الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




شرح أصول الكافي - مولي محمد صالح المازندراني ج 7

شرح أصول الكافي

مولي محمد صالح المازندراني ج 7


[ 1 ]

كتاب الكافي الأصول والروضة لثقة الاسلام أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني مع شرح الكافي الجامع للمولى محمد صالح المازندراني المتوفى 1081 ه‍ مع تعاليق الميرزا أبو الحسن الشعراني المجلد السابع

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم باب فيما جاء أن حديثهم صعب مستصعب * الأصل: 1 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن سنان، عن عمار بن مروان، عن جابر قال: قال: أبو جعفر (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن حديث آل محمد صعب مستصعب لا يؤمن به إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان. فما ورد عليكم من حديث آل محمد (صلى الله عليه وآله) فلانت له قلوبكم وعرفتموه فاقبلوه وما اشمأزت منه قلوبكم وأنكرتموه فردوه إلى الله وإلى الرسول وإلى العالم من آل محمد، وإنما الهالك أن يحدث أحدكم بشئ منه لا يحتمله، فيقول: والله ما كان هذا، والله ما كان هذا، والإنكار هو الكفر. * الشرح: قوله (إن حديث آل محمد صعب مستصعب (1) لعل المراد أن حديثهم وحديث ما هم عليه


1 - قوله " صعب مستصعب " مفاد هذا الباب نهي العوام عن التعرض لما لا يفهمون ولا يستعدون لإدراكه ونهي الخواص عن إلقائه على العوام كما قال موسى بن جعفر (عليهما السلام) ليونس " ارفق بهم فإن كلامك يدق عليهم " وقد نهى الحكماء عن مثل ذلك. قال ابن سينا في أول الإشارات: وأنا أعيد وصيتي وأكرر التماسي أن يضن بما يشتمل عليه هذه الأجزاء كل الضن على من لا يوجد فيه ما اشترطه في آخر هذه الإشارات وقال في آخر الإشارات: فضنه عن الجاهلين والمبتذلين ومن لم يرزق الفطنة الوقادة والدربة والعادة وكان صغاه مع الغاغة، أو كان من ملحدة هؤلاء المتفلسفة، انتهى. وسر ذلك أنه ما من مسألة من المسائل العقلية والأصولية إلا وللوهم فيها معارضة ومكافحة يجب التمرن لدفع وسوسته حتى يؤمن العقل من إبداء الأدلة ويخضع النفس له ولا بد أن يكون الناظر في الأدلة متمرنا في تفكيك مدركات الوهم عن مدركات العقل ويرتاض حتى يعتاد ولا يحصل ذلك بسهولة لكل أحد، وهذا معنى قوله (عليه السلام) " امتحن الله قلبه للإيمان " والمثال المعروف أن العقل يركب قياسا من مقدمات بينه يوافقه الوهم فيقول: الميت جماد والجماد لا يخاف منه، فينتج: الميت لا يخاف منه، فيعترف العقل بهذه النتيجة ولا يعترف الوهم، وكذلك الإيمان بالله يعارضه الوهم بأن كل موجود محسوس، والله تعالى ليس بمحسوس فهو - نعوذ بالله - ليس بموجود، والإيمان بالوحي والنبوة يعارضه الوهم بأن ليس للإنسان قوة إدراكية غير هذه الحواس الظاهرة والباطنة فكيف يدرك النبي أو الولي الوقايع الماضية والآتية والأمور الحالية الحادثة في الأماكن البعيدة مع وجود الحائل ؟ وكيف يسمع الصوت من عالم آخر لا يسمعه غيره ؟ = (*)

[ 4 ]

من شرافة الذات ونورانيتها والكلمات الفاضلة والأخلاق الكاملة والأشراق التي تختص بها عقولهم والقدرة على ما لا يقدر عليه غيرهم من العلم بالأمور الغيبية والأسرار الإلهية والأخبار الملكوتية والآثار اللاهوتية والأطوار الناسوتية والأوضاع الفلكية والأوصاف الملكية والوقايع الخالية والبدائع الآتية والحالية والأحكام الغريبة والقضاء العجيبة، صعب في نفسه، مستصعب فهمه على الخلق، لا يؤمن به ولا يقبله إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان وأعده بتطهيره وامتحانه وابتلائه بالتكاليف العقلية والنقلية وكيفية سلوك سبيله لحصول الإيمان الكامل بالله وبرسوله وبالأئمة وباليوم الآخر حتى يتحلى بالكمالات العلمية والعملية والفضائل الخلقية والنفسية ويعرف مبادئ كمالاتهم وقدرتهم وكيفية صدور مثل هذه الغرايب والعجائب عنهم، فيصدقهم ولا يستنكر ما ذكر من فضائلهم وما يأتون به من قول وفعل وأمر ونهي وإخبار ولا يتلقاهم بالتكذيب، كما كان جماعة من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) يفعلون ذلك معه فيما كان يخبر به من الفتن والوقايع حتى فهم ذلك منهم فقال: يقولون يكذب، قاتلهم الله فعلى من أكذب ؟ أعلى الله وأنا أول من آمن به، أو على رسوله وأنا أول من صدقه ؟ بل يحمل كل ما يقولون ويفعلون ويأتون به على وجهه وينسبه إلى مبدئه ويتلقاه بالقبول عليه ويحمله على الصواب إن عرفه ووجد له محملا صحيحا، وإن اشمأز قلبه وعجز عن معرفته تثبت فيه وآمن به على سبيل الإجمال وفوض علم كنهه إلى الله وإلى الرسول وإلى عالم من آل محمد ولا ينسبهم إلى الكذب، إذ كما أن للقرآن ظاهرا وباطنا ومحكما ومتشابها ومجملا ومفسرا كذلك ما صدر منهم، ومن نسبهم الى الكذب فقد كفر بالله العظيم، وقد أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى ذلك بقوله: " أمرنا صعب مستصعب لا يعرف كنهه إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان. فإذا انكشف لكم أو وضح لكم أمر فاقبلوه وإلا فأمسكوا تسلموا، وردوا علمنا إلى الله فإنكم في أوسع ما بين السماء والأرض ". قوله: (فما ورد عليكم من حديث آل محمد (صلى الله عليه وآله) - إلى آخره - سواء دل ذلك الحديث على


= ويرى الملك والموجودات الغيبية وليس لأحد قوة مدركة لذلك وكذلك كل شئ معارض بشبهة ولا يتخلص عنها إلا من ارتاض وتمرن وساوس الاوهام من مدركات العقول والوهم متقيد بالعادات وانحاصر الحقيقة في حدود خاصة استأنسها فإذا فاجأها غير المأنوس أنكر واستوحش منه وعد قائله سفيها أو نسبه إلى الضلال والكفر اعني بكل ما يراه شر العقائد ومن نشأ زمنا طويلا من عمره على تعظيم الخلفاء يستوحش إذا سمع لعنهم قهرا لعادته لا لدليل دل عقله وينسب اللاعن إلى أشد ما يراه من العقائد. (ش) (*)

[ 5 ]

أسرار المبدأ والمعاد أو على الأحكام والأخلاق (1)، أو على أحوال القرون الماضية والآتية، أو على صفاتهم وكمالاتهم الفايقة على كمالات غيرهم فما ورد عليكم من هذه الأحاديث فإن لانت له قلوبكم واحتملته ولم تستصعبه وعرفت المراد منه إما لكونه ظاهرا أو لكونه مؤولا بتأويل موافق لقوانينهم عقلا ونقلا فاقبلوه واعملوا به إن كان متعلقا بالعمل، وإن اشمأزت منه قلوبكم وتقبضت منه وانكرته أي لم تعرف المراد منه ولم تجد له محملا صحيحا فلا تردوه ولا تقولوا هو كاذب بل ردوا علم كنهه وحقيقته إلى أهله هذا إذا لم تجده مخالفا للكتاب والسنة النبوية مخالفة لا يمكن معها الجمع بينهما وإلا فلا ضير في رده، لما روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) من " أن كل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف " وعنه (عليه السلام) " ما جاءكم عني يخالف كتاب الله فلم أقله ". قوله (لا يحتمله) لصعوبة فهمه عليه وخروجه عن وسعه إما لقصور في عقله أو لغموض في المقصود. قوله (والإنكار هو الكفر) أي إنكارهم أو إنكار حديثهم ونسبة الكذب إليه مع العلم أو الظن بأنه حديثهم سواء سمعه شفاها أو بواسطة. * الأصل: 2 - أحمد بن إدريس، عن عمران بن موسى، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ذكرت التقية يوما عند علي بن الحسين (عليهما السلام) فقال: والله لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله. ولقد آخى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بينهما، فما ظنكم بسائر الخلق، إن علم العلماء صعب مستصعب، لا يحتمله إلا نبي مرسل أو ملك مقرب أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان، فقال: وإنما صار سلمان من العلماء لأنه امرؤ منا أهل البيت فلذلك نسبته إلى العلماء. * الشرح: قوله (فقال والله لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله) المراد بما في قلب سلمان العلوم


1 - قوله " أو على الاحكام والاخلاق " والحق أن ما ورد للعمل يجب أن يكون مبنيا حتى يمكن أن يعمل به جمع المكلفين والالزم نقص الغرض وأما الاعتقادات كاسرار المبدء والمعاد ومقامات الأئمة والانبياء فلا، يختلف الناس في استداد فهم الحقائق ومنع الفطن المدقق عنه ظلم، وتحليف البليد به تكليف بما لا يطاق، لا يبعد أن يرد في الأدلة ما يختص بفهمه بعضهم دون بعض ويكون مبينا لهم دون غيرهم ونحن نرى استعداد الناس يختلف فبعضهم يسهل عليه فهم العلوم الرياضية وبعضهمم علوم الادب ولا يمكن تعليم غير المستعد ولا يجوز منع المستعد كذلك مسائل الاصول وأما ما يتعلق بالعمل كالفقه والاخلاق فيسهل فهمه لجميع الناس وجميعهم مكلفون به. (ش) (*)

[ 6 ]

والأسرار ومنشأ القتل هو الحسد (1) والعناد، وفيه مبالغة على التقية من الإخوان فضلا عن أهل الظلم والعدوان، فان قلت: هل فيه لوم لأبي ذر ؟ قلت: لا لأن المقصود في مواضع استعمال " لو " هو أن عدم الجزاء مترتب على عدم الشرط، وأما ثبوته فقد يكون محالا لابتنائه على ثبوت الشرط وثبوت الشرط قد يكون محالا عادة أو عقلا


1 - قوله " ومنشأ القتل هو الحسد " بل هو الجهل واستيحاش كل أحد عما لم يستأنسه وخالف مرتكزات ذهنه وعادته، ولا ريب أن من نشأ على تعظيم معاوية طول عمره استوحش من سماع لعنه ونسب اللاعن إلى كل سوء والأسوأ من كل سوء في نظر المتدين الكفر فينسبه إلى الكفر ويقتله، ومن نشأ على القول بتجسم الواجب تعالى ينسب القائل بتجرده إلى الضلال والكفر وبالعكس. ومن نشأ على الاعتقاد بأن الاحتياج إلى العلة للحدوث ينسب مخالفه إلى إنكار الواجب، وبالعكس من ذهب إلى أن الاحتياج للإمكان نسب غيره إلى الكفر. إذ يقول لو جاز على الواجب العدم لما ضر عدمه وجود العالم وهكذا. وأصل الاستيحاش من عدم فهم السامع وعدم مبالاة المتكلم بإلقاء المطالب العويصة على غير المستعد. وممن رموه بالكفر والزندقة يونس بن عبد الرحمن مولى آل يقطين الذي أمر الرضا (عليه السلام) بأخذ معالم الدين عنه، وروى الكشي روايات كثيرة في ذلك منها عن أبي جعفر البصري قال " دخلت مع يونس بن عبد الرحمن على الرضا (عليه السلام) فشكى ما يلقى من أصحابه من الوقيعة، فقال الرضا (عليه السلام): " دارهم فإن عقولهم لا يبلغ "، وفي رواية عن موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: " يا يونس ارفق بهم فإن كلامك يدق عليهم "، قال: قلت: إنهم يقولون لي زنديق، قال لي: " وما يضرك أن يكون في يدك لؤلؤة فيقول الناس هي حصاة، وما ينفعك أن يكون في يدك حصاة فيقول الناس لؤلؤة " انتهى. كتب أبو جعفر الجواد (عليه السلام) إلى رجل في يونس " أحبه وأترحم عليه وإن كان يخالفك أهل بلدك " انتهى. والظاهر أن المقصود من البلد البصرة، وكتب رجل إلى الكاظم (عليه السلام) يسأله عن الزكاة: عندنا قوم يقولون بمقالة يونس، فأعطيهم من الزكاة شيئا ؟ قال فكتب إليه: نعم أعطهم " انتهى. وفي كتاب أعيان الشيعة بعد ما نقل عن بعض علمائنا أن أصحاب الأئمة عليهم السلام كانوا يقعون بعضهم في بعض بالانتساب إلى الكفر والزندقة والغلو وغير ذلك بل وفي حضورهم (عليهم السلام) أيضا، وربما كانوا يمنعون وربما كانوا لم يمنعوا لمصالح وأن هذه النسب كلها لا أصل لها فإذا كانوا في زمان الحجة بل وفي حضوره يفعلون أمثال هذه فما ظنك بهم في زمان الغيبة - إلى أن قال - إنهم لو سمعوا من أحد لفظ الرياضة وأمثال ذلك رموه بالتصرف وجمع منهم يكفرون معظم فقهائنا رضي الله عنهم لإثباتهم إسلام بعض الفرق الإسلامية، ثم قال: وبالجملة كل منهم يعتقد أمرا أنه من أصول الدين بحيث يكفر غير المقر به، بل آل الامر إلى أن المسائل الفرعية غير الضرورية ربما يكفرون من جهتها والأخباريون يطعنون على المجتهدين بتخريب الدين والخروج عن طريق الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) انتهى كلام أعيان الشيعة. وأنا أعتقد أن تكفير العقلاء والحكماء هو الذي يريده الملاحدة ويقر أعينهم به، لأن مذهبهم أن كل متدين سفيه وكل عاقل كافر وقال قائلهم: اثنان في الدنيا فذو عقل بلا * دين وآخر دين لا عقل له فمن يحكم بأن كل حكيم عاقل كافر، فهو أقوى معاون للملاحدة وأنفذ مؤيد لهم. (ش) (*)

[ 7 ]

كعلم أحدنا بجميع ما في القلب وثبوت حقيقة الملائكة للمتكلم في قوله: " لو كنت ملكا لم أعص " ومن هذا القبيل قوله تعالى: * (ولئن أشركت ليحبطن عملك) * على أنه يمكن أن يكون المقصود من التعليق هو التعريض بوجوب التقية وكتمان الأسرار على من يخاف منه الضرر كما في قولك: " والله لو شتمني الأمير لضربته " فإنه تعريض بشاتم آخر وتهديد له بالضرب بدليل أن الأمير ما شتمك ولو شتمك، لما أمكنك ضربه. فليتأمل. قوله: (ان علم العلماء) منهم سلمان كما يصرح به. قوله: (وإنما صار سلمان من العلماء لأنه) قال القرطبي: سلمان يكنى أبا عبد الله وكان ينسب إلى الإسلام فيقول: أنا سلمان ابن الإسلام، ويعد من موالي رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأنه أعانه بما كوتب عليه، فكان سبب عتقه، وكان يعرف بسلمان الخير، وقد نسبه رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى بيته فقال: " سلمان منا أهل البيت " وأصله فارسي من رامهرمز قرية يقال لها جي، وقيل: بل من أصبهان، وكان أبوه مجوسيا فنبهه الله تعالى على قبح ما كان عليه أبوه وقومه وجعل في قلبه الشوق إلى طلب الحق فهرب بنفسه وفر عن أرضه فوصل إلى المقصود بعد مكابدة عظيم الشعاب والصبر على المكابدة. وقال علي (عليه السلام): " سلمان علم العلم الأول والآخر، وهو بحر لا ينزف، وهو منا أهل البيت " وعنه أيضا: " سلمان مثل لقمان " وله أخبار حسان وفضائل جمة. قوله: (فلذلك نسبته إلى العلماء) أراد بالعلماء أهل البيت (عليهم السلام). * الأصل: 3 - علي إبراهيم، عن أبيه، عن البرقي، عن ابن سنان أو غيره رفعه إلى أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن حديثنا صعب مستصعب، لا يحتمله إلا صدور منيرة، أو قلوب سليمة أو أخلاق حسنة. إن الله أخذ من شيعتنا الميثاق كما أخذ على بني آدم * (ألست بربكم) * فمن وفى لنا وفى الله له بالجنة ومن أبغضنا ولم يؤد إلينا حقنا، ففي النار خالدا مخلدا. * الشرح: قوله: (لا يحتمله إلا صدور ومنيرة) (1) وهي صدور الأنبياء شبه نفوسهم القدسية بالشمس لمكان المشابهة بينهما في اتصافهما بأنوار الكمالات وحصول الهداية عنها مع لطفها وصفائها.


1 - قوله " صدور منيرة: هي صدور الأنبياء " لا حاجة إلى التخصيص أصلا، بل الحق تعميمه حتى يشمل أصحاب العقول السليمة والأذهان الصافية والحدس القوي والذوق السليم من العوام وإن لم يمارسوا الكتب ولم يشاركوا في العلوم الرسمية، كما أن كثيرا من الممارسين والمشاركين في العلوم قاصرون عن فهم الدقائق، وبعضهم لا يستطيع أن يجاوز ما يقرب إلى الحس ولا يدركه إلا بالسمع والبصر، فيقتصر على أمثال علم التاريخ، لأن نقوش كتابتها تدرك بالبصر وأصوات حروفها بالسمع ولا يحتاج إلى العقل. (ش) (*)

[ 8 ]

قوله: (وقلوب سليمة) وهي قلوب العلماء، لسلامتها من الآفات والجهالات، فنفى ما يلقى إليها من تلك الأسرار ولا يحملها سماع تلك الغرايب على الاستنكار. قوله: (أو أخلاق حسنة) أي صاحب أخلاق حسنة، بحذف المضاف. ويحتمل أن يكون إطلاق الأخلاق مجازا عن إطلاق اسم المتعلق على المتعلق، واسم الحال على المحل وهي قلوب اعدها الله تعالى من أجل اتصافها بالأخلاق الحسنة، لقبول الصواب والحق من أهل العلم، فإن عرفوا له محملا صحيحا حملوه، وإن عجزوا عن معرفته ردوا علم كنهه وحقيقته إلى أهل العلم والترديد من باب منع الخلو. قوله: (إن الله أخذ) أي إن الله أخذ من شيعتنا في عالم الأرواح الميثاق على ولايتنا كما أخذ من بني آدم كلهم الميثاق على ربوبيته، وفيه دلالة على أن غير الشيعة لم يقروا لهم في عالم الأرواح بالولاية، كما لم يقروا لهم بها في عالم الأبدان، يدل على ذلك ما روي عن الباقر (عليه السلام) " من أن الله تعالى دعا الخلق في الظلال إلى ولايتنا فأقر بها لله من أحب، وأنكرها من أبغض وهو قوله: * (ما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل) * (1) ثم قال (عليه السلام) كان التكذيب ثم ". قوله (فمن وفى لنا) قال الفاضل الاسترآبادي: قد وقع التصريح في كلامهم (عليهم السلام) بأن فعل الأرواح في عالم الأبدان موافق لفعلهم يوم الميثاق فالمراد: من وفى لنا في عالم الارواح وعالم الابدان بما كلفه الله تعالى من التسليم، وفى الله له بالجنة. قوله (ومن أبغضنا) أي ومن أبغضنا في عالم الأبدان كما أبغضنا في عالم الارواح ولم يرد الينا حقنا الذي هو الولاية ولم يسلم لنا فهو في النار خالدا مخلدا ولم ينفعه الإقرار بالربوبية كما لا ينفعه مع انكار النبوة، لأن النافع إنما هو الإيمان والإيمان إنما هو الإقرار بالجميع. * الأصل: 4 - محمد بن يحيى وغيره، عن محمد بن أحمد، عن بعض أصحابنا قال: كتبت إلى أبي الحسن صاحب العسكر (عليه السلام) جعلت فداك ما معنى قول الصادق (عليه السلام) " حديثنا لا يحتمله ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان " فجاء الجواب إنما معنى قول الصادق (عليه السلام) " أي لا


1 - قوله " وما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل " إن قيل ظاهر هذه اللفظة يدل على الجبر وأن من لم يقر بولايتهم في الميثاق فلا بد أن لا يقر بهم في الدنيا، قلنا ظاهر الألفاظ حجة في العمل والفرعيات، وأما في الأصول الاعتقادية فلا، ولذلك لا نلتزم بأن الواجب الاعتقاد بالجبر لمن سمع مثل هذه الرواية إلى أن يقوم القرينة على خلافها كما نقول في العمل الذي لا محيص عن امتثاله بل نقول يجب فيه التوقف حتى يبين وجهه وسيجئ في محله، وقد مضى شئ منه في أواخر المجلد الرابع وأوائل الخامس. (ش) (*)

[ 9 ]

يحتمله ملك ولا نبي ولا مؤمن ": أن الملك لا يحتمله حتى يخرجه إلى ملك غيره والنبي لا يحتمله حتى يخرجه إلى نبي غيره والمؤمن لا يحتمله حتى يخرجه إلى مؤمن غيره، فهذا معنى قول جدي (عليه السلام). * الشرح: قوله (ما معنى قول الصادق (عليه السلام) حديثنا لا يحتمله ملك مقرب) لما كان ظاهر هذا الحديث أن حديث فضائلهم (عليهم السلام) لا يحتمله هؤلاء المقربون ولا يؤمنون به وهو باطل، سأله سائل عن محمل صحيح (1) له فأجاب (عليه السلام) بأن الغاية محذوفة ومعناه أنهم لا يحتملونه حتى يؤدونه ويخروجون


1 - قوله " وهو باطل سأله سائل عن محمل صحيح " الكلام ليس خاصا بفضائلهم (عليهم السلام) وليس عاما أيضا لجميع فضائلهم، بل في كل باب من أبواب الأصول أسرار، لا يحتملها إلا ملك مقرب... الخ. أما مع كلمة إلا الاستثنائية بمعنى أن الملك المقرب والنبي المرسل والمؤمن الممتحن يحتملونه. وأما بحذف كلمة إلا بمعنى أن الملك المقرب أيضا لا يحتمله، والإشكال فيه على الحذف أنه إذا لم يحتمله هؤلاء فلا يحتمله غيره بالطريق الأولى، فما فائدة ذكر هذا الحديث ونقله وروايته إذا لم يحتمله أحد. الجواب عن الإشكال على ما نسب في هذه الرواية إلى الإمام (عليه السلام) أن المقصود ليس عدم احتمال الملك المقرب وغيره لهذا الحديث مطلقا بل يحتمله، ليوصل الحديث الصعب إلى غيره، وكان الشارح لم يرض بهذا الجواب وتمسك بالتسليم ورد علمه إليهم والحق أن الرواية ضعيفة والراوي مجهول، ولازم هذا الجواب أن الاحتمال بمعنى النقل والرواية، مع أن الظاهر بل صريح ما يأتي في الحديث الخامس أنه بمعنى القبول والإدراك، فإن صح حديث الحذف، كان المفاد أن الملك المقرب أيضا لا يدرك ولا يفهم حديثهم، فالوجه أن يحمل على ما لم يظهر منهم (عليهم السلام) أصلا لا ما نقل واشتهر وتداول من حديثهم ووجد بأيدي الناس إذ يخلو حينئذ نقله عن الفائدة. وربما ينصرف ذهن الماديين والملاحدة من هذا الحديث إلى أن مسائل الإمامة وأمثالها من مسائل ما وراء الطبيعة التي ليس للإنسان قوة على دركها ولذلك هي صعب مستصعب وإنما الإنسان له قوة الحس فقط والحس لا يجاوز أجسام هذا العالم المادي. وفيه أن هذا غير مفهوم من هذا الحديث بل المستفاد منه أن بعض المسائل لغموضه مما لا يصل إليه ذهن أكثر أفراد الإنسان ولا ينافي ذلك وجود قوة على ادراك ما وراء الطبيعة بل تلك القوة هي الأمانة التي عرضها الله على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان، ثم إن هذا المعنى الخبيث الباطل لا يصح نسبته إلى الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) مع أن شأنهم صرف الأذهان إلى إدراك ما وراء الطبيعة والتفكر فيه وذم الذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون، ومنع الناس عن القول بالتقليد ومتابعة الكبراء وأمرهم بالتدبر والتعقل في أدلة التوحيد والنبوة والمعاد، فلو كان مسائل ما بعد الطبيعة مما لا يصل إليه ذهن الإنسان بطل هذه كلها، والعجز عن البعض لا يوجب العجز عن الكل كما أن عجز البصر عن رؤية بعض الأشياء لا يوجب عجزه عن رؤيه كلها ولو كان عجز العقل عن إدراك بعض المسائل العويصة الإلهية موجبا لإنكار قوة للإنسان يدرك بها الكليات = (*)

[ 10 ]

غيرهم ممن هو أهل له. أقول وله محمل آخر وهو أن لهم (عليهم السلام) علوما وأسرارا مخصوصة بهم لا يحتملها ولا يعلمها هؤلاء المقربون كما يأتي في رواية أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) ولكن ما أجاب به (عليه السلام) وجب التسليم به. قوله (والمؤمن لا يحتمله حتى يخرجه إلى مؤمن غيره) انما قال إلى مؤمن للتنبيه على أن المؤمن المحتمل لحديث فضائلهم يجب أن يكون أمينا يعني ما يلقى إليه منه يوصله إلى أمين مثله ويحفظ عن الإذاعة إلى من لا يحتمله ولا ينتفع به ولا يكون أهلا له. وقد دلت الروايات المتكثرة على وجوب كتمان العلم عن غير أهله. * الأصل: 5 - أحمد بن محمد، عن محمد بن الحسين، عن منصور بن العباس، عن صفوان بن يحيى، عن عبد الله بن مسكان، عن محمد بن عبد الخالق وأبي بصير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) يا أبا محمد إن عندنا والله سرا من سر الله وعلما من علم الله والله ما يحتمله ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان والله ما كلف الله ذلك أحدا غيرنا ولا استعبد بذلك أحدا غيرنا وإن عندنا سرا من سر الله وعلما من علم الله، أمرنا الله بتبليغه ؟ فبلغنا عن الله عز وجل ما أمرنا بتبليغه، فلم نجد له موضعا ولا أهلا ولا حمالة يحتملونه حتى خلق الله لذلك - أقواما خلقوا من طينة خلق منها محمد وآله وذريته، ومن نور الله منه محمدا وذريته، وصنعهم بفضل رحمته التي صنع منها محمدا وذريته، فبلغنا عن الله ما امرنا بتبليغه فقبلوه واحتملوا ذلك [ فبلغهم ذلك عنا فقبلوه واحتملوه ] وبلغهم ذكرنا فمالت قلوبهم إلى معرفتنا وحديثنا، فلولا أنهم خلقوا من هذا، لما كانوا كذلك، لا والله ما احتملوه. ثم قال: إن الله خلق أقواما لجهنم والنار، فأمرنا أن نبلغهم كما بلغناهم واشمأزوا من ذلك ونفرت قلوبهم وردوه علينا ولم يحتملوه وكذبوا به وقالوا: ساحر كذاب، فطبع الله على قلوبهم وأنساهم ذلك، ثم أطلق الله لسانهم ببعض الحق، فهم ينطقون به وقلوبهم منكرة ليكون ذلك دفعا


= المعقولة، كان عجزه عن إدراك بعض المبصرات موجبا لإنكار القوة الباصرة التي يدرك بها الجزئيات والحق انه ليس بين مسائل ما وراء المادة والمسائل الطبيعة فرق أصلا والمادي يدق فطنته عن ادراك المسائل المادية العويصة، كما يدق عن مسائل ما بعد الطبيعة، ولذلك لا يعترفون بتناهي الأبعاد، لضعف عقلهم عن إدراكه، ولا بوجود الصورة النوعية النباتية والحيوانية، ويتحيرون في سر الحياة ولا يعلمون أن المادة أصل للقوى، أو القوى أصل للمادة، ولا يتعقلون أن المادة استعداد محض وأن القوة أعني مبدأ التأثير من جانب الصورة إلى غير ذلك. (ش) (*)

[ 11 ]

عن أوليائه وأهل طاعته، ولولا ذلك ما عبد الله في أرضه، فأمرنا بالكف عنهم والستر والكتمان، فاكتموا عمن امر الله بالكف عنه واستروا عمن أمر الله بالستر والكتمان عنه، قال: ثم رفع يده وبكى وقال: اللهم إن هؤلاء لشرذمة قليلون فاجعل محيانا محياهم ومماتنا مماتهم ولا تسلط عليهم عدوا لك فتفجعنا بهم، فإنك إن أفجعتنا بهم لم تعبد أبدا في أرضك وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما. * الشرح: قوله (إن عندنا والله سرا من سر الله) إن كان " من " للتبعيض يستفاد منه أن بعض الأسرار والعلوم مختص به سبحانه وبعضها أظهر لهم (عليهم السلام) وهو على قسمين قسم يختص بهم وقسم لا يختص بهم بل هم مأمورون بتبليغه إلى الخلق ولا يقبله منهم إلا من كان بينه وبينهم مناسبة ذاتية وموافقة روحاينة ولا بد من استثناء نبينا (عليه السلام) من قوله " ولا نبي مرسل " لأنه أولى بالاختصاص بذلك العلم المختص بهم إذ منه وصل إليهم. قوله (فلم نجد له موضعا ولا أهلا ولا حمالة) الظاهر أن الحمالة بتشديد الميم من صيغ المبالغة، والتاء إما للمبالغة كعلامة أو للتأنيث بتقدير موصوف مؤنث أي طائفة حمالة، ثم القابل لذلك العلم باعتبار أنه يوضع فيه يسمى موضعا، وباعتبار أنه مستعد لقبوله يسمى أهلا، وباعتبار أنه يحتمله يسمى حمالة، فهي بالذات واحد، وبالاعتبار مختلف. قوله (حتى خلق الله لذك أقواما من طينة) لما علم الله تعالى أن أقواما يقبلون حديث محمد وذريته (صلى الله عليه وآله) خلقهم لطفا وتفضلا من طينتهم وأصلهم، ليكون ذلك معينا لهم في القبول والتحمل وليرجعوا في الدنيا والآخرة إلى أصلهم فلا يلزم الجبر ولا الظلم في خلق من عداهم من غير طينتهم، وحينئذ قوله فيما بعد " فلو لا أنهم خلقوا من هذا لما كانوا كذلك " معناه أن كونهم كذلك أي قائلين محتملين لحديثهم، لأجل تحقق خلقهم من هذا معين لهم في القبول والتحمل أو لأن تحقق المسبب دليل على تحقق السبب وعدم نقيضه، وبعبارة أخرى: لما خلق الله تعالى طينتهم (عليهم السلام) وأرواحهم نورانيين وأشرقت أنوارهم على طينة كل من يحتمل حديثهم وسلم لهم في عالم الأعيان وعلى أرواحهم بحيث يستضئ بنورهم في عالم الأنوار، كل من يستضئ بنورهم في عالم الأبدان على أن يكون ذاك سببا عن هذا كما أن ظل الشئ مسبب عنه خلقه الله تعالى من نور طينتهم وأرواحهم فهو نوراني في العالمين كما أن من لم ينتفع بحديثهم ولم يسلم لهم ظلماني

[ 12 ]

فيهما، وهذا الذي ذكرته من باب الاحتمال (1) والله - تعالى شأنه - عالم بحقيقة الحال. قوله (وصنعهم بفضل رحمته) يعني رحمته تعلقت أولا بصنع محمد وذريته (عليهم السلام) ولذلك سماه رحمة للعالمين، وثانيا بصنع شيعتهم ومواليهم وهم الذين كانوا في علم الله تعالى تابعين لأقوالهم وأعمالهم قابلين لاشراقاتهم وأنوارهم ثم خلق من عقبه أقواما كانوا في علم الله تعالى نافرين من نورهم مائلين إلى الظلمة وهو الذي سبقت رحمته غضبه. قوله (فقبلوه واحتملوا ذلك) (2) لعل المراد بالاحتمال: الإذعان بالجنان، وبالقبول: التصديق باللسان بأن يقول هذا حق ويحتمل العكس كما يحتمل التأكيد. قوله (فبلغهم ذلك عنا فقبلوه واحتملوه) الظاهر أنه تأكيد للأول، ويحتمل أن يكون الأول مختصا بمن سمع مشافهة، والثاني بمن سمع بواسطة. قوله (إلى معرفتنا وحديثنا) العطف إما على المضاف، أو على المضاف إليه، والمراد بالمعرفة: التصديق بولايتهم والإذعان بصدق حديثهم. قوله (ثم قال: إن الله خلق أقواما لجهنم والنار) اللام للعاقبة لا للتعليل يعني أنه خلق أقواما عاقبة عملهم دخول النار لردهم التكليف الأول بالولاية (3) في عالم الأرواح والتكليف الثاني بها في عالم الأبدان والفائدة في التكليف الثاني هي التأكيد وإلزام الحجة والتنبيه عن الغفلة ولجريان الحكمة على عدم التعذيب بدونه كما قال جل شأنه: * (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) *. قوله (واشمأزوا من ذلك إلى قوله ساحر كذاب) يريد أنهم أنكروا ذلك ظاهرا وباطنا، أما باطنا فلأنه لم يحصل لهم التصديق. والإذعان به وأما ظاهرا فلأنهم نسبوا الكذب والافتراء إليه، كل ذلك لمانع اختياري لهم هو معارضة الحق الصريح والنص الصحيح بمقدمات باطلة خيالية، والقدح


1 - قوله " ذكرته من باب الاحتمال " كأن الشارح أحس في توجيهه لنفي لزوم الجبر دغدغة وذلك لأن خلق أفراد الإنسان من طينتين مختلفتين إن استلزم ترتب ما يترتب عليها من الخير والشر قهرا لزم الجبر وهو ظلم، وإن لم يستلزم بل اقتضى أقربية من خلقهم الله من الطينة الطيبة إلى الخير ومن خلقهم من الطينة الخبيثة إلى الشر لزم التبعيض والظلم، ومقتضى العدل أن يخلق جميع الناس من طينة واحدة حتى يتساوى نسبة جميعهم إلى الخير والشر، وبالجملة يجب تأويل أخبار الطينة بما لا يوجب الجبر ولا أقربية بعض الناس إلى الشر من بعض. (ش) 2 - قوله " فقبلوه واحتملوا ذلك " هذا تصريح بأن الاحتمال بمعنى الفهم والقبول دون النقل والرواية كما سبق الإشارة إليه. (ش) 3 - قوله " التكليف الأول بالولاية " تسميته تكليفا لا يخلو عن مسامحة بل التكليف إنما هو في دار التكليف أعني الدنيا. (ش) (*)

[ 13 ]

فيهما باحتمالات فاسدة وهمية كاحتمال السحر ونحوه. قوله (فطبع الله على قلوبهم وأنساهم ذلك) لما أعرضوا عن الحق وأنكروه وأبطلوا استعدادهم الفطري (1) استحقوا سلب اللطف عنهم، فشبه ذلك بالطبع لأنه مانع من دخول الحق في قلوبهم كالطبع، قال الفاضل الاسترآبادي: هذا صريح في أن إضلال الله تعالى بعض عباده من باب المجازاة لا الابتداء كما زعمته الاشاعرة. قوله (ثم اطلق الله لسانهم) أي وفقهم لذلك وهداهم إليه لا لأن ينفعهم به بل لأن يدفع به ضررهم عن أوليائه. قوله (فاكتموا عمن أمر الله بالكف عنه) قال الله تعالى فيما ناجى موسى بن عمران (عليه السلام) " إني أنا الله فوق العباد والعباد دوني وكل لي داخرون، فاتهم نفسك ولا تأتمن ولدك على دينك إلا أن يكون ولدك مثلك يحب الصالحين ". قوله (فاجعل محيانا محياهم ومماتنا مماتهم) المحيا: مفعل من الحياة وهو ضد الموت، أي اجعل حياتهم مثل حياتنا في صرفها إلى طاعاتك والتوصل إلى مرضاتك، واجعل موتهم مثل موتنا في الابتهاج بدخول جنانك والسرور بمشاهدة رضوانك، ويحتمل أن يكون المراد اجعل زمان حياتهم وموتهم مثل زمان حياتنا وموتنا فيما ذكر. قوله (ولا تسلط عليهم عدوا لك) طلب دفع قدرته عنهم ورفع امضاء شوكته منهم. قوله (فتفجعنا بهم) أي فتوجعنا بسبب تسلط العدو عليهم أو فتوجعنا معهم وقد يكنى به عن الهلاك وهو الأنسب هنا بالسياق.


1 - قوله " وأبطلوا استعدادهم الفطري " تصريح بأن هؤلاء الأقوام ذوو استعداد فطري نحو الخير وليس معنى خلقهم من طينة خبيثة قهرهم على الباطل والشر أو تقريبهم إليهما، وبالجملة قيد الشارح (رحمه الله) كل كلمة يتوهم منها الظلم والجبر بقيد يندفع منه احتمال ذلك. وهنا سؤال وهو أنه ما الفرق بين ما تحقق عقلا ونقلا من اختلاف استعداد أفراد الناس في الفهم والإدراك كما مر في أول الباب، وبين اختلاف فطرتهم في قبول الحق والتوحيد والولاية ؟ قلنا أما الأول فلا يجب ظلما ولا جبرا وكل من له استعداد لشئ يجزي على قدر استعداده، كما لا يعد حرمان الحيوان عن علوم الإنسان ظلما ولا حرمان البليد عن فضائل الفطن جبر بعد أن لكل منهما ثوابا على عمله بقدر استحقاقه، وأما محرومية الملحد والناصب عن التوحيد والولاية بمقتضى الفطرة قهرا ثم عقابه على تلك المحرومية القهرية ظلم ولو فرض محالا أن بعض أفراد الإنسان بمنزلة السباع ليس فيهم فطرة نحو الخير بل مجبولون على الشر ومجبورون عليه التزمنا بنفي التكليف عنهم كالمجانين. (ش) (*)

[ 14 ]

باب ما أمر النبي (صلى الله عليه وآله) بالنصيحة لأئمة المسلمين واللزوم لجماعتهم ومن هم ؟ * الأصل: 1 - عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن أبان ابن عثمان، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) خطب الناس في مسجد الخيف فقال: نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلغها من لم يسمعها، فرب حامل غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة لأئمة المسلمين واللزوم لجماعتهم، فإن دعوتهم محيطة من ورائهم، المسلمون إخوة تتكافى دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم. ورواه أيضا عن حماد بن عثمان، عن أبان، عن ابن أبي يعفور، مثله، وزاد فيه: وهم يد على من سواهم، وذكر في حديثه أنه خطب في حجة الوداع بمنى في مسجد الخيف. * الشرح: قوله (في مسجد الخيف) بفتح الخاء وسكون الياء ما ارتفع عن مجرى السيل وانحدر عن غلظ الجبل، ومسجد منى يسمى مسجد الخيف، لأنه في سفح جبلها. قوله (نضر الله عبدا) نضره ونضره وأنضره أي نعمه، فنضر ينضر من باب نصر وشرف يتعدى ولا يتعدى، وفي النهاية: روى بالتخفيف والتشديد من النضارة وهي في الأصل حسن الوجه والبريق وإنما أراد حسن خلقه وقدره، وفي المغرب عن الأزدي: ليس هذا من الحسن في الوجه، وانما هو في الجاه والقدر، واستدل النافي لنقل الحديث بالمعنى بهذا الحديث، الجواب لا يدل هذا على المطلوب لانه دعا لمن نقله بصورته لأنه أولى وأحسن ولا نزاع في أن نقله بصورته أولى، وقد مرت الروايات الدالة على جواز نقله بالمعنى على أنه يمكن حمل هذا الحديث على مطلق حفظه وتبليغه الشامل لحفظ المعنى وتبليغه فإن من سمع الحديث وضبط معناه وبلغه صح أن يقال أداه كما سمعه ولذلك صح أن يقول المترجم أديته كما سمعته. قوله (قرب حامل فقه) (1) تعليل للتبليغ وإشارة إلى فائدته فإن المبلغ إليه قد يكون فقيها دون


1 - قوله " فرب حامل فقه " تصريح بأن قوة الاجتهاد شئ زائد على نقل الروايات وحفظ المسائل، ولذلك قد لا يكون حامل الفقه فقيها. (والفقيه هنا بمعنى المجتهد في عرف المتأخرين) والسر فيه أن بعض الناس = (*)

[ 15 ]

المبلغ وقد يكون أفقه منه فهو ينتفع منه ما لا ينتفع به المبلغ ويفهم منه إن نقل بصورته مالا يفهمه الناقل فالاولى أن يكون نقله بصورته لئلا يفوت شئ من الأغراض. قوله (ثلاث لا يغل قلب امرئ مسلم) أي يغل فيها وهذا إما نهي أو خبر في معناه، ويغل إما بضم الياء من الإغلال وهو الخيانة في كل شئ، بخلاف الغلول فإنه خيانة في المغنم خاصة أو بفتحها من الغل وهو الحقد والشحناء أي لا يدخله حقد يزيله عن الحق أو من الوغول وهو الدخول في الشر يقال: يغل - بالتخفيف - إذا دخل فيه والمعنى أن هذه الخلال الثلاث تستصلح بها القلوب فمن تمسك بها طهر قلبه من الخيانة والدغل والشر كما صرح به ابن الأثير.


= ناقصوا الاستعداد يقرب ذهنهم من أذهان الماديين ونفوسهم متوجهة إلى الحواس الخمس ويسهل عليهم إدراك المحسوسات وحفظها دون الكليات والمعقولات فيطالبون الكتب لأن نقوش الكتابة تدرك بالبصر ويحفظون ألفاظ المنقولات لأن أصوات الحروف تدرك بالسمع ولا يعسر عليهم ذلك، أما التنبه للمعاني غير المدركة بالسمع والبصر فمعسور عليهم وخلقهم الله لنقل العلم إلى غيرهم الذين يسهل عليهم التنبه للكليات والمعاني ولا يتمحضون كالجماعة الأولى لحفظ المحسوس والمسموع، والجامعة البشرية محتاجة الى وجود كلتا الطائفتين، ولم يهمل الحكمة الأزلية مصلحتهم وهو مقتضى قاعدة اللطف * (وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) * وكل ميسر لما خلق له. فإن قيل: أليس الفقه عندنا مأخوذا من النصوص دون القياس والاعتبار، أو ليس ظواهر الألفاظ حجة ؟ أو ليس فهم المعنى من اللفظ مشتركا بين جميع من عرف اللغة العربية ؟ وإذا كان هذا حقا فكيف يعقل أن يكون حامل الألفاظ غير فقيه ؟ قلنا: الاختلاف في فهم المراد من القرائن اللفظية والمعنوية الداخلية والخارجية وغير خفي ويتفاضل الناس في ذلك تفاضلا بينا جدا، ونضرب لذلك مثالا وهو أن صلاة الاحتياط بعد الشك في عدد الركعات هل هي صلاة مستقلة يصح أن يؤخر عن الصلاة الأصلية أو يجب فعلها متصلة بها وفهم أكثر العلماء من الروايات الواردة فيها أن فعلها لأجل تتميم الصلاة على فرض نقصها واقعا، ومبناه على الاحتياط بحيث يتيقن المصلي أنه فعل ما أراده الشارع فإن كانت أصل الصلاة كاملة فقد أتى بصلاة الاحتياط مفصلة بالتكبير والنية ولم يدخل المشكوك في المتيقن، وإن كانت ناقصة كانت جبرا لنقصها، وتبادر ذهنهم بالقرينة العقلية واللفظية إلى وجوب الاتصال والفور بعد تكميل الأصل، وعلم عدم قدح الفاصلة بالتكبير والنية في تتميم الأصل بصلاة الاحتياط تعبدا ولم يفهم بعضهم ذلك بتلك القرائن. وهذه هي المسألة التي اختلف فيها نظر الحكيم المتأله المولى علي النوري وصاحب القوانين (قدس سرهما) في الرسالة المشهورة التي كتبها إليه وأجاب عنها على ما نقل في جامع الشتات وذلك أن المولى المذكور (رحمه الله) استنبط باجتهاده أن صلاة الاحتياط تصح منفصلة عن الصلاة الأصلية وكان بناؤه على إعادة الاحتياطات التي فعلها سابقا لعلة ذكرها، لكن كان في قلبه دغدغة الاحتمال وجوب اتصال الاحتياط بالأصل، كما هو المشهور، ورفع صاحب القوانين دغدغته بتصويب الفعل، ولكن المشهور مخالف لفتوى صاحب القوانين، وكانت دغدغة المولى في محله، ولعل الله يوفقنا لبيان ذلك تفصيلا فيما يأتي إن شاء الله. (ش) (*)

[ 16 ]

قوله (والنصيحة لأئمة المسلمين) النصيحة إرادة الخير للمنصوح والمراد بها طاعة الأئمة وإعانتهم على الحق وتأليف القلوب إلى انقيادهم والصلاة خلفهم والجهاد معهم وبالجملة إرادة كل ما هو خير في الدنيا والآخرة لهم وترك الغش عليهم ويمكن تعميم الأئمة بحيث يتناول العلماء أيضا، ومن النصح لهم قبول رواياتهم والرجوع إليهم في الأحكام وحسن الظن بهم والذب عنهم وعن أعراضهم وتوقيرهم وجلب المنافع المشروعة إليهم وسد خلتهم وترك حسدهم وغشهم ودفع الضرر عنهم. قوله (واللزوم لجماعتهم) أي الحضور فيها والدوام عليها والاهتمام بها على قدر الإمكان وانما خص الثلاثة المذكورة بالذكر لأنها أصول لجميع الخيرات وفروع للإيمان الحقيقي بالله وبرسوله وباليوم الآخر. قوله (فان دعوتهم محيطة من ورائهم) تعليل للزوم الجماعة وترغيب في حضورها والدعوة أخص من الدعاء لأنها للمرة الواحدة، والمراد أن دعوتهم تحيط بهم أي تحدق بهم من جميع جوانبهم وتحفظهم من جميع جهاتهم، يقال: حاطه يحوطه حوطا وحياطة إذا حفظه وذب عنه، وأحاط به إذا أحدقه من جميع جوانبه، ومنه قولك: أحطت به علما أي أحدق علمي به من جميع جهاته وعرفه من كل وجه. قوله (والمسلمون إخوة تتكافى دماؤهم) أي يتساوى في القصاص والجنايات والديات لا تفاوت بين الشريف والوضيع، وا لكفؤ النظير والمساوي. قوله (ويسعى بذمتهم أدناهم) المراد بالذمة عهد الأمان الذي يجعله بعض المسلمين للعدو، يعني إذا أعطى أحد من المسلمين وإن كان أدناهم العدو أمانا جاز ذلك على جميع المسلمين (1)


1 - قوله " جاز ذلك على جميع المسلمين " يعني وجب على جميع المسلمين الوفاء بعهد آحادهم في الأمان فالجواز بمعنى المضي ويصير الحربي بالأمان محقون الدم ومصون المال بل شبهة الأمان أيضا كذلك، وحاصل الكلام: أن الكافر الحربي الذي يحل ماله ودمه ولا حرمة له إنما هو غير المعاهد وغير صاحب الشبهة فلا يجوز قتله غيلة واختلاس أمواله حين يعتقد كونه مصونا ولا يحترز فإذا دخل بلدا بظن الأمن واعتقاد أنه لا يتعرض له أحد من المسلمين ولو لشبهة غلط فيها فهو آمن، وإنما يجوز قتل من يحتمل القتل ويمكنه التحرز ومع ذلك لا يبالي ويلقي بنفسه إلى التهلكة حتى يكون عهدة هلكه عليه. قال العلامة (رحمه الله) في القواعد: كل موضع حكم فيه بانتفاء الأمان إما لصغر العاقد أو جنونه أو لغيره ذلك فإن الحربي لا يغتال بل يرد إلى مأمنه ثم يصير حربيا، وكذا لو دخل بشبهة الأمان مثل أن يسمع لفظا فيعتقده أمانا أو يصحب رفقة أو يدخل في تجارة إلى آخره. فعقد الأمان إما صحيح وإما باطل، وللصحيح شرائط مذكورة في الفقه منها أن = (*)

[ 17 ]

وليس لهم أن يظفروا ولا أن ينقضوا عليه عهده. قوله (ورواه أيضا) فاعل " رواه " غير معلوم ولعله أحمد بن محمد أبي نصر فهو رواه عن أبان بن عثمان تارة بلا واسطة وتارة بواسطة مع زيادة وهي قوله (وهم يد على من وسواهم) أي هم متناصرون على أعدائهم ومجتمعون عليهم وعلى عداوتهم، وهو خبر بمعنى الامر يعنى لا يجوز لهم التخاذل بل يجب عليهم أن يعاون بعضهم بعضا على جميع الأديان والملل بحيث يكون أيديهم كيد واحدة وفعلهم كفعل واحد. قوله (بمنى) منى بكسر الميم: اسم لهذا الموضع المعروف، والغالب عليه التذكير والصرف، وقد يكتب بالألف. * الأصل: 2 - محمد بن الحسن، عن بعض أصحابنا، عن علي بن الحكم، عن حكم بن مسكين، عن رجل من قريش من أهل مكة قال: قال سفيان الثوري: اذهب بنا إلى جعفر بن محمد، قال: فذهبت معه إليه فوجدناه قد ركب دابته، فقال له سفيان: يا أبا عبد الله حدثنا بحديث خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مسجد الخيف، قال: دعني حتى أذهب في حاجتي فإني قد ركبت فإذا جئت حدثتك. فقال: أسألك بقرابتك من رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما حدثتني. قال: فنزل، فقال له سفيان مر لي بدواة وقرطاس حتى أثبته، فدعا به ثم قال: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مسجد الخيف: " نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها وبلغها من لم تبلغه: يا أيها الناس ليبلغ الشاهد


= آحاد المسلمين يجوز لهم عقد الأمان لآحاد الكفار ولا يجوز عاما لجميع الكفار ولا لأهل إقليم ولا لبلد ولا لقرية وحصن وإنما ذلك خاص بالإمام ومن نصبه له وخص بعضهم عقد الآحاد بالعشرة فما دون من الكفار ولا يجوز للواحد التجاوز عن العشرة فان كان تخصيصهم مستفادا من لفظ الآحاد وأنه في مقابل العشرات و المئات فالمستند ضعيف، وإن كان لنص فإنا لم نره، وإن كان لإجماع فلم يثبت لنا، والحق أن ذلك غير خاص بعدد نعم نعلم عدم جواز تأمين الآحاد للحصن والقرية وأمثالهما بالسيرة والعادة وأنه لو جاز تأمين الآحاد لحصن أو قرية من الكفار لبطل أمر الجهاد والحصار وتشوشت عساكر المسلمين وفسد الأمر على الامام، وأما إن كان عقد الأمان فاسدا وصار شبهة للكفار فدخلوا بلاد الإسلام باعتقاد الأمن لم يجز سلب مالهم و قتلهم ولا الخيانة في أماناتهم وودايعهم كما استفيد من عبارة القواعد، بل للإمام الحق أن يبلغهم مأمنهم و لسائر المسلمين أن لا يتعرضوا لهم، ومنه يعلم حكم الكفار الذين يدخلون بلاد الإسلام في زماننا باعتقاد الأمن وشبهة المعاهدات الدولية وضمان الحكومات سواء كانوا تجارا أو سفراء أو عابري سبيل أو لغير ذلك من الأغراض وإن لم يكونوا ذميين ولا معاهدين بعهد صحيح صادر عمن هو أهله، والله العالم. (ش) (*)

[ 18 ]

الغائب، فرب حامل فقه ليس بفقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله والنصيحة لأئمة المسلمين واللزوم لجماعتهم، فإن دعوتهم محيطة من ورائهم، المؤمنون إخوة تتكافى دماؤهم وهم يد على من سواهم، يسعى بذمتهم أدناهم " فكتبه سفيان ثم عرضه عليه وركب أبو عبد الله (عليه السلام) وجئت أنا وسفيان. فلما كنا في بعض الطريق قال لي: كما أنت حتى أنظر في هذا الحديث، فقلت له: قد والله ألزم أبو عبد الله (عليه السلام) رقبتك شيئا لا يذهب من رقبتك أبدا فقال: وأي شئ ذلك ؟ فقلت له: ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم إخلاص العمل لله قد عرفناه، والنصيحة لأئمة المسلمين من هؤلاء الأئمة الذين تجب علينا نصيحتهم ؟ معاوية بن أبي سفيان ويزيد بن معاوية ومروان بن الحكم وكل من لا تجوز شهادته عندنا ولا تجوز الصلاة خلفهم ؟ وقوله: واللزوم لجماعتهم فأي الجماعة ؟ مرجئي يقول من لم يصل ولم يصم ولم يغتسل من جنابة وهدم الكعبة ونكح امه فهو على إيمان جبرئيل وميكائيل ؟ أو قدري يقول: لا يكون ما شاء الله عز وجل ويكون ما شاء إبليس ؟ أو حروري يتبرأ من علي بن أبي طالب وشهد عليه بالكفر ؟ أو جهمي يقول: إنما هي معرفة الله وحده ليس الإيمان شئ غيرها ؟ ! ! قال: ويحك وأي شئ يقولون ؟ فقلت: يقولون: إن علي بن أبي طالب (عليه السلام) والله الإمام الذي يجب علينا نصيحته، ولزوم جماعتهم: أهل بيته، قال: فأخذ الكتاب فخرقه ثم قال: لا تخبر بها أحدا. * الشرح: قوله (مر لي بدواة) في بعض النسخ " من لي بدواة " وهو بضم الميم وشد النون أمر من " المن " والاستفهام بعيد. قوله (كما أنت) أي قف في مكانك وألزمه كما أنت فيه. قوله (مرجئي) المرجئة بالهمزة والمرجية بالياء: فرقة من فرق الإسلام يعتقدون أنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، سموا بذلك لاعتقادهم أن الله أرجأ تعذيبهم على المعاصي أي أخره عنهم، يقال: أرجأت الامر وأرجيته بالهمزة أو الياء إذا أخرته، والنسبة إلى المهموز " مرجئي " بضم الميم وسكون الراء وكسر الجيم وتشديد الياء وإلى غيره مرجي بياء مشددة عقيب الجيم. قوله (أو قدري) قد ذكرنا في باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين أن القدرية تطلق على معنيين أحدهما - وهو الأشهر - أنهم الفرقة المجبرة الذين يثبتون كل الأفعال بقدر الله وينسبون القبايح كلها إليه، وثانيهما المفوضة الذين يقولون فوض الله جميع أفعال العباد إليهم بحيث يخرجون عن ربقة

[ 19 ]

الانقياد له من غير أن يكون له تصرف وتدبير وارادة فيها، والأخير هو الأنسب هنا بقرينة قوله: " لا يكون ما شاء الله ويكون ما شاء ابليس " فنفى أن يكون له تعالى مشية وارادة وتدبير وتصرف في أفعال العباد وأثبت ذلك لابليس، وقد مر فساد ذلك في ذلك الباب. قوله (أو حروري) الحرورية: فرقة من الخوارج منسوبة إلى " حروراء " بالمد والقصر وفتح الحاء فيهما، وهي قرية قريبة من الكوفة كان أول جماعتهم وتحكيمهم فيها وإنما سموا بذلك لأنهم لما رجعوا عن الصفين وأنكروا التحكيم نزلوا بحروراء وتآمروا فيها على قتال علي (عليه السلام) فسموا حرورية. قوله (أو جهمي) في المغرب: رجل جهم الوجه: عبوس، وبه سمى جهم بن صفوان المنسوب إليه الجهمية وهي فرقة شايعته على مذهبه وهو القول بان الجنة والنار تفنيان وأن الإيمان هو المعرفة فقط دون الإقرار ودون سائر الطاعات وأنه لا فعل لأحد على الحقيقة إلا الله وأن العباد فيما ينسب إليهم من الأفعال كالشجر تحركه الريح فإن الإنسان لا يقدر على شئ إنما هو في أفعاله لا قدرة له ولا إرادة ولا اختيار وإنما يخلق الأفعال فيه على حسب ما يخلق في الجمادات (1) وتنسب إليه مجازا كما تنسب إليها ولا يجوز الاقتداء بالجهمي. قوله (إنما هي معرفة) الضمير راجع إلى الإيمان، والتأنيث باعتبار الخبر. قوله (ليس الإيمان شئ غيرها) (2) " شئ " مرفوع في جميع النسخ التي رأيناها، ولعل وجهه أن اسم ليس ضمير الشأن والجملة بعدها خبرها، أو أن خبرها - وهو الإيمان - مقدم على اسمها وهو " شئ ". * الأصل: 3 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد جمعيا، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن بريد بن معاوية، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما نظر الله عز وجل إلى ولي له يجهد نفسه بالطاعة لإمامه والنصيحة إلا كان معنا في الرفيق الأعلى.


1 - قوله " على حسب ما يخلق في الجمادات " ويسمونه الجبرية الخالصة ولا يعترف الأشعرية بأنهم مجبرة. وجهم بن صفوان ظهر بمرو أواخر دولة بني أمية وقتلوه. (ش) 2 - قوله " ليس الإيمان شئ غيرها " ويدل هذا الحديث على أن أصحاب الأئمة (عليهم السلام) ومعاصريهم كانوا يقيدون ألفاظ الأحاديث بالدليل العقلي والمتواتر من النقلي وهو الذي يأبى عنه الأخباريون المتأخرون، فإن قوله " النصيحة لأئمة المسلمين " الأئمة لفظ عام يشمل العادل والجائر، وقيده الراوي بالعادل وأخرج منه معاوية وأمثاله، وقبل منه سفيان، وكذلك قوله " لزم جماعة المسلمين " قيده بغير المرجي والخارجي والقدري وغيرهم بدليل العقل. (ش) (*)

[ 20 ]

* الشرح: قوله (في الرفيق الأعلى) قيل يعني به الملائكة والنبيين الذين يسكنون أعلى عليين وهو اسم جاء على فعيل ومعناه الجماعة كالصديق والخليط يقع على الواحد والجمع ومنه قوله تعالى * (و حسن أولئك رفيقا) * والرفيق: المرافق في الطريق وقيل يعني به الله تعالى يقال الله رفيق بعبادة من الرفق وهو الرأفة فهو فعيل بمعنى فاعل والمراد في قربه. * الأصل: 4 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن أبي جميلة، عن محمد الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من فارق جماعة المسلمين قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه. * الشرح: قوله (من فارق جماعة المسلمين قيد شبر) يقال بينهما قيد شبر وقادة شبر أي قدره وفيه ترغيب في الكون معهم ظاهرا أو باطنا والمراد بهم الأئمة عليهم السلام أو الأعم منهم بشرط أن لا يكونوا من أهل البدعة وبالمفارقة المفارقة على وجه الاستنكاف والاستكبار والشناعة والمراد بها ترك السنة واتباع البدعة، والربقة في الأصل عروة في حبل تجعل في عنق البهيمة أو يدها أو رجلها تمسكها وإضافتها إلى الإسلام من باب إضافة المشبه به إلى المشبه والوجه هو الحفظ من الوقوع في المهالك، وذكر الخلع والعتق ترشيح للتنبيه، أو من باب الإضافة بتقدير اللام بأن يراد بها على سبيل الاستعارة ما يشد به المسلم نفسه من حدود الإسلام وأحكامه وأوامره ونواهيه وتجمع الربقة على ربق ك‍ (لقحة) على لقح وكسرة على كسر، ويقال للحبل الذي فيه الربقة ربق ويجمع على رباق وأرباق مثل قداح على أقداح وحمل على أحمال. * الأصل: 5 - وبهذا الإسناد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من فارق جماعة المسلمين ونكث صفقة الإبهام جاء إلى الله عز وجل أجذم. * الشرح: قوله (صفقة الإبهام) في بعض النسخ " صفقة الإمام " في المغرب: الصفقة ضرب اليد على اليد في البيع والبيعة، ثم جعلت عبارة عن العقد نفسه. وفي النهاية: هي أن يعطى الرجل عهده وميثاقه لأن المتعاقدين يضع أحدهما يده في يد الآخر كما يفعل المتبايعان وهي المرة من التصفيق باليدين، والصفق: الضرب الذي يسمع له صوت وكذلك التصفيق. قوله (أجذم) قال في النهاية: وفيه " من تعلم القرآن ثم نسيه لقى الله يوم القيامة وهو أجذم " أي

[ 21 ]

مقطوع اليد من الجذم القطع ومنه حديث علي " من نكث بيعته لقى الله وهو أجذم ليست له يد " وقال القتيبي: الأجذم ليس مخصوصا بمقطوع اليد بل المراد به كل من ذهبت أعضاؤه كلها وليست اليد أولى بالعقوبة من باقي الأعضاء، يقال: رجل أجذم ومجذوم إذا تهافتت أطرافه من الجذام وهو الداء المعروف. وقال ابن الأنباري: معنى الحديث أنه لقي الله وهو أجدم الحجة لا لسان له يتكلم ولا حجة في يده، وقول علي (عليه السلام) " ليست له يد " أي لا حجة له وقيل معناه لقيه منقطع السبب، وقال الخطابي: معنى الحديث ما ذهب إليه ابن الأنباري وهو أن من نسى القرآن لقى الله خالي اليد من الثواب فكنى باليد عما يحويه ويشتمل عليه من الخير. إذا عرفت هذا فنقول: الأجذم في حديثنا هذا يحتمل معاني أحدها مقطوع اليد، وثانيها مقطوع الأعضاء كلها، وثالثها مقطوع الحجة لا لسان له يتكلم به، ورابعها مقطوع السبب لا سبب له يتمسك به، وخامسها مقطوع الخير كله. والأول أرجح لأن البيعة تباشر اليد من بين الأعضاء، لأن المبايع يضع يده في يد الإمام عند عقد البيعة وأخذها عليه ثم الثالث، لأن اللسان يتكلم بالتعاهد والميثاق.

[ 22 ]

باب ما يجب من حق الإمام على الرعية وحق الرعية على الإمام * الأصل: 1 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن محمد بن جمهور، عن حماد بن عثمان عن أبي حمزة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) ما حق الإمام على الناس ؟ قال: حقه عليهم أن يسمعوا له ويطيعوا، قلت: فما حقهم عليهم ؟ قال: يقسم بينهم بالسوية ويعدل في الرعية، فإذا كان ذلك في الناس فلا يبالي من أخذ ههنا وههنا. * الشرح: قوله (قال حقه عليهم أن يسمعوا له ويطيعوا) أي حقه عليهم أن يسمعوا لأقواله وأوامره ونواهيه ومواعظه ونصايحه وندائه إلى الجهاد وأن يطيعوه في جميع ذلك، لأن نظام الكلي الجامع لهم معه لا يتم بدون ذلك، وهذان الحقان وإن كانا له عليهم إلا أنه يطلبهما منهم لما يعود عليهم من نفع الدنيا والآخرة فإن السماع من الداعي إلى الله وإطاعته جاذبان للسامع والمطيع في الدنيا والآخرة الى الخير والكرامة عنده تعالى. قوله (قال يقسم بينهم بالسوية ويعدل في الرعية) أي حق الرعية على الإمام أن يقسم الفئ بينهم بالسوية (1) لا يفرق بين الشريف والوضيع كما فعل أمير المؤمنين (عليه السلام) في خلافته على خلاف ما فعله الثلاثة حتى أنه أعطى عمارا وعتيقه وطلحة والزبير على السواء فغضب طلحة والزبير ونكثا البيعة ورجعا عن الحق. وأن يعدل بين الرعية في التأديب والتعليم والتقسيم والتحديد والنصيحة وفي جميع الأمور ولا يجوز فيهم، إذ بذلك يحصل صلاح الدنيا والدين ويتم نظام الألفة والاجتماع والتودد والعزة، وبخلافه يظهر معالم الجور والفساد ويفشو أسباب الظلم والعناد


1 - قوله " يقسم الفئ بينهم بالسوية " قيد الشارح (رحمه الله) التسوية بالفئ وهو حق، والمراد من التسوية أن لا يرجح أحدا بغير رجحان واقعي شرعي وإن كان الرجحان لرجلين بالسوية سوى بينهما في العطية لا أن لا يرشح لأحد بفضله، وربما يتمسك الجهال بقوله (عليه السلام) " يقسم بينهم بالسوية " على أنه يجب على الإمام تقسيم جميع الأموال الموجودة في العالم بين الناس بالسوية على ما عليه الملاحدة الاشتراكية والفوضوية وأمثالهم، وهو باطل، إذ لم يجوز الإمام أن يغصب أموال الناس التي بأيديهم ويسلبها منهم ثم يقسمها بين الناس، وهذا خلاف الضروري من دين الإسلام بل جميع الأديان، ولذلك ينكر أصحاب هذه الآراء الفاسدة وجود الخالق جل شأنه ونبوة الأنبياء والشريعة الإلهية لأنهم يعلمون أن الاعتقاد بهذه الأشياء يناقض ما يريدون من تقسيم الأموال والإباحة المطلقة. (ش) (*)

[ 23 ]

وتفترق الكلمة بين العباد. والعدل متوقف على العلم والحكمة والعفة والشجاعة والسخاوة وهذه الأمور لا تحصل إلا لمن تخلى عن جميع الرذائل وتحلى بجميع الفضائل. قوله (فإذا كان ذلك في الناس) أي فإذا كان ذلك المذكور وهو السماع والإطاعة من الرعية، والتسوية والعدل من الإمام ظاهرا في الناس لا يبالي ولا يكترث (1) بمن أخذ ههنا وههنا أي ذهب إلى اليمين والشمال وأي جهات شاء أي بمن ذهب إلى مذاهب مختلفة، قال الفاضل الاسترآبادي: معناه أن صاحب حق اليقين في دينه لا يحتاج إلى موافقة الناس إياه وإنما يحتاج إليه من يكون متزلزلا في دينه. * الأصل: 2 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن منصور بن يونس، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام) مثله إلا أنه قال: هكذا وهكذا وهكذا [ وهكذا ] يعني [ من ] بين يديه وخلفه وعن يمينه عن شماله. * الشرح: قوله (إلا أنه قال: هكذا وهكذا وهكذا) في أكثر النسخ ثلاث مرات وفي بعضها أربع مرات وهو الأنسب بالتفسير، والظاهر أن هذا العبارة وقعت موضع ههنا وههنا. * الأصل: 3 - محمد بن يحيى العطار، عن بعض أصحابنا، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لا تختانوا ولاتكم ولا تغشوا هداتكم ولا تجهلوا أئمتكم ولا تصدعوا عن حبلكم فتفشلوا وتذهب ريحكم، وعلى هذا فليكن تأسيس اموركم والزموا هذه الطريقة، فإنكم لوعاينتم ماعاين من قد مات منكم ممن خالف ما قد تدعون إليه لبدرتم وخرجتم ولسمعتم ولكن محجوب عنكم ما قد عاينوا وقريبا ما يطرح الحجاب.


1 - قوله " لا يبالي ولا يكترث " ضمير الفاعل راجع إلى الإمام يعنى أن أكثر الناس إذا أطاعوا وعمل الإمام بينهم بالعدل والتسوية فلا يجوز له أن يكترث بمخالفة من خالف كطلحة وزبير وعائشة ومعاوية لأن العمدة هي قبول العامة. وينبغي أن يتفطن اللبيب هنا لما يشتبه على العامة بانصراف ذهنهم من الكلام إلى فروع غير لازمة، مثلا من قوله (عليه السلام) " حقه عليهم أن يسمعوا له ويطيعوا " ينصرف ذهنهم إلى أن للأمير أن يحكم بما أراد، وليس كذلك بل يجب عليه أيضا التقسيم بالتسوية والعدل، وقبول الناس وإطاعتهم مشروط بهما، وكذلك إذا قلنا للولي أن يتصرف في مال اليتيم وليس للصغير الاعتراض عليه بعد البلوغ لا يدل على عدم وجوب مراعاة الغبطة، وإذا قلنا يجب على الابن إطاعة والده لا يدل على جواز أن يأمره بالمعاصي، وهكذا، بل كل مقيد في فعله بشئ. (ش) (*)

[ 24 ]

* الشرح: قوله (لا تختانوا ولاتكم) خانه في كذا خونا وخيانة واختانه أي عده خاينا ونسب الخيانة إليه، وهي تدخل في المال وغيره وفي جميع أعضاء الإنسان، ومنه خائنة الأعين أي ما تخونون فيه من مسارقة النظر إلى ما لا يحل، والخاينة بمعنى الخيانة وهي من المصادر التي جاءت على لفظ الفاعل، يعني: لا تنسبوا الخيانة إلى ولاة الحق وأئمة الصدق في الأموال والأحكام والعقايد والأقوال والأفعال والحركات والسكنات. قوله (ولا تغشوا هداتكم) الغش بالكسر خلاف النصح - غشه يغشه - من باب نصر - غشا بالكسر: إذا لم ينصحه وأظهر عليه شيئا وأراد غيره، ومن الغش أن يريد بهم سوءا ومكروها وأن لا يأتمر بأوامرهم ولا ينتهي بنواهيهم ولا يذب عنهم ولا يتساوى نسبته إليهم في السراء والضراء. قوله (ولا تجهلوا أئمتكم) (1) أي لا تنسبوا الجهل بأمر من الأمور مطلقا لا مركبا ولا بسيطا إليهم فإنهم حكماء ربانيون وعلماء إلهيون، خلقوا لبيان الحق وهداية الخلق إليه سبحانه فلا يجوز لهم الجهل بشئ وإلا لفات الغرض. قوله (ولا تصدعوا عن حبلكم فتفشلوا وتذهب ريحكم) الصدع الشق ومنه تصدع الناس إذا تفرقوا، والحبل: النور، ومنه كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض أي نور ممدود يعني نور هداه، والعرب تشبه النور الممدود بالحبل والخيط. والحبل أيضا: العهد والميثاق والوسيلة والسبب والنصرة والقوة، والفشل: الفزع والجبن والضعف، والريح معروف وقد يكون بمعنى الغلبة والقوة وتستعمل أيضا في الدولة مجازا " وتفشلوا " وما عطف عليه مجزومان على أنهما جواب النهي، يعني: لا تتفرقوا عن النور الذي هو الإمام أو عن السبب الذي جعله الله وسيلة للتقرب منه والوصول إليه وهو التمسك بذيله أو عن عهده وميثاقه أو عن نصرته وقوته فإنكم إن تتفرقوا عنه تفزعوا باستيلاء الأعداء وتضعفوا عن مقاومتهم وتذهب غلبتكم عليهم وقوتكم في دفع صولتهم أو تذهب دولتكم باستعارة الريح لها من حيث أنها في تمشي أمرها ونفاذه مشبهة بالريح في هبوبه


1 - قوله " ولا تجهلوا أئمتكم " ظاهر الحديث يدل على أن كلامه (عليه السلام) كان بعد وقعة الصفين واختلاف الكلمة في أصحابه وانحراف ضعفاء الإيمان، ومقصوده من أئمتكم نفسه الشريفة وإطلاق الجمع وإرادة الفرد غير عزيز، وهو بمنزلة الكلى المنحصر في الفرد كالشمس والقمر، ويمكن أن يكون المراد أئمة الحق من ذريته وإن لم يتولوا أمر المسلمين في الحكومة والسياسة وأمور العامة أو ما يعم ذلك بفرض ثبوت الولاية الظاهرية. وعلى كل حال فلا يعم كلامه (عليه السلام) أئمة الجور قطعا لأن الإنسان إذ رأى الجهل في أحد كيف يمكن أن يؤمر بأن لا يجهله. (ش) (*)

[ 25 ]

ونفوذه أو تذهب ريحكم الطيب وهو نور الإيمان، ويحتمل أن يراد بالريح المعنى المعروف فإن النصرة لا يكون إلا بريح يبعثه الله وفي الحديث " نصرت بالصبا وأهلك عادا بالدبور " وبالجملة: التفرق عن الحبل المذكور وعدم التمسك به موجب لغلبة الأشرار ومذلة الأبرار. قوله (وعلى هذا فليكن) " على " متعلق بالتأسيس، قدم للحصر، يقول: أسست البناء تأسيا إذا أحكمته، والمقصود: اجعلوا بناء أموركم الدنيوية والأخروية على هذا الأساس الذي ذكرته لكم والزموا هذه الطريقة المستقيمة في السير إلى الله تعالى ولا تفارقوها. قوله (فإنكم لو عاينتم) تعليل لما ذكر، وترغيب فيه، وحث على قبوله، و " ممن خالف " بيان ل‍ " من "، والخطاب لطايفة من عساكره، فإن أكثرهم لم يعرفوه حق معرفته، ويندرج فيه من يحذو حذوهم إلى يوم القيامة، يعني: أنكم لو عاينتم وشاهدتم بالمعاينة ما عاين من الأهوال والعقوبات من قد مات منكم وهو من خالف ما قد تدعون إليه (1) من بناء أموركم على ما ذكر ولزوم الطريقة المذكورة لبدرتم الى ما تدعون إليه وأسرعتم إلى قبوله، وخرجتم عن المخالفة إلى الموافقة، وعن التثاقل من متابعة الهداة إلى التبادر فيها، ولسمعتم ما أقول لكم وأحرضكم، ولكن محجوب عنكم ما قد عاينوا لاقتضاء حكمة التكليف ذلك وقريبا ما - وهو وقت الموت أو يوم القيامة - يطرح الحجاب فترون وخامة عاقبتهم وشدة عقوبتهم. * الأصل: 4 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن عبد الرحمن بن حماد وغيره، عن حنان بن


1 - قوله " خالف ما تدعون إليه " من ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) وسيرته وطريقته وهذا أيضا يدل على أن جماعة من مخالفيه كأصحاب الجمل والصفين كانوا قد مضوا وماتوا حين كان يتكلم (عليه السلام) بهذا الكلام، وظاهر قوله: " ما عين من قد مات منكم " انهم عاينوا العذاب الإلهي بعد الموت من غير ريث لمخالفتهم وكانوا حين تكلم أمير المؤمنين (عليه السلام) بهذا الكلام معذبين وأن الأحياء إن كشف لهم الغطاء لأبصروا ما يلقونه من العذاب فعلا ولاعتبروا بهم وبدروا إلى ترك الخلاف وسارعوا إلى اطاعته (عليه السلام) والعود إلى الجهاد مع أعدائه، ويؤيد ذلك قوله " ولكن محجوب عنكم ما قد عاينوا " فإنه يدل على وجود العذاب فعلا ولو لم يقم القيامة بعد فإن العذاب لا يتوقف على ذلك، وبالجملة فمن كان مائتا من مخالفيه (عليه السلام) في حياته كان معذبا بمخالفته، لكن عذابه كان محجوبا عن الأحياء، فإذا طرح الحجاب لرأوا ما بهم وتابوا عن التثاقل. وهذا صريح فيما يقول علماؤنا من وجود العذاب والثواب في عالم البرزخ وأن ذلك نشأة من النشآت خفية عن أبصار أهل عالم الملك والشهادة في الدنيا لكونها من الغيب والملكوت وعالم الآخرة، والحاجب بين العالمين هو تعلق الروح بالبدن العنصري وطرح الحجاب بطرحه، ولذلك قرائن كثيرة وأدلة وبراهين في الروايات يعجز عن إحصائها المتتبع فكم قد ضل من أنكر النشآت وآخر الجزاء وأطال المدى، والله الهادي (ش). (*)

[ 26 ]

سدير الصيرفي قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: نعيت إلى النبي (صلى الله عليه وآله) نفسه وهو صحيح ليس به وجع، قال: نزل به الروح الأمين، قال: فنادى (صلى الله عليه وآله) الصلاة جامعة وأمر المهاجرين والأنصار بالسلاح واجتمع الناس، فصعد النبي (صلى الله عليه وآله) المنبر فنعى إليهم نفسه ثم قال: " اذكر الله الوالي من بعدي على امتي ألا يرحم على جماعة المسلمين فأجل كبيرهم ورحم ضعيفهم ووقر عالمهم ولم يضر بهم فيذلهم ولم يفقرهم فيكفرهم، ولم يغلق بابه دونهم فيأكل قويهم ضعيفهم ولم يخبزهم في بعثهم فيقطع نسل امتي، ثم قال: [ قد ] بلغت ونصحت فاشهدوا ". وقال أبو عبد الله (عليه السلام) هذا آخر كلام تكلم به رسول الله (صلى الله عليه وآله) على منبره. * الشرح: قوله (نعيت إلى النبي (صلى الله عليه وآله) نفسه) النعي خبر الموت، وهو يتعدى بنفسه، يقال نعى الميت ينعاه - من باب علم - إذا أذاع موته وأخبر به وإذا ندبه، فتعديته بالى للتأكيد والمبالغة أو لتضمين معنى الإلقاء، والناعي ههنا هو نفسه المقدسة بإلهام رباني أو بنفخ روح القدس وهو الأظهر لقوله * (نزله به الروح الأمين) *. قوله (وأمر المهاجرين والأنصار بالسلاح) السلاح - بالكسر -: آلة الحرب، ولعل الغرض من أمرهم بالسلاح هو أن ينظر إلى شدة بأسهم واستعدادهم. قوله (أذكر الله الوالي) (1) تقول أذكرته إذا جعلته على ذكر منه. قوله (ألا يرحم) " الا " حرف التحضيض للتحريض على الرحمة والحث عليها. قوله (فأجل كبيرهم) عدل عن المضارع إلى الماضي لإظهار الحرص على وقوع الفعل، وقد روى عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قال " من إجلال الله ذي الشيبة المسلم " قيل وسر ذلك أنه أكبر سنا وأعظم تجربة (2) وأكيس حزما وأقرب من الرجوع إلى الله تعالى.


1 - قوله " أذكر الله الوالي " ربما يتوهم الجاهل من هذه العبارة صحة مذهب العامة وأنه (صلى الله عليه وآله) لم يعين الوالي بعده بالنص وإنما رشح عليا (عليه السلام) ليختاروه ويرجحوا إن أرادوا، ولكن المعلوم لا يندفع بالمحتمل، والذي يجب أن يقال هنا: إن الغرض تنبيه الناس وإعلامهم بما يجب على الوالي حتى يطالبوه إن بخس حقهم وتماطل، ويدفعوه إن أصر ويعلموا أن من لا يراعى حقوق الناس فليس واليا حقا يجب عليهم إطاعته بمقتضى قوله تعالى * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الامر منكم) * فينحصر الولاية الحقة في أمير المؤمنين (عليه السلام). (ش) 2 - قوله " وأعظم تجربة " تأثير التجربة في إصلاح أمر الدنيا وأكثر وأشد من العلم والتفطن والعزم والشجاعة وأمثالها، وقوله أكيس لأن العقول معارضة بالأوهام والأوهام مستمدة من الشهوة والغضب، وباصطلاح أهل = (*)

[ 27 ]

قوله (ورحم ضعيفهم) (1) يشمل الصغير والفقير والنساء، والروايات الدالة على الترحم عليهم والإحسان إليهم والشفقة بهم أكثر من أن تحصى. قوله (ووقر عالمهم) في بعض النسخ " عاملهم " وفي بعضها " عاقلهم " بالقاف، وقد دلت الآيات المتكثرة والروايات المتظافرة على توقير العالم (2) والعاقل وتعظيمهم وهم المقصودون من ايجاد الإنسان. قوله (ولم يضر بهم فيذلهم) للإضرار أفراد متفاوتة (3) في الشدة والضعف، منها ترك الإجلال


= زماننا الغرائز والاحساسات والعواطف لا تترك العقل يجزم بالحق الصراح، وبعد عهد الشباب يضعف هذه الأمور والأوهام الناشئة منها، ولذلك يستفاد كل الخير من آراء الشيوخ وإن ضعفوا في البدن ثم إن لم يكن لهم فضل تجربة وحزم فهم مستأهلون للترحم كالصغار ولا يجوز للوالي تركهم وما هم فيه من الضعف والهوان والعجز عن طلب الرزق ويجب عليه الإنفاق عليهم والمواساة معهم من بيت المال وما جلعه الله لهم. (ش) 1 - قوله " ورحم ضعيفهم " هذا أيضا من وظائف الوالي لأن الضعفاء الذين لا ولي لهم يقوم بأمرهم لا يجوز أن يتركوا وما هم فيه بل على الوالي أن يتعهدهم كالأب الشفيق بالإنفاق والتربية من الأموال التي جعلها الله لهم وبترغيب أهل الخير وتأسيس مجامع الإعانات وغيرها. (ش) 2 - قوله " على توقير العالم " كان ذلك صعبا على الولاة الظلمة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأن العلماء كانوا يمنعونهم من تفريط الأموال وصرفها عن مصارفها إلى اللهو والمناهي، ولكن في توقير العلماء إقامة أمر الله تعالى وتعظيم أحكامه وتقوية قلوب أهل التقوى وجرأتهم على النهي عن المنكر، وفي حدتهم فلول حد استبداد الظلمة، وتوقيرهم يدل على عدل الوالي وعدم سوء نيته. (ش) 3 - قوله " للإضرار أفراد متفاوتة " والأصح في تفسير الإضرار إيجاد الضرورة، والمعنى أنه لا يجوز للوالي إيجاد الضرورة والإلجاء على الرعية حتى يلتزموا بالطاعة بأن يقبض على ضروريات معاشهم كالخبز والماء والملح والمساكن حتى لا يتمكنوا من الاعتراض والمخالفة ولا يطالبوا من الولاة حقوقهم إن بخسوا وماطلوا، والإطاعة من الخوف مذلة، والمذلة مانعة من الرقي في كل شئ، وذلك لأن الرعية إذا رأوا أنفسهم عاجزين عن كل فعل وعمل ومحتاجين إلى أعاظمهم في حاجاتهم الضرورية كانوا كاسراء أذلاء وعلى خلاف مقتضى الفطرة الانسانية المختارة مجبورة محبوسة آيسة من الحياة، وهذه الصفات تمنعهم من النشاط في كل شئ ويقسرهم على خلاف مقتضى طبايعهم كالجمادات آلات بيد الولاة ولا يحصل لهم حظ في العلوم والصناعات وغير ذلك، بخلاف ما إذا وجد كل واحد منهم نفسه مالكا قادرا يفعل ما يريد من غير أن يمنعه مانع فينشط للعمل والفكر والاختراع ولا يتصور نفسه ذليلا، أما خوف الملوك من ترك الطاعة إذا استغنى الرعية فلا يوجب ارتكاب الأفسد، وما حكى عن بعض الخلفاء " أجع كلبك يتبعك " كلام لا يطابق أصول الإسلام ولا فعل أمير المؤمنين (عليه السلام) بل يجب أن يكون الإطاعة بالرضا والاختيار لا بالإضرار والإلجاء وأي سبب موجب للإطاعة أقوى من العدل وترك الطمع وترويج أحكام الله تعالى وقد أمر بحضور الوالي نفسه في المساجد وإقامة الجماعة، ومنع من المقاصير في محراب المساجد ليكون الولاة مجدين في حفظ رضا = (*)

[ 28 ]

والترحم والتوقير المذكورة، ومنها إيصال السوء والمكروه إليهم، ومنها عدم ودفع الظلم عنهم، وكل هذه وأمثالها مما يوجب لحوق الذل بهم ورفع العز عنهم، وإذلال المؤمن وفعل ما يوجب إذلاله مذموم قطعا وموجب لتبدد النظام وانقطاع الألفة المطلوبة شرعا. قوله (ولم يفقرهم فيكفرهم) (1) أفقره وأكفره أي جعله فقيرا وكافرا يعني لم يجعلهم فقراء ذوي الفاقة لا صبر لهم بمنع حقوقهم فيجعلهم كفارا لأنهم ربما ارتدوا إذا منعوا عن الحق، ولذلك قال (صلى الله عليه وآله) - كما روي عنه -: " الفقر كاد أن يكون كفرا " وأصل الكفر تغطية الشئ تغطية تستهلكه. قال في النهاية: الكفر صنفان أحدهما بأصل الإيمان وهو ضده، والآخر الكفر بفرع من فروع الإسلام فلا يخرج به عن أصل الإيمان، وقيل: الكفر على أربعة أنحاء: كفر إنكار بأن لا يعرف الله أصلا ولا يعترف به، وكفر جحود ككفر ابليس يعرف الله بقلبه ولا يقر بلسانه، وكفر عناد وهو أن يعرف بقلبه ولا يدين به حسدا وبغيا ككفر أبي جهل وأضرابه، وكفر نفاق وهو أن يقر بلسانه ولا يعتقد بقلبه. قوله (ولم يغلق الباب [ كذا ] دونهم) تقول أغلقت الباب إغلاقا فهو مغلق إذا سددته، وأما غلقت الباب غلقا على صيغة المجرد فهي لغة ردية متروكة، وإغلاق الباب كناية عن منع الوالي رعيته من الدخول عليه والوصول إليه وعرض الأحوال عليه، وعدم تفقده لأحوالهم غفلته عنها فإن ذلك يوجب وقوع الهرج والمرج فيهم وأكل قويهم ضعيفهم وتسلط الظلمة والأعداء عليهم. قوله (ولم يخبزهم في بعوثهم) الخبز بفتح الخاء المعجمة فالباء الموحدة الساكنة فالزاي المعجمة: السوق الشديد، عن أبي زيد، وأنشد: لا تخبزوا خبزا وبسا بسا * ولا تطيلا بمناخ حبسا والبس: السوق اللين، والبعوث: الجيوش، جمع بعث وهو الجيش، تقول كنت في بعث فلان أي في جيشه الذي بعث معه، وهذا يحتمل وجهين: أحدهما أن الوالي لا ينبغي له أن يسوق


= الرعية، وقد حكي أن ولاة بلاد النصارى يحضرون بأنفسهم في المجامع من غير خوف وتحرز مع إطاعة رعاياهم إياهم بالرضا والاختيار. (ش) 1 - قوله " ولم يفقرهم فيكفرهم " ايجاد الفقر من الولاة يتصور بأمور، منها: تثقيل الخراج وتكثيره واختراع الضرائب حتى يقل نفع الزارع والتاجر ويترك عمله، ومنها: إيجاد الموانع لنقل الأمتعة من بلد إلى بلد وضرب المكوس والعشور ومنها القبض على المباحات ومنع الناس من الحيازة كالصيد والأراضي والمياه إلا بقيود شديدة، ومنها: منع الناس من المسافرة ومن الصنائع المشروعة ووضع القيود والشرائط السالبة للحرية والاختيار وأمثال ذلك كثيرة، وقد ورد " أن ظلم الولاة يمنع بركات السماء. ". (ش) (*)

[ 29 ]

جيشه إلى العدو سوقا شديدا بل ينبغي أن يسوقهم سوقا لينا ويطلب الماء والكلا والمرعى في سيرهم فإنه أبقى لقوتهم وقوة دوابهم وبهما يتوقع الغلبة على العدو، وثانيهما أنه ينبغي أن لا ينهض المسلمين كلهم دفعة فإنه قد يوجب قتل جميعهم فينقطع نسل الأمة بل ينبغي أن ينهض طائفة منهم كما قال جل شأنه: * (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة) * وفي بعض النسخ: " ولم يجنزهم " بالجيم والنون أي لم يجمعهم، وفي بعضها " ولم يجمرهم " بالجيم والميم والراء المهملة. قال في النهاية: تجمير الجيش جمعهم في الثغور وحبسهم عن العود إلى أهلهم، ومنه حديث الهرمزان كسرى جمر بعوث فارس. قوله (قال أبو عبد الله (عليه السلام): هذا آخر الكلام - الخ) الغرض منه إما لبيان الواقع أو للدلالة على أنه (صلى الله عليه وآله) لم يمض إلا وقد كان له ولي يقوم مقامه وهو ليس بالاتفاق غير علي بن أبي طالب (عليه السلام) فبطل قول من زعم بخلافه. * الأصل: 5 - محمد بن علي وغيره، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن رجل عن حبيب بن أبي ثابت قال: جاء إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) عسل وتين من همدان وحلوان فأمر العرفاء أن يأتوا باليتامى، فأمكنهم من رؤوس الأزقاق يلعقونها وهو يقسمها للناس قدحا، قدحا، فقيل له: يا أمير المؤمنين ما لهم يلعقونها ؟ فقال: إن الإمام أبو اليتامى وإنما ألعقتهم هذا برعاية الآباء. * الشرح: قوله (قال جاء إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) عسل وتين من همدان وحلوان) همدان قبيلة من اليمن وبلد في العجم، وحلوان بالضم: اسم قرية قريبة من كردستان (1). والظاهر أن فيه لفا ونشرا مرتبا


1 - قوله " قرية قريبة من كردستان " ويسمى في زماننا (پل زهاب) وهي أول الجبل وهمدان، الظاهر أنها البلد المشهور دون القبيلة إذ لا يؤتى بالعسل من القبيلة بل من البلد، قد ذكر الجهشياري في كتاب " الوزراء " خراج همدان ودستيبى أحد عشر ألف ألف وثمانمائة ألف درهم (11800000) ورب ريباس ألف من والعسل الاروندى (يعنى جبال الوند) عشرون ألف رطل، والظاهر أن عسل همدان كان مشهورا بالجودة، ودستبى كورة وقرى واقعة بين الري وهمدان ويشمل قزوين وآوج وأمثالهما. ولم يكن الخراج في ذلك العهد خاصا بالدراهم ولا بالغلات الأربع بل كان يؤخذ من كل جنس وذكر في خراج خراسان الأهليلج وفي خراج السواد طين الختم وفي خراج فارس ماء الورد ثلاثين ألف قارورة والانبجات وغيرها وكان ذلك كلها من مال الصلح الذي التزم أهل هذه البلاد أن يدفعوها إلى الإمام حتى يبقي أراضيهم وأملاكهم في أيديهم، ولذلك لا يعد أراضي تلك البلاد وأمثالها من أملاك عامة المسلمين بل هي = (*)

[ 30 ]

وأن إسناد " جاء " إلى " عسل وتين " إسناد مجازي. قوله (فأمر العرفاء) جمع عريف بمعنى عارف مثل عليم بمعنى عالم، والمراد به هنا النقيب وهو دون الرئيس. قوله (فأمكنهم من رؤوس الأزقاق يلعقونها) الأزقاق جمع زق بالكسر وهو السقاء واللعق " ليسيدن " والفعل من باب علم يقال لعقت الشئ العقه لعقا أي لحسته. قوله (برعاية الآباء) دل على أنه ينبغي رعاية الأطفال والايتام واحترامهم وأنها الحقيقة رعاية احترام للآباء كما دل عليه أيضا جفظ موسى وخضر (عليهم السلام) للطفل الكنز الذي تحت الجدار بإقامته لكون أبيه صالحا وقد نقل أنه كان الأب السابع. * الأصل: 6 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد البرقي، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه جميعا عن القاسم بن محمد الاصبهاني، عن سليمان بن داود المنقري، عن سفيان بن عيينة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه وعلي أولى به من بعدي، فقيل، له: ما معنى ذلك ؟ فقال: قول النبي (صلى الله عليه وآله) من ترك دينا أو ضياعا فعلي، ومن ترك مالا فلورثته، فالرجل ليست له على نفسه ولاية إذا لم يكن له مال، وليس له على عياله أمر ولا نهي إذا لم يجر عليهم النفقة والنبي وأمير المؤمنين (عليهما السلام) ومن بعدهما ألزمهم هذا، فمن هناك صاروا أولى بهم من أنفسهم وما كان سبب إسلام عامة اليهود إلا من بعد هذا القول من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنهم أمنوا على أنفسهم وعلى عيالاتهم. * الشرح: قوله (أنا أولى بكل مؤمن من نفسه) هذا الحديث مع تفسيره الآتي مذكور في كتب العامة أيضا. روى مسلم بإسناده في باب خطبة الجمعة عن جابر بن عبد الله عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال في آخرها: " أنا أولى بكل مؤمن من نفسه من ترك مالا فلأهله ومن ترك دينا أو ضياعا فعلي وإلي " قال الآبي: و " أولي " إما من الولى بمعنى القرب أو المالكية كما في قوله تعالى * (ثم ردوا إلى الله مولاهم


= ملك لمن هي بيده عليه أن يؤدي الخراج الذي هو مال الصلح وليست من المفتوحة عنوة بالمعنى الأخص فإن الأراضي المفتوحة على قسمين: الأول: ما كافح أهلها وحاربوا المسلمين حتى قهروا وغلب عليهم جنود الإسلام وأراضي هؤلاء ملك لعامة المسلمين وهذا القسم قليل جدا. والقسم الثاني ما صالح أهلها مع جنود الإسلام قبل أن يستأصلوا ويقهروا على مال يؤدونه ويقرون على أملاكهم الخاصة، وهكذا غالب البلاد، وهذه الأراضي خاصة بأربابها انتقلت منهم يدا بيد وعليهم الخراج. (ش) (*)

[ 31 ]

الحق) * أي مالكهم، أو من الولاية بالكسر، ومنه: ولي اليتيم والقتيل أي من يتولى أمرهما، والوالي في البلد، أو من الولاية بالفتح بمعنى النصرة، ومنه قوله تعالى: * (ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا) * أي ناصرهم، واستدل المازري وغيره بقوله " أنا أولى بكل مؤمن من نفسه " على أنه لو اضطر (صلى الله عليه وآله) طعام أو غيره وهو بيد ربه وربه أيضا مضطر إليه لكان أحق به من ربه ووجب على ربه بذله له، وهذا وان جاز لكنه لم يقع ولم ينقل. نقل محيي الدين البغوي عن ابن قتيبة أن الضياع بفتح الضاد: العيال وهو مصدر في الأصل يسمى به العيال، ضاع ضياعا كقضى قضاء، وأما الضياع بالكسر فجمع ضايع كجياع جمع جايع، الضيعة: ما يكون منه عيش الرجل من حرفة أو تجارة يقال ما ضيعته فيقال كذا. وفي الصحاح: الضيعة: العقار وقوله " فعلي " معناه فعلي قضاء دينه وكفاية ضياعة أي عياله (1). وهذا الحكم عندنا ليس محتصا به (صلى الله عليه وآله) بل هو جار في أوصيائه من بعده كما دل عليه قوله وعلي وإلي " فعليهم أيضا إنفاق ذرية المسلمين وقضاء ديونهم بل قضاء ديون الأحياء إذا عجزوا عن قضائها كما دل عليه حديث آخر هذا الباب. وأما عندهم فقد اختلفوا فيه، قال المازري الاصح أنه ليس مختصا به بل يجب ذلك على الأئمة من بيت المال إن كان فيه سعة وليس ثمة ما هو أهم منه وقال بعضهم: إنه من خصايصه فلا يجب على الأئمة (عليهم السلام). ثم الظاهر من هذا الحديث والصريح من كلام المازري أن ذلك كان واجبا لا أن فعله تكرمة وتفضل، هذا ينافي ما روي في طرقنا وطرقهم من أنه (صلى الله عليه وآله) ترك الصلاة على من توفي وعليه دين وقال: " صلوا على صاحبكم " وفي طرقنا " حتى ضمنه بعض أصحابه " ويمكن الجواب بأن هذا كان قبل ذلك عند التضيق وعدم حصول الغنائم، وذلك كان بعد التوسع في بيت المال والفتوحات والغنائم، ويؤيده ما روي من طرقهم أنه كان يؤتى بالمتوفى وعليه دين فيقول (صلى الله عليه وآله): هل ترك لدينه قضاء ؟ فإن قيل ترك صلى فلما فتح الله تعالى الفتوح قال (صلى الله عليه وآله): " أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم من ترك دينا فعلي ومن ترك مالا فلورثته " وقال المازري: تركه الصلاة على من مات ولم يترك وفاء إنما كان يفعله لئلا يتسامح الناس في عدم قضاء الدين. وفيه أنه يلزم أن يترك ما هو واجب عليه وهو قول لا يجوز التقول به فالأولى ما مر أو يقال إن ذلك في قضية مخصوصة إما لأن الدين لم يحصل


1 - قوله " كفاية ضياعه أي عياله " وزعم بعض الناس أن المراد بالضياع الأراضي والأملاك غير المنقولة والمراد بالمال المنقول والمعنى أن من مات فماله المنقول لوارثه وأراضيه وأملاكه لعامة المسلمين ويتصرف فيها الإمام ولاية عن العامة، وهذا غلط ناش من الجهل ومخالف للضرورة من الدين، ولا يتصور أن يكون المراد هنا من الضياع الأملاك البتة (ش). (*)

[ 32 ]

على وجه مشروع أو لغير ذلك، والله أعلم. قوله (فالرجل ليست له على نفسه ولاية) أي ليست له ولاية في أداء ديونه إذا عجز عنه ولا له على عياله أمر ونهي في الإنفاق وصرف النفقة وتقدير المعيشة إذا لم يقدر على اجراء النفقة عليهم وإنما الولاية في ذلك للرسول وأوصيائه (عليهم السلام). قوله (والنبي وأمير المؤمنين ومن بعدهما) تفسير لقوله " أنا أولى بكل مؤمن من نفسه وعلي أولى به من بعدي " وضمير التثنية راجع إلى النبي وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما، وضمير الفاعل في ألزمهم لله تعالى، وضمير المفعول للنبي وأمير المؤمنين ومن بعدهما وهذا إشارة إلى ما ذكر من الولاية المذكورة. قوله (وما كان سبب إسلام عامة اليهود) إشارة إلى بعض فوائد هذا القول حيث إن عامة اليهود مع تصلبهم في دينهم آمنوا بعد سماعه طمعا في وعده الصادق، لأن الإنسان عبيد الإحسان. * الأصل: 7 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن صباح ابن سيابة، عن أبي عبد الله (صلى الله عليه وآله) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أيما مؤمن أو مسلم مات وترك دينا لم يكن في فساد ولا إسراف فعلى الإمام أن يقضيه فإن لم يقضه فعليه إثم ذلك، إن الله تبارك وتعالى يقول: " إنما الصدقات للفقراء والمساكين " الآية فهو من الغارمين وله سهم عند الإمام فإن حبسه فإثمه عليه. * الشرح: قوله (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) أيما مؤمن مسلم) فيه دلالة على أنه لا يقضيه عن الحي بحسب المفهوم إلا أنه معارض بما هو أقوى منه فلا عبرة به وعلى أنه يقضيه عن مسلم غير مؤمن والروايات تنافيه إلا أن يكون الترديد من الراوي ويكون المراد بالمسلم المعنى الاخص أو يراد بالمؤمن من علم إيمانه وبالمسلم مجهول الحال، ويؤيده ما وراه سدير الصيرفي قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أطعم سائلا أعرفه مسلما ؟ فقال: نعم أعط من لا تعرفه بولاية ولا عداوة للحق إن الله يقول * (وقولوا للناس حسنا) * ولا تطعم من نصب بشئ من الحق أو دعا إلى شئ من الباطل، وعلى أنه لا يقضيه ان كان في فساد ومعصية ولا في إسراف وتبذير، هذا إن كان ميتا، وأما إذا كان حيا وتاب - إن شرطنا العدالة - فيجوز أن يعطى من سهم الفقراء دون الغارمين فيقضي هو، ثم هذا إن علم مصرف ديونه وأما إن جهل فقد جوز بعض الأصحاب إعطاءه من حق الغرماء. قوله (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) وهما من قصر ماله - ولو بالحرفة اللايقة - عن مؤونة السنة له ولعياله على الوجه اللائق به ولا لتحديدهما بمالا يملك نصابا ولا قيمة، وقد بسط العلماء

[ 33 ]

الكلام في أن أيهما أسوأ، ولا يليق ذكره في هذا المقام. قوله (فهو من الغارمين) أي من مات وله دين فهو من الغارمين الذين جعل الله تعالى لهم سهما عند الإمام وأوجب عليه إعطاؤه، فإن حبسه مع عدم كون الدين في فساد وإسراف فإثمه عليه، والضمير في إثمه راجع إلى الحبس أو إلى الدين أو إلى الغارم. * الأصل: 8 - علي بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن حنان عن أبيه، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا تصلح الإمامة إلا لرجل فيه ثلاث خصال: ورع يحجزه عن معاصي الله، وحلم يملك به غضبه، وحسن الولاية على من يلي حتى يكون لهم كالوالد الرحيم. وفي رواية اخرى: حتى يكون للرعية كالأب الرحيم. * الشرح: قوله (لا تصلح الإمامه إلا لرجل فيه ثلاث خصال) إذ لو يكن فيه تلك الخصال لاحتاج هو إلى إمام آخر يأمره بالطاعة وينهاه عن المعصية، فلا يكون هو الإمام الذي فرض الله تعالى طاعته على الخلق أجمعين، والخصلتان الاخيرتان من حق الرعية عليه، وأما الأولى فليست من حقه على الرعية ولا من حق الرعية عليه إلا بتكلف وهو أن الورع هو لزوم الأعمال الجميلة والكف عن المحارم كلها ومن جملتها حقوق الرعية. قوله (وحلم يملك به غضبه) الحلم ملكة نفسانية تحت الشجاعة وهي الرزانة عند الغضب بحيث لا يستحقه شئ من موجباته ولا يستفزه نحو الانتقام. قوله (وحسن الولاية) من جملته ما ذكر من إجلال الكبير وترحم الضعف وتوقير العالم وعدم الإضرار بالرعية وعدم منع حقوقهم والقسمة بينهم بالسوية. * الأصل: 9 - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن معاوية بن حكيم، عن محمد بن أسلم، عن رجل من طبرستان يقال له: محمد قال: قال معاوية: ولقيت الطبري محمدا بعد ذلك فأخبرني قال: سمعت علي ابن موسى (عليهما السلام) يقول المغرم إذا تدين، أو استدان في حق - الوهم من معاوية - اجل سنة، فإن اتسع وإلا قضى عنه الإمام من بيت المال. * الشرح: قوله (اجل سنة) جوازا أو وجوبا إن ظن إمكان قضائه (1) من فضل المؤونة ولو بالاكتساب.


1 - قوله " ان ظن إمكان قضائه " المقصود من هذه الأحاديث تشريع هذا الحكم في الجملة ويثبت به وجوب

[ 34 ]

باب أن الارض كلها للامام (عليه السلام) * الأصل: 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم عن أبي خالد الكابلي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: وجدنا في كتاب علي (عليه السلام) * (أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين) * أنا وأهل بيتي الذين أورثنا الله الأرض، ونحن المتقون، والأرض كلها لنا، فمن أحيى أرضا من المسلمين فليعمرها وليؤد خراجها إلى الإمام من أهل بيتي وله ما أكل منها فإن تركها أو أخربها وأخذها رجل من المسلمين من بعده فعمرها وأحياها فهو أحق بها من الذي تركها، يؤدي خراجها إلى الإمام من أهل بيتي وله ما أكل منها حتى يظهر القائم من أهل بيتي بالسيف، فيحويها ويمنعها ويخرجهم منها، كما حواها رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومنعها إلا ما كان في أيدي شيعتنا فإنه يقاطعهم على ما في أيديهم ويترك الأرض في أيديهم. * الشرح: قوله (أنا وأهل بيتي) أشار إلى أن المراد بمن يشاء أهل البيت (عليهم السلام) ومن في قوله " من عباده " إما بيان للموصول والإضافة لكمال الاختصاص، أو ابتدائية، والعباد حينئذ تشتمل الخلص وغيرهم وفيه إشارة إلى أنهم هم المقصودون من إيجاد الدنيا والآخرة وأن كل من له نصيب فيهما فبتوسطهم واحسانهم (عليهم السلام). قوله (والأرض كلها لنا) أي الأرض معمورها ومواتها كلها لنا، ونحن مالكها، أما المعمورة فإن كان المتصرف فيها كافرا وفاءت إليهم (عليهم السلام) بحرب وقتال فلهم الخمس والبواقي للمسلمين كافة. وإن فاءت إليهم بلا حرب ولا قتال فهي لهم (عليهم السلام) بلا شركة وإن كان المتصرف مسلما فهي له باذن


= أداء ديون الغارمين من بيت الماء في الجملة كمفاد القضية المهملة مثل ما يقال: إن مصرف الزكاة الفقراء وأبناء السبيل والغارمون وغير ذلك، ومصرف الخراج: مصالح الامة كالجهاد وأرزاق القضاة ومعلمي الاداب والمؤذنين، وليس المقصود الإطلاق والتعميم وأنه يجب على الإمام مطلقا وفي كل حال وعلى جميع الشروط أن يعين أبناء السبيل وغيرهم ولا ينافي ذلك التقييد بالشروط وأن ينظر الإمام الأهم ويقدمه على غير الأهم وأن يكون واجبا بشرط وجود سعة في بيت المال فلا ينافي ما روى أنه (صلى الله عليه وآله) ترك الصلاة على من توفى وعليه دين وقال صلوا على صاحبكم، ولو كان قضاء دينه واجبا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأداه وصلى، ولكن كان في بيت المال ضيق ولم يكن سهم من الزكاة للغارمين حاضرا. (ش) (*)

[ 35 ]

الإمام ولا شئ عليه في حال غيبته سوى الزكاة في حاصلها، وعليه في حال حضوره الخراج أيضا وأما الموات فيجوز للمسلم إحياؤها بإذنه مع حضوره وعليه طسقها له بدون إذنه مع غيبته ولا طسق عليه بل قد وقع الاذن لشيعته عموما مع إسقاط الخراج. وإنما قلنا يجوز للمسلم فإن الكافر لا يجوز له إحياؤها ولا يملكها مع الحضور والغيبة، ومع الإذن وعدمه عند جماعة الأصحاب، وجزم المحقق الشيخ علي (رحمه الله) بحصول الملك مع حضور الإمام بإذنه ووجد في بعض كلام الشهيد انه يملك في حال الغيبة أيضا والله أعلم. قوله (فمن أحيى أرضا من المسلمين) هذا حجة لمن خص جواز الإحياء بالمسلم. قوله (فإن تركها أو أخربها) هذا دل بإطلاقه على ما ذهب إليه أكثر الأصحاب من أن كل من سبق إلى إحياء ميتة فهو أحق بها وإن كان لها مالك معروف وعليه طسقها وذهب بعضهم (1) إلى أن المالك الأول أحق بها وأن له انتزاعها منه، وإنما قلنا بإطلاقه لأنه يحتمل أن يراد بتركها تركها قبل التعمير. قوله (إلا ما كان في أيدي شيعتنا) دل هذا على أن المراد بالمسلمين الذين أذن لهم إحياء الموات أعم من أن يكون شيعته أو غيرهم بدليل أنه يمنع غير الشيعة منها بعد الظهور وأما قبله فلا. قوله (فإن يقاطعهم على ما في أيديهم) القطيعة طائفة من أرض الخراج يقطعها السلطان من يريد وهو يتصرف فيها ويعطي خراجها والمقاطعة من الطرفين لأن الإقطاع لا يتحقق بدون رضائهما. * الأصل: 2 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد قال: أخبرني أحمد بن محمد بن عبد الله، عمن رواه قال: الدنيا وما فيها لله تبارك وتعالى ولرسوله ولنا، فمن غلب على شئ منها فليتق الله وليؤد حق الله تبارك وتعالى وليبر إخوانه، فإن لم يفعل ذلك فالله ورسوله ونحن برآء منه. * الشرح: قوله (فمن غلب على شئ منها فليتق الله) أمر أولا بالاتقاء من عقوبة الله تعالى لأن الاتقاء


1 - قوله " وذهب بعضهم " كلام الشارح هنا مجمل وتفصيل الكلام في كتب الفقه وليس ما ذكره هنا إطلاقه مرادا إذ لم يذهب أحد من الأصحاب إلى أن ملك المالك المعروف إذا باد وخرب بإهماله وتركه جاز لغيره إحياؤه وتملكه بالإحياء إلا نادرا، نعم إذا أحيى رجل أرضا مما يختص بالامام بغير إذنه كما في زمن الغيبة فهو أحق بها من غير أن يملك رقبتها فإذا تركها وعاد إلى حالته الأولى جاز لغيره إحياؤها لعدم ملك المالك الأول. (ش) (*)

[ 36 ]

سبب لأداء حق الله تعالى مثل الزكاة والخمس والخراج ومنشأ للبر بالإخوان وقضاء حوائجهم وسد خلتهم، ويمكن أن يكون المراد بالاتقاء الاتقاء في الغلبة بأن لا يغلب على المتصرف ولا يمنع الحق عن ذوي الحق ولا يغصبه منه. قوله (براء منه) البراء بضم الباء وفتح الراء والمد: جمع برئ كشرفاء جمع شريف وكرماء جمع كريم، ووجه برأتهم منه انتفاء اعتقاده بهم وعدم تدينه بدينهم، وفيه دلالة على أن مانع الحقوق المالية كافر بالله العظيم. * الأصل: 3 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن عمر بن يزيد قال: رأيت مسمعا بالمدينة وقد كان حمل إلى أبي عبد الله (عليه السلام) تلك السنة مالا فرده أبو عبد الله (عليه السلام) فقلت له: لم رد عليك أبو عبد الله (عليه السلام) المال الذي حملته إليه ؟ قال: فقال: إني قلت له حين حملت إليه المال: إني كنت وليت البحرين الغوص فأصبت أربعمائة ألف درهم وقد جئتك بخمسها بثمانين ألف درهم وكرهت أن أحبسها عنك وأن أعرض لها وهي حقك الذي جعله الله تبارك وتعالى في أموالنا، فقال: أو مالنا من الأرض وما أخرج الله منها إلا الخمس ؟ يا أبا سيار إن الأرض كلها لنا فما أخرج الله منها من شئ فهو لنا، فقلت له: وأنا أحمل إليك المال كله ؟ فقال: يا أبا سيار قد طيبناه لك، وأحللناك منه فضم إليك مالك وكل ما في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محللون حتى يقوم قائمنا فيجبيهم طسق ما كان في أيديهم ويترك الأرض في أيديهم وأما ما كان في أيدي غيرهم فإن كسبهم من الأرض حرام عليهم حتى يقوم قائمنا، فيأخذ الأرض من أيديهم ويخرجهم صغرة. قال عمر بن يزيد: فقال لي أبو سيار: ما أرى أحدا من أصحاب الضياع وممن يلي الأعمال يأكل حلالا غيري إلا من طيبوا له ذلك. * الشرح: قوله (وليت البحرين الغوص) وليت إما بفتح الواو وكسر اللام المخففة يقال ولي الأمر يليه بالكسر فيهما، وتولاه إذا فعله بنفسه من غير أن يوليه أحدا، وبضم الواو وكسر اللام المشددة من التولية يقال: ولاه الأمير عمل كذا فتولاه وتقلده، والغوص وهو استخراج اللئالي من تحت الماء على التقديرين إما بدل من البحرين أو مفعول، والتقدير وليت في البحرين لغوص. قوله (وقد جئتك بخمسها بثمانين ألف درهم) دل على أنه كان المتعارف عندهم نقل جميع الخمس إلى الإمام في حال حضوره وقد صرح بوجوب ذلك جماعة من الأصحاب للرواية عن

[ 37 ]

الكاظم (عليه السلام) وفي قول المحقق: " لو أخر المكلف حصة الأصناف أجزأ " لا يدل على عدم الوجوب وقد صرح بعضهم بأن الخمس كله سهم الإمام إلا أنه مأمور بتقسيم سهمه على ستة أقسام ثلاثة له. وثلاثة لليتامى والمساكين وابن السبيل، وقول مسمع " وهي حقك " مؤيد لهذا كتقريره (عليه السلام). قوله (يا أبا سيار إن الأرض كلها لنا) فما أخرج الله منها من شئ فهو لنا وإن كان لعمل الغير واكتسابه، هذا وأمثاله مما ذكر في هذا الباب من جملة حديثهم الذي مر أنه صعب مستصعب لا يؤمن به إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان. قوله (يا أبا سيار قد طيبناه لك) دل على أن الإمام لا يجب عليه قبول الخمس وله الإبراء كما كان ذلك لكل ذي حق ولما كان الخمس للإمام وهو يعطي الفرق الثلاثة من نصف ماله على قدر مؤونة سنتهم ولذلك لو نقص النصف عنه أتمه ولو فضل عنه كان الفاضل له، جاز له إحلال صاحبه من الجميع فلا يرد أنه كيف يجوز ذلك وفيه حق الفرق الثلاثة، على أن للامام ولاية على الجميع وهو أولى بكل مؤمن من نفسه فيجوز له ذلك كما يجوز لكل ولي مع المصلحة. قوله (وكل ما في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محللون حتى يقوم قائمنا (عليه السلام)) أشار هنا بعد ما ذكر أن الارض كلها لهم إلى أن شيعتهم في حل من التصرف فيها وفي حاصلها ومن خراجها حتى يظهر القائم (عليه السلام) فيأخذ منهم خراجها وتركها في أيدهم، وأما غير الشيعة فإن حاصلها حرام عليهم وإذا قام القائم (عليه السلام) يأخذها منهم ويخرجهم صاغرين، ولا منافاة بين كونهم أولى بالأرض التي في أيديهم في زمان الغيبة وبين كون حاصلها حراما عليهم. قوله (فيجيبهم طسق ما كان في أيديهم) الجباية: الخراج، تقول جبيت الخراج جباية، أخذته، والتقدير فيجبى منهم، من باب الحذف والإيصال، والطسق بالفتح: ما يوضع من الخراج على الجربان أو شبه ضريبة معلومة، وكأنه مولد أو فارسي معرب. قوله (ويخرجهم صغرة) الصغرة بالتحريك: جمع الصاغر: الراضي بالذل، كالكتبة جمع الكاتب. قوله (من أصحاب الضياع) الضياع بالكسر جمع الضيعة وهي العقار أي الارض والنخل كذا في الصحاح، وقال ابن الأثير: ضيعة الرجل ما يكون منه معاشه كالصنعة والتجارة والزراعة وغير ذلك. قوله (ألا من طيبوا له ذلك) ضمير الجمع راجع إلى الأئمة (عليهم السلام) وضمير المجرور للموصول، والمراد به الشيعة و " ذلك " إشارة إلى الأكل. * الأصل: 4 - محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن أبي عبد الله الرازي، عن الحسن بن علي بن أبي

[ 38 ]

حمزة، عن أبيه، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: أما على الإمام زكاة ؟ فقال: أحلت يا أبا محمد أما علمت أن الدنيا والآخرة للإمام يضعها حيث يشاء ويدفعها إلى من يشاء، جائز له ذلك من الله، إن الإمام يا أبا محمد ! لا يبيت ليلة أبدا ولله في عنقه حق يسأله عنه. * الشرح: قوله (فقال أحلت) أحال الرجل أتى بالمحال وتكلم به وذلك لأن وجوب الزكاة على الإمام محال، والسؤال عن وقوع المحال محال. والمحال من الكلام بالضم: ما عدل عن وجهه. قوله (جايز له ذلك من الله) كأنه استيناف جواب عما يقال من أين جاز له ذلك. قوله (إن الإمام يا أبا محمد) تعليل لما سبق من عدم وجوب الزكاة على الإمام ولذا ترك العاطف، توضيحه أن الإمام لا يبيت ليلة أبدا ولله في عنقه حق يسأله عنه فلو وجب عليه الزكاء لزم أن يبيت ليلة بل أكثر منها ولله في عنقه حق يسأله عنه، وذلك لأن الزكاة في الغلات تجب عند بدو الصلاح وهو انعقاد الحصرم واشتداد الحب واحمرار التمرة أو اصفرارها ولا تخرج إلا عند التصفية فلو وجب الزكاة عليه لزم اشتغال ذمته بإخراجها في تلك المدة الطويلة، وقس على الغلات الأنعام وغيرها فإن الأنعام مرعاها قد تكون بعيدا عن بلده ولو وجب عليه الزكاة فيها لزم اشتغال ذمته بواجب في مدة هي ما بين وقت الوجوب ووقت الإخراج. * الأصل: 5 - محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن عبد الله بن أحمد، عن علي بن النعمان عن صالح بن حمزة، عن أبان بن مصعب، عن يونس بن ظبيان أو المعلى بن خنيس قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما لكم من هذه الأرض ؟ فتبسم ثم قال: إن الله تبارك وتعالى بعث جبرئيل (عليه السلام) وأمره أن يخرق بإبهامه ثمانية أنهار في الأرض، منها سيحان وجيحان وهو نهر بلخ والخشوع وهو نهر الشاش ومهران وهو نهر الهند ونيل مصر ودجلة والفرات، فما سقت أو استقت فهو لنا وما كان لنا فهو لشيعتنا وليس لعدونا منه شئ إلا ما غصب عليه وإن ولينا لفي أوسع فيما بين ذه إلى ذه - يعني بين السماء والأرض - ثم تلا هذه الآية: * (قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا (المغصوبين عليها) خالصة (لهم) يوم القيامة) * بلا غصب. * الشرح: قوله (بابهامه) أي بإبهام رجله لما سيأتي. قوله (منها سيحان وجيحان) لفظة " من " في " منها " للتبعيض، فلا يرد أن الموعود ثمانية والمعدود سبعة، وقد فسر جيحان بأنه نهر بلخ، وفي النهاية: سيحان وجيحان نهران بالعواصم قريبا

[ 39 ]

من المصيصة وطرطوس، والمصيصة بكسر الصاد المخففة بلد بالشام. وفي الصحاح سيحان نهر بالشام وفي القاموس على ما نقل عنه: سيحان نهر بالشام وآخر بالبصرة، ويقال له ساحين وسيحان نهر بما وراء النهر ونهر بالهند. وفي المغرب سيحان فعلان نهر معروف بالروم وسيحون نهر الترك. وفي صحيح مسلم في باب صفة الجنة عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال " سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة " قال عياض: الأنهار الأربعة أكبر أنهار الإسلام فالنيل بمصر والفرات بالعراق. سيحان وجيحان - ويقال سيحون وجيحون - هما بخراسان وما وراها، قال المازري: في كلامه إنكار من وجوه، منها قوله الفرات بالعراق ليس هذا بالعراق وانما هو فاصل بين العراق والجزيرة، ومنها أن قوله ويقال سيحون وجيحون يقتضى أن هذه الاسماء مترادفة وليس كذلك فإن سيحان غير سيحون وجيحان غير جيحون باتفاق ومنها قوله إنهما بخراسان وليس كذلك فإن سيحان وجيحان ببلاد الأردن بقرب الشام فسيحان نهر اردنة وجيحان نهر المصيصة، واتفقوا على أن جيحون بالواو وراء خراسان عند بلخا ثم قال عياض: قوله كل من أنهار الجنة، يحتمل أنها من الجنة حقيقة ويدل عليه حديث الأسرى فإنه رآها يخرج تحت سدرة المنتهى ويحتمل أنها كناية عن أن الإيمان يعم بلادها وأن الأجسام المتغذية بمائها تصير إلى الجنة، وقال المازري: والأظهر أنها على ظاهرها في أنها من الجنة والجنة مخلوقة عند أهل السنة. قوله (وهو نهر الشاش) نقل عن القاموس: أن الشاش بلد بما وراء النهر (1) وموضع بأرض بابل فيها قبر ذي الكفل. قوله (ونيل مصر) في المغرب النيل نهر مصر، وبالكوفة نهر يقال له: النيل. قوله (ودجلة) في المغرب دجلة بغير تعريف نهر بغداد وإنما سميت بذلك لأنها تدجل أرض أي تغطيها بالماء إذا فاضت. قوله (والفرات) في المغرب الفرات نهر في الكوفة. قوله (فما سقت أو استقت فهو لنا) أي فما سقته تلك الأنهار بالإضافة من الزروع وغيرها أو استقت بالدولاب وحفر البئر فهو لنا، ونسبة الاستقاء إلى تلك الانهار مجاز لأن الاستقاء في الحقيقة فعل لمن يخرج الماء منها بالحفر والدولاب، يقال: استقيت من البئر أي أخرجت الماء منها،


1 - قوله " بلد بما وراء النهر " وقد يقال له چاچ، ومعروف بصنعة القسي وأما نهر الخشوع فلا أعرفه ضعيف جدا واشتماله على أمور منكرة غير بعيد، ولا حاجة إلى التكلف في توجيهه ومع ذلك يكثر في أسامي المواضع بما وراء النهر الكلمات المبدوة بلفظة خش مثل خشوفغن وخشميثن ولا يبعد أن يكون خشوع مصحفة من مثل هذه الكلمات. (ش) (*)

[ 40 ]

وبالجملة يعتبر في الاستقاء ما لا يعتبر في السقي من المبالغة في الكسب والاعتمال. قوله (إلا ما غصب عليه) الغصب: أخذ مال الغير ظلما وعدوانا وفعله من باب " ضرب " تقول غصبه منه وغصبه عليه بمعنى، وضمير المجرور في " عليه " هنا راجع إلى الموصول بتضمين معنى الاستيلاء أو التسلط، والظاهر أن الاستثناء منقطع إلا أن يراد بالشئ النصيب مطلقا أعم من أن يكون حقا أو باطلا. قوله (بين ذه إلى ذه) ذه للاشارة إلى المؤنث الواحدة وأصلها ذي قلبت الياء هاء. قوله (ثم تلا هذه الآية * (قل هي للذين آمنوا) *) أي قل يا محمد: الزينة والطيبات التي أوجدها الله تعالى للذين آمنوا ظاهرا وباطنا في الحياة الدنيا وهم الأوصياء وشيعتهم المغصوبون عليها وليس لغيرهم فيها حظ وتصرف إلا أن يغصبوا عليها ويتصرفوا فيها ظلما وعدوانا والحال أنها خالصة لهم يوم القيامة بلا غصب ولا مشاركة لغيرهم لأن قوة الأغيار داحضة يوم القيامة وغلبة الكفار ساقطة فيه، وقوله " خالصة " بالنصب على الحال من فاعل الظرف وهو " الذين " عند أكثر القراء وبالرفع على أنها خبر بعد خبر عند نافع، وقوله " في الحياة الدنيا " ظرف للنسبة بين المبتدأ والخبر أو متعلق بآمنوا على احتمال بعيد. * الأصل: 6 - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن محمد بن عيسى، عن محمد بن الريان قال: كتبت إلى العسكري (عليه السلام): جعلت فداك روي لنا أن ليس لرسول الله (صلى الله عليه وآله) من الدنيا إلا الخمس: فجاء الجواب: أن الدنيا وما عليها لرسول الله (صلى الله عليه وآله). * الشرح: قوله (روى لنا أن ليس لرسول الله (صلى الله عليه وآله) من الدنيا إلا الخمس) هذا الحصر باطل أما أولا فلأن الدنيا كلها له (صلى الله عليه وآله) وما كان منها في أيدي الكفار كان بطريق الغصب، وأما ثانيا فلأن الأنفال له بنص القرآن وهي غير الخمس نعم لو أريد بالدنيا الأرض المفتوحة عنوة صح الحصر ولكن لم يرو ذلك. * الأصل: 7 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد رفعه، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): خلق الله آدم وأقطعه الدنيا قطيعة، فما كان لآدم (عليه السلام) فلرسول الله (صلى الله عليه وآله) وما كان لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فهو للأئمة من آل محمد (عليهم السلام). * الشرح: قوله (خلق الله آدم وأقطعه الدنيا) قد جرت الحكمة على أن يكون الدنيا لأوليائه ليستعينوا بها

[ 41 ]

على أعدائه. * الأصل: 8 - محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا عن ابن أبي عمير، عن حفص بن البختري، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن جبرئيل (عليه السلام) كرى برجله خمسة أنهار ولسان الماء يتبعه: الفرات ودجلة ونيل مصر ومهران ونهر بلخ فما سقت أو سقي منها فللامام والبحر المطيف بالدنيا [ للامام ]. علي بن إبراهيم، عن السري بن الربيع قال: لم يكن ابن أبي عمير يعدل بهشام بن الحكم شيئا وكان لا يغب إتيانه، ثم انقطع عنه وخالفه وكان سبب ذلك أن أبا مالك الحضرمي كان أحد رجال هشام ووقع بينه وبين ابن أبي عمير ملاحاة في شئ من الإمامة، قال ابن أبي عمير: الدنيا كلها للإمام (عليه السلام) على جهة الملك وأنه أولى بها من الذين هي في أيديهم، وقال أبو مالك: كذلك أملاك الناس لهم إلا ما حكم الله به للإمام من الفئ والخمس والمغنم فذلك له وذلك أيضا قد بين الله للامام أين يضعه وكيف يصنع به، فتراضيا بهشام بن الحكم وصارا إليه، فحكم هشام لأبي مالك على ابن أبي عمير فغضب ابن أبي عمير وهجر هشاما بعد ذلك. * الشرح: قوله (كرى برجله) تقول كريت النهر بالفتح كريا أي حفرته. قوله (فما سقت أو سقى منها) أي فما سقته بالإفاضة بنفسها أو سقى منها بالحفر والدولاب ونحوهما. قوله (والبحر المطيف بالدنيا) بالنصب عطف على خمسة أنهار أو بالرفع على أنه مبتدأ خبره محذوف، والجملة معطوفة على قوله " ان جبرئيل " أي قال البحر المطيف بالدنيا للإمام، وفيه مبالغة على أن الدنيا وما فيها له. قوله (قال لم يكن ابن أبي عمير يعدل بهشام بن الحكم شيئا) أي لم يسو بينه وبين غيره بل فضله على من سواه، تقول عدلت فلانا بفلان إذا سويت بينهما. قوله (وكان لا يغب إتيانه) أي كان لا يأتيه ولا يزوره يوما دون يوم بل كان يأتيه كل يوم لكمال المحبة والمصاحبة، تقول: أغببته وغببت عنه، إذا جئته يوما وتركت يوما. قوله (إن أبا مالك الحضرمي) الظاهر أنه الضحاك الحضرمي المتكلم الثقة. قوله (ملاحاة) أي منازعة تقول لاحاه ملاحاة، إذا نازعه. قوله (من الذين هي في أيديهم) من الشيعة وغيرهم إلا أنه أذن للشيعة من التصرف فيها. وفي

[ 42 ]

بعض النسخ " هي " بدل " هم " وهو الأظهر. قوله (وقال أبو مالك كذلك) كذلك إما للإنكار ويؤيده أنه في بعض النسخ " ليس له " بدل " منه "، أو المراد أنه كما أنها أملاك للناس وفي أيديهم بحسب الظاهر، أملاك لهم في الواقع. قوله (من الفئ والخمس والمغنم) المغنم الغنيمة وهي ما أخذ من أهل الكفر عنوة والمراد بالفئ ما رجع إليه بغير قتال بانجلاء أهله أو بتسليمهم طوعا أو بانقراضهم ويدخل فيه بطون الأودية ورؤوس الجبال والآجام وما لم يكن عليه يد أصلا وبالخمس خمس ما أخذ عن القتال وما فيه الخمس مما عده الفقهاء ودلت عليه الروايات وبالمغنم صفايا الملوك وما اصطفاه من الغنيمة من ثوب وفرس وجارية ونحوها. قوله (فغضب ابن ابي عمير) الغضب والهجر من أجل أنه حكم بخلاف الواقع وعدل عن منهج الصواب، وفيه دلالة على جواز الهجران من العالم وإن كان متدينا إذا حكم بخلاف الحق.

[ 43 ]

باب سيرة الإمام في نفسه وفي المطعم والملبس إذا ولي الأمر * الأصل: 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن حماد، عن حميد وجابر العبدي قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إن الله جعلني إماما لخلقه، ففرض علي التقدير في نفسي ومطعمي ومشربي وملبسي كضعفاء الناس، كي يقتدي الفقير بفقري ولا يطغي الغني غناه. * الشرح: قوله (ففرض على التقدير في نفسي ومطعمي ومشربي وملبسي) قدر الشئ: مبلغه، وتقديره وتعيينه، والتقدير أيضا: التقتير، ومنه قوله تعالى * (ومن قدر عليه رزقه) * وإنما قال " في نفسي " للإشارة إلى أنه لم يفرض ذلك على غيره من الرعية والمشرب الوجه الذي يشرب منه ويكون موضعا ويكون مصدرا والأخير أظهر هنا وقس عليه جاريه. قوله (كي يقتدي الفقير بفقري ولا يطغي الغني غناه) يقال أطغاه الغنى أي جعله طاغيا متمردا وفيه إشارة إلى فائدة الفرض المذكور لأن الفقير إذا نظر إليه (عليه السلام) وإلى سيرته وطريقته مع علمه بأنه أشرف المخلوقات وأقرب من الله جل وعز، رضي بفقره ولا يطمع في الدنيا وما فيها ولا يحزن على فواتها، والغني إذا نظر إليه (عليه السلام) علم أنه لا عبرة بالغنى في الدنيا ويورثه ذلك ذلا وانكسارا يخرجه من منزل الطغيان ويمنعه عن ارتكاب العصيان ويزجره عن التكبر والتفوق على الإخوان. * الأصل: 2 - علي بن إبراهيم، عن ابن أبي عمير، عن حماد بن عثمان، عن المعلى بن خنيس قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) يوما: جلعت فداك ذكرت آل فلان وما هم فيه من النعيم فقلت: لو كان هذا إليكم لعشنا معكم، فقال: هيهات يا معلى أما والله أن لو كان ذاك ما كان إلا سياسة الليل وسياحة النهار ولبس الخشن وأكل الجشب، فزوي ذلك عنا، فهل رأيت ظلامة قط صيرها الله تعالى نعمة هذه. * الشرح: قوله (لعشنا معكم) أي لو كان هذا الأمر مفوضا إليكم لعشنا معكم لكثرة النعمة وحصول اسباب العيش فقال (عليه السلام): هيهات هيهات، يعني بعد بعد ما توهمت يا معلى من توسعنا في المعيشة وأخذنا في الانتفاع بزهرات الدينا لو كان ذلك الأمر إلينا وأتى به مكررا للتأكيد، ثم أكد مضمون ذلك بقوله: " أما والله لو كان ذلك ما كان حالنا إلا سياسة الليل وسياحة النهار ولبس الخشن وأكل

[ 44 ]

الجشب "، والسياسة مصدر " سست الرعية سياسة " وهي القيام عليهم بما يصلحهم والتدبير في أمورهم والنظر الى مصالحهم، وإنما أضافها إلى الليل لأن أكثر الفساد يقع فيه فهو أولى بأن يقع السياسة فيه، ولأن الأمير كثيرا ما يدبر أمور الرعية فيه، والسياحة مصدر ساح في الأرض يسيح سياحة " إذا ذهب فيها، وأصله من السيح وهو الماء الجاري على وجه الأرض، وإنما اضافها إلى النهار لأن الذهاب إلى الجهاد والجماعة ونحوهما الحركة في الأرض لإجراء الأحكام على الخلق ونحوه يقع في النهار غالبا، وحمل سياحته على الصوم بعيد في هذا المقام إذ لا مدخل لكثرة النعمة فيه إلا أن يكون المراد زجر النفس عنها، وهذا الحمل مع قلته منقول عن الشرع، قال ابن الأثير: ومنه حديث " سياحة هذه الأمة الصيام " قيل للصايم: " سائح " لأن الذي يسيح في الأرض متعيدا يسيح ولا زاد معه ولا ماء فحين يجد يطعم والصائم يمضي نهاره لا يأكل ولا يشرب فشبه به، والمراد بلبس الخش لبس الثوب الذي لا قدر له ولا قيمة يعتد بها ويأكل الجشب أكل طعام غليظ لا يميل إليه طبع اكثر الخلق أو أكل ما لا أدم معه. قوله (فزوى ذلك عنا) أي فصرف ذلك الأمر وقبض عنا فهل رأيت يا معلى ظلامة قط صيرها الله تعالى نعمة إلا هذه الظلامة فإنها جعلت نعمة علينا لسقوط السياسة والسياحة ولبس الخشن وأكل الجشب وغيرها من المشقات التي لزم على صاحب هذا الأمر التزامها ليقتدي به الضعفاء ويهتدي به الأغنياء. والظلامة بالضم الحق الذي أخذ من صاحبه ظلما. قوله (حين لبس العباء وترك الملاء) العباء بالفتح والمد جمع العباءة كذلك وهي كساء واسع من صوف، والملاء بالضم والمد جمع الملاءة كذلك وهي الإزار وكل ثوب لين رقيق. وفي النهاية: قال بعضهم: إن الجمع ملأ بغير مد، والواحد ممدود، والأول أثبت. * الأصل: 3 - علي بن محمد، عن صالح بن أبي حماد، وعدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد وغيرهما بأسانيد مختلفة في احتجاج أمير المؤمنين (عليه السلام) على عاصم بن زياد حين لبس العباء وترك الملاء وشكاه أخوه الربيع بن زياد إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قد غم أهله وأحزن ولده بذلك، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): علي بعاصم بن زياد، فجئ به فلما رآه عبس في وجهه، فقال له: أما استحييت من أهلك ؟ أما رحمت ولدك ؟ أترى الله أحل لك الطيبات وهو يكره أخذك منها، أنت أهون على الله من ذلك، أو ليس الله يقول: * (والارض وضعها للأنام * فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام) * [ الله ] يقول: * (مرج البحرين يلتقيان * بينهما برزخ لا يبغيان) * - إلى قوله - * (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) * فبالله لابتذال نعم الله بالفعال أحب إليه من ابتذالها بالمقال، وقد قال الله عز وجل:

[ 45 ]

* (وأما بنعمة ربك فحدث) * فقال عاصم: يا أمير المؤمنين فعلى ما اقتصرت في مطعمك على الجشوبة وفي ملبسك على الخشونة ؟ فقال: ويحك إن الله عز وجل فرض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس، كيلا يتبيغ بالفقير فقره، فألقى عاصم بن زياد العباء ولبس الملاء. * الشرح: قوله (انه فدغم اهله وأحزن ولده بذلك) فاعل " غم " و " أحزن " ضمير راجع إلى عاصم، وأهله وولده مفعولان، يقال: غمه فاغتم وأحزنه فحزن. والباء في ذلك للسببية وذلك إشارة إلى المذكور من لبس العباء وترك الملاء. قوله (علي بعاصم بن زياد) أي إيتونى وجيئوني به وهو مثل: عليك زيدا أو بزيد أي خذه. قوله (أترى الله) الاستفهام على حقيقته أو للإنكار و " هو يكره " حال من فاعل أحل أي لا ينبغي أن يظن منه ذلك لأنه كالجمع بين النقيضين. قوله (أنت أهون على الله من ذلك) كأن المراد أنك أهون وأخف من كل شئ خفيف هين على الله من أجل ذلك وهو أن ترى الله يكره أخذك من الطيبات بعد ما أحلها لك أو المراد أنك أهون على الله من ذلك أي من أن يكره أخذك منها وانما يكره ذلك لولاة الأمر ليقتدى بهم الفقراء، والله أعلم. قوله (أو ليس الله يقول) الاستفهام لتقريره على الإثبات واعترافه بأن الأرض المدحوة وما فيها من ضروب الفواكه والحبوبات مثل الحنطة والشعير والأرز وسائر ما ينتفع به كالخوان الموضوع للأنام وانتفاعهم ليعلم أن الأخذ منها أحسن عند الكريم من تركها كما يحكم به التجربة في ضيافة الكرماء وقد رغب أكرم الأكرمين في الأخذ والتناول منها بقوله * (يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا) * وقوله * (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا الله إن كنتم إياه تعبدون) * وقوله * (وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا) * وقوله * (اليوم أحل لكم الطيبات) * وقوله * (وما لكم إلا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه) * وقوله * (وهو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا) * إلى غير ذلك من الآيات التي لا تحصى. قوله (أو ليس الله يقول مرج البحرين) المرج: الإرسال من " مرجت الناقة " إن أرسلتها، والبحرين: البحر الملح والبحر العذب، والبرزخ: الحاجز، أي: أرسل البحرين يلتقيان يتماسان سطوحهما بينهما حاجز من قدرة الله لا يبغيان أي لا يبغي أحدهما على الآخر بالممازجة، هكذا ذكره بعض المفسرين، وفيه أقوال أخر. قوله (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) اللؤلؤ: كبار الدر، والمرجان: صغاره والخرز الأحمر، قيل:

[ 46 ]

الدر يخرج من المالح لا من العذب، فما وجه قوله يخرج منهما ؟ أجيب بأن المراد أنه يخرج من مجتمعها أو من أحدهما وهو الملح إلا أنه لما اجتمع مع العذب حتى صار كالشئ الواحد كان المخرج من أحدهما كالمخرج منهما ولا يبعد أن يقال أن يخرج من العذب أيضا بتأثير المجاور وان كان خروجه منه أقل من خروجه من الملح، والغرض من ذكرهما أن الله تعالى أخرجهما لانتفاع الخلق، فلا وجه لتحريمهم على أنفسهم ما أحل الله لهم ولا لتنزههم عن ذلك مع القدرة وفيه مبالغة عظيم في مدح الدنيا والطلب لحلالها والتوجه إلى اكتساب طيباتها واستعمالها سيما لمن له أهل وعيال واتفق عليه علماء العامة والخاصة قال أبو عبد الله الآبي: ذم رجل الدنيا بحضرة علي رضي الله عنه فقال علي (عليه السلام) مالك ولذمها وهي دار غنى لمن تزود منها ودار عظمة لمن فهم عنها، ذكرت بسرورها السرور، ببلائها البلاء وهي مهبط وحي الله ومصلى ملائكته ومسجد أنبيائه ومتجر أوليائه، اكتسبوا فيها الحسنات وأكلوا فيها الطيبات وشكروا لمنعمها " وفي الحديث " إذا قال الرجل لعن الله الدنيا قالت الدينا لعن الله أعصانا لربه " وفي آخر " لا تسبوا الدنيا فنعم مطية المؤمن هي بها يبلغ الخير وعليها ينجو من الشر ". قوله (فبالله لابتذال نعم الله بالفعال أحب إليه من ابتذالها بالمقال) أقسم بالقسم البار على ابتذال نعم الله تعالى واستعمالها يعني اظهارها وتشهيرها بالفعال، وهو الشكر الفعلي، أحب إلى الله من ابتذالها بالمقال وهو الشكر القولى وقد صرح بعض المحققين أن الشكر الفعلي أقوى دلالة على تعظيم المنعم من الشكر القولي. قوله (وقد قال الله تعالى * (وأما بنعمة ربك فحدث) *) حال عن فاعل " أحب " والمقصود أنه تعالى أمر بتحديث نعمته أداء لشكرها فإظهارها بالفعال أولى بالأمر به لكونه أحب وأقوى. قوله (فقال عاصم يا أمير المؤمنين فعلى ما اقتصرت) يعني إذا كان ابتذال نعم الله وإظهارها بالفعال أحب إليه فعلى أي شئ وأي سبب اقتصرت من مطعمك على الأطعمة الجشوبة الغليظة وفي لبسك على الثياب الخشونة الخشنة. قوله (فقال ويحك) فيه جواز أن يقول الرجل لغيره: ويحك، وقد يقال ويلك قال عياض: " ويلك " كلمة يقال لمن وقع في هلكة و " ويحك " زجر لمن أشرف على الهلكة وقال الفراء ويح بمعنى ويل وقيل ويح لمن وقع في هلكة لا يستحقها فيرثى له من غير ترحم عليه وويل بضدها وقيل: لا يراد بهما حقيقة الدعاء وإنما يراد بهما المدح والتعجب. قوله (أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس) قدرت الشئ بالشئ قسته به وجعلته على مثاله واعتبرته على مقداره.

[ 47 ]

قوله (كيلا يتبيغ بالفقير فقره) التبيغ بالتاء الفوقانية والباء الموحدة والياء والتحتانية: التهيج، وقيل أصل يتبيغ يتبغى من البغي مجاوزة الحد فغلب مثل جبذ وجذب والأول الوجه أي فرض ذلك كيلا يتهيج بالفقير فقره فيهلكه فإنه حينئذ يقيس نفسه بإمامه ويقتدي به ويرضى بالفقر ويصبر على شدايده. * الأصل: 4 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد البرقي، عن أبيه، عن محمد بن يحيى الخزاز، عن حماد ابن عثمان قال: حضرت أبا عبد الله (عليه السلام) وقال له رجل: أصلحك الله ذكرت أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان يلبس الخشن. يلبس القميص بأربعة دراهم وما أشبه ذلك ونرى عليك اللباس الجديد، فقال له: إن علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان يلبس ذلك في زمان لا ينكر [ عليه ] ولو لبس مثل ذلك اليوم شهر به، فخير لباس كل زمان لباس أهله، غير أن قائمنا أهل البيت (عليهم السلام) إذا قام لبس ثياب علي (عليه السلام) وسار بسيرة علي (عليه السلام). * الشرح: قوله (شهر به) أي شهر بلبس مثل ذلك الثوب شهرة وفضاحة وشناعة كما يشهد به التجربة فيمن ترك زي أهل زمانه.

[ 48 ]

باب نادر * الأصل: 1 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد بن عبد الله، عن أيوب بن نوح قال: عطس يوما وأنا عنده، فقلت: جعلت فداك ما يقال للإمام إذا عطس ؟ قال: يقولون: صلى الله عليك. * الشرح: قوله (عن أيوب بن نوح) وثقه أصحاب الرجال وعدوه من أصحاب الرضا والجواد والهادي والعسكري (عليهم السلام) ونقل أنه كان وكيلا للهادي والعسكري (عليهما السلام) وكان عظيم المنزلة عندهما مأمونا شديد الورع كثير العبادة، وعلى هذا فاعل " عطس " يحتمل أن يكون كل واحد من الأئمة المذكورين (عليهم السلام). * الأصل: 2 - محمد بن يحيى، عن جعفر بن محمد قال: حدثني إسحاق بن إبراهيم الدينوري عن عمر بن زاهر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سأله رجل عن القائم يسلم عليه بإمرة المؤمنين ؟ قال: لا، ذاك اسم سمى الله به أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يسم به أحد قبله ولا يتسمى به بعده إلا كافر، قلت: جعلت فداك كيف يسلم عليه ؟ قال: يقولون: السلام عليك يا بقية الله، ثم قرأ * (بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين) *. * الشرح: قوله (لم يسم به أحد قبله ولا يتسمى به بعده إلا كافر) لم ينقل أن أحدا سمي بأمير المؤمنين قبله (؟) وأما بعده فقد سمي به بعض جبابرة هذه الأمة، ولعل المراد بالكافر هنا ضد المؤمن وهو من لم يؤمن بالله وبرسوله فضلا عما جاء به الرسول إن اعتقد جواز ذلك شرعا أو مطلقا كمن سمى نفسه باسم الله أو نبي الله أو رسول الله، ويحتمل أن يراد بالكفر كفر النعمة بتغيرها ووضعها في غير موضعها أو تغطية الحق، وأصل الكفر هو التغطية، والمتصف بهما يسمى كافرا وإن لم يكن خارجا عن الإيمان، والله أعلم. قوله (قال يقولون السلام عليك يا بقية الله) الإضافة في " بقية الله " لامية، كبيت الله وطاعة الله، وبقية الشئ: ما بقي منه، والبقية أيضا: ما ينتظر وجوده ويترقب ظهوره من " بقيت الرجل أبقيته " إذا انتظرته ورقبته، وإنما سمي الصاحب (عليه السلام) بذلك لأنه بقية الأنبياء والأوصياء السابقين وينتظر

[ 49 ]

وجوده ويترقب ظهوره. قوله (ثم قرأ بقية الله خير لكم) أي خليفة الله الباقي وانتظار ظهوره خير لكم إن كنتم مؤمنين به، وهذا التفسير أحسن مما قيل من أن المراد ببقية الله طاعته وانتظار ثوابه والحالة الباقية لكم من الخير أو ما بقي لكم من الحلال. * الأصل: 3 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن أحمد بن عمر قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) لم سمي أمير المؤمنين (عليه السلام) ؟ قال: لأنه يميرهم العلم، أما سمعت في كتاب الله * (ونمير أهلنا) *. وفي رواية اخرى قال: لأن ميرة المؤمنين من عنده، يميرهم العلم. * الشرح: قوله (قال لأنه يميرهم العلم) الميرة بكسر الميم وسكون الياء: الطعام يمتاره الإنسان ويجلبه للبيع وغيره، تقول: مار أهله يميرهم ميرا إذا اتاهم بالميرة وأعطاهم إياها، وقد شبه العلم بالطعام في الاغتذاء به لأن أحدهما غذاء روحاني والآخر غذاء جسماني، قال الفاضل الاسترآبادي: من المعلوم أن الأمير مهموز الفاء (1) وأن " يمير " أجوف، ولك أن تقول قصده (عليه السلام) أن تسميته بأمير المؤمنين ليس لأجل أنه مطاعهم بحسب الدنيا، بل لأجل أنه مطاعهم بحسب العلم أي الأحكام الإلهية فعبر (عليه السلام) عن هذا المعنى بلفظ مناسب في الحروف للفظ الأمير. قوله (اما سمعت في كتاب الله * (ونمير أهلنا) *) أي نعطيهم الميرة، ولعل الغرض من ذكره هو التنبيه على أنه يفهم منه وجه التسمية بأدنى تأمل فليتأمل. * الأصل: 4 - علي بن إبراهيم، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن أبي الربيع القزاز عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: لم سمي أمير المؤمنين ؟ قال: الله سماه، وهكذا أنزل في كتابه: * (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم) * وأن محمدا رسولي وأن عليا أمير المؤمنين.


1 - قوله " إن الأمير مهموز الفاء " والأولى في توجيه الرواية أن امير صيغة المتكلم من مار يمير أو يقال ضعيفة ولا يحتاج إلى تكلف التصحيح. (ش) (*)

[ 50 ]

* الشرح: قوله: (قال لأن ميرة المؤمنين من عنده) أي طعامهم الروحاني وهو العلم من عنده كما أشار إلهى بقوله يميرهم العلم. قوله (عن أبي الربيع القزاز) لم اجده بهذا الوصف في كتب الرجال وبدونه مجهول. قوله (قال الله تعالى سماه) السائل سأل عن سبب التسمية وهو (عليه السلام) أجاب بها من باب تقلى المخاطب بغير ما يترقبه للتنبيه بأن الأهم له أن يعرف التسمية ويصدق بها، والجهل لسببها لا يضره. قوله (وأن محمدا رسولي) إشاره إلى أن هذا كان منزلا حذفه المحرفون (1) المنافقون حسدا وعنادا.


1 - قوله " حذفه المحرفون " الخبر ضعيف في الغاية ولو فرض صحته إسنادا لكان اشتماله متنه على أمر محال كافيا في رده لعدم إمكان صدوره من المعصوم (عليه السلام). (ش) (*)

[ 51 ]

باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية * الشرح: (قوله باب فيه نكت ونتف من التنزيل) النكت جمع النكة والمراد بها هنا الوجوه الخفية المستنبطة من القرآن الدالة على الولاية، والنتف كصرد جمع النتفة بالضم والسكون وهي هنا عبارة عن وجوه منتزعة من التنزيل دالة على الولاية من قولهم نتف الشعر والريش إذا نزعه. * الأصل: 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعد، عن بعض أصحابنا عن حنان ابن سدير، عن سالم الحناط قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): أخبرني عن قول الله تبارك وتعالى: * (نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربي مبين) * ؟ قال: هي الولاية لأمير المؤمنين (عليه السلام). * الشرح: قوله (قال هي الولاية لأمير المؤمنين (عليه السلام)) اعلم أن في القرآن ظاهرا وباطنا ومجملا ومؤولا ومحكما ومتشابها وأنهم (عليهم السلام) أعلم الأمة بجيمع ذلك وأن ظاهر هذه الآية هو أن الضمير في " به " راجع إلى القرآن وما بعده بيان لمآله وغايته ولكنه (عليه السلام) أرجعه إلى الولاية باعتبار المنزل وأوله بأن معناه نزل بها الروح الأمين وهو جبرئيل (عليه السلام) على قلبك يا محمد لتكون من المنذرين عن مخالفة ولي أمرك، بلسان عربي مبين واضح الدلالة على المقصود كيلا يقولون يوم القيامة على سبيل المعذرة ما كننا نفهم لسانك وتبليغك في وليك، وفي رواية علي بن إبراهيم أيضا تصريح بذلك فإنه قال في تفسيره: حدثني أبي عن حنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى * (وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين) * قال: الولاية نزلت لأمير المؤمنين (عليه السلام) يوم الغدير (1). * الأصل: 2 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن الحكم بن مسكين. عن إسحاق بن عمار، عن


1 - قوله " الولاية نزلت لأمير المؤمنين " لعل معناه أن ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) يدخل في المراد. (ش) وقوله (وإنه لتنزيل رب عالمين) لأن ولايته أيضا مما نزل في القرآن. (ش) (*)

[ 52 ]

رجل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل: * (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا) * قال: هي ولاية أمير المؤمين (عليه السلام). * الشرح: قوله (قال هي ولاية امير المؤمنين (عليه السلام)) كان المراد أنا عرضنا الأمانة التي هي ولاية أمير المؤمنين على الأجرام المذكورة بعد خلق الفهم والاختيار فيها، أو عرضناها على اهلها من الملائكة والحيوانات الإنسية والوحشية وأظهرناها عليهم وأقدرناهم على غصبها من علي (عليه السلام) فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان وهو الأول، إنه كان ظلوما على نفسه وعلى من تبعه، جهولا بعاقبة أمره وشناعة خيانته، وفي كلام الفاضل الإسترابادي دلالة عليه حيث قال: فأبين أن يدعينها أو يغصبنها أهلها وأشفقن منها وحملها الإنسان الأول، إنه كان ظلوما جهولا، ويقرب منه كلام علي بن إبراهيم حيث قال في تفسير الأمانة: هي الإمامة والأمر والنهي، والدليل على أن الأمانة هي الإمامة قوله تعالى: * (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) * يعني الأمانة والإمامة عرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها، قال: أبين أن يدعونها ويغصبوها أهلها وأشفقن منها وحملها الإنسان الأول، كذا في تفسير علي بن إبراهيم " إنه كان ظلوما جهولا " والمشهور عند المفسرين (1) أن المراد بالأمانة التكليف مطلقا وأن هذه الأجرام أشفقن من


1 - قوله " والمشهور عند المفسرين " حكي عنهم في تفسير الأمانة أمور يرجع جميعها إلى وجه واحد، وهي الخاصة المميزة للانسان عن ساير الموجودات، وهذه الخاصة أصلها إدراك الكليات والتمييز بين الحسن والقبح أعني العقل النظري والعملي، ويتفرع على هذا الأصل فروع منها التكليف والأمر والنهي، ومنها خلافة الله في الارض وتفوقه على ساير الموجودات وكونها مسخرة بأمره، ومنها إطاعة الله تعالى اختيارا وهي فرع قبول التكليف وغير ذلك، وأما كيفية عرض الأمانة على الجمادات ونسبة الإباء والخشية إليها مع عدم شعورها فبعضهم تكلف فيها وقال: المراد من السموات والأرض أهلها غير الإنسان وهذا غير معقول لأن الأهل إن كان المراد منه الحيوان فهو كالجماد في عدم قابلية الخطاب وإن كان الملائكة فإنهم لا يخشون من الخيانة في الامانة ويفعلون ما يؤمرون، ووصف جبرئيل بأنه الروح الأمين، وبعضهم تكلف أشد من هذا والتزم بأنه تعالى خلق فيهم الشعور وكلمهم، وقال بعضهم إن هذا تمثيل وتعبير عن عظمة أمر الأمانة وأنه بحيث لا يحتملها الجبال كما هو عادة الفصحاء يقال: لو حمل ما بي من الغم على الصخور لأذابها، وأحسن الوجوه أنه بيان لاستعداد الإنسان لقبول التكاليف وعدم استعداد غيره من هذه الاجسام الكبيرة كما قال تعالى * (ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين) * وأما تفسير الأمانة بالولاية فهي من قبيل بيان أهم المصاديق وأعظم موارد التكاليف لأن العقل والتكليف وأي معنى مثلهما لا يمكن أن ينفك عن ولايته (عليه السلام) والمعرض = (*)

[ 53 ]

حملها خوفا من المخالفة واستحقاق العقوبة. * الأصل: 3 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن أبي زاهر، عن الحسن بن موسى الخشاب، عن علي بن حسان، عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل: * (والذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) * قال: بما جاء به محمد (صلى الله عليه وآله) من الولاية ولم يخلطوها بولاية فلان وفلان، فهو الملبس بالظلم. * الشرح: قوله (والذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم) تقول لبست الأمر - بالفتح - ألبسه - بالكسر - إذا خلطت بعضه ببعض، وقوله " بما جاء " متعلق بآمنوا يعني الذين آمنوا بما جاء به محمد (صلى الله عليه وآله) من الولاية لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) ولم يخلطوا ولايته بولاية فلان وفلان أولئك لهم الأمن من العذاب وهم مهتدون إلى طريق الحق، فقد فسر الظلم في هذه الآية بظلم مخصوص ومعصية معينة وهي الخلط المذكور، وفسره أكثر المفسرين بالشرك وبعضهم بالمعصية مطلقا وتفسيرهم شامل لما نحن فيه. قوله (فهو الملبس بالظلم) ضمير " هو " راجع إلى أمر معلوم وهو الذي خلط الولاية النبوية بالولاية الثنوية، والملبس بكسر الباء المشددة - قال الجوهري: التلبيس كالتدليس والتخليط شدد للمبالغة ورجل لباس ولا تقل ملبس ويفهم من هذا الحديث بطلان قوله ولا تقل ملبس، وإرجاعه إلى الولاية أو إلى خلطها وقراءة الملبس بفتح الباء بعيد جدا. * الأصل: 4 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن الحسن بن نعيم الصحاف قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: * (فمنكم كافر ومنكم مؤمن) * فقال: عرف الله إيمانهم بولايتنا وكفرهم بها، يوم أخذ عليهم الميثاق في صلب آدم (عليه السلام) وهم ذر. * الشرح: قوله (فمنكم مؤمن ومنكم كافر) في سورة التغابن هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن


= عنها خائن في أمانة الله قطعا إذا لم يعمل بعقله ولم يمتثل تكليفه ولا فائدة في عقل لا يهدي الإنسان إلى الاعتراف بأنه (عليه السلام) الغاية القصوى في الكمال الممكن لغير واجب الوجود تعالى. ووصف الإنسان بأنه ظلوم جهول ليس ذما وتنقيصا بل عطف وترحم وإلا فقد قال الله تعالى * (فضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) * ولو كان وصفه بالجهول الظلوم تنقيصا لزم تفضيل ساير الخلق على الإنسان. (ش) (*)

[ 54 ]

قدم المؤمن لكونه أكثر، و " عرف " إما من المعرفة أو من التعريف والثاني أنسب، ولعل السائل سأل عن وقت الإ يمان والكفر، وعن سببهما جميعا ولذلك أجاب (عليه السلام) عنها بقوله عرف الله ايمانهم بولايتنا وكفرهم بها يوم أخذ عليهم الميثاق على ولايتنا في صلب آدم وهم ذر والذر واحدتها الذرة وهي تطلق على النملة الصغيرة وعلى ما يرى في شعاع الشمس الداخل في النافذة وكلاها محتمل، وبناء الأول على التشبيه في الصغر والدبيب، توضيح ذلك نسل آدم كانوا كامنين في صلبه فلما أراد الله تعالى أن يأخذ منهم الميثاق على الربوبية والرسالة والولاية تعلق نور إرادته وقدرته بآدم فانتقل كل من كان فيه من حد الكمون إلى حد الظهور على مثال الذر مع العقل والفهم فأخذ منهم الإقرار بالولاية فمنهم من أقر بها وآمن ومنهم من أنكرها وكفر فيومئذ كان الإيمان والكفر وامتاز المؤمن من الكافر. فإن قلت: قوله (عليه السلام) " في صلب آدم " ينافي قوله " وهم ذر " لأنهم إن كانوا ذرا لم يكونوا في صلب آدم بل كانوا خارجين منه، وإن كانوا في صلبه لم يكونوا ذرا ؟ قلت: لا تنافي بينهما لاحتمال كونهم ذرا وهم في صلبه، ولا بعد فيه بالنظر إلى القدرة القاهرة. فإن قلت: هذا التوجيه ينافي ما في بعض الروايات من أنه أخذ منهم الميثاق بعد خروجهم من صلبه وهم ذر يدبون ؟ قلت: لا يبعد أن يقال: إن أخذ الميثاق وقع ثلاث مرات تأكيدا ومبالغة مرة بعد عرك الطين حين خرجوا كالذر يدبون، ومرة حين كونهم ذرا في صلب آدم (عليه السلام) بعد تكميل خلقة، وقبل نفخ الروح فيه، ومرة ثالثة بعد نفخه حين خرجوا من صلبه يدبون حتى رأهم آدم (عليه السلام) والروايات الآتية في باب الكفر والإيمان ربما تشعر بذلك وهذا الذي ذكرته من باب الاحتمال والله أعلم بحقيقة الحال. * الأصل: 5 - أحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن محبوب، عن محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن (عليه السلام) في قول الله عز وجل: * (يوفون بالنذر) * قال: يوفون بالنذر الذي اخذ عليهم من ولايتنا. * الشرح: قوله (يوفون بالنذر) النذر التزام الشئ وإيجابه على نفسه، ومنه العهد الذي أخذه الله تعالى على عباده حين كونهم ذرا من ولاية الأئمة (عليهم السلام) والمراد بالوفاء بها الإقرار بها بعد وجودهم في الأعيان إلى انقضاء العمر.

[ 55 ]

* الأصل: 6 - محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن حماد بن عيسى، عن ربعي بن عبد الله، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله عز وجل: * (ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما انزل إليهم من ربهم) * قال: الولاية. * الشرح: قوله (قال الولاية) الظاهر أنه بيان لما أنزل وإنما فسره بالولاية مع أنه أعم منها لأنها مقصودة منه أولا وأصل للبواقي، وإنما قلنا الظاهر ذلك لاحتمال أن يكون بيانا للتوراة والإنجيل أيضا لأن الولاية مذكورة فيهما أيضا، والمراد بإقامتها إذاعتهما والإقرار بما فيهما مما يجب الإقرار به كالتوحيد والرسالة والولاية ونحوها مما يكون مستمرا في هذه الشريعة. * الأصل: 7 - الحسين بن محمد الأشعري، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن المثنى، عن زرارة، عن عبد الله بن عجلان، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: * (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) * قال: هم الأئمة (عليهم السلام). * الشرح: قوله (قال هم الأئمة) (1) اتفق المفسرون على أن القربى أهل البيت (عليهم السلام) وذهب النواصب إلى أن هذه الآية منسوخة ورد عليه الثعلبي في تفسيره بأنه لاوجه لنسخها وكيف تكون منسوخة والحال أن محبة أهل البيت من جملة أصول الدين وأركان الإسلام وخلاف ذلك كفر وموجب للخروج من الإسلام، والدليل عليه ما رواه عبد الله بن حامد الأصفهاني بإسناده عن جرير بن عبد الله البجلي عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال " من مات على حب آل محمد فهو شهيد تائب مغفور مرحوم كامل الإيمان، يبشره ملك الموت بالجنة ويفتح له في قبره باب من الجنة ويزوره ملائكة الرحمة في قبره ويزف إلى الجنة كما تزف العروس إلى بيت زوجها ومن مات على بغض آل محمد فهو كافر لا يشم رايحة الجنة، مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله ". فإذا كان حب آل محمد بهذه المرتبة وكان أجر أداء الرسالة الذي لا يوازنه شئ كيف تكون الآية منسوخة ؟ وما سبب نسخها ؟


1 - قوله " هم الأئمة " يعني القربى وهذه الآية في سورة حم السجدة وذكرها الكميت في قصيدته البائية المعروفة: وان لنا في آل حم آية * تأولها منا تقي ومعرب (ش) (*)

[ 56 ]

* الأصل: 8 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن علي بن أسباط، عن علي ابن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل: * (ومن يطع الله ورسوله (في ولاية علي وولاية الأئمة من بعده) فقد فاز فوزا عظيما) * هكذا نزلت. * الشرح: قوله (هكذا نزلت) ظاهره أن الآية نزلت هكذا لفظا وتصرفت فيها يد التحريف ويحتمل أنها نزلت هكذا معنى بتفسير الروح الأمين، وعلى التقديرين علم ولاية على والأئمة من بعده من هذه الآية بالتنزيل لا بالتأويل، والفرق أن الولاية مقصودة من الآية على الأول ومندرجة فيها باعتبار ملاحظة أمر خارج وهو أنه تعالى ورسوله أمر بها على الثاني إذ لو لم يعلم ثبوتها بدليل آخر لم يعلم اندراجها في هذه الآية، وسيجئ زيادة توضيح لذلك. * الأصل: 9 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن النضر، عن محمد بن مروان رفعه إليهم في قول الله عز وجل: * (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله) * (في علي والأئمة) * (كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا) *. * الشرح: قوله (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله) أي ما صح أو ما جاز لكم أن تؤذوا رسول الله وتفعلوا ما يكرهه في علي والأئمة من بعده بعداوتهم وبغضهم ومنع حقوقهم من الولاية وغيرها كالذين آذوا موسى واتهموه بقتل هارون فبرأه الله مما قالوا بإحيائه وإخباره ببراءة موسى. وهذا يحتمل أن يكون تنزيلا وأن يكون تأويلا ومما يدل على أن إيذاء علي إيذاء النبي ما رواه أحمد بن حنبل في " مسنده " والشافعي ابن المغازلي في " المناقب " من عدة طرق أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " من آذى عليا فقد آذاني " وزاد فيه ابن المغازلي عن النبي (صلى الله عليه وآله): " يا أيها الناس من آذى عليا فقد آذاني وبعث يوم القيامة يهوديا أو نصرانيا. فقال جابر بن عبد الله الأنصاري: يا رسول الله ! وإن شهدوا أن لا اله إلا الله وأنك رسول الله ؟ فقال النبي (صلى الله عليه وآله) يا جابر كلمة يحتجون بها أن لا تسفك دماؤهم وتؤخذ اموالهم وأن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ". * الأصل: 10 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن السياري، عن علي بن عبد الله قال:، سأله رجل عن قوله تعالى: * (فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى) * قال: من قال بالأئمة واتبع أمرهم ولم

[ 57 ]

يجز طاعتهم. * الشرح: قوله (قال من قال بالأئمة) تفسير للتابع والمتبوع يعني من اعتقد بالأئمة الطاهرين واتبع أمرهم ونهيهم ولم يجز طاعتهم ولم يتركها فلا يضل في الدنيا عن طريق الحق ولا يشقى في الآخرة باستحقاق العقوبة، وفيه دلالة على أن التابع لهم في جميع الأمور ناج في الآخره من جميع المكاره، وأما من اعتقد بهم وترك طاعتهم فهو في خطر والشفاعة تدركه إن شاء الله. * الأصل: 11 - الحسين بن محمد، عن علي بن محمد، عن أحمد بن محمد بن عبد الله رفعه في قوله تعالى: * (لا اقسم بهذا البلد * وأنت حل بهذا البلد * ووالد وما ولد) * قال أمير المؤمنين وما ولد من الأئمة (عليهم السلام). * الشرح: قوله (لا أقسم بهذا البلد وأنت حل) " لا " زايدة أو نافية من باب الإنكار والتعجب أي لا أقسم بهذا البلد والحال أنك حال فيه بل أقسم به البتة لحصول مزيد شرف له بحلولك فيه، وهذا كما تقول: لا أحضر في ذلك المجلس والحال أن حبيبي فيه يعني أحضره قطعا. قوله (ووالد وما ولد) عطف على " هذا البلد " أي أقسم بوالد وما ولد، الوالد أمير المؤمنين " وما ولد " الأئمة من ولده، قيل: تنكير والد للتعظيم وإيثار " ما " على " من " للتعجب كما في قوله * (والله أعلم بما وضعت) * والمفسرون من أهل السنة قالوا الوالد آدم أو إبراهيم، " وما ولد " ذريتهما أو محمد (صلى الله عليه وآله)، وتفسير الأئمة أولى بالاتباع لأنهم أعرف بمراد الله تعالى وأعلم بموارد آيات القرآن. * الأصل: 12 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن محمد بن اورمه ومحمد بن عبد الله، عن علي بن حسان، عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله تعالى: * (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى) * قال: أمير المؤمنين والأئمة (عليهم السلام). * الشرح: قوله (قال أمير المؤمنين والأئمة) قد تقرر عندنا أن ذا القربى الأئمة (عليهم السلام) وأن السهام الثلاثة المذكورة بعد النبي لهم، وأما العامة فقد اختلفوا فقال بعضهم: ذو القربى بنو هاشم وبنو عبد المطلب، وقال بعضهم: بنو هاشم وحدهم، وقال بعضهم: جميع قريش، وذهب أبو حنيفة عنادا أو جهلا إلى أن تلك السهام تسقط بعد الرسول ويصرف الكل إلى الثلاثة الباقية اليتامى والمساكين

[ 58 ]

وابن السبيل، وقال بعضهم: يصرف سهم الله إلى الكعبة ثم يقسم ما بقى على خمسة اقسام قسمان للسلطان والثلاثة للثلاثة، وقيل: سهم الله لبيت المال، والباقي كما ذكر. * الأصل: 13 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: * (وممن خلقنا امة يهدون بالحق وبه يعدلون) * قال: هم الأئمة. * الشرح: قوله (وممن خلقنا أمة) وصف الله تعالى أمة - يعني طائفة من هذه الأمة - بأنهم يهدون الخلق بالحق الذي هو دين الإسلام وحدوده ومعارفه، وبه يعدلون أي بالحق يعدلون ويحكمون حكما عدلا وقسطا لا ظلما وجورا، وقد أشار (عليه السلام) إلى أنهم الأئمة (عليهم السلام) ولا ريب فيه لأن تلك الصفات لا تتحقق إلا فيمن هو أمين معصوم عادل عارف عالم بالدين وأحكامه وحدوده بأسرها، وهم أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله) كما دل عليه قوله المنقول من طرق العامة والخاصة: " مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح - الحديث " وقال القاضي: (ذكر الله تعالى ذلك بعدما بين أنه خلق للنار طائفة ضالين ملحدين عن الحق للدلالة على أنه خلق أيضا للجنة امة هادين بالحق عادلين في الأمر). أقول: فانظر كيف أجرى الله سبحانه الحق على لسانه ليكون حجة عليه، لأن هذه الامة وجب أن يكون بهذه الصفة أبدا وإلا لزم اندراجهم في الامة الاولى فبطل الغرض من خلقهم، والمتصف بهذا الصفة أبدا لا يكون إلا معصوما، لا يقال: لعله يراد بهذه الامة أهل الإجماع وهم معصومون فيما أجمعوا عليه بدليل قوله: " لا يزال من أمتي طائفة على الحق إلى أن يأتي أمر الله "، لأنا نقول: لا دلالة في الآية على أنه تعالى خلق في كل عصر طائفة موصوفين بالصفات المذكورة وعلى اجتماعهم في أمر واحد لجواز أن يخلق كل واحد منهم في عصر، ولو سلم فنقول: اختلاف أهل الإجماع في الموارد الكلية والجزئية أكثر من اتفاقهم على بعض تلك الموارد، فيكون عدولهم عن الحق اكثر من قيامهم بالحق، وهو ينافي دوام القيام بالحق المستفاد من الآية، والحديث المذكور - كالآية - دليل لنا لا علينا، وتمام البحث قد ذكرناه في بعض كتبنا الاصولية. * الأصل: 14 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن محمد بن اورمة، عن علي بن حسان، عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى، * (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن ام الكتاب) * قال: " أمير المؤمنين (عليه السلام) والأئمة، * (واخر متشابهات) * قال: فلان وفلان، * (فأما الذين في قلوبهم زيغ) * أصحابهم وأهل ولايتهم * (فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء

[ 59 ]

تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) * أمير المؤمنين (عليه السلام) والأئمة (عليهم السلام) ". * الشرح: قوله: (في قوله تعالى: * (هو الذي أنزل عليك الكتاب فيه آيات محكمات) *) كما أن في الكتاب آيات محكمات معراة عن احتمال خلاف المقصود أحكامها لفظا ومعنى هن ام الكتاب وأصله يرد إليها غيرها، واخر متشابهات محتملات لوجوه مختلفة بعضها ظاهر وبعضها باطن وبعضها حق وبعضها باطل، لا يعرف الحق من الباطل إلا الراسخون في العلم، وأما الذين في قلوبهم زيغ وانحراف عن الحق فيتبعون ما تشابه منه ويتلقونه بوجه باطل لابتغاء فتنة الناس عن دينهم بالتشكيك والتلبيس وابتغاء تأويله على ما يشتهونه، كذلك في هذه الامة طائفة محكمة في الظاهر والباطن والعلم والعمل هم بمنزلة الآيات وهم أمير المؤمنين والأئمة (عليهم السلام)، وطائفة متشابهة بمنزلة الآيات المتشابهات لهم ظاهر وباطن، ظاهرهم الإسلام وباطنهم الكفر والنفاق وهم فلان وفلان وفلان يعني الثلاثة، وما يعلم تأويل كفرهم وفساد رأيهم وبطلان عقيدتهم إلا الله والراسخون في العلم وهم أمير المؤمنين والأئمة من بعده ومن تبعهم، فأما الذين في قلوبهم زيغ وانحراف عن الحق إلى الباطل فيتبعون الطائفة المتشابهة لابتغاء الفتنة يعني متاع الدنيا وابتغاء تأويلهم بعد قبايحهم حسنات، وبالجملة شبه الأئمة بالآيات المحكمات (1) والأول والثاني والثالث بالمتشابهات، وأصحابهم بالذين في قلوبهم زيغ فيتبعون المتشابه، والله العالم. * الأصل: 15 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن مثنى، عن عبد الله بن عجلان، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: * (أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا


1 - قوله: " شبه الأئمة بالآيات المحكمات " التمثل بالقرآن جائز في كل مورد يناسب معنى الآية ووقع في أحاديث الأئمة (عليهم السلام) منها كثير، والتمثل بالقرآن احسن وأولى من التمثل بأشعار العرب وأقوال الفصحاء، وتمثل أمير المؤمنين (عليه السلام) بقول الأعشى: شتان ما يومي على كورها * ويوم حيان أخي جابر وحكي أن نوح بن منصور الساماني خوف بعض قواده الخارج عن طاعته بالعذاب والتنكيل وأرسل إليه كتابا في ذلك، فكتب في جوابه كاتب القائد: * (يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فإتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين) *، وهو من أحسن التمثلات، وقد جرت سيرة الادباء بالتمثل بالآيات والأحاديث كثيرا وكذلك الأئمة (عليهم السلام) تمثلوا، وربما يتوهم الجاهل أنه من التفسير وأن غرض الأئمة (عليهم السلام) بيان مورد الآية ومعناها، وقول الشارح هنا يشير إلى ما ذكر، يعني ليس مراد الإمام (عليه السلام) تفسير المحكمات بأمير المؤمنين (عليه السلام)، بل التشبيه والتمثيل وأن الشئ بالشئ يذكر. (ش) (*)

[ 60 ]

من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة) *: " يعني بالمؤمنين الأئمة (عليهم السلام) لم يتخذوا الولائج من دونهم ". * الشرح: قوله: * (أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم) * الاستفهام للإنكار والتوبيخ، والجهاد يشمل جهاد النفس وجهاد العدو و " لما " مثل لم إلا أن في " لما " توقع الفعل فيما يستقبل بخلاف لم، وقد ينزل عدم تحقق المعلوم بعد منزلة عدم تحقق العلم مجازا أو شبه حاله معهم بحال المختبر مع صاحبه ليعلم ووليجة الرجل خاصته وبطانته ودخلاؤه ومن يتحذه معتمدا عليه. * الأصل: 16 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن محمد بن جمهور، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى * (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها) *، [ قال ]: قلت: ما السلم ؟ قال: " الدخول في أمرنا ". * الشرح: قوله: * (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها) * الجنوح الميل، جنح فلان إذا مال، وقد يعدى باللام، والى والسلم - بكسر السين وفتحها وسكون اللام - الصلح، والضمير في (لها) راجع إلى السلم، وتأنيثه باعتبار أن السلم يذكر ويؤنث كما صرح به في المغرب، وقيل: تأنيثه بحمل السلم على نقيضها فيه وهو الحرب. * الأصل: 17 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: * (لتركبن طبقا عن طبق) * قال: " يا زرارة، أو لم تركب هذه الامة بعد نبيها طبقا عن طبق في أمر فلان وفلان وفلان ؟ ! ". * الشرح: قوله: (أو لم تركب هذه الامة بعد نبيها طبقا عن طبق) الاستفهام للتقرير، والطبق - بالتحريك - الحال المطابقة بحال اخرى، أي قد ركبت هذه الامة بعد نبيها حالا بعد حال مطابقة لاختها في الشدة أو في الشناعة أو في العداوة لأهل البيت (عليهم السلام) في أمر فلان وفلان وفلان. وفي تفسير علي بن إبراهيم (رحمه الله): " لتركبن سنة من كان قبلكم حذو النعل بالنعل، لا تخطئون طريقتهم، حتى أن لو كان من قبلكم دخل حجر ضب لدخلتموه "، والمشهور عند المفسرين أن تلك الطبقات هي الموت

[ 61 ]

ومواطن القيامة وأهوالها أو هي وما قبلها من الدواهي (1). * الأصل: 18 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن محمد بن جمهور، عن حماد بن عيسى، عن عبد الله ابن جندب، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: * (ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون) * قال: " إمام إلى إمام ". * الشرح: قوله: * (ولقد وصلنا لهم القول) * وصله توصيلا إذا أكثر من الوصل، أي ولقد وصلنا لهم القول في ولاية الأئمة وأتبعنا بعضا، وجعلنا إماما إلى إمام لا فصل بينهما ليتصل الحجة بالحجة لعلهم يتذكرون فيؤمنون به ويطيعونه ويهتدون إلى ما هو صالح لهم في الدنيا والآخرة. يدل على ذلك أيضا ما رواه علي بن إبراهيم حيث قال في تفسيره: أخبرنا أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمد، عن معاوية بن حكيم، عن أحمد بن محمد، عن يونس بن يعقوب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تبارك وتعالى: * (ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون) * قال: " إمام بعد إمام "، والمفسرون فسروا القول (2) بالمواعظ والنصايح. * الأصل: 19 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن محمد بن النعمان، عن سلام، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: * (قولوا آمنا بالله وما انزل إلينا) * قال: " إنما عني بذلك عليا (عليه السلام) وفاطمة والحسن والحسين وجرت بعدهم في الأئمة (عليهم السلام)، ثم يرجع القول من الله في الناس فقال: * (فان آمنوا) * يعني الناس * (بمثل ما آمنتم به) * يعني عليا وفاطمة والحسن والحسين والأئمة (عليهم السلام) فقد اهتدوا، وإن تولوا فإنما هم في شقاق ". * الشرح: قوله: (في قوله تعالى * (آمنا بالله) *) خاطب الله المؤمنين بقوله: * (قولوا آمنا بالله وما انزل إلينا) * إنما عني بذلك عليا وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) وجرت الآية بعدهم في الأئمة أيضا، ثم يرجع


1 - قوله: (وما قبلها من الدواهي) وما روي عن الإمام ليس تفسيرا للآية بل تمثلا بها، لأن الشئ بالشئ يذكر. (ش) 2 - قوله: " والمفسرون فسروا القول " ولا منافاة بين تفسيرهم وما ذكره الصادق (عليه السلام)، وقوله تعالى * (وصلنا لهم القول) * أي بنصب إمام يقول ويعظ وينصح بعد إمام وتوصيل الإمام بالإمام لتوصيل القول بالقول. (ش) (*)

[ 62 ]

القول من الله في الناس الذين لم يؤمنوا بهم فقال: فإن آمنوا، يعني الناس المذكورين بمثل ما آمنتم به يعني عليا وفاطمة والحسن والحسين والأئمة (عليهم السلام) فقد اهتدوا كما اهتديتم، وان تولوا وأعرضوا عن الإيمان فانما هم في شقاق الحق وهو المخالفة، فإن كل واحد من المتخالفين في شق غير شق الآخر. وقوله * (بمثل ما آمنتم به) * من باب التعجيز والتبكيت كقوله * (فأتوا بسورة من مثله) * إذ لا مثل لمن آمن بهم المؤمنون. وبعض المفسرين فسروا * (ما أنزل إلينا) * بالقرآن، وبعضهم فسروه بجميع ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله)، وهو شامل لما نحن فيه على سبيل العموم. * الأصل: 20 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن مثنى، عن عبد الله بن عجلان، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: * (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا) * قال: " هم الأئمة (عليهم السلام) ومن اتبعهم ". * الشرح: قوله * (إن أولى الناس بإبراهيم) * أي أخص الناس بابراهيم وأقربهم منه للذين اتبعوه من امته وهذا النبي لموافقته له في أصول شريعته والذين آمنوا بهذا النبي إيمانا حقيقيا وهم الأئمة (عليهم السلام) ومن اتبعهم من الشيعة وفيه قطع لافتخار كل من نسب نفسه إليه في النسب، أو الذين مع مخالفته له في اصول شريعته التي من جملتها تعيين الخليفة، هذا إذ قرأ " النبي " بالرفع على أنه خبر بعد خبر ك‍ (إن)، وأما إن قرئ بالنصب على العطف بالهاء في " اتبعوه " أو بالجر على العطف بإبراهيم فيظهر معناه بأدنى تأمل ويتعين حينئذ تفسير الذين آمنوا بالأئمة لا بهم وبمن اتبعهم ويفتقر في قراءة الجر الى تقدير، والسياق قرينة له فليتأمل. * الأصل: 21 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن أحمد بن عائذ، عن ابن اذينه، عن مالك الجهني، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): قوله عز وجل: * (واوحي إلي هذا القرآن لانذركم به ومن بلغ) * قال: من بلغ أن يكون إماما من آل محمد فهو ينذر بالقرآن كما أنذر به رسول الله (صلى الله عليه وآله). * الشرح: قوله * (فأوحى إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ) * هذه الآية من جملة المتشابهات (1) التي لا


1 - قوله: " هذه الآية من جملة المتشابهات " ليس مفهوم الآية متشابها بوجه ومعناه الظاهر ما ذكره المفسرون وأن كل من بلغه دعوة النبي (صلى الله عليه وآله) فهو مكلف بمتابعته، وبالجملة من بلغ عطف على الضمير =

[ 63 ]

يعلم تأويلها إلا الله والراسخون في العلم، إذ يحتمل أن يراد بضمير المخاطبين الموجودين في عصره (صلى الله عليه وآله) ويعطف من بلغ عليه ويراد به من يوجد إلى يوم القيامة، ويكون المعنى لأنذركم به وانذر من بلغه إلى يوم القيامة كما ذهب إليه المفسرون، وفيه دلالة على انه لا يؤاخذ من لم يبلغه ويحتمل أن يراد بضمير المذكور الموجودون في عصره (صلى الله عليه وآله) ويدخل في حكم الإنذار من يوجد بالاجماع، أو يراد به الجميع على الاختلاف ويعطف من بلغ على الضمير المرفوع المستتر في انذركم لوقوع الفصل كما أشار إليه (عليه السلام)، ويكون معناه حينئذ لانذركم به ولينذر من بلغ. ومن البين أن كل من بلغ لا يصلح أن يكون منذرا بل هو من كان عالما بجميع ما فيه مثل النبي (صلى الله عليه وآله) لكونه قائما مقامه فلذلك فسره (عليه السلام) بقوله: " من بلغ " أن يكون إماما من آل محمد لاتفاق الأئمة على أن غيره لا يعلم جميع ما في القرآن. * الأصل: 22 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن مفضل به صالح، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله عز وجل: * (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما) * قال: عهدنا إليه في محمد والأئمة من بعده، فترك ولم يكن له عزم أنهم هكذا، وإنما سمي اولوا العزم اولي العزم لأنه عهد إليهم في محمد والأوصياء من بعده والمهدي وسيرته وأجمع عزمهم على أن ذلك كذلك والإقرار به. * الشرح: قوله (قال عهدنا إليه في محمد والأئمة من بعده) لعل المراد أنه تعالى أخذ الميثاق على النبيين بأن محمدا رسولي وعليا أمير المؤمنين وأوصياءه من بعده ولاة أمري وخزان علمي وأن المهدي أنتصر به لديني وأظهر به دولتي وأنتقم به من أعدائي فعزموا على الاقرار وقالوا: يا رب أقررنا وشهدنا، إلا أن قوة خمسة منهم كانت أقوى وعزائمهم كانت أوكد لأن مراتب القوة في قبول العهد متفاوتة ودرجات العزائم في الإقرار به متصاعدة، فلذلك سموا اولي العزم لتأكد القوة والعزم


= المنصوب الظاهر في قوله تعالى: * (انذركم) * وأما احتمال كونه عطفا على الضمير المستتر المرفوع في * (أنذركم) * فبعيد جدا لا يجوز أن يدفع به الظاهر. وإنما قلنا بعيد لأن إطلاق من بلغ وإرادة من بلغ الإمامة من غير أن يكون في اللفظ أو العقل قرينة عليه غير صحيح، وكان الشارح زعم الحديث صحيحا من جهة الإسناد يقطع به العذر ويثبت به الحجية ويترك به ظاهر القرآن، وليس كذلك لأن معلى بن محمد ضعيف ومالك بن أعين مجهول الحال، قيل: إنه ليس منا، وعلى فرض اعتباره لا يجوز حمل ظاهر القرآن على وجه غير بليغ مرغوب عنه عند الفصحاء. (ش) (*)

[ 64 ]

فيهم، وأما آدم (عليه السلام) فهو وان عزم على قبول العهد وأقر به إلا أنه لما كان متأسفا ومتحزنا فيما يجري على أولاده من النوايب وما يرد عليهم من القتل والأسر والمصايب بيد الإمام المنتظر الصاحب (عليه السلام) كأن لم يعزم على قبول العهد وتركه ولم يقر به لأن المتأسف بأمر وإن أقر به ظاهرا وباطنا كأنه غير مقر به، وليس المراد أنه (عليه السلام) لم يقر به حقيقة لأن النبي العظيم الشأن لا يليق به عدم القرار بأمر ربه وعدم الرضا بقضائه، وما ذكرناه من باب الاحتمال (1) والله جل شأنه أعلم بحقيقة الحال. قوله (فترك) تفسير لقوله " نسى " يعني أن المراد بالنسيان الترك واللازم له لا معناه الحقيقي. ثم المراد بالترك ليس معناه الحقيقي وهو ترك العهد وعدم الإقرار به لما ذكرناه، بل المراد التأسف به فجعل ما هو من مبادى الترك غالبا بمنزلته مجازا، وقس عليه قوله ولم يكن له عزم أنهم هكذا وهكذا إشارة إلى ما فهم ضمنا ودل عليه صريح بعض الأحاديث من قتل بني آدم وأسرهم بين يدي الصاحب. قوله (والمهدي وسيرته) أي طريقته في القتل والأسر والانتقام وغيرها. قوله (وأجمع عزمهم) على ذلك من غير تأسف وتحزن (2) وشائبة إكراه يجعل الإقرار والعزم كلا إقرار ولا عزم. * الأصل: 23 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن جعفر بن محمد بن عبيد الله، عن محمد بن عيسى القمي، عن محمد بن سليمان، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله: * (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل) * كلمات في محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة (عليهم السلام) من ذريتهم " فنسي " هكذا والله نزلت على محمد (صلى الله عليه وآله). * الشرح: قوله * (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل كلمات) * لعل المراد بالكلمات ما أشرنا إليه آنفا. قوله (فنسى) قد عرفت معنى النسيان.


1 - قوله " من باب الاحتمال " يعني أقر به متأسفا فكأنه لم يقر به، وهذا التأسف جار في كل من اطلع على حال الكفار والفساق، حتى الأنبياء اولي العزم فيتأسفون على ترك جماعة من الناس أحكام الله تعالى وعلى عصيانهم وكفرهم، وحمله المجلسي قدس سره على ترك الأولى، ولكن الخطب سهل لأن مفضل بن صالح راوي هذا الحديث، قال العلامة في الخلاصة: ضعيف كذاب يضع الحديث. (ش) 2 - بل تأسفوا كما قال تعالى * (فلما اسفونا) *. (*)

[ 65 ]

قوله (هكذا والله نزلت) لعل المراد هكذا نزلت لفظا في القرآن أو نزلت معنى بتفسير جبرئيل (عليه السلام) بأمر ربه، وهو على التقديرين تنزيل لا تأويل (1). * الأصل: 24 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن النضر بن شعيب، عن خالد بن ماد، عن محمد بن الفضيل، عن الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: أوحى الله إلى نبيه (صلى الله عليه وآله) * (فاستمسك بالذي اوحي إليك إنك على صراط مستقيم) * قال: إنك على ولاية علي، وعلي هو الصراط المستقيم. * الشرح: قوله (قال: إنك على ولاية علي وعلي هو الصراط المستقيم) دل على أن فيه مضافا محذوفا وإنما سمي (عليه السلام) صراطا مستقيما لأنه طريق الحق المستوى الذي لا يضل سالكه ومن تمسك بذيله أبدا، وهذا التفسير أحسن مما قيل من أن الصراط المستقيم عبارة عن الدين (2) لأنه حينئذ تأكيد لفهم ذلك من الأمر بالاستمساك والوحي لأن الله لا يأمر بالاستمساك ولا يوحي إلى نبيه إلا دينا مستقيما، والتأسيس أولى من التأكيد. * الأصل: 25 - علي بن إبراهيم، عن أحمد بن محمد البرقي، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن عمار بن مروان، عن منخل، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: نزل جبرئيل (عليه السلام) بهذه الآية على محمد (صلى الله عليه وآله) هكذا: (بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله في علي بغيا) ". * الشرح: قوله * (بئس ما اشتروا به أنفسهم) * ما نكرة بمعنى شئ مميزة لفاعل بئس المستكن فيه، واشتروا به صفته ومعناه باعوا واستبدلوا على سبيل التشبيه والاستعارة، وأن يكفروا مخصوص بالذم وبغيا علية ليكفروا أو اشتروا، والفصل ليس بأجنبي يعني بئس شيئا باعوا به حظ أنفسهم


1 - قوله " وهو على التقديرين تنزيل لا تأويل " كلام دقيق يليق بالتأمل الصادق لدفع أوهام جماعة يزعمون أن كل ما ورد في الأحاديث أن القرآن نزل هكذا على خلاف ما في المصحف المعروف لا يدل على التنزيل اللفظي، بل يمكن أن يراد تنزيل المعني وهو حسن جدا، ومع ذلك فالحديث ضعيف بمحمد ابن سليمان قال النجاشي: محمد بن سليمان بن عبد الله الديلمي ضعيف جدا لا يعول عليه في شئ. انتهى. (ش) 2 - قوله " عبارة عن الدين " وليس الدين إلا طريقة أمير المؤمنين (عليه السلام) وكل صراط غير صراطه ليس بمستقيم وكل ما ليس بمستقيم ليس من الدين في شئ، ولو لم يكن هذا الحديث لم يكن لنا شك في كون الصراط المستقيم صراط علي (عليه السلام) بما تحقق لنا من سيرته وعمله وعلمه وإخلاصه. (ش) (*)

[ 66 ]

وهو الإيمان وذلك الشئ كفرهم بما أنزل الله في علي بغيا وعدوانا لغصبهم حقه حسدا وعنادا، وربما يتوهم أن في هذا الحديث (1) دلالة على أن قوله في علي كان في نظم التنزيل وهم حذفوه إخفاء لأمره ". * الأصل: 26 - وبهذا الإسناد، عن محمد بن سنان، عن عمار بن مروان، عن منخل، عن جابر، قال: نزل جبرئيل (عليه السلام) بهذه الآية على محمد هكذا: * (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا (في علي) فأتوا بسورة من مثله) *. * الشرح: قوله (قال نزل جبرئيل (عليه السلام) بهذه الآية هكذا * (وإن كنتم في ريب) *) دل ظاهرا (2) على أن قوله " في علي " كان في نظم القرآن، وأن بناء كونهم في ريب مما نزله الله على محمد (صلى الله عليه وآله) في علي (عليه السلام) على كونهم في ريب من النبوة ومن كون القرآن من عند الله ولذلك خاطبهم على سبيل التعجيز بقوله: * (فأتوا بسورة من مثله) * ليعلموا أن القرآن من قبله تعالى وأن محمدا نبيه وأن كل ما جاء به في حق علي من قبله تعالى. * الأصل: 27 - وبهذا الإسناد، عن محمد بن سنان، عن عمار بن مروان، عن منخل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: نزل جبرئيل (عليه السلام) على محمد (صلى الله عليه وآله) بهذه الآية هكذا: * (يا أيها الذين أتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا (في علي) نورا مبينا) *. * الشرح: قوله (في علي نورا مبينا) دل ظاهر هذا الحديث على أن قوله " في علي نورا مبينا " كان في نظم القرآن والمنافقون حرفوه وأسقطوه * (ونورا) * حال عن " علي " وإنما سماه نورا لأنه كما يظهر


1 - قوله " وربما يتوهم الخ " إشارة إلى أن هذا توهم باطل، بل المراد أنه تنزيل المعنى لا تنزيل اللفظ. ( 2 - قوله " دل ظاهرا " لكن هذا الحديث ضعيف قال الشيخان النجاشي والكشي في منخل بن جميل: إنه ضعيف فاسد الرواية، وكذلك العلامة في الخلاصة، وكل رواية في إسناده منخل في هذا الباب حاله كذلك ولا حاجة لنا إلى تصحيح رواية ينسب إلينا بسببها اللين والتسامح وقلة التدبر، مع أن أدلة ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) وفضله على الصحابة بل على جميع أفراد البشر بلغت في الوضوح مرتبة اعترفت بها اليهود والنصارى والمشركون وكل من سمع به واطلع على أخباره وقرأ شيئا من كلامه، ومع ذلك فلا فائدة في التمسلك بروايات ضعيفة الإسناد واهية المعاني منقولة ممن شهد المتبحرون من علماء الرجال بكذبهم ولا يحتمل صدروها من الأئمة المعصومين (عليهم السلام). (ش) (*)

[ 67 ]

بالنور الأشياء كذلك يظهر بعلي حقايقها في قلوب المؤمنين، وقوله تعالى بعده * (مصدقا لما معكم) * أي لما معكم من القرآن حال بعد حال عنه، وقد مر سابقا أنه يصدق القرآن والقرآن يصدقه وأوضحنا ذلك هناك. * الأصل: 28 - علي بن محمد، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن أبي طالب، عن يونس بن بكار، عن أبيه، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام): * (ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به (في علي) لكان خيرا لهم) *. * الشرح: قوله * (ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به (في علي) لكان خيرا لهم) * قوله: " في علي " يحتمل التنزيل والتأويل، و " خير " هنا مجرد عن معنى الزيادة كما في قوله تعالى: * (خير من اللهو ومن التجارة) *. * الأصل: 29 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن مثني الحناط عن عبد الله بن عجلان، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله عز وجل: * (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين) * قال: في ولايتنا. * الشرح: قوله * (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة) * (1) الخطاب للمنافقين المؤمنين ظاهرا، والسلم - بكسر السين وفتحها وسكون اللام - في الأصل الاستسلام والطاعة، والمراد هنا الولاية، و * (كافة) * - وهي اسم للجملة لأنها تكف الأجزاء من التفرق - حال عن الضمير أو السلم لأنها مؤنث كالحرب، والخطوات - بسكون الطاء وضمها وفتحها - جمع الخطوة بالضم في القلة وهي بعد ما بين القدمين في المشي، يعني يا أيها الذين آمنوا بولاية علي وطاعته ظاهرا ادخلوا كافة في ولايته وطاعته ظاهرا وباطنا على صميم القلب ولا تتبعوا خطوات الشيطان ووساوسه وأمره بالتفرق والتفريق والكفر، * (إنه لكم عدو مبين) * ظاهر العداوة يريد أن يخرجكم عن الدين ويزيلكم عن الحق.


1 - قوله: " في السلم كافة " لا ريب في أن ولايتهم سبب السلم في الآخرة والدنيا وأن خطوات الشيطان متابعة أعدائهم، وكذلك ولاية أهل الجور من إيثار الحياة الدنيا وأما الآخرة فحاصلة بولاية أئمة الحق. (ش) (*)

[ 68 ]

* الأصل: 30 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن عبد الله بن إدريس، عن محمد بن سنان عن المفضل بن عمر، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) قوله جل وعز: * (بل تؤثرون الحياة الدنيا) * قال: ولايتهم، * (والآخرة خير وأبقى) * قال: ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام)، * (إن هذا لفي الصحف الاولى * صحف إبراهيم وموسى) *. * الشرح: قوله: (* (بل تؤثرون الحياة الدنيا) * قال: ولايتهم) ذم الأشقياء وهم أئمة الجور ومن تبعهم بأنهم يؤثرون الحياة الدنيا وزخارفها على الآخرة وعبر بالحياة الدنيا عن ولا يتهم لأنها سبب لجمعها من كل وجه وصرفها في التوسع والتعيش وبذلها في غير وجوه شرعية وطرق عدلية. وعبر بالآخرة عن ولاية علي (عليه السلام) لأن ولايته سبب للوصول إلى نعيمها والفوز بسعادتها والنجاة عن شقاوتها، ثم رغب في اختيار الآخرة بأنه خير وأبقى من الدنيا وما فيها لأن كل نعيم الآخرة خالص من الكدورات ومتصف بالبقاء بخلاف نعيم الدنيا والعاقل لا يرجح المكدر المنقطع على الخالص الدائم، وفي بعض النسخ بدل قوله " ولايتهم " " ولاية شبوية " شبوة العقرب أبرتها وقد تطلق عليها أيضا والنسبة شبوية شبه الجاير بالعقرب في الأذى، ثم اشار إلى أن كون الآخرة - يعني ولاية علي (عليه السلام) - خير وأبقى مذكور في الصحف الأولى وصحف إبراهيم وموسى للتنبيه على أن ولايته مما جاء به الرسل وأخبروا به ونطقت به كتبهم. * الأصل: 31 - أحمد بن إدريس، عن محمد بن حسان، عن محمد بن علي، عن عمار بن مروان، عن منخل، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: * (أفكلما جاءكم (محمد) بما لا تهوى أنفسكم (بموالاة علي) فاستكبرتم ففريقا (من آل محمد) كذبتم وفريقا تقتلون) *. * الشرح: قوله (جاءكم محمد بما لا تهوى أنفسكم) أي بما لا تحبه أنفسكم، وقوله: بموالاة علي تفسير لقوله: * (بما لا تهوى) * (1) وقوله: * (فاستكبرتم) * ثم إشارة إلى أن علة عدم المحبة بموالاته الاستكبار عن الإيمان به والإقرار بموالاته، ويحتمل أن يكون متفرعا عليه، والحديث تفسير للآية


1 - قوله " تفسير لقوله بما لا تهوى " ولا يخفى أن الآية في بني إسرائيل وأنهم كانوا قبل ذلك يقتلون كل نبي يأتي بما يخالف أهواءهم، وكأن الشارح لم ينظر في الآية بتمامها، والرواية ضعيفه وقلنا في منخل راويها ما سبق. (ش) (*)

[ 69 ]

لا ذكر لها بعبارتها، والله أعلم. * الأصل: 32 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن عبد الله بن إدريس، عن محمد بن سنان، عن الرضا (عليه السلام) في قول الله عز وجل: * (كبر على المشركين (بولاية علي) ما تدعوهم إليه) * يا محمد من ولاية علي هكذا في الكتاب مخطوطة. * الشرح: قوله (كبر على المشركين بولاية علي) بولاية علي متعلق بالمشركين وصلة له أي عظم على الذين أشركوا بولاية علي ما تدعوهم إليه يا محمد من ولاية علي والإقرار بها ظاهرا وباطنا، " وهكذا " يعني هذه الآية بهذا اللفظ مخطوطة في الكتاب الذي جمعه أمير المؤمنين (عليه السلام) أو اللوح المحفوظ، وفي بعض النسخ " في الكتاب محفوظة " بالهاء، وفي بعضها " في كتاب محفوظ " بلا هاء. * الأصل: 33 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد، عن ابن هلال، عن أبيه، عن أبي السفاتج، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله جل وعز: * (الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله) * فقال: إذا كان يوم القيامة دعي بالنبي (صلى الله عليه وآله) وبأمير المؤمنين وبالأئمة من ولده (عليهم السلام) فينصبون للناس فإذا رأتهم شيعتهم قالوا: * (الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله) * يعني هدانا الله في ولاية أمير المؤمنين والأئمة من ولده (عليهم السلام). * الشرح: قوله (فقال إذا كان يوم القيامة) قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في بعض خطبه: أيها الناس، أن الله تعالى وعد نبيه محمدا (صلى الله عليه وآله) الوسيلة ووعده الحق ولن يخلف الله وعده، ألا وأن الوسيلة أعلى درج الجنة وذروة ذوائب الزلفة ونهاية غاية الامنية، لها ألف مرقاة، ما بين المرقاء إلى المرقاء حضر الفرس الجواد مائة عام، ورسول الله (صلى الله عليه وآله) قاعد عليها مرتد بريطتين ريطة من رحمة الله وريطة من نور الله، عليه تاج النبوة وإكليل الرسالة، قد أشرف بنوره المواقف، وأنا يومئذ على الدرجة الرفيعة وهي دون درجته، وعلي ريطتان ريطة من ارجوان النور وريطة من كافور، والرسل والأنبياء قدوقفوا على المراقي، وأعلام الازمنة وحجج الدهور عن أيماننا قد تجللتهم حلل النور والكرامة، لا يرانا ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا بهت بأنوارنا وعجب من ضيائنا وجلالتنا، وعن يمين الوسيلة عن يمين الرسول (صلى الله عليه وآله) غمامة بسطة البصر يأتي منها النداء: يا أهل الموقف، طوبى لمن أحب الوصي وآمن بالنبي الامي العربي ومن كفر به فالنار موعده، وعن

[ 70 ]

يسار الوسيلة عن يسار الرسول ظلة يأتي منها النداء: يا أهل الموقف، طوبى لمن أحب الوصي وآمن بالنبي الأمي. والذي له الملك الأعلى، لا فاز أحد ولا نال الروح والجنة إلا من لقي خالقة بالإخلاص لهما والاقتداء بنجومهما، فأيقنوا يا أهل ولاية الله تبييض وجوهكم وشرف مقعدكم وكرم مآبكم وبفوزكم اليوم على سرر متقابلين، ويا أهل الانحراف والصدود عن الله عز ذكره ورسوله وصراطه وأعلام الأزمنة أيقنوا بسواد وجوهكم وغضب ربكم جزاء بما كنتم تعملون. أقول: هذا معنى قوله: فينصبون للناس فإذا رأتهم الشيعة على هذه المنزلة والكرامة وسمعوا هذه البشارة قالوا: الحمد لله الذي هدانا بلطفه وتوفيقه لهذا المقام وهذا الفضل وما كنا لنهتدي إليه بمحض قوتنا لولا أن هدانا الله. * الأصل: 34 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن محمد بن اورمة، ومحمد بن عبد الله، عن علي بن حسان، عن عبد الله بن كثير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: * (عم يتساءلون * عن النبأ العظيم) * قال: النبأ العظيم الولاية، وسألته عن قوله: * (هنالك الولاية لله الحق) * قال: ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام). * الشرح: قوله (ومحمد بن عبد الله) عطف على " محمد بن اورمة " وسيأتي ما يدل عليه. قوله * (عم يتساءلون عن النبأ العظيم) * قال المفسرون معنى هذا الاستفهام تفخيم شأن ما يسأل عنه كأنه لفخامته خفى جنسه. وقوله: * (عن النبأ العظيم) * بيان لشأن المفخم أو صلة * (يتساءلون) * و * (عم) * متعلق مفسر به. قوله (قال النبأ العظيم الولاية) قال في الطرايف: روى الحافظ محمد بن مؤمن الشيرازي في كتابه في تفسير قوله تعالى: * (عم يتساءلون عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون) * بإسناده إلى السدي يرفعه، قال: أقبل صخر بن حرب حتى جلس إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا محمد، هذا الأمر لنا من بعدك أم لمن ؟ قال (صلى الله عليه وآله): يا صخر، الأمر بعدي لمن هو مني بمنزلة هارون من موسى (عليهما السلام)، فأنزل الله عزوجل: * (عم يتساءلون عن النبأ العظيم) * (1) يعني


1 - قوله " عن النبأ العظيم " النبأ العظيم بمقتضى ظاهر الآية هو القيامة، وكأن المراد بهذا الحديث أن ولاية علي (عليه السلام) أيضا نبأ عظيم، والشئ بالشئ يذكر ويتبادر الذهن إلى معنى بعد خطور ما يناسبه بالبال إذ كثر التمثل بآيات القرآن في الأحاديث، ولكن هذا الحديث ضعيف الإسناد ولا حاجة في الاحتجاج على مقام = (*)

[ 71 ]

يسألك أهل مكة عن خلافة علي بن أبي طالب الذي فيه مختلفون، منهم المصدق بولايته وخلافته ومنهم المكذب، قال: * (كلا) * وهو رد عليهم * (سيعلمون) * أي سيعرفون خلافته بعدك أنها حق * (ثم كلا سيعلمون) * أي سيعرفون خلافته وولايته، إذ يسألون عنها في قبورهم فلا يبقى ميت في شرق ولا غرب ولا في بر ولا في بحر إلا منكر ونكير يسألانه عن ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بعد الموت، يقولان له: من ربك ؟ وما دينك ؟ ومن نبيك ؟ ومن إمامك ؟. قوله (هنالك الولاية لله الحق) الثابت الذي لا يغيره شئ ولا يعتريه ضعف، فلا يقدر أن يشاركه فيها أحد، وفسرها (عليه السلام) بأنها ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو أعلم بمواقع التنزيل والتأويل، إنما نسبت إلى الله لأن ما لأوليائه وعليهم ينسب إليه توسعا كما روى عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " سألته عن قول الله تعالى: * (وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) * قال: إن الله أعظم وأعز وأجل وأمنع من أن يظلم، ولكنه خلطنا بنفسه فجعل ظلمنا ظلمه وولايتنا ولايته يقول: * (انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) * يعني الأئمة منا. * الأصل: 35 - علي بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى * (فأقم وجهك للدين حنيفا) * قال: هي الولاية. * الشرح: قوله (فأقم وجهك للدين حنيفا) الدين الطريق إلى الله، والمراد به هنا ولاية علي (عليه السلام)، و * (حنيفا) * حال عن ضمير والخطاب الخطاب عام، الحنفيف المائل عن كل دين باطل إلى دين الحق، وقد غلب هذا الوصف على إبراهيم (عليه السلام) حتى نسب إليه من هو على دينه، يعني أقم وجهك للولاية الثابتة لعلي (عليه السلام) من قبله تعالى ولا تلتفت عنها إلى غيرها من الولايات الباطلة الدائرة وهو تمثيل للإقبال عليها والإقرار بها والمتابعة لها والاهتمام بها وعدم الإعراض عنها أصلا. * الأصل: 36 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن إبراهيم الهمداني يرفعه إلى أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: * (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة) * قال: الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام).


= أمير المؤمنين (عليه السلام) وفضله مع كثرة البراهين الساطعة إلى التمسك بالاحتمالات المشكوكة والدعاوي الواهنة. (ش) (*)

[ 72 ]

* الشرح: قوله (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة) قيل لجزاء يوم القيامة أو لحسابه أو لأهله، أو فيه كقولك جئت لخمس خلون من الشهر أي في خمس، وإفراد القسط - وهو العدل - لأنه مصدر وصفت به الموازين للمبالغة واريد بها الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام)، ولعل إطلاقها عليهم من باب الحقيقة اللغوية لأن الميزان في الأصل ما يوزن به الشئ ويعرف به قدره، فالشرع ميزان والنبي ميزان إذ بهما تعرف قدر الحق، واشتهار إطلاقه على هذه الآلة التي لها لسان وكفتان يفيدانه حقيقة عرفية فيها كاشتهار العام في بعض أفراده عند أهل العرف، ولا ينافي ذلك كونه حقيقة لغوية في المعنى الأعم على أنه لو ثبت أنه حقيقة لغوية في الآلة المذكورة فقط لم يمنع ذلك إطلاقه على من ذكر من باب المجاز والمجاز في القرآن شايع. * الأصل: 37 - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن الحسين بن عمر بن يزيد، عن محمد بن جمهور، عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله تعالى: * (ائت بقرآن غير هذا أو بدله) * قال: قالوا: أو بدل عليا. * الشرح: قوله (* (ائت بقرآن غير هذا) *) صدره: * (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا) * لعل المراد بالآيات علي وأولاده المعصومون، وقد مر باب أن الآيات التي ذكرها الله تعالى في كتابه هم الأئمة (عليهم السلام)، أو المراد بها الآيات القرآنية المشتملة على ذكرهم وولايتهم، وعلى التقديرين إذا تتلى عليهم تلك الآيات قال الذين لا يرجون لقاء الرب وجزاءه - يعني المشركين والمنافقين الذين لم يدخل الإيمان في قلوبهم -: ائت بقرآن غير هذا ليس فيه ما نستكرهه من وصف علي. أو بدله يعني عليا (1) بأن يجعل مكان آية متضمنة له آية اخرى فقال الله تعالى لرسوله * (قل ما يكون لي أن ابدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي) * أي بالتبديل من قبل نفسي * (عذاب يوم عظيم) *. * الأصل: 38 - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن إسماعيل بن مهران، عن الحسن القمي عن إدريس ابن عبد الله، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سألته عن تفسير هذه الآية: * (ما سلككم في سقر * قالوا لم


1 - قوله: " أو بدله يعني عليا " " أو بدل عليا " هذا أيضا من باب التمثل بالقرآن وأن الشئ يذكر بنظيره. (ش) (*)

[ 73 ]

نك من المصلين) * قال: عني بها لم نك من أتباع الأئمة الذين قال الله تبارك وتعالى فيهم: * (والسابقون السابقون اولئك المقربون) * أما ترى الناس يسمون الذي يلي السابق في الحلبة مصلي، فذلك الذي عني حيث قال: * (لم نك من المصلين) * لم نك من أتباع السابقين. * الشرح: قوله (* (ما سلككم في سقر) *) قال في النهاية: سقر اسم أعجمي علم لنار الآخرة ولا ينصرف للعجمة والتعريف، وقيل: هو من قولهم سقرته الشمس إذا أذابته، فلا ينصرف للتأنيث والتعريف. قوله (عني بها لم نك من اتباع الأئمة الذين قال الله تعالى فيهم) الموصول صفة للائمة يعني إلا الأئمة الذين قال الله تعالى في وصفهم: * (والسابقون السابقون) * أي السابقون إلى الطاعة والإيمان والإقرار بالله تعالى أو في حيازة الفضائل والكمالات، السابقون في الورود على الله والدخول في أعلى درجات الجنان والفوز بجزيل الثواب والرحمة والرضوان، وقيل هم الذين عرفت في السبق حالهم وعلمت في التقديم مآلهم فلا يحتاجون إلى بيان كمالاتهم وتوضيح حالاتهم. قوله (أما ترى الناس يسمون الذي يلي السابق في الحلبة مصلي) الحلبة - بفتح الحاء المهملة وتسكين اللام - خيل تجمع للسباق من كل أوب لا تخرج من اصطبل واحد كما يقال للقوم إذا جاؤوا من كل أوب للنصرة: قد أحلبوا واستحلبوا، أي اجتمعوا للنصرة والإعانة. والسابق منها يقال له: المجلي أيضا، هو الذي يقدم على غيره، والمصلي منها هو الذي يحاذي رأسه صلوى السابق، والصلوان عظمان نابتان عن يمين الذنب وشماله. قوله (لم نك من اتباع السابقين) بيان لقوله: * (لم نك من المصلين) * وتفسير له. * الأصل: 39 - أحمد بن مهران، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني، عن موسى بن محمد، عن يونس بن يعقوب، عمن ذكره، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله عز وجل: * (وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا) * يقول: لأشربنا قلوبهم الإيمان، والطريقة هي ولاية علي بن أبي طالب والأوصياء (عليهم السلام). * الشرح: قوله (والطريقة هي ولاية علي بن أبي طالب والأوصياء (عليهم السلام)) ومعنى الآية حينئذ أن الخلق لو استقاموا وثبتوا على ولايتهم لأشربنا قلوبهم إيمانا كاملا ينتفعون به في الدنيا والآخرة. فقد شبه الإيمان بالماء الغدق وهو الكثير النافع في التسبب للحياة، وأطلق الماء عليه على سبيل الاستعارة المصرحة ورشحها بذكر الإسقاء، ولو فسر الماء بالرزق كما فسروه به مجازا من باب إطلاق السبب

[ 74 ]

على المسبب كان المراد بالطريقة ولاية الأئمة أيضا لأن ولايتهم سبب لجلب النعم الظاهرة والباطنة كما دلت عليه الآيات والروايات. * الأصل: 40 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن محمد بن جمهور، عن فضالة بن أيوب عن الحسين بن عثمان، عن أبي أيوب، عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: * (الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) * فقال أبو عبد الله (عليه السلام): استقاموا على الأئمة واحدا بعد واحد * (تنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون) *. * الشرح: قوله (فقال أبو عبد الله (عليه السلام) استقاموا على الأئمة واحدا بعد واحد) دل عليه أيضا ما رواه محمد ابن فضيل عن الرضا (عليه السلام)، قال: سألته عن معنى قوله: * (ثم استقاموا) * قال: هي والله ما أنتم عليه (1). يعني متابعة أهل البيت (عليهم السلام). والمعنى أن الذين قالوا: ربنا إقرارا بربوبيته ووحدانيته ثم استقاموا على ولاية الأئمة وثبتوا فيها إلى آخر العمر تتنزيل عليهم الملائكة في وقت الموت أو في القبر أو في تلك المواضع كلها ألا تخافوا من لحوق المكروه والعقاب، ولا تحزنوا من خوف فوات المرغوب والثواب، وابشروا بالجنة التي كنتم توعدون في الدنيا على لسان الرسول. والروايات الدالة على سرور المؤمن كل السرور إذا بلغ النفس الحلقوم أكثر من أن تحصى.


1 - قوله " هي والله ما أنتم عليه " المتتبع العاقل البصير في السير والأخبار يعلم أن الاختلاف بين الأئمة (عليهم السلام) وبين مخالفيهم كان استمرارا للاختلاف الذي كان بين مشركي مكة ومسلمي المدينة، ولما غلب المسلمون على عهد النبي (صلى الله عليه وآله) على المشركين ولم يجد هؤلاء بدا من أن يظهروا الإسلام بألسنتهم مكرهين منتهزين فرصة للانتقال، فلما انتقل رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى جوار ربه ولم يكن لهم مقدرة على هدم أساس الدين لتمكنه في قلوب الأكثرين توسلوا بكل وسيلة لسلب الملك عن آل النبي (صلى الله عليه وآله) إذ لم يكونوا يرون نبوته إلا ملكا وكان هذا غاية ما أمكنهم، وكذلك كل عدو مغلوب يجهد حتى يسلب القدرة عن الغالب وأهله، ولم يكن الحرب بين معاوية وعلي (عليه السلام) إلا تكملة لغزوات رسول الله (صلى الله عليه وآله) بينه وأبي سفيان وكذلك وقعة الطف وقتل الحسين (عليه السلام) و قتل الأنصار في المدينة بأمر يزيد يوم الحرة كان انتقاما منه لنصرتهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ترويج الإسلام، وهكذا جرى الأمر في دولة بني امية، فكل من آمن واستقام على الدين من كل جهة فهو من شيعة أهل البيت وكل من خالفهم فهو من أتباع أعداء الإسلام ومشركي مكة سواء كان شاعرا بذلك أو غير شاعر، فرب رجل يتبع طريقة لا يعلم مصدرها وعلة وجودها وسر مخالفتها للطريقة الاخرى. (ش) (*)

[ 75 ]

* الأصل: 41 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله تعالى: * (قل إنما أعظكم بواحدة) * فقال: إنما أعظكم بولاية علي (عليه السلام) هي الواحدة التي قال الله تبارك وتعالى: * (إنما أعظكم بواحدة) *. * الشرح: قوله (عن محمد بن الفضيل) مشترك بين الغالى وغيره. قوله (* (قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة) *)، الوعظ النصح والتذكر بالعواقب، وقد فسر المفسرون الواحدة بخصلة واحدة وقالوا هي ما دل عليه قوله تعالى: * (أن تقوموا لله) * وفسرها (عليه السلام) بولاية علي (عليه السلام) وارتباطها حينئذ بما بعدها لا يخلو من اشكال (1) اللهم إلا أن يكون الباء للقسم و * (ان تقوموا) * متعلقا ب‍ * (أعظكم) * بحذف الباء أو بكون الياء للسببية على تقدير أن يكون نسبة الجنون إليه (عليه السلام) باعتبار إفراطه في محبة علي (عليه السلام) وإظهار ولايته، فليتأمل. * الأصل: 42 - الحسين بن محمد، من معلى بن محمد، عن محمد بن اورمة، وعلي بن عبد الله، عن علي بن حسان، عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل: * (إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا) * لن تقبل توبتهم قال: نزلت في فلان وفلان وفلان، آمنوا بالنبي (صلى الله عليه وآله) في أول الأمر وكفروا حيث عرضت عليهم الولاية، حين قال النبي (صلى الله عليه وآله): من كنت مولاه فهذا علي مولاه، ثم آمنوا بالبيعة لأمير المؤمنين (عليه السلام) ثم كفروا حيث مضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلم يقروا بالبيعة، ثم ازدادوا كفرا بأخذهم من بايعه بالبيعة لهم، فؤلاء لم يبق فيهم من الإيمان شئ. * الشرح: قوله (في قوله الله تعالى: * (إن الذين آمنوا) * الآية) في سورة النساء هكذا: * (إن الذين آمنوا ثم


1 - قوله " لا يخلو من اشكال " إذ لا يجرى فيه ما ذكرنا في امثاله في كلامهم من أن الأئمة (عليهم السلام) كثيرا ما كانوا يتمثلون بآيات القرآن كما كانوا يتمثلون باشعار العرب قال علي (عليه السلام) في الخطبة الشقشقية. شتان ما يومى على كورها * ويوم حيان اخى جابر والشعر للاعشى ولم يكن مراده ذكر تأخير أمير المؤمنين (عليه السلام) عن الخلافة ولكن تمثل به (عليه السلام) لتشبيه حاله بمدلول الشعر وهنا. ليس مثله قول الباقر (عليه السلام) الواحدة التي في القرآن اريد بها ولاية أمير المؤمنين صلوات الله عليه ولكن الخطب سهل لضعف الحديث. (ش) (*)

[ 76 ]

كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا. بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا) * وليس فيها " لن تقبل توبتهم " نعم هو في آية في سورة آل عمران وهو: * (إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم واولئك هم الضالون) * ولعله ذكر آية النساء (1) وضم إليها بعض آية آل عمران للتنبيه على أن مورد الذم في الآيتين واحد وإن كان واحدة منهما مفسرة للاخرى. قوله (لن تقبل توبتهم) وقع في موقع * (لم يكن الله ليغفر لهم) * لإفادته مفاده والنفي المؤبد باعتبار انتفاء الموضوع وهي التوبة لعلمه تعالى أزلا بأن من كانت لهم هذه الخصال الذميمة يستحيل منهم التوبة عن الكفر والتمسك بالايمان والتثبت به لعميان بصائرهم عن الحق وتعود ضمائرهم بالباطل، لا باعتبار أنهم لو تابوا وأخلصوا الإيمان لن تقبل منهم ولن يغفر لهم، والله أعلم. قوله (قال: نزلت في فلان وفلان وفلان) يوافق هذا التفسير ما ذكره بعض المفسرين من أن الآية نزلت في قوم تكرر منهم الارتداد ثم أصروا على الكفر وازدادوا تماديا في الغي والجحود والعناد إلا إنهم لم يذكروا أن المرتدين من هم. وقال بعضهم: نزلت في اليهود آمنوا بموسى ثم كفروا لعبادة العجل ثم آمنوا بعد عوده إليهم ثم كفروا بعيسى ثم ازدادوا كفرا بمحمد (صلى الله عليه وآله). ولا يخفي بعده لدلالة الآية على عدم المغايرة في موضوع هذه الصفات المتضادة وما ذكره هذا القائل يدل على مغايرته على أن عبدة العجل تابوا وقبلت توبتهم كما هو مذكور في كتب السير والتفاسير. قوله (آمنوا بالنبي في أول الامر) لعل المراد بالايمان في الموضعين اقرار اللسان وحده (2)


1 - قوله: " ولعله ذكر آية النساء الخ " أقول: واحتمال سهو الرواة في نقل الآية قريب جدا كما نرى من الناس في كل زمان، وهذه التكلفات التي ارتكبها الشارح مبنية على مذهب الأخباريين مع أنه لم يكن منهم، يعتقدون أن الرواة معصومون من السهو والنسيان وبعضهم يجوزون السهو على الأنبياء بل على نبينا (صلى الله عليه وآله) ولا يجوزونه على الرواة، بل يقولون: جميع ما روي عنهم ونقلوه في الكتب صادر من الإمام بجميع خصوصيات ألفاظه وهذا اليقين غير ممكن الحصول إلا مع الاعتقاد بعصمة الرواة جميعا. (ش) 2 - قوله: " إقرار اللسان وحده " والمحققون من علمائنا أن الارتداد لا يكون بعد الإيمان الحق وإنما يتفق بعد الإسلام الظاهري، فرب رجل شاك أو ظان يحكم بإسلامه ظاهرا كما يحكم بإسلام أطفال المسلمين وكفر أطفال الكفار من جهة الأحكام الظاهرية ويسمى كفرهم بعده ارتدادا وهذا إسلام وكفر عند الفقهاء. وأما الإيمان الواقعي والكفر الواقعي عند الله وفي اصطلاح المتكلمين فلا يمكن أن يضل أحد بعد أن هداه الله = (*)

[ 77 ]

وبالكفر انكاره مع مخالفة القلب له في صورة الإقرار وموافقته في صورة الإنكار. قوله (حين قال النبي (صلى الله عليه وآله): من كنت مولاه فهذا علي مولاه) روي أن أحدهم عند القول قال للآخر: انظر إلى عينه تدور كأنها عين مجنون. قوله (ثم آمنوا بالبيعة لأمير المؤمنين) أي آمنوا باللسان قال علي بن إبراهيم في تفسيره لما نزلت الآية وأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) الميثاق عليهم لأمير المؤمنين صلوات الله عليه آمنوا إقرارا لا تصديقا، فلما مضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) كفروا وازدادوا كفرا، ولم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا إلا طريق جهنم. * الأصل: 43 - وبهذا الإسناد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: * (إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى) * فلان وفلان وفلان، ارتدوا عن الإيمان في ترك ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) قلت: قوله تعالى: * (ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر) * قال: نزلت والله فيهما وفي أتباعهما وهو قول الله عز وجل الذي نزل به جبرئيل (عليه السلام) على محمد (صلى الله عليه وآله): * (ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله (في علي (عليه السلام)) سنطيعكم في بعض الأمر) * قال: دعوا بني امية إلى ميثاقهم ألا يصيروا الأمر فينا بعد النبي (صلى الله عليه وآله) ولا يعطونا من الخمس شيئا وقالوا: إن أعطيناهم إياه لم يحتاجوا إلى شئ ولم يبالوا أن يكون الأمر فيهم، فقالوا: سنطيعكم في بعض الأمر الذي دعوتمونا إليه وهو الخمس ألا نعطيهم منه شيئا وقوله: * (كرهوا ما نزل الله) * والذي نزل الله ما افترض على خلقه من ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) وكان معهم أبو عبيدة وكان كاتبهم، فأنزل الله * (أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون * أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم) * - الآية. * الشرح: قوله: (* (ان الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى) *) تمام الآية: " الشيطان سول لهم وأملى لهم ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم " الهدى الولاية والنص عليها، والتسويل تحسين الشئ وتزيينه وتحبيبه إلى الإنسان ليفعله أو يقوله. والإملاء المد في الآمال والأماني، أملى له أي مد له فيهما، وذلك إشارة إلى التسويل والإملاء، والباء في قوله: * (بأنهم) * للسببية، والضمير فيه للمنافقين وهم فلان وفلان


= للإيمان إذ لا يمكن اجتماع الثواب والعقاب في الآخرة، لا بأن يقدم ثواب الإيمان ويؤخر عقاب الارتداد، ولا أن يحبط ثواب إيمانه ويعاقبه في الآخرة محضا أو يثيبه محضا كمن مات على الإيمان. تحقيق ذلك في محل آخر. (ش) (*)

[ 78 ]

وفلان حيث ارتدوا عن الإيمان بترك ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام). وقد روى عن ابن عباس أيضا أن الآية نزلت في شأن المنافقين حيث أظهروا الإيمان أولا وارتدوا عنه آخرا. وقال أكثر المفسرين: إنها نزلت في شأن اليهود، وفسروا الهدى بالرسالة ومعجزاتها. وفيه أن الارتداد لا يناسبهم. قوله (قال: نزلت والله فيهما وفي أتباعهما) ما نزل الله تعالى هو الولاية والكارهين لها هم الثلاثة المذكورة، وإنما خص الأولين بالذكر لأنهما أساس الظلم والجور والذين قالوا لهم: سنطيعكم في بعض الأمر أتباعهم من بني امية وذلك البعض هو منع أهل البيت (عليهم السلام) من الخمس بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، وإنما خصوا وعد الإطاعة بالبعض لأن الإطاعة في بعض آخر وهو العهد بأن لا يصيروا أمر الولاية في أهل البيت بعد النبي وقع منجزا في حال حيوته. قوله (ولم يبالوا أن يكون الأمر فيهم) (1) هكذا في أكثر النسخ وفيه دلالة على كمال عداوتهم لأهل البيت (عليهم السلام) حيث قصدوا مع غصب الخلافة منهم كسر قلوبهم لضيق المعيشة، وفي بعض النسخ " ولم يبالوا إلا أن يكون الأمر فيهم " وفيه دلالة على أن الغرض من منع الخمس ألا يقدروا على دعوى الخلافة وانتزاعها من الغاصبين.


1 " ولم يبالوا أن يكون الأمر فيهم " هكذا كان سنخ فكر بني امية وسائر أهل الدنيا مثلهم يزعمون أن كل من يجهد لشئ فإنما غرضه تحصيل المال والتنعم، ولم يكونوا يتعقلون للانسان غرضا آخر في حركاته وأفعاله غير ذلك، حتى أن دعوى النبوة من النبي (صلى الله عليه وآله) كان عندهم لجلب المال وتنعمه به وتنعم أولاده بعده بالخمس وغيره فإذا اعطوا من الخمس رضوا واستراحوا إذ حصل غرضهم ومقصودهم ولم يبالوا بامارة من تأمر، وكان هذا غلطا فإنهم (عليهم السلام) ما كان جهدهم إلا لترويج الدين جدهم وتعليم المعارف الحقيقية أحكام الله وإرشاد الناس إلى ما فيه صلاحهم يطلبون به رضا خالقهم، فلم يكن صرف الخمس والأموال عنهم وإيجاب الفقر لهم نقضا لغرض رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وفي زماننا ظهر جماعة من الماديين الملحدين يزعمون أن جميع أفعال البشر وحركاتهم وآرائهم وعقايدهم ودينهم وسيأستهم وجميع مظاهر اجتماعهم وجماعتهم لأجل المال والمعيشة سواء اعترفوا به أو لا واستشعروا له أو لا، وكان رئيس هذه الطائفة ومخترع طريقتهم رجلا من بني إسرائيل وهذا دأبهم وسجيتهم في جميع أمورهم ومبنى آرائهم على أصالة المال وجميع الامور تدور حول المال، وأما نظر غيرهم من المجدين في إصلاح أمر البشر ورفع الظلم عنهم فمبنى على تساويهم في الحقوق البشرية والحرية وهؤلاء على التساوي في الأموال ولا يرون الحقوق والحرية شيئا يعني به ويستحسنون الاستبداد المحض للولاة بشرط أن يقسموا الأموال بين الناس بالسوية ولو بالقتل والتشريد والتعذيب فإن المال هو الاصل والنفس والحياة والحرية ليست بشئ في مقابل المال. وأما غير هؤلاء فبناؤهم على أصالة العدل في الحقوق والمساوات في الحرية والاختيار وان لم يوجب التساوي في المال فإن الحق والحرية عندهم أرجح من المال والاستبداد للوالي من أفحش الشرور إذا لم يكن معصوما، واتفق العقلاء على أن الولاة يجب أن يكونوا مقيدين بقيود وأعمالهم مشروطة بشروط، كما سبق، نعم إذا كان معصوما فهو محفوظ من مخالفة أمر الله وما لا يرضى به عمدا وسهوا. (ش) (*)

[ 79 ]

قوله (وكان معهم أبو عبيدة) اسمه: عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن امية بن ضبة بن الحارث بن فهر بن مالك بن نضر بن كناية، وفي فهر يجتمع مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو قرشي ومنه تقرشت قريش على الصحيح لا عن النضر بن كنانة، وفي فهر يجتمع بطون قريش كلها ومن لم يكن من ولد فهر فليس بقرشي، وبطون خمسة وعشرون. قوله (فأنزل الله: * (أم أبرموا أمرا) *) ذكر الله تعالى ما تعاهدوا عليه في الكعبة ألا يردوا الأمر والخمس إلى أهل البيت (عليهم السلام) فقال: * (أم أبرموا أمرا) * أي أحكموا بينهم أمرا من رد الولاية ومنع الخمس * (فإنا مبرمون) * أمرا وهو مجازاتهم بالعذاب أو إثبات الولاية والخمس لأهل البيت، * (أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم) * أي حديث نفوسهم، * (ونجواهم) * أي حديثهم فيما بينهم من منع الحق بل نسمعها ورسلنا وهم الحفظة لديهم يكتبون ذلك ليكون حجة عليهم يوم القيامة ونحن نجازيهم فيه. * الأصل: 44 - وبهذا الإسناد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل: * (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم) * قال: نزلت فيهم حيث دخلوا الكعبة فتعاهدوا وتعاقدوا على كفرهم وجحودهم بما نزل في أمير المؤمنين (عليه السلام) فألحدوا في البيت بظلمهم الرسول ووليه فبعدا للقوم الظالمين. * الشرح: قوله (قال نزلت فيهم) يعني من يرد الكفر بولاية علي (عليه السلام) وإنكارها وغصبها في بيت الله حال كونه متلبسا بإلحاد أي عدول عن الصراط المستقيم، وبظلم على الرسول ووليه فهما حالان عن فاعل * (يرد) * أو الثاني بدل عن الأول بإعادة الجار وهو جواب من قوله تعالى * (نذقه من عذاب أليم) * وعلى هذا مفعول يرد مخصوص، حذف لعلم المخاطب به وقال أكثر المفسرين: حذف مفعوله للدلالة على التعميم، وهو على تقدير عمومه يتناول ما نحن فيه أيضا. قوله (فالحدوا في البيت بظلمهم) أي فعدلوا عن القصد وانحرفوا عن الحق في بيت الله بسبب ظلمهم، فالباء للسببية والبيت ظرف للالحاد. * الأصل: 45 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن علي بن أسباط، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل: * (فستعلمون من هو في ضلال مبين) * يا معشر المكذبين حيث أنبأتكم رسالة ربي في ولاية علي (عليه السلام) والأئمة (عليهم السلام) من بعده، من هو في ضلال مبين ؟ كذا انزلت وفي قوله تعالى: * (إن تلووا أو تعرضوا) * فقال: إن تلووا الأمر وتعرضوا عما

[ 80 ]

امرتم به * (فان الله كان بما تعملون خبيرا) * وفي قوله: * (فلنذيقن الذين كفروا (بتركهم ولاية أمير المؤمنين) عذابا شديدا (في الدنيا) ولنجزينهم أسوء الذي كانوا يعملون) *. * الشرح: قوله (يا معشر المكذبين) أي فستعلمون عند الموت أو بعده يا معشر المكذبين لرسالتي من أجل أني أنبأكم رسالة ربي في ولاية علي والأئمة من بعده من هو في ضلال مبين منا أو منكم ؟ وهم نسبوا الضلالة إليه (صلى الله عليه وآله) من أجل تبليغ الولاية مرارا وقالوا: إنما يقول ذلك من قبله حبا لتحقق الرئاسة في أهل بيته وفيه دلالة على أنهم لم يؤمنوا بالله وبرسوله أصلا. قوله (كذا أنزلت) لا يدل هذا على أن ما ذكره (عليه السلام) قرآن لأن ما أنزل إليه (صلى الله عليه وآله) عند الوحي يجوز أن يكون بعضه قرانا وبعضه تأويلا وتفسيرا، وقد أشار صاحب الطرائف إلى هذا حيث قال روى الفقيه الشافعي ابن المغازلي في كتاب المناقب بإسناده إلى جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمنى - وذكر حديثا طويلا إلى أن قال: ثم نزل * (فاستمسك بالذي أوحى اليك) * في أمر علي * (إنك على صراط مستقيم) * وإن عليا (عليه السلام) * (لعلم للساعة وذكر لك ولقومك وسوف تسئلون) * عن علي بن أبي طالب هذا آخر الحديث، وكان اللفظ المذكور المنزل في ذلك على النبي (صلى الله عليه وآله) بعضه قرآنا وبعضه تأويلا. انتهى كلامه بعبارته. قوله (فقال أن تلووا الأمر) لواه أي أماله وصرفه من جانب إلى جانب، وقد يجعل كناية عن التأخر والتخلف يعني أن تصرفوا أمر الخلافة من موضعها وهو علي بن أبي طالب (عليه السلام)، أو تعرضوا عما امرتم به من ولايته وتخلفتم عنه فإن الله كان بما تعملون خبيرا فيعاقبكم بذلك. قوله (فلنذيقن الذين كفروا بتركهم ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) عذابا شديدا في الدنيا) بالنوايب والمصائب والقتل والأسر سيما بيد الصاحب، ولنجزينهم في الآخرة أسوء الذي كانوا يعملون أي بأقبح الجزاء على أقبح أعمالهم وهو ترك الولاية، ذلك أي الأسوء الأقبح جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد أي دار الإقامة أبدا جزاء بما كانوا بآياتنا وهو علي بن أبي طالب والأئمة (عليهم السلام) يجحدون. وقال الذين كفروا بولاية علي (عليه السلام) واتبعوا أئمة الجور حين دخلوا في النار وذاقوا حر عذابها ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس أي الشيطان والإنسان نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين ثم صرف الكلام إلى وصف شيعة علي (عليه السلام) وقال: إن الذين قالوا ربنا الله اقرارا بالتوحيد والربوبية ثم استقاموا على الولاية تتنزل عليهم الملائكة ألا لا تخافوا ولا تحزنوا إلى آخر ما ذكر سابقا.

[ 81 ]

* الأصل: 46 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن علي بن أسباط عن علي بن منصور، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن الوليد بن صبيح، عن أبي عبد الله (عليه السلام): * (ذلك بأنه إذا دعي الله وحده (و أهل الولاية) كفرتم) *. * الشرح: قوله (ذلك بأنه إذا دعى الله وحده وأهل الولاية كفرتم) هكذا في جميع النسخ والقرآن " ذلكم " على خطاب الجمع أي ذلكم الذي أنتم فيه من العذاب بسبب أنه إذا دعي الله وحده وأهل الولاية كفرتم بالتوحيد والولاية وأنكرتموها. يدل على ذلك أيضا ما رواه علي بن إبراهيم في تفسيره حيث قال أخبرنا الحسن بن محمد عن معلى بن محمد عن محمد بن جمهور عن جعفر بن بشير عن الحكم بن زهير عن محمد بن حمدان عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تبارك وتعالى: * (إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير) * يقول إذا ذكر الله وحده بولاية من أمر الله تعالى بولايته كفرتم، وإن يشرك به من ليست له ولاية تؤمنوا بأن له ولاية. * الأصل: - علي بن إبراهيم، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد، عن محمد بن سليمان عن أبيه، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله تعالى: * (سأل سائل بعذاب واقع للكافرين (بولاية علي (عليه السلام)) ليس له دافع) * ثم قال: هكذا والله نزل بها جبرئيل على محمد (صلى الله عليه وآله). * الشرح: قوله * (سأل سائل بعذاب واقع للكافرين - الخ) * قال القاضي: أي دعا داع به بمعنى استدعاه ولذلك عدى الفعل بالباء، والسائل نضر بن الحارث فإنه قال إن كان هذا هو الحق من عندك أو أبو جهل فإنه قال: * (أسقط علينا كسفا من السماء) * سأله استهزاء أو الرسول (صلى الله عليه وآله) استعجل بعذابهم. وروي عن جعفر بن محمد الصادق عن آبائه الكرام (عليهم السلام) ما يوضح هذا المقام ومضمونه أنه لما نصب رسول (صلى الله عليه وآله) عليا (عليه السلام) يوم الغدير للخلافة (1) وقال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه واشتهر ذلك الخبر ركب الحارث بن النعمان الفهري ناقته حتى لحقه بالمدينة فقال: يا محمد، أمرتنا بكلمة الشهادة والصلاة والزكاة والصوم والحج فقبلنا منك، فما ترضى بذلك حتى جعلت ابن عمك عليا


(1) - قوله " يوم الغدير للخلافة " وهذا ضعيف ونسبته إلى الصادق (عليه السلام) فرية لأن السورة مكية بالاتفاق، ولو كانت الرواية صحيحة كانت مدنية من سور أواخر عمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد حجة الوداع. (ش) (*)

[ 82 ]

أميرا علينا، أهذا من رأيك أو أمر ربك ؟ فقال (صلى الله عليه وآله): بأمر ربي، فقام الحارث وقال: اللهم إن كان محمد صادقا فأمطر علينا حجارة فنزل عليه حجارة من السماء فقتل، فنزل قوله تعالى: * (سأل سائل) * أي دعا داع بعذاب واقع للكافرين بولاية علي ليس له دافع يرده من الله لتعلق ارادته بذلك حتما. وقوله (عليه السلام): هكذا والله نزل به جبرئيل على محمد (صلى الله عليه وآله) لا يدل على أن قوله: " بولاية علي " من القرآن لما عرفت سابقا. * الأصل: - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن سيف، عن أخيه، عن أبيه، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: * (إنكم لفي قول مختلف (في أمر الولاية) يؤفك عنه من أفك) * قال: من أفك عن الولاية أفك عن الجنة. * الشرح: قوله (عن أبي جعفر في قوله أنكم لفي قول مختلف) قال الله تعالى: * (إن ما توعدون لصادق وإن الدين لواقع والسماء ذات الحبك إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك) * قال علي بن إبراهيم في تفسيره: حدثنا جعفر بن أحمد قال حدثنا عبد الكريم بن عبد الرحيم عن محمد بن علي عن محمد ابن الفضيل عن أبي حمزة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول في قول الله تبارك وتعالى: * (إنما توعدون لصادق) * يعني في علي * (وإن الدين لواقع) * يعني في علي (عليه السلام) وعلي هو الدين، وقوله: * (والسماء ذات الحبك) * قال السماء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلي ذات الحبك، وقوله عز وجل: * (انكم لفي قول مختلف) * يعني مختلف في علي، اختلفت هذه الامة في ولايته فمن استقام على ولاية علي دخل الجنة ومن خالف ولاية علي دخل النار، وقوله عز وجل: * (يؤفك عنه من أفك) * يعني من أفك عن ولايته أفك عن الجنة. انتهى. * الأصل: - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن محمد بن جمهور، عن يونس، قال: أخبرني من رفعه إلى أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله عز وجل: * (فلا اقتحم العقبة * وما أدراك ما العقبة * فك رقبة) *: يعني بقوله * (فك رقبة) * ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) فإن ذلك فك رقبة. * الشرح: قوله (من أفك عن الولاية أفك عن الجنة) الإفك بالكسر الكذب، وبالفتح وصدر قولك أفكه يأفكه أفكا إذا قلبه وصرفه عن الشئ، وأفك فلان فهو مأفوك أي صرف عن الشئ ومنع منه. قوله * (فلا اقتحم العقبة) * أي لم يرتكبها ولم يدخل فيها، من اقتحم الإنسان الأمر العظيم إذا رمى

[ 83 ]

نفسه فيه لشدة اعتنائه به. والعقبة الطريق في الجبل، والمراد بها هنا ولاية علي بن ابي طالب (عليه السلام) على سبيل التشبيه. والاستعارة كما دل عليه قوله تعالى * (وما أدريك) * أي ما علمك ما العقبة * (فك رقبة) * يعنى بقوله فك رقبة ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) فإن ذلك فك رقبة من النار، وفي حمله على العقبة بمعنى الولاية مبالغة لأن الولاية سبب لفك الرقاب من النار وهي تفكها منها، فحمله عليها من باب حمل المسبب على السبب للمبالغة في السببية، أو من باب حمل المصدر على المتصف به كزيد عدل، وأما قوله: * (أو إطعام في يوم ذي مسغبة) * وهي مفعلة من سغب إذا جاع، فحمله عليها كحمل المشبه به على المشبه مثل زيد أسد، فإن الولاية سبب لحياة النفس كالإطعام في اليوم المذكور، وإنما خص يتيما ذا مقربة ومسكينا ذا متربة بالذكر لأن إطعامهما أفضل وأدخل في التسبب للحياة. * الأصل: - وبهذا الإسناد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: * (بشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم) * قال: ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام). * الشرح: قوله * (بشر الذين آمنوا) * أي بشر الذين آمنوا بولاية علي (عليه السلام) بأن لهم قدما صادقة في مقام المجاهدة مع النفس والأعداء عند ربهم، ويمكن أن تجعل كناية عن أن لهم مرتبة سابقة هي مرتبة الإقرار بالولاية في الميثاق عند وجودهم الظلي، وسميت صادقة لأنها موافقة لمرتبتهم في الوجود العيني، أو كناية عن أن لهم منزلة رفيعة ومرتبة في الآخرة لأن ثبات القدم في المجاهدة مستلزم لها. * الأصل: - علي بن إبراهيم عن أحمد بن محمد البرقي، عن أبيه، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: * (هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا (بولاية علي) قطعت لهم ثياب من نار) *. * الشرح: قوله * (هذان خصمان) * أي هذان فوجان * (اختصموا) * جمعه حملا على المعنى * (في ربهم) * أي في قوله أو أمره بولاية علي (عليه السلام) * (فالذين كفروا) * بولاية علي (عليه السلام) * (قطعت لهم) * أي قدرت لهم على مقادير جثتهم * (ثياب من نار) * محيطة بهم كإحاطة الثياب * (يصب من فوق رؤوسهم الحميم) * أي الماء الحار وهو خبر بعد خبر أو حال عن الضمير في * (لهم) *. * (يصهر) * أي يذاب * (به) * لفرط حرارته * (ما في بطونهم) * من الأحشاء والأمعاء ويصهر به الجلود فتذاب به الجلود كما تذاب به

[ 84 ]

الأحشاء * (ولهم) * مع ذلك * (مقامع) * أي سياط * (من حديد) * يجلدون بها. قال علي بن إبراهيم: حدثني أبي عن يحيى بن أبي عمران، عن يونس، عن حماد، عن ابن طيار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله عز وجل: * (هذان خصمان اختصموا في ربهم) * قال: نحن وبنو أمية قلنا: صدق الله ورسوله، وقال بنو امية: كذب الله ورسوله، * (فالذين كفروا) * يعني بني أمية * (قطعت لهم ثياب من نار) * إلى قوله * (حديد) * قال: تشوبه النار فتسترخي شفته السفلى حتى تبلغ سرته وتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه * (ولهم مقامع من حديد) * قال: الأعمدة التي يضربون بها. * الأصل: - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن محمد بن أورمة، عن علي بن حسان، عن عبد الرحمن بن كثير، قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله تعالى: * (هنالك الولاية لله الحق) * قال: ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام). * الشرح: قوله (قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قوله الله تعالى هنالك الولاية) قد مر هذا سندا ومتنا وذكرنا ما يتعلق به فلا نعيده. * الأصل: - محمد بن يحيى، عن سلمة بن الخطاب، عن علي بن حسان، عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله عز وجل * (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة) * قال: صبغ المؤمنين بالولاية في الميثاق. * الشرح: قوله * (صبغة الله) * الصبغة بالكسر ما يصبغ به ونصبها على الإغراء كما قيل أي ألزموها، والمراد بها الولاية التي صبغ الله المؤمنين بها في الميثاق، وإنما سميت الولاية صبغة لأن الولاية حلية المؤمن كما أن الصبغة حلية المصبوغ. وفي تفسير علي بن إبراهيم: المراد بها الإسلام، وقيل: هي الختان لأنه يصبغ صاحبه بالدم، وقيل: هي الهداية أو الحجة، وقيل: هي الإيمان بالله وعبر عنه بالصبغة للمشاكلة باعتبار وقوعه في صحبة صبغة النصارى تقديرا. ولنصبها وجوه آخر تركناها خوفا للإطناب. * الأصل: - عده من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن فضال، عن المفضل بن صالح،

[ 85 ]

عن محمد بن علي الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله عز وجل: * (رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا) * يعني الولاية، من دخل في الولاية، دخل في بيت الأنبياء (عليهم السلام)، وقوله: * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * يعني الأئمة (عليهم السلام) وولايتهم من دخل فيها دخل في بيت النبي (صلى الله عليه وآله). * الشرح: قوله * (رب اغفر لي) * طلب مغفرته مع عصمته إما لفتراته وغفلاته أو لاشتغاله ببعض المباحات المانعة من العروج إلى أعلى المقامات أو لعدم إيقاعه بعض الطاعات على أفضل الحالات. أو لتأثر نفسه النورانية ببعض الكدورات عند التنزل من مقام كمال القرب لنصح العباد، والمعصوم يعد كل ذلك ذنبا ويستغفر منه. ههنا زيادة تفصيل يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. قوله (* (ولمن دخل بيتي مؤمنا) * يعني الولاية) البيت المنزل والعيال والشرف والمراد به هنا الولاية على سبيل الكناية لأن الدخول في الولاية مستلزم للدخول في بيت الأنبياء بالمعاني المذكورة وكذا العكس، فأطلق الملزوم واريد اللازم مع ما فيه من الإيماء إلى أن الداخل في الولاية يصح أن يقال له أهل بيت الأنبياء، توسعا. قوله (يعني الأئمة) يريد أن الخطاب لهم وحدهم لا لهم وللنساء من باب التغليب كما زعمه بعض النواصب، وقد ذكرنا سابقا أن في رواياتهم أيضا دلالة صريحة على ذلك وأن عدم العصمة فيهن وانتفاء حقيقة الرجس من كل وجه عنهن مانعان من دخولهن في الخطاب، وأن اختصاص الخطاب فيما قبل هذه الآية وما بعدها بهن لا يقتضي دخولهن فيها على أن أحدا لم يقل أن هذه الآية نزلت مع ما قبلها وما بعدها دفعة واحدة وإنما وضعوها كذلك عند الجمع والتأليف وأمثال ذلك في القرآن كثيرة وقد مر مثل ذلك، ولو ثبت نزول الجميع دفعة ففي اختصاص الخطاب في هذه الآية بالأئمة وفيما قبلها أو ما بعدها بالنساء فائدة لطيفة هي أن الله تعالى لما أراد أن يختص الأئمة بهذا الوصف الجميل وعلم أن بعض النساء يظلمهم خاطبهن ووعظهن بالوعد والوعيد سابقا ولاحقا في موافقتهم ومخالفتهم. ومما يؤيد ذلك ما رواه علي بن إبراهيم قال: حدثنا محمد بن أحمد قال حدثنا محمد بن عبد الله بن غالب عن عبد الرحمن بن أبي نجران عن حماد عن حريز قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله تبارك وتعالى: * (يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين) * قال: الفاحشة الخروج بالسيف. وقال: حدثنا حميد بن زياد عن محمد بن الحسين عن محمد بن يحيى عن طلحة بن زيد عن

[ 86 ]

أبي عبد الله (عليه السلام) عن أبيه صلوات الله عليه في هذة الآية * (ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى) * قال: أي ستكون جاهلية اخرى. ويؤيده أيضا ما نقله القاضي عن بعض المفسرين من أن الجاهلية الاولى جاهلية الكفر قبل الإسلام، والجاهلية الاخرى جاهلية الفسوق في الإسلام. هذا حال الآية السابقة. وأما الآية اللاحقة وهي قوله تعالى: * (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة) * فلا يبعد أن يراد بالآيات الأئمة (عليهم السلام) وبالحكمة ساير الشرائع، ولو كان المراد بها الآيات القرآنية كانت الآية المذكورة. قال: هذه الآية في وصف الأئمة من جملتها وعلى التقديرين فيها ترغيب لهن في حفظ حقوق الأئمة (عليهم السلام). قال علي بن إبراهيم: وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تبارك وتعالى * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * قال: نزلت هذه الآية في رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم أجمعين وذلك في بيت أم سلمة زوج النبي (صلى الله عليه وآله) دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليا وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم ثم ألبسهم كساء خيبريا ودخل معهم فيه ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي الذين وعدتني فيهم ما وعدتني اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم، نزلت هذه الآية فقالت أم سلمة: وأنا معهم يا رسول الله ؟ فقال: أبشري يا أم سلمة فإنك إلى خير. قال أبو الجارود: وقال زيد بن علي ابن الحسين: إن جهالا من الناس يزعمون أنما أراد الله تبارك وتعالى أزواج النبي (صلى الله عليه وآله)، وإنما لو عنى أزواج النبي (صلى الله عليه وآله) لقال ليذهب عنكن الرجس ويطهركن ولكان الكلام مؤنثا كما قال تبارك وتعالى: * (واذكرن ما يتلى في بيوتكن) * * (ولا تبرجن) * و * (لستن كأحد من النساء) *. وقال علي بن إبراهيم: ثم انقطعت مخاطبة نساء النبي (صلى الله عليه وآله) وخاطب أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * ثم عطف على نساء النبي (صلى الله عليه وآله) وقال: * (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا) * ثم عطف على آل محمد فقال: * (إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات - إلى قوله - أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما) *. قوله (وولايتهم) لعل المراد أهل ولايتهم بحذف المضاف وفيه إشعار بأن أهل ولايتهم من أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله)، ولعل السر فيه أن من تشبه بقوم فهو منهم ومن أحب رجلا فهو مع من أحب ويمكن أن يراد بالبيت الدين.

[ 87 ]

* الأصل: - وبهذا الإسناد، عن أحمد بن محمد، عن عمر بن عبد العزيز، عن محمد بن الفضيل، عن الرضا (عليه السلام) قال: قلت: * (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون) * قال: بولاية محمد وآل محمد (عليهم السلام) هو خير مما يجمع هؤلاء من دنياهم. * الشرح: قوله * (قل بفضل الله) * قال الله تعالى * (يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون) * قال علي بن إبراهيم: حدثني محمد بن جعفر قال حدثني محمد بن أحمد عن أحمد بن الحسين عن صالح بن أبي حماد عن الحسن بن موسى الخشاب عن رجل عن حماد بن عيسى عمن رواه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سئل عن قول الله تعالى: * (وأسروا الندامة لما رأوا العذاب) * قال قيل له ما ينفعهم إسرار الندامة وهم في العذاب ؟ قال: كرهوا شماتة الأعداء - إلى أن قال -: ثم قال: * (يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين) * قال: رسول الله (صلى الله عليه وآله) والقرآن، ثم قال: قل يا محمد: بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون، قال: الفضل رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورحمته أمير المؤمنين صلوات الله عليه، * (فبذلك فليفرحوا) * قال: فليفرحوا شيعتنا * (هو خير مما) * أعطوا أعداؤنا من الذهب والفضة. * * الأصل:: - أحمد بن مهران، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني، عن علي بن أسباط عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن زيد الشحام قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) - ونحن في الطريق في ليلة الجمعة -: اقرأ فإنها ليلة الجمعة قرآنا، فقرأت: * (إن يوم الفصل (كان) ميقاتهم أجمعين * يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون * إلا من رحم الله) * فقال أبو عبد الله (عليه السلام): نحن والله الذي رحم الله ونحن والله الذي استثنى الله لكنا نغني عنهم. * الشرح: قوله * (يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا) * أي لا يغني ولي عن ولي في ذلك اليوم شيئا من العذاب والصعوبة إلا آل محمد صلوات الله عليه وعليهم أجمعين فإنهم يغنون عن أوليائهم وشيعتهم، وأما من والى غير أولياء الله فلا يغني بعضهم عن بعض شيئا. قوله (نحن والله الذي) الموصول مفرد لفظا لموافقة المستثنى وجمع معنى فلذلك صح حمله على نحن وعليه فقس ما بعده.

[ 88 ]

* * الأصل: - أحمد بن مهران، عن عبد العظيم بن عبد الله، عن يحيى بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لما نزلت: * (وتعيها أذن واعية) * قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): هي أذنك يا علي. * الشرح: قوله * (قال: وتعيها أذن واعية) * لما أخبر الله تعالى عن اهلاك ثمود وعاد وفرعون وأتباعه وقوم لوط وقوم نوح وانجاء أصحابه بحملهم في الجارية قال: * (لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية) * أي لنجعل لكم هذه الفعلة وهي إنجاء المؤمنين بحملهم في الجارية وإغراق الكافرين، أو لنجعل العقوبات المذكورة كلها تذكرة للعقوبة والرحمة بسبب المعصية والطاعة وعبرة لأهل التذكر والتفكر في عاقبة الامور * (وتعيها اذن واعية) * أي تحفظها اذن حافظة يحفظ ما يجب حفظه وينبغي ضبطه بتذكيره وإشاعته والعمل بموجبه. قوله (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): هي أذنك يا علي) قال صاحب الطرائف قدس الله روحه روى الثعلبي في تفسير قوله تعالى * (وتعيها أذن واعية) * قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): سألت الله تعالى أن يجعلها أذنك يا علي، قال علي: فما نسيت بعد ذلك شيئا وما كان لي أن أنساه. وروى نحو ذلك ابن المغازلي في كتابه بإسناده إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، ونقل بعض المفسرين عن أبي الحسن الواحدي وهو من مشاهير علماء أهل السنة أنه قال في تفسيره المسمى بأسباب النزول: إن هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وروى بإسناده عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: ضمني رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى صدره وقال: يا علي، أمرني ربي أن أقربك مني وأعلمك وأن كل ما سمعت مني تحفظه ولا تنساه. ونقل عن الثعلبي أنه روى عن بريدة عنه (صلى الله عليه وآله) أن هذة الآية نزلت بعد أن أمره الله تعالى بتعليم علي (عليه السلام) وأخبره بأنه يحفظ كل ما يسمعه ولا ينساه. وعن الحافظ أبي نعيم الأصبهاني أنه نقل في حلية الأولياء عن رزين أنه قال: نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب (عليه السلام). وعن الثعلبي أيضا أنه روى عن عبد الله بن الحسن قال لما نزلت هذه الآية قال النبي (عليه السلام): " اللهم اجعلها أذن علي، فما سمع شيئا إلا حفظه ". وذكره صاحب الكشاف فيه ونقله الطبرسي عن المكحول. وبالجملة روايات العامة والخاصة ناطقة بأن هذه الآية نزلت في شأن علي بن أبي طالب (عليه السلام) وإذا كان له من بين الصحابة اختصاص بهذه الفضيلة الشريفة والمرتبة الرفيعة كيف يرضى أحد أن تقدم عليه جماعة من الجهلة، وطائفة من الفسقة ؟ ! والله ولي التوفيق ومنه هداية الطريق.

[ 89 ]

* الأصل: - أحمد بن مهران، عن عبد العظيم بن عبد الله، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: نزل جبرئيل (عليه السلام) بهذه الآية على محمد (صلى الله عليه وآله) هكذا: * (فبدل الذين ظلموا (آل محمد حقهم) قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا (آل محمد حقهم) رجزا من السماء بما كانوا يفسقون) *. * الشرح: قوله (فبدل الذين ظلموا آل محمد حقهم) وهو الولاية والخمس والطاعة وغيرها من حقوقهم على الامة. قوله (فأنزلنا على الذين ظلموا آل محمد حقهم) وضع الظاهر موضع الضمير للمبالغة في تقبيح أمرهم والإشعار بأن إنزال الرجز وهو العذاب عليهم لظلمهم بوضع غير المأمور به موضعه وتبديلهم ما يوجب هدايتهم ونجاتهم بما يوجب ضلالتهم وهلاكهم، ولعل الغرض من نزول جبرئيل (عليه السلام) بالآية هكذا هو الإشعار بأن هذه الامة يخالفون قول الله تعالى فيما يوجب حطة لذنوبهم وهو الولاية كما خالف بنو إسرائيل أمره بأن يقولوا حطة عند دخول الباب سجدا وبدلوها بغيرها حذو النعل بالنعل، وإلا فالظاهر أن الآية نزلت في ذم بني اسرائيل بقرينة التفريع وقد صرح علي بن إبراهيم في تفسير هذه الآية بما ذكره (عليه السلام) قال قوله تعالى * (وقولوا حطة) * أي حط عنا ذنوبنا فبدلوا ذلك وقالوا: حنطة وقال الله تعالى * (فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا (آل محمد حقهم) رجزا من السماء بما كانوا يفسقون) *. * الأصل: - وبهذا الاسناد، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: نزل جبرئيل (عليه السلام) بهذه الآية هكذا: * (إن الذين ظلموا (آل محمد حقهم) لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا) * ثم قال: * (يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم (في ولاية علي) فآمنوا خيرا لكم وإن تكفروا (بولاية علي) فان لله ما في السموات وما في الأرض) *. * الشرح: قوله * (إن الذين ظلموا) * في سورة النساء * (إن الذين كفروا وظلموا) * ولعل الاختصار للدلالة على أن العطف للتفسير مع احتمال عدم نزوله، يدل على ما ذكره (عليه السلام) ما رواه علي بن إبراهيم قال حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قرأ هذه الآية هكذا: * (الذين كفروا وظلموا (آل محمد حقهم) لم يكن الله ليغفر لهم) * وفيه دلالة على أن ذلك نزل قرآنا.

[ 90 ]

ويقرب من الروايتين ما ذهب إليه بعض المفسرين من أن المراد: إن الذين كفروا وظلموا الناس بصدهم عما فيه صلاحهم وخلاصهم لأن من ظلم آل محمد حقهم فقد ظلم الناس وهم التابعون له عما فيه صلاحهم وخلاصهم من العذاب. قوله * (وكان ذلك على الله يسيرا) * أي وكان ذلك الحكم المذكور وهو عدم غفرانهم ودلالتهم بعد البحث إلى طريق جهنم وخلودهم فيها يسيرا على الله لا يصعب عليه ولا يستعظمه. قوله * (فآمنوا خيرا لكم) * أي فصدقوا خيرا لكم هو الولاية، أو فآمنوا ايمانا خيرا لكم وهو الإيمان بالولاية. قوله * (وإن تكفروا (بولاية علي) فإن لله ما في السموات وما في الأرض) * يعني إن تكفروا فهو غني عنكم لا يتضرر بكفركم كما لا ينتفع بإيمانكم، والمراد بالموصول السماوات والأرض وما فيهن وما بينهن وما تحتهن وما فوقهن وما يطلق عليه اسم شئ من الكائنات. * الأصل: - أحمد بن مهران - رحمه الله - عن عبد العظيم، عن بكار، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال هكذا نزلت هذه الآية: * (ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به (في علي) لكان خيرا لهم) *. * الشرح: قوله (ولو أنهم فعلوا) مر هذا الحديث متنا لا سندا وقد عرفت ما يتعلق به. * الأصل: - أحمد، عن عبد العظيم، عن ابن اذينة، عن مالك الجهني، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): * (وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ) * قال: من بلغ أن يكون إماما من آل محمد ينذر بالقرآن كما ينذر به رسول الله (صلى الله عليه وآله). * الشرح: قوله * (وأوحي الي) * هذا القرآن مر هذا أيضا مع بيانه. * الأصل: - أحمد، عن عبد العظيم، عن الحسين بن مياح (1)، عمن أخبره، قال: قرأ رجل عند أبي عبد الله (عليه السلام): * (قل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) * فقال: ليس هكذا هي، إنما هي والمأمونون، فنحن المأمونون.


(1) قال ابن الغضائري: إنه ضعيف غال. (صه) (*)

[ 91 ]

* الشرح: قوله (إنما هي والمأمونون) المأمونون أخص من المؤمنين، والمؤمنون أيضا عبارة عنهم (عليهم السلام) كما مر في باب عرض الأعمال عن يعقوب بن شعيب قال: سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن قوله الله تعالى * (اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) * قال: هم الأئمة (عليهم السلام). * الأصل: - أحمد، عن عبد العظيم، عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: * (هذا صراط علي مستقيم) *. * الشرح: قوله * (قال هذا صراط علي مستقيم) * لعله إشارة إلى أن قراءة قوله تعالى في سورة الحجر * (هذا صراط علي مستقيم) * بتنوين صراط وفتح اللام في * (علي) * تصحيف وأن الحق هو الإضافة وكسر اللام، يعني أن الإخلاص أو طريق المخلصين طريق علي مستقيم لا انحراف عنه ولا اعوجاج فيه يؤدي سالكه إلى المقصود، وقرئ على بكسر اللام من علو الشرف كما صرح به القاضي وغيره، وفيه خروج عن التصحيف في الجملة وإخفاء للحق ولا ينفعهم ذلك بعد تصريح شيوخهم به على ما نقله صاحب الطرائف قال: روى الحافظ محمد بن مؤمن الشيرازي بإسناده إلى قتادة عن الحسن البصري قال: كان يقرأ هذا الحرف * (صراط علي مستقيم) * فقلت للحسن وما معناه قال: يقول هذا طريق علي بن أبي طالب ودينه طريق ودين مستقيم فاتبعوه وتمسكوا به فإنه واضح لا عوج فيه. * الأصل: - أحمد، عن عبد العظيم، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: نزل جبرئيل بهذه الآية هكذا: * (فأبى أكثر الناس (بولاية علي) إلا كفورا) * قال: ونزل جبرئيل (عليه السلام) بهذه الآية هكذا: * (وقل الحق من ربكم (في ولاية علي) فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر * إنا أعتدنا للظالمين (آل محمد) نارا) *. * الشرح: قوله * (فأبى أكثر الناس (بولاية علي) إلا كفورا) * قال الله تعالى * (ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا) * لعل الضمير في * (صرفناه) * راجع إلى علي (عليه السلام) والغرض من تصريفه بينهم هو أن يتفكروا فيه ويعرفوا علو قدره وحق نعمته * (فأبى أكثر الناس إلا كفورا) * بولايته وجحودا لها، وفي تفريع الاستثناء مبالغة في إنكارهم لها. قوله * (وقل الحق من ربكم (في ولاية علي) * قال علي بن إبراهيم قال أبو عبد الله (عليه السلام): نزلت

[ 92 ]

هذه الآية هكذا * (قل الحق من ربكم) * يعني ولاية علي (عليه السلام) * (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين (آل محمد (صلى الله عليه وآله)) * * (نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل) * قال: المهل: الذي يبقى في أصل الزيت المغلي * (يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا) * ثم ذكر ما أعد الله للمؤمنين فقال * (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات - إلى قوله - وحسنت مرتفقا) *. * الأصل: - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن إسماعيل، عن محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن (عليه السلام) في قوله: * (وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا) * قال: هم الأوصياء. * الشرح: قوله * (قال هم الأوصياء) * يعني أن المساجد هم الأوصياء لأنهم محال السجود لله تعالى ومواضعها حتى لو لم يكونوا لم يتحقق السجود له، وقوله * (لله) * إشارة إلى أنهم منصوبون من قبله مختصون به، وقوله: * (فلا تدعوا مع الله أحدا) * إشارة إلى أن من عدل عنهم أشرك بالله واتخذ معه إلها آخر، ومثله في تفسير علي بن إبراهيم بإسناد آخر عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، قال: " المساجد الأئمة صلوات الله عليهم "، والمفسرون اختلفوا في تفسيرها ففسرها بعضهم بهذه المساجد المعروفة، وبعضهم بالمسجد الحرام لأنه قبلة لتلك المساجد، وبعضهم بالمساجد السبعة في الإنسان، وبعضهم بالسجود على أنها جمع مسجد بالفتح بمعنى السجود وبعضهم بالأرض كلها. * الأصل: - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن الأحول عن سلام ابن المستنير، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: * (قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني) * قال: ذاك رسول الله وأمير المؤمنين والأوصياء من بعدهم. * الشرح: قوله * (قل هذه سبيلي) * أي هذه الطريقة أو الدعوة إلى الله وشرايعه سبيل إليه. قوله (قال: ذاك رسول الله) قال علي بن إبراهيم: وفي رواية أبي الجارود عن أبي - جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: * (قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله - إلى قوله - أنا ومن اتبعني) *: يعني نفسه ومن تبعه علي ابن أبي طالب وآل محمد صلوات الله عليهم (1).


(1) - قوله " ومن تبعه علي بن أبي طالب وآل محمد (عليهم السلام) " هذا حديث لا يحتاج في تطبيقه عليهم (عليهم السلام) إلى تكلف، وأما الحديث التالي والسابق فتمثيل كما قلنا في كثير من أمثالهما لأن الشئ بالشئ يذكر. (ش) (*)

[ 93 ]

قال علي بن إبراهيم: حدثني أبي عن علي بن أسباط قال: قلت لأبي جعفر الثاني صلوات الله عليه: يا سيدي، إن الناس ينكرون عليك حداثة سنك، قال: وما ينكرون من ذلك فوالله لقد قال لنبيه (صلى الله عليه وآله) * (قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني) * فما تبعه غير علي (عليه السلام) وكان ابن تسع سنين وأنا ابن تسع سنين. * الأصل: - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن إسماعيل، عن حنان، عن سالم الحناط، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: * (فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين * فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين) * فقال أبو جعفر (عليه السلام): آل محمد لم يبق فيها غيرهم. * الشرح: قوله * (فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين) * أي غير أهل بيت من المسلمين، والظاهر أن ضمير * (فيها) * في الموضعين راجع إلى قرية قوم لوط وإن لم يجر لها ذكر لأنها معلومة من سياق الكلام، واستدل به على أن الإسلام هو الإيمان بدليل استثناء المسلم من المؤمن وهو يقتضي تناول المؤمن له، وهذا التناول إنما يتحقق إذا كان الإسلام عين الإيمان إذ لو كان غيره لم يصدق المؤمن على المسلم. والجواب: لا نسلم قوله: إنما يتحقق...، وما ذكره لإثباته مدخول المفهومين المتغايرين قد يتصادقان كليا إما من الطرفين كالناطق والضاحك أو من طرف واحد كالضاحك والماشي، وقد يتصادقان جزئيا كالسواد والكتابة. قوله (فقال أبو جعفر (عليه السلام): آل محمد لم يبق فيها غيرهم) أي في المدينة ولعل المراد حال آل محمد صلوات الله عليهم مع هذه الامة كحال آل لوط (عليه السلام) مع امته حيث لم يوجد مؤمن غيرهم، ويحتمل أن يكون ضمير * (فيها) * في الآية أيضا راجعا إلى المدينة ويكون الغرض من هذا التأويل هو الإشارة الى حال علي (عليه السلام) وأهل بيته عند خروجهم منها، والله أعلم. * الأصل: - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن محمد بن جمهور، عن إسماعيل بن سهل، عن القاسم بن عروة، عن أبي السفاتج، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: * (فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هذا الذي كنتم به تدعون) * قال: هذه نزلت في أمير المؤمنين وأصحابه الذين عملوا ما عملوا، يرون أمير المؤمنين (عليه السلام) في أغبط الأماكن لهم، فيسئ وجوههم ويقال لهم: * (هذا الذي كنتم به تدعون) * الذي انتحلتم اسمه.

[ 94 ]

* الشرح: قوله * (فلما رأوه) * أي فلما رأوا عليا (عليه السلام) ذا زلفة وهي القرب والمنزلة سيئت وجوه الذين كفروا بولايته وبان عليها أثر الكآبة والحزن والمحنة في ظاهر وجوههم، وإنما عدل من الضمير إلى الموصول للدلالة بصلته على العلة. قوله * (وقيل هذا الذي كنتم به تدعون) * هذا إشارة إلى علي (عليه السلام) والخطاب للكافرين بولايته، والقائل المؤمنون أو الملائكة، والغرض منه هو التعبير والشماتة. قوله (يرون أمير المؤمنين (عليه السلام) في أغبط الأماكن لهم) أي أفضل الأماكن للمؤمنين وأفضل المراتب لهم وأصل الغبط حسن الحال والمسرة. قوله (الذي انتحلتم اسمه) بدل من الموصول المتقدم أو بيان له أو خبر بعد خبر، والانتحال أن يدعي الرجل حق الغير لنفسه ظلما كما انتحل خلفاء الجور اسم أمير المؤمنين والولاية وهما حق علي (عليه السلام) لأنفسهم. قال علي بن إبراهيم في تفسير هذه الآية: إذا كان يوم القيامة ونظر أعداء أمير المؤمنين صلوات الله عليه إلى ما أعطاه الله تبارك وتعالى من المنزلة الشريفة العظيمة وبيده لواء الحمد، وهو على الحوض يسقي ويمنع، يسود وجوه أعدائه فيقال لهم: * (هذا الذي كنتم به تدعون) * أي هذا الذي كنتم به تدعون منزلته وموضعه واسمه. وقال بعض المفسرين: نقل الحاكم أبو القاسم الحسكاني بأسانيده الصحيحة عن شريك عن الأعمش أنه قال لما رأوا ما لعلي بن أبي طالب عند الله من الزلفى سيئت وجوه الذين كفروا. * الأصل: - محمد بن يحيى، عن سلمة بن الخطاب، عن علي بن حسان، عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: * (وشاهد ومشهود) * قال: النبي (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام). * الشرح: قوله * (وشاهد ومشهود) * أقسم الله تعالى بشاهد ومشهود كما أقسم بالسماء ذات البروج واليوم الموعود أنه قتل أصحاب الاخدود والمراد بها النبي (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام)، إما باعتبار أن كل واحد منها شاهد على الخلق بما فعلوا ومشهود له بما بلغوا ونصحوا، أو بأن يراد بالأول الأول وبالثاني الثاني من باب اللف والنشر المرتب. والمفسرون اختلفوا في تفسيرهما اختلافا كثيرا فقيل: الشاهد هو الله والمشهود الخلق، وقيل بالعكس لأن الخلق شاهدون على وجوده. وقيل: الشاهد النبي (صلى الله عليه وآله) والمشهود الامة، وقيل: الشاهد النبي والمشهود يوم القيامة. وفيه أن اليوم الموعود يوم القيامة ففيه تكرار لا يدفع إلا بتكلف، وقيل الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة، وقيل الشاهد

[ 95 ]

الحجر الأسود والمشهود الحاج، وقيل الشاهد اليوم والليل والمشهود الخلق. وكتاب منهج الصادقين متكفل لذكر أقوالهم تفصيلا. * الأصل: - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن أحمد بن عمر الحلال قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قوله تعالى: * (فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الضالمين) * قال: المؤذن أمير المؤمنين (عليه السلام). * الشرح: قوله (عن أحمد بن عمر الحلال) الحلال - بالحاء غير المعجمة واللام المشددة - وكان يبيع الحل وهو الشيرج، وضبطه ابن داود بالخاء المعجمة أي يبيع الخل. قوله * (فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين) * بعده * (الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون * وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجالا يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون * وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين * ونادى أصحاب الأعراف رجال يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون * أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمته ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون) * والمؤذن أمير المؤمنين (عليه السلام) يؤذن بين الفريقين التابعين له إلى يوم القيامة والظالمين له. ويخص الظالمين باللعن والبعد عن الرحمة وينادي التابعين بالسلام والبشارة بالدخول في الجنة. ومما يدل على أن المؤذن هو (عليه السلام) ما رواه علي بن إبراهيم قال حدثني أبي عن محمد بن الفضيل عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: المؤذن أمير المؤمنين (عليه السلام) يؤذن أذانا يسمع الخلائق، والدليل على ذلك قول الله عز وجل في سورة براءة * (وأذان من الله ورسوله) * فقال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: " كنت أنا الأذان في الناس ". * الأصل: - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن محمد بن أورمة، عن علي بن حسان، عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: * (وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد) * قال: ذاك حمزة وجعفر وعبيدة وسلمان وأبو ذر والمقداد بن الأسود وعمار هدوا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام). وقوله: " حبب اليكم الإيمان وزينه في قلوبكم (يعني أمير المؤمنين)

[ 96 ]

وكره اليكم الكفر والفسوق والعصيان ": الأول والثاني والثالث (1). * الشرح: قوله (قال ذاك حمزة وجعفر وعبيدة) أراد أن صراط الحميد علي بن أبي طالب (عليه السلام) لأنه طريق الحق والمحمود في نفسه وعاقبته، وأن ضمير الجمع لهؤلاء الأكابر وإنما خصهم بالذكر لأنهم كانوا على المودة الخالصة له (عليه السلام) وأما غيرهم فلم يخل قلوبهم عن زيغ ماعنه، ولعل المراد بالطيب من القول كلمة التوحيد أو أعم ويحتمل النصيحة له (عليه السلام)، قال علي بن إبراهيم: الطيب من القول التوحيد والإخلاص وصراط الحميد الولاية. وعبيدة هو عبيدة بن عمرو، وقيل: ابن قيس بن عمر، والسلماني من بني سلمان بن يشكر بطن من مراد وكان من أولياء علي (عليه السلام) وخواص أصحابه وهو مذكور في طرق العامة أيضا، روى مسلم بإسناده عن عبيده: قال القرطبي: عبيدة بفتح العين هو عبيدة السلماني. قوله (يعني أمير المؤمنين) يريد أن الإيمان أمير المؤمنين (عليه السلام) لأنه أصل الإيمان وسببه والخطاب حينئذ لشيعته لا لجميع الامة. وقد أشار بعض المفسرين إلى التخصيص أيضا حيث قال: " حبب إليكم " أي إلى بعضكم. قوله (قال الأول والثاني والثالث) وإنما نسب الأول إلى الكفر لأنه باني الكفر أصله وبداية الخروج عن الدين منه، والثاني إلى الفسوق لأنه باني الفسوق كلها مع مراعاته لظاهر الشرع في الجملة، والثالث إلى العصيان لأنه باني العصيان وهو الخروج عن الحق بالطغيان وقد بلغ طغيانه إلى حيث أجمعت الصحابة على قتله. * الأصل: - محمد بن يحيى، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن أبي عبيدة، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قوله تعالى: * (ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين) * قال: عني بالكتاب التوراة والإنجيل. وأثارة من علم فانما عنى بذلك علم أوصياء الأنبياء (عليهم السلام). * الشرح: قوله * (ائتوني بكتاب من قبل هذا) * قد أشار جل شأنه إلى أنه ليس للمشركين دليل عقلي على الشرك وعبادة الأصنام ولا دليل نقلي على ذلك بقوله جل وعز: * (قل أرأيتم ما تدعون من دون الله


(1) راوي هذا الخبر عبد الرحمن بن كثير قال فيه النجاشي والعلامة (رحمه الله): إنه كان يضع الحديث، وكذا راوي راويه محمد بن أورمة طعنوا عليه بالغلو والتخليط خصوصا الكتاب الذي فيه هذا الحديث نص عليه النجاشي بأنه مختلط، وهكذا رواية معلى بن محمد البصري قال مشايخ الشيعة فيه: إنه مضطرب الحديث والمذهب. (*)

[ 97 ]

أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين) * أي قل يا محمد للمشركين هل لآلهتكم مدخل في خلق شئ من هذه الأجرام ومشاركة فيه حتى تستحق العبادة، وفيه إلزامهم بعدم ما يقتضي عبادة الأصنام عقلا، ثم قال لإلزامهم بعدم ما يقتضيها نقلا: * (ائتوني بكتاب من قبل هذا) * أي هذا القرآن الناطق بالتوحيد * (أو أثارة من علم) * أي بقية من علم العلماء وهم أوصياء الأنبياء * (إن كنتم صادقين) * في دعواكم. والغرض من هذا التفسير الصادر عن أهل العصمة هو الإشارة إلى امرين أحدهما الرد على من قال: مضى (صلى الله عليه وآله) بلا وصي بأنه كان له وصي كما كان للأنبياء * (سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا) *. وثانيهما أن تشريك الثلاثة مع علي (عليه السلام) في العبارة ليس له دليل لا عقلا ولا نقلا كتشريك الأصنام مع الله تعالى في العبادة. * الأصل: - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عمن أخبره، عن علي بن جعفر، قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: لما رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) تيما وعديا وبني أمية يركبون منبره أفظعه، فأنزل الله تبارك وتعالى قرآنا يتأسي به: * (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى) * ثم أوحى إليه: يا محمد، إني أمرت فلم أطع، فلا تجزع أنت إذا أمرت فلم تطع في وصيك. * الشرح: قوله (يقول لما رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) تيما وعديا) قال علي بن إبراهيم في تفسير قوله تعالى * (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك) * لما رأى النبي (صلى الله عليه وآله) في نومه كأن قرودا تصعد منبره فساءه ذلك وغمه غما شديدا فأنزل الله تعالى: * (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس (ليعمهوا فيها) والشجرة الملعونة في القرآن) * نزلت في بني أمية ثم حكى الله خبر إبليس فقال * (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا - إلى قوله - لاحتنكن ذريته إلا قليلا) * أي لافسدنهم إلا قليلا، فقال الله: * (اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا) * وهو محكم. * الأصل: - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن الحسين بن نعيم الصحاف، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قوله: * (فمنكم كافر ومنكم مؤمن) * فقال: عرف الله عز وجل إيمانهم بموالاتنا وكفرهم بها يوم أخذ عليهم الميثاق وهم ذر في صلب آدم. وسألته عن قوله عز وجل: * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فانما على رسولنا البلاغ المبين) * فقال: أما والله، ما هلك من كان قبلكم وما هلك من هلك حتى يقوم قائمنا (عليه السلام) إلا في ترك ولايتنا وجحود حقنا. وما خرج

[ 98 ]

رسول الله (عليه السلام) من الدنيا حتى ألزم رقاب هذه الامة حقنا * (والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) *. * الشرح: قوله (قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قوله: * (فمنكم كافر ومنكم مؤمن) *) قد مر سندا ومتنا بلا تفاوت إلا في تقديم كافر على مؤمن هنا كما في القرآن وتأخيره سابقا. قوله * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم) * الآية في سورة التغابن يعني أطيعوا الله وأطيعوا الرسول في الأمر والنهي وجميع ما جاء به الرسول وأعظم ما جاء به الولاية، فإن توليتم عن الإطاعة فإنما على رسولنا البلاغ المبين الواضح الفارق بين الحق والباطل ولا يضره توليكم وإعراضكم وانما يعود ضرره إليكم، فقال (عليه السلام): أما والله ما هلك من كان قبلكم من الامم باستحقاق عقوبة الأبد وما هلك من هلك من هذه الامة حتى يقوم قائمنا (عليه السلام) إلا في ترك ولايتنا وجحود حقنا. وذلك لما عرفت مرارا من أن الله تعالى أخذ على الخلق الميثاق على ولايتهم فمن قبلها فهو حي ناج ومن أنكرها فهو هالك معذب سواء كان من الامم الماضية أو من هذة الامة، ثم قال (عليه السلام): وما خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) من الدنيا حتى ألزم رقاب هذه الامة حقنا. ولقد أكثر وبالغ في تبليغ حق علي (عليه السلام) ما لم يكثر ولم يبالغ أحد من الأنبياء في تبليغ حق وصيه لعلمه بأن الامة يخالفون وينازعونه ويغصبون حقه * (والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) * أي إلى دينه الحق أو إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام). * الأصل: - محمد بن الحسن وعلي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن موسى بن القاسم البجلي، عن علي ابن جعفر، عن أخيه موسى (عليه السلام) في قوله تعالى: * (وبئر معطلة وقصر مشيد) * قال: البئر المعطلة الإمام الصامت، والقصر المشيد الإمام الناطق. ورواه محمد بن يحيى، عن العمركي، عن علي بن جعفر، عن أبي الحسن (عليه السلام) مثله. * الشرح: قوله (قال: البئر المعطلة الإمام الصامت) البئر المعطلة البئر العامرة التي لا يستقي منها، والقصر المشيد القصر المحكم المزين بأنحاء الزينة ولعل قصده (عليه السلام) أن الآية منطبقة على آل محمد (صلى الله عليه وآله) ومثل لهم. قال علي بن إبراهيم: بئر معطلة هي التي لا يستقى منها وهو الإمام الذي قد غاب فلا يقتبس منه العلم والقصر المشيد هو المرتفع، وهو مثل لأمير المؤمنين صوات الله عليه وسبطاه ثم يشرف على الدنيا.

[ 99 ]

* الأصل: - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحكم بن بهلول، عن رجل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: * (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك) * قال: يعني إن أشركت في الولاية غيره * (بل الله فاعبد وكن من الشاكرين) * يعني بل الله فاعبد بالطاعة وكن من الشاكرين أن عضدتك بأخيك وابن عمك. * الشرح: قوله " قال: يعني إن أشركت في الولاية غيره) أي إن أشرك النبي (صلى الله عليه وآله) على سبيل الفرض والتقدير كما يفرض المحالات في الولاية غير علي (عليه السلام)، وفيه تعريض على من أشرك فيها غيره بحبط عمله وخسرانه، قال علي بن إبراهيم: خاطب الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله) فقال: * (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) * فهذه مخاطبة للنبي (صلى الله عليه وآله) والمعنى لامته، وهو ما قال الصادق (عليه السلام): إن الله تبارك وتعالى بعث نبيه (صلى الله عليه وآله) بإياك أعني واسمعي يا جارة. والدليل على ذلك قوله تعالى * (فاعبد وكن من الشاكرين) * وقد علم تعالى أن نبيه (صلى الله عليه وآله) يعبده ويشكره ولكن استعبد نبيه (صلى الله عليه وآله) بالدعاء إليه تأديبا لامته. وقال أيضا: حدثنا جعفر بن أحمد عن عبد الكريم بن عبد الرحيم عن محمد بن علي عن محمد بن الفضيل عن أبي حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سألته عن قول الله تبارك وتعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله) * (لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) * قال: تفسيرها لئن أمرت بولاية غير علي (عليه السلام) مع ولاية علي صلوات الله عليه من بعدك ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين. قوله: * (بل الله فاعبد وكن من الشاكرين) * الظاهر أنه طلب العبادة والشكر على النعمة المذكورة منه (عليه السلام)، ويحتمل التعريض أيضا بغيره من الامة بأن يعبدوه ويشكروه على النعمة المذكورة وهي تقوية الله تعالى نبيه بأخيه وابن عمه وهو أنسب بالسابق. * الأصل: - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محمد الهاشمي، قال: حدثني أبي، عن أحمد بن عيسى قال: حدثني جعفر بن محمد، عن أبيه عن جده (عليهم السلام) في قوله عز وجل: * (يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها) * قال: لما نزلت * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) * اجتمع نفر من أصحاب رسول الله (عليه السلام) في مسجد المدينة، فقال بعضهم لبعض: ما تقولون في هذه الآية ؟ فقال: بعضهم إن كفرنا بهذه الآية نكفر بسائرها وإن آمنا فإن هذا ذل حين يسلط علينا ابن أبي طالب، فقالوا: قد علمنا أن محمدا صادق فيما يقول ولكنا نتولاه ولا نطيع عليا فيما أمرنا، قال: فنزلت هذه الآية

[ 100 ]

* (يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها) * يعرفون يعني ولاية [ علي بن أبي طالب ] وأكثرهم الكافرون بالولاية. * الشرح: قوله (ولكنا نتولاه ولا نطيع عليا) ضمير " نتولاه " راجع إلى محمد (صلى الله عليه وآله) وإرجاعه إلى علي (عليه السلام) بعيد لفظا ومعنى. قوله (يعرفون يعني ولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام) إشارة إلى أن النعمة هي الولاية، يعني يعرفون الولاية التي أنعم الله بها عليهم لتكميل مصالحهم في الدنيا والآخرة بالنصوص القرآنية والسنة النبوية والمشاهدات العينية الدالة في نهاية كماله علما وعملا ثم ينكرونها حسدا واستنكافا عليهم، * (وأكثرهم الكافرون) * وذكر الأكثر مع أن العارفين المنكرين كلهم كافرون إما لأن الأكثر قام مقام الكل كما صرح به القاضي أو لأن الضمير في أكثرهم راجع إلى الامة لإفادة أن أكثر هذه الامة كافرون بالولاية والله أعلم. قال علي بن إبراهيم في قوله عز وجل: * (يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها) * نعمة الله هم الأئمة، والدليل على أن الأئمة (عليهم السلام) نعمة الله جل جلاله قول الله تعالى * (ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا) * قال الصادق (عليه السلام): نحن والله نعمة الله التي أنعم بها على عباده وبنا فاز من فاز. * الأصل: - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن محمد بن النعمان، عن سلام، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قوله تعالى: * (الذين يمشون على الأرض هونا) * قال: هم الأوصياء من مخافة عدوهم. * الشرح: قوله (قال: هم الأوصياء) قال علي بن إبراهيم في تفسير هذه الآية نزلت في الأئمة صلوات الله عليهم، أخبرنا أحمد بن إدريس قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى عن ابن أبي نجران عن حماد عن حريز عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله الله تبارك وتعالى: * (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا) * قال: الأئمة (عليهم السلام) يمشون على الأرض هونا خوفا من عدوهم. وعنه عن أحمد بن محمد عن علي بن الحكم عن سليمان بن جعفر، قال: سألت أبا الحسن صلوات الله عليه عن قول الله تبارك وتعالى: * (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما) * قال: الأئمة صلوات الله عليهم.

[ 101 ]

* الأصل: - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد (1) عن بسطام بن مرة، عن إسحاق بن حسان، عن الهيثم بن واقد، عن علي بن الحسين العبدي، عن سعد الأسكاف، عن الأصبغ بن نباتة أنه سأل أمير المؤمنين عن قوله تعالى: * (أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير) * فقال: الوالدان اللذان أوجب الله لهما الشكر هما اللذان ولدا العلم وورثا الحكم وأمر الناس بطاعتهما، ثم قال الله: * (إلي المصير) * فمصير العباد إلى الله والدليل على ذلك الوالدان، ثم عطف القول على ابن حنتمة وصاحبه، فقال: في الخاص والعام * (وإن جاهداك على أن تشرك بي) * يقول: في الوصية وتعدل عمن أمرت بطاعته فلا تطعهما ولا تسمع قولهما، ثم عطف القول على الوالدين فقال: * (وصاحبهما في الدنيا معروفا) * يقول: عرف الناس فضلهما وادع إلى سبيلهما وذلك قوله: * (واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم) * فقال: إلى الله ثم إلينا، فاتقوا الله ولا تعصوا الوالدين فإن رضاهما رضى الله وسخطهما سخط الله. * الشرح: قوله (هما اللذان ولدا العلم وورثا الحكم) لعل المراد بهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام على سبيل التشبيه في التربية. والقرآن قد يكون ظاهرا في شئ ويراد به خلاف ظاهره أو يومي به إليه على سبيل الرمز، فلا يرد أن هذا التأويل ينافي ما قبل الآية وهو قوله تعالى: * (ووصينا الإنسان بوالديه حملته امه وهنا على وهن وفصاله في عامين) *. قوله (والدليل على ذلك الوالدان) أي الدليل على مصير العباد إلى الله الوالدان لدلالتهما العباد إلى طريق الحق وكيفية سلوكه وحمل ما يحتاجون إليه من الزاد للمعاد. قوله (ثم عطف القول على ابن حنتمة وصاحبه) أي صرف الكلام إلى ذمهما والتنفير عنهما، وحنتمة - بفتح الحاء المهملة - والنون قبل التاء الفوقانية - أم عمر بن الخطاب وهي بنت هشام اخت أبي جهل على ما صرح به صاحب النهاية، ونقل عن القاموس: أن حنتمة بلا لام بنت ذي الرمحين أم عمر بن الخطاب وليست اخت أبي جهل بل بنت عمه ونسبته إلى امه إما لذمه أو لأنه لا أب له. قوله (فقال في الخاص والعام) لعل المراد بالخاص وهو ابن حنتمة وصاحبه، وبالعام من تبعهما الى يوم القيامة.


(1) مر أن معلى بن محمد مضطرب الحديث والمذهب. (*)

[ 102 ]

قوله (يقول في الوصية) لأن ترك وصية النبي (صلى الله عليه وآله) شرك بالله. قوله (ثم عطف القول على الوالدين) أي على مدحهما والأمر باتباعهما. * الأصل: - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن سيف، عن أبيه، عن عمرو بن حريث قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله تعالى: * (كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء) * قال: فقال: رسول الله (صلى الله عليه وآله) أصلها وأمير المؤمنين (عليه السلام) فرعها والأئمة من ذريتهما أغصانها وعلم الأئمة ثمرتها وشيعتهم المؤمنون ورقها، هل فيها فضل ؟ قال: قلت: لا والله، قال: والله إن المؤمن ليولد فتورق ورقة فيها وإن المؤمن ليموت فتسقط ورقة منها. * الشرح: قوله * (أصلها ثابت) * أي أصلها ثابت في الأرض ضارب بعروقه و * (فرعها) * أي أعلاها في السماء * (تؤتى أكلها) * يعني تعطي ثمرها * (كل حين) *. قوله (قال فقال: رسول الله (صلى الله عليه وآله) أصلها) كل ذلك على التشبيه والتمثيل ولا يخفى على المتدبر اعتباره. قال بعض المفسرين نقل في شواهد التنزيل عنه (صلى الله عليه وآله) قال: " خلق الله تعالى الأنبياء من أشجار مختلفة وخلقني وعليا من شجرة واحدة أنا أصلها وعلي فرعها وفاطمة أكمامها والحسن والحسين ثمرتها وشيعتنا أوراقها، ومن تمسك بغصن من أغصانها نجا، ومن انحرف هلك هلاكا أبديا ". وقال علي بن إبراهيم في تفسير هذه الآية: حدثني أبي عن الحسن بن محبوب عن أبي جعفر الأحول عن سلام بن المستنير عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سألته عن قول الله عز وجل: * (مثلا كلمة طيبة) * الآية قال: الشجرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونسبه ثابت في بني هاشم وفرع الشجرة علي بن أبي طالب صلوات الله عليه وغصن الشجرة فاطمة (عليها السلام) وثمرتها الأئمة من ولد علي وفاطمة صلوات الله عليهم أجمعين والأئمة من أولادها أغصانها وشيعتهم ورقها، وإن المؤمن من شيعتنا ليموت فتسقط من الشجرة ورقة، وإن المؤمن ليولد فتورق الشجرة ورقة. قلت: أرأيت قوله تعالى: * (تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها) * قال: يعني بذلك ما يعني به الأئمة من شيعتهم في كل حج وعمرة من الحلال والحرام، ثم ضرب الله لأعداء آل محمد مثلا فقال: * (ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة أجتثت من فوق الأرض مالها من قرار) *. وفي رواية أبي الجارود قال " كذلك الكافر لا تصعد أعمالهم إلى السماء وبنو امية لا يذكرون الله في مجلس ولا في مسجد ولا تصعد أعمالهم إلى السماء إلا قليل منهم ".

[ 103 ]

قوله (هل فيها فضل) أي هل في الشجرة شئ غير ما ذكر فكذلك الشجرة الطيبة ليس فيها غيرنا وغير شيعتنا، وفي بعض النسخ " هل فيها شوب " قال الجوهري: الشوب الخلط. وفي المثل: هو يشوب ويروب يضرب لمن يخلط في القول أو العمل. * الأصل: - محمد بن يحيى، عن حمدان بن سليمان، عن عبد الله بن محمد اليماني، عن منيع بن الحجاج، عن يونس، عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل: * (لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل (يعني في الميثاق) أو كسبت في إيمانها خيرا) * قال: الإقرار بالأنبياء والأوصياء وأمير المؤمنين (عليه السلام) خاصة، قال: لا ينفع إيمانها لأنها سلبت. * الشرح: قوله * (لا ينفع نفسا إيمانها) * قال الله تعالى: * (يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها) * أي إيمانها بالله والأنبياء والأوصياء، ولعل المراد ببعض الآيات بعض أشراط الساعة وهي على ما نقلوه عن حذيفة عن البراء بن عازب عنه (صلى الله عليه وآله): عشرة الدجال ودابة الأرض وخسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب والدخان وطلوع الشمس من مغربها ويأجوج ونزول عيسى ونار تخرج من عدن. أو المراد به المهدي (عليه السلام) لأن الأئمة آيات الرب وهو بعضهم. قوله * (لم تكن آمنت من قبل) * يعني في الميثاق أو كسبت في إيمانها خيرا قال: الإقرار بالأنبياء (عليهم السلام) * (أو كسبت) * عطف على * (آمنت) * يعني لا ينفع نفسا إيمانها في ذلك اليوم بالله وبالنبي والوصي إذا لم تكن آمنت في الميثاق بالله أو آمنت به ولم تكن آمنت فيه بالنبي والوصي، وإنما لا ينفعها الإيمان في ذلك اليوم لأنها سلبت عن الإيمان وتذهب من الدنيا بغير إيمان، لا لأن الإيمان على تقدير بقائه وعدم زواله لا ينفعها، ويفهم منه أن كل من لم يؤمن بأمير المؤمنين (عليه السلام) في الميثاق لو آمن به في الدنيا لا ينفعه (1) لأنه يموت بغير إيمان.


1 - قوله " لو آمن به في الدنيا لا ينفعه " مبنى هذه التكلفات التي يرتكبها الشارح وربما يخرج بظاهر كلامه عن مقتضى مذهب أهل العدل التزامه بتصحيح روايات لا حاجة إلى الالتزام به، وينبغي الكلام في موضعين: الأول في الآية الكريمة: * (لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل) * ولا إشكال في معناها ولا يلزم منه مناقضة ولا في الإلتزام به خروج عن مقتضى قواعد العدل وأحكام العقل لأن الإنسان إن لم يؤمن في الدنيا وهي دار التكليف وهو مختار فلا يفيده إيمانه في الآخرة بعد ذلك عند مشاهدة الثواب والعقاب ملائكة = (*)

[ 104 ]

* الأصل: - وبهذا الإسناد، عن يونس، عن صباح المزني، عن أبي حمزة، عن أحدهما (عليهم السلام) في قول الله جل وعز: * (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته) * قال: إذا جحد إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) * (فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) *. * الشرح: قوله * (بلى من كسب سيئة وأحاطت به) * السيئة الأمر القبيح والخطيئة الذنب، وقال القاضي: الفرق بينهما أن السيئة قد يقال فيما يقصد بالذات، والخطيئة تغلب فيما يقصد بالعرض لأنها من الخطأ والمراد بإحاطتها به شمولها له من جميع جوانبه، وهذا يقال لمن لا يرجع إلى خير أصلا، ولعل قوله (عليه السلام): إذا جحد إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام)، بيان للسيئة فإن جحد إمامته يجر الجاحد إلى جميع المساوئ حتى تحيط من جميع جوانبه. ومما يناسب هذا التفسير ما نقله بعض المفسرين عن أبي حمزة الثمالي عن السدي أن الحسنة في قوله تعالى: * (ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا) * عبارة عن مودة أهل البيت (عليهم السلام)، وبما ذكرناه آنفا من أن القرآن قد يكون ظاهرا في شئ ويكون إيماء ورمزا آخر يندفع أن هذه الآية بالنظر إلى ما قبلها ظاهرة في ذم اليهود (1).


= الرحمة والعذاب بسلب الاختيار وعدم توجه التكليف إليه وهذا مفاد الآية. وأما عدم الإيمان في الميثاق وأن كل من لم يؤمن في عالم الذر فلابد أن لا يؤمن في الدنيا وإن آمن فلابد أن يسلب عنه الإيمان فشئ يخالف القرآن إن فسر قوله: * (ألست بربكم) * بما في عالم الذر لأن صريح الآية المزبورة أن جميع الناس آمنوا وقالوا بلى ولم يكن هناك كافر أصلا ومع ذلك فيخالف العدل الإلهي وهو مذهب أهل البيت، ولا يزال علماء مذهبنا يطعنون على مخالفيهم بالجبر وبذلك ملؤوا كتبهم في الكلام والتفاسير فكيف يمكن الالتزام بأن من لم يؤمن في عالم الذر بأمير المؤمنين (عليه السلام) فلابد أن لا يؤمن به في الدنيا وهل هذا إلا ظلم وجبر ؟ ! واتفق العقلاء أن دار التكليف هي الدنيا لا عالم الذر وأن الأنبياء والأئمة مأمورون بهدايتنا وإرشادنا في الدنيا إذ ليس للإنسان إلا ما سعى في الدنيا فإذا كان الأمر قد حتم في عالم الذر فلا فائدة في بعثة الأنبياء وإرسال الرسل في الدنيا. ومنيع بن الحجاج وعبد الله بن محمد اليماني كلاهما مجهولان (ش). (1) - قوله " ظاهرة في ذم اليهود " أقول: أول الآية وان كان في ذم اليهود بكسب السيئة والخطيئة لكن اسس بعده قاعدة كلية يشمل كل من يكسب خطيئة من اليهود وغيرهم، ومن أظهر أفراده وأوضح مصاديقه من أعرض عن أهل الحق والتوحيد وأبغض أمير المؤمنين وساير أهل بيت الرسول (صلى الله عليه وآله) ومال إلى الظلمة والفسقة تشملهم صريحا، ولكن الشارح وقع في تفسير هذا الحديث في عكس ما وقع فيه في شرح الحديث السابق = (*)

[ 105 ]

* الأصل: - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن حماد بن عثمان، عن أبي عبيدة الحذاء، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الاستطاعة وقول الناس، فقال - وتلا هذه الآية - * (ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم) *: يا أبا عبيدة، الناس مختلفون في إصابة القول وكلهم هالك، قال: قلت: قوله: * (إلا من رحم ربك) * قال: هم شيعتنا ولرحمته خلقهم وهو قوله: " ولذلك خلقهم " يقول: لطاعة الإمام الرحمة التي يقول: * (ورحمتي وسعت كل شئ) * يقول: علم الإمام، ووسع علمه الذي هو من علمه كل شئ هم شيعتنا ثم قال: * (فسأكتبها للذين يتقون) * يعني ولاية غير الإمام وطاعته، ثم قال: * (يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل) * يعني النبي (صلى الله عليه وآله) والوصي والقائم * (يأمرهم بالمعروف (إذا قام) وينهاهم عن المنكر) * والمنكر من أنكر فضل الإمام وجحده * (ويحل لهم الطيبات) * أخذ العلم من أهله * (ويحرم عليهم الخبائث) * والخبائث قول من خالف * (ويضع عنهم إصرهم) * وهي الذنوب التي كانوا فيها قبل معرفتهم فضل الإمام * (والأغلال التي كانت عليهم) * والأغلال ما كانوا يقولون مما لم يكونوا أمروا به من ترك فضل الإمام، فلما عرفوا فضل الإمام وضع عنهم إصرهم والإصر الذنب وهي الآصار، ثم نسبهم فقال: * (الذين آمنوا به (يعني بالإمام) وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه اولئك هم المفلحون) * يعني الذين اجتنبوا الجبت والطاغوت أن يعبدوها والجبت والطاغوت فلان وفلان وفلان والعبادة طاعة الناس لهم، ثم قال: * (أنيبوا إلى ربكم وأسلموا له) * ثم جزاهم فقال: * (لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة) * والإمام يبشرهم بقيام القائم وبظهوره وبقتل أعدائهم وبالنجاة في الآخرة والورود على محمد - صلى الله على محمد وآله الصادقين - على الحوض. * الشرح: قوله (عن الاستطاعة وقول الناس) أي عن طاعة الإمام أو طلب طاعته وقول الناس في طاعة غيره، ويحتمل أن يراد بالاستطاعة (1) قدرة العبد على الشئ، وبقول الناس قولهم بعدمها


= لأنه تكلف في السابق في تطبيق الآية على مالا ينطبق عليه وعلى فرض الانطباق يوجب الظلم والجبر، وفي هذا الحديث تردد في تطبيق الآية على مبغضي أمير المؤمنين (عليه السلام) مع وضوح المطابقة وعدم استلزامه جبرا وظلما وهو أعلم بما قال هنا وهناك (ش). (1) - قوله " ويحتمل أن يراد بالاستطاعة " هذا هو المتعين، ولكن المراد من قوله: الناس، التفويض على ما يقول به المعتزلة لأن مذهبنا الأمر بين الأمرين ولا نقول بالجبر ولا بالاستطاعة المطلقة والآيات التي استشهد الإمام بها تدل جميعا على نفي الاستطاعة بهذا المعنى. (ش) (*)

[ 106 ]

والجواب مشتمل على ذمهم باعتبار رجوعهم عن الأئمة حتى قالوا ما قالوا بمقتضى عقولهم الناقصة. قوله (يا أبا عبيدة، الناس مختلفون في إصابة القول وكلهم هالك) أراد بالناس غير الشيعة بقرينة قوله: وكلهم هالك. قال بعض المفسرين: روى زاذان [ فضيل بن عبد الملك ] قال: كنت جالسا في مجلس أمير المؤمنين (عليه السلام) إذ جاؤوا بجاثليق ورأس الجالوت ونظر إلى رأس الجالوت وقال: أتدري كم كان عدد فرق امة موسى بعده ؟ فقال: لا أنظر في الكتاب. ثم نظر إلى جاثليق وقال له: أتعلم كم كان عدد فرقة امة عيسى بعده ؟ فقال: أربع وأربعون، فقال (عليه السلام): كذبت والله انا أعلم بالتوراة من رأس الجالوت وبالإنجيل من جاثليق، صارت امة موسى بعده إحدى وسبعين فرقة واحدة منها ناجية وهم الذين قال الله تعالى فيهم: * (ومن قوم موسى امة يهدون بالحق وبه يعدلون) * وصارت امة عيسى بعده اثنتين وسبعون فرقة وواحدة منهم ناجية وهم الذين قال الله تعالى فيهم * (وإذا سمعوا ما أنزل من الحق) * الآية. وصارت امة خاتم الأنبياء بعده ثلاثة وسبعين فرقة واحدة منهم ناجية وهم الذين قال الله تعالى فيهم: * (وممن خلقنا امة يهدون بالحق وبه يعدلون) * ثم قال: يا زاذان الامة في صاروا اثنتي عشرة فرقة واحدة منهم ناجية والبواقي هالكة. قوله (قال: هم شيعتنا ولرحمته خلقهم) فهم المرحومون وحدهم كما دل عليه الاستثناء، والمراد بالشيعة كل من أقر بولايتهم في الميثاق من الأولين والآخرين وهم المؤمنون في الدنيا والراجعون الى الله تبارك وتعالى مع الإيمان. قوله (يقول لطاعة الإمامة) تفسير لقوله: * (ولذلك خلقهم) * وبيان للمشار إليه. وفي بعض النسخ " لطاعة الإمام " وقال علي بن إبراهيم في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: لا يزالون مختلفين في الدين إلا من رحم ربك يعني آل محمد وأتباعهم لقول الله تبارك وتعالى: * (ولذلك خلقهم) * يعني أهل رحمة لا يختلفون في الدين. قوله (الرحمة التي يقول * (ورحمتي وسعت كل شئ) * يقول علم الإمام) الرحمة المبتدأ وعلم الإمام خبره، وإعادة يقول للتأكيد، والغرض أن الرحمة هناك علم الإمام وقد وسع علمه الذي هو من علم الله تعالى كل شئ والمراد بكل شئ الشيعة، ويحتمل أن يرجع ضمير من علمه أن الإمام وهو الأظهر ليوافق الضمير السابق فيفيد أن علمه المحيط بكل شيعة بعض علومه (عليه السلام)، وإحاطة علمه بكل فرد من الشيعة بحيث لا يشذ منهم واحد أمر دلت عليه روايات متكثرة وإنما ترك عطف

[ 107 ]

هذه الجملة على السابقة لانقطاعها عنها أو لأنها مستأنفة، فكأن السائل لما سمع أن الرحمة في الآية السابقة عبارة عن طاعة الإمام سأل عن الرحمة التي في هذه الآية فاجابه بأن الرحمة فيها عبارة عن علم الإمام، فليتأمل. قوله * (فسأكتبها) * أي فساثبت الرحمة وإقرارها عند ظهور المهدي (عليه السلام) للذين يتقون ولاية غير الإمام العدل وطاعته * (ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا) * أي بالأئمة يؤمنون * (الذين يتبعون النبي الامي الذين يجدونه (أي النبي والوصي) مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل) * أسماء وصفة وإنما أفرد الضمير لأن أمرهما أمر واحد ومتابعتهما كمتابعة واحد والقائم يأمرهم بالمعروف إذا قام وظهر، وينهاهم عن المنكر (1) وهو جحد فضل الإمام بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ويحل لهم الطيبات وهي أخذ العلوم والأحكام من أهلها، ويحرم عليهم الخبائث وهي قول من خالف الإمام وأخذ العلم من غير أهله، ويضع عنهم إصرهم بالتوبة والرجوع إلى الإمام والإصر هي الذنوب التي كانوا فيها قبل معرفتهم فضل الإمام، ويضع عنهم الاغلال التي كانت عليهم وهي قوله: بما لم يؤمروا به، من ترك فضل الإمام فلما عرفوا فضله ورجعوا عما كانوا عليه وضع عنهم آثام ذلك. قوله (والإصر الذنب) الإصر في الأصل الحبس والثقل الذي يأصر حامله أي يحبسه في مكان لفرط ثقله، ثم شاع استعماله في الوزر والذنب العظيم فهو أعم من الذنب والتعريف اللفظي بالأعم جايز. قوله (وهي الآصار) أي الأغلال وهي جمع إصر كأحمال جمع حمل. قوله (ثم نسبهم) أي ذكر نسبهم وحليتهم وصفاتهم الكاملة فقال: * (الذين آمنوا) * يعني بالإمام وفي القرآن * (فالذين آمنوا به وعزروه) * أي عظموه بالتقوى والكمال ونصروه في أمر الدنيا والدين باليد واللسان * (واتبعوا النور الذي أنزل معه) * أي واتبعوا مع اتباعه النور الذي انزل فيكون " معه " متعلقا باتبعوا. ولعل المراد بالنور القرآن سمى به لأنه مظهر لحقائق الأشياء كما أن النور مظهر للأشياء. وقال علي بن إبراهيم: هو أمير المؤمنين (عليه السلام). قوله (والعبادة طاعة الناس) الطاعة لأحد تسمى عبادة ولذلك قال الله تعالى: * (ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان) * وقد مر أن المطاع إن كان من أهل الحق كانت الطاعة له طاعة الله


1 - قوله * (وينهاهم عن المنكر) * قول الشارح وهو جحد فضل الإمام يدل على أنه قرأ * (منكر) * الكاف بصيغة اسم المفعول وفي متن الرواية " والمنكر من أنكر فضل الإمام " يدل على أن " المنكر " بكسر الكاف بصيغة اسم الفاعل، واحتمال صدوره من الإمام (عليه السلام) غير ممكن لأنه خلاف الواقع والصحيح حمله على وهم الراوي وأن ما صدر عن الإمام (عليه السلام) إن كان صدوره منه صحيحا عبارة مفادها ما فهمه الشارح. (ش) (*)

[ 108 ]

تعالى وعبادة له، وان كان من أهل الجور كانت الطاعة له عبادة له وللشيطان. قوله: (ثم قال * (أنيبوا إلى ربكم وأسلموا) *) هذه الآية في القرآن ليست متصلة بما قبلها لأنها في سورة الزمر وما قبلها في سورة الأعراف والآية هكذا * (وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون * واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون * أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين * أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين * أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين * ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جنهم مثوى للمتكبرين * وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون) *. قال علي بن إبراهيم قوله تعالى: * (وأنيبوا) * أي توبوا وقوله: * (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم) * من القرآن وولاية أمير المؤمنين والأئمة (عليهم السلام) والدليل على ذلك قوله تعالى * (أن تقول نفس يا حسرتا على مافطرت في جنب الله) * فإنه الإمام لقول الصادق (عليه السلام): نحن جنب الله، وقوله تعالى لرد قولها * (لو أن لي كرة) * الآية * (بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت) * يعني بالآيات أمير المؤمنين والأئمة (عليهم السلام)، وقوله تعالى: * (ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة) * فإنه حدثني أبي، عن ابن أبي عمير عن أبي المعزا عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: من ادعى أنه إمام وليس بامام، قلت: وإن كان علويا فاطميا ؟ قال: وإن كان علويا فاطميا. وقوله: * (أليس في جهنم مثوى للمتكبرين) * فإنه حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن عبد الله بن بكير عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: إن في جهنم لواديا للمتكبرين يقال له سقر شكا إلى الله تعالى من شدة حره وسأله أن يتنفس فأذن الله فتنفس فأحرق جهنم. قوله * (ثم جزاهم فقال: لهم البشرى) * الآية ليست متصلة بما قبلها في القرآن لأنها في سورة يونس وما قبلها في سورة الزمر والآية: * (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون * لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة * لا تبديل لكلمات الله ذلك الفوز العظيم) * وعد الله تعالى أولياءه الذين يتولونه بطاعة وليه بأنه لا خوف عليهم من لحوق مكروه ولا هم يحزنون بفوات مأمول وهم الذين آمنوا به وبرسوله وولي أمره وكانوا يتقون طاعة غيره وغير أوليائه ثم جزاهم بما صنعوا فقال: * (لهم البشرى) * بنكال أعدائهم في الحياة الدنيا وثواب أعمالهم في الآخرة والمبشر بذلك الإمام كما أشار إليه (عليه السلام).

[ 109 ]

* الأصل: - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن عمار الساباطي قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: * (أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير * هم درجات عند الله) * فقال: الذين اتبعوا رضوان الله هم الأئمة، وهم والله يا عمار درجات للمؤمنين وبولايتهم ومعرفتهم إيانا يضاعف الله لهم أعمالهم ويرفع [ الله ] لهم الدرجات العلى. * الشرح: قوله (أفمن اتبع رضوان الله) أي أفمن اتبع ما يوجب اتباعه رضوان الله * (كمن باء) * أي رجع إلى الله بسخط من الله لأجل اتباعه غيره، والغرض نفي التشبيه بينهما لعدم مساواتهما في أمر من الأمور. قوله (هم الأئمة) الظاهر أن الضمير راجع إلى الذين اتبعوا. ويحتمل أن يكون راجعا إلى رضوان الله، وإطلاقه على الأئمة مجاز من باب إطلاق المسبب على السبب لأنهم سبب لرضوان الله تعالى. قوله (وهم والله يا عمار درجات للمؤمنين) الحمل للمبالغة أو التقدير ذو درجات باعتبار تفاوت مقامات المؤمنين بهم بالنسبة إليهم في المحبة والطاعة والعلم والعمل. قوله (يضاعف الله لهم أعمالهم) على حسب أحوالهم فيما ذكر وكذلك قوله * (يرفع الله لهم الدرجات العلى) *. * الأصل: - علي بن محمد، وغيره، عن سهل بن زياد، عن يعقوب بن يزيد، عن زياد القندي، عن عمار الأسدي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل: * (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) *: ولايتنا أهل البيت - وأهوى بيده إلى صدره - فمن لم يتولنا لم يرفع الله له عملا. * الشرح: قوله (* (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) * ولايتنا) كأن قوله ولايتنا تفسير للعمل الصالح فإنها من أعظم الأعمال القلبية والمستكن في يرفعه راجع إليه والبارز إلى التكلم الطيب. ولعل المراد به كلمة الإخلاص والأذكار كلها، وبصعوده بلوغه إلى محل الرضا والقبول يعني أن العمل الصالح وهو الولاية يرفع الكلم الطيب ويبلغه حد القبول ولا يقبل الله شيئا بدون ذلك، ويحتمل أن يكون تفسيرا للكلم الطيب وإشارة إلى أن المراد به الولاية والإقرار بها، وحكم الضمير

[ 110 ]

حينئذ عكس ما مر وهو الأنسب بآخر الحديث (1). وبما ذكره علي بن إبراهيم في تفسير هذه الآية حيث قال: قوله تعالى: * (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) * كلمة الإخلاص والإقرار بما جاء به من عند الله من الفرائض والولاية يرفع العمل الصالح إلى الله. * الأصل: - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن القاسم بن سليمان، عن سماعة بن مهران، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل: * (يؤتكم كفلين من رحمته) * قال: الحسن والحسين * (ويجعل لكم نورا تمشون به) * قال: إمام تأتمون به. * الشرح: قوله * (يؤتكم كفلين من رحمته) * قال علي بن إبراهيم: قوله عز وجل: * (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته) * أي نصيبين من رحمته أحديهما أن لا يدخل النار، والثانية أن يدخل الجنة، وقوله عز وجل: * (ويجعل لكم نورا تمشون به) * يعني الإيمان، ثم قال: أخبرني الحسين بن علي عن أبيه عن الحسين بن سعيد عن النضر بن سويد عن القاسم بن سليمان عن سماعة بن مهران عن أبي عبد الله صلوات الله عليه في قوله تعالى: * (يؤتكم كفلين من رحمته) * قال: الحسن والحسين * (ويجعل لكم نورا تمشون به) * قال: إمام تأتمون به. أقول: هذا التأويل مع ما مر مراد من الآية فإن للقرآن ظهرا وبطنا ولكل واحد منهما حدا ومطلعا، وإرادة الظاهر مع التأويل جايزة كما صرح به القاضي في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: * (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم - إلى قوله - وأنتم تعلمون) * على أن لنا أن نقول: ليس كل ما ذكروه في تفسير هذة الآية بأظهر من هذا التأويل. * الأصل: - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمد الجوهري، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله: * (ويستنبؤونك أحق هو) * قال: هو ما تقول في علي * (قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين) *. * الشرح: قوله * (ويستنبؤونك) * قال الله تعالى: * (أثم إذا ما وقع آمنتم به آلئن وقد كنتم به تستعجلون * ثم


(1) قوله " وهو الأنسب بآخر الحديث " يعني قوله (عليه السلام): فمن لم يتولنا لم يرفع الله له عملا، فالكلم الطيب رافع للعمل الصالح لأن الكلم الطيب من باب الاعتقادات والعمل الصالح من أفعال الجوارح ولا يقبل العمل من غير صاحب الاعتقاد الصالح. (ش) (*)

[ 111 ]

قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون ويستنبؤونك أحق هو قل أي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين * ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلون) * قال علي بن إبراهيم في قوله تعالى: * (أثم إذا ما وقع آمنتم به) * أي صدقتم في الرجعة فيقال: لهم الآن تؤمنون يعني بأمير المؤمنين وقد كنتم به من قبل تكذبون ثم قيل للذين ظلموا آل محمد حقهم: ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا ما كنتم تكسبون، ثم قال عز وجل * (ويستنبؤونك) * يا محمد أهل مكة في علي * (أحق هو) * أي إمام هو * (قل أي وربي) * إنه إمام، ثم قال تعالى: * (ولو أن لكل نفس ظلمت (آل محمد) حقهم ما في الأرض جميعا لافتدت به) * في ذلك الوقت يعني الرجعة وقوله عز وجل: * (وأسروا الندامة) *: حدثني محمد بن جعفر قال: حدثني محمد بن أحمد عن أحمد بن الحسين عن صالح بن أبي حماد عن الحسن بن موسى الخشاب عن رجل عن حماد بن عيسى عمن رواه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سئل عن قوله الله تعالى: * (وأسروا الندامة لما رأوا العذاب) * قال: قيل لهم: ما ينفعهم إسرار الندامة وهم في العذاب ؟ قال: شماتة الأعداء. قوله (هو ما تقول في علي) الموصول مرجع للضمير والاستفهام على أصله لقوله: * (ويستنبؤونك) * أي يستخبرونك، وقيل للإنكار و * (حق) * مبتدأ لوقوعه بعد الاستفهام وهو خبر أو بالعكس. قوله * (أي وربي) * " أي " مثل نعم للتصديق إلا أن " أي " لا يستعمل إلا مع القسم. * الأصل: - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن محمد بن سليمان الديلمي، عن أبيه، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: جعلت فداك قوله: * (فلا اقتحم العقبة) * فقال: من أكرمه الله بولايتنا فقد جاز العقبة، ونحن تلك العقبة التي من اقتحمها نجا، قال: فسكت فقال لي: فهلا أفيدك حرفا خير (خيرا خ) لك من الدنيا وما فيها ؟ قلت: بلى جعلت فداك، قال: قوله: * (فك رقبة) * ثم قال: الناس كلهم عبيد النار غيرك وأصحابك فإن الله فك رقابكم من النار بولايتنا أهل البيت. * الشرح: قوله (ونحن تلك العقبة) قد مر شرحه مفصلا. * الأصل: - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن سماعة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله

[ 112 ]

جل وعز: * (وأوفوا بعهدي) * قال: بولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) * (أوف بعهدكم) * أوف لكم بالجنة. * الشرح: قوله * (أوفوا بعهدي) * (1) قال بولاية أمير المؤمنين (عليه السلام)، الولاية داخلة في العهد لأنها بعض أفراده وأكملها فهي أولى بالإرادة منه ثم إنه أخذ العهد عليهم بالولاية في التوراة حيث ذكرها فيه كما ذكر الرسالة، أو في الذر على احتمال بعيد. * الأصل: - محمد بن يحيى، عن سلمة بن الخطاب، عن الحسن بن عبد الرحمن، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل: * (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا) * قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) دعا قريشا إلى ولايتنا فنفروا وأنكروا، فقال الذين كفروا من قريش للذين آمنوا: الذين أقروا لأمير المؤمنين ولنا أهل البيت: أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا، تعييرا منهم، فقال الله ردا عليهم: * (وكم أهلكنا قبلهم من قرن - من الأمم السالفة - هم أحسن أثاثا ورءيا) *. قلت: قوله * (من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا) * قال: كلهم كانوا في الضلالة لا يؤمنون بولاية أمير المؤمنين 7 ولا بولايتنا فكانوا ضالين مضلين، فيمد لهم في ضلالتهم وطغيانهم حتى يموتوا فيصيرهم الله شرا مكانا وأضعف جندا، قلت: قوله: * (حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا) * ؟ قال: أما قوله: * (حتى إذا رأوا ما يوعدون) * فهو خروج القائم وهو الساعة، فسيعملون ذلك اليوم وما نزل بهم من الله على يدي قائمه، فذلك قوله: * (من هو شر مكانا (يعني عند القائم) وأضعف جندا) *. قلت: قوله * (ويزيد الله الذين اهتدوا هدى) * ؟ قال: يزيدهم ذلك اليوم هدى على هدى باتباعهم القائم حيث لا يجحدونه ولا ينكرونه، قلت: قوله: * (لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند


(1) قوله * (أوفوا بعهدي) * ظاهر القرآن أنه خطاب لليهود بعد تذكيرهم بما في التوراة من البشارة بالنبي الموعود وأن بني اسرائيل إن آمنوا به أمنوا من عذاب الله وإن أنكروه نزل عليهم البوار والهلاك على ما هو موجود في التوراة التي بأيديهم في زماننا هذا، في سفر التثنية الفصل الثامن عشر فقال تعالى: * (أوفوا بعهدي) * وهو الإيمان بالنبي الموعود، * (أوف بعهدكم) * وهو الأمن والخصب والعزة ودفع العذاب، وأما تمثيل حال الامة مع ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) بحال اليهود مع نبوة خاتم النبيين فأمر وقع نظيره مكررا ومر منا التنبيه عليه ولا إشارة في الحديث ولا في الآية إلى نهي اليهود عن الاستئثار بالمال والثروة، وأن العهد الذي يجب عليهم الوفاء به هو ترك الأموال الخاصة حتى يقسمها أمير المؤمنين وسائر الأئمة (عليهم السلام) مع ثروة غيرهم بين جميع الناس بالسوية على ما يراه الشيوعيون كما توهم. (ش) (*)

[ 113 ]

الرحمن عهدا) * ؟ قال: إلا من دان الله بولاية أمير المؤمنين والأئمة من بعده فهو العهد عند الله، قلت: قوله: * (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا) * ؟ قال: ولاية أمير المؤمنين هي الود الذي قال الله تعالى، قلت: * (فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا) * ؟ قال: إنما يسره الله على لسانه حين أقام أمير المؤمنين (عليه السلام) علما، فبشر به المؤمنين وأنذر به الكافرين وهم الذين ذكرهم الله في كتابه لدا أي كفارا. قال: وسألته عن قول الله: * (لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون) * قال: لتنذر القوم الذين أنت فيهم كما أنذر آباؤهم فهم غافلون عن الله وعن رسوله وعن وعيده * (لقد حق القول على أكثرهم (ممن لا يقرون بولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) والأئمة من بعده) فهم لا يؤمنون) * بإمامة أمير المؤمنين والأوصياء من بعده، فلما لم يقروا كانت عقوبتهم ما ذكر الله * (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون) * في نار جهنم، ثم قال: * (وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون) * عقوبة منه لهم حيث أنكروا ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) والأئمة من بعده هذا في الدنيا، وفي الآخرة في نار جهنم مقمحون، ثم قال: يا محمد * (وسواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون) * بالله وبولاية علي ومن بعده، ثم قال: * (إنما تنذر من أتبع الذكر (يعني أمير المؤمنين (عليه السلام)) وخشي الرحمن بالغيب فبشره (يا محمد) بمغفرة وأجر كريم) *. * الشرح: قوله * (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات) * بنفسها أو ببيان الرسول (صلى الله عليه وآله) أو واضحات الاعجاز وأعظمها الأئمة (عليهم السلام). قوله * (خير مقاما وأحسن نديا) * المنصوب تمييز أي خير من حيث المكان أو المنزلة وأحسن من حيث المجلس والمجتمع، والندي على فعيل مجلس القوم ومتحدثهم ما داموا فيه وإن تفرقوا فليس بندي. قوله (اقروا لأمير المؤمنين) أي أقروا بالولاية له. قوله (تعييرا منهم) مفعول له ل‍ (قال) والضمير للذين كفروا وهم عيروا الكاملين بالفضل والكمال بقلة المال وافتخروا عليهم من كثرته وكثرة زهرات الدنيا وأسباب العيش واعتقدوا لقلة عقلهم بزيادة حظهم فيما على فضلهم لأنهم كانوا لا يعملون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا، فقال الله تعالى ردا عليهم مع التهديد: * (وكم أهلكنا قبلهم من قرن) * من الامم السالفة * (هم أحسن أثاثا ورءيا) * والأثاث متاع البيت والرأي، من همزه جعله من المنظر من رأيت وهو ما رأته العين من حال حسنة أو كسوة ظاهرة، ومن لم يهمزه إما أن يكون على تخفيف الهمزة أو يكون من رويت ألوانهم

[ 114 ]

وجلودهم ريا أمتلئت وحسنت. وقال علي بن إبراهيم: عني به الثياب والأكل والشرب، وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: الأثاث المتاع وأما رأيا فالجمال والمنظر الحسن. قوله * (من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا) * قال القاضي: فيمده ويمهله بطول العمر والتمتع به وإنما أخرجه على لفظ الأمر إيذانا بأن إمهاله مما ينبغي أن يفعله استدراجا وقطعا لمعاذيره كقوله تعالى: * (انما نملي لهم ليزدادوا إثما) * وكقوله: * (أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير) * انتهى، وإنما قال: الرحمن، للدلالة على شدة طغيانهم وقوة عصيانهم لأن المتصف بالرحمة الكاملة لا يعذب إلا من اشتد طغيانا كما قيل مثل ذلك في غضب الحليم. قوله (فيصيرهم الله شرا مكانا وأضعف جندا) أي أضعف فئة وأنصارا قابل بالأول قولهم: * (خير مقاما) * للتنبيه بأنه يصير أمرهم حينئذ إلى عكس ما قدروه لأنفسهم ويعود افتخارهم وتمتعهم بمتاع الدنيا وبالا عليهم، وقابل بالثاني قولهم: * (وأحسن نديا) * للإشعار ببطلان حسن تأديبهم وتعاونهم وتعاضدهم حينئذ بالكلية فيعودون ضعفاء يتبرأ بعضهم من بعضهم. قوله (أما العذاب وأما الساعة) من باب منع الخلو فيجوز الجمع فيرون الساعة وهي زمان خروج القائم (عليه السلام) ويرون العذاب وهو القتل بأيدي عساكره المنصورة، أو من باب منع الجمع أيضا بأن يراد بالساعة ما ذكر وبالعذاب العذاب عند الموت قبلها. قوله (قال: يزيدهم ذلك اليوم هدى على هدى) لأن الشهادة العينية تنضم إلى الشهادة الغيبية فتصير نورا على نور، وفيه دلالة على بطلان قول من ذهب إلى الإيمان لا يزيد ولا ينقص. قوله * (لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا) * ضمير الجمع للعباد كلهم بدليل الاستثناء والمستثنى في محل الرفع على البدل منه، والعهد ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) قال علي بن إبراهيم: حدثنا جعفر بن أحمد عن عبيد الله بن موسى عن الحسن بن علي بن أبي حمزة عن أبيه عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: * (لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا) * قال: لا يشفع ولا يشفع إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا إلا من أذن له بولاية أمير المؤمنين صلوات الله عليه والأئمة (عليهم السلام) من بعده فهو العهد عند الله تبارك وتعالى. وقد فسر العهد بالوصية عند الموت ودلت عليه أيضا الرواية عن أبي عبد الله عن أبيه عن آبائه الطاهرين (عليهم السلام) وكيفيتها مذكورة في تفسير علي بن إبراهيم، ولا منافاة بين الروايتين لأن القرآن ذو وجوه مختلفة كلها مقصودة. قوله (قال ولاية أمير المؤمنين هي الود) قال علي بن إبراهيم في تفسير قوله: * (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات) * الآية، قال الصادق (عليه السلام): كان سبب نزول هذه الآية أن أمير المؤمنين (عليه السلام) جالسا

[ 115 ]

بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: قل يا علي اللهم اجعل لي في قلوب المؤمنين ودا فأنزل الله تعالى * (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا) *. قوله قلت * (فإنما يسرناه بلسانك) * مثل هذا السؤال والجواب رواه علي بن إبراهيم بأسناده المذكورة في الحاشية السابقة عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) بلا تفاوت إلا إنه قال بدل قوله (عليه السلام) (على لسانه حين أقام) " على لسان نبيه حتى أقام ". قوله * (ما أنذر آباؤهم) * دل على أن " ما " موصولة لا نافية كما ذهب إليها بعض المفسرين. قوله * (لقد حق القول) * وهو الوعيد بالقتل في الدنيا بيد الصاحب (عليه السلام) والعقوبة بالنار في الآخرة. قوله * (فهم مقمحون) * لا يقدرون على أن يطأطئوا رؤوسهم من الإقماح وهو رفع الرأس وغض البصر، يقال: أقمحه الغل إذا ترك رأسه مرفوعا من صيقه. قوله * (وجعلنا من بين أيديهم سدا) * لما أنكروا ولاية الأئمة (عليهم السلام) وضربوا في الجهالة أخذ الله أبصارهم وسمعهم وقلوبهم فصاروا بحيث لا يدركون الهدى وطريق الحق، فالسد الأول مانع من إبصار الآيات والثاني مانع من استماعها والإغشاء مانع من إدراكها والاستدلال بها والمتفرع على جميع ذلك انتفاء الهداية وإدراك الحق. وشبههم بمن أحاط بهم سدان فغطى أبصارهم بحيث لا يبصرون قدامهم ولا خلفهم في أنهم محبوسون في مطمورة الجهالة ممنوعون عن النظر في الآيات والدلائل. قوله (عقوبة منه لهم حيث أنكروا) " عقوبة " تعليل للجعل " حيث " تعليل للعقوبة أو لجعل المعلل بها. قوله (هذا في الدنيا) أي الجعل المذكور أو العقوبة المذكورة والتذكير باعتبار العقاب عقوبة لهم في الدنيا يسلب اللطف والتوفيق عنهم، وأما في الآخرة فهم في نار جهنم مقمحون. قوله (ثم قال يا محمد وسواء - الخ) لما علم الله تعالى أنه لا يؤمنون به وبالولاية وأخبر نبيه به قطعا لطمعه فقال: * (وسواء) * أي مستو عليهم إنذارك وتخويفك إياهم بالمخالفة والعقوبة وعدمه وأداة الاستفهام هنا مجردة عن معناه مستعملة لمجرد تقرير معنى الاستواء وتأكيده كما ذكره بعض المفسرين. قوله (ثم قال * (إنما تنذر من أتبع الذكر) *) الذكر أمير المؤمنين (عليه السلام) والموصول من تبعه وأقروا بولايته إلى يوم القيامة وإنما خص الإنذار بهم لأنهم ينفعهم دون غيرهم فجعل إنذارهم الغير لعدم تحقق ثمرته فيهم بمنزلة عدمه. قوله * (وخشي الرحمن بالغيب) * قيل: خاف عقابه قبل حلوله ومعاينة، أهواله، أو في سره وحال

[ 116 ]

غيبته عن الخلق لا في حضوره فقط كما هو شأن المنافقين. * الأصل: - علي بن محمد، عن بعض أصحابنا، عن ابن محبوب، عن محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام) قال: سألته عن قوله الله عز وجل: * (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم) * قال: يريدون ليطفئؤا ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) بأفواههم، قلت: * (والله متم نوره) * قال: والله متم الإمامة، لقوله عز وجل: * (الذين آمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا) * فالنور هو الإمام، قلت: * (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق) * قال: هو الذي أمر رسوله بالولاية لوصيه والولاية هي دين الحق، قلت: * (ليظهره على الدين كله) * قال: يظهره على جميع الأديان عند قيام القائم، قال: يقول الله: * (والله متم نوره) *: ولاية القائم * (ولو كره الكافرون) * بولاية علي، قلت: هذا تنزيل ؟ قال: نعم أما هذا الحرف فتنزيل وأما غيره فتأويل. قلت: * (ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا) * قال: إن الله تبارك وتعالى سمى من لم يتبع رسوله في ولاية وصيه منافقين وجعل من جحد وصيه إمامته كمن جحد محمدا وأنزل بذلك قرآنا فقال: يا محمد * (إذا جاءك المنافقون (بولاية وصيك) قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين (بولاية علي) لكاذبون * اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله (والسبيل هو الوصي) إنهم ساء ما كانوا يعملون * ذلك بأنهم آمنوا (برسالتك) وكفروا (بولاية وصيك) فطبع (الله) على قلوبهم فهم لا يفقهون) *. قلت: ما معنى لا يفقهون ؟ قال: يقول: لا يعقلون بنبوتك، قلت: * (وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله) * ؟ قال: وإذا قيل لهم ارجعوا إلى ولاية علي يستغفر لكم النبي من ذنوبكم * (لووا رؤسهم) * قال الله: * (ورأيتهم يصدون (عن ولاية علي) وهم مستكبرون) * عليه ثم عطف القول من الله بمعرفته بهم فقال: * (سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين) * يقول: الظالمين لوصيك. قلت: * (أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أم من يمشي سويا على صراط مستقيم) * قال: إن الله ضرب مثل من حاد عن ولاية علي كمن يمشي على وجهه لا يهتدي لأمره وجعل من تبعه سويا على صراط مستقيم، والصراط المستقيم أمير المؤمنين (عليه السلام). قال: قلت: قوله: * (إنه لقول رسول كريم) * ؟ قال: يعني جبرئيل عن الله في ولاية علي (عليه السلام). قال: قلت: * (وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون) * ؟ قال: قالوا: إن محمدا كذاب على ربه وما أمره الله بهذا في علي ؟ فأنزل الله بذلك قرآنا فقال: إن ولاية علي * (تنزيل من رب العالمين * ولو تقول علينا

[ 117 ]

(محمد) بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين) * ثم عطف القول فقال: إن ولاية علي * (لتذكرة للمتقين (للعالمين) وإنا لنعلم أن منكم مكذبين * (إن عليا) لحسرة على الكافرين * و (إن ولايته) لحق اليقين فسبح (يا محمد) باسم ربك العظيم) * يقول: اشكر ربك العظيم الذي أعطاك هذا الفضل. قلت: قوله: * (لما سمعنا الهدى آمنا به) * ؟ قال: الهدى الولاية، آمنا بمولانا فمن آمن بولاية مولاه * (فلا يخاف بخسا ولا رهقا) * قلت: تنزيل ؟ قال: لا تأويل، قلت قوله: * (لا أملك لكم ضرا ولا رشدا) * قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) دعا الناس إلى ولاية علي فاجتمعت إليه قريش، فقالوا: يا محمد أعفنا من هذا، فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله): هذا إلى الله ليس إلي، فاتهموه وخرجوا من عنده فأنزل الله: * (قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا * قل إني لن يجيرني من الله (إن عصيته) أحد ولن أجد من دونه ملتحدا * إلا بلاغا من الله ورسالاته (في علي) * قلت: هذا تنزيل ؟ قال: نعم، ثم قال توكيدا: * (ومن يعص الله ورسوله (في ولاية علي) فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا " قلت: (حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا) * يعني بذلك القائم وأنصاره. قلت: * (فاصبر على ما يقولون) * ؟ قال: يقولن فيك. * (واهجرهم هجرا جميلا * وذرني (يا محمد) والمكذبين (بوصيك) اولي النعمة ومهلهم قليلا) * قلت: إن هذا تنزيل ؟ قال: نعم، قلت: * (ليستيقن الذين أوتوا الكتاب) * ؟ قال: يستيقنون أن الله ورسوله ووصيه حق، قلت: * (ويزداد الذين آمنوا إيمانا) * ؟ قال: ويزدادون بولاية الوصي إيمانا، قلت: * (ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون) * ؟ قال: بولاية علي (عليه السلام)، قلت: وما هذا الارتياب ؟ قال: يعني بذلك أهل الكتاب والمؤمنين الذين ذكر الله فقال: ولا يرتابون في الولاية، قلت: * (وما هي إلا ذكرى للبشر) * قال: نعم ولاية علي (عليه السلام)، قلت: * (إنها لإحدى الكبر) * ؟ قال: الولاية، قلت: * (لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر) * ؟ قال: من تقدم إلى ولايتنا أخر عن سقر ومن تأخر عنا تقدم إلى سقر * (إلا أصحاب اليمين) * ؟ قال: هم والله شيعتنا، قلت: * (لم نك من المصلين) *، قال: إنا لم نتول وصي محمد والأوصياء من بعده ولا يصلون عليهم، قلت: * (فمالهم عن التذكرة معرضين) * ؟ قال: عن الولاية معرضين، قلت: * (كلا إنها تذكرة) * ؟ قال: الولاية. قلت: قوله: * (يوفون بالنذر) * ؟ قال: يوفون لله بالنذر الذي أخذ عليهم في الميثاق من ولايتنا، قلت: * (إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا) *، قال: بولاية علي (عليه السلام) تنزيلا، قلت: هذا تنزيل ؟ قال: نعم ذا تأويل، قلت: * (إن هذه تذكرة) * ؟ قال: الولاية، قلت: * (يدخل من يشاء في رحمته) * ؟ قال: في

[ 118 ]

ولايتنا، قال: * (والظالمين أعد لهم عذابا أليما) * ألا ترى أن الله يقول: * (وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) * قال: إن الله أعز وأمنع من أن يظلم أو ينسب نفسه إلى ظلم ولكن الله خلطنا بنفسه فجعل ظلمنا ظلمه وولايتنا ولايته ثم أنزل بذلك قرآنا على نبيه فقال: * (وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) *، قلت: هذا تنزيل ؟ قال: نعم. قلت: * (ويل يومئذ للمكذبين) * قال: يقول: ويل للمكذبين يا محمد بما أوحيت إليك من ولاية [ [ علي بن أبي طالب ] (عليه السلام) ]، * (ألم نهلك الأولين * ثم نتبعهم الآخرين) * قال: الأولين الذين كذبوا الرسل في طاعة الأوصياء * (كذلك نفعل بالمجرمين) * قال: من أجرم إلى آل محمد وركب من وصيه ما ركب. قلت: * (إن المتقين) * ؟ قال: نحن والله وشيعتنا، ليس على ملة إبراهيم غيرنا وسائر الناس منها برآء، قلت: * (يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون) * الآية، قال: نحن والله المأذون لهم يوم القيام والقائلون صوابا، قلت: ما تقولون إذا تكلمتم ؟ قال: نمجد ربنا ونصلي على نبينا ونشفع لشيعتنا، فلا يردنا ربنا، قلت: * (كلا إن كتاب الفجار لفي سجين) * قال: هم الذين فجروا في حق الأئمة واعتدوا عليهم، قلت: ثم يقال * (هذا الذي كنتم به تكذبون) * ؟ قال: يعني أمير المؤمنين قلت، تنزيل ؟ قال: نعم. * الشرح: قوله * (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم) * قال القاضي: أي يريدون أن يطفئوا واللام مزيدة لما فيها من معنى الإرادة تأكيدا لها كما زيدت - لما فيها من معنى الاضافة تأكيدا لها - في لا أبا لك، أو يريدون الافتراء ليطفئوا نور الله يعني دينه أو كتابه أو حجته. قوله (يريدون ليطفئوا ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) بأفواههم) شبه طعنهم في نور الولاية وترغيبهم الخلق في الاعراض عنه بنفخ الفم على نور الشمس لقصد اطفائه وأن ذلك لمحال كما قال * (والله متم نوره) * يعني بنشره في قلوب المؤمنين وبسطه في صدور العارفين. قوله * (أرسل رسوله بالهدى ودين الحق) * أي بالقرآن المعجز والولاية لوصيه وهي دين الحق وما سواها من الأديان باطل. قوله (قال يظهره على جميع الأديان عند قيام القائم (عليه السلام)) بهذا الجواب يندفع ما خلج في قلب من له زيغ من أن هذا الوعد لم يتحقق لأن دينه (صلى الله عليه وآله) ما غلب على جميع الأديان، وأما الجواب بأن دينه قد غلب على جميع الأديان إذ ما من دين إلا وهو مقهور لدين الإسلام فهو مدفوع بالضرورة. وتحقيق ذلك الجواب أنه إذا ظهر القائم (عليه السلام) رفع عن الخلق جميع الأديان حتى لا يبقى فيهم دين

[ 119 ]

إلا دين الإسلام، وقد نقل بعض المفسرين عن العياشي بإسناده عن عمران بن هيثم عن عباية عن أمير المؤمنين (عليه السلام) مثل ذلك، وقال علي بن إبراهيم في تفسير قوله تعالى: * (والله متم نوره) * يعني بالقائم من آل محمد إذا خرج يظهر الله الدين حتى لا يعبد غير الله تعالى وهو قوله * (يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا. قوله (قلت: هذا تنزيل قال: نعم) لعل هذا إشارة إلى ما ذكره في تفسير قوله تعالى: * (ليظهره على الدين كله) * وقد عرفت مما نقلناه سابقا عن صاحب الطرايف أن المراد بالتنزيل ما جاء به جبرئيل (عليه السلام) لتبليغ الوحي وأنه أعم من أن يكون قرآنا وجزءا منه وأن لا يكون فكل قرآن تنزيل دون العكس فعلى هذا قوله (عليه السلام) " وأما غيره فتأويل " يراد به ما ذكره في الآيات السابقة والله أعلم. قوله " وأنزل بذلك قرآنا فقال يا محمد * (إذا جاءك المنافقون) * " هذا وإن سلم نزوله في عبد الله بن أبي وأضرابه لقضية مشهورة لكنه شامل لكل منافق حاله كحالهم وفعله كفعلهم لأن خصوص السبب لا يخصص عموم الحكم وكذلك كل من ذمه الله تعالى أو مدحه لصفة من الصفات أو أمر من الامور فهو عام يندرج فيه كل من اتصف بتلك الصفة، فلا يرد أن الآية نزلت في فرقة من أهل النفاق لأمر معلوم فكيف تحمل على غيرهم وينساق حكمها فيه ؟ ! قوله (قالوا نشهد) أكدوا كلامهم بتأكيدات لاقتضاء المقام ذلك وتقرير مضمونه في قلب السامع ورفع توهمه للخلاف ولذلك أيضا قال: * (والله يعلم إنك لرسوله) * مبالغة في التأكيد في وقوع المشهود به لأن ما علم الله وقوعه فهو واقع قطعا. قوله * (اتخذوا أيمانهم جنة) * أي وقاية لأنفسهم وأموالهم ولحوق الضرر واللوم بهم. قوله * (فصدوا) * أي فصدوا الناس ممن يقبل قولهم بإلقاء الشبهات الباطلة عن سبيل الله واتباع الطريق الموصل إليه والسبيل هو الوصي لأنه الهادي والداعي إليه. قوله * (إنهم ساء ما كانوا يعملون) * من إظهار الإيمان وإبطال الخلاف وصد الناس عن سبيل الله. قوله * (ذلك بأنهم) * أي ذلك المذكور من نفاقهم وكذبهم وسوء أعمالهم بسبب أنهم آمنوا برسالتك ظاهرا وكفروا بولاية وصيك باطنا. قوله * (فطبع الله على قلوبهم) * قال في الصحاح: الطبع الختم وهو التأثير في الطين ونحوه يقال: طبع الكتاب وعلى الكتاب إذا ختمه، والطابع بالفتح الخاتم ومنه طبع الله على قلبه إذا ختمه فلا يعى وعظا ولا يوفق لخير ولا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا، وقال فيه أيضا: الرين الطبع. فالألفاظ الثلاثة متقاربة في المعنى، وقيل: الرين أيسر من الطبع والطبع أيسر من الختم والأقفال. وتحقيق ذلك أن الله سبحانه خلق القلب نورانيا أبيض بمنزلة المرآة المجلوة الصافية فإذا أذنب

[ 120 ]

العبد جعل الله ذلك الذنب نقطة سوداء في قلبه فإن تاب ذهب ذلك السواد وإن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتى يغطي النور والبياض فعند ذلك لا يرجع إلى خير أبدا، فهذه التغطية صحت نسبتها إليه سبحانه كما صحت نسبتها إلى الذنوب كما في قوله تعالى: * (بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) * وما ذكرنا دلت عليه الأخبار الكثيرة المعتبرة. ويقرب منه قول بعض المعتزلة: إنها علامة يخلقها الله تعالى في القلب تعرف الملائكة (عليهم السلام) بها أن من خلقت فيه يذم فيلعنونه. وقال بعضهم: هي إعدام اللطف وأسباب الخير، والتمكين من أسباب. ضده. وقال بعضهم: هي الشهادة عليهم. وقال محي الدين والآبي من علمائهم: هي عند أهل السنة خلق الكفر. قوله (لا يعقلون بنبوتك) أي لا يدركون حقيتها وحقيقتها لفرط رسوخ الباطل في قلوبهم وعدم تفكرهم في المعجزات الباهرة والآيات الظاهرة الدالة على صحة نبوتك. قوله * (سواء عليهم استغفرت لهم) * أي الاستغفار وعدمه متساويان في أنه تعالى لن يغفر لهم أبدا، وفيه إخبار بأنهم يموتون بغير إيمان. قوله * (إن الله لا يهدي القوم الفاسقين) * إلى طريق الخير والصلاح، يعني يسلب لطفه وتوفيقه عنهم لفرط رسوخهم في الكفر وشدة انهماكهم في الشر حتى أبطلوا بذلك استعداد قبول اللطف والتوفيق، أو المراد أنه لا يهديهم في الآخرة إلى طريق الجنة. قوله (قال: إن الله ضرب مثل من حاد) أي مال، تقول: حاد عن الشئ يحيد حيودا وحيدا وحيدودة إذا مال عنه، وعدل يعني من مال عن ولاية علي كمن ضل عن الطريق ويمشي على وجهه مثل الحيات والعقارب لا يهتدي لأمره ويتحير فيه حيث لا يبصر إلا موضع قدمه فلا يقدر على أن يدرك طريق مقصده، وجعل من تبع عليا (عليه السلام) واتخذه علما هاديا سويا قائما سليما من العثار، ناظرا إلى جميع جوانبه، عارفا بطريق الخير والشر، يمشي على صراط مستقيم يوصل سالكه المقصود، والصراط المستقيم أمير المؤمنين (عليه السلام). قوله (يعني جبرئيل عن الله في ولاية علي) أشار إلى أن الرسول الكريم جبرئيل (عليه السلام) وهو مكرم ومعزز من عند الله تعالى يأتي بالوحي من قبله، وأن الضمير في قوله " إنه " راجع إلى ولاية علي (عليه السلام) وتخصيصه بالقرآن غير موجه، نعم يمكن إرجاعه إلى المنزل ليعم ما نحن فيه لأنه من أفراد المنزل وكأنه المراد هنا. قوله * (قليلا ما تؤمنون) * أي ما تؤمنون بالولاية إيمانا قليلا عند ظهور كونها من قبله تعالى لفرط الحسد والعناد. قوله (قالوا: إن محمدا كذاب) قيل: نقل أنه (صلى الله عليه وآله) لما نصب عليا ونزلت آية المودة قال الذين لم

[ 121 ]

يكونوا راسخين في الدين والاعتقاد: إن محمدا كذاب مفتر على الله لم يأمره الله بذلك وإنما نصبه من عنده لئلا تخرج الحكومة والخلافة من أهل بيته فرد الله قولهم. قوله (فقال: إن ولاية علي تنزيل من رب العالمين) في القرآن: * (تنزيل من رب العالمين) * والمفسرون قالوا: التقدير هو التنزيل بتقدير المبتدأ، وما ذكره (عليه السلام) إما بيان لمرجع الضمير أو إيماء وقوع التحريف فيه، والله أعلم. قوله * (ولو تقول علينا) * التقول الافتراء لتضمنه معنى التكلف. قوله * (لأخذنا منه باليمين) * كناية عن شدة الأخذ، لأن الأخذ باليمين أقوى وأشد من الأخذ باليسار. قوله * (ثم لقطعنا منه الوتين) * الوتين عرق في القلب متصل بالعنق إذا قطع مات صاحبه وهذا كناية عن إهلاكه، أو تمثيل لغضبه وإهلاكه بغضب الملوك وإهلاكهم. قوله (فقال: إن ولاية علي لتذكرة) كأنه إشارة إلى أن الضمير في قوله تعالى: * (إنه لتذكرة) * راجع الى الولاية ولما كان الانتفاع بها مختصا بالمتقين كانت هي تذكرة لهم. قوله * (وإنا لنعلم أن منكم مكذبين) * يعني بالولاية أو بالنبي (صلى الله عليه وآله) فيها والغرض منه هو الوعيد على التكذيب. قوله (وإن عليا لحسرة على الكافرين) بولايته حين رأوا ثواب المؤمنين بها وكان هذا أيضا بيان لمرجع الضمير في قوله * (وإنه لحسرة) *. قوله (وإن ولايته لحق اليقين) كأن الإضافة بيانية للتأكيد في حقيقة الولاية لكونها منزلة من عند الله تعالى ويقينا لا شك فيه. قوله (فمن آمن بولاية مولاه) أي فمن آمن بولاية مولاه الذي كانت ولايته من أمره تعالى * (فلا يخاف بخسا ولا رهقا) * يعني نقصا في الجزاء ولا لحوق مكروه ومذلة به. قوله * (لا أملك لكم ضرا ولا رشدا) * أي الضر ودفعه والرشد والخير والصلاح والهداية والتوفيق إنما هو بيد الله تعالى، لا أملك لكم شيئا من ذلك وفيه ترغيب للخلق بالتوسل في جلب المنافع ودفع المضار إلى الله سبحانه. قوله (فاتهموه يعني) بالكذب والافتراء في ولاية علي (عليه السلام) أو في قوله هذا إلى الله لا إلي. والمال واحد. قوله (قل: إني لن يجيرني أحد من عقوبة الله إن عصيته بكتمان ما امرت بإظهاره وتبليغه من ولاية علي (عليه السلام) * (ولن أجد من دونه ملتحدا) * يعني مأوى وملجاء يحفظني من غضب الله وعقوبته،

[ 122 ]

وفيه تنبيه للعباد بالإنابة إليه عند صدور المعصية منهم. قوله (إلا بلاغا من الله) استثناء من قوله لا أملك وما بينهما اعتراض مؤكد لنفي الاستطاعة أو من قوله * (ملتحدا) * يعني لن أجد ملتحدا إلا تبليغا من الله ورسالاته من غير زيادة ونقصان، ومنها رسالته في ولاية علي (عليه السلام). قوله (ثم قال توكيدا) أي ثم قال توكيدا لأمر الولاية وتقريرا له: * (ومن يعص الله ورسوله " في ولاية علي " فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا) * وفيه وعيد شديد للكافرين بولايته وفي مفهوم الشرط دلالة على أن المقر بها لا يدخل النار أو لا يخلد فيها، ولا ريب في الثاني وأما الأول فالروايات فيه مختلفة والله أعلم. قوله (يعني بذلك القائم وأنصاره) تفسير لقوله * (ما يوعدون) * روى علي بن إبراهيم عن الحسين ابن خالد عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) في قوله عز وجل: * (حتى إذا رأوا ما يوعدون) * قال: القائم وأمير المؤمنين صلوات الله عليهم في الرجعة. وفي قوله: * (فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا) * قال: وهو قول أمير المؤمنين (عليه السلام) لزفر: والله يا ابن صهاك، لولا عهد من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكتاب من الله سبق لعلمت أينا أضعف ناصرا وأقل عددا. فلما أخبرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما يكون في الرجعة قالوا: متى يكون هذا ؟ قال الله تعالى قل يا محمد: إن أدري قريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا. وفي قوله تعالى: * (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا) * قال: يخبر الله تعالى رسوله (صلى الله عليه وآله) الذي يرتضيه بما كان قبله من الأخبار وما يكون بعده من أخبار القائم (عليه السلام) والرجعة والقيامة. وروى أيضا بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: * (حتى إذا رأوا ما يوعدون) * يعني الموت والقيامة * (فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا) * يعني فلان وفلان وفلان ومعاوية وعمرو بن العاص وأصحاب الضغائن من قريش من أضعف ناصرا وأقل عددا، قالوا: فمتى يكون هذا يا محمد ؟ قال الله تعالى لمحمد: * (قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا) * قال: أجلا * (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول) * يعني علي المرتضى من الرسول (صلى الله عليه وآله) وهو منه فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا، قال: في قلبه العلم ومن خلفه الرصد يعلمه علمه ويزقه زقا ويعلمه الله تعالى إلهاما والرصد التعليم من النبي (صلى الله عليه وآله) ليعلم النبي (صلى الله عليه وآله) أن قد أبلغ رسالات ربه وأحاط علي (عليه السلام) بما لدى رسول الله (صلى الله عليه وآله) من العلم * (وأحصى كل شئ عددا) * ما كان أو يكون منذ خلق الله تعالى آدم إلى أن تقوم الساعة من فتنة أو زلزلة أو خسف أو قذف أو أمة هلكت فيما مضى أوتهلك فيما بقي، وكم من إمام جائر أو عادل يعرفه

[ 123 ]

باسمه ونسبه ومن يموت موتا أو يقتل قتلا. وكم من إمام مخذول لا يضره خذلان من خذله وكم من إمام منصور لا ينفعه نصر من نصره. قوله (قال: يقولون فيك) مالا يليق بذاتك من السحر والكهانة والشعر والجنون والكذب. قوله * (واهجرهم هجرا جميلا) * بالمعاداة باطنا والمداواة ظاهرا. قوله * (ومهلهم قليلا) * فإن وبال أمرهم سيلحقهم عند قيام القائم (عليه السلام) والقيامة كما قال * (ان لدينا أنكالا وجحيما * وطعاما ذا غصة وعذابا أليما) *. قوله * (ليستيقن الذين أوتوا الكتاب) * لما أخبرهم الله تعالى أن الملائكة الموكلين على النار تسعة عشر أي عددا أو صنفا قال * (ليستيقن الذين أوتوا الكتاب) * يعني يستيقنون أن الله ورسوله ووصيه حق، لموافقة هذه الأخبار بما في كتبهم وتصديقه إياه فيعلمون أن من جاء به ولم يقرأ كتبا ولم يكتسب علما فهو صادق في دعوى نبوته ونصب وصيه. قوله * (ويزداد الذين آمنوا إيمانا) * " إيمانا " مفعول " يزداد " لا تأكيد لآمنوا يعني ويزداد الذين آمنوا بالنبي إيمانا بولاية الوصي أي يزداد إيمانهم بها، أو يحصل لهم الإيمان بها فيكون ازدياده في الاول باعتبار الكيفية وفي الثاني باعتبار الكمية، وسبب الزيادة على الاحتمالين أمور أحدها أن علمهم بأن ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله) كان في الكتب الماضية يوجب زيادة التصديق بما جاء به من ولاية علي (عليه السلام) لحصول كمال الوثوق به، وثانيهما أن استيقان أهل الكتاب بالوصي لما ذكر يوجب ازدياد إيمان المؤمنين به، وثالثها أن الوعيد المذكور لأهل جهنم كان لمن أنكر ولايته (عليه السلام) كما يظهر ذلك من رواية علي بن إبراهيم بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) وهو مذكور في سورة المدثر، وقد جعل أكثر آيات هذه السورة في ذم منكر الولاية. ومن أراد أن يعرف ذلك فليرجع إليه. لا يقال: الوعيد مذكور في التوراة أيضا فكيف نزل في منكر الولاية ؟ لأنا نقول هذا الوعيد ونحوه من لدن آدم (عليه السلام) إلى يوم القيامة ليس إلا لمن أنكر ولاية علي (عليه السلام) لأنا قد ذكرنا في تضاعيف الروايات أنه لا يدخل النار إلا من أنكر ولايته. قوله * (ولا يرتاب الذين) * هذا تأكيد للاستيقان والازدياد، ونفي لارتيابهم بشبهة. قوله (قلت: ماهذا الارتياب ؟) لعل السائل جعل قوله (عليه السلام) " بولاية علي " متعلقا بالمؤمنين فلا يعلم حينئذ أن متعلق الارتياب المنفي ما هو فلذلك سأل عنه فأجاب (عليه السلام) بأنه الولاية أي لا يرتابون فيها، فليتأمل. قوله (وما هي إلا ذكرى للبشر قال نعم ولاية علي) أراد أن " هي " راجع إلى الولاية، ولعل هذا أولى من إرجاعه إلى سقر أو إلى تسعة عشر وهم خزنتها أو إلى السورة كما قيل لأن التذكر بالولاية أقوى وأشد من التذكر بما ذكر.

[ 124 ]

قوله (قلت: * (إنها لإحدى الكبر) * قال الولاية) أقسم الله تعالى ببعض مخلوقاته لتقرير عظمة الولاية فقال " كلا " وهو ردع لإنكار الولاية * (كلا والقمر والليل إذا أدبر والصبح إذا أسفر إنها لإحدى الكبر) * أي الولاية إحدى النعم الجسام والأمور العظام التي لا نظير لها، وهذا أولى من إرجاع الضمير إلى سقر ووصفها بأنها إحدى الكبر أي بلية عظيمة كما قيل بقرينة قوله تعالى: * (نذيرا للبشر) * لأن نسبة الإنذار إلى علي (عليه السلام) أولى من نسبته إلى سقر. قوله (قال: من تقدم إلى ولايتنا اخر عن سقر) يعني هو ناج منها لا يدخلها أبدا. قوله (ومن تأخر عنا تقدم إلى سقر) يعني ومن تأخر عن ولايتنا ومحبتنا تقدم إلى سقر وسبق في الدخول فيها. قوله * (إلا أصحاب اليمين) * قال الله تعالى: * (كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين) *. قال (عليه السلام): هم - أي أصحاب اليمين - والله شعيتنا وهم الذين فكوا رقابهم عن الرهانة بولاية أمير المؤمنين (عليه السلام). روى علي بن براهيم بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: اليمين أمير المؤمنين (عليه السلام) وأصحابه شيعته. قوله (قلت: لم نك من المصلين قال: إنا لم نتول) حكى الله تعالى المكالمة بين أصحاب اليمين وغيرهم فقال: * (إلا أصحاب اليمين في جنات يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين فما تنفعهم شفاعة الشافعين فما لهم عن التذكرة معرضين) * روى علي بن إبراهيم بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: * (قالوا لم نك من المصلين) * أي لم نك من أتباع الأئمة صلوات الله عليهم * (ولم نك نطعم المسكين) * قال: حقوق آل محمد (صلى الله عليه وآله) من الخمس لذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل وهم آل محمد صلوات الله عليهم * (وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين (أي يوم المجازات) حتى أتانا اليقين (أي الموت) فما تنفعم شفاعة الشافعين) * قال: لو أن كل ملك مقرب ونبي مرسل شفعوا في ناصب آل محمد صلوات الله عليهم ما شفعوا فيه * (فما لهم عن التذكرة معرضين) * قال: يذكرهم من موالاة أمير المؤمنين صلوات الله عليه. قوله (يوفون لله بالنذر الذي أخذ عليهم في الميثاق من ولايتنا) لعل المراد أن عهد الولاية مندرج تحت النذر وإن كان الظاهر منه خلافه وقد مر. قوله (قال: نعم ذا تأويل) لعل المراد نعم هذا وهو ما ذكر في نحن نزلنا تنزيلا وذا وهو ذكر في * (يوفون بالنذر) * تأويل. قوله (قال الولاية) تفسير لهذه والحمل للمبالغة لأن التذكر إنما تحصل بالولاية ولهذا هلك كل من تركها تمسك في الدين برأيه أو بأحمق آخر مثله.

[ 125 ]

قوله (قال في ولايتنا) أطلق الرحمة على الولاية لأن الولاية سبب لها إذ كل من أقر بالولاية فهو مرحوم وكل من تخلف عنها فهو مغضوب. قوله (والظالمين) أي أنفسهم أو الأئمة (عليهم السلام) والثاني أنسب بالمقام. قوله (ألا ترى) الغرض منه هو الإشارة إلى كل ما نسب الله تعالى المظلومية إلى ذاته المقدس عن الانفعال بها وقبولها نفيا أو إثباتا أراد نفيها أو إثباتها للأئمة (عليهم السلام). قوله (من أن يظلم أو ينسب نفسه إلى ظلم) بأن يكون مظلوما أو ظالما لتنزه قدسه عن العجز والانفعال والظلم فلابد من صرف نفيهما حيث أمكن إلى من هو قابل لهما ليكون له فائدة كما أشار إليه (عليه السلام) بقوله ولكن الله خلطنا بنفسه. أي ضمنا إلى ذاته المقدس وشاركنا فجعل ظلمنا ظلمه فقال: * (وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) * لرجوع جزاء الظلم إليهم وجعل ولايتنا للمؤمنين ولايته حيث قال: * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) * يعني الأئمة، ثم أنزل بذلك - أي بجعل ظلمنا ظلمه مجازا أو بضمنا إلى نفسه إظهارا لشرفنا - قرآنا على نبيه فقال: * (وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) * والغرض نفي الظلم عن الأئمة إلا إنه ضمهم إلى نفسه فقال: * (وما ظلمناهم) * وإنما قلنا حيث أمكن لأنه قد يقصد نفي الظلم عنه بحيث لا يحتمل غيره كما في قوله تعالى * (وما أنا بظلام للعبيد) * ولعل المخاطب أو غيره كان يعتقد ثبوت الظلم له مع زيادة وإن لم يكن ذلك معقولا فيكون للنفي فائدة، على أنه يمكن أن يكون القصد نفي الظلم عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) حيث إنه قسيم الجنة والنار ولا يدخل أحد فيهما إلا بحكمه ولا يكون ظالما فيه وانما نسبه إلى ذاته المقدسة لأنه آمر، والله أعلم. قوله (قال: الأولين الذين كذبوا الرسل في طاعة الأوصياء) لم يذكر الآخرين لأنه يعلم حالهم من حال الأولين. قوله * (كذلك نفعل بالمجرمين) * أي مثل الفعل المذكور وهو الإهلاك نفعل بالمجرمين في الدنيا بيد القائم (عليه السلام) وفي الآخرة بعذاب النار. قوله (قلت: إن المتقين) قال الله تعالى: * (إن المتقين في ظلال وعيون وفواكه مما يشتهون كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون كذلك نجزي المحسنين) *. قوله (قلت يوم يقوم الروح) قال الله تعالى * (يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا) * قال علي بن إبراهيم: الروح ملك أعظم من جبرئيل وميكائيل كان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو مع الأئمة (عليهم السلام). وقال القاضي: هؤلاء الذين هم أفضل الخلائق وأقربهم من الله إذا لم يقدروا أن يتكلموا بما يكون صوابا كالشفاعة لمن ارتضى إلا بإذنه فكيف يملكه غيرهم " يوم " ظرف ل‍ (لا يملكون) والروح ملك موكل على الأرواح أو منها أو جبرئيل أو خلق أعظم من

[ 126 ]

الملائكة، ونقل عن ابن عباس أن الروح أعظم المخلوقات وهو وحده في صف وباقي الملائكة في صف. قوله (قال هم الذين فجروا في حق الأئمة واعتدوا عليهم) قال علي بن إبراهيم في قوله تعالى: * (إن كتاب الفجار لفي سجين) * ما كتب الله تعالى لهم من العذاب لفي سجين * (وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم) * أي مكتوب * (يشهده المقربون) * الملائكة الذين كتبوا عملهم، وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) قال " السجين الأرض السابعة " حدثنا أبو القاسم الحسني قال حدثنا فرات بن إبراهيم [ عن محمد إبراهيم عن محمد بن الحسين بن إبراهيم ] عن علوان بن محمد قال حدثنا محمد بن معروف عن السدي عن الكلبي عن جعفر بن محمد صلوات الله عليه في قوله تعالى * (ان كتاب الفجار لفي سجين) * قال: فلان وفلان وما أدريك ما سجين إلى قوله تبارك وتعالى -: * (الذين يكذبون بيوم الدين) * الأول والثاني * (وما يكذب بها إلا كل معتد أثيم إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين) * وهو الأول والثاني كانوا يكذبون رسول الله (صلى الله عليه وآله) - إلى قوله تعالى: * (إنهم لصالوا الجحيم) * ثم يقال: * (هذا الذي كنتم به تكذبون) *. * الأصل: - محمد بن يحيى. عن سلمة بن الخطاب، عن الحسين بن عبد الرحمن، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى عز وجل: * (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا) * قال: يعني به ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام)، قلت: * (ونحشره يوم القيامة أعمى) *، قال: يعني أعمى البصر في الآخرة، أعمى القلب في الدنيا عن ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: وهو متحير في القيامة يقول: * (لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها) * قال: الآيات الأئمة (عليهم السلام) * (فنسيتها وكذلك اليوم تنسى) * يعني تركتها وكذلك اليوم تترك في النار كما تركت الأئمة (عليهم السلام) فلم تطع أمرهم ولم تسمع قولهم. قلت: * (وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى) * قال: يعني من أشرك بولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) غيره ولم يؤمن بآيات ربه وترك الأئمة معاندة فلم يتبع آثارهم ولم يتولهم، قلت: * (الله لطيف بعباده يرزق من يشاء) * قال: ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام)، قلت: * (من كان يريد حرث الآخرة) * قال: معرفة أمير المؤمنين (عليه السلام) والأئمة * (نزد له في حرثه) * ؟ قال: نزيده منها، قال: يستوفي نصيبه من دولتهم * (ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب) * قال: ليس له في دولة الحق مع القائم نصيب. * الشرح: قوله (يعني به ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام)) * (فمن اتبع هداي فلا يضل) * أي في الدنيا * (ولا

[ 127 ]

يشقى) * أي في الآخرة * (ومن أعرض عن ذكري) * أي هداي أي الذاكر والداعي إلى سبيلي وعبادتي وهو أمير المؤمنين (عليه السلام) فإن له معيشة ضنكا. قوله (يعني أعمى البصر في الآخرة) دل على أن المراد به أعمى البصر قوله تعالى: * (قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا) *. قوله (كذلك) أي مثل ذ لك فعلت ثم فسره بقوله: * (أتتك آياتنا فنسيتها) *. قوله (يعني من أشرك) تفسير لمن أسرف لأن الشرك أقوى أفراد الإسراف. قوله (ترك الأئمة معاندة) بيان لقوله * (ولم يؤمن بآيات ربه) * وإشارة إلى أن الآيات الأئمة، وفي ذكر المعاندة إشعار بأن من تركهم لا معاندة بل لشبهة لا يجزي بهذا الجزاء المخصوص وهو حشره أعمى البصر ولا بعد فيه، والله أعلم. قوله * (الله لطيف بعباده) * أي يعلم ظاهرهم وباطنهم وسرائرهم وضمائرهم يرزق من يشاء منهم ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) باللطف والتوفيق لقبولها لصفاء قلبه ولينة طبعه وحسن استعداده. قوله (قال: معرفة أمير المؤمنين (عليه السلام) والأئمة) المراد بإرادة معرفته إرادتها مع التصديق والإذعان بولايته وحقوقه وإنما شبه معرفته بالحرث وهو إلقاء البذر في الأرض لاستلزامها منافع جليلة وفوائد جزيلة في الآخرة ومن ثم قيل: الدنيا مزرعة الآخرة. قوله (نزيده منها) تفسير قوله: * (نزد له في حرثه) * وإشارة إلى أن " في " بمعنى (من) للتعليل وهي قد تجئ له كما صرح بعض المحققين وضمير التأنيث راجع إلى الحرث باعتبار أنه عبارة عن المعرفة يعني نزيده من أجل تلك المعرفة، ثم بين تلك الزيادة بقوله يستوفي نصيبه من دولتهم وهي دولة المنتظر (عليه السلام) وفيه دلالة على رجعة الشيعة كلهم مع احتمال تخصيصها بالخلص، أو حصول زيادة الفيض حينئذ لأرواحهم بدونها، والله أعلم. قوله * (ومن كان يريد حرث الدنيا) * لعل المراد به متاع الدنيا، أو معرفة أئمة الجور والإقرار بولايتهم ولعل الأخير أظهر بقرينة المقابلة. قوله (ليس له في دولة الحق مع القائم نصيب) دل بحسب الظاهر على أن المراد بالآخرة ساعة قيام القائم (عليه السلام) سميت بالآخرة لأنها من علاماتها، ويحتمل أن يراد بالآخرة القيامة ويجعل انتفاء النصيب في دولة الحق دليلا على انتفائه في القيامة لاستحالة تحقق الملزوم بدون اللازم، والله أعلم (1).


(1) قوله " لاستحالة تحقق الملزوم بدون اللازم " والأظهر أن هذا تمثيل وتشبيه حال بحال كما مر في أمثاله كثيرا ولا يعتبر في التمثيل تطبيق كل كلمة من المثل على الممثل كما لا يجب في تمثل أمير المؤمنين (عليه السلام) بقول = (*)

[ 128 ]

باب فيه نتف وجوامع من الرواية في الولاية * الأصل: - محمد بن يعقوب الكليني، عن محمد بن الحسن، وعلي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن بكير بن أعين قال: كان أبو جعفر (عليه السلام) يقول: إن الله أخذ ميثاق شيعتنا بالولاية وهم ذر، يوم أخذ الميثاق على الذر والإقرار له بالربوبية ولمحمد (صلى الله عليه وآله) بالنبوة. * الشرح: قوله (وهم ذر) أي في صلب آدم أو بعد إخراجهم منه ولكل واحد رواية تدل عليه، وقال الفاضل الأمين الاسترآبادي: إن الأرواح تعلقت ذلك اليوم بأجساد صغيرة مثل النمل (1) فأخذت منهم الميثاق بالولاية وغيرها.


= الأعشى: شتان ما يومي على كورها * ويوم حيان أخى جابر أن يتكلف في تطبيق حيان أخى جابر على رجل معين اتفق ملاقاته مع علي (عليه السلام) في خلافته ولم يكن يلاقيه أيام قعوده، بل المراد تشبيه اختلاف الحالين باختلاف الحالين، قط على ما هو مقرر في علم البيان والحاصل من جميع ما ذكر في تفسير الآيات المذكورة بالولاية أن غير المتدبر في الأمور القليل الممارسة لمجاري كلام العرب يتعجب مما روى عن أئمتنا (عليهم السلام) في تطبيق آيات القرآن على ولايتهم. مع عدم ارتباطها معها جدا وعدم تناسب سابقتها ولاحقتها معها وربما ينكرها نعوذ بالله. ومخالفونا يطعنون على تلك التفاسير وينسبوننا إلى الغباوة والجهل ويضحكون من تمسكنا في إثبات أصل عظيم في اعتقادنا وهو الإمامة بأدلة واهية واحتمالات غير مسلمة عند مخالفينا ولا ثابتة عند موافقينا ويقال مثلا: * (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله) * هم الأئمة الاثنا عشر مع أن الشيعة أنفسهم تمسكوا في إثبات الأشهر الحرم بتلك الآية، فكون المراد بها الأئمة غير ثابتة عندهم أنفسهم فكيف عند مخالفيهم ولا وجه لتمسكهم بتلك الآية على إثبات الإمامة. والجواب عن جميع هذه الشبهات أن مرجع جميع هذه الآيات والروايات في تأويلها بالولاية إما تطبيق الكلي على أظهر الأفراد كتأويل الصراط المستقيم بعلي بن أبي طالب (عليه السلام) وإما من التمثيل كتأويل النبأ العظيم بولايته (عليه السلام) مع أن لفظ القرآن منطبق على القيامة وقد اتفق في تضاعيف الروايات ما روى عن الكذابين المشهورين الوضاعين والمجاهيل ولا حاجة إلى التكلف في توجيهها وتصحيحها، وبذلك يندفع الشبهة عن غرائب التفاسير. (ش) (1) قوله " بأجساد صغيرة مثل النمل " يفهم مما يأتي في كلام الشارح أن هذه الأجساد الصغيرة هي بعينها الظلال التي فسرها فيما بعد واختلف التعبير وهي بالنسبة إلى هذه الأبدان الكثيفة كالظل بالنسبة إليها (ش). (*)

[ 129 ]

أقول: ثم إنهم لما غفلوا - إلا من شاء الله - عن تذكرة في عالم هذه الأبدان إما لعدم شرط التذكر أو لوجود مانع منه بعث الله الأنبياء تكليفا لهم ثانيا لدفع الغفلة وتكميل الحجة والغفلة عن التكليف الأول لتعلقهم بالعوائق وتمسكهم بالعلائق المانعة من التذكر لا يوجب خلوه عن الفائدة. قوله (والإقرار له بالربوبية) وهو بالجر عطف على الذر أو على الولاية والأول أولى لأنه أعم حيث يشمل الشيعة وغيرهم. * الأصل: - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن صالح بن عقبة، عن عبد الله بن محمد الجعفري، عن أبي جعفر (عليه السلام). وعن عقبة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن الله خلق الخلق، فخلق ما أحب مما أحب وكان ما أحب أن خلقه من طينة الجنة، وخلق ما أبغض مما أبغض وكان ما أبغض أن خلقه من طينة النار، ثم بعثهم في الظلال: فقلت: وأي شئ الظلال ؟ قال: ألم تر إلى ظلك في الشمس شئ وليس بشئ، ثم بعث الله فيهم النبيين يدعونهم إلى الإقرار بالله وهو قوله: * (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله) * ثم دعاهم إلى الإقرار بالنبيين، فأقر بعضهم وأنكر بعضهم، ثم دعاهم إلى ولايتنا فأقر بها والله من أحب وأنكرها من أبغض وهو قوله: * (فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل) * ثم قال أبو جعفر (عليه السلام): كان التكذيب ثم. * الشرح: عن عبد الله بن محمد الجعفري) كذا في النسخ ولم أره في الرجال والأولى الجعفي وهو من أصحاب أبي جعفر (عليه السلام) وسيجئ في خامس باب مولد الزهراء (عليها السلام) رواية رجال هذا السند بأعيانهم عن عبد الله بن محمد الجعفي عن أبي جعفر (عليه السلام) وأبي عبد الله (عليه السلام) وهو يؤيد ما قلناه. قوله (وعن عقبة) كان عقبة بن قيس بن سمعان، وعطف على صالح بن عقبة وهو ابنه لجواز أن يروي عنه محمد بن إسماعيل بن بزيع كما يروي عن ابنه. قوله (قال: إن الله خلق الخلق فخلق ما أحب مما أحب) قد ذكرنا في باب خلق أبدان الأئمة أنه تعالى لما علم أعمال العباد وعقائدهم في الأعيان من الخير والشر خلق أبدان أهل الخير من طينة الجنة وخلق أبدان أهل الشر من طينة النار ليرجع كل إلى ما هو أهل له ولايق به وأن أعمالهم سبب لخلق الابدان على الوجه المذكور دون العكس، وأن كثيرا من الشبهات يندفع (1) بهذا التقرير وقد


(1) قوله " وأن كثيرا من الشبهات يندفع " وأصل الشبهات لزوم الجبر والظلم وعدم فائدة في إنزال الكتب وإرسال الرسل وإبداع التكاليف وذلك لأن الإنسان إذا خلق من طينة لزمه أن يعمل على طبق طينته خيرا = (*)

[ 130 ]

وجدت ههنا كلام الفاضل الإسترآبادي موافقا لما ذكرت وحصل لي وثوق آخر بذلك وكلامه هذا المراد خلق التقدير لا خلق التكوين محصل المقام أنه تعالى قدر أبدانا مخصوصة من الطينتين ثم كلف الأرواح فظهر منها ما ظهر، ثم قدر لكل روح ما يليق بها من تلك الأبدان المقدورة، وإذا تأملت فيه وجدت أنه لا فرق بينه وبين ما ذكرت إلا إنه اعتبر أعمالهم في الوجود الظلي وجعلها سببا للأبدان المخصوصة ونحن اعتبرنا أعمالهم في الوجود العيني، والأمر في ذلك الاختلاف سهل بعد التوافق في أصل المقصود. قوله (ثم بعثهم في الظلال) قال الفاضل الإسترآبادي يفهم من الروايات أن التكليف الأول وقع مرتين مرة في عالم المجرد الصرف ومرة في عالم الذر، بأن تعلقت الأرواح فيه بجسد صغير مثل النمل ولما لم يكن تصل أذهان أكثر الناس (1) إلى إدراك الجوهر المجرد عبروا (عليهم السلام) عن المجردات


= كانت أو شرا، ومحصل كلام الشارح في الدفع أن الله تعالى خلق أبدانا من الطينة الطيبة وجعل فيها أرواحا علم أنهم لو كانوا مختارين في الدنيا لآمنوا لا محالة، وخلق أيضا أبدانا من الطينة الخبيثة وجعل فيها أرواحا علم أنهم لا يؤمنون في الدنيا باختيارهم، ومفاد كلام الاسترآبادي أن تلك الأرواح آمنوا في عالم الذر باختيارهم وبعضهم لم يؤمنوا كذلك وجعل كلا في بدن يناسبه، وشئ من الكلامين لا يدفع الشبهة الطينة الطيبة أو الخبيثة أما أن تؤثر في الإيمان والكفر أو لا تؤثر، فإن لم تؤثر لم تصح وصفها بالطيب والخبيث لأن طينة لا تقرب العبد إلى الإيمان ولا إلى الكفر تتساوى في جميع الناس من هذه الجهة وليست من حيث كونها طينة متصفة بخير ولا شر، وإن أثرت في تقريب صاحبها إلى إيمان أو كفر لزم منه سلب الاختيار عن الناس أو التبعيض في القرب إلى الخير أو الشر في دار التكليف حين يشرع عليهم الشرائع ويرسل إليهم الرسل وينزل عليهم الكتب، وأن اختيارهم في عالم الذر لا يدفع محذور لزوم الجبر والتبعيض حين التكليف. والجواب الحق في ذلك أنا نعلم أنه تعالى ليس بظلام للعبيد وأنه لا يسلب الاختيار عن العبد حين يأمره بالتكليف وما خالف ذلك ظاهرا يجب رده أو تأويله. وقد سبق منا في حاشية صفحة 374 من المجلد الرابع وقبلها وبعدها ما يبين ذلك. (ش) (1) قوله " ولما لم يكن يقبل أذهان أكثر الناس إدراك الجوهر المجرد " مقصوده أن إطلاق هذه الكلمة أعني الجوهر المجرد - على المعنى المصطلح المتداول في العصر الأخير بين أهل المعقول وهو الموجود المستقل بنفسه غير الجسماني لم يكن مشهورا في عصر الأئمة (عليهم السلام) بحيث يفهمه السامعون، كما أن لفظ الواجب والمكروه والحرام في عصرهم (عليهم السلام) لم يكن متداولا في الإطلاق على خصوص المعنى المتداول بين الفقهاء المتأخرين، لا أنهم ما كانوا يدركون الجوهر المجرد أصلا بل كانوا يدركون معناه ولا يطلقون عليه هذا اللفظ. ولا يتعجب من الفاضل الإسترآبادي وصدور مثل هذا الكلام منه لأن توغله في الأخبارية لا ينافي تبصره في العقليات ولا يبعد منه اعترافه بأن الأئمة والعلماء ربما يعبرون عن المعاني المجردة بالتعبير الجسماني = (*)

[ 131 ]

بالظلال لتفهيم الناس، وقصدهم من ذلك أن موجودات ذلك العالم مجردة عن الكثافة الجسمانية كما أن الظل مجرد عنها فهي شئ وليست كالأشياء المحسوسة الكثيفة وهذا نظير قولهم (عليهم السلام) في معرفة الله تعالى: شئ بخلاف الأشياء الممكنة ا ه‍. أقول: يمكن أن يراد بالظلال الأجساد الصغيرة التي كانت في عالم الذر وهي بالنسبة إلى هذه الأبدان الكثيفة كالظل بالنسبة إليها، فليتأمل. قوله (ثم بعث الله فيهم النبيين يدعوهم إلى الاقرار بالله) الظاهر أن يدعوهم حال عن الله والمستكن فيه له والبارز للنبيين وغيرهم من الخلائق جميعا، ويحتمل أن يكون علة للبعث والمستكن حينئذ للنبيين والبارز لغيرهم والتقدير لأن يدعوهم، ويؤيده يدعونهم بالنون كما في بعض النسخ وهو على هذه النسخة حال عن النبيين، فليتأمل. قوله (وهو قوله ولئن سألتهم) لعل الاستشهاد به باعتبار أن إقرارهم بأن الله خالقهم اضطرارا من أجل إقرارهم به في ذلك اليوم حتى لو لم يكن هذا أو باعتبار إقرارهم بذاك عند تحقق هذا السؤال في أي وقت كان دل على إقرارهم بذلك في ذلك اليوم، والله أعلم. قوله (فأقر بها والله من أحب) أي من أحب الإقرار بها أو من أحبها أو من أحبنا أو من أحبه الله، وكذا قوله من أبغض. قوله (وهو قوله) أي الإنكار أو الإخبار به قوله تعالى في شأن المنكرين: * (وما كانوا ليؤمنوا) *


= لتقريبه إلى أذهان الناس كما قال الله تعالى: * (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره) * إذ يعلم كل أحد أن العمل لا يوزن بالمثاقيل ولا يقاس بالذرة سواء كان المراد النمل الصغير أو الذرات المنبثة في الهواء، لكن عبر عنه الله تعالى تعبيرا جسمانيا تقريبا إلى الذهن وهكذا هنا عبر عن المجرد بالظل لأنه أقرب المحسوسات إلى المجردات، والغبي يقف على الجسم والبصير يعبر من العبارة إلى المعنى ولك مثاب بحسب استعداده ما لم يتنافثوا ويتناغضوا، والمعهود من أهل الظاهر أنهم يحصرون الحقيقة فيما يفهمه العوام أو ويتبادر إلى ذهنهم من ظواهر الألفاظ بضميمة مرتكزات خاطرهم ولا يقتصرون على ججية الظواهر فقط بل يجعلونها دليلا على الواقع. فإن قيل: إن فتحنا الباب على الناس لاقتحموا على كل ما ورد في الشريعة وحملوا جميع الجسمانيات على المجردات كالجنة والنار والمعراج والملائكة وغير ذلك. قلنا: لا نفتح هذا الباب على الناس ولا نجوز تأويل كل شئ لكل أحد وإنما ذلك للعلماء المتبحرين العارفين بالقرائن العقلية والنقلية في غير ضروريات الدين بشرط أن لا يذهب ذهن الناس من التأويل إلى غير الحقيقة لأن المرتكز في أذهانهم أن كل شئ غير جسماني فهو موهوم لا حقيقة له، إلا في أمور نادرة يعترفون بتحققها من غير تجسم كوجوده تعالى لظهور الأدلة ووجود أنفسهم لوجدانها، فنجوز التأويل فيها كيد الله بقدرة الله وكمقدار الأعمال في * (من يعمل مثقال ذرة خيرا يره) * بخلاف المعراج فإن الروحاني منه عند العامة تخيل رؤيا لا حقيقة له. (ش) (*)

[ 132 ]

أي في التكليف الثاني * (بما كذبوا به) * من النبوة والولاية * (من قبل) * أي من قبل هذا التكليف وهو التكليف الأول في الميثاق (1) ثم قال أبو جعفر (عليه السلام) " كان التكذيب ثم " يعني في الميثاق يريد أن من كذب فيه كذب في التكليف الثاني ومن صدق فيه صدق فيه. * الأصل: - محمد بن يحيى، عن سلمة بن الخطاب، عن علي بن سيف، عن العباس بن عامر، عن أحمد ابن رزق الغمشاني، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ولايتنا ولاية الله التي لم يبعث نبيا قط إلا بها. * الشرح: قوله (قال ولايتنا ولاية الله) (2) أي ولايتنا ولايته تعالى والحمل للمبالغة والاتحاد أو ولايتنا


(1) قوله " وهو التكليف الأول في الميثاق " راوي هذا الخبر صالح بن عقبة كذاب غال ملعون باتفاق علماء الرجال ومتنه مخالف لاصول المذهب، وظاهر القرآن يخالفه أيضا والاليق عدم التكلف لتوجيهه وتوجيه أمثاله وقد سبق مثل هذا المضمون في الخبر الحادي والثمانين من باب فيه نكت من التنزيل عن منيع بن الحجاج. واما كلام الشارح ففيه أن التكليف الثاني في الدنيا يوجب كون المكلف مختارا يحتمل في حقه الإيمان والانكار والاسقط فائدة بعثة الانبياء وأيضا التكليف الأول يغني عن الثاني وأيضا من أين ثبت عند الشارح أن عرض الإيمان على الناس في عالم الذر كان تكليفا، وأيضا ظاهر القرآن أن جميع من في ذلك العالم آمنوا وقالوا بلى في جواب * (ألست بربكم) * إلا أنهم اختلفوا لما جاؤا إلى الدنيا، وأيضا ظاهر القرآن في سورة يونس والاعراف أن قوله تعالى * (فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل) * في شأن جماعة كانوا قبل موسى بن عمران (عليه السلام) * (اتتهتم رسلهم بالبينات) * فكفروا بالرسول السابق، ثم جاءهم رسول بعده فكفروا به وما كانوا ليؤمنوا به بعد ما كذبوا من قبله. وأيضا هذا يناسب لطريقة الماديين ومذهبهم وكان صالح بن عقبة وأمثاله من الغلاة منهم اتخذوا تظاهرهم بولاية أهل البيت (عليهم السلام) وغلوهم فيهم جنة يتوقون بها طعن المؤمنين وكانوا يروجون الكفر والفساد والتشكيك في التوحيد والنبوة وتقرب الناس إلى اصول الماديين ضمن اظهارتها لكم في حب النبي وأهل بيته، ومن لوازم مذهب الماديين الجبر لأن كل شئ عندهم بتأثير الطبيعة والطبيعة مجبورة لا تستطيع النار أن لا تحرق ولا الماء أن لا يبرد وأفعال الإنسان وأفكاره من آثار ذرات دماغه أو قلبه وتلك الآثار تترتب على تلك الذرات لا محالة فكما تهضم الكبد الغذاء قهرا اما هضما جيدا أو رديئا كذلك من ذرات الدماغ ترشح الافكار أياما كان وهو مقتضى طبيعتها ولا يستطيع أد أن يغير مقتضى طبيعة أعضائه وجوارحه وعند الملاحدة لعنهم الله أن اختلاف فهم أفراد البشر متفرع على اختلاف خلايا دماغه، ولا يعترفون بأصالة في النفس والروح فلا ارادة واختيار أصلا عندهم، وإذ لا نفس ولا اختيار فلا تكليف. (ش) (2) قوله " ولايتنا ولاية الله " ظاهر الخبر أن كل نبي بعث فإنما بعث بولاية الله لأن الأنبياء يدعون إلى معرفته = (*)

[ 133 ]

ولاية من قبله تعالى لا من قبل الخلق حتى يكون لهم الخيرة في ردها وقبولها، وفيه دلالة على أن كل من لم يؤمن بولايتهم لم يؤمن بنبيهم وأن الهالك من لدن آدم (عليه السلام) إلى قيام الساعة ليس إلا من أنكر ولايتهم كما ذكرناه مرارا. * الأصل: - محمد بن يحيى، عن عبد الله بن محمد بن عيسى، عن محمد بن عبد الحميد، عن يونس ابن يعقوب، عن عبد الأعلى، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ما من نبي جاء قط إلا بمعرفة حقنا وتفضيلنا على من سوانا. * الأصل: - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى عن محمد بن إسماعيل بن بزيع عن محمد بن الفضيل، عن أبي الصباح الكناني عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته يقول: والله إن في السماء لسبعين صفا من الملائكة، لو اجتمع أهل الأرض كلهم يحصون عدد كل صف منهم ما حصوهم، وإنهم ليدينون بولايتنا. * الأصل: - محمد، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: ولاية علي (عليه السلام) مكتوبة في جميع صحف الأنبياء ولن يبعث الله رسولا إلا بنبوة محمد (صلى الله عليه وآله) ووصية علي (عليه السلام). * الأصل: - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن محمد بن جمهور، قال: حدثنا يونس، عن حماد بن عثمان، عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن الله عز وجل نصب عليا (عليه السلام) علما بينه وبين خلقه، فمن عرفه كان مؤمنا، ومن أنكره كان كافرا، ومن جهله كان ضالا، ومن نصب معه شيئا، كان مشركا ومن جاء بولايته دخل الجنة. * الشرح: قوله (فمن عرفه كان مؤمنا) الخلق بالنسبة إليه (عليه السلام) أربعة أقسام القسم الأول مؤمن وهو من


= تعالى والتسليم لأمره وأنه هو أصل الوجود ومبدؤه ولا حكم تشريعا ولا تكوينا إلا له وأمثال ذلك وهي ولاية الله، وليس ولاية الأئمة (عليهم السلام) إلا ذلك بخلاف ولاية مخالفيهم فإنها للدنيا، وكل حق فهو طريق الأئمة (عليهم السلام) وكل باطل فهو مخالف لطريقهم، فصح أن يقال: جميع من مضى من أهل الحق وأتباع الأنبياء فهم تابعون لطريق الأئمة (عليهم السلام). وبالجملة ليس معنى الولاية هنا معرفته باسمه وشخصه بل متابعة طريقته (ش). (*)

[ 134 ]

عرف حقه وصدق بولايته وتقدمه على جميع الخلق وهو من أهل الجنة قطعا، القسم الثاني كافر خارج عن الإيمان وهو من أنكر حقه وولايته وهو من أهل النار قطعا، القسم الثالث ضال وهو من جهله أي لم يعرف حقه ولم ينكره فهو بمنزلة من لم يسلك طريق الحق ولا طريق الباطل بل هو متحير بينهما والنسبة بينه وبين الكافر كالنسبة بين صاحب الجهل البسيط والجهل المركب وهذا في مشية الله تعالى. القسم الرابع مشرك منافق وهو من عرف حقه وأشرك معه غيره فهو عارف بحقه من وجه ومنكر له من وجه آخر كأكثر هذه الامة وهذا حكمه حكم الكافر في أنه من أهل النار (1) قطعا لا يقال الضال أسوء حالا منه لأنه عرفه في الجملة بخلاف الضال فكيف يكون هذا من أهل النار قطعا دون الضال ؟ لأنا نقول: إنكار الحق بعد المعرفة أشد وأقبح من إنكاره قبلها ومن عدم إنكاره بالطريق الأولى. قوله (من جاء بولايته دخل الجنة) دل بمفهومه على أن غير أهل الولاية لا يدخل الجنة وبظاهر منطوقه على أن أهل الولاية لا يدخل النار، والروايات الدالة على الحكمين متظافرة. * الأصل: - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن عبد الله بن سنان، عن أبي حمزة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إن عليا (عليه السلام) باب فتحه الله، فمن دخله كان مؤمنا ومن خرج منه كان كافرا ومن لم يدخل فيه ولم يخرج منه كان في الطبقة الذين قال الله تعالى: لي فيهم المشيئة. * الشرح:


(1) قوله " حكمه حكم الكافر في أنه من أهل النار " قال المحقق الطوسي في التجريد: محاربو علي كفرة ومخالفوه فسقة، وقال العلامة (رحمه الله): المحارب لعلي كافر لقول النبي (عليه السلام) " يا علي حربك حربي " ولا شك في كفر من حارب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأما مخالفوه في الإمامة فقد اختلف قول علمائنا فمنهم من حكم بكفرهم لأنهم دفعوا ما علم ثبوته من الدين ضرورة وهو النص الجلي الدال على إمامته مع تواتره، وذهب آخرون إلى أنهم فسقة وهو الأقوى، ثم اختلف هؤلاء على أقوال ثلاثة أحدها أنهم مخلدون في النار لعدم استحقاقهم الجنة. الثاني قال بعضهم: إنهم يخرجون من النار إلى الجنة. الثالث ما ارتضاه ابن نوبخت وجماعة من علمائنا انهم يخرجون من النار لعدم الكفر الموجب للخلود ولا يدخلون الجنة لعدم الإيمان المقتضي لاستحقاق الثواب انتهى. لعل الله يوفقنا لتفصيل ذلك في موضع آخر إن شاء تعالى، فما ذكر الشارح هو قول بعضهم لا جميعهم وقول الإمام (عليه السلام) في الخبر الثامن * (ومن لم يدخل فيه ولم يخرج منه كان في الطبقة الذين قال الله تبارك وتعالى لي فيهم المشيئة) * تدل على أوسع مما ذكره الشارح وهو رجاء النجاة فيمن لم يعرض عنه (عليه السلام) وإن لم يدخل في ولايته ويؤيده العقل مع ضعف الأسباب وعدم التقصير. (ش) (*)

[ 135 ]

قوله (إن عليا (عليه السلام) باب فتحه الله) أي باب علم النبي وشرائعه كما قال (صلى الله عليه وآله) " أنا مدينة العلم وعلي بابها " أو باب رحمة الله تعالى أو أسراره ومعارفه وتقربه، كل ذلك على سبيل التمثيل والتشبيه. قوله (فمن دخله كان مؤمنا) قسم الناس بالنسبة إليه (عليه السلام) على ثلاثة أقسام وهي الاقسام المذكورة أولا في الحديث السابق على الترتيب، وأما الشرك فهو داخل في القسم الثاني لأنه أيضا خارج منه. * الأصل: - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن بكير بن أعين قال: كان أبو جعفر (عليه السلام) يقول: إن الله أخذ ميثاق شيعتنا بالولاية لنا وهم ذر، يوم أخذ الميثاق على الذر بالإقرار له بالربوبية ولمحمد (صلى الله عليه وآله) بالنبوة، وعرض الله جل وعز على محمد (صلى الله عليه وآله) أمته في الطين وهم أظلة وخلقهم من الطينة التي خلق منها آدم، وخلق الله أرواح شيعتنا قبل أبدانهم بألفي عام وعرضهم عليه وعرفهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعرفهم عليا ونحن نعرفهم في لحن القول. * الشرح: قوله (وعرض الله تعالى على محمد (صلى الله عليه وآله) امته في الطين - إلى قوله - وعرضهم عليه) يفهم منه أنه وقع عرض الامة المجيبة الناجية على الظاهر مرتين: مرة عند كونهم أظلة أي أجسادا صغارا مثل النمل مستخرجة من الطين الذي هو مادة أبدانهم بعد تعلق الأرواح بها، ومرة عند كونهم أرواحا مجردة صرفة قبل أبدانهم بألفي عالم (1).


(1) قوله " قبل أبدانهم بالفي عام " معناه أن خلق جميع الأرواح أو جنس الأرواح كان قبل خلق جميع الأجسام بألفي عام، والحاصل أن عالم الأرواح خلق قبل عالم الاجسام بألفي عام، ويحتمل بعيدا أن يكون المراد خلق كل واحد واحد من الأرواح قبل كل واحد واحد من الأبدان فيكون خلق كل روح قبل بدن نفسه بألفي عام وهذا لا يطابق سياق عبارة الحديث وتفريع الإمام (عليه السلام) عليه، إذ ربما يكون تولد ولي من أولياء الإمام (عليه السلام) بعد عهده (عليه السلام) بثلاثة آلاف سنة فيكون خلق روحه بعد عصره (عليه السلام) بألف سنة ولم يكن رآه الإمام (عليه السلام) في عالم الأظلة ولم يعرفه مع أنه (عليه السلام) جعل خلق الأرواح قبل الأجسام مقدمة لعرضهم عليه ومعرفته إياهم فالمقصود ما ذكرناه أولا، وقبلية الأرواح والمجردات على الأجسام والماديات بالعلية والطبع كما سبق مرارا في مواضعه لأنا نرى أن بقاء البدن بسبب الروح لا بالعكس، لأن الروح يقهر العناصر على الاجتماع على خلاف طبعها مدة طويلة بحيث لو لم يكن الروح لتداعت إلى الانفكاك وتفرقت فإنه لا يبقى البدن على ما هو عليه بعد الموت البتة والعلة للاجتماع لا يمكن أن يكون معلولا له وإلا لدار، والروح علة الاجتماع لا معلوله وهذا مذهب = (*)

[ 136 ]

* الشرح: قوله (ونحن نعرفهم في لحن القول) لحن القول أي معناه وفحواه قال الله تعالى: * (ولتعرفهم في لحن القول) * أي معناه وفحواه واللحن أيضا اللغة والنحو ويمكن أن يراد إنا نعرفهم في تكلمهم بالكلام بالأصوات.


= الالهيين، وأما الماديون والملاحدة فينكرون ذلك البتة ويجعلون البدن وامتزاج العناصر علة للحياة. فإن قيل: صرح المتكلمون والفلاسفة أيضا بأن خلق النفوس بعد حصول الاستعداد للبدن. قلنا: التحقيق في ذلك أن النفوس الإنسانية جسمانية الحدوث وروحانية البقاء على ما ثبت في محله، وفي التعبير بالفي عام نكتة ليس هنا بموضع ذكرها فمن قال بحدوثها فإنما مقصوده حدوث النفس من حيث تعلقها بالبدن وما ورد في الروايات من تقدمها فالمراد جهة روحانيتها. (ش) (*)

[ 137 ]

باب في معرفتهم أولياءهم والتفويض إليهم * الأصل: - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن صالح بن سهل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أن رجلا جاء إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو مع أصحابه فسلم عليه ثم قال له: أنا والله أحبك وأتولاك، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): كذبت، قال: بلى والله إني أحبك وأتولاك، فكرر ثلاثا، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): كذبت ما أنت كما قلت، إن الله خلق الأرواح قبل الأبدان بألفي عام ثم عرض علينا المحب لنا، فوالله ما رأيت روحك فيمن عرض، فأين كنت ؟ فسكت الرجل عند ذلك ولم يراجعه. وفي رواية أخرى قال: أبو عبد الله (عليه السلام) كان في النار. * الأصل: - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن عمرو بن ميمون، عن عمار بن مروان، عن جابر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إنا لنعرف الرجل إذا رأيناه بحقيقة الإيمان وحقيقة النفاق. * الشرح: قوله (قال إنا لنعرف الرجل إذا رأيناه) لكل شئ ظاهر وباطن والباطن حقيقته والظاهر مثل التركيب والوضع والحركة والسكون والهيئة واللون والصوت والكلام أدلة وعلامات للباطن وهم (عليهم السلام) يعرفون من ظاهر كل شئ باطنه كما هو بمجرد المشاهدة وهذا نوع من أنواع علومهم. * الأصل: - أحمد بن إدريس، ومحمد بن يحيى، عن الحسن بن علي الكوفي. عن عبيس بن هشام، عن عبد الله بن سليمان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الإمام: فوض الله إليه كما فوض إلى سليمان بن داود ؟ فقال: نعم. وذلك أن رجلا سأله عن مسألة فأجابه فيها وسأله آخر عن تلك المسألة فأجابه بغير جواب الأول، ثم سأله آخر فأجابه بغير جواب الأولين، ثم قال: * (هذا عطاؤنا فامنن أو) * (اعط) * (بغير حساب) * وهكذا هي في قراءة علي (عليه السلام)، قال: قلت: أصلحك الله فحين أجابهم بهذا الجواب يعرفهم الإمام ؟ قال: سبحان الله أما تسمع الله يقول: * (إن في ذلك لآيات للمتوسمين) * وهم الأئمة * (إنها لبسبيل مقيم) * لا يخرج منها أبدا، ثم قال لي: نعم إن الإمام إذا أبصر إلى الرجل عرفه وعرف لونه، وإن سمع كلامه من خلف حائط عرفه وعرف ما هو، إن الله

[ 138 ]

يقول: * (ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين) * وهم العلماء، فليس يسمع شيئا من الأمر ينطق به إلا عرفه، ناج أو هالك، فلذلك يجيبهم بالذي يجيبهم. * الشرح: قوله (قال سألته عن الإمام فوض الله) أي فوض الله إليه المنع والإعطاء في كل شئ حتى في العلوم. قوله (وذلك أن رجلا) هذا كلام عبد الله بن سليمان والغرض منه بيان منشأ السؤال المذكور " ذلك " إشارة إليه وحاصله أن ثلاثة رجال سألوا أبا عبد الله (عليه السلام) عن مسألة واحدة على سبيل التعاقب وهو أجاب كل واحد بجواب غير جواب الآخرين ثم قرأ آية سليمان (عليه السلام) * (هذا عطاؤنا فامنن أو امسك بغير حساب) * فسألته عن الإمام فوض الله إليه كما فوض إلى سليمان بن داود فقال: نعم، ثم قلت: أصلحك الله فحين أجابهم الإمام بهذا الجواب المشتمل على الاختلاف يعرفهم الإمام باختلاف حالاتهم وصفاتهم من الإيمان والنفاق وغيرهما قال (عليه السلام) - على سبيل التعجب -: سبحان الله ما تسمع الله يقول: * (إن في ذلك) * أي العذاب والنكال الوارد على الامم السالفة خصوصا على قوم لوط مثل الصيحة وتقليب المدينة وإمطار الحجارة ونحوها * (لآيات للمتوسمين) * الذين يتوسمون الأشياء ويتفرسون حقائقها وآثارها ومبادئها وعواقبها ويعلمون جميع ذلك وهم الأئمة (عليهم السلام). و * (انها) * أي الآيات والعلم بها * (لبسبيل) * أي مع سبيل * (مقيم) * أو متلبس به وهو الإمام لا يخرج ذلك السبيل منها اي من تلك الآيات أبدا، ولعل فيه قلبا إذ الأنسب أنها لا تخرج من السبيل والغرض من ذكر الآية أن الإمام متوسم يعرف جميع الأشياء بسماتها وعلاماتها فكيف لا يعرف الرجال بحالاتهم وصفاتهم، ثم صرح بأن الإمام يعرفهم وقال: إن الإمام إذا أبصر إلى الرجل عرفه من جهة داته وصفاته وأعماله وعقائده وعرف لونه الدال على خيره وشره وإن سمع كلامه من خلف حائط مثلا عرفه من صوته وإن لم يسمع كلامه قط ولم ير شخصه أبدا وعرف ما هو أمن أهل الإيمان أو الكفر أو النفاق ثم استشهد لعلمه بالرجال كلامهم وألوانهم بقوله تعالى: * (ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم) * أي لغاتكم وألوانكم * (إن في ذلك لآيات) * دلالة على حالاتكم * (للعالمين) * وهم العلماء من أهل البيت والأئمة من العترة (عليهم السلام) فليس أي الإمام يسمع شيئا من الأمر ينطق به من أمر الدين أو الدنيا أو السؤال إلا عرفه، أي ذلك الناطق أهو ناج ومن أهل إيمان أو هو هالك ومن أهل الكفر والنفاق ؟ فلذلك يجيبهم على حسب اختلاف حالاتهم بالذي

[ 139 ]

يجيبهم فيجيب أهل الإيمان بالحق وأهل الضلالة بالتقية حفظا لنفسه وعرضه ولشيعته وتابعيه أو يجيب كل واحد بما هو الأصلح بحاله (1). * الشرح: قوله (وهكذا هي قراءة علي (عليه السلام)) لعل المراد بالمن في هذه القراءة القطع أو النقص وأما القراءة المشهورة وهي * (فامنن أو أمسك بغير حساب) * فالمراد به الإعطاء والإحسان. " باب " مولد النبي (صلى الله عليه وآله) ووفاته * الأصل: - ولد النبي (صلى الله عليه وآله) لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول في عام الفيل يوم الجمعة مع الزوال. وروي أيضا عند طلوع الفجر. * الشرح: قوله (ولد النبي لاثنتي عشرة ليلة) ذهب الشيخ والشهيد في الدروس إلى أنه ولد يوم السابع عشر منه (2) عند طلوع الفجر من يوم الجمعة. * الأصل: - قبل أن يبعث بأربعين سنة. وحملت به أمه في أيام التشريق عند الجمرة الوسطى وكانت في منزل عبد الله بن عبد المطلب وولدته في شعب أبي طالب في دار محمد بن يوسف في الزواية القصوى عن يسارك وأنت داخل الدار، وقد أخرجت الخيزران ذلك البيت فصيرته مسجدا، يصلي الناس فيه. وبقي بمكة بعد مبعثه ثلاثة عشر سنة، ثم هاجر إلى المدينة ومكث بها عشر سنين، ثم قبض (عليه السلام) لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول يوم الاثنين وهو ابن ثلاث وستين سنة، وتوفي أبوه عبد الله ابن عبد المطلب بالمدينة عند أخواله وهو ابن شهرين، وماتت امه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب وهو (صلى الله عليه وآله) ابن أربع سنين، ومات عبد المطلب وللنبي (صلى الله عليه وآله) نحو ثمان سنين، وتزوج خديجة وهو ابن بضع وعشرين سنة، فولد له منها قبل


(1) قوله " بما هو الأصلح بحاله " وبالجملة نوع الحكم الذي فوض إلى الإمام فيجيب فيه بالاختلاف مجهول لنا، ونعلم بالإجمال أنه ليس من الحكم الواقعي الذي أمر الرسول (صلى الله عليه وآله) بتبليغه والأئمة (عليهم السلام) بحفظه وبيانه، بل من الجزئيات التي يتغير حكمها لمصالح الوقت كمنع فقير وإعطاء آخر وجهاد قوم والصلح مع آخرين. (ش) (2) قوله " ولد يوم السابع عشر منه " وهذا قول عند العامة أيضا وعن زبير بن بكار أنه (صلى الله عليه وآله) ولد في رمضان قيل وهو مطابق لما روى أن حمل امه به كان في أيام التشريق. (ش) (*)

[ 140 ]

مبعثه (صلى الله عليه وآله) القاسم ورقية وزينب وأم كلثوم وولد له بعد المبعث الطيب والطاهر وفاطمة (عليهما السلام)، وروي أيضا أنه لم يولد بعد المبعث إلا فاطمة (عليها السلام) وأن الطيب والطاهر ولدا قبل مبعثه، وماتت خديجة (عليها السلام) حين خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) من الشعب وكان ذلك قبل الهجرة بسنة، ومات أبو طالب بعد موت خديجة بسنة، فلما فقدهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) شنأ المقام بمكة ودخله حزن شديد وشكا ذلك إلى جبرئيل (عليه السلام) فأوحى الله تعالى إليه: اخرج من القرية الظالم أهلها، فليس لك بمكة ناصر بعد أبي طالب وأمره بالهجرة. * الشرح: قوله (قبل أن يبعث بأربعين سنة) دل على أنه بعث وقد مضى من عمره الشريف أربعون سنة، وقال عياض لم يختلف أنه ولد عام الفيل، واختلف في مبعثه فقيل على رأس أربعين ونقل عن ابن عباس على رأس ثلاث وأربعين سنة. قوله (وحملت به امه في أيام التشريق) هنا سؤال مشهور وهو أنه يلزم منه مع تاريخ مولده أن يكون مدة حمله ثلاثة أشهر أو سنة وثلاثة أشهر وهذا مخالف لما اتفق الأصحاب عليه من أن مدة الحمل لا تزيد على سنة ولم ينقل أحد أن ذلك من خصائصه، والجواب أن المراد بأيام التشريق الأيام المعلومة من شهر جمادى الأول الذي وقع فيه حج المشركين في عام الفيل باعتبار النسئ (1) حيث كانوا يؤخرون الحج عن ذي الحجة فيحجون سنتين في محرم وسنتين في صفر


(1) قوله " باعتبار النسئ " هذا احتمال ذكره بعض المجازفين فتبعه الشارح من غير تحقيق واعتبار وكان النسئ متداولا بين الناس قبل الإسلام ولم يرتفع إلا بعد حجة الوداع وكان حج الناس ومناسكهم وتشريقهم مطابقا للنسئ، قال المسعودي في مروج الذهب: وقد كانت العرب في الجاهلية تكبس في كل ثلاث سنين شهرا وتسميه النسئ وقد ذم الله تبارك وتعالى فعلهم بقوله * (إنما النسئ زيادة في الكفر) * فإن أراد القائل المجازف أن أيام التشريق التي حملت فيها امه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان في ذي الحجة لكن لو فرضنا عدم النسئ قبل حجة الوداع وحسبنا الشهور من غير ملاحظة النسئ كان الشهر الذي سموه ذا الحجة وحجوا فيه مطابقا لجمادى الأول الواقعي في سنة ولادة خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله وسلم) وحمله فهذا خطأ لأنا إن أسقطنا اعتبار النسئ وحسبنا السنين والشهور كما نحسب بعد حجة الوداع على ما نحن عليه الآن انطبق ذو الحجة في سنة حمل خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله وسلم) على المحرم لا على جمادى على ما سنبين إن شاء الله تعالى. وكان بناء الناسئين على أن يزيدوا شهرا في كل ثلاث سنين أو سنتين لئلا يتزايل الشهور القمرية عن الفصول الشمسية فكانت سنتان عندهم اثني عشر شهرا والسنة الثالثة ثلاثة عشر بزيادة شهر بعد ذي الحجة كما يفعله اليهود حتى الآن، وكان نتيجة هذا العمل أن يصير المحرم حلالا بعد ذي الحجة وهو الشهر الثالث عشر ويصير شهر صفر مكان المحرم من الأشهر الحرم، وقال مجاهد على ما نقله الطبري: ثم يسمون رجب = (*)

[ 141 ]

وهكذا إلى أن يتم الدور ثم يستأنفونه وعلى هذا كانت مدة حمله عشر أشهر بلا زيادة ولا نقصان. بيان ذلك: أنه ذكر الشيخ الطبرسي في مجمع البيان عند تفسير قوله تعالى: * (إنما النسئ زيادة في الكفر) * نقلا عن مجاهد أنه كان المشركون يحجون في كل شهر عامين فحجوا في ذي الحجة عامين ثم حجوا في المحرم عامين ثم حجوا في الصفر عامين، وكذلك في الشهور حتى وافقت الحجة التي قبل حجة الوداع في ذي العقدة ثم حج النبي (صلى الله عليه وآله) في العام القابل حجة الوداع فوافقت في ذي الحجة فلذلك قال (صلى الله عليه وآله) في خطبته: " ألا وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنى عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان ". أراد (عليه السلام) بذلك أن الأشهر الحرم رجعت إلى مواضعها وعاد الحج إلى ذي الحجة وبطل النسئ. انتهى. إذا عرفت ذلك وعرفت أن النبي (صلى الله عليه وآله) توفي وهو ابن ثلاث وستين سنة ودورة النسئ أربعة وعشرون (1) سنة ضعف عدد الشهور فإذا


= جمادى الآخرة ثم يسمون رمضان شعبان ثم يسمون شوال رمضان ثم يسمون ذا القعدة شوال ثم يسمون ذا الحجة ذا القعدة ثم يسمون المحرم ذا الحجة ويحجون فيه واسمه عندهم ذوا الحجة ثم عادوا مثل هذه القصة انتهى. لكن الله تعالى أبطل ذلك بقوله * (ان عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا) * أي ليس أزيد من ذلك ولا تصير أبدا ثلاثة عشر بزيادة النسئ أي الشهر الزائد. وزيادة الشهور في مدة ثلاث وستين سنة ثلاثة وعشرون شهرا على ما يأتي إن شاء الله تعالى. ثم إن المعتاد والمتعارف بين الناس أنهم إذا أطلقوا أسامي الشهور لم يريدوا إلا المتداول لا المفروض المتوهم، ألا ترى أن العجم بعد التاريخ الجلالي المتداول إذا أطلقوا فروردين واردى بهشت وغيرهما لم يريدوا إلا ما تداول بينهم لا ما لو فرض عدم جعل التاريخ الجلالي وبنى على التاريخ القديم بحذف أيام الكبيسة كان يسمى فروردين وينطبق على آبان مثلا، وكذلك المؤرخ الذي ذكر تاريخ الحمل والولادة في أيام التشريق أو الربيع الأول لم يرد إلا المتداول بينهم وهو مع ملاحظة النسئ فالصحيح ما ذكره السهيلي في شرح السيرة وغيره من العارفين غير المجازفين أن قضية الحمل في أيام التشريق لا ينطبق إلا مع قول زبير بن بكار أن مولده (صلى الله عليه وآله وسلم) كان في شهر رمضان والجمع بين الحمل أيام التشريق والولادة في ربيع الأول غير ممكن، والأصح إنكار تاريخ الحمل. (ش) (1) قوله " دورة النسئ أربع وعشرون " كأن هذا القائل لم يأخذ ما ذكره في باب النسئ من أهل الفن بل اعتمد على ما تبادر إلى ذهنه من مرتكزات خاطره ومن عبارات مجملة لبعض المفسرين، والمستفاد من كلام المتضلعين في هذه الأمور العارفين بأخبار العرب والبصراء بالتواريخ والنجوم أن غرضهم من النسئ كان تطبيق السنين الشمسية على القمرية حتى يكون الحج دائما عند اعتدال الهواء وإدراك الثمار والغلات بقرب حلول الشمس نقطة الاعتدال الخريفي على ما قال النيسابوري في تفسيره: (والخارج من الحساب أن حجة = (*)

[ 142 ]

كانت السنة الثالثة والستون ابتدأ الدور كانت السنة الثانية والستون نهايته، فإذا بسطنا دورين أخذ من الثانية والستين على ما قبلها وأعطينا كل شهر عامين تصير السنة الخامسة عشرة من مولده ابتداء الدور لأنه إذا نقصنا من اثنين وستين ثمانية وأربعين تبقى أربعة عشر إلا ثنتان الأخيرتان منها لذي العقدة واثنتان قبلهما لشوال وهكذا فيكون الأوليان منها لجمادى الأول فكان حجهم في عام مولد النبي وهو عام الفيل في جمادى الأولى، فإذا فرض أن حمله كان في ثاني عشر منه وتولده كان في ثاني عشر من ربيع الأول كانت مدة الحمل عشرة أشهر بلا زيادة ولا نقصان. وظهر مما ذكر بطلان ما ذهب إليه بعض الأصحاب من أن امه حملت به في رجب فإنه محض التخمين وما ذهب إليه ابن طاووس في الإقبال من أن امه حملت به في ثمان عشر مضت من جمادى الآخرة هذا ما أفاد بعض الأفاضل، والله أعلم بحقيقة الحال. قوله (في شعب أبي طالب) الشعب بالكسر الطريق في الجبل والجمع الشعاب. قوله (في دار محمد بن يوسف) كانت هذه الدار للنبي (صلى الله عليه وآله) بحسب الإرث فوهبها عقيل بن أبي طالب ثم باعها أولاد عقيل بعد أبيهم من محمد بن يوسف أخي حجاج بن يوسف فاشتهرت بدار محمد بن يوسف فأدخلها محمد في قصره الذي يسمونه بالبيضاء، ثم بعد انقضاء دولة بني أمية حجت خيزران ام هارون الرشيد فأفرزها عن القصر وجعلها مسجدا. قوله (في الزواية القصوى) هي تأنيث الأقصى وهو الأبعد.


= الوداع كان في الاعتدال الربيعي) وقال النيسابوري أيضا لذلك كبسوا تسع عشرة سنة قمرية بسبعة أشهر قمرية حتى صارت تسع عشرة سنة شمسية، فزادوا في السنة الثانية شهرا، ثم في الخامسة، ثم في السابعة ثم في العاشرة ثم في الثالثة عشرة في السادسة عشرة ثم في الثامنة عشرة، وذلك ترتيب بهز يجوح عند المنجمين وقد تعلموا هذه الصفة من اليهود والنصارى فإنهم يفعلون هكذا لأجل أعيادهم فالشهر الزائد هو الكبس، وسمى بالنسئ لأنه المؤخر - إلى أن قال - إذا حكموا على بعض السنين بأنها ثلاثة عشر شهرا كان مخالفا لحكم الله بأن عدة الشهور اثنا عشر شهرا أي لا أزيد ولا أنقص، ثم قال: ويلزمهم ما لزمهم في التفسير الأول من تغيير الأشهر الحرم عن أماكنها. انتهى. أقول: وكلام النيسابوري وإن كان مأخوذا من الإمام الرازي لكنه أبين وأقوم وأوفى تحقيقا وتفصيلا ولذلك أخترنا نقله. وسر عملهم هذا أن السنة القمرية 354 يوما وخمس وسدس يوم ومجموع أيام تسع عشرة سنة 6733 يوما والسنة الشمسية 365 يوما وربع يوم بالتقريب ومجموع أيام تسع عشرة سنة 6939 تقريبا يزيد على القمرية 206 يوما وهي مع كسورها سبعة أشهر قمرية تقريبا إذا زيد على السنين القمرية تساوت الايام في تسع عشرة سنة اللهم إلا في كسور قليلة لم يعبأوا بها، وعلى هذا فإذا لاحظنا النسئ وما كانوا يعملون كان تأخر الشهور في سنة حجة الوداع عن سنة مولد النبي (صلى الله عليه وآله) ثلاثة وعشرين شهرا وكان ذو الحجة في سنة الولادة منطبقا على المحرم واقعا لا على جمادى الأولى. (ش) (*)

[ 143 ]

قوله (ومكث بها عشر سنين) قال عياض مدة مقامه بالمدينة من قدومه إلى وفاته عشر سنين لا تزيد ساعة لأنه توفى في النهار في الساعة الأولى التي قدم فيها، ولم يختلفوا في ذلك واختلفوا في إقامته بمكة بعد مبعثه فقيل خمس عشرة سنة، وعن ابن عباس: ثلاث عشرة سنة، وفي رواية اخرى: ثمان سنين. انتهى كلامه. قوله (ثم قبض لاثنتى عشرة ليلة مضت) في التهذيب قبض مسموما يوم الاثنين لليلتين بقيتا من صفر سنة عشرة من الهجرة. وفي تفسير الثعلبي يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول حين زاغت الشمس. قوله (وهو ابن ثلاث وستين سنة) مثله من طرق العامة عن أنس عن عائشة وعن ابن عباس في إحدى الروايتين عنه وفي الرواية الأخرى عنه توفاه الله وهو ابن خمس وستين وفي الأخرى عن أنس توفاه الله على رأس الستين. قوله (وتوفي أبوه عبد الله بن عبد المطلب) قال الآبي في كتاب إكمال الإكمال: ولابد من معرفة نسبه (صلى الله عليه وآله) فهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة ابن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدرك بن الياس بن مضر ابن نزار بن معد بن عدنان، ولم يختلف في صحة هذه السلسلة وإنما اختلف النسابون فيما بين عدنان وإسماعيل (عليه السلام) وبينهم في ذلك اختلاف كثير، واختلف من أين تقرشت قرش هل من النضر ابن كنانة أو من فهر بن مالك والمشهور أنه من النضر وكان لكنانة ولد غير النضر ولا يسمون قريشا، وسبب ذلك أن أولاد النضر كانوا تفرقوا في البلاد فلما انتقل أمر مكة من خزاعة إلى قصي ابن كلاب جمع أولاد النضر في مكة فسموا قريشا فهم لم يتقرشوا، أي لم يجتمعوا. وقال المازري غير قريش من العرب ليسوا بكفو لقريش ولا غير بني هاشم كفوا لبني هاشم إلا بنو المطلب فإنهم وبنو هاشم شئ واحد. قوله (وتزوج خديجة) قال القرطبي هي خديجة بنت خويلد بن أسد عبد بن العزى بن قصي وفي قصي يجتمع مع النبي (صلى الله عليه وآله)، وقد تزوجها قبل النبوة ثيبا بعد زوجين بعد ابن هالة التميمي وبعد عتيق المخزومي ثم تزوجها النبي (صلى الله عليه وآله) وهي بنت أربعين سنة وأقامت معه أربعا وعشرين سنة، وتوفيت وهي بنت أربع وستين، سنة وستة أشهر وسن رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين تزوجها إحدى وعشرين سنة، وقيل: خمس وعشرين سنة. وقيل ثلاثة وثلاثون سنة واجتمع أهل النقل أنها ولدت له أربع بنات وكلهن أدركن الإسلام وهاجرن: زينب وفاطمة ورقية وأم كلثوم، وأجمعوا أنها ولد ولدا سماه القاسم وبه كان يكنى، واختلف هل ولدت له ذكرا غيره فقيل: ولدت ثلاثة عبد الله والطيب والطاهر

[ 144 ]

والخلاف في ذلك كثير ومات القاسم بمكة صغيرا قبل أن يمشي وقيل: إنه لم يعش إلا أياما يسيرة ولم يكن له (صلى الله عليه وآله) من غير خديجة ولد غير إبراهيم (عليه السلام) ولدته مارية القبطية بالمدينة وبها توفي وهو رضيع وتوفي جميع أولاده في حياته إلا فاطمة رضي الله عنها فإنها توفيت بعده لستة اشهر، وكانت خديجة رضي الله عنها عاقلة فاضلة ذات أموال، قيل: هي أول من أسلم وبعث (صلى الله عليه وآله) يوم الاثنين فأسلمت هي ذلك اليوم وكانت له عونا على حاله كله تثبته على أمره وتصبره على ما يلقي من أذى قومه وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يحبها ويقول: رزقت حبها، ولم يتزوج عليها حتى ماتت قبل الهجرة بسبع سنين وقيل بخمس وقيل بأربع وقيل بثلاث وهو أصح وأشهر وتوفيت هي وأبو طالب في سنة واحدة قيل: كان بينهما ثلاث أيام. انتهى كلامه. قوله (وهو ابن بضع وعشرين سنة) قال ابن الأثير: البضع في العدد - بالكسر وقد يفتح - ما بين ثلاث إلى التسع وقيل مابين الواحد إلى العشرة لأنه قطعة من العدد، وقال الجوهري: يقول بضع سنين وبضع عشر رجلا فإذا جاوزت لفظ العشر لا تقول: بضع وعشرين، وهذا يخالف ما جاء في الحديث. انتهى كلامه. قوله (القاسم ورقية) قال عياض اختلف في أصغر بناته قال أبو عمرو: الذي تركن إليه النفس أن الاولى زينب ثم رقية ثم ام كلثوم ثم فاطمة رضى الله عنها. قوله (وروى أيضا أنه لم يولد) تجئ هذه الرواية في كتاب الروضة في حديث إسلام علي (عليه السلام) والحديث طويل قال فيه علي بن الحسين (عليهما السلام): ولم يولد لرسول الله (صلى الله عليه وآله) من خديجة على فطرة الإسلام إلا فاطمة (عليهم السلام). قوله (حين خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) من الشعب) أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى ذلك بقوله: " واضطرونا إلى جبل وعر (يعني صعب) وكتبوا علينا بينهم كتابا " نقل أنه لما أسلم حمزة وحامى أبو طالب عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فشا الإسلام في القبائل فاجتمع المشركون في إطفاء نور الله واجتمعت قريش وكتبوا بينهم كتابا وكتبوا فيه أنواعا من الكفر والضلال وقطع الرحم، وتعاهدوا على أن لا ينكحوا إلى بني هاشم وبني عبد المطلب ولا ينكحوهم ولا يبيعوهم شيئا وتقاسموا على ذلك وعلقوها في جوف الكعبة تأكيدا لذلك الأمر على أنفسهم وهذا هو الصحيفة المشهورة وأخرجوهم الى الشعب خيف بني كنانة وخرج عنهم من بني هاشم أبو لهب. وظاهر المشركين وقطعوا عنهم الميرة والمارة حتى بلغهم الجهد وسمعوا صوت صبيانهم من وراء الشعب من شدة الجوع فأقاموا على ذلك ثلاثن سنين وقد كان يسوق لهم القليل من التمر والدقيق ويلقى إليهم حتى أوحى الله إليه (صلى الله عليه وآله) أن الارضة قد أكلت صحيفتهم ما كان فيها من ظلم وجور وبقي ما كان فيها من

[ 145 ]

ذكر الله فأخبر بذلك عمه أبا طالب وأمره أن يأتي قريشا فيعلمهم بدلك فجاء إليهم وقال: ابن أخي أخبرني بكذا وكذا فإن كان صادقا نزعتم عن سوء رأيكم وان كان كاذبا دفعته إليكم لتقتلوه، فقالوا: قد أنصفتنا فأرسلوا إلى الصحيفة فوجدوه كما أخبر وعرفوا أنهم بالظلم والقطيعة والقضية مشهورة. قوله (شنأ المقام بمكة) المقام بضم الميم الإقامة والشناءة مثل الشناعة البغض، وقد شنئته شناء بحركات الشين وسكون النون في المصدر: أبغضته. * الأصل: - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن عبد الله بن محمد بن أخي حماد الكاتب، عن الحسين بن عبد الله قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) سيد ولد آدم ؟ فقال: كان والله سيد من خلق الله، وما برأ الله برية خير [ ا ] من محمد (صلى الله عليه وآله). * الشرح: قوله (سيد ولد آدم) السيد المالك والرب والشريف والفاضل والكريم والحليم ومتحمل أذى قومه والرئيس والمقدم والمفزع إليه في الشدائد وأصله من ساد يسود فهو سيود قلبت الواو ياء لأجل الياء الساكنة قبلها ثم ادغمت، قال ابن الأثير: ومنه في الحديث " أنا سيد ولد آدم ولا فخر " قاله إخبارا عما أكرمه الله تعالى به من الفضل والسؤدد تحدثا بنعمة الله عنده، وإعلاما لامته ليكون إيمانهم به على حسبه وموجبه ولهذا اتبعه بقوله " ولا فخر " أي أن هذه الفضيلة التي نلتها كرامة من الله لم أنلها من قبل نفسي ولا بلغتها بقوتي فليس لي أن أفتخر بها. قوله (وما برأ الله برية خير من محمد) " خير " بالرفع خبر مبتدأ محذوف أي هو خير وأراد أنه خير من جميع البرية بقرينة ما تقدم فهو تأكيد لمنطوقه ولو أراد نفي الخير عن الغير كان تأكيدا لمفهومه. * الأصل: - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحجال، عن حماد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) وذكر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ما برأ الله نسمة خيرا من محمد (صلى الله عليه وآله). * الشرح: قوله (وما برأ الله نسمة) النسمة بالتحريك كل ذي روح وإنما خصه بالذكر لأنه أشرف من غيره والأشرف من الشرف أشرف من ذلك الشئ أيضا وبالجملة هو أشرف من جميع المخلوقات حتى من الملائكة (عليهم السلام). * الأصل:

[ 146 ]

- أحمد بن إدريس، عن الحسين بن عبد الله، عن محمد بن عيسى ومحمد بن عبد الله عن علي بن حديد، عن مرازم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال الله تبارك وتعالى: يا محمد إني خلقتك وعليا نورا يعني روحا بلا بدن قبل أن أخلق سماواتي وأرضي وعرشي وبحري فلم تزل تهللني وتمجدني، ثم جمعت روحيكما فجعلتهما واحدة فكانت تمجدني وتقدسني وتهللني، ثم قسمتها ثنتين وقسمت الثنتين ثنتين فصارت أربعة: محمد واحد وعلي واحد والحسن والحسين ثنتان، ثم خلق الله فاطمة من نور ابتدأها روحا بلا بدن، ثم مسحنا بيمينه فأفضى نوره فينا. * الشرح: قوله (يا محمد اني خلقتك وعليا نورا) الخطاب وقع بعد الوجود الشهودي والغرض منه مع علمه (صلى الله عليه وآله) بذلك هو الحث على الشكر لتلك النعمة العظيمة والفضيلة الجسيمة. قوله (يعني روحا بلا بدن) يعني روحا مجردا صرفا بلا بدن مطلقا قبل أن أخلق سماواتي وأرضي وعرشي وبحري وهو تأكيد لما مر وبيان لتقدمه في الوجود والشرف فلم تزل مذ خلقتك تهللني وتمجدني أي تذكرني بالعظمة والجلال قضاء لشكر تلك النعمة وهي نعمة الوجود وأداء لحق الثناء بالذات ثم جمعت روحيكما في مادة بدنية لكما طيبة نورانية كامنة في صلب آدم فجعلتهما واحدة باعتبار تعلقهما بتلك المادة المركبة كتعلق المجموع بالمجموع على سبيل التوزيع فكانت تمجدني وتقدسني وتهللني لمثل ما مر وزيادة الثناء هنا لزيادة النعمة. وهكذا كانت تنتقل تلك المادة من أصلاب طاهرة إلى عبد المطلب ثم قسمتها ثنتين في صلب عبد الله وأبي طالب وتقسيمها باعتبار تقسيم المادة وتعلق كل واحدة بما يخصه من تلك المادة المركبة، وقسمت الثنتين ثنتين حيث خلق محمدا مما في صلب عبد الله وخلق عليا مما في صلب أبي طالب وخلق الحسن والحسين مما في صلبهما فصارت أربعة محمد واحد من عبد الله وعلي واحد من أبي طالب والحسن والحسين اثنان منهما، فقد ظهر من ذلك أن بينهم كمال الاتصال في الوجودين، وهذا الذي ذكرناه على سبيل الاحتمال والله أعلم بحقيقة الحال. هذا وقال الفاضل الأمين الإسترآبادي: من الامور المعلومة أن جعل المجردين واحدا ممتنع وكذلك قسمة المجرد فينبغي حمل الروح هنا على آل جسمانية نورانية منزهة عن الكثافة البدنية، وقال بعض الأفاضل: المراد بخلق الروحين بلا بدن خلقهما مجردين وبجمعهما وجعلهما واحدة جمعهما في بدن مثالي نوراني لاهوتي وبتقسيمهما تفريقهما وجعل كل واحد منهما في بدن شهودي جسماني واستحالة تعلق الروحين ببدن واحد إنما هي في الأبدان الشهودية لا في الأبدان المثالية اللاهوتية.

[ 147 ]

قوله (ثم مسحنا بيمينه) كلما نسب من أسماء الجوارح وأفعالهما إليه سبحانه فإنما هو على سبيل المجاز والاستعارة والتمثيل لتنزهة عنها، ولعل المراد بها الإفاضة والإعطاء والإحسان لأن المحسن منا إذا أحسن أحسن بيمينه والله سبحانه لما أحسن إليهم وأفاض نوره عليهم أضاء نوره وأظهر آثار عظمته فيهم لحكمة مقتضية لذلك ومن جملتها إرشاد الخلق وهدايتهم بسببهم إلى الخيرات وما ينجيهم من العقوبات. * الأصل: - أحمد، عن الحسين، عن محمد بن عبد الله، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: أوحى الله تعالى إلى محمد (صلى الله عليه وآله): إني خلقتك ولم تك شيئا ونفخت فيك من روحي كرامة مني أكرمتك بها حين أوجبت لك الطاعة على خلقي جميعا، فمن أطاعك فقد أطاعني ومن عصاك فقد عصاني وأوجبت ذلك في علي وفي نسله، ممن اختصصته منهم لنفسي. * الشرح: قوله (ولم تك شيئا) أي موصوفا بالإنسانية إذ لا يطلق اسم الإنسان على من لم يكمل صورته وأعضاؤه. قوله (فمن أطاعك فقد أطاعني) دل على اتحاد طاعتهما ومعصيتهما وهو كذلك لتوافقهما في الأوامر والنواهي. * الأصل: - الحسين بن محمد الأشعري، عن معلى بن محمد، عن أبي الفضل عبد الله بن إدريس عن محمد بن سنان قال: كنت عند أبي جعفر الثاني (عليه السلام) فأجريت اختلاف الشيعة، فقال: يا محمد إن الله تبارك وتعالى لم يزل متفردا بوحدانيته ثم خلق محمدا وعليا وفاطمة، فمكثوا ألف دهر، ثم خلق جميع الأشياء، فأشهدهم خلقها وأجرى طاعتهم عليها وفوض أمورها إليهم. فهم يحلون ما يشاؤون ويحرمون ما يشاؤون ولن يشاؤوا إلا أن يشاء الله تبارك وتعالى، ثم قال: يا محمد هذه الديانة التي من تقدمها مرق ومن تخلف عنها محق ومن لزمهها لحق، خذها إليك يا محمد. * الشرح: قوله (فأجريت اختلاف الشيعة) لعل المراد اختلاف مذاهبهم. قوله (ألف دهر) الدهر اسم للزمان الطويل ومدة حياة الدنيا، وقيل الدهر إذا عرف باللام يراد به الزمان الطويل وإذ أنكر يراد به مدة الدنيا.

[ 148 ]

قوله (فأشهدهم خلقها) فهم كانوا يشاهدون خلقها وانتقالها من طور إلى طور ويعظمون الله على كمال قدرته. قوله (وفوض أمورها إليهم) ضمير التأنيث راجع إلى الأشياء فإما أن يراد بها جميعها وبالامور أعم من الأحكام وغيرها من التدبير في المحركات والساكنات، أو يراد بها المكلفون منها وبالامور الأحكام، زيادة ونقصانا، أمرا ونهيا، وهذا أنسب بسياق الكلام. قوله (هذه الديانة التي من تقدمها مرق) مرق السهم عن الرمية مروقا إذا خرج من الجانب الآخر، وفيه إشارة إلى أن الناس في حقهم على ثلاثة أصناف الأول من وصفهم فوق وصفهم وجاوز عن حدهم وهم الغلاة. والثاني من تخلف عنهم ولم يصفهم بوصفهم ولم يقر بحقهم وهم النواصب وأضرابهم، والثالث من لزمهم قولا وفعلا وعقدا وتبعهم في جميع الأمور وهم شيعتهم وأهل ديانتهم، والأولان في طرف الإفراط والتفريط والأخير في الوسط المسمى بالعدل. * الأصل: - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن صالح بن سهل عن أبي عبد الله (عليه السلام): أن بعض قريش قال لرسول الله (عليه السلام): بأي شئ سبقت الأنبياء وأنت بعثت آخرهم وخاتمهم ؟ قال: إني كنت أول من آمن برببي وأول من أجاب حين أخذ الله ميثاق النبيين وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى فكنت أنا أول نبي قال بلى، فسبقتهم بالإقرار بالله. * الشرح: قوله (بأي شئ سبقت الأنبياء) أي في الفضل والكمال والقرب بالحق وليس المراد وجه سبقته في الوجود الروحاني لأن الجواب لا يناسبه، لا يقال التفضيل ينافي قوله تعالى: * (لا نفرق بين أحد من رسله) * لأنا نقول: لعل المقصود من ذلك نفي الفرق في الرسالة والنبوة وأما تفضيل بعضهم على بعض فخصائص خص الله بها بعضهم قال الله تعالى: * (تلك الرسل) * الآية. قوله (قال أني كنت أول من آمن بربي) دل على أن للمعلم فضلا على المتعلم، ولمن آمن أولا على من آمن آخرا وهو أمر يثبته العقل والنقل. * الأصل: - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن محمد بن علي بن إبراهيم، عن علي بن حماد عن المفضل قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): كيف كنتم حيث كنتم في الأظلة ؟ فقال: يا مفضل كنا عند ربنا ليس عنده أحد غيرنا، في ظلة خضراء، نسبحه ونقدسه ونهلله ونمجده وما من ملك مقرب ولا ذي روح غيرنا حتى بدا له في خلق الأشياء فخلق ما شاء كيف شاء من الملائكة وغيرهم، ثم

[ 149 ]

أنهى علم ذلك إلينا. * الشرح: قوله (في ظلة خضراء) قال الفاضل الإسترآبادي: أي في نور أخضر والمراد تعلقهم بذلك العالم لا كونهم في مكان، أقول: يحتمل أن يراد بها الرحمة الربانية لأن الرحمة توصف بالخضرة كما مر. قوله (حتى بدا له في خلق الأشياء) أي حتى حصل له إرادة في خلقها وليس المراد بالبداء ظهور شئ بعد الخفاء لتعاليه عنه وقد مر تحقيقه سابقا. قوله (ثم أنهى علم ذلك الينا) أي أبلغ العلم بكيفية خلقهم أو العلم بأحوالهم وأعمالهم وصفاتهم وسعادتهم وشقاوتهم أو العلم بأوامرهم ونواهيهم إلينا. * الأصل: - سهل بن زياد، عن محمد بن الوليد قال: سمعت يونس بن يعقوب، عن سنان بن طريف، عن أبي عبد الله (عليه السلام) يقول: قال: إنا أول أهل بيت نوه الله بأسمائنا إنه لما خلق السماوات والأرض أمر مناديا فنادى: أشهد أن لا إله إلا الله - ثلاثا - أشهد أن محمدا رسول الله - ثلاثا - أشهد أن عليا أمير المؤمنين حقا - ثلاثا -. * الشرح: قوله (نوه الله بأسمائنا) أي رفع الله ذكرنا بين المخلوقات، تقول نوهت باسمه إذا رفعت ذكره ثم أشار إلى كيفية التنويه بقوله: " إنه لما خلق السموات إلى آخر " وإنما أكد الشهادات على إمارة علي (عليه السلام) بقوله: " حقا " لعلمه بأن كثيرا ممن يقر بالرسالة ينكر إمارته (عليه السلام) فالمقام يقتضي التأكيد. * الأصل: - أحمد بن إدريس، عن الحسين بن عبد الله الصغير، عن محمد بن إبراهيم الجعفري عن أحمد بن علي بن محمد بن عبد الله بن عمر بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله كان إذ لا كان، فخلق الكان والمكان، وخلق نور الأنوار، الذي نورت منه الأنوار وأجرى فيه من نوره الذي نورت منه الأنوار وهو النور الذي خلق منه محمدا وعليا فلم يزالا نورين أولين، إذ لا شئ كون قبلهما، فلم يزالا يجريان طاهرين مطهرين في الأصلاب الطاهرة حتى افترقا في أطهر طاهرين في عبد الله وأبي طالب (عليهم السلام). * الشرح: قوله (قال إن الله كان إذ لا كان) أي إن الله كان موجودا وحده إذ لم يكن شئ من الممكنات

[ 150 ]

موجودا أو لم يوجد شئ منها، أولا وجود لغيره سبحانها، أو لا كأين غيره، ف‍ (كان) الثاني إما ناقصة أو تامة و " كان " الأول ناقصة قطعا، وجعلها تامة بمعنى وجد يوهم الحدوت تعالى الله عنه. قوله (فخلق الكان والمكان) الكان مصدر مثل القيل والقال ولذلك أدخل عليه الألف واللام أي فخلق الكون والوجود أو الكاين من الممكنات ولا دلالة في الفاء على القدم الزماني لمدخولها لوقوعه على عقب آخر الأجزاء الموهومة من الزمان الموهوم (1) المراد من " إذ " ههنا. قوله (وخلق نور الأنوار) لعل المراد به آلة نورانية ومادة روحانية لنبينا (صلى الله عليه وآله) وبالأنوار نظائرنا للأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) وتلك الأنوار تستفيض النور من ذلك النور كما أشار إليه بقوله (الذي نورت منه الأنوار) فهو نور فوق تلك الانوار كما أن نور الشمس فوق أنوار الكواكب ثم أجرى الله تعالى في نور الأنوار من نوره، وهو الروح النبوي والإضافة لكمال الاختصاص أو العلم، وإطلاق النور عليهما شايع، والضمير في قوله " وهو النور " راجع إلى نور الأنوار، وهو الذي خلق الله تعالى منه محمدا وعليا (عليه السلام) فلم يزالا نورين أولين إذ لم يكن شئ قبلهما ولا معهما وهذه العناية مطوية ليتم الدليل فلم يزالا من لدن آدم (عليه السلام) يجريان طاهرين من الأخباث مطهرين من الذنوب والأرجاس في الأصلاب الطاهرة من السفاح حتى افترقا في صلب عبد المطلب ووقعا في صلب أطهر طاهرين في عصره في صلب عبد الله وصلب أبي طالب فخرج من صلب عبد الله سيد الأنبياء ومن صلب أبي طالب أشرف الأوصياء صلى الله عليهما، هذا ما خطر بالبال والله أعلم بحقيقة الحال. * الأصل: - الحسين [ عن محمد ] بن عبد الله (2)، عن محمد بن سنان، عن المفضل، عن جابر بن يزيد قال: قال لي أبو جعفر (عليه السلام): يا جابر، إن الله أول ما خلق خلق محمد (صلى الله عليه وآله) وعترته الهداة المهتدين، فكانوا أشباح نور بين يدي الله، قلت: وما الأشباح ؟ قال: ظل النور أبدان نورانية بلا أرواح وكان مؤيدا بروح واحدة وهي روح القدس فبه كان يعبد الله وعترته ولذلك خلقهم حلماء، علماء، بررة، أصفياء، يعبدون الله بالصلاة والصوم والسجود والتسبيح والتهليل ويصلون الصلوات ويحجون ويصومون. * الشرح: قوله (قال ظل النور) الإضافة لامية، والظل الفيئ الحاصل من الحاجز بينك وبين الشمس مثلا


(1) الزمان الموهوم يوجب الحدوث الموهوم (ش). (2) في بعض النسخ " الحسين بن محمد عن عبد الله ". (*)

[ 151 ]

والمراد به هنا على سبيل التشبيه أبدان نورانية غير جسمانية كثيفة بلا أرواح حيوانية وقوى جسمانية كاينة في الأبدان الحيوانية والنور المضاف إليه إما الروح أو النور المعروف، وكان ذلك الظل مؤيدا بروح واحدة وهي روح القدس وقد مر أنه كان مع النبي (صلى الله عليه وآله) وهو أعظم من جبرئيل وغيره فبذلك الروح كان النبي وعترته (صلى الله عليه وآله) يعبدون الله تعالى و " لذلك " يعني لتأييدهم بذلك الروح في أول الفطرة الروحانية خلقهم في النشأة الشهودية حلماء علماء بررة أصفياء في أول الفطرة الشهودية الجسمانية. * الأصل: - علي بن محمد وغيره، عن سهل بن زياد، عن محمد بن الوليد شباب الصيرفي، عن مالك بن إسماعيل النهدي، عن عبد السلام بن حارث، عن سالم بن أبي حفصة العجلي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان في رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثلاثة لم تكن في أحد غيره: لم يكن له فيئ وكان لا يمر في طريق فيمر فيه بعد يومين أو ثلاثة إلا عرف أنه قد مر فيه لطيب عرفه، وكان لا يمر بحجر ولا بشجر إلا سجد له. * الشرح: قوله (لم يكن له فيئ) لأن الفيئ ظلم المظلم الكثيف الحاجز بينه وبين النور والنبي (صلى الله عليه وآله) كان نور الأنوار وإن كان مع لباس فهو يضئ ما يقابله لا يظلمه وإن كان جسمه بحسب الظاهر كسائر أجسام الناس التي شأنها الإظلام ومنع النور. قوله (لطيب عرفه) العرف بالفتح والتسكين الريح طيبة كانت أم منتنة وإن كان أكثر استعمالها في الطيبة ولذلك أدرج الطيب لدفع التوهم وللتصريح بالمقصود، ثم المراد بالعرف العرف الذاتي ويحتمل الأعم منه والأول أنسب بالاختصاص. قوله (وكان لا يمر بحجر ولا شجر إلا سجد له) أي كل واحد وسجوده وخضوعه له وذله لأجل نور النبوة وكمال القرب بصانعه أو حركته وانحنائه تعظيما له أو لله على كمال نعمته ببعثته وقد كان يرى ذلك بعض المجردين من أهل العرفان. * الأصل: - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن حماد بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لما عرج برسول الله (صلى الله عليه وآله) انتهى به جبرئيل إلى مكان فخلى عنه، فقال له: يا جبرئيل تخليني على هذه الحالة ؟ فقال: أمضه فوالله لقد وطئت مكانا ما وطئه بشر وما مشى فيه بشر قبلك.

[ 152 ]

* الشرح: قوله (إلى مكان) التنكير للتعظيم لكونه من أشرف الأماكن وأرفعها بحيث لا يصل إليه عقل البشر. قوله (تخليني على هذه الحال) إشارة إلى الحال التي عرضت له بسبب القرب والوصال والمحو في الهوية المطلقة والعظمة والكمال وما يتبعها من الخوف والخشية والرجاء كما قال الله تعالى: * (إنما يخشى الله من عباده العلماء) *. قوله (فوالله لقد وطئت مكانا ماوطئه بشر) في دلالته على الوجه للتخلف نظر وإنما الدال عليه ماوطئه ملك اللهم إلا أن يقال: عدم وطأ البشر مستلزم لعدم وطأ الملك بناء على أن البشر أفضل منه، وفيه دلالة على أن عروجه كان جسمانيا وهو الحق ولا عبرة بإنكار من أنكره وخصه بالروحاني وعلى أنه (صلى الله عليه وآله) أفضل من الملائكة المقربين وهو كذلك، والأخبار في ذلك متظافرة ومن أنكر ذلك من العامة استدل بما روى عنه (صلى الله عليه وآله) قال: " قال الله تعالى: اذكروني في ملائكم أذكركم في ملاء خير من ملائكم " يعني في ملاء الملائكة فإذا ذكرناه في ملاء أحدهم النبي لزم بحكم الرواية المذكورة أن يكون ملاء الملائكة خيرا من ملائنا فيلزم أن يكون الملائكة أعظم وأشرف من النبي، وهو أقوى ما استدلوا به. أقول: على تقدير بقاء الرواية على عمومها لا يلزم من كون المجموع خيرا من مجموع آخر أن يكون كل واحد من أجزاء الأول خيرا من كل واحد من أجزاء الآخر ألا يرى أنا إذا قلنا مجموع تلك البيوتات خير من مجموع هذة البيوتات لا يلزم من ذلك أن يكون كل واحد من تلك البيوتات خيرا من كل واحد من هذه البيوتات لجواز أن يكون في هذه البيوتات بيت لا يوازيه ولا يدانيه واحد من تلك البيوتات، وبالجملة حكم الكل غير حكم كل واحد. * الأصل: - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمد الجوهري، عن علي بن أبي حمزة قال: سأل أبو بصير أبا عبد الله (عليه السلام) وأنا حاضر فقال: جعلت فداك كم عرج برسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ فقال: مرتين فأوقفه جبرئيل موقفا فقال له: مكانك يا محمد فلقد وقفت موقفا ما وقفه ملك قط ولا نبي إن ربك يصلي فقال: يا جبرئيل وكيف يصلي ؟ قال: يقول: سبوح قدوس أنا رب الملائكة والروح، سبقت رحمتي غضبي، فقال: اللهم عفوك عفوك، قال: وكان كما قال الله قاب قوسين أو أدنى، فقال له أبو بصير: جعلت فداك ما قاب قوسين أو أدنى ؟ قال: ما بين

[ 153 ]

سيتها إلى رأسها، فقال: كان بينهما حجاب يتلألأ يخفق ولا أعلمه إلا وقد قال: زبرجد، فنظر في مثل سم الابرة إلى ما شاء الله من نور العظمة، فقال الله تبارك وتعالى: يا محمد، قال: لبيك ربي قال: من لأمتك من بعدك ؟ قال: الله أعلم، قال: علي بن أبي طالب أمير المؤمنين وسيد المسلمين وقائد الغر المحجلين، قال: ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام) لأبي بصير: يا أبا محمد والله ما جاءت ولاية علي (عليه السلام) من الأرض ولكن جاءت من السماء مشافهة. * الشرح: قوله (سبوح قدوس) يجوز في السين والقاف الضم، والفتح أقيس والضم أكثر قال المازري نقلا عن ثعلب كل اسم على فعول فهو مفتوح الأول إلا سبوحا وقدوسا فإن الضم فيهما أكثر ومثله قال ابن الاثير. هذا حال أولهما وأما حكم آخرهما فقال الآبي: إنهما يرويان بضم آخرهما وفتحه والفتح قياس بإضمار فعل أي أسبح سبوحا والضم وهو أكثر على الخبر أي أنا سبوح إن قاله الباري جل شأنه أو ذكرى لمن هو سبوح وقدوس وبناؤهما للمبالغة من التسبيح والتقديس، والمعنى أنه تبارك وتعالى مطهر عن صفات المخلوقين ومنزه عن العيوب والنقايص، والأظهر أنهما اسمان بمعنى مسبح ومقدس واما سبوح قدوس فمذكورة في الأسماء وأما سبوح فنص على أنه من الأسماء الزبيدي وابن فارس، وقال المازري: واختلف في الروح فقيل: هو جبرئيل (عليه السلام)، وقيل: ملك عظيم، وقيل خلق لا تراهم الملائكة وقيل: الروح الذي به الحياة. قوله (سبقت رحمتي غضبي) كما قال جل شأنه * (وسعت رحمتي كل شئ) * ومن سعتها وسبقها أنه لا يدخل الجنة أحد إلا بتفضله وأنه يغفر الذنوب كلها إلا لمن أشرك به وأبطل قبول فيضه بالكلية كما قال عز شأنه: * (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم) * وقال: * (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا) *. قوله (فقال اللهم عفوك عفوك) قال ذلك لبسط الرجاء والاستعطاف وإظهار أن سبق الرحمة بمجرد العفو دون الاستحقاق. وعفوك إما منصوب باضمار الناصب أي أطلب عفوك أو مرفوع بتقدير الخبر أي عفوك محيط بالمذنبين. قوله (قاب قوسين أو أدنى) القاب القدر وعينها واو يقال بيني وبينه قاب رمح وقاب قوس أي مقدارها والقاب أيضا في القوس مابين المقبض والسية (يعني مابين قبضة كمان وگوشه آن) فلكل قوس قابان. ومن حمله في الآية على هذا قال فيها قلب أي قابي قوس وهذا على التقديرين كناية عن كمال القرب والاطلاع على حقيقة الامر.

[ 154 ]

قوله (ما قاب قوسين أو أدنى) كانه سؤال عن قوله أو أدنى ولذلك بينه (عليه السلام) وقال مابين سيتها الى رأسها. سية القوس على وزن عدة بتعويض الهاء عن الواو المحذوفة ما عطف من طرفيها والمشهور فيها عدم الهمزة، ومنهم من يهمزها ويقول سئة. قوله (قال كان بينهما حجاب يتلألأ يخفق) لعل المراد بالبين البين المعنوي إذ لا مكان له وبالحجاب الحجب النورية الدالة على جلاله وكماله وعظمته المانعة من إدراكها وإدراك ما وراءها وهي الأنوار التي لو كشفت لأحرقت من أبصرها وأهلكت من نظرها كما خر موسى صعقا وتقطع الجبل دكاء عند تجليها، وخلفها أنوار لم يقدر على مشاهدة شئ منها إلا خاتم النبيين لقوة قلبه وكمال قربه ونظر إليها من الحجاب ما شاء الله، ونسبتها إلى نور الحجاب كنسبة نور الشمس إلى نور الكواكب، والمراد بقوله " يتلألأ يخفق " أنه يشرق ويستنير ويلمع كما يلمع البرق ويضطرب ويتحرك، هذا الذي ذكرت من باب الاحتمال (1) والله اعلم بحقيقة ذلك.


(1) قوله " هذا الذي ذكرت من باب الاحتمال " هذا عذره في التأويل. والرواية وإن كانت ضعيفة كما قلنا لكن ذكر الحجاب ونور الحجب وارد في أحاديث كثيرة فتأويله بما يوافق اصول المذهب واجب ومن اصولنا عدم تجسم الواجب تعالى وعدم وجود حجاب بينه وبين خلقه حجابا جسمانيا، فما ورد من ذلك لابد أن يكون المراد به أمرا معنويا لكيلا ينافي اصولنا الثابتة بالعقل والنقل وكما يجب تأويل الحجاب يجب تأويل النور أيضا لأن النور المحسوس كالأجسام مرئي متحيز ومتحرك، جل جناب الحق أن يكون بصفته وإذا كان الحجاب أمرا معنويا مجردا كان النور كذلك وانما يعبر عن الشئ بأمر يتمثل به إن تمثل كما يتمثل العلم في صوره البن والملك في صورة إنسان كدحية الكلبي وتمثل بشرا سويا لمريم (عليها السلام)، وإنما تردد الشارح وتشكك لئلا يتوهم الغبي أن مرجع ذلك إلى إنكار المعراج بشبهة أن إدراك الحجاب المعنوي أو مشاهدة رفعة لا يتوقف على صعوده إلى السماوات بل يمكن تمثل جميع ذلك للنبي (صلى الله عليه وآله) فيشاهدها وهو في الأرض أيضا كما كان يرى الجنة والنار والملائكة وساير ما قص علينا رؤيته ليلة المعراج في غير تلك اليلة وهو في بيته أو في المسجد أو غير ذلك. والحق أن رؤية الامور الغيبية بل جميع ما روى انه (صلى الله عليه وآله) رآه ليلة المعراج وإن كانت ممكنة وهو على الأرض لكن في الاعتقاد بصعوده إلى السماوات حكمة ومصلحة وفي اراءتها إياه تلك الليلة بالخصوص سرا كان هو أعلم بها وليس علينا إلا الإذعان والتصديق وان لم نعلم سره ونعلم أن غير النبي (صلى الله عليه وآله) لو عرج إلى الكرات السماوية لم ير هناك أرواح الأنبياء ولا الجنة ولا النار ولا الملائكة وسدرة المنتهى والحجب وأنوارها كما لا نرى عذاب القبر ولا نسمع أصوات منكر ونكير في القبر وكان النبي (صلى الله عليه وآله) يراها وهو في الأرض، وقد روى أنه ليس منا من لم يؤمن بهذة الأربعة: سؤال القبر والمعراج وخلق الجنة والنار والشفاعة. وجميع ذلك من باب واحد. ولم يعرج به (صلى الله عليه وآله) إلى السماوات ليريه جبال القمر وترع المريخ وجو الزهرة إذ لم ينقل لنا من ذلك شيئا = (*)

[ 155 ]

قوله (من نور العظمة) اضافة النور إليها باعتبار دلالته عليها، أو ظهوره منها وهذا المعنى وإن وجد في غيره إلا إنه فيه أقوى وآكد. قوله (وسيد المسلمين) يجوز تشديد اللام وتخفيفها وسيد القوم أشرفهم وأفضلهم وأكرمهم. قوله (وقائد الغر المحجلين) القائد خلاف السائق وهو من يقود أحدا خلفه كصاحب الجيش، والغر جمع الأغر من الغرة وهي في الأصل البياض الذي يكون في وجه الفرس، والمحجل من الخيل هو الذي يرتفع البياض في قوائمه إلى موضع القيد ويجاوز الأرساغ ولا يجاوز الركبتين ولا يكون التحجيل باليد واليدين ما لم يكن معها رجل أو رجلان ثم استعير لذوي الشرف من الناس في العلم والعمل والصلاح وكرم الذات. قوله (ما جاءت ولاية علي (عليه السلام) من الأرض) أي من قوله النبي (صلى الله عليه وآله) وحده أو من الوحي إليه في الأرض فقط (1).


= والشبهة في باب المعراج على مذهب القدماء في السماوات سهل الاندفاع لأن الخرق والالتيام عندهم غير جائز على محدد الجهات فقط وهو الفلك التاسع، وأما ساير الأفلاك فمستغنى عنها في التحديد ولا يستلزم المعراج خرق الفلك التاسع، وأما عند أهل زماننا من نفي الفلك وإنكار السماوات فشبهتهم غير قابلة للاندفاع لمن اعتقد مثل اعتقادهم والروايات متواترة في أنه (صلى الله عليه وآله) قد جاوز سبع سماوات ورأى في كل سماء نبيا من الأنبياء وأمورا من تلك العوالم مذكورة في محالها، وإذ لا سماء عند هؤلاء وليس إلا فضاء خال غير متناه منبثة فيه كواكب غير متناهية العدد فلا يستطيعون التخلص من الشبهة إلا بتأويل أبعد في التكلف من جوابات القدماء عن شبهة الخرق والالتيام، فما أشد حماقة من يدعي أن بإنكار السماوات يرتفع الشبهة عن المعراج، وما أجهل من يرغم أن اختلاف الناس في المعراج الجسماني كان لا ستلزمه الخرق في الأفلاك مع أن منكري الجسماني على ما نقل المفسرون ومنهم أبو الفتوح الرازي (رحمه الله) جماعة من حشوية أهل الحديث اعتمادا على ما روى أنه كان رؤيا صالحة ومن المنكرين الحسن البصري وكان بعيدا من أن يعتمد على قول الفلاسفة بل من أن يعلم مذهبهم في الأفلاك وكذلك الحشوية، وقد تردد محمد بن إسحاق صاحب السيرة في ذلك حيث إنه نقل اختلاف الناس في كون المعراج جسمانيا أو روحانيا ثم قال: الله أعلم أي ذلك كان، ومحمد بن إسحاق كان معاصرا للباقر (عليه السلام) ولم يكن في ذلك العصر بحث بين علماء الإسلام عن الفلك وانخراقه. وحل جميع ذلك إنا متعبدون بما نقل في ذلك ونفوض علمه إلى أهله وليس في هذا الكتاب تفصيل للمعراج حتى نتكلم فيه أزيد من ذلك. (ش). (1) قوله " في الأرض فقط " ما فهم من هذه الرواية أن آيات سورة النجم حكاية حال المعراج وأن قاب قوسين مقدار ما بينه وبين ربه تعالى وهو احتمال مرجوح في سياق الآيات، بل الظاهر أنها تصف حال رؤية النبي (صلى الله عليه وآله) جبرئيل أوائل النبوة وهو على الأرض كما كان يراه بعد ذلك في غير حال المعراج، قال في مجمع البيان: فكان قاب قوسين أي كان ما بين جبرئيل وبين رسول الله (صلى الله عليه وآله) قاب قوسين، وقال أيضا في * (ثم دنى = (*)

[ 156 ]

* الأصل: - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد عن علي بن سيف، عن عمرو بن شمر، عن جابر قال: قلت لأبي جعفر (صلى الله عليه وآله): صف لي نبي الله (صلى الله عليه وآله) قال: كان نبي الله (عليه السلام) أبيض مشرب حمرة، أدعج العينين، مقرون الحاجبين، شثن الأطراف كأن الذهب أفرغ على براثنه عظيم مشاشة المنكبين، إذا يلتفت يلفت جميعا من شدة استرساله، سربته سائلة من لبته إلى سرته كأنها وسط الفضة المصفاة وكأن عنقه إلى كاهله إبريق فضة، يكاد أنفه إذا شرب أن يرد الماء وإذا مشى تكفأ، كأنه ينزل في صبب، لم ير مثل نبي الله قبله ولا بعده (صلى الله عليه وآله). * الشرح: قوله (أبيض مشرب حمرة) قال في النهاية في صفته (عليه السلام): أبيض مشرب حمرة الإشراب خلط لون بلون كان أحد اللونين سقى اللون الآخر يقال: بياض مشرب حمرة بالتخفيف وإذا شدد كان للتكثير والمبالغة. قوله (أدعج العينين) الأدعج الأسود والدعج شدة سواد العين مع سعتها يقال: عين دعجاء ويطلق أيضا على سواد غيرها، وقيل: الدعج شدة سواد العين مع شدة بياضها. قوله (مقرون الحاجبين) في النهايه: القرن بالتحريك التقاء الحاجبين. واختلف روايات العامة في ذلك ففي بعضها: " سوابغ في غير قرن " والسوابغ الحواجب ووضع الحواجب موضع الحاجبين لأن التثنية جمع، وفي بعضها " أزج أقرن " أي مقرون الحاجبين، وقال صاحب النهاية: الأول


= فتدلى) * دنى جبرئيل بعد استوائه بالأفق الأعلى من الأرض فنزل إلى محمد (صلى الله عليه وآله). وأما هذه الرواية فضعيفة جدا وعلي بن أبي حمزة ملعون على لسان الرضا (عليه السلام) والجوهري كذاب أيضا ولا يحتج بها واعلم أنه ليس في هذا باب حديث صحيح إلا أربعة: الثاني، والسابع عشر، والثاني والعشرون وتمام الأربعين وأما ما سواها فما لم يثبت من مضامينها بدليل آخر لم يثبت به حجه وما ثبت بدليل قاطع اعتمد عليه للاعتماد على الدليل الخارج فما يشتمل عليه هذه الرواية من ولاية أمير المؤمنين وكونها بأمر الله تعالى وما اشير إليه من ثبوت أصل المعراج فهو حق لأنه من ضروريات الدين والرواية فيه متواترة، وأما ما دل عليه من نزول آية قاب قوسين وآيات النجم في المعراج فلا نسلمه وإلا قويت شبهة المجسمة يزعمون أن الله تعالى جسم فوق السماوات وعرج برسول الله (صلى الله عليه وآله) إليه تعالى ليدنو منه ويتكلم معه بلا واسطة وتشرف هناك برؤيته تعالى وقرب منه قاب قوسين أو أدنى، ولا يعلمون أن الله تعالى أقرب من كل قريب إلى الإنسان في الأرض ولو عرج إلى السماوات الجسمانية لم يزد منه قربا ولن يرى هناك إلا أجساما جامدة أو ناطقة كما يرى في الأرض ولا يرى المجردات بالعين الظاهرة في السماوات ولا في الأرض ويراها من يراها بعين القلب وبالفؤاد في السماوات وفي الأرض جميعا، ولا فرق بين الأرض والسماء من الجهة التي توهمها المجسمة بل للمعراج سر آخر غير ما توهموه. (ش) (*)

[ 157 ]

الصحيح في صفته. قوله (شثن الأطراف) قال في النهاية في صفته (عليه السلام): شثن الكفين والقدمين أي إنهما يميلان إلى الغلظ والقصر، وقيل هو الذي في أنامله غلظ بلا قصر ويحمد ذلك في الرجال لأنه أشد لقبضهم ويذم في النساء، وفي الصحاح: الشثن بالتحريك مصدر شثنت كفه بالكسر أي خشنت وغلظت ورجل شثن الأصابع بالتسكين وكذلك العضو. قوله (كأن الذهب افرغ على براثنه) البراثن بفتح الباء جمع البرثن كقنفذ وهي الأصابع مع الكف، شبه كفه وأصابعه (عليه السلام) بالذهب في اللون والضياء والصفاء مع الشدة واللينة. قوله (مشاشة المنكبين) المشاشة واحد المشاش بضم الميم وهي رؤوس العظام اللينة التي يمكن مضغها. كذا في الصحاح والقاموس والمغرب، وقال ابن الأثير في صفته (عليه السلام) جليل المشاش أي عظيم رؤوس العظام كالمرفقين والكتفين والركبتين. قوله (إذا التفت يلتفت جميعا من شدة استرسالة) قال الجوهري: استرسل إليه أي انبسط واستأنس، وقال ابن الأثير: الاسترسال الاستيناس والطمأنينة إلى الإنسان والثقة به فيما يحدثه وأصله السكون والثبات وهذا من كمال خلقه وانبساطه للناس ومداراته معهم حيث كان يتلفت إليهم بكله لا بعينه ولا يسرق النظر، وقيل: إراداته لا يلوي عنقه يمنة ويسرة إذا نظر إلى الشئ وإنما يفعل ذلك الطائش الخفيف ولكن كان يقبل جميعا ويدبر جميعا. قوله (مسربته سائلة) في بعض النسخ " سربته سائلة " وهو الأظهر قال صاحب القاموس: السربة بالضم الشعر وسط الصدر إلى البطن كالمسربة، وقال ابن الأثير في صفته (عليه السلام): إنه كان ذا مسربة المسربة بضم الراء ما دق من شعر الصدر سائلا إلى الجوف والضمير في قوله: (كأنها) راجع السربة وكان لتقريب تشبيهها بالفضة الصافية المستديرة في السواد اللطيف لأنه يحسن السواد في وسط الفضة المذكورة. قوله (وكأن عنقه إلى كاهلة إبريق فضة) الكاهل مقدم أعلى الظهر، والإبريق بالكسر الشديد البرق واللمعان والاستعارة من البرق والإضافة بيانية والمراد تشبيه عنقه بالفضة الخالصة في البرق واللمعان. * الأصل: - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن أبي جميلة، عن محمد الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: إن الله مثل لي أمتي في الطين وعلمني أسماءهم كما علم آدم الأسماء كلها، فمر بي أصحاب الرايات فاستغفرت لعلي وشيعته، إن ربي

[ 158 ]

وعدني في شيعة علي خصلة، قيل: يا رسول الله وماهي ؟ قال: المغفرة لمن آمن منهم وأن لا يغادر منهم صغيرة ولا كبيرة ولهم تبدل السيئات حسنات. * الشرح: قوله (وعلمني أسماءهم) يحتمل أن يراد بها إعلامهم كما يحتمل أن يراد بها هي مع ذواتهم وصفاتهم. قوله (فمر بي أصحاب الروايات) لعل المراد بهم خلفاء الجور وبنو أمية وبنو عباس وأضرابهم ممن يعادي أهل البيت وشيعتهم إلى يوم القيامة. قوله (قال: المغفرة لمن آمن منهم) هذا وإن دل على كمال الرجاء وانتفاء العقوبة مطلقا لأن الله تعالى لا يخلف وعده إلا إن الشرط وهو قوله: (لمن آمن منهم) يوجب الخوف لأن حقيقة الإيمان ومراتبه متفاوتة في الشدة والضعف سيما عند القائلين بدخول الأعمال فيها ولا يعلم أن أي فرد من أفراده هو المراد هنا ولا يمكن حمله هنا على أقل المراتب لأن ذكر هذا الشرط حيئنذ مستدرك كما لا يخفى على من له درية بأساليب الكلام. قوله (ولهم تبدل السيئات حسنات) تقديم الظرف للحصر وظاهر هذا الخبر ونحوه كظاهر قوله تعالى: * (فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات) * حجة لمن ذهب إلى أن كل سيئة تبدل بحسنة صغيرة كانت أو كبير، ومنهم من خص التبديل في الآية بتبديل السيئات في الكفر بحسنات الإيمان والمخصص غير معلوم، ثم أن هذه الحسنة يمكن أن تثاب بعشرة أمثالها كالحسنة بالأصالة، والله أعلم وأكرم. * الأصل: - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن سيف، عن أبيه، عمن ذكره عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: خطب رسول الله (صلى الله عليه وآله) الناس ثم رفع يده اليمنى قابضا على كفه ثم قال: أتدرون أيها الناس ما في كفي ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال: فيها أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم إلى يوم القيامة، ثم رفع يده الشمال فقال: أيها الناس أتدرون ما في كفي ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم إلى يوم القيامة، ثم قال: حكم الله وعدل، حكم الله وعدل [ حكم الله وعدل ] فريق في الجنة وفريق في السعير. * الشرح: قوله (ثم قال أتدرون أيها الناس ما في كفي) قيل سؤاله إياهم عن هذا الأمر الذي لا يعلمه إلا الله ورسوله يكون للحث على استماع ما يلقي إليهم والكشف عن مقدار فهمهم ومبلغ علمهم فلما

[ 159 ]

راعوا الأدب بقولهم: الله ورسوله أعلم، علم أنهم يريدون استخراج ما عنده فأجاب بما ذكر. وقيل: فائدته التعريف بمنزلته من الله تعالى في إعلامه بهذه الأمور المغيبة. وقيل: فائدته استنطاقهم وحملهم على الإقرار بأن الله ورسوله أعلم. قوله (قال فيها أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم) ضمير " فيها " راجع إلى الكف وهي مؤنثة والقبيلة واحدة القبائيل وهم بنو أب واحد ولعل المراد بأسمائهم وأسماء آبائهم أسماؤهم منسوبين إلى آبائهم مثل فلان بن فلان وفلان بن فلان إلى آخرهم، فلا يرد أن الجمع المضاف يفيد العموم فذكر أسماء آبائهم بعد ذكر أسماء جميع أهل الجنة يوجب التكرار، وفيه دلالة على أن ولد الزنا لا يدخل الجنة كما أن في مقابله دلالة على أنه لا يدخل النار، والقول بالواسطة غير معروف فلابد من تخصيص أسماء آبائهم بمن له أب أو بتعميم الأب بحيث يشمل الأب لغة وعرفا والله أعلم. قوله (حكم الله وعدل) ذكره ثلاث مرات والتكرير للتأكيد أو الأول إشارة إلى الحكم الأزلي والثاني إلى الحكم الشهودي والثالث إلى الحكم الاخروي، ومثل هذه الرواية موجود من طريق العامة ففي الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: " خرج علينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفي يده كتابان فقال للذي في يده اليمنى: هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم فلا يزداد فيهم ولا ينقص منهم أبدا، وقال للذي في يده اليسرى: هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزداد فيهم ولا ينقص منهم أبدا، وقال للذي في يده اليسرى: هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم فلا يزداد فيهم ولا ينقص منهم أبدا، ثم رمى بهما وقال: فرغ ذلك من العباد فريق في الجنة وفريق في السعير ". قال بعضهم هذا حديث صحيح وأمثاله كثيرة يفيد مجموعها القطع بفساد مذهب القدرية (1) لكنهم كابروا في ذلك كله وتأولوه تأويلات فاسدة وموهوه بالاصول التي ارتكبوها من التحسين والتقبيح والتعديل والتجويز والقول بتأثير القدرة الحارثة وهي كلها فاسده انتهى كلام هذا القائل. أقول: القدر على ما استفدت من تصفح كلام العلماء يطلق على ثلاثة معان الأول أنه في عرف المتكلمين عبارة عن تعلق علم الله وإرادته بالكائنات إذ لا قبل وجودها فلا حادث إلا وقد قدره


(1) قوله " القطع بفساد مذهب القدرية " سبق تفصيل هذه المسائل في المجلد الرابع والخامس فلا نعيده. (ش) (*)

[ 160 ]

سبحانه في الأزل أي سبق علمه به، ولا ينكر هذا المعنى أحد من أهل الإسلام إلا شرذمة قليلون نشأوا في آخر زمن الصحابة فقال بعضهم: إنه تعالى يعلم الأشياء بعد وجودها وقال بعضهم أنه يعلمها قبل وجودها بمعنى أنه يوجد لنفسه علما بها ثم يوجدها. الثاني أنه يطلق على جبر الله تعالى عباده على الأفعال وعلى ما قدره وقضاه وهذا مذهب الأشاعرة. الثالث أنه يطلق على قدرة العبد على أفعاله وهذا مذهب المعتزلة والإمامية. إذا عرفت هذا فنقول: لا دلالة في الحديث على إثبات مذهب الأشاعرة ونفي مذهب الإمامية والمعتزلة لجواز أن يكون المراد منه إثبات القدر بالمعنى الأول لعلمه (صلى الله عليه وآله) بأنه سيوجد قوم ينكرونه، ويؤيده قول القرطبي وهو من أعاظم علمائهم فما رووه عنه (صلى الله عليه وآله) العلم فيما جفت به الأقلام وجرت عليه المقادير حيث قال: أبطل (صلى الله عليه وآله) بهذا القول قول من قال: إن الأمر مستأنف والمقصود أن الأمر ليس بمستأنف أي ليس علم الله بذلك مستأنفا بل سبق به علمه وإرادته أزلا وجفت به أقلام الكتبة في اللوح المحفوظ انتهى كلامه. * الأصل: - محمد بن يحيى، عن أحمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن إسحاق بن غالب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في خطبة له خاصة يذكر فيها حال النبي والأئمة (عليهم السلام) وصفاتهم: فلم يمنع ربنا لحلمه وأناته وعطفه ما كان من عظيم جرمهم وقبيح أفعالهم، أن انتجب لهم أحب أنبيائه إليه وأكرمهم عليه محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله) في حومة العز مولده، وفي دومة الكرم محتده، غير مشوب حسبه، ولا ممزوج نسبه ولا مجهول عند أهل العلم صفته، بشر به الأنبياء في كتبها، ونطقت به العلماء بنعتها وتأمله الحكماء بوصفها، مهذب لا يداني، هاشمي لا يوازي، أبطحي لا يسامي شميته الحياء وطبيعته السخاء، مجبول على أوقار النبوة وأخلاقها، مطبوع على أوصاف الرسالة وأحلامها. إلى أن انتهت به أسباب مقادير الله إلى أوقاتها، وجرى بأمر الله القضاء فيه إلى نهاياتها، أداه محتوم قضاء الله إلى غاياتها، تبشر به كل أمة من بعدها، ويدفعه كل أب إلى أب من ظهر إلى ظهر، لم يخلطه في عنصره سفاح، ولم ينجسه في ولادته نكاح، من لدن آدم إلى أبيه عبد الله، في خير فرقة وأكرم سبط وأمنع رهط وأكلا حمل وأودع حجر، اصطفاه الله وارتضاه واجتباه وآتاه من العلم مفاتيحه ومن الحكم ينابيعه، ابتعثه رحمة للعباد وربيعا للبلاد وأنزل الله إليه الكتاب فيه البيان والتبيان قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون، قد بينه للناس ونهجه بعلم قد فصله ودين قد أوضحه وفرائض قد أوجبها وحدود حدها للناس وبينها وأمور قد كشفها لخلقه وأعلنها،

[ 161 ]

فيها دلالة إلى النجاة ومعالم تدعو إلى هداه، فبلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما أرسل به وصدع بما أمر وأدى ما حمل من أثقال النبوة وصبر لربه وجاهد في سبيله ونصح لأمته ودعاهم إلى النجاة وحثهم على الذكر ودلهم على سبيل الهدى، بمناهج ودواع، أسس للعباد أساسها ومنار رفع لهم أعلامها كيلا يضلوا من بعده وكان بهم رؤوفا رحيما. * الشرح: قوله (فلم يمنع ربنا) " ربنا " مفعول لم يمنع (1) وما كان فاعله، وكان تامة أو ناقصة بتقدير الخبر و " من " بيان لما وأن بصلتها مجرور محلأ بإضمار عن عند الخليل ومنصوب بإفضاء الفعل إليه وهو لم يمنع بعد حذفها عند سيبويه والحلم وتالياه متلازمة في التحقيق والحلم هو الأصل لأن الحليم من لا يستخفه العصيان ولا يستفزه الغضب وكل من كان كذلك فهو ذو أناة ووقار لا يستعجل في المؤاخذة وذو عطف ورحمة لميله إلى المرحوم، والغرض من هذه الفقرة هو حث العباد على الشكر لتلك النعمة العظيمة والفضيلة الجسمية بعد استحقاقهم للعذاب واستيهالهم للعقاب. قوله (في حومة العز مولده) قدم الخبر على المبتدأ لقصد الحصر والجملة في محل النصب على أنها حال عن " أحب "، وحومة العز معظمة كحومة الماء وحومة الرمل والمراد بها إما مكة لأنها أعز بقاع الأرض وأشرفها أو ذرية إبراهيم الخليل لأنهم أشرف الخلائق وأعزهم. قوله (وفي دومة الكرم محتدة) في المغرب الدومة بالضم، والمحدثون على الفتح وهو خطأ عن ابن دريد، وفي الصحاح أصحاب اللغة يضمون الدال وأصحاب الحديث يفتحونها. والمحتد بفتح الميم وكسر التاء بمعنى المقام أو الأصل، قال الجوهري: حتد بالمكان يحتد أقام به وثبت والمحتد الأصل يقال فلان من محتد صدق ومحفد صدق. وعين حتد بضم الحاء والتاء إذا كان لا ينقطع ماؤها من عيون الأرض. وأما الدومة فيطلق على ضخام الشجر والظل والحصن ولعل المراد أن في ظل الكرم مقامه أو أصله على سبيل المنكية والتخييلية وفيه وصف له ولآبائه بالكرم والسخاء والدين. قوله (غير مشوب حسبه) الشوب الخلط وقد شبت الشئ أشوبه وهو مشوب. وحسب الرجل


(1) قوله " فلم يمنع ربنا " ربنا مفعول " لم يمنع " لم يمض في هذا الباب حديث صحيح غير الثاني وهذا الحديث وكان معنى الحديث الثاني ما برأ الله تعالى نسمة أفضل من محمد (صلى الله عليه وآله) ولا ريب فيه ولا في مضامين هذا الحديث وهو السابع عشر، وليس مقصودنا أن جميع مضامين غيرهما باطلة بل لا اعتماد على ما يشك فيه مما لم يقم عليه دليل آخر. (ش) (*)

[ 162 ]

دينه وقدره وأفعاله الحسنة وصفاته الجميلة وأعماله المرضية وحسب أيضا مآثر آبائه لأنه يحسب بها في الفضائل والمناقب ومنه قيل من فات حسب نفسه لم ينتفع بحسب أبيه ولعل المراد أن مآثر آبائه الكرام غير مشوبة بالخصال الذميمة والأفعال القبيحة. قوله (ولا ممزوج نسبه) (1) لكرم أصله وطهارة نسبه من الطرفين إلى آدم (عليه السلام). قوله (ولا مجهول عند أهل العلم صفته) أراد بأهل العلم الأنبياء والأوصياء (2) ومن أخذ من مشكاة إفاداتهم وبصفته صفة النبوة ومبادئها وتوابعها وأوصافها الخلقية والخلقية وإنما خص ذلك بأهل العلم لأن الجاهل في معزل عن هذه المكرمة بل شأنهم إنكار الأنبياء والعلماء ترويجا


(1) قوله " ولا ممزوج نسبه " وكذلك يجب أن يكون كل نبي بقاعدة اللطف لأن الناس مجبولون على التنفر من فاقد هذه الصفات ولا ينقادون له إلا قهرا بالسيف وشأن الأنبياء أن يطاعوا بالرغبة حتى يستمر الناس على قبول أحكامهم ولو بعد مضيهم وانقطاع زمانهم وتسلط الأعداء على ملكهم. (ش). (2) قوله " أراد بأهل العلم الأنبياء والأوصياء " بل أراد الأعم حيث قال: وتأملته الحكماء بوصفها والمراد بالحكماء هنا أصحاب العقول السليمة. والحاصل إثبات نبوته بشيئين الأول إخبار الأنبياء السابقين به على ما حكاه العارفون بهذا الشأن في الكتب الخاصة به وقد ذكرنا شيئا في كتابنا بالفارسية الموسوم براه سعادت، ولا يقدح فيه تدخل غير العارف في هذه المباحث ونقل أمور من كتبهم لا توجد فيها أو توجد ولا يحتج بها وكذلك ما احتج به حشوية أهل الحديث مما وجدوه في الأخبار الضعيفة منسوبا إلى التوراة والإنجيل فزعموه حقا ونشروه وأخذته النصارى وسخروا من المسلمين واستهزؤا بعلمائهم، فإن اعترض على الناقلين قالوا هذه موجودة في أصل كتب الأنبياء لا في هذه الموجودة بأيديهم فإنها محرفة ولا يعرفون أن الاحتجاج لا يمكن إلا بما يعترف به الخصم ولا يعترفون إلا بما هو موجود عندهم والله تعالى احتج في القرآن الكريم عليهم بأنهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، فلا يجوز الاحتجاج بما روي في الأخبار الضعيفة منسوبا إليها كما روى أن في التوراة أحمد رسول الله واسمه محمد وياسين والفتاح والختام والحاشر والعاقب والماحي ووصيه ووزيره وخليفته في امته وأحب خلق الله إلى الله بعده علي بن أبي طالب ولي كل مؤمن بعده ثم أحد عشر إماما من ولد محمد وولده الأول اثنان منهما سمى ابني هرون شبر وشبير إلى غير ذلك، ولا يعرف أهل الكتاب شبرا ولا شبيرا ابنا لهرون ولا يوجب صحته واقعا أن فرض صحته صحة الاحتجاج به. والثاني مما استدل به (عليه السلام) على نبوته تأمل أوصافه فإنه كانه كان أمينا لم يعرف منه خيانة وكذب ولم يوجد فيه شئ يظن به المكر والحيلة وطمع الملك وهوى التلذذ بالقهر وجمع الأموال، وإذا تأمل الحكيم في أفعاله وأوصافه عرف صدقه في دعواه وإذا تأمل فيما أتى به من الأحكام المشتملة على المصالح ودقائق التوحيد ومسائل علوم الآخرة على ما ذكره العلماء في كتبهم تبين له صحة ما يدعيه من نزول الوحي عليه وليس الصدق والأمانة والكذب والمكر والخديعة في آحاد الناس مما يخفى على العارف بهم والمعاشر لهم، ولا يستثنى من ذلك النبي (صلى الله عليه وآله) قال الصادق (عليه السلام): شيمته الحياء وطبيعة السخاء مجبول على وقار النبوة. الخ (ش) (*)

[ 163 ]

لجهلهم. قوله (بشرت به الأنبياء) استيناف كأنه قيل لم لم يكن صفته مجهولة عند أهل العلم فأجاب بذلك وضمير التذكير في به راجع إلى محمد (صلى الله عليه وآله) وضمير التأنيث في كتبها راجع إلى الأنبياء باعتبار الجماعة وفي نعتها ووصفها راجع إلى الصفة والمراد بالعلماء علماء أمة كل نبي وبالحكماء والأوصياء وعكسه بعيد لأن الحكيم فوق العالم كما مر في كتاب العلم. قوله (مهذب لا يداني) أي مطهر الأخلاق ومهذب من النقائص لا يقاربه أحد. قوله (هاشمي لا يوازى) أي لا يساويه أحد من الهاشميين وغيرهم وإنما وصفه بالهاشمية لإظهار علو نسبه لأن غير الهاشمي ليس بكفو للهاشمي. قوله (أبطحي لا يسامى) ساماه فاخره وطاوله في صفة من الأوصاف من السمو وهو الارتفاع، والمعنى لا يعاليه في شرافة ذاته أحد ولا يفاخره في كمال صفاته رجل وإنما نسبه إلى الأبطح باعتبار تولده ونشئه فيه لأنه خير بقاع الأرض. قوله (شيمته الحياء) الشيمة بالكسر الخلق والطبيعة، والحياء ملكة نفسانية توجب انقباض النفس عن القبيح وهو الوسط بين الوقاحة التي هي الجرأة على القبائح والخجل الذي هو انحصار النفس عن الفعل مطلقا. قوله (وطبيعته السخاء) السخاء ملكة توجب بذل المال في وجوهه وكان (صلى الله عليه وآله) لا يرد السائل إلا بوجه يرضيه وكان يعطي المستحق من غير مسألة حتى نزل فيه * (ولا تجعل يدك مغلولة الى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا) *. قوله (مجبول على أوقار النبوة وأخلاقها) الأوقار جمع الوقر بالكسر وهو الحمل والثقل ولعل المراد بها الفضائل العلمية والعملية وبالأخلاق الأخلاق النفسانية وهذه الأمور على وجه الكمال من لوازم النبوة. قوله (مطبوعة على أوصاف الرسالة وأحلامها) (1) الأحلام الألباب والعقول واحدها حلم


(1) قوله " اوصاف الرسالة وأحلامها " المراد بالأحلام رؤيا النبوة وهو من أوضح أدلة النبوة أشار إليه الإمام (عليه السلام) لأنا إذا رأينا أحدا تعرض له حالة توجب إعراضه عن عالم الشهود كالغشوة ثم يأتي بعد الصحو بامور خارجة عن قدرة أحد هو من أفراد البشر لم يبق لنا شك في أنه مرتبط بعالم آخر هو عالم الغيب، وإذا رأينا ما أخبرنا به صدقا مطابقا للواقع والعقل ومصالح الناس لم نشك في أن عالم الغيب الذي هو مرتبط به فيه الموجودات العالمة بأدق العلوم المطلعة على ما كان وما يكون ولا معنى للنبوة إلا ذلك ولا يكن تكلفه = (*)

[ 164 ]

بالكسر وكأنه أراد من الحلم الأناة والتثبت في الأمور وذلك من شعار العقلاء، والجمع المضاف في الموضعين يفيد العموم، ولعل المراد بأوصاف الرسالة المواعظ الشافية والنصائح الوافية والوحي وتبليغ الأحكام وغيرها، وفي جميع الأحلام إشعار بأن عقله فوق عقول جميع الرسل بل هو عقل الكل. قوله (الى أن انتهت به أسباب مقادير الله إلى أوقاتها) " الى " متعلق بمجبول ومطبوع وغاية لجبلة ويحتمل أن يكون التدريج فيهما لإفادة كماله لأن كل فعل صدر من الفاعل القادر المختار على وجه التدريج فهو في غاية الكمال، والضمير في به راجع إلى محمد (صلى الله عليه وآله) وإرجاعه إلى الجبل والطبع بعيد والظرف متعلق بانتهت أو حال عن الأسباب بتقدير متلبسة أو متعلقة، وإضافة الأسباب إلى مقادير الله بيانية، والمراد بها الأسباب التي قدرها الله تعالى لنبوته وهي كل ماله


= بالتصنع ولم ينكر وقوع الأحلام له (صلى الله عليه وآله) أحد حتى المشركين من معاصريه، لكن نسبوه إلى ما نسبوا ليماروه ويشككوه في صحة ما يرى كما حكى الله تعالى عنهم: * (أفتمارونه على ما يرى) * وقال: * (قل هل انبئكم على من تتنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم) * وقال تعالى: * (يلقون السمع وأكثرهم كاذبون) * والعلامة المميزة بين الحق والباطل أن ما يراه الرائي إن كان مشتملا على العلوم الدقيقة الإلهية والمصالح الحقيقية فهو من عالم الملائكة ولا يحتمل نسبته إلى الأوهام وتجسم الخيالات والأمراض إذ لا يتمثل بالاوهام إلا ما هو مرتكز في ذهن الإنسان نفسه. فإذا أخبر صاحب الرؤيا بما نعلم عدم إمكان ارتكازه في خاطره علمنا أنه من عالم خارج عنه، مثلا إذا عرفنا رجلا لا يحفظ من القرآن شيئا ثم نام ورأى في نومه من علمه فاستيقظ حافظا للقرآن علمنا أن ذلك من عالم الغيب، وإن رأينا رجلا لا يعرف العربية فحصل تغير في نفسه وتكلم بها علمنا أنه بتعليم ملك مثلا، وإذا رأينا رجلا من العوام تكلم مع أعاظم العلماء في مسألة علمية لا عهد له بها مثل كردي عامي شرح معنى قوله " الحق ماهية إنيته " بوجه صحيح عرفنا أخذه من عالم آخر فكيف لا يدل إخبار خاتم الأنبياء (عليهم السلام) بقوله: * (وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين) * على ارتباطه مع عالم غير عالم الشهادة، إذ لا يعلم أحد من موجودات عالم الشهادة ما سيأتي بعد سنين ومثله قوله: * (لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) * وقال: * (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس) *. ولولا ارتباطه بعالم آخر من أين تجرأ مع دعوى النبوة والصدق أن لا يحتاط في الإخبار ويحكم جزما بأنه لا يأتي أحد بمثل القرآن إلى آخر الدهر، وكذلك ادعاؤه أنه خاتم النبيين ولن يبعث نبي بعده وقد يتفق للإنسان العادي تغيير في بعض ملكاته يسميه أهل زماننا تغيير الشخصية تغييرا يدوم كبليد يصير فطنا أو يزول بسرعة وهو في تلك الحالة كرجل يتكلم عن لسان غيره كما يحكى عن الكهان، وهذا أيضا يدل على وجود عالم الغيب وتلقي روح الإنسان منه ما ليس في استطاعته لو خلى ونفسه، والفرق بين الكهانة والنبوة أخذ الأول من الشياطين وعدم وضوح الرؤيا وامتزاجه مع الأوهام كرؤيانا في النوم والنبوة خالصة من هذه الشوائب كما بينه تعالى في القرآن. (ش) (*)

[ 165 ]

مدخل في الكمال والمراد بأوقاتها الأوقات التي قدرها الله تعالى لحصول تلك الأسباب فيها ولما لم يكن هذا مستلزما لوقوع كل واحد من تلك الأسباب على نهاية الكمال، أشار إلى وقوع ذلك بقوله وجرى بأمر الله القضاء فيه إلى نهاياتها أي نهايات تلك الأسباب في الكمال والحمل على التأكيد محتمل لأن انتهاء الأسباب إلى أوقاتها مستلزم لجريان القضاء إلى نهاياتها كما أن حمل الأول على تقدير الأسباب والثاني على القضاء بوجودها كذلك إلا أن قوله إلى أوقاتها ينافيه في الجملة، والله أعلم. قوله (أداء محتوم قضاء الله إلى غاياتها) هذا كالنتيجة للسابق والثمرة له والضمير في أداء راجع الى محمد (صلى الله عليه وآله) والمراد بالقضاء المحتوم القضاء المبرم الذي لا راد له، وبغايات تلك الأسباب المذكورة النبوة والرسالة وكمال القرب والشرف والتقدم على جميع الخلق. قوله (تبشر به كل أمة من بعدها) البشارة الخبر الموجب للسرور حتى يظهر أثره في البشرة من النشاط والبشاشة وطلاقة الوجه وغيرها، والامة الطائفة من الناس إذا اشتركوا في دين أو لغة، ومن موصولة أو موصوفة، ولما قدر الله تعالى النبوة والرسالة وهيأ له أسبابها وجعله نبيا في عالم الأرواح كما قال (عليه السلام): " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين " (1) وأعلم بذلك الأنبياء وسائر الخلق وجعله أميرا لهم جميعا ثم قدمهم في عالم الأبدان الذي هو مقام المجاهدة مع النفس والشيطان كتقديم


(1) قوله " وآدم بين الماء والطين " كونه نبيا في تلك الحالة بل وقبل ذلك لا ينافي نزول جبرئيل والوحي إليه تدريجا وإظهاره (صلى الله عليه وآله) عدم العلم بامور قبل نزول الوحي عليه فإن العلم البسيط الإجمالي الثابت للإنسان كالملكة مبدء للعلوم التفصيلية، ولا ينافي تقدم الأول حدوث الثاني. ويعلم العارف البصير أنه لولا العلم البسيط الإجمالي لم ينفع تلقين العلوم التفصيلية واحدا واحدا فلو نزل جبرئيل بالوحي على بعض الأعراب البدوي وقرأ عليه آيات القرآن لم يكن في استعداد هذا البدوي أن يتلقى إلا ألفاظا لا يعرف حقائقها ولا يقدر على شرحها وتفصيلها وبيانها للناس والدفاع عنها وترويجها بين الأنام، ولم يكن قراء القرآن في عصره (صلى الله عليه وآله) مع حفظهم جميع القرآن مساوين له ولو لم يكن للنبي (صلى الله عليه وآله) غير ما يتلقى من الفاظ الوحي كما توهمه القاصرون لم يكن فرق بينه وبين أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود. لأن الواسطة الواحدة لا يؤثر في العلم شيئا، وبالجملة العلم الأول البسيط الكائن معه منذ أن خلقه الله شئ والعلم التفصيلي الثاني النازل عليه تدريجا شئ آخر ولا ينافي ذلك أيضا كونه نبيا في عالم الأرواح قبل خلقه الجسماني واستفادة أرواح الأنبياء من روحه، ونعم ما قال البوصيري: وكل آي أتى الرسل الكرام بها * فإنها اتصلت من نوره بهم فإنه شمس فضل هم كواكبها * يظهرن أنوارها للناس في الظلم والذي يستبعد ذلك توهم تقدم وجوده الشخصي البدني بعلومه التفصيلية وليس المراد ذلك بل المراد تقدم نوره كتقدم وجود سائر الناس في عالم الذر بفطرتهم على وجودهم الدنيوي. (ش) (*)

[ 166 ]

المقدمة على الأمير فصار يبشر كل امة من بعده بموكبه وظهوره ويوصيهم بمتابعته وموافقته وترك معاندته (صلى الله عليه وآله). قوله (لم يخلطه في عنصره سفاح ولم ينجسه في ولادته نكاح) العنصر بضم العين وفتح الصاد الاصل وقدم تضم الصاد، والنون مع الفتح زائدة عند سيبويه لأنه ليس عنده فعلل بالفتح. والسفاح بالكسر الزنا مأخوذ من سفحت الماء إذا صببته والنكاح الوطي والعقد والمراد به هنا الزنا أو العقد المخالف للقوانين الشرعية بقرينة التنجيس وفيه إشارة إلى أنه كان كريم الطرفين من لدن آدم إلى أبيه عبد الله بن عبد المطلب والفقرة الأولى لبيان طهارة الآباء والثانية لبيان طهارة الامهات. قوله (في خير فرقة وأكرم سبط وأمنع رهط) الفرقة الطائفة من الناس، والسبط بالكسر القبيلة وأولاد الأولاد والرهط الأهل والعشيرة وهذه الألفاظ متقاربة في المعنى، ولعل المراد بالخيرية الخيرية باعتبار الدين لأن أباءه (عليهم السلام) كانوا على الشريعة السابقة وبالأكرمية الزيادة في المنح والصفح والشرف والفضائل لأن كثيرا من آبائه (عليهم السلام) كانوا أنبياء ذوى فضائل كثيرة، منهم يصل الخير إلى الغير، وبالأمنعية زيادة الاتصاف بمنع العار عن العشيرة والأغيار واتصاف القريشي والهاشمي بهذا الوصف مشهور. قوله (وأكلأ حمل وأودع حجر) الكلاء بالكسر الحفظ والحراسة والحمل بالفتح ما يحمل بالبطن وبالكسر ما يحمل على ظهر من الأحمال والأثقال ولعل الأول هو المراد هنا وحجر الإنسان بفتح الحاء وكسرها معروف، والأودع من ودع بالضم وداعة ودعة بالفتح وهي السكون والوقار والترفه يقال رجل وادع أي رافه، ويحتمل أن يراد بالأودع الأحفظ يقال استودعته وديعة أي استحفظته إياها، ولعل المراد بالأكلأ امه آمنة وبالأودع هي أو مرضعته حليمة السعدية أو فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين (عليه السلام) أو أعم منهن بحيث يشمل امهاته إلى حواء (عليها السلام). قوله (وآتاه من العلم مفاتيحه) (1) دل على أن العلوم كلها خرجت منه وأنه المعلم في العالم


(1) قوله " من العلم مفاتيحه " مفتاح كل علم اصول كلية قليلة من جهة العدد يستنبط منها جميع المسائل بكثرتها ولا يحصل إلا لأوحدي من الناس صاحب قوة تفوق البشر، فإن كان من العلوم الحقيقية الإلهية سمى صاحبها صاحب القوة القدسية، وتدل تلك الاصول القليلة على إحاطة صاحبها بجميع ذلك وقدرته على بيان تفصيلها كما ألقى أمير المؤمنين (عليه السلام) اصول علم النحو على أبي الأسود الدؤلي فهدى ذهنه إلى الطريق الذي يجب أن يسلكه فقال: الكلمة على ثلاثة أقسام: الاسم والفعل والحرف، لينبه على أن الحرف مأمون من التغيير أي الإعراب لبنائه والاسم في معرض التغير، والفعل واقع بينهما. فتنبه أبو الأسود لسائر ما ينبغي أن يضيف إليه ومثله اتفق لمخترعي سائر العلوم كالخليل للعروض والملك العالم أبي نصر ابن عراق لعلم = (*)

[ 167 ]

الروحاني كما انه المعلم في العالم الجسماني، ويؤيده بعض الروايات. قوله (ومن الحكم ينابيعه) الحكم بالضم والسكون الحكمة والحكيم صاحب الحكمة المتقن للامور والحكم أيضا القضاء بين الخلق، والينابيع جميع الينبوع وهو عين الماء سميت به لأنه ينبع منه الماء أي يخرج وفي جميع الينبوع والمفتاح إشارة إلى أنه (صلى الله عليه وآله) أوتى جميع فنون العلم والحكمة (1) وفي الكلام استعارة مكنية وتخييلية. قوله (ابتعثه رحمة للعباد) أي بعثه وأرسله إلى العباد رحمة لهم لأنه يهديهم إلى الكرامة والسعادة وينجيهم من الضلالة والشقاوة. قوله (وربيعا للبلاد) الربيع النهر والمطر، وربيع الأزمنة عند العرب ربيعان الربيع الأول هو


= المثلثات الذي هو مبنى أكثر العلوم في زماننا، ومحمد بن موسى الخوارزمي للجبر والمقابلة، ولا ريب أن مفاتيح العلوم الإلهية في القرآن، وتنبه من تنبه للتفاصيل بتنبيه القرآن إياه إذ نبه على إثبات العمد والتدبير في خالق الموجودات وعلمه بها بالتأمل في آثاره تعالى كما قال: * (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم) * وهو مفتاح من مفاتيح علم التوحيد ونبه بقول: * (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها) * على شبه الموت بالنوم، وأن للنفس حواس اخرى ومدارك غير المشاعر الظاهرة النائمة ورفع الاستبعاد عن تجرده وبقائه وهكذا سائر مفاتيح المسائل الشرعية، وإذا كان التنبه لمفاتيح العلوم ممكنا في الجملة لسائر الناس كيف يستبعد ثبوته للأنبياء (عليهم السلام). (ش) (1) قوله " العلم والحكمة " بل هو منبع العلوم غيره ومنه أخذ سائر العلماء والحكماء تفاصيل علومهم، خص الكلام والحكمة بالذكر مع أن سائر العلوم الشرعية كالفقه أيضا مأخؤذة منه لأهمية هذين العلمين، والدليل الظاهر على حكمة الرسول (صلى الله عليه وآله) أن المسلمين بعد أن نقلوا علوم الامم إلى العربية ومن علومهم المنقولة كتب في الأخلاق والسياسات والقوانين وما يعرف بالحكمة العملية وقايسوا بين مستنبطات أفكار اليونانيين فيها وما وصل إليهم من صاحب الشريعة وجدوا تفوق الثاني وفضله عليها جميعا فتركوها واكتفوا بما وصل إليهم من الشرع كما تركوا آدابهم وخطابتهم لتفوق آداب العرب وخطابة علماء المذهب واكتفوا من علوم الامم بالطبيعيات في الإلهيات والطب والرياضيات مما لم يبعث الأنبياء لبيانها، ووجدوا ما وصل إليهم من صاحب الشريعة في الإلهيات والمعاد موافقا أو غير مخالف لأشهر حكماء الأوائل وأعاظم فلاسفتهم الإلهيين ومخالفا للماديين الظاهريين منهم وأيضا مخالفا لقول اليهود والنصارى فأعجبهم ذلك وجعلوا ذلك دليلا على صدق الرسول في دعواه لأن الوحي من جانب الله العالم بكل شئ لا يكون مخالفا للواقع المعلوم بالعقل وكان اليهود معتقدين لتجسم الباري تعالى وأنه يرى بالبصر وكانوا يصفون الملائكة بصفات المادة كالاكل والشرب، وقالوا: أكل ضيف إبراهيم من العجل الحنيذ دليلا على أنهم ما كانوا عرفوا المجردات والفرق بينهما وبين الماديات والنصارى كانوا قائلين بالتثليث وتجسم الواجب بصورة الإنسان، وأما حكماء اليونان أعني الالهيين منهم فكان مذهبهم المؤيد بالأدلة العقلية موافقا لما ورد عن صاحب الشريعة الإسلامية في التوحيد والمجردات وبقاء النفوس وهذه معجزة عظيمة. (ش) (*)

[ 168 ]

الفصل الذي تأتي فيه الكماة (1) والنور وهو ربيع الكلأ والربيع الثاني هو الفصل الذي تدرك فيه الثمار، ويجوز إرادة كل واحد من هذة المعاني هاهنا على سبيل التشبيه لاريتاح قلوب الخلق وميلهم إليه وانتفاعهم منه وخروجهم من الضيق ورفاهيتهم في التعيش وهدايتهم إلى صلاح معاشهم ومعادهم. قوله (فيه البيان والتبيان) حال عن الكتاب والتبيان أخص من البيان وأبلغ منه لأنه بيان للشئ مع دليل وبرهان أو يراد بالتبيان تبيان المعارف الإلهية الأسرار اللاهوتية وبالبيان بيان الأحكام الشرعية والقوانين العملية وتقديم الظرف إما لقصد الحصر أو القرب المرجع أو للاهتمام واشتمالة على ضمير الكتاب أو لربط الحال على ذي الحال ابتداء.


(1) قوله " تأتي فيه الكماة " الكمأة شئ يحدث في الأرض المرطوبة من جنس الفطر ويقال له بالفارسية دنبلان، وأعلم أن الربيع يطلق في لغة العرب على فصل المطر والخصب وقد يسمون ربيعنا صيفا والصيف قيظا والربيع عند بعضهم هو الخريف وكانوا غالبا مقتصرين في الفصول على شهرين، وأشار بهذا الكلام إلى أنه بعثة رسولنا (صلى الله عليه وآله) كانت بمنزلة الربيع بعد الشتاء والخصب بعد الجدب فقد أحيى العرب حياة لا موت لها كما مات الكلدانيون والآشوريون والبابليون ونسخ لغة الإغريق من مدارس العالم وبدلها باللغة العربية وغير مجرى الحوادث وأزال الحكومات الوثنية المستبدة وأقام رسوم العدل باحترام الحقوق الشخصية في الأموال والدماء والأعراض، وجعل من أفراد البشر إنسانا إذ لم يكونوا في دولة الروم والفرس إلا جمادات لا إرادة لها إلا أن يأمرهم أمراؤهم بشئ فيطيعوهم وما كانوا يجهدون ويسعون ويتفكرون ويعقلون ويشعرون إلا بأذن ملوكهم، وكان بيد الأمراء اختيار حياة الرعايا وقتلتهم وسلب أموالهم وهتك أعراضهم ومعلوم أن الإنسان المسلوب الإرادة لا يكون انسانا فنجاهم الله تعالى بظهور الإسلام وغلبته على الدول الوثنية من ظلم الولاة فنشطوا للعلوم والصنائع وتحصيل المعارف وعرفوا أن أفراد الإنسان متساوون وأن أكرمهم عند الله أتقاهم، وأن الطبقات الأربع المتداولة بينهم باطلة وغير ذلك. وبالجملة تغير وجه العالم عما كان وتهلل بعد لعبوس حتى أن نصارى عهدنا يعدون الامة العربية الركن الثاني للتمدن للعالم البشري واليونان الركن الأول وهذا معنى قول الصادق (عليه السلام): " ربيعا للبلاد "، وأعلم أن في هذا الحديث الشريف الذي يظن صدوره من المعصوم علما كثيرا لا نقدر على ذكر جميع ما خطر بالبال منه لضيق المجال، وما يستفاد منه مؤيد بالحس والاستقراء وتتبع المذاهب والأديان وللإسلام اصول وقواعد مستقلة متأصلة مباينة لاصول غيره. أما المذاهب الوثنية المبنية على أصالة المادة وأمثالها فواضحة، وأما مذهب النصارى فلبنائه على التثليث، وحلول الواجب في موجود جسماني وتخمر طينة الإنسان على الخباثة، وتطهيره بصلب المسيح وأمور غير معقولة أمثال ذلك، وأما اليهود فلبنائه على التجسم ثم على عدم عناية الله تعالى بخلقه غير أولاد يعقوب وأنه تركهم وما يعملون ولم يرسل إليهم نبيا ولا شريعة ولا يشك ذو مسكة أن الحق من بين هذه الآراء هو الإسلام وان لم يكن له دليل ومعجزة غير فضله على مذاهب أهل العالم لكفى. (ش) (*)

[ 169 ]

قوله (قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون) قرآنا حال بعد حال عن الكتاب لتأكيد اشتماله على كل شئ وعربيا صفة مخصصة أو مادحة واشتماله على غير العربي نادرا لا يضر في عربيته، وغير ذي عوج أي لا اختلاف فيه أو لا شك صفة بعد صفة للمدح ولعلهم يتقون علة غائبة للإنذار ولم يذكر متعلق يتقون لقصد التعميم أو الاختصار أو التحرز عن توهم التخصيص. قوله (قد بينه للناس) إما حال ثالثة للكتاب أو استئناف كأنه قيل: ما فعل به بعد إنزاله فأجاب بأنه قد بينه للناس. وفيه دلالة على أن الناس يحتاجون في فهم ما فيه من أمر المبدأ والمعاد وغيرهما الى مبين والروايات الدالة على ذلك كثيرة بل متواترة معنى والعقل الصحيح شاهد له فبطل قوله من قال بأن الإمام بعد النبي هو القرآن للتخلص عن الموتة الجاهلية التي رووها عنه (صلى الله عليه وآله) " من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية " ولم ينفعهم البيان النبوي لاتفاقهم على أنه لم يعلم أحد من الامة جميع ما فيه. قوله (ونهجه) أي أوضحه من نهجت الطريق إذا أوضحته وهو عطف على " بينه " ولعل الأول متعلق ببيان مدلولاته الظاهرة والباطنة والثاني بايضاح دلائلها وبماديها ويحتمل تعلق الأول بالمدلولات الظاهرة والثاني بالمدلولات الباطنة. قوله (يعلم قد فصله - إلى قوله وأعلنها لعل القرآئن الأربع أحوال متعاقبة للقرآن أي حال كون متلبسا بعلم، من التفسير والتأويل والمجمل والمفصل والمحكم والمتشابه والعام والخاص قد فصله، وبدين من الشرائع والاحكام والمعارف قد أوضحه، وبفرائض من الصلاة والزكاة والصوم والحج وغيرها قد أوجبها ولم يرخص لهم تركها، وبحدود في الجروح والقصاص ونحوها حدها للناس وبينها، وبأمور من العبر والأمثال وغيرها قد كشفها لخلقه وأعلنها، وقوله " لخلقه " متعلق بالأخير أو بالأفعال الأربعة على سبيل التنازع وإنما قلنا: لعل، لاحتمال أن يكون متعلقا بنهجه على أن يكون نهجه من نهجت الطريق بمعنى سلكته. قوله (فيها دلالة إلى النجاة) ينبغي الوقف ليتم السجع مع هداه أي في الأمور المذكورة دلالة نجاة العباد من النكال والعقوبة وخلاصهم من الوبال والصعوبة. قوله (ومعالم تدعو إلى هداه) المعالم مواضع العلوم ومحلها وهي بالرفع عطف على دلالة وبالجر عطف على النجاة، وتدعو صفة لها، والهدى خلاف الضلالة، والضمير المجرور لله أو للرسول (صلى الله عليه وآله) أو للكتاب، والإضافة على جميع التقادير من باب إضافة المصدر إلى الفاعل ومفعول تدعو محذوف وهو العباد، وقيل الهدى بمعنى ما يهتدى به وهو الله أو الرسول أو الكتاب والإضافة على التقدير الاول لامية وعلى الأخيرين بيانية.

[ 170 ]

قوله (ما أرسل به) من الأوامر والنواهي وغيرها. قوله (وصدع بما أمر) أي أجهر به من صدع بالحجة إذا تكلم بها جهارا أو أظهره من صدعه إذا ظهره وبينه أو فرق به بين الحق والباطل من صدعه إذا شقه على سبيل الاستعارة والتشبيه لزيادة المبالغة والايضاح و " ما " مصدرية أو موصوفة أو موصولة والعائد محذوف أي بما أمر به والباء على الأخيرين زائدة أو للتعدية على طريق التجوز. قوله (وأدى ما حمل من أثقال النبوة) الأثقال جمع ثقل بالكسر وهو ضد الخفة أو جمع ثقل بالتحريك وهو متاع البيت، وأراد به هنا ما أتى به الوحي على سبيل الاستعارة وقد أدى كله إلى وصية أمير المؤمنين (عليه السلام). قوله (وصبر لربه) أي صبر على تحمل ما حمل وتبليغه وأدى المعاندين وطعن الطاعنين لرضاء ربه وامتثال أمره. قوله (وجاهد في سبيله) الذي هو دين الحق وطريق التوحيد مع قلة عدده وكثرة عدوه ومجاهداته مع الاعداء مشهورة وفي الآثار وكتب السير مسطورة. قوله (ونصح لامته) النصح الخلوص والمراد به إرشادهم إلى ما فيه صلاح معاشهم ومعادهم وعونهم عليه والذب عنهم وعن أعراضهم. قوله (ودعاهم إلى النجاة) أي دعاهم بالحكمة والموعظة الحسنة إلى ما فيه نجاتهم من العقوبات والشدائد. قوله (وحثهم على الذكر) أي على ذكر الله تعالى في جميع الأحوال بالقلب واللسان والمراد بالذكر كل ما يوجب التقرب منه تعالى. قوله (ودلهم على سبيل الهدى بمناهج ودواع أسس للعباد أساسها) لعل المراد بسبيل الهدى الدين الحق بالمناهج وهي الطرق الواضحة الأوصياء وبالدواعي المناهج التي تدعو إلى سبيل الهدى وبتأسيس أساس هذه المناهج والدواعي وضعها وتعيينها وأحكامها، ويحتمل أن يراد بالدواعي الأدلة الدالة على خلافة الأوصياء وأن يراد بسبيل الهدى والأوصياء وبالمناهج والدواعي الأدلة على خلافتهم. قوله (ومنار رفع لهم أعلامها) المنار جمع منارة على غير القياس وأصلها منورة وهي موضع النور ومحله واستعير للاوصياء (عليهم السلام) لأنهم محال أنوار عقلية يستنير بها قلوب العارفين كما أن المشبه به محال أنوار حسية بها يبصر الأشياء أبصار الناظرين ورفع أعلامها عبارة عن نصب أدلة دالة على خلافتهم وإمامتهم.

[ 171 ]

قوله (كيلا يضلوا) علة غائية لما ذكر أي دلهم على سبيل الهدى إلى آخره كيلا يضلوا عن الدين من بعده إلى يوم القيامة والتمسك بذيل الهادي والإمام العادل والاهتداء بهداه. قوله (وكان بهم رؤوفا رحيما) الواو للعطف على الأفعال السابقة أو للحال عن المستكن فيها أو عن البارز في " يضلوا ". * الأصل: - محمد بن يحيى، عن سعد بن عبد الله، عن جماعة من أصحابنا، عن أحمد بن هلال، عن أمية ابن علي القيسي قال: حدثني درست بن أبي منصور أنه سأل أبا الحسن الأول (عليه السلام): أكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) محجوجا بأبي طالب ؟ فقال: لا ولكنه كان مستودعا للوصايا فدفعها إليه (صلى الله عليه وآله) قال: قلت: فدفع إليه الوصايا على أنه محجوج به ؟ فقال: لو كان محجوجا به ما دفع إليه الوصية، قال: فقلت: فما كان حال أبي طالب ؟ قال: أقر بالنبي وبما جاء به ودفع إليه الوصايا ومات من يومه. * الشرح: قوله (سأل أبا الحسن الأول) سأل هل كان أبو طالب حجة على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو محجوج به فقال (عليه السلام): لا، أي لم يكن رسول الله (صلى الله عليه وآله) محجوجا بأبي طالب ولما زاد في الجواب أن أبا طالب كان مستودعا للوصايا ودفعها إليه، ولعل المراد بها وصايا عيسى (عليه السلام) (1) أو غيره، تمسك به السائل وقال ما قال وحاصله أن أبا طالب إن كان من أهل الوصية ودفعها إليه كان حجة عليه وكان (صلى الله عليه وآله) " محجوجا به فقال (عليه السلام) " " لو كان " أي رسول الله (صلى الله عليه وآله) محجوجا به وكان أبو طالب حجة عليه ما دفع إليه الوصية لأن الوصية مع الحجة ما دام حيا ثم سأل بقوله: فما كان حال أبي طالب، يعني إذا لم يكن رسول الله (صلى الله عليه وآله) محجوجا به فهل كان محجوجا برسول الله وآمن به ؟ فأجاب (عليه السلام) بأنه كان محجوجا بالنبي وأقر به وبما جاء به ودفع إليه الوصايا ومات من يومه، لا يقال دفع الوصية في يوم


(1) قوله " وصايا عيسى (عليه السلام) " لم يرو في السير والتواريخ شئ يدل على كون أبي طالب نصرانيا ولم يحتمله أحد ممن يعتد بقوله، ولو كان كذلك لكان النبي (صلى الله عليه وآله) متهما بأنه أخذ العلم بالتوراة والإنجيل والشرائع السابقة وأخبار النبيين من عمه أبي طالب لأنه كان في حضانته وتربيته منذ صباه مدة ثلاثين سنة بل أربعين والنصارى يقرؤون التوراة وكتب الأنبياء السابقين ولا يتركونها نظير ترك المسلمين، ولكن لم يدع أحد من المنكرين من معاصرين (صلى الله عليه وآله) فيه ولا في أبي طالب شيئا يوهم ذلك، ولا ريب في ضعف هذه الرواية لأن أحمد بن هلال غال كذاب، وامية بن قيس الذي روى عنه أحمد أيضا ضعيف متصف بالكذب ورد الخبر أولى من التكلف في تأويله صونا لحجة النبي (صلى الله عليه وآله) عن الوهن إذ لا يستغرب ممن نشأ في بيت نصراني عنده كتب عيسى ووصاياه أن يكون عالما بتواريخهم وقصصهم، وقوله تعالى * (وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم) * يخالفه نعوذ بالله من الضلال. (ش). (*)

[ 172 ]

الموت لا ينافي كون الدافع حجة على المدفوع إليه بل يجمعه كما في الأئمة (عليهم السلام) فلا يتم ما مر من أنه لو كان محجوجا به ما دفع إليه الوصية لأنا نقول: موته في يوم الدفع لا يستلزم مقارنة الموت للدفع لجواز وقوع الدفع في أوله والموت في آخره فلا يكون الدافع حجة على المدفوع إليه لأن الحجة لا يبقى بعد دفع الوصية زمانا طويلا ولا قصيرا، على أن الواو لمطلق الجمع فعلى هذا يجوز أن يكون المراد أنه دفع إليه الوصية وآمن به باطنا ثم أقر به ومات من يوم الإقرار فليتأمل. * الأصل: - الحسين بن محمد الاشعري، عن معلى بن محمد، عن منصور بن العباس، عن علي بن أسباط، عن يعقوب بن سالم، عن رجل، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) بات آل محمد (عليهم السلام) بأطول ليلة حتى ظنوا أن لا سماء تظلهم ولا أرض تقلهم لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتر الأقربين والأبعدين في الله (1)، فبيناهم كذلك إذ أتاهم آت لا يرونه ويسمعون كلامه، فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، إن في الله عزاء من كل مصيبة ونجاة من كل هلكة ودركا لما فات * (كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وادخل الجنة فقد فاز وما الحيوة الدنيا إلا متاع الغرور) * إن الله اختاركم وفضلكم وطهركم وجعلكم أهل بيت نبيه واستودعكم علمه وأورثكم كتابه وجعلكم تابوت علمه، وعصا عزه وضرب لكم مثلا من نوره وعصمكم من الزلل وآمنكم من الفتن، فتعزوا بعزاء الله، فإن الله لم ينزع منكم رحمته ولن يزيل عنكم نعمته، فأنتم أهل الله عز وجل الذين بهم تمت النعمة واجتمعت الفرقة وائتلفت الكلمة وأنتم أولياؤه، فمن تولاكم فاز ومن ظلم حقكم زهق، مودتكم من الله واجبة في كتابه على عباده المؤمنين، ثم الله على نصركم إذا يشاء قدير فاصبروا لعواقب الامور، فانها إلى الله تصير، قد قبلكم الله من نبيه وديعة واستودعكم أولياءه المؤمين في الأرض فمن أدى أمانته آتاه الله صدقه، فأنتم الأمانة المستودعة، ولكم المودة الواجبة والطاعة المفروضة وقد قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد أكمل لكم الدين وبين لكم سبيل المخرج، فلم يترك لجاهل حجة، فمن جهل أو تجاهل أو أنكر أو نسي أو تناسى فعلى الله حسابه، والله من وراء حوائجكم، وأستودكم الله، والسلام عليكم. فسألت أبا جعفر (عليه السلام) ممن أتاهم التعزية، فقال: من الله تبارك وتعالى. * الشرح: قوله (بات آل محمد (صلى الله عليه وآله) بأطول ليلة) لسهرهم وشدة حزنهم والحزين يصف الليل بالطول.


(1) يعني أنه (صلى الله عليه وآله) قتل منهم فارادوا الانتقام من أهل بيته (ش). (*)

[ 173 ]

قوله (أن لا سماء تظلهم ولا أرض تقلهم) أظله إذا ألقى الظل عليه وأقله إذا حمله ورفعه وذلك لما وقع عليهم من تلك المصيبة وما وصل إليهم من هذه الامة والنفي راجع إلى القيد أو إلى المقيد أو إليهما جميعا. قوله (وتر الأقربين والأبعدين) الوتر الذحل بفتح الذال المعجمة وسكون الحاء المهملة وهو طلب المكافأة بجناية جنيت على الرجل من قتل أو جرح أو نحو ذلك والحمل للمبالغة، والمقصود أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان طالب الجنايات للأقارب والأباعد ودافع الجور والظلم عنهم وحافظ حقوقهم، وفي ذكر الأبعدين تنبيه على أن ذلك كان من كمال عدله وانصافه شفقة لخلق الله لا على التصعب كما هو شأن أكثر الخلق. قوله (فبينما هم) في بعض النسخ " فبيناهم " وهما ظرفان مضافان إلى الجملة الاسمية أو الفعلية وخفض المفرد بهما قليل وبينما في الأصل بين التي هي ظرف مكان أشبعت فيها الحكرة فصارت بينا وزيدت الميم فصارت بينما ولما فيهما من معنى الشرط يفتقران إلى جواب يتم به المعنى، والأفصح في جوابهما عند الأصمعي أن تصحبهما (إذ) و (إذا) الفجائيتان والأفصح عند غيره أن يجرد عنهما. قوله (إذ أتاهم آت) روى الصدوق في كتاب كمال الدين بإسناده عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أن الرجل الآتي كان الخضر (عليه السلام). قوله (إن في الله عزاء من كل مصيبة) العزاء الصبر، والهلكة والهلك بالتحريك الهلاك وبالضم والسكون ما يهلك منه أي بسببه من الذنوب الموجبة للنار، والدرك والإدراك اللحوق والوصول الى الشئ تقول: أدرك الفائت إدراكا ودركا إذا وصلت إليه وتلاقيته، ولعل المراد أن في سبيل الله ودينه أو في طلب رضا الحق هذه الأمور، وفيه ترغيب في التوسل به لأنه أصل لجميع الخيرات. قوله * (كل نفس ذائقة الموت) * فيه مكنية وتخييلية بتشبيه الموت بالمأكول والمشروب ونسبة الذوق إليه وليس الغرض هنا إفادة الحكم أو لازمة لعلم المخاطبين بهما وإنما الغرض حملهم على العمل بمقتضى علمهم وهو التصبر بتلك المصيبة لأن المصيبة إذا عمت طابت مع ما فيه من الوعد لهم والوعيد لمن ظلمهم. قوله * (وإنما توفون أجوركم يوم القيامة) * أي إنما تعطون جزاء عملكم وهو الصبر في تلك المصيبة أو مطلقا تاما وافيا يوم تقومون من القبور وفيه أيضا وعد لهم بالإحسان والإكرام ووعيد لمن خالفهم بالإذلال والانتقام كما في قوله * (فمن زحزح عن النار) * أي بعد عنها * (وادخل الجنة فقد فاز) * أي فقد فاز بنيل الجنة ودرجاتها والنجاة من النار ودركاتها. روي علي بن إبراهيم عند تفسير

[ 174 ]

هذه الآية بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) حديثا طويلا دل على أن قوله تعالى: * (فمن زحزح عن النار وادخل الجنة فقد فاز) * نزل في محمد وعلي والحسن والحسين والأئمة من ذرية الحسين (عليهم السلام) وشيعتهم. قوله * (وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) * الحياة الدنيا إما معناها المعروفة أو لذات الدنيا وزخارفها وأسبابها، والمتاع بالفتح السلعة وما يتمتع به والمنفعة، والغرور بالضم إما مصدر بمعنى الخدع يقول: غره يغره غرورا إذا خدعه، أو جمع غار أو ما اغتر به من متاع الدنيا، والإضافة على الأولين لامية وعلى الأخير بيانية وقد شبه متاع الحياة الدنيا بالمتاع الذي يدلس صاحبه على المشتري ويغره ويخفي عليه عيبه ليشتريه، وفيه تسلية لهم على فوات ما أحبوه من حياة النبي (صلى الله عليه وآله) وزوال ما قرر لهم من الملك والخلافة بغصب الأعداء. قوله * (إن الله اختاركم) * لما ذكر أحوال الدنيا ومجملة وعدم اعتبارها ذكر جملة من فضائلهم التي لا يوازيها شئ تبشيرا لهم بالكرامة وتذكيرا لهم بأن ما آتاهم الله خير مما فات منهم وإنما ترك العطف لعدم التناسب بينهما. قوله (وطهركم وجعلكم أهل بيت نبيه) كما قال جل شأنه: * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) *. قوله (واستودعكم علمه) أي جعلكم حفظة لعلمه الذي أنزله من لدن آدم إلى خاتم الأنبياء تقول. استودعته وديعة إذا استحفظته إياها. قوله (وجعلكم تابوت علمه) التابوت الصندوق الذي يحرز فيه المتاع، قال الجوهري: أصله تابوة مثل ترقوة وهو فعلوة فلما سكنت الواو انقلبت هاء التأنيت تاء. قوله (وعصا عزه) العز والعزة القوة والغلبة ومنه العزيز في أسمائه تعالى وهو القوي الغالب الذي لا يغلب، وجعلهم عصا عزه كناية عن ظهور عزه تعالى في الخلق وقيامه بهم كقيام الرجل بالعصا إذ لو لم يكونوا لم يعرفه الخلق أصلا فضلا عن معرفته بأنه عزيز. قوله (وضرب لكم مثلا من نوره) إشارة إلى آية النور وهي * (الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكوة) * الآية وقد مر شرحها. قوله (وعصمكم من الزلل) العصمة المنعة والزلل الزلقة، والمراد به هنا الذنب والخطأ يعنى منعكم الله من الذنب والخطأ في العقائد والأقوال والأعمال وفيه دلالة على أن العصمة موهبية لا كسبية كما ظن. قوله (وآمنكم من الفتن) أي من الضلالة أو من الإثم والكفر والصرف عن الحق أو من فتنة

[ 175 ]

النفس والشيطان وفتنة المحيا والممات وفتنة القبور وغيرها والتعميم أولى. قوله (فتعزوا بعزاء الله) الفاء للتفريع لأن ما تقدم موجب لتعزيهم بعزاء الله والتعزي الانتساب والتأسي والتصبر عند المصيبة والترجيع وهو قول: " إنا لله وإنا إليه راجعون " عندها كما أمر الله تعالى به وعزاء الله صبره الذي أمر به في مواضع من الكتاب أو تعزية الله إياهم بإقامة الاسم مقام المصدر والاحتمالات ثمانية حاصلة من ضرب الأربعة في الاثنين فتأمل فيها واتبع أحسنها. قوله (فأنتم أهل الله عز وجل) أهل الله من كان حركاته وسكناته لله تعالى وموافقة لرضاه وقوله " الذين بهم تمت النعمة " أي نعمة الله على الخلق إما خبر بعد خبر أو صفة موضحة لأهل الله وهو إشارة إلى ما نزل يوم نصب علي (عليه السلام) للخلافة من قوله تعالى: * (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) *. قوله (واجتمعت الفرقة) الفرقة بالضم الإسلام من المفارقة وفي إسناد الاجتماع إليها مبالغة في تبدل المفارقة بالجمعية ولو قرئت بالكسر واريد بها جنس الطائفة الشامل للطوائف المتفرقة لم يكن بعيدا. قوله (وائتلفت الكلمة) الائتلاف والتألف مطاوع التأليف تقول ألفت بين الأشياء تأليفا فتألفت وائتلفت والمقصود أن بسبب تأليفهم بين العرب وغيرهم من الطوائف المختلفة في الآراء والعقائد والأعمال ائتلفت كلمتهم فيها. قوله (وأنتم أولياؤه) أي أنصاره أو أحباؤه والأولى بالتصرف في أمور خلقه والمالك له. قوله (مودتكم من الله واجبة في كتابه) كما قال جل شأنه مخاطبا لنبيه (صلى الله عليه وآله): * (قل لا أاسألكم عليه اجرا إلا المودة في القربى) * والقربى أهل البيت (عليهم السلام). قوله (ثم الله على نصركم إذا يشاء قدير) لا يبعد أن يكون المراد وما وعدهم الله ورسوله من نصر الصاحب المنتظر (عليه السلام). قوله (فاصبروا لعواقب الأمور) لعل المراد بها ما وعد الله للصابرين أو الأعم منه ومما وعد من نصرة الصاحب (عليه السلام) أو الأعم منهما ومن الوعيد للمخالفين فيشمل الوعد والوعيد جميعا ويؤيده قوله: * (فإنها إلى الله تصير) * إذ فيه وعد ووعيد يعني أن الأمور أو عواقبها تصير إلى الله لا إلى غيره فيجزي كل أحد بما يستحقه. قوله (قد قبلكم الله - إلى قوله - في الأرض) فأهل البيت وديعة النبي عند الله والأولياء المؤمنون وديعة الله عند أهل البيت فحفظ الأولياء عليهم وعلى الله كما أن حفظهم على الله وعلى الأولياء إذ لا يجوز لأحد ضياع وديعة الغير، ويفهم منه أن حفظ هذه الودايع ورعاية حقوق الإخوان من

[ 176 ]

أفضل الأعمال وأكمل أركان الإيمان وقيد " في الأرض " إما لاستغراق الأولياء وزيادة تعميمه أو للإشعار بأن الدنيا هي دار الفساد فيحتاجون إلى معتمد يحفظهم عن فساد أهلها وأما الآخرة فهي دار الأمن لهم فلا يتطرق إليهم الفساد ولا يصل إليهم أيد الجور والعناد، وهذا الذي ذكرنا من أن الاولياء وديعة الله عند الأئمة هو الأظهر بالنظر إلى هذه العبارة، وأما العكس فهو الأنسب بظاهر قوله " فمن أدى أمانته أتاه الله صدقه " إذ الظاهر أن الضمير في أمانته راجع إلى " من " وأن الأمانة هي الوديعة التي استودعه الله إياها وأنه إذا أداها كما هي من غير تغلب وتقصير أعطاه الله جزاء صدقه من المثوبات الجزيلة والدرجات العالية، وانما قلنا: الظاهر ذلك لاحتمال أن يعود الضمير إلى الله أو الى النبي، وأن يراد بالأمانة الوديعة التي قبلها الله تعالى من نبيه، وبأدائها الاعتراف بأنها وديعة النبي عند الله والإقرار بحقوقها وعدم قطعها من الله، والله أعلم. قوله (وبين لكم سبيل المخرج) أي سبيل الخروج من الباطل إلى الحق أو من الدنيا إلى الآخرة) أو من الجور إلى العدل أو من الشر إلى الخير أو من الفساد إلى الصلاح أو من العكس في الجميع، وبالجملة بين كل ماله مدخل في الدخول في الدين والخروج عنه. قوله (والله من وراء حوائجكم) الوراء فعال ولامه همزة عند سيبويه وأبي علي الفارسي وياء عند العامة وهو من ظروف المكان بمعنى خلف وقدام من الأضداد، وهذا الكلام تمثيل والمعنى أنه تعالى يعلم حوائجكم فيقضيها كمن يكون وراء الشئ مهيمنا لديه ومحافظا عليه. قوله (واستودعكم الله) الظاهر أن استودع بتفح الهمزة على صيغة المتكلم أي أجعلكم وديعة عند الله واستحفظه إياكم. * الأصل: - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن محمد بن سنان، عن ابن مسكان، عن إسماعيل بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا رئي في الليلة الظلماء رئي له نور كأنه شقة قمر. * الشرح: قوله (كأنه شقة قمر) من طريق العامة أن نور وجهه يرى على الحائط في الليل. الشق بالكسر نصف الشئ وكذا الشقة والظاهر منها نصف جرم القمر ويجوز أن يراد منها نفس القمر في وسط الشهر أعني البدر الكامل نوره فعلى الأول شبه كلا من نصفي الوجه بنصف القمر وعلى الثاني شبه وجهه في النور والإضاءة في البدر الكامل، واعلم أن تشبيه الشئ بالشئ إنما يكون فيما اختص واشتهر به الشئ المشبه به مع القصد إليه، فتشبيه الوجه بالقمر إنما يكون في النور والإضاءة لا في

[ 177 ]

جميع أوصافه فقد أخطأ من عاب هذا التشبيه باعتبار أن في القمر الكلف. * الأصل: - أحمد بن إدريس، عن الحسين بن عبيد الله، عن أبي عبد الله الحسين الصغير، عن محمد ابن إبراهيم الجعفري، عن أحمد بن علي بن محمد بن عبد الله بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، ومحمد بن يحيى، عن سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن فضال، عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: نزل جبرئيل (عليه السلام) على النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويقول: إني قد حرمت النار على صلب أنزلك، وبطن حملك، وحجر كفلك، فالصلب صلب أبيك عبد الله بن عبد المطلب والبطن الذي حملك فآمنة بنت وهب وأما حجر كفلك فحجر أبي طالب - وفي رواية ابن فضال - وفاطمة بنت أسد. * الشرح: قوله (فالصلب صلب أبيك) ذهبت الفرقة الناجية رضي الله عنهم إلى أن أبوي النبي (صلى الله عليه وآله) لم يدنسهما الكفر ولا صفات الجاهلية وأن أبا طالب آمن به والروايات على ذلك متظافرة، وذهب المخالفون خذلهم الله إلى أن أبا طالب مات في الكفر وأما أبواه فقال بعضهم: إنهما ماتا كافرين وإنهما معذبان في النار واستدلوا على ذلك بما رواه مسلم من أنه (عليه السلام) قال لرجل حين سأله عن حال أبيه وأين هو: إن أبي وأباك في النار. وقال السهيلي: ليس لنا أن نقول ذلك وقد قال ذلك لحسن خلقه تسلية لذلك الرجل وبما رواه أبو هريرة قال: " زار النبي (صلى الله عليه وآله) امه فبكى وأبكى من حوله فقال: استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي وأستأذنت في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكر الموت ". قال القاضي القرطبي: في هذا الحديث دلالة على جواز زيارة المشركين في الحياة لإنه إذا جازت زيارته بعد الموت ففي الحياة أولى وعلى تحريم الاستغفار للكفار، وأما بكاؤه فلأجل أنها لم تدرك أيامه لتؤمن به، وقال بعضهم: إنهما ماتا كافرين ولكن النبي (صلى الله عليه وآله) سأل الله تعالى فأحياهما فآمنا به وإنما ذكرنا مقالتهم مجملا لتعلم سوء عقائدهم والله يهدي من يشاء إلى سواء السبيل. * الأصل: - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن زرارة بن أعين، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: يحشر عبد المطلب يوم القيامة امة وحده، عليه سيماء الأنبياء وهيبة الملوك.

[ 178 ]

* الشرح: قوله (قال يحشر عبد المطلب يوم القيامة امة وحده) (1) الامة الرجل المنفرد بدين كقوله تعالى: * (إن إبراهيم كان امة (2) قانتا لله) * والمقصود أنه إذا حشر الناس فوجا فوجا وامة امة حشر عبد المطلب وحده لأنه كان منفردا في زمانه بدين الحق ولرعاية حق النبي (صلى الله عليه وآله)، والسيماء بالمد والقصر العلامة، والأصل فيها الواو فقلبت الكسرة السين، والهيبة المهابة وهي العظمة والإجلال والمخافة. * الأصل: - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأصم، عن الهيثم بن واقد، عن مقرون، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن عبد المطلب أول من قال بالبداء، يبعث يوم القيامة أمة وحده عليه بهاء الملوك وسيماء الأنبياء. * الشرح: قوله (قال إن عبد المطلب أول من قال بالبداء) أي أول من قال بهذا اللفظ أو أول من قال من أولاد إسماعيل، أو أول من قال من غير الأنبياء والأوصياء، فلا ينافي ما مر عن أبي عبد الله (عليه السلام) من أنه ما تنبأ نبي قط حتى يقر لله بخمس وعد منها البداء وقد عرفت معنى البداء وفضله في بابه. * الأصل: - بعض أصحابنا، عن ابن جمهور، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن عبد الرحمن ابن الحجاج [ و ] عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: يبعث عبد المطلب أمة وحده، عليه بهاء الملوك وسيماء الأنبياء وذلك أنه أول من قال بالبداء، قال: وكان عبد المطلب أرسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى رعاته في إبل قد ندت له، فجمعها فأبطأ عليه فأخذ بحلقة باب الكعبة وجعل يقول: " يا رب أتهلك ؟ ألك إن تفعل فأمر ما بدا لك " فجاء رسول الله (صلى الله عليه وآله)


(1) قوله " امة وحده " هذا ثالث الروايات الصحيحة في هذا الباب وقلنا: إن فيه أربعين رواية منها أربع صحيحة، وسر كون عبد المطلب امة وحده أنه كان موحدا ولم يكن يهوديا حتى يحشر في امة موسى ولا نصرانيا حتى يحشر في امة عيسى (عليهما السلام) ولم يدرك الإسلام فيحشر في المسلمين فيحشر امة وحده، ولا يعذب في النار بعدم تبعية دين موسى وعيسى (عليهم السلام) لكونه معذورا، وكذلك كل من مات في الجاهلية ولم يؤمن بعيسى (عليه السلام) لشبهة أو غفلة وعدم التفات، جل جناب الحق عن الظلم وعذاب الغافل وروي الحشر امة واحدة في حق كثير منهم قس بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل. (ش) (2) كقدوة أي إماما يقتدى به. (*)

[ 179 ]

بالإبل وقد وجه عبد المطلب في كل طريق وفي كل شعب في طلبه وجعل يصيح: " يا رب أتهلك ألك إن تفعل فأمر ما بدا لك " ولما رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخذه فقبله وقال: يا بني لا وجهتك بعد هذا في شئ فإني أخاف أن تغتال فتقتل. * الشرح: قوله (في إبل قد ندت له) أي في إبل له قد ندت أي نفرت وذهبت على وجهها شاردة. قوله (يا رب أتهلك ألك إن تفعل فأمر ما بدا لك) الاستفهام في المواضع الثلاثة على حقيقته أو للإنكار ومفعول تهلك محذوف أي أتهلك محمدا أو عبادك لعلمه بأن ابنه محمدا سيبعث رسولا عليهم هاديا لهم فيكون إهلاكه إهلاكهم، ألك، أن تفعل هذا الفعل المخصوص وهو إهلاكه أو إهلاكهم فأمر ما أي إذ أمر من الأمور وسبب من الأسباب بدا لك في إهلاكه وإهلاكهم بعد ما قدرت رسالته وهدايتهم، ومنهم من قرأ آلك بمد الالف على أنه مفعول تهلك وآل الله وأهل الله من كان لله وآثر رضاه على رضا نفسه، وقرئ " إن تفعل " بكسر الهمزة على الشرط وجعل فأمر على صيغة الأمر جزاه وقال: معناه إن تفعل فامر ما بدا لك، يعني فأهلكني قبل أهلاكه أو فامر ما بدا لك في عدم إهلاكه فليتأمل. قوله (فإني أخاف أن تغتال فتقتل) الاغتيال أن يخدعه ويذهب به إلى موضع لا يراه فيه أحد فيقتله، وإنما خاف ذلك لظهور أثر النجابة والجلالة والعظمة والمجد فيه عند الحاسدين. * الأصل: - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن حمران، عن أبان بن تغلب قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): لما أن وجه صاحب الحبشة بالخيل ومعه الفيل ليهدم البيت، مروا بإبل لعبد المطلب فساقوها فبلغ ذلك عبد المطلب فأتى صاحب الحبشة فدخل الآذن، فقال: هذا عبد المطلب بن هاشم قال: وما يشاء ؟ قال الترجمان: جاء في إبل له ساقوها يسألك ردها فقال: ملك الحبشة لأصحابه: هذا رئيس قوم وزعيمهم، جئت إلى بيته الذي يعبده لأهدمه وهو يسألني إطلاق إبله، أما لو سألني الإمساك عن هدمه لفعلت، ردوا عليه إبله، فقال عبد المطلب لترجمانه: ما قال لك الملك ؟ فأخبره فقال عبد المطلب: أنا رب الإبل ولهذا البيت رب يمنعه، فردت إليه إبله وانصرف عبد المطلب نحو منزله، فمر بالفيل في منصرفه، فقال للفيل: يا محمود فحرك الفيل رأسه، فقال له: أتدري لم جاؤوا بك ؟ فقال الفيل برأسه: لا، فقال عبد المطلب: جاؤوا بك لتهدم بيت ربك أفتراك فاعل ذلك ؟ فقال برأسه: لا، فإنصرف عبد المطلب إلى منزله فلما أصبحوا غدوا به لدخول الحرم فأبى وامتنع عليهم، فقال

[ 180 ]

عبد المطلب لبعض مواليه عند ذلك: اعل الجبل فانظر ترى شيئا ؟ فقال: أرى سوادا من قبل البحر، فقال له: يصيبه بصرك أجمع ؟ فقال له: لا ولأوشك أن يصيب، فلما أن قرب، قال: هو طير كثير ولا أعرفه يحمل كل طير في منقاره حصاة مثل حصاة الخذف أو دون حصاة الخذف، فقال عبد المطلب: ورب عبد المطلب ما تريد إلا القوم، حتى لما صارت فوق رؤوسهم أجمع ألقت الحصاة فوقعت كل حصاة على هامة رجل فخرجت من دبره فقتلته فما انفلت منهم إلا رجل واحد يخبر الناس، فلما أن أخبرهم ألقت عليه حصاة فقتلته. * الشرح: قوله (لما أن وجه صاحب الحبشة) وجه ملك الحبشة أبرهة بن الصباح ملك اليمن وكان تابعا لملك الحبشة ليهدم الكعبة الكعبة بالخيل والأفيال وكان فيها فيل عظيم جسيم أبيض اسمه محمود سموه به لأن الفتح والظفر كان لعسكر هو فيه وسبب ذلك أن أبرهة بنى في الصنعاء كنيسة في غاية الرفعة ونهاية الزينة وأمر الخلق بزيارتها وقصد هدم الكعبة وتخريبها لترويج كنيسته فأرسل إلى ملك الحبشة وأظهر قصده وطلب منه الإمداد بالخيل والأفيال فأجابه فسار مع العساكر والأفيال الى الحجاز ونهب الأموال وساق المواشي ومن جملة ما ساق إبل عبد المطلب وكانت مائتين على ما نقله أرباب السير وأرسل إلى قريش وأخبرهم بأنه ما جاء ليحاربوهم ويقتلوهم وإنما جاء لهدم الكعبة فقط. قوله (قال الترجمان) هو من يفسر لكلام أحد بلسان آخر. قوله (وزعيمهم) زعيم القوم كفيلهم وسيدهم. قوله (فلما أصبحوا غدوا به) أي بمحمود وقدموه على سائر الأفيال في المقدمة وسار العساكر خلفها، ولما بلغ محمود حد الحرم وقف وأبى من الدخول فيه وامتنع على سائقه ولم يؤثر فيه جلبته ووقف العساكر خلفه صفوفا وحينئذ وقعت الواقعة. قوله (ولا أعرفه) أي لا أعرف أنه أي نوع من أنواع الطيور. قوله (مثل حصاة الخذف) في المقدار والصغر والخذف أي ترمى بحصاة أو نواة أو نحوها تأخذه بين سبابتيك، وقيل أن يضع طرف الابهام على طرف السبابة، وفعله من باب ضرب. قوله (فخرجت من دبره) ومن كان راكبا خرجت من سرة مركوبه أيضا فقتلت الجميع ولم ينفلت إلا محمود ورجل واحد يخبر الناس وهو أبرهة فإنه فر ودخل على ملك الحبشة وقص عليه القصة وتعجب منها الملك فإذا طير من تلك الطيور كان يطير فوق رأسه فقال أيها الملك كانت الطيور من جنس هذا الطير فألقى الطير ما كان معه من الحصاة فوقعت على رأسه وخرجت من دبره

[ 181 ]

فقتله. * الأصل: - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن رفاعة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان عبد المطلب يفرش له بفناء الكعبة لا يفرش لأحد غيره وكان له ولد يقومون على رأسه فيمنعون من دنا منه، فجاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو طفل يدرج حتى جلس على فخذيه، فأهوى بعضهم إليه لينحيه عنه، فقال له عبد المطلب: دع ابني فإن الملك قد أتاه. * الشرح: قوله (بفناء الكعبة) الفناء بالكسر سعة أمام البيوت وقيل ما امتد من جوانبها، والجمع أفنية. قوله (يدرج) درج يدرج دروجا من باب نصر فهو دارج إذا دب ومشى. قوله (فإن الملك قد أتاه) الظاهر فتح الميم واللام مع جواز الضم والسكون وأتاه على الأول يحمل على ظاهره وعلى الثاني على خلاف ظاهره بتنزيل ما يقع منزلة الواقع لتحقق وقوعه. * الأصل: - محمد بن يحيى، عن سعد بن عبد الله، عن إبراهيم بن محمد الثقفي، عن علي بن المعلى، عن أخيه محمد، عن درست بن أبي منصور، عن علي بن أبي حمزة (1)، عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لما ولد النبي (صلى الله عليه وآله) مكث أياما ليس له لبن، فألقاه أبو طالب على ثدي نفسه، فأنزل الله فيه لبنا فرضع منه أياما حتى وقع أبو طالب على حليمة السعدية فدفعه إليها. * الشرح: قوله (مكث أياما ليس له لبن) إذا لم يكن لامه لبن ومن طرق العامة قال (عليه السلام) " كنت عجيا " قال الزمخشري في الفايق: العجي هو الذي لا لبن لامه أو ماتت امه وكذلك كان (عليه السلام) يعلل بلبن غيرها. قوله (على حليمة السعدية) هي حليمة بنت أبي ذويب من قبيلة بني سعد بن بكر بن هوازن. * الأصل: - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن مثل أبي طالب مثل أصحاب الكهف، أسروا الإيمان وأظهروا الشرك فآتاهم الله أجرهم مرتين. * الشرح: قوله (إن مثل أبي طالب مثل أصحاب الكهف أسروا الإيمان وأظهروا الشرك فآتاهم الله أجرهم


(1) علي بن أبي حمزة كذاب متهم ملعون (صه) (*)

[ 182 ]

مرتين) مرة لإيمانهم ومرة لتقيتهم، واعلم أن الإيمان كما سيجئ هو التصديق القلبي وحده والإقرار باللسان شرط لقبوله أو دليل على تحققه وثبوته، ومنهم من جعل الإيمان مركبا من المجموع وعلى التقديرين يسقط الإقرار عند التعذر بالنطق كما في حال التقية ونحوها، وترك أبي طالب للإقرار إنما هو للتقية فلا نقصان في إيمانه على أن تركه مطلقا غير ثابت بل الظاهر أنه تركه عند الناس لا عند النبي (صلى الله عليه وآله) وحده، ومما ذكرنا ظهر اندفاع ما ذهب إليه بعض العامة من أنه قد ثبت في السير أن أبا طالب كان مصدقا بقلبه وحده والتصديق القلبي مع القول بأنه هو الإيمان وحده لا ينفع لأن الإقرار شرط لقبوله على أن الإقرار لا يجوز تركه مع القدرة اتفاقا وأما إنه شرط لقبول الإيمان فهو محل كلام. * الأصل: - الحسين بن محمد ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن إسحاق، عن بكر بن محمد الأزدي، عن إسحاق بن جعفر، عن أبيه (عليه السلام) قال: قيل له: إنهم يزعمون أن أبا طالب كان كافرا ؟ فقال: كذبوا كيف يكون كافرا وهو يقول: ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا * نبيا كموسى خط في أول الكتب وفي حديث آخر: كيف يكون أبو طالب كافرا وهو يقول: لقد علموا أن ابننا لا مكذب * لدينا ولا يعبأ بقيل الأباطل وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامل * الشرح: قوله (ألم تعلموا أنا) الخطاب للمنكرين والمقرين جميعا للدعوة والتثبيت أو للمنكرين فقط والاستفهام على حقيقته أو للتقرير والتوبيخ والتشبيه بموسى في أصل النبوة والعزم وكونه صاحب شريعة وشوكة ولا ينافى ذلك فضله عليه، والمراد بكونه مخطوطا في أول الكتب كون اسمه ونعته مذكورا في الكتب المتقدمة وفيه دلالة على أن كل من أنكره أنكره حسدا وعنادا كما يشعر به قوله تعالى * (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم) *. قوله (لقد علموا أن ابننا لا مكذب * لدينا ولا يعبأ بقيل الأباطل) هذا البيت وتاليه في قصيدة مشهورة لأبي طالب (رضي الله عنه) عند العامة والخاصة وأكثر أبياتها مذكورة في الطرائف، والعبأ المبالاة بالشئ والاعتناء وإنما قال " ابننا " ولم يقل " محمد " للافتخار به يعني قد علموا والله أن ابننا محمدا غير مكذب لدينا لطلوع أنوار الصدق من مطلع لسانه وظهور ضياء الحق من أفق بيانه، وعلموا أيضا أنه لا يبالي بقول أهل الباطل الذين ينكرون نبوته ويدعون مع الله إلها

[ 183 ]

آخر ولا يعده بشئ إذ لا قدر للباطل ولا أهله عنده. قوله (وابيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامل) البياض أحسن الألوان ولذلك يوصف به كل محسن ويجعل كناية عن الأفعال الحسنة. والغمام السحاب، والثمال بالكسر، الغياث يقال: فلان ثمال قومه أي غياث لهم وقائم بأمرهم، والعصمة المنعة والعاصم المانع الحامي كذا فسره ابن الأثير في النهاية، ثم قال: ومنه شعر أبي طالب " ثمال اليتامى عصمة للأرامل " أي يمنعهم من الحاجة والضياع، والأرامل جمع الأرملة وهي المرأة التي مات زوجها وهي فقيرة محتاجة، والمراد به أنه (صلى الله عليه وآله) أبيض الوجه وجواد يطلب السحاب ماء بماء وجهه والبواقي ظاهرة. * الأصل: - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: بينا النبي (صلى الله عليه وآله) في المسجد الحرام وعليه ثياب له جدد فألقى المشركون عليه سلى ناقة فملؤوا ثيابه بها، فدخله من ذلك ما شاء الله فذهب إلى أبي طالب فقال له: يا عم كيف ترى حسبي فيكم ؟ فقال له: وما ذاك يا ابن أخي ؟ فأخبره الخبر، فدعا أبو طالب حمزة وأخذ السيف وقال لحمزة: خذ السلى، ثم توجه إلى القوم والنبي معه فأتى قريشا وهم حول الكعبة، فلما رأوه عرفوا الشر في وجهه، ثم قال لحمزة: أمر السلى على سبالهم ففعل ذلك حتى أتى على آخرهم، ثم التفت أبو طالب إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا ابن أخي هذا حسبك فينا. * الشرح: قوله (وعليه ثياب له جدد) الجدد بضم الجيم وفتح الدال جمع الجدة وهي الخطة والطريقة قال الله تعالى: " ومن الجبال جدد بيض وحمر " أي طرائق تخالف لون الجبل وكساء مجدد فيه خطوط مختلفة والمقصود أن ثيابه كانت وشاء خلط فيها لون بلون قوله (سلى ناقة) السلى مقصورا الجلدة الرقيقة التي فيها الولد من المواشي، قوله (أمر السلى على سبالهم) السبال بالكسر جمع السبلة بالتحريك وهي الشارب وقيل هي الشعرات التي هي تحت اللحى الأسفل، وقيل: هي عند العرب مقدم اللحية ومنها على الصدر. * الأصل: - علي، عن أبيه، عن ابن أبي نصر، عن إبراهيم بن محمد الأشعري، عن عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لما توفي أبو طالب نزل جبرئيل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا محمد اخرج

[ 184 ]

من مكة، فليس لك فيها ناصر، وثارت قريش بالنبي (صلى الله عليه وآله)، فخرج هاربا حتى جاء إلى جبل بمكة يقال له: الحجون فصار إليه. * الشرح: قوله (يقال له الحجون) قال ابن الأثير: الحجون الجبل المشرف مما يلي شعب الجزارين بمكة، وقيل: هو موضع بمكة فيه اعوجاج والمشهور الأول وهو بفتح الحاء. * الأصل: - علي بن محمد بن عبد الله ومحمد بن يحيى، عن محمد بن عبد الله رفعه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن أبا طالب أسلم بحساب الجمل، قال بكل لسان. * الشرح: قوله (قال: إن أبا طالب أسلم بحساب الجمل قال بكل لسان (1) لعل المراد بالحساب العدد والقدر وبالجمل جمع الجملة وهي الطائفة يعني أنه آمن بعدد كل طائفة وقدرهم وقوله: بكل لسان تفسير لقوله: بحساب الجمل، وكذا في الحديث التالي. وأما قوله " وعقد بيده ثلاثا وستين " فلعله أراد به عقد الخنصر والبنصر وعقد الإبهام على الوسطى فإنه يدل على هذا العدد عند أهل الحساب وأراد بهذا الرمز أنه آمن بالله مدة عمر زمان تكليفه وهي ثلاث وستون سنة أو آمن برسول الله في سنة ثلاث وستين من عمره هذا، وقال بعض الأفاضل: معنى قوله عقد بيده ثلاثا وستين أنه أشار بإصبعه المسبحة لا إله إلا الله محمد رسول الله فإن عقد الخنصر والبنصر وعقد الإبهام على


(1) قوله " قال بكل لسان " ذكر أصحاب المعقول أن الوجود على أربع مراتب الوجود الكتبي يدل على اللفظي، واللفظي على الذهني، والذهني على الخارجي، والدلالتان الأولتان وضعيتان. والثالثة طبعية، والعربي العامي الذي لا يستطيع أن يقرأ الكتابة العربية ولا يفهم منها شيئا ويعرف هذه اللغة إن تكلم بها شفاها عالم بوضع اللفظ وجاهل بوضع نقوش الكتابة وبالعكس الكاتب العربي الذي يقرأ الكتابة الفارسية والتركية فيضبط اللفظ ولا يفهم معناه، عالم بوضع الكتابة دون اللفظ الفارسي، وأما دلالة المعنى الذهني على الخارجي وكونها طبعية فواضحة وقد يوضح نقوش أو هيئات للدلالة على المعنى الذهني من غير وساطة لفظ كنقش (5) مثلا إذا رآه العربي قال هو خمس أو الفارسي يقول پنج والتركي يقول بش بتساوي نسبته إلى جميع الألسنة إذ لم يوضح هذا النقش للفظ بل لمعنى فيقرأ نقش (5) بكل لسان، وكذلك العقود فمن جمع أصابع كفه اليمنى إلا السبابة فمدها ونصبها فكل من رآى هذه الهيئة في يده وهو عالم بوضع العقود عرف أنه أراد ثلاثة وستين وعبر عنها كل بلسانه وكذا أبو طالب عقد بيده ثلاثة وستين وهيئة اليد والأصابع عند هذا العقد كما يأتي إن شاء الله كهيئة يد رجل يشهدان لا إله إلا الله ويشير بسبابته، ولو كان آمن بلفظه فهم كلامه من يعرف اللغة العربية ولكن أشار بيده ففهم مقصوده كل من رآه سواء كان عربيا أو حبشيا أو غير ذلك فقال (عليه السلام) أسلم بكل لسان نظير نقش (5) لا نقش (پنج) فاعرف دلك من غرائب اللطائف خطر ببالنا وبالله التوفيق. (ش) (*)

[ 185 ]

الوسطى يدل على الثلاث والستين على اصطلاح أهل الحساب (1) وكان المراد بحساب الجمل


(1) قوله " على اصطلاح أهل الحساب " نورد هنا تفصيل حساب العقود لكثرة تداوله. (حساب العقود) قال العلامة المجلسي (رحمه الله) - لما ذكر في حل هذا الخبر حساب العقود وكثيرا ما يبتني على معرفته حل الأخبار الموردة في الاصول المعتبرة أردت أن أذكرها هاهنا -: اعلم أن القدماء قد وضعوا ثماني عشرة صورة من أوضاع الأصابع الخمسة اليمنى لضبط الواحد إلى تسعة وتسعين ومثلها من أوضاع الأصابع الخمسة اليسرى لضبط المائة إلى تسعة آلاف فيضبطون بتلك الأوضاع من الواحد إلى عشرة آلاف، وذكر (رحمه الله) تفصيل ذلك ونحن ننقلها معنى بعبارة اخرى فنقول: الخنصر والبنصر والوسطى من اليد اليمنى للآحاد، ومن اليسرى لآحاد الالوف، والسبابة والإبهام من اليمنى للعشرات، ومن اليسرى للمئات فتثنى الخنضر تثنية غير تامة (بحيث تصل الانملة إلى محاذي أصله في باطن الكف) للواحد والبنصر معها للاثنين والوسطى معهما للثلاثة والبنصر والوسطى معا بغير الخنصر للأربعة والوسطى فقط للخمسة والبنصر فقط للستة وتثنى الخنصر تثنية تامة (بحيث تصل الانملة إلى قريب من الرسغ في باطن الكف) للسبعة والبنصر معها كذلك للثمانية والوسطى معهما كذلك للتسعة فوضع السبعة والثمانية والتسعة شبيه بالواحد والاثنين والثلاثة، والفرق بينهما أن التثنية في الأول غير تامة وفي الثاني تامة ثم تجعل السبابة والإبهام للعشرات فتعتبر أولا السبابة وتجعل رأس الإبهام على مواضع منها لتحصل ستة أوضاع ثم تعتبر الابهام، وتجعل رأس السبابة على مواضع منه لتحصل ثلاثة أوضاع فالستة الأولى أن تجعل رأس الإبهام على رأس ظفر السبابة للعشرة (والإصبعان في هذا الوضع كحلقة مدورة) وللعشرين تجعل ظفر الابهام تحت السبابة أعني الجانب الذي يلي الوسطى منها وللثلاثين تجعل انملة الإبهام على انملة السبابة (والإصبعان في هذا الوضع كقوس ووتر، الإبهام كالوتر والسبابة كالقوس) وللأربعين على ظهر العقدة التحتانية من السبابة ثم تعتبر الإبهام أصلا. والأوضاع الثلاثة بالنسبة إليه للسبعين والثمانين والتسعين فتجعل انملة السبابة على أنملة الإبهام للسبعين وعلى العقد الثاني للثمانين وعلى المفصل بينه وبين الكف للتسعين ويجب الدقة في الفرق بين السبعين والعشرة والثلاثين، وعلى هذا فعقد ثلاثة وستين أن يقبض الخنصر والبنصر والوسطى وينصب السبابة ويجعل الإبهام على العقدة الثانية منها، ومما تداوله شعراء العجم والعرب وصف البخيل بقبض اليد استعارة والدلالة عليه بالعقود المذكورة كما قال الفردوسي: كف شاه محمود والاتبار * نه اندر نه آمد سه اندر چهار يشير إلى عقد ثلاثة وتسعين إذ يثنى فيه الخنصر والبنصر والوسطى للدلالة على الثلاثة ويوضع الإبهام على السبابة بعد أن تثنى للدلالة على التسعين فيقبض اليد بأصابعها جميعا، ونقل الشيخ أبو الفتوح الرازي (جلد 4 الصفحة 268) أبياتا في هذا المعنى، قال الشاعر: وكان لي حاسب إن رمت ملتمسا * ما في يديه إذا مائجت مجتديه أضاف تسعين تقفوها ثلاثتها * إلى ثلاثة آلاف وتسع مائة وهو أبلغ من بيت الفردوسي إذ يدل على قبض اليدين معا اليمنى للدلالة على 93 واليسرى للدلالة على = (*)

[ 186 ]

هذا (1) والدليل على ما ذكرته ما ورد في رواية شعبة عن قتادة عن الحسن في خبر طويل ننقل منه موضع الحاجة هو أنه لما حضرت أبا طالب الوفاة دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبكى وقال: يا محمد إني أخرج من الدنيا ومالي غم إلا غمك إلى أن قال (صلى الله عليه وآله): يا عم إنك تخاف علي أذى أعادي ولا تخاف على نفسك عذاب ربي. فضحك أبو طالب وقال: يا محمد دعوتني وقد كنت أمينا وعقد بيده على ثلاثة وستين عقد الخنصر والبنصر وعقد الإبهام على أصبعه الوسطى وأشار بإصبعه المسبحة (2)


= 3900 ومثله قوله الآخر: إن رمت ما في يديه ملتمسا * وجئت اشكو إليه ضيق يدي أحصى الوفا تراه أربعة * منقوصة سبعة من العدد وبالفارسية: هفت كم كن تو از چهار هزار * بكف اندر نگاهدار شمار پس بدان آن زمان كه كف امير * كس نبيند مگر بدين كردار (1) قوله " وكان المراد بحساب الجمل هذا " في عبارة الحديث جملتان الاولى أسلم بحساب الجمل والثانية عقد بيده ثلاثة وستين، والظاهر أن الجملة الثانية تفسير وتتميم للاولى، والمقصود أن أبا طالب استعمل العدد في الدلالة على إيمانه، وبين العدد بالعقد لا باللفظ وقد يتوهم أنه لا يطلق حساب الجمل إلا إذا استعمل حروف أبجد في الدلالة على العدد ولم يستعمل أبو طالب حرفا. والجواب أنه يصح أن يراد بحساب الجمل العدد مطلقا دل عليه بأي أمارة فإن العدد في معرض الجمع ويقال: أجملت الحساب إذا جمعت آحاده أو الإضافة لأدنى مناسبة كما يقال: حساب هندسة لما يكتب بالأرقام الهندية في مقابل حساب السياق لمناسبة بين الأول والهندسة بتداوله عند المهندسين وكذلك حساب الجمل يضاف إليه بأدنى مناسبة لأنه مستعمل أرباب ابجد هوز. (ش) (2) قوله " وأشار بإصبعه المسبحة " لأن في عقد ثلاث وستين يجمع الأصابع وينصب السبابة والعادة جارية عند الشهادة بالتوحيد بالإشارة بالسبابة هكذا كما يفعله العامة في تشهدهم، ويسمى عندنا السبابة بأصبع الشهادة، وهذا أحسن الوجوه في تفسير الخبر بل هو المتعين. ثم إن هنا مطلبين: الأول معنى قوله عقد بيده ثلاثة وستين وقد تبين بحمد الله ولا ينبغي أن يختلف فيه إذ لا معنى لقولهم: عقد بيده كذا، إلا ذلك فمن ادعى غيره فمن المعلوم عدم تتبعه وعدم بصيرته بكلامهم. والمطلب الثاني كشف هذا العدد أو هيئة اليد أعني العقد الدال عليه عن إيمان أبي طالب وإقراره بالتوحيد، واختلفوا في هذا المطلب الثاني والحق ما ذكره هذا الفاضل وأن الكاشف عن إيمانه عقد يده لا عدده وقد تكلف بعضهم لإبداء مناسبة بين العدد أيضا وبين الإيمان بالله تعالى وذكروا وجوها وإن لم يخل عن تكلف مثل قوله بعضهم: إن " لا " أحد وثلاثون و " إلا " اثنان وثلاثون والمجموع ثلاثة وستون وقوام التوحيد بلا، و (إلا) أي نفي الأوثان وإثبات الحمن وهو لطيف جدا، وعن الشيخ البهائي أن ثلاثة وستين سج بحروف أبجد ومعنى سج أخف وغط من التسجية وهو أمر بالتقية وإذا قال أحد: أنا اتقى فمعناه أنا مؤمن وهو لطيف أيضا، = (*)

[ 187 ]

يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فقام علي (عليه السلام) وقال: الله أكبر الله أكبر والذي بعثك بالحق نبيا لقد شفعك في عمك وهداه بك. فقام جعفر وقال: لقد سدتنا في الجنة ياشخي كما سدتنا في الدنيا. فلما مات أبو طالب أنزل الله تعالى: * (يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون) * انتهى. وأما قوله (عليه السلام): قال بكل لسان، فكأنه أشار إلى أن ما روي من أنه إنما أسلم بلسان الحبشة غير واقع بل أسلم بلسان العرب أيضا والمراد أنه قال بكل لسان حتى بلسان الحبشة أيضا، في تفسير الوكيع قال حدثني سفيان عن منصور وإبراهيم عن أبيه عن أبي ذر الغفاري قال والله الذي لا إله غيره ما مات أبو طالب حتى أسلم بلسان الحبشة، قال لرسول الله (صلى الله عليه وآله) اتفقه الحبشة قال: نعم يا عم إن الله علمني جميع الكلام قال: يا محمد أسدن لمصاقا فاطالاها، يعني أشهد مخلصا لا إله إلا الله فبكى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: إن الله أقر عيني بأبي طالب. وهاتان الروايتان نلقتهما عن كتاب مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب (رضي الله عنه)، وقد روى الصدوق (رضي الله عنه) في كتاب كمال الدين وتمام النعمة عن أبي الفرج محمد بن المظفر بن نفيس المصري الفقيه قال: حدثنا أبو الحسن محمد بن أحمد الداودي عن أبيه قال كنت عند أبي القاسم الحسين بن روح (قدس سره) فسأله رجل قال: قول العباس للنبي (صلى الله عليه وآله): إن عمك أبا طالب قد أسلم بحساب الجمل وعقد بيده ثلاثة وستين، فقال: عني بذلك إله أحد جواد وتفسير ذلك أن الألف واحد، واللام ثلاثون، والهاء خمسة، والألف واحد، والحاء ثمانية والدال أربعة، والجيم ثلاثة والواو ستة. وآلاف واحد، والدال أربعة فذلك ثلاثة وستون. ولا يخفي عليك بعد هذا التأويل جدا وأن قوله بيده لا فائدة له (1) حينئذ سواء كان الضمير لعباس أو لأبي طالب على ما هو الأظهر، إلى هنا كلام ذلك


= ومنها توجيه الشارح أن ثلاثة وستين مدة زمان تكليف أبي طالب أو آمن برسول الله في سنة ثلاث وستين من عمره وهو مع بعده وتكلفه ليس فيه لطف، وقال بعضهم: أراد ثلاثة وستين قصيدة قالها في مدح رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو أيضا كتوجيه الشارح. (ش) (1) قوله (بعد هذا التأويل جدا وأن قوله بيده لا فائدة له " والذي يخطر ببالي أن الاستبعاد في غير محله لأن الشيخ أبا القاسم بن روح (قدس سره) لم يرد نفي ثلاثة وستين بأصابع اليد كما ظنه هذا الفاضل بل أقر به. وإنما أراد تفسير المطلب الثاني الذي ذكرناه في الحاشية السابقة فكأن سائلا سأله: إني أتعقل عقد اليد ودلالته على ثلاثة وستين لكن لا أفهم مناسبة بين هذا العدد والشهادة بالتوحيد فذكر الشيخ (رحمه الله) وجها لإبداء المناسبة وهي تساوي حروف إله أحد جواد بحساب أبجد له، وإنما يرد اعتراض هذا الفاضل واستبعاده لو كان أنكر الشيخ (قدس سره) العقد باليد أصلا وليس كذلك ولكن يحتاج إلى التزام أن دخول كلمة جواد مع عدم دخله في التوحيد كان بعهد ومواضعة بين أبي طالب وحاضري مجلسه مثلا كأن يذكر كلمة جواد كثيرا للدلالة على الباري تعالى. (ش) (*)

[ 188 ]

الفاضل، وأورد عليه بعض المعاصرين بأنه لا يخفى على ذي مسكة عدم اطلاع ذلك الفاضل (1) على مضمون الخبر وصار ذلك سببا لجرأته على الإيراد (2) ورد الخبر إذ المراد أن أبا طالب أظهر إسلامه للنبي (صلى الله عليه وآله) كما هو ظاهر الخبر السابق أو لغيره كما يظهر من هذا الخبر بحساب العقود بأن أظهر الألف أولا ثم اللام ثم الهاء (3) وهكذا ذلك لأنه (رضي الله عنه) كان يتقى من قريش ويخفي منهم إسلامه ولذلك آتاه أجره مرتين ويظهر منه التوجيه مع إرجاع الضمير إلى العباس أيضا بل يرد الإيراد على ما اختاره من الحمل أولا بأن تسمية العقود حساب الجمل لم يعهد (4) في لغة ولا اصطلاح.


(1) قوله " عدم اطلاع ذلك الفاضل " بل الظاهر أن ما ذكره هذا الفاضل هو الوجه الصحيح الذي يجب أن يفسر به الخبر، وما سواه تكلف جدا بل يقطع بعدم كونها مرادة وان كان بعضها مشتملا على مناسبة لطيفة. (ش) (2) قوله " سببا لجرأته على الإيراد " هذا المورد المعاصر للشارح زعم أن ما نقل عن الحسين بن روح (قدس سره) هو كلامه واقعا وصدر عنه يقينا، وكان كلامه مأخوذا عن الحجة عجل الله فرجه لكونه من سفرائه ولعله اوحى إليه ونفث روح القدس في قلبه وأما هذا الفاضل الذي استبعد المنقول فلم يحصل له اليقين بصحته كما حصل لمعاصر الشارح فلا يتعجب من رده وقد اتفق لكثير من العلماء رد أحاديث منقولة عن المعصومين أنفسهم لشك في الصدور فكيف بما نقل عن سفرائهم، وأما من جهة المعنى والمتن فلعل الحق أن استبعاد الفاضل في غير محله أد يبعد كل البعد أن لا يعرف مثل الحسين بن روح قاعدة عقد الأصابع مع شهرته وتداوله بين التجار والمحترفة وكتاب الدواوين في ذلك العصر، وكان حساب العقود عندهم بمنزلة الحساب بالمكينة وما نسميه بالچرتكة في زماننا (وقد بينا ذلك في حواشي نفائس الفنون) وكان عملهم عليه فلم يكن مراده من التفسير بإله أحد جواد إنكار عقد الأصابع مع وضوح دلالة قولهم: عقد بيده كذا على ذلك. بل مراده إبداء المناسبة بين هذا العدد والإيمان بعد إثبات عقد الأصابع، وقلنا: إن دلالة العقد على ثلاثة وستين شئ، ودلالة ثلاثة وستين على الشهادة بالتوحيد شئ آخر، وإنما يستبعد من الشيخ أبي القاسم إنكار الأول ولم ينكره كما توهمه هذا الفاضل ومعاصر الشارح المورد عليه بل المناسبة التي نقل عنه نظير المناسبات التي نقلنا عن الشيخ البهائي وغيره فيما سبق. (ش) (3) قوله " بأن أظهر الألف أولا ثم اللام ثم الهاء " لا معنى لهذا الكلام البتة إذ لا يمكن أن يكون المراد التلفظ بالحروف المقطعة من قوله: أسلم بحساب الجمل وعقد بيده كذا، وأي عارف بلغة العرب يستجيز إفادة هذا المعنى بهذه الجملة وأي رجل يفهم من قوله عقد بيده تكلم بلسانه حروفا مقطعة ولا يمكن أن يراد عقد بيده عشر مرات مرة للواحد ليفهم منه الألف واخرى للثلاثين لينقل منه الذهن إلى اللام وثالثة للخمس ليفهموا منه الهاء إلى آخره وظاهر أن أبا طالب عقد بيده ثلاثة وستين في عقد واحد ومعاصر الشارح لا يدري ما يقول، وإنما طولنا الكلام في شرح هذا الحديث لاستصعاب جماعة من العلماء إياه واشتماله على فوائد كثيرة وبالله التوفيق. (ش) (4) قوله " تسمية العقود حساب الجمل لم يعهد " ظهر جوابه مما سبق ثم إنه لم يعهد تسمية حساب ابجد عقدا ولم يسمع أن يقال عقد بيده عددا ويراد به أنه تلفظ بألف لام ها أو غيره. (ش) (*)

[ 189 ]

وهاهنا وجوه اخر منها أنه إشارة إلى (لا) و (إلا) وهي كناية عن كلمة التوحيد إذ العمدة فيها النفي والإثبات، ومنها أن عقد ثلاث وستين إشارة إلى سج أمر من التسجية وهي التغطية والإخفاء أي أخفى إيمانه لمكان التقية وهو المنقول عن الشيخ بهاء الملة والدين، ومنها أنه إشارة إلى أنه أسلم بثلاثن وستين لغة، ومنها أنه إشارة إلى أنه أسلم بثلاث وستين سنة، ومنها أن أبا طالب كان عالما بالجفر وأنه علم نبوة نبينا قبل بعثته بالجفر بسبب حساب مفردات حروفه، والله أعلم بحقيقة كلام وليه. * الأصل: - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن الحسين بن علوان الكلبي، عن علي ابن الحزور الغنوي، عن أصبغ بن نباتة الحنظلي قال: رأيت أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم افتتح البصرة وركب بغلة رسول الله (صلى الله عليه وآله) [ ثم ] قال: أيها الناس ألا أخبركم بخير الخلق يوم يجمعهم الله، فقام إليه أبو أيوب الانصاري فقال: بلى يا أمير المؤمنين حدثنا فإنك كنت تشهد ونغيب، فقال: إن خير الخلق يوم يجمعهم الله سبعة من ولد عبد المطلب لا ينكر فضلهم إلا كافر ولا يجحد به إلا جاحد، فقام عمار بن ياسر (رحمه الله) فقال: يا أمير المؤمنين سمهم لنا لنعرفهم فقال: إن خير الخلق يوم يجمعهم الله الرسل وإن أفضل الرسل محمد (صلى الله عليه وآله) وإن أفضل كل امة بعد نبيها وصي نبيها حتى يدركه نبي ألا وإن أفضل الأوصياء وصي محمد عليه وآله السلام، ألا وإن أفضل الخلق بعد الأوصياء الشهداء، ألا وإن أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب، وجعفر بن أبي طالب له جناحان خضيبان يطهير بهما في الجنة، لم ينحل أحد من هذه الامة جناحان غيره، شئ كرم الله به محمد (صلى الله عليه وآله) وشرفه والسبطان الحسن والحسين والمهدي (عليهم السلام)، يجعله الله من شاء منا أهل البيت، ثم تلا هذه الآية: * (ومن يطع الله والرسول فاولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا * ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما) *. * الشرح: قوله (عن علي بن الحزور) بالحاء والزاي المفتوحتين والواو المشددة. قوله (فانك كنت تشهد وتغيب) أي تغيب عنا فالفرصة غنيمة وفي بعض النسخ " نغيب " بالنون أي كنت تشهد رسول الله وفي أوقات كنا نغيب عنه فيها كذلك قيل. قوله (ولا يجحد به إلا جاحد) أي جاحد بالله تعالى أو بمحمد (صلى الله عليه وآله) لا بفضلهم فلا يرد أن حمل الجحد على الجاحد بلا فائدة. قوله (وإن أفضل الرسل محمد (صلى الله عليه وآله)) مثل هذه الرواية رواه صاحب الطرائف نقلا عن الشافعي

[ 190 ]

ابن المغازلي بإسناده في كتاب المناقب يرفعه إلى أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: " يا فاطمة، إنا أهل البيت اعطينا سبع خصال لم يعطها أحدا من الأولين والآخرين قبلنا - أو قال: الأنبياء ولا يدركها أحد من الآخرين غيرنا - نبينا أفضل الأنبياء وهو أبوك ووصينا أفضل الأوصياء وهو بعلك وشهيدنا أفضل الشهداء وهو حمزة عمك ومنا من له جناحان يطير بهما في الجنة حيث شاء وهو ابن عمك ومنا سبطا هذه الامة وهما ابناك ومنا - والذي نفسي بيده - مهدي هذه الامة ". قوله (ألا وإن أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب) أراد بالشهداء من استشهد في عصره إلى سالف الزمان، أو العام مخصص بالحسين (عليه السلام) فلا ينافي أن الحسين (عليه السلام) أفضل الشهداء على الإطلاق. قوله (وجعفر بن أبي طالب له جناحان خضيبان) أي بدمه، في كتاب إكمال الإكمال جعفر بن أبي طالب (رضي الله عنه) يكنى أبا عبد الله وكان أكبر من أخيه علي بعشر سنين وكان من المهاجرين الأولين هاجر إلى الحبشة وقدم منها على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعانقه وقال: " ما أدري بأيهما أنا أشد فرحا بقدوم جعفر أم بفتح خيبر " وكان قدومه من الحبشة في السنة السابعة وقال له: " أشبهت خلقي وخلقي " ثم غزى غزوة مؤتة سنة ثمان فقتل فيها بعد أن قاتل حتى قطعت يداه معا فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " إن الله تعالى أبدله من يديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء، فمن ثم قيل له: ذو الجناحين، ولما بلغه (صلى الله عليه وآله) نعى جعفر أتى امرأته أسماء بنت عميس فعزاها فيه، فدخلت فاطمة تبكى وتقول واعماه، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " إن الله تعالى أبدله من يديه جناحين يطير بهما في الجنة على مثل جعفر فلتبك البواكي ". قوله (ثم تلا هذه الآية: * (ومن يطع الله والرسول) * أشار به إلى فضل شيعتهم وكمال اتصافهم بهم ظاهرا وباطنا مع ما فيه من الترغيب في طاعة الرسول وطاعة أولى الأمر من بعده حيث علم أن ثمرتها مرافقة هؤلاء الأخيار ومصاحبة هؤلاء الأبرار. قوله (وحسن اولئك رفيقا) فيه معنى التعجب لزيادة الترغيب في الطاعة قال القاضي: و " رفيقا " نصب على التميز أو الحال ولم يجمع لأنه يقال للواحد والجمع كالصديق أو لأنه اريد وحسن كل واحد رفيقا. قوله (ذلك الفضل من الله) ذلك مبتدأ وإشارة إلى ما للمطيعين من الأجر ومزيد الهداية ومرافقة هؤلاء الأخيار، أو إلى فضل هؤلاء الأخيار وعلو منزلتهم، والفضل صفة " ذلك " و " من الله " خبره أو الفضل خبره و " من الله " حال والعامل فيه معنى الإشارة كذا في تفسير القاضي.

[ 191 ]

قوله (وكفى بالله عليما) فيعلم المطيع ويجزيه على قدر استحقاقه بل زائدا عليه تفضيلا وفيه أيضا ترغيب في الطاعة لأن المطيع إذا علم أن المطاع عالم بفعله وإطاعته ازداد سعيه إلى الانقياد وشوقه إلى الطاعة. * الأصل: - محمد بن الحسين، عن سهل بن زياد، عن علي بن النعمان، عن أبي مريم الأنصاري، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: كيف كانت الصلاة علي النبي (صلى الله عليه وآله) قال: لما غسله أمير المؤمنين (عليه السلام) وكفنه سجاه ثم أدخل عليه عشرة فداروا حوله ثم وقف أمير المؤمنين (عليه السلام) في وسطهم فقال: " إن الله وملائكة يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما " فيقول القوم كما يقول حتى صلى عليه أهل المدينة وأهل العوالي. * الشرح: قوله (لما غسله أمير المؤمنين (عليه السلام)) قال أمير المؤمنين (عليه السلام): " ولقد وليت غسله (صلى الله عليه وآله) والملائكة أعواني فضجت الدار والأفنية، ملأ يهبط وملأ يعرج. وما فارقت سمعي هنيمة (أي صوت خفي) منهم، يصلون عليه حتى واريناه في ضريحه، فمن ذا أحق به مني حيا وميتا " كذا في نهج البلاغة. قوله (فداروا حوله) الظاهر أن ضمير حوله راجع إلى النبي (صلى الله عليه وآله) ورجوعه إلى علي (عليه السلام) بعيد ثم الظاهر أن صلاتهم كانت مجرد قراءة هذه الآية من غير تكبير ولا دعاء إلا أن يقال: إن قراءتها كانت قبل الصلاة، والله أعلم. قوله (وأهل العوالي) في النهاية: العوالي أماكن بأعلى أرضى المدينة والنسب إليها علوي غير قياس وأدناها من المدينة على أربعة أميال وأبعدها من جهة النجد ثمانية، وفي المغرب العوالي موضع على نصف فرسخ من المدينة، وفي كتاب إكمال الإكمال عوالي المدينة القرى التي عند المدينة. * الأصل: - محمد بن يحيى، عن سلمة بن الخطاب، عن علي بن سيف، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لما قبض النبي (صلى الله عليه وآله) صلت عليه الملائكة والمهاجرون والأنصار فوجا فوجا، قال: وقال أمير المؤمنين (عليه السلام)، سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول في صحته وسلامته: إنما أنزلت هذه الآية علي في الصلاة علي بعد قبض الله لي: * (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) *. * الشرح:

[ 192 ]

قوله (إنما أنزلت هذه الآية على في الصلاة) على ظاهره يشعر بما ذكرناه من أن صولته كانت قراءة هذه الآية. قوله (ما معنى السلام على رسول الله (صلى الله عليه وآله)) لما كان السلام شائعا في التحية بالسلامة عن الافات والفتن والعقوبة الدنيوية والآخروية وموجباتها سأله هل المراد من السلام على رسول الله (صلى الله عليه وآله) هذا المعنى أو معنى آخر ؟ فأجاب (عليه السلام) بأن له تأويلا آخر وهو المقصود الاصلي هنا بيانه أنه تعالى لما خلق نبيه ووصيه وابنته وجميع الأئمة وشيعتهم أخذ على شيعتهم أو على الجميع الميثاق والعهد بالربوبية والنبوة والولاية والصبر والمصابرة والمرابطة والتقوى ووعدهم أن يسلم لهم الأرض المباركة وهي هذه الأرض سميت مباركة لكونها منازل الأنبياء والأوصياء والصلحاء ومعبدهم ومحل استباقهم أو بيت المقدس أو الكوفة أو الجميع وأن يسلم لهم الحرم الآمن وهو حرم مكة أو المدينة أو كلاهما وأن ينزل لهم البيت المعمور وهو بيت الشرف والمجد أو البيت الذي في السماء حيال الكعبة في عصر الصاحب (عليه السلام) وأن يظهر لهم السقف المرفوع أي عيسى (عليه السلام) لكونه عالما مرفوع المنزلة أو مرفوعا من الأرض إلى السماء أو السماء بإرسال عزاليها وإنزال أمطارها الموجب للخصب والرخاء وسعه العيش وأن يريحهم من عدوهم بقهر المهدي وإهلاكه إياهم ووعد لهم الأرض التي يبدلها الله من دار السلام وهي الجنة ويسلم ما فيها لهم لا خصومة فيها لعدو فهم لانتفاء قدرتهم فيها وزهوق الباطل هناك فلا يمكن لهم المنازعة مع أهل الحق بخلاف الدنيا وأن يكون لهم فيها ما يحبون مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، وأخذ أيضا رسول الله (صلى الله عليه وآله) على جميع الامة والشيعة الميثاق بذلك والسلام عليه (صلى الله عليه وآله) إنما هو تذكر نفس الميثاق وتجديد له على الله تعالى لعله أن يعجل الوعد، وبالجملة أخذ الله ورسوله عليهم الميثاق بما ذكروا ووعد لهم أن يؤجرهم بالوفاء به وأن يسلم لهم الأمور المذكورة والسلام على النبي تذكرة للعهد وطلب لتعجيل الوعد. * الأصل: - بعض أصحابنا رفعه، عن محمد بن سنان، عن داود بن كثير الرقي، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما معنى السلام على رسول الله ؟ قال: إن الله تبارك وتعالى لما خلق نبيه ووصيه وابنته وابنيه وجميع الأئمة وخلق شيعتهم أخذ عليهم الميثاق وأن يصبروا ويصابروا ويرابطوا وأن يتقوا الله ووعدهم أن يسلم لهم الأرض المباركة والحرم الآمن وأن ينزل لهم البيت المعمور ويظهر لهم السقف المرفوع ويريحهم من عدوهم والأرض التي يبدلها الله من السلام ويسلم ما فيها لهم، لا شية فيها - قال: لا خصومة فيها - لعدوهم وأن يكون لهم فيها ما يحبون وأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) على جميع الأئمة وشيعتهم الميثاق بذلك، وإنما السلام عليه تذكرة نفس الميثاق

[ 193 ]

وتجديد له على الله، لعله أن يعجله جل وعز ويعجل السلام لكم بجميع ما فيه. * الشرح: قوله (وإن يصبروا ويصابروا ويرابطوا) الصبر أصله الحبس يقال صبرت نفسي على كذا أي حبستها والربط أصله الشد، يقال: ربط الدابة أي شده والمرابطة: الإقامة على جهاد العدو بالحرب وارتباط الخيل وأعدادها في الثغور وقد يطلق على ربط النفس على الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة، ولعل المقصود أنه تعالى أخذ عليهم أن يصبروا على الدين ومشاق تكاليفه وسائر ما ينزل عليهم من النوائب والمصائب وأن يصابروا أعداءهم في الجهاد ويغالبوهم في الصبر على شدائد الحروب أو يحمل بعضهم بعضا على الصبر في الشدائد وأن يرابطوا أي يقيموا على جهادهم أو على الثغور بأنفسهم وخيولهم أو على الطاعات مطلقا. قوله (والأرض التي يبدلها الله من السلام) عطف على أن يسلم لا على أن يريحهم لأنه عطف على ينزل أو يسلم ولا يصح تقدير " أن " هنا ولا على البيت المعمور للزوم الفصل بالأجنبي بين المعطوف والمعطوف عليه ولبعد تعلق الإنزال بها في الجملة ولا على الأرض المباركة وإن صح بحسب المعنى للزوم الفصل بالأجنبي، والظاهر أن من السلام بيان للأرض وأن المراد بها دار السلام وهي الجنة وحمل من على التعليل للتبديل وحمل الأرض على أرض الدنيا أن يبدلها الله من أجل السلام، وبسببه يعني يجعلها سالمة لهم بعدما لم تكن، بعيد جدا. قوله (ويسلم ما فيها لهم) عطف على يبدلها وقوله لا شية فيها حال مؤكدة. * الأصل: - ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: اللهم صل على محمد صفيك، وخليلك ونجيك، المدبر لأمرك. * الشرح: قوله (قال سمعته يقول اللهم صل على محمد) وجه ذكره في هذا الباب غير ظاهر وفيه دلالة على جواز الصلاة على النبي منفردا، والصفي المصطفى المختار والذي يصافي الود لصاحبه ويخلصه له، فعيل بمعنى فاعل أو مفعول، والخليل الصديق المحب من الخلة وهي الصداقة والمحبة التي تخللت القلب فصارت خلاله أي في باطنه ولذلك يخص بمن كانت خلته مقصورة على حب الله تعالى ليست فيها شركة لغيره، وهي حالة شريفة لا ينالها أحد بكسب واجتهاد، وإنما يخص الله تعالى بها من يشاء من عباده مثل سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه وآله الطيبين الطاهرين، والنجي المناجي المخاطب لصاحبه والمحدث له وصاحب سره، والمدبر للأمر المحدث به والمتقن له والناظر في أدباره وعواقبه والساعي في ترويجه.

[ 194 ]

باب النهي عن الإشراف على قبر النبي 9 * الأصل: - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد البرقي، عن جعفر بن المثنى الخطيب قال: كنت بالمدينة وسقف المسجد الذي يشرف على القبر قد سقط والفعلة يصعدون وينزلون ونحن جماعة، فقلت لأصحابنا: من منكم له موعد يدخل على أبي عبد الله (عليه السلام) الليلة ؟ فقال مهران بن أبي نصر: أنا، وقال إسماعيل بن عمار الصيرفي: أنا، فقلنا لهما: سلاه لنا عن الصعود لنشرف على قبر النبي (صلى الله عليه وآله)، فلما كان من الغد لقيناهما، فاجتمعنا جميعا، فقال إسماعيل: قد سألناه لكم عما ذكرتم، فقال: ما أحب لأحد منهم أن يعلو فوقه ولا آمنه أن يرى شيئا يذهب منه بصره أو يراه قائما يصلي أو يراه مع بعض أزواجه (عليه السلام). * الشرح: قوله (ما أحب لأحد منهم أن يعلو فوقه) ظاهره الكراهة والتحريم يحتمل والعلة ترك الأدب بأن يعلو فوقه وعدم الأمن من أن يرى شيئا يذهب منه بصره وهو الملائكة أو أزواجه الطاهرة أو أن يراه قائما يصلي أو يراه مع بعض أزواجه وفيه هتك حرمته، ودلالة الجميع على المطلوب ظاهرة إلا قوله أو يراه قائما يصلي، إلا أن يقال: كراهة رؤيته كذلك أو عدم جوازها باعتبار الإشراف على بيته (1) (عليه السلام). واعلم أن الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) والشهداء والأولياء والصلحاء بعد مفارقتهم الدنيا بأبدانهم أحياء مرزوقون فاعلون للأعمال الصالحة وإنما المانع من رؤيتهم عادة حجاب قرره الله تعالى لحكمة لا يعلمها إلا هو وأهل البصائر من عباده (2) وربما يظهر صورتهم لمن يشاء الله تعالى


(1) قوله " باعتبار الإشراف على بيته " والذي يؤخذ على الشارح أن مقتضى التعليل تعليق حرمة الإشراف أو كراهته على احتمال الرؤية لا تعليق حرمة الرؤية على الإشراف، والجواب أن النهي عن الإشراف لترك الادب وهو علته كما ذكره الشارح أولا لكن يذكر للتنفير عن بعض المنيهات أمور نظير قوله تعالى: * (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا) * في التنفير عن الغيبة وقد أبدع (عليه السلام) في التعبير لأن كل من ينفر عن حرام لابد أن يشبهه بشئ خبيث ويمثله في صورة موهنة مزجرة ألا ترى أنه نفر عن النظر إلى الشطرنج بأن الناظر إليه كمن ينظر إلى فرج امه ومثل المال الحرام بعراق خنزير في كف مجذوم وذكر الخبائث هنا إساءة أدب لكنه ذكر (عليه السلام) ما يزجر عن الإشراف ولا يوهن ولا يستلزم ترك الأدب وهذا أعلى درجات البلاغة لا يتأتى لكل أحد وإن تفكر أياما وأسابيع أن يعبر تعبيرا غيره يفيد فائدته. (ش) (2) قوله " وأهل البصائر من عباده) فإنهم يعلمون عدم انحصار العوالم والنشات في الوجود المادي وعدم = (*)

[ 195 ]

كما ظهر النبي (صلى الله عليه وآله) لأبي بكر في حال يقظته فقال: يا أبا بكر آمن بعلي وبأحد عشر من ولده إنهم مثلي إلا النبوة وتب إلى الله مما في يدك فإنه لا حق لك فيه. فأراد أن يعزل نفسه عما فيه فمنعه صاحبه وقال: هذا من سحر بني هاشم. وسيجئ هذا في باب النص على الأئمة (عليهم السلام). ونظير ما ذكرنا موجود من طريق العامة أيضا، روى مسلم بإسناده عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: مررت على موسى بن عمران (عليه السلام) وهو يصلي في قبره، قال الآبي: صلاته في قبره من الجائز عقلا وأخبر الشرع به فيجب الإيمان به وليست صلاة تكليف لانقطاع التكليف بالموت بل محبة واستحلاء كما يجد كثير من العباد من اللذة في قيام الليل، ولما دفن ثابت البناني ووضعت اللبن عليه سقطت لبنة فرآه بعضهم من ألحده قائما يصلي فقال لمن ألحده معه: ألا ترى، فلما انصرفا من دفنه أتيا داره (1) وسألا ابنته ما كان حاله في حياته فقالت لا أخبر كما حتى تخبراني بما رأيتما، فأخبراها فقالت: علمت أن الله تعالى لا يضيع دعاءه كان كثيرا ما يقول: اللهم إن أعطيت أحد الصلاة في قبره فأعطنيها هذا كلامه بعبارته.


= خلق الحواس الجسمانية لإدراك جميع الموجودات والعوالم متطابقة ولإدراك كل منها حاسة إن أمكن الإحساس به ومدرك إن أمكن إدراكه وكما كان يرى النبي (صلى الله عليه وآله) ثواب المنعمين في القبر ويسمع ضجة المعذبين ولا يراه غير كذلك أمكن أن يرى بعض من رأى الله المصلحة في رؤيته النبي والأئمة (عليهم السلام) في ضرائحهم، وقد روى في ذلك قصص وحكايات كثيرة يجب إيرادها في موضع أليق إن شاء الله تعالى. (ش) (1) قوله " أتيا داره " عن رجال الشيخ (رحمه الله) أنه قتل بصفين مع أمير المؤمنين (عليه السلام) وكأنه غير صاحب هذه الحكاية وذكر ابن حجر في التقريب أن ثابت بن أسلم البناني مات سنة بضع وعشرين ومائة، وذكر الشيخ أيضا هذا الاسم والنسب في أصحاب السجاد (عليه السلام) وكأنه المراد، هنيئا له ما ناله. (ش) (*)

[ 196 ]

باب مولد أمير المؤمنين صلوات الله عليه * الأصل: ولد أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد عام الفيل بثلاثين سنة وقتل (عليه السلام) في شهر رمضان لتسع بقين منه ليلة الأحد سنة أربعين من الهجرة وهو ابن ثلاث وستين سنة، بقي بعد قبض النبي (صلى الله عليه وآله) ثلاثين سنة وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف وهو أول هاشمي ولده هاشم مرتين. * الشرح: قوله (ولد أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد عام الفيل) قال القرطبي هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي. وامه فاطمة بنت أسد بن هاشم وهي أول هاشمية ولدت هاشميا وهو أصغر ولد أبي طالب جعفر وعقيل وطالب وعلي، واتفق الجمهور على أنه أول من أسلم لحديث " أولكم ورودا على الحوض أولكم إسلاما علي بن أبي طالب " وعن علي (عليه السلام) قال " عبدت الله تعالى قبل أن يعبده أحد من هذه الامة بخمس سنين " وعنه " ما كان يصلي مع رسول الله (عليه السلام) غيري وغير خديجة وخديجة أول من أسلم من النساء " واختلف في سنه (1) حين أسلم فقيل: خمس سنين، وقيل: ثمان. وقيل: اثنى عشر، وقيل: ثمانية عشر، وشهد مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) المشاهد كلها إلا تبوك فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) خلفه مع أهله وقال له: " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى " وزوجه ابنته فاطمة رضي الله عنها سيدة نساء أهل الجنة وله من الشجاعة والعلم والحلم والورع وكرم الأخلاق ما لا يسعه كتاب، بويع بالخلافة يوم قتل عثمان واجتمع على بيعته أهل الحل والعقد من المهاجرين والأنصار إلا نفر يسير، وسئل عنهم فقال: اولئك خذلوا الحق ولم يعضدوا الباطل، وتخلف عن بيعته معاوية في أهل الشام والتحمت بينهم


(1) قوله " واختلف في سنه " تحقيق الحق فيه سهل لأن شهادته في سنة أربعين بالتواتر وهو ابن ثلاث وستين أو أزيد فكان في سنة الهجرة ابن ثلاث وعشرين سنة، وعند بعثة النبي (صلى الله عليه وآله) ابن عشر سنين، وإن قيل: إنه كان عمره (عليه السلام) خمسا وستين كانت له عند البعثة اثنتا عشرة ولا عبرة بغير هذين الاحتمالين والعجب أنه لم يذكر العشر وهو الأظهر. فإن قيل كيف يحكم بصحة إيمانه وهو صبي لم يبلغ أوان الحلم ؟ قلنا: البلوغ حكم شرعي لا يثبت إلا بعد ثبوت الشرع والتكليف بالإيمان مقدم على الإقرار بالشرع وما يترتب عليه من الأحكام فهو تكليف عقلي والتكليف العقلي لا يتوقف على البلوغ الشرعي، وهذا جواب أجاب به المفيد (رضي الله عنه) عن إيراد بعض العثمانية في صحة إيمانه ولم يبلغ. (ش) (*)

[ 197 ]

حروب ولم يزل فيها الظفر على الفئة الباغية إلى أن وقع التحكيم وخدع فيه وحينئذ خرجت الخوارج فكفروه وكفروا من معه وقالوا حكمت الرجال في دين الله والله تعالى يقول: * (إن الحكم إلا لله) * ثم اجتمعوا وشقوا عصا المسلمين ونصبوا راية الخلاف وسفكوا الدماء فخرج إليهم بمن معه وطلبهم إلى الرجوع فأبوا إلا القتال فقاتلهم بالنهروان فقتلهم ولم يستأصل منهم ولم ينج منهم إلا اليسير فانتدب إليه رجل من بقية الخوارج يقال له عبد الرحمن بن ملجم، فدخل عليه فقتله. انتهى كلامه. قوله (ولده هاشم مرتين) مرة من جهة الابن ومرة من جهة البنت والحاصل أنه ينتسب من قبل الأب والام إلى هاشم. * الأصل: - الحسين بن محمد، عن محمد بن يحيى الفارسي، عن أبي حنيفة محمد بن يحيى، عن الوليد بن أبان، عن محمد بن عبد الله بن مسكان، عن أبيه قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إن فاطمة بنت أسد جاءت إلى أبي طالب لتبشره بمولد النبي (صلى الله عليه وآله) فقال أبو طالب: اصبري سبتا أبشرك بمثله إلا النبوة، وقال: السبت ثلاثون سنة وكان بين رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) ثلاثون سنة. * الشرح: قوله (اصبري سبتا) السبت الدهر والمدة من الزمان قليلة أو كثيرة والمراد به هنا ثلاثون سنة وقوله ذلك اما من باب الكرامات أو علمه به من الكتب السماوية أو من إخبار عالم بذلك. * الأصل: - علي بن محمد بن عبد الله، عن السياري، عن محمد بن جمهور، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين كانت أول امرأة هاجرت إلى رسول الله من مكة إلى المدينة على قدميها وكانت من أبر الناس برسول الله (صلى الله عليه وآله)، فسمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يقول: إن الناس يحشرون يوم القيامة عراة كما ولدوا، فقالت: واسوأتاه، فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله): فأني أسأل الله أن يبعثك كاسية، وسمعته يذكر ضغطة القبر، فقالت: واضعفاه، فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله): فاني أسأل الله أن يكفيك ذلك. وقالت لرسول الله (صلى الله عليه وآله) يوما: إني أريد أن أعتق جاريتي هذه، فقال لها: إن فعلت أعتق الله بكل عضو منها عضوا منك من النار، فلما مرضت أوصت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمرت أن يعتق خادمها، واعتقل لسانها فجعلت تومي إلى رسول الله إيماه فقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصيتها. فبينما هو ذات يوم قاعد إذ أتاه أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو يبكي فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما يبكيك ؟ فقال: ماتت أمي

[ 198 ]

فاطمة، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): وأمي والله، وقام مسرعا حتى دخل فنظر إليها وبكى ؟ ثم أمر النساء أن يغسلنها وقال (صلى الله عليه وآله): إذا فرغتن فلا تحدثن شيئا حتى تعلمنني، فلما فغرن أعلمنه بذلك، فأعطاهن أحد قميصيه الذي يلي جسده وأمرهن أن يكفنها فيه. وقال للمسلمين: إذا رأيتموني قد فعلت شيئا لم أفعله قبل ذلك فسلوني لم فعلته، فلما فرغن من غسلها وكفنها دخل (صلى الله عليه وآله) فحمل جنازتها على عاتقه، فلم يزل تحت جنازتها حتى أوردها قبرها، ثم وضعها ودخل القبر فاضطجع فيه، ثم قام فأخذها على يديه حتى وضعها في القبر، ثم أنكب عيها طويلا يناجيها ويقول لها: ابنك، ابنك [ ابنك ] ثم خرج وسوى عليها، ثم انكب على قبرها فسمعوه يقول: لا إله إلا الله، اللهم إني أستودعها إياك، ثم انصرف، فقال له المسلمون: إنا رأيناك فعلت أشياء لم تفعلها قبل اليوم، فقال: اليوم فقدت بر أبي طالب، إن كانت ليكون عندها الشئ فتؤثرني به على نفسها وولدها، وإني ذكرت القيامة وأن الناس يحشرون عراة، فقالت: واسوأتاه، فضمنت لها أن يبعثها الله كاسية، وذكرت ضغطة القبر فقالت: واضعفاه، فضمنت لها أن يكفيها الله ذلك، فكفنتها بقميصي واضطجعت في قبرها لذلك وانكببت عليها، فلقنتها ما تسأل عنه، فأنها سئلت عن ربها فقالت، وسئلت عن رسولها فأجابت وسئلت عن وليتها وإمامها فارتج عليها، فقلت: ابنك ابنك [ ابنك ]. * الشرح: قوله (أول امرأة هاجرت) دلت الرواية على مهاجرتها وفي بعض روايات العامة أيضا دلالة عليها قال المازري: وما جاء في الحديث من ذكر فاطمة بنت أسد صحيح وصحت هجرتها كما قال غير واحد خلافا لمن زعم أنها لم تهاجر، في الحديث حجة عليه. هذا كلامه. قوله (إن الناس يحشرون يوم القيامة عراة) كان المراد أنه يحشر بعضهم أو أكثرهم عراة لدلالة ظاهر بعض الروايات على حشر بعضهم مكسوا، والأمر بتجويد الأكفان معللا بأنهم يحشرون يوم القيامة بها دال عليه أيضا وحشرهم عراة مذكور في كتبهم العامة أيضا، روى مسلم عن عائشة قالت: سمعت النبي (صلى الله عليه وآله) يقول " يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة " قلت: يا رسول الله الرجل والنساء جميعا ينظر بعضهم إلى بعض فقال: " الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض ". قوله (واسوأتاه " أظهرت التفجع والتحسر على ظهور السوأة وهي العورة وكل ما يستحيي منه إذا ظهر. قوله (يذكر ضغطه القبر) الضغطة العصر ومنه ضغطة القبر لتضييقه وعصره وفي رواية: " إن الميت يسئل وهو مضغوط " وفي اخرى " ما أقل من يفلت من ضغطة القبر " نعوذ بالله منها.

[ 199 ]

قوله (واعتقل لسانها) في المغرب: اعتقل لسانه بضم التاء إذا احتبس من الكلام ولم يقدر عليه. قوله (امي والله) أي فاطمة امي أو ماتت امي، وسماها اما على سبيل التشبيه في الشفقة والمحبة. قوله (وبكى) دل على جواز البكاء على الميت وهو كذلك مع ترك الجزع والشكاية. قوله (فلا تحدثن شيئا) أي لا تفعلن بعد الفراغ من غسلها حتى تعلمنني، نهاهن عن تكفينها قبل الإعلام لأنه أراد أن يكفنها بقميصيه ليبعثها الله تعالى كاسية أو لفوائد اخر. قوله (على عاتقه) وهو موضع الرداء من المنكب وفيه حث على حمل الجنازة سيما جنازة الصلحاء والأتقياء. قوله (بر أبي طالب) البر بالكسر الإحسان والخير واللطف وبالفتح العطوف والشفيق، والظاهر أن " ان " في " ان كانت " مخففة من المشددة المكسورة وهي بعد التخفيف وإبطال عملها يدخل على كانت ونحوه الداخل على خبره اللام كما في قوله تعالى: * (وإن كانت لكبيرة) *. قوله (وسئلت عن وليها وإمامها فارتج عليها) ارتاج الباب وارتجاجه إغلاقه وإقفاله تقول: ارتج على القارى، وارتج عليه مبنيا للمفعول فيهما إذا استغلق عليه القراءة واستبهم وارتج على الرجل وارتج عليه إذا أراد الكلام فامتنع عليه ومعناه أغلق عليه ولعل في ذلك الارتاج حكمة لله تعالى وهي أن يلقنها النبي (صلى الله عليه وآله) ويظهر إمامة ابنها وولايته للناس سيما للحاضرين، وفيه دلالة واضحة على أن عليا (عليه السلام) كان إماما في عهده (صلى الله عليه وآله) (1) وتعضده روايات آخر.


(1) قوله " كان إماما في عهده (صلى الله عليه وآله) " اختلف عبارتهم في إمامة متعاصرين كأمير المؤمنين والحسن والحسين (عليهم السلام) في وقت واحد، والحق أنه إن اريد الولاية الباطنة أي الربط الباطني بينهم وبين روح القدس وأمثال ذلك فهم أئمة في عصر واحد، وإن اريد استحقاق التصرف ظاهرا ووجوب الإطاعة للظاهر فالإمام في كل عصر واحد، وقد مضى شئ من هذا المعنى في المجلد السادس، ولما كان المقام مقام السؤال عن الاعتقاد والبحث عن الواقع وما يناسب عالم الآخرة كان المناسب المعنى الأول وهو أصل الولاية، وحينئذ فلا ريب أن عليا (عليه السلام) كان اماما في عهد الرسول أيضا نعم يستشكل بأنه لو كان السؤال عن الإمام حتما في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله) لزم كون أكثر من مات في ذلك العهد غير عالم بما يجب عليهم من معرفة علي (عليه بالإمامة، والذي يسهل الخطب أن السياري راوي هذا الحديث من الكذابين المشهورين فيقتصر من مضامين الحديث على مالا يخالف الاصول، مع أن لنا أن نلتزم بكون الناس في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) عارفين بولاية علي (عليه السلام) لكثرة ما رأوا وسمعوا من تصريح النبي (صلى الله عليه وآله) بذلك من أول نبوته (صلى الله عليه وآله) وما ينبغي أن يقال في حقه مشهور لا حاجة إلى تفصيل ذكره هنا. (ش) (*)

[ 200 ]

* الأصل: - بعض أصحابنا، عمن ذكره، عن ابن محبوب، عن عمر بن أبان الكلبي، عن المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لما ولد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فتح لآمنة بياض فارس وقصور الشام، فجاءت فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين إلى أبي طالب ضاحكة مستبشرة، فأعلمته ما قالت آمنة، فقال لها أبو طالب: وتتعجبين من هذا، إنك تحبلين وتلدين بوصيه ووزيره. * الشرح: قوله (بياض فارس) نسب البياض إلى فارس لبياض ألوانهم، أو لأن الغالب على أموالهم الفضة، أو لكون أكثر مواضعها في ذلك العصر خاليا عن الغرس والزرع، فإن الخراب من الأرض يتصف بالبياض والأبيض كما أن المعمور يتصف بالسواد والأسود. قوله (وتتعجبين من هذا) تعجبها من ولادته حين شاهدت ما جرى من خوارق العادات ومحاسن الحالات مما لا عين رأت ولا أذن سمعت لعظم موقعها عندها وخفاء سببها عليها وغرابتها لديها فتلقاها زوجها أبو طالب (رضي الله عنه) بأن ذلك ليس محل تعجب وموضع استغراب من مهبط المعجزات ومحل الكرامات ومعدن السعادات ومظهر الرسالات ثم بشرها بأنك تحبلين وتلدين بعد ثلاثين سنة كما في خبر آخر بوصيه ووزيره ومتكفل أموره ومتحمل شريعته وهذا دل على كمال أبي طالب وعلمه بالغيب لأنه أخبر بما يقع وقد وقع كما أخبر. * الأصل: - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن البرقي. عن أحمد بن زيد النيسابوري قال: حدثني عمر بن إبراهيم الهاشمي، عن عبد الملك بن عمر، عن أسيد بن صفوان صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: لما كان اليوم الذي قبض فيه أمير المؤمنين (عليه السلام) ارتج الموضع ودهش الناس كيوم قبض النبي (صلى الله عليه وآله) وجاء رجل باكيا وهو مسرع مسترجع وهو يقول: اليوم انقطعت خلافة النبوة حتى وقف على باب البيت الذي فيه أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: رحمك الله يا أبا الحسن كنت أول القوم إسلاما وأخلصهم إيمانا وأشدهم يقينا وأخوفهم لله وأعظمهم عناء وأحوطهم على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وآمنهم على أصحابه وأفضلهم مناقب وأكرمهم سوابق وأرفعهم درجة وأقربهم من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأشبههم به هديا وخلقا وسمتا وفعلا وأشرفهم منزلة وأكرمهم عليه فجزاك الله عن الإسلام وعن رسوله وعن المسلمين خيرا، قويت حين ضعف أصحابه وبرزت حين استكانوا ونهضت حين وهنوا ولزمت منهاج رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذ هم أصحابه، [ و ] كنت خليفته حقا، لم تنازع ولم تضرع برغم المنافقين وغيظ الكافرين وكره الحاسدين وصغر الفاسقين، فقمت بالأمر حين

[ 201 ]

فشلوا ونطقت حين تتعتعوا ومضيت بنور الله إذ وقفوا، فاتبعوك فهدوا، وكنت أخفضهم صوتا وأعلاهم قنوتا وأقلهم كلاما وأصوبهم نطقا وأكبرهم رأيا وأشجعهم قلبا وأشدهم يقينا وأحسنهم عملا، وأعرفهم بالامور. كنت والله يعسوبا للدين أولا وآخرا الأول حين تفرق الناس والآخر حين فشلوا، كنت للمؤمنين أبا رحيما إذ صاروا عليك عيالا، فحملت أثقال ما عنه ضعفوا وحفظت ما أضاعوا ورعيت ما أهملوا وشمرت إذ اجتمعوا وعلوت إذ هلعوا وصبرت إذ أسرعوا وأدركت أوتار ما طلبوا ونالوا بك ما لم يحتسبوا، كنت على الكافرين عذابا صبا ونهبا وللمؤمين عمدا وحصنا، فطرت والله بنعمائها وفزت بحبائها وأحرزت سوابقها وذهبت بفضائلها، لم تفلل حجتك ولم يزغ قلبك ولم تضعف بصيرتك ولم تجبن نفسك ولم تخر، كنت كالجبل لا تحركه العواصف، وكنت كما قال: أمن الناس في صحبتك، وذات يدك، وكنت كما قال: ضعيفا في بدنك، قويا في أمر الله، متواضعا في نفسك عظيما عند الله، كبيرا في الأرض، جليلا عند المؤمنين. لم يكن لأحد فيك مهمز، ولا لقائل فيك مغمز [ ولا لأحد فيك مطمع ] ولا لأحد عندك هوادة الضعيف الذليل عندك قوي عزيز حتى تأخذ له بحقه، والقوي العزيز عندك ضعيف ذليل حتى تأخذ منه الحق، والقريب والبعيد عندك في ذلك سواء، شأنك الحق والصدق والرفق وقولك حكم وحتم وأمرك حلم وحزم ورأيك علم وعزم فيما فعلت، وقد نهج السبيل وسهل العسير واطفئت النيران واعتدل بك الدين وقوي بك الإسلام، فظهر أمر الله ولو كره الكافرين وثبت بك الإسلام والمؤمنون وسبقت سبقا بعيدا وأتعبت من بعدك تعبا شديدا، فجللت عن البكاء وعظمت رزيتك في السماء وهدت مصيبتك الأنام، فإنا لله وإنا إليه راجعون، رضينا عن الله قضاءه وسلمنا لله أمره، فوالله لن يصاب المسلمون بمثلك أبدا، كنت للمؤمنين كهفا وحصنا وقنة راسيا وعلى الكافرين غلظة وغيظا، فألحقك الله بنبيه ولا أحرمنا أجرك ولا أضلنا بعدك. وسكت القوم حتى انقضى كلامه وبكى وبكى أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم طلبوه فلم يصادفوه. * الشرح: قوله (ارتج الموضع بالبكاء) الارتجاج الاضطراب والحركة. قوله (وجاء رجل) يفهم من كلام الصدوق في كتاب كمال الدين وتمام النعمة أن ذلك الرجل هو الخضر (عليه السلام). " مسترجع " سمع أمير المؤمنين (عليه السلام) رجلا يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون فقال: إن قولنا إنا لله، إقرار على أنفسنا بالملك. وإنا إليه راجعون، إقرار على أنفسنا بالهلك. أقول: فيه اعتراف بأنه مبدء كل شئ ومرجعه وهو احرى كلمة يقال في مقام التسليم والرضا

[ 202 ]

بقضاء الله وحمل النفس على النوائب وصبرها على المصائب. قوله (انقطعت خلافة النبوة) أي خلافتها الظاهرة وهو كما قال لأن تلك الخلافة بعده (عليه السلام) وقعت في أيدي ائمة الجور وبطلت السنة وعطلت الشريعة. قوله (كنت أول القوم إسلاما) هذا مما اتفقت الامة عليه ولا عبرة بمخالفة شاذ من النواصب. قال الآبي في كتاب إكمال الإكمال وهو من أعاظم علمائهم: واتفق الجمهور على أن عليا (رضي الله عنه) أول من أسلم لحديث: " أولكم واردا علي الحوض أولكم إسلاما علي بن أبي طالب (عليه السلام) " وعن علي (رضي الله عنه) قال " عبدت الله تعالى قبل أن يعبده أحد من هذه الامة بخمس سنين " وعنه " ما كان يصلي مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) غيري وغير خديجة ". قوله (وأخلصهم إيمانا) الإيمان الخالص بوصف الزيادة هو الذي لا يطلب به غير وجه الله تعالى أو الذي بلغ غاية الكمال ولا يبلغها إلا بالتخلي عن جميع الرذائل والتحلي بجميع الفضائل وتهذيب الظاهر عن الأفعال القبيحة وتزيينها بالأعمال الحسنة وليس المتصف به غير علي بن أبي طالب (عليه السلام) اتفاقا. قوله (وأشدهم يقينا) وهو نوع من الإدراك مطابق للواقع غير محتمل للنقيض وبتفاوت ذلك في الشدة والضياء حتى يصير المعلوم كأنه مشاهد كما أشار إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله " لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا " والتفاوت ليس باعتبار الطباق بل باعتبار طهارة النفس وكمالها في القوة النظرية والعملية. قوله (وأخوفهم لله) لأن مراتب الخوف متفاوتة باعتبار تفاوت مراتب العلم كما يشعر به قوله تعالى: * (إنما يخشى الله من عباده العلماء) * وهو (عليه السلام) أعلم الامة اتفاقا فهو أخوفهم. قوله (وأعظمهم عناء) كمال عنائه وفضله في الرياضات والعبادات والمجاهدات مع النفس والأعداء بحيث لا يدانيه أحد مشهور بين العامة والخاصة. قوله (وأحوطهم على رسول الله (صلى الله عليه وآله)) حاطه يحوطه حوطا وحياطة إذا حفظه وصانه وذب عنه وتوفر على مصالحه وكل ذلك كان له (عليه السلام) على وجه الكمال بالنسبة إلى النبي (صلى الله عليه وآله) حتى إنه كان ترسه في جميع النوائب ووقايته في جميع المكاره. قوله (وآمنهم على أصحابه) كان (عليه السلام) أمين الله على عباده وأمين رسول الله على امته وزيادة اتصافه بهذه الصفة على غيره كائنا من كان أمر لا ينكره إلا النواصب. قوله (وأفضلهم مناقب) قد اتفق عليه العامة والخاصة ولا ينكره عدوه قال الآبي: ذكر ابن عبد البر باسناده إلى ضرار وقال له معاوية صف لي عليا فقال: أعفني يا أمير المؤمنين فقال: لابد، فقال:

[ 203 ]

أما إذ ولابد من وصفه فكان والله شديد القوى، بعيد المدى، يقول فضلا، ويحكم عدلا، ينفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويأنس بالليل ووحشته. وقد ذكر مناقب كثيرة جليلة تركنا تفصيلها للإطناب - إلى أن قال - فبكى معاوية وقال: رحم الله أبا الحسن كان والله كذلك، كيف حزنك عليه يا ضرار ؟ قال: حزن من ذبح ولدها في حجرها. ثم قال الآبي: وهذا من معاوية يدل على معرفته بفضل علي (رضي الله عنه) وعظيم حقه ومنزلته، وقال أيضا قال صعصعة بن صوحان يوم بايع عليا (رضي الله عنه) فقال يا أمير المؤمنين لقد زينت الخلافة وما زانتك، ورفعتها وما رفعتك، وهي إليك أحوج منك إليها، وقام ثابت بن قيس خطيب الأنصار فقال: والله يا أمير المؤمنين لئن سبقوك في الولاية فما يقدمونك في الدين وقد كانوا وكنت لا يخفى موضعك ولا يجهل مكانك يحتاجون إليك فيما لا يعلمون، وما احتجت إلى أحد مع علمك. وقام خزيمة الأنصاري ذو الشهادتين فقال: يا أمير المؤمنين ما وجدنا لامرنا هذا غيرك أنت أقدم الناس إيمانا وأعلمهم بالله وأولى المؤمنين برسول الله. وقال عياض: لعلي (رضي الله عنه) من الشجاعة والعلم والحلم والزهد والورع وكرم الاخلاق وغير ذلك من المناقب مالا يسعه كتاب. وقال الآمدي: لا يخفى أن عليا (رضي الله عنه) كان مستجمعا لخلال شريفة ومناقب منيفة كان بعضها كافيا في استحقاق الإمامة وقد اجتمع فيه من حميد الصفات وانواع الكمالات ما تفرق في غيره من الصحابة حتى إنه من أشجع الصحابة وأعلمهم وأزهدهم وأفصحهم وأسبقهم إيمانا وأكثرهم جهادا بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأقربهم نسبا وصهرا منه كان معدودا في أول الجريدة وسابقا إلى كمال فضيلة وقد قال فيه رباني هذه الامة ابن عباس (رضي الله عنه). قوله (وأكرمهم سوابق) لسبقه عليهم في الإيمان والعلم والحلم والكرم والسخاء وغيرها من المناقب والمفاخر. قوله (وأرفعهم درجة) لأن رفعة الدرجة وعلو المنزلة باعتبار العلم والعمل والمناقب وكرم الأخلاق وقد فاق (عليه السلام) جميع الامة بجميع ذلك فدرجته فوق درجتهم. قوله (وأقربهم) أي أقربهم منه فيمن يدعي الخلافة أو في استحقاقها أو في النسب الجسماني والروحاني معا فإنهما من نور واحد فلا يرد أن عباس أقرب. قوله (وأشبهم به هديا وخلقا وسمتا وفعلا) الهدي بفتح الهاء وسكون الدال السيرة والهيئة والطريقة، والخلق بضم الخاء واللام وسكونها الدين والطبع والسجية وحقيقته أنه لصورة الإنسان الباطنة، وهي نفسه وأوصافها ومعانيها المختصة بها بمنزلة الخلق لصورة الظاهر وأوصافها ومعانيها

[ 204 ]

ولهما أوصاف حسنة وقبيحة وتعلق الثواب والعقاب والنقص والكمال بأوصاف الصورة الباطنة أكثر وأشد من تعلقها بأوصاف الصورة الظاهرة ولهذا تضمنت الآيات والروايات في مدح حسن الخلق والسمت والهيئة الحسنة والقصد وقد كان (عليه السلام) في سيرته الباطنة وهيئته الظاهرة وأخلاقه الفاضلة وأفعاله الجميلة مشابها للنبي (صلى الله عليه وآله) على وجه الكمال ولا يشاركه في تلك أحد من الصحابة وغيرهم. قوله (وأشرفهم منزلة وأكرمهم عليه) قد كانت منزلته أشرف وأرفع وهو عليه (صلى الله عليه وآله) أكرم وأعز لما فيه من جميع أنواع الخير والشرف والفضائل واستحقاق رئاسة الدنيا والدين. قوله (فجزاك الله) دعاء له بمقابلة إحسانه بالإحسان ولفظ الخبر جامع لكل ما يطلبه ويرغب فيه. قوله (قويت) وصفه بالقوة المطلقة كما وصفهم بالضعف المطلق وحذف المتعلق فيهما للدلالة على التعميم أو المراد قويت في الدين والعلم والجهاد حين ضعفوا فيها. قوله (وبرزت) أي برزت إلى الجهاد حين استكانوا وعجزوا كما يظهر ذلك في غزوة البدر والأحد والأحزاب والخيبر وغيرها. قوله (ونهضت) أي قمت بإعلان الحق والعمل به ودفع شبهات المنكرين حين وهنوا وضعفوا عن ذلك وذلك مشهور. قوله (ولزمت) أي لزمت منهاج رسول الله (صلى الله عليه وآله) وشريعته البيضاء إذ هم أصحابه العدول عنه وقصدوا إبداع البدع وإفشاءه وفيه إشارة إلى متانته في الدين ورزانته في اليقين. قوله (كنت خليفته حقا لم تنازع ولم تضرع) الفعل الأول مبني للمفعول والثاني للفاعل تقول: ضرع يضرع من باب علم ومنع وشرف إذا ذل وضعف أو للمفعول أيضا من أضرعه إذا أذله يعني كنت خليفته وقائما مقامه في حياته وبعد موته بأمره وأمر الله تعالى بلا منازعة ولا ذل وضعف فيك ومن أدعى الخلافة إنما ادعاها من قبل نفسه الشريرة لا من قبل الله تعالى ولا من قبل رسوله والذل إنما يرجع إليه بمخالفته لا إليك. قوله (برغم المنافقين) تقول أرغم الله أنفه أي ألصقه بالرغام وهو التراب هذا هو الاصل ثم شاع استعماله في الذل والعجز والظرف في موضع النصب على أنه حال من فاعل لم تضرع أو كنت، ولعل المراد بالمنافقين من وافقه من أصحابه ظاهرا لا باطنا فإن كثيرا من أصحابه كانوا على صفة النفاق وبالكافرين من خالفه وقاتله كمعاوية وأضرابه وبالحاسدين الخلفاء الماضين وبالفاسقين اتباعهم وأشياعهم مع احتمال أن يراد بالجميع من خالفه ظاهرا وباطنا أو فيهما، قاتله أم لا،

[ 205 ]

والتكرار باعتبار تعدد صفاتهم أعني النفاق والكفر والحسد والفسق فإن كل من خالفه بنحو من الأنحاء فهو متصف بهذه الصفات. قوله (فقمت بالأمر حين فشلوا) أي قمت بأمر الدين ومصالح الخلق حين جبنوا وضعفوا عنه كضعف الجاهل عن المسائل اليقينية والمصالح الدينية والاخروية. قوله (ونطقت حين تتعتعوا) التعتعة في الكلام التردد فيه من حصر أو عجز عن فهم مؤداه وجهل عن درك مغزاه، ورجوعهم إليه في المسائل المعضلة والأمور المشكلة واستضاءتهم بنوره في الحدود والاحكام أمر مشهور بين الخواص والعوام وقد كان (عليه السلام) أمير الكلام كما كان أمير الأنام. قوله (ومضيت بنور الله إذ وقفوا) أي سرت في سبيل الحق ومنهج الشرع بالهداية الربانية والعلوم اللدنية والإشراقات اللاهوتية، إذ وقفوا عن السلوك فيه لظلمة ضمائرهم وفقد بصائرهم. قوله (فاتبعوك فهدوا) فيه إشارة إلى أن ما حصل لهم من الهداية لشئ من الحق إنما حصل لهم بسبب متابعته فيه ولولا ذلك لم يهتدوا إلى شئ أصلا، أو مدح للسالكين في قفاه والتابعين لهداه من الفرقة الناجية، والتفريع بالاول أقرب وفي كتاب كمال الدين " ولو اتبعوك لهدوا " وهو بالسياق أنسب. قوله (وكنت أخفضهم صوتا) خفض الصوت كناية عن العلم والحلم واللينة والدعة والسكون والوقار كما إن رفع الصوت وغلظته كناية عن أضداد هذه الأمور. قوله (وأعلاهم قنوتا) القنوت يرد لمعان متعددة كالطاعة والخشوع والصلاة والدعاء والعبادة والقيام وطول القيام والسكوت وقد فاق (عليه السلام) جميعهم في جميع ذلك. قوله (وأقلهم كلاما) قلة الكلام وحفظ اللسان عما لا ينفع وصرفه عما لا يعني دليل على نبالة العقل وشرافة النفس وكمالها في القوة النظرية والعملية. قوله (وأصوبهم نطقا) إذ نطقه كان صوابا وصدقا دائما بخلاف نطقهم فإنه كان خطأ وكذبا غالبا. قوله (وأكبرهم رأيا) الرأي يطلق على العقل والمراد بكبره نجدته وشرافته وضياؤه وعلى التفكر في الأسرار الإلهية والنواميس الربانية والتأمل في عواقب الأمور وحوادث الدهور، وأما الرأي بمعنى القياس فليس بمراد هنا قطعا، وفي بعض النسخ " أكثرهم رأيا " بالثاء المثلثة والمراد بالرأي فيه هو المعنى الثاني. قوله (وأشجعهم قلبا) شجاعة القلب عبارة عن قوته في المجاهدات على أنحائها والتجنب عن متمنيات النفس واغوائها وعن قدرته على ترتيب المعاني والحقائق وترصيف النكات والدقائق على وجه يتحير لكماله الفصحاء ويتعجب من جماله البلغاء.

[ 206 ]

قوله (وأشدهم يقينا) الظاهر أنه مكرر من الناسخ الأول مع إمكان أن يراد بالقين هاهنا اليقين بالاحكام بقرينة اقترانه بالعمل وفي السابق اليقين بالله وبرسوله بقرينة اقترانه بالإيمان والله أعلم. قوله (وأحسنهم عملا) حسن العمل باعتبار اشتماله على ماله مدخل في كماله من الأجزاء والمقارنات والشرائط مع اتصاف فاعله بقصد التقرب وكمال التوجه إلى المعبود الحق والاستغراق في مشاهدة جلاله وكماله وكل ذلك كان له (عليه السلام) على الوجه الأتم والأكمل بحيث لم يشاركه أحد من الصحابة. قوله (وأعرفهم بالامور) اعترف به جميع الامة وقد مر مرارا أنه (عليه السلام) كان عالما بما كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة، وما كان أحد من الصحابة بهذه الصفة اتفاقا. قوله (كنت والله يعسوبا للدين) أي لأهله واليعسوب في الأصل أمير النحل والياء زائدة ثم اطلق على سيد القوم ورئيسهم المقدم عليهم في جميع الأمور لرجوعهم إليه واجتماعهم عليه كما يجتمع النحل على يعسوبها. قوله (الأول حين تفرق الناس) أي الأول حين تفرق الناس في الدين ونفروا عنه والآخر حين فشلوا وعجزوا عن إدراك حقيقته وحقيقة ما هو مطلوب فيه. وفيه تنبيه على أن إمارته (عليه السلام) كانت ثابته في كلا الزمانين ولا يدفعها خلاف من خالفه لأنها كانت من الله ومن رسوله لا من الخلق حتى يثبتها توافقهم ويدفعها تخالفهم، ويمكن أن يكون كلا الزمانين بعد مضي النبي (صلى الله عليه وآله) وأن يكونا قبله وأن يكون الأول بعده والآخر قبله وبالعكس. قوله (كنت للمؤمنين أبا رحيما إذ صاروا عليك عيالا) العيال بالكسر جمع عيل كجياد جمع جيد وعال عيالة أقاتهم وأنفق عليهم فعيال الرجل هو من جمعهم ليقيتهم وينظر في أمورهم ويصلح حالهم، والله سبحانه جعل الخلق عيال الإمام وجمعهم تحت عنايته ليصلح أحوالهم في معاشهم ومعادهم وجعله كالأب الرحيم لئلا يجور في رعاية حقوقهم. وتقديم الظرف في الموضعين لقصد الحصر، ففي الحصر الأول تنبيه على غلظته بالنسبة إلى الكافرين وفي الحصر الثاني إيماء إلى بطلان قول من زعم أنهم عيال على غيره (عليه السلام) من الفاسقين الذين انتحلوا اسم الإمامة والخلافة لأنفسهم. قوله (فحملت أثقال ما عنه ضعفوا) لما ذكر نبذة من مناقبه المقتضية لكونه خليفة وذكر خلافها لهم مع التصريح بذلك حيث قال: " كنت خليفته " فرع عليه هذا القول ومعناه فحملت أثقال ما ضعفوا عنه لقلة علومهم وضعف قلوبهم من النواميس الإلهية والأسرار الربانية والشرائع النبوية وحفظت ما أضاعوا من الحدود والأحكام وغيرها ورعيت ما أهملوا من الآداب والأخلاق

[ 207 ]

وشمرت يعني اجتهدت وصممت في إعلان الحق والجهاد إذا اجتمعوا في الباطل أو الفرار من الزحف والعدو، وفي بعض النسخ " إذا خشعوا " أي خضعوا وذلوا من الميل إلى الباطل أو كرهوا الموت وفزعوا لفراق الأهل والأولاد. وعلوت في الرتبة وجمع المكارم كلها إذ هلعوا في الدنيا ولم يصبروا على تحمل المشاق والهلوع شديد الحرص وقليل الصبر. وصبرت في طلب حقك أو في النوائب أو في القيام على الحق إذ أسرعوا في غضبه أو في الجزع أو في الباطل وأدركت أوتار ما طلبوا يخاطب بهذا الكلام أمير قوم يدفع العار والضر والشين عنهم حين ضعفوا عن مدافعتها ويطلب لهم الجنايات والدماء حين عجزوا عن مطالبتها وقد كان (عليه السلام) موصوفا بهذه الصفة إذ كان جنة لهم في مناظرة أهل الملل من العلماء ومقاتلة أهل الباطل من الأعداء ونالوا بك من الخير والبركة ما لم يقدروا أن يحتسبوا ويعدوه لكثرته. قوله (كنت على الكافرين عذابا صبا ونهبا) صب الماء صبه صبا إذا أفرغه ونهب الشئ ينهبه نهبا إذا أخذه وسلبه قهرا، وفيه إشارة إلى شوكته وغلبته على الكافرين والحمل للمبالغة أو الصب بمعنى الفاعل أو المعفول والنهب بمعنى الفاعل. قوله (وللمؤمنين عمدا وحصنا) شبهه بالعمود لقيام بناء أحوال المؤمنين به وبالحصن لحفظه لهم عند الشدائد والضراء ورجوعهم إليه عند صولة الأعداء ولأن وجوده كان سببا لحياتهم وبقائهم وإلا لساخت بهم الأرض كما أن العمود والحصن سببان لبقاء البناء والخلق، وإنما جمع العمود بالعمد بفتح العين والميم أو بضمهما وأفرد الحصن لافتقار البناء غالبا إلى الأعمدة فهو (عليه السلام) وحده يقوم مقام الجميع بخلاف الحصن فإن الواحد المتين منه كاف في الصيانة. وفي كتاب كمال الدين وتمام النعمة " للمؤمنين غيثا وخصبا ". قوله (فطرت والله بنعمائها) فطرت إما على صيغة المجهول من الفطر أي خلقت والله بنعماء الخلافة وجبلت بالطبع المتهيئ لقبولها لم تزل عنها ولم تفارقها والمراد بنعمائها الأسباب المقتضية لها والآثار المرتبة عليها أو على صيغة المعلوم من الطيران ففيه إشارة إلى انقطاع الخلافة بموته (عليه السلام) وفي بعض النسخ بغمائها بالغين المعجمة وتشديد الميم وهي الداهية والبلية وفي كتاب كمال الدين " بعنائها " بالعين المهملة والنون وهما متقاربان. قوله (وفزت بحبائها) الحباء بالكسر العطية نبه به على أن الخلافة عطية خصة الله تعالى بها لا يشاركه أحد، فيها من مرتبة وجوده. قوله (وأحرزت سوابقها) أي حفظتها وضممتها إليك وصنتها عن الأخذ منها وسوابق الخلافة ماله مدخل في تحققها من الأخلاق النفسانية والكمالات الروحانية والأعمال البدنية.

[ 208 ]

قوله (وذهبت بفضائلها) لعل المراد بفضائلها العدل في الحكم والرشد في الحق والتدبير في الأمر وغير ذلك من القوانين العدلية والنواميس الإلهية. قوله (لم تفلل حجتك) منشأ فل الحجة وانقطاعها وزيغ القلب وميله إلى الباطل وضعف البصيرة عن الحق وعدم اهتدائه إليه وجبن النفس في إجراء الحدود والمعارك قلة العلم وضعف اليقين وعدم ملكة الشجاعة وقد كانت هذه الأمور أعني العلم واليقين والشجاعة فيه (عليه السلام) على أكمل المراتب وأعلاها وفي أرفع الدرجات وأسناها. قوله (ولم تخر) الخر والخرور السقوط مطلقا أو من علو إلى سفل وفعله من باب نصر وضرب وفي بعض النسخ " ولم تخن " من الخيانة ووجه ذلك ظاهر لأن السقوط من الحق إلى الباطل دأب الغافلين والخيانة في الدين شأن الجاهلين وقد كان (عليه السلام) أعرف العارفين وأشرف العالمين وسيد الراشدين، وقوله " كنت كالجبل لا تحركه العواصف " أي الرياح الشديدة مثل يضرب لمن ثبت في أمره لضياء عقله وكمال علمه وقوة حلمه بحيث لا تحركه الآراء ولا تزعجه الأهواء. قوله (كنت كما قال (عليه السلام) - الخ) للناس في صحبة الغير مفاسد منشاؤها انحرافه عن الدين وضعفه في اليقين ولما كان (عليه السلام) أمينا في الدين وقويا في اليقين كان الناس آمنين في صحبته راشدين في خلته واثقين بعدله في تقسيم ما في يده من بيت المال وغيره. قوله (لم يكن لأحد فيك مهمز) المهمز الغيبة والوقيعة في الناس وذكر عيوبهم والمهمز موضعه وهو ما يهمز به والغمز العصر والكبس باليد والإشارة بها وبالعين والحاجب. والطمع قد يتعلق بالحق والباطل والمراد به هنا هو الثاني وعدم تحقق هذه الأمور فيه ظاهر لأنه (عليه السلام) كان منزها عن جميع المعائب والنقائص. قوله (ولا لأحد عندك هوادة) أي سكون في الباطل وميل إلى الجور ورخصة في الظلم والهوادة السكون والميل والرخصة. قوله (وأمرك حلم وحزم) الحلم الأناة والتثبت في الأمور والحزم ضبط الرجل أمره والحذر من فواته من قولهم حزمت الشئ أي شددته وهما من شعار العقلاء ودثار العلماء الذين يرون آخر الأمر في أوله وأوله في آخره. قوله (ورأيك علم وعزم فيما فعلت) لعل المراد بالرأي هنا ما ارتآه الإنسان واعتقد أي فكر فيه وتأنى ثم اعتقده، والعزم على الشئ تأكد إرادته والجد فيه أي رأيك فيما فعلت واعتقادك فيه علم لا ظن وتخمين وعزم عليه لاشتماله على مصالح جمة لا تردد فيه لأن الظن والتردد من صفات العاجز الذي لا دراية له بحقائق الأشياء ومنافعها وحسن عواقبها.

[ 209 ]

قوله (واعتدل بك الدين) تقديم الظرف على الفاعل لقصد الحصر، والظرف متعلق بالأفعال الأربعة المذكورة أعني نهج وما عطف عليه على سبيل التنازع. قوله (وسبقت سبقا بعيدا) أي سبقت غيرك في سبيل الخيرات والفضائل كلها سبقا بعيدا بالغا الى النهاية متجاوزا عن الغاية. قوله (واتعبت من بعدك تعبا شديدا) اتعابه من بعده من الشيعة والأحباء إما لأجل حيرتهم في الدين أو تعظيم المصيبة، والأخير أنسب بقوله: " فجللت عن البكاء " أي فعظمت أي يبكي عليك باك ويأتي بحق البكاء " وعظمت رزيتك يعني مصيبتك في أهل السماء " من الملائكة المقربين وأرواح القدسيين " وهدت مصيبتك الأنام " أي هدت صدورهم وكسرت قلوبهم. قوله (وقنة راسيا) أي جبلا ثابتا مرتفعا وهو مثل يضرب به لمن هو ظهير القوم في النوازل والنوائب والقنة بالضم الجبل. * الأصل: - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن صفوان الجمال قال: كنت أنا وعامر وعبد الله بن جذاعة الأزدي عند أبي عبد الله (عليه السلام) قال: فقال له عامر: جعلت فداك إن الناس يزعمون أن أمير المؤمنين (عليه السلام) دفن بالرحبة ؟ قال: لا، قال: فأين دفن ؟ قال: إنه لما مات احتمله الحسن (عليه السلام) فأتى به ظهر الكوفة قريبا من النجف يسرة عن الغري يمنة عن الحيرة، فدفنه بين ذكوات بيض، قال: فلما كان بعد ذهبت إلى الموضع فتوهمت موضعا منه، ثم أتيته فأخبرته فقال لي: أصبت رحمك الله - ثلاث مرات -. * الشرح: قوله (دفن بالرحبة) الرحبة - بالفتح - ساحة المسجد وما يتخذ على أبواب بعض المساجد في القرى والرساتيق من حظيرة أو دكان للصلاة والصحراء بين أفنية القوم ورحبة الكوفة كانت موضعا منها معروفا عندهم. قوله (قريبا من النجف) النجف الموضع الرفيع شبه التل، وفي المغرب النجف بفتحتين كالمسناة بظاهر الكوفة على فرسخين منها يمنع ماء السيل أن يعلوا منازلها ومقابرها، وفي معجم البلدان في هذا الموضع قبر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام). والغري موضع معروف. والغراء بالمد والقصر: ما يلصق به الأشياء ويتخذ من أطراف الجلود والسمك. والغريان بناءان طويلان يقال هما قبر مالك وعقيل نديمي جذيمة الأبرش. وسميا غربين لأن النعمان بن المنذر كان يغريهما بدم من يقتله إذا خرج في يوم بؤسه. والحيرة بالكسر البلد القديم بظهر الكوفة. والذكوات

[ 210 ]

جمع الذكوة وهي في الأصل الجمرة الملتهبة والمراد بها الأحجار البيض، قال الآبي في كتاب إكمال الإكمال في باب فضائل علي (عليه السلام): إن عليا (رضي الله عنه) لما استأصل الخوارج بالنهروان وبقي منهم اليسير وكان من جملتهم ابن ملجم المرادي وقال: ما أصنع بالبقاء بعد إخواني، فعزم بقتل علي (رضي الله عنه) واستكن مقابلا لباب سدة التي يخرج منها علي (رضي الله عنه) وكان يخرج كل غداة أول الأذان يوقظ الناس لصلاة الصبح فخرج ينادي أيها الناس الصلاة الصلاة فضربه ابن ملجم وقتل به وخرج به ليلا فدفن بظهر الكوفة خوف أن ينبشه الخوارج وكان بالكوفة اناس منهم ممن قتلت آباؤهم وإخوانهم يوم النهروان. * الأصل: - أحمد بن محمد، عن ابن أبي عمير، عن القاسم بن محمد، عن عبد الله بن سنان قال: أتاني عمر بن يزيد فقال لي: اركب، فركبت معه، فمضينا حتى أتينا منزل حفص الكناسي فاستخرجته فركب معنا، ثم مضينا حتى أتينا الغري فانتهينا إلى قبر، فقال: انزلوا هذا قبر أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقلنا: من أين علمت ؟ فقال: أتيته مع أبي عبد الله (عليه السلام) حيث كان بالحيرة غير مرة وخبرني أنه قبره. * الأصل: - محمد بن يحيى، عن سلمة بن الخطاب، عن عبد الله بن محمد، عن عبد الله بن القاسم، عن عيسى شلقان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن أمير المؤمنين (عليه السلام) له خؤولة في بني مخزوم وإن شابا منهم أتاه فقال: يا خالي إن أخي مات وقد حزنت عليه حزنا شديدا، قال: فقال له: تشتهي أن تراه ؟ قال: بلى، قال: فأرني قبره، قال: فخرج ومعه بردة رسول الله (صلى الله عليه وآله) متزرا بها، فلما انتهى إلى القبر تلملمت شفتاه ثم ركضه برجله فخرج من قبره وهو يقول بلسان الفرس، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام)، ألم تمت وأنت رجل من العرب ؟ ! ! قال: بلى ولكنا متنا على سنة فلان وفلان فانقلبت ألسنتنا. * الشرح: قوله (عن عيسى شلقان) هو عيسى بن صبيح - بفتح الصاد المهملة - وهو ثقة والظاهر أنه وعيسى بن أبي منصور واحد، وجزم ابن داود بالتغاير بينهما والذي يظهر من الخلاصة هو التردد في الاتحاد. قوله (فانقلبت ألستنا) الظاهر أن أهل النار يتكلمون كلهم بلسان الفرس وإن كانوا عربا وأن أهل

[ 211 ]

الجنة يتكلمون بلغة العرب وإن كانوا من أهل الفرس (1). * الأصل: - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، وعلي بن محمد، عن سهل بن زياد، جميعا، عن ابن محبوب، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لما قبض أمير المؤمنين (عليه السلام) قام الحسن بن علي (عليه السلام) في مسجد الكوفة فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي (صلى الله عليه وآله)، ثم قال: أيها الناس إنه قد قبض في هذه الليلة رجل ما سبقه الأولون ولا يدركه الآخرون، إنه كان لصاحب راية رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن يمينه جبرئيل وعن يساره ميكائيل، لا ينثني حتى يفتح الله له، والله ما ترك بيضاء ولا حمراء إلا سبعمائة درهم فضلت عن عطائه، أراد أن يشتري بها خادما لأهله والله لقد قبض في الليلة التي فيها قبض وصي موسى يوشع بن نون والليلة التي عرج فيها بعيسى بن مريم والليلة التي نزل فيها القرآن. * الشرح: قوله (والليلة التي نزل فيها القرآن) دل هذا مع قوله تعالى: * (إنا أنزلناه في ليلة القدر) * على أن ليلة القدر ليلة أحد وعشرين من شهر رمضان المبارك. * الأصل: [ - عبد الله بن جعفر وسعد بن عبد الله جميعا، عن إبراهيم بن مهزيار، عن أخيه علي بن مهزيار، عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن حبيب السجستاني قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: ولدت فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله) بعد مبعث رسول الله بخمس سنين وتوفيت ولها ثمان عشرة سنة وخمسة وسبعون يوما. ] * الشرح: قوله (عبد الله بن جعفر وسعد بن عبد الله جميعا) هذه الرواية فيما رأينا من النسخ موجودة في هذا المقام والأنسب ذكرها في مولد الزهراء فاطمة (عليها السلام) (2). * الأصل: - سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن علي بن فضال، عن عبد الله بن بكير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه سمعه يقول: لما قبض أمير المؤمنين (عليه السلام)


(1) " كلمهم بلسان الفرس " إن ثبت صحة هذه النسبة كان المعنى مفوضا إليهم لإنا لا نعلم مناسبة لسان الفرس وأهل النار إلا أن الفرس ذلك الزمان كانوا كفارا. (ش) (2) وكأنه كان في الباب الآتي فاشتبه على الكاتب وكتبه هنا. (*)

[ 212 ]

أخرجه الحسن والحسين ورجلان آخران حتى إذا خرجوا من الكوفة تركوها عن أيمانهم، ثم أخذوا في الجبانة حتى مروا به إلى الغري فدفنوه وسووا قبره فإنصرفوا. * الشرح: قوله (ثم أخذوا في الجبانة) الجبان والجبانة بفتح الجيم وتشديد الباء الصحراء وتسمى بهما المقابر لأنها تكون في الصحراء تسمية الشئ بموضعه. * الأصل:

[ 213 ]

باب مولد الزهراء فاطمة (عليها السلام) ولدت فاطمة عليها وعلى بعلها السلام بعد مبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) بخمس سنين وتوفيت (عليها السلام) ولها ثمان عشرة سنة وخمسة وسبعون يوما وبقيت بعد أبيها (صلى الله عليه وآله) خمسة وسبعين يوما. * الشرح: قوله (مولد الزهراء) الزهراء والزهرة البياض المنير المشرق وهو أحسن الألوان وسميت فاطمة (عليها السلام) بالزهراء لبياض وجهها وإشراق لونها وكمال حسنها وبهجتها وكثرة خيرها. * الأصل: - محمد بن يحيى، عن العمركي بن علي، عن علي بن جعفر، عن أخيه أبي الحسن (عليه السلام) قال: إن فاطمة (عليها السلام) صديقة شهيدة وإن بنات الأنبياء لا يطمثن. * الشرح: قوله (قال إن فاطمة (عليها السلام) صديقة شهيدة) الصديقة فعيلة للمبالغة سميت بها لشدة تصديقها بما جاء به أبوها، ولتصديق قولها بالفعل والعمل، والشهيد من قتل من المسلمين في معركة القتال المأمور به شرعا، ثم اتسع فاطلق على كل من قتل منهم ظلما كفاطمة (عليها السلام) إذ قتلوها بضرب الباب على بطنها وهي حامل فسقط حملها فماتت لذلك، وسميت شهيدة لشهادة الله تعالى وملائكته لها بالجنة أو لاتصافها بالحياة كأنها شاهدة حاضرة لم تمت، أو لأنها تشهد ما أعد الله لها من الكرامة فهي فعيلة بمعنى فاعلة أو مفعولة على اختلاف التأويل. * الأصل: - أحمد بن مهران (رحمه الله) رفعه وأحمد بن إدريس، عن محمد بن عبد الجبار الشيباني، قال حدثني القاسم بن محمد الرازي قال: حدثنا علي بن محمد الهرمزاني، عن أبي عبد الله الحسين بن علي (عليهم السلام) قال: لما قبضت فاطمة (عليها السلام) دفنها أمير المؤمنين سرا وعفا على موضع قبرها، ثم قام فحول وجهه إلى قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: السلام عليك يا رسول الله عني والسلام عليك عن ابنتك وزائرتك والبائتة في الثرى ببقعتك والمختار الله لها سرعة اللحاق بك، قل يا رسول الله عن صفيتك صبري وعفا عن سيدة نساء العالمين تجلدي، إلا أن لي في التأسي بسنتك في فرقتك موضع تعز فلقد وسدتك في ملحودة قبرك وفاضت نفسك بين نحري وصدري، بلى وفي كتاب الله [ لي ] أنعم القبول إنا لله وإنا إليه راجعون، قد استرجعت الوديعة وأخذت الرهينة وأخلست

[ 214 ]

الزهراء فما أقبح الخضراء والغبراء يا رسول الله، أما حزني فسرمد وأما ليلي فمسهد، وهم لا يبرح من قلبي أو يختار الله لي دارك التي أنت فيها مقيم، كمد مقيح وهم مهيج سرعان ما فرق بيننا وإلى الله أشكو وستنبئك ابنتك بتظافر أمتك على هضمها فاحفها السؤال واستخبرها الحال، فكم من غليل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثه سبيلا وستقول ويحكم الله وهو خير الحاكمين سلام مودع لا قال ولا سئم، فإن أنصرف فلا عن ملالة وإن أقم فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين، واه واها والصبر أيمن وأجمل ولولا غلبة المستولين لجعلت المقام واللبث لزاما معكوفا ولأعولت إعوال الثكلى على جليل الرزية، فبعين الله تدفن ابنتك سرا وتهضم حقها وتمنع إرثها ولم يتباعد العهد ولم يخلق منك الذكر وإلى الله يارسول الله المشتكى، وفيك يارسول الله أحسن العزاء صلى الله عليك وعليها السلام والرضوان. * الشرح: قوله (ببقعتك) دل على أنها (عليها السلام) دفنت في بيتها (1) وبيتها قريب من بيته (صلى الله عليه وآله). قوله (والمختار الله لها سرعة اللحاق بك) والمختار اسم فاعل مضاف إلى الفاعل والالف واللام فيه موصولة والسرعة مفعولة و " بك " متعلق باللحاق أي التي اختار الله تعالى لها سرعة اللحاق بك، وفيه إظهار التفجع والتشكي إليه من سرعة تواتر المصائب عليه بموته وموتها عقيبه، ثم أشار إلى التشكي إليه من قلة صبره ورقة تجلده وزوال قوة تحمله للمصيبة بها بقوله: " قل يا رسول الله عن صفيتك " أي عن مصيبتها " صبري " وعفى أي انمحى وزال عن سيدة نساء العالمين تجلدي أي جلادتي وقوتي، وقوله: " في صفيتك " إشارة إلى ما كان له (صلى الله عليه وآله) في حقها من التعظيم والإكرام والتبجيل ما لم يكن في حق غيرها حتى قال القرطبي على ما نقل عنه الآبي في كتاب إكمال الإكمال: إن فاطمة رضي الله عنها أحب بناته (صلى الله عليه وآله) وأكرمهن عنده وسيدة نساء الجنة وكان (صلى الله عليه وآله) إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فيصلي ركعتين ثم أتى بيت فاطمة رضي الله عنها فيسأل عنها ثم يدور على نسائه إكراما لفاطمة واعتناء بها. قوله (إلا أن لي في التأسي بسنتك في فرقتك موضع تعز) التأسي هنا إما بمعنى الاقتداء أو التعزي وهو التصبر عند المصيبة، وهذا كالعذر والتسلية لنفسه القدسية بأن مصيبة صفيتك وإن


(1) قوله " دفنت في بيتها " هو الأظهر في العقل أيضا لأن الدفن في البيت كان معهودا متداولا، وكان الغرض إخفاء موتها، وكان دفنها في بيتها صلوات الله عليها أوفق بهذا الغرض، وأما الدفن في الروضة، وهو من المسجد فغير معقول في ذلك العصر وبعده، وأما البقيع فلم يكن حاجة إليه، ولم يكن يوافق غرض الإخفاء ولم يرد إلا في بعض روايات ضعيفة لا اعتماد عليها. (ش) (*)

[ 215 ]

كانت عظيمة يقل بها صبري ويرق لها تجلدي فإن المصيبة بفراقك أجل وأعظم والبلية بموتك أكمل وأفخم، كما صبرت على هذه أصبر على تلك بطريق أولى، وفي بعض النسخ موضع ثغر بالثاء المثلثة والغين المعجمة وهو تصحيف، ولعل المراد على تقدير ثبوته أن لي بسنتك في فرقتك موضع ثغر أي موضع مخافة لهجوم الأعداء علي، ولي اسوة بها في فرقة صفيتك يعني حصل لي بذلك أيضا موضع ثغر ومخافة لهجومهم والأنسب بهذا المعنى أن يقرأ (ألا) بالتخفيف للتنبيه و " إن " بكسر الهمزة. قوله (فلقد وسدتك في ملحودة قبرك) الوساد والوسادة المخدة وقد وسدته الشئ فتوسده جعلته تحت رأسه. واللحد الشق المائل في جانب القبر يقال: لحدت القبر فالقبر ملحود وألحدته فهو ملحد، وإضافة الملحودة إلى القبر بيانية وتأنيثها باعتبار القطعة أو البقعة وفيه إظهار للتفجع بمصيبته به (صلى الله عليه وآله) والتوجع بمقاساته ألم الفراق منه كما في قوله " وفاضت نفسك " أي خرجت روحك " بين نحري وصدري " فإن أعظم المصائب وأشد الالام أن يخرج روح أحب الخلق إلى الرجل ورأسه في صدره، ويدفنه في قبره بيده. قوله (بلى وفي كتاب الله لي أنعم القبول) أي أطيب القبول وأحسنه وهو كناية عن الرضاء بقضاء الله وبما أثبته في كتابه قال جل شأنه: * (إنك ميت وإنهم ميتون) * وقال * (كل نفس ذائقة الموت) *. فإن قلت: بلى ايجاب بعد النفي أو الاستفهام كما إذا قيل: لم يقم زيد أو ألم يقم فقلت: بلى، كان المعنى قد قام وليس هنا بعدهما ؟ قلت هذا الكلام استئناف جواب عما يقال: أليس في كتاب لله ما ينعم البال ويطيب النفس بمثل تلك المصيبة ؟ ثم تمسك بالله وفوض أمره إليه وأقر بملك الأشياء كلها له وجريان حكمه عليها بقوله: * (إنا لله وإنا إليه راجعون) * وامتثالا لقوله عزوجل: * (وبشر اللذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون) * ثم رجع إلى ما ورد عليه جديدا من مصيبة الزهراء وإظهار التوجع عليها فقال: قد استرجعت الوديعة واخذت الرهينة، كما هو شأن أصحاب المصائب المكاثرة حيث يذكرون بعضها في بعض وينتقلون من بعضها إلى بعض، وإطلاق الوديعة والرهينة على نفسها القدسية المطهرة من باب الاستعارة، ووجه الاستعارة الأولى أن المرأة عند الزوج كالوديعة كما يقال: النساء ودائع الكرام، أو أن النفس في هذا البدن تشبه الوديعة في رجوعها إلى مالكها وقتا ما، ووجوب حفظها من المهلكات. ووجه الثانية أن النفس رهينة بما كسبت ومعناه أن الكسب لازم لها لابد منه. فشبهها في لزومه لها وعدم انفكاكه منها بالرهن في يد المرتهن.

[ 216 ]

قوله (واخلست الزهراء) يقال خلست الشئ أي استلبته. واخلست فلافا أي أخذت حقه، والخلسة - بالضم - ما يؤخذ سلبا ومكابرة، والغرض منه إما الإخبار والتعجب أو التحسر من وقوع الظلم عليها وغصب حقها عليها الصلاة والسلام. قوله (فما أقبح الخضراء والغبراء) الخضراء السماء والغبراء الأرض ومن شأن العرب أنه إذا شاع الشر في أهل الأرض وانتشر الجور فيهم واشتهر القبح منهم وأرادوا المبالغة في ذمهم والإشعار بعموم قبائحهم نسبوا ذلك إلى الزمان والمكان والسماء والأرض لقصد التعميم والشمول في ذمهم وليس في قصدهم من ذلك ذم هذه الأشياء وأمثال ذلك كثيرة شائعة في كلام الفصحاء والبلغاء. قوله (أما حزني فسرمد) أي دائم طويل، ولما وصف نفسه بالصبر جاء بهذا الكلام دفعا لتوهم ان ذلك بسبب تنزل الحزن والهم وتنقصهما. قوله (وأما ليلي فمسهد) المسهد اسم مكان من السهاد وهو الأرق والسهر والمحزون لا ينام في الليل. قوله (وهم لا يبرح) هم مبدأ موصوف بجملة بعده وكمد خبره وهو بالتحريك الحزن المكتوم أو الكاف للتشبيه والمد بالكسر والتشديد وهو القيح و " أو " في قوله " أو يختار الله " بمعنى إلى أن، والمراد بدارك الجنة أو القبر، وبالهم المهيج هم يتبعه هم آخر والهم في الأصل الإذابة ثم اطلق على الحزن المقلق المذيب للبدن يقال أهمه الأمر إذا أقلقه وأحزنه وأذابه، ومنه قولهم: همك ما أهمك أي أذابك ما أحزنك، وقولهم للمحزون المغموم: مهموم. قوله (سرعان ما فرق بيننا) سرعان مثلث الفاء اسم فعل يرفع ما بعده بمعنى سرع وقرب مع تعجب أي ما أقرب وما أسرع، وما عبارة عن الموت. قوله (وإلى الله أشكو) تقديم الظرف للحصر، والشكوى أن تخبر عن مكروه أصابك وهو ممدوح بالنسبة إلى الله وإلى أوليائه لا إلى أعدائه فإنه شكاية عليه وهو مذموم. قوله (بتظافر امتك على هضمها) أي إمداد بعضهم بعضا وتوافقهم على كسر حرمتها وغصب حقوقها وتفصيل ذلك مذكورة في كتب العامة والخاصة. قوله (فاحفها السؤال واستخبرها الحال) أي بالغ واستقص في السؤال منها واستخبرها حالي وحالها في الحزن وحال الامة عما فعلوا بعدك، وفيه إشارة إلى غاية حزنها ونهاية غيظه (عليه السلام) منهم. قوله (فكم من غليل معتلج بصدرها) " كم " خبرية للتكثير، والغليل الضعف والغيظ والحزن، والاعتلاج الالتطام وهو ضرب الوجه ونحوه بالكف يقال: اعتلجت الأمواج إذا التطمت.

[ 217 ]

قوله (سلام مودع لا قال ولا سئم) يقال قلاه فهو قال إذا أبغضه وسئم يسأم فهو سئم إذا مل وضجر أي لا مبغض لزيارتكم ولا ضجر للقيام عندكم وهذه صورة وداع المحبين الناصحين بحسب مجاري العادة. قوله (فإن أنصرف) (1) لما كان الانصراف عن قرب الحبيب والقيام عنده أبدا يوهم الملالة وعدم الصبر يعني سوء الظن بما وعد الله الصابرين نفاهما للدلالة على أن كلا منهما بسبب أمر آخر وأما ما وعد الله الصابرين على نزول المصائب فهو صلواته ورحمته وهدايته في قوله جل شأنه: * (وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وانا إليه راجعون اولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة واولئك هم المهتدون) *. قوله (واه واها) الظاهر أن الواوين للعطف والربط قال ابن الاثير في النهاية: " اوه " كلمة يقولها الرجل عند الشكاية والتوجع. وهي ساكنة الواو. مكسورة الهاء. وربما قلبوا الواو ألفا فقالوا: " آه من كذا " وربما شددوا الواو وكسروها وسكنوا الهاء فقالوا: أوه. وربما حذفوا الهاء فقالوا " أو " وبعضهم يفتح الواو مع التشديد فيقول " اوه " وقال الزمخشري في الفايق: آها كلمة تأسف وانتصابها على إجرائها مجرى المصادر كقولهم: ويحا له، وتقدير فعل ينصبها كأنه قال تأسفا على تقدير أتأسف تأسفا. قوله (والصبر أيمن وأجمل) أي من الجزع وبث الشكوى ووجود الجمال فيهما لما فيهما من ثلج الصدر وليس الغرض منه الإخبار بل تسلية النفس وحملها على الصبر أو مجرى العادة فإن الإنسان كثيرا ما يقول ذلك إذا أصابه مكروه. قوله (ولولا غلبة المستولين) لعل المراد بغلبتهم ترددهم إليه وعدم تركهم إياه بحال ويحتمل أن يراد بها التعيير والتوبيخ أيضا. قوله (ولا عولت إعوال الثكلى) العول والعولة رفع الصوت بالبكاء يقال: منه أعول، والثكلى امرأة مات ولدها. قوله (فبعين الله) أي أستعين بذات الله أو بشهوده وحضوره أو أعوذ بها من شر الخلائق تدفن ابنتك سرا من أجل شرورهم ويهضم حقها ويمنع إرثها. وفيه إظهار للتوجع والتحسر مما فعلوه وارتكبوه من الظلم عليها. روى مسلم بإسناده عن عروة بن الزبير عن عائشة أنها أخبرته " أن فاطمة


(1) " فإن أنصرف فلا عن ملالة " لا يدل على خلاف ما عليه محققوا علمائنا من الدفن في البيت لأن الانصراف ليس بمعنى الانتقال من مكان إلى مكان بل من حال مطلقا إلى حال ولذلك يطلق على سلام الصلاة الانصراف ويقال: ينصرف، أي يتم صلاته ويسلم فمعنى أنصرف أي أترك المكالمة. (ش) (*)

[ 218 ]

بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من أبيها مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقى من خمس خيبر فقال أبو بكر: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: لا نورث ما تركناه صدقة، فأبى أن يدفع إلى فاطمة شيئا فوجدت فاطمة على أبي بكر (1) في ذلك فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت وعاشت بعد أبيه ستة أشهر لما توفيت دفنها زوجها علي ابن أبي طالب ليلا ولم يؤذن بها أبا بكر (2) وصلى عليها علي وكان لعلي وجهة حياة فاطمة (3) فلما توفيت استنكر على وجوه الناس فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته ولم يكن بايع تلك الأشهر فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا ولا يأتنا معك أحد كراهية محضر عمر بن الخطاب فقال عمر لأبي بكر لا تدخل عليهم وحدك فقال أبو بكر وما عساهم أن يفعلوا والله لأتينهم فدخل عليهم فكلمه علي (رضي الله عنه) وقال: إنك استبددت علينا بالأمر (4)


(1) قوله " فوجدت فاطمة على أبي بكر " ركب أصحابنا قياسا من هذا الحديث الذي رواه الشيخان وهو عندهم في غاية الاعتبار، ومن حديث آخر رواه الشيخان وغيرهما أيضا وهو " فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني " وفي رواية: " يريبني ما أرابها ويؤذيني ما آذاها " فاستنتجوا منه أن أبا بكر أغصب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وآذاه، وتركيب القياس هكذا: إن أبا بكر مغضوب فاطمة، وكل مغضوب فاطمة مغضوب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأبو بكر مغضوب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويجيب مجيبهم بأنا نعلم إجماع الصحابة على خلاف قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) أي ما يستفاد من مجموع الحديثين. (ش) (2) قوله " لم يؤذن بها أبا بكر " خفاء قبر فاطمة من أكبر الآيات الدالة على غضب فاطمة صلوات الله عليها على المتآمرين عليها وهو متواتر وتواتر الخفاء قرينة صحة الحديث ووقوع مضمونه وعدم صلاة أبي بكر عليها متفق عليه أيضا رواه البخاري ومسلم ولا يعبأ بما يخالفه. (ش) (3) قوله " كان لعلي وجهة حياة فاطمة " هذا كلام عائشة، ومعناه أن عليا (عليه السلام) في حياة فاطمة كان له من يتوجه إليه، ويستأنس به ويسر برؤيته، والوجهة ما يتوجه إليه كالقبلة ما يقبل إليه ومنه قوله تعالى: * (ولكل وجهة هو موليها) * فلما ماتت سلام الله عليها حزن لموتها، ولم يكن أحد يسر برؤيته، وكان جميع الناس في عينه مستنكرين، وحق له (عليه السلام) أن يستنكر بعد وفاة فاطمة جميع الكائنات كما قيل عن لسان آدم بعد قتل هابيل: " فوجه الأرض مغبر قبيح " لكن بيعته (عليه السلام) لأبي بكر لم يكن في الظاهر لاستنكاره الناس أو لإزالة غمه وحزنه كما زعمه عائشة ولكن لمصلحة رآها وأمر سبق إليه من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا يختلف المؤرخون في أنه (عليه السلام) لم يبايع مادامت فاطمة حية مع تلك الهنات التي اتفقت عند باب بيتها ولم يستطيعوا أن يقهروه على البيعة بل أبى وأصر على الامتناع حتى ماتت فاطمة فأظهر الإطاعة. (4) قوله " انك استبددت علينا بالأمر " هذا صريح في اختلاف رأيهم في الخلافة فكان علي (عليه السلام) يرى أولويته بالأمر وأبو بكر بالعكس، وكان وظيفة المسلمين في كل مورد اختلف هو (عليه السلام) مع غيره أن يتبعوا طريقته ويقبلوا قوله أما على مذهب الشيعة فواضح لعصمته وولايته. وأما عند أهل السنة فلما رووه عن النبي (صلى الله عليه وآله): " إن الحق مع علي يدور معه حيثما دار " فلنا أن نركب قياسا نظير ما مر من حديث غضب فاطمة هكذا: رأي أبي بكر مخالف لرأي علي (عليه السلام) في الخلافة (بمقتضى هذا الحديث) وكل رأي خالف رأي علي فهو = (*)

[ 219 ]

وكنا نرى أن لنا حقا لقرابتنا من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلم يزل يكلم أبا بكر حتى فاضت عينا أبي بكر، ثم بايعه العشية ". قوله (ولم يتباعد العهد) الواو للحال يشكي إليه (صلى الله عليه وآله) من أمته بعده في تظافرهم على غصب حقه وحقها (عليهم السلام) وهضمها على قرب عهدهم به (صلى الله عليه وآله) وطراوة ذكره أو الذكر الذي هو القرآن الآمر بإكرام ذوي القربى. * الأصل: - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمد بن أبيى نصر، عن عبد الرحمن بن سالم، عن المفضل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): من غسل فاطمة ؟ قال: ذاك أمير المؤمنين - وكأني استعظمت ذلك من قوله - فقال: كأنك ضقت بما أخبرتك به ؟ قال: فقلت: قد كان ذلك جعلت فداك ؟ قال: فقال: لا تضيقن فإنها صديقة ولم يكن يغسلها إلا الصديق أما علمت أن مريم لم يغسلها إلا عيسى. * الشرح: قوله (كأنك ضقت) الضيق الضجر والملال والشك في القلب. * الأصل: - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن عبد الله بن محمد الجعفي، عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهم السلام) قالا: إن فاطمة (عليها السلام) لما أن كان من أمرهم ما كان أخذت بتلابيب عمر فجذبته إليها ثم قالت: أما والله يا ابن الخطاب لولا أني أكره أن


= مخالف للحق، فرأي أبي بكر مخالف للحق. مثله القياس المتألف من حديثين مضمون أحدهما افتراق امته على ثلاثة وسبعين فرقة كلهم هالك إلا واحدة، والآخر " مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا " فنقول من الشكل الثالث: الناجي فرقة واحدة من فرق الإسلام فقط، والناجي تبعة أهل البيت فقط، ينتج أن تلك الفرقة الواحدة هي تبعة أهل البيت فقط. وهذا طريق حسن ينجح سالكه في نقض كل شريعة باطلة ومذهب غير صحيح كما قال الله تعالى: * (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) * وشأن من لا ينطق عن الله، وليس قوله مبنيا على أصل سديد أن ينسى ما التزم به يوما فيلتزم بعده بضده، وحكى أن بعض الزنادقة كان يرى قبح الزنا إذا أكره عليه فقط لا إذا وقع برضا الطرفين وكان يرى العقد على صبية لم تبلغ ثمان عشرة سنة قبيحا فقيل له: إن فلانا تزوج صبية بنكاح قبل هذه السن قال: بئس ما فعل، فقيل له: سهونا في النقل إنه لم يعقد عليها وإنما زنى بها برضاها، فبهت الذي كفر إذ لم يستطع أن يعترف بعدم قبحه بعد حكمه بقبح العقد. وروي أن رجلا سأل أبا حنيفة عن الصلوات الواجبة اليومية فأجابه هي خمس، وسأله عن الوتر فقال: هي واجبة قال الراوي: لا أدري أسهى في العدد أو في وجوب الوتر. (ش) (*)

[ 220 ]

يصيب البلاء من لا ذنب له لعلمت أني سأقسم على الله ثم أجده سريع الإجابة. * الشرح: قوله (أخذت بتلابيب عمر) التلابيب جمع التلبيب وهو ما في موضع اللبب من ثياب الرجل تقول: أخذت بتلبيب فلان إذا جمعت عليه ثوبه الذي هو لابسه وقبضت عليه تجره وكان ذلك حين مزق كتابها الذي كتبها أبو بكر في رد فدك إليها بعد إكمال الحجة عليه فأذاها وآذى الرسول بذلك لما رواه مسلم عنه (صلى الله عليه وآله) " إن فاطمة يؤذيني ما آذها " فصار مصادقا لقوله تعالى: * (إن الذين يؤذون الله ورسوله) * الآية، قال القرطبي: بتأذيها يتأذى النبي واذايتها لا تحل ولو بما يحل للإنسان أن يفعله وهي في ذلك بخلاف غيرها فإن من فعل ما يجوز له فتأذى به الغير لم يحرم. قوله (ساقسم على الله) قال في المغرب: القسم على الله في قوله لو أقسم على الله أن يقول: لحقك فافعل كذا وانما عدي بعلى لأنه ضمن معنى التحكم. * الأصل: - وبهذا الإسناد عن صالح بن عقبة، عن يزيد بن عبد الملك، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لما ولدت فاطمة (عليها السلام) أوحى الله إلى ملك فأنطق به لسان محمد (صلى الله عليه وآله) فسماها فاطمة، ثم قال: إني فطمتك بالعلم وفطمتك من الطمث، ثم قال أبو جعفر (عليه السلام): والله لقد فطمها الله بالعلم وعن الطمث في الميثاق. * الشرح: قوله (وفطمتك من الطمث) قال صاحب الطرائف قال عبد المحمود الخوارزمي في كتابه ومن طرائف ما وجدته في حديث سفيان الثوري تأليف أحمد الطهراني عن هشام بن عروة عن عائشة عنه (صلى الله عليه وآله) أنه وصف فاطمة رضي الله عنها في حديث طويل وفي آخره: إن فاطمة ليست كنساء الآدميين ولا تعتل كما يعتللن، يعني به الحيض. * الأصل: - وبهذا الإسناد عن صالح بن عقبة، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله) لفاطمة (عليها السلام): يا فاطمة قومي فأخرجي تلك الصحفة فقامت فأخرجت صحفة فيها ثريد وعراق يفور. فأكل النبي (صلى الله عليه وآله) وعلي وفاطمة والحسن والحسين ثلاثة عشر يوما، ثم إن ام أيمن رأت الحسين معه شئ فقالت له: من أين لك هذا ؟ قال: إنا لنأكله منذ أيام فأتت أم أيمن فاطمة فقالت: يا فاطمة إذا كان عند أم أيمن شئ فانما هو لفاطمة وولدها وإذا كان عند فاطمة شئ فليس لام أيمن منه شئ ؟ فأخرجت لها منه فأكلت منه أم أيمن ونفدت الصحفة، فقال لها

[ 221 ]

النبي (صلى الله عليه وآله): أما لولا أنك أطعمتها لأكلت منها أنت وذريتك إلى أن تقوم الساعة، ثم قال أبو جعفر (عليه السلام): والصحفة عندنا يخرج بها قائمنا (عليه السلام) في زمانه. * الشرح: قوله (فأخرجي تلك الصحفة) في المغرب: الصحفة واحدة الصحاف وهي قصعة صغيرة منبسطة تشبع الخمسة وفي بعض نسخه كبيرة. قوله (فيها ثريد وعراق يفور) الثريد الخبز المفتوت المكسور فعيل بمعنى مفعول والعراق كغراب جمع العرق بفتح العين وسكون الراء وهو العظم بلحمه ويطلق أيضا على العظم الذي أخذ منه معظم لحمه. والفور الغليان يقال: يفور الماء أي يغلي. قوله (ثم إن أم أيمن) (1) هي حاضنة النبي (صلى الله عليه وآله) وام أسامة بن زيد وأيمن أخو اسامة لامه. * الأصل: - علي بن محمد وغيره، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن قبر فاطمة (عليها السلام) فقال: دفنت في بيتها فلما زادت بنو أمية في المسجد صارت في المسجد. * الشرح: قوله (فقال دفنت في بيتها) (2) قال ابن بابويه (رحمه الله) اختلفت الروايات في موضع قبر فاطمة سيدة نساء العالمين (عليها السلام) فمنهم من روى أنها دفنت في البقيع ومنهم من روى أنها دفنت بين القبر والمنبر. وأن النبي (صلى الله عليه وآله) إنما قال: " ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة " لأن قبرها بين القبر والمنبر. ومنهم من روى أنها دفنت في بيتها فلما زادت بنو أمية في المسجد صارت في المسجد، وهذا هو الصحيح عندي وبيتها (عليها السلام) على ما ذكره (رحمه الله) من عند الاسطوانة التي تدخل إليها من باب جبرئيل (عليه السلام) إلى مؤخر الحظيرة التي فيها النبي (صلى الله عليه وآله) بحيث إذا قمت عند الحظيرة وجعلت يسارك إليها وظهرك إلى القبلة استقبلت إلى بيتها بوجهك. * الأصل: - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الوشاء عن الخيبري، عن يونس بن ظبيان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: لولا أن الله تبارك وتعالى خلق أمير المؤمنين لفاطمة (عليها السلام) ما


(1) قوله " ثم إن أم أيمن " إن كان في هذا الحديث شئ يشمئز منه الطبع فالعهدة فيه على صالح بن عقبة راويه فانه كذاب ملعون غال على ما قال أصحاب الرجال. (ش) (2) قوله " دفنت في بيتها " هذا هو الصحيح في موضع قبرها (عليها السلام) كما مر. (ش) (*)

[ 222 ]

كان لها كفؤ على ظهر الأرض من آدم ومن دونه. * الشرح: قوله (ما كان لها كفؤ على ظهر الأرض من آدم فمن دونه) المقصود أن فاطمة (عليها السلام) أفضل من آدم فمن دونه مع قطع النظر عن حرمة النكاح أو حله، فلا يرد انها (عليها السلام) كانت حراما على آدم (عليه السلام) وإذا كانت هي (عليها السلام) أفضل من الرجال كانت أفضل من النساء أيضا وقد رويت في ذلك أخبار من طريق العامة والخاصة أما من طريق الخاصة فظاهر، وأما من طريق العامة فكما رواه مسلم عنه (صلى الله عليه وآله) قال " إنما ابنتي - يعني فاطمة - بضعة مني يريبني ما أرابها ويؤذيني ما آذاها " وعنه أيضا: " إن فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها " وعنه أيضا " يا فاطمة أما ترضين أن تكون سيدة نساء المؤمنين " وفي أخرى " أن تكون سيدة نساء هذه الامة " وأمثال ذلك كثيرة قال القرطبي: حسبها ما بشرها به من الكرامة وأخبرها بأنها سيدة نساء المؤمنين وسيدة نساء هذه الامة وسيد نساء أهل الجنة، وقال: به يحتج من فضل فاطمة رضي الله عنها على عائشة، ثم قال عياض: واختلف في أن عايشة أفضل من فاطمة أو بالعكس، فقيل بالأول لأن عائشة مع النبي في درجته وفاطمة مع علي في درجته ودرجة النبي أرفع من درجة علي، وقيل بالعكس للروايات المذكورة ونحوها وتوقف الأشعري في المسألة وتردد فيها. انتهى. أقول: قد أخطأ في اعتبار النسبة بينهما إذ لا نسبة بين النور والظلمة ومن فضل عائشة بأنها مع النبي في درجته إن كان له دليل فليأت به ليعلم صحته وفساده وإن تمسك بأن الزوجة مع الزوج في الدرجة فهو ممنوع * (ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وأمرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين * وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة) * الآية، وبالجملة الدخول في الجنة والفضل إنما هو بالعمل لا بالعلاقة الزوجية ولا بالعلاقة النسبية ثم إنهم لم فضلوا عائشة وحدها على فاطمة (عليها السلام) ولم يفضلوا غيرها من النساء مثل أم سلمة وضرائرها (1) ؟ ولعل الوجه فيه شجاعتها (2) وخروجها مع طلحة وزبير على أمير المؤمنين (عليه السلام) وركوبها على الجمال والبغال


(1) قوله " مثل أم سلمة وضرائرها " قرينة تدل على أن مارووه من المناقب والفضائل في الامراء ومن بهم كبناتهم وأبنائهم لم يكن إلا نوعا من الملق ليتقربوا إليهم ويستفيدوا من دنياهم، وكان علة تأخر أم سلمة عدم نيل أبيها الخلافة فلم يكن في تعظيمها أجر دنيوي، وهكذا السر في كون معاوية خال المؤمنين دون محمد بن أبي بكر وإخوته مع أن عائشة أشهر وأفضل عندهم من ام حبيبة أخت معاوية. (ش) (2) قوله " ولعل الوجه فيه شجاعتها " أراد بالشجاعة قساوة القلب لا معناها المفسر به في علم الأخلاق. فإنها = (*)

[ 223 ]

وسيرها من بلد إلى بلد وأمرها بقتل جمع كثير من صلحاء البصرة (1) عند دخولها فيها خوفا من اجتماعهم ومنعهم لها من التمكن فيها وعداوتها لعلي وفاطمة (عليهم السلام) (2) وقد صرحوا أيضا بعداوتها،


= كانت سريعة الفتيا بالقتل كانت تقول: اقتلوا نعثلا فإنه قد كفر يعني عثمان وقد هيجت الناس على الخلاف عليه، ولم ينجح في ردعهم منع أمير المؤمنين علي (عليه السلام) عن قتل عثمان وأمر الحسن ابنه (عليه السلام) بالدفاع عنه فلم يستحيوا من حضور ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى دخلوا عليه وقتلوه فلما قتل ندمت عائشة على ما فعلت إذ رأت الخلافة في يد أمير المؤمنين (عليه السلام) وكان هواها مع طلحة وخرجت إلى البصرة مع طلحة وزبير لحرب الجمل إلى غير ذلك من الهنات على ما هو مشهور رواه المؤرخون. (ش) (1) قوله " وأمرها بقتل جمع كثير من صلحاء البصرة " ممن أمرت بقتله عثمان بن حنيف الأنصاري البدري عامل أمير المؤمنين (عليه السلام) على البصرة بعد أن منعه أصحابها من صلاة الصبح بالناس في مسجد البصرة حتى كادت الشمس تطلع، وصاح أهل المسجد ألا تتقون الله يا أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) وقد طلعت الشمس فتأخر عثمان بن حنيف فأسره أصحاب عائشة وضربوه حتى كاد يموت ونتفوا حاجبيه وأشفار عينيه وكل شعرة في وجهه ورأسه، وقالت عائشة لأبان بن عثمان: اخرج إليه واضرب عنقه فإن الأنصار قتلت أباك وأعانت على قتله، وهذا الكلام مستغرب منها إذ يدل على عدم علمها بالفقه وأحكام الشريعة وغلبة عادات الجاهلية عليها، لأن القصاص في الإسلام على مباشر القتل باتفاق الفقهاء لا على المعاون إن سلم أن الانصار عاونوا قاتل عثمان بن عفان ولو كان عقوبة المعاون القتل لم يكن إعانتهم أكثر من إعانة عائشة وطلحة وزبير وأيضا لم يكن كل أنصاري مستحقا للعقوبة بإعانة بعض أهل قبيلته ثم إنهم خافوا من قتل عثمان بن حنيف ولم يقتلوه لأن سهل بن حنيف أخاه كان عاملا على المدينة وخشوا أن يوقع بهم إلا أن عائشة أرسلت إلى الزبير أن أقتل حراس بيت المال فجاء إليهم في جيش وأسرهم وذبحهم مع من كان في يده من الاسراء كما يذبح الغنم. ثم أمرت بقتل جماعة من أصحاب حكيم بن جبلة من عبد القيس وهم ثلاثمائة لما أرادوا منابذتهم انتقاما لما فعل بعثمان بن حنيف فقتلوا جميعا ولما ورد عثمان على أمير المؤمنين (عليه السلام) بكى وقال: فارقتك شيخا وجئتك أمرد وقال بعضهم: إنها تابت بعد ما، انهزمت والله العالم. (ش) (2) قوله " وعداوتها لعلي وفاطمة (عليهم السلام) " قد يقال: إن هذه العداوة مما هو معهود بين النساء والضرات والاحماء، ولا تقدح في فضائلها وسائر كمالاتها فإنها أمر قلبي، ليس للإنسان فيه اختيار، ولا يكلف فيه بشئ فكما لا يلام أحد على محبة ابنه كذلك لا تلام امرأة على عداوة ضراتها وأحمائها وهو مسلم إن لم يترتب على العداوة الافعال الاختيارية التي يصح أن يكلف الإنسان بها كالخروج والقتل والضرب والشتم وكانت لرسول الله (صلى الله عليه وآله) أزواج لم يظهر منهن شئ من ذلك وأقوى ما يوجب الشبهة في أمرها الآية الكريمة في سورة التحريم: * (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو موليه) * الآية، فإنها تدل على شئ في قلبها بالنسبة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) والصغوا الميل والإنحراف. وكان لها هوى مع قومها المعادين لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكان إسلام من أسلم من تيم وأحلافهم نوعا من النفاق والتظاهر ورووا عنه (صلى الله عليه وآله) خطابا لها: " لولا قومك حديثوا عهد بالإسلام لهدمت الكعبة وجعلت لها بابين " وروى السهيلي في شرح السيرة كلاما عنها في خديجة وتضجرا من ذكر النبي (صلى الله عليه وآله) إياها فأجابها بأن = (*)

[ 224 ]

قال القرطبي على ما نقل عنه الآبي في كتاب إكمال الإكمال: إن فاطمة رضي الله عنها لما حضرتها الوفاة قالت لأسماء بنت عميس إذا أنا مت فاغسلني أنت وعلي ولا تدخلا أحدا فلما جاءت عائشة لتدخل قالت أسماء لا تدخلي، فشكت عائشة ذلك إلى أبي بكر وقالت: إن هذه الخثعمية تحول بيننا وبين ابنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فجاء أبو بكر فوقف على الباب فقال: يا أسماء ما حملك (1) أن


= خديجة آمنت بي وقومك كافرون وأعانت المؤمنين بمالها وكان قومك مكافحين معادين أو نحوا من ذلك ولولا أن هوى عائشة مع قومها لم يرجح خديجة عليها لأن خديجة أيضا من قريش وقومها من أعداء رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولم يكن من هذه الجهة فرق بينهما لو كان إيمانهما خالصا من شوب الهوى وفي درجة واحدة. وضرب الله مثلا لعائشة وحفصة امرأة نوح وامرأة لوط فخانتاهما وأدرج في خلال القصة قوله: * (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم) * الخ، ولا نريد بذلك رميها بالنفاق ولا قدحا في إيمانها على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو في براءتها مما قذفت به على ما في سورة النور، كلا، فإن لها حرمة بحرمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولكن لم يدع أحد فيها العصمة، وروي موادة من حاد الله عن غيرها من الصحابة مثل أبي لبابة كان من نقباء الأنصار والمؤمنين الأولين منهم الذين بايعوا النبي (صلى الله عليه وآله) في العقبة وقد روى ابن عبد البر في أنه أشار إلى يهود بني قريظة أن لا يقبلوا حكم سعد بن معاذ فإنه سيحكم بالذبح، ونزل في حقه: * (لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم) * وربط نفسه باسطوانة المسجد للتوبة حتى نزل قبول توبته. وكذلك كتاب حاطب بن أبي بلتعة إلى مكة يخبرهم بعزم رسول الله (صلى الله عليه وآله) على الخروج إليهم، وكان لعثمان هو في قومه تشفع مرارا فيهم عند رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولا يبعد من عائشة وحفصة هوى قومهما مع أن فيهم منافقين وكافرين ولا تضجر النبي (صلى الله عليه وآله) من تواطئهم على عدم إطاعة أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله) إن تأمروا على الانتقام من الأنصار الذين قتلوا صناديدهم ورؤساءهم والأخذ بثأرهم على عادة العرب قديما وحديثا فإن قريشا بعد أن أظهروا الإسلام كرها لم ينسوا قتلاهم في بدر واحد وغيرهما ولم يخرج ضغن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنصاره أهل المدينة من قلوبهم وتصميمهم على أن لا يقبلوا إمارة أحد بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا أن يتفرسوا فيه المساهلة والمسامحة معهم في الجملة كأبي بكر وعمر حتى يجدوا الفرصة، ولم يكن يخفى هذه الأمور منه (صلى الله عليه وآله). وقد روى المفسرون في تفسير الحديث الذي أسره (صلى الله عليه وآله) إلى بعض أزواجه أنه إخباره بإمارتهما بعده، وروي ذلك في طرقنا أيضا عن الباقر (عليه السلام)، والمعقول من ذلك أنه لم يكن على وجه البشارة من الله والرضا منه (صلى الله عليه وآله). بل على وجه الشكاية من المنافقين ولا يخفى على كل ملك وأمير حال اتباعه ونيتهم ومقاصدهم وخلوصهم في الخدمة أو عداوتهم باطنا وكيف برسول الله (صلى الله عليه وآله) وكان يأتيه الوحي وينظر بنور الله وقال تعالى: * (ولتعرفنهم في لحن القول) * ولا يخفى أن تظاهرهما عليه (صلى الله عليه وآله) كان في هذه الأمور الهامة المتعلقة بمصالح المسلمين دينا ودنيا حتى يناسب قوله تعالى: * (فإن الله مولاه وجبرئيل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير) * وأمر العداوة مع الضرات والاحماء لا يجاوز صرف قلوب الأزواج عن المحبة أو كسر قصعة وإنكار رائحة لا يليق ذكر ولاية جبرئيل الملائكة وصالح المؤمنين في هذه الأمور التافهة. (ش) (1) قوله " يا أسماء ما حملك " كانت أسماء زوجة أبي بكر حينئذ ومع ذلك منعته بوصية فاطمة (عليها السلام) وأخفت موتها ودفنها ولم يعلم أبا بكر به أمانة ولم يكن الأمر في دولة بني أمية وبني العباس كذلك إذ ما كان = (*)

[ 225 ]

منعت أزواج رسول الله أن يدخلن على ابنته قالت أسماء: أمرتني أن لا يدخل عليها أحد، فقال أبو بكر: اصنعي ما أمرتك ورجع. وفيها دلالة على أنها (عليها السلام) مضت وهي ساخطة على أكثر الصحابة، نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.


= يمكن مخالفة أمر الخلفاء لأحد من الأجانب فضلا عن الأقارب والأزواج ومبنى شرع الأنبياء الذي عمل به أبو بكر على أن كل أحد مستقل في إرادته وأفعاله ليس للأمير ولا لغيره صرفه عما يختاره إلا في معصية الله تعالى بخلاف شرع الجبابرة فإن لطاغوتهم الحكم بما شاء وعلى أتباعه القبول والطاعة. (ش) (*)

[ 226 ]

باب مولد الحسن بن علي صلوات الله عليهما أصل ولد الحسن بن علي (عليهم السلام) في شهر رمضان في سنة بدر، سنة اثنين بعد الهجرة، وروي أنه ولد في سنة ثلاث ومضى (عليه السلام) في شهر صفر في آخره من سنة تسع وأربعين. ومضى وهو ابن سبع وأربعين سنة وأشهر. وأمه فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله). * الأصل: - محمد بن يحيى، عن الحسين بن إسحاق، عن علي بن مهزيار، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن عبد الله بن سنان، عمن سمع أبا جعفر (عليه السلام) يقول: لما حضرت الحسن (عليه السلام) الوفاة بكى، فقيل له: يا ابن رسول الله تبكي ومكانك من رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي أنت به، وقد قال فيك ما قال، وقد حججت عشرين حجة ماشيا، وقد قاسمت مالك ثلاث مرات حتى النعل بالنعل ؟ فقال: إنما أبكي لخصلتين، لهول المطلع وفراق الأحبة. * الشرح: قوله (لهول المطلع) المطلع بفتح الطاء المشددة واللام موضع الاطلاع من اشراف إلى انحدار، يريد به الموقف يوم القيامة أو ما يشرف عليه من أمر الآخرة عقيب الموت فشبه بالمطلع الذي يشرف عليه من موضع عال. * الأصل: - سعد بن عبد الله وعبد الله بن جعفر، عن إبراهيم بن مهزيار، عن أخيه علي [ بن مهزيار ] عن الحسن بن سعيد، عن محمد بن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قبض الحسن بن علي (عليهما السلام) وهو ابن سبع وأربعين سنة في عام خمسين، عاش بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) أربعين سنة. * الشرح: قوله (في عام خمسين) دل على ما روى من أنه ولد في سنة ثلاث من الهجرة. * الأصل: - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن النعمان، عن سيف بن عميرة، عن أبي بكر الحضرمي قال: إن جعدة بنت أشعث بن قيس الكندي سمت الحسن بن علي وسمت مولاة له، فأما مولاته فقاءت السم وأما الحسن فاستمسك في بطنه ثم انتفط به فمات.

[ 227 ]

* الشرح: قوله (سمت الحسن) سمته بإغواء معاوية ومروان بن الحكم طريد رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعنهما الله. قوله (ثم انتفط به) أي تورم والنفط - بالتحريك - بلا هاء بثر يخرج باليد من القمل ملآن ماء. والنفطة بوزن الكلمة الجدري، وفي بعض النسخ " ثم انتقض " أي انهدم وتشقق. * الأصل: - محمد بن يحيى وأحمد بن محمد، عن محمد بن الحسن، عن القاسم النهدي، عن إسماعيل بن مهران، عن الكناسي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: خرج الحسن بن علي (عليهم السلام) في بعض عمرة ومعه رجل من ولد الزبير، كان يقول بإمامته، فنزلوا في منهل من تلك المناهل تحت نخل يابس، قد يبس من العطش، ففرش للحسن (عليه السلام) تحت نخلة وفرش للزبيري بحذاه تحت نخلة أخرى، قال: فقال الزبيري ورفع رأسه: لو كان في هذا النخل رطب لأكلنا منه، فقال له الحسن: وإنك لتشتهي الرطب ؟ فقا الزبيري: نعم، قال: فرفع يده إلى السماء فدعا بكلام لم أفهمه، فاخضرت النخلة ثم صارت إلى حالها فأورقت وحملت رطبا، فقال الجمال الذي اكتروا منه: سحر والله، قال: فقال الحسن (عليه السلام): ويلك ليس بسحر ولكن دعوة ابن نبي مستجابة، قال: فصعدوا إلى النخلة فصرموا ما كان فيه فكفاهم. * الشرح: قوله (في منهل) قال ابن الأثير: المنهل من المياه كلما يطؤه الطريق وما كان على غير الطريق لا يدعى منهلا ولكن يضاف إلى موضعه أو إلى من هو مختص به فيقال: منهل بني فلان أي مشربهم وموضع نهلهم، وقال الجوهري: المنهل المورد، وهو عين ماء ترده الإبل في المراعي وتسمى المنازل التي في المفاوز على طرق السقاء مناهل لأن فيها ماء. قوله (لو كان في هذا النخل) يحتمل التمني والشرط. قوله (سحر والله) يحتمل أن يكون " سحر " خبر بتقدير مبتدأ أي هذا سحر، وأن يكون فعلا، وينبغي أن يعلم أن الأمر الخارق للعادة من حيث إنه دال على صدق من أتى به وحقيقته يسمى آية وعلامة وبينة، ومن حيث إنه دال على أن صاحبه مكرم من عند الله تعالى يسمى كرامة ومن حيث إنه دال على تصديقه تعالى إياه يسمى معجزة، ومن ثم قال ابن التلمساني شرط المعجزة أن يكون إخبار النبي بأنه نبي للتحدي بها، والفرق بينهما وبين الآية أن المعجزة ما وقع التحدي بها فإن كان المدعي نبيا دلت على صدق نبوته وإن كان وليا دلت على صدق ولايته. * الأصل:

[ 228 ]

- أحمد بن محمد ومحمد بن يحيى، عن محمد بن الحسن، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن رجاله، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الحسن (عليه السلام) قال: إن لله مدينتين إحداهما بالمشرق والاخرى بالمغرب، عليهما سور من حديد وعلى كل واحد منهما ألف ألف مصراع وفيها سبعون ألف ألف لغة، يتكلم كل لغة صاحبها وأنا أعرف جميع اللغات وما فيهما وما بينهما، وما عليهما حجة غيري وغير الحسين أخي. * الشرح: قوله (إن لله مدينتين إحداهما بالمشرق والأخرى بالمغرب) قيل: جابلس بفتح اللام بلد بالمشرق ليس وراءه شئ وجابلق بلد بالمغرب. وفي المغرب قالوا: جابلقا وجابلسا قريتان إحداهما بالمغرب والأخرى بالمشرق، وفي كتاب اللوامع لما صالح الحسن (عليه السلام) معاوية قال: " يا أيها الناس لو أنكم طلبتم من جابلق إلى جابلس رجلا (1) جده رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما وجدتم غيري وغير أخي " ولا يبعد أن تكون المدينتان (2) هاتين القريتين. وروى عن أبي عبد الله (عليه السلام): إن من وراء اليمن واديا يقال له وادي برهوت لا يجاوز ذلك الوادي إلا الحيات السود، وخلف ذلك الوادي قوم يقال لهم الذريح لما بعث الله محمدا (صلى الله عليه وآله) صاح عجل لهم فيه وضرب بذنبه فنادى فيهم يا آل ذريح بصوت فصيح أتى رجل بتهامة يدعو إلى شهادة أن لا اله إلا الله قالوا لأمر ما أنطق الله هذا العجل فنادى فيهم ثانية فعزموا على أن يبنوا سفينة فبنوها ونزل فيهم سبعة منهم وحملوا من


(1) قوله " لو أنكم طلبتم من جابلق إلى جابلس رجلا " ذكر في معجم البلدان جابلق وأورد كلام الحسن بن علي (عليهم السلام) هكذا " أيها الناس لو نظرتم مابين جابرس وجابلق (وفي رواية جابلص - ما وجدتم ابن نبي غيري وغير أخي وأني رأيت أن أصلح بين أمة محمد (صلى الله عليه وآله) وكنت أحقهم بذلك إلا إنا بايعنا معاوية وجعل يقول " وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين " فجعل معاوية يقول أنزل أنزل ". انتهى وليس ما في هذا الخبر شيئا مستنكرا عجيبا حتى يحتاج إلى تأويل وتوجيه إذ وجود بلدين بهذين الاسمين أحدهما في شرق العالم والآخر في غربه غير بعيد مع أنه يمكن التعبير بمثل هذه العبارة لإفادة التعميم فيما لا يعتقد القائل تحققه كما يقول بين السماك والسمك أي جميع الفضاء والسمك حوت يحمل الأرض وربما يتكلم بهذا الكلام من لا يعتقد بوجود السمك تحت الأرض ولكن جابلق بلد موجود على ما نقل أهل اللغة وصاحب معجم البلدان كما قلنا. (ش) (2) قوله " ولا يبعد أن تكون المدينتان " ولكن لابد أن يلتزم بكون ما روى في وصف المدينتين من الأبواب واللغات مبالغة مما قد يتفق في نقل الغرائب، وقد روى الخبر عن جماعة من رجال مجهولين لا يبعد منهم نقل المبالغات فإن قيل: ابن أبي عمير راوي الخبر ممن أجمعوا على تصحيح ما يصح عنهم. قلنا تحقق لنا بالتتبع التام في كلام أعاظم الفقهاء في موارد متفرقة عدم تعبدهم بقبول روايات هؤلاء والإجماع غير محقق. (ش) (*)

[ 229 ]

الزاد ما قذف الله في قلوبهم ثم رفعوا شراعا وسيبوها في البحر فمازالت تسير بهم حتى رمت بجدة فأتوا النبي (صلى الله عليه وآله) فقال لهم النبي (صلى الله عليه وآله): أنتم أهل الذريح نادى فيكم العجل قالوا نعم قالوا: أعرض عينا يارسول الدين والكتاب فعرض عليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) الدين والكتاب والسنن والفرائض والشرائع كما جاء به من عند الله وولى عليهم رجلا من بني هاشم سيره معهم فما بينهم اختلاف حتى الساعة. ولا يبعد أن تكون هذه إحدى هاتين المدينتين، وللسهروردي تأويل (1) في جابلق وجابلس ذكره في كتابه حكمة الإشراق تركناه تحرزا من الإطناب (2).


(1) قوله " وللسهروردي تأويل " أوله شارحه قطب الدين بعالم المثال وأصل الخبر على ما في معجم البلدان واللوامع لا يحتاج إلى تأويل كما قلنا، وأما في الكتاب فمشتمل على غرائب من المبالغات التي تسري الأخبار على ما هو معهود في نقل الوقائع لأن ألف ألف مصراع يقتضي كون محيط البلد أعظم من محيط كرة الأرض خمس مرات إن فرض بين كل باب وباب آخر أربعمائة ذراع فقط ومحيط الأرض لا يزيد على ستة آلاف فرسخ، والمقدار المذكور يناهز ثلاثين ألف فرسخ. وأيضا سبعون ألف ألف لغة يقتضى على فرض كون المتكلم بكل لغة ألف إنسان على الأقل - إذ لا يتصور لأقل من هذا العدد لغة مستقلة - أن يكون عدة نفوس تلك المدينة سبعين ألف ألف إنسان وأهل الأرض كلها في زماننا جزء من ثلاثين جزءا من هذا العدد، وبالجملة فهذه الأمور مما أوجبت على عقلاء الناس إما تأويله بعالم المثال أورده بجهالة حال الرواة لئلا يستهزئ الملاحدة بالأخبار المنسوبة إلى المعصومين (عليهم السلام) ولا يطغوا فيها فكم شككوا ضعفاء العقول من المؤمنين بهذا الخبر وأمثاله، والإصرار في تحصيح الخبر وحمله على ظاهره مفسدة للدين ومنفرة للمؤمنين ولا حاجة إليه بعد الشك في صدوره من المعصوم أو اليقين بعدم صدوره. (ش) (2) قوله " تحرزا من الإطناب " كأن الشارح استحسن تأويله وارتضاه إلا إنه تحرز من الإطناب ولا بأس بنقل عبارة شرح حكمة الإشراق هنا قال: " إن في الوجود عالما مقداريا غير العالم الحسي لا يتناهى عجائبه ولا يحصى مدنه ومن جملة تلك المدن جابلقا وجابر صا وهما مدينتان عظيمتان لكل منها ألف باب لا يحصى ما فيها من الخلائق لا يدرون أن الله خلق آدم وذريته وهو يحذو حذو العالم الحسي في دوام حركة أفلاكه المثالية وقبول العنصريات ومركباته آثار حركة أفلاكه وإشراقات العوالم العقلية ويحصل في ذلك أنواع الصور المختلفة إلى غير النهاية على طبقات مختلفة باللطافة والكثافة وكل طبقة لا يتناهى أشخاصها وإن تناهت الطبقات والأنبياء والأولياء والمتألهون من الحكماء معترفون بهذا العالم وللسالكين فيه مآرب وأغراض من اظهار العجائب وخوارق العادات والمبرزون من السحرة والكهنة يشاهدونه ويظهرون من العجائب انتهى. والمبالغة فيه أقل من خبر الكتاب إذا اكتفى بألف باب ولم يذكر اللغات، والإنصاف أن رد الخبر أولى من تأويله بعالم المثل المعلقة وإن كان وجود هذا العالم حقا اعترف به العلماء واستشهدوا عليه بأحاديث كثيرة وحلوا به كثيرا من العويصات إلا إن كون المراد في كلام الحسن بن علي (عليه السلام) ذلك بعيد جدا ولعل من أوله به لم ينظر في الخبر من أوله إلى آخره ولم يتأمل الخبر الأصل الخالي عن المبالغة كما ورد في معجم البلدان غير المحتاج إلى التأويل والقاعدة في أمثال ذلك أن يجعل المضمون الخالي عن الاغراقات والمبالغات أصلا ويتكلم فيه ويجعل الإغراق مما زيد بتلاحق الأفكار. (ش) (*)

[ 230 ]

قوله (ألف ألف مصراع) يحتمل أن يكون هذا عدد مصراع السور وأن يكون عدد مصراع البيوتات، والأول أنسب بقوله " وفيها سبعون ألف ألف لغة ". * الأصل: - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن علي بن النعمان، عن صندل، عن أبي أسامة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: خرج الحسن بن علي (عليهم السلام) إلى مكة سنة ماشيا، فورمت قدماه، فقال له بعض مواليه: لو ركبت لسكن عنك هذا الورم، فقال: كلا إذا أتينا هذا المنزل فإنه يستقبلك أسود ومعه دهن فاشتر منه ولا تماكسه، فقال له مولاه: بأبي أنت وأمي ما قدمنا منزلا فيه أحد يبيع هذا الدواء. فقال له: بلى إنه أمامك دون المنزل، فسارا ميلا فإذا هو بالأسود، فقال الحسن (عليه السلام) لمولاه: دونك الرجل، فخذ منه الدهن وأعطه الثمن، فقال الأسود: يا غلام لمن أردت هذا الدهن ؟ فقال: للحسن بن علي فقال: انطلق بي إليه، فإنطلق فأدخله إليه فقال له: بأبي أنت وأمي لم أعلم أنك تحتاج إلى هذا أو ترى ذلك ولست آخذ له ثمنا، إنما أنا مولاك ولكن ادع الله أن يرزقني ذكرا سويا يحبكم أهل البيت، فأني خلفت أهلي تمخض، فقال: انطلق إلى منزلك فقد وهب الله لك ذكرا سويا وهو من شيعتنا. * الشرح: قوله (خرج الحسن بن علي (عليه السلام) إلى مكة) في هذا الحديث من إخباره (عليه السلام) بالغيب أمر أن مع ما فيه من الترغيب في المشي إلى بيت الله لأنه (عليه السلام) مشى مع كمال سعته وقدرته على الرواحل وينسحب حكمه في الزيارات.

[ 231 ]

باب مولد الحسين بن علي (عليهم السلام) * الأصل: ولد الحسين بن علي (عليهم السلام) في سنة ثلاث وقبض (عليه السلام) في شهر المحرم من سنة إحدى وستين من الهجرة وله سبع وخمسين سنة وأشهر. قتله عبيد الله بن زيادة لعنه الله في خلافة يزيد بن معاوية لعنه الله وهو على الكوفة وكان على الخيل التي حاربته وقتلته عمر بن سعد لعنه الله بكربلاء يوم الاثنين، لعشر خلون من المحرم وامه فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله). * الأصل: - سعد وأحمد بن محمد جميعا، عن إبراهيم بن مهزيار عن أخيه علي بن مهزيار، عن الحسين بن سعيد، عن محمد بن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قبض الحسين ابن علي (عليهما السلام) يوم عاشورا وهو ابن سبع وخمسين سنة. * الأصل: - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن عبد الرحمن العرزمي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان بين الحسن والحسين (عليهما السلام) طهر وكان بينهما في الميلاد ستة أشهر وعشرا. * الشرح: قوله (ولد الحسين بن علي (عليهم السلام) في سنة ثلاث) هذا لا ينافي ما روي من أنه ولد الحسن بن علي في سنة ثلاث لما سيجئ من أنه كان بينهما في الميلاد ستة أشهر وعشرا، قال القرطبي: ولد الحسن بن علي في سنة ثلاث والحسين بن علي في سنة أربع، وقال: كان الحسن فاضلا كثير الصلاة والصوم والحج، حج خمسا وعشرين ماشيا، وقال النبي (صلى الله عليه وآله) فيه وفي الحسين " سيدا شباب أهل الجنة " وقال، " هما ريحانتاي " وفي أبي داود: إن الحسن والحسين جاءا إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وهو يخطب فقطع الخطبة ونزل فأخذهما وصعد بهما المنبر وقال: رأيت هذين فلم أصبر. وقتل الحسين (عليه السلام) سنة احدى وستين بموضع يقال له: كربلاء، قرب الكوفة. قوله (قال: كان بين الحسن والحسين (عليهم السلام) طهر) أي أقل زمان الطهر وهو عشرة أيام وكان مدة الحمل ستة أشهر فكان بينهما في الميلاد ستة أشهر وعشرة أيام، والمولد الموضع والوقت، والميلاد الوقت لا غير.

[ 232 ]

* الأصل: - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الوشاء، والحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن أحمد بن عائذ، عن أبي خديجة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لما حملت فاطمة (عليها السلام) بالحسين جاء جبرئيل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال: إن فاطمة (عليها السلام) ستلد غلاما تقتله أمتك من بعدك، فلما حملت فاطمة بالحسين كرهت حمله وحين وضعته كرهت وضعه، ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): لم تر في الدنيا أم تلد غلاما تكرهه ولكنها كرهته لما علمت أنه سيقتل، قال: وفيه نزلت هذه الآية: * (ووصينا الإنسان بوالديه احسنا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) *. * الشرح: قوله (وفيه نزلت هذه الآية ووصينا الإنسان) قال علي بن إبراهيم في تفسير هذه الآية: قوله عز وجل: * (بوالديه) * إنما عني الحسن والحسين صلوات الله عليهما، ثم عطف الحسين صلوات الله عليه فقال: * (حملته امه كرها ووضعته كرها) * وذلك إن الله تبارك وتعالى أخبر نبيه (صلى الله عليه وآله) وبشره بالحسين قبل حمله وأن الإمامة تكون في ولده إلى يوم القيامة، ثم أخبره تعالى بما يصيبه من القتل والمصيبة في نفسه وولده، ثم عوضه بأن جعل الإمامة في عقبه وأعلمه أنه يقتل ثم يرده إلى الدنيا وينصره حتى يقتل أعداءه ويملكه الأرض وهو قوله تعالى: * (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض) * الآية، وقوله تعالى: * (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) * فبشر الله نبيه (صلى الله عليه وآله) أن أهل بيتك يملكون الأرض ويرجعون إليها ويقتلون أعداءهم فأخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاطمة صلوات الله عليها بخبر الحسين (عليه السلام) وقتله فحملته كرها، ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): فهل رأيتم أحدا يبشر بولد ذكر فيحمله كرها. أي أنها اغتمت فكرهت لما أخبرها بقتله ووضعته كرها لما علمت من ذلك وكان بين الحسن والحسين (عليهم السلام) طهر واحد وكان الحسين (عليه السلام) في بطن امه ستة أشهر وفصاله أربعة وعشرون شهرا وهو قول الله تبارك وتعالى * (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) *. * الأصل: - محمد بن يحيى، عن علي بن إسماعيل، عن محمد بن عمرو الزيات، عن رجل من أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن جبرئيل (عليه السلام) نزل على محمد (صلى الله عليه وآله) فقال له: يا محمد إن الله يبشرك بمولود يولد من فاطمة، تقتله أمتك من بعدك فقال: يا جبرئيل وعلى ربي السلام، لا حاجة لي في مولود يولد من فاطمة تقتله أمتي من بعدي، فعرج ثم هبط (عليه السلام) فقال له مثل ذلك،

[ 233 ]

فقال: يا جبرئيل وعلى ربي السلام لا حاجة لي في مولود تقتله أمتي من بعدي فعرج جبرئيل (عليه السلام) إلى السماء ثم هبط فقال: يا محمد إن ربك يقرئك السلام وبيشرك بأنه جاعل في ذريته الإمامة والولاية والوصية، فقال: قد رضيت ثم أرسل إلى فاطمة أن الله يبشرني بمولود يولد لك، تقتله أمتي من بعدي فأرسلت إليه لا حاجة في مولود [ مني ] تقتله أمتك من بعدك، فأرسل إليها أن الله قد جعل في ذريته الإمامة والولاية والوصية، فأرسلت إليه إني قد رضيت ف‍ * (حملته كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي) * فلولا أنه قال: أصلح لي في ذريتي لكانت دريته كلهم أئمة ولم يرضع الحسين من فاطمة (عليها السلام) ولا من أنثى، كان يؤتى به النبي فيضع إبهامه في فيه فيمص منها ما يكفيها اليومين والثلاث، فنبت لحم الحسين (عليه السلام) من لحم رسول الله ودمه (صلى الله عليه وآله) ولم يولد لستة أشهر إلا عيسى بن مريم (عليه السلام) والحسين بن علي (عليهم السلام). وفي رواية أخرى، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام): إن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يؤتى به الحسين فيلقمه لسانه فيمصه فيجتزئ به ولم يرتضع مع أنثى. * الشرح: قوله (ولم يولد لستة أشهر) يعني لم يولد لستة أشهر ولد يعيش وقد يقال إن يحيى (عليه السلام) أيضا ولد لستة أشهر. قوله (فيلقمه لسانه) لا ينافي ما سبق لوقوع هذا تارة وذلك أخرى. * الأصل: - علي بن محمد رفعه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله الله عز وجل: * (فنظر نظرة في النجوم * فقال إني سقيم) * قال: حسب فرأى ما يحل بالحسين (عليه السلام) فقال: إني سقيم لما يحل بالحسين (عليه السلام). * الشرح: قوله (فقال: إني سقيم) ما كان (عليه السلام) سقيما في بدنه وإنما كان سقيما في نفسه ومغموما في قلبه لأجل ما رأى ينزل بالحسين (عليه السلام) ولد خاتم الأنبياء من المصيبة والبلية في نفسه وأهله وولده. * الأصل: - أحمد بن محمد عن محمد بن الحسن عن محمد بن عيسى بن عبيد عن علي بن أسباط عن يوسف ابن عمير عن محمد بن حمران قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): لما كان من أمر الحسين (عليه السلام) ما كان ضجت الملائكة إلى الله بالبكاء وقالت: يفعل هذا بالحسين صفيك وابن نبيك ؟ قال: فأقام الله لهم ظل القائم (عليه السلام) وقال: بهذا أنتقم لهذا.

[ 234 ]

* الأصل: - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن عبد الملك بن أعين، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لما نزل النصر على الحسين بن علي حتى كان بين السماء والأرض ثم خير: النصر أو لقاء الله فاختار لقاء الله. * الشرح: قوله (نزل النصر) النصر الإعانة يقال نصره ينصره نصرا أي أعانه على عدوه وشد منه والمراد به نصره بالملائكة فقيل نزل ثمانون ألفا من الملائكة وروي أربعة آلاف منهم. * الأصل: - الحسين بن محمد قال: حدثني أبو كريب وأبو سعيد الأشج قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، عن أبيه إدريس بن عبد الله الأودي قال: لما قتل الحسين (عليه السلام) أراد القوم أن يوطئوه الخيل، فقالت فضة لزينب: يا سيدتي إن سفينة كسر به في البحر فخرج إلى جزيرة فإذا هو بأسد، فقال: يا أبا الحارث أنا مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فهمهم بين يديه حتى وقفه على الطريق والأسد رابض في ناحية، فدعني أمضي إليه وأعلمه ماهم صانعون غدا، قال: فمضت إليه فقالت يا أبا الحارث فرفع رأسه ثم قالت: أتدري ما يريدون أن يعملوا غدا بأبي عبد الله (عليه السلام) ؟ يريدون أن يوطئوا الخيل ظهره، قال: فمشى حتى وضع يديه على جسد الحسين (عليه السلام)، فأقبلت الخيل فلما نظروا إليه قال لهم عمر ابن سعد - لعنه الله - فتنة لا تثيروها انصرفوا، فانصرفوا. * الشرح: قوله (إدريس بن عبد الله الأودي) لم أعرفه بهذه النسبة وفي بعض النسخ الازدي وهو بهذا النسب من أصحاب الصادق (عليه السلام). قوله (أراد القوم أن يوطئوه الخيل) وطئ الشئ برجله وط ء وأوطأ فلان فلانا دابته أي ألقاه لها حتى وضعت عليه رجلها. قوله (لزينب) هي بنت أمير المؤمنين (عليه السلام). قوله (إن سفينة كسر به في البحر) قال ابن حجر في التقريب سفينة مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله) يكنى أبا عبد الرحمن يقال: كان اسمه مهران أو غير ذلك فلقب سفينة لكونه حمل شيئا كثيرا في السفر مشهور له أحاديث. وقال الذهبي أعتقته أم سلمة وفي اسمه أقوال فقيل: عمر، وقيل: سعيد بن جمهان وقيل: أبو ريحان، مات مع جابر. وقيل: سفينة مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله) يكنى أبا عبد الرحمن وأما ريحانة واسمه مهران لقب بالسفينة وقصته مشهورة واختلف في نقلها ففي كتاب الخرائج عن

[ 235 ]

ابن الأعرابي عن سفينة مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: خرجت غازيا فكسر بي المركب فغرق مع ما فيه وأفلت وما علي إلا خرقة إلى آخر ما نقله، والقصة طويلة وحاصله أنه ضل الطريق فهداه الأسد وأوصله إليه. وفي شرح السنة: سفينة مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخطأ الجيش بأرض الروم وأسر فانطلق هاربا يطلب الجيش فإذا هو بأسد فقال. يا أبا الحارث أنا مولى رسول الله وكان من أمري كيت وكيت فأقبل الأسد حتى قام إلى جنبه كلما سمع صوتا أهوى إليه ثم أقبل يمشي إلى جنبه حتى أبلغه الجيش ثم رجع. وقال المازري: اسم سفينة قيس، وقيل: نجران، وقيل: رومان، وقيل: مهران، وكنيته المشهورة أبو عبد الرحمن وسبب تسميته بسفينة أنه حمل متاعا كثيرا لرفقائه في الغزو فقال (صلى الله عليه وآله): أنت سفينة. * الأصل: - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن محمد بن أحمد، عن الحسن بن علي، عن يونس، عن مصقلة الطحان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لما قتل الحسين (عليه السلام) أقامت امرأته الكلبية عليه مأتما وبكت وبكين النساء والخدم حتى جفت دموعهن وذهبت فبينا هي كذلك إذا رأت جارية من جواريها تبكي ودموعها تسيل فدعتها فقالت لها: مالك أنت من بيننا تسيل دموعك ؟ قال: إني لما أصابني الجهد شربت شربة سويق، قال: فأمرت بالطعام والأسوقة. فأكلت وشربت وأطعمت وسقت وقالت: إنما نريد بذلك أن نتقوى على البكاء على الحسين (عليه السلام) قال: وأهدى إلى الكلبية جونا لتستعين بها على مأتم الحسين (عليه السلام) فلما رأت الجون قالت: ما هذه ؟ قالوا: هدية أهداها فلان لتستعيني على مأتم الحسين (عليه السلام) فقالت: لسنا في عرس، فما نصنع بها ثم أمرت بهن فأخرجن من الدار فلما اخرجن من الدار لم يحس لها حس كأنما طرن بين السماء والأرض ولم ير لهن بها بعد خروجهن من الدار أثر. * الشرح: قوله (أقامت امرأته الكلبية) قيل هي بنت امرء القيس الكلبي ام سكينة بنت الحسين (عليه السلام)، وبنو كلب حي من قضاعة. قوله (وأهدى إلى الكلبية جونا) أي أهدى رجل ولو قرئ على البناء للمفعول لم يظهر وجه لنصب جونا والجون كصرد جمع الجوني وهو ضرب من القطا (1).


(1) قوله " ضرب من القطا " هو الصحيح المتعين في معنى الخبر لا يحتمل غيره والعجب أن العلامة المجلسي (رضي الله عنه) ذكر وجوها آخرها أن الجون كن نساء من الجن أو كن من الأرواح الماضيات فتجسدن، ثم قال: = (*)

[ 236 ]

باب مولد علي بن الحسين (عليهما السلام) * الأصل: ولد علي بن الحسين (عليهما السلام) في سنة ثمان وثلاثين وقبض في سنة خمس وتسعين وله سبع خمسون سنة، وامه سلامة بنت يزدجرد بن شهريار بن شيرويه بن كسرى أبرويز وكان يزدجرد آخر ملوك الفرس. * الشرح: قوله: (وقبض في سنة خمس وتسعين) قال الصدوق (سمه الوليد بن عبد الملك لعنه الله فقتله) وقال حمد الله المستوفى: ذهب علماء الشيعة إلى أن الوليد بن عبد الملك بن مروان سمه. قوله (وامه شهربانويه) في بعض النسخ سلامة، وفي بعضها شاه زنان وقد قال بعض أصحاب السير: اسمها بانو وقال بعضهم: شهربانو وقال بعضهم: سلامة، وقال بعضهم: غزالة، وقيل: روي في كشف الغمة عن ابن خشاب أن اسمها كان خويلة. * الأصل: 1 - الحسين بن الحسين الحسني - رحمه الله - وعلي بن محمد بن عبد الله جميعا، عن إبراهيم ابن إسحاق الأحمر، عن عبد الرحمن بن عبد الله الخزاعي، عن نصر بن مزاحم، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لما اقدمت بنت يزدجرد على عمر أشرف لها عذارى المدينة وأشرق المسجد بضوئها لما دخلته، فلما نظر إليها عمر غطت وجهها وقالت: اف بيروج باذا هرمز فقال عمر: أتشتمني هذه وهم بها، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): ليس ذلك لك، خيرها رجلا من المسلمين واحسبها بفيئه، فخيرها فجاءت حتى وضعت يدها على رأس الحسين (عليه السلام) فقال لها أمير المؤمنين: ما اسمك ؟ فقالت: جهان شاه، فقال لها أمير المؤمنين (عليه السلام): بل شهربانويه، ثم قال للحسين: يا أبا عبد الله لتلدن لك منها خير أهل الأرض، فولدت علي بن الحسين (عليهما السلام) وكان يقال لعلي بن الحسين (عليهما السلام): ابن الخيرتين، فخيرة الله من العرب هاشم، ومن


= بالجملة الخبر لا يخلو من تشويش واضطراب والحق أنه لا تشويش ولا اضطراب فيه والمعنى كما قاله الشارح من الجون طيور يقال لها بالفارسية اسفرود ومعروفة بباقرقره اهديت إلى الكلبية لتجعلها طعاما وتتقوى بها في مأتم الحسين (عليه السلام) فقالت: إطعام الطيور في المأتم غير مناسب وإنما يناسب الأغذية اللذيذة في الأعراس فأمرت فاخرجت الطيور من الدار فطرن وفقدن ولم ير لهن أثر. (ش). (*)

[ 237 ]

العجم فارس. وروي أن أبا الأسود الدؤلي قال فيه: وإن غلاما بين كسرى وهاشم * لأكرم من نيطت عليه التمائم * الشرح: قوله (اف بيروج باذا هرمز) معرب اف بيروز بادا هرمز، تكلمت به لما نزلت بها من إبرازها في الأجانب وخذلانها بالأسر بعد ما كانت مخدرة مستورة لا يراها أحد منهم ومعززة مكرمة عند أهلها وهذه الكلمة يتكلم بها من وقع في بلية لا تخطر بباله أصلا ولا يذهب وهمه إليها أبدا. قوله (وهم بها) أي بتأديبها أو بأخذها لنفسه. قوله (وأحسبها بفيئه) أي بحصته من الغنيمة. قوله (ومن العجم فارس) ضبط بكسر الراء وفسر بفارس بن فهلو. قوله (بين كسرى) هو بكسر الكاف وفتحها ملك الفرس معرب خسرواى واسع الملك والجمع أكاسرة. قوله (لأكرم من نيطت عليه التمائم) النوط التعليق يقال: ناطه ينوطه نوطا أي علقه عليه، والتمائم جمع تميمة وهي خرزات كانت الأعراب يعلقونها على أولادهم يتقون بها العين بزعمهم. قال القتيبى: وبعضهم يتوهم أن المعاذات هي التمائم وليس كذلك إنما التميمة الخرزة، وقد وقع النهي عنها وأما المعاذات فلا بأس بها إذا كتب فيها القرآن أو أسماء الله تعالى، قال الأزهري: ومن جعل التمائم سيورا فغير مصيب، وأما قول الفرزدق: وكيف يضل العنبري ببلدة * بها قطعت عنه سيور التمايم فإنه أضاف السيور إليها لأنها تثقب وتجعل فيها سيور أو خيوط تعلق بها ومقصود أبي الأسود أنه (عليه السلام) كريم نجيب من الطرفين طرف الأب وطرف الأم وهو أكرم الخلق وأشرفهم. * أصل: 2 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: كان لعلي بن الحسين (عليهما السلام) ناقة، حج عليها اثنين وعشرين حجة، ما قرعها قرعة قط، قال: فجاءت بعد موته وماشعرنا بها إلا وقد جاءني بعض خدمنا أو بعض الموالي فقال: إن الناقة قد خرجت فأتت قبر علي بن الحسين فانبركت عليه، فدلكت بجرانها القبر وهي ترغو، فقلت: أدركوها أدركوها وجيئوني بها قبل أن يعلموا بها أو يروها، قال: وما كانت رأت القبر قط.

[ 238 ]

* الشرح: قوله (أو بعض الموالي) الترديد من الراوي. قوله (فدلكت بجرانها القبر وهي ترغو) الجران - بكسر الجيم وتخفيف الراء - مقدم عنق البعير من مذبحه إلى منحره والجمع جرن، والرغا صوت ذوات الخف، رغى البعير والنعام والظبي رغاء بالضم صوتت فضجت. قوله (قبل أن يعلموا بها) دل على أنهم عليهم السلام كانوا على كمال الخوف من الأعداء حتى لو صدر فعل دل على كمال منزلتهم، ولو من عديم العقل خافوا منه. قوله (أو يروها) يحتمل الجمع، والترديد من الراوي. * أصل: 3 - علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن محمد بن عيسى، عن حفص بن البختري، عمن ذكره، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لما مات أبي علي بن الحسين (عليهما السلام) جاءت ناقة له من الرعي حتى ضربت بجرانها على القبر وتمرغت عليه، فأمرت بها فردت إلى مرعاها وإن أبي 7 كان يحج عليها ويعتمر ولم يقرعها قرعة قط. * الأصل: ابن بابويه: 4 - الحسين بن محمد بن عامر، عن أحمد بن إسحاق بن سعد، عن سعدان بن مسلم، عن أبي عمارة، عن رجل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لما كان في الليلة التي وعد فيها علي بن الحسين (عليهما السلام) قال لمحمد (عليه السلام): يا بني ابغني وضوءا قال: فقمت فجئته بوضوء، قال: لا أبغي هذا فإن فيه شيئا ميتا، قال فخرجت فجئت بالمصباح فإذا فيه فارة ميتة فجئته بوضوء غيره، فقال: يا بني هذه الليلة التي وعدتها، فأوصى بناقته أن يحظر لها حظار وأن يقام لها علف، فجعلت فيه. قال: فلم تلبث أن خرجت حتى أتت القبر فضربت بجرانها ورغت وهملت عيناها، فأتي محمد بن علي فقيل له: إن الناقة قد خرجت فأتاها فقال: صه الآن قومي بارك الله فيك، فلم تفعل. فقال: وإن كان ليخرج عليها إلى مكة فيعلق السوط على الرحل فما يقرعها حتى يدخل المدينة، قال: وكان علي بن الحسين (عليهما السلام) يخرج في الليلة الظلماء فيحمل الجراب فيه الصرر من الدنانير والدراهم حتى يأتي بابا بابا، فيقرعه ثم ينيل من يخرج إليه فلما مات علي بن الحسين (عليهما السلام) فقدوا ذاك، فعلموا أن عليا (عليه السلام) كان يفعله. * الشرح:

[ 239 ]

قوله (ابن بابويه الحسين بن محمد) أي هذا الحديث في كتاب ابن بابويه ولعل المراد به على ابن الحسين (1) بن موسى بن بابويه لا ابنه محمد بن على لتأخره عن المصنف. قوله (ابغنى وضوءا) قال ابن الاثير يقال ابغنى كذا بهمزة الوصل أي اطلب لي وبهمزة القطع أي أعنى على الطلب فيجوز هنا الوصل والقطع والوضوء بالفتح ما يتوضؤ به. قوله (فأوصى بناقته أن يحظر لها حظار) أي يجعل لها حظار والحظار بفتح الحاء المهملة وكسرها، والظاء المعجمة الحظيرة وهي الموضع الذي يحاط عليه لتأوى إليه الغنم والأبل ويقيها من الريح والحر والبرد، وفي أكثر النسخ أن يحضر بالضاد وهذه الوصية أما لأجل الشفقة عليها، أولئلا تضطرب بموته (عليه السلام) ولا تخرج كما فعلت. قوله (صه الآن قومي) في النهاية: صه كلمة زجر يقال عند الإسكات، ويكون للواحد والاثنين والجمع المذكر والمؤنث بمعنى اسكت وهي من أسماء الأفعال وتنون ولا تنون فإذا نونت فهي للتنكير كأنك قلت اسكت سكوتا، وإذا لم تنون فللتعرف أي اسكت السكوت المعروف منك، ومعنى قوله " فلم تفعل " أنها سكتت ولم تفعل بعد الأمر بالقيام ذلك الفعل. 5 - محمد بن أحمد، عن عمه عبد الله بن الصلت، عن الحسن بن علي بن بنت إلياس عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سمعته يقول: إن علي بن الحسين (عليهما السلام) لما حضرته الوفاة أغمي عليه ثم فتح عينيه وقرأ * (إذا وقعت الواقعة) * * (وإنا فتحنا لك) * وقال: الحمدلله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوء من الجنة حيث نشاء، فنعم أجر العاملين. ثم قبض من ساعته ولم يقل شيئا. 6 - سعد بن عبد الله وعبد الله بن جعفر الحميري، عن إبراهيم بن مهزيار، عن أخيه علي بن مهزيار، عن الحسين بن سعيد، عن محمد بن سنان، عن ابن مسكان عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قبض علي بن الحسين (عليهما السلام) وهو ابن سبع وخمسين سنة، في عام خمس وتسعين، عاش بعد الحسين خمسا وثلاثين سنة.


(1) قوله " لعل المراد به على بن الحسين " رواية الكليني عن ابن بابويه هذا غير معهود وإن كان في عصره والأوضح أن المراد هو الشيخ الصدوق محمد بن علي بن بابويه، المعنى أن هذا الخبر كان في نسخة ابن بابويه كما قد يقال في نسخة الصفواني كذا وكان للكافي نسخ متعددة وقد يتفق اختلاف في نسخه فيصرح الراوي بأن هذا من أي نسخة وقد نرى في أوائل الكتاب سلسلة اسناد قبل صاحب الكتاب لتعيين النسخة المنقول عنها. (ش). (*)

[ 240 ]

باب مولد أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام ولد أبو جعفر (عليه السلام) سنة سبع وخمسين وقبض (عليه السلام) سنة أربع عشرة ومائة وله سبع وخمسون سنة ودفن بالبقيع بالمدينة في القبر الذي دفن فيه أبوه علي بن الحسين (عليه السلام) وكانت أمه أم عبد الله بنت الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام وعلى ذريتهم الهادية. * الشرح: قوله (عاش بعد الحسين خمسا وثلاثين سنة) فكان له حين قتل أبيه عليهما السلام اثنتان وعشرون سنة. قوله (وقبض (عليه السلام) سنة أربع عشرة ومائة) قال الصدوق: سمه إبراهيم بن الوليد، وقال بعض أرباب السير: سمه عند علماء الشيعة هشام بن عبد الملك بن مروان عليه اللعنة والخذلان. قوله (كانت أمه أم عبد الله) وهذه كنيتها واسمها فاطمة. * الأصل: 1 - محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن عبد الله بن أحمد، عن صالح بن مزيد عن عبد الله ابن المغيرة، عن أبي الصباح، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كانت امي قاعدة عند جدار فتصدع الجدار وسمعنا هدة شديدة، فقالت بيدها: لا وحق المصطفى ما أذن الله لك في السقوط فبقي معلقا في الجو حتى جازته فتصدق أبي عنها بمائة دينار، قال: أبو الصباح: وذكر أبو عبد الله (عليه السلام) جدته أم أبيه يوما فقال: كانت صديقة: لم تدرك في آل الحسن (عليه السلام) امرأة مثلها. محمد بن الحسن، عن عبد الله بن أحمد مثله. * الشرح: قوله (وسمعنا هدة شديدة) الهدة صوت ما يقع من السماء مثل الحايط ونحوها قوله " فقالت بيدها لا " معناه أشارت بيدها لا تسقط أولا تنزل أو قالت وحق المصطفى ما أذن الله لك في السقوط حتى أجوز حال كونها مشيرة بيدها لا. * الأصل: 2 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن أبان بن تغلب عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن جابر بن عبد الله الأنصاري كان آخر من بقي من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكان رجلا منقطعا إلينا أهل البيت وكان يقعد في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو معتجر بعمامة سوداء

[ 241 ]

وكان ينادي يا باقر العلم، يا باقر العلم، فكان أهل المدينة يقولون: جابر يهجر، فكان يقول: لا والله ما أهجر ولكني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إنك ستدرك رجلا مني اسمه اسمي وشمائله شمائلي، يبقر العلم بقرا، فذاك الذي دعاني إلى ما أقول، قال: فبينا جابر يتردد ذات يوم في بعض طرق المدينة إذا مر بطريق في ذاك الطريق كتاب، فيه محمد بن علي، فلما نظر إليه قال: يا غلام أقبل فأقبل ثم قال له: أدبر فأدبر ثم قال: شمائل رسول الله (صلى الله عليه وآله) والذي نفسي بيده: يا غلام ما اسمك ؟ قال: اسمي محمد بن علي بن الحسين، فأقبل عليه يقبل رأسه ويقول: بأبي أنت وأمي أبوك رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقرئك السلام ويقول ذلك، قال: فرجع محمد بن علي بن الحسين إلى أبيه وهو ذعر فأخبره الخبر، فقال له: يا بني وقد فعلها جابر قال: نعم قال: ألزم بيتك يا بني فكان جابر يأتيه طرفي النهار وكان أهل المدينة يقولون: واعجباه لجابر يأتي هذا الغلام طرفي النهار وهو آخر من بقي من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلم يلبث أن مضى علي ابن الحسين (عليهما السلام) فكان محمد بن علي يأتيه على وجه الكرامة لصحبته لرسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: فجلس (عليه السلام) يحدثهم عن الله تبارك وتعالى، فقال أهل المدينة: ما رأينا أحدا أجرأ من هذا، فلما رأى ما يقولون حدثهم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال أهل المدينة: ما رأينا أحدا قط أكذب من هذا يحدثنا عمن لم يره، فلما رأى ما يقولون، حدثهم عن جابر بن عبد الله، قال: فصدقوه وكان جابر بن عبد الله يأتيه فيتعلم منه. * الشرح: قوله (وهو معتجر بعمامة سوداء) قال في النهاية: الاعتجار هو أن يلف العمامة على رأسه ويرد طرفها على وجهه ولا يعمل منها شيئا تحت ذقنه. قوله (يا باقر العلم) أي يا واسع العلم وفاتحه ومظهره من بقره إذا شقه ووسعه وكشفه وقد كانت مدارس العلوم النبوية والأحكام الشرعية مندرسة بعد على (عليه السلام) إلى زمان محمد بن علي (عليهما السلام)، وقد عمرها بإذن الله تعالى. قوله (يهجر) يجوز بضم الياء من باب الإفعال وفتحها من باب طلب يقال أهجر في منطقة يهجر إهجارا أي أفحش وأكثر الكلام فيما لا ينبغي وقال قبيحا من القول والاسم الهجر بالضم، وهجر يهجر هجرا بالفتح إذا خلط في كلامه وهذى بسبب كبر سن أو مرض أو جنون ومنه قول عمر مريدا به النبي (صلى الله عليه وآله) حين طلب الدواة والكتف ليكتب لهم ما لا يضلوا بعده: " إن الرجل ليهجر ". قوله (وشمائله شمائلي) الشمائل جمع الشمال وهو الطبع والخلق والخلق والصفة. قوله (كتاب) الكتاب كرمان المكتب والجمع كتايب. قوله (وهو ذعر) أي فزع خايف وذلك من الأعداء ولذلك أمره (عليه السلام) بلزوم البيت وعدم خروجه.

[ 242 ]

* الأصل: 3 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن مثنى الحناط، عن أبي بصير قال: دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) فقلت له: أنتم ورثة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ قال: نعم: قلت: رسول الله (صلى الله عليه وآله) وارث الأنبياء علم كل ما علموا: قال لي: نعم، قلت: فأنتم تقدرون على أن تحيوا الموتى وتبرؤا الأكمه والأبرص ؟ قال: نعم بأذن الله، ثم قال لي: ادن مني يا أبا محمد. فدنوت منه فمسح على وجهي وعلى عيني فأبصرت الشمس والسماء والأرض والبيوت وكل شئ في البلد، ثم قال لي: أتحب أن تكون هكذا ولك ما للناس وعليك ما عليهم يوم القيامة أو تعود كما كنت ولك الجنة خالصا ؟ قلت: أعود كما كنت، فمسح على عيني فعدت كما كنت: قال: فحدثت ابن أبي عمير بهذا، فقال: أشهد أن هذا حق كما أن النهار حق. * الشرح: قوله (وكل شئ في البلد) هذا العام مخصص والتعميم باعتبار الكرامة بعيد. وفي بعض النسخ في الدار وهو أظهر. قوله (ولك الجنة خالصا) دل على أن ذا البلية لا يحاسب ويغفر له ما لا يغفر لغيره. * الأصل: 4 - محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن علي، عن عاصم بن حميد، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كنت عنده يوما إذ وقع زوج ورشان على الحائط وهدلا هديلهما فرد أبو جعفر (عليه السلام) عليهما كلامهما ساعة، ثم نهضا، فلما طارا على الحائط هدل الذكر على الانثى ساعة ثم نهضا، فقلت: جعلت فداك ما هذا الطير ؟ قال: يا ابن مسلم كل شئ خلقه الله من طير أو بهيمة أو شئ فيه روح فهو أسمع لنا وأطوع من ابن آدم، إن هذا الورشان ظن بامرأته فحلفت له ما فعلت فقالت: ترضا بمحمد بن علي، فرضيا بي فأخبرته أنه لها ظالم فصدقها. * الشرح: قوله (إذ وقع زوج ورشان) الورشان بفتح الواو وسكون الراء وبفتحها أيضا طائر من الحمام قال الجوهري: وهو ساق حر، والزوج هنا مقابل الفرد. قوله (وهدلا هديلهما) الهديل صوت الحمام يقال: هدل القمري يهدل هديلا مثل يهدر إذا صوت ولعل هديلهما كان من بعد نزولهما من الحايط إلى مجلس أبي جعفر (عليه السلام) بقرينة قوله: فلما طارا على الحايط مع احتمال أن يراد بهذا الحايط حايط آخر.

[ 243 ]

* الأصل: 5 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن علي بن أسباط، عن صالح بن حمزة، عن أبيه، عن أبي بكر الحضرمي قال: لما حمل أبو جعفر (عليه السلام) إلى هشام بن عبد الملك وصار ببابه قال لأصحابه ومن كان بحضرته من بني امية: إذا رأيتموني قد وبخت محمد بن علي ثم رأيتموني قد سكت فليقبل عليه كل رجل منكم فليوبخه ثم أمر أن يؤذن له، فلما دخل عليه أبو جعفر (عليه السلام) قال بيده: السلام عليكم، فعمهم جميعا بالسلام ثم جلس فازداد هشام عليه حنقا بتركه السلام عليه بالخلافة، وجلوسه بغير إذن، فأقبل يوبخه ويقول فيما يقول له: يا محمد بن علي لا يزال الرجل منكم قد شق عصا المسلمين ودعا إلى نفسه وزعم أنه الإمام سفها وقلة علم. ووبخه بما أراد أن يوبخه، فلما سكت أقبل عليه القوم رجل بعد رجل يوبخه حتى انقضى آخرهم، فلما سكت القوم نهض (عليه السلام) قائما ثم قال: أيها الناس أين تذهبون وأين يراد بكم، بناهدى الله أولكم وبنايختم آخركم، فإن يكن لكم ملك معجل فإن لنا ملكا مؤجلا وليس بعد ملكنا ملك لأنا أهل العاقبة يقول الله عز وجل: * (والعاقبة للمتقين) *. فأمر به إلى الحبس فلما صار إلى الحبس تكلم فلم يبق في الحبس رجل إلا ترشفه وحن إليه فجاء صاحب الحبس إلى هشام فقال: يا أمير المؤمنين إني خائف عليك من أهل الشأم أن يحولوا بينك وبين مجلسك هذا، ثم أخبره بخبره، فأمر به فحمل على البريد هو وأصحابه ليردوا إلى المدينة وأمر أن لا يخرج لهم الأسواق وحال بينهم وبين الطعام والشراب فساروا ثلاثا لا يجدون طعاما ولا شرابا حتى انتهوا إلى مدين، فاغلق باب المدينة دونهم فشكا أصحابه الجوع والعطش قال: فصعد جبلا ليشرف عليهم فقال بأعلى صوته: يا أهل المدينة الظالم أهلها أنا بقية الله، يقول الله: * (بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ) * قال: وكان فيهم شيخ كبير فأتاهم فقال لهم: يا قوم هذه والله دعوة شعيب النبي والله لئن لم تخرجوا إلى هذا الرجل بالأسواق لتؤخذن من فوقكم ومن تحت أرجلكم فصدقوني في هذه المرة وأطيعوني وكذبوني فيما تستأنفون فإني لكم ناصح، قال: فبادروا فأخرجوا إلى محمد بن علي وأصحابه بالأسواق، فبلغ هشام بن عبد الملك خبر الشيخ فبعث إليه فحمله فلم يدر ما صنع به. * الشرح: قوله (إلى هشام بن عبد الملك) قتل زيد بن علي بن الحسن (عليه السلام) في عهد خلافته وكان أمير الجيش الذي قتله يوسف بن عمر الثقفي والي العراق. قوله (قال بيده) أي أومأ بها. قوله (قد شق عصا المسلمين) أي فرق جماعتهم وأوقع الخلاف بينهم ومنعهم من الالتيام

[ 244 ]

والايتلاف ولم يرد العصا ولا الضرب بها ولكن جعله مثلا للتفريق، وقد يراد بالعصا الجماعة والإضافة بيانية. قوله (أين تذهبون وأين يراد بكم) الاستفهام للتوبيخ والتنبيه على ضلالتهم وغوايتهم، الأول لبيان سلوكهم سبيل الضلالة والغواية والثاني لبيان خروجهم عن منهج الحق والهداية الذي أراد الله تعالى من العباد وسلوكه. قوله (إلا ترشفه) أي مسه تبركا أو قبل يديه ورجليه، وفي تاج اللغة الرشف (بوسه كردن در وقتى كه آب در دهن گردد) ونقل عن القاموس: رشفه يرشفه كنصره وضربه وسمعه مصه كارتشفه وترشفه. قوله (أن يحولوا بينك وبين مجلسك) هذا كناية عن عزلهم له عن الخلافة ونصبهم أبا جعفر (عليه السلام). قوله (فحمل على البريد) هو وأصحابه قال الرمخشري في الفائق: البريد الرسول ويجمع على برد بضم الباء والراء، وقد تسكن الراء للتخفيف كرسل ورسل والبريد في الأصل البغل وهي كلمة فارسية أصلها بريده دم أي محذوفة الذنب لأن بغال البريد كانت محذوفة الأذناب كالعلامة لها فاعربت وخففت بحذف الآخر وفتح الأول ثم سمى الرسول الذي يركبه بريد أو المسافة التي بين السكتين بريدا والسكة الموضع الذي كان يسكنه الفيوح المرتبون من رباط أو قبة أو بيت أو نحو ذلك وبعد ما بين السكتين فرسخان وكان يرتب في كل سكة بغال وكتب في الحاشية: قيل والصواب أربعة فراسخ، ونقل هذا القول صاحب النهاية أيضا. قوله (حتى انتهوا إلى مدين) قيل: هي قرية شعيب النبي، قيل: منها إلى الشام ثلاثة منازل، وقال علي بن إبراهيم ((رحمه الله)): هي قرية على طريق الشام. قوله (أنا بقية الله) مر تفسيره في باب نادرة. قوله (لتؤخذن من فوقكم وتحت أرجلكم) وهو كان في ذلك ناصحا أمينا إذ لو لم ينزلوا لنزل عليهم عذاب أليم مثل ما نزل على قوم شعيب كما قال الله عز شأنه: * (ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود) *. * الأصل: 6 - سعد بن عبد الله والحميري جميعا، عن إبراهيم بن مهزيار، عن أخيه علي بن مهزيار، عن الحسين بن سعيد، عن محمد بن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قبض محمد بن علي الباقر وهو ابن سبع وخمسين سنة، في عام أربع عشرة ومائة، عاش بعد علي ابن الحسين (عليهما السلام) تسع عشرة سنة وشهرين.

[ 245 ]

باب مولد أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام * الأصل: ولد أبو عبد الله (عليه السلام) سنة ثلاث وثمانين ومضى في شوال من سنة ثمان وأربعين ومائة وله خمس وستون سنة ودفن بالبقيع في القبر الذي دفن فيه أبوه وجده والحسن بن علي (عليهم السلام) وامه ام فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر وامها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر. 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن عبد الله بن أحمد، عن إبراهيم بن الحسن قال: حدثني وهب بن حفص، عن إسحاق بن جرير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): كان سعيد بن المسيب والقاسم ابن محمد بن أبي بكر وأبو خالد الكابلي من ثقات علي بن الحسين (عليهما السلام) قال: وكانت امي ممن آمنت واتقت وأحسنت، والله يحب المحسنين، قال: وقالت امي: قال أبي: يا أم فروة إني لأدعو الله لمذنبي شيعتنا في اليوم والليلة ألف مرة، لأنا نحن فيما ينوبنا من الرزايا نصبر على ما نعلم من الثواب وهم يصبرون على مالا يعلمون. * الشرح: قوله (ومضى (عليه السلام) في شوال) قال الصدوق (رحمه الله): سمه أبو جعفر المنصور الدوانقي فقتله. قوله (عن عبد الله بن أحمد - إلى آخر السند -) عبد الله مشترك بين مجهول وغيره وإبراهيم بن الحسن ووهب بن حفص غير مذكورين فيما رأيت من كتب الرجال وفي بعض النسخ وهيب بن حفص بالتصغير وهو وإسحاق بن جرير واقفيان ثقتان. قوله (كان سعيد بن المسيب) في مدحه وذمه روايات متعارضة مذكورة في كتب الرجال وذمه بعضهم ذما عظيما والله أعلم بحقيقة حاله، وأما القاسم بن محمد بن أبي بكر وأبو خالد الكابلي الأصغر واسمه وردان ليس لهما مدح ولا ذم فيما رأينا من كتب الرجال وإنما قلنا: الأصغر، لأن أبا خالد الكابلي الأكبر وأسمه كنكر قيل: إنه ينتمي إلى الغلاة، وقيل: كنكر لقب وردان وأنهما واحد والله أعلم. قوله (قال وقالت امي قال: أبي) أراد بأبي محمد بن علي بن الحسين (عليهما السلام) فهو (عليه السلام) نقل ما ذكر عن امه عن أبيه. قوله (لإنا نحن فيما ينوبنا) تعليل للدعاء لهم على الوجه المذكور ودليل على أن الصبر على المصائب والرزايا والتحمل للنوائب والبلايا مع عدم العلم بما يترتب عليها من الأجر والثواب ليس

[ 246 ]

مثل الصبر عليها مع العلم به بل الأول أشق على النفس ألا يرى أن المريض والمعاقب إذا علما زوال المرض والعقوبة كان صبرهما أسهل بالنسبة إلى من لم يعلم زوالهما ولا يلزم من ذلك أن يكون ثواب الأول أجزل من ثواب الثاني، لأن ثواب المزاول للعمل أكثر من ثواب غير المزاول له مع أن العمل على غير المزاول أشق وهذا أمر وجداني ضروري. * الأصل: 2 - بعض أصحابنا، عن ابن جمهور، عن أبيه، عن سليمان بن سماعة، عن عبد الله بن القاسم، عن المفضل بن عمر قال: وجه أبو جعفر المنصور إلى الحسن ابن زيد وهو واليه على الحرمين أن احرق على جعفر بن محمد داره. فألقى النار في دار أبي عبد الله (عليه السلام) فأخذت النار في الباب والدهليز، فخرج أبو عبد الله (عليه السلام) يتخطى النار ويمشي فيها ويقول: أنا ابن أعراق الثرى، أنا ابن إبراهيم خليل الله (عليه السلام). * الشرح: قوله (الحسن بن زيد) هو الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) ثم تغير عليه المنصور وخاف منه فحبسه ثم أخرجه المهدي بن المنصور بعد وفاة أبيه من الحبس وقربه. قوله (يقول: أنا ابن أعراق الثرى أنا ابن إبراهيم خليل الله) جمع عرق وهو الأصل والثرى الأرض يعني أنا ابن أصول الأرض أو أصول أهلها على حذف المضاف، والمراد بالأصول الأنبياء، منهم خاتم الأنبياء وإبراهيم وإسماعيل صلوات الله عليهم. فقد شبه الأرض وأهلها بالأشجار والأنبياء بالأصول في أن بقاءها وثباتها بهم كما أن بقاء الأشجار وثباتها بالأصول. ثم خص إبراهيم (عليه السلام) بالذكر لأن وقوعه في النار وعدم تأثيرها فيه مشهور وفي القرآن الكريم مذكور. * الأصل: 3 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن البرقي، عن أبيه، عمن ذكره، عن رفيد مولى يزيد بن عمرو بن هبيرة قال: سخط علي ابن هبيرة وحلف علي ليقتلني فهربت منه وعذت بأبي عبد الله (عليه السلام) فأعلمته خبري، فقال لي: انصرف واقرئه مني السلام وقل له: إني قد أجرت عليك مولاك رفيدا فلا تهجه بسوء، فقلت له: جعلت فداك شامي خبيث الرأي فقال: اذهب إليه كما أقول لك، فأقبلت فلما كنت في بعض البوادي استقبلني أعرابي فقال: أين تذهب إني أرى وجه مقتول ثم قال لي: أخرج يدك، ففعلت فقال: يد مقتول، ثم قال لي: أبرز رجلك فأبرزت رجلي، فقال: رجل مقتول، ثم قال لي: أبرز جسدك ؟ ففعلت، فقال: جسد مقتول، ثم قال لي: أخرج لسانك، ففعلت، فقال لي: امض، فلا بأس عليك فإن في لسانك رسالة لو أتيت بها الجبال الرواسي لانقادت

[ 247 ]

لك، قال: فجئت حتى وقفت على باب ابن هبيرة، فاستأذنت، فلما دخلت عليه قال: أتتك بحائن رجلاه يا غلام النطع والسيف ثم أمر بي فكتفت وشد رأسي وقام علي السياف ليضرب عنقي فقلت: أيها الأمير لم تظفر بي عنوة وإنما جئتك من ذات نفسي وههنا أمر أذكره لك ثم أنت وشأنك. فقال: قل، فقلت: أخلني فأمر من حضر فخرجوا فقلت له: جعفر بن محمد يقرئك السلام ويقول لك: قد آجرت عليك مولاك رفيدا فلا تهجه بسوء، فقال: الله لقد قال لك جعفر [ بن محمد ] هذه المقالة وأقرأني السلام فحلفت له فردها علي ثلاثا ثم حل أكتافي، ثم قال: لا يقنعني منك حتى تفعل لي ما فعلت بك. قلت: ما تنطلق يدي بذاك ولا تطيب به نفسي، فقال: والله ما يقنعني إلا ذاك، ففعلت به كما فعل بي وأطلقته فناولني خاتمه وقال: اموري في يدك فدبر فيها ما شئت. * الشرح: قوله (مولى يزيد بن عمرو بن هبيرة) في معجم البلدان يزيد بن عمر بن هبيرة كان والي العراق من قبل مروان بن محمد. قوله (واقرئه مني السلام) فيه جواز تبليغ السلام إلى الغايب والظاهر أنه يجب على الغائب أن يرده إذا بلغه. قوله (فلا تهجه بسوء) هاجه بالسوء فهاج أي هيجه وأثار عليه فثار وبعثه فانبعث يتعدى ولا يتعدى والمقصود أني أجرت رفيدا عليك فلا تظلمه ولا تؤذيه. قوله (قال أتتك بخائن رجلاه) خاطب ابن هبيرة نفسه والباء في بخاين للتعدية ورجلاه فاعل أتتك. قوله (فكتفت) كتفه فهو مكتوف أي شددت يديه إلى خلفه بالكتاف وهو بالكسر حبل يشد به. قوله (عنوة) أي قهرا وغلبة. قوله (أخلني) أي تفردني يقال: خلوت به ومعه وإليه وأخليت به إذا انفردت به ففي الكلام حذف وإيصال. قوله (فردها على ثلاثا) كرره إما تأكيدا لتحقق مضمونه، أو سرورا لاستماع ذلك. أو استصغارا لنفسه عن أهليته للتشرف بهذا الشرف وعن توجه مثل هذه الكرامة الجليلة إليه. قوله (ثم حل أكتافي) الأكتاف جمع الكتاف، وفي بعض النسخ " ثم خلا كتافي " أي قطعة يقال خلاه واختلاه إذا قطعه. قوله (لا يقنعني) الإقناع من القناعة أو من القنوع وهو الرضا أي لا يرضيني منك شئ حتى

[ 248 ]

تفعل بي مثل ما فعلت بك. * الأصل: 4 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن عمر بن عبد العزيز، عن الخيبري، عن يونس بن ظبيان ومفضل بن عمر وأبي سلمة السراج والحسين بن ثوير بن أبي فاختة قالوا: كنا عند أبي عبد الله (عليه السلام) فقال: عندنا خزائن الأرض ومفاتيحها ولو شئت أن أقول بإحدي رجلي أخرجي ما فيك من الذهب لأخرجت، قال: ثم قال بإحدي رجليه فخطها في الأرض خطا فانفجرت الأرض ثم قال بيده، فأخرج سبيكة ذهب قدر شبر ثم قال: انظروا حسنا، فنظرنا فإذا سبائك كثيرة بعضها على بعض يتلألأ فقال له بعضنا: جعلت فداك اعطيتم ما اعطيتم وشيعتكم محتاجون ؟ قال: فقال: إن الله سيجمع لنا ولشيعتنا الدنيا والآخرة ويدخلهم جنات النعيم ويدخل عدونا الجحيم. * الشرح: قوله (ولو شئت أن أقول بإحدى رجلي) أي ولو شئت أن أومى أو أضرب بإحدى رجلي إلى الأرض أخرجي يا أرض ما فيك من الذهب لأخرجت. وقوله: قال بيده معناه أخذ بها، قال في النهاية: العرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال وتطلقه على غير الكلام واللسان فتقول قال بيده أي أخذ وقال برجله أي مشى وقالت له العينان سمعا وطاعة أي أومأت وقال بالماء على يده أي قلب، وقال ثبوبه أي رفعه كل ذلك على المجاز والاتساع: ويقال: قال بمعنى أقبل وبمعنى مال واستراح وضرب وغلب وغير ذلك. * الأصل: 5 - الحسين بن محمد، عن المعلى بن محمد، عن بعض أصحابه، عن أبي بصير قال: كان لي جار يتبع السلطان فأصاب مالا، فأعد قيانا وكان يجمع الجميع إليه ويشرب المسكر ويؤذيني، فشكوته إلى نفسه غير مرة، فلم ينته فلما أن ألححت عليه فقال لي: يا هذا أنا رجل مبتلى وأنت رجل معافى، فلو عرضتني لصاحبك رجوت أن ينقذني الله بك، فوقع ذلك له في قلبي فلما صرت إلى أبي عبد الله (عليه السلام) ذكرت له حاله، فقال لي: " إذا رجعت إلى الكوفة سيأتيك فقل له: يقول لك جعفر بن محمد دع ما أنت عليه وأضمن لك على الله الجنة " فلما رجعت إلى الكوفة أتاني فيمن أتى، فاحتبسته عندي حتى خلا منزلي ثم قلت له: يا هذا إني ذكرتك لأبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام) فقال لي: إذا رجعت إلي الكوفة سيأتيك فقل له: يقول لك جعفر بن محمد: دع ما أنت عليه وأضمن لك على الله الجنة، قال: فبكى ثم قال لي: الله لقد قال لك أبو عبد الله هذا ؟ قال: فحلفت له أنه قد قال لي ما قلت، فقال لي: حسبك ومضى، فلما كان بعد أيام بعث إلي فدعاني

[ 249 ]

وإذا هو خلف داره عريان، فقال لي: يا أبا بصير لا والله ما بقي في منزلي شئ إلا وقد أخرجته وأنا كما ترى، قال فمضيت إلى إخواننا فجمعت له ما كسوته به ثم لم تأت عليه أيام يسيرة حتى بعث إلي إني عليل فأتني فجعلت أختلف إليه واعالجه حتى نزل به الموت فكنت عنده جالسا وهو يجود بنفسه، فغشي عليه غشية ثم أفاق، فقال لي: يا أبا بصير قد وفى صاحبك لنا، ثم قبض - رحمة الله عليه - فلما حججت أتيت أبا عبد الله (عليه السلام) فاستأذنت عليه فلما دخلت قال لي ابتداء من داخل البيت وإحدى رجلي في الصحن والاخرى في دهليز داره: يا أبا بصير قد وفينا لصاحبك. * الشرح: قوله (فأعد قيانا) القيان جمع القينة وهي الأمة مغنية كانت أو غير مغنية وكثيرا ما يطلق على المغنية. قوله (فبكى) بكى فرحا لضمان المعصوم له على الله الجنة وتأهله لهذه المنزلة العالية وقوله: الله لقد قال لك أبو عبد الله هذا، مبالغة وتحقيق لصدور هذا القول بخصوصه لا بوجه الإبهام مثل أن يقول: دع ما أنت عليه تكن من أهل الجنة أو نحوه، فحلف أبو بصير أنه قال ذلك القول على سبيل التحقيق ولم يضمره أصلا. قوله (فقال لي حسبك) حسبك يجوز أن يقرأ بفتح الحاء والسين وحسب الفعال الحسن له ويطلق أيضا على الفعال الحسن لآبائه، ومنه قيل: من فاته حسب نفسه لم ينفعه حسب أبيه، وهو حينئذ أما فاعل فعل محذوف أي بلغني حسبك أو خبر مبتدأ محذوف أي هذا حسبك أن فعالك الحسن ويجوز أن يقرأ بكسر الحاء وفتح السين جمع الحسبة وهو الأجر وهو حينئذ مبتدأ خبره محذوف أي أجورك في التبليغ على الله ويجوز أن يقرأ بفتح الحاء وسكون السين وهذا هو الأظهر وهو حينئذ أيضا مبتدأ خبره محذوف أي حسبك وكفاك ما بلغت وليس على الرسول إلا البلاغ أو حسبك الله وكفاك في جميع المهمات جزاء لما فعلت. قوله (وهو يجوز بنفسه) أي يخرجها ويدفعها كما يدفع الإنسان ماله ويجود به والجود الكرم يعني أنه كان في النزع وسياق الموت كذا في النهاية. * الأصل: 6 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان بن يحيى، عن جعفر بن محمد بن محمد ابن الأشعث قال: قال لي: أتدري ما كان سبب دخولنا في هذا الأمر ومعرفتنا به وما كان عندنا منه ذكر ولا معرفة شئ عند الناس ؟ قال: قلت له: ما ذاك ؟ قال: إن أبا جعفر - يعني أبا الدوانيق - قال لأبي، محمد بن الأشعث: يا محمد ابغ لي رجلا له عقل يؤدي عني فقال له أبي: قد

[ 250 ]

أصبته لك هذا فلان بن مهاجر خالي، قال: فاتني به، قال: فأتيته بخالي فقال له أبو جعفر: يا ابن مهاجر خذ هذا المال وأت المدينة وأت عبد الله بن الحسن بن الحسن وعدة من أهل بيته فيهم جعفر بن محمد فقل لهم: إني رجل غريب من أهل خراسان وبها شيعة من شيعتكم وجهوا إليكم بهذا المال، وادفع إلى كل واحد منهم على شرط كذا وكذا، فإذا قبضوا المال فقل: إني رسول واحب أن يكون معي خطوطكم بقبضكم ما قبضتم، فأخذ المال وأتى المدينة فرجع إلى أبي الدوانيق ومحمد بن الأشعث عنده. فقال له أبو الدوانيق ما وراءك قال: أتيت القوم وهذه خطوطهم بقبضهم المال خلا جعفر بن محمد، فإني أتيته وهو يصلى في مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) فجلست خلفه وقلت حتى ينصرف فأذكر له ما ذكرت لأصحابه، فعجل وانصرف، ثم التفت إلي فقال: يا هذا اتق الله ولا تغر أهل بيت محمد فإنهم قريبوا العهد بدولة بني مروان، وكلهم محتاج، فقلت: وما ذاك أصلحك الله ؟ قال: فأدنى رأسه مني وأخبرني بجميع ما جرى بيني وبينك حتى كأنه كان ثالثنا، قال: فقال له أبو جعفر: يا ابن مهاجر أعلم أنه ليس من أهل بيت نبوة إلا وفيه محدث وإن جعفر بن محمد محدثنا اليوم وكانت هذه الدلالة سبب قولنا بهذه المقالة. قوله (ولا تغر أهل بيت محمد) أي لا تدخل إليهم الهم على غفلة منهم عن حالك وقصدك ومآل أمرهم ولا تطلب منهم ذلك، يقال: اغتررت الرجل إذا طلبت غرته أي غقلته وفعله بعينه كان فعل الشيطان حيث أنه يحمل الإنسان على محابه ووراء ذلك ما يسوءه. قوله (فأنهم قريبوا العهد) كأنه تعليل لغرتهم وغفلتهم عما يراد بهم من المكر والخديعة. بيان ذلك: أنهم قريبوا العهد بدولة بنى مروان وبنو مروان لبعد قرابتهم وشدة عداوتهم منعوا حقوقهم فصاروا محتاجين مضطرين يقبلون منك ما عرضت عليهم من المال لغاية الاضطرار لا لإدعائهم ما تزعمون من الخلافة، ولو لم يكن حاجة ما قبلوا منك، والحاصل أن أخذهم مستند إلى الحاجة لا إلى الخلافة كما زعمتم. * الأصل: 7 - سعد بن عبد الله وعبد الله بن جعفر جميعا، عن إبراهيم بن مهزيار، عن أخيه علي بن مهزيار، عن الحسين بن سعيد، عن محمد بن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير قال: قبض أبو عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) وهو ابن خمس وستين سنة، في عام ثمان وأربعين ومائة وعاش بعد أبي جعفر (عليه السلام) أربعا وثلاثين سنة. 8 - سعد بن عبد الله، عن أبي جعفر محمد بن عمر بن سعيد، عن يونس بن يعقوب عن أبي

[ 251 ]

الحسن الأول (عليه السلام) قال: سمعته يقول: أنا كفنت أبي في ثوبين شطويين، كان يحرم فيهما وفي قميص من قمصه وفي عمامة كانت لعلي بن الحسين (عليهما السلام) وفي برد اشتراه بأربعين دينارا. * الشرح: قوله (في ثوبين شطويين) الشطا اسم قرية بناحية مصر تنسب إليها الثياب الشطوية. قوله (وفي برد اشتراه بأربعين دينارا) وفي التهذيب " لو كان اليوم لساوى أربعمائة دينار " والبرد ثوب مخطط معروف من برود اليمن والبردة الشملة المخططة.

[ 252 ]

باب مولد أبي الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام * الأصل: ولد أبو الحسن موسى (عليه السلام) بالأبواء سنة ثمان وعشرين ومائة وقال بعضهم: تسع وعشرين ومائة وقبض (عليه السلام) لست خلون من رجب من سنة ثلاث وثمانين ومائة وهو ابن أربع أو خمس وخمسين سنة، وقبض (عليه السلام) ببغداد في حبس السندي بن شاهك وكان هارون حمله من المدينة لعشر ليال بقين من شوال سنة تسع وسبعين ومائة وقد قدم هارون المدينة منصرفه من عمرة شهر رمضان، ثم شخص هارون إلى الحج وحمله معه، ثم انصرف على طريق البصرة فحبسه عند عيسى بن جعفر، ثم أشخصه إلى بغداد، فحبسه عند السندي بن شاهك فتوفي (عليه السلام) في حبسه ودفن ببغداد في مقبرة قريش وامه ام ولد يقال لها: حميدة. * الشرح: قوله (بالأبواء) قال في النهاية: هو بفتح الهمزة وسكون الباء والمد جبل بين مكة والمدينة، وعنده بلد ينسب إليه. وفي المصباح هو منزل بين مكة والمدينة قريب من الجحفة من جهة الشمال دون مرحلة. قوله (وهو ابن أربع أو خمس وخمسين سنة) الخمس باعتبار الثمان والأربع باعتبار التسع. قوله (وقبض (عليه السلام) ببغداد في حبس السندي بن شاهك) سمه السندي بن شاهك صاحب الحرس، وقيل يحيى بن خالد البرمكي بأمر الرشيد هارون بن المهدي بن المنصور الدوانقي لعنهم الله، وبقي الرشيد بعده (عليه السلام) عشر سنين. قوله (فحبسه عند عيسى بن جعفر) هو عيسى بن جعفر بن منصور الدوانقي وابن عم هارون وواليه في البصرة، وكان (عليه السلام) في حبسه سنة فبعث هارون إلى عيسى وأمره بقتله (عليه السلام) فأبى واستعفا عن ذلك فأشخصه هارون إلى بغداد وحبسه عند الفضل بن الربيع وبقي في حبسه مدة وأمره أيضا بقتله فأبى عنه، ثم حبسه عند الفضل بن يحيى بن خالد البرمكي فضيق عليه الفضل أولا الطعام والشراب والمسكن ثم عظمه وأكرمه واحترمه ووسع عليه لما رأى منه كثرة الصلاة والصيام والخشوع فأنهى ذلك إلى هارون فغضب عليه وكتب إلى السندي أن يضرب الفضل مائة سوط فضربه ثم حبسه (عليه السلام) عند السندي ولما رأى يحيى بن خالد تغير هارون على ابنه وأسر إلى هارون أن يتجاوز عن تقصير ابنه وتكفل هو ذلك الفعل الشنيع فسر بذلك هارون وأمره أن يذهب إلى

[ 253 ]

بغداد ويأتي بما أمره به خفية لكيلا يعلمه العلويون وغيرهم فدخل بغداد وأظهر أنه جاء لتعمير بعض العمارات وبقي أياما قلائل وأظهر ما في ضميره على السندي ففعلا ما فعلا وسمه أحدهما عليهما لعنة الله والملائكة ولعن اللاعنين. * الأصل: 1 - الحسين بن محمد الأشعري، عن معلى بن محمد، عن علي بن السندي القمي قال: حدثنا عيسى بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: دخل ابن عكاشة بن محصن الأسدي على أبي جعفر (عليه السلام) وكان أبو عبد الله (عليه السلام) قائما عنده، فقدم إليه عنبا فقال: حبة حبة يأكله الشيخ الكبير والصبي الصغير وثلاثة وأربعة يأكله من يظن أنه لا يشبع وكله حبتين حبتين فإنه يستحب، فقال لأبي جعفر (عليه السلام): لأي شئ لا تزوج أبا عبد الله فقد أدرك التزويج ؟ قال: وبين يديه صرة مختومة، فقال: أما إنه سيجئ نخاس من أهل بربر فينزل دار ميمون، فنشتري له بهذه الصرة جارية، قال: فأتى لذلك ما أتى، فدخلنا يوما على أبي جعفر (عليه السلام) فقال: ألا اخبركم عن النخاس الذي ذكرته لكم قد قدم، فأذهبوا فاشتروا بهذه الصرة منه جارية، قال: فأتينا النخاس فقال: قد بعت ما كان عندي إلا جاريتين مريضتين إحديهما أمثل من الاخرى، قلنا: فأخرجهما حتى ننظر إليهما فأخرجهما فقلنا: بكم تبيعنا هذه المتماثلة ؟ قال: بسبعين دينارا، قلنا: أحسن، قال: لا أنقص من سبعين دينارا، قلنا له: نشتريها منك بهذه الصرة ما بلغت ولا ندري ما فيها وكان عنده رجل أبيض الرأس واللحية قال: فكوا وزنوا، فقال النخاس: لا تفكوا فإنها إن نقصت حبة من سبعين دينارا لم ابايعكم فقال الشيخ: ادنوا فدنونا وفككنا الخاتم ووزنا الدنانير فإذا هي سبعون دينارا لا تزيد ولا تنقص، فأخذنا الجارية فأدخلناها على أبي جعفر (عليه السلام) وجعفر قائم عنده فأخبرنا أبا جعفر بما كان، فحمد الله وأثني عليه ثم قال لها: ما اسمك ؟ قالت: حميدة، فقال: حميدة في الدنيا، محمودة في الآخرة، أخبريني عنك أبكر أنت أم ثيب ؟ قالت: بكر، قال: وكيف ولا يقع في أيدي النخاسين شئ إلا أفسدوه، فقالت: قد كان يجيئني فيقعد مني مقعد الرجل من المرأة فيسلط الله عليه رجلا أبيض الرأس واللحية فلا يزال يلطمه حتى يقوم عني، ففعل بي مرارا وفعل الشيخ به مرارا فقال: يا جعفر خذها إليك. فولدت خير أهل الأرض موسى بن جعفر (عليهما السلام). * الشرح: قوله (دخل ابن عكاشة) عكاشة كرمانة ويخفف صحابي وفي المغرب: عكاشة صح بالتشديد سماعا عن الثقات، والمحدثون على التخفيف وعن الفارابي بالتشديد لا غير وهو عكاشة ابن محصن الغنمى الأسدي.

[ 254 ]

قوله (سيجئ نخاس من أهل بربر) النخاس بياع الرقيق والدواب ودلالها والبربر قوم بالمغرب حفاة كالأعراب في رقة الدين وقلة العلم، كذا في المغرب. قوله (إحديهما أمثل من الاخرى) أي أحسن وأجود وأقرب إلى الخير، وأماثل الناس خيارهم. قوله (بكم تبيعنا هذه المتماثلة) أشارة إلى واحدة منهما على التعيين ولما ادعى البايع تماثلهما مع ادعاء زيادة إحديهما في الجودة كانت كل واحدة منهما متماثلة للاخرى عند البايع والمشتري، وأما الزيادة فغير مسلمة عند المشتري كما هو المتعارف في المساومة فلذلك عبر عنها المشتري بالمتماثلة إجراء لكلامه على سنن كلام البايع ولعل هذا أجلى من القول بأن المراد بالمتماثلة المتقاربة إلى البرء يقال: تماثل من علته أي قارب البرء أو المقاربة إلى الموت ومن القول بأن المتمايلة بالياء المثناة التحتانية بعد الألف وأن المراد بها المتمايلة إلى البرء أو الموت والله أعلم. * الأصل: 2 - محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن عبد الله بن أحمد، عن علي بن الحسين، عن ابن سنان، عن سابق بن الوليد، عن المعلى بن خنيس أن أبا عبد الله (عليه السلام) قال: حميدة مصفاة من الأدناس كسبيكة الذهب، مازالت الأملاك تحرسها حتى اديت إلي كرامة من الله لي والحجة من بعدي. * الشرح: قوله (مازالت الأملاك تحرسها) لعل الملك الذي كان يحرسها هو أبيض الرأس واللحية الذي كان يلطم النخاس وكان عنده عند اشترائها والله أعلم. * الأصل: 3 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه جميعا عن أبي قتادة القمي، عن أبي خالد الزبالي قال: لما اقدم بأبي الحسن موسى (عليه السلام) على المهدي القدمة الاولى نزل زبالة فكنت احدثه، فرآني مغموما فقال لي: يا أبا خالد مالي أراك مغموما ؟ فقلت: وكيف لا أغتم وأنت تحمل إلى هذه الطاغية ولا أدري ما يحدث فيك ؟ فقال: ليس علي بأس إذا كان شهر كذا وكذا ويوم كذا فوافني في أول الميل، فما كان لي هم إلا إحصاء الشهور والأيام حتى كان ذلك اليوم، فوافيت الميل فمازلت عنده حتى كادت الشمس أن تغيب ووسوس الشيطان في صدري وتخوفت أن أشك فيما قال، فبينا أنا كذلك إذا نظرت إلى سواد قد أقبل من ناحية العراق، فاستقبلتهم فإذا أبو الحسن (عليه السلام) أمام القطار على بغلة، فقال: إيه يا أبا خالد، قلت، لبيك يا ابن رسول الله، فقال: لا تشكن، ود الشيطان أنك شككت، فقلت: الحمدلله الذي خلصك منهم فقال:

[ 255 ]

إن لي إليهم عودة لا أتخلص منهم. * الشرح: قوله (لما أقدم بأبي الحسن (عليه السلام) على المهدي) لما كان عالما بحاله (عليه السلام) وعلو منزلته وسمو مكانه وميل الخلق إليه خاف منه وأنهضه من المدينة إلى بغداد وحبسه فرأى في المنام بعد أيام رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال له: يا محمد * (فهل عسيتم أن توليتهم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم) * ففزع واستيقظ وطلب ربيع الحاجب وأمره باحضاره (عليه السلام)، فأحضره فعانقه المهدي وأجلسه بجنبه ونقل له الرؤيا وقال له: هل لك أن تؤمنني بخروجك علي وعلى ولدي فقال (عليه السلام): لم يخطر ببالي ذلك ولا أفعله أبدا فقال له المهدي صدقت فأوصله عشرة آلاف دينار وأمر الربيع بتجهيز سفره إلى المدينة فجهز في تلك الليلة وهيأ ما يحتاج إليه وأرسله فيها خوفا من أن يبدو للمهدي رأي ويمنعه من الذهاب فكان (عليه السلام) في المدينة إلى أن مات المهدي وقام مقامه ابنه هارون عليه اللعنة فأنهضه هارون من المدينة إلى بغداد ثانيا كما مر، قوله (فوافني) وافاه أتاه مفاعلة من الوفاء. قوله (فقال: إيه يا أبا خالد) قال في النهاية: ايه كلمة يراد بها الاستزادة وهي مبنية على الكسر فإذا وصلت نونت فقل: ايه حدثنا، وإذا قلت: إيها بالنصب فإنما تأمره بسكوت وقد ترد المنصوبة بمعنى التصديق والرضاء بالشئ. * الأصل: 4 - أحمد بن مهران وعلي بن إبراهيم جميعا، عن محمد بن علي، عن الحسن بن راشد، عن يعقوب بن جعفر بن إبراهيم قال: كنت عند أبي الحسن موسى (عليه السلام) إذ أتاه رجل نصراني ونحن معه بالعريض فقال له النصراني: أتيتك من بلد بعيد وسفر شاق وسألت ربي منذ ثلاثين سنة أن يرشدني إلى خير الأديان وإلى خير العباد وأعلمهم وأتاني آت في النوم فوصف لي رجلا بعلياء دمشق، فانطلقت حتى أتيته فكلمته، فقال: أنا أعلم أهل ديني وغيري أعلم مني، فقلت: أرشدني إلى من هو أعلم منك فإني لا أستعظم السفر ولا تبعد علي الشقة ولقد قرأت الإنجيل كلها ومزامير داود وقرأت أربعة أسفار من التوراة وقرأت ظاهر القرآن حتى استوعبته كله، فقال لي العالم: إن كنت تريد علم النصرانية فأنا أعلم العرب والعجم بها، وإن كنت تريد علم اليهود فباطي بن شرجيل السامري أعلم الناس بها اليوم. وإن كنت تريد علم الإسلام وعلم التوراة وعلم الإنجيل وعلم الزبور وكتاب هود وكلما انزل على نبي من الأنبياء في دهرك ودهر غيرك وما انزل من السماء من خبر - فعلمه أحد أولم يعلم به أحد - فيه تبيان كل شئ وشفاء للعالمين وروح لمن استروح إليه وبصيرة

[ 256 ]

لمن أراد الله به خيرا وانس إلى الحق فارشدك إليه، فاأته ولو مشيا على رجليك، فإن لم تقدر فحبوا على ركبتيك، فإن لم تقدر فزحفا على استك، فإن لم تقدر فعلى وجهك فقلت: لابل أنا أقدر على المسير في البدن والمال. قال: فانطلق من فورك حتى تأتي يثرب، فقلت: لا أعرف يثرب، قال: فانطلق حتى تأتي مدينة النبي (صلى الله عليه وآله) الذي بعث في العرب وهو النبي العربي الهاشمي فإذا دخلتها فسل عن بني غنم بن مالك بن النجار وهو عند باب مسجدها وأظهر بزة النصرانية وحليتها فإن واليها يتشدد عليهم والخليفة أشد، ثم تسأل عن بني عمرو بن مبذول وهو ببقيع الزبير، ثم تسأل عن موسى بن جعفر وأين منزله وأين هو ؟ مسافر أم حاضر فإن كان مسافرا فالحقه فإن سفره أقرب مما ضربت إليه، ثم أعلمه أن مطران عليا الغوطة - غوطة دمشق - هو الذي أرشدني إليك وهو يقرئك السلام كثيرا ويقول لك: إني لاكثر مناجاة ربي أن يجعل إسلامي على يديك. فقص هذه القصة وهو قائم معتمد على عصاه، ثم قال: إن أذنت لي يا سيدي كفرت لك وجلست فقال: آذن لك أن تجلس ولا آذن لك أن تكفر، فجلس ثم ألقى عنه برنسه ثم قال: جعلت فداك تأذن لي في الكلام قال: نعم ما جئت إلا له، فقال له النصراني، اردد على صاحبي السلام أو ما ترد السلام، فقال أبو الحسن (عليه السلام): على صاحبك أن هداه الله فأما التسليم فذاك إذا صار في ديننا، فقال النصراني: إني أسألك - أصلحك الله - قال: سل، قال: أخبرني عن كتاب الله تعالى الذي انزل على محمد ونطق به، ثم وصفه بما وصفه به، فقال: * (حم * والكتاب المبين * إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين * فيها يفرق كل أمر حكيم) * ما تفسيرها في الباطن ؟ فقال: أما " حم " فهو محمد (عليه السلام) وفي كتاب هود الذي انزل عليه وهو منقوص الحروف وأما " الكتاب المبين " فهو أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وأما الليلة ففاطمة (عليها السلام) وأما قوله * (فيها يفرق كل أمر حكيم) * يقول: يخرج منها خير كثير فرجل حكيم ورجل حكيم ورجل حكيم، فقال الرجل: صف لي الأول والآخر من هؤلاء الرجال، فقال: إن الصفات تشتبه ولكن الثالث من القوم أصف لك ما يخرج من نسله وانه عندكم لفي الكتب التي نزلت عليكم إن لم تغيروا وتحرفوا وتكفروا، وقديما ما فعلتم، قال له النصراني: إني لا أستر عنك ما علمت ولا اكذبك وأنت تعلم ما أقول في صدق ما أقول وكذبه، والله لقد أعطاك الله من فضله، وقسم عليك من نعمه ما لا يخطره الخاطرون ولا يستره الساترون ولا يكذب فيه من كذب، فقولي لك في ذلك الحق كما ذكرت، فهو كما ذكرت، فقال له أبو إبراهيم (عليه السلام): اعجلك أيضا خبرا لا يعرفه إلا قليل ممن قرأ الكتب. أخبرني ما اسم ام مريم ؟ وأي يوم نفخت فيه مريم ؟ ولكم من ساعة من النهار ؟ وأي يوم وضعت مريم فيه عيسى (عليه السلام) ؟ ولكم من ساعة من النهار ؟ فقال النصراني: لا أدري، فقال

[ 257 ]

أبو إبراهيم (عليه السلام): أما ام مريم فاسمها مرثا وهي وهيبة بالعربية. وأما اليوم الذي حملت فيه مريم فهو يوم الجمعة للزوال وهو اليوم الذي هبط فيه الروح الأمين وليس للمسلمين عيد كان أولى منه. عظمه الله تبارك وتعالى وعظمه محمد (صلى الله عليه وآله)، فأمر أن يجعله عيدا فهو يوم الجمعة وأما اليوم الذي ولدت فيه مريم فهو يوم الثلاثاء، لأربع ساعات ونصف من النهار، والنهر الذي ولدت عليه مريم عيسى (عليه السلام) هل تعرفه ؟ قال: لا، قال: هو الفرات وعليه شجر النخل والكرم وليس يساوي بالفرات شئ للكروم والنخيل. فأما اليوم الذي حجبت فيه لسانها ونادى قيدوس ولده وأشياعه فأعانوه وأخرجوا آل عمران لينظروا إلى مريم، فقالوا لها ما قص الله عليك في كتابه وعلينا في كتابه، فهل فهمته ؟ قال: نعم وقرأته اليوم الأحدث (1)، قال: إذن لا تقوم من مجلسك حتى يهديك الله، قال النصراني: ما كان اسم امي بالسريانية وبالعربية ؟ فقال: كان اسم امك بالسريانية عنقالية، وعنقورة كان اسم جدك لأبيك وأما اسم امك بالعربية فهومية وأما اسم أبيك فعبد المسيح وهو عبد الله بالعربية وليس للمسيح عبد، قال: صدقت وبررت، فما كان اسم جدي ؟ قال: كان اسم جدك جبرئيل وهو عبد الرحمن سميته في مجلسي هذا قال: أما إنه كان مسلما ؟ قال أبو إبراهيم (عليه السلام): نعم وقتل شهيدا. دخلت عليه أجناد فقتلوه في منزله غيلة والأجناد من أهل الشام، قال: فما كان اسمي قبل كنيتي ؟ قال: كان اسمك عبد الصليب، قال: فما تسميني ؟ قال: اسميك عبد الله، قال: فإني آمنت بالله العظيم وشهدت أن لا إله إلا وحده لا شريك له فردا صمدا، ليس كما تصفه النصارى وليس كما تصفه اليهود، ولا جنس من أجناس الشرك، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالحق فأبان به لأهله وعمي المبطلون وأنه كان رسول الله إلى الناس كافة إلى الأحمر والأسود كل فيه مشترك فأبصر من أبصر واهتدى من اهتدى وعمي المبطلون وضل عنهم ما كانوا يدعون، وأشهد أن وليه نطق بحكمته وأن من كان قبله من الأنبياء نطقوا بالحكمة البالغة وتوازروا على الطاعة لله وفارقوا الباطل وأهله والرجس وأهله وهجروا سبيل الضلالة ونصرهم الله بالطاعة له وعصمهم من المعصية، فهم لله أولياء وللدين أنصار، يحثون على الخير ويأمرون به، آمنت بالصغير منهم والكبير ومن ذكرت منهم ومن لم أذكر وآمنت بالله تبارك وتعالى رب العالمين، ثم قطع زناره وقطع صليبا كان في عنقه من ذهب، ثم قال: مرني حتى أضع صدقتي حيث تأمرني فقال: ههنا أخ لك كان على مثل دينك وهو رجل من قومك من قيس بن ثعلبة وهو في نعمة كنعمتك فتواسيا وتجاورا ولست


(1) كذا في جميع النسخ والصحيح " الاجدب ". (*)

[ 258 ]

أدع أن اورد عليكما حقكما في الإسلام فقال: والله - أصحلك الله - إني لغني ولقد تركت ثلاثمائة طروق بين فرس وفرسة وتركت ألف بعير، فحقك فيها أوفر من حقي، فقال له: أنت مولى الله ورسوله وأنت في حد نسبك على حالك، فحسن إسلامه وتزوج امرأة من بني فهر وأصدقها أبو إبراهيم (عليه السلام) خمسين دينارا من صدقة علي بن أبي طالب (عليه السلام) وأخدمه وبوأه وأقام حتى اخرج أبو إبراهيم (عليه السلام)، فمات بعد مخرجه بثمان وعشرين ليلة. * الشرح: قوله (بالعريض) هو بضم العين مصغرا واد بالمدينة به أموال لأهلها. قوله (ومزابير داود) المزابير جمع المزبور وهو العلم والمراد به كتاب داود (عليه السلام) أو جمع المزبرة وهو مفعل من زبر الكتاب زبرا وزبارة وهو اتقان الكتاب والزبر بلسان اليمن الكتاب والمراد به أيضا ما ذكر وفي كثير من النسخ المعتبرة (مزامير) بالميم بدل مزابير وهو الأصوب والمزمار آلة يزمر بها والمراد بها هنا ما ذكر قال الزمخشري في الفايق: سمع يعني رسول الله (صلى الله عليه وآله) صوت الأشعري وهو يقرأ فقال لقد اوتي هذا من مزامير آل داود، قال بريدة: فحدثته بذلك فقال: لو علمت أن نبي الله استمع لقراءتي لحبرتها ضرب المزامير مثلا لحسن صوت داود (عليه السلام) وحلاوة نغمته كأن في حلقه مزامير يزمر بها. والآل مقحم ومعناه الشخص، التحبر: التحسين. قوله (فباطي بن شرجيل السامري) السامرة كصاحبة قوم من اليهود يخالفونهم في بعض أحكامهم. قوله (وشفاء للعالمين) من مرض الجهل والحيرة. روح أي راحة روحانية لمن استروح إليه وبصيرة نفسانية لمن أراد الله به خيرا يرى بها وجوه الأسرار الإلهية والمعارف الربانية، وأنس إلى الحق جل شأنه، وفيما ذكره إجمالا جميع ما هو مطلوب من نوع الإنسان فإن الساير إلى الله وطالب الانس به والوحشة عما سواه لابد له من طلب الشفاء عن الأمراض النفسانية وتحصيل الدواء للأدواء الروحانية حتى تحصل له راحة نفسانية وخفة روحانية عن تحمل مشاق تلك الأمراض فإذا صفى روحه عن كدرتها وخلص قلبه من غبرتها حصل له بصيرة كاملة يبصر بها ما في عالم الملك والملكوت ويأنس بالحي الذي لا يموت. قوله (فإن لم تقدر فحبوا على ركبتيك) حبوا منصوب على أنه تمييز أي فاأته حبوا أو على أنه مصدر لفعل مقدر من جنسه والحبو أن يمشي على يديه وركبتيه، وفي بعض النسخ " ولو جثوا " بالجيم والثاء المئلثة يقال جثا يجثو جثوا إذا جلس ركبتيه. قوله (فزحفا على استك) أي فمشيا على استك كما يمشي الطفل قبل أن يقوم، من زحف

[ 259 ]

الصبي إذا انسحب على استه والاست العجز أو حلقة الدبر. قوله (حتى تأتي يثرب) قال ابن الأثير: هي اسم مدينة النبي (صلى الله عليه وآله) قديمة فغيرها وسماها طيبة وطابة كراهية للتثريب وهو اللوم والتعيير، وقيل: هو اسم أرضها، وقيل: سميت باسم رجل من العمالقة، وقال الزمخشري: يثرب اسم المدينة، وقيل: هي أرض المدينة بناحيه منها. وقال الآبي: يثرب كانت اسم المدينة في الجاهلية وسميت في الإسلام بالمدينة وطيبة. قوله (فسل عن بني غنم بن مالك بن النجار) (1) غنم بالفتح والتسكين أبو طايفة من الأنصار كما أن بني النجار فرقة منهم والنجار أيضا قبيلة منهم. قوله (وهو بنقيع الزبير) النقيع بالنون في أكثر النسخ وهي البئر الكثيرة الماء ولعل الباء كما في بعض النسخ تصحيف والبقيع موضع بظاهر المدينة فيه قبور أهلها، ويقال له: قيع الغرقد لأنه كان فيه شجر الغرقد، فذهب وبقي اسمه والغرقد بفتح العين المعجمة ضرب من شجر العضاة وشجر الشوك. قوله (ثم اعلمه أن مطران عليا الغوطة) مطران النصارى وبكسر لقب لكبيرهم وعليا اسم للمكان المرتفع وليست بتأنيث الأعلى، والغوطة بالضم موضع بالشام كثير الماء والشجر وهو غوطة دمشق. قوله (وهو قايم) الضمير للنصراني. قوله (كفرت لك) التكفير أن يذل الإنسان ويخضع لغيره بأن يصنع يده على صدره وينحنى ويطأطأ رأسه قريبا من الركوع كما يفعل من يريد تعظيم صاحبه. قوله (ثم ألقى عنه برنسه) كما هو المتعارف في التعظيم عند النصارى والبرنس قلنسوة طويلة كان النساك يلبوسنها في صدر الإسلام، وعن الأزهري كل ثوب رأسه منه ملتزق به دراعة كانت أوجبة أو ممطرا. قوله (أو ما ترد السلام) الترديد من الراوي، ويحتمل الجمع على أن يكون الهمزة للاستفهام.


(1) قوله " عن بني غنم بن مالك بن النجار " كانت النواحي والمحلات في بلاد العرب تسمى باسم أهلها وكان منزل موسى بن جعفر (عليهما السلام) على ما يظهر من هذا الخبر في محلة بني عمرو بن مبذول وكانوا طائفة من بني غنم وكانت منازل بني غنم عند باب مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) فأمره بأن يأتي باب المسجد ويسأل عن محلة بني غنم ثم عن بني عمرو بن مبذول وأمره بأن لا يغير حلية النصرانية فإن الوالي والجواسيس إذا رأوا نصرانيا يسأل عن محلة يسكنها موسى بن جعفر (عليهما السلام) لم يتهموه بالتشيع والبيعة والخروج على الخلفية ولم يمنعوه وإنما كانوا يتشددون على أهل البيت وشيعتهم. (ش). (*)

[ 260 ]

قوله (على صاحبك أن هداه الله) دعا عليه بالهداية وأن بفتح الهمزة والقول بكسرها بأن معناها على صاحبك السلام بشرط الهداية فمع بعده يأباه سياق ما بعده. قوله (قال: أخبرني عن كتاب الله الذي أنزل على محمد) الظاهر أن المراد بالكتاب هو قوله تعالى: * (والكتاب المبين) * " وفاعل نطق ووصف في الموضعين ما الله تعالى أو محمد (صلى الله عليه وآله) والموصول في قوله " بما وصفه " للتفخيم والتعظيم والمراد به هو قوله: * (إنا أنزلناه) * إلى آخر الآية، والفاء في قوله: فقال: * (حم) * للتفصيل أو التفريع على احتمال. قوله (ما تفسيرها في الباطن) أي تفسير هذه الآية أو تفسير الليلة المباركة والأول أظهر وتفسيرها ظاهرا ما ذكره علي بن إبراهيم من أن الكتاب المبين القرآن والليلة ليلة القدر وأن الله تعالى أنزل القرآن فيها إلى البيت المعمور جملة واحدة ثم نزل من البيت المعمور إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في طول عشرين سنة * (فيها يفرق كل أمر حكيم) * أي في ليلة القدر يقدر الله كل أمر من الحق ومن الباطل وما يكون في تلك السنة، وله فيه البداء والمشية يقدم ما يشاء، ويؤخر ما يشاء من الآجال والأرزاق والبلايا والأمراض، ويزيد فيها ما يشاء وينقص ما يشآء، ويلقيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمير المؤمنين صلوات الله عليه ويلقيه أمير المؤمنين صلوات الله عليه إلى الأئمة صلوات الله عليهم حتى ينتهي ذلك إلى صاحب الزمان صلوات الله عليه ويشترط فيها البداء والمشية والتقديم والتأخير قال: حدثني بذلك أبي عن ابن أبي عمير، عن عبد الله بن مسكان، عن أبي جعفر وأبي عبد الله وأبي الحسن صلوات الله عليهم، وحدثني أبي عن ابن أبي عمير، عن يونس، عن داود بن فرقد، عن أبي المهاجر عن أبي جعفر صلوات الله عليه قال: " يا أيها المهاجر لا يخفى علينا ليلة القدر، إن الملائكة يطوفون بنا فيها ". قوله (وهو منقوص الحروف) (1) حيث حذف أوله وآخره واقتصر على الوسط.


(1) قوله " وهو منقوص الحروف " حذف الميم من أوله والدال من آخره، وكتاب هود لا يعرفه النصارى وقد وصف المجلسي (رحمه الله) في المرآة هذه الرواية بالضعف وفيه أمور منبئة عنه مثل ولادة المسيح (عليه السلام) على نهر فرات والمشهور أن مولده بيت اللحم قرية قرب بيت المقدس. وقيدوس كأنه مصحف تيدوس من جبابرة الروم كان يضيق على النصارى ويستأصلهم ولم يكن في عصر مريم وعيسى عليهما السلام بل بعد الميلاد بزمان طويل واشتبه في ذلك الأمر على الراوي وكان سمع أن تيدوس تشدد على النصارى ولم يكن يعرف زمانه، وقال بعض الشعراء: مثل النصارى قتلوا المسيحا. اشتبه الأمر عليه قاسه بقتل المسلمين علي بن أبيطالب والحسين (عليهما السلام)، وبالجملة دخل فيها أوهام من بعض الرواة لا يقدح في المقصود وهو اهتداء النصراني بهداية موسى بن جعفر عليهما السلام وأما حفظ ما جرى من الكلام بينهما فلا حاجة إلى تحقيقه. (ش). (*)

[ 261 ]

قوله (وأما الكتاب المبين فهو أمير المؤمنين علي (عليه السلام)) سمي به لأنه مكتوب في زبر الأولين وأخبر به جميع الأنبياء والمرسلين. قوله (وأما الليلة ففاطمة صلوات الله عليها) سميت بها على الاتساع والتجوز لأن الزوج يأوي إلى الزوجة في الليل غالبا. قوله (يخرج منها خير كثير) وهو الأئمة عليهم السلام ويجوز في الخير التشديد، والمراد بالرجل الحكيم أولا الحسن (عليه السلام) وثانيا الحسين (عليه السلام) وثالثا علي بن الحسين (عليهم السلام) والكل خرجوا منها لأن ولد ولد الشخص ولده أما حقيقة أو مجازا على اختلاف القولين، ويحتمل أن يكون قوله " فرجل حكيم " منقطعا عما قبله وبيانا للأئمة لا تفصيلا لمن يخرج منها فيراد حينئذ بالرجل الحكيم أولا علي (عليه السلام). وثانيا الحسن (عليه السلام) وثالثا الحسين وهذا أنسب بسياق ما بعده كما لا يخفى على المتأمل. قوله (فقال الرجل: صف لي الأول - الخ) كأنه سأل عن صفاتهم وشمائلهم. لعلمه بها في كتابه وإنما اقتصر بالأول والآخر لأن بمعرفتهما يحصل له المعرفة بحقيقة جميعهم. أو أراد صف الأول إلى الآخر، وإرادة هذا المعنى من مثل هذا العبارة شايعه فقال (عليه السلام): إن الصفات تشتبه وتختلط فهي وأن بولغ فيها لاتكاد تنتهي إلى شئ تسكن إليه النفس. ويتعين الموصوف به ولكن الثالث من القوم الحكماء الأوصياء الذين أوجب الله تعالى طاعتهم وهو الحسين بن علي وفاطمة بنت محمد صلوات الله عليهم كما هو في كتابكم أصف لك ما يخرج من نسله وهو قائم آل محمد الذي يظهر الدين ويغلب على الأعداء، وهو أيضا في كتابكم كما أشار إليه بقوله: وإنه عندكم لفي الكتب التي نزلت عليكم واستعمال ما في مقام من شايع، ومنه قوله تعالى: * (والسماء وما بناها) * ولما ذكر هذه العلامة التي دلت على صدق نبوة خاتم الأنبياء وحقية خلافة الأوصياء عند النصراني لكونها مذكورة في كتابهم صدقه النصراني، وقال مخاطبا له (عليه السلام) في آخر كلامه: فقولي لك في ذلك الحق كلما ذكرت فهو كما ذكرت، يعني هو الحق لا ريب فيه، وأما قوله: " إني لا أسترعنك - إلى قوله - فقولي " فهو تمهيد لهذا التصديق وأشعار بأن العاقل لا ينبغي أن يكذب الصادق العالم المتبحر، لأنه مع إنكار الصدق يوجب ظهور الجهل فيه، وقوله " والله لقد أعطاك الله من فضله " تأكيد لما قبله من علمه (عليه السلام) بصدقه وكذبه في كل ما يقول مع ما فيه من إظهار كمال نفسه بسبب معرفة كماله (عليه السلام) وقوله: " ولا يكذب فيه من كذب " أيضا تأكيد لما قبله أي لا يقدر أن يكذبك فيما ذكرت من أراد أن يكذبك على قراءة التشديد فيهما أو من شأنه الكذب على قراءة التخفيف في الثاني أو لا يكذب فيه من شأنه الكذب على قراءة التخفيف فيهما، وذلك لظهور صدقك وفضلك وكما لك في غاية

[ 262 ]

الظهور والله أعلم. قوله (فاسمها مرتا) وهي بالتاء المثناة الفوقانية أو الثاء المثلثة كما في بعض النسخ سريانية، ومعناها وهيبة بالعربية بضم الواو وفتحها. قوله (ولدت عليه) أي على شاطيه، وفي بعض النسخ فيه أي في شاطيه وليس يساوي بالفرات شئ للكروم والنخيل. والباء زايدة للمبالغة في التعدد إلا أن يعتبر تضمين معنى المقابلة، وشئ فاعل يساوي واللام في " للكروم " بمعنى في والمعنى أن الفرات أكثر كرما ونخيلا وأجودهما من غيره، ولا يساويه شئ من الأنهار فيهما. قوله (فأما اليوم الذي حجبت فيه لسانها) أي منعت مريم لسانها من التكلم وقالت * (اني نذرت للرحمن صوما) * أي صمتا * (فلن اكلم اليوم إنسيا) * أي بعد أن أخبرتكم بنذري، وقيل: أخبرتهم بالإشارة. قوله (فقالوا لها ما قص الله عليك في كتابه وعلينا في كتابه) من تعبيرهم وتوبيخهم لها وسكوتها واشارتها إلى عيسى (عليه السلام) وحوالة الجواب إليه وتكلمه بقوله: * (إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا) * إلى آخر ما ذكره الله تعالى في سورة مريم، وينبغي أن يعلم أن تكلمه إنما كان لأن الله تعالى خلفه له عقلا كاملا وفهما صحيحا وإدراكا تاما كما يكون للأنبياء عليهم السلام في حال كمال جسمهم لأنهم عليهم السلام بلغاء بحسب العقل دائما وإن كانوا صغارا بحسب الجسم في بعض الأحيان وليس ذلك التكلم باعتبار أنه أجرى ذلك الكلام فيه وهو لا يعقل كما خلقه في بعض الجمادات مع بقائه على جماديته هذا إذا كان المتكلم نبيا أو وصيا وأما غيرهما مثل شاهد يوسف (عليه السلام) فيحتمل الأمرين والله أعلم. قوله (قال نعم وقرأته اليوم الأجدب) أي قرأت في الإنجيل ما وقع في ذلك اليوم وهو اليوم المسمى باليوم الأجدب عندنا لتوجه الكرب والشدة فيه إليها ووقوع العيب والذم عليها من جدبه إذا ذمه وعابه وكل عايب جادب. قوله (قال النصراني ما كان اسم امي) لعل فيه اقتصار في اللفظ دون القصد أي ما كان اسم امي وجدتي وأبي بالسريانية والعربية بقرينة ذكر اسم جدته وأبيه في الجواب ويحتمل أن يكون السؤال عن اسم الجدة والأب مسكوتا عنه في النية أيضا ويكون ذكر الجد والأب في الجواب زيادة إفادة لأظهار زيادة كرامة. قوله (عنقالية وعنقورة) ضبط بالقاف وفتح العين فيهما والراء في الأخيرة فيما رأيناه من النسخ، وبالدال بدل الراء في بعض النسخ. ولم يذكر ما اسم الجدة بالعربية وحمل الأم في قوله

[ 263 ]

" وأما اسم امك " على المسمى بها وإن كان من باب الاتساع لتشمل الجدة ويعود الاسمان بالسريانية إلى معنى واحد بالعربية بعيد جدا. قوله (قال صدقت وبررت) أي صدقت فيما قلت من أنه ليس للمسيح عبد (1) وبررت في تغيير اسم أبي وتسميته بعبد الله. قوله (قال كان اسم جدك جبرئيل وهو عبد الرحمن سميته في مجلسي هذا) سميته يحتمل التكلم والخطاب فمعناه على الأول أن اسم جدك كان جبرئيل وسميته أنا عبد الرحمن في هذا المجلس، وعلى الثاني أنك سميته في نفسك عبد الرحمن في هذا المجلس لتعلم مبلغ علمي، وفيه حينئذ كرامة أخرى. قوله (غيلة) الغيلة القتل خفية بالخنق بالخاء المعجمة وكسر النون وهو عصر الحلق، واغتاله قتله غيلة. قوله (قال: كان اسمك عبد الصليب) الصليب شئ مثلث كالتمثال تعبده النصارى. قوله (قال: فإني آمنت) لما ذكر (عليه السلام) أن الأئمة عليهم السلام مذكورون في كتاب النصراني وألزمه التصديق به وأخبره بأشياء من الغيب علم النصراني أن الله تعالى لا شريك له كما زعمته النصارى وأن خاتم الأنبياء حق وأن الأئمة من عترته صادقون في كل ما يقولون رجع عن الباطل إلى الحق فقال: آمن بالله، ووصفه بالعظمة المطلقة التي تنافي الشركة في استحقاق العبودية ثم صرح بذلك، وقال: شهدت أن لا إله إلا الله، للتنبيه على أن ذلك القول صدر منه من صميم القلب وأنه تعالى هو المستحق بالعبادة والإلوهية وأثبت بقوله: وحده، أنه كان لم يزل منفردا لم يكن معه غيره سواء كان الغير مستحقا للعبادة أو لم يكن، ونفى بقوله: لا شريك له، الشريك مطلقا وإن لم يكن مثله في ذاته وصفاته، وبقوله: فرد، التركيب والتجزي إذ الفردية المطلقة ينافي التركيب لظهور أن الجزء غير الكل فلا يكون الكل متصفا بالفردية على الإطلاق، ثم أشار بقوله: صمدا، إلى أنه تعالى شأنه مبدأ كل شئ، والدائم الباقي بعد كل شئ وإليه يصمد في الحوائج كلها، وبذلك تم التوحيد إلا إنه أردفه للمبالغة، والتأكيد بقوله: ليس كما يصفه النصارى، من أن عيسى ابنه وأنه ثالث ثلاثة، وليس


(1) قوله " ليس للمسيح عبد " إن قيل: إنا نسمي بعبد النبي وعبد الحسين فهل هي حرام ؟ وما الفرق بينه وبين عبد المسيح ؟ قلنا: أولا أن هذه الرواية ضعيفة لا يطمئن النفس بخفظ الرواة جميع ألفاظ الإمام (عليه السلام) وثانيا أن عبد المسيح كان عندهم بمعنى عبد الله والمسيح عندهم هو الله والنهي بهذا الاعتبار فغير (عليه السلام) اسمه استظهارا وأما إن امن من هذا التوهم ولم يكن لفظ العبد دالا على العبادة بل على عبودية الرق والخدمة فلا منع قطعا كعبد المطلب وأولى منه أن لا يقصد المعنى الإضافي أصلا كعبد مناف. (ش). (*)

[ 264 ]

كما يصفه اليهود من أن عزيرا ابنه، ولا جنس من أجناس الشرك مثل المجسمة والمشبهة والمصورة والثنوية وغيرهم من أصحاب الملل الفاسدة. قوله (ثم قطع زناره) هو ما على وسط النصارى والمجوس (1). قوله (صدقتي) هي ذهب الصليب. قوله (وهو في نعمة) هي نعمة الإيمان. قوله (ولقد تركت ثلاثمائة طروق بين فرس وفرسة) الطروق فعول بمعنى فاعل وهو الفحل الذي يستحق أن ينزو على الأنثى، وأما الطروقة فهي فعولة بمعنى مفعولة وهي الانثى التي يستحق أن ينزو عليها الفحل، وفي المصباح: الفرس يقع على الذكر والانثى قال ابن الانباري: وربما بنوا الانثى على الذكر فقالوا فيها فرسة، وحكاه يونس سماعا من العرب. إذا عرفت هذا فنقول: ظاهر العبارة أن ثلاثمائة طروق غير فرس وفرسة وأن عددها غير معلوم ويحتمل أن يراد أن الفرس والفرسة ثلاثمائة بعضها طروق وبعضها طروقة، وفيه خلاف ظاهر من وجهين أحدهما إطلاق الطروق على الطارق والمطروقة معا. والثاني تغليب الذكر على الانثى فليتأمل. قوله (فحقك فيها أوفر من حقي) هذا القول إما لقصد التعظيم والصلة، أو لظنه وجوب الزكاة على الكافر إذا أسلم أو لما عليه من الزكاة بعد الإسلام ثم كونه أوفر أما باعتبار الكمية فإن الفريضة قد تزيد على الأصل إذا أخذت في سنوات متعددة أو باعتبار الكيفية فإن نفع المأخوذ للمالك أكثر من الباقي له ونسبة الحق إليه (عليه السلام) باعتبار أنه الآمر بأخذه، والصارف في محله لا باعتبار أنه مالكه ومستحقه.


(1) قوله " هو ما على وسط النصارى والمجوس " والأصل أن الزنار للمجوس ويعرف عندهم بكستي ومعربه كستيج وهو من شعائرهم التي لا يتركونها بحال وأما النصارى فليس عندهم شئ موظف إلا أن يجب عليهم عقد علامة ولا لهم شعار وإنما يطلق الزنار على منطقتهم إن كانت لهم منطقة مجازا وتشبيها والسر فيه أن الرواة من العجم كانوا معاشرين للمجوس ومساكنين لهم في بلادهم فزعموا أن كل كافر له زنار وكستيج حتى إنهم عبروا عن الإسلام بقطع الكستيج ورووا أن يهوديا أسلم على عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) وقطع كستيجه وليس لليهود كستيج ولا يعد استعمال أمثال هذه الكلمات على خلاف وضعها الأصلي غلطا إذا اشتهر في كلام العرب وقبله الفصحاء ومنه كلمة الاسكندر واليسع كان الألف واللام في العجمية جزء من الكلمة وصار في لغة العرب حرفا زائدا، وقيل: اسكندر ويسع بغير اللام ومثله في الاصطلاحات الخاصة اليتوع بتقديم الياء على التاء عند الأطباء لبعض النباتات وبالعكس عند أهل اللغة والجدي بصيغة التصغير عند المنجمين، ومثله أيضا في لساننا الحصبة كانت في الأصل لمرض في الأطفال يعرف بسرخجه ويستعمل في زماننا لحمى عارضة بقروح في الأمعاء. (ش). (*)

[ 265 ]

قوله (أنت مولى الله ورسوله) أي معتقهما من النار أو ناصرهما ومحبهما أو المنتسب إليهما، والمولى يطلق على غير العربي إذا انتسب بالعربي ولحق به. قوله (من بني فهر " فهر بالكسر قبيلة من قريش. * الأصل: 5 - علي بن إبراهيم وأحمد بن مهران جميعا، عن محمد بن علي، عن الحسن بن راشد، عن يعقوب بن جعفر قال: كنت عند أبي إبراهيم (عليه السلام) وأتاه رجل من أهل نجران اليمن من الرهبان ومعه راهبة، فاستأذن لهما الفضل بن سوار، فقال له: إذا كان غدا فأت بهما عند بئر ام خير، قال: فوافينا من الغد فوجدنا القوم قد وافوا فأمر بخصفة بواري، ثم جلس وجلسوا فبدأت الراهبة بالمسائل فسألت عن مسائل كثيرة، كل ذلك يجيبها. وسألها أبو إبراهيم (عليه السلام) عن أشياء لم يكن عندها فيه شئ، ثم أسلمت ثم أقبل الراهب يسأله فكان يجيبه في كل ما يسأله، فقال الراهب: قد كنت قويا على ديني وما خلفت أحدا من النصارى في الأرض يبلغ مبلغي في العلم ولقد سمعت برجل في الهند، إذا شاء حج إلى بيت المقدس في يوم وليلة، ثم يرجع إلى منزله بأرض الهند، فسألت عنه بأي أرض هو ؟ فقيل لي: إنه بسبذان وسألت الذي أخبرني فقال: هو علم الاسم الذي ظفر به آصف صاحب سليمان لما أتى بعرض سبا وهو الذي ذكر الله لكم في كتابكم ولنا معشر الأديان في كتبنا فقال له أبو إبراهيم (عليه السلام): فكم لله من اسم لا يرد ؟ فقال الراهب: الأسماء كثيرة فأما المحتوم منها الذي لا يرد سائله فسبعة، فقال له أبو الحسن (عليه السلام): فأخبرني عما تحفظ منها، قال الراهب: لا والله الذي أنزل التوراة على موسى وجعل عيسى عبرة للعالمين وفتنة لشكر اولي الألباب وجعل محمدا بركة ورحمة وجعل عليا (عليه السلام) عبرة وبصيرة وجعل الأوصياء من نسله ونسل محمد ما أدري ولو دريت ما احتجت فيه إلى كلامك ولا جئتك ولا سألتك، فقال له أبو إبراهيم (عليه السلام): عد إلى حديث الهندي، فقال له الراهب: سمعت بهذه الأسماء ولا أدري ما بطانتها ولا شرايحها ولا أدري ما هي ولا كيف هي ولا بدعائها. فانطلقت حتى قدمت سبذان الهند، فسألت عن الرجل، فقيل لي: إنه بنى ديرا في جبل فصار لا يخرج ولا يرى إلا في كل سنة مرتين وزعمت الهند أن الله فجر له عينا في ديره وزعمت الهند أنه يزرع له من غير زرع يلقيه ويحرث له من غير حرث يعمله، فانتهيت إلى بابه فأقمت ثلاثا، لا أدق الباب ولا اعالج الباب، فلما كان اليوم الرابع فتح الله الباب وجاءت بقرة عليها حطب تجر ضرعها، يكاد يخرج ما في ضرعها من اللبن، فدفعت الباب فانفتح فتبعتها. فوجدت الرجل قائما ينظر إلى السماء فيبكي وينظر إلى الأرض فيبكي وينظر إلى الجبال فيبكي.

[ 266 ]

قلت: سبحان الله ما أقل ضربك (1) في دهرنا هذا، فقال لي: والله ما أنا إلا حسنة من حسنات رجل خلفته وراء ظهرك، فقلت له: اخبرت أن عندك اسما من أسماء الله تبلغ به في كل يوم وليلة بيت المقدس وترجع إلى بيتك، فقال لي: وهل تعرف بيت المقدس ؟ قلت: لا أعرف إلا بيت المقدس الذي بالشام قال: ليس بيت المقدس ولكنه البيت المقدس وهو بيت آل محمد، فقلت له: أما ما سمعت به إلى يومي هذا فهو بيت المقدس، فقال لي تلك محاريب الأنبياء، وإنما كان يقال لها: حظيرة المحاريب حتى جاءت الفترة التي كانت بين محمد وعيسى صلى الله عليهما وقرب البلاء من أهل الشرك وحلت النقمات في دور الشياطين فحولوا وبدلوا ونقلوا تلك الأسماء وهو قول الله تبارك وتعالى - البطن لآل محمد والظهر مثل -: * (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان) * فقلت له: إني قد ضربت إليك من بلد بعيد، تعرضت إليك بحارا وغموما وهموما وخوفا وأصبحت وأمسيت مؤيسا إلا أكون ظفرت بحاجتي فقال لي: ما أرى امك حملت بك إلا وقد حضرها ملك كريم ولا أعلم أن أباك حين أراد الوقوع بامك إلا وقد اغتسل وجاءها على طهر ولا أزعم إلا أنه قد كان درس السفر الرابع من شهره ذلك، فختم له بخير، ارجع من حيث جئت، فانطلق حتى تنزل مدينة محمد (صلى الله عليه وآله) التي يقال لها: طيبة وقد كان اسمها في الجاهلية يثرب. ثم اعمد إلى موضع منها يقال له البقيع، ثم سل عن دار يقال لها: دار مروان (2)، فانزلها وأقم ثلاثا. ثم سل [ عن ] الشيخ الأسود الذي يكون على بابها يعمل البواري وهي في بلادهم اسمها الخصف، فالطف بالشيخ وقل له: بعثني إليك نزيلك الذي كان ينزل في الزواية في البيت الذي فيه الخشيبات الأربع. ثم سله عن فلان بن فلان الفلاني وسله أين ناديه وسله أي ساعة يمر فيها فليريكاه أو يصفه لك، فتعرفه بالصفة وسأصفه لك. قلت: فإذا لقيته فأصنع ماذا ؟ قال: سله عما كان وعما هو كائن وسله عن معالم دين من مضى ومن بقي، فقال له أبو إبراهيم (عليه السلام): قد نصحك صاحبك الذي لقيت. فقال الراهب: ما اسمه جعلت


(1) قوله " ما اقل ضربك " أي مثلك. (ش). (2) قوله " يقال لها: دار مروان " دار مروان في المدينة معروفة وكانت جنوبي المسجد الشريف متصلة به وهي بعيدة من البقيع وكان يفتح منها باب إلى مقصورة المسجد منه يدخل الأمراء والولاة الساكنون في تلك الدار المسجد لئلايفتك بهم الناس في الطرق، وكانت المقصورة مسدودة الأطراف بحيث لا يرى الناس الوالي في الصلاة إلى أن هدمها المنصور، والذي يظهر من هذا الخبر أن الدار كانت على عهد بني العباس منزلا للغرباء والزوار أو محلا للتجار بعد ما كانت دار الإمارة. (ش). (*)

[ 267 ]

فداك ؟ قال: هو متمم بن فيروز وهو من أبناء الفرس وهو ممن آمن بالله وحده لا شريك له وعبده بالإخلاص والإيقان وفر من قومه لما خافهم، فوهب له ربه حكما وهداه لسبيل الرشاد وجعله من المتقين، وعرف بينه وبين عباده المخلصين وما من سنة إلا وهو يزور فيها مكة حاجا ويعتمر في رأس كل شهر مرة ويجئ من موضعه من الهند إلى مكة، فضلا من الله وعونا وكذلك يجزي الله الشاكرين، ثم سأله الراهب عن مسائل كثيرة، كل ذلك يجيبه فيها وسأل الراهب عن أشياء لم يكن عند الراهب فيها شئ، فأخبره بها، ثم إن الراهب قال: أخبرني عن ثمانية أحرف نزلت فتبين في الأرض منها أربعة وبقي في الهواء منها أربعة، على من نزلت تلك الأربعة التي في الهواء ومن يفسرها ؟ قال: ذاك قائمنا، ينزله الله عليه فيفسره وينزل عليه ما لم ينزل على الصديقين والرسل والمهتدين. ثم قال الراهب فأخبرني عن الاثنين من تلك الأربعة الأحرف التي في الأرض ما هي ؟ قال: اخبرك بالأربعة كلها، أما أولهن فلا إله إلا الله وحده لا شريك له باقيا. والثانية محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) مخلصا، والثالثة نحن أهل البيت، والرابعة شيعتنا منا ونحن من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورسول الله من الله بسبب، فقال له الراهب: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وأن ما جاء به من عند الله حق وأنكم صفوة الله من خلقه وأن شيعتكم المطهرون المستبدلون ولهم عاقبة الله والحمد لله رب العالمين، فدعا أبو إبراهيم (عليه السلام) بجبة خز وقميص قوهي وطيلسان وخف وقلنسوة، فأعطاه إياها وصلى الظهر وقال له: اختتن، فقال: قد اختتنت في سابعي. * الشرح: قوله (من أهل نجران اليمن من الرهبان) النجران موضع معروف بين الحجاز والشام واليمن، والراهب هو واحد الرهبان عابد النصاري، والرهبانية من الرهبة وهي الخوف كانوا يترهبون بالتخلي من أشغال الدنيا وترك ملاذها والزهد فيها والعزلة عن أهلها وتحمل مشاقها حتى أن منهم من يخصى نفسه ويضع السلسلة في عنقه وغير ذلك من أنواع التعذيب ولا رهبانية في الإسلام. قوله (بخصفة بواري) الخصفة بالتحريك شئ منسوج من خوص النخل وورقة من الخصف وهو ضم الشئ إلى الشئ، والبواري جمع باري وهو الحصير ويقال له: بوريا بالفارسية. قوله (قال الراهب: لا والله الذي) إنما حلف في نفي العلم بها لئلايتوهم أنه يعلمها ويضن بإظهارها. قوله (وجعل عيسى عبرة للعالمين وقتنة لشكر اولي الألباب) العبرة كالموعظة ما يتعظ به وينظر إليه ليعتبر ويستدل به على غيره وهو (عليه السلام) عبرة للعالمين لأنهم يستدلون به على عظمة

[ 268 ]

الصانع وكمال قدرته وإن كان كل شئ عبرة لكنه أعظم العبر إذ لم يعهد بعد شهودهم وجود إنسان بلا أب وهو أيضا فتنة أي امتحان واختيار لشكر أرباب العقول الخالصة من زيغ الشك والوهم لأنهم يقابلون كمال عظمته وقدرته وإحسانه وجوده بإعطاء الوجودات ولواحقها من العطايا العظام والنوائل الجسام بالقول والثناء الجزيل، والفعل الحسن الجميل، ويذعنون أنه مولاها ويعتقدون أنه معطيها. قوله (ولا أدري ما بطانتها) للاسم الأعظم باطن في غاية الدقة والخفاء وظاهر وهو كالشرح للباطن والشريعة للأزكياء وماهية وكيفية ليست لسائر الأسماء وبعد ذلك لابد من العلم بكيفية الدعاء، وقد حلف الراهب بأنه لا يدري شيئا من هذه الأشياء. قوله (وزعمت الهند) الهند هنا جيل معروف والنسبة هندي. قوله (وهل تعرف بيت المقدس) قال في النهاية: سمي بيت المقدس لأنه الموضع الذي يتقدس فيه الذنوب، يقال: بيت المقدس والبيت المقدس وبيت القدس بضم الدال وسكونها سأله عن بيت المقدس وأراد به معنى هو بيت آل محمد (صلى الله عليه وآله) وحمله الراهب على معنى آخر معروف عنده وهو بيت المقدس الذي بالشام فرد عليه بأن هذا البيت ليس بيت المقدس في الأصل وإنما كان يقال له: حظيرة المحاريب ثم بدله أهل الشرك وسموه بيت المقدس وبيت المقدس إنما كان في الأصل بيت آل محمد (صلى الله عليه وآله) لتطهره عن النقائص والعيوب، وتنزهه عن الرذايل والذنوب. قوله (وهو قول الله تعالى - البطن لآل محمد والظهر - مثل إن هي) قوله: إن هي مقول القول وقوله: " البطن لآل محمد والظهر مثل) إشارة إلى أن للآية ظاهرا وباطنا الظاهر بيان لما فعله المشركون من تبديل اسم الإله ونقله عن موضعه وهو الله جل شأنه إلى الأصنام حتى سموها آلهة، والباطن بيان لما فعله الجاهلون من تبديل اسم البيت المقدس ونقله عن موضعه وهو بيت آل محمد (صلى الله عليه وآله) إلى البيت الذي في الشام وهو حظيرة المحاريب والله أعلم. قوله (مؤيسا إلا أكون ظفرت بحاجتي) قيل هذا الاستثناء من قبيل قولك أسألك إلا فعلت والاستثناء من المعنى كأنك قلت: لا أسال إلا فعلك، وههنا كأنه قال: كنت في جميع الأحوال والأوقات مؤيسا إلا وقت الظفر بحاجتي أو قل: يحتمل أن يكون ألا بفتح الهمزة ومتعلقا بمؤيسا مفعولا له على تضمين الخوف والقرينة أن اليأس مستلزم للخوف أي مؤيسا خايفا من أن لا أكون ظفرت بحاجتي والله أعلم. قوله (ولا أزعم إلا أنه قد كان درس) أي قرأ السفر الرابع في شهر الإيقاع، خص السفر الرابع بالذكر لاشتما له على الدعاء والإنابة. وفيه دلالة على أن من أراد الإيقاع ينبغي أن يفعل مثل هذه

[ 269 ]

الامور المذكروة قبله فإن له مدخلا عظيما في صلاح الولد. قوله (ثم سله عن فلان بن فلان) كناية عن أبي الحسن موسى (عليه السلام). قوله (وسله أي ساعة يمر فيها فليريكاه) ضمير " فيها " راجع إلى الساعة والألف في قوله " فليريكاه " للإشباع. قوله (وسأصفه لك) لابد له من الوفاء بالوعد فقد وصفه ولكن وصفه غير مذكور في هذا الحديث. قوله (وسله عن معالم دين من مضى ومن بقي) أراد بدين من مضى دين الأنبياء السابقين وبدين من بقي دين نبينا (صلى الله عليه وآله) فإنه باق إلى يوم القيامة. قوله (وبقي في الهواء منها أربعة) الهواء ما بين الأرض والسماء، ولعل المراد ببقائها فيه بقاؤها فيه عند خزنة الأسرار الإلهية والكلمات الربانية وعدم تبينها وظهورها في أهل الأرض بعد. قوله (وينزل عليه ما لم ينزل على الصديقين والرسل والمهتدين) لعل المراد بالصديقين أولو العزم من الرسل، وبالرسل غير أولي العزم منهم، وبالمهتدين الأنبياء والأوصياء، وبما ينزل عليه هو الأمر بأن يحكم بباطن الشريعة فإن غيره كانوا يحكمون بظاهرها أو العلم الشهودي بالكلية بعد كونه مسبوقا بالعلم الحصولي بها، والفرق بينهما كالفرق بين الخبر والمعاينة، ومن البين أن ذلك لم يكن لغيره من السابقين، إذ العلم الشهودي بالشئ إنما يحصل عند وجود الشئ وحضوره، ولا ينافي ذلك حصول العلم بوجود ذلك الشئ قبل وجوده لغيره من الصديقين فليتأمل. قوله (والثانية محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) مخلصا) لعل المراد بالإخلاص هو التوافق بين اللسان والجنان، وأما الإقرار باللسان مع الإنكار بالجنان وهو النفاق فهو أقبح من الإنكار بهما جميعا. قوله (والثالثة نحن أهل البيت) في قوله تعالى: * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * لا غيرنا كما زعمه جماعة من المبتدعة. قوله (بسبب) السبب في الأصل هو الحبل الذي يتوصل به إلى الماء ثم استعير لكل ما يتوصل به إلى الشئ كقوله " وتقطعت بهم الأسباب " أي الوصل والمودات، ولعل المراد أن شيعتنا على ديننا ونحن على دين رسول الله ورسول الله (صلى الله عليه وآله) على دين الله الذي أنزل إليه بالوحي، وهذا الدين هو حبل متصل بين الحق والخلق فتمسكوا بحبل من الله وأن شيعتنا متصل بنا اتصالا روحانيا معنويا ونحن متصل برسول الله كذلك ورسول الله متصل بالله، وهذا الاتصال هو السبب الذي يتوصل به الخلق إلى الحق أو أن شيعتنا منا ومعنا، ونحن من رسول الله ومعه ورسول الله من الله ومعه وهذه المعية هي السبب إلى الله والكل متقاربة.

[ 270 ]

قوله (وأن شيعتكم المطهرون المستبدلون) أي المطهرون من الكفر والنفاق والمستبدلون للباطل والكفر بالحق. والإيمان أو المستبدلون الذين أشار إليهم جل شأنه بقوله: * (ويستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم) * والأول على تقدير كسر الدال، والثاني على تقدير فتحها. قوله (وقميص قوهي) هو ثوب ينسج بقوهستان كورة بخراسان بلدتها قاين. قوله (في سابعي) أي في اليوم السابع من الولادة أو العام السابع منها أو اليوم السابع من زمان التكلم، والأول أقرب، والثالث أبعد. * الأصل: 6 - عددة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن عبد الله بن المغيرة قال: مر العبد الصالح بامرأة بمنى وهي تبكي وصبيانها حولها يبكون وقد ماتت لها بقرة، فدنا منها ثم قال لها: ما يبكيك يا أمة الله ؟ قالت: يا عبد الله إن لنا صبيانا يتامى وكانت لي بقرة معيشتي ومعيشة صبياني كان منها، وقد ماتت وبقيت منقطعا بي وبولدي لا حيلة لنا، فقال: يا أمة الله هل لك أن احييها لك ؟ فالهمت أن قالت: نعم يا عبد الله، فتنحى وصلى ركعتين، ثم رفع يده هنيئة وحرك شفتيه ثم قام فصوت بالبقرة فنخسها نخسة أو ضربها برجله، فاستوت على الأرض قائمة، فلما نظرت المرأة إلى البقرة صاحت وقالت: عيسى بن مريم ورب الكعبة، فخالط الناس وصار بينهم ومضى (عليه السلام). * الشرح: قوله (فنخسها نخسة أو ضربها برجله) نخس الدابة - كنصر وجعل - غرز مؤخرها وجنبها بعود والترديد من الراوي. * الأصل: 7 - أحمد بن مهران - رحمه الله - عن محمد بن علي، عن سيف بن عميرة، عن إسحاق ابن عمار قال: سمعت العبد الصالح ينعي إلى رجل نفسه، فقلت في نفسي: وإنه ليعلم متى يموت الرجل من شيعته ؟ فالتفت إلي شبه المغضب، فقال: يا إسحاق قد كان رشيد الهجري يعلم علم المنايا والبلايا والإمام أولى بعلم ذلك، ثم قال: يا إسحاق اصنع ما أنت صانع، فإن عمرك قد فنى وإنك تموت إلى سنتين وإخوتك وأهل بيتك لا يلبثون بعدك إلا يسيرا حتى تتفرق كلمتهم ويخون بعضهم بعضا حتى يشمت بهم عدوهم، فكان هذا في نفسك فقلت: فإني أستغفر الله بما عرض في صدري. فلم يلبث إسحاق بعد هذا المجلس إلا يسيرا حتى مات، فما أتى عليهم إلا قليل حتى قام بنو عمار بأموال الناس فأفلسوا.

[ 271 ]

* الشرح: قوله (قد كان رشيد الهجري) ضبطه العلامة في الخلاصة بضم الراء وقال: إنه مشكور من أصحاب أمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام وقال الشهيد الثاني في حاشيته على الخلاصة قال ابن داود: رشد بغير ياء وجعل الياء قولا واستقرب الأل وكذا ذكره الشيخ في الفهرست بغير ياء، وأما النجاشي فقد جعله بالياء كالعلامة، ونقل الفاضل الإسترآبادي في رجاله عن الكشي أنه كان قد ألقي إليه علم البلايا والمنايا، وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) يسميه رشيد البلايا. قوله (حتى تتفرق كلمتهم) أي توافقهم واجتماعهم. * الأصل: 8 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن موسى بن القاسم البجلي، عن علي بن جعفر قال: جاءني محمد بن إسماعيل وقد اعتمرنا عمرة رجب ونحن يومئذ بمكة، فقال: يا عم إني اريد بغداد وقد أحببت أن اودع عمي أبا الحسن - يعني موسى بن جعفر (عليهما السلام) - وأحببت أن تذهب معي إليه، فخرجت معه نحو أخي وهو في داره التي بالحوبة وذلك بعد المغرب بقليل، فضربت الباب فأجابني أخي فقال: من هذا ؟ فقلت: علي فقال: هو ذا أخرج - وكان بطئ الوضوء - فقلت: العجل قال: وأعجل، فخرج وعليه إزار ممشق قد عقده في عنقه حتى قعد تحت عتبة الباب، فقال علي بن جعفر فانكببت عليه فقبلت رأسه وقلت: قد جئتك في أمر إن تره صوابا فالله وفق له، وإن يكن غير ذلك فما أكثر ما نخطي قال: وما هو ؟ قلت: هذا ابن أخيك يريد أن يودعك ويخرج إلى بغداد، فقال لي: ادعه، فدعوته وكان متنحيا، فدنا منه فقبل رأسه وقال: جعلت فداك أوصني فقال: اوصيك أن تتقي الله في دمي، فقال مجيبا له: من أرادك بسوء فعل الله به وجعل يدعو على من يريده بسوء، ثم عاد فقبل رأسه، فقال، يا عم أوصني فقال: اوصيك أن تتقي الله في دمي فقال: من أرادك بسوء فعل الله به وفعل، ثم عاد فقبل رأسه، ثم قال: يا عم أوصني. فقال: اوصيك أن تتقي الله في دمي، فدعا على من أراده بسوء، ثم تنحى عنه ومضيت معه فقال لي أخي: يا علي مكانك، فقمت مكاني فدخل منزله ثم دعاني فدخلت إليه فتناول صرة فيها مائة دينار فأعطانيها وقال: قل لابن أخيك يستعين بها على سفره قال علي: فأخذتها فأدرجتها في حاشية ردائي، ثم ناولني مائة اخرى وقال: أعطه أيضا. ثم ناولني صرة اخرى وقال: أعطه أيضا، فقلت: جعلت فداك إذا كنت تخاف منه مثل الذي ذكرت فلم تعينه على نفسك ؟ فقال: إذا وصلته وقطعني قطع الله أجله، ثم تناول مخدة أدم، فيها ثلاثة آلاف درهم وضح وقال: أعطه هذه أيضا

[ 272 ]

قال: فخرجت إليه فأعطيته المائة الاولى ففرح بها فرحا شديدا ودعا لعمه، ثم أعطيته الثانية والثالثة ففرح بها حتى ظننت أنه سيرجع ولا يخرج، ثم أعطيته الثلاثة آلاف درهم فمضى على وجهه حتى دخل على هارون فسلم عليه بالخلافة، وقال: ما ظننت أن في الأرض خليفتين حتى رأيت عمي موسى بن جعفر يسلم عليه بالخلافة فأرسل هارون إليه بمائة ألف درهم فرماه الله بالذبحة فما نظر منها إلى درهم ولا مسه. * الشرح: قوله (وعليه إزار ممشق) في المغرب: ثوب ممشق أي مصبوغ بالمشق أي بالمغرة وهي طين أحمر. قوله (ثم تناول مخدة أدم فيها ثلاثة الآف درهم وضح) في المغرب: الأدم بفتحتين اسم لجمع أديم، وهو الجلد المدبوغ المصلح بالدباغ من الأدام وهو ما يؤتدم به، والجمع ادم بضمتين، والوضح محركة الدرهم الصحيح. قوله (فرماه الله بالذبحة) قال في النهاية: الذبحة بفتح الباء وقد تسكن وجع يعرض في الحلق من الدم وقيل: هي قرحة تظهر فيه فينسد معها وينقطع النفس فيقتل. ونقل عن القاموس: أن الذبحة كهمزة وعنبة وكسرة وصبرة وكتاب وغراب وجع في الحلق أو دم يخنق فيقتل. وفي الفائق المصحح المعرب: الذبحة بضم الذال وفتح الباء والذبجة بضم الذال وسكون الباء والذباح بضم الذال أن يتورم الحلق حتى ينطبق فلا يسوغ فيه شئ، ويمنع من التنفس فيقتل، وروى أبو حاتم عن أبي زيد أنه لم يعرفها بإسكان الباء. * الأصل: 9 - سعد بن عبد الله وعبد الله بن جعفر جميعا، عن إبراهيم بن مهزيار، عن أخيه علي بن مهزيار، عن الحسين بن سعيد، عن محمد بن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير قال: قبض موسى بن جعفر (عليهما السلام) وهو ابن أربع وخمسين سنة في عام ثلاث وثمانين ومائة. وعاش بعد جعفر (عليه السلام) خمسا وثلاثين سنة.

[ 273 ]

باب مولد أبي الحسن الرضا عليه السلام ولد أبو الحسن الرضا (عليه السلام) سنة ثمان وأربعين ومائة وقبض (عليه السلام) في صفر من سنة ثلاث ومائتين وهو ابن خمس وخمسين سنة وقد اختلف في تاريخه إلا إن هذا التاريخ هو أقصد إن شاء الله. وتوفي (عليه السلام) بطوس في قرية يقال لها: سناباد من نوقان على دعوة. ودفن بها وكان المأمون أشخصه من المدينة إلى مرو على طريق البصرة وفارس. فلما خرج المأمون وشخص إلى بغداد أشخصه معه، فتوفي في هذه القرية. وامه ام ولد يقال لها: ام البنين. * الشرح: قوله (وقبض (عليه السلام) في صفر - الخ) قال الصدوق (رحمه الله): قتله المأمون بالسم وهذا الذي ذكره الصدوق هو المشهور بين علماء الإمامية، وقد دلت عليه روايات كثيرة، وقيل: مات (عليه السلام) بأجله، ونقل عن صاحب كشف الغمة أنه قال: بلغني ممن أثق به أن السيد رضي الدين علي بن طاووس (رحمه الله) كان لا يوافق على أن المأمون (1) سم علي بن موسى عليهما السلام ولا يعتقده. قوله (وقد اختلف في تاريخه) أي في تاريخ ولادته وقبضه كليهما فأحد الأقوال ما ذكر، والقول الثاني أنه ولد في أحد عشرة من ذي الحجة سنة ثلاث وخمسين ومائة (2) وقيل: في أحد عشر من ربيع الآخر من هذه السنة، وقيل: قبض في شهر رمضان (3) من شهور سنة ثلاث ومائتين والعلم عند الله. قوله (هو أقصد) القصد من الأمور المعتدل الذي لا يميل إلى أحد طرفي الإفراط والتفريط. قوله (من موقان) هكذا بالميم في أكثر النسخ، وفي بعضها نوفان وهو الأصح، وقيل: لعل موقان


(1) قوله " كان لا يوافق على أن المأمون " ما ذكره أول الباب من أن المأمون أشخصه (عليه السلام) على طريق البصرة وفارس ومنعه من دخول الكوفة وقم والجبل لكثيرة الشيعة بها يدل على أن غرضه من الأشخاص لم يكن تفويض الخلافة إليه حقيقة وإنما أراد القبض عليه والتخلص منه بوجه لا يعاب عليه ولا يتنفر قلوب الناس منه، وما كان يبالي المأمون أن يكون الرضا (عليه السلام) مكرما معظما عنده في الظاهر أو مسجونا وإيذاء العدو وسجنه مع عدم الخوف من مبارزته جهل وحماقة ومع سوء نيته لا يستبعد منه قتله (عليه السلام)، (ش). (2) قوله " ثلاث وخمسين ومائة " فيكون عمره (عليه السلام) خمسين سنة. (ش). (3) قوله " وقيل: قبض في شهر رمضان " كان شهر رمضان تلك السنة في صميم الشتاء على ما يستفاد من الزيجات وكان صفر في برج السنبلة والسفر في الشتاء في بلاد خراسان مشقة على الجنود ومواكب السلاطين ولم يكن شهر رمضان فصل العنب فالصحيح أن قتل الإمام (عليه السلام) في صفر كما هو معروف. (ش). (*)

[ 274 ]

بالميم معرب نوقان والله أعلم. قوله (على دعوة) أي بعد سناباد من نوقان على قدر سماع صوت الأذان أو مطلقا يقال: هو مني على دعوة الرجل أي البعد بيني وبينه على قدر سماع الصوت. قوله (فلما خرج المأمون وشخص إلى بغداد) لما أخذها هارون البيعة لابنه محمد الأمين، وبعد للمأمون وقسم البلاد بينهما بأن جعل شرقي عقبة حلوان من نهاوند وقم وكاشان وأصفهان وفارس وكرمان إلى حيث يبلغ ملكه من جهة الغرب (الشرق ظ) للمأمون وأمره أن يسكن في مرو وجعل غربيها إلى جهة الشرق (الغرب ظ) لمحمد الأمين وأمره أن يسكن في بغداد فكان المأمون في حياة أبيه في مرو فلما مات أبوه في خراسان وقع النزاع بين المأمون وأخيه فقتل المأمون أخاه واستقل في السلطنة وجرى حكمه في شرق الأرض وغربها فأنهض علي بن موسى الرضا إلى مرو لغرض ما ثم بلغه الاختلاف في عراق العرب فنهض إلى بغداد لتداركه وأنهض معه علي بن موسى عليهما السلام فتوفي (عليه السلام) في سناباد بالسم. * الأصل: 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن هشام بن أحمر قال: قال لي أبو الحسن الأول: هل علمت أحدا من أهل المغرب قدم ؟ قلت: لا. قال: بلى قد قدم رجل فانطلق بنا، فركب وركبت معه حتى انتهينا إلى الرجل فإذا رجل من أهل المدينة معه رقيق، فقلت له: أعرض علينا فعرض علينا سبع جوار، كل ذلك يقول أبو الحسن: لا حاجة إلي فيها، ثم قال: أعرض علينا، فقال: ما عندي إلا جارية مريضة، فقال له: ما عليك أن تعرضها، فأبى عليه فانصرف، ثم أرسلني من الغد، فقال: قل له: كم كان غايتك فيها فإذا قال كذا وكذا، فقل: قد أخذتها، فأتيته فقال: ما كنت اريد أن أنقصها من كذا وكذا، فقلت: قد أخذتها فقال: هي لك ولكن أخبرني من الرجل الذي كان معك بالأمس ؟ فقلت: رجل من بني هاشم، قال: من أي بني هاشم ؟ فقلت: ما عندي أكثر من هذا. فقال: اخبرك عن هذه الوصيفة إني اشتريتها من أقصى المغرب فلقيتني امرأة من أهل الكتاب فقالت: ما هذه الوصيفة معك. قلت: اشتريتها لنفسي، فقالت: ما يكون ينبغي أن تكون هذه عند مثلك إن هذه الجارية ينبغي أن تكون عند خير أهل الأرض، فلا تلبث عنده إلا قليلا حتى تلد منه غلاما ما يولد بشرق الأرض ولا غربها مثله، قال: فأعطيته بها فلم تلبث عنده إلا قليلا حتى ولدت الرضا (عليه السلام). * الشرح: قوله (ما عليك أن تعرضها) " ما " يحتمل النفي والاستفهام.

[ 275 ]

قوله (ما هذه الوصيفة) قال في النهاية: الوصيف العبد، والأمة وصيفة وجمعهما وصفاء ووصائف أقول الوصفاء جمع الوصيف والوصائف جمع الوصيفة من باب اللف والنشر المرتب. * الأصل: 2 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عمن ذكره، عن صفوان بن يحيى قال: لما مضى أبو إبراهيم (عليه السلام) وتكلم أبو الحسن (عليه السلام) خفنا عليه من ذلك، فقيل له: قد أظهرت أمرا عظيما وإنا نخاف عليك هذه الطاغية، قال: فقال: ليجهد جهده فلا سبيل له علي. * الشرح: قوله (وتكلم أبو الحسن (عليه السلام)) أي تكلم في الخلافة وأنه مستحقها أو في العلم والشرايع أو مع كل قوم بلغاتهم وكان (عليه السلام) كثيرا ما يفعل ذلك. قوله (هذه الطاغية) يريد به هارون الرشيد عليه اللعنة. * الأصل: 3 - أحمد بن مهران - رحمه الله - عن محمد بن علي، عن الحسن بن منصور، عن أخيه قال: دخلت على الرضا (عليه السلام) في بيت داخل في جوف بيت ليلا، فرفع يده، فكانت كأن في البيت عشرة مصابيح واستأذن عليه رجل فخلى يده، ثم أذن له. * الشرح: قوله (كان في البيت عشرة مصابيح) كان كل أصبع من العشرة يضئ مثل المصباح. قوله (فخلى يده) أي خلى يده من النور والضياء لئلا يراه ذلك الرجل ثم أذن في الدخول. * الأصل: 4 - علي بن محمد، عن ابن جمهور، عن إبراهيم بن عبد الله، عن أحمد بن عبد الله عن الغفاري قال: كان لرجل من آل أبي رافع مولى النبي (صلى الله عليه وآله) يقال له: طيس علي حق فتقاضاني وألح علي وأعانه الناس فلما رأيت ذلك صليت الصبح في مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) ثم توجهت نحو الرضا (عليه السلام وهو يومئذ بالعريض، فلما قربت من بابه إذا هو قد طلع على حمار وعليه قميص ورداء، فلما نظرت إليه استحييت منه، فلما لحقني وقف ونظر إلي فسلمت عليه - وكان شهر رمضان - فقلت: جعلني الله فداك إن لمولاك طيس علي حقا وقد والله شهرني وأنا أطن في نفسي أنه يأمره بالكف عني ووالله ما قلت له: كم له علي ولا سميت له شيئا، فأمرني بالجلوس إلى رجوعه. فلم أزل حتى صليت المغرب وأنا صائم، فضاق صدري وأردت أن أنصرف فإذا هو قد طلع علي وحوله الناس وقد قعد له السؤال وهو يتصدق عليهم، فمضى ودخل بيته، ثم خرج ودعاني فقمت إليه ودخلت

[ 276 ]

معه، فجلس وجلست، فجعلت أحدثه عن ابن المسيب وكان أمير المدينة وكان كثيرا ما احدثه عنه. فلما فرغت قال: لا أظنك أفطرت بعد ؟ فقلت: لا، فدعالي بطعام فوضع بين يدي وأمر الغلام أن يأكل معي فأصبت والغلام من الطعام، فلما فرغنا قال لي: ارفع الوسادة وخذ ما تحتها. فرفعتها وإذا دنانير فأخذتها ووضعتها في كمي وأمر أربعة من عبيده أن يكونوا معي حتى يبلغوني منزلي، فقلت: جعلت فداك إن طائف ابن المسيب يدور وأكره أن يلقاني ومعي عبيدك، فقال لي: أصبت أصاب الله بك الرشاد. وأمرهم أن ينصرفوا إذا رددتهم فلما قربت من منزلي وآنست رددتهم فصرت إلى منزلي ودعوت بالسراج ونظرت إلى الدنانير وإذا هي ثمانية وأربعون دينارا وكان حق الرجل علي ثمانية وعشرين دينارا وكان فيها دينار يلوح فأعجبني حسنه فأخذته وقربته من السراج فإذا عليه نقش واضح: حق الرجل ثمانية وعشرون دينارا وما بقي فهو لك، ولا والله ما عرفت ما له علي والحمد لله رب العالمين الذي أعز وليه. * الشرح: قوله (وقد والله شهرني) أي وقد شهرني والله فحذف الفعل لوجود المفسر يقال: شهرته بكذا والتشديد مبالغة. قوله (عن ابن المسيب) هو هارون بن المسيب الآتي. قوله (فأصبت والغلام من الطعام) هذا من باب العطف على الضمير المرفوع المتصل من غير فصل ولا تأكيد إلا أن يجعل الواو بمعنى مع. * الأصل: 5 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن بعض أصحابه، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أنه خرج من المدينة في السنة التي حج فيها هارون يريد الحج فانتهى إلى جبل عن يسار الطريق - وأنت ذاهب إلى مكة - يقال له: قارع، فنظر إليه أبو الحسن (عليه السلام) ثم قال: باني قارع وهادمه يقطع إربا إربا. فلم ندر ما معنى ذلك فلما ولى وافى هارون ونزل بذلك الموضع صعد جعفر بن يحيى ذلك الجبل وأمر أن يبنى له ثم مجلس فلما رجع من مكة صعد إليه فأمر بهدمه، فلما انصرف إلى العراق قطع إربا إربا. * الشرح: قوله (يقال له: قارع) جبل قارع إذا كان أطول ما يليه وقارعة الجبل أعلاه. قوله (باني قارع وهادمه) إضافة الباني إلى القارع على سبيل الاتساع كما في مالك يوم الدين، والتقدير باني البناء في القارع، وضمير في دمه يرجع إلى البناء المستفاد من الباني والإرب بالكسر

[ 277 ]

والسكون العضو. قوله (فلما ولى وافى هارون) أي فلما ولى أبو الحسن (عليه السلام) وارتحل من ذلك الموضع أتاه هارون ونزل بذلك الموضع، وصعد جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي ذلك الجبل وأمر أن يبنى عليه مجلس، فلما رجع من مكة صعد إليه فأمر بهدمه فلما انصرف إلى بغداد قطع إربا إربا وكان سبب قتله أن اخت هارون في ذكاء الذهن وجودة الطبع وطلاقة البيان وفصاحة اللسان، كانت في غاية الكمال، وكذلك كان جعفر بن يحيى وكان لهارون شغف وسرور في حضروهما وصحبتهما فأوقع العقد بينهما ليجمعهما في مجلس واحد بشرط أن لا يقاربها يحيى ولا يجالسها في غير مجلسه فراودته حتى جامعها فولدت ذكرا فأرسلته إلى مكة لئلا يعلم به هارون فأخبر به فنهض إلى مكة وظهرت له القضية، ولم يظهرها ولم يتغير على يحيى بل كان يحسن إليه زايدا على السابق حتى رجع إلى العراق فقتله وأحرقه (1) وقتل أباه يحيى وأخويه محمدا وموسى وغيرهم ممن انتسب إليهم من البرامكة. * الأصل: 6 - أحمد بن محمد، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن عيسى، عن محمد بن حمزة بن القاسم، عن إبراهيم بن موسى قال: ألححت على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) في شئ أطلبه منه، فكان يعدني، فخرج ذات يوم ليستقبل والي المدينة وكنت معه فجاء إلى قرب قصر فلان، فنزل تحت شجرات ونزلت معه أنا وليس معنا ثالث فقلت: جعلت فداك هذا العيدقد أظلنا ولا والله ما أملك درهما فما سواه فحك بسوطه الأرض حكا شديدا، ثم ضرب بيده فتناول منه سبيكة ذهب، ثم قال: انتفع بها واكتم ما رأيت. * الأصل: 7 - علي بن إبراهيم، عن ياسر الخادم والريان بن الصلت جميعا قال: لما انقضى أمر المخلوع


(1) قوله " فقتله وأحرقه " وهكذا كان ملوك بني العباس في صدر دولتهم يقتلون المستولين على الأمور من أمرائهم ووزرائهم لئلا تضعف حكومتهم فقتل أبو العباس السفاح أبا سلمة الخلال المشهور بوزير آل محمد، والدوانقي أبا مسلم الخراساني مع أن دولة بني العباس قامت بجهده، وقتل هارون البرامكة بعد أن استوثق الأمور برأيهم وقتل المأمون الفضل بن سهل ذا الرياستين وأما بعد ذلك فلم يحتاطوا هذا الاحتياط فاستولت الأمراء على الخلفاء خصوصا الأتراك وضعفوا جدا وخرجت الحكومة من يدهم ولم يكن للخليفة أمر ولا نهي إلى انقراض دولتهم وكذلك قتل في العصر الأخير الشاه عباس الصفوي مربيه وممهد الملك له مرشد قليخان إذ رأى استيلاءه على الأمور وأمثال ذلك غير بعيدة من الملوك. (ش) (*)

[ 278 ]

واستوى الأمر المأمون كتب إلى الرضا (عليه السلام) يستقدمه إلى خراسان، فاعتل عليه أبو الحسن (عليه السلام) بعلل، فلم يزل المأمون يكاتبه في ذلك حتى علم أنه لا محيص له وأنه لا يكف عنه، فخرج (عليه السلام) ولأبي جعفر (عليه السلام) سبع سنين، فكتب إليه المأمون: لا تأخذ على طريق الجبل وقم، وخذ على طريق البصرة والأهواز وفارس، حتى وافى مرو، فعرض عليه المأمون أن يتقلد الأمر والخلافة، فأبى أبو الحسن (عليه السلام)، قال: فولاية العهد ؟ فقال: على شروط أسألكها. قال المأمون له: سل: ما شئت، فكتب الرضا (عليه السلام): إني داخل في ولاية العهد على أن لا آمر ولا أنهى ولا افتي ولا أقضي ولا اولي ولا أعزل ولا اغير شيئا مما هو قائم وتعفيني من ذلك كله، فأجابه المأمون إلى ذلك كله، قال: فحدثني ياسر قال: فلما حضر العيد بعث المأمون إلى الرضا (عليه السلام) يسأله أن يركب ويحضر العيد ويصلي ويخطب، فبعث إليه الرضا (عليه السلام): قد علمت ما كان بيني وبينك من الشروط في دخول هذا الأمر، فبعث إليه المأمون إنما اريد بذلك أن تطمئن قلوب الناس ويعرفوا فضلك، فلم يزل (عليه السلام) يراده الكلام في ذلك فألح عليه، فقال: يا أمير المؤمنين إن أعفيتني من ذلك فهو أحب إلي وإن لم تعفني خرجت كما خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأمير المؤمنين (عليه السلام) فقال المأمون: اخرج كيف شئت وأمر المأمون القواد والناس أن يبكروا إلى باب أبي الحسن قال: فحدثني ياسر الخادم أنه قعد الناس لأبي الحسن (عليه السلام) في الطرقات والسطوح، الرجال والنساء والصبيان واجتمع القواد والجند على باب أبي الحسن (عليه السلام) فلما طلعت الشمس قام (عليه السلام) فاغتسل وتعمم بعمامة بيضاء من قطن. ألقى طرفا منها على صدره وطرفا بين كتفيه وتشمر، ثم قال لجميع مواليه: افعلوا مثل ما فعلت، ثم أخذ بيده عكازا ثم خرج ونحن بين يديه وهو حاف شمر سراويله إلى نصف الساق وعليه ثياب مشمرة فلما مشى ومشينا بين يديه رفع رأسه إلى السماء وكبر أربع تكبيرات، فخيل إلينا أن السماء والحيطان تجاوبه والقواد والناس على الباب قد تهيؤوا ولبسوا السلاح وتزينوا بأحسن الزينة، فلما طلعنا عليهم بهذه الصورة وطلع الرضا (عليه السلام) وقف على الباب وقفة ثم قال: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر على ما هدانا، الله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام والحمد لله على ما أبلانا، نرفع بها أصواتنا، قال ياسر: فتزعزعت مرو بالبكاء والضجيج والصياح لما نظروا إلى أبي الحسن (عليه السلام) وسقط القواد عن دوابهم ورموا بخفافهم لما رأوا أبا الحسن (عليه السلام) حافيا وكان يمشي ويقف في كل عشر خطوات ويكبر ثلاث مرات، قال ياسر: فتخيل إلينا أن السماء والأرض والجبال تجاوبه وصارت مرو ضجة واحدة من البكاء وبلغ المأمون ذلك فقال له الفضل بن سهل ذو الرياستين: يا أمير المؤمنين إن بلغ الرضا المصلى على هذا السبيل افتتن به الناس والرأي أن تسأله أن يرجع، فبعث إليه المأمون فسأله الرجوع فدعا أبو الحسن (عليه السلام) بخفه فلبسه وركب ورجع.

[ 279 ]

* الشرح: قوله (لما انقضى أمر المخلوع) هو أخو هارون (1) محمد أمين بن زبيدة بنت جعفر بن منصور الدوانقي سمي مخلوعا لأنه خلع نفسه عن الخلافة عند إحاطة عساكر هارون (2) بعد توجه العجز والانكسار إليه، وطلب الأمان من هر ثمة بن أعين وخرج من السور ليلحق به فقتله قبل الوصول إليه الطاهر ذو اليمينين، وهو كان أمير العساكر وبعث برأسه إلى هارون وهو في مرو. قوله (فاعتل عليه أبو الحسن (عليه السلام) بعلل) أي اعتذر إليه بوجوه من الاعتذار والاعتلال من العلة وهي قد توضع موقع العذر. قوله (لا تأخذ على طريق الجبل وقم) المراد بالجبل همدان ونهاوند وطبرستان، ولعل علة النهي هي كثرة شيعته في ذلك الطريق فخاف توازرهم واجتماعهم عليه (3). قوله (فعرض عليه المأمون أن يتقلد الأمر والخلافة) كان ذلك اختبار أو امتحانا ولذلك أبى (عليه السلام) لعلمه بحاله وعدم تمشية ذلك وبأن عدم قبول ذلك أصلح له ولشيعته. قوله (قال: فولاية العهد، فقال: على شروط) وقد روي أنه (عليه السلام) أبى عليه ولاية العهد أيضا إباء شديدا إلى أن وقعت الخشونة والتهديد والتخويف، فلما رأى (عليه السلام) أنه لا محيص له عن قبولها قبلها على الشروط المذكورة مع أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والافتاء، والحكم، وعزل الفاسق، وتغيير الباطل واجب على الإمام عند التمكن لعلمه بأنه لا يمكنه ذلك في عصر ذلك الطاغي، وأنه يوجب هتك عرضه، وكسر شرفه، وقد روي أنه لما قبل ولاية العهد كرما كتب في آخر صحيفة العهد: الجفر والجامعة يدلان على ضد ذلك (4) * (أو ما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين) *. قوله (فلما حضر العيد) لعله عيد قربان بدليل آخر التكبير.


(1) سهو في ثلاثة مواضع والصحيح المأمون. (2) سهو في ثلاثة مواضع والصحيح المأمون. (3) قوله " فخاف توازرهم واجتماعهم عليه " هذا يدل على أن قصد المأمون لم يكن تفويض الخلافة والولاية بل حبسه وقتله والأمن من جهته عليه السلام كما قلنا. (ش). (4) قوله " يدلان على ضد ذلك " والإمام (عليه السلام) كان يعلم قصد المأمون مما تبين له من أخبار آبائه عليهم السلام لكن كان في ظهوره وإقبال الخلق عليه ومباشرتهم نشر مناقبه وفضائله وعلومه وحججه على الأديان ولعل سر قبوله (عليه السلام) ذلك نشير إليه إن شاء الله وثم أن أصل السياسة على إطاعة الناس أوامر الولاة طوعا أو كرها وأصل الدين على فهم العقايد والالتزام بالشرائع اعتقادا وإيمانا، والأول يضاد الاحتجاج والنظر والثاني يتوقف عليهما وهو (عليه السلام) فتح هذا الباب وروجه في الإسلام. (ش). (*)

[ 280 ]

قوله (أن أعفيتني من ذلك فهو أحب إلي) لعلمه (عليه السلام) بأنه لا يقع قطعا. قوله (وأمر المأمون القواد) القادة والقواد بالضم جمع القايد خلاف السائق وهو رؤساء العسكر ومصدره القيادة. قوله (ثم أخذ بيده عكازا) العكاز عصاء ذات زج وهو حديدة في أسفل الرمح. والجمع عكاكيز. قوله (ثم قال: الله أكبر - الخ) الروايات في عدد التكبيرات وبواقي الأذكار مختلفة وتفصيلها وتفصيل القول بوجوبها أو ندبها في كتب الفروع، قال: الشهيد الثاني: والكل جايز وذكر الله حسن على كل حال. * الأصل: 8 - علي بن إبراهيم، عن ياسر قال: لما خرج المأمون من خراسان يريد بغداد، وخرج الفضل ذو الرياستين وخرجنا مع أبي الحسن (عليه السلام) ورد على الفضل بن سهل ذي الرياستين كتاب من أخيه الحسن بن سهل ونحن في بعض المنازل: إني نظرت في تحويل السنة في حساب النجوم فوجدت فيه أنك تذوق في شهر كذا وكذا يوم الأربعاء حر الحديد وحر النار وأرى تدخل أنت وأمير المؤمنين والرضا الحمام في هذا اليوم وتحتجم فيه وتصب على يديك الدم ليزول عنك نحسه، فكتب ذو الرياستين إلى المأمون بذلك وسأله أن يسأل أبا الحسن ذلك، فكتب المأمون إلى أبي الحسن يسأله ذلك. فكتب إليه أبو الحسن (عليه السلام): لست بداخل الحمام غدا ولا أرى لك ولا للفضل أن تدخلا الحمام غدا. فأعاد عليه الرقعة مرتين، فكتب إليه أبو الحسن: يا أمير المؤمنين لست بداخل غدا الحمام فإني رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) في هذه الليلة في النوم فقال لي: " يا علي لا تدخل الحمام غدا " ولا أرى لك ولا للفضل أن تدخلا الحمام غدا، فكتب إليه المأمون: صدقت يا سيدي وصدق رسول الله (صلى الله عليه وآله) لست بداخل الحمام غدا والفضل أعلم، قال: فقال ياسر: فلما أمسينا وغابت الشمس قال لنا الرضا (عليه السلام): قولوا: " نعوذ بالله من شر ما ينزل في هذه الليلة " فلم نزل نقول ذلك، فلما صلى الرضا (عليه السلام) الصبح قال لي: اصعد [ على ] السطح فاستمع هل تسمع شيئا ؟ ! فلما صعدت سمعت الضجة والتحمت وكثرت فإذا نحن بالمأمون قد دخل من الباب الذي كان إلى داره من دار أبي الحسن وهو يقول: يا سيدي يا أبا الحسن آجرك الله في الفضل فإنه قد أبى وكان دخل الحمام فدخل عليه قوم بالسيوف فقتلوه واخذ ممن دخل عليه ثلاث نفر كان أحدهم ابن خالة الفضل بن ذي القلمين قال: فاجتمع الجند والقواد ومن كان من رجال الفضل على باب المأمون فقالوا: هذا اغتاله وقتله - يعنون المأمون ولنطلبن بدمه وجاؤوا بالنيران ليحرقوا الباب،

[ 281 ]

فقال المأمون لأبي الحسن (عليه السلام): يا سيدي ترى أن تخرج إليهم وتفرقهم، قال: فقال ياسر: فركب أبو الحسن وقال لي: اركب. فركبت فلما خرجنا من باب الدار نظر إلى الناس وقد تزاحموا، فقال لهم بيده تفرقوا تفرقوا، قال ياسر: فأقبل الناس والله يقع بعضهم على بعض وما أشار إلى أحد إلا ركض ومر. * الشرح: قوله (فقال له الفضل بن سهل ذو الرياستين) كان الفضل وزير المأمون بالاستقلال وترقى أمره حتى تصرف في الإمامة أيضا، فلذلك سمى بذى الرياستين رياسة الوزارة ورياسة الإمارة (1). قوله (الحسن بن السهل) كان والي بغداد من قبل المأمون في ذلك الوقت. قوله (والتحمت) أي اشتدت الضجة والصياح وفي بعض النسخ " والنحيب " وهو شدة البكاء بصوت طويل ومد كالنحيب وكانت تلك القضية في سرخس. قوله (فدخل عليه قوم) في كتب السير دخل عليه غالب بن أسود المسعودي وقسطنطين الرومي، وفرخ الديلمي، وموفق الصقلبي بالسيوف فقتلوه وهربوا فأمر المأمون بالفحص فأخذهم أبو العباس الدينوري وأحضرهم عند المأمون فقال لهم المأمون: لم قتلتموه ؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين اتق الله قتلناه بأمرك فلم يلتفت إلى كلامهم فقتلهم. * الأصل: 9 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن مسافر، وعن الوشاء، عن مسافر قال: لما أراد هارون بن المسيب أن يواقع محمد بن جعفر قال لي أبو الحسن الرضا (عليه السلام): اذهب إليه وقل له: لا تخرج غدا فإنك إن خرجت غدا هزمت وقتل أصحابك فإن سألك من أين علمت هذا ؟ فقل: رأيت في المنام، قال: فأتيته فقلت له: جعلت فداك لا تخرج غدا فإنك إن خرجت هزمت وقتل أصحابك فقال لي: من أين علمت هذا ؟ فقلت: رأيت في المنام، فقال: نام العبد ولم يغسل استه، ثم خرج فانهزم وقتل أصحابه، قال: وحدثني مسافر قال: كنت مع أبي الحسن الرضا (عليه السلام) بمنى فمر يحيى بن خالد فغطى رأسه من الغبار فقال: مساكين لا يدرون ما يحل بهم في هذه السنة، ثم قال: وأعجب من هذا هارون وأنا كهاتين - وضم إصبيعه - قال مسافر: فوالله ما عرفت معنى حديثه حتى دفناه معه. * الشرح: قوله (أن يواقع محمد بن جعفر) أي يحاربه، وهو محمد بن جعفر الصادق (عليه السلام) وقيل كان ملقبا


(1) قوله " رئاسة الوزارة ورئاسة الإمارة " الوزارة منصب من له التصرف في أمر الحكومة غير الحرب. والإمارة منصب رؤساء الجنود. (ش). (*)

[ 282 ]

بالديباج وكان شجاعا كريما سخيا. وفي بعض كتب السير أنه كان يرى رأي الزيدية في أن الإمام من نسل فاطمة عليها السلام من يخرج بالسيف فخرج في سنة تسع وتسعين ومائة على المأمون فغلب بعد المحاربة وأخذ وبعث إلى المأمون وهو في خراسان فعززه وأكرمه ومات في جرجان عند توجه المأمون إلى بغداد فدخل المأمون بنفسه في قبره ودفنه. قوله (فقل: رأيت في المنام) أمره بذلك أما باعتبار أنه رأى ذلك في النوم في الواقع، أو باعتبار أن الكذب للمصلحة وحفظ النفس المحترمة (1) جاير. قوله (لا يدرون ما يحل بهم في تلك السنة) قد ذكرنا سابقا ما حل بهم وسببه. قوله (ثم قال: وأعجب من هذا هارون وأنا كهاتين وضم أصبعيه) أي سبابتيه ويحتمل غيرهما وأراد بقوله: " هارون وأنا كهاتين " ما بينهما من المقاربة والمجاورة، وأنا أما في محل النصب على أن الواو بمعنى مع، أو في محل الرفع بالعطف، وقوله: " كهاتين " في موضع الرفع على الخبر أي مقترنان ويقع التشبيه بالجوار. قوله (حتى دفناه معه) لما بلغ هارون خروج رافع بن ليث بن نصر بن سيار واستيلاؤه في ما وراء النهر بعث هرثمه بن أعين إلى دفعه ونهض في عقبة إلى خراسان، وبلغ هذا الموضع فمرض مرضا شديدا وعند ذلك انهي إليه أن هرثمة هزم رافع بن ليث وأسر أخاه بشيرا وأرسله فأمر بإحضار بشير وأمر القصاب بقطع أعضائه ومات بعده بثلاثة أيام سنة ثلاث وتسعين ومائة ودفن في ذلك الموضع ثم دفن فيه الرضا (عليه السلام) سنة ثلاث ومائتين فالتفاوت بينهما عشر سنين. * الأصل: 10 - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن علي بن محمد القاساني قال: أخبرني بعض أصحابنا أنه حمل إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام) مالا له خطر، فلم أره سر به قال: فاغتممت لذلك وقلت في نفسي: قد حملت هذا المال ولم يسر به، فقال: يا غلام الطست والماء، قال: فقعد على كرسي وقال بيده للغلام: صب علي الماء، قال: فجعل يسيل من بين أصابعه في الطست ذهب، ثم التفت إلي فقال لي: من كان هكذا [ لا ] يبالي بالذي حملته إليه ؟ * الشرح: قوله (فلم أره سر به - الخ) كأنه لم يدع لصاحبه مع أن الدعاء له مستحب لعلمه بأن في قلب السامع شيئا من الزيغ فأراد أن يريه شيئا من الإعجاز والكرامات ليرفعه كما هو شأن الحكيم. * الأصل: 11 - سعد بن عبد الله، وعبد الله بن جعفر جميعا، عن إبراهيم بن مهزيار، عن أخيه علي بن


(1) قوله " إن الكذب للمصلحة وحفظ النفس المحترمة " الخبر ضعيف وتأويل الشارح تكلف. (ش). (*)

[ 283 ]

مهزيار، عن الحسين بن سعيد، عن محمد بن سنان قال: قبض علي بن موسى (عليهما السلام) وهو ابن تسع وأربعين سنة وأشهر، في عام اثنين ومائتين. عاش بعد موسى بن جعفر عشرين سنة إلا شهرين أو ثلاثة. * الشرح: قوله (في عام اثنين ومائتين) (1) ينافي ما مر في أول الباب من أنه قبض سنة ثلاث ومائتين وهذا هو الراجح عند المصنف كما مر.


(1) قوله " عام اثنين ومائتين " قال اليعقوبي ما معناه: لبث إلى سنة اثنين ومائتين وقبض أول السنة الثالثة ومائتين كما مر أنه (عليه السلام) قبض في صفر وورد المأمون بغداد بعد سنة في ربيع الأول من السنة الرابعة ومائتين وكان كلما دخل بلدا في مسيره ينظر في أمره ويصلحه حتى دخل العراق والمأمون تأثر بمعاشرة الرضا (عليه السلام) تأثرا عظيما في مذهبه وأن قتله ظلما وعدوانا لأن الملك عقيم ولم يكن الرضا (عليه السلام) أعز عليه من أخيه وقد قتله فكم قتل الملوك أبناءهم وآباءهم وإخوانهم وعشيرتهم ولم يبالوا، وبالجملة جوز الاحتجاج والمناظرة وأحل الناس إظهار عقائدهم والتكلم والبحث فيها وهذا باب فتحه الرضا (عليه السلام) إذ جلس وناظر أهل الأديان واحتج عليهم وتكلم في الأحاديث المروية ورد منها مالا يوافق القرآن وأول منها ما كان ظاهره غير مراد وكانت هذه الطريقة معمولة مدة خلافة المأمون وبعده في زمن المعتصم والواثق إلى أن تولى المتوكل فمنع من ذلك وأمر بمتابعة ظواهر أقوال السلف تقليدا وحرم التدبر في معانيها فصار التقليد شعار أهل السنة وبقى طريقة النظر من شعار الشيعة وتبعهم المعتزلة وهذا كله من فوائد سفر الرضا (عليه السلام) وكان يباح البحث في مجالس الديالمة لكونهم من الشيعة ولم يتبعوا سياسة المتوكل. ثم إن المتوكل ضم ذلك إلى الجسارة مع أئمتنا عليهم السلام حتى أمير المؤمنين والحسين عليهما السلام إذ علم أنهم الأصل في هذه الأمور، ويعجبني ما حكاه اليعقوبي في رد فدك قال: أحضر المأمون الفقهاء فسألهم عن [ ذلك ] فرووا أن فاطمة قد كانت قالت وشهدت لها هؤلاء وأن أبا بكر لم يجز شهادتهم فقال لهم المأمون ما تقولون في أم أيمن ؟ قالوا: امرأة شهد لها رسول الله بالجنة، فتكلم المأمون بهذا بكلام كثير ونصهم إلى أن قالوا: إن عليا والحسن والحسين لم يشهدوا إلا بحق فلما أجمعوا على هذا ردها على ولد فاطمة (عليها السلام). أيضا حكى اليعقوبي أن قاضي بغداد ضرب رجلا اتهم بأنه شتم أبا بكر وعمر وأطافه على جمل فأحضره المأمون وأحضر الفقهاء وخاطب القاضي وقال: إني نظرت في قضيتك فوجدتك قد أخطأت بهذا خمس عشرة خطيئة، بم أقمت الحد على هذا الرجل ؟ قال: بشتم أبي بكر وعمر، قال: حضرك خصومه ؟ قال: لا. قال: فوكلوك ؟ قال: لا. قال فللحاكم أن يقم حد الفرية بغير حضور خصم ؟ قال: لا. قال: وكنت تأمن أن يهب بعض القوم حصته فيبطل الحد ؟ قال: لا، قال: فامهما كافرتان أو مسلمتان ؟ قال: بل كافرتان، قال: فيقام في الكافرة حد المسلمة ؟ قال لا. ثم عد من أمثال ذلك إلى أن قال: ثم حملته على جمل فأطفت به فالمحدود يطاف به ؟ قال: لا. قال ثم حبسته بعد أن أقمت عليه الحد فالمحدود يحبس بعد الحد ؟ قال: لا، قال: لا يراني الله أبوء بإثمك - إلى أن قال -: فأمر به فحبس في داره حتى مات. انتهى. لعن الله قاضي السوء وناصبه وعازله ومصوب حكمه جميعا. (ش). (*)

[ 284 ]

باب مولد أبي جعفر محمد بن علي الثاني عليهما السلام * الأصل: ولد (عليه السلام) في شهر رمضان من سنة خمس وتسعين ومائة وقبض (عليه السلام) سنة عشرين ومائتين في آخر ذي القعدة وهو ابن خمس وعشرين سنة وشهرين وثمانية عشر يوما ودفن ببغداد في مقابر قريش عند قبر جده موسى (عليه السلام) وقد كان المعتصم أشخصه إلى بغداد في أول هذه السنة التي توفي فيها (عليه السلام). وامه ام ولد يقال لها: سبيكة نوبية وقيل أيضا: إن اسمها كان خيزران وروي أنها كانت من أهل بيت مارية ام إبراهيم بن رسول الله (صلى الله عليه وآله). * الشرح: قوله (وقبض (عليه السلام) سنة عشرين ومائتين) قال الصدوق: قتله المعتصم بالسم، وقال بعض أهل السير: ذهب بعض علماء الشيعة وأهل السنة إلى أن المعتصم قتله بالسم، وذهب طايفة إلى أنه مات بأجله. قوله (وقد كان المعتصم أشخصه) هو محمد بن هارون ملك الخلافة بعد أخيه المأمون وأشخص محمد بن علي عليهما السلام من المدينة إلى بغداد في السنة المذكورة وقتله بالسم فيها، ومات المعتصم عليه اللعنة سنة سبع وعشرين ومائتين، فعاش بعده (عليه السلام) سبع سنين. * الأصل: 1 - أحمد بن إدريس، عن محمد بن حسان. عن علي بن خالد - قال محمد: وكان زيديا - قال: كنت بالعسكر فبلغني أن هناك رجل محبوس اتي به من ناحية الشام مكبولا وقالوا: إنه تنبأ، قال علي بن خالد: فأتيت الباب وداريت البوابين والحجبة حتى وصلت إليه فإذا رجل له فهم، فقلت: يا هذا ما قصتك وما أمرك ؟ قال: إني كنت رجلا بالشام أ عبد الله في الموضع الذي يقال له: موضع رأس الحسين فبينا أنا في عبادتي إذا أتاني شخص فقال لي: قم بنا، فقمت معه فبينا أنا معه إذا أنا في مسجد الكوفة. فقال لي: تعرف هذا المسجد ؟ فقلت: نعم هذا مسجد الكوفة، قال: فصلى وصليت معه فبينا أنا معه إذا أنا في مسجد الرسول الله (صلى الله عليه وآله) بالمدينة، فسلم على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلمت وصلى وصليت معه، وصلى الله (صلى الله عليه وآله) فبينا أنا معه إذا بمكة، فلم أزل معه حتى قضى مناسكه وقضيت مناسكي معه فبينا أنا معه، إذا أنا في الموضع الذي كنت أ عبد الله فيه بالشام ومضى الرجل، فلما كان العام القابل إذا أنا به فعل

[ 285 ]

مثل فعلته الاولى، فلما فرغنا من مناسكنا وردني إلى الشأم وهم بمفارقتي قلت له: سألتك بالحق الذي أقدرك على ما رأيت إلا أخبرتني من أنت ؟ فقال: أنا محمد بن علي بن موسى. قال: فتراقى الخبر حتى انتهى إلى محمد بن عبد الملك الزيات، فبعث إلي وأخذني وكبلني في الحديد وحملني إلى العراق، قال: فقلت له: فارفع القصة إلى محمد بن عبد الملك، ففعل وذكر في قصته ما كان فوقع في قصته: قل للذي أخرجك من الشام في ليلة إلى الكوفة ومن الكوفة إلى المدينة ومن المدينة إلى مكة وردك من مكة إلى الشام أن يخرجك من حبسك هذا، قال علي بن خالد: فغمني ذلك من أمره ورققت له وأمرته بالعزاء والصبر قال: ثم بكرت عليه فإذا الجند وصاحب الحرس وصاحب السجن وخلق الله، فقلت ما هذا ؟ فقالوا: المحمول من الشام الذي تنبأ افتقد البارحة فلا يدرى أخسفت به الأرض أو اختطفه الطير. * الشرح: قوله (قال محمد وكان زيديا) أي قال محمد بن حسان: كان علي بن خالد زيديا وقال ذلك أيضا أصحاب الرجال فالعجب منه بقاؤه على مذهبه (1) بعد سماع هذا الحديث. قوله (كنت بالعسكر) العسكر اسم سر من رأى (2). قوله (مكبولا) أي مقيدا، والكبل بالتسكين القيد الضخم يقال: كبلت الأسير وكبلته مخففا ومثقلا إذا قيدته فهو مكبول ومكبل. قوله (إلا أخبرتني) الاستثناء من حيث المعنى أي سألتك في جميع الأوقات إلا وقت إخبارك من أنت، أو ما سألتك شيئا إلا إخبارك من أنت وفيه على التقديرين مبالغة في السؤال وإلحاح في الإخبار. قوله (فتراقى الخبر) أي تصاعد وارتفع حتى انتهى إلى محمد بن عبد الملك الزيات، وهو وزير المعتصم (3) وبعده وزير ابنه الواثق هارون بن المعتصم، وكان أبوه يبيع دهن الزيت في بغداد.


(1) قوله: " بقائه على مذهبه " حكي عن المفيد أنه قال بالإمامة بعد مشاهدة هذه المعجزة. (ش). (2) قوله " العسكر اسم سر من رأى " ذكرنا أن سر من رأى ما بدء بعمارته إلا بعد وفاة أبي جعفر (عليه السلام) قال في معجم البلدان بدأ بالبناء فيه سنة 221 وكانت وفاته (عليه السلام) سنة 220 وبالجملة لم يكن هناك سجن وعسكر وعمارة وقصر اشتبه الأمر فيه على محمد بن حسان فذكر العسكر بدل بغداد. (ش). والصحيح رجلا محبوسا. (3) قوله " وهو وزير المعتصم " كانت وزراته للمعتصم بعد قتل الإمام أبي جعفر (عليه السلام) قطعا لأن المعتصم تولى الخلافة بعد وفاة المأمون سنة 218 وأخذ البيعة له الفضل بن مروان وهو غائب وحلصت له يد عنده فاستورزه المعتصم واستمر في منصبه جزاء لخدمته إلى سنة 221 على ما ذكره المؤرخون ابن خلكان (وقد = (*)

[ 286 ]

قوله (فإذا الجند وصاحب الحرس) الخبر محذوف أي حاضرون متأسفون متكلمون في أمره. والحرس بفتحتين جمع حارس كخدم وخادم. قوله (أو اختطفه الطير) خطفه واختطفه إذا استلبه بسرعة، واختطاف الطير مبالغة في سرعة غيبته. * الأصل: 2 - الحسين بن محمد الأشعري قال: حدثني شيخ من أصحابنا يقال له: عبد الله ابن رزين قال: كنت مجاورا بالمدينة - مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله) - وكان أبو جعفر (عليه السلام) يجيئ في كل يوم مع الزوال إلى المسجد فينزل في الصحن ويصير إلى رسول (صلى الله عليه وآله) الله ويسلم عليه ويرجع إلى بيت فاطمة (عليها السلام فيخلع نعليه ويقوم فيصلي فوسوس إلي الشيطان، فقال: إذا نزل فأذهب حتى تأخذ من التراب الذي يطأ عليه فجلست في ذلك اليوم أنتظره لأفعل هذا، فلما أن كان وقت الزوال أقبل (عليه السلام) على حمار له، فلم ينزل في الموضع الذي كان ينزل فيه وجاء حتى نزل على الصخرة التي على باب المسجد ثم دخل فسلم على رسول الله، قال: ثم رجع إلى المكان الذي كان يصلي فيه ففعل هذا أياما، فقلت: إذا خلع نعليه جئت فأخذت الحصا الذي يطأ عليه بقدميه، فلما أن كان من الغد جاء عند الزوال فنزل على الصخرة ثمق دخل فسلم على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم جاء إلى الموضع الذي كان يصلي فيه فصلى في نعليه ولم يخلعهما حتى فعل ذلك أياما، فقلت في نفسي: لم يتهيأ لي ههنا


= قبض أبو جعفر (عليه السلام) سنة 220) ثم غضب عليه المعتصم لجمعه الأموال الكثيرة من أموال السلطان وصادره واستخرج منه ألف ألف دينار نقدا ومثل ذلك من الرياش والجواهر وغيرها واستوزر في تلك السنة أحمد بن عمار البصري فمكث في الوزارة مدة لا يحضرني مقدارها إلى أن ورد كتاب فيه ذكر الكلأ فسأل المعتصم وزير عن معنى الكلاء ولم يكن عالما به فاستحضر كاتبا من كتاب الديوان فاحضروا محمد بن عبد الملك الزيات فأحسن الجواب، واستحسنه المعتصم ونصبه وزيرا وعزل أحمد بن عمار وكان جميع ذلك بعد وفاة أبي جعفر (عليه السلام)، وما كان يعلم راوي هذا الخبر تاريخ وزرارة ابن الزيات فذكره في أثناء الخبر ولم يكن الإمام (عليه السلام) زمان وزارته حيا ولعل وقوع المعجزة كان في زمان وزارة فضل بن مروان فاشتبه الأمر على الراوي لأن ابن الزيات كان أشهر لطول مدته وشدته وكان تنور الحديد ذي المسامير الذي يعذب به من أراد مصادرته واستخراج أموال الدولة مما لا ينسى، وكان تعذيبه بذلك التنور الذي اخترعه أربعين يوما حتى مات فيه عبرة من العبر لا تمحو من الخواطر وتحقق به المثل المشهور " من حفر بئرا لأخيه وقع فيها " وأعجب من ذلك أن الراوي ذكر في الخبر العسكر يعني سر من رأى ولم يكن بني ذلك البلد إلا بعد وفاة أبي جعفر (عليه السلام)، وبالجملة الحديث ضعيف بمحمد بن حسان ووصف الخبر المجلسي - رحمه الله - أيضا بالضعف ولا ينافي وقوع المعجزة وإن اشتبه على الراوي زمانه فتصرف فيه. وفي كل زمان عدول ينفون عن أحاديثهم تحريف الغالين وتأويل الجاهلين والحمد لله على نعمائه. (ش). (*)

[ 287 ]

ولكن أذهب إلى باب الحمام فإذا دخل إلى الحمام أخذت من التراب الذي يطأ عليه، فسألت عن الحمام الذي يدخله، فقيل لي: إنه يدخل حماما بالبقيع لرجل من ولد طلحة فتعرفت اليوم الذي يدخل فيه الحمام وصرت إلى باب الحمام وجلست إلى الطلحي احدثه وأنا أنتظر مجيئه (عليه السلام) فقال الطلحي: إن أردت دخول الحمام، فقم فادخل فإنه لا يتهيأ لك ذلك بعد ساعة، قلت: ولم ؟ قال: لأن ابن الرضا يريد دخول الحمام، قال: قلت: ومن ابن الرضا ؟ قال: رجل من آل محمد له صلاح وورع، قلت له، ولا يجوز أن يدخل معه الحمام غيره ؟ قال: نخلي له الحمام إذا جاء قال: فبينا أنا كذلك إذ أقبل (عليه السلام) ومعه غلمان له، وبين يديه غلام معه حصير حتى أدخله المسلخ فبسطه ووافى فسلم ودخل الحجرة على حماره ودخل المسلخ ونزل على الحصير، فقلت للطلحي: هذا الذي وصفته بما وصفت من الصلاح والورع ؟ ! فقال: يا هذا لا والله ما فعل هذا قط إلا في هذا اليوم فقلت في نفسي: هذا من عملي أنا جنيته، ثم قلت: أنتظره حتى يخرج فلعلي أنال ما أردت إذا خرج فلما خرج وتلبس دعا بالحمار فادخل المسلخ وركب من فوق الحصير وخرج (عليه السلام) فقلت في نفسي: قد والله آذيته ولا أعود [ ولا ] أروم مارمت منه أبدا وصح عزمي على ذلك، فلما كان وقت الزوال من ذلك اليوم أقبل على حماره حتى نزل في الموضع الذي كان ينزل فيه في الصحن فدخل وسلم على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجاء إلى الموضع الذي كان يصلي فيه في بيت فاطمة (عليها السلام) وخلع نعليه وقام يصلي. * الشرح: قوله (وكان أبو جعفر (عليه السلام) يجيئ في كل يوم مع الزوال - إلى آخر الحديث) أي يجئ أبو جعفر الثاني عند الزوال والغرض من نقل هذا الحديث هو الإشعار بأنه (عليه السلام) كان عالما بما في الضمير، وإنما أبى (عليه السلام) من أن ينال ابن رزين مطلوبه لخوف الاشتهار والفتنة، أو لإظهار حاله وكماله عليه ولكن قولة ابن رزين: " آذيته " ينافي الأخير ويؤيد الأول. * الأصل: 3 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن علي بن أسباط قال: خرج (عليه السلام) علي فنظرت إلى رأسه ورجليه لأصف قامته لأصحابنا بمصر فبينا أنا كذلك حتى قعد وقال: يا علي إن الله احتج في الإمامة بمثل ما احتج في النبوة، فقال: * (وآتيناه الحكم صبيا) * قال: " ولما بلغ أشده وبلغ أربعين سنة " فقد يجوز أن يؤتى الحكم صبيا ويجوز أن يعطاها وهو ابن أربعين سنة. * الأصل: 4 - علي بن محمد، عن بعض أصحابنا، عن محمد بن الريان قال: احتال المأمون على أبي

[ 288 ]

جعفر (عليه السلام) بكل حيلة فلم يمكنه فيه شئ فلما اعتل وأراد أن يبني عليه ابنته دفع إلي مائتي وصيفة من أجمل ما يكون، إلى كل واحدة منهن جاما فيه جوهر يستقبلن أبا جعفر (عليه السلام) إذا قعد في موضع الأخيار، فلم يلتفت إليهن وكان رجل يقال له: مخارق صاحب صوت وعود وضرب، طويل اللحية، فدعاه المأمون فقال: يا أمير المؤمنين إن كان في شئ من أمر الدنيا فأنا اكفيك أمره، فقعد بين يدي أبي جعفر (عليه السلام) فشهق مخارق شهقة اجتمع عليه أهل الدار وجعل يضرب بعوده ويغني، فلما فعل ساعة وإذا أبو جعفر لا يلتفت إليه لا يمينا ولا شمالا: ثم رفع إليه رأسه وقال: اتق الله يا ذا العثنون قال: فسقط المضراب من يده والعود فلم ينتفع بيديه إلى أن مات قال: فسأله المأمون عن حالة قال: لما صاح بي أبو جعفر فزعت فزعة لا افيق منها أبدا. * الشرح: قوله (قال: احتال المأمون) أراد بذلك الاحتيال إظهار عدم صلاحه على الخلق ليعلموا أنه ليس بأولى منه بالخلافة، وقوله: " اعتل " معناه عجز عن الاحتيال، واسم ابنته ام الفضل والمراد بالبناء التزويج والزفاف والجام طبق أبيض من زجاج أو فضة، والأجناد جمع الجند، وفي بعض النسخ " الأخيار " (1) بالخاء المعجمة والراء وقد نقل أنه جعل صداقها مثل صداق فاطمة عليها السلام خمسمائة درهم وجهز أسباب سفره (عليه السلام) وأذن له الرجوع مع زوجته إلى المدينة، و (2) كان (عليه السلام) فيها


(1) قوله " وفي بعض النسخ الأخيار " قال المجلسي - رحمه الله - كلاهما تصحيف والظاهر الأختان جمع الختن كما في نسخ مناقب ابن شهر آشوب ونعم ما قال. (ش). (2) قوله " مع زوجته إلى المدينة " لا يحضرني الآن تاريخ تزويج ابنة المأمون وكان ولادة الإمام كما ذكر سنة خمس وتسعين ومائة وكان وفاة أبيه عليهما السلام سنة ثلاث ومائتين وقدم المأمون بغداد سنة أربع وكان الإمام أبو جعفر (عليه السلام) في المدينة ثم استقدمه إلى بغداد وزوجه ابنته في بعض سنى إقامته في بغداد، ولم يتفق لي العثور على تاريخه ولا في مدة إقامته حتى رجع إلى المدينة، وقال المؤرخون: إن يحيى بن أكثم تولى قضاء البصرة سنة اثنتين ومائتين وأما قضاه بغداد فلا أعلم تاريخه وذكروا أن يحيى بن اكثم كان في مجلس عقد أبي جعفر (عليه السلام) فإن فرضنا أنه (عليه السلام) كان ابن ست عشرة سنة كان استقدامه في سنة عشر ومائتين تقريبا ولعل يحيى حينئذ انتقل من قضاء البصرة إلى قضاء بغداد، وروى عن المناقب أنه (عليه السلام) كان ابن تسع سنين وقريب منه عن محمد بن طلحة. ثم إن المأمون لم يحبسه عنده بعد التزويج بل أرجعه مع زوجته أم الفضل إلى المدينة وكان ينفذ إليه كل سنة ألف ألف درهم وأكثر على ما حكاه ابن العماد الحنبلي وكان هناك إلى أن قبض المأمون سنة ثمان عشرة وتولى أخوه المعتصم فاستقدمه سنة عشرين فكان (عليه السلام) جميع مدة إمامته معاصرا للمأمون الاسنتين من آخرها وكان قاطنا بمدينة الرسول (عليه السلام) إلا مرتين قدم بغداد أولاهما لأجل تزويج ابنة المأمون والأخرى سنة عشرين التي ارتحل فيها في خلافة المعتصم ولم يكن غرض المأمون من = (*)

[ 289 ]

إلى أن أنهضه المعتصم إلى بغداد فقتله بالسم. قوله (يا ذا العثنون) في النهاية: العثنون: اللحية، وفي القاموس: العثنون اللحية أو ما فضل منها بعد العارضين أو نبت على الذقن وتحته سفلا، أو هو على طولها وشعيرات طوال تحت حنك البعير. * الأصل: 5 - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن داود بن القاسم الجعفري قال: دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) ومعي ثلاث رقاع غير معنونة واشتبهت علي فاغتممت فتناول إحداهما وقال: هذه رقعة زياد بن شبيب، ثم تناول الثانية، فقال: هذه رقعة فلان، فبهت أنا فنظر إلي فتبسم قال: وأعطاني ثلاثمائة دينار وأمرني أن أحملها إلى بعض بني عمه وقال: أما إنه سيقول لك: دلني على حريف يشتري لي بها متاعا، فدله عليه، قال: فأتيته بالدنانير فقال لي: يا أبا هاشم دلني على حريف يشتري لي بها متاعا، فقلت: نعم. قال: وكلمني جمال أن اكلمه (عليه السلام) له يدخله في بعض اموره، فدخلت عليه لاكلمه له فوجدته يأكل ومعه جماعة ولم يمكني كلامه، فقال (عليه السلام): يا أبا هاشم كل. ووضع بين يدي ثم قال - ابتداء منه من غير مسألة -: يا غلام انظر إلى الجمال الذي أتانا به أبو هاشم فضمه إليك. قال: ودخلت معه ذات يوم بستانا فقلت له: جعلت فداك إني لمولع بأكل الطين، فادع الله لي، فسكت ثم قال [ لي ] بعد [ ثلاثة ] أيام ابتداء منه: يا أبا هاشم قد أذهب الله عنك أكل الطين. قال أبو هاشم: فما شئ أبغض إلي منه اليوم. * الشرح: قوله (ومعي ثلاث رقاع - إلى آخر الحديث) فيه أربع كرامات من خوارق العادات وسبب البهت، وهو التحير مشاهدة أمر غريب غير معهود من البشر، وسبب التبسم التعجب من بهته الإشعار بأن تمييزه بين المكاتيب لعلمه باغتمامه ورفع ذلك، وحريف: الرجل - بفتح الحاء وكسر الراء المخففة - معامله في الحرفة وهي الاكتساب. قوله (لمولع) على صيغة المفعول من أولعته بالشئ فهو مولع بفتح اللام أي مغرى به.


= استقدامه وتزويجه قتله أو حبسه ومنعه من معاشرة شيعته واختلافهم إليه بل التقرب إلى الشيعة تأليفا لقلوبهم حتى لا يجاهروا بعداوته ولا يتبعوا من يخرج عليه من آل ابي طالب من الزيدية وغيرهم وأمثال هذه الأغراض مع أن المأمون كان متبرعا من حشوية أهل الحديث والظاهريين من منتحلي السنة وكان يريد أن يمزج بعض ما استفاده من الرضا (عليه السلام) في عقايد العامة تعديلا لهم. (ش). (*)

[ 290 ]

* الأصل: 6 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن محمد بن علي، عن محمد بن حمزة الهاشمي، عن علي بن محمد، أو محمد بن علي الهاشمي قال: دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) صبيحة عرسه حيث بنى بابنة المأمون وكنت تناولت من الليل دواء فأول من دخل عليه في صبيحته أنا وقد أصابني العطش وكرهت أن أدعو بالماء فنظر أبو جعفر (عليه السلام) في وجهي وقال: أظنك عطشان ؟ فقلت أجل، فقال: يا غلام أو جارية اسقنا ماء. فقلت في نفسي: الساعة يأتونه بماء يسمونه به فاغتممت لذلك فأقبل الغلام ومعه الماء فتبسم في وجهي ثم قال: يا غلام ناولني الماء فتناول الماء، فشرب ثم ناولني فشربت، ثم عطشت أيضا وكرهت أن أدعو بالماء ففعل ما فعل في الاولى، فلما جاء الغلام ومعه القدح قلت في نفسي مثل ما قلت في الاولى، فتناول القدح، ثم شرب فناولني وتبسم. قال محمد بن حمزة: فقال لي هذا الهاشمي: وأنا أظنه كما يقولون. * الشرح: قوله (دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) صبيحة عرسه - إلى آخر الحديث) فيه أربع من خوارق العادات والبناء بالمرأة الدخول بها ووجه كراهة طلب الماء الاحتشام أو الخوف من السم، ووجه التبسم وشرب الماء أولا هو التنبيه له بما في ضميره لا لأجل احتياجه إلى الشرب، وقوله: فقال لي هذا الهاشمي: وأنا أظنه كما يقولون، معناه قال لي محمد بن علي الهاشمي (1): أنا اظن أن أبا


1 - قوله " قال لي محمد بن الهاشمي) مجهول وكأنه من بعض أقرباء الخليفة من بني العباس ونقل عنه هذا الخبر لأن نقل المعجزة من غير أهل الإمامة أقوى حجة ويدل على أن الشيعة كانوا معروفين باعتقاد العلم بما في الضمير في إمامهم، واعلم أن إمامة أبي جعفر (عليه السلام) من أعظم الحجج على مذهبنا لأن أباه (عليه السلام) توفي وهو صغير وقبله الشيعة إماما بالاتفاق من غير نكير كما اختلفوا فيمن قبله إذ قد اختلفوا بعد مضي الإمام الصادق (عليه السلام) في موسى بن جعفر عليهما السلام وقال جماعة من فقهاء الطائفة وعظمائها بإمامة الأفطح واختلفوا بعد رحلة موسى بن جعفر (عليه السلام) في الرضا (عليه السلام) وأنكره الواقفية وأما أبو جعفر (عليه السلام) فلم يختلفوا فيه وهذا آية أنهم رأوا فيه من دلائل الإمامة ما لم يكن سبيل إلى التوقف فيها ووجود الشرائط المعتبرة عند الشيعة غير سهل الحصول، وأول شئ كانوا يختبرون الإمام به العلم بالشرائع وإن كان صغيرا ولم يكن أبو جعفر (عليه السلام) مستورا عن الناس بحيث لا يلاقى ولا يسئل أو يعترف الشيعة به من غير سؤال، وممن رآه وسمع منه الحديث على ما نقله الخطيب في تاريخ بغداد عبد العظيم بن عبد الله الحسنى ولا يعقل أن يكون الصبي الذي غاب عنه أبوه وهو ابن ثلاث أو أربع سنين ثم لم يره أحد ذهب إلى العلماء لأخذ العلم يجيب عن مسائل الشيعة على ما يتوقعون فضلا عن العلم بما في الضمير والغيب والكرامات إلا أن يكون مؤيدا بروح القدس. (ش). (*)

[ 291 ]

جعفر (عليه السلام) يعلم ما في النفوس كما يقول شيعته. * الأصل: 7 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، قال: استأذن على أبي جعفر (عليه السلام) قوم من أهل النواحي من الشيعة فأذن لهم، فدخلوا فسألوه في مجلس واحد عن ثلاثين ألف مسألة (1) فأجاب (عليه السلام) وله عشر سنين.


1 - قوله " عن ثلاثين ألف مسألة " سكت الشارح عن هذا الخبر لأنه كلام إبراهيم بن هاشم غير منقول عن معصوم حتى يحتاج إلى توجيه ما يرى فيه من المحال ظاهرا إذ لا يبعد الخطأ من إبراهيم بن هاشم وذكره صاحب الكافي لأن المبالغات الواردة في كلام الناس يدل على صفة في المنقول عنه في الجملة مثلا بالغوافي أبي علي بن سينا بأنه كان يسمع من بخارا أصوات أواني النحاس بيد الصناع في كاشان، وفي أبي ريحان البيروني بأنه استخرج من حساب النجوم أن السلطان لا يخرج من أبواب البيت أصلا فثلم السلطان ناحية من الجدار وخرج من الثلمة وهذه المبالغات تدل على صفة في ابن سينا هي الفطانة ومهارة في أبي ريحان في النجوم إذ لا يبالغ إلا في صفة ثابتة، وهكذا هنا المبالغة في الإجابة عن ثلاثين ألف مسألة في مجلس واحد تدل على وجود هذه الصفة أعنى التسريع في جواب المسائل في الإمام (عليه السلام). والعلامة المجلسي - رحمه الله - أورد الإشكال بأن ثلاثين ألف مسألة إن فرض الجواب عن كل مسألة بيتا واحدا أعني خمسين حرفا لكان أكثر من ثلاث ختمات للقرآن فكيف يمكن ذلك في مجلس واحد وأجاب بوجوه: الأول الحمل على المبالغة في كثرة الأسئلة والأجوبة وهو ما ذكرنا. الثاني أنه يمكن أن يكون في خواطر القوم أسئلة كثيرة متفقة فلما أجاب (عليه السلام) عن واحد فقد أجاب عن الجميع. الثالث أجاب بكلمات موجزة مشتملة على أحكام كثيرة جدا. الرابع أن يكون المراد بوحدة المجلس الوحدة النوعية أو مكان واحد كمنى وإن كان في أيام متعددة، الخامس أن يكون مبنيا على بسط الزمان الذي يقول به الصوفية وأجاب بجوابين آخرين أيضا لم أفهم معناهما وما نقلتهما ولا حاجة إلى توجيه كلام إبراهيم بن هاشم بهذه التكلفات ولم يقل أحد بعصمته بل لم يصرحوا بصحة أحاديثه بل عدوه من الحسان. وقد روى المفيد عليه الرحمة في الاختصاص هذا الخبر مفصلا في الصفحة 102 والمستفاد منه أن هذا المجلس كان في مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله) بحضور عمه عبد الله بن موسى بن جعفر (عليهما السلام) بعد أن عجز وغلط عن جواب مسائل الحاضرين وكان إبراهيم بن هاشم في جماعة من الحجاج دخلوا عليه (عليه السلام) بعد وفاة أبي الحسن الرضا (عليه السلام) وكان لأبي جعفر (عليه السلام) تسع سنين ولم يكن المجلس في منى ولا وحدة نوعية في المكان ولا أياما متعددة ولا كان يسمع المجلس ثلاثين ألف نفس ولا طومار ولا كتاب أما وقوع مثل هذا المجلس فلا شك فيه لأن عادة الشيعة بعد مضى إمام أن يبحثوا عن الحجة بعده ويبعثوا جماعة من ثقاتهم وامنائهم إلى المدينة ليتفحصوا ويختبروا ويأتوا بالخبر الصحيح وكان أهل الكوفة مقدمين على ذلك، فأصل المجلس والسؤال والإجابة والاختبار والمجئ ببشارة الإمامة كلها حق وحضور إبراهيم بن هاشم وهو من أهل الكوفة في ذلك المجلس غير بعيد ولو لم يكن هذا الخبر أيضا كنا نعلم أن جماعة من شيعة الكوفة وغيرها من البلاد ذهبوا إلى المدينة واختبروا أبا جعفر (عليه السلام) وجاؤوا بالخبر الصحيح المقنع وإلا لم يكن الشيعة يتفقون على إمامته، ومن الغفلة أن يرد الأخبار برمتها أو تقبل بكليتها بل يجب التدبر فرب واقعة لا يشك فيها رويت بعبارة لا = (*)

[ 292 ]

* الأصل: 8 - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن علي بن الحكم، عن دعبل بن علي أنه دخل على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) وأمر له بشئ فأخذه ولم يحمد الله، قال: فقال له: لم لم تحمد الله ؟ قال: ثم دخلت بعد على أبي جعفر (عليه السلام) وأمر لي بشئ فقلت: الحمد لله، فقال لي: تأدبت. * شرح: قوله (تأدبت) (1) إشار به إلى تأديب الرضا (عليه السلام) إياه، يقال أدبه تأديبا فتأدب أي عرف الأدب واتصف به، والأدب كل ما فيه خير ومنافع. * الأصل: 9 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد بن عبد الله، عن محمد بن سنان قال: دخلت على أبي الحسن (عليه السلام) فقال: يا محمد حدث بآل فرج حدث ؟ فقلت: مات عمر فقال: الحمد لله، حتى أحصيت له أربعا وعشرين مرة، فقلت: يا سيدي لو علمت أن هذا يسرك لجئت حافيا أعدو إليك، قال: يا محمد أو لا تدري ما قال - لعنه الله - لمحمد بن علي أبي (2).


= يصح جميعها فالرد المطلق والقبول المطلق كلاهما جهل وبينهما واسطة وقد اتفق لكل أحد أن سمع خبرا تيقن صحة بعضه وبطلان بعضه وشك في بعضه وسمعت أن رجلا كنت أعرفه مات ووصى بمال لصهره وشئ من البر في سبيل الله فأيقنت موته وبطلان الوصية لصهره إذ كنت عالما بأنه لا صهر له وشككت في باقي الوصية. 1 - قوله " تأدبت " ما تضمنه الخبر إشارة إلى قصة دعبل وقصيدته المشهورة وصلة الرضا (عليه السلام) وعن الأغاني أنه قصد علي بن موسى الرضا عليهما السلام بخراسان فأعطاه عشرة آلاف درهم من الدراهم المضروبة بإسمه وخلع عليه خلعة من ثيابه فأعطاه بها أهل قم ثلاثين ألف درهم فلم يبعها فقطعوا عليه الطريق فاخذوها فقال لهم: إنها تراد لله تعالى وهي محرمة عليكم فحلف أن لا يبيعها أو يعطونه بعضها فيكون في كفنه فأعطوه قرب كم كان في أكفانه وكتب قصيدته " مدارس آيات " فيما يقال على ثوب وأحرم فيه وأمر بأن يكون في كفنه. انتهى، ومن المعجزات التي لا سبيل إلى الارتياب فيها بيتان من هذه القصيدة ألحقهما الرضا (عليه السلام): وقبر بطوس يالها من مصيبة * الحت على الاحشاء بالزفرات إلى الحشر حتى يبعث الله قائما * يفرج عنا الغم والكربات ولا يعقل للقبر مصيبة إلا هتك حرمته وقتل زواره وقد تكرر ذلك على ما ذكره المؤرخون واتفق في عصرنا مرتين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وفي كتيبه على مقتل الجماعة سورة البروج وكأنها جرت على يد كاتبها من غير قصد هذه الآيات * (قتل أصحاب الأخدود * النار ذات الوقود * إذ هم عليها قعود * وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود) * إشارة إلى جماعة من مؤمنين النصارى كان يفتنهم الكفار ويلقونهم في النار إن لم يرجعوا عن دينهم. والله يحكم لا معقب لحكمه. (ش). 2 - قوله " لمحمد بن على أبي " إن صح هذا الخبر كان قول عمر للإمام الجواد قبل أن ينال عملا يعتد به في = (*)

[ 293 ]

قال: قلت: لا، بل خاطبه في شئ فقال: أظنك سكران فقال أبي: اللهم إن كنت تعلم أني أمسيت لك صائما فأذقه طعم الحرب وذل الأسر، فوالله إن ذهبت الأيام حتى حرب ما له وما كان له ثم اخذ أسيرا وهو ذا قد مات - لا رحمه الله - وقد أدال الله عز وجل منه وما زال يديل أولياءه من أعدائه. * الشرح: قوله (فأذقه طعم الحرب (1) وذل الأسر) الحرب بالتحريك نهب مال الإنسان، وتركه لا شئ له


= دولة بني العباس فإن أول ما ظهر أمره كان في خلافة الواثق بعد قبض مولانا الجواد (عليه السلام) بسنين وفوض الواثق إلى عمر ديوان الضياع وغلب عليه في الأمور وكان عمر أذل وأهون من أن يجترى على مخاطبة الإمام (عليه السلام) بهذا الكلام المنكر إذ كان له (عليه السلام) موقع في القلوب عظيم مع كونه ختن الخليفة وشأنه في الدولة وعظمته في أنظار أصحاب الحكومة وسعة ذات يده وكثرة عطاياه وحشمه فقد كان عطاؤه أكثر من ألف ألف درهم غير ما يصل إليه من شيعته من الخمس، وهذا هو الذي دعاني إلى النظر في الخبر وتحقيق وجه الضعف فيه. (ش). 1 - قوله " فأذقه طعم الحرب " إن كان في الخبر شئ ينكر فالعهدة فيه على معلى بن محمد فقد قال النجاشي أنه مضطرب الحديث والمذهب، قال المجلسي - رحمه الله - ضعيف على المشهور وأقول فيه من الضعف رواية محمد بن سنان عن أبي الحسن الثالث (عليه السلام) وأخباره بموت عمر بن فرج مع أن محمد بن سنان مات سنة عشرين ومائتين تلك السنة التي قبض فيها الإمام أبو جعفر الثاني (عليه السلام). ولم يدرك موت عمر بن فرج الرخجي ولا الإمام أبا الحسن الثالث زمان إمامته، وقد كان عمر في خلافة المتوكل حيا أعني بعد سنة اثنتين وثلاثين، وفي سنة خمس وثلاثين واليا على مكة والمدينة إذ خرج في تلك السنة علي بن عبد الله الجعفري من ولد جعفر الطيار من المدينة إلى المتوكل على ما في الأغاني وقال أبو الفرج أيضا في مقاتل الطالبين - وليس هو ممن يجازف في القول -: استعمل المتوكل على المدينة ومكة عمر بن الفرج الرخجي فمنع آل أبي طالب من التعرض لمسألة الناس ومنع الناس من برهم. انتهى. وظهر منه ضعف آخر في الخبر إذ زعم راويه أن ولاية عمر بن الفرج على المدينة كانت حين ما كان أبو جعفر (عليه السلام) حيا أعني قبل خلافة المتوكل أكثر من اثنتى عشرة سنة قال المسعودي في مروج الذهب - وهو ممن لا يجازف -: في سنة ثلاث وثلاثين ومائتين سخط المتوكل على عمر بن الفرج الرخجي وكان من علية الكتاب وأخذ منه مالا وجوهرا نحو مائة ألف وعشرين ألف دينار وأخذ من أخيه نحوا من مائة ألف وخمسين ألف دينار ثم صولح محمد على أحد وعشرين ألف ألف درهم على أن يرد عليه ضياعه ثم غضب عليه غضبة ثانية وأمر أن يصفع في كل يوم فأحصى ما صفع فكان ستة آلاف صفعة وألبسه جبة صوف ثم رضى عنه وسخط عليه ثالثه واحدر إلى بغداد وأقام بها حتى مات انتهى، وليس فيها مصادرة مال، وبالجملة فمعلى بن محمد كان متأخرا زمانا عن هذه الوقائع وسمع اسم عمر بن الفرج وولايته على المدينة وسمع غضب المتوكل عليه ومصادرة أمواله وسمع اسم محمد بن سنان واختلط في ذهنه ولم يعلم تاريخ هذه = (*)

[ 294 ]

يقال: حرب الرجل ماله فهو حريب ومحروب إذا أخذ ماله كله و (إن) في قوله: إن ذهبت، نافية. قوله (وقد أدال الله تعالى منه) الأدالة من الدولة وهي الانتقال من حال الشدة إلى الرخاء، والأدالة الغلبة يقال أديل لنا على أعدائنا أي نصرنا عليه والدولة لنا، وفي الفائق: يقول أدال الله زيدا من عمرو ومجازه نزع الله الدولة من عمرو فأتاها زيدا، وعلى هذا فمفعول أدال محذوف وهو من محمد بن على وضمير منه راجع إلى عمر و " أولياء " مفعول يديل. * الأصل: 10 - أحمد بن إدريس، عن محمد بن حسان، عن أبي هاشم الجعفري قال: صليت مع أبي جعفر (عليه السلام) في مسجد المسيب وصلى بنا في موضع القبلة سواء وذكر أن السدرة التي في المسجد كانت يابسة، ليس عليها ورق، فدعا بماء وتهيأ تحت السدرة فعاشت السدرة وأورقت وحملت من عامها. * الشرح: قوله (في مسجد المسيب) واضيف إليه لأنه بناه، وفي بعض النسخ في مسجد السدرة، وهي شجرة معروفة والنبق بفتح النون وكسر الباء ثمرتها، وإنما اضيف المسجد إليها لكونها فيه. قوله (وصلى بنا في موضع القبلة سواء) أي في موضع مستو من طرفه القبلي والمراد باستوائه إما عدم انحداره وغلظته أو تساويه بالنسبة إلى الجانبين، قال في النهاية: سواء الشئ وسطه لاستواء المسافة إليه من الأطراف. قوله (كانت يابسة) في بعض النسخ كانت راسية. وهي من رسى الشئ يرسو إذا ثبت فعلى الأصل قوله: ليس عليها ورق، تأكيد وعلى النسخة تأسيس. قوله (وتهيأ تحت السدرة) أي تهيأ للصلاة بالوضوء تحتها أو تهيأ للوضوء فتوضأ تحتها، وفي بعض كتب السير أنه عليه السلام بعد ما تزوج أم الفضل بنت المأمون توجه مع أهله وخدمه إلى المدينة وبلغ الكوفة فدخل لصلاة المغرب في مسجد في صحنه شجرة سدرة لم تثمر بعد فطلب ماء فتوضأ تحتها وصلى فلما فرغوا من الثلاة رأوا أن الشجرة أورقت وحملت فوثبوا إليها وأكلوا من ثمرها تبركا ما شاؤا.


= الأمور واضطرب حديثه لذلك. وقال اليعقوبي: وسخط يعني المتوكل على عمر بن الفرج الرخجي وعلى أخيه محمد وكان محمد بن الفرج عامل مصر إذ ذاك فوجه كتابا في حمله وقبضت أموالهما وكان ذلك في سنة 233 وكان عمر محبوسا بسر من رأى فأقاما سنتين انتهى، وكان محمد بن الفرج أخا عمر بن الفرج من رجال الشيعة وله خبر يأتي إن شاء الله. (ش). (*)

[ 295 ]

* الأصل: 11 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحجال وعمرو بن عثمان. عن رجل من أهل المدينة، عن المطر في قال: مضى أبو الحسن الرضا (عليه السلام) ولي عليه أربعة آلاف درهم، فقلت في نفسي: ذهب مالي، فأرسل إلي أبو جعفر (عليه السلام): إذا كان غدا فاأتني وليكن معك ميزان وأوزان، فدخلت على أبي جعفر (عليه السلام) فقال لي: مضى أبو الحسن ولك عليه أربعة آلاف درهم ؟ فقلت: نعم، فرفع المصلى الذي كان تحته فإذا تحته دنانير فدفعها إلي. * الشرح: قوله (عن المطر في) منسوب إلى المطرف لكونه مزاوله، والمطرف بكسر الميم وفتحها وضمها الثوب الذي في طرفيه علمان والميم زائدة كذا في النهاية. * الأصل: 12 - سعد بن عبد الله والحميري جميعا، عن إبراهيم بن مهزيار، عن أخيه علي، عن الحسين بن سعيد، عن محمد بن سنان قال: قبض محمد بن علي وهو ابن خمس وعشرين سنة وثلاثة أشهر واثني عشر يوما، توفي يوم الثلثاء لست خلون من ذي الحجة سنة عشرين ومائتين، عاش بعد أبيه تسعة عشر سنة إلا خمسا وعشرين يوما.

[ 296 ]

باب مولد أبي الحسن علي بن محمد عليهما السلام ولد (عليه السلام) للنصف من ذي الحجة سنة اثنتي عشرة ومائتين. وروي أنه ولد في رجب سنة أربع عشرة ومائتين. ومضى لأربع بقين (1) من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين ومائتين. روي أنه قبض (عليه السلام) في رجب سنة أربع وخمسين ومائتين وله أحد وأربعون سنة وستة أشهر، وأربعون سنة على المولد الآخر الذي روي، وكان المتوكل أشخصه مع يحيى بن هرثمة بن أعين من المدينة إلى سر من رأى، فتوفي (عليه السلام) بها ودفن في داره، وامه ام ولد يقال لها سمانة. * الشرح: قوله (وروي أنه ولد في رجب) كان له عند موت أبيه على هذه الرواية ست سنين وعلى الرواية الأولى ثمان سنين. قوله (ومضى (عليه السلام) لأربع بقين) قال الصدوق - رحمه الله - قتله المتوكل (2) لعنه الله بالسم. وقال بعض أرباب السير: عند علماء الشيعة أن المتوكل سمه فقتله وعند أهل السنة أنه مات بأجله. قوله (وكان المتوكل أشخصه مع يحيى بن هرثمة) أرسل يحيى بن هرثمة مع أصحابه إلى المدينة فأشخصه إلى سر من رأى كما سيجئ فتوفي بها بعد أن أقام فيها عشرة سنين وبضعة أشهر (3) على ما قيل. قوله (وامه ام ولد) قال بعض أرباب السير: امه ام الفضل بنت المأمون. * الأصل: 1 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن خيران الأسباطي قال: قدمت على


1 - قوله " لأربع بقين " قال اليعقوبي: لثلاث بقين، ويمكن الجمع بينهما وحققنا ذلك في كل تاريخ يختلف بيوم في موضع آخر (ش). 2 - قوله " قتله المتوكل " هذا غير صحيح لأن المتوكل قتل في اليوم الثالث من شوال سنة 247 قتله الأتراك ومضى أبو الحسن الثالث (عليه السلام) سنة 254 أعنى سبع سنين بعد المتوكل في أيام المعتز، وقال اليعقوبي: بعث المعتز بأخيه أبي أحمد بن المتوكل فصلى عليه في الشارع المعروف بشارع أبي أحمد فلما كثر الناس واجتمعوا كثر بكائهم وضجتهم فرد النعش إلى داره فدفن فيها انتهى. (ش). 3 - قوله " عشر سنين وبعضة أشهر " ولازم هذا الكلام أن المتوكل أشخصه من المدينة في أواخر مدة خلافته بعد أن مضى من ملكه إحدى عشرة سنة ويأتي تاريخ كتاب المتوكل إليه في إشخاصه في سنة ثلاث وأربعين ومائتين بقلم إبراهيم بن عباس الصولي الكاتب المشهور. (ش). (*)

[ 297 ]

أبي الحسن (عليه السلام) المدينة فقال لي: ما خبر الواثق عندك ؟ قلت: جعلت فداك خلفته في عافية، أنا من أقرب الناس عهدا به، عهدي به منذ عشرة أيام، قال: فقال لي: إن أهل المدينة يقولون: إنه مات، فلما أن قال لي: " الناس " علمت أنه هو، ثم قال لي: ما فعل جعفر ؟ قلت: تركته أسوء الناس حالا في السجن قال: فقال: أما إنه صاحب الأمر، ما فعل ابن الزيات ؟ قلت: جعلت فداك الناس معه والأمر أمره، قال: فقال: أما إنه شؤم عليه، قال: ثم سكت وقال لي: لابد أن تجري مقادير الله تعالى وأحكامه، يا خيران مات الواثق وقد قعد المتوكل جعفر وقد قتل ابن الزيات، فقلت: متى جعلت فداك ؟ قال: بعد خروجك بستة أيام. * الشرح: قوله (عن خيران الأسباطي) كأنه خيران الخادم الثقة من أصحاب أبي الحسن الثالث ومولى الرضا عليهما السلام. قوله (فقال لي: ما خبر الواثق) (1) هو الواثق بالله هارون بن المعتصم بن هارون الرشيد استخلف بعد أبيه المعتصم، والمعتصم بعد أخيه المأمون ومات الواثق سنة اثنتى وثلاثين ومائتين وله ستة وثلاثون سنة، وقيل: سبعة وثلاثون، ومدة ملكه خمس سنين وأربعة أشهر، وقيل: خمس سنين وتسعة أشهر وثلاثة عشر يوما. قوله (فلما أن قال لي الناس علمت أنه هو) إن الظاهر أنه كلام خيران يعني لما قال لي أبو الحسن (عليه السلام) الناس يعني أهل المدينة يقولون أنه مات علمت بالحدس أنه (عليه السلام) هو الذي يقول بأنه مات. ويخبرني بذلك.


1 - قوله " ما خبر الواثق " إن كان في هذا الخبر شئ ينكر فهو على عهدة معلى بن محمد أيضا كما قلنا في بعض ما سبق وفيه أمور تنبئ عن الضعف: الأول سيره من بغداد إلى المدينة الطيبة في عشرة أيام، الثاني كون جعفر المتوكل في السجن عند موت الواثق ولم يكن كذلك لكن الواثق أخاه غضب عليه قبل ذلك لأنه كان خليعا يصفف شعره ويتزين كالمخنثين فأمر الواثق بحلق رأسه وألزمه رجلا لا يفارقه حتى شفع فيه ابن أبي دؤاد ورضى عنه، والثالث قتل ابن الزيات بعد أربعة أيام من بيعة المتوكل وهو غير منقول ولا معقول قال اليعقوبي: وأقر يعني المتوكل الأمور على ما كانت عليه أربعين صباحا ثم سخط على محمد بن عبد الملك يعني ابن الزيات واستصفى أمواله وعذب حتى مات وقد سبق ذكره وقصة تنوره ومساميره. وقال المسعودي: وقد كان سخط المتوكل على محمد بن عبد الملك الزيات بعد خلافته بأشهر وقبض أمواله وجميع ما كان له وقلد مكانه أبا الوزير - ا ه‍. وقال أيضا: وكان حبسه في ذلك التنور إلى أن مات أربعين يوما. وفي الكامل قبض المتوكل على ابن الزيات وحبسه لتسع خلون من صفر سنة 233 وكانت البيعة للمتوكل لست بقين ذي الحجة 232. (ش). (*)

[ 298 ]

قوله (ثم قال لي: ما فعل جعفر) هو جعفر بن المعتصم أخو الواثق، والناس جعلوه خليفة بعد الواثق، ولقبوه بالمتوكل على الله، وتركوا محمد بن الواثق لصغر سنه، وقالوا لا نجعل من لا يمكن الصلاة خلفه بعد خليفة. قوله (ما فعل ابن الزيات) هو محمد بن عبد الملك الزيات كان وزير الواثق ووزير أبيه المعتصم، وصاحب تدبير في ملكهما. قوله (أما أنه شؤم عليه) ضمير أنه راجع إلى جعفر، وضمير عليه إلى ابن الزيات، ووجه ذلك أنه قتله ولا شؤم أعظم من ذلك، ولقتله أسباب: منها أن ابن الزيات أراد أن يجعل محمد بن الواثق بعد أبيه خليفة ولم يوافقه سائر الأمراء، ورضوا بخلافة جعفر فانتقم منه جعفر بعد الاستقلال. * الأصل: 2 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد بن عبد الله، عن محمد بن يحيى، عن صالح بن سعيد قال: دخلت على أبي الحسن (عليه السلام) فقلت له: جعلت فداك في كل الأمور أرادوا إطفاء نورك والتقصير بك، حتى أنزلوك هذا الخان الأشنع، خان الصعاليك ؟ فقال: ههنا أنت يا ابن سعيد ؟ ثم أومأ بيده وقال: انظر، فنظرت، فإذا أنا بروضات آنقات وروضات باسرات، فيهن خيرات عطرات وولدان كأنهن اللؤلؤ المكنون وأطيار وظباء وأنهار تفور، فحار بصري وحسرت عيني، فقال: حيث كنا فهذا لنا عتيد، لسنا في خان الصعاليك. * الشرح: قوله (قال: دخلت على أبي الحسن (عليه السلام)) يعني في سر من رأى وذلك أن يحيى بن هرثمة (1) حين أنهض (عليه السلام) من المدينة إلى سر من رأى أنزله بأمر المتوكل في خان الصعاليك فدخل عليه صالح بن سعيد وقال ما قال تأسفا وتحسرا من فوات تعظيمه الواجب وتكريمه اللازم على جميع


1 - قوله " وذلك أن يحيى بن هرثمة " حديث الخرايج يدل على أن يحيى استبصر في الطريق وقال بالولاية وصار من شيعة أبي الحسن (عليه السلام) وخدمه إلى أن مضى (عليه السلام) وأورد المسعودي في مروج الذهب خلال ذكر أيام المعتز قصة يحيى معه (عليه السلام) وفي الروايتين اختلاف في الجملة مع اتفاقهما على اعتراف يحيى بشأنه ومنقبته وعلى ثناء الناس عليه حتى أصحاب الحكومة، قال يحيى على ما في مروج الذهب: لما قدمت مدينة السلام بدأت بإسحاق بن إبراهيم الطاهري وكان على بغداد فقال لي: يا يحيى إن هذا الرجل قد ولده رسول الله (صلى الله عليه وآله) والمتوكل من تعلم، وإن حرضته على قتله كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) خصمك فقلت: والله ما وقفت له إلا على كل أمر جميل فصرت إلى سامرا فبدأت بوصيف التركي وكنت من أصحابه فقال: والله لئن سقطت من رأس هذا الرجل شعرة لا يكون المطالب بها غيري فعجبت من قولهما وعرفت المتوكل ما وقفت عليه وما سمعته من الثناء عليه فأحسن جائزته وأظهر بره وتكرمته ولولا خوف الإطالة أوردت الروايتين جميعا. (ش). (*)

[ 299 ]

الخلائق. قوله (حتى أنزلوك هذا الخان الأشنع (1) خان الصعاليك) الخان الذي ينزله شذاذ القوم ليس بعربي محض، والشناعة القبح يقال: منظر شنيع وأشنع ومشنع أي قبيح. والصعاليك جمع الصعلوك بالضم، وهو الفقير وإضافة الخان إليها لامية. قوله (فقال: ههنا أنت يا ابن سعيد) يعني أنت بعد في هذا المقام من معرفتنا أو المراد أدن مني والأول أظهر. قوله (فإذا أنا بروضات آنقات) أي معجبات مفرحات، والروضة البستان. يقال: روضة أنقتنى أي أعجبتي وفرحتني، والأنق بالفتح الفرح والسرور والشئ الأنيق والانق المعجب. قوله (وروضات باسرات) أي طريات أو ذوات أنهار جاريات، والبسر بالضم الماء البارد والغض من كل شئ أوذوات أثمار جديدة وعتيقة من البسر بالفتح. وهو خلط البسر بالتمر كما ذكره في الفائق. قوله (فيهن خيرات عطرات) أي معطرات مطيبات، والعطر الطيب، يقال هي عطرة ومتعطرة أي متطيبة، والخيرات جمع خيرة بتشديد الياء أو سكونها على التخفيف لأن الخير بمعنى التفضيل لا يجمع. وكونهن خيرات باعتبار الخلق والخلق، ورشاقة القد، وصباحة الخد، والخلو من الطمث، وغيره مما يوجب النقص، ولعل علمه بتعطرهن باعتبار إشمام رايحتهن. قوله (كأنهن اللؤلؤ المكنون) (2) أي المستور في وعائه، المصون عما يغيره عن صفائه فإن


1 - قوله " هذا الخان الأشنع " راوي الخبر وان كان معلى بن محمد وفيه ما سبق لكن العقل يهدي إلى صحته وحال المتوكل يقتضيه لأن الوارد في بلد إذا لم يكن له منزل مهيأ لابد أن ينزل بعض الخانات وكان على المتوكل أن يهيئ له (عليه السلام) دارا قبل وروده ولكنه كان صاحب لهو لا يفارقه ومتشاغلا بلذاته وفيه تيه وكبر لم يكن يتجرى أحد أن يكلمه في أمر العلويين فتغافل حتى ورد الإمام ولم يطلع ثم اعلموه بوروده. (ش). 2 - قوله " كأنهن اللؤلؤ المكنون " ضمير جماعة الإناث في (كأنهن) للخيرات العطرات، والولدان كلمة معترضة بين المشبه والمشبه به، وقال المجلسي رحمه الله ما معناه: لما قصر علم السائل وفهمه عن إدراك اللذات الروحانية أراه (عليه السلام) ذلك لأنه مبلغه من العلم وأما كيفية رؤيته لها فهي محجوبة عنا، ثم ذكر وجوها استجود رابعها وهو أن النشئات مختلفة والحواس في إدراكها متفاوتة كما أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يرى جبرئيل وسائر الملائكة عليهم السلام والصحابة لم يكونوا يرونهم وأمير المؤمنين صلوات الله عليه كان يرى الأرواح في وادي السلام وحبة وغيره لا يرونهم فيمكن أن يكون جميع هذه الأمور في جميع الأوقات حاضرة عندهم (عليهم السلام) ويرونها ويتلذذون بها، لكن لما كانت أجساما لطيفة روحانية ملكوتية لم يكن ساير الخلق يرونها فقوى الله بصر السائل بإعجازه (عليه السلام) حتى رآها فعلى هذا لا يبعد أن يكون في وادى السلام جنات وأنهار = (*)

[ 300 ]

اللؤلؤ بكثرة الاستعمال قد يذهب عنه ضياؤه، ويزول عنه صفاؤه، فالتشبيه التام يحصل باعتبار كونها مكنونا وملاحظة كونه مخزونا. قوله (وحسرت عيني) أي أعيت عن رؤيتها وكلت عن مشاهدتها. * الأصل: 3 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد بن عبد الله، عن علي بن محمد، عن إسحاق الجلاب قال: اشتريت لأبي الحسن (عليه السلام) غنما كثيرة، فدعاني فأدخلني من اصطبل داره إلى موضع واسع لا أعرفه، فجعلت افرق تلك الغنم فيمن أمرني به، فبعث إلى أبي جعفر وإلى والدته وغيرهما ممن أمرني، ثم استأذنته في الانصراف إلى بغداد إلى والدي وكان ذلك يوم التروية، فكتب إلي تقيم غدا عندنا ثم تنصرف قال: فأقمت فلما كان يوم عرفة أقمت عنده وبت ليلة الأضحى في رواق له، فلما كان السحر أتاني فقال: يا إسحاق قم قال: فقمت ففتحت عيني فإذا أنا على بابي ببغداد قال: فدخلت على والدي وأنا في أصحابي، فقلت لهم: عرفت بالعسكر وخرجت بغداد إلى العيد. * الشرح: قوله (فبعث إلى أبي جعفر وإلى والدته) كان المراد به محمد بن علي بن إبراهيم بن موسى بن جعفر (عليهما السلام)، وهو المكنى بأبي جعفر كما صرح به بعض أصحاب الرجال في باب الكنى وهو الذي يأتي حكايته في الحديث الرابع (1) من مولد أبي محمد (عليه السلام) والله أعلم. * الأصل: 4 - علي بن محمد، عن إبراهيم بن محمد الطاهري قال: مرض المتوكل من خراج خرج به وأشرف منه على الهلاك، فلم يجسر أحد أن يمسه بحديدة، فنذرت امه إن عوفي أن تحمل إلى أبي الحسن علي بن محمد مالا جليلا من مالها وقال له الفتح بن خاقان: لو بعثت إلى هذا الرجل فسألته فإنه لا يخلو أن يكون عنده صفة يفرج بها عنك، فبعث إليه ووصف له علته، فرد إليه


= ورياض وحياض يتمتع بها أرواح المؤمنين كما ورد في الأخبار بإجسادهم المثالية اللطيفة ونحن لا نراها، وبهذا الوجه ينحل كثير من الشبه عن المعجزات وأخبار البرزخ والمعاد. انتهى، وبعبارة المجلسي رحمه الله ينحل أيضا شبهة أخرى عن ذهن من ينسبه إلى الحشو والجمود المحض إذ لا فرق بين ما أشار به من أخبار البرزخ والمعاد وما ذكره أفاضل الحكماء كصدر المتألهين قدس سره فيهما كما لا يخفى على المتأمل. (ش). 1 - قوله " يأتي حكايته في الحديث الرابع " لم نر في الحديث الرابع شيئا يتعلق بذلك والظاهر أن أبا جعفر هنا هو ابنه (عليه السلام) الذي قبض قبله واسمه محمد. (ش). (*)

[ 301 ]

الرسول بأن يؤخذ كسب الشاة فيداف بماء ورد فيوضع عليه، فلما رجع الرسول وأخبرهم أقبلوا يهزؤون من قوله فقال له الفتح: هو والله أعلم بما قال وأحضر الكسب وعمل كما قال ووضع عليه فغلبه النوم وسكن، ثم انفتح وخرج منه ما كان فيه وبشرت امه بعافيته، فحملت إليه عشرة آلاف دينار تحت خاتمها، ثم استقل من علته، فسعى إليه البطحاوي العلوي بأن أموالا تحمل إليه وسلاحا، فقال لسعيد الحاجب: اهجم عليه بالليل وخذ ما تجد عنده من الأموال والسلاح واحمله إلي، قال إبراهيم بن محمد: فقال لي سعيد الحاجب: صرت إلى داره بالليل ومعي سلم فصعدت السطح، فلما نزلت على بعض الدرج في الظلمة لم أدر كيف أصل إلى الدار، فناداني: يا سعيد مكانك حتى يأتوك بشمعة، فلم ألبث أن أتوني بشمعة، فنزلت فوجدته عليه جبة صوف وقلنسوة منها وسجادة على حصير بين يديه، فلم أشك أنه كان يصلي، فقال لي: دونك البيوت، فدخلتها وفتشتها فلم أجد فيها شيئا ووجدت البدرة في بيته مختومة بخاتم ام المتوكل وكيسا مختوما وقال لي: دونك المصلى، فرفعته فوجدت سيفا في جفن غير ملبس، فأخذت ذلك وصرت إليه: فلما نظر إلى خاتم امه على البدرة بعث إليها فخرجت إليه، فأخبرني بعض خدم الخاصة أنها قالت له: كنت قد نذرت في علتك لما آيست منك إن عوفيت حملت إليه من مالي عشرة آلاف دينارا فحملتها إليه وهذا خاتمي على الكيس وفتح الكيس الآخر فإذا فيه أربعمائة دينار فضم إلى البدرة بدرة اخرى وأمرني بحمل ذلك [ إليه ] فحملته ورددت السيف والكيسين وقلت له: يا سيدي عز علي، فقال لي: * (سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) *. * الشرح: قوله (من خراج (1) خرج) الخراج بالضم البثر الواحد خراجة وبثرة، وقيل هو كل ما يخرج على الجسد من القروح والدمل ونحوهما. قوله (بأن يؤخذ كسب الشاة فيداف بماء ورد) الكسب بالضم عصارة الدهن والدوف الخلط. يقال دفت الدواء وغيره أي بللته بماء أو بغيره.


1 - قوله " من خراج " وصف المجلسي رحمه الله الخبر بأنه مجهول وكأنه لمكان إبراهيم بن محمد الطاهري وهو من رجال الحكومة قطعا كساير آل طاهر. ونقلوا عنه لأن قوله حجة فيما يتعلق بدخلة أمر السلطان وإن كان متأخرا عن زمان المتوكل قطعا. وسبق ذكر إسحاق ابن إبراهيم الطاهري كان على بغداد لما قدم الإمام العراق سنة 243 وفي سنة 247 توفيت شجاع أم المتوكل وصلى عليها المنتصر وذلك في شهر ربيع الآخر فلا يحتمل أن يكون إبراهيم هذا أبا إسحاق المذكور. (ش). (*)

[ 302 ]

قوله (ثم استقل من علته) (1) الاستقلال من القلة. يقال: استقل الشئ إذا رآه قليلا، وهذا اللفظ يستعمل في نفي أصل الشئ كما صرح به في النهاية. قوله (فسعى إليه البطحاوي) (2) قال في النهاية في حديث ابن عباس: " الساعي لغير رشدة " أي الذي يسعى بصاحبه إلى السلطان ليؤذيه ليس بثابت النسب ولاولد حلال، ومنه حديث كعب: " الساعي مثلث " يريد أنه مهلك بسعايته ثلاثة نفر: السلطان والمسعى به ونفسه. قوله (اهجم عليه بالليل) الهجوم الإتيان بغتة والدخول من غير استيذان من باب طلب، يقال هجم عليه. قوله (فوجدت سيفا في جفن غير ملبس) أي غير ملبس بالجلد أو غير مزين بالذهب والفضة كما هو المعروف في جفن السيوف وقبضتها. والجفن غمد السيف. قوله (عز علي) قال في المغرب: عز علي أن يفعل كذا أي اشتد يعني اشتد على ما أمرني به المتوكل أو ما صدر مني من الدخول في بيتك جوف الليل من السطح بغير إذنك ولكني كنت مأمورا بذلك. * الأصل: 5 - الحسين بن محمد، عن المعلى بن محمد، عن أحمد بن محمد بن عبد الله، عن علي بن محمد النوفلي، قال: قال لي محمد بن الفرج: إن أبا الحسن (عليه السلام) كتب إليه: يا محمد، أجمع أمرك وخذ حذرك، قال: فأنا في جمع أمري [ و ] ليس أدري ما كتب إلي حتى ورد علي رسول حملني من مصر مقيدا وضرب على كل ما أملك وكنت في السجن ثمان سنين، ثم ورد علي منه في السجن كتاب فيه: يا محمد لا تنزل في ناحية الجانب الغربي، فقرأت الكتاب فقلت: يكتب إلي بهذا وأنا في السجن إن هذا لعجب، فما مكثت أن خلي عني والحمد لله. قال: وكتب إليه محمد بن الفرج يسأله عن ضياعه، فكتب إليه: سوف ترد عليك وما يضرك أن لا ترد عليك، فلما شخص محمد بن الفرج إلى العسكر كتب إليه برد ضياعه ومات قبل ذلك، قال: وكتب أحمد بن الخضيب إلى محمد بن الفرج يسأله الخروج إلى العسكر، فكتب إلى أبي الحسن (عليه السلام) يشاوره، فكتب إليه: اخرج فإن فيه


1 - قوله " استقل من علته " الاستقلال الارتفاع وهو كناية عن البرء لامن القلة كما قاله الشارح. (ش). 2 - قوله " البطحاوي العلوي " محمد بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن (عليه السلام) وفي عمدة الطالب منسوبا إلى البطحاء أو إلى البطحان واد بالمدينة قال وكان فقيها وامه نفيسة. وقال: كان الحسن بن زيد أمير المدينة من قبل المنصور الدوانيقي. أقول: وقد سبق اسمه في مولد الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام). (ش). (*)

[ 303 ]

فرجك إن شاء الله تعالى، فخرج فلم يلبث إلا يسيرا حتى مات. * الشرح: قوله (قال: قال لي محمد بن الفرج) محمد بن الفرج الرخجى ثقة من أصحاب موسى بن جعفر (1) والرضا والجواد والهادي عليهم السلام، والحذر بالكسر الاحتراز. قوله (وضرب على كل ما أملك) كنايه عن نهب أمواله ومنعه من التصرف فيها. قوله (لا تنزل في ناحية الجانب الغربي) (2) نهاه عن النزول في جانب غربي البلد بعد الخروج من السجن. قوله (فكتب إليه سوف ترد عليك وما يضرك أن لا ترد عليك) فيه إخبار بالغيب من وجهين الإخبار بردها أو الإخبار بعدم وصولها إليه لموته قبل ذلك. قوله (ومات قبل ذلك) (3) في إرشاد المفيد " فلم يصل إليه الكتاب حتى مات ". قوله (فإن فيه فرجك) فيه إخبار بالغيب، فإن الفرج هنا كناية عن الموت وفيه دلالة على أن الدنيا سجن المؤمن وفرجه في موته. قوله (يعني محمدا) يعني محمد بن الفرج.


1 - قوله " من أصحاب موسى بن جعفر " أقول: هكذا ذكره النجاشي وروايته عن موسى بن جعفر عليهما السلام وفي نفسي منه شئ وأراه من سهو الكتاب في نسخة فهرست النجاشي حيث ذكر أبا الحسن فحمله الناسخ على موسى بن جعفر عليهما السلام، والأظهر أن المراد الهادي (عليه السلام) ويبعد كل البعد أن يكون محمد بن الفرج تحمل العقوبات الشديدة والحبس ثمان سنين وغضب المتوكل عليه ثلاث مرات وحمله من مصر إلى العراق مكبولا مقيدا وهو ابن ثمانين على فرض روايته عن موسى بن جعفر (عليه السلام) ولم يكن لآل فرج ذكر قبل دولة الواثق، وبالجملة كان محمد بن الفرج هذا أخا عمر بن الفرج من رجال دولة بني العباس وكان أخوه مخالفا كسائر أعيان الدولة ولكن محمدا كان من الشيعة المخلصين وذكر المسعودي أنه كان واليا على مصر فاستحضره المتوكل وقبض على أمواله ثم صولح على أحد وعشرين ألف ألف درهم على أن يرد عليه ضياعه ثم غضب عليه ثانية وثالثة ورضي عنه، وأحدر إلى بغداد وقد سبق ذلك. (ش). 2 - قوله " لا تنزل في ناحية الجانب الغربي " لئلايتهم بالرفض فإن أكثر أهل الكرخ كانوا من الشيعة وهذا يشير إلى ما بعد الغضبة الثالثة. (ش). 3 - " ومات قبل ذلك " يدل على أن موته بالعسكر وسكت عنه المسعودي واكتفى بقوله وأحدر إلى بغداد وأقام بها حتى مات، والحق أنه أقام ببغداد إلى آخر عمره وإنما خرح إلى العسكر ولم يقم به مدة يعتد به وتقرير الإمام ملكه على تلك الثروة العظيمة يدل على حلها له وإن حصلها من الولاية للخلفاء لاحتمال وجود وجه محلل ويأتي ذكر ابن الخصيب في الحديث التالي إن شاء الله. (ش). (*)

[ 304 ]

قوله (فنظر إليه) أي نظر إليه أبو الحسن (عليه السلام) (1) أو بالعكس. * الأصل: 6 - الحسين بن محمد، عن رجل، عن أحمد بن محمد قال: أخبرني أبو يعقوب قال، رأيته - يعني محمدا - قبل موته بالعسكر في عشية وقد استقبل أبا الحسن (عليه السلام) فنظر إليه واعتل من غد، فدخلت إليه عائدا بعد أيام من علته وقد ثقل، فأخبرني أنه بعث إليه بثوب فأخذه وأدرجه ووضعه تحت رأسه، قال: فكفن فيه. قال أحمد: قال أبو يعقوب: رأيت أبا الحسن (عليه السلام) مع ابن الخضيب فقال له ابن الخضيب: سر جعلت فداك، فقال له: أنت المقدم فما لبث إلا أربعة أيام حتى وضع الدهق على ساق ابن الخضيب ثم نعي. قال: وروي عنه حين ألح عليه ابن الخضيب في الدار التي يطلبها منه، بعث إليه: لأقعدن بك من الله عز وجل مقعدا لا يبقي لك باقية، فأخذه الله عز وجل في تلك الأيام. * الشرح: قوله (فأخبرني أنه بعث) أي أخبرني محمد بن الفرج أن أبا الحسن (عليه السلام) بعث إليه بثوب، وفيه أيضا دلالة على أنه (عليه السلام) كان عالما بأنه يموت. قوله (رأيت أبا الحسن (عليه السلام) مع ابن الخضيب) (2) في إرشاد المفيد: رأيت أبا الحسن (عليه السلام) مع


1 - قوله " نظر إليه أبو الحسن " يدل على أن موت محمد بن الفرج كان بعد أن نزل الإمام سامراء أعنى بعد سنة ثلاث وأربعين ولو فرضنا أنه رأى موسى بن جعفر (عليه السلام) قبل أن يقبض عليه هارون وهو ابن عشرين سنة زادت سنه على ثمانين وهو بعيد، واعتقاد مثل هذا الرجل بالإمامة مع منصبه وثروته وانحراف أمثاله حتى أخيه عن أهل البيت عليهم السلام وكون اتهامه بالتشيع غير مفيد بل مضرا بحاله ظاهرا يدل على أنه رأى من دلائل الإمامة فيهم ما لم ير بدا من متابعتهم، وأمثال هذه القرائن في الأئمة المتأخرين عن الرضا عليهم السلام أكثر لأنهم كانوا من أعيان الحضرة والأسرة الحاكمة منحلة عنهم أواصر كانت تقيد من قبلهم وأنظار المؤرخين وأصحاب السير مجلوبة إليهم، وذكر غير رواة الشيعة من أخبارهم ما يؤيد به روايتنا ويبين اعتقاد الشيعة فيهم وإن ما نعتقد فيهم في زماننا من الكرامات الإخبار بالغيب والعلم بالألهام كان مستمرا من زمانهم وكان يعتقد أهل عصرهم فيهم نظير ما نعتقد والقرائن في كلام الموافق والمخالف فوق حد التواتر المتصل من زماننا إلى زمانهم، فلم يكن محمد بن الفرج يكتب إليه يسأله عن أمر ضياعه إلا وكان يعتقد علمه بما يصير إليه أمره. (ش). 2 - قوله " مع ابن الخضيب " كذا والصحيح الخصيب بالصاد المهملة كان أمير مصر في عهد الرشيد ومدحه أبو نواس بقصيدة منها قوله: إذا ما تزر أرض الخصيب ركابنا * فأي فتى بعد الخصيب نزور = (*)

[ 305 ]

أحمد بن الخضيب يتسايران، وقد قصر عنه أبو الحسن (عليه السلام) فقال له ابن الخضيب - إلى آخره، وقوله (عليه السلام): أنت المقدم ابهام وتورية لأنه أراد به أنت المقدم في الموت والدهق محركة خشيبتان يغمر بهما الساق، وهو بالفارسية شكنجه وكند، والنعي الإخبار بالموت واشتهاره. قوله (قال: وروي عنه) ضمير قال يعود إلى أحمد بن محمد، وضمير عنه إلى أبي يعقوب وضمير أنه وعليه إلى أبي الحسن (عليه السلام)، والإلحاح اللزوم والإصرار يقال: ألح على الشئ إذا لزمه وأصر عليه وبالغ فيه، وقد أراد ابن الخضيب أن يخرجه (عليه السلام) عن الدار التي كان يسكنها (1) وأصرو أبرم فاوعده (عليه السلام) بالدعاء عليه دعاء لا يرد سائله وقد فعل فاخذه الله تعالى في تلك الأيام. ولعل معنى قوله " لا يبقى لك باقية " انه لا يبقى لك ساعة باقية، فيكون كناية عن سرعة الاخذ أو لا يبقى لك طائفة باقية فيكون كناية عن سرايته إلى الاعقاب وهذه الجملة صفة لقوله " مقعدا " وهو زمان قعود للدعاء أو مكان قعود له أو كيفية مخصوصة له بحيث يقتضى سرعة الاستجابة وعدم الرد. والله أعلم. * الأصل: 7 - محمد بن يحيى، عن بعض أصحابنا قال: أخذت نسخة كتاب المتوكل إلى أبي الحسن


= والخصب ضد الجدب وكان ابنه أحمد كاتبا للمنتصر في عهد أبيه المتوكل ووزر له بعد قتل أبيه وبعده للمستعين ونفاه المستعين سنة 248 إلى جزيرة أقريطش وهي في بحر الروم تسمى في أيامنا كرت خرج منه جماعة من العلماء إلى أن استولى عليها الفرنج سنة 350. وكانت وفاته على ما ذكره ابن خلكان سنة 265 بعد رحلة الإمام (عليه السلام) بإحدى عشرة سنة، قالوا: وكان ابن الخصيب متهورا وقف له متظلم فأخرج رجله من الركاب وزج المتكلم في فؤاده فقتله وقال بعض الشعراء: قل للخليفة يا ابن عم محمد * أشكل وزيرك أنه ركال أشكله عن ركل الرجال وأن ترد * مالا فعند وزيرك الأموال وقال اليعقوبي: تحامل الأتراك على أحمد بن الخصيب فسخط المستعين عليه ونفاه إلى المغرب بعد أربعة أشهر من ولايته فحمل في البحر إلى إقريطش ثم إلى القيروان. انتهى. فما يستفاد من هذا الخبر من موت ابن الخصيب قبل الإمام (عليه السلام) غير صحيح والرواية ضعيفة والراوي مجهول. (ش). 1 - قوله " عن الدار التي كان يسكنها " كان ذلك في عهد المستعين أيضا وكانت الدار التي يسكنها من دور الخلافة والرواية وإن كانت ضعيفة لكن ما تضمتنه من إصرار ابن الخصيب ودعاء الإمام عليه قريب معهود من أمراء تلك الأزمان وإن أخطأ الراوي في نقل حبس ابن الخصيب وموته فرب واقعة يخطئ الناقل في بعض تفاصيلها لبعد العهد، والاعتماد على نقل الكليني مئل تلك الخوارق والكرامات عن الأئمة عليهم السلام وعدم إنكار الشيعة في ذلك العصر لها وعدم استعجابهم عند سماعها وهذا يكفينا في إثبات المعجزة لأنه يدل على معهودية صدور الخوارق منهم عليهم السلام لعدم إمكان تواطؤ هذا الجمع العظيم على الكذب. (ش). (*)

[ 306 ]

الثالث (عليه السلام) من يحيى بن هرثمة في سنة ثلاث وأربعين ومائتين وهذه نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإن أمير المؤمنين عارف بقدرك، راع لقرابتك، موجب لحقك، يقدر من الأمور فيك وفي أهل بيتك ما أصلح الله به حالك وحالهم وثبت به عزك وعزهم وأدخل اليمن والأمن عليك وعليهم، يبتغي بذلك رضاء ربه وأداء ما افترض عليه فيك وفيهم وقد رأى أمير المؤمنين صرف عبد الله بن محمد عما كان يتولاه من الحرب والصلاة بمدينة رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذ كان على ما ذكرت من جهالته بحقك واستخفافه بقدرك وعند ما قرفك به ونسبك إليه من الأمر الذي قد علم أمير المؤمنين براءتك منه وصدق نيتك في ترك محاولته وأنك لم تؤهل نفسك له وقد ولي أمير المؤمنين ما كان يلي من ذلك محمد بن الفضل وأمره بإكرامك وتبجيلك والانتهاء إلى أمرك ورأيك والتقرب إلى الله وإلى أمير المؤمنين بذلك، وأمير المؤمنين مشتاق إليك يحب إحداث العهد بك والنظر إليك، فإن نشطت لزيارته والمقام قبله ما رأيت شخصت ومن أحببت من أهل بيتك ومواليك وحشمك على مهلة وطمأنينة، ترحل إذا شئت وتنزل إذا شئت تسير كيف شئت وإن أحببت أن يكون يحيى بن هرثمة مولى أمير المؤمنين ومن معه من الجند مشيعين لك، يرحلون برحيلك ويسيرون بسرك والأمر في ذلك إليك حتى توافي أمير المؤمنين فما أحد من إخوته وولده وأهل بيته وخاصته ألطف منه منزلة ولا أحمد له أثرة، ولا هو لهم أنظر وعليهم أشفق وبهم أبر وإليهم أسكن منه إليك إن شاء الله تعالى والسلام عليك ورحمة الله وبركاته، وكتب إبراهيم بن العباس وصلى الله على محمد وآله وسلم. * الشرح: قوله (من يحيى بن هرثمة) متعلق بأخذت قال الفاضل الإسترآبادي في كتاب الرجال: يحيى بن هرثمة روي أنه كان من الحشوية ثم تشيع (1) لما رأى من على بن محمد الرضا عليهم السلام. قوله (أما بعد) هي كلمة يستعملها الخطيب والكاتب بين ما كان فيه من الحمد والثناء (2)


1 - قوله " ثم تشيع " روي أن الإمام (عليه السلام) لما تهيأ للخروج أمر الخياطين أن يهيئوا له ولخدمه ومن معه لبابيد وألبسة شتوية وكان زمان الصيف فتعجب يحيى من عمله وأن الشيعة كيف يعتقدون فيه ما يعتقدون مع أن هذا عمله حتى إذا خرجوا اتفق في بعض المنازل هبوب رياح ونزول أمطار واحتاجوا إلى تلك اللبابيد فهلك من أصحاب يحيى جماعة من البرد فدفنوا في تلك البقعة وقيل: إن بعض أصحابه كان خارجيا وكاتبه شيعيا وكانا قبل ذلك ينازعان في صحة ما رووا عن أمير المؤمنين (عليه السلام): إن كل بلد لابد أن يدفن فيه أحد وأن تلك البقعة بعيدة عن العمران وعن المارة فكيف يمكن أن يدفن فيها أحد حتى وصلوا إلى المدينة ورجعوا فلما وافوا تلك البقعة اتفق الطوفان وهلك من هلك ودفن فيها. تشيع يحيى بن هرثمة لما رأى ذلك. (ش). 2 - قوله " بين ما كان فيه من الحمد " والمراد هنا بعد بسم الله الرحمن الرحيم قال اليعقوبي: كان يعنى = (*)

[ 307 ]

والانتقال إلى ما يريد أن يتكلم فيه، وقيل في قوله تعالى: * (وآيتناه الحكمة وفصل الخطاب) * هو كلمة " أما بعد " وقيل فيه غير ذلك والحق أنه الفصل بين الحق والباطل والقرآن أو أعم منهما ومنه قوله تعالى: * (إنه لقول فصل) * قال المازري: يستحب الإتيان بها حتى في خطب التصانيف وعند البخاري باب في استحبابها واختلف في أول من تكلم بها فقيل: داود (عليه السلام)، وقيل: يعرب بن قحطان، وقيل: قس ابن ساعدة. قوله (صرف عبد الله بن محمد) (1) أي عزله وهو كان والي المدينة وصاحب العسكر والحرب والصلاة فيها وكان شديد العداوة لأبي الحسن (عليه السلام) فأرسل مكتوبا متضمنا للسعاية له والشكاية


= المأمون أول من أثبتها على عنوانات كتب الخلفاء وكبر بعد كل صلاة فبقي ذلك سنة، وجول العلم عند مواقيت الصلوة، ونزع المقاصير من المساجد الجامعة وقال هذه سنة أحدثها معاوية. انتهى. (ش). 1 - قوله " صرف عبد الله بن محمد " ينبعى أن يتعجب من مساهلة المتوكل مع الإمام (عليه السلام) على ما كان فيه من عداوة أمير المؤمنين (عليه السلام) وما فعل بقبر الحسين (عليه السلام) ومنع من زيارته حتى إن علماء أهل السنة أيضا وصفوه بالنصب. وقال في فوات الوفيات: تنفر المسلمون جميعا من عمله ثم إنه استقدم الهادي (عليه السلام) ولم يتعرض له بحبس وقتل بل كان في عز ظاهر وحشمة نازلا في بعض دور الخلافة مع خدمه وذويه مدة أربع سنين في حياة المتوكل وست سنين أو أكثر بعده ولم يتفق لأحد من الأئمة عليهم السلام ذلك المقام الطويل في الحضرة معظما مكرما وذلك لأن مذهب الشيعة قد رسخت أركانه وثبتت أصوله وتمكن في القلوب قواعده وانتشر في أقطار الأرض دعوته وكثر في النواحي اتباعه في زمان الهادي (عليه السلام) وأن الخلفاء علموا بطول المعاشرة أن الأئمة عليهم السلام لن يخرجوا عليهم طلبا للملك ولن يتوثبوا على سلطانهم ولن يستعجلوا للحصول على الإمارة كدعاة الزيدية من شرفاء بني الحسن وغيرهم وأول من تنبه لذلك المأمون وتبعه المعتصم والواثق بعد أن كان هارون ومن قبله يخافون من خروجهم كالزيدية ويزعمون أنه يمكن معارضة الحق بالسيف واطفاء نور الله بالقهر فلما سافر الرضا (عليه السلام) إلى خراسان وظهر أمره وتبين طريقته وعاشره أصحاب الحكومة وعمال الخلافة تبين لهم خطؤهم في ظنونهم وأباح المأمون بعد قتل الرضا (عليه السلام) البحث والنظر في الإمامة وفروعها إذ علم أن ظهور الشيعة الإمامية لا يوهن سلطانه. وروى الخطيب في تاريخ بغداد عن بعضهم قال: كنا مع المأمون في طريق الشام فأمر فنودي بتحليل المتعة فدخلنا عليه وهو يستاك ويقول وهو مغتاظ: متعتان كانتا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلى عهد أبي بكر وأنا أنهى عنهما. ومن أنت يا أحول حتى تنهي عما فعله النبي (صلى الله عليه وآله) وأبو بكر، ثم ذكر كلام يحيى بن أكثم وصرفه عن ذلك بما لا حاجة لنا إليه، وقال اليعقوبي: صار المأمون إلى دمشق سنة 218 وامتحن الناس في العدل والتوحيد وكتب في إشخاص الفقهاء من العراق وغيرها فامتحنهم في خلق القرآن واكفر من امتنع أن يقول: القرآن غير مخلوق، وكتب أن لا تقبل شهادته فقال كل بذلك إلا نفرا يسيرا. انتهى، وقال أيضا لفقيه مالكي أفتى بحكم ظاهر الفساد: أنت تيس ومالك أتيس منك بدل أن يقول: أنت كيس ومالك أكيس منك نقله اليعقوبي، وبالجملة كان موقع الشيعة بعد الرضا (عليه السلام) في قلوب الموافقين والمخالفين غير ما كان قبله. (ش). شرح أصول الكافي - 19 -. (*)

[ 308 ]

عنه (عليه السلام) إلى المتوكل فبعث المتوكل لعنة الله عليه يحيى بن هرثمة بن أعين مع جنود يشخصه إلى سر من رأى فأشخصه. قوله (إذ كان على ما ذكرت) الظاهر أنه (عليه السلام) كتب إليه اعتذارا مما نسبه إليه وجفا عليه. قوله (وعندما قرفك به) أي عابك واتهمك به يقال: قرف فلان فلانا إذا عابه واتهمه وهو مقروف. قوله (من الأمور التي قد علم أمير المؤمنين براءتك منه) كتب عبد الله بن محمد أمورا من جملتها أنه يدعي الإمامة ويجلب إليه الأموال. قوله (أثرة) الأثرة (1) بفتح الهمزة والثاء الاسم من أثر يؤثر إيثارا إذا أعطى، أراد أنه يؤثرك ويتفضل عليك على ما لا يؤثر ولا يتفضل على غيرك من إخوته وأولاده وأهل بيته وأصحابه وصاحب سره. * الأصل: 8 - الحسين بن الحسن الحسني قال: حدثني أبو الطيب المثنى يعقوب بن ياسر (2) قال: كان


1 - قوله " أثرة " كانت الخلفاء من بني العباس يحفظون في دار الخلافة عشيرتهم الأقربين ويمنحونهم بغيتهم ويسهلون لهم مصالحهم في أنعم ما يكون بشرط أن لا يخرجوا منها وكلما تقدمت الدولة اشتد الأمر في التضييق حتى كانت دار الخلافة في أواخر دولتهم تشمل ربع بغداد مساحة مع سعة البلد جدا. وكان المتصدي لحفظ دار الخلافة من أعلى أرباب المناصب ويسمى الرجل المنصوب لذلك قهرمانا والامرأة المنصوبة للحرم وحماية النساء والجواري قهرمانة، وكان الإمام (عليه السلام) مدة إقامته في العسكر مع الأسرة الحاكمة في دار الخلافة وهذه الرسالة من أفصح ما يكون وأحسن وكاتبه إبراهيم بن العباس المعروف بالصولى من مشاهير الكتاب. وقال ابن خلكان: كان أحد الشعراء المجيدين وله ديوان شعر كله نخب، قال: وله نثر بديع ثم ذكر آباءه وأول من أسلم منهم - إلى أن قال -: اتصل إبراهيم وأخوه عبد الله بذي الرياستين الفضل بن سهل ثم تنقل في أعمال السلطان ودواوينه إلى أن توفي وهو يتقلد ديوان الضياع والنفقات بسر من رأى للنصف من شعبان سنة 243. انتهى، وكتابه الموسوم بأدب الكتاب مشهور مطبوع. (ش). 2 - قوله " يعقوب بن ياسر " كأنه من عمال الحكومة نقل عنه الكليني قدس سره لأن قوله حجة في أمثال هذه الوقايع بالنسبة إلى تنزيه الإمام (عليه السلام) وإن لم تكن حجة بالنسبة إلى تنقيص موسى المبرقع وأما المتوكل فكان خليعا سكيرا، أكثر المؤخورن من ذكر لهوه وخلاعته وفساده وذكر بعضهم أنه قتل وهو سكران لا يستطيع أن يقوم من سكره فوضعوا فيه السيف فقطعوه والخمر تدب في عروته، ويثني عليه النواصب بأنه محى البدع وأقام السنة وقال بعضهم: إنه تالي عمر بن عبد العزيز في إقامة الدين، قال المسعودي في مروج الذهب: لما أفضت الخلافة إلى المتوكل أمر بترك النظر والمباحثة في الجدل والترك لما عليه الناس في أيام المعتصم والواثق والمأمون، وأمر الناس بالتسليم والتقليد وأمر شيوخ المحدثين بالتحديث وإظهار السنة = (*)

[ 309 ]

المتوكل يقول: ويحكم قد أعياني أمر ابن الرضا، أبى أن يشرب معي أو يناد مني أو أجد منه فرصة


= والجماعة. أنتهى. وقال اليعقوبي: ونهى المتوكل عن الكلام في القرآن وأطلق من كان في السجون من أهل البلدان ومن أخذ في خلافة الواثق فخلاهم جميعا وكساهم جميعا وكتب إلى الافاق كتبا ينهى عن المناظرة والجدل وأمسك الناس انتهى، أقول: وأكثر المجددين من علماء مصر وغيرها من البلاد اعترفوا بأن أعظم جناية وقعت على الإسلام منع الناس عن النظر والاجتهاد والجمود على ما أثر من السلف، وكان أعظم مسألة في تلك الأزمان مسألة القرآن، وأنه حادث أو قديم، وبعده التكلم في الصفات، وكان رأي العوام ورؤسائهم فيها خرافيا صرفا يلتزمون بأمور غير معقولة مثل أن هذا المصحف المكتوب بأيدى الكتاب المدون بين الدفتين الذي صنعه الوراقون قديم بقدم الله تعالى وأن القول بحدوثه تنقيص له، وبعض من تدبر منهم ورآه دليلا على سفاهة قائله ذهب إلى أن كلامه تعالى الذي صدر منه قديم لا هذا المكتوب المدون وهو أيضا غير معقول لأن الكلام حروف مرتبة يتبع بعضها بعضا ولا يتعقل كونها قديمة لأنه يوجب عدم الترتب في الحروف ولذلك التزم العقلاء بكون القرآن مخلوقا بأي معنى فرض وهو غير العلم وأن هذا لا يوجب توهينا له وتنقيصا كما أن النبي (عليه السلام) وهو أفضل من القرآن مخلوق ولا يوجب نسبة ذلك إليه توهينا وكان المأمون وبعده المعتصم والواثق قائلين بخلق القرآن دفعوا الحجر عن القول به وربما امتحنوا المشاغبين والغوغاء من العامة ونهو القضاة عن قبول الشهادة إلا من أهل التوحيد والعدل. قال المسعودي: في سنة 219 ضرب المعتصم أحمد بن حنبل ثمانية وثلاثين سوطا ليقول بخلق القرآن، وزاد اليعقوبي احتجاج إسحق بن إبراهيم عليه إلى أن قال أحمد: فإنى أقول بقول أمير المؤمنين، قال في خلق القرآن ؟ قال في خلق القرآن، قال فاشهد عليه وخلع عليه واطلقه إلى منزله انتهى. أقول: فاستعمل أحمد التقية أو قال بخلق القرآن خلافا لما عليه الجماعة. وقال اليقعوبي أيضا: صار المأمون إلى دمشق سنة 218 وامتحن الناس في العدل والتوحيد على ما سبق وقال: وامتحن الواثق الناس في خلق القرآن فكتب إلى القضاة أن يفعلوا ذلك في سائر البلدان وأن لا يجيزوا إلا شهادة من قال بالتوحيد فحبس بهذا السبب عالما كثيرا انتهى. فتبين من ذلك أن مرادهم وصف المتوكل بمحو البدعة وإقامة السنة ليس ما يتبادر إلى الذهن من ظاهره بل منعه من البحث والنظر وإبقاء خطأ من أخطأ من السلف على هو عليه وإن خالف السنة والكتاب أيضا فاختاروا لفظا حسنا لمعنى قبيح وقال يحيى بن أكثم على ما في تاريخ بغداد: القرآن كلام الله فمن قال مخلوق يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه انتهى. وهذا منتهى عقلهم وعلمهم ولم نر بعد البحث الشديد حديثا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر بقتل من قال بخلق القرآن فكيف يكون القائل به سنيا ولكنهم بنوا السنية على أربع أصول: الأول إنكار الحسن والقبح، والثاني الجبر، الثالث عدم خلق القرآن، الرابع رؤية الله تعالى مع عدم كونه جسما ومتحيزا. والسني عندنا من التزم باتباع سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأما الأصول الأربعة فيخالف السنة والكتاب والعقل ولا ينبغي إلا لمثل المتوكل أن يكون مؤسسا لها ويتنزه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكل نبي بل كل عاقل أن تكون تلك الخرافات سنة له يجبر الناس على قبولها فإن أبى ضربت عنقه ولم يكن بناء أبي بكر وعمر أيضا على ذلك على ما يستفاد من سيرتهما والله العالم. (ش). (*)

[ 310 ]

في هذا، فقالوا له: فإن لم تجد منه فهذا أخوه موسى قصاف عزاف يأكل ويشرب ويتعشق، قال: ابعثوا إليه فجيئوا به حتى نموه به على الناس ونقول: ابن الرضا، فكتب إليه واشخص مكرما وتلقاه جميع بني هاشم والقواد والناس على أنه إذا وافى أقطعه قطيعة وبنى له فيها وحول الخمارين والقيان إليه ووصله وبره وجعل له منزلا سريا حتى يزوره هو فيه، فلما وافى موسى تلقاه أبو الحسن في قنطرة وصيف وهو موضع تتلقى فيه القادمون، فسلم عليه ووفاه حقه، ثم قال له: إن هذا الرجل قد أحضرك ليهتكك ويضع منك فلا تقر له أنك شربت نبيذا قط، فقال له موسى: فإذا كان دعاني لهذا فما حيلتي ؟ قال: فلا تضع من قدرك ولا تفعل فإنما أراد هتكك، فأبى عليه فكرر عليه، فلما رأى أنه لا يجيب قال: أما إن هذا مجلس لا تجمع أنت وهو عليه أبدا، فأقام ثلاث سنين، يبكر كل يوم فيقال له: قد تشاغل اليوم فرح، فيروح فيقال: قد سكر فبكره، فيبكر فيقال: شرب دواء، فمازال على هذا ثلاث سنين حتى قتل المتوكل ولم يجتمع معه عليه. * الشرح: قوله (قصاف عزاف) القصف اللهو واللعب وهو أعم من العزف، وهو اللهو بالمعازف وهي الدفوف والعود والطنبور وغيرهما مما يضرب، وقيل: إن كل لعب عزف وعلى هذا لا يبقى الفرق بينهما إلا أن يراد بالقصف الكسر للعرض ونحوه. قوله (حتى نموه على الناس ونقول ابن الرضا) التموية التدليس وإخفاء الحق يريد أن ندلس على الناس سيما على الأقاصي، ونقول: ابن الرضا فعل كذا وكذا من المنكرات فإنهم ينتقلون منه إلى أبي الحسن علي بن محمد فيتنفرون منه لأن اشتراك الاسم والنسب قد يضر وربما أراد بذلك كسر شأن الرضا (عليه السلام) أيضا وبالجملة قصده صرف قلوب الخلق عنهم. قوله (على أنه إذا وافى) متعلق بكتب أي كتب إليه على هذه الشروط والمواعيد بالإحسان الموافق لطبعه، وقوله " وأشخص مكرما - إلى آخره " جملة معترضة لبيان كيفية وروده من استقبال الخلق أجمعين بأمر ذلك اللعين. والقطيعة الطائقة من أرض الخراج يقطعها السلطان من يريد، والقيان جمع القينة وهي الأمة المغنية أو الأعم منها، والمنزل السري، المنزل النفيس المختار الموافق للطبع بحسب الكم والكيف وحسن المنظر. قوله (فأبى عليه) أي فأبى موسى على أبي الحسن محمد بن علي ولم يقبل قوله، وذلك لميل طبعه إلى لذات الدنيا فكرر عليه تلك النصيحة لعله يتذكر أو يخشى أو يحفظ عرضه فلما رأى (عليه السلام) أنه لا يجيب قوله ولا يسمع نصيحته قال له: إن هذا مجلس لا يجتمع أنت والمتوكل عليه أبدا فأقام موسى ثلاث سنين يبكر كل يوم ويأذن الدخول فيعلل البوابين ويقولون: هو اليوم مشغول بكذا،

[ 311 ]

واليوم سكران، واليوم شرب دواء، ونحو ذلك فمازال على هذا في ثلاث سنين حتى مات المتوكل لعنه الله ولم يجتمع موسى معه على هذا المجلس كما أخبر الإمام (عليه السلام). * الأصل: 9 - بعض أصحابنا، عن محمد بن علي قال: أخبرني زيد بن علي بن الحسن بن زيد قال: مرضت فدخل الطبيب علي ليلا فوصف لي دواء بليل آخذه كذا وكذا يوما فلم يمكني، فلم يخرج الطبيب من الباب حتى ورد علي نصر بقارورة فيها ذلك الدواء بعينه فقال لي: أبو الحسن يقرئك السلام ويقول لك: خذ هذا الدواء كذا وكذا يوما فأخذته فشربته فبرئت، قال محمد بن علي: قال لي زيد ابن علي: يأبى الطاعن أين الغلاة عن هذا الحديث. * الشرح: قوله (دواء بليل) البليل والبليلة ريح تحدث (1) من بلة ورطوبة توجب استرخاء الأعضاء وتحركها، وهو الذي يسمونه بالفالج وهو داء معروف يرخى بعض البدن. قوله (يأبى الطاعن أين الغلاة عن هذا الحديث) أي ينكر الطاعن فضله وكماله واستحقاقه للإمامة والخلافة أو ينكر هذا الحديث أين الغلاة عن هذا الحديث فإنهم لو علموه (2) لتمسكوا به على معتقدهم، ومقصوده التعجب في الطعن عليه وإنكاره.


1 - قوله " ريح تحدث " جعل الشارح الباء في بليل جزءا من الكلمة واشتقاقه من بلل والصحيح أن الباء جارة والليل بمعناه المعروف والدواء الذي يشرب ليلا وينام عليه يمسى في عرف الأطباء بالشبيار وهو المقصود. (ش). 2 - قوله " فإنهم لو علموه " الظاهر أن مقصود الراوي تأييد صحة الحديث ورفع ما يمكن أن يناقش به في كونه خرق العادة من كل جهة فذكر أن الطبيب دخل عليه ليلا وخرج ثم دخل خادم الإمام عليه السلام واسمه نصر بعد خروج الطبيب بلا مهلة وأحضر قارورة الدواء، ومقصوده دفع احتمال أن يكون الطبيب لما خرج من الدار لقيه أحد معارف الراوي وعلم من خروج الطبيب مرضه فسأل الطبيب عن المريض والدواء الذي وصفه وعلم أن تحصيل هذا الدواء ليلا غير ممكن وكان الرجل من أصحاب الإمام عليه السلام وخدمه بحيث كان يسهل عليه ذكر حال المريض والدواء له عليه السلام فذهب إليه وذكر له وأرسل الإمام ذلك الشبيار إليه فورا، فدفع الراوي هذا الاحتمال بأن ذلك كان ليلا لا يحتمل أن يكون الطبيب لقي أحدا من أصحاب الإمام في الطريق وكانت المدة بين خروج الطبيب ورود الدواء قليلة لا تحتمل هذه الأمور، وأما احتمال جعل الغلاة فمدفوعة بأنه لا واسطة في الإسناد. (ش). (*)

[ 312 ]

باب مولد أبي محمد الحسن بن علي عليهما السلام * الأصل: ولد (عليه السلام) في شهر [ رمضان وفي نسخة أخرى في شهر ] ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين ومائتين. وقبض (عليه السلام) يوم الجمعة لثمان ليال خلون من شهر ربيع الأول سنة ستين ومائتين وهو ابن ثمان وعشرين سنة ودفن في داره في البيت الذي دفن فيه أبوه بسر من رأي وامه أم ولد يقال لها: حديث، [ قيل: سوسن ]. * الشرح: قوله (وقبض (عليه السلام) يوم الجمعة) قال الصدوق قتله المعتمد لعنه الله بالسم، وقال الطبرسي: ذهب كثير من علمائنا إلى أنه (عليه السلام) مضى مسموما وكذلك أبوه وجده وجميع الأئمة عليهم السلام. روى الصدوق بإسناده عن أبي حاتم قال سمعت أبا محمد الحسن بن علي عليهما السلام: في سنة مائتين وستين تفترق شيعتي. ففيها قبض أبو محمد (عليه السلام) وتفرقت شيعته وأنصاره فمنهم من انتمى إلى جعفر ومنهم من تاه وشك، ومنهم من وقف على تحيره، ومنهم من ثبت على دينه بتوفيق الله عز وجل. * الأصل: 1 - الحسين بن محمد الأشعري ومحمد بن يحيى وغيرهما قالوا: كان أحمد بن عبيد الله بن خاقان على الضياع والخراج بقم فجرى في مجلسه يوما ذكر العلوية ومذاهبهم وكان شديد النصب فقال: ما رأيت ولا عرفت بسر من رأى رجلا من العلوية مثل الحسن بن علي بن محمد بن الرضا في هديه وسكونه وعفافه ونبله وكرمه عند أهل بيته وبني هاشم وتقديمهم إياه على ذوي السن منهم والخطر وكذلك القواد والوزراء وعامة الناس، فإني كنت يوما قائما على رأس أبي وهو يوم مجلسه للناس إذ دخل عليه حجابه فقالوا: أبو محمد بن الرضا بالباب. فقال بصوت عال: إئذنوا له، فتعجبت مما سمعت منهم أنهم جسروا يكنون رجلا على أبي بحضرته ولم يكن عنده إلا خليفة أو ولي عهد أو من أمر السلطان أن يكنى، فدخل رجل أسمر، حسن القامة، جميل الوجه، جيد البدن، حدث السن، له جلالة وهيبة، فلما نظر إليه أبي قام يمشي إليه خطا ولا أعلمه فعل هذا بأحد من بني هاشم والقواد فلما دنا منه عانقه وقبل وجهه وصدره وأخذ بيده وأجلسه على مصلاه الذي كان عليه وجلس إلى جنبه مقبلا عليه بوجهه وجعل يكلمه

[ 313 ]

ويفديه بنفسه، وأنا متعجب مما أرى منه إذ دخل [ عليه ] الحاجب فقال: الموفق وقد جاء - وكان الموفق إذا دخل على أبي تقدم حجابه وخاصة قواده فقاموا بين مجلس أبي وبين باب الدار سماطين إلى أن يدخل ويخرج - فلم يزل أبي مقبلا على أبي محمد يحدثه حتى نظر إلى غلمان الخاصة فقال حينئذ إذا شئت جعلني الله فداك، ثم قال لحجابه: خذو به خلف السماطين حتى لا يراه هذا - يعني الموفق -، فقام وقام أبي وعانقه ومضى. فقلت لحجاب أبي وغلمانه: ويلكم من هذا الذي كنيتموه على أبي وفعل به أبي هذا الفعل، فقالوا: هذا علوي يقال له الحسن بن علي يعرف بابن الرضا فازددت تعجبا ولم أزل يومي ذلك قلقا متفكرا في أمره وأمر أبي وما رأيت فيه حتى كان الليل وكانت عادته أن يصلى العتمة ثم يجلس فينظر فيما يحتاج إليه من المؤامرات وما يرفعه إلى السلطان، فلما صلى وجلس، جئت فجلست بين يديه وليس عنده أحد فقال لي: يا أحمد لك حاجة ؟ قلت: نعم يا أبه فإن أذنت لي سألتك عنها ؟ فقال: قد أذنت لك يا بني فقل ما أحببت، قلت: يا أبه من الرجل الذي رأيتك بالغداة فعلت به ما فعلت من الإجلال والكرامة والتبجيل وفديته بنفسك وأبويك ؟ فقال: يا بني ذاك إمام الرافضة، ذاك الحسن بن علي المعروف بابن الرضا، فسكت ساعة، ثم قال: يا بني لوزالت الإمامة عن خلفاء بني العباس ما استحقها أحد من بني هاشم غير هذا وإن هذا ليستحقها في فضله وعفافه وهديه وصيانته وزهده وعبادته وجميل أخلاقه وصلاحه لو رأيت أباه رأيت رجلا جزلا نبيلا فاضلا، فازددت قلقا وتفكرا وغيظا على أبي وما سمعت منه واستزدته في فعله وقوله فيه ما قال. فلم يكن لي همة بعد ذلك إلا السؤال عن خبره والبحث عن أمره فما سألت أحدا من بني هاشم والقواد والكتاب والقضاة والفقهاء وسائر الناس إلا وجدته عنده في غاية الإجلال والإعظام والمحل الرفيع والقول الجميل والتقديم له على جميع أهل بيته ومشايخه فعظم قدره عندي إذ لم أرله وليا ولا عدوا إلا وهو يحسن القول فيه والثناء عليه، فقال له بعض من حضر مجلسه من الأشعريين: يا أبا بكر فما خبر أخيه جعفر ؟ فقال: ومن جعفر فتسأل عن خبره ؟ أو يقرن بالحسن جعفر معلن الفسق فاجر ما جن شريب للخمور أقل من رأيته من الرجال وأهتكهم لنفسه، خفيف، قليل في نفسه، ولقد ورد على السلطان وأصحابه في وقت وفات الحسن بن علي ما تعجبت منه وما ظننت أنه يكون وذلك أنه لما اعتل بعث إلى أبي أن ابن الرضا قد اعتل فركب من ساعته فبادر إلى دار الخلافة ثم رجع مستعجلا ومعه خمسة من خدم أمير المؤمنين كلهم من ثقاته وخاصته فيهم نحرير، فأمرهم بلزوم دار الحسن وتعرف خبره وحاله وبعث إلى نفر من المتطببين فأمرهم

[ 314 ]

بالاختلاف إليه وتعاهده صباحا ومساء، فلما كان بعد ذلك بيومين أو ثلاثة اخبر أنه قد ضعف، فأمر المتطببين بلزوم داره وبعث إلى قاضي القضاة فأحضره مجلسه وأمره أن يختار من أصحابه عشرة ممن يوثق به في دينه وأمانته وورعه فأحضرهم، فبعث بهم إلى دار الحسن وأمرهم بلزومه ليلا ونهارا فلم يزالوا هناك حتى توفي (عليه السلام) فصارت سر من رأى ضجة واحدة وبعث السلطان إلى داره من فتشها وفتش حجرها وختم على جميع ما فيها وطلبوا أثر ولده وجاؤوا بنساء يعرفن الحمل، فدخلن إلى جواريه ينظرن إليهن فذكر بعضهن أن هناك جارية بها حمل فجعلت في حجرة ووكل بها نحرير الخادم وأصحابه ونسوة معهم، ثم أخذوا بعد ذلك في تهيئته وعطلت الأسواق وركبت بنو هاشم والقواد وأبي وسائر الناس إلى جنازته، فكانت سر من رأى يومئذ شبيها بالقيامة فلما فرغوا من تهيئته بعث السلطان إلى أبي عيسى ابن المتوكل فأمره بالصلاة عليه: فلما وضعت الجنازة للصلاة عليه دنا أبو عيسى منه فكشف عن وجهه فعرضه على بني هاشم من العلوية والعباسية والقواد والكتاب والقضاة والمعدلين وقال: هذا الحسن بن علي بن محمد بن الرضا مات حتف أنفه على فراشه حضره من حضره من خدم أمير المؤمنين وثقاته فلان وفلان ومن القضاة فلان وفلان من المتطبيبين فلان وفلان، ثم غطى وجهه وأمر بحمله فحمل من وسط داره ودفن في البيت الذي دفن فيه أبوه فلما دفن أخذ السلطان والناس في طلب ولده وكثر التفتيش في المنازل والدور وتوقفوا عن قسمة ميراثه ولم يزل الذين وكلوا بحفظ الجارية التي توهم عليها الحمل لازمين حتى تبين بطلان الحمل فلما بطل الحمل عنهن قسم ميراثه بين امه وأخيه جعفر وادعت امه وصيته وثبت ذلك عند القاضي، والسلطان على ذلك يطلب أثر ولده. فجاء جعفر بعد ذلك إلى أبي فقال: اجعل لي مرتبة أخي واوصل إليك في كل سنة عشرين ألف دينار، فزبره أبي وأسمعه وقال له: يا أحمق السلطان جرد سيفه في الذين زعموا أن أباك وأخاك أئمة ليردهم، فلم يتهيأ له ذلك، فإن كنت عند شيعة أبيك وأخيك إماما فلا حاجة بك إلى السلطان [ أن ] يرتبك مراتبهما ولاغير السلطان وإن لم تكن عندهم بهذه المنزلة لم تنلها بنا، واستقله عند ذلك واستضعفه وأمر أن يحجب عنه، فلم يأذن له في الدخول عليه حتى مات أبي، وخرجنا وهو على تلك الحال والسلطان يطلب أثر ولد الحسن بن علي (عليه السلام). * الشرح: قوله (قالوا كان أحمد بن عبيد الله بن خاقان) قال بعض أصحاب الرجال أحمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان له مجلس يصف فيه أبا محمد الحسن بن علي العسكري، وقال بعضهم: إن له

[ 315 ]

كتابا (1) يصف فيه سيدنا أبا محمد (عليه السلام)، وقال المفيد في إرشاده: إنه كان على الخراج بقم فكان شديد النصف والانحراف عن أهل البيت عليهم السلام. قوله (في هديه) الهدى بفتح الهاء وسكون الدال الطريقة والسيرة السوية وبضم الهاء الرشاد وهو خلاف الضلالة، والسكون الوقار في الحركة والسير والتأني في الضراء والسراء والخضوع في الباطن والظاهر، والعفاف حصول حالة للنفس يمتنع بها عن غلبة الشهوة، والنبل العظمة والجلالة والنجابة والفضل والكرم والجود والسخاء والخير كله، والكريم الجامع لأنواع الخير (2)، والخطر الشرف والمنزلة والمزية. قوله (ويفديه بنفسه) فداه بنفسه وفداه إذا قال له جعلت فداك، والمراد بالفداء التعظيم والإكبار لأن الإنسان لا يفدي إلا من يعظمه فيبذل نفسه له. قوله (فقال: الموفق قد جاء) هو موفق بن المتوكل أخو المعتمد بن المتوكل وكان أمير عساكره (3) وانتقلت الخلافة بعد المعتمد إلى ابن الموفق أحمد الملقب بالمعتضد.


1 - قوله " له مجلس يصف فيه أبا محمد وقال بعضهم: إن له كتابا " احتمال كون هذا الكتاب والمجلس بقلم أحمد بن عبيد الله بعيد جدا وإن كان ظاهر عبارة النجاشي ذلك ولا يخفى أن الظاهر ليس بحجة في هذه الأمور وإنما يقطع به العذر في تكاليف المولى بالنسبة إلى عبيده إذا تعلق بالعمل وإذا كان مراد المولى غير ما يفهم من ظاهر عبارته ولم يقم قرينه فعهدة المخالفة عليه لا على العبد إذا خالف في العمل وما لا يتعلق بالعمل فلا يجري فيه هذا الكلام إذ لا يترتب على خطأ المخاطب في فهم المراد محذور إذا لم يجب عليه عمل على طبقة، وسواء كان هذا الحديث بقلم أحمد أو أحد الرواة السامعين فهو حجة في هذا المورد لكونه ناصبيا مدح الإمام عليه السلام ولأن القرائن تشهد بصحته إذ يصف رجلا معروفا بحضرة من يطلع على كذبه إن كذب فإن المستمعين معاصرون للإمام أو قريبوا العهد منه بل الكليني الراوي عنهم لا يبعد زمانه عن زمانه عليه السلام فإن تاريخ هذا المجلس على ما في إكمال الدين سنة ثمان وسبعين ومائتين ولعل الكليني - رحمه الله - كان قد ولد قبل هذه السنة بل كان شابا حينئذ، وبالجملة فما يتضمن الخبر من هيبة الإمام وحشمته وإقبال القواد والكتاب والأمراء عليه حق لا ريب فيه، وكذا ما يدل عليه من اعترافهم بالعجز عن معارضة الشيعة بالسيف وأنه لا يؤثر دخالة الأمراء فيهم نقصا ومنعا أصلا. 2 - قوله " والكريم الجامع لأنواع الخير " وعبارة الخبر تدل على انتشار هذا المذهب وكثرة أهله في ذلك العصر حتى إن الوزراء وبيدهم سياسة الأمة وبني هاشم وهم الأسرة الحاكمة والقواد وهم رؤساء الجنود كانوا خاضعين لديه وكان الإمام كريما عليهم ولو لم يكن رسخت أركان التشيع وثبتت أصوله في قلوب الناس لم يكن للإمام عليه السلام في نظرهم هذه الهيبة الظاهرة وما حصلت الغيبة إلا بعد أن علم الله ثبات الدين وشيوعه ورسوخه كما قال الله تعالى خطابا للنبي صلى الله عليه وآله * (إذا جاء نصر الله والفتح) * آه، فقال: نعيت إلي نفسي. (ش). 3 - قوله " كان أمير عساكره " بل كان الأمر بيده ولم يكن للمعتمد أخيه وهو الخليفة أمر أصلا وكان المعتمد = (*)

[ 316 ]

قوله (خلف السماطين) السماط الصف من الناس. قوله (فازددت تعجبا لعل ازدياد التعجب بسبب أنه لم يسمع في الجواب من فضله ما يوجب استحقاقه لهذا التكريم والتعظيم مع أنه لم يقع مثل هذا لأحد من العلويين أبدا. قوله (جزلا) أي أصيلا تاما عاقلا أو قويا في الكلام متينا شديدا فصيحا. قوله (فازددت قلقا - إلى قوله - ما قال ما سمعت) عطف على أبي والعائد إلى الموصول محذوف، وضمير منه راجع إلى الأب أي ما سمعته من أبي واستزدته عطف على سمعت والضمير للموصول، وضمير فعله وقوله راجع إلى الأب وضمير فيه راجع إلى أبي محمد (عليه السلام) وما قال مقول القول، ولعل سبب التفكر في حاله (عليه السلام) والقلق وهو اضطراب القلب وانزعاجه والغيظ على أبيه هو أنه سمع شيئا من أوصافه (عليه السلام) ولم يتحقق عنده بعد وظن أن قول أبيه فيه من باب التظني، ولذلك قال بعد السؤال عن خبره من سائر الناس وبعد تحقق ذلك عنده: فعظم قدره عندي. قوله (فما خبر أخيه جعفر) وكيف كان منه في المحل كذا في إرشاد المفيد وهو الضال المضل المشهور بالكذاب، روى الصدوق بإسناده عن فاطمة بنت محمد بن الهيثم قالت: كنت في دار أبي الحسن على ابن محمد العسكري عليهما السلام في الوقت الذي ولد منه جعفر فرأيت أهل الدار قد سروا به فصرت إلى أبي الحسن (عليه السلام) فلم أره مسرورا بذلك فقلت: يا سيدي مالي أراك غير مسرور بهذا المولود ؟ فقال (عليه السلام): يهون عليك أمره فإنه سيضل خلقا كثيرا. قوله (ما جن شريب للمخمور) الماجن من لا يبالي قولا وفعلا كأنه صلب الوجه من مجن مجونا إذا صلب وغلظ والشريب بكسر الشين وشد الراء المولع بالشراب. قوله (ما تعجبت منه) فاعل ورد وهو إما ما فعله السلطان وأمره به من التجسس والتفتيش وغيرهما أو ما فعله جعفر من طلب مقام أخيه بالرشوة والأخير أظهر وكل واحد منهما محل التعجب، وظن العاقل أنه لا ينبغي أن يكون شئ منهما. قوله (قال: وطلبوا أثر ولده) قال الصدوق حدثنا أبو الحسن علي بن الحسن بن علي بن محمد بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام قال: سمعت أبا الحسن بن وجنا يقول: حدثنا أبي عن جده أنه كان في دار الحسن بن علي (عليه السلام) قال: فكبستنا الخيل وفيهم


= مشغولا باللهو واللذات وقيل: احتاج يوما إلى ثلاثمائة دينار فلم يجدها لتضييق الموفق عليه ومات للإفراط في الشرب. (ش). (*)

[ 317 ]

جعفر بن علي الكذاب واشتغلوا بالنهب والغارة وكانت همتي في مولاي القائم (عليه السلام) ابن ست سنين فلم يره أحد حتى غاب. قوله (فذكر بعضهن أن هناك جارية بها حمل) وهي صيقل الجارية كما يفهم من كمال الدين فوجه المعتمد خدمه فحملت إلى دار المعتمد فجعلن نساء المعتمد وخدمه ونساء الموفق وخدمه والقاضي ابن أبي شوارب يتعاهدن أمرها في كل وقت ويراعونها إلى أن ظهر بطلان الحمل. قوله (مات حتف انفه) الحتف الهلاك والموت أي مات على فراشه من غير قتل ولا ضرب ولا سم ولا غرق ولا حرق. وخص الأنف لأن الروح يخرج منه بتتابع النفس، أو لأنهم كانوا يتخيلون أن المريض يخرج روحه من أنفه والجريح من جراحته. قوله (فلما بطل الحمل عنهن قسم ميراثه بين أمه وأخيه) روى الصدوق بإسناده عن الحسين بن علي عليهما السلام قال: " قائم هذه الأمة هو التاسع من ولدي وهو صاحب الغيبة، وهو الذي يقسم ميراثه وهو حي " وبإسناده عن محمد بن صالح بن علي بن محمد بن قنبر الكبير مولى الرضا (عليه السلام) قال خرج صاحب الزمان (عليه السلام) على جعفر الكذاب من موضع لم يعلم به عندما نازع في الميراث عند مضى أبي محمد (عليه السلام) فقال له: " يا جعفر مالك تعرض في حقوقي " فتحير جعفر وبهت ثم غاب فطلبه جعفر بعد ذلك في الناس فلم يره فلما ماتت الجدة أم الحسن (عليه السلام) امرت أن تدفن في الدار فنازعهم جعفر وقال: هي داري لا تدفن فيها فخرج (عليه السلام) فقال له: " يا جعفر دارك هي " ثم غاب فلم ير بعد ذلك. قوله (والسلطان على ذلك يطلب أثر ولده) أي السلطان بعد ذلك التفتيش والتجسس وعدم ظهور الولد وبطلان الحمل يطلب أثر ولده خوفا من أن يكون له ولد مخفى يقوم مقام أبيه وقتا ما أو بالفعل. قوله (فجاء جعفر بعد ذلك إلى أبي فقال اجعل لي مرتبة أخي) واعلم أن كلام الصدوق في كمال الدين وتمام النعمة صريح في أن جعفرا عرض ذلك على الخليفة حيث قال وقد كان جعفر حمل إلى الخليفة عشرين ألف دينار لما توفي الحسن بن علي (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين تجعل لي مرتبة أخي ومنزلته فقال الخليفة: اعلم أن منزلة أخيك لم يكن بنا إنما كانت بالله عز وجل، ونحن كنا نجتهد في حط منزلته والوضع منه، وكان الله عز وجل يأبى إلا أن يزيده كل يوم رفعة (1) بما كان


1 - قوله " ألا أن يزيده كل يوم " يدل على ما ذكرنا من أن الخلفاء تركوا ما كان عليه هارون ومن قبله من = (*)

[ 318 ]

فيه من الصيانة وحسن السمت والعلم والعبادة فإن كنت عند شيعة أخيك بمنزلته فلا حاجة بك إلينا وإن لم يكن فيك ما في أخيك (1) لم تغن عنك في ذلك شيئا. ولا يبعد ذلك أن يكون جعفر لحماقته عرض ذلك مرتين مرة على ابن الخاقان ومرة على الخليفة والله أعلم. قوله (واستقله) أي رآه قليلا لا وزن له، والمعنى رآه في غاية القلة في العقل والنقص في الرأى. * الأصل: 2 - علي بن محمد، عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن موسى بن جعفر قال: كتب أبو محمد (عليه السلام) إلى أبي القاسم إسحاق بن جعفر الزبيري قبل موت المعتز بنحو عشرين يوما: الزم بيتك حتى يحدث الحادث، فلما قتل بريحة كتب إليه قد حدث الحادث فما تأمرني ؟ فكتب: ليس هذا


= التضيق على الشيعة الإمامية لما علموا أن مذهبهم ليس مما يعارض بالسيف فبنوا على المساهلة معهم وعرفوا أيضا أن ائمتنا عليهم السلام لا يريدون التوثب على السلطان ولا الاستعجال على الملك وكان بناؤهم على ترويج الدين وتحكيم أساسه ولذلك كانوا يأمرون شيعتهم بالصبر وانتظار الفرج ويمنعونهم من الاستعجال في طلب أمر له أجل معلوم، ثم إن الزيدية لم يكونوا في الأصول الفروع مخالفين للعامة كثيرا والإمامية يخالفونهم فيهما ومع ذلك لم يكن الخلفاء يخافون الإمامية مع كثرتهم ويخافون الزيدية مع قلتهم ويحاربونهم في كل صقع. وبالجملة فخبر ابن خاقان فيه فوائد كثيرة يعلم منه وضع الشيعة وحالهم في ذلك العصر. (ش). 1 - قوله " وإن لم يكن فيك ما في أخيك " هذا الكلام يدل على صحة الخبر وهو جار في علماء الشيعة إلى زماننا بخلاف علماء أهل السنة فإن القضاة والمفتين في دولة الخلفاء كانوا منصوبين من قبلهم واعتاد الناس متابعة المنصوبين وترك المعزولين وكلما تقرب علماؤهم إلى السلاطين كان أنبه لشأنهم وأنفذ لكلمتهم وأما علماء الشيعة فكلما كانوا أبعد من الولاة وأقل معاشرة لهم كان أرفع لقدرهم وأوجب لإقبال الناس عليهم ولم يؤثر فيهم العزل والنصب واعتاد الشيعة أن ينقادوا لعالم عرفوا منه الفقاهة والورع وإن لم ينصبه احد عليهم والعامة أن ينقادوا لمن نصبه الخلفاء وإن لم يعرفوا منه علما وورعا فصار دينهم ملعبة للولاة ومخالفتهم قليل التأثير في صرف الولاة عن مقاصدهم وتنفرهم غير ناجح في كسر سورتهم كما هو عند الشيعة فإن للدين وأهله وعلمائه أصالة واستقلالا يوجب صيانته عن تأثير الولاة ويطمئن بأن ما عليه أهل الدين في هذا الزمان هو الذي كان عليه قدماؤهم في عصر الأئمة اللهم إلا أن يكون بعضهم أخطأ في فهم حكم بسبب من الأسباب العلمية لا لتأثير الولاة من الخارج، وإنا نعلم أن أكثر أهل السنة والجماعة في زماننا متأثرون بالتشيع بحيث لو كانوا يبدون عقائدهم الحالية في عهد معاوية ومروان وهشام بن عبد الملك والحجاج والمتوكل وأمثالهم لعدوا من الشيعة وعوقبوا كما لو كان بناء أهل دمشق على أن يقولوا: علي كرم الله وجهه أو يزوروا مسجد رأس الحسين (عليه السلام) أو كان بناء أهل سامرا على أن يزوروا العسكريين (عليه السلام) كل ليلة جمعة وأن يكتبوا أسامي الأئمة الاثني عشر على كتيبة المساجد أو يكرموا أولاد علي وفاطمة عليهما السلام ويسموهم الشرفاء وأمثال ذلك كان جرما قطعا. (ش). (*)

[ 319 ]

الحادث [ هو ] الحادث الآخر. فكان من أمر المعتز ما كان. وعنه قال: كتب (عليه السلام) إلى رجل آخر: يقتل ابن محمد بن داود عبد الله قبل قتله بعشرة أيام، فلما كان في اليوم العاشر قتل. * الشرح: قوله (قبل موت المعتز) اسمه محمد بن المتوكل وسبب قتله أنه لما قتل بعض امرائه وأخاه المؤيد خالفه سائر الأمراء وأخذوا برجله وسحبوه من دار الخلافة إلى الشمس وأقاموه فيها وأمروه بخلع نفسه عن الخلافة فخلع فحبسوه في السجن ومنعوه من الماء حتى مات. وكان ذلك في سنة خمس وخمسين ومائتين عاش أربعا وعشرين سنة وملك الخلافة ثلاث سنين وستة أشهر، وملكها بعده ابن أخيه المهتدي محمد بن الواثق بن المتوكل. قوله (وكتب (عليه السلام) إلى رجل آخر يقتل ابن محمد بن داود عبد الله قبل قتله بعشرة أيام) يقتل على صيغة المجهول وعبد الله بدل من ابن محمد. وقيل قتله بعشرة أيام متعلق بكتب. يعني كتب قبل قتل عبد الله بن محمد بن داود بعشرة أيام أنه يقتل فلما كان في اليوم العاشر قتل. * الأصل: 3 - علي بن محمد، [ عن محمد ] بن إبراهيم المعروف بابن الكردي، عن محمد بن علي بن إبراهيم ابن موسى بن جعفر قال: ضاق بنا الأمر فقال لي أبي: امض بنا حتى نصير إلى هذا الرجل - يعني أبا محمد - فإنه قد وصف عنه سماحة، فقلت: تعرفه ؟ فقال: ما أعرفه ولا رأيته قط قال: فقصدناه فقال لي [ أبي ] وهو في طريقه: ما أحوجنا إلى أن يأمر لنا بخمسمائة درهم مائتا درهم للكسوة ومائتا درهم للدين ومائة للنفقة، فقلت في نفسي: ليته أمر لي بثلاثمائة درهم مائة أشتري بها حمارا، ومائة للنفقة، ومائة للكسوة وأخرج إلى الجبل، قال: فلما وافينا الباب خرج إلينا غلامه فقال: يدخل علي ابن إبراهيم ومحمد ابنه، فلما دخلنا عليه وسلمنا قال لأبي: يا علي ما خلفك عنا إلى هذا الوقت ؟ فقال: يا سيدي استحييت أن ألقاك على هذه الحال، فلما خرجنا من عنده جاءنا غلامه فناول أبي صرة فقال: هذه خمسمائة درهم مائتان للكسوة، ومائتان للدين، ومائة للنفقة، وأعطاني صره فقال: هذه ثلاثمائة درهم اجعل مائة في ثمن حمار ومائة للكسوة ومائة للنفقة ولا تخرج إلى الجبل وصر إلى سوارء فصار إلى سوراء وتزوج بأمرأة، فدخله اليوم ألف دينار ومع هذا يقول بالوقف، فقال محمد بن إبراهيم، فقلت له: ويحك أتريد أمرا أبين من هذا ؟ قال: فقال: هذا أمر قد جرينا عليه.

[ 320 ]

* الشرح: قوله (ومائة للنفقة) أي لسائر الاخراجات. قوله (وأخرج إلى الجبل) بلاد جبل مدن بين آذربايجان وعراق العرب وخوزستان وفارس وبلاد الديلم. قوله (يا علي ما خلفك عنا) يعني أي شئ منعك أن تأتينا إلى الآن. قوله (فصار إلى سوراء) كلام محمد بن إبراهيم وسوراء قيل: هي قرية من قرى بغداد يلى شط الفرات وقيل: هي حلة. قوله (فدخله اليوم ألف دينار) في بعض النسخ وألفا دينار، بالتثنية، وقيل في إرشاد المفيد: أربعة آلاف دينار. قوله (هذا أمر قد جرينا عليه) أي هذا دين آبائنا وإنا على آثارهم لمقتدون. * الأصل: 4 - علي بن محمد، عن أبي علي محمد بن علي بن إبراهيم قال: حدثني أحمد بن الحارث القزويني قال: كنت مع أبي بسر من رأى وكان أبي يتعاطى البيطرة في مربط أبي محمد (عليه السلام) قال: وكان عند المستعين بغل لم ير مثله حسنا وكبرا وكان يمنع ظهره واللجام والسرج، وقد كان جمع عليه الراضة، فلم يمكن لهم حيلة في ركوبه، قال: فقال له بعض ندمائه: يا أمير المؤمين ألا تبعث إلى الحسن بن الرضا حتى يجيئ فإما أن يركبه وإما أن يقتله فتستريح منه، قال: فبعث إلى أبي محمد ومضى معه أبي فقال أبي: لما دخل أبو محمد الدار كنت معه فنظر أبو محمد إلى البغل واقفا في صحن الدار فعدل إليه فوضع بيده على كفله، قال: فنظرت إلى البغل وقد عرق حتى سال العرق منه، ثم صار إلى المستعين فسلم عليه فرحب به وقرب، فقال: يا أبا محمد ألجم هذا البغل فقال أبو محمد لأبي: ألجمه يا غلام، فقال المستعين: ألجمه أنت، فوضع طيلسانه ثم قام فألجمه ثم رجع إلى مجلسه وقعد، فقال له: يا أبا محمد أسرجه. فقال لأبي: يا غلام أسرجه فقال: أسرجه أنت فقام ثانية فأسرجه ورجع فقال له: ترى أن تركبه ؟ فقال: نعم، فركبه من غير أن يمتنع عليه ثم ركضه في الدار، ثم حمله على الهملجة فمشى أحسن مشي يكون، ثم رجع ونزل فقال له المستعين: يا أبا محمد كيف رأيته ؟ قال: يا أمير المؤمنين ما رأيت مثله حسنا وفراهة وما يصلح أن يكون مثله إلا لأمير المؤمنين قال: فقال: يا أبا محمد فإن أمير المؤمنين قد حملك عليه. فقال أبو محمد لأبي: يا غلام خذه فأخذه أبي فقاده.

[ 321 ]

* الشرح: قوله (وكان عند المستعين بغل) المستعين بالله اسمه أحمد بن المعتصم بن هارون خرج عليه ابن أخيه المعتز بن المتوكل بن المعتصم، وقتله سنة اثنتين وخمسين ومائة عاش خمسا وثلاثين سنة وزمان حكومته تسع سنين وتسعة أشهر. قوله (وقد كان جمع عليه الراضة) في بعض النسخ الرواض، راض المهر رياضا ورياضة ذلله فهو رايض والجمع رواض وراضة وأصلها روضة مثل طلبة قلبت الواو ألفا. قوله (ثم حمله على الهملجة) الهملجة مشي الهملاج، من البرادين، وهو مشي سهل كالرهوجة فارسي معرب. قوله (وفراهة) دابة فارهة أي نشيطة حادة حاذقة قوية. وقد فرهت فراهة وفراهية. * الأصل: 5 - علي، عن أبي أحمد بن راشد، عن أبي هاشم الجعفري قال: شكوت إلى أبي محمد (عليه السلام) فحك بسوطه الأرض، قال: وأحسبه غطاه بمنديل وأخرج خمسمائه دينار، فقال: يا أبا هاشم خذ واعذرنا. * الشرح: قوله (واعذرنا) على صيغة الماضي عطفا على قال من الأعذار يقال: أعذر الرجل إذا بالغ في العذر وبلغ أقصى الغاية منه، ويحتمل أن يكون أمرا من العذر أي أجعلني موضع العذر، يقال عذره إذا جعله موضع العذر. * الأصل: 6 - علي بن محمد، عن أبي عبد الله بن صالح، عن أبيه، عن أبي علي المطهر أنه كتب إليه سنة القادسية يعلمه انصراف الناس وأنه يخاف العطش، فكتب (عليه السلام): امضوا فلاخوف عليكم إن شاء الله فمضوا سالمين، والحمد لله رب العالمين. * الشرح: قوله (سنة القادسية) القادسية بكسر الدال موضع بينه وبين الكوفة خمسة عشر ميلا والمراد بسنتها السنة التي رجع فيها الحاج لما سمعوا من قلة الماء والكلأ في الطريق. * الأصل: 7 - علي بن محمد، عن علي بن الحسن بن الفضل اليماني قال: نزل بالجعفري من آل جعفر خلق لاقبل له بهم فكتب إلى أبي محمد يشكو ذلك، فكتب إليه: تكفون ذلك إن شاء الله تعالى،

[ 322 ]

فخرج إليهم في نفر يسير والقوم يزيدون على عشرين ألفا وهو في أقل من ألف فاستباحهم. * الشرح: قوله (قال نزل بالجعفري من آل جعفر (1) خلق لا قبل له بهم) يقال: مالي به قبل أي طاقة ومقاومة والظاهر أن من آل جعفر بيان للجعفري لا لخلق وضمير بهم راجع إلى خلق باعتبار الكثرة بحسب المعنى. قوله (فاستباحهم) أي استأصلهم ونهبهم كأنه جعل ذلك له مباحا لاتبعة عليه فيه. * الأصل: 8 - علي بن محمد، عن محمد بن إسماعيل العلوي قال: حبس أبو محمد عند علي بن نارمش وهو أنصب الناس وأشدهم على آل أبي طالب وقيل له: افعل به وافعل، فما أقام عنده إلا يوما حتى وضع خديه له وكان لا يرفع بصره إليه إجلالا وإعظاما، فخرج من عنده وهو أحسن الناس بصيرة وأحسنهم فيه قولا. * الشرح: قوله (حتى وضع خديه له) وضع الخد كناية عن الخضوع والطاعة والانقياد، وفي بعض النسخ بدل خديه حدته: بالحاء المهملة والتاء المثناة الفوقانية


1 - قوله " بالجعفري من آل جعفر " قال المجلسي - رحمه الله -: والمراد بجعفر: الطيار وقيل لعل المراد بجعفر المتوكل لأنه أراد المستعين قتل من يحتمل أن يدعى الخلافة وقتل جمعا من الأمراء وبعث جيشا لقتل الجعفري وهو رجل من أولاد جعفر المتوكل إلى آخره. ثم قال المجلسي - رحمه الله - لا أدري أنه رحمه الله قال هذا تخمينا أو رآه في كتاب لم أظفر عليه انتهى. أقول صريح كلامه أنه لم يره في كتاب بل ذركه احتمالا فإنه أتى بلفظة لعل، وغرضه رحمه الله أن يبين وجها يمكن حمل الرواية عليه إذ لم يتفق في زمانه إمامة أبي محمد (عليه السلام) خروج رجل من آل جعفر الطيار بحيث يحتاج في دفعه إلى عشرين ألف لكن الفتنة وقعت في قواد بني العباس وقتل منهم المستعين جماعة فقال هذا القائل لعل الجعفري كان منهم، وهو أيضا لا يفيد شيئا لأن المستعين كان في زمان أبي الحسن الثالث (عليه السلام) وخلع قبل وفاته (عليه السلام) بسنتين ولم يقع في زمان المستعين ولا المعتز ولا المهتدي ولا المعتمد واقعة يمكن أن يحمل الرواية عليها لا حرب مع أولاد جعفر الطيار ولا مع أولاد المتوكل والحق إنا لا نحتاج إلى تصحيح الخبر بوجه وكان إمامة أبي محمد (عليه السلام) في زمان المعتز والمهتدي والمعتمد وإنما غر هذا القائل الحديث الرابع حيث ذكر فيه المستعين مع الحسن بن الرضا عليهما السلام وليس فيه حجة أيضا لأنه ضعيف إسنادا ومخالف للمعلوم لأن الخبر صريح في أن المستعين كان إذ ذاك خليفة يخاطب بأمير المؤمنين والحسن (عليه السلام) إماما لقوله: وأما ان تقتله فتستريح منه، ولا يقال له ذلك وأبوه الإمام الهادي حي وهو غير موافق للواقع لأن المستعين لم يكن خليفة في عهد إمامة أبي محمد (عليه السلام). (ش). (*)

[ 323 ]

* الأصل: 9 - علي بن محمد ومحمد بن أبي عبد الله، عن إسحاق بن محمد النخعي قال: حدثني سفيان ابن محمد الضبعي قال: كتبت إلى أبي محمد أسأله عن الوليجة وهو قول الله تعالى: * (ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة) * قلت في نفسي لا في الكتاب: من ترى المؤمنين ههنا ؟ فرجع الجواب: الوليجة الذي يقام دون ولي الأمر وحدثتك نفسك عن المؤمنين من هم في هذا الموضع ؟ فهم الأئمة الذين يؤمنون على الله فيجيز أمانهم. * الشرح: قوله (قلت في نفسي لا في الكتاب من ترى المؤمنين ههنا ؟) من ترى مقول قلت والخطاب لأبي محمد (عليه السلام) يعني قلت في نفسي: من ترى المؤمنين في الآية ؟ وسألته في نفسي عن تفسير المؤمنين ولم اكتب ذلك وإضماره ذلك لأجل الاختبار وتحقيق ما سمع من أنه يعلم الغيب وما تخفي الصدور. قوله (الوليجة الذي قام دون ولي الأمر) يعني الوليجة كل من يقام مقام النبي (صلى الله عليه وآله) وهو ليس صاحب أمر الخلافة من قبله. قوله (فهم الأئمة الدين يؤمنون على الله فيجيز أمانهم) فيه إشارة إلى أن (يؤمنون) من الأمان. والأمن ضد الخوف أي هم الذين يؤمنون من تبعهم أمانا لازما على الله فيجيز الله سبحانه أمانهم، ولا يرد وهم أوصياء النبي (صلى الله عليه وآله). * الأصل: 10 - إسحاق قال: حدثني أبو هاشم الجعفري قال: شكوت إلى أبي محمد ضيق الحبس وكتل القيد (1) فكتب إلي أنت تصلي اليوم الظهر في منزلك فاخرجت في وقت الظهر فصليت في منزلي كما قال (عليه السلام)، وكنت مضيقا فأردت أن أطلب منه دنانير في الكتاب فاستحييت، فلما صرت إلى منزلي وجه إلي بمائة دينار وكتب إلي: إذا كانت لك حاجة فلا تستحي ولا تحتشم واطلبها فإنك ترى ما تحب إن شاء الله. * الشرح: قوله (إسحاق قال حدثني أبو هاشم الجعفري) إسحاق مشترك بين ثلاثة: (2) الأول إسحاق ابن


1 - في أكثر النسخ " كلب الصيد ". 2 - قوله " إسحاق مشترك بين ثلاثة " والمراد هنا كما قال المجلسي - رحمه الله - هو إسحاق بن محمد = (*)

[ 324 ]

إسماعيل النيشابوري الثقة من أصحاب أبي محمد العسكري (عليه السلام) وهو من ثقات كانت ترد عليهم التوقيعات من قبل المنصوبين للسفارة من الأصل، والثاني إسحاق بن نوبخت من أصحاب الهادي (عليه السلام) والثالث إسحاق بن إسماعيل بن محمد البصري من أصحاب الجواد والهادي عليهم السلام، وقيل: إنه كان غالبا، والظاهر على أي احتمال أن المصنف - ره - نقل عن كتابه، وأبو هاشم الجعفري هو داود بن القاسم بن إسحاق بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) من أهل بغداد جليل القدر، عظيم المنزلة عند الأئمة عليهم السلام قد شاهد الرضا والجواد والهادي والعسكري وصاحب الأمر عليهم السلام، وروى عنهم كلهم وكان مقدما عند السلطان، وفي ربيع الشيعة أنه من السفراء والأبواب المعروفين الذين لا يختلف الشيعة القائلون بإمامة الحسن بن علي فيهم. قوله (وكلب الصيد) الكلب بالتحريك الشدة والتعب. قوله (وكنت مضيقا) أي فقيرا سئ الحال لذهاب المال بالنهب والغارة. * الأصل: 11 - إسحاق عن أحمد بن محمد الأقرع قال: حدثني أبو حمزة نصير الخادم قال: سمعت أبا محمد غير مرة يكلم غلمانه بلغاتهم، ترك وروم وصقالبة، فتعجبت من ذلك وقلت: هذا ولد بالمدينة ولم يظهر لأحد حتى مضى أبو الحسن (عليه السلام) ولا رآه أحد فكيف هذا ؟ احدث نفسي بذلك، فأقبل علي فقال: إن الله تبارك وتعالى بين حجته من سائر خلقه بكل شئ ويعطيه اللغات ومعرفة الأنساب والآجال والحوادث ولو لا ذلك لم يكن بين الحجة والمحجوج فرق.


= النخعي المذكور في الخبر التاسع من هذا الباب وكذلك كل إسناد بعده مبدوء بإسحاق نقله الكليني عنه بواسطة علي بن محمد ومحمد بن أبي عبد الله. وقال النجاشي بعد ذكر نسبه وهو معدن التخليط له كتب في التخليط وله كتاب أخبار السيد وكتاب مجالس هاشم وضعف هذه الروايات لا يضر بأصل المقصود لأن الاعتماد على نقل الكليني وقبول الناس وأنه يدل على اعتقاد الشيعة فيهم أمثال هذه الأمور في عصرهم وهو متواتر عنهم ولا يقدح في المتواتر ضعف الراوي وقد علم الموافق والمخالف أن الأئمة عند الشيعة أصحاب كرامات ومعجزات حتى نسبوا إليهم ادعاء علم الغيب فيهم مطلقا واحتاج علماؤنا إلى نفي ذلك عن أنفسهم أو أن الغيب لا يعلمه إلا الله وإنما يخبر الأئمة عليهم السلام عما ألهموا به من جانب الله تعالى كما قد يتفق لغير الأنبياء والأوصياء أيضا في الرؤيا أو يقظة، وقد ذكر ابن قبة على ما حكاه الصدوق في إكمال الدين أن علم الغيب خاص بالله تعالى ولا يدعيه أحد في غيره إلا كافر مشرك وأراد بذلك رد من نسب إلى الشيعة إثبات علم الغيب مطلقا في الأئمة مع أن ابن قبة ذكر في معجزات أمير المؤمنين (عليه السلام) إخباره بالغيب معجزة، وبالجملة لو لم يكن أمثال ما في هذه الروايات من الأخبار بالغيب معجزة صادرة عن الأئمة عليهم السلام ولم يكن الشيعة معتقدة به لم يكن علة لنسبة علم الغيب إليهم ولم يتصد ابن قبة وغيره لدفعه، والإخبار بالغيب معجزة غير دعوى العلم بالغيب مطلقا في جميع الأمور. (ش). (*)

[ 325 ]

* الشرح: قوله (وصقالبة) الصقالبة جبل تتاخم بلادهم بلاد الخزر بين بلغر وقسطنطينية. قوله (بكل شئ) أي بالعلوم والأعمال والأقوال والأخلاق والحجة في كل واحد من هذه الأمور أتم وأكمل من غيره ولو لا ذلك لم يكن بين الحجة والمحجوج فرق فيكون هذا حجة وذاك محجوجا ليس بأولى من العكس، ومما يؤيد أن الإمام وجب أن يكون عالما بجميع اللغات أنه لو حضر عنده خصمان على غير لسانه ولم يوجد هناك مترجم لزم تعطيل الأحكام وهو مع استلزامه تبدد النظام يوجب فوات الغرض من نصب الإمام، ولذلك أيضا يجب أن يكون الإمام عالما بجميع الأحكام. * الأصل: 12 - إسحاق، عن الأقرع قال: كتبت إلى أبي محمد أسأله عن الإمام هل يحتلم ؟ وقلت في نفسي بعد ما فصل الكتاب: الاحتلام شيطنة وقد أعاذ الله تبارك وتعالى أولياءه من ذلك، فورد الجواب: حال الأئمة في المنام حالهم في اليقظة لا يغير النوم منهم شيئا وقد أعاذ الله أولياءه من لمة الشيطان كما حدثتك نفسك. * الشرح: قوله (إسحاق عن الأقرع) الأقرع من أصحاب الجواد (عليه السلام) وإسحاق هو الذي روى عن ابنه سابقا فالرواية هنا أما بحذف الواسطة أو بدونه ويؤيد الأول أن في كشف الغمة في آخر حديث أحمد بن محمد بن الأقرع قال كتبت إلى أبي محمد (عليه السلام) إلى آخره. قوله (هل يحتلم) الاحتلام أن يرى الرجل في المنام صورة المواقعة بتخييل الشيطان لقصد إيذائه ورجسه. قوله (بعد ما فصل الكتاب) أي بعد ما خرج من يدي وسرح إليه (عليه السلام). قوله (من لمة الشيطان) اللمة المس والهمة والخطرة تقع في نفس الرجل من قرب الملك أو الشيطان منه فما كان من خطرات الخير فهو من الملك وما كان من خطرات الشر فهو من الشيطان ووسوسته. * الأصل: 13 - إسحاق قال: حدثني الحسين بن ظريف قال: اختلج في صدري مسألتان أردت الكتاب فيهما إلى أبي محمد (عليه السلام) فكتبت أسأله عن القائم (عليه السلام) إذا قام بما يقضي وأين مجلسه الذي يقضي فيه بين الناس ؟ وأردت أن أسأله عن شئ لحمى الربع فأغفلت خبر الحمى فجاء الجواب: سألت

[ 326 ]

عن القائم فإذا قام قضى بين الناس بعلمه كقضاء داود (عليه السلام) لا يسأل البينة، وكنت أردت أن تسأل لحمى الربع فانسيت، فاكتب في ورقة وعلقه على المحموم فإنه يبرأ بإذن الله إن شاء الله * (يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم) * فعلقنا عليه ما ذكر أبو محمد (عليه السلام) فأفاق. * الشرح: قوله (بما يقضي وأين مجلسه ؟) سأله عن كيفية القضاء هل هو بظاهر الشريعة أم بباطنها وعن مجلس القضاء هل هو بلد معين مثل مكة أو المدينة أو غيرهما فأجاب (عليه السلام) عن الأول بأنه يقضي بعلمه المطابق للواقع لا بالبينة والشهود فإن أقصى ما يفيده البينة هو الظن، وهو (عليه السلام) لا يحكم بالظن ولم يجب عن الثاني إذ لا مهم للسائل عن معرفته، وللتنبيه على أن محل الحكم غير متعين لأنه (عليه السلام) يدرو في البلاد كما دل عليه ظاهر بعض الروايات، وحمل قوله: أين مجلسه ؟ على كيفية جلوسه للقضاء ليرجع إلى الأول بعيد جدا. وحمى الربع هي أن تأخذ يوما وتترك يومين فتكون الدورة الثانية في اليوم الرابع. * الأصل: 14 - إسحاق قال: حدثني إسماعيل بن محمد بن علي بن إسماعيل بن علي بن عبد الله بن عبد المطلب قال: قعدت لأبي محمد (عليه السلام) على ظهر الطريق فلما مر بي شكوت إليه الحاجة وحلفت له أنه ليس عندي درهم فما فوقها ولا غداء ولا عشاء قال: فقال: تحلف بالله كاذبا وقد دفنت مائتي دينار، وليس قولي هذا دفعا لك عن العطية، أعطه يا غلام ما معك، فأعطاني غلامه مائة دينار، ثم أقبل علي فقال لي: إنك تحرمها أحوج ما تكون إليها، يعني الدنانير التي دفنت وصدق (عليه السلام) وكان كما قال دفنت مائتي دينار وقلت: يكون ظهرا وكهفا لنا فاضطررت ضرورة شديدة إلى شئ أنفقه وانغلقت علي أبواب الرزق فنبشت عنها فإذا ابن لي قد عرف موضعها فأخذها وهرب فما قدرت منها على شئ. * الشرح: قوله (فقال لي: إنك تحرمها أحوج ما تكون إليها) تحرم على صيغة المجهول من حرمه الشئ يحرمه حرمانا أو من أحرمه إذا منعه إياه، وأحوج حال عن الفاعل، وإليها متعلق به، وما مصدرية، وتكون تامة أو ناقصة، وإليها خبره يعني إنك تصير محروما ممنوعا من الدنانير التي دفنتها حال شدة احتياجك إليها في وقت من أوقات وجودك أو في وقت تكون محتاجا إليها. * الأصل: 15 - إسحاق قال: حدثني علي بن زيد بن علي بن الحسين بن علي قال: كان لي فرس وكنت به

[ 327 ]

معجبا اكثر ذكره في المحال فدخلت على أبي محمد (عليه السلام) يوما فقال لي: ما فعل فرسك ؟ فقلت: هو عندي وهو ذا هو على بابك وعنه نزلت فقال لي: استبدل به قبل المساء إن قدرت على مشتري ولا تؤخر ذلك، ودخل علينا داخل وانقطع الكلام فقمت متفكرا ومضيت إلى منزلي فأخبرت أخي الخبر، فقال: ما أدري ما أقول في هذا. وشححت به ونفست على الناس ببيعه وأمسينا فأتانا السائس وقد صلينا العتمة فقال: يا مولاي نفق فرسك فاغتممت وعلمت أنه عنى هذا بذلك القول، قال: ثم دخلت على أبي محمد بعد أيام وأنا أقول في نفسي: ليته أخلف علي دابة إذ كنت اغتممت بقوله، فلما جلست قال: نعم نخلف دابة عليك، يا غلام أعطه برذوني الكميت هذا خير من فرسك وأوطأ وأطول عمرا. * الشرح: قوله (حدثني علي بن زيد بن علي بن الحسين) هكذا في أكثر النسخ والأصوب علي بن زيد بن علي بلفظة ابن بدل عن كما في إرشاد المفيد وفي بعض النسخ الكتاب. وهو من أصحاب العسكري (عليه السلام). قوله (استبدل به قبل المساء إن قدرت على المشتري) في هذا الحديث علامتان من علامات الإمامة، ولعل الأمر بالاستبدال لمجرد إظهار الكرامة مع علمه بأنه لا يستبدل، أو لعلمه بأنه لا ينفق عند المشتري أو لعلمه بأن المشتري على تقدير تحقق الاشتراء ممن لا حرمة لماله. قوله (إذ كنت اغتممت بقوله) أراد بهذا التعليل أن يصدر منه ما يوجب سروره كما صدر منه ما يوجب اغتمامه قبل تحقق القضية، فلا يرد أن اغتمامه كان واقعا لا محالة وإن لم يقل ذلك. قوله (اعطه برذوني الكميت) البرذون التركي من الخيل، والجمع البراذين وخلافها العراب، والانثى برذونة، والكميت من الخيل بين السواد والحمرة عن سيبويه، وعن أبي عبيدة الفرق بين الأشقر والكميت بالعرف والذنب فإن كانا أحمرين فهو أشقر وإن كانا أسودين فهو كميت. * الأصل: 16 - إسحاق قال: حدثني محمد بن الحسن بن شمون قال: حدثني أحمد بن محمد قال: كتبت إلى أبي محمد (عليه السلام) حين أخذ المهتدي في قتل الموالي يا سيدي الحمدلله الذي شغله عنا، فقد بلغني أنه يتهددك ويقول: والله لاجلينهم عن جديد الأرض فوقع أبو محمد (عليه السلام) بخطه: ذاك أقصر لعمره، عد من يومك هذا خمسة أيام ويقتل في اليوم السادس بعد هوان واستخفاف يمر به. فكان كما قال (عليه السلام).

[ 328 ]

* الشرح: قوله (حين أخذ المهتدي) هو محمد بن الواثق بن المعتصم ملك الخلافة بعد المعتز بن المتوكل بن المعتصم وقد وقع بين المهتدي ومواليه يعني عساكره الأتراك محاربة عظيمة لرجوعهم عنه حتى غلب وخلع الخلافة عن نفسه في رجب سنة ست وخمسين ومائتين فقتلوه يوم الخلع ذلا وصغارا وكان عمره تسعا وثلاثين سنة، وزمان خلافته أحد عشر شهرا وسبعة عشر يوما ثم ملك الخلافة بعده المعتمد أحمد بن المتوكل. قوله (لاجلينهم عن جديد الأرض) الجلاء والإجلاء الإخراج من البلد يقال: جلوته وأجليته إذا أخرجته من البلد، وجديد الأرض وجهها، ولعل هذا كناية عن القتل والحمل على الحقيقة أيضا محتمل. * الأصل: 17 - إسحاق، قال: حدثني محمد بن الحسن بن شمون قال: كتبت إلى أبي محمد (عليه السلام) أسأله أن يدعو الله لي من وجع عيني وكانت إحدى عيني ذاهبة والاخرى على شرف ذهاب، فكتب إلي: حبس الله عليك عينك. فأفاقت الصحيحة، ووقع في آخر الكتاب: آجرك الله وأحسن ثوابك، فاغتممت لذلك ولم أعرف في أهلي أحدا مات، فلما كان بعد أيام جاءتني وفاة ابني طيب فعلمت أن التعزية له. * الأصل: 18 - إسحاق قال: حدثني عمر بن أبي مسلم قال: قدم علينا بسر من رأى رجل من أهل مصر يقال له: سيف بن الليث، يتظلم إلى المهتدي في ضيعة له قد غصبها إياه شفيع الخادم وأخرجه منها فأشرنا عليه أن يكتب إلى أبي محمد (عليه السلام) يسأله تسهيل أمرها فكتب إليه أبو محمد (عليه السلام): لا بأس عليك ضيعتك ترد عليك فلا تتقدم إلى السلطان والق الوكيل الذي في يده الضيعة وخوفه بالسلطان الأعظم الله رب العالمين، فلقيه فقال له الوكيل الذي في يده الضيعة قد كتب إلي عند خروجك من مصر، أن أطلبك وأرد الضيعة عليك فردها عليه بحكم القاضي ابن أبي الشوارب وشهادة الشهود ولم يحتج إلى أن يتقدم إلى المهتدي فصارت الضيعة له وفي يده، ولم يكن لها خبر بعد ذلك قال: وحدثني سيف بن الليث هذا قال: خلفت ابنا لي عليلا بمصر عند خروجي عنها وابنا لي آخر أسن منه كان وصيي وقيمي على عيالي وفي ضياعي فكتبت إلى أبي محمد (عليه السلام) أسأله الدعاء لابني العليل، فكتب إلي: قد عوفي ابنك المعتل ومات الكبير وصيك وقيمك فاحمد الله ولا تجزع فيحبط أجرك، فورد علي الخبر أن ابني قد عوفي من علته ومات الكبير يوم ورد علي

[ 329 ]

جواب أبي محمد (عليه السلام). * الشرح: قوله (والق الوكيل) أي وكيل شفيع الخادم وفاعل كتب في قوله قد كتب إلى شفيع الخادم. * الأصل: 19 - إسحاق قال: حدثني يحيى بن القنبري من قرية تسمى قير، قال: كان لأبي محمد (عليه السلام) وكيل قد اتخذ معه في الدار حجرة يكون فيها معه خادم أبيض فأراد الوكيل الخادم على نفسه فأبى إلا أن يأتيه بنبيذ فاحتال له بنبيذ، ثم أدخله عليه وبينه وبين أبي محمد (عليه السلام) ثلاثة أبواب مغلقة. قال: فحدثني الوكيل قال: إني لمنتبه إذ أنا بالأبواب تفتح حتى جاء بنفسه فوقف على باب الحجرة ثم قال: يا هؤلاء اتقوا الله خافوا الله. فلما أصبحنا أمر ببيع الخادم وإخراجي من الدار. * الشرح: قوله (حدثني يحيى بن القنبري من قرية سماقين) في النسخ اختلاف كثير، ففي بعضها هكذا، وفي بعضها القسرى بالسين، وفي بعضها القشيري بالشين والياء، وفي بعضها سماقين بالنون، وفي بعضها من قرية تسمى قنبر ولم أر يحيى بشئ من هذه النسب فيما رأينا من كتب الرجال. * الأصل: 20 - إسحاق قال: أخبرني محمد بن الربيع السائي قال: ناظرت رجلا من الثنوية بالأهواز، ثم قدمت سر من رأى وقد علق بقلبي شئ من مقالته فإني لجالس على باب أحمد بن الخضيب إذ أقبل أبو محمد (عليه السلام) من دار العامة يوم الموكب فنظر إلي وأشار بسباحته أحد أحد فرد فسقطت مغشيا علي. * الشرح: قوله (محمد بن الربيع النسائي) في كثير من النسخ هكذا بالنون والسين المهملة، وفي بعضها النشائي بالنون والشين المعجمة، وفي بعضها الناشي، وفي بعضها الشامي، وفي بعضها الشيباني. والظاهر أن الكل تصحيف أو تحريف، وأنه محمد بن ربيع بن سويد السائي وهو من أصحاب أبي محمد الحسن العسكري (عليه السلام). قوله (ناظرت رجلا من الثنوية) هم الذين يقولون بأن للعالم إلهين أحدهما النور والخيرات كلها منسوبة إليه، والثاني الظلمة ضده، والشرور جميعها منسوبة إليها، وقد مر ما دل على فساد مذهبهم في كتاب التوحيد. قوله (إذ أقبل أبو محمد (عليه السلام) من دار العامة يوم الموكب) لعل المراد بدار العامة دار السلطان

[ 330 ]

والإضافة لرجوع عامة الناس إليها، وبيوم الموكب اليوم الذي يجتمع فيه الفرسان كيوم الزينة ونحوها. وفي بعض النسخ يؤم بالهمزة وشد الميم بمعنى يقصد، والموكب بفتح الميم وكسر الكاف جماعة فرسان يسيرون برفق وأيضا القوم الركوب للزينة. قوله (وأشار بسباحته أحد أحد فرد) السباحة والمسبحة الإصبع التي تلي الإبهام، وفي بعض النسخ بسبابته ولعل المراد أنه قال هذه الأسماء الثلاثة الدالة على ما ينافي مذهب الثنوية مع الإشارة بالسباحة، والاكتفاء بالإشارة رمزا إليها بعيد، ثم تلك الأسماء في بعض النسخ مرفوعة على الخبرية بتقدير الله أو هو أو نحوهما وفي بعضها منصوبة على المفعولية بتقدير أعنى ونحوه. ولعل وجه الغشية هو هيبته (عليه السلام) وتأثير كلامه في قلبه أو عدم الطاقة على تحمل ما شاهده من المعجزة والكرامة أو تأثير جذبة الحق وتجلي عظمته ونوره عند الإشارة والخطاب، وعلى التقادير يظهر منه زوال ما علق بقلبة. * الأصل: 21 - إسحاق، عن أبي هاشم الجعفري قال: دخلت على أبي محمد (عليه السلام) يوما وأنا اريد أن أسأله ما أصوغ به خاتما أتبرك به. فجلست وانسيت ما جئت له، فلما ودعت ونهضت رمى إلي بالخاتم فقال: أردت فضة فأعطيناك خاتما ربحت الفص والكرا، هناك الله يا أبا هاشم فقلت: يا سيدي أشهد أنك ولي الله وإمامي الذي أدين الله بطاعته، فقال: غفر الله لك يا أبا هاشم. * الشرح: قوله (ربحت الفص والكرا) أي اجرة صنعته، وفيه ربح آخر وأعظم مما ذكر وهو التبرك بخاتمه (عليه السلام). * الأصل: 22 - إسحاق قال: حدثني محمد بن القاسم أبو العيناء الهاشمي مولى عبد الصمد بن علي عتاقة قال: كنت أدخل على أبي محمد (عليه السلام) فأعطش وأنا عنده فاجله أن أدعو بالماء فيقول: يا غلام اسقه. وربما حدثت نفسي بالنهوض فافكر في ذلك فيقول: يا غلام دابته. * الشرح: قوله (محمد بن القاسم أبو العيناء) لم أعرف هذا الاسم بهذه الكنية (1)، ولا عبد الصمد ابن


1 - قوله " لم أعرف هذا الاسم بهذه الكنية " أبو العيناء مشهور بلطائف كلامه وظرائفه ذكره ابن خلكان مفصلا كان مولده سنة 191 ومات 283 وعمر طويلا، ومن لطائفه أنه جرى ذكر البرامكة وجودهم في مجلس بعض = (*)

[ 331 ]

علي من الرجال، وقيل عتاقة بالنصب على أنه تميز على المولى للدلالة على أن المراد به المعتق. قال الجوهري: العتاق بالفتح والعتاقة: الحرية، والله أعلم. قوله (يا غلام دابته) دابته بالنصب على المفعولية بتقدير أحضر وشبهه. * الأصل: 23 - علي بن محمد، عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد (عليهم السلام) عن علي بن عبد الغفار قال: دخل العباسيون على صالح بن وصيف ودخل صالح بن علي وغيره من المنحرفين عن هذه الناحية على صالح بن وصيف عندما حبس أبا محمد (عليه السلام)، فقال لهم صالح: وما أصنع ؟ قد وكلت به رجلين من أشر من قدرت عليه، فقد صارا من العبادة والصلاة والصيام إلى أمر عظيم، فقلت لهما: ما فيه ؟ فقالا: ما تقول في رجل يصوم النهار ويقوم الليل كله، لا يتكلم ولا يتشاغل وإذا نظرنا إليه ارتعدت فرائصنا ويداخلنا مالا نملكه من أنفسنا، فلما سمعوا ذلك انصرفوا خائبين. * الشرح: قوله (علي صالح بن وصيف) كان وصيف التركي من أمراء المستعين، وبعده من أمراء المعتز قتله في عهده بعض الأمراء ثم قام صالح مقام أبيه، وكان بعد المعتز من أمراء المهتدي وقتل في عهده. قوله (فقال لهم صالح) في إرشاد المفيد قبله: " فقالوا له: ضيق عليه ولا توسع، فقال لهم صالح - إلى آخره ". قوله (إلى أمر عظيم فقلت لهما ما فيه فقالا) في الإرشاد: إلى أمر عظيم، ثم أمر بإحضار الموكلين فقال لهما: ويحكما ما شأنكما في أمر هذا الرجل فقالا له: ما نقول - إلى آخره. قوله (ارتعدت قرايصنا) أي رجفت من الخوف اللحمة التي بين الجنب والكتف أو أوداج الرقبة وعروقها. * الأصل: 24 - علي بن محمد، عن الحسن بن الحسين قال: حدثني محمد بن الحسن المكفوف قال: حدثني بعض أصحابنا، عن بعض فصادي العسكر من النصاري أن أبا محمد (عليه السلام) بعث إلي يوما في


= الوزراء فقال الوزير: إنه من أكاذيب الوراقين، فقال أبو العيناء: لم لا يكذبون عليك أيها الوزير ؟ والعجب أن الشارح لم يسمع باسمه. (ش).

[ 332 ]

وقت صلاة الظهر، فقال لي: افصد هذا العرق، قال: وناولني عرقا لم أفهمه من العروق التي تفصد، فقلت في نفسي: ما رأيت أمرا أعجب من هذا، يأمرني أن أفصد في وقت الظهر وليس بوقت فصد، والثانية عرق لا أفهمه، ثم قال لي: انتظر وكن في الدار، فلما أمسى دعاني وقال لي: سرح الدم، فسرحت ثم قال لي: أمسك، فأمسكت، ثم قال لي: كن في الدار، فلما كان نصف الليل أرسل إلي وقال لي: سرح الدم قال: فتعجبت أكثر من عجبي الأول وكرهت أن أسأله قال: فسرحت فخرج دم أبيض كأنه الملح. قال: ثم قال لي: احبس قال: فحبست قال: ثم قال: كن في الدار، فلما اصبحت أمر قهرمانه أن يعطيني ثلاثة دنانير فأخذتها وخرجت حتى أتيت ابن بختيشوع النصراني فقصصت عليه القصة قال: فقال لي: والله ما أفهم ما تقول ولا أعرفه في شئ من الطب ولا قرأته في كتاب ولا أعلم في دهرنا أعلم بكتب النصرانية من فلان الفارسي فاخرج إليه قال فاكتريت زورقا إلى البصرة وأتيت الأهواز ثم صرت إلى فارس إلى صاحبي فأخبرته الخبر قال: وقال لي: أنظرني أياما فأنظرته ثم أتيته متقاضيا قال: فقال لي: إن هذا الذي تحكيه عن هذا الرجل فعله المسيح في دهره مرة. * الشرح: قوله (فلما أصبحت أمر قهرمانه) (1) في النهاية: القهرمان كالخازن والوكيل الحافظ لما تحت


1 - قوله " أمر قهرمانه " وروى القصة في الخرائج بوجه أبسط ولعل غرض الإمام (عليه السلام) من فعله ذلك أن الطب والعلوم الطبيعية كانت رائجة في ذلك العصر وأكثر الناس مقبلون عليها وهي للعوام مزلة فإنهم يجعلون القوى الطبيعية مضادة للتأثيرات الروحانية وربما يتوهمون الاستغناء عن التوسل والدعاء بالأسباب المادية كما نرى في عصرنا من كثير فأراد (عليه السلام) خرق العادة بخلع الأسباب عن التأثير وتوجيه النفوس إلى الله تعالى ومبدأ للأمور غير الطبايع وهذا معلوم في الجملة للفلاسفة. والشيخ أبو علي بن سينا أورد في الإشارات ثلاثة أدلة لإثبات أن النفس ليست هي المزاج أو تابعا للمزاج بل هي تعارض مزاج البدن وتنافيه، الدليل الأول الحركة الإرادية إلى جهات مختلفة فإنها ليست للطبايع فإن الطبيعة تقتصى شيئا واحدا غير مختلف فالحركة إلى فوق والطبيعة تميل إلى السفل تدل على أن النفس ليست من الطبيعة، الثاني الحسن والإدراك فإنهما ليسا للطبيعة والمزاج وهو واضح، الثالث أن الطبايع المختلفة في المزاج تقتضي الانفاك في أسرع ما يكون من الزمان ولذا يتلاشى البدن بعد الموت بلا مهلة وأن النفس تقهر المزاج على الثبات والبقاء وجمع الأضداد مدة طويلة فليست النفس مزاجا أو متفرعة على المزاج بل لها مبدء آخر ولذلك تقدر على قهر المزاج على خلاف مقتضى طبعه وهذه أمور يغفل عنها الطبيعيون والأطباء إذ فنهم حفظ المزاج فتبين بعمل الإمام (عليه السلام) وفصده أن النفس القوية قادرة على قهر الطبيعة على خلاف مقتضاها كما أن نفوسنا أيضا تقدر على ذلك والاختلاف بين النفوس بالشدة والضعف إلا أن قهر نفوسنا لأبداننا معتاد معهود يغفل عنه وقهر نفس الإمام (عليه السلام) لمقتضى طبيعته كان خرقا للعادة موجبا للإعجاب وسببا لالتفات الناس إلى مبدء آخر في العالم قاهر للطبائع. = (*)

[ 333 ]

يده والقائم بامور الرجل بلغة الفرس. * الأصل: 25 - علي بن محمد، عن بعض أصحابنا قال: كتب محمد بن حجر إلى أبي محمد (عليه السلام) يشكو عبد العزيز بن دلف ويزيد بن عبد الله، فكتب إليه: أما عبد العزيز فقد كفيته، وأما يزيد فإن لك وله مقاما بين يدي الله، فمات عبد العزيز وقتل يزيد محمد بن حجر. * الشرح: قوله (فإن لك وله مقاما بين يدي الله) يعني ينتقم الله لك منه، وفيه إخبار بالقتل كما وقع. * الأصل: 26 - علي بن محمد، عن بعض أصحابنا قال: سلم أبو محمد (عليه السلام) إلى نحرير فكان يضيق عليه يؤذيه قال: فقالت له امرأته: ويلك اتق الله، لا تدري من في منزلك ؟ وعرفته صلاحه وقالت: إني أخاف عليك منه، فقال لأرمينه بين السباع، ثم فعل ذلك به فرئي (عليه السلام) قائما يصلي وهي حوله. * الأصل: 27 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن إسحاق قال: دخلت على أبي محمد (عليه السلام) فسألته أن يكتب لأنظر إلى خطه فأعرفه إذا ورد، فقال: نعم، ثم قال: يا أحمد إن الخط سيختلف عليك من بين القلم الغليظ إلى القلم الدقيق فلا تشكن، ثم دعا بالدواة فكتب وجعل يستمد إلى مجرى الدواة فقلت في نفسي وهو يكتب: أستوهبه القلم الذي كتب به. فلما فرغ من الكتابة أقبل يحدثني وهو يمسح القلم بمنديل الدواة ساعة، ثم قال: هاك يا أحمد فناولنيه، فقلت: جعلت فداك إني مغتم لشئ يصيبني في نفسي وقد أردت أن أسأل أباك فلم يقض لي ذلك، فقال: وما هو يا أحمد ؟ فقلت: يا سيدي روي لنا عن آبائك أن نوم الأنبياء على أقفيتهم ونوم المؤمنين على إيمانهم ونوم


= وروى في المناقب عن الإمام (عليه السلام) كلاما يحل العقدة عن عويصة أخرى نظير ذلك وهو أن العقل إذا دل على شئ صريحا ودل ظاهر الشرع على خلافه لا يجوز رد الشرع أو الشك فيه بل يجب تأويل ظاهر الشرع إذ ربما يصدر عن القائل الحكيم كلام لا يراد به ظاهره بل مقصود القائل غيره. قال في المناقب عن أبي القاسم الكوفي في كتاب التبديل أن إسحاق الكندي يعني يعقوب بن إسحاق كان فيلسوف العراق في زمانه أخذ في تأليف تناقض القرآن وشغل نفسه بذلك وتفرد به في منزله وأن بعض تلامذته دخل يوما على الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) فقال له أبو محمد: أما فيكم رجل رشيد يردع استادكم الكندي عما أخذ فيه - إلى أن قال -: قال أبو محمد: أتؤدي إليه ما ألقيه إليك قال: نعم قال:... فقل له إن أتاك هذا المتكلم بهذا القرآن هل يجوز أن يكون مراده بما تكلم به منه غير المعاني التي قد ظننتها انك ذهبت إليها فإنه سيقول: أنه من الجائز. اه. (ش). (*)

[ 334 ]

المنافقين على شمائلهم ونوم الشياطين على وجوههم، فقال (عليه السلام): كذلك هو، فقلت: يا سيدي فاني أجهد أن أنام على يميني فما يمكنني ولا يأخذني النوم عليها، فسكت ساعة ثم قال: يا أحمد ادن مني، فدنوت منه فقال: أدخل يدك تحت ثيابك، فأدخلتها فأخرج يده من تحت ثيابه وأدخلها تحت ثيابي، فمسح بيده اليمنى على جانبي الأيسر وبيده اليسرى على جانبي الأيمن ثلاث مرات، فقال أحمد: فما أقدر أن أنام على يساري منذ فعل ذلك بي (عليه السلام) وما يأخذني نوم عليها أصلا. * الشرح: قوله (يا أحمد إن الخط سيختلف عليك من بين القلم الغليظ إلى القلم الدقيق فلا تشكن) يعني أن الخط على مراتب متفاوتة من الجلي والخفي والغلظة والدقة فلا تشكن فيه لأجل ذلك، ولا فيما تضمنه من الحق الصريح، والحاصل أن هذا الخط قد لا يوافق الخطوط الباقية الواردة منا عليك، فلا تجعله ميزانا للرد والقبول، بل ارجع إلى ما هو المعروف من طريقتنا مع العلم به وإلا فتوقف حتى يظهر لك صحته، وفي بعض النسخ " من " بدل " ما ". قوله (وجعل يستمد إلى مجرى الدواة) أي يطلب المدد لقلة المداد من قعر الدوات إلى مجريها، والمدة بالضم اسم ما استمددت به من المداد على القلم والمداد النقس بالكسر فيهما وهو ما يكتب به. قوله (ثم قال هاك يا أحمد) " ها " بالقصر والمد وهاك من أسماء الأفعال بمعنى الأمر أي خذه. قوله (نوم المؤمنين على إيمانهم، ونوم المنافقين على شمايلهم) يحتمل الابتداء والاستمرار، وقال الأطباء: نوم اليسار أعون على الهضم، وما يفهم من بعض الروايات أنه نوم أبناء الدنيا مؤيد له. قوله (فأخرج يده من تحت ثيابه) لعل المراد أنه أخرجها من الكم، وكان السر فيه أن يمسح بجميع يده بجميع جنبيه ويديه لا بالكف فقط.

[ 335 ]

باب مولد الصاحب (عليه السلام) * الأصل: ولد (عليه السلام) للنصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين. 1 - الحسين بن محمد الأشعري، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد قال: خرج عن أبي محمد (عليه السلام) حين قتل الزبيري: هذا جزاء من افترى على الله في أوليائه، زعم أنه يقتلني وليس لي عقب فكيف رأى قدرة الله. وولد له ولد سماه " م ح م د " سنة ست وخمسين ومائتين. * الشرح: قوله (ولد (عليه السلام) للنصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين) هذا هو الأشهر بين العلماء وله عند موت أبيه (عليهما السلام) خمس سنين قال الصدوق في كتاب كمال الدين حدثنا محمد بن محمد بن عصام (رحمه الله) قال: حدثنا محمد بن يعقوب الكليني قال: حدثنا علي بن محمد قال: ولد الصاحب (عليه السلام) للنصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين. وروى الصدوق بإسناده عن حكيمة بنت محمد ابن علي بن موسى (عليهم السلام) قالت: بعث إلي أبو محمد الحسن بن علي (عليهما السلام) فقال: يا عمة اجعلي إفطارك الليلة عندنا فإنها ليلة النصف من شعبان فإن الله تبارك وتعالى سيظهر في هذه الليلة الحجة وهو حجته في أرضه " الحديث، وقيل: ولد (عليه السلام) يوم الجمعة سنة ست وخمسين ومائتين وقد نقله الصدوق (رحمه الله) في الكتاب المذكور أيضا، والخبر الآتي يدل عليه وقد يوجه بأن الخمس سنة شمسية والست أي أوائلها سنة قمرية فلا منافاة (1). * أصل: 2 - علي بن محمد قال: حدثني محمد والحسن ابنا علي بن إبراهيم في سنة تسع وسبعين


1 - قوله " سنة قمرية فلا منافاة " لا أدري ما مقصود القائل فكل معنى يفرض ليحمل الكلام عليه غير صحيح، مع أن تحديد السنين من الهجرة بالشمسية غير معهود بين المسلمين إلى زماننا هذا. بل هو عمل غير عقلاني يشوش به ضبط التواريخ والوقائع، ولا يمكن أن يقدم عليه عاقل ولو بنى بعض الناس على ضبط الحوادث بالسنين الشمسية وأكثرهم على القمرية كان مبدء خلافة بني العباس بالقمرية سنة 132 وبالشمسية 127 وولادة الصاحب (عليه السلام) بالقمرية 266 وبالشمسية 247. وإذا اختلط أحدهما بالآخر على الناظرين في التاريخ ورأوا وفاة الإمام الهادي (عليه السلام) سنة 254 مثلا ذهب ذهن بعضهم إلى أن الحجة (عليه السلام) ولد في حياة الإمام الهادي (عليه السلام) في سنة قتل المتوكل أعنى 247 قمرية وتحير أكثر الناس ولم يهتدوا إلى ضبط الوقائع. (ش) (*)

[ 336 ]

ومائتين قالا: حدثنا محمد بن علي بن عبد الرحمن العبدي - من عبد قيس - عن ضوء بن علي العجلي، عن رجل من أهل فارس سماه، قال: أتيت سر من رأى ولزمت باب أبي محمد (عليه السلام) فدعاني من غير أن أستأذن، فلما دخلت وسلمت قال لي: يا أبا فلان كيف حالك ؟ ثم قال لي: اقعد يا فلان، ثم سألني عن جماعة من رجال ونساء من أهلي، ثم قال لي: ما الذي أقدمك ؟ قلت: رغبة في خدمتك، قال: فقال: فالزم الدار، قال: فكنت في الدار مع الخدم ثم صرت أشترى لهم الحوائج من السوق وكنت أدخل عليه من غير إذن إذا كان في دار الرجال، فدخلت عليه يوما وهو في دار الرجال، فسمعت حركة في البيت فناداني: مكانك لا تبرح، فلم أجسر أن أخرج ولا أدخل، فخرجت علي جارية معها شئ مغطى ثم ناداني: ادخل، فدخلت ونادى الجارية فرجعت فقال لها: اكشفي عما معك، فكشفت عن غلام أبيض حسن الوجه وكشفت عن بطنه فإذا شعر نابت من لبته إلى سرته أخضر ليس بأسود، فقال: هذا صاحبكم، ثم أمرها فحملته فما رأيته بعد ذلك حتى مضى أبو محمد (عليه السلام) فقال ضوء بن علي: فقلت للفارسي: كم كنت تقدر له من السنين ؟ قال: سنتين قال العبدي: فقلت لضوء: كم تقدر له أنت ؟ قال: أربع عشرة قال أبو علي وأبو عبد الله: ونحن نقدر له إحدى وعشرين سنة. * الشرح: قوله (عن رجل من أهل فارس سماه قال: أتيت سر من رأى) لعل اخباره (1) كان في حياة أبي محمد (عليه السلام) كما سنشير إليه. قوله (كم كنت تقدر له من السنين) أي من حين الولادة إلى الأن وهو آن الإخبار فقوله: سنتين دل على أن الإخبار كان في حال حياة أبيه (عليهما السلام) يظهر ذلك لمن نظر في تاريخ تولده وتاريخ وفاة أبيه، وجعل مبدء السنتين ومنتهاهما الوفاة، وزمان الإخبار أو جعل مبدئهما التولد، ومنتهاهما زمان الرؤية بعيد جدا. قوله (كم تقدر له أنت قال: أربع عشرة) أي أربع عشرة سنة، وذلك بأن مضى من زمان الفارسي اثنتا عشرة سنة، وفي كتاب كمال الدين " كم تقدر له لنا الان ". قوله (قال أبو علي وأبو عبد الله) هما محمد والحسن ابنا علي بن إبراهيم، (2) وتقديرهما لسنه (عليه السلام) عند الإخبار بإحدى وعشرين سنة لا يوافق ما مر من سنة تسع وسبعين إلا على قول من


1 - قوله " لعل إخباره " لا وجه لكلمة لعل الدالة على الترديد إذا لا يحتمل غير ذلك. (ش) 2 - قوله " ابنا علي بن إبراهيم " قال المجلسي - رحمه الله -: محمد بن علي بن إبراهيم كان هو وأبوه وجده من وكلاء الناحية بهمدان وأخوه الحسن غير مذكور في الرجال. (ش) (*)

[ 337 ]

قال إن مولده في الثالث والعشرين من شهر رمضان سنة ثمان وخمسين ومائتين كما نقله بعض أرباب السير (1) فليتأمل. 3 - علي بن محمد وعن غير واحد من أصحابنا القميين، عن محمد بن محمد العامري عن أبي سعيد غانم الهندي قال: كنت بمدينة الهند المعروفة بقشمير الداخلة وأصحاب لي يقعدون على كراسي عن يمين الملك، أربعون رجلا كلهم يقرأ الكتب الأربعة: التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم، نقضي بين الناس ونفقههم في دينهم ونفتيهم في حلالهم وحرامهم، يفزع الناس إلينا، الملك فمن دونه (2)، فتجارينا ذكر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقلنا: هذا النبي المذكور في الكتب قد خفي علينا أمره ويجب علينا الفحص عنه وطلب أثره واتفق رأينا، وتوافقنا على أن أخرج فأرتاد لهم. فخرجت ومعي مال جليل، فسرت اثني عشر شهرا حتى قربت من كابل، فعرض لي قوم من الترك فقطعوا علي وأخذوا مالي وجرحت جراحات شديدة ودفعت إلى مدينة كابل، فأنفذني ملكها لما وقف على خبري إلى مدينة بلخ وعليها إذ ذاك داود بن العباس بن أبي [ أ ] سود، فبلغ خبري وأني خرجت مرتادا من الهند وتعلمت الفارسية وناظرت الفقهاء وأصحاب الكلام، فأرسل إلي داود بن العباس فأحضرني مجلسه وجمع علي الفقهاء فناظروني فأعلمتهم أني خرجت من بلدي أطلب هذا النبي الذي وجدته في الكتب. فقال لي: من هو وما اسمه ؟ فقلت محمد، فقال: هو نبينا الذي تطلب، فسألتهم عن شرائعه، فأعلموني، فقلت لهم: أنا أعلم أن محمدا نبي ولا أعلمه هذا الذي تصفون أم لا ؟ فأعلموني موضعه لأقصده فاسائله عن علامات عندي ودلالات، فإن كان صاحبي الذي طلبت آمنت به، فقالوا: قد مضى (صلى الله عليه وآله) فقلت: فمن وصيه وخليفته فقالوا: أبو بكر، قلت: فسموه لي فإن هذه كنيته ؟ قالوا: عبد الله بن عثمان ونسبوه إلى قريش: قلت، فإنسبوا لي محمدا نبيكم فنسبوه لي، فقلت: ليس هذا صاحبي الذي طلبت، صاحبي الذي أطلبه خليفته، أخوه في الدين وابن عمه في النسب وزوج ابنته وأبو ولده، ليس لهذا النبي ذرية على الأرض غير ولد هذا الرجل الذي هو خليفته، قال:


1 - قوله " كما نقله بعض أصحاب السير " وهو محمد بن طلحة الشافعي وقال المجلسي - رحمه الله -: لعل بعضهم أخطأ في الحساب وأقول أو سامح، واعلم أن علي بن محمد في صدر الاسناد في هذا الباب والباب السابق هو خال الكليني المعروف بعلان جمع أخبار الصاحب (عليه السلام). (ش) 2 - قوله " الملك فمن دونه " يدل على أن أهل قشمير وملكهم كانوا مسيحيين في ذلك العهد وهو غير صحيح، والخبر ضعيف مجهول الراوي ومحمد بن محمد العامري وكذا أبو سعيد غانم الهندي لا يعرفها أصحاب الرجال ولا نحتاج مع الأدلة الكثيرة على اصول مذهبنا إلى أمثال هذه الأخبار المجهولة. (ش) (*)

[ 338 ]

فوثبوا بي وقالوا: أيها الأمير إن هذا قد خرج من الشرك إلى الكفر هذا حلال الدم، فقلت لهم: يا قوم أنا رجل معي دين متمسك به لا افارقه حتى أرى ما هو أقوى منه، إني وجدت صفة هذا الرجل في الكتب التي أنزلها الله على أنبيائه، وإنما خرجت من بلاد الهند ومن العز الذي كنت فيه طلبا له، فلما فحصت عن أمر صاحبكم الذي ذكرتم لم يكن النبي الموصوف في الكتب فكفوا عني. وبعث العامل إلى رجل يقال له: الحسين بن اشكيب فدعاه، فقال له: ناظر هذا الرجل الهندي، فقال له الحسين: أصلحك الله عندك الفقهاء والعلماء وهم أعلم وأبصر بمناظرته، فقال له: ناظره كما أقول لك واخل به والطف له، فقال لي الحسين بن اشكيب بعد ما فاوضته: إن صاحبك الذي تطلبه هو النبي الذي وصفه هؤلاء وليس الأمر في خليفته كما قالوا، هذا النبي محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ووصيه علي بن أبي طالب بن عبد المطلب وهو زوج فاطمة بنت محمد وأبو الحسن والحسين سبطي محمد (صلى الله عليه وآله)، قال غانم أبو سعيد: فقلت: الله أكبر هذا الذي طلبت فانصرفت إلى داود بن العباس فقلت له: أيها الأمير وجدت ما طلبت وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، قال: فبرني ووصلني وقال للحسين: تفقده، قال: فمضيت إليه حتى آنست به وفقهني فيما احتجت إليه من الصلاة والصيام والفرائض. قال: فقلت له: إنا نقرأ في كتبنا أن محمدا (صلى الله عليه وآله) خاتم النبيين لا نبي بعده وأن الأمر من بعده إلى وصيه ووارثه وخليفته من بعده، ثم إلى الوصي بعد الوصي، لا يزال أمر الله جاريا في أعقابهم حتى تنقضي الدنيا، فمن وصي وصي محمد ؟ قال: الحسن ثم الحسين ابنا محمد (صلى الله عليه وآله)، ثم ساق الأمر في الوصية حتى انتهى إلى صاحب الزمان (عليه السلام) ثم أعلمني ما حدث، فلم يكن لي همة إلا طلب الناحية فوافى قم وقعد مع أصحابنا في سنة أربع وستين ومائتين وخرج معهم حتى وافى بغداد ومعه رفيق له من أهل السند كان صحبه على المذهب، قال: فحدثني غانم قال: وأنكرت من رفيقي بعض أخلاقه فهجرته، وخرجت حتى سرت إلى العباسية أتهيأ للصلاة واصلي وإني لواقف متفكر فيما قصدت لطلبه إذا أنا بآت قد أتاني فقال: أنت فلان ؟ - اسمه بالهند - فقلت: نعم فقال: أجب مولاك، فمضيت معه فلم يزل يتخلل بي الطريق حتى أتى دارا وبستانا فإذا أنا به (عليه السلام) جالس، فقال: مرحبا يا فلان - بكلام الهند - كيف حالك ؟ وكيف خلفت فلانا وفلانا ؟ حتى عد الأربعين كلهم فسألني عنهم واحدا واحدا، ثم أخبرني بما تجارينا كل ذلك بكلام الهند، ثم قال: أردت أن تحج مع أهل قم ؟ قلت: نعم يا سيدي، فقال: لا تحج معهم وانصرف سنتك هذه وحج [ في ] قابل، ثم ألقى إلي صرة كانت بين يديه، فقال لي: اجعلها نفقتك ولا تدخل إلى بغداد إلى فلان سماه، ولا تطلعه على شئ، وانصرف إلينا إلى البلد، ثم وافانا بعض الفيوج فأعلمونا أن أصحابنا انصرفوا من العقبة

[ 339 ]

ومضى نحو خراسان فلما كان في قابل حج وأرسل إلينا بهدية من طرف خراسان فأقام بها مدة، ثم مات رحمه الله. * الشرح: قوله (ونسبوه إلى قريش قلت: فانسبوا لي محمدا نبيكم) نسب النبي (صلى الله عليه وآله): محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة إلى آخر ما ذكرنا في أبوب التاريخ وذكرنا أن قريشا تقرشت من فهر ومن النضر وأن المشهور هو الثاني، ويعلم منه وجه التسمية يقريش. ونسب علي (عليه السلام): علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، ففي عبد المطلب يجتمع مع النبي (صلى الله عليه وآله). ونسب أبي بكر: عبد الله ابن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤى، وفي مرة بن كعب يجتمع مع النبي (صلى الله عليه وآله). قوله (قد خرج من الشرك إلى الكفر) أراد بالكفر الرفض وإنكار الخلفاء الثلاثة. قوله (يقال له: الحسين بن اشكيب) قال الشهيد في حاشيته على الخلاصة (1) قد اختلف كلام الجماعة في الحسين بن اشكيب، فالعلامة جعله بالشين المعجمة، ومن أصحاب العسكري (عليه السلام) وجعله مروزيا، ونقل عن الكشي أنه خادم القبر قمي، وقريب من كلامه كلام النجاشي فيه فإنه جعله خراسانيا، ونقل عن الكشي أنه من أصحاب العسكري (عليه السلام) أيضا وأما الشيخ أبو جعفر فذكر نحو العلامة في باب من لم يرو عنهم (عليهم السلام)، وفي باب من يروى عن العسكري أيضا وذكر في باب من روى عن الهادي (عليه السلام) الحسين بن اسكيب القمي خادم القبر، وابن داود ذكر أن القمى خادم القبر الحسين بن اسكيب بالسين المهملة وأن اشكيب بالشين المعجمة هو الفاضل المذكور للخراساني، ونقل فيه عن الكشي كما نقله العلامة أنه القمي خادم القبر ونقل عن فهرست الشيخ أنه ممن لم يرو عن الأئمة (عليهم السلام) وقال فيه أنه عالم فاضل مصنف متكلم ونحن لم نجده في نسختين


1 - قوله " قال الشهيد في حاشيته على الخلاصة " الحسين بن اشكيب من علمائنا الخراسانيين كان ساكنا في سمرقند وكش وكان متكلما صاحب كتب وتصانيف على ما ذكره النجاشي ومنها الرد على الزيدية، ووصفوه تارة بأنه خادم القبر ولم يتحقق لي أن المراد أي قبر هو ولم يكن في سمرقند وكش قبر يحتمل أن يكون هو خادمه وقيل: إنه قمي. وقيل: مروزي أيضا عدوه فيمن لم يرو عنهم، وفيمن روى عن العسكريين (عليهما السلام)، وظاهره متناقض واحتمال التعدد ليس ببعيد ولابد من التأمل في ذلك وداود بن العباس كان والي بلخ وما والاها على ما ذكره في طبقات ملوك الإسلام من آل بايتجور من سنة 232 قالوا: واستولى على ملكه يعقوب بن الليث سنة 258. (ش) (*)

[ 340 ]

بالفهرست أصلا. قوله (ثم أعلمني ما حدث) أي ما حدث بعد النبي (صلى الله عليه وآله) من غصب الخلافة أو ما حدث من موت أبيه العسكري (عليه السلام) وغيبة الصاحب (عليه السلام) في الناحية. قوله (فوافى قم) هذا كلام محمد بن محمد العامري. قوله (في سنة أربع وستين) أي من الغيبة أو بعد مائتين وعلى الأخير كان ذلك بعد وفاة أبي محمد (عليه السلام) بأربع سنين. قوله (قال: فحدثني غانم) أي قال محمد بن محمد العامري وهو كان في بغداد، قال الصدوق (ره) كتاب كمال الدين: " قال محمد بن محمد ووافى معنا بغداد فذكر لنا أنه كان معنا رفيق قد صحبه على هذا الأمر فكره بعض أخلاقه ففارقه ". قوله (أن تحج مع أهل قم) يعنى في هذه السنة. قوله (وحج قابل) أي من قابل كما في كمال الدين أو في قابل كما في بعض نسخ هذا الكتاب. قوله (ولا تدخل إلى بغداد) في كمال الدين " ولا تدخل في بغداد دار أحد ولا تخبر بشئ مما رأيت " أقول نهاه عن ذلك لئلا يذيع الخبر ولا يطلب من الشيعة مقامه. قوله (وانصرف إلينا إلى البلد) هذا كلام العامري وإلى البلد بدل من إلينا والمراد بالفتوح ملاقاته للإمام (عليه السلام) وتشرفه برؤيته وتكرمه بالعطية وأمر الفاء في قوله " فاعلمونا " غير ظاهر نعم هو ظاهر لو كان الفيوج بالياء المثناة التحتانية والجيم على أن يكون فاعل وافانا ولكن النسخ التي رأيناها (1) بالتاء الفوقانية والحاء. * الأصل: 4 - علي بن محمد، عن سعد بن عبد الله قال: إن الحسن بن النضر وأبا صدام وجماعة تكلموا بعد مضي أبي محمد (عليه السلام) فيما في أيدي الوكلاء وأرادوا الفحص فجاء الحسن بن النضر إلى أبي الصدام فقال: إني اريد الحج فقال له: أبو صدام أخره هذه السنة، فقال له الحسن [ بن النضر ]: إني أفزع في المنام ولابد من الخروج وأوصى إلى أحمد بن يعلى بن حماد وأوصى للناحية بمال وأمره أن لا يخرج شيئا إلا من يده إلى يده بعد ظهوره قال: فقال الحسن: لما وافيت بغداد اكتريت دارا فنزلتها فجاءني بعض الوكلاء بثياب ودنانير وخلفها عندي فقلت له: ما هذا ؟ قال: هوما ترى، ثم


1 - قوله " لكن النسخ التي رأيناها " ولا ريب أنها مصحفة من الناسخين بدلوا كلمة فيوج لعدم المأنوسية بالفتوح والفيوج جمع فيج وهو معرب پيك. (ش) (*)

[ 341 ]

جاءني آخر بمثلها وآخر حتى كبسوا الدار، ثم جاءني أحمد بن إسحاق بجميع ما كان معه فتعجبت وبقيت متفكرا فوردت علي رقعة الرجل (عليه السلام): إذا مضى من النهار كذا وكذا فاحمل ما معك، فرحلت وحملت ما معي وفي الطريق صعلوك يقطع الطريق في ستين رجلا فاجتزت عليه وسلمني الله منه فوافيت العسكر ونزلت، فوردت علي رقعة: أن احمل ما معك، فعبيته في صنان الحمالين، فلما بلغت الدهليز إذا فيه أسود قائم فقال: أنت الحسن بن النضر ؟ قلت: نعم، قال: ادخل، فدخلت الدار ودخلت بيتا وفرغت صنان الحمالين وإذا في زاوية البيت خبز كثير فأعطى كل واحد من الحمالين رغيفين واخرجوا وإذا بيت عليه ستر فنوديت منه: يا حسن بن النضر احمد الله على ما من به عليك ولا تشكن، فود الشيطان أنك شككت، وأخرج إلي ثوبين وقيل: خذها فستحتاج إليهما، فأخذتهما وخرجت، قال سعد: فانصرف الحسن بن النضر ومات في شهر رمضان وكفن في الثوبين. * الشرح: قوله (هو ما ترى) أي تنظر فيه وتحفظه أو هوماترى من مال الناحية. قوله (حتى كبسوا الدار) أي ملؤوها أو هجموا عليها وأحاطوا بها. قوله (ثم جاءني أحمد بن إسحاق) ثقة روى عن الجواد والهادي وكان من خاصة أبي محمد، ورأى صاحب الزمان (عليه السلام). وفي ربيع الشيعة أنه من الوكلاء والسفراء، وكذا في كمال الدين. قوله (فعبيته في صنان الحمالين) أي وضعته فيه والتعبية هي التهيئة والوضع، والصن بالكسر شبه السلة المطبقة يجعل فيه الخبر ونحوه والصنان مثله. * الأصل: 5 - علي بن محمد عن محمد بن حمويه السويداوي، عن محمد بن إبراهيم بن مهزيار قال: شككت عند مضي أبي محمد (عليه السلام) واجتمع عند أبي مال جليل، فحمله وركب السفينة وخرجت معه مشيعا، فوعك وعكا شديدا، فقال: يا بني ردني، فهو الموت وقال لي: اتق الله في هذا المال وأوصى إلي، فمات: فقلت في نفسي: لم يكن أبي ليوصي بشئ غير صحيح، أحمل هذا المال إلى العراق وأكتري دارا على الشط ولا اخبر أحدا بشئ وإن وضح لي شئ كوضوحه [ في ] أيام أبي محمد (عليه السلام) أنفذته وإلا قصفت به، فقدمت العراق واكتريت دارا على الشط وبقيت أياما، فإذا أنا برقعة مع رسول فيها: يا محمد معك كذا وكذا في جوف كذا وكذا، حتى قص علي جميع ما معي مما لم احط به علما فسلمته إلى الرسول وبقيت أياما لا يرفع لي رأس واغتممت، فخرج إلي: قد أقمناك مكان أبيك فاحمد الله.

[ 342 ]

* الشرح: قوله (فوعك وعكا شديد) الوعك بالتسكين مغث الحمى والمها وقد وعكته الحمى فهو موعوك، ووعك كل شئ معظمه وحدته، وقيل: والوعك الحمى نفسه والوصف بالشدة للتأكيد والمبالغة أو للاحتراز عن الوعك الضعيف لأنه قد يطلق عليه. قوله (وإلا قصفت به) أي صرفته في الضروريات أو في اللهو واللعب. قوله (لا يرفع لي رأس) كناية عن عدم ظهور خبر من الناحية. قوله (قد أقمناك مقام أبيك) إبراهيم بن مهزيار كان وكيله (عليه السلام) لجميع أمواله في الأهواز، وكذا ابنه محمد كما ذكره الصدوق في كتاب كمال الدين ودل عليه هذا الحديث إلا إنه روايه. * الأصل: 6 - محمد بن أبي عبد الله، عن أبي عبد الله النسائي قال: أوصلت أشياء للمرزباني الحارثي فيها سوار ذهب، فقبلت ورد علي السوار، فأمرت بكسره، فكسرته فإذا في وسطه مثاقيل حديد ونحاس أو صفر فأخرجته وأنفذت الذهب فقبل. * الشرح: قوله (أوصلت أشياء للمزبانى الحارثي) أي وصلت أشياء إلى الناحية، وفي بعض النسخ للمرزباني بياء النسبة، والسوار من الحلي معروف - تكسر السين وتضم -. * الأصل: 7 - علي بن محمد، عن الفضل الخزاز المدائني مولى خديجة بنت محمد أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن قوما من أهل المدينة من الطالبيين كانوا يقولون بالحق وكانت الوظائف ترد عليهم في وقت معلوم، فلما مضى أبو محمد (عليه السلام) رجع قوم منهم عن القول بالولد فوردت الوظائف على من ثبت منهم على القول بالولد وقطع عن الباقين، فلا يذكرون في الذاكرين والحمد لله رب العالمين. * الأصل: 8 - علي بن محمد قال: أوصل رجل من أهل السواد مالا فرد عليه وقيل له: أخرج حق ولد عمك منه وهو أربعمائة درهم، وكان الرجل في يده ضيعة لولد عمه فيها شركة قد حبسها عليهم، فنظر فإذا الذي لولد عمه من ذلك المال أربعمائة درهم فأخرجها وأنفذ الباقي فقبل. * الأصل: 9 - القاسم بن العلاء قال: ولد لي عدة بنين فكنت أكتب وأسأل الدعاء فلا يكتب إلي لهم بشئ، فماتوا كلهم، فلما ولد لي الحسن ابني كتبت أسأل الدعاء فاجبت: يبقى والحمد لله.

[ 343 ]

* الأصل: 10 - علي بن محمد، عن أبي عبد الله بن صالح قال: [ كنت ] خرجت سنة من السنين ببغداد فاستأذنت في الخروج، فلم يؤذن لي، فأقمت اثنين وعشرين يوما وقد خرجت القافلة إلى النهروان، فاذن في الخروج لي يوم الأربعاء وقيل لي: اخرج فيه، فخرجت وأنا آيس من القافلة أن ألحقها، فوافيت النهروان والقافلة مقيمة، فما كان إلا أن أعلفت جمالي شيئا حتى رحلت القافلة، فرحلت وقد دعا لي بالسلامة فلم ألق سوءا والحمد لله. * الأصل: 11 - علي بن النضر بن صباح البجلي، عن محمد بن يوسف الشاشي قال: خرج بى ناصور على مقعدتي فأريته الأطباء وأنفقت عليه مالا فقالوا: لا نعرف له دواء، فكتبت رقعة أسأل الدعاء فوقع (عليه السلام) إلي: ألبسك الله العافية وجعلك معنا في الدنيا والآخرة، قال: فما أتت علي جمعة حتى عوفيت وصار مثل راحتي، فدعوت طبيبا من أصحابنا وأريته إياه، فقال: ما عرفنا لهذا دواء. * الشرح: قوله (فوافيت النهروان) قال في المغرب: هي من أرض العراق على أربعة فراسخ من بغداد. قوله (عن محمد بن يوسف الشاشي قال: خرج بن ناصور) شاش قرية في بلاد تركستان قريبة من فارياب، وقيل أيضا قرية من ماء نهروان. والناصور قرحة غايرة قلما تندمل، وقيل: قد يحدث فيها دود فيقتل صاحبها. قوله (فقال ما عرفنا لهذا دواء) (1) قيل بعده في إرشاد المفيد: " وما جاءتك إلا من قبل الله


1 - قوله " ما عرفنا لهذا دواء " الناصور قرحة لا يندمل وسر ذلك أنه ينبت غشاء على جدار القرحة من داخلها كجلد البدن وهو مانع عن الالتحام إلا أن يخرق الغشاء حتى يماس لحوم أطراف القرحة بعضها ببعض أو يوضع عليه الدواء حتى يفنى الغشاء واللحم الفاسد الردئ وينبت اللحم الصحيح ويندمل، قال في شرح الأسباب: وفي كلا العلاجين خطر وينبغي أن يترك ويحتمل أذاه مدة العمر وليس له أذى أكثر من الرشح والسيلان، ونظير هذه المعجزة المنقولة عن الإمام (عليه السلام) وقعت في العصور الأخيرة في النصارى واشتهرت بينهم وحكوا في كتبهم أن عالمهم المشهور في العالم بتحقيقاته الرياضية والطبيعية المسمى بپاسكال كان شديد التمسك بدينهم، قوى الاعتقاد فيه لأن امرأة من أقاربه ابتليت بناصور في جفن عينها وكانت آيسة من علاجها إلا أنها التجات إلى الكنيسة وتوسل بالمسيح (عليه السلام) وتبركت بشوك محفوظ هناك يقال: إنه من بقايا شوك جعله اليهود كالتاج على رأس المسيح استهزاء به لما أرادوا قتله والمسيح ملك اليهود عندهم فعوفيت المرأة من علتها بغتة، ولما رأى العالم المذكور ذلك قوى إيمانه بالله وبالآخرة وانحاز إلى العبادة. وأقبل على = (*)

[ 344 ]

تعالى بغير احتساب ". * الأصل: 12 - علي، عن علي بن الحسين اليماني، قال: كنت ببغداد فتهيأت قافلة لليمانين فأردت الخرج معها، فكتبت ألتمس الإذن في ذلك، فخرج: لا تخرج معهم فليس لك في الخروج معهم خيرة وأقم بالكوفة، قال: وأقمت وخرجت القافلة فخرجت عليهم حنظلة فاجتاحتهم وكتبت أستأذن ركوب الماء، فلم يؤذن لي، فسألت عن المراكب التي خرجت في تلك السنة في البحر فما سلم منها مركب، خرج عليها القوم من الهند يقال لهم: البوارح، فقطعوا عليها، وزرت العسكر فأتيت الدرب مع المغيب ولم اكلم أحدا ولم أتعرف إلى أحد وأنا اصلي في المسجد بعد فراغي من الزيارة إذا بخادم قد جاءني فقال لي: قم فقلت له: إذن إلى أين ؟ فقال لي: إلى المنزل، قلت: ومن أنا لعلك ارسلت إلى غيري، فقال: لاما ارسلت إلا إليك أنت علي بن الحسين رسول جعفر بن إبراهيم، فمر بي حتى أنزلني في بيت الحسين بن أحمد ثم ساره، فلم أدر ما قال له، حتى آتاني جميع ما أحتاج إليه وجلست عنده ثلاثة أيام واستأذنته في الزيارة من داخل فأذن لي فزرت ليلا. * الشرح: قوله (فخرجت عليهم حنظلة فاجتاحتهم) الجوح الاستيصال، جحت الشئ أجوحه ومنه الجائحة، وهي الشدة التى تجتاح المال من سنة أو فتنة يقال: جاحتهم الجائحة واجتاحتهم، وجاح الله ماله وأجاحه بمعنى أي أهلكه بالجائحة، وحنظلة أكرم قبيلة في تميم يقال لهم: حنظلة الأكرمون وأبوهم حنظلة بن مالك بن عمرو بن تميم. قوله (يقال لهم: البوارح) في كثير من النسخ بالحاء المهملة سموا بذلك لأنهم كانوا يسكنون الجبال والبرارى، وفي بعض النسخ بالجيم سموا بذلك لبياض عيونهم وسواد ألوانهم. قوله (رسول جعفر بن إبراهيم) في كتاب كمال الدين رسول جعفر بن إبراهيم اليماني. قوله (واستأذنته في الزيارة من داخل) أي من داخل البيت لأن الإمامين (عليهما السلام) دفنا فيه، وكانوا لا يدخلون فيه إلا بالإذن واليوم لا يخلو من إشكال.


= الدين بكليته، وبالجملة فالناصور لا علاج له إلا بالعمل باليد والشفاء منه معجزة. وهذه الواقعة التي نقلتها النصارى مما لا يمكن القدح فيها والوجه أن المرأة المذكورة كانت مستضعفة معذورة في دينها توجهت إلى الله وتوسلت بنبي من أنبيائه واقتضى اللطف الإلهي إجابتها برحمته العامة. ولا ينافى ذلك كون دينها منسوخا واعتقادها باطلا واقعا. (ش) (*)

[ 345 ]

* الأصل: 13 - الحسن بن الفضل بن يزيد اليماني قال: كتب أبي بخطه كتابا فورد جوابه ثم كتبت بخطي فورد جوابه، ثم كتب بخطه رجل من فقهاء أصحابنا، فلم يرد جوابه فنظرنا فكانت العلة أن الرجل تحول قرمطيا، قال الحسن بن الفضل: فزرت العراق ووردت طوس وعزمت أن لا أخرج إلا عن بينة من أمري ونجاح من حوائجي ولو احتجت أن اقيم بها حتى أتصدق قال: وفي خلال ذلك يضيق صدري بالمقام وأخاف أن يفوتني الحج قال: فجئت يوما إلى محمد بن أحمد أتقاضاه فقال لي: صر إلى مسجد كذا وكذا وإنه يلقاك رجل، قال: فصرت إليه فدخل علي رجل فلما نظر إلي ضحك وقال: لا تغتم فإنك ستحج في هذه السنة وتنصرف إلى أهلك وولدك سالما، قال: فاطمأننت وسكن قلبي، وأقول: ذا مصداق ذلك والحمد لله، قال: ثم وردت العسكر فخرجت إلي صرة فيها دنانير وثوب فاغتممت وقلت في نفسي: جزائي عند القوم هذا واستعملت الجهل فرددتها وكتبت رقعة ولم يشر الذي قبضها مني علي بشئ ولم يتكلم فيها بحرف ثم ندمت بعد ذلك ندامة شديدة وقلت في نفسي: كفرت بردي على مولاي وكتبت رقعة أعتذر من فعلي وأبوء بالإثم وأستغفر من ذلك وأنفذتها وقمت أتمسح فأنا في ذلك افكر في نفسي وأقول إن ردت علي الدنانير لم أحلل صرارها ولم أحدث فيها حتى أحملها إلى أبي فانه أعلم مني ليعمل فيها بما شاء، فخرج إلى الرسول الذي حمل إلي الصرة: أسأت إذ لم تعلم الرجل أنا ربما فعلنا ذلك بموالينا وربما سألونا ذلك يتبركون به، وخرج إلي: أخطأت في ردك برنا فإذا استغفرت الله، فالله يغفر لك، فأما إذا كانت عزيمتك وعقد نيتك ألا تحدث فيها حدثا ولا تنفقها في طريقك، فقد صرفناها عنك فأما الثوب فلابد منه لتحرم فيه، قال: وكتبت في معنيين وأردت أن أكتب في الثالث وامتنعت منه مخافة أن يكره ذلك: فورد جواب المعنيين والثالث الذي طويت مفسرا والحمد لله، قال: وكنت وافقت جعفر بن إبراهيم النيسابوري بنيسابور على أن أركب معه وازامله فلما وافيت بغداد بدا لي فاستقلته وذهبت أطلب عديلا، فلقيني ابن الوجنا، بعد أن كنت صرت إليه وسألته أن يكتري لي فوجدته كارها، فقال لي: أنا في طلبك وقد قيل لي: إنه يصحبك فأحسن معاشرته واطلب له عديلا وأكتر له. * الشرح: قوله (فنظرنا فكانت العلة أن الرجل تحول قرمطيا) قيل: القرامطة طائفة يقولون بإمامة محمد ابن إسماعيل بن جعفر الصادق (عليه السلام) ظاهرا وبالإلحاد وإبطال الشريعة باطنا لأنهم يحللون أكثر المحرمات ويعدون الصلاة عبارة عن طاعة الإمام والزكاة عبارة عن أداء الخمس إلى الإمام،

[ 346 ]

والصوم عبارة عن إخفاء الأسرار والزنا عبارة عن إفشائها، وسبب تسميتهم بهذا الاسم أنه كتب في بداية الحال واحد من رؤسائهم بخط مقرمط فنسبوه إلى القرمطي، والقرامطة جمعه. قوله (فزرت العراق وزرت طوس وعزمن أن لا أخرج) ليس المراد أن زيارة طوس بعد زيارة العراق وأنه عزم أن لا يخرج من طوس بل المراد زار طوس وزار العراق، وعزم أن لا يخرج من العراق وهو بغداد إلا عن بينة من أمره ونجاح من حوائجه وهي علمه بوجود صاحب الأمر، والذي يدل على ذلك ما ذكره الصدوق في كتاب كمال الدين في هذا الحديث قال (يعني الحسن بن الفضل): وضاق صدري ببغداد في مقامي فقلت: أخاف أن لا أحج في هذه السنة ولا أنصرف إلى منزلي، وقصدت أبا جعفر اقتضيها جواب رقعة كتبتها فقال: صر إلى المسجد الذي في مكان كذا وكذا فإنه يجيئك رجل يخبرك بما تحتاج إليه، فقصدت المسجد وأنا فيه إذ دخل علي رجل فلما نظر إلي سلم وضحك وقال لي: ابشر فإنك ستحج في هذه السنة وتنصرف إلى أهلك سالما إن شاء الله. قوله (حتى أتصدق) على صيغة المجهول أي حتى أخذ الصدقة لشدة الفقر والحاجة، وفيه مبالغة لقصد الإقامة. قوله (بالمقام) في بغداد. قوله (فجئت يوما إلى محمد بن أحمد أتقاضاه) أي أتقاضاه جواب رقعة كتبتها إلى الصاحب (عليه السلام) قيل: وفي أرشاد المفيد كان محمد بن أحمد السفير يومئذ. قوله (وأقول: ذا مصداق ذلك) أي هذا الذي قال: أو رأيته مصداق ذلك الذي قصدته من التوفيق للحج في هذه السنة والرجوع إلى الأهل أو رؤية صاحب الأمر والعلم بوجوده. قوله (وقلت في نفسي: جزائي عند القوم هذا) أي يعطوني شيئا لأجل الفاقة وفي كتاب كمال الدين: " وقلت في نفسي: أنا عندهم بهذه المنزلة فأخذتني العزة ثم ندمت بعد ذلك وكتبت رقعة اعتذر ودخلت الخلاء وأنا أحدث نفسي وأقول: والله لئن ردت إلي الصرة لم أحلها ولم أنفقها حتى أحملها إلى والدي... إلى آخره ". قوله (فقمت أتمسح) أي قمت أسير في الأرض وأقطعها وأمشي فيها يقال: مسح الأرض إذا قطعها، ويمسحها إذا ذرعها، ومسح يومه إذا سار، أو قمت أتوضأ، يقال: تمسح إذا توضأ أو قمت أمر اليد على اللحية أو غيرها يقال: مسح إذا أمر اليد على الشئ. قوله (لم أحلل صرارها) إصرار بالكسر خيط يشد به رأس الصرة ونحوها تقول: صرت الصرة إذا شددتها بالصرار.

[ 347 ]

قوله (فخرج إلى الرسول الذي حمل إلى الصرة: أسأت) الظاهر أن أسأت فاعل خرج باعتبار هذا اللفظ، وقد أدب (عليه السلام) كل واحد من الرسول والمرسل إليه بما يليق به، وفيه دلالة على قبح رد بر الصلحاء، وأنه معصية يفتقر إلى الاستغفار. قوله (وذهبت أطلب عديلا فلقيني ابن الوجنا بعد أن كنت صرت إليه) أبو محمد بن الوجنا من نصيبين وهو ممن وقف على معجزات صاحب الزمان صلوات الله عليه كما صرح به الصدوق في كتاب كمال الدين. والمقصود أنه بعد الاستقالة صار إلى ابن الوجنا أولا وطلب أن يكتري له ويطلب له عديلا فوجده كارها لذلك وأبى أن يقبل منه ذلك، ثم ذهب ليطلب عديلا فلقيه ابن الوجنا في الطريق فقال له: أنا في طلبك، وقد قيل لي - والقايل صاحب الزمان (عليه السلام) -: إنه - يعني الحسن - يصحبك، والخطاب لابن الوجنا، وكذا الخطاب في قوله: فأحسن واطلب، والضمير في معاشرته وله للحسن، وفي كتاب كمال الدين " قال الحسن بن الفضل: قصدت ابن وجنا أسأله أن يكتري لي ويرتاد لي عديلا فرأيته كارها ثم لقيته بعد أيام فقال لي: أنا في طلبك منذ أيام قد كتب إلي أن أكتري لك وأرتاد لك عديلا، ابتداء. * الأصل: 14 - علي بن محمد، عن الحسن بن عبد الحميد قال: شككت في أمر حاجز، فجمعت شيئا ثم صرت إلى العسكر، فخرج إلي: ليس فينا شك ولا فيمن يقوم مقامنا بأمرنا، رد ما معك إلى حاجز بن يزيد. * الشرح: قوله (قال شككت في أمر حاجز) هل هو من وكلاء صاحب الزمان أم لا ؟ وهذه الرواية دلت على أنه من وكلائه كما دل عليه ما ذكره الصدوق في كتاب كمال الدين قال: حدثنا محمد بن محمد الخزاعي رضي الله عنه، قال: حدثنا أبو علي الأسدي، عن أبيه، عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي أنه ذكر عدد من انتهى إليه ممن وقف على معجزات (1) صاحب الزمان صلوات الله عليه


1 - قوله " ممن وقف على معجزات " المنقول من معجزات صاحب الزمان (عليه السلام) كثير بحيث يمتنع عادة تواطؤ ناقليها على الكذب وهذا هو الذي يعتمد عليه في باب المعجزات فإنه من اصول الدين لا يكتفى فيه بالظن، والخبر الواحد وإن كان صحيحا في اصطلاح أهل الحديث لا يفيد غير الظن ولذلك كان مبنى علمائنا على تكثير النقل ليحصل التواتر ولم ينظروا في الأسناد كثيرا، ولا يضر كون أسناد بعضها ضعيفا أو مجهولا فإن ذلك غير قادح في التواتر، ولا نشك في أن الشيعة في عصر الكافي وقبله كانوا يعتقدون في الإمام = (*)

[ 348 ]

ورآه من الوكلاء ببغداد العمري وابنه وحاجز إلى آخر ما ذكره. * الأصل: 15 - علي بن محمد، عن محمد بن صالح قال: لما مات أبي وصار الأمر لي، كان لأبي على الناس سفاتج من مال الغريم، فكتبت إليه اعلمه فكتب: طالبهم واستقض عليهم فقضاني الناس إلا رجل واحد كانت عليه سفتجة بأربعمائة دينار فجئت إليه اطالبه فماطلني واستخف بي ابنه وسفه علي، فشكوت إلى أبيه فقال: وكان ماذا ؟ فقبضت على لحيته وأخذت برجله وسحبته إلى وسط الدار وركلته ركلا كثيرا، فخرج ابنه يستغيث بأهل بغداد ويقول: قمي رافضي قد قتل والدي، فاجتمع علي منهم الخلق فركبت دابتي وقلت: أحسنتم يا أهل بغداد تميلون مع الظالم على الغريب المظلوم، أنا رجل من أهل همدان من أهل السنة وهذا ينسبني إلى أهل قم والرفض ليذهب بحقي ومالي، قال: فمالوا عليه وأرادوا أن يدخلوا على حانوته حتى سكنتهم وطلب إلي صاحب السفتجة وحلف بالطلاق أن يوفيني مالي حتى أخرجتهم عنه. * الشرح: قوله (عن محمد بن صالح) عد الصدوق بإسناده السابق محمد بن صالح الهمداني ممن وقف على معجزاته ورآه (عليه السلام) وكان من وكلائه ببغداد. قوله (وصار الأمر لي كان لأبي على الناس سفاتج من مال الغريم) المراد بالأمر الوكالة. والسفاتج جمع السفتجة بضم السين وفتح التاء وهي كما صرح به في كنز اللغة دستك ودفتر (1)


= معجزات ولا يعترفون بإمامة أحد إلا إذا ثبت لديهم دلائل إمامته ونعلم أنهم مع كثرتهم في مشارق الأرض ومغاربها مجمعون على أنهم رأوا من دلائل إمامته عجل الله فرجه ما أقنعهم فما نقل في الكتب مؤيد بالعلم بعادة الشيعة واعتقادهم وإجماعهم، ولولا ذلك لم يكن يودع صاحب الكافي وهو في عصره (عليه السلام) هذه المعجزات ولم يكن يقبل منه الشيعة ولنسبوه إلى الغلو والتخليط وأمثالهما فقبولهم للكافي دليل على أنه يوافق ما رأوا واعتقدوا. وأيضا روى في الكافي معجزات يطلع عليها الشيعة جميعهم إن كانت واقعة كما يأتي إن شاء الله (ش). 1 - قوله " دستك ودفتر " قال في منتهى الارب (سفتجه بالفتح دادن مال خودرا بشخصي درجائى وگرفتن آن مال را از آن در شهر خود) ويقرب منه كلام (برهان قاطع) في لغة سفته بالفارسية وهو الصحيح المراد هنا فإن هذا الرجل الذي قبض محمد بن صالح على لحيته وأخذ برجله وسحبه وسط الدار وركله لم يكن من الشيعة الإمامية الذين يعطون سهم الإمام باختيارهم بل كان من تجار المخالفين ساكنا في بغداد وقد أحال عليه بعض الشيعة من بلاد خراسان أو غيرها مالا ليؤدي إلى وكيل الناحية فماطل، ويمكن أن يسأل هنا عن حجية المكتوب وجواز المطالبة به. = (*)

[ 349 ]

والغريم من له الدين، والمراد به صاحب الزمان (عليه السلام). قوله (واستقض عليهم) بالضاد المعجمة أو بالصاد المهملة على احتمال. قوله (واستخف بى ابنه وسفه على) يقال استخف به أي أهانه وسفه عليه إذا اضطرب وطاش واسمع مالا ينبغى من الكلام. قوله (وكان ماذا) ماذا بمعنى أي شئ أي أي شئ كان، أوما بمعنى أي شئ وذا بمعنى الذي أي شئ الذي كان وعلى التقديرين ليس المقصود استعلام ما وقع بل استحقاره مع الرمز بأنك تستحق أكثر من ذلك. قوله (وسحبته إلى وسط الدار وركلته) يقال: سحبته فإنسحب أي جررته فانجر وركلته أركله من باب نصر أي ضربته بالرجل الواحدة. قوله (حتى أخرجتهم عنه) أي عن ذلك الرجل أو عن حانوته لئلا يؤذوه والحانوت يذكر ويؤنث. * الأصل: 16 - علي، عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن الحسن والعلاء بن رزق الله، عن بدر غلام أحمد ابن الحسن قال: وردت الجبل وأنا لا أقول بالإمامة احبهم جملة إلى أن مات يزيد بن عبد الله فأوصى في علته أن يدفع الشهري السمند وسيفه ومنطقته إلى مولاه، فخفت إن أنا لم أدفع الشهري إلى إذ كوتكين نالني منه استخفاف، فقومت الدابة والسيف والمنطقة بسبعمائة دينار في نفسي ولم اطلع عليه أحدا فإذا الكتاب قد ورد علي من العراق: وجه السبعمائة دينار التي لنا قبلك من ثمن الشهري والسيف والمنطقة. * الشرح: قوله (أن يدفع الشهري السمند) الشهرية بالكسر ضرب من البراذين، والسمند من الخيل


= والجواب انه لا حجة في القرطاس من حيث هو قرطاس مكتوب ولا يثبت به الدين في المحاكم الشرعية ولا في غير المحاكم إذا شك في صحته وإنما الدليل الشهود العدول إذا شهدوا لفظا وفائدة الكتابة شيئان: الأول ذكر الحق كما يسمونها به فإن اقترن بقرائن ذكر الحق يقينا وجب على المديون أداؤه كما هو الغالب، والثاني أن التجار غالبا يلتزمون بالاقرار إذا كان لأحد عليهم دين ليزيد اعتبارهم في الناس ويستودعوهم الأموال ويرسلوا إليهم الأمتعة ولولا الأمانة لضاعت التجارة وركدت وضاعت الأسواق وعادة الناس أن يثقوا بكتابات التجار وأوراق السفاتج والبروات اعتمادا على أمانتهم لا أنهم إذا أنكروا الحق ورضوا بأن يقام عليهم الدعوى في المحاكم ويشتهروا بالخيانة ولم يبالوا بسقوط اعتبارهم بين الناس كان للقاضي أن يلزمهم بالسفاتج من غير إقرار وإقامة شهود. (ش) (*)

[ 350 ]

معروف. * الأصل: 17 - علي، عمن حدثه قال: ولد لي ولد فكتبت أستأذن في طهره يوم السابع فورد: لا تفعل، فمات يوم السابع أو الثامن، ثم كتبت بموته فورد: ستخلف غيره وغيره تسميه أحمد ومن بعد أحمد جعفرا، فجاء كما قال، قال: وتهيأت للحج وودعت الناس وكنت على الخروج فورد: نحن لذلك كارهون والأمر إليك، قال: فضاق صدري واغتممت وكتبت أنا مقيم على السمع والطاعة غير أني مغتم بتخلفي عن الحج فوقع: لا يضيقن صدرك فإنك ستحج من قابل إن شاء الله، قال: ولما كان من قابل كتبت أستأذن، فورد الإذن فكتبت: إني عادلت محمد بن العباس وأنا واثق بديانته وصيانته، فورد: الأسدي نعم العديل. فإن قدم فلا تختر عليه، فقدم الأسدي وعادلته. * الشرح: قوله (فورد: الأسدي نعم العديل) عده الصدوق في كمال الدين من الوكلاء الذين وقفوا على معجزات صاحب الزمان ورواه، وهو محمد بن جعفر بن عون الأسدي الكوفي ساكن الري (1). * الأصل: 18 - الحسن بن علي العلوي قال: أودع المجروح مرداس بن علي مالا للناحية وكان عند مرداس مال لتميم بن حنظلة فورد على مرداس: أنفذ مال تميم مع ما أودعك الشيرازي. * الشرح: قوله (أودع المجروح مرداس بن علي مالا) عد الصدوق - ره - في كتاب كمال الدين المجروح الشيرازي، ومرداس بن على القزويني ممن وقف على معجزات صاحب الزمان صلوات الله عليه ورآه من غير الوكلاء. * الأصل: 19 - علي بن محمد، عن الحسن بن عيسى العريضي أبي محمد قال: لما مضى أبو محمد (عليه السلام) ورد رجل من أهل مصر بمال إلى مكة للناحية فاختلف عليه فقال بعض الناس: إن أبا محمد (عليه السلام) مضى من غير خلف والخلف جعفر وقال بعضهم: مضى أبو محمد عن خلف، فبعث رجلا يكنى بأبي طالب فورد العسكر ومعه كتاب، فصار إلى جعفر وسأله عن برهان، فقال: لا يتهيأ في هذا الوقت، فصار إلى الباب وأنفذ الكتاب إلى أصحابنا فخرج إليه: آجرك الله في صاحبك، فقد مات،


1 - قوله " ساكن الري " ومات سنة 312 على ما في النجاشي. (*)

[ 351 ]

وأوصى بالمال الذي كان معه إلى ثقة ليعمل فيه بما يحب وأجيب عن كتابه. * الشرح: قوله (ورد رجل من أهل مصر) قال الصدوق - ره - ممن وقف على معجزات صاحب الزمان صلوات الله عليه ورآه من أهل مصر من غير الوكلاء صاحب المال بمكة ولعله هذا الرجل. قوله (والخلف جعفر) وهو جعفر الكذاب أخو أبي محمد الحسن العسكري (عليه السلام). قوله (فصار إلى جعفر وساله عن برهان - إلى آخر الحديث) لعل المراد بالباب باب القايم (عليه السلام) وبالأصحاب الوكلاء ويحتمل أن يراد بالباب الوكيل، وبالأصحاب خلص الشيعة والمراد بصاحبك صاحب المال بمكة، أقول: أمثال ذلك كثيرة منها ما رواه الصدوق بإسناده عن أبي الحسن على بن سنان الموصلي، عن أبيه قال: لما قبض أبو محمد (عليه السلام) وفد من قم والجبال وفود بالأموال فلما وصلوا الى سر من رأى وعلموا أنه (عليه السلام) مات سألوا عن وارثه فقالوا: أخوه جعفر بن علي فسألوا عنه فقيل لهم: إنه خرج متنزها وركب زورقا في الدجلة يشرب، ومعه المغنون. قال: فتشور القوم وقالوا: ليست هذه صفات الإمام، وقال بعضهم لبعض: امضوا بنا لنرد هذه الأموال على أصحابها فقال أبو العباس أحمد بن جعفر الحميري القمي: قفوا بنا حتى ينصرف هذا الرجل ونختبر أمره على الصحة فلما انصرف دخلوا عليه فسلموا عليه وقالوا: يا سيدي نحن قوم من أهل قم ومعنا جماعة من الشيعة وغيرها وكنا نحمل إلى سيدنا أبى محمد (عليه السلام) الأموال فقال: وأين هي ؟ قالوا: معنا، قال: احملوا إلي، قالوا: لا إن لهذه الأموال خبرا وطريقا فقال: وما هو ؟ قالوا: إن هذه الأموال تجمع ويكون فيها من عامة الشيعة الدينار، والديناران. ثم يجعلونها في كيس ويختمون عليها، وكنا إذا وردنا بالمال قال: سيدنا أبو محمد (عليه السلام): جملة المال كذا وكذا دينارا من فلان كذا ومن فلان كذا حتى يأتي على أسماء الناس كلهم، ويقول ما على الخواتيم من نقش. فقال جعفر: كذبتم تقولون على أخي ما لم يفعله هذا علم الغيب قال: فلما سمع القوم كلام جعفر جعل ينظر بعضهم إلى بعض فقال لهم: احملوا هذا المال إلي فقالوا: إنا قوم مستأجرون وكلاء لأرباب المال ولا نسلم المال إلا بالعلامات التي كنا نعرفها من سيدنا أبي محمد (عليه السلام)، فإن كنت الإمام فبرهن لنا وإلا رددناها إلى أصحابها يرون فيها رأيهم قال: فدخل جعفر على الخليفة وكان بسر من رأى فاستعدى عليهم فلما حضروا قال الخليفة: احملوا هذا المال إلى جعفر قالوا: أصلح الله أمير المؤمنين إنا قوم مستأجرون وكلاء لأرباب هذه الأموال وهي لجماعة أمرونا أن لا نسلمها إلا بعلامة ودلالة قد جرت بهذه العادة مع أبى محمد (عليه السلام) فقال الخليفة: وما الدلالة التي لأبي محمد ؟ قال القوم: كان يصف الدنانير وأصحابها والأموال وكم هي فإذا فعل ذلك سلمناها إليه، وقد

[ 352 ]

وفدنا مرارا فكانت هذه علامتنا ودلالتنا وقد مات فإن يكن هذا الرجل صاحب هذا الأمر فليقم لنا ما كان يقيم لنا أخوه وإلا رددناها إلى اصحابها فقال: جعفر: يا أمير المؤمنين إن هؤلاء قوم كذابون يكذبون على أخي وهذا علم الغيب فقال الخليفة: القوم رسل وما على الرسول إلا البلاغ المبين قال: فبهت جعفر ولم يحر جوابا فقال القوم: يتطول أمير المؤمنين بإخراج أمره إلى من يبدر معنا حتى نخرج من هذه البلدة قال: فأمرهم بنقيب فأخرجهم منها. فلما أن خرجوا منها خرج عليهم غلام أحسن الناس وجها كأنه خادم فنادى يا فلان بن فلان ويا فلان بن فلان أجيبوا مولاكم، فقال له: أنت مولانا قال: معاذ الله أنا عبد مولاكم فسيروا إليه قالوا: فسرنا معه حتى دخلنا دار مولانا الحسن بن علي (عليه السلام) فإذا ولده (عليه السلام) قاعد على سرير كأنه فلقة القمر عليه ثياب خضر فسلمنا عليه فرد علينا السلام ثم قال: جملة المال كذا وكذا دينارا حمل فلان كذا، وفلان كذا، لم يزل يصف حتى وصف الجميع ثم وصف ثيابنا ورحالنا وما كان معنا من الدواب فخررنا سجدا لله عزوجل شكرا لما عرفنا وقبلنا الأرض بين يديه ثم سألناه عما أردنا وأجاب فحملنا إليه الأموال، وأمرنا القايم (عليه السلام) أن لا نحمل إلى سر من رأى بعدها شيئا فإنه ينصب لنا ببغداد رجلا تحمل إليه الأموال، وتخرج من عنده التوقيعات فانصرفنا من عنده ودفع إلى أبي العباس محمد بن جعفر القمي الحميري شيئا من الحنوط والكفن وقال له: أعظم الله أجرك في نفسك. قال: فما بلغ أبو العباس عقبة همدان حتى توفي - رحمه الله - وكان بعد ذلك تحمل الأموال إلى بغداد إلى النواب المنصوبين بها وتخرج من عندهم التوقيعات، ثم قال الصدوق: هذا الخبر يدل على أن الخليفة كان يعرف هذا الأمر (1) كم هو وأين موضعه، ولهذا كف عن القوم وعما معهم من الأموال ودفع جعفر الكذاب عنهم، ولم يأمرهم بتسليمها إليه إلا إنه كان يجب أن يخفى هذا الأمر ولا يظهر لئلا يهتدى إليه الناس فيعرفوه. أقول إنما لم يؤاخذ الخليفة هؤلاء القوم، ولم يؤذهم ولم يفتش حال من بعث الأموال مع شدة عداوته لمظهري هذا الأمر لأن الله تعالى قد يجعل عدوه شفيقا على أوليائه كما جعل فرعون شفيقا على كليمه موسى (عليه السلام).


1 - قوله " كان يعرف هذا الأمر " ذكرنا سابقا أن بناء الخلفاء كان على المساهلة مع الشيعة الإمامية بعد الرضا (عليه السلام) فإنهم علموا أن مذهب الإمامية ليس مما يعارض بالسيف وأن أئمتهم لن يتوثبوا على ملكهم ولن يعارضوا معهم في دنياهم قبل ظهور الفرج وكان الخليفة في مبدء الغيبة بعد رحلة العسكري (عليه السلام) المعتمد على الله والغالب على الأمر أخوه الموفق ومع ذلك كانوا يفحصون عن الإمام الثاني عشر (عليه السلام) وموضعه كما يأتي إن شاء الله. (ش) (*)

[ 353 ]

* الأصل: 20 - علي بن محمد قال: حمل رجل من أهل آبة شيئا يوصله ونسي سيفا بآبة. فأنفذ ما كان معه فكتب إليه: ما خبر السيف الذي نسيته ؟ * الشرح: قوله (من أهل آبة) هي قرية قرب ساوة، وبلد بإفريقية، وفي الحديث ثلاث آيات: الإخبار بأنه كان في المال سيف، وبأنه لم يجئ به، وبأن سببه هو النسيان. * الأصل: 21 - الحسن بن خفيف، عن أبيه قال: بعث بخدم إلى مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله) ومعهم خادمان وكتب إلى خفيف أن يخرج معهم فخرج معهم فلما وصلوا إلى الكوفة شرب أحد الخادمين مسكرا فما خرجوا من الكوفة حتى ورد كتاب من العسكر برد الخادم الذي شرب المسكر وعزل عن الخدمة. * الأصل: 22 - علي بن محمد، عن [ أحمد بن ] أبي علي بن غياث، عن أحمد بن الحسن قال: أوصى يزيد بن عبد الله بدابة وسيف ومال وأنفذ ثمن الدابة وغير ذلك ولم يبعث السيف فورد: كان مع ما بعثتهم سيف فلم يصل - أو كما قال -. * الشرح: قوله (أو كما قال) ردد الراوى لعدم علمه قطعا بأن المكتوب هو العبارة المذكورة وجوز أن يكون عبارة اخرى تؤدي مؤداها. * الأصل: 23 - علي بن محمد، عن محمد بن علي بن شاذان النيسابوري قال: اجتمع عندي خمسمائة درهم تنقص عشرين درهما فأنفت أن أبعث بخمسمائة تنقص عشرين درهما فوزنت من عندي عشرين درهما وبعثتها إلى الأسدي ولم أكتب مالي فيها، فورد: وصلت خمسمائة درهم، لك منها عشرون درهما. * الأصل: 24 - الحسين بن محمد الأشعري قال: كان يرد كتاب أبي محمد (عليه السلام) في الاجراء على الجنيد قاتل فارس وأبي الحسن وآخر، فلما مضى أبو محمد (عليه السلام) ورد: استيناف من الصاحب لاجراء أبي الحسن وصاحبه ولم يرد في أمر الجنيد بشئ قال: فاغتممت لذلك فورد نعى الجنيد بعد ذلك. * الشرح:

[ 354 ]

قوله (قاتل فارس) بدل من الجنيد (1) وهو فارس بن حاتم بن القزويني وكان غاليا ملعونا لعنه على بن محمد العسكري (عليه السلام). * الأصل: 25 - علي بن محمد، عن محمد بن صالح قال: كانت لي جارية كنت معجبا بها فكتبت أستأمر في استيلادها. فورد: استولدها ويفعل الله ما يشاء، فوطئتها فحبلت ثم أسقطت فماتت. * الأصل: 26 - علي بن محمد قال: كان ابن العجمي جعل ثلثه للناحية وكتب ذلك وقد كان قبل إخراجه الثلث دفع مالا لابنه أبي المقدام، لم يطلع عليه أحد. فكتب إليه: فأين المال الذي عزلته لأبي المقدام. * الشرح: قوله (فأين المال الذي عزلته لأبي المقدام ؟) يعنى أين ثلثه فإن اللازم عليه كان ثلث جميع المال، ولم يخرج ثلث ما دفعه إلى ابنه. * الأصل: 27 - علي بن محمد، عن أبي عقيل عيسى بن نصر قال: كتب علي بن زياد الصيمري يسأل كفنا، فكتب إليه: إنك تحتاج إليه في سنة ثمانين، فمات في سنة ثمانين وبعث إليه بالكفن قبل موته بأيام. * الأصل: 28 - علي بن محمد، عن محمد بن هارون بن عمران الهمداني قال: كان للناحية علي خمسمائة دينار فضقت بها ذرعا، ثم قلت في نفسي: لي حوانيت اشتريتها بخمسمائة وثلاثين دينارا قد جعلتها للناحية بخمسمائة دينار، ولم أنطق بها، فكتب إلى محمد بن جعفر: اقبض الحوانيت من محمد بن هارون بالخمسمائة دينار التي لنا عليه. * الشرح: قوله (فضقت بها ذرعا) أي ضاق ذرعي به وضعفت طاقتي وقوتي عنه، ولم أجد منه مخلصا، وأصل الذرع إنما هو بسط اليد فكأنك تريد مددت يدي إليه فلم تنله، والحوانيت جمع الحانوت،


1 - قوله " بدل عن الجنيد " والمقصود من الاجراء مال قرره الإمام (عليه السلام) للرجال الثلاثة المذكورين يوصل إليهم كل شهر أو كل سنة فلما قبض الإمام أبو محمد (عليه السلام) أمر الحجة بإجراء المقرر على رجلين منهم دون الجنيد لأنه مات. (ش) (*)

[ 355 ]

وهو الدكان. * الأصل: 29 - علي بن محمد قال: باع جعفر فيمن باع صبية جعفرية كانت في الدار يربونها، فبعث بعض العلويين وأعلم المشتري خبرها فقال المشترى: قد طابت نفسي بردها وأن لا أرزأ من ثمنها شيئا، فخذها، فذهب العلوي فأعلم أهل الناحية الخبر فبعثوا إلى المشترى بأحد وأربعين دينارا وأمروه بدفعها إلى صاحبها. * الشرح: قوله (قال: باع جعفر) ليس في هذا الخبر شئ من العلامات ولعل الغرض من ذكره بيان حال جعفر الكذاب، ومخالفته لأمر الله تعالى وغصبه لحق المعصوم اللهم إلا أن يقال فاعل بعث هو الصاحب (عليه السلام). قوله (وأن لا أرزأ من ثمنها شيئا) الواو إما بمعنى مع أو للحال أو للعطف على ردها ولا أرزأ على صيغة المجهول من الرزء وهو النقص يقال ما رزأته ماله وما رزأته ماله أي ما نقصته، وارتزأ الشئ انتقص. قوله (وأمروه بدفعها إلى صاحبها) أراد بصاحبها من يكفلها وينظر في أمرها. * الأصل: 30 - الحسين بن الحسن العلوي قال: كان رجل من ندماء روز حسني وآخر معه فقال له: هو ذا يجبي الأموال وله وكلاء وسموا جميع الوكلاء في النواحي وأنهى ذلك إلى عبيد الله بن سليمان الوزير (1)، فهم الوزير بالقبض عليهم فقال السلطان: اطلبوا أين هذا الرجل فإن هذا أمر غليظ، فقال عبيد الله بن سليمان: نقبض على الوكلاء، فقال السلطان: لا ولكن دسوا لهم قوما لا يعرفون بالأموال، فمن قبض منهم شيئا قبض عليه، قال: فخرج بأن يتقدم إلى جميع الوكلاء أن لا يأخذوا


1 - قوله: " عبيد الله بن سليمان الوزير " كان وزير المعتضد واستوزر بعده ابنه القاسم بن عبيد الله وقتل سنة 291 وهو الذي قيل فيه: لابد للنفس من سجود * في زمن القرد للقرود هبت لك الريح يا ابن وهب * فخذ لها أهبة الركود ووهب اسم جده. وهذا الذي نقله الكافي واقعة لو كانت كما نقل اطلع عليها جميع الشيعة والوكلا وولا تجرأ أحد على نقل مثله كذبا كما لو نقل أحد ما يطلع عليه الناس جميعا كقحط وخصب وزلزلة وطوفان وحكم سلطاني عام وكذلك الخبر الآتي من نهى الناس عن زيارة مقابر قريش والحير. (ش) (*)

[ 356 ]

من أحد شيئا وأن يمتنعوا من ذلك ويتجاهلوا الأمر، فاندس لمحمد بن أحمد رجل لا يعرفه وخلا به فقال: معي مال اريد أن اوصله، فقال له محمد: غلطت أنا لا أعرف من هذا شيئا، فلم يزل يتلطفه ومحمد يتجاهل عليه، وبثوا الجواسيس وامتنع الوكلاء كلهم لما كان تقدم إليهم. * الشرح: قوله (دسوا لهم قوما) الدس الإخفاء تقول: دسست الشئ في التراب إذا أخفيته فيه والدسيس إخفاء المكر. * الأصل: 31 - علي بن محمد قال: خرج نهي عن زيارة مقابر قريش والحير [ ة ] فلما كان بعد أشهر دعا الوزير الباقطائي (1) فقال له: الق بني الفرات والبرسيين وقل لهم: لا يزوروا مقابر قريش فقد أمر الخليفة أن يتفقد كل من زار فيقبض [ عليه ]. * الشرح: قوله (والحير) الحير كربلا كالحاير. قوله (الق بني الفرات والبرسيين) قال الفيروزآبادي البرس قرية بين الكوفة والحلة، وقال ابن الأثير: برس أجمة معروفة بالعراق وهي الآن قرية، وأما بنو الفرات فقيل هم كانوا رهط الوزير أبي الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات من وزراء بني العباس، وهو الذي صحح طريق الخطبة الشقشقية (2) إلى أمير المؤمنين (صلى الله عليه وآله) قبل الرضي رحمه الله.


1 - قوله " الباقطائي " منسوب إلى باقطايا قرية من قرى بغداد كان كاتبا من كتاب الوزير، وقال الياقوت في معجم البلدان بعد ذكر باقطايا منها الحسين بن علي الأديب الكاتب أو نحوه وبنو الفرات قوم معروفون تصدوا للوزارة وذكرهم وارد في أكثر الكتب لا حاجة إلى نقله ولا ريب أن الوزير كان نفسه من بني الفرات أراد بذلك حفظ عشيرته الشيعيين. (ش) 2 - قوله " وهو الذي صحح طريق الخطبة الشقشقية " قال الحكيم الفاضل ابن ميثم البحراني في شرح نهج البلاغة: قد وجدتها - يعني الحطبة الشقشقية - في موضعين تاريخهما قبل مولد الرضي بمدة: أحدهما أنها مضمنة كتاب الإنصاف لأبي جعفر بن قبة تلميذ أبي القاسم الكعبي أحد شيوخ المعتزلة وكانت وفاته قبل مولد الرضي، الثاني أني وجدتها بنسخة عليها خط الوزير أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات وكان وزير المقتدر بالله وذلك قبل مولد الرضي بنيف وستين سنة، والذي يغلب على ظني أن تلك النسخة كانت كتبت قبل وجود ابن الفرات بمدة إنتهى. وأقول: إنما ذكر ذلك لاستبعاد جماعة من أهل السنة أن يكون أمير المؤمنين (عليه السلام) شكى ممن قبله ونسبوا تلك الخطبة إلى جعل الرضي رحمه الله وهي من الدعاوى التي دليل بطلانها الكلام وهذا الاسلوب فقد رأينا كلامه = (*)

[ 357 ]

باب ما جاء في الاثنى عشر والنص عليهم (عليهم السلام) (1) * الأصل: 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد البرقي، عن أبي هاشم داود بن القاسم الجعفري، عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام) قال: أقبل أمير المؤمنين ومعه الحسن بن علي (عليهما السلام) وهو متكئ على يد سلمان فدخل المسجد الحرام فجلس، إذ أقبل رجل حسن الهيئة واللباس فسلم على أمير المؤمنين، فرد عليه السلام فجلس، ثم قال: يا أمير المؤمنين أسألك عن ثلاث مسائل إن أخبرتني بهن علمت أن القوم ركبوا من أمرك ما قضى عليهم وأن ليسوا بمأمونين في دنياهم وآخرتهم وإن تكن الاخرى علمت أنك وهم شرع سواء، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): سلني عما بدا لك، قال: أخبرني عن الرجل إذا نام أين تذهب روحه ؟ وعن الرجل كيف يذكر وينسى ؟ وعن الرجل كيف


= في نظمه ونثره لا يقرب من هذا الكلام ولا ينتظم في سلكه على أني قد رأيت هذه الخطبة بخطوط العلماء الموثوق بنقلهم من قبل أن يخلق أبو الرضي فضلا عنه. انتهى كلام ابن الخشاب. وأقول: قد مر في الصفحة 212 و 213 من هذا المجلد رواية عن صحيح مسلم صريحة في شكاية أمير المؤمنين (عليه السلام) عن أبي بكر وقوله له: إنك استبددت علينا بالأمر فإذا جاز شكايته عن الأول وادعائه الأحقية بالخلافة منه جاز عن الثاني والثالث بالطريق الأولى وليس مسلم ممن يتهم في هذا الخبر وكأني رأيت نظيره في البخاري أيضا والله العالم، وأما الوزير أبو الفتح الفضل بن جعفر بن فرات الذي ذكره الشارح فكأنه اشتباه بأبي الحسن على بن محمد الذي ذكره ابن ميثم وابن ميثم هو الأصل في نقله وكان وزارة أبي الحسن علي في دولة المقتدر ثلاث مرات في زمان حياة الكليني رحمه الله، وأما أبو الفتح فضل بن جعفر فوزارته سنة وفاته وليس هو المراد من الوزير الذي يشير إليه قطعا. (ش) 1 - قوله " ما جاء في الاثني عشر " أما الاثنا عشر بغير تعيين الاسم فوارد في الروايات المتفق عليها بين الشيعة وأهل السنة فلا يضر ضعف إسناد ما روي في هذا الباب، فقد روى البخاري ومسلم وأبو داود في صحاحهم وأحمد بن حنبل في المسند عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالفاظ مختلفة ومعنى واحد أن الأئمة بعده اثنا عشر ولا يزال الإسلام عزيزا ماداموا خليفة، وهذا من أقوى حجج الإمامية القائلين بإثني عشر إماما، والبخاري ومسلم وأحمد بن حنبل رووا هذه الروايات وأدرجوها في كتبهم قبل أن يشتهر الإمامية بالاثنى عشرية فإنهم كانوا في عهد الرضا والجواد والهادي (عليهم السلام) وكان تأليفهم قبل ولادة صاحب الأمر عجل الله فرجه فلا يحتمل أن يكون مجعولة مع أن ذكر الاثني عشر وارد في كتاب سليم ابن قيس الهلالي كما يأتي وإن كان نسبة الكتاب إلى سليم غير ثابتة بل ثابت العدم لكن لاريب في وجود هذا الكتاب في عهد الصادق (عليه السلام) والمتهم بوضعه أبان بن أبي عياش كان قبل عصره (عليه السلام) فلا ريب في شهرة كون الأئمة اثنى عشر بين الرواة. (ش) (*)

[ 358 ]

يشبه ولده الأعمام والأخوال ؟ فالتفت أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى الحسن فقال: يا أبا محمد أجبه، قال: فأجابه الحسن (عليه السلام) فقال الرجل: أشهد أن لا إله إلا الله ولم أزل أشهد بها، وأشهد أن محمدا رسول الله ولم أزل أشهد بذلك، وأشهد أنك وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله) والقائم بحجته - وأشار إلى أمير المؤمنين - ولم أزل أشهد بها وأشهد أنك وصيه والقائم بحجته - وأشار إلى الحسن (عليه السلام) - وأشهد أن الحسين بن علي وصي أخيه والقائم بحجته بعده، وأشهد على علي بن الحسين أنه القائم بأمر الحسين بعده، وأشهد على محمد بن علي أنه القائم بأمر علي بن الحسين، وأشهد على جعفر بن محمد بأنه القائم بأمر محمد، وأشهد على موسى أنه القائم بأمر جعفر بن محمد، وأشهد على علي بن موسى أنه القائم بأمر موسى بن جعفر، وأشهد على محمد بن علي أنه القائم بأمر علي بن موسى، وأشهد على علي بن محمد بأنه القائم بأمر محمد بن علي وأشهد على الحسن بن علي بأنه القائم بأمر علي بن محمد وأشهد على رجل من ولد الحسن لا يكنى ولا يسمى حتى يظهر أمره فيملأها عدلا كما ملئت جورا، والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، ثم قام فمضى، فقال أمير المؤمنين: يا أبا محمد اتبعه فإنظر أين يقصد ؟ فخرج الحسن بن علي (عليهما السلام) فقال: ما كان إلا أن وضع رجله خارجا من المسجد فما دريت أين أخذ من أرض الله ؟ فرجعت إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فأعلمته. فقال: يا أبا محمد أتعرفه ؟ قلت: الله ورسوله وأمير المؤمنين أعلم، قال: هو الخضر (عليه السلام). * الشرح: قوله (قال: فأجابه الحسن (عليه السلام)) فقال: أما ما سألت عن أن الإنسان إذا نام أين تذهب روحه فإن روحه متعلقة بالريح وريحه متعلقة بالهواء إلى وقت ما يتحرك صاحبها للتيقظ فإن أذن الله عزوجل برد تلك الروح إلى صاحبها جذبت تلك الروح الريح، وجذبت تلك الريح الهواء، فرجعت الروح في بدنه وإن لم يأذن برد تلك الروح إلى صاحبها جذب الهواء الريح، وجذبت الريح الروح فلم ترد إلى صاحبها إلى يوم يبعث. أقول: لعل المراد بالروح النفس الناطقة المجردة، فإن الروح الحيواني تبقى في البدن في حالة النوم، وبالريح القوة القدسية التي من شأنها إمالة النفس إلى عالم القدس أو القوة الشريرة التي من شأنها إمالتها إلى الهاوية وتعلق النفس بها كتعلق الموصوف بالصفة، وإطلاق الريح على القوة شائع لغة وعرفا. والهواء إن كان مقصورا وإن لم يوافقه رسم الخط فالمراد به الحب والميل إلى الجهة العالية أو الهاوية، وتعلق الريح به كتعلق السبب بالمسبب والمعنى أن الإنسان إذا نام وفارق النفس البدن فإن أذن الله تعالى برد تلك الروح إلى البدن جذبت تلك الروح من حيث هي أو من جهة

[ 359 ]

القوة الشهوية أو العاملة الريح يعنى القوة المذكورة، وغلبت عليها في التجاذب، وجذبت تلك الريح الهواء فلا يتحقق أمره فرجعت الروح إلى البدن وسكنت فيه، وإن لم يأذن به صار الأمر بالعكس فيلحق إما بأهل الجنة أو بأهل النار، وإن كان ممدودا فالمراد الفضاء بين الأرض والسماء. والمراد بتعلق الريح به كونها فيه وبجذبها إياه، مفارقتها عنه إلى البدن، وبجذبه إياها كونها فيه كما كان. هذا الذي ذكرناه على سبيل الاحتمال، والله أعلم بحقيقة الحال. وقال (عليه السلام): وأما ما ذكرت من أمر الذكر والنسيان فإن قلب الرجل في حق وعلى الحق طبق فإن صلى عند ذلك على محمد وآل محمد صلاة تامة انكشف ذلك الطبق عن ذلك الحق فأضاء القلب فذكر الرجل ما كان نسيه، وإن لم يصل على محمد وآل محمد ونقص من الصلاة عليهم انطبق ذلك الطبق على ذلك الحق فأظلم الحق ونسي الرجل ما كان ذكره. أقول: الحق - بالضم - جمع الحقة وهي معروفة، وفتح الحاء أيضا محتمل والطبق الغطاء، وفيه دلالة على أن الصلوات على النبي وآله صلوات الله عليهم والتوسل بهم سبب لإدراك الحق وانكشافه على القلب وتركها سبب لعدم إدراكه ونسيانه، وفي الأخبار تصريح بأن العلوم الحقة كلها من جهة حضرته المقدسة. وقال (عليه السلام): وأما ما ذكرت من أمر المولود الذي يشبه أعمامه وأخواله فإن الرجل إذا أتى أهله فجامعها بقلب ساكن، وعروق هادئة وبدن غير مضطرب فاسكنت تلك النطف في جوف الرحم خرج الولد يشبه أباه وأمه، وإن هو أتاه بقلب غير ساكن، وعروق غير هادئة، وبدن مضطرب اضطربت تلك النطفة ووقعت في وقت اضطرابها على بعض العروق. فإن وقعت في عرق من عروق الأعمام أشبه الولد أعمامه وإن وقع على عرق من عروق الأخوال أشبه الرجل أخواله. أقول: الظاهر أن عروق الأعمام في الأب وعروق الأخوال في الام وأن السكون والاضطراب يوجدان في الام أيضا كما يوجدان في الأب وإنما الظاهر ذلك لاحتمال أن يكون كلا العرقين في الام، ومن طريق العامة: إن ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر فمن أيهما علا أو سبق يكون منه الشبه. ومن طريقهم الآخر: إذا علا ماؤها ماء الرجل أشبه الولد أخواله وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه أعمامه. ومن طريق آخر: سأل النبي (صلى الله عليه وآله) حبر من أحبار اليهود عن الولد فقال (عليه السلام): ماء الرجل أبيض، وماء المرأة أصفر فإذا اجتمع فعلا مني الرجل مني المرأة أذكر بإذن الله تعالى، وإذا علا مني المرأة مني الرجل انث بإذن الله تعالى. قال بعضهم: معنى العلو الغلبة على الآخر ومعنى السبق الخروج أولا، وزعم بعضهم أن العلو علة شبه الأعمام والأخوال، والسبق علة للإذكار والإيناث ورد ذلك التفصيل بأنه جعل في حديث الحبر العلو علة الإذكار والإيناث وأجاب

[ 360 ]

عنه الآبي بأن العلو في حديث الحبر بمعنى السبق إلى الرحم لأن ما علا سبق، ويتعين تفسيره بذلك فإنه في حديث المرأة جعل العلو علة شبه الأعمام والأخوال وجعله في حديث الحبر علة الإذكار والإيناث فلو أبقينا العلو في حديث الحبر على بابه لزم مقتضى الحديث أن يكون العلو علة في شبه الأعمام والأخوال وفي الإذكار والإيناث، ولا يصح لأن الحس يكذبه لأنا نشاهد الولد ذكرا ويشبه الأخوال، ووجه الجمع بين أحاديث الباب أن يكون الشبه المذكور في هذا الحديث يعنى به الشبه الأعم من كونه في التذكير والتأنيث وشبه الأعمام والأخوال والسبق إلى الرحم علة التذكير والتأنيث، ويخرج من مجموع ذلك أن الأقسام أربعة: إن سبق ماء الرجل وعلا اذكر وأشبه الولد أعمامه، وإن سبق ماء المرأة وعلا انث وأشبه الولد أخواله، وإن سبق ماء الرجل وعلا ماءها اذكر وأشبه الولد أخواله، وإن سبق ماء المرأة وعلا ماءه انث وأشبه الولد أعمامه. قوله (قال: هو الخضر (عليه السلام)) هو حي موجود، ومن امة نبينا (عليه السلام)، وكان نبيا وله شغل في هذا العالم، قال العياض: قد اضطرب العلماء في الخضر (عليه السلام) هل هو نبي أو ولي ؟ واحتج من قال بنبوته بكونه أعلم من موسى (عليه السلام) إذ يبعد أن يكون الولي أعلم من النبي، وبقوله تعالى: * (ما فعلته عن أمري) * لأنه إذا لم يفعله بأمره فقد فعله بالوحي، وهذه هي النبوة، واجيب بأن ليس في الآية تعيين من بلغه ذلك عن الله تعالى فيحتمل أن يكون نبي غيره أمره بذلك، وقال المازري: القائل بأنه ولي القشيري وكثير. وقال الشعبي: هو نبي معمر محجوب عن أكثر الناس، وحكى الماوردي فيه قولا ثالثا أنه ملك، قيل: والقائلون بأنه نبى اختلفوا في كونه مرسلا، فإن قلت: يضعف القول بنبوته بحديث " لا نبي بعدي " قلت: المعنى لا نبوة منشؤها بعدى والإلزم في عيسى (عليه السلام) حين ينزل فإنه بعده أيضا هذا كلامه. وقال الثعلبي: قد اختلف فقيل كان في زمن إبراهيم (عليه السلام)، وقيل: بعده بقليل، وقيل: بعده بكثير، وقيل: إنه لا يموت إلا في آخر الزمان حين يرفع القرآن، وقال بعضهم: جمهور العلماء الصالحين على أنه حي وحكايات اجتماعهم به في مواضع الخير وأخذهم منه وسؤالهم عنه وجوابه لهم لا تحصى كثرة، وشذ بعض المحدثين فأنكر حياته. انتهى كلامه. وقال الآبي في كتاب إكمال الإكمال: هو حي وحياته الطويلة جائزة، وفيه حكايات لا تحصى كثرة فمنها ما رواه مسلم أنه دخل على أم سلمة فقال لها النبي (صلى الله عليه وآله): ذلك الخضر، ورووا أن زوجتيه إحداهما السوداء والاخرى البيضاء وأنهما الليل والنهار، ونقل عن بعض من رآه أنه سأله هل لك زوجة ؟ فقال لي: زوجتان سوداء وبيضاء، ولم يذكر الليل والنهار، ونقل غير ذلك من الحكايات.

[ 361 ]

* الأصل: 2 - وحدثني محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن أبي عبد الله عن أبي هاشم مثله سواء. قال محمد بن يحيى: فقلت لمحمد بن الحسن: يا أبا جعفر وددت أن هذا الخبر جاء من غير جهة أحمد بن أبي عبد الله قال: فقال: لقد حدثني قبل الحيرة بعشرة سنين. * الشرح: قوله (من غير جهة أحمد بن أبي عبد الله) (1) كأنه أحمد بن محمد بن خالد البرقى الذي أخرجه أحمد بن محمد بن عيسى من قم لما قذف به وطعن عليه القميون، وذكره الشيخ في أصحاب الجواد والهادي (عليهما السلام)، وعاش بعد أبى محمد الحسن العسكري أربع عشر سنة، وقيل عشرين سنة، وتوفى سنة أربع وسبعين ومائتين على الأول وسنة ثمانين ومائتين على القول الآخر، ولعل المراد بالحيرة (2) تحيره بعد موت العسكري (عليه السلام) في وجود الصاحب (عليه السلام) أو تحيره بانحرافه لكبر سنه. أو زمان الحيرة، وهو وقت وفاة العسكري (عليه السلام). * الأصل: 3 - محمد بن يحيى ومحمد بن عبد الله، عن عبد الله بن جعفر، عن الحسن بن ظريف وعلي بن


1 - قوله " من غير جهة أحمد بن أبي عبد الله " ترديد من السامع في صحة الحديث لمكان راويه وعدم الثقة به وقيل: كان يعمل بالمراسيل وهو صاحب كتاب المحاسن. وقدح في الحديث وفي أمثاله مما ذكر فيه أسماء الأئمة تفصيلا بعض الزيدية بإن الطائفة الإمامية كانوا يتفحصون بعد كل إمام عن القائم بعده حتى إن كبار محديثهم كزرارة بعد قبض الإمام الصادق (عليه السلام) لم يتبين له إمامة موسى بن جعفر (عليهما السلام) بعد فإن الذين ذهبوا الى المدينة لتفحص أمر الإمام بعد الصادق لما يرجعوا وقد حضر زرارة الموت فجعل المصحف على صدره وقال: إمامي من يتعين بهذا المصحف. وهكذا رجع بعضهم إلى عبد الله الأفطح، واختلفوا بعد الكاضم (عليه السلام) في الرضا (عليه السلام) وقال بعضهم بالوقف على الكاظم (عليه السلام) ولو كان الأئمة متعينين لم يعهد منهم التفحص. والجواب أن هذا الحديث بناء على صحته لم يكن متداولا من زمان أمير المؤمنين (عليه السلام) بأيدي الرواة ولو كان كذلك لكثر نقله في الكتب واستفاض مع أنا لم نره إلا بهذا الإسناد وعن أبى هاشم الجعفري عن الجواد (عليه السلام) فهو كان مكنونا عند الأئمة (عليهم السلام) حتى إذا رأى الجواد (عليه السلام) المصلحة في إظهاره ولا منافاة بين صحته وخفائه، نعم إن اريد الاحتجاج على إمامتهم بالخبر الواحد توجه الإيراد لكن بناء الإمامية على عدم الاعتماد على خبر الواحد في اصول الدين وإن كان صحيحا بل كانوا يطلبون اليقين ويفحصون عن المتواتر ولذلك تفحصوا بعد مضي كل إمام عن القائم بعده. (ش) 2 - قوله " ولعل المراد بالحيرة " الأظهر أن المراد بها الغيبة ومقصود الراوي دفع القدح فيه بإن أحمد بن أبي عبد الله وإن كان ضعيفا لكن الخبر متضمن للخبر عن الغيب إذ أخبر بالغيبة قبل عشر سنين من وقوعها. (ش) (*)

[ 362 ]

محمد، عن صالح بن أبي حماد، عن بكر بن صالح (1) عن عبد الرحمن بن سالم عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أبي لجابر بن عبد الله الأنصاري: إن لي إليك حاجة فمتى يخف عليك أن أخلو بك فأسألك عنها ؟ فقال له جابر: أي الأوقات أحببته، فخلا به في بعض الأيام فقال له: يا جابر أخبرني عن اللوح الذي رأيته في يد امي فاطمة (عليها السلام) بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وما أخبرتك به أمي أنه ذلك اللوح مكتوب ؟ فقال جابر: أشهد بالله أني دخلت على امك فاطمة (عليها السلام) في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهنيتها بولادة الحسين ورأيت في يديها لوحا أخضر، ظننت أنه من زمرد ورأيت فيه كتابا أبيض، شبه لون الشمس، فقلت لها: بأبي وأمي يا بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما هذا اللوح ؟ فقالت: هذا لوح أهداه الله إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيه اسم أبي واسم بعلي واسم ابني واسم الأوصياء من ولدي وأعطانيه أبي ليبشرني بذلك، قال جابر: فأعطتنيه امك فاطمة (عليها السلام) فقرأته واستنسخته، فقال له أبي: فهل لك يا جابر أن تعرضه علي ؟ قال: نعم، فمشى معه أبي إلى منزل جابر فأخرج صحيفة من رق، فقال: يا جابر انظر في كتابك (2) لأقرأ [ أنا ] عليك، فنظر جابر في نسخته فقرأه أبي فما خالف حرف حرفا، فقال جابر: فأشهد بالله أني هكذا رأيته في اللوح مكتوبا: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله العزيز الحكيم لمحمد نبيه ونوره وسفيره وحجابه ودليله نزل به الروح الأمين من عند رب العالمين، عظم يا محمد أسمائي واشكر نعمائي ولا تجحد آلائي، إني أنا الله لا إله إلا أنا قاصم الجبارين ومديل المظلومين وديان الدين إني أنا الله لا إله إلا أنا، فمن رجا غير فضلي أو خاف غير عدلي، عذبته عذابا لا اعذب به أحدا من العالمين فإياي فاعبد، وعلي فتوكل، إني لم أبعث نبيا فأكملت أيامه وانقضت مدته إلا جعلت له وصيا وإني فضلتك على الأنبياء وفضلت وصيك على الأوصياء وأكرمتك بشبليك وسبطيك حسن وحسين، فجعلت حسنا معدن علمي بعد انقضاء مدة أبيه، وجعلت حسينا خازن وحيي وأكرمته بالشهادة وختمت له بالسعادة. فهو أفضل من استشهد وأرفع الشهداء درجة، جعلت كلمتي التامة معه وحجتي البالغة عنده، بعترته اثيب واعاقب، أولهم علي سيد العابدين وزين أوليائي الماضين


1 - قوله " عن بكر بن صالح " يعنى روى الحسن بن ظريف وصالح بن أبي حماد كلاهما عنه. (ش) 2 - قوله " يا جابر انظر في كتابك " قالوا: إنه قد كف بصره في آخر عمره ومات سنة 74 وروي أنه كان في زيارة الاربعين مكفوفا وكان ملاقاة الباقر (عليه السلام) له بعد ذلك قطعا حين انتقل جابر من الكوفة إلى المدينة آخر عمره وتوفي بالمدينة ولا ريب أن هذا الخبر ضعيف إسنادا ولكن لا ينحصر رواية جابر في هذا الإسناد كما يأتي إن شاء الله في الحديث التاسع وليس فيه شئ ينكر. (ش) (*)

[ 363 ]

وابنه شبه جده المحمود محمد الباقر علمي والمعدن لحكمتي سيهلك المرتابون في جعفر، الراد عليه كالراد علي، حق القول مني لاكرمن مثوى جعفر ولاسرنه في أشياعه وأنصاره وأوليائه، اتيحت بعده موسى فتنة عمياء حندس لأن خيط فرضي لا ينقطع وحجتي لا تخفى وأن أوليائي يسقون بالكأس الأوفى، من جحد واحدا منهم فقد جحد نعمتي، ومن غير آية من كتابي فقد افترى علي، ويل للمفترين الجاحدين عند انقضاء مدة موسى عبدي وحبيبي وخيرتي في علي وليي وناصري ومن أضع عليه أعباء النبوة وامتحنه بالاضطلاع بها، يقتله عفريت مستكبر، يدفن في المدينة التي بناها العبد الصالح إلى جنب شر خلقي، حق القول مني لاسرنه بمحمد ابنه وخليفته من بعده ووارث علمه، فهو معدن علمي وموضع سري وحجتي على خلقي، لا يؤمن عبد به إلا جعلت الجنة مثواه وشفعته في سبعين من أهل بيته كلهم قد استوجبوا النار، وأختم بالسعادة لابنه علي وليي وناصري والشاهد في خلقي وأميني على وحيي، أخرج منه الداعي إلى سبيلي والخازن لعلمي الحسن واكمل ذلك بابنه " م ح م د " رحمة للعالمين، عليه كمال موسى وبهاء عيسى وصبر أيوب فيذل أوليائي في زمانه وتتهادى رؤوسهم كما تتهادى رؤوس الترك والديلم فيقتلون ويححرقون ويكونون خائفين، مرعوبين وجلين، تصبغ الأرض بدمائهم ويفشوا الويل والرنة في نسائهم اولئك أوليائي حقا، بهم أدفع كل فتنة عمياء حندس وبهم أكشف الزلازل وأدفع الآصار والأغلال اولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة واولئك هم المهتدون. قال عبد الرحمن بن سالم: قال أبو بصير: لو لم تسمع في دهرك، إلا هذا الحديث لكفاك، فصنه إلا عن أهله. * الشرح: قوله (لمحمد نبيه ونوره وسفيره وحجابه ودليله) وهو (صلى الله عليه وآله) من حيث أنه يخبر عن الله أو يكون درجته فوق الدرجات يسمى نبيا ومن حيث أنه يهتدى به الخلائق أو يكون من نور الحق يسمى نورا ومن حيث أنه مصلح بين الخلق يسمى سفيرا وهو يسمى المصلح بين القوم، يقال: سفرت بين القوم أسفر سفارة إذا سعيت بينهم في الإصلاح، ومن حيث أن المتوسل به متوسل بالله تعالى، وأن له وجهين وجها إلى الله ووجها إلى الخلق يسمى حجابا، ومن حيث أنه يرشد الخلق إلى طريق الحق يسمى دليلا. قوله (عظم يا محمد أسمائي) المراد بالأسماء أسماء ذاته المقدسة التي وضعها ليدعوه بها ولا يجهلوه أو الأئمة (عليهم السلام) وقد مر في كتاب التوحيد أنهم الأسماء الحسنى، وبالنعماء نعمة النبوة

[ 364 ]

واصولها وفروعها، وبالآلاء ساير النعماء الظاهرة والباطنة التي لا تعد ولا تحصى، ويحتمل أن يراد بالاولى النعمة الباطنة، وبالثانية النعمة الظاهرة أو بالعكس أو يراد بالاولى نعمة الوجود ومكملاته، وبالثانية غيره. قوله (قاصم الجبارين) بالإذلال والموت والمصيبة والعقوبة والتأديب والتعذيب. والقصم الكسر الشديد. قوله (ومديل المظلومين) أي ناصرهم، والمنتقم لهم، وجاعلهم غالبين عليهم يوم لا ينفع مال ولا بنون، بل في هذه الدار أيضا لأن الظلم يؤثر في الظالم ولو بعد حين كما هو المجرب، وفي كتاب كمال الدين: " ومذل الظالمين " بدله. قوله (وديان الدين) أي المجازى كل أحد بفعله وعمله والديان المجازي القاهر الغالب على جميع من سواه. قوله (فمن رجا غير فضلى أو خاف غير عدلي) يفهم منه وجوب صرف وجه الرجاء إلى فضله وعدم الخوف من ظلمه أو وجوب الخوف من عدله فإن من اتصف بخلاف ذلك كان مشركا بالله العظيم، ومستحقا للعذاب الأليم. قوله (بشبليك وسبطيك) الشبل بالكسر ولد الأسد إذا أدرك الصيد وقد تطلق على الولد مطلقا، وفي بعض النسخ بسليلك، والسليل الولد والاثنى سليلة، والسبط قيل: هو الولد، وقيل: ولد الولد، وقيل: ولد البنت. قوله (خازن وحيي) أي حافظه من الحزن، وهو حفظ الشئ في الخزانة ثم يعبر به عن كل حفظ ويجمع الخازن على الخزان، ومنه قيل: الأئمة (عليهم السلام) خزان علم الله ووحيه. قوله (جعلت كلمتي التامة وحجتي البالغة عنده) لعل المراد بالكلمة التامة القرآن، وبالحجة البالغة الشريعة أو الإيمان أو البرهان الداعي إليه. قوله (محمد الباقر علمي) علمي اما بكسر العين على أنه مفعول " الباقر " أي الفاتح المظهر له، والكاشف إياه ويؤيده أن في بعض نسخ الكتاب وفي كمال الدين " لعلمي " باللام أو بفتح العين واللام على أنه خبر لقوله وابنه، وعلى الأول خبره شبه جده أو محمد، أو ابنه خبر تقديره وثانيهم ابنه. قوله (ولاسرنه) هو بفتح الهمزة من السرور، وهو خلاف الحزن تقول سرني فلان مسرة وسر هو على مالا يسم فاعله، وأما ضمها على أن يكون من الإسرار بمعنى الإظهار والإعلان فالظاهر أنه بعيد، والأولياء أخص من الأنصار، والأنصار أخص من الاشياع.

[ 365 ]

قوله (اتيحت بعده موسى فتنة عمياء حندس) تاح له الشئ بالتاء المثناة الفوقانية واتيح له الشئ على صيغة المفعول قدر له، وأتاح الله له الشئ أي قدره له، والتياح من الفرس ما يعترض في مشيته نشاطا على قطريه، والفتنة في الأصل الامتحان والاختبار. وقد كثر استعمالها فيما أخرجه الاختبار للمكروه ثم كثر حتى استعمل بمعنى الاسم والكفر والقتال والإحراق والإزالة والصرف من الشئ ومن ذلك الوقت فإن كثيرا من شيعة أبيه رجعوا عنه، ووقفوا فيه وإنما وصف الفتنة بالعمياء، والحندس وهو بالكسر الظلمة للمبالغة والتأكيد في ضلالة القوم، وإضلالهم وإعراضهم عن طريق الحق وخروجهم عن منهج الصواب واتصافهم بالظلم والجور والطغيان حتى كأنهم عموا لا يهتدون إلى الحق سبيلا، ووقعوا في ظلمة شديدة لا يجدون إلى الخير دليلا وفي بعض النسخ انبحت بالنون من النباح، وهو صياح الكلب يقول انبحت الكلب فنبح نباحا إذا صاح، والنبوح ضجة الحى وأصوات كلابهم ونسبة النبوح إلى الفتنة على سبيل الاتساع والتجوز أو المراد نبوح أهلها. وفي بعض النسخ ابيحت بمعنى اظهرت تقول: باح بسره وأباحه إذا اظهره، وفي ربيع الشيعة انتجبت بعده موسى واتيحت بعده فتنة، وهو الأظهر. قوله (لأن خيط فرضي) في كتاب كمال الدين لأن خيط وصيتي، وهو دليل لما فهم ضمنا اتصال إمامة موسى بإمامه أبيه (عليهما السلام). قوله (وأن أوليائي يسقون بالكأس الأوفى) المراد بأوليائه من آمن بحججه جميعهم، وهم يسقون في الآخرة من غير نقص شرابا طهورا ورحيقا مختوما، وفيه وعد بحسب المنطوق ووعيد بحسب المفهوم، وفي كتاب كمال الدين: وإن أوليائي لايسبقون أبدا ألا ومن جحد - الى آخره. قوله (فقد جحد نعمتي) لأن كل واحد منهم أعظم نعمة من نعمائه على العباد فمن جحد واحدا منهم فقد جحد نعمته أو المراد بالنعمة نعمة الخلافة على الإطلاق، فمن جحد واحدا منهم فقد جحد الجميع. قوله (ومن غير آية من كتابي) الظاهر أن المراد بالاية الآية القرآنية، ويحتمل أن يراد بها الإمام، وقد مر أن المراد بالآيات في القرآن الأئمة (عليهم السلام). قوله (وامتحنه بالاضطلاع بها) يقال فلان مضطلع هذا الأمر أي شديد قوي، وهو مفتعل من الضلالة، وهي الشدة والقوة على احتمال الثقيل، وقد جرت حكمة الله تعالى على أن يختبر عباده، ويضع أثقال النبوة وأعباء الخلافة على تام الخلق والخلق والقوى في العلم والعمل. قوله (يقتله عفريت) العفريت الرجل الخبيث الداهي، الشرير الظلوم، الشيطان. قوله (التي بناها العبد الصالح إلى جنب شر خلقي) المراد بالعبد الصالح ذوالقرنين وبشر الخلق

[ 366 ]

هارون الرشيد، والى متعلق ب‍ (يدفن). قوله (وتتهادى رؤوسهم) (1) أي يهديها بعضهم إلى بعض. قوله (والرنة) الرنة بفتح الراء وشد النون الصوت يقال: رنت المرأة ترن رنينا: صاحت. قوله (اولئك أوليائي حقا) هؤلاء هم المقصودون مما رواه مسلم عنه (صلى الله عليه وآله) قال: لا يزال طائفة من امتي على الحق لا يضر من خذلهم حتى يأتيهم أمر الله، وهم كذلك، وقال: لا يزال طائفة من امتي ظاهرين على الحق إلى يوم القيامة، وهم الفرقة الناجية الذين تشبثوا بذيل عصمة العترة (عليهم السلام) وخذلهم المعاندون من لدن موت النبي (صلى الله عليه وآله) إلى خروج القائم، ولا يضرهم من خذلهم ولا ينصرهم من الخلق، قال الآبي: واختلف من هذه الطائفة في الحديث فقال ابن المديني: هم العرب، وقال أحمد: هم أهل الحديث وإن لم يكونوا من أهل الحديث فلا أدري من هم، وأراد به أهل السنة. وقال البخاري: هم العلماء، وقال المازري: يحتمل أن يكون هذه الطائفة مؤلفة من أنواع المؤمنين منهم شجعان، ومنهم فقهاء، ومنهم المحدثون وغير ذلك من أنواع الحرف ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين في قطر واحد، بل يصح أن يكونوا مفترقين في أقطار الأرض. قوله (اولئك عليهم صلوات من ربهم) أشار إلى أنهم مصداق قوله تعالى: * (وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون اولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة واولئك هم المهتدون) * إذ لا مصيبة أعظم من فقد الإمام وغيبته، وتعدي الأعداء بالقتل والحرق وغير ذلك من المصائب المذكورة، وغير المذكورة. قوله (فصنه إلا عن أهله) صنه أمر من الصون وهو الحفظ، وفي بعض النسخ فضنه بالضاد


1 - قوله " تتهادى رؤوسهم " تشبث بهذه الكلمة بعض من لا يعتد بالحقايق ولا يبالي بما يقول وقال: إن أصحاب القائم (عليه السلام) بعد ظهوره يذلون في زمانه ويقتلهم الأعداء ويهدي الظلمة بعضهم إلى بعضهم رؤوسهم وهذا شئ بخلاف المتواتر المقطوع به من أحاديث العامة والخاصة في ظهور المهدي (عليه السلام) وأن الحق يظهر في زمانه وأهل الحق يظفرون بأهل الباطل وبه يملأ الله الأرض قسطا وعدلا بعد ما ملئت ظلما وجورا ولا يزال يدعو الشيعة في مقام الاستنصار: أين معز الأولياء ومذل الأعداء، وغرض القائل أن يثبت إمامة من أدعى المهدوية فقتل لثبوت ردته وكفره ودعوى نسخه للشريعة الإسلامية وقتل أتباعه وأنصاره ولم يدر أنا معاشر الإمامية لا نتمسك بخبر الواحد في اصول الدين إن سلم عن المعارض وسلم إسناده فكيف بهذا الحديث الضعفيف المخالف للضروري من المذهب إن سلم كون المراد ذلة أوليائه بعد ظهوره وإلا فقد يحتمل كون القتل والتضيق حال الغيبة وأما الذلة فلم تلحقهم في الغيبة إلى الآن - الحمد لله - ولا نحتاج في إثبات الأئمة الاثني عشر إلى هذا الإسناد بل روي هذا الخبر بإسناد آخر ومضمونه في أحاديث متواترة من طرق العامة والخاصة. (ش) (*)

[ 367 ]

المعجمة وتشديد النون أمر من الضن وهو البخل من إفشاء الشئ لمكانه منك وموقعه عندك. * الأصل: 4 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني عن أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس (1)، ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن اذينة. وعلي بن محمد، عن أحمد بن هلال، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن اذينة عن [ أبان ] بن أبي عياش، عن سليم بن قيس قال: سمعت عبد الله بن جعفر الطيار يقول: كنا عند معاوية: أنا والحسن والحسين وعبد الله بن عباس وعمر بن ام سلمة واسامة بن زيد، فجرى بيني وبين معاوية كلام فقلت لمعاوية: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم أخي علي ابن أبي طالب أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا استشهد علي فالحسن بن علي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم ابني الحسين من بعده أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا استشهد فابنه علي بن الحسين أولى بالمؤمنين من أنفسهم وستدركه يا علي، ثم ابنه محمد بن علي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وستدركه يا حسين، ثم تكمله اثني عشر إماما تسعة من ولد الحسين، قال عبد الله بن جعفر: واستشهدت الحسن والحسين وعبد الله بن عباس وعمر بن ام سلمة واسامة بن زيد، فشهدوا لي عند معاوية، قال سليم: وقد سمعت ذلك من سلمان وأبي ذر والمقداد وذكروا أنهم سمعوا ذلك من رسول الله (صلى الله عليه وآله). * الشرح: قوله (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم) مر شرحه في باب ما يجب من حق الإمام على الرعية. قوله (وستدركه يا على) كانت له عند وفاة علي (عليه السلام) سنتان. قوله (وستدركه يا حسين) كانت له عند قتل الحسين (عليه السلام) ست سنين. * الأصل: 5 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن عبد الله بن القاسم، عن حنان بن السراج، عن داود بن سليمان الكسائي، عن أبي الطفيل قال: شهدت جنازة أبي بكر يوم مات وشهدت عمر حين بويع وعلي (عليه السلام) جالس ناحية فأقبل غلام يهودي جميل [ الوجه ] بهي، عليه ثياب حسان وهو من ولد هارون حتى قام على رأس عمر فقال: يا أمير المؤمنين أنت أعلم هذه


1 - قوله " عن سليم بن قيس " مضى الكلام في كتاب سليم بن قيس في الصفحة 373 من المجلد الثاني (ش). (*)

[ 368 ]

الامة بكتابهم وأمر نبيهم ؟ قال: فطأطأ عمر رأسه، فقال: إياك أعني وأعاد عليه القول، فقال له عمر: لم ذاك ؟ قال: إني جئتك مرتادا لنفسي، شاكا في ديني، فقال: دونك هذا الشاب قال: ومن هذا الشاب ؟ قال: هذا علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهذا أبو الحسن والحسين ابني رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهذا زوج فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأقبل اليهودي على علي (عليه السلام) فقال: أكذاك أنت ؟ قال: نعم، قال: إني اريد أن أسألك عن ثلاث وثلاث وواحدة، قال: فتبسم أمير المؤمنين (عليه السلام) من غير تبسم وقال: يا هاروني ما منعك أن تقول سبعا ؟ قال: أسألك عن ثلاث فإن أجبتني سألت عما بعدهن، وإن لم تعلمهن علمت أنه ليس فيكم عالم: قال علي (عليه السلام): فإني أسألك بالإله الذي تعبده لئن أنا أجبتك في كل ما تريد لتدعن دينك ولتدخلن في ديني ؟ قال: ما جئت إلا لذاك، قال: فسل، قال: أخبرني عن أول قطرة دم قطرت على وجه الأرض أي قطرة هي ؟ وأول عين فاضت على وجه الأرض أي عين هي ؟ وأول شئ اهتز على وجه الأرض أي شئ هو ؟ فأجابه أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال له: أخبرني عن الثلاث الاخر، أخبرني عن محمد كم له من إمام عدل ؟ وفي أي جنة يكون ؟ ومن ساكنه معه في جنة ؟ فقال: يا هاروني إن لمحمد اثني عشر إمام عدل، لا يضرهم خذلان من خذلهم ولا يستوحشون بخلاف من خالفهم وإنهم في الدين أرسب من الجبال الرواسي في الأرض، ومسكن محمد في جنته معه اولئك الاثنا عشر الإمام العدل، فقال: صدقت والله الذي لا إله إلا هو إني لأجدها في كتب أبي هارون، كتبه بيده وأملاه موسى عمي (عليه السلام)، قال: فأخبرني عن الواحدة، أخبرني عن وصي محمد كم يعيش من بعده ؟ وهل يموت أو يقتل ؟ قال: يا هاروني يعيش بعده ثلاثين سنة، لا يزيد يوما ولا ينقص يوما، ثم يضرب ضربة ههنا - يعني على قرنه - فتخضب هذه من هذا، قال: فصاح الهاروني وقطع كستيجه وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وأنك وصيه، ينبغي أن تفوق ولا تفاق وأن تعظم ولا تستضعف. قال ثم مضى به علي (عليه السلام) إلى منزله فعلمه معالم الدين. * الشرح: قوله (عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد عن أبيه) روى الصدوق هذا الحديث بإسناد آخر عن أبي عبد الله (عليه السلام). قوله (عن أبي الطفيل) اسمه عامر بن واثلة أدرك من حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثمان سنين وكان من أصحاب على والحسن والحسين وعلي بن الحسين (عليهم السلام) وعده البرقي من خواص علي (عليه السلام)، وفي مختصر الذهبي أنه من محبيه وبه ختم الصحابة في الدنيا مات ستة عشر ومائة على الصحيح.

[ 369 ]

قوله (بهي) البهاء الحسن تقول منه بهى الرجل بالكسر وبهو أيضا فهو بهي أي جميل حسن الوجه. قوله من ولد هارون في رواية الصدوق - رحمه الله - عن الصادق (عليه السلام) أنه من ولد هارون ابن عمران أخي موسى (عليهما السلام) ومن علماء اليهود وأحبارها. قوله (مرتادا لنفسي) أي طالب الدين لنفسي. قوله (فتبسم أمير المؤمنين (عليه السلام)) التبسم دون الضحك وله مراتب فقوله: من غير تبسم عظيم أو واضح للتحضيض. قوله (وأول شئ أهين) من الاهانة، وفي بعض النسخ أهتز من الاهتزاز وهو التحرك. قوله (فأجابه (عليه السلام)) في بعض الروايات أن أول دم وقع على وجه الأرض هو حيض حوا (عليها السلام) وأن أول عين فاضت عل وجهها هي عين الحياة وأما أول شئ أهين على وجهها فقيل: يمكن أن يكون عناق بنت آدم (عليه السلام) التي أكلتها السباع لعتوها. قوله (ومسكن محمد في جنته) لم يفسر الجنة وسيجئ أنها جنة عدن. قوله (وقطع كستيجه) الكستيج بالضم خيط غليظ بقدر الإصبع يشده الذمي فوق ثيابه (1) دون ما يتزينون به من الزنانير المتخذة من الإبريسم معرب كستى: ميان بر. * الأصل: 6 - محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن الحسين، عن أبي سعيد العصفوري عن عمر [ و ] ابن ثابت، عن أبي حمزة قال: سمعت علي بن الحسين (عليهما السلام) يقول: إن الله خلق محمدا وعليا وأحد عشر من ولده من نور عظمته، فأقامهم أشباحا في ضياء نوره يعبدونه قبل خلق الخلق، يسبحون الله ويقدسونه وهم الأئمة (عليهم السلام) من ولد رسول الله (صلى الله عليه وآله). * الشرح: قوله (من نور عظمته) هناك ثلاثة أشياء بحسب لحاظ العقل: الذات وعظمته ونور عظمته، وعظمته عبارة عن تجاوز قدره عن حد العقول حتى لا يكون لها سبيل إلى معرفة كنهه وحقيقته، والعظيم في صفة الأجسام كبر الطول والعرض والعمق والله تعالى جل قدره عن ذلك، والنور هو


1 - قوله " يشده الذمي فوق ثيابه " شعار خاص بالمجوس لا يتركونه بحال البتة والظاهر أن الراوي اشتبه عليه الأمر وكان من بلاد العجم معاشرا للمجوس زعم أن كل كافر يعقد الكستيج حتى اليهودي وليس كذلك، والرواية ضعيفة وحنان بن سراج في إسنادها مصحف حيان السراج بالتوصيف وقوله يعيش بعده ثلاثين سنة لا يزيد يوما ولا ينقص يوما غير موافق للواقع مع هذا التدقيق الذى ينافي حمله على التقريب والمسامحة. (ش) (*)

[ 370 ]

الظاهر بنفسه المظهر لغيره ولعل المراد بنور عظمته الحجاب (1). * الأصل: 7 - محمد بن يحيى، عن عبد الله بن محمد الخشاب، عن ابن سماعة، عن علي بن الحسن بن رباط، عن ابن اذينة، عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: الاثنا عشر الإمام من آل محمد (عليهم السلام) كلهم محدث من ولد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن ولد علي، ورسول الله وعلي (عليهما السلام) هما الوالدان، فقال عبد الله بن راشد وكان أخا علي بن الحسين لامه وأنكر ذلك فصرر أبو جعفر (عليه السلام) وقال: أما إن ابن امك كان أحدهم. * الشرح: قوله (كلهم محدث) مبتدأ وخبر وإفراد الخبر باعتبار لفظ الكل، وقوله: من ولد رسول الله ومن ولد على خبر بعد خبر على الظاهر، وهذا الحكم باعتبار الأكثر والقرينة علم المخاطب به وقوله: ورسول الله وعلي هما الوالدان وكما أنهما والدان للائمة صورة ومعنى كذلك هما والدان للامة


1 - قوله " ولعل المراد بنور عظمته الحجاب " لعله تعريف بالأخفى فإن الحجاب أيضا في الله تعالى غير معقول إذ لا حاجب بينه وبين خلقه إلا أن تحجبهم الآمال ولابد من تأويل الحجاب كتأويل النور وقد يأول الحجب بمراتب وجود الممكنات والمهيات فإن الوجود إذا تقيد بماهية من المهيات امتنع من أن يتصف بصفات مهاية اخرى وتغيب عنه والواجب غير مقيد بماهية فلا يمتنع من جميع الصفات الكمالية، ثم إن الماهيات المقيدة بالتغير والزمان والمكان يتضاعف عليها الحجب فيغيب المختص بزمان عن الموجود المختص بزمان آخر والمكان كذلك وكلما بعد مرتبة الممكن عن الواجب زاد حجابه، فالحجاب بين الممكن والواجب إنما يحجب الممكن عنه تعالى ولا يحجبه تعالى عن الممكن وما يتوهم أن الحجاب لا يتعقل بالنسبة إلى الطرفين فإذا حجب أحد الطرفين عن الآخر حجب الآخر عن الأول فهو مسلم في الموجودات المتساوية في الرتبة دون المختلفة ألا ترى أن الحيوان محجوب عن إدراك رتبة الإنسان في عقلياته والإنسان غير محجوب عن إدراك رتبة الحيوان في حسياته، ولا يبعد أن يكون المراد من الحجاب النور المحجوب عن إدراك عقل الممكنات، والمعنى رتبة أرواح الأئمة (عليهم السلام) فوق رتبة النفوس الناطقة البشرية فهي محجوبة عن البشر كما أن رتبة الإنسان محجوبة عن الحيوان وإذا كان كذلك استحق أن يكون وجودهم قبل الأجسام لأن العقول والروحانيين لا يتوقف وجودهم على استعداد المادة كالنفوس المنطبعة. واعلم أن هذا الخبر وإن كان ضعيفا من جهة الإسناد إلا أن معناه يدل على صدوره عن أهل بيت العصمة وقد مضى معناه فيما سبق وتكرر مثله في كتب الإمامة وإلا فأهل الظاهر القاصرين على النظر إلى هذه الحياة الدنيا الذين هم عن الآخرة غافلون يتوهمون أن خلق الأشباح قبل الأبدان وأمثال ذلك من الخرافات ولا يتعقلون خلق المجرد قبل المادة والروحاني قبل الجسماني ولا تقدم الأشباح والأظلال قبل العناصر ولا يخطر ببالهم إمكان وجود العقول القدسية والأرواح الطاهرة قبل خلق الأبدان من أب وأم حتى يخترعوا مثل هذه الأحاديث. (ش) (*)

[ 371 ]

معنى. حيث إنهما ولدا العلم وورثا الحكمة كما مر في باب فيه نكت من التنزيل. قوله (فقال عبد الله بن راشد) الناقل زرارة أي تكلم عبد الله بن راشد، وقال قولا ثم فسره بقوله وأنكر ذلك والصرة أشد الصياح. وإنما كان أخا علي بن الحسين (عليهما السلام) لأنه تولد من جارية الحسين (عليه السلام) وسريته بعد قتله، وكانت تربي علي بن الحسين (عليه السلام) وكان (عليه السلام) يسميها اما. وقيل: كان أخاه من الرضاعة والله أعلم. * الأصل: 8 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن مسعدة بن زياد، عن أبي عبد الله ومحمد بن الحسين، عن إبراهيم، عن ابن أبي يحيى المدايني، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري قال: كنت حاضرا لما هلك أبو بكر واستخلف عمر أقبل يهودي من عظماء يهود يثرب وتزعم يهود المدينة أنه أعلم أهل زمانه حتى رفع إلى عمر فقال له: يا عمر إني جتئك اريد الإسلام، فإن أخبرتني عما أسألك عنه فأنت أعلم أصحاب محمد بالكتاب والسنة وجميع ما اريد أن أسأل عنه، قال: فقال له عمر: إني لست هناك لكني ارشدك إلى من هو أعلم امتنا بالكتاب والسنة وجميع ما قد تسأل عنه وهو ذاك - فأومأ إلى علي (عليه السلام) - فقال له اليهودي: يا عمر إن كان هذا كما تقول فمالك ولبيعة الناس وإنما ذاك أعلمكم، فزبره عمر. ثم إن اليهودي قام إلى علي (عليه السلام) فقال له: أنت كما ذكر عمر ؟ فقال: وما قال عمر ؟ فأخبره، قال: فإن كنت كما قال سألتك عن أشياء اريد أن أعلم هل يعلمه أحد منكم فأعلم انكم في دعواكم خير الامم وأعلمها صادقين ومع ذلك أدخل في دينكم الإسلام، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): نعم أنا كما ذكر لك عمر، سل عما بدا لك اخبرك به إن شاء الله، قال: أخبرني عن ثلاث وثلاث وواحدة، فقال له علي (عليه السلام): يا يهودي ولم لم تقل: أخبرني عن سبع ؟ فقال له اليهودي: إنك إن أخبرتني بالثلاث، سألتك عن البقية وإلا كففت، فإن أنت أجبتني في هذه السبع فأنت أعلم أهل الأرض وأفضلهم وأولى الناس بالناس، فقال له: سل عما بدا لك يا يهودي قال: أخبرني عن أول حجر وضع على وجه الأرض، وأول شجرة غرست على وجه الأرض، وأول عين نبعت على وجه الأرض ؟ فأخبره أمير المؤمنين (عليه السلام). ثم قال له اليهودي أخبرني عن هذه الامة كم لها من إمام هدى ؟ وأخبرني عن نبيكم محمد أين منزله في الجنة ؟ وأخبرني من معه في الجنة ؟ فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): إن لهذه الامة اثني عشر إمام هدى من ذرية نبيها وهم مني، وأما منزل نبينا في الجنة ففي أفضلها وأشرفها جنة عدن، وأما من معه في منزله فيها فهؤلاء الاثنا عشر من ذريته وامهم وجدتهم وام امهم وذراريهم، لا يشركهم

[ 372 ]

فيها أحد. * الشرح: قوله (قال: لما هلك أبو بكر) لا حاجة إلى قال فكأنه للتأكيد أو عطف على قال بحذف العاطف، ونظير ذلك كثير. قوله (يهود يثرب) يثرب اسم للمدينة، قال الآبي: روي أن لها في التورية أحد عشر اسما: المدينة، وطابة، وطيبة، والسكينة، وجابرة، والمحفة، والمحبوبة، والقاصدة، والمجبورة، والعذراء والمرحومة، وقال السهيلي: إنما سميت يثرب باسم رجل من العمالقة وهو أول من نزلها منهم وهو يثرب بن قابد بن عقيل بن هلايل بن عوض بن عملاق بن ولاد بن ارم بن سام بن نوح (عليه السلام) ولما دخلها النبي (صلى الله عليه وآله) كره لها هذا الاسم لما فيه من لفظ التثريب، وسماها طيبة، وطابة، والمدينة، فإن قيل قد سماها الله تعالى به في القرآن فالجواب إنما سماها به حاكيا ذلك عن المنافقين في قوله: * (وإذ قالت طائفة منهم) * الآية، فنبه بما حكى عنهم أنهم رغبوا عما سماها الله تعالى ورسوله وأبوا إلا ما كانوا عليه في الجاهلية، والله سبحانه وتعالى قد سماها المدينة في قوله تعالى: * (لأهل المدينة) * وقال القرطبي: كره (صلى الله عليه وآله) اسمها يثرب لما فيه من الثراب، واكانت الجاهلية تسميها بذلك باسم موضع منها كان اسمها يثرب. قوله (لست هناك) أي لست في هذه المرتبة التي ذكرتها. قوله (اريد أن أعلم هل يعلمه أحد منكم) أشار بذلك إلى أنه كان عالما بهذه الأشياء وإنما يسألها للامتحان والاختبار ليعلم ثبوت هذه الشريعة وحقيقتها. قوله (فأخبره أمير المؤمنين (عليه السلام)) في كتاب كمال الدين فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): أما سؤالك عن أول شجرة نبتت على وجه الأرض فإن اليهود يزعمون أنها الزيتونة وكذبوا وإنما هي النخلة من العجوة هبط بها آدم (عليه السلام) معه من الجنة فغرسها وأصل النخلة كله منها، وأما قولك وأول عين نبعت على وجه الأرض فإن اليهود يزعمون أنها العين التي ببيت المقدس تحت الحجر وكذبوا وهي عين الحيوان التي ما انتهى إليه أحد إلا حيى، وكان الخضر (عليه السلام) على مقدمة ذى القرنين فطلب عين الحياة فوجدها الخضر (عليه السلام) وشرب منها (1) ولم يجدها ذو القرنين، وأما قولك عن أول حجر


1 - قوله " فوجدها الخضر (عليه السلام) وشر منها " ليست المسائل التي نقلها الشارح عن الصدوق عن ذكرها صاحب الكافي وليس العلم بهذه الأمور مما يعتبر شرعا وعقلا في الإمام ولا مما يتباهى به ساير الناس أو يكون فخرا لهم أو يكون له دخل في نظم البلاد وترفيه العباد وإقامة شعائر الدين كما هو وظيفة = (*)

[ 373 ]

وضع على وجه الأرض فإن اليهود يزعمون أنه الحجر الذي ببيت المقدس وكذبوا وإنما هو الحجر الأسود هبط به آدم (عليه السلام) معه من الجنة فوضعه في الركن، والناس يستلمونه، وكان أشد بياضا من الثلج فاسود من خطايا بني آدم. قوله (من ذرية نبيها) هذا باعتبار الأكثرية في التغليب، وكذا في قوله: * (من ذريته) *. قوله (وامهم وجدتهم) لعل المراد بامهم فاطمة (عليهما السلام)، وبجدتهم خديجة (عليهما السلام) دون جميع الامهات والجدات وان احتمل. * الأصل: 9 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن ابن محبوب، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام) عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: دخلت على فاطمة (عليها السلام) وبين يديها لوح فيه أسماء الأوصياء من ولدها، فعددت اثنى عشر آخرهم القائم (عليه السلام)، ثلاثة منهم محمد وثلاثة منهم علي. * الشرح: قوله (فعددت اثنى عشر) أي فعددت الأوصياء أو أسماءهم جميعا اثنى عشر فلا ينافي هذا قوله من ولدها. لأن الأول باعتبار البعض، والثاني باعتبار الجميع. قوله (ثلاثة منهم علي) أي ثلاثة من ولدها فلا ينافى هذا أن عليا أربعة. * الأصل: 10 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن الله أرسل محمدا (صلى الله عليه وآله) إلى الجن والإنس وجعل من بعده اثني عشر وصيا، منهم من سبق ومنهم من بقي وكل وصي جرت به سنة والأوصياء الذين من بعد محمد (صلى الله عليه وآله) على سنة أوصياء عيسى وكانوا اثني عشر وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) على سنة المسيح. * الشرح: قوله (وجعل من بعده اثني عشر وصيا) في طرق العامة روايات متكثرة دالة على ذلك، ونحن


= الأئمة وإنما شرط الإمام كونه أفضل من رعيته في الأمور التي يعد فضلا ويقبح إطاعة الأفضل لغير فيه أو يكون نقصانه مما ينفر الناس عنه فلا يشترط كونه أعظم جثة وأجمل وجها وأجود خطا وأمثال ذلك ومع ذلك فليست هذه الرواية مما يثبت به الحجة في هذه الأمور ولا يثبت وجود عين الحياة وشرب الخضر منها خصوصا على ما يقتضيه ظاهره من أن من شرب منها لا يموت وقد قال الله تعالى: * (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد) * ولا حاجة إلى ما يلتزم به الفقهاء من تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد فإن جيمع قواعدهم لا تتجاوز عن تحصيل الظن ولا فائدة في التكليف بتحصيل الظن بهذه الأمور. (ش) (*)

[ 374 ]

نذكر بعضها فإن ذكر جميعها يوجب الإطناب. منها ما رواه مسلم بإسناده عن جابر بن صمرة قال: دخلت مع أبي على النبي (صلى الله عليه وآله) فسمعته يقول: " إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيه اثنا عشر خليفة قال: ثم تكلم بكلام خفي علي، قال: قلت لأبي: ما قال ؟ قال: قال: كلهم من قريش " وبإسناد آخر عنه قال: سمعت النبي (صلى الله عليه وآله) يقول: لا يزال أمر الناس ماضيا ماوليهم اثنا عشر رجلا " ثم تكلم إلى آخر ما ذكر. وبإسناد آخر منه يقول: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: لا يزال الإسلام عزيزاإلى اثنى عشر خليفة، ثم تكلم إلى آخر ما ذكر. ولبعض أفاضلهم: هذا كلام لا يزداد النظر فيه إلا تعجبا (1) وهو أنه قال: ويرد أن يقال: ولي من قريش أكثر من اثني عشر. ثم أجاب بأنه لم يقل لا يلي إلا اثنا عشر (2) وإنما قال: يلي اثنا عشر، وقد ولى هذا العدد ما علم به النبي (صلى الله عليه وآله) قبل قيام الساعة،


1 - قوله " لا يزداد النظر فيه الا تعجبا " قلنا: إن رواية كون الأئمة اثني عشر مما اتفقت عليه أحاديث العامة والخاصة وليس مما يحتمل فيه الجعل ولاداعي الى جعله لا في العامة وهو ظاهر ولا في الخاصة إذ البخاري ومسلم وغيرهما رووها عن غير رجال الشيعة في زمان الرضا (عليه السلام) الى أن قبض العسكري (عليه السلام) وكان تأليف الصحاح قبل رحلته قطعا وأما معنى الحديث فعند الإمامية واضح لا تكلف فيه وأما عند أهل السنة فقد تحير الشراح ولم يأتوا بشئ فمما ذكروه أن المراد الخلفاء الراشدون الأربع، ثم الحسن بن علي (عليهما السلام)، والسادس معاوية، والسابع يزيد بن معاوية، والثامن عبد الله ابن زبير، والتاسع عبد الملك بن مروان، والعاشر ابنه الوليد، والحادي عشر سليمان بن عبد الملك، والثاني عشر عمر بن عبد العزيز، وبه ختم الاثنا عشر ولم يعتبر هذا القائل معاوية بن يزيد ومروان بن الحكم في الأئمة لأنهما كانا معاصرين لعبدالله بن زبير وهو أحق بالخلافة منهما مع قصر مدتهما فكان الإسلام عزيزا الى خلافة عمر بن عبد العزيز وصار - نعوذ بالله - ذليلا بعد. ولا ريب في سقوط هذا المعنى والتفسير على أن ما ورد في صحاحهم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): " إن هلكة امتي على يدي غلمة من قريش " منطبق عند كبار المحدثين على بني امية فكيف يكون عز الإسلام في خلافتهم ؟ ! قال القسطلاني في شرح صحيح البخاري عن شرح الحديث عن أبي هريرة رفعه: أعوذ بالله من إمارة الصبيان قال: إن أطعتموهم هلكتم أي في دينكم وإن عصيتموهم أهلكوكم أي في دنياكم بإزهاق النفس أو بإذهاب المال أو بهما. وعند ابن أبى شيبة أن ابا هريرة كان يمشي في السوق يقول اللهم لاتدركني سنة ستين ولا إمارة الصبيان وقد استجاب الله دعاء أبي هريرة فمات قبلها بسنة. قال في الفتح وفى هذا إشارة إلى أن أولى الأغيلمة كان في سنة ستين وهو كذلك فإن يزيد بن معاوية استخلف فيها انتهى كلام القسطلاني. وأما متن صحيح البخاري فبعد أن نقل فيه الحديث عن عمرو بن يحيى وهو من بني امية عن جده سعد بن عمرو بن سعيد بن العاص عن أبي هريرة ومروان حاضر قال: " فقال مروان لعنة الله عليهم غلمة " فقال أبو هريرة لو شئت أن أقول: بني فلان وبني فلان لفعلت (قال عمرو بن يحيى): فكنت أخرج مع جدي الى بني مروان حين ملكوا بالشام فإذا رآهم غلمانا أحداثا قال لنا: عسى هؤلاء أن يكون منهم قلنا: أنت أعلم " انتهى نص عبارة صحيح البخاري. (ش) 2 - قوله " لايلي إلا اثنا عشر " هذا التوجيه أسقط من الأول وأضعف إذ لاريب أن في مقام التعديد والتحديد = (*)

[ 375 ]

ثم قال: وقيل: المراد أن يكون (1) الاثنا عشر في زمان واحد يفترق الناس على كل واحد منهم، ولا يبعد أن يكون هذا قد وقع فقد كان بالأندلس وحدها بعد أربعمائة وثلاثين سنة في عصر واحد كلهم يدعيها ويلقب بها وكان في ذلك الزمان صاحب مصر، وخليفة الجماعة العباسي ببغداد إلى من كان مدعي ذلك بأقطار الأرض من بلاد البربر وخراسان من العلوية وغيرهم، ويحتمل أن يكون المراد بالاثنى عشر الذي يكون معها اعزاز الخلافة وسياسة أمور الإسلام، واجتماع الناس كلهم على كل واحد منهم (2) وهذا العدد قد وجد في صدر الإسلام إلا أنه اضطرب أمر بني امية وخرج عليهم بنو عباس فاستأصلوا أمرهم وقد يحتمل وجوها آخر والله سبحانه أعلم بمراد نبيه انتهى كلامه. فانظر رحمك الله إلى كلام هذا المتعصب واشكر لربك واحمده على ما منحك والحمد لله


= لايراد بالعدد إلا نفي الزائد مثل * (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا) * يعني لا أزيد من اثنى عشر وإذا قيل: إن اليوم بليلته أربع وعشرون ساعة والساعة ستون دقيقة ومات فلان عن أربع بنين والأنبياء أولي العزم خمسة وهكذا لا يراد منها إلا نفي الزائد وما ذكروه في مفهوم العدد أو نفيه اجنبي عن أمثال هذه العبارات وإنما يتكلم في المفهوم حيث لا يعلم المقصود بهذا الوضوح. (ش) 1 - قوله " وقيل: المراد أن يكون " وهذا أضعف من سابقه إذ يلزم منه أن يكون عزة الإسلام في المائة الخامسة لا في زمان الخلفاء الراشدين ولا من بعدهم. (ش) 2 - قوله " واجتماع الناس على كل واحد منهم " يشير إلى الوجه الأول الذي نقلناه مفصلا من كون عمر بن عبد العزيز خاتم الاثني عشر ونقل القسطلاني عن فتح الباري في شرح صحيح البخاري وكانت الأمور في غالب أزمنة هؤلاء الاثني عشر منتظمة وإن وجد في بعض مدتهم خلاف ذلك فهو بالنسبة إلى الاستقامة نادر والله أعلم انتهى، أقول: إنا كلما تتبعنا في تواريخ الخلفاء حتى نجد فرقا بين مدة خلافة بني امية أوائلهم وأواخرهم بعد عمر بن عبد العزيز وبين بني العباس لم يظهر لنا شئ يعول عليه نعم كان الإسلام في عصر الخلفاء الراشدين قبل أن يلي معاوية عزيزا أو أحكامه ظاهرة نافذة ثم لما ولى معاوية انقلبت الأمور وتغيرت الأحكام وذلت أنصار رسول الله وغلبت الظلمة وسواء كانت الخلافة لبنى امية أو لبني العباس كان ملكا عضوضا، نعم كان سب أمير المؤمنين (عليه السلام) على المنابر من شعائر الإسلام قبل عمر بن عبد العزيز ومنع عمر من سبه (عليه السلام) ولكن لا يخطر البتة ببال مسلم أن يكون هذا عزا للإسلام، وأما انتظام الأمور بالظلم والقتل والتشريد كما فعل زياد بن أبيه ويزيد بن معاوية وحجاج بن يوسف وسائر الظلمة منهم فغير دخيل في عز الإسلام بل هو ذل نعوذ بالله، ولكن لا يزال الظلمة يتبجحون بإيجاد النظم بالظلم ويفتخرون بتحصيل الأمن بالرعب، نقل عن عبد الملك بن مروان أنه قال: من قال لي: اتق الله ضربت عنقه، ولا ريب أن الناس لو كانوا موتى لا يطلبون شيئا ولا يتكلمون ولا يتحركون كان الأمن فيه أكثر وليس هذا مقصود الإسلام بل الأمن لداعي الحق أن يدعو إلى الحق ولطالب الحق أن يطلب ويعطي وقد كان عبيدالله يعد من محاسن معاوية ويزيد إيجاد الأمن فإن كان هذا مراد شارح البخاري من الانتظام فقد جرى بقلمه من غير تأمل ما هو منه برئ البتة فإنه كان مسلما لا يحتمل رضاه بالظلم. (ش) (*)

[ 376 ]

رب العالمين. قوله (وكل وصى جرت به سنة) منهم من جرت به العبادة، ومنهم من جرت به الشهادة، ومنهم من جرت به نشر العلوم، ومنهم من جرت المجاهدة والقتال واظهار الدين كل ذلك لمصلحة ظاهرة وخفية لا يعلمها إلا هو. قوله (وكان أمير المؤمنين على سنة المسيح) هي إما ترك الدنيا بالكلية أو افتراق الناس فيه ثلاث فرق الناصبي والغالي والشيعي. * الأصل: 11 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، ومحمد بن أبي عبد الله، ومحمد بن الحسن عن سهل بن زياد، جميعا، عن الحسن بن العباس بن الحريش، عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام) أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال لابن عباس: إن ليلة القدر في كل سنة وإنه ينزل في تلك الليلة أمر السنة ولذلك الأمر ولاة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال ابن عباس: من هم ؟ قال: أنا وأحد عشر من صلبي أئمة محدثون. * الشرح: قوله (عن الحسن بن العباس بن الحريش) ضبطه العلامة بالحاء غير المعجمة والراء والياء المنقطة تحتها نقطتين والشين المعجمة (1). * الأصل: 12 - وبهذا الإسناد قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأصحابه: آمنوا بليلة القدر إنها تكون لعلي بن أبي طالب ولولده الأحد عشر من بعدي. 13 - وبهذا الإسناد أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال لأبي بكر يوما: * (لا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) * وأشهد [ أن ] محمدا (صلى الله عليه وآله) رسول الله مات شهيدا، والله ليأتينك، فأيقن إذا جاءك، فان الشيطان غير متخيل به. فأخذ علي بيد أبي بكر فأراه النبي (صلى الله عليه وآله) فقال له: يا أبا بكر آمن بعلي وبأحد عشر من ولده، إنهم مثلي إلا النبوة وتب إلى الله مما في يدك، فانه لاحق لك فيه. قال: ثم ذهب فلم ير.


1 - قوله " والشين المعجمة " مضى باب في هذا المعنى فيما سبق من كتاب الحجة. (ش) (*)

[ 377 ]

* الشرح: قوله (لا تحسبن الذين قتلوا - إلى قوله - مات شهيدا) ذكر الآية الكريمة مقدمة وتمهيد لما بعدها من أن النبي (ص) يمكن مجيئه ورؤيته، والحاصل أنه شهيد وكل شهيد حي فهو حي فيمكن أن يجئ ويرى وقد أشار إلى أنه يجئ على وجه المبالغة بقوله: والله ليأتينك إكمالا للحجة عليك كما أكملها قبل الموت فأيقن إذا جاءك أنه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا تظن أنه الشيطان فإن الشيطان غير متخيل ولا متمثل بصورته. يدل عليه أيضا ما رواه في كشف الغمة عن أبى الحسن الرضا (عليه السلام) قال: لقد حدثني أبى عن جدى عن أبيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: من رأني في منامه فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي ولا في صورة أحد من أوصيائي ولا في صورة أحد من شيعتهم وإن الرؤيا الصادقة جزء من سبعين جزءا من النبوة. ومن طرق العامة عنه (صلى الله عليه وآله) قال: " من رآني في المنام فقد رآني لأن الشيطان لا يتمثل بي "، ومن ثم قالوا: من رأى صورته في النوم أو اليقظة وقال له: أنا رسول الله أو قال شخص آخر هو رسول الله أو الهم في قلبه (1) أنه رسول الله فقد رآه وليس المرئى من تخييلات الشيطان. قال محي الدين البغوي اختلف فقال الباقلاني: معنى فقد رآني رؤياه حق ليس بأضغاث أحلام ولا تمثيل الشيطان وإن رآه على غير الصفة التى كان عليها في الحياة وانما تلك الأمثلة من فعل الله تعالى (2) جعلها علما على ما تأول به من تبشير أو إنذار فينبغي أن يبحث عن تأويلها كما رآه أبيض اللحية أو على غير لونه، وحمل آخرون الحديث على ظاهره وأن المراد من رآه فقد أدركه وقالوا لامانع من ذلك ولا عقل يحيله حتى يصرف الكلام عن ظاهره


1 - قوله: " أو ألهم في قلبه " هذا هو المقصود وإلا فليس أحد ممن جاء بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعرفه بصورته حتى يعلم أن المتمثل بصورته هو أو بغير صورته فإن قيل: قد يرى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويلهم الرائي أنه هو (صلى الله عليه وآله) وهو شبيه بزيد مثلا ويراه الآخر في صورة رجل آخر وشبيها بعمرو ويلهم أيضا أنه هو فلابد أن يكون لرسول الله (صلى الله عليه وآله) صور مختلفة أو لا يكون لهذه الروايات مصداق في الخارج، قلنا: تمثل أرواح الأنبياء في صور مختلفة غير مستبعد لكن لابد أن يكون صورة مناسبة بحيث إذا الهم الرائي أنه رسول الله (صلى الله عليه وآله) أي تمثل روحه في هذه الصورة لا يستبشعه، وبالجملة الالهام من عالم الغيب يلقى إلى قلب الرائي ويعرف هو صحته بعلم ضروري لا يشك فيه وهذه الصورة بهذا الكيفية لا تكون من الشيطان على ما أخبر به الإمام (عليه السلام). (ش) 2 - قوله " وانما تلك الأمثلة من فعل الله " يشير إلى ما ذكرنا من أن ذلك المتمثل الذي يراه في المنام لا يحب أن يكون على الصفة التي كان عليها وكذلك فهمه جماعة يأتي ذكرهم ونقله الشارح وقوله: " من رآه فقد أدركه " يعنى أدركه بعينه ورآه بشخصه وهو بعيد إذ يلزم منه أن لا يكون لهذه الرواية مصداق إذ لا يمكن أن يرى بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) أحد صورته في المنام ويعرف أنه هو بعينه ولم يكن رآه في حياته وقوله: " ولا عقل يحيله " صحيح ولكن يحيل العقل أن لا يكون لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) مصداق. (ش) (*)

[ 378 ]

ولا دليل على فناء جسده وغاية ما يلقى أنه (1) قد يرى على غير الصفة التي كان عليها فيكون ذلك غلطا (2) في صفاته وتخيلا لها على غير ما هي عليه. فيكون ذاته مرئية وصفاته متخيلة غير مرئية فيكون فائدة تلك الصفات المتخيلة على ما جعله الله علما عليه فبحث عن تأويلها فقد قال الكرماني جاء في الحديث أنه إذا رأى شيخا فهو عام سلم وإن رأى شابا فهو عام حرب واختلف لو رآه يقتل من لا يحل قتله، فمنهم من منع وقوع ذلك، ومنهم من جعله من صفاته المتخيلة فيتأول، وقال عياض: ويحتمل عندي أن معنى رأني فقد رآني: الشيطان لا يتمثل بي، أن ذلك فيمن رآه على صفاته التي كان عليها لا على صفة مضادة لذلك فإذا رآه على غيرها كانت رؤيا تأويل لا رؤيا حقيقة فإن رؤياه منها ما يخرج على وجه ومنها ما يحتاج إلى تأويل وتفسير. وقال بعضهم قد خص الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله) بعموم صدق رؤياه كلها ومنع الشيطان أن يتمثل به حتى لو كانت مضادة لحاله في الحياة لئلا يندرج الكذب على لسانه في نومه كما منعه من ذلك في اليقظة أو لو أمكن من ذلك لوقع اللبس بين الحق والباطل ولم يوثق بما جاء من أمر النبوة فحمى الله نبيه ورؤياه ورؤيا غيره له من كيد الشيطان، وتمثيله ليصح رؤياه في الوجهين ويكون طريقا إلى علم صحيح، وقال القرطبي: الصحيح ما ذهب إليه الباقلاني من أن قوله (عليه السلام): فقد رآني، كناية عن كون الرؤيا حقا ليست بأضغاث أحلام وإن رئي على غير الصفة التي كانت عليها في الحياة وأن تلك الصفات من فعل الله تعالى لا من تخييل الشيطان وتمثيله لشهادته بعصمته في المنام أن يتمثل الشيطان به كما عصمه منه في اليقظة. وقال الآبي: إن الله تعالى على ما علم من الحديث عصم مثاله أن يتمثل به الشيطان في النوم كما عصم ذاته الكريمة منه في اليقظة. وذكر القرافي من الكلام ما يشكل على هذا الأصل قال: قال العلماء إنما تصح رؤيته لأحد رجلين لصحابي رآه فإنطبع مثاله في نفسه فإذا رآه علم أنه مثاله المعصوم من الشيطان، والثاني رجل تكرر عليه سماع صفاته (3) المنقولة في الكتب حتى انطبع في نفسه المثال المعصوم فإذا رآه


1 - قوله " وغاية ما يلقى انه " وفيه أنه إذا رآه على غير الصفة التى كان عليها فذلك علامة أن رؤياه ليست بحق لأن الشيطان يمكن أن يتمثل في غير صورته. (ش) 2 - قوله " فيكون ذلك غلطا " والغلط من الشيطان وبتأثيره والحق أن هذا القائل من المستهترين بظاهر اللفظ من غير تعقل المعنى وقول الكرماني وعياض والقرطبي يدل على خلاف مقصوده وأن روحه (صلى الله عليه وآله) يتمثل في صور مختلفة. (ش) 3 - قوله " رجل تكرر عليه سماع صفاته " يعرف كل عاقل أنه لا يمكن تشخيص الصورة بذكر أوصافها كلما دق وكثر ولا يمكن بغير الرؤية. (ش) (*)

[ 379 ]

جزم بأنه رأى مثاله المعصوم من الشيطان كما يجزم الصحابي بذلك، وأما غير هذين فلا يجزم أنه رآى مثاله بل يجوز أن يكون رأى مثاله ويحتمل أن يكون من تخييل الشيطان ولا يفيده قول المثال: أنا رسول الله، ولا قول من حضر معه: هذا رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأن الشيطان يكذب لنفسه ويكذب لغيره. وموضع الإشكال قصره الرؤيا على الرجلين (1) وتجويزه في رؤية غير الرجلين أن يكون ما رآه من تخيل الشيطان مع شهادته (عليه السلام) أن الشيطان لا يتمثل به. فإن قلت: إذا لم تقصر رؤياه على الرجلين فبم يعلم غيره أنه رأى مثاله ؟ قلت: يجوز أن يكون باعتقاد خلقه الله تعالى للرائي أن الذي رآه هو مثاله وقد تقرر أن محل الإدراك من النائم لا يأتي عليه النوم، ثم قال القرافي: وإذا تقرر أنه لابد من تحقيق رؤية مثاله المخصوصة فيشكل ذلك بما تقرر في كتب التعبير أنه يرى شيخا وشابا وأسود وذاهب العينين والقدمين وعلى أنواع شتى من المثل التي ليست مثالا له. قال: والجواب أن الأحوال صفات الرائي وأحوالهم تظهر فيهم وهو كالمرآة فإذا صح للرائي المثال والضبط فرؤيته أسود تدل على ظلم الرائي، ورؤيته ذاهب العينيين تدل على عدم إيمان الرائي إدراكه ذهب، ورؤيته ذاهب القدمين تدل على أن الرائي منع من ظهور الشريعة ونفوذ أمرها لأن القدم يعبر بها عن القدرة. ورؤيته شابا تدل على أن الرائي يستهزء به لأن الشاب محتقر. ورؤيته شيخا تدل على أن الرائي يعظم النبوة لأن الشيخ يعظم وغير ذلك من الصفات الدالة على الأحكام المختلفة ثم قال القرافي: قلت لبعض أشياخي إذا صح أن يراه على هذه الكيفيات فكيف ينفي المثال وهو لم ينف ولم يكن كذلك في الحياة ؟ فقال لي: لو كان لك أب شاب تغيب عنه ثم جئت فوجدنه شيخا أو أصابه يرقان أصفر أو يرقان أسود أو بطلت أعضاؤه كنت تشك أنه أبوك قلت: لا قال: فما ذلك إلا لما انطبع في نفسك من مثاله المتصور عندك الذي لا تجهل مع عروض هذه الأحوال وغير الرجلين لا يثق بأنه رآه (2).


1 - قوله " وموضع الإشكال قصره الرؤيا على الرجلين " من التزم أن المراد رؤياه بعينه (صلى الله عليه وآله) لا محيص له عن الالتزام بهذا الإشكال ومن أراد التخلص منه لابد له من اختيار قول الباقلاني والقرطبي وغيرهما وأن المراد من رؤيته (صلى الله عليه وآله) رؤياه في مثال مطابق لصفته في الواقع أو غير مطابق أو مشكوك لمطابقة مع العلم الضروري بأنه هو بروحه بإلهام رب العالمين. (ش) 2 - قوله " وغير الرجلين لا يثق بأنه رآه " وعلى ذلك فيكون كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله) بلا مصداق إذ ينحصر فيمن رآه من الصحابة ثم رآه بعده في منامه وأما تعيين الصورة بالصفات المذكورة في الكتب فقد مر أنه غير ممكن وقد ذكر الشارح حديث كشف الغمة وأن رجلا في عهد الرضا (عليه السلام) رآه (صلى الله عليه وآله) في منامه فتمسك (عليه السلام) بهذا الحديث على أنه رؤيا صادقة وبالجملة فكلام القرافي متجاهل. (ش) (*)

[ 380 ]

* الأصل: 14 - أبو علي الأشعري، عن الحسن بن عبيدالله، عن الحسن بن موسى الخشاب عن علي بن سماعة، عن علي بن الحسن بن رباط، عن بن اذينة، عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: الاثنا عشر الإمام من آل محمد كلم محدث من ولد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وولد علي بن أبي طالب (عليه السلام) فرسول (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) هما الولدان. * الشرح: قوله (يقول الاثنا عشر الإمام من آل محمد) قد مر بإسناد آخر. 15 - علي بن إبراهيم، عن أبيه عن ابن أبي عمير، عن سعيد بن غزوان. عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: يكون تسعة أئمة بعد الحسين بن علي (عليهم السلام)، تاسعهم قائمهم. * الأصل: 16 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن أبان، عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: نحن اثنا عشر إماما منهم حسن وحسين ثم الأئمة من ولد الحسين (عليهم السلام). * الشرح: قوله (منهم حسن وحسين) خصهما بالذكر للتنبيه على أن تحقق الإمامة في الأخوين منحصر فيهما. * الأصل: 17 - محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن الحسين، عن أبي سعيد العصفوري عن عمرو بن ثابت، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إني واثنى عشر من ولدى وأنت يا علي رز الأرض يعني أوتادها وجبالها، بنا أوتد الله الأرص أن تسيخ بأهلها، فإذا ذهب الاثنا عشر من ولدي ساخت الأرص بأهلها ولم ينظروا. * الشرح: قوله (واثنا عشر من ولدي) هم اثنا عشر مع فاطمة (عليهما السلام). قوله (رز الأرض) (1) بالزر بالراء المهملة والزاى المعجمة يقال رززت الشئ في الأرض رزا أي أثبته فيها، والرزة الحديدة التي يدخل فيها القفل فيستحكم بها الباب. 18 - وبهذا الإسناد، عن أبي سعيد رفعه، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):


1 - في بعض المصادر: زر الأرض. (*)

[ 381 ]

اثنا عشر نقيبا، نجباء، محدثون، مفهمون، آخرهم القائم بالحق يملأها عدلا كما ملئت جورا. * الشرح: قوله (من ولدى اثنا عشر نقيبا) من باب التغليب أو أطلق الولد على علي (عليه السلام) مجازا. قوله (عن كرام) لعله كرام بن عمر بن عبد الكريم الواقفي. * الأصل: 19 - علي بن محمد، ومحمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن محمد بن الحسن بن شمون، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأصم عن كرام قال: حلفت فيما بيني وبين نفسي أن لا آكل طعاما بنهار أبدا حتى يقوم قائم آل محمد، فدخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) قال: فقلت له: رجل من شيعتكم جعل لله عليه أن لا يأكل طعاما بنهار أبدا حتى يقوم قائم آل محمد ؟ قال: فصم إذايا كرام ولا تصم العيدين ولا ثلاثة التشريق ولا إذا كنت مسافرا ولا مريضا فان الحسين (عليه السلام) لما قتل عجت السماوات والأرض ومن عليهما والملائكة فقالوا: يا ربنا ائذن لنا في هلاك الخلق حتى نجد هم عن جديد الأرض بما استحلوا حرمتك، وقتلوا صفوتك، فأوحى الله إليهم يا ملائكتي ويا سماواتي ويا أرضي اسكنوا، ثم كشف حجابا من الحجة فإذا خلفه محمد (صلى الله عليه وآله) اثنا عشر وصيا له (عليهم السلام) وأخذ بيد فلان القائم من بينهم، فقال: يا ملائكتي ويا سماواتي ويا أرضي بهذا أنتصر [ لهذا ] - قالها ثلاث مرات -. * الشرح: قوله (أن لا أكل طعاما بنهار أبدا) كناية عن حلف صوم الدهر، والمراد بالحلف فيما بينه وبين نفسه عدم إظهاره لأحد ولو حمل على الحلف النفسي لم يكن الوفاء به واجبا بل مستحب. قوله (حتى نجليهم عن جديد الأرض) جلوا عن أوطانهم وجلوتهم إذا أخرجتهم يتعدى ولا يتعدى وجديد الأرض وجهها، وفي بعض النسخ حتى نجدهم أي نقطعهم من جددت الشئ أجده بالضم قطعته. قوله (وأخذ بيد فلان) أي أخذ جبرئيل أو ملك من الملائكة أو رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأمره تعالى ونسبة الأخذ إليه تعالى مجاز من باب نسبة الفعل إلى الأمر به أو أخذ يده كناية عن وضع علامة عرفوه بها. قوله (قالها ثلاث مرات) أي قال الله تعالى هذه الكلمة ثلاث مرات أو قالها الصادق (عليه السلام) والغرض من قوله (عليه السلام) فإن الحسين (عليه السلام) لما قتل - الى آخر الحديث - هو التصريح بما هو المقصود من هذا الباب من أن الأوصياء اثني عشر مع الإتيان بما هو حجة على كرام لعلمه (عليه السلام) بأنه سيصير

[ 382 ]

واقفيا. * الأصل: 20 - محمد بن يحيى وأحمد بن محمد، عن محمد بن الحسين، عن أبي طالب، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة بن مهران قال: كنت أنا وأبو بصير ومحمد بن عمران مولى أبي جعفر (عليه السلام) في منزله بمكة فقال محمد بن عمران: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: نحن اثنا عشر محدثا، فقال له أبو بصير: سمعت من أبي عبد الله (عليه السلام) فحلفه مرة أو مرتين أنه سمعه فقال أبو بصير: لكني سمعته من أبي جعفر (عليه السلام). * الشرح: قوله (في منزله بمكة) الضمير راجع إلى محمد بن عمران ورجوعه إلى أبى جعفر (عليهم السلام) بعيد.

[ 383 ]

باب في أنه إذا قيل في الرجل شئ فلم يكن فيه وكان في ولده أو ولد ولده فإنه هو الذي قيل فيه * الأصل: 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن أبى بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله تعالى أوحى إلى عمران أنى واهب لك ذكرا، سويا، مباركا، يبرئ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى بإذن الله، وجاعله رسولا إلى بني إسرائيل، فحدث عمران امرأته حنة بذلك وهي أم مريم، فلما حملت كان حملها بها عند نفسها غلام فلما وضعتها قالت: * (رب إني وضعتها انثى وليس الذكر كالانثى) *، أي لا يكون البنت رسولا يقول الله عزوجل: (والله أعلم بما وضعت) فلما وهب الله تعالى لمريم عيسى كان هو الذي بشر به عمران ووعده إياه، فإذا قلنا في الرجل منا شيئا وكان في ولده أو ولد ولده فلا تنكروا ذلك. * الشرح: قوله (فإذا قلنا في الرجل منا شيئا وكان في ولده أو ولد ولده فلا تنكروا ذلك) يعنى لا تكذبونا ولا تنسبوا الخطأ إلينا، وذكر الآية أولا والتفريع بعده للإشعار بأنه إذا جاز ذلك في كلام الخالق جاز ذلك في كلام الخلق بطريق أولى ولعل السر فيه أن صفات الولد في الخير والشر كصفات الوالد عنده بل خير الولد عند الوالد أحب من خيره والشر أبغض من شره فيكون ذلك الاسلوب من الكلام أدخل في إكرامه وإهانته وأيضا كما أن مبدأ الولد موجود في الوالد كذلك صفات الولد موجودة فيه بالقوة وكما يصح إكرام الرجل وإهانته بصفاته الفعلية يصح إكرامه وإهانته بصفاته بالقوة. * الأصل: 2 - محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا قلنا في رجل قولا فلم يكن فيه، وكان في ولده أو ولد ولده فلا تنكروا ذلك، فإن الله تعالى يفعل ما يشاء. * الأصل: 3 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن أحمد بن عائذ، عن أبي خديجة قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: قد يقوم الرجل بعدل أو بجور وينسب إليه ولم يكن قام به، فيكون ذلك ابنه أو ابن ابنه من بعده، فهو هو.

[ 384 ]

باب أن الأئمة كلهم قائمون بأمر الله تعالى هادون إليه (عليهم السلام) * الأصل: 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن زيد أبي الحسن، عن الحكم بن أبي نعيم قال: أتيت أبا جعفر (عليه السلام) وهو بالمدينة، فقلت له: علي نذر بين الركن والمقام إن أنا لقيتك أن لا أخرج من المدينة حتى أعلم أنك قائم آل محمد أم لا، فلم يجبني بشئ فأقمت ثلاثين يوما، ثم استقبلني في طريق فقال: يا حكم وإنك لههنا بعد، فقلت نعم: إني أخبرتك بما جعلت لله علي، فلم تأمرني ولم تنهني عن شئ ولم تجبني بشئ ؟ فقال: بكر علي غدوة المنزل، فغدوت عليه فقال (عليه السلام): سل عن حاجتك، فقلت: إني جعلت لله علي نذرا وصياما وصدقة بين الركن والمقام إن أنا لقيتك أن لا أخرج من المدينة حتى أعلم أنك قائم آل محمد أم لا، فإن كنت أنت رابطتك وإن لم تكن أنت سرت في الأرض فطلبت المعاش، فقال: يا حكم كلنا قائم بأمر الله، قلت: فأنت المهدي ؟ قال: كلنا نهدي إلى الله، قلت: فأنت صاحب السيف ؟ قال: كلنا صاحب السيف ووارث السيف، قلت: فأنت الذي تقتل أعداء الله ويعز بك أولياء الله ويظهر بك دين الله ؟ فقال: يا حكم كيف أكون أنا وقد بلغت خمسا وأربعين [ سنة ]، وإن صاحب هذا الأمر أقرب عهدا باللبن مني وأخف على ظهر الدابة. * الشرح: قوله (على نذر بين الركن والمقام) يحتمل أن يكون المنذور هو الحج وأن يكون صيغة النذر واقعة في ذلك المقام وإن كان المنذور غيره. قوله (حتى أعلم أنك قائم آل محمد ام لا) أراد به القائم الذي يظهر به الدين ويغلب الأعداء طوعا وكرها. قوله (وإن صاحب هذا الامر أقرب عهدا باللبن منى وأخف على ظهر الدابة) يعنى أقرب عهدا بلبن امه مني يريد أن سنه أقل من سني وأخف مني على ظهر الدابة والركوب عليها. روى الصدوق في كمال الدين بإسناده عن الحسن (عليه السلام) في آخر حديث له " يطيل الله عمر القائم (عليه السلام) في غيبته ثم يظهره بقدرته في صورة شاب ابن دون أربعين سنة ذلك ليعلم أن الله على كل شئ قدير ". وروى أيضا بإسناده عن الريان بن الصلت قال: قلت للرضا (عليه السلام) أنت صاحب هذا الأمر ؟ فقال: أنا صاحب هذا الأمر ولكني لست بالذي أملاها عدلا كما ملئت جورا وكيف أكون ذلك على ما ترى من

[ 385 ]

ضعف بدني وأن القايم هو الذي إذا خرج كان في سن الشيوخ ومنظر الشباب، قويا في بدنه حتى لو مد يده إلى أعظم شجرة على وجه الأرض لقلعها، ولو صاح بين الجبال لتدكدكت صخورها يكون معه عصا موسى وخاتم سليمان يغيبه الله في سره ما شاء الله ثم يظهره فيملأ به الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما. * الأصل: 2 - الحسين بن محمد الأشعري، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن أحمد بن عائذ، عن أبي خديجة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه سئل عن القائم فقال: كلنا قائم بأمر الله. واحد بعد واحد حتى يجئ صاحب السيف، فإذا جاء صاحب السيف جاء بأمر غير الذي كان. * الأصل: 3 - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن محمد بن الحسن بن شمون، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن القاسم البطل، عن عبد الله بن سنان قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): * (يوم ندعوا كل اناس بإمامهم) * قال: إمامهم الذي بين أظهرهم وهو قائم أهل زمانه. * الشرح: قوله (وهو قائم أهل زمانه) أي قائم بأمر الله في أهل زمانه وفيه دلالة على ما هو المطلوب في هذا الباب.

[ 386 ]

باب صلة الإمام (عليه السلام) * الأصل: 1 - الحسين بن محمد بن عامر بإسناده رفعه قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): من زعم أن الإمام يحتاج إلى ما في أيدي الناس فهو كافر إنما الناس يحتاجون أن يقبل منهم الإمام، قال الله عز وجل: * (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) *. * الشرح: قوله (من زعم أن الإمام يحتاج إلى ما في أيدى الناس فهو كافر) لأن ذلك يوجب تعظيمهم وتحقيره والمؤمن مأمور بتعظيمه وتوقيره ظاهرا وباطنا والتحرز عن اذلاله سرا وجهارا. قوله (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) أي تطهر مالهم وتنميه بإخراج حق الغير عنه أو تطهر مالهم وتزكي نفوسه، وتطهرها من الأخلاق الرذيلة أو بالعكس، وقوله " خذ " دل على وجوب الأخذ مع الدفع لا على وجوب الدفع أو استحبابه بل هما من خارج والآية دلت على أن فائدة الأخذ راجعة إليهم لا إليه فهى حجة لقوله: إنما الناس يحتاجون أن يقبل منهم. * الأصل: 2 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الوشاء، عن عيسى بن سليمان النخاس، عن المفضل بن عمر، عن الخيبري ويونس بن ظبيان قالا: سمعنا أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ما من شئ أحب إلى الله من إخراج الدراهم إلى الإمام وإن الله ليجعل له الدرهم في الجنة مثل جبل احد، ثم قال: إن الله تعالى يقول في كتابه: * (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة) * قال: هو والله في صلة الإمام خاصة. * الشرح: قوله (ما من شئ أحب إلى الله من اخراج الدراهم إلى الإمام) يدل على استحباب إخراجها إليه ابتداء مطلقا سواء كانت واجبة أو مندوبة لا على وجوبه كما هو مذهب المفيد وأبى الصلاح، وإنما كان ذلك أحب لأنه توصل به (عليه السلام) وتقرب منه ومن الله تعالى ولأنه (عليه السلام) أعرف بمواضع الحاجات ومواسم الخيرات وأحوال الرجال وكيفية الانفاق وقدره ووجوه البر وطرق المصارف، ولانه يميل إليه طباع الخلق ويقوى به أمره ويكمل به نظامه في الرئاسة والخلافة. قوله (مثل جبل احد) يعني أن له وزنا في ميزان العمل الصالح كوزن جبل احد ولعله كناية عن

[ 387 ]

كثرة ثوابه وعظمة جزائه بحيث لا يعلم قدره إلا الله جل شأنه ويؤيده في الخبر: درهم يوصل به الإمام أعظم وزنا من أحد، ويمكن أن يكون التفاوت في الوزن باعتبار التفاوت في أحوال المعطي والآخذ من خلوص النية والتقرب وكمال الاحتياج والفاقة والورع وغير ذلك من المرجحات. قوله (ثم قال إن الله تعالى يقول في كتابه) استشهاد لما سبق من أن الله تعالى يزيد في إحسان المحسن. و " من " فيمن ذا الذي مبتدأ وذا خبره والذي صفة ذا أو بدله وقرضا مفعول مطلق بمعنى إقراضا ويحتمل أن يراد به ما يعطى من المال ليقضاه وحسنا صفته أو حال عن فاعل يقرض بمعنى مقرضا محسنا والمراد بحسنه خلوصه عن غير وجه الله ووقوعه مع طيب النفس من غير من ولا أذى وغير ذلك من موجبات النقص. وأضعافا بمعنى أمثالا لا يقدرها إلا الله سبحانه حتى يكون لواحد عشرة وسبعمائة ويزيد الله لمن يشاء. وقد رغب الله سبحانه في إقراضه أولا بأنه يقضيه بأمثال كثيرة والكريم إذا وعد بالكثرة وفى بأعظم أفرادها ولا تجارة أنفع من ذلك، وثانيا بأنه تعالى شأنه هو الذي يقبض القرض ويبسط في العوض ويوسع فيه تحصل زيادة ترغيب ألا ترى أنه لو قيل لك: السلطان منا يشتري منك سلعتك بنفسه ويزيد في ثمنها ما أراد وكان كريما حصلت لك رغبة كاملة في تلك المعاملة فكيف السلطان الأعظم الذي لا ينقص في ملكه إعطاء الدنيا وما فيها لواحد، ويحتمل أن يكون يقبض ويبسط دافعا لما يخطر في بال المقرض من أن الإقراض ينقص ماله ويقتر عليه ويكون معناه والله يقبض ويقتر على من يشاء ويبسط ويوسع على من يشاء بحسب المصالح فلا تبخلوا عليه خوفا من النقص والتقتير، وثالثا بأن الله تعالى شأنه الذي طلب القرض منكم وعدكم الزيادة عليه ترجعون إليه فيجازيكم على حسب أعمالكم وتجدون ما فعلتم له ووعدكم عليه. قوله (قال: هو والله في صلة الإمام خاصة) أي القرض الذي ذكره الله تعالى ونسبه إلى ذاته المقدسة الذي لا يحتاج إلى قرض ولا غيره هو صلة الإمام خاصة على سبيل التشبيه إذ هي لاقتضائها العوض الجيمل والثواب الجزيل شبهت بالقرض الذي هو قطع طائفة من المال ودفعه إلى الغير ليعوض به ويحتمل أن يكون من أفراد القرض حقيقة ولعل المقصود أن الآية نزلت قصدا وبالذات في صلة الإمام خاصة لا ينافي ذلك تعميمها بإدخال جميع الخيرات والأعمال الحسنة وإقراض الناس فيها أيضا والله أعلم. * الأصل: 3 - وبهذا الإسناد عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن حماد بن أبي طلحة، عن معاذ صاحب الأكسية قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن الله لم يسأل خلقه ما في أيديهم قرضا من

[ 388 ]

حاجة به إلى ذلك، وما كان لله من حق فانما هو لوليه. * الأصل: 4 - أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن أبي المغرا، عن إسحاق بن عمار، عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله عز وجل: * (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم) * قال نزلت في صلة الإمام. * الأصل: 5 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن الحسن بن مياح، عن أبيه قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): يا مياح درهم يوصل به الإمام أعظم وزنا من احد. * الأصل: 6 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: درهم يوصل به الإمام أفضل من ألفي ألف درهم فيما سواه من وجوه البر. * الأصل: 7 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن ابن بكير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إني لآخذ من أحدكم الدرهم، وإني لمن أكثر أهل المدينة مالا ما اريد بذلك الا أن تطهروا.

[ 389 ]

باب الفئ والأنفال وتفسير الخمس وحدوده وما يجب فيه * الأصل: إن الله تبارك وتعالى جعل الدنيا كلها بأسرها لخليفته حيث يقول للملائكة * (إني جاعل في الأرض خليفة) * فكانت الدنيا بأسرها لآدم وصارت بعده لأبرار ولده وخلفائه، فما غلب عليه أعداؤهم ثم رجع إليهم بحرب أو غلبة سمي فيئا (1) هو أن يفئ إليهم بغلبة وحرب وكان حكمه فيه ما قال الله تعالى: * (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) * فهو لله وللرسول ولقرابة الرسول فهذا هو الفئ الراجع وإنما يكون الراجع ما كان في يد غيرهم فاخذ منهم بالسيف، وأما ما رجع إليهم من غير أن يوجف عليه بخيل ولا ركاب فهو الأنفال هو لله وللرسول خاصة، ليس لأحد فيه الشركة وإنما جعل الشركة في شئ قوتل عليه، فجعل لمن قاتل من الغنائم أربعة أسهم وللرسول سهم والذي للرسول (صلى الله عليه وآله) يقسمه ستة أسهم ثلاثة له وثلاثة لليتامى والمساكين وابن السبيل، وأما الأنفال فليس هذه سبيلها كانت للرسول (صلى الله عليه وآله) خاصة وكان فدك لرسول الله (صلى الله عليه وآله) خاصة، لأنه فتحها وأمير المؤمنين (عليه السلام)، لم يكن معهما أحد فزال عنها اسم الفئ ولزمها اسم الأنفال وكذلك الآجام والمعادن والبحار والمفاوز هي للإمام خاصة. فان عمل فيها قوم بإذن الإمام فلهم أربعة أخماس وللإمام خمس والذي للإمام يجري مجرى الخمس ومن عمل فيها بغير إذن الإمام فالإمام يأخذه كله، ليس لأحد فيه شئ وكذلك من عمر شيئا أو أجرى قناة أو عمل في أرض خراب بغير إذن صاحب الأرض فليس له ذلك فإن شاء أخذها منه كلها وإن شاء تركها في يده. * الشرح: قوله (إن الله تعالى جعل الدنيا - الى قوله -: لآدم) يعني كانت الدنيا بأسرها لخليفته وآدم خليفته فكانت الدنيا بأسرها لآدم وقوله: حيث تعليل إما للكبرى المطوية وهو ظاهر أو للصغرى المذكورة. ووجه الدلالة أن قوله: * (إني جاعل في الأرض خليفة) * مع ملاحظة الظرف وملاحظة العرف واستعمال الحدس تفيد أن الأرض كلها للخليفة وهو متصرف فيها كما في قولنا فلان نايب


1 - قوله " أو غلبة سمي فيئا " واصطلاح الشرع المشهور غير ما ذكره الكليني - رحمه الله - فإن الفئ ما يوجف عليه بخيل ولا ركاب قال الله تعالى: * (وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب) * ولكن لا مشاحة في الاصطلاح. (ش) (*)

[ 390 ]

زيد في أهله حيث يفيد وضعا وعرفا وحدسا أن الأهل أهله وهو مالك لامورهم ومتصرف فيها، وخليفة الرجل من يقوم مقامه ويسد مسده والهاء فيه للمبالغة وجمعه الخلفاء على معنى التذكير مثل ظريف وظرفاء ويجمع على اللفظ خلائف كطريفة وطرائف. قوله (وصارت بعده لأبرار ولده وخلفائه) هم الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام). قوله (وهو أن يفئ إليهم بغلبة وحرب) الفئ في اللغة الغنيمة ويطلق على الرجوع المطلق أيضا وهو بالمعنى الأول مقابل للأنفال لأنه عبارة عن الرجوع بغلبة وحرب أما بالمعنى الثاني فهو يشمل الغنيمة والأنفال جميعا وهذا المعنى أيضا شايع قال الجوهري: الفئ الرجوع بل يمكن أن يقال: إنه مختص بالأنفال نظرا إلى ظاهر ما ذكره ابن الأثير في النهاية حيث قال: الفئ ما حصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب ولا جهاد، أصل الفئ الرجوع كأنه كان في الأصل لهم ثم رجع إليهم، ويدل عليه أيضا ما رواه الشيخ في التهذيب باسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الغنيمة قال: يخرج منها الخمس ويقسم ما بقي بين من قاتل عليه وولي ذلك، وأما الفئ والأنفال فهو خالص لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، وعنه أيضا في حديث طويل قال " وما كان من أرض خربة أو بطون أودية فهذا كله من الفئ والأنفال لله وللرسول يضعه حيث يحب " وعنه أيضا في حديث طويل قال: " الفئ ما كان من أموال لم يكن فيها من هراقة دم والأنفال مثل ذلك بمنزلته ". قوله (وكان حكمه فيه) أي فيما رجع إليهم بحرب وغلبة ولابد من استثناء الأرض وصوافي الملوك فإن الأولى للمسلمين كافة والثانية للإمام (عليه السلام). قوله (من غير أن يوجف عليه بخيل ولا ركاب) الركاب بالكسر الإبل التي يسار عليها الواحدة راحلة ولا واحد لها من لفظها، والجمع الركب مثل الكتب والوجف والوجيف العدو والاضطراب يقال وجف الفرس والبعير وجفا ووجيفا أي عدوا وأوجفه صاحبه إيجافا وقوله تعالى: * (فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب) * معناه ما أعملتم خيلكم وركابكم في تحصيله. قوله (فهو الأنفال) هي جمع النفل بسكون الفاء وفتحها وهو في اللغة الزيادة. ومنه النافلة والمراد به ما يزيد عما يشارك فيه الغانمون ويختص بالإمام (عليه السلام). قوله (والذي للرسول (ص) يقسمه ستة أسهم) هذا هو المشهور بين الأصحاب بل كاد أن يكون إجماعا والآية الشريفة والروايات المتكاثرة الصحيحة والمعتبرة دالة علية وأما ما نقله العلامة في المختلف من أن الخمس يقسم خمسة أقسام فيجاب أولا بأن قائل هذا القول مع شذوذه غير معلوم كما صرح به بعض الأصحاب فلا عبرة به أصلا ويجاب ثانيا بأن مستنده رواية ربعي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يقسم الخمس خمسة أقسام يأخذ خمس الله

[ 391 ]

عزوجل لنفسه ويقسم الباقي بين ذوى القربى واليتامى والمساكين وأبناء السبيل " ولا دلالة فيها على أن ذلك حتم ولازم فلعله كان يأخذ دون حقه أو كان يعطي مع الأعوان فيبقى الآية والروايات الدالة على قسمته ستة أقسام بغير معارض. قوله (ثلاثة له) هي سهمه وسهم الله وسهم ذى القربى نصف الخمس، وما كان له كان بعده للإمام (عليه السلام) سهم له أصالة وسهمان له وراثة. قوله (وثلاثة لليتامى والمساكين وابن السبيل) المراد بالمساكين هنا ما يشمل الفقراء كما في كل موضع يذكرون منفردين والظاهر أنه لا خلاف في اعتبار فقر ابن السبيل في بلد التسليم، وأما اعتبار الفقر في اليتيم فهو المشهور بين الأصحاب وفي دليله ضعف وظاهر الآية دل على عدم اعتباره والله أعلم. قوله (وكان فدك لرسول الله (صلى الله عليه وآله)) فدك بفتحتين قرية بناحية الحجاز أفاء الله تعالى على نبيه (عليه السلام) وهي قرية بخيبر. قوله (وكذلك الآجام - الخ) الآجام بكسر الهمزة وفتحها مع المد جمع أجمة بالتحريك وهي ما فيه قصب ونحوه من غير الأرض المملوكة لمالكها. والمعادن جمع المعدن بكسر الدال وهو ما استخرج من الأرض واشتمل على نوع خصوصية ينتفع بها مثل العقيق والياقوت والفيروزج والملح والنفط وغيرها وهو للإمام بشرط أن لا يكون في أرض مملوكة لغيره فإنه لمالكها، والمفاوز جمع المفازة بفتح الميم فيهما وهي البرية القفر سميت بذلك لأنها مهلكة من فوز إذا مات، وقيل: سميت تفاؤلا من الفوز بمعنى النجاة. قوله (وللإمام خمس) هذا إذا قاطع على الخمس وإلا فله ما قاطع عليه قل أو كثر والباقي للعامل. قوله (والذي للامام يجرى مجرى الخمس) لم يرد أنه مثل الخمس يقسم ستة أسهم لأنه مختص به (عليه السلام) بل أراد أنه مثله في أنه حقه المنتقل إليه بالوراثة بأمره تعالى. قوله (ومن عمل فيها بغير إذن الإمام) دل على أنه لا يجوز لأحد التصرف فيها بغير إذنه مطلقا وهو مذهب بعض الأصحاب والمشهور بينهم أنه يجوز التصرف فيها في غيبته للشيعة وليس عليهم شئ سوى الزكاة في حاصلها وبعد ظهوره يبقيها في أيديهم ويأخذ منهم الخراج أيضا، وأما غيرهم من المسلمين فيجوز لهم التصرف في حال حضوره بإذنه وعليهم طسقها لا في حال غيبته فإن حاصلها حرام عليهم وهو يأخذها منهم ويخرجهم صاغرين وأما الكفار فلا يجوز لهم التصرف فيها في غيبته وحضوره ولو أذن لهم عند أكثر الأصحاب خلافا للمحقق الشيخ علي في

[ 392 ]

الأخير مع الإذن والشهيد في الأول على ما نقل عنه وقد مر في باب أن الأرض كلها للإمام ما يناسب هذا المقام. * الأصل: 1 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: نحن والله الذين عنى الله بذي القربى، الذين قرنهم الله بنفسه ونبيه (صلى الله عليه وآله)، فقال: * (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين) * منا خاصة ولم يجعل لنا سهما في الصدقة، أكرم الله نبيه وأكرمنا أن يطعمنا من أوساخ ما في أيدي الناس. * الشرح: قوله (نحن والله الذي عنى الله بذي القربي) ذي القربى هو الإمام (عليه السلام) لا جميع بني هاشم كما ذهب إليه جماعة من متأخري العامة ولا جميع قريش كما ذهب إليه سلفهم والآية محكمة عندنا وعند أكثر العامة وذهب أبو حنيفة إلى أنه يسقط بعده (صلى الله عليه وآله) سهمه وسهم الله تعالى وسهم ذي القربى ويقسم على الثلاثة الأصناف الباقية. قوله (فقال ما أفاء الله) الفئ هنا عبارة عن الغنيمة المأخوذة بحرب وقتال (1) كما ذكره أولا. قوله (ولم يجعل لنا سهما في الصدقة) أراد بالصدقة الزكاة وتشمل بعمومها أو إطلاقها المندوبة أيضا وفي المندوبة خلاف وبقوله: لنا، جميع بني هاشم. * الأصل: 2 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن أبان، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله تعالى: * (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى) * قال: هم قرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) والخمس لله وللرسول ولنا. * الشرح: قوله (قال هم قرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله)) الظاهر أن ضمير " هم " راجع إلى ذى القربى والجمع باعتبار المعنى وحينئذ قوله فالخمس لله وللرسول ولنا، تفسير لنصف الخمس ويحتمل أن يكون الضمير راجعا إلى ذي القربى وما عطف عليه في الآية لفهمه من سياقها ولم يذكره للاقتصار وحينئذ قوله


1 - قوله " المأخوذة بحرب وقتال " بل بغير حرب وقتال ويختص بالإمام كما هو نص الآية وإن خالف ما ذكره لمصنف أولا. (ش) (*)

[ 393 ]

فالخمس جميعه بدراج الأصناف الباقية في قوله لنا. * الأصل: 3 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حفص بن البختري، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الأنفال ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، أو قوم صالحوا، أو قوم أعطوا بأيديهم، وكل أرض خربة وبطون الأودية فهو لرسول الله (صلى الله عليه وآله) هو للإمام من بعده يضعه حيث يشاء. * الشرح: قوله (أو قوم صالحوا أو قوم اعطوا بأيديهم) أي صالحوا على ترك القتال بالانجلاء عنها أو أعطوها بأيديهم وسلموها طوعا، أما لو صالحوا على أنها لهم فهي لهم ويتصرفون فيها كما يتصرف المالك في أملاكه ولو صالحوا على أنها للمسلمين ولهم السكنى وعليهم الجزية فالعامر للمسلمين قاطبة والموات للإمام (عليه السلام). قوله (كل أرض خربة) سواء ترك أهلها أو هلكوا وسواء كانوا مسلمين أو كفار أو كذا مطلق الموات التي لم يكن لها مالك. قوله (وبطون الأودية) المرجع فيها وفي الأرض الخربة إلى العرف كما صرح به الأصحاب ويتبعهما كل ما فيهما من شجر ومعدن وغيرهما. قوله (وهو للإمام من بعده) اتفقت الشيعة على أن الأنفال من بعده للإمام وأنها غير الغنيمة والخمس وذهب بعض العامة إلى أنها هي الغنيمة وأن قوله تعالى: * (قل الأنفال لله والرسول) * (1) معناه أن الغنيمة مختصة بالرسول ثم نسخ بقوله تعالى: * (واعلموا أنما غنمتم من شئ) * الآية، بأن جعله أربعة الأخماس للغانمين ونصف الخمس للأصناف الثلاثة. * الأصل: 4 - علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن بعض أصحابنا، عن العبد الصالح (عليه السلام) قال: الخمس من خمسة أشياء من الغنائم والغوص ومن الكنوز ومن المعادن والملاحة يؤخذ من كل هذه الصنوف الخمس، فيجعل لمن جعله الله تعالى له ويقسم الأربعة الأخماس بين من قاتل عليه وولي ذلك ويقسم بينهم الخمس على ستة أسهم: سهم لله وسهم لرسول الله وسهم لذي القربى وسهم لليتامى وسهم للمساكين وسهم لأبناء السبيل. فسهم الله


1 - قوله * (قل الأنفال لله والرسول) * ظاهر الآية أن الأنفال هي الغنيمة ولكن اصطلاح الفقهاء على أن يريدوا به ما يختص بالإمام ولا مشاحة في الاصطلاح وقد يكون اصطلاح القرآن غير اصطلاح الناس، مثلا المكروه في القرآن حرام، وفى اصطلاح الفقهاء غير محرم. (ش) (*)

[ 394 ]

وسهم رسول الله لاولي الأمر من بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وراثة فله ثلاثة أسهم: سهمان وراثة وسهم مقسوم له من الله وله نصف الخمس كملا ونصف الخمس الباقي بين أهل بيته، فسهم ليتاماهم وسهم لمساكينهم وسهم لأبناء سبيلهم يقسم بينهم على الكتاب والسنة ما يستغنون به في سنتهم، فإن فضل عنهم شئ فهو للوالي وإن عجز أو نقص عن استغنائهم كان على الوالي أن ينفق من عنده بقدر ما يستغنون به وإنما صار عليه أن يمونهم لأن له ما فضل عنهم. وإنما جعل الله هذا الخمس خاصة لهم دون مساكين الناس وأبناء سبيلهم، عوضا لهم من صدقات الناس تنزيها من الله لهم لقرابتهم برسول الله (صلى الله عليه وآله) وكرامة من الله لهم عن أوساخ الناس، فجعل لهم خاصة من عنده ما يغنيهم به عن أن يصيرهم في موضع الذل والمسكنة ولا بأس بصدقات بعضهم على بعض. وهؤلاء الذين جعل الله لهم الخمس هم قرابة النبي (صلى الله عليه وآله) الذين ذكرهم الله فقال: * (وأنذر عشيرتك الأقربين) * وهم بنو عبد المطلب أنفسهم، الذكر منهم والانثى ليس فيهم من أهل بيوتات قريش ولا من العرب أحد ولا فيهم ولا منهم في هذا الخمس من مواليهم وقد تحل صدقات الناس لمواليهم وهم والناس سواء ومن كانت امه من بني هاشم وأبوه من سائر قريش فإن الصدقات تحل له وليس له من الخمس شئ لأن الله تعالى يقول: * (ادعوهم لآبائهم) * وللإمام صفو المال أن يأخذ من هذه الأموال صفوها: الجارية الفارهة والدابة الفارهة والثوب والمتاع بما يحب أو يشتهي فذلك له قبل القسمة وقبل إخراج الخمس وله أن يسد بذلك المال جميع ما ينوبه من مثل إعطاء المؤلفة قلوبهم وغير ذلك مما ينوبه، فإن بقي بعد ذلك شئ أخرج الخمس منه فقسمه في أهله وقسم الباقي على من ولي ذلك وإن لم يبق بعد سد النوائب شئ، فلا شئ لهم. وليس لمن قاتل شئ من الأرضين ولا ما غلبوا عليه إلا ما احتوى عليه العسكر وليس للأعراب من القسمة شئ وإن قاتلوا مع الوالي لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) صالح الأعراب أن يدعهم في ديارهم ولا يهاجروا، على أنه إن دهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) من عدوه دهم أن يستنفرهم فيقاتل بهم وليس لهم في الغنيمة نصيب، وسنته جارية فيهم وفي غيرهم، والأرضون التي اخذت عنوة بخيل ورجال فهي موقوفة متروكة في يد من يعمرها ويحييها ويقوم عليها على ما يصالحهم الوالي على قدر طاقتهم من الحق: النصف [ أ ] والثلث [ أ ] والثلثين وعلى قدر ما يكون لهم صلاحا ولا يضرهم، فإذا أخرج منها ما أخرج، بدأ فأخرج منه العشر من الجميع مما سقت السماء أو سقي سيحا ونصف العشر مما سقي بالدوالي والنواضح فأخذه الوالي، فوجهه في الجهة التي

[ 395 ]

وجهها الله على ثمانية أسهم للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل ثمانية أسهم يقسم بينهم في مواضعهم بقدر ما يستغنون به في سنتهم بلا ضيق ولا تقتير. فإن فضل من ذلك شئ رد إلى الوالي وإن نقص من ذلك شئ ولم يكتفوا به كان على الوالي أن يمونهم من عنده بقدر سعتهم حتى يستغنوا، ويؤخذ بعد ما بقي من العشر، فيقسم بين الوالي وبين شركائه الذين هم عمال الأرض وأكرتها فيدفع إليهم انصباؤهم على ما صالحهم عليه ويؤخذ الباقي فيكون بعد ذلك أرزاق أعوانه على دين الله وفي مصلحة ما ينوبه من تقوية الإسلام وتقوية الدين في وجوه الجهاد وغير ذلك مما فيه مصلحة العامة، ليس لنفسه من ذلك قليل ولا كثير وله بعد الخمس الأنفال والأنفال كل أرض خربة قد باد أهلها وكل أرض لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب ولكن صالحوا صلحا وأعطوا بأيديهم على غير قتال وله رؤوس الجبال وبطون الأودية والآجام وكل أرض ميتة لا رب لها، وله صوافي الملوك ما كان في أيديهم من غير وجه الغصب، لأن الغصب كله مردود وهو وارث من لا وارث له يعول من لا حيلة له. وقال: إن الله لم يترك شيئا من صنوف الأموال إلا وقد قسمه وأعطى كل ذي حق حقه الخاصة والعامة والفقراء والمساكين وكل صنف من صنوف الناس، فقال: لو عدل في الناس لاستغنوا، ثم قال: إن العدل أحلى من العسل ولا يعدل إلا من يحسن العدل. قال: وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقسم صدقات البوادي في البوادي وصدقات أهل الحضر في أهل الحضر ولا يقسم بينهم بالسوية على ثمانية حتى يعطي أهل كل سهم ثمنا ولكن يقسمها على قدر من يحضره من أصناف الثمانية على قدر ما يقيم كل صنف منهم يقدر لسنته، ليس في ذلك شئ موقوت ولا مسمى ولامؤلف، إنما يضع ذلك على قدر ما يرى وما يحضره حتى يسد فاقة كل قوم منهم، وإن فضل من ذلك فضل عرضوا المال جملة إلى غيرهم والأنفال إلى الوالي وكل أرض فتحت في أيام النبي (صلى الله عليه وآله) إلى آخر الأبد وما كان افتتاحا بدعوة أهل الجور وأهل العدل لأن ذمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الأولين والآخرين ذمة واحدة، لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: " تتكافى دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم " وليس في مال الخمس زكاة، لأن فقراء الناس جعل أرزاقهم في أموال الناس على ثمانية أسهم. فلم يبق منهم أحد، وجعل للفقراء قرابة الرسول (صلى الله عليه وآله) نصف الخمس فأغناهم به عن صدقات الناس وصدقات النبي (صلى الله عليه وآله) وولي الأمر، فلم يبق فقير من فقراء الناس ولم يبق فقير من فقراء قرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا وقد استغنى فلا فقير، ولذلك لم يكن على مال النبي (صلى الله عليه وآله) والوالي زكاة لأنه لم يبق فقير محتاج ولكن عليهم أشياء تنوبهم من وجوه،

[ 396 ]

ولهم من تلك الوجوه كما عليهم. * الشرح: قوله (من الغنايم) يمكن إدراج أرباح المكاسب مطلقا في الغنايم لأنها أيضا غنيمة بالمعنى الأعم ولو خصت الغنيمة بما أخذ من مال أهل الحرب بحرب وقتال لا يقدح في ثبوت الخمس في غير ما ذكر لأن الكلام لا يفيد الحصر. قوله (والغوص) الغوص الدخول في البحر بلغ قعره أو لم يبلغ فما أخرج به من اللؤلؤ والمرجان والذهب والفضة وليس عليهما أثر الإسلام يملكه المخرج عليه الخمس، وما عليه أثر الإسلام لقطة، وما أخذ عن وجه الماء والساحل داخل في المكاسب يخرج منه الخمس بعد مؤونة السنة. قوله (ومن الكنوز) الكنز المال المذخور تحت الأرض وهو في دار الحرب مطلقا، وفي دار الإسلام إذا لم يكن عليه أثره ولم يكن في ملك الغير ولواجده، وعليه الخمس. وأما إذا كان عليه أثره فهو لقطة وإذا كان في ملك الغير وجب التعريف فإن لم يعرفه فهو لواجده إن لم يكن عليه أثر الإسلام والا فلقطة. قوله (والملاحة) الملاحة بشد اللام منبت الملح كالنفاطة والقيارة لمنبت النفط والقير وذكرها بعد المعادن من باب ذكر الخاص بعد العام. روى الشيخ في التهذيب عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب. عن أبي أيوب، عن محمد مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الملاحة فقال: وما الملاحة ؟ فقلت: أرض سبخة مالحة يجتمع فيه الماء فيصير ملحا فقال: هذا المعدن فيه الخمس، فقلت فالكبريت والنفط يخرج من الأرض ؟ قال: فقال: هذا وأشباهه فيه الخمس. قوله (فيجعل لمن جعله الله تعالى له) يعنى يقسم ستة أقسام لمن ذكر الله تعالى في الآية الشريفة وفيه دلالة على البسط وحمل على الاستحباب. قوله (ويقسم الأربعة الاخماس - الخ) يعنى في الغنايم، وأما في غيرها من الصنوف المذكورة فهي للواجد والعامل. قوله (ويقسم بينهم الخمس) ضمير بينهم راجع إلى " من " في قوله فيجعل لمن جعله الله تعالى له وهو في الحقيقة تفصيل وتوضيح له وجمع الضمير باعتبار المعنى. قوله (بين أهل بيته) المراد بهم من انتسب بأبيه لا بامه خاصة إلى هاشم دون المطلب أخيه أيضا على أشهر القولين فيهما خلافا للمرتضى وابن إدريس في الأول، وللمفيد وابن الجنيد - رحمهم الله - في الثاني.

[ 397 ]

قوله (ما يستغنون في سنتهم) دل على أن الخمس يعطى بقدر قوت السنة من غير إسراف ولا تقتير وهو المشهور بين الأصحاب، وذهب بعضهم إلى جواز إعطاء الزائد كالزكاة. قوله (فإن فضل عنهم شئ فهو للوالي) صريح في أن الفاضل من مؤونة سنتهم له، والناقص عليه، والخبر مرسل إلا أنه منجبر بالشهرة وذهب ابن إدريس إلى تخصيص كل صنف بحصته. قوله (إنما صار عليه أن يمونهم - الخ) مانه يمونه مونا إذا احتمل مؤونته وقام بكفايته ولعل بناء التعليل على أن الفاضل له بالأصالة حتى صار أصلا لصيرورة تكميل مؤونتهم عليه وإلا لأمكن العكس أيضا. قوله (وكرامة من الله لهم عن أوساخ الناس) لعل الفرق أن الزكاة يخرج من المال لتطهيره فهي أوساخ بخلاف الخمس فإنه مال لأهله ولا يبعد أن يقال: إنه مال للإمام بالأصالة لا لفقره ولذلك يملكه وإن كان غنيا ثم إنه يصرف نصفه إلى فقراء الهاشميين ويؤيده أنه لو كان الهاشميون كلهم أغنياء كان النصف الآخر أيضا له. قوله (هم بنو عبد المطلب) وهم أولاد أبى طالب والعباس والحارث وأبى لهب والمعروف الآن أولاد الأول وفيه دلالة على أن المنتسب إلى المطلب أخي هاشم لا يستحق الخمس. قوله (وقد تحل صدقات الناس لمواليهم) أي موالي بني عبد المطلب، وهم المعتقون من عبيدهم لانتفاء النسب الذي به حرمت الصدقة على بني هاشم خلافا للشافعي ولا يمنع من ذلك استحقاق الولاء وعود ما أخذوه من الصدقات إليهم بالإرث. قوله (ومن كانت امه من بني هاشم وأبوه من ساير قريش) بل ممن لا ينتسب بأبيه إلى هاشم سواء كان أبوه قرشيا أم لا وهو صريح في أن المتقرب بالام فقط إلى هاشم لا نصيب له في الخمس وأنه يستحق الزكاة فهو حجة على من ذهب إلى خلافه، وضعف الرواية بالإرسال منجبر بالشهرة. قوله (لأن الله تعالى يقول: * (ادعوهم لآبائهم) *) دل ظاهره على أن الانتساب بالأب دون الام ويعضده استعمال أهل اللغة وقول الفصحاء: قال الشاعر: بنونا بنو أبنائنا (1) وبناتنا * بنوهن أبناء الرجال الأباعد


1 - قوله " قال الشاعر بنونا بنو أبنائنا " الذي أراه أن الشعر أجنبي عن المقام فإن كون الرجل ابنا وولدا شئ وكونه منسوبا إلى القبيلة شئ آخر ولا يختلط أحدهما بالآخر ولذلك ترى فقهاءنا رضوان الله عليهم لم يرتابوا في كون ابن البنت وارثا كابن الابن مستدلين بقوله تعالى: * (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين) * وكذلك في أن بنات الأخ وأبناءه وبنات الاخت وأبناءها تشمل ولد الولد من الابن والبنت = (*)

[ 398 ]

وما يخالفه يحمل على المجاز لأنه خير من الاشتراك، والمرتضى - ره - استدل بقوله (صلى الله عليه وآله) للحسنين (عليهما السلام): " هاذان ابناي إمامان " والأصل في الإطلاق الحقيقة وأجاب عنه الشهيد الثاني (ره) بأنه ممنوع بل هو أعم منهما ومن المجاز خصوصا مع وجود المعارض وأراد بالمعارض هذا الخبر أو غيره وفي بعض الأخبار دلالة أظهر مما ذكره السيد (ره) كما لا يخفى على المتصفح. قوله (وللإمام صفو المال) أي خالصه وجيده وقوله: أن يأخذ، بدل من صفو المال والدابة الفارهة الحاذقة النشيطة الحادة القوية، وقد فره - بالضم - يفره فهو فاره وهو نادر مثل حامض وقياسه فريه وحميض مثل صغر فهو صغير وملح فهو مليح، ويقال للبرذون والبغل والحمار: فاره بين الفروهة والفراهة والفراهية ولعل الترديد بين يحب ويشتهي من الراوي أو المراد بالمحبة الميل الكائن حال الرؤية وقبلها وبالاشتهاء الميل الحادث في حال الرؤية وقيل: بعض الأصحاب اختاره بشرط عدم الإجحاف وأطلقه أبو الصلاح. قوله (فذلك له قبل القسمة وقبل إخراج الخمس) أي له أخذ صفو المال قبل قسمة الخمس وقبل قسمة الأربعة الأخماس وقبل إخراج الخمس، وبالجملة له ذلك من أصل الخمس ومن أصل الأخماس الأربعة ومن أصل الغنيمة ومثل إخراج جميع ما ينوبه من الجعايل للدليل أو لقاتل فلان أو لمن يتولى السرية أو لمن يحمل الراية أو لمن يكمن على العدو أو للجواسيس أو إعطاء المؤلفة كما فعله النبي (صلى الله عليه وآله) في غزوة حنين أو نحو ذلك والتقدير منوط برأيه بحسب المصالح ولا يجب التساوي. قوله (فإن بقي بعد ذلك شئ) دل على أنه لا يشترط فيه عدم الإجحاف كما هو مذهب أبى الصلاح. قوله (فقسمه في أهله) وهم المذكورون في الآية الكريمة فيقسمه ستة أسهم ثلاثة له وثلاثة للأصناف الثلاثة. قوله (ولا ما غلبوا عليه إلا ما احتوى عليه العسكر) اسم الغنيمة يطلق على ما أخذ بالقهر والغلبة مما احتوى على عسكر الكفار قليلا كان أو كثيرا وهي التى تقسم في المقاتلين بعد إخراج


= وأن في قوله تعالى * (حرمت عليكم امهاتكم وبناتكم) * تشمل البنات وبنات البنات أيضا ولكن لا يرتاب أحد من العرب والعجم في أن الرجل إذا كان أبوه قرشيا وامه مخزوميا فإنه قرشي، وكان جعدة بن هبيرة ابن اخت أمير المؤمنين (عليه السلام) مخزوميا مع أن امه هاشمية وكذلك في عشاير العجم ينسب الرجل إلى قبيلة أبيه وإن كان ابنا لقبيلة امه وكان هذا دأب العرب في الانتساب إلى القبايل قبل النبي (صلى الله عليه وآله) وفي زمانه وبعده في عصر الأئمة ولم ينكره أحد، فمن امه سيدة هو من أولاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وليس هاشميا. (ش) (*)

[ 399 ]

الخمس إن وقع القتال باذن الإمام وإلا فهو له، وأما الأرض المفتوحة عنوة وغيرها مما كان في بلادهم فهي للمسلمين كافة. قوله (وليس للأعراب من القسمة شئ) نعم قد يرضخ لهم قبل القسمة، والأعراب من أهل البادية، وقال بعض العلماء هم من أظهر الإسلام ولم يصفه يعني لم يعرف معناه بحيث يعبر عنه بنعوته المعنوية وإنما أظهر الشهادتين فقط وليس لهم علم بمقاصد الإسلام ثم هذا وهو أنه لا قسمة لهم في الغنيمة هو المشهور بين الأصحاب وعليه وفتوى الأكثر (1) وقال ابن إدريس يسهم لهم كغيرهم للآية ولم يثبت التخصيص وأجاب صاحب الإيضاح بأنه إن ثبت فعله (صلى الله عليه وآله) فهو مخصص لعموم الكتاب. قوله (على أنه إن دهم رسول الله عن عدوه دهم) الدهم بالفتح العدد الكثير والكثرة والأمر العظيم والغائلة يقال: دهمه من عدوه بكسر الهاء وفتحها دهم أي فجأه وورد عليه عدد كثير أو أمر عظيم أو غائلة. قوله (والأرضون التى أخذت عنوة - الخ) العنوة بفتح العين ما أخذت قهرا بالسيف من الأرضين والموات منها في حال القتال للامام (عليه السلام) والمحياة منها فيئ للمسلمين قاطبة والنظر فيها الإمام ولا يجوز فيها البيع والوقف والهبة ولا يملكها المتصرف على الخصوص في حال حضوره، وأما في حال غيبته فينفذ جميع ذلك (2) كما صرح به الشهيد في الدروس وصرح به عيره


1 - قوله " وعليه فتوى الأكثر " هذا غير محقق عندي وأشرنا إليه في حاشية الوافي الجزء السادس في الصفحة 40 والظاهر أن مراد من أفتى به أفتى بثبوت هذا الحكم في الجملة في عصر النبي (صلى الله عليه وآله) لا أن هذا حكم البدويين مطلقا وإن كانوا مؤمنين حضروا الواقعة واشتركوا في الجهاد بل لو كان النبي (صلى الله عليه وآله) إذن لهم الحضور والجهاد في عصره كان لهم مثل ما لغيرهم. (ش) 2 - قوله " فينفذ جميع ذلك " ههنا شبهة لغير المحصلين من نقلة الفتاوى صارت سببا لضلال طائفة من عوام الناس ومتمسكا لقوم آخرين ومنشؤها ما سمعوه من حكم الأراضي المفتوحة عنوة لزمنا التعرض لها ودفعها قضاء لواجب التكليف كما روى: " إذا ظهر في العالم البدع فعلى العالم أن يظهر علمه وإلا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين " فحذرا من لعنهم نشير إلى ما هو الحق في هذه المسألة إجمالا وبيناه تفصيلا في حواشي الوافي في الجزء الحادي عشر من الصفحة 36 إلى 52 وأما هؤلاء الجهلة فمبناهم على إنكار الملك الخاص لأفراد الناس وقالوا: لا ملك إلا لعامتهم ولا يحل للآحاد التصرف في الأموال إذ لاحق لهم فيها وإنما ذلك حق الوالي نيابة عن العامة ولما سمعوا أن أراضي المسلمين مفتوحة عنوة غير أرض المدينة والبحرين قالوا: هي لعامة المسلمين وليس لأحد مالكية أي قطعة من الأرض بأي اسم وعنوان والمراد بالبحرين سواحل بحر عمان الشمالية من جزيرة العرب فنقول دفعا لجهلهم: إن الملك = (*)

[ 400 ]

ثم الإمام يقبلها لمن يراه بما يراه ويأخذ الزكاة وهي العشر أو نصف العشر من حاصلها ويقسمها على ثمانية أسهم كما ذكره ثم يأخذ ما قرره على العامل ويصرفه في مصالح المسلمين من أرزاق أعوانه في الدين وما ينوبه من تقوية الإسلام، وتجهيز المجاهدين وسد الثغور وبناء القناطير وأمثال ذلك وليس للإمام منه شئ. قوله (على ما يصالحهم الوالي) متعلق بقوله: متروكة في أيدى من يعمرها وقوله: " على قدر


= الخاص ثابت للناس في الأراضي المفتوحة عنوة بجميع أحكام الملك بحيث يجوز لهم البيع والهبة والوقف وسائر المعاملات ويحرم غصبها وانتزاعها، ويرثها الورثة من مورثهم إلى غير ذلك ولم يرد أحكام الفقه لأرض البحرين والمدينة فقط وليس معنى ملك عامة المسلمين للمفتوحة عنوة ما فهموه من نفى الملك الخاص للأفراد وإنما المعنى كون ملك العامة في طول ملك الأفراد نظير ما يقال: إن أراضي الشام كانت للروم، وأراضي الحيرة للعجم، وأرض الهند لفلان وأراضي مصر لفلان مع أن كل قطعة من القطعات كان ملكا لرجل خاص وهذا اصطلاح معهود بين الناس من أقدم الأزمنة إلى عصرنا هذا، بل قد يكون في قرية واحدة هي ملك لرجل معين دور وأراضي وبساتين لساكني القرية ملكهم في طول ملكه فيكون لصاحب القرية أن يطلب اجرة من أصحاب الدور والبساتين وكذلك لسلطان البلاد أن يطلب خراجا أو مقاسمة بعنوان المالكية العامة، من كل واحد من الملاك الخاصة والملك أنواع تختلف بدليل اختلاف أحكامها فملك الإمام للأنفال يرثه الإمام بعده لا جميع أولاده وملك العامة للطرق النافذة نوع وملك أصحاب الدروب للطرق المنسدة نوع وملك المسلمين للمفتوحة عنوة نوع لا يحل لهم البيع ولا الإرث ويشترك معهم من أسلم بعد الفتح وأما الأفراد المتصرفون في الأراضي فإن لهم حقا خاصا بتصرفهم المجاز يبيعون به الأرض ويهبون ويرثون ويقفون أملاكهم الزراعية على المساجد والفقراء وغيرها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ويبنون المساجد ولا يبطل مسجديته بخراب المسجد أو القرية، وقال ابن إدريس: إنا نبيع ونقف تصرفنا فيها وتحجيرنا، فانظر إلى قوله: نقف تصرفنا ولا يصح الوقف إلا دائما فالتصرف حق دائم ولا يسلب حقهم في تلك الأراضي بانتزاعها قهرا غصبا ولا بزوال الآثار كالبناء والأشجار بل حق التصرف لهم ملك باق لا يزول عنهم إلا بالبيع وأمثاله، وبالجملة هذا الذي عليه المسلمون من صدر الإسلام إلى زماننا من المعاملة مع تلك الأراضي معاملة الأملاك الخاصة واستحقاق الحكومة خراجا بحسب المواضعات أو بالصلح هو الذي كان يراد من ملك العامة الأراضي المفتوحة عنوة بخلاف غير المفتوحة إذ لا يجوز للإمام طلب الخراج منها، نعم لبعض علمائنا قول بأن من زالت آثار مالكيته لأرض وتركها عشر سنين كان للإمام أن ينزعها منه ويفوضها إلى غيره يعمرها وهذا حكم خاص نظير حكم المحتكر لا ينافي ما ذكرنا بل يؤيده إذ يثبث به حق اختصاص للمالك بعد زوال آثاره إلى عشر سنين ولو كان الأمر كما توهمه الملاحدة وأتباعهم الجهلة لزال الملك بمجرد زوال الآثار بل كان للولاة أن يخرجوا البناء ويقلعوا الأشجار فينقطع حق أصحابها قهرا وان عصى مزيل الآثار بفعله وضمن لهم وكذلك كان لهم انتزاع الأراضي المزروعة بعد الحصاد من ملاكها، ولم يكن معنى لوقفها وإرثها فتأمل فيما ذكرنا واستعذ بالله من الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس ولا حول ولا قوة إلا بالله. (ش) (*)

[ 401 ]

طاقتهم " إشارة إلى أنه ليس لمال المصالحة قدر معين شرعا بل تقديره منوط برأي الإمام. قوله (مما سقت السماء أو سقي سيحا) أراد بالسماء المطر وبالسيح الماء الجارى على وجه الأرض سواء كان قبل الزرع كالنيل أم بعده، وكذا إن سقي بعلا وهو شربه بعروقه القريبة من الماء. قوله (ونصف العشر مما سقى بالدوالى والنواضح) الدوالي جمع الدالية وهي التي يديرها البقر، والنواضح جمع الناضح وهو البعير يستقى عليه وكذا إن سقي بالدلو والناعورة وهي التى يديرها الماء. قوله (للفقراء والمساكين) بيان هذه الأصناف وتفسيرها في كتب الفروع. قوله (يقسم بينهم في مواضعهم بقدر ما يستغنون به في سنتهم) لعل هذا على سبيل الجواز وإلا فيجوز إعطاء ما يغنيهم دفعة. قوله (فإن فضل من ذلك شئ رد إلى الوالي) لا لأن الوالي يملكه لنفسه إذ لا يجوز له أخذ الزكاة بل لأن يحفظه لمن يوجد من المستحقين. قوله (ويؤخذ بعدما بقى من العشر فيقسم بين الوالي وبين شركائه - الخ) أي يؤخذ بعد إخراج العشر أو نصفه ما بقى فيقسم بين الوالى وبين شركائه الذين هم العاملون على الأرض المفتوحة عنوة والزارعون لها فيدفع إليهم أنصباءهم على ما صالحهم عليه ويصرف الباقي في مصالح الدين ومصارف المسلمين من مؤونة الغزاة وأرزاق القضاة وبناء القناطير وسد الثغور وأمثال ذلك ليس للوالي من ذلك قليل ولا كثير فقوله: يقسم بين الوالي وشركائه، ليس المراد أن الوالي يملكه لنفسه بل المراد أنه يصرفه في مصارفه. قوله (وأكرتها) الأكرة بفتح الهمزة والكاف جمع أكار وهو الحراث والزراع من الأكرة وهو حفر الأرض، والمواكرة المزارعة على نصيب معلوم مما يزرع في الأرض. قوله (وله صوافي لملوك) أي صوافي ملوك أهل الحرب، وهي ما اصطفاه ملوك الكفار لنفسه من الأموال المنقولة وغيرها غير المغصوبة من مسلم أو معاهد فإن المغصوب وجب رده إلى مالكه. قوله (وهو وارث من لا وارث له) سواء كان الميت مسلما أو كافرا ولا يجوز لأحد التصرف فيه في حال حضوره إلا باذنه وأما في حال غيبته فقال الشهيد الثاني (ره): المشهور أنه يجوز التصرف فيه ويصرف في فقراء بلد الميت وجيرانه للرواية. وقيل: في الفقراء مطلقا لضعف المخصص وهو قوي، وقيل في الفقراء وغيرهم كغيره من الأنفال. قوله (يعول من لا حيلة - الخ) أي يقوم بما يحتاج إليه من قوت وكسوة وغيرهما من لا حيلة له

[ 402 ]

في تحصيل ذلك بالمال والكسب. قوله (وقال: إن الله لم يترك شيئا - الخ) أي قال العبد الصالح الكاظم (عليه السلام): " ان الله لم يترك شيئا من صنوف الأموال التي فيها الحقوق إلا وقد قسمه بالعدل في آية الزكاة والخمس والأنفال فأعطى كل ذي حق حقه من الفرق الخاصة كبني هاشم والفرق العامة كسائر الناس، فقوله: الخاصة والعامة بيان أو بدل من كل ذي حق، وقوله: والفقراء والمساكين وكل صنف من صنوف الناس عطف تفسير للعامة والخاصة للمبالغة في التعميم. قوله (فقال: لو عدل في الناس - الخ) أي لو وقع العدل في الناس بإعطاء حقوقهم المالية لاستغنوا ولم يبق فقير فيهم كما قال الصادق (عليه السلام) في حديث طويل " إن الله فرض للفقراء في مال الأغنياء ما يسعهم ولو علم الله أن ذلك لا يسعهم لزادهم، إنهم لم يؤتوا من قبل فريضة الله، ولكن اوتوا من منع من منعهم حقهم لا مما فرض الله لهم فلو أن الناس أدوا حقوقهم لكانوا عايشين بخير ". قوله (ثم قال: إن العدل أحلى من العسل) شبه العدل بالعسل مع إثبات الزيادة في النفع والرغبة وميل الطبع وقوله: " ولا يعدل إلا من يحسن العدل " إشارة إلى أن نظام الخلق في المعاش والمعاد لايتم إلا بالامام العادل إذ بدونه يقع الظلم والجور في أداء الحقوق المالية والدينية كما هو الواقع وهو سبب لفساد النظام وتفرق أحوال الأنام. قوله (وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقسم صدقات البوادى في البوادى) دل على وجوب القسمة كذلك وعدم جواز النقل، هذا إذا وجد المستحق في كل موضع وأمكن القسمة وإلا فقد صرحوا بجواز النقل بل بوجوبه. قوله (ولا يقسم بينهم بالتسوية) دل على جواز عدم التسوية، نعم هو أفضل مع وجود المرجح وهي أفضل مع عدمه. قوله (ليس في ذلك شئ موقوت ولا مسمى ولا مؤلف) أي ليس في قدر ما يقيم كل صنف شئ موقوت له وقت معين يختص به وحد معلوم لا يتجاوز عنه ولا مسمى له قدر معين ولا مؤلف مكتوب في السنة أولا مؤلف منهما إنما يضع ذلك على قدر ما يرى بحسب المصالح وتفاوت أحوال الرجال في المؤونة فيعطى من أراد ما أراد ويمنع من أراد كما قال تعالى جل شأنه: * (فامنن أو أمسك بغير حساب) * ولا ظلم فيه لأن الإمام العادل إنما يفعل ما تقتضيه العدالة. والظلم في خلاف العدالة، نعم يستحب مع السعة أن لا يعطى أقل مما يجب في النصاب الأول من الذهب والفضة أو أقل مما يجب في النصاب الثاني على اختلاف القولين لدلالة الروايات على ذلك

[ 403 ]

والقول بوجوبه بعيد جدا. قوله (وإن فضل من ذلك فضل عرضوا المال جملة إلى غيرهم) من الأشخاص والمصارف وفيه دلالة على أنه ليس للإمام منه شئ وفي التهذيب " فإن فضل من ذلك فضل عن فقراء أهل المال حمله إلى غيرهم " وهو أظهر والمال واحد. قوله (والأنفال إلى الوالي) وذلك لأن الأنفال حق للوالي والنظر فيها إليه يتصرف فيها كيف يشاء وكذا النظر في كل أرض فتحت عنوة في زمان النبي إلى آخر الأبد إليه لأن ما فتحت بدعوة أهل الجور فهو حق له وداخل في الأنفال وما فتحت بدعوة أهل العدل فهو حق للمسلمين والنظر فيه أيضا إليه كما مر. قوله (لأن ذمة رسول الله) تعليل لما سبق من أن النظر في الأنفال وما فتحت مره الأرضين المفتوحة عنوة إلى الوالي بعده (صلى الله عليه وآله) وذلك لأن عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحكمه في الأولين والآخرين واحد من غير تبدل وتغير وقد كان النظر في الأمور المذكورة في الأولين إلى الولي وهو النبي (صلى الله عليه وآله) فالنظر فيها في الآخرين أيضا إلى الوالي وهو الإمام (عليه السلام). قوله (لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: المسلمون اخوة تتكافى دماؤهم ويسعى بذمتهم آخرهم) في بعض النسخ أدناهم والأول أظهر في هذا المقام، يعني أن المسلمين اخوة تتساوى دماؤهم في القصاص والديات لا فضل لشريف على وضيع وإذا أعطى أدنى رجل أو آخرهم مرتبة أمانا للعدو فليس للباقين نقضه وجاز ذلك على جميع المسلمين وإن كانوا أعلى منه منزلة وليس لهم أن يخفروه ولا أن ينقضوا عليه عهده وقد سئل أبو عبد الله (عليه السلام) ما معنى قول النبي (صلى الله عليه وآله) " يسعى بذمتهم أدناهم " قال: لو أن جيشا من المسلمين حاصروا قوما من المشركين فأشرف رجل فقال: اعطوني الأمان حتى ألقى صباحكم واناظره فأعطاه أدناهم الأمان وجب على أفضلهم الوفاء به " وعنه (عليه السلام): إن عليا (عليه السلام) أجاز أمان عبد مملوك لأهل حصن من الحصون، وقال: هو من المؤمنين. وظاهر هذا الكلام يدل على أن ذمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الأولين والآخرين واحدة إلا ما أخرجه الدليل وليس هنا دليل على التفاوت بينهم. قوله (وليس في مال الخمس زكاة) أي ليس في مال النبي والولي زكاة لأن الله تعالى جعل لفقراء الناس في أموال الناس ما يكفيهم فلم يبق منهم فقير، وجعل لقرابة الرسول نصف الخمس لعلمه بأنه يكفيهم فأغناهم به عن صدقات الناس وعن صدقات النبي وصدقات ولي الأمر بعده، فلم يبق في الناس ولا في قرابة النبي إلا وقد استغنى بما جعله الله تعالى له. ولذلك لم يكن على

[ 404 ]

مال النبي (صلى الله عليه وآله) والولي زكاة لانتفاء الفقر المحوج إلى أخذ الزكاة من مالهما ولذلك أيضا لم تجب الزكاة في جميع أموال الناس، وقد مر في باب أن الأرض كلها للإمام وجه آخر لعدم وجوب الزكاة في مال الإمام وهو أن الإمام لا يبيت بليلة أبدا أو لله في عنقه حق يسأله عنه، ومر شرحه أيضا، ويحتمل أن يكون هذا القول ردا على بعض العامة حيث ذهب إلى أن للنبي خمس الخمس وأن أربعة أخماسه حق للأربعة الأصناف المذكورة في قوله تعالى: * (واعلموا أنما غنمتم من شئ) * الآية، لكل صنف ربع، وهو قول جماعة منهم الشافعية وأما مالك فخمس الغنيمة عنده الفئ والفئ عنده لا يخمس والنظر فيه لإمام المسلمين يصرفه في مصالحهم باجتهاده. قوله (وجعل للفقراء قرابة الرسول) المراد بهم اليتامى والمساكين وأبناء السبيل من آل محمد (صلى الله عليه وآله) الذين لا يحل لهم الزكاة فعوضهم الله تعالى بالخمس ولهم نصف ثلاثة أسهم والنصف الآخر للإمام (عليه السلام) وفيه دلالة على اعتبار الفقر في اليتامى وأبناء السبيل كما في المساكين والظاهر أنه لا خلاف في اعتبار فقر ابن السبيل في بلد التسليم، وأما في اليتامى ففى فقرهم خلاف وتحقيقه في كتب الفروع. قوله (ولكن عليهم أشياء تنوبهم) استدراك مما سبق ودفع لتوهم ما نشأ منه من أنه لا يجب شئ عليهم وإشارة إلى أنه تعالى جعل لهم أموالا وأنفالا وخمسا، ولهم الفضل من مؤونة سنة الناس وعليهم الإتمام مع الإعواز لا على وجه الزكاة بل على وجه العيلولة، ولا ينافي ذلك ما مر من أن ما جعله الله تعالى للناس يكفيهم لأن هذا أيضا مما جعله الله لهم. * الأصل: 5 - علي بن محمد بن عبد الله، عن بعض أصحابنا - أظنه السياري - عن علي بن أسباط قال: لما ورد أبو الحسن موسى (عليه السلام) على المعدى رآه يرد المظالم فقال: يا أمير المؤمنين ما بال مظلمتنا لا ترد ؟ فقال له: وما ذاك يا أبا الحسن ؟ قال: إن الله تبارك وتعالى لما فتح على نبيه (صلى الله عليه وآله) فدك وما والاها، لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب فأنزل الله على نبيه (صلى الله عليه وآله): * (وآت ذا القربى حقه) * فلم يدر رسول الله (صلى الله عليه وآله) من هم ؟ فراجع في ذلك جبرئيل وراجع جبرئيل (عليه السلام) ربه فأوحى الله إليه: أن ادفع فدك إلى فاطمة (عليها السلام)، فدعاها رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال لها: يا فاطمة إن الله أمرني أن أدفع إليك فدك، فقالت: قد قبلت يا رسول الله من الله ومنك، فلم يزل وكلاؤها فيها حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلما ولي أبو بكر أخرج عنها وكلاءها، فأتته فسألته أن يردها عليها، فقال لها: ايتيني بأسود أو أحمر يشهد لك بذلك، فجاءت بأمير المؤمنين (عليه السلام) وام أيمن فشهدا لها. فكتب لها بترك التعرض، فخرجت والكتاب معها فلقيها عمر فقال: ما هذا معك يا بنت محمد ؟ قالت كتاب كتبه لي ابن أبي قحافة،

[ 405 ]

قال: أرينيه فأبت، فانتزعه من يدها ونظر فيه، ثم تفل فيه ومحاه وخرقه. فقال لها: هذا لم يوجف عليه أبوك بخيل ولا ركاب فضعي الحبال في رقابنا، فقال له المهدي: يا أبا الحسن حدها لي، فقال: حد منها جبل أحد، وحد منها عريش مصر، وحد منها سيف البحر، وحد منها دومة الجندل، فقال له: كل هذا ؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين هذا كله إن هذا كله مما لم يوجف على أهله رسول الله (صلى الله عليه وآله) بخيل ولا ركاب، فقال: كثير، وأنظر فيه. * الشرح: قوله (فاتته فسألته أن يردها عليها) روى مسلم بإسناده عن عائشة أن فاطمة بنت محمد أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله (صلى الله عليه وآله) مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقى من خمس خيبر فقال أبو بكر: إن رسول الله قال: لا نورث ما تركناه صدقة، إنما يأكل آل محمد في هذا المال وأني والله لا اغير شيئا من رسول الله عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله ولأعملن فيها ما عمل به رسول الله فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت فلما توفيت دفنها زوجها علي بن أبي طالب ليلا ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها علي (عليه السلام). قوله (ايتيني بأسود أو أحمر) أراد بالأسود العرب وبالأحمر العجم. قوله (وام أيمن) هي أم اسامة بن زيد. قوله (وخرقه) خرقه كتابها كخرق كسرى كتاب أبيها فشق بطنه كما شق بطنه. قوله (هذا لم يوجف عليه أبوك بخيل ولا ركاب) الظاهر أنه إنكار لا إخبار إذ الإخبار يوجب الاعتراف بأنه لها، ووضع الحبال في الرقاب كناية عن التسلط والإذلال. قوله (عريش مصر) العريش كل ما يستظل له والمراد به بيوتاتها. قوله (سيف البحر - السيف بالكسر - ساحل البحر والجمع أسياف). قوله (دومة الجندل) قال في المغرب: دومة الجندل بالضم والمحدثون على الفتح وهو خطأ عن ابن دريد: وهي حصن على خمسة عشرة ليلة من المدينة ومن الكوفة على عشر مراحل، وفي الصحاح: الجندل الحجارة والجندل - بفتح النون وكسر الدال - الموضع فيه حجارة. * الأصل: 6 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن علي بن أبي حمزة، عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: الأنفال هو النفل وفي سورة الأنفال جذع الأنف. * الشرح: قوله (الأنفال هو النفل) وقد مر تفسير النفل، ولعل الضمير راجع إلى مفرد الأنفال لا إليها

[ 406 ]

والإفرد باعتبار الخبر إذ لا يصح الحمل والمقصود أن النفل المختص بالنبي (صلى الله عليه وآله) والولي بعده، فلا يرد أن الحمل في الأول أيضا بلا فائدة. قوله (وفي سورة الأنفال جذع الأنف) أي قطع أنف المخالفين وهو كناية عن الإهانة والإذلال، ووجه ذلك أن الله تعالى ذكر في تلك السورة الأنفال ومصرفها حيث قال عز شأنه: * (يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول) * وما كان للرسول كان بعده للوالى فحكمها باق إلى يوم القيامة عندنا، وأما العامة فقد اختلفوا فيها فقال بعضهم: إن آية الأنفال منسوخة لأن المراد بالأنفال الغنيمة والغنيمة كانت للنبي خاصة بحكم هذه الآية فنسخ بقوله تعالى: * (واعلموا أنما غنمتم من شئ) * الآية، يجعل أربعة أخماسها للغانمين، وقال بعضهم أنها محكمة وأن قوله تعالى: * (واعلموا أنما غنمتم) * مفسر لها وهذان القولان اشتركا في أن المراد بالأنفال الغنيمة وافترقا في الاختصاص والنسخ وعدمهما وقال بعضهم: إنها محكمة مخصوصة، والمراد بالأنفال أنفال السرايا بمعنى أن السرية الخارجة من الجيش تختص بالنفل من خمس ما غنمت وتشارك الجيش في أربعة الأخماس الباقية وقال بعضهم: إنها محكمة وأن الأنفال للإمام بمعنى أن للإمام أن ينفل من رأس الغنيمة ما شاء لمن شاء وهذا القول حق عندنا إلا أن الإمام عندنا هو المعصوم الوالي من قبل الله تعالى وعند هذا القائل سلطان العصر وان كان جايرا وأن الأنفال غير مختصة بما ذكر، روى الشيخ في التهذيب بإسناده عن محمد بن علي الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الأنفال فقال: ما كان من الأرضين باد أهلها وفي غير ذلك الأنفال، وقال: سورة الأنفال فيها يجذع الأنف ". * الأصل: 7 - أحمد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن الرصا (عليه السلام) قال: سئل عن قول الله عز وجل: * (واعلموا أنما غنتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى) * فقيل له: فما كان لله فلمن هو ؟ فقال: للرسول (صلى الله عليه وآله) وما كان لرسول الله فهو للامام، فقيل له: أفرأيت إن كان صنف من الأصناف أكثر وصنف أقل ما يصنع به ؟ قال: ذاك إلى الإمام أرأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) كيف يصنع ؟ أليس إنما كان يعطي على ما يرى ؟ كذلك الإمام. * الشرح: قوله (وما كان لرسول الله فهو للإمام) فللإمام نصف الخمس: السدس بالأصالة والسدسان بالوراثة. قوله (ما يصنع به) كان السائل توهم أنه يجب التسوية في القسمة فأشار (عليه السلام) بقوله إلى ذلك الإمام أنه يعطي كل أحد ما يستغني به في مؤونة سنته ولو فضل شئ فهو له كما أن الناقص عليه.

[ 407 ]

* الأصل: 8 - علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه سئل عن معادن الذهب والفضة والحديد والرصاص والصفر، فقال: عليها الخمس. * الأصل: 9 - علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن زرارة قال: الإمام يجري وينقل ويعطي ما يشاء قبل أن تقع السهام وقد قاتل رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقوم لم يجعل لهم في الفئ نصيبا وإن شاء قسم ذلك بينهم. * الشرح: قوله (قال الإمام يجري وينقل ويعطي ما يشاء) أي يجري ما شرطه من الجعايل وينفل لنفسه ما أحب من الثياب النفيسة والدابة الفارهة والجارية الحسنة ونحوها ويعطي من لا نصيب له مثل الأعراب واجرة الراعي للغنيمة وحافظها وكاتبها وغير ذلك مما يحتاج إليه الغنيمة في مدة بقائها. * الأصل: 10 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن عبد الصمد بن بشير عن حكيم مؤذن ابن عيسى قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله تعالى: * (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى) * فقال أبو عبد الله (عليه السلام) بمرفقيه على ركبتيه ثم أشار بيده، ثم قال: هي والله الإفادة يوما بيوم إلا أن أبي جعل شيعته في حل ليزكوا. * الشرح: قوله (عن حكيم مؤذن ابن عيسى) كذا في النسخ التى رأيناها وفي الاستبصار عن حكيم مؤذن بني عبس وهو الموافق لكتب الرجال. قوله (فقال أبو عبد الله (عليه السلام) بمرفقيه على ركبتيه) حال من مرفقيه والمعنى رفع مرفقيه وهما كاينتان على ركبتيه وقد مر أن العرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال وتطلقه على غير الكلام فتقول قال بيده أي أخذ وقال برجله أي مشى، وقالت له العينان سمعا وطاعة أي أومأت وقال بالماء على يده أي قلبه وقال بثوبه أي دفعه وكل ذلك على المجاز والاتساع. قوله (هي والله الإفادة) دل على أن الغنيمة يطلق على ما يستفاد بالاكتساب وهي بهذا المعنى أعم منها بالمعنى المصطلح وهو ما حازه المسلمون من أموال أهل الحرب إذا حواها العسكر والمقصود أن ما استفيد بالاكتساب عل أنواعه من التجارة والزراعة والصناعة وغيرها داخل الغنيمة

[ 408 ]

ويجب فيه الخمس، وقد روى عن أبي عبد الله (عليه السلام) " إن كل ما اكتسب فيه الخمس حتى الخياط ليخيط قميصا بخمسة دوانيق فلنا منه دانق إلا ما احللناه من شيعتنا لتطيب لهم به الولادة أنه ليس شئ من عند الله تعالى يوم القيامة أعظم من الزنا أنه يقوم صاحب الخمس فيقول يا رب سل هؤلاء بما نكحوا " وفيه وفي قوله (عليه السلام): إلا أن أبي جعل شيعته في حل ليزكيهم دلالة واضحة على أنه يجوز للشيعة أن يجعل منافع الاكتساب مهرا للزوجة وثمنا للجارية قبل إخراج الخمس مطلقا كما هو المشهور بين الأصحاب والمخالف نادر. * الأصل: 11 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن الحسين بن عثمان، عن سماعة قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الخمس فقال: في كل ما أفاد الناس من قليل أو كثير. * الشرح: قوله (قال سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الخمس فقال في كل ما أفاد الناس من قليل أو كثير) لا ينافي هذا الخبر ونظيره مما يفيد وجوب الخمس في جميع أنواع الاكتساب ما رواه الحسن بن محبوب عن عبد الله بن سنان قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول " ليس الخمس إلا في الغنايم خاصة " لأمرين ذكرهما الشيخ في الاستبصار أحدهما أن يكون المعنى فيه أنه ليس الخمس إلا في الغنايم خاصة بظاهر القرآن لأن ما عدا الغنايم انما علم وجوب الخمس فيه بالسنة ولم يعن أنه ليس في ذلك خمس أصلا، والثاني أن يكون هذه المكاسب والفوايد التي تحصل للإنسان هي من جملة الغنايم التى ذكرها الله تعالى في القرآن والذي يدل على ذلك ما مر قبيل هذا من رواية حكيم مؤذن ابن عيسى عن أبي عبد الله (عليه السلام). * الأصل: 12 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى بن يزيد قال: كتبت جعلت لك الفداء تعلمني ما الفائدة وما حدها رأيك - أبقاك الله تعالى - أن تمن على ببيان ذلك لكيلا أكون مقيما على حرام لا صلاة لي ولا صوم، فكتب: الفائدة مما يفيد إليك في تجارة من ربحها وحرث بعد الغرام أو جائزة. * الشرح: قوله (فكتب الفائدة مما يفيد اليك في تجارة من ربحها وحرث بعد الغرام أو جائزة) ذكر التجارة والحرث على سبيل التمثيل ولأنهما أقوى أنواع الاكتساب والا فالاكتساب غير منحصر فيهما، وقوله: بعد الغرام، إشارة إلى أن وجوب الخمس في فوايد الاكتساب بعد إخراج المؤونة

[ 409 ]

كلها وفي قوله: أو جايزة، دلالة على وجوبه في الصدقة والهبة ونحوهما كما ذهب إليه أبو الصلاح محتجا بأنه نوع اكتساب وإليه ميل الشهيد الأول في اللمعة والشهيد الثاني في شرحه لأن قبولهما اكتساب، ولصحيحه علي بن مهزيار عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام) وأنكر وجوب الخمس فيهما جماعة من الأصحاب منهم ابن إدريس والعلامة للشك في كونهما من الاكتساب والأصل عدم الوجوب ولا يخفى ما فيه. * الأصل: 13 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي نصر قال: كتبت إلى أبي جعفر (عليه السلام) الخمس اخرجه قبل المؤونة وبعد المؤونة، فكتب: بعد المؤونة. * الشرح: قوله (فكتب بعد المؤونة) يعتبر وجوب الخمس فيهما في جميع ما يجب فيه بعد إخراج المؤونة فيعتبر في الغنيمة بعد إخراج اجرة الحافظ والحامل والراعي وغير ذلك وفي المعدن والغوص بعد إخراج اجرة الحافر والغايص والآلة وغيرها وفي أرباح التجارات والزراعات والصناعات إخراج مؤونة السنة له ولعياله مطلقا وقس على ذلك. * الأصل: 14 - أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كل شئ قوتل عليه على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإن لنا خمسه ولا يحل لأحد أن يشتري من الخمس شيئا حتى يصل إلينا حقنا. * الشرح: قوله (قال كل شئ قوتل عليه على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإن لنا خمسه)، دل بظاهره على أن لهم الخمس منه سواء وقع القتال بإذنهم أم لا ولكن المشهور بين الأصحاب أن لهم غنيمة كل من قاتل بغير إذنهم في حال الغيبة والحضور وبه رواية مرسلة إلا أنه لا قائل بخلافها كما صرح به الشهيد في شرح اللمعة. قوله (ولا يحل لأحد أن يشتري من الخمس شيئا حتى يصل إليه حقنا) المشهور بين الأصحاب أنه يجوز للشيعة وط ء الأمة المسبية حال الغيبة وشراؤها وشراء الغنايم المأخوذة من أهل الحرب حال الغيبة وإن كانت بأجمعها للإمام على قول مشهور أو يبعضها على قول ضعيف وكذا يجوز الشراء ممن لا يعتقد الخمس كالمخالف وممن لا يخمس فإنه لا يجب على المشتري منا إخراج الخمس منه نعم إذا تجدد له نماء وجب عليه الخمس في نمائه.

[ 410 ]

* الأصل: 15 - أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن يونس بن يعقوب، عن عبد العزيز بن نافع قال: طلبنا الإذن على أبي عبد الله (عليه السلام) وأرسلنا إليه. فأرسل إلينا: ادخلوا اثنين اثنين. فدخلت أنا ورجل معي، فقلت للرجل: احب أن تستأذن بالمسألة فقال: نعم، فقال له: جعلت فداك إن أبى كان ممن سباه بنوا امية وقد علمت أن بني امية لم يكن لهم أن يحرموا ولا يحللوا ولم يكن لهم مما في أيديهم قليل ولا كثير وإنما ذلك لكم، فإذا ذكرت [ رد ] الذي كنت فيه دخلنى من ذلك ما يكاد يفسد علي عقلي ما أنا فيه، فقال له: أنت في حل مما كان من ذلك وكل من كان في مثل حالك من ورائي فهو في حل من ذلك. قال: فقمنا وخرجنا فسبقنا معتب إلى النفر القعود الذي ينتظرون إذن أبي عبد الله (عليه السلام) فقال لهم: قد ظفر عبد العزيز بن نافع بشئ ما ظفر بمثله أحد قط قد قيل له: وما ذاك ففسره لهم، فقام اثنان فدخلا على أبي عبد الله (عليه السلام)، فقال أحدهما: جعلت فداك إن أبي كان من سبايا بني امية وقد علمت أن بني امية لم يكن لهم من ذلك قليل ولا كثير وأنا احب أن تجعلني من ذلك في حل. فقال: وذاك إلينا ؟ ما ذاك إلينا، مالنا أن نحل ولا أن نحرم، فخرج الرجلان وغضب أبو عبد الله (عليه السلام) فلم يدخل عليه أحد في تلك الليلة إلا بدأه أبو عبد الله (عليه السلام) فقال: ألا تعجبون من فلان ؟ يجيئني فيستحلني مما صنعت بنو امية، كأنه يرى أن ذلك لنا ؟ ! ولم ينتفع أحد في تلك الليلة بقليل ولا كثير إلا الأولين فإنهما غنيا بحاجتهما. * الشرح: قوله (فقال له: إن أبي كان ممن سباه بنو امية) أخبره عن أبيه وعن نفسه وعما في يده من الأموال وعن الحزن بالتصرف فيها لعلمه بأن جميع ذلك حق له (عليه السلام) لكونه غنيمة مأخوذة بحكم أهل الجور فأجاب (عليه السلام) بأنه وإن من كان مثله في حل من ذلك، وفيه دلالة على أن غنيمة أهل الجور للإمام وأنه أباح لشيعته التصرف فيها حال الحضور والغيبة. قوله (فإذا ذكرت رد الذي كنت فيه) أي خلاف السنة الذي كنت فيه وهو تصرف العبد في مال المولى بدون إذنه قال في النهاية: يقال أمر رد إذا كان مخالفا لما عليه أهل السنة، ولفظ " رد " ليست بعض النسخ. وفي بعضها " ما " بدله وهو موصولة بمعنى شيئا ومآل الكل واحد. قوله (ما أنا فيه) بدل عن الرد أو عن قوله ما أو عن فاعل يكاد أو فاعل ليفسد وهو بعيد لبقاء خبر يكاد بلا عايد إلى اسمه أو استفهام للتعجب عن حاله أو التوبيخ لنفسه. قوله (فسبقنا معتب إلى النفر) معتب بضم الميم وفتح العين المهملة وكسر التاء المشددة مولى

[ 411 ]

أبي عبد الله (عليه السلام) مدني ثقة والنفر بفتحتين من الثلاثة إلى العشرة من الرجال وهو اسم لا واحد له من لفظه. قوله (قد ظفر عبد العزيز بن نافع بشئ ما ظفر بمثله أحد) وفيه أن الذي ظفر به هو ذلك السائل: ويمكن أن يقال عبد العزيز أيضا ظفر به حيث علم ما لم يكن يعلم من أنه يجوز له التصرف فيما غنمه أهل الجور. قوله (ما ذاك إلينا) لعله قال ذلك للتقية خوفا من إفشاء هذا الخبر ولم يكن له خوف من السائل الأول أو لأن هذا السائل لم يكن من أهل المودة والولاية في الواقع. * الأصل: 16 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن ضريس الكناسي قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): من أين دخل على الناس الزناء ؟ قلت: لا أدري جعلت فداك، قال: من قبل خمسنا أهل البيت، إلا شيعتنا الأطيبين، فانه محلل لهم لميلادهم. * الشرح: قوله (قال من قبل خمسنا) لا يجوز لغير الشيعة أن يطأ الأمة التى سباها المقاتل بغير إذن الإمام ولا أن يشتريها ولا أن يجعل مهور النساء من منافع أنواع الاكتساب لدخول حق الإمام في جميع ذلك بل بعضها بالتمام حقه فلو فعل كان غاصبا وزانيا وجرى في الولد حكم ولد الزنا عند الله تعالى وجاز جميع ذلك للشيعة قبل إخراج حقه وحق مشاركيه من الهاشميين بإذنه ليطيب فعلهم وتزكو ولادتهم. * الأصل: 17 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن شعيب، عن أبي الصباح قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): نحن قوم فرض الله طاعتنا، لنا الأنفال ولنا صفو المال. * الأصل: 18 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن رفاعة، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يموت، لا وارث له ولا مولى، قال: هو من أهل هذه الآية: * (يسألونك عن الأنفال) *. * الشرح: قوله (ولا مولى) أراد به المعتق وفي حكمه ضامن الجريرة فولاء العتق وولاء ضامن الجريرة مقدمان على ولاء الإمام (عليه السلام) وبالجملة يقدم الوارث وإن بعد ثم ولاء العتق ثم ولاء الضمان فإن لم

[ 412 ]

يجد فالتركة من الأنفال التي جعلها الله تعالى للإمام (عليه السلام) ويجوز التصرف فيها حال غيبته على نحو ما ذكرناه سابقا. * الأصل: 19 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن الكنز، كم فيه ؟ قال: الخمس، وعن المعادن كم فيها ؟ قال: الخمس وكذلك الرصاص والصفر والحديد، وكلما كان من المعادن يؤخذ منها ما يؤخذ من الذهب والفضة. * الشرح: قوله (عن الكنز كم فيه قال الخمس) دل على أن الكنز يجب فيه الخمس قليلا كان أو كثيرا إلا أن ما رواه أحمد بن محمد بن أبي نصر عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال سألته عما يجب فيه الخمس من الكنز فقال الزكاة في مثله ففيه الخمس دل ظاهرا على اعتبار النصاب وهو عشرون دينارا أو مائتا درهم في الكنز إذا كان من النقدين وفي غيرهما ما بلغ قيمته أحدهما وإنما قلنا ظاهرا لاحتمال أن يراد الكنز إذا كان ذهبا أو فضة ففيه الخمس فلو كان من غيرهما لا خمس فيه لكنه بعيد جدا والظاهر أنه لم يذهب إليه أحد. قوله (وعن المعادن كم فيها قال الخمس) دل على أنه لا نصاب في المعادن وهو أحد قول الشيخ - ره - ومذهب ابن إدريس وقيل: ابن إدريس ادعى الإجماع على عدم النصاب فيها ولا دلالة على اعتباره فيما بعده وهو قوله " وكلما كان من المعادن يؤخذ منها ما يؤخذ من الذهب والفضة " لأن المراد منه أنه لا فرق في المعادن بين أن يكون ذهبا أو فضة أو غيرهما من المذكورات وغيرهما وجوب الخمس وليس المراد بيان اعتبار النصاب فيها وسيجئ في خبر محمد بن على عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) ما يدل على اعتبار النصاب فيها وأنه دينار. * الأصل: 20 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن سنان، عن صباح الأزرق، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: إن أشد ما فيه الناس يوم القيامة أن يقوم صاحب الخمس فيقول: يا رب خمسي، وقد طيبنا ذلك لشيعتنا لتطيب ولادتهم ولتزكوا ولادتهم. * الشرح: قوله (فيقول يا رب خمسى) أي اطلب خمسي أوضاع خمسي أو أين خمسي والمقصود طلب المكافاة ممن منعه وضيعه.

[ 413 ]

* الأصل: 21 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن محمد بن علي عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عما يخرج من البحر من اللؤلؤ والياقوت والزبرجد وعن معادن الذهب والفضة ما فيه ؟ قال: إذا بلغ ثمنه دينارا ففيه الخمس. * الشرح: قوله (عن محمد بن علي) محمد بن علي بن أبي عبد الله مجهول وقد يقال: إن الإجماع على تصحيح ما يصح عن أحمد بن محمد بن أبى نصر يدفع الضعف بالجهالة. قوله (قال إذا بلغ ثمنه دنيارا ففيه الخمس) دل على أن النصاب معتبر في الغوص والمعدن وأنه دينار فهو حجة لأبي الصلاح وابن بابويه نظرا إلى ظاهر كلامه لكن روى الشيخ عن محمد بن الحسن الصفار عن يعقوب بن يزيد عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عما أخرج من المعدن من قليل أو كثير هل فيه شئ ؟ قال: ليس فيه شئ حتى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة عشرين دينارا. وهذا الحديث محكوم بالصحة وبمضمونه عمل كثير من الأصحاب منهم العلامة وحمل بعضهم حديث الدينار على الاستحباب في المعدن وعلى الوجوب في الغوص وأورد عليه الشيخ محمد - رحمة الله عليه - بأن الحمل على الاستحباب لا يخلو من إشكال لاتحاد الرواية إلا أن يقال: لا مانع من حمل بعض الرواية على الاستحباب للمعارض وبعضها على الوجوب لعدمه، وقال الشيخ في التهذيب: ليس بين الخبرين تضاد لأن خبر ابن أبي نصر تناول حكم المعادن وخبر محمد بن على حكم ما يخرج من البحر وليس أحدهما هو الآخر بل لكل واحد منهما حكم على الانفراد ووجه كلام الشيخ محمد - رحمة الله عليه - بأن مراده أن خبر محمد بن علي وارد المعدن الذي هو خرج من البحر وحكمه حكم الغوص وخبر ابن أبي نصر في غيره من المعادن وهو الذي نصابه عشرون دينارا وله وجه إلا أنه بعيد. ثم قال: وربما يقال: إن خبر ابن أبي نصر مع معارضته للإجماع الذي ادعاه ابن إدريس يحتمل أن يراد فيه السؤال عن الزكاة إذ ليس صريحا الخمس فيما ادعاه بعض الأصحاب من أنه صريح في الخمس محل كلام، وأما ما قيل في رد خبر ابن أبي نصر من أن في طريق الشيخ إلى محمد بن الحسن الصفار أحمد بن محمد بن الوليد على أحد الطريقين وأبو الحسين بن أبي جيد على الآخر وهما غير موثقين ففيه أن هذا لو قدح لأشكل تصحيح غالب الأحاديث لا سيما في ابن الوليد. ومما ذكرناه ظهر أن الأقوال في المعدن ثلاثة: الأول أنه لا نصاب فيه وأنه يجب الخمس في قليله وكثيره، والثاني أن النصاب في دينار كالغوص، والثالث النصاب

[ 414 ]

فيه عشرون دينارا كالكنز، والاحتياط يقتضى الإخراج في قليله وكثيره. والله أعلم. * الأصل: 22 - محمد بن الحسين وعلي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن علي بن مهزيار قال: كتبت إليه يا سيدي رجل دفع إليه مال يحج به، هل عليه في ذلك المال حين يصير إليه الخمس أو على ما فضل في يده بعد الحج ؟ فكتب (عليه السلام) لي: ليس عليه الخمس. * الشرح: قوله (فكتب (عليه السلام) ليس عليه الخمس) دل على أنه لا خمس في مال رفع إلى رجل يحج به مطلقا لا حين الأخذ ولا بعد الحج إن بقي شئ بعد مؤونة السنة له ولعياله، وقيل: المشهور وجوب الخمس في جميع المكاسب من تجارة وصناعة وزراعة وغرس ومن ذلك استيجار الإنسان نفسه لعمل كالحج وما شابهه لكن بعد إخراج مؤونة السنة له ولعياله الواجبي النفقة وغيرهم، هذا كلامه وهو لا يخلو من قوة والرواية ضعيفة والله أعلم. * الأصل: 23 - سهل بن زياد، عن محمد بن عيسى، عن علي بن الحسين بن عبد ربه قال: سرح الرضا (عليه السلام) بصلة إلى أبي، فكتب إليه أبي: هل علي فيما سرحت إلي خمس ؟ فكتب إليه: لا خمس عليك فيما سرح به صاحب الخمس. * الشرح: قوله (لا خمس عليك فيما سرح به صاحب الخمس) دل على أنه لا خمس على رجل فيما أعطاه الإمام من هبة وصدقة وهدية، ولا يدل على أنه لا خمس عليه في هذه الأمور إذا وصلت إليه من غير الإمام بل يدل بحسب المفهوم على الوجوب وقد ذهب إليه أبو الصلاح محتجا بأنه نوع من الاكتساب وفائدة فيدخل بحسب عموم الأخبار أو إطلاقها ولا يخلو من قوة. * الأصل: 24 - سهل، عن إبراهيم بن محمد الهمداني قال: كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام): أقرأني علي بن مهزيار كتاب أبيك (عليه السلام) فيما أوجبه على أصحاب الضياع نصف السدس بعد المؤونة وأنه ليس على من لم تقم ضيعته بمؤونته نصف السدس ولا غير ذلك فاختلف من قبلنا في ذلك فقالوا: يجب على الضياع الخمس بعد المؤونة مؤونة الضيعة وخراجها لا مؤونة الرحل وعياله فكتب (عليه السلام): بعد مؤونته ومؤونة عياله و [ بعد ] خراج السلطان.

[ 415 ]

* الشرح: قوله (فيما أوجبه على أصحاب الضياع نصف السدس) ضيعة الرجل ما يكون منه معاشه كالصنعة والتجارة والزراعة وغير ذلك وكأنه (عليه السلام) أوجب عليهم بعض الحق وأسقط عنهم بعضه لمصلحة وإلا فالحق أكثر من نصف السدس وإذا جاز له إسقاط الكل كما دل عليه بعض الروايات جاز له إسقاط البعض بطريق أولى وإرادة نصف كل سدس أو إرادة الستة من السدس التزاما ليرجع إلى نصف الخمس ويكون المراد به حصته (عليه السلام) بعيدة جدا. قوله (وأنه ليس على من لم تقم ضيعته بمؤونته نصف السدس ولا غير ذلك) أراد نفي الخمس ونفي الزكاة جميعا عند عدم وفاء الحاصل بالمؤونة. * الأصل: 25 - سهل، عن أحمد بن المثنى قال: حدثني محمد بن زيد الطبري قال: كتب رجل من تجار فارس من بعض موالي أبي الحسن الرضا (عليه السلام) يسأله الإذن في الخمس فكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم إن الله واسع كريم ضمن على العمل الثواب وعلى الضيق الهم، لا يحل مال إلا من وجه أحله الله وإن الخمس عوننا على ديننا وعلى عيالاتنا وعلى موالينا وما نبدله ونشتري من أعراضنا ممن نخاف سطوته، فلا تزووه عنا ولا تحرموا أنفسكم دعاءنا ما قدرتم عليه، فإن إخراجه مفتاح رزقكم وتمحيص ذنوبكم وما تمهدون لأنفسكم ليوم فاقتكم والمسلم من يفي لله بما عهد إليه وليس المسلم من أجاب باللسان وخالف بالقلب: والسلام. * الشرح: قوله (يسأله الإذن في الخمس) أي في التصرف فيه وعدم إخراجه من الأرباح. قوله (وعلى الضيق الهم) لعل المراد أنه ضمن على ضيق النفس في الإطاعة والانقياد العقاب وفي التهذيب في موقعه " وعلى الخلاف العقاب ". * الأصل: 26 - وبهذا الإسناد، عن محمد بن زيد قال: قدم قوم من خراسان على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) فسألوه أن يجعلهم في حل من الخمس، فقال: ما أمحل هذا تمحضونا بالمودة بألسنتكم وتزوون عنا حقا جعله الله لنا وجعلنا له وهو الخمس، لا نجعل، لا نجعل، لا نجعل لأحد منكم في حل. * الشرح: قوله (وجعلنا له) أي جعلنا واليا له متصرفا فيه. قوله (لا نجعل) قال الشيخ في الاستبصار: الوجه في الجمع بين هذه الرواية والروايات الدالة

[ 416 ]

عل الحل ما كان يذهب إليه شيخنا رحمة الله عليه وهو أن ما ورد من الرخصة في تناول الخمس والتصرف فيه إنما ورد في المناكح خاصة لتطيب ولادة شيعتهم ولم يرد في الأموال ما ورد من التشدد في الخمس والاستبداد به فهو يختص الأموال. * الأصل: 27 - علي بن إبراهيم، عن أبيه قال: كنت عند أبي جعفر الثاني (عليه السلام) إذ دخل عليه صالح بن محمد ابن سهل وكان يتولى له الوقف بقم، فقال: يا سيدي اجعلني من عشرة آلاف في حل فإني أنفقتها، فقال له: أنت في حل، فلما خرج صالح، قال أبو جعفر (عليه السلام): أحدهم يثب على أموال حق آل محمد وأيتامهم ومساكينهم وفقرائهم وأبناء سبيلهم فيأخذه ثم يجئ فيقول: اجعلني في حل، أتراه ظن أني أقول: لا أفعل، والله ليسألنهم الله يوم القيامة عن ذلك سؤالا حثيثا. * الشرح: قوله (أتراه ظن أني أقول: لا أفعل) دل ذلك ظاهرا على أن الخمس كله حق الإمام إلا أنه يصرف بعضه في الوجوه المذكورة ويحتمل أن يكون بعضه حقا للأصناف المذكورين إلا أن الإمام أولى بهم من أنفسهم فلذلك كان له أن يحل المتصرف في حقوقهم أيضا ثم قوله: " ليسألنهم الله يوم القيامة عن ذلك سؤالا حثيثا " دل ظاهرا على أن من أحل له الإمام أيضا مسؤول وهو بعيد جدا ولا يبعد تخصيص السؤال بمن عداه والله أعلم. * الأصل: 28 - علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن العنبر وغوص اللؤلؤ ؟ فقال (عليه السلام): عليه الخمس. كمل الجزء الثاني من كتاب الحجة [ من كتاب الكافي ] ويتلوه كتاب الإيمان والكفر. والحمد لله رب العالمين والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

[ 417 ]

فهرس الآيات (ائت بقرآن غير هذا أو بدله يونس: 15... 72 (ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين الاحقاف: 4... 96 (ادعوهم لآبائهم الاحزاب: 5... 394 (إذا جاءك المنافقون) المنافقون: 1... 119 (اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا الاسراء: 63... 97 (اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون التوبة: 94... 91 (إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم هود: 119... 105 (الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله الاعراف: 43... 69 (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم) البقرة: 146... 182 (الذين آمنوا واتبعوا النور الذي أنزل معه الاعراف: 157... 107 - 105 (الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فصلت: 30... 74 (الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون * وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا الاعراف: 5 - 6... 95 (الذين يمشون على الأرض هونا الفرقان: 63... 100 (الله لطيف بعباده يرزق.... من كان يريد حرث الآخرة الشورى: 19... 126 (الله نور السموات والأرض مثل نوره النور: 36... 174 (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت المائدة: 3... 175 (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) فاطر: 10... 109 (إنا أنزلناه في ليلة القدر القدر: 1... 211 (إن إبراهيم كان امة قانتا لله النحل: 120... 178 (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون يس: 8... 113 (إن الحكم إلا لله الانعام: 57... 197 (إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا النساء: 137... 75 (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات - إلى قوله - وحسنت مرتفقا). الكهف: 30 - 31... 92 (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا) مريم: 96... 113 - 115

[ 418 ]

(إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى محمد: 25... 77 (إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم آل عمران: 90... 76 (إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم النساء: 137... 89 (إن الذين يؤذون الله ورسوله الاحزاب: 57... 220 (إن الله لا يهدي القوم الفاسقين المنافقون: 6... 120 (إنا لله وإنا إليه راجعون البقرة: 156... 215 (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما). الاحزاب: 56... 191 (إن المتقين في ظلال وعيون وفواكه مما يشتهون كلوا المرسلات: 41 - 42... 125 (إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الاحزاب: 35... 86 (إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا الانسان: 23... 117 (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا) آل عمران: 68... 62 (إن في ذلك لآيات للمتوسمين) الحجر: 75... 137 (ان كتاب الفجار لفي سجين المطففين: 7... 126 (ان لدينا أنكالا وجحيما * وطعاما ذا غصة وعذابا أليما). المزمل: 13... 123 (إنما النسئ زيادة في الكفر التوبة: 37... 141 (إن ما توعدون لصادق وإن الدين لواقع والسماء ذات الحبك إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك الذاريات: 6 - 9... 82 (انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا المائدة: 55... 71 - 125 - 99 (إنما يخشى الله من عباده العلماء فاطر: 28... 202 - 152 (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) الاحزاب: 33... 85 - 86 - 174 - 269 (إن هذا لفي الصحف الاولى صحف إبراهيم وموسى). الاعلى: 18... 68 (إنه لتذكرة للمتقين) الحاقة: 48... 121 (إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون) الحاقة 40 - 41... 116 (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان النجم: 23... 266 (إني جاعل في الأرض خليفة البقرة: 30... 389

[ 419 ]

(أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فانما على رسولنا البلاغ المبين التغابن: 12... 97 - 98 (أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير * هم درجات عند الله ال عمران: 62... 109 (أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أم من يمشي سويا على صراط مستقيم الملك: 22... 116 (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا يونس: 62... 108 (ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان يونس: 60... 107 (ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا ابراهيم: 28... 100 (أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون * أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم الزخرف: 79... 77 (أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا التوبة: 16... 59 (أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير لقمان: 14... 101 (أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين الاعراف: 128... 34 (أن تقول نفس يا حسرتا على مافطرت في جنب الله الزمر: 56... 108 (أو إطعام في يوم ذي مسغبة البلد: 14... 83 (أوفوا بعهدي أوف بعهدكم البقرة: 40... 112 (أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكرفاطر: 37... 114 (بشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم يونس: 2... 83 (بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين هود: 86... 48 - 243 (بل الله فاعبد وكن من الشاكرين الزمر: 66... 99 (بل تؤثرون الحياة الدنيا الاعلى: 16... 68 (بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون المطففين: 14... 120 بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين * ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله الزمر: 59 - 60... 108 (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته البقرة: 81... 104 (إنما تنذر من أتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب يس: 11... 115 (هذا الذي كنتم به تكذبون) المطففين: 17... 118 (حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندامريم: 75... 112 - 122

[ 420 ]

(حم * والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين * فيها يفرق كل أمر الدخان: 3... 256 (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها). التوبة: 103... 386 (ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا المنافقون: 3... 116 (ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر محمد: 26... 77 (رب اغفر لي ولوالدي ولمن نوح: 28... 85 (سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع المعارج: 1... 81 (سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا) الاحزاب: 62... 97 (سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين المنافقون: 6... 116 - 120 (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة البقرة: 138... 84 (ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وأمرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا التحريم: 10... 222 (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من الجن: 26... 122 (عم يتساءلون * عن النبأ النبأ: 1... 70 (فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا) مريم: 97... 113 - 115 (فأتوا بسورة من مثله البقرة: 23... 62 (فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين * فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين الذاريات: 36... 93 (فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الضالمين الاعراف: 44... 95 (فأقم وجهك للدين حنيفا الروم: 30... 71 (فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون). البقرة: 39... 104 (فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات الفرقان: 70... 158 (فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا البقرة: 59... 89 (فبذلك فليفرحوا يونس: 58... 87 (فستعلمون من هو في ضلال مبين الملك: 30... 79 (فلا اقتحم العقبة * وما أدراك ما العقبة * فك البلد: 12... 82 - 111

[ 421 ]

(فلا يخاف بخسا ولا رهقاالجن: 13... 121 (فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هذا الذي كنتم به تدعون البلد: 27... 93 (فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب الحسر: 6... 390 (فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل يونس: 74... 129 (فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى طه: 123... 56 (فمن زحزح عن النارآل عمران: 185... 174 فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر * إنا أعتدنا الكهف: 29... 91 (فمنكم كافر ومنكم مؤمن التغابن: 2... 97 - 53 قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين * ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون * أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمته ادخلوا الجنة لا الاعراف: 48... 95 (قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا) الجن: 25... 122 (قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله سبأ: 46... 75 (قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين). يونس: 53... 110 (قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن الاحقاف: 4... 97 (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون يونس: 58... 87 (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى الشورى: 23... 55 - 175 (قل ما يكون لي أن ابدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت عذاب يوم عظيم). يونس: 15... 72 (قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني يوسف: 108... 93 (قل هي للذين آمنوا) الاعراف: 32... 40 (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله الزمر: 53... 153 (قولوا آمنا بالله وما انزل إلينا البقرة: 136... 61 (كلا إن كتاب الفجار لفي سجين المطففين: 7... 118 (كلا إنها تذكرة) عبس: 11... 117 (كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين إلا أصحاب اليمين في جنات يتساءلون عن

[ 422 ]

المجرمين ما سلككم في سقر قالوا لم نك المدثر... 124 (كل نفس ذائقة الموت آل عمران: 185... 173 - 215 - 172 (لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين الزمر: 6... 99 (لا اقسم بهذا البلد * وأنت حل بهذا البلد * ووالد وما ولد البلد: 1 - 3... 57 (لا أملك لكم ضرا ولا رشداالجن: 16... 121 (لا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون آل عمران: 169... 376 (لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا) مريم: 87... 113 - 114 (لتركبن طبقا عن طبق الانشقاق: 19... 60 (لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون يس: 6... 113 (لستن كأحد من النساء). الاحزاب: 32... 86 (لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية الحاقة: 12... 88 (ليستيقن الذين أوتوا الكتاب المدثر: 31... 123 (ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون التوبة: 33... 116 (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين الحشر: 7... 392 (ما سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين المدثر: 42... 72 (مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ابراهيم: 24... 102 (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة البقرة: 245... 386 - 388 (من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدامريم: 75... 112 - 114 (نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين الشعراء: 193 - 195... 51 (وآت ذا القربى حقه الاسراء: 26... 404 (وآتيناه الحكم صبيامريم: 12... 287 (واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم لقمان: 15... 101 (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديامريم: 73... 112 - 113 (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا يونس: 15... 72

[ 423 ]

(وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم لووا المنافقون: 5... 116 (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم الاعراف: 172... 49 (وإذ قالت طائفة منهم الاحزاب: 13... 372 (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى البقرة: 34... 97 (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى الانفال: 41... 57 - 392 - 389 - 406 (والارض وضعها للأنام * فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان الرحمن: 11... 44 (والذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم الانعام: 72... 53 (والسابقون السابقون اولئك المقربون الواقعة: 10... 73 (كلا والقمر والليل إذا أدبر والصبح إذا أسفر إنها لإحدى المدثر: 32 - 34... 124 (والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم). البقرة: 213... 98 (وإنا لنعلم أن منكم مكذبين الحاقة: 49... 121 (وإن جاهداك على أن تشرك بي لقمان: 15... 101 (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها) الانفال: 61... 60 (وإن كانت لكبيرة). البقرة: 143... 199 (وإنما توفون أجوركم يوم القيامة آل عمران: 185... 173 (وإنه لتنزيل رب الشعراء 192... 51 (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا الاحزاب: 72... 52 (واوحي إلي هذا القرآن لانذركم به الانعام: 19... 62 - 90 (واهجرهم هجرا جميلا المزمل: 10... 123 (وأذان من الله ورسوله التوبة: 3... 95 (وأسروا الندامة لما رأوا العذاب يونس: 54... 87 - 111 (وأما بنعمة ربك فحدث الضحى: 11... 45 (وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداالجن: 18... 92

[ 424 ]

(وأنذر عشيرتك الأقربين الشعراء: 214... 394 (وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقاالجن: 16... 73 (وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم الزمر: 54... 108 (وبئر معطلة وقصر مشيدالحج: 45... 98 (وبشر اللذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون البقرة: 156... 215 (وتعيها أذن واعية الحاقة: 12... 88 (وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون يس: 9... 113 - 115 (وحسن اولئك رفيقا النساء: 69... 190 (ورحمتي وسعت كل شئ فسأكتبها للذين يتقون الاعراف: 156... 105 - 153 (وسواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون البقرة: 6... 113 (وشاهد ومشهود البروج: 3... 94 (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا الفرقان: 63... 100 (وقولوا حطة البقرة: 58... 89 (ولئن أشركت ليحبطن عملك الزمر: 65... 7 (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله الزخرف: 87... 129 (ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى الاحزاب: 33... 86 (ولا تجعل يدك مغلولة الى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا). الاسراء: 29... 163 (ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم) هود: 118... 105 (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك الزمر: 65... 99 (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزماطه: 115... 63 (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون الانبياء: 105... 232 (ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون القصص: 51... 61 (ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين كأن لم يغنواهود: 84... 244 (ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة التوبة: 16... 323 (ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما انزل إليهم من ربهم المائة: 66... 55

[ 425 ]

(ولو تقول علينا.. لأخذنا منه باليمين الحاقة: 44... 121 (وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرورآل عمران: 185... 174 - 172 (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك الاسراء: 60... 97 (وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون... 71 - 118 - 125 (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا). البقرة: 57... 12 (وما هي إلا ذكرى للبشر المدثر: 31... 117 (وما يكذب بها إلا كل معتد أثيم إذا تتلى عليه المطففين: 12... 126 (ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة أجتثت ابراهيم: 26... 102 (وممن خلقنا امة يهدون بالحق وبه يعدلون) الاعراف: 181... 58 (ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين الروم: 22... 138 (ومن أعرض عن ذكري.. فإن له ونحشره يوم القيامة أعمى)، طه: 124... 126 (ومن قدر عليه رزقه الطلاق: 7... 40 (ومن قوم موسى امة يهدون بالحق وبه يعدلون الاعراف: 159... 106 (ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب الشورى: 20... 126 (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم الحج: 25... 79 (ومن يطع الله والرسول فاولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين النساء: 69... 189 (ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا الشورى: 23... 104 (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا القصص: 5... 232 (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة الانبياء: 47... 71 (ونمير أهلنا يوسف: 65... 49 (ووصينا الإنسان بوالديه احسنا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله الاحقاف: 15... 232 (ووصينا الإنسان بوالديه حملته امه وهنا على وهن وفصاله في عامين). لقمان: 14... 101 (وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد الحج: 24... 95 (ويزداد الذين آمنوا إيمانا) ؟ المدثر: 31... 117 (ويزيد الله الذين اهتدوا هدى) مريم: 76... 112 (ويستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم محمد: 38... 270

[ 426 ]

(ويل يومئذ للمكذبين ألم نهلك الأولين * ثم نتبعهم الآخرين كذلك نفعل بالمجرمين المرسلات: 16 - 17... 118 (هذا عطاؤنا فامنن أو امسك بغير حساب ص: 39... 138 - 137 (هذان خصمان اختصموا في ربهم الحج: 19... 84 (هنالك الولاية لله الحق الكهف: 44... 84 - 70 (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق التوبة: 33... 116 (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات.. واخر متشابهات آل عمران: 7... 58 (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به الحديد: 28... 110 (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم البقرة: 208... 67 (يا أيها الذين أتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا النساء: 47... 66 (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم - إلى قوله - وأنتم تعلمون البقرة: 21... 110 (يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين يونس: 57... 87 (يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون) العنكبوت: 56... 187 (يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين الاحزاب: 30... 85 (يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل الاعراف: 157... 105 (يدخل من يشاء في رحمته) الانسان: 31... 117 (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره الصف: 8... 116 (يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول الانفال: 1... 406 - 393 (يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون) العنكبوت: 56... 187 (يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين الاحزاب: 30... 85 (يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل الاعراف: 157... 105 (يدخل من يشاء في رحمته) الانسان: 31... 117 (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره الصف: 8... 116 (يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول الانفال: 1... 406 - 393 (يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها النحل: 83... 100 (لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا النساء: 137... 89 (يوفون بالنذر الانسان: 7... 54 - 117 - 124 (يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا الدخان: 41... 87 (يوم ندعوا كل اناس بإمامهم الاسراء: 71... 385 يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل الانعام: 158... 103 (يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من النبأ: 38... 125 - 118

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية