن يعينه ويهديه في مقابل شيطان يضله ويغويه وعلى نصرة ذلك الملك أيضا وحينئذ لا ريب في أنه إذا زنى المؤمن فارق عنه حقيقة الإيمان وكماله ونوره كما دل عليه بعض الروايات وروحه بالمعاني الثلاثة ثم إذا تاب عاد إلى محله، وقد يعود الروح بالمعنيين الآخرين قبل التوبة أيضا، والضمير المجرور في قوله " بروح منه " راجع إلى الله أو إلى الإيمان. ومن هذا الإجمال يظهر حقيقة المقال، والله أعلم. 12 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد، عن ربعي، عن الفضيل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: يسلب منه روح الإيمان ما دام على بطنها فإذا نزل عاد الإيمان. قال: قلت [ له ]: أرأيت إن هم ؟ قال: لا، أرأيت إن هم أن يسرق أتقطع يده ؟. * الشرح: قوله (قال يسلب منه روح الإيمان ما دام على بطنها فإذا نزل عاد الإيمان) الظاهر أن المراد بروح الإيمان هنا أحد المعنيين الأخيرين المذكورين حيث لم يقيد العود بالتوبة ويمكن أن يراد بها حقيقته بقرينة قوله عاد الإيمان، ولعل المراد أنه يسلب منه شعبة من شعب الإيمان وهي ايمان أيضا فإن المؤمن يعلم أن الزنا مهلك ويزهر نور هذا العلم في قلبه ويبعثه على كف الآلة عن الفعل المخصوص، وكل واحد منهما - أعني العلم والكف - ايمان وشعبة من الإيمان أيضا فإذا غلبت الشهوة على العقل وأحاطت ظلمتها بالقلب زال عنه نور ذلك العلم واشتغلت الآلة بذلك الفعل فانتقصت من الإيمان شعبتان، وإذا انتقصت الشهوة وعاد العقل إلى ممالكه وعلم وقوع الفساد فيها وشرع في اصلاحها بالندامة عن الغفلة صار ذلك الفعل كالعدم أو زالت تلك الظلمة عن القلب ويعود نور ذلك العلم فيعود ايمانه ويصير كاملا بعد ما صار ناقصا (قال قلت [ له ] أرأيت إن هم) أي أخبرني إن هم أن يزني هل هو مثل أن يزني في العقوبة ؟ (قال: لا) أي ليس هم الزنا مثل فعله فيها. (أرأيت إن هم أن يسرق أتقطع يده) ليس المقصود منه إثبات الحكم بالقياس بل المقصود منه تقوية الحكم بالتماثل وإن كان كل مستندا إلى نص. 13 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمار، عن صباح بن سيابة

[ 268 ]

قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فقال له محمد بن عبده: يزني الزاني وهو مؤمن ؟ قال: لا إذا كان على بطنها سلب الإيمان منه فإذا قام رد عليه، قلت: فإنه أراد أن يعود ؟ قال: ما أكثر ما يهم أن يعود ثم لا يعود. 14 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن أبان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: الكبائر سبعة: منها قتل النفس متعمدا والشرك بالله العظيم وقذف المحصنة وأكل الربا بعد البينة والفرار من الزحف والتعرب بعد الهجرة وعقوق الوالدين وأكل مال اليتيم ظلما، قال: والتعرب والشرك واحد. * الشرح: قوله (قال والتعرب والشرك واحد) أي واحد في الكبر والإثم لا في الحقيقة والصدق. 15 - أبان، عن زياد الكناسي قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): والذي إذا دعاه أبوه لعن أباه والذي إذا أجابه ابنه يضربه. * الشرح: قوله (والذي إذا دعاه أبوه لعن أباه -... إلى آخره) يريد أن لعن الأب عند دعائه وضرب الابن بدون ذنب من الكبائر، والأول داخل في العقوق، والثاني قريب منه. 16 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، رفعه، عن محمد بن داود الغنوي، عن الأصبغ بن نباتة قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه فقال: يا أمير المؤمنين إن ناسا زعموا أن العبد لا يزني وهو مؤمن ولا يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر وهو مؤمن ولا يأكل الربا وهو مؤمن ولا يسفك الدم الحرام وهو مؤمن، فقد ثقل علي هذا وحرج منه صدري حين أزعم أن هذا العبد يصلي صلاتي ويدعو دعائي ويناكحني واناكحه ويوارثني واوارثه وقد خرج من الإيمان من أجل ذنب يسير أصابه، فقال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: صدقت سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول، والدليل عليه كتاب الله: خلق الله عز وجل الناس على ثلاث طبقات وأنزلهم ثلاث منازل وذلك قول الله عز وجل في الكتاب: أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة والسابقون، فأما ما ذكر من أمر السابقين فإنهم أنبياء مرسلون وغير مرسلين، جعل الله فيهم خمسة أرواح: روح القدس وروح الإيمان وروح القوة وروح الشهوة وروح البدن، فبروح القدس بعثوا أنبياء مرسلين وغير مرسلين وبها علموا الأشياء وبروح الإيمان عبدوا الله ولم يشركوا به شيئا وبروح القوة جاهدوا عدوهم وعالجوا معاشهم وبروح الشهوة أصابوا لذيذ الطعام ونكحوا الحلال من شباب النساء وبروح البدن دبوا ودرجوا فهؤلاء مغفور لهم مصفوح عن ذنوبهم، ثم

[ 269 ]

قال: قال الله عز وجل: * (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس) * ثم قال: في جماعتهم * (وأيدهم بروح منه) * يقول: أكرمهم بها ففضلهم على من سواهم، فهؤلاء مغفور لهم مصفوح عن ذنوبهم، ثم ذكر أصحاب الميمنة وهم المؤمنون حقا بأعيانهم، جعل الله فيهم أربعة أرواح: روح الإيمان وروح القوة وروح الشهوة وروح البدن فلا يزال العبد يستكمل هذه الأرواح الأربعة حتى تأتي عليه حالات، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين ما هذه الحالات ؟ فقال: أما أولادهن فهو كما قال الله عز وجل: * (ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم بعد علم شيئا) * فهذا ينتقص منه جميع الأرواح وليس بالذي يخرج من دين الله لأن الفاعل به رده إلى أرذل عمره فهو لا يعرف للصلاة وقتا ولا يستطيع التهجد بالليل ولا بالنهار ولا القيام في الصف مع الناس، فهذا نقصان من روح الإيمان وليس يضره شيئا، ومنهم من ينتقص منه روح القوة فلا يستطيع جهاد عدوه ولا يستطيع طلب المعيشة ومنهم من ينتقص منه روح الشهوة فلو مرت به أصبح بنات آدم لم يحن إليها ولم يقم وتبقى روح البدن فيه فهو يدب ويدرج حتى يأتيه ملك الموت فهذا الحال خير لأن الله عز وجل هو الفاعل به وقد تأتي عليه حالات في قوته وشبابه فيهم بالخطيئة فيشجعه روح القوة ويزين له روح الشهوة ويقوده روح البدن حتى توقعه في الخطيئة، فإذا لامسها نقص من الإيمان وتفصى منه فليس يعود فيه حتى يتوب، فإذا تاب تاب الله عليه وإن عاد أدخله الله نار جهنم، فأما أصحاب المشأمة فهم اليهود والنصارى يقول الله عز وجل: * (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم) * يعرفون محمد والولاية في التوراة والإنجيل كما يعرفون أبناءهم في منازلهم * (وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون * الحق من ربك) * إنك الرسول إليهم * (فلا تكونن من الممترين) * فلما جحدوا ما عرفوا ابتلاهم [ الله ] بذلك فسلبهم روح الإيمان وأسكن أبدانهم ثلاثة أرواح روح القوة وروح الشهوة وروح البدن، ثم أضافهم إلى الأنعام، فقال: * (إن هم إلا كالأنعام) * لأن الدابة إنما تحمل بروح القوة وتعتلف بروح الشهوة وتسير بروح البدن، فقال [ له ] السائل أحييت قلبي بإذن الله يا أمير المؤمنين. * الشرح: قوله (وقد خرج من الإيمان من أجل ذنب يسير أصابه) اليسير في مقابل الكثير لا في مقابل الحقير فلا ينافي عظمة الذنوب المذكورة.

[ 270 ]

(خلق الله الناس على ثلاث طبقات) (1) الخلق بمعنى الإيجاد أو التقدير ووجه الحصر أن الناس إما كافر أو مؤمن، والمؤمن إما أن يكون له قوة قدسية مقتضية للعصمة أو لم تكن، والأول أصحاب المشأمة، والأخير أصحاب الميمنة، والثاني السابقون، ويفهم منه أن غير المؤمن من أهل الاسلام داخلون في أصحاب المشأمة، وقد مر نظير هذا الحديث في كتاب الحجة في باب ذكر الأرواح التي في الأئمة (عليهم السلام)، وذكرنا شرحه مفصلا فلا نعيده ولا نتعرض إلا بعض ما ينبغي التعرض له (فهؤلاء مغفور لهم مصفوح عن ذنوبهم) ذنوبهم عبارة عن خلاف الأولى (وهم المؤمنون حقا) هم الذين حققوا إيمانهم بيقين أو اتصفوا بمقتضاه من الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة. (ومنكم من يرد إلى أرذل العمر) أي أخسه وأحقره وهو خمس وسبعون سنة (2) قاله في


1 - قوله " خلق الله الناس على ثلاث طبقات " حديث شريف مشتمل على معان دقيقة وانما لم يتعرض لشرحها كثيرا لأن معناه سبق في حديث أورد في كتاب الحجة (الصفحة 60 وما بعدها من الجزء السادس) وذكر الشارح فيه ما ينبغي أن يذكره وغني عن الإعادة. (ش). 2 - قوله " أخسه وأحقره وهو خمس وسبعون سنة " إن قيل: لا يزال العلماء يحتجون على بقاء النفس الناطقة بعد فناء البدن ببقاء العقل مع ضعف آلات الإحساس وهو من مبادئ علم الأخلاق وهذا الكلام ينافيه. قلنا: أشرنا فيما مر إلى ما فيه كفاية لدفع الشبهة ونزيد توضيحا وبيانا: أن كل قوة تتوقف على وجود البدن وآلاته تفنى بخراب البدن وفساده وكل قوة لا تتوقف عليه لا تفنى كما قلنا في قوة الإبصار فإنا نعلم أنها قوة جسمانية متوقفة على عين صحيحة فإذا فسد مزاج العين بطل الإبصار ولكن الذي كان أكثر عمره بصيرا ورأى أشياء كثيرة واختزنت في ذهنه، ثم عمي آخر عمره لم تزل عن ذهنه ما كان رآه سابقا فنعلم بذلك أن حفظ ما رآه ليس متوقفا على العين ولا تفنى بفساد العين بخلاف الإبصار فإنه لا يستطيع أن يجدد إبصارا، وهكذا نقول في جميع ما يحصل من الحواس ويجتمع عند النفس طول عمر الإنسان لا يجب أن يبطل بزوال الحواس فلا تزول المسموعات وما ترتب عليها من العلوم المكتسبة إذا فسد الإذن وصار صاحبها أصم، فاحدس من هذا أن ما اختزنت من العلوم للإنسان لا تزول بزوال حواسه جميعا إذ لا يحتاج بقاؤها إلى الحواس وانما يحتاج في حدوثها فقط. فبقي احتمال واحد وهو أن يكون اختزان العلوم المكتسبة في جسم غير الالات الحسية الظاهرة كالدماغ مثلا وهو احتمال مردود بأن كل عضو من أعضاء البدن له قوة وقدرة على فعل فإنما يصدر عنه فعل بعد فعل متدرجا ولا يجتمع الجميع فيه دفعة واحدة فلا تستطيع الإذن أن تسمع آلافا من الأصوات دفعة واحدة بل يؤثر فيها صوت فتسمعه وينتفي أثره فلا تسمعه، ويؤثر فيها بعد ذلك صوت آخر فتسمعه بعد الأول، وهكذا الإبصار بل الفكر الذي هو جسماني في الدماغ لا يستطيع أن يتفكر في مسألة لاحقة إلا بعد أن يعرض عن مسألة سابقة ولا يقدر أن يفكر دفعة واحدة في مسألة رياضية وإلهية معا. والذاكرة أيضا جسمانية لا تقدر أن = (*)

[ 271 ]

الكشاف ونقله عن علي (عليه السلام). (وتبقى روح البدن) لم يرد به بقاءه على كماله لعروض النقص فيه أيضا (فإذا لامسها نقص من الإيمان وتفصى منه). الإيمان يطلق على التصديق وعلى الأخلاق والأعمال وعلى الأول بشرط وجود الثاني وعلى المجموع من حيث هو والأول أفضل من الثاني والأخيران أفضل منهما وبين الأخيرين تفاوت وتفاضل حتى يبلغ إلى غاية الكمال، إذا عرفت هذا فنقول إذا انتفى التصديق سواء كان هو الإيمان وحده أو هو مع العمل أو بشرط وجوده تحقق الكفر والجحود وإذا تحقق التصديق وتحققت المخالفة في العمل تحقق النقص من الإيمان والخروج من كماله. (فإذا تاب تاب الله عليه) أي قبل توبته ولا يعذبه وصارت التوبة كفارة لذنبه وسببا لاستقامته فيعود الإيمان إلى حاله، وإن لم يتب أو عاد بعد التوبة إلى المعصية مستمرا عليها أدخله الله نار جهنم إن لم تدركه الرحمة أو الشفاعة. ثم بعد الدخول لا يكون مخلدا ان شاء الله. 17 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن داود قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا زنى الرجل فارقه روح الإيمان ؟ قال: فقال: هو مثل قول الله عز وجل [: * (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) * ثم قال: غير هذا أبين منه، ذلك قول الله عز وجل ]: * (وأيدهم بروح منه) * هو الذي فارقه. * الشرح: قوله (إذا زنى الرجل فارقه روح الإيمان) مر تفسيره في هذا الباب. (قال فقال هو مثل قول الله عز وجل * (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) *) أي لا تقصدوا الخبيث من المال. و " تنفقون " حال


= تتفحص عن شعر وآية وعبارة ومسألة دفعة واحدة، وهذا يدل على أن الدماغ أيضا لا يقدر إلا على فعل بعد فعل تدريجا. وأما العلماء بعد أن بلغوا خمسا وسبعين سنة بل وأكثر وضعفت قواهم الجسمانية جميعا فهم ذوو ملكة علمية جامعة للمسائل الكثيرة الحاصلة لهم طول عمرهم يرجعونها من عند أنفسهم من غير علم جديد وليسوا مساوين لأنفسهم حال صغرهم قبل البلوغ والتعلم قطعا وحينئذ فنسأل عن ملاك الفرق بين الحالتين المتمايزتين: حالة الصغر قبل التعلم وحالة الكبر بعد الحنكة، فإن قيل لا فرق، قلنا هذا باطل بالحس. وإن قيل بينهما فرق بشئ موجود في دماغ الشيخ الكبير دون الطفل الصغير. قلنا هذا أيضا باطل غير معقول لأنا نعلم أن العلوم الكثيرة التي اجتمعت للعلماء والحكماء لا يمكن أن تكون آثارا جسمانية نظير الخطوط والنقوش والألوان مجتمعة حاصلة في دماغ إذ يبطل كل أثر منها الأثر الآخر، والجسم لا يقوى إلا على فعل واحد في آن واحد وعلى أفعال كثيرة متدرجة في أزمنة متعاقبة لا في زمان واحد فبقي أن يكون حامل تلك العلوم موجودا غير جسماني غير محتاج في وجوده إلى البدن ولا يضمحل بفساده ونحن نعترف بأن الدماغ آلة للفكر أعني لتحصيل المعقولات لا لتعقلها وحفظها كما أن البصر آلة لتحصيل المبصرات لا لحفظها وتجريدها (راجع الصفحة 226 من هذا الجزء). (ش). (*)

[ 272 ]

مقررة لفاعل " تيمموا " ويحتمل أن يتعلق منه به ويكون الضمير المجرور للخبيث، والجملة حال منه، ولعل وجه المماثلة أن إيمان الزاني ناقص لا أنه معدوم بكله كما أن الإنفاق من المال الخبيث ناقص لا أنه ليس بإنفاق أصلا. (ثم قال غير هذا أبين منه ذلك قول الله عز وجل * (وأيدهم بروح منه) * هو الذي فارقه) أي المفارق روح الإيمان وهو الملك الموكل به لهدايته أو قوة الإيمان أو نوره أو حقيقته على ما مر تفصيله دون الإيمان كله. 18 - يونس، عن ابن بكير، عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: * (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) * الكبائر فما سواها قال: قلت: دخلت الكبائر في الاستثناء قال: نعم. * الشرح: قوله (قال قلت دخلت الكبائر في الاستثناء ؟ قال: نعم) المراد بالاستثناء مغفرة ما دون الشرك لمن يشاء وإنما سمى استثناء لأنه في قوة لا يغفر إلا ما دون الشرك، وهذا السؤال بعد تفسيره (عليه السلام) ما دون الشرك بالكبائر فما سواها نشأ من نشاط النفس وانبساطها وفيه دلالة واضحة على أنه جل وعز يغفر الكبائر بدون التوبة ولكن قال لمن يشاء لئلا يجترى العبد بالمعصية لجواز أن لا تتعلق به المشيئة. 19 - يونس، عن إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الكبائر فيها استثناء أن يغفر لمن يشاء ؟ قال: نعم. 20 - يونس، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول * (من يؤت الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا) * قال: معرفة الإمام واجتناب الكبائر التي أوجب الله عليها النار. * الشرح: قوله (قال معرفة الإمام واجتناب الكبائر) فسر الحكمة بهما لأنهما من أعظم أفرادها لا لانحصارها فيها، ولعل السر فيه أن الحكمة وهي معرفة ما ينبغي معرفته نور القلب، به يعرف المشروعات والمحظورات والمعقولات والمستحيلات وأعظم ذلك النور معرفة الإمام لأنها أصل لجميع الخيرات وأعظم ثمراته اجتناب الكبائر لكونه أفخم القربات واشتماله على أعظم الواجبات. 21 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن حكيم قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): الكبائر تخرج من الإيمان ؟ فقال: نعم وما دون الكبائر، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا يزني

[ 273 ]

الزاني وهو مؤمن ولا يسرق السارق وهو مؤمن. * الشرح: قوله (قلت لأبي الحسن (عليه السلام) الكبائر تخرج من الإيمان فقال نعم وما دون الكبائر) لا يخفى أن ما دون الكبائر هو الصغائر ولا يقول أحد بأن الصغائر تخرج من الإيمان وتزيله بكله، غاية ما في الباب أنها تنقصه، ومنه يفهم أن الكبائر تنقصه أيضا لا تنفيه بالمرة، فهذا الخبر ونحوه يمكن أن يكون تفسير الأخبار المجملة الدالة على أن الكبائر تخرج من الإيمان (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يزني الزاني وهو مؤمن ولا يسرق السارق وهو مؤمن) قد مر كلام الأكابر في تأويله وتأويل مثله، ومنهم من حمل نظيره على النهي دون الخبر تحرزا عما يفيد ظاهره ومن أحاط علما بالأخبار يعلم أن هذا الحمل لا يحسم مادة الإشكال. 22 - ابن أبي عمير، عن علي [ بن ] الزيات، عن عبيد بن زرارة قال: دخل ابن قيس الماصر وعمرو بن ذر - وأظن معهما أبو حنيفة - على أبي جعفر (عليه السلام) فتكلم ابن قيس الماصر فقال: إنا لا نخرج أهل دعوتنا وأهل ملتنا من الإيمان في المعاصي والذنوب، قال: فقال له أبو جعفر (عليه السلام): يا ابن قيس أما رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقد قال: لا يزني الزاني وهو مؤمن ولا يسرق السارق وهو مؤمن، فاذهب أنت وأصحابك حيث شئت. * الشرح: قوله (فتلكم ابن قيس الماصر فقال انا لا نخرج أهل دعوتنا وأهل ملتنا من الإيمان في المعاصي والذنوب) كأنه أراد أن المعاصي لا تضر الإيمان أصلا كما هو مذهب طائفة من المبتدعة فأجاب (عليه السلام) بأنها تضره. 23 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يرتكب الكبيرة من الكبائر فيموت، هل يخرجه ذلك من الإسلام وإن عذب كان عذابه كعذاب المشركين أم له مدة وانقطاع ؟ فقال: من ارتكب كبيرة من الكبائر فزعم أنها حلال أخرجه ذلك من الإسلام وعذب أشد العذاب وإن كان معترفا أنه أذنب ومات عليه أخرجه من الإيمان ولم يخرجه من الإسلام وكان عذابه أهون من عذاب الأول. * الشرح: قوله (فقال من ارتكب كبيرة من الكبائر فزعم أنها حلال أخرجه ذلك من الاسلام وعذب أشد العذاب) لأن المحلل لكبيرة راد عى الله والراد عليه كافر خارج من الاسلام فيستحق الخلود في النار وأشد العذاب لأن تحليل الحرام بعد العلم به أقبح من تحليله بدون العلم والمعرفة ويفهم منه

[ 274 ]

أن عذاب المرتد أشد من عذاب غيره. (وكان عذابه أهون من عذاب الأول) لعل المراد أن عذابه أهون بحسب الكم لعدم الخلود، وبحسب الكيف لاعترافه بالمعصية وعدم رده الشريعة المعلومة. 24 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني قال: حدثني أبو جعفر صلوات الله عليه قال: سمعت أبي يقول: سمعت أبي موسى بن جعفر (عليهما السلام) يقول: دخل عمرو بن عبيد على أبي عبد الله (عليه السلام) فلما سلم وجلس تلا هذه الآية: * (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش) * ثم أمسك فقال له أبو عبد الله (عليه السلام) ما أسكنك ؟ قال: احب أن أعرف الكبائر من كتاب الله عز وجل فقال: نعم يا عمرو أكبر الكبائر الإشراك بالله، يقول الله: * (ومن يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة) * وبعده الإياس من روح الله، لأن الله عز وجل يقول: * (إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) * ثم الأمن لمكر الله، لأن الله عز وجل يقول: * (فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون) * ومنها عقوق الوالدين، لأن الله سبحانه جعل العاق جبارا شقيا وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، لان الله عز وجل يقول: * (فجزاؤه جهنم خالدا فيها) * إلى آخر الآية، وقذف المحصنة، لأن الله عز وجل يقول: * (لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم) * وأكل مال اليتيم. لأن الله عز وجل يقول: * (إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا) * والفرار من الزحف، لأن الله عز وجل يقول: * (ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير) *. وأكل الربا لأن الله عز وجل يقول: * (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس) * والسحر لأن الله عز وجل يقول: * (ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق) * والزنا لأن الله عز وجل يقول: * (ومن يفعل ذلك يلق أثاما * يضاعف له العذاب يوم القيمة ويخلد فيه مهانا) * واليمين الغموس الفاجرة لأن الله عز وجل يقول: * (الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا اولئك لا خلاق لهم في الآخرة) * والغلول لأن الله عز وجل يقول: * (ومن يغلل يأت بما غل يوم القيمة) * منع الزكاة المفروضة لأن الله عز وجل يقول: * (فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم) * وشهادة الزور وكتمان الشهادة لأن الله عز وجل يقول: * (ومن يكتمها فإنه آثم قلبه) * وشرب الخمر لأن الله عز وجل نهى عنها كما نهى عن عبادة الأوثان وترك الصلاة متعمدا أو شيئا مما فرض الله، لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: من ترك الصلاة متعمدا فقد برئ من ذمة الله وذمة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ونقض العهد وقطيعة الرحم، لأن الله عز وجل يقول: * (اولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار) * قال: فخرج عمرو وله صراخ من بكائه وهو يقول: هل من قال برأيه

[ 275 ]

ونازعكم في الفضل والعلم. * الشرح: قوله (أكبر الكبائر الإشراك بالله) يدخل في المشرك عبدة الأوثان والملاحدة وعبدة النيران والمصورة والمجسمة والغلاة واضرابهم. (وبعده الإياس من روح الله) دل على أن الإياس بعد الإشراك أكبر من البواقي وعلى أن ترك الرجاء كبيرة كما دل قوله " ثم الأمن لمكر الله " أي لعقوبته على أن عدم الخوف كبيرة فوجب الجمع بين الخوف والرجاء. (وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق) لا ريب في أن قتل النفس المحرمة كبيرة وأما أنه سبب للخلود في النار كما دلت عليه الآية الكريمة فإما أن يراد بالقتل القتل مستحلا أو لأجل دينه وإيمانه فيكون كافرا خارجا عن الاسلام مستحقا للنار أبدا، ويدل عليه رواية سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " سألته عن قول الله عز وجل * (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها) * قال من قتل مؤمنا على دينه فذلك المتعمد الذي قال الله عز وجل * (وأعد له عذابا عظيما) * قال قلت: فالرجل. يقع بينه وبين الرجل شئ فيضربه بسيفه فيقتله قال: ليس ذاك المتعمد الذي قال الله عز وجل ". وإما أن يراد بالخلود الزمان الطويل دون الأبد لأن ذا الكبيرة يخرج من النار كما دلت عليه الأخبار وصرح به بعض الاصحاب. (وأكل مال اليتيم) يمكن أن يدخل في الوعيد أيضا أكل مال الشيعة بغير حق فإن الشيعة أيتام آل محمد (عليه السلام) كما دل عليه بعض الروايات. (لأن الله عز وجل يقول:) إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما * (انما يأكلون في بطونهم نارا) * قيل أي سببا للنار أو أكلها كناية (1) من دخولها أو المراد به أكلها يوم القيامة و " ظلما " حال أو تميز أي ظالمين أو من جهة الظلم، وهو إما للبيان والكشف فإن أكل أموالهم انما يكون ظلما كما في * (تقتلون النبيين بغير حق) * أو للتقييد لأنه يجوز أكل مالهم بالحق مثل الأكل أجرة بالمعروف أو عوضا عما اقترضه آباؤهم أو مستقرضا من مالهم، وحكم غير الأكل من التصرفات حكمه، وذكر


1 - قوله " أو أكلها كناية " لا ريب أن للأمور صورا مختلفة بالنسبة إلى النشآت والعوالم المختلفة فما هو مأكول ومشروب من مال اليتيم هو بعينه نار بصورة أخرويه كما أن اللبن الذي يشربه النائم هو بعينه علم في الدنيا، والآخرة محيط بالدنيا كالدنيا بالرحم فما هو في الدنيا فهو في الآخرة ومن أكل مال اليتيم فإنما أكل النار حقيقة من غير حاجة إلى تأويل وتوجيه كما ورد في القرآن الكريم في وصف الكفار * (فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد) *. (ش). (*)

[ 276 ]

البطون للتأكيد مثل * (يطير بجناحيه) * ونظرت بعيني (وسيصلون سعيرا) صلى بالنار وصليها من باب علم: وجد حرها، والسعير فعيل بمعنى مفعول من سعرت النار سعرا من باب منع إذا أوقدتها أي يلزمون النار المسعورة الموقدة ويقاسون حرها وشدائدها، وقيل فيه إعادة لما سبق ليعلم أن أكل مال اليتيم سبب تام لدخول النار لا أنه سبب ناقص صغير بل هو كبير من الكبائر. (وأكل الربا لأن الله عز وجل يقول: * (الذين يأكلون الربوا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس) *) المس: الجنون وهو متعلق ب‍ " لا يقومون " أو ب‍ " يقوم " أو يتخبطه أي لا يقومون من القبور إلا قياما مثل قيام الشخص الذي يتخبطه الشيطان ويجعله مصروعا من الجنون، وهذا بناء على زعم العرب (1) أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرعه والخبط حركة على غير النحو الطبيعي وعلى غير اتساق كخبط العشواء، حاصله كما صرح به بعض الأصحاب أنهم لا يقومون من قبورهم بسبب الربا ووزره وثقله عليهم قياما مثل قيام صحيح العقل بل مثل قيام المجانين فيسقطون تارة ويمشون على غير الاستقامة أخرى ولا يقدرون على القيام أخرى فكان ما أكلوا من الربا أربى في بطونهم وصار شيئا ثقيلا على ظهورهم فلا يقدرون على القيام والمشي على الاستقامة، وقيل يكون علامة لهم يوم القيامة (2) يعرفون بها كما أن لبعض المعاصي علامة يعرف صاحبه بها وكذا الطاعات (والسحر) الظاهر أن تعليمه وتعلمه والعمل به كبيرة وجوز بعضهم تعلمه ليبطل على


1 - قوله " بناء على زعم العرب " قد يقع في كلام العرب كلمات وتعبيرات لا يراد بها اثبات حقائقها بل إعطاء مفاهيمها مثل قول امرئ القيس " ومسنونة زرق كأنياب أغوال " وفي القرآن * (طلعها كأنه رؤس الشياطين) * ولا يستدل به على أن العرب كان عندهم شئ معروف يسمى برؤوس الشياطين بل أريد به غاية القبح والشر، وإذا اطلق النبي (صلى الله عليه وآله) على جده اسم عبد مناف لا يدل على أن جده كان عبدا لغير الله بل هو اسم يعرف به وعبد الشمس كذلك ولعل من سماهما بهذه التسمية أيضا كان موحدا فأول كما نسمي بكلب علي وغلام حسين، ورأينا في أطباء عصرنا من لا يعتبر الكيفيات الأربع الحار والبارد والرطب واليابس في الأدوية ويتكلم بلسان المرضى يقول اجتنب عن كل مأكول حار أو استكثر من البرودة وهكذا. والله العالم. (ش). 2 - قوله " يكون علامة لهم يوم القيامة " توجه الإنسان إلى شئ واحد بعينه وعدم تصرف فكره في الأمور المختلفة يورث نوعا من الجنون يسمى مانيا وكل أهل حرفة سواء كان تاجرا أو صانعا أو زارعا يتفكر في امور كثيرة متعلقة بشغله وأما آكل الربا فذهنه متوجه إلى شئ واحد لا يلتفت إلى غيره وليس شغله متشعبا إلى أفعال مختلفة كثيرة كالتجار والصناع ففكرهم يشبه فكر المجانين هذا النحو من الجنون فربما يستمر ساعات بل أياما يتفكر في شئ واحد يأخذ مجامع إدراكه ويسكت ولا يتكلم ولا ينام ثم يهيج به فيغضب ويريد أن يثب ويحمل ولا يقدر أحد أن يصرفه عما هو فيه وفيه سبعية وكلب وهكذا أصحاب الربا يشبهون هؤلاء للعلة المذكورة، هذا مقتضى نفس العمل فإن وجدوا بخلاف ذلك فهو لتعارض سائر الأعمال والأشغال المخالفة له. (ش). (*)

[ 277 ]

مدعيه وليفرق بينه وبين المعجزة. (والزنا) لا يبعد إلحاق اللواط والمساحقة به (واليمين الغموس الفاجرة) هي اليمين الكاذبة على ما مضى وليس فيها كفارة لشدة الذنب فيها فكأنه مغموس في الذنب لحلفه كاذبا على علم منه. (والغلول) هو لغة: الخيانة، وعرفا الخيانة في المغنم والسرقة من الغنيمة قبل القسمة، وكل من خان في شئ خفية فقد غل، يقال: غل غلولا من باب قعد، وأغل إغلالا في المغنم، وقال ابن السكيت: لم يسمع في المغنم إلا غل ثلاثيا وهو متعد في الأصل لكن أميت مفعوله فلم ينطق به، وقال نفطويه: سمي غلولا لأن الأيدي منها مغلولة محبوسة كأنها مجعول فيها غل وهو بالضم طوق من حديد يجمع أيدي الاسير إلى عنقه، ولا يبعد إلحاق الغصب والسرقة به لأنه إذا كان كبيرة مع الشركة فهما أولى منه بذلك مع عدم الشركة. (ومنع الزكاة المفروضة) أما غير المفروضة لا عقوبة في منعه وانما الغبن فيه هو الحرمان من ثوابه (لأن الله عز وجل يقول:) * (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم يوم يحمى عليها في نار جهنم (فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم) هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون) * الكنز لغة: جمع المال وادخاره، وعرفا: المال المذخور المحفوظ تحت الأرض أو فوقها وبعض الاصحاب خصه بالأول لكن قال: لعل المراد هنا حفظه مطلقا وعدم انفاقه فيكون * (ولا ينفقونها) * بيانا للمقصود وقوله * (فبشرهم) * خبر للموصول، والفاء لتضمن الموصول معنى الشرط، و * (يوم تحمى) * منصوب على الظرف بعامل محذوف على أنه صفة لعذاب أي بعذاب أليم كائن يوم يحمى، والضمائر المؤنثة إما راجعة إلى الكنوز المفهومة من سياق الكلام أو إلى كل واحد من الذهب والفضة، والتأنيث باعتبار الفضة أو باعتبار الكثرة أو إلى الفضة لقربها، وفهم حكم الذنب بالطريق الأولى. وقال بعض الاصحاب: اختيار هذه الأعضاء لأن الجبهة كناية عن الأعضاء المقاديم المواجهة، والجنوب كناية عن الأيمان والشمائل، والظهور كناية عن الأعضاء المتأخرة، فاستوعب الكي البدن كله وفيه أقوال أخر، ولعل الاستشهاد بالآية باعتبار أن المراد بالكنز وعدم الإنفاق منع الزكاة فيكون فيها إشارة اجمالية إلى وجوب الزكاة في الذهب والفضة، وتفصيل شرائط الوجوب والنصاب وقدر المخرج مذكور في محله. (وشهادة الزور) وهي الشهادة بغير علم عمدا سواء طابقت الواقع أم لا، وتفسيرها بالشهادة بالكذب ليس بشئ لأنه تفسير بالأخص، ولو استندت بالشهادة إلى شبهة كرؤيتهم إياه وقد ظهرت فيه آثار الموت وعلاماته فظنوا أنه مات فشهدوا بموته فالظاهر أنها ليست شهادة زور تعد من

[ 278 ]

الكبائر وإن كانت فسقا لأن العلم معتبر في أداء الشهادة، ثم إن شهادة الزور لما كانت مفضية إلى إتلاف النفس والمال وتحريم الحلال وعكسه وإجراء الحدود كانت مفسدة عظيمة حتى قيل إنه ليس بعد الشرك أعظم منها، ثم الظاهر من الحديث أنها كبيرة وإن كان المشهود به يسيرا، وقال بعض العامة: هي كبيرة قطعا إذا تلف به خطير وضبطه بنصاب السرقة، فإن نقص عنه احتمل أن تكون كبيرة وأن لا تكون والأول أظهر، سدا لباب المفسدة، كما أن شرب قطرة من الخمر كبيرة لأجل ذلك.

[ 279 ]

باب استصغار الذنب 1 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، جميعا، عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي اسامة زيد الشحام، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): اتقوا المحقرات من الذنوب فإنها لا تغفر، قلت: وما المحقرات ؟ قال: الرجل يذنب الذنب فيقول: طوبى لي لو لم يكن لي غير ذلك. * الشرح: قوله (اتقوا المحقرات من الذنوب فإنها لا تغفر) أي لا تغفر لأجل تحقيرها، وقال الباقر (عليه السلام) لمحمد ابن مسلم " يا محمد لا تستصغرن سيئة تعمل بها فإنك تراها حيث تسوؤك ". (قلت: وما المحقرات ؟ قال: الرجل يذنب الذنب فيقول طوبى لي لو لم يكن لي غير ذلك) أي غير ذلك الذنب فقد عده محقرا ولم يحصل له خوف منه، والواجب عليه استشعار الخوف منه وعدم تحقيره له وإن كان صغيرا في نفسه لأنه عظيم في مخالفة الرب تبارك وتعالى. 2 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: لا تستكثروا كثير الخير ولا تستقلوا قليل الذنوب، فإن قليل الذنوب يجتمع حتى يكون كثيرا وخافوا الله في السر حتى تعطوا من أنفسكم النصف. * الشرح: قوله (لا تستكثروا كثير الخير ولا تستقلوا قليل الذنوب) الظاهر من القلة القلة بحسب العدد سواء كان في نفسه كبيرا وصغيرا ويحتمل أن يراد بها القلة بحسب الكيف والمقدار فيختص بالأخير، والمقصود أن العمل الصادر من العبد إن كان طاعة وخيرا فليعد نفسه مقصرة في الكم والكيف. وإن كان كثيرا بالنسبة إلى وسعه لأن ذلك أدخل في تعظيم الرب وأبعد من العجب والاعتماد على عمله وأقرب إلى البقاء عليه والسعى فيه ومقام العبودية المبنية على التذلل والاعتراف بالتقصير، وإن كان ذنبا فليعده كثيرا عظيما وإن كان قليلا حقيرا في نفسه لأنه بالنظر إلى مخالفة الرب عظيم كثير، أو تقليله موجب لعدم المبالاة به والاعتناء بشأنه وسبب للوقوع فيه والإتيان به مرة بعد أخرى تجتمع عليه ذنوب كثيرة ويبلغ حد الكبيرة (وخافوا الله في السر حتى تعطوا من أنفسكم النصف) الخوف من الله مطلوب في السر والعلانية إلا أنه في السر أعظم وأفضل إذ لا زاجر له سوى ذكره عز وجل فلذلك خصه بالذكر مع أن حصول الخوف في السر مستلزم لحصوله في العلانية، والنصف والنصفة بفتحين اسم من الإنصاف

[ 280 ]

وهو لزوم العدل في المعاملات مع الرب وغيره. 3 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن ابن فضال والحجال، جميعا عن ثعلبة، عن زياد قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نزل بأرض قرعاء فقال لأصحابه: ائتوا بحطب، فقالوا: يا رسول الله نحن بأرض قرعاء ما بها من حطب قال: فليأت كل إنسان بما قدر عليه، فجاؤوا به حتى رموا بين يديه، بعضه على بعض، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): هكذا تجتمع الذنوب، ثم قال: إياكم والمحقرات من الذنوب، فإن لكل شئ طالبا، ألا وإن طالبها يكتب ما قدموا وآثارهم وكل شئ أحصيناه في إمام مبين. * الشرح: قوله (نزل بأرض قرعاء) هي أرض لا شجر فيها ولا نبات، ومنه الرجل الأقرع الذي لم يبق على رأسه شعر إما أصالة أو لذهابه من آفة، وفعله من باب علم. (فإن لكل شئ طالبا) أي لكل شئ من الطاعات والذنوب يطلب حفظه وضبطه صغيرا كان أو كبيرا ليجزي صاحبه. (وإن طالبها يكتب ما قدموا وآثارهم) أي طالب الذنوب يكتب ما قدموا منها وآثارهم التي بقيت بعدهم من البدع مثل إذاعة باطل وتأسيس ظلم. (وكل شئ) من الأعمال وغيرها (أحصيناه في إمام مبين) أي في اللوح المحفوظ أو في القرآن أو في دفتر الأعمال وقد مر توضيحه، وفيه حث بليغ على ترك الذنوب كلها وفعل الخيرات لأن الإنسان إذا علم واستيقن بأن عليه حافظا رقيبا يكتب كل ما عمله ليحاسبه ويجزيه إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا، يجود عمله ويحاسب نفسه قبل أن يحاسب.

[ 281 ]

باب الإصرار على الذنب 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عبد الله بن محمد النهيكي، عن عمار ابن مروإن القندي، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار. * الشرح: قوله (لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار) ظاهره أن الكبيرة تصير صغيرة أو تزول بالكلية مع الاستغفار، والصغيرة تصير كبيرة مع الإصرار وهو مع ذلك يستلزم الجرأة على الكبيرة غالبا ولذلك ألحق العلماء بالكبائر الإصرار على الصغائر واستدلوا بهذا الحديث، وتوضيحه: أنه (عليه السلام) دعا إلى الاستغفار عن كبائر الذنوب وصغائرها وبين أن الصغيرة مع الإصرار لا يبقى صغيرة على حالها، لأن الإصرار بها معصية أخرى تنضم إلى الأولى فإذا دام على الإصرار توالت المعاصي وتكاثرت وتراكمت حتى تعد كبيرة لا سيما إذا كان الإصرار يتضمن الاستهانة والاحتقار وقد قيل في تفسير قوله تعالى * (يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء) * يعذب من يشاء على الصغيرة للإصرار بها، ويغفر لمن يشاء الكبيرة لاستعظامه إياها وخوفه من الله. وقوله (عليه السلام) " ولا كبيرة " مع الاستغفار معناه أن الكبيرة لا تبقى كبيرة بل تذوب وتصغر بأمر الله تعالى إذا قارنها الاستغفار وهو طلب المغفرة من الغفار، وذلك لأن الاستغفار يتضمن التوبة مع طلب المغفرة، والمستغفر يشاهد قبح فعله وشناعة ذنبه واستحقاقه للعقوبة فيندم بقلبه والندم توبة، ثم يسأل بصدق النية المغفرة منه مستعظما له فتصغر بذلك كبيرته عند الله تعالى بل ربما تزول عن أصلها، ويوافق الفقرتين قول بعض العارفين متى عظمت المعصية في قلب العاصي صغرت عند الله تعالى ومتى صغرت في قلبه عظمت عنده تعالى. 2 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن سالم، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله عز وجل: * (ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون) * قال: الإصرار هو أن يذنب الذنب فلا يستغفر الله ولا يحدث نفسه بتوبة فذلك الإصرار. * الشرح: قوله (الإصرار هو أن يذنب الذنب فلا يستغفر الله ولا يحدث نفسه بتوبة فذلك الإصرار) دل على أن الإصرار يتحقق بالذنب مع عدم الاستغفار والتوبة سواء أذنب ذنبا آخر من نوع ذلك الذنب أو من غير نوعه أو عزم على ذنب آخر أم لا، أما تحققه في غير الأخير فظاهر وأما في الأخير فلان

[ 282 ]

التوبة واجبة في كل آن فتركها ذنب مضاف إلى الذنب الأول فيتحقق الإصرار، وقسم الشهيد في " قواعده " الإصرار إلى فعلي وحكمي وقال: الفعلي هو الدوام على نوع واحد من الصغاير بلا توبة والاكثار من جنس الصغاير بلا توبة، والحكمي هو العزم على تلك الصغيرة بعد الفراغ منها، أما لو فعل الصغيرة ولم يخطر بباله بعدها توبة ولا عزم على فعلها فالظاهر أنه غير مصر. وقال الشيخ في الأربعين: تخصيصه الإصرار الحكمي بالعزم على تلك الصغيرة بعد الفراغ منها يعطي أنه لو كان عازما على صغيرة أخرى بعد الفراغ مما هو فيه لا يكون مصرا والظاهر أنه مصر أيضا وتقييده ب‍ " بعد الفراغ منها " يقتضي بظاهره أن من كان عازما مدة سنة على لبس الحرير مثلا لكن لم يلبسه أصلا لعدم تمكنه لا يكون في تلك المدة مصرا، وهو محل نظر، وقال بعض: الإصرار هو إدامة الفعل والعزم على إدامته يصح معها إطلاق وصف العزم عليه، وقال بعضهم: هو تكرار الصغيرة تكرارا يشعر بقلة المبالاة إشعار الكبيرة بذلك، أو فعل صغائر من أنواع مختلفة بحيث يشعر بذلك. 3 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا والله لا يقبل الله شيئا من طاعته على الإصرار على شئ من معاصيه. * الشرح: قوله (لا والله لا يقبل الله شيئا من طاعته على الإصرار على شئ من معاصيه) لعل السر فيه أن سبب قبول الطاعة هو دلالتها على تعظيم الرب، والإصرار على المعصية وإن كانت صغيرة يستلزم تحقيره وإن لم يقصده العاصي، والتحقير ينافي التعظيم، أو أن قبول الطاعة عبارة عن تقريب المطيع إلى ذاته المقدسة، والإصرار على المعصية يوجب تبعيده عنه، وحمل عدم القبول على وجه الكمال محتمل.

[ 283 ]

باب في أصول الكفر وأركانه 1 - الحسين بن محمد، عن أحمد بن إسحاق، عن بكر بن محمد، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): اصول الكفر ثلاثة: الحرص والاستكبار والحسد، فأما الحرص فإن آدم (عليه السلام) حين نهي عن الشجرة، حمله الحرص على أن أكل منها وأما الاستكبار فإبليس حيث امر بالسجود لآدم فأبى، وأما الحسد فابنا آدم حيث قتل أحدهما صاحبه. * الشرح: قوله (أصول الكفر ثلاثة الحرص والاستكبار والحسد) أصل الشئ أساسه وما يستند إليه وجود ذلك الشئ، والحرص على الدنيا وجمع زهراتها جدا وتناولها من كل وجه، والاستكبار عن الخلق وطلب العظمة عليهم وعن الخالق في الأوامر والنواهي وترك التسليم والحسد على الخلق في نعماء الله الفائضة عليهم ظاهرة وباطنة، اصول الكفر بجميع أنواعه إذ بها تضعف القوة العقلية وينطمس نورها وتقوى القوة الشهوية والغضبية وسائر القوى الحيوانية، وتستولي على الظاهر والباطن فتنمو أخلاق ذميمة، وتصدر أفعال قبيحة بعضها كفر بالرب، وبعضها كفر بالحق مع العلم بأنه حق، وبعضها كفر بالنعم لاستحقارها وترك الشكر عليها، وبعضها كفر المعصية بترك الأوامر وفعل النواهي بخلاف الزهد في الدنيا والتذلل والخشوع لدى الحق والرضا بقسمة الرب فإنها أصول الإيمان إذ منها يتولد جميع الخيرات ويرتقى الإنسان إلى أرفع الدرجات. ثم أشار إلى تفصيل بعض ما نشأ من هذه الخصال الذميمة بقوله: (فأما الحرص - إلى آخره) والغرض من هذا التفصيل بيان أول المخالفة، والمعصية الصادرة من هذا النوع وبسببه، بسبب هذه الخصال الشنيعة. ثم نشأت وتنشأ منها المخالفات والمعاصي الكثيرة التي بعضها كفر، فتلك الخصال هي أمهات المعاصي تتولد منها إلى يوم القيامة. وقد كان إباء إبليس لعنه الله من السجود عن حسد واستكبار وإنما خص الاستكبار بالذكر لأنه تمسك به حيث * (قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين) * أو لأن الاستكبار أقبح من الحسد لأن المتكبر يدعي مشاركة الباري في أخص صفاته والقاتل من ابني آدم قابيل والمقتول هابيل، وكان قابيل أكبر سنا منه وتقربا قربانا فتقبل الله من هابيل، ولم يتقبل منه لخبث نيته وخساسة قربانه فحسد على أخيه فقتله. 2 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله): أركان الكفر أربعة: الرغبة والرهبة والسخط والغضب.

[ 284 ]

* الشرح: قوله (أركان الكفر أربعة: الرغبة، والرهبة، والسخط، والغضب) لعل المراد بالرغبة الرغبة في الدنيا، والحرص عليها، وسعة الأمل وطلب الكثير منها. وبالرهبة الخوف من فواتها، والهم من زوالها وهو يوجب صرف العمر في حفظها، والمنع من أداء حقوقها، أو الخوف من إجراء الاحكام والحدود وهو الجبن الموجب لفوات كثير من الحقوق الشرعية. وبالسخط - مثال القفل - عدم الرضا بقضاء الله وانقباض النفس في حكمه. وبالغضب ثوران النفس نحو الانتقام عند مشاهدة ما لا يلائمها من المكاره والآلام، وإنما شبه هذه الأمور الأربعة التي هي مواد الكفر وأسباب ستر الحق بالأركان لابتناء الكفر عليها بل لتركبه منها، إذ الكفر عبارة عن جحد الحق أو جحد شئ مما قرره، وهذه الأمور إما نفسه، أو أعظم سبب من أسبابه، والله يعلم. 3 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن نوح بن شعيب، عن عبد الله الدهقان، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن أول ما عصي الله عز وجل به ست: حب الدنيا وحب الرئاسة وحب الطعام وحب النوم وحب الراحة وحب النساء. * الشرح: قوله (إن أول ما عصي الله عز وجل به ست: حب الدنيا وحب الرئاسة وحب الطعام وحب النوم وحب الراحة وحب النساء) هذه الأمور معاصي قلبية تسود لوح القلب وتسد عنه طرق الحق وتعزل القوة العاقلة عن التصرف فيه وهي مبادي الطغيان في القوة الشهوية الجالبة للمنافع الحاضرة الزائلة، الطالبة للفوائد الظاهرة والباطلة وتجاوزها عن الحد اللائق بها عقلا ونقلا وتنهض حينئذ أيضا النفس الأمارة إلى تحصيل مقتضاها، وتستعين بالقوة الغضبية في دفع الموانع وتحرك الظاهر والباطن إلى نحو المطلوب، وتحصيله بأي وجه كان فيقع الظلم والكفر والمخالفة والمعصية التي لا تعد ولا تحصى من هذه المبادي. فهي أوائل المعاصي وأمهات القبائح. 4 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أن رجلا من خثعم جاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: أي الأعمال أبغض إلى الله عز وجل ؟ فقال: الشرك بالله، قال: ثم ماذا ؟ قال: قطيعة الرحم، قال: ثم ماذا ؟ قال: الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف. * الشرح: قوله (أي الأعمال أبغض إلى الله عز وجل) المراد بالأعمال ما يعم أعمال القلب والجوارح وأبغضها ما هو أفسد للدين، وكون الأمور المذكورة بهذه الصفة ظاهر، والظاهر أن قطع الرحم شامل

[ 285 ]

لقطع رحم آل محمد (صلى الله عليه وآله) بل هو أولى بالقصد عند الإطلاق كما مر. 5 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حسن بن عطية، عن يزيد الصائغ قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل على هذا الأمر إن حدث كذب، وإن وعد أخلف، وإن ائتمن خان، ما منزلته ؟ قال: هي أدنى المنازل من الكفر وليس بكافر. * الشرح: قوله (هي أدنى المنازل من الكفر وليس بكافر) هي أدنى منازل الكفر بحيث لو تجاوزه بأن أحل ذلك دخل في الكفر. ولعل المراد بالكفر هنا إنكار الرب، أو الأعم منه ومن إنكار الحق مطلقا بدليل قوله (وليس بكافر) لأنه ليس بكافر بالمعنى المذكور، وإلا فهو كافر بمعنى كونه تاركا للحق وسيجئ في باب وجوه الكفر اطلاق الكافر عليه. 6 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من علامات الشقاء جمود العين وقسوة القلب وشدة الحرص في طلب الدنيا والإصرار على الذنب. * الشرح: قوله (من علامة الشقاء جمود العين، وقسوة القلب، وشدة الحرص في طلب الدنيا، والإصرار على الذنب) الشقاء " بدبخت شدن " شقى يشقى شقاء: ضد سعد فهو شقي، والشقوة بالكسر، والشقاوة بالفتح اسم، ومنه أشقاه الله " بالألف "، وجمود العين كناية عن بخلها بالدموع من جمد الماء جمدا وجمودا من باب نصر: خلاف ذاب، وهو من توابع قسوة القلب وهي غلظته وشدته، والسعادة والشقاوة وقرب الحق والبعد منه واستحقاق الجنة والنار وإن كانت امورا معنوية لا يعلمها إلا الله عز وجل لكن لها علامات تدل عليه فمن علامة الشقاوة هذه الخصال المذكورة كما أن أضدادها وهي البكاء للخوف من الله والتأمل في أمر الآخرة ورقة القلب والزهد في الدنيا وعدم الإصرار على الذنب بالتوبة والاستغفار من علامة السعادة، وفيه تحريض على ترك تلك الخصال والأمراض المهلكة، وطلب أضدادها بالمعالجات النافعة مثلا يتأمل في سبب الإصرار على الذنب بأنه إما لعدم الإيقان باليوم الآخر، أو للغفلة عنه بسبب غلبة الشهوة واستيلاء شوق اللذات الحاضرة على النفس بحيث يتعسر عليها الانصراف عنها، أو لكون أمور الآخرة غائبة ولذات الدنيا حاضرة، والنفس إلى اللذات الحاضرة أميل منها إلى اللذات الغائبة كما قيل " كلما بعد عن العين بعد عن القلب " أو لكونه قاصدا للتوبة ولكن يؤخرها إلى غد وبعد غد، أو لاعتماده على عفو الله ثم يشتغل بالمعالجة أما علاج الأول فبأن يعلم أن الأنبياء والرسل قد أخبروا باليوم الآخر وهم أولى

[ 286 ]

بالاتباع من اتباع أهواء النفس، ولو لم يحصل له يقين بقولهم فالاحتياط يقتضي أن لا يترك متابعتهم كما لا يترك قول الطبيب بأن أكل هذا الطعام يضر مع أنه لا يحصل له علم بقوله، وأما علاج الثاني فبأن يعلم أن الصبر على الشهوة أسهل من الصبر على النار، وأما علاج الثالث فبأن يعلم أن أمور الآخرة آتية قطعا وعقوبتها باقية أبدا، وأما علاج الرابع فبأن يعلم أن وصوله إلى غد ليس منوطا بقدرته وإرادته. فيمكن أن يموت قبله مع أن تحقق التوبة قبله أسهل من تحققها بعده لأن المعصية إذا قويت كانت إزالتها أصعب، وأما علاج الخامس وهو الاعتماد على العفو فبأن يعلم أن الإيمان يضعف بالمعاصي فلعل إيمانه بسبب نقصانه يزول عند السكرات ولو بقي أمكن أن يعاقب بل العقوبة مظنونة لإخبار الصادقين بها فكيف يعمل عمل أهل النار وهو يتوقع أو يستيقن أنه من أهل الجنة. 7 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن أسباط، عن داود بن النعمان، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: خطب رسول الله (صلى الله عليه وآله) الناس فقال: ألا اخبركم بشراركم ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الذي يمنع رفده ويضرب عبده ويتزود وحده. فظنوا أن الله لم يخلق خلقا هو شر من هذا، ثم قال: ألا اخبركم بمن هو شر من ذلك ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الذي لا يرجى خيره ولا يؤمن شره. فظنوا أن الله لم يخلق خلقا هو شر من هذا، ثم قال: ألا اخبركم بمن هو شر من ذلك ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: المتفحش اللعان الذي إذا ذكر عنده المؤمنون لعنهم وإذا ذكروه لعنوه. * الشرح: قوله (الذي يمنع رفده ويضرب عبده ويتزود وحده) الرفد بالكسر: العطاء والصلة، وهو اسم من رفده رفدا من باب ضرب أعطاه، أو أعانه بعطاء أو قول أو غير ذلك ومنه الرفادة لإطعام الحاج. ولعل المراد بضرب العبد ضربه من غير ذنب، أو زايدا على القدر المشروع، أو مطلقا وكأن مضمون الحديث محمول على المبالغة، وعلى أن المؤمن ينبغي أن يكون في نظره كل واحدة من المعاصي وخلاف الآداب أعظم من الأخرى حتى إذا رأى عاصيا يظن أنه من حيث هو عاص شر خلق الله، وإذا رأى عاصيا آخر يظن فيه أيضا ذلك ففيه مبالغة في شرارتهم وخبثهم، وليس القصد فيه معنى التفضيل حقيقة، كما في قولك: هذه الطائفة كل واحد منهم شر من الآخر. فإنك قصدت به المبالغة في شرهم دون التفضيل، وفي قوله فظنوا دون علموا ايماء إليه والله أعلم، والتفحش " بد وناسزا گفتن "، واللعان للمبالغة في اللعن وهو من الله الطرد والإبعاد من الرحمة، ومن الخلق السب والدعاء على أحد. 8 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن بعض أصحابه، عن عبد الله بن سنان عن أبي

[ 287 ]

عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ثلاث من كن فيه كان منافقا وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: من إذا ائتمن خان وإذا حدث كذب وإذا وعد أخلف، إن الله عز وجل قال: في كتابه: * (إن الله لا يحب الخائنين) * وقال: * (أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين) * وفي قوله عز وجل: * (واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد (1) وكان رسولا نبيا) *. 9 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ألا اخبركم بأبعدكم مني شبها ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الفاحش المتفحش البذئ البخيل المختال الحقود الحسود القاسي القلب، البعيد من كل خير يرجى، غير المأمون من كل شر يتقى. * الشرح: قوله (الفاحش المتفحش البذئ) الفحش القول السيئ والكلام الردئ، وكل شئ جاوز الحد فهو فاحش ومنه غبن فاحش إذا جاوزت الزيادة ما يعتاد مثله والتفحش كذلك مع زيادة تكلف وتصنع، ومن طرق العامة " أن الله يبغض الفاحش المتفحش " قال الزمخشري في الفائق: الفاحش ذو الفحش في كلامه، والمتفحش الذي يتكلف ذلك، ولا يبعد أن يراد بالمتفحش الذي يقبل الفحش من غيره. فالفاحش المتفحش الذي لا يبالي ما قال ولا ما قيل له، والبذي على فعيل قد يطلق على السفيه، وهو الذي لا رزانة له وعلى الفاحش في المنطق إن كان كلامه صدقا كما صرح به في المصباح. (البخيل المختال الحقود الحسود) لمن شق عليه بذل المال أوصاف مرتبة، باعتبار كل وصف اسم ذكره الثعالبي في سر الأدب: الأول البخيل إذا كان ضد الكريم، ثم لحز إذا كان ضيق النفس شديد البخل، ثم شحيح إذا كان مع بخله حريصا، ثم فاحش إذا كان متشددا في بخله، ثم حلز إذا كان في نهاية البخل، والمختال المتكبر المعجب بنفسه. والحقد والحسد يعني إضمار عدواة المؤمن وتمني زوال نعمته مع كونهما من أعظم القبايح يستلزمان مفاسد كثيرة غير محصورة. (القاسي القلب البعيد من كل خير يرجى غير المأمون من كل شر يتقى) القلب إذا قسى وغلظ


1 - قوله: في متن الحديث " إنه كان صادق الوعد " صرح أكثر فقهاء زماننا بأن الوفاء بالوعد مستحب إلا إذا كان شرطا في عقد لازم وهو مستبعد جدا مع هذه التأكيدات في القرآن والحديث حتى أن مخلف الوعد عد منافقا. والذي اعتقده والتزم به أن الوفاء واجب والمخلف فاسق ومراد من يعتد بقوله منهم عدم ثبوت حق بالوعد للموعود له ثبوتا دنيويا بحيث يمكن مطالبته عند القضاة والمرافعة بل يجب وجوبا حكميا يطالب به في الآخرة نظير الخمس والزكاة ونذر التصدق لرجل بعينه. (ش). (*)

[ 288 ]

بطل استعداده للخيرات واستعد للشرور ووصف الخير ب‍ " يرجى " إما للتوضيح، أو للتقييد لأن بعض الخير لا يرجى منه. 10 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن منصور بن العباس، عن علي بن أسباط، رفعه إلى سلمان قال: إذا أراد الله عز وجل هلاك عبد نزع منه الحياء، فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا خائنا مخونا فإذا كان خائنا مخونا نزعت منه الأمانة، فإذا نزعت منه الأمانة لم تلقه إلا فظا غليظا، فإذا كان فظا غليظا نزعت منه ربقة الإيمان، فإذا نزعت منه ربقة الإيمان لم تلقه إلا شيطانا ملعونا. * الشرح: قوله (إذا أراد الله عز وجل هلاك عبد نزع منه الحياء) الحياء خلق يمنع من القبائح والتقصير في حقوق الخلق والخالق، وهو إذا تحقق تحققت الأمانة الدينية والدنيوية في الحقوق كلها للتحرز من اللوم في تركها، وتحقق لين الطبع ورقة القلب فيصدر عن الأعضاء الظاهرة والباطنة ما هو مطلوب منها بسهولة فيكمل الإيمان لأن الإيمان الكامل متوقف على استقامة جميع الأعضاء وقيامها بوظائفها. وإذا انتفى الحياء انتفى جميع هذه الأمور وتحققت أضدادها فتحقق الخيانة في الحقوق كلها وشدة الطبع وغلظة القلب ونقص الإيمان لأنه يصعب حينئذ على الأعضاء قبول وظائفها. إذا عرفت هذا فنقول: إذا أراد الله عز وجل هلاك عبد وعقوبته لإبطاله الاستعداد الفطري بسوء معاملته نزع منه الحياء بسلب لطفه وتوفيقه عنه. فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا خائنا في حقوق الغير ومخونا في حق نفسه إذ في كل خيانة خيانتان، والخيانة رذيلة تحت الفجور وجارية في جميع الأعضاء، فإن للقلب خيانة وهي التفكر في الأمور الباطلة، ولليد خيانة وهي تناول ما لا يجوز مثلا، وللرجل خيانة وللعين خيانة وهكذا في الجميع فإذا كان خائنا مخونا نزعت منه الامانة لأنها ضد الخيانة، وتحقق الشئ سبب لذهاب ضده، فإذا نزعت منه الامانة لم تلقه إلا فظا غليظا لأن الأمانة لازمة للرقة واللينة، وانتفاء اللازم دليل على انتفاء الملزوم، فإذا انتفت الرقة تحققت الغلظة فإذا كان فظا غليظا نزعت منه ربقة الإيمان لانتفاء مقوماته، ولعل المراد زوال كماله، واللعن في قوله " فإذا نزعت منه ربقة الإيمان لم تلقه إلا شيطانا ملعونا " لا يدل على زوال ايمانه بكله حتى يكون كافرا كما أن لعن المتغوط في ظل النزال في الخبر الآتي لا يدل على ذلك. 11 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم بن زياد الكرخي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ثلاث ملعونات ملعون من فعلهن: المتغوط في ظل النزال، والمانع الماء المنتاب، والساد الطريق المقربة.

[ 289 ]

* الشرح: قوله (ثلاث ملعونات) كأن لعنها كناية عن ذمها وقبحها أو مجاز بجعل سبب اللعن ملعونا مطرودا. (ملعون من فعلهن) دل على أنه يجوز لنا أن نلعنه (المتغوط في ظل النزال) هو الظل الذي يستظل به الناس ويتخذونه مقيلا ومناخا. (والمانع الماء المنتاب) الماء المفعول أول للمانع إما مجرور بالإضافة من باب الضارب الرجل أو منصوب على المفعولية. والمنتاب أي صاحب نوبة منصوب على أنه مفعول ثان من الانتياب افتعال من النوبة. وجوز بعضهم أن يكون اسم مفعول صفة للماء من انتاب فلان القوم أي أتاهم مرة بعد أخرى، والماء المنتاب هو الماء الذي يرد عليه الناس متناوبة ومتبادلة لعدم اختصاصه بأحدهم كالماء المملوك المشترك بين جماعة فلعن المانع لأحدهم في نوبته، والماء المباح الذي ليس ملكا لأحدهم كالغدران في البوادي، فإذا ورد عليه الواردون كانوا فيه سواء فيحرم لأحدهم منع الغير في التصرف فيه على قدر الحاجة لأن في المنع تعريض مسلم للتلف فلو منع حل قتاله، فإن لم يقو الممنوع على دفع المانع حتى مات عطشا فهو في حكم من حبس ظلما حتى مات جوعا أو عطشا. (والساد الطريق المقربة) المقربة بفتح الميم وسكون القاف وفتح الراء، ونظيره من طريق العامة: " من غير المقربة فعليه لعنة الله " ومن طريقهم أيضا: " ثلاث لعينات رجل عور طريق المقربة " قال الزمخشري في الفائق: المقربة المنزل وأصلها من القرب وهو السير إلى الماء، ونقل عن صاحب النهاية أن المقربة طريق صغير ينفذ إلى طريق كبير، وجمعها المقارب وهو هنا أنسب من الأول وتأنيث ضمير الطريق هنا وتذكيره في الخبر الآتي باعتبار أن الطريق يؤنث ويذكر. 12 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد عن ابن محبوب، عن إبراهيم الكرخي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ثلاث ملعون من فعلهن: المتغوط في ظل النزال، والمانع الماء المنتاب، والساد الطريق المسلوك. 13 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن يزاد، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن أبي حمزة، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ألا اخبركم بشرار رجالكم ؟ قلنا: بلى يا رسول الله، فقال: إن من شرار رجالكم البهات الجرئ الفحاش، الآكل وحده، والمانع رفده، والضارب عبده، والملجئ عياله إلى غيره.

[ 290 ]

* الشرح: قوله (البهات الجرئ الفحاش) البهات: الذي يبهت غيره أي يقذفه بالباطل ويفتري عليه الكذب، والاسم البهتان، والجري بالياء المشددة وبالهمزة أيضا على فعيل وهو المقدام على القبيح من غير توقف، والاسم الجرأة. والفحاش ذو الفحش وهو كل ما يشتد قبحه من الأقوال والأفعال وكثيرا ما يراد به الزنا. (والمانع رفده) يفهم منه ومما سبقه أن ترك المندوب وما هو خلاف المروة شر، فالمراد بشرار الرجال فاقد الكمال سواء كان فقده موجبا للعقوبة أم لا. (والملجئ عياله إلى غيره) بترك الانفاق عليهم وعدم القيام بحوائجهم، وقد روي " أن الكد للعيال أفضل من الزهد في الدنيا ". 14 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ميسر، عن أبيه، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): خمسة لعنتهم وكل نبي مجاب: الزائد في كتاب الله، والتارك لسنتي، والمكذب بقدر الله، والمستحل من عترتي ما حرم الله، والمستأثر بالفئ المستحل له. * الشرح: قوله (وكل نبي مجاب) قيل يحتمل أن يكون عطفا على فاعل " لعنتهم " و " مجاب " حينئذ صفة ل‍ " نبي ". ويحتمل أن يكون كل نبي مبتدأ و " مجاب " خبره، والجملة حال لإفادة أن دعاءه عليهم ولعنه إياهم مستجابة قطعا. (والمكذب بقدر الله) كالمفوضة حيث قالوا ليس لله قدر، أي تدبير في أفعالنا أصلا، بل أقدرنا عليها وفوض أمرها وتدبيرها إلينا، كذا قال بعض الأصحاب. (والمستحل من عترتي ما حرم الله) العترة نسل الإنسان قال الأزهري، وروى ثعلب عن ابن الأعرابي أن العترة ولد الرجل وذريته وعقبه من صلبه، ولا تعرف العرف من العترة غير ذلك واللعن يشمل قاتلهم وموذيهم وضاربهم ومانع حقوقهم وآخذ أموالهم. (والمستأثر بالفئ المستحل له) في بعض النسخ " والمستحل له " بالعطف للتفسير أو للتغاير، والفئ يطلق على الغنيمة وهو ما أخذ من أموال الكفار بحرب وغلبة كما صرح به المصنف في آخر كتاب الحجة في باب الفئ والأنفال وخمسه لله تعالى ولمن سماه تعالى في كتابه الكريم، والباقي للمجاهدين على نحو ما ذكر في موضعه، ويطلق أيضا على الأنفال كما يشعر به اللغة، وصرح به ابن الأثير، ودلت عليه رواياتنا الكثيرة، وأشرنا إلى بعضها في ذلك الباب وهو حينئذ ما أخذ بغير قتال فهو للرسول (صلى الله عليه وآله) خاصة ولمن بعده من الأئمة (عليهم السلام).

[ 291 ]

باب الرياء 1 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمد الأشعري، عن ابن القداح، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال لعباد بن كثير البصري في المسجد: ويلك يا عباد إياك والرياء فإنه من عمل لغير الله وكله الله إلى من عمل له. * الشرح: قوله (يا عباد إياك والرياء) حذره عن الرياء وهو من تسويلات الشيطان والنفس الأمارة الطالبة للدنيا بأي وجه كان، فربما تخيل إلى الإنسان أن الناس إذا عظموا أحدا ومالوا إلى توقيره لأمر يقتضيه كالعلم والعبادة وسائر الخيرات بذلوا له أنفسهم وأموالهم طوعا ورغبة فيتمسك بالخيرات رياء وسمعة، ويطلب بها صرف قلوبهم إليه وقيامهم بوظائف الخدمة بين يديه، ويجعلها وسيلة لإعانتهم له بالنفس والمال، وذريعة لكفايتهم مهماته في جميع الأحوال. وللرياء طرق واسعة ومسالك كثيرة، ولا يحترز منها إلا العارفون المالكون لزمام أنفسهم بالمراقبة والمحاسبة فإنه قد يتعلق بالعبادات كتحسين القراءة، وتطويل القنوت والركوع وتكثير الصوم والصلاة والسجود مثلا لإظهار أنه عابد مبالغ في العبادة، وقد يتعلق بتغيير الصورة كاصفرار الوجه لإظهار السهر، وقلة النوم، وتضعيف البدن لإظهار المجاهدة وقلة الأكل وإخفاء الصوت لإظهار الرزانة والوقار، وقد يتعلق باللسان كالتكلم بالمقالات العالية لإظهار أنه عالم ماهر. وتحريك اللسان عند لقاء الناس لإظهار أن قلبه حاضر ذاكر وقد يتعلق باللباس كلبس الصوف والخشن والمرقع لإظهار الزهد في الدنيا. (فإنه من عمل لغير الله وكله الله إلى من عمل له) أي من عمل عملا ينبغي أن يكون لله خالصا أو من عمل لغير الله خالصا أو بالتشريك وكله الله إلى ذلك الغير يوم القيامة، ويقول خذ أجرك منه، أو وكل ذلك العمل إلى الغير ولا يقبله أصلا، وقد روى عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: " أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر " قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله ؟ قال: " الرياء، يقول الله عز وجل يوم القيامة إذا جازى العباد بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا هل تجدون عندكم ثواب أعمالكم ". 2 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن فضال، عن علي بن عقبة، عن أبيه قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: اجعلوا أمركم هذا لله ولا تجعلوه للناس فإنه ما كان لله فهو لله وما كان للناس فلا يصعد إلى الله.

[ 292 ]

* الشرح: قوله (اجعلوا أمركم هذا لله) أي اجعلوا أمركم هذا لله خالصا ولا تجعلوه للناس بالانفراد والاشتراك. فإن ما كان لله خالصا فهو لله ويصعد إليه وعليه أجره، وما كان للناس ولو بالشركة فلا يصعد إلى الله لأنه لا يصعد إليه إلا العمل الخالص له. 3 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي المغراء، عن يزيد بن خليفة قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): كل رياء شرك، إنه من عمل للناس كان ثوابه على الناس ومن عمل لله كان ثوابه على الله. 4 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن القاسم بن سليمان، عن جراح المدائني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل: * (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) * قال: الرجل يعمل شيئا من الثواب لا يطلب به وجه الله إنما يطلب تزكية الناس يشتهي أن يسمع به الناس، فهذا الذي أشرك بعبادة ربه، ثم قال: ما من عبد أسر خيرا فذهبت الأيام أبدا حتى يظهر الله له خيرا، وما من عبد يسر شرا فذهبت الأيام أبدا حتى يظهر الله له شرا. * الشرح: قوله (قال ما من عبد أسر خيرا فذهبت الأيام أبدا حتى يظهر الله له خيرا) من عمل لله خالصا وأخفاه خوفا من الرياء وطلبا لرضاه تعالى أظهره الله وأظهر حاله يوما لعباده وصرف قلوبهم إليه ليمدحوه ويوقروه ويعظموه، فيحصل له مع ثناء الله تعالى ثناء الناس وبحكم المقابلة لو أظهره طلبا لرضاهم صرف الله عنه قلوبهم وجعلها مبغضة له، والظاهر أن إظهار الخير الخفي كلي بدليل قوله: " ما من عبد " ولا يستلزم ذلك إظهاره لجميع الخلق لجواز إظهاره للخواص من الملائكة والناس. فلا ينافي ما روي " طوبى لعبد يعرف الناس ولا يعرفه الناس " ويفهم من هذا الحديث ونحوه أن أسرار الخير أحسن من إظهاره ولكل فائدة، أما فائدة الإسرار فللتحرز من الرياء وأما فائدة الإظهار فترغيب الناس في الاقتداء به وتحريكهم إلى فعل الخير ولذلك أثنى الله تعالى على كليهما بقوله * (إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم) * وفي هذا المقام تفصيل مذكور في محله. (وما من عبد يسر شرا فذهبت الأيام أبدا حتى يظهر الله له شرا) فيه وعيد لمن عمل رياء أو عمل شرا وأخفاه خوفا من لوم الناس وذمهم فإنه تعالى يرتب على إخفائه نقيض مقصوده فيظهره على عباده ويظهر سوء حاله ليذموه ويعاندوه ويحقروه.

[ 293 ]

5 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن محمد بن عرفة قال: قال لي الرضا (عليه السلام): ويحك يا ابن عرفة اعملوا لغير رياء ولا سمعة، فإنه من عمل لغير الله وكله الله إلى ما عمل. ويحك ما عمل أحد عملا إلا رداه الله إن خيرا فخير وإن شرا فشر. * الشرح: قوله (ما عمل احد عملا إلا رداه الله) التردية " رداء بر كسى أفكندن "، شبه العمل بالرداء في الإحاطة والشمول. (إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا) أي ان كان عمله خيرا فكان جزاؤه خيرا، وإن كان عمله شرا فكان جزاؤه شرا. وجاء الخبر الآخر برفع الأخيرين أي إن كان عمله خيرا فجزاؤه خير وإن كان عمله شرا فجزاؤه شر. 6 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن عمر بن يزيد قال: إني لأتعشى مع أبي عبد الله (عليه السلام) إذ تلا هذه الآية * (بل الإنسان على نفسه بصيرة * ولو ألقى معاذيره) * يا أبا حفص ما يصنع الإنسان أن يتقرب إلى الله عز وجل بخلاف ما يعلم الله تعالى، إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يقول: من أسر سريرة رداه الله رداءها إن خيرا فخير وإن شرا فشر. * الشرح: قوله (إني لأتعشى مع أبي عبد الله (عليه السلام)) العشاء بالكسر والمد: أول ظلام الليل، وبالفتح والمد: الطعام الذي يتعشى به وقت العشاء، وتعشيت أنا: أكلت العشاء. (إذ تلا هذه الآية * (بل الإنسان على نفسه بصيرة) *) قال القاضي أي حجة بينة على أعمالها لأنه شاهد بها، وصفها بالبصارة على المجاز، أو عين بصيرة بها فلا يحتاج إلى الإنباء. أقول: التوجيه الأول لأكثر المفسرين. والثاني نقله النيشابوري عن الأخفش فإنه جعل الإنسان بصيرة كما يقال فلان كرم، وذلك لأنه يعلم بالضرورة متى رجع إلى عقله أن طاعة خالقه واجبة وعصيانه منكر فهو حجة على نفسه بعقله السليم، ونقل عن أبي عبيدة أن التاء للمبالغة كعلامة. (ولو ألقى معاذيره) قال القاضي ولو جاء بكل ما يعتذر به. جمع معذار وهو العذر أو جمع معذرة على غير قياس فإن قياسه معاذر، وقال النيشابوري: هذا تأكيد أي ولو جاء بكل معذرة يحاج بها عن نفسه فإنها لا تنفعه لأنها لا تخفى شيئا من أفعاله فإن نفسه وأعضاءه تشهد عليه. ثم قال: قال الواحدي والزمخشري: المعاذير اسم جمع للمعذرة كالمناكير للمنكر، ولو كان جمعا لكان معاذر بغير ياء، ونقل عن الضحاك والسدي: أن المعاذير جمع المعذار وهو الستر، والمعنى أنه وإن أسبل الستور لن يخفى شئ من عمله، قال الزمخشري: إن صح هذا النقل فالسبب في التسمية أن الستر

[ 294 ]

يمنع رؤية المحتجب كما يمنع المعذرة عقوبة المذنب. (يا أبا حفص ما يصنع الإنسان أن يتقرب إلى الله بخلاف ما يعلم الله) لأهل الرياء ظاهر وباطن، ظاهره مع الله للتقرب منه، وباطنه مع الخلق لطلب المنزلة والتعظيم والتوقير منه، والله سبحانه يعلم أن باطنه مخالف لظاهره وأن العمل الموجب للقرب منه هو العمل الخالص له دون المشترك بينه وبين غيره فالتقرب بهذا العمل المشترك إلى الله تعالى تقرب بخلاف ما يعلم الله أنه موجب للتقرب، وهو سفه واستهزاء، وقوله " ما يصنع " للتقريع والتوبيخ والتنبيه على أنه مع كونه غير نافع مضر والله أعلم. 7 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله): إن الملك ليصعد بعمل العبد مبتهجا به فإذا صعد بحسناته يقول الله عز وجل: اجعلوها في سجين إنه ليس إياي أراد بها. * الشرح: قوله (اجعلوها في سجين إنه ليس إياي اراد) سجين موضح فيه كتاب الفجار ودواوينهم، وقيل: واد في جهنم قال الله تعالى * (إن كتاب الفجار لفي سجين) *. 8 - وبإسناده قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ثلاث علامات للمرائي: ينشط إذا رأى الناس، ويكسل إذا كان وحده، ويحب أن يحمد في جميع اموره. * الشرح: قوله (ينشط إذا رأى الناس) سواء كان النشاط قبل العمل وباعثا للشروع فيه أم بعد الشروع فيه وسببا لتجويده. (ويحب أن يحمدوه في جميع أموره) سواء كان من أمور الدين كفعل الطاعات وترك المنهيات فإنه قد يترك الزنا، وشرب الخمر ليمدحه الناس بالصلاح، أم من أمور الدنيا كالتشبع بالمال والتحلي باللباس لثناء الناس عليه، وإليه أشار النبي (صلى الله عليه وآله) بقوله: " إن لكل حق حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإخلاص حتى لا يحب ان يحمده على شئ من عمل الله ". 9 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن علي بن سالم قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: قال الله عز وجل: أنا خير شريك، من أشرك معي غيري في عمل عمله لم أقبله إلا ما كان لي خالصا. * الشرح: قوله (قال عز وجل أنا خير شريك -... إلى آخره) أطلق الشريك على ذاته المقدسة بزعم من

[ 295 ]

أشرك معه غيره، وأطلق الخير عليها باعتبار أنه يترك نصيبه مع شريكه ولا يساهمه كسائر الشركاء وانما يقبل ما كان له خالصا من الرياء والعجب والإدلال كما قال في حديث: " إني أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل عملا ثم شرك فيه غيري فأنا منه برئ، وهو للذي أشرك بي دوني ". 10 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن داود، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من أظهر للناس ما يحب الله وبارز الله بما كرهه لقى الله وهو ماقت له. * الشرح: قوله (من أظهر للناس ما يحب الله وبارز الله بما كرهه لقي الله وهو ماقت له) مبارزه " با كسى جنك كردن ونبرد جستن ". والمبارز: المحارب الذي لا يبالي بإقدام صاحبه، ومن أسباب المقت والعقوبة والخزي في الدنيا والآخرة إظهار الطاعة لخلق الله طلبا للرفعة والمنزلة عندهم، والإقدام بمعصية الله. 11 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان، عن فضل أبي العباس، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما يصنع أحدكم أن يظهر حسنا ويسر سيئا، أليس يرجع إلى نفسه فيعلم أن ذلك ليس كذلك والله عز وجل يقول: * (بل الإنسان على نفسه بصيرة) * إن السريرة إذا صحت قويت العلانية. الحسين بن محمد عن معلى بن محمد عن محمد بن جمهور، عن فضالة، عن معاوية، عن الفضيل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثله. * الشرح: قوله (ما يصنع أحدكم أن يظهر حسنا ويسر سيئا -... إلى آخره) لعل المراد بالحسن الأعمال والعبادات الظاهرة، وبالسيئ قصد الرياء ونية التقرب بها عند الناس ولو رجع هذا إلى نفسه وعقله علم أن ذلك العمل ليس بعمل حسن يترتب عليه الثواب والتقرب إلى الله بل علم أنه معصية لأن الإنسان عالم بحال نفسه من الخير والشر فيجب عليه الاجتناب من الشر وما يضره، والسبب لذلك القصد فساد القلب وميله إلى الدنيا وطلب العزة من أهلها، وإذا صح عن الفساد ومال إلى الحق وقصد التقرب إليه والسعادة الأبدية قويت العلانية. وصحت الجوارح والأعضاء الظاهرة، وصدرت منها الأعمال الصالحة كما روي " أن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، ألا وهي القلب ". 12 - علي بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ما من عبد يسر خيرا إلا لم تذهب الأيام حتى يظهر الله له خيرا

[ 296 ]

وما من عبد يسر شرا إلا لم تذهب الأيام حتى يظهر الله له شرا. 13 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن علي بن أسباط، عن يحيى بن بشير، عن أبيه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من أراد الله عز وجل بالقليل من عمله أظهر الله له أكثر مما أراد، ومن أراد الناس بالكثير من عمله في تعب من بدنه وسهر من ليله أبى الله عز وجل إلا أن يقلله في عين من سمعه. * الشرح: قوله (من أراد الله عز وجل بالقليل من عمله أظهر الله له أكثر مما أراد) أي أكثر مما أراد الله عز وجل به من العمل، ولعل المراد بإظهاره إظهاره على الخلق كما دل عليه بعض الروايات ليعرفوه بالتقوى والصلاح فيجمع له خير الدنيا والآخرة، ويمكن أن يراد به إظهاره له يوم فقره وفاقته كما دل عليه قوله تعالى * (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) * وإرادة الأعم أولى. (ومن أراد الناس بالكثير من عمله في تعب من بدنه وسهر من ليله أبى الله عز وجل إلا أن يقلله في عين من سمعه) كأن تقليله في أعينهم كناية عن تحقيرهم وبغضهم له كما دل عليه ما روي " أن رجلا من بني إسرائيل قال لأعبدن الله عبادة أذكر بها، فمكث مدة مبالغا في الطاعات وجعل لا يمر بملأ من الناس إلا قالوا متصنع مرائي، فأقبل على نفسه وقال: قد أتعبت نفسك وضيعت عمرك في لا شئ فينبغي أن تعمل لله سبحانه. فغير نيته وأخلص عمله لله فجعل لا يمر بملأ من الناس إلا قالوا ورع تقي ". 14 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): سيأتي على الناس زمان تخبث فيه سرائرهم وتحسن فيه علانيتهم، طمعا في الدنيا، لا يريدون به ما عند ربهم، يكون دينهم رياء، لا يخالطهم خوف، يعمهم الله بعقاب، فيدعونه دعاء الغريق فلا يستجيب لهم. * الشرح: قوله (سيأتي على الناس زمان تخبث فيه سرائرهم، وتحسن فيه علانيتهم طمعا في الدنيا) هكذا حال المرائي فإنه يحسن علانيته مع الخلق ويفسد سريرته بقصد الرياء وطلب المنزلة عندهم، وسبب ذلك حب الدنيا وشهواتها، ونسيان الآخرة وعقباتها وهو رأس كل خطيئة ومنبع كل ذنب، وهو الذي يحول بين القلب وبين تفكره في أمر العاقبة، ويبعثه على تحصيل الدنيا بأي وجه كان وأي طريق يمكن حتى أنه يجعل العبادة التي تجب أن تكون لله خالصة وسيلة إلى المنافع الموهومة الزائلة.

[ 297 ]

(لا يريدون به ما عند ربهم) من الثواب الجزيل والأجر الجميل، وضمير " به " راجع إلى حسن العلانية، أو إلى العمل المعلوم من سياق الكلام. (يكون دينهم رياء) لطلب الجاه والمنزلة في قلوب الناس والرغبة في نعيم الدنيا. (لا يخالطهم خوف) من الله ولو كان لهم خوف لزهدوا في الدنيا وأقبلوا إلى الآخرة وأخلصوا سريرتهم (يعمهم الله بعقاب فيدعونه دعاء الغريق فلا يستجيب لهم) دل على أن المرائي وغيره من أهل العصيان مستحقون للعقوبة وعلى أن من شرائط استجابة الدعاء الصلاح والخوف والرجوع من المخالفة بالتوبة والاستغفار والإنابة، وذلك لأن الاستجابة حق لهم على الله. والخوف والصلاح وخلوص العبادة حق لله عليهم، فإذا منعوا حقه تعالى فله أن يمنع حقهم، وذلك عدل وليس بظلم كما تدين تدان. 15 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن عمر بن يزيد قال: إني لأتعشى مع أبي عبد الله (عليه السلام) إذ تلا هذه الآية * (بل الإنسان على نفسه بصيرة * ولو ألقى معاذيره) * يا أبا حفص ما يصنع الإنسان أن يعتذر إلى الناس بخلاف ما يعلم الله منه، إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يقول: من أسر سريرة ألبسه الله رداءها إن خيرا فخير وإن شرا فشر. * الشرح: قوله (يا أبا حفص ما يصنع الإنسان أن يعتذر إلى الناس بخلاف ما يعلم -... إلى آخره) ذكر هذا الحديث سندا ومتنا قبيل ذلك (1) من غير تفاوت إلا قوله " أن يعتذر إلى الناس " الاعتذار إظهار العذر وطلب قبوله، ولعل المراد به هو الحث على التسوية بين السريرة والعلانية بحيث لا يفعل سرا ما لو ظهر لاحتاج إلى العذر، ومن البين أن الخير لا يحتاج إلى العذر، وانما المحتاج إليه هو الشر ففيه ردع عن تعلق السر بالشر مخالفا للظاهر، وهذا كما قيل لبعضهم: عليك بعمل العلانية. قال: وما عمل العلانية ؟ قال: ما إذا أطلع الله الناس عليك لم يستحى منه، وهذا مأخوذ من كلام أمير


1 - قوله " متنا قبيل ذلك " في الحديث السادس، وهذا يدل على جواز نقل الحديث بالمعنى دون اللفظ وليس المراد بحفظ المعنى حفظ جميع خصوصيات الأصل بل حفظ حاصل المضمون، مثلا في الحديث السابق: " ما يصنع الإنسان أن يتقرب إلى الله " وفي هذا الحديث بدله: " ما يصنع الإنسان أن يعتذر إلى الناس " وفي السابق: " رداه الله رداءها " وهنا: " ألبسه الله رداءها " والعجب أن كثيرا من أهل زماننا يدعون حصول الظن الاطميناني بصدور الأحاديث بجميع ألفاظها ويزعمون أنه علم في العرف والعادة ويستنبطون الاحكام من خصوصيات الألفاظ التي نعلم قطعا عدم امكان حفظها للرواة كما هي، ومن تمسك في حجية ألفاظ الأحاديث بالأدلة التعبدية كآية النبأ كما عمل به العلامة وسائر الفقهاء لم يتوجه عليهم ما أوردنا على التمسك بالظن الاطميناني. (ش). (*)

[ 298 ]

المؤمنين (عليه السلام) على ما ذكره صاحب العدة (رحمه الله) يقول (عليه السلام): " اياك وما تعتذر منه وإنه لا يعتذر من خير، واياك وكل عمل في السر تستحيي منه في العلانية، وإياك وكل عمل إذا ذكر لصاحبه أنكره ". 16 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن علي بن أسباط، عن بعض أصحابه، عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: الإبقاء على العمل أشد من العمل، قال: وما الإبقاء على العمل ؟ قال: يصل الرجل بصلة وينفق نفقة لله وحده لا شريك له فكتب له سرا ثم يذكرها فتمحى فتكتب له علانية، ثم يذكرها فتمحى وتكتب له رياء. * الشرح: قوله (الإبقاء على العمل أشد من العمل) كما يتحقق الرياء في أول العبادة ووسطها كذلك يتحقق بعد الفراغ منها إلى آخر العمر فيجعل ما فعل لله خالصا في حكم ما فعل لغيره فيبطلها كالأولين عند علمائنا، بل يوجب الاستحقاق للعقوبة أيضا عند الجميع، وانما كان الإبقاء أشد لأنه يحتاج إلى مراقبة النفس ومحافظة العمل من المفسد في زمان أطول من زمان الأولين، وقال الغزالي: لا يبطلها، لأن ما وقع صحيحا فهو صحيح لا ينتقل من الصحة إلى الفساد، نعم الرياء بعده حرام يوجب استحقاق العقوبة. 17 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمد الأشعري، عن ابن القداح، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: اخشوا الله خشية ليست بتعذير، واعملوا لله في غير رياء ولا سمعة، فإنه من عمل لغير الله وكله الله إلى عمله. * الشرح: قوله (قال أمير المؤمنين (عليه السلام) اخشوا الله خشية ليست بتعذير) في المصباح: عذر في الأمر تعذيرا إذا قصر ولم يجتهد، أي اخشوا الله خشية ليست متلبسة بتقصير وهي الخشية المستلزمة للتوافق بين السر والعلانية وترك محارم الله الظاهرة والباطنة، ولزوم حدوده الجاذبة إلى الزهد الحقيقي، وقال الفاضل الأمين الاسترابادي على ما نقل عنه: إذا فعل أحد فعلا من باب الخوف ولم يرض به فخشيته خشية تعذير وخشية كراهية، وإن رضي به فخشيته خشية رضاء وخشية محبة. 18 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يعمل الشئ من الخير فيراه إنسان فيسره ذلك ؟ فقال: لا بأس، ما من أحد إلا وهو يحب أن يظهر له في الناس الخير، إذا لم يكن صنع ذلك لذلك.

[ 299 ]

* الشرح: قوله (قال سألته عن الرجل يعمل الشئ من الخير فيراه انسان فيسره ذلك ؟ فقال: لا بأس ما من أحد إلا وهو يحب أن يظهر له في الناس الخير إذا لم يكن صنع ذلك لذلك) نظيره من طريق العامة عن أبي ذر: " قيل لرسول الله (صلى الله عليه وآله): أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه ؟ قال: تلك عاجل بشرى المؤمن يعني البشرى المعجلة له في الدنيا، والبشرى الأخرى قوله سبحانه * (بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار) * وهذا ينافي ما روي من طريقنا " ما بلغ عبد حقيقة الإخلاص حتى لا يحب أن يحمد على شئ من عمل لله " وما روي من طريقهم عن سعيد بن جبير قال " جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: إني أتصدق وأصل الرحم ولا أصنع ذلك إلا لله فيذكر مني وأحمد عليه فيسرني ذلك وأعجب به. فسكت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم يقل شيئا فنزل قوله تعالى * (قل انما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما الهكم اله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) * وطرق الجمع ما ذكره صاحب العدة رحمه الله وهو أنه إن كان سروره باعتبار أنه تعالى أظهر جميله عليهم، أو باعتبار أنه استدل بإظهار جميله في الدنيا على إظهار جميله في الآخرة (1) على رؤوس الأشهاد أو باعتبار أن الرائي قد يميل قلبه بذلك إلى طاعة الله تعالى أو باعتبار أنه يسلب ذلك اعتقادهم بصفة ذميمة له فليس ذلك السرور رياء وسمعة، وإن كان سروره باعتبار رفع المنزلة وتوقع التعظيم والتوقير والمدح بأنه عابد زاهد وتزكيتهم له إلى غير ذلك من التدليسات النفسانية والتلبيسات الشيطانية فهو رياء ناقل للعمل من كفة الحسنات إلى كفة السيئات والله هو المستعان.


1 - " على إظهار جميله في الآخرة " لا شك أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يفرح بغلبة دينه على الأديان وظهور ملته على الملل واشتهار ذكره وهزم أعدائه وعزة أوليائه في الدنيا وكان داعيه على ذلك الآخرة لا الدنيا كما في سائر الملوك والسلاطين، فالأصل في الرياء أن يكون قصد الفاعل بفعله الدنيا لا ظهور عمله للناس فمن أظهر عمله ليراه الناس وكان قصده الآخرة لم يكن ذلك رياء مبغوضا. فإن قيل: الرئاء من الرؤية، والفعل الخالص من الرياء أن يخفيه بحيث لا يراه الناس. قلنا: المتبادر من النهي هو كون إراءة الناس مقصودا لذاته الصلاح فاعله وإما إن لم يكن ذلك مقصودا لذاته بل كان غرضه ترغيبهم في العمل الصالح وتعليمهم وإرشادهم وأمثال ذلك كان مرغوبا فيه ويجب على الفاعل أن يمتحن نفسه بأمور يعلم بها حاله واقعا فلا يشتبه عليه الأمر، مثلا: إذا كان عمله الإرشاد والتعليم وأراد أن يعرف غرضه واقعا فكر في نفسه إن فرض تصدي غيره لتعليم العباد وكان ذلك الغير أعلم وأنطق بحجته وأكثر ممارسة في عمله هل يرضى ويفرح بأن الناس وجدوا وسيلة أقوى للرشاد أو يحسده ويبغضه ويكرهه فإن وجد من نفسه الثاني علم أنه بإرشاده مراء، وإن وجده راضيا به وأشد سرورا بوجود غيره الأعلم من نفسه فهو غير مراء وهكذا. (ش). (*)

[ 300 ]

باب طلب الرئاسة 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن معمر بن خلاد، عن أبي الحسن (عليه السلام) أنه ذكر رجلا فقال: إنه يحب الرئاسة، فقال: ماذئبان ضاريان في غنم قد تفرق رعاؤها بأضر في دين المسلم من الرئاسة. * الشرح: قوله (عن أبي الحسن (عليه السلام) أنه ذكر رجلا فقال إنه يحب الرئاسة فقال ما ذئبان ضاريان في غنم قد تفرق رعاؤها بأضر في دين المسلم من الرئاسة) في بعض النسخ: " عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) ". والرئاسة: الشرف والعلو على الناس، رأس الرجل يرأس مهموز بفتحتين رئاسة: شرف وعلا قدره وهو رئيس، والجمع رؤساء، مثل شريف وشرفاء، والضاري: السبع الذي اعتاد بالصيد وإهلاكه، والرعاء بالكسر والمد: جمع راع، اسم فاعل، وبالضم: جمع. صرح بالأول صاحب المصباح، وبالثاني القاضي، وفيه تبعيد للمسلم من طلب الرئاسة لأنها تهلك دينه وتفسده، وسبب ذلك أن الرئاسة متوقفة على العلم بالأمور الشرعية والأخلاق النفسانية وتهذيب الظاهر والباطن من الأعمال والأخلاق الباطلة وتحليتهما بالأعمال والأخلاق الفاضلة، وتطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة، وتعديل القوة الشهوية والغضبية ورعاية العدل في جميع الأمور، وهذه الأمور لا توجد إلا في المعصوم، ومن وفقه الله تعالى من أوليائه، وقد سأل بعض موالي علي بن الحسين أبا عبد الله (عليه السلام) " أن يكلم بعض الولاة على أن يوليه في بعض البلاد وأقسم بأيمان مغلظة أن يعدل ولا يظلم ولا يجور فرفع أبو عبد الله (عليه السلام) رأسه إلى السماء فقال: تناول السماء أيسر عليك من ذلك " وروى مسلم باسناده عن أبي ذر رحمه الله قال: " قلت يا رسول الله ألا تستعملني فقال: فضرب بيده على منكبي ثم قال يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة (1) وإنها يوم


1 - قوله " إنك ضعيف وإنها أمانة " كأنه من مجعولات رواة السوء في دولة بني أمية فإن أبا ذر (رحمه الله) كان مضادا لهم لظلمهم وإسرافهم وكانوا يزعمون العدل والتسوية التي يريدها أبو ذر ضعفا، وهكذا الجبابرة القدرة عندهم مرادفة للظلم، والعدل مساوق للضعف، وعند الحكماء المعتنين بالعلوم الاجتماعية العدل مساوق للقدرة والظلم للضعف، وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله): " الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم " ولا يبقى الشئ إلا لقوته ولا يفنى إلا لضعفه، والسر فيه أن الظالم يبغض الخلق والخلق يبغضونه وكل همه أن يحارب رعيته ويمنعهم من كل شئ يوجب تقويتهم حتى لا يبارزوه ولا يظهر من أحد من رعاياه ما أودعه الله فيه من إبداع الحرف والصنايع والعلوم وأنواع آثار العمران، وذكر ابن مسكويه أن ارتفاع البلاد قل في زمن الحجاج جدا لظلمه وزاد وكثر في عهد عمر بن عبد العزيز لعدله. (ش). (*)

[ 301 ]

القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها ". 2 - عنه، عن أحمد، عن سعيد بن جناح، عن أخيه أبي عامر، عن رجل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من طلب الرئاسة هلك. * الشرح: قوله (من طلب الرئاسة هلك) طلب الرئاسة - قصد أو لا - تفوقه على الخلق واستيلاؤه عليهم بحكم النفس الأمارة وقضاء القوة الشهوية والغضبية، وعلم أن ذلك لا يتيسر له إلا بالرئاسة المقتضية لتوجه الخلق إليه واحتياجهم لديه فلذلك طلبها مع علمه بأن فيها هلاكه لكونها حقا للعالم الرباني ضرورة أن التصرف والتدبير في أمر الخلق، وإقامة المعدلة بينهم قبل تحقق العلم والمعرفة والوقوف على مراتب حالاتهم وقدر حقوقهم وحقوق الله تعالى من الأوامر والنواهي وغيرها محال. 3 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن عبد الله بن المغيرة، عن عبد الله بن مسكان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إياكم وهؤلاء الرؤساء الذين يترأسون، فوالله ما خفقت النعال خلف رجل إلا هلك وأهلك. * الشرح: قوله (عن عبد الله بن مسكان قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إياكم وهؤلاء الرؤساء الذين يترأسون) فيه تحذير عن متابعتهم، والرجوع إليهم كما في " إياك والاسد " والإتيان بصيغة التفاعل ليدل على أنهم أظهروا أن أصل الفعل وهو الرئاسة حاصل لهم وهو منتف عنهم كما في تجاهل وتغافل، ورواية عبد الله بن مسكان هذا الحديث عن أبي عبد الله (عليه السلام) دل على أن ما ذكره بعض أصحاب الرجال من أن عبد الله بن مسكان لم يرو عن أبي عبد الله (عليه السلام) وما ذكره بعضهم من أنه لم يرو عنه إلا حديثا واحدا وهو حديث من أدرك المشعر فقد أدرك الحج خطأ. ثم علل التحذير بقوله (فوالله ما خفقت النعال خلف رجل إلا هلك وأهلك) نظيره ما رواه المصنف في كتاب الروضة بإسناده عن جويرية بن مسهر قال: اشتددت خلف أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال لي: " يا جويرية إنه لم يهلك هؤلاء الحمقى إلا بخفق النعال خلفهم " الخفق صوت النعل أما هلاكه فلأنه يورث الفخر والعجب والتكبر وغيرها من المهلكات، وأما إهلاكه فلأن الرئيس المقدم والأمير المعظم إذا ضل عن العدل وعدل عن طريق الحق يتبعه كافة العوام خوفا من بطشه وطمعا في جاهه وماله فضلوا بمتابعته وأضلهم عن سبيل الرشد بسيرته القبيحة، هذا إذا كان الرئيس جاهلا ظاهر، وكذا إذا كان عالما غير عادل فإنه كثيرا ما تعتريه شبهة وتعرضه زلة فيضل بها عوام

[ 302 ]

المؤمنين فإنهم يقلدونه في ظاهر أحواله ويعتمدون عليه في أقواله وأفعاله بل ربما يقولون في أنفسهم إذا فعل هو هذا فنحن أولى به منه، ومن ثم قال النبي (صلى الله عليه وآله): " أخاف على أمتي زلة عالم ". 4 - عنه، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع وغيره رفعوه قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) ملعون من ترأس، ملعون من هم بها، ملعون من حدث بها نفسه. 5 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن أيوب، عن أبي عقيلة الصيرفي قال: حدثنا كرام، عن أبي حمزة الثمالي قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): إياك والرئاسة وإياك أن تطأ أعقاب الرجال، قال: قلت: جعلت فداك أما الرئاسة فقد عرفتها وأما أن أطأ أعقاب الرجال فما ثلثا ما في يدي إلا مما وطئت أعقاب الرجال فقال لي: ليس حيث تذهب، إياك أن تنصب رجلا دون الحجة، فتصدقه في كل ما قال. 6 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن أبي الربيع الشامي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال لي: ويحك يا أبا الربيع لا تطلبن الرئاسة ولا تكن ذئبا ولا تأكل بنا الناس فيفقرك الله ولا تقل فينا مالا نقول في أنفسنا فإنك موقوف ومسؤول لا محالة فإن كنت صادقا صدقناك وإن كنت كاذبا كذبناك. * الشرح: قوله (ويحك يا أبا الربيع لا تطلبن الرئاسة ولا تكن ذئبا) الذئب معروف وهو يهمز ولا يهمز، ويقع على الذكر والأنثى، وربما دخلت الهاء في الأنثى فقيل ذئبة، وفي بعض النسخ: ذنبا بالنون بعد الذال وهو واحد الأذناب بمعنى الأتباع نهاه أن يكون رئيسا وتابعا للرئيس فإن لكل واحد مفاسد غير محصورة، وقوله: (ولا تأكل بنا الناس فيفقرك الله) تأكيد لما في الأصل، يقال: فقر زيد - من باب علم - إذا قل ماله، ويتعدى بالهمزة فيقال: أفقره الله فافتقر. نهاه أن يجعل العلوم الشرعية التي أخذها منهم (عليهم السلام) آلة لأكل أموال الناس كما هو شأن قضاة الجور، وأوعده بأن الله تعالى يفقره إما في الدنيا بتفويت المال ونقص العيش، أو في الآخرة بسلب الرحمة. ثم نهاه عن نسبة الباطل إليهم بقوله: (ولا تقل فينا مالا نقول في أنفسنا) لعل المراد لا تقل في ذاتنا ووصفنا أو لا تقل في أقوالنا وأفعالنا، والأول أظهر، والثاني أنسب، والتعميم أولى، والله أعلم. 7 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن منصور بن العباس، عن ابن مياح عن أبيه قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: من أراد الرئاسة هلك. 8 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن العلاء، عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: أترى لا أعرف خياركم من شراركم ؟ بلى والله وإن شراركم من أحب

[ 303 ]

أن يوطأ عقبه، إنه لابد من كذاب أو عاجز الرأي. * الشرح: قوله (ان شراركم من أحب أن يوطأ عقبه) كناية عن حب الرئاسة وهو أشد الفسوق وأعظمها إذ كل فسق غيره يعود ضره إلى الفاسق، وهذا الفسق يعود ضره إلى تخريب الدين وإلى الفاسق والخلق أجمعين. (إنه لابد من كذاب أو عاجز الرأي) الرأي: العقل والتدبير، ورجل ذو رأي أي له بصيرة وحذق بالأمور، ولعل المراد بعاجز الرأي: الجاهل المدعي للعلم، المتكفل للحكومة بين الخلق، الذي ضعف عقله ونقص علمه واتبع هواه. فلا يهتدي إلى نصح الخلق ومصالحهم كما ينبغي، وبالكذاب: السلطان المدعي للخلافة وإمارة الخلق كذبا، وكل سلطان إلى زمان القائم (عليه السلام) كذاب فاجر لابد للخلق منه في ضبط نظام أحوالهم في الجملة كما أشار إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله " وإنه لابد للناس من أمير بر أو فاجر " وحيث لم يكن أمير قاهر بعده إلى عهد القائم (عليه السلام) برا من جميع الوجوه كان كل أمير بعده فاجرا كذابا.

[ 304 ]

باب اختتال الدنيا بالدين 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر، عن يونس بن ظبيان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن الله عز وجل يقول: ويل للذين يختلون الدنيا بالدين، وويل للذين يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، وويل للذين يسير المؤمن فيهم بالتقية، أبي يغترون أم علي يجترئون، فبي حلفت لاتيحن لهم فتنة تترك الحليم منهم حيران. * الشرح: قوله (ويل للذين يختلون الدنيا بالدين) أي يطلبون الدنيا بعمل الآخرة يقال: ختله يختله إذا خدعه (أبي يغترون) أي يظنون الأمن ولا يتحفظون من الذنب. تقول: اغتررت به إذا ظننت الأمن ولم تتحفظ (أم على يجترئون) اجترأ عليه - بالهمز -: أسرع بالهجوم عليه من غير توقف، والاسم الجرأة، وهو جرئ بالهمز أيضا على فعيل. (فبي حلفت لأتيحن) أي لأقدرن، من " الإتاحة " وهي التقدير (لهم فتنة تترك الحليم منهم حيران) الحلم: الأناة، والحليم من لا يستخفه شئ من مكاره النفوس ولا يستفزه الغضب. والفتنة: المحنة والابتلاء، وأصلها من قولهم: فتنت الذهب والفضة إذا أحرقته بالنار لتبين الجيد من الردي وهي قد تكون في حال الحياة الدنيا، وفسرها السهروردي بأنها الابتلاء مع ذهاب الصبر والرضا والوقوع في الآفات والمهلكات والإصرار على الفساد، وترك اتباع طريق الهدى، وقد تكون في الممات وفسرها بعضهم بأنها ما يرد في حال الاحتضار من سوء الخاتمة الذي يضطرب منه قلوب العارفين، وبعضهم بأنها ما يرد في البرزخ وما بعده من الشدائد والعذاب وسوء المعاملة والمضايقة في الحساب وغيرها.

[ 305 ]

باب من وصف عدلا وعمل بغيره 1 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن يوسف البزاز، عن معلى بن خنيس، عن أبي عبد الله (عليه السلام) [ أنه ] قال: إن [ من ] أشد الناس حسرة يوم القيامة من وصف عدلا ثم عمل بغيره. * الشرح: قوله (إن [ من ] أشد الناس حسرة يوم القيامة من وصف عدلا ثم عمل بغيره) شمل الوعيد من وصف إماما عادلا اعترف بحقه وخالفه، ومن وصف حقيقة العدل ومنافعه وجار، ومن وصف أعمالا وأخلاقا حسنة وعمل بغيرها. ومن وصف أعمالا وأخلاقا قبيحة وعمل بها، ومن وعظ الناس ولم يتعظ وهو بالقول مدل واثق، وبالعمل مقل فاسق، ومن أمر بالمعروف وتركه ونهى عن المنكر وفعله. ودل على ذم هؤلاء أيضا قوله: * (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم) * وقوله تعالى: * (كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون) * وما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " مررت ليلة أسري بي بقوم تقرض شفاهم بمقاريض من نار فقلت من أنتم ؟ فقالوا كنا نأمر بالخير ولا نأتيه وننهى عن الشر ونأتيه " وما رواه العامة " أنه يؤتى برجل يوم القيامة فيلقى في النار فيندلق قباب بطنه أي تخرج أمعاؤه فيدور كما يدور الحمار بالرحى ويقول كنت آمر بالخير ولا آتيه وأنهى عن الشرو آتيه ". وانما كانت حسرته أشد لوقوعه في الهلكة مع العلم وهو أشد من الوقوع فيها بدونه، ولمشاهدته نجاة الغير بقوله وعدم نجاته به. 2 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن قتيبة الأعشى عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: إن [ من ] أشد الناس عذابا يوم القيامة من وصف عدلا وعمل بغيره. 3 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن من أعظم الناس حسرة يوم القيامة من وصف عدلا ثم خالفه إلى غيره. 4 - محمد بن يحيى، عن الحسين بن إسحاق، عن علي بن مهزيار، عن عبد الله بن يحيى، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال في قول الله عز وجل: * (فكبكبوا فيها هم والغاوون) * قال: يا أبا بصير هم قوم وصفوا عدلا بألسنتهم ثم خالفوه إلى غيره. 5 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن علي بن عطية، عن خيثمة قال: قال لي أبو جعفر (عليه السلام): أبلغ شيعتنا أنه لن ينال ما عند الله إلا بعمل، وأبلغ شيعتنا أن أعظم الناس حسرة يوم القيامة من وصف عدلا ثم يخالفه إلى غيره.

[ 306 ]

باب المراء والخصومة ومعاداة الرجال 1 - علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أمير المؤمنين (عليه السلام): إياكم والمراء والخصومة فإنهما يمرضان القلوب على الإخوان وينبت عليهما النفاق. * الشرح: قوله (إياكم والمراء والخصومة) المراء بالكسر مرادف للمجادلة تارة وأخص منها أخرى، تقول: ماريته أماريه مماراة ومراء إذا جادلته، وتقول أيضا: ماريته إذا طعنت في قوله تزييفا للقول وتصغيرا للقائل فلا يكون المراء إلا اعتراضا بخلاف الجدال فإنه يكون ابتداء واعتراضا، والجدال أخص من الخصومة. يقال: جدل الرجل من باب علم فهو جدل إذا اشتدت خصومته، وجادل مجادلة وجدالا إذا خاصم بما يشغل عن ظهور الحق ووضوح الصواب. والخصومة لا يعتبر فيها الشدة ولا الشغل، وقال الغزالي: يندرج في المراء كل ما يخالف قول صاحبه مثل أن يقول هذا حلو فيقول ملح، أو يقول من كذا إلى كذا فرسخ فيقول ليس بفرسخ، أو يقول شيئا فيقول أنت أحمق، أو أنت كاذب. ويندرج في الخصومة كل ما يوجب تأذي خاطر الآخر ويزداد القول بينهما، وإذا اجتمعا يمكن تخصيص المراء بالأمور الدينية والخصومة بغيرها، أو بالعكس. وينبغي لمن يخاصم أن لا يبالغ فيها، وقد قيل لبعض الأشراف: بم نلت هذا السؤدد ؟ فقال لم يخاصمني أحد إلا وقد أبقيت بيني وبينه موضعا للصلح. ثم أشار إلى بعض آثارهما المذمومة مبالغة في التنفير عنهما بقوله: (فإنهما يمرضان القلوب على الإخوان وينبت عليهما النفاق) لا ريب في أنهما يوجبان تغير كل واحد وعداوته وبغضه وغيظه على الآخر ويورثان التفاوت بين ظاهر كل واحد منهما وباطنه بالنسبة إلى صاحبه، وهذا نفاق يقتضي زوال الألفة وارتفاع الوحدة وتبدد النظام وانقطاع الالتيام. 2 - وبإسناده قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله): ثلاث من لقي الله عز وجل بهن دخل الجنة من أي باب شاء: من حسن خلقه، وخشي الله في المغيب والمحضر، وترك المراء وإن كان محقا. * الشرح: قوله (وترك المراء وإن كان محقا) لأن مفاسد المراء لا تتخلف عنه وإن كان صاحبه محقا، على أن المحق المجادل كثيرا مالا يكتفي بسلوك سبيل الدفع. ولا يقتصر على سلوك سبيل الحق بل

[ 307 ]

يتجاوز عنه فيقع في الاثم، ولذلك قال أمير المؤمنين (عليه السلام) " من بالغ في الخصومة أثم " والمراء قبيح سيما من أهل الدين والورع، وإن كان لابد فلابد من أن يصدق ولا يؤذي ولا يتكلم إلا بقدر الضرورة. 3 - وبإسناده قال: من نصب الله غرضا للخصومات أوشك أن يكثر الانتقال. * الشرح: قوله (من نصب الله غرضا للخصومات أوشك أن يكثر الانتقال) الخصومة مع الخلق خصومة مع الخالق، والنصب: الإقامة، والغرض بالغين المعجمة: الهدف، وبالمهملة: الجانب، و " أوشك " من أفعال المقاربة بمعنى القرب والدنو، وقال الفارابي: الإيشاك: الإسراع. والانتقال التحول من حال إلى حال كالتحول من الخير إلى الشر ومن حسن الأفعال إلى قبح الأعمال المقتضية فساد النظام وزوال الألفة والالتيام. 4 - علي بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن عمار بن مروإن قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): لا تمارين حليما ولا سفيها، فإن الحليم يقليك والسفيه يؤذيك. 5 - علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن الحسن بن عطية، عن عمر بن يزيد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما كاد جبرئيل (عليه السلام) يأتيني إلا قال: يا محمد اتق شحناء الرجال وعداوتهم. * الشرح: قوله (اتق شحناء الرجال وعداوتهم) الشحناء: العداوة والبغضاء، وشحنت عليه شحنا من باب علم: حقدت وأظهرت العداوة، ومن باب منع لغة. 6 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن الحسن بن الحسين الكندي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال جبرئيل (عليه السلام) للنبي (صلى الله عليه وآله): إياك وملاحاة الرجال. * الشرح: قوله (اياك وملاحاة الرجال) ملاحاة " يكديگر را دشنام دادن وبايكديگر نزاع كردن " وفي المثل: من لاحاك فقد عاداك. 7 - عنه، عن عثمان بن عيسى، عن عبد الرحمن بن سيابة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إياكم والمشارة فانها تورث المعرة وتظهر المعورة. * الشرح: قوله (إياكم والمشارة) مشارة " با كسى بدى كردن وباهمديگر خصومت كردن "، وأصلها

[ 308 ]

مشاررة أدغمت إحدى الرائين في الأخرى، ولما حذر منها أشار إلى بعض غوائلها ومفاسدها للمبالغة في التحذير بقوله: (فإنها تورث المعرة) العر بضم العين وفتحها: الحرب، والمعرة: المساءة والمكروه والاثم، وعره بالشر يعره من باب قتل: لطخه به. (وتظهر المعورة) اسم فاعل من أعور الشئ إذا صار ذا عورة وهي العيب والقبح وكل شئ يستره الإنسان أنفة أو حياء فهو عورة. والمراد بهاهنا القبيح من الأخلاق والأفعال وغيرها فإن الخصومة سبب لإظهار الخصم قبح خصمه لبغض منه وليضع قدره بين الناس كما هو غالب عادات أهل الدنيا إلا من عصمه بالتقوى وقليل ما هم. 8 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن عنبسة العابد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إياكم والخصومة، فإنها تشغل القلب وتورث النفاق وتكسب الضغائن. * الشرح: قوله (اياكم والخصومة فإنها تشغل القلب) أي تشغل القلب عن ذكر الله وتورث النفاق والضغائن للخلق، وكل ذلك من المهلكات الدينية والدنيوية ويدخل فيها الخصومة بين يدي الحكام في الاموال وغيرها وإن احتاج إليها وجب أن لا يغلظ القول ولا يكذب ولا يزيد على قدر الحاجة ولا يقصد إيذاء صاحبه. 9 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن الحسن بن عطية، عن عمر بن يزيد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما كاد جبرئيل (عليه السلام) يأتيني إلا قال: يا محمد اتق شحناء الرجال وعداوتهم. * الشرح: قوله (علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير -... إلى آخره) مر هذا متنا وسندا قبيل ذلك، والظاهر أنه تكرار من الناسخ. 10 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن مهران، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما أتاني جبرئيل (عليه السلام) قط إلا وعظني فآخر قوله لي: إياك ومشارة الناس فإنها تكشف العورة وتذهب بالعز (1). * الشرح: قوله (فآخر قوله لي إياك ومشارة الناس فإنها تكشف العورة وتذهب بالغر) الغر بالغين المعجمة


1 - في بعض النسخ (الغر) بتقديم المعجمة. (*)

[ 309 ]

جمع الأغر من الغرة وهي البياض في جبهة الفرس فوق الدرهم، وكل شئ ترفع قيمته كما يقال غرة ماله، والمراد بها هنا محاسن الأمور والأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة على سبيل التشبيه والاستعارة. فقد حذر من الخصومة فإنها سبب لإظهار المخاصم عورة خصمه أي معايبه وقبايحه وذهابه بمحاسن أمره وإخفائه فضائل أعماله وأخلاقه، ويحتمل أن يقرأ العز بالعين المهملة والزاي المعجمة، ويؤيد الأول ما روى من طرق العامة " إياك ومشارة الناس فإنها تظهر العرة وتدفن الغرة " قالوا: العرة: القبيح من الأخلاق والأفعال، والغرة: العمل الصالح شبهه بغرة الفرس. 11 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان جميعا عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن الوليد بن صبيح قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما عهد إلي جبرئيل (عليه السلام) في شئ ما عهد إلي في معاداة الرجال. * الشرح: قوله (ما عهد إلي جبرئيل (عليه السلام) في شئ ما عهد إلي في معاداة الرجال) لما كانت المعاداة منافية للمصالح الكلية والمقاصد المهمة المطلوبة للحكيم جل شأنه وهي النظام الكلي واجتماع النفوس على طريقة واحدة هي سلوك سبيل الله بسائر وجوه الأوامر والنواهي والآداب الذي لا يتم بدون التعاون والتعاضد والتلاطف بين أبناء النوع، كرر جبرئيل (عليه السلام) العهد فيها، وبالغ في الحث على تركها من بين سائر المعاصي وهي وإن كانت أيضا قبيحة لكن قبحها لكونها ملتزمة لمفاسد جزئية أقل من قبح المعاداة المستلزمة لمفاسد كلية. 12 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن بعض أصحابه، رفعه، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): من زرع العداوة حصد ما بذر.

[ 310 ]

باب الغضب 1 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الخل العسل. * الشرح: قوله (الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الخل العسل) غضب " خشم گرفتن " ومبدؤه قوة للإنسان بها يرتكب الأهوال العظام، ويتحرك نحو الانتقام، وله فيها حالات ثلاثة لأنه إن لم يستعملها فيما هو محمود عقلا وشرعا مثل دفع الضرر عن نفسه على وجه سايغ والجهاد مع أعداء الدين والبطش عليهم وإقامة الحدود على الوجه المعتبر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حصلت له ملكة الجبن وهو مذموم معدود من الرذائل النفسانية، وإن استعملها فيما هو محمود ولم يتجاوز عن حكم العقل والشرع حصلت له ملكة الشجاعة التي هي من الفضائل النفسانية التي وقع الحث عليها في كتب العلماء وزبر الحكماء، وإن أفرط فيها بالإقدام على ما ليس بجميل واستعملها فيما هو مذموم مثل الضرب والبطش والشتم والنهب والقتل والقذف وأمثال ذلك مما لا يجوزه العقل والشرع حصلت له ملكة التهور المعدودة من الرذائل النفسانية أيضا، وتلك الملكة وما يتولد منها من الأفعال الشنيعة والأقوال القبيحة والأخلاق الذميمة والحركات الخارجة من القوانين العقلية والنقلية تظلم الظاهر والباطن، وتختلط بالأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة والعقائد الكاملة التي هي أنوار الإيمان وحقائق العرفان فيفسد الإيمان، سواء كان الإيمان عين تلك العقائد أم هي مع الأعمال كما يفسد الخل العسل إذ المركب مما ذكر ليس بايمان كما أن المركب من الخل والعسل ليس بعسل بل قد يزيله بالكلية كالخل الكثير للعسل القليل، وفيه تشبيه المعقول بالمحسوس لزيادة الإيضاح والتقرير. 2 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن ابن فضال، عن علي بن عقبة، عن أبيه، عن ميسر قال: ذكر الغضب عند أبي جعفر (عليه السلام) فقال: إن الرجل ليغضب فما يرضى أبدا حتى يدخل النار، فأيما رجل غضب على قوم وهو قائم فليجلس من فوره ذلك، فانه سيذهب عنه رجز الشيطان، وأيما رجل غضب على ذي رحم فليدن منه فليمسه، فإن الرحم إذا مست سكنت. * الشرح: قوله (إن الرجل ليغضب فما يرضى أبدا حتى يدخل النار) الرضى " خشنود شدن " وفيه إشارة إلى بعض مفاسد الغضب والاستمرار عليه وتنبيه على أنه ينبغي أن لا يغضب، وعلى أنه لو غضب

[ 311 ]

ينبغي أن لا يستمر عليه بل يزيله بالرضى عن المغضوب إذ لو استمر عليه اشتد غضبه آنا فآنا شيئا فشيئا وصدر منه قبايح متكثرة بعضها فوق بعض، وهكذا حتى يدخل النار، واعلم أن علاج الغضب أمران: علمي وفعلي أما العلمي فبأن يتفكر في الايات والروايات التي وردت في ذم الغضب ومدح العفو والحلم الذي هو ضده ويتفكر في توقعه عفو الله عن ذنبه ورفع غضبه عنه، وكذلك كل صفة ذميمة تعالج بمثل ذلك، وبالصبر على تحمل ضدها حتى يصير بالتكلف ملكة. مثلا علاج التكبر التواضع والصبر عليه وعلاج البخل إعطاء المال بالتكلف حتى يصير صفة راسخة، وعلى هذا القياس، وأما الفعلي فأمران أشار إلى الأولى بقوله (فأيما رجل) " ما " زائدة (غضب على قوم وهو قائم فليجلس من فوره ذلك) الضمير إما للرجل أو للغضب، وهو من: فار الماء فورا نبع وجرى، أو من: فارت القدر فورا، وفي المصباح: قولهم الشفعة على الفور من هذا أي على الوقت الحاضر الذي لا تأخير فيه. ثم استعمل في الحالة التي لابط ء فيها. يقال جاء فلان في حاجته ثم رجع من فوره أي حركته التي وصل فيها ولم يسكن بعدها وحقيقته أن يصل ما بعد المجئ بما قبله من غير لبث. (فإنه سيذهب عنه رجز الشيطان) الرجز: العذاب والخبث والرجس المنتن، والمراد به هنا نزغات الشيطان ووساوسه فإن الخبيث ينفخ في الإنسان الكبر والعجب والغضب، والأولان يوجبان تغيره بأدنى شئ لا يلايم طبعه، والثالث ينتهض للانتقام فيحركه إلى مالا يليق بذوي العقول. وما ذكره (عليه السلام) من ذهاب رجز الشيطان ووساوسه وصولته بالجلوس عند ظهور الغضب مجرب كما أن من جلس عند حملة الحلب وجده ساكنا لا يحوم حوله، وفيه سر لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم، وربما يقال السر فيه هو الإشعار بأنه من التراب، وعبد ذليل لا يليق به الغضب، أو التوسل بسكون الأرض وثبوتها، وألحق بعض الأفاضل الاضطجاع والقيام إذا كان جالسا، والوضوء بالماء البارد وشربه بالجلوس في ذهاب الرجز. وأشار إلى الثاني بقوله: (وأيما رجل غضب على ذي رحم) وإن بعد (فليدن منه فليمسه فإن الرحم إذا مست سكنت) هذا إذا مسه لأجل كسر سورة الغضب وصح قصده لا لأجل إمضائه فإن المس على هذا الوجه لا يكسره، ولذلك قد يأخذه ويضربه أو يقتله مع تحقق المس هنا، والظاهر أن مس المغضوب للغضوب أيضا يدفع الغضب كما دل عليه بعض الروايات. 3 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن داود بن فرقد قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): الغضب مفتاح كل شر.

[ 312 ]

* الشرح: قوله (الغضب مفتاح كل شر) إذ يتولد منه الحقد والحسد والشماتة والتحقير والأقوال الفاحشة وهتك الأستار والسخرية والطرد والضرب والقتل والنهب ومنع الحقوق إلى غير ذلك مما لا يحصى، وفيه حث على معالجته بحكمة نظرية وعملية. 4 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن النضر بن سويد، عن القاسم ابن سليمان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعت أبي (عليه السلام) يقول: أتي رسول الله (صلى الله عليه وآله): رجل بدوي فقال: إني أسكن البادية فعلمني جوامع الكلام، فقال: آمرك أن لا تغضب، فأعاد عليه الأعرابي المسألة ثلاث مرات حتى رجع الرجل إلى نفسه، فقال: لا أسأل عن شئ بعد هذا، ما أمرني رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا بالخير قال: وكان أبي يقول: أي شئ أشد من الغضب، إن الرجل ليغضب فيقتل النفس التي حرم الله ويقذف المحصنة. * الشرح: قوله (فعلمني جوامع الكلام) أي علمني كلاما قليل الألفاظ كثير المعاني. كذا في المصباح. قوله (ويقذف المحصنة) القذف: الرمي بالزنا. والمحصنة بالكسر والفتح أيضا على غير قياس وهي العفيفة، يقال: أحصنت المرأة إذا عفت. وأحصنت نفسها بعقلها التام. 5 - عنه، عن ابن فضال، عن إبراهيم بن محمد الأشعري، عن عبد الأعلى قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): علمني عظة أتعظ بها، فقال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أتاه رجل فقال له: يا رسول الله علمني عظة أتعظ بها، فقال له: انطلق ولا تغضب، ثم أعاد إليه فقال له: انطلق ولا تغضب - ثلاث مرات -. * الشرح: قوله (علمني عظة أتعظ بها) العظة مصدر وغير مصدر، والمراد هنا غير المصدر، ويقال لها بالفارسية " پند " والاتعاظ: قبول العظة وكف النفس عن المخالفة. 6 - عنه، عن إسماعيل بن مهران، عن سيف بن عميرة، عمن سمع أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: من كف غضبه ستر الله عورته. * الشرح: قوله (من كف غضبه ستر الله عورته) أي عيوبه، أو ذنوبه في القيامة فيكون كفارة عنها، واختلفوا في أن من كف نفسه عن الغضب ومن لا يغضب أصلا لكونه حليما بحسب الخلقة أيهما أفضل ؟ فقيل الثاني، وقيل الأول لأن الأجر على قدر المشقة، وفيه جهاد النفس وهو أفضل من جهاد العدو، وغضب النبي (صلى الله عليه وآله) مشهور إلا أن غضبه لم يكن من مس الشيطان ورجزه، وانما كان من

[ 313 ]

بواعث الدين. 7 - عنه، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن حبيب السجستاني، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: مكتوب في التوراة فيما ناجى الله عز وجل به موسى (عليه السلام): يا موسى أمسك غضبك عمن ملكتك عليه أكف عنك غضبي. * الشرح: قوله (يا موسى أمسك غضبك عمن ملكتك عليه أكف عنك غضبي) المراد بالموصول إما العبيد والإماء، أو الرعية أو الأعم وهو أولى، وغضب الخلق ثوران النفس وحركاتها بسبب تصور المؤذي والضار إلى الانتقام والمدافعة، وغضب الخالق عقابه التابع لعلمه بمخالفة أمره ونواهيه وغيرهما، وفيه إشارة إلى نوع من معالجة الغضب وهو أن يذكر الإنسان عند غضبه على الغير غضبه تعالى عليه، فإن ذلك يبعثه على الرضى والعفو طلبا لرضاه تعالى وعفوه لنفسه، والمراد بذكره تعالى له في غضبه - كما في الخبر الآخر - عدم المعاقبة والعذاب بزلاته ومعاصيه جزاء بما صنع في أخيه من العفو عنه. 8 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن عبد الحميد، عن يحيى بن عمرو، عن عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): أوحى الله عز وجل إلى بعض أنبيائه يا ابن آدم اذكرني في غضبك أذكرك في غضبي لا أمحقك فيمن أمحق وارض بي منتصرا فإن انتصاري لك خير من انتصارك لنفسك. * الشرح: قوله (وارض بي منتصرا فإن انتصاري لك خير من انتصارك لنفسك) لما كان الغرض من إمضاء الغضب غالبا هو الانتصار أي الانتقام من الظالم رغب في تركه بأنه تعالى منتقم من الظالم لك وعلله بأن انتقامه خير من انتقامك لأن انتقامه على قدر الظلم وانتقامك قد يتعدى. وأيضا انتقامك قد يؤدي إلى المفاسد الكلية والجزئية بانتهاض الخصم للمعاداة بخلاف انتقامه تعالى. 9 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن ابن فضال، عن علي بن عقبة، عن عبد الله ابن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثله، وزاد فيه: وإذا ظلمت بمظلمة فارض بانتصاري فإن انتصاري لك خير من انتصارك لنفسك. * الشرح: قوله (وزاد فيه: وإذا ظلمت بمظلمة فارض بانتصاري فإن انتصاري لك) لعل المراد بالزيادة وقوع هذه العبارة فقط بدل قوله في الرواية السابقة " وارض بي منتصرا " كما في الرواية الآتية.

[ 314 ]

10 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن إسحاق بن عمار قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن في التوراة مكتوبا: يا ابن آدم اذكرني حين تغضب أذكرك عند غضبي، فلا أمحقك فيمن أمحق، وإذا ظلمت بمظلمة فارض بانتصاري لك، فإن انتصاري لك خير من انتصارك لنفسك. 11 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، وعلي بن محمد، عن صالح بن أبي حماد جميعا، عن الوشاء، عن أحمد بن عائذ، عن أبي خديجة، عن معلى بن خنيس، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رجل للنبي (صلى الله عليه وآله): يا رسول الله علمني، قال: اذهب ولا تغضب، اكتفيت بذاك فمضى إلى أهله فإذا بين قومه حرب قد قاموا صفوفا ولبسوا السلاح، فلما رأى ذلك لبس سلاحه، ثم قام معهم ثم ذكر قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): " لا تغضب " فرمى السلاح، ثم جاء يمشي إلى القوم الذين هم عدو قومه، فقال: يا هؤلاء ما كانت لكم من جراحة أو قتل أو ضرب ليس فيه أثر فعلي في مالي أنا أوفيكموه فقال القوم: فما كان فهو لكم، نحن أولى بذلك منكم، قال: فاصطلح القوم وذهب الغضب. * الشرح: قوله (ما كانت لكم من جراحة أو قتل أو ضرب ليس فيه أثر) الأثر بالتحريك: العلامة، وبالضم وبالضمتين: أثر الجراح يبقى بعد البرء و " ليس فيه أثر " صفة لضرب ويريد به ضرب ليس فيه جراحة لأنه قسيمه، فأشار إلى جميع أقسام الضرب وضمن الوفاء بجميعها في ماله. 12 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن هذا الغضب جمرة من الشيطان توقد في قلب ابن آدم وإن أحدكم إذا غضب احمرت عيناه وانتفخت أوداجه ودخل الشيطان فيه، فإذا خاف أحدكم ذلك من نفسه فليلزم الأرض، فإن رجز الشيطان ليذهب عنه عند ذلك. * الشرح: قوله (إن هذا الغضب جمرة من الشيطان توقد في قلب ابن آدم وأن أحدكم إذا غضب احمرت عيناه) الجمرة. القطعة الملتهبة من النار شبه بها الغضب في الإحراق والإهلاك، ونسبها إلى الشيطان لأن بنفخ نزغاته ووساوسه تحدث وتشتد وتوقد في قلب ابن آدم وتلتهب التهابا عظيما، ويغلي بها دم القلب غليانا شديدا كغلي الحميم فيحدث منه دخان بتحليل الرطوبات وينتشر في العروق ويرتفع إلى أعلى البدن والوجه كما يرتفع الماء والدخان في القدر فلذلك تحمر العين والوجه والبشرة وتنتفخ الأوداج والعروق وحينئذ يتسلط عليه الشيطان كمال التسلط، ويدخل فيه

[ 315 ]

ويحمله على ما يريد فيصدر منه أفعال شبيهة بأفعال المجانين. ولزوم الأرض يشمل الجلوس والاضطجاع والسجود. 13 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن بعض أصحابه، رفعه قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): الغضب ممحقة لقلب الحكيم، وقال: من لم يملك غضبه لم يملك عقله. * الشرح: قوله (الغضب ممحقة لقلب الحكيم) ممحقة بكسر الميم اسم آلة للمحق، وهو الإبطال وذلك لأن ثوران نار الغضب وانبعاث دخانه في ساحة القلب، وغليان الرطوبات القلبية يوجب محق نور القلب ويصيره مظلما بحيث لا يدرك شيئا من الحق وعند ذلك يستولي عليه الشيطان ويحمله على أن يفعل ما يفعل، وإنما خص قلب الحكيم بالذكر لأن المحق الذي هو إزالة النور انما يتعلق بقلب له نور، وقلب غير الحكيم مظلم ليس له نور، أو لأن قلب غير الحكيم يعلم بالأولوية، وإذا عرفت أن الغضب يمحق قلب الحكيم يعني عقله ظهر لك حقيقة قوله " ومن لم يملك غضبه لم يملك عقله " وذلك لأن من لم يملك غضبه ولم يمنعه من الانبعاث عند وجود سببه بطل نور عقله وحكمه، وصار مأسورا في يد النفس الأمارة، وإذا بطل حكمه صدرت عنه أفعال وحركات غريبة مثل المجانين. 14 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي، عن عاصم بن حميد، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من كف نفسه عن أعراض الناس أقال الله نفسه يوم القيامة، ومن كف غضبه عن الناس كف الله تبارك وتعالى عنه عذاب يوم القيامة. * الشرح: قوله (من كف نفسه عن أعراض الناس أقال الله نفسه يوم القيامة) والغرض منه هو الترغيب في ترك الغيبة والبهتان ومواجهتهم بما يكرهونه وكشف عيوبهم وأذاهم بأن الله تعالى يقيل عيوبه ويستر ذنوبه ولا يكشفها يوم القيامة. 15 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: من كف غضبه عن الناس كف الله عنه عذاب يوم القيامة.

[ 316 ]

باب الحسد 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): إن الرجل ليأتي بأي بادرة فيكفر وإن الحسد ليأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب. * الشرح: قوله (إن الرجل ليأتي بأي بادرة فيكفر) البادرة الخطأ وما يبدر من الحدة في الغضب من قول أو فعل. (وإن الحسد ليأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب) تقول: حسدته على النعمة مالا كان أو حالا مثل العلم وغيره، وحسدته النعمة حسدا بفتح السين، أو كسرها على قلة يتعدى إلى الثاني بنفسه وبالحرف إذا كرهتها عنده وتمنيت زوالها عنه سواء قصدت انتقالها إليك أم لا، وهو من طغيان القوة الشهوية المقتضية لحب الدنيا وحب البخل وحب الرئاسة وحب الفخر وحب التعزز ومن طغيان القوة الغضبية المقتضية لإلتذاذ النفس بمضار ترد على عباد الله والعداوة لهم. ومن نقصان القوة العقلية حيث لا يعلم أن ذلك لا ينفعه بل يضره ويوجب عقوبته وأنه لا يضر المحسود بل يوجب علو درجته لكونه مظلوما وأنه مضاد لحكمة الله تعالى وإرادته وفضله وقضائه ومصالحه وقسمته لكل ما يليق به، ومفاسده كثيرة منها أنه يفسد الإيمان ويفنيه كما تفسد النار الحطب وتفنيه، وذلك لأن الحسد مع كونه في نفسه صفة منافية للايمان مضر بالنفس والجسد. أما بالنفس فلأنه يصرف فكرها إلى الاهتمام بأمر المحسود حتى لا يفرغ للتصرف فيما يعود نفعه إليها فتغفل عن الملكات الخيرية والصور العقلية المنقوشة فيها، وإذا دام الحسد واشتغل الفكر في أمر المحسود، وطال الحزن والهم له اضمحل نور العقائد وانقطع الوقت عن تحصيل الحسنات بالكلية، وأما بالجسد لأنه يعرض له عند عروض هذه الأمراض للنفس طول السهر وسوء الاغتذاء ورداءة اللون وسوء السجية وفساد المزاج. فتنقطع عنه القوة للأعمال، وإذا فسد الجسد والنفس وأعمالهما فسد الإيمان على أي معنى كان، وتشبيه كل واحد من الحسد والنار بالشخص الآكل في الإفساد والإزالة مكنية، وإثبات الأكل لهما تخييلية، وتشبيه أكل الحسد بأكل النار في الإفناء تشبيه معقول بمحسوس لزيادة الإيضاح، أو تشبيه إفساد الحسد الإيمان وإفساد النار الحطب بإفساد الأكل الطعام، واستعارة الأكل لهما تبعية، وتشبيه الأول بالثاني لقصد الإيضاح. 2 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد، والحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد،

[ 317 ]

عن القاسم بن سليمان، عن جراح المدائني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب. 3 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن ابن محبوب، عن داود الرقي قال: سمعت أبا عبد الله يقول: اتقوا الله ولا يحسد بعضكم بعضا، إن عيسى بن مريم كان من شرائعه السيح في البلاد، فخرج في بعض سيحه ومعه رجل من أصحابه قصير وكان كثير اللزوم لعيسى (عليه السلام)، فلما انتهى عيسى إلى البحر قال: بسم الله، بصحة يقين منه فمشى على ظهر الماء فقال الرجل القصير حين نظر إلى عيسى (عليه السلام) جازه: بسم الله، بصحة يقين منه فمشى على الماء ولحق بعيسى (عليه السلام)، فدخله العجب بنفسه، فقال: هذا عيسى روح الله يمشي على الماء، وأنا أمشي على الماء فما فضله علي، قال: فرمس في الماء فاستغاث بعيسى فتناوله من الماء فأخرجه. ثم قال له: ما قلت يا قصير ؟ قال: قلت: هذا روح الله يمشي على الماء وأنا أمشي على الماء فدخلني من ذلك عجب، فقال له عيسى: لقد وضعت نفسك في غير الموضع الذي وضعك الله فيه فمقتك الله على ما قلت فتب إلى الله عز وجل مما قلت، قال: فتاب الرجل وعاد إلى مرتبته التي وضعه الله فيها، فاتقوا الله ولا يحسدن بعضكم بعضا. * الشرح: قوله (اتقوا الله ولا يحسد بعضكم بعضا) لأن الحسد أعظم الأدواء وأعضلها، وأقبح المعاصي وأكبرها وسبب لخراب العالم وبطلان نظامه لتعلقه بأرباب الفضائل وأصحاب الشرف والاموال الذين يتم بوجودهم عمارة الأرض وكثيرا ما يسعى الحاسد إزالة المحسود عن مرتبته ويبتغى الحيلة في زوال نعمته بظلم أو سعاية إلى ظالم إلى غير ذلك من أسباب البغي ولذلك قال (صلى الله عليه وآله): " إذا حسدتم فلا تبغوا " قال ذلك لعلمه بأن الحسد يتعقبه البغي، والبغي شؤم يضر بالحاسد والمحسود والدين والدنيا جميعا. ألا ترى أن إبليس اللعين لما حسد آدم كفر واستحق عذاب الأبد وبطلت رفاهة عيش آدم، ودخلت البلية في ذريته، وأن أرباب الطغيان في صدر الإيمان لما حسدوا الإمام العالم العادل أزالوه عن مرتبته فبطل بذلك نظام الدنيا والدين وأحاطت البلية بالخلق أجمعين، وبالجملة كل بلية في العالم فهي من الحسد بواسطة أو بغيرها. وقال بعض الأفاضل: إذا كان لظالم أو فاسق مال يصرفه في غير وجهه ويجعله آلة للظلم والفسق يجوز الحسد عليه وتمنى زوال ماله وهو في الحقيقة تمني زوال الظلم والفسق، ويصدقه أنه يزول ذلك التمني بتوبتهما، وقال بعضهم: كراهة نعمة أحد بالطبع بحيث لا يقدر دفعها عن نفسه ليست بحسد، لأن دفعها خارج عن التكليف ولكن يجب عليه أمران أحدهما عدم إظهارها بالقول

[ 318 ]

والفعل، وثانيهما إنكار تلك الكراهية وإرادة زوالها، ولو انتفى أحدهما تحقق الحسد. (إن عيسى بن مريم كان من شرائعه السيح في البلاد) ساح في الأرض يسيح سيحا إذا سار وذهب فيها، ومنه المسيح بن مريم (عليه السلام). (فدخله العجب بنفسه فقال: هذا عيسى روح الله يمشي على الماء وأنا أمشي على الماء فما فضله علي) هذا عجب كما قال هو: فدخلني من ذلك عجب، وقال (عليه السلام) فدخله العجب بنفسه وشبيه بالغبطة من وجه حيث تمنى منزلة روح الله، وليس له أن يتمناها كما يرشد إليهما قوله (عليه السلام) " لقد وضعت نفسك في غير الموضع الذي وضعك الله فيه فمقتك الله على ما قلت " وبالحسد من وجه آخر إما لأنه نفى زيادة فضل روح الله عليه وأنزله منزلة نفسه، أو لأن كل واحد من الحاسد والمعجب يضع نفسه في غير موضعه، وبهذا الاعتبار ذكره في هذا الباب فلا يرد أن العجب غير الحسد فلا يناسب ذكره في هذا الباب. (فرمس في الماء) أي غمس فيه على صيغة المجهول فيهما من " رمست الميت " إذا دفنته في التراب. إن قلت هذا دل على المؤاخذة بالأفعال القلبية، وسيجئ في باب من يهتم بالحسنة والسيئة أنه لا مؤاخذة بها. قلت: هذا من الأفعال القلبية واللسانية بدليل قوله فقال: " هذا عيسى روح الله - إلى آخره " ولو أريد بهذا القول القلبي لأمكن أن يقال الأفعال القلبية التي لا مؤاخذة بها هي التي ليست من العقائد مثل قصد شرب الخمر ونحوه، وأما العقائد ففيها مؤاخذة قطعا وهذا منها. (ثم قال ما قلت يا قصير) الظاهر أن قصيرا كان وصفا له لا اسما له، ففيه دلالة على جواز تخاطب الرجل ببعض أوصافه الظاهر المشتهر به لا على قصد الاستهزاء. 4 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كاد الفقر أن يكون كفرا وكاد الحسد أن يغلب القدر. * الشرح: قوله (قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) كاد الفقر أن يكون كفرا) من طريق العامة عنه (صلى الله عليه وآله) قال: " لولا رحمة ربي لكاد الفقر أن يكون كفرا " لعل المراد به الفقر القاطع لعنان الاصطبار وقد وقع الاستعاذة منه، وأما الفقر الممدوح، فهو الفقر المقرون بالصبر. وقال الغزالي: سبب ذلك أن الفقير إذا نظر إلى شدة حاجته وحاجة عياله ورأى نعمة جزيلة مع الظلمة والفسقة وغيرهم، ربما يقول ما هذا الإنصاف من الله وما هذه القسمة التي لم تقع على العدل ؟ فإن لم يعلم شدة حاجتي ففي علمه نقص، وإن

[ 319 ]

علم ومنع مع القدرة على الإعطاء ففي وجوده نقص، وإن منع لثواب الآخرة، فإن قدر على إعطاء الثواب بدون هذه المشقة الشديدة فلم منع ؟ وإن لم يقدر عليه ففي قدرته نقص. ومع هذا يضعف اعتقاده بكونه عدلا جوادا رحيما كريما مالكا لخزائن السموات والأرض، وحينئذ يتسلط عليه الشيطان ويذكر له شبهات حتى يسب الفلك والدهر وغيرهما وكل ذلك كفر أو قريب منه، وإنما يتخلص من هذه الأمور من امتحن الله قلبه بالإيمان، ورضى عن الله بالمنع والإعطاء، وعلم أن كل ما فعله بالنسبة إليه فهو خير له وقليل ماهم. (وكاد الحسد أن يغلب القدر) فيه مبالغة في تأثير الحسد في فساد النظام المقدر للعالم فإنه كثيرا ما يبعث صاحبه على قتل النفوس ونهب الأموال وسبي الأولاد وإزالة النعم حتى كأنه غير راض بقضاء الله وقدره ويطلب الغلبة عليهما وهو حد الشرك بالله. 5 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن معاوية بن وهب قال: قال: أبو عبد الله (عليه السلام): آفة الدين الحسد والعجب والفخر. 6 - يونس، عن داود الرقي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): قال الله عز وجل لموسى بن عمران (عليه السلام) قال: يا ابن عمران لا تحسدن الناس على ما آتيتهم من فضلي ولا تمدن عينيك إلى ذلك ولا تتبعه نفسك فإن الحاسد ساخط لنعمي، صاد لقسمي الذي قسمت بين عبادي، ومن يك كذلك فلست منه وليس مني. 7 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمد، عن المنقري، عن الفضيل بن عياض، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن المؤمن يغبط ولا يحسد، والمنافق يحسد ولا يغبط. * الشرح: قوله (إن المؤمن يغبط ولا يحسد، والمنافق يحسد ولا يغبط) وهو بحسب اللفظ إخبار بأن الحاسد منافق لأن ظاهره الإيمان وباطنه النفاق مع المؤمنين، وبحسب المعنى أمر بطلب بأن الحاسد منافق لأن ظاهره الإيمان وباطنه النفاق مع المؤمنين، وبحسب المعنى أمر بطلب الغبطة وترك الحسد، وذلك لأن الحسد وهو تمني زوال النعمة حرام، وأما الغبطة هو تمني مثلها فإن كانت في أمور الدنيا فمباحة، وإن كانت في أمور الدين فمطلوبة. لا يقال: المغتبط يتمنى فوق مرتبته والأفضل من نعمته فهو ساخط بالنعمة وغير راض بالقسمة كالحاسد وإلا فما الفرق ؟ لأنا نقول الفرق أن الحاسد غير راض بالقسمة تمنى أن يكون قسمته ونصيبه للغير ونصيب الغير له فهو راد للقسمة قطعا، وأما المغتبط فقد رضي أن يكون نصيب الغير له ورضي أيضا بنصيبه إلا

[ 320 ]

أنه لما جوز أن يكون له أيضا مثل نصيب ذلك الغير وكان ذلك ممكنا في نفسه ولم يعلم امتناعه بحسب التقدير الأزلي ولم يدل عدم حصوله على امتناعه لجواز أن يكون حصوله مشروطا بشرط كالتمني ونحوه تمناه، وهذا مثل من وجد درجة من الكمال يسأل الله تعالى ويطلب منه التوفيق لما فوقها.

[ 321 ]

باب العصبية 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن داود بن النعمان، عن منصور بن حازم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من تعصب أو تعصب له فقد خلع ربقة الإيمان عن عنقه. * الشرح: قوله (من تعصب أو تعصب له فقد خلع ربقة الإيمان من عنقه) الربق بالكسر: جمع الربقة وهي في الأصل عروة في حبل تجعل في عنق البهيمة أو يدها تمسكها، والمراد بها ما يشد المسلم به نفسه من عرى الاسلام أي حدوده وأحكامه وأوامره ونواهيه، والتعصب: المحاماة والمدافعة وإعانة القوم والعصبة وذوي القرابة على الظلم وهو من الحمية الجاهلية التي تحدث من طغيان النفس الأمارة ونفثات الشيطان فيها بأن تقاعدك أنفة وعار عليك وعلى قومك فتقدم حينئذ على ما يوجب خروجه من الإيمان وخلع ربقه من عنقه، وهذا من المتعصب ظاهر، وأما من المتعصب له فلابد من تقييده بما إذا كان هو الباعث عليه والراضي به وإلا فلا إثم عليه. 2 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم ودرست ابن أبي منصور، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من تعصب أو تعصب له فقد خلع ربق الإيمان من عنقه. 3 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من كان في قلبه حبة من خردل من عصبية بعثه الله يوم القيامة مع أعراب الجاهلية. * الشرح: قوله (من كان في قلبه حبة من خردل من عصبية بعثه الله يوم القيامة مع أعراب الجاهلية) لتشبهه بهم في العصبية والحمية والخروج من طاعة الله تعالى ومحاسن الأخلاق ومحامد الأعمال، ومن تشبه بقوم فهو منهم. 4 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان بن يحيى، عن خضر، عن محمد ابن مسلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من تعصب عصبه الله بعصابة من نار. * الشرح: قوله (من تعصب عصبه الله بعصابة من نار) العصب الشد، ومنه عصابة الرأس - بالكسر - وهي ما يشد به من عمامة وغيرها.

[ 322 ]

5 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن صفوان بن مهران، عن عامر بن السمط، عن حبيب بن أبي ثابت، عن علي بن الحسين (عليهما السلام) قال: لم يدخل الجنة حمية غير حمية حمزة بن عبد المطلب - وذلك حين أسلم - غضبا للنبي (صلى الله عليه وآله) في حديث السلا الذي القي على النبي (صلى الله عليه وآله). * الشرح: قوله (لم تدخل الجنة حمية غير حمية حمزة بن عبد المطلب) الحمية: الأنفة والعار والغيرة، وهي من أسباب الحماية أي المنع والدفع، ومن لوزام الغضب والفخر والعجب والكبر لأنها تنشأ من تصور المؤذي مع الترفع على فاعله واعتقاد الشرف عليه. ولما ذم الحمية أشار إلى الحمية المحمودة وهي الحمية في الدين التي هي من مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال التي يتفاضل فيها أهل المجد والشرف. (والسلا) مقصورا الجلدة الرقيقة التي يكون فيها الولد من المواشي. 6 - عنه، عن أبيه، عن فضالة، عن داود بن فرقد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الملائكة كانوا يحسبون أن إبليس منهم، وكان في علم الله أنه ليس منهم، فاستخرج ما في نفسه بالحمية والغضب فقال: * (خلقتني من نار وخلقته من طين) *. * الشرح: قوله (فاستخرج ما في نفسه) أي أظهر ما في نفس إبليس. (بالحمية والغضب فقال * (خلقتني من نار وخلقته من طين) *) فأخذته الحمية وافتخر وتكبر على آدم بأن أصله من نار وأصل آدم من طين، والنار أشرف من الطين، فصار بذلك إمام المتعصبين، ومقتدى المتكبرين، فأبعده الله من رحمته، وقال * (فاخرج إنك من الصاغرين) * وإذا كان حاله مع كثرة عبادته حتى قيل إنه عبد الله ستة آلاف سنة لا يدرى أمن سني الدنيا أو من سني الآخرة وحتى ظن الملائكة أنه منهم، كذلك لأجل تكبر وعصبية واحدة على شخص واحد في ساعة واحدة فما ظنك أيها المتعصب المتكبر على كثير من ذرية آدم، وكيف أمنت أن تكون مع قصر مدة عبادتك وكثرة معصيتك مثله، والله هو المستعان. 7 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، وعلي بن محمد القاساني، عن القاسم بن محمد، عن المنقري، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري قال: سئل علي بن الحسين (عليهما السلام) عن العصبية، فقال: العصبية التي يأثم عليها صاحبها أن يرى الرجل شرار قومه خيرا من خيار قوم آخرين، وليس من العصبية أن يحب الرجل قومه، ولكن من العصبية أن يعين قومه على الظلم.

[ 323 ]

باب الكبر 1 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن أبان، عن حكيم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن أدنى الإلحاد فقال: إن الكبر أدناه. * الشرح: قوله (قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) من أدنى الإلحاد فقال: إن الكبر أدناه) لما كان السائل طالبا استحسن التأكيد في جوابه. والإلحاد: الميل عن الحق، والمراد به إما نفي الصانع أو إثبات الشريك له أو الأعم منهما، والكبر: العظمة وهي هيئة نفسانية تنشأ من تصور الإنسان نفسه أعظم من غيره وأعلى رتبة منه، وهي رذيلة تحت الفجور مقابل التواضع. وانما كان أدنى الإلحاد لأن المتكبر يلزمه إنكار الرب أو أثبات الشريك له من حيث لا يعلم وذلك لأن الكبر من الصفات المخصوصة بالرب باعتبار أنه متوقف على كمال الذات في الوجود والصفات والأفعال وجميع ذلك له تعالى لا لغيره بالضرورة، فإذن ليس المستحق للكبر إلا هو وأما غيره فهو ذليل فقير عاجز مضطر من جهات شتى. فإذا تكبر لزمه القول بأنه شريك له وإن لم يقل به صريحا فيلزم الإلحاد بالمعنى الثاني. وكذلك لزمه القول بنفيه تعالى لأن الصانع الذي له شريك ليس بصانع فيلزم الإلحاد بالمعنى الأول، ولما لم يكن من باب الإلحاد صريحا حكم بأنه أدناه وقريب منه، واعلم أن الكبر من المهلكات ومنشأوه الجهل، وإزالته وهي فرض العين يحتاج إلى معالجة علمية وعملية. أما العلمي فهو أن يعرف نفسه ويعرف ربه ويكفيه ذلك في إزالته فإنه إذا عرف نفسه حق المعرفة عرف أنه أذل الاشياء، وأن عليه التواضع والذلة والمسكنة، وإذا عرف ربه علم أنه لا يليق العظمة والكبرياء إلا به وأن كل من سواه عاجز مضطر عبد مملوك لا يقدر على شئ ولا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، فتنقطع عنه مواد البطر والكبرياء، وبواعث الفخر والخيلاء، وأما العملي فهو الاشتغال بأنواع العبادات والطاعات والمداومة لذكر الله والابتهال إليه والتضرع بين يديه وتفويض الأمر إليه وحسن المكالمة والمجالسة والمعاشرة مع الفقراء وغيرهم. 2 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن الحسين بن أبي العلاء، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: الكبر قد يكون في شرار الناس من كل جنس، والكبر رداء الله، فمن نازع الله عز وجل رداءه لم يزده الله إلا سفالا، إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مر في بعض طرق المدينة وسوداء تلقط السرقين فقيل لها: تنحي عن طريق رسول الله، فقالت: إن الطريق لمعرض فهم بها بعض القوم أن يتناولها، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): دعوها فانها جبارة.

[ 324 ]

* الشرح: قوله (الكبر قد يكون في شرار الناس من كل جنس) أي من كل صنف من أصناف الناس وإن كان دنيا كما يشعر به تكبر سوداء أو من كل جنس من أجناس السبب كالعلم والعبادة والزهد والمال والجاه والنسب والصورة والشهرة ونحوها والأول أظهر. (والكبر رداء الله) في الخبر الآخر: " العز رداء الله، والكبر إزاره " وروى مثلهما من طرق العامة قال الآبي: الإزار: الثوب الذي يشد على الوسط، والرداء: الذي يمد على الكتفين. وقال محي الدين: هما لباس، واللباس من خواص الأجسام وهو سبحانه ليس بجسم فهما استعارة للصفة التي هي العزة والعظمة، ووجه الاستعارة أن هذين الثوبين لما كانا مختصين بالناس ولا يستغنى عنهما، ولا يقبلان الشركة، وهما جمال عبر عن العز بالرداء، وعن الكبر بالإزار على وجه الاستعارة المعروفة عند العرب كما يقال فلان شعاره الزهد ودثاره التقوى لا يريدون الثوب الذي هو شعار ودثار بل صفة الزهد كما يقولون: فلان غمر الرداء واسع العطية فاستعاروا لفظ الرداء للعطية، انتهى. أقول: يجوز أن يكون من باب التشبيه البليغ بحذف الأداة، والوجه الاختصاص لأن العزة والكبر مختصان به سبحانه، كما أن الرداء والإزار مختصان بصاحبهما، أو الإحاطة لوجودها في العزة والكبر تخييلا، وفي الرداء والإزار تحقيقا بل التشبيه أولى لأن المشبه ينبغي أن لا يكون مذكورا وهو هنا مذكور، والمقصود من هذا التشبيه هو الإيضاح لأنه أخرج المعقول إلى المحسوس تقريبا للإفهام. فإن قلت: هل في تشبيه العز بالرداء والكبر بالإزار وجه ؟ قلت نعم لأن العزة أمر إضافي كما قيل: هي الامتناع من أن ينال، وقيل: هي الصفة التي تقتضي عدم وجود مثل الموصوف بها. وقيل: هي الغلبة على الغير، والأمر الإضافي أمر ظاهر، والرداء من الأثواب الظاهرة، فبينهما مناسبة من جهة الظهور، والكبر بمعنى العظمة، وهي صفة حقيقية إذ العظيم قد يتعاظم في نفسه من غير ملاحظة الغير فهي أخفى من العزة، والإزار ثوب خفي لأنه قد يستر بغيره، فبينهما مناسبة من هذه الجهة، وفي الحديث الأول شبه الكبر بالرداء، وله أيضا وجه ظاهر لأن الكبر كثيرا ما يفتقر إلى ملاحظة متكبر عليه فهو بهذا الاعتبار أمر اضافي ظاهر يناسب الرداء. (فمن نازع الله عز وجل رداءه لم يزده الله إلا سفالا) قد عرفت أن الكبر والعظمة والرفعة على الخلق من الصفات المختصة بالله سبحانه فمن نازعه فيها لم يزده الله إلا سفالا في أعين العارفين ونظر الصالحين أو في القيامة كما سيجئ: " أن المتكبرين يجعلون في صورة الذر يتوطأهم الناس

[ 325 ]

حتى يفرغ الله من الحساب " فلا يرد: أن كثيرا من المتكبرين ليسوا من أهل السفال، قال بعض المحققين: الإنسان مركب من جوهرين أحدهما أعظم من الآخر وهو الروح التي من أمر الرب وبينها وبين الرب قرب تام، لولا عنان العبودية لقال كل واحد: أنا ربكم الأعلى، فكل أحد يحب الربوبية ولكن يدفعها هو عن نفسه بالإقرار بالعبودية، ويطلب باعتبار الجوهر الآخر المركوز فيه القوة الشهوية والغضبية آثار الربوبية وخواصها، وهي أن يكون فوق كل شئ وأعلى رتبة منه، ويغفل عن أن هذا في الحقيقة دعوى الربوبية. وكذلك كل صفة من الصفات الرذيلة تتولد من ادعاء آثار الربوبية كالغضب والحسد والحقد والرياء والعجب، فإن الغضب من جهة الاستيلاء اللازم للربوبية، والحسد من جهة أنه يكره أن يكون أحد أفضل منه في الدين والدنيا وهو أيضا من لوازمها، والحقد يولد من احتقان الغضب في الباطن، والرياء من جهة أنه يريد ثناء الخلق، والعجب من جهة أنه يرى ذاته كاملة وكل ذلك من آثار الربوبية، وقس عليه سائر الرذائل فإنك إن فتشتها وجدتها مبنية على ادعاء الربوبية والترفع. 3 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن عثمان بن عيسى، عن العلاء بن الفضيل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): العز رداء الله والكبر إزاره، فمن تناول شيئا منه أكبه الله في جهنم. 4 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن ابن فضال، عن ثعلبة، عن معمر بن عمر ابن عطاء، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: الكبر رداء الله والمتكبر ينازع الله رداءه. 5 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن محمد بن علي، عن أبي جميلة، عن ليث المرادي، عن أبي عبد الله (عليه السلام): قال: الكبر رداء الله فمن نازع الله شيئا من ذلك أكبه الله في النار. 6 - عنه، عن أبيه، عن القاسم بن عروة، عن عبد الله بن بكير، عن زرارة، عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) قالا: لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر. * الشرح: قوله (لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر) هذا الحديث مذكور في صحيح مسلم بإسناده عن ابن مسعود عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال الخطابي: المراد بالكبر الكبر عن الإيمان لقوله: " ولا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من ايمان " فقابل الإيمان بالكفر، ويحتمل أن يريد به نزع الكبر عن داخل الجنة لقوله تعالى: * (ونزعنا ما في صدورهم من غل) * أقول: التأويل الأول موافق لما في الخبر الآتي من أن المراد بالكبر الجحود، وأما التأويل الآخر فلا يخفى بعده لأن المقصود ذم المتكبر وتحذيره لا تبشيره برفع الإثم والعقاب عنه. ويمكن أن

[ 326 ]

يراد به المستحل، أو يخصص عدم الدخول ببعض الأوقات وهو أن لا يدخلها ابتداء بل بعد المجازاة، وقيل إنما صار الكبر حجابا عن الجنة لأنه يحول بين العبد وبين فضائل الأخلاق التي هي أبواب الجنة فإن الكبر يغلق تلك الأبواب كلها لأن المتكبر لا يقدر أن يحب للمؤمن ما يحب للنفسه ولا يتمكن من ترك الرذائل كالحقد والحسد والتقدم في الطرق والمجالس وطرد الفقراء عن المجالسة والمؤاكلة والعنف والغلظة والغيبة والتطاول، وعدم الرفق بذوي الحاجات وفعل أضدادها من الفضائل كالتواضع وكظم الغيظ وقبول الحق وسماعه والرفق في القول وغيرها، وما من خلق فاضل إلا وهو عاجز عنه خوفا من أن يفوته عزه فلذلك " لا يدخل الجنة من [ كان ] في قلبه مثقال ذرة من كبر ". 7 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن أبي أيوب، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من الكبر، قال: فاسترجعت فقال: مالك تسترجع ؟ قلت: لما سمعت منك، فقال: ليس حيث تذهب إنما أعني الجحود، إنما هو الجحود. * الشرح: قوله (انما أعني الجحود انما هو الجحود) أي المراد بالكبر إنكار الحق، أو إنكار أمره وحكمه مثل كبر إبليس فإنه لما كان مقرونا بالجحود والإباء عن طاعة الله والاستصغار لأمره كما دل عليه قوله * (لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال) * كان لا محالة مستلزما لكفره والكفر يوجب الحرمان من الجنة أبدا هذا أحد التأويلات للروايات الدالة على أن من في قلبه كبر لا يدخل الجنة، والمقصود أن هذا الوعيد مختص بكبر الجحود لا أن غيره لا يتعلق به الوعيد مطلقا. 8 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن ابن فضال، عن علي بن عقبة، عن أيوب ابن الحر، عن عبد الأعلى، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الكبر أن تغمص الناس وتسفه الحق. * الشرح: قوله (الكبر أن تغمص الناس وتسفه الحق) غمصه - كضربه، وسمعه - غمصا احتقره واستصغره وعابه ولم يره شيئا، وسفه سفها من باب علم وسفه سفاهة من باب شرف إذا نقص عقله، وسفهه تسفيها إذا نسبه إلى السفه، والمراد به هنا لازمه وهو الجهل بالحق وطعن أهله. 9 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن عبد الأعلى بن أعين قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن أعظم الكبر غمص الخلق وسفه الحق، قال: قلت: ما غمص الخلق وسفه الحق ؟ قال: يجهل الحق ويطعن على أهله، فمن

[ 327 ]

فعل ذلك فقد نازع الله عز وجل رداءه. * الشرح: قوله (إن أعظم الكبر غمص الخلق وسفه الحق) قد عرفت أن الكبر عظمة مخصوصة وهي هيئة نفسانية تنشأ من تصور الإنسان أنه أعلى من غيره، وهذه الهيئة بعد رسوخها إن كملت واشتدت حتى دلت صاحبها على تحقير الخلق بأن لا يراه شيئا وجهل الحق بأن لا يقبله من صميم القلب والطعن على من قبله ورآه حقا، حصل نوع آخر من الكبر أعظم من الأول وهي الهيئة المذكورة مجردة عن التحقير والجهل المذكورين، ومنه يظهر حقيقة قوله " أعظم الكبر غمص الخلق وسفه الحق " ونقل عن الزمخشري أن سفه الحق اسم مضاف إلى الحق، وأن فيه وجهين أحدهما أن يكون على حذف الجار والإيصال كان الأصل سفه على الحق، والثاني أن يتضمن معنى فعل متعد كجهل والمعنى الاستخفاف به وأن لا يراه على ما هو عليه من الرجحان. (فمن فعل ذلك نازع الله عز وجل رداءه) إن قلت: الغمص والسفه بالتفسير المذكور ليسا من صفات الله تعالى وردائه فما معنى هذا القول ؟ قلت: الغمص والسفه أثر من آثار الكبر ولازم من لوازمه ففاعل ذلك منازع لله من حيث الملزوم على أنه لا يبعد أن يراد بهما الملزوم مجازا وهو الكبر البالغ إلى هذه المرتبة المقتضية لهذا الفعل الشنيع. 10 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن بكير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن في جهنم لواديا للمتكبرين يقال له: سقر، شكا إلى الله عز وجل شدة حره وسأله أن يأذن له أن يتنفس فتنفس فأحرق جهنم. * الشرح: قوله (فتنفس فأحرق جهنم) لعل المراد بتنفسه خروج لهب منه، وبإحراق جهنم تسخينها أشد ما كان لها من السخونة وإحداث حرارة زائدة فيها. 11 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن داود بن فرقد، عن أخيه قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن المتكبرين يجعلون في صور الذر، يتوطأهم الناس حتى يفرغ الله من الحساب. * الشرح: قوله (ان المتكبرين يجعلون في صورة الذر -... إلى آخره) عوملوا بهذا لأنه مقابل لتكبرهم وترفعهم فعوملوا بمقابل مقصودهم ونقيض مطلوبهم.

[ 328 ]

12 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن غير واحد، عن علي بن أسباط، عن عمه يعقوب بن سالم، عن عبد الأعلى، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: ما الكبر ؟ فقال: أعظم الكبر أن تسفه الحق وتغمص الناس، قلت: وما سفه الحق قال: يجهل الحق ويطعن على أهله. 13 - عنه، عن يعقوب بن يزيد، عن محمد بن عمر بن يزيد، عن أبيه قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنني آكل الطعام الطيب وأشم الريح الطيبة وأركب الدابة الفارهة ويتبعني الغلام فترى في هذا شيئا من التجبر فلا أفعله ؟ فأطرق أبو عبد الله (عليه السلام) ثم قال: إنما الجبار الملعون من غمص الناس وجهل الحق. قال: عمر: فقلت: أما الحق فلا أجهله، والغمص لا أدري ما هو، قال: من حقر الناس وتجبر عليهم فذلك الجبار. * الشرح: قوله (قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنني آكل الطعام الطيب وأشم الريح الطيبة وأركب الدابة الفارهة) أي النشيطة الحادة والخفيفة القوية. (ويتبعني الغلام فترى في هذا شيئا من التجبر فلا أفعله -... إلى آخره) كأن السائل توهم أو شك في أن محبة هذه الأمور تجبر وتكبر، فأجاب (عليه السلام) بأنها ليست تجبرا وتكبرا وأنهما إنكار الحق وتحقير الناس، كيف وقد نقل في باب التجمل " إن الله جميل يحب الجمال " يعني أنه تعالى جميل الفعال يحب منكم التجمل والتزين وإظهار نعمه وعدم الحاجة إلى الغير. ثم إن الأمور المذكورة ونحوها وإن لم تكن في ذواتها تجبرا إلا أنها في أكثر الناس مفضية إليه، فلذلك أطرق (عليه السلام) ولم يجبه بأنها تجبر أولا وأتى بجواب على وجه كل يشعر بأنها من حيث هي ليست تجبرا، ولو تبعها فرد من هذا الكلي فإنما هي مذمومة لأجل ذلك لا لذاتها. 14 - محمد بن جعفر، عن محمد بن عبد الحميد، عن عاصم بن حميد، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك جبار ومقل مختال. * الشرح: قوله (ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم شيخ زان وملك جبار ومقل مختال) معنى لا يكلمهم أنه لا يكلمهم كلام رضى بل كلام سخط مثل * (اخسؤوا فيها ولا تكلمون) * وقيل: لا يكلمهم بلا واسطة، وقيل: هو كناية عن الإعراض والغضب فإن من غضب على أحد قطع كلامه، ومعنى " لا ينظر إليهم " أنه لا ينظر إليهم نظر الكرامة والعطف والبر والرحمة والإحسان لضعتهم وحقارتهم عنده وقلة قدرهم لديه. وليس المراد نفي الرؤية لأنه

[ 329 ]

تعالى يراهم كما يرى غيرهم، ولا نفي تقليب الحدقة إليهم لأنه من صفات الأجسام. وفي قوله " يوم القيامة " إشعار بأن المعاصي المذكورة بل غيرها أيضا لا تمنع من إيصال الخير والنعمة إليهم في الدنيا لأن إفضاله فيها يعم الأبرار والفجار تأكيدا للحجة عليهم. ومعنى قوله " ولا يزكيهم " أنه لا يطهرهم من ذنوبهم أو لا يقبل عملهم أو لا يثني عليهم ومن لا يثني الله سبحانه عليه يعذبه. وتخصيص الثلاثة بالذكر ليس لأجل أن غيرهم معذور بل لأجل أن عقوبتهم أعظم وأشد لأن المعصية مع وجود الصارف عنها أقبح وأشنع، والصارف للشيخ عن الزنا انكسار قوته وانطفاء شهوته وطول إعذاره ومدته وقرب الانتقال إلى الله فلابد من أن يتدارك ما فات ويستعد لما هو آت فإذا شغل بالزنا دل ذلك على أنه غير مقر بالدين ومستخف بنهي رب العالمين، فلذلك استحق العذاب المهين. ويمكن أن تستدل بهذا على أن الشيخ، في جميع المعاصي أشد عقوبة من الشاب وعلى أن الشاب بالعفة أمدح من الشيخ والصارف للملك عن كونه جبارا مشاهدة كمال نعمه تعالى عليه حيث سلطه على عباده وبلاده وجعلهم تحت يده وقدرته فاقتضى ذلك أن يشكر نعمه ويعدل بين خلق الله ويرتدع عن الظلم والفساد ويشاهد ضعفه بين يدي الملك المنان، فإذا قابل كل ذلك بالكفران استحق عذاب النيران، والصارف للمقل الفقير عن الاختيال والاستكبار فقره لأن الاختيال انما هو بالدنيا وليست عنده فاختياله عناد، ومن عاند ربه العظيم يصير محروما من رحمته وله عذاب أليم. ولا يبعد أن يكون المدح في أضداد هذه الأنواع متفاوتا فالشاب بالعفة أمدح من الشيخ كما ذكرنا، ودل عليه أيضا الآثار. والتواضع من الغني أمدح منه من الفقير كما دل عليه بعض الأخبار، وأما العدل من غير الملك ففي كونه أمدح منه من الملك محل نظر. 15 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن مروك بن عبيد، عمن حدثه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن يوسف (عليه السلام) لما قدم عليه الشيخ يعقوب (عليه السلام) دخله عز الملك، فلم ينزل إليه، فهبط جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا يوسف أبسط راحتك فخرج منها نور ساطع، فصار في جو السماء، فقال: يوسف يا جبرئيل ما هذا النور الذي خرج من راحتي ؟ فقال: نزعت النبوة من عقبك عقوبة لما لم تنزل إلى الشيخ يعقوب فلا يكون من عقبك نبي. * الشرح: قوله (لما قدم عليه الشيخ يعقوب (عليه السلام) دخله عز الملك فلم ينزل إليه -... إلى آخره) الملك بضم الميم وسكون اللام السلطنة وبفتح الميم وكسر اللام السلطان وبكسر الميم وسكون اللام ما يملك واضافة العز إليه لامية ولم يكن ما دخله تكبرا تحقيرا للشيخ فإنه كان منزها عنه بل كان حفظا لعزه

[ 330 ]

عند عامة الناس إذ كان نزول الملك عندهم لغيره موجبا لذله، وهذا شبيه بالتكبير من جهة وبالعجب من أخرى، فانظر إلى ما ورد على الرجل الصالح من خروج نور النبوة من يده لأجل صدور أمر شبيه بالتكبر منه وحرمان عقبه من تلك الفضيلة والكرامة، واحذر عن التكبر فإنه يخرج نور الإيمان من قلبك وربما يسري شوم ذلك وذله في عقبك. 16 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما من عبد إلا وفي رأسه حكمة وملك يمسكها فإذا تكبر قال له: اتضع وضعك الله، فلا يزال أعظم الناس في نفسه وأصغر الناس في أعين الناس وإذا تواضع رفعه الله عز وجل، ثم قال له: انتعش نعشك الله فلا يزال أصغر الناس في نفسه وأرفع الناس في أعين الناس. * الشرح: قوله (ما من عبد إلا وفي رأسه حكمة وملك يمسكها فإذا تكبر قال له اتضع وضعك الله -... إلى آخره) حكمت عليه بكذا إذا منعته من خلافه فلم يقدر على الخروج من ذلك، ومنه " الحكمة " وزان قصبة للدابة، سميت بذلك لأنها تذللها لراكبها حتى يمنعها الجماع ونحوه، ومنه أيضا اشتقاق الحكمة لأنها تمنع صاحبها من أخلاق الأرذال، ولعل المراد بالحكمة هنا: الحالة المقتضية لسلوكه سبيل الهداية على سبيل الاستعارة، وبإمساك الملك إياها إرشاده إلى ذلك السبيل ونهيه عن العدول عنه. (وإذا تواضع رفعه الله عز وجل) إنما لم يقل: وإذا تواضع قال له " ارفع رفعك الله " على وفق قوله فيما سبق فإذا تكبر قال له " اتضع وضعك الله " للتنبيه على أن الرفع مترتب على التواضع من غير حاجة إلى دعاء الملك له بالرفع بخلاف الوضع فإنه غير مترتب على التكبر ما لم يدع الملك عليه بالوضع، وهو الذي سبقت رحمته غضبه. (ثم قال له انتعش نعشك الله) نعشه الله كمنعه، وأنعشه الله أقامه ورفعه، ونعشه فانتعش أي رفعه فارتفع، وقوله " نعشك الله " إما اخبار بما وقع من الرفع أو دعاء له به على سبيل التأكيد أو دعاء له بالثبات والاستمرار (فلا يزال أصغر الناس في نفسه وأرفع الناس في أعين الناس) لأنه تعالى يعظمه في أعين الناس ويجري ذكره بالصلاح والخير على ألسنتهم. قيل روي عنه (صلى الله عليه وآله) " أن الله إذا أحب عبدا يدعو جبرئيل فيقول إني أحب فلانا فأحبه. قال: فيحبه جبرئيل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبونه (كذا) أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض ". 17 - محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن بعض أصحابه، عن النهدي، عن يزيد بن

[ 331 ]

إسحاق شعر، عن عبد الله بن المنذر، عن عبد الله بن بكير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ما من أحد يتيه إلا من ذلة يجدها في نفسه. وفي حديث آخر عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما من رجل تكبر أو تجبر إلا لذلة وجدها في نفسه. * الشرح: قوله (ما من أحديتيه إلا من ذلة يجدها في نفسه) تاه فلان يتيه إذا تكبر ولعل من للابتداء فيفيد أن التكبر لا ينفك من الذلة حتى كأنه نشأ منها وفي بعض النسخ " ينبه " بالنون بعد الياء قبل الباء الموحدة وله أيضا وجه يقال نبه بالضم نباهة شرف فهو نبيه يعني أن الشرف والنباهة من ذلة التواضع. قوله (ما من رجل تكبر أو تجبر الا لذلة وجدها في نفسه) أي الذلة في الدنيا والآخرة سبب للتكبر لأن العزيز عند الله لا يتكبر أو غايته وعاقبته فاللام مثلها في قوله تعالى * (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا) * في كونها للعاقية.

[ 332 ]

باب العجب 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن أسباط، عن رجل من أصحابنا من أهل خراسان من ولد إبراهيم بن سيار، يرفعه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله علم أن الذنب خير للمؤمن من العجب ولولا ذلك ما ابتلي مؤمن بذنب أبدا. * الشرح: قوله (إن الله عز وجل علم أن الذنب خير للمؤمن من العجب) قيل: حقيقة العجب استعظام العمل الصالح واستكثاره والابتهاج له والادلال به وأن يرى نفسه خارجا عن حد التقصير، وأما السرور به مع التواضع لله تعالى والشكر له على التوفيق لذلك وطلب الاستزادة منه فهو حسن ممدوح. وتوضيحه ما ذكره الشيخ في الأربعين بقوله: لا ريب أن من عمل أعمالا صالحة من صيام الأيام وقيام الليالي أمثال ذلك يحصل لنفسه ابتهاج فإن كان من حيث كونها عطية من الله له ونعمة منه تعالى عليه وكان مع ذلك خايفا من نقصها مشفقا من زوالها طالبا من الله الازدياد منها لم يكن ذلك الابتهاج عجبا. وإن كان من حيث كونها صفته وقائمة به ومضافة إليه فاستعظمها وركن إليها ورأى نفسه خارجا عن حد التقصير بها وصار كأنه يمن على الله سبحانه بسببها فذلك هو العجب المهلك وهو من أعظم الذنوب. وقيل: العجب هيئة نفسانية تنشأ من تصور الكمال (1) في النفس والفرح به


1 - قوله " هيئة نفسا تنشأ من تصور الكمال " قال هيئة تنشأ من تصور الكمال لا نفس تصور الكمال، لأن الإنسان العاقل إذا كان واجدا لكمال كعلم وكرم وتقوى فلابد أن يكون متصورا لكماله ومدركا له، وليس هذا منقصة. وقيل: رحم الله امرأ عرف قدره أو عرف نفسه. وذكر الأئمة (عليهم السلام) والعلماء فضائل أنفسهم وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " أنا سيد ولد آدم ولا فخر. وأنا أفصح من نطق بالضاد " بل لعل من لا يعرف قدر نفسه ويجعل نفسه دون مرتبته يرتكب شرورا وقبائح ولا يرى لنفسه مندوحة في ارتكابها. وورد في الشرائع الإلهية تعظيم مقام الإنسان وشرفه وكونه خليفة الله ومخلوقا بيدي الرب لأمر عظيم وقال: * (لقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر) * ليعتقدوا شرف ذاتهم ويعرفوا أنهم فوق رتبة الحيوانات ولا يليق بهم الانهماك في الشهوات والاقتصار على الحياة الدنيا، وبالجملة فاعتراف الإنسان بكمال نفسه وشرفه وعلوه يوجب ارتداعه عن الفواحش، ومن لا يعرف لنفسه قيمة يرتكب ملاذه وشهواته ولا يبالي، فالعجب المذموم والتكبر المنهي ليسا نفس العلم بالكمال وإظهاره واعتقاد علو النفس في حد ذاته، وكان أعداء أمير المؤمنين (عليه السلام) يرمونه بالعجب والتكبر ولا يعرفون هذه النكتة، وإنما القبيح إذلال الغير وتوهين الناس وكسر قلوبهم في التكبر وتحقير نعم الله تعالى وفضله وإنعامه في مقابل العبادة في العجب وهما من آثار الوهم وأفعاله، والوهم رائد الشيطان فكما أن العلم بجمال انسان من غير أن يتلذذ بالنظر إليه بشهوة ليس مذموما لأن العلم للقوة العاقلة = (*)

[ 333 ]

والركون إليه من حيث أنه قائم به وصفة له مع الغفلة عن قياس النفس إلى الغير بكونها أفضل منه، وبهذا القيد ينفصل عن الكبر إذ لابد في الكبر أن يرى الإنسان لنفسه مرتبة ولغيره مرتبة ثم يرى مرتبته فوق مرتبة الغير، وهذا التعريف أعم من المذكور إذ الكمال أعم من أن يكون كمالا في نفس الأمر أو لم يكن، كسوء العمل إذا رآه حسنا فابتهج به، والأول أعم من أن يكون فعله كالأعمال الصالحة، أو لا كالصورة الحسنة والنسب الرفيع. وقيل: العجب أن يرى الإنسان نفسه بعين الاستحسان لأفعالها وما يصدر عنها من عادة أو عبادة أو كثرة وزيادة في أمر، وذلك مذموم لأنه حجاب للقلب عن رؤية منقه، فإن أعجب بنفسه في صورة أو عادة أثار كبرا وإن كان في عبادة ففيه عمى عن رؤية توفيق الله، وأصل ذلك من الشرك الخفي، والشرك الجلي لا يغفر، والخفي منه لا يهمل بل يؤاخذه الله به صاحبه. (ولولا ذلك ما ابتلى مؤمنا بذنب أبدا) فجعل الذنب له فداء عن عجبه بنفسه ليبقى له فضيلة الإيمان وثواب الأعمال واستحقاق الإحسان ولو لم يذنب لدخل فيه العجب وأفسد قلبه وحجبه عن ربه ومننه ومنعه عن رؤية توفيقه ومعونته وصده عن الوصول إلى حقيقة توحيده وأحبط عمله الذي صدر منه في مدة طويلة بخلاف الذنب فإنه لا يبطل العبادات السالفة وفيه متابعة للهوى. وفي العجب شركة بالمولى ويفهم منه أن ارتكاب أقل القبيحين أولى من الآخر وأن ذنب المؤمن مصلحة له وأنه يغفر له قطعا. 2 - عنه، عن سعيد بن جناح، عن أخيه أبي عامر، عن رجل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من دخله العجب هلك. * الشرح: قوله (من دخله العجب هلك) قيل: العجب يدخل الإنسان بالعبادة وترك الذنوب والصورة والنسب والأفعال العادية مثل الإحسان إلى الغير وغيره وهو من أعظم المهلكات وأشد الحجب بين القلب والرب والشرك بالله وسلب الإحسان والإفضال والإعانة والتوفيق عنه تعالى وإدعاء الاستقلال لنفسه، ويبطل به الأعمال والإحسان وأجرهما كما قال تعالى * (ولا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى) * وليس المن بالعطاء وأذى الفقير بإظهار الفضل والتعيير عليه إلا من عجبه بعطية


= والتشهي للواهمة كذلك قياس العلم بالكمال النفساني والتكبر والعجب به والأول ممدوح والثاني مبغوض، وبالجملة قد تبين لنا من تتبع كلام العلماء أن كل كمال حاصل بسبب القوة العاقلة وكل فعل يعمل بهدايتها فهو حسن وكل ما يكون بسبب العواطف والشهوات وأمثالها أعني بالقوة الواهمة فهو شر قبيح. (ش). (*)

[ 334 ]

وعماه عن منة ربه وتوفيقه. 3 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن أسباط، عن أحمد بن عمر الحلال، عن علي بن سويد، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن العجب الذي يفسد العمل، فقال: العجب درجات منها أن يزين للعبد سوء عمله فيراه حسنا فيعجبه ويحسب أنه يحسن صنعا، ومنها أن يؤمن العبد بربه فيمن على الله عز وجل ولله عليه فيه المن. * الشرح: قوله (العجب درجات منها أن يزين للعبد سوء عمله فيراه حسنا فيعجبه ويحسب أنه يحسن صنعا) أكثر الجهلة على هذه الصفة فإنهم يفعلون أعمالا قبيحة عقلا ونقلا ويعتادون عليها حتى تصير تلك الأعمال بتسويل أنفسهم وتزيين قرينهم من صفات الكمال عندهم فيذكرونها ويتفاخرون بها ويقولون إنا فعلنا كذا وكذا، إعجابا بشأنهم وأظهارا لكمالهم. * الشرح: قوله (ومنها أن يؤمن العبد بربه فيمن على الله عز وجل ولله عليه فيه المن) كما قال تعالى * (يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين) *. 4 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الرجل ليذنب الذنب فيندم عليه ويعمل العمل فيسره ذلك فيتراخى عن حاله تلك فلأن يكون على حاله تلك خير له مما دخل فيه. * الشرح: قوله (إن الرجل ليذنب الذنب فيندم عليه) ندامته مقام عجز وتقصير وهو مقام عال للسالكين (ويعمل العمل فيسره ذلك) المراد بالسرور بالعمل هنا الإدلال به واستعظامه وإخراج نفسه عن حد التقصير، وأما السرور به مع التواضع لله والشكر له على التوفيق لذلك العمل فليس عجبا كما مر. (فيتراخى عن حاله تلك) أي تصير حاله بسبب هذا السرور والعجب أدون من حاله وقت الندامة، ويفهم منه أن العجب يبطل الأعمال السابقة أيضا. (فلأن يكون على حاله تلك خير له مما دخل فيه) نظيره قول أمير المؤمنين (عليه السلام) " سيئة تسؤك خير من حسنة تعجبك " والظاهر أن الفاء للتفريع و " خير " خبر " لأن يكون " أي كونه على تلك الحالة، أعني: حالة الندامة خير له مما دخل فيه من الحسنة مع العجب بها لأن هذا أبطل تلك الحالة أيضا.

[ 335 ]

5 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن نضر بن قرواش، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أتى عالم عابدا فقال له: كيف صلاتك فقال: مثلي يسأل عن صلاته ؟ ! وأنا أعبد الله منذ كذا وكذا. قال: فكيف بكاؤك ؟ قال: أبكي حتى تجري دموعي، فقال له العالم: فإن ضحكك وأنت خائف أفضل من بكائك وأنت مدل، إن المدل لا يصعد من عمله شئ. * الشرح: قوله (فقال مثلي يسأل عن صلاته وأنا أعبد الله منذ كذا وكذا -... إلى آخره) عظم العابد نفسه بكثرة العبادة وطول زمانها وكثرة البكاء ودوام الخشوع فأخرج نفسه عن مقام العبودية المبنية على المذلة والاعتراف بالتقصير والعجز عن الإتيان بحق العبادة وأدخلها في مهاوي العجب ومهالكه فلذلك حكم العالم بأن أضداد الأمور المذكورة الباعثة للمذلة وما بعدها أفضل له منها، ويعلم منه أن العلم أفضل من العبادة إذ به يحصل الاهتداء إلى المقابح والمحاسن. والإدلال " نازيدن بعمل خود " والمدل المنبسط المسرور الذي لا خوف له من التقصير في العمل ونقصانه ولا تذلل له في مقام العبودية كما هو شأن المعجب بنفسه. 6 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن أبي داود، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: دخل رجلان المسجد أحدهما عابد والآخر فاسق فخرجا من المسجد والفاسق صديق والعابد فاسق وذلك أنه يدخل العابد المسجد مدلا بعبادته يدل بها فتكون فكرته في ذلك وتكون فكرة الفاسق في التندم على فسقه ويستغفر الله عز وجل مما صنع من الذنوب. 7 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يعمل العمل وهو خائف مشفق ثم يعمل شيئا من البر فيدخله شبه العجب به ؟ فقال: هو في حاله الاولى وهو خائف أحسن حالا منه في حال عجبه. * الشرح: قوله (الرجل يعمل العمل وهو خائف مشفق ثم يعمل شيئا من البر فيدخله شبه العجب به ؟ فقال: هو في حاله الأولى وهو خائف أحسن حالا منه في حال عجبه) يمكن أن يراد بالعمل العمل البر وبالخوف الخوف من التقصير أو من عدم القبول والأولى أن يراد به العمل الشر أو اللغو وبالخوف الخوف من العقوبة لأن التفضيل في الأول ظاهر ليس لبيانه كثير فائدة. 8 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس، عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): بينما موسى (عليه السلام) جالسا إذ أقبل إبليس فلما دنا من موسى (عليه السلام) خلع البرنس وقام إلى موسى فسلم عليه فقال له موسى: من أنت ؟ فقال: أنا إبليس، قال: أنت فلا قرب الله دارك. قال: إني إنما جئت لاسلم عليك لمكانك من الله، قال: فقال له

[ 336 ]

موسى (عليه السلام): فما هذا البرنس ؟ قال: به أختطف قلوب بني آدم، فقال موسى: فأخبرني بالذنب الذي إذا أذنبه ابن آدم استحوذت عليه ؟ قال: أعجبته نفسه وأستكثر عمله وأصغر في عينه ذنبه. وقال: قال الله عز وجل لداود (عليه السلام) يا داود بشر المذنبين وأنذر الصديقين قال: كيف ابشر المذنبين وانذر الصديقين ؟ قال: يا داود بشر المذنبين أني أقبل التوبة وأعفو عن الذنب، وأنذر الصديقين ألا يعجبوا بأعمالهم فإنه ليس عبد أنصبه للحساب إلا هلك. * الشرح: قوله (إذا أقبل إبليس وعليه برنس -... إلى آخره) البرنس بضم الباء والنون وسكون الراء قلنسوة طويلة أو كل ثوب رأسه منه ملتزق به دراعة كان أو جبة أو ممطرا أو غيره (فلا قرب الله دارك) لعله كناية عن حيرته أو بعد منزله عن المؤمن. (به أختطف قلوب بني آدم) اختطاف " ربودن " يقال خطفه - من باب علم وضرب - واختطفه إذا استلبه وأخذه بسرعة. ومن طريق العامة: " أن الشيطان ليجثم على قلب ابن آدم له خرطوم كخرطوم الكلب إذا ذكر العبد الله عز وجل خنس وإذا غفل عن ذكر الله وسوس " واستحواذ الشيطان على العبد غلبته واستمالته إلى ما يريده منه. (وأنذر الصديقين ألا يعجبوا بأعمالهم) أي لا يتبهجوا بها ولا يتكلوا عليها ولا يعتقدوا أنهم بسببها خرجوا عن حد التقصير فإنه ليس عبد أنصبه أي أقيمه، وفعله من باب ضرب (للحساب إلا هلك) إذ كل عبد مقصر في أداء حقوقه تعالى وكل عمل ناقص في جنب عظمته ولا قدر له في مقابل نعمته فإذا وقع التقابل بين الأعمال والنعماء بقي أكثر النعماء لا مقابل لها من الأعمال فعلم أن إحسانه تعالى إلى العباد وإثابته انما هو بالتفضل لا بالعمل (1) فينبغي أن لا يعجبوا به مع كماله في النقص، فحاصل التعليل الردع عن العجب بالعمل لعدم الاعتداد به وعدم دخوله تحت الحساب وعدم الوزن له في مقابلة إحسانه تعالى.


1 - قوله " إنما هو بالتفضل لا بالعمل " مذهب أهل العدل أن كل مشقة تصل إلى العبد بسبب إطاعة أمر المولى استحق ثوابا بمقتضى عدله وحكمته، وهذا حكم العقل، ولو لم يكن المولى عادلا أو حكيما احتمل في حقه تخلف عن الواجب لا إذا كان حكيما عادلا، ولو بنى الأمر على تخطئة العقل في هذه الأحكام بطل قاعدة اللطف وإثبات النبوة والإمامة والمعاد وسائر أصول الدين والمذهب، ولعل مراد الشارح أن هذا الثواب المستحق الذي يجب على العادل الحكيم إثابة المكلف به أقل كثيرا مما يصل إليه فعلا في الآخرة، فأصله مستحق واجب ومقداره زائدا على مقدار الاستحقاق تفضل، وقد ذكر علماؤنا أن كل مشقة ومصيبة وألم ومرض ونقص تعرض المكلف سواء كان مؤمنا أو كافرا أو حيوانا يدرك الآلام يستحق بها على العدل الحكيم عوضا إذا كان بسببه لا من قبل العبد، وقد ورد " أن لكل كبد حرى أجرا " وإن لم يكن هناك تكليف وامتثال وعبادة، ومن قال إن المكلف لا يستحق أجرا على مقدمات العبادات كالسير إلى الحج إذا لم يترتب عليها نفس الحج ومات في الطريق، فهو جاهل بأصول المذهب. (ش). (*)

[ 337 ]

باب حب الدنيا والحرص عليها 1 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن درست بن أبي منصور عن رجل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) وهشام، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: رأس كل خطيئة حب الدنيا. * الشرح: قوله (رأس كل خطيئة حب الدنيا) لأن كل خصال الشر مطوية في حب الدنيا وكل ذمائم القوة الشهوية والغضبية مندرجة في الميل إليها، ولذا قال الله عز وجل: * (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب) * ولا يمكن التخلص من حبها إلا بالعلم بمقابحها ومنافع الآخرة وتصفية النفس وتعديل القوتين. 2 - علي، عن أبيه، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن حماد بن بشير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ما ذئبان ضاريان في غنم قد فارقها رعاؤها، أحدهما في أولها والآخر في آخرها بأفسد فيها من حب المال والشرف في دين المسلم. * الشرح: قوله (ما ذئبان ضاريان في غنم قد فارقها رعاؤها أحدهما في أولها والآخر في آخرها بأفسد فيها من حب المال والشرف في دين المسلم) شبه حب المال والشرف والجاه بالذئب الضاري المهلك المعتاد بأكل اللحوم في الإفساد والإهلاك لقصد الإيضاح لأن حبهما يشغل القلب عن ذكر الله وما يوجب القرب منه ويقيده بلذة الإقبال إلى الخلق وإقبالهم إليه ويبعثه على ملازمة الفساق من أهل الدنيا وأمراء الجور والمداراة معهم ومخالفة ظاهره لباطنه، ولذلك قال النبي (صلى الله عليه وآله): " حب الجاه والمال ينبتان في القلب النفاق كما ينبت الماء البقل " ويتولد منه جميع الأخلاق الذميمة كالحقد والحسد والعداوة والرياء والكبر والعجب ونحوها. 3 - عنه، عن أبيه، عن عثمان بن عيسى، عن أبي أيوب، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ما ذئبان ضاريان في غنم ليس لها راع، هذا في أولها وهذا في آخرها بأسرع فيها من حب المال والشرف في دين المؤمن. 4 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن يحيى، الخزاز، عن غياث ابن إبراهيم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الشيطان يدير ابن آدم في كل شئ فإذا أعياه جثم له عند المال فأخذ برقبته.

[ 338 ]

* الشرح: قوله (ان الشيطان يدير ابن آدم في كل شئ) من أحوال المبدأ والمعاد والإيمان والطاعة والمعصية والأخلاق (فإذا أعياه جثم له) أي لزم مكانه ولم يبرح (عند المال فأخذ برقبته) فالمال مصيدة عظمي ومكيدة كبرى للشيطان في صيد الخلق وجذبهم إلى الباطل وإضلالهم عن طريق الحق وحملهم على الجمع من طريق الحلال والحرام بالحيلة والخدعة والظلم وبعثهم على الأعمال والأخلاق الخارجة عن القوانين العقلية والشرعية. 5 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن علي بن النعمان، عن أبي اسامة زيد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من لم يتعز بعزاء الله تقطعت نفسه حسرات على الدنيا ومن أتبع بصره ما في أيدي الناس كثر همه ولم يشف غيظه ومن لم ير لله عز وجل عليه نعمة إلا في مطعم أو مشرب أو ملبس فقد قصر عمله ودنا عذابه. * الشرح: قوله (من لم يتعز بعزاء الله) عزى يعزي - من باب علم -: صبر على ما نابه، وعزيته تعزية: قلت له: أحسن الله عزاك أي رزقك الصبر الحسن، والعزاء - مثل سلام - اسم من ذلك، وتعزى هو تصبر، وشعاره أن يقول: * (إنا لله وإنا إليه راجعون) * كما أمر الله تعالى ومعنى قوله بعزاء الله أي بتعزية الله إياه فأقام الاسم مقام المصدر (تقطعت نفسه حسرات على الدنيا) لعل المراد بالنفس الروح الإنساني أعني النفس الناطقة المدبرة للروح الحيواني الذي به يتحقق الموت إذا فسد وهي باقية أبدا (1) إما مسرورة بما حصلت


1 - قوله " به يتحقق الموت إذا فسد وهي باقية أبدا " لعلك عرفت بما كررنا لك في هذه التعليقات من الأدلة والشواهد على تجرد النفس الناطقة وبقائها ما يغنيك عن تأسيس الكلام في هذا المقام، لكن لا بأس بالإشارة إلى حاصل ما مضى بتعبير أوضح لتقريب ذهن المبتدئ إن شاء الله تعالى، فنقول: كل موجود وإن أمكن في حقه الفساد والفناء انما يتصور فناؤه إما بفناء علته الفاعلية كزوال نور الشمس بأفولها وانتفاء نور السراج بانتفاء نفس السراج، وإما بزوال الموضوع والمادة إن توقف وجوده عليهما كزوال الطعم والرائحة عن الأشياء بتحلل مزاج الموضوع وتفرق عناصره كاللحم والفاكهة إذا فسد، أو إما إن لم يحتج الشئ إلى الموضوع والمادة أصلا كنور الشمس على الجدران فإنه غير محتاج إليها، أو احتاج إليهما في أول الحدوث لا في البقاء كالدخان المتصاعد من الحطب والجزل المتحرق فربما يبقى الدخان بعد أن صار الجزل رمادا، وانما يحتاج الدخان في حدوثه فقط إلى احتراق الحطب، وأما النفس الناطقة الانسانية لما ثبت تجردها وعدم احتياجها إلى المادة بعد وصولها إلى رتبة العقل بالفعل وإدراك الكليات في الجملة وإن احتاجت إلى حصول المزاج الخاص بالإنسان في الجنين أول حدوثها كانت بمنزلة الدخان الساطع يحتاج في أول حدوثه لا في بقائه، والبدن بالنسبة إليها كالعلل المعدة دون الفاعلة، ومثله البناء والبناء حيث يحتاج البيت إليه في حدوثه لا في = (*)

[ 339 ]

من أسباب السعادة أو متحسرة بما حصلت من أسباب الشقاوة فلها بذاتها جنة وجحيم جنتها كمالاتها، وجحيمها رذائلها من حب الدنيا، وما يتولد منه وباعتبار البدن جنة وجحيم تعود إلى إحداهما بعد الحشر. إذا عرفت هذا فنقول: من أحب الدنيا ولم يصبر على ما نابه فيها وترك ما يتوقع منها فهو في حسرة دائما، أما على الأول فظاهر، وأما على الثاني فلأنه إن لم يحصل له فهو في حسرة لفوات محبوبه، وإن حصل له فهو في حسرة على فواته وأخذه منه قهرا عند الموت وبعده كالعاشق إذا لم يجد المعشوق أو وجده وأخذه منه قهرا. (ومن أتبع بصره ما في أيدي الناس كثر همه ولم يشف غيظه) فيه حث على النظر إلى من دونه فإنه يوجب الرضا بقسمته ومعرفة قدر نعمته والشكر لربه ومنع من النظر إلى من فوقه من أهل الدنيا وما هم فيه من النعماء، فإن من نظر إليهم زاغ قلبه وكثر همه وزاد غمه ولم يشف غيظه بل يوجب زيادة غيظه لكثرة حظهم وقلة حظه ويبعثه على تمني مثل حالهم وهو لا يعلم حقيقة مآلهم كما * (قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم * وقال


= بقائه، فلا وجه لبطلان النفس الناطقة بفساد البدن من جهة فساد البدن، بخلاف القوى البدنية كالباصرة والسامعة فإنها من الروح الحيواني الذي يؤثر الموت في فنائها وهي بمنزلة آلات للنفس الناطقة كالمنشار للنجار، والمنظار للبصر الضعيف. فإن قيل: سلمنا أن النفس الناطقة لا يجب أن تفنى بفناء البدن، كالدخان حيث لا يفنى بفناء الحطب، فما الدليل على أنها لا تفنى بنفسه. ولا تتلاشى كما يتلاشى الدخان لا بسبب فناء الحطب بل بسبب آخر وهذا من التشكيكات الفخرية، وأجاب عنه المحقق الطوسي في شرح الاشارات بما حاصله أن النفس الناطقة ليست جسما مركبا من أجزاء مقدارية أو من عناصر مختلفة [ كالدخان حتى تتلاشى كما يتلاشى الدخان وإنما شبهنا النفس به في عدم الاحتياج إلى البدن بعد الوجود فقط ] وأيضا النفس ليست مركبة من جزئين أحدهما كالهيولى والآخر كالصورة حتى يتعقل تبدل النفسية بصورة أخرى لأن الشئ الذي يمكن أن يتصور جزء من النفس كالهيولى لابد أن يكون مجردا غير ذي وضع وغير متمكن في مكان ولا متحيزا في حيز، والشئ المتصف بهذه الصفات لابد أن يكون عاقلا وإن سميناه هيولى، فهي بنفسها من غير أن يلحقها تلك الصورة تدرك، وهي باقية كسائر الهيوليات وإن احتمل أن للهيولى المفروضة صورة يكون إدراكها وتعقلها بتلك الصورة، نلتزم حينئذ بعدم إمكان انفكاك تلك الصورة عن تلك الهيولى وتبدلها بصورة أخرى لأن هذه الحالات الطارية لابد أن تكون حادثة زمانية معلولة لتغيرات استعداد وهذه كلها غير ممكنة في غير الأجسام المادية. ثم لما أوهم كلام الشارح هذا روحانية المعاد فقط استدركه بقوله: وباعتبار البدن جنة وجحيم تعود إلى إحداهما بعد الحشر فأثبت صيرورة الكمالات والرذائل أجساما بعد الحشر على ما سبق مرارا من تجسم الأعمال، وقد سبق أيضا أن كل كمال لا يتوقف استمرار وجوده على الجوارح يبقى مع النفس وإن كان متوقفا على البدن أول حصوله. (ش). (*)

[ 340 ]

الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون * فلما خسف الله به وبداره الأرض أصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون) * وانتفاء الخسف بأهل الأموال والتجبر من هذه الأمة لا يوجب انتفاء عقوبتهم في الآخرة فينبغي للمؤمن أن لا ينظر إلى أموالهم ولا يتمنى مثل أحوالهم. (ومن لم ير لله عز وجل عليه نعمة إلا في مطعم أو مشرب أو ملبس فقد قصر عمله ودنا عذابه) لأن نعم الله عليه غير المذكورات التي وجدها أو فقدها كثيرة جليلة باطنة وظاهرة فيجب أن ينظر إليها ويرضى عن ربه ويشكر له وأن لا يغفل عنها ولا يسلبها، فإن سلبها فقد كفر وقصر في شكرها الذي من أعظم أعماله واستحق بذلك نزول العذاب. 6 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد الله عن يعقوب بن يزيد، عن زياد القندي، عن أبي وكيع، عن أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث الأعور، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن الدينار والدرهم أهلكا من كان قبلكم وهما مهلكاكم. * الشرح: قوله (إن الدينار والدرهم أهلكا من كان قبلكم وهما مهلكاكم) حبهما وصرف العمر في تحصليهما وتحصيل ما يتوقف عليهما من أمتعة الدنيا ومشتهياتها ولذاتها وفي حفظ جميع ذلك من المهلكات العظيمة التي أهلكت كثيرا من السابقين لأنه صرف قلوبهم وجوارحهم عن التفكر في أمر الآخرة والأعمال النافعة فيها وبعثهم على الأخلاق والأعمال الرذيلة كالظلم والحسد والحقد والعداوة والفخر والكبير والبخل ومنع الحقوق إلى غير ذلك مما لا يحصى، وإذا أخذا منهم قهرا بالموت وأعطيا غيرهم بقوا هالكين مغمومين، أما أولا فللفراق عن محبوبهم وأما ثانيا فلمصاحبة رذائل الأخلاق والأعمال التي بمنزلة الحيات تؤذيهم وتنهشهم أبدا، وأما ثالثا فلفوات الأخلاق والأعمال النافعة الموجبة للسعادة أبدا وذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وفعلهما بكم كفعلهما بهم لأن أفعالهما متشابهة وآثارهما متقاربة، وقيل: أول درهم ودينار ضرب أخذه إبليس ووضعه على عينه وقبله وقال: من أحبك فهو عبدي. 7 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يحيى بن عقبة الأزدي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): مثل الحريص على الدنيا مثل دودة القز، كلما ازدادت من القز على نفسها لفا كان أبعد لها من الخروج حتى تموت غما. وقال أبو عبد الله (عليه السلام): أغنى الغنى من لم يكن للحرص أسيرا. وقال: لا تشعروا قلوبكم الاشتغال بما قد فات فتشغلوا أذهانكم عن الاستعداد لما لم يأت.

[ 341 ]

* الشرح: قوله (مثل الحريص على الدنيا مثل دودة القز كلما ازدادت من القز على نفسها لفا كان أبعد لها من الخروج حتى تموت غما) شبه حال الحريص بحال الدودة فإنه يفعل على نفسه ما يوجب هلاكه من الأغشية والأغطية المانعة من الخروج من سجن الشقاوة إلى جنة السعادة ومناطه الجهل بأحوال الدنيا وأضرارها في أمر الآخرة فيشغل قلبه بها ويسعى في تحصيلها حتى يموت غما بفوات الدنيا والآخرة. قوله (أغنى الغنى من لم يكن للحرص أسيرا) الحرص: طرف الإفراط في القوة الشهوية الطالبة لشهوات الدنيا، وإذا وقع الإفراط فيها طلبت ما يضر بالدين ولا يليق بأهله وهو مع كونه رذيلة سبب لرذيلة أخرى هي الإفراط في القوة الغضبية لأن الحريص إذا منع مما أراد تشبث لدفع المانع بالغضب وإذا غضب أفرط وإذا أفرط صدر منه مالا يمكن وصفه فهو دائما يؤلم ويتألم فلا يكون غنيا، لأن الغني من رفه باله ولم تتفرق حاله، والأسير للحرص عبد له يستعمله في أمور تحصيلها ألم وهم وفواتها حزن وغم، بخلاف الحر وهو غير الحريص فإنه فارغ عن جميع ذلك فهو أغنى من الحريص، وأيضا الغنى ما ينفع ولغير الحريص ما ينفعه في الدنيا والآخرة بخلاف الحريص فهو أغنى منه. قوله (لا تشعروا قلوبكم الاشتغال بما قد فات فتشغلوا أذهانكم عن الاستعداد لما لم يأت) إشعار " بيم در دل انداختن وجامه اندرونى پوشانيدن " أي لا تدخلوا الاشتغال بما قد فات من الدنيا في قلوبكم أو لا تجعلوه شعار قلوبكم، فإن اشتغال القلب بالفائت من أمور الدنيا يوجب دوام تفكره فيها وفي تداركها وصرف العمر في تحصيلها، وهو يوجب اشتغاله عن الاستعداد لأمر الآخرة وما ينفع فيها لأن الدنيا ضد الآخرة، والاشتغال بأحد الضدين يمنع من الاشتغال بالآخر. 8 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، وعلي بن محمد، جميعا، عن القاسم بن محمد، عن سليمان المنقري، عن عبد الرزاق بن همام، عن معمر بن راشد، عن الزهري محمد بن مسلم بن عبيدالله قال: سئل علي بن الحسين (عليهما السلام) أي الأعمال أفضل عند الله ؟ قال: ما من عمل بعد معرفة الله عز وجل ومعرفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) أفضل من بغض الدنيا فإن لذلك لشعبا كثيرة وللمعاصي شعب فأول ما عصي الله به الكبر، معصية إبليس حين أبى واستكبر وكان من الكافرين، ثم الحرص وهي معصية آدم وحواء (عليهما السلام) حين قال الله عز وجل لهما: * (وكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين) * فأخذا ما لا حاجة بهما إليه، فدخل ذلك على ذريتهما إلى يوم القيامة وذلك أن أكثر ما يطلب ابن آدم ما لا حاجة به إليه ثم الحسد وهي معصية ابن آدم حيث حسد

[ 342 ]

أخاه فقتله، فتشعب من ذلك حب النساء وحب الدنيا وحب الرئاسة وحب الراحة وحب الكلام وحب العلو والثروة، فصرن سبع خصال فاجتمعن كلهن في حب الدنيا فقال الأنبياء والعلماء بعد معرفة ذلك: حب الدنيا رأس كل خطيئة والدنيا دنياءان: دنيا بلاغ ودنيا ملعونة. * الشرح: قوله (عن الزهري محمد بن مسلم بن عبيدالله) هو محمد بن مسلم بن عبيدالله بن عبد الله بن الحرث بن شهاب بن زهرة بن الكلاب وهو بدل عن الزهري، وفي بعض النسخ: " عن الزهري عن محمد بن مسلم ". والظاهر أن لفظة " عن " زائدة من قلم الناسخ، ويؤيده أن هذا الحديث ذكر متنا وسندا في باب " ذم الدنيا والزهد فيها " وليست فيه هذه اللفظة، والزهري على تقدير وجودها مشترك بين ستة رجال (1) أكثرهم ضعيف وهم إبراهيم بن سعد وسعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن، ومسور ابن مخرمة، ومحمد بن قيس، و عبد الله بن أيوب، ومطلب بن زياد، والأخيران ثقتان، بقي شئ وهو أن في باب الذم محمد بن مسلم بن شهاب وهذا مع كونه غير مذكور في كتاب الرجال على ظني، غير موافق لما هو في هذا السند ولعله نسبة إلى جده السابق، والله اعلم. (ما من عمل بعد معرفة الله عز وجل ومعرفة رسوله (صلى الله عليه وآله) أفضل من بغض الدنيا) دل على أن المعرفة أفضل لأنها أصل لجميع الأعمال، والأصل أفضل من الفرع، ويدخل في معرفة الرسول معرفة الإمام، وأريد ببغض الدنيا تحقيرها وكراهتها والإعراض عن متاعها وزينتها. (فإن لذلك لشعبا كثيرة وللمعاصي شعب) الظاهر أنه تعليل لكونه بغض الدنيا بعد المعرفة أفضل الأعمال. وأن ذلك إشارة إلى بغض الدنيا وأن المراد بالشعب الأولى أنواع الأخلاق والأعمال الفاضلة، وبالشعب الثانية أنواع المعاصي، والأولى مندرجة تحت بغض الدنيا والثانية مندرجة تحب حبها، فبغضها أفضل الأعمال لاشتماله على محاسن كثيرة مثل التواضع المقابل للكبر والقنوع المقابل للحرص، وقس على هذا، وبحكم المقابلة حب الدنيا أقبح الأعمال لاشتماله على رذائل كثيرة وهي الكبر إلى آخر ما ذكر، ولذلك قال أمير المؤمنين (عليه السلام): " والله لدنياكم أهون في عيني من عراق خنزير في يد مجذوم " العراق بضم العين: جمع عرق بفتح العين وسكون الراء، وهو عظم أكل


1 - قوله " مشترك بين ستة رجال " لا وجه لترديد الشارح وتتعتعه، والزهري محمد بن مسلم تابعي من مشاهير رجال العامة وفقهائهم مع ميله إلى زين العابدين (عليه السلام)، وعدوه من الفقهاء السبعة، وروي في بعض الروايات ما يدل على نصبه وهو بعيد. كانت ولادته سنة اثنتين وخمسين، ومات سنة أربع وعشرين ومائة. (ش). (*)

[ 343 ]

لحمه، تقول: عرقت العظم عرقا - من باب قتل - إذا أكلت ما عليه من اللحم، وفي الفائق: أنه العظم عليه اللحم، وهذا جمع غريب لأن فعلا لا يجمع على فعال، وقال ابن فارس: لم يسمع للعرق جمع. (وذلك أن أكثر ما يطلب ابن آدم ما لا حاجة به إليه) ذمهم في طلب غير المحتاج إليه لأنه يوجب ضياع العمر فيما لا يعني وتهيج قوتي الشهوة والغضب وإفسادهما في ملك البدن بل في نظام العالم واستيلاءهما على العقل وعلى عزله في التدبير وتولد الرذائل غير محصورة موجبة للشقاوة الابدية والغفلة عن الحق وما يقرب منه مثل العلوم الكاملة والأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة الموجبة للسعادة الابدية التي هي مشاهدة جلال الله والقرب منه، وأما طلب المحتاج إليه وهو القدر الضروري من الطعام واللباس والمسكن ونحوها فليس بمذموم بل ممدوح لأنه لا يمكن بدونه تكميل النفس بالعلم والعمل. (حيث حسد أخاه فقتله) قيل: قتله حسدا في قبول قربانه، وقيل: حب النساء، وقيل: في حب الدنيا لئلا يكون له نسل يعيرون أولاده في رد قربانه. (فصرن سبع خصال فاجتمعن كلهن في حب الدنيا) يمكن أن يكون المراد بها الكبر والحرص وحب النساء وحب الرئاسة وحب الراحة وحب الكلام وحب العلو والثروة وهما شعبة واحدة بقرينة عدم ذكر الحب في المعطوف كما ذكر في السوابق، وأما الحسد فقد اكتفى عنه بذكر شعبه وأنواعه إذ الجنس لا وجود له إلا في ضمن أنواعه، والله أعلم. (والدنيا دنياءان دنيا بلاغ ودنيا ملعونة) المراد بالأولى: قدر الكفاف، وتحصيله من طريق مشروع ممدوح، وبالثانية: الزائد عليه وهو الذي ينبغي التحرز عنه، ولا وجه لتخصيصه بالحرام بل ينبغي منع النفس عن كثير من المباح أيضا لأن في تسمينها به وتحريك القوة الشهوية إليه مضرة كثيرة. 9 - وبهذا الإسناد، عن المنقري، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: في مناجاة موسى (عليه السلام): يا موسى إن الدنيا دار عقوبة، عاقبت فيها آدم عند خطيئته وجعلتها ملعونة، ملعون ما فيها إلا ما كان فيها لي، يا موسى إن عبادي الصالحين زهدوا في الدنيا بقدر علمهم وسائر الخلق رغبوا فيها بقدر جهلهم وما من أحد عظمها فقرت عيناه فيها ولم يحقرها أحد إلا انتفع بها. * الشرح: قوله (وجعلتها ملعونة) اللعن: الطرد والإبعاد والسب، وكأن المراد بلعنها لعن أهلها أو كراهتها أو إجراء الكلام على قانون العرب، والعرب تقول لكل شئ ضار: ملعون، والشجرة الملعونة

[ 344 ]

عندهم هي كل من ذاقها كرهها ولعنها وكذلك حال الدنيا فإن كل من ذاق شهواتها لعنها إذا أحس بضررها (ملعون ما فيها إلا ما كان فيها لي) أي كل ما في الدنيا من الخلق والعمل كائنا ما كان ملعون إلا ما كان لله تعالى وهو المؤمن ومعرفة الله ومعرفة رسله وأوليائه والعلم بأحكامه وشرايعه والعمل بطاعته وترك معصيته وتحصيل الكفاف ورعاية عباده لقصد قربته إلى غير ذلك من القربات التي تبقى بعد الدنيا وتنفع في الآخرة، وينبغي أن يعلم أن ما يقع في الدنيا من الأعمال أربعة أقسام: الأول ما يكون ظاهره وباطنه لله كالطاعات والخيرات الخالصة، الثاني ما يكون ظاهره وباطنه للدنيا كالمعاصي والمباحات أيضا لأنها مبدأ البطر والغفلة إلا ما شذ، الثالث ما يكون ظاهره لله وباطنه للدنيا كأعمال المرائي وطاعاته، الرابع عكس الثالث كطلب الكفاف لقصد حفظ بقاء البدن والقوة على العبادة وتكميل النفس بالعلم والعمل. (يا موسى إن عبادي الصالحين زهدوا في الدنيا بقدر علمهم) (1) لعلمهم بأنها سجن المؤمنين ومحبس الصالحين وفي حلالها حساب وفي حرامها عقاب وخيرها مقترن بشرها، وحياتها بموتها، وحلوها بمرها، وخيرها قليل وشرها كثير، ومتاعها سراب، وعامرها خراب، فلذا صرفوا قلوبهم عنها وزهدوا فيها ولم يركنوا إليها. (وسائر الخلق رغبوا فيها بقدر جهلهم) فكل من كان جهله أتم وأكثر كانت رغبته فيها أشد وأوفر (وما من أحد عظمها فقرت عينه فيها) كيف يسر ويفرح من عظمها وعلق قلبه بنعيمها وهو يعلم أن أولها العناء وأوسطها البلاء وآخرها الفناء وأنها تختلس وتسوق بالفناء سكانها وتحدوا بالموت جيرانها. (ولم يحقرها أحد إلا انتفع بها) لأنها توصل إليه ما عندها من حظه المقدر ونصيبه المقرر. 10 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن أبي جميلة، عن محمد الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما ذئبان ضاريان في غنم قد فارقها رعاؤها، واحد في أولها وهذا في آخرها بأفسد فيها من حب المال والشرف في دين المسلم. 11 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن منصور بن العباس، عن سعيد بن جناح، عن عثمان بن سعيد، عن عبد الحميد بن علي الكوفي، عن مهاجر الأسدي، عن أبي


1 - قوله " زهدوا في الدنيا بقدر علمهم " الإنسان يعرف الدنيا بحواسه ويشترك الناس جميعهم في وجود الحواس وإدراك الأجسام ولكن يعرف الحقائق والمعاني بعقله وكلما كان عقله أكمل كان اعتناؤه بالمعاني أشد وأقوم وكلما كان عقله أنقص كانت معرفته بالأجسام والمواد المحسوسة أظهر واعتناؤه بالدنيا أشد، فزهد الإنسان في الدنيا بقدر علمه. (ش). (*)

[ 345 ]

عبد الله (عليه السلام) قال: مر عيسى بن مريم (عليه السلام) على قرية قد مات أهلها وطيرها ودوابها فقال: أما إنهم لم يموتوا إلا بسخطة ولو ماتوا متفرقين لتدافنوا، فقال الحواريون يا روح الله وكلمته ادع الله أن يحييهم لنا فيخبرونا ما كانت أعمالهم فنجتنبها، فدعا عيسى (عليه السلام) ربه فنودي من الجو أن نادهم، فقام عيسى (عليه السلام) بالليل على شرف من الأرض فقال: يا أهل هذه القرية ! فأجابه منهم مجيب: لبيك يا روح الله وكلمته، فقال: ويحكم ما كانت أعمالكم ؟ قال: عبادة الطاغوت وحب الدنيا مع خوف قليل وأمل بعيد وغفلة في لهو ولعب، فقال: كيف كان حبكم للدنيا، قال: كحب الصبي لأمه إذا أقبلت علينا فرحنا وسررنا وإذا أدبرت عنا بكينا وحزنا، قال كيف كانت عبادتكم للطاغوت ؟ قال: الطاعة لأهل المعاصي، قال: كيف كان عاقبة أمركم ؟ قال: بتنا ليلة في عافية وأصبحنا في الهاوية، فقال: وما الهاوية ؟ فقال: سجين قال: وما سجين ؟ قال: جبال من جمر توقد علينا إلى يوم القيامة، قال: فما قلتم وما قيل لكم ؟ قال: قلنا ردنا إلى الدنيا فنزهد فيها، قيل لنا: كذبتم، قال: ويحك كيف لم يكلمني غيرك من بينهم ؟ قال: يا روح الله إنهم ملجمون بلجام من نار بأيدي ملائكة غلاظ شداد وإني كنت فيهم ولم أكن منهم، فلما نزل العذاب عمني معهم فأنا معلق بشعرة على شفير جهنم لا أدري اكبكب فيها أم أنجو منها، فالتفت عيسى (عليه السلام) إلى الحواريين فقال: يا أولياء الله ! أكل الخبز اليابس بالملح الجريش والنوم على المزابل خير كثير مع عافية الدنيا والآخرة. * الشرح: قوله (أما أنهم لم يموتوا إلا بسخطة بسخط بالتحريك وبالضم والسكون: الغضب. (ولو ماتوا متفرقين لتدافنوا) قال الشيخ في الأربعين: الظاهر أن التفاعل هنا بمعنى فعل كتواني، ويمكن إبقاؤه على أصل المشاركة بتكلف. (فنودي من الجو أن نادهم) الجو بالفتح والتشديد: ما بين السماء والأرض، والشرف: المكان العالي والموضع المرتفع. (فقال ويحكم) ويح اسم فعل بمعنى الترحم كما أن ويل كلمة العذاب وبعض اللغويين يستعمل كلا منهما مكان الأخرى. (ما كانت أعمالكم ؟ قال: عبادة الطاغوت) أصله طغيوت من الطغيان وهو تجاوز الحد في تقدير فعلوت بفتح العين، قدمت الياء على خلاف القياس، وقيل: طيغوت في تقدير فلعوت ثم قلبت الياء ألفا فصار طاغوت، وهو يذكر ويؤنث، ويطلق على الكاهن والشيطان والصنم وعلى كل رئيس في الضلالة وعلى كل ما يصد من عبادة الله تعالى وعلى كل ما عبد من دون الله، وعلى

[ 346 ]

المفرد والجمع. قال الشيخ (رحمه الله): لعلك تظن أن ما تضمنه هذا الحديث من أن الطاعة لأهل المعاصي عبادة لهم جار على ضرب من التجوز لا الحقيقة، وليس كذلك بل هو حقيقة فإن العبادة ليست إلا الخضوع والتذلل والطاعة والانقياد، ولهذا جعل سبحانه اتباع الهوى والانقياد عبادة للهوى فقال تعالى: * (أفرأيت من اتخذ إله هواه) * وجعل طاعة الشيطان عبادة له فقال: * (ألم أعهد اليكم يا بني آدم أن لا تعبدو الشيطان) * وذكر بعض الروايات الدالة عليه ثم قال: وإذا كان اتباع الغير والانقياد إليه عبادة له فأكثر الخلق عند التحقيق مقيمون على عبادة أهواء نفوسهم الخسيسة الدنية وشهواتهم البهيمية والسبعية على كثرة أنواعها واختلاف أجناسها وهي أصنامهم التي عليها عاكفون والانداد التي هم لها من دون الله عابدون، وهذا هو الشرك الخفي نسأل الله سبحانه أن يعصمنا عنه ويطهر نفوسنا بمنه وكرمه. (وحب الدنيا) هو منبع جميع الرذائل من الأعمال والأخلاق وهو نار في جوهر النفس تحرق جميع الخيرات ويظهر أثرها كما هو بعد الفراق من الدنيا. (مع خوف قليل وأمل بعيد) طول الأمل من أشد الخصال المذمومة فإنه يورث القساوة ويعمي البصيرة وينسي الآخرة ويزيد الشوق إلى الدنيا والفرح بحصولها. (وغفلة في لهو ولعب) عطف على خوف، وعطفه على عبادة الطاغوت بعيد. واللهو " بازى كردن وزن وفرزند وباطل وچيزى كه از عمل خير باز دارد ". واللعب بفتح اللام وكسر العين " بازى كردن " وبفتحها " بازى كردن " ويمكن تخصيص الأول بالطبل والقمار ونحوها وتخصيص الثاني بغير ذلك والغفلة سبب لهما وهما سببان لثباتها ورسوخها في جوهر النفس. قال الشيخ: " في " إما للظرفية المجازية كما في نحو " النجاة في الصدق " أو بمعنى " مع " كما في قوله تعالى: * (ادخلوا في أمم) * أو للسببية كقوله تعالى * (فذلكن الذي لمتنني فيه) *. (قال: كحب الصبي لأمه إذا أقبلت علينا فرحنا وسررنا وإذا أدبرت علينا بكينا وحزنا) قال الشيخ: الشرطيتان واقعتان موضع أي المفسرة لحب الصبي وأمه. (قال: الطاعة لأهل المعاصي) سمي الطاعة لهم والانقياد لحكمهم والاتباع لأمرهم ونهيهم عبادة لأنه ظهر له بعد الموت أن طاعة أهل المعاصي عبادة لهم حقيقة. قال الشيخ: ما ذكره هذا الرجل المتكلم لعيسى على نبينا وعليه السلام في وصف أصحاب تلك القرية وما كانوا عليه من الخوف القليل والأمل البعيد والغفلة واللهو واللعب والفرح بإقبال الدنيا والحزن بإدبارها هو بعينه حالنا وحال أهل زماننا بل أكثرهم خال عن ذلك الخوف القليل أيضا نعوذ بالله من الغفلة وسوء

[ 347 ]

المنقلب. (قال: كيف كانت عاقبة أمركم ؟ قال بتنا ليلة في عافية وأصبحنا في الهاوية، فقال: وما الهاوية ؟ فقال سجين، قال: ما سجين ؟ قال: جبال من جمر توقد علينا إلى يوم القيامة) قال الشيخ ما تضمنه هذا الحديث من كون أهل تلك القرية في جبال جمر توقد عليهم إلى يوم القيامة صريح في وقوع العذاب في مدة البرزخ أعني ما بين الموت والبعث وقد انعقد عليه الإجماع ونطقت به الأخبار ودل عليه القرآن العزيز وقال به أكثر الملل وإن وقع الاختلاف في تفاصيله، والذي يجب علينا هو التصديق المجمل بعذاب واقع بعد الموت وقبل الحشر في الجملة. وأما كيفياته وتفاصيله فلم نكلف بمعرفتها على التفصيل وأكثره مما لا تسعه عقولنا (1) فينبغي ترك البحث والفحص عن تلك التفاصيل وصرف الوقت فيما هو أهم أعني فيما يصرف ذلك العذاب ويرفعه عنا كيف ما كان وعلى أي نوع حصل، وهو المواظبة على الطاعات واجتناب المنهيات لئلا يكون حالنا في الفحص عن ذلك والاشتغال به عن الفكر فيما يدفعه وينجي منه كحال شخص أخذه السلطان وحبسه ليقطع في غد يده وجدع أنفه فترك الفكر في الحيل المؤدية إلى خلاصه وبقي طول ليله متفكرا في أنه هل يقطع بالسكين أو بالسيف وهل القاطع زيد أو عمرو (قيل لنا كذبتم) دل على أنهم لو ردوا لعادوا كما نطقت به الآية. (وإني كنت فيهم ولم أكن منهم فلما نزل العذاب عمني معهم) قال الشيخ: هذا يشعر بأنه ينبغي المهاجرة عن أهل المعاصي وأن المقيم معهم شريك لهم في العذاب ومحترق بنارهم وإن لم يشاركهم في أفعالهم وأقوالهم. (فأنا معلق بشعرة على شفير جهنم) قال الشيخ: هذا كناية عن أنه مشرف على الوقوع فيها ولا يبعد أن يراد معناه الصريح أيضا. والشفير: حافة الشئ وجانبه.


1 - قوله " مما لا تسعه عقولنا " الإنسان مجبول على قياس ما لم يعرفه بما يعرف ولذلك يشكل عليه كثير من أمور البرزخ والآخرة. مثلا: يقيس الإنسان دور مكة وسككها وأبنيتها بما رآه في بلده فالعجمي يتصور في مكة دارا واسعة فيها صحن كبير وبركة يغتسل فيها كل يوم مرات ويدفع عن نفسه حرارة الهواء ولا يختلج بباله أن الدار هناك ليس لها صحن وبركة وإذا نشأ أحد في بلد الجبارين واعتاد الخوف والإطاعة لأهواء الأمراء مقيدا بقيود الظلمة بحيث يحسب كل صيحة عليه هي العدو، ثم خرج من بلاده إلى غيرها يتعجب من الناس وحريتهم واختيارهم وعدم التزامهم بإطاعة أمرائهم الا بالحق وكذلك الإنسان في الدنيا يزعم جميع امور البرزخ كالدنيا. ففي بعض الروايات أن أرواح الأشقياء في برهوت، وفي هذه الرواية أنها في سجين، وفي بعضها أن الميت يعذب في قبره. ولم يعرف في الدنيا شيئا كذلك في أمكنة متعددة فيقيس الآخرة بالدنيا ويصعب على عقله فهمه. (ش). (*)

[ 348 ]

(لا أدري أكبكب فيها) على صيغة المبني للمفعول أي أطرح على وجهي. (أكل الخبز اليابس بالملح الجريش) أي الذي لم ينعم دقه، تقول: جرشت الشئ إذا لم تنعم دقه فهو جريش. 12 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما فتح الله على عبد بابا من أمر الدنيا إلا فتح الله عليه من الحرص مثله. * الشرح: قوله (ما فتح الله على عبد بابا من أمر الدنيا إلا فتح الله عليه من الحرص مثله) دل على أن أهل الدنيا لا يشبعون منها بل لو أعطى كل واحد مثل الدنيا مرة طلبها مرتين لأن طلبها على قدر الحرص دون الحاجة ومراتب الحرص غير محصورة. 13 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمد، عن المنقري، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال عيسى بن مريم صلوات الله عليه: تعملون للدنيا وأنتم ترزقون فيها بغير عمل ولا تعملون للآخرة وأنتم لا ترزقون فيها إلا بالعمل، ويلكم علماء سوء، الأجر تأخذون، والعمل تضيعون، يوشك رب العمل أن يقبل عمله ويوشك أن يخرجوا من ضيق الدنيا إلى ظلمة القبر، كيف يكون من أهل العلم من هو في مسيرة إلى آخرته وهو مقبل على دنياه وما يضره أحب إليه مما ينفعه. * الشرح: قوله (قال عيسى بن مريم صلوات الله عليه تعملون للدنيا وأنتم ترزقون فيها بغير عمل ولا تعملون للآخرة وأنتم لا ترزقون فيها إلا بالعمل) قال الله تعالى لأهل الدنيا: * (وما من دابة إلا على الله رزقها) * ولأهل الآخرة: * (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) * فطلب العمل للدنيا مع أنها تنال بدونه وترك العمل للآخرة مع أنها لا تنال إلا به دل على نقص الإيمان وأنه مجرد التقول باللسان. قال بعض العارفين لرجل: كيف طلبك للدنيا ؟ قال: شديد. فقال هل أدركت ما تريد ؟ قال: لا. قال: فهذه التي تطلبها شديدا لم تدرك منها ما تريد فكيف بالتي لم تطلبها. (ويلكم علماء سوء، الأجر تأخذون. والعمل تضيعون) خاطب علماء الدين بالنداء وذمهم بترك العمل بعلومهم وتوقع الأجر إنكارا لذلك وحثهم على العمل بقوله: (يوشك رب العمل أن يقبل عمله) إن خيرا فخير وإن شرا فشر، وفيه إشارة إلى ما يرد عليه بعد الموت من الصور الحسنة والقبيحة من جهة الأعمال فهو إما في راحة روحانية أو في عقوبة نفسانية إلى يوم البعث ثم يرجع إلى جنة عالية أو إلى نار حامية.

[ 349 ]

(ويوشك أن يخرجوا من ضيق الدنيا إلى ظلمة القبر) فيجدوا ما كانوا فيه من خير وشر حاضرا. وفيه ترغيب في ترك الدنيا لقلة مدتها وسرعة زوال شدتها، وتحريض على العمل لما بعدها والأعمال الصالحة أنوار تدفع ظلمات القبر والقيامة. (كيف يكون من أهل العلم من هو في مسيرة إلى آخرته وهو مقبل على دنياه وما يضره أحب إليه مما ينفعه) ما يضره الدنيا وأعمالها المطلوب منها متاعها وما ينفعه هو الآخرة وأعمالها المستلزمة لرفيع درجاتها، ومن أدبر عن الثاني وأقبل إلى الأول وأحب الدنيا والاستكثار منها وصحبة أهلها للجاه والمال فليس بعالم وإنما العالم من عرف الله وعظمته وعزه وقهره وغلبته ودينه وكتابه وسنته وبعثه ذلك على الورع والتقوى والزهد في الدنيا ودوام الهيبة والخشية والعمل لله وهو الذي وصفه الله تعالى بقوله: * (إنما يخشى الله من عباده العلماء) *. 14 - عنه، عن أبيه، عن محمد بن عمرو - فيما أعلم - عن أبي علي الحذاء، عن حريز، عن زرارة ومحمد بن مسلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أبعد ما يكون العبد من الله عز وجل إذا لم يهمه إلا بطنه وفرجه. * الشرح: قوله (أبعد ما يكون العبد من الله عز وجل إذا لم يهمه إلا بطنه وفرجه) للبطن والفرج نصيب عقلا وشرعا وهو ما يحتاج إليه في قوام البدن واكتساب العلم والعمل وبقاء النوع ودفع الشهوة المضرة، وأما الزائد عليه فمن طغيان القوة الشهوية وأعظم المهلكات وجواذب النفس عن سبيل الخيرات إلى الشهوات والشبهات وأبلغ أسباب البعد من الله تعالى ومن دار القرار وأكمل أسباب القرب من الفراعنة والدخول في النار ولذلك حذر (عليه السلام) من صرف الهمة إلى تحصيل مقاصدهما لكثرة مفاسدهما. ويدخل في هم البطن البطنة والأكل والشرب من الحرام وصرف الجوارح في تحصيل مقاصده وفي هم الفرج الزنا وما يشبهه والنظر واللمس واستماع الحركات إليه وجميع مقدماته المعينة عليه. 15 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان و عبد العزيز العبدي، عن عبد الله بن أبي يعفور، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من أصبح وأمسى والدنيا أكبر همه جعل الله تعالى الفقر بين عينيه وشتت أمره ولم ينل من الدنيا إلا ما قسم الله له ومن أصبح وأمسى والآخرة أكبر همه جعل الله الغني في قلبه وجمع له أمره. * الشرح: قوله (من أصبح وأمسى والدنيا أكبر همه جعل الله الفقر بين عينيه) فهو فقير في الآخرة لتقصيره

[ 350 ]

فيما ينفعه فيها وفي الدنيا لأنه يطلبها شديدا والغنى من لا يحتاج إلى الطلب ولأن مطلوبه كثيرا ما يفوت عنه والفقر عبارة عن فوات المطلوب وأيضا يبخل عن نفسه وعياله خوفا من فوات الدنيا وهو فقر حاضر. (وشتت أمره) في الآخرة لكنه فائت المقصود فيها وفي الدنيا لتفرق قلبه في طرق تحصيلها لعدم عمله بما هو المقدر منها. (ولم ينل من الدنيا إلا ما قسم له) قال الله تعالى: * (نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا) * وما جعله الحكيم قسما لكل واحد وهو ما يأكله ويحتاج إليه ما دام العمر يأتيه قطعا وإن لم يبالغ في تحصيله ورفض الكد في طلب الدنيا، وأما ما يجمعه ويتركه فليس قسما له بل لغيره وهو حمال الحطب. (ومن أصبح وأمسى والآخرة أكبر همه جعل الله الغنى في قلبه) فيصرف قلبه إلى الله معرضا عما عداه ويعطف فكره إلى إحسانه غافلا عما سواه ويثق بوصول رزقه معتمدا على وعد مولاه ولا يحتاج في شئ من اموره إلى الأنام ولا يطلب قضاء حوائجه من الخواص والعوام والغنى عبارة عن هذه الأمور. (وجمع له امره) في الآخرة لكونه عاملا لها وفي الدنيا لتفرغ خاطره عنها فضلا عما فيها مما يغتر به المفتونون بها، وبالجملة تفرق القلب في الدنيا وتزلزله انما هو لطلب الرزق وعدم العلم بموضعه والله سبحانه رفع عنه ذلك التفرق والتزلزل وأمر الدنيا بخدمته فيأتيه رزقه من حيث لا يحتسب بل زائد عليه كما قيل: اترك الدنيا كلها وخذها كلها فإن تركها في أخذها وأخذها في تركها. 16 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن ابن سنان، عن حفص بن قرط، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من كثر اشتباكه بالدنيا كان أشد لحسرته عند فراقها. * الشرح: قوله (من كثر اشتباكه بالدنيا كان أشد لحسرته عند فراقها) اشتباك " بهم در رفتن " يقال اشتبكت النجوم إذا كثرت وانضمت وكل متداخلين مشتبكان ومنه تشبيك الأصابع لدخول بعضها في بعض، وفيه ترغيب في رفض الدنيا وترك محبتها لئلا يشتد الحزن والحسرة في مفارقتها فإن من أحب شيئا تحزن وتحسر من مفارقته وكلما زاد المحبوب زاد الحزن والحسرة كما أشار إليه أيضا أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: " وكلما عظم قدر الشئ المتنافس فيه عظمت الرزية لفقده " وذلك لشدة المحبة ومن ثم قيل: ومن أكبر المصالح ترك محبوب لابد من مفارقته تركا باستدراج النفس واستغفالها كي لا يفدحه مفارقته دفعة مع تمكن محبته من جوهرها فيبقى كما نقل من معشوقه إلى

[ 351 ]

موضع ظلماني شديد الظلمة. 17 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن عبد العزيز العبدي، عن ابن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: من تعلق قلبه بالدنيا تعلق قلبه بثلاث خصال: هم لا يفنى وأمل لا يدرك ورجاء لا ينال. * الشرح: قوله (من تعلق قلبه بالدنيا تعلق قلبه بثلاث خصال: هم لا يغنى وأمل لا يدرك ورجاء لا ينال) لا يغنى بالغين أي لا ينفع أو بالفاء أي لا يزول لبقائه بعد الموت. ولعل المراد أن المقدر من الدنيا لكل أحد يأتيه وإن لم يبالغ في طلبه، وغير المقدر لا يأتيه وإن طلبه فتعلق القلب به تعلق بهم لا ينفع أي لا يزول وبأمل ورجاء لا يدرك ولا ينال. يا طالب الرزق في دنياك مجتهدا * اقصر عنانك إن الرزق مقسوم لا تحرصن على ما لست تدركه * إن الحريص على الآمال محروم أو المراد أن من تعلق قلبه بالدنيا ودخل حبها فيه يهتم بفراقها ويأمل أن يكون هو معها ويرجى أن تكون هي معه، ومن البين أن الدنيا فانية فلا يدرك أمله ورجاءه ويبقى مع هم لا يفنى ولا يزول والله أعلم.

[ 352 ]

باب الطمع 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن علي بن حسان، عمن حدثه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما أقبح بالمؤمن أن تكون له رغبة تذله. * الشرح: قوله (ما أقبح بالمؤمن أن تكون له رغبة تذله) رغبة " اراده داشتن " وهي من الله عزة، ومن غيره ذلة، فقوله " تذله " صفة مخصصة، والذلة لازمة سواء حصل له المرغوب أم لم يحصل، وعدم الحصول أكثر، فيكون مع ذله ورفع وقاره بين الأنام فاقدا للمرام ومبغوضا لرب العالمين فاكتسب خسران الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين. 2 - عنه، عن أبيه، عمن ذكره، بلغ به أبا جعفر (عليه السلام): قال: بئس العبد عبد له طمع يقوده وبئس العبد عبد له رغبة تذله. 3 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمد، عن المنقري، عن عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري قال: قال علي بن الحسين (عليهما السلام): رأيت الخير كله قد اجتمع في قطع الطمع عما في أيدي الناس. * الشرح: قوله (رأيت الخير كله قد اجتمع في قطع الطمع عما في أيدي الناس) طمع " اميد داشتن بچييزى ". وهو يورث الذل والاستخفاف والحسد والحقد والعداوة والغيبة والوقيعة وظهور الفضايح والظلم الكثير والمداهنة والنفاق والرياء والصبر على باطل الخلق والإعانة عليه وعدم التوكل على الله والوثوق به والتضرع إليه والرضا بقسمه والتسليم لأمره، إلى غير ذلك من المفاسد. وقطع الطمع يورث أضداد هذه الأمور التي كلها خيرات. 4 - محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن بعض أصحابنا، عن علي بن سليمان بن رشيد، عن موسى بن سلام، عن سعدان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: [ ما ] الذي يثبت الإيمان في العبد ؟ قال: الورع، والذي يخرجه منه ؟ قال: الطمع. * الشرح: قوله (قال قلت له [ ما ] الذي يثبت الإيمان في العبد ؟ قال: الورع، والذي يخرجه منه ؟ قال الطمع) الورع وهو لزوم الأعمال الجميلة المسعدة في الدنيا والآخرة يقوي نور الإيمان ويزيد العقائد ويثبتها في القلب لما مر مرارا أن بين الظاهر والباطن تناسبا بها يصل أثر كل منها إلى الآخر، والطمع يخرجه من الإيمان لما عرفت من كثرة مفاسده، والمفاسد يبطل الإيمان ويضعفه وهو المراد بإخراجه منه، وفيه دلالة على أن الإيمان نفس الاعتقاد.

[ 353 ]

باب الخرق 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، عمن حدثه، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: من قسم له الخرق حجب عنه الإيمان. * الشرح: قوله (من قسم له الخرق حجب عنه الإيمان) الخرق بالتحريك " درشتى كردن " وهو مصدر خرق من باب علم إذا عمل شيئا فلم يرفق فيه، والاسم: الخرق بالضم والسكون، وقد روي " أن الرفق يمن والخرق شوم " ومن شومه أنه يحجب عن صاحبه الإيمان ويوجب فساد أمره في الدين لأن الإيمان لا يستقر إلا في قلب سليم عنه وعن آفاته التي يشتبك بعضها في بعض كما لا يخفى على ذوي البصائر الثاقبة، ومن شومه أنه يوجب تنفر الطبايع عمن يصف به وفساد أمره في الدنيا، ثم الخرق شوم إن لم يقع في موضعه وإلا فهو يمن كما يرشد إليه قول أمير المؤمنين (عليه السلام) " وارفق ما كان الرفق ارفق " أي أصلح " واعتزم " بالشدة " حين لا يغني عنك " أي الرفق " الا الشدة " وفيه تنبيه على سلوك سبيل الرفق بقدر الإمكان. 2 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن النعمان، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لو كان الخرق خلقا يرى ما كان شئ مما خلق الله أقبح منه. * الشرح: قوله (لو كان الخرق خلقا يرى ما كان شئ مما خلق الله أقبح منه) فيه تنفير عن الخرق لتنفر الطبع عن الصورة القبيحة وسيراها المتصف به بعد الموت وهي رفيقة أبدا ويفتضح بها عند الأبرار.

[ 354 ]

باب سوء الخلق 1 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل. * الشرح: قوله (إن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل) سوء الخلق وصف للنفس يوجب للنفس فسادها وانقباضها وتغيرها على أهل الخلطة والمعاشرة وإيذائهم بسب ضعيف أو بلا سبب ولو فرض حقوق المعاشرة وعدم احتمال مالا يوافق طبعه منهم وقيل هو كما يكون مع الخالق أيضا بعدم تحمل مالا يوافق طبعه من النوائب والاعتراض عليه، ومفاسده وآفاته في الدنيا والدين كثيرة منها أنه يفسد العمل بحيث لا يترتب عليه ثمرته المطلوبة منه كما يفسد الخل العسل، وفيه تشبيه معقول بمحسوس للإيضاح وإذا أفسد العمل أفسد الإيمان أيضا كما صرح به في الخبر الآتي. 2 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله): أبى الله عز وجل لصاحب الخلق السيئ بالتوبة. قيل: وكيف ذاك يا رسول الله ؟ قال: لأنه إذا تاب من ذنب وقع في ذنب أعظم منه. * الشرح: قوله (قال النبي (صلى الله عليه وآله) أبى الله عز وجل لصاحب الخلق السيئ بالتوبة. قيل: وكيف ذاك يا رسول الله ؟ قال: لأنه إذا تاب من ذنب وقع في ذنب أعظم منه) الإباء بالتوبة يحتمل الإباء بوقوعها والإباء بقبولها، والسائل سأل عن حاله وسببه مع أن باب التوبة مفتوح للمذنبين، والله عز وجل يقبل التوبة عن عباده، والجواب أن الخلق السيئ يمنع صاحبه من التوبة والبقاء عليها ولو تاب من ذنب وقع عقبه بلا مهلة في ذنب أعظم منه لأن نقض التوبة ذنب مقرون بذنب آخر وهما أعظم من الأول، أو لأن ذلك الخلق إذا لم يعالج يعظم ويشتد قوته آنا فآنا وقوة المؤثر وعظمته مستلزمة لقوة الأثر وعظمته فالذنب الآخر أعظم من الأول وانما يتحقق تخلصه من هذه الذنوب بالتوبة من هذا الخلق ورفعه بمعالجات علمية وعملية كما هو المقرر في علاج جميع الصفات الذميمة. 3 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن إسماعيل بن مهران، عن سيف بن عميرة، عمن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن سوء الخلق ليفسد الإيمان كما يفسد الخل العسل. 4 - عنه، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن عبد الله بن عثمان، عن الحسين بن مهران، عن

[ 355 ]

إسحاق بن غالب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من ساء خلقه عذب نفسه. * الشرح: قوله (من ساء خلقه عذب نفسه) لأن نفسه منه في تعب كالناس ولأنهم قد لا يحتملون منه فيؤذونه كما يؤذيهم ولما كان هو الباعث لذلك كأنه عذب نفسه. 5 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن عبد الحميد، عن يحيى بن عمرو، عن عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): أوحى الله عز وجل إلى بعض أنبيائه: الخلق السيئ يفسد العمل كما يفسد الخل العسل.

[ 356 ]

باب السفه 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن شريف بن سابق، عن الفضل بن أبي قرة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن السفه خلق لئيم، يستطيل على من [ هو ] دونه ويخضع لمن [ هو ] فوقه. * الشرح: قوله (إن السفه خلق لئيم يستطيل على من دونه ويخضع لمن فوقه) السفه قد يقابل الحكمة الحاصلة بالاعتدال في القوة العقلية وهو وصف للنفس يبعثها على السخرية والاستهزاء والاستخفاف والجزع والتملق وإظهار السرور عند تألم الغير والحركات الغير المنتظمة والأقوال والأفعال التي لا تشابه أقوال العقلاء وأفعالهم منشأه الجهل وسخافة الرأي ونقصان العقل. وقد يقال الحلم الحاصل بالاعتدال في القوة الغضبية وهو وصف للنفس يبعثها على البطش والضرب والشتم والخشونة والتسلط والغلبة والترفع ومنشأه الفساد في تلك القوة وميلها إلى طرف الإفراط ولا يبعد أن ينشأ من فساد القوة الشهوية أيضا وهو خلق لئيم يستطيل أي يقهر من دونه ويخضع لمن فوقه طلبا لرضاه وطمعا في ماله وجاهه، والاستطاله من فساد القوة العقلية والغضبية، والخضوع من فساد القوة العقلية والشهوية، والظاهر جر " لئيم " بالإضافة إذ رفعه بالوصف يوجب ارتكاب نوع تجوز في وصف الخلق باللئيم والاستطالة. 2 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن بعض أصحابه، عن أبي المغرا، عن الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لا تسفهوا فإن أئمتكم ليسوا بسفهاء. وقال أبو عبد الله (عليه السلام): من كافأ السفيه بالسفه فقد رضي بما أتى إليه حيث احتذى مثاله. * الشرح: قوله (لا تسفهوا فإن أئمتكم ليسوا بسفهاء) نقل عن المبرد وثعلب أن سفه بالكسر متعد، وبالضم لازم، فإن كسرت الفاء هنا كان المفعول محذوفا أي لا تسفهوا أنفسكم، والخطاب للشيعة كلهم، والغرض من التعليل هو الترغيب في الأسوة، والغرض أنكم إن سفهتم نسب من خالفكم السفه إلى أئمتكم كما ينسب الفعل إلى المؤدب وأئمتكم ليسوا بسفهاء فينبغي أن لا تسفهوا لئلا ينسب ذلك إلى أئمتكم. قوله (وقال أبو عبد الله (عليه السلام)) الظاهر أنه رواية أخرى بحذف الاسناد. (من كافأ السفيه بالسفه فقد رضي بما أتى إليه حيث احتذى مثاله) حيث تعليل للرضا بما أتى

[ 357 ]

السفيه إليه، والاحتذاء: الاقتداء. وفيه زجر عن مكافأة السفيه بالسفه وترغيب في تركها كما هو شأن الكرام، قال الله تعالى في وصفهم: * (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) * وقال: * (وإذا مروا باللغو مروا كراما) *. 3 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) في رجلين يتسابان فقال: البادي منهما أظلم ووزره ووزر صاحبه عليه ما لم يتعد المظلوم. * الشرح: قوله (عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) في رجلين يتسابان فقال: البادي منهما أظلم ووزره ووزر صاحبه عليه ما لم يتعد المظلوم) مثله ما رواه مسلم عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال " المستبان ما قالا فعلى البادي ما لم يعتد المظلوم " يعني إثم سباب المتسايين على البادي أما إثم ابتدائه فلأن السب حرام وفسق لحديث " سباب المؤمن فسق وقتاله كفر " وأما إثم سب الراد فلان البادي هو الحامل له على الرد وإن كان منتصرا فلا إثم على المنتصر لقوله تعالى * (ولمن انتصر بعد ظلمه) * الآية. لكن الصادر منه هو سب مترتب عليه الإثم إلا أن الشرع أسقط منه المؤاخذة وجعلها على البادي للعلة المتقدمة، وانما أسقطها عنها ما لم يتعد أي يتجاوز فإنه إن تعدى كان هو البادي في القدر الزائد والتعدي في الرد قد يكون بالتكرار مثل أن يقول البادي يا كلب فيرد عليه مرتين. وقد يكون بالأفحش كما لو قال له يا سنور فيقول في الرد يا كلب، وإنما كان هذا تعديا لأن الرد بمنزلة القصاص والقصاص انما يكون بالمثل، ثم الراد أسقط حقه على البادي ويبقى على البادي حق الله تعالى لقدومه على ذلك ولا يبعد تخصيص تحمل البادي إثم الراد بما إذا لم يكن الرد كذبا أو الأول قذفا فإنه إذا كان الرد كذبا مثل أن يقول البادي: يا سارق وهو سارق فيقول الراد: بل أنت سارق وهو كاذب أو يكون الأول قذفا مثل أن يقول يا زاني فيقول الراد بل أنت الزاني، فالظاهر أن إثم الرد على الراد وبالجملة انما يكون الانتصار إذا كان السب مما تعارف السب به عند التأديب كالأحمق والجاهل والظالم وأمثالها فأمثال هذه إذا رد بها لا إثم على الراد ويعود إثمه على البادي، والله أعلم. 4 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن صفوان، عن عيص بن القاسم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن أبغض خلق الله عبد اتقى الناس لسانه. * الشرح: قوله (إن أبغض خلق الله عبد اتقى الناس لسانه) ذكر هذا الحديث في باب " من يتقى شره " أنسب ولعل ذكره في هذا الباب باعتبار أنه مبدأه السفه.

[ 358 ]

باب البذاء 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن فضال، عن أبي المغرا، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: [ إن ] من علامات شرك الشيطان الذي لا يشك فيه أن يكون فحاشا، لا يبالي ما قال ولا ما قيل فيه. * الشرح: قوله (من علامات شرك الشيطان) الشرك والشركة مثال السمك والسمكة " دام صياد " ومثال الكلم والكلمة " انباز كردن كسى را در كارى " وهما مصدر أشركته في الأمر - من باب علم - إذا صرت له شريكا فيه، واقتصر الشيخ في الأربعين على ذكر المصدر وقال: هو بمعنى اسم المفعول أو اسم الفاعل أي مشاركا فيه مع الشيطان أو مشاركا فيه الشيطان، والفحاش من يبالغ في الفحش ويعتاد به وهو القول السيئ. 2 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا رأيتم الرجل لا يبالي ما قال ولا ما قيل له فإنه لغية أو شرك شيطان. * الشرح: قوله (إذا رأيتم الرجل لا يبالي ما قال ولا ما قيل له فإنه لغية أو شرك شيطان) لغية بكسر الغين المعجمة وتشديد الياء المفتوحة: ولد الزنا، واللغى كالغنى: الدنى الساقط عن الاعتبار، كذا قال الجوهري وغيره، ولم يذكره الشيخ وانما ذكر احتمالين آخرين فقال: يحتمل أن يكون بضم اللام وإسكان الغين المعجمة وفتح الياء المثناة من تحت أي ملغى، والظاهر أن المراد به المخلوق من الزنا، ويحتمل أن يكون بالعين المهملة المفتوحة أو الساكنة والنون أي من دأبه أن يلعن الناس أو يلعنوه. قال في كتاب أدب الكاتب: فعله بضم الفاء وإسكان العين من صفات المفعول، وبفتح العين من صفات الفاعل، يقال: رجل همزة للذي يهزأ به، وهمزة لمن يهزأ بالناس، وكذلك لعنة ولعنة، انتهى كلامه. 3 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن عمر بن اذينة، عن أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن الله حرم الجنة على كل فحاش بذي، قليل الحياء لا يبالي ما قال ولا ما قيل له فإنك إن فتشته لم تجده إلا لغية أو شرك شيطان. فقيل: يا رسول الله وفي الناس شرك شيطان ؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أما تقرأ قول الله عز وجل: * (وشاركهم في الأموال والأولاد) *.

[ 359 ]

* الشرح: قوله (إن الله حرم الجنة على كل فحاش بذي قليل الحياء) البذي بشد الياء - وزان القوي - من البذاء بالفتح والمد بمعنى الفحش في القول، يقال: فلان بذي اللسان أي فحاش، والمراد بقلة الحياء إما المعنى الظاهري، أو عديمه كما يقال: فلان قليل الخير أي عديمه، ولعله (صلى الله عليه وآله) أراد أن الجنة محرمة عليهم زمانا طويلا لا محرمة تحريما مؤبدا أو المراد جنة خاصة معدة لغير الفحاش، وإلا فظاهره مشكل فإن العصاة من هذه الأمة مآلهم إلى الجنة وإن طال مكثهم في النار، كما قاله الشيخ رحمه الله. (قيل: يا رسول الله وفي الناس شرك شيطان ؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أما تقرأ قول الله عز وجل * (وشاركهم في الأموال والأولاد) *) قال الشيخ: قال المفسرون: إن مشاركة الشيطان لهم في الأموال حملهم على تحصيلها وجمعها من الحرام وصرفها فيما لا يجوز وبعثهم على الخروج في إنفاقها عن حد الاعتدال إما بالاسراف والتبذير أو البخل والتقتير وأمثال ذلك، وأما المشاركة في الاولاد فحثهم على التوصل إليها بالأسباب المحرمة من الزنا ونحوه أو حملهم على تسميتهم إياهم بعبد العزى وعبد اللات، أو تضليل الأولاد بالحمل على الأديان الزايغة والأفعال القبيحة. هذا كلام المفسرين، وقد روى الشيخ الجليل ثقة الاسلام أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي قدس الله سره حديثا يتضمن معنى آخر للمشاركة في الاولاد روي في باب الاستخارة للنكاح من تهذيب الاحكام عن أبي بصير عن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام) أنه قال: " إذا تزوج أحدكم كيف يصنع ؟ قال: قلت له: ما أدي جعلت فداك. قال: فإذا هم بذلك فليصل ركعتين ويحمد الله ويقول: اللهم إني أريد أن أتزوج فاقدر لي من النساء أعفهن فرجا وأحفظهن لي في نفسها وفي مالي وأوسعهن رزقا وأعظمهن بركة وقدر لي منها ولدا طيبا تجعله خلفا صالحا في حياتي وبعد موتي " فإذا أدخلت عليه فليضع يده على ناصيتها ويقول: " اللهم على كتابك تزوجتها وفي أمانتك أخذتها وبكلماتك استحللت فرجها فإن قضيت في رحمها ولدا فاجعله مسلما سويا ولا تجعله شرك شيطان " قلت: وكيف يكون شرك شيطان ؟ فقال لي: إن الرجل إذا دنا من المرأة وجلس مجلسه حضره الشيطان فإن هو ذكر اسم الله تنحى الشيطان عنه، وإن فعل ولم يسم أدخل الشيطان ذكره فكان العمل منهما جميعا والنطفة واحدة. قلت: فبأي شئ يعرف هذا ؟ قال بحبنا وبغضنا ". وهذا الحديث يعضد ما قاله المتكلمون من أن الشيطان أجسام شفافة تقدر على الولوج في

[ 360 ]

بواطن الحيوانات ويمكنها التشكل بأي شكل شاءت وبه يضعف ما قال بعض الفلاسفة من أنها النفوس الأرضية المدبرة للعناصر أو النفوس الناطقة الشريرة التي فارقه أبدانها وحصل لها نوع تعلق وألفة بالنفوس الشريرة المتعلقة بالابدان فتمدها وتعينها على الشر والفساد. انتهى كلامه أعلى الله مقامه. قال: وسأل رجل فقيها هل في الناس من لا يبالي ما قيل له ؟ قال: من تعرض للناس يشتمهم وهو يعلم أنهم لا يتركونه، فذلك الذي لا يبالي ما قال ولا ما قيل فيه. * الشرح: قوله (وسأل رجل فقيها هل في الناس من لا يبالي ما قيل له) يريد أنه لا يوجد ذلك فإن طبع الإنسان مجبول على أن يبالي ما قيل له ويستكرهه، فأجاب الفقيه بأن من شتم مثلا رجلا يقدر على شتمه وهو يعلم أنه لا يترك فهو من لا يبالي ما قيل له وإن كان يستكرهه في الواقع. 4 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن أبي جميلة، يرفعه، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن الله يبغض الفاحش والمتفحش. 5 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن سالم، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن نعمان الجعفي قال: كان لأبي عبد الله (عليه السلام) صديق لا يكاد يفارقه إذا ذهب مكانا، فبينما هو يمشي معه في الحذائين ومعه غلام له سندي يمشي خلفهما إذا التفت الرجل يريد غلامه ثلاث مرات فلم يره فلما نظر في الرابعة قال: يا ابن الفاعلة أين كنت ؟ قال: فرفع أبو عبد الله (عليه السلام) يده فصك بها جبهة نفسه، ثم قال: سبحان الله تقذف امه، قد كنت أرى أن لك ورعا فإذا ليس لك ورع، فقال: جعلت فداك إن امه سندية مشركة، فقال: أما علمت أن لكل امة نكاحا، تنح عني، قال: فما رأيته يمشي معه حتى فرق الموت بينهما. وفي رواية اخرى: إن لكل امة نكاحا يحتجزون به من الزنا. * الشرح: قوله (فبينما هو يمشي معه في الحذائين) الحذاء - مثل كتاب -: النعل، والحذاء بالتشديد صانعها، والحذائين جمع الحذاء. (فقال: أما علمت أن لكل أمة نكاحا تنح عني -... إلى آخره) دل على أمور: الأول: أن مثل ذلك القول المستند إلى الجهل لا يعذر، لا يقال إنه لم يعذر لعلمه بأن لكل أمة نكاحا وعقدا كما يرشد إليه الاستفهام للتقرير والتوبيخ في قوله (عليه السلام) " أما علمت أن لكل أمة نكاحا " لأنا نقول علمه بذلك لا يخرجه عن الجهل لأنه توهم أن النكاح المبيح للوطي هو النكاح الشرعي المستند إلى نبي من الأنبياء وأن نكاح المشرك لا يبيح.

[ 361 ]

الثاني: أنه لا يجوز أن يقال لأحد من أفراد الإنسان إلا مع القطع بأنه متولد من الزنا لاحتمال أن يكون تولده من نكاح بل لا يجوز ذلك القول مع القطع أيضا. الثالث: أنه لا يجوز مصاحبة الفاسق وإن كان قريبا أو صديقا لوجوب البغض لله وإنما فارقه (عليه السلام) إلى آخر العمر لأنه كان فاسقا في مدة عمره إذ هذا الذنب لكونه من حق الأم لا يدفعه إلا الحد بعد طلبها أو العفو وشئ منهما لم يكن مقدورا. 6 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول (صلى الله عليه وآله): إن الفحش لو كان مثالا لكان مثال سوء. * الشرح: قوله (إن الفحش لو كان مثالا لكان مثال سوء) أي لو كان شخصا مجسدا (1) في هذه النشأة وأما في النشأة الآخرة فالظاهر أنه مثال قبيح يرى ويتأذى به صاحبه، والفرق أن هذه النشأة دار التكليف ودار الكمون والنشأة الآخرة دار الجزاء ودار البروز فيظهر فيها صور الأخلاق والأعمال إن خيرا فخيرا وإن شر فشرا. 7 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان في بني إسرائيل رجل فدعا الله أن يرزقه غلاما ثلاث سنين فلما رأى أن الله لا يجيبه قال: يا رب أبعيد أنا منك فلا تسمعني أم قريب أنت مني فلا تجيبني قال: فأتاه آت في منامه فقال: إنك تدعو الله عز وجل منذ ثلاث سنين بلسان بذي وقلب عات غير تقي ونية غير صادقة، فاقلع عن بذائك وليتق الله قلبك لتحسن نيتك، قال: ففعل الرجل ذلك ثم دعا الله فولد له غلام.


1 - قوله " أي لو كان شخصا مجسدا " شأن الأنبياء تقريب الحقائق إلى أفهام الناس، وشأن الحكماء بيان الحقائق لأهل الفضل والمستعدين وإن لم ينله الناس. فالحكمة كسائر الفنون الخاصة بأهل الخبرة والعالمين باصطلاحهم كالنحو والصرف والطب والهندسة ويحصل فهمه بالتمرن والتدريج، وأما الدين فأكثر مسائله لعامة الناس وإن كان فيها مسائل دقيقة لأهل الذوق والعرفان ومما ألهمه الله الأنبياء لتقريب الناس إلى الحقائق الغير المحسوسة تشبيهها بالمحسوسات، وهذا الخبر مصرح بذلك، ولو كان الفحش مجسدا لكان في صورة سيئة قبيحة وقد سبق مثله في الصفحة 334 " لو كان الخرق خلقا يرى ما كان شئ مما خلق الله أقبح منه " وهذا مبنى تجسم الأعمال في الآخرة كما ذكره الشارح رحمه الله تعالى فيظهر فيها صور الأخلاق والأعمال، وقال أيضا في الصفحة 320: " جنتها أي جنة النفس كمالاتها وجحيمها رذائلها من حب الدنيا وما يتولد منه وباعتبار البدن جنة وجحيم تعود إلى إحداهما بعد العود إلى الحشر " وبين ذلك أتم بيان في الصفحة 154 و 155 من الجزء الأول فراجع. (ش). (*)

[ 362 ]

* الشرح: قوله (قال يا رب أبعيد أنا منك فلا تسمعني أم قريب أنت مني فلا تجيبني) الظاهر أن مراده بالبعد البعد المعنوي دون المكاني لأن تجويز ذلك كفر، فكان أولى بالجرح واللوم، وإنما نسب البعد إلى نفسه والقرب إليه عزوجل للتنبيه على أن البعد إذا تحقق كان من جانب العبد، والقرب إن تحقق كان من فضله عز وجل لأن العبد وإن بلغ في إخلاص العبودية لا يصلح أن يعد نفسه قريبا منه. وقوله " فلا تجيبني " معناه فلا تجيبني بسبب من الأسباب، والجواب ظاهر الانطباق على الشق الثاني مع إمكان انطباقه على الأول أيضا. (قال فأتاه آت في منامه فقال: إنك تدعو الله عز وجل منذ ثلاث سنين بلسان بذي وقلب عات غير تقي ونية غير صادقة -... إلى آخره) البذي: الفحاش. وعات: اسم فاعل من عتى عتوا إذا استكبر وجاوز الحد، والتقوى: التنزه عن رذائل الأعمال والأخلاق وعما يشغل القلب عن الحق، والنية الصادقة: توجه القلب إلى الله تعالى وحده وانبعاث النفس نحو الطاعة غير ملحوظ فيه سوى وجه الله، ويفهم منه أن الفسق يمنع الإجابة، ولا ينافيه ما روى من أن دعاء الفاسق أسرع إجابة لكراهة استماع صوته لأن سرعة إجابة دعائه ليست كلية، على أن سرعة الإجابة يمكن أن يكون لمن كان مبغوضا بذاته، وأما من كان محبوبا بذاته ومبغوضا بفعله فربما تبطئ الإجابة نظرا إلى الأول وربما تسرع نظرا إلى الثاني وقد يكون البط ء نظرا إلى الثاني لا لكراهة استماع صوته بل لغرض آخر كتنبيهه بالقبايح كما في هذا الرجل، والله أعلم. 8 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن من شر عباد الله من تكره مجالسته لفحشه. * الشرح: قوله (إن من شر عباد الله من تكره مجالسته لفحشه) هو الذي عرف بالفحش من القول واشتهر به لما يجري من لسانه من أنواع البذاء ويتكرر منه فيكره الناس مجالسته خوفا من فحشه لعدم أمنهم منه ومثله من لزم مجالسته لفحشه ومن لزم اكرامه لاتقاء شره. 9 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن أبي عبيدة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: البذاء من الجفاء والجفاء في النار. * الشرح: قوله (البذاء من الجفاء) " من " إما تبعيضية أو ابتدائية، أي: البذاء ناش من الجفاء، والجفا في الأصل: الجهل ثم أطلق على الغلظة والفظاظة والإعراض عن الحق وطرده.

[ 363 ]

10 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن ابن مسكان عن الحسن الصيقل قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إن الفحش والبذاء والسلاطة من النفاق. * الشرح: قوله (إن الفحش والبذاء والسلاطة من النفاق) السلاطة " دراز زبان شدن "، وهي مصدر سلط بالضم، يقال: امرأة سليطة أي: صخابة، ورجل سليط: حديد اللسان شديد الكلام، وهذه الصفات متقاربة، وانما كانت من النفاق لأن النفاق مرض قلبي يغيره على المؤمنين ويبعثه على إيذائهم، وأيضا أصحاب هذه الصفات يتلونون ألوانا ويتغيرون في أقوالهم وأفعالهم من حال إلى حال بحسب أغراضهم الفاسدة وتتشعب أقوالهم وأفعالهم بحسب تشعب أغراضهم ويؤذون المؤمنين، كالمنافق إذ المنافق لا يلزم خلقا واحدا بل تارة يكون صادقا وتارة يكون كاذبا وتارة يكون وفيا وتارة يكون غادرا ومع الظالمين ظالم ومع العادلين عادل. 11 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن علي بن النعمان، عن عمرو بن شمر، عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن الله يبغض الفاحش البذئ والسائل الملحف. * الشرح: قوله (إن الله يبغض الفاحش البذئ والسائل الملحف) ألحف السائل في المسألة الحافا: إذا ألح فيها ولزمها وكرر السؤال من الخلق بدلا عن السؤال من الرب فيبغضه الله تعالى لدناءة همته ونقصان عقيدته حتى أعرض عن الغني الكريم وسأل الفقير اللئيم، وأنشد بعضهم: الله يبغض إن تركت سؤاله * أما ابن آدم حين يسأل يغضب وترى في عرف الناس أن عبد الإنسان إذا سأل غير مولاه يمقته مولاه لجره إليه عارا بسؤال غيره، ولهذا المعنى أو لغيره ورد في المسألة وتحريمها وكراهتها ما ورد من الأخبار الدالة على ذم السائل ولو مرة واحدة فكيف بالسائل إذا كان ملحفا في السؤال مبرما في الطلب جاعلا له حرفة فإنه أشد مقتا وأعظم بغضا لقوة حرصه وعماه عن ربه حتى اشتغل عن مسألة كريم يحب الملحين في الدعاء وألحف بسؤال لئيم يكلح وجهه عند السؤال ويبخل بالبذل والعطاء، وفيه ذل لنفسه وعار لمولاه. 12 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعائشة: يا عائشة إن الفحش لو كان ممثلا لكان مثال سوء. * الشرح: قوله (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعائشة يا عائشة إن الفحش لو كان ممثلا لكان مثال سوء) روى

[ 364 ]

المصنف في باب التسليم على أهل الملل بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " دخل يهودي على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعائشة عنده فقال: السام عليكم، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): عليكم، ثم دخل آخر فقال مثل ذلك فرد عليه كما رد على صاحبه. ثم دخل آخر فقال مثل ذلك فرد رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما رد على صاحبه، فغضبت عائشة فقالت: عليكم السام والغضب واللعنة يا معشر اليهود يا إخوة القردة والخنازير. فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا عائشة إن الفحش لو كان ممثلا لكان مثال سوء إن الرفق لم يوضع على شئ قط إلا زانه ولم يرفع عنه قط إلا شانه. قالت يا رسول الله أما سمعت إلى قولهم السام عليكم ؟ فقال: بلى أما سمعت ما رددت عليهم قلت عليكم ؟ فإذا سلم عليكم مسلم فقولوا سلام عليكم فإذا سلم عليكم كافر فقولوا عليك " أقول فيه دلالة على كمال خلقه (صلى الله عليه وآله) وأمر عام بترك الجفاء في الكلام بالنسبة إلى كافة الناس وبالتثبت والرفق وعدم الاستعجال باللعن والطعن وغيرهما وقد كان (صلى الله عليه وآله) يستألف الكفار بالاموال الطائلة فكيف بالكلام الحسن. 13 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد، عن بعض رجاله قال: قال من فحش على أخيه المسلم نزع الله منه بركة رزقه ووكله إلى نفسه وأفسد عليه معيشته. 14 - عنه، عن معلى، عن أحمد بن غسان، عن سماعة قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال لي مبتدئا: يا سماعة ما هذا الذي كان بينك وبين جمالك ؟ ! إياك أن تكون فحاشا أو صخابا أو لعانا، فقلت: والله لقد كان ذلك، إنه ظلمني، فقال: إن كان ظلمك لقد أربيت عليه إن هذا ليس من فعالي ولا آمر به شيعتي، استغفر ربك ولا تعد، قلت: أستغفر الله، ولا أعود. * الشرح: قوله (إياك أن تكون فحاشا أو صخابا أو لعانا) الصخب محركة: الصياح وشدة الصوت (فقال: إن كان ظلمك لقد أربيت عليه) أي إن كان جمالك ظلمك لقد أربيت أي زدت عليه، والإرباء " أفزون شدن وأفزون كردن ".

[ 365 ]

باب من يتقى شره 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن النبي (صلى الله عليه وآله) بينا هو ذات يوم عند عائشة إذ استأذن عليه رجل فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): بئس أخو العشيرة، فقامت عائشة فدخلت البيت وأذن رسول الله (صلى الله عليه وآله) للرجل، فلما دخل أقبل عليه بوجهه وبشره يحدثه حتى إذا فرغ وخرج من عنده قالت عائشة: يا رسول الله بينا أنت تذكر هذا الرجل بما ذكرته به إذ أقبلت عليه بوجهك وبشرك ؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) عند ذلك: إن من شر عباد الله من تكره مجالسته لفحشه. * الشرح: قوله (بينا هو ذات يوم) " بين " ظرف مبهم لا يبين معناه إلا بإضافته إلى شيئين فصاعدا، وألفه للاشباع، وعامله الفعل الواقع بعد إذ المفاجاة، وذات الشئ: نفسه، أي استأذن عليه رجل بين ساعات يوم من الأيام هو عند عائشة. (فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) بئس أخو العشيرة) أي هو، والمراد بالعشيرة القبيلة، والعرب تقول أخو العشيرة وتعني قومه ونظير هذا الحديث رواه مخالفونا عن عروة بن الزبير قال " حدثتني عائشة أن رجلا استأذن على النبي (صلى الله عليه وآله) فقال ائذنوا له فلبئس ابن العشيرة، فلما دخل عليه ألان له القول. قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله قلت له الذي قلت ثم ألنت له القول ؟ قال: يا عائشة إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من ودعه الناس أو تركه اتقاء فحشه " قال عياض: قوله " لبئس " ذم في الغيبة، والرجل هو عيينة بن حصين الفزاري ولم يكن أسلم حينئذ، ففيه أنه لا غيبة في فاسق ومبتدع وإن كان قد أسلم فيكون (عليه السلام) أراد أن يبين حاله، وفي ذلك الذم يعني " لبئس " علم من أعلام النبوة فإنه ارتد وجئ به إلى أبي بكر وله مع عمر خبر، وفيه أيضا: أن المداراة مع الفسقة الكفرة مباحة وتستحب في بعض الأحوال بخلاف المداهنة المحرمة. والفرق بينهما أن المداراة بذل الدنيا، لصلاح الدين أو الدنيا والمداهنة بذل الدين لصلاح الدنيا، والنبي (صلى الله عليه وآله) بذل له من دنياه حسن العشرة وطلاقة الوجه ولم يرد أنه مدحه حتى يكون ذلك خلاف قوله لعائشة، ولا من ذي الوجهين، وهو (عليه السلام) منزه عن ذلك وحديثه هذا أصل في جواز المداراة وغيبة أهل الفسق والبدع، وقال القرطبي: قيل أسلم هو قبل الفتح، وقيل بعده ولكن الحديث دل على أنه شر الناس منزلة عند الله تعالى ولا يكون كذلك حتى يختم له بالكفر والله

[ 366 ]

سبحانه أعلم بما ختم له وكان من المؤلفة وجفاة الأعراب، وقال النخعي " دخل على النبي (صلى الله عليه وآله) بغير إذن فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): وأين الإذن ؟ فقال: ما استأذنت على أحد من مضر. فقالت عائشة: من هذا يا رسول الله ؟ قال: هذا أحمق مطاع وهو على ما ترين سيد قومه " وخبره مع عمر هو أنه كان له ابن أخ يجالس عمر فقال لابن أخيه ألا تدخلني على هذا ؟ فقال: أخاف أن تتكلم بما لا ينبغي. فقال: لا أفعل. فأدخله، فقال: يابن الخطاب ما تقسم بالعدل ولا تعطي الجزل. فغضب عمر غضبا شديدا حتى هم أن يوقع به. فقال ابن أخيه: إنه تعالى يقول * (خذ العفو) * وهذا من الجاهلين فخلى عنه. ومعنى اتقاء فحشه لأجل اتقاء قبيح كلامه لأنه من جهال العرب وحمقاها وسادتها، وكان يسمى الأحمق المطاع، وقال الآبي: هذا منه (صلى الله عليه وآله) تعليم لغيره لأنه أرفع من أن يتقى فحش كلامه. 2 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): شر الناس عند الله يوم القيامة الذين يكرمون اتقاء شرهم. 3 - عنه، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس، عن عبد الله بن سنان، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): من خاف الناس لسانه فهو في النار. 4 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن أبي حمزة، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): شر الناس يوم القيامة الذين يكرمون اتقاء شرهم.

[ 367 ]

باب البغي 1 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمد الأشعري، عن ابن القداح، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن أعجل الشر عقوبة البغي. * الشرح: قوله (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إن أعجل الشر عقوبة البغي) بغى في مشيته: اختال، وبغى على الناس: ظلم واعتدى وعدل عن الحق واستطال وكذب وافترى وهو باغ. والجمع بغاة وبغى سعى في الفساد، ومنه الفرقة الباغية لأنها عدلت عن القصد. وبغت المرأه تبغي بغا وبالكسر والمد: فجرت وزنت فهي بغي، والجمع: البغايا وهو وصف مختص بالمرأة فلا يقال للرجل بغي. قاله الأزهري وقال بعضهم: البغى طلب تجاوز الاقتصاد وهو على ضربين: محمود وهو تجاوز العدل إلى الإحسان، والفرض إلى التطوع. ومذموم وهو تجاوز الحق إلى الباطل أو تجاوزه إلى الشبه كما ورد: الحق بين والباطل بين، وبين ذلك أمور مشتبهات ومن رتع حول الحمى أوشك أن يقع فيه، والثاني هو المعروف عند الإطلاق بين أرباب الأحاديث، ومما يدل على تعجيل عقوبته ما روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم إن الباطل كان زهوقا " وما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) " من سل سيف البغي قتل به " وسر ذلك أن الناس لا يتركونه بل ينالونه بمثل ما نالهم أو بأشد، وتلك عقوبة حاضرة جلبها إلى نفسه من وجوه متكثرة. 2 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: يقول إبليس لجنوده: ألقوا بينهم الحسد والبغي، فإنهما يعدلان عند الله الشرك. * الشرح: قوله (يقول إبليس لجنوده: ألقوا بينهم الحسد والبغي، فإنهما يعدلان عند الله الشرك) في الإخراج من الدين والعقوبة والتأثير في فساد نظام الخلق قال الله تعالى: * (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) * والحسد حمل أكثر المشركين على إنكار الحق والرسول وترك التوحيد. 3 - علي، عن أبيه، عن حماد، عن حريز، عن مسمع أبي سيار أن أبا عبد الله (عليه السلام) كتب إليه في كتاب: انظر أن لا تكلمن بكلمة بغي أبدا وإن أعجبتك نفسك وعشيرتك. 4 - علي، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب ويعقوب السراج، جميعا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): أيها الناس إن البغي يقود أصحابه إلى النار وإن أول من بغى على الله

[ 368 ]

عناق بنت آدم، فأول قتيل قتله الله عناق وكان مجلسها جريبا في جريب وكان لها عشرون إصبعا في كل إصبع ظفران مثل المنجلين فسلط الله عليها أسدا كالفيل وذئبا كالبعير ونسرا مثل البغل، فقتلنها وقد قتل الله الجبابرة على أفضل أحوالهم وآمن ما كانوا. * الشرح: قوله (وإن أول من بغى على الله عناق بنت آدم) الظاهر أنها كانت علما لها ويمكن أن يكون إطلاقها عليها (1) من باب الاستعارة تشبيها بعناق الأرض وهي دابة خبيثة نحو الكلب تصيد الوحوش والحيوانات ولا تأكل إلا اللحم (فأول قتيل قتله الله عناق) قتلها لبغيها على المؤمنين، وفيه وعيد للباغي بتعجيل عقوبته. (وكان مجلسها جريبا في جريب) في المغرب: الجريب بالفتح " ستون " ذراعا في ستين، قال قدامة: الأشل إذا ضرب في مثله فهو جريب، والأشل: طول ستين ذراعا والذراع ست قبضات، والقبضة أربع أصابع، قال: وعشر هذا الجريب يسمى قفيزا، وعشر هذا القفيز عشيرا (المنجلين) المنجل كمنبر حديدة يحصد بها الزرع. (ونسرا مثل البغل) النسر طائر معروف له قوة في الصيد ويقال لا مخلب له وانما له ظفر كظفر الدجاجة (وقد قتل الله الجبابرة) أي الذين جبروا خلق الله على ما أرادت نفوسهم الخبيثة من الأوامر والنواهي وبغوا عليهم ولم يرفقوا بهم، وقتلهم وهم على أحسن الاحوال والشوكة والقدرة لفسادهم، وبغيهم على عباد الله في القرآن والأخبار مذكور وفي السير والآثار مسطور، وفيه زجر لمن يدعي القوة والاقتدار عن البغي لأن الله تعالى أشد قوة منه ينتصر منه لعباده وهو القوي العزيز.


1 - قوله " ويمكن أن يكون اطلاقها عليها " الحديث قاصر عن الصحة عند أصحاب الرجال، وصحة معناه المقصود بالبيان مما لا ريب فيه فإن البغي شؤم يقود صاحبه إلى النار والمثل الذي يذكر لتقريب المعنى شاهدا عليه لا يجب صحته فإن كان إسناد الحديث غير صحيح والشاهد غير واقع ونسبته إلى الإمام غير ثابتة لا يضر بالمقصود، وأول نبي قام بالسيف موسى (عليه السلام) وأول من بغى وغلب عليه أصحاب موسى (عليه السلام) وقتلوه (على ما في التوراة وروايات اليهود) ملك باشان من نواحي فلسطين وكان يسمى عوج وكان قويا شديدا ذا قامة طويلة وكان من قوم أقوياء معروفين بالشدة وعظم الجسم وطول القد يقال لهم: بنو عناق وعناق اسم رجل كان أبا قبيلتهم على ما في التوراة. وقد روى الثعلبي في العرائس أن عوج كان ابن عناق وعناق بنت آدم. والتحديد الذي ذكره في جثتهما كأنه من مبالغات العامة الداخلة في كل شئ وقوله " جريب في جريب " كأنه تعبير بعض الرواة ولا يليق بأن يكون كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) إذ لا معنى له مع أن في أصل الإسناد كلاما. (ش). (*)

[ 369 ]

باب الفخر والكبر 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبي حمزة الثمالي قال: قال علي بن الحسين (عليهما السلام): عجبا للمتكبر الفخور، الذي كان بالأمس نطفة ثم هو غدا جيفة. * الشرح: قوله (عجبا للمتكبر الفخور الذي كان بالأمس نطفة ثم هو غدا جيفة) وفي الخبر الآتي عن أبي جعفر (عليه السلام) " عجبا للمختال الفخور وإنما خلق من نطفة ثم يعود جيفة وهو فيما بين ذلك لا يدري ما يصنع به " وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) " ما لابن آدم والفخر، أوله نطفة وآخره جيفة لا يرزق نفسه ولا يدفع حتفه " وفي طريق العامة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: " قال الله تعالى خلقتكم من التراب ومصيركم إلى التراب فلا تتكبروا على عبادي في حسب ولا مال فتكونوا علي أهون من الذر وانما تجزون يوم القيامة بأعمالكم لا بأحسابكم وإن المتكبرين في الدنيا أجعلهم يوم القيامة مثل الذر يطأهم الناس " ومعنى الجميع أن في الإنسان كثيرا من صفات النقصان فلا يليق بشخص أن يفتخر على غيره من الإخوان، وفيه إشعار بأن دفع هذا المرض المهلك واقع تحت اختيار العبد، وعلاجه مركب من أجزاء علمية وعملية، أما العلمية فبأن يعرف الله وتوحيده في ذاته وصفاته وأفعاله وأن يعلم أن كل موجود سواه مقهور مغلوب عاجز لا وجود له إلا بفيض جوده ورحمته، وأن الإنسان مخلوق من أكثف الأشياء وأخسها وهو التراب، ثم النطفة النجسة القذرة ثم العلقة ثم المضغة ثم العظام ثم الجنين الذي غذاه دم الحيض ثم يصير في القبر جيفة منتنة يهرب منه أقرب الناس إليه وهو فيما بين ذلك ينقلب من طور إلى طور، ومن حال إلى حال، من مرض إلى صحة ومن صحة إلى مرض إلى غير ذلك من الأحوال المتبادلة، وهو لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، وأن يعلم أنه يبقى في البرزخ وحيدا فريدا منقطعا لا يدري ما يفعل به وأنه يقوم من مرقده عند قيام الساعة بين يدي العليم الخبير الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة فينبئه بما عمله من صغير وكبير وأنه لا يدري مآل أمره هناك هل هو إلى الجنة أو إلى النار، وأن يعلم أن استكمال كل شئ سواء كان طبيعيا أو إراديا لا يتحقق إلا بالانكسار والضعف، فإن العناصر ما لم تنكسر سورة كيفياتها الصرفة لم تقبل صورة كمالية حيوانية أو إنسانية، والبذر ما لم يقع في التراب ولم يقرب من التعفن والفساد لم يقبل صورة نباتية ولم تخرج منه سنبلة ذات حبات وثمرة، وماء الظهر ما لم يصر منيا منتنا لا يقبل صورة انسانية قابلة للخلافة الربانية، فمن حصل له هذه العلوم والمعارف وأمثالها وصارت ملكة له

[ 370 ]

أمكنه التحرز من التكبر والفخر. وأما العملية فهي المداومة على التواضع لكل عالم وجاهل وصغير وكبير، والمواظبة على الانكسار والعجز والاقتداء بطريقة المتواضعين من الأنبياء والمرسلين والاهتداء بسنة الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) وغيرهم من الأخيار الصالحين، فإن من تتبع سيرتهم وحسن معاشرتهم مع الخلائق وجد أنهم كانوا متواضعين في جميع الاحوال. ثم الذي يبعث المتكبر على التكبر أمور: الأول: النسب، فإن كان افتخاره به باعتبار أن أباه كان حاكما فليعلم أن كل حاكم غير معصوم فهو طاغوت كما ورد به الخبر، وكل طاغوت من أهل النار فوجب البراءة منه فكيف يفتخر به، وإن كان باعتبار أنه كان ذا مال فليعلم أن المال ليس من الكمالات التي يقع بها الافتخار بل ورد ذمه في كثير من الأخبار، وعلى تقدير أن يكون كمالا كان ذلك الكمال لأبيه لا له، والعاقل لا يفتخر بكمال غيره. وإن كان باعتبار أنه كان خيرا أو فاضلا عالما فليعلم أن ذلك الكمال كان لأبيه وهو برئ منه ويتوجه إليه ما قيل: پسر كو ندارد نشان پدر * تو بيگانه خوانش مخوانش پسر على أنه لو حضر أبوه وقال له: الشرف الذي تدعيه وتفتخر به كان لي فما لك من شرف تفتخر به فهو يعجز عن الجواب ويسود وجهه ويستحق أن يقال له: إن افتخرت بآباء مضوا سلفا * قلنا صدقت ولكن بئس ما ولدا ثم لما كان نظره إلى الأصل كان أصله القريب أولى بالنظر إليه وهو النطفة القذرة النجسة المنتنة، وقد أشار سبحانه إلى أصل الإنسان ونسبه بقوله * (ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين) * فمن كان هذا أصله ونسبه لا يليق به التكبر والافتخار. الثاني: الحسن والجمال وهو صفاء ظاهر البدن بالتناسب في الصور والأشكال فإن افتخر به فليعلم أنه قد يزول بأدنى الأمراض والاسقام وما هو في عرضة الزوال ليس بكمال يفتخر به ولينظر أيضا إلى أصله مما خلق منه من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة، وإلى ما يصير إليه في القبر من جيفة منتنة وإلى ما في بطنه من الخبائث المكدرة لطبعه مثل الأقذار التي في جميع أعضائه والرجيع الذي في أمعائه والبول الذي في مثانته والمخاط الذي في أنفه والوسخ الذي في أذنيه والدم الذي في عروقه والصديد الذي تحت بشرته إلى غير ذلك من المقابح والفضائح فإذا عرف هذا لم يفتخر بجماله الذي هو كخضراء الدمن. الثالث: القوة والشجاعة فمن افتخر بها فليعلم أن الذي خلقه هو أشد منه قوة وأن الأسد والفيل أقوى منه وأن أدنى العلل والأمراض تجعله أعجز من كل عاجز، وأذل من كل ذليل وأن البعوضة لو

[ 371 ]

دخلت في أنفه أهلكته ولم يقدر على دفعها فإذا عرف هذه الأمور حق المعرفة علم أنه لا يليق به الافتخار بالقوة. الرابع: الغنى والثروة. الخامس: كثرة الأتباع والأنصار والعشيرة وقرب السلاطين والاقتدار من جهتهم، والكبر والفخر بهذين السببين أقبح لأنه بأمر خارج عن ذات الإنسان وصفاته فمن تكبر وافتخر فليعلم أنه لو تلف ماله أو غضب أو نهب أو تغير عليه السلطان وعزله لبقى ذليلا عاجزا، وأن الفرقة اليهودية والفرنكية وأضرابهم أكثر منه أموالا وجاها فإذا علم هذا علم أن التكبر بهما في غاية الجهل، وقد حكي أن رجلا من رؤساء اليونان افتخر على عبد حكيم فقال العبد: سبب افتخارك علي إن كانت هذه الأثواب الفاخرة التي لبستها فالحسن والزينة فيها لا فيك، وإن كان هذا الفرس الذي أنت عليه فالفراهة والكمال فيه لا فيك، وإن كان فضل آبائك فالفضل إن كان كان فيهم لا فيك، فلو أخذ كل ذي فضل فضله بقيت لا شئ وبلا فضيلة فمن أنت حتى تفتخر علي. السادس: العلم وهذا السبب أعظم الأسباب وأقواها فإنه كمال نفساني له قدر عظيم (1) عند الله تعالى وعند الخلائق وصاحبه معظم عند جميع المخلوقات كما دل عليه صريح الروايات، ولهذا


1 - قوله " فإنه كمال نفساني له قدر عظيم " الملاك في ما يجوز أن يفتخر به الإنسان وما لا يجوز على ما ذكر الشارح في الأمور الخمسة أن كل ما لا يبقى للإنسان وليس له في نفسه لا يجوز الفخر به كالمال والجمال والنسب وقوة البدن وأمثال ذلك، وهو حق لأن النفس تبقى والبدن يفنى، وكل ما يفنى بفناء البدن لا يجوز للعاقل أن يسر به ويعتمد عليه، وأما العلم فكمال للنفس لا للبدن، نعم كل إدراك حاصل لحاسة من الحواس الحالة في الجوارح والأعضاء البدنية فإنه يزول بزوال البدن ولا فخر به كالمحسوسات، وينبغي أن يتأمل الإنسان ويدقق النظر حتى يتحقق لديه أن العلوم الحاصلة للإنسان التي بها يمتاز عن سائر الحيوانات كعلم الحساب والهندسة وخواص النبات والحيوان والمعارف الإلهية وغيرها جميعا أمور كلية عقلية غير مدركة بالحواس الجسمانية بل بقوة مجردة عقلية وإن كانت أول حدوثها محتاجة إلى الاحساس لكن لا يحتاج إليها في البقاء كما قلنا آنفا في مراتب النفس، وأن المزاج الخاص علة معدة لوجود النفس كالحطب للدخان لا علة فاعلة، فتبقى العلوم للإنسان بعد أن صار أعمى وأصم وإن كانت أول حدوثها حاصلة من السمع والبصر، ولكن هاهنا شيئا وهو أن بعض العلوم وإن كانت كلية لكن غايتها الاستعانة بها على المعاش وإتقان الصنائع ولا يفيد فائدة كلية للنفس بعد الفراق عن البدن كالحساب فإنه للتجارة، والهندسة فإنها للصنائع، والبناء والطب لمعالجة المرضى، واختزان أمثال هذه العلوم للنفس وإن كان يبقى بعد الموت بمنزلة اختزان النجار آلاته بعد قطع يده وزوال قدرته، وأما العلم الذي يفيد الإنسان بعد الموت فهو العلم الذي لا يتوقف الاستفادة منه على البدن وليس لنظم أمر الدنيا ومعاشه، وينبغي التأمل والبحث في الفرق بين حالة الإنسان وعلومه المكتسبة في الدنيا وبينهما في الآخرة والميز بينهما، ولعلنا نعود إليه في موضع لائق إن شاء الله تعالى. (*)

[ 372 ]

قيل: إذا ذل العالم، ذل بذله العالم، فإذا تكبر العالم وافتخر فليعلم أن خطر أهل العلم أكثر من خطر أهل الجهل وأن الله تعالى يحتمل من الجاهل ما لا يحتمل من العالم، وأن العصيان مع العلم أفحش من العصيان مع الجهل، وأن عذاب العالم أشد من عذاب الجاهل، وأنه تعالى شبه العالم الغير العامل تارة بالحمار وتارة بالكلب، وأن الجاهل أقرب إلى السلامة من العالم لكثرة آفاته وأن الشياطين أكثرهم على العالم، وسوء العاقبة وحسنها أمر لا يعلمه إلا الله سبحانه، فلعل الجاهل يكون أحسن عاقبة من العالم، وأن العالم ينبغي أن يكون مستغرقا في شهود الحق لا يلاحظه غيره فضلا أن يتكبر ويفتخر عليه، وأن الكبرياء رداء الله ومختص به وأن المتكبر ممقوت عند الله تعالى ومعذب في الآخرة كما قال تعالى: * (أليس في جهنم مثوى للمتكبرين) * وأن الكلب والخنزير أحسن حالا من أهل جهنم فإذا علم هذه الأمور بعين اليقين وتأمل فيها تأملا صادقا أنيقا ونظر إليها نظرا دقيقا أمكن له التخلص من رذيلة الافتخار والنجاة من معصية الاستكبار. السابع: العبادة والورع (1) والزهادة وهي أيضا فتنة عظيمة وعلاجها صعب، لكن من كان ذاته


1 - قوله: " السابع العبادة والورع " هذا أقوى ما يفيد النفس ويوجب سعادته بعد الفراق عن البدن ولو كان العلم فقط يوجب السعادة لكان أبو ذر ومقداد وأم ايمن أشقياء في الآخرة بل الذي ثبت لنا أن العلم الموجب للسعادة هو ما يوجب الورع والورع ما يوجب الإعراض عن الدنيا والإعراض عن الدنيا يوجب فراغ الخاطر حتى يلتفت النفس إلى جوهر ذاته وما أودع فيه إذ لا يمكن الالتفات إلى وجهين في حال واحدة، ويستحيل التوجه إلى جهتين في زمان واحد وإذا التفت إلى استعداد ذاتها وما أودعها الله فيها من قوة الكمال والترقي إلى معرفة ذي الجلال وسعى في الوصول إلى ما أعد له حصل له السعادة، والسعادة كل السعادة في الوصول إلى الله تعالى والرجوع إليه، كما أشار إليه في مواضع كثيرة من الكلام الإلهي مثل قوله: * (في مقعد صدق عند مليك مقتدر) * وقوله: * (إنا لله وانا إليه راجعون) * و * (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون) * وليس تحصيل إدراك ذلك سهلا فتفاوت مراتب الإنسان كتفاوت الجماد والنبات والحيوان، فرب إنسان تراه في صورة إنسانية وإنسانا آخر في صورته بعينها مع أن تفاوت الرتبة بينهما كالتفاوت بين جماد وحيوان وانسان كما أن الحيوان لا يعرف ما في نفس الإنسان من العلوم الكثيرة ولا يعلم أنه أقرب إلى الله تعالى منه كذا زيد لا يعرف رتبة عمرو وكونه أقرب إلى الله فمثله عنده كمثل جماد عند انسان، والكافر الملحد المادي لا يعرف ما عند أبي علي ابن سينا ونصير الدين الطوسي ولا يعلم أنهما أقرب إلى الله والآخرة وليس التقرب إلى الله بالزمان ولا بالمكان بل بالتشبه في الكمال كما قيل: تخلقوا بأخلاق الله تعالى، وكلما حصل في الإنسان من صفاته تعالى كالعلم والحلم والرحمة والبر ما هو أكمل بالرياضة والزهد كان القرب أشد، وروي عن عيسى بن مريم (عليه السلام) خطابا للحواريين: كونوا كاملين كما أن الله ربكم في السماء كامل. وبالجملة مع حب الدنيا والاستغراق في شهواتها ومهالكها لا يمكن الالتفات إلى باطن النفس وتحصيل التشبه بالخالق والتقرب إليه وتحصيل علم الآخرة، فالورع أقوى ما يفيد النفس البتة، وأما ما ذكره الشارح من عدم جواز الفخر بالعلم والورع وعدم الغرور بهما فلأن الفخر والغرور ينشآن من حب الدنيا والجاه والترأس وليس من = (*)

[ 373 ]

لطيفا وطبعه شريفا وذهنه زكيا وعقله نقيا أمكنه أن يعالجها بحسن التدبير ولطف التصوير بأن يتصور أنه لا ينبغي له الفخر والتكبر على من تقدمه في العلم لما فيه من فضيلة العلم الذي قال الله تعالى في تعظيمه: * (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) * وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " ولا يبلغ جميع العابدين في فضل عبادتهم ما بلغ العاقل " ولا على من تأخر عنه في العلم إذ لعل قليل علمه يكون مقبولا وكثير علمه يكون مردودا ولا على الجاهل والفاسق إذ قد يكون لهما خصلة خفية وصفة قلبية موجبة لمحبة الرب ورحمته، ولو فرض خلوهما عن جميع ذلك بالفعل فلعل الأحوال في العاقبة تنعكس وقد وقع أمثال ذلك كثيرا، ولو فرض عدم ذلك فليتصور أن تكبره في نفسه شرك فيحبط عمله فيصير هو في الآخرة مثلهم بل أقبح منهم والله هو المستعان، وانما بسطنا الكلام لأن في أحاديث هذا الباب إشارة اجمالية إلى ما ذكرنا يظهر لمن تأمل فيها تأملا دقيقا. 2 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): آفة الحسب الافتخار والعجب. * الشرح: قوله (آفة الحسب الافتخار والعجب) الحسب بفتحتين مصدر حسب وزان شرف شرفا وكرم كرما ومعناه بالفارسية " شمردن "، وكثيرا ما يطلق على ما يعده الرجل من مآثر آبائه ومفاخرهم ومناقبهم مثل الشجاعة والجود والشرف والمجد والحماية ونحوها، وقيل: الحسب والكرم يكونان في الرجل وإن لم يكن له آباء لهم شرف، والشرف والمجد لا يكونان إلا بالآباء، ويشهد له قول الشاعر: من كان ذا نسب كريم ولم يكن * له حسب كان اللئيم المذمما ولعل المراد أن الحسب يستتبع آفة الافتخار ويوجبها لأن آفة الافتخار بالحسب تضيعه وإن كان محتملا. 3 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن محمد بن إسماعيل، عن حنان عن عقبة ابن بشير الأسدي قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): أنا عقبة بن بشير الأسدي وأنا في الحسب الضخم من قومي قال: فقال: ما تمن علينا بحسبك ؟ إن الله رفع بالإيمان من كان الناس يسمونه وضيعا إذا


= الآخرة في شئ. بل التوسل بالعلم والتظاهر بالورع لحصول الجاه وتحصيل المال أشنع وأقبح من التوسل بالأسباب الدنيوية، إذ ليس فيه توهين للعلم والدين، فمثل من يكتسب بالغناء والملاهي مثل من يضع صندوقا تحت رجليه لتصل يده إلى الطعام في الرف، ومثل من يكتسب بالعلم والورع مثل من يجعل القرآن وكتب الحديث، نعوذ بالله من الضلالة. (ش). (*)

[ 374 ]

كان مؤمنا ووضع بالكفر من كان الناس يسمونه شريفا إذا كان كافرا، فليس لأحد فضل على أحد إلا بالتقوى. * الشرح: قوله (وأنا في الحسب الضخم من قومي) في المصباح: ضخم الشئ - بالضم - ضخما - مثال عنب - وضخامة عظم فهو ضخم، والجمع ضخام مثل سهم وسهام، افتخر الرجل بالحسب وهو من صفات الجاهلية ولم يعلم أن الله سبحانه جعل النسب سببا للتعارف والتواصل وأن اشتهار بعض الإنسان دون بعض لا يقتضي كرامة المشهور عند الله تعالى وأن كمال الرجل بحسب الإيمان والتقوى كما قال الله عز وجل: * (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) * وأن العبد الحبشي المتقي أفضل وأكرم من الحر القرشي الغير المتقي. 4 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن عيسى بن الضحاك قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): عجبا للمختال الفخور وإنما خلق من نطفة ثم يعود جيفة وهو فيما بين ذلك لا يدري ما يصنع به. 5 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) رجل فقال: يا رسول الله أنا فلان بن فلان حتى عد تسعة فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): أما إنك عاشرهم في النار. * الشرح: قوله (قال: أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) رجل فقال يا رسول الله أنا فلان بن فلان حتى عد تسعة فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): أما إنك عاشرهم في النار) تكبر هذا الرجل وتفاخر بسمو النسب وعلو الحسب فرد عليه النبي (صلى الله عليه وآله) بأنه وآباءه كلهم في النار وكان ذلك باعتبار أن آباءه كانوا أيضا موصوفين بوصف التكبر، أو باعتبار أن كلهم كانوا كفارا أو باعتبار أن هذا الرجل كان متكبرا وآباءه كانوا كفارا وهو الأظهر. 6 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): آفة الحسب الافتخار.

[ 375 ]

باب القسوة 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن عمرو بن عثمان، عن علي بن عيسى رفعه، قال: فيما ناجى الله عز وجل به موسى (عليه السلام): يا موسى لا تطول في الدنيا أملك فيقسو قلبك والقاسي القلب مني بعيد. * الشرح: قوله (فيما ناجى الله عز وجل به موسى (عليه السلام): يا موسى لا تطول في الدنيا أملك فيقسو قلبك والقاسي القلب مني بعيد) طول الأمل والرجاء في أمور الدنيا سيما ما يستبعد حصوله وصرف الفكر فيها يوجب قساوة القلب أي غلظته وصلابته حتى يصير كالحجر، ويورث موته وكدرته حتى يصير كالمرآة المظلمة فلا يستقر فيه بعد ذلك روح التفكر فيما ينبغي أن يعتقد أو يفعل أو يترك ثم يزداد هذا المرض بوسوسة الخبيث فيتبع الهوى ويشغل عن العمل وذكر الله تعالى ويضل عن سبيل الحق كما قيل: من ركب مطية الآمال سلك أودية الضلال ومن أطال الأمل أساء العمل، فلذلك كان قاسي القلب بعيدا من الله، ولعل هذا كان تعليما للأمة وإلا فكليم الله كان أرفع من أن يتدنس قلبه بطول الامل. 2 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد بن حفص، عن إسماعيل بن دبيس عمن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا خلق الله العبد في أصل الخلقة كافرا لم يمت حتى يحبب الله إليه الشر فيقرب منه فابتلاه بالكبر والجبرية فقسا قلبه وساء خلقه وغلظ وجهه وظهر فحشه وقل حياؤه وكشف الله ستره وركب المحارم فلم ينزع عنها، ثم ركب معاصي الله وأبغض طاعته ووثب على الناس، لا يشبع من الخصومات، فاسألوا الله العافية واطلبوها منه. * الشرح: قوله (إذا خلق الله العبد في أصل الخلقة كافرا -... إلى آخره) " كافرا " حال عن العبد فلا يلزم أن يكون كفره مخلوقا لله تعالى، نعم يلزم اتصافه بالكفر حين خلقه وهو كذلك كما دلت عليه الروايات المتكثرة وهذا موافق لما هو المشهور من أن السعيد سعيد في بطن أمه والشقي شقي في بطن أمه، ومن كان شقيا في العلم الأزلي يكون شقيا في العالم الظلي وهو عالم الأرواح وفي عالم الأرحام حين تعلقه بالأبدان وهكذا في كل موطن إلى يوم الفصل، وهو في هذا الموطن أعني موطن الغربة والمصيبة ودار التكليف والبلية وإن صدرت منه الخيرات في الجملة لم يمت حتى يخلى بينه وبين الشر فيميل إليه ويحبه ويعانقه ويعود خاتمته إليه، وإن كان سعيدا كان الأمر بالعكس فيرجع كل

[ 376 ]

إلى ما سبق له في العلم الازلي لوجوب المطابقة بين العلم والمعلوم (1) (وقل حياؤه) أريد به ظاهره أو ذهابه بالكلية. (وكشف الله ستره) أي رفع ستره الحاجز عن مشاهدة أعماله القبيحة (2) فيراه المقربون على


1 - قوله " لوجوب المطابقة بين العلم والمعلوم) سبق تحقيق الكلام في القضاء والطينة والعلم الأزلي بحيث لا يلزم منه الجبر، ولابد أن يكون مراد الشارح ذلك فإنه (قدس سره) لم يكن جبريا قطعا، والجبر خلاف مذهب أئمتنا (عليهم السلام) فراجع الجزء الخامس. (ش). 2 - قوله " عن مشاهدة أعماله القبيحة " من المسائل التي تعد في معجزات نبينا العلمية، (صلى الله عليه وآله) والأولياء من خلفائه المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين كلامهم في أحوال النفوس وأدوائها وعلاجاتها، وكيفية انطواء ملكاتها فيها وخفائها في الدنيا ونحو مشاهدتها ظاهرة في البرزخ والقيامة، وتلك أمور لم يعهد في أشعار العرب وخطبهم وسائر أقسام كلامهم مثلها ولم ير فيهم من حام حول هذه المسائل، وقد رأينا في كلامهم ذكر الله تعالى ويوم الحساب والجزاء والعقاب والثواب وأسماء بعض الأنبياء (عليهم السلام). أما الدقائق التي لم يتنبه لها المسلمون إلا بعد أجيال، فكيف الجاهلون، فاشتمال القرآن والسنة عليها يدل على رباط باطني بين المعصومين (عليهم السلام) وبين منبع جميع الحقائق، وهذا الرابط الخاص المسمى بروح القدس هو الذي كان سببا لعلمهم، وقد رأينا في أشعار زهير بن أبي سلمى في معلقته الجاهلية: فلا تكتمن الله ما في صدوركم * ليخفى ومهما يكتم الله يعلم يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر * ليوم الحساب أو يعجل فينقم وفي أشعار النابغة وأمية بن أبي الصلت والأعشى ذكر بعض الأنبياء (عليهم السلام). وأما مثل قوله تعالى: * (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) * وقوله تعالى: * (ونفس وما سويها * فألهمها فجورها وتقويها * قد أفلح من زكيها * وقد خاب من دسيها) * ومثل قوله تعالى: * (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم) * ومثل قوله تعالى خطابا للناس يوم القيامة: * (لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد) * فيصعب على فهم أهل الجاهلية بل يتعذر عليهم إدراك هذه المعاني ويرون تناقضا بين هذه الآية وقوله تعالى: * (ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى) * فنبه على أن البصيرة مبدؤها الذكر، والعمى مبدؤها النسيان وعدم الاعتناء. فربما ينسى الإنسان شيئا ويذكر شيئا في الدنيا كذلك في الآخرة يرى شيئا ولا يرى شيئا وهو بالنسبة إلى الأول بصره حديد، وبالنسبة إلى الاخر أعمى، ولا يجب أن يكون صفة البصر في الآخرة صفته في الدنيا حتى يكون أعمى بالنسبة إلى كل شئ، أو بصيرا بالنسبة إلى كل شئ. ثم إن الحكماء ذكروا: أن الشعور بالشئ لا يستلزم الشعور بالشعور فربما ينطوي صور عقلية كثيرة في النفس، وهي موجودة فيها لا محالة، والإنسان يغفل عن جميعها، والذي يبين ذلك أمور: الأول أن العالم العاقل قد يكون نائما أو مغشيا عليه أو غافلا عن علمه أو مشتغلا بشئ آخر. ولا يمكن أن يكون علومه مسلوبة عنه في هذه الأحوال إذ يتساوى هو والجاهل بتلك العلوم حينئذ ولا يتمايز الأشياء بالأعدام. فلو لم يكن شئ موجودا في نفس العالم لم يكن فرق بينه حال الغفلة وبين الجاهل وهو مستحيل. الثاني أن الإنسان يرى في منامه مركوزات ذهنه، ولابد أن تكون موجودة حال اليقظة وهو غافل عنها باشتغال = (*)

[ 377 ]

أخس أحواله أو ستره الحاجز بينه وبين القبائح وهو الحياء فيكون تفسيرا لما قبله. (وركب المحارم لم ينزع عنها ثم ركب معاصي الله وأبغض طاعته) لعل المراد بالمحارم: الصغائر وبالمعاصي: الكبائر، لأن الصغائر قنطرة الكبائر، أو المراد بها: الذنوب مطلقا، وبالمعاصي: حبها أو استحلالها بقرينة قوله " وأبغض طاعته " لأن بغض الطاعة يستلزم حب المعصية، أو المراد بها ذنوبه بالنسبة إلى الخلق. (فاسألوا الله العافية واطلبوها منه) في بعض النسخ: العاقبة بالقاف، وفيه تنبيه على أن النفس الأمارة بالسوء لا تنزجر عن أمثال هذه الحركات الشنيعة إلا بعصمة الله والاستعانة منه. 3 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لمتان: لمة من الشيطان ولمة من الملك، فلمة الملك: الرقة والفهم، ولمة الشيطان السهو والقسوة. * الشرح: قوله (قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لمتان لمة من الشيطان ولمة من الملك) أي للناس لمتان، واللمة بفتح اللام وشد الميم: الهمة تقع في القلب، والمراد: أن لكل من الشيطان والملك إلماما بالقلب وقربا منه وإلقاء شئ إليه. (فلمة الملك الرقة والفهم) (1) لمة الملك: القاء الخير والتصديق بالحق إلى القلب، وثمرته رقة


= حواسه الظاهرة بالأمور الخارجة عنه فإذا هدأت الحواس بالنوم فرغ النفس لمشاهدة ما هو موجود فيه. ولو لم يكن في ذهنه شئ لتساوي جميع الناس في الرؤيا وليس كذلك. الثالث أن جميع ما في القوة الحافظة موجودة فيها مع الغفلة عنها بل ربما يصعب على الإنسان استرجاعها بحيث لا يوفق له إلا بعد أيام مع أنها موجودة عنده البتة وإلا لم ترجع أبدا، ولكن لا نعلم كيفية وجودها وإن كان أصل وجودها مما لا ريب فيه، وعلى هذا فيتضح علة كون ملكات النفس في الدنيا خفية على صاحبها ظاهرة في الآخرة وأن التذاذها بوجودها فرع الشعور بشعوره إياها، ويظهر معنى قوله تعالى: * (فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد) *. ثم إن الملكات الخبيثة أو الطيبة ربما كانت قوية راسخة بحيث تظهر آثارها على الجوارح كرجل شديد الغضب يعرف غضبه في عينه ووجهه. وربما كانت ضعيفة يستطيع الإنسان أن يخفيها، وهذا سر قوله (عليه السلام) " قل حياؤه وكشف الله ستره وركب المحارم فلم ينزع عنها " مع ما قبله وما بعده. (ش). 1 - قوله " فلمة الملك الرقة والفهم " قال الحكماء: لا يخرج شئ من القوة إلى الفعل إلا بعلة مخرجة إياه ولا تصير القوة فعلا بنفسه، ولا شك أن نفس الإنسان فيها قوة الخير والشر، وليس صيرورته عاقلا عالما خيرا فهما ذا فضائل مقتضى ذاته وإلا لاستوى جميع أفراد الإنسان فيها فهو بالنسبة إلى جميع ذلك بالقوة. وأما مخرجه من القوة إلى الفعل فلابد أن يكون موجودا عاقلا مفارقا عنه ويسمى في عرفهم بالعقل الفعال، وفي = (*)

[ 378 ]

القلب وصفاؤه وانعطافه إلى الخير وفهم الحقائق والإذعان بالحق لمن وجد ذلك في نفسه فليحمد الله ليزداد له (ولمة الشيطان السهو والقسوة) لمة الشيطان إلقاء الشر والتكذيب بالحق إلى القلب وتزيين الباطل له، وثمرته السهو عن الحق والغفلة عن ذكر الله وقساوة القلب وغلظته بحيث يتأبى عن استماع النصائح وقبول لمة الملك، ومن وجد في قلبه ذلك فليتعوذ بالله من الشيطان فإن الاستعاذة يدفعه إن شاء الله.


= اصطلاح الدين: الملك كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لمة الملك، ويزعم الجاهل أن الإنسان يعقل بنفسه، والعلة الموجودة للتعقلات هي الحواس الظاهرة، وهو باطل لأن جميع أفراد الحيوان والإنسان الرضيع وغيره مشتركون في وجدان الحس. وكل ما يمتاز الإنسان البالغ العاقل به عن غيره من العقل والمعقولات لها علة أخرى غير الحس، ولو كان الحس علة للتعقل لكان جميع أفراد الحيوان مساوية لأفلاطون وأرسطو. فإن قيل: علة امتياز الإنسان الحس مع القابلية. قلنا: أما الحس فقد بان عدم غنائه، وأما القابلية فمحال أن يكون سببا من غير فاعل كقابلية الخشب للاحتراق لا توجب احتراقا بلا مس نار، وهذا سر كلام أمير المؤمنين (عليه السلام). ونظير ما ذكرنا في الملك يجري في الشيطان ولمة الشر. (ش). (*)

[ 379 ]

باب الظلم 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن هارون بن الجهم، عن المفضل بن صالح، عن سعد بن طريف، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: الظلم ثلاثة: ظلم يغفره الله وظلم لا يغفره الله وظلم لا يدعه الله، فأما الظلم الذي لا يغفره فالشرك وأما الظلم الذي يغفره فظلم الرجل نفسه فيما بينه وبين الله، وأما الظلم الذي لا يدعه المداينة بين العباد. * الشرح: قوله (الظلم ثلاثة) الظلم: وضع الشئ في غير موضعه، وفي المثل: من استرعى الذنب فقد ظلم. فالمشرك ظالم لأنه جعل غير الله تعالى شريكا له ووضع العبادة في غير محلها والعاصي ظالم لأنه وضع المعصية موضع الطاعة. (فأما الظلم الذي لا يغفره فالشرك) كما قال عز وجل: * (ان الله لا يغفر أن يشرك به) * ولعل الشرك بالعبادة داخل فيه وإن كان دون الشرك بإنكار التوحيد. قال الله تعالى: * (فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) *. (وأما الظلم الذي يغفره فظلم الرجل نفسه فيما بينه وبين الله) بفعل المعصية وترك الطاعة وهذا يغفر له بالتوبة قطعا على شرائطها، وبدونها لمن يشاء. (وأما الظلم الذي لا يدعه فالمداينة بين العباد) كان ذكر المداينة على سبيل التمثيل لأن الظاهر أن حقوق الخلق كلها كذلك. 2 - عنه، عن الحجال، عن غالب بن محمد، عمن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل: * (إن ربك لبالمرصاد) * قال: قنطرة على الصراط لا يجوزها عبد بمظلمة. * الشرح: قوله (في قول الله عز وجل إن ربك لبالمرصاد) في المصباح: الرصد: الطريق، والجمع: أرصاد مثل: سبب وأسباب، ورصدته رصدا - من باب قتل -: قعدت له على الطريق، والفاعل راصد، والرصدي نسبة إلى الرصد وهو الذي يقعد على الطريق ينتظر الناس ليأخذ شيئا من أموالهم ظلما وعدوانا، وقعد فلان بالمرصد - وزان جعفر - وبالمرصاد - بالكسر - وبالمرتصد أيضا: أي بطريق الارتقاب والانتظار * (إن ربك لبالمرصاد) * أي مراقبك، فلا يخفى عليه شئ من أفعالك ولا تفوته. (قال: قنطرة على الصراط) القنطرة: ما يبنى على الماء للعبور عليه - فنعلة - والجسر: أعم لأنه يكون بناء وغير بناء.

[ 380 ]

(لا يجوزها عبد بمظلمة) هي بفتح الميم وكسر اللام: اسم لمايطلب عند الظلم كالظلامة بالضم. 3 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن وهب بن عبدربه وعبيد الله الطويل، عن شيخ من النخع قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): إني لم أزل واليا منذ زمن الحجاج إلى يومي هذا فهل لي من توبة ؟ قال: فسكت ثم أعدت عليه، فقال: لا حتى تؤدي إلى كل ذي حق حقه. * الشرح: قوله (عن شيخ من النخع) (1) النخع بفتحتين: قبيلة من اليمن من مذحج. 4 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن الوليد بن صبيح، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما من مظلمة أشد من مظلمة لا يجد صاحبها عليها عونا إلا الله عز وجل. * الشرح: قوله (ما من مظلمة أشد من مظلمة لا يجد صاحبها عليها عونا إلا الله عز وجل) قال أمير المؤمنين (عليه السلام): " ظلم الضعيف أفحش " وقال أيضا: " يوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم " وقال أيضا: " من ظلم عباد الله كان خصمه الله في الدنيا والآخرة ويوم الظالم الدنيا فقط وهي تنقطع، ويوم المظلوم الدنيا والآخرة والمنتقم هو الله تعالى والله عزيز ذو انتقام " وروي


1 - قوله " شيخ من النخع " هذه الأخبار قاصمة الظهر نعوذ بالله من موبقات الاثام ونفثات الشيطان ووساوسه، وربما يختلج ببال أهل الدين والشرع أن الولاية من قبل الجائر جائزة في مذهب فقهاء أهل البيت، وربما دخل فيها جماعة من أعاظم الرواة في عهد الأئمة (عليهم السلام) ولم يعبأوا بما ورد من المنع عن إعانة الظالمين ولم يعرفوا أن الوالي من قبل الجائر قد يكون مختارا فيما يفعل وله أن يعمل بمقتضى حكم الشرع على مذهب أهل الحق فهو وال من قبل الجائر وليس معينا للظالم، وقد يكون مأمورا بأمر الظالم يفعل ما يأمره أو يعاونه في فعله، وبين الولاية وإعانة الظالم عموم وخصوص من وجه، ومورد الاجتماع وال لا يمكنه إلا العمل بما يأمره الظالم، وليس له أن يفعل باختياره شيئا كما هو الحال في ولاة زماننا ومورد الافتراق وال بغير إعانة ومعين بغير ولاية، أما الوالي بغير اعانة فهو من يوليه الظالم عملا في صقع من الأصقاع يعمل بما يقتضيه دينه وعقله في القضاء وجباية الأموال ولا يعين له دستورا خاصا لا يتجاوزه وكان المتولون للاعمال في عهد الأئمة (عليهم السلام) كذلك وهذا جائز، وفي أخبار بعض الملوك أنه كتب إلى وال له يجب عليك أن تعمل في عملك بما يأمرك به الفقيه الفلاني ويجب على الفقيه أن يأمرك بما أمر به رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن هذا القبيل ولاية المحقق الكركي على العراق من قبل شاه طهماسب الصفوي. بل ليس مثل هذا ولاية حقيقة من جانب الجائر بل تقلد للأمر بإذن صاحب الولاية وتولية الجائر رفع للمحذور والمزاحمة هذا. أما الاعانة للظالم من غير ولاية من قبله فواضح. (ش). (*)

[ 381 ]

عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " قال الله عز وجل: اشتد غضبي على من ظلم أحدا لا يجد ناصرا غيري " وروي أيضا عنه (صلى الله عليه وآله): " العبد إذا ظلم فلم ينتصر ولم يكن له من ينصره رفع طرفه إلى السماء فدعا الله تعالى قال جل جلاله: لبيك عبدي أنصرك عاجلا وآجلا، اشتد غضبي على من ظلم أحدا لا يجد ناصرا غيري " وقد حكي أن ظالما ظلم على ضعيف أعواما، قال المظلوم للظالم يوما: إن ظلمك علي قد طاب بأربعة أشياء: أن الموت يعمنا، والقبر يضمنا، والقيامة تجمعنا، والديان يحكم بيننا. 5 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن إسماعيل بن مهران، عن درست بن أبي منصور، عن عيسى بن بشير، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لما حضر علي بن الحسين (عليهما السلام) الوفاة ضمني إلى صدره، ثم قال: يا بني اوصيك بما أوصاني به أبي (عليه السلام) حين حضرته الوفاة وبما ذكر أن أباه أوصاه به، قال: يا بني إياك وظلم من لا يجد عليك ناصرا إلا الله. 6 - عنه، عن أبيه، عن هارون بن الجهم، عن حفص بن عمر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال: قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: من خاف القصاص كف عن ظلم الناس. * الشرح: قوله (من خاف القصاص كف عن ظلم الناس) لأن من خاف القصاص وهو قتل القاتل وجرح الجارح وقطع القاطع، وبالجملة المعاملة بالمثل، تحرز عن ظلم الناس الموجب للقصاص، وهذا بحسب الحقيقة تحذير عن الظلم للتحرز من المعاملة بمثله. 7 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان، عن إسحاق بن عمار قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): من أصبح لا ينوي ظلم أحد غفر الله له ما أذنب ذلك اليوم ما لم يسفك دما أو يأكل مال يتيم حراما. * الشرح: قوله (من أصبح لا ينوي ظلم أحد غفر الله له ما أذنب ذلك اليوم ما لم يسفك دما أو يأكل مال يتيم حراما) دل على أن من دخل في الصبح غير ناو لظلم أحد ولم يسفك دما حراما أو لم يأكل مال يتيم غفر له ذنوب ذلك اليوم كائنا ما كان، وعلى أن من انتفى عنه هذه الأمور بأن نوى أو سفك أو أكل لم يغفر له فكأن الأمور المذكورة كفارة لذنوب يومه. ويفهم من ظاهر الخبر أن ذنوبه تغفر مطلقا سواء كانت من حقوق الله تعالى أم من حقوق الناس مثل الضرب والشتم والغيبة ونحوها، وهذا ينافي رواية النخعي المذكورة وغيرها من الروايات الدالة على المؤاخذة بحقوق الناس، ويمكن تخصيص الذنوب هنا بالذنوب التي بينه وبين الله تعالى جمعا بين الروايات، وأما تخصيص عموم الروايات بهذا الخبر والقول بأن الله تعالى لا يؤاخذ

[ 382 ]

العبد بظلم الناس، بعد ما أصبح غير ناو لظلمهم وأنه يرضي المظلوم بوجه آخر فبعيد. 8 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من أصبح لا يهم بظلم أحد غفر الله له ما اجترم. * الشرح: قوله (من أصبح لا يهم بظلم أحد غفر الله له ما اجترم) أي ما اكتسب من الجرم والإثم في ذلك اليوم بقرينة السابق، أو مطلقا على احتمال، وفيما بينه وبين الله عز وجل أو فيما بينه وبين الخلق أيضا احتمال بعيد، وعدم قصد ظلم أحد أولا لا ينافي قصد ظلمه ثانيا. 9 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من ظلم مظلمة اخذ بها في نفسه أو في ماله أو في ولده. * الشرح: قوله (من ظلم مظلمة أخذ بها في نفسه أو في ماله أو في ولده) نظيره ما سيأتي من رواية مولى آل سام عن أبي عبد الله (عليه السلام) وفيه تنبيه للظالم المغرور بعدم المؤاخذة بالفعل بأنها لا محالة يكون ولو في ولده الذي هو بمنزلة نفسه وبحكم المقابلة خير صلاح الأب قد يصل إلى ولده، وقد ذكرناه مشروحا ويؤيده قوله تعالى حكاية: * (إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين) * ولا ينافي الأول قوله تعالى: * (ولا تزر وازرة وزر أخرى) * لخروجه بهذا النص وغيره من عموم الآية كخروج مؤاخذة العاقلة في الخطاء، والأب هو الذي أدخل على نفسه وولده هذه الخصلة المسرية إلى أعقابه وهو الذي ظلمهم أيضا وما الله بظلام للعبيد. 10 - ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اتقوا الظلم فإنه ظلمات يوم القيامة. * الشرح: قوله (اتقوا الظلم فإنه ظلمات يوم القيامة) ظلمات جمع ظلمة وهي خلاف النور وحملها على الظلم باعتبار تكثره معنى أو للمبالغة. وفيه تحذير من الظلم على النفس وعلى الغير، والمراد بالظلمة إما الحقيقة لما قيل من أن الهيئات النفسانية التي هي ثمرات الأعمال الموجبة للسعادة والشقاوة أنوار وظلمات مصاحبة للنفس وهي تنكشف لها في القيامة التي هي محل بروز الأسرار وظهور الخفيات فتحيط بالظالم على قدر مراتب ظلمه ظلمات متراكمة حين يكون المؤمنون في نور يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، أو المراد بها الشدائد والأهوال كما قيل في قوله تعالى: * (قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر) *.

[ 383 ]

11 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى [ عن محمد بن عيسى ] عن منصور، عن شام بن سالم، عن أبي عبد الله قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اتقوا الظلم فإنه ظلمات يوم القيامة. 12 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن اذينة، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ما من أحد يظلم بمظلمة إلا أخذه الله بها في نفسه وماله، وأما الظلم الذي بينه وبين الله فإذا تاب غفر الله له. 13 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن ابن أبي نجران ؟ عن عمار بن حكيم، عن عبد الأعلى مولى آل سام قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): مبتدئا: من ظلم سلط الله عليه من يظلمه أو على عقبه أو على عقب عقبه، قال: قلت: هو يظلم فيسلط الله على عقبه أو على عقب عقبه ؟ ! فقال: إن الله عز وجل يقول: * (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا) *. * الشرح: قوله (إن الله عز وجل يقول: * (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا) *) لعله أمر للأوصياء بالخشية والعدل في أموال اليتامى وعدم ظلمهم فيها خوفا من أن يرجع ظلمهم إلى أولادهم، وأمر لهم بالقول السديد للأيتام بأن يكلموهم كما يكلمون أولادهم بالأدب الحسن والترحيب ويدعونهم ب‍ " يا بني ويا ولدي " ولا يقولوا ما يؤذيهم، وللمفسرين فيه أقوال. 14 - عنه، عن ابن محبوب، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله عز وجل أوحى إلى نبي من أنبيائه في مملكة جبار من الجبارين أن ائت هذا الجبار فقل له: إني لم أستعملك على سفك الدماء واتخاذ الأموال وإنما استعملتك لتكف عني أصوات المظلومين، فاني لم أدع ظلامتهم وإن كانوا كفارا. * الشرح: قوله (إن الله عز وجل أوحى إلى نبي من أنبيائه في مملكة جبار من الجبارين أن أئت هذا الجبار فقل له: إني لم أستعملك على سفك الدماء) يجب على الحاكم أمران أحدهما أن يلاحظ نفسه مع مالك الملوك ويعلم أنه المالك لا غيره وأن كل من سواه عبد له متقلد بربقة العبودية لئلا يغيره فضل ماله من نعم الله تعالى عليه من الإمارة وغيرها ولا طول خص به بل يزيده ذلك قربا وعبادة وتواضعا، وثانيهما أن ينظر إلى من دونه ويعلم أنهم ودايع الله عز وجل في أرضه وذرية أبيه آدم (عليه السلام) قد سلطه عليهم لإعانتهم وإغاثتهم وحفظ صورتهم وسيرتهم ليزداد عليهم شفقة ورأفة سواء كانوا

[ 384 ]

مؤمنين أم كافرين معاهدين، وأنت تعلم أن كل واحد من الأمرين أمر صعب لا يتأتى الا لمن حفظه الله تعالى بلطفه وعنايته ولذلك ورد روايات كثيرة على ذم الرئاسة. (فإني لم أدع ظلامتهم) الظلامة بالضم: اسم لما تطلبه عند الظالم كالمظلمة بفتح الميم وكسر اللام. 15 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن علي ابن أبي حمزة، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: من أكل مال أخيه ظلما ولم يرده إليه أكل جذوة من النار يوم القيامة. * الشرح: قوله (أكل جذوة من النار يوم القيامة) الجذوة: الجمرة المتلهبة وتضم الجيم وتفتح وتجمع جذى مثل مدى وقرى وتكسر أيضا فتكسر في الجمع أيضا مثل جزية وجزى. 16 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: العامل بالظلم والمعين له والراضي به شركاء ثلاثتهم. * الشرح: قوله (العامل بالظلم -... إلى آخره) أي العامل بالظلم على نفسه أو على غيره، والمعين له على الظلم أو مطلقا على احتمال لعموم بعض الروايات والراضي به مظلوما كان أو غيره شركاء في الإثم، وإذا كان الميل القليل إلى من وجد منه ظلم ما حراما موجبا للدخول في النار لقوله تعالى * (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) * فكيف حال الظالم وحال من أعانه وحال من رضي به، قال في الكشاف: النهي متناول للانحطاط في هواهم والانقطاع إليهم ومصاحبتهم ومجالستهم وزيارتهم ومداهنتهم، والرضا بأعمالهم والتشبه بهم والتزيي بزيهم ومد العين إلى زمرتهم وذكرهم بما فيه تعظيم لهم. وذكر الفقيه في باب جمل من مناهي النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: " من مدح سلطانا جائرا أو تخفف وتضعضع طمعا فيه كان قرينه في النار " وقال (عليه السلام): " من ولى جائرا على جوره كان قرين هامان في جهنم ". وإن شئت زيادة المعرفة بأحوالهم فارجع إلى ما ذكره المفسرون والله هو المستعان. 17 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن هشام بن سالم قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن العبد ليكون مظلوما فما يزال يدعو حتى يكون ظالما. * الشرح: قوله (إن العبد ليكون مظلوما فما يزال يدعو حتى يكون ظالما) كان المراد من يدعو لظالم

[ 385 ]

يكون ظالما لأنه رضي بظلمه قيل: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) " من دعا للظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله في أرضه ". 18 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن أبي نهشل، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال: من عذر ظالما بظلمه سلط الله عليه من يظلمه، فإن دعا لم يستجب له ولم يأجره الله على ظلامته. * الشرح: قوله (من عذر ظالما بظلمه سلط الله عليه من يظلمه) (1) عذرته فيما صنع عذرا من باب ضرب رفعت عنه اللوم فهو معذور أي غير ملوم والاسم العذر بضم الذال للاتباع وتسكن والجمع أعذار والمعذرة بمعنى العذر، وأعذرته بالألف لغة. (فإن دعالم يستجب له) أي دعا الله تعالى أن يدفع عنه ظلم من يظلمه، أو مطلقا لم يستجب له لأنه بسبب عذره صار ظالما خرج عن استحقاق الاستجابة ودخل في زمرة الظلمة (ولم يأجره الله تعالى على ظلامته) لأنها وقعت مجازاة. 19 - عنه، عن محمد بن عيسى، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن علي بن أبي حمزة عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال: ما انتصر الله من ظالم إلا بظالم، وذلك قوله عز وجل: * (وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا) *. 20 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من ظلم أحدا ففاته فليستغفر الله له فإنه كفارة له. 21 - أحمد بن محمد الكوفي، عن إبراهيم بن الحسين، عن محمد بن خلف، عن موسى بن إبراهيم المروزي، عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من أصبح وهو لا يهم بظلم أحد غفر الله له ما اجترم. 22 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن


1 - قوله " سلط الله عليه من يظلمه " الظالم غير مقيد نفسه بما يقيد به أصحاب الوفاء والمروة أنفسهم والناس مفطورون على أن الإحسان يجب أن يكافى بالإحسان وربما يزعم بعضهم أنه إذا داهن الظالم وصحح أعماله وأظهر له عذرا في مظالمه لابد أن يكافئه الظالم بهذا الإحسان ويكف عنه أو يحسن إليه وهذا زعم باطل لأن الظالمين خارجون عما يقتضيه العقل الحاكم بالحسن والقبح وغير ملتزمين بما يلتزم به أصحاب المروة فإذا رأوا مصلحتهم في قتل أعز الناس عليهم ومصادرة أموال أكثرهم أحسانا إليه وأخدمهم له فعلوا من غير مراعاة، والتواريخ مملوءة بأمثال هذه الأخبار، ولو كان الوالي ممن يراعي لوازم المروة وقواعد الانسانية لم يكن ظالما بل عادلا. (ش). (*)

[ 386 ]

أبي حمزة، عن أبي بصير قال: دخل رجلان على أبي عبد الله (عليه السلام) في مداراة بينهما ومعاملة، فلما أن سمع كلامهما قال: أما إنه ما ظفر أحد بخير من ظفر بالظلم أما إن المظلوم يأخذ من دين الظالم أكثر مما يأخذ الظالم من مال المظلوم، ثم قال: من يفعل الشر بالناس فلا ينكر الشر إذا فعل به، أما إنه إنما يحصد ابن آدم ما يزرع وليس يحصد أحد من المر حلوا ولا من الحلو مرا. فاصطلح الرجلان قبل أن يقوما. * الشرح: قوله (أما إنه ما ظفر أحد بخير من ظفر بالظلم، أما إن المظلوم يأخذ من دين الظالم أكثر مما يأخذ الظالم من مال المظلوم) الخير مضاف إلى " من " وفيه تنبيه على أن المظلومية أفضل الخيرات وبين ذلك بأن المظلوم يأخذ يوم القيامة من حسنات الظالم عوضا مما أخذه الظالم من ماله، وما يأخذه المظلوم أكثر منفعة وأعظم مقدارا لأن منفعته وهي الفوز بالسعادة الأخروية أبدية بخلاف ذلك المال فإن نفعه قليل في زمان يسير. وفيه تحذير للظالم من سوء عاقبة الظلم وتسلية للمظلوم بأن الظالم يسعى في مضرة نفسه (1) ونفع المظلوم كما أشار إليه أيضا أمير المؤمنين (عليه السلام)


1 - قوله " فإنه يسعى في مضرة نفسه " وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) " الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم " وسر قبح الظلم أنه يمنع أفراد الإنسان عن السعي والعمل وإظهار ما أبدع الله تعالى في قريحتهم من الاستعداد للصنايع والعلوم وعن تأديب الناس وسوقهم إلى الآخرة والكمالات الانسانية، والناس في دولة الظلمة خامدون جامدون آيسون من الحياة غير ناشطين للعمل يرون قبالهم في كل شئ مانعا يمنعهم من فعلهم مجبولون على الاطاعة جبرا لغيرهم مسلوبو الإرادة والهمة. والإنسان خلق مختارا مريدا فإذا سلب عنه الاختيار والإرادة قسرا كان كشجرة تحت قبة مظلمة تمنعها نور الشمس والهواء ولا تنبت ولا تثمر. والله تعالى مع أنه خالق للإنسان لم يجبرهم على الخير والدين بل تركهم وما يختارون * (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة) * واكتفى بالإعذار والإنذار، والظلمة يجبرون الناس على الشر والقبائح وهو خلاف حكمة الله تعالى وقد روى في الحكايات المصنوعة على ألسنة الحكماء أن نية الظالم تدفع بركة الأرض ويمثلون ذلك بملك مر على قرية وكان عطشانا فطلب من بعض أهله ماء فجاءه بشربة من عصير قصبة السكر فسأله الملك عن هذا المقدار من العصير من كم قصبة ؟ أجابه بأنه من قصبة واحدة، فنوى الملك أن يزيد الخراج على القصب إذ اعجبه كثرة ارتفاعه ثم ذهب ورجع ثانيا وعطش وطلب العصير من ذلك القروي بعينه فجاءه بالعصير وكان أقل من الأول فسأله هذا من كم قصبة ؟ أجاب من ثلاث قصبات فسأله الملك كيف كان عصير قصبة واحدة في المرة الأولى أكثر من عصير ثلاث في هذه المرة وما سره ؟ قال الرجل لأن الملك نوى الظلم فزالت البركة، وربما يزعم الجاهل أنها حكاية خرافية ولكنها تعليم حكمي فلسفي وضعه أحد من أعاظم الحكماء قطعا لتمثيل أصل عقلي اجتماعي كما هو شأنهم. وأما علاج الظلم ومداواته فقد جاء به الأنبياء (عليهم السلام) في مقابل الجبابرة وهو تعظيم قدر أفراد الإنسان وأنهم موجودون مكرمون معظمون ولكل واحد واحد منهم حق فردي لا يجوز أن يتعدى عنه، وليس للجبابرة منع أحد عن حقه كلما كان الظالم قادرا والمظلوم = (*)

[ 387 ]

بقوله " ولا يكبرن أي لا يعظمن عليك ظلم من ظلمك فإنه يسعى في مضرته ونفعك ". * الشرح: قوله (وليس يحصد أحد من المر حلوا ولا من الحلو مرا) هذا تمثيل والمقصود أن عامل الشر لا يجد خيرا وثوابا وعامل الخير لا يجد شرا وعقابا. وفيه تقبيح للشر وتبعيد عنه. وتحسين للخير وترغيب فيه. 23 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن علي بن أسباط، عمن ذكره عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من خاف القصاص كف عن ظلم الناس.


= ضعيفا وكذلك كان إبراهيم (عليه السلام) وموسى وعيسى وسائر الأنبياء (عليهم السلام) في قبال جبابرة زمانهم. فرسخ هذا الأصل في القلوب والعقول. وفي هذه العصور وضع النصارى قواعد مبنية على هذا الأصل الإلهي ونزعوا من الولاة حق العمل بما يسنح لهم وقيدوهم بما يرضى به الناس وليس لأحد أن يحمل على غيره مالا يرضاه. ورجع بعضهم إلى مذهب الجبابرة المعاندين للانبياء ورخصوا الجماعة من الناس جبر غيرهم على خلاف رضاهم وبالجملة مباحث هذا الباب دنيوية وأخروية يليق أن يتكلم فيها ويحقق مسائلها لكن المجال ضيق. والتفضيل في موضع خاص به أليق وليس لمسلم أن يعرض عن طريقة الأنبياء ويركن إلى الجبابرة لأنه إذا سلب نور الاسلام عن القلوب هوى في ظلمات الجهل إلى المهالك ولا ينفع اسم الاسلام مع اختيار طريقة الجبابرة الكافرين. (ش). (*)

[ 388 ]

باب اتباع الهوى 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن أبي محمد الوابشي قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: احذروا أهواءكم كما تحذرون أعداءكم فليس شئ أعدى للرجال من اتباع أهوائهم وحصائد ألسنتهم. * الشرح: قوله (احذروا أهواءكم كما تحذرون أعداءكم) هويته من باب علم إذا أحببته وعلق به قلبك ثم أطلق على ميل النفس وانحرافها نحو الشئ ثم استعمل في ميل مذموم فيقال اتبع هواه وهو من أهل الأهواء، والهوى: ميل النفس إلى مشتهياتها، والوغول فيها، وصرف الفكر في تحصيلها يوجب الغفلة عن ذكر الله تعالى والإعراض عن أمر الآخرة وموت القلب وفساد الدين والبعد من الله والعاقل يحذر منه كما يحذر من الاعداء لقصد الفرار من الضرر بل ضرره أفخم وأعظم والحذر منه أولى وأهم كما أشار إليه بقوله: (فليس شئ أعدى للرجال من اتباع أهوائهم) لأن ضرر العدو على فرض تحققه راجع إلى الدنيا الفانية وضرر الهوى مع تيقنه راجع إلى الآخرة الباقية والفرق بينهما كالفرق بين الدنيا والآخرة، وقد رغب الله عز وجل في ترك الهوى ورتب عليه دخول الجنة فقال: * (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى) * وحث أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: " الهوى شريك العمى " يريد أن الهوى مثل عمى القلب يلقى صاحبه في جب الغوى فهو شريك له في الإهلاك وفي تركه مراتب كثيرة لا يقدر عليه إلا العالم الماهر العارف بمكائد النفس أو التابع له إذ النفس مكارة قد تلبس الباطل بلباس الحق فيظن الجاهل أنه حق. ثم أشار إلى أن صرف اللسان فيما لا يعني، وما قيل في الناس والقطع به عليهم مشارك للهوى في الإضرار والإفساد بقوله: (وحصائد ألسنتهم) حصدت الزرع حصدا من باب ضرب وقتل وهو محصود وحصيد، وحصد بفتحتين والحصيدة موضع الحصاد والحصائد جمع حصيد، والمراد بها ما يقتطفونه من الكلام الذي لا خير فيه تشبيها له بما يحصد من الزرع وتشبيها للسان بحد المنجل الذي يحصد به وهذا الخطاب أعظم وقعا في القلوب وأتم منعا للسان من التسرع في الكلام فليتق الله عبد عند إرادة نطقه وليتأمل في خيره وشره. 2 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن عبد الله بن القاسم، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يقول الله عز وجل: وعزتي وجلالي وعظمتي

[ 389 ]

وكبريائي ونوري وعلوي وارتفاع مكاني لا يؤثر عبد هواه على هواي إلا شتت عليه أمره ولبست عليه دنياه وشغلت قلبه بها ولم أوته منها إلا ما قدرت له، وعزتي وجلالي وعظمتي ونوري وعلوي وارتفاع مكاني لا يؤثر عبد هواي على هواه إلا استحفظته ملائكتي وكفلت السماوات والأرضين رزقه وكنت له من وراء تجارة كل تاجر وأتته الدنيا وهي راغمة. * الشرح: قوله (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يقول الله عز وجل: وعزتي وجلالي وعظمتي وكبريائي ونوري وعلوي وارتفاع مكاني) أقسم عز وجل تأكيدا لتحقيق مضمون الخطاب المبين وتثبيتا لمفهومه في قلوب السامعين أولا بعزته وهي القوة والغلبة وخلاف الذلة وعدم المثل والنظير، وثانيا بجلاله وهو التنزه من النقائص، والعظمة في القدرة التي تصغر لديها قدرة كل ذي قدرة، وثالثا بعظمته وهي تنصرف إلى عظمة الشأن والقدر التي يذل عندها شأن كل ذي شأن، ورابعا بكبريائه وهي العظمة التي تتأبى من وقوف الأفهام عليها وبلوغ الأوهام إليها، وخامسا بنوره وهو هدايته التي بها يهتدي أهل السماوات والارضين إليه وإلى صالحهم ومراشدهم كما يهتدي بالنور، وسادسا بعلوه وهو كونه فوق الممكنات بالعلية والايجاد أو تعاليه عن الاتصاف بصفات المخلوقين كما يقول من لا يعتد به من فرق الجاهلين، وسابعا بارتفاع مكانه وهو ارتفاع مرتبته من أن يناله وصف الواصفين، أو يبلغه نعت الناعتين. (لا يؤثر عبد هواه على هواي) إن كان هوى العبد في الفعل كان هواه تعالى في الترك وبالعكس وقد يكون متعلقهما فعلين. (إلا شتت عليه أمره) أي فرقت عليه حاله كما تشاهد من أهل الأهواء فإن أحوالهم متفرقة وقلوبهم متشتتة وهم في سبل الضلالة يهيمون وفي طرق الغواية يتيهون. (ولبست عليه دنياه) أي خلطتها أو أشكلتها عليه حتى يكون مضطربا في طلب المعيشة متحيرا في طريقها. تقول: لبست الأمر لبسا من باب ضرب: إذا خلطته، وفي التنزيل: * (وللبسنا عليهم ما يلبسون) * والتشديد مبالغة وفي الأمر لبس بالضم ولبسة أيضا أي إشكال، والتبس الأمر: أشكل (وشغلت قلبه بها) فهو دائما في ذكر منها وفكر لطرق تحصيلها فارغا عن ذكر الآخرة ولذلك قال الله تعالى: * (ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله) *. (ولم أوته منها إلا ما قدرت له) كما تشهد عليه التجربة فإنك تجد الخلائق كلهم إلا من عصمه الله من أهل الأهواء مشغولين بالدنيا ولا يجدونها كما يطلبونها. (لا يؤثر عبد هواي على هواه إلا استحفظته ملائكتي) أي طلبت منهم أن يحفظونه من الضياع

[ 390 ]

والفساد والانحراف عن طريق السداد (وكفلت السموات والارضين رزقه) أي جعلتها متحملة لرزقه فيأتيه رزقه بوعد العليم القادر الكريم بلا تعب من حيث لا يحتسب فلابد لك أيها الأخ في الله إذا ورد عليك أمران في أحدهما رضاك وفي الآخر رضاه تعالى أن تختار ما فيه رضاه فإن فعلت ذلك فالله كفيلك وولي أمورك في الدنيا والآخرة نعم من كان لله كان الله له (وكنت له ما وراء تجارة كل تاجر) كل أحد في الدنيا تاجر يطلب نفعا في تجارة، والله عز وجل هو النفع والمقصد لهذا العبد من وراء تجارته. (وأتته الدنيا وهي راغمة) أي أتته على كره منه. أو أتته وهي ذليلة عنده من رغم أنفه من باب قتل وعلم إذ ذل كأنه لصق بالرغام وهو بالفتح التراب. 3 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن عاصم بن حميد، عن أبي حمزة، عن يحيى بن عقيل قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إنما أخاف عليكم اثنتين اتباع الهوى وطول الأمل أما اتباع الهوى فإنه يصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة. * الشرح: قوله (قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إنما أخاف عليكم اثنتين اتباع الهوى وطول الأمل أما اتباع الهوى فإنه يصد عن الحق (1) وأما طول الأمل فينسي الآخرة) لأن اتباع الهوى وهو ميل النفس إلى


1 - قوله " أما اتباع الهوى فإنه يصد عن الحق " إن الله تعالى بحكمته البالغة ركب في طبيعة الحيوان قوة يميل بها إلى جلب مصالحه والتحرز من مضاره غريزة ملزمة فيميل إلى الطعام والفساد، ويفر من الحر والبرد الضارين وكل مؤذ ومهلك، ويحب أولاده ويبني مسكنه وغير ذلك ويسمون هذه القوة القوة الواهمة ولا يخلو عنها الإنسان من بين الحيوانات، لكن لما كان الحيوان لم يخلق لكسب الفضائل لم يركب في طبيعته قوة مضادة لواهمته فهو مجبور في اتباع هواه، ولا يؤاخذ عليه، وأما الإنسان صاحب النفس الناطقة المستعدة لتحصيل الكمال والفضائل * (فالهمها فجورها وتقويها) * ولم يخلها والواهمة تميل بها إلى كل جانب، والحق الذي يصد عنه اتباع الهوى هو مقتضى حكم العقل والنطق. فقد يقع المعارضة بين الواهمة والعقل ويستحسن كل منهما ما يستقبحه الآخر فإذا اتبع هواه وميله ولم يلاحظ العقل لم يعرف ما هو الحق، والتجربة شاهدة بأن من يتوجه ذهنه إلى بعض قواه يغفل عن الأخرى كمن صرف ذهنه إلى استماع صوت لا يبين له ما هو حاضر عند بصره، بل ربما غمض عينه ليسمع أحسن، ومن يشتغل بعمل بيده وكلمه أحد ترك شغله حتى يفهم كلام الفائل. ثم يشتغل بعد الاستماع وهكذا حكم الواهمة والعاقلة. فكلما أمعن الإنسان في الالتفات إلى مدركات الواهمة المجبرة له إلى هواه غفل عن الالتفات إلى مدركات العاقلة، وليس خلق الواهمة في الإنسان بغير حكمة ومصلحة. لكن يجب أن يكون العقل مهيمنا عليها حتى يصونها عن الأنهماك، في الشر، فالشهوة والغضب وسائر العواطف خير بشرط كونها تحت تدبير العاقلة، وهذا أصل يبتنى عليه مسائل علم الأخلاق. (ش). (*)

[ 391 ]

الشهوات الدنية وانحرافها عن حدود الشريعة النبوية أشد جاذب للإنسان عن قصد الحق وملاحظة آثاره وأقوى صاد له عن سلوك سبيله ومشاهدة مناره. وطول الأمل وهو صرف عنان الهمة إلى البقاء وزمام العزيمة إلى النعماء وعطف القلب إلى زخارف الدنيا وتفكر زهراتها وتكميل أسبابها وتصور مقتنياتها ودوام اشتغالها بكيفية تحصيلها وكيفية العمل بها بعد حوصلها يستلزم نسيان الآخرة ومثوباتها والغفلة عن ذكر الله وذكر الموت وما بعده من أهوال القيامة ومقاماتها. ووجه حصر الخوف فيهما أنهما أعظم المهلكات حتى كأنه لا مهلك سواهما. وذلك لأن الإنسان اما سالك طريق الخير، أو سالك طريق الشر. أو واقف بين الطريقين والأول يسمى بالرشد والهداية، والثاني يسمى بالهوى والغواية، ومن البين أن الخوف من الثاني أعظم من الخوف من الثالث وقس عليه حال طول الأمل، وإنما أضاف (عليه السلام) الخوف منهما إلى نفسه القدسية لأنه لما كان هو المتولي لإصلاح حال الخلق والراعي لهم في أمور معاشهم ومعادهم، والأولى بهم من أنفسهم كان الاهتمام بصلاحهم منوطا بهمته العالية فلا جرم نسب الخوف إلى نفسه. 4 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن الحسن بن شمون، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأصم، عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: قال لي أبو الحسن (عليه السلام): اتق المرتقى السهل إذا كان منحدره وعرا، قال: وكان أبو عبد الله (عليه السلام) يقول: لا تدع النفس وهواها فإن هواها [ في ] رداها وترك النفس وما تهوى أذاها وكف النفس عما تهوى دواها. * الشرح: قوله (اتق المرتقى السهل إذا كان منحدره وعرا) المرقى والمرتقى والمرقاة: موضع الرقى والصعود من رقيت السلم والسطح والجبل علوته، والمنحدر والحدور - وزان رسول - المكان الذي ينحدر منه أي ينزل من الانحدار وهو النزول تقول حدرت الشئ حدورا من باب قعد فانحدر أي أنزلته فنزل. والوعر الصعب وزنا ومعنى وهذا الكلام البليغ تمثيل لمتابعة النفس في أهوائها والترقي من بعضها إلى بعض وإن كانت صغاير وسهولة ذلك عليها وصعوبة عاقبتها والخروج من عهدتها وأولها بالاخرة إلى الهلاك، بمن يصعد الجبل ويسهل عليه الصعود ثم يصعب عليه النزول بل قد يهلك والغرض أيضا حينئذ سوء العاقبة. * الشرح: قوله (لا تدع النفس وهواها فإن هواها [ في ] رداها وترك النفس وما تهوى أذاها وكف النفس عما تهوى دواها) النفس مائلة إلى هواها وهي منافع حاضرة ولذات ظاهرة تقتضيها القوتان الشهوية والغضبية مثل الشره والحرص وحب المال والجاه والرئاسة والغلبة والنهب والفخر والكبر

[ 392 ]

إلى غير ذلك من الأخلاق الذميمة والأعمال القبيحة، وهي وإن كانت لذات بحسب الظاهر لكنها حيات مؤذية وأمراض ردية مهلكة بحسب الباطن، وحجب مانعة للنفس مما هو المقصود منها وهو اتصافها بالصفات الملكية والأخلاق الروحانية والأعمال الحسنة الجسمانية وسيرها إلى الحضرة الربوبية ومشاهدتها جمال الأسرار الإلهية. ودواء تلك الأمراض كف النفس عنها بالمعالجة المقررة عند أطباء النفوس بأن يدفع كل صفة من الصفات الذميمة وكل عمل من الأعمال القبيحة بتحصيل ضدها ولا يمكن ذلك إلا بالعلم المحيط بالمضار والمنافع والصبر على الشدائد وكسر القوتين المذكورتين واعطاء كل واحدة منهما ما هو المجوز لها عقلا وشرعا فإذا تحققت هذه المعالجة صحت هاتان القوتان وصحت بصحتها سائر القوى والأعضاء واشتغل كل شئ بما هو المقصود منه، وتمت إمارة النفس في هذا البدن ووصلت إلى سعادتها الأبدية وهي التقرب إلى الحضرة الربوبية.

[ 393 ]

باب المكر والغدر والخديعة 1 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم رفعه قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لولا أن المكر والخديعة في النار لكنت أمكر الناس. * الشرح: قوله (لولا أن المكر والخديعة في النار لكنت أمكر الناس) أي أهل المكر وأهل الخديعة على حذف المضاف أو اريد بهما الماكر والخادع مجازا، أو كونهما في النار كناية عن كون المتصف بهما فيها. والمكر والخديعة متحدان. تقول: مكر مكرا من باب قتل إذا خدع فهو ماكر، ومكار للمبالغة وأمكر بالألف لغة. وقد ينسب المكر إلى الله تعالى ويراد به المجازاة ويسمى جزاء المكر مكرا كما يسمى جزاء السيئة سيئة مجازا على سبيل مقابلة اللفظ باللفظ، وخدعته خدعا فانخدع، والخدع بالكسر اسم منه والخديعة مثله، والفاعل خدوع مثل رسول وخداع وخادع. والخدعة بالضم ما يخدع به الإنسان مثل اللعبة لما يلعب به ويمكن الفرق بينهما حيث اجتمعا بأن يراد بالمكر احتيال النفس واستعمال الرأي فيما يراد فعله مما لا ينبغي، وإرادة إظهار غيره وصرف الفكر في كيفية ترويجه، وبالخديعة إبراز ذلك في الوجود وإجراؤه على من يريد وكونه (عليه السلام) أمكر الناس على تقدير جواز المكر وعدم العقوبة به ظاهر، لأن مناط المكر على استعمال الفكر في درك الحيل ومعرفة طرق المكروهات ومعرفة كيفية ايصالها إلى الغير على وجه لا يشعر به وهو (عليه السلام) كان أعلم الناس بجميع الأمور. 2 - علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يجئ كل غادر يوم القيامة بإمام مائل شدقه حتى يدخل النار، ويجئ كل ناكث بيعة إمام أجذم حتى يدخل النار. * الشرح: قوله (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يجئ كل غادر يوم القيامة بإمام مائل شدقه حتى يدخل النار -... إلى آخره) الغدر نقض العهد والبيعة وإيقاد نار الحرب وإرادة إيصال السوء إلى الغير بالحيلة بسبب خفي، وفعله من باب ضرب، وقوله " بإمام " متعلق بغادر، والشدق بكسر الشين وفتحها: جانب الفم، ولما كان الغادر غالبا بتشبث بسبب خفي لإخفاء غدره ذكر (عليه السلام) أنه يعاقب بضد ما فعله وهو تشهيره بهذه البلية التي تتضمن خزيه على رؤوس الاشهاد ليعرفوه بقبح عمله وينبغي أن يعلم أن

[ 394 ]

الغدر قد يلتبس بالكيس عند الجهلة (1) كما أشار إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: " ولقد أصبحنا في زمان اتخذ أكثر أهله الغدر كيسا. ونسبهم أهل الجهل إلى حسن الحيلة " قال بعض الأفاضل في تفسير كلامه: وذلك لجهل الفريقين بثمرة الغدر وعدم تمييزهم بينه وبين الكيس فإنه لما كان الغدر هو التفطن بوجه الحيلة، وإيقاعها على المغدور به وكان الكيس هو التفطن بوجه الحيلة والمصالح فيما ينبغي، كانت بينهما مشاركة في التفطن بالحيلة واستخراجها بالآراء إلا أن تفطن الغادر بالحيلة التي غير موافقة للقوانين الشرعية والمصالح الدينية، والكيس هو التفطن بالحيلة الموافقة لهما ولدقة الفرق بينهما يلبس الغادر غدره بالكيس وينسبه الجاهلون إلى حسن الحيلة كما نسب ذلك إلى معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وأضرابهم (2)، ولم يعلموا أن حيلة الغادر تخرجه إلى رذيلة الفجور وأنه لا حسن لحيلة جرت إلى رذيلة. بخلاف حيلة الكيس ومصلحته فإنه يجر إلى العدل. 3 - عنه، عن أبيه، عن النوفلي عن السكوني، عن أبي عبد الله قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ليس منا من ماكر مسلما.


1 - قوله " قد يلتبس بالكيس عند الجهلة " الغدر يشبه الظلم في ملاك قباحته خصوصا في الأمراء والولاة. وذلك لأن الغدر يسلب الاختيار والنشاط في أفراد الإنسان فلا يتجرأ أحد على إظهار كماله وما أودعه الله فيه من الاستعداد، وقلنا إن الإنسان خلق مختارا والاختيار مقتضى طبعه، وسلب الاختيار عنه بالقسر على خلاف مقتضى طبعه كجعل النبات تحت اناء يمنعه من النمو، والإنسان المسلوب الارادة لا يفعل شيئا فإن فرض أكثر أفراد البشر عاطلين بسلب الارادة عنهم لم يتكون جامعة بشرية فإذا خاف الناس كل واحد منهم الآخر ولم يأمن أحد أحدا، ولم يعتمدوا على عهودهم وأقوالهم، واحتمل كل في حق الآخر الغدر والخيانة لم يعمل أحد عملا لغيره أصلا وأمير المؤمنين (عليه السلام) رضى بترك الغدر مع معاوية مع أنه كان قادرا وكان في ذلك حسم مادة فتنته ولم يفعل لأنه رأى في غدره ترخيصا للغدر وإشاعته في الناس واستحسانهم إياه، وفي ذلك فساد عظيم يصغر عنده فساد فتنة معاوية، وامتنع مسلم بن عقيل من الفتك بعبيد الله بن زياد لتلك العلة بعينها. (ش). 2 - قوله " والمغيرة بن شعبة وأضرابهم " كالمأمون مكر بالرضا (عليه السلام) وغدر حيث استحضره وولاه عهده جهرا ثم قتله (عليه السلام) سرا، وذكرت ذلك في هذا الموضع لأن في مثل هذه الأيام (10 ع 2) اتفقت مصيبة من مصائب مشهده الشريف ألحت على الأحشاء بالزفرات والشئ بالشئ يذكر، لعن الله الظالمين وقطع دابرهم ورضي الله عن شهداء الفتنة، وحشر أرواحهم مع موإليهم وأشركنا معهم في ثواب حزننا لحزن آل محمد صلوات الله عليهم. وبالجملة ليس التهجم على الغافل الغير المستعد للدفاع والتحرز من مذهب أصحاب المروة فكيف بأهل الدين وحكم شارع الاسلام بعدم جواز التعرض للكافر المستأمن إذا توهم غلطا أنه مأمون في دار الاسلام فدخلها بظن الأمن، وللإمام أن يبلغه مأمنه سالما، فكيف يقاس ذلك بعمل من يأمن مسلما صالحا حتى يحضره عنده ويغتاله بعد الأمن. ثم كيف حال من غدر بالإمام الحق. (ش). (

[ 395 ]

4 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن يحيى، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن قريتين من أهل الحرب لكل واحد منهما ملك على حدة، اقتتلوا ثم اصطلحوا، ثم إن أحد الملكين غدر بصاحبه فجاء إلى المسلمين فصالحهم على أن يغزو معهم تلك المدينة ؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام): لا ينبغي للمسلمين أن يغدروا ولا يأمروا بالغدر ولا يقاتلوا مع الذين غدروا ولكنهم يقاتلون المشركين حيث وجدوهم ولا يجوز عليهم ما عاهد عليه الكفار. * الشرح: قوله (لكل واحدة منهما ملك على حدة) وحد يحد حدة من باب وعد انفرد بنفسه، وكل شئ على حدة أي متميز من غيره. (ولا يأمروا بالغدر) عطف على يغدروا و " لا " لتأكيد النفي. أي لا ينبغي أن يأمروا بالغدر لأن الغدر عدوإن وظلم، والأمر بهما غير جائز وإن كان المغدور به كافرا (1). (ولا يقاتلوا مع الذين غدروا) أي لا ينبغي لهم أن يقاتلوا مع الحربيين الذين غدروا بالحربيين ونقضوا عهدهم وصلحهم. (ولكنهم يقاتلون المشركين حيث وجدوهم) سواء كان المشركون من أهل هاتين القريتين، أو غيرهم. وفيه دلالة على جواز قتالهم في حال الغيبة (2). (ولا يجوز عليهم ما عاهد عليه الكفار) في بعض النسخ: ما عهد، ومعنى لا يجوز لا ينفذ ولا يصح، تقول: جاز العقد وغيره إذا نفذ ومضى على الصحة. يعني عهد المشركين وصلحهم معهم على غزو فريقهم غير نافذ ولا صحيح. فلهم أن يقاتلوهم حيث وجدوهم والله أعلم. 5 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن محمد بن الحسن بن شمون، عن عبد الله بن عمرو بن أشعث، عن عبد الله بن حماد الأنصاري، عن يحيى بن عبد الله بن الحسن، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يجئ كل غادر بإمام يوم القيامة مائلا شدقه حتى النار. 6 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن أسباط، عن عمه يعقوب بن سالم عن أبي الحسن العبدي، عن سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) ذات يوم وهو يخطب على المنبر بالكوفة: يا أيها الناس لولا كراهية الغدر كنت من أدهى الناس ألا إن لكل


1 - هنا سؤال وجواب يأتي الإشارة إليهما إن شاء الله. (ش). 2 - بل لا دلالة. (ش). (*)

[ 396 ]

غدرة فجرة ولكل فجرة كفرة ألا وإن الغدر والفجور والخيانة في النار. * الشرح: قوله (لولا كراهية الغدر كنت من أدهى الناس) الدهاء " زيرك شدن "، والمراد به هنا طلب الدنيا بالحيلة واستعمال الرأي في غير المشروع مما يوجب الوصول إلى المطالب الدنيوية وتحصيلها وطالبها على هذا النحو يسمى داهيا وداهية للمبالغة. وهو مستلزم للغدر بمعنى نقض العهد وترك الوفاء والوصول إليها بهذا الطريق، وأشار (عليه السلام) بهذا الكلام إلى نفي الدهاء عن نفسه المقدسة بنفي لازمه الذي هو الغدر لأن نفي اللازم يستلزم نفي الملزوم، ثم أشار إلى أن الغدر مستلزم للفجور بقوله: (إن لكل غدرة فجرة) لأن الوفاء لما كان فضيلة تحت العفة كان الغدر الذي هو ضده رذيلة تحت ما يقابل العفة وهو الفجور، والظاهر أن اللام في " لكل " مفتوحة للمبالغة في التأكيد " وغدرة " بالتحريك جمع غادر، ثم أشار إلى أن الفجور مستلزم للكفر بقوله: (ولكل فجرة كفرة) وهو ظاهر مع استحلال الفجور كما في معاوية وعمرو بن العاص وأضرابهما من رؤساء الغادرين الفاجرين حيث أنكروا ما هو ضروري دين نبينا (صلى الله عليه وآله) وغدروا بإمام الزمان حتى فعلوا ما فعلوا، وأما مع عدم الاستحلال فالظاهر أن المراد بالكفر كفر نعم الله تعالى وسترها وكفر مخالفته بإظهار معصيته والحمل على الأعم محتمل وتنتج المقدمتان أن كل غدرة كفرة. ثم أشار بقوله: (وإن الغدر والفجور والخيانة في النار) إلى سوء عاقبة أهلها تحذيرا لعباد الله عز وجل منها وتبعيدا لهم عنها، والخيانة مصدر خانه إذا ترك رعاية ما ائتمن عليه من حقوق الحق والخلق، وقصر في أدائه كما هو وهي تدخل في أفعال القلب والجوارح كلها.

[ 397 ]

باب الكذب 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن إسحاق بن عمار، عن أبي النعمان قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): يا أبا النعمان لا تكذب علينا كذبة فتسلب الحنيفية ولا تطلبن أن تكون رأسا فتكون ذنبا ولا تستأكل الناس بنا فتفتقر فإنك موقوف لا محالة ومسؤول، فإن صدقت صدقناك وإن كذبت كذبناك. * الشرح: قوله قال أبو جعفر (عليه السلام) يا أبا النعمان لا تكذب علينا كذبة (1) فتسلب الحنيفية) الكذب هو الإخبار عن الشئ بخلاف ما هو سواء فيه العمد والخطأ إذ لا واسطة بينه وبين الصدق، والظاهر أن الإثم يتبع العمد. والكذب عليهم يشمل افتراء الحديث عليهم وصرف حديثهم إلى غير مرادهم والجزم به، ونسبة فعل لا ينبغي إليهم ونفي الولاية عنهم، ويفهم منه أن الكذب عليهم يوجب سلب الحنيفية أي الملة المستقيمة والسنة النبوية ويورث زوال الإيمان والخروج من الدين، ولعل السر فيه أن استقرار الدين والإيمان في القلب موقوف على استقامة اللسان. فمتى لم يستقم اللسان في نطقه ونسب إلى رؤساء الدين ما لا يليق بهم علم أن القلب سقيم ولم يستقم في مراقبة الدين وأهله. (ولا تطلبن أن تكون رأسا فتكون ذنبا) مدخول الفاء متفرع على الطلب، ولعل الذنب كناية عن الذل والهوان عند الله تعالى وعند الصالحين من عباده لكثرة مفاسد الرئاسة الموجبة لفساد الدين. (ولا تستأكل الناس بنا فتفتقر) لعل المراد هو النهي عن أكل أموال الناس بسبب العلوم المستفادة منهم (عليهم السلام) وجعلها ذريعة إلى تحصيل الدنيا كما هو شأن قضاة الجور. وذلك يوجب الافتقار في الآخرة (2).


1 - قوله " لا تكذب علينا كذبة " الكذب مطلقا قبيح وهو أعم من الغدر لأن الغدر نوع من الكذب يتخصص بكونه بعد العهد والميثاق والتأمين، والكذب على الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) أشد عقوبة. (ش). 2 - قوله " في الآخرة " بل في الدنيا أيضا فإن الغرض المقصود بالكلام النوع لا الأشخاص كما روي أن الجالب مرزوق، والمراد نوع التجار الذين يحملون حوائج الناس من بلد إلى بلد. والمستأكل بعلمه فقير نوعا والتاجر الجالب غني نوعا، وربما يتفق أن يكون جالب فقيرا ولا يضر بالمقصود. فمن أراد تتبع الأغنياء في البلد تتبعه في التجار لا في العلماء والزراع، وأهل الصنعة محتاجون إلى التجار وإن كثرت أموالهم لأن رؤوس أموالهم راكدة غالبا لا تنتقل سريعا كما تنتقل أموال التجار. وفي الحديث ترغيب في أن لا يجعل العلماء علمهم وسيلة إلى رزقهم لأن من احتاج إلى ما في أيدي الناس يفتي مطابقا لهواهم ولا يبين لهم حقائق أمر = (*)

[ 398 ]

(فإنك موقوف لا محالة ومسؤول) تعليل للنواهي المذكورة وحث على الامتثال فإن تذكر الوقوف بين يدي الله تعالى والسؤال عن الأفعال الصادرة من اللسان وغيره يحرك إلى ترك أمثال هذه المناهي. (فإن صدقت صدقناك) أي فإن صدقت بحفظ اللسان بل الجوارح كلها عما لا ينبغي لما ذكره بعض الأعلام من أن الصدق يتحقق أيضا في الجوارح باستعمالها فيما خلقت له صدقناك فتكون مع الصادقين الذين أمر الله عز وجل بالكون معهم. (وإن كذبت كذبناك) ونسبناك إلى الكذب ونقول إنك كاذب فتكون من الخاسرين في يوم ينفع الصادقين صدقهم، وذلك لأنهم (عليهم السلام) شهداء يشهدون للناس وعليهم يوم القيامة كما نطقت به الآية الكريمة. 2 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن إسماعيل بن مهران، عن سيف بن عميرة، عمن حدثه. عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان علي بن الحسين صلوات الله عليهما يقول لولده: اتقوا الكذب، الصغير منه والكبير في كل جد وهزل، فإن الرجل إذا كذب في الصغير اجترى على الكبير، أما علمتم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: ما يزال العبد يصدق حتى يكتبه الله صديقا وما يزال العبد يكذب حتى يكتبه الله كذابا. * الشرح: قوله (قال كان علي بن الحسين صلوات الله عليهما يقول لولده اتقوا الكذب الصغير منه والكبير في كل جد وهزل) جد في الأمر يجد جدا من بابي ضرب وقتل: اجتهد فيه، والاسم: الجد بالكسر، ومنه يقال: فلان محسن جدا أي نهاية ومبالغة، وجد في الكلام جدا من باب ضرب: هزل، والاسم منه الجد بالكسر أيضا. والأول هو المراد هنا لأن التأسيس خير من التأكيد، وهزل في كلامه هزلا من باب ضرب: مزح ولعب، والفاعل هازل، أو هزال مبالغة، والظاهر أن كل واحد من الجد والهزل متعلق بالصغير والكبير، وتخصيص الأول بالكبير والثاني بالصغير بعيد، والحاصل أنه كما لا يجوز الكذب جدا مطلقا كذلك لا يجوز هزلا وهو اللعب والمزاح وما يوجب الضحك من الكلام، قال أمير المؤمنين: " وإياك أن تذكر من الكلام ما يكون مضحكا وإن حكيت ذلك عن غيرك " وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك ويل له ويل له " وروي أنه (صلى الله عليه وآله) يمزح ولا يقول إلا حقا ولا يؤذي قلبا ولا يفرط فيه. فالمزاح على حد الاعتدال مع عدم الكذب والأذى لا حرج


= الدين إذا أحس منهم عدم الرضا وربما يتكلف لتوجيه أعمالهم الفاسدة وإبداء حيل لتصحيحها. (ش). (*)

[ 399 ]

فيه بل هو من خصال الإيمان، والكذب في الصغير ينبغي أن لا يساهل فيه فإنه مع كونه قبيحا في نفسه كثيرا ما يؤدي إلى ما هو أقبح منه كما أشار إليه (عليه السلام) بقوله: (فإن الرجل إذا كذب في الصغير اجترى على الكبير) أي على الكبير من الكذب، ولعله الكذب على الله وعلى رسوله أو مطلقا أو على الكبير من الذنوب فإن الكذب كثيرا ما يؤدي إلى ذنوب غيره كما أن ضده وهو الصدق يؤدي إلى البر والخير والعمل الصالح (أما علمتم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: ما يزال العبد يصدق حتى يكتبه الله صديقا وما يزال العبد يكذب حتى يكتبه الله كذابا) صديق بالكسر والتثقيل: كثير الصدق والملازم له، والذي يطابق قوله فعله، ومنه يفهم أن الصدق يؤدي إلى العمل الصالح، والكذب خلافه، وفيه ترغيب في تحري الصدق دائما وترك التساهل في الكذب حتى يعرف به فإنه إذا تساهل في الكذب كثر منه وجر بعضه إلى بعض حتى يعتاد به فيكتب الله الأول لمبالغته في الصدق صديقا ويدخله في زمرة الصديقين، ويكتب الثاني كذابا ويدخله في جملة الكذابين، ولعل معنى يكتب على ظاهره يكتب في اللوح المحفوظ أو في دفتر الأعمال، أو في غيرهما أن فلانا صديق وفلانا كذاب ليعرفهما الناظرون إليه بهذين الوصفين، أو معناه يحكم لهما بذلك أو يوجب لهما استحقاق الوصف بصفة الصديقين وثوابهم وصفة الكذابين وعقابهم، أو معناه أنه يلقى ذلك في قلوب المخلوقين ويشهره بين المقربين وإلا فالقضاء سبق بما كان وما يكون والله أعلم. 3 - عنه، عن عثمان بن عيسى، عن ابن مسكان، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن الله عز وجل جعل للشر أقفالا وجعل مفاتيح تلك الأقفال الشراب والكذب شر من الشراب. * الشرح: قوله (والكذب شر من الشراب) يفيد أن الكذب شر مبدأ لجميع الشرور مثل خراب الدين والدنيا وثوران الفتنة وصب الدماء ونهب الأموال وتهيج العداوة والبغضاء والتفرق بين الأحبة إلى غير ذلك من أنواع المفاسد وأنحاء الظلم، ولذلك اتفق أرباب الملل وغيرهم على تحريمه وادعى المعتزلة أن قبحه بالضرورة لذاته وهو رذيلة مقابلة للصدق داخلة تحت رذيلة الفجور، والصدق بحكم المقابلة خير مبدأ لجميع الخيرات، ومن طريق العامة عن النبي (صلى الله عليه وآله) " قال: " إن الكذب فجور وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الصدق بر وإن البر يهدي إلى الجنة " والفجور اسم جامع للشر كله والبر اسم جامع للخير كله، وأما كونه شرا من الشراب فلعل الوجه فيه أن الشرور التابعة للشراب تصدر بلا شعور بخلاف الشرور التابعة للكذب. 4 - عنه، عن أبيه، عمن ذكره، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه عن أبي

[ 400 ]

جعفر (عليه السلام) قال: إن الكذب هو خراب الإيمان. * الشرح: قوله (إن الكذب هو خراب الإيمان) الحمل للمبالغة في السببية لأن الكذب يخرب ايمان الكاذب ويذهب بصالح دينه ويورث النفاق ويمنع أن ينتقش في النفس صورة الحق والصدق ويسد باب الخير وكل ذلك سبب لزوال الإيمان أو نقصانه. 5 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، وعلي بن محمد، عن صالح بن أبي حماد جميعا، عن الوشاء، عن أحمد بن عائذ، عن أبي خديجة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الكذب على الله وعلى رسوله (صلى الله عليه وآله) من الكبائر. * الشرح: قوله (الكذب على الله وعلى رسوله (صلى الله عليه وآله) من الكبائر) من الكذب على الله عز وجل إنكاره وتشبيهه بالخلق ووصفه بصفة المخلوقين واعتقاد الشريك وزيادة الصفات له ونسبة الجهل إليه، وتفسير كلامه بالرأي الناقص ونسبة عدم النص بالإمام إليه. وعلى رسوله إنكار رسالته، ووضع الحديث عليه وتفسير متشابهات كلامه والقطع به، ويدخل فيه الكذب على أمير المؤمنين وأولاده الطاهرين وفاطمة (عليهم السلام) وقد وقع جميع ذلك. 6 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن أبان الأحمر، عن فضيل بن يسار، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن أول من يكذب الكذاب الله عز وجل ثم الملكان اللذان معه. ثم هو يعلم أنه كاذب. * الشرح: قوله (إن أول من يكذب الكذاب -... إلى آخره) فكل كذب عليه أربعة شهود أعظمهم هو الله سبحانه وكفى به شهيدا وفيه تنفير من الكذب وتقبيح له فليحذر الكاذب عن خجالة يوم تقام على كذبه شهادة مقبولة، ولو لم يشهد عليه لسانه لشهدت جوارحه، والظاهر أن المراد بالكذب الكذب عن عمد بقرينة آخر الحديث. 7 - علي بن الحكم، [ عن أبان ] عن عمر بن يزيد قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن الكذاب يهلك بالبينات ويهلك أتباعه بالشبهات. * الشرح: قوله (إن الكذاب يهلك بالبينات ويهلك أتباعه بالشبهات) ألا ترى أن الكذابين الأولين هلكوا بالبينات الدالة على أن الخلافة لعلي (عليه السلام) وأتباعهم إلى يوم القيامة هلكوا بالشبهات التي دخلت

[ 401 ]

عليهم وكذا كل كذاب واضع للاحاديث وغيره فإنهم يقولون كذبا مع ظهور بطلانه عندهم. ثم يتقول به من يشتبه عليه وهم يظنون أنه هين وهو عند الله عظيم. 8 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن أبي نجران، عن معاوية بن وهب قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن آية الكذاب بأن يخبرك خبر السماء والأرض والمشرق والمغرب فإذا سألته عن حرام الله وحلاله لم يكن عنده شئ. * الشرح: قوله (إن آية الكذاب بأن يخبرك) الباء زائدة في الخبر كما في قولك حسبك يزيد، أي آية الكذاب في دعوى الدين والإيمان أن يخبرك خبر السماء والأرض والمشرق والمغرب فإذا سألته عن حلال الله وحرامه لم يكن عنده شئ، وفيه ذم لمن يصرف عمره في القصص والحكايات والتواريخ وطلب علم النجوم والرياضي والهندسة ونحوها وتركه طلب المعارف الشرعية والعلوم الدينية النافعة في الآخرة مثل علم الاحكام والأخلاق ومراقبة النفس. 9 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن الكذبة لتفطر الصائم، قلت: وأينا لا يكون ذلك منه ؟ ! قال: ليس حيث ذهبت إنما ذلك الكذب على الله وعلى رسوله وعلى الأئمة صلوات الله عليه وعليهم. * الشرح: قوله (إن الكذبة لتفطر الصائم -... إلى آخره) دل على أن الكذب على الله وعلى رسوله وعلى الأئمة (عليهم السلام) يفسد الصوم كما هو مذهب جماعة من الأصحاب وهم اختلفوا فقيل: يجب به القضاء والكفارة، وقيل يجب به القضاء خاصة والمشهور أنه لا يفسد وإن تضاعف به العقاب. 10 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن بعض أصحابه رفعه إلى أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: ذكر الحائك لأبي عبد الله (عليه السلام) أنه ملعون فقال: إنما ذاك الذي يحوك الكذب على الله وعلى رسوله (صلى الله عليه وآله). 11 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن القاسم بن عروة عن عبد الحميد الطائي، عن الأصبغ بن نباتة قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لا يجد عبد طعم الإيمان حتى يترك الكذب هزله وجده. * الشرح: قوله (قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يجد عبد طعم الإيمان حتى يترك الكذب هزله وجده) إن أريد بالإيمان الكامل فالأمر واضح لأن الصدق من أجزائه فالكذب ينافيه وإن أريد به الاعتقاد الحق.

[ 402 ]

فالمراد بذلك نفي استقراره ورسوخه في القلب لأن الكذب وهو من أعظم الرذائل يشعر بعدم ثبوته ورسوخه وعدم استقامة القلب فكان الكاذب ليس بمؤمن كما أشار إليه النبي وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما بقولهما " جانبوا الكذب فإنه مجانب للايمان ". 12 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الكذاب هو الذي يكذب في الشئ، قال: لا، ما من أحد إلا أن يكون ذلك منه ولكن المطبوع على الكذب. 13 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن الحسن بن ظريف، عن أبيه، عمن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال عيسى بن مريم (عليه السلام): من كثر كذبه ذهب بهاؤه. * الشرح: قوله (من كثر كذبه ذهب بهاؤه) أي ذهب حسنه وجماله ووقره عند الخلق فإن الخلق وإن لم يكونوا من أهل الملة يكرهون الكذب ويقبحونه ويتنفرون من أهله. 14 - عنه، عن عمرو بن عثمان، عن محمد بن سالم، رفعه قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ينبغي للرجل المسلم أن يجتنب مواخاة الكذاب، فإنه يكذب حتى يجئ بالصدق فلا يصدق. * الشرح: قوله (فإنه يكذب حتى يجئ بالصدق فلا يصدق) ومن كان كذلك فلا خير في مواخاته مع أنه جذاب لطبع الجليس إلى طبعه. 15 - عنه، عن ابن فضال، عن إبراهيم بن محمد الأشعري، عن عبيد بن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن مما أعان الله [ به ] على الكذابين النسيان. * الشرح: قوله (إن مما أعان الله [ به ] على الكذابين النسيان) ولذلك يأتون كثيرا ما بالأخبار المتضادة والأقوال المتخالفة ويفتضحون بذلك عند العامة والخاصة. 16 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أبي يحيى الواسطي، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الكلام ثلاثة صدق وكذب وإصلاح بين الناس قال: قيل له: جعلت فداك ما الإصلاح بين الناس ؟ قال: تسمع من الرجل كلاما يبلغه فتخبث نفسه فتلقاه فتقول: سمعت من فلان قال فيك من الخير كذا وكذا خلاف ما سمعت منه. * الشرح: قوله (فتقول قد سمعت من فلان قال فيك من الخير كذا وكذا خلاف ما سمعت منه) هذا الخبر

[ 403 ]

وإن كان كذبا لغة وعرفا لا تورية ولا تعريض فيه أصلا جايز لقصد الإصلاح بين الناس، والظاهر أنه لا خلاف فيه عند أهل الاسلام. ومن طريق العامة: " ليس بالكاذب من أصلح بين اثنين فقال خيرا ونمى خيرا " وقد اتفقت الأمة على أنه لو جاء ظالم يطلب رجلا مختفيا ليقتله ظلما أو يطلب وديعة إنسان ليأخذها غصبا وجب الإخفاء على من علم ذلك، فأمثال هذا الكذب ليست بمذمومة في نفس الأمر بل إما واجبة أو مندوبة لأن الكذب إنما يذم ويترك لله تعالى فإذا كان لله تعالى انقلب حكمه نعم الاولى أن لا يسمى ذلك كذبا لاشتهاره بكونه مذموما بل يسمى إصلاحا فهذا قسم ثالث واسطة بين اسمي الصدق والكذب كما نطق به (عليه السلام). 17 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن حماد بن عثمان، عن الحسن الصيقل قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنا قد روينا، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول يوسف (عليه السلام): * (أيتها العير إنكم لسارقون) * ؟ فقال: والله ما سرقوا وما كذب، وقال إبراهيم (عليه السلام): * (بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون) * ؟ فقال: والله ما فعلوا وما كذب، قال: فقال أبو عبد الله (عليه السلام): ما عندكم فيها يا صيقل ؟ قال: فقلت: ما عندنا فيها إلا التسليم، قال: فقال: إن الله أحب اثنين وأبغض اثنين: أحب الخطر فيما بين الصفين وأحب الكذب في الإصلاح، وأبغض الخطر في الطرقات وأبغض الكذب في الإصلاح، وإن إبراهيم (عليه السلام) إنما قال: * (بل فعله كبيرهم هذا) * إرادة الإصلاح ودلالة على أنهم لا يفعلون، وقال: يوسف (عليه السلام) إرادة الإصلاح. * الشرح: قوله (إنه قد روينا عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول يوسف (عليه السلام): * (أيتها العير إنكم لسارقون) *) هذا لم يكن قول يوسف (عليه السلام) وانما كان قول مناديه ونسب إليه لوقوعه بأمره، والعير بالكسر: الإبل تحمل الميرة ثم غلب على كل قافلة. (وقال إبراهيم (عليه السلام) * (بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون) * ؟ فقال: والله ما فعلوا وما كذب) أريد بالكبير الكبير في الخلقة أو التعظيم، قيل كانت لهم سبعون صنما مصطفة وكان ثمة صنم عظيم مستقبل الباب من ذهب وفي عينيه جوهرتان تضيئان بالليل، ولعل ارجاع ضمير جمع المذكر العاقل إلى الاصنام من باب التهكم أو باعتبار أنها يعقلون ويفهمون ويجيبون بزعم عبادها، وأما ضمير الجمع في قوله (عليه السلام) والله ما فعلوا فراجع إلى الكبير باعتبار ارادة الجنس الشامل للمتعدد، ولو فرضا أو إلى الاصنام للتنبيه على اشتراك الجميع في عدم صلاحية صدور ذلك الفعل منه والله أعلم. (أحب الخطر فيما بين الصفين) أي اهتزاز الرجل وتبختره في المشي كمشي المتكبر المعجب

[ 404 ]

بنفسه (إن إبراهيم (عليه السلام) إنما قال: * (بل فعله كبيرهم هذا) * إرادة الإصلاح ودلالة على أنهم لا يفعلون) لعل المراد إرادة اصلاح حال قومه برجوعهم عن عبادة الاصنام وجه الدلالة أن العاقل إذا تفكر في نسبة الكسر إليها وعلم أنه لا يصح ذلك إلا من ذي شعور عاقل قادر وعلم أن هذه الأوصاف منتفية فيها وعلم أنها لا تقدر على دفع الاستخفاف والضرر عن نفسها علم أنها ليست بمستحقة للألوهية والعبادة ويكون ذلك داعيا إلى الرجوع عنها، ورفض العبادة لها وللعلماء فيه وجوه أخر: الأول أنه من المعاريض التي يقصد بها الحق وإلزام الخصم وتبكيته فلم يكن قصده (عليه السلام) أن ينسب الفعل الصادر عنه إلى الصنم وانما قصده أن يقرره لنفسه على أسلوب تعريضي وهذا كما لو قال صاحبك وقد كتبت كتابا بخط حسن وأنت مشهور بحسن الخط: أنت كتبت هذا ؟ وصاحبك أمي لا يحسن الخط ولا يقدر فقلت: بل كتبته أنت، كان قصدك بهذا الجواب تقريره لك مع الاستهزاء به لا نفيه عنك وإثباته لصاحبك الأمي، والتعريض مما يجوز عقلا ونقلا لمصلحة كجلب نفع أو دفع ضر أو استهزاء في موضعه أو نحوها. الثاني أنه (عليه السلام) غاظته الأصنام حين رآها مصطفة مرتبة وكان غيظ كبيرها أشد لما رأى من زيادة تعظيمهم وتوقيرهم له فأسند الفعل إليه لأنه هو السبب في استهانته وكسره لها، والفعل كما يسند إلى المباشر يسند إلى السبب أيضا. الثالث أن ذلك حكاية لما يقود إليه مذهبهم كأنه قال: ما تنكرون أن يفعله كبيرهم فإن من حق من يعبد ويدعي إلها أن يقدر على أمثال هذه الأفعال سيما الكبير الذي يستنكف أن يعبد معه هذه الصغار. الرابع ما روي عن الكسائي أنه كان يقف عند قوله * (بل فعله) * ثم يبتدئ * (كبيرهم هذا) * أي فعله من فعله، وهذا من باب التورية إذ له ظاهر وباطن. باطنه ما ذكر، وظاهره إسناد الفعل إلى الكبير وفهمهم تعلق به، ومراده (عليه السلام) هو الباطن. الخامس ما روي عن بعضهم أنه كان يقف عند قوله * (كبيرهم) * ثم يبتدى بقوله * (هذا فسألوهم) * وأراد بالكبير نفسه لأن الإنسان أكبر من كل صنم، وهذا أيضا من باب التورية، وأنت خبير بأنه يتم حينئذ بدون الوقف أيضا بأن يكون هذا إشارة إلى نفسه المقدسة، والمغايرة بين المشير والمشار إليه بحسب الاعتبار كاف في الإشارة. السادس أن في الكلام تقديما وتأخيرا والتقدير بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون فاسألوهم، فيكون اضافة الفعل إلى كبيرهم مشروطا بكونهم ناطقين فلما لم يكونوا ناطقين لم يكونوا فاعلين،

[ 405 ]

والغرض منه تسفيه القوم وتقريعهم وتوبيخهم لعبادة من لا يسمع ولا ينطق ولا يقدر على أن يخبر عن نفسه بشئ. (وقال يوسف (عليه السلام) إرادة الإصلاح) كان المراد إرادة الإصلاح بينه وبين إخوته في حبس أخيه بنيامين عنده وإلزامهم على ذلك بحيث لا يكون لهم محل منازعة فيه ولم يتيسر له ذلك إلا بأمرين أحدهما نسبة السرقة إليه، وثانيهما التمسك بحكم آل يعقوب في السارق وهو استرقاق السارق سنة، وكان حكم ملك مصر أن يضرب السارق ويغرم ما سرق فلم يتمكن من أخذ أخيه في دين الملك فلذلك أمر فتيانه بأن يدسوا الصاع في رحل أخيه وأن ينسبوا السرقة إليه وأن يستفتوا في جزاء السارق منهم فقالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه أي أخذ السارق نفسه هو جزاؤه لا غير، فلما فتشوا وجدوا الصاع في رحل أخيه فأخذوا برقبته وحكموا برقيته ولم يبق لإخوته محل منازعة في حبسه إلا أن قالوا على سبيل التضرع أو الالتماس * (فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين) * فردهم بقوله * (معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون) * قيل: أراد أنا إذا أخذنا غيره لظالمون في مذهبكم لأن استعباد غير من وجد الصاع في رحله ظلم عندكم أو أراد أن الله أمرني وأوحى إلي أن آخذ بنيامين فلو أخذت غيره كنت عاملا بخلاف الوحي. وللعلماء فيه أيضا وجوه أخر: الأول أن ذلك النداء لم يكن بأمره بل نادوا من عند أنفسهم لأنهم لما لم يجدوا الصاع غلب على ظنهم أنهم أخذوه. الثاني أنهم لم ينادوا أنكم سرقتم الصاع فلعل المراد أنكم سرقتم يوسف من أبيه يدل عليه ما رواه الصدوق في كتاب العلل بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال في تفسير هذه الآية: إنهم سرقوا يوسف من أبيه، ألا ترى أنهم حين قالوا " ماذا تفقدون " قالوا: نفقد صواع الملك. ولم يقولوا: سرقتم صواع الملك. الثالث لعل المراد من قولهم * (إنكم لسارقون) * الاستفهام كما في قوله تعالى حكاية * (هذا ربي) * وإن كان ظاهره الخبر، وأيد ذلك بأن في مصحف ابن مسعود " أئنكم " بالهمزتين. 18 - عنه، عن أبيه، عن صفوان، عن أبي مخلد السراج، عن عيسى بن حسان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: كل كذب مسؤول عنه صاحبه يوما إلا [ كذبا ] في ثلاثة: رجل كائد في حربه فهو موضوع عنه، أو رجل أصلح بين اثنين يلقى هذا بغير ما يلقى به هذا، يريد بذلك إصلاح ما بينهما، أو رجل وعد أهله شيئا وهو لا يريد أن يتم لهم. * الشرح:

[ 406 ]

قوله (قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول كل كذب مسؤول عنه صاحبه يوما إلا [ كذبا ] في ثلاثة: رجل كائد في حربه فهو موضوع عنه، أو رجل أصلح بين اثنين يلقى هذا بغير ما يلقي به هذا يريد بذلك الإصلاح ما بينهما، أو رجل وعد أهله شيئا وهو لا يريد أن يتم لهم) ظاهره يفيد جواز الكذب في هذه الثلاثة من غير تورية ولا ريب في أنها أولى مع الإمكان وهي أن تطلق لفظا ظاهرا في معنى وتريد آخر يتناوله ذلك اللفظ. ولكنه خلاف ظاهره، ومضمون الحديث متفق عليه بين الخاصة والعامة، ففي الترمذي عن النبي (صلى الله عليه وآله): " لا يحل الكذب إلا في ثلاث يحدث الرجل امرأته ليرضاها، والكذب في الحرب والكذب في الإصلاح بين الناس " وفي كتاب مسلم. قال ابن شهاب وهو احد رواته لم أسمع يرخص في شئ مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها قال عياض لا خلاف في جوازه في الثلاث وإنما يجوز في صورة ما يجوز منه فيها فأجاز قوم فيها صريح الكذب وأن يقول ما لم يكن لما فيه من المصالح ويندفع فيها الفساد. قالوا وقد يجب لنجاة مسلم من القتل وقال بعضهم: لا يجوز فيها التصريح بالكذب، وإنما يجوز فيها التورية بالمعاريض (1) وهي شئ يخلص من المكروه والحرام إلى الجائز أما لقصد الإصلاح بين الناس أو لدفع ما يضر أو لغير ذلك وتأول المروي على ذلك، وقال مثل أن يعد زوجته أن يفعل لها ويحسن إليها ونيته إن قدر الله تعالى أو يأتيها في هذا بلفظ محتمل وكلمة مشتركة يفهم من ذلك ما يطيب قلبها، وكذلك في الإصلاح بين الناس ينقل لهؤلاء الكلام المحتمل والغدر المحتمل، وكذلك في الحرب مثل أن يقول لعدوه: انحل حزام سرجك ويريد فيما مضى، ويقول لجيش عدوه: مات أميركم، ليذعر قلوبهم ويعني النوم أو يقول لهم: غدا يأتينا مدد وقد أعد قوما من عسكره ليأتوا في صورة المدد أو يعني بالمدد الطعام فهذا نوع من الخدع الجائزة والمعاريض المباحة، وقال القرطبي: لعل هذا القائل استند في منعه التصريح بقاعدة حرمة الكذب وتاويله


1 - قوله " وانما يجوز فيها التورية بالمعاريض " وهنا نكتة يجب التنبيه عليها وهي أن الجاهل يتوهم التورية مخرجة للكذب عن موضوعه فإذا تكلم بكلام ظاهره كاذب وقصد به معنى صادقا فكلامه ليس بكذب موضوعا وهذا يوجب تجويز كل كذب بالتورية وإن لم يكن من الأمور الثلاثة أعني الكيد في الحرب أو الإصلاح بين الناس ووعد الأهل وهذا غير مراد قطعا وإنما المجوز تلك الأمور الثلاثة لا التورية والكاذب لغير تلك الأعذار معاقب وإن ورى لكن الغرض من التورية في موارد الأعذار تأديب النفس حتى لا يعتاد الكذب مطلقا بتكراره في موارد العذر فإن الإنسان إذا تكرر عليه الفعل ولو لعذر سلب عنه الاستيحاش عن القبائح مثلا من شرب المسكر مكررا للضرورة لم يتوحش منه كمن لم يشرب منه قط وبالجملة ليت التورية بنفسها من مجوزات الكذب إذا لم يمكن عذر آخر (ش). (*)

[ 407 ]

الأحاديث بحملها على المعاريض ما يعضده دليل. وأما الكذب ليمنع مظلوما من الظلم عليه فلم يختلف فيه أحد من الأمم لا عرب ولا عجم، ومن الكذب الذي يجوز بين الزوجين الإخبار بالمحبة والاغتباط وإن كان كذبا لما فيه من الاصطلاح ودوام الألفة. 19 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن عبد الله بن مغيرة، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: المصلح ليس بكذاب. 20 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن عبد الله بن يحيى الكاهلي، عن محمد بن مالك، عن عبد الأعلى مولى آل سام قال: حدثني أبو عبد الله (عليه السلام) بحديث، فقلت له: جعلت فداك أليس زعمت لي الساعة كذا وكذا ؟ فقال: لا، فعظم ذلك علي، فقلت: بلى والله زعمت، فقال: لا والله ما زعمته، قال: فعظم علي فقلت: جعلت فداك بلى والله قد قلته، قال: نعم قد قلته. أما علمت أن كل زعم في القرآن كذب. * الشرح: قوله (نعم قد قلته أما علمت أن كل زعم في القرآن كذب) (1) في الزعم ثلاث لغات: فتح الزاي للحجاز، وضمها لأسد، وكسرها لبعض قيس. أي نعم قد قلت ذلك لازعمته لأن الزعم هو الكذب وما كذبت، يدل على ذلك أن كل زعم في القرآن كذب مثل قوله تعالى حكاية * (أو تسقط السماء كما زعمت) * وقوله تعالى * (زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا) * وقد صرح به أيضا أرباب اللغة قال الأزهري: أكثر ما يكون الزعم فيما يشك فيه، ولا يتحقق، وقال بعضهم: هو كناية عن الكذب، وقال المرزوقي: أكثر ما يستعمل فيما كان باطلا أو فيه ارتياب، وقال ابن القوطية: زعم زعما: قال خبرا لا يدري أحق هو أو باطل. قال الخطابي: ولهذا قيل: زعم مطية الكذب وزعم غير مزعم أي قال غير مقول صالح وادعى ما لم يمكن. وإذا كان كذلك لم يصح اسناده إلى من علم صدق قوله قطعا. 21 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن علي بن أسباط، عن أبي إسحاق الخراساني قال: كان أمير المؤمنين صلوات الله عليه يقول: إياكم والكذب فإن كل راج طالب وكل خائف هارب. * الشرح: قوله (قال كان أمير المؤمنين صلوات الله عليه يقول: إياكم والكذب فإن كل راج طالب وكل خائف هارب) حذر من الكذب على الله وعلى رسوله وعلى غيرهما وفي ادعاء الدين مع ترك


1 - قوله " كل زعم في القرآن كذب " مناسبة هذا الخبر لهذا الباب خفية ومقصود الإمام (عليه السلام) استعمال كلمة في غير معناه ولم ينسب الراوي إلى الإمام (عليه السلام) كذبا ولم يعاتبه الإمام على ذلك حتى يناسب الباب (ش). (*)

[ 408 ]

العمل به ورغب في الصدق بأن الكذب ينافي الإيمان وذلك لأن الكاذب لم يطلب الثواب وكل من لم يطلب الثواب فهو ليس براج بحكم المقدمة الاولى ولم يهرب من العقاب وكل من لم يهرب من العقاب فهو ليس بخائف بحكم المقدمة الثانية. ومن انتفى فيه الخوف والرجاء فهو ليس بمؤمن كما هو المقرر عند أهل الإيمان ودلت عليه الروايات والله يعلم حقيقة كلام وليه. 22 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن الحجال، عن ثعلبة، عن معمر بن عمرو، عن عطاء، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا كذب على مصلح، ثم تلا * (أيتها العير إنكم لسارقون) * ثم قال: والله ما سرقوا وما كذب، ثم تلا * (بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون) * ثم قال: والله ما فعلوه وما كذب.

[ 409 ]

باب ذي اللسانين 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن عون القلانسي عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من لقي المسلمين بوجهين ولسانين جاء يوم القيامة وله لسانان من نار. * الشرح: قوله (قال من لقى المسلمين بوجهين ولسانين جاء يوم القيامة وله لسانان من نار) قال الشهيد الثاني: كونه ذا اللسانين وذا الوجهين من الكبائر للتوعد عليه بخصوصه، ويتحقق هذا الوصف بأمور: منها أن يتردد بين اثنين سيما المتعاديين ويكلم كل واحد منهما بكلام يوافقه وذلك عين النفاق، ومنها أن ينقل كلام كل واحد إلى الآخر وهو مع ذلك نميمة وزيادة فإن النميمة تتحقق بالنقل من أحد الجانبين فقط وهو من شر خلق الله كما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) " تجدون من شر عباد الله يوم القيامة ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بحديث هؤلاء وهؤلاء بحديث هؤلاء ". وفي حديث آخر " الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه " ومنها أن يحسن لكل واحد منهما ما هو عليه من المعاداة مع صاحبه وإن لم ينقل بينهما كلاما، ومنها أن يعد كل واحد منهما بأن ينصره ويساعده، ومنها أن يثني على كل واحد منهما في معاداته وأولى منه أن يثني عليه في وجهه وإذا خرج من عنده ذمه والذي ينبغي أن يسكت أو يثني على المحق منهما في حضوره وغيبته وبين يدي عدوه، ومنها أن يطري أخاه شاهدا ويأكله غائبا إن أعطي حسده وإن ابتلي خذله كما سيجئ من الرواية عن أبي جعفر (عليه السلام) ويوافقه ما روي عنه (عليه السلام) أيضا قال: " بئس العبد همزة لمزة يقبل بوجه ويدبر بآخر " واختلاف اللسانين مع أعداء الدين والأمراء الظالمين والدخول عليهم إن كان لضرورة أو دفع مضرة أو تقية فجائر بقدر الحاجة، وإن كان لحب الجاه والمال أو لغيرهما فهو ذو لسانين منافق تحت الوعيد. 2 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن أبي شيبة، عن الزهري، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: بئس العبد عبد يكون ذا وجهين وذا لسانين: يطري أخاه شاهدا ويأكله غائبا، إن اعطي حسده وإن ابتلي خذله. 3 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن أسباط، عن عبد الرحمن بن حماد رفعه قال: قال الله تبارك وتعالى لعيسى بن مريم (عليه السلام): يا عيسى ليكن لسانك في السر والعلانية لسانا واحدا وكذلك

[ 410 ]

قلبك إني احذرك نفسك وكفى بي خبيرا، لا يصلح لسانان في فم واحد ولا سيفان في غمد واحد ولا قلبان في صدر واحد، وكذلك الأذهان. * الشرح: قوله (قال الله تبارك وتعالى لعيسى بن مريم (عليه السلام) يا عيسى ليكن لسانك في السر والعلانية لسانا واحدا -... إلى آخره) أمره الله تعالى بثلاثة أشياء هي أمهات جميع الخصال الفاضلة والأعمال الصالحة. الأول أن يكون لسانه في جميع الأحوال واحدا يقول الحق ويتكلم به فلا يقول في السر خلاف ما يقول في العلانية كما هو شأن الجهال، لأن ذلك خدعة ونفاق وحيلة وتفريق بين العباد وإغراء بينهم، وقد يجوز ذلك لغرض صحيح من غير مفسدة كما مر في باب من يتقى شره وغيره. الثاني أن يكون قلبه واحدا قابلا للحق وحده غير متلون بالحيل ولا متلوث بالمكر والختل فإن ذلك يميت القلب ويبعده من الحق ويورثه أمراضا مهلكة ويميله إلى الجور في الحكم. الثالث أن يكون ذهنه واحدا وهو الذكاء والفطنة، ولعل المراد به هنا الفكر في الأمور الحقة النافعة ومباديها، وبوحدته خلوصه عن الفكر في الباطل والشرور وتحصيل مباديها وكيفية الوصول إليها، وبالجملة أمره أن يكون لسانه واحدا وقلبه واحدا وذهنه واحدا ومطلبه واحدا، ولما كان سبب التعدد والاختلاف أمرين أحدهما تسويل النفس، والثاني الأمن من المؤاخذة واللوم لعدم علم أحد به قال تبارك وتعالى (إني أحذرك نفسك وكفى بي خبيرا) فحذره من تسويلات النفس وأمره بمراقبتها وأعلمه بأنه تعالى عالم السرائر وكفى به خبيرا، فيجزي كل أحد بما عمل.

[ 411 ]

باب الهجرة 1 - الحسين بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن القاسم بن الربيع، وعدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، رفعه قال: وفي وصية المفضل: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا يفترق رجلان على الهجران إلا استوجب أحدهما البراءة واللعنة وربما استحق ذلك كلاهما، فقال له معتب: جعلني الله فداك هذا الظالم فما بال المظلوم ؟ قال: لأنه لا يدعو أخاه إلى صلته ولا يتغامس له عن كلامه، سمعت أبي يقول إذا تنازع اثنان فعاز أحدهما الآخر فليرجع المظلوم إلى صاحبه حتى يقول لصاحبه: أي أخي أنا الظالم، حتى يقطع الهجران بينه وبين صاحبه، فإن الله تبارك وتعالى حكم عدل يأخذ للمظلوم من الظالم. * الشرح: قوله (لا يفترق رجلان على الهجران إلا استوجب أحدهما البراءة واللعنة وربما استحق ذلك كلاهما) الهجر والهجران خلاف الوصل، يقال هجر أخاه من باب قتل هجرا وهجرانا فهو هاجر والأخ مهجور إذا تركه وقطع كلامه، والتغامس بالغين المعجمة التغافل، وأصل الغمس الإخفاء وأن تظهر أنك لا تعرف الأمر وأنت تعرفه. والمعازة الغلبة. يقال عازه في الخطاب بتشديد الزاي إذا غلبه واشتد كعزه، وفي بعض النسخ بدل فعاز فعال من العول وهو الجور والظلم، ولما كان الخير في الاجتماع والألفة والمحبة حتى يصيروا كشخص واحد وبه يتم نظام الدين والدنيا وكان في الفرقة أضداد ذلك، حذر (عليه السلام) من الإصرار على العداوة والعدوإن ومن القطع والهجران بذكر مفاسده وسوء عاقبته، واختصاص أحدهما بالبراءة واللعنة من أجل أنه الباعث أو غير قابل لعذر الآخر، واستحقاق كليهما باعتبار أنهما الباعثان والقاصدان لاستمرار القطع. 2 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا هجرة فوق ثلاث. * الشرح: قوله (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا هجرة فوق ثلاث) المؤمنون متساوون في كونهم عباد الله وملتهم ملة واحدة وتعاونهم في الأمور الدينية والدنيوية مطلوب للشارع فوجب عليهم أن يكونوا اخوة بررة متواصلين متآلفين غير مفترقين كما قال عز وجل * (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) * ولو وقع بينهم موجدة أو تقصير في حقوق العشرة والصحبة وأفضى ذلك إلى الهجرة فالواجب عليهم أن لا يبقوا عليها فوق ثلاث ليال وأما الهجر في الثلاث فظاهر الحديث بحسب المفهوم أنه

[ 412 ]

معفو عنه وسببه أن البشر لا يخلو من غضب وسوء خلق فسومح في تلك المدة مع احتمال أن يكون حكمها مسكوتا عنه، وإنما قلنا في حقوق العشرة لأن هجر أهل الاهواء والبدع مطلوب ما لم يظهر منه التوبة والرجوع إلى الحق فإن ذلك من أقسام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 3 - حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد بن سماعة، عن وهيب بن حفص، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصرم ذوي قرابته ممن لا يعرف الحق قال: لا ينبغي له أن يصرمه. 4 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن حديد، عن عمه مرازم بن حكيم قال: كان عند أبي عبد الله (عليه السلام) رجل من أصحابنا يلقب شلقان وكان قد صيره في نفقته وكان سيئ الخلق فهجره، فقال: لي يوما يا مرازم [ و ] تكلم عيسى ؟ فقلت: نعم، فقال: أصبت لا خير في المهاجرة. * الشرح: قوله (كان عند أبي عبد الله (عليه السلام) رجل من أصحابنا يلقب شلقان) شلقان لقب عيسى بن أبي منصور وقد ذكر أصحاب كتب الرجال في مدحه روايات كثيرة، والظاهر أن الضمير المنصوب (1) في قوله " فهجره " راجع إلى مرازم، وكان مرازم يقوم بكثير من خدمات أبي عبد الله (عليه السلام) وإرجاعه إلى أبي عبد الله (عليه السلام)، وقراءة ونكلم على صيغة المتكلم مع الغير دون الخطاب محتمل لكنه بعيد. 5 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن أبي سعيد القماط عن داود ابن كثير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: قال أبي (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أيما مسلمين تهاجرا فمكثا ثلاثا لا يصطلحان إلا كانا خارجين من الإسلام ولم يكن بينهما ولاية، فأيهما سبق إلى كلام أخيه كان السابق إلى الجنة يوم الحساب. 6 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن الشيطان يغري بين المؤمنين ما لم يرجع أحدهم عن دينه فإذا فعلوا ذلك استلقى على


1 - قوله " والظاهر أن الضمير المنصوب " عبارة الخبر غير مستقيمة لا تفسر بغير تكلف لأن القائل إما مرازم أو علي بن حديد، فإن كان الأول كان الواجب أن يقول: هجرني لا هجره، وإن كان الثاني وجب أن يقول: قال له يوما يا مرازم لا قال لي. وروي الخبر في رجال أبي علي بغير كلمة " لي " والأظهر ما في الوافي في تفسيره يعني هجر عيسى أبا عبد الله (عليه السلام) وخرج من عنده بسبب سوء خلقه مع أصحاب أبي عبد الله (عليه السلام) وكون مرازم منهم، وهذا يستقيم من غير تكلف ولا يحتاج إلى قراءة تكلم على صيغة المتكلم مع الغير لأن الظاهر أن شلقان لما هجر الإمام وخرج عن داره أبغضه خدامه (عليه السلام) وكانوا في معرض الهجر فنبههم الإمام على أن يعفوا عن سوء خلقه ولا يهاجروه. (ش). (*)

[ 413 ]

قفاه وتمدد، ثم قال: فزت، فرحم الله امرأ ألف بين وليين لنا، يا معشر المؤمنين تألفوا وتعاطفوا. * الشرح: قوله (ان الشيطان يغرى بين المؤمنين) دل على ان الهجران من اغراء الشيطان وإن الشيطان مع المؤمنين وأنه لا يفارقهم حتى يخرجهم عن دينهم فإنه غاية مناه ونهاية تمناه. فإذا حصل حصلت له الراحة والفوز بالمطلوب وبحكم المقابلة كان المؤلف بين المؤمنين مرحوما فلذلك قال: (فرحم الله) مصدرا بالفاء. 7 - الحسين بن محمد، عن علي بن محمد بن سعيد، عن محمد بن مسلم، عن محمد بن محفوظ عن علي بن النعمان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لا يزال إبليس فرحا ما اهتجر المسلمان، فإذا التقيا اصطكت ركبتاه وتخلعت أوصاله ونادى يا ويله، ما لقي من الثبور. * الشرح: قوله (فإذا التقيا اصطكت ركبتاه تخلعت أوصاله) أي أضطربت ركبتاه أو ضربت أحديهما الأخرى عند المشي وتفككت أوصاله. وثبر الله الكافر ثبورا من باب قعد أهلكه وثبر هو ثبورا يتعدى ولا يتعدى.

[ 414 ]

باب قطعية الرحم 1 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن اذينة، عن مسمع بن عبد الملك، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): في حديث: ألا إن في التباغض الحالقة، لا أعني حالقة الشعر ولكن حالقة الدين. * الشرح: قوله (ألا إن في التباغض الحالقة لا أعني حالقة الشعر ولكن حالقة الدين) الحالقة الآلة القاطعة للشعر كالموسي، والمراد بها الخصلة التي من شأنها أن تحلق أي تهلك وتستأصل الدين كما تستأصل الموسي الشعر، أي في تباغض بعضهم بعضا هلاك دينهم وفساده، وحمل هذا على النهي عن الأمور الموجبة للتباغض والتجانب مثل قطع الرحم وغيره ممكن، وبغض الفاسق لأجل فسقه خارج عنه بدليل خارج. 2 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن محمد بن علي، عن محمد بن الفضيل، عن حذيفة بن منصور قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): اتقوا الحالقة فإنها تميت الرجال، قلت: وما الحالقة ؟ قال: قطعية الرحم. * الشرح: قوله (اتقوا الحالقة فإنها تميت الرجال قلت وما الحالقة ؟ قال: قطيعة الرحم) قطع الرحم ضد صلتها وهو ترك الإحسان إلى الأقربين والتعطف عليهم والرفق بهم والرعاية لأحوالهم. والرحم في الأصل منبت الولد ووعاؤه في البطن ثم سميت القرابة من جهة الولادة رحما، ومنها ذو الرحم خلاف الأجنبي، والمراد بإماتة الرجال إماتة قلوبهم ودينهم أو إفناء حياتهم وآجالهم أو الأعم منهما. 3 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن عثمان بن عيسى، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: إن إخوتي وبني عمي قد ضيقوا علي الدار وألجأوني منها إلى بيت ولو تكلمت أخذت ما في أيديهم، قال: فقال لي: اصبر فإن الله سيجعل لك فرجا، قال: فانصرفت ووقع الوباء في سنة إحدى وثلاثين [ ومائة ] فماتوا والله كلهم فما بقي منهم أحد، قال: فخرجت فلما دخلت عليه قال: ما حال أهل بيتك ؟ قال: قلت له: قد ماتوا والله كلهم، فما بقي منهم أحد، فقال: هو بما صنعوا بك وبعقوقهم إياك وقطع رحمهم بتروا أتحب أنهم بقوا وأنهم ضيقوا عليك ؟ قال: قلت: إي والله.

[ 415 ]

* الشرح: قوله (ووقع الوباء قي سنة إحدى وثلاثين) أي في سنة إحدى وثلاثين ومائة حذف لفظ مائة لوضوح الأمر أو سقط من قلم الناسخ الأول. والباء في قوله: (وبعقوقهم إياك وقطع رحمهم) متعلق بقوله (بتروا) وسبب للتبتير وهو الإهلاك، والتقديم لقصد الحصر. 4 - عنه، عن أحمد، عن الحسن بن محبوب، عن مالك بن عطية، عن أبي عبيدة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: في كتاب علي (عليه السلام): ثلاث خصال لا يموت صاحبهن أبدا حتى يرى وبالهن: البغي وقطيعة الرحم واليمين الكاذبة يبارز الله بها، وإن أعجل الطاعة ثوابا لصلة الرحم وإن القوم ليكونون فجارا فيتواصلون فتنمى أموالهم ويثرون وإن اليمين الكاذبة وقطيعة الرحم لتذران الديار بلاقع من أهلها وتنقل الرحم وإن نقل الرحم انقطاع النسل. * الشرح: قوله (وإن أعجل الطاعة ثوابا لصلة الرحم) الثواب: الرجوع والعود، والثواب: الجزاء وأجر المطيع لأنه نفع يعود إليه، وهو اسم من الإثابة أو التثويب وأعظم عوده إليه في الآخرة، وقد يعود إليه في الدنيا أيضا من غير أن ينقص منه شئ في الآخرة مثل نفع التقوى وهو الفوز في الآخرة، ووصول الرزق الموعود في الدنيا ونفع الصلة وهو ما ذكر من طول العمر وغيره وصوله أعجل من وصول نفع التقوى وغيرها، والثروة كثرة المال، وأثرى الرجل أثرا استغنى، والاسم منه الثراء، ولما أشار إلى أن نفع صلة الرحم يأتي صاحبها عاجلا أشار إلى أن ضرر قطعها أيضا يأتي عاجلا بقوله: (وإن اليمين الكاذبة وقطيعة الرحم لتذران الديار بلاقع من أهلها) أي كل واحدة منهما تذر الديار خالية من أهلها، والديار بالكسر البلاد لأنها جامعة لأهلها كالدار، ومنه قولهم ديار ربيعة وديار مضر، ويفهم منه سراية شومها ويمكن أن يراد بالديار دور صاحبهما، وهذا الكلام في اللفظ خبر، وفي المعنى نهي عنهما، وتخويف بسوء عاقبتهما في الدنيا مع فخامة أمرهما في الآخرة، ثم أشار إلى أن قطع الرحم يوجب انقطاع النسل تأكيدا لما سبق بقوله: (وتنقل الرحم وإن نقل الرحم انقطاع النسل) فاعل " تنقل " ضمير يعود إلى قطيعة الرحم والواو إما للحال عنها، أو للعطف على قوله " وإن اليمين الكاذبة " إن جوز عطف الفعلية على الاسمية وإلا فليقدر، وأن قطيعة الرحم تنقل بقرينة المذكورة لا على قوله " لتذران " وأن هذا مختص بالخطيئة ولعل المراد بنقل الرحم نقلها من القرابة إلى الغرابة، ومن الوصلة إلى الفرقة، ومن التعاون والمحبة إلى التدابر والعداوة، وهذه الأمور من أسباب نقص العمر وانقطاع النسل كما صرح به على سبيل

[ 416 ]

التأكيد والمبالغة بقوله: " وإن نقل الرحم انقطاع النسل " من باب حمل المسبب على السبب مبالغة في السببية، وفيه أيضا تحذير عن القطيعة بسوء عاقبتها في الدنيا أيضا. 5 - علي بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن عنبسة العابد قال: جاء رجل فشكا إلى أبي عبد الله (عليه السلام) أقاربه، فقال له: أكظم غيظك وافعل، فقال: إنهم يفعلون ويفعلون، فقال: أتريد أن تكون مثلهم فلا ينظر الله اليكم. * الشرح: قوله (جاء رجل فشكا إلى أبي عبد الله (عليه السلام) أقاربه فقال له: أكظم غيظك وافعل فقال: إنهم يفعلون ويفعلون فقال: أتريد أن تكون مثلهم فلا ينظر الله اليكم) أمره (عليه السلام) بكظم الغيظ وعدم إجراء الغضب، وهو من فضائل القوة الغضبية وداخل تحت الشجاعة، ثم أمره بالوصل والإحسان إليهم حيث قال " وافعل " فاعتذر السائل بأنهم يقطعون ويظلمون ويستمرون حيث قال " إنهم يفعلون ويفعلون " فكيف يستحقون الوصل والإحسان في مقابلة القطع والعدوإن فزجره (عليه السلام) عن ذلك بقوله " أتريد أن تكون مثلهم " في القطع والظلم والطغيان " فلا ينظر الله اليكم " جميعا أي يسلب عنكم رحمته وإثابته في الآخرة وإحسانه وإفضاله في الدنيا، وإذا وصلت فربما يصير وسيلة لرجوعهم إلى الوصل ولو لم يرجعوا اختص عدم النظر بهم. 6 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا تقطع رحمك وإن قطعتك. * الشرح: قوله (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا تقطع رحمك وإن قطعتك) فكيف إذا وصلتك، ومقابلة الإساءة بالإكرام من صفات الكرام سيما إذا كان المسئ قريبا وفيه مبالغة في صلة الرحم وحث عليها، فإنك إذا قطعتك وقطعتها آل الأمر إلى القطع بالكلية، وأوجب ذلك قصر العمر وضيق الرزق وضنك العيش وتسلط الأعداء بخلاف ما إذا قطعتك ووصلتها، فإن وصلك يوجب زوال قطعها بالأخرة، ولو فرض بقاؤه على القطع كان الإثم والنكال عليه لا عليك. 7 - عدة من أصحابنا، محمد أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه رفعه، عن أبي حمزة الثمالي قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبته: أعوذ بالله من الذنوب التي تعجل الفناء، فقام إليه عبد الله بن الكوا، اليشكري فقال: يا أمير المؤمنين أو تكون ذنوب تعجل الفناء ؟ فقال: نعم وتلك قطيعة الرحم، إن أهل البيت ليجتمعون ويتواسون وهم فجرة فيرزقهم الله، وإن أهل البيت ليتفرقون ويقطع بعضهم بعضا فيحرمهم الله وهم أتقياء (1).


1 - قوله " فيحرمهم الله وهم أتقياء " من لوازم التعاون والتواسي بين الأرحام كثرة المال وسعة الرزق سواء = (*)

[ 417 ]

* الشرح: قوله (وإن أهل البيت ليتفرقون ويقطع بعضهم بعضا فيحرمهم الله وهم أتقياء) أي فيحرمهم الله من طول الأعمار وسعة الأرزاق ورفاهة العيش وإن كان معهم التقوى التي من شأنها التوسعة والإخراج من الضيق كما قال تبارك وتعالى: * (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب) * وذلك لأن التقوى لها تأثير في ذلك إذا لم يمنعها مانع وقطع الرحم من أشد الموانع، ويفهم منه أن صلة الرحم أقوى في تيسير المعاش وتوسيع الرزق من التقوى. 8 - عنه، عن ابن محبوب، عن مالك بن عطية، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إذا قطعوا الأرحام جعلت الأموال في أيدي الأشرار. * الشرح: قوله (قال أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا قطعوا الأرحام جعلت الأموال في أيدي الأشرار) الأرحام تشمل أرحام رسول الله (صلى الله عليه وآله) والناس قطعوها قديما فجعلوا أموالهم في أيدي أعدائهم الذين هم أشرار الناس ولو وصلوها لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، وكذلك قطع الناس أرحامهم سبب لتسلط الأعداء والأشرار عليهم وعلى أموالهم.


= كان المتواسون أتقياء أو فجرة ولازم العكس العكس، كما أن من لوازم البطالة والكسل الحرمان ومن لوازم الجد والكسب كثرة المال نوعا سواء كان التاجر مؤمنا أو كافرا، وعلى هذا فلا يدل الخبر على جواز الموادة والمعاشرة مع الفجرة والفساق خصوصا إذا خاف من سراية أخلاقهم الفاسدة وأعمالهم القبيحة إلى نفسه وإلى أهل بيته فإنا مكلفون بمحادة من حاد الله وإن كان من أقرب الأقرباء قال الله تعالى: * (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم) * ومع ذلك لا أرى تجويز قطع الرحم مطلقا حينئذ بل كل صلة لا تستلزم موادة ولا تنافي النهي عن المنكر، مثلا ان كانوا فقيرا فأحسن إليهم وأعطاهم شيئا يسد خلتهم من غير أن يظهر مودة قلبية تغريهم أو كانوا في مهلكة نجاهم منها لنفوسهم المحترمة أو كانوا مظلومين وقدر على دفع الظلم عنهم فدفع وأمثال ذلك لم يكن به بأس وإن كانوا فساقا وهذه صلتهم أو كما أن قولهم (عليهم السلام) تسعة أعشار الرزق في التجارة يشمل ظاهره كل تجارة ولا يدل على تجويز التجارة المحرمة كذلك الحث على صلة الرحم وكونها منماة للمال لا يوجب جواز كل معاشرة محرمة مع الفساق كالحضور في مجلس لهو هم وشربهم وإن كان التعاون يوجب كثرة الرزق فتدبر. كان في أصحاب الرسول (صلى الله عليه وآله) من يقاتل أقاربه كأبيه وأخيه، وقد قتل كعب بن الأشرف اليهودي من بني النضير أخوه من الرضاعة وهو مسلم قتله غيلة على ما هو مشهور، فإن قيل كيف هذا وقد منع الاسلام عن القتل غيلة وقد ذكرت سابقا (ص 373) أن أصحاب المروات أيضا يستقبحون قتل المستأمن والغافل ومن لا يحتمل الخيانة فلا يحترز فكيف قتل كعب بن الأشرف غيلة. قلنا هنا كانت الحرب قائمة ولم يكن أحد منهم يتوقف الفتك بالمسلمين مهما أمكنهم وكان مقام تحرز ومكيدة ولو كان أحد منهم استجار بالمسلمين لم يتعرضوا له حتى يبلغوه مأمنه. (ش). (*)

[ 418 ]

باب العقوق 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن حديد بن حكيم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أدنى العقوق اف ولو علم الله عز وجل شيئا أهون منه لنهى عنه. * الشرح: قوله (أدنى العقوق أف ولو علم الله عز وجل شيئا أهون منه لنهى عنه) إذ المقصود نهى الأدنى ليعلم منه نهى الأعلى بالأولوية. والأف كلمة تضجر وقد أفف تأفيفا إذا قال ذلك، والمراد بعقوق الوالدين ترك الأدب لهما والإتيان بما يؤذيهما قولا وفعلا ومخالفتهما في أغراضهما الجائزة عقلا ونقلا، وقد عد من الكبائر ودل على حرمته الكتاب والسنة وأجمع عليها الخاصة والعامة. 2 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد الله بن المغيرة، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كن بارا واقتصر على الجنة وإن كنت عاقا [ فظا ] فاقتصر على النار. * الشرح: قوله (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كن بارا واقتصر على الجنة وإن كنت عاقا [ فظا ] فاقتصر على النار) أي اكتف بها، تقول اقتصرت على كذا إذا اكتفيت به، وفي بعض النسخ اقصر وفيه تعظيم أجر البر حتى أنه يوجب الجنة، ويفهم منه أنه يكفر كثيرا من السيئات ويرجح عليها في ميزان الحسنات. 3 - أبو علي الأشعري، عن الحسن بن علي الكوفي، عن عبيس بن هشام، عن صالح الحذاء، عن يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا كان يوم القيامة كشف غطاء من أغطية الجنة فوجد ريحها من كانت له روح من مسيرة خمسمائة عام إلا صنف واحد، قلت: ومن هم ؟ قال: العاق لوالديه. * الشرح: قوله (العاق لوالديه) أي لواحد منهما وذلك ظاهر أن أريد بالعقوق الفرد الكامل منه كالقتل. إذ الظاهر أنه يوجب سلب الإيمان وإلا فالحمل على التشديد محتمل، والله أعلم. 4 - علي بن إبراهيم، عن أبيه عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): فوق كل ذي بر بر، حتى يقتل الرجل في سبيل الله فإذا قتل في سبيل الله فليس فوقه بر، وإن فوق كل عقوق عقوقا حتى يقتل الرجل أحد والديه فإذا فعل ذلك فليس فوقه عقوق. * الشرح: قوله (فوق كل ذي بر بر) البر الثاني بفتح الباء أو بكسرها مع حذف مضاف وهو ذو مع احتمال

[ 419 ]

عدمه. 5 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن إسماعيل بن مهران، عن سيف بن عميرة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من نظر إلى أبويه نظر ماقت وهما ظالمان له لم يقبل الله له صلاة. * الشرح: قوله (من نظر إلى أبويه نظر ماقت وهما ظالمان له لم يقبل الله له صلاة) فكيف إذا كانا بارين محقين وهما أيضا آثمان لأنهما حملاه على العقوق، ولعل المراد بعدم قبول الصلاة عدم الثواب عليها كاملا وعدم كونها وسيلة للقرب منه تبارك وتعالى إلا أن يرضيهما لاعدم الخروج من التكليف. 6 - عنه، عن محمد بن علي، عن محمد بن فرات، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في كلام له: إياكم وعقوق الوالدين فإن ريح الجنة توجد من مسيرة ألف عام ولا يجدها عاق ولا قاطع رحم ولا شيخ زان ولا جار إزاره خيلاء إنما الكبرياء لله رب العالمين. * الشرح: قوله (فإن ريح الجنة توجد من مسيرة ألف عام) لا ينافي ما مر من أن ريح الجنة توجد من مسيرة خمسمائة عام لأنه يختلف ذلك باختلاف كشف الأغطية. فلعل هذا من كشف غطائين والسابق من كشف غطاء واحد كما هو المصرح به. ثم الظاهر أن الرجل بسبب هذه الذنوب لا يخرج عن الإيمان بالكلية فلابد فيه من التأويل بأنه يفعل ذلك مستحلا أو بأنه لا يجد ريحها ابتداء حتى يمضي فيه الوعيد أو بغيرهما، والظاهر أن " خيلاء " حال عن فاعل جار أي جار ثوبه على الأرض متبخترا متكبرا مختالا أي متمايلا في جانبيه وأصله من المخيلة، وهي القطعة من السحاب تميل في جو السماء هكذا وهكذا، كذلك المختال يتمايل لعجبه بنفسه وكبره وهي مشية المطيطا ومنه قوله تعالى * (ذهب إلى أهله يتمطى) * أي يتمايل مختالا متكبرا كما قيل. وأما إذا لم يقصد بإطالة الثوب وجره على الأرض الاختيال والتكبر بل جرى في ذلك على رسم العادة، فالظاهر أنه أيضا غير جايز لوجوه أخر منها مخالفة السنة وشعار المؤمنين المتواضعين كما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " إزرة المؤمنين إلى نصف الساق فإن أبى فإلى ما فوق الكعبين فما زاد على ذلك ففي النار " ومنها الإسراف في الثوب بما لا حاجة فيه ومنها أنه لا يسلم الثوب الطويل من جره على النجاسة تكون بالأرض غالبا فيختل أمر صلاته ودينه فإن تكلف رفع الثوب إذا مشى تحمل كلفة كان غنيا عنها ثم يغفل عنه فيسترسل، ومنها أنه يسرع البلى إلى الثوب بدوام جره على التراب والأرض فيخرقه وسخها إن لم ينجس.

[ 420 ]

7 - عنه، عن يحيى بن إبراهيم بن أبي البلاد [ السلمي ]، عن أبيه، عن جده عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لو علم الله شيئا أدنى من اف لنهى عنه وهو من أدنى العقوق ومن العقوق أن ينظر الرجل إلى والديه فيحد النظر إليهما. * الشرح: قوله (ومن العقوق أن ينظر الرجل إلى والديه فيحد النظر اليهما) يحتمل أن يكون هذا من الأدنى ويساوي الأف في المرتبة وأن يكون الأف أدنى بحسب القول وهذا أدنى بحسب الفعل. 8 - علي، عن أبيه، عن هارون بن الجهم، عن عبد الله بن سليمان، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن أبي نظر إلى رجل ومعه ابنه يمشي والابن متكئ على ذراع الأب، قال: فما كلمه أبي (عليه السلام) مقتا له حتى فارق الدنيا. * الشرح: قوله (فما كلمه أبي (عليه السلام) مقتا له حتى فارق الدنيا) الظاهر أن الضمير راجع إلى الابن وأنه اتكاء على الأب بدون رضاه أو أنه (عليه السلام) علم أن الابن فعل ذلك تكبرا واختيالا، ومن هذا يعلم أن العقوق أمره دقيق. 9 - أبو علي الأشعري، عن أحمد بن محمد، عن محسن بن أحمد، عن أبان بن عثمان، عن حديد بن حكيم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أدنى العقوق اف ولو علم الله أيسر منه لنهى عنه.

[ 421 ]

باب الانتفاء 1 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كفر بالله من تبرأ من نسب وإن دق. * الشرح: قوله (كفر بالله من تبرأ من نسب وإن دق) أي وإن دق ثبوته أو خفض لا ريب في أن إلحاق كل رجل بنسبه واجب، ولكن الظاهر أن ترك الواجب ليس بكفر مخرج عن أصل الإيمان فلعل ذلك بما إذا كان مستحلا لأن مستحل قطع الرحم كافر، ومما يدل على هذا التأويل ما سيجئ في باب الكفر عن الصادق (عليه السلام) قال: " إن الله عز وجل فرض على العباد فرائض موجبات على العباد فمن ترك فريضة من الموجبات فلم يعمل بها وجحدها كان كافرا وأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأمور فليس من ترك بعض ما أمر الله عز وجل به عباده من الطاعة بكافر ولكنه تارك للفضل منقوص من الخير " ويمكن أن يراد بالكفر كفر النعمة لأن قطع النسب كفر لنعمة المواصلة أو يراد به أنه شبيه بالكفر لأن هذا الفعل يشبه فعل أهل الكفر لأنهم كانوا يفعلونه في الجاهلية ولا فرق في ذلك بين تبري الوالد من الولد أو بالعكس، أو تبري بعض الأقارب من بعض، وسيجئ نظير ذلك في كتاب الديات إن شاء الله تعالى. 2 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن أبي المغرا، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كفر بالله من تبرأ من نسب وإن دق. 3 - علي بن محمد، عن صالح بن أبي حماد، عن ابن أبي عمير، وابن فضال، عن رجال شتى عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) أنهما قالا: كفر بالله العظيم الانتفاء من حسب وإن دق.

[ 422 ]

باب من آذى المسلمين واحتقرهم 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: قال الله عز وجل: ليأذن بحرب مني من آذى عبدي المؤمن وليأمن غضبي من أكرم عبدي المؤمن. ولو لم يكن من خلقي في الأرض فيما بين المشرق والمغرب إلا مؤمن واحد مع إمام عادل لاستغنيت بعبادتهما عن جميع ما خلقت في أرضي ولقامت سبع سماوات وأرضين بهما ولجعلت لهما من إيمانهما انسا لا يحتاجان إلى انس سواهما. * الشرح: قوله (قال الله عز وجل ليأذن بحرب مني من آذى عبدي المؤمن -... إلى آخره) أي ليعلم من أذنت بالشئ علمت به، والمراد بالعبد المؤمن شيعة علي وأولاده الطاهرين (عليهم السلام) كما في رواية معاوية الآتية عن أبي عبد الله (عليه السلام) وبالأذى: الأذى الذي لم يجوزه الشارع وأما ما جوزه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو خارج عنه بدليل خارج، وبالإكرام: الإكرام خلقا وقولا وفعلا، ومنه جلب النفع له ودفع الضر عنه وبالاستغناء بعبادة مؤمن واحد مع إمام عادل " مع أنه عز وجل غني مطلق لا حاجة له إلى عبادة أحد " قبول عبادتهما وجعلها ذخرا لهما وسببا لنظام العالم. 2 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن ابن سنان، عن منذر بن يزيد، عن المفضل بن عمر قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الصدود لأوليائي فيقوم قوم ليس على وجوههم لحم، فيقال: هؤلاء الذين آذوا المؤمنين ونصبوا لهم وعاندوهم وعنفوهم في دينهم، ثم يؤمر بهم إلى جهنم. * الشرح: قوله (إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الصدود لأوليائي فيقوم قوم ليس على وجوههم لحم -... إلى آخره) أي أين المعرضون عن الأولياء المعادون لهم أو أين المانعون لهم عن حقوقهم أو أين المستهزئون بهم، والصد جاء لهذه المعاني كما يظهر من مصباح اللغة ولعل المراد بخلو وجوههم عن اللحم لأجل أنه ذاب من الغم وخوف العقوبة، أو من خدشه بأيديهم تحسرا وتأسفا، ويؤيده ما رواه العامة عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " مررت ليلة أسري بقوم لهم أظفار من نحاس يخدشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبرئيل ؟ قال: هم الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم ". 3 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن ابن فضال، عن ثعلبة بن ميمون، عن حماد

[ 423 ]

بن بشير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): قال الله تبارك وتعالى: من أهان لي وليا فقد أرصد لمحاربتي. * الشرح: قوله (قال الله تبارك وتعالى من أهان لي وليا فقد أرصد لمحاربتي) المراد بالولي المحب وهو الذي ولي حقوقه سبحانه بنفسه ومهجته ظاهرا، وصرف وجه قلبه وفؤاده إليه باطنا فهو في كنفه وحماه، منقطع إليه عما سواه، محفوف بالكرامة في منقلبه ومثواه، أي من استحقر واستخف وليا لي وأعرض عنه ومنع حقه وترك توقيره وتعظيمه فقد هيأ نفسه لمحاربتي وذلك لأنه تعرض لحرمة الله واستهان بكرامته ورام خفر ذمته وعرض نفسه للهلاك في الدارين بترك متابعته وإنما سماه محاربا لأن المحاربة هي سلب الأموال والأنفس فكأن هذا المهين لولي الله عز وجل يريد أن يسلب من والي ما أنعم الله عليه من كرامته وأن يضع ما رفع من مرتبته وهو مشغول بمولاه عن نصرة نفسه، والله تعالى يغار عليه كما غار وليه أن يذهب وقتا من أوقاته مع غيره، وقد روي " أن الله تعالى ينتقم لأوليائه ممن عاداهم وقصدهم، ومن حارب الله حربه وحطمه ومن خاصمه خصمه وقصمه " ومن فوائد هذا الكلام التحذير التام لأذى واحد من المؤمنين صغيرا وكبيرا خشية أن يكون ذلك الولي فيهلك مؤذيه ويتعرض لسخط ربه. يدل عليه أيضا ما رواه الصدوق بإسناده عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: " إن الله أخفى وليه في عباده فلا تستصغروا شيئا من عباده فربما يكون وليه وأنت لا تعلم " ومنها التنبيه على إكرام من أقبل على الله من أهل ولايته، ومنها الترغيب في سلوك طريق ولي الله ومتابعته. 4 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن الحسين بن عثمان، عن محمد بن أبي حمزة، عمن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من حقر مؤمنا مسكينا أو غير مسكين لم يزل الله عز وجل حاقرا له ماقتا حتى يرجع عن محقرته إياه. * الشرح: قوله (من حقر مؤمنا مسكينا أو غير مسكين) أظهر تحقيره أو لم يظهره والاظهار إما بقول كرهه أو بالاستهزاء به أو بضربه أو شتمه أو بفعل يستلزم إهانته أو بترك قول أو ترك فعل يستلزمها وأمثال ذلك. 5 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن النعمان، عن ابن مسكان، عن معلى بن خنيس قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن الله تبارك وتعالى يقول: من أهان لي وليا فقد أرصد

[ 424 ]

لمحاربتي وأنا أسرع شئ إلى نصرة أوليائي. 6 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم عن معلى بن خنيس، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): قال الله عز وجل قد نابذني من أذل عبدي المؤمن. * الشرح: قوله (قال الله عز وجل قد نابذني من أذل عبدي المؤمن) نابذتهم خالفتهم ونابذتهم الحرب كاشفتهم إياها وجاهرتهم بها. 7 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، وأبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، جميعا، عن ابن فضال، عن علي بن عقبة، عن حماد بن بشير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): قال الله عز وجل: من أهان لي وليا فقد أرصد لمحاربتي وما تقرب إلي عبد بشئ أحب إلي مما افترضت عليه وإنه ليتقرب إلي بالنافلة حتى أحبه. فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به ويده التي يبطش بها. إن دعاني أجبته وإن سألني أعطيته، وما ترددت عن شئ أنا فاعله كترددي عن موت المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته. * الشرح: قوله (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال الله عز وجل من أهان لي وليا فقد أرصد لمحاربتي) لما قدم ذكر اختصاص الأولياء ليه وبين أن نصرتهم معدة بين يديه أشار إجمالا إلى طريق الوصول إلى درجة الولاية من بداية السلوك إلى النهاية بقوله: (وما تقرب إلي عبد بشئ أحب إلي مما افترضت عليه) أي ما تحبب إلي، ولا طلب القرب لدي بمثل أداء ما افترضت عليه، وظاهر الموصول هو الفرض بالأصالة وحمله عليه وعلى ما أوجبه المكلف على نفسه بنذر وشبهه ممكن، وهذا صريح في أن المفروضات أعظم ثوابا وأتم قربا من المندوبات إلا ما خرج بدليل، والسبب في ذلك أن الله عز وجل هو الأعلم بالأسباب التي تقرب العبد إلى محبته وكرامته وتبلغه إلى مرتبة رضاه وولايته فجعل أكبر تلك الأسباب وأعظمها الفرائض وأوعد بالنار على التضييع بها والتفريط فيها فيجب على السالك المبادرة إلى أدائها والمبالغة في أحكامها وعدم اشتغال عنها بالنوافل لأن النوافل لا تقبل حتى تؤدي فريضة حق الأداء، ثم رتب على أداء الفرايض فعل النوافل لتكميل الفرائض وزيادة التقرب ودوام التحبب وقال: (وإنه ليتقرب إلي بالنافلة حتى أحبه) وذلك لأن السالك لو لم يشتغل بعد أداء الفرائض

[ 425 ]

بالنوافل وضيع باقي أوقاته في المباحات ولذاتها وأظلم قلبه بزهرات الدنيا وشهواتها بعد عن المولى بعبادة الهوى، ولم تصف الفرائض له في وقت الأداء ونقصت عن حد الكمال وفاته كمال التقرب والتحبب بخلاف ما إذا اشتغل بالنوافل فإنه يوجب كمال الفرائض وزيادة القرب ودوام التحبب، وهكذا حتى يبلغ مرتبة كمال المحبة فلا يحب إلا الله، والله عز وجل يحبه. ومعنى محبة الله تعالى للعبد كما ذكره شيخ العارفين في الأربعين هو كشف الحجاب عن قلبه وتمكينه من أن يطأ على بساط قربه فإن ما يوصف به سبحانه إنما يؤخذ باعتبار الغايات لا باعتبار المبادي وعلامة حبه سبحانه للعبد توفيقه للتجافي عن دار الغرور، والترقي إلى عالم النور، والأنس بالله والوحشة مما سواه وصيرورة جميع الهموم هما واحدا انتهى. وفي قوله " إلي " في الموضعين حيث لم يقل إلى جنتي ولا إلى ثوابي وكرامتي ولا إلى بري به وصلتي دلالة واضحة على أنه ينبغي للسالك العابد أن يقصد بعبادته ذاته عز وجل لا عوضا عليها ولا جزاء فإن العوض والجزاء غيره تعالى ومن كانت عبادته للأغيار لم تصف محبته للولي الجبار. كما قيل لن يصل العبد إلى حقيقة الحرية وقد بقي عليه من غير الله بقية. ثم أشار إلى شرف منزلة المحبة وبعض آثارها بقوله: (فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به ويده التي يبطش بها إن دعاني أجبته وإن سألني أعطيته) ليس المراد ما يفيده ظاهر (1) هذه العبارة من


1 - قوله " ليس المراد ما يفيده ظاهر " لأن العبارة إذا دلت على معنى مستحيل لا يليق أن يتفوه المتكلم بها أو كان في سائر عباراته وكلامه ما ينافيه فلابد أن يكون مراده بالعبارة الأولى معنى غير مستحيل يصح العبارة عنه بتلك العبارة واتحاد الاثنين معنى مستحيل لا يمكن أن يلتزم به عاقل، وقد حكى ابن سينا عن عوام الصوفية وأبطل القول به في النمط السابع من الإشارات وصرح أعاظم الصوفية وعلمائهم بأن مرادهم بالاتحاد ليس ما يتبادر إلى أذهان الأكثرين وفي أبيات الشبستري: تعين بود كز هستي جدا شد * نه أو بنده نه بنده خود خدا شد وفي كلام محيي الدين ابن عربي وهو من أشد المصرين على الاتحاد تصريحات كثيرة بتحقق الكثرة في التعينات أي الممكنات تجعل قرينة على أن مراده بالاتحاد غير ما توهمه عوام الصوفية على ما نقل، وكلامه في الاتحاد ممزوج مع الحكم بالتعدد وفي الفص الابراهيمي بشرح القيصري: " فالحكم لك بلا شك في وجود الحق وذلك لأن وجود الحق من حيث هو هو واحد لا تعدد فيه فالتعدد والتنوع والاختلاف من أحكام مرايا الاعيان في الوجود الحقاني ". ثم قال: " إن ثبت أنك موجود أي بالوجود الفائض عليك من الحق تعالى فالحكم لك بلا شك " وأمثال ذلك كثيرة جدا في كلامه في كتبه فثبت أن الاتحاد المتوهم ليس مذهبا لعرفائهم وحكمائهم وعلمائهم وأن ما تفوهوا به ليس إلا عبارة عن معنى صريح نظير ما ذكره الشارح وغيره من العلماء في تفسير هذا الحديث وأمثاله، وما يقال أن ظاهر كلامهم الاتحاد وهم مأخوذون بالظاهر، قلنا: الظاهر حجة = (*)

[ 426 ]


= إذا لم يكن قرينة عقلية أو نقلية متصلة أو منفصلة على إرادة خلاف الظاهر، وإذا كان كلام القائلين قرائن تدل على عدم إرادة معنى مستحيل ولا يحتمل منهم الالتزام به فالتمسك بظاهر باطل خارج عن الطريق المستقيم. قال الشارح: لابد فيه من تأويل وذلك لأن الحديث ليس مما يحتمل فيه الوضع والجعل لبعد هذه المعاني عن أذهان عامة الناس ولأنه مروي باتفاق الفريقين وإسناد مستفيض عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وروته العامة في صحاحهم وأصحابنا في كتبهم وتكلموا فيه كثيرا، وأشار الشارح في المجلد الأول إلى معنى الفناء وذكرنا هناك ما يؤيده وأورد العلامة المجلسي كلام الشيخ بهاء الدين العاملي في معنى الحديث وجميع ما ذكره في مرآة العقول بطوله لا يخرج من كلامه ولا حاجة بنا إلى نقل ما فيه، ويكفي ما أورده الشارح هنا ان شاء الله جزاهم الله عن الدين وأهله خير الجزاء ولا بأس بأن نشير إلى نكتة هنا وهي أن الالفاظ الموضوعة في اللغة العربية وسائر اللغات إنما يتبادر منها المعنى الجسماني ولعل الواضع الأول لم يضع الألفاظ إلا له كالتباين والتفارق والتقارن والوصول فإنها تدل على المكاني منها وهي معروفة في الأجسام فجسم يباين جسما لأنه في حيز وذاك في حيز آخر بعيد عنه أو قريب منه، وقد يكون معنيان في حيز واحد كالحرارة والنور في شعلة السراج، ولابد من اتحاد المكان. وأما المجردات التي لامكان لها كالنفوس والعقول فإذا أطلق هذه الألفاظ عليها يتبادر الذهن منها إلى خلاف المقصود بمعنى أنه ليس تقارن النفس والعقل حلولا نظير النور والحرارة ولا تباين نفس عن نفس بالمكان وليس إدراك أحداهما الأخرى وشعورها بها بالتماس ولا جهلها بها وعدم اطلاعها عليها بالحجاب والبعد كما يتبادر من هذه الألفاظ ولابد من التعبير عن المقصود بلفظ يقرب المعنى إلى الذهن ولا يحصل إلا بالتشبيه مهما أمكن والتشبيه لا يستلزم التشريك في جميع الصفات كما إذا أردنا تشبيه خلق السماء والأرض بالباني الذي يبني البيت فإن وجه الشبه أصل الفعل لا عدم احتياج المخلوق إلى الله بعد حصول الوجود وإذا شبهنا بالشمس والنور فوجه الشبه احتياج السماء والأرض إلى خالقهما بقاء كاحتياج النور إلى الشمس لا في عدم الاختيار في إفاضة النور، وكذلك يحتاج الحكيم إلى التعبير عن حال الإنسان بعد استكماله في العلوم الكلية فإنه سريع الاقتناض من العقول وشديد الارتباط مع الملأ الأعلى ولم يكن ربطه حال الصبى كذلك والنائم الذي يرى الرؤيا الصادقة شديد الارتباط مع الروحانيين العالمين بالغيوب وليس هذا الربط في اليقظة وليس الربط والاتصال معنى جسمانيا، بل هو معنى لم يوضع له في اللغة كلمة خاصة به لا يتبادر منه إلا المعنى العلي فاستعير لفظ بدل على معنى أقرب إليه كالفناء والاتحاد والمحو والوصول فإن الرابطة بين النفس والعقل اشد من رابطة المتعلم والمعلم وقريب من الاتحاد كأن ذهن المتعلم دخل في ذهن المعلم ورأى في ذهن معلمه ما استعد لفهمه، والتعبير بالإتحاد والفناء أقرب إلى هذا المقصود من التعبير بما يفيد القرب وأمثاله ولا يوجب ذلك تحير المستمع بعد أن أقاموا قرائن كثيرة على عدم إرادة اتحاد نظير اتحاد جسم وجسم حلول عرض وحالة في جسم كما أقاموا قرائن كثيرة على عدم إرادتهم من تشبيه بناء العالم ببناء البيت استغناء العالم عن الله تعالى في بقاء الوجود. وأما الاتحاد الذي يفهم العامة من هذا اللفظ فلا يتصور إلا بين جسمين فكأنهم تصوروا إله العالم جسما والمخلوق جسما آخر أو إله العالم عرضا وحالة والمخلوق جسما أو بالعكس وجميع ذلك غير معقول = (*)

[ 427 ]

الاتحاد لاستحالته نقلا وعقلا لأن هذه الأعضاء مختلفة الحقائق والآثار، واستحالة اتحاد شئ من الأشياء معها أمر ضروري لا يقبل الإنكار. فلابد فيه من تأويل والذي يخطر بالبال على سبيل الاحتمال أني إذا أحببته كنت كسمعه الذي يسمع به وكبصره - إلى آخره - في سرعة الإجابة، وقوله: " إن دعاني أجبته " إشارة إلى وجه التشبيه يعني أني أجيبه سريعا إن دعاني إلى مقاصده كما يجيبه سمعه عند إراداته سماع المسموعات وبصره عند إرادته إبصار المبصرات، وهكذا، وهذا مثل قول الناس المعروف بينهم: فلان عيني ونور بصري ويدي وعضدي وإنما يريدون به التشبيه في معنى من المعاني المناسبة للمقام، ويسمون هذا تشبيها بليغا بحذف الأداة مثل زيد أسد. ويمكن أن يكون فيه تنبيه على أنه عز وجل هو المطلوب لهذا العبد المحبوب عند سمعه للمسموعات وبصره للمبصرات وهكذا. يعني مني يسمع المسموعات وبها يرجع إلي والمقصود أنه يبتدئ بي في سماع المسموعات وينتهي إلي فلا يصرف شيئا من جوارحه فيما ليس فيه رضاي، وإليه أشار بعض الأولياء بقوله: ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله قبله، وقال شيخ العارفين في الأربعين في تأويله: هذا مبالغة في القرب وبيان لاستيلاء سلطان المحبة على ظاهر العبد وباطنه وسره وعلانيته. فالمراد - والله أعلم - اني إذا أحببت عبدي جذبته إلى محل الأنس، وصرفته إلى عالم القدس، وصيرت فكره مستغرقا في أسرار الملكوت، وحواسه مقصورة على اجتلاء أنوار الجبروت فتثبت حينئذ في مقام القرب قدمه ويمتزج بالمحبة لحمه ودمه إلى أن يغيب عن نفسه ويذهل عن حسه فتتلاشى الاغيار في نظره حتى أكون بمنزلة سمعه وبصره كما قال من قال: جنوني فيك لا يخفى، ونارى منك لا تخبو * فأنت السمع والإبصار والأركان والقلب أقول: هذا قريب مما نقل عن صاحب الشجرة الإلهية أنه قال فيها كما أن النفس في حال التعلق بالبدن تتوهم أنها هي البدن أو أنها فيه وإن لم تكن هو ولا فيه فكذلك النفس الكاملة إذا فارقت البدن وقطعت تعلقها من شدة قوتها ونوريتها وعلاقتها العشقية مع نور الأنوار، والأنوار العقلية تتوهم أنها هي فتصير الأنوار مظاهر النفوس المفارقة كما كانت الأبدان أيضا فهذا هو معنى الاتحاد لا بمعنى صيرورة الشيئين شيئا واحدا فإنه باطل، وقيل المعنى لا يسمع إلا بحق وإلى حق، ولا


= وللعوام وتدخلهم في الدين ضرر عظيم فقد أوجب بدع العوام الصوفية ودعاويهم وما يعرفون تنفير الناس عن كثير من العبادات ومحاسن الشريعة فلا يرغب أحد في تهذيب النفس وتحسين الأخلاق والرياضات المشروعة والأذكار والأدعية وعرض عيوب نفوسهم على البصراء بأدواء القلب والاستعلاج حذرا من التشبه بالصوفية. قد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه كان يختار أشق الأمور على نفسه حتى المباحات فإذا كان شيئا كلاهما مباحين يختار أبعدهما عن اللذة. والرياضة حسنة على كل حال. (ش). (*)

[ 428 ]

ينظر إلا بحق وإلى حق ولا يبطش إلا بإذن الحق، ولا يمشي إلا إلى ما يرضى به الحق وهو المحق الولي والمؤمن حقا الذي راح عنه كل باطل وصار واقفا مع الحق. وهو قريب مما ذكرناه ثانيا. ثم نبه على جلالة قدره وعلو منزلته عنده وكمال عطفه ورحمته عليه عند وفاته آخر أمره بقوله: (وما ترددت في شئ أنا فاعله كترددي عن موت المؤمن يكره الموت وأكره مساءته) قد مر شرحه في آخر باب " الرضا بموهبة الإيمان " فلا نعيده. 8 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن إسماعيل بن مهران، عن أبي سعيد القماط، عن أبان بن تغلب، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لما أسري بالنبي (صلى الله عليه وآله) قال: يا رب ما حال المؤمن عندك ؟ قال: يا محمد من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وأنا أسرع شئ إلى نصرة أوليائي وما ترددت عن شئ أنا فاعله كترددي عن وفاة المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الغنى ولو صرفته إلى غير ذلك لهلك، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الفقر ولو صرفته إلى غير ذلك لهلك وما يتقرب إلي عبد من عبادي بشئ أحب إلي مما افترضت عليه ليتقرب إلي بالنافلة حتى احبه فإذا أحببته كنت إذا سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به ويده التي يبطش بها إن دعاني أجبته وإن سألني أعطيته. * الشرح: قوله (لما أسري بالنبي (صلى الله عليه وآله) قال يا رب ما حال المؤمن عندك) أي ما قدره ومنزلته وأسري بالبناء للفاعل والمفعول من السري على وزن الهدي وهو السير في الليل ويكون أوله وأوسطه وآخره. يقال سريت الليل وسريت بالليل إذا قطعته بالسير واسريت بالألف لغة حجازية ويستعملان متعديين بالباء إلى المفعول فتقول سريت بزيد وأسريت به إذا جعلته سايرا في الليل وتقييده بالليل في قوله عز وجل * (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى) * للدلالة بتنكير الليل على تقليل مدة الإسراء مع أن المسافة بين المسجدين مسير أربعين ليلة كما صرح به شيخ العارفين وغيره، ثم بعد ما أشار عز وجل إلى أنه منتقم للمؤمن من أعدائه وناصر له ورؤوف به أشار بقوله: (وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الغنى ولو صرفته إلى غير ذلك لهلك، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الفقر ولو صرفته إلى غير ذلك لهلك) إلى أن كل ما يفعله به من الغنى والفقر وغيرهما فهو خير له وأصلح بحاله وأحفظ له من الفساد والهلاك، وإلى ترغيبه في الحمد والشكر في جميع الحالات. والأولى أن من عبادي اسم أن بتقدير البعض، ومن الموصولة

[ 429 ]

خبرها دون العكس لعدم الفائدة في الإخبار كما قيل في قوله تعالى: * (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر) * وإنما أكد مضمون الجملة بأن لكونه في محل التردد أو الإنكار لأن أكثر الخلق مترددون فيه بل ربما ينكره بعضهم وكون الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله) وهو أعلمه بأن أفعال الله تعالى مبنية على الحكم والمصالح لا يخرجه عن مقام التأكيد لأنه باطنا لغيره كما قيل في قوله تعالى: * (ولئن أشركت ليحبطن عملك) * وانما فصل قوله " لو صرفته " عما قبله لأنه كاشف مبين له إذ كون هلاك دينه في الفقر مثلا يبين كون صلاحه في الغنى فبينهما كمال الاتصال كما صرح به الشيخ رحمه الله. 9 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من استذل مؤمنا واستحقره لقلة ذات يده ولفقره شهر الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق. 10 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن معاوية، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لقد أسرى ربي بي فأوحى إلي من وراء الحجاب ما أوحى وشافهني [ إلى ] أن قال لي: يا محمد من أذل لي وليا فقد أرصدني بالمحاربة ومن حاربني حاربته، قلت: يا رب ومن وليك هذا ؟ فقد علمت أن من حاربك حاربته، قال لي: ذاك من أخذت ميثاقه لك ولوصيك ولذريتكما بالولاية. 11 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن ابن مسكان، عن معلى بن خنيس، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): قال الله عز وجل: من استذل عبدي المؤمن فقد بارزني بالمحاربة وما ترددت في شئ أنا فاعله كترددي في عبدي المؤمن، إني احب لقاءه فيكره الموت، فأصرفه عنه وإنه ليدعوني في الأمر فأستجيب له بما هو خير له. * الشرح: قوله (إني احب لقاءه فيكره الموت فأصرفه عنه) أي فأصرف الموت عنه بتأخير أجله أو أصرف كره الموت عنه بإظهار اللطف والكرامة والبشارة بالجنة على وجه يزيل عنه كراهته ويرغب في الانتقال إلى دار القرار، ثم أشار عز وجل إلى أنه يختار له ما هو أصلح في دينه ودنياه بقوله: (وإنه ليدعوني في الأمر فأستجيب له بما هو خير له) أي أستجيب له ذلك الأمر إن كان خيرا له أو أستجيب له بدلا من ذلك الأمر بما هو خير له فيكون من باب تلقي السايل بغير ما يطلبه للدلالة على أن ذلك الغير أحسن بحاله وأنفع له.

[ 430 ]

فهرس الآيات (اتقوا الله حق تقاته) آل عمران: 102... 267 (اخسؤوا فيها ولا تكلمون) المؤمنون: 108... 328 (إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون * فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون) القلم: 17... 247 (إلا من اكره وقلبه مطمئن بالإيمان) النحل: 106... 122 - 124 (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم) البقرة: 146... 269 (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس) البقرة: 275... 274 - 276 (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم) الشورى: 37... 263 - 274 (الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا اولئك لا خلاق لهم في الآخرة) آل عمران: 77... 274 (الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب) الرعد: 21... 16 - 10 - 17 (المال والبنون زينة الحياة الدنيا) كهف: 46... 117 (إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما اف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة) الاسراء: 23... 19 (إن إبراهيم كان امة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين) النحل: 120... 186 (إن الله لا يحب الخائنين) الانفال: 58... 287 (ان الله لا يحب الفرحين) القصص: 76... 146 (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك) النساء: 116... 261 - 379 - 272 (إنا لله وإنا إليه راجعون) البقرة: 156... 338 (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) الحجرات: 13... 374 (إن أنكر الأصوات لصوت الحمير) لقمان: 19... 174 (إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم) البقرة: 271... 292 (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما) النساء: 31... 257

[ 431 ]

(إن ربك لبالمرصاد) الفجر: 14... 379 (إن سرق فقد سرق أخ له من قبل سرقة) يوسف: 77... 119 (إن كتاب الفجار لفي سجين) المطففين: 7... 294 (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) القصص: 56... 110 (انما المؤمنون إخوة) الحجرات: 10... 199 (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) الانفال:... 167 (إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا) النساء: 10... 274 (إنما يخشى الله من عباده العلماء) فاطر: 28... 349 (إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين) الاعراف: 196... 382 (إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله، إن الله لطيف خبير) لقمان: 16... 246 (ان هدى الله هو الهدى) البقرة: 120... 134 (إن هم إلا كالأنعام) الفرقان: 44... 269 (اني لاجد ريح يوسف) يوسف: 94.... 36 (اولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار) الرعد: 25... 274 (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم) البقرة: 44... 305 (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) العنكبوت: 2... 213 (أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين) المائدة: 54... 172 (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) يونس: 99... 110 (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه) الفرقان: 43... 245 (ألم أعهد اليكم يا بني آدم أن لا تعبدو الشيطان) يس: 60... 346 (أليس في جهنم مثوى للمتكبرين) الزمر: 60... 372 (أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير) الحج: 48... 23 (أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين) الاعراف: 50... 191 (أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين) النور: 7... 287 (أو إطعام في يوم ذي مسغبة * يتيما ذا مقربة * أو مسكينا ذا متربة) البلد: 16... 91

[ 432 ]

(أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤن بالحسنة السيئة) القصص: 54... 118 (أهؤلاء من الله عليهم من بيننا) الانعام: 53... 152 (أيتها العير إنكم لسارقون) يوسف: 70... 119 - 403 (أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون) المؤمنون: 57... 225 (أيمسكه على هون) النحل 59... 162 (بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار) الحديد: 12... 299 (بل الإنسان على نفسه بصيرة) القيامة: 14... 293 - 295 - 293 - 297 (بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون) الانبياء: 63... 403 - 408 (تقتلون النبيين بغير حق) البقرة: 61... 275 (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس) البقرة: 253... 269 (ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين) السجدة: 8... 370 (جنتين ذواتي أكل خمط وشئ من سدر قليل) النبأ: 16... 253 حتى تنفقوا مما تحبون) آل عمران: 52... 19 (خذ العفو وأمر بالعرف) الاعراف: 199... 182 - 366 (خلقتني من نار وخلقته من طين) الانعام: 2... 322 (ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور) سبأ: 17... 252 (ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله) الحج: 60... 153 (ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا) الممتحنة: 5... 225 (رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) الاحزاب: 23... 198 (رحمتي وسعت كل شئ) الاعراف: 156... 265 (زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا) التغابن: 7... 407 (سأل سائل بعذاب) المعارج: 1... 6 (سنستدرجهم من حيث لا يعلمون) الاعراف: 182... 214 (سنكتب ما قدموا وآثارهم وكل شئ أحصيناه في إمام مبين) الجن 26... 246 (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من رسول) الجن: 26... 182

[ 433 ]

(عن اليمين وعن الشمال قعيد * ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) ق: 17... 233 (غرف فوقها غرف مبنية) الزمر: 20... 79 (فاخرج إنك من الصاغرين) الاعراف: 13... 322 (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) النحل: 43... 152 (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا) القصص: 8... 331 (فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم) التوبة: 35... 274 (فجزاؤه جهنم خالدا فيها) النساء: 93... 274 (فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من) يوسف: 36... 405 (فذلكن الذي لمتنني فيه) يوسف 32... 346 (أفرأيت من اتخذ إله هواه) الفرقان: 43... 346 (فرحين بما آتاهم الله من فضله) آل عمران: 170... 146 (فكبكبوا فيها هم والغاوون) الشعراء: 94... 305 (فلا تكونن من الممترين) البقرة: 147... 269 (فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون) الاعراف: 99... 274 (فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها) الزخرف: 53... 225 (فما أصبرهم على النار) البقرة: 175... 242 (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) الكهف: 101... 292 - 379 (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء) الانعام: 125... 112 (فوقاه الله سيئات ما مكروا) غافر: 45... 115 (قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم وقال الذين) الانعام: 124... 339 (قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين) الاعراف: 12... 283 (قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون) الشعراء: 177... 152 (فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم) سبأ: 19... 252

[ 434 ]

(قد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها) النساء: 14... 174 (قل انما أنا بشر مثلكم يوحى) الكهف: 110... 299 (قل رب زدني علما) طه: 114... 156 (قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر) الانعام: 63... 382 (كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون) الصف: 3... 305 (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) المطففين: 14... 251 (كل حزب بما لديهم فرحون) المؤمنون: 53... 146 (لأقعدن لهم صراطك المستقيم) الاعراف: 16... 202 (لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم) النور: 23... 274 (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) آل عمران: 92... 19 (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) الانبياء: 22... 367 (ليميز الله الخبيث من الطيب) آل عمران: 179... 174 (ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء) الشورى: 52... 26 (ما من دابة إلا على الله رزقها) هود: 6... 348 (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) ق: 18... 60 - 63 (معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون) يوسف: 79... 405 (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) الانعام: 160... 76 - 83 - 296 (من شر الوسواس الخناس * الذي يوسوس في صدور الناس * من الجنة والناس) الناس: 4... 238 (من قتل نفسا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) المائدة: 32... 105 (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب) الشورى: 20... 337 (من يؤت الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا) البقرة: 269... 272 (نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا) الزخرف: 32... 350 (واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم) لقمان: 15... 24 (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام) النساء: 16.... 17 - 6 - 16

[ 435 ]

(واجعل لي لسان صدق في الآخرين) مريم: 50.... 9 (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) الفرقان: 63... 357 (وإذا مروا باللغو مروا كراما) الفرقان: 72... 357 (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في) الانعام: 68... 174 (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم) المنافقون: 4... 179 (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون) البقرة: 14... 169 (واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا) مريم: 54... 287 (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) آل عمران: 103... 411 (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) عنكبوت: 69... 134 (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم) التوبة: 34... 277 (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا) النساء: 20... 76 (وامتازوا اليوم أيها المجرمون) يس: 59... 174 (وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون * الحق من ربك) البقرة: 146... 269 (وإني لغفار لمن تاب) طه: 82... 266 (وأعد له عذابا عظيما) النساء: 93... 275 (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى) النازعات: 40... 388 (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) النجم: 39... 24 - 348 (وأيدهم بروح منه) المجادلة: 22... 237 - 266 - 269 - 271 (وبالوالدين إحسانا) البقرة: 83... 19 - 22 (وتتلقاهم الملائكة، هذا يومكم الذي كنتم توعدون) الانبياء: 103... 95 (وجعلني مباركا أينما كنت) مريم: 31... 31 (وشاركهم في الأموال والأولاد) الاسراء: 64... 358 (وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه) غافر: 28... 211 (وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوء من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين) الزمر: 74... 72

[ 436 ]

(وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ) النساء: 140... 70 (وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه) الاسراء: 23... 22 (وقولوا للناس حسنا) البقرة: 83... 30 (وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا) الانعام: 129... 385 (وكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين) البقرة: 35... 341 (ولا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى) البقرة: 264... 333 (ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله) ص: 24... 389 (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس) البقرة: 224... 104 (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط...) الاسراء: 29... 46 (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين بما آتاهم الله من فضله) آل عمران: 170... 25 (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) هود: 113... 231 - 384 (ولا تزر وازرة وزر أخرى) الانعام: 164... 382 (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم) الانعام: 108... 21 (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن السيئة فإذا الذي بينك وبينه عداوة كانه ولي حميم) فصلت: 34... 121 (ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا) الاسراء: 37... 149 (ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الخاسرون) يوسف: 87... 266 (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) البقرة: 267... 271 (ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين) الاعراف: 130... 175 (ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق) البقرة: 102... 274 (ولكن البر من اتقى) البقرة: 189... 21 - 153 (وللبسنا عليهم ما يلبسون) الانعام: 9... 389 (ولمن انتصر بعد ظلمه) الشورى: 41... 357 (ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون) آل عمران: 135... 281 (ولو كان بهم خصاصة) الحشر: 9... 98 (ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) آل عمران: 159... 181

[ 437 ]

(ولولا أن يكون الناس أمه واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا) الزخرف: 33... 191 - 230 (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله) النساء: 9... 383 (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) الحشر: 7... 61 (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير) الشورى: 30... 242 (وما أنا بظلام للعبيد) آل عمران: 182... 139 (وما قدروا الله حق قدره) الانعام: 91... 61 (ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا) الانسان: 26... 160 (ومن أحياها فكأنما أحيى الناس جميعا) المائدة: 32... 91 (ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم بعد علم شيئا) النحل: 70... 269 (ومن يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة) (إنه لا ييأس من روح الله) مائدة 72... 274 (ومن يغلل يأت بما غل يوم القيمة) آل عمران: 161... 274 (ومن يفعل ذلك يلق أثاما * يضاعف له العذاب يوم القيمة ويخلد فيه مهانا) هود: 20... 274 (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها) النساء: 93... 275 (ومن يكتمها فإنه آثم قلبه) البقرة: 283... 274 (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) الحشر: 9... 98 (ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم) وبئس المصير) الانفال: 16... 274 (ونزعنا ما في صدورهم من غل) الحجر: 47... 244 - 325 (ونكتب ما قدموا وآثارهم) يس: 11... 9 (ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم) العنكبوت: 8... 22 (ويقدم قومه يوم القيامة) هود: 98... 73 (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة الحشر: 9... 98 (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) الزمر: 9... 373 (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) الصف 2... 172 - 144

[ 438 ]

(يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة) التحريم: 6... 107 (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول...). الحجرات: 2... 20 (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله) المنافقون: 9... 157 (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم * تؤمنون بالله ورسوله) الصف: 10... 152 (يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياى فاعبدون) العنكبوت: 56... 165 (يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم) الزمر: 53... 266 (يا قوم اتبعوا المرسلين) يس: 20... 210 - 220 (يا قوم اتبعوني أهدكم سبيل الرشاد) غافر: 29... 220 (يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياى فاعبدون) العنكبوت: 56... 165 (يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم) الزمر: 53... 266 (يا قوم اتبعوا المرسلين) يس: 20... 210 - 220 (يا قوم اتبعوني أهدكم سبيل الرشاد) غافر: 29... 220 (يد الله فوق أيديهم) الفتح: 10... 20 (يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء) المائدة: 40... 281 (يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين) الحجرات: 17... 334 (يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) النساء: 40... 73 (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا آل عمران: 30... 73 (لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال) الحجر: 33... 326

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية