الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




شرح أصول الكافي - مولي محمد صالح المازندراني ج 6

شرح أصول الكافي

مولي محمد صالح المازندراني ج 6


[ 1 ]

كتاب الكافي الأصول والروضة لثقة الإسلام أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني مع شرح الكافي الجامع للمولى محمد صالح المازندراني المتوفى 1081 ه‍ مع تعاليق الميرزا أبو الحسن الشعراني المجلد السادس

[ 3 ]

الحديث الثاني من باب شأن * (إنا أنزلناه) * * الأصل: 2 - عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: بينا أبي جالس وعنده نفر إذ استضحك حتى أغرورقت عيناه دموعا ثم قال: هل تدرون ما أضحكني ؟ قال: فقالوا: لا. قال: زعم ابن عباس أنه من * (الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) * فقلت له: هل رأيت الملائكة يا ابن عباس ! تخبرك بولايتها لك في الدنيا والآخرة مع الأمن من الخوف والحزن ؟ قال: فقال: إن الله تبارك وتعالى يقول: * (إنما المؤمنون إخوة) * وقد دخل في هذا جميع الامة، فاستضحكت ثم قلت: صدقت يا ابن عباس أنشدك الله، في حكم الله جل ذكره اختلاف ؟ قال: فقال: لا، فقلت: ما ترى في رجل ضرب رجلا أصابعه بالسيف حتى سقطت ثم ذهب وأتى به رجل آخر فأطار كفه فأتي به إليك وأنت قاض كيف أنت صانع ؟ قال: أقول لهذا القاطع: أعطه دية كفه وأقول لهذا المقطوع: صالحه على ما شئت، وأبعث به إلى ذوي عدل، قلت: جاء الاختلاف في حكم الله عز ذكره ونقضت القول الأول، أبى الله عز ذكره أن يحدث في خلقه شيئا من الحدود [ و ] ليس تفسيره في الأرض، إقطع قاطع الكف أصلا ثم أعطه دية الأصابع، هكذا حكم الله ليلة تنزل فيها أمره، إن جحدتها بعدما سمعت من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأدخلك الله النار كما أعمى بصرك يوم جحدتها علي بن أبي طالب قال: فلذلك عمي بصري، قال: وما علمك بذلك ؟ فوالله إن عمي بصري إلا من صفقة جناح الملك، قال: فاستضحكت ثم تركته يومه ذلك لسخافة عقله. ثم لقيته فقلت: يا ابن عباس ما تكلمت بصدق مثل أمس، قال لك علي بن أبي طالب (عليه السلام): إن ليلة القدر في كل سنة وإنه ينزل في تلك الليلة أمر السنة وإن لذلك الأمر ولاة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقلت: من هم ؟ فقال: أنا وأحد عشر من صلبي أئمة محدثون، فقلت: لا أراها كانت إلا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) فتبدى لك الملك الذي يحدثه، فقال: كذبت يا عبد الله رأت عيناي الذي حدثك به علي - ولم تره عيناه ولكن وعى قلبه ووقر في سمعه - فقلت صفقك بجناحه فعميت ؟ قال: فقال ابن عباس: ما اختلفنا في شئ فحكمه إلى الله، فقلت له: فهل حكم الله في حكم من حكمه بأمرين ؟ قال: لا، فقلت: ههنا هلكت وأهلكت. * الشرح: قوله (حتى اغرورقت عيناه دموعا) يقال: اغرورقت عيناه إذا دمعتا كأنهما غرقتا في دمعهما.

[ 4 ]

قوله (زعم ابن عباس أنه من الذين قالوا ربنا الله) قال الله تعالى: * (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم) * قد مر تفسير هذه الآية بطريق الإجمال في باب بعد باب عرض الأعمال، واعلم أن عبد الله بن عباس كان في بداية الحال من أهل الأمانة والديانة عند أمير المؤمنين (عليه السلام) ثم تغيرت حاله وذهبت أمانته وفسدت ديانته (1) وذمه (عليه السلام) في مواضع عديدة ومن أراد الاطلاع عليه فليرجع إلى نهج البلاغة. قوله (فقلت له: هل رأيت الملائكة (2) - إلى قوله - والحزن) قد ذكر الله تعالى جميع ذلك في


(1) قوله " ثم تغيرت حاله وذهبت أمانته " ان الأمور المعلومة الواضحة المتواترة لا تدفع بالمشكوكات فضلا عما علم بطلانه يقينا وقد ذكر العلامة الحلي (رحمه الله) ابن عباس في الممدوحين من الخلاصة قال: عبد الله بن عباس من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان محبا لعلي (عليه السلام) وتلميذا له، حاله في الجلالة والإخلاص لأمير المؤمنين (عليه السلام) أشهر من أن يخفى. وقد ذكر الكشي أحاديث تتضمن قدحا فيه وهو أجل من ذلك قد ذكرناها في كتابنا الكبير وأجبنا عنها (رضي الله عنه)، انتهى قوله وهو الحجة هنا، وأما الكشي فكما روى أحاديث في القدح روى أحاديث في مدحه غاية المدح وسلامته إلى آخر عمره خلافا لما قاله الشارح ولعل من رأى احتجاجاته في حرب الجمل ومحاجته مع معاوية على ما في البحار وتأسف أمير المؤمنين (عليه السلام) من عدم رضى أصحابه بتعيين ابن عباس مكان أبي موسى الأشعري وغير ذلك مما لا يحصى لم يشك في حسن حال الرجل. وأما عتاب أمير المؤمنين (عليه السلام) عليه فلا يدل على عناد فيه ومخالفته في الإمامة ولم يكن ابن عباس معصوما فجاز أن يشتبه عليه أمر في مال أخذه من بيت المال وقد عتب على عثمان بن حنيف بأشد من ذلك وكان كتابه إليه ألطف وأرأف ولا اعتبار بسائر ما روي بطريق ضعيف والعبرة بالمتواتر من صحبته له ورضاه عنه وسعيه في تأكيد أمره وتحكيم خلافته وقد ذكر علماؤنا في الكلام أن المؤمن الحق لا يمكن أن يرتد ولا أدري كيف غفل عنه الشارح ! ويختلج بالبال أن واضع الخبر أراد توهين ابن عباس تقربا إلى عوام الشيعة تنفيرا لهم عن خلفاء وقته لأنهم كانوا يفتخرون بجدهم. (ش) (2) قوله " فقلت له هل رأيت الملائكة " رووا أن ابن عباس رأى جبرئيل على عهد النبي (صلى الله عليه وآله) وأخبره النبي (صلى الله عليه وآله) أنه يعمى في آخر عمره وكانوا يعدون ذلك من فضائل ابن عباس لأن رؤية جبرئيل تدل على وجوده بصرا ملكوتيا يرى به ذلك العالم ولم يكن عماه في آخر عمره مجازاة على رؤية الملك لأنها لم تكن باختياره ولم تكن محرمة حتى يجازى عليها ولم تكن من أثر ضربة جناح الملك، وإلا لعمي من بدو صباه في عهد النبي (صلى الله عليه وآله). وأما واضع هذا الخبر فكان سمع أن شيعة بني العباس يفتخرون برؤية جدهم جبرئيل (عليه السلام) وأن عماه في آخر عمره كان لذاك لأن الذي ينظر إلى ضياء قوي فوق استطاعة القوة الباصرة يتهيأ بصره للضعف والانحلال ولم يكن هذا الراوي مطلعا على تفصيل ما يرونه ويروونه وما يتمسكون به فلفق هذه الحكاية. والمكالمة لم تقع = (*)

[ 5 ]

هذه الآية * (الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) *. قوله (فاستضحكت) سبب الضحك أن اندراج ابن عباس في آية * (إنما المؤمنون إخوة) * يتوقف على كونه مؤمنا وأنه بعقيدته الفاسدة خرج عن حد الإيمان فيرد عليه المثل المشهور " ثبت العرش ثم انقش " ولو سلم دخوله فيها فالآية لا دلالة فيها إلا على اشتراك الأمة في أصل الإيمان وأما كونه مندرجا في آية * (قالوا ربنا الله) * فلا دلالة عليه فلا يثبت مطلوبه وقوله (عليه السلام) " صدقت " إما مبني على التنزل وإما بمعنى أنك صدقت في أن المؤمنين إخوة وإن لم يكن فيه دلالة على المطلوب. قوله (أنشدك الله. الخ) قال في " النهاية ": يقال: نشدتك الله وبالله وأنشدك الله وبالله أي سألتك وأقسمت عليك يعني بحقه ونشدته نشدة ونشدانا ومناشدة وتعديته إلى مفعولين إما لأنه بمنزلة دعوت حيث قالوا: نشدتك الله وبالله كما قالوا: دعوت زيدا وبزيد، أو لأنهم ضمنوه معنى ذكرت فأما أنشدتك بالله فخطأ. قوله (هل في حكم الله اختلاف) أي هل يكون له أحكام مختلفة في قضية مخصوصة ! أو هل يجوز تبديل حكمه بغيره بعد النبي (صلى الله عليه وآله) ؟ قال لا: لأن لله تعالى في كل قضية حكما واحدا ولا نسخ بعده. قوله (فأتى به) أي برجل آخر وهو قاطع الكف. قوله (قلت: جاء الاختلاف) قيل: لعل الاختلاف من تقويم المقومين لوقوع الاختلاف في التقويمات كثيرا، وقال الفاضل الاسترآبادي: كان مراد ابن عباس من ذكر (ذوي عدل) ما هو المشهور في كتب متأخري أصحابنا من الأرش وجعل الحر تابعا للعبد (1) ومن المعلوم الاختلاف بين هذا وبين صالحه عما شئت لأن هذا يقتضي أن يكون له قدر معلوم و (صالحه على ما شئت) يقتضي أن لا يكون له قدر معلوم معين، وأيضا ظاهر قوله (عليه السلام) (أعطه دية كفه) أن القدر معلوم معين.


= قط بين الإمام (عليه السلام) وابن عباس لأن الإمام معصوم عن الخطأ والغفلة وإن كان صبيا ولا يشتبه عليه الأمر. ثم إن الباقر (عليه السلام) لم يدرك ابن عباس إلا في صغره جدا فإنه مات سنة 65 أو 66 وأكثر ما قيل 68 ولم يكن (عليه السلام) حين ملاقاته إلا غلاما ابن عشر سنين ونحوه. والحسن بن عباس بن الحريش واضع الخبر لم يكن عالما بالتاريخ لبعد عهده عنهما وإلا لأشار إلى كون هذه المحاجة معجزة، ولكن روى الخبر بحيث يتبادر منه كون المحاجة حين إمامة الباقر (عليه السلام) وكونه محاطا بأصحابه وحضور أبي عبد الله (عليه السلام) مع كون ابن عباس حيا. (ش) (1) في كتب الديات: الجراحة التي ليست لها مقدر من الدية يفرض المجروح عبدا لو لم يكن فيه هذه الجراحة كم قيمته، ولو كان فيه هذه الجراحة كم قيمته، وبنسبة التفاوت بين القيمتين من الدية الكاملة يؤخذ للمجروح. (*)

[ 6 ]

قوله (ونقضت القول الأول) وهو أنه لا اختلاف في حكم الله تعالى. قوله (أبى الله أن يحدث) كأنه قيل: ليس لله في هذه القضية حكم، أو ما بلغ رسوله حكمها فأجاب بما ذكر. قوله (اقطع) كأنه قيل: ما الحكم هنا ؟ قال: اقطع الكف. قوله (أصلا) (1) أي من أصل الكف. قوله (ليلة تنزل فيها أمره) أي في ليلة فهي منصوبة على الظرفية والمراد بها ليلة القدر. قوله (إن جحدتها) أي جحدت يا ابن عباس استمرار حكمها بعد النبي (صلى الله عليه وآله) إلى يوم القيامة. قوله (يوم جحدتها) (2) أي يوم جحدت تلك الليلة على علي بن أبي طالب (عليه السلام) وسيجئ في هذا الحديث بيان إنكاره عليه. قوله (فلذلك عمي بصري) أي قال ابن عباس اعترافا: فلذلك الإنكار عمي بصري، ثم قال: يا أبا جعفر وما علمك بذلك ؟ يعني من أين علمت أن عمى بصري من أجل ذلك الإنكار ؟. قوله (فوالله الخ) من كلام أبي جعفر (عليه السلام) لبيان سبب عماه وهو أنه من صفقة جناح الملك، والصفقة: الضرب الذي له صوت، وكلمة إن نافية. قوله (قال فاستضحكت) منشأ الضحك هو أن ابن عباس لكمال سخافته لم يعقل أن عمى بصره لأجل الإنكار يوجب الاعتراف بأن ما أنكره حق فإصراره على الإنكار مع الاعتراف بما يزيله محل التعجب. فقلت: يا ابن عباس ما تكلمت بصدق مثل أمس حيث اعترفت بأن عمى بصرك لذلك الإنكار. وفي بعض النسخ " يا أبا عباس ". قوله (قال لك علي بن أبي طالب (عليه السلام)) تفصيل لما أجمله أولا بقوله " كما أعمى بصرك يوم جحدتها على علي بن أبي طالب " وبقوله " إن عمى بصري إلا من صفقة جناح الملك ". قوله (أئمة محدثون) خبر لقوله: أنا وأحد عشر من صلبي، أو حال عنه وهو خبر مبتدأ


(1) قوله (اقطع قاطع الكف أصلا) هذا أيضا من أدلة ضعف الرواية إذ شرط قصاص الطرف التساوي الجاني أنقص فلا يجوز قطع يد ذات أصابع قصاصا بيد فاقدة لها وإن أعطاه دية الأصابع، ولا حاجة لنا إلى التكلف في توجيه فتوى ابن عباس بعد عدم اعتبار الخبر. (ش) (2) قوله " يوم جحدتها " لم يعم بصر ابن عباس في خلافة أمير المؤمنين (عليه السلام) وكان في زمن معاوية بصيرا بل عمي في آخر عمره في زمان ابن الزبير وقد حج في سنة حج فيها معاوية في خلافته فكان لابن عباس موكب ولمعاوية موكب وهذا أيضا من مخائل ضعف الخبر التي أشار إليها العلامة (رحمه الله) في " الخلاصة ". (ش) (*)

[ 7 ]

محذوف وهو هم أو خبر مبتدأ محذوف أي نحن أئمة. قوله (فقلت لا أراها) أي فقلت: يا ابن عباس لا أرى ليلة القدر كانت إلا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلما مات ذهبت معه (1) وقد عرفت أن هذا خلاف الإجماع. قوله (فتبدى لك) أي فظهر لك يا ابن عباس الملك الذي كان يحدث عليا (عليه السلام) فقال: كذبت يا عبد الله فيما قلت من أن تلك الليلة إنما كانت في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصدق علي (عليه السلام) فيما قال من أن ليلة القدر في كل سنة إلى آخره لأنه رأت عيناي ما حدثك به علي (عليه السلام) من نزول الملائكة عليه في ليلة القدر إذ كنت من جملتهم ولم ترهم عينا علي (عليه السلام) إذ كان محدثا والمحدث يسمع صوت الملك ولا يراه ولكن وعى قلبه وحفظ ما القي إليه وسكن في سمعه وثبت، ثم صفقك الملك يا ابن عباس بجناحه فعميت، وفي بعض النسخ " ثم خفقك " أي ضربك، والخفق الضرب بشئ عريض يقال: خفقه بالسيف ويخفق إذا ضربه به ضربة خفيفة. قوله (ووقر في سمعه) وقر من باب ضرب ووعد، يقال: وقر الشئ في سمعه أي سكن وثبت فيه من غير نسيان، من الوقار وهو الحلم والرزانة، وقد وقر يقر وقارا كذا في " النهاية " وفي بعض النسخ: وقر من القرار والمعنى واحد. قوله (قال: فقال ابن عباس: ما اختلفنا في شئ فحكمه إلى الله) يعني أنا يا أبا جعفر وأنت إذا اختلفنا في أمر من الأمور كاستمرار ليلة القدر ونحوه فالله يعلم المحق من المبطل، وغرضه أنه المحق. قوله (فقلت له) الغرض منه حمل ابن عباس على الإقرار بأنه كاذب. * الأصل: 3 - وبهذا الإسناد، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال عزوجل في ليلة القدر: " فيها يفرق كل أمر حكيم " يقول: ينزل فيها كل أمر حكيم والمحكم ليس بشيئين إنما هو شئ واحد فمن حكم بما ليس فيه اختلاف فحكمه من حكم الله عزوجل، ومن حكم بأمر فيه اختلاف فرأى أنه مصيب فقد حكم بحكم الطاغوت، إنه لينزل في ليلة القدر إلى ولي الأمر تفسير الأمور سنة سنة، يؤمر فيها في أمر نفسه بكذا وكذا، وفي أمر الناس بكذا وكذا، وإنه ليحدث لولي الأمر سوى ذلك كل يوم علم الله عزوجل الخاص والمكنون العجيب المخزون مثل ما ينزل في تلك الليلة من الأمر، ثم قرأ: * (ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله، إن


(1) قوله " فلما مات ذهبت معه " لا اعتبار بهذه النسبة ولا يعتد بها مع ضعف الحديث، والمشهور عن ابن عباس أن ليلة القدر في السابعة والعشرين من شهر رمضان وهو معروف عنه في كتب العامة والخاصة. (ش) (*)

[ 8 ]

الله عزيز حكيم) *. * الشرح: قوله (ومن حكم بأمر فيه اختلاف) قد مر معنى الاختلاف آنفا. قوله (فقد حكم بحكم الطاغوت) وهو الذي يتبع هواه ووساوس الشيطان ومن البين أن حكمه مخالف لحكم الله الذي لا اختلاف فيه وموافق لحكم الشيطان. قوله (إنه لينزل في ليلة القدر تفسير الأمور سنة سنة يؤمر) أي ولى الأمر (فيها) أي في ليلة القدر أو في تلك الأمور، وهذا بيان لتفسير الأمور وتفصيل له واعلم ان الاستدلال بسورة القدر على وجود إمام (1) في كل عصر يتوقف على استمرار حكمها وهو مذهبنا ومذهب العامة أيضا. قال عياض: سميت ليلة القدر ليلة القدر لتقدير الله تعالى فيها ما يكون في تلك السنة من الأرزاق والآجال وغير ذلك، والمراد بهذا التقدير إظهاره تعالى لملائكته مما يكون من أفعاله بما سبق به علمه وقضاؤه في الأزل، ولخواص خلقه بنفسه أو بواسطة الملائكة وهو المراد بقوله * (تنزل الملائكة والروح) * الآية، وقيل: سميت بذلك لعظمة قدرها، وقال المازري: أجمع من يعتد به على وجودها ودوامها إلى آخر الدهر لتظافر الأحاديث وكثرة رؤية الصالحين لها، وقال عياض: وشذ قوم فقالوا: كانت خاصة بهم ورفعت، لحديث " أنه أعلمها حتى تلاحا الرجلان فرفعت " (2)، ومعنى هذا عندنا أنه رفع علم عينها كما قال في آخر " فأنسيتها " انتهى. وقال المازري: واحتجاجهم بالحديث غلط لأن في آخره ما يرد عليهم قال فيه البخاري: فرفعت، وعسى أن يكون خيرا لكم فالتمسوها في السبع أو التسع، فلو أريد رفع وجودها لم يأمر بالتماسها انتهى. وبالجملة ظاهر القرآن وصريح رواياتنا ورواياتهم وصريح أقوال علمائنا وعلمائهم في أن حكم ليلة القدر مستمر إلى آخر الدهر والمنكر له مكابر. قوله (علم الله تعالى الخاص المكنون العجيب المخزون) أضاف هذا العلم إلى الله تعالى مع


(1) قوله " الاستدلال بسورة القدر على وجود الإمام " ولا يخفى أن سورة القدر لا تدل على وجود الإمام (عليه السلام) وساحة المعصوم بريئة عن نسبة هذا الاستدلال إليه وإنما هو خاطر اختلج في ذهن الحسن ابن عباس بن الحريش واستحسنه ونسبه إلى المعصوم وزعم أنه ابتكر مسألة في العلم، فإن قيل: دلالة السورة على الإمامة تعبد نأخذه من الإمام المعصوم وقوله حجة في دلالة القرآن وفي التفسير والتأويل، قلنا: هذا مصادرة فإنا في مقام الاستدلال بالقرآن على الإمامة، فالإمامة متوقفة على دلالة السورة ولو كانت دلالة السورة متوقفة على الإمامة لزم الدور وإنما يناسب هذا الاستدلال العوام وحشوية أهل الحديث دون الإمام المعصوم (ش). (2) رواه البخاري في كتاب الصوم باب فضل ليلة القدر. (*)

[ 9 ]

أن العلوم كلها منه تعالى للتعظيم والتشريف ثم وصفه بأربعة أوصاف: أحدها الخاص، ولعل المراد به العلم المتعلق بمعلوم معلوم كما أن الوجود الخاص الوجود المتعلق بموجود موجود، أو العلم المختص به (عليه السلام) لا يشاركه أحد سواه. وثانيها: المكنون، والعلم المكنون هو العلم المستور عن أذهان الخلائق إلا من ارتضى من رسول الله ومن يقوم مقامه. وثالثها: العجيب، والعلم العجيب ما يتعجب منه لعظم موقعه وخفاء سببه ودقة وجهه. ورابعها: المخزون وهو المكتوب في اللوح المحفوظ لأنه خزانة العلوم أو الثابت في ذهن أهله لا يطرأ عليه السهو والنسيان، فإن قلت: جميع العلوم في القرآن واللوح المحفوظ وقد ثبت أنهم علموا جميع ما فيهما فما معنى ذلك ؟ قلت: العلم بأن الشئ وجد مغاير للعلم بأنه سيوجد، والأول هو المراد هنا والحاصل لهم هو الثاني. قوله (مثل ما ينزل في تلك الليلة) دل على أنه يحدث لهم في كل يوم وليلة مثل ما يحدث لهم في ليلة القدر. فإن قلت: أي فضل في ليلة القدر بالنسبة إلى غيرها حينئذ ؟ قلت: لعل الفضل بنزول الملائكة والروح فيها لقصد زيارتهم وتبليغ بشارتهم. قوله (ثم قرأ) استشهاد لما سبق من كثرة علومه الفائضة على قلوبهم المطهرة في كل يوم وليلة إلى انقراض الدهر ورفع لاستبعاد ذلك. وقوله " من شجرة " بيان لما وتنكيرها للتكثير، وقوله " أقلام " خبر أن وقوله " والبحر " بالرفع عطف على محل اسم " أن " أو الواو للحال والمراد به البحر المحيط من شعبه وخبره محذوف أي: ولو أن البحر مداد يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله. والمقصود أن هذا البحر مع بحار متكثرة منضمة إليه لو صارت مدادا وصارت الأشجار كلها أقلاما لا تفي بكتب كلمات الله وآياته وعلومه إن الله عزيز غالب قاهر على جميع ما سواه فلا يعجز عن شئ، حكيم يفعل ما يشاء على وفق الحكمة فلا يسئل عما يفعل ومن جملته إفاضته العلوم الغير المحصورة على الوجه المذكور إلى ولي الأمر. * الأصل: 4 - وبهذا الإسناد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان علي بن الحسين صلوات الله عليه يقول: * (إنا أنزلناه في ليلة القدر) * صدق الله عزوجل: أنزل الله القرآن في ليلة القدر. * (وما أدراك ما ليلة القدر) * قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا أدري، قال الله عزوجل: * (ليلة القدر خير من ألف شهر) * ليس فيها ليلة القدر، قال لرسول الله (صلى الله عليه وآله): وهل تدري لم هي خير من ألف شهر ؟ قال: لا، قال: لأنها * (تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر) * وإذا أذن الله عزوجل بشئ فقد رضيه * (سلام هي

[ 10 ]

حتى مطلع الفجر) * يقول: تسلم عليك يا محمد ملائكتي وروحي بسلامي من أول ما يهبطون إلى مطلع الفجر، ثم قال في بعض كتابه: * (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) * في إنا أنزلناه في ليلة القدر، وقال في بعض كتابه: * (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين) * يقول في الآية الاولى: إن محمدا حين يموت، يقول أهل الخلاف لأمر الله عزوجل: مضت ليلة القدر مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهذه فتنة أصابتهم خاصة وبها ارتدوا على أعقابهم لأنهم إن قالوا: لم تذهب فلابد أن يكون لله عزوجل فيها أمر وإذا أقروا بالأمر لم يكن له من صاحب بد. * الشرح: قوله (صدق الله أنزل القرآن في ليلة القدر) قال الصدوق: اعتقادنا أن القرآن نزل في شهر رمضان في ليلة القدر جملة واحدة إلى البيت المعمور ثم فرق في مدة أربعة وعشرين سنة. قوله (ليس فيها ليلة القدر) فسر بذلك لئلا يلزم تفضيل الشئ على نفسه. قوله (والروح) ذكر الروح بعد الملائكة من باب ذكر الخاص بعد العام للاهتمام. قوله (وإذا أذن الله) لعل المراد بالإذن هنا الأمر الحتمي فلا يرد أنه لا يقع شئ ما إلا بإذنه كما مر، والله سبحانه لا يرضى ببعض الأشياء، ثم فيه دفع لتوهم المنكر أن نزولهم بإذنه تعالى إلى أحد في أمر لا يوجب رضاه تعالى بالنزول ولا بالمنزل إليه ولا بذلك الأمر فلا يتم المطلوب. قوله (واتقوا فتنة) الفتنة الاختبار بالذنب ونحوه، ثم كثر استعماله فيما أخرجه الاختبار من الذنب والبدعة والقتال والإحراق وخلاف الحق، والفاتن هو المضل عن الحق والمراد بها هنا البدعة المخصوصة وهي إنكار ليلة القدر بعده (صلى الله عليه وآله) وإنكاره خلافة علي (عليه السلام) أو هو داخل فيها، ويؤيده ما رواه الشيخ الطبرسي عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية * (واتقوا فتنة) * قال النبي (صلى الله عليه وآله) " من ظلم عليا بعد وفاتي فكأنما جحد نبوتي ونبوة الأنبياء قبلي ". قوله (في إنا أنزلناه) ظرف للظلم المستفاد من (ظلموا). قوله * (أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) * إنكار لارتدادهم ورجوعهم عن الدين على أعقابهم بموته أو قتله بعد علمهم بموت من قبله من الأنبياء وبقاء دينهم وما جاءوا به. قوله (يقول في الآية الاولى - إلى قوله - خاصة) هذا التفسير واضح على قراءة (لتصيبن) جوابا لقسم محذوف، وكذا على قراءة (ولا تصيبن) إذا كان نهيا بعد الأمر باتقاء الذنب عن الظلم الذي وباله يصيب الظالم خاصة، وأما إذا كان نفيا صفة لفتنة، أو جوابا لأمر مذكور أي إن أصابتكم لا

[ 11 ]

تصيبن الظالمين منكم خاصة، فغير واضح إلا أن يقال: يستفاد من الآية أن الفتنة على قسمين: أحدهما وهو مذكور فيها صريحا يعم الظالم وغيره، والآخر يختص بالظالم، وما ذكره (عليه السلام) تفسير للقسم الثاني. قوله (يقول أهل الخلاف لأمر الله) لأمر الله متعلق بالخلاف وصلة له، ولعل المراد بأهل الخلاف بعضهم، فإنك قد عرفت آنفا أن أكثر أهل الخلاف يقولون ببقاء حكم ليلة القدر بعده (صلى الله عليه وآله) وإن خالفنا في المنزل إليه، ويحتمل أن يراد جميعهم لأن جميعهم يقولون بزوال حكمها إذ حكمها وهو النزول إلى ولي الله وهم لا يقولون به. قوله (لأنهم إن قالوا) دليل على قوله: يقول أهل الخلاف مضت ليلة القدر، توضيحه: إن القول بعدم ذهابها يستلزم القول بأن لله تعالى فيها أمرا وهذا القول يستلزم الإقرار بأن لذلك الأمر صاحبا تنزل الملائكة إليه، وإنكار اللوازم يستلزم إنكار الملزوم، فلزمهم القول بذهابها سواء قالوا ذلك صريحا كبعضهم أو لم يقولوا كأكثرهم فليتأمل. * الأصل: 5 - وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان علي (عليه السلام) كثيرا ما يقول: [ ما ] اجتمع التيمي والعدوي عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يقرأ " إنا أنزلناه " بتخشع وبكاء فيقولان: ما أشد رقتك لهذه السورة فيقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): لما رأت عيني ووعى قلبي ولما يرى قلب هذا من بعدي، فيقولان: وما الذي رأيت وما الذي يرى ؟ قال: فيكتب لهما في التراب * (تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر) * قال: ثم يقول: هل بقي شئ بعد قوله عزوجل * (كل أمر) * فيقولان: لا، فيقول: هل تعلمان من المنزل إليه بذلك ؟ فيقولان: أنت يارسول الله، فيقول: نعم، فيقول: هل تكون ليلة القدر من بعدي ؟ فيقولان: نعم، قال: فيقول: فهل ينزل ذلك الأمر فيها ؟ فيقولان: نعم، قال: فيقول: إلى من ؟ فيقولان: لا ندري، فيأخذ برأسي ويقول: إن لم تدريا فادريا، هو هذا من بعدي، قال: فإن كانا ليعرفان تلك الليلة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) من شدة ما يداخلهما من الرعب. * الشرح: قوله (كثيرا ما يقول) أي يقول قولا كثيرا أو حينا كثيرا، وما زائدة للمبالغة وفي بعض النسخ " يقول كثيرا ما ". قوله (اجتمع التيمي والعدوي) اريد بالتيمي أبو بكر نسب إلى جده الخامس تيم بن مرة بن كعب بن لؤي، وفي مرة وهو الجد السادس للنبي (صلى الله عليه وآله) اجتمع معه، وبالعدوي عمر نسب إلى جده السابع عدي بن كعب بن لؤي، وفي كعب اجتمع مع النبي (صلى الله عليه وآله). قوله (ما أشد رقتك) رقتك صيغة

[ 12 ]

التعجب مثل ما أحسن زيدا. قوله (لما رأت عيني ووعى قلبي ولما يرى قلب هذا من بعدي) أشار بهذا إلى علي (عليه السلام) ولم ينسب الرؤية العينية إليه لأنه محدث والمحدث لا يرى بالعين بخلاف النبي. قوله (فيكتب لهما في التراب) دل على أنه (صلى الله عليه وآله) كان يكتب، وهذا من إعجازه لأنه لم يتعلم الكتاب وقد علمها. قوله (هل بقي شئ) يريد هل بقي احتمال أن يكون نزول الملائكة لا إلى أحد من الناس بعد قوله تعالى * (من كل أمر) * لأن نزولهم بالأمر لا يكون إلا إلى مأمور منزل إليه، والمقصود من هذا الاستفهام تقريرهما على نفي هذا الاحتمال، فلذا أمر أو قالا: لا. قوله (بذلك) أي بذلك الأمر. قوله (فإن كانا) إن مخففة من المكسورة المشددة وهي إذا خففت يلزمها اللام للفرق بينها وبين النافية، ويجوز إبطال عملها وإدخالها على كان ونحوه كما في قوله تبارك وتعالى * (وإن كانت لكبيرة) *. قوله (من شدة ما يداخلهما من الرعب) علة لمعرفتهما تلك الليلة، يعني أنه كان يدخل عليهما في ليلة القدر بعد النبي (صلى الله عليه وآله) من الرعب والخوف ما لا يعرف قدره إلا الله، إما لتذكرهما قول النبي (صلى الله عليه وآله) أو من قبل الله تعالى لإكمال الحجة عليهم فيعرفان بذلك أنها ليلة القدر، ولكن حب الجاه والرئاسة منعهما من الرجوع إلى الحق. * الأصل: 6 - وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: يا معشر الشيعة ! خاصموا بسورة إنا أنزلناه تفلحوا، فوالله إنها لحجة الله تبارك وتعالى على الخلق بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله). وإنها لسيدة دينكم، وإنها لغاية علمنا، يا معشر الشيعة خاصموا ب‍ * (حم * والكتاب المبين * إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين) * فإنها لولاة الأمر خاصة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله). يا معشر الشيعة ! يقول الله تبارك وتعالى * (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير) * قيل: يا أبا جعفر نذيرها محمد (صلى الله عليه وآله) ؟ قال: صدقت، فهل كان نذير وهو حي من البعثة في أقطار الأرض ؟ فقال السائل: لا، قال أبو جعفر (عليه السلام): أرأيت بعيثه أليس نذيره كما أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في بعثته من الله عزوجل نذير ؟ فقال: بلى، قال: فكذلك لم يمت محمد إلا وله بعيث نذير، قال: فإن قلت: لا، فقد ضيع رسول الله (صلى الله عليه وآله) من في أصلاب الرجال من أمته قال: وما يكفيهم القرآن ؟ قال: بلى إن وجدوا له مفسرا، قال: وما فسره رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ قال: بلى قد فسره لرجل واحد وفسر للأمة شأن ذلك الرجل وهو علي بن أبي طالب (عليه السلام).

[ 13 ]

قال السائل: يا أبا جعفر كان هذا أمر خاص لا يحتمله العامة، قال: أبى الله أن يعبد إلا سرا حتى يأتي إبان أجله الذي يظهر فيه دينه كما أنه كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع خديجة مستترا حتى أمر بالإعلان، قال السائل: ينبغي لصاحب هذا الدين أن يكتم ؟ قال: أو ما كتم علي ابن أبي طالب (عليه السلام) يوم أسلم مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى ظهر أمره ؟ قال: بلى، قال: فكذلك أمرنا حتى يبلغ الكتاب أجله. * الشرح: قوله (خاصموا بسورة إنا أنزلناه تفلحوا) أي تظفروا وتغلبوا عليهم لإخبارها بنزول الملائكة والروح فيها من كل أمر إلى ولي مؤيد من عند الله تعالى، ولا يمكنهم التخلص إلا بأن يقولوا: ذهبت الليلة بذهابه (صلى الله عليه وآله) أو يقولوا: ذهب النزول بذهابه، أو يقولوا: ثبت النزول إلى سلطان الجور، أو يقولوا: ثبت النزول لا إلى أحد، والكل باطل، أما الأولان فلدلالة رواياتهم أيضا على بقائها وبقاء النزول فيها إلى يوم القيامة، ولإجماعهم على بقائهما كما مر، وأما الثالث فلأن نزول الملائكة إلى الجائر بما يحتاج إليه الناس من الأوامر والنواهي باطل بالضرورة، ولم يدع ذلك أحد من الجائرين، وأما الرابع فلأن نزولهم بالأوامر والنواهي لا إلى أحد من الخلق مما لا يتصور قطعا. قوله (إنها لحجة الله على الخلق بعد رسول الله) حيث دلت على أن الزمان بعده لا يخلو من حجة، ويحتمل أن يراد أن رسول الله حجة الله على الخلق أولا لبيانه من يقوم مقامه بعده ثم هذه السورة حجة الله عليهم بعده لما مر. قوله (وإنها لسيدة دينكم) لدلالتها على أعظم أمور الدين وهي الخلافة التي تبتنى عليها سائر أموره. قوله (وإنها لغاية علمنا) لدلالتها على حصول علوم غير محصورة لهم في تلك الليلة بإخبار الملائكة، أو لأن هذه العلوم من توابع العلوم التي كانت حاصلة لهم وغاياتها، فانهم (عليهم السلام) علموا جميع ما في اللوح المحفوظ من النقوش حتمية كانت أو غير حتمية، ويجيئهم حتم غير المحتوم في تلك الليلة، والله أعلم. قوله (فإنها لولاة الأمر خاصة) لا للغواة كما ظنه بعض النواصب، وفساد ظنه أظهر من أن يحتاج إلى البيان. قوله (ويقول الله تعالى وإن من امة إلا خلا فيها نذير) أي مضى فيها والأمة الجماعة الموجودون في عصر، وفيه دلالة على أن عصرا من الأعصار لم يخل من نذير فالحكمة الإلهية

[ 14 ]

تقتضي أن يكون في كل أمة وفي كل عصر إلى يوم القيامة نذير. قوله (قيل يا أبا جعفر نذيرها محمد) أي نذير هذه الأمة محمد (صلى الله عليه وآله) ولا يكون بعده نذير آخر فلا يتم المطلوب. قوله (أرأيت بعيثه) أي أخبرني والغرض منه تقرير السائل بالمنفي وقد أقر به. قوله (قال فإن قلت لا) أي قلت: مات محمد (صلى الله عليه وآله) ولم يكن له بعيث لزمك القول بأنه ضيع من في أصلاب الرجال من أمته، والقول بذلك باطل لأنه كفر وموجب لبطلان البعثة ونسبة ما لا يليق به (صلى الله عليه وآله) إليه. قوله (قال بلى) أي بلى يكفيهم القرآن إن وجدوا له مفسرا يعلم ظاهر القرآن وباطنه ويعلم جميع ما أنزل الله تعالى فيه. قوله (إبان أجله) إبان الشئ بالكسر والتشديد: وقته. * الأصل: 7 - وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لقد خلق الله جل ذكره ليلة القدر أول ما خلق الدنيا، ولقد خلق فيها أول نبي يكون وأول وصي يكون، ولقد قضى أن يكون في كل سنة ليلة يهبط فيها بتفسير الأمور إلى مثلها من السنة المقبلة، من جحد ذلك فقد رد على الله عزوجل علمه لأنه لا يقوم الأنبياء والرسل والمحدثون إلا أن تكون عليهم حجة بما يأتيهم في تلك الليلة مع الحجة التي يأتيهم بها جبرئيل (عليه السلام) قلت: والمحدثون أيضا يأتيهم جبرئيل أو غيره من الملائكة (عليهم السلام) قال: أما الأنبياء والرسل صلى الله عليهم فلا شك ولابد لمن سواهم - من أول يوم خلقت فيه الأرض إلى آخر فناء الدنيا - أن تكون على أهل الأرض حجة ينزل ذلك في تلك الليلة إلى من أحب من عباده، وأيم الله لقد نزل الروح والملائكة بالأمر في ليلة القدر على آدم، وأيم الله ما مات آدم إلا وله وصي، وكل من بعد آدم من الأنبياء قد أتاه الأمر فيها ووضع لوصيه من بعده، وأيم الله إن كان النبي ليؤمر فيما يأتيه من الأمر في تلك الليلة من آدم إلى محمد (صلى الله عليه وآله) أن أوص إلى فلان، ولقد قال الله عز وجل في كتابه لولاة الأمر من بعد محمد (صلى الله عليه وآله) خاصة: * (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم) * إلى قوله - فأولئك هم الفاسقون " يقول: أستخلفكم لعلمي وديني وعبادتي بعد نبيكم كما استخلف وصاة آدم من بعده حتى يبعث النبي الذي يليه * (يعبدونني لا يشركون بي شيئا) * يقول: يعبدونني بإيمان لا نبي بعد محمد (صلى الله عليه وآله) فمن قال غير ذلك * (فأولئك هم الفاسقون) * فقد مكن ولاة الأمر بعد محمد بالعلم

[ 15 ]

ونحن هم، فاسألونا فإن صدقناكم فأقروا وما أنتم بفاعلين، أما علمنا فظاهر، وأما إبان أجلنا الذي يظهر فيه الدين منا حتى لا يكون بين الناس اختلاف، فإن له أجلا من ممر الليالي والأيام، إذا أتى ظهر وكان الأمر واحدا، وأيم الله لقد قضى الأمر أن لا يكون بين المؤمنين اختلاف ولذلك جعلهم شهداء على الناس ليشهد محمد (صلى الله عليه وآله) علينا ولنشهد على شيعتنا ولتشهد شيعتنا على الناس، أبى الله عزوجل أن يكون في حكمه اختلاف أو بين أهل علمه تناقض، ثم قال أبو جعفر (عليه السلام): فضل إيمان المؤمن بحمله إنا أنزلناه وبتفسيرها على من ليس مثله في الإيمان بها كفضل الإنسان على البهائم، وإن الله عزوجل ليدفع بالمؤمنين بها عن الجاحدين لها في الدنيا - لكمال عذاب الآخرة لمن علم أنه لا يتوب منهم - ما يدفع بالمجاهدين عن القاعدين، ولا أعلم أن في هذا الزمان جهادا إلا الحج والعمرة والجوار. * الشرح: قوله (لقد خلق الله تعالى ليلة القدر أول ما خلق الدنيا) يريد أن الزمان من أوله إلى آخره لا يخلو من ليلة القدر، أو يريد أنها أول ليلة عند خلق الدنيا وهكذا جرى قضاء الله تعالى ليجئ فيها تفسير الأمور إلى من هو أهله، وعلى التقديرين لا دلالة فيه على أن الليل مقدم على النهار فلا ينافي قوله تعالى * (ولا الليل سابق النهار) *. قوله (خلق فيها أول نبي) يريد خلق فيها أول نبي في سلسلة الأنبياء وأول وصي في سلسلة الأوصياء وإنما قيد بالأول لأنه لم يخلق كل نبي وكل وصي فيها كما يظهر لمن نظر في تواريخ مواليدهم. [ ويحتمل أن يراد بالخلق التقدير، فيعم ]. قوله (يهبط فيها بتفسير الأمور) قد تحقق أن أئمتنا (عليهم السلام) كانوا عالمين بجميع الأمور إلا أن بعضها لما كان محتوما مبرما وبعضها غير محتوم كان المراد بتفسيرها تفسير غير المحتوم فيحصل لهم العلم في تلك الليلة بأنه صار محتوما فيؤمرون بفعل هذا وترك ذاك إلى ما شاء الله تعالى، وفي لفظ التفسير إيماء إلى ذلك، ويحتمل أن يراد به الإعلام بأنها وجدت في الأعيان وهذا غير الإعلام بأنها ستوجد، وما كان متحققا لهم هو الثاني دون الأول. قوله (فقد رد على الله علمه) أي علم الله الذي أهبطه على أوليائه أو علمه بأنه أهبطه. قوله (لأنه لا يقوم الأنبياء والرسل والمحدثون) تعليل للرد المذكور، يعني لا يقوم هؤلاء العظام بأمر الخلق وإرشادهم إلا أن تكون لله تعالى حجة وبرهان عليهم وهي ما يأتيهم الملائكة من العلوم المتكثرة في ليلة القدر، وما يأتيهم جبرئيل (عليه السلام) في غيرها من سائر الأوقات، ومن أنكر ذلك

[ 16 ]

فقد رد على الله علمه الذي أنزله إليهم، والراد على الله كافر فكيف يستحق الخلافة. قوله (قلت والمحدثون أيضا يأتيهم جبرئيل (عليه السلام) أو غيره) السؤال إنما هو عن إتيان جبرئيل (عليه السلام) لا عن إتيان غيره من الملائكة لأن إتيان غيره كان معلوما للسائل بقرينة قوله " والمحدثون " ويحتمل أن يكون إتيان الملك معلوما له فسأل: هل هو جبرئيل (عليه السلام) أو غيره. قوله (من أول يوم خلقت فيه الأرض) المراد أول يوم خلقت عند وجود الأرض كما يشعر به قوله على أهل الأرض، وفيه دلالة على أن اليوم مقدم على الليل، ويؤيده أن العالم عند خلقه لابد أن يكون على أشرف الأوضاع، والطلوع أشرف من الغروب. قوله (حجة ينزل ذلك) المراد بالحجة العلم الذي ينزل أو الملك الذي ينزل به ذلك الملك في ليلة القدر وإنما لم يبين الملك النازل هل هو جبرئيل أو غيره للدلالة على التعميم. قوله (إلى من أحب من عباده) دل على أن المنزل إليه لابد أن يكون من محبوبيه فلا يكون فاسقا لأن الفاسق مبغوض. قوله (إن كان النبي ليؤمر) " إن " مخففة كما مر، وفيه تنبيه على أن سنة الله جرت في كل نبي من آدم إلى محمد (صلى الله عليه وآله) أن لا يمضي إلا بعد نص وصي بأمر الله تعالى فكيف تتخلف هذه السنة في محمد (صلى الله عليه وآله) ! ثم أشار بقوله " ولقد قال الله تعالى إلى آخره " مؤكدا بالقسم إلى أن الله تعالى نص بأوصياء نبينا مخاطبا لهم للإكرام والتشريف. قوله (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات) المراد بالإيمان التصديق الكامل المنزه عن شوائب الوهم والخيال وهو الذي يرى المعقول شاهدا والغائب حاضرا وبالصالحات الأعمال الصالحة كلها صغيرها وكبيرها وحقيرها وجليلها. وفي العطف إيماء إلى أن الأعمال خارجة عن حقيقة الإيمان. قوله (يقول استخلفكم) أي يقول الله تعالى مخاطبا للأوصياء (عليهم السلام) * (كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) *. قوله (أما علمنا فظاهر) يعني أما علمنا فظاهر لم يدخل النقص فيه بغلبة الأعداء، وأما وقت ظهورنا وغلبتنا عليهم حتى يظهر الدين ويرتفع الاختلاف بين الناس فله أجل معين عند الله تعالى إذا جاء أجله صار الدين واحدا ورجع الناس من الاختلاف إلى الاتحاد وهو زمان ظهور مهدي هذه الامة. قوله (ولذلك جعلهم شهداء على الناس) أي ولقضائه تعالى بأن لا يكون بين المؤمنين

[ 17 ]

اختلاف في الذين جعلهم الله تعالى شهداء على الناس، لأن بناء الشهادة على التوافق في المشهود به، ولذلك ترد الشهادة لو اختلف الشهود فيه، فدلت الآية على أنه لا اختلاف في علم الله ولا في دينه ولا في حكمه. قوله (فضل إيمان المؤمن) هذا يحتمل وجهين: أحدهما أن فضل إيمان المؤمن العالم بها وبتفسيرها على إيمان المؤمن الغير العالم كفضل الإنسان على البهائم، وربما يؤيده لفظ الحمل، ففيه ترغيب في تحصيل العلم، وثانيهما وهو الأظهر أن فضل المؤمن بها وبتفسيرها على غير المؤمن بها من أهل الخلاف كالفضل المذكور، ويرجحه قوله " وإن الله تعالى ليدفع بالمؤمنين بها إلى آخره ". قوله (وإن الله تعالى ليدفع) يعني إن الله تعالى ليدفع بالمؤمنين بها عن الجاحدين لها عذاب الدنيا، ولولا المؤمنون بها لعذبهم في الدنيا وأهلكهم كافة وذلك الدفع ليعذبهم في الآخرة عذابا أليما بسبب جحدهم وإنكارهم إياها، وذلك الدفع أو كمال عذاب الآخرة لمن علم الله تعالى أنه لا يتوب عن إنكاره ولا يرجع عنه إلى الايمان بها، وهذا الدفع مثل ما يدفع الله تعالى بالمجاهدين في سبيله عن القاعدين هلاكهم بسيوف المشركين أو بعقوبته. قوله (ولا أعلم في هذا الزمان جهادا إلا الحج والعمرة والجوار) الجوار بالكسر الذمة والأمان فيكون بها جارك، وأيضا المجاورة، ومنه الجار الذي يجاورك، والمضاف محذوف على الأخير لو أريد أحسن الجوار، وفيه دلالة على أن وجوب الجهاد مشروط بوجود الإمام وتمكنه. * الأصل: 8 - قال: وقال رجل لأبي جعفر (عليه السلام): يا ابن رسول الله لا تغضب علي قال: لماذا ؟ قال: لما أريد أن أسألك عنه، قال: قل، قال: ولا تغضب ؟ قال: ولا أغضب، قال: أرأيت قولك في ليلة القدر وتنزل الملائكة والروح فيها إلى الأوصياء يأتونهم بأمر لم يكن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد علمه أو يأتونهم بأمر كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعلمه ؟ وقد علمت أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مات وليس من علمه شئ إلا وعلي (عليه السلام) له واع، قال أبو جعفر (عليه السلام): ما لي ولك أيها الرجل، ومن أدخلك علي ؟ قال: أدخلني عليك القضاء لطلب الدين، قال: فافهم ما أقول لك: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما أسري به لم يهبط حتى أعلمه الله جل ذكره علم ما قد كان وما سيكون وكان كثير من علمه ذلك جملا يأتي تفسيرها في ليلة القدر، وكذلك كان علي بن أبي طالب (عليه السلام) قد علم جمل العلم ويأتي تفسيره في ليالي القدر، كما كان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله). قال السائل: أو ما كان في الجمل تفسير ؟ قال: بلى ولكنه إنما يأتي بالأمر من الله تعالى في

[ 18 ]

ليالي القدر إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وإلى الأوصياء إفعل كذا وكذا، لأمر قد كانوا علموه، امروا كيف يعملون فيه، قلت: فسر لي هذا، قال: لم يمت رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا حافظا لجملة العلم وتفسيره، قلت: فالذي كان يأتيه في ليالي القدر علم ما هو ؟ قال: الأمر واليسر فيما كان قد علم، قال السائل: فما يحدث لهم في ليالي القدر علم سوى ما علموا ؟ قال: هذا مما أمروا بكتمانه ولا يعلم تفسير ما سألت عنه إلا الله عزوجل. قال السائل: فهل يعلم الأوصياء ما لا يعلم الأنبياء ؟ قال: لا وكيف يعلم وصي غير علم ما أوصي إليه ! قال السائل: فهل يسعنا أن نقول: إن أحدا من الوصاة يعلم ما لا يعلم الآخر ؟ قال: لا، لم يمت نبي إلا وعلمه في جوف وصيه وإنما تنزل الملائكة والروح في ليلة القدر بالحكم الذي يحكم به بين العباد. قال السائل: وما كانوا علموا ذلك الحكم ؟ قال: بلى قد علموه ولكنهم لا يستطيعون إمضاء شئ منه حتى يؤمروا في ليالي القدر كيف يصنعون إلى السنة المقبلة، قال السائل: يا أبا جعفر لا أستطيع إنكار هذا، قال أبو جعفر (عليه السلام): من أنكره فليس منا، قال السائل: يا أبا جعفر أرأيت النبي (صلى الله عليه وآله) هل كان يأتيه في ليالي القدر شئ لم يكن علمه ؟ قال: لا يحل لك أن تسأل عن هذا، أما علم ما كان وما سيكون فليس يموت نبي ولا وصي إلا والوصي الذي بعده يعلمه، أما هذا العلم الذي تسأل عنه فإن الله عزوجل أبى أن يطلع الأوصياء عليه إلا أنفسهم، قال السائل: يا ابن رسول الله كيف أعرف أن ليلة القدر تكون في كل سنة ؟ قال: إذا أتى شهر رمضان فاقرأ سورة الدخان في كل ليلة مائة مرة فإذا أتت ليلة ثلاث وعشرين فإنك ناظر إلى تصديق الذي سألت عنه. * الشرح: قوله: (أرأيت قولك في ليلة القدر) كان الرجل في مقام معارضة ودفع نزول الملائكة إلى علي بأنه (عليه السلام) كان عالما بجميع علم النبي (صلى الله عليه وآله) فإن نزل إليه الملائكة فإما ان تنزل إليه بعلم لم يعلمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو بعلم يعلمه وكلاهما باطل، لأن الأول يوجب أن يكون علي (عليه السلام) أعلم منه. والثاني يوجب تحصيل الحاصل، ولذلك غضب (عليه السلام) عليه وقال: ما لي ولك ومن أدخلك علي ؟ ثم لما اعتذر السائل بقوله: أدخلني عليك القضاء لطلب الدين وراعى الأدب، أجابه (عليه السلام) وكشف الغطاء بما لا مزيد عليه بقوله: فافهم إلى آخره. قوله (وكان كثير من علمه ذلك جملا يأتي تفسيرها في ليلة القدر) لما كان هذا الكلام مجملا لاحتمال أنه يأتي نفس تفسيرها وتفصيلها في ليلة القدر واحتمال أنه يأتي الأمر بتفاصيلها، حمله السائل على الأول واستفهم على سبيل التقرير بقوله " أو ما كان في الجمل تفسير " يريد أن فيها

[ 19 ]

تفسيرها والنفوس القدسية إذا علمت الجملة فقد علمت تفسيرها أيضا إما بنفس معرفة الجمل أو بأدنى التفات وذلك كما إذا نظرت إلى زيد فقد أبصرت كله إجمالا وأبصرت أجزاءه وتفاصيله جميعا عند إبصار واحد بل إبصار الكل والأجزاء إبصار واحد وإنما يتفاوت بالاعتبار، فأقر به (عليه السلام) بقوله بلى وصدقه، وأشار بقوله " ولكنه إنما يأتي بالأمر إلى آخره " إلى أن المراد به هو الاحتمال الثاني وتوضيحه أن كثيرا من علمه ذلك كان مجملا لا يعلم هل يأمر بامضائه وفعله وتركه أو لا يأمر وهل يثبته أو يمحوه كما في العلم الذي يجري فيه البداء، وإنما يأتي الأمر بتفاصيل هذه الأمور في ليلة القدر، وإنما قال (كان كثير من علمه ذلك جملا) لأن كثيرا من علمه ذلك أيضا كان مثبتا لا يجري فيه البداء وكان الأمر به معلوما لا يحتمل غيره. قوله (قلت فسر لي هذا) أي بين لي بأمثلة جزئية هذا الذي قلت من أن الذي يأتيه في ليالي القدر هو الأمر بما علموا، فأجابه (عليه السلام) بأنه (لم يمت رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا حافظا لجملة العلم تلقيا له بغير ما يترقبه للتنبيه على أن الأهم له هو العلم بهذا لا بما ذكر وعلى أن ولي الأمر غير مأذون بإظهاره لمصلحة لا يعلمها إلا هو كما سيصرح به، ثم رجع السائل فسأله بقوله " فالذي كان يأتيه في ليالي القدر علم ما هو " للمبالغة في استعلام ما يأتيه فيها فأجابه (عليه السلام) بنحو ما أجابه سابقا من أن الذي يأتيه هو الأمر واليسر، والمراد باليسر هو التخفيف بالمحو ونحوه، ثم عاد السائل وقال (فما يحدث لهم في ليالي القدر علم سوى ما علموا) إشعارا بأن هذا محال لأنه تحصيل الحاصل ومبالغة في استعلام يحدث لهم فيها من الأوامر المخصوصة فأجابه (عليه السلام) صريحا بأن هذا أي ما يحدث لهم من الأوامر مما أمروا بكتمانه وإظهار خصوصياته ولا يعلم تفسير ما سألت عنه من الأوامر المخصوصة والخصوصيات التي تنزل فيها إلا الله تعالى. والحصر إضافي بالنسبة إلى غير الولاة، لأن عقول غيرهم لا تتحمل ما تنزل فيها، ويحتمل أن يراد أنه لا يعلم ما يصير محتوما في ليلة القدر قبل أن يصير محتوما إلا الله تعالى فيكون الحصر حقيقيا، ولكن الأول أنسب بسياق الكلام فتأمل والله أعلم بحقيقة الحال. قوله (قال السائل فهل يعلم الأوصياء) لما كان القول بأنه ينزل في ليلة القدر أمور السنة إلى ولادة الأمر يشعر ظاهرا بأن الوصي أعلم من النبي والوصي الآخر أعلم من الوصي الأول لأن الملائكة تنزل على الآخر بما لم تنزل به على الأول من الأمور المتعلقة بكل سنة سنة سأل السائل عن هذا التفاضل هل هو ثابت أم لا ؟ فأجاب (عليه السلام): بأنه لا وأن الملائكة تنزل بالحكم الذي يحكم به ولاة الأمر بين العباد، فعاد السائل وقال: أوما كانوا يعني ولاة الأمر علموا ذلك الحكم ؟ قال (عليه السلام): بلى قد علموه ولكن لا يقدرون على إمضاء شئ منه بدون الأمر به في ليلة القدر، والحاصل أنهم

[ 20 ]

علموا المحتوم وغير المحتوم جميعا ولكن لا يجوز لهم العمل في غير المحتوم إلا بعد العلم الحاصل لهم في ليلة القدر بأنه صار محتوما وبعد الإذن لهم في العمل، نظير ذلك أن الوزير إذا نظر إلى البلد العظيم ورأى ما فيه من البيوتات المعمورة والمكسورة والمهدومة والأراضي الخالية القابلة للعمارة والبناء والزرع وغير ذلك من الخصوصيات التي لا تحصى فإنه لا يقدر على إمضاء شئ من ذلك بمقتضى علمه إلا بعد أمر الأمير وإذنه له في العمل. فإن قلت: العلم بأنه صار محتوما علم حاصل له في ليلة القدر ولم يكن حاصلا لمن قبله من الأولياء فيلزم أن يكون هو أعلم ممن قبله فيعود أصل السؤال. قلت: يحصل له العلم بذلك بعد حصول العلم به لمن قبله، ويؤيده ما روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " ليس يخرج شئ من عند الله تعالى حتى يبدأ برسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم بأمير المؤمنين (عليه السلام) ثم بواحد بعد واحد لئلا يكون آخرنا أعلم من أولنا " والحديث مذكور في الباب الثاني من هذا الباب إن قلت: فعلى هذا يجوز أن يحصل له العلم بما سيكون ولا يلزم أن يكون أعلم ممن قبله ؟ قلت: نعم ولكنه خلاف الأمر المحقق الثابت وهو أنهم لم يموتوا حتى علموا ما كان وما سيكون وما هو كائن إلى يوم القيامة. قوله (قال السائل يا أبا جعفر أرأيت) لما كان السائل مشغوفا حريصا بمعرفة خصوصيات ما ينزل عليهم في ليلة القدر وكيفية البداء سأل عنها مرارا مرة بعد أخرى فأجاب (عليه السلام) بأنه لا يحل لك أن تسأل عن خصوص ما ينزل في ليلة القدر لحكمة مقتضية لإخفائه وعدم اطلاع غير الأوصياء عليه وعدم اقتدار عقول الناقصين على تحمله ولذلك لم يجبه (عليه السلام) بمثال مخصوص مع الحاجة في السؤال عنه. قوله (أما هذا العلم الذي تسأل عنه) وهو العلم بخصوصيات ما ينزل في ليلة القدر من الأمر والإذن والحتم فيما لم يكن محتوما. قوله (فإذا أتت ليلة ثلاث وعشرين) هذا صريح في أنها ليلة القدر وللاخريين أيضا قدر عظيم ظهر ذلك لبعض أهل العرفان. * الأصل: 9 - وقال: قال أبو جعفر (عليه السلام): لما ترون من بعثه الله عزوجل للشقاء على أهل الضلالة من أجناد الشياطين وأزواجهم أكثر مما ترون خليفة الله الذي بعثه للعدل والصواب من الملائكة، قيل: يا أبا جعفر وكيف يكون شئ أكثر من الملائكة ؟ قال: كما شاء الله عز وجل، قال السائل: يا أبا جعفر إني لو حدثت بعض الشيعة بهذا الحديث لأنكروه ! قال: كيف ينكرونه ؟ قال: يقولون: إن

[ 21 ]

الملائكة (عليهم السلام) أكثر من الشياطين، قال: صدقت افهم عني ما أقول: إنه ليس من يوم ولا ليلة إلا وجميع الجن والشياطين تزور أئمة الضلالة ويزور إمام الهدى عددهم من الملائكة حتى إذا أتت ليلة القدر فيهبط فيها من الملائكة إلى ولي الأمر، خلق الله - أو قال قيض الله - عز وجل من الشياطين بعددهم ثم زاروا ولي الضلالة فأتوه بالإفك والكذب حتى لعله يصبح فيقول: رأيت كذا وكذا فلو سأل ولي الأمر عن ذلك لقال: رأيت شيطانا أخبرك بكذا وكذا حتى يفسر له تفسيرا ويعلمه الضلالة التي هو عليها، وأيم الله إن من صدق بليلة القدر ليعلم أنها لنا خاصة لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) حين دنا موته: " هذا وليكم من بعدي فإن أطعتموه رشدتم " ولكن من لا يؤمن بما في ليلة القدر منكر ومن آمن بليلة القدر ممن على غير رأينا فإنه لا يسعه في الصدق إلا أن يقول: إنها لنا ومن لم يقل فإنه كاذب، إن الله عزوجل أعظم من أن ينزل الأمر مع الروح والملائكة إلى كافر فاسق، فإن قال: إنه ينزل إلى الخليفة الذي هو عليها فليس قولهم ذلك بشئ، وإن قالوا: إنه ليس ينزل إلى أحد، فلا يكون أن ينزل شئ إلى غير شئ، وإن قالوا - وسيقولون -: ليس هذا بشئ، فقد ضلوا ضلالا بعيدا. * الشرح: قوله (لما ترون) المراد بالرؤية الرؤية القلبية بقرينة تعديته إلى مفعولين وعدم تحقق الرؤية العينية. والمراد ببعث الله الأقدار والتسليط وعدم المنع. قوله (أكثر مما ترون خليفة الله) أي أكثر مما ترون مع خليفة الله من الملائكة، أو أكثر مما ترون من بعثه الله تعالى للهدى إلى خليفة الله من الملائكة. قوله (وكيف يكون شئ أكثر من الملائكة) بناء هذا السؤال والذي يأتي بعده على نزول جميع الملائكة إلى خليفة الله تعالى إلا أن هذا السؤال لما تعلق بأكثرية شئ مطلقا أجاب عنه (عليه السلام) بقوله: كما شاء الله، تنبيها على تحققها لظهور أن الأشياء أكثر من الملائكة بخلاف السؤال الآتي فإنه لما كان صريحا في أن الملائكة أكثر من الشياطين - وهذا عكس ما أفاده (عليه السلام) أولا بحسب الظاهر من أن الشياطين الواردين على أهل الضلالة وأئمة الجور أكثر من الملائكة النازلين على خليفة الله تعالى - أجاب عنه (عليه السلام) توضيحا لمقصوده بقوله: إفهم عني ما أقول إلى آخره وحاصله على ما صرح به الفاضل الأمين الاسترآبادي أن زيارة أجناد الشياطين لأئمة الضلالة أكثر من زيارة الملائكة لخليفة الله تعالى وذلك لأن زيارة الملائكة إنما تكون في ليلة القدر وزيارة الشياطين تكون في ليلة القدر وغيرها من الليالي والأيام وأنت خبير بأن الحصر الذي ادعاه في زيارة الملائكة غير مناسب بسياق الكلام ومناف لما دل من نزول الملائكة إليهم في غير ليلة القدر أيضا، فالأولى أن يقال:

[ 22 ]

المقصود أن عدد الزائرين لأئمة الضلالة أكثر من عدد الزائرين لإمام الهدى لأن النازل إليه بعض الملائكة لا جميعها كما ستعرفه. قوله (ويزور إمام الهدى عددهم من الملائكة) أي يزور إمام الهدى في كل يوم وليلة عدد أئمة الضلالة من الملائكة وإرجاع ضمير الجمع إلى الجن والشياطين يوجب التساوي والمقصود خلافه إذ المقصود التفاوت بين الزيارتين كما قيل، أو التفات بين الزائرين كما قلنا. قوله (حتى إذا أتت ليلة القدر فيهبط فيها من الملائكة خلق الله) لعل المراد بخلق الله بعض الملائكة كما هو الظاهر من هذه العبارة وبهذا القدر يتم المقصود وهو أن الزائرين لأئمة الضلالة أكثر من الزائرين لإمام الهدى سواء زار من الشياطين لأئمة الضلالة في تلك الليلة بقدر عدد الملائكة الزائرين أم لم يزر. قوله (أو قال قيض الله) الشك من الراوي لعدم تيقنه بصدور هذا القول منه (عليه السلام) أي أو قال أيضا هذا القول بعدما ذكر والتقييض تقدير كردن كذا في الصراح. قوله (فأتوه بالإفك والكذب) الإفك الكذب فالعطف للتفسير ولا يبعد أن يقال: إن الخبر الذي لا يطابق الواقع من حيث أنه لا يطابق الواقع يسمى كذبا ومن حيث أنه يصرف المخاطب عن الحق إلى الباطل يسمى إفكا يقال أفكه إذا صرفه عن الشئ ومنه قوله تعالى * (قالوا أجئتنا لتأفكنا عما وجدنا عليه آباءنا) * أي لتصرفنا عنه. قوله (فلو سأل ولي الأمر) أي فلو سأل ولي الضلالة ولي الخلافة عما رآه لقال ولي الأمر: رأيت شيطانا أخبرك بكذا وكذا إلى آخر ما رآه حتى يفسر له تفسيرا يبين به باطله ويعلمه الضلالة التي هو أي ولي الضلالة عليها لعله يرجع عنها أو الغرض منه أن ولي الأمر عالم بكل ما يقع حقا كان أو باطلا إما بالإلهام أو بتوجه نفسه القدسية أو باخبار الملائكة. قوله (لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله)) تعليل ليعلم وحاصله أن من صدق بليلة القدر علم أن الملائكة ينزلون إلى خليفة الله تعالى ووليه وأما العلم بأن هذا الخليفة هو علي (عليه السلام) فلقوله (صلى الله عليه وآله) (لعلي (عليه السلام) حين دنا موته هذا وليكم من بعدي فإن أطعتموه رشدتم) حيث دل على أنه (عليه السلام) خليفته في امته وأولى بالتصرف فيهم وأن الرشد والهداية في متابعته فيعلم أن الذي تنزل إليه الملائكة بعد التصديق بليلة القدر. قوله (ولكن من لا يؤمن بليلة القدر منكر) أي منكر لها أو للرسالة وأصل الشرع فهو خارج عن الدين فيتوجه إليه الذم لهذا لا للخطأ في تعيين موردها. قوله (ممن على غير رأينا) بيان لمن أو حال عن فاعل " آمن ".

[ 23 ]

قوله (ومن لم يقل فإنه كاذب) أي من آمن بها ولم يقل أنها لنا فهو كاذب سواء قال بنزول الأمر مع الملائكة والروح إلى كافر فاسق، أو قال بنزوله إلى خليفة الجور من هذه الامة، أو قال بنزوله لا إلى أحد، أو قال لا نعرف هذا وليس ما قلتم بشئ إذ الكل باطل أما الأول والثاني فلأنه تعالى لا ينزل الأمر مع الملائكة والروح إلى كافر فاسق بالضرورة. والثالث فلأنه لا معنى بالضرورة لنزول شئ لا إلى شئ وأما الرابع فلأنه محض مكابرة. قوله (فإن قال إنه ينزل إلى الخليفة الذي هو عليها) أفرد فاعل قال هنا نظرا إلى لفظ الموصول وجمعه فيما بعد نظرا إلى معناه، والذي مع صلته مفعول ينزل وضمير عليها راجع إلى الخليفة وتأنيثها باعتبار اللفظ والمراد بالذي هو على الخليفة أمور الرئاسة. قوله (وإن قالوا وسيقولون) في بعض النسخ فسيقولون أي إن قالوا بعد هذه المراتب شيئا سيقولون هذا، أي ما قلتم من أن الأمر مع الملائكة ينزل إلى ولي الأمر ليس بشئ يعني إن قالوا بعد تلك المراتب شيئا قالوا هذا إذ لا مفر لهم سواه (1).


(1) قوله " إذ لا مفر لهم سواه " وهنا آخر ما نقله (رحمه الله) في إنا أنزلناه وقد نقلنا في صدر الباب قول علماء الرجال في ذلك وأن جميع ما رواه الحسن بن العباس موضوع لا عبرة به ولا اعتماد عليه ومذهبنا أن ما روى في الإمامة من الأحاديث مما لم يدل عليه ضرورة المذهب ولا متواتر الأخبار ولم يدل العقل على صحته ولا على فساده فالوجه التوقف فيه، وأما هذه الروايات فالعقل يحكم بفسادها لأنه يحكم بعصمة المعصوم من الخطأ ولا ريب أن سورة إنا أنزلناه ونزول الملائكة في ليلة القدر لا يدل بظاهرها مع قطع النظر عن تفسير المعصوم على ان الملائكة تنزل بالأحكام والشرائع فلعلها تنزل بالبركات وإلهام الخيرات للمؤمنين كما ورد، وليس نزول الملائكة بأمثال ذلك مستلزما لوجود إمام تنزل عليه فمع كل قطرة من قطرات الأمطار ملك ولرفع أعمال العباد في الصباح والمساء ملائكة، حتى ورود * (إن قرآن الفجر كان مشهودا) * أي صلاة الصبح لملائكة الليل وملائكة النهار ومثل ذلك كثير. واما تفسير المعصوم فلا يكفي في مقام الاحتجاج على من لا يعترف بوجود المعصوم على ما مر في الخبر السادس لأنه دور ومصادرة، ثم إن الراوي زعم أن غير الشيعة لا يقولون باستمرار ليلة القدر وأن ذلك شعارهم مأخوذ من الخليفتين. (ش) (*)

[ 24 ]

باب في أن الأئمة (عليهم السلام) يزدادون في ليلة الجمعة * الأصل: 1 - حدثني أحمد بن إدريس القمي ومحمد بن يحيى، عن الحسن بن علي الكوفي، عن موسى بن سعدان، عن عبد الله بن أيوب، عن أبي يحيى الصنعاني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال لي: يا أبا يحيى إن لنا في ليالي الجمعة لشأنا من الشأن، قال: قلت: جعلت فداك وما ذاك الشأن ؟ قال: يؤذن لأرواح الأنبياء (عليهم السلام) الموتى وأرواح الأوصياء الموتى وروح الوصي الذي بين ظهرانيكم يعرج بها إلى السماء حتى توافي عرش ربها فتطوف به أسبوعا وتصلي عند كل قائمة من قوائم العرش ركعتين ثم ترد إلى الأبدان التي كانت فيها فتصبح الأنبياء والأوصياء قد ملئوا سرورا ويصبح الوصي الذي بين ظهرانيكم وقد زيد في علمه مثل جم الغفير. * الشرح: قوله (إن لنا في ليالي الجمعة لشأنا من الشأن) الشأن - بسكون الهمزة - الخطب والأمر والحال والجمع شؤون والتنكير للتعظيم وقوله من الشأن مبالغة فيه. قوله (الموتى) جمع ميت وفيه تصريح بموتهم لئلا يتوهم أنهم أحياء غابوا ولم يموتوا. قوله (بين ظهرانيكم) أي أقاموا بينكم على سبيل الاستظهار والاستناد إليكم وزيدت فيه ألف ونون مفتوحة تأكيدا، ومعناه أن ظهرا منكم قدامه وظهرا وراءه فهو مكنوف أي محاط من جانبيه ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم مطلقا. قوله (حتى توافي عرش ربها) يقال: وافاه فلان يوافيه إذا أتاه، وقد مر تفسير العرش مشروحا ولا يبعد أن يراد به هنا العرش الجسماني لجواز أن يكون له سبحانه عرش جسماني في السماء هو معبد الملائكة وأرواح القديسين كما أن له بيتا ومسجدا في الأرض هو معبد الناس. وحمله على بيت المعمور أيضا محتمل. قوله (ثم ترد إلى الأبدان التي كانت فيها) لعل المراد بها الأبدان المثالية ويحتمل الأصلية أيضا (1).


(1) قوله " ويحتمل الأصلية " الاحتمالان كلاهما غير معقول، وراوي الحديث موسى بن سعدان من الغلاة، ضعفه علماء الرجال ولا فائدة للتكلف في توجيه ما يستغلق من حديثه، وأما رد أرواح الأئمة الأحياء إلى أبدانهم فمعقول نظير ما ورد في الكتاب الكريم * (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها = (*)

[ 25 ]

قوله (وقد زيد في علمه مثل جم الغفير) أريد بهم الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام)، وبالعلم العلم بما يصير محتوما في تلك الليلة. * الأصل: 2 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن أبي زاهر، عن جعفر بن محمد الكوفي، عن يوسف الأبزاري، عن المفضل قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) ذات يوم - وكان لا يكنيني قبل ذلك -: يا أبا عبد الله، قال: قلت: لبيك، قال: إن لنا في كل ليلة جمعة سرورا، قلت: زادك الله وما ذاك ؟ قال: إذا كان ليلة الجمعة وافى رسول الله (صلى الله عليه وآله) العرش ووافى الأئمة (عليهم السلام) معه ووافينا معهم فلا ترد أرواحنا إلى أبداننا إلا بعلم مستفاد ولولا ذلك لأنفدنا. * الأصل: 3 - محمد بن يحيى، عن سلمة بن الخطاب، عن عبد الله بن محمد، عن الحسين بن أحمد المنقري، عن يونس أو المفضل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما من ليلة جمعة إلا ولأولياء الله فيها سرور، قلت: كيف ذلك جعلت فداك ؟ قال: إذا كان ليلة الجمعة وافى رسول الله (صلى الله عليه وآله) العرش ووافى الأئمة (عليهم السلام) ووافيت معهم فما أرجع إلا بعلم مستفاد ولولا ذلك لنفد ما عندي.


= فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى) * وعروج أرواح الأئمة إلى العرش أمر ممكن وعودها أيضا ممكن. (ش) (*)

[ 26 ]

باب لولا أن الأئمة (عليهم السلام) يزدادون لنفد ما عندهم * الأصل: 1 - علي بن محمد ومحمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن صفوان بن يحيى قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: كان جعفر بن محمد (عليه السلام) يقول: لولا أنا نزداد لأنفدنا. محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد، عن صفوان عن أبي الحسن (عليه السلام) مثله. * الشرح: قوله (ولولا ذلك لأنفدنا) يقال: نفد الشئ - بالكسر - نفادا فني وأنفدته أنا وأنفد القوم أي ذهبت أموالهم أو فني زادهم وينبغي أن يعلم أن علمه تعالى ثلاثة أقسام: قسم يختص به سبحانه ولا يطلع عليه أحد من عباده، وقسم محتوم أظهره للأنبياء والأوصياء لا مرد له ولا تبديل، وقسم غير محتوم يجري فيه البداء، وهذا القسم كثير يظهر جل شأنه كلا في وقته لخليفته فإذا أظهره صار محتوما، والمراد بالعلم المستفاد ما أظهره الله تعالى لهم من هذا القسم ولو لم يظهره لهم لانقطع علمهم بهذا القسم، ولا يلزم من ذلك أن يكون الآخر أعلم من الأول لما ذكرناه سابقا ولما سيجئ من رواية سماعة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " إن لله تعالى علمين أظهر عليه ملائكته وأنبياءه ورسله فما أظهر عليه ملائكته ورسله وأنبياءه فقد علمناه، وعلما استأثر به فإذا بدا لله في شئ منه أعلمنا ذلك وعرض على الأئمة الذين كانوا من قبلنا ". * الأصل: 2 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن ذريح المحاربي قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): يا ذريح لولا أنا نزداد لأنفدنا. 3 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي نصر، عن ثعلبة. عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: لولا أنا نزداد لأنفدنا، قال: قلت: تزدادون شيئا لا يعلمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ قال: أما إنه إذا كان ذلك عرض على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم على الأئمة ثم انتهى الأمر إلينا. * الشرح: قوله (قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: لولا أنا نزداد لأنفدنا) ينبغي أن يعلم أن كل علم ألقاه

[ 27 ]

تعالى إلى نبيه (صلى الله عليه وآله) كان أوصياؤه (عليهم السلام) عالمين به من غير زيادة ولا نقصان، وأما العلوم المستأثرة المخزونة إذا اقتضت الحكمة الإلهية إظهارها في أوقات متفرقة على ولي العصر والخليفة الموجود في تلك الأوقات أظهرها له ولا يلزم منه أن يكون هو أعلم من النبي (صلى الله عليه وآله) لما ذكره (عليه السلام) من أنه يعرض ذلك أولا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم عليه، ولا ينافي ذلك ما مر من أنه (صلى الله عليه وآله) (1) لم يمت إلا حافظا لجملة العلم وتفسيره، إذ لعل المراد بجملة العلم العلم بالمحتوم وأما غير المحتوم فيحصل له العلم به عند صيرورته محتوما ولو بعد الموت أو المراد به العلم بالمحتوم وغيره على وجه الحتم وعدمه ثم يحصل له بعد الموت العلم بالحتم في غير المحتوم والله أعلم. * الأصل: 4 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ليس يخرج شئ من عند الله عزوجل حتى يبدأ برسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم بأمير المؤمنين (عليه السلام) ثم بواحد بعد واحد لكيلا يكون آخرنا أعلم من أولنا.


(1) قوله " ما مر من أنه " لا حاجة إلى التكلف لهذا الجمع فإن ما مر في باب شأن إنا أنزلناه ضعيف ولا معنى للقضاء غير المحتوم إلا على البداء بالمعنى الباطل. (ش) (*)

[ 28 ]

باب أن الأئمة (عليهم السلام) يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل (عليهم السلام) 1 - علي بن محمد ومحمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن محمد بن الحسن بن شمون، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن القاسم، عن سماعة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن لله تبارك وتعالى علمين: علما، أظهر عليه ملائكته وأنبياءه ورسله فما أظهر عليه ملائكته ورسله وأنبياءه فقد علمناه، وعلما استأثر به، فإذا بدا لله في شئ منه أعلمنا ذلك وعرض على الأئمة الذين كانوا من قبلنا. علي بن محمد ومحمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن موسى بن القاسم ومحمد بن يحيى، عن العمركي بن علي جميعا، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) مثله. * الشرح: قوله (إن لله تعالى علمين) هذا تقسيم لعلمه باعتبار كونه محتوما وغير محتوم (1) فالأول عبارة عن المحتوم، والثاني عن غير المحتوم، فإذا بدا لله في شئ من غير المحتوم وتعلق الحتم به أعلم الإمام الموجود بين الخلق وعرض على الأئمة الماضين (عليهم السلام) لئلا يكون آخرهم أعلم من أولهم. * الأصل: 2 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن لله عزوجل علمين: علما عنده لم يطلع عليه أحدا من خلقه. وعلما نبذه إلى ملائكته ورسله، فما نبذه إلى ملائكته ورسله فقد انتهى إلينا. * الشرح: قوله (إن لله عزوجل علمين علما عنده لم يطلع) هذا تقسيم لعلمه تعالى باعتبار اختصاصه به وعدمه، فالأول هو القسم الأول من الأقسام الثلاثة التي ذكرناها سابقا، والثاني هو القسم الثاني منها


(1) قوله " محتوما وغير محتوم " الأصح أن يقال مكتوما وغير مكتوم كما هو مفاد الحديث لأن الله تعالى يعلم علوما لم ير المصلحة في أن يظهرها لأحد من ملائكته ومقربيه وإن كانت محتومة، وعلوما أظهرها لهم وهي محتومة فلا يكون له تعالى علم غير محتوم أصلا سواء كان مكتوما أو لا، وغير المحتوم لا يكون علما له تعالى. (ش) (*)

[ 29 ]

أو الأعم منه ومن الثالث لأن الثالث أيضا منبوذ إلى الرسل كما عرفت. * الأصل: 3 - علي بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن ضريس قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إن لله عزوجل علمين: علم مبذول وعلم مكفوف. فأما المبذول فإنه ليس من شئ تعلمه الملائكة والرسل إلا نحن نعلمه وأما المكفوف فهو الذي عند الله عزوجل في أم الكتاب إذا خرج نفذ. * الشرح: قوله (علم مبذول وعلم مكفوف) العلم المبذول العلم بالشئ الذي قضاه وأمضاه وأظهره لخواص خلقه، والعلم المكفوف العلم بالشئ الذي فيه المشيئة فلا يقضيه ولا يمضيه إذا شاء ويقضيه ويمضيه إذا شاء، فإذا قضاه وأمضاه أظهره لهم وإذا أظهره نفذ، ولا يجري فيه البداء. قوله (في أم الكتاب إذا خرج نفذ) أي مضى لتعلق القضاء والإمضاء والإظهار به ومتى كان كذلك كان نافذا ماضيا، ولعل المراد بأم الكتاب اللوح المحفوظ أو التقدير الأزلي فإنه أم لجميع المكتوبات وأصل لجميع الموجودات. * الأصل: 4 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن محمد بن إسماعيل، عن علي بن النعمان، عن سويد القلا عن أبي أيوب، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن لله عزوجل علمين: علم لا يعلمه إلا هو، وعلم علمه ملائكته ورسله، فما علمه ملائكته ورسله (عليهم السلام) فنحن نعلمه. * الشرح: قوله (علم لا يعلمه إلا هو) يحتمل أن يراد به العلم بغير المحتوم فإنه لا يعلمه قبل أن يصير محتوما إلا هو، كما يحتمل أن يراد به العلم المختص به الذي لا يطلع عليه أحد من خلقه في وقت من الأوقات.

[ 30 ]

باب نادر فيه ذكر الغيب * الأصل: 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن معمر بن خلاد قال: سأل أبا الحسن (عليه السلام) رجل من أهل فارس فقال له: أتعلمون الغيب ؟ فقال: قال أبو جعفر (عليه السلام): يبسط لنا العلم فنعلم ويقبض عنا فلا نعلم وقال: سر الله عزوجل أسره إلى جبرئيل (عليه السلام) وأسره جبرئيل إلى محمد (صلى الله عليه وآله) وأسره محمد إلى من شاء الله. * الشرح: قوله (فقال أتعلمون الغيب) المراد بالغيب كل ما لا يتناوله الحواس (1) من الأمور الكاينة في الحال أو الماضي أو الاستقبال. قوله (يبسط لنا العلم فنعلم) لعله إشارة إلى أن العلم بالغيب قسمان: أحدهما حاصل لهم بإعلامه تعالى، والثاني مختص به تعالى كعلمه بخطرات النفوس وعزمات القلوب ونظرات العيون


(1) قوله " كل ما لا يتناوله " والصحيح أن يزاد قيد وهو أن لا يكون طريق إليه للعقل ضرورة أن العلم بالله وملائكته لا يعد من علم الغيب المبحوث عنه في هذا الباب. واعلم ان مسألة علم الأئمة والأنبياء بالغيب معضلة عند العوام واضحة عند الخواص ولا إشكال في أن لكل نفس من النفوس الإنسانية حظا من العلم بما يأتي أو ما بعد عن منال حواسه وثبت ذلك في الحكمة ظ: التي بينها أبو علي ابن سينا في أواخر كتاب الإشارات أوضح بيان، وقد تواتر عن النبي والأئمة (عليهم السلام) أخبار كثيرة بالغيب ولا يستحيل في العقل أن يطلع بعض النفوس الكاملة على كل ما توجه إليه وأراد الاطلاع عليه بإرادة الله تعالى وإلهام الملائكة الملهمة وقد اتفق لفرعون يوسف وهو كافر أن يطلع في المنام على ما سيأتي من سني الخصب والرخاء وهذا باب واسع مفتوح على قلوب أفراد الإنسان من الآخرة ليؤمنوا بوجود عالم غير مادي وراء هذا العالم وهو مشتمل على جميع ما مضى وما يأتي في لمحة واحدة بحيث يمكن أن يرى فرعون فيه ما لا يوجد في الحس إلا بعد أربع عشرة سنة لوجوده في ليلة الرؤيا عند عقل مجرد عالم به، وأما من نفى علم الغيب عن الإنسان أو عن الأئمة والأنبياء فمراده نفي العلم ذاتا بغير تعليم من الله تعالى ومن أثبت فمراده علمهم بالتعليم والإلهام وهذا ثابت لجميع أفراد الإنسان ويختلف بحسب اختلاف النفوس كمالا ونقصا وقلة وكثرة ووضوحا وإبهاما وإجمالا وتفصيلا وصريحا وتمثيلا ويقظة ونوما وغير ذلك والأئمة والأنبياء (عليهم السلام) كانوا يعلمون ما يعلمون بتعليم الله تعالى وإلهامه، وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): إنما هو تعلم من ذي علم، بعد أن سأله رجل عن علمه بالغيب. وقال المفيد (رحمه الله) في المسائل العكبرية: إجماعنا على أن الإمام يعلم الأحكام لا الأعيان ولسنا نمنع أن يعلم أعيان ما يحدث ويكون بإعلام الله تعالى له ذلك. (ش) (*)

[ 31 ]

كما قال تعالى * (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور) * أو إشارة إلى أن علم الغيب هو العلم الذي لا يكون مستفادا عن سبب يفيده وذلك إنما يصدق في حقه تعالى إذ كل علم الذي علم سواه فهو مستفاد من بسطه وجوده إما بواسطة أو بلا واسطة، ولا يكون علم غيب بل اطلاعات على أمر غيبي لا يتأهل عليه كل الناس بل يختص بنفوس خصت بعناية إلهية كما قال تعالى شأنه * (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول) * أو إشارة إلى أن لهم بسطا وقبضا فبسطهم عبارة عن حصول الصور الكائنة عند نفوسهم القادسة بالفعل فهم يعلمونها وقبضهم عبارة عن عدم حصولها لها بالفعل وإن كانت في الخزانة بحيث يحصل لهم لمجرد توجه النفس وهم يسمون هذه الحالة عدم العلم ويؤيده ما يجئ في الباب الآتي من أن الإمام إذا شاء أن يعلم علم، والله أعلم. قوله (وقال سر الله) أي البسط والقبض سر أو حصول العلم بالغيب وعدم حصوله بسبب البسط والقبض سر الله أسره أي أظهره. وأراد بقوله " إلى من شاء الله " عليا (عليه السلام) وفيه دلالة على أن الإظهار له (عليه السلام) بمشيئة الله وإرادته. * الأصل: 2 - محمد بن يحيى، عن عبد الله بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب، عن سدير الصيرفي قال: سمعت حمران بن أعين يسأل أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عزوجل: * (بديع السموات والأرض) * قال أبو جعفر (عليه السلام): إن الله عزوجل ابتدع الأشياء كلها بعلمه على غير مثال كان قبله. فابتدع السماوات والأرضين ولم يكن قبلهن سماوات ولا أرضون أما تسمع لقوله تعالى: * (وكان عرشه على الماء) * ؟ فقال له حمران: أرأيت قوله جل ذكره: * (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا) * فقال أبو جعفر (عليه السلام): " إلا من ارتضى من رسول " وكان والله محمد ممن ارتضاه، وأما قوله " عالم الغيب " فإن الله عزوجل عالم بما غاب عن خلقه فيما يقدر من شئ ويقضيه في علمه قبل أن يخلقه وقبل أن يفضيه إلى الملائكة فذلك يا حمران علم موقوف عنده، إليه فيه المشيئة فيقضيه إذا أراد ويبدو له فيه فلا يمضيه، فأما العلم الذي يقدره الله عزوجل فيقضيه ويمضيه فهو العلم الذي انتهى إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم إلينا. * الشرح: قوله (بديع السموات والأرض) البديع فعيل بمعنى الفاعل وهو الذي يفعل فعلا لم يسبق مثله وقد يكون بمعنى المفعول وأما نفس ذلك الفعل أو الفعل الحسن المشتمل على نوع من الغرابة لمشابهته إياه في كونه محل التعجب منه وليس بمراد هنا. قوله (على غير مثال كان قبله) وقد مر شرحه مفصلا وفيه تنزيه له عن صفات الصانعين من

[ 32 ]

البشر فإن صنايعهم تحذو حذوا ومثله سبقت من غيرهم أو حصلت في أذهانهم بإلهام فلا يكون على غير مثال. قوله (أما تسمع لقوله تعالى وكان عرشه على الماء) استشهاد لما تقدم لإفادة أن الماء أول الموجودات الممكنة وأصلها ولا أصل له وإن عرش الواجب يعني علمه المتعلق بالموجودات كان على الماء فقط إذ لم يكن حينئذ شئ من الجسم والجسمانيات موجودا غيره ثم خلق منه السماوات والأرضين، يدل على ذلك ما روي عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة: " قال وكان الخالق قبل المخلوق ولو كان أول ما خلق من خلقه الشئ من الشئ إذا لم يكن له انقطاع أبدا ولم يزل الله إذا ومعه شئ ليس هو يتقدمه، ولكنه كان إذ لا شئ غيره وخلق الشئ الذي جميع الأشياء منه وهو الماء الذي خلق الأشياء منه فجعل نسب كل شئ إلى الماء ولم يجعل للماء نسبا يضاف إليه، وخلق الريح من الماء ثم سلط الريح على الماء، فشققت الريح متن الماء حتى ثار من الماء زبد على قدر ما شاء أن يثور فخلق من ذلك الزبد أرضا بيضاء نقية ليس فيها صدع ولا نقب ولا صعود ولا هبوط ولا شجرة، ثم طواها فوضعها فوق الماء ثم خلق الله النار من الماء فشققت النار متن الماء حتى ثار من الماء دخان على قدر ما شاء الله أن يثور فخلق من ذلك الدخان سماء صافية نقية ليس فيها صدع ولا نقب وذلك قوله * (أم السماء بناها رفع سمكها وسويها أغطش ليلها وأخرج ضحيها) * قال " ولا شمس ولا قمر ولا نجوم ولا سحاب ثم طواها فوضعها فوق الأرض ثم نسب الخليقتين فرفع السماء قبل الأرض فذلك قوله عز ذكره * (والأرض بعد ذلك دحيها) * يقول بسطها " (1) وقال بعض الأفاضل: مقتضى الروايات أنه خلق الماء قبل الأرض وهذا مما شهد به البرهان العقلي فإن الماء لما كان حاويا لأكثر الأرض كان سطحه الباطن المماس لسطحها الظاهر مكانا وظاهر أن للمكان تقدما باعتبار ما على المتمكن فيه وان كان اللفظ يعطي تقدم خلق الماء على الأرض تقدما زمانيا. قوله (فقال أبو جعفر (عليه السلام) إلا من ارتضى من رسول) لما توهم السائل اختصاص علم الغيب به تعالى نبه (عليه السلام) بذكر الاستثناء على ثبوته لمن ارتضاه. قوله (وأما قوله عالم الغيب فإن الله عزوجل عالم بما غاب عن خلقه فيما يقدر من شئ ويقضيه في علمه قبل أن يخلقه وقبل أن يفضيه إلى الملائكة) فيما يقدر حال عن ما الموصولة وفي علمه متعلق بيقدر وما عطف عليه وفي بمعنى الباء أو حال عن فاعله إذ كأنه في علمه


(1) راجع كتاب الروضة تحت رقم 67. (*)

[ 33 ]

المحيط بجميع الأشياء أو حال عن ذي الحال الأول. وقيل: متعلق بفي علمه أو بعالم، ولعل المراد أنه تعالى عالم بالشئ قبل أن يخلقه ويظهره للملائكة في حال تقديره وقضائه وذلك موقوف عنده لأن ذلك الشئ في محل البداء ولله فيه المشيئة فيمضيه إذا أراد أمضاه ولا يمضيه إذا أراد عدم إمضائه وهذا علم بالغيب مختص به، وأما الذي قدره وقضاه وأمضاه فهو الذي أظهره للملائكة والأنبياء والأوصياء (عليهم السلام)، وبالجملة العلم قسمان: علم موقوف وهو العلم بالأشياء قبل إمضائها في حال المشيئة والإرادة والتقدير والقضاء فإنها في هذه المراتب في محل البداء، فإذا تعلق بهذا الإمضاء بعد القضاء خرجت عن حد البداء ودخلت في الأعيان، وعلم مبذول وهو العلم بالأشياء بعد تعلق الإمضاء. وإن شئت زيادة توضيح لهذا المقام فارجع إلى ما ذكرناه في شرح أحاديث باب البداء. قوله (إليه فيه المشيئة) المشيئة مبتدأ و " فيه " متعلق بها و " إليه " خبر أي المشيئة فيه إلى الله. * الأصل: 3 - أحمد بن محمد، عن محمد بن الحسن، عن عباد بن سليمان، عن محمد بن سليمان عن أبيه، عن سدير قال: كنت أنا وأبو بصير ويحيى البزاز وداود بن كثير في مجلس أبي عبد الله (عليه السلام) إذ خرج إلينا وهو مغضب، فلما أخذ مجلسه قال: يا عجبا لأقوام يزعمون أنا نعلم الغيب ما يعلم الغيب إلا الله عزوجل، لقد هممت بضرب جاريتي فلانة، فهربت مني فما علمت في أي بيوت الدار هي ؟ قال سدير: فلما أن قام من مجلسه وصار في منزله دخلت أنا وأبو بصير وميسر وقلنا له: جعلنا فداك سمعناك وأنت تقول كذا وكذا في أمر جاريتك ونحن نعلم أنك تعلم علما كثيرا ولا ننسبك إلى علم الغيب، قال: فقال: يا سدير ألم تقرأ القرآن ؟ قلت: بلى، قال: فهل وجدت فيما قرأت من كتاب الله عزوجل: * (قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك) * قال: قلت: جعلت فداك قد قرأته، قال: فهل عرفت الرجل ؟ وهل علمت ما كان عنده من علم الكتاب ؟ قال: قلت: أخبرني به، قال: قدر قطرة من الماء في البحر الأخضر فما يكون ذلك من علم الكتاب ؟ ! قال: قلت: جعلت فداك ما أقل هذا ! فقال: يا سدير ما أكثر هذا أن ينسبه الله عزوجل إلى العلم الذي أخبرك به ياسدير، فهل وجدت فيما قرأت من كتاب الله عزوجل أيضا: * (قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) * ؟ قال: قلت: قد قرأته جعلت فداك. قال: أفمن عنده علم الكتاب كله أفهم أمن عنده علم الكتاب بعضه ؟ قلت: لا، بل من عنده علم الكتاب كله، قال: فأومأ بيده إلى صدره وقال: علم الكتاب والله كله عندنا، علم الكتاب والله كله عندنا.

[ 34 ]

* الشرح: قوله (وهو مغضب) اسم مفعول من أغضبه شئ ولابد أن يكون ذلك الشئ المغضب لله تعالى لا لمقتضى النفس إذ مقتضاها لا يحركه إلى الغضب فهو إما ما رآه من الجارية من خلاف الآداب، أو ما زعمه بعض الناس من أنه يعلم الغيب مثل الله سبحانه وتعالى ويشاركه في الإلهية. قوله (يا عجبا لأقوام) أي يا صحبي عجبت عجبا والسبب في التعجب عن الشئ هو عدم اطلاع النفس على أسبابه لغموضها مع كونه في نفسه أمرا غريبا وكلما كان الشئ أغرب وأسبابه أخفى كان أعجب وفيه أيضا إظهار بأنه لا يعلم الغيب مثله سبحانه وإلا لم يخف عليه السبب ثم الغرض من هذا التعجب وإظهاره هو أن لا يتخذه الجهال إلها أو يدفع عن وهم بعض الحاضرين المنكر لفضله ما نسبوه إليه من العلم بالغيب حفظا لنفسه وإلا فهو (عليه السلام) كان عالما بما كان وما يكون فكيف يخفى عليه مكان الجارية، فإن قلت: إخباره بذلك على هذا يوجب الكذب، قلت: إنما يوجب الكذب لو لم يقصد التورية (1) وقد قصدها، فإن المعنى: فما علمت علما غير مستفاد منه تعالى بأنها في أي بيوت الدار. وهذا حق فإن علمه بذلك علم مستفاد وهذا العلم في الحقيقة ليس علما بالغيب كما أشرنا إليه. قوله (قال سدير فلما أن قام من مجلسه) هذا يدل على أن ذلك القول كان على سبيل التقية من بعض الحاضرين حيث لم يسألوه عنه في ذلك المجلس. قوله (علما كثيرا) وهو إما مصدر تعلم أو مفعوله. قوله (ولا ننسبك إلى علم الغيب) قالوا ذلك تحرزا عن التعجب المذكور وعن تخاطبه بما يكرهه ثم هذا القول منهم بعد اعترافهم بأنه يعلم كثيرا من الأمور الكائنة بناء على أن علم الغيب علم غير مستفاد كعلم الواجب، وأما علم غيره بالأمور الغائبة عن الحواس فإنما هو اطلاع على أمر غيبي كما أشرنا إليه. قوله (قال فقال: يا سدير ألم تقرأ القرآن) ملخص الجواب أمران: أحدهما أنه (عليه السلام) أعلم من صاحب سليمان الذي أحضر عرش بلقيس في أقل من طرفة عين بعلمه، وثانيهما أنه عالم بجميع الأشياء ولا يخفى عليه شئ وذلك لأن كل شئ في الكتاب وهو عالم بالكتاب كله فهو عالم


(1) قوله " لو لم يقصد التورية " تكلف عجيب من الشارح جوز الكذب على الإمام (عليه السلام) تورية لئلا يلزم كذب الراوي وتضعيف الرواية وإني لا أرى التورية في هذا المقام مناسبة لشأن المعصوم ولا أجوز الكذب عليه (عليه السلام) وإن أوجب تكذيب الراوي وطرح الرواية، كيف وسليمان الديلمي الراوي من الكذابين الضعاف الذين لا يعتمد عليهم وغلوه لم يكن في علمهم بالغيب بل هو في أمور أخر. (ش) (*)

[ 35 ]

بجميع الأشياء وقد دفع بذلك ما خالج قلب السائل من الكلام السابق من أنه لا يعلم بعض الأشياء. قوله (قال الذي عنده علم من الكتاب) التنكير للتعظيم والتكثير والكتاب اللوح المحفوظ فدل ذلك على أنه كان عالما ببعض الكتاب لا بكله. قوله (فهل عرفت الرجل) لم يعينه هنا وفي تعيينه أقوال ذكرناها سابقا. قوله (وهل علمت ما كان عنده) أي شئ وأي قدر عنده من علم الكتاب. قوله (في البحر الأخضر) أي البحر المحيط سمي أخضر لسواد مائه وبعد عمقه والعرب تطلق الخضرة على السواد. قوله (فما يكون ذلك من علم الكتاب) أي: أي قدر يكون ذلك الذي علمه هذا الرجل من علم الكتاب وبالقياس إليه. قوله (ما أقل هذا) تعجب في قلته بالقياس إلى علم الكتاب. قوله (ما أكثر هذا) تعجب من كثرته وعظمته بالنظر إلى ذاته من جهة أنه تعالى ينسبه إلى العلم الذي أخبرك به وهو العلم الذي ترتب عليه الأثر العظيم. قوله (فمن عنده علم الكتاب كله أفهم) أي أعلم أم من عنده علم الكتاب بعضه، دل على أن اسم الجنس المضاف إلى المعرفة من صيغ العموم فهو حجة لمن ذهب إليه. * الأصل: 4 - أحمد بن محمد، عن محمد بن الحسن، عن أحمد بن الحسن بن علي، عن عمرو بن سعيد عن مصدق بن صدقة، عن عمار الساباطي قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الإمام: يعلم الغيب ؟ فقال: لا، ولكن إذا أراد أن يعلم الشئ أعلمه الله ذلك. * الشرح: قوله (قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الإمام يعلم الغيب فقال: لا) دل على أن علم الغيب علم غير مستفاد كعلم الله تعالى وعلم الإمام لما كان مستفادا منه تعالى لا يكون علما بالغيب حقيقة وقد يسمى أيضا علما بالغيب نظرا إلى تعلقه بالأمور الغائبة وبه يجمع بين الأخبار التي دل بعضها على أنهم عالمون بالغيب ودل بعضها على أنهم غير عالمين به.

[ 36 ]

باب أن الأئمة إذا شاؤوا أن يعلموا علموا * الأصل: 1 - علي بن محمد وغيره، عن سهل بن زياد، عن أيوب بن نوح، عن صفوان بن يحيى، عن ابن مسكان، عن بدر بن الوليد، عن أبي الربيع الشامي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الإمام إذا شاء أن يعلم علم. * الشرح: قوله (إن الإمام إذا شاء أن يعلم علم) بفتح العين وكسر اللام أو بضم العين وكسر اللام وشدها من التعليم. وفيه دلالة على أن جهلهم بالشئ عبارة عن عدم حصوله بالفعل ويكفي في حصوله مجرد توجه النفس، والسبب في ذلك هو أن النفس الناطقة إذا قويت حتى صارت نورا إلهيا لم يكن اشتغالها بتدبير البدن عائقا لها عن الاتصال بالحضرة الإلهية، فهي والحالة هذه إذا توجهت إلى الجناب القدس لاستعلام ما كان وما سيكون وما هو كائن أفيضت عليها الصور الكلية والجزئية بمجرد التوجه من غير تجشم كسب وتمهيد مقدمات. * الأصل: 2 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن بدر بن الوليد، عن أبي الربيع، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الإمام إذا شاء أن يعلم أعلم. 3 - محمد بن يحيى، عن عمران بن موسى، عن موسى بن جعفر، عن عمرو بن سعيد المدائني، عن أبي عبيدة المدائني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا أراد الإمام أن يعلم شيئا أعلمه الله بذلك (1).


(1) قوله (عليه السلام) في الحديث الرابع من الباب السابق " اعلمه الله ذلك " إذا كان حصول العلم بهذه السهولة صدق أنه عالم بما كان وما يكون وما هو كائن، وأحاديث الباب وإن كان جميعها ضعيفة لكنها لا تخالف أصول المذهب. (ش) (*)

[ 37 ]

باب أن الأئمة (عليهم السلام) يعلمون متى يموتون وأنهم لا يموتون إلا باختيار منهم * الأصل: 1 - محمد بن يحيى، عن سلمة بن الخطاب، عن سليمان بن سماعة، وعبد الله بن محمد، عن عبد الله بن القاسم البطل، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): أي إمام لا يعلم ما يصيبه وإلى ما يصير، فليس ذلك بحجة لله على خلقه. * الشرح: قوله (أي إمام لا يعلم ما يصيبه) الغرض منه أن الإمام لابد أن يكون عالما بكل شئ حتى ما يصيبه وما يصير إليه وإلا فلا يصلح أن يكون حجة الله وخليفته على خلقه لأن خليفته قائم مقامه فيجب أن يكون عالما بكل شئ مثله. * الأصل: 2 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محمد بن بشار. قال: حدثني شيخ من أهل قطيعة الربيع من العامة ببغداد ممن كان ينقل عنه، قال: قال لي: قد رأيت بعض من يقولون بفضله من أهل هذا البيت، فما رأيت مثله قط في فضله ونسكه فقلت له: من ؟ وكيف رأيته ؟ قال: جمعنا أيام السندي بن شاهك ثمانين رجلا من الوجوه المنسوبين إلى الخير، فأدخلنا على موسى بن جعفر (عليهما السلام) فقال لنا السندي: يا هؤلاء انظروا إلى هذا الرجل هل حدث به حدث ؟ فإن الناس يزعمون أنه قد فعل به ويكثرون في ذلك وهذا منزله وفراشه موسع عليه غير مضيق ولم يرد به أمير المؤمنين سوءا وإنما ينظر به أن يقدم فيناظر أمير المؤمنين وهذا هو صحيح موسع عليه في جميع أموره، فسلوه، قال: ونحن ليس لنا هم إلا النظر إلى الرجل وإلى فضله وسمته، فقال موسى بن جعفر (عليهما السلام): أما ما ذكر من التوسعة وما أشبهها فهو على ما ذكر غير أني أخبركم أيها النفر أني قد سقيت السم في سبع تمرات وأنا غدا أخضر وبعد غد أموت، قال: فنظرت إلى السندي بن شاهك يضرب ويرتعد مثل السعفة. * الشرح: قوله (من أهل قطيعة الربيع) القطيعة كشريعة محال ببغداد أقطعها المنصور أناسا من أعيان دولته ليعمروها ويسكنوها.

[ 38 ]

قوله (جمعنا) على صيغة المجهول وقوله " ثمانين " حال عن ضمير المتكلم ويحتمل أن يكون على صيغة المعلوم وثمانين مفعوله. قوله (قد فعل به) يعني قد قتل. قوله (ولم يرد به أمير المؤمنين سوءا) أراد به هارون الرشيد - لعنه الله -. قوله (وإلى فضله وسمته) المراد بالفضل آثاره، وبالسمت الهيئة الحسنة وهي هيئة أهل الخير. قوله (أيها النفر) النفر بالتحريك والتسكين والنفرة والنفير الجماعة من الناس. قوله (إني قد سقيت السم في سبع تمرات) قال الصدوق: سمه هارون الرشيد لعنه الله فقتله. وقال الشهيد الأول: قبض مسموما ببغداد في حبس السندي بن شاهك لعنه الله لست بقين من رجب سنة ثلاث وثمانين ومائة، وقيل: يوم الجمعة لخمس خلون من رجب سنة إحدى وثمانين ومائة. قوله (مثل السعفة) السعفة بالتحريك غصن النخل. * الأصل: 3 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن أبي جميلة، عن عبد الله بن أبي جعفر قال: حدثني أخي، عن جعفر، عن أبيه أنه أتى علي بن الحسين (عليهما السلام) ليلة قبض فيها بشراب فقال: يا أبه اشرب هذا فقال: يا بني إن هذه الليلة التي أقبض فيها وهي الليلة التي قبض فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله). * الشرح: قوله (عن عبد الله بن أبي جعفر) المراد بأبي جعفر الباقر (عليه السلام). قوله (عن جعفر) المراد به الصادق (عليه السلام). قوله (بشراب) المراد به شراب طاهر حلال مثل ما يتداوى به المرضى. قوله (يا أبه) أصله يا أبي قلبت الياء ألفا للتخفيف، ثم حذفت الألف اكتفاء بفتح ما قبلها ثم أدخلت الهاء للوقف. قوله (إن هذه الليلة التي أقبض فيها) قال الصدوق (رحمه الله) سمه الوليد بن عبد الملك لعنه الله فقتله. * الأصل: 4 - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن محمد بن عبد الحميد، عن الحسن بن الجهم قال: قلت للرضا (عليه السلام): إن أمير المؤمنين (عليه السلام) قد عرف قاتله والليلة التي يقتل فيها والموضع الذي يقتل فيه وقوله لما سمع صياح الأوز في الدار: " صوائح تتبعها نوائح " وقول أم كلثوم: لو صليت الليلة

[ 39 ]

داخل الدار وأمرت غيرك يصلي بالناس، فأبى عليها وكثر دخوله وخروجه تلك الليلة بلا سلاح وقد عرف (عليه السلام) أن ابن ملجم لعنه الله قاتله بالسيف كان هذا مما لم يجز تعرضه، فقال: ذلك كان ولكنه خير في تلك الليلة لتمضي مقادير الله عز وجل. * الشرح: قوله (الإوز) الإوز والإوزة بكسر الهمزة وفتح الواو والزاء وشدها: البط. قوله (لو صليت الليلة) لو للتمني أو للشرط والجزاء محذوف. قوله (وقد عرف (عليه السلام) ان ابن ملجم لعنه الله قاتله بالسيف) قال الآبي في كتاب إكمال الإكمال: ان عليا (رضي الله عنه) لما استأصل الخوارج بالنهروان وفلت منهم اليسير وكان من جملتهم عبد الرحمن بن ملجم المرادي من قبيلة بني حمير من حلفاء المراد، والبكر الصيرفي (1) وبكر بن عمر التميمي فاجتمع الثلاثة بمكة فتذاكروا أمر الناس وعابوا أعمالهم وتراحموا على من قتل من قبل من أصحابهم بالنهروان قالوا: ما نصنع بالبقاء بعد إخواننا فلو قتلنا أئمة الضلالة. فقال ابن ملجم: أنا أكفيكم عليا، وقال البكر: أنا أكفيكم معاوية وقال بكر بن عمر: أنا أكفيكم عمرو بن العاص، وما أفسد أمر الأمة غيره، فتعاهدوا على ذلك عند البيت وتوثقوا على أن لا يرجع أحد من صاحبه حتى يقتله أو يموت دونه وتواعدوا أن يفعلوا ذلك صلاة الصبح في السابع عشر من شهر رمضان فسموا سيوفهم وخرجوا آخر رجب فأتى ابن ملجم الكوفة وبها ناس من الخوارج ممن قتل آباؤهم وإخوانهم يوم النهروان فأخبرهم بما جاء له فاستمكنهم وانتدب إلى قتله معه شبيب بن بجرة ووردان بن مجالد، ولما كانت ليلة الميعاد قعدوا مقابلين لباب السدة التي يخرج منها علي وكان يخرج كل غداة لأول الأذان يوقظ الناس لصلاة الصبح فضربه شبيب فوقع سيفه على عضادة الباب وضربه ابن ملجم على عاتقه وهرب وردان فدخل منزله فدخل عليه رجل من بني أمية فقال له: ما هذا السيف فأخبره بالقصة فخرج الرجل فجاء بسيفه وعلا به وردان حتى قتله ودخل شبيب بين الناس فنجا بنفسه، وقال علي (رضي الله عنه) في ابن ملجم: لا يفوتنكم الرجل، فضرب رجل من همدان رجله وضرب مغيرة بن نوفل بن حارث بن عبد المطلب وجهه بقصبة فصرعه وأتى به الحسن ثم قال علي (رضي الله عنه): علي بالرجل، فأدخل عليه مكتوفا فقال: أي عدو الله ألم أحسن إليك ؟ قال: بلى قال: فما حملك على هذا ؟


(1) في مروج الذهب وتاريخ الخلفاء وكتب اخر " برك " مكان البكر. (*)

[ 40 ]

قال: شحذته أربعين صباحا وسألت الله أن يقتل به شر خلقه، قال علي (رضي الله عنه): لا أراك إلا مقتولا به، وقال للحسن: النفس بالنفس إن هلكت فاقتلوه ولا تمثلوا، وإن بقيت رأيت فيه رأيي وقبض (رضي الله عنه) ليلة تسعة عشر من رمضان سنة أربعين وخرج به ليلا فدفن بظهر الكوفة خوف أن ينبشه الخوارج، واختلف في سنه فقيل: سبع وخمسون، وقيل: ستون، وقيل: ثلاث وستون وهو الصحيح. وكانت خلافته خمس سنين غير ثلاثة أشهر، وكان علي أوصى الحسن وقال: إن أنا مت فاضربه ضربة كضربة. وأما البكر الصيرفي فقعد لمعاوية في الليلة التي ضرب فيها علي (عليه السلام) فلما خرج ضربه فوقع السيف في اليتيه فأخذ فقال لمعاوية: إن عندي خبرا يسرك فهل ذلك نافعي إن أخبرتك ؟ قال: نعم قال: إن لي أخا قتل في هذه الساعة عليا، قال: لعله لم يقدر على ذلك، قال: إن عليا يخرج وليس معه من يحرسه، فأمر به معاوية فقتل، وقيل: إنه حبسه حتى جاءه خبر علي فقطع يده وخلى سبيله وبعث معاوية إلى الطبيب الساعدي فلما نظر إليه قال: اختر إما أن أحمي حديدة وأضعها في موضع السيف، وإما أن أسقيك شربة تقطع منك الولد وتبرء فإن ضربتك مسمومة، قال: أما النار فلا صبر لي عليها، وأما انقطاع الولد ففي يزيد وعبد الله ما تقر به العين، فسقاه تلك الشربة فبرء ولم يولد له، وأما بكر بن عمر فجلس لعمرو بن العاص فلم يخرج عمرو تلك الليلة لأنه كان اشتكى بطنه وأمر خارجة أن يصلي بالناس وكان خارجة على شرط عمرو وقضائه فخرج ليصلي فشد عليه وهو يرى أنه عمرو فضربه فقتله وأخذه الناس فانطلقوا به إلى عمرو فسلموا عليه بالإمامة فقال: من هذا ؟ فقالوا: عمرو، قال: فمن قتلت إذا ؟ قالوا: خارجة. فقال: أما والله يا فاسق ما أردت غيرك، قال عمرو: أردتني وأراد الله خارجة، وسأله عمرو عن خبره فأخبره أن عليا ومعاوية قتلا في هذه الليلة فقال: قتلا أو لم يقتلا لابد من قتلك فأمر بقتله فبكى فقيل: أجزعا من الموت بعد الإقدام ؟ قال: لا والله ولكن أبكي على أن يفوز صاحباي ولا أفوز أنا بقتل عمرو. فضربت عنقه وصلب. قوله (هذا مما لم يحل تعرضه) في بعض النسخ " مما لم يجز " وفي بعض النسخ " مما لم يحن " بالحاء المهملة والنون من حان بمعنى قرب والمعنى واحد. قوله (ولكنه خير في تلك الليلة) أي خير فيها بين البقاء واللقاء فاختار اللقاء ليمضي تقدير الله تعالى والوقوع في الهلكة غير جائز إذا لم يكن بأمر الله تعالى ورضائه وإلا فهو جائز بل واجب مثل هذا وفعل الحسين (عليه السلام) وفعلنا في الجهاد مع الاثنين. * الأصل: 5 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن بعض أصحابنا، عن أبي الحسن موسى (عليه السلام)

[ 41 ]

قال: إن الله عزوجل غضب على الشيعة فخيرني نفسي أو هم فوقيتهم والله بنفسي. * الشرح: قوله (إن الله عزوجل غضب على الشيعة) لكثرة مخالفتهم وقلة إطاعتهم وعدم نصرتهم للإمام الحق. قوله (فخيرني نفسي أو هم) أي فخيرني بين إرادة موتي أو موتهم ليتحقق المفارقة بيني وبينهم فوقيتهم والله بنفسي للشوق إلى لقاء الله تعالى وللشفقة عليهم ولئلا ينقطع نسل الشيعة بالمرة ولتوقع أن يخرج من أصلابهم رجال صالحون. * الأصل: 6 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الوشاء، عن مسافر أن أبا الحسن الرضا (عليه السلام) قال له: يا مسافر هذه القناة فيها حيتان ؟ قال: نعم جعلت فداك، فقال: إني رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) البارحة وهو يقول: يا علي ما عندنا خير لك. * الشرح: قوله (قال له: يا مسافر هذه القناة فيها حيتان قال: نعم جعلت فداك) لعله (عليه السلام) يخبره بما سيراه في قبره من الماء والحيتان، بيانه ما رواه الصدوق في كتاب عيون أخبار الرضا (عليه السلام) بإسناده عن أبي الصلت الهروي في كلام طويل يأمره (عليه السلام) بكيفية حفر القبر وشق اللحد حتى قال: وإذا فعلوا ذلك يعني الحفر واللحد فإنك ترى عند رأسي نداوة فتكلم بالكلام الذي أعلمك فإنه ينبع الماء حتى يمتلي اللحد وترى فيه حيتانا صغارا ففتت لها الخبز الذي أعطيك فانها تلتقطه فإذا لم يبق منه شئ خرجت منه حوتة كبيرة فالتقطت الحيتان الصغار حتى لا يبقى منها شئ، ثم تغيب فإذا غابت فضع يدك على الماء ثم تكلم بالكلام الذي أعلمك فإنه ينضب الماء ولا يبقى منه شئ ولا تفعل ذلك إلا بحضرة المأمون - إلى أن قال - فلما ظهر من النداوة والحيتان وغير ذلك قال المأمون: لم يزل الرضا (عليه السلام) يرينا عجائبه في حياته حتى أراناها بعد وفاته أيضا فقال له وزير كان معه: أتدري ما أخبرك بها الرضا (عليه السلام) ؟ قال: لا، قال: إنه أخبرك أن ملككم يا بني العباس مع كثرتكم وطول مدتكم مثل هذه الحيتان حتى إذا فنيت آجالكم وانقطعت آثاركم وذهبت دولتكم سلط الله تعالى عليكم رجلا منا فأفناكم عن آخركم، قال له: صدقت، وهذا الذي ذكرنا أحسن مما قيل من أن علمي بما أقول كعلمي بوجود الحيتان في هذه القناة. * الأصل: 7 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الوشاء، عن أحمد بن عائذ، عن أبي خديجة

[ 42 ]

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كنت عند أبي في اليوم الذي قبض فيه فأوصاني بأشياء في غسله وفي كفنه وفي دخوله قبره، فقلت: يا أبه والله ما رأيتك منذ اشتكيت أحسن منك اليوم، ما رأيت عليك أثر الموت، فقال: يا بني ! أما سمعت علي بن الحسين (عليهما السلام) ينادي من وراء الجدار يا محمد ؟ تعال، عجل. * الشرح: قوله (يا محمد تعال) قال صاحب الكنز: تعال بفتح اللام أمر است از تعالى يتعالى يعنى بيا. * الأصل: 8 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن عبد الملك بن أعين، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: أنزل الله تعالى النصر على الحسين (عليه السلام) حتى كان [ ما ] بين السماء والأرض ثم خير: النصر أو لقاء الله، فاختار لقاء الله تعالى. * الشرح: قوله (فاختار لقاء الله تعالى) إنما اختار لقاء الله دون النصر وبقاء الحياة الدنيوية لأن ميله إلى الثاني ميل طبيعي حيواني وهو في معرض الزوال والفناء وميله إلى الأول ميل عقلي باق أبدا فأين أحدهما عن الآخر ؟ كيف لا وقد قال سيد العارفين أمير المؤمنين (عليه السلام) " والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه " وكذلك اختار سيد المرسلين (صلى الله عليه وآله) الموت من البقاء في الدنيا حين خيره الله تعالى بينهما في مرض الموت. ويدل على وفور رغبة الأولياء في الموت قوله تعالى * (إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين) *.

[ 43 ]

باب أن الأئمة (عليهم السلام) يعلمون علم ما كان وما يكون وأنه لا يخفى عليهم الشئ صلوات الله عليهم * الأصل: 1 - أحمد بن محمد ومحمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن إبراهيم بن إسحاق الأحمر، عن عبد الله بن حماد، عن سيف التمار قال: كنا مع أبي عبد الله (عليه السلام) جماعة من الشيعة في الحجر فقال: علينا عين، فالتفتنا يمنة ويسرة فلم نر أحدا، فقلنا: ليس علينا عين، فقال: ورب الكعبة ورب البنية - ثلاث مرات - لو كنت بين موسى والخضر لأخبرتهما أني أعلم منهما ولأنبأتهما بما ليس في أيديهما، لأن موسى والخضر (عليهما السلام) أعطيا علم ما كان ولم يعطيا علم ما يكون وما هو كائن حتى تقوم الساعة وقد ورثناه من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وراثة. * الشرح: قوله (علينا عين) أي رقيب وجاسوس. قوله (ورب البنية) البنية كفعيلة الكعبة. قوله (والخضر) الخضر بالكسر صاحب موسى (عليه السلام) (1) ويقال الخضر مثل كبد وكبد وهو الأفصح. * الأصل: 2 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن يونس بن يعقوب، عن الحارث بن المغيرة، وعدة من أصحابنا منهم عبد الأعلى وأبو عبيدة وعبد الله بن بشر الخثعمي سمعوا أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إني لأعلم ما في السماوات وما في الأرض وأعلم ما في الجنة وأعلم ما في النار وأعلم ما كان وما يكون، قال: ثم مكث هنيئة فرأى أن ذلك كبر على من سمعه منه فقال: علمت ذلك من كتاب الله عزوجل، إن الله عزوجل يقول: * (فيه تبيان كل شئ) *. * الشرح: قوله (فيه تبيان كل شئ) أي كشفه وإيضاحه وفيه دفع لاستبعاد السامع إذ تحقق تبيانه يقتضي


(1) قوله " والخضر صاحب موسى " ويشكل على هذه الرواية بأن الخضر كان عالما بما يكون أيضا بما يفضي إليه أمر الغلام الذي قتله والجواب أن الرواية ضعيفة لأن إبراهيم بن إسحاق الأحمر كان ضعيفا غاليا لا يعبأ به ومحمد بن الحسين في الإسناد مصحف والظاهر أنه محمد بن الحسن الصفار. (ش) (*)

[ 44 ]

أن يكون هناك عالم ببيانه والإقرار بالملزوم يقتضي الإقرار باللازم. * الأصل: 3 - علي بن محمد، عن سهل، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن عبد الكريم، عن جماعة بن سعد الخثعمي أنه قال: كان المفضل عند أبي عبد الله (عليه السلام) فقال له المفضل: جعلت فداك يفرض الله طاعة عبد على العباد ويحجب عنه خبر السماء ؟ قال: لا، الله أكرم وأرحم وأرأف بعباده من أن يفرض طاعة عبد على العباد ثم يحجب عنه خبر السماء صباحا ومساء. * الشرح: قوله (عن جماعة بن سعد الخثعمي) ما رأيته بهذه النسبة في كتب الرجال والذي فيه جماعة ابن سعد الجعفي الصائغ وهو ضعيف يروى عن أبي عبد الله (عليه السلام). قوله (ويحجب عنه خبر السماء) أي خبر السماء وأهلها وخبر أعمالهم أو خبر يأتيه من جهة السماء وهو الذي يأتي به الملائكة ويحدثه. والأخير أنسب بسياق الكلام. والإضافة حينئذ لأدنى ملابسة. * الأصل: 4 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن ضريس الكناسي قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول - وعنده أناس من أصحابه -: عجبت من قوم يتولونا ويجعلونا أئمة ويصفون أن طاعتنا مفترضة عليهم كطاعة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم يكسرون حجتهم ويخصمون أنفسهم بضعف قلوبهم، فينقصونا حقنا ويعيبون ذلك على من أعطاه الله برهان حق معرفتنا والتسليم لأمرنا، أترون أن الله تبارك وتعالى افترض طاعة أوليائه على عباده، ثم يخفي عنهم أخبار السماوات والأرض ويقطع عنهم مواد العلم فيما يرد عليهم مما فيه قوام دينهم ؟ ! فقال له حمران: جعلت فداك أرأيت ما كان من أمر قيام علي بن أبي طالب والحسن والحسين (عليهم السلام) وخروجهم وقيامهم بدين الله عز ذكره وما أصيبوا من قتل الطواغيت إياهم والظفر بهم حتى قتلوا وغلبوا ؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): يا حمران إن الله تبارك وتعالى قد كان قدر ذلك عليهم وقضاه وأمضاه وحتمه على سبيل الاختيار ثم أجراه. فبتقدم علم إليهم من رسول الله (صلى الله عليه وآله) قام علي والحسن والحسين (عليهم السلام): وبعلم صمت من صمت منا ولو أنهم يا حمران حيث نزل بهم ما نزل من أمر الله عزوجل وإظهار الطواغيت عليهم سألوا الله عزوجل أن يدفع عنهم ذلك وألحوا عليه في طلب إزالة ملك الطواغيت وذهاب ملكهم، إذا لأجابهم ودفع ذلك عنهم، ثم كان انقضاء مدة الطواغيت وذهاب ملكهم أسرع من

[ 45 ]

سلك منظوم انقطع فتبدد، وما كان ذلك الذي أصابهم يا حمران لذنب اقترفوه، لا لعقوبة معصية خالفوا الله فيها، ولكن لمنازل وكرامة من الله أراد أن يبلغوها، فلا تذهبن بك المذاهب فيهم. * الشرح: قوله (ثم يكسرون حجتهم ويخصمون أنفسهم) لأن حجتهم على المخالفين بأن إمامهم أعلم من إمامهم فإذا قالوا بأن إمامهم ليس عالما بجميع الأشياء فقد كسروا حجتهم وخصموا أنفسهم إذ للمخالفين أن يقولوا: لا فرق بيننا وبينكم في أن إمامنا وإمامكم سواء في العلم وعدمه. قوله (بضعف قلوبهم) لعدم قوتها ومعرفتها حق الإمام بنسبة ما لا يليق إليه من الجهل بالمعارف والأحكام. قوله (فينقصونا حقنا) " حقنا " بدل عن الضمير المتكلم مع الغير، والمراد به العلم بجميع الأشياء حيث يعتقدون أن لا علم لنا بجميعها. قوله (ويعيبون ذلك) أي يذمون من عرفنا بالفضل وكمال العلم حق المعرفة وسلم لأمرنا من العلم التام وينكرون ذلك عليه. قوله (ويقطع عنهم مواد العلم) بأن لا يرد عليهم من الله تعالى علم فيما يرد عليهم مما فيه قوام دينهم واحتياجهم في كماله كالخلفاء الجاهلين بأكثر أموره. قوله (فقال له حمران) كأنه قال: إن كان لهم العلم بجميع الأمور لم أقدموا على ما فيه هلاكهم مما ذكر، وحاصل الجواب أنه كان لهم علم بذلك بإخبار الرسول وأقدموا عليه بعد تقدير الله تعالى ذلك وأمره إياهم على سبيل التخيير بينه وبين عدمه وقضائه وإمضائه بعد اختيارهم ليبلغوا درجة الشهادة ومحل الكرامة منه تعالى، ولئلا يبقى للخلق حجة عليه بسكوت الجميع وقعودهم ومن لم يقدم منا كان ذلك أيضا بأمره جل شأنه لمصلحة وبالجملة كل من القيام وعدمه والسكوت وعدمه منا إنما كان بأمر الله تعالى. قوله (ولو أنهم يا حمران) كما هم كانوا مخيرين بين القيام وعدمه واختاروا القيام لأمر الله تعالى على سبيل التخيير كذلك كانوا مخيرين بين الدعاء عليهم بالاستيصال وتركه واختاروا الترك شوقا إلى لقاء الله تعالى ليزداد مثوبتهم واستدراجا للطواغيت ليشتد عقوبتهم، وإيقانا بسرعة انقطاع ملكهم وتفرق جمعهم. قوله (أسرع من سلك منظوم انقطع فتبدد) السلك بالكسر الخيط الذي ينظم فيه اللؤلؤ، والتبدد التفرق، شبه اتصال ابتداء دولتهم بانقطاعها باتصال انقطاع السلك بتفرق ما هو منظوم فيه مبالغة في السرعة.

[ 46 ]

قوله (وما كان ذلك الذي أصابهم) هذا حق لا ريب فيه لأن المصائب والبلايا في الدنيا إنما تتوجهان إلى الخلق باعتبار قربهم من الحق فكلما كان القرب أشد كان لحوق المصائب أقوى وأكثر. قوله (فلا تذهبن بك المذاهب فيهم) بأن تنسب إليهم الجهل والعجز واستحقاق العقوبة ونحوها مما يوجب النقص. * الأصل: 5 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن معبد، عن هشام بن الحكم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) بمنى عن خمسمائة حرف من الكلام فأقبلت أقول: يقولون كذا وكذا، قال: فيقول: قل كذا وكذا، قلت: جعلت فداك هذا الحلال وهذا الحرام أعلم أنك صاحبه وأنك أعلم الناس به وهذا هو الكلام ؟ فقال لي: ويحك يا هشام [ لا ] يحتج الله تبارك وتعالى على خلقه بحجة لا يكون عنده كل ما يحتاجون إليه. * الشرح: قوله (عن خمسمائة حرف من الكلام) أي عن خمسمائة مسألة من علم الكلام وشبهاتهم فيه. قوله (وهذا هو الكلام) أي هذا الذي سألتك هو علم الكلام ومسائله ولم يكن لي علم بأنك عارف به حق المعرفة. قوله (يا هشام يحتج الله تعالى) هذا على سبيل الإنكار أي لا يكون ذلك الاحتجاج أبدا إذ وجب أن يكون حجته تعالى على الخلق عالما بجميع ما يحتاجون إليه إلى يوم القيامة. وللعامة هنا كلام لا بأس أن نشير إليه فنقول: قال الآبي في كتاب إكمال الإكمال: اشترط غلاة الشيعة أن يكون الإمام صاحب معجزات وعالما بالغيب وبجميع اللغات وبطبائع الأشياء وعجائب الأرض والسماوات وهذا كله باطل للإجماع على صحة عقد الإمامة لأبي بكر وعمر وعثمان مع عرائهم من ذلك انتهى. وفيه أن الشيعة لا يسلمون انعقاد الإجماع على إمامة هؤلاء المذكورين كيف، وكثير من الصحابة المعروفين بالفضل والصلاح عندنا وعندهم لم يبايعوهم منهم سلمان والمقداد وطلحة والزبير وعباس وعمار وأبي ذر وإخراجه من المدينة إلى الشام ثم إلى الربذة مشهور، وقد صرحوا أيضا بجميع ذلك كما نقلنا عنهم سابقا. * الأصل: 6 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن عمر بن عبد العزيز، عن محمد بن فضيل، عن أبي حمزة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: لا والله لا يكون عالم جاهلا أبدا، عالما بشئ جاهلا بشئ، ثم قال: الله أجل وأعز وأكرم من أن يفرض طاعة عبد يحجب عنه علم سمائه وأرضه، ثم

[ 47 ]

قال: لا يحجب ذلك عنه. * الشرح: قوله (لا والله لا يكون عالم) أي لا يكون إمام عالم بشئ جاهلا بشئ آخر أبدا فإن هذا لا يصلح أن يكون إماما للخلق وخليفة لله. وفيه رد على أصحاب الثلاثة حيث يجيزون أن يكون الإمام جاهلا ببعض الشريعة بل بأكثرها وأن يقتدى فيما جهله برعيته ويقولون: لا يجوز أن يكون جاهلا بجميعها. وأنت خبير بأن هذا باطل بالضرورة وأنه لا فرق بين الجاهل بالبعض والجاهل بالجميع فكما لا يصلح الثاني للإمامة كذلك لا يصلح الأول لها.

[ 48 ]

باب أن الله عزوجل لم يعلم نبيه إلا أمره أن يعلمه أمير المؤمنين وأنه كان شريكه في العلم * الأصل: 1 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن عبد الله بن سليمان، عن حمران بن أعين، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن جبرئيل (عليه السلام) أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) برمانتين فأكل رسول الله (صلى الله عليه وآله) إحداهما وكسر الأخرى بنصفين فأكل نصفا وأطعم عليا (عليه السلام) نصفا ثم قال رسول الله: يا أخي هل تدري ما هاتان الرمانتان ؟ قال: لا ؟ قال: أما الاولى فالنبوة، ليس لك فيها نصيب، وأما الأخرى فالعلم أنت شريكي فيه، فقلت: أصلحك الله كيف كان يكون شريكه فيه ؟ قال: لم يعلم الله محمدا (صلى الله عليه وآله) علما إلا وأمره أن يعلمه عليا (عليه السلام). 2 - علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: نزل جبرئيل (عليه السلام) على رسول الله (صلى الله عليه وآله) برمانتين من الجنة فأعطاه إياهما فأكل واحدة وكسر الأخرى بنصفين فأعطى عليا (عليه السلام) نصفها فأكلها، فقال: يا علي أما الرمانة الاولى التي أكلتها فالنبوة ليس لك فيها شئ وأما الأخرى فهو العلم فأنت شريكي فيه. 3 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن عبد الحميد، عن منصور بن يونس عن ابن أذينة، عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: نزل جبرئيل على محمد (صلى الله عليه وآله) برمانتين من الجنة فلقيه علي (عليه السلام) فقال: ما هاتان الرمانتان اللتان في يدك ؟ فقال: أما هذه فالنبوة، ليس لك فيها نصيب، وأما هذه فالعلم، ثم فلقها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بنصفين فأعطاه نصفها وأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) نصفها ثم قال: أنت شريكي فيه وأنا شريكك فيه، قال: فلم يعلم - والله - رسول الله (صلى الله عليه وآله) حرفا مما علمه الله عزوجل إلا وقد علمه عليا ثم انتهى العلم إلينا، ثم وضع يده على صدره. * الشرح: قوله (أما الاولى فالنبوة) لما كان إرسال إحداهما لأجل النبوة والأخرى لأجل العلم وكان في العلم شركة دون النبوة وقع الاختصاص بإحداهما والاشتراك في الأخرى وربما يفهم منه أن درجة النبي فوق درجة الوصي بثلاث مراتب. قوله (كيف كان يكون شريكه) لما كان المتبادر من الشركة في أمر اختصاص كل من الشريكين بحصة فيه ليس للآخر فيها نصيب وهو ليس بمراد هنا سأل عن كيفية الشركة هنا فأجاب بأن المراد بها علم كل منهما جميع ما يعلمه الآخر إلا أن لأحدهما حق التعليم على الآخر.

[ 49 ]

باب جهات علوم الأئمة (عليهم السلام) * الأصل: 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن إسماعيل، عن عمه حمزة بن بزيع، عن علي السائي، عن أبي الحسن الأول موسى (عليه السلام) قال: قال: مبلغ علمنا على ثلاثة وجوه: ماض وغابر وحادث، فأما الماضي فمفسر، وأما الغابر فمزبور، وأما الحادث فقذف في القلوب ونقر في الأسماع وهو أفضل علمنا ولا نبي بعد نبينا. * الشرح: قوله (عن علي السائي) هو علي بن السويد السائي من أصحاب الرضا (عليه السلام) ثقة منسوب إلى الساءة بالسين المهملة قرية قريبة من المدينة. قوله (ماض وغابر وحادث) الغابر الباقي والماضي من الأضداد والمراد به هنا الثاني. قوله (فأما الماضي فمفسر) يعني الماضي الذي تعلق علمنا به وهو كل ما كان مفسرا لنا بالتفسير النبوي، والغابر المحتوم الذي تعلق علمنا به وهو كل ما يكون مزبورا مكتوبا عندنا بخط علي (عليه السلام) وإملاء الرسول وإملاء الملائكة كما مر في تفسير الجامعة ومصحف فاطمة (عليها السلام). والحادث الذي يتعلق علمنا به وهو كل ما يتجدد في إرادة الله تعالى ويحتمه بعدما كان في معرض البداء قذف في قلوبنا بإلهام رباني ونقر في أسماعنا بتحديث الملك وهذا القسم الأخير أفضل علمنا لاختصاصه بنا ولحصوله لنا من الله بلا واسطة بشر بخلاف الأولين لحصولهما بالواسطة ولعدم اختصاصهما بنا إذ قد اطلع على بعضها بعض خواص الصحابة مثل سلمان وأبي ذر باخبار النبي وبعض خواص أصحابنا مثل زرارة وغيره بقراءة بعض مواضع كتاب علي (عليه السلام). قوله (ولا نبي بعد نبينا) دفع بذلك توهم من يتوهم أن كل من قذف في قلبه ونقر في سمعه فهو نبي. وهذا التوهم فاسد لأنه محدث والمحدث ليس بنبي كما مر. * الأصل: 2 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن أبي زاهر، عن علي بن موسى، عن صفوان بن يحيى، عن الحارث بن المغيرة، عن أبي عبد الله (عليه السلام): [ قال ] قلت: أخبرني عن علم عالمكم ؟ قال: وراثة من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن علي (عليه السلام) قال: قلت: انا نتحدث أنه يقذف في قلوبكم وينكت في آذانكم ؟ قال: أو ذاك.

[ 50 ]

* الشرح: قوله (وراثة) أخبر بالقسمين الأولين وسكت عن الثالث لغرابته، ثم أخبر به بعد السؤال عنه فقد ظهر أن جهات علومهم ثلاثة. * الأصل: 3 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عمن حدثه، عن المفضل بن عمر قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): روينا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: إن علمنا غابر ومزبور ونكت في القلوب ونقر في الأسماع، فقال: أما الغابر فما تقدم من علمنا، وأما المزبور فما يأتينا، وأما النكت في القلوب، فإلهام، وأما النقر في الأسماع فأمر الملك.

[ 51 ]

باب أن الأئمة (عليهم السلام) لو ستر عليهم لأخبروا كل امرئ بما له وعليه * الأصل: 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيوب، عن أبان بن عثمان، عن عبد الواحد بن المختار قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): لو كان لألسنتكم أوكية لحدثت كل امرئ بما له وعليه. * الشرح: قوله (أوكية) جمع وكاء ككساء وهو رباط القربة وغيرها، شبه الحالة التي تمنع الإنسان عن التكلم بما يضره بالوكاء الذي يشد به رأس القربة للإفصاح والإيضاح. * الأصل: 2 - وبهذا الإسناد، عن أحمد بن محمد، عن ابن سنان، عن عبد الله بن مسكان قال: سمعت أبا بصير يقول: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): من أين أصاب أصحاب علي ما أصابهم مع علمهم بمناياهم وبلاياهم ؟ قال: فأجابني - شبه المغضب -: ممن ذلك إلا منهم ؟ ! فقلت: ما يمنعك جعلت فداك ؟ قال: ذلك باب أغلق إلا أن الحسين بن علي صلوات الله عليهما فتح منه شيئا يسيرا، ثم قال: يا أبا محمد ! إن أولئك كانت على أفواههم أوكية. * الشرح: قوله (من أين أصاب أصحاب علي ما أصابهم مع علمهم بمناياهم وبلاياهم) " ما " للتفخيم والتعظيم، والمراد به الأمور الغريبة التي أخبرهم بها (عليه السلام) والظرف أعني " مع " حال عن فاعل أصابهم، والمراد بأصحاب علي خواص أصحابه وهم أصحاب سره لا كلهم يعني من أي سبب أصاب أصحاب علي (عليه السلام) من العلوم الغريبة والرموز السرية حال كونها مقرونة مع ما أصابهم من علمهم بمناياهم وبلاياهم كل ذلك بإخباره (عليه السلام) إياهم. قوله (شبه المغضب) لعل سبب غضبه عدم وجدانه من أصحابه من يصلح أن يكون محلا لأسراره وقابلا لإظهارها عليه. قوله (ممن ذلك إلا منهم) " ذلك " مبتدأ إشارة إلى السبب الذي سأل السائل عنه و " ممن " خبره وضمير " منهم " راجع إلى أصحاب علي (عليه السلام) أي ذلك السبب الذي يوجب إظهار الأمور الغريبة والأسرار العجيبة ممن يكون إلا منهم فإنهم لصلاحهم ورعاية حقوق إمامهم صاروا قابلين لإظهار

[ 52 ]

السر عليهم. قوله (ما يمنعك) مفعوله محذوف بقرينة المقام أي ما يمنعك إظهار السر على أصحابك كما أظهره علي (عليه السلام) على أصحابه. قوله (ذلك باب أغلق) ذلك إشارة إلى إظهار السر المعلوم بحسب المقام وإغلاق بابه كناية عن عدم جواز إظهاره لعدم الوكاء على ألسنة الناس كما يشير إليه آخر الحديث. قوله (إن اولئك كانت على أفواههم أوكية) فلذلك صاروا قابلين لإظهار الأسرار وأما أصحابنا فلما لم تكن على أفواههم أوكية لم يجز لنا إظهارها عليهم لأنه يصير سببا لسفك دمائنا ودمائهم، وأولئك إشارة إلى أصحاب علي وأصحاب الحسين (عليهما السلام).

[ 53 ]

باب التفويض إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإلى الأئمة (عليهم السلام) في أمر الدين * الأصل: 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن أبي زاهر، عن علي بن إسماعيل، عن صفوان بن يحيى، عن عاصم بن حميد، عن أبي إسحاق النحوي قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فسمعته يقول: إن الله عزوجل أدب نبيه على محبته فقال: * (وإنك لعلى خلق عظيم) *. ثم فوض إليه فقال عزوجل: * (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) * وقال عزوجل: * (من يطع الرسول فقد أطاع الله) *، قال: ثم قال: وإن نبي الله فوض إلى علي وائتمنه فسلمتم وجحد الناس فوالله لنحبكم أن تقولوا إذا قلنا وأن تصمتوا إذا صمتنا، ونحن فيما بينكم وبين الله عزوجل. ما جعل الله لأحد خيرا في خلاف أمرنا. عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن أبي إسحاق قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول - ثم ذكر نحوه -. * الشرح: قوله (عن أبي إسحاق ا لنحوي) هو ثعلبة بن ميمون وكان وجها في أصحابنا قارئا فقيها نحويا لغويا عابدا زاهدا ثقة. قوله (أدب نبيه على محبته) التأديب تعليم الأدب وهو ما يدعو إلى المحامد من الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة. قوله (على محبته) متعلق بأدب على تضمين معنى القيام أو حال عن الضمير المجرور أي كائنا على محبته. ومحبته لله عبارة عن الإتيان بمرضاته والصبر على موجبات قربه والتوجه بالكلية إلى قدس ذاته. ومحبة الله إياه عبارة عن إفاضة الخير عليه وتتابع الإحسان إليه وإجابة ما يتمناه وإعطاء ما يرضاه. قوله (فقال وإنك لعلى خلق عظيم) متفرع على التأديب يعني بعدما أدبه وأكمل له محامده وبلغه إلى غاية كماله خاطبه بذلك القول مؤكدا بأن واللام واسمية الجملة، والتنكير المفيد للتعظيم والتصريح به للدلالة على علو قدره وتفرده بذلك وتقرير حبه في الأذهان إذ ما من أحد ولو كان كافرا إلا وهو يمدح الخلق وصاحبه. قوله (ثم فوض إليه) للتفويض معان بعضها باطل وبعضها صحيح أما الباطل فهو تفويض الخلق والإيجاد والرزق والإحياء والإماتة إليه يدل على ذلك ما روي عن الرضا (عليه السلام) قال " اللهم من زعم أننا

[ 54 ]

أرباب فنحن منه براء ومن زعم أن إلينا الخلق وعلينا الرزق فنحن عنه براء كبراءة عيسى بن مريم من النصارى " وما روي عن زرارة قال: " قلت للصادق (عليه السلام): إن رجلا من ولد عبد المطلب بن سبأ يقول بالتفويض فقال: وما التفويض ؟ فقلت: إن الله عزوجل خلق محمدا (صلى الله عليه وآله) وعليا (عليهما السلام) ثم فوض الأمر إليهما فخلقا ورزقا وأحييا وأماتا، فقال (عليه السلام): كذب عدو الله إذا رجعت إليه فاقرأ عليه الآية التي في سورة الرعد * (أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شئ وهو الواحد القهار) * فانصرفت إلى الرجل فأخبرته بما قال الصادق (عليه السلام) فكأنما ألقمته حجرا - أو قال فكأنما خرس " - وأما الثاني فأقسام منها تفويض أمر الخلق إليه بمعنى أنه أوجب عليهم طاعته في كل ما يأمر به وينهى عنه سواء علموا وجه الصحة أم لم يعلموا وإنما الواجب عليهم الانقياد والإذعان بأن طاعته طاعة الله تعالى. ومنها تفويض القول بما هو أصلح له أو للخلق وان كان الحكم الأصلي خلافه كما في صورة التقية وهي أيضا من حكم الله تعالى إلا أنه منوط على عدم إمكان الأول بالإضرار ونحوه. ومنها تفويض الأحكام والأفعال بأن يثبت ما رآه حسنا ويرد ما رآه قبيحا، فيجيز الله تعالى لإثباته إياه. ومنها تفويض الإرادة بأن يريد شيئا لحسنه ولا يريد شيئا لقبحه فيجيز الله تعالى إياه. وهذه الأقسام الثلاثة لا تنافي ما ثبت من أنه لا ينطق إلا بالوحي لأن كل واحد منها ثبت من الوحي إلا أن الوحي تابع لإرادته يعني إرادة ذلك فأوحى إليه كما أنه أراد تغيير القبلة وزيادة الركعتين في الرباعية والركعة في الثلاثية وغير ذلك فأوحى الله تعالى إليه بما أراد، إذا عرفت هذا حصلت لك بصيرة على موارد التفويض في أحاديث هذا الباب فليتأمل. قوله (وما أتاكم الرسول فخذوه) هذا ظاهر في القسم الأول (1). قوله (ونحن فيما بينكم وبين الله عزوجل) نبين لكم ما أراد الله منكم ونحصل لكم ما أردتم منه ونوردكم مورد الكرامة منه. قوله (في خلاف أمرنا) خلافه عبارة عن عدم الاعتقاد بحقيته سواء كان مع الاعتقاد بحقية نقيضه أم لا. * الأصل: 2 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن يحيى بن أبي عمران، عن يونس، عن بكار بن بكر، عن موسى بن أشيم قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فسأله رجل عن آية من كتاب الله عزوجل فأخبره بها، ثم دخل عليه داخل فسأله عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما أخبر [ به ] الأول، فدخلني من ذلك ما شاء الله حتى كأن قلبي يشرح بالسكاكين، فقلت في نفسي: تركت أبا قتادة بالشام لا


(1) قوله " ظاهر في القسم الأول " لكن الحق أن المراد به التفويض في الأحكام بقرينة سائر الروايات. (ش) (*)

[ 55 ]

يخطئ في الواو وشبهه وجئت إلى هذا، يخطئ هذا الخطأ كله، فبينا أنا كذلك إذ دخل عليه آخر فسأله عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما أخبرني وأخبر صاحبي، فسكنت نفسي فعلمت أن ذلك منه تقية، قال: ثم التفت إلي فقال لي: يا ابن أشيم إن الله عزوجل فوض إلى سليمان بن داود فقال: * (هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب) * وفوض إلى نبيه (صلى الله عليه وآله) فقال: * (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) * فما فوض إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقد فوضه إلينا. * الشرح: قوله (فسأله رجل عن آية من كتاب الله عزوجل) هذا ظاهر في القسم الثاني. قوله (كأن قلبي يشرح بالسكاكين) الشرح الكشف ومنه تشريح اللحم، والسكاكين بالفتح والتخفيف جمع السكين بالكسر، أي كان قلبي يقطع ويكشف بالسكين. قوله (إن الله فوض إلى سليمان) أراد أنه تعالى كما فوض الإعطاء والمنع والتصرف فيهما إلى سليمان (عليه السلام) غير محاسب عليهما كذلك فوض التصرف في الأمر والنهي إلينا نحن نقول فيهما ما يقتضيه المصلحة غير محاسبين على ذلك. * الأصل: 3 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحجال، عن ثعلبة، عن زرارة، قال: سمعت أبا جعفر وأبا عبد الله (عليهما السلام) يقولان: إن الله عزوجل فوض إلى نبيه (صلى الله عليه وآله) أمر خلقه لينظر كيف طاعتهم، ثم تلا هذه الآية: * (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) *. * الشرح: قوله (لينظر كيف طاعتهم) أي كيف طاعتهم لله أو لنبيه لأن الطاعة للخلق وإن كانت بأمر الله تعالى أشد على النفوس من الطاعة للخالق ولذلك أنكرها جم غفير من الحساد. * الأصل: 4 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن اذينة، عن فضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول لبعض أصحاب قيس الماصر: إن الله عزوجل أدب نبيه فأحسن أدبه فلما أكمل له الأدب قال: " إنك لعلى خلق عظيم "، ثم فوض إليه أمر الدين والأمة ليسوس عباده، فقال عزوجل: * (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) * وإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان مسددا موفقا مؤيدا بروح القدس، لا يزل ولا يخطئ في شئ مما يسوس به الخلق فتأدب بآداب الله، ثم إن الله عزوجل فرض الصلاة ركعتين ركعتين، عشر ركعات، فأضاف رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى الركعتين ركعتين وإلى المغرب ركعة فصارت عديل الفريضة لا يجوز تركهن إلا في سفر، وأفرد الركعة في المغرب فتركها قائمة في السفر والحضر فأجاز الله عزوجل له ذلك كله فصارت

[ 56 ]

الفريضة سبع عشرة ركعة، ثم سن رسول الله (صلى الله عليه وآله) النوافل أربعا وثلاثين ركعة مثلي الفريضة فأجاز الله عزوجل له ذلك والفريضة والنافلة إحدى وخمسون ركعة منها ركعتان بعد العتمة جالسا تعد بركعة مكان الوتر، وفرض الله في السنة صوم شهر رمضان وسن رسول الله (صلى الله عليه وآله) صوم شعبان وثلاثة أيام في كل شهر مثلي الفريضة فأجاز الله عزوجل له ذلك. وحرم الله عزوجل الخمر بعينها وحرم رسول الله (صلى الله عليه وآله) المسكر من كل شراب فأجاز الله له ذلك كله، وعاف رسول الله (صلى الله عليه وآله) أشياء وكرهها ولم ينه عنها نهي حرام إنما نهى عنها نهي إعافة وكراهة، ثم رخص فيها فصار الأخذ برخصه واجبا على العباد كوجوب ما يأخذون بنهيه وعزائمه ولم يرخص لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيما نهاهم عنه نهي حرام ولا فيما أمر به أمر فرض لازم فكثير المسكر من الأشربة نهاهم عنه نهي حرام لم يرخص فيه لأحد ولم يرخص رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأحد تقصير الركعتين اللتين ضمهما إلى ما فرض الله عزوجل، بل ألزمهم ذلك إلزاما واجبا، لم يرخص لأحد في شئ من ذلك إلا للمسافر وليس لأحد أن يرخص [ شيئا ] ما لم يرخصه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فوافق أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر الله عزوجل، ونهيه نهي الله عزوجل، ووجب على العباد التسليم له كالتسليم لله تبارك وتعالى. * الشرح: قوله (ليسوس عباده) ساس الناس يسوسهم سياسة أمرهم ونهاهم وملك أمورهم. قوله (فأضاف رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى الركعتين ركعتين) هذا هو القسم الثالث على الظاهر أو الرابع على الاحتمال. قوله (فصارت عديل الفريضة) أي فصارت الزيادة مثل الفريضة ومساوية لها في عدم جواز الترك كما أشار إليه بقوله: لا يجوز تركهن، لا في العدد لأن الزائد ناقص فيه. قوله (وأفرد الركعة في المغرب فتركها قائمة) يعني لما أفرد الركعة في المغرب تركها قائمة في السفر والحضر، وحاصله: لما نقص ركعة لم يقصر فيهما، يدل عليه ما رواه الصدوق في كتاب العلل بإسناده عن محمد بن مسلم قال: " قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) لأي علة يصلى المغرب في السفر والحضر ثلاث ركعات وسائر الصلوات ركعتين ؟ قال: لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فرض عليه الصلاة مثنى مثنى وأضاف إليها رسول الله (صلى الله عليه وآله) ركعتين ثم نقص من المغرب ركعة ثم وضع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ركعتين في السفر وترك المغرب وقال إني أستحيي أن أنقص فيها مرتين فلتلك العلة يصلى ثلاث ركعات في الحضر والسفر ". قوله (فأجاز الله عزوجل له ذلك كله) أي ذلك المذكور وهو الإضافة وعدم جواز الترك مطلقا

[ 57 ]

في الحضر وجوازه في الرباعيات في السفر وعدم جوازه في المغرب فيه. قوله (ثم سن رسول الله (صلى الله عليه وآله) النوافل أربعا وثلاثين) هذا حجة لمن ذهب إلى أن النوافل هذا المقدار. قوله (تعد بركعة مكان الوتر) ضمير تعد راجع إلى الركعتين باعتبار أنهما ركعة تقوم مقام الوتر لمن يفوته للنوم وغيره ولكون شرعهما باعتبار قيامهما مقام الوتر عند فواته لم يصلهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) مما يدل على الأمرين ما رواه الصدوق في كتاب العلل بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يبيتن إلا بوتر، قال: قلت: يعني الركعتين بعد العشاء الآخرة ؟ قال: نعم إنهما بركعة فمن صلاهما ثم حدث له حدث مات على وتر فإن لم يحدث له حدث الموت، يصلي الوتر في آخر الليل، فقلت: هل صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) هاتين الركعتين ؟ قال: لا، قلت: ولم ؟ قال: لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يأتيه الوحي وكان يعلم أنه هل يموت في هذه الليلة أولا وغيره لا يعلم فمن أجل ذلك لم يصلهما وأمر بهما. قوله (مثلي الفريضة) شعبان كله وثلاثين يوما لكل شهر من عشرة أشهر ثلاثة أيام. قوله (وعاف رسول الله (صلى الله عليه وآله) أشياء وكرهها) عاف الأشياء كرهها فالعطف في وكرهها للتفسير وقوله " لم ينه عنها " نهي حرام للتأكيد أو لدفع توهم حمل الكراهة على التحريم، ويؤيده الحصر في قوله " إنما نهى عنها نهي اعافة وكراهة " ولما كان عاف وأعاف بمعنى، صح إعافة في موضع عيافا بكسر العين وهو مصدر عاف. قوله (فصار الأخذ برخصه واجبا على العباد) دل على أن الأخذ بالمكروه والمندوب من حيث أنه مكروه ومندوب واجب عليهم كما أن الأخذ بالحرام والواجب من حيث أنه حرام وواجب واجب عليهم فلا يجوز لهم الأخذ بالعكس في الموضعين ولا دلالة فيه على اعتبار الكيفية في النية فليتأمل. قوله (فكثير المسكر) لا دلالة فيه على عدم النهي في قليله إلا بمفهوم اللقب وهو ليس بحجة اتفاقا. قوله (وليس لأحد أن يرخص) لأنه يجب على الكل الأخذ بقوله والتسليم لأمره ونهيه. 5 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن ابن فضال، عن ثعلبة بن ميمون، عن زرارة أنه سمع أبا جعفر وأبا عبد الله (عليهما السلام) يقولان: إن الله تبارك وتعالى فوض إلى نبيه (صلى الله عليه وآله) أمر خلقه لينظر كيف طاعتهم، ثم تلا هذه الآية * (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) *. محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحجال، عن ثعلبة بن ميمون، عن زرارة مثله.

[ 58 ]

* الأصل: 6 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله تبارك وتعالى أدب نبيه (صلى الله عليه وآله) فلما انتهى به إلى ما أراد، قال له: * (إنك لعلى خلق عظيم) * ففوض إليه دينه فقال: * (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) * وإن الله عزوجل فرض الفرائض ولم يقسم للجد شيئا وإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أطعمه السدس فأجاز الله جل ذكره له ذلك وذلك قول الله عزوجل: * (هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب) *. * الشرح: قوله (فلما انتهى به إلى ما أراد) من الكمالات الإنسانية والأخلاق النفسانية حتى صار متصلا بالحق اتصالا معنويا وبلغ غاية القرب منه وشاهد نوره في ذاته وذاته في نوره فرض الفرائض أي أحكام المواريث. قوله (ولم يقسم للجد شيئا) أي لم يقسم لجد الميت مع أبويه شيئا لأن الأبوين يمنعان آباءهم عن الإرث. قوله (أطعمه السدس) أي سدس الأصل استحبابا. قوله (وذلك قول الله عزوجل) أي تفويض أمر دينه إلى نبيه (صلى الله عليه وآله) كتفويض المن والإمساك إلى سليمان (عليه السلام). * الأصل: 7 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن حماد بن عثمان، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: وضع رسول الله (صلى الله عليه وآله) دية العين ودية النفس وحرم النبيذ وكل مسكر، فقال له رجل: وضع رسول الله (صلى الله عليه وآله) من غير أن يكون جاء فيه شئ ؟ قال: نعم ليعلم من يطيع الرسول ممن يعصيه. * الشرح: قوله (من غير أن يكون جاء فيه شئ فقال نعم) وهو القسم الثالث فإنه أثبت شيئا وأجازه الله تعالى لإثباته. * الأصل: 8 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسن قال: وجدت في نوادر محمد بن سنان عن عبد الله بن سنان، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): لا والله ما فوض الله إلى أحد من خلقه إلا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإلى الأئمة، قال عزوجل: * (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أريك الله) * وهي جارية في الأوصياء (عليهم السلام).

[ 59 ]

* الشرح: قوله (لا والله ما فوض الله إلى أحد من خلقه) وهو القسم الأول الذي أشرنا إليه. 9 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسن، عن يعقوب بن يزيد، عن الحسن بن زياد، عن محمد بن الحسن الميثمي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: إن الله عزوجل أدب رسوله حتى قومه على ما أراد، ثم فوض إليه عز ذكره: * (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) * فما فوض الله إلى رسوله (صلى الله عليه وآله) فقد فوضه إلينا. * الأصل: 10 - علي بن محمد، عن بعض أصحابنا، عن الحسين بن عبد الرحمن، عن صندل الخياط، عن زيد الشحام قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: * (هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب) * قال: أعطى سليمان ملكا عظيما ثم جرت هذه الآية في رسول الله (صلى الله عليه وآله) فكان له أن يعطي ما شاء من شاء ويمنع من شاء، وأعطاه [ الله ] أفضل مما أعطى سليمان لقوله: * (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) *. * الشرح: قوله (ثم جرت هذه الآية) لأنه فوض إليه (صلى الله عليه وآله) المنع والإعطاء المتعلقين بالرئاسة الدنيوية أيضا. قوله (أفضل مما أعطى سليمان (1) حيث فوض إليه أمر الدين المتعلق بالرئاسة الأخروية.


(1) قوله " أفضل مما أعطى سليمان " حاصل أحاديث هذا الباب والمعنى الذي يتفق عليه جميعها أن بعض الأحكام مفوض إلى الرسول (صلى الله عليه وآله) وبعضها موحى إليه من الله تعالى ويشكل بأن ما يفرضه الرسول (صلى الله عليه وآله) لا يمكن أن يكون إلا بأمر الله تعالى وهو * (لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) * والجواب أن جميعها وإن كانت من الله تعالى وبأمر الله لكن الفرق في الطريق الموصل فبعض الأحكام يوحى إليه قرآنا بوسيلة روح القدس وبعضها غير قرآن وبعضها إلهام وإلقاء في الروع وبعضها بعلمه (صلى الله عليه وآله) بالمصلحة الملزمة وليس هذا أمرا غريبا كما يتفق للعلماء وإنهم يستنبطون الحكم تارة من الكتاب الكريم وتارة من نص الرسول (صلى الله عليه وآله) وتارة من فحوى الخطاب كاستفادة حرمة ضرب الأبوين وشتمهما من قوله تعالى * (ولا تقل لهما أف) * وتارة يعرفون الحكم من العقل مجردا من النص المنقول كحرمة الغصب وقتل النفوس وليس معنى تفويض الله تعالى بعض أحكامه إلى رسوله أنه تعالى لا يعلم ولا يقصد ما يفعله الرسول ولا يجعل حكما ولا يريد شيئا إلا تبعا لإرادة الرسول (صلى الله عليه وآله) بل الأمر بالعكس لكن عرف (صلى الله عليه وآله) وجوب الركعتين الأوليين بنص جبرئيل في ليلة الإسراء ووجوب الركعات الأخر بإلهام وقوة قدسية من الله أيضا كما أن جميع ما نعرفه بعقلنا بل بحسنا إنما هو من جانب الله تعالى وإن لم يكن بوحي وإلهام بل بإعداد مقدمات وحصول معدات لا تنفك في سنته تعالى عن إفاضة العلم والإدراك ولما جرت عادة الناس بأن ينسبوا ما استفادوا من غير سبب وواسطة إلى نفس المسبب وما استفادوا بواسطة إلى الواسطة مع اعتقادهم بأنه من ذي الواسطة فيتبادر من قولهم: شربت = (*)

[ 60 ]

باب في أن الأئمة (عليهم السلام) بمن يشبهون ممن مضى، وكراهية القول فيهم بالنبوة 1 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان بن يحيى، عن حمران بن أعين قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): ما موضع العلماء ؟ قال: مثل ذي القرنين وصاحب سليمان وصاحب موسى (عليهم السلام). * الشرح: قوله (ما موضع العلماء) (1) عنوان الباب دل على أن المراد بالعلماء الأئمة (عليهم السلام) وحينئذ تشبيههم بمن ذكر يوجب النقص فيهم وانحطاط رتبتهم وكذا إن تركنا التشبيه وحكمنا بالتساوي وهو باطل لدلالة الروايات المتكثرة المعتبرة على أنهم أعلم وأفضل من جميع السابقين ومواضعهم أرفع من مواضعهم، ويمكن الدفع بأن وجه الشبه هو الوصية أو بأن العلم والقرب ورفعة المواضع والمقام هنا وإن كانت في المشبه أقوى وأكمل منها في المشبه به إلا أنها لما كان في المشبه به أشهر في الصدر الأول وكانت مسلمة الثبوت فيه وقع التشبيه من هذه الجهة، ويمكن حمل العلماء على علماء الرعية فيسلم عن هذه الشبهة إلا أنه بعيد في هذا المقام ومثل ما ذكرناه من السؤال والجواب يجري فيما روي من " أن علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل ".


= الماء من النهر إنهم شربوا منه بلا واسطة لا من الحياض والحباب والكوز التي في دارهم مع أنها من النهر أيضا جرى في هذه الأخبار على اصطلاحهم كما هو دأب الشرع في التكلم مع الناس بلسانهم فسمى ما أوحى إليه بلفظه من الله تعالى مثلا فرض الله وما ألهم به بقوته القدسية وعلمه بالمصلحة الملزمة مثلا فرض الرسول وإن كانت جميعا فرض الله تعالى ومذهبنا المتفق عليه بيننا أن الأنبياء لا يشرعون حكما باجتهادهم على ما صرح به علماؤنا في كتب التفسير والكلام فراجع ما قالوا في تفسير آية * (ففهمناها سليمان - الآية) * لكنه تعالى أدب رسوله فأحسن أدبه وجعل فيه الخلق العظيم وإذا حصلت فيه القوة القدسية استعد لقبول الإلهام والإلقاء في الروع وأمثالهما كما في هذه الأخبار، وبينه الشيخ الرئيس في الإشارات أحسن بيان. (ش) (1) قوله " ما موضع العلماء " مراد السائل بقرينة الجواب أن الأئمة (عليهم السلام) بمنزلة الأنبياء أو بمنزلة الرعية وآحاد الناس أو غير ذلك وما هي والجواب إنهم ليسوا بأنبياء بل عباد مكرمون مؤيدون بأرواح غيبية ولهم فضل على الرعية بقربهم وعناية خاصة من الله تعالى بهم كما كان صاحب سليمان وصاحب موسى وذو القرنين، ولا ينافي ذلك كونهم أفضل من الأنبياء مع عدم كونهم نبيا واستصعاب الشارح عجيب لأن تشبيه شئ بشئ، يقتضي الاشتراك في وجه الشبه لا في جميع الصفات، والمقصود هنا دفع وهم السائل وإن كل مقرب عند الله ليس نبيا وكل من ذكره الله بخير ليس ممن يوحى إليه وليس الأئمة (عليهم السلام) لعناية الله بهم أنبياء ووجه الشبه عدم نبوتهم كصاحب سليمان وذي القرنين. (ش) (*)

[ 61 ]

* الأصل: 2 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن الحسين بن أبي العلاء قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إنما الوقوف علينا في الحلال والحرام فأما النبوة فلا. * الشرح: قوله (إنما الوقوف علينا) أراد بالوقوف عليهم العكوف على سدتهم والرجوع إليهم والحصر بالنسبة إلى النبوة وإلا فهم المعادن لجميع العلوم والمعارف وقد أخبروا بكثير من الأسرار والغيوب التي يتوهم منها إنهم الأنبياء المخبرون عن الوحي، ولذلك نفى عنهم النبوة دفعا لهذا التوهم. * الأصل: 3 - محمد بن يحيى الأشعري، عن أحمد بن محمد، عن البرقي، عن النضر بن سويد، عن يحيى بن عمران الحلبي، عن أيوب بن الحر قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن الله عز ذكره ختم بنبيكم النبيين فلا نبي بعده أبدا، وختم بكتابكم الكتب فلا كتاب بعده أبدا وأنزل فيه تبيان كل شئ وخلقكم وخلق السماوات والأرض ونبأ ما قبلكم وفصل ما بينكم وخبر ما بعدكم وأمر الجنة والنار وما أنتم صائرون إليه. * الشرح: قوله (وخلقكم) عطف على التبيان أي فيه كيفية خلقكم وخلق السماوات والأرض، يظهر ذلك لمن تفكر فيه. قوله (ونبأ ما قبلكم) إلى زمان آدم بل إلى أول الإيجاد. قوله (وفصل ما بينكم) من الأحكام والقضايا بالقوانين الدينية والدنيوية. قوله (وخبر ما بعدكم) من الأمور الآتية إلى يوم القيامة. قوله (وما أنتم صائرون إليه) من الخيرات والشرور والأخلاق والأعمال والأحوال والبرزخ والمعاد. * الأصل: 4 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن حماد بن عيسى، عن الحسين بن المختار، عن الحارث بن المغيرة قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): إن عليا (عليه السلام) كان محدثا. فقلت: فنقول: نبي ؟ قال: فحرك بيده هكذا، ثم قال: أو كصاحب سليمان أو كصاحب موسى أو كذي القرنين أو ما بلغكم أنه (صلى الله عليه وآله) قال: وفيكم مثله.

[ 62 ]

* الشرح: قوله (إن عليا (عليه السلام) كان محدثا) قال أبو جعفر (عليه السلام) في رواية الأحول عنه " المحدث الذي يحدث فيسمع ولا يعاين ولا يرى في منامه " وفي رواية بريد عنه " المحدث الذي يسمع الصوت ولا يرى الصورة " يعني يكلمه الملك وفي رواية محمد بن مسلم المذكورة في الباب الآتي مثله. وقال البخاري المحدث هو الذي يجري الصواب على لسانه، وقال بعض علمائهم: المحدث هو الملهم بالصواب. وقال بعضهم: هو الذي يلقى في قلبه شئ من الملأ الأعلى. وقال بعضهم: هو الذي يحدث في ضميره بأمور صحيحة وهو نوع من الغيب فيظهر على نحو ما وقع له وهي كرامة من الله تعالى يكرم بها من يشاء من صالح عباده ومن هذا النوع الفراسة في قوله (صلى الله عليه وآله): " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله " وقال بعضهم: هو الذي من صفاء القلب فيتجلى فيه من اللوح المحفوظ عند المقابلة بينه وبين القلب، وقال بعضهم: هو الذي يخلق الله تعالى في قلبه الصافي الأمور الكائنة بواسطة الملك الموكل به وقد ينتهي الاستعداد إلى أن يسمع الصوت ويرى الملك. قوله (فنقول نبي) أي هو نبي ونقول على صيغة المتكلم مع الغير ويحتمل الخطاب. قوله (هكذا) يعني لا وعدم جواز هذا القول مع أنه نبي لغة لأنه مخبر عن الله تعالى ولو بواسطة ورفيع القدر لوقوع المنع منه شرعا ولاختصاص النبي شرعا بمن يرى الملك ويخبر عن الله تعالى بلا واسطة من البشر. قوله (أو كصاحب سليمان) عطف على محدثا والترديد على سبيل منع الخلو فيمكن الاجتماع كما مر في الحديث الأول وصحة التشبيه على نحو ما عرفت فيه أيضا. قوله (أوما بلغكم أنه) الاستفهام للتقرير وضمير مثله راجع إلى ذي القرنين وضمير أنه راجع إلى النبي (صلى الله عليه وآله) لكونه معلوما أو إلى علي لكونه مذكورا يدل على الأول ما روي عنه (صلى الله عليه وآله) قال: " إن عليا ذو قرني هذه الأمة " أي مثله فيها، ومثله في النهاية. وعلى الثاني ما ذكر صاحب الكشاف في تفسير قوله * (يسألونك عن ذي القرنين) * قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) حين سأله ابن الكواء: ما ذو القرنين أملك أم نبي ؟ فقال (عليه السلام): ليس بملك ولا نبي ولكن كان عبدا صالحا ضرب على قرنه الأيمن في طاعة الله فمات ثم بعثه الله فضرب على قرنه الأيسر فمات فبعثه الله فسمي ذا القرنين وفيكم مثله " أراد به نفسه. وما ذكره أيضا صاحب النهاية حيث قال: ومنه حديث علي وذكر قصة ذي القرنين ثم قال: وفيكم مثله، وإنما عنى نفسه لأنه ضرب على رأسه ضربتين إحداهما يوم الخندق والأخرى ضربة ابن ملجم وذو القرنين هو الإسكندر سمي به لأنه ملك الشرق والغرب وقيل: لأنه كان في رأسه شبه قرنين وقيل: رأى في النوم أنه أخذ بقرني الشمس. ومن العجائب ما رواه مسلم

[ 63 ]

بإسناده عن عائشة عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه كان يقول " قد كان يكون في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي منهم أحد فإن عمر بن الخطاب منهم " وأنت تعلم بالضرورة إن من كان عاكفا على عبادة الأصنام والزنا بالأحرار كما اعترف هو به في بعض المواضع لا يصلح أن يكون محدثا يتكلم الملائكة معه وإنما المحدث في هذه الأمة مثل علي بن أبي طالب (عليه السلام) وهم ظلموه ووضعوا حقه في غير موضعه. * الأصل: 5 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن بريد بن معاوية، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: ما منزلتكم ومن تشبهون ممن مضى ؟ قال: صاحب موسى وذو القرنين كانا عالمين ولم يكونا نبيين. * الشرح: قوله (قال صاحب موسى) هذا بحسب الظاهر إخبار عن حالهما وفي الواقع إخبار عن المشابهة بينهم وبينهما في العلم وعدم النبوة وهذه حجة على من قال بأن ذا القرنين كان نبيا. * الأصل: 6 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن البرقي، عن أبي طالب، عن سدير قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن قوما يزعمون أنكم آلهة، يتلون بذلك علينا قرآنا: * (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله) * فقال: يا سدير سمعي وبصري وبشري ولحمي ودمي وشعري من هؤلاء براء وبرئ الله منهم، ما هؤلاء على ديني ولا على دين آبائي والله لا يجمعني الله وإياهم يوم القيامة إلا وهو ساخط عليهم، قال: قلت: وعندنا قوم يزعمون أنكم رسل يقرؤون علينا بذلك قرآنا * (يا أيها الذين آمنوا كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم) * فقال: يا سدير سمعي وبصري وشعري وبشري ولحمي ودمي من هؤلاء براء وبرئ الله منهم ورسوله، ما هؤلاء على ديني ولا على دين آبائي والله لا يجمعني الله وإياهم يوم القيامة إلا وهو ساخط عليهم، قال: قلت: فما أنتم ؟ قال: نحن خزان علم الله، نحن تراجمة أمر الله، نحن قوم معصومون، أمر الله تبارك وتعالى بطاعتنا ونهى عن معصيتنا، نحن الحجة البالغة على من دون السماء وفوق الأرض. * الشرح: قوله (إن قوما يزعمون أنكم آلهة) هؤلاء لما رأوا منهم (عليهم السلام) أمورا غريبة بعيدة عن قدرة البشر بحسب العادة زعموا أنهم آلهة خلقوا أهل الأرض أو نسبوا إليهم الإحياء والإماتة والرزق واستدلوا على ذلك بقوله تعالى * (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله) * زعموا لسوء فهمهم وقلة

[ 64 ]

تدبرهم أن إله الأرض غير إله السماء وأن الآية مسوقة لإثبات تعدد الإله وهذا فاسد، إذ المقصود إثبات وحدة الإله. توضيح ذلك أن الظرف في الموضعين متعلق بإله لكونه بمعنى المعبود وإله خبر مبتدأ محذوف وهو ضمير الموصول والتقدير وهو الذي هو إله في السماء وإله في الأرض أي مستحق لأن يعبد فيهما، ففيه نفي تعدد الإله واختصاصه تعالى بالألوهية. قوله (فقال يا سدير سمعي وبصري) هذا أبلغ وأفيد من قوله أنا منهم برئ لما فيه من الإشارة إلى احتياجه في تحققه وكماله إلى هذه الأمور والمحتاج إلى شئ ليس بإله وأيضا كل واحد من هذه الأمور باعتبار ذاته وتركبه وحدوثه ومحله شاهد صدق على أن له إلها صانعا وعلى أن المفتقر إليه أولى بذلك، مع ما فيه من الإيماء إلى غاية التباغض والبراءة لأن في براءة السمع من سماع أحوالهم وبراءة البصر من رؤية أشخاصهم وبراءة سائر الأعضاء من مخالطتهم ومجالستهم دلالة على كمال العداوة بينه وبينهم فافهم. قوله (من هؤلاء براء) تقديم الظرف لقصد الحصر مبالغة لأن هؤلاء من حيث أنهم نفوا صفة كمالهم (عليهم السلام) وهي غاية العبودية كانوا في حد التفريط من حيث أنهم أثبتوا لهم مالا يليق بهم من صفة الإلوهية كانوا في حد الإفراط فهم كانوا أصحاب الرذيلتين بخلاف من سواهم من الملل الفاسدة فإنهم كانوا من أهل التفريط فقط فسبب البراءة من هؤلاء أشد وأقوى حتى كأنه تحقق فيهم لا في غيرهم فليتأمل. قوله (ما هؤلاء على ديني) لظهور أن دينه هو التوحيد المطلق ودين هؤلاء هو الشرك بالله. قوله (يقرؤون علينا بذلك قرآنا يا أيها الرسل) يعني يستدلون على أنكم رسل بهذه الآية ومناط استدلالهم بها على توهم أن المراد بالرسل محمد (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام)، وهذا التوهم فاسد لما ذكره المفسرون من أنه نداء وخطاب لجميع الأنبياء لا على أنهم خوطبوا بذلك دفعة لأنهم أرسلوا في أزمنة مختلفة بل على معنى أن كلا منهم خوطب به في زمانه، وفيه تنبيه على أن الأمر بأكل الطيبات لم يكن له خاصة، بل كان لجميع الأنبياء، وحجة على من رفض أكلها تقربا إلى الله تعالى، وقيل: النداء له (صلى الله عليه وآله) والجمع للتعظيم، وفي المغرب: الطيبات خلاف الخبائث في المعنيين يقال: شئ طيب أي طاهر نظيف أو مستلذ طعما وريحا وخبيث أي نجس أو كريه الطعم والرائحة، وفي النهاية: الطيب أكثر ما يرد بمعنى الحلال كما أن الخبيث كناية عن الحرام، وقد يرد الطيب بمعنى الطاهر. وقيل: الطيب المباح والحلال أخص من المباح لما ورد " أن الحلال قوت النبيين " بخلاف المباح فإنه قوت غيرهم. * الأصل:

[ 65 ]

7 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن عبد الله بن بحر، عن ابن مسكان، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: الأئمة بمنزلة رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا أنهم ليسوا بأنبياء ولا يحل لهم من النساء ما يحل للنبي (صلى الله عليه وآله) فأما ما خلا ذلك فهم فيه بمنزلة رسول الله (صلى الله عليه وآله). * الشرح: قوله (الأئمة بمنزلة رسول الله (صلى الله عليه وآله)) يعني في العلم والعمل والأخلاق ووجوب طاعة الخلق له. قوله (ولا يحل لهم من النساء ما يحل للنبي) فلا تحل لهم تسع نسوة ولا امرأة بمجرد الهبة.

[ 66 ]

باب أن الأئمة (عليهم السلام) محدثون مفهمون * الأصل: 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحجال، عن القاسم بن محمد، عن عبيد بن زرارة قال: أرسل أبو جعفر (عليه السلام) إلى زرارة أن يعلم الحكم بن عتيبة أن أوصياء محمد عليه وعليهم السلام محدثون. * الشرح: قوله (أن يعلم الحكم بن عتيبة) زيدي بتري مذموم روى الكشي في ذمه روايات كثيرة وكان من فقهاء العامة وفي بعض كتب الرجال أنه كان أستاد زرارة وحمران والطيار قبل أن يروا هذا الأمر. قوله (إن أوصياء محمد (صلى الله عليه وآله) محدثون) الغرض منه أن زيدا ليس بوصي لأنه ليس بمحدث. * الأصل: 2 - محمد، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن زياد بن سوقة، عن الحكم بن عتيبة قال: دخلت على علي بن الحسين (عليهما السلام) يوما فقال: يا حكم هل تدري الآية التي كان علي بن أبي طالب (عليه السلام) يعرف قاتله بها ويعرف بها الأمور العظام التي كان يحدث بها الناس ؟ قال الحكم: فقلت في نفسي: قد وقعت على علم من علم علي بن الحسين، أعلم بذلك تلك الأمور العظام، قال: فقلت: لا والله لا أعلم، قال: ثم قلت: الآية تخبرني بها يا ابن رسول الله ؟ قال: هو والله قول الله عز ذكره: * (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي (ولا محدث) * وكان علي بن أبي طالب (عليه السلام) محدثا فقال له رجل يقال له: عبد الله بن زيد، كان أخا علي لأمه: سبحان الله: محدثا ؟ ! كأنه ينكر ذلك، فأقبل علينا أبو جعفر (عليه السلام) فقال: أما والله إن ابن أمك بعد قد كان يعرف ذلك. قال: فلما قال ذلك سكت الرجل، فقال: هي التي هلك فيها أبو الخطاب فلم يدر ما تأويل المحدث والنبي. * الشرح: قوله (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي - ولا محدث -) دل على أن قوله ولا محدث كان من تتمة الآية وهم أسقطوها، وإطلاق الرسول على المحدث من باب التغليب أو على أن المراد بالرسول معناه لغة وكل من أرسله إلى أحد فهو رسول أو على أن رسول الرسول أيضا رسول مجازا كما في قوله تعالى * (إذ أرسلنا إليهم اثنين) * مع أن الاثنين لم يكونا رسولين لله تعالى بل لعيسى (عليه السلام).

[ 67 ]

قوله (كان أخا علي لأمه) قيل: كان أخا علي بن الحسين لأمه رضاعا، وقيل: كانت أمه جارية الحسين (عليه السلام)، وكانت مربية لعلي بن الحسين (عليهما السلام) وهو زوجها بعد مراجعته من كربلاء فولدت ابنا فكان بمنزلة أخيه من أمه مجازا. قوله (إن ابن أمك) أراد به أباه (عليه السلام). قوله (فقال هي التي هلك فيها أبو الخطاب) أي هذه القضية أو هذه الحكاية أو هذه المعرفة وفاعل قال أبو جعفر أو علي بن الحسين (عليهما السلام) وأبو الخطاب محمد بن مقلاص (1) لعنه الله. قوله (فلم يدر ما تأويل المحدث والنبي) فزعم أن المحدث نبي وقد مر تأويلهما مرارا. 3 - أحمد بن محمد، ومحمد بن يحيى، عن محمد بن الحسن، عن يعقوب بن يزيد، عن محمد بن إسماعيل قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: الأئمة علماء صادقون مفهمون محدثون. 4 - علي إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن رجل، عن محمد بن مسلم قال: ذكر المحدث عند أبي عبد الله (عليه السلام) فقال: إنه يسمع الصوت ولا يرى الشخص، فقلت له: جعلت فداك كيف يعلم أنه كلام الملك ؟ قال: إنه يعطى السكينة والوقار حتى يعلم أنه كلام ملك. * الأصل: 5 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن حماد بن عيسى عن الحسين بن المختار، عن الحارث بن المغيرة، عن حمران بن أعين قال: قال أبو جعفر (عليه السلام) إن عليا (عليه السلام) كان محدثا، فخرجت إلى أصحابي فقلت: جئتكم بعجيبة فقالوا: وما هي ؟ فقلت: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: كان علي (عليه السلام) محدثا، فقالوا: ما صنعت شيئا، ألا سألته من كان يحدثه، فرجعت إليه فقلت: إني حدثت أصحابي بما حدثتني فقالوا: ما صنعت شيئا ألا سألته من كان يحدثه ؟ فقال لي: يحدثه ملك، قلت: تقول: إنه نبي ؟ قال: فحرك يده - هكذا -: أو كصاحب سليمان، أو كصاحب موسى أو كذي القرنين أوما بلغكم أنه قال: وفيكم مثله. * الشرح: قوله (عن الحارث بن المغيرة عن حمران بن أعين) نقل الحارث في الرابع من الباب السابق مضمون هذا الحديث عن أبي جعفر (عليه السلام) بلا واسطة ولعله سمعه تارة بواسطة وتارة بلا واسطة.


(1) قوله " وأبو الخطاب محمد بن مقلاص " أبو الخطاب قتل في عصر الصادق (عليه السلام) في صدر دولة بني العباس سنة مائة وثمانية وثلاثين أو قبله بقليل وكان غاليا والحكم بن عتيبة مات سنة مائة وخمس عشرة ولم يدرك أبا الخطاب ولا قتله والحديث مع سلامة إسناده إلى الحكم مضطرب المتن جدا. وقال المجلسي (رحمه الله): اشتبه الأمر فيه على نساخ الحديث أو المصنف والله العالم. (ش) (*)

[ 68 ]

قوله (بعجيبة) أي بقصة عجيبة. قوله (فرجعت إليه) في بعض النسخ فرحت إليه بالحاء المهملة وفي بعضها فخرجت إليه بالخاء المعجمة والجيم. قوله (فقالوا ما صنعت شيئا) " ما " للنفي أو الاستفهام والتوبيخ.

[ 69 ]

باب فيه ذكر الأرواح التي في الأئمة (عليهم السلام) * الأصل: 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن حماد بن عيسى عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن جابر الجعفي قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): يا جابر إن الله تبارك وتعالى خلق الخلق ثلاثة أصناف وهو قول الله عزوجل: * (وكنتم أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة والسابقون السابقون أولئك المقربون) * فالسابقون هم رسل الله (عليهم السلام) وخاصة الله من خلقه، جعل فيهم خمسة أرواح أيدهم بروح القدس فبه عرفوا الأشياء، وأيدهم بروح الإيمان فبه خافوا الله عزوجل، وأيدهم بروح القوة فبه قدروا على طاعة الله، وأيدهم بروح الشهوة فبه اشتهوا طاعة الله عزوجل وكرهوا معصيته. وجعل فيهم روح المدرج الذي به يذهب الناس ويجيئون. وجعل في المؤمنين أصحاب الميمنة روح الإيمان، فبه خافوا الله، وجعل فيهم روح القوة فبه قدروا على طاعة الله، وجعل فيهم روح الشهوة فبه اشتهوا طاعة الله، وجعل فيهم روح المدرج الذي به يذهب الناس ويجيئون. * الشرح: قوله (وكنتم) أي وكنتم عند الحشر أصنافا ثلاثة لا أكثر ولا أقل كل صنف في مرتبة وإن كانت تحته مراتب متفاوتة. قوله (فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة) الاستفهام للتعجب من علو حالهم والتفخيم لرفعة شأنهم وهم الذين كانوا عند أخذ الميثاق من أصحاب اليمين أو الذين يؤتون صحائفهم بأيمانهم أو الذين يكونون على يمين العرش لأن الجنة على يمينه أو الذين يكونون من أهل اليمن والبركة وأصحاب المشئمة على خلاف ذلك كله. قوله (والسابقون السابقون) إلى المقامات العلية والمراتب السنية بالحكمة النظرية والعملية، وإلى الأصناف الثلاثة أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: " ساع سريع نجا وطالب بطئ رجا ومقصر في النار هوى " ووجه الحصر أن الناس إما طالبون له أو تاركون، والطالبون بالسرعة في غاية جدهم ونهاية سعيهم في العلم والعمل واصلون إليه أو بالبط ء والثاني سالكون لطريقه. فالقسم الأول هم الفائزون بقصب السبق، والقسم الثاني ذو جهتين تجذبه يد الرحمن إلى العلو ويد الشيطان إلى السفل والقوة للأولى إن شاء الله، والقسم الثالث معرض عن الرحمن تابع للشيطان يجذبه إلى

[ 70 ]

حيث أراد من موارد الهلاك ومنازل الشقاء. قوله (وخاصة الله من خلقه) هم الذين سبقوا في حيازة الفضل والكمالات وبلغوا أقصى المراتب في العمل والخيرات وأفضلهم علما وأكملهم عملا وأشرفهم أخلاقا علي بن أبي طالب (عليه السلام) باتفاق الأمة. قوله (جعل فيهم) أي جعل الله تعالى بالحكمة البالغة والمصلحة الكاملة في الرسل والخاصة خمسة أرواح لحفظهم من الخطأ والخلل وتكميلهم بالعلم والعمل ليكون قولهم صدقا وبرهانا والاقتداء بهم رشدا وإيقانا كيلا يكون لمن سواهم على الله حجة يوم القيامة، ولعل المراد بالأرواح هنا النفوس، قال الصدوق في كتاب الاعتقاد: " النفوس: الأرواح التي بها الحياة وهي الخلق الأول لقوله (صلى الله عليه وآله) " أول ما أبدع الله سبحانه النفوس المقدسة المطهرة فأنطقها بتوحيده ثم خلق سائر الخلق " وهي خلقت للبقاء لا للفناء لقوله: " ما خلقتم للفناء، بل خلقتم للبقاء وإنما تنقلون من دار إلى دار وأنها في الأرض غريبة وفي الأبدان مسجونة " وروى في كتاب العلل بإسناده عن عبد الله بن الفضل الهاشمي قال: " قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): لأي علة جعل الله عزوجل الأرواح في الأبدان بعد كونها في ملكوتها الأعلى في أرفع محل ؟ فقال (عليه السلام): " إن الله تبارك وتعالى علم أن الأرواح في شرفها وعلوها متى تركت على حالها نزع أكثرها إلى دعوى الربوبية دونه عزوجل - الحديث ". وقال الشيخ بهاء الملة والدين في الأربعين: المراد بالروح ما يشير إليه الإنسان بقوله: أنا، أعنى النفس الناطقة وهو المعني بالروح في القرآن والحديث، وقد تحير العقلاء في حقيقتها واعترف كثير منهم بالعجز عن معرفتها حتى قال بعض الأعلام: إن قول أمير المؤمنين (عليه السلام): " من عرف نفسه فقد عرف ربه " معناه أنه كما لا يمكن التوصل إلى معرفة النفس لا يمكن التوصل إلى معرفة الرب وقوله عز وعلا: * (يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) * مما يعضد ذلك والذي عليه المحققون أنها غير داخلة في البدن بالجزئية والحلول بل هي بريئة عن صفات الجسمية منزهة عن العوارض المادية متعلقة به تعلق التدبير والتصرف فقط، وهو مختار أعاظم الحكماء الإلهيين وأكابر الصوفية والإشراقيين وعليه استقر رأي أكثر متكلمي الإمامية كالشيخ المفيد وبني نوبخت والمحقق نصير الملة والدين والعلامة الحلي ومن الأشاعرة الراغب الأصفهاني وأبي حامد الغزالي والفخر الرازي وهو المذهب المنصور (1) الذي أشارت إليه الكتب


(1) قوله " وهو المذهب المنصور " بل غير هذا المذهب إما يرجع إلى الإلحاد والزندقة أو إلى الحشو والخرافة ومنكر التجرد إن قال بكون الروح جسما داخلا في البدن لزم منه أن لا يموت أحد أبدا بعدما مات بدنه بحيث = (*)

[ 71 ]

السماوية وانطوت عليه الأنباء النبوية وعضدته الدلائل العقلية وأيدته الأمارات الحسية والمكاشفات الذوقية. انتهى وقال عياض: روي عن علي (عليه السلام) أن الروح في الآية ملك من الملائكة، وقيل: هو القرآن وقيل هو جبرئيل، وقيل: خلق كخلق بني آدم إذا عرفت هذا فنرجع إلى المقصود فنقول والله أعلم: كما أن الروح يعني أن النفس الناطقة تسمى مطمئنة ولوامة وأمارة بالسوء باعتبارات مختلفة كذلك تسمى روح المدرج (1) باعتبار أنها مصدر للذهاب والمجئ وسبب للحركة في الحوائج، وروح الشهوة باعتبار أنها مع القوة الشهوية تشتهي طاعة الله تعالى والإتيان بالحلال من النساء وغير ذلك، وروح القدرة باعتبار أنها تقدر بسبب القدرة المعدة لها على الإتيان بما تشتهيه وروح الايمان باعتبار أن الايمان والعدل والخوف من الله


= لا يمكن أن يخرج منه شئ، وإن قال بكونه عرضا كسائر القوى الجسمانية الحالة في الأعضاء والجوارح كالبصر في الباصرة والسمع في الأذن والجاذبة في المعدة، فإذا مات الحيوان وتلاشى جوارحه وأعضاؤه فني ولم يبق منه شئ وهو مذهب الملاحدة والماديين وأصحاب الطبائع وليس المتدين الذي يفهم ما يقول ويتقيد بالاحتراز عن الجزاف إلا من يقول بتجرد الروح وإن لم يصرح به لعدم أنسه باصطلاح، ونعم ما قال البيضاوي في تفسير قوله تعالى: * (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات الآية) * في سورة البقرة قال: وفيها دلالة على أن الأرواح جواهر قائمة بأنفسها مغايرة لما يحس به من البدن، تبقى بعد الموت دراكة وعليه جمهور الصحابة والتابعين وبه نطقت الآيات والسنن انتهى. وقد سبق مفصلا، ومنكر التجرد في التوحيد أيضا إما ملحد أو مجسم. (ش) (1) قوله " كذلك تسمى روح المدرج " المذهب الصحيح أن النفس في وحدته كل القوى كما أشار إليه الشارح فالبصير هو الروح والسميع هو هو إلى غير ذلك ويسمى بكل اعتبار قوة ولا مشاحة في الاصطلاح فما سمي في هذا الحديث روحا سمي في اصطلاح المتأخرين قوة والحاكم المطلق في الكمل من المؤمنين ليس روح الشهوة أي القوة الشهوية ولا روح المدرج أي القوة المحركة، وغير ذلك بل جميع أرواحهم أي قواهم مسخرة لروح الإيمان والقوة والعاقلة ولذلك قال الإمام علي (عليه السلام) في روح القوة: " به قدروا على طاعة الله " وفي روح الشهوة: " فبه اشتهوا طاعة الله " وأما روح القدس التي اختص بها الأولياء والأنبياء فيسمى في اصطلاح المتأخرين القوة القدسية وبينها الشيخ في الاشارات بأبين وجه، وليس مراد الإمام ههنا جبرئيل ولا العقل الفعال إذ قال في الحديث الثالث: إذا قبض النبي (صلى الله عليه وآله) انتقل روح القدس فصار إلى الإمام وليس هذا صفة جبرئيل بل صفة قوة كانت خاصة بالنبي ثم بعده (صلى الله عليه وآله) اتصف بها الإمام بعده وأما روح الإيمان فهو القوة العاقلة باعتبار توجهه إلى عالم الغيب والإلهيات وعالم الآخرة لا باعتبار تصرفه في العلوم الكونية، ثم اعلم أن درجات أفراد الإنسان في الفضائل غير متناهية جدا وبحسبها يختلف درجاتهم في الآخرة إلا أنهم جميعا لا يخرجون عن ثلاثة أقسام: الأول السابقون الذين يليق بهم أعلى العوالم وأكمل درجات الآخرة، والثاني أصحاب الميمنة وهم السعداء غير البالغين إلى رتبة الأولين، والثالث أصحاب المشئمة فإن العوالم الكلية ثلاثة: المادي محضا، والمجرد محضا، والعالم المتوسط بينهما يناسب كل منها طائفة. (ش) (*)

[ 72 ]

تعالى يتحقق بها، وروح القدس باعتبار اتصافها بالقوة القدسية التي تتجلى فيها لوايح الغيب وأسرار الملكوت المختصة بالأنبياء والأوصياء وهم بسببها عرفوا الأشياء كلها كما هي وصاروا من أهل التعليم والإرشاد، ويؤيده ما ذكره بعض المحققين من أن الروح جود الله تعالى وفيضه الصادر منه، وإنما كان روحا لأنه مبدء كل فيض وراحة وحياة حقيقة فهو الروح التي بها قوام حقيقة النبوة وكل واحدة من هذه الأرواح فيهم على غاية الكمال والسداد، وأما الموجودة في أصحاب الميمنة وهي ما سوى الأخيرة فالغالب فيها السداد والاستقامة، والموجودة في أصحاب المشئمة وهي ما سوى الأخيرتين ولم يذكرها لكونها معلومة بقرينة المقام بالعكس ولكن لا ينفعهم الاستقامة اتفاقا في الآخرة. * الأصل: 2 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن موسى بن عمر، عن محمد بن سنان، عن عمار بن مروان، عن المنخل، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن علم العالم، فقال لي: يا جابر إن في الأنبياء والأوصياء خمسة أرواح: روح القدس وروح الإيمان وروح الحياة وروح القوة وروح الشهوة، فبروح القدس. يا جابر عرفوا ما تحت العرش إلى ما تحت الثرى، ثم قال: يا جابر ! إن هذه الأربعة أرواح يصبيها الحدثان إلا روح القدس فإنها لا تلهو ولا تلعب. * الشرح: قوله (وروح الحياة) وهي ما سماه أولا بروح المدرج، وحملها على الروح الحيوانية بعيد. قوله (عرفوا ما تحت العرش إلى ما تحت الثرى) أريد بالعرش هنا العرش الجسماني وهو الفلك الأعظم، والمراد أنهم عرفوا بروح القدس جميع الموجودات من المجردات والماديات، وكون تلك المعرفة بسببها لا ينافي أن يكون ذلك بتسديد الروح الذي معهم وهو الملك كما سيجئ لأن قبول التسديد حصل لهم بذلك. * الأصل: 3 - الحسين بن محمد، عن المعلى بن محمد، عن عبد الله بن إدريس، عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن علم الإمام بما في أقطار الأرض وهو في بيته مرخى عليه ستره، فقال: يا مفضل إن الله تبارك وتعالى جعل في النبي (صلى الله عليه وآله) خمسة أرواح: روح الحياة فبه دب ودرج، وروح القوة فبه نهض وجاهد، وروح الشهوة فبه أكل وشرب وأتى النساء من الحلال، وروح الإيمان فبه آمن وعدل، وروح القدس فبه حمل النبوة، فإذا قبض النبي (صلى الله عليه وآله) انتقل روح القدس فصار إلى الإمام، وروح القدس لا ينام ولا يغفل ولا يلهو ولا يزهو، والأربعة

[ 73 ]

الأرواح تنام وتغفل وتزهو وتلهو، وروح القدس كان يرى به. * الشرح: قوله (وروح الشهوة فبه أكل وشرب وأتى النساء من الحلال) هذا لا ينافي ما مر من أنهم بروح الشهوة اشتهوا طاعة الله تعالى لأن هذا من أفراده، وقوله: من الحلال متعلق بالأفعال الثلاثة على التنازع أو على الأخير على الاحتمال. قوله (وروح الإيمان فبه آمن وعدل) هذا لا ينافي ما سبق من أنهم بروح الإيمان خافوا الله تعالى لأن الخوف من لوازم الإيمان والعدل إذ بهما يتقرب العبد إلى الله تعالى والتقرب سبب للخوف وإنما يخافه المتقربون أو بالعكس لأن الإيمان والعدل من لوازم الخوف وبالجملة بينهما تلازم وتعاكس في السببية إلى أن يبلغا ما شاء الله. قوله (وروح القدس فبه حمل النبوة) وأثقالها ولوازمها من الوحي والتعليم والحكمة النظرية والعملية على وجه الكمال. قوله (انتقل روح القدس فصار إلى الإمام) فبه حمل الإمام الإمامة والخلافة المطلقة والعلم والتعليم دون النبوة، والمراد بانتقالها انتقال مثلها لا نفسها إلا أن تحمل على الملك وهو بعيد هنا. قوله (لا ينام ولا يغفل) أما من غفلت عن الشئ تغفل غفولا إذا لم يكن متذكرا له أو من أغفلته إذا تركته على ذكر منك وتغافلت عنه، والأول ينفي النوم والغفلة الناشئة منه كما قال (صلى الله عليه وآله) " تنام عيني ولا ينام قلبي " والثاني ينفي الغفلة مطلقا. قوله (ولا يلهو ولا يزهو) اللهو واللعب والغفلة بالشئ عن غيره والزهو جاء بمعنى الاستخفاف والتهاون والحرز والتخمين والكبر والفخر والكذب والباطل والكل هنا مناسب. قوله (وروح القدس كان يرى به) رؤية قلبية شبيهة برؤية عينية في الوضوح بل أكمل منها ولذلك لا تحجب منها الحجب والأستار.

[ 74 ]

باب الروح التي يسدد الله بها الأئمة (عليهم السلام) * الأصل: 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن أبي الصباح الكناني، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله تبارك وتعالى: * (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان) * قال: خلق من خلق الله عزوجل أعظم من جبرئيل وميكائيل، كان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يخبره ويسدده، وهو مع الأئمة من بعده. * الشرح: قوله (وكذلك أوحينا إليك) أي أرسلنا وألقينا إليك روحا. قال بعض المفسرين: المراد بالروح هنا القرآن لأن به حياة القلوب الميتة بالجهل وحياة الدين كما أن بالروح حياة الأبدان، وقال بعضهم: المراد به جبرئيل (عليه السلام) وهذا الحديث دل على أن المراد به غيرهما. قوله (من أمرنا) أي بأمرنا ومن أجله، ويحتمل أن يكون صفة ل‍ " روحا " أو حالا عنه. يعني أنه من عظم الأمر وهو عالم المجردات (1) لا من عالم الخلق وهو عالم الجسمانيات، وقيل: يرشد إليهما قوله تعالى: * (ألا له الخلق والأمر) *. قوله (ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان) أي ما كنت تعلم قبل إنزال الروح (2) ما الكتاب


(1) قوله " من عالم الأمر وهو عالم المجردات " وإنما يسمى عالم المجردات عالم الأمر مع أن الجسمانيات أيضا بأمر الله تعالى لأن حدوث الجسمانيات إنما هو بعد استعداد المواد بأسباب معدة يظن أنها علل وجودها كالحرارة لذوبان الجسم وتبخير الماء ونزول المطر لبرودة تعرض في البخار ونور الشمس لنمو النبات فينسب في الظاهر إلى تلك الأسباب المعدة وأما عالم المجردات فليس ما فيه لسبب ظاهر يعدله فينسب إلى أمر الله محضا والروح من أمر الرب إذ ليس له سبب جسماني ظاهر، وإلا فالحقيقة أن كل شئ بأمر الله تعالى وكذلك وحي ا لأنبياء ليس له سبب ظاهر كتعلم وقراءة وإسناد وكتابة من الأسباب الظاهرة فهو من أمر الله تعالى. وقد يستشكل في نسبة الوحي إلى الروح لأن الوحي ينسب إلى المعاني والعلوم لا إلى الجواهر والموجودات المستقلة والمناسب فيها الإرسال ولا يقال: أوحى جبرئيل أو الملائكة إلى الأنبياء بل أرسلهم والجواب ان الروح بناء على كونه خلقا من خلق الله وإن كان جوهرا مستقلا تناسبه كلمة الإرسال لكن باعتبار كونه مع النبي (صلى الله عليه وآله) ومبدء علمه وسبب عصمته عن الخطأ فيما يرد في قلبه صح اطلاق الوحي عليه. (ش) (2) قوله " قبل إنزال الروح " لا قبلية زمانية بل ذاتية إذ لم يكن زمان كان فيه نبينا جاهلا بالكتاب وغير عارف بالله = (*)

[ 75 ]

وأي شئ هو ولا التصديق بالشرائع وأحكامها ودعوة الخلق إليها وإن كنت تعلم أصول الإيمان بطريق عقلي، والمقصود أن علمك بذلك من فيض الله وجوده بإنزال الروح إليك. قوله (خلق من خلق الله) هذا الخلق ليس من الملائكة لما سيصرح به ولأنه أعظم من جبرئيل (عليه السلام) وميكائيل بحسب الرتبة والعلم، ولم يثبت أن أحدا من الملائكة أعظم منهما ولأن الملائكة لم يعلموا جميع الأشياء كما اعترفوا به حيث قالوا: لا علم لنا إلا ما علمتنا، وهذا الخلق عالم بجميعها فيحتمل أن يكون نورا إلهيا صرفا مجردا عن العلائق، عارفا بالله وصفاته ومعلولاته إلى آخرها، متعلقا بالنفوس البشرية إذا صفت وتخلصت عن الكدورات كلها واتصفت بالقوة القدسية المذكورة تعلقا تاما يوجب إشراقها وانطباع ما فيه من العلوم الكلية والجزئية فيها، والمراد بإنزاله إليه وهو هذا التعلق وبتسديده هو هذا الإشراق والله أعلم بحقيقة الحال وأنا أستغفر الله مما أقول. * الأصل: 2 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن علي بن أسباط، عن أسباط بن سالم قال: سأله رجل من أهل هيت - وأنا حاضر - عن قول الله عزوجل * (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا) * فقال: منذ أنزل الله عزوجل ذلك الروح على محمد (صلى الله عليه وآله) ما صعد إلى السماء وإنه لفينا. * الشرح: قوله (وإنه لفينا) إلى قيام القائم (عليه السلام) ثم إذا ارتحل القائم من الدنيا صعد إلى السماء. * الأصل: 3 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن ابن مسكان، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: * (يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي) * قال: خلق أعظم من جبرئيل وميكائيل، كان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو مع الأئمة وهو من الملكوت.


= وكان نبيا وآدم بين الماء والطين كما ورد في الحديث، ولكن لما كان علمه وإيمانه مأخوذا من الباري تعالى عز اسمه ولم يكن هو بنفسه واجب الوجود بالذات حتى يكون عالما عارفا بذاته كان عدمه الذاتي قبل وجوده الغيري وكان علمه وإيمانه وكماله أيضا حادثا معلولا مأخوذا من الله تعالى بحيث لو لم يكن وحي وتعليم من الله تعالى لم يكن يعرف ما الكتاب ولا الإيمان. وقال بعض الشعراء " يا رب لولا أنت ما اهتدينا " وليس معناه ان الله تعالى لم يكن في زمان بل غرضه توقف الاهتداء على وجوده تعالى وفي قصة يوسف * (وهم بها لولا أن رأى برهان ربه) * وليس معناه أنه لم يكن برهان من ربه في زمان فهم بالزنا، ثم حصل البرهان فكف بل كان البرهان معه دائما فلم يهم بالمعصية، ومثله: لو لم يكن شمس لم يكن نهار، وهكذا هنا لو لم يوح إلى النبي (صلى الله عليه وآله) روح من أمر ربه لم يكن له إيمان وعلم، ومثله كثير في اللغة والعرف. (ش) (*)

[ 76 ]

* الشرح: قوله (وهو من الملكوت) أي الملكوت الأعلى وهو عالم المجردات الصرفة. * الأصل: 4 - علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيوب الخزاز، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: * (يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي) * قال: خلق أعظم من جبرئيل وميكائيل، لم يكن مع أحد ممن مضى غير محمد (صلى الله عليه وآله) وهو مع الأئمة يسددهم وليس كل ما طلب وجد. * الشرح: قوله (لم يكن مع أحد ممن مضى غير محمد (صلى الله عليه وآله)) لأن كل من كان معه هذا الخلق كان عالما بجميع الأشياء ولم يكن غير محمد (صلى الله عليه وآله) من الأنبياء السابقين عالما بجميعها. قوله (وليس كل ما طلب وجد) كأنه قيل: كون هذا الخلق مع أحد أمر عظيم يوجب رفعة محله ونظر جميع الأنبياء في عروجه إلى المقامات العالية فلم لم يكن معهم ؟ فأجاب بأنه ليس كل ما طلب وجد، لأن وجوده مشروط بشروط وهو بلوغ الطالب غاية الكمالات البشرية التي لا غاية فوقها والبالغ إليها هو محمد (صلى الله عليه وآله) وأوصياؤه الطاهرون (عليهم السلام) ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. * الأصل: 5 - محمد بن يحيى، عن عمران بن موسى، عن موسى بن جعفر، عن علي بن أسباط، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن العلم أهو علم يتعلمه العالم من أفواه الرجال أم في الكتاب عندكم تقرؤونه فتعلمون منه ؟ قال: الأمر أعظم من ذلك وأوجب، أما سمعت قول الله عزوجل: * (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان) * ثم قال: أي شئ يقول أصحابكم في هذه الآية أيقرون أنه كان في حال لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان ؟ فقلت: لا أدري - جعلت فداك - ما يقولون، فقال [ لي ]: بلى قد كان في حال لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان حتى بعث الله تعالى الروح التي ذكر في الكتاب، فلما أوحاها إليه علم بها العلم والفهم وهي الروح التي يعطيها الله تعالى من شاء، فإذا أعطاها عبدا علمه الفهم. * الشرح: قوله (عن أبي حمزة) اسمه ثابت بن دينار روى عن علي بن الحسين وأبي جعفر وأبي عبد الله

[ 77 ]

وأبي الحسن موسى بن جعفر (عليهم السلام) ومات في عصره سنة خمسين ومائة وكان من أخيار أصحابنا وثقاتهم ومعتمديهم في الرواية والحديث، وروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: " أبو حمزة في زمانه مثل سلمان في زمانه " وعن الرضا (عليه السلام) أنه يقول: " أبو حمزة الثمالي في زمانه كلقمان في زمانه " وفي بعض النسخ سلمان بدل لقمان. قوله (عن العلم) أي عن علم العالم فاللام عوض عن المضاف إليه. قوله (أهو علم يتعلمه العالم من أفواه الرجال) في بعض النسخ: هو شئ يتعلمه الرجل من أفواه العالم والمراد بالعالم الجنس الشامل الكثير بقرينة الأفواه. قوله (تقرؤونه فتعلمونه) في بعض النسخ: فتتعلمونه بالتائين والواحدة أولى وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب للتعيين والتصريح بالمطلوب. قوله (قال الأمر أعظم من ذلك وأوجب) أي أمر علمنا أعظم وأوجب يعني ألزم وأتم وأحق من أن يكون مأخوذا من أفواه الرجال أو مستخرجا من الكتاب بل هو من الروح الذي معنا، ولعل المراد بالعلم الذي وقع السؤال عنه جميعه على الإيجاب الكلي أو العلم بما يصير محتوما وإلا فكون بعض علومهم مأخوذا على الوجه المذكور مثل العلم بالأحكام الشرعية والمحتومات ظاهر لحصوله باخبار النبي (صلى الله عليه وآله) وبكتاب علي (عليه السلام) كما دلت عليه الروايات منها ما مر من " أن علومهم على ثلاثة وجوه: ماض وغابر وحادث. فأما الماضي فمفسر، وأما الغابر فمزبور، وأما الحادث فقذف في القلوب ونقر في الأسماع " وقد مر شرحه. قوله (أي شئ يقول أصحابكم) (1) خطاب الجمع لأبي حمزة من باب التعظيم أوله ولسائر


(1) " أي شئ يقول أصحابكم " ما ورد في أحاديث هذا الباب بحث فلسفي صرف زائد عن فكر المتكلمين والظاهريين ولم يعهد من علماء سائر فرق المسلمين في عصر الأئمة (عليهم السلام) البحث عن القوى النفسانية التي يتفاضل الناس فيها فضلا عن القوة القدسية وروح الولاية المختصة بأولياء الله تعالى وكان علماء العامة يظنون افراد الإنسان سواء النبي (صلى الله عليه وآله) والأوصياء وسائر الناس في طبقة واحدة لا يعلمون شيئا إلا بالسماع والنقل والحفظ والقراءة في الكتب ولم يكونوا يتعقلون إفاضة روح ومبدء قوة من الله تعالى على أوليائه بها يعرفون ما يجب من غير سماع تفاصيل الأمور واحدا بعد واحد كما تعقله الحكماء وبينوه في كتبهم في علم النفس، فمراد الإمام (عليه السلام) من قوله: أصحابكم هو عامة الناس من مجالسيه ومخالطيه سواء كانوا من المخالفين أو من عوام الشيعة غير العارفين بأحاديث الأئمة (عليهم السلام) وللعاقل المنصف أن يجعل نفس هذه الأحاديث دليلا على إمامة الأئمة (عليهم السلام) وكونهم مؤيدين بروح القدس الذي ذكره في هذه الأحاديث ولولا ذلك كانوا يعتقدون اعتقاد سائر علماء العامة ولم يعرفوا أسرار النفوس ودرجاتها في الفضائل ومراتب ارتقائها إلى قرب رب العالمين كما لم يكن يعرف ذلك سائر منتحلي العلم. (ش) (*)

[ 78 ]

مشاركيه في التشيع على سبيل التغليب. قوله (بلى قد كان) بلى من حروف التصديق وهو إيجاب لما بعد النفي كما إذا قيل: لم يقم زيد ؟ فقلت: بلى، كان المعنى قد قام. * الأصل: 6 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن علي بن أسباط، عن الحسين بن أبي العلاء، عن سعد الإسكاف قال: أتى رجل أمير المؤمنين (عليه السلام) يسأله عن الروح، أليس هو جبرئيل ؟ فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): جبرئيل (عليه السلام) من الملائكة والروح غير جبرئيل، فكرر ذلك على الرجل. فقال له: لقد قلت عظيما من القول، ما أحد يزعم أن الروح غير جبرئيل، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): إنك ضال تروي عن أهل الضلال، يقول الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله) * (أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون ينزل الملائكة بالروح) * والروح غير الملائكة صلوات الله عليهم. * الشرح: قوله (يسأله عن الروح أليس هو جبرئيل) لعل السؤال عن الروح في قوله تعالى: * (وكذلك أوحينا إليك روحا - الآية) * والاستفهام للتقرير لاعتقاد السائل أن الروح ليس إلا جبرئيل (عليه السلام) وقد بلغه تفسير هذا الروح بغيره فجاء سائلا مستنكرا فأجاب (عليه السلام) بأن هذا الروح غير ملك وجبرئيل ملك فهذا الروح غير جبرئيل فعلى هذا لا يرد أن إطلاق الروح على جبرئيل (عليه السلام) صحيح شائع فكيف ينفيه (عليه السلام) وأن المستفهم عن الشئ غير عالم به فكيف يتصور منه الرد والمخالفة بعد البيان. قوله (ما أحد يزعم أن الروح غير جبرئيل) (1) يعني اتفقوا على أن الروح ليس إلا جبرئيل، أقول: ما ادعاه هذا السائل دل على كمال جهله فإن أهل العلم اختلفوا في تفسيره قديما وقالوا أقوالا مختلفة متكثرة فقيل: إنه القرآن، وقيل: إنه الحياة الباقية، وقيل: إنه جبرئيل، وقيل: إنه ملك غيره، وقيل: إنه خلق كخلق بني آدم، وقيل غير ذلك.


(1) قوله " إن الروح غير جبرئيل " زعمهم مبني على ما ذكرنا من أن سائر علماء العامة لم يكن لهم معرفة بمراتب النفوس الإنسانية وقواها وتفاضلها في الدرجة بما يمنحها الله تعالى من الأرواح والقوى والروح هنا خلق آخر معه قوة قدسية أفاضها الله تعالى على أوليائه وجعلها معهم وهي مبدء استكشاف العلوم حتى لا يحتاجوا إلى السماع من الشيوخ والقراءة من الكتب وأما جبرئيل فملك يطلق عليه الروح أيضا ولكن ليس ا لمراد من الروح في كل موضع هو جبرئيل ولا ينافي نزول جبرئيل على الأنبياء كونهم مؤيدين بقوة قدسية تطلق عليها الروح أيضا كما يطلق على جبرئيل بل لو لم يكن الأنبياء مؤيدين بتلك القوة القدسية لم يكونوا يرون جبرئيل كما لم يكن يراه سائر الناس. (ش) (*)

[ 79 ]

قوله (تروي عن أهل الضلال) هم الذين يقولون أن الروح ليس إلا جبرئيل (عليه السلام) وإنه لا ينزل على أحد بعد محمد (صلى الله عليه وآله) ولا مستند لهذين القولين، والأول مخالف لروايات الخاصة والعامة وأقوال أكثر علمائهم، والثاني مخالف لما في طريق الخاصة أن جبرئيل (عليه السلام) كان يأتي فاطمة بعد أبيها (عليهما السلام) ويكلمها إلا أنها لا تراه، ومما يدل على فساد الثاني ما ذكره الآبي وهو من أعاظم علماء العامة في كتاب إكمال الإكمال أن رجلا عابدا كان في مسجد أندلس وكان يسمع صوت الملائكة ويعلم نزولهم فإذا جاز ذلك عندهم في واحد من الأمة فلم لم يجز نزول الملائكة وجبرئيل على أهل بيت نبينا صلوات الله عليهم. قوله (أتى أمر الله) قال المفسرون: لما أوعدهم النبي (صلى الله عليه وآله) بإهلاكهم كما فعل يوم بدر أو بقيام الساعة استعملوا ذلك استهزاء وتكذيبا وقالوا: إن صح ذلك يخلصنا أصنامنا عنه، فرد عليهم جل شأنه بقوله * (أتى أمر الله) *، أي أمره بالهلاك أو قيام الساعة، وعبر عنه بالماضي للدلالة على تحقق وقوعه (فلا تستعجلوه) لأنه لاحق بكم ولا مرد له (سبحانه وتعالى عما يشركون) نزهه عن أن يكون له شريك يدفع عنهم ما أراد بهم بنزول الملائكة بالروح أي مصاحبين معه. قوله (والروح غير الملائكة) وهو ظاهر فاندفع بذلك ما توهمه السائل من أن الروح ليس غير جبرئيل (عليه السلام) وفي بعض النسخ " فالروح غير الملائكة " بالفاء وهو الأظهر.

[ 80 ]

باب وقت ما يعلم الإمام جميع علم الإمام الذي كان قبله عليهم جميعا السلام * الأصل: 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن علي بن أسباط عن الحكم بن مسكين، عن بعض أصحابنا قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): متى يعرف الأخير ما عند الأول ؟ قال: في آخر دقيقة تبقى من روحه. * الشرح: قوله (في آخر دقيقة تبقى من روحه) (1) لما جرت حكمة الله تعالى أن لا يجتمع إمامان في عصر واحد، وأن لا يخلو العصر عن إمام كان لا محالة وقت انتقال الإمامة وما مع الإمام الأول من العلم الكامل الذي اختص به آخر دقيقة تبقى من روحه وإن كان أحدهما في شرق الأرض والآخر في غربها فإن الله تعالى يحضره في ذلك الوقت، يدل على ذلك ما رواه الصدوق في كتاب عيون أخبار الرضا (عليه السلام) بإسناده عن أبي الصلت الهروي قال: خرج يعني الرضا (عليه السلام) من عند المأمون بعدما سم بالعنب مغطى الرأس فلم أكلمه حتى دخل الدار فأمر أن يغلق الباب، فغلق ثم نام (عليه السلام) على فراشه ومكثت واقفا في صحن الدار مهموما محزونا فبينا أنا كذلك إذ دخل علي شاب حسن الوجه قطط الشعر أشبه الناس بالرضا (عليه السلام) فبادرت إليه فقلت له: من أين دخلت والباب مغلق ؟ فقال: الذي جاء بي من المدينة في هذا الوقت هو الذي أدخلني الدار والباب مغلق، فقلت له: ومن


(1) قوله " آخر دقيقة تبقى من روحه " الإمامة ربط مع الله تعالى وارتباط مع الناس ولا يمتنع في زمان واحد أن يرتبط اثنان مع الله تعالى برابطة الولاية ويكون لأحدهما ما يكون للآخر كالحسن والحسين (عليهما السلام) وأما الربط مع الناس فأحدهما صامت لا يتصدى لمناصب الإمامة الظاهرية مع الآخر وإنما يحق له التصدي لها في آخر دقيقة من حياة الأول كما يستفاد من الحديث السادس في هذا الباب وقد ورد أيضا " أنه لا يكون في عصر واحد إمامان إلا وأحدهما صامت " وأما ما يستفاد من انتقال العلم إلى الثاني عند موت الإمام الأول فلعله وهم من الراوي أوله معنى لا نعلمه، وأما رواية أبي الصلت الهروي ففيه إعضال من جهة أخرى وهو أن الإمامة ليست جسما في صورة الزبد ولا طيرا شبيها بالعصفور حتى يخرج من بدن الرضا (عليه السلام) ويدخل في بطن أبي جعفر (عليه السلام) بل هي كمال روحاني كما سبق في الأحاديث المثبتة للأرواح التي مع الأئمة (عليهم السلام) فينبغي على فرض صحة رواية أبي الصلت تفويض علم ذلك إليهم والتوقف فيه أو حمله على تمثل المعاني وتجسمها المثالي. (ش) (*)

[ 81 ]

أنت ؟ فقال لي: أنا حجة الله عليك يا أبا الصلت، أنا محمد بن علي، ثم مضى نحو أبيه (عليهما السلام) فدخل وأمرني بالدخول معه فلما نظر إليه الرضا (عليه السلام) وثب إليه فعانقه وضمه إلى صدره وقبل ما بين عينيه. ثم سحبه سحبا إلى فراشه وأكب عليه محمد بن علي عليهما السلام والصلاة يقبله ويساره بشئ لم أفهمه، ورأيت على شفتي الرضا (عليه السلام) زبدا أشد بياضا من الثلج ورأيت أبا جعفر (عليه السلام) يلحسه بلسانه ثم أدخل يده بين ثوبيه وصدره فاستخرج منه شيئا شبيها بالعصفور فابتلعه أبو جعفر (عليه السلام) ومضى الرضا (عليه السلام) - الحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة. 2 - محمد، عن محمد بن الحسين، عن علي بن أسباط، عن الحكم بن مسكين، عن عبيد ابن زرارة وجماعة معه قالوا: سمعنا أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: يعرف الذي بعد الإمام علم من كان قبله في آخر دقيقة تبقى من روحه. 3 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن يعقوب بن يزيد، عن علي بن أسباط عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له، الإمام متى يعرف إمامته وينتهي الأمر إليه ؟ قال: في آخر دقيقة من حياة الأول.

[ 82 ]

باب في أن الأئمة صلوات الله عليهم في العلم والشجاعة والطاعة سواء * الأصل: 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن أبي زاهر، عن الخشاب، عن علي بن حسان، عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال [ الله تعالى ] * (الذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بايمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شئ) * قال: " الذين آمنوا " النبي (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) وذريته الأئمة والأوصياء صلوات الله عليهم، ألحقنا بهم ولم ننقص ذريتهم الحجة التي جاء بها محمد (صلى الله عليه وآله) في علي (عليه السلام) وحجتهم واحدة، وطاعتهم واحدة. * الشرح: قوله (قال قال الذين آمنوا) فاعل الفعل الأول ضمير عبد الرحمن بن كثير وفاعل الفعل الثاني ضمير أبي عبد الله (عليه السلام) والفعل الثاني بمعنى قرأ. قوله (واتبعتهم ذريتهم بإيمان) ذرية الرجل أولاده ويكون واحدا وجمعا ومنه * (هب لي من لدنك ذرية طيبة) * وقرئ أيضا " ذرياتهم " على صيغة الجمع و " اتبعناهم " على صيغة المتكلم مع الغير، أي جعلنا ذريتهم تابعين لهم في الإيمان، وقيل: بإيمان حال عن الضمير أو عن الذرية أو عنهما وتنكيره للتعظيم. قوله (ألحقنا بهم ذرياتهم) أي في الرتبة والدرجة وهو خبر قوله * (الذين آمنوا) * وقرئ أيضا ذريتهم بدون الألف. قوله (وما ألتناهم) أي ما نقصناهم، من ألته يلته إذا نقصه. قوله (وذريته الأئمة) أي ذريته التابعون لهم في الإيمان الكامل الأوصياء والأئمة صلوات الله عليهم ألحقناهم بهم في وجوب الطاعة والانقياد والتسليم لهم أو في الحجة والطاعة. قوله (ولم ننقص ذريتهم الحجة) تفسير لقوله تعالى: * (وما ألتناهم من عملهم من شئ) * وفيه إشارة إلى أن ضمير الجمع في علمهم راجع إلى " الذين آمنوا " وفي ألتناهم إلى الذرية وإلى أن العمل عبارة عن الحجة والطاعة يعني أن حجتهم وطاعتهم مثل حجة الذين آمنوا وطاعتهم من غير نقص كما أشار إليه (عليه السلام) بقوله وحجتهم واحدة وطاعتهم واحدة أي سواء. * الأصل: 2 - علي بن محمد بن عبد الله، عن أبيه، عن محمد بن عيسى، عن داود النهدي، عن علي ابن

[ 83 ]

جعفر، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: قال لي: نحن في العلم والشجاعة سواء وفي العطايا على قدر ما نؤمر. * الشرح: قوله (نحن في العلم والشجاعة سواء) ا لعلم كيفية نفسانية تابعة للاستقامة في القوة العاقلة والنفس الناطقة، والشجاعة كيفية نفسانية تابعة للاستقامة في القوة الغضبية وإذا تحققت هاتان الكيفيتان تحققت العفة التابعة للاستقامة في القوة الشهوية أيضا، وكمال هذه الكيفيات لا يكون إلا في إنسان كامل بالفعل من جميع الوجوه وهو النبي والوصي، فالمراد بالعلم والشجاعة هنا ما بلغ حد الكمال. قوله (وفي العطايا على قدر ما نؤمر) الظاهر من العطاء صرف المال في وجوه الخير فرضا كان أو نفلا، ويحتمل أن يراد به صرف النعم الظاهرة والباطنة فيشتمل عطاء العلم وتعليمه أيضا لحصول التفاوت فيه بحسب الأزمنة والأمكنة واختلاف أحوال الناس في الرد والقبول وغير ذلك. * الأصل: 3 - أحمد بن محمد، عن محمد بن الحسن، عن علي بن إسماعيل، عن صفوان بن يحيى، عن ابن مسكان، عن الحارث بن المغيرة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): نحن في الأمر والفهم والحلال والحرام نجري مجرى واحدا، فأما رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) فلهما فضلهما. * الشرح: قوله (نحن في الأمر والفهم) لعل المراد نحن الأئمة (عليهم السلام) ويحتمل شموله لرسول الله (صلى الله عليه وآله) أيضا وبالأمر أمر الخلافة والإمامة والطاعة، وبالفهم جودة الذهن المعدة للنفوس المقدسة وهي القوة القدسية، وبالحلال والحرام العلم بجميع الشرائع والأحكام. قوله (فأما رسول الله) الظاهر أنه من كلام أبي عبد الله (عليه السلام) ويحتمل أن يكون من كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله) احتمالا بعيدا. قوله (فلهما فضلهما) بالأبوة فإن الأب والابن وإن تساويا في جميع الكمالات كان الفضل للأب أو بالتعليم فإن المعلم والمتعلم مع تساويهما في العلم والعمل كان الفضل للمعلم.

[ 84 ]

باب أن الإمام (عليه السلام) يعرف الإمام الذي يكون من بعده وأن قول الله تعالى * (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات) * إلى أهلها، فيهم (عليهم السلام) نزلت * الأصل: 1 - الحسن بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن أحمد بن عائذ عن ابن اذينة، عن بريد العجلي قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عزوجل: * (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) * قال: إيانا عنى، أن يؤدي الأول إلى الإمام الذي بعده الكتب والعلم والسلاح، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل الذي في أيديكم، ثم قال للناس: * (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) * إيانا عنى خاصة، أمر جميع المؤمنين إلى يوم القيامة بطاعتنا، فإن خفتم تنازعا في أمر فردوه إلى الله وإلى الرسول وإلى أولي الأمر منكم كذا نزلت، وكيف يأمرهم الله عزوجل بطاعة ولاة الأمر ويرخص في منازعتهم ؟ ! إنما قيل ذلك للمأمورين الذين قيل لهم: * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) *. * الشرح: قوله (الكتب والعلم والسلاح) أريد بالكتب الكتاب الذي جمعه علي بن أبي طالب (عليه السلام) والجفر الأبيض الذي فيه زبور داود وتوراة موسى وإنجيل عيسى وصحف إبراهيم ومصحف فاطمة (عليها السلام) الذي كتبه علي (عليه السلام) عند نزول جبرئيل إليها وإخباره بما يكون إلى يوم القيامة، وفيه جميع ما يحتاج إليه الناس، والجامعة وهي صحيفة كتبها علي (عليه السلام) بخطه من إملاء الرسول (صلى الله عليه والجفر وهو مشتمل على علم النبيين والوصيين وعلم العلماء الذين مضوا. والصحيفة التي جاء بها جبرئيل الأمين في الوصية من عند رب العالمين، وبالعلم العلم الذي اختص به الإمام وهو العلم بما كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة، وبالسلاح سلاح رسول الله (صلى الله عليه وآله) مثل المغفر والدرع والراية والقميص والسيف والخاتم وغيرها. قوله (أن تحكموا بالعدل الذي في أيديكم) الحكم بالعدل هو الإنصاف والتسوية بين الغني والفقير والكبير والصغير والقريب والبعيد والشريف والوضيع وهو يتوقف على الكمال في القوة العقلية. واتصافها بغاية العلم ونهاية المعرفة وتميزها بين الحق والباطل، وعلى الاستقامة في القوة الغضبية، وعدم ميلها إلى جهة الإفراط والتفريط لأن جهة التفريط توجب العجز عن إقامة الحدود

[ 85 ]

وإجراء الأحكام، وجهة الإفراط توجب ارتكاب الظلم والجور. وتلك الاستقامة هي الشجاعة المعدودة من الأخلاق الحسنة التي كانت لجميع الأنبياء والأوصياء وعلى اعتدال القوة الشهوية وتوسطها بين الإفراط والتفريط لأن طرف التفريط يوجب العجز عن جلب ما لا بد منه وطرف الإفراط يوجب جلب ما يضر ويجب تركه من المشتهيات النفسانية. فإذا حصلت هذه الأمور حصلت من مجموعها للنفس ملكة العدل التي بها يجوز الحكم بين الناس بل يجب، وإذا فقد كلها أو بعضها كان الحاكم من أهل الجور والطغيان وأهل الظلم والعدوان نعوذ بالله من ذلك. وفي قوله: (الذي في أيديكم) إشارة إلى أنه مكتوب عندهم في كتاب علي (عليه السلام) أو إلى اتصافهم بهذه الصفة وعدم حصولها لهم بالتكلف. قوله (إيانا عنى خاصة) أي أراد بأولي الأمر إيانا خاصة لا إيانا وغيرنا ولا غيرنا خاصة، وفيه رد على من قال: أراد بهم سلاطين الجور، وبطلان هذا القول أظهر من أن يحتاج إلى البيان، وأما من قال: أراد بهم أمراء المسلمين وخلفاءهم وقضاتهم وعلماء الشرع فإن أراد بهم الأئمة الطاهرين من آل الرسول فهو حق وإلا فهو في ظهور البطلان مثل ما مر. قوله (أمر جميع المؤمنين إلى يوم القيامة بطاعتنا) يفهم عموم المؤمنين وشمول الأوقات من عدم التقييد ببعض ووقت ولصحة الاستثناء وهو معيار العموم ولأن طاعتهم كطاعة الله وطاعة الرسول فكما أن طاعتهما واجبة إلى يوم القيامة كذلك طاعتهم. قوله (فإن خفتم تنازعا في أمر) في القرآن هكذا * (فإن تنازعتم في شئ) * فالمذكور إما تفسير له وبيان لحاصل معناه أو إشعار بوقوع التحريف فيه أيضا كما يشعر به ظاهر قوله " كذا نزلت " وإنما قلنا ظاهر قوله لاحتمال أن يكون كذا إشارة إلى قوله (وإلى أولي الأمر منكم خاصة). قوله (وكيف يأمرهم الله عزوجل بطاعة ولاة الأمر ويرخص في منازعتهم) (1) أي منازعة ولاة الأمر بعضهم بعضا في أمر من أمور الدين وغيرها أو في منازعة الناس إياهم، وفيه رد على من قال: الخطاب في تنازعتم لأولي الأمر على سبيل الالتفات من الغيبة إلى الخطاب وعلى من قال:


(1) قوله " ويرخص في منازعتهم " إن كان المراد بأولي الأمر في الآية الكريمة أمراء الجنود والولاة وأمثالهم ممن نصبه النبي (صلى الله عليه وآله) في عصره جاز أن يختلف نظر الأمراء والمأمورين في شئ كالحرب والصلح وتقسيم الغنائم فأمرهم الله تعالى بالرد إلى الله والرسول (صلى الله عليه وآله) بقوله * (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله وإلى الرسول) * وهذا ترخيص للتنازع إذ لو لم يكن مرخصا فيه لأمرهم بمتابعة أميرهم وإن خالف رأيهم رأيه فيرتفع التنازع قهرا، وعلى هذا فتقرير استدلال الإمام (عليه السلام) هكذا: أمير الجند مرخص في مخالفته وولي الأمر غير مرخص فيها لأنه تعالى أمر بإطاعة أولي الأمر فينتج من الشكل الثاني أن أمير الجند ليس من أولي الأمر. (ش) (*)

[ 86 ]

الخطاب لهم وللمؤمنين على سبيل التغليب يعني إن تنازعتم يا ولاة الأمر في شئ أو إن تنازعتم أيها المؤمنون وولاة الأمر في شئ فردوه إلى الله وإلى الرسول أي فارجعوا فيه إلى كتاب الله وإلى الرسول بالسؤال عنه في حياته والأخذ من سنته بعد موته، ووجه الرد أمران: أحدهما أن قوله تعالى * (وإلى أولي الأمر منكم) * كما أشار إليه (عليه السلام) بقوله " كذا نزلت " يدل على فساد هذين القولين وهو ظاهر، وثانيهما أن العقل يحكم بالضرورة بأنه لا معنى لأن يأمر الله تعالى المؤمنين بطاعة ولاة الأمر ثم يرخص ولاة الأمر في منازعة بعضهم بعضا في أمور الدين، أو يرخص المؤمنين في منازعة ولاة الأمر فيها، وهذا من أجلى الضروريات لا ينكره إلا مكابر أو مباهت. قوله (إنما قيل ذلك للمأمورين) أي للمأمورين بطاعة أولي الأمر وفيه إشارة إلى أن الخطاب في قوله " ان تنازعتم " للمؤمنين المأمورين بطاعتهم، وأمرهم بالرجوع إلى ولاة الأمر عند التنازع على تقدير وجود " وإلى أولي الأمر منكم " في القرآن (1) كما أشار إليه (عليه السلام) ظاهر، وإما على تقدير


(1) قوله " على تقدير وجود وإلى أولي الأمر منكم " قد ظهر مما قلنا في الحاشية السابقة إن استدلال الإمام (عليه السلام) لا يتوقف على وجود كلمة أولي الأمر بعد قوله * (فردوه إلى الله وإلى الرسول) * وإن كان الخطاب في تنازعتم متوجها إلى أمراء الجنود والمأمورين معا أي إن تنازعتم أيها الأمراء والمأمورون في شئ فردوه إلى الله وإلى رسوله أي في عصر الرسول وبعده (صلى الله عليه وآله) والدليل إنما هو في ترخيص التنازع لا في مرجع التنازع إذ لا التنازع مع وجوب إطاعة أمراء الجنود فيدل على أن إطاعة أمراء الجنود ليست واجبة مطلقا فليسوا أولي الأمر إذ يجب إطاعة أولي الأمر مطلقا، وأما بعد ترخيص التنازع وأنه هل يرد إلى الله والرسول أو إلى غيرهما أيضا فلا دخل له في استدلال الإمام (عليه السلام) وكأن زيادة كلمة أولي الأمر من سهو النساخ أو بعض الرواة، ويمكن أن يقال: اتفق المسلمون على عدم وجوب إطاعة أحد غير الله ورسوله ممن لم يثبت عصمته لأن المسلمين جميعا نقلوا عن أبي بكر وعمر فتاوى في مسائل وخالفوهما ولم يروا قولهما حجة بل قالوا إنهما كانا مجتهدين يجوز أن يخطآ، يعلم ذلك المتتبع في أقوال الفقهاء وحينئذ فليس أحد ممن يجب إطاعته إلا معصوما باتفاق الفريقين، وهذا الدليل مرجعه إلى قياس استثنائي من شرطية متصلة ينتج من رفع التالي رفع المقدم هكذا لو كان الخلفاء وأمراء الجنود وأمثالهم من أولي الأمر لوجب إطاعتهم وهذه شرطية متصلة والتالي هو قولنا: لوجب طاعتهم فيرفع ويقال: لكن ليس يجب إطاعتهم، فينتج ليسوا من أولي الأمر، ويمكن أن يختلج في ذهن الناشئ إشكالان: الأول انا نقيد وجوب إطاعة أولي الأمر بما إذا أمروا بموافق الشرع لا إذا خالفوا وأمروا بما لا يوافق الشرع، الثاني إنا نقيد وجوب إطاعتهم بما استلزم عصيانهم الفساد ووقوع الفتن والهرج، والجواب عن الأول ان كل أحد أمر بموافق الشرع وجب إطاعته ولا يختص بأولي الأمر والمقصود هنا إطاعة أولي الأمر زائدا على إطاعة آحاد الناس، وعن الثاني إنا لا ننكر السكوت والتقية ومراعاة مصلحة العامة إذا استلزم مخالفة الإمام غير المعصوم الهرج والفتن وقتل المسلمين كما سكت أمير المؤمنين (عليه السلام) مع الخلفاء والحسن بن علي والحسين (عليهم السلام) مع معاوية وكذلك سائر أئمتنا مع خلفاء زمانهم وهذا لا يوجب كون إطاعتهم بعنوان أولي الأمر واجبا من عند الله تعالى، قال أمير المؤمنين (عليه السلام) " أما حقي فقد تركته مخافة أن = (*)

[ 87 ]

عدمه كما في هذا المصحف الذي جمعوه في عهد عثمان فيفهم بقرينة الأمر بطاعتهم أولا، وإنما لم يذكرهم هنا للتنبيه على أن الرجوع إليهم رجوع إلى الله وإلى الرسول، وفيه دلالة بمفهوم الشرط على أن الإجماع حجة. * الأصل: 2 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن أحمد بن عمر قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن قول الله عزوجل: * (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) * قال: هم الأئمة من آل محمد (صلى الله عليه وآله) أن يؤدي الإمام الأمانة إلى من بعده ولا يخص بها غيره ولا يزويها عنه. * الشرح: قوله (قال هم الأئمة) أي الخطاب في يأمركم للأئمة. قوله (أن يؤدي الإمام) أي أمر أن يؤدي الإمام، فحذف الفعل بقرينة المقام. قوله (ولا يزويها عنه) أي لا يخفيها عنه، يقال: زوى فلان المال عن وارثه أي أخفاه عنهم. 3 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن محمد بن فضيل، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) في قول الله عزوجل: * (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) * قال: هم الأئمة يؤدي الإمام إلى الإمام من بعده ولا يخص بها غيره ولا يزويها عنه. 4 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن إسحاق بن عمار، عن ابن أبي يعفور، عن المعلى بن خنيس قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عزوجل: * (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) * قال: أمر الله الإمام الأول أن يدفع إلى الإمام الذي بعده كل شئ عنده. * الأصل: 5 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن ابن محبوب، عن العلاء بن زرين، عن عبد الله بن أبي يعفور، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لا يموت الإمام حتى يعلم من يكون من بعده فيوصي [ إليه ]. * الشرح: قوله (لا يموت الإمام حتى يعلم) على صيغة المجهول من الإعلام أو على صيغة المعلوم من العلم والمقصود أن العلم بذلك حاصل له قبل الموت لا أنه يحصل له عند الموت.


= يرتد الناس " وصالح الإمامان مع معاوية حقنا لدماء الشيعة، فتأمل في ذلك وفي وجه استدلال الإمام (عليه السلام) بآية أولي الأمر وهذا يكفيك في إثبات إمامتهم إن شاء الله تعالى ومنه التوفيق. (ش) (*)

[ 88 ]

6 - أحمد بن إدريس، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان بن يحيى، عن [ ابن ] أبي عثمان، عن المعلى بن خنيس، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الإمام يعرف الإمام الذي من بعده فيوصي إليه. 7 - أحمد، عن محمد بن عبد الجبار، عن أبي عبد الله البرقي، عن فضالة بن أيوب عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما مات عالم حتى يعلمه الله عزوجل إلى من يوصي.

[ 89 ]

باب أن الإمامة عهد من الله عزوجل معهود من واحد إلى واحد (عليهم السلام) * الأصل: 1 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، قال: حدثني عمر ابن أبان، عن أبي بصير قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فذكروا الأوصياء وذكرت إسماعيل، فقال لا والله يا أبا محمد ما ذاك إلينا وما هو إلا إلى الله عزوجل ينزل واحدا بعد واحد. * الشرح: قوله (وذكرت إسماعيل) هو إسماعيل بن جعفر بن محمد الباقر (عليهم السلام)، وكان رجلا صالحا فظن أبو بصير وغيره من الشيعة أنه وصي لأبيه بعده فلذلك قال الصادق (عليه السلام) بعد موته " مابدا لله في شئ كما بدا له في إسماعيل ابني " وليس معناه أن الله تعالى رجع عن الحكم بإمامته بعد أبيه وبدا له بداء ندامة، كيف وقد قال (عليه السلام): " من زعم أن الله تعالى بدا له في شئ بداء ندامة فهو عندنا كافر بالله العظيم " ! بل معناه ما أشار إليه الصدوق (رحمه الله) وحاصله: أن الله تعالى ما أظهر شيئا كان مخفيا للخلق مثل ما أظهره من عدم إمامة ابني إسماعيل إذ اخترمه وأماته قبلي ليعلم الناس أنه ليس بإمام بعدي. قوله (ما ذاك إلينا) أي ليس تعيين الوصي موكولا إلينا حتى نختار من نشاء وما هو إلا إلى الله تعالى لأن للإمام صفات باطنة لا يعلمها إلا هو كما في " باب نادر جامع في فضل الإمام وصفاته، وفيه رد على العامة حيث ذهبوا إلى أن عقد الإمامة إما باستخلاف المتولي كما فعل أبو بكر لعمر أو بقول أهل الحل والعقد كما لأبي بكر ويلزم سائر الناس حتى قال بعضهم: لا يلزم مباشرة كل الناس بل لو استخلف واحد واستقر الأمر له وجب على جميع الناس متابعته. قوله (ينزل واحدا بعد واحد) أي نازل في منزله ومحله يعني مرتبة من الإنزال والتنزيل وهو الترتيب وفيه دلالة على أنه لا يجتمع في عصر إمامان وهو متفق عليه بين الخاصة والعامة، أما عندنا فبالنص وهو هذا وأمثاله، وأما عندهم فإنهم لما لم يشترطوا العصمة في الإمام قالوا لم يجز تعدده وإلا لوقع التشاجر والتنازع بينهما ويوجب ذلك الهرج والمرج ويبطل ا لغرض من نصب الإمام وتعيينه وفي رواياتهم أيضا ما يدل على ذلك. * الأصل: 2 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن

[ 90 ]

حماد بن عثمان، عن عمرو بن الأشعث قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: أترون الموصي منا يوصي إلى من يريد ؟ ! لا والله ولكن عهد من الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) لرجل فرجل حتى ينتهي الأمر إلى صاحبه. الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن محمد بن جمهور، عن حماد بن عيسى، عن منهال، عن عمرو بن الأشعث، عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثله. * الشرح: قوله (ولكن عهد) العهد الميثاق والوصية وقد عهدت إليه أي أوصيته ومنه اشتق العهد الذي يكتب للولاة. قوله (حتى ينتهي الأمر إلى صاحبه) وهو مهدي هذه الأمة الذي وقع الاتفاق على ظهوره بين الخاصة والعامة، إلا أنهم يقولون سيوجد من نسل الحسين (عليه السلام). * الأصل: 3 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن علي بن محمد، عن بكر بن صالح، عن محمد بن سليمان، عن عيثم بن أسلم، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الإمامة عهد من الله عزوجل معهود لرجال مسمين، ليس للإمام أن يزويها عن الذي يكون من بعده، إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى داود (عليه السلام) أن اتخذ وصيا من أهلك فإنه قد سبق في علمي أن لا أبعث نبيا وله وصي من أهله وكان لداود (عليه السلام) أولاد عدة وفيهم غلام كانت أمه عند داود وكان لها محبا فدخل داود (عليه السلام) عليها حين أتاه الوحي فقال لها: إن الله عزوجل أوحى إلي يأمرني أن أتخذ وصيا من أهلي، فقالت له امرأته: فليكن ابني، قال، ذلك أريد، وكان السابق في علم الله المحتوم عنده أنه سليمان، فأوحى الله تبارك وتعالى إلى داود: أن لا تعجل دون أن يأتيك أمري، فلم يلبث داود أن ورد عليه رجلان يختصمان في الغنم والكرم فأوحى الله عزوجل إلى داود أن اجمع ولدك فمن قضى بهذه القضية فأصاب فهو وصيك من بعدك، فجمع داود (عليه السلام) ولده، فلما أن قص الخصمان قال سليمان (عليه السلام): يا صاحب الكرم ! متى دخلت غنم هذا الرجل كرمك ؟ قال: دخلته ليلا، قال: قد قضيت عليك يا صاحب الغنم بأولاد غنمك وأصوافها في عامك هذا. ثم قال له داود: فكيف لم تقض برقاب الغنم وقد قوم ذلك علماء بني إسرائيل وكان ثمن الكرم قيمة الغنم ؟ فقال سليمان: إن الكرم لم يجتث من أصله، وإنما أكل حمله وهو عائد في قابل، فأوحى الله عزوجل إلى داود: أن القضاء في هذه القضية ما قضى سليمان به، يا داود ! أردت أمرا وأردنا أمرا غيره، فدخل داود على امرأته فقال: أردنا أمرا وأراد الله عزوجل أمرا غيره ولم يكن إلا ما أراد الله

[ 91 ]

عزوجل، فقد رضينا بأمر الله عزوجل وسلمنا. وكذلك الأوصياء (عليهم السلام)، ليس لهم أن يتعدوا بهذا الأمر فيجاوزون صاحبه إلى غيره. قال الكليني: معنى الحديث الأول أن الغنم لو دخلت الكرم نهارا، لم يكن على صاحب الغنم شئ لأن لصاحب الغنم أن يسرح غنمه بالنهار ترعى، وعلى صاحب الكرم حفظه، وعلى صاحب الغنم أن يربط غنمه ليلا، ولصاحب الكرم أن ينام في بيته. * الشرح: قوله (عيثم بن أسلم) لم أره في كتب الرجال. قوله (لا تعجل دون أن يأتيك أمري) إذ أوحى الله تعالى إلى نبيه الكريم بأن يتخذ وصيا ثم نهاه أن يعينه برأيه قبل أن يأتيه أمره بالتعيين، فكيف يجوز لجهلة من الناس أن يعينوا بآرائهم الفاسدة الكاسدة خليفة لرسول رب العالمين !. قوله (لم يجتث) على صيغة المجهول من أجتثه أي اقتلعه. قوله (وإنما أكل حمله) الحمل بالفتح والسكون مصدر حمل الشئ ويطلق أيضا على ما كان في بطن أو على رأس شجرة كذا في المغرب. وذكر ابن دريد: أن حمل الشجر فيه لغتان بالفتح والكسر. قوله (يا داود أردت أمرا وأردنا أمرا غيره) إن قلت: كيف يريد داود نبي الله أمر الخلافة لأحد لا يكون أهلا لها، وما معنى هذه الإرادة ؟ قلت: معناها ميل النفس إلى خلافته لوجدانه أهلا بحسب علمه. ولما كانت الخلافة مبنية على أمور جليلة وخفية يعلم بعضها أهل العلم وبعضها لا يعلمه إلا الله تعالى كارتباط خاص بالله تعالى وكمال علم ونهاية تقدس وهي من فيض الله تعالى أراد جل شأنه خلاف إرادته للتنبيه على أن العلم البشري لا يكون مستقلا في نصب الخليفة. قوله (وسلمنا) التسليم مترتب على الرضى، والرضى على المحبة، إذ المحب يرضى بكل شئ من المحبوب فيسلم له. قوله (بهذا الأمر) أي بأمر الخلافة فليس لهم أن يعينوا خليفة بدون أمر الله تعالى أو ليس لهم أن يعينوا غير من عينه الله تعالى فيجاوزون على التقديرين صاحب أمر الخلافة إلى غيره ويوجب ذلك بطلان ما هو المطلوب منه. 4 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي عمير، عن ابن بكير وجميل، عن عمرو بن مصعب قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: أترون أن الموصي منا يوصي إلى من يريد ؟ ! لا والله ولكنه عهد من رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى رجل فرجل حتى انتهى إلى نفسه.

[ 92 ]

باب أن الأئمة (عليهم السلام) لم يفعلوا شيئا ولا يفعلون إلا بعهد من الله عزوجل وأمر منه لا يتجاوزونه * الأصل: 1 - محمد بن يحيى والحسين بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن علي بن الحسين بن علي، عن إسماعيل بن مهران، عن أبي جميلة، عن معاذ بن كثير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الوصية نزلت من السماء على محمد كتابا، لم ينزل على محمد (صلى الله عليه وآله) كتاب مختوم إلا الوصية فقال جبرئيل (عليه السلام): يا محمد هذه وصيتك في أمتك عند أهل بيتك، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أي أهل بيتي يا جبرئيل ؟ قال: نجيب الله منهم وذريته، ليرثك علم النبوة كما ورثه إبراهيم (عليه السلام) وميراثه لعلي (عليه السلام) وذريتك من صلبه، وكان عليها خواتيم، قال: ففتح علي (عليه السلام) الخاتم الأول ومضى لما فيها ثم فتح الحسن (عليه السلام) الخاتم الثاني ومضى لما أمر به فيها، فلما توفي الحسن ومضى فتح الحسين (عليه السلام) الخاتم الثالث فوجد فيها أن قاتل فاقتل وتقتل واخرج بأقوام للشهادة لا شهادة لهم إلا معك، قال: ففعل (عليه السلام)، فلما مضى دفعها إلى علي بن الحسين (عليهما السلام) قبل ذلك، ففتح الخاتم الرابع فوجد فيها أن اصمت وأطرق لما حجب العلم، فلما توفي ومضى دفعها إلى محمد بن علي (عليهما السلام) ففتح الخاتم الخامس فوجد فيها أن فسر كتاب الله تعالى وصدق أباك وورث ابنك واصطنع الأمة وقم بحق الله عزوجل وقل الحق في الخوف والأمن ولا تخش إلا الله، ففعل، ثم دفعها إلى الذي يليه. قال: قلت له: جعلت فداك فأنت هو ؟ قال: فقال: ما بي إلا أن تذهب يا معاذ فتروي علي قال: فقلت: أسأل الله الذي رزقك من آبائك هذه المنزلة أن يرزقك من عقبك مثلها قبل الممات، قال: قد فعل الله ذلك يا معاذ، قال: فقلت: فمن هو جعلت فداك ؟ قال: هذا الراقد - وأشار بيده إلى العبد الصالح وهو راقد -. الشرح قوله (كتابا) حال عن فاعل " نزلت " أو تميز للنسبة. قوله (لم ينزل على محمد (صلى الله عليه وآله) كتاب مختوم) الظاهر أن النفي راجع إلى المقيد أو إلى القيد والمقيد جميعا لا إلى القيد فقط. قوله (إلا الوصية) أوصيت له بشئ وأوصيت إليه أيضا إذا جعلته وصيك وكذلك وصيته

[ 93 ]

توصية، والوصية والوصاية إسمان في معنى المصدر، منه قوله تعالى: * (حين الوصية) * ثم سمى الموصى به وصية ومنه قوله تعالى: * (من بعد وصية توصون بها) *. قوله (في أمتك عند أهل بيتك) خبر بعد خبر أو حال عن الوصية على تقدير الجواب والعامل معنى أنبه أو أشير. قوله (أي أهل بيتي) هذا السؤال مع علمه (صلى الله عليه وآله) بوصيته للاطمئنان كما قال خليل الرحمن * (ولكن ليطمئن قلبي) *. قوله (قال نجيب الله منهم) أي من أهل بيتك، والنجيب الكريم السخي الفاضل البين النجابة وقد نجب ينجب نجابة إذا كان فاضلا نفيسا في نوعه، والمراد بها علي بن أبي طالب (عليه السلام) والفاعل في قوله " ليرثك " ضمير يعود إليه. قوله (كما ورثه إبراهيم) من الأنبياء السابقين والتشبيه باعتبار أن وراثته كان أظهر وأشهر لا باعتبار أنها كانت أقوى وأكمل. قوله (وميراثه لعلي) أي ميراث علم النبوة أو ميراث إبراهيم (عليه السلام) وفيه تصريح بما رمز إليه أولا. قوله (فوجد فيها أن قاتل فاقتل وتقتل) الأمر للحتم والوجوب كسائر الواجبات فلا يرد ما يقول الجهلة من الناس من أنه (عليه السلام) كان يعلم بقتله وقتل أصحابه فلم ارتكبه وقد قال الله تعالى: * (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) * ؟ ولم يعلموا أن الإلقاء إليها لا يجوز إذا لم يكن بأمر الله تعالى وأما إذا كان بأمره فهو جائز بل واجب كما انه لا يجوز لأحدنا الفرار عن الزحف مع ضعف العدو وإن غلب الهلاك ولا شبهة في أن تكليفهم فوق تكليفنا فإذا أوجب الله تعالى عليهم القتال مع أضعاف العدو لمصلحة منها أن لا يكون للخلق حجة على الله يوم القيامة بعدم وجدانهم داعيا إليه فلا محالة وجب عليهم الإقدام ولا يجوز لهم القعود. قوله (أن اصمت واطرق) من أطرق الرجل إذا سكت فلم يتكلم فالعطف للتفسير أو من أطرق إذا أرخى عينيه ينظر إلى الأرض كما يفعله المهموم المتفكر وهو كناية عن الإعراض عن الناس. قوله (لما حجب العلم) لما بفتح اللام وشد الميم أو بكسر اللام وما مصدرية، وهو على التقديرين تعليل للسكوت وعدم إفشاء علم الشرائع ودعوة الخلق إليه لعدم انتفاعهم به ولقتلهم إياه مثل أبيه (عليهما السلام). قوله (واصطنع الأمة) أي ربهم تربية وأحسن إليهم إحسانا وأخرجهم من الجهل إلى العلم ومن الظلمة إلى النور، من اصطنعته ربيته وأخرجته. قوله (وقم بحق الله عزوجل) أي قم بإظهاره متشمرا مجتهدا فيه من غير فتور ولا توان، يقال:

[ 94 ]

قام بالأمر إذا اجتهد فيه وتجلد. وحقيقة القيام بالشئ هي الانتصاب له، وهو يدل على الاعتناء به وهو يستلزم التشمر والاجتهاد فيه من غير فتور، فأطلق القيام على هذا اللازم مجازا. قوله (ولا تخش إلا الله) فيه وعد له بالعصمة من الناس وبشارة له بالقرب والعلم إذ لا يخشاه إلا المقربون * (إنما يخشى الله من عباده العلماء) *. قوله (فقال ما بي إلا أن تذهب فتروي علي) أي ما بي بأس أو خوف إلا أن تذهب يا معاذ فتروي علي هذا مسلطا للأعداء علي، وفيه مبالغة في التوصية له بحفظه عن غير أهله، وإن كان من خواص أصحابه وأهل سره ويمكن أن يكون تأبى بالتاء المثناة الفوقانية. * الأصل: 2 - أحمد بن محمد، ومحمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن أحمد بن محمد، عن أبي الحسن الكناني، عن جعفر بن نجيح الكندي، عن محمد بن أحمد بن عبيدالله العمري، عن أبيه، عن جده، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله عزوجل أنزل على نبيه (صلى الله عليه وآله) كتابا قبل وفاته، فقال: يا محمد هذه وصيتك إلى النجبة من أهلك، قال: وما النجبة يا جبرئيل ؟ فقال علي بن أبي طالب وولده (عليهم السلام)، وكان على الكتاب خواتيم من ذهب فدفعه النبي (صلى الله عليه وآله) إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) وأمره أن يفك خاتما منه ويعمل بما فيه، ففك أمير المؤمنين (عليه السلام) خاتما وعمل بما فيه، ثم دفعه إلى ابنه الحسن (عليه السلام)، ففك خاتما وعمل بما فيه، ثم دفعه إلى الحسين (عليه السلام) ففك خاتما فوجد فيه أن اخرج بقوم إلى الشهادة، فلا شهادة لهم إلا معك واشر نفسك لله عزوجل، ففعل، ثم دفعه إلى علي بن الحسين (عليهما السلام) ففك خاتما فوجد فيه أن أطرق واصمت والزم منزلك واعبد ربك حتى يأتيك اليقين، ففعل، ثم دفعه إلى ابنه محمد بن علي (عليهما السلام)، ففك خاتما فوجد فيه: حدث الناس وأفتهم ولا تخافن إلا الله عزوجل، فإنه لاسبيل لأحد عليك [ ففعل ] وثم دفعه إلى ابنه جعفر، ففك خاتما فوجد فيه: حدث الناس وأفتهم، وانشر علوم أهل بيتك، وصدق آباءك الصالحين ولا تخافن إلا الله عزوجل وأنت في حرز وأمان، ففعل، ثم دفعه إلى ابنه موسى (عليه السلام) وكذلك يدفعه موسى إلى الذي بعده ثم كذلك إلى قيام المهدي صلى الله عليه. * الشرح: قوله (عن محمد بن أحمد بن عبيد الله العمري) في بعض النسخ " عبد الله " مكبرا بدل عبيد الله مصغرا وهو الأصح، لأن الظاهر أنه محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) وكان أحمد وأبوه عبد الله كلاهما من أصحاب أبي عبد الله (عليه السلام). قوله (إلى النجبة من أهلك) قال الجوهري: النجبة مثال الهمزة: النجيب، ويقال: هو نجبة القوم

[ 95 ]

إذا كان النجيب منهم. قوله (وما النجبة) لم يسأل عن حقيقته وتعيين مفهومه بل عن مصداقه. قوله (واشر نفسك لله تعالى) أي بعها ببذلها في الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى تقتل لله وطلبا لرضائه ويرشد إليه قوله تعالى * (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله) *. قوله (ثم دفعه إلى ابنه جعفر) هذا وما يأتي من قوله " ثم دفعه إلى ابنه موسى " التفات من التكلم إلى الغيبة إذ المقام يقتضي أن يقول: ثم دفعه إلي ثم دفعته إلى ابني موسى، واحتمال كونه من كلام الراوي نقلا بالمعنى بعيد. * الأصل: 3 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن ضريس الكناسي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال له حمران: جعلت فداك أرأيت ما كان من أمر علي والحسن والحسين (عليهم السلام) وخروجهم وقيامهم بدين الله عزوجل وما أصيبوا من قتل الطواغيت إياهم والظفر بهم حتى قتلوا وغلبوا ؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): يا حمران، إن الله تبارك وتعالى [ قد ] كان قدر ذلك عليهم وقضاه وأمضاه وحتمه، ثم أجراه، فبتقدم علم ذلك إليهم من رسول الله (صلى الله عليه وآله) قام علي والحسن والحسين، وبعلم صمت من صمت منا. * الشرح: قوله (أرأيت ما كان من أمر علي والحسن والحسين) أي أخبرني ما سبب قيام هؤلاء الأئمة بدين الله واجتهادهم في إظهاره مع علمهم بأنهم يقتلون ويغلبون ؟ فأخبره بأن الله تعالى قدر ذلك عليهم وقضاه وأمضاه وحتمه لمصلحة ثم أجراه في وقته بأمرهم بالقيام لئلا يكون للخلق على الله حجة يوم القيامة بأنهم لم يجدوا داعيا إليه وإلى دينه، وأما من صمت منا ولم يخرج ولم يتكلم في إفشاء الدين وإظهار علمه فهو أيضا مأمور بذلك. وبالجملة هم تابعون لأمره تعالى فإذا أمرهم بالخروج خرجوا وإذا أمرهم بالسكوت سكتوا. * الأصل: 4 - الحسين بن محمد الأشعري، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد، عن الحارث بن جعفر، عن علي بن إسماعيل بن يقطين، عن عيسى بن المستفاد أبي موسى الضرير، قال: حدثني موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أليس كان أمير المؤمنين (عليه السلام) كاتب الوصية ورسول الله (صلى الله عليه وآله) المملي عليه وجبرئيل والملائكة المقربون (عليهم السلام) شهود ؟ قال: فأطرق طويلا ثم قال: يا أبا الحسن قد كان ما قلت، ولكن حين نزل برسول الله (صلى الله عليه وآله) الأمر، نزلت الوصية

[ 96 ]

من عند الله كتابا مسجلا نزل به جبرئيل مع أمناء الله تبارك وتعالى من الملائكة، فقال جبرئيل: يا محمد مر بإخراج من عندك إلا وصيك، ليقبضها منا وتشهدنا بدفعك إياها إليه ضامنا لها - يعني عليا (عليه السلام) - فأمر النبي (صلى الله عليه وآله) بإخراج من كان في البيت ما خلا عليا (عليه السلام) وفاطمة فيما بين الستر والباب، فقال جبرئيل: يا محمد ربك يقرئك السلام ويقول: هذا كتاب ما كنت عهدت إليك وشرطت عليك وشهدت به عليك وأشهدت به عليك ملائكتي وكفى بي يا محمد شهيدا، قال: فارتعدت مفاصل النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا جبرئيل ربي هو السلام ومنه السلام وإليه يعود السلام صدق عزوجل وبر، هات الكتاب، فدفعه إليه وأمره بدفعه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له: اقرأه، فقرأه حرفا حرفا، فقال: يا علي هذا عهد ربي تبارك وتعالى إلي وشرطه علي وأمانته، وقد بلغت ونصحت وأديت، فقال علي (عليه السلام): وأنا أشهد لك [ بأبي وأمي أنت ] بالبلاغ والنصيحة والتصديق على ما قلت ويشهد لك به سمعي وبصري ولحمي ودمي، فقال جبرئيل (عليه السلام): وأنا لكما على ذلك من الشاهدين، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا علي أخذت وصيتي وعرفتها وضمنت لله ولي الوفاء بما فيها ؟ فقال علي (عليه السلام): نعم بأبي أنت وأمي علي ضمانها وعلى الله عوني وتوفيقي على أدائها، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا علي إني أريد أن أشهد عليك بموافاتي بها يوم القيامة، فقال علي (عليه السلام نعم أشهد، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): إن جبرئيل وميكائيل فيما بيني وبينك الآن وهما حاضران معهما الملائكة المقربون لأشهدهم عليك فقال: نعم ليشهدوا وأنا - بأبي أنت وأمي - أشهدهم، فأشهدهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكان فيما اشترط عليه النبي بأمر جبرئيل (عليه السلام) فيما أمر الله عزوجل أن قال له: يا علي تفي بما فيها من موالاة من والى الله ورسوله والبراءة والعداوة لمن عادى الله ورسوله والبراءة منهم على الصبر منك [ و ] على كظم الغيظ وعلى ذهاب حقك وغصب خمسك وانتهاك حرمتك ؟ فقال: نعم يا رسول الله. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لقد سمعت جبرئيل (عليه السلام) يقول للنبي: يا محمد عرفه أنه ينتهك الحرمة وهي حرمة الله وحرمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلى أن تخضب لحيته من رأسه بدم عبيط، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): فصعقت حين فهمت الكلمة من الأمين جبرئيل حتى سقطت على وجهي وقلت: نعم قبلت ورضيت وإن انتهكت الحرمة وعطلت السنن ومزق الكتاب وهدمت الكعبة وخضبت لحيتي من رأسي بدم عبيط صابرا محتسبا أبدا حتى أقدم عليك، ثم دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاطمة والحسن والحسين وأعلمهم مثل ما أعلم أمير المؤمنين فقالوا مثل قوله، فختمت الوصية بخواتيم من ذهب، لم تمسه النار ودفعت إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقلت لأبي الحسن (عليه السلام): بأبي أنت وأمي ألا تذكر ما كان في الوصية ؟ فقال: سنن الله

[ 97 ]

وسنن رسوله، فقلت: أكان في الوصية توثبهم وخلافهم على أمير المؤمنين (عليه السلام) ؟ فقال: نعم والله شيئا شيئا، وحرفا حرفا، أما سمعت قول الله عزوجل * (إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شئ أحصيناه في إمام مبين) * ؟ والله لقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأمير المؤمنين وفاطمة (عليهما السلام): أليس قد فهمتما ما تقدمت به إليكما وقبلتماه ؟ فقالا: بلى [ بقبوله ] وصبرنا على ما ساءنا وغاظنا. وفي نسخة الصفواني زيادة. * الشرح: قوله (أليس كان أمير المؤمنين (عليه السلام)) الاستفهام إما على الحقيقة أو على التقرير بما دخل عليه النفي أو لإفادة العلم بمضمونه. قوله (فأطرق طويلا) أي سكت زمانا طويلا وأرخى عينه إلى الأرض كذلك، ولعل السر فيه اشتغاله بالمحدث الذي كان معه في أمر الوصية أو رجوعه إلى نفسه المقدسة وتشاوره في بيان أمر الوصية كما هو حقه. قوله (قد كان ما قلت) يفهم منه أنه (صلى الله عليه وآله) أوصى إلى علي (عليه السلام) وسمى أوصياءه (عليهم السلام) وكتبها علي (عليه السلام) بخطه ثم نزلت كتابا من السماء. قوله (ولكن حين نزل برسول الله (صلى الله عليه وآله) الأمر) أي الأمر برجوعه إلى الحق أو الأمر بنصب الأوصياء أو الأمر بدفع الوصية إلى أهلها. قوله (كتابا مسجلا) أي محكما من سجل عليه إذا أحكمه والسجل كتاب الحكم أو مرسلا من سجلت الكتاب أي أرسلته، نقل عن محمد بن الحنفية (رحمه الله) في تفسير قوله تعالى: * (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) * أنه قال: هي مسجلة للبر والفاجر، قال الأصمعي: أي مرسلة لم يشترط فيها بر دون فاجر، أو مبذولا لهداية الخلق. قال ابن الأثير: المسجل المال المبذول. قوله (ضامنا لها) حال عن الضمير المجرور في " إليه " الراجع إلى الوصي لا يقال: العامل في الحال متعلق الظرف وهو الدفع والعامل في ذي الحال حرف الجر، لأنا نقول: العامل في ذي الحال أيضا هو المتعلق والجار آلة توصل معناه إليه مجرورة فيتحد العامل فيهما. قوله (يعني عليا (عليه السلام)) بيان للوصي وتفسير له. قوله (بين الستر والباب) لا خارجه ولا داخله والستر بالكسر واحد الأستار والستور وهو ما يستر به ومعمول لذلك، والسترة بالضم أعم منه لأنها تشمل المعمول له وغيره. قوله (يقرئك السلام) أقرأته السلام وهو يقرئك السلام بضم الياء رباعيا لا غير وإذا قلت يقرأ

[ 98 ]

عليك السلام فبالفتح لا غير وقيل: هما لغتان. قوله (هذا كتاب ما كنت عهدت إليك) إضافة الكتاب إلى ما بتقدير اللام والعهد العقد والميثاق والوصية يقال: عهد إليه إذا أوصاه ولعل هذا العهد وقع في الذر عند أخذ الميثاق للأئمة (عليهم السلام) بالإمامة أو في المعراج أو في وقت آخر من أيام البعثة. قوله (وشرطت عليك) بتبليغه وإكرام من آمن به وصدقه وإذلال من كفر به وكذبه. قوله (فارتعدت مفاصل النبي (صلى الله عليه وآله)) لتشديد الأمر والتعظيم له والمبالغة فيه وجعله تعالى ذاته المقدسة والملائكة المقربين شهودا عليه والحق أنه محل الخيفة وموضع الرعدة فيا حسرة للعباد عما يراد بهم لشدة غفلتهم وفرط عتوهم مع أن بواعث الخوف فيهم أظهر والشهود عليهم أكثر إذ عليهم شهود غير هؤلاء وهم خاتم الأنبياء وسيد الأوصياء وأولاد النجباء، اللهم انصرنا في دار الغربة وموطن الفرقة وارحمنا وأنت أرحم الراحمين. قوله (ربي هو السلام) تعريف الخبر للحصر وتوسيط ضمير الفصل للمبالغة فيه والسلام من أسمائه تعالى، وقيل: معناه السالم من المعائب وسمات الحدوث، وقيل: المسلم عباده من المهالك، وقيل: المسلم عليهم في الجنة. قال بعض الأفاضل: هو على الأول من أسماء التنزيه كالقدوس وعلى الثاني يرجع إلى القدرة أو إلى صفة الفعل وعلى الثالث إلى الكلام، واقتصر في النهاية على المعنى الأول وقال: السلام في الأصل السلامة، يقال: سلم يسلم سلاما وسلامة، ومنه قيل للجنة دار السلام لأنها دار السلامة من الآفات. قوله (ومنه السلام وإليه يعود السلام) أي الرحمة وسلامة العباد من المعائب والمهالك منه سبحانه وهو مالكهما لا غيره وهما لو صدرتا من غيره فيعودان إليه سبحانه لأنه الموفق له عليهما ولما كان السلام معناه السالم من المعائب وسمات الحدوث جاء بعد قوله هو السلام بهذا الكلام بيانا واحتراسا لأن الوصف بالسلامة إنما يكون فيمن هو بعرضة أن يلحقه ضرر وآفات فبين أن وصفه تعالى بالسلام ليس على حد وصف المخلوقين المفتقرين لأنه تعالى هو الغني المتعالي الذي يعطي السلامة ومنه تستوهب وإليه ترجع ومن كان كذلك لا يتطرق توهم الضرر والآفات إلى سرادقات عزه. قوله (صدق عزوجل وبر) أي صدق فيما ذكر من العهد والشرط والشهادة والإشهاد وبر بالوفاء بالعهد وإرسال كتابه. قوله (وشرطه علي) الشرط معروف ويحتمل أن يراد به حكم الله على ما قد أظهره لي وبينه بقوله * (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من

[ 99 ]

الناس) *. قوله (وأمانته) أي وديعته لك عندي وهي حق على بن أبي طالب (عليه السلام) الذي أودعه الله تعالى عند رسوله ثم أمره بدفعه إليه. قوله (وقد بلغت ونصحت وأديت) الوصية كانت وديعة الله عنده (صلى الله عليه وآله) وحكما من أحكامه الحتمية الضرورية وكان (صلى الله عليه وآله) مأمورا بتبليغه إلى الخلق والنصيحة لهم فيها وأدائها إلى أهلها وهو علي بن أبي طالب (عليه السلام) وقد فعل ما كان عليه، والحق أنه ما بالغ أحد من الأنبياء في الوصية مثل ما بالغ نبينا (عليه السلام) فيها، وكتب العامة والخاصة مشحونة بها ولكن من أعمى الله قلبه فلا هادي له. قوله (بأبي وأمي أنت) هذه الكلمة لإظهار عزة المخاطب وبيان أنه عزيز في نفس القائل حتى أنه أرجح ممن هو أقرب الخلق إليه وأعز عليه وهو أبواه بحيث يفديه بهما ولا يشترط في ذلك وجودهما. قوله (بالبلاغ) هو بالفتح اسم من التبليغ وهو ما بلغه من القرآن والسنن وجميع ما جاء به، أو بالكسر مصدر بالغ في الأمر إذا اجتهد فيه. قوله (والنصيحة) وهي إرادة الخير للأمة وإرشادهم إلى مصالحهم خالصا لوجه الله وأصل النصح الخلوص. قوله (والتصديق على ما قلت) أي تصديقك للرب على ما قلت من أن هذا عهده وشرطه وأمانته أو من قوله " صدق عزوجل وبر " أو من جميع ما جئت من عنده وبينه للناس. وفي بعض النسخ: والصدق هو الأظهر يراد بالموصول قوله " وقد بلغت ونصحت وأديت ". قوله (يشهد لك به سمعي) يعني يصدقك فيه جوارحي هذه وغيرها وتشهد لك به يوم القيامة. يحتمل أن يراد بالدم الروح وقد فسر الروح بالدم جماعة من العلماء وقد صرح به الشيخ (رحمه الله) في الكشكول. قوله (وأنا لكما على ذلك من الشاهدين) شهادته لرسول الله (صلى الله عليه وآله) على تبليغه ونصيحته وأداء الأمانة، ولعلي (عليه السلام) على تصديقه بالبلاغ والنصيحة والصدق على ما قال وجاء به. قوله (على ضمانها) بالوفاء بما فيها والعمل وأدائها إلى أهلها كما هي. قوله (بموافاتي بها) أي بإتيانك إياي بها كما هي يوم القيامة، يقال: وافاه أي أتاه مفاعلة من الوفاء. قوله (فيما بيني وبينك الآن) يحتمل البين المكاني والمعنوي. قوله (على الصبر منك) في الموالي والمعادي وكليهما وهو حال عن فاعل تفي، والصبر ملكة

[ 100 ]

تحمل النفس على تحمل المكاره والمشاق. وقوله (على كظم الغيظ) يناسب الفريقين وما عطف عليه إنما يناسب الثاني ولذلك أعاد كلمة " على " وكظم الغيظ تجرعه واحتمال سببه بحبس النفس من المكافاة والمجازاة ولهذه الوصية صبر (عليه السلام) على ما فعلوا. قوله (وانتهاك حرمتك) حرمة الرجل ما تجب عليه وعلى غيره حفظه ورعايته مثل عزته ورتبته وأهله وغير ذلك، وانتهاكها عدم رعايتها وتناولها بما لا يحل، والمبالغة في خرقها، وقد أشار به وبما سبق إلى ما فعله الخلفاء الثلاثة أولا وبنو أمية ثانيا وبنو عباس ثالثا وهكذا إلى زمان ظهور صاحب الأمر عليه الصلاة والسلام. قوله (والذي فلق الحبة وبرأ النسمة) الفلق بالسكون الشق ومنه فالق الحب والنوى أي الذي يشق حبة الطعام ونوى التمر للإنبات، والنسمة بالتحريك النفس من نسيم الريح، ثم سميت بها النفس أي ذات الروح وبرؤها خلقها وإيجادها من كتم العدم وكان (عليه السلام) كثيرا ما يقسم بها إذا اجتهد في يمينه لعظمة هذا الفعل وكمال اختصاصه بالله القادر المختار. قوله (يا محمد عرفه أنه ينتهك الحرمة) لما لم يصرح (صلى الله عليه وآله) بأنه ينتهك حرمته ويهراق دمه حياء ولا يدل عليهما قوله " وانتهاك حرمتك " صريحا أمره جبرئيل (عليه السلام) بأن يعرفه ذلك صريحا فكشف الله تعالى حجاب السمع فأسمعه صوت الوحي بلا واسطة رعاية لحياء النبي والله لا يستحيي من الحق. وفي بعض النسخ: أعلمه بدل عرفه. قوله (بدم عبيط) العبيط من الدم الخالص الطري. قوله (فصعقت) صعق الرجل - كسمع - صعقة وتصعاقا أي غشي عليه أو صعقه غيره، ولم يكن ذلك لخوفه من القتل بل لشدة السرور من سماع الوحي أو لسماع الوحي فجأة، وفيه دلالة على كمال القوة النبوية. قوله (ومزق الكتاب) التمزيق التخريق والتقطيع، ولعل المراد بتمزيقه تقطيع أوراقه وتبديل أحكامه وتغيير ألفاظه. قوله (صابرا محتسبا) أي طالبا لوجه الله تعالى وثوابه من احتسب بالشئ إذا اعتد به وجعله في الحساب، والحسب بالسكون العد والاحتساب منه كالاعتداد من العد، وإنما قيل: احتسب العمل لمن ينوي به وجه الله لأن له حينئذ أن يعتد عمله فجعل في حال مباشرة الفعل كأنه معتد به، كذا في الفائق والنهاية. قوله (فقال سنن الله وسنن رسوله) السنن جمع السنة وهي في الأصل الطريقة وفي الشرع ما

[ 101 ]

أمر به النبي ونهى عنه وندب إليه قولا وفعلا، ولعل المراد بها هنا جميع ذلك كما هو الظاهر أو ما يتعلق به أمر الخلافة بقرينة المقام. قوله (شيئا شيئا وحرفا حرفا) يريد أن فيها جميع وقائعهم ونوائبهم، ويحتمل أن يراد بالشئ الوقايع الكلية وبالحرف الوقائع الجزئية والتكرار لإفادة الشمول في كليهما. قوله (أما سمعت) استشهاد لما ذكر من أن في كتاب الوصية جميع ذلك. قوله (إنا نحن نحيي الموتى) أي إنا نحن نحيي الموتى بالبعث أو الهداية ونكتب ما قدموا من الأعمال مطلقا وآثارهم من علم أظهروه وظلم أسسوه وغير ذلك كل شئ أحصيناه في إمام مبين وهو كتاب الوصية، وقيل: اللوح المحفوظ، وقيل: صحيفة الأعمال، والجميع محتمل. قوله (فقالا بلى بقبوله) أي بلى فهمناه وقبلناه متلبسين بقبوله في الواقع والآن، وليس قوله " بقبوله " في أكثر النسخ. قوله (وصبرنا) معطوف على الفعل المفهوم من قوله بلى، وكون الواو للحال بتقدير قد بعيده. قوله (وفي نسخة الصفواني زيادة) هو محمد بن أحمد بن عبد الله بن قضاعة بن صفوان بن مهران الجمال ثقة. أو أبو عبد الله عبد الله بن عبد الرحمن المعروف بالصفواني المذكور في إعلام الورى وغيره في فضل كرامات الرضا (عليه السلام) والله أعلم. * الأصل: [ 5 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأصم، عن أبي عبد الله البزاز، عن حريز قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك ما أقل بقاءكم أهل البيت وأقرب آجالكم بعضها من بعض مع حاجة الناس إليكم ؟ ! فقال: إن لكل واحد منا صحيفة فيها ما يحتاج إليه أن يعمل به في مدته، فإذا انقضى ما فيها مما أمر به عرف أن أجله قد حضر. فأتاه النبي (صلى الله عليه وآله) ينعى إليه نفسه وأخبره بما له عند الله وأن الحسين (عليه السلام) قرأ صحيفته التي أعطيها، وفسر له ما يأتي بنعي وبقي فيها أشياء لم تقض، فخرج للقتال وكانت تلك الأمور التي بقيت أن الملائكة سألت الله في نصرته، فأذن لها ومكثت تستعد للقتال وتتأهب لذلك حتى قتل فنزلت وقد انقطعت مدته وقتل (عليه السلام)، فقالت الملائكة: يا رب أذنت لنا في الانحدار وأذنت لنا في نصرته، فانحدرنا وقد قبضته، فأوحى الله إليهم: أن الزموا قبره حتى تروه وقد خرج فانصروه وابكوا عليه وعلى ما فاتكم من نصرته فإنكم قد خصصتم بنصرته وبالبكاء عليه، فبكت الملائكة تعزيا وحزنا على ما فاتهم من نصرته، فإذا خرج يكونون أنصاره ]. * الشرح:

[ 102 ]

قوله (فأتاه النبي (صلى الله عليه وآله)) أي فيأتيه وينعاه أي بخبره بقرب أجله وموته وبما له عند الله من الكرامة ورفع المنزلة فيختار اللقاء على البقاء شوقا إلى الله وإنما عبر عن المستقبل بالماضي للدلالة على تحقق الوقوع، وعدى ينعى بإلى للتأكيد في التعدية ونفسه بالسكون تأكيد للمنصوب في أتاه، أو بدل عن المجرور في إليه وأما فتح الفاء بمعنى القرب أو الروح على أن يكون مفعول ينعى أي ينعى إليه قرب أجله على حذف المضاف إليه أو خروج روحه على حذف المضاف فبعيد. قوله (وفسر له ما يأتي بنعي) أي بين له فيها ما يأتيه ويعمل به في مدة عمره مع نعيه وخبر موته. قوله (وبقي فيها أشياء لم تقض) أي لم يتعلق بها القضاء والحتم وكان في معرض البداء، والواو للعطف على ما فسر أو للحال بتقدير قد. قوله (وتتأهب) أي تستعد، وأهبة الحرب عدتها والعطف للتفسير. قوله (حتى تروه وقد خرج) دل على الرجعة، ومما دل عليها ما رواه المصنف في كتاب الروضة (1) بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى * (ثم رددنا لكم الكرة عليهم) * قال: " إنه يخرج الحسين (عليه السلام) في سبعين من أصحابه عليهم البيض المذهب لكل بيضة وجهان المؤدون إلى الناس أن هذا الحسين (عليه السلام) قد خرج، حتى لا يشك المؤمنون فيه وأنه ليس بدجال ولا شيطان. والحجة القائم بين أظهرهم " الحديث، وعنه (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: * (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون) * أنه قال: قال " لو قد قام قائمنا بعث الله إليه قوما من شيعتنا قباع، سيوفهم على عواتقهم فيبلغ ذلك قوما من شيعتنا لم يموتوا فيقولون: بعث فلان وفلان وفلان من قبورهم وهم مع القائم فيبلغ ذلك قوما من عدونا فيقولون: يا معشر الشيعة ما أكذبكم، هذه دولتكم فأنتم تقولون فيها الكذب ! لا والله ما عاش هؤلاء ولا يعيشون إلى يوم القيامة قال: فحكى الله قولهم " (2) أخذنا منه موضع الحاجة. وعن أبي جعفر (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: * (فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون. لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسئلون) * قال: إذا قام القائم بعث إلى بني أمية بالشام (3) فهربوا إلى الروم فيقول لهم الروم لا


(1) تحت رقم 250. (2) المصدر تحت رقم 14. (3) " إذا قام بعث إلى بني أمية " المتبادر إلى الذهن أنه ليس من أخبار الرجعة وإن حمله الشارح عليها، بل الظاهر منه أن القائم يظهر في ملك بني أمية وهم بالشام فيطلبهم فيفرون منه ويتنصرون إلى آخر ما في الحديث لكن زالت دولتهم بظهور العباسيين ولم يظهر القائم من آل محمد (صلى الله عليه وآله) في دولتهم فحمله الشارح على = (*)

[ 103 ]

ندخلنكم حتى تتنصروا فيعلقون في أعناقهم الصلبان فيدخلونهم فإذا نزل بحضرتهم أصحاب القائم طلبوا الأمان والصلح. فيقول أصحاب القائم: لا نفعل حتى تدفعوا إلينا من قبلكم منا قال: فيدفعونهم إليهم فذلك قوله * (لا تركضوا وارجعوا ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسئلون) * قال يسألهم الكنوز وهو أعلم بها قال: فيقولون * (يا ويلنا إنا كنا ظالمين. فما زالت تلك دعويهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين) * بالسيف (1) وذكر الصدوق في كتاب الاعتقادات طائفة من الآيات التي دلت على صحة الرجعة، ومن أراد الاطلاع عليها فليرجع إليه.


= الرجعة ولولا ذلك لوجب طرح الرواية والحكم بكونها موضوعة من بعض الناس في عصر الأمويين أو يقال: وهم الراوي فسمع من الإمام (عليه السلام) الأخبار بغلبة بني هاشم على بني أمية وقتلهم وتشريدهم وإزالة ملكهم وذهب ذهنه إلى ظهور القائم عجل الله فرجه وأدخل فيه بعض المبالغات كما هو دأبهم مع أن مقصود الإمام (عليه السلام) غلبة العباسيين عليهم وقتلهم كما فعل السفاح ولكن الشارح تحرز من طرح الرواية أو الحكم بغلط الراوي وحمله على الرجعة إذ كان أسهل عليه من الطرح. (ش) (*) (1) الروضة تحت رقم 15. (*)

[ 104 ]

باب الأمور التي توجب حجة الإمام (عليه السلام) * الأصل: 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي نصر قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): إذا مات الإمام بم يعرف الذي بعده ؟ فقال: للإمام علامات منها أن يكون أكبر ولد أبيه ويكون فيه الفضل والوصية، ويقدم الركب فيقول: إلى من أوصى فلان ؟ فيقال: إلى فلان، والسلاح فينا بمنزلة التابوت في بني إسرائيل، تكون الإمامة مع السلاح حيثما كان. * الشرح: قوله (منها أن يكون أكبر ولد أبيه) المراد أنه أغلبي أو المراد أنه كذلك إذا كان الإمامة في الولد أو السؤال والجواب عن إمام بعده (عليه السلام) فلا يرد النقض عكسا بالحسين (عليه السلام). قوله (ويكون فيه الفضل والوصية) أريد بالفضل الصلاح، وكمال النفس بالفضائل والعلم بالشرائع كلها، وأريد بالوصية الوصية الظاهرة المعروفة عند الناس فيكون قوله " ويقدم الركب " حينئذ توضيح وتفسير له ويحتمل أن يراد بها الوصية النبوية أو التي جاء بها جبرئيل (عليه السلام) وما بعده حينئذ علامة مستقلة. قوله (والسلاح فينا) أي سلاح النبي فينا أهل البيت بمنزلة التابوت في بني إسرائيل فكما أن الملك والنبوة في إسرائيل كانا مع التابوت حيث ما كان كذلك يكون الإمامة فينا مع السلاح حيثما كان. * الأصل: 2 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين عن يزيد شعر، عن هارون بن حمزة عن عبد الأعلى قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): المتوثب على هذا الأمر المدعي له، ما الحجة عليه ؟ قال: يسأل عن الحلال والحرام، قال: ثم أقبل علي فقال: ثلاثة من الحجة لم تجتمع في أحد إلا كان صاحب هذا الأمر: أن يكون أولى الناس بمن كان قبله ويكون عنده السلاح ويكون صاحب الوصية الظاهرة التي إذا قدمت المدينة سألت عنها العامة والصبيان: إلى من أوصى فلان ؟ فيقولون: إلى فلان بن فلان. * الشرح: قوله (قال يسأل عن الحلال والحرام) هذه حجة للعلماء الذين يعلمون مسالك الشريعة

[ 105 ]

ومناهجها ويميزون بين الحق والباطل، ويعرفون قدر علم كل أحد بالسؤال عنه. قوله (أولى الناس) في القرابة والكبر والعلم والأخلاق. * الأصل: 3 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم وحفص بن البختري، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قيل له: بأي شئ يعرف الإمام ؟ قال: بالوصية الظاهرة وبالفضل، إن الإمام لا يستطيع أحد أن يطعن عليه في فم ولا بطن ولا فرج، فيقال: كذاب ويأكل أموال الناس، وما أشبه هذا. * الشرح: قوله (بالوصية الظاهرة) يعني المعرفة بين الناس كوصية النبي (صلى الله عليه وآله) إلى علي (عليه السلام) ووصية علي (عليه السلام) إلى الحسن (عليه السلام) وهكذا لا يقال: وصية الرضا (عليه السلام) إلى ابنه محمد بن علي ( ظاهرة معروفة، لأنا نقول: وصيته كانت ظاهرة إذ وصاه عند خروجه إلى خراسان، وأما وصية الحسن بن علي العسكري إلى ابنه صاحب الزمان صلوات الله عليهما فمعروفة أيضا عند أهل العلم. قوله (وبالفضل) قد عرفت أن المراد بالفضل جميع كمالات النفس وهو يتوقف على كمال القوة العقلية والعملية، وكمال القوة الغضبية والشهوية، ويظهر حينئذ حقيقة التعليل المذكور بعده. * الأصل: 4 - محمد بن يحيى، عن محمد بن إسماعيل، عن علي بن الحكم، عن معاوية بن وهب قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): ما علامة الإمام الذي بعد الإمام ؟ فقال: طهارة الولادة، وحسن المنشأ، ولا يلهو ولا يلعب. * الشرح: قوله (طهارة الولادة) بأن لا يطعن عليه في النسب أو يراد أعم منه كأن يتولد مختونا مقطوع السرة غير ملوث بالدم. قوله (وحسن المنشأ) المنشأ مصدر أو مكان من نشأ إذا خرج وابتدأ، أيضا إذا كبر وشب أي ارتفع عن حد الصبا وقرب الإدراك، ولعل المراد أنه اتصف بالكمال من حد الصبا إلى زمان الإدراك لقوة عقله وتقدس ذاته. " ولا يلهو " أي لا يغفل عن الحق ولا يشغل عنه بغيره ولا يلعب يعني لا يعمل عملا لا يترتب عليه نفع ولا يكون فيه رضى من الله تعالى وما صدر عنه في بعض الأوقات من المزاح فإنما هو من لطف طبعه وكرم أخلاقه.

[ 106 ]

* الأصل: 5 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن أحمد بن عمر، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: سألته عن الدلالة على صاحب هذا الأمر، فقال: الدلالة عليه: ا لكبر والفضل والوصية إذا قدم الركب المدينة فقالوا: إلى من أوصى فلان ؟ قيل: فلان بن فلان ودوروا مع السلاح حيثما دار، فأما المسائل فليس فيها حجة. * الشرح: قوله (فقال الدلالة عليه الكبر) أي الدليل عليه الكبر باعتبار السن كما مر يقال كبر الرجل من باب لبس يكبر كبرا أي أسن أو باعتبار القدر والمنزلة يقال كبر من باب شرف فهو كبير إذا عظم قدره وارتفعت منزلته. قوله (فأما المسائل فليس فيها حجة) أي للعوام لأن عقولهم لا يبلغها. فلا ينافي ما مر من أن الحجة أن يسأل عن الحلال والحرام وما سيأتي من أنه " يسئل فيجيب " لأن هذه الحجة للخواص. * الأصل: 6 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن أبي يحيى الواسطي، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) [ قال ]: إن الأمر في الكبير ما لم تكن فيه عاهة. * الشرح: قوله (ما لم تكن فيه عاهة) أي آفة بدنية أو عقلية، فإن منصب الإمامة يتنزه عن النقص في الأعضاء والعقول. * الأصل: 7 - أحمد بن مهران، عن محمد بن علي، عن أبي بصير قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): جعلت فداك بم يعرف الإمام ؟ قال: فقال: بخصال، أما أولها فإنه بشئ قد تقدم من أبيه فيه بإشارة إليه لتكون عليهم حجة، ويسأل فيجيب وإن سكت عنه ابتدأ، ويخبر بما في غد، ويكلم الناس بكل لسان، ثم قال لي: يا أبا محمد أعطيك علامة قبل أن تقوم، فلم ألبث أن دخل علينا رجل من أهل خراسان، فكلمه الخراساني بالعربية فأجابه أبو الحسن (عليه السلام) بالفارسية فقال له الخراساني: والله جعلت فداك ما منعني أن أكلمك بالخراسانية غير أني ظننت أنك لا تحسنها، فقال: سبحان الله إذا كنت لا أحسن أجيبك فما فضلي عليك ؟ ثم قال لي: يا أبا محمد إن الإمام لا يخفى عليه كلام أحد من الناس ولا طير ولا بهيمة ولا شئ فيه الروح، فمن لم يكن هذه الخصال فيه فليس هو بإمام.

[ 107 ]

* الشرح: قوله (فإنه بشئ) اريد به الوصية بالخلافة أو مطلقا كما مر. قوله (ويسئل فيجيب) كما هو شأن العالم الكامل في ذاته المكمل لغيره، فإن قصده لما كان إرشاد الخلق وهدايتهم كان يجيب بالحق إذا سئل ويبتدئ بالكلام إن لم يسأل تحصيلا لمقصوده وتكميلا لعقولهم. قوله (ويخبر بما في غد) يعني يكون له علم ببواطن الأمور كما يكون له علم بظواهرها ويكون الغائب عنده كالشاهد. قوله (ويكلم الناس بكل لسان) من باب مقابلة المتعدد بالمتعدد وتوزيع الجمع على الجمع أي يكلم كل صنف من الناس بلغتهم من غير حاجة إلى المترجم لئلا يفوت الغرض عند عدمه ولا يلحقه النقص بالحاجة إلى الرعية. قوله (أعطيك علامة قبل أن تقوم) هذا إشعار بأنه كان عالما بالغائب كالشاهد لأنه أخبر بما سيقع وقد وقع. قوله (لا تحسنها) أي لا تعلمها، يقال: فلان يحسن الشئ أي يعلمه، وفيه دلالة على أن هذا ومثله من سوء الأدب لا يقدح في اعتقاد القائل وإيمانه. قوله (فما فضلي عليك) دل على أن الإمام يجب أن يكون أفضل من المأموم في جميع الخصال حتى لولا كان في الأمة عالم بشئ ما لم يعلمه الإمام لا يصلح أن يكون الإمام إماما له ولغيره.

[ 108 ]

باب ثبات الإمامة في الأعقاب وأنها لا تعود في أخ ولا عم ولا غيرهما من القرابات 1 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن الحسين بن ثوير بن أبي فاختة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لا تعود الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين أبدا، إنما جرت من علي بن الحسين كما قال الله تبارك وتعالى: * (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) * فلا تكون بعد علي بن الحسين (عليهما السلام) إلا في الأعقاب وأعقاب الأعقاب. 2 - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن محمد بن الوليد، عن يونس بن يعقوب عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه سمعه يقول: أبى الله أن يجعلها لأخوين بعد الحسن والحسين (عليهما السلام). 3 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أنه سئل: أتكون الإمامة في عم أو خال ؟ فقال: لا، فقلت: ففي أخ ؟ قال: لا، قلت: ففي من ؟ قال: في ولدي - وهو يومئذ لا ولد له -. 4 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن سليمان ابن جعفر الجعفري، عن حماد بن عيسى، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: لا تجتمع الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين، إنما هي في الأعقاب وأعقاب الأعقاب. * الأصل: 5 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن ابن أبي نجران، عن عيسى بن عبد الله بن عمر بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: إن كان كون - ولا أراني الله - فبمن أئتم ؟ فأومأ إلى ابنه موسى (عليه السلام) قال: قلت: فإن حدث بموسى حدث فبمن أئتم ؟ قال: بولده، قلت: فإن حدث بولده حدث وترك أخا كبيرا وابنا صغيرا فبمن أئتم ؟ قال: بولده ثم واحدا فواحدا. " وفي نسخة الصفواني ": ثم هكذا أبدا. * الشرح: قوله (إن كان كون ولا أراني الله) كان تامة أي إن حدث حدث ولا أراني الله ذلك الحدث، وأراد به موته (عليه السلام).

[ 109 ]

باب ما نص الله عزوجل ورسوله على الأئمة (عليهم السلام) واحدا فواحدا * الأصل: 1 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، وعلي بن محمد، عن سهل بن زياد أبي سعيد، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن ابن مسكان، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عزوجل: * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) * فقال: نزلت في علي بن أبي طالب والحسن والحسين (عليهم السلام). فقلت له: إن الناس يقولون: فما له لم يسم عليا وأهل بيته (عليهم السلام) في كتاب الله عزوجل ؟ قال: فقال: قولوا لهم: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نزلت عليه الصلاة ولم يسم الله لهم ثلاثا ولا أربعا، حتى كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو الذي فسر ذلك لهم. ونزلت عليه الزكاة ولم يسم لهم من كل أربعين درهما درهم، حتى كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو الذي فسر ذلك لهم. ونزل الحج فلم يقل لهم: طوفوا أسبوعا حتى كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو الذي فسر ذلك لهم. ونزلت * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) * ونزلت في علي والحسن والحسين، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في علي: من كنت مولاه، فعلي مولاه. وقال (صلى الله عليه وآله): أوصيكم بكتاب الله وأهل بيتي، فإني سألت الله عزوجل أن لا يفرق بينهما حتى يوردهما علي الحوض، فأعطاني ذلك وقال: لا تعلموهم، فهم أعلم منكم، وقال: إنهم لن يخرجوكم من باب هدى ولن يدخلوكم في باب ضلالة، فلو سكت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلم يبين من أهل بيته لادعاها آل فلان وآل فلان، لكن الله عزوجل أنزله في كتابه تصديقا لنبيه (صلى الله عليه وآله) * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * فكان علي والحسن والحسين وفاطمة (عليهم السلام)، فأدخلهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) تحت الكساء في بيت ام سلمة، ثم قال: اللهم إن لكل نبي أهلا وثقلا وهؤلاء أهل بيتي وثقلي، فقالت أم سلمة: ألست من أهلك ؟ فقال: إنك إلى خير ولكن هؤلاء أهلي وثقلي فلما قبض رسول لله (صلى الله عليه وآله) كان علي أولى الناس بالناس لكثرة ما بلغ فيه رسول الله (صلى الله عليه وإقامته للناس وأخذه بيده، فلما مضى علي لم يكن يستطيع علي ولم يكن ليفعل أن يدخل محمد بن علي ولا العباس بن علي ولا واحدا من ولده إذا لقال الحسن والحسين: إن الله تبارك وتعالى أنزل فينا كما أنزل فيك فأمر بطاعتنا كما أمر بطاعتك، وبلغ فينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما بلغ فيك وأذهب عنا الرجس كما أذهبه عنك، فلما مضى علي (عليه السلام) كان الحسن (عليه السلام) أولى بها لكبره فلما توفي لم يستطع أن يدخل ولده ولم يكن ليفعل ذلك والله عزوجل يقول: * (وأولوا الأرحام

[ 110 ]

بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) * فيجعلها في ولده إذا لقال الحسين: أمر الله بطاعتي كما أمر بطاعتك وطاعة أبيك وبلغ في رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما بلغ فيك وفي أبيك وأذهب عني الرجس كما أذهب عنك وعن أبيك، فلما صارت إلى الحسين (عليه السلام) لم يكن أحد من أهل بيته يستطيع أن يدعي عليه كما كان هو يدعي على أخيه وعلى أبيه، لو أرادا أن يصرفا الأمر عنه ولم يكونا ليفعلا ثم صارت حين أفضت إلى الحسين (عليه السلام) فجرى تأويل هذه الآية * (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) * ثم صارت من بعد الحسين لعلي بن الحسين، ثم صارت من بعد علي بن الحسين إلى محمد بن علي (عليه السلام). وقال: الرجس هو الشك والله لا نشك في ربنا أبدا. محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن خالد. والحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد. عن يحيى بن عمران الحلبي، عن أيوب بن الحر وعمران بن علي الحلبي، عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثل ذلك. * الشرح: قوله (فقال نزلت في علي بن أبي طالب) هذا هو الحق الذي لاريب فيه دون ما ذكره العامة من أنها نزلت في سلاطين الأمة وأمرائهم وإن كانوا من أهل الجور، وقد بسطنا القول فيه سابقا فلا نعيده. قوله (من كنت مولاه فعلي مولاه) رواه مسلم والبخاري وأحمد بن حنبل في مسنده (1) عن عدة طرق بأسانيده المتصلة إلى عبد الله بن عباس وإلى عائشة قال: " لما خرج النبي (صلى الله عليه وآله) إلى حجة


(1) قوله " رواه مسلم والبخاري " الدليل على إمامة آحاد الأئمة (عليهم السلام) هو النص إذ لا طريق للعقل إلى تعيين أشخاصهم والنص يجب أن يكون موجبا لليقين ولا يحصل اليقين في المنقول إلا بالتواتر فيثبت إمامتهم واحدا واحدا بالتواتر كما دلت عليه الأحاديث الواردة في الباب السابق " إذا قدم الركب المدينة فقالوا: إلى من أوصى فلان ؟ قيل: إلى فلان بن فلان " وقد يمكن إثبات الإمامة في الدعوى المقارنة للمعجزة. وأما رواية " من كنت مولاه " فقد أثبت علماؤنا تواترها في كتبهم في الإمامة بما يغني عن تكرارها وقد صنفوا كتبا في حديث الغدير على ما هو مشهور ولا يحتاج إلى التمسك بقول مسلم والبخاري من آحاد المحدثين وقد رويا في صحيحيهما قوله (صلى الله عليه وآله): " أنت مني بمنزلة هارون من موسى " وحمله الراية في خيبر. وأما رواية " من كنت مولاه " فقد رواه أحمد بن حنبل في مسنده وروى فيه " أنه أول رجل صلى مع رسول الله (صلى الله عليه وآله). وأنه (صلى الله عليه وآله) أمر بحبه وبسد الأبواب إلا بابه، ولا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق وأنت ولي كل مؤمن بعدي " ويشترك معه الترمذي في رواية جميع ذلك وروى الترمذي أيضا " أنه كان أحب الخلق إلى الله تعالى " وروى أحمد " من سب عليا فقد سب النبي (صلى الله عليه وآله) وعلي ولي النبي (صلى الله عليه وآله) في الدنيا والآخرة " وروى الترمذي علي أخو النبي (صلى الله عليه وآله) في الدنيا والآخرة وقوله (صلى الله عليه وآله): أنا دار الحكمة وعلي بابها روى أحمد إخباره (عليه السلام) عن قتل نفسه وأما ما ذكره الشارح من رواية مسلم والبخاري لرواية من كنت مولاه فهو أعلم به. (ش) (*)

[ 111 ]

الوداع نزل بالجحفة فأتاه جبرئيل (عليه السلام) فأمره أن يقوم بعلي (عليه السلام) فقال: " أيها الناس ألستم تزعمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فمن كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وأحب من أحبه وأبغض من أبغضه وانصر من نصره وأعز من أعزه وأعن من أعانه " قال ابن عباس: وجبت والله في أعناق القوم، وفيه دلالة واضحة على أن ولايته (عليه السلام) للمؤمنين كولايته (صلى الله عليه وآله) لهم من غير تفاوت ولا تقييد بوقت ولا تخصيص بشرط، وهذا نص في الخلافة. قوله (أوصيكم بكتاب الله) روى مثله مسلم في صحيحه (1) وصاحب كتاب الجمع بين الصحاح الستة والترمذي في صحيحه وأحمد بن حنبل في مسنده بطرق عديدة مع اختلاف يسير وفيه أيضا دلالة واضحة على النص بخلافته (عليه السلام) حيث شاركه مع القرآن كما وجب على كل من آمن بالله وبرسوله التمسك بالقرآن كذا وجب عليه التمسك بذيل عصمته (عليه السلام) وإلا فرق بينهما وترك وصية نبيه. قوله (وقال لا تعلموهم فإنهم أعلم منكم) لصفاء نفوسهم، ونقاء قلوبهم، وكثرة معاشرتهم ودوام ملازمتهم للنبي (صلى الله عليه وآله)، وفيهم باب مدينة علمه علي بن أبي طالب (عليه السلام) وقد اعترف العامة بكمال علمه ونهاية فضله. قال المازري: لا يخفى أن عليا (رضي الله عنه) كان مستجمعا لخلال شريفة ومناقب منيفة بعضها كاف في استحقاق الإمامة، وقد اجتمع فيه من حميد الصفات وأنواع الكمالات ما تفرق في غيره من الصحابة حتى قيل إنه من أشجع الصحابة وأعلمهم وأزهدهم وأفصحهم وأسبقهم إيمانا وأكثرهم جهادا وأقربهم نسبا وصهرا. كان معدودا في أول الجريدة وسابقا إلى كل فضيلة، وقد قال فيه رباني هذه الأمة ابن عباس: ولم يبق محمدة من محامد الدين والدنيا إلا وهو موصوف بها مع ما ورد فيه من الآثار المنبهة على مناقبه. وقال القرطبي بعد ذكر نسبه (عليه السلام): اتفق الجمهور على أنه أول من أسلم لحديث " أولكم واردا على الحوض أولكم إسلاما علي بن أبي طالب ". وقد عبد الله تعالى قبل أن يعبده أحدا من هذه الأمة بخمس سنين وشهد مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) المشاهد كلها إلا تبوك فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) خلفه مع أهله وقال " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى " وزوجه ابنته فاطمة رضي الله عنها سيدة نساء أهل الجنة. وله من الشجاعة والعلم والحلم والزهد والورع وكرم الأخلاق ما لا يسعه


(1) راجع الصحيح: 7 / 123. (*)

[ 112 ]

كتاب. قوله (وقال إنهم إن يخرجوكم) وفيه أيضا دلالة واضحة على ما ذكرنا، وتعريض لمن عاداهم بأنهم يخرجون من تبعهم من باب الهدى ويدخلونهم في باب الضلالة كما ترى من أئمة الجور وأمراء الجهل بالنسبة إلى تابعيهم. قوله (لادعاها آل فلان وآل فلان) أي آل تيم وآل عدي. جواب الشرط وهو " سكت ولم يبين " فإن قلت: القاعدة العربية يقتضي انتفاء ادعائهما عند وقوع البيان وعدم السكوت، والواقع خلافه، قلت: تقدير الجواب لا يكن الادعاء أو لتوجه الادعاء أو كان للادعاء وجه للنسبة والقرابة البعيدة، وأما حمل الآلين على غير ما مر فبعيد جدا فتأمل. قوله (ولكن الله عزوجل أنزله) أي أنزل بيان أهل بيته وتفسيرهم تصديقا له فيما قال من أنهم لا يفارقون الكتاب، ولا يخرجونكم من باب الهدى، ولا يدخلونكم في باب ضلالة لأن المطهر من الرجس كله شأنه ذلك، وفي بعض النسخ. أنزل بدون الضمير، والمفعول حينئذ قوله " إنما يريد الله ". قوله * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) *. نفى الرجس عنهم على وجه المبالغة حيث أكد ذلك بوجوه: الأول " إنما " الدال على الحصر والتأكيد، الثاني لام التأكيد في ليذهب، الثالث لفظ الإذهاب الدال على الإزالة بالكلية، الرابع التعريف بلام الجنس الذي يستلزم نفيه نفي جميع جزئياته. الخامس الإتيان بالمضارع الدال على الاستمرار، السادس تقديم الظرف على المفعول الدال على كمال العناية والاختصاص، السابع الإتيان بأهل البيت لا بأسمائهم تعظيما لهم، الثامن النداء على وجه الاختصاص، التاسع الإتيان بالتطهير الدال على التنزيه عن كل دنس، العاشر الإتيان بالمصدر تأكيدا. قوله (فكان علي والحسن والحسين) أشار بذلك إلى أن الآية الكريمة نزلت في شأن هؤلاء الطاهرين لا في شأن الزوجات كما يتوهم بالنظر إلى ما قبلها وما بعدها ويدل على بطلان هذا التوهم أمور: الأول أنه أخرج أم سلمة عنها ولو كان المراد الزوجات لدخلت فيها، الثاني أنه أشار إلى علي والحسن والحسين وفاطمة (عليهم السلام) بقوله " اللهم هؤلاء أهل بيتي " وهذا يدل على أنهم المقصودون من أهل البيت دون غيرهم، الثالث أن " يطهركم " و " عنكم " يدل على ما ذكرنا إذ لو كان المراد الزوجات لقيل عنكن ويطهركن، الرابع أن نفي حقيقة الرجس المستلزم لنفي جميع أفراده على العموم صريح في المطلوب لأن نفيه على هذا الوجه عبارة عن العصمة، فيمتنع دخول الزوجات في الخطاب لعدم عصمتهن. وبهذا يندفع ما يتوهم من أن دخول الزوجات في الخطاب

[ 113 ]

المذكور جائز من باب التغليب. واعلم ان روايات العامة أيضا دلت على أن هذه الآية الشريفة نزلت في شأن هؤلاء الطاهرين. روى مسلم في صحيحه (1) بإسناده عن عائشة قالت: " خرج النبي (صلى الله عليه وآله) غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود فجاء الحسن بن علي فأدخله ثم جاء الحسين فأدخله فدخل معه ثم جاءت فاطمة فأدخلها ثم جاء علي فأدخله ثم قال: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " قال عياض: المرط: كساء والجمع مروط، ومرحل بالحاء المهملة ويروى بالجيم أي فيه صورة الرجال أو صور المراجل وهي القدور ويقال: ثوب مرحل بالإضافة وثوب مرحل بالوصف. وقال القرطبي: هذا قول الشارحين ويظهر لي أن المراد به أنه ممشوط خمله ربيدة لأنه (صلى الله عليه وآله) كيف يلبس ما فيه الصور وقد نهى عن ذلك وهتك الستر الذي هي فيه وغضب عند رؤيته، ثم قال القرطبي: الآية تدل على أن المراد بأهل البيت المعظمون الذين عظمهم النبي (صلى الله عليه وآله) بإدخالهم في مرطه. قال ابن عطية: قال ابن عباس وعكرمة: المراد بأهل البيت زوجاته، وقال الجمهور: المراد من أدخلهم معه في المرط لا غير لأحاديث وردت ولقوله تعالى: * (ويطهركم) * ولو أراد الزوجات لقال ويطهركن، ولحديث أبي سعيد قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) " ونزلت هذه الآية في وفي علي وفاطمة والحسن والحسين " وقال بعض الشافعية: أهل الرجل من يجمعه وإياهم مسكن واحد ثم تجوز فاستعمل فيمن يجمعه وإياهم نسب ثم نص في الحديث ما ذكر. أقول: الأحاديث في قول ابن عطية " لأحاديث وردت " منها ما أشار إليه من حديث أبي سعيد الخدري، ومنها ما رواه صاحب كتاب الجمع بين الصحاح الستة في الجزء الثاني عن الثعلبي من طرق منها عن أم سلمة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال لفاطمة: " إيتيني بزوجك وابنيك فأتت بهم فألقى عليهم كساء، ثم رفع يده عليهم فقال: اللهم هؤلاء آل محمد فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد فإنك حميد مجيد، قالت أم سلمة: فرفعت الكساء لأدخل معهم فاجتذبه وقال: إنك لعلى خير " ومنها ما رواه أحمد بن حنبل والثعلبي بإسنادهما عن واثلة بن الأسقع قال: " جاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأدنى عليا وفاطمة فأجلسهما بين يديه وأجلس حسنا وحسينا كل واحد منهما على فخذه، ثم لف عليهم ثوبه - أو قال كساء - ثم تلا هذه الآية * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم


(1) صحيح مسلم: 7 / 130. (*)

[ 114 ]

تطهيرا) *، ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وأهل بيتي أحق وأعلم " إن " كان " هنا يحتمل أن تكون تامة عبارة عن الحدوث والوجود وأن تكون ناقصة خبرها محذوف أي حاضرين أو خبرها قوله " في بيت أم سلمة " أخره اختصارا لتعلقه بالفعلين على سبيل التنازع. قوله (تحت الكساء) الكساء بالكسر والمد واحدة الأكسية وأصله كساو لأنه من كسوت إلا أن الواو لما جاءت بعد الألف همزت. قوله (إن لكل نبي أهلا وثقلا) قال الأزهري: أهل الرجل أخص الناس به وقيل: أهله المختص به اختصاص القرابة، وقيل: خاصته الذي ينسب إليه، وثقل الرجل بالتحريك حشمه الذين يعينونه في أمره وسمى عترته ثقلا لأنهم يعينونه في ترويج دينه. قوله (أولى الناس بالناس) أي أقومهم بأمرهم وأولاهم بالتصرف في أمورهم كما كان النبي (صلى الله عليه وآله) كذلك في حال حياته. قوله (لكثرة ما بلغ فيه) روايات التبليغ كثيرة متواترة مشهورة وفي كتب العامة والخاصة والسير مسفورة مذكورة وما بلغ أحد من الأنبياء في وصيه مثل ما بلغ نبينا (صلى الله عليه وآله) في علي (عليه السلام)، فيا عجبا لحالهم مع كثرة رواياتهم كيف ذهبوا إلى أنه (صلى الله عليه وآله) لم يوص إلى علي (عليه السلام) واستدلوا عليه بما رواه مسلم (1) عن الأسود بن يزيد قال: " ذكروا عند عائشة أن عليا كان وصيا فقالت: متى أوصى إليه فقد كنت مسندته إلى حجري فدعا بالطست فلقد انخنث في حجري، وما شعرت أنه مات فمتى أوصى إليه " أقول: ذكرهم ذلك عندها دل على شيوع الوصاية عندهم، وأما شهادة عائشة مع بغضها لعلي (عليه السلام) لأمر ما كما ذكره الآبي في كتاب إكمال الإكمال وهو من أعاظم علمائهم ومع كونها شهادة على النفي وهي غير مقبولة إجماعا فكيف تسمع وتقبل. وقال الآبي في الكتاب المذكور ونعم ما قال: سبب الوصية إنما هو حدوث المرض لا الانتهاء إلى هذه الحالة التي ذكرتها عائشة وحينئذ لا يتقرر ما ذكرت دليلا على أنه لم يوص لاحتمال أن يكون أوصى قبل ذلك وهذا الكلام الحق قد أجرى الله على لسان هذا الناصبي ليكون حجة عليه يوم القيامة والحمد لله رب العالمين. قوله (وإقامته للناس وأخذه بيده) عطف على الكثرة إشارة إلى ما وقع في غدير خم. قوله (فلما مضى علي لم يكن يستطيع) أي فلما قرب وقت مضيه لم يكن قادرا على نقل الوصية عن محلها إلى غيره لعدم المقتضي له وتحقق المانع منه عقلا ونقلا والفعل عند عدم المقتضى وتحقق المانع غير مقدور ولعل المقصود هو الإشارة إلى أنه إذا لم يكن لصاحب الأمر أن


(1): 5 / 75 كتاب الوصية. (*)

[ 115 ]

ينقل الحق عن صاحبه كيف يجوز ذلك لغيره. قوله (كان الحسن أولى بها لكبره) أي كان أولى بها من الحسين (عليه السلام) لأنه كان أكبر منه وقد مر أن الإمامة لأكبر الأولاد. قوله (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) أي أولى ببعض في التوارث من الأجانب في القرآن أو في حكم الله أو في اللوح المحفوظ المكتوب فيه جميع الأشياء، والظاهر أنه بمنزلة التعليل للفعل المنفي، يعني أن فعله ذلك ونقل الوصية إلى ولده باعتبار مضمون هذه الآية لكون ولده أقرب إليه من أخيه الحسين (عليه السلام) لا يجوز، لأن الحسين (عليه السلام) ورث العلم والإمامة من أبيه حيث أن أباه أوصى إليه وإلى أخيه الحسن (عليهما السلام) على أن يكون الحسن (عليه السلام) مقدما عليه فهو الأولى بالإرث من ولد الحسن (عليه السلام). قوله (لم يكن أحد من أهل بيته يستطيع) كإخوته وأولاد أخيه مثل محمد بن الحنفية وأولاد الحسن (عليه السلام) إذ الحجج المذكورة لم تكن لأحد منهم وفي قوله " كما كان هو يدعي على أخيه وعلى أبيه الخ " دلالة على ما ذكرنا من أن وراثة الحسين (عليه السلام) من أبيه، وأن أباه أوصى إليه أيضا فافهم. قوله (ثم صارت حين أفضت إلى الحسين (عليه السلام) يجري (1) الفضاء المكان والساحة وقولهم أفضى فلان إلى فلان إذا وصل إليه حقيقته صار في فضائه وساحته كذا في المغرب، وقوله " فجرى " خبر صارت بحذف العائد أي يجري تأويل هذه الآية يعني ورث الولد دون سائر الأقارب. قوله (والرجس هو الشك) والرجس مسبب عن الشك في الله والحمل للمبالغة في السببية حتى كان السبب صار نفس المسبب كما أن الحصر كذلك أيضا. * الأصل: 2 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أبيه، عن عبد الله بن المغيرة عن ابن مسكان، عن عبد الرحيم بن الروح القصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله عزوجل: * (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) * فيمن نزلت ؟ فقال: نزلت في الإمرة، إن هذه الآية جرت في ولد الحسين (عليه السلام) من بعده، فنحن أولى بالأمر وبرسول الله (صلى الله عليه وآله) من المؤمنين والمهاجرين والأنصار، قلت: فولد جعفر لهم فيها نصيب ؟ قال: لا، قلت: فلولد العباس فيها نصيب ؟ فقال: لا، فعددت عليه بطون بني عبد المطلب، كل ذلك يقول: لا، قال: ونسيت ولد الحسن (عليه السلام) فدخلت بعد ذلك عليه، فقلت له: هل لولد الحسن فيها


(1) كذا وفي المتن " فجرى " وقال في " المرآة ": أكثر النسخ " فجرى ". (*)

[ 116 ]

نصيب ؟ فقال: لا، والله يا عبد الرحيم ! ما لمحمدي فيها نصيب غيرنا. * الشرح: قوله (نزلت في الإمرة) الإمرة والإمارة بالكسر فيهما الولاية يقال أمر فلان بالضم أي صار أميرا واليا وأمره إذا جعله أميرا صاحب الإمارة والولاية. قوله (إن هذه الآية جرت) أي قوله تعالى: * (وأولو الأرحام) * جرى حكمه في ولد الحسين بعده لتقدمه على سائر الأقرباء في وراثة الإمارة، وأما الحسين (عليه السلام) فهو مقدم على أولاد أخيه الحسن (عليه السلام) وغيرهم من الأقارب. قوله (فلولد جعفر) هو جعفر بن أبي طالب أخو أمير المؤمنين (عليه السلام). * الأصل: 3 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محمد الهاشمي عن أبيه، عن أحمد بن عيسى، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عزوجل * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) * قال: إنما يعني أولى بكم أي أحق بكم وبأموركم وأنفسكم وأموالكم، الله ورسوله والذين آمنوا يعني عليا وأولاده والأئمة (عليهم السلام) إلى يوم القيامة، ثم وصفهم الله عزوجل فقال: * (الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) * وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) في صلاة الظهر وقد صلى ركعتين وهو راكع وعليه حلة قيمتها ألف دينار وكان النبي (صلى الله عليه وآله) كساه إياها وكان النجاشي أهداها له فجاء سائل فقال: السلام عليك يا ولي الله وأولى بالمؤمنين من أنفسهم تصدق على مسكين، فطرح الحلة إليه وأومأ بيده إليه أن احملها. فأنزل الله عزوجل فيه هذه الآية وصير نعمة أولاده بنعمته فكل من بلغ من أولاده مبلغ الإمامة، يكون بهذه النعمة مثله فيتصدقون وهم راكعون والسائل الذي سأل أمير المؤمنين (عليه السلام) من الملائكة والذين يسألون الأئمة من أولاده يكونون من الملائكة. * الشرح: قوله (إنما يعني أولى بكم) هذا التفسير هو الحق، وأما ما ذهب إليه بعض العامة من أن المراد بالولي المحب فينا فيه الحصر وينافيه ما رواه الثعلبي بإسناده عن عباية بن ربعي عن أبي ذر قال: " صليت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) صلاة الظهر فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد شيئا إلا علي (عليه السلام) فأعطاه وهو راكع بحضرة النبي فلما فرغ النبي من صلاته رفع رأسه إلى السماء وقال " اللهم إن موسى (عليه السلام) سألك فقال * (رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري - إلى قوله - من اتبعكما الغالبون) * اللهم أنا محمد عبدك ونبيك وصفيك اللهم فاشرح لي صدري ويسر لي أمري واجعل لي وزيرا من

[ 117 ]

أهلي واشدد به ظهري " قال أبو ذر: فما استتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) الكلمة حتى نزل عليه جبرئيل (عليه السلام) بهذه الآية * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) * والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة وهذا ظاهر في أن المراد بالولي صاحب الولاية والخلافة والوزارة وقد بسطنا القول فيه سابقا فلا نعيده. قوله (يعني عليا (عليه السلام)) وافقتنا العامة في أن المراد به علي (عليه السلام) ورواياتهم أيضا تدل عليه، قال الثعلبي في تفسير هذه الآية: قال السدي: وعتبة بن أبي حكيم وغالب بن عبد الله: إنما عنى بهذه الآية علي بن أبي طالب لأنه مر به سائل وهو راكع في المسجد فأعطاه خاتمه " ومثله قال الزمخشري في الكشاف. قوله (ثم وصفهم الله) يحتمل أن يراد بالوصف النعت المعروف وأن يراد به البيان والتفسير فلا ينافي أن يكون بدلا وعلى التقديرين ترك العطف لأنه المناسب. قوله (ويؤتون الزكاة وهم راكعون) قال بعض النواصب: كيف أعطى الخاتم في الصلاة وهو يوجب فعلا كثيرا ؟ الجواب: إن الروايات مختلفة، ففي بعضها أنه أعطى حلة وفي بعضها أنه أعطى خاتما والجمع محتمل باعتبار تعدد القضية، وعلى التقديرين يمكن الإعطاء من غير أن يتحقق فعل كثير، أما الأول فظاهر، وأما الثاني فلأنه أومأ إلى السائل بيده فأخرجه السائل، يدل على ذلك ما رواه الثعلبي في حديث طويل عن أبي ذر قال: سأله سائل وكان (عليه السلام) راكعا فأومأ إليه بخنصره اليمنى وكان يتختم فيها فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره. قوله (وعليه حلة) الحلة بالضم إزار ورداء كذا في المغرب. قوله (كساه إياها) يقال: كسوته ثوبا فاكتسى. قوله (وكان النجاشي أهداها له) قال المطرزي في المغرب: النجاشي ملك الحبشة بتخفيف الياء سماعا من الثقات وهو اختيار الفاراني. وعن صاحب التكملة بالتشديد وعن الغوري كلتا اللغتين، وأما تشديد الجيم فخطأ واسمه أصحمة والسين تصحيف، وأورد على المطرزي بأن الفاراني ذكره في المنسوب بالتشديد وفي فعالي بالتخفيف. فنظر المطرزي في فعالى وغفل عن المنسوب، وقال الجوهري: النجاشي بالفتح اسم ملك الحبشة، وقال البغوي: اسمه أصحمة بفتح الهمزة وسكون الصاد وفتح الحاء المهملتين، وقال عياض: وهو الصواب والمعروف صحمة بفتح الصاد وإسكان الحاء، وقيل: إنما اسمه صمحة بتقديم الميم على الحاء والصواب الأول، وقال ابن قتيبة: معناه بالعربية عطية، وقال الآبي: يعني أنه مرادف العطية لا أنه تفسير له لأنه علم والأعلام لا تفسر معانيها، فلا يقال زيد معناه كذا وإنما تفسر المشتقات، فيقال: معنى العالم من قام به العلم.

[ 118 ]

وقال عياض: النجاشي لقب لملك الحبشة كما أن كسرى لملك الفرس، وهرقل وقيصر لملك الروم، وخاقان لملك الترك، والتبع لملك اليمن، والقيل لملك حمير، وقيل: القيل أقل درجة من الملك، وقيل: فرعون لكل من ملك مصر، ونمرود لكل جبار ملك قرية نمرود وإبراهيم (عليه السلام). وقال الآبي: هذه هي أعلام جنس كأسامة والنجاشي هذا هو الذي هاجر إليه جعفر وغيره فأكرم نزلهم فأكرمه الله بالجنة وكان يخفي إيمانه وصلى عليه النبي (صلى الله عليه وآله) في اليوم الذي مات فيه وذلك من معجزاته بإخباره عن الغيب وقد كانوا اختلفوا في أنه هل يعد من الصحابة أم لا بناء على اختلافهم في الصحابي هل هو من رآه وآمن به أو من آمن به وهو من أهل عصره وإن لم يره والمشهور هو الأول. قوله (والسائل الذي سأل أمير المؤمنين (عليه السلام) من الملائكة) سأله بأمر الله تعالى اختبارا وإظهارا لفضله على الصحابة. والفضيل بن يسار عطف على زرارة. * الأصل: 4 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن زرارة وفضيل بن يسار وبكير بن أعين ومحمد بن مسلم وبريد بن معاوية وأبي الجارود جميعا عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: أمر الله عزوجل رسوله بولاية علي وأنزل عليه * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة) * وفرض ولاية أولي الأمر، فلم يدروا ما هي، فأمر الله محمدا (صلى الله عليه وآله) أن يفسر لهم الولاية كما فسر لهم الصلاة والزكاة والصوم والحج، فلما أتاه ذلك من الله، ضاق بذلك صدر رسول الله وتخوف أن يرتدوا عن دينهم وأن يكذبوه، فضاق صدره وراجع ربه عزوجل فأوحى الله عزوجل إليه * (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) * فصدع بأمر الله تعالى ذكره فقام بولاية علي (عليه السلام) يوم غدير خم فنادى الصلاة جامعة وأمر الناس أن يبلغ الشاهد الغائب. قال عمر بن أذينة: قالوا جميعا غير أبي الجارود - وقال أبو جعفر (عليه السلام): وكانت الفريضة تنزل بعد الفريضة الأخرى، وكانت الولاية آخر الفرائض، فأنزل الله عزوجل * (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) * قال أبو جعفر (عليه السلام): يقول الله عزوجل: لا أنزل عليكم بعد هذه فريضة، قد أكملت لكم الفرائض. * الشرح: قوله (وأبي الجارود) اسمه زياد بن المنذر زيدي أعمى، أعمى القلب كذاب إليه تنسب الجارودية، وحكى أنه سرحوب ونسب إليه السرحوبية من الزيدية وسماه بذلك أبو جعفر (عليه السلام)

[ 119 ]

وذكر أن سرحوبا اسم شيطان وهو بالسين المهملة المضمومة والراء والحاء المهملتين والباء الموحدة بعد الواو. قوله (قال أمر الله عزوجل رسوله بولاية علي) أي يجعله واليا أميرا على الأمة بعده. قوله (وتخوف أن يرتدوا عن دينهم) للحسد والعناد والعداوة حيث أنه (عليه السلام) قتل من أبنائهم وآبائهم وصناديدهم كثيرا. قوله (وإن يكذبوه) العاقل الكامل يخاف من تكذيبه فيما يقول وإن كان ضرره عائدا إلى المكذب، ولذا قال كليم الله حين جعله رسولا إلى فرعون * (إني أخاف أن يكذبون) * في الحديث: " إن العاقل لا يحدث من يخاف تكذيبه " ثم المراد من تكذيبهم له إما عدم قبولهم الولاية وعدم انقيادهم له وإن اعترفوا أنها من الله أو نسبة الكذب إليه بأنه يقول ذلك من عند نفسه حبا لقرابته لا من عند الله تعالى. قوله (بلغ ما أنزل إليك) من ولاية علي (عليه السلام) * (وإن لم تفعل فما بلغت رسالته) * لأن الولاية أصل الدين وسائر الشرائع فروع وتوابع لها وعدم تبيلغ الأصل موجب لعدم تبيلغ الفرع قطعا * (والله يعصمك من الناس) * قد وفى الله تعالى بما وعده حيث أنهم عن آخرهم قبلوا منه ذلك وصدقوه يومئذ وحيوه بأحسن تحية وباركوه. قوله (فصدع بأمر الله) صدع بالحق إذا تكلم به جهارا وأظهره. قوله (فقام بولاية علي (عليه السلام) يوم غدير خم) قال في النهاية: هو موضع بين مكة والمدينة تصب فيه عين هناك وبينها مسجد للنبي (صلى الله عليه وآله). واعلم أن العامة وافقونا في نصبه (عليه السلام) ذلك اليوم ورواياتهم فيه متواترة مقبولة عندهم منها ما رواه مسلم في صحيحه (1) بإسناده عن يزيد بن حيان قال: انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وسمعت حديثه، وغزوت معه، وصليت خلفه لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا، حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال: يا ابن أخي والله لقد كبرت سني وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فما حدثتكم فاقبلوا وما لا أحدثكم فلا تكلفونيه، ثم قال: قام رسول يوما فينا خطيبا بما يدعى خما بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال: " أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم الثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به،


(1) صحيح مسلم: 7 / 123. (*)

[ 120 ]

فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي - ثلاثا - فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد أليس نساؤه من أهل بيته ؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده. ومنها ما نقله صاحب الطرائف عن مسعود السجستاني بإسناده إلى عبد الله بن عباس قال: أراد النبي (صلى الله عليه وآله) أن يبلغ بولاية علي (عليه السلام) فأنزل الله تعالى * (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك - الآية) * فلما كان يوم غدير خم قام فحمد الله وأثنى عليه وقال: " ألستم تزعمون أني أولى بكم من أنفسكم ؟ قالوا: بلى يارسول الله، قال: فمن كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وأحب من أحبه، وأبغض من أبغضه، وانصر من نصره وأعز من أعزه، وأعن من أعانه ". ومنها ما رواه أبو بكر بن مردويه الحافظ بإسناده إلى أبي سعيد الخدري أن النبي (صلى الله عليه وآله) يوم دعا الناس إلى غدير خم أمر بما كان تحت الشجرة من الشوك فقم وذلك يوم الخميس، ثم دعا الناس إلى علي (عليه السلام) فأخذ بضبعيه فرفعهما حتى نظر الناس إلى بياض إبط رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم يتفرقا حتى نزلت هذه الآية العظيمة * (اليوم أكملت لكم دينكم - الآية) * وقال رسول الله " الله أكبر على كمال الدين وتمام النعمة ورضى الرب برسالتي والولاية لعلي بن أبي طالب ثم قال: اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه، وعاد من عاده، وانصر من نصره، واخذل من خذله " فقال حسان بن ثابت الأنصاري: يا رسول الله أتأذن لي أن أقول أبياتا ؟ قال: قل على بركة الله تعالى، فقال حسان أبياتا منها: يناديهم يوم الغدير نبيهم * بخم وأسمع بالنبي مناديا إلى أن قال: فقال له قم يا علي فإنني * رضيتك من بعدي إماما وهاديا هناك دعا اللهم وال وليه * وكن للذي عادى عليا معاديا فقال: فلقيه عمر بن الخطاب بعد ذلك فقال له: هنيئا لك يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة. ومنها ما رواه ابن المغازلي في كتابه بإسناده إلى أبي هريرة قال: من صام يوم ثماني عشرة من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهرا وهو يوم غدير خم لما أخذ النبي (صلى الله عليه وآله) بيدي علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: " ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: " من كنت مولاه فعلي مولاه " فقال عمر بن الخطاب: بخ بخ لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة فأنزل الله عزوجل * (اليوم أكملت لكم دينكم) *.

[ 121 ]

وفي كتاب الطرائف: روى حديث الغدير محمد بن جرير الطبري صاحب التاريخ من خمس وعشرين طريقا وأفرد له كتابا سماه كتاب العلاة، ورواه أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد المعروف بابن عقدة من مائة وخمسة طرق وأفرد له كتابا سماه كتاب الولاة، وذكر محمد بن الحسن الطوسي في كتاب الاقتصادان قد رواه من مائة وخمس وعشرين طريقا، ورواه أحمد بن حنبل في مسنده من أكثر من خمسة عشر طريقا، ورواه الفقيه الشافعي ابن المغازلي في كتاب المناقب من اثني عشر طريقا، وذكر صاحب الطرائف أيضا أنه ذكر ابن عقدة في الكتاب المذكور الإخبار عن النبي (صلى الله عليه وآله) بذلك وذكر أسماء الرواة من الصحابة والكتاب عندي وعليه خط الشيخ العالم الرباني أبو جعفر الطوسي وجماعة من شيوخ الإسلام، وهذه أسماء من روى حديث غدير خم عن الصحابة وعد أحدا ومائتين من أسماء الصحابة ومن أراد أن يعلمها فليرجع إلى الطرائف. قوله (فأنزل الله عزوجل اليوم أكملت لكم دينكم) روى مسلم في صحيحه بإسناده عن طارق ابن شهاب قال: قال يهودي لعمر: لو علينا معشر يهود نزلت هذه الآية * (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) * ونعلم اليوم الذي أنزلت فيه لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. وفي أخرى قال - يعني ابن شهاب: جاء رجل من اليهود إلى عمر فقال: آية في كتابكم نقرؤها لو علينا نزلت معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، قال: وأي آية ؟ قال: * (اليوم أكملت لكم دينكم - الآية) * فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه والمكان الذي نزلت فيه، نزلت على رسول الله بعرفات في يوم الجمعة ونحن معه. قال القرطبي: هو يوم عرفة في حجة الوداع، وقال مجاهد: نزلت في يوم فتح مكة. ورواياتنا دلت على أنها نزلت في حجة الوداع يوم غدير خم، وذهب إلى ما أشار إليه (عليه السلام) من قوله: " يقول الله لا أنزل عليكم بعد هذه فريضة " مجاهد حيث قال " دينكم " معناه شرائع دينكم لأنها نزلت نجوما وآخر ما نزل منها هذه الآية. وكذا ذهب إليه ابن عباس حيث قال: ولم ينزل بعد هذه الآية حكم ومعنى الآية بحسب تفسير أهل البيت (عليهم السلام) اليوم أكملت لكم دينكم بولاية علي (عليه السلام) وأتممت عليكم نعمتي بإكمال الشرائع بإمامة علي (عليه السلام) ورضيت لكم الإسلام دينا بخلافته. والعامة لما لم يعرفوا ذلك اعترضوا على الله سبحانه بأنه لم يزل كان راضيا بدين الإسلام فلم يكن لتقييد الرضا باليوم فائدة، وأجاب القرطبي بأن معنى قوله: " رضيت لكم الإسلام دينا " أعلمتكم برضاي له دينا اليوم، وإلا فهو سبحانه كان دائما راضيا بذلك فلا يرد أنه لا فائدة للتقييد باليوم لأن رضاه كان دائما لأن الإعلام برضاه وقع في ذلك اليوم. فاعرف قبح ذلك وكن من الشاكرين.

[ 122 ]

5 - علي بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن هارون بن خارجة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كنت عنده جالسا، فقال له رجل: حدثني عن ولاية علي أمن الله أو من رسوله ؟ فغضب ثم قال: ويحك كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخوف لله من أن يقول ما لم يأمره به الله، بل افترضه كما افترض الله الصلاة والزكاة والصوم والحج. * الأصل: 6 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، ومحمد بن الحسين جميعا، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن منصور بن يونس، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: فرض الله عزوجل على العباد خمسا، أخذوا أربعا وتركوا واحدا، قلت: أتسميهن لي جعلت فداك ؟ فقال: الصلاة، وكان الناس لا يدرون كيف يصلون، فنزل جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا محمد أخبرهم بمواقيت صلاتهم، ثم نزلت الزكاة فقال: يا محمد أخبرهم من زكاتهم ما أخبرتهم من صلاتهم، ثم نزل الصوم فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا كان يوم عاشوراء بعث إلى ما حوله من القرى فصاموا ذلك اليوم فنزل [ صوم ] شهر رمضان بين شعبان وشوال، ثم نزل الحج فنزل جبرئيل (عليه السلام) فقال: أخبرهم من حجهم ما أخبرتهم من صلاتهم وزكاتهم وصومهم، ثم نزلت الولاية وإنما أتاه ذلك في يوم الجمعة بعرفة، ثم أنزل الله عزوجل * (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) * وكان كمال الدين بولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال عند ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله): أمتي حديثو عهد بالجاهلية ومتى أخبرتهم بهذا في ابن عمي يقول قائل ويقول قائل - فقلت في نفسي من غير أن ينطق به لساني - فأتتني عزيمة من الله عزوجل بتلة أوعدني إن لم أبلغ أن يعذبني، فنزلت: * (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس، إن الله لا يهدي القوم الكافرين) * فأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بيد علي (عليه السلام) فقال: [ يا ] أيها الناس إنه لم يكن نبي من الأنبياء ممن كان قبلي إلا وقد عمره الله، ثم دعاه فأجابه، فأوشك أن أدعى فأجيب وأنا مسؤول وأنتم مسؤولون، فماذا أنتم قائلون ؟ فقالوا: نشهد أنك قد بلغت ونصحت وأديت ما عليك فجزاك الله أفضل جزاء المرسلين، فقال: اللهم اشهد - ثلاث مرات - ثم قال: يا معشر المسلمين هذا وليكم من بعدي فليبلغ الشاهد منكم الغائب، قال أبو جعفر (عليه السلام): كان والله [ علي (عليه السلام) ] أمين الله على خلقه وغيبه ودينه الذي ارتضاه لنفسه، ثم إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) حضره الذي حضره فدعا عليا فقال: يا علي إني أريد أن أئتمنك على ما إئتمنني الله عليه من غيبه وعلمه و [ من ] خلقه ومن دينه الذي ارتضاه لنفسه، فلم يشرك والله فيها - يا زياد - أحدا من الخلق، ثم إن عليا (عليه السلام) حضره الذي حضره فدعا ولده وكانوا

[ 123 ]

اثني عشر ذكرا فقال لهم: يا بني إن الله عزوجل قد أبى إلا أن يجعل في سنة من يعقوب وإن يعقوب دعا ولده وكانوا اثني عشر ذكرا، فأخبرهم بصاحبهم، ألا وإني أخبركم بصاحبكم، ألا إن هذين ابنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) الحسن والحسين (عليهما السلام) فاسمعوا لهما وأطيعوا ووازروهما فإني قد إئتمنتهما على ما إئتمنني عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) مما إئتمنه الله عليه من خلقه ومن غيبه ومن دينه الذي ارتضاه لنفسه، فأوجب الله لهما من علي (عليه السلام) ما أوجب لعلي (عليه السلام) من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلم يكن لأحد منهما فضل على صاحبه إلا بكبره وإن الحسين كان إذا حضر الحسن (عليهما السلام) لم ينطق في ذلك المجلس حتى يقوم. ثم إن الحسن (عليه السلام) حضره الذي حضره فسلم ذلك إلى الحسين (عليه السلام)، ثم إن حسينا حضره الذي حضره فدعا ابنته الكبرى فاطمة بنت الحسين (عليه السلام) فدفع إليها كتابا ملفوفا ووصية ظاهرة وكان علي بن الحسين (عليهما السلام) مبطونا لا يرون إلا أنه لما به، فدفعت فاطمة الكتاب إلى علي بن الحسين ثم صار والله ذلك الكتاب إلينا. الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن محمد بن جمهور، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن منصور بن يونس، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام) مثله. * الشرح: قوله (فقال يا محمد أخبرهم بمواقيت صلاتهم) الميقات الوقت المضروب للفعل وأصله موقات تقول: وقت الفعل إذا جعل له وقتا يفعل فيه وهو بيان مقدار المدة، وقته أيضا إذا قدره وحده وكيفه بتقدير معين وحد مخصوص وكيفية مخصوصة. قوله (فنزل شهر رمضان بين شعبان وشوال) أي فنزل صوم شهر رمضان و " بين " ظرف للشهر أو للصوم، والغرض من ذكره هو الإشارة إلى وجوب صوم كله وقيل ظرف للشهر والغرض منه هو التنبيه على أنه لم يكن اسمه شهر رمضان قبل فلما أمر الله تعالى بصوم ذلك الشهر سماه شهر رمضان لأن رمضان اسم الله تعالى وفيه دلالة على أنه نسخ صوم عاشوراء بصوم هذا الشهر وعلى أنه يجوز نسخ الأخف بالأشق لأن صوم شهر أشق من صوم يوم. قوله (ثم نزلت الولاية - إلى قوله - بولاية علي (عليه السلام)) لعل المراد: ثم نزلت ولاية علي (عليه السلام) لقوله جل شأنه * (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك - الآية) * وإنما أتاه ذلك أي الولاية في يوم الجمعة بعرفة ولما أقامه ونصبه في يوم غدير خم أنزل الله تعالى * (اليوم أكملت لكم دينكم - الآية) * ثم ما بعده تفصيل لهذا المجمل، فلا يرد أن هذا يدل على أن نزول قوله تعالى * (اليوم أكملت لكم دينكم) * كان في يوم عرفة قبل إظهار ولاية علي (عليه السلام) وهو مناف لما مر أنه كان بعده. فليتأمل. قوله (حديثو عهد بالجاهلية) يقال: عهده به حديث أي إدراكه وملاقاته إياه قريب لم يمض

[ 124 ]

بعد زمان كثير وفيه إيماء إلى أن فيهم شائبة من أخلاق الجاهلية ولم ينقلع عروقها عن قلوبهم والحق أنهم كانوا كذلك فلذلك أحدثوا بعده ما أحدثوا. قوله (يقول قائل ويقول قائل) أي يقول قائل: أخبر به وهو صادق، ويقول قائل آخر: أخبر به وهو كاذب مفتر على الله. أو يقول قائل: أخبر به من قبله للقرابة، ويقول قائل آخر: أخبر به افتراء. وحذف مقول القول للدلالة على التعميم في الذم. قوله (فقلت في نفسي) أي قال: فقلت، بحذف الجملة لقرينة المقام وهو متفرع على السابق منتظم في سلكه من غير تقدير شئ أو معطوف على أمتي والقول النفسي عبارة عن الخاطر ثم هذا القول من كرم الأخلاق والتواضع للرب وإلا فهو (صلى الله عليه وآله) أرفع من أن يخالف ربه في أمر من الأمور. وأما وجوب إظهار الولاية فقد كان وقته موسعا وإنما لم يبادر في أول أوقات إمكانه لأنه كان مترقبا للعصمة من الله تعالى. قوله (فأتتني عزيمة من الله تعالى بتلة) البتل القطع، والعزيمة الفريضة التي عزم الله سبحانه على العباد وجوبها، ووصفها بالبتلة للدلالة على أنها فريضة محكمة لا ترد ولا تتبدل وهو إما للتأكيد أو للتقييد بناء على أن الفريضة قد تكون غير محكمة. قوله (وأنا مسؤول وأنتم مسؤولون) أي أنا مسؤول عن التبليغ والسياسة وأنتم مسؤولون عن التصديق والطاعة أو حذف المتعلق للتعميم. قوله (كان والله أمين الله على خلقه) مدار الإمارة على ثلاثة أشياء: الأول أن يكون أمين الله على خلقه جميعا لأنه خليفة عليهم فينبغي أن يفعل بهم على وفق مراده تعالى ولا يخونه في شئ من أمورهم، الثاني أن يكون أمينه على غيبه من العلوم والأسرار المختصة بالأنبياء فلا يخونه بالزيادة والنقصان، الثالث أن يكون أمينه على دينه الذي ارتضاه لنفسه وقرره لمصالح عباده فيحفظه كما قرره ويبينه كما أنزله ويجري عليهم أحكامه ولا يخونه في شئ أصلا وقد كان علي (عليه السلام) والله موصوفا بهذه الخصال على وجه الكمال. قوله (إني أريد أن ائتمنك) إيتمنه على كذا فهو مؤتمن أي اتخذه أمينا. قوله (فلم يشرك والله فيها يا زياد أحد) أي لم يجعل شريكه في الولاية والخلافة، يقال: أشركه فيه أي جعله شريكا فيه ومنه قوله تعالى: * (وأشركه في أمري) * أي أجعله شريكي فيه، وفيه دفع لتوهم أهل الفساد أن له شريكا في الخلافة بعده (صلى الله عليه وآله). قوله (ووازروهما) الوزر الحمل الثقيل ووزره حمله يعني احملوا عنهما ما يثقل ظهرهما من الأشياء المثقلة، وفيه ترغيب في معاونتهما وتحمل أثقالهما.

[ 125 ]

قوله (ولم ينطق في ذلك المجلس حتى يقوم) أي لم ينطق بما ينبغي أن ينطق به الإمام من أمر الدين والرئاسة لما مر من أنه لا يجتمع في عصر إمامان إلا وأحدهما صامت. قوله (فدفع إليها كتابا ملفوفا) الروايات في ذلك مختلفة فمنها هذه ومنها أنه (عليه السلام) دفع إلى أم سلمة صحيفة مختومة ثم قبضها بعد ذلك علي بن الحسين (عليهما السلام) ومنها أن الإمام يعرف إمامته وينتهي الأمر إليه في آخر دقيقة تبقى من حياة الأول ولا اختلاف في الحقيقة لأنه (عليه السلام) دفع إلى علي بن الحسين (عليهما السلام) ما معه من العلوم والأسرار الإلهية في ساعة قريبة من القتل ودفع بعض وصاياه إلى أم سلمة مثل الصحيفة المختومة وسلاح رسول الله (صلى الله عليه وآله) عند خروجه إلى العراق وبعضها إلى ابنته فاطمة لعلمه بأنهما تدفعان إلى علي بن الحسين عليهما السلام. * الأصل: 7 - محمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن محمد بن عيسى، عن صفوان بن يحيى، عن صباح الأزرق، عن أبي بصير قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): إن رجلا من المختارية لقيني فزعم أن محمد بن الحنفية إمام، فغضب أبو جعفر (عليه السلام)، ثم قال: أفلا قلت له ؟ قال: قلت: لا والله ما دريت ما أقول، قال: أفلا قلت له: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أوصى إلى علي والحسن والحسين فلما مضى علي (عليه السلام) أوصى إلى الحسن والحسين ولو ذهب يزويها عنهما لقالا له: نحن وصيان مثلك ولم يكن ليفعل ذلك وأوصى الحسن إلى الحسين ولو ذهب يزويها عنه لقال أنا وصي مثلك من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن أبي ولم يكن ليفعل ذلك، قال الله عزوجل: * (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض) * هي فينا وفي أبنائنا. * الشرح: قوله (إن رجلا من المختارية) الروايات في مدح مختار بن أبي عبيد الثقفي وذمه مختلفة قيل هو الذي دعى الناس إلى محمد بن علي بن أبي طالب ابن الحنفية وسميت أصحابه بالكيسانية وهم المختارية وكان لقبه كيسان ولقب كيسان لصاحب شرطه وقيل إنه سمى كيسان بكيسان مولى علي ابن أبي طالب (عليه السلام) وقيل هو الذي حمله على الطلب بدم الحسين (عليه السلام) ودله على قتلته وكان صاحب سره والغالب على أمره وكان لا يبلغه عن رجل من أعداء الحسين (عليه السلام) إنه في دار أو موضع إلا قصده فهدم الدار بأسرها وقتل كل من فيها من ذي روح. قوله (أفلا قلت) الفاء للعطف على مقدر أي أسمعت ذلك فلا قلت له شيئا. قوله (ما دريت) دريت الشئ علمته.

[ 126 ]

باب الإشارة والنص على أمير المؤمنين (عليه السلام) * الأصل: 1 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل، عن منصور بن يونس، عن زيد بن الجهم الهلالي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: لما نزلت ولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام) وكان من قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): سلموا على علي بإمرة المؤمنين، فكان مما أكد الله عليهما في ذلك اليوم - يا زيد - قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) لهما: قوما فسلما عليه بإمرة المؤمنين، فقالا: أمن الله أو من رسوله يا رسول الله ؟ فقال لهما رسول الله (صلى الله عليه وآله): من الله ومن رسوله فأنزل الله عزوجل * (ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون) * يعني به قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) لهما وقولهما: أمن الله أو من رسوله * (ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون) * أئمة هي أزكى من أئمتكم قال: قلت: جعلت فداك أئمة ؟ قال: إي والله أئمة، قلت: فإنا نقرأ: أربى، فقال: ما أربى ؟ - وأومأ بيده فطرحها - * (إنما يبلوكم الله به) * يعني بعلي (عليه السلام) * (وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون * لو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسألن يوم القيامة عما كنتم تعلمون * ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها) * يعني بعد مقالة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في علي * (وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله) * يعني به عليا (عليه السلام) * (ولكم عذاب عظيم) *. * الشرح: قوله (بإمرة المؤمنين) أي بإمارتهم وولايتهم. قوله (مما أكد الله عليهما) أي على الأول والثاني. قوله (فقالا أمن الله أو من رسوله) دل على أنهما لم يوقنا بالله وبرسوله حيث ظنا أن الرسول يتكلم بذلك الأصل العظيم من قبله افتراء على الله وكأنهما لم يسمعا قوله تعالى: * (ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) * * (ولا تنقضوا الأيمان) * أي لا تنقضوا أيمان البيعة بولاية علي (عليه السلام) وإمارته بعد توكيدها وتوثيقها بذكر الله وميثاقه * (وقد جعلتم الله عليكم كفيلا) * شاهدا رقيبا سمى الشاهد الرقيب كفيلا لأن الكفيل مراع بحال المكفول به، شاهد رقيب عليه، واعلم أن تفسير

[ 127 ]

الأيمان بأيمان البيعة ليس ببعيد مستبعد لتصريح علماء العامة بذلك في تفاسيرهم إلا أنهم أرادوا بالبيعة بيعة الرسول. قوله (إن الله يعلم ما تفعلون) تقرير وتثبيت لكونه كفيلا لأن كل من قال قولا أو عمل عملا فقد جعل الله عليه كفيلا. قوله (يعني به) الظاهر أنه تفسير لما تفعلون والضمير راجع إليه وأريد بقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) قوله في الموضعين. قوله (ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا) الغزل مصدر غزلت المرأة القطن وهو هنا بمعنى المفعول. والقوة الإبرام والإحكام، والأنكاث جمع النكث بالكسر وهو الخيط الخلق من صوف أو شعر أو وبر، سمي به لأنه ينقض ثم يعاد فتله، وانتصابه على أنه حال من غزلها. نهاهم أن ينقضوا عهدهم وبيعتهم ويتشبهوا بالمرأة التي نقضت ما غزلته من بعد قوة وإحكام وجعلته خلقا وأعادت فتله وهي ريطة بنت سعد بن تيم القرشية فإنها كانت خرقاء تفعل ذلك. قوله (تتخذون أيمانكم دخلا بينكم) حال من الضمير في قوله ولا تكونوا، والدخل بالتحريك والتسكين الدغل، وهو الريبة والمكر والخديعة، وأصله ما يدخل في الشئ وليس منه فيفسده، والمعنى: لا تكونوا متشابهين بالمرأة المذكورة حال كونكم تتخذون أيمانكم وبيعتكم مكرا وخديعة بينكم. قوله (أن تكون أئمة) متعلق بتتخذون أي بسبب أن يكون أو لأجل أو كراهة أن يكون أئمة هي أزكى أي أطهر وأفضل من أئمتكم والتفضيل هنا مجرد عن الزيادة أو لإظهاره أصلا في غيرهم من الأئمة. قوله (قال قلت جعلت فداك أئمة) كأن السائل كان في مقام الشك حيث لم ير في القرآن إلا أمة (1) بمعنى جماعة ولو كان هذا لتم المقصود أيضا فتأمل.


(1) " حيث لم ير في القرآن إلا أمة " زيد بن جهم لا عبرة بما يرويه مخالفا للمعلوم المتواتر أو الثابت بالبرهان اليقيني، أما الأول فما يتضمنه من تحريف القرآن صريحا والقرآن متواتر والخبر من الآحاد ولا يثبت القرآن بخبر الواحد بإجماع المسلمين، وأما الثاني فإنا نعلم بالبرهان اليقيني عصمة الحجج (عليهم السلام) وعدم تمسكهم بحجة باطلة ونعلم أن الاحتجاج في مقابل الخصم يجب أن يكون بما يعترف الخصم به وإلا فلا يتم الحجة عليه ومعلوم أن أحدا من المسلمين المعترفين بالقرآن الكريم لا يقبل القراءة الشاذة فإن كان مقصود الإمام (عليه السلام) الاحتجاج على المعاند بقراءة اختص هو بنقلها فهو حجة باطلة ينزه الإمام عنها وان كان المقصود =

[ 128 ]

قوله (يعني بعلي (عليه السلام)) يريد أن الضمير المجرور يعود إلى علي (عليه السلام) باعتبار أنه مفهوم من أئمة وأنه واحد منها أو إلى أئمة باعتبار أن المراد بها علي (عليه السلام) والجمع للتعظيم ويحتمل أن يكون الضمير عائدا إلى " أن تكون أئمة " بمعنى المصدر أي إنما يخبركم بكون أئمة أزكى هل تتمسكون بحبل الوفاء بعهده وبيعته أم تخدعونه بالمكر والخديعة ونقض العهد !. قوله (وليبينن لكم) أي وليبينن لكم يوم القيامة عند مجازاة العباد بالثواب والعقاب ما كنتم تختلفون من أمر الولاية والإمامة بنقض العهد فتجدون جزاء الاختلاف والنقض. قوله (ولو شاء - إلى قوله - تعملون) أي ولو شاء الله أن يجعلكم أمة واحدة متفقة على الإيمان والولاية جبرا لجعلكم كذلك ولكن يضل من يشاء بخذلانه ووكوله إلى نفسه المائلة إلى الفساد ويهدي من يشاء بالنصر والتوفيق بحسن استعداده، فالجبر منتف والخذلان والتوفيق واقعان باعتبار تفويت الاستعداد والقبول وعدمه. قوله (ولا تتخذوا أيمانكم) صريح بالنهي عنه بعد الإشعار به للتأكيد والمبالغة أي لا تتخذوا أيمان البيعة ومواثيق الولاية مكرا وخديعة بينكم فتزل قدم عن طريق الحق ومنهج الإيمان بعد ثبوتها عليه ببيان الرسول. وقوله في علي (عليه السلام) من ولاية الأمة وخلافتهم له بأمر الله تعالى وتذوقوا سوء العذاب يوم القيامة بسبب صدودكم وإعراضكم عن الوفاء بالعهد والبيعة ومنعكم الأعقاب عنه ولكم عذاب عظيم بإعراضكم عنه ومنعكم للغير، فإن من نقض البيعة وارتد، جعل ذلك سنة لغيره - كما صرح به القاضي وغيره - فعليه وزره ومثل وزر من عمل به إلى يوم القيامة. * الأصل: 2 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين وأحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن محمد ابن فضيل، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته يقول: لما أن قضى محمد نبوته واستكمل أيامه أوحى الله تعالى إليه أن يا محمد ! قد قضيت نبوتك واستكملت أيامك، فاجعل العلم الذي عندك والإيمان والاسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة في أهل بيتك عند علي بن أبي طالب، فإني لن أقطع العلم والإيمان والاسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة من


= الاحتجاج لمؤمن معترف بحجية قول الإمام وعصمته وقبول ما ينقل من القراءة وإن كانت شاذة فهو في غنى عن إثبات إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) لأنه قائل بإمامته وعصمته وإمامة جميع الأئمة إلى الصادق (عليه السلام). (ش) (*)

[ 129 ]

العقب من ذريتك كما لم أقطعها من ذريات الأنبياء. * الشرح: قوله (والإيمان) هو إما بفتح الهمزة بمعنى الميثاق والعهد بالولاية، أو بكسرها وهو التصديق القلبي بالله وبرسوله وبجميع ما جاء به الرسول، ولعل المراد به هنا ما يجب الإيمان به وهو جميع ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله) من عند الله تعالى. قوله (والاسم الأكبر) الاسم الأكبر يطلق على الاسم الأعظم وعلى كل كتاب نزل من السماء، ولعل المراد به هنا الثاني لأن الصادق (عليه السلام) فسره في الحديث التالي لهذا الحديث (1). قوله (وميراث العلم) الإضافة بتقدير اللام وحملها على البيانية يوجب التكرار ولعل المراد به الولاية العظمى والخلافة الكبرى وهي رئاسة الدارين وخلافة الكونين. قوله (وآثار علم النبوة) الإضافة مثل ما مر ولعل المراد بها إرشاد الخلق وهدايتهم وتعليمهم وغير ذلك من المعجزات والكرامات وروح القدس وبالجملة أمره أن يجعل عند علي (عليه السلام) خمسة أمور: الأول: العلم الكامل بجميع الأمور، الثاني: الشرائع الإلهية، الثالث: الكتب السماوية، الرابع: الخلافة الدينية والدنيوية، الخامس: الإرشاد والتعليم. * الأصل: 3 - محمد بن الحسين وغيره، عن سهل، عن محمد بن عيسى، ومحمد بن يحيى ومحمد ابن الحسين جميعا، عن محمد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر وعبد الكريم بن عمرو، عن عبد الحميد بن أبي الديلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أوصى موسى (عليه السلام) إلى يوشع بن نون وأوصى يوشع بن نون إلى ولد هارون ولم يوص إلى ولده ولا إلى ولد موسى، إن الله تعالى له الخيرة، يختار من يشاء ممن يشاء وبشر موسى ويوشع بالمسيح (عليهم السلام) فلما أن بعث الله عزوجل المسيح قال المسيح (عليه السلام) لهم: إنه سوف يأتي من بعدي نبي اسمه أحمد من ولد إسماعيل (عليه السلام) يجئ بتصديقي وتصديقكم وعذري وعذركم، وجرت من بعده في الحواريين في المستحفظين، وإنما سماهم الله تعالى المستحفظين لأنهم استحفظوا الاسم الأكبر وهو الكتاب الذي يعلم به علم كل


(1) قوله " في الحديث التالي " بل في أواخر هذا الحديث بعينه. (*)

[ 130 ]

شئ، الذي كان مع الأنبياء صلوات الله عليهم، يقول الله تعالى: * (ولقد أرسلنا رسلا (1) من قبلك وأنزلنا معهم الكتاب والميزان) * الكتاب: الاسم الأكبر وإنما عرف مما يدعى الكتاب التوراة والإنجيل والفرقان فيها كتاب نوح (عليه السلام) وفيها كتاب صالح وشعيب وإبراهيم (عليهم السلام) فأخبر الله عزوجل: * (إن هذا لفي الصحف الأولى * صحف إبراهيم وموسى) * فأين صحف إبراهيم ! إنما صحف إبراهيم الاسم الأكبر، وصحف موسى الاسم الأكبر فلم تزل الوصية في عالم بعد عالم حتى دفعوها إلى محمد (صلى الله عليه وآله) فلما بعث الله عزوجل محمدا (صلى الله عليه وآله) أسلم له العقب من المستحفظين وكذبه بنو إسرائيل ودعا إلى الله عزوجل وجاهد في سبيله. ثم أنزل الله جل ذكره عليه أن أعلن فضل وصيك فقال: رب إن العرب قوم جفاة، لم يكن فيهم كتاب ولم يبعث إليهم نبي ولا يعرفون فضل نبوات الأنبياء (عليهم السلام) ولا شرفهم ولا يؤمنون بي إن أنا أخبرتهم بفضل أهل بيتي، فقال الله جل ذكره: * (ولا تحزن عليهم) * * (وقل سلام فسوف تعلمون) * فذكر من فضل وصيه ذكرا فوقع النفاق في قلوبهم، فعلم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذلك وما يقولون. فقال الله جل ذكره: يا محمد ! * (ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون) * * (فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) * ولكنهم يجحدون بغير حجة لهم وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتألفهم ويستعين ببعضهم على بعض ولا يزال يخرج لهم شيئا في فضل وصيه حتى نزلت هذه السورة فاحتج عليهم حين أعلم بموته ونعيت إليه نفسه، فقال الله جل ذكره: * (فإذا فرغت فانصب * وإلى ربك فارغب) * يقول: إذا فرغت فانصب علمك وأعلن وصيك فأعلمهم فضله علانية، فقال (صلى الله عليه وآله): من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه - ثلاث مرات - ثم قال: لأبعثن رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، ليس بفرار، يعرض بمن رجع يجبن أصحابه ويجبنونه وقال (صلى الله عليه وآله): علي سيد المؤمنين وقال: علي عمود الدين. وقال: هذا هو الذي يضرب الناس بالسيف على الحق بعدي، وقال: الحق مع علي أينما مال. وقال: إني تارك فيكم أمرين إن أخذتم بهما لن تضلوا: كتاب الله عزوجل وأهل بيتي عترتي، أيها الناس اسمعوا وقد بلغت، إنكم ستردون علي الحوض فأسألكم عما فعلتم في الثقلين، والثقلان: كتاب الله جل ذكره وأهل بيتي


(1) كذا، وفي المصحف * (ولقد أرسلنا رسلنا بالبينات - الآية) *. (*)

[ 131 ]

فلا تسبقوهم فتهلكوا ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم، فوقعت الحجة بقول النبي (صلى الله عليه وآله) وبالكتاب الذي يقرؤه الناس فلم يزل يلقي فضل أهل بيته بالكلام ويبين لهم بالقرآن * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * وقال عز ذكره: * (واعلموا أنما غنمتم من شئ فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى) * ثم قال: * (وآت ذا القربى حقه) * فكان علي (عليه السلام) وكان حقه الوصية التي جعلت له والاسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة، فقال: * (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) * ثم قال: " وإذا المودة سئلت بأي ذنب قتلت " يقول: أسألكم عن المودة التي أنزلت عليكم فضلها، مودة القربى، بأي ذنب قتلتموهم، وقال جل ذكره: * (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) * قال: الكتاب [ هو ] الذكر، وأهله آل محمد (عليهم السلام) أمر الله عزوجل بسؤالهم ولم يؤمروا بسؤال الجهال، وسمى الله عزوجل القرآن ذكرا فقال تبارك وتعالى: * (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) * وقال عزوجل: * (وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون) * وقال عزوجل: * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) * وقال عزوجل: * (ولو ردوه (إلى الله و) إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) * فرد الأمر - أمر الناس - إلى أولي الأمر منهم الذين أمر بطاعتهم وبالرد إليهم، فلما رجع رسول الله (صلى الله عليه وآله) من حجة الوداع نزل عليه جبرئيل (عليه السلام) فقال: * (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين) * فنادى الناس فاجتمعوا وأمر بسمرات فقم شوكهن، ثم قال (صلى الله عليه وآله): [ يا ] أيها الناس من وليكم وأولى بكم من أنفسكم ؟ فقالوا: الله ورسوله، فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه - ثلاث مرات - فوقعت حسكة النفاق في قلوب القوم وقالوا: ما أنزل الله جل ذكره هذا على محمد قط وما يريد إلا أن يرفع بضبع ابن عمه، فلما قدم المدينة أتته الأنصار فقالوا: يا رسول الله إن الله جل ذكره قد أحسن إلينا وشرفنا بك وبنزولك بين ظهرانينا، فقد فرح الله صديقنا وكبت عدونا وقد يأتيك وفود فلا تجد ما تعطيهم فيشمت بك العدو، فنحب أن تأخذ ثلث أموالنا حتى إذا قدم عليك وفد مكة وجدت ما تعطيهم، فلم يرد رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليهم شيئا وكان ينتظر ما يأتيه من ربه فنزل جبرئيل (عليه السلام) وقال: * (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) * ولم يقبل أموالهم، فقال المنافقون: ما أنزل الله هذا على محمد وما يريد إلا أن يرفع بضبع ابن عمه ويحمل علينا أهل بيته، يقول أمس: من كنت مولاه فعلي مولاه، واليوم: قل لا أسألكم عليه

[ 132 ]

أجرا إلا المودة في القربى. ثم نزل عليه آية الخمس فقالوا: يريد أن يعطيهم أموالنا وفيئنا، ثم أتاه جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا محمد إنك قد قضيت نبوتك واستكملت أيامك فاجعل الاسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة عند علي (عليه السلام)، فإني لم أترك الأرض إلا ولي فيها عالم تعرف به طاعتي وتعرف به ولايتي ويكون حجة لمن يولد بين قبض النبي إلى خروج النبي الآخر، قال: فأوصى إليه بالاسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة وأوصى إليه بألف كلمة وألف باب، يفتح كل كلمة وكل باب ألف كلمة وألف باب. * الشرح: قوله (قال أوصى موسى إلى يوشع بن نون) اعلم أن المقصود من هذا الحديث بيان أمور، منها: أن الوصية قد جرت بأمر الله تعالى من نبي إلى آخر وهكذا إلى أن وصلت إلى خاتم الأنبياء وعترته الطاهرين وليس لإرادة الخلق واختيارهم مدخل في الخلافة والإمامة وبذلك يبطل اختيار الجهلة إياها للثلاثة. ومنها: أن الكتب الإلهية التي أنزلها الله تعالى إلى أنبيائه السابقين كانت محفوظة عنده (صلى الله عليه وآله) فلابد أن تكون محفوظة بعده عند خليفته، وإذ ليس عند غير علي بن أبي طالب (عليه السلام) بالاتفاق فلابد أن يكون عنده، ومنها: أنه (صلى الله عليه وآله) كان لا يزال يخرج شيئا بعد شئ صريحا وكناية وإشارة في فضل أهل بيته ووصيه حتى ملأ به أسماع الأمة وقلوبهم لئلا يكون لهم بعده مجال لإنكار فضل أهل البيت وتقدمهم عليهم. ومنها: أن الله تعالى لا يزال ينزل آية بعد آية في فضل أهل بيت نبيه حتى أن قرب انقضاء مدته (صلى الله عليه وآله) فأمره بإعلان فضل وصيه وإظهار ولايته وخلافته على رؤوس الخلائق وأوعده بأنه إن لم يفعل ذلك لم يبلغ رسالته فأجاب (صلى الله عليه وآله) أمر ربه وبلغه كما أمره به. ومنها: أن العرب بعد هذه المراتب لشدة قلوبهم وكمال قربهم بالجاهلية وميلهم إلى الدنيا وقعت حسكة النفاق في صدورهم حتى فعلوا ما فعلوا، ومنها: أنه تعالى أمر نبيه بعد استكمال أيامه أن يجعل جميع ما معه من العلم وميراثه وآثار علم النبوة عند علي (عليه السلام) ففعله ومضى.

[ 133 ]

قوله (بتصديقي وتصديقكم) أي بتصديقي في الرسالة وصحة الولادة، ردا لليهود كما نطقت به سورة المائدة في قوله تعالى: * (وإذ أوحينا إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا بالله واشهد بأننا مسلمون) * إلى غير ذلك من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. قوله (وعذري وعذركم) أي بمحو إساءتي وإساءتكم وحقيقة عذرت عذرا محوت الإساءة وطمستها وفيه إشارة إلى أن الأنبياء وأمتهم يحتاجون إليه في نيل القرب ورفع الدرجة، أو المصدر وهو العذر بمعنى العاذر وهو الأثر، أي يجئ بأثري وأثركم أشار بذلك إلى قرب ظهوره وإلى أنه لا نبي بعده إلا هو (صلى الله عليه وآله). قوله (جرت من بعده في الحواريين في المستحفظين) الظرف الأخير بدل مما قبله أو تفسير وبيان له وفاعل جرت الوصية المفهومة من الكلام السابق وحواريو النبي خلصانه وأنصاره أي الذين أخلصوا ونقوا من كل عيب. قوله (وأنزلنا معهم الكتاب والميزان) الميزان ما يوزن به الشئ ويعرف به قدره، وشاع إطلاقه على هذا الذي له لسان وعمود وكفتان، والمراد به هنا إما هذا أو العدل أو الشريعة أو الكتاب على أن يكون العطف للتفسير. قوله (وإنما عرف مما يدعى الكتاب التوراة والإنجيل والفرقان) يعني أن المعروف بين الناس مما يدعى باسم الكتاب السماوي في هذا العصر إنما هو هذه الثلاثة دون غيرها ولم يذكر الزبور لأنه غير معروف أيضا بينهم، وفي جملة الكتب السماوية كتاب نوح وكتاب صالح وكتاب شعيب وكتاب إبراهيم وكتاب داود ولم يذكره لكون اسمه غير معروف (1) بين الناس فقد أخبر الله تعالى أن هذا أي ما جاء به محمد (صلى الله عليه وآله) لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى فأين صحفهما وهل توجد عند غيره (صلى الله عليه وآله) وإنما صحفهما الاسم الأكبر الذي بلغ يدا عن يد وكابرا عن كابر إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وكان محفوظا عنده وهو دفعه عند انقضاء مدته إلى المستحفظين من عقبه. وبالجملة الكتب السماوية المشهورة وغيرها إذا حفظها الله تعالى بوضعها عند الحفظة حتى دفعوها إلى خاتم الأنبياء وجب أن لا يضيعها بعده بدفعها إلى خليفته وإذا لم تكن عند غير علي بن أبي طالب (عليه السلام) وجب أن تكون محفوظة عنده، يدل على ذلك أيضا ما روى عن أهل العصمة (عليهم السلام) من أن الله تعالى


(1) معروفا. خ. (*)

[ 134 ]

لم يرفع العلم الذي أنزله من لدن آدم إلى محمد (صلى الله عليه وآله) بل هو مخزون عند أهله. قوله (أسلم له العقب من المستحفظين) " من " إما بيانية أو ابتدائية والمستحفظون على الأول أهل البيت (عليهم السلام) وعلى الثاني أعقاب العلماء الماضين وأفضل الفريقين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وقوله " وكذبه بنو إسرائيل " هم أولاد يعقوب (عليه السلام) وإسرائيل لقبه، ومعناه بالعبرانية صفوة الله وقيل عبد الله. قوله (جفاة) الجفاة جمع الجافي من الجفاء بالمد وهو خلاف البر، وفي المغرب: الجفاء غالب على أهل البدو وهو الغلظ في العشرة والخرق في المعاملة وترك الرفق. قوله (لم يكن فيهم كتاب) استيناف كأنه قيل: ما بالهم يكونون جفاة ؟ فأجاب بما ذكر فإن الطبايع البشرية والنفوس الناقصة مائلة إلى الجفاء فإذا لم يوجد فيهم زاجر من الكتاب والسنة النبوية يأخذ الجفاء حد الرسوخ فيصير كالطبيعة الثانية، أعاذنا الله منه. قوله (ولا تحزن عليهم) لما علم الله تعالى أن نفسه المقدسة محزونة لما يفوتهم من السعادات الدنيوية والأخروية بالجفاء وترك قبول النصيحة وذلك لكمال شفقته على الأمة تسلاه وأدبه بقوله " ولا تحزن عليهم " فإن عليك البلاغ وعلينا الحساب، فإذا بلغت لم يسمعوا فلا تجادلهم وقل سلام على عباد الله الصالحين فسوف تعلمون في الآخرة وبال أمركم وسوء عاقبتكم. قوله (ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون) من الطعن في نصب علي (عليه السلام) وذكر فضله واللام جواب القسم وقد لتحقيق الفعل وتكثيره والآية في آخر سورة الحجر. قوله (فإنهم لا يكذبونك) أي في الحقيقة لعلمهم بأنك صادق فيما ذكرت من فضل وصيك والآية في سورة الأنعام وفيها هكذا * (قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) * أي ينكرونها والآيات هم الأوصياء كما مر عن الصادق (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: * (وما تغني الآيات والنذر) * قال: الآيات هم الأئمة والنذر هم الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين. وعن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله تعالى: * (كذبوا بآياتنا كلها) * قال: يعني الأوصياء كلهم. وإنما وضع الظالمين موضع الضمير للتنصيص بظلمهم في إنكار آياته وتمرنهم على جحدها. قوله (لكنهم يجحدون بغير حجة) عقلا ونقلا بل بمجرد الحسد والعناد وحب الجاه والرئاسة مع علم جلهم بل كلهم على حقيقته وحقيقة الرسول بما قال فيه.

[ 135 ]

قوله (يتألفهم) أي يوقع الألفة بينهم بالنصايح الشافية والمواعظ الحسنة ولكن من أضله الله فلا هادي له. قوله (ويستعين ببعضهم على بعض) في الجهاد وإجراء الحدود والأحكام ولم يطردها مع علمه بأقوالهم وعقائدهم لضعف الإسلام وقلة أهله حينئذ قوله (حتى نزلت هذه السورة) أي ألم نشرح، وفي بعض النسخ " هذه الآية " وهي آية * (فإذا فرغت فانصب) *. قوله (فإذا فرغت فانصب علمك) العلم العلامة وهي ما يعلم به الطريق، والمراد به علي بن أبي طالب (عليه السلام) إذ به يعلم طريق الشرع ومنهج التوحيد. قوله (فقال (عليه السلام) من كنت مولاه) (1) هذا أيضا مذكور في طرق العامة بأسانيد متعددة مع زيادة وقد ذكرنا بعضها آنفا. قوله (ثم قال لأبعثن رجلا) هذا أيضا رواه العامة من طرق متكثرة منها ما رواه مسلم (2) بإسناده عن سلمة بن الأكوع قال " كان علي (رضي الله عنه) - قد تخلف عن النبي (صلى الله عليه وآله) في خيبر وكان رمدا أتخلف عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فخرج علي فلحق بالنبي (صلى الله عليه وآله) فلما كان مساء الليل التي فتحها الله في صبيحتها قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لأعطين الراية - أو ليأخذن الراية - غدا رجلا يحبه الله ورسوله - أو قال يحبه الله ورسوله (3) ويفتح الله عليه. وإذا نحن بعلي وما نرجوه، فقالوا: هذا علي فأعطاه رسول


(1) قوله " من كنت مولاه " هذا من الأحاديث التي يحتج بها على الخصم في مقام الجدل لاعتراف الخصم بها وفي مقام الاعتقاد للمنصف أيضا لثبوتها متواترا ويحتج بالمتواترات في البرهان لأن المتواتر من الأقسام الستة الضرورية وقد روي بطرق كثيرة يمتنع عادة تواطؤ رواتها على الكذب وكان متداولا مشهورا في جميع الأزمنة من عهد الرسول إلى زماننا هذا على ما هو مذكور في محله، وقد روى حديث " من كنت مولاه " من أصحاب الصحاح الترمذي ورواه أيضا أحمد مع زيادة " اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " وقول الشيخين له " بخ بخ لك يا علي لقد أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة ". (ش) (2): 7 / 122. (3) قوله " لأبعثن رجلا يحب الله ورسوله " روى حديث خيبر البخاري ومسلم أيضا ولم يأنفوا من نقله لعدم دلالته عندهم على ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) صريحا وفهموا منه دفع النواصب من بني أمية لأنه حجة عليهم والحق أنه مع دلالته على دفع النواصب يدل على استحقاق علي (عليه السلام) الإمامة لأنه أشجع والأشجع مقدم في الإمامة والفرار من الزحف معصية وارتكباه ومن لم يعص قط أولى بتولي أمور الدين ممن خالف وعصى. (ش) (*)

[ 136 ]

الله (صلى الله عليه وآله) الراية ففتح الله عليه. ومنها: ما رواه أيضا بإسناده عن أبي حازم قال: أخبرني سهل بن سعد أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال يوم خيبر " لأعطين هذه الراية رجلا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها، قال: فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) كلهم يرجو أن يعطاها قال: أين علي بن أبي طالب ؟ فقالوا: هو - يا رسول الله - يشتكي عينيه، قال: فأرسلوا إليه فأتي به فبصق رسول الله (صلى الله عليه وآله) في عينيه ودعا له فبرئ حتى كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية فقال علي: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، قال: انفذ على رسلك (1) حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم (2). ومنها: ما رواه أيضا عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال يوم خيبر: لأعطين هذه الراية رجلا يحب الله ورسوله يفتح الله على يديه، قال عمر بن الخطاب: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ، قال: فتساورت (3) لها رجاء أن أدعى لها قال: فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) علي بن أبي طالب فأعطاه إياها وقال له: امش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك، قال: فسار علي شيئا ثم وقف ولم يلتفت، فصرخ: يا رسول الله على ماذا أقاتل الناس ؟ قال: قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقهم وحسابهم على الله " (4) قال عياض: هذا من أعظم فضائل علي وأكرم مناقبه، وفي الحديث: من علامات نبوته علامتان قولية وفعلية، فالقولية يفتح على يديه فكان كذلك. والفعلية بصقه (صلى الله عليه وآله) في عينه وكان رمدا فبرئ من ساعته، وفي قوله: امش ولا تلتفت حض على التقدم وترك التأني، والالتفات هنا النظر يمنة ويسرة وقد يكون على وجه المبالغة في التقدم ويدل عليه قوله: فسار علي فوقف ولم يلتفت، وقد يكون معنى: لا تلتفت لا تنصرف يقال: التفت أي


(1) " على رسلك " بكسر الراء بعدها سين مجزومة وكسر اللام أي اثبت ولا تعجل. (2) صحيح مسلم: 7 / 121. وحمر النعم هي الإبل الحمر وهي من أنفس أموال العرب يضربون بها المثل في النفاسة. (3) أي تطاولت لها وحرصت عليها. (4) المصدر: 7 / 121. (*)

[ 137 ]

انصرف ولفته أنا صرفته، وقوله: يدوكون معناه يخوضون يقال: هم في دوكة أي في اختلاط وخوض، وقوله: لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم حض عظيم على تعليم العلم وبثه في الناس وعلى الوعظ والتذكير، والنعم الإبل، وحمرها خيارها، يعني ثواب تعليم رجل واحد وإرشاده أفضل من ثواب الصدقة بهذه الإبل النفيسة لأن ثواب الصدقة ينقطع بموتها وثواب العلم والهدى لا ينقطع إلى يوم القيامة، وفي الحديث " إذا مات المرء انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية وولد صالح يدعو له أو علم ينتفع به بعد موته " وفي قوله: ادعهم إلى الإسلام وجوب الدعوة قبل القتال، وقال الآبي: وفي الاكتفاء لأبي الربيع قال أبو رافع (رضي الله عنه) مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله): خرجت مع علي (رضي الله عنه) حين أعطاه رسول الله (صلى الله عليه وآله) الراية فلما دنا من الحصن خرج إليه مقاتلهم فقتله فتناول علي (رضي الله عنه) بابا كان عند الحصن فترس به عن نفسه فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه ثم ألقاه من يده حين فرغ ولقد رأيتني في نفر مع سبعة أنا منهم نجهد أن نقلب ذلك الباب فما نقلبه، ولا يخفى عليك أن قول عمر: تساورت أي تطاولت وقوله في حديثهم الآخر: حرصت وقوله: " ما أحببت الإمارة إلا يومئذ " هو الذي حداه إلى فعل ما فعل فهلك وأهلك. قوله (معرض) (1) أي هو معرض من التعريض وهو التصريح والفرق بينه وبين الكناية أن التعريض تضمين الكلام دلالة ليس لها فيه ذكر، كقولك: ما أقبح البخل تعرض بأنه بخيل، والكناية ذكر الرديف وإرادة المردوف أو ذكر الملزوم وإرادة اللازم، كقولك: فلان طويل النجاد وكثير رماد القدر. يعني أنه طويل القامة ومضياف، وفي بعض النسخ " معرضا " بالنصب على الحال وهو أظهر. قوله (بمن رجع يجبن أصحابه ويجبنونه) هو الأول والثاني حيث رجعوا عن حرب أهل خيبر مغلوبين ينسب بعضهم إلى بعض الجبن وهو خلاف الشجاعة يقال: جبنته تجبينا أي نسبته إلى الجبن. قوله (وقال (صلى الله عليه وآله): علي سيد المؤمنين) (2) لأنه أكثرهم علما وحلما وأشهرهم سخاء وسماحة وأقواهم عملا وشجاعة وأقدمهم إسلاما وإيمانا وأجلهم نسبا وقدرا وأشرفهم تقدسا وخلقا فهو


(1) كذا. (2) قوله " علي سيد المؤمنين " لا يحضرني الآن موضع هذا الحديث وما بعده في كتب القوم ولم يشر إليه المجلسي (رحمه الله) ولا غيره ممن رأيت. (ش) (*)

[ 138 ]

بالرئاسة أولى وأقدم وبالسياسة أجدر وأعلم. قوله (وعلي عمود الدين) لأن الدين يقوم به كما يقوم البيت بالعمود. قوله (وقال هذا هو الذي يضرب الناس بالسيف) (1) إشارة إلى قتاله مع الناكثين والقاسطين والمارقين، أما الناكثون فهم أهل الجمل وطلحة وزبير، وأما القاسطون فهم معاوية وأصحابه، وأما المارقون فهم أهل النهروان. قوله (وقال الحق مع علي أينما مال) قال صاحب الطرائف: روى أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه (2) في كتاب المناقب في عدة طرق فمنها بإسناده إلى محمد بن أبي بكر قال: حدثتني عائشة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: " الحق مع علي وعلي مع الحق لن يفترقا حتى يردا على الحوض ". قوله (إني تارك فيكم أمرين) (3) الخبر متواتر اتفقت الأمة على قوله ونقله وفيه دلالة على كمال فضلهم والرجوع إليهم في القول والعمل كما وجب الرجوع إلى القرآن ولا يجوز مخالفتهم أصلا كما لا يجوز مخالفة الكتاب وإنما فسر أهل البيت بالعترة وهي الأولاد والأقارب لئلا يتوهم أن المراد نساؤه وهذا نص صريح في إمامتهم وخلافتهم ولا شئ أبلغ منه كما يقول الأمير إذا أراد الخروج من قريته لأهلها: إني تارك فيكم فلانا يرعاكم فاسمعوا له وأطيعوه فإنه صريح عند العقل الصحيح والطبع السليم أنه استخلفه وأقامه مقامه.


(1) قوله " هذا الذي يضرب الناس بالسيف " رواه أحمد في مسنده والترمذي بعبارات متقاربة ويأتي رواية الترمذي إن شاء الله تعالى. (ش) (2) قوله " أحمد بن موسى بن مردويه " رواه أيضا من أصحاب الصحاح الترمذي عن النبي (صلى الله عليه وآله) " رحم الله عليا اللهم أدر الحق معه حيث دار " وهذا يدل على عصمته وكون قوله حجة وبطلان كل من خالفه في فعل وقول لأن دعاء النبي مستجاب البتة. وقريب منه في معناه عن أم سلمة قالت: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول " لا يحب عليا منافق ولا يبغضه مؤمن " ويشكل بناء على مذهبهم الجمع بين هذا الحديث وما يعتقدونه من كون كثير من مبغضيه من أهل الجنة كطلحة وزبير وأصحاب صفين والجمل. (ش) (3) قوله " إني تارك فيكم أمرين " المشهور قوله " إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي " رواه أصحاب الصحاح مسلم والترمذي وهو حديث يشهد لفظه بصحته لكمال فصاحته وهو من جوامع الكلم التي افتخر به النبي (صلى الله عليه وآله) ولفظ الترمذي هكذا " إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ولن يفترقا حتى يردا على الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما " وهذا يدل على وجود إمام معصوم في أهل البيت حتى يكون قولهم حجة ويجب التمسك به كما يجب التمسك بالقرآن. (ش) (*)

[ 139 ]

قوله (اسمعوا وقد بلغت) أي بلغت ما وجب علي من الأمر بحفظ كتاب الله والتمسك بأهل بيتي. قوله (والثقلان كتاب الله تعالى وأهل بيتي) اتفقت العامة والخاصة على مضمون هذا الحديث وصحته وهذا صريح في المطلب فإنه لا يشك عاقل أن الثقلين يقومان مقامه بعده في أمته وأن التمسك بهما أمان من الضلال وقد مر أن المراد من أهل البيت العترة (عليهم السلام) وقد صرحوا أيضا بذلك ففي صحيح مسلم قال الحصين لزيد بن أرقم وهو راوي الحديث المذكور مع زيادة: " يا زيد أليس نساؤه من أهل بيته ؟ قال: نساؤه من أهل بيته ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده " وقال حسان لزيد بن أرقم أنساؤه من أهل بيته ؟ قال: لا، وأيم الله أن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وأمها وقومها. أهل بيته أهله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده، وقال عياض: " معنى قول زيد: نساؤه من أهل بيته ولكن أهل بيته الذين منعوا الصدقة ان نساءه من أهل مسكنه وليس المراد إنما أهل بيته أهله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده " أي الذين منعتهم خلفاء بني أمية صدقتهم التي خصهم الله سبحانه بها وكانت تفرق عليهم في أيامه (عليه السلام)، ويحتمل أن يعني الذين حرموا الصدقة التي هي من أوساخ الناس، وأما وجه تسميتها بالثقلين فقال محيي الدين البغوي: سماهما ثقلين لأن العمل والأخذ بهما ثقيل والعرب تقول لكل شئ نفيس ثقيل فسماهما ثقلين لعظمهما وتفخيم شأنهما، ومثله قال ابن الأثير في النهاية، وقال الزمخشري في الفائق: قال النبي (صلى الله عليه وآله): " خلفت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي " الثقل المتاع المحمول على الدابة وإنما قيل للجن والإنس الثقلان لأنهما قطان الأرض فكأنهما ثقلاها وقد شبه بهما الكتاب والعترة في أن الدين يستصلح بهما ويعمر كما عمرت الدنيا بالثقلين، والعترة العشيرة وسميت بالعترة وهي المرزنجوشة لأنها لا تنبت إلا شعبا متفرقة. قوله (فلا تسبقوهم فتهلكوا) فمن سبقهم من الخلفاء الثلاثة الذين خلفوا وغيرهم فقد هلكوا وأهلكوا من تبعهم ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم لأنهم مهبط الوحي لكون النبي (صلى الله عليه وآله) منهم وفيهم وهم ملازموه ومعاشروه وفيهم باب مدينة العلم وهم أخص الخلق به وأقربهم إليه نسبا ومنزلة وأفضلهم لديه علما وعملا مع صفاء نفوسهم وضياء عقولهم وتقدس ذواتهم وقد صرحوا بأن عليا (عليه السلام) أعلم من جميع الأمة وفيه دلالة واضحة على أن الإمام يجب أن يكون أعلم من جميع

[ 140 ]

الأمة والعقل الصحيح يحكم بذلك أيضا. وفي حذف معفول التعليم دلالة على التعميم. قوله (إنما يريد الله - الآية) قد مر تفسيره مفصلا فلا نعيده (1). قوله (واعلموا أنما غنمتم من شئ فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى) المشهور في أن لله خمسه فتح الهمزة على حذف المبتدأ أي فحكمه أن لله خمسه، وقيل: على حذف الخبر أي فثابت أن لله خمسه، وقرئ بكسرها أيضا والمعنى أن الذي أخذتموه من مال الكفار قهرا مما يطلق عليه اسم الشئ قليلا كان أو كثيرا فحكمه أن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى


(1) قوله " قد مر تفسيره مفصلا " وقد مر قريبا حديث زيد بن أرقم في معنى أهل البيت وفضلهم عن صحيح مسلم وقد رواه الترمذي، وروى مسلم والترمذي في تفسير قوله تعالى: * (إنما يريد الله ليذهب - الآية) * عن عائشة: خرج النبي (صلى الله عليه وآله) غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود فجاء الحسن بن علي فأدخله ثم جاء الحسين فأدخله معه ثم جاءت فاطمة فأدخلها ثم جاء علي فأدخله ثم قال * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * ولفظ الترمذي هكذا: نزلت هذه الآية: * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * في بيت أم سلمة فدعا النبي (صلى الله عليه وآله) فاطمة وحسنا وحسينا فجللهم بكساء وعلي خلف ظهره فجللهم بكساء ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، قالت أم سلمة: وأنا معهم يا نبي الله ؟ قال: أنت على مكانك وأنت إلى خير " وهذا الكلام يدل على خروج النساء من المراد بأهل البيت ويؤيده رواية الترمذي في حديث زيد بن أرقم الذي ذكره الشارح سئل زيد: من أهل بيته ؟ نساؤه ؟ قال: لا وأيم الله أن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وأمها وقومها، أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده، ولم يرو الشارح الرواية وكان أولى بالنقل، وجميع روايات الترمذي أكمل في الدلالة على ما نريد الاحتجاج به، وقد رأيت أن أذكر هنا انموذجا مما رواه في فضائل علي (عليه السلام) وهو بعد أحمد بن حنبل أنصف أهل الحديث وأقربهم إلينا. فمما رواه عن زيد بن أرقم أن أول من أسلم علي، ومنها عن براء بن عازب أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال لعلي بن أبي طالب: " أنت مني وأنا منك " وعن ربعي بن خراش عن علي (عليه السلام) قال (صلى الله عليه وآله) " يا معشر قريش لتنتهن أو ليبعثن الله عليكم من يضرب رقابكم بالسيف على الدين قد امتحن الله قلبه على الإيمان قالوا: من هو يا رسول الله ؟ فقال له أبو بكر: من هو يا رسول الله ؟ وقال عمر: من هو يا رسول الله ؟ قال: هو خاصف النعل وكان أعطى عليا نعله يخصفها ". ومما رواه في ضمن حديث: ما تريدون من علي وكررها ثلاثا، ثم قال: " إن عليا مني وأنا منه وهو ولي كل مؤمن بعدي " وعن ابن عمر: فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) " أنت أخي في الدنيا والآخرة " وعن أبي سعيد " يا علي لا يحل لأحد يجنب في هذا المسجد غيري وغيره " وعن أنس قال: كان عند النبي (صلى الله عليه وآله) طير فقال: " اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي هذا الطير فجاء علي فأكل معه " وقال (صلى الله عليه وآله) " أنا دار الحكمة وعلي بابها " وعن جابر قال: قال (صلى الله عليه وآله) " ما انتجيته ولكن الله انتجاه " وهذا بعدما طال نجواه مع علي (عليه السلام) واستطاله الناس. وفي هذا المقدار كفاية على ما مر. (ش) (*)

[ 141 ]

والمساكين وابن السبيل، وتقسيمه إلى الأقسام الستة عندنا ثابت إلى يوم القيامة، والأقسام الثلاثة أعني سهم الله وسهم الرسول وسهم ذي القربى للإمام بعد الرسول، وقال أبو حنيفة: تسقط هذه الأقسام الثلاثة بعده ويصرف الكل إلى الثلاثة الباقية، ولا يخفى ما في تخصيص ذي القربى بالذكر وإعادة اللام وتشريكه مع الرسول في التساهم من التعظيم والاهتمام بشأنه. قوله (فكان علي (عليه السلام)) أي فكان علي (عليه السلام) ذا القربى على حذف الخبر بقرينة المقام. قوله (والإسم الأكبر) هذا وما عطف عليه بالنصب عطف على الوصية وقد مر تفسير هذه الأمور. قوله (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) أي قل لا أسألكم على ما أتعاطاه من التبليغ والبشارة والهداية أجرا ونفعا إلا المودة في أهل بيتي، قال القاضي: روي أنها لما نزلت قيل: يا رسول الله من قرابتك ؟ قال: علي وفاطمة وابناهما. وفي جعل أجر هداية الأمة وتبليغ الرسالة الذي لا منتهى له مودة ذي القربى وطلبها منهم بأمر الله تعالى دلالة واضحة على كمال رفعتهم وعلو منزلتهم ولزوم كون مودتهم في أكمل المراتب وأشرفها. قوله (وإذا المودة سئلت) (1) قال في مجمع البيان: روي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) " وإذا المودة " بفتح الواو وروي ذلك عن ابن عباس أيضا والمراد بذلك الرحم والقرابة وأنه يسئل قاطعها عن سبب قطعها، وروي عن ابن عباس أنه هو من قتل في مودتنا أهل البيت، وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: يعني قرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن قتل في جهاد، وفي رواية أخرى: من قتل في مودتنا وولايتنا انتهى.


(1) قوله " وإذا المودة بفتح الواو " راوي هذا الحديث عبد الحميد بن أبي الديلم ضعيف مطعون لا يعتد بما رواه وليس هذا الاحتجاج شيئا يمكن إسناده إلى الإمام المعصوم (عليه السلام) لأنه إن كان في مقام الاحتجاج على منكري الإمامة فظاهر أنهم لا يقرؤون المودة بفتح الواو حتى يثبت الحجة عليهم بمسلماتهم بل هم متفقون على قراءته بصيغة اسم المفعول من الوأد وإن كان في مقام الكلام مع المعترفين بإمامته فإنهم كانوا يقبلون منه القراءة الغير المعروفة لاعترافهم بصدقه وعصمته وحجية قوله لكن لا يناسبه سائر فقرات الحديث إذ الظاهر منها أنها في مقام الاحتجاج على أهل الخلاف، وبالجملة فالاعتماد في أمثال هذه الأحاديث الضعيفة بل غيرها من الصحاح في أصول الدين على المتن والمعنى لا الإسناد فما علمنا من مضامينها ومعانيها صحته بقرائن عقلية أو نقلية متواترة كحديث الثقلين " ومن كنت مولاه " وغيرهما اعتمدنا عليها وتمسكنا بها، أو كانت من مسلمات الخصم كحديث الطير احتججنا بها على المخالف وما تفرد الحديث الواحد به من غير قرينة تؤيد صحة مضمونها ولا نعلم تسلم الخصم لها فلا نعتمد عليها بصرف الإسناد. (ش) (*)

[ 142 ]

أقول: يحتمل أن يراد بالقتل في هذه الرواية قتل ذي القربى وقتل من هو من أهل مودتهم على التقديرين فيه مدح عظيم وفضل جسيم لذي القربى وفيه حث بليغ على مودتهم ووعيد عظيم بقتلهم وقتل محبيهم. قوله (مودة في القربى) عطف بيان للمودة حيث يفسرها ويوضحها. قوله (الكتاب الذكر) لما كان الكتاب معلوما كالذكر جعله مسندا إليه لإفادة أن الذكر هو فلا يرد أن العكس أولى لكون الذكر معلوما ولم يعلم أنه الكتاب أو غيره ثم إن هذا التفسير لا ينافي ما مر في أحاديث متكثرة من تفسير الذكر في هذه الآية بمحمد (صلى الله عليه وآله) لأن كلا التفسيرين صحيح وإنما اقتصر على الأول لأن المطلب يحصل من الثاني بطريق أولى. قوله (أمر الله عزوجل بسؤالهم) هذا الأمر دل على إحاطة علمهم بجميع الأشياء وإلا لم ينفع السؤال عند الجهل في شئ ما. قوله (ولم يؤمروا بسؤال الجهال) (1) عدم الأمر به ظاهر مع أن الغرض من السؤال طلب لعلم وهو من الجاهل محال وإنما بنى الفعل هنا للمفعول دون السابق للإشعار بأن قبحه في الكمال إلى حيث يمتنع نسبته إلى الله تعالى بحسب ظاهر اللفظ وإن اريد نفيه بحسب المعنى. قوله (وسمى الله تعالى الكتاب ذكرا) دليل على إثبات ما ذكره من أن الذكر عبارة عن الكتاب. قوله (ولعلهم يتفكرون) أي يتفكرون ما فيه من المواعظ والنصائح والعبر والزواجر والثواب والعقاب فيحصل لهم الدواعي على فعل المحسنات وترك المنهيات. قوله (وسوف تسئلون) عن محافظته ومراقبته والإتيان بمأموراته والاجتناب عن منهياته. قوله (وأولي الأمر منكم) هو الذي نصبه الرسول لأمر الأمة وخلافتهم وفوض إليه هداية الخلق وولايتهم ولا يتصور غير ذلك وقد مر تفسيره مرارا.


(1) قوله " ولم يؤمروا بسؤال الجهال " لأن مورد الآية علماء أهل الكتاب وأمر الله تعالى أن يسألهم أهل مكة والكفار عن الرسل والأنبياء أهم بشر أم ملائكة فإن الكفار كانوا يزعمون أن الرسل يجب أن لا يأكلوا ولا يشربوا ولا يمشوا في الأسواق وكان علماء أهل الكتاب عارفين بأن الرسل لم يكونوا إلا بشرا وتسرية حكم الآية إلى غير موردها كما هي معهودة بين المسلمين تقتضي أن يكون المسؤول في كل شئ هو العالم به دون الجهال ومعلوم أن المرجع والمسؤول في أمور الدين أعني الإمام يجب أن يكون عالما بها لا مثل مروان بن الحكم ووليد بن يزيد وغيرهم من معاصري الأئمة (عليهم السلام) الذين لا يخطر ببال مسلم أنهم في العلم مثل الأئمة بل ولا أدون بما يمكن النسبة. (ش) (*)

[ 143 ]

قوله (لعلمه الذين يستنبطونه منهم) أي يستخرجونه بعلومهم التي خصهم الله تعالى بها والموصول عبارة عن أولي الأمر، وفائدته التنصيص بأنهم هم أهل العلم والاستخراج. قوله (فرد الأمر أمر الناس إلى أولي الأمر منهم) أي فرد الله سبحانه أمر الناس في الآيتين المذكورتين إلى أولي الأمر منهم وهم الخلفاء المنصوبون من قبل الله تعالى وقبل رسوله (صلى الله عليه وآله) بطاعتهم وقرن طاعتهم بطاعته وطاعة الرسول في الآية الأولى وأمر بالرد إليهم وإلى رسوله في الآية الثانية ومن فسر أولي الأمر فيهما بكبار الصحابة أو الامراء إن أراد به ما ذكرناه فنعم الوفاق وإلا فقبحه أظهر من أن يحتاج إلى البيان. قوله (بلغ ما أنزل إليك) المراد به هو الوصية والولاية بدليل أنه نصب عليا (عليه السلام) عند نزول هذه الآية. قوله (إن الله لا يهدي القوم الكافرين) دل على من أنكر ولاية علي (عليه السلام) فهو كافر. قوله (وأمر بسمرات) أي بكنس سمرات والإضافة لأدنى ملابسة والسمر بفتح السين، وضم الميم من شجر الطلح والجمع سمر وأسمر وسمرات. قوله (فقم شوكهن) القم رفتن خانه وغير آن تقول: قممت البيت أي كنسته والقمامة الكناسة. قوله (فوقعت حسكة النفاق في قلوب القوم) أي بعض القوم أو اللام إشارة إلى جماعة معينة، والحسكة بالتحريك نبات تتعلق بصوف الغنم وتمسك من تعلق بها، ومن ثم قيل حسكة مسكة والإضافة من باب لجين الماء. قوله (وما يريد إلا أن يرفع بضبع ابن عمه) ضبع بفتح الضاد وسكون الباء العضد والرفع خلاف الوضع يقال: رفعته فارتفع والباء زائدة للتأكيد، والمقصود أنه لا يريد بنصب ابن عمه إلا إعلاء قدره. وأما القول بأن يرفع - بضم الفاء من باب شرف وأن الباء للسببية يعني ما يريد بذلك إلا أن يصير رفيع القدر شريفا بسبب عضد ابن عمه وقوته - فبعيد. قوله (بين ظهرانينا) العرب تقول: هو نزل بين ظهرانينا بصيغة التثنية أي نزل بيننا. قوله (وكبت عدونا) أي صرفه أو أذله أو أهلكه من الكبت بمعنى الصرف والإذلال والإهلاك. والأولان في الصحاح والنهاية، والأخير في المغرب. قوله (وقد يأتيك وفود) وفد فلان على الملك أي ورد عليه وأتاه رسولا في أمر فتح أو تهنية أو نحو ذلك فهو وافد والجمع وفد كصاحب وصحب وجمع الوفد أوفاد ووفود والاسم الوفادة.

[ 144 ]

قوله (وأوصى إليه بألف كلمة وألف باب) يحتمل أن يراد بالكلمة الأولى النوع وبالثانية الصنف وبالباب الأول الجنس وبالثاني النوع. وبالجملة فتح له ألف ألف كلمة وألف ألف باب من العلم، ويحتمل أيضا أن يراد بذكر هذا العدد التكثير فيمكن الزيادة والله أعلم. * الأصل: 4 - علي بن إبراهيم، عن أبيه وصالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن يحيى بن معمر العطار، عن بشير الدهان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مرضه الذي توفي فيه: ادعوا لي خليلي، فأرسلتا إلى أبويهما فلما نظر إليهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) أعرض عنهما، ثم قال: ادعوا لي خليلي، فأرسل إلى علي فلما نظر إليه أكب عليه يحدثه، فلما خرج لقياه، فقالا له: ما حدثك خليلك ؟ فقال: حدثني ألف باب يفتح كل باب ألف باب. * الشرح: قوله (قال ادعوا لي خليلي فأرسل إلى علي) قيل: أصل الخلة الانقطاع وقيل: الاختصاص وقيل: الاصطفاء وقيل: صفاء المودة وسمي علي (عليه السلام) خليله على الأول لانقطاعه إليه وعلى الثاني لكمال اختصاصه به بحيث كان يوالي فيه ويعادي فيه، وعلى الثالث لكونه مصطفاه ومختاره وعلى الرابع لكونه صافي المودة له، قيل: الخلة من تخلل الشئ في القلب كما قال الشاعر: " قد تخللت مسلك الروح مني " وبه سمي الخليل خليلا وعلى هذا سمي (عليه السلام) خليله لتخلل حبه شغاف قلبه واستيلائه عليه وقيل: سمي خليلا لتخلقه بخلال حسنة اختصت به. وقيل: الخليل من لا يسع قلبه غير من فيه، يعني أنه لم يكن في قلبه موضع لغيره (عليه السلام) من أفراد البشر، وقيل: الخليل الصاحب المواد الذي يعتمد في الأمور عليه وكذلك كان علي (عليه السلام) لأنه اعتمد عليه في أمر الأمة، وقد قال أيضا (صلى الله عليه وآله) في شأنه (عليه السلام) " حبيبي " واختلف أيهما أفضل الخلة أو المحبة ؟ فقيل: هما بمعنى واحد، فالحبيب لا يكون إلا خليلا والخليل لا يكون إلا حبيبا وقيل: درجة المحبة أرفع، وقيل: بالعكس ولكل وجه يطول الكلام بذكره. قوله (أكب عليه يحدثه) أي أقبل عليه يحدثه أي أقبل عليه وألزم ذلك. قوله (فقالا له ما حدثك خليلك) قالا ذلك تعنتا واستهزاء كما هو شأن المنافقين. قوله (فقال حدثني ألف باب يفتح كل باب ألف باب) قال الغزالي في رسالة العلم اللدني: قال علي (رضي الله عنه): " إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أدخل لسانه في فمي فانفتح في قلبي ألف باب من العلم فتح لي كل

[ 145 ]

باب ألف باب " وقال (رضي الله عنه): " لو ثنيت لي الوسادة وجلست عليها لحكمت بين أهل التوراة بتوارتهم وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم وبين أهل الفرقان بفرقانهم " وهذه المرتبة لا تنال بمجرد التعليم بل يتمكن المرء في هذه المرتبة بقوة العلم اللدني. * الأصل: 5 - أحمد بن إدريس، عن محمد بن عبد الجبار، عن محمد بن إسماعيل، عن منصور بن يونس، عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: علم رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليا (عليه السلام) ألف حرف كل حرف يفتح ألف حرف. * الشرح: قوله (ألف حرف) الحرف اللغة والطرف والجانب ولعل المراد به ألف قسم. 6 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان في ذؤابة سيف رسول الله (صلى الله عليه وآله) صحيفة صغيرة، فقلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أي شئ كان في تلك الصحيفة ؟ قال: هي الأحرف التي يفتح كل حرف ألف حرف، قال أبو بصير: قال أبو عبد الله (عليه السلام): فما خرج منها حرفان حتى الساعة. * الشرح: قوله (كان في ذؤابة سيف) الذؤابة بالضم المقبض. قوله (فما خرج منها حرفان) بل خرج حرف وجزء من حرف والاحتمالات الباقية بعيدة جدا بل يحكم العقل بالتأمل على عدمها، ثم الحرفان إما من الأصول أو من الفروع والأول أظهر. 7 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي نصر، عن فضيل [ بن ] سكرة قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك، هل للماء الذي يغسل به الميت حد محدود ؟ قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لعلي (عليه السلام): إذا أنا مت فاستق ست قرب من ماء بئر غرس فغسلني وكفني وحنطني فإذا فرغت من غسلي وكفني فخذ بجوامع كفني وأجلسني ثم سلني عما شئت، فوالله لا تسألني عن شئ إلا أجبتك فيه. * الشرح: قوله (من ماء بئر غرس) قال في القاموس: بئر غرس في المدينة ومنه الحديث " غرس من عيون الجنة وغسل (صلى الله عليه وآله) منها ".

[ 146 ]

قوله (ثم سلني عما شئت) من الأمور الكلية والجزئية مما له دخل في نظام هذا العالم والخلق وغيره ولا ينافي هذا ما مر وثبت من أنه (صلى الله عليه وآله) لم يخرج من الدنيا إلا وعلي (عليه السلام) علم جميع علمه وأنه لم يمت إلا وعلمه في جوف وصيه أما أولا فلأن هذا السؤال والتعليم أيضا قبل خروجه من الدنيا وقبل موته بناء على أن قوله: لم يمت معناه لم يخرج من الدنيا من باب الكناية، وأما ثانيا فلأن المراد بعلمه (عليه السلام) جميع علمه (صلى الله عليه وآله) قبل موته العلم بالجميع الذي شاء الله تعالى أن يحصل له قبل، وهذا مما شاء أن يحصل له بعده، يؤيد ذلك ما رواه محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن عليا (عليه السلام) كان عالما والعلم يتوارث ولن يهلك عالم إلا بقي من بعده من يعلم علمه أو ما شاء الله " وأما ثالثا فلأن العرض المكرر جائز وتوجه النفس إلى ما توجهت إليه أولا محتمل، ثم هذا السؤال والجواب إما من باب الحقيقة وبالمعنى المعروف ولا يبعد ذلك من النفوس القدسية الإلهية، أو من باب المجاز، فإن النفس القدسية المطهرة من جميع الأدناس إذا توجهت إلى مثلها فاضت منه عليها جميع نقوشه الغيبية وعلومه الكلية والجزئية فسمى ذلك التوجه سؤالا وتلك الإفاضة جوابا مجازا تقريبا للمقصود إلى الفهم. * الأصل: 8 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن علي بن أبي حمزة، عن ابن أبي سعيد، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لما حضر رسول الله (صلى الله عليه وآله) الموت دخل عليه علي (عليه السلام) فأدخل رأسه. ثم قال: يا علي ! إذا أنا مت فغسلني وكفنني ثم أقعدني وسلني واكتب. * الشرح: قوله (فأدخل رأسه) يعني في الإزار. ولعل السر فيه أن لا يرى تغير حاله (عليه السلام) بسماع ذلك الكلام فإنه لم يكن شئ عنده (عليه السلام) أعظم من موته (صلى الله عليه وآله). * الأصل: 9 - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن محمد بن الوليد شباب الصيرفي، عن يونس بن رباط قال: دخلت أنا وكامل التمار على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال له كامل: جعلت فداك حديث رواه فلان ؟ فقال: اذكره، فقال: حدثني أن النبي (صلى الله عليه وآله) حدث عليا (عليه السلام) بألف باب يوم توفي رسول ، كل باب يفتح ألف باب، فذلك ألف ألف باب، فقال: لقد كان ذلك، قلت: جعلت فداك فظهر ذلك

[ 147 ]

لشيعتكم ومواليكم ؟ فقال: يا كامل باب أو بابان. فقلت [ له ]: جعلت فداك فما يروى من فضلكم من ألف ألف باب إلا باب أو بابان ؟ قال: فقال: وما عسيتم أن ترووا من فضلنا، ما تروون من فضلنا إلا ألفا غير معطوفة. * الشرح: قوله (فقال: يا كامل باب أو بابان) العطف من كلامه (عليه السلام) وليس من باب الشك منه (عليه السلام) لتقدسه عنه ولا من الراوي لدلالة سؤاله بعده على ذلك بل المقصود أنه ظهر باب تام وشئ من باب آخر، وتسميته بابا إما من باب تسمية الجزء باسم الكل أو من باب التغليب. قوله (وما عسيتم أن ترووا من فضلنا) " ما " نافية و " عسى " من أفعال المقاربة، وضمير جمع المخاطب فاعله و " أن ترووا " مفعوله وإضافة الفضل للعموم والمقصود نفي قرب رواية فضائلهم، وفيه مبالغة على عدم إمكانها لأن عدم قرب حصول الشئ دل بحسب العرف على عدم إمكان حصوله، وجعل ترووا على البناء للمفعول من التروية بمعنى الحمل على الرواية يقال: رويته إياه أي حملته على روايته ومنه روينا في ا لأخبار بعيد جدا. قوله (ما تروون من فضلنا إلا ألفا غير معطوفة) نقل عن الفاضل الأمين الاسترابادي أن الألف الغير المعطوفة احتراز عن الهمزة وكناية عن الوحدة أو إشارة إلى ألف منقوشة ليس قبلها صفر أو غيره، وعن الشيخ بهاء الملة والدين أن المراد بها باب واحد ناقص لأن الألف على رسم الخط الكوفي صورتها هكذا " - " وكونها غير معطوفة أي غير مائل طرفها كناية عن نقصانها ولا يرد عليه ما سبق من ظهور باب أو بابين لدلالته على ظهور باب تام وشئ من باب آخر إذ له أن يحمل البابين على أبواب الفروع وهذا الباب المعبر عنه بالألف الناقصة على باب من أبواب الأصول، ويمكن أن يقال: إن ألفا بفتح الألف وسكون اللام ويراد به باب واحد وعبر عنه بالألف لأنك قد عرفت أن الباب الواحد ينحل بألف باب مع إظهار تكثره ويراد بقوله " غير معطوفة " أنه ليس معه معطوفه وهو قول السائل " أو بابان " والمعنى إلا بابا واحدا لا بابين فليتأمل.

[ 148 ]

باب الإشارة والنص على الحسن بن علي (عليهما السلام) * الأصل: 1 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني وعمر بن أذينة، عن أبان، عن سليم بن قيس قال: شهدت وصية أمير المؤمنين (عليه السلام) حين أوصى إلى ابنه الحسن (عليه السلام) وأشهد على وصيته الحسين (عليه السلام) ومحمدا وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته، ثم دفع إليه الكتاب والسلاح وقال لابنه الحسن (عليه السلام): يا بني ! أمرني رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن أوصي إليك وأن أدفع إليك كتبي وسلاحي كما أوصى إلي رسول الله (صلى الله عليه وآله) ودفع إلي كتبه وسلاحه وأمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعها إلى أخيك الحسين (عليه السلام)، ثم أقبل على ابنه الحسين (عليه السلام) فقال: وأمرك رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن تدفعها إلى ابنك هذا، ثم أخذ بيد علي بن الحسين (عليهما السلام) ثم قال لعلي بن الحسين: وأمرك رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن تدفعها إلى ابنك محمد بن علي وأقرئه من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومني السلام. * الشرح: قوله (وقال لابنه الحسن (عليه السلام)) روى مسلم في صحيحه (1) عن أبي هريرة أن النبي (صلى الله عليه وآله) الحسن وقال " اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه ". وعن البراء قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) واضعا الحسن على عاتقه وهو يقول " اللهم إني أحبه فأحبه " (2) قال محيي الدين في شرح هذا الحديث: محبة أهل البيت واجبة على الجملة وخصوصا من حض رسول الله (صلى الله عليه وآله) على محبته بالتعين وطلب من الله تعالى أن يحبه وأن يحب من أحبه وتلك درجة جعلها الله سبحانه لمن يحبه حقيقة ويلعن باغضه ومعاديه. وقد ظهرت بركة هذا الدعاء وقبوله فحقن دماء الأمة وتنزه عن عرض الدنيا وتسليمه الملك لمعاوية خوف الفتنة وحوطا على الأمة ونظر لدينه. هذا كلامه. قوله (وأقرئه من رسول الله (صلى الله عليه وآله)) أقرئه أمر من المجرد أو من المزيد يقال قرأ عليه وأقرأه إذا بلغه.


(1) و (2): 7 ص 130. (*)

[ 149 ]

* الأصل: 2 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد الصمد بن بشير، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن أمير المؤمنين صلوات الله عليه لما حضره الذي حضره قال لابنه الحسن: ادن مني حتى أسر إليك ما أسر رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلي وائتمنك على ما ائتمنني عليه، ففعل. * الشرح: قوله (حتى أسر إليك ما أسر رسول الله (صلى الله عليه وآله)) من العلوم اللدنية وغيرها. * الأصل: 3 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن أبي بكر الحضرمي قال: حدثني الأجلح وسلمة بن كهيل وداود بن أبي يزيد وزيد اليمامي قالوا: حدثنا شهر بن حوشب: أن عليا (عليه السلام) حين سار إلى الكوفة استودع أم سلمة كتبه والوصية، فلما رجع الحسن (عليه السلام) دفعتها إليه. " وفي نسخة الصفواني: 4 - أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن سيف، عن أبي بكر، عن أبي عبد الله (عليه السلام): أن عليا صلوات الله عليه حين سار إلى الكوفة، استودع أم سلمة كتبه والوصية فلما رجع الحسن (عليه السلام) دفعتها إليه ". * الشرح: قوله (حدثني الأجلح) هذا وزيد اليمامي بالميم وفي بعض النسخ زيد اليماني بالنون لم أجدهما في كتب الرجال التي رأيناها. * الأصل: 5 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن حماد بن عيسى، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: أوصى أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى الحسن وأشهد وصيته الحسين (عليه السلام) ومحمدا وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته، ثم دفع إليه الكتاب والسلاح، ثم قال لابنه الحسن: يا بني أمرني رسول الله أن أوصي إليك وأن أدفع إليك كتبي وسلاحي كما أوصى إلي رسول الله ودفع إلي كتبه وسلاحه وأمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعه إلى أخيك الحسين، ثم أقبل على ابنه الحسين وقال: أمرك رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن تدفعه إلى ابنك هذا، ثم أخذ بيد ابن ابنه علي بن الحسين، ثم قال لعلي بن الحسين: يا بني وأمرك رسول

[ 150 ]

الله (صلى الله عليه وآله) أن تدفعه إلى ابنك محمد بن علي وأقرئه من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومني السلام، ثم أقبل على ابنه الحسن، فقال: يا بني أنت ولي الأمر وولي الدم، فإن عفوت فلك وإن قتلت فضربة مكان ضربة ولا تأثم. * الشرح: قوله (فضربة مكان ضربة ولا تأثم) يحتمل النهي أي لا تأثم بالمثلة أو بقتل غير قاتلي كما هو دأب أقرباء الحكام فإنه قد يقتل بواحد قبيلة لقوله تعالى: * (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) * ومما يدل على ذلك ما روي عنه (عليه السلام) في وصيته للحسن والحسين (عليهما السلام) لما ضربه ابن ملجم لعنه الله وهو مذكور في نهج البلاغة حيث قال " أوصيكما بتقوى الله - إلى أن قال: - يا بني عبد المطلب لا ألفينكم (لا أجدنكم) تخوضون ظ: في دماء المسلمين خوضا ألا لا تقتلن بي غير قاتلي، انظروا إذا أنا مت من ضربته هذه فاضربوه ضربة بضربة ولا يمثل بالرجل فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور " ثم النهي عنهما إنما هو لتعليم الأمة وإلا فالحسنين (عليهما السلام) كانا منزهين (1) عن فعل ما لا يجوز شرعا وأما القول بأن المراد لا تأثم بالزيادة عن الضربة الواحدة على سبيل المبالغة حيث أمر أولا بضربة ونهى ثانيا عن الزيادة عنها وعدها إثما فمستبعد، ويحتمل الخبر يعني لا تأثم بالزيادة إن زدت، أولا تأثم بالضربة الواحدة لوقوعها قصاصا، وهذا أيضا بعيد فالأصوب ما ذكرناه أولا. * الأصل: 6 - الحسين بن الحسن الحسني رفعه ومحمد بن الحسن عن إبراهيم بن إسحاق الأحمري رفعه قال: لما ضرب أمير المؤمنين (عليه السلام) حف به العواد وقيل له: يا أمير المؤمنين أوص، فقال: اثنوا لي وسادة ثم قال: الحمد لله حق قدره متبعين أمره وأحمده كما أحب، ولا إله إلا الله الواحد الأحد الصمد كما انتسب، أيها الناس كل امرئ لاق في فراره ما منه يفر والأجل مساق النفس إليه والهرب منه موافاته كم اطردت الأيام أبحثها عن مكنون هذا الأمر فأبى الله عز ذكره إلا إخفاءه هيهات علم مكنون، أما وصيتي فأن لا تشركوا بالله جل ثناؤه شيئا، ومحمدا (صلى الله عليه وآله) فلا تضيعوا سنته، أقيموا هذين العمودين وأوقدوا هذين المصباحين، وخلاكم ذم ما لم تشردوا، حمل كل


(1) قوله " فالحسنين (عليهما السلام) " والصحيح الحسنان ولكن وجدنا في النسخ هكذا ولعله من غلط الكاتب ومثله كثير في القسم الأخير من هذا الكتاب. (ش) (*)

[ 151 ]

امرئ مجهوده وخفف عن الجهلة، رب رحيم وإمام عليم، ودين قويم، أنا بالأمس صاحبكم، و [ أنا ] اليوم عبرة لكم، وغدا مفارقكم، إن تثبت الوطأة في هذه المزلة فذاك المراد، وإن تدحض القدم فإنا كنا في أفياء أغصان وذرى رياح، وتحت ظل غمامة اضمحل في الجو متلفقها، وعفا في الأرض محطها، وإنما كنت جارا جاوركم بدني أياما وستعقبون مني جثة خلاء، ساكنة بعد حركة وكاظمة بعد نطق، ليعظكم هدوي وخفوت إطراقي وسكون أطرافي، فإنه أوعظ لكم من الناطق البليغ، ودعتكم وداع مرصد للتلاقي، غدا ترون أيامي ويكشف الله عزوجل عن سرائري وتعرفوني بعد خلو مكاني وقيام غيري مقامي، إن أبق فأنا ولي دمي، وإن أفن فالفناء ميعادي [ وإن أعف ] فالعفو لي قربة ولكم حسنة، فاعفوا واصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم، فيالها حسرة على كل ذي غفلة أن يكون عمره عليه حجة أو تؤديه أيامه إلى شقوة، جعلنا الله وإياكم ممن لا يقصر به عن طاعة الله رغبة أو تحل به بعد الموت نقمة، فإنما نحن له وبه. ثم أقبل على الحسن (عليه السلام) فقال: يا بني ضربة مكان ضربة ولا تأثم. * الشرح: قوله (حف به العواد) جمع العائد من العيادة وهي الزيارة. قوله (اثنوا لي وسادة) ثنى الشئ كسمع رد بعضه على بعض فتثنى وأنثنى. قوله (الحمد لله حق قدره) أي حمدا حق قدره وتعظيمه، حمده إجمالا بما يليق عظمته للتنبيه على أن الإتيان بتفاصيله متعسر بل متعذر لأن ذلك متوقف على معرفة عظمته والقدرة على إحصاء ثنائه وهما خارجان عن طوق البشر كما قال (صلى الله عليه وآله): " لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ". قوله (متبعين أمره) حال عن فاعل الحمد وإنما أتى به بعد الإشارة إلى أن الحمد بإزاء ذاته وصفاته للدلالة على أنه أيضا بإزاء نعمه التي أجلها وأكملها وأعظمها وأفضلها هي متابعة أمره لأنها مع كونها نسبة شريفة في هذه الدار سبب لجميع النعم في دار القرار. قوله (وأحمده كما أحب) الإجمال هنا كالسابق وفيه توقع لأن يجعل حمده مثل حمد أحبه، وإشعار بأن الحمد الذي يليق به لا يقدر عليه غيره، ويحتمل أن يكون الكاف زائدا فيكون حمده حمدا هو أحبه وإنما حمده بكلا نوعي الحمد أعني الثبات والاستمرار على وجه التجدد للاشعار باستحقاقه لهما وعطف الفعلية على الاسمية جايز أيضا سيما إذا كانت الإسمية آئلة إلى الفعلية. قوله (ولا إله إلا الله الواحد الأحد الصمد) عطف الفعلية على الاسمية جايز أيضا على أنه

[ 152 ]

يحتمل أن يكون التقدير: وأشهد أن لا إله إلا الله، وإنما وصفه بهذه الأوصاف الثلاثة لأنها من أخص صفاته لدلالة الأول على نفي الشركة في الذات والصفات والثاني على نفي التجزي والثالث على كونه مرجعا لجميع الممكنات ولا شئ مما سواه كذلك. قوله (كما انتسب) أي كما انتسب إلى هذه الصفات في صورة التوحيد وغيرها. قوله (أيها الناس كل امرئ لاق في فراره ما منه يفر) كما قال الله تعالى * (قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم) * وذلك لأن لحوق الموت ضروري وقد أحسن بقوله " في فراره " فإنه لما كان الإنسان دائما فارا من الموت طبعا وكان لابد منه لا جرم يلاقيه في حال فراره. قوله (والأجل مساق النفس إليه) المراد بالأجل إما مدة عمر الإنسان يعني أن مدة كون النفس في هذا البدن محل لسوقها إلى الموت فإن النفس بانقضاء كل جزء من العمر تقرب من الموت أو الوقت المضروب للموت، قال جل شأنه * (إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة) * وفيه حث على الاستعداد لما بعد الموت وإشارة إلى أن الموت في حال الحياة، نعم ما قيل " موتوا قبل أن تموتوا ". قوله (والهرب منه موافاته) الهرب بالتحريك الفرار والموافاة الإتيان وهذه الفقرة كالأولى في غاية اللطف فإن كل هارب من شئ يطلب البعد منه إلا الهارب من الموت فإن فراره منه في مدة عمره يستلزم انقطاع تلك المدة وانقطاعها يستلزم ملاقاة الموت وموافاته. والحمل من باب المبالغة لكمال اللزوم والاتصال. قوله (كم أطردت الأيام أبحثها عن مكنون هذا الأمر) " كم " خبرية و " أطردت " صيغة المتكلم وحده من باب الأفعال " والأيام " مفعوله، يقال: أطردت الشئ أي أخرجته وحقيقته صيرته طريدا. " وأبحثها " حال عن فاعل " أطردت " بتقدير قد، وهذا الأمر يحتمل أمرين: أحدهما خفاء الحق ومظلومية أهله وظهور الباطل ورواج أهله، والمراد بالمكنون حينئذ سر ذلك وسببه والمعنى: كم صيرت الأيام طريدة لي أتبع بعضها بعضا والحال أني أبحث فيها عن سر هذا الأمر فأبى الله إلا إخفاءه وذلك لأنه من العلوم المتعلقة بالقضاء والقدر، وثانيهما ما ذكره شارح نهج البلاغة وهو ما وقع من قتله وضربه بالسيف والمراد حينئذ وقته المعين ومكانه المخصوص وكيفية وقوعه على التفصيل، يعني: كم صيرت الأيام والأزمان طريدة لي وقد كنت أبحث فيها لأعرف ذلك على التفصيل فأبى الله إلا إخفاءه فإن ذلك مما استأثر الله تعالى بعلمه لقوله * (إن الله عنده علم الساعة - الآية) * وإن كان قد أخبره الرسول (صلى الله عليه وآله) بكيفية قتله مجملا كما روي عنه أنه قال " سيضرب على هذه - وأشار إلى هامته - فتخضب منها هذه - وأشار إلى لحيته - " وعنه أنه قال له " أتعلم من أشقى

[ 153 ]

الأولين ؟ قال: نعم عاقر الناقة، وقال له: أتعلم من أشقى الآخرين ؟ قال: لا، قال: من يضربك على هذه فتخضب هذه " وأما بحثه هو عن تحصيل الوقت المعين المحدود والكيفية المشخصة المعينة ونحوها من القرائن المشخصة وذلك البحث إما بالسؤال من الرسول (صلى الله عليه وآله) مدة حياته وكتمانه إياه أو بالبحث والفحص من قرائن أحواله في سائر أوقاته مع الناس كما هو ظاهر العبارة. قوله (هيهات علم مكنون) أي بعد ذلك العلم عنا وهو علم مكنون مستور عن الخلق مختص به جل شأنه. قوله (أما وصيتي فأن لا تشركوا بالله شيئا) لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أوامره ونواهيه وسائر ما نطق به القرآن العزيز، فهو ترغيب في التوحيد وحث على الإخلاص. قوله (ومحمدا (صلى الله عليه وآله) فلا تضيعوا سنته) عطف " على أن لا تشركوا " أي أما وصيتي فمحمدا أي فإن تحفظوا محمدا وترعوا جانبه فلا تضيعوا سنته وهي شريعته التي قررها زمان رسالته وفيه ترغيب في التمسك بها وعدم إهمالها. قوله (أقيموا هذين العمودين) تأكيد أو استئناف والمراد بالعمودين عدم الشرك وعدم التضييع أعني التوحيد المطلق والسنة على سبيل الاستعارة المرشحة، إذ كما أن مدار الخيمة وقيامها بالعمود كذلك مدار الإسلام ونظام أمور المسلمين في معاشهم ومعادهم على التوحيد والتمسك بالسنة. والإقامة ترشيح، والقول بأن المراد بالعمودين الحسن والحسين (عليهما السلام) بعيد. قوله (وأوقدوا هذين المصباحين) المراد بهما ما ذكر على سبيل الاستعارة المرشحة أيضا إذ كما أن المصباح يهدي في الظلام إلى الطريق الموصل إلى المطلوب كذلك التوحيد والسنة النبوية يهديان من ظلمات الجهل إلى طريق الحق ويوصلان إلى جواره في جنات النعيم وهو المطلوب الحقيقي للسالك في بيداء الطبائع البشرية، والإيقاد ترشيح. قوله (وخلاكم ذم ما لم تشردوا) أي عداكم وجاوزكم ذم ولوم بعد التمسك بالتوحيد والسنة ما لم تشردوا ولم تتفرقوا عن دين الحق وما أنتم عليه، والغرض أنه لا يلحقكم ذم أصلا ما دمتم ثابتين على ذلك. قوله (حمل كل امرئ مجهوده وخفف عن الجهلة رب رحيم وإمام عليم ودين قويم) التحميل التكليف يقال: حملته الشئ كلفته حمله، والدين القويم هو الذي لا اعوجاج فيه ولا صعوبة، والإمام العليم الرسول المبين لكيفية سلوك سبيل الله ومراحله ومنازله والهادي فيه بما يقتضيه حكمته من القول والعمل، أو أمير المؤمنين (عليه السلام) نفسه لكونه وارث علمه وسالك مسالكه،

[ 154 ]

والظاهر أن حمل وخفف على صيغة المعلوم، و " رب " وما عطف عليه فاعلهما على سبيل التنازع ولما أمر أولا بإقامة هذين العمودين وإيقاد هذين المصباحين اللذين يدور عليهما التكليف أشار بهذا القول إلى أن التكليف بذلك يتفاوت بحسب تفاوت مراتب الرجال فالرب الرحيم والإمام العليم والدين القويم حملوا كل رجل ما هو مقدوره وكلفوه بما هو مجهوده فكلفوا العلماء وأهل الفضل والعقل بالتفكر والتأمل والتعليم والإرشاد والهداية والاستدلال وخففوا عن الجهال وضعفاء العقول ذلك وكلفوهم بما هو مقدورهم وهو المحسوس من العبادات والمتابعة لأولي الفضل في القول والعمل فتكليفهم دون تكليف هؤلاء العظام وإنما قلنا ذلك لاحتمال أن يكون الفعلان على صيغة المجهول وقوله " رب رحيم " إلى آخره حينئذ إما خبر مبتدأ محذوف تقديره المكلف رب رحيم ووصفه بالرحمة لمناسبة ما ذكر من التخفيف عن الجهلة أو فاعل لفعل يفسره حمل أي حملهم رب رحيم كقوله * (يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال) *. قوله (أنا بالأمس صاحبكم) في الأمر والنهي والمحاربة مع الأقران والمقاتلة مع أهل الخذلان وغير ذلك من الأفعال والأعمال التي لا تصدر إلا من الأقوياء. قوله (وأنا اليوم عبرة لكم) يمكن لكم الاعتبار بما طرأ من الضعف بعد القوة ومن السكون بعد الحركة ومن العجز بعد القدرة، وبالجملة تلك الأمور ونحوها من مصرعه (عليه السلام) بعد كونه صريعا للأقران ومصارعا للشجعان عبرة لأولي الألباب. قوله (وغدا مفارقكم) بالموت وأراد بالغد معناه حقيقة لعلمه (عليه السلام) بأنه يموت في تلك الواقعة غدا لا ما يستقبل من الزمان مطلقا، وكل هذه التعبيرات محل الاعتبار يتنبه بها أولو الأحلام. قوله (إن تثبت الوطأة في هذه المزلة فذاك المراد) الوطأة الدوس بالرجل والمشي بها ولعل المراد هنا القدم مجازا أي أن يكون لي ثبات قدم في هذه المزلة التي هي محل زوال الحياة وبقاء فيها فذاك المراد لكشفه بأنه مراد الله تعالى وفيه رضاء بالواقع وتفويض الأمر إلى الله تعالى. قوله (وإن تدحض القدم فإنا كنا في أفياء أغصان وذرى رياح وتحت ظل غمامة، اضمحل في الجو متلفقها وعفا في الأرض محطها) الأفياء جمع فيئ وهو الظل وأصله الرجوع وإنما سمي الظل فيئا لرجوعه من جانب إلى جانب، وذرى الرياح بالفتح كنفها ومهبها يقال: أنا في ذرى فلان أي في كنفه، وذرى الرياح بالضم اسم لما ذرته الريح وأطارته، ولا يمكن إرادته هنا إلا بتكلف وهو أن المراد بالكون فيه الكون فيما بينه ومن جملته، والغمام السحاب الواحدة غمامة، والجو ما بين السماء والأرض، والمتلفق إما اسم مفعول من تلفق أي اجتمع أو مصدر ميمي منه بمعنى

[ 155 ]

الاجتماع، وضمير التأنيث عايد إلى الغمام، والعفاء الدروس والانمحاء يقال: عفا الأثر أي درس وانمحى، والمحط بالحاء والطاء المهملتين المنزل والأثر وضميره راجع إلى الغمام ورجوعه إلى ذرى الرياح بعيد ودحض القدم كناية عن الموت أي إن مت فلا عجب فإنا كنا في هذه الأمور وكنى بها عن أحوال الدنيا ومستلذاتها وقلة ثباتها والتمتع بها وفيه حث على عدم الركون إليها وترغيب في الاستعداد لما بعد الموت، وقيل: أراد على وجه الاستعارة بالأغصان الأركان من العناصر وبالأفياء تركيبها المعرض للزوال، وبالرياح الأرواح، وذراها الأبدان الفائضة هي عليها بالجود الإلهي، وبالغمامة الأسباب العلوية من الحركات السماوية والاتصالات الكوكبية والأرزاق المفاضة على الإنسان في هذا العالم التي هي سبب بقائه، وكنى باضمحلال متلفقها في الجو عن تفرق تلك الأسباب وزوالها، وبعفاء محطها في الأرض عن فناء آثارها في الأبدان. قوله (وإنما كنت جارا جاوركم بدني أياما) أراد بالأيام مدة حياته، وفيه تنبيه على أن مجاورته إنما كانت بالبدن فقط، وأما نفسه القدسية فإنما كانت متصلة بالملأ الأعلى، غير مايلة إلى البقاء في الدنيا ومجاورة أهلها أو على أن المجاورة إنما هي من عوارض الجسمية فتكون متعلقة بالبدن فقط. قوله (وستعقبون مني جثة خلاء) أي خالية من الروح، والجثة الشخص والبدن وفيه مع ما يليه أيضا عبرة واتعاظ لأولي الأبصار. قوله (وكاظمة بعد نطق) الكظوم السكوت يقال: كظم الرجل يكظم كظوما إذا أمسك عن الكلام والنفس فهو كاظم أي ساكت. قوله (ليعظكم هدوي وخفوت إطراقي وسكون أطرافي) الهدوء بضم الهاء والدال والهمزة أخيرا السكوت من باب منع يقال: أهدأه فهدأ أي سكنه فسكن والخفوت بضمتين السكون يقال: خفت الصوت خفوتا أي سكن، ولهذا قيل للميت: خفت إذا انقطع كلامه وسكت فهو خافت والإطراق إرخاء العينين، يقال: أطرق فلان أي أرخى عينيه ينظر إلى الأرض وسكت، ويحتمل أن يكون الأطراق بفتح الهمزة جمع الطرق بكسر الطاء وهي القوة كحمل وأحمال. والأطراف جمع الطرف بالتحريك كجمل وأجمال والمراد بها الأعضاء والجوارح أو جمع الطرف بالتسكين وهو تحريك العين والجفن، والمراد بها هنا العيون والأجفان إلا أن جمعه لم يثبت إلا عند القتيبي، وقال الزمخشري: الطرف لا يثنى ولا يجمع لأنه مصدر. وقال الجوهري: الطرف العين ولا يجمع لأنه في الأصل مصدر فيكون واحدا وجمعا.

[ 156 ]

قوله (فإنه أوعظ لكم من الناطق البليغ) أي فإن ما ذكر أوعظ لكم من ناطق صاحب الفصاحة والبلاغة فإن النفوس لمشاهدة ما فيه من العبرة والوعظ أكثر انفعالا وأشد اتعاظا واعتبارا من الاتعاظ والاعتبار بالقول المسموع ولو بأبلغ عبارة إذ ليس الخبر كالمعاينة. قوله (ودعتكم وداع مرصد للتلاقي غدا) ولما حمد الله تعالى ونصحهم ووعظهم بما فيه عبرة أخذ في توديعهم بقوله: ودعتكم على سبيل الإنشاء وداع رجل مرصد أي معد ومهيئ للقاء الله تعالى أو للقائكم غدا يريد به يوم القيامة والمرصد حينئذ اسم فاعل من أرصدت له بمعنى أعددت وهيأت له، ويجوز أن يكون اسم مكان من الرصد بالتحريك والتسكين بمعنى المراقبة والانتظار. قوله (ترون أيامي ويكشف الله عن سرائري وتعرفوني بعد خلو مكاني وقيام غير مقامي) في بعض النسخ " وقيام غيري مقامي " وفيه تذكير لهم بحسن خلقه وفضيلته وتنبيه على كمال شفقته على رعيته ليثبت العارفون بفضله على أتباعه ويبالغوا في مدحه وثنائه أداء لحمد الله تعالى بإعطاء ذلك الإمام العادل ويعرف الغافلون عن فضله ومنزلته ولزوم قصده في سبيل الحق عند مشاهدة المنكرات وظهور الظلم والجور ممن يقوم مقامه من خلفاء بني أمية وعمالهم. ويعلموا سرائره وهي أن حروبه ووقايعه وحرصه على هذا الأمر وأمره بالقتال لم يكن لنيل دنيا بل لإقامة الدين وترويج الشرع. قوله (إن أبق فأنا ولي دمي) صدق الشرطية لا يستلزم وقوع الطرفين فلا ينافي ما مر من قوله (عليه السلام) " وغدا مفارقكم ". قوله (وإن أفن فالفناء ميعادي) كما قال جل شأنه * (كل من عليها فان ويبقى وجه ربك) * وقال * (كل شئ هالك إلا وجهه) *. قوله (فالعفو لي قربة ولكم حسنة) التنكير فيهما للتعظيم فإن مراتبهما متفاوتة وفيه ترغيب في العفو إذ يكتب لصاحبه حسنة جليلة وهي منشأ لقربه من الله باستحقاق رحمته ومغفرته وألطافه وإحسانه وترادف مننه وفيض مواهبه عليه، وقوله " لي " معناه لأجلي ورضائي بذلك، لا أن العفو سبب لقربه (عليه السلام) منه تعالى لأن الله تعالى قد أعطاه من القرب والمنزلة ما لا يؤثر فيه شئ من أفعالنا. قوله (فاعفوا) أي فاعفوا عن ذنوب الإخوان وزلاتهم واصفحوا بالإعراض عن مؤاخذتهم وتعييرهم بها * (ألا تحبون أن يغفر الله لكم) * بإخفاء ذنوبكم وستر زلاتكم وترك تعييركم، فكما تحبون ذلك لأنفسكم فأحبوه لإخوانكم، مع أن عفوكم لإخوانكم سبب لمغفرتكم.

[ 157 ]

قوله (فيالها حسرة) النداء للتعجب والمنادى محذوف وحسرة بالنصب تميز عن الضمير المبهم كما في قوله يالها قصة، وربه رجلا أي يا قوم أدعوكم لشئ تتعجبون منه وهي الحسرة على كل ذي غفلة عما يراد منه أن يكون عمره ومدة بقائه في دار التكليف حجة عليه يوم القيامة كما قال جل شأنه * (أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير) * و * (فذوقوا فما للظالمين من نصير) * أو تؤديه أيامه إلى شقوة تجره إلى عذاب السعير، والمؤدي إليها وإن كان عقائده الفاسدة وأعماله الكاسدة، إلا أن الزمان لما كان ظرفا لها نسب التأدية إليه مجازا. قوله (جعلنا الله وإياكم ممن لا يقصر به عن طاعة الله تعالى رغبة) القصور العجز يقال: قصرت عن الشئ قصورا عجزت عنه ولم أبلغه وحرف المجاوزة متعلق بلا يقصر و " رغبة " تميز عن النسبة فيه وضمير به راجع إلى الله أي ممن لا يقصر بلطف الله وتوفيقه عن طاعة الله لأجل الرغبة عنها ولو جعلت رغبة فاعل " لا يقصر " وحرف المجاوزة متعلقا بها لزم خلاف المعنى المقصود. قوله (أو تحل به بعد الموت نقمة) عطف على قوله يقصر والنقمة على وزن الكلمة وإن شئت سكنت القاف ونقلت حركتها إلى النون فقلت: نقمة وهي العقوبة والعذاب. قوله (فإنما نحن له وبه) أي فإنما نحن موجودون لله تعالى وبه، ففي الأول إشارة إلى وجوب طلب التقرب منه بالإتيان بالمأمورات والاجتناب عن المنهيات وفي الثاني إشارة إلى تفويض الأمور كلها إليه، وبهما يتم النظام في الدارين، ويحصل علو المنزلة في النشأتين. 7 - محمد بن يحيى، عن علي بن الحسن، عن علي بن إبراهيم العقيلي يرفعه قال قال: لما ضرب ابن ملجم أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال للحسن: يا بني إذا أنا مت فاقتل ابن ملجم واحفر له في الكناسة - (ووصف العقيلي الموضع على باب طاق المحامل موضع الشواء والرؤاس) ثم ارم به فيه، فإنه واد من أودية جهنم. * الشرح: قوله (موضع الشواء والرؤاس) الشواء بالكسر اسم من شويت اللحم شيا والرؤاس بائع الرؤوس والعامة تقول رواس، كذا في الصحاح.

[ 158 ]

باب الإشارة والنص على الحسين بن علي (عليهما السلام) * الأصل: 1 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح (قال الكليني): وعدة من أصحابنا، عن ابن زياد، عن محمد بن سليمان الديلمي، عن هارون بن الجهم، عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: لما حضر الحسن بن علي (عليهما السلام) الوفاة قال للحسين (عليه السلام): يا أخي إني أوصيك بوصية فاحفظها، إذا أنا مت فهيئني ثم وجهني إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأحدث به عهدا ثم اصرفني إلى أمي (عليها السلام) ثم ردني فادفني بالبقيع واعلم أنه سيصيبني من عائشة ما يعلم الله والناس صنيعها وعداوتها لله ولرسوله وعداوتها لنا أهل البيت، فلما قبض الحسن (عليه السلام) [ و ] وضع على السرير ثم انطلقوا به إلى مصلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي كان يصلى فيه على الجنائز (1) فصلى عليه الحسين (عليه السلام) وحمل وأدخل إلى المسجد فلما أوقف على قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذهب ذو العوينين إلى عائشة فقال لها: إنهم قد أقبلوا بالحسن ليدفنوه مع النبي (صلى الله عليه وآله) فخرجت مبادرة على بغل بسرج - فكانت أول امرأة ركبت في الإسلام سرجا - فقالت: نحوا ابنكم عن بيتي، فإنه لا يدفن في بيتي ويهتك على رسول الله (صلى الله عليه وآله) حجابه، فقال لها الحسين (عليه السلام): قديما هتكت أنت وأبوك حجاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأدخلت عليه بيته من لا يحب قربه، وإن الله سائلك عن ذلك يا عائشة. * الشرح: قوله (علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح قال الكليني وعدة من أصحابنا) بكر بن صالح مشترك بين مجهول يروي عن أبي جعفر (عليه السلام) وبين ضعيف وهو بكر بن صالح الرازي يروي عن الكاظم (عليه السلام) فإن كان المراد به الأول فالسند الأول مسند مع احتمال الإرسال، لأن رواية إبراهيم ابن هاشم عمن يروي عن الباقر (عليه السلام) بلا واسطة بعيد جدا، وإن كان المراد به الثاني كما هو الظاهر لأن إبراهيم بن هاشم يروي عنه فالسند مرسل أو مربوط بالسند الثاني مع احتمال أن يكون هو والأول واحدا كما صرح به بعض أصحاب الرجال فتأمل. قوله (ثم اصرفني إلى أمي ثم ردني فادفني بالبقيع) دل على أن مرقد فاطمة (عليها السلام) ليس


(1) قوله (كان يصلى فيه على الجنائز) هذا المصلى واقع في زماننا في المسجد الشريف في الجانب الشرقي من الشباك المقدس. (ش) (*)

[ 159 ]

بالبقيع (1). قوله (صنيعها) (2) كذا في بعض النسخ المعتبرة وفي أكثرها " بغضها " وهو مفعول " ما يعلم " والعائد إلى " ما " محذوف وهو به. قوله (ذهب ذو العوينين) هو الجاسوس، وقيل: هو مروان بن الحكم، وفي الصحاح: العين حاسة الرؤية وتصغيرها عيينة ومنه ذو العيينتين للجاسوس ولا تقل ذو العوينتين، وهذا يرده. * الأصل: 2 - محمد بن الحسن وعلي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن محمد بن سليمان الديلمي عن بعض أصحابنا، عن المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لما حضرت الحسن بن علي (عليهما السلام) الوفاة، قال: يا قنبر ! انظر هل ترى من وراء بابك مؤمنا من غير آل محمد (صلى الله عليه وآله) ؟ فقال: الله تعالى ورسوله وابن رسوله أعلم به مني، قال: ادع لي محمد بن علي، فأتيته فلما دخلت عليه، قال: هل حدث إلا خير ؟ قلت: أجب أبا محمد، فعجل على شسع نعله، فلم يسوه وخرج معي يعدو، فلما قام بين يديه سلم، فقال له الحسن بن علي (عليهما السلام): اجلس فإنه ليس مثلك يغيب عن سماع كلام


(1) قوله " ليس بالبقيع " ويدل على ذلك اتفاق المشايخ الثلاثة الكليني وابن بابويه والشيخ الطوسي أصحاب الكتب الأربعة على أن زيارتها (عليها السلام) في بيتها الواقع في زماننا في الشباك المقدس ويدل أيضا على ذلك القرائن العقلية لأن غرضهم كان إخفاء موتها وقبرها ولا يتيسر ذلك مع نقلها من بيتها إلى البقيع وكان الدفن في البيت معهودا فلابد أن يقال بدفنها في بيتها يقينا وإنما أنكر من أنكر لأغراض، أما الأعداء فلأغراض خبيثة وأما الموالي فلإقامة الشواهد على مخالفتها لما جرى بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله). (ش) (2) قوله " صنيعها " أي عملها وديدنها فإن الناس علموا أنها كانت من أعداء أمير المؤمنين وأهل بيته (عليهم السلام) ولا ينكر ذلك أهل السنة أيضا وحملوا ذلك على ما بين المرأة وضراتها وأحمائها وخصوصا أولاد ضرتها خديجة وظهر ذلك منها مرارا في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبعده في حرب الجمل وغيره، وثبت في كتبهم وكلما جرى ذكر خديجة رضي الله عنها بخير عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) تغيرت وغضبت، وقد صرح القرآن بصدور الإيذاء منها ومن صاحبتها له (صلى الله عليه وآله) ومخالفتهما وتظاهرهما عليه في قوله: * (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما) * و * (ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما) * وما دل من أحاديثهم على خلاف ذلك غير مقبول لمخالفة نص الكتاب ولو كان حذف شئ من القرآن ممكنا لحذفوه ثم إن بعض من لا بصيرة له ولا خبرة في لغة العرب فسر قوله (عليه السلام) " الناس صنيعها " إن الناس أي بني أمية يجعلونها آلة لأغراضهم وهو غلط وأما دفن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في بيت عائشة ورحلته وتمريضه فيه فإنما هو لمجاورة المسجد وكان اطلاعه (صلى الله عليه وآله) على الناس وخروجه إليهم من بيتها أسهل عليه مع مرضه مما لو كان في بيت غيرها كما اطلع على صلاة أبي بكر بالناس وخرج ومنعه، ثم كون قبره الشريف مجاورا للمسجد كان أذكر له وأسهل لزيارته (صلى الله عليه وآله) وليس ذلك لفضل عائشة. نعم لا كلام في براءتها مما رميت به في مسألة القذف لأن رميها به هتك لحرمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكذلك كل زوجة بالنسبة إلى بعلها. (ش) (*)

[ 160 ]

يحيى به الأموات ويموت به الأحياء، كونوا أوعية العلم ومصابيح الهدى، فإن ضوء النهار بعضه أضوأ من بعض، أما علمت أن الله جعل ولد إبراهيم (عليه السلام) أئمة وفضل بعضهم على بعض وآتى داود (عليه السلام) زبورا ! وقد علمت بما استأثر به محمدا (صلى الله عليه وآله) ! يا محمد بن علي، إني أخاف عليك الحسد وإنما وصف الله به الكافرين، فقال الله عزوجل * (كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعدما تبين لهم الحق) * ولم يجعل الله عزوجل للشيطان عليك سلطانا، يا محمد بن علي ألا أخبرك بما سمعت من أبيك فيك ؟ قال: بلى. قال: سمعت أباك (عليه السلام) يقول يوم البصرة: من أحب يبرني في الدنيا والآخرة فليبر محمدا ولدي، يا محمد بن علي ! لو شئت أن اخبرك وأنت نطفة في ظهر أبيك لأخبرتك، يا محمد بن علي أما علمت أن الحسين بن علي (عليهما السلام) بعد وفاة نفسي ومفارقة روحي جسمي إمام من بعدي وعند الله جل اسمه في الكتاب، وراثة من النبي (صلى الله عليه وآله) أضافها الله عزوجل له في وراثة أبيه وأمه فعلم الله أنكم خيرة خلقه فاصطفى منكم محمدا (صلى الله عليه وآله) واختار محمد عليا (عليه السلام) واختارني علي (عليه السلام) بالإمامة، واخترت أنا الحسين، فقال له محمد بن علي: أنت إمام وأنت وسيلتي إلى محمد (صلى الله عليه وآله) والله لوددت أن نفسي ذهبت قبل أن أسمع منك هذا الكلام، ألا وإن في رأسي كلاما لا تنزفه الدلاء ولا تغيره نغمة الرياح كالكتاب المعجم في الرق المنمنم أهم بإبدائه فأجدني سبقت إليه سبق الكتاب المنزل أو ما جاءت به الرسل وإنه لكلام يكل به لسان الناطق ويد الكاتب، حتى لا يجد قلما ويؤتوا بالقرطاس حمما فلا يبلغ إلى فضلك وكذلك يجزي الله المحسنين ولا قوة إلا بالله، الحسين أعلمنا علما وأثقلنا حلما وأقربنا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) رحما، كان فقيها قبل أن يخلق وقرأ الوحي قبل أن ينطق ولو علم الله في أحد خيرا ما اصطفى محمدا (صلى الله عليه وآله)، فلما اختار محمدا (صلى الله عليه وآله) واختار محمد عليا واختارك علي إماما واخترت الحسين، سلمنا ورضينا من [ هو ] بغيره يرضى و [ من غيره ] كنا نسلم به من مشكلات أمرنا. * الشرح: قوله (أعلم به مني) فلا يحتاج إلى أن أخبرك بعد النظر، وفيه شئ يمكن دفعه بحمل النظر على النظر الباطني. قوله (فعجل على شسع نعله) الشسع أحد سيور النعل وهو الذي يدخل بين الإصبعين ويدخل طرفه في الثقب الذي في صدر النعل المشدود في الزمام، والزمام السير الذي يعقد فيه الشسع. قوله (فإنه ليس مثلك يغيب عن سماع كلام) وهو الوصية في الولاية والنص على الخليفة بعده

[ 161 ]

فإن السامع لهذا الكلام والمقر بصدقه حي وإن كان ميتا والمنكر له ميت وإن كان حيا إذ الحياة هي حياة النفس بالمعرفة والموت هو موتها بالجهالة. قوله (كونوا أوعية العلم ومصابيح الهدى) أمر بطلب العلم وتنوير القلب للرشاد والدلالة على السداد إذ نظام الإنسان في نفسه بالعلم والعمل بمقتضاه وهو الاهتداء إلى المقصود والتمسك بالحق فإنه إذا فعل ذلك فهو مصباح لمن تبعه واستضاء بنوره في سلوك سبيل الحق بخلاف ما إذا علم الحق وتركه فإنه ضال لنفسه ومضل لغيره وهكذا حال كل من ادعى الإمامة وليس بأهل لها، وهذا كالتمهيد لما هو المقصود هنا من أمره ومتابعة الحسين (عليه السلام) وزجره عن مخالفته. قوله (فإن ضوء النهار) لما أمره بطلب العلم وقد كان عالما أشار هنا إلى بيان ذلك وبين أن العلم لتفاوت درجاته كالضوء فإن بعضه أشد ضياء من بعض فكذلك العلم بعضه أكمل من بعض وإليه أشار جل شأنه بقوله * (وفوق كل ذي علم عليم) * فلابد للعالم من رجوعه إلى الأعلم والإقرار بفضله وهذا أيضا تمهيد لما ذكر. قوله (أما علمت) تمثيل لما ذكر وتقرير له وتنبيه على أنه كما كان بين أولاد خليل الرحمن تفاوت في العلم والفضل حتى صار الأفضل مستحقا للخلافة كذلك بين أولاد سيد الأوصياء تفاوت فيه حتى صار الأفضل بذلك مستحقا للخلافة والإمامة. قوله (وقد علمت بما استأثر الله به محمدا (صلى الله عليه وآله)) أي علمت أن الله تعالى اختار محمدا من بين خلقه جميعا بسبب علمه وعمله وصفات كماله وامتيازه من جميع الوجوه وهذه الأمور مناط تقدمه على جميعهم وفيه تمهيد لما ذكر. قوله (يا محمد بن علي إني أخاف عليك الحسد) (1) هو أن يرى الرجل لأخيه نعمة فيتمنى أن


(1) قوله " أخاف عليك الحسد " الحديث ضعيف غايته لأن محمد بن سليمان الديلمي ضعيف وما يروى عن المفضل أيضا غير معتمد عليه لحمل الغلاة عليه حملا كثيرا وإن قلنا باعتبار الرجل في نفسه ومع ذلك ففيه إرسال، لكن وليس في متنه ما ينافي الأصول ولا يرى فيه ضعف من جهة المعنى إلا مواجهة الحسن (عليه السلام) أخاه بهذا الكلام ونسبة الحسد إليه، ومحمد بن الحنفية معروف بالصلاح والفضل والتقوى وأجل من أن ينسب إليه الجهل بمقام ابني فاطمة سلام الله عليهما وشرفهما بالانتساب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وموقعهما في قلوب المسلمين ولا يحسد الإنسان كلما كان جاهلا إلا من يساويه أو يقرب منه في الرتبة ولا يحسد أحد من ضعاف الرعية الملوك على قدرتهم وثروتهم ولا أحد من صغار الطلبة العلامة والشهيد وأمثالهم على شهرتهم في العلم وإنما يحسدون من في رتبتهم أو ما يقربها، ثم صدور هذا الكلام من الإمام (عليه السلام) وهو سب وفحش وهتك حرمة وسوء أدب غير معهود منهم (عليهم السلام) ولم يواجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) المنافقين الذين كان يعرفهم بالتعيين بمثل هذا الكلام. (ش) (*)

[ 162 ]

تزول عنه وتكون له دونه ومبدؤه قلة التفكر والجهل بالله وحكمته وكثرة الحرص وحب الدنيا وإنما نسبه إلى أبيه دون نفسه ولم يقل يا أخي تذكيرا له بما صدر عن أبيه من الوصية إلى الحسين (عليه السلام) في حضوره. قوله (كفارا حسدا) الآية هكذا * (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعدما تبين لهم الحق) * قوله و " لو يردونكم " مفعول " ود " و " لو " بمعنى أن المصدرية أي أن يردوكم، وقوله " كفارا " أي مرتدين حال عن ضمير المخاطبين وقوله " حسدا " مفعول له لود وعلة له، وقوله " من عند أنفسهم " متعلق به أي ودوا ذلك من عند أنفسهم وهواها وتشبيها لا من قبل التدين والميل مع الحق أو بحسد أي حسدا منبعثا من أصل نفوسهم من بعدما تبين لهم الحق بالمعجزات والنعوت المذكورة في كتبهم. إذا عرفت هذا فنقول: كل من أنكر الحق حسدا فهو في زمرة الكافرين ومتصف بصفتهم. نعوذ بالله من ذلك. قوله (ولم يجعل الله تعالى للشيطان عليك سلطانا) حيث من عليك بالإيمان فلا تجعل له عليك سلطانا بالكفر والارتداد ومتابعة مشتهيات النفس كما قال جل شأنه * (إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون) * ويحتمل أن يكون المراد أن الشيطان ليس له عليك سلطان يجبرك على الشر حتى تكون معذورا وإنما فعلك ينسب إلى نفسك إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا كما قال عز شأنه * (إن كيد الشيطان كان ضعيفا) *. قوله (من أحب أن يبرني) بره يبره من باب علم أي أطاعه وأحسن إليه وأتى بحقوقه والغرض من هذه الأخبار حثه على الشكر بهذه النعمة الجليلة وعدم فعل ما يوجب زوالها. قوله (يا محمد بن علي لو شئت) لعل المراد منه هو التنبيه بأن الإمام يجب أن يكون له علم بما في أصلاب الرجال وأرحام الأمهات وأن لا يخفى عليه شئ من ضمائر القلوب وخطرات النفوس ليقل بذلك طمعه في الإمامة والولاية لعدم اتصافه بهذا العلم. قوله (يا محمد بن علي أما علمت أن الحسين بن علي بعد وفاة نفسي ومفارقة روحي جسمي إمام من بعدي) العطف للتفسير وإلا فالنفس لا تموت وقوله " من بعدي " تأكيد وتوضيح لاتصال إمامة الحسين (عليه السلام) بمفارقة روحه المقدسة من غير فصل لئلا يتوهم السامع جواز الانفصال، وفيه تذكير له بما سمعه من أبيه (عليه السلام) حين أحضره وسائر أخوته عند الوصية إلى ابنيه الحسن والحسين (عليهما السلام) وأشهدهم على ذلك، وقد روي أنه نظر بعد الوصية إلى محمد بن الحنفية فقال: هل حفظت بما أوصيت به أخويك ؟ قال: نعم، قال: فإني أوصيك بتوقير أخويك لعظم حقهما عليك.

[ 163 ]

قوله (وأنت وسيلتي) هي ما يتقرب به إلى الشئ ويتوصل به إليه. قوله (قبل أن أسمع منك هذا الكلام) أي الكلام المخبر بموتك أو نسبة الحسد إلي. قوله (ألا وإن في رأسي كلاما ما تنزفه الدلاء) تنكير " كلاما " للتكثير والتعظيم، والمراد به ما دل على مدحه وفضائله (عليه السلام) وجعل الرأس ظرفا له لأن اللسان مظهره وتشبيهه بالماء في الكثرة والغزارة مكنية ونسبة النزف إليه تخييلية والتمثيل أيضا محتمل، والنزف النزح تقول: نزفت ماء البئر نزفا إذا نزحت كله، والمقصود أن هذا الكلام في الكثرة والعظمة إلى حيث لا يمكن التكلم بجميعه. قوله (ولا تغيره نغمة الرياح) النغمة الصوت الخفي وهذا تمثيل لثباته واستقراره وعدم زواله بمخاطرات النفس ووساوس الشيطان أو كناية عنه، يقال: هذا ما تغيره الرياح إذا كان ثابتا مستقرا. قوله (كالكتاب المعجم) أي ما في رأسي من الكلام كالكتاب المعجم الذي أزيلت عجمته وعدم إفصاحه بالنقط والإعراب بحيث يكون المقصود منه ودلالته عليه واضحين ناظرين غير متلبسين على الناظر فيه من قولهم: أعجمت الكتاب فهو معجم أي أزلت عجمته وهي عدم الإفصاح ويمكن أن يراد بالكتاب المعجم الكتاب الغير المفصح لمقصوده من قولهم: أعجمه إذا لم يفصحه لا لقصور فيه بل للطف معانيه وكثرة لطائفه حتى يعجز اللسان عن بيانه. قوله (في الرق المنمنم) الرق بالفتح وقد يكسر: جلد رقيق يكتب فيه والصحيفة البيضاء أيضا، والمنمنم المرقش والمزخرف والموشى، يقال: نمنم الثوب أي رقشه وزخرفه ووشاه وقد يطلق على الثوب الأبيض أيضا ولعل المراد بالرق المنمنم صدره لاتصافه بالزينة وحب أهل البيت (عليهم السلام)، أو بالضياء والصفاء عن دنس الحقد وسواد الحسد. وفي بعض النسخ " في الرق المنهم " يقال: أنهم الشحم والبرد إذا ذابا، وإنما وصف قلبه بالذوب لإذابة الغم والهم إياه. قوله (أهم بأدائه) في بعض النسخ " بإبدائه " والمال واحد. قوله (فأجدني سبقت إليه سبق الكتاب المنزل) الظاهر أن سبقت على صيغة المجهول وسبق على صيغة الماضي المعلوم من باب الاستئناف، واللام في الكتاب إما للعهد إشارة إلى القرآن العزيز أو للاستغراق الشامل لجميع الكتب المنزلة والترديد من باب منع الخلو فلا ينافي الجمع أو من باب الشك من الراوي على احتمال بعيد ولعل المقصود أنه سبقني على إبدائه الكتب السماوية وألسنة الرسل (عليهم السلام)، والحاصل أن أهل البيت لا يحتاجون إلى أن أذكر نعوتهم وأبدي فضائلهم لأن الله تعالى ذكرها وأبداها وألسنة الرسل ناطقة بها، وإنما قلت: الظاهر ذلك لاحتمال أن يكون الأول على صيغة المعلوم والثاني على صيغة المصدر ولكنه بعيد جدا.

[ 164 ]

قوله (أو ما حلت به الرسل) في بعض النسخ " أو ما مضت " وفي بعضها " أو ما جاءت " والأشهر في الرواية هو الأول. قوله (وأنه لكلام يكل به لسانه الناطق [ حتى يكل لسانه ]) هكذا في أكثر النسخ المعتبرة وليس في بعضها قوله " حتى يكل لسان " وهو الأظهر ولعل المعنى على تقدير وجوده أن الكلام الذي في رأسي يكل به لسانه الناطق الفصيح ويعجز عن إبدائه حتى يبلغ غاية الكلال ويعجز عن النطق به بالكلية، وهذا ليس من باب الجزاف والتخمين بل هو حق ثابت في نفس الأمر إذ لا يعلم مدايح أهل البيت وشرف فضائلهم وعلو منزلتهم إلا الله تعالى. قوله (ويد الكاتب حتى لا يجد قلما ويؤتوا بالقرطاس حمما فلا يبلغ فضلك) ضمير " لا يجد " للكاتب و " قلما " في حيز الاستغراق وضمير " يؤتوا " للناس وهو معطوف على " لا يجد " والعائد محذوف وهو منه، والحمم بضم الحاء وفتح الميم جمع الحممة كذلك وهي الفحمة والشئ الأسود، والفاء في قوله " فلا يبلغ " للتفريع وضمير يبلغ للكاتب أو للقرطاس، وفي كثير من النسخ " ولا يبلغ " بالواو للحال وهو الأظهر، ولعل المعنى أنه لكلام يكل به يد الكاتب لكثرة حركتها في كتابته حتى لا يجد قلما أصلا لصرف كله في الكتابة وحتى يؤتوا أي الناس من جانب الكاتب بالقراطيس كلها مسودة مملوة بفضائلك فلا يبلغ الكاتب أو القرطاس " فضلك بل المكتوب قليل من كثير وهذا ليس من باب الاغراق إذ لو صارت الأشجار أقلاما والأفلاك وما فيها قرطاسا والبحور مدادا لنفدت قبل أن تنفد كلمات فضائلهم (عليهم السلام). قوله (كان فقيها قبل أن يخلق) أراد بخلقه خلق جسمه، وقد روي أن الأرواح المطهرة قبل تعلقها بالأبدان المقدسة كانوا عالمين معلمين للملائكة أيدهم الله تعالى بنوره وأفضلهم بقربه والقول بأن المراد أنه كان فقيها في علم الله قبل خلقه بعيد جدا. قوله (سلمنا ورضينا) التسليم هو الإذعان والإنقياد قولا وفعلا ظاهرا وباطنا، والرضا هو السرور بمر القضاء وإرادة الحق والسكون إلى أحكامه، والفرق بينهما كالفرق بين السبب والمسبب فإن الرضا سبب التسليم ومقدم عليه والتسليم فوقه. قوله (من بغيره يرضى) أي من يرضى بغير الحسين (عليه السلام) فالظرف متعلق بما بعده والضمير المجرور راجع إلى الحسين (عليه السلام) و " يرضى بالياء " غائب مذكر وفاعله راجع إلى " من " والاستفهام للإنكار، وأما قراءة " نرضى " بالنون على أن يكون متكلما مع الغير كما في بعض النسخ فلا يخلو ما فيه لخلو " من " عن العائد إليه إلا أن يقدر أو يجعل ضمير المجرور له، والأخير واه.

[ 165 ]

* الأصل: 3 - وبهذا الإسناد، عن سهل، عن محمد بن سليمان، عن هارون بن الجهم، عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: لما احتضر الحسن بن علي (عليهما السلام) قال للحسين: يا أخي إني أوصيك بوصية فاحفظها، فإذا أنا مت فهيئني ثم وجهني إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأحدث به عهدا ثم اصرفني إلى أمي فاطمة (عليها السلام) ثم ردني فادفني بالبقيع، واعلم أنه سيصيبني من الحميراء ما يعلم الناس من صنيعها وعداوتها لله ولرسوله (صلى الله عليه وآله) وعداوتها لنا أهل البيت، فلما قبض الحسن (عليه السلام) [ و ] وضع على سريره فانطلقوا به إلى مصلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي كان يصلي فيه على الجنائز فصلى على الحسن (عليه السلام)، فلما أن صلى عليه حمل فأدخل المسجد فلما أوقف على قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بلغ عائشة الخبر وقيل لها: إنهم قد أقبلوا بالحسن بن علي ليدفن مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فخرجت مبادرة على بغل بسرج - فكانت أول امرأة ركبت في الإسلام سرجا - فوقفت وقالت: نحوا ابنكم عن بيتي، فإنه لا يدفن فيه شئ ولا يهتك على رسول الله (صلى الله عليه وآله) حجابه. فقال لها الحسين بن علي صلوات الله عليهما: قديما هتكت أنت وأبوك حجاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأدخلت بيته من لا يحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) قربه وإن الله سائلك عن ذلك يا عائشة ! إن أخي أمرني أن أقربه من أبيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليحدث به عهدا، واعلمي أن أخي أعلم الناس بالله ورسوله وأعلم بتأويل كتابه من أن يهتك على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ستره، لأن الله تبارك وتعالى يقول: * (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم) * وقد أدخلت أنت بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) الرجال بغير إذنه، وقد قال الله عزوجل: * (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) * ولعمري لقد ضربت أنت لأبيك وفاروقه عند أذن رسول الله (صلى الله عليه وآله) المعاول، وقال عزوجل: * (إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى) * ولعمري لقد أدخل أبوك وفاروقه على رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقربهما منه الأذى وما رعيا من حقه ما أمرهما الله به على لسان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إن الله حرم من المؤمنين أمواتا ما حرم منهم أحياء وتالله يا عائشة ! لو كان هذا الذي كرهتيه من دفن الحسن عند أبيه رسول الله صلوات الله عليهما جائزا فيما بيننا وبين الله لعلمت أنه سيدفن وإن رغم معطسك، قال: ثم تكلم محمد بن الحنفية وقال: يا عائشة ! يوما على بغل ويوما على جمل فما تملكين نفسك ولا تملكين الأرض عداوة لبني هاشم، قال: فأقبلت عليه فقالت: يا ابن الحنفية هؤلاء الفواطم يتكلمون فما كلامك ؟ فقال لها الحسين (عليه السلام): وأنى تبعدين محمدا من الفواطم، فوالله لقد ولدته ثلاث فواطم: فاطمة بنت عمران بن عائذ بن عمرو ابن مخزوم، وفاطمة بنت أسد بن هاشم، وفاطمة بنت زائدة بن الأصم بن رواحة بن حجر بن

[ 166 ]

عبد معيص بن عامر، قال: فقالت عائشة للحسين (عليه السلام): نحوا ابنكم واذهبوا به فإنكم قوم خصمون، قال: فمضى الحسين (عليه السلام) إلى قبر أمه ثم أخرجه فدفنه بالبقيع. * الشرح: قوله (وأعلم بتأويل كتابه من أن يهتك) أي أعلم الناس بتأويل كتابه بقرينة السابق مكرها من أن يهتك فلا يرد أن الهتك مفضل عليه وهو ليس بصحيح. قوله (لأن الله تعالى يقول يا أيها الذين آمنوا) دليل على أنه لا يجوز هتك ستره والدخول في بيته ودلالة الآية الأولى عليه ظاهرة وأما دلالة الآية الثانية والثالثة ففيها خفاء، اللهم إلا أن يقال: النهي عن رفع الصوت والأمر بغضه وخفضه لرعاية الأدب ولأجل الأذى وهذه العلة موجودة فيما نحن فيه فيكون من باب قياس منصوص العلة. قوله (الرجال بغير إذنه) هم أبو بكر وعمر والحفار والذين حملوهما ودفنوهما فيه. قوله (وفاروقه) سمى عمر فاروق أبي بكر تهكما واستهزاء لأنه كان كثير التصرف في أموره وكان يفرق بين مصالحه ومفاسده ويجري عليه أمره ونهيه. قوله (عند أذن رسول الله) هذا لا ينافي ما روي من أن الأنبياء والأوصياء يرفعون إلى السماء بعد ثلاثة أيام إذ ذلك لا يقتضي عدم رجوعهم على مراقدهم المقدسة والروايات على وجودهم فيها كثيرة، منها ما ورد من النهي عن الإشراف على بيت النبي كراهة أن يرى هو مع بعض أزواجه. قوله (يغضون أصواتهم) غض صوته أي خفضه ولم يرفعه بصيحة كما هو دأب الأراذل وفيه تعظيم له (صلى الله عليه وآله). قوله (أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى) أي جربها للتقوى أو جربها بأنواع التكاليف لأجل التقوى فإنها لا تظهر إلا بالاصطبار عليها، أو أخلصها للتقوى من امتحن الذهب إذا أذابه وميز جيده من رديه، وللتقوى ثلاث مراتب كما صرح به العلماء: الأولى التوقي عن الشرك الموجب للخلود في النار، الثانية التحرز عما يؤثم من فعل أو ترك حتى الصغائر عند قوم وهو المتعارف باسم التقوى في الشرع، الثالثة التنزه عما يشغل قلبه عن الحق وهو التقوى الحقيقي وأعلى المراتب. قوله (إن الله حرم من المؤمنين أمواتا) رفع بذلك ما يتوهم من أن حرمة الدخول في بيته (صلى الله عليه وآله) بغير إذنه إنما كانت في حياته لا بعد موته. قوله (وإن رغم معطسك) المعطس كمجلس الأنف وربما جاء بفتح الطاء، والرغام بالفتح التراب يقال: رغم أنفه من باب علم أي ذل رغما بحركات الراء، ورغم الله أنفه وأرغمه أي ألصقه

[ 167 ]

بالرغام، هذا هو الأصل ثم استعمل في الذل والعجز عن الانتصاف من الخصم والانقياد على كره. قوله (وقال يا عائشة ! يوما على بغل ويوما على جمل) تعيير لها بخروجها على هذه الهيئة المذمومة للنساء سيما نساء النبي (صلى الله عليه وآله) حيث أمرهن الله تعالى بالاستقرار في البيوت بقوله * (وقرن في بيوتكن) * وقال: محمد أو ابن عباس خطابا معها: تجملت تبغلت وإن عشت تفيلت * لك التسع من الثمن وللكل تملكت قوله (فما تملكين نفسك) النفوس البشرية كلها مائلة إلى الشرور والفساد فمن زمها بزمام العقل والشرع كان مالكا لها متصرفا فيها كتصرف المالك، ومن أرسلها غلبت عليه وأوردته في المهالك والمقابح. قوله (ولا تملكين الأرض عداوة لبني هاشم) أي لا تملكين مكانك ولا تستقرين فيه لأجل عداوة بني هاشم وإيصال السوء بهم، أو لا تملكين الأرض ولا تصيرين أميرا على أهلها من أجل عداوتهم، والأول من باب الاستفهام والثاني من باب الهزء والتهكم. قوله (هؤلاء الفواطم يتكلمون) روى مسلم أنه أهدي إلى النبي (صلى الله عليه وآله) ثوب حرير فأعطاه عليا فقال: شققه بين الفواطم، قال ابن قتيبة: الفواطم ثلاث (1) بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبنت أسد بن هاشم أم علي (رضي الله عنه) ولا أعرف الثالثة، قال الأزهري: الثالثة هي فاطمة بنت حمزة الشهيد، وروى بعضهم عن علي (عليه السلام) أنه قسمه بين أربع فواطم الثلاث المذكورة والرابعة فاطمة بنت عقيل بن أبي طالب. قوله (وأنى تبعدين) من الإبعاد أو التبعيد والاستفهام للإنكار. قوله (وفاطمة بنت أسد بن هاشم) هي زوجة أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم وابنة عمه وأم أمير المؤمنين (عليه السلام) قال الآبي في كتاب إكمال الإكمال: هي أول هاشمية ولدت هاشميا. قوله (عبد معيص بن عامر) المعيص بالعين والصاد المهملتين كأمير بطن من قريش وفي بعض النسخ المغيض بالمعجمتين. قوله (فانكم قوم خصمون) أي شديدو الخصومة واللجاج، خذلها الله من لجاج وخصومة وقول زور افترته.


(1) قوله " الفواطم ثلاث " لا فائدة في ذكر ذلك ولا مناسبة وإنما الفواطم الثلاث اللآتي ولدن محمد بن الحنفية من ذكرهن في متن الحديث: الأولى زوجة عبد المطلب والثانية زوجة أبي طالب والثالثة زوجة هاشم أم عبد المطلب. (ش) (*)

[ 168 ]

باب الإشارة والنص على علي بن الحسين (عليهما السلام) * الأصل: 1 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين وأحمد بن محمد، عن محمد بن إسماعيل، عن منصور بن يونس، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن الحسين بن علي (عليهما السلام) لما حضره الذي حضره دعا ابنته الكبرى فاطمة بنت الحسين (عليه السلام) فدفع إليها كتابا ملفوفا ووصية ظاهرة وكان علي بن الحسين (عليهما السلام) مبطونا معهم لا يرون إلا أنه لما به، فدفعت فاطمة الكتاب إلى علي بن الحسين (عليهما السلام) ثم صار والله ذلك الكتاب إلينا يا زياد ! قال: قلت: ما في ذلك الكتاب جعلني الله فداك ؟ قال: فيه والله ما يحتاج إليه ولد آدم منذ خلق الله آدم إلى أن تفنى الدنيا. والله إن فيه الحدود، حتى أن فيه أرش الخدش. * الشرح: قوله (حتى أن فيه أرش الخدش) خدش الجلد قشره بعود أو نحوه خدشه يخدشه خدشا والخدوش جمعه لأنه سمى به الأثر وإن كان مصدرا والأرش هو الذي يأخذه المشتري من البائع إذا اطلع على عيب في المبيع، وأروش الجنايات والجراحات من ذلك لأنها جابرة لها عما حصل فيها من النقص ويسمى أرشا لأنه من أسباب النزاع، يقال: أرشت بين القوم إذا أوقعت بينهم. كذا في النهاية. * الأصل: 2 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن ابن سنان، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لما حضر الحسين (عليه السلام) ما حضره، دفع وصيته إلى ابنته فاطمة ظاهرة في كتاب مدرج، فلما أن كان من أمر الحسين (عليه السلام) ما كان دفعت ذلك إلى علي بن الحسين (عليهما السلام)، قلت له: فما فيه - يرحمك الله ؟ فقال: ما يحتاج إليه ولد آدم منذ كانت الدنيا إلى أن تفنى. * الشرح: قوله (في كتاب مدرج) الإدراج درهم پيچيدن، يقال: أدرجت الكتاب والثوب طويته. * الأصل: 3 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن أبي

[ 169 ]

بكر الحضرمي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الحسين صلوات الله عليه لما صار إلى العراق استودع أم سلمة رضي الله عنها الكتب والوصية فلما رجع علي بن الحسين (عليهما السلام) دفعتها إليه. " وفي نسخة الصفواني: * الشرح: قوله (استودع أم سلمة رضي الله عنها الكتب والوصية) لعل المراد بعضها فلا ينافي ما مر. قوله (وفي نسخة الصفواني) ذكر ما فيها في باب النص على أبي جعفر (عليه السلام) أولى ولعل وجه ذكره هنا أنه كان متصلا بالحديث المذكور في نسخة الصفواني. * الأصل: 4 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حنان بن سدير، عن فليح بن أبي بكر الشيباني قال: والله إني لجالس عند علي بن الحسين وعنده ولده إذ جاءه جابر بن عبد الله الأنصاري فسلم عليه، ثم أخذ بيد أبي جعفر (عليه السلام) فخلا به، فقال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخبرني أني سأدرك رجلا من أهل بيته يقال له محمد بن علي يكنى أبا جعفر فإذا أدركته فأقرئه مني السلام، قال: ومضى جابر ورجع أبو جعفر (عليه السلام) فجلس مع أبيه علي بن الحسين (عليهما السلام) وإخوته فلما صلى المغرب قال علي ابن الحسين لأبي جعفر (عليه السلام): أي شئ قال لك جابر بن عبد الله الأنصاري ؟ فقال: قال: إن رسول الله (صلى الله عليه إنك ستدرك رجلا من أهل بيتي اسمه محمد بن علي يكنى أبا جعفر فأقرئه مني السلام، فقال له أبوه: هنيئا لك يا بني ما خصك الله به من رسوله من أهل بيتك. لا تطلع إخوتك على هذا فيكيدوا كيدا لك كما كاد إخوة يوسف ليوسف (عليه السلام) ". * الشرح: قوله (عن فليح) بضم الفاء وفتح اللام والحاء المهملة أخيرا يروي عن علي بن الحسين والباقر والصادق (عليهم السلام) مجهول. قوله (فخلا به) خلا به ومعه وإليه خلوا وخلاء وخلوة سأله أن يجتمع معه في خلوة ففعل. قوله (هنيئا لك) أي أشكر أو أذكر هنيئا لك وكل شئ يأتيك من الخير فهو هنئ وهذه الفضيلة والكرامة التي لا شئ أعظم منها أو يساويها جاءته من فضل الله تعالى بلا تعب ولا اكتساب.

[ 170 ]

باب الإشارة والنص على أبي جعفر (عليه السلام) * الأصل: 1 - أحمد بن إدريس، عن محمد بن عبد الجبار، عن أبي القاسم الكوفي، عن محمد بن سهل عن إبراهيم بن أبي البلاد، عن إسماعيل بن محمد بن عبد الله بن علي بن الحسين عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لما حضر علي بن الحسين (عليهما السلام) الوفاة قبل ذلك أخرج سفطا أو صندوقا عنده، فقال: يا محمد احمل هذا الصندوق، قال: فحمل بين أربعة، فلما توفي جاء إخوته يدعون [ ما ] في الصندوق فقالوا: أعطنا نصيبنا في الصندوق، فقال: والله ما لكم فيه شئ ولو كان لكم فيه شئ ما دفعه إلي، وكان في الصندوق سلاح رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكتبه. * الشرح: قوله (أخرج سفطا أو صندوقا) (1) السفط بالتحريك واحد الأسفاط وهو ما يوضع فيه الثياب والآلات ونحوها، والشك من الراوي. قوله (بين أربعة) رجال بأن أخذ كل واحد واحدا من أعمدته الأربعة. 2 - محمد بن يحيى، عن عمران بن موسى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن عبد الله، عن عيسى بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، قال: التفت علي بن الحسين (عليهما السلام) إلى ولده - وهو في الموت - وهم مجتمعون عنده، ثم التفت إلى محمد بن علي فقال: يا محمد ! هذا الصندوق اذهب به إلى بيتك، قال: أما إنه لم يكن فيه دينار ولا درهم ولكن كان مملوءا علما. 3 - محمد بن الحسن، عن سهل، عن محمد بن عيسى، عن فضالة بن أيوب، عن الحسين ابن أبي العلاء، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: إن عمر بن عبد العزيز كتب إلى ابن حزم أن يرسل إليه بصدقة علي وعمر وعثمان وإن ابن حزم بعث إلى زيد بن الحسن وكان أكبرهم، فسأله الصدقة، فقال زيد: إن الوالي كان بعد علي الحسن وبعد الحسن الحسين وبعد الحسين علي بن الحسين وبعد علي بن الحسين محمد بن علي، فابعث إليه، فبعث ابن حزم إلى أبي، فأرسلني أبي بالكتاب إليه حتى دفعته إلى ابن حزم. فقال له بعضنا: يعرف هذا ولد الحسن ؟ قال: نعم كما


(1) قوله " سفطا أو صندوقا " هذا الحديث يدل على أن ما يتركه الإمام إن كان مما يملكه بمنصب الإمامة لا يشترك فيه ورثته بل يختص بالإمام اللاحق، وأما سائر أمواله فيشتركون فيها ومثله الأنفال وسهم الإمام من الخمس. (ش) (*)

[ 171 ]

يعرفون أن هذا ليل ولكنهم يحملهم الحسد ولو طلبوا الحق بالحق لكان خيرا لهم، ولكنهم يطلبون الدنيا. الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن عبد الكريم بن عمرو، عن ابن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن عمر بن عبد العزيز كتب إلى ابن حزم - ثم ذكر مثله، إلا أنه قال: بعث ابن حزم إلى زيد بن الحسن وكان أكبر من أبي (عليه السلام). عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الوشاء مثله. * الشرح: قوله (بصدقة علي وعمر وعثمان) أي بدفاتر صدقاتهم لا بحاصلها كما هو الظاهر. قوله (فأرسلني أبي بالكتاب إليه) (1) أراد بالكتاب دفتر الوقف أو كتابه (عليه السلام) بأنه وقف خاص والأول أظهر. قوله (فقال له بعضنا) كلام الحسين بن أبي العلاء وضمير " له " لأبي عبد الله (عليه السلام) وهذا إشارة إلى ما ذكره زيد بن الحسن أو إلى كون الوالي هؤلاء والمال واحد. قوله (ولو طلبوا الحق بالحق) أي لو طلبوا دين الحق أو الآخرة بالإمام الحق ومتابعته لكان خيرا لهم ولكنهم يطلبون الباطل وهو الدنيا بالدعاوي الباطلة.


(1) قوله " بالكتاب إليه " أي إلى ابن حزم وكان من أخلاف عمرو بن حزم الأنصاري الذي تولى جباية الزكاة على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وله رواية في مقادير الزكاة وأنصابها منقولة في كتب الحديث. (ش) (*)

[ 172 ]

باب الإشارة والنص على أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام) * الأصل: 1 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن أبان بن عثمان، عن أبي الصباح الكناني قال: نظر أبو جعفر (عليه السلام) إلى أبي عبد الله (عليه السلام) يمشي فقال: ترى هذا ؟ هذا من الذين قال الله عزوجل: * (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين) *. * الشرح: قوله (ونريد أن نمن) أي ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض بالظلم عليهم وغصب حقوقهم ونجعلهم أئمة في الدين ونجعلهم الوارثين لعلوم الأنبياء والمرسلين، وفي جعل الأرض ظرفا للاستضعاف تنبيه على أنهم ذووا قوة عظيمة في الباطن حتى لو أرادوا إهلاك الخلق دفعة وإزالة الجبال والسماء بغتة لقدروا على ذلك. * الأصل: 2 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لما حضرت أبي (عليه السلام) الوفاة قال: يا جعفر، أوصيك بأصحابي خيرا، قلت: جعلت فداك والله لأدعنهم والرجل منهم يكون في المصر فلا يسأل أحدا. * الشرح: قوله (لأدعنهم والرجل) أدعنهم بفتح الدال من الودع وهو الترك والواو للحال أي لأتركنهم وحالهم ذلك لكمالهم في علم الدين. وفي بعض النسخ " لأرعينهم " بسكون الراء من الرعاية. * الأصل: 3 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن المثنى، عن سدير الصيرفي قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إن من سعادة الرجل أن يكون له الولد يعرف فيه شبه خلقه وخلقه وشمائله، وإني لأعرف من ابني هذا، شبه خلقي وخلقي وشمائلي يعني أبا عبد الله (عليه السلام). * الشرح: قوله (شبه خلقه وخلقه وشمائله) للإنسان الكامل صورة باطنة تسمى تارة بالصورة الملكية وتارة بالخلق الحسن وأخرى بالكمال وهي الإنسان حقيقة، ومعنى وصورة ظاهرة وهي تنقسم على قسمين: أحدهما الجثة المعتدلة والقامة المستوية وهي المراد من الخلق، وثانيهما الاستقامة

[ 173 ]

في كل عضو عضو والاعتدال فيه من حيث اللون والتركيب وهي المراد بالشمائل جمع الشمأل بمعنى الخلق أيضا وإلى هذه الأمور أشار (عليه السلام) بهذا القول وإنما أفرد الأولين وجمع الأخير لأن التعدد معتبر في الأخير دون الأولين. * الأصل: 4 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن طاهر، قال: كنت عند أبي جعفر (عليه السلام) فأقبل جعفر (عليه السلام) فقال أبو جعفر (عليه السلام): هذا خير البرية أو أخير. * الشرح: قوله (هذا خير البرية أو أخير) الشك من الراوي، ولعل المراد بالبرية برية زمانه أو المعصوم مستثنى بدليل العقل والنقل وفيه تنصيص على إمامته لأن الناس لابد لهم من إمام ولا يكون الإمام إلا من هو خير منهم، ثم المراد بالأخير الأبلغ في الخيرية والأكمل فيها والأشهر فيه وفي ضده الخير والشر وأما الأخير والأشر فأصلان مرفوضان إلا نادرا كما قال جل شأنه حكاية عن الكفار * (بل هو كذاب أشر) * (1) ورد عليهم بقوله تعالى: * (سيعلمون غدا من الكذاب الأشر) *. 5 - أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد، عن بعض أصحابنا، عن يونس بن يعقوب، عن طاهر قال: كنت عند أبي جعفر (عليه السلام) فأقبل جعفر (عليه السلام) فقال أبو جعفر (عليه السلام): هذا خير البرية. * الأصل: 6 - أحمد بن مهران، عن محمد بن علي، عن فضيل بن عثمان، عن طاهر قال: كنت قاعدا عند أبي جعفر (عليه السلام) فأقبل جعفر (عليه السلام) فقال أبو جعفر (عليه السلام): هذا خير البرية. * الشرح: قوله (عن طاهر) الظاهر أنه مولى أبي جعفر (عليه السلام) وأنه مشكور. * الأصل: 7 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سئل عن القائم (عليه السلام) فضرب بيده على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال: هذا والله قائم آل محمد (صلى الله عليه وآله)، قال عنبسة: فلما قبض أبو جعفر (عليه السلام) دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فأخبرته بذلك فقال: صدق جابر، ثم قال: لعلكم ترون أن ليس كل إمام هو القائم بعد الإمام الذي


(1) قوله " بل هو كذاب أشر " لا يخفى أن الأشر بفتح الهمزة وكسر الشين وتخفيف الراء مهموز بصيغة الصفة المشبهة نحو خشن، ولم يقرأ أحد بفتح الشين وتشديد الراء من المضاعف بصيغة أفعل التفضيل إلا شاذا فيما روي عن أبي قلابة، وتمسك الشارح به ليس بجيد بل هو مما لا ينبغي. (ش) (*)

[ 174 ]

كان قبله. * الشرح: قوله (ثم قال لعلكم ترون) المراد بالرؤية الرؤية القلبية وهي العلم والظن وفيه دفع لما يتوهم من أن اسم القائم مختص بالصاحب المنتظر صلوات الله عليه. * الأصل: 8 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن، عن عبد الأعلى، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن أبي (عليه السلام) استودعني ما هناك، فلما حضرته الوفاة قال: ادع لي شهودا فدعوت له أربعة من قريش، فيهم نافع مولى عبد الله بن عمر فقال: اكتب، هذا ما أوصى به يعقوب بنيه * (يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) * وأوصى محمد بن علي إلى جعفر بن محمد وأمره أن يكفنه في برده الذي كان يصلي فيه الجمعة وأن يعممه بعمامته وأن يربع قبره ويرفعه أربع أصابع وأن يحل عنه أطماره عند دفنه، ثم قال للشهود: انصرفوا رحمكم الله، فقلت له: يا أبت - بعدما انصرفوا - ما كان في هذا بأن تشهد عليه، فقال: يا بني كرهت أن تغلب وأن يقال: إنه لم يوص إليه، فأردت أن تكون لك الحجة. * الشرح: قوله (استودعني ما هناك) من الكتب والسلاح وغيرهما مما كان مختصا بالإمام (عليه السلام). قوله (وأن يحل عنه أطماره) الأطمار جمع الطمر بالكسر وهو الثوب الخلق والكساء البالي، ولعل المراد منه حل عقد الأكفان عند الرأس والرجل، وقيل: أمره بأن لا يدفنه مع ثيابه المخيطة. قوله (فقلت له يا أبت بعدما انصرفوا) قوله " بعدما انصرفوا " موجود في أكثر النسخ غير موجود في بعض. قوله (فقال يا بني كرهت أن تغلب) لعل وجه الغلبة أمور: الأول تربيع القبر، والثاني رفعه، فإن روايات العامة مختلفة ففي بعضها تسوية القبور وفي بعضها تسنيمها فذهب بعضهم إلى الأول وذهب أكثرهم إلى الثاني، والثالث التنازع في الإمامة والتخالف فيها فإن الوصية الظاهرة من علامات الإمام كما مر إليه إشارة بقوله: وأن يقال أنه لم يوص فأردت أن تكون لك الحجة أي الحجة التي هي الوصية الظاهرة.

[ 175 ]

باب الإشارة والنص على أبي الحسن موسى (عليه السلام) 1 - أحمد بن مهران، عن محمد بن علي، عن عبد الله القلا، عن الفيض بن المختار، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): خذ بيدي من النار، من لنا بعدك ؟ فدخل عليه أبو إبراهيم (عليه السلام) - وهو يومئذ غلام - فقال: هذا صاحبكم، فتمسك به. * الأصل: 2 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن أبي أيوب عن ثبيت، عن معاذ بن كثير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: أسأل الله الذي رزق أباك منك هذه المنزلة أن يرزقك من عقبك قبل الممات مثلها، فقال: قد فعل الله ذلك قال: قلت: من هو ؟ - جعلت فداك - فأشار إلى العبد الصالح وهو راقد فقال: هذا الراقد - وهو غلام -. * الشرح: قوله (عن ثبيت) هو ثبيت بن محمد مصغرا لرواية أبي أيوب الخزاز عنه ويحتمل ثبيت بن نشيط الكوفي أيضا والأول متكلم حاذق فقيه محدث، والثاني مجهول. * الأصل: 3 - وبهذا الإسناد، عن أحمد بن محمد قال: حدثني أبو علي الأرجاني الفارسي، عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت عبد الرحمن في السنة التي أخذ فيها أبو الحسن الماضي (عليه السلام) فقلت له: إن هذا الرجل قد صار في يد هذا وما ندري إلى ما يصير ؟ فهل بلغك عنه في أحد من ولده شئ ؟ فقال لي: ما ظننت أن أحدا يسألني عن هذه المسألة، دخلت على جعفر بن محمد في منزله فإذا هو في بيت كذا في داره في مسجد له وهو يدعو وعلى يمينه موسى بن جعفر يؤمن على دعائه فقلت له: جعلني الله فداك قد عرفت انقطاعي إليك وخدمتي لك، فمن ولي الناس بعدك ؟ فقال: إن موسى قد لبس الدرع وساوى عليه، فقلت له: لا أحتاج بعد هذا إلى شئ. * الشرح: قوله (إن هذا الرجل قد صار في يد هذا) أريد بهذا الرجل أبو الحسن الماضي (عليه السلام) وبهذا هارون الرشيد عليه اللعنة. قوله (إن موسى قد لبس الدرع وساوى عليه) أي لبس درع رسول الله ولبسه له، ومساواته عليه من دلائل إمامته، فإن قلت: السائل سأل عن النص على الرضا (عليه السلام) والمجيب أجاب بالنص على

[ 176 ]

موسى (عليه السلام) فالجواب لا يطابق السؤال، قلنا: آخر الحديث الذي لم يذكره المصنف دل على الجواب عن السؤال المذكور وإنما لم يذكره المصنف لعدم تعلق الغرض بذكره في هذا الباب ولئلا يتوهم أنه المقصود فيه وليس كذلك إذ المقصود فيه ذكر النص على موسى (عليه السلام) وإن لم يتعلق السؤال به. * الأصل: 4 - أحمد بن مهران، عن محمد بن علي، عن موسى الصيقل، عن المفضل بن عمر قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فدخل أبو إبراهيم (عليه السلام) وهو غلام، فقال: استوص به وضع أمره عند من تثق به من أصحابك. * الشرح: قوله (فقال استوص به) ضمير قال لأبي عبد الله، وضمير به لأبي إبراهيم (عليهما السلام) والخطاب لمفضل ابن عمر أمره بالتعهد له ومراعاة أحواله وطلب ذلك من الغير ليفعله على غيب منه وفي حضوره وأمره بإظهار إمامته ووضع أمره عند الثقات من الناس للانتشار والحفظ. 5 - أحمد بن مهران، عن محمد بن علي، عن يعقوب بن جعفر الجعفري قال: حدثني إسحاق بن جعفر قال: كنت عند أبي يوما، فسأله علي بن عمر بن علي فقال: جعلت فداك إلى من نفزع ويفزع الناس بعدك ؟ فقال: إلى صاحب الثوبين الأصفرين والغديرتين - يعني الذؤابتين - وهو الطالع عليك من هذا الباب، يفتح البابين بيده جميعا، فما لبثنا أن طلعت علينا كفان آخذة بالبابين ففتحهما ! ثم دخل علينا أبو إبراهيم (عليه السلام). * الشرح: قوله (يعني الذؤابتين) لما كانت الغديرة يطلق على معان منها الشئ المتخلف ومنها القطعة من الماء فسرها بالذؤابة وهي الخصلة من شعر الرأس. * الأصل: 6 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي نجران، عن صفوان الجمال، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال له منصور بن حازم: بأبي أنت وأمي إن الأنفس يغدا عليها ويراح، فإذا كان ذلك، فمن ؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا كان ذلك فهو صاحبكم - وضرب بيده على منكب أبي الحسن (عليه السلام) - الأيمن فيما أعلم - وهو يومئذ خماسي وعبد الله بن جعفر جالس معنا. * الشرح: قوله (إن الأنفس يغدا عليها ويراح) أي يأتي أجلها وقت الغداة ووقت الرواح وهو اسم للوقت

[ 177 ]

من زوال الشمس إلى الليل وهذا كناية عن قربه ووروده من غير اختيار وقد يستعمل يغدا ويراح للذهاب في مطلق الزمان والظاهر أن الفعلين مجهولان من باب الإفعال لأن غدا يغدو غدوا وراح يروح رواحا لازمان بخلاف أغداه وأراحه فإنهما متعديان بمعنى إذهابه في هذين الوقتين. قوله (وهو يومئذ خماسي) قيل: يعني كان له خمس سنين وفي القاموس والنهاية: غلام خماسي طوله خمسة أشبار، وفي النهاية والأنثى خماسية ولا يقال سداسي ولا سباعي ولا في غير الخمسة. قوله (وعبد الله بن جعفر جالس معنا) هو عبد الله بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين (عليهم السلام) كان أكبر اخوته بعد إسماعيل ولم تكن منزلته عند أبيه منزلة غيره من ولده في الإكرام، وكان متهما بالخلاف على أبيه في الاعتقاد، ويقال: إنه كان يخالط الحشوية ويميل إلى مذهب المرجئة وادعى بعد أبيه الإمامة واحتج بأنه أكبر اخوته الباقين فاتبعه جماعة ثم رجع أكثرهم إلى القول بإمامة أخيه موسى (عليه السلام) لما تبينوا ضعف دعواه وقوة أمر أبي الحسن (عليه السلام) ودلالة حقيته وبراهين إمامته وأقام نفر يسير منهم على إمامة عبد الله وهم الملقبة بالفطحية لأن عبد الله كان أفطح الرجلين، أو لأن داعيهم إلى الإمامة رجل يقال له عبد الله بن أفطح، كذا نقله بعض أصحاب الرجال عن المفيد في إرشاده. * الأصل: 7 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: إن كان كون - ولا أراني الله ذلك - فبمن أئتم ؟ قال: فأومأ إلى ابنه موسى، قلت: فإن حدث بموسى (عليه السلام) حدث فبمن أئتم ؟ قال: بولده، قلت: فإن حدث بولده حدث وترك أخا كبيرا وابنا صغيرا فبمن أئتم ؟ قال: بولده، ثم قال: هكذا أبدا، قلت: فإن لم أعرفه ولا أعرف موضعه ؟ قال: تقول: اللهم إني أتولى من بقي من حججك من ولد الإمام الماضي، فإن ذلك يجزيك إن شاء الله. * الشرح: قوله (إن كان كون) أي وجد حادث وهو موته (عليه السلام). قوله (فإن ذلك يجزيك) وبذلك يخرج عما روي من أنه " من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية " وفيه دلالة واضحة على أن الإيمان على سبيل الإجمال بما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله) مع عدم العلم بتفاصيله كاف ثم يجب الإيمان به على الخصوص بعد التفصيل وتحصيله وهو الحق الذي لا ريب فيه لئلا يفوت الايمان، ولا يترك الميسور بالمعسور ولا يلزم طلب المحال، والحوالة على المشيئة من باب التبرك.

[ 178 ]

* الأصل: 8 - أحمد بن مهران، عن محمد بن علي، عن عبد الله القلا، عن المفضل بن عمر قال: ذكر أبو عبد الله (عليه السلام) أبا الحسن (عليه السلام)، وهو يومئذ غلام. فقال: هذا المولود الذي لم يولد فينا مولود أعظم بركة على شيعتنا منه، ثم قال لي: لا تجفوا إسماعيل. * الشرح: قوله (لم يولد فينا مولود أعظم بركة على شيعتنا منه) لكثرة شيعته ورجوع شيعة أبيه وحده إليه وحفظه إياهم وتعليمه لهم وخروج غياث هذه الامة منه كما يجئ في الباب الآتي وحصول الرفاهية من العيش بينهم. قوله (لا تجفوا إسماعيل) أي تعاهدوه ولا تبعدوا عنه ولا تتركوا بره وصلته ورعاية جانبه من الجفاء وهو البعد وترك البر والصلة لأنه وديعة الله عندكم سيرجع إليه، وقيل: لا تجفوه بتشديد الفاء بمعنى لا تذهبوا به أي لا تخبروه بذلك فتجفوه وتذهبوا به لأنه نعيه لعلمه بأن العهد لأكبر ولد أبيه فيعلم بذلك الإخبار أنه يموت قبله، وفيه أن جفه بمعنى ذهب به لم يثبت. * الأصل: 9 - محمد بن يحيى، وأحمد بن إدريس، عن محمد بن عبد الجبار، عن الحسن بن الحسين، عن أحمد بن الحسن الميثمي، عن فيض بن المختار في حديث طويل في أمر أبي الحسن (عليه السلام) حتى قال له أبو عبد الله (عليه السلام): هو صاحبك الذي سألت عنه، فقم إليه فأقر له بحقه. فقمت حتى قبلت رأسه ويده ودعوت الله عزوجل له، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): أما إنه لم يؤذن لنا في أول منك. قال: قلت: جعلت فداك فأخبر به أحدا ؟ فقال: نعم أهلك وولدك، وكان معي أهلي وولدي ورفقائي وكان يونس بن ظبيان من رفقائي، فلما أخبرتهم حمدوا الله عزوجل وقال يونس: لا والله حتى أسمع ذلك منه وكانت به عجلة، فخرج فأتبعه فلما انتهيت إلى الباب سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول له: وقد سبقني إليه يا يونس الأمر كما قال لك فيض، قال: فقال: سمعت وأطعت، فقال لي أبو عبد الله (عليه السلام): خذه إليك يا فيض. * الشرح: قوله (اما انه لم يؤذن لنا في أول منك) الخطاب لفيض أي لم نكن مأذونين بإظهار أمره لأحد أسبق منك، وحاصله ما أخبرت به أحدا قبلك، وجعل الخطاب لموسى (عليه السلام) والقول بأن معناه لم يؤذن لنا في النص على الإمامة في أقدم منك سنا وهو إسماعيل، بعيد.

[ 179 ]

قوله (وكان يونس بن ظبيان من رفقائي) الظبيان بفتح الظاء المعجمة وفيه دلالة على حسن حال يونس ولكن علماء الرجال بالغوا في ذمه ونسبوه إلى الكذب والضعف والتهمة والغلو ووضع الحديث ونقلوا عن الرضا (عليه السلام) أنه لعنه وقال " أما أن يونس بن ظبيان مع أبي الخطاب في أشد العذاب " وروي بطريق ضعيف عن هشام بن سالم قال " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن يونس بن ظبيان فقال (رحمه الله): بنى له بيتا في الجنة كان والله مأمونا على الحديث ". قوله (لا والله) أي لا أكتفي بهذا وأذهب والله حتى أسمع منه شفاها فالواو للعطف على المقدر. قوله (وكانت به عجلة) العجلة بالتحريك خلاف البط ء يقال: عجل أسرع عجلا وعجلة وهو عجلان أي مستعجل ولعل المراد أنه كان عجولا في استكشاف الأمور بالطبع أو في تجهيز أسباب السفر. قوله (خذه إليك يا فيض) الظاهر أن الضمير المنصوب راجع إلى يونس أي يا فيض خذ يونس منضما إليك في تعليمه أو في حفظه من أن يخبر به أحدا ممن ليس بأهل لهذا السر ولعله أظهر من الأول وفيه حينئذ دلالة ما على خباثة ذات يونس حتى صدر منه ما نقل. * الأصل: 10 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن جعفر بن بشير، عن فضيل، عن طاهر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان أبو عبد الله (عليه السلام) يلوم عبد الله ويعاتبه ويعظه ويقول: ما منعك أن تكون مثل أخيك، فوالله إني لأعرف النور في وجهه ؟ فقال عبد الله: لم ؟ أليس أبي وأبوه واحدا وأمي وأمه واحدة ؟ فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): إنه من نفسي وأنت ابني. * الشرح: قوله (عن طاهر عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال كان) الظاهر أن طاهرا هذا مولى أبي عبد الله (عليه السلام) وفي أكثر النسخ لم يوجد قوله: عن أبي عبد الله (عليه السلام). قوله (يلوم عبد الله ويعاتبه) عبد الله هو الأفطح الذي ذكرناه سابقا، واللوم العذل والتعنيف، يقال: لامه على كذا لوما ولومة إذا عذله وعنفه فهو ملوم، ولومه شدد للمبالغة، والعتاب هو التوبيخ على الذنب البالغ إلى حد الموجدة والغضب فهو أشد من اللوم وأخص منه. قوله (وأمي وأمه واحدة) نقل عن كتاب ربيع الشيعة بدل هذا " وأصلي وأصله واحدة "، قيل: هو الصحيح لأن عبد الله ليس من أم أبي الحسن (عليه السلام). قوله (أنه من نفسي وأنت ابني) يعني أنت منسوب إلي بالنسب الجسداني وهو منسوب إلي بالنسب الجسداني والروحاني جميعا حتى أن نفسه مثل نفسي وعلمه مثل علمي، وخلقه مثل

[ 180 ]

خلقي، وفعله مثل فعلي إلى غير ذلك من صفات الكمال من غير تفاوت، ثم إن الاستدلال بهذا الخبر بناء على أن المراد " بأخيك " أبو الحسن (عليه السلام) وبعد ذلك فدلالته على المطلوب واضحة فإن في قوله (عليه السلام): " إني لأعرف النور في وجهه، وأنه من نفسي " دلالة واضحة على أنه قابل للإمامة دون غيره. * الأصل: 11 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن محمد بن سنان، عن يعقوب السراج قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) وهو واقف على رأس أبي الحسن موسى وهو في المهد، فجعل يساره طويلا، فجلست حتى فرغ، فقمت إليه فقال لي: أدن من مولاك فسلم، فدنوت فسلمت عليه فرد علي السلام بلسان فصيح، ثم قال لي: اذهب فغير اسم ابنتك التي سميتها أمس، فإنه اسم يبغضه الله، وكان ولدت لي ابنة سميتها بالحميراء. فقال أبو عبد الله (عليه السلام): انته إلى أمره ترشد، فغيرت اسمها. * الشرح: قوله (يساره طويلا) ساره في أذنه وتساروا تناجوا. 12 - أحمد بن إدريس، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن سليمان ابن خالد قال: دعا أبو عبد الله (عليه السلام) أبا الحسن (عليه السلام) يوما ونحن عنده فقال لنا: عليكم بهذا، فهو والله صاحبكم بعدي. * الأصل: 13 - علي بن محمد، عن سهل أو غيره، عن محمد بن الوليد، عن يونس، عن داود بن زربي، عن أبي أيوب النحوي قال: بعث إلي أبو جعفر المنصور في جوف الليل فأتيته فدخلت عليه وهو جالس على كرسي وبين يديه شمعة وفي يده كتاب، قال: فلما سلمت عليه رمى بالكتاب إلي وهو يبكي، فقال لي: هذا كتاب محمد بن سليمان يخبرنا أن جعفر بن محمد قد مات، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ثلاثا. وأين مثل جعفر ؟ ثم قال لي: اكتب قال: فكتبت صدر الكتاب، ثم قال: اكتب إن كان أوصى إلى رجل واحد بعينه فقدمه واضرب عنقه، قال: فرجع إليه الجواب أنه قد أوصى إلى خمسة واحدهم أبو جعفر المنصور، ومحمد بن سليمان وعبد الله وموسى وحميدة. * الشرح: قوله (قد أوصى إلى خمسة [ نفر ] واحدهم أبو جعفر المنصور ومحمد بن سليمان) لا يقال لا يصح عطف هؤلاء على واحدهم لأنا نقول كل واحد منهم واحدهم وبالجملة الربط مقدم على

[ 181 ]

العطف. 14 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النضر بن سويد بنحو من هذا إلا أنه ذكر أنه أوصى إلى أبي جعفر المنصور وعبد الله وموسى ومحمد بن جعفر ومولى لأبي عبد الله (عليه السلام) قال: فقال أبو جعفر: ليس إلى قتل هؤلاء سبيل. * الأصل: 15 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن علي بن الحسن، عن صفوان الجمال قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن صاحب هذا الأمر، فقال: إن صاحب هذا الأمر لا يلهو ولا يلعب، وأقبل أبو الحسن موسى - وهو صغير - ومعه عناق مكية وهو يقول لها: اسجدي لربك، فأخذه أبو عبد الله (عليه السلام) وضمه إليه وقال: بأبي وأمي من لا يلهو ولا يلعب. * الشرح: قوله (لا يلهو ولا يلعب) أي لا يغفل عن الله تعالى بالإشغال لغيره ولا يفعل ما يضره في الآخرة ولا ينفعه فيها. قوله (ومعه عناق مكية) العناق بالفتح الأنثى من أولاد المعز ما لم يتم لها سنة. * الأصل: 16 - علي بن محمد، عن بعض أصحابنا، عن عبيس بن هشام، قال: حدثني عمر الرماني، عن فيض بن المختار قال: إني لعند أبي عبد الله (عليه السلام) إذ أقبل أبو الحسن موسى (عليه السلام)، وهو غلام، فالتزمته وقبلته، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): أنتم السفينة وهذا ملاحها قال: فحججت من قابل ومعي ألفا دينار فبعثت بألف إلى أبي عبد الله (عليه السلام) وألف إليه، فلما دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) قال: يا فيض ! عدلته بي ؟ قلت: إنما فعلت ذلك لقولك، فقال: أما والله ما أنا فعلت ذلك، بل الله عزوجل فعله به. * الشرح: قوله (أنتم السفينة وهذا ملاحها) الدنيا بحر عميق والنفس في سيرها إلى الله بمنزلة السفينة، وما معها من الكمالات بمنزلة المتاع والقرب من الله تعالى بمنزلة الساحل، والإمام الهادي لها إليه بمنزلة الملاح إذ كما أن السفينة لا تصل إلى الساحل بدون الملاح كذلك النفس لا تصل إلى قرب الحق بدون الهادي إليه. قوله (عدلته بي) أي سويت بيني وبينه وجعلته عديلا لي.

[ 182 ]

باب الإشارة والنص على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) * الأصل: 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن الحسين بن نعيم الصحاف قال: كنت أنا وهشام بن الحكم وعلي بن يقطين ببغداد، فقال علي بن يقطين: كنت عند العبد الصالح جالسا فدخل عليه ابنه علي فقال لي: يا علي بن يقطين هذا علي سيد ولدي. أما إني قد نحلته كنيتي، فضرب هشام بن الحكم براحته جبهته، ثم قال: ويحك كيف قلت ؟ فقال علي ابن يقطين: سمعت والله منه كما قلت، فقال هشام: أخبرك أن الأمر فيه من بعده. أحمد بن مهران، عن محمد بن علي، عن الحسين بن نعيم الصحاف قال: كنت عند العبد الصالح. وفي نسخة الصفواني. قال: كنت أنا. ثم ذكر مثله. * الشرح: قوله (فضرب هشام بن الحكم براحته جبهته) للتحسر والتأسف بموته (عليه السلام) لأنه نعى إلى علي ابن يقطين نفسه. 2 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن معاوية بن حكيم، عن نعيم القابوسي، عن أبي الحسن (عليه السلام) أنه قال: إن ابني عليا أكبر ولدي وأبرهم عندي وأحبهم إلي وهو ينظر معي في الجفر ولم ينظر فيه إلا نبي أو وصي نبي. * الأصل: 3 - أحمد بن مهران، عن محمد بن علي، عن محمد بن سنان وإسماعيل بن عباد القصري جميعا، عن داود الرقي قال: قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): جعلت فداك إني قد كبر سني، فخذ بيدي من النار، قال: فأشار إلى ابنه أبي الحسن (عليه السلام)، فقال: هذا صاحبكم من بعدي. * الشرح: قوله (قد كبر سني) سن الجارحة مؤنثة ثم استعيرت للعمر استدلا بها على طوله وقصره وبقيت على التأنيث إلا أنه غير حقيقي فلذا لا يجب تأنيث ما نسب إليها. * الأصل: 4 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد بن عبد الله، عن الحسن، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي الحسن الأول (عليه السلام): ألا تدلني إلى من

[ 183 ]

آخذ عنه ديني ؟ فقال: هذا ابني علي إن أبي أخذ بيدي فأدخلني إلى قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا بني إن الله عزوجل قال: * (إني جاعل في الأرض خليفة) * وإن الله عزوجل إذا قال قولا وفى به. * الشرح: قوله (وأن الله تعالى إذا قال قولا وفى به) دل على أن الأرض لا تخلو من خليفة، والأخبار فيه متظافرة، وقد مر بعضها. * الأصل: 5 - أحمد بن إدريس، عن محمد بن عبد الجبار، عن الحسن بن الحسين اللؤلؤي، عن يحيى بن عمرو، عن داود الرقي قال: قلت لأبي الحسن موسى (عليه السلام): إني قد كبرت سني ودق عظمي وإني سألت أباك (عليه السلام) فأخبرني بك، فأخبرني [ من بعدك ؟ ] فقال: هذا أبو الحسن الرضا. * الشرح: قوله (فأخبرني بك فأخبرني فقال) في بعض النسخ " فأخبرني بك فأخبرني من بعدك فقال " والظاهر أن قوله " فأخبرني " ثانيا على صيغة الأمر. * الأصل: 6 - أحمد بن مهران، عن محمد بن علي، عن زياد بن مروان القندي وكان من الواقفة قال: دخلت على أبي إبراهيم وعنده ابنه أبو الحسن (عليه السلام)، فقال لي: يا زياد هذا ابني فلان، كتابه كتابي وكلامه كلامي ورسوله رسولي وما قال فالقول قوله. * الشرح: قوله (عن زياد بن مروان القندي وكان من الواقفة) وقف في الرضا (عليه السلام) وكان سبب وقفه مع سماعه النص عن موسى بن جعفر (عليهما السلام) على ابنه الرضا (عليه السلام) أنه كان عنده سبعون ألف دينار من مال موسى بن جعفر (عليه السلام) فأنكر موته وإمامة الرضا (عليه السلام) لئلا يدفع المال إليه. * الأصل: 7 - أحمد بن مهران، عن محمد بن علي، عن محمد بن الفضيل قال: حدثني المخزومي وكانت أمه من ولد جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) قال: بعث إلينا أبو الحسن موسى (عليه السلام) فجمعنا ثم قال لنا: أتدرون لم دعوتكم ؟ فقلنا: لا، فقال: اشهدوا أن ابني هذا وصيي والقيم بأمري وخليفتي من بعدي، من كان له عندي دين فليأخذه من ابني هذا ومن كانت له عندي عدة فلينجزها منه ومن لم يكن له بد من لقائي فلا يلقني إلا بكتابه.

[ 184 ]

* الشرح: قوله (حدثني المخزومي) الظاهر أنه المغيرة بن توبة المخزومي وفي إرشاد المفيد ما يدل على أنه من خاصة أبي الحسن (عليه السلام) وثقاته وأهل الورع والعلم والفقه من شيعته. قوله (فلينجزها منه) تنجز الوعد واستنجزه طلب إنجازه والوفاء به. قوله (فلا يلقني إلا بكتابه) لشدة الخوف والتقية والضمير للرضا (عليه السلام) أو للموصول على احتمال. 8 - أحمد بن مهران، عن محمد بن علي، عن محمد بن سنان وعلي بن الحكم جميعا، عن الحسين بن المختار قال: خرجت إلينا ألواح من أبي الحسن (عليه السلام) وهو في الحبس: عهدي إلى أكبر ولدي أن يفعل كذا وأن يفعل كذا، وفلان لا تنله شيئا حتى ألقاك أو يقضي الله علي الموت. * الأصل: 9 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن عبد الله بن المغيرة، عن الحسين بن المختار قال: خرج إلينا من أبي الحسن (عليه السلام) بالبصرة ألواح مكتوب فيها بالعرض: عهدي إلى أكبر ولدي، يعطي فلان كذا وفلان كذا وفلان كذا وفلان لا يعطى حتى أجئ أو يقضي الله عزوجل علي الموت، إن الله يفعل ما يشاء. * الشرح: قوله (خرج إلينا) من أبي الحسن (عليه السلام) بالبصرة ألواح. قبض عليه الرشيد لعنه الله من المدينة في صلاته عند رأس النبي (صلى الله عليه وآله) وبعثه إلى أمير البصرة عيسى بن أبي جعفر وكان في حبسه آونة من الزمان ثم حمل سرا إلى بغداد فحبس ثم أطلق ثم حبس ثم سلم إلى السندي بن شاهك لعنه الله فحبسه وضيق عليه ثم بعث إليه الرشيد بسم في رطب وأمره أن يقدم إليه ويحتم عليه في تناوله منه ففعل فمات صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين. 10 - أحمد بن مهران، عن محمد بن علي، عن ابن محرز، عن علي بن يقطين، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: كتب إلي من الحبس: أن فلانا ابني، سيد ولدي وقد نحلته كنيتي. 11 - أحمد بن مهران، عن محمد بن علي، عن أبي علي الخزار، عن داود بن سليمان قال: قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): إني أخاف أن يحدث حدث ولا ألقاك، فأخبرني من الإمام بعدك ؟ فقال: ابني فلان - يعني أبا الحسن (عليه السلام) -. 12 - أحمد بن مهران، عن محمد بن علي، عن سعيد بن أبي الجهم، عن النصر بن قابوس قال: قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): إني سألت أباك (عليه السلام) من الذي يكون من بعدك ؟ فأخبرني أنك أنت هو،

[ 185 ]

فلما توفي أبو عبد الله (عليه السلام) ذهب الناس يمينا وشمالا وقلت فيك أنا وأصحابي، فأخبرني من الذي يكون من بعدك من ولدك ؟ فقال: ابني فلان. 13 - أحمد بن مهران، عن محمد بن علي، عن الضحاك بن الأشعث، عن داود بن زربي قال: جئت إلى أبي إبراهيم (عليه السلام) بمال، فأخذ بعضه وترك بعضه، فقلت: أصلحك الله لأي شئ تركته عندي ؟ قال: إن صاحب هذا الأمر يطلبه منك، فلما جاءنا نعيه بعث إلي أبو الحسن (عليه السلام) ابنه، فسألني ذلك المال، فدفعته إليه. * الأصل: 14 - أحمد بن مهران، عن محمد بن علي، عن أبي الحكم الأرمني قال: حدثني عبد الله بن إبراهيم بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، عن يزيد بن سليط الزيدي، قال أبو الحكم: وأخبرني عبد الله بن محمد بن عمارة الجرمي، عن يزيد بن سليط قال: لقيت أبا إبراهيم (عليه السلام) - ونحن نريد العمرة - في بعض الطريق، فقلت: جعلت فداك هل تثبت هذا الموضع الذي نحن فيه ؟ قال: نعم، فهل تثبته أنت ؟ قلت: نعم إني أنا وأبي لقيناك ههنا وأنت مع أبي عبد الله (عليه السلام) ومعه إخوتك. فقال له أبي: بأبي أنت وأمي أنتم كلكم أئمة مطهرون والموت لا يعرى منه أحد، فأحدث إلي شيئا أحدث به من يخلفني من بعدي فلا يضل، قال: نعم يا أبا عبد الله، هؤلاء ولدي وهذا سيدهم - وأشار إليك - وقد علم الحكم والفهم والسخاء والمعرفة بما يحتاج إليه الناس وما اختلفوا فيه من أمر دينهم ودنياهم، وفيه حسن الخلق وحسن الجواب وهو باب من أبواب الله عزوجل وفيه أخرى خير من هذا كله. فقال له أبي: وما هي ؟ - بأبي أنت وأمي - قال (عليه السلام): يخرج الله عزوجل منه غوث هذه الأمة وغياثها وعلمها ونورها وفضلها وحكمتها، خير مولود وخير ناشئ، يحقن الله عزوجل به الدماء ويصلح به ذات البين ويلم به الشعث ويشعب به الصدع ويكسو به العاري ويشبع به الجائع ويؤمن به الخائف وينزل الله به القطر ويرحم به العباد، خير كهل وخير ناشئ، قوله حكم وصمته علم، يبين للناس ما يختلفون فيه ويسود عشيرته من قبل أوان حلمه. فقال له أبي: بأبي أنت وأمي وهل ولد ؟ قال: نعم ومرت به سنون، قال يزيد: فجاءنا من لم نستطع معه كلاما، قال يزيد: فقلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): فأخبرني بمثل ما أخبرني به أبوك (عليه السلام)، فقال لي: نعم إن أبي (عليه السلام) كان في زمان ليس هذا زمانه، فقلت له: فمن يرضى منك بهذا فعليه لعنة الله، قال: فضحك أبو إبراهيم ضحكا شديدا،

[ 186 ]

ثم قال: أخبرك يا أبا عمارة، أني خرجت من منزلي فأوصيت إلى ابني فلان وأشركت معه بني في الظاهر وأوصيته في الباطن، فأفردته وحده ولو كان الأمر إلي لجعلته في القاسم ابني، لحبي إياه ورأفتي عليه ولكن ذلك إلى الله عزوجل، يجعله حيث يشاء ولقد جاءني بخبره رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم أرانيه وأراني من يكون معه وكذلك لا يوصى إلى أحد منا حتى يأتي بخبره رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجدي علي صلوات الله عليه، ورأيت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) خاتما وسيفا وعصا وكتابا وعمامة، فقلت: ما هذا يا رسول الله ؟ فقال لي: أما العمامة فسلطان الله عزوجل وأما السيف فعز الله تبارك وتعالى وأما الكتاب فنور الله تبارك وتعالى وأما العصا فقوة الله وأما ظ: الخاتم فجامع هذه الأمور، ثم قال لي: والأمر قد خرج منك إلى غيرك. فقلت: يا رسول الله، أرنيه أيهم هو ؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما رأيت من الأئمة أحدا أجزع على فراق هذا الأمر منك ولو كانت الإمامة بالمحبة لكان إسماعيل أحب إلى أبيك منك ولكن ذلك من الله عزوجل، ثم قال أبو إبراهيم (عليه السلام): ورأيت ولدي جميعا الأحياء منهم والأموات، فقال لي أمير المؤمنين (عليه السلام): هذا سيدهم، وأشار إلى ابني علي، فهو مني وأنا منه والله مع المحسنين. قال يزيد: ثم قال أبو إبراهيم (عليه السلام): يا يزيد، إنها وديعة عندك فلا تخبر بها إلا عاقلا أو عبدا تعرفه صادقا وإن سئلت عن الشهادة فاشهد بها وهو قول الله عزوجل: * (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) * وقال لنا أيضا: * (ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله) * قال: فقال أبو إبراهيم (عليه السلام): فأقبلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقلت: قد جمعتهم لي - بأبي وأمي - فأيهم هو ؟ فقال: هو الذي ينظر بنور الله عزوجل ويسمع بفهمه وينطق بحكمته، يصيب فلا يخطئ ويعلم فلا يجهل، معلما حكما وعلما، هو هذا - وأخذ بيد علي ابني - ثم قال: ما أقل مقامك معه فإذا رجعت من سفرك فأوص وأصلح أمرك وافرغ مما أردت فإنك منتقل عنهم ومجاور غيرهم، فإذا أردت فادع عليا فليغسلك وليكفنك فإنه طهر لك ولا يستقيم إلا ذلك وذلك سنة قد مضت، فاضطجع بين يديه وصف إخوته خلفه وعمومته ومره فليكبر عليك تسعا، فإنه قد استقامت وصيته ووليك وأنت حي، ثم اجمع له ولدك من بعدهم، فأشهد عليهم وأشهد الله عزوجل وكفى بالله شهيدا، قال يزيد: ثم قال لي أبو إبراهيم (عليه السلام): إني أوخذ في هذه السنة والأمر هو إلى ابني علي، سمي علي وعلي، فأما علي الأول فعلي بن أبي طالب وأما الآخر فعلي بن الحسين (عليهم السلام)، أعطي فهم الأول وحلمه ونصره ووده ودينه ومحنته، ومحنة الآخر وصبره على ما يكره وليس له أن يتكلم إلا بعد موت هارون بأربع سنين، ثم قال لي: يا يزيد، وإذا مررت بهذا الموضع ولقيته وستلقاه فبشره أنه سيولد له غلام، أمين، مأمون، مبارك وسيعلمك أنك قد لقيتني فأخبره عند ذلك أن الجارية التي

[ 187 ]

يكون منها هذا الغلام جارية من أهل بيت مارية جارية رسول الله (صلى الله عليه وآله) أم إبراهيم، فإن قدرت أن تبلغها مني السلام فافعل، قال يزيد: فلقيت بعد مضي أبي إبراهيم (عليه السلام) عليا (عليه السلام) فبدأني، فقال لي: يا يزيد، ما تقول في العمرة ؟ فقلت: بأبي أنت وأمي ذلك إليك وما عندي نفقة، فقال: سبحان الله وما كنا نكلفك ولا نكفيك، فخرجنا حتى انتهينا إلى ذلك الموضع فابتدأني فقال: يا يزيد إن هذا الموضع كثيرا ما لقيت فيه جيرتك وعمومتك، قلت: نعم ثم قصصت عليه الخبر فقال لي: أما الجارية فلم تجئ بعد، فإذا جاءت بلغتها منه السلام، فانطلقنا إلى مكة فاشتراها في تلك السنة فلم تلبث إلا قليلا حتى حملت فولدت ذلك الغلام، قال يزيد: وكان إخوة علي يرجون أن يرثوه فعادوني إخوته من غير ذنب، فقال لهم إسحاق بن جعفر: والله لقد رأيته إنه ليقعد من أبي إبراهيم بالمجلس الذي لا أجلس فيه أنا. * الشرح: قوله (عن أبي الحكم الأرمني) قال الجوهري: أرمنية بالكسر كورة بناحية الروم والنسبة إليها أرمني بفتح الهمزة والميم وأبو الحكم بهذه النسبة لم أجد اسمه في كتب الرجال ويحتمل أن يكون عمار بن اليسع الكوفي من أصحاب الصادق (عليه السلام) ونسبته إلى الكوفة باعتبار توطنه فيها وهو مجهول الحال. قوله (قال حدثني عبد الله بن إبراهيم بن علي بن عبد الله) هكذا في النسخ كلها، وفي كتب الرجال عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله إلى آخره والظاهر أن جده بلا واسطة ساقط في البين، وهو ثقة صدوق روى أبوه عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) وروى أخوه جعفر عن أبي عبد الله (عليه السلام). قوله (عن يزيد بن سليط الزيدي) النسبة باعتبار النسب لا باعتبار المذهب وهو مجهول. قوله (عبد الله بن محمد بن عمارة الجرمي) لم أجده في كتب الرجال، وجرم بطنان في العرب أحدهما في قضاعة وهو جرم بن زيان والآخر في طي. قوله (هل تثبت هذا الموضع) أي هل تعرفه وتذكره وجعلته ثابتا في ذهنك لا يفارقه. قوله (والموت لا يعرى منه أحد) يقال: عري من ثيابه يعرى بالكسر فهو عار وعريان شبه الموت بالثوب في الإحاطة وتلبس جميع الخلق به. قوله (أحدث به) مجزوم بعد الأمر ويحتمل أن يكون مرفوعا صفة لشيئا. قوله (وقد علم الحكم) الحكم بالضم القضاء بين الناس والحكم أيضا الحكمة والفهم: العلم، والسخاء: الجود وهو تحصيل الشئ مما يجوز وصرفه فيما يجوز، والمعرفة والعرفان مصدر عرفته

[ 188 ]

بمعنى علمته وكثيرا ما تطلق المعرفة على العلم بالجزئيات والعلم على العلم بالكليات ولعل المقصود أنه علم حقائق هذه الأمور وأبوابها وتفاصيلها كما هي. قوله (من أمر دينهم ودنياهم) متعلق بكلا الموصولين. قوله (وفيه حسن الخلق) وهو أصل عظيم من أصول الرئاسة، واختلف العلماء في تعريفه فقيل: هو بسط الوجه وكف الأذى وبذل الندى، وقيل: هو كيفية يمنع صاحبها من أن يظلم ويمنع ويجفو أحدا وإن ظلم غفر وإن منع شكر وإن ابتلي صبر، وقيل: هو صدق التحمل وترك التجمل وحب الآخرة وبغض الدنيا، وقيل غير ذلك. قوله (وحسن الجواب) وهو من دلائل كمال العقل والعلم لأن لسان العاقل العالم تابع لعقله وعلمه فيجيب إذا سئل بما يقتضيه العقل ويناسب المقام ويقول ما يناسب العلم بأحسن العبارة وأفصح الكلام. قوله (وهو باب من أبواب الله عزوجل) المراد بأبواب الله تعالى الأئمة المعصومون (عليهم السلام) لأنهم أبواب للعلم الإلهي وأسراره كما قال (صلى الله عليه وآله): " أنا مدينة العلم وعلي بابها " فمن طلب العلم والحكمة وأسرار الشريعة وجب عليه أن يرجع إليهم ويتمسك بذيل طاعتهم، أو أبواب للجنة كما ورد أنه " لا يدخل الجنة أحد إلا بحب علي وأولاده الطاهرين. وإن عليا قسيم الجنة " وإطلاق الباب على ما ذكر من باب الاستعارة. قوله (وفيه أخرى خير من هذا كله) أي وفيه صفة أخرى خير من جميع ما ذكر لأنها منشأ لرفاهية الخلق ووصول النفع إليهم وهي خير الخصال وأفضلها. قوله (يخرج الله تعالى منه غوث هذه الأمة وغياثها) ضمير منه راجع إلى أبي إبراهيم (عليه السلام) والغوث پناه والغياث بالكسر پناه دهنده والأول اسم من غوث الرجل والثاني من أغاثه وكذلك كان الرضا (عليه السلام) فإن العلوية وغيرهم من الشيعة كانوا مستريحين في كهف رأفته معلنين لمذهبهم في ظل إغاثته (عليه السلام). قوله (وعلمها ونورها وفضلها وحكمتها) يمكن أن يراد بهذه الأربعة الرضا (عليه السلام) على سبيل المبالغة لأنه لما كان مبدأ هذه الأمور ومظهرها في الأمة كان كأنه نفسها وأن يراد بالعلم والفضل والحكمة حقائقها وبالنور ظهور هذه الثلاثة لحسن اهتمامه بين الموافق والمخالف كظهور النور. قوله (وخير ناشئ) نشأ الغلام نشأ إذا شب وأيفع فهو ناشئ وهو الحدث الذي جاوز حد الصغر وارتفع عن حد الصبا وقرب من الإدراك من قولهم: نشأ السحاب إذا ارتفع. قوله (يحقن الله تعالى به الدماء) يقال: حقنت له دمه من باب نصر إذا منعت من قتله وإراقته

[ 189 ]

أي جمعه له وحبسه عليه من حقن اللبن إذا جمعه في السقاء. قوله (ويصلح به ذات البين) أي الحال التي بين الرجل وأهله أو ما بين الرجلين أو القبيلتين والمراد ههنا ما بين المسلمين، والبين الوصل كما قال الله تعالى * (لقد تقطع بينكم) *. قوله (ويلم به الشعث) الشعث بالتحريك انتشار الأمر، واللم الجمع والإصلاح، تقول: لممت الشئ ألمه من باب نصر إذا جمعته وأصلحته والمقصود ههنا أن الله تعالى يصلح ويجمع بسببه ما تفرق من أمور المسلمين. قوله (ويشعب به الصدع) الشعب بالفتح والسكون الصدع والتفريق في الشئ وجمعه واصلاحه أيضا، تقول: شعبت الشئ فرقته وصدعته وشعبته جمعته وأصلحته وتقول: تفرق شعبهم إذا تفرقوا بعد الاجتماع والتأم شعبهم إذا اجتمعوا بعد التفرق فهو من الأضداد والمراد هنا المعنى الثاني. قوله (ويشبع به الجائع) الشبع بكسر الشين وفتح الباء: نقيض الجوع وبسكون الباء اسم ما أشبعك من شئ تقول شبعت خبزا ولحما ومن لحم وخبز شبعا وهو من مصادر الطبائع وأشبعته من الجوع إذا أطعمته ما يكفيه ويرفع جوعه. قوله (وخير كهل) الكهل من الرجال من انتهى شبابه، قيل: هو من زاد على الأربعين، وقيل: من زاد على ثلاثين إلى الأربعين، وقيل: من زاد على ثلاث وثلاثين إلى تمام الخمسين، وقد اكتهل الرجل وكاهل إذا بلغ الكهولة فصار كهلا. ويحتمل أن يراد بالكهل ههنا الحليم الحكيم العاقل من باب الكناية. قوله (قوله حكم) أي كلام نافع يمنع من الجهل والسفه ومنهي عنهما لاشتماله على المواعظ والأمثال والنصائح والأحكام التي ينتفع بها الناس في الدنيا والآخرة والحكم العلم والفقه والقضاء بالعدل وهو مصدر حكم يحكم. قوله (وصمته علم) الصمت بالفتح والسكون السكوت يقال: صمت يصمت من باب نصر إذا سكت، والحمل على سبيل المبالغة لأن الصمت سبب للعلم بالتفكر في الله وأسراره التي لا تتناهى ومسبب عنه أيضا لأن العالم يتكلم بما يعنيه ويسكت عما لا يعنيه. قوله (ويسود عشيرته) سيد القوم من وجب عليهم الرجوع إليه في القول والفعل، ساد قومه ويسودهم سيادة وسوددا وسيدودة فهو سيدهم وهم سادة تقديره فعله بالتحريك لأن تقدير سيد فعيل، وعشيرة الرجل طائفة يعاشرونه ويعاشرهم وهي فعيلة بمعنى مفاعلة من العشرة وهي الصحبة.

[ 190 ]

قوله (من قبل أوان حلمه) الحلم بالضم والسكون الاحتلام في النوم والاسم الحلم كعنق، والمراد به ههنا البلوغ وجريان حكم الرجال عليه وإن لم يحتلم بل هو منزه عنه، ويحتمل أن يكون بالكسر والسكون بمعنى الفعل من الحلم بمعنى التثبت في الأمور وهذا كناية عن البلوغ وإلا فعقله كان كاملا عند الفطرة. قوله (فجاءنا من لم نستطع معه كلاما) أي فجاءنا مخالف فقطعنا الكلام لأجل التقية. قوله (قال يزيد فقلت لأبي إبراهيم) هذا هو المقصود في هذا الباب ويحتمل أن يكون هذا السؤال في هذا المجلس بعد ذهاب الجائي وأن يكون في مجلس آخر وكتاب العيون صريح في الأخير. قوله (فأفردته وحده) يعني فأردت ابني فلانا أي علي (عليه السلام) منفردا بلا مشارك في الوصية الباطنة وهي الوصية بالعلم والكتب والسلاح وغير ذلك مما يختص بالإمام ولو كان الأمر في نصب الوصي باطنا مفوضا إلي وإلى اختياري لجعلته في القاسم ابني لحبي إياه ورأفتي عليه زايدا على غيره. أقول: ذلك الحب والرأفة كانا من قبل الله ألقاهما في قلبه المقدس وكذلك ما كان في أكثر الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) كما مر في داود (عليه السلام) بالنسبة إلى ابنه غير سليمان (عليه السلام) ليعلموا أن لا مدخل لاختيار الخلق وحبه في نصب الخليفة وإنما ينصب الخليفة بمجرد إرادة الله تعالى ومحبته إياه. قوله (ولقد جاءني) اللام جواب لقسم محذوف تقديره وأقسم بالله لقد جاءني بخبره رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا تظنن أنه (صلى الله عليه وآله) جاءه بخبره في المنام بل جاء به على وجه يشاهده بالعين الظاهرة وتكلم معه كتكلمنا مع مخاطبنا. قوله (وأراني من يكون معه) من شيعته الخلص أو مطلقا. قوله (وأما العمامة فسلطان الله تعالى) لأن العمامة عند العرب بمنزلة التاج للسلاطين لأنهم أكثر ما يكونون في البوادي مكشوفي الرؤوس أو بالقلانس والعمامة فيهم قليلة. قوله (وأما السيف فعز الله تعالى) إذ بالسيف تكسب العزة وتقهر الأعداء، والعزة تحت ظلاله. قوله (وأما الكتاب فنور الله تعالى) المراد بالنور العلوم الربانية والأسرار الإلهية على سبيل الاستعارة. قوله (وأما العصا فقوة الله تعالى) إذ بالعصا يتقوى الضعيف ويقدر على المشي الذي يعجز عنه بدونها فهي كناية عن القوة والقدرة. قوله (وأما الخاتم فجامع هذه الأمور) لأن الخاتم عند العرب أو مطلقا كالسرير كناية عن الأمور المذكورة وجامع لها.

[ 191 ]

قوله (ما رأيت من الأئمة أحدا أجزع على فراق هذا الأمر منك) سياق الكلام سابقا ولاحقا دل على أن الأمر عبارة عن نصب الوصي وفراقه منه سلب اختياره عنه وجزعه وهو بالتحريك نقيض الصبر والخوف والحزن على فراقه منه لأجل أنه أحب جعله في ابنه القاسم ثم هذا الجزع كناية عن مجرد فوات محبوبه، وإلا فهو (عليه السلام) كان منزها عن الحزن وعدم الصبر في وقوع محبوب الله تعالى وعدم وقوع محبوبه، ويحتمل أن يراد بالأمر الإمامة وجزعه على فراقها منه لعلمه بأنه سيقع الاختلاف بين بنيه بل بين شيعته أيضا لوقف كثير منهم فيه وإنكارهم خلافة ابنه علي (عليه السلام) والله أعلم. قوله (فهو مني وأنا منه) أشار به إلى تماثلهما في الذات والصفات والنورية والمنزلة وفي جميع الجهات بحيث لو نظر إليهما ناظر يمكن له أن يقول: هذا من ذاك وذاك من هذا وهذه النسبة واقعة بينه وبين جميع الأئمة، ومفهوم اللقب لا يفيد الحصر. قوله (وإن سئلت عن الشهادة فاشهد بها) يعني إن سألك شيعتي وأهل ولايتي والمستخبرين عن الخليفة بعدي فاشهد بهذه الوصية وبخلافة علي بعدي. وإنما أمره ههنا بالشهادة المفيدة للقطع وفي السابق بعدم الإخبار رعاية للمناسبة فإن المفيد ههنا هو الشهادة والمضر في السابق هو مجرد الإخبار وإن لم يبلغ حد الشهادة ثم استشهد لهما بقوله تعالى: * (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) * فإنه دل بحسب المنطوق على الثاني وبحسب المفهوم على الأول واستشهد للثاني بقوله تعالى * (ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله) * فإنه صريح في وجوب أداء الشهادة وفي أن من كتمها فهو ظالم لنفسه ولمن يفوت حقه ظلما شديدا. قوله (فأقبلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله)) ليس طلب تعيين الوصي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعدما عينه علي (عليه السلام) للشك في قوله بل لتأكيد أمر الوصي والتشرف بخطابه (صلى الله عليه وآله) كما تشرف بخطاب علي (عليه السلام). قوله (فقال هو الذي ينظر بنور الله) لما كانت الرئاسة بالخلافة متوقفة على أمور أشار إليها أولا ثم عين المتصف بها فمن تلك الأمور أن ينظر في الأشياء وأمور الرعية بنور الله تعالى وعلمه لا بالرأي والتخمين، ومنها أن يسمع ما يسمع بفهمه وعلمه ولا يحتاج إلى مترجم يفهمه ومعلم يعلمه، ومنها أن ينطق بحكمته وإتقانه من غير اضطراب ولا اختلاف، ومنها أن يصيب الحق دائما ولا يخطئ أبدا، ومنها أن يعلم جميع ما يحتاج إليه الناس ولا يجهل شيئا منه، ومنها أن يكون معلما للأحكام والعلوم التي وردت بها الشريعة فمن تقلد الخلافة وتحمل الرئاسة وليس فيه شئ من هذه الأمور فهو جائر لا يجوز العمل بقوله والرجوع إليه. قوله (ما أقل مقامك) إشارة إلى ما فعله المهدي العباسي وابنه موسى وهارون من إخراجهم

[ 192 ]

له (عليه السلام) عن المدينة إلى البصرة وبغداد حتى قتله الأخير لعنه الله بالسم. قوله (فإذا أردت فادع عليا) أي فإذا أردت الوصية فادع عليا وإنما أمره أن يفعل ذلك في حال حياته ليعلم إخوة علي (عليه السلام) وعمومته أنه وصيه ووليه وأولى بالخلافة منهم لئلا ينازعوه ويكونوا شهداء له، ثم هذا التغسيل لا يكفي عن تغسيله بعد موته، يدل عليه ما رواه الصدوق في كتاب العيون بإسناده في حديث طويل - إلى أن قال -: قال المسيب بن زهير: دعاني موسى (عليه السلام) قبل وفاته بثلاثة أيام فقال: إني راحل إلى الله عزوجل فإن عليا ابني هو إمامك ومولاك بعدي فاستمسك بولايته فإنك لن تضل ما لزمته، فقلت: الحمد لله، ثم دعاني بعدما سم فقال: يا مسيب إن هذا الرجس السندي بن شاهك سيزعم أنه يتولى غسلي ودفني، هيهات لا يكون ذلك أبدا، ثم رأيت شخصا أشبه الأشخاص به جالسا إلى جانبه وكان عهدي بالرضا (عليه السلام) وهو غلام، فوافى السندي بن شاهك، فوالله لقد رأيتهم بعيني وهم يظنون أنهم يغسلونه فلا تصل أيديهم إليه ويظنون أنهم يحنطونه ويكفنونه وأراهم لا يصنعون به شيئا، ورأيت ذلك الشخص يتولى غسله وتحنيطه وتكفينه وهو يظهر المعاونة لهم وهم لا يعرفونه فلما فرغ من أمره قال لي ذلك الشخص: يا مسيب مهما شككت فيه فلا تشكن في فإني إمامك ومولاك حجة الله عليك بعد أبي (عليه السلام). قوله (فإنه ظهر لك ولا يستقيم إلا ذلك) ضمير " إنه " راجع إلى التغسيل وذلك إشارة إليه وإلى التكفين، وفيه دلالة على أن المعصوم لا يغسله ولا يكفنه إلا المعصوم كما دل عليه أيضا غيره من الروايات وسيجئ أن الحسين (عليه السلام) يغسل صاحب الأمر صلوات الله عليه. قوله (وصف إخوته خلفه وعمومته) " صف " أمر، و " إخوته " وما عطف عليه مفعوله، يقال: صففت القوم فاصطفوا إذا أقمتهم صفا. قوله (ومره فيكبر عليك تسعا) قيل: وجد بخط الشهيد الثاني (رحمه الله) أن المراد من التسع الخمسة التي في مذهبنا والأربعة التي في مذهب المخالف، وقيل: يمكن أن يكون المراد من التسع التكبيرات الخمسة والأدعية الأربعة تغليبا والله أعلم. قوله (ووليك وأنت حي) كل من ولي أمر واحد فهو وليه والواو في قوله " وأنت " للحال. قوله (ثم اجمع له ولدك من بعدهم) أي من بعد جمع العمومة لتحقيق النص قولا بعد تحققه فعلا وضبطه بعض الناظرين بضم الباء أي من كان منهم بعيدا، والظاهر أنه تصحيف وفي بعض النسخ " من تعدهم " بتاء الخطاب من العد أي صغيرهم وكبيرهم والله أعلم. قوله (سمي علي) تقول: هو سمي فلان إذا وافق اسمه اسمه، وقوله تعالى: * (هل تعلم له سميا) * أي نظيرا يستحق مثل اسمه.

[ 193 ]

قوله (أعطي فهم الأول) الأئمة (عليهم السلام) إنما اتصفوا بصفات الكمال دون النقص وكل ما هو من صفة الكمال فهو موجود في كل واحد على وجه الكمال لئلا يلزم اتصافه بالنقص، فهذا التفصيل على هذا باعتبار اشتهار كل بصفة دون أخرى عندنا لا باعتبار أن صفة الأول لم توجد في الثاني وبالعكس. قوله (إلا بعد موت هارون بأربع سنين) وذلك عند ظهور دولة المأمون، وفي كتاب العيون بعده: فإذا مضت أربع سنين فاسأله عما شئت فإنه يجيبك إن شاء الله تعالى. قوله (وستلقاه) تصريح بما علم من إذا الدالة على وقوع الشرط بحسب الوضع. قوله (ما كنا نكلفك ولا نكفيك) الواو عاطفة أو حالية. قوله (جيرتك وعمومتك) أراد بهم أبا الحسن موسى وأبا عبد الله وأولاده عليهم السلام وسماهم عمومته لأن يزيد كان من أولاد زيد بن علي بن الحسين (عليهما السلام). قوله (فإذا جاءت بلغتها منه السلام) بلغتها إما بصيغة الخطاب بقرينة السابق أو بصيغة التكلم. قوله (فعادوني " فعاداني ظ " إخوته من غير ذنب) ذلك إما لزعمهم أن يزيد اشتراها له (عليه السلام) أو لزعمهم أنه أشار إليه بشرائها. قوله (فقال لهم إسحاق بن جعفر عم الرضا (عليه السلام) لقد رأيته) أي يزيد قال ذلك إصلاحا بينه وبينهم وترغيبا لهم في حبه لأن صديق الأب ومصاحبه وجب إعزازه ومحبته. * الأصل: 15 - أحمد بن مهران، عن محمد بن علي، عن أبي الحكم قال: حدثني عبد الله بن إبراهيم الجعفري وعبد الله بن محمد بن عمارة، عن يزيد بن سليط قال: لما أوصى أبو إبراهيم (عليه السلام) أشهد إبراهيم بن محمد الجعفري وإسحاق بن محمد الجعفري وإسحاق بن جعفر بن محمد وجعفر بن صالح ومعاوية الجعفري ويحيى بن الحسين بن زيد بن علي وسعد بن عمران الأنصاري ومحمد بن الحارث الأنصاري ويزيد بن سليط الأنصاري ومحمد بن جعفر بن سعد الأسلمي - وهو كاتب الوصية الأولى - أشهدهم أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور وأن البعث بعد الموت حق وأن الوعد حق وأن الحساب حق والقضاء حق، وأن الوقوف بين يدي الله حق وأن ما جاء به محمد (صلى الله عليه وآله) حق وما نزل به الروح الأمين حق، على ذلك أحيا وعليه أموت وعليه أبعث إن شاء الله. وأشهدهم أن هذه وصيتي بخطي وقد نسخت وصية جدي أمير المؤمنين علي بن أبي

[ 194 ]

طالب (عليه السلام) ووصية محمد بن علي قبل ذلك نسختها حرفا بحرف ووصية جعفر بن محمد على مثل ذلك وإني قد أوصيت إلى علي وبني بعد معه إن شاء وآنس منهم رشدا وأحب أن يقرهم فذاك له، وإن كرههم وأحب أن يخرجهم فذاك له ولا أمر لهم معه وأوصيت إليه بصدقاتي وأموالي وموالي، وصبياني الذين خلفت وولدي إلى إبراهيم والعباس وقاسم وإسماعيل وأحمد وأم أحمد، وإلى علي أمر نسائي دونهم وثلث صدقة أبي وثلثي، يضعه حيث يرى ويجعل ما فيه ما يجعل ذو المال في ماله، فإن أحب أن يبيع أو يهب أو ينحل أو يتصدق بها على من سميت له وعلى غير من سميت فذاك له، وهو أنا في وصيتي في مالي وفي أهلي وولدي، وإن يرى أن يقر إخوته الذين سميتهم في كتابي هذا أقرهم وإن كره فله أن يخرجهم غير مثرب عليه ولا مردود، فإن آنس منهم غير الذي فارقتهم عليه فأحب أن يردهم في ولايته فذاك له وإن أراد رجل منهم أن يزوج أخته، فليس له يزوجها إلا بإذنه وأمره فإنه أعرف بمناكح قومه وأي سلطان أو أحد من الناس كفه عن شئ أو حال بينه وبين شئ مما ذكرت في كتابي هذا أو أحد ممن ذكرت، فهو من الله ومن رسوله برئ والله ورسوله منه برآء وعليه لعنة الله وغضبه ولعنة اللاعنين والملائكة المقربين والنبيين والمرسلين وجماعة المؤمنين وليس لأحد من السلاطين أن يكفه عن شئ وليس لي عنده تبعة ولا تباعة، ولا لأحد من ولدي له قبلي مال فهو مصدق فيما ذكر، فإن أقل فهو أعلم وإن أكثر فهو الصادق كذلك، وإنما أردت بإدخال الذين أدخلتهم معه من ولدي التنويه بأسمائهم والتشريف لهم وأمهات أولادي من أقامت منهن في منزلها وحجابها فلها ما كان يجري عليها في حياتي إن رأى ذلك، ومن خرجت منهن إلى زوج فليس لها أن ترجع إلى محواي إلا أن يرى علي غير ذلك، وبناتي بمثل ذلك، ولا يزوج بناتي أحد من إخوتهن من أمهاتهن ولا سلطان ولا عم إلا برأيه ومشورته، فإن فعلوا غير ذلك فقد خالفوا الله ورسوله وجاهدوه في ملكه وهو أعرف بمناكح قومه، فإن أراد أن يزوج زوج وإن أراد أن يترك ترك، وقد أوصيتهن بمثل ما ذكرت في كتابي هذا وجعلت الله عزوجل عليهن شهيدا وهو وأم أحمد [ شاهدان ] وليس لأحد أن يكشف وصيتي ولا ينشرها وهو منها على غير ما ذكرت وسميت، فمن أساء فعليه ومن أحسن فلنفسه وما ربك بظلام للعبيد وصلى الله على محمد وعلى آله، وليس لأحد من سلطان ولا غيره أن يفض كتابي هذا الذي ختمت عليه الأسفل، فمن فعل ذلك فعليه لعنة الله وغضبه ولعنة اللاعنين والملائكة المقربين وجماعة المرسلين والمؤمنين من المسلمين وعلى من فض كتابي هذا. وكتب وختم أبو إبراهيم والشهود وصلى الله على محمد وعلى آله.

[ 195 ]

قال أبو الحكم: فحدثني عبد الله بن آدم الجعفري عن يزيد بن سليط قال: كان أبو عمران الطلحي قاضي المدينة فلما مضى موسى قدمه إخوته إلى الطلحي القاضي فقال العباس بن موسى: أصلحك الله وأمتع بك، إن في أسفل هذا الكتاب كنزا وجوهرا ويريد أن يحتجبه ويأخذه دوننا ولم يدع أبونا رحمه الله شيئا إلا ألجأه إليه وتركنا عالة ولولا إني أكف نفسي لأخبرتك بشئ على رؤوس الملأ، فوثب إليه إبراهيم بن محمد فقال: إذا والله تخبر بما لا نقبله منك ولا نصدقك عليه، ثم تكون عندنا ملوما مدحورا نعرفك بالكذب صغيرا وكبيرا وكان أبوك أعرف بك لو كان فيك خيرا وإن كان أبوك لعارفا بك في الظاهر والباطن وما كان ليأمنك على تمرتين. ثم وثب إليه إسحاق بن جعفر عمه فأخذ بتلبيبه فقال له: إنك لسفيه ضعيف أحمق أجمع هذا مع ما كان بالأمس منك، وأعانه القوم أجمعون. فقال أبو عمران القاضي لعلي: قم يا أبا الحسن حسبي ما لعنني أبوك اليوم وقد وسع لك أبوك ولا والله ما أحد أعرف بالولد من والده لا والله ما كان أبوك عندنا بمستخف في عقله ولا ضعيف في رأيه، فقال العباس للقاضي: أصلحك الله فض الخاتم واقرأ ما تحته فقال أبو عمران: لا أفضه حسبي ما لعنني أبوك اليوم، فقال العباس: فأنا أفضه، فقال: ذاك إليك، ففض العباس الخاتم فإذا فيه إخراجهم وإقرار علي لها وحده وإدخاله إياهم في ولاية علي إن أحبوا أو كرهوا وإخراجهم من حد الصدقة وغيرها وكان فتحه عليهم بلاء وفضيحة وذلة ولعلي (عليه السلام) خيرة. وكان في الوصية التي فض العباس تحت الخاتم هؤلاء الشهود: إبراهيم بن محمد وإسحاق بن جعفر وجعفر بن صالح وسعيد بن عمران وأبرزوا وجه أم أحمد في مجلس القاضي وادعوا أنها ليست إياها حتى كشفوا عنها وعرفوها، فقالت عند ذلك: قد والله قال سيدي هذا: إنك ستؤخذين جبرا وتخرجين إلى المجالس، فزجرها إسحاق بن جعفر وقال: اسكتي فإن النساء إلى الضعف ما أظنه قال من هذا شيئا، ثم إن عليا (عليه السلام) التفت إلى العباس فقال: يا أخي إني أعلم أنه إنما حملكم على هذا الغرائم والديون التي عليكم، فانطلق يا سعيد فتعين لي ما عليهم، ثم اقض عنهم ولا والله لا أدع مواساتكم وبركم ما مشيت على الأرض فقولوا ما شئتم، فقال العباس: ما تعطينا إلا من فضول أموالنا، وما لنا عندك أكثر، فقال: قولوا ما شئتم فالعرض عرضكم فإن تحسنوا فذاك لكم عند الله وإن تسيئوا فإن الله غفور رحيم، والله إنكم لتعرفون أنه مالي يومي هذا ولد ولا وارث غيركم ولئن حبست شيئا مما تظنون أو ادخرته فإنما هو لكم ومرجعه إليكم والله ما ملكت منذ مضى أبوكم رضي الله عنه شيئا إلا وقد سيبته حيث رأيتم، فوثب العباس فقال: والله ما هو كذلك وما جعل الله من رأي علينا ولكن حسد أبينا لنا وإرادته ما أراد مما لا يسوغه الله إياه

[ 196 ]

ولا إياك وإنك لتعرف وأني أعرف صفوان ابن يحيى بياع السابري بالكوفة ولئن سلمت لأغصصنه بريقه وأنت معه، فقال علي (عليه السلام): لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أما إني يا إخوتي فحريص على مسرتكم، الله يعلم، اللهم إن كنت تعلم أني أحب صلاحهم وإني بار بهم واصل لهم رفيق عليهم أعنى بامورهم ليلا ونهارا فاجزني به خيرا، وإن كنت على غير ذلك فأنت علام الغيوب فاجزني به ما أنا أهله إن كان شرا فشرا وإن كان خيرا فخيرا، اللهم أصلحهم وأصلح لهم واخسأ عنا وعنهم الشيطان وأعنهم على طاعتك ووفقهم لرشدك أما أنا يا أخي فحريص على مسرتكم، جاهد على صلاحكم، والله على ما نقول وكيل، فقال العباس: ما أعرفني بلسانك وليس لمسحاتك عندي طين، فافترق القوم على هذا وصلى الله على محمد وآله. * الشرح: قوله (عن أبي الحكم) هو إما هشام بن سالم أو عمار بن اليسع. قوله (حدثني عبد الله بن إبراهيم الجعفري) هو عبد الله بن إبراهيم بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب (رضي الله عنه) ثقة صدوق. قوله (ومحمد بن جعفر بن سعد الأسلمي) كذا في بعض النسخ ولم أجده في كتب الرجال وفي أكثر النسخ جعد بدل جعفر والمذكور في كتب الرجال محمد بن جعد الأسدي وهو من أصحاب الكاظم (عليه السلام). قوله (وهو كاتب الوصية الأولى) أما هذه الوصية فكتبها (عليه السلام) كما يدل عليه قوله فيما بعد " إن هذه وصيتي بخطي ". قوله (أشهدهم أنه يشهد) بدل أو بيان لجواب " لما " لإيضاحه وتفسيره، وإنما أعاد لفظ أشهدهم ولم يجعل أنه يشهد مفعولا لجواب " لما " لتكثر الواسطة بينهما وفيه دلالة واضحة على أن استشهاد المؤمنين على النحو المذكور مستحب للمحتضر وغيره. قوله (لا ريب فيها) أي لا ريب لي فيها أو لا ينبغي أن يرتاب فيها أحد فلا يرد أن طائفة من الجهلة أنكروها. قوله (وإن الله يبعث من في القبور) يمكن أن يراد به البعث في القبر للسؤال أيضا، كما يمكن أن يراد ذلك بقوله " وإن البعث بعد الموت حق " أي ثابت واقع البتة ويمكن أن يراد بأحدهما البعث في القيامة وبالآخر البعث في القبر إلا أن الأظهر أن المراد بكليهما هو الأول. قوله (وإن الوعد حق) أي الوعد بالبعث والثواب والعقاب حق لا ريب فيه. قوله (وإن الحساب حق والقضاء حق) المراد بالحساب ما ذهب إليه المليون من أن الله تعالى

[ 197 ]

يحاسب الخلق على أعمالهم دفعة واحدة لا يشغله كلام عن كلام كما قال عز من قائل * (وهو سريع الحساب) * وأما الحكماء فقالوا: لما كانت حقيقة المحاسبة تعود إلى تعريف الإنسان ماله وما عليه وكان ما يحصل في النفوس من الملكات الخيرية والشرية بتكرر أعمال الخير والشر أمورا مضبوطة في جوهرها ينكشف لها انكشافا تاما في الآن الذي ينقطع فيه علاقتها مع البدن أشبه ذلك ما يتبين للإنسان عند المحاسبة مما أحصى له وعليه وأطلق عليه لفظ الحساب مجازا أو حقيقة، والمراد بالقضاء إما القضاء والقدر وإما الحكم على وفق الحكمة على الإطلاق واما الحكم بالخلود في الجنة والخلود في النار. قوله (وإن الوقوف بين يدي الله حق) تمثيل لقصد الإيضاح وهذا الوقوف لأجل الحساب وخروج الخلق عن جرائم أعمالهم متفاوت في السهولة والصعوبة وبحسب تفاوت الدرجات والمقامات والله غفور رحيم. قوله (وإن ما جاء به محمد (صلى الله عليه وآله) حق وان ما نزل به الروح الأمين حق) الروح الأمين إما القرآن أو جبرئيل (عليه السلام) وعلى الثاني يمكن أن يراد بالموصول القرآن فالعطف على التقديرين من باب عطف الخاص على العام لشدة الاهتمام ويمكن أن يراد به التأكيد أيضا. قوله (وإني قد أوصيت إلى علي وبني بعد معه) شارك بنيه مع علي (عليه السلام) وفوض أمرهم إليه إن شاء أن يدخلهم أدخلهم وإن شاء أن يخرجهم أخرجهم سواء آنس وعلم منهم رشدا وصلاحا في القول والعمل أو أنس عدمه، وبالجملة الأمر له انفرادا واجتماعا ولا أمر لهم معه لا انفرادا ولا اجتماعا فإن علم أمرا خيرا كان له فعل ذلك الأمر وليس لهم الاعتراض عليه. قوله (وأوصيت إليه بصدقاتي) كان له (عليه السلام) صدقات من جملتها أنه تصدق بعض أراضيها بجميع حقوقها على ولده من صلبه للذكر مثل حظ الاثنين وعلى ولد أبيه من أمه بعد انقراض ولده وعلى ولد أبيه بعد انقراض ولد أبيه من أمه وأخرج البنات بعد التزويج إلى أن ترجع بلا زوج وأولاد البنات إلا أن يكون آباؤهم من أولاده وأولاد أبيه. قوله (وأموالي) لعل المراد بها الموقوفات أو الثلث أو حصص الصغار والله أعلم. قوله (وموالي) يحتمل أن يراد بهم العبيد والمعتق والعصبة والشيعة كلهم. قوله (إلى إبراهيم والعباس) لعل المراد أوصيت إلى إبراهيم فهو عطف على إليه بحذف العاطف، وفي كتاب العيون " وإلى إبراهيم " بالواو وهو الأظهر وقيل: إلى ههنا بمعنى مع. قوله (وإلى علي أمر نسائي وثلث صدقة أبي وثلثي) أي أوصيت إلى علي (عليه السلام) وحده هذه الأمور الثلاثة ولعل المراد بالثلث الثلث الذي كان له (عليه السلام) من أجل ولاية الوقف ووكالته فجعله

[ 198 ]

لعلي (عليه السلام) منفردا بلا مشارك لشدة الاهتمام به. قوله (فإن أحب أن يبيع) دل على أنه يجوز لمتولي الوقف أن يتصرف في حق التولية كما يتصرف المالك في ملكه، والفرق بين الهبة والنحلة بالكسر كالفرق بين العام والخاص لأن النحلة هي العطية ابتداء من غير عوض وأيضا إعطاء الحق من غير مطالبة المستحق يقال: نحلت المرأة مهرها عن طيب نفس أنحلها من باب نحل ينحل بالضم. قوله (وهو أنا) إشارة إلى مساواتهما في التصرف من غير تفاوت. قوله (غير مثرب ولا مردود) التثريب بالثاء المثلثة التعيير والتوبيخ، يعني ليس لأحد من الحكام وغيره تعييره وتوبيخه في إخراجهم أو في تصرفاته مطلقا ولا رد شئ من ذلك لأنه لا يفعل إلا ما فيه مصلحة وهو أعرف بمواقعها. قوله (فإن أنس منهم غير الذي فارقتهم عليه) أي فإن وجد منهم رشدا تاما وأهلية كاملة وهو غير الذي فارقهم عليه فأحب أن يردهم في ولاية علي (عليه السلام) فله ذلك فكيف إذا لم يجد منهم هذا الوصف. قوله (وإن أراد رجل منهم أن يزوج أخته) دل على أن للأب ولوصيه ولاية على الرشيدة البالغة ويمكن أن يكون هذا في واقعة معينة مع احتمال أن يراد أولوية الإذن إذا كان الأب والأخ والوصي مطلقا أعرف بموارد النكاح وأحوال الرجال كما يرشد إليه التعليل والله أعلم. قوله (وأي سلطان أو أحد من الناس كفه عن شئ أو حال بينه وبين شئ) من قبيل اللف والنشر المرتب، إذ الكف وهو المنع يناسب السلطان، والحائل وهو المانع من وصول المرء إلى مطلوبه يناسب أحدا من الناس بتخصيصه بغير السلطان بقرينة المقابلة، والتأكيد أيضا محتمل، والترديد من الراوي بعيد، وفي كتاب العيون وفي بعض نسخ هذا الكتاب " وكشفه عن شئ " بالشين المعجمة ولعل المراد كشف العيوب في تصرفاته، وأما بالسين المهملة بمعنى القطع فالظاهر أنه تصحيف. قوله (أو أحد ممن ذكرت) الظاهر أنه عطف على شئ وأن المراد به الأولاد والنساء والبنات والموالي والمراد بالشئ حينئذ التصرفات في الأموال والتصدقات وإخراج الأخوة من الوصاية. قوله (والله ورسوله منه برآء) في كتاب العيون " بريئان " على صيغة التثنية وهو الأظهر. قوله (وليس لأحد من السلاطين أن يكفه عن شئ وليس لي عنده تبعة ولا تباعة) التبعة بفتح التاء وكسر الباء ما يتبع المال من نوائب الحقوق وهو من تبعت الرجل بحقي إذا مشيت خلفه والتبع الذي يتبعه لحق يطالبه، والتباعة مصدر منه، تقول: تبعت القوم بالكسر تبعا وتباعة إذا مشيت

[ 199 ]

خلفهم أو مروا بك فمضيت معهم. وفي بعض النسخ " أن يكشفه " بالشين المعجمة بدل " أن يكفه " وفي كتاب العيون " أن يكشفه عن شئ لي عنده من بضاعة ". قوله (ولا لأحد من ولدي وله قبلي مال - إلى قوله - كذلك) في كتاب العيون " ولا لأحد من ولدي ولي عنده مال وهو مصدق فيما ذكر من مبلغه إن أقل أو أكثر فهو الصادق ". قوله (التنويه بأسمائهم) نوهت باسمه إذا رفعت ذكره. قوله (إن رأى ذلك) أي إن رأى علي (عليه السلام) ذلك، وفي كتاب العيون: " إن أراد ذلك ". قوله (إلى محواي) أي إلى منزلي الذي كان يحويها والمحوى اسم المكان الذي يحوي الشئ أي يضمه ويجمعه. قوله (وقد أوصيتهن بمثل ما ذكرت في كتابي هذا) أي أوصيت إلى نسائي أن لا يرجعن بعد تزويجهن إلى محواي إلا بإذنه وإلى بناتي أن لا يتزوجن إلا بإذنه ومشورته. قوله (وهو وأم أحمد) هو راجع إلى علي (عليه السلام) أي جعلته وأم أحمد أيضا شهيدين عليهن. قوله (وهو منها) على غير ما ذكرت وسميت وهو راجع إلى أحد والجملة حال عن فاعل يكشف، والمقصود هو النهي عن كشف الوصية مع الحكم بخلافها وأما مع الحكم بها فلا يكون الكشف بمنهي عنه فالنهي راجع إلى القيد، ويحتمل أن يراد بما ذكرت الولاية على الأموال والصدقات وبما سميت الولاية على الأولاد والنساء والبنات. قوله (وما ربك بظلام للعبيد) لعل المراد المبالغة في نفي الظلم لا نفي المبالغة فيه كما قالوا في قوله تعالى: * (ولو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم) * إن فعل المضارع لاستمرار الثبوت والمقصود بعد دخول " لو " استمرار النفي لا نفي الاستمرار، ويمكن أيضا أن يقال: كل صفة من صفات الواجب جل شأنه على وجه الكمال فلو كان الظلم صفة له كان على وجه الكمال وحيث لم يكن له ظلم على وجه الكمال لم يكن له ظلم أصلا وإلا لزم خلاف الفرض. قوله (وليس لأحد من سلطان ولا غيره أن يفض كتابي هذا الذي ختمت عليه الأسفل فمن فعل ذلك) لعله (عليه السلام) بعدما كتب كتاب الوصية وأشهد الشهود المذكورين على ما فيه وأدرجه، كتب في عنوانه قوله سابقا " وليس لأحد أن يكشف وصيتي الخ " وقوله " ليس لأحد من سلطان ولا غيره الخ " وختم على أسفله فقوله على الأسفل بدل الكل من ضمير الغائب في عليه وهو جائز أو مفعول فيه بتقدير في، وقوله " فمن فعل ذلك " إشارة إلى كشف الوصية والعمل بغير ما ذكر فيها وقوله " وعلى من فض كتابي " هذا عطف على " من فعل ذلك " متعلق بقوله " وليس لأحد من سلطان ولا غيره أن يفض كتابي " يعني وعلى من فض كتابي هذا فعليه أيضا لعنة الله وغضبه - الخ. والله

[ 200 ]

أعلم. قوله (قدمه إخوته) قدمه يقدمه من باب نصر أي تقدمه والمراد إزعاجه إلى القاضي. قوله (وأمتع بك) أي أمتعنا الله بسببك فالمفعول محذوف لقصد التعميم والباء للسببية يعني جعلنا الله ذا متاع بسببك، والمتاع المنفعة وهي كل ما ينتفع به من عروض الدنيا قليلها وكثيرها. قوله (إلا ألجأه إليه) أي أسنده إليه وجعله له. قوله (وتركنا عالة) العالة بالتخفيف جمع عائل وهو فقير ذو عيال. قوله (لأخبرتك بشئ) مراده بذلك الشئ إما المال الكثير أو خلافته وإمامته (عليه السلام) وغرضه من ذلك تخويفه (عليه السلام) وإغراء الأعداء به. قوله (فوثب إليه إبراهيم بن محمد) هو إبراهيم بن محمد الجعفري أول من تقدم من الشهود " وأبو إبراهيم " في بعض النسخ سهو من الناسخ، والضمير في إليه راجع إلى العباس. قوله (إذا والله تخبر) إذن جواب وجزاء ينصب المضارع بشرط أن يتأخر عنها وأن تكون للحال وأن لا يكون معمولا لما قبلها وإذا فقد أحد هذه الشروط بطل عملها، وإذا وقفت عليها قلت: إذا. قوله (مدحور) الدحور الطرد والإبعاد. قوله (وكان أبوك أعرف بك) أي أعرف بك من كل أحد أو منك. قوله (وإن كان أبوك لعارفا بك في الظاهر والباطن) إن مخففة من المثقلة المكسورة ويلزمها اللام، ويجوز دخولها على كان وأخواته، وفي بعض النسخ " فإنه يعرفك في الظاهر والباطن ". قوله (ثم وثب إليه إسحاق بن جعفر عمه) الضمير في الموضعين راجع إلى العباس. قوله (فأخذ بتلبيبه) تقول: لببت الرجل تلبيبا إذا جمعت ثيابه عند صدره ونحره في الخصومة ثم جررته. قوله (إنك لسفيه ضعيف أحمق) المراد بالسفيه الجاهل المضطرب والخفيف الطياش وبالضعيف الناقص في الرأي أو الذي لا رأي له أصلا وبالأحمق الناقص في العقل أو الذي لا عقل له أصلا. قوله (أجمع هذا مع ما كان بالأمس منك من المنازعة والسفاهة) ولعل الهمزة للاستفهام على سبيل التوبيخ بكسر المنازعة والجمع بالضم بمعنى المجموع كالذخر بمعنى المذخور. قوله (وأعانه القوم) الضمير راجع إلى إسحاق بن جعفر. قوله (حسبي ما لعنني أبوك اليوم) " ما " إما مصدرية أو موصولة والعائد محذوف ولحوق اللعن به باعتبار احضاره والتفتيش عن حاله إذ لم يكن له ذلك.

[ 201 ]

قوله (فقال أبو عمران لا أفضه حسبي ما لعنني أبوك منذ اليوم) اللعن وقع لأمرين أحدهما الكشف عن حاله والكف عما أراد وثانيهما فض الكتاب وقد ارتكب الأول في الجملة إذا حضره وكشفه وكفه آن المرافعة واجتنب عن الثاني. وفي كتاب العيون " فقال: لا أفضه لا يلعنني أبوك " وهو أيضا صحيح. قوله (وإدخاله إياهم في ولاية علي) إذ جعلهم كالأيتام في حجره. قوله (قال سيدي هذا) الظاهر أن " هذا " إشارة إلى علي (عليه السلام) وكونه إشارة إلى موسى بن جعفر (عليهما السلام) بعيد. قوله (وقال اسكتي فإن النساء إلى الضعف - الخ) أي النساء مائلات إلى ضعف العقل وقلة الرأي فربما يقلن من غير علم وقال ذلك خوفا وتقية وإطفاء للفتنة. قوله (إنما حملكم على هذا الغرائم) الغرائم جمع الغريم كالقبائح جمع القبيح، والمراد بالغريم هذا من له الدين وقد يطلق على من عليه الدين أيضا. قوله (فتعين لي ما عليهم) أي اجعل ما عليهم من الديون متعينا معلوما لي، أو اجعله علي وفي ذمتي بأجل من العينة وفي بعض النسخ فعين لي بدون التاء. قوله (ولا والله) أي ليس الأمر كما زعمتم من ترك الصلة وعدم الرعاية لكم والله لا أدع مواساتكم أي إعطاءكم، وفي النهاية: الإسوة بكسر الهمزة وضمها القدوة والمواساة المشاركة والمساهمة في المعاش والرزق وأصلها الهمزة فقلبت واوا تخفيفا، وفي المغرب: آسيته بمالي أي جعلته أسوة أقتدي به ويقتدي هو بي وواسيته لغة ضعيفة. قوله (ما تعطينا إلا من فضول أموالنا ومالنا عندك أكثر) " ما " موصولة أو موصوفة " ولنا " ظرف عامله محذوف أي وما كان لنا عندك من الأموال أكثر مما تعطينا، ويحتمل أن يكون " مالنا " بالرفع على الابتداء والواو على التقديرين إما للعطف أو للحال. والمراد بفضول الأموال منافعها المتجددة. قوله (فالعرض عرضكم) في الصحاح: عرض الرجل حسبه، وفي النهاية: العرض موضع المدح والذم من الإنسان سواء كان في نفسه أو في سلفه أو من يلزمه أمره، وقيل: هو جانبه الذي يصونه من نفسه وحسبه ويحامي عنه أن ينتقض ويثلب، وقال ابن قتيبة: عرض الرجل نفسه وبدنه لا غير. قوله (ولئن حبست شيئا مما تظنون أو ادخرته) أي منعته من الإنفاق على أهله وفي قوله " مما تظنون " إشارة إلى أنه منزه عن ذلك وإنما ذلك بحسب ظنهم وفساد عقيدتهم، ويحتمل أن يراد

[ 202 ]

بالحبس الوقف احتمالا بعيدا، وادخار المال جعله ذخيرة ليوم الحاجة وأصله اذ تخار وهو افتعال من الذخر يقال: ذخر يذخر ذخرا، فهو ذاخر واذتخر يذتخر فهو مذتخر، فلما أرادوا أن يدغموا ليخف النطق قلبوا التاء إلى ما يقاربها من الحروف وهو الدال المهملة لأنهما من مخرج واحد فصارت اللفظة اذدخر بذال ودال ولهم حينئذ فيه مذهبان: أحدهما وهو الأكثر أن تقلب الذال المعجمة دالا وتدغم فيها فتصير دالا مهملة مشددة، والثاني وهو الأقل أن تقلب الدال المهملة ذالا وتدغم فتصير ذالا مشددة معجمة وهذا العمل مطرد في أمثاله كما ذكر في موضعه. قوله (إلا وقد سيبته حيث رأيتم) أي أعطيته حيث رأيتم من ذوي الاستحقاق والسيب العطاء، وفي بعض النسخ " وقد سبلته " يعني جعلته في سبل الخير وصرفته فيها وفي بعضها " وقد شتته " يعني فرقته فيها. قوله (من رأى علينا) مفعول جعل وأصله رأيا علينا زيدت " من " لزيادة العموم يعني ما جعل الله لك شيئا من أفراد الرأي والتدبير والتصرف والزيادة علينا ولكن حسد أبينا ظاهر منك لنا وإرادة أبينا فيك ما أراد من تفوقك علينا وهو ما لا يسوغه الله إياه ولا إياك جعلا لك علينا فضلا وزيادة وتفوقا، وهذا الكلام منه من غاية الركاكة وسوء الأدب بل يشم منه رائحة الارتداد والكفر والله غفور رحيم. قوله (وإنك لتعرف أني أعرف صفوان بن يحيى بياع السابري بالكوفة) صفوان بن يحيى كان ثقة عينا ورعا عابدا زاهدا وكان وكيل الكاظم (عليه السلام) وقد بذل له جماعة من الواقفة مالا كثيرا للوقف فلم يقبل منهم وسلم مذهبه منه ثم كان وكيلا للرضا وأبي جعفر الثاني (عليهما السلام) وكانت له عندهما منزلة شريفة (رحمه الله). قوله (ولئن سلمت لأغصصنه بريقه وأنت معه) يقال: غصصت بالماء أغص من باب علم غصصا بالتحريك فأنا غاص وغصان إذا وقف في حلقك فلم تكد تسيغه وأغصصته أنا وهذا كناية عن تشديد الأمر عليه، وفي بعض النسخ لأغصصنه على صيغة المتكلم من الماضي. قوله (رفيق عليهم) الرفيق فعيل بمعنى فاعل وهو إما بالفاء من الرفق ضد الخرق والعنف أعني الرأفة والتلطف وقد رفق به يرفق من باب نصر فهو رفيق، أو بالقاف من الرقة ضد القسوة والشدة أعني الضعف واللينة، وقد رق له قلبه إذا رحمه، وإنما عداه بعلى لتضمين معنى الحفظ أو نحوه. قوله (أعنى بأمورهم) بضم الهمزة وفتح النون أو بفتحها وكسر النون تقول: عنيت بحاجتك بضم أوله أعني بها كذلك فأنا بها معني على مفعول وعنيت بها فأنا عان، والأول أكثر أي اهتممت بها واشتغلت في تحصيلها من العناية وهي الحفظ فإن من عنى بشئ حفظه وحرسه.

[ 203 ]

قوله (أصلحهم وأصلح لهم) إصلاحهم عبارة عن تقويمهم وتعديلهم وتهذيب أخلاقهم وأعمالهم والإصلاح لهم عبارة عن تحصيل المنافع ورفع المضار. قوله (واخسأ) أمر من خسأ الكلب كمنع إذا طرده. قوله (ووفقهم لرشدك) أي لقبول هدايتك ودلالتك وسلوك سبيلك، والرشد بالضم خلاف الغي. قوله (على مسرتكم) المسرة والسرور خلاف الحزن، تقول: سرني فلان إذا جعلك مسرورا والإضافة من باب إضافة المصدر إلى المفعول. قوله (والله على ما نقول وكيل) أي والله على ما نقول من الحرص على المسرة والبر والصلة والرفق والمجاهدة وغير ذلك وكيل شاهد حفيظ علينا. قوله (ما أعرفني بلسانك) صيغة التعجب ويحتمل أن يكون " ما " نافية والفاعل محذوف أي ما أعرفني شئ بلسانك. قوله (وليس لمسحاتك عندي طين) المسحاة بكسر الميم مفعلة من سحوت الطين عن وجه الأرض إذا جرفته وأزلته وذهبت به كله أو جله وهي آلة من حديدة معوجة يقال لها بالفارسية كلند، وهذا مثل يقال لمن لا يؤثر كلامه أو حيلته في قلب السامع. * الأصل: 16 - محمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن محمد بن علي وعبيد الله بن المرزبان عن ابن سنان قال: دخلت على أبي الحسن موسى (عليه السلام) من قبل أن يقدم العراق بسنة وعلي ابنه جالس بين يديه، فنظر إلي فقال: يا محمد أما إنه سيكون في هذه السنة حركة، فلا تجزع لذلك، قال: قلت: وما يكون جعلت فداك ؟ فقد أقلقني ما ذكرت، فقال: أصير إلى الطاغية، أما إنه لا يبدأني منه سوء ومن الذي يكون بعده، قال: قلت: وما يكون جعلت فداك ؟ قال: يضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء، قال: قلت: وما ذاك جعلت فداك ؟ قال: من ظلم ابني هذا حقه وجحد إمامته من بعدي كان كمن ظلم علي بن أبي طالب حقه وجحده إمامته بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال: قلت: والله لئن مد الله لي في العمر لأسلمن له حقه ولأقرن له بإمامته، قال: صدقت يا محمد، يمد الله في عمرك وتسلم له حقه وتقر له بإمامته وإمامة من يكون من بعده، قال: قلت: ومن ذاك ؟ قال: محمد ابنه، قال: قلت له: الرضا والتسليم. * الشرح: قوله (أصير إلى الطاغية) اللام للعهد إشارة إلى المهدي العباسي والتاء للمبالغة في طغيانه

[ 204 ]

وتجاوزه عن الحد. قوله (لا يبدأني منه سوء) بدء كل شئ أوله وابتداؤه، يعني لا يصلني ابتداء منه سوء وهو القتل ولا من الذي بعده وهو موسى بن المهدي، وقد قتله بعده هارون الرشيد بالسم وهذا من دلائل إمامته إذ أخبر بما يكون وقد وقع كما أخبر. قوله (قال: قلت: وما يكون) سأل السائل عن مآل حاله مع الطواغيت فأشار (عليه السلام) إلى أنه القتل بقوله: " يضل الله الظالمين " أي يتركهم مع أنفسهم الطاغية حتى يقتلوا نفسا معصومة ولم يمنعهم جبرا وهذا معنى إضلالهم وإلى أنه ينصب مقامه إماما آخر بقوله: " ويفعل الله ما يشاء " ولما كان هذا الفعل مجملا بحسب الدلالة والخصوصية سأل السائل عنه بقوله: " وما ذاك " يعني وما ذاك الفعل ؟ فأجاب (عليه السلام): بأنه نصب ابني علي للإمامة والخلافة ومن ظلم ابني هذا حقه وجحده إمامته كان كمن ظلم علي بن أبي طالب حقه وجحده إمامته وذلك لأن من أنكر الإمام الآخر لم يؤمن بالإمام الأول ولأنهما صراط الحق فالتارك لأحدهما كان كالتارك للآخر في الخروج عنه قطعا.

[ 205 ]

باب الإشارة والنص على أبي جعفر الثاني (عليه السلام) * الأصل: 1 - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن محمد بن الوليد، عن يحيى بن حبيب الزيات قال: أخبرني من كان عند أبي الحسن الرضا (عليه السلام) جالسا، فلما نهضوا قال لهم: القوا أبا جعفر فسلموا عليه وأحدثوا به عهدا، فلما نهض القوم إلتفت إلي فقال: يرحم الله المفضل إنه كان ليقنع بدون هذا. * الشرح: قوله (إنه كان ليقنع بدون هذا) أي بدون الأمر بالتسليم وإحداث العهد بل كان يكفيه في إحداثه الإشارة أو كان يحدثه بدونها أيضا كما أن الناس يسلمون على ولد العزيز الشريف ويحدثون به عهدا وملاقاة بدون أمر أبيه بذلك، وهم لما لم يفعلوا ذلك إلا بعد الأمر تذكر (عليه السلام) حسن فعل المفضل وكمال اعتقاده فترحم عليه، وفيه لوم لهم لهذا الوجه وكمال مدح للمفضل ولكن لم نعلم أن المفضل من هو لاحتماله رجالا كثيرا، وتخصيصه بابن عمر تخصيص بلا مخصص والاشتهار لو سلم فإنما هو عندنا لا عند السلف. ويحتمل أن يكون سبب لومهم أنهم تركوا التسليم وإحداث العهد بعد الأمر وليس في هذا الحديث دلالة على أنهم فعلوا ذلك بعده، ويحتمل أيضا أن يكون اللوم متعلقا بالمخبر وهو من كان جالسا عند أبي الحسن (عليه السلام) فإن الظاهر أنه لم ينهض ولم يسلم عليه ولم يحدث به عهدا بعد الأمر، ثم إحداث العهد وتجديده بوقوع عهد سابق، وهو إما العهد الذي صدر منهم حين كونهم ذرا أو أعم منه ومن الذي وقع عند ظهوره (عليه السلام) في هذه النشأ وفيه دلالة واضحة على أنه ينبغي زيارة الصلحاء ومراقبتهم والابتداء بالتسليم عليهم. * الأصل: 2 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن معمر بن خلاد قال: سمعت الرضا (عليه السلام) وذكر شيئا فقال: ما حاجتكم إلى ذلك ؟ هذا أبو جعفر قد أجلسته مجلسي وصيرته مكاني وقال: إنا أهل بيت يتوارث أصاغرنا عن أكابرنا القذة بالقذة. * الشرح: قوله (القذة بالقذة) القذذ بضم القاف وفتح الذال ريش السهم واحدتها قذة بضم القاف، يقال: حذو القذة بالقذة إذا تساويا في المقدار حيث يقدر واحدة كل منهما على قدر صاحبتها وتقطع ثم

[ 206 ]

يضرب به مثلا لشيئين يستويان ولا يتفاوتان أصلا. * الأصل: 3 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أبيه محمد بن عيسى قال: دخلت على أبي جعفر الثاني (عليه السلام) فناظرني في أشياء، ثم قال: يا أبا علي، ارتفع الشك، ما لأبي غيري. * الشرح: قوله (عن أبيه محمد بن عيسى) اختلف علماء الرجال في ذم محمد بن عيسى بن عبيد بن يقطين ومدحه وتوثيقه، ونقل عن ابن طاووس أنه جزم في مواضع بضعفه، ومن أراد تفصيل ذلك فليرجع إلى كتب الرجال. قوله (ما لأبي غيري) أي ليس لأبي ولد غيري، والغرض منه هو الإشعار بأنه الإمام بعده. * الأصل: 4 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن جعفر بن يحيى، عن مالك بن أشيم، عن الحسين بن بشار، قال: كتب ابن قياما إلى أبي الحسن (عليه السلام) كتابا يقول فيه: كيف تكون إماما وليس لك ولد ؟ فأجابه أبو الحسن الرضا (عليه السلام) - شبه المغضب -: وما علمك أنه لا يكون لي ولد ! والله لا تمضي الأيام والليالي حتى يرزقني الله ولدا ذكرا يفرق به بين الحق والباطل. * الشرح: قوله (كتب ابن قياما) الحسين بن قياما من أصحاب الكاظم (عليه السلام) واقفي. * الأصل: 5 - بعض أصحابنا، عن محمد بن علي، عن معاوية بن حكيم، عن ابن أبي نصر قال: قال لي ابن النجاشي: من الإمام بعد صاحبك ؟ فأشتهي أن تسأله حتى أعلم ؟ فدخلت على الرضا (عليه السلام) فأخبرته، قال: فقال لي: الإمام ابني، ثم قال: هل يتجرى أحد أن يقول ابني وليس له ولد. * الشرح: قوله (فأشتهي أن تسأله) في بعض النسخ: أن أسأله، والضمير راجع إلى الصاحب وهو الرضا (عليه السلام). قوله (ثم قال هل يتجرى أحد) الظاهر أن ابنه كان موجودا حين الجواب ويحتمل أنه أخبر بذلك لعلمه بأنه سيولد. 6 - أحمد بن مهران، عن محمد بن علي، عن معمر بن خلاد قال: ذكرنا عند أبي الحسن (عليه السلام) شيئا بعدما ولد له أبو جعفر (عليه السلام) فقال: ما حاجتكم إلى ذلك ؟ هذا أبو جعفر قد أجلسته مجلسي

[ 207 ]

وصيرته في مكاني. 7 - أحمد، عن محمد بن علي، عن ابن قياما الواسطي قال: دخلت على علي بن موسى (عليهما السلام) فقلت له: أيكون إمامان ؟ قال: لا، إلا وأحدهما صامت، فقلت له: هو ذا أنت، ليس لك صامت - ولم يكن ولد له أبو جعفر (عليه السلام) بعد - فقال لي: والله ليجعلن الله مني ما يثبت به الحق وأهله ويمحق به الباطل وأهله، فولد له بعد سنة أبو جعفر (عليه السلام) وكان ابن قياما واقفيا. * الأصل: 8 - أحمد، عن محمد بن علي، عن الحسن بن الجهم قال: كنت مع أبي الحسن (عليه السلام) جالسا، فدعا بابنه وهو صغير فأجلسه في حجري، فقال لي: جرده وانزع قميصه، فنزعته، فقال لي: انظر بين كتفيه، فنظرت فإذا في أحد كتفيه شبيه بالخاتم داخل في اللحم، ثم قال: أترى هذا ؟ كان مثله في هذا الموضع من أبي (عليه السلام). * الشرح: قوله (فإذا في أحد كتفيه شبيه بالخاتم) هذا من علامات الإمامة، ولعل المراد بأحد كتفيه كتفه اليسرى كما صرحوا به في خاتم النبوة حيث قالوا: إنه عند ناغض كتفه اليسرى، والناغض من الإنسان قيل: هو أصل العنق حيث ينغض رأسه، ونغض الكتف هو العظم الرقيق على طرفيها، وقيل: هو فرع الكتف سمي ناغضا للحركة، وقيل: هو مارق من الكتف سمي ذلك لنغوضه، وحركته نغض رأسه ومنه قوله تعالى: * (فسينغضون إليك رؤوسهم) * أي يحركونها استهزاء. قوله (داخل في اللحم) فيه دفع لتوهم أنه نابت كاللحم الذي قبضت عليه المحجمة. قوله (أترى هذا) الاستفهام للتقرير. * الأصل: 9 - عنه، عن محمد بن علي، عن أبي يحيى الصنعاني قال: كنت عند أبي الحسن الرضا (عليه السلام) فجئ بابنه أبي جعفر (عليه السلام) وهو صغير، فقال: هذا المولود الذي لم يولد مولود أعظم بركة على شيعتنا منه. * الشرح: قوله (لم يولد مولود أعظم بركة على شيعتنا منه) لأن الشيعة كانوا في زمانه (عليه السلام) على رفاهية، ويحتمل أن يكون الحصر إضافيا بالنسبة إلى غير الأئمة (عليهم السلام). * الأصل: 10 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن صفوان بن يحيى قال: قلت للرضا (عليه السلام): قد كنا

[ 208 ]

نسألك قبل أن يهب الله لك أبا جعفر (عليه السلام) فكنت تقول: يهب الله لي غلاما، فقد وهبه الله لك. فأقر عيوننا، فلا أرانا الله يومك فإن كان كون فإلى من ؟ فأشار بيده إلى أبي جعفر (عليه السلام) وهو قائم بين يديه، فقلت: جعلت فداك هذا ابن ثلاث سنين ؟ ! فقال: وما يضره من ذلك، فقد قام عيسى (عليه السلام) بالحجة وهو ابن ثلاث سنين (1). * الشرح: قوله (فأقر عيوننا) يقال: قرت عينه إذا سر وفرح وأقر الله عينه أي جعله مسرورا فرحا وحقيقته أبرد الله دمعة عينه لأن دمعة الفرح والسرور باردة، وقيل: معنى أقر الله عينه بلغه أمنيته حتى ترضى نفسه وتسكن عينه فلا تستشرف إلى غيره. قوله (فلا أرانا الله يومك فإن كان كون) أراد بيومك يوم الموت وبالكون حدوث واقعة وهي الموت. قوله (وما يضره من ذلك) لأن بلوغ الجثة غير معتبر في الإمامة وإنما المعتبر فيها بلوغ العقل وعقول الأئمة (عليهم السلام) كانت بالغة كاملة منزهة عن العيب والنقص حين الفطرة. 11 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن محمد بن جمهور، عن معمر بن خلاد قال: سمعت إسماعيل بن إبراهيم يقول للرضا (عليه السلام): إن ابني في لسانه ثقل، فأنا أبعث به إليك غدا تمسح على رأسه وتدعو له فإنه مولاك، فقال: هو مولى أبي جعفر فابعث به غدا إليه. * الأصل: 12 - الحسين بن محمد، عن محمد بن أحمد النهدي، عن محمد بن خلاد الصيقل (2). عن محمد بن الحسن بن عمار قال: كنت عند علي بن جعفر بن محمد جالسا بالمدينة وكنت أقمت عنده سنتين أكتب عنه ما يسمع من أخيه - يعني أبا الحسن (عليه السلام) - إذ دخل عليه أبو جعفر محمد ابن علي الرضا (عليه السلام) المسجد - مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) - فوثب علي بن جعفر بلا حذاء ولا رداء فقبل يده وعظمه، فقال له أبو جعفر (عليه السلام): يا عم اجلس رحمك الله فقال: يا سيدي كيف أجلس وأنت قائم، فلما رجع علي بن جعفر إلى مجلسه جعل أصحابه يوبخونه ويقولون: أنت عم أبيه وأنت تفعل به هذا الفعل ؟ فقال: اسكتوا إذا كان الله عزوجل - وقبض على لحيته - لم يؤهل هذه الشيبة وأهل هذا الفتى ووضعه حيث وضعه، أنكر فضله ؟ !، نعوذ بالله مما تقولون، بل أنا له عبد.


(1) كذا وفي إرشاد المفيد وإعلام الورى " ابن أقل من ثلاث سنين ". (2) كذا في النسخ ولم أجد له في كتب الرجال عنوانا إلا أن الأردبيلي (رحمه الله) ذكره في ترجمة محمد بن الحسن ابن عمار قال: روى عنه محمد بن خلاد الصيقل وأشار إلى هذا الحديث. (*)

[ 209 ]

* الشرح: قوله (فوثب علي بن جعفر بلا حذاء ولا رداء) دل على استحباب تعظيم الفضلاء والعلماء وأهل الورع وعدم جواز ترجيح المفضول على الفاضل، كل ذلك لاشتراك العلة ظاهرا. قوله (وقبض على لحيته لم يؤهل) مدخول الواو حال عن فاعل قال، ولم يؤهل مفعوله، يقال: أهله للخير تأهيلا، أي جعله أهلا له وحذف مفعول التأهيل في الموضعين للدلالة على العموم وتفوقه (عليه السلام) من جميع وجوه الخير والكمال، والمعترضون وأرباب التوبيخ نظروا إليه (عليه السلام) بالعين الظاهرة وهو رحمه الله نظر إليه بالبصيرة الباطنة ومن شأنها إدراك الحقيقة الإنسانية والكمالات النفسانية والفضائل الروحانية، وأما العين الظاهرة فكليلة عن إدراكها ولذا قيل: إنما يعرف ذا الفضل ذووه. قوله (بل أنا له عبد) أي عبد الطاعة والإنقياد لأعماله وأقواله وهذه كلمة وجيزة مفيدة للمتابعة من جميع الوجوه. * الأصل: 13 - الحسين بن محمد، عن الخيراني، عن أبيه قال: كنت واقفا بين يدي أبي الحسن (عليه السلام) بخراسان فقال له قائل: يا سيدي إن كان كون فإلى من ؟ قال: إلى أبي جعفر ابني، فكأن القائل استصغر سن أبي جعفر (عليه السلام)، فقال أبو الحسن (عليه السلام): إن الله تبارك وتعالى بعث عيسى بن مريم رسولا نبيا، صاحب شريعة مبتدأة في أصغر من السن الذي فيه أبو جعفر (عليه السلام). * الشرح: قوله (الحسين بن محمد عن الخيراني) لم يحضرني الآن اسمه وكأني لم أجده ويحتمل أن يكون من أولاد خيران مولى الرضا (عليه السلام)، وفي بعض النسخ: الجواني، وهو محمد بن الحسن بن محمد بن عبيدالله الأعرج بن الحسين بن علي بن الحسين (عليهما السلام) نسبة إلى جوانية قرية بالمدينة، أو علي بن إبراهيم بن محمد بن الحسن بن محمد أو ابنه محمد بن علي بن إبراهيم. قوله (صاحب شريعة مبتدأة في أصغر من السن الذي فيه أبو جعفر) لأنه بعث نبيا وهو في المهد كما دل عليه قوله تعالى: * (قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا) * وقوله تعالى: * (فناداها من تحتها ألا تحزني) * إلى آخر الآيات، فإذا جاز أن يكون هو نبيا صاحب شريعة مبتدأة غير تابع لشريعة نبي آخر في السن الذي أصغر من سن أبي جعفر فكيف لا يجوز أن يكون أبو جعفر إماما تابعا لشريعة آخر في السن الذي أكبر من سنه وهذا من باب القياس بطريق الأولوية فهو

[ 210 ]

حجة لمن ذهب إلى حجيته، اللهم إلا أن يقال: إن السائل كان قائلا بالقياس فألزمه (عليه السلام) بما هو مذهبه، وهو بعيد لأن الظاهر أنه من أصحابه (عليه السلام) لم يعمل بالقياس، أو يقال: المقصود رفع استبعاد السائل وهو يحصل بما ذكر، لا إثبات الإمام بالقياس فليتأمل. * الأصل: 14 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، وعلي بن محمد القاساني جميعا، عن زكريا بن يحيى بن النعمان الصيرفي قال: سمعت علي بن جعفر، يحدث الحسن بن الحسين بن علي بن الحسين فقال: والله لقد نصر الله أبا الحسن الرضا (عليه السلام)، فقال له الحسن: إي والله - جعلت فداك - لقد بغى عليه إخوته، فقال علي بن جعفر: إي والله ونحن عمومته بغينا عليه، فقال له الحسن: جعلت فداك كيف صنعتم فإني لم أحضركم ؟ قال: قال له إخوته: ونحن أيضا، ما كان فينا إمام قط حائل اللون، فقال لهم الرضا (عليه السلام): هو ابني، قالوا: فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد قضى بالقافة فبيننا وبينك القافة، قال: ابعثوا أنتم إليهم فأما أنا فلا ولا تعلموهم لما دعوتموهم ولتكونوا في بيوتكم، فلما جاؤوا أقعدونا في البستان واصطف عمومته وإخوته وأخواته وأخذوا الرضا (عليه السلام) وألبسوه جبة صوف وقلنسوة منها ووضعوا على عنقه مسحاة وقالوا له: ادخل البستان كأنك تعمل فيه، ثم جاؤوا بأبي جعفر (عليه السلام) فقالوا: ألحقوا هذا الغلام بأبيه، فقالوا: ليس له ههنا أب ولكن هذا عم أبيه وهذا عم أبيه وهذا عمه وهذه عمته وإن يكن له ههنا أب فهو صاحب البستان، فإن قدميه وقدميه واحدة، فلما رجع أبو الحسن (عليه السلام) قالوا: هذا أبوه، قال علي ابن جعفر: فقمت فمصصت ريق أبي جعفر (عليه السلام) ثم قلت له: أشهد أنك إمامي عند الله، فبكى الرضا (عليه السلام)، ثم قال: يا عم ألم تسمع أبي وهو يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): بأبي ابن خيرة الإماء ابن النوبية الطيبة الفم، المنجبة الرحم (1) ويلهم لعن الله الاغيبس وذريته (2)، صاحب الفتنة ويقتلهم سنين وشهورا وأياما، يسومهم خسفا ويسقيهم كأسا مصبرة وهو الطريد الشريد الموتور بأبيه وجده، صاحب الغيبة، يقال: مات أو هلك، أي واد سلك ؟ ! أفيكون هذا يا عم إلا مني ؟ فقلت: صدقت جعلت فداك. * الشرح: قوله (عن يحيى بن زكريا بن النعمان الصيرفي) في بعض النسخ: المصري، والرجل مجهول الحال.


(1) وفي أكثر النسخ: المنتحبة الرحم. (2) كذا في النسخ التي رأيناها وفي المرآة أيضا بالعين المهملة. (*)

[ 211 ]

قوله (أي والله جعلت فداك لقد بغى عليه اخوته) إي بكسر الهمزة من حروف التصديق ولا يستعمل إلا مع القسم. والبغي الظلم والتعدي. قوله (قال له إخوته) الضميران راجعان إلى الرضا (عليه السلام). قوله (حائل اللون) كل حائل متغير سمي به لأنه يحول من حال إلى حال والمقصود أن لونه ليس مثل لونك ولون آبائك الطاهرين، لأن لونه (عليه السلام) كان أسمر، وكان غرضهم من ذلك سلب نسبه (عليه السلام) لسلب إمامته طمعا فيها نعوذ بالله من ذلك. قوله (قالوا فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد قضى بالقافة فبيننا وبينك القافة) روى مسلم بإسناده عن عائشة أنها قالت: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) دخل علي مسرورا تبرق أسارير وجهه فقال: " ألم تر أن مجززا نظر آنفا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد فقال: إن بعض هذه الأقدام لمن بعض " (1) وعنها أيضا قالت: دخل علي رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات يوم مسرورا فقال: " يا عائشة ألم تر أن مجززا المدلجي دخل علي فرأى أسامة وزيدا وعليهما قطيفة قد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض " وعنها أيضا قالت: " دخل قائف ورسول الله (صلى الله عليه وآله) شاهد وأسامة بن زيد وزيد بن حارثة مضطجعان فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض فسر بذلك النبي (صلى الله عليه وآله) وأعجبه " قال عياض: المجزز بفتح الجيم وكسر الزاي الأول سمي بذلك لأنه إذا أخذ أسيرا جز ناصيته، وقيل: حلق لحيته وكان من بني مدلج وكانت القافة فيهم وفي بني أسد وهي جمع القائف الذي يعرف الآثار، وقال الآبي: اختلف أقوال السلف في القافة هل هي مختصة ببني مدلج أم لا، لأن المدعى فيها إنما هو درك الشبه وذلك غير خاص بهم، أو يقال: إن في ذلك قوة ليست لغيرهم، وكان يقال: علوم العرب ثلاثة: الشيافة والعيافة والقيافة، فالشيافة شم تراب الأرض ليعلم بها الاستقامة على الطريق والخروج منها، والعيافة زجر الطير والطيرة والتفأل ونحوه. والقيافة اعتبار الشبه بإلحاق الولد، وقال محيي الدين: قيل: إن أسامة كان شديد السواد وكان أبوه زيد أبيض من القطن فكانت الجاهلية تطعن في نسبه لذلك فلما قال القائف ذلك وكانت العرب تصغي لقول القائف سر رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأنه كاف لهم عن الطعن. قوله (قال ابعثوا أنتم إليه فأما أنا فلا) إنما قال ذلك لعدم اعتقاده بقول القافة لابتناء قولهم على الظن والاستنباط بالعلامات والمشابهات التي يتطرق إليها الغلط، ولكن الخصوم لما اعتقدوا به ألزمهم بما اعتقدوه، وقد أنكر التمسك بقول القافة أبو حنيفة وأثبته الشافعي، والمشهور عن مالك


(1) صحيح مسلم: ج 4 ص 172. (*)

[ 212 ]

إثباته في الإماء دون الحرائر، ونقل عنه إثباته في الحرائر أيضا، واحتج المثبت بما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) من حديث زيد وأسامة ابنه وبسروره وعدم إنكاره، واعترض عليه ابن الباقلاني بأنه إنما لم ينكره لأنه وافق الحق الذي كان معلوما له (صلى الله عليه وآله) وإنما استسر لأن المنافقين كانوا يطعنون في نسب اسامة لسواده وبياض زيد وكان (صلى الله عليه وآله) يتأذى من قولهم فلما قال القائف ذلك وهم كانوا يعتقدون حكمه استسر لإلزامهم أنه ابنه وتبين كذبهم على ما يعتقدون من صحة العمل بالقافة. قوله (ولا تعلموهم لما دعوتموهم) أمرهم بذلك لأنه أدخل لقبولهم قول القائف وأبعد عن تطرق التهمة ودخول الشبهة عليهم. قوله (ولتكونوا في بيوتكم) أمرهم بذلك ليحصل له الشهود، بقول القائف لسماع جميعهم قوله. قوله (فلما جاؤوا أقعدونا في البستان) الظاهر أن هذا من كلام الرضا (عليه السلام) وأن أقعدونا على صيغة أمر وأن الخطاب للعمومة والإخوة وانما أمرهم به ليظهر للقافة أنه (عليه السلام) من عبيدهم وخدمهم ليبعد احتمال إلحاق الولد به ويكمل الحجة عليهم بعده. قوله (ووضعوا على عنقه مسحاة) قال صاحب المقدمة: المسحاة پارو وبيل آهنين وسوهان خوشه ساى. قوله (قالوا ألحقوا) ضمير قالوا راجع إلى الإخوة والأخوات والعمومة ". قوله (فبكى الرضا (عليه السلام)) بكاؤه لأجل التضرع إلى الله تعالى والتذلل له اداء لشكر نعمته بإظهار الحق عليهم. قوله (ابن خيرة الإماء) المراد به صاحب الزمان (عليه السلام) لا محمد بن علي الجواد لأن ضمير هو في قوله " وهو الطريد " راجع إلى الابن وهو بيان لحال الصاحب قطعا. قوله (ابن النوبية) النوبة بالضم بلاد واسعة للسودان بجنب الصعيد ومنها بلاد الحبشة، والنوبة أيضا جبل من السودان والنسبة إليها نوبي ونوبية. قوله (الطيبة الفم) إما لخلوصه من كلمة اللغو والشرك أو لنظافته وزوال خبثه، بالسواك أو لطيب رائحته. قوله (المنجبة الرحم) يقال: امرأة منجبة إذا كانت تلد النجباء. قوله (ويلهم) بالنصب على إضمار الفعل وهي كلمة عذاب، وواد في جهنم شديدة الحرارة والضمير للمفسدين من الخلفاء العباسية.

[ 213 ]

قوله (لعن الله الاغيبس وذريته) (1) الغبس بفتح الغين المعجمة والغبسة بضمها لون كلون الرماد والأغبس الذي له هذا اللون، والذئب الأغبس الذي يقال له بالفارسية گرك سياه والمراد به هنا خليفة من خلفاء بني عباس وفي بعض النسخ الأغيبس وهو تصغير الأغبس بدون الترخيم وهو حذف الزائد والأكثر في تصغيره غبيس بالترخيم كزهير وأزهر. قوله (يقتلهم) ضمير المنصوب راجع إلى الأغبس وذريته وضمير المرفوع المستكن راجع إلى الله تعالى لكونه معلوما أو إلى ابن خيرة الاماء لأن الصاحب (عليه السلام) يقتلهم بعد الرجعة جزاء بما كانوا يعملون، ويحتمل أن يكون الضمير المرفوع راجعا إلى الأغبس وذريته بتأويل المذكور (؟) وضمير المنصوب (؟) إلى الأئمة (عليهم السلام) والجملة استئناف لبيان سبب اللعن المذكور. قوله (يسومهم خسفا) الخسف بفتح الخاء وضمها: الذل والنقيصة والمشقة والذهاب في الأرض ويراد به الهلاك، يقال: سامه خسفا أي أولاه هذه الأمور وألزمه عليها قهرا. قوله (ويسقيهم كأسا مصبرة) الكأس مؤنثة، قال الله تعالى: * (بكأس من معين بيضاء) * قال ابن الاعرابي: لا تسمى الكأس كأسا إلا وفيها شراب، والمصبرة على وزن مكحلة اسم آلة للصبر وهو بكسر الباء الدواء المر المعروف، وأما المصبرة بشد الباء على صيغة المفعول من باب التفعيل بمعنى التي جعل فيها صبر فهو احتمال بعيد. قوله (وهو الطريد الشريد الموتور بأبيه وجده) الضمير راجع إلى ابن خيرة الاماء والمراد صاحب الزمان (عليه السلام) والطريد فعيل بمعنى مفعول من الطرد بالتسكين والتحريك وهو الإبعاد والإخراج والدفع يقال: طرده السلطان إذا أخرجه عن بلده وأبعده ودفعه عن محله فهو مطرود وطريد. والشريد فعيل بمعنى فاعل من شرد فلان إذا نفر عن الخلق وذهب في الأرض وسار في البلاد خوفا وفزعا فهو شارد وشريد، وقال الجوهري: الشريد الطريد وهو حينئذ فعيل بمعنى مفعول والتكرير للتأكيد والموتور من قتل حميمه وأفرد، يقال: وترته إذا قتلت حميمه وأفردته فهو وتر وموتور. وكذلك كان حال الصاحب (عليه السلام) لأنه قتل جده وأبوه (عليه السلام) وقد بقي هو صغيرا طريدا شريدا موتورا سائرا في الأرض خائفا فزعا من الأعداء. قوله (يقال مات أو هلك أي واد سلك) يقال ذلك لمن طالت غيبته حتى لا يدرى أين هو.


(1) كذا في النسخ التي رأيناها وفي المرآة أيضا بالعين المهملة. (*)

[ 214 ]

باب الإشارة والنص على أبي الحسن الثالث (عليه السلام) * الأصل: 1 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن إسماعيل بن مهران قال: لما خرج أبو جعفر (عليه السلام) من المدينة إلى بغداد في الدفعة الأولى من خرجتيه، قلت له عند خروجه: جعلت فداك إني أخاف عليك في هذا الوجه، فإلى من الأمر بعدك ؟ فكر بوجهه إلي ضاحكا وقال: ليس الغيبة حيث ظننت في هذه السنة، فلما اخرج به الثانية إلى المعتصم صرت إليه فقلت له: جعلت فداك أنت خارج فإلى من هذا الأمر من بعدك ؟ فبكى حتى اخضلت لحيته، ثم التفت إلي فقال: عند هذه يخاف علي، الأمر من بعدي إلى ابني علي. * الشرح: قوله (إسماعيل بن مهران) وثقه الشيخ والنجاشي، ورميه بالغلو غير ثابت، لقي الرضا (عليه السلام) وروى عنه. قوله (من خرجتيه) الخروج معروف والخرجة بالفتح للعدد وتثنيته لإفادة أن خروجه كان مرتين. قوله (فكر بوجهه إلي ضاحكا) الكر الرجوع، يقال: كره وكر به يتعدى ولا يتعدى. قوله (حتى اخضلت لحيته) اخضل الشئ إخضلالا أي ابتل، وفي بعض النسخ: حتى اخضلت لحيته يعني بلت. وفي الأول من المبالغة ما ليس في الثاني. قوله (عند هذه يخاف علي) " يخاف " إما بتاء الخطاب أو بالياء المضمومة وهذا من الإخبار بالغيب إذ قتله المعتصم في هذه المرة بالسم في بغداد آخر ذي القعدة، وقيل: يوم الثلاثاء في حادي عشر ذي القعدة سنة عشرين ومائتين ودفن (عليه السلام) في ظهر جده الكاظم (عليه السلام) في مقابر قريش. * الأصل: 2 - الحسين بن محمد، عن الخيراني، عن أبيه أنه قال: كان يلزم باب أبي جعفر (عليه السلام) للخدمة التي كان وكل بها وكان أحمد بن محمد بن عيسى يجئ في السحر في كل ليلة ليعرف خبر علة أبي جعفر (عليه السلام) وكان الرسول الذي يختلف بين أبي جعفر (عليه السلام) وبين أبي إذا حضر قام أحمد وخلا

[ 215 ]

به أبي، فخرجت ذات (1) ليلة وقام أحمد عن المجلس وخلا أبي بالرسول واستدار أحمد فوقف حيث يسمع الكلام، فقال الرسول لأبي: إن مولاك يقرأ عليك السلام ويقول لك: إني ماض والأمر صائر إلى ابني علي وله عليكم بعدي ما كان لي عليكم بعد أبي، ثم مضى الرسول ورجع أحمد إلى موضعه وقال لأبي: ما الذي قد قال لك ؟ قال: خيرا، قال: قد سمعت ما قال فلم تكتمه ؟ وأعاد ما سمع فقال له أبي: قد حرم الله عليك ما فعلت لأن الله تعالى يقول: * (ولا تجسسوا) * فاحفظ الشهادة لعلنا نحتاج إليها يوما ما، وإياك أن تظهرها إلى وقتها. فلما أصبح أبي كتب نسخة الرسالة في عشر رقاع وختمها ودفعها إلى عشرة من وجوه العصابة وقال: إن حدث بي حدث الموت قبل أن اطالبكم بها فافتحوها واعملوا بما فيها، فلما مضى أبو جعفر (عليه السلام) ذكر أبي أنه لم يخرج من منزله حتى قطع على يديه نحو من أربعمائة إنسان واجتمع رؤساء العصابة عند محمد بن الفرج يتفاوضون هذا الأمر فكتب محمد بن الفرج إلى أبي يعلمه باجتماعهم عنده وأنه لولا مخافة الشهرة لصار معهم إليه ويسأله أن يأتيه، فركب أبي وصار إليه، فوجد القوم مجتمعين عنده، فقالوا لأبي: ما تقول في هذا الأمر ؟ فقال أبي لمن عنده الرقاع: أحضروا الرقاع فأحضروها، فقال لهم: هذا ما أمرت به، فقال بعضهم: قد كنا نحب أن يكون معك في هذا الأمر شاهد آخر ؟ فقال لهم: قد أتاكم الله عز وجل به هذا أبو جعفر الأشعري يشهد لي بسماع هذه الرسالة، وسأله أن يشهد بما عنده، فأنكر أحمد أن يكون سمع من هذا شيئا فدعاه أبي إلى المباهلة، فقال: لما حقق عليه قال: قد سمعت ذلك وهذا مكرمة كنت أحب أن تكون لرجل من العرب لا لرجل من العجم، فلم يبرح القوم حتى قالوا بالحق جميعا. " وفي نسخة الصفواني: * الشرح: قوله (انه قال كان يلزم باب أبي جعفر (عليه السلام)) أي أن الخيراني قال: كان أبي يلزم الباب وضمير " إنه " و " قال " راجع إلى الخيراني وضمير " كان " راجع إلى أبيه ويبعد أن يرجع الجميع إلى الأب كما لا يخفى. قوله (للخدمة التي وكل بها) في بعض النسخ " كان وكل بها ". قوله (وكان أحمد بن محمد بن عيسى) أبو جعفر الأشعري شيخ القميين ووجههم وفقيههم وقد لقي الرضا والجواد والهادي (عليهم السلام) ثقة له كتب.


(1) كذا في النسخ التي رأيناها. (*)

[ 216 ]

قوله (قام أحمد وخلا به أبي) أي قام أحمد عن المجلس وخلا بالرسول أبي، وفيه دلالة على علو منزلة أبيه عنده (عليه السلام). قوله (فخرج ذات ليلة) (1) أي فخرج الرسول ذات ليلة والذات هنا ظرف زمان والمراد به إما جزء من أجزاء الليلة أو نفسها. قوله (يقرأ عليك السلام) يجوز فتح الياء وضمها والأول أولى إذا عدي بعلى والثاني أولى إذا عدي بنفسه. قوله (إياك أن تظهرها إلى وقتها) حذره ونهاه أن يظهرها من زمان سماعها إلى زمان الاحتياج إلى إظهارها. قوله (حتى قطع على يديه نحو من أربعمائة إنسان) يعني أخذ البيعة منهم للإمام أبي جعفر (عليه السلام) على سبيل القطع والجزم. قوله (عند محمد بن فرج) محمد بن فرج الرخجي من رجال أبي الحسن الرضا والجواد والهادي (عليهم السلام) ثقة معتمد. قوله (يتفاوضون هذا الأمر) التفاوض سخن پيوستن با هم وكذا المفاوضة وهي مفاعلة من التفويض كأن كل واحد منهما يفوض ما عنده إلى الاخر. قوله (هذا ما أمرت به) على صيغة المتكلم المعلوم أو المجهول. قوله (لا لرجل من العجم) الخيراني وأبوه كانا من الأعاجم. قوله (وفي نسخة الصفواني أبي محمد (2) بن جعفر الكوفي) قيل: أبو محمد يحتمل أن يكون كنيته ويحتمل أن يكون " أبي " مضافا إلى ياء المتكلم يعني أبي عن محمد بن جعفر. * الأصل: 3 - محمد بن جعفر الكوفي، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن محمد بن الحسين الواسطي أنه سمع أحمد بن أبي خالد مولى أبي جعفر يحكي أنه أشهده على هذه الوصية المنسوخة: شهد أحمد بن أبي خالد مولى أبي جعفر أن أبا جعفر محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: أشهده أنه أوصى إلى علي ابنه بنفسه وإخوانه وجعل أمر موسى إذا بلغ إليه وجعل عبد الله بن المساور قائما على تركته من الضياع والأموال والنفقات والرقيق وغير ذلك إلى أن يبلغ علي بن محمد، صير عبد الله بن المساور ذلك اليوم إليه.


(1) كذا في النسخ التي رأيناها. (2) كذا في جميع النسخ التي رأيناها، وفي المرآة " محمد بن جعفر ". (*)

[ 217 ]

يقوم بأمر نفسه وإخوانه ويصير أمر موسى إليه، يقوم لنفسه بعدهما على شرط أبيهما في صدقاته التي تصدق بها وذلك يوم الأحد لثلاث ليال خلون من ذي الحجة سنة عشرين ومائتين وكتب أحمد بن أبي خالد شهادته بخطه وشهد الحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام): وهو الجواني على مثل شهادة أحمد بن أبي خالد في صدر هذا الكتاب وكتب شهادته بيده وشهد نصر الخادم وكتب شهادته بيده ". * الشرح: قوله (مولى أبي جعفر) محمد بن علي الجواد (عليهم السلام). قوله (إنه أشهده على هذه الوصية المنسوخة) ضمير المنصوب في أنه والمرفوع المستكن في " أشهده " راجع إلى أبي جعفر (عليه السلام)، وضمير البارز (؟) راجع إلى أحمد بن أبي خالد والمراد بالوصية المنسوخة هي الوصية على النحو الذي يذكره أحمد بن أبي خالد. قوله (أوصى إلى علي ابنه) حاصله أنه أوصى إلى ابنه بأمور نفسه وإخوانه وتربيتهم وجعل أمر موسى ابنه إلى موسى عند بلوغه وجعل عبد الله بن المساور قائما على التركة، إلى أن يبلغ علي ابنه فإذا بلغ صير ابن المساور القيام على التركة إليه فيقوم على التركة وأمر نفسه وإخوانه إلا أمر موسى فإنه يقوم بأمره لنفسه بعد علي وابن المساور على ما شرط (عليه السلام) في صدقاته وموقوفاته وفيه نص على ان ابنه علي (عليه السلام) أفضل من إخوته فهو الإمام بعده. قوله (من الضياع) الضياع بالفتح العيال، قال صاحب النهاية الضياع العيال وأصله مصدر ضاع يضيع ضياعا فسمى العيال بالمصدر كما تقول من مات وترك فقرا أي فقراء وأن كسرت الضاد كان جمع ضائع كجائع وجياع، ويفهم من المغرب أن تسمية العيال بالضياع لأجل أنهم في معرض أن يضيعوا كالذرية الصغار وبالكسر جمع الضيعة وهي العقار وهذا هو الأظهر والأنسب في هذا المقام. قوله (صير عبد الله بن المساور ذلك إليه) " عبد الله " فاعل " صير " و " ذلك " مفعوله وهو إشارة إلى القيام على التركة وضمير إليه راجع إلى علي بن محمد والمعنى واضح، وفي بعض النسخ: " ذلك اليوم " وهو غير واضح إلا بتكلف بعيد فليتأمل. قوله (يقوم بأمر نفسه وإخوانه) فوض إليه أموره وأمور إخوانه إلا موسى حتى التصرفات في الضياع والأموال والنفقات والرقيق وغير ذلك وأما موسى فقد فوض أمره إليه بعد علي (عليه السلام) وبعد عبد الله بن المساور وأزال عنه منعهما حينئذ. قوله (على شرط أبيهما في صدقاته) " على " متعلق بيقوم في الموضعين وفي متعلق بالشرط

[ 218 ]

وضمير التثنية راجع إلى على وموسى بمعنى أنهما يقومان على ما شرط أبوهما في صدقاته. قوله (وشهد الحسن بن محمد بن عبد الله) هكذا في النسخ التي رأيناها قال في بعض النسخ " عبيد الله " بالتصغير وهو الموافق للرجال والنسب. قوله (وهو الجواني) الضمير راجع إلى الحسن بن محمد ونقل بعض أئمة الرجال عن صاحب عمدة الطالب أن الجواني نسبة محمد بن عبيد الله الأعرج بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) ولعل محمد هذا أباه والأمر فيه سهل.

[ 219 ]

باب الإشارة والنص على أبي محمد (عليه السلام) * الأصل: 1 - علي بن محمد، عن محمد بن أحمد النهدي، عن يحيى بن يسار القنبري قال: أوصى أبو الحسن (عليه السلام) إلى ابنه الحسن قبل مضيه بأربعة أشهر وأشهدني على ذلك وجماعة من الموالي. * الشرح: قوله (عن يحيى بن يسار العنبري) بالعين المهملة والنون، وفي بعض النسخ " القنبري " بالقاف والنون قيل أورده ابن طاووس في ربيع الشيعة أيضا. * الأصل: 2 - علي بن محمد، عن جعفر بن محمد الكوفي، عن بشار بن أحمد البصري، عن علي بن عمر النوفلي قال: كنت مع أبي الحسن (عليه السلام) في صحن داره، فمر بنا محمد ابنه فقلت له: جعلت فداك هذا صاحبنا بعدك ؟ فقال: لا، صاحبكم بعدي الحسن. 3 - عنه، عن بشار بن أحمد، عن عبد الله بن محمد الاصفهاني قال: قال أبو الحسن (عليه السلام): صاحبكم بعدي الذي يصلي علي، قال: ولم نعرف أبا محمد (عليه السلام) قبل ذلك، قال: فخرج أبو محمد (عليه السلام) فصلى عليه. 4 - وعنه، عن موسى بن جعفر بن وهب، عن علي بن جعفر قال: كنت حاضرا أبا الحسن (عليه السلام) لما توفي ابنه محمد فقال الحسن (عليه السلام): يا بني أحدث لله شكرا فقد أحدث فيك أمرا. * الشرح: قوله (عن علي بن جعفر) كان ثقه ووكيلا لابي الحسن الثالث علي بن محمد ومن أصحابه وأصحاب أبي محمد الحسن بن علي العسكري. قوله (فقال للحسن بني) في بعض النسخ " يا بني ". قوله (فقد أحدث فيك أمرا) حيث أمات محمدا وقد ظن الشيعة أنه امام بعد أبيه فاظهر الامامة فيك وخصها بك ورفع الاختلاف بينهم وهذه نعمة عظيمة توجب الشكر. * الأصل: 5 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن عبد الله بن مروان الأنباري قال: كنت حاضرا عند [ مضي ] أبي جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) فجاء أبو الحسن (عليه السلام) فوضع له كرسي

[ 220 ]

فجلس عليه وحوله أهل بيته وأبو محمد (عليه السلام) قائم في ناحية، فلما فرغ من أمر أبي جعفر التفت إلى أبي محمد (عليه السلام) فقال: يا بني أحدث لله تبارك وتعالى شكرا فقد أحدث فيك أمرا. * الشرح: قوله (قال كنت حاضرا عند أبي جعفر محمد بن علي) أي بعد موته ولابد من هذا القيد ولم يذكره لدلالة المقام عليه، قيل في كشف الغمة وربيع الشيعة " عند مضي أبي جعفر " وهو أخو أبي محمد الحسن العسكري (عليه السلام). قوله (فلما فرغ) من أمر أبي جعفر أي من تجهيزه وتكفينه. * الأصل: 6 - علي بن محمد، عن محمد بن أحمد القلانسي، عن علي بن الحسين بن عمرو، عن علي بن مهزيار قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام) إن كان كون - وأعوذ بالله - فإلى من ؟ قال: عهدي إلى الأكبر من ولدي. * الشرح: قوله (قال عهدي إلى الأكبر من ولدي) وهو أبو محمد الحسن العسكري ولعل هذا القول كان بعد موت أخيه لأن محمد كان أكبر منه، ويحتمل أن يكون قبله لعلمه (عليه السلام) بأن محمدا، سيموت ويكون أبو محمد أكبر ممن بقي. * الأصل: 7 - علي بن محمد، عن أبي محمد الاسبارقيني، عن علي بن عمرو العطار قال: دخلت على أبي الحسن العسكري (عليه السلام) وأبو جعفر ابنه في الأحياء وأنا أظن أنه هو، فقلت له: جعلت فداك من أخص من ولدك ؟ فقال: لا تخصوا أحدا حتى يخرج إليكم أمري، قال: فكتبت إليه بعد: فيمن يكون هذا الأمر ؟ قال: فكتب إلي في الكبير من ولدي، قال: وكان أبو محمد أكبر من جعفر. * الشرح: قوله (عن أبي محمد الاسبا رقيني) لم أجده في كتاب الرجال ويفهم من الصحاح أن بني القين قبيلة من بني أسد والنسبة إليها قيني، قيل في ربيع الشيعة وإعلام الورى: عن أبي محمد الاسترآبادي. قوله (في الاحياء) أي في زمرة الأحياء. قوله (أنه هو) أي أنه ولي الأمر بعد أبيه. قوله (من أخص) على صيغة المتكلم أي من أخصه من ولدك بهذا الأمر بعدك.

[ 221 ]

قوله (بعد) أي بعد موت ابنه أبي جعفر محمد بن علي أو بعد الزمان الذي سألته فيه عن ولي هذا الأمر شفاها قوله (من جعفر) أراد به جعفر المشهور بالكذاب. * الأصل: 8 - محمد بن يحيى، وغيره، عن سعد بن عبد الله، عن جماعة من بني هاشم منهم الحسن بن الحسن الأفطس أنهم حضروا - يوم توفي محمد بن علي بن محمد - باب أبي الحسن يعزونه وقد بسط له في صحن داره والناس جلوس حوله، فقالوا: قدرنا أن يكون حوله من آل أبي طالب وبني هاشم وقريش مائة وخمسون رجلا سوى مواليه وسائر الناس إذ نظر إلى الحسن بن علي (ع) قد جاء مشقوق الجيب حتى قام عن يمينه ونحن لا نعرفه، فنظر إليه أبو الحسن (عليه السلام) بعد ساعة فقال: يا بني أحدث لله عز وجل شكرا، فقد أحدث فيك أمرا، فبكى الفتى وحمد الله واسترجع وقال: " الحمد لله رب العالمين وأنا أسأل الله تمام نعمة لنا فيك، وإنا لله وإنا إليه راجعون " فسألنا عنه، فقيل: هذا الحسن ابنه، وقدرنا له في ذلك الوقت عشرين سنة أو أرجح، فيومئذ عرفناه وعلمنا أنه قد أشار إليه بالإمامة وأقامه مقامه. * الشرح: قوله (مشقوق الجيب) دل على جواز شق الرجل ثوبه لموت أخيه كما صرح به الأصحاب. قوله (فبكى الفتى) دل على أن البكاء ليس بمذموم، وقد بكى النبي (صلى الله عليه وآله) لموت ابنه إبراهيم وإنما المذموم فهو أن يقول ما يوجب الشكاية وإحباط الأجر وعدم الرضا بقضاء الله تعالى. قوله (وقال الحمد لله رب العالمين) العطف لتفسير الحمد والاسترجاع وهذه الكلمة أفضل كلمة دلت على مدحه وثنائه لاشتماله على الحمد له بذاته وصفاته وآلائه. قوله (وأنا أسال الله تعالى تمام نعمة لنا فيك) أي في بقائك لأن بقاءك نعمة لنا فكلما ازداد تمت لنا النعمة، وقدم المسند إليه لقصد تكرير الحكم وتأكيده واستمراره. قوله (إنا لله وإنا إليه راجعون) هذه الكلمة أشرف كلمة دلت على الصبر في المصائب وتفويض الأمر إلى الله جل شأنه والانقطاع عن غيره حتى عن نفسه لأن " إنا لله " إقرار له بالملك وجريان تصرفه وقضائه وحكمه " وإنا إليه راجعون " إقرار على النفس بالهلاك ورجوعها إليه كابتدائها منه وذلك موجب لحملها على الصبر والتسليم لقضائه ولذلك قال الله تعالى * (وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون اولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة واولئك هم المهتدون) *.

[ 222 ]

* الأصل: 9 - علي بن محمد، عن إسحاق بن محمد، عن محمد بن يحيى بن درياب قال: دخلت على أبي الحسن (عليه السلام) بعد مضي أبي جعفر فعزيته عنه وأبو محمد (عليه السلام) جالس، فبكى أبو محمد (عليه السلام) فأقبل عليه أبو الحسن (عليه السلام) فقال [ له ]: إن الله تبارك وتعالى قد جعل فيك خلفا منه فاحمد الله. * الشرح: قوله (ان الله قد جعل فيك خلفا منه فاحمد الله) الخلف والخلف بالتحريك والتسكين بمعنى واحد وهو ما جاء من بعد، وقيل: بالتحريك في الخير وبالتسكين في الشر، يقال: هو خلف صدق من أبيه بالتحريك، وخلف سوء بالتسكين إذا قام مقامه، والمراد به ههنا الإمامة والخلافة لأن الناس كانوا يقدرونها في أبي جعفر محمد بن علي فأحدثها الله تعالى وأظهرها بإماتته في أبي محمد الحسن ابن علي (عليهما السلام) كما كان في علمه الأزلي. * الأصل: 10 - علي بن محمد، عن إسحاق بن محمد، عن أبي هاشم الجعفري قال: كنت عند أبي الحسن (عليه السلام) بعد ما مضى ابنه أبو جعفر وإني لافكر في نفسي أريد أن أقول: كأنهما - أعني أبا جعفر وأبا محمد - في هذا الوقت كأبي الحسن موسى وإسماعيل ابني جعفر بن محمد (عليهم السلام) وإن قصتهما كقصتهما، إذ كان أبو محمد (عليه السلام) المرجى بعد أبي جعفر فأقبل علي أبو الحسن (عليه السلام) قبل أن أنطق فقال: نعم يا أبا هاشم ! بدا لله في أبي محمد بعد أبي جعفر ما لم يكن يعرف له، كما بدا له في موسى (عليه السلام) بعد مضي إسماعيل ما كشف به عن حاله وهو كما حدثتك نفسك وإن كره المبطلون، وأبو محمد ابني الخلف من بعدي. عنده ما يحتاج إليه ومعه آلة الإمامة. * الشرح: قوله (إذ كان أبو محمد المرجى بعد أبي جعفر) كما كان أبو الحسن موسى (عليه السلام) المرجى للخلافة بعد اسماعيل عند الشيعة فكما ظهر صنع الله في أبي الحسن موسى (عليه السلام) وأظهر أمره فيه بموت اسماعيل كذلك ظهر صنعه في أبي محمد وأظهر أمره فيه بعد موت أبي جعفر. قوله (فقال نعم) " نعم " تصديق للكلام المتقدم وهو ههنا ما قرره أبو هاشم في نفسه. قوله (بدا لله في أبي محمد) كذا في أكثر النسخ وفي بعضها " بدا الله " والبداء بالفتح والمد ظهور الشئ بعد الخفاء وهو على الله عز وجل غير جائز والمراد به القضاء والحكم وقد يطلق عليه كما صرح به صاحب النهاية فالمعنى قضى الله جل شأنه في أبي محمد بعد موت أبي جعفر بما لم يكن معروفا لأبي محمد عند الخلق وهو الإمامة والخلافة.

[ 223 ]

قوله (ومعه آلة الإمامة) مثل الكتب والسلاح وغير ذلك مما يختص بالإمام وعلامة من علاماته. * الأصل: 11 - علي بن محمد، عن إسحاق بن محمد، عن محمد بن يحيى بن درياب، عن أبي - بكر الفهفكي قال: كتب إلي أبو الحسن (عليه السلام): أبو محمد ابني أنصح آل محمد غريزة وأوثقهم حجة وهو الأكبر من ولدي وهو الخلف وإليه ينتهي عرى الإمامة وأحكامها، فما كنت سائلي فسله عنه، فعنده ما يحتاج إليه. * الشرح: قوله (عن أبي بكر الفهفكي) اسمه محمد بن خالد، مهمل. قوله (أنصح آل محمد غريزة) في بعض النسخ " أصح آل محمد غريرة " وهو الأصح، والغريزة الطبيعة والخلق، والنصح الخلوص، والنصيحة كلمة يعبر بها عن جملة هي إرادة الخير والمعنى أنه أنصح آل محمد لله ولرسوله ولعامة المسلمين لأجل استقامة طبيعته وصفاء قريحته وصفاء عقله وكمال خلقه وعلى الثاني أن غريزته أصح الغرائز وطبيعته أحسن الطبائع وقريحته أكمل القرائح وخلقه أفضل الأخلاق. قوله (وأوثقهم حجة) أي أوثقهم كلاما وأقواهم برهانا وأفصحهم بيانا. قوله (عرى الإمامة) " عرى " بضم العين وفتح الراء جمع العروة بالضم والسكون، وعروة الكوز والقميص معروفة، والعروة أيضا من الشجر الشئ الذي لا يزال باقيا في الأرض ولا يذهب وقد يراد بها الأصل على سبيل التشبيه ويجوز هنا إرادة جميع هذه المعاني أما الأولان فعلى سبيل المكنية والتخييلية بأن شبه الإمامة بالظرف الذي لا يتم ولا يحمل مع ما فيه إلا بالعروة أو بالقميص الذي يحيط باللابس وأثبت لها العرى وأراد بها الآلات التي هي متمسك الإمامة ولا يتم الإمامة إلا بها مثل الكتب والسلاح والعلم وغيرها مما ذكر تفاصيله في مواضع متعددة وأخبار متكثرة، وأما الأخيران فبأن يراد بها أيضا تلك الآلات لأنها باقية مع الإمامة غير زائلة عنها وأصول لها والإضافة فيهما لامية. قوله (فعنده ما يحتاج إليه) يحتاج إما بصيغة الخطاب أو بصيغة الغائب المجهول. * الأصل: 12 - علي بن محمد، عن إسحاق بن محمد، عن شاهويه بن عبد الله الجلاب قال: كتب إلي أبو الحسن في كتاب: أردت أن تسأل عن الخلف بعد أبي جعفر وقلقت لذلك، فلا تغتم فإن الله عز

[ 224 ]

وجل " لا يضل قوما بعد إذ هديهم حتى يبين لهم ما يتقون " وصاحبك بعدي أبو محمد ابني وعنده ما تحتاجون إليه، يقدم ما يشاء الله ويؤخر ما يشاء الله * (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) * قد كتبت بما فيه بيان وقناع لذي عقل يقظان. * الشرح: قوله (وقلقت لذلك) القلق الانزعاج والاضطراب وإنما قلق لأنه ظن أن الخلف أبو جعفر محمد ابن علي فلما مات وبطل ظنه قلق لعدم ظنه بخلف غيره على الخصوص. قوله (فإن الله لا يضل قوما) ضل ضاع والضلال الضياع وأضله غيره ضيعه وأخرجه عن الطريق أو وجده ضالا، وباب الافعال يجئ لهذا المعنى أيضا كما تقول: أحمدته وأبخلته إذا وجدته محمودا وبخيلا وقد صرح به ابن الاثير في النهاية أو سماه ضالا أو أخذه مؤاخذة الضال كما صرح به القاضي وغيره في تفسير هذه الآية، وإذا نسب الإضلال إلى الله تعالى يراد به غير المعنى الأول من المعاني المذكورة، والمعنى: لا يجد الله قوما ضالين خارجين عن طريق الحق أو لا يسميهم ضالين أو لايؤاخذهم مؤاخذتهم بعد إذ هداهم للإيمان حتى يبين لهم ما يجب اتقاؤه ومن جملة ما يجب اتقاؤه خلاف الإمام فلا إضلال ولا مؤاخذة بدون بيان الإمام وفيه دلالة على أن العبد غير مكلف بشئ من أحكام الدين قبل العلم به. قوله (يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء) أي يقدم ما يشاء تقديمه ويؤخر ما يشاء تأخيره بلا معارض ولا مدافع، ولما تعلقت المشية الأزلية بتقديم أبي محمد قدمه وأمات أبا جعفر ليبطل ظن من ظن أنه المتقدم في الخلافة ويظهر علمه الأزلي بذلك. قوله (ما ننسخ من آية) " ما " شرطية جازمة لننسخ، منصوبة على المفعولية و " من آية " تميز لها وإنساؤها إذهابها عن القلوب يعني أي شئ ننسخ من آية أو نذهبها عن القلوب نأت بما هو خير لهم منها أو مثلها في النفع وقد أنسى وأزال عن قلوبهم ما ظنوه من خلافة أبي جعفر بموته وأتى بمن هو خير لهم منه وهو أبو محمد (عليه السلام). * الأصل: 13 - علي بن محمد، عمن ذكره، عن محمد بن أحمد العلوي، عن داود بن القاسم قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: الخلف من بعدي الحسن، فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف ؟ فقلت: ولم جعلني الله فداك ؟ فقال: إنكم لا ترون شخصه ولا يحل لكم ذكره باسمه، فقلت: فكيف نذكره ؟ فقال: قولوا: الحجة من آل محمد (عليهم السلام).

[ 225 ]

* الشرح: قوله (فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف) المراد بالخلف الأول الحجة وبالخلف الثاني الحسن العسكري (عليهم السلام) وكيف للإنكار أي لا يكون لكم العلم بالخلف بعد الخلف بشخصه أو بمكانه أو لا يجوز لكم التسمية باسمه. قوله (لا ترون شخصه) لعل المراد نفي الرؤية عن جماعة أو كلما أرادوا أو في زمان الغيبة أو كناية عن غيبته وإلا فقد رآه جماعة كما سيجئ، والله أعلم. قوله (ولا يحل لكم ذكره باسمه) دل على أنه لا يجوز تسميته باسمه مطلقا ولا يبعد تخصيصه بالغيبة الصغرى أو بمحل الخوف والتقية كما يشعر به بعض الروايات الآتية وربما يشعر به لفظ " لكم " ويؤيده وقوع التصريح باسمه في بعض الأدعية المأثورة، والاحتياط أمر آخر.

[ 226 ]

باب الإشارة والنص إلى صاحب الدار (عليه السلام) * الأصل: 1 - علي بن محمد، عن محمد بن علي بن بلال قال: خرج إلي من أبي محمد قبل مضيه بسنتين يخبرني بالخلف من بعده، ثم خرج إلي من قبل مضيه، بثلاثة أيام يخبرني بالخلف من بعده. * الشرح: قوله (علي بن بلال) من أصحاب أبي جعفر الثاني والهادي والعسكري (عليهم السلام) ثقة، وهذا الإسناد من الأسانيد العلية. قوله (يخبرني بالخلف) صفة لمحذوف هو فاعل خرج أي خرج رجل أو كتاب يخبرني ومثله ما بعده. * الأصل: 2 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن إسحاق، عن أبي هاشم الجعفري قال: قلت لأبي محمد (عليه السلام): جلالتك تمنعني من مسألتك، فتأذن لي أن أسألك ؟ فقال: سل، قلت: يا سيدي هل لك ولد ؟ فقال: نعم: فقلت: فإن حدث بك حدث فأين أسأل عنه ؟ قال: بالمدينة. * الشرح: قوله (عن أحمد بن اسحاق) أحمد بن اسحاق بن عبد الله بن سعد بن مالك الأحوص الأشعري أبو علي القمي كان وافد القميين روى عن الجواد والهادي (عليهم السلام) وكان من خاصة أبي محمد (عليه السلام) ورأى صاحب الزمان ويحتمل أن يراد أحمد بن اسحاق الرازي وهو من أصحاب الهادي (عليه السلام) وكان ثقة وكان له اختصاص بالجهة المقدسة يعني صاحب الزمان (عليه السلام). قوله (عن أبي هاشم الجعفري) كنية لداود بن القاسم بن إسحاق بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب من أهل بغداد جليل القدر عظيم المنزلة عند الأئمة (عليهم السلام) قد شاهد الجواد والهادي والعسكري وصاحب الأمر (عليهم السلام) وقد روى عنهم كلهم وله منزلة عظيمة وموقع جليل عندهم، وفي ربيع الشيعة أنه من السفراء والأبواب المعروفين الذين لا يختلف الشيعة القائلون بإمامة الحسن بن علي فيهم، كذا ذكره بعض أئمة الرجال. قوله (قال بالمدينة) لعل المراد بالمدينة مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله) وفيه دلالة على أن إقامته حال

[ 227 ]

الغيبة فيها أكثر، وقد نقل أن أبا هاشم رآه - ويحتمل أن يراد بالمدينة سر من رأى، والله أعلم. * الأصل: 3 - علي بن محمد، عن جعفر بن محمد الكوفي، عن جعفر بن محمد المكفوف، عن عمرو الأهوازي، قال: أراني أبو محمد ابنه وقال: هذا صاحبكم من بعدي. * الأصل: 4 - علي بن محمد، عن حمدان القلانسي قال: قلت للعمري: قد مضى أبو محمد (عليه السلام) ؟ فقال لي: قد مضى ولكن قد خلف فيكم من رقبته مثل هذه وأشار بيده. * الشرح: قوله (قال قلت للعمري) الظاهر أنه أبو عمر وعثمان بن سعيد ثقة من أصحاب أبي جعفر الثاني والهادي والعسكري والصاحب (عليهم السلام)، وفي ربيع الشيعة عند ذكر أبواب الناحية المقدسة: كان أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري (قدس سره) بابا لأبيه وجده (عليهم السلام) من قبل وثقة لهما ثم تولى البابية من قبله وظهر المعجزات من يده، ويحتمل أن يكون ابنه محمد بن عثمان، وهما كانا وكيلين في خدمة صاحب الزمان (عليه السلام) ومن السفراء الأربعة بين الصاحب وشيعته أولهم عثمان بن سعيد ثم ابنه محمد بن عثمان ثم أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحير النوبختي ثم أبو الحسن علي بن محمد السمري رضي الله عنهم. قوله (من رقبته مثل هذه وأشار بيده) الرقبة العنق وقد يراد بها الشخص كله تسمية للشئ باسم جزئه كما صرحوا به، ولعل المراد بها المعنى الثاني والإشارة باليد لبيان طول قامته (عليه السلام) ويبعد أن يكون المراد بها تحديد طول عنقه أو حجمه والله أعلم. * الأصل: 5 - الحسين بن محمد الأشعري، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد بن عبد الله قال: خرج عن أبي محمد (عليه السلام) حين قتل الزبيري لعنه الله: هذا جزاء من اجترأ على الله في أوليائه، يزعم أنه يقتلني وليس لي عقب، فكيف رأى قدرة الله فيه، وولد له ولد سماه " م ح م د " في سنة ست وخمسين ومائتين. * الشرح: قوله (م ح م د) قيل فيه دلالة على أن عدم جواز التسمية باسمه ليس مبنيا على التقية لأن (م ح م د) ظاهر في أن اسمه محمد. أقول: حاصله أن القائل لم يكن في تقية بدليل أنه ذكر ما هو في حكم التصريح باسمه وحيث لم يذكر اسمه صريحا دل على عدم جواز ذكره بدون التقية أيضا.

[ 228 ]

وفيه نظر لأن التقية في ذلك الوقت كانت شديدة والفرق بين محمد وبين (م ح م د) ظاهر إذ لا مجال لإنكار إرادة الاسم في الأول بخلاف الثاني لجواز أن يقال المراد هو حروف التهجي المركب من هذه الحروف ألا ترى أنك إذا قلت: محمد فأخذ أحد بلبتك وقال: من مسمى هذا الإسم ؟ لا سبيل لك إلى الإنكار بخلاف ما إذا قلت: م ح م د. فليتأمل. قوله (في سنة ست وخمسين ومائتين) قال بعض أئمة الرجال: ولد المهدي محمد بن الحسن (عليهم السلام) يوم الجمعة لثمان خلون من شعبان سنة ست وخمسين ومائتين، وأمه ريحانة، ويقال لها نرجس، ويقال لها صيقل، ويقال لها سوسن، ووكيله عثمان بن سعيد العمري أبو عمرو وهو أول من نصبه العسكري (عليه السلام)، وقالوا: قتل المعتمد لعنه الله الحسن بن علي العسكري (عليهم السلام) بالسم يوم الرابع من ربيع الأول سنة ستين ومائتين ومنه يظهر سنه الشريف في حياة أبيه (عليه السلام). * الأصل: 6 - علي بن محمد، عن الحسين ومحمد ابني علي بن إبراهيم، عن محمد بن علي بن عبد الرحمن العبدي - من عبد قيس - عن ضوء بن علي العجلي، عن رجل من أهل فارس سماه قال: أتيت سامرا ولزمت باب أبي محمد (عليه السلام) فدعاني، فدخلت عليه وسلمت فقال: ما الذي أقدمك ؟ قال: قلت: رغبة في خدمتك، قال: فقال لي: فالزم الباب، قال: فكنت في الدار مع الخدم، ثم صرت اشتري لهم الحوائج من السوق وكنت أدخل عليهم من غير إذن إذا كان في الدار رجال، قال: فدخلت عليه يوما وهو في دار الرجال ؟ فسمعت حركة في البيت، فناداني: مكانك لا تبرح، فلم أجسر أن أدخل ولا أخرج، فخرجت علي جارية معها شئ مغطى، ثم ناداني: أدخل، فدخلت، ونادى الجارية فرجعت إليه، فقال لها: اكشفي عما معك، فكشفت عن غلام أبيض حسن الوجه وكشف عن بطنه فإذا شعر نابت من لبته إلى سرته أخضر ليس بأسود، فقال: هذا صاحبكم، ثم أمرها فحملته فما رأيته بعد ذلك حتى مضى أبو محمد (عليه السلام). * الشرح: قوله (قال أتيت سامرا) بفتح الميم وتشديد الراء مع القصر وبكسر الميم وتخفيف الراء مع المد وهي المدينة التي بناها المعتصم وانتقل إليها وتسمى أيضا سر من رأى بضم السين وفتح الراء وبفتحها، وسار من رأى. قوله (قلت رغبة في خدمتك) الظاهر أن " رغبة " بالرفع فاعل الفعل محذوف أي أقدمني رغبة في خدمتك. قوله (إذا كان في دار الرجال) أي في دار يدخل فيها الرجال وهي التي يقال بالفارسية ديوان

[ 229 ]

خانه. قوله (فناداني مكانك) أي فناداني أبو محمد إلزم مكانك. " ولا تبرح " تأكيد له. قوله (من لبته) اللبة واللبب المنحر وهو موضع القلادة من الصدر. قوله (أخضر ليس بأسود) الخضرة لون متوسط بين الصفرة والسواد أعني ما فيه دهمة وسمرة، وقد يطلق على السواد، والأخضر على الأسود فقوله: ليس أسود دليل على ما هو المراد من الأخضر ودفع لاحتمال حمله على الأسود.

[ 230 ]

باب في تسمية من رأى القائم (عليه السلام) * الأصل: 1 - محمد بن عبد الله ومحمد بن يحيى جميعا، عن عبد الله بن جعفر الحميري، قال: اجتمعت أنا والشيخ أبو عمرو (رحمه الله) عند أحمد بن إسحاق، فغمزني أحمد بن إسحاق أن أسأله عن الخلف فقلت له: يا أبا عمرو إني أريد أن أسألك عن شئ وما أنا بشاك فيما أريد أن أسألك عنه، فإن اعتقادي وديني أن الأرض لا تخلو من حجة إلا إذا كان قبل يوم القيامة بأربعين يوما، فإذا كان ذلك رفعت الحجة وأغلق باب التوبة * (لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا) * فاولئك شرار من خلق الله عز وجل وهم الذين تقوم عليهم القيامة، ولكني أحببت أن أزادد يقينا وإن إبراهيم (عليه السلام) سأل ربه عز وجل أن يريه كيف يحيى الموتى قال: * (أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي) *، وقد أخبرني أبو علي أحمد بن إسحاق، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته وقلت: من أعامل أو عمن آخذ وقول من أقبل ؟ فقال له: العمري ثقتي فما أدى إليك عني فعني يؤدي وما قال لك عني فعني يقول، فاسمع له وأطع، فإنه الثقة المأمون، وأخبرني أبو علي أنه سأل أبا محمد (عليه السلام) عن مثل ذلك، فقال له: العمري وابنه ثقتان، فما أديا إليك عني فعني يؤديان وما قالا لك فعني يقولان، فاسمع لهما وأطعمها فانهما الثقتان المأمونان، فهذا قول إمامين قد مضيا فيك. قال: فخر أبو عمرو ساجدا وبكى، ثم قال: سل حاجتك، فقلت: أنت رأيت الخلف من بعد أبي محمد (عليه السلام) ؟ فقال: إي والله ورقبته مثل ذا - وأومأ بيده - فقلت له: فبقيت واحدة، فقال لي: هات، قلت: فالاسم: قال محرم عليكم أن تسألوا عن ذلك ولا أقول هذا من عندي، فليس لي أن أحلل ولا أحرم ولكن عنه (عليه السلام)، فإن الأمر عند السلطان أن أبا محمد مضى ولم يخلف ولدا وقسم ميراثه وأخذه من لا حق له فيه، وهو ذا عياله يجولون. ليس أحد يجسر أن يتعرف إليهم أو ينيلهم شيئا وإذا وقع الاسم وقع الطلب، فاتقوا الله وأمسكوا عن ذلك. قال الكليني (رحمه الله): وحدثني شيخ من أصحابنا - ذهب عني اسمه - أن أبا عمرو سأل أحمد بن إسحاق عن مثل هذا فأجاب بمثل هذا. * الشرح: قوله (والشيخ أبو عمرو) هو عثمان سعيد العمري وهو أول وكيل من الوكلاء الأربعة وأول

[ 231 ]

سفير منهم. قوله (أحمد بن إسحاق) هو أحد المذكورين سابقا. قوله (فغمزني أحمد بن اسحاق) الغمز العصر والكبس باليد والإشارة كالرمز بالعين أو الحاجب أو اليد يقال: غمزت الشئ بيدي وغمزته بعيني. قوله (رفعت الحجة وأغلق باب التوبة) المراد بالحجة القرآن وصاحب الزمان (عليه السلام) وظاهر قوله " أغلق باب التوبة " وظاهر الآية يشعران بسقوط التكليف في ذلك الزمان، وظاهر قوله " فاولئك شرار من خلق الله " يشعر ببقائه، ولم يحضرني من الأخبار ما يدل على أحدهما ويمكن أن يرجح الأول بما دل من الأخبار على أنه " لو بقي في الأرض اثنان لكان أحدهما الحجة " وعلى أنه " لو بقيت الأرض بغير حجة لساخت " بتخصيص هذه الأخبار بزمان التكليف وبذلك يندفع التنافي بينها وبين هذا القول، ويمكن رفع التنافي أيضا بتخصيصها بغير الأربعين وإن وقع التكليف في الأربعين أيضا لعدم الاعتداد به، ولكنه بعيد جدا فليتأمل. قوله (فلم يكن ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا) " إيمانها " فاعل " ينفع " ولم تكن آمنت " صفة لنفسا، و " أو كسبت " عطف على " آمنت " يعني إذا تحققت هذه الآية التي هي من آيات قيام القيامة أعني رفع الحجة وسد باب التوبة لا ينفع الإيمان حينئذ نفسا لم تؤمن قبل هذه الآية أو آمنت ولم تكسب في إيمانها خيرا من قبل لأن هذا الزمان لما كان من مقدمات يوم القيامة كان حكمه حكم يوم القيامة في أنه لا ينفع الإيمان والعمل فيه وهذا حجة لمن ذهب إلى أن الإيمان المجرد عن العمل لا ينفع، وأما من ذهب إلى أنه ينفع فهو إما أن يخصص عدم النفع بذلك الزمان أو يجعل العطف على " لم تكن آمنت " ليصير المعنى لا ينفع الإيمان حينئذ نفسا كسبت في إيمانها خيرا فكيف إذ لم يكسبه. قوله (فاولئك شرار من خلق الله) أي اولئك الذين بقوا في الأرض بعد رفع الحجة منه وسد باب التوبة عليهم شرار من خلق الله لفقد الخير فيهم، ولابد من تخصيصهم بمن لم يؤمن ولم يعمل خيرا قبل الرفع والسد، والشرار بالكسر خلاف الخيار. قوله (تقوم عليهم القيامة) بعد إماتتهم جميعا. قوله (ولكني أحببت أن أزداد يقينا) اليقين هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع وله درجات متفاوتة ومراتب متباعدة يحصل بسبب التفاوت في رفع المزاحمات الخيالية والتوهمات الوهمية التي لا تقدح في أصل اليقين حتى يبلغ إلى مرتبة عين اليقين، وإليه يشير قول أمير المؤمنين (عليه السلام) " لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا " ولو لم يكن اليقين متفاوتا لما كان بينه (عليه السلام) وبين غيره في ذلك

[ 232 ]

تفاوت، وأيضا الفرق الضروري بين يقين الأنبياء والأوصياء ويقين غيرهم قاض بذلك، وتفاوت درجات الإيمان أيضا مؤيد له. قوله (وإن إبراهيم (عليه السلام)) إستشهاد لأن سؤاله ليس بسبب الشك فيما يسأله بل لأجل أن يحصل له زيادة بصيرة وكمال يقين وسكون قلب كسؤال إبراهيم (عليه السلام)، نقل أن إبراهيم (عليه السلام) أراد أن يصير علمه البرهاني بإحياء الموتى عيانيا ونوره القلبي شهوديا ليزداد بصيرة وسكون قلب بمشاهدة المعلوم عيانا * (قال رب أرني كيف تحيي الموتى) * حتى أراه بعيني كما علمته بقلبي، قال جل شأنه * (أو لم تؤمن (بأني قادر على إحياء الموتى) قال بلى (آمنت به ولكن سألت) ليطمئن قلبي) * ويحصل له سكون وزيادة بصيرة بإضافة البصيرة العينية إلى البصيرة القلبية، والغرض من قوله تعالى * (أولم تؤمن) * مع علمه أنه مؤمن خالص ليجيب (عليه السلام) بما أجاب فيعلم السامعون غرضه من هذا السؤال وهو حصول زيادة بصيرة والفرق بينه وبين القول المذكور لمولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) واضح لا يخفى على أحد. قوله (فخر أبو عمرو ساجدا وبكى) سجد لشكر النعمة وبكى لموت الإمامين. قوله (رقبته مثل ذا) قد مر تفسيرها. قوله (فإن الأمر عند السلطان) أراد بالسلطان المعتمد العباسي لعنه الله، وهذا التعليل دل صريحا على أن حرمة التصريح باسمه في زمان الغيبة، إلا أن صاحب كشف الغمة قال: قد جاء في الأخبار أنه لا يحل لأحد أن يسميه باسمه ولا أن يكنيه بكنيته إلى أن يزين الله الأرض بظهور دولته، ومال إليه جماعة من الأصحاب والله أعلم. قوله (يجولون) جال واجتال جاء وذهب وفي بعض النسخ (يحولون) من التحويل والظاهر أنه تصحيف. قوله (ليس أحد يجسر أن يتعرف إليهم) أي ليس أحد يجسر أن يجعل نفسه معروفا لهم يعرفونه بالمحبة والولاية أن ينيلهم ويعطيهم شيئا يسد حاجتهم خوفا من السلطان وتبعته. * الأصل: 2 - علي بن محمد، عن محمد بن إسماعيل بن موسى بن جعفر وكان أسن شيخ من ولد رسول الله 9 بالعراق فقال: رأيته بين المسجدين وهو غلام (عليه السلام). * الشرح: قوله (بين المسجدين) مسجد مكة والمدينة.

[ 233 ]

* الأصل: 3 - محمد بن يحيى، عن الحسين بن رزق الله أبو عبد الله قال: حدثني موسى بن محمد القاسم ابن حمزة بن موسى بن جعفر قال: حدثني حكيمة ابنة محمد بن علي (عليه السلام) وهي عمة أبيه أنها رأته ليلة مولده وبعد ذلك. 4 - علي بن محمد، عن حمدان القلانسي قال: قلت للعمري: قد مضى أبو محمد (عليه السلام) ؟ فقال: قد مضى ولكن قد خلف فيكم من رقبته مثل هذا - وأشار بيده -. * الشرح: قوله (علي بن محمد عن حمدان القلانسي) مر هذا الحديث متنا وسندا وتفسيرا في الباب السابق. * الأصل: 5 - علي بن محمد، عن فتح مولى الزراري قال: سمعت أبا علي بن مطهر يذكر أنه قد رآه ووصف له قده. 6 - علي بن محمد، عن محمد بن شاذان بن نعيم، عن خادم لإبراهيم بن عبدة النيسابوري أنها قالت: كنت واقفة مع إبراهيم على الصفا فجاء (عليه السلام) حتى وقف على إبراهيم وقبض على كتاب مناسكه وحدثه بأشياء. 7 - علي بن محمد، عن محمد بن علي بن إبراهيم، عن أبي عبد الله بن صالح أنه رآه عند الحجر الأسود والناس يتجاذبون عليه وهو يقول: ما بهذا أمروا. * الشرح: قوله (يتجاذبون عليه) أي، يتنازعون للوصول إلى الحجر الأسود ويتدافعون، يدفع بعضهم بعضا أشد دفع. * الأصل: 8 - علي، عن أبي علي أحمد بن إبراهيم بن إدريس، عن أبيه أنه قال: رأيته (عليه السلام) بعد مضي أبي محمد حين أيفع وقبلت يديه ورأسه. * الشرح: قوله (حين أيفع) أيفع الغلام فهو يافع إذا شارف البلوغ ولما يبلغ وهو من نوادر الأبنية، وفي التكملة: غلام يفاع بمعنى يافع واليفاع واليافع المرتفع من كل شئ. * الأصل:

[ 234 ]

9 - علي، عن أبي عبد الله بن صالح وأحمد بن النضر، عن القنبري - رجل من ولد قنبر الكبير - مولى أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: جرى حديث جعفر بن علي فذمه: فقلت له: فليس غيره فهل رأيته ؟ فقال: لم أره ولكن رآه غيري. قلت ومن رآه ؟ قال: قد رآه جعفر مرتين وله حديث. * الشرح: قوله (من ولد قنبر الكبير) لعل المراد بقنبر الكبير قنبر مولى أمير المؤمنين (عليه السلام) والوصف بالكبير للمدح والإيضاح لا للاحتراز وقوله مولى أبي الحسن الرضا (عليه السلام) بيان أو بدل لرجل. قوله (قال جرى) فاعل قال وقلت أحمد، وفاعل ذمه وضمير له وغيره راجع إلى القنبري ومفعول ذمه راجع إلى جعفر بن علي وهو المشهور بالكذاب، وضمير المفعول في رأيته راجع إلى صاحب الزمان (عليه السلام). * الأصل: 10 - علي بن محمد، عن أبي محمد الوجناني أنه أخبرني عمن رآه: أنه خرج من الدار قبل الحادث بعشرة أيام وهو يقول: اللهم إنك تعلم أنها من أحب البقاع لولا الطرد - أو كلام هذا نحوه -. * الشرح: قوله (قبل الحادث) أي قبل وفاة أبيه أبي محمد الحسن العسكري (عليه السلام) وضمير أنها راجع إلى البقعة المباركة المعروفة. قوله (أو كلام نحو هذا) صريح في أن الراوي ليس متذكر اللفظ بعينه وأن المروي هو المعنى فهو حجة لمن جوز نقل الحديث بالمعنى. * الأصل: 11 - علي بن محمد، عن علي بن قيس. عن بعض جلاوزة السواد قال: شاهدت سيماء آنفا بسر من رأى وقد كسر باب الدار، فخرج عليه وبيده طبرزين فقال له: ما تصنع في داري ؟ فقال سيما: إن جعفرا زعم أن أباك مضى ولا ولد له، فإن كانت دارك فقد انصرفت عنك، فخرج عن الدار. قال: علي بن قيس: فخرج علينا خادم من خدم الدار فسألته عن هذا الخبر، فقال لي: من حدثك بهذا ؟ فقلت له: حدثني بعض جلاوزة السواد، فقال لي: لا يكاد يخفى على الناس شئ. * الشرح: قوله (عن بعض جلاوزة السواد) السواد بالفتح قرى المدينة وعامة الناس وأوباشهم وكل عدد كثير، والجلاوزة جمع الجلواز بالكسر وهو الشرطي والارذل والمتابع للشرطي والعون للسلطان

[ 235 ]

يكون معه بلا رزق. قوله (شاهدت سيما) هو واحد من عبيد جعفر الكذاب. قوله (فخرج عليه) فاعل خرج صاحب الدار وهو الصاحب (عليه السلام). * الأصل: 12 - علي بن محمد، عن جعفر بن محمد الكوفي، عن جعفر بن محمد المكفوف عن عمرو الأهوازي قال: أراني أبو محمد (عليه السلام) وقال: هذا صاحبكم. 13 - محمد بن يحيى، عن الحسن بن علي النيسابوري، عن إبراهيم بن محمد ابن عبد الله بن موسى بن جعفر، عن أبي نصر ظريف الخادم أنه رآه. 14 - علي بن محمد، عن محمد والحسن [ الحسين ] ؟ ابني علي بن إبراهيم أنهما حدثاه في سنة تسع وسبعين ومائتين، عن محمد بن عبد الرحمن العبدي، عن ضوء بن علي العجلي، عن رجل من أهل فارس سماه، أن أبا محمد أراه إياه. * الشرح: قوله (عن رجل من أهل فارس) لعل هذا الحديث وهذا الرجل مر ذكرهما في الباب السابق تفصيلا. * الأصل: 15 - علي بن محمد، عن أبي أحمد بن راشد، عن بعض أهل المدائن قال: كنت حاجا مع رفيق لي، فوافينا إلى الموقف فإذا شاب قاعد عليه إزار ورداء وفي رجليه نعل صفراء، قومت الازار والرداء بمائة وخمسين دينارا وليس عليه أثر السفر، فدنا منا سائل فرددناه، فدنا من الشاب فسأله، فحمل شيئا من الأرض وناوله، فدعا له السائل واجتهد في الدعاء وأطال، فقام الشاب وغاب عنا، فدنونا من السائل فقلنا له: ويحك ما أعطاك ؟ فأرانا حصاة ذهب مضرسة، قدرناها عشرين مثقالا، فقلت لصاحبي: مولانا عندنا ونحن لا ندري ثم ذهبنا في طلبه فدرنا الموقف كله فلم نقدر عليه، فسألنا كل من كان حوله من أهل مكة والمدينة فقالوا: شاب علوي، يحج في كل سنة ماشيا.

[ 236 ]

باب في النهى عن الاسم * الأصل: 1 - علي بن محمد، عمن ذكره، عن محمد بن أحمد العلوي، عن داود بن القاسم الجعفري قال: سمعت أبا الحسن العسكري (عليه السلام) يقول: الخلف من بعدي الحسن فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف ؟ فقلت: ولم جعلني الله فداك ؟ قال: إنكم لا ترون شخصه ولا يحل لكم ذكره باسمه، فقلت: فكيف نذكره ؟ فقال: قولوا: الحجة من آل محمد صلوات الله عليه وسلامه. * الشرح: قوله (علي بن محمد عمن ذكره عن محمد بن أحمد العلوي) هذا الحديث قد مر سندا ومتنا في آخر باب الإشارة والنص على أبي محمد (عليه السلام). * الأصل: 2 - علي بن محمد، عن أبي عبد الله الصالحي، قال: سألني أصحابنا بعد مضي أبي محمد (عليه السلام) أن أسأل عن الاسم والمكان، فخرج الجواب: إن دللتهم على الاسم أذاعوه، وإن عرفوا المكان دلوا عليه. * الشرح: قوله (عن أبي عبد الله الصالحي) كان وكيلا للناحية المقدسة، يعني الصاحب (عليه السلام). قوله (إن دللتهم على الإسم أذاعوه) أي أفشوه ولم يكتموه وصار ذلك سببا لتسلط الأعداء عليهم وايذائهم، وفيه دلالة على أن حرمة التصريح بالاسم في زمان التقية والخوف. * الأصل: 3 - عدة من أصحابنا، عن جعفر بن محمد، عن ابن فضال، عن الريان بن الصلت قال: سمعت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) يقول. وسئل عن القائم، فقال: لا يرى جسمه ولا يسمى اسمه. * الشرح: قوله (لا يرى جسمه ولا يسمى اسمه) الأول إخبار عن غيبته والثاني نهي في المعنى عن التصريح باسمه، ولعله في بعض الأزمنة لأجل الخوف. * الأصل: 4 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن الحسن بن محبوب، عن ابن رئاب، عن أبي

[ 237 ]

عبد الله (عليه السلام) قال: صاحب هذا الأمر لا يسميه باسمه إلا كافر. * الشرح: قوله (لا يسميه باسمه إلا كافر) لعل المراد بالكافر ههنا تارك الأوامر وفاعل النواهي دون منكر الرب والمشرك به، وفيه مبالغة في تحريم التصريح باسمه، ولعله مختص بزمان التقية بدليل ما ذكرناه في مواضع متفرقة ودلالة بعض الأخبار عليه ظاهرة ويؤيده عدم بقاء التحريم فيه في جميع الأوقات والأزمان فإذا تطرق إليه التخصيص جاز حمله على ما ذكرناه فلا يكون دليلا على شمول التحريم لزمان الغيبة، وبالجملة المانع مستظهر.

[ 238 ]

باب نادر في حال الغيبة * الأصل: 1 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد بن خالد، عمن حدثه، عن المفضل بن عمر ومحمد ابن يحيى، عن عبد الله بن محمد بن عيسى، عن أبيه، عن بعض أصحابه، عن المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أقرب ما يكون العباد من الله جل ذكره وأرضى ما يكون عنهم إذا افتقدوا حجة الله جل وعز ولم يظهر لهم ولم يعلموا مكانه وهم في ذلك يعلمون أنه لم تبطل حجة الله جل ذكره ولا ميثاقه، فعندها فتوقعوا الفرج صباحا ومساء فإن أشد ما يكون غضب الله على أعدائه إذا افتقدوا حجته ولم يظهر لهم وقد علم أن أولياءه لا يرتابون ولو علم أنهم يرتابون ما غيب حجته عنهم طرفة عين ولا يكون ذلك إلا على رأس شرار الناس. * الشرح: قوله (أقرب ما يكون العباد) دل على أن أقرب العباد منه تعالى في زمان غيبة الإمام إذا كانوا عارفين بحقه أزيد وأكمل، ورضاه تعالى عنهم وإضافة الرحمة عليهم إذا كانوا تابعين له أعظم وأشمل وذلك ليتمهم وانتظارهم وتحسرهم وأسرهم وخوفهم على الأنفس والأموال من تغلب الكفار وتسلط الأشرار عليهم، ولأن الإيمان بالغيب دل على ضياء عقولهم ولطف قرائحهم ولينة طبائعهم وصفاء عقيدتهم وكمال هدايتهم وكل ذلك موجب لزيادة القرب من الحق وكمال رضاه. وفي طرق العامة عن ابن مسعود قال: إن أمر محمد كان بينا لمن رآه والذي لا إله غيره ما آمن أحد أفضل من إيمان بغيب ثم تلا قوله تعالى * (الذين يؤمنون بالغيب) * قال الطيبي: معنى هذا الحديث مخرج في سنن الدارمي عن أبي عبيدة بن الجراح قال: " يا رسول الله أحد خير منا، أسلمنا وجاهدنا معك ! قال: نعم هم قوم يكونون بعدكم يؤمنون بي ولا يروني " وأنت خبير بأن هذا الحكم غير مختص بالنبي بل يجري في إمام بعده. قوله (يعلمون أنه لم تبطل حجة الله) أي يعلمون بالبراهين العقلية والأحاديث النبوية أنه لم تبطل حجة الله عز ذكره في الأرض ولا ميثاقه وعهده في الحجة، بل هما باقيان في الخلق ودائمان فيهم مادامت الدنيا، فلذلك يؤمنون بالإمام وإن لم يروه، ويعتقدون بوجوده وإن لم يشاهدوه. قوله (فتوقعوا الفرج صباحا ومساء) لوجوب ظهوره في وقت ما لدفع الظلم والجور ونصرة دين الحق وأهله، ولكن لما لم نعلم ذلك الوقت بخصوصه واحتمل كل جزء من أجزاء الزمان أن

[ 239 ]

يكون ذلك الوقت لابد لنا من توقع الفرج في جميع الاوقات وإنما ذكر الصباح والمساء لشيوعهما في التعارف واحاطتهما بسائر الاوقات. قوله (فإن أشد ما يكون) دليل لتوقع الفرج ولعل وجه ذلك مع أن الظاهر أن يكون الغضب عليهم عند ظهور الحجة وعدم ايمانهم به أشد وأجدر ولحقوق النكال بهم أحرى وأظهر لكون الحجة عليهم حينئذ أقوى وأكمل من عدم ظهوره بسبب سوء صنيعهم وإعوجاج طبيعتهم حتى حرم المستعدون للهداية والقابلون للفهم والدراية عن مشاهدة جماله وملاحظة كماله، فلذلك كان الغضب عليهم حال الغيبة أشد. قوله (وقد علم أن أولياءه) أي أولياء الحجة وهذا دفع لما عسى أن يقال من أن إخفاء الحجة موجب لإضلال الخلق ورفع اللطف عنهم ولا يجوز شئ من ذلك، ووجه الدفع ظاهر وحاصله أن ذلك إنما يلزم لو كان أحد من أوليائه يرتاب فيه بعد الغيبة وليس كذلك، فلا مفسدة في الغيبة وإنما هي محض المصلحة وهي حفظ النفس المعصومة أو غيرها. قوله (ولا يكون ذلك إلا على رأس شرار الناس) دل على أن ظهوره لا يكون إلا عند فشو الشر في الناس وبعد الخير عنهم وقد دل على ذلك أيضا بل على تعيين الشرور والمفاسد بعض الروايات كما يأتي ذكره في كتاب الروضة. * الأصل: 2 - الحسين بن محمد الأشعري، عن معلى بن محمد، عن علي بن مرداس، عن صفوان بن يحيى والحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن عمار الساباطي قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أيما أفضل: العبادة في السر مع الإمام منكم المستتر في دولة الباطل أو العبادة في ظهور الحق ودولته مع الإمام منكم الظاهر ؟ فقال: يا عمار: الصدقة في السر والله أفضل من الصدقة في العلانية وكذلك والله عبادتكم في السر مع إمامكم المستتر في دولة الباطل وتخوفكم من عدوكم في دولة الباطل وحال الهدنة أفضل ممن يعبد الله عز وجل ذكره في ظهور الحق مع إمام الحق الظاهر في دولة الحق وليست العبادة مع الخوف في دولة الباطل مثل العبادة والأمن في دولة الحق، واعلموا أن من صلى منكم اليوم صلاة فريضة في جماعة مستتر بها من عدوه في وقتها فأتمها، كتب الله له خمسين صلاة فريضة في جماعة، ومن صلى منكم صلاة فريضة وحده مستترا بها من عدوه في وقتها فأتمها، كتب الله عز وجل بها له خمسا وعشرين صلاة فريضة وحدانية، ومن صلى منكم صلاة نافلة لوقتها فأتمها، كتب الله له بها عشر صلوات نوافل، ومن عمل منكم حسنة كتب الله عز وجل له بها عشرين حسنة ويضاعف الله عز وجل حسنات المؤمن

[ 240 ]

منكم إذا أحسن أعماله ودان بالتقية على دينه وإمامه ونفسه وأمسك من لسانه أضعافا مضاعفة، إن الله عز وجل كريم. قلت: جعلت فداك قد والله رغبتني في العمل وحثثتني عليه ولكن احب أن أعلم كيف صرنا نحن اليوم أفضل أعمالا من أصحاب الإمام الظاهر منكم في دولة الحق ونحن على دين واحد ؟ فقال: إنكم سبقتموهم إلى الدخول في دين الله عز وجل وإلى الصلاة والصوم والحج وإلى كل خير وفقه وإلى عبادة الله عز ذكره سرا من عدوكم مع إمامكم المستتر، مطيعين له صابرين معه، منتظرين لدولة الحق، خائفين على إمامكم وأنفسكم من الملوك الظلمة تنظرون إلى حق إمامكم وحقوقكم في أيدي الظلمة، قد منعوكم ذلك واضطروكم إلى حرث الدنيا وطلب المعاش مع الصبر على دينكم وعبادتكم وطاعة إمامكم والخوف من عدوكم، فبذلك ضاعف الله عز وجل لكم الأعمال، فهنيئا لكم، قلت: جعلت فداك فما ترى إذا أن نكون من أصحاب القائم ويظهر الحق ونحن اليوم في إمامتك وطاعتك أفضل أعمالا من أصحاب دولة الحق والعدل ؟ فقال: سبحان الله أما تحبون أن يظهر الله تبارك وتعالى الحق والعدل في البلاد ويجمع الله الكلمة ويؤلف الله بين قلوب مختلفة ولا يعصون الله عز وجل في أرضه وتقام حدوده في خلقه ويرد الله الحق إلى أهله فيظهر، حتى لا يستخفي بشئ من الحق مخافة أحد من الخلق، أما والله يا عمار ! لا يموت منكم ميت على الحال التي أنتم عليها إلا كان أفضل عند الله من كثير من شهداء بدر وأحد فأبشروا. * الشرح: قوله (أيما أفضل العبادة في السر مع الإمام منكم المستتر) المراد بالامام - المستتر من لا يقدر على إظهار الدين كما ينبغي خوفا من الأعداء والظلمة سواء كان ظاهرا بين الخلق أو كان غائبا عنهم فكل إمام إلى زمان ظهور صاحب الزمان فهو مستتر بهذا المعنى والمراد بالإمام الظاهر من قدر على ذلك وكان حكمه جاريا على الخلق وهو صاحب الزمان بعد ظهوره. قوله (الصدقة في السر) دل على أن الصدقة مطلقا في السر أفضل، وبه قال بعض الأصحاب، ووجه ذلك أنها أقرب إلى القربة وأبعد عن الرياء والسمعة واحتقار الفقير، وقيل: هذا لمن لم يتهم بترك الصدقات وإلا فالافضل أن يعطيها جهرا لدفع التهمة عن نفسه وكذا إن علم أن للناس به اسوة في أداء الصدقات، وقيل: هذا في المندوبة وأما الفريضة فالجهر أفضل. قوله (وكذلك والله) وليس من قبيل إثبات الحكم بالقياس لأن القياس عند أهل البيت (عليهم السلام) باطل بل هي من قبيل ذكر الشئ مع نظيره للايضاح وكان حكم الكل ثابت بالنص.

[ 241 ]

قوله (وحال الهدنة) هادنه مهادنة صالحه وتهادنوا تصالحوا والهدنة بالضم فالسكون الاسم وأصلها من هدن إذا سكن والمراد بها الهدنة الحاصلة للإمام الحق مع أئمة الجور وعدم منازعته اياهم لحكمة مقتضية لذلك. قوله (أفضل ممن يعبد الله) أي من عبادة من يعبد الله وإنما حذف العبادة لدلالة المقام والكلام عليها فالمفضل والمفضل عليه من جنس واحد. قوله (وليست العبادة مع الخوف) أي ليست العبادة مع خوف النفس والمال والعرض في دولة الباطل مثل العبادة والأمن من تلف النفس والمال والعرض في دولة الحق، بل الأولى أجزل ثوابا وأكمل رتبة من الثانية ويتفاوت ذلك بحسب تفاوت درجات الخوف والأمن، وإنما لم يقل مثل العبادة مع الأمن كما قال مثل العبادة مع الخوف للإشعار بأن الفضل باعتبار العبادة في نفسها والخوف في نفسه على أن يكون كل واحد منهما مستقلا في الاتصاف به لا باعتبار المجموع من حيث المجموع فليتأمل. قوله (من صلى منكم اليوم) أراد باليوم زمانه (عليه السلام) الذي كان دولة الحق فيه مخفوضة ودولة الباطل فيه مرفوعة. قوله (في وقتها فأتمها) الجار متعلق بصلى، وأتمها عطف عليه، والمراد بإتمامها الإتيان بأركانها وأفعالها وكيفياتها وآدابها وشرائطها، وبالجملة جميع الأمور المعتبرة في تحققها وصحتها كما هي قوله (كتب الله) اسناد كتب إلى الله مجاز باعتبار أنه آمر له. قوله (ومن صلى منكم صلاة فريضة وحده) إلى قوله " خمسا وعشرين " كون صلاة المنفرد خمسا وعشرين وصلاة الجماعة خمسين. يحتمل أن يكون باعتبار أقل الأفراد في الجماعة وهو الإثنان ويحتمل أن لا يكون بهذا الاعتبار بل بأعم منه ومن الأكثر، والله أعلم. قوله (وحدانية) الوحدانية بالفتح والسكون: المفردة بنفسها، المفارقة عن الجماعة منسوبة إلى الوحدة بمعنى الانفراد بزيادة الألف والنون للمبالغة. قوله (لوقتها) الإتيان باللام لمجرد التفنن فيكون اللام بمعنى في، أو الإتيان بها للإشعار بأن ظرفية الوقت للصلاة لأجل تعلق خاص لها به باعتبار الشارع، فكما يصح استعمال في للإشعار بالظرفية يصح أيضا استعمال اللام للإشعار بالاختصاص وإن كان استعمال في أكثر. قوله (ومن عمل منكم حسنة) أراد بالحسنة ما عدا الصلاة بقرينة المقابلة. قوله (ويضاعف الله عز وجل) أشار به إلى أن المراتب المذكورة من التضاعف ليست بمتعينة بل قد يزيد الله تعالى لمن يشاء وهو عزيز كريم.

[ 242 ]

قوله (إذا أحسن أعماله) المراد بإحسانها الإتيان بها على الوجه المطلوب تقربا إلى الله تعالى خالصا لوجهه فلو ترك شيئا من الوجوه المطلوبة أو قصد بها الرياء والسمعة فقد أبطل عمله فلا يكون له قدر فضلا أن يترتب عليه الزيادة. قوله (وأمسك من لسانه) بأن لا يقول شيئا يوجب وثوب الأعداء على الأولياء وزيادة " من " لبيان أن المطلوب حينئذ هو الإمساك عن بعض الكلام دون الجميع وهو الكلام الموجب للضرر في الدين والدنيا. قوله (أضعافا مضاعفة) في المغرب: إذا قال لفلان علي دراهم مضاعفة فعليه ستة دراهم فإن قال أضعافا مضاعفة فله عليه ثمانية عشر لأن أضعاف الثلاثة ثلاثة ثلاث مرات ثم أضعفناها مرة أخرى لقوله مضاعفة: أقول: ثم اتسع لزيادة غير محصورة في عدد. قوله (ان الله عز وجل كريم) أشار بذلك إلى سبب تلك الزيادة وهو الكرم لأن الكريم هو الذي يعطي المستحق من غير نظر إلى قدر ما يستحقه. قوله (قد والله رغبتني) أي قد أقسم والله رغبتني، أوقد رغبتني والله رغبتني فحذف لوجود المفسر، أو في الكلام تقديم وتأخير أي قد رغبتني والله في العمل. قوله (ولكن أحب أن أعلم) يريد إني علمت مما ذكرت أن أعمالنا أفضل من أعمال أصحاب المهدي صلوات الله عليه بعد ظهوره وظهور دولة الحق ولكن أحب أن أعلم سبب تلك الأفضلية والحال إنا وإياهم على دين واحد، وهذا يقتضي التساوي بيننا وبينهم ؟ فذكر (عليه السلام) من أسباب الأفضلية. ثمانية أمور: الأول: سبقكم إلى الإيمان بالله وبرسوله والدخول في دين الله تعالى والإقرار به، الثاني: سبقكم إلى العمل بالأحكام مثل الصلاة والصوم والحج وغيرها من الخيرات، الثالث: عبادتكم سرا مع الإمام المستتر وطاعته كذلك خوفا من الأعداء، الرابع: صبركم مع الإمام المستتر في الشدائد. الخامس: انتظاركم لظهور دولة الحق وهو عبادة، السادس: خوفكم على إمامكم وأنفسكم من الملوك الظلمة وتغلبهم، السابع: نظركم نظر تأسف وتحسر إلى حق إمامكم وهو الإمامة والفئ وحقوقكم التي هي الأموال في أيدي الظلمة الغاصبين الذين منعوكم عن التصرف فيها واضطروكم إلى حرث الدنيا وكسبها وطلب المعاش من وجوه شاقة، الثامن: صبركم مع تلك البلايا والمصائب على دينكم وعبادتكم وطاعة إمامكم والخوف من عدوكم قتلا وأسرا ونهبا وعرضا وليس لأصحاب المهدي (عليه السلام) بعد ظهوره شئ من هذه الأمور فلذلك ضاعف الله تعالى لكم الأعمال. قوله (فهنيئا لكم) أي فيكون ما أعطاكم الرب من مضاعفة الأعمال هنيئا لكم، وكل أمر يأتيك

[ 243 ]

من غير تعب فهو هنئ والهنئ من الطعام مالا يعقبه الضرر والفساد. قوله (فما ترى إذا أن نكون من أصحاب القائم ويظهر الحق ونحن اليوم) " ما " نافية وأن نكون مفعول ترى ويظهر الحق عطف على " نكون " ونحن اليوم إلى آخره جملة حالية وهي في الحقيقة تعليل للنفي المتقدم يعني نمى بينيم ما در خود درين هنگام كه اعمال ما مضاعف باشد اينكه بوده باشيم ما از أصحاب قائم (عليه السلام) وآنكه ظاهر شود در دست أو چرا كه اعمال ما افضل از اعمال أصحاب اوست، والحاصل أنا لا نتمنى أن نكون من أصحابه وأن يظهر الحق، وهذا القول ليس من باب الاستخفاف وإنكار ظهور الحق بل لأجل طلب الفضل والزيادة وهو مع ذلك لا يخلو من سوء أدب. قوله (فقال سبحان الله) يحتمل التعجب والتنزيه وهو مصدر منصوب بفعل مضمر ومضاف إلى المفعول أي أسبحه سبحانا يعني أنزهه تنزيها عما لا يليق بجناب قدسه، وربما جوز كونه مضافا إلى الفاعل بمعنى التنزه. قوله (اما تحبون) " ما " نافية والهمزة لإنكار النفي أو للتوبيخ على عدم المحبة، والحق خلاف الباطل وهو القوانين النبوية والنواميس الإلهية، والعدل خلاف الظلم والجور والله سبحانه يظهرهما في البلاد بظهور صاحب الأمر (عليه السلام) بالسيف بعدما كانت البلاد مملوة بالباطل والجور. قوله (ويجمع الله الكلمة) أي يجمع الله كلمة الخلق حتى لا يكون بينهم اختلاف في الأقوال، أو يجمع الله كلمة الحق بعد تفرقها وتكسرها بصدمات الباطل. قوله (ويؤلف الله بين قلوب مختلفة) في الأديان والعقائد والأغراض فيرفع المذاهب عن وجه الأرض ويظهر الدين الخالص في الخلق فيرجعون إلى أمر واحد بلا اختلاف ولا تباغض ولا تحاسد ولا حمية، فيقع التآلف والتوافق بينهم. قوله (ولا يعصون الله عز وجل في أرضه) باعتبار المذاهب والعقائد وإلا فقد يقع المعصية عنهم ويعامل بهم ما يقتضيه الشرع بدليل قوله " وتقام حدوده في خلقه ". قوله (ويرد الله الحق إلى أهله) بعدما غصبوه منه والمراد بالحق هنا الرئاسة والخلافة أو أعم منها وفاعل يظهر راجع إلى الحق من الظهور، أو إلى أهله منه أو من الإظهار ومفعوله على الأخير محذوف. قوله (فأبشروا) الإبشار الفرح والسرور يقال أبشر أي فرح ومنه أبشر بخير. * الأصل: 3 - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن أبي أسامة، عن هشام، ومحمد بن

[ 244 ]

يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبي حمزة، عن أبي إسحاق قال: حدثني الثقة من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) أنهم سمعوا أمير المؤمنين يقول في خطبة له: اللهم وإني لأعلم أن العلم لا يأرز كله ولا ينقطع مواده وإنك لا تخلي أرضك من حجة لك على خلقك، ظاهر ليس بالمطاع أو خائف مغمور، كيلا تبطل حجتك، ولا يضل أولياؤك بعد إذ هديتهم، بل أين هم وكم ؟ أولئك الأقلون عددا والأعظمون عند الله جل ذكره قدرا، المتبعون لقادة الدين، الأئمة الهادين، الذين يتأدبون بآدابهم وينهجون نهجهم، فعند ذلك يهجم بهم العلم على حقيقة الإيمان، فتستجيب أرواحهم لقادة العلم ويستلينون من حديثهم ما استوعر على غيرهم ويأنسون بما استوحش منه المكذبون، وأباه المسرفون، اولئك أتباع العلماء صحبوا أهل الدنيا بطاعة الله تبارك وتعالى وأوليائه ودانوا بالتقية عن دينهم والخوف من عدوهم، فأرواحهم معلقة بالمحل الأعلى، فعلماؤهم وأتباعهم خرس صمت في دولة الباطل، منتظرون لدولة الحق، وسيحق الله الحق بكلماته ويمحق الباطل، ها، ها، طوبى لهم على صبرهم على دينهم في حال هدنتهم وياشوقاه إلى رؤيتهم في حال ظهور دولتهم وسيجمعنا الله وإياهم في جنات عدن ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم. * الشرح: قوله (اللهم واني لأعلم) قال الفراء: أصل اللهم يا الله أمنا بالخير فخفف بالحذف لكثرة الاستعمال فالواو حينئذ للعطف على المفهوم ضمنا وهو امنا بالخير وقيل: أصله يا الله فحذف حرف النداء وعوض عنها الميم المشددة فالواو حينئذ للعطف على جملة اللهم. قوله (أن العلم لا يأرز كله ولا ينقطع مواده) أرز فلان يأرز بالراء ثم الزاي المعجمة إذا تضأم وتقبض، يعني أن العلوم الدينية والمعارف الإلهية والاسرار الربانية لا تذهب كله عن الخلق وإلا لارتفع التكليف عنهم. ولا تنقطع مواد العلم عنهم بالكلية وهم العلماء الراسخون والحكماء الإلهيون الذين يظهرون تلك العلوم على المستعدين للقبول والقائلين لفيضانها وهم علماء الفرقة الناجية رضوان الله عليهم فيبقى فيهم قدرا منها. قوله (وانك لا تخلى أرضك من حجة لك على خلقك) لا تخلي إما من التخلية أو من الإخلاء والحجة هو الإمام و " ظاهر " صفة له والمغمور المستور من خوف يعلوه من غمره الماء أي علاه. قوله (كيلا تبطل حجتك) إشارة - إلى قوله تعالى * (لئلا يكون للناس على الله حجة) * وإلى سبب عدم تخلية الأرض منه، قال بعض المحققين: ان الإمامية رحمهم الله آووا إلى هذا الكلام ليدفعوا ما أورد مخالفوهم عليهم حيث قالوا: يجب نصب الإمام على الله تعالى لأنه إذا كان لهم رئيس قاهر

[ 245 ]

يمنعهم من المحظورات ويحثهم على الواجبات كانوا معه اقرب إلى الطاعة وأبعد عن المعاصي منهم بدونه، واللطف واجب على الله، فاعترض عليهم مخالفوهم وقالوا: إنما يكون منفعة ولطفا واجبا إذا كان ظاهرا قاهرا زاجرا عن القبائح قادرا على تنفيذ الأحكام وإعلاء لواء كلمة الإسلام وهذا ليس بلازم عندكم فالإمام الذي ادعيتم وجوبه ليس بلطف والذي هو لطف ليس بواجب، فأجابوا بأن وجود الإمام لطف سواء تصرف أو لم يتصرف على ما نقل عن أمير المؤمنين (عليه السلام) من الكلام المذكور وتصرفه الظاهر لطف آخر، وتوضيحه على ما ذكره الشيخ بهاء الملة والدين نقلا عن القوم: أن الثمرة ليست منحصرة في مشاهدته وأخذ المسائل عنه بل نفس التصديق بوجوده (عليه السلام) وأنه خليفة الله في الأرض أمر مطلوب لذاته وركن من أركان الإيمان كتصديق من كان في عصر النبي (صلى الله عليه وآله) بوجوده (عليه السلام) ونبوته. وقد روي عن جابر بن عبد الله الأنصاري أن النبي (صلى الله عليه وآله) ذكر المهدي فقال " ذلك الذي يفتح الله عز وجل على يديه مشارق الأرض ومغاربها يغيب عن أوليائه غيبة لا يثبت فيها إلا من امتحن الله قلبه للايمان، قال جابر: فقلت: يا رسول الله هل لشيعته انتفاع به في غيبته ؟ فقال (صلى الله عليه وآله): " إي والذي بعثني بالحق إنهم ليستضيئون بنوره وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن علاها السحاب " ثم قال الإمامية: إن تشنيعكم علينا مقلوب عليكم لانكم تذهبون أن المراد بإمام الزمان في الحديث الذي رويتموه من قوله (صلى الله عليه وآله) " من مات ولم يعرف إمام زمانه فقد مات ميتة جاهلية " - وهو منقول من طرق الخاصة أيضا - صاحب الشوكة من ملوك الدنيا كائنا من كان عالما أو جاهلا عادلا أو فاسقا، فأي ثمرة تترتب على معرفة الجاهل الفاسق ليكون من مات ولم يعرفه مات ميتة جاهلية، ولما استثمر هذا بعض المخالفين ذهب إلى أن المراد بالإمام في الحديث، الكتاب، وقال الإمامية: إن إضافة الإمام إلى زمان ذلك الشخص يشعر بتبدل الأئمة في الأزمنة، والقرآن العزيز لا تبدل له بحمد الله على مر الأزمان. وأيضا فالمراد بمعرفة الكتاب التي إذا لم تكن حاصلة للانسان مات ميتة جاهلية إن اريد بها معرفة ألفاظه والإطلاع على معانيه أشكل الأمر على كثير من الناس، وإن اريد مجرد التصديق بوجوده فلا وجه للتشنيع علينا إذا قلنا بمثله. قوله (بل أين هم وكم) أي كم هم أين هم إشارة إلى أنهم مظلومون مستورون مشردون حتى لا يعلم لغاية طردهم مكانهم كما هو المعلوم من مشاهدة أحوال المعصومين سيما في زمن الغيبة و " كم هم " إشارة إلى قلة عددهم مثل قوله تعالى * (ثلة من الأولين وقليل من الآخرين) * إشارة إلى أن في آخر الزمان يعني بعد نبينا (صلى الله عليه وآله) لا يكون في كل وقت وزمان إلا واحد من الأوصياء بخلاف الزمان السابق فإنه كان في عهد واحد جماعة من الأنبياء والأوصياء هذا والظاهر أن الضمير راجع

[ 246 ]

إلى الأولياء بدليل ما بعده، وفيه حينئذ شكاية من قلة أنصار الإمام حتى صار مقهورا للأعادي مستورا عن الخلق. قوله (اولئك الأقلون عددا والأعظمون عند الله جل ذكره قدرا) اولئك إشارة إلى الأولياء وقلتهم ظاهرة فإنهم بمنزلة شعرة بيضاء في فرس أسود وكذا عظمة قدرهم ومنزلتهم إذ هم عباد الله جل ذكره ومنقادون له في الاوامر والنواهي وحافظون لدينه ولهم درجة الهداية والشفاعة وقد نقل عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قال: إذا اجتمع الخلق على الصراط قيل للعالم: قم ههنا فاشفع لمن احببت فانك لا تشفع لأحد إلا شفعت مقام الأنبياء، والأخبار الواردة في رفعة شأنهم كثيرة. قوله (المتبعون لقادة الدين الأئمة الهادين) الأئمة بدل أو بيان للقادة ولعل المراد بالمتابعة لهم المتابعة في معرفة أصل الدين وهو جميع ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله) إذ هم القادة والهداة إليه وبالمتأدب بآدابهم المتخلق بأخلاقهم الفاضلة حتى يحصل بذلك المناسبة الروحانية وبسلوك طريقهم العمل بكل ما عملوه وترك كل ما تركوه، ويحتمل أن يراد بالتأدب التخلق بمثل أخلاقهم والعمل بمثل أعمالهم وبنهج منهجهم إبانة طريقتهم وإيضاحها بالتعليم والإرشاد. قوله (وينهجون نهجهم) النهج والمنهج الطريق الواضح، يقال: نهجت الطريق أي سلكته، ويقال أيضا: نهجت الطريق أي أبنته وأوضحته، ويجوز إرادة كلا المعنيين هنا كما أشرنا إليه. قوله (فعند ذلك يهجم بهم العلم على حقيقة الإيمان) وذلك إشارة إلى الاتباع لقادة الدين وما بعده، والهجوم على القوم الدخول عليهم بغتة، والباء في " بهم " للتعدية " والعلم " فاعل " يهجم " والمراد به العلم اللدني الفائض، وعلى متعلق بيهجم، والحقيقة الشئ الذي له ثبات ووجود في نفس الأمر كقوله (صلى الله عليه وآله): إن لكل حق حقيقة، فما حقيقة إيمانك ؟ أي ما الذي ينبئ عن كون ما تدعيه حقا ؟ ولها معان اخر، وإضافتها إلى الإيمان لأدنى ملابسة باعتبار أن الإيمان الكامل مقتض لحصولها للمؤمن، والمعنى أن ذلك الاتباع إلى آخره يدخلهم العلم اللدني ويطلعهم على حقائق الإيمان الكامل الذي يقتضي حصولها وهي حقائق الأشياء ويكشف لهم حجبها حتى يعرفوها بعين اليقين على ماهي عليه في نفس الأمر، وهذه هي الحكمة التي أشار إليها جل شأنه بقوله * (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا) * ويحتمل أن يجعل الباء بمعنى على، والجار بعد العلم متعلقا به، يعني يدخل عليهم العلم على حقائق الإيمان، ويحتمل أيضا أن يراد بحقيقة الإيمان أركانه وهي العقائد الصالحة والأعمال الفاضلة والله أعلم. قوله (فتستجيب أرواحهم لقادة العلم) واستجابتها لهم لأجل مناسبة وارتباط بينها وبين أرواحهم المقدسة في أصل الصفاء والنورية والبهاء والاتصاف بالعلوم إلا أنها لما رأت العلوم

[ 247 ]

والصفاء في أرواحهم أشد وأقوى وشاهدت النورية والبهاء في ذواتهم أكمل وأبهى، أقبلت إليهم بالرضا والتسيلم واعترفت لهم بالفضل والتعليم. قوله (ويستلينون من حديثهم ما استوعر على غيرهم) استوعر بمعنى وعر كاستقر بمعنى قر، والوعر الصعب أي يستسهلون ويجدون سهلا لينا من حديثهم ما صعب على غيرهم من المخالفين والموافقين الذين لم تتنعم عقولهم بنعمة العلم والكمال وذلك لفقدهم المناسبة والارتباط المذكورين وما لم يتحقق المناسبة والارتباط بين المعلم والمتعلم امتنع التفهم والتفهيم وصعب التعلم والتعليم. قوله (ويأنسون بما استوحش منه المكذبون وأباه المسرفون) الوحشة الهم والحزن والفرار ومنه الوحشي لفراره عن الناس، والمكذبون هم المخالفون الذين يكذبون إمام الحق وأهله والجاهلون مطلقا لأن شأنهم التكذيب، والمسرفون المترفون المتنعمون لأن شأنهم الإسراف غالبا أو دائما لأنهم يصرفون أعمارهم في طلب الدنيا وشهواتها دائما ولا إسراف أعظم من ذلك، والموصول عبارة عن أمور الدين وفضائل الإمام وملازمة الصمت والصبر على قيام الليل وصيام النهار ورياضة السهر والجوع ومراقبة أحوال النفس وأمور الآخرة، ورفض الشهوات النفسانية وقطع التعلقات الدنيوية ورفع المخاطرات الشيطانية، يعني أن الأولياء المذكورين الموصوفين بما مر يأنسون بهذه الأمور التي يحزن ويفر منها المكذبون ويأباها المسرفون لأنهم بأضدادها، وحبهم زهرات الدنيا وشهواتها، وكل من أحب شيئا أبغض ضده. قوله (اولئك أتباع العلماء) أي اولئك الموصوفون بالصفات المذكورة هم أتباع العلماء الذين هم أئمة الدين وأولاد سيد المرسلين، وتعريف المسند إليه باسم الإشارة للدلالة على أن اتصافهم بالخير لأجل الصفات المذكورة كما قالوا مثل ذلك في قوله تعالى * (اولئك على هدى من ربهم واولئك هم المفلحون) *. قوله (صحبوا أهل الدنيا بطاعة الله تعالى) صحبوا خبر بعد خبر دون العطف وقوله " بطاعة الله " حال عن فاعله والمراد بأهل الدنيا إما المخالفون أو أهلها جميعا يعني اولئك الموصوفون صحبوا أهل الدنيا ورفضوا آدابهم المبتدعة وأطوارهم الشنيعة متلبسين بطاعة الله تبارك وتعالى وطاعة أوليائه ولا ينقض ذلك شيئا من وظائف طاعاتهم لجلوسهم على بساط الانس في حضرة القدس فلا يرون إلا جلاله وكماله ولا يطلبون إلا قربه ووصاله. قوله (ودانوا بالتقية عن دينهم والخوف من عدوهم) أي أطاعوا ربهم وإمامهم بالتقية عن دينهم وبالخوف من عدوهم أو اتبعوهما بالتقية والخوف أو اتخذوا التقية والخوف دينا لهم أو

[ 248 ]

أذلوا أنفسهم بالتقية والخوف لأن دان يصلح لهذه المعاني كلها كما لا يخفى على المتصفح في اللغة. قوله (فأرواحهم معلقة بالمحل الأعلى) أي بالجنة العاليه ودرجاتها والروضة الباقية ومقاماتها بل بمقعد صدق عند مليك مقتدر، وفي بعض النسخ: بالملأ الأعلى أي نفضوا عن نفوسهم التعلقات الحسية والوهمية ودفعوا عن قلوبهم حب زهرات الدنيا الدنية حتى توجهت أرواحهم إلى مشاهدة القدسيات الروحانية وملاحظة الفيوضات الربانية فهم بأجسادهم مصاحبون لأهل هذه الدار وبأرواحهم للملائكة المقربين الابرار وحسن اولئك رفيقا. قوله (فعلماؤهم وأتباعهم خرس وصمت) لا يقدرون على التكلم بالحق واعلاء كلمته لشدة التقية وكمال الخوف. قوله (وسيحق الله الحق بكلماته) أي سيظهر الله تعالى دين الحق بالائمة الطاهرين لأن واحد منهم كلمة الله كعيسى بن مريم (ع) وقد ثبت أنهم يرجعون في دولة المهدي (عليه السلام) وينصرونه، هذا وقال المفسرون في تفسير قوله تعالى: * (ويحق الله الحق بكلماته) * أن معناه يظهره ويبينه بأوامره وقضاياه. قوله (ها ها) " ها " بالقصر للتنبيه ينبه بها المخاطب على ما يساق إليه من الكلام وتكريرها للتأكيد والمبالغة فيه وإنما ينبه بها ويؤكد فيها إذا كان مضمون الكلام أمرا عظيما. قوله (طوبى لهم) طوبى اسم الجنة، وقيل: اسم شجرة فيها وأصلها فعلى من الطيب فلما ضمت الطاء انقلبت الياء واوا وعلى التقديرين فهو مبتدأ. قوله (ويا شوقاه) النداء للتعجب من كثرته أو لطلب حضوره والشوق والاشتياق نزاع النفس إلى الشئ وميلها إليه وهو إنما يحصل بعد تصوره وتصور نفعه ثم التصديق بترتبه عليه فإذا انتقشت في النفس هذه الأمور حصلت لها كيفية اخرى أي ميلها ورغبتها إلى ذلك المتصور وهي الشوق، وفي هذا الكلام دلالة بحسب الظاهر على ثبوت الرجعة. قوله (في جنات عدن) العدن الإقامة، عدن بها أي أقام ومنه سميت الجنة جنة عدن أي جنة إقامة، يقال: عدن بالمكان يعدن عدنا إذا لزمه ولم يبرح منه. قول (ومن صلح) عطف على آبائهم أو الواو بمعنى مع، ومتبوعية ما بعد الواو ليست أمرا كليا، قال القاضي وغيره: والمعنى أنه يلحق بهم من صلح من أهلهم وإن لم يبلغ فضلهم تبعا لهم وتعظيما لشأنهم وهو دليل على أن الدرجة تعلو بالشفاعة وفي التقييد بالصلاح دلالة على أن مجرد الأنساب لا ينفع.

[ 249 ]

باب في الغيبة * الأصل: 1 - محمد بن يحيى والحسن بن محمد جميعا، عن جعفر بن محمد الكوفي، عن الحسن بن محمد الصيرفي، عن صالح بن خالد، عن يمان التمار قال: كنا عند أبي عبد الله (عليه السلام) جلوسا فقال لنا: إن لصاحب هذا الأمر غيبة، المتمسك فيها بدينه كالخارط للقتاد - ثم قال هكذا بيده - فأيكم يمسك شوك القتاد بيده ؟ ثم أطرق مليا، ثم قال: إن لصاحب هذا الأمر غيبة، فليتق الله عبد وليتمسك بدينه. * الشرح: قوله (كالخارط للقتاد) القتاد شجر له شوك وهو القتاد الأعظم وأما القتاد الأصغر فهي التي ثمرتها نفاخة كنفاخة العشر (1) وخرطه أن يمسك أعلاه بيده ويمرها إلى أسفله وهذا مثل يضرب لكل أمر مشكل. قوله (ثم قال هكذا بيده) أي ضرب بها على الخشب وأظهر صورة العمل ثم قال على سبيل الإنكار: فأيكم يمسك شوك القتاد بيده ويمرها إلى أسفله ؟ وفيه مبالغة على انه لا يصبر على دينه حينئذ إلا الصابرون على جميع أنحاء المشاق. قوله (ثم أطرق مليا) أي أرخى عينه ورأسه إلى الأرض زمانا طويلا كأنه متفكر في أمر. قوله (فليتق الله) أمر أولا بإتقاء الله تعالى لأن التمسك بدين الحق حينئذ لا يمكن بدون التقوى الحاملة للنفس على الصبر وتحمل المشاق وتجرع المكاره. * الأصل: 2 - علي بن محمد، عن الحسن بن عيسى بن محمد بن علي بن جعفر، عن أبيه، عن جده، عن علي ابن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليهم السلام) قال: إذا فقد الخامس من ولد السابع فالله الله في أديانكم لا يزيلكم عنها أحد، يا بني إنه لابد لصاحب هذا الأمر من غيبة حتى يرجع عن هذا الأمر من كان يقول به، إنما هي محنة من الله عز وجل امتحن بها خلقه، لو علم آباؤكم وأجدادكم دينا أصح من هذا لاتبعوه، قال: فقلت: يا سيدي من الخامس من ولد السابع ؟ فقال: يا بني ! عقولكم تصغر عن هذا وأحلامكم تضيق عن حمله ولكن إن تعيشوا فسوف تدركونه.


(1) كذا في لسان العرب وفي بعض النسخ لفاحة كرمانة. (*)

[ 250 ]

* الشرح: قوله (إذا فقد الخامس من ولد السابع) السابع موسى بن جعفر (عليهما السلام) والخامس هو الصاحب المنتظر. قوله (فالله الله في أديانكم) الله منصوب بفعل مضمر والتكرير للتأكيد أي أحفظوا الله أو أطيعوا في طاعتكم أو في أموركم أو في سبلكم وطرائقكم لأن كل ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله) فهو سبيل وطريق إلى الله تعالى، والدين يطلق على كل واحد كما يطلق على المجموع، والمقصود هو الأمر برعاية جانب الله عز شأنه فيها وطلب رضاه، ثم أكده بقوله: لا يزيلكم عنها أحد من شياطين الجن والإنس بالخدعة والمكر والوعيد وإلقاء الشبهات وأنواع التدليسات والتلبيسات. قوله (يا بني) بفتح الباء وكسر النون على صيغة الجمع بقرينة قوله: ولو علم آباؤكم وهو خطاب مع أولاده وليس على صيغة الافراد خطابا مع أخيه علي بن جعفر لإباء السياق وعدم صحته بدون التجوز. قوله (إنما هي محنة) المحنة بكسر الميم واحدة المحن التي يمتحن بها الإنسان من بلية وشدة محنة وامتحنته أي اختبرته والاسم المحنة، وقد جرت كلمة الله تعالى على اختبار الناس بأنواع المحن والبلايا ليميز الجيد من الردي ويظهر الصابر وغيره كما قال جل شأنه * (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله) * وقال * (الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) * إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة، فإن قلت: حقيقة الاختبار طلب الخبر بالشئ ومعرفته لمن لا يكون عارفا به والله سبحانه عالم بمضمرات القلوب وخفيات الغيوب فالمطيع في علمه متميز من العاصي، فما معنى الاختبار في حقه ؟ قلنا: اختباره تعالى ليس إلا ليعلم غيره من خلقه طاعة من يطيع وعصيان من يعصي ويتميز ذلك عنده فهو من باب الكناية لأن التميز من لوازم الاختبار وعوارضه فأطلق الملزوم واريد به اللازم كما هو شأن الكناية، أو قلنا: اختباره تعالى استعارة بتشبيه فعله هذا ليثيب المطيع ثوابا جزيلا ويعذب العاصي عذابا وبيلا باختبار الإنسان لعبيده ليتميز عنده المطيع والعاصي ليثيب المطيع ويكرمه ويعذب العاصي ويهينه فأطلق على فعله تعالى الاختبار مجازا. قوله (ولو علم آباؤكم وأجدادكم دينا أصح من هذا لاتبعوه) دل على أن هذا الدين أصح الأديان وليس دين أصح منه وإلا لاتبعه الصالحون المطهرون الذين شأنهم طلب الأصح والأفضل واتباع الأشرف والأكمل، ولعل التفضل هنا مجرد عن معناه فلا يلزم ثبوت الصحة لغير هذا الدين وفيه حث على التمسك به وعدم مفارقته وتأكيد لما مر من قوله: لا يزيلكم عنها أحد.

[ 251 ]

قوله (قال فقلت) فاعل الفعلين علي بن جعفر. قوله (من ولد السابع) كأنه سأل عن حقيقته وحقيقة صفاته المختصة به لا عن اسمه واسم أبيه ولذلك أجاب (عليه السلام) بأن عقولكم قاصرة عن إدراكه على هذا الوجه لأن حقيقة الإمام وصفاته لا يعلمها إلا الله سبحانه كما مر سابقا. قوله (يا بني) الظاهر أنه على صيغة الجمع وأن علي بن جعفر يدخل في الخطاب على سبيل التغليب. قوله (ولكن إن تعيشوا فسوف تدركونه) لا يقال: كيف يدركونه مع فقده، لأنا نقول: معناه: فسوف تدركون زمانه أو فسوف تدركونه قبل فقده وغيبته، أو نقول: معناه أن تعيشوا وتبقوا على هذا الدين فسوف تدركونه بعد الظهور بالرجعة وفيه بعد والله أعلم. * الأصل: 3 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي نجران، عن محمد بن المساور، عن المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إياكم والتنويه، أما والله ليغيبن إمامكم سنين من دهركم ولتمحصن حتى يقال: مات، قتل، هلك، بأي واد سلك ؟ ولتدمعن عليه عيون المؤمنين ولتكفأن كما تكفأ السفن في أمواج البحر، فلا ينجو إلا من أخذ الله ميثاقه وكتب في قلبه الإيمان وأيده بروح منه ولترفعن اثنتا عشرة راية مشتبهة، لا يدرى أي من أي، قال: فبكيت ثم قلت: فكيف نصنع ؟ قال: فنظر إلى شمس داخلة في الصفة، فقال: يا أبا عبد الله ترى هذه الشمس ؟ قلت: نعم، فقال: والله لأمرنا أبين من هذه الشمس. * الشرح: قوله (إياكم والتنويه) لعل المراد تنويه أمره وغيبته وتشهيرها عند المخالفين. قوله (ولتمحصن) محصت الذهب بالنار إذا أخلصته مما يشوبه من الغش، والتمحيص بالصاد المهملة الابتلاء والاختبار، والمقصود أنكم تختبرون بغيبته ليتميز الخبيث من الطيب. قوله (حتى يقال مات) الظاهر أن هذا قول الشيعة المفتونين بطول الغيبة أو أن ما نزل عليهم من البؤس والقنوط ومشقة انتظار الفرج واصابة البلاء والشدة وبعد رجاء الخلاص منه بظهور المنتظر وفيه إشارة إلى ما يقع في آخر الزمان عند قرب ظهور الحجة من الهرج والمرج وانتشار الظلم والجور والسبي والنهب والقتل والغارة وارتفاع الشبهة عن الخلق. قوله (ولتكفأن) يقال: كفأت الإناء أي كببته وقلبته فهو مكفوء، وقيل: جاء اكفأت والتشبيه من

[ 252 ]

قبيل تشبيه المعقول بالمحسوس لزيادة الإيضاح. قوله (فلا ينجو إلا من أخذ الله ميثاقه) فإن من قبل ولايته وإمامته عند أخذ العهد والميثاق ينجو من أمواج بحار الفتن ويبقى على دينه ويصبر على الشدائد بعون الله. قوله (وكتب في قلبه الإيمان) أي أثبته فيه حتى صار مستقرا لا يزول بالشبهات ونزول النوائب والبليات بخلاف الإيمان المستودع فإنه كثيرا ما يزول بتوارد الشكوك والتدليسات. قوله (وأيده بروح منه) الضمير راجع إلى الله تعالى والمراد بالروح الملك الموكل بالقلب أو نوره وهو نور الهي يرى به صور المعقولات الحسنة والقبيحة فيتبع الاولى ويجتنب عن الثانية، فلا تزل قدمه بعد ثبوتها، أو القرآن فإنه روح القلب وحياته، يتميز به بين الحق والباطل، أو البصيرة على ما ينفع وما يضر، ويحتمل أن يعود الضمير إلى الإيمان فإنه سبب لحياة القلب ولذلك سماه روحه. قوله (ولترفعن اثنتا عشرة راية) هذا من علامات ظهور القائم (عليه السلام) وعند هذه يقع الفساد في الخلق وانقطاع نظامهم بالكلية وتضيق الأمور عليهم ولعل المراد باشتباه تلك الرايات ادعاء صاحب كل واحد أنه حق وغيره باطل فيقع الاشتباه فيها ويتحير الخلائق في أمر دينهم ودنياهم حتى لا يدرى أي رجل من أي راية لتبدد النظام فيهم وانقطاع عنان الاجتماع وسلسلة الانضمام عنهم، ويحتمل أن يراد باشتباهها تداخل بعضها على بعض حتى لا يدرى أي راية من أي رجل والله أعلم. قوله (فكيف نصنع) عند ارتفاع تلك الرايات ؟ وبم نميز بين المحق والمبطل ؟ فأجاب (عليه السلام) بأن أمرنا عند ظهور الدولة القاهرة أظهر من الشمس أو في قلوب المؤمنين فلا يقع الالتباس بين الحق والباطل كما لا يقع الالتباس بين النور والظلمة، فالعارفون عارفون بحقنا إيمانا وتصديقا والمنكرون منكرون لحقنا حسدا وعنادا. * الأصل: 4 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن الحسين، عن ابن أبي نجران، عن فضالة بن أيوب، عن سدير الصيرفي قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن في صاحب هذا الأمر شبها من يوسف (عليه السلام)، قال: قلت له: كأنك تذكر حياته أو غيبته ؟ قال: فقال لي: وما ينكر من ذلك، هذه الامة أشباه الخنازير، إن إخوة يوسف (عليه السلام) كانوا أسباطا أولاد الأنبياء تاجروا يوسف وبايعوه وخاطبوه وهم إخوته وهو أخوهم، فلم يعرفوه حتى قال: أنا يوسف وهذا أخي، فما تنكر هذه الامة الملعونة أن يفعل الله عز وجل بحجته في وقت من الأوقات، كما فعل بيوسف، إن يوسف (عليه السلام) كان إليه ملك

[ 253 ]

مصر وكان بينه وبين والده مسيرة ثمانية عشر يوما، فلو أراد أن يعلمه لقدر على ذلك، لقد سار يعقوب (عليه السلام) وولده عند البشارة تسعة أيام من بدوهم إلى مصر، فما تنكر هذه الامة أن يفعل الله جل وعز بحجته كما فعل بيوسف، أن يمشي في أسواقهم ويطأ بسطهم حتى يأذن الله في ذلك له، كما أذن ليوسف، * (قالوا أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف) *. * الشرح: قوله (شبها من يوسف (عليه السلام)) الشبه بالتحريك التماثل والتشابه وكذا الشبه بالكسر والسكون. قوله (وما ينكر من ذلك) أي ما ينبغي إنكار شئ من ذلك المذكور أو إنكار بعض ذلك إذ لا استبعاد فيه، ثم بين عدم الاستبعاد بقوله " هذه الأمة اشباه الخنازير " باطنا وإن كانوا في صورة الإنسان ظاهرا، وإخوة يوسف (عليه السلام) مع كونهم أسباط الأنبياء وأولادهم وأقرب إلى الحقيقة الانسانية منهم ظاهرا وباطنا إذا فعلوا بأخيهم يوسف من صلب أبيهم ما فعلوا حتى غاب عن أبيه وسائر عشيرته سنين كثيرة مع تمكنه من إظهار وجوده ومكانه ولم يفعله لمصلحة جاز أن يفعل هذه الأمة مع واحد من الأئمة مثل فعلهم، بل تحقق مثل ذلك الفعل من هذه الأمة أقرب وصدوره منهم أظهر وأنسب لعدم الروابط المسفورة والقرابة المذكورة والزواجر المسطورة بينه وبينهم حتى يغيب هو عن أقربائه وعشيرته ويعتزل عن أوليائه وشيعته ظاهرا وهو معهم باطنا حتى أنه يصاحبهم ويصاحبونه ويراهم ويرونه ولكن لا يعرفونه بشخصه ونسبه وهو يعرفهم، وقد روى أنه بعد ظهوره يقول كثير من الناس: رأيناه كثيرا. قوله (إن يوسف كان إليه ملك مصر) أي كان مصر مفوضا إليه وكان حكمه جاريا وأمره ماضيا مع قرب المسافة بينه وبين أبيه وعشيرته ولم يخبرهم بوجوده ومكانه مع ما عليهم من الشدائد والمصائب كما حكى عنه جل شأنه في القرآن العزيز وما كان ذلك إلا لمصلحة الهية وحكمة ربانية تعلقت بعدم علمهم بحاله فإذا كان هذا غير منكر في حقه فغيبة المنتظر أولى بعدم الإنكار. * الأصل: 5 - علي بن إبراهيم، عن الحسن بن موسى الخشاب، عن عبد الله بن موسى، عن عبد الله بن بكير، عن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن للغلام غيبة قبل أن يقوم، قال: قلت: ولم ؟ قال: يخاف - وأومأ بيده إلى بطنه - ثم قال: يا زرارة وهو المنتظر وهو الذي يشك في ولادته، منهم من يقول: مات أبوه بلا خلف ومنهم من يقول: حمل، ومنهم من يقول: إنه ولد قبل موت أبيه بسنتين، وهو المنتظر، غير أن الله عز وجل يحب أن يمتحن الشيعة، فعند ذلك يرتاب المبطلون يا زرارة [ قال: قلت: جعلت فداك إن أدركت ذلك الزمان أي شئ أعمل ؟ قال: يا زرارة ] إذا

[ 254 ]

أدركت هذا الزمان فادع بهذا الدعاء: " اللهم عرفني نفسك فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرف نبيك اللهم عرفني رسولك، فإنك إن لم تعرفني رسولك لم أعرف حجتك، اللهم عرفني حجتك فإنك إن لم تعرفني حجتك ظللت عن ديني "، ثم قال: يا زرارة لابد من قتل غلام بالمدينة، قلت: جعلت فداك أليس يقتله جيش السفياني ؟ قال: لا ولكن يقتله جيش آل بني فلان يجئ حتى يدخل المدينة، فيأخذ الغلام فيقتله، فإذا قتله بغيا وعدوانا وظلما لا يمهلون، فعند ذلك توقع الفرج إن شاء الله. * الشرح: قوله (حمل) أي هو حمل عند موت أبيه كما روى أن السلطان وكل القوابل على نساء الحسن العسكري (عليه السلام) وإمائه بعد موته ليعرفن الحوامل. قوله (ومنهم من يقول أنه ولد قبل موت أبيه بسنتين) الذي يظهر من تاريخ تولده وتاريخ موت أبيه (عليهما السلام) انه ولد قبل موت أبيه بثلاث سنين وسبعة أشهر إلا ثمانية أيام. قوله (فعند ذلك يرتاب المبطلون يا زرارة إذا أدركت ذلك الزمان) المراد بالمبطلين المائلون إلى البطلان والفساد وهم الذين قلوبهم مريضة وعقولهم عليلة وايمانهم مستودع وميثاقهم متزلزل وعقائدهم كبيت نسجته العنكبوت يخرقها ريح البليات ويطيرها صرصر الشبهات، وفي بعض النسخ المصححة " فعند ذلك يرتاب المبطلون يا زرارة، قال: قلت جعلت فداك إن أدركت ذلك الزمان أي شئ أعمل قال: يا زرارة إذا أدركت ذلك الزمان - إلى آخره ". قوله (اللهم عرفني نفسك فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرف نبيك) سيأتي الدعاء في حال الغيبة عن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) " اللهم عرفني نفسك فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرفك، اللهم عرفني نبيك فإنك ان لم تعرفني نبيك لم أعرفه قط اللهم عرفني حجتك فإنك إن لم تعرفني حجتك ظللت عن ديني " وهذا أظهر من المذكور ولابد في الجمع من القول باختلاف القضية بأن يكون أحدهما مرويا في وقت غير وقت الآخر أو القول بأن الاختلاف وقع من جهة الراوي، ولعل الوجه في الأول أن معرفة الرب إنما يتحقق بمعرفته على وجه يليق به وهي معرفته بصفات ذاته وأفعاله ومن جملتها ارسال النبي، فلو لم يعرف الرب نفسه للعبد لم يعرف العبد نبيه كما لم يعرف الله، وقس عليه ما يتلوه وفيه دلالة على أن المعرفة موهبية كما دل عليه أيضا صريح بعض الروايات وقد أوضحناه سابقا. قوله (فعند ذلك توقع الفرج بخروج القائم (عليه السلام)) وقد قيل أن خروجه بعد قتل النفس الزكية ولا يكون إلا بعد عشرة ليال، وروى عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: خمس علامات قبل قيام القائم (عليه السلام)

[ 255 ]

الصيحة والسفياني والخسف وقتل النفس الزكية واليماني، وعنه (عليه السلام) قال اختلاف بني العباس من المحتوم والنداء من المحتوم وخروج القائم من المحتوم وقيل كيف النداء ؟ قال ينادي مناد من السماء أول النهار " ألا أن عليا وشيعته هم الفائزون فينادى مناد آخر النهار ألا أن عثمان وشيعته هم الفائزون ". وروى يعقوب السراج قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) متى فرج شيعتكم ؟ قال: فقال إذا اختلف ولد العباس ووهى سلطانهم وطمع فيهم من لم يكن يطمع فيهم وخلعت العرب أعنتها، ورفع كل ذي صيصية صيصيته، وظهر الشامي وأقبل اليماني، وتحرك الحسني خرج صاحب هذا الأمر من المدينة إلى مكة بتراث رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقلت ما تراث رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: سيف رسول الله (صلى الله عليه وآله) ودرعه وعمامته وبرده وقضيبه ورايته ولامته وسرجه حتى ينزل مكة فيخرج السيف من غمده ويلبس الدرع وينشر الراية والبردة والعمامة ويتناول القضيب بيده ويستأذن الله في ظهوره فيطلع على ذلك بعض مواليه فيأتي الحسني فيخبره الخبر فيبتدر الحسني إلى الخروج فيثب عليه أهل مكة ويقتلونه ويبعثون برأسه إلى الشامي فيظهر عند ذلك صاحب هذا الأمر فيبايعه الناس ويتبعونه ويبعث الشامي عند ذلك جيشا إلى المدينة فيهلكهم الله عز وجل دونها ويهرب يومئذ من كان بالمدينة من ولد علي (عليه السلام) إلى مكة فيلحقون بصاحب هذا الأمر ويقبل صاحب هذا الأمر نحو العراق ويبعث جيشا إلى المدينة فيأمن أهلها ويرجعون إليها. * الأصل: 6 - محمد بن يحيى، عن جعفر بن محمد، عن إسحاق بن محمد، عن يحيى بن المثنى، عن عبد الله بن بكير، عن عبيد بن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: يفقد الناس إمامهم، يشهد الموسم فيراهم ولا يرونه. 7 - علي بن محمد، عن عبد الله بن محمد بن خالد قال: حدثني منذر بن محمد بن قابوس، عن منصور بن السندي، عن أبي داود المسترق، عن ثعلبة بن ميمون، عن مالك الجهني، عن الحارث بن المغيرة، عن الأصبغ بن نباتة قال: أتيت أمير المؤمنين (عليه السلام) فوجدته متفكرا ينكت في الأرض فقلت: يا أمير المؤمنين مالي أراك متفكرا تنكت في الأرض، أرغبة منك فيها ؟ فقال: لا والله ما رغبت فيها ولا في الدنيا يوما قط ولكني فكرت في مولود يكون من ظهر [ ي ] الحادي عشر من ولدي، هو المهدي يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما تكون له غيبة وحيرة، يضل فيها أقوام ويهتدي فيها آخرون، فقلت: يا أمير المؤمنين وكم تكون الحيرة والغيبة ؟ قال: ستة أيام أو ستة أشهر أو ست سنين، فقلت: وإن هذا لكائن ؟ فقال: نعم كما أنه

[ 256 ]

مخلوق، وأنى لك بهذا الأمر يا أصبغ ! أولئك خيار هذه الأمة مع خيار أبرار هذه العترة، فقلت: ثم ما يكون بعد ذلك ؟ فقال (عليه السلام) ثم يفعل الله ما يشاء فإن له بداءات وإرادات وغايات ونهايات. * الشرح: قوله (ينكت في الأرض) النكت الضرب والأثر اليسير وهو فعل المهموم المتفكر، يقال: نكت في الأرض بالقضيب من باب نصر إذا أثر فيها بطرفه كفعل المتفكر المهموم. قوله (ارغبة منك فيها) كأنه توهم أن همه وتفكره للرغبة في الدنيا ويبعد حمله على المزاح. قوله (هو المهدي الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما) القسط والعدل متقاربان وكذا الجور والظلم فالعطف للتفسير، والأخبار الدالة على خروج المهدي في آخر الزمان من نسل الحسين (عليه السلام) في طرق العامة والخاصة متواترة لا ينكره أحد من الامة إلا أن العامة يقولون انه سيولد ونحن نقول انه حي موجود وبوجوده قامت السموات والأرضون. ومن جملة روايات العامة ما رواه مسلم (1) عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) " يكون في آخر امتي خليفة يحثى المال حثيا ولا يعده عددا " وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) " من خلفائكم خليفة يحثى المال حثيا ولا يعده عددا " قال عياض: الحثى الحفن باليد يعطيه الناس كذلك لكثرته لديه كما يحثى التراب لاتساع المجبي والفتوحات. وقال القرطبي: قيل: هذا الخليفة هو عمر بن عبد العزيز ولا يصح إذ ليست فيه تلك الصفات. وذكر الترمذي وأبو داود هذا الخليفة وسمياه بالمهدي ومنها ما رواه الترمذي وأبو داود عنه (صلى الله عليه وآله) قالا " لا تقوم الساعة حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي " وقالا: هذا حديث حسن صحيح، وزاد أبو داود " يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا " ومنها ما روياه من حديث أبي سعيد قال: خشينا أن يكون بعد نبينا حدث فسألناه فقال: يخرج من امتي المهدي يملك خمسا أو سبعا أو تسعا، قال: قلنا: ما ذاك يا رسول الله ؟ " قال: سنين قال: يجئ إليه الرجل فيقول: يا مهدي أعطني، قال: فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله " قال: هذا حديث حسن، وفي أبي داود من أمتي اجلى الجبهة أقنى الأنف يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا يملك سبع سنين ". فهذه أخبار صحيحة مشهورة تدل على خروج هذا الخليفة الصالح في آخر الزمان وهو منتظر


(1) في صحيحه ج 8 ص 185 أبواب الفتن. (*)

[ 257 ]

ولم يوجد من كملت فيه الصفات التي تضمنتها تلك الأحاديث، كذا نقل عنهم أبو عبد الله الآبي في كتاب إكمال الإكمال وهو من أعاظم علمائهم. ومنها ما رواه في الجمع بين الصحاح الستة عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): المهدي فتى أجلى الجبهة أقنى الأنف يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما... الحديث ومنها ما رواه الفقيه الشافعي المغازلي في كتاب المناقب من عدة طرق بأسانيدها إلى النبي (صلى الله عليه وآله) يتضمن البشارة بالمهدي (عليه السلام) وذكر فضائله ودولته، ومنها ما ذكره أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء في كتاب المصابيح في حديث يرفعه إلى النبي (صلى الله عليه وآله) " أنه يصيب هذه الأمة حتى لا يجد الرجل ملجأ يلجأ إليه من الظلم فيبعث الله تعالى إليهم رجلا من عترتي فيملأ به الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما - الحديث " ومنها ما رواه ابن شيرويه الديلمي في كتاب الفردوس بإسناده إلى حذيفة ابن اليمان عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال " المهدي من ولدي وجهه كالقمر الدري اللون لون عربي والجسم اسرائيلي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما ويرضى بخلافته أهل السموات والأرض والطير في الجو، يملك عشرين سنة " وفي كتاب الطرائف: كان بعض علماء الشيعة قد صنف كتابا وجدته ووقفت عليه وقد سماه كتاب كشف المخفي في مناقب المهدي (عليه السلام) وروى فيه مائة وعشرة أحاديث من طرق رجال المذاهب الأربعة فتركت نقلها باسنادها وألفاظها كراهة للتطويل وأذكر أسماء من روى المائة والعشرة أحاديث التي في كتاب كشف المخفي لتعلم مواضعها على التحقيق: فمنها من صحيح البخاري ثلاثة أحاديث، ومنها من صحيح مسلم أحد عشر حديثا، ومنها عن الجمع بين الصحيحين للحميدي حديثان، ومنها من الجمع بين الصحاح الستة أحد عشر حديثا، ومنها من كتاب فضائل الصحابة مما خرجه الحافظ عبد العزيز المحدث من مسند أحمد بن حنبل سبعة أحاديث، ومنها من تفسير الثعلبي خمسة أحاديث، ومنها من غريب الحديث لابن قتيبة الدينوري ستة أحاديث، ومنها من كتاب الفردوس لابن شيرويه الديلمي أربعة أحاديث، ومنها من كتاب مسند سيدة النساء فاطمة الزهراء (عليها السلام) من تأليف الحافظ أبي الحسن علي الدارقطني ستة أحاديث، ومنها من كتاب الحافظ أيضا من مسند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ثلاثة أحاديث، ومنها من كتاب المبتدأ للكسائي حديثان يشملان أيضا على ذكر خروج السفياني والدجال، ومنها من كتاب المصابيح لأبي محمد الحسين بن مسعود الفراء خمسة أحاديث، ومنها من كتاب الملاحم لأبي الحسين أحمد بن جعفر بن محمد بن عبيد الله المناوي أربعة وثلاثون حديثا، ومنها من كتاب الحافظ محمد بن عبد الله الحضرمي ثلاثة أحاديث، ومنها من كتاب الرعاية

[ 258 ]

لأهل الدراية لأبي الفتح محمد بن اسماعيل بن إبراهيم الفرغاني ثلاثة أحاديث، ومنها خبر سطيح رواية الحميدي أيضا ثلاثة أحاديث، ومنها من كتاب الاستيعاب لأبي عمر يوسف بن عبد البر النميري حديثان. وقال الشيخ محي الدين في الفتوحات: إن لله خليفة يخرج من عترة رسول الله من ولد فاطمة (عليهما السلام) يواطئ اسمه اسم رسول الله (صلى الله عليه وآله) جده الحسين بن علي (عليهما السلام) يبايع بين الركن والمقام يشبه رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الخلق يفتح الخاء وينزل عنه في الخلق بضمها، أسعد الناس به أهل الكوفة يعيش خمسا أو سبعا أو تسعا، يضع الجزية ويدعو إلى الله بالسيف ويرفع بالمذاهب عن الأرض ولا يبقى إلا الدين الخالص، إلى آخر ما ذكره وفيه دلالة على تشيعه والله أعلم. قوله (يضل فيها أقوام ويهتدي آخرون) المهتدون في غيبته هم المقرون به وبوجوده والضالون هم المنكرون لوجوده والقائلون بأن العصر خال عنه وإن قالوا بأنه سيوجد. قوله (ستة أيام أو ستة أشهر أو ست سنين) لعل السائل سأل عن مقدار زمان الغيبة والحيرة معا فأجاب (عليه السلام) بأن زمان مجموعهما أحد الأزمنة المذكورة وبعد ذلك ترتفع الحيرة وتبقى الغيبة، والترديد بالنسبة إلى تفاوت مراتب الأشخاص، فقد ترتفع حيرة شخص بعد ستة أيام وترتفع حيرة الآخر بعد ستة أشهر أو ست سنين، ويحتمل أن يكون المراد أن الغيبة والحيرة في ذلك القدر من الزمان أمر محتوم ويجري لله فيهما البداء بعد ذلك، ويؤيده ظاهر ما سيأتي من قوله: فإن له بداءات، والترديد للابهام وقصد عدم تعيينه وقال الفاضل الأمين الاسترآبادي على ما نقل عنه: المراد أن آحاد مدة الغيبة هذا القدر، فيكون ظهوره في السابع ليوافق الأحاديث الدالة على أن ظهوره في فرد من السنين، ولما تجاوز مدة الآحاد ومدة الآحاد مع العشرات بقيت مدة الآحاد مع المئات ومدة الآحاد مع الألوف فيمكن أن يكون زمان الغيبة ثمانمائة وستة أيام أو ثمان مائة وستة أشهر أو ثمانمائة وست سنين أو الفا وستة أيام أو الفا وستة أشهر أو ألفا وست سنين. أقول: وعلى هذا لما مضت في عصرنا ثمانمائة مع الآحاد المذكورة بقي احتمال تسعمائة منها والترديد لما مر أخيرا. قوله (كما أنه مخلوق) لعل المراد أن غيبته أمر محتوم كما أن خلقه كذلك. قوله (وأنى لك هذا) لعل المراد هو الإشارة إلى أنه لا يدرك عصره وأن الذين يدركونه ويقرون به وبغيبته أفضل الأمة. قوله (ثم ما يكون بعد ذلك) ذلك الإشارة إلى المذكور من الأزمنة، يعني هل ترفع الغيبة بعده

[ 259 ]

أو لا ؟ فأجاب (عليه السلام) بأن الله تعالى يفعل بعد ذلك ما يشاء، فإن له بداءات أي تقديرات متجددة في أوقات الزمان وإرادات حادثة فيها إن شاء أظهره وإن شاء أخفاء بحسب المصالح المعلومة له تعالى ولتقديراته وإراداته غايات ونهايات فإن كل وقت تعلق التقدير والإرادة بإخفائه أو إظهاره غاية ونهاية لما قبله وهذا ظاهر الانطباق على ما ذكرناه ثانيا كما أشرنا إليه، بل على ما ذكرناه أولا أيضا وأما على ما ذكره الفاضل المذكور ففيه نوع خفاء إذ ظهوره بعد الأزمنة المذكورة محتوم به لا يجري فيه البداء، اللهم إلا أن يكون ذلك في قول السائل ثم ما يكون بعد ذلك إشارة إلى الغيبة، ويكون السؤال متعلقا بما في زمانها فليتأمل. * الأصل: 8 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حنان بن سدير، عن معروف بن خربوذ عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: إنما نحن كنجوم السماء، كلما غاب نجم طلع نجم، حتى إذ أشرتم بأصابعكم وملتم بأعناقكم غيب الله عنكم نجمكم، فاستوت بنو عبد المطلب، فلم يعرف أي من أي: فإذا طلع نجمكم فاحمدوا ربكم. * الشرح: قوله (إنما نحن كنجوم السماء) شبه الإمام بالنجم، وأشار إلى وجه التشبيه بقوله " كلما غاب نجم طلع نجم " والغرض منه أنه لابد من إمام بعد إمام وأن الأرض لا تخلو منه، فإذا لم يكن الإمام ظاهرا وجب أن يكون محتجبا بحجاب الغيبة كالنجم المحتجب بالسحاب، ويلزم من هذا التشبيه تشبيه سماء الدين بسماء الدنيا في لزوم ظهورها بعد ذهاب آخر. قوله (حتى إذا أشرتم بأصابعكم وملتم بأعناقكم) في بعض النسخ: بحواجبكم، الإشارة بالأصابع والميل بالأعناق كنايتان عن الشهرة والزيارة وهما من أسباب غيبة الإمام عن شيعته ليحفظ نفسه المعصومة ونفوسهم المحترمة عن شر الأعداء. قوله (فاستوت بنو عبد المطلب فلم يعرف أي من أي) لعل المراد أنهم قاموا بالرايات ووقع التحارب والاختلاط بينهم حتى لا يعرف أي رجل من أي راية، أو لا يعرف أي راية من أي رجل ونقل عن الفاضل الاسترآبادي أن قوله: فاستوت بنو عبد المطلب، إشارة إلى أن كلهم بعد الغيبة رعية بلا رئيس، وأن قوله: فلم يعرف أي من أي ناظر إلى الاختلاف المشاهد في هذا الزمان، فإن أهل السنة والزيدية يقولون هو محمد بن عبد الله، ثم اختلفوا في أنه حسني أو حسيني. قوله (فإذا طلع نجمكم فاحمدوا ربكم) المراد بطلوع النجم ظهور صاحب الأمر (عليه السلام) وهو من أجل نعماء الله تعالى على عباده لكونه سبب الخصب والرخاء ورفاهة العيش واستقامة النفوس

[ 260 ]

ورواج الدين ورفع الظلم والجور، فيجب الحمد والثناء له تعالى شأنه. * الأصل: 9 - محمد بن يحيى، عن جعفر بن محمد، عن الحسن بن معاوية، عن عبد الله بن جبلة، عن عبد الله بن بكير، عن زرارة، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن للقائم (عليه السلام) غيبة قبل أن يقوم، قلت: ولم ؟ قال: إنه يخاف - وأومأ بيده إلى بطنه - يعني القتل. 10 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيوب الخزاز، عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن بلغكم عن صاحب هذا الأمر غيبة فلا تنكروها. * الشرح: قوله (أن بلغكم عن صاحب هذا الأمر غيبة فلا تنكروها) لأن غيبته حق ثابت وأمر محتوم والمنكر لها القائل بعدم وجوده كالمنكر لإمامة علي (عليه السلام) كما دل عليه بعض الروايات من أنه كيف يؤمن بالأول من لا يؤمن بالآخر، ولا وجه للإنكار أصلا لأن سببه إما استبعاد أن يكون الهادي للخلائق غائبا عنهم وهو باطل لتحقق الغيبة لجميع الأنبياء والأوصياء كما دل عليه تصفح الأخبار وتتبع الآثار، وإما طول الزمان واستبعاد أن يكون لأحد هذا العمر الطويل وهو أيضا باطل لتحققه في كثير من الخلائق، ومما يناسب ذكره في هذا المقام ما حكاء السيد الجليل رضي الدين علي بن طاووس (قدس سره) في بعض كتبه قال: اجتمعت يوما في بغداد مع بعض فضلائها فإنجر الكلام بيني وبينه إلى ذكر الإمام محمد بن الحسن المهدي (عليهما السلام) وما يدعيه الإمامية من حياته في هذه المدة الطويلة فشنع ذلك الفاضل على من يصدق بوجوده ويعتقد طول عمره إلى هذا الزمان تشنيعا بليغا، فقلت له: إنك تعلم أنه لو حضر اليوم رجل وادعى أنه يمشي على الماء لاجتمع بمشاهدته أهل البلد كلهم، فإذا مشى على الماء وعاينوه وقضوا تعجبهم منه ثم جاء في اليوم الثاني آخر وقال: أنا أمشي على الماء أيضا فشاهدوا مشيه عليه، لكان تعجبهم أقل من الأول، فإذا جاء في اليوم الثالث آخر وادعى أنه يمشي على الماء أيضا فربما لا يجتمع للنظر إليه إلا قليل ممن شاهد الأولين، فإذا مشى سقط التعجب بالكلية، فإذا جاء رابع وقال: أنا أيضا أمشي على الماء كما مشوا فاجتمع عليه جماعة ممن شاهدوا الثلاثة الأول ثم أخذوا يتعجبون منه تعجبا زائدا على تعجبهم من الأول والثاني والثالث، لتعجب العقلاء من نقص عقولهم وخاطبوهم بما يكرهون، وهذا بعينه حال المهدي (عليه السلام) فإنكم رويتم أن إدريس (عليه السلام) حي موجود في السماء من زمانه إلى الآن، ورويتم أن الخضر (عليه السلام) كذلك في الأرض حي موجود من زمانه إلى الآن، ورويتم أن عيسى (عليه السلام) حي موجود في السماء وأنه سيعود إلى الأرض إذا ظهر المهدي ويقتدي به، فهذه ثلاثة نفر من البشر قد طالت

[ 261 ]

أعمارهم زيادة على المهدي (عليه السلام) فكيف لا تتعجبون منهم وتتعجبون من أن يكون لرجل من ذرية النبي (صلى الله عليه وآله) أسوة بواحد منهم وتنكرون أن يكون من جملة آياته (صلى الله عليه وآله) أن يعمر واحد من ذريته زيادة على ما هو المتعارف من الاعمار في هذا الزمان ؟ ! والله الهادي. * الأصل: 11 - الحسين بن محمد ومحمد بن يحيى، عن جعفر بن محمد، عن الحسن بن معاوية عن عبد الله ابن جبلة، عن إبراهيم بن خلف بن عباد الأنماطي، عن مفضل بن عمر قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) وعنده في البيت أناس، فظننت أنه إنما أراد بذلك غيري، فقال: أما والله ليغيبن عنكم صاحب هذا الأمر وليخملن هذا حتى يقال: مات، هلك، في أي واد سلك ؟ ولتكفأن كما تكفأ السفينة في أمواج البحر، لا ينجو إلا من أخذ الله ميثاقه، وكتب الإيمان في قبله وأيده بروح منه، ولترفعن اثنتا عشرة راية مشتبهة لا يدرى أي من أي، قال: فبكيت، فقال: ما يبكيك يا أبا عبد الله ؟ فقلت: جعلت فداك كيف لا أبكي وأنت تقول: اثنتا عشرة راية مشتبهة لا يدرى أي من أي ! ؟ قال: وفي مجلسه كوة تدخل فيها الشمس، فقال: أبينة هذه ؟ فقلت: نعم، قال: أمرنا أبين من هذه الشمس. * الشرح: قوله (إنما أراد بذلك غيري) أي بذلك الخطاب الذي يأتي ذكره. قوله (أما والله ليغيبن عنكم صاحب هذا الأمر وليخملن) الخطاب لنوع البشر أو لنصف منه وهم الشيعة ويختص بقرينة المقام بمن أدرك عصره (عليه السلام) والخامل: الساقط المنخفض الذي لا ذكر ولا تباعة له. قوله (حتى يقال مات هلك) استفهام للتعجب في عدم ظهوره لكمال الاحتياج إليه في دفع البلايا والفتن ورفع المصائب والمحن وقد مر شرح هذا الحديث في الثالث من هذا الباب. * الأصل: 12 - الحسين بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن القاسم بن إسماعيل الأنباري، عن يحيى ابن المثنى، عن عبد الله بن بكير، عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: للقائم غيبتان، يشهد في إحداهما المواسم، يرى الناس ولا يرونه. * الشرح: قوله (قال للقائم غيبتان) إحداهما صغرى وهي سبعون سنة إلا اثنى عشر شهرا وأربعة أيام وكان له (عليه السلام) فيها سفراء بينه وبين الشيعة، أولهم أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري وهو أول من

[ 262 ]

نصب أبو محمد الحسن بن علي العسكري (عليهما السلام)، ثم نص أبو عمرو (رحمه الله) بأمر الصاحب على ابنه أبي جعفر محمد ابن عثمان، ونص عليه أيضا العسكري (عليه السلام)، ثم نص أبو جعفر بأمر الصاحب (عليه السلام) على أبي القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي، وقال وعنده وجوه من الشيعة: هو القائم مقامي والسفير بينكم وبين صاحب الأمر (عليه السلام) والوكيل والثقة والأمين فارجعوا في أموركم إليه وعولوا في مهامكم عليه فبذلك أمرت وقد بلغت، ثم نص أبو القاسم بن روح بأمر الصاحب (عليه السلام) على أبي الحسن علي بن محمد السمري فلما حضره الموت سئل أن يوصي فقال: لله أمر هو بالغه، ومات (رحمه الله) سنة تسع وعشرين وثلثمائة فوقعت الغيبة الكبرى وهي الغيبة الثانية التي نحن فيها، وقد كتب (عليه السلام) في هذه الغيبة إلى الشيخ المفيد (رحمه الله) مكاتيب مذكورة في آخر كتاب الاحتجاج للشيخ الطبرسي (رحمه الله). قوله (يشهد في إحداهما الموسم) لعل المراد باحداهما الكبرى وبعدم رؤيتهم إياه عدم رؤيتهم على وجه يعرفونه وإلا فقد يقع الرؤية لا على هذا الوجه، وقد دل عليه الروايات والنقل عن الأكابر. * الأصل: 13 - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، ومحمد بن يحيى وغيره، عن أحمد بن محمد، وعلي ابن إبراهيم، عن أبيه جميعا، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبي حمزة عن أبي إسحاق السبيعي، عن بعض أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) ممن يوثق به أن أمير المؤمنين (عليه السلام) تكلم بهذا الكلام وحفظ عنه وخطب به على منبر الكوفة: اللهم إنه لابد لك من حجج في أرضك، حجة بعد حجة على خلقك، يهدونهم إلى دينك، ويعلمونهم علمك، كيلا يتفرق أتباع أوليائك، ظاهر غير مطاع، أو مكتتم يترقب، إن غاب عن الناس شخصهم في حال هدنتهم فلم يغب عنهم قديم مثبوت علمهم، وآدابهم في قلوب المؤمنين مثبتة، فهم بها عاملون. ويقول (عليه السلام) في هذه الخطبة في موضع آخر: فيمن هذا ؟ ولهذا يأرز العلم إذا لم يوجد له حملة يحفظونه ويروونه، كما سمعوه من العلماء ويصدقون عليهم فيه، اللهم فإني لأعلم أن العلم لا يأرز كله ولا ينقطع مواده وإنك لا تخلي أرضك من حجة لك على خلقك، ظاهر ليس بالمطاع، أو خائف مغمور كيلا تبطل حجتك ولا يضل أولياؤك بعد إذ هديتهم، بل أين هم ؟ وكم هم ؟ أولئك الأقلون عددا، الأعظمون عند الله قدرا. * الشرح: قوله (تكلم بهذا الكلام وحفظ عنه) المراد بهذا الكلام الكلام الآتي وبالحفظ الحفظ بالكتابة أو

[ 263 ]

بظهر القلب على الاحتمال. قوله (حجة بعد حجة) بيان لقوله: حجج، وتفسير له ودفع الاحتمال الاجتماع وقد مر أنه لا يجتمع في الأرض حجتان إلا وأحدهما صامت. قوله (يهدونهم إلى دينك) الجملة حال عن الحجج وكونه إستينافا لبيان سبب الاحتياج إليهم بعيد بالنظر إلى المقام، والمراد بالهداية هنا الدلالة إلى ما يوصل إلى المطلوب وبالدين جميع ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله). قوله (ظاهر غير مطاع أو مكتتم يترقب) أي يترقب ظهوره وهو صاحب الزمان (عليه السلام) وأما غيره من الأئمة فهو مندرج في الأول لظهورهم بين الخلق وعدم اطاعة الخلق لهم ولا ينتقض بأمير المؤمنين (عليه السلام) في أيام خلافته لأنه أيضا لم يكن مطاعا على وجه الكمال كما دلت عليه الأخبار والآثار وظاهر إما مجرور على أنه صفة لحجة أو مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف. قوله (إن غاب عن الناس شخصهم في حال هدنتهم فلم يغب عنهم قديم مثبوت علمهم) الهدنة الاسم من المهادنة وهي المصاحبة، والمثبوت من ثبته بمعنى اثبته وثبت جاء لازما ومتعديا (؟) واضافة القديم إلى المثبوت والمثبوت إلى العلم من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، يعني إن غاب من الخلق شخصهم بالإنزواء والإعتزال في حال مصالحتهم مع الأعداء المتغلبة وعدم اقتدارهم على الظهور وإجراء الأحكام خوفا منهم وممن تابعهم لم يغب عمن تابعهم علمهم المثبوت القديمي الذي نقله الرواة الثقات، وكأنه (عليه السلام) أخبر عن أمثال زماننا هذا فإن علمهم مع غيبتهم شائع بين أصحاب الإيمان أرباب العرفان بنقل السابقين إلى التابعين وهكذا ينقل إلى ما شاء الله، وإليه يشير ما رواه جابر بن عبد الله الانصاري أن النبي (صلى الله عليه وآله) ذكر المهدي (عليه السلام) فقال: ذلك الذي يفتح الله عز وجل على يديه مشارق الأرض ومغاربها يغيب عن أوليائه غيبة لا يثبت فيها إلا من امتحن الله قلبه للإيمان، قال جابر: فقلت: يا رسول الله هل لشيعته انتفاع به في غيبته ؟ فقال (صلى الله عليه وآله): إي والذي بعثني بالحق إنهم ليستضيئون بنوره وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن علاها السحاب. أقول: هذا تشبيه المعقول بالمحسوس لزيادة الإيضاح، ولا يخفى ما فيه من الحسن واللطف إذ كما أن الشمس المستترة بالسحاب تنور هذا العالم الجسماني وتربية وتنميه وتغذيه كذلك الإمام المستتر بحجاب الغيبة ينور العالم الروحاني ويربيه وينميه ويغذيه وهو قلوب العارفين وعقول المؤمنين فقلوبهم عارفة بأنوار علومهم وعقولهم مشرقة باشراق نورهم والله الهادي. قوله (وآدابهم في قلوب المؤمنين مثبتة) الظاهر أن آدابهم مبتدأ ومثبتة خبره والجملة حال عن

[ 264 ]

ضمير عنهم، والمراد بالآداب، الأخلاق المرضية والأطوار السنية بقرينة مقابلته مع العلم المراد به علم الأحكام النبوية والمعارف الإلهية، وإنما قلت: الظاهر ذلك لاحتمال أن يكون آدابهم عطفا على علمهم ومثبتة حالا عنهما وفي متعلقا بمثبتة وتخصيص قلوب المؤمنين بالذكر لأنها القابلة لقبول علمهم وآدابهم دون غيرها. قوله (فهم بها عاملون) تقديم الظرف يفيد الحصر يعني أنهم عاملون بعلوم الأئمة (عليهما السلام) لا بغيرها من الأقيسة والإستحسانات المخترعة والآراء المبتدعة كما هو شأن أهل الخلاف وأرباب الضلال، وفيه أيضا دلالة على أن العمل بدون العلم ليس بعمل، وهو كذلك، لأن العلم أصل والعمل فرع ولا يعقل وجود الفرع بدون الأصل. قوله (فيمن هذا) في بعض النسخ: فمن هذا، وفيه إشارة إلى قلة وجوده وهو الحق الذي لا ريب فيه لأن المؤمن العالم العامل الخالص عزيز الوجود. قوله (وإني لأعلم أن العلم لا يأرز كله) قد مر شرحه في آخر الباب المتقدم. * الأصل: 14 - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن موسى بن القاسم بن معاوية البجلي، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) في قول الله عز وجل: * (قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين) * قال: إذا غاب عنكم إمامكم فمن يأتيكم بإمام جديد. * الشرح: قوله (إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين) ماء غور أي غائر في الأرض، وصف بالمصدر مبالغة، وماء معين ماء جار في الأرض والمعين فعيل بمعنى فاعل. قوله (إذا غاب عنكم امامكم فمن يأتيكم بامام جديد) شبه الإمام الغائب بالماء الغائر في الخفاء عن الخلق مع كثرة النفع وشدة احتياجهم إليه، وشبه الإمام الحاضر الذي يأتي بعد غيبته بالماء المعين الجاري في الأرض في جريانه وسيره فيها ونفعه لأهلها، وفيه على هذا التأويل دلالة على الغيبة وعلى أن تعيين الإمام ونصبه من عند الله تعالى وهو الحق كما مر سابقا. * الأصل: 15 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن أبي أيوب الخزاز، عن محمد بن مسلم، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن بلغكم عن صاحبكم غيبة فلا تنكروها. 16 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لابد لصاحب هذا الأمر من غيبة ولابد له في غيبته

[ 265 ]

من عزلة، ونعم المنزل طيبة، وما بثلاثين من وحشة. * الشرح: قوله (ولابد له في غيبته من عزلة) إشارة إلى الغيبة الكبرى لأنه يعتزل فيها الناس جميعا، وفي بعض النسخ: ولا له في غيبته من عزلة وله وجه أيضا لأنه بين الناس ويراهم ولا يرونه مع ظهور آثاره عليهم ووصول فوائده إليهم كما مر. قوله (ونعم المنزل طيبة) طيبة بفتح الطاء، وقد يقال: طابة، سمى النبي (صلى الله عليه وآله) بذلك المدينة من الطيب وهو الطهارة، وقيل: الطيب العيش بها، وقيل: الطيب أرضها، قال الفاضل الأمين الاسترآبادي: يعني أن طيبة وهي المدينة المعروفة منزله (عليه السلام) وكان يستأنس بثلاثين من أوليائه ويحتمل أن يكون هذا حاله في الصغرى. أقول: ومما يؤيد هذا ما مر في باب الإشارة إلى صاحب الزمان عن أبي هاشم الجعفري قال: قلت لأبي محمد (عليه السلام): جلالتك تمنعني من مسألتك فتأذن لي أن أسألك ؟ فقال: سل، قلت: يا سيدي هل لك ولد ؟ فقال: نعم، قلت: فإن حدث بك حدث فأين أسأل عنه ؟ قال: بالمدينة، وقيل: كان طيبة اسم محل هو منزله (عليه السلام) مع ثلاثين من أصحابه وهو ليس بمستوحش معهم، وقيل: يحتمل أن يكون المراد أنه (عليه السلام) على هيئة من سنه ثلاثون سنة أبدا، وما في هذا السن من وحشة والله أعلم. * الأصل: 17 - وبهذا الإسناد، عن الوشاء، عن علي بن الحسن، عن أبان بن تغلب قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): كيف أنت إذا وقعت البطشة بين المسجدين، فيأرز العلم كما تأرز الحية في جحرها، واختلفت الشيعة وسمى بعضهم بعضا كذابين، وتفل بعضهم في وجوه بعض ؟ قلت: جعلت فداك ما عند ذلك من خير، فقال لي: الخير كله عند ذلك، ثلاثا. * الشرح: قوله (كيف أنت إذا وقعت البطشة بين المسجدين) كيف سؤال عن الحال، والبطشة الاخذ القوي الشديد، والمسجدين مسجد مكة ومسجد المدينة والأرز بالراء ثم الزاء المعجمة الاجتماع والانضمام، والعلم بالتحريك الراية، والجحر بضم الجيم ثم سكون الحاء المهملة بيت الضب والحية واليربوع، والتفل شبيه بالبزاق وهو أقل منه أوله البزق ثم التفل ثم النفث ثم النفخ ولعل هذا إشارة إلى وقعة الحسني واليماني والسفياني بين المسجدين وإلى ظهور الفتن والمحن من تراكم العساكر المختلفة وارتفاع الرايات المشتبهة في عراق العرب بل في أقطار الأرض كلها، ومن الشيعة

[ 266 ]

ابن بغي صاحب برقع ودلالة السفياني وعساكره الملعونة على الشيعة ومنازلهم حتى يهربون من صدمتهم إلى قلل الجبال والمغارات وعند ذلك يقولون استبطاء لخروج المهدي (عليه السلام) واستبعادا له: مات، هلك، أي واد سلك، فإذا بلغت الفتنة إلى هذه المراتب وعمت البلية والنوائب أظهره الله تعالى بين الركن والمقام فيقمع الكفرة بسيف الانتقام ويملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما وإليه أشار (عليه السلام) في آخر الحديث بقوله: الخير كله عند ذلك، وأراد به ظهور المهدي (عليه السلام) وما يترتب عليه من منافع العباد. * الأصل: 18 - وبهذا الاسناد عن أحمد بن محمد، عن أبيه محمد بن عيسى، عن ابن بكير، عن زرارة، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن للقائم غيبة قبل أن يقوم، إنه يخاف - وأومأ بيده إلى بطنه - يعني القتل. 19 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن ابن محبوب، عن إسحاق بن عمار قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): للقائم غيبتان إحداهما قصيرة والاخرى طويلة، الغيبة الأولى لا يعلم بمكانه فيها إلا خاصة شيعته والاخرى لا يعلم بمكانه فيها إلا خاصة مواليه. * الشرح: قوله (إلا خاصة مواليه) وهم حواريه لأن لكل واحد من الأئمة (عليهم السلام) حواريين كما كانوا لعيسى (عليه السلام). * الأصل: 20 - محمد بن يحيى وأحمد بن إدريس، عن الحسن بن علي الكوفي، عن علي بن حسان، عن عمه عبد الرحمن بن كثير، عن مفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لصاحب هذا الأمر غيبتان: إحداهما يرجع منها إلى أهله والاخرى يقال: هلك، في أي واد سلك، قلت: كيف نصنع إذا كان كذلك ؟ قال: إذا ادعاها مدع فاسألوه عن أشياء يجيب فيها مثله. * الشرح: قوله (كيف نصنع إذا كان كذلك) يعني إذا خرج رجل وادعى أنه المهدي الموعود كيف نعرف أنه صادق وأنه هو. قوله (قال إذا ادعاها مدع فاسألوه عن أشياء يجيب فيها مثله) يعني إذا ادعى الإمامة أحد فاسألوه عن أشياء من العلوم الدينية والمعارف اليقينية التي أنتم منها على بصيرة ويقين فإن أجاب فيها مثل صاحب الأمر أو مثل ما علمتم فهو الإمام لأنه لا يجيب فيها كذلك إلا هو، وهذا طريق من

[ 267 ]

طرق معرفته يختص به العلماء الراسخون الذين يميزون بين الحق والباطل، وإليه يشير قول محي الدين في كتاب الفتوحات في وصف المهدي (عليه السلام) وأصحابه عند خروجه حيث قال: إذا ظهر يبايعه العارفون من أهل الحقائق عن شهود وكشف بتعريف إلهي، له رجال إلهيون يقيمون دعوته وينصرونه. * الأصل: 21 - أحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد، عن جعفر بن القاسم، عن محمد بن الوليد الخزاز، عن الوليد بن عقبة، عن الحارث بن زياد، عن شعيب، عن أبي حمزة قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فقلت له: أنت صاحب هذا الأمر ؟ فقال: لا، فقلت: فولدك ؟ فقال: لا، فقلت: فولد ولدك هو ؟ قال: لا، فقلت: فولد ولد ولدك ؟ فقال: لا، قلت: من هو ؟ قال: الذي يملأها عدلا كما ملئت ظلما وجورا، على فترة من الأئمة، كما أن رسول الله (عليه السلام) بعث على فترة من الرسل. * الشرح: قوله (الذي يملأها عدلا) ذكر (عليه السلام) آيتين من آيات صاحب الأمر ولم يوجد فيمن ذكر شئ منهما إحداهما استيلاؤه على أهل الأرض وإظهار العدل شرقا وغربا ورفع الجور أصلا وفرعا وأخراهما ظهوره بعد فترة من الأئمة بمعنى عدم وجود إمام ظاهر بينه وبين السابق والفترة بين الرسولين هي الزمان الذي انقطعت فيه الرسالة وأصلها الضعف والانكسار. * الأصل: 22 - علي بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن موسى بن جعفر البغدادي، عن وهب بن شاذان عن الحسن بن أبي الربيع، عن محمد بن إسحاق، عن أم هانئ قالت: سألت أبا جعفر محمد بن علي (عليهما السلام)، عن قول الله تعالى: * (فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس) * قالت: فقال: إمام يخنس سنة ستين ومائتين، ثم يظهر كالشهاب يتوقد في الليلة الظلماء، فإن أدركت زمانه قرت عينك. * الشرح: قوله (فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس) قالوا: الخنس جمع خانس وهي الكواكب لأنها تغيب بالنهار وتظهر بالليل، وقيل: هي الكواكب الخمسة السيارة: زحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد يريد به مسيرها ورجوعها لقوله: الجوار الكنس ولا يرجع من الكواكب غيرها، والكنس جمع كانس وهي الكواكب التي تغيب وترجع من كنس الظبي إذا تغيب واستتر في كناسه وهو الموضع الذي يأوي إليه، وفسره (عليه السلام) بإمام يخنس أي يغيب سنة ستين ومائتين وهي سنة مات

[ 268 ]

أبوه (عليه السلام) ثم يظهر ويرجع من أفق الحق كالشهاب المتوقد في الليلة الظلماء يعرف كل أحد أنه الإمام العادل، وإرادة الواحد من الجمع إما للتعظيم أو لأجل أنه داخل فيه ومن آحاده لأن الأئمة (عليهم السلام) كلهم موصوفون بهذه الصفة سيما على القول بالرجعة. * الأصل: 23 - عدة من أصحابنا، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن الحسن، عن عمر بن يزيد، عن الحسن بن الربيع الهمداني، قال: حدثنا محمد بن إسحاق عن أسيد بن ثعلبة، عن أم هانئ قالت: لقيت أبا جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) فسألته، عن هذه الآية * (فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس) * قال: الخنس إمام يخنس في زمانه عند انقطاع من علمه عند الناس سنة ستين ومائتين ثم يبدو كالشهاب الواقد في ظلمة الليل، فإن أدركت ذلك قرت عينك. * الشرح: قوله (عند انقطاع من علمه عند الناس) الظاهر أن من للتبعيض وفاعل الإنقطاع وأن العلم بمعنى المصدر وهو الادراك وإضافته إلى الضمير اضافة المصدر إلى المفعول وفيه إشارة إلى أن غيبته وخفاءه عند علم بعض الناس بوجوده دون بعض، ويحتمل أن يكون العلم عبارة عن الحاصل بالمصدر وهو الصور الإدراكية والإضافة لامية، وفيه إشارة إلى أن علومه كلها لم تنقطع عند الناس بل المنقطع هو بعضها ولو لم يذكر لفظة من لفهم على الأول أن أحدا لم يعلم بوجوده وعلى الثاني أن علمه كله منقطع عن الخلق وليس كذلك. * الأصل: 24 - علي بن محمد، عن بعض أصحابنا، عن أيوب بن نوح، عن أبي الحسن الثالث (عليه السلام) قال: إذا رفع علمكم من بين أظهركم فتوقعوا الفرج من تحت أقدامكم. * الشرح: قوله (إذا رفع علمكم من بين أظهركم) هذا أيضا من علامات ظهوره (عليه السلام) لأن الناس في ذلك العصر معزولين (؟) عن العلم والعمل وموصوفين (؟) بالجهل والزلل ولا هم لهم إلا السير في ميدان الضلالة والشقاوة ولا عزم إلا السباق في مضمار الغواية والغباوة. قوله (فتوقعوا الفرج من تحت أقدامكم) مبالغة في قرب زمان ظهوره حينئذ أو كناية عن ظهوره قبل رجوعهم إلى منازلهم. * الأصل: 25 - عدة من أصحابنا، عن سعد بن عبد الله، عن أيوب بن نوح قال: قلت لأبي الحسن

[ 269 ]

الرضا (عليه السلام): إني أرجو أن تكون صاحب هذا الأمر، وأن يسوقه الله إليك بغير سيف، فقد بويع لك وضربت الدراهم باسمك، فقال: مامنا أحد اختلفت إليه الكتب، وأشير إليه بالأصابع وسئل عن المسائل، وحملت إليه الأموال، إلا اغتيل أو مات على فراشه، حتى يبعث الله لهذا الأمر غلاما منا، خفي الولادة والمنشأ، غير خفي في نسبه. * الشرح: قوله (إلا اغتيل أو مات على فراشه) الاغتيال الخدعة، يقال: قتله غيلة إذا خدعه فذهب به إلى موضع فقتله، وكلمة أو للتنويع وهو التقسيم لا للشك، لتنزه ساحة قدسه عنه وصدق الشرطية لا يتوقف على صدق طرفيها مطلقا فلا ينافي هذا ما تقرر من أن الأئمة (عليهم السلام) كلهم مقتولين (؟) بعضهم بالسيف وبعضهم بالسم. قوله (خفي الولادة والمنشأ غير خفي في نسبه) المراد بخفاء ولادته خفاؤها عند الاكثر بدليل علم بعض الخواص بها وبخفاء منشئه خفاء مكانه الذي ينشأ فيه ويأوي إليه، وبعدم خفاء نسبه كون نسبه معلوما للخاصة والعامة فإنهم أيضا قائلون بأن المهدي (عليه السلام) من أولاد الحسين بن علي (عليهم السلام). * الأصل: 26 - الحسين بن محمد وغيره، عن جعفر بن محمد، عن علي بن العباس بن عامر، عن موسى بن هلال الكندي، عن عبد الله بن عطاء، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: إن شيعتك بالعراق كثيرة والله ما في أهل بيتك مثلك، فكيف لا تخرج ؟ قال: فقال: يا عبد الله بن عطاء قد أخذت تفرش أذنيك للنوكى، إي والله ما أنا بصاحبكم، قال: قلت له: فمن صاحبنا ؟ قال: أنظروا من عمي على الناس ولادته، فذاك صاحبكم إنه ليس منا أحد يشار إليه بالأصبع ويمضغ بالألسن إلا مات غيظا أو رغم أنفه. * الشرح: قوله (ما في أهل بيتك مثلك) أي في العلم والعمل والصلاح والشهرة، والمراد بأهل البيت أولاد فاطمة (عليهم السلام) وإرادة من انتسب إلى قريش بعيدة. قوله (قد أخذت تفرش أدنيك للنوكى) أخذت من أفعال المقاربة بمعنى شرعت، وتفرش خبره، والنوكى بفتح النون والكاف جمع أنوك وهو الأحمق ويجمع أيضا بالنوك وبالضم على القياس، يقال: رجل أنوك وقوم نوكى ونوك، وهذا مثل يضرب لمن يسمع كلام كل أحد وإن كان أحمقا لا يعقل شيئا. قوله (من عمي على الناس ولادته) عمي عليه الأمر إذا التبس، ومنه قوله تعالى * (فعميت

[ 270 ]

عليهم الأنباء يومئذ) *. قوله (ويمضغ بالألسن) المضغ باللسان كناية عن تناوله وذكره بالخير والشر. قوله (أو رغم أنفه) رغم الأنف كناية عن الذل، ولعل المراد به هنا القتل، ووجه الترديد ما مر ويحتمل أن يكون من الراوي. * الأصل: 27 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: يقوم القائم وليس لأحد في عنقه عهد ولا عقد ولا بيعة. * الشرح: قوله (وليس لأحد في عنقه عهد ولا عقد ولا بيعة) هذه الأمور الثلاثة متقاربة ويمكن أن يراد بالعهد الميثاق والملاقاة والصحبة، يقول: عهدته إذا لقيته وعرفته، أو الوصية تقول: عهد إليه إذا أوصاه، وبالعقد عقد الصلح والمهادنة، وبالبيعة الإقرار للغير بالخلافة مع التماسح بالأيدي على الوجه المعروف كأن كل واحد منهما باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خالصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره، وكأن فيه إشارة إلى سبب من أسباب غيبته ومصلحة من مصالحها لأنه (عليه السلام) لو كان ظاهرا إلى أوان ظهور دولته لكان في عنقه لا محالة عهد أو عقد أو بيعة لسلاطين الجور فكان عند خروجه بالسيف ناقضا لذلك العهد ونقض العهد قبيح لا يليق بجنابه. * الأصل: 28 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن الحسن بن علي العطار، عن جعفر ابن محمد، عن منصور، عمن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت: إذا أصبحت وأمسيت لا أرى إماما أئتم به ما أصنع ؟ قال: فأحب من كنت تحب وأبغض من كنت تبغض، حتى يظهره الله عز وجل. * الشرح: قوله (فأحب من كنت تحب) يعني أنك تعلم أن الأرض لا تخلو من إمام من أهل بيت نبيك فأحبه وإن لم تعرفه بخصوصه وشخصه فإن ذلك يكفيك حتى يظهره الله عز وجل فإذا أظهره أطعه واتبعه واعرفه بشخصه. * الأصل: 29 - الحسين بن أحمد، عن أحمد بن هلال قال: حدثنا عثمان بن عيسى، عن خالد بن نجيح، عن زرارة بن أعين قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): لابد للغلام من غيبة، قلت: ولم ؟ قال: يخاف - وأومأ بيده إلى بطنه - وهو المنتظر، وهو الذي يشك الناس في ولادته، فمنهم من يقول: حمل،

[ 271 ]

ومنهم من يقول: مات أبوه ولم يخلف، ومنهم من يقول: ولد قبل موت أبيه بسنتين قال زرارة: فقلت: وما تأمرني لو أدركت ذلك الزمان ؟ قال: ادع الله بهذا الدعاء: " اللهم عرفني نفسك، فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرفك، اللهم عرفني نبيك، فإنك إن لم تعرفني نبيك لم أعرفه قط، اللهم عرفني حجتك فإنك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني " قال أحمد بن الهلال: سمعت هذا الحديث منذ ست وخمسين سنة. 30 - أبو علي الأشعري، عن محمد حسان، عن محمد بن علي، عن عبد الله بن القاسم، عن المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله الله عز وجل: * (فإذا نقر في الناقور) * قال: إن منا إماما مظفرا مستترا، فإذا أراد الله عز ذكره إظهار أمره نكت في قبله نكتة فظهر فقام بأمر الله تبارك وتعالى. * الشرح: قوله (فإذا نقر في الناقور) أي فإذا نفخ في الصور وصوت فيه، والناقور فاعول من النقر بمعنى التصويت والنفخ وهو ما ينفخ ويصوت فيه مثل القرن وغيره، وقد شبه (عليه السلام) به قلب المنتظر ففي الكلام مكنية وتخييلية. * الأصل: 31 - محمد بن يحيى، عن جعفر بن محمد، عن أحمد بن الحسين، عن محمد بن عبد الله. عن محمد ابن الفرج قال: كتب إلي أبو جعفر (عليه السلام): إذا غضب الله تبارك وتعالى على خلقه نحانا عن جوارهم. * الشرح: قوله (إذا غضب الله) أي إذا غضب الله تبارك وتعالى على خلقه وسلب رحمته وفيضه عنهم لسوء استعدادهم وقبح صنيعهم وكمال عتوهم نحانا عن جوارهم بالغيبة عنهم وكذلك جرى قضاء الله جل شأنه في قوم أراد أن يصيبهم بعذاب أو يؤاخذهم بعقوبة أو يوردهم في بلية فإنه يخرج من بينهم العلماء والصلحاء إما بالموت أو بالغيبة ثم يفعل بهم ما يشاء كما يشهد به التتبع باحوال الماضين ويرشد إليه قوله تعالى خطابا لسيد المرسلين * (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) * (1).


(1) قوله * (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) * ولعل قائلا يقول: كانت واقعة الحرة على أهل المدينة وزين العابدين (عليه السلام) كان فيهم ! قلنا: هذا من التمسك بالعام والمطلق وظاهر الألفاظ في غير الأحكام العملية ومعلوم انها ليست بحجة لأن عمدة الاعتماد في حجية الظواهر قبح تأخير البيان عن وقت الحاجة ولا حاجة إلى العلم بالتفاصيل في غير العمل وعلى هذا فيمكن أن يكون هذا الكلام ناظرا إلى بعض الأوقات والأزمنة أو إلى مورد خاص، واعلم أن ما مضى من الأحاديث في النص على الأئمة (عليهم السلام) تأيدت بالقرائن القطعية الموجبة = (*)

[ 272 ]

باب ما يفصل به بين دعوى المحق والمبطل في أمر الإمامة * الأصل: 1 - علي أبي إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن سلام بن عبد الله، ومحمد بن الحسن وعلي بن محمد، عن سهل بن زياد، وأبو علي الأشعري، عن محمد بن حسان جميعا عن محمد بن علي، عن علي بن أسباط، عن سلام بن عبد الله الهاشمي، قال محمد بن علي: وقد سمعته منه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: بعث طلحة والزبير رجلا من عبد القيس يقال له: خداش إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه وقالا له: إنا نبعثك إلى رجل طالما كنا نعرفه وأهل بيته بالسحر والكهانة وأنت أوثق من بحضرتنا من أنفسنا من أن تمتنع من ذلك وأن تحاجه لنا حتى تقفه على أمر معلوم واعلم أنه أعظم الناس دعوى فلا يكسرنك ذلك عنه، ومن الأبواب التي يخدع الناس بها الطعام والشراب والعسل والدهن وأن يخالي الرجل، فلا تأكل له طعاما ولا تشرب له شرابا ولا تمس له عسلا ولا دهنا ولا تخل معه واحذر هذا كله منه وانطلق على بركة الله فإذا رأيته فاقرأ آية السخرة وتعوذ بالله من كيده وكيد الشيطان، فإذا جلست إليه فلا تمكنه من بصرك كله ولا تستأنس به، ثم قل له: إن أخويك في الدين وابني عمك في القرابة يناشدانك القطيعة ويقولان لك: أما تعلم أنا تركنا الناس لك وخالفنا عشائرنا فيك منذ قبض الله عز وجل محمدا (صلى الله عليه وآله) فلما نلت أدنى منال، ضيعت حرمتنا وقطعت رجاءنا، ثم قد رأيت أفعالنا فيك وقدرتنا على النأي


= لليقين، بل هي من ضروريات مذهبنا، يعرف ذلك منا كل مؤمن ومخالف بل كل مسلم وكافر من جميع الامم، وقد روى البخاري وغيره من حديث جابر بن سمرة عن النبي (صلى الله عليه وآله) بطرق كثيرة أن الأئمة بعده إثنا عشر، وهذا حجة قاطعة لا يتدخل فيها احتمال الجعل والوضع وقد مات البخاري قبل الغيبة الصغرى وألف صحيحه في عصر أحد العسكريين (عليهما السلام) ولم يكن عنوان الاثنا عشرية مميزا لطائفتنا ولم يقل أحد من المسلمين بانحصار الأئمة في اثني عشر غيرنا فنحن مصداق حديث البخاري وأي دليل أقوى من هذا حتى نتكلف لغيره ولذلك لم نر التكلم في اسانيدها ودلالتها على مطلوبنا كثير فائدة بل رأيناه إضاعة للعمر وتفويتا للوقت، نعم جاء في تضاعيف المقصود الأصلي أعني إثبات إمامتهم (عليهم السلام) بعض أمور قابلة للتأمل والمناقشة كأمر البداء في أبي جعفر ابن علي العسكري واسماعيل بن جعفر الصادق (عليهم السلام) ومثل أمر النبي (صلى الله عليه وآله) بالرجوع إلى القافة ولم يكن امثال ذلك قادحة في أصل المقصود المعقود له هذه الأبواب ولذلك تركنا التعليق عليها جملة وإن لم يكن بعضها مرضيا، وأبو جعفر المروي عنه هذا الحديث هو الجواد (عليه السلام)، ومن زعم أنه الباقر (عليه السلام) فقد أوقعه في الخطأ عدم علمه بطبقات الرجال. (ش) (*)

[ 273 ]

عنك وسعة البلاد دونك وأن من كان يصرفك عنا وعن صلتنا كان أقل لك نفعا وأضعف عنك دفعا منا، وقد وضح الصبح لذي عينين وقد بلغنا عنك انتهاك لنا ودعاء علينا، فما الذي يحملك على ذلك ؟ ! فقد كنا نرى أنك أشجع فرسان العرب، أتتخذ اللعن لنا دينا وترى أن ذلك يكسرنا عنك، فلما أتى خداش أمير المؤمنين (عليه السلام) صنع ما أمراه فلما نظر إليه علي (عليه السلام) - وهو يناجي نفسه - ضحك وقال: ههنا يا أخا عبد قيس - وأشار له إلى مجلس قريب منه - فقال: ما أوسع المكان، أريد أن أؤدي إليك رسالة، قال: بل تطعم وتشرب وتحل ثيابك وتدهن ثم تؤدي رسالتك، قم يا قنبر فأنزله، قال: مابي إلى شئ مما ذكرت حاجة، قال: فأخلو بك ؟ قال: كل سر لي علانية، قال: فأنشدك بالله الذي هو أقرب إليك من نفسك، الحائل بينك وبين قلبك الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، أتقدم إليك الزبير بما عرضت عليك ؟ قال: اللهم نعم. قال: لو كتمت بعدما سألتك ما ارتد إليك طرفك، فأنشدك الله هل علمك كلاما تقوله إذا أتيتني ؟ قال: اللهم نعم، قال علي (عليه السلام): آية السخرة ؟ قال: نعم، قال: فاقرأها فقرأها وجعل علي (عليه السلام) يكررها ويرددها ويفتح عليه إذا أخطأ حتى إذا قرأها سبعين مرة قال الرجل: ما يرى أمير المؤمنين (عليه السلام) أمره بترددها سبعين مرة، ثم قال له: أتجد قلبك اطمأن ؟ قال: إي والذي نفسي بيده - قال: فما قالا لك ؟ فأخبره، فقال: قل لهما: كفى بمنطقكما حجة عليكما ولكن الله لا يهدي القوم الظالمين، زعمتما أنكما أخواي في الدين وابنا عمي في النسب، فأما النسب فلا أنكره وإن كان النسب مقطوعا إلا ما وصله الله بالإسلام، وأما قولكما: إنكما أخواي في الدين، فإن كنتما صادقين فقد فارقتما كتاب الله عز وجل وعصيتما أمره بأفعالكما في أخيكما في الدين وإلا فقد كذبتما وافتريتما بادعائكما أنكما أخواي في الدين، وأما مفارقتكما الناس منذ قبض الله محمدا (صلى الله عليه وآله) فإن كنتما فارقتماهم بحق فقد نقضتما ذلك الحق بفراقكما إياي أخيرا وإن فارقتماهم بباطل فقد وقع إثم ذلك الباطل عليكما مع الحدث الذي أحدثتما، مع أن صفقتكما بمفارقتكما الناس لم تكن إلا لطمع الدنيا، زعمتما وذلك قولكما: فقطعت رجاءنا، لا تعيبان بحمد الله من ديني شيئا وأما الذي صرفني عن صلتكما، فالذي صرفكما عن الحق وحملكما على خلعه من رقابكما كما يخلع الحرون لجامه وهو الله ربي لا أشرك به شيئا فلا تقولا: " أقل نفعا وأضعف دفعا " فتستحقا اسم الشرك مع النفاق، وأما قولكما: إني أشجع فرسان العرب وهربكما من لعني ودعائي، فإن لكل موقف عملا إذا اختلفت الأسنة وماجت لبود الخيل وملأ سحرا كما أجوافكما، فثم يكفيني الله بكمال القلب، وأما إذا أبيتما بأني أدعو الله فلا تجزعا من أن يدعو عليكما رجل ساحر من قوم سحرة زعمتما، اللهم أقعص الزبير

[ 274 ]

بشر قتلة واسفك دمه على ضلالة وعرف طلحة المذلة وادخر لهما في الآخرة شرا من ذلك، إن كانا ظلماني وافتريا علي وكتما شهادتهما وعصياك وعصيا رسولك في، قل: آمين، قال خداش: آمين، ثم قال خداش لنفسه: والله ما رأيت لحية قط أبين خطأ منك، حامل حجة ينقض بعضها بعضا، لم يجعل الله لها مساكا أنا أبرأ إلى الله منهما، قال علي (عليه السلام): ارجع إليهما وأعلمهما ما قلت، قال: لا والله حتى تسأل الله أن يردني إليك عاجلا وأن يوفقني لرضاه فيك ففعل فلم يلبث أن انصرف وقتل معه يوم الجمل رحمه الله. * الشرح: قوله (عن سلام بن عبد الله الهاشمي) الراوي لهذا الحديث عن أبي عبد الله (عليه السلام). قوله (ومحمد بن الحسن) لم يظهر لي أنه عطف على سلام بن عبد الله أو على علي بن إبراهيم ولعل الأول أظهر (1). قوله (وعلي بن محمد) عطف على علي بن إبراهيم وهو علي بن محمد بن أبان الرازي المعروف بعلان بتخفيف اللام وروى عنه المصنف كثيرا (2). قوله (وأبو علي الأشعري) عطف على علي بن إبراهيم وهو أحمد بن إدريس القمي الذي روى عنه المصنف كثيرا. قوله (جميعا عن محمد بن علي) لم يظهر لي أنه من هو (3). قوله (قال محمد بن علي وقد سمعته منه) أي سمعت الحديث من سلام بن عبد الله (4) بلا


(1) قوله " لعل الأول أظهر " بل الثاني هو المتعين، وقال العلامة (رضي الله عنه) في الفائدة الثالثة من فوائد آخر كتاب الخلاصة: عن الصدوق عن الكليني: كل ما ذكرته في كتابي المشار إليه يعني الكافي عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد، فهم علي بن محمد بن علان ومحمد بن أبي عبد الله ومحمد بن الحسن ومحمد بن عقيل الكليني. (ش) (2) قوله " روى عنه المصنف " هو خاله وكان له كتاب في أخبار القائم (عليه السلام). (ش) (3) قوله " لم يظهر لي أنه من هو " ولكن ظهر لي أنه محمد بن علي بن محبوب الذي ذكر في الإسناد الأول لقرائن عديدة. (ش) (4) قوله " سلام بن عبد الله " مجهول الحال، ذكره النجاشي ولم يصفه بثقة ولا ضعف، ولا يضر ضعفه بالمقصود لأن الغرض إثبات اخبار أمير المؤمنين (عليه السلام) بالغيب اعجازا بتعليم الله سبحانه وهو ثابت بالروايات المتواترة في موارد عديدة بل بما ضبط وثبت في الكتب قبل الوقوع بسنين مثل إخباره (عليه السلام) بمجئ الترك المغولي وهو مذكور في نهج البلاغة وتأليف النهج قبلهم باكثر من مأتي سنة وبين ذلك ابن أبي الحديد في شرحه وقال: كان وقوع ما أخبر به (عليه السلام) في زماننا ومثل اخباره (عليه السلام) بأن أحدا من خلفاء بني العباس بعد لا يوفق للحج وهو ثابت مذكور في تاريخ اليعقوبي وفي مروج الذهب وهذان الكتابان الفا في دولة بني = (*)

[ 275 ]

واسطة أيضا. قوله (يقال له خداش) (1) خداش ككتاب. قوله (طالما كنا) أي في كثير من الشهور والأيام وفي قديم من الدهور والأعوام كنا نعرفه وأهل بيته بالسحر والكهانة، قيل: الساحر من له قوة على التأثير في أمر خارج عن بدنه آثارا خارجة عن الشريعة مؤذية للخلق كالتفريق بين الزوجين وإلقاء العداوة بين رجلين، وقيل: هو من يأتي بأمر خارق للعادة مسبب عن سبب يعتاد كونه عنه فخرج المعجزة والكرامة لأنهما لا يحتاجان إلى تقديم أسباب وآلات وزيادة اعتمال، بل إنما تحصلان بمجرد توجه النفوس الكاملة إلى المبدأ، وقيل: هو من يتكلم بكلام أو يكتبه أو يأتي برقية أو عمل يؤثر في بدن آخر أو عقله أو قلبه من غير مباشرة، والكاهن هو الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان ويدعي معرفة الأسرار، وقد كان في العرب كهنة كشق وسطيح وغيرهما فمنهم من كان يزعم أن له تابعا من الجن ورئيا يلقي إليه الأخبار، ومنهم من كان يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات وأسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله أو فعله أو حاله وهذا يخصونه باسم العراف كالذي يدعي معرفة الشئ المسروق ومكان الضالة ونحوهما وغرضهما من ذلك القول أن لا يخدع خداش بما سمع من علي (عليه السلام) ورأى منه من الأمور الخارقة للعادة ويمتنع من قبوله ويحمله على السحر والكهانة المذمومين في الشرع حتى أنه يقتل بهما صاحبهما ان لم يتب كما يرشد إليه قولهما: وأنت أوثق من بحضرتنا من أنفسنا من أن تمتنع من ذلك أي من سحره وكهانته وأن تحاجه لنا حتى تقفه أي تطلعه على أمر معلوم، يقال: وقفته على ذنبه بالقاف ثم الفاء أي فعلت به ما وقف على ذنبه


= العباس وبقيت دولتهم بعد تأليفهما نحوا من ثلثمائة بل أربعمائة سنة ولم يوفق أحد منهم للحج كما اخبر به أمير المؤمنين (عليه السلام) الى انقراضهم وقد روى عن أبي بكر بن العياش في مسجد الكوفة بعد حج هارون أنه لا يوفق أحد منهم بعده فقيل له: هل تقول ذلك بالنجوم ؟ قال: لا، قيل: بالوحي ؟ قال: نعم، قيل: اوحي اليك ؟ قال: لا ولكن روى لنا من صاحب هذا المحراب، أشار الى محراب أمير المؤمنين (عليه السلام)، ومنها قوله في أهل نهروان: إن مصرعهم دون النطفة، وهو متواتر عنه (عليه السلام) وفي الصفحة 287 من غيبة الطوسي ما يشعر بأن آخر ملوك بني العباس يسمى عبد الله وهو المستعصم، وفي غيبة النعماني أن زوال دولة بني العباس من حيث بدا ملكهم أي من ناحية خراسان، وفي ما ذكرنا هنا كفاية للعاقل المتدبر في إثبات إمامة أمير المؤمنين وولايته وجميع ما نعتقده فيه جعلنا الله من أتباعه وأوليائه ورزقنا الله الاهتداء بهداه في الدنيا والنجاة بشفاعته يوم الجزاء في الآخرة. (ش) (1) قوله " يقال له خداش " قد روى في نهج البلاغة حديثا شبيها بهذه الحكاية عن رجل اسمه كليب الجرمي. (ش) (*)

[ 276 ]

وأطلعته عليه. قوله (واعلم أنه أعظم الناس دعوى) قال في المغرب: الدعوى اسم من الادعاء وألفها للتأنيث فلا تنون، يقال: دعوى باطلة أو صحيحة وجمعها دعاوى بالفتح كفتوى وفتاوى أقول: أرادا لعنهما الله أنه عظيم الدعوى الباطلة وكثير المجادلة والخصومة طلق اللسان في ذلك وحثا بذلك خداشا على الاستعداد للجواب لئلا يكسر ولا يفلت في وقته وعلى عدم الالتفات إلى قوله (عليه السلام) إن لم يظهر له جواب لعلمه مجملا بأن كل ما يدعيه باطل كما هو شأن صاحب الجهل المركب بالنسبة إلى الهادي المرشد ولذلك قالا فلا يكسرنك ذلك المذكور من الدعوى أو عظمته عنه أي عن علي (عليه السلام) ترغيبا له في مناظرته ورد دعاويه وعدم متابعة قوله أصلا سواء ظهر له فساده أم لم يظهر. قوله (ومن الأبواب التي يخدع الناس بها الطعام) لما كان المتعارف بين العرب أن كل من أكل طعام أحد ورأى منه إحسانا غير ذلك أن يرى حرمته ويراعى عزته ويجتنب مخالفته نهيا خداشا عن أكل طعامه وشرابه واستعمال عسله ودهنه والخلوة معه (عليه السلام) ليبقى له التنافر والتباعد ولا يحصل له الالفة والتقارب ويكون ذلك سببا عن رجوعه سريعا لئلا يشاهد منه (عليه السلام) أفعالا جميلة وأخلاقا شريفة توجب صرف قلبه عنهما. قوله (فاقرأ آيه السخرة) وهي * (إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض - إلى قوله تعالى رب العالمين) * من قرأها حفظ من الشياطين الجن الإنس. قوله (فلا تمكنه من بصرك) نهاه عنه لئلا يقع في قلبه محبة منه (عليه السلام) لأن النظر إلى وجهه (عليه السلام) بل إلى وجه كل صالح قد يورث المحبة منه. قوله (ولا تستأنس به) قالا ذلك لأن الأنس به (عليه السلام) قد يوجب صفاء القلب ولينة الطبع ومشاهدة كرائم أخلاقه وعظائم أفعاله وكل ذلك مفوت لمقصودهما. قوله (إن أخويك في الدين) المؤمن أخ المؤمن لقوله تعالى * (إنما المؤمنون أخوة) * وهذا حق إلا أنهما خرجا بكفرهما ومخالفتهما للإمام الحق عن الإيمان فلا يندرجان تحت الآية الكريمة. قوله (وابني عمك في القرابة) هما ابنا عمه باعتبار ارتفاع نسبهما بعد بطون إلى جد واحد، أما طلحة، فهو طلحة بن عبد الله بن عثمان بن كعب بن تيم بن مرة بن كعب ففي مرة يجتمع مع علي (عليه السلام) وكان لمرة ابن آخر غير تيم وهو كلاب بن مرة وكلاب بن مرة كان من أجداد النبي وعلي صلوات الله عليهما، وأما الزبير فهو زبير بن العوام بن خويلد بن اسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة وفي قصي يجتمع مع علي (عليه السلام) وكان لقصي ابن آخر هو عبد مناف بن قصي وهو من أجداد النبي وعلي عليهما الصلاة والسلام.

[ 277 ]

قوله (يناشدانك القطيعة) أي يسألانك بقطية الرحم ويقسمان عليك بها ويطلبان إليك بحقها وكل من نشد وناشد يتعدى إلى المفعول الثاني بالباء وبنفسه وتعديته إلى مفعولين إما لأنه بمنزلة دعوت حيث قالوا: نشدتك الله وبالله وناشدتك الله وبالله كما دعوت زيدا وبزيد أو لأنهم ضمنوه معنى ذكرت، والعجب أنهما قطعا رحم الإسلام ورحم القرابة لأغراض باطلة دنيوية ثم نسباه تمويها إليه (عليه السلام). قوله (أما تعلم أنا تركنا الناس) إشارة إلى عدم بيعتهما مع الخلفاء الثلاثة إنكارا عليهم وادعاء بأن عليا (عليه السلام) أولى بالخلافة منهم ولما مات الثالث بادرا إلى البيعة مع علي (عليه السلام) ثم نقضا بيعتهما لأغراض نذكر بعضها بعيد ذلك. قوله (فلما نلت أدنى منال ضيعت حرمتنا وقطعت رجاءنا) المنال محل النول وهو العطية والخراج، وقد يطلق عليه مجازا، وقولهما: ضيعت حرمتنا إشارة إلى ما فعله (عليه السلام) في تقسيم الخراج حيث قسم في بدء الخلافة الموجود من بيت المال على المسلمين بأن أعطى كل واحد منهم الشريف والوضيع ثلاثة دنانير ولم يفضلهما على غيرهما، ثم قسم بعد ذلك ما جمع في أيام قلائل على نحو ذلك حتى أخذ عمار بيد غلام له فقال: يا أمير المؤمنين هذا كان عبدا لي وقد اعتقته فأعطاه مثل ما أعطى عمارا أو غيره فثقل ذلك على طبعهما الخسيس، وقولهما: قطعت رجاءنا إشارة إلى ما نقل من أنهما قالا لأمير المؤمنين (عليه السلام): قد علمت جفوة عثمان لنا وميله إلى بني أمية مدة خلافته وطلبا منه أن يوليهما الكوفة والبصرة فمنعهما فسخطا وفعلا ما فعلا من نقض بيعتهما واخراجهما عائشة إلى البصرة وإغواء الخلق وإيقاد نار الحرب وكانا يلبسان على على أهل البصرة وغيرهم ويقولان: نحن نطلب منهم دم عثمان فإنه قتل ظلما، والحال أنهما كانا من جملة قاتليه وخافا من أن يطلبا بدمه إليه، أشار أمير المؤمنين (عليه السلام): والله ما أستعجل متجردا للطلب بدم عثمان إلا خوفا من أن يطالب بدمه لأنه مظنة، ولم يكن في القوم أحرص عليه منه فأراد أن يغالط فيه بما أجلب فيه ليلتبس الأمر ويقع الشك، انتهى كلامه (عليه السلام) وهو إشارة إلى ما نقلوا من أن طلحة حرض الناس على قتل عثمان وجمعهم في داره. ونقلوا أنه منع الناس ثلاثة أيام من دفنه وأن حكيم بن حزام وجبير بن مطعم استنجدا به (عليه السلام) في دفنه فأقعد لهم طلحة في الطريق اناسا يرميهم بالحجارة فخرج به نفر من أهله يريدون به حائطا في المدينة يعرف بحش كوكب وكانت اليهود تدفن فيه موتاهم، فلما صار هناك رجم سريره فهموا بطرحه، فأرسل إليهم علي (عليه السلام) فكفهم عنه حتى دفن بحش كوكب، ونقلوا أنه جادل في دفنه بمقابر المسلمين وقال: إنه ينبغي أن يدفن بدير سلع يعني مقابر اليهود، وبالجملة فهو كما قال (عليه السلام): لم يكن

[ 278 ]

في القوم أحرص منه على قتله لكنه أراد أن يغالط بما أجلب في الطلب بدمه لتلبيس الأمر وإيقاع الشك من دخوله في قتله. وقال بعض الأكابر: إن الرجلين كانا يؤملان الأمر لأنفسهما فلما صار إليه (عليه السلام) عادا إلى رجاء أن يدخلهما في أمره وأن يرفعهما في العطايا على غيرهما كما فضل الشيوخ الثلاثة بعضا على بعض وأن يشاركهما في أكثر الآراء المصلحية محبة منهما للجاه ونظرا إلى محلهما وشرفهما، لكن لما جعل (عليه السلام) دليله الكتاب العزيز والسنة النبوية وكان العالم بهما دون غيره وصاحب أسرارهما كما علمت من رجوع أكابر الصحابة والخلفاء السابقين إليه في كثير من الأمور والأحكام، لا جرم لم يكن به حاجة إلى الاستشارة فيما يقع إليه من الوقائع ولم يجوز ترجيح بعض على بعض في العطاء ولذلك تغيرا عليه، وهذا الذي ذكرناه من جملة أسباب نقض بيعتهما وخروجهما على أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام. قوله (ثم قد رأيت أفعالنا فيك وقدرتنا على النأي عنك وسعة البلاد دونك) النأي بالفتح فالسكون مصدر بمعنى البعد تقول: نأيته ونأيت عنه نأيا إذا بعدت منه، وهما أرادا بأفعالنا فيك نقض العهد وترك الطاعة وإظهار العداوة والاعتزال عن حضور الجماعة حال كونهما في المدينة من غير مبالاة به (عليه السلام) وبأصحابه، وبقدرتنا على النأي عنك قدرتهما على الخروج منها منفردين من غير خوف منه ومن أصحابه، وبسعة البلاد متابعة أهل البصرة ومن حولها لهما حتى جعلوهما أميرين لهم. والغرض من هذا الكلام هو التهديد والوعيد وإظهار التجلد والقدرة على المحاربة ولذلك أجاب (عليه السلام) في بعض كلامه حين بلوغه ذلك وأمثاله: قد كنت وما أهدد بالحرب ولا أرهب بالضرب وأنا على ما وعدني ربي من النصر. قوله (وإن من كان يصرفك عنا) ظنا أن بعض أصحابه (عليه السلام) منعه من إنجاح مطالبهما وتفويض ولاية بعض البلاد إليهما وتشريكهما في أمره وتفضيلهما في تقسيم حقوق المسلمين وذلك ظن باطل كما قال جل شأنه * (إن بعض الظن إثم) * إذ الباعث على التسوية هو الكتاب والسنة والمانع مما ذكر هو الله سبحانه إذ لم يجعل لمن في طبعه اللجاج والعناد وفي ذاته الطغيان والفساد ولاية وحكومة على العباد. قوله (وقد وضح الصبح لذي عينين) استعارة تمثيلية حيث شبها ظهور دولتهما من الافق المعنوي وهو افق الآمال بظهور الصبح من الافق الحسي في عدم خفائه لكل من له عينان صحيحان، أو شبها قلة نفع أصحابه وضعف دفعهم عنه بالنسبة إليهما بظهور الصبح فيما مر

[ 279 ]

واستعملا لفظ المشبه به في المشبه. قوله (انتهاك لنا) أي مبالغة في خرق حرمتنا وكسر شأننا ونسبة الغدر ونقض العهد وسوء العقائد إلينا. قوله (أتتخذ اللعن دينا) وهو من صفة الضعيف العاجر عن استيفاء حقه من الخصم بالطعن والضرب، والاستفهام للتوبيخ. قوله (وهو يناجي نفسه) يقرأ دون الجهر من القول ما أمراه به من آية السخرة والتعوذ من كيده (عليه السلام) وكيد الشيطان. قوله (وأشار إلى مجلس قريب منه) هذا الإعزاز لكمال خلقه وتقدم علمه بأنه خدع منهما وأنه سيرجع عنهما عند ظهور الحق عليه. قوله (الحائل بينك وبين قلبك) كما قال الله تعالى * (إن الله يحول بين المرء وقلبه) * قال المفسرون: هذا تمثيل لغاية قربه من العبد وإشعار بأنه مطلع على سرائر قلبه ما عسى أن يغفل صاحبه عنه أوحث على المبادرة إلى تخلية القلب وتصفيته قبل أن يحول الله بينه وبين صاحبه بالموت وغيره، أو تخييل لتملكه على قلبه فيفسخ عزائمه ويفسر مقاصده ويحول بينه وبين الكفران إن أراد سعادته، أو بينه وبين الإيمان إن أراد شقاوته. قوله (الذي يعلم خائنه الأعين وما تخفي الصدور) المراد بخائنة الأعين نظراتها إلى مالا ينبغي وتحريك الجفون للغمز ونحوه، وبمخفيات الصدور قصودها ومكنوناتها التي لم تجر على اللسان ولم يتعلق بالبيان. قوله (وجعل علي (عليه السلام) يكررها) أي يأمره بتكرارها وترددها ويبين غلطه إذا أخطأ في جوهر الكلمة وحركاتها ومخارج حروفها. قوله (قال الرجل ما يرى) هذا القول إما استعلام عن سبب التكرار أو تعجب منه والسبب حصول الاطمينان لقلبه مما أحدثا فيه بالسحر ونحوه ورفع اضطرابه وقلقه من خدعتهما وفيه دلالة على أن قراءة هذه الآية سبعين مرة يوجب صفاء القلب واطمئنانه ورفع شكه ووساوسه. قوله (وإن كان النسب مقطوعا إلا ما وصله الله بالإسلام) يريدان القرابة التي وجبت رعايتها في الدنيا والآخرة هي القرابة الدينية وهي ما به الارتباط بين المؤمنين كما قال جل شأنه: * (إنما المؤمنون إخوة) * وأما القرابة النسبية بدون روابط الإسلام والوصل بالإيمان فلا تنفع في الدنيا والآخرة ولا يجب رعايتها فيهما أما في الآخرة فظاهر. وأما في الدنيا فلأنه قتل كثير من المؤمنين أقرباءه لأجل المخالفة في الدين.

[ 280 ]

قوله (فإن كنتما صادقين) هذا الذي ذكره (عليه السلام) لا مفر لهما بالجواب عنه، والفرق بين التقديرين أنهما على الثاني لم يؤمنا أصلا وعلى الأول آمنا ثم كفرا، وليس لهما على التقدير الأول نسبة المفارقة عن كتاب الله والخروج عن الدين إليه (عليه السلام) لاعترافهما بأنه على الدين حيث قالا: أن أخويك في الدين، حيث جعلاه أصلا فيه وادعيا أنهما أخويه (؟) فيه. قوله (وأما مفارقتكما الناس) أي لأجلي كما يدل عليه قولهما " أما تعلم أنا تركنا الناس لك وخالفنا عشائرنا فيك " وقوله (عليه السلام): فقد نقضتما ذلك الحق بفراقكما إياي أخيرا، فعلى هذا ليس لهما أن يقولا: نحن نختار الشق الأول ونقول إنا فارقناهم بحق والحق لغيرك فلا يلزم من فراقنا إياك نقضنا ذلك الحق. قوله (فإن كنتما فارقتماهم بحق) هذا أيضا ظاهر الورود عليهما ولا مفر لهما بالجواب عنه ولا فرق بين التقديرين في أنه يلزمهما مفارقة الحق إلا أن الحق في الأول علي بن أبي طالب (عليه السلام) وفي الثاني من سبقه، ثم هذا على سبيل الإلزام وإلا فالواقع هو الشق الأول والحق هو (عليه السلام). قوله (مع الحدث الذي أحدثتما) وهو إخراج زوجة الرسول (صلى الله عليه وآله) وإحداث الفتنة بين المسلمين والخروج على الإمام العادل فلزمكما الإثم من وجهين. قوله (مع ان صفتكما بمفارقتكما الناس لم يكن إلا لطمع الدنيا زعمتما) كذبهما فيما ادعيا من أن مفارقتنا الناس كانت لأجل أن الحق لك، بأن مفارقتكما إنما كانت لطمع الدنيا، والدليل على ذلك قولكما: فقطعت رجاءنا، ورجاؤكما كان في زهرات الدنيا وهذا يؤيد ما ذكره بعض الأكابر وأشرنا إليه سابقا من أنهما كانا يؤملان الأمر لأنفسهما فلما صار الأمر إلى علي (عليه السلام) عادا إلى رجاء أن يدخلهما في أمره ويرفعهما في العطاء على غيرهما ويشاركهما في الآراء محبة منهما للجاه، وبالجملة كلامهما أيضا مشتمل على التناقض لدلالة أوله على أن المفارقة كانت لطلب الحق ودلالة آخره على أنها كانت لطمع الدنيا ورجائها. قوله (وأما الذي صرفني عن صلتكما فالذي صرفكما عن الحق) يعني أن الصارف هو الله تعالى فلا تقولا بعدما عرفتما أنه الصارف هو أقل نفعا وأضعف دفعا منكما فإن قلتما ذلك تستحقا اسم الشرك مع النفاق وفيه دلالة على أنهما بقولهما ذلك سابقا لم يستحقا اسم الشرك بناء على أن الجاهل معذور، لا يقال: نسبة صرفهما عن الحق إلى الله تعالى إنما يتم على مذهب الجبرية، لأنا نقول: صرفهما من فعلهما أو فعل الشيطان لكن صدوره عنهما لما كان بإقداره تعالى نسب إليه مجازا من باب نسبة الفعل إلى السبب البعيد، أو نقول: لما تمكن الصرف عن الحق في قلبهما بحيث لم يمكن رفعه عنه إلا بالقسر ثم لم يقسر رعاية لغرض التكليف عبر عن ترك القسر بالصرف

[ 281 ]

إلى غير ذلك من التوجيهات التي قالوا في * (ختم الله على قلوبهم) * وأمثاله ويمكن أن يقال: المراد من هذه العبارة أن الذي صرفني عن صلتكما وتفويض البلاد إليكما هو الذي صرفكما عن الحق من أفعالكما القبيحة وصفاتكما الذميمة التي سلبت عنكما قابلية الصلة والولاية على المسلمين، ثم أشار بقوله " وهو الله ربي " إلى أن صارفه (عليه السلام) عن الصلة هو الله تعالى وإن كان صرفه تعالى مستند إلى ما هو صارفهما من أفعالهما وصفاتهما، وعلى هذا لا يرد ما ذكر، فتأمل. قوله (كما يخلع الحرون) شبه نفوسهما بالفرس الحرون في عدم الانقياد لصاحبه، قال الجوهري: فرس حرون: لا ينقاد، إذا اشتد به الجري وقف. قال صاحب المغرب: حرن الفرس: وقف ولم ينقد. قوله (وهو الله ربي لا أشرك به شيئا) أي الذي صرفني عن صلتكما هو الله ربي لأنه لم يجعل للفاسق المنافق حرمة، وقوله: لا أشرك، تعريض بهما. قوله (فإن لكل موقف عملا) العمل عند تلاقي الصفوف والمحاربة مع أعداء الدين هو التجلد وإظهار الشجاعة، وعند تباعدهم وعدم إمكان محاربتهم هو اللعن عليهم والبراءة منهم كما هو المعروف في النهي عن المنكر، وهذا لا ينافي الشجاعة ولا يكون من عجز وضعف. قوله (وماجت لبود الخيل) أي اضطربت لشدة الجري واللبود جمع اللبد وهو شعر متراكم بين كتفي الفرس. قوله (وملأ سحرا كما أجوافكما) السحر الرئة والجمع أسحار مثل برد وأبراد وكذلك السحر والجمع سحور مثل فلس وفلوس وقد يحرك فيقال: سحر مثل نهر ونهر لمكان حروف الحلق، ويقال: للجبان قد انتفخ سحره لأن الرئة تنتفخ عند الخوف. قوله (وأما إذا أبيتما إلى قوله: زعمتما) يعني إنكما زعمتما إني رجل ساحر من قوم سحرة ودعاء الساحر لا أثر له فلا تجزعا من دعائي عليكما. قوله (اللهم أقعص الزبير) يقال أقصعه إذا قتله قتلا سريعا وقد استجاب الله تعالى دعاءه (عليه السلام) فإن الزبير خرج من المعركة في ابتداء القتال هاربا فلحقه رجل من بني تميم وقتله، وطلحة قتل في ابتدائه في المعركة وكفى الله تعالى شرهما من المسلمين فلما قتلا انهزم أكثر الناس وبقيت عائشة مع الذين معها من الأزد وضبة وهي تنادي في الهودج على الجمل أصحابها وتحرضهم على القتال حتى قتلوا أكثرهم وعقر جملها وتفرق من بقي منهم فأخذت عائشة وحملها محمد بن أبي بكر في الليل إلى البصرة ثم منها إلى المدينة بأمر أمير المؤمنين (عليه السلام). قوله (إن كانا ظلماني وافتريا علي كتما شهادتهما) لعل المراد بالظلم هو مخالفتهما له (عليه السلام)

[ 282 ]

ونقض بيعته وإنكار خلافته وبالافتراء ما ادعيا من نسبة قتل عثمان إليه (عليه السلام) مع أنهما قتلاه وحثا الناس على قتله كما هو المشهور، وبكتمان الشهادة كتمان ما سمعاه من النبي (صلى الله عليه وآله) في وصف علي (عليه السلام) وقد نقلوا أنه (عليه السلام) طلب الزبير بين الصفين فقال له: أما تذكر يا زبير يوم لقيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) في بني ضبة وهو راكب على حمار فضحك إلي وضحكت إليه فقال: أتحبه يا زبير ؟ فقلت: والله إني لأحبه فقال: أما إنك ستقاتله وإنك له ظالم ولينصرن عليك ؟ فقال: استغفر الله لو ذكرت هذا ما خرجت، ثم نادى على طلحة بعد أن رجع الزبير فقال له: أما سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول في: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وأنت أول من بايعني ثم نكثت وقد قال الله تعالى * (فمن نكث فإنما ينكث على نفسه) * ؟ فقال: استغفر الله ثم رجع. قوله (لم يجعل الله لها مساكا) أي لم يجعل الله لها ما يعتصم به من الخير وما يمسك به بعضها بعضا من الروابط. * الأصل: 2 - علي بن محمد ومحمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، وأبو علي الأشعري، عن محمد بن حسان جميعا، عن محمد بن علي، عن نصر بن مزاحم، عن عمرو بن سعيد، عن جراح بن عبد الله، عن رافع ابن سلمة قال: كنت مع علي بن أبي طالب صلوات الله عليه يوم النهروان، فبينا علي (عليه السلام) جالس إذ جاء فارس فقال: السلام عليك يا علي، فقال له علي (عليه السلام): وعليك السلام، مالك - ثكلتك أمك - لم تسلم علي بأمرة المؤمنين ؟ قال: بلى سأخبرك عن ذلك، كنت إذ كنت على الحق بصفين فلما حكمت الحكمين برئت منك وسميتك مشركا. فأصبحت لا أدري إلى أين أصرف ولايتي والله لأن أعرف هداك من ضلالتك أحب إلي من الدنيا وما فيها. فقال له: علي (عليه السلام): ثكلتك أمك، قف مني قريبا أريك علامات الهدى من علامات الضلالة، فوقف الرجل قريبا منه فبينما هو كذلك إذ أقبل فارس يركض حتى أتى عليا (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين: أبشر بالفتح أقر الله عينك، قد والله قتل القوم أجمعون، فقال له: من دون النهر أو من خلفه ؟ قال: بل من دونه، فقال: كذبت والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لا يعبرون أبدا حتى يقتلوا، فقال الرجل: فازددت فيه بصيرة، فجاء آخر يركض على فرس له فقال له مثل ذلك فرد عليه أمير المؤمنين (عليه السلام) مثل الذي رد على صاحبه، قال الرجل الشاك: وهممت أن أحمل على علي (عليه السلام) فأفلق هامته بالسيف ثم جاء فارسان يركضان قد أعرقا فرسيهما فقالا: أقر الله عينك يا أمير المؤمنين أبشر بالفتح قد والله قتل القوم أجمعون، فقال علي (عليه السلام): أمن خلف النهر أو من دونه ؟ قالا: لا بل من خلفه إنهم لما اقتحموا خيلهم النهروان وضرب الماء لبات خيولهم رجعوا

[ 283 ]

فأصيبوا، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) صدقتما، فنزل الرجل: عن فرسه فأخذ بيد أمير المؤمنين (عليه السلام) وبرجله فقبلهما، فقال علي (عليه السلام) هذه لك آية. * الشرح: قوله (نصر بن مزاحم) بالصاد المهملة كوفي مستقيم الطريقة صالح من أصحاب الباقر (عليه السلام). قوله (جراح بن عبد الله) بالجيم أولا والحاء المهملة آخرا من أصحاب الباقر (عليه السلام). قوله (عن رافع بن سلمة) كأنه رافع بن سلمة الاشجعي الكوفي وهو ثقة من ثبت الثقات وعيونهم وهو كان معمرا لأنه روى عن الباقر والصادق (عليهما السلام). قوله (يوم النهروان) هو بفتح النون والراء: بلد اجتمع فيه الخوارج وتعاهدوا على القتال والخروج. قوله (إذ جاء فارس) قيل: هو جندب بن عبد الله الأزدي. قوله (ثكلتك أمك) في النهاية: أنه قال لبعض أصحابه: ثكلتك أمك أي فقدتك والثكل فقد الولد وامرأة ثاكل وثكلى ورجل ثاكل وثكلان كأنه دعا عليه بالموت لسوء فعله أو قوله، والموت يعم كل أحد فإذا الدعاء عليه كلا دعاء، أو أراد: إذا كنت هكذا فالموت خير لك لئلا تزداد سوء، ويجوز أن يكون من الألفاظ التي تجري على ألسنة العرب ولا يراد بها الدعاء كقولهم: تربت يداك، وقاتلك الله. قوله (كنت إذ كنت على الحق بصفين) يحتمل أن يكون على الحق متعلقا بالفعلين على سبيل التنازع والفعل الأول على صيغة المتكلم والثاني على صيغة الخطاب، ويحتمل أن يكون متعلقا بالأخير وخبر الأول محذوف والفعلان كما مر أي كنت قائلا بإمارتك إذ كنت على الحق ولا يبعد أن يكون الفعلان على صيغة المتكلم ويكون إذ كنت معمولا للأول فليتأمل. قوله (فلما حكمت الحكمين برئت منك) لم يكن (عليه السلام) راضيا بالتحكيم وقد غلب عليه أكثر أصحابه حتى أذن لهم به كرها فوقع ما وقع، بيان سبب ذلك مجملا أن معاوية لما أحس بالغلبة لعلي (عليه السلام) ليلة الهرير راجع عمرو بن العاص في كيفية الخلاص، فقال: هيأت لك رأيا لمثل هذا الوقت وهو أن تأمر أصحابك برفع المصاحف على الرماح وتدعو أصحاب علي إلى المحاكمة إلى كتاب الله فإنهم إن فعلوا افترقوا وإن لم يفعلوا افترقوا، وكان الاشتر صبيحة تلك الليلة قد أشرف على الظفر فلما اصبحوا رفعوا المصاحف على أطراف الرماح وكان عددها خمسمائة مصحف ورفعوا مصحف المسجد الأعظم على ثلاثة أرماح مشدودة يمسكها عشرة رهط ونادوا بأجمعهم: الله الله معشر العرب في النساء والبنات، الله الله في دينكم، هذا كتاب الله بيننا وبينكم، فاختلف

[ 284 ]

أصحابه (عليه السلام) فقال طائفة: القتال القتال وقال أكثرهم: المحاكمة إلى الكتاب ولا يحل لنا الحرب وقد دعينا إلى حكم الكتاب، فقال (عليه السلام) " أيها الناس إني أحق من أجاب إلى كتاب الله ولكن معاوية وعمرو بن العاص وابن أبي معيط ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن إني أعرف بهم منكم، ويحكم إنها كلمة حق يراد بها باطل وإنهم رفعوها للخدعة والمكر والوهن، أعينوني ساعة واحدة فقد بلغ الحق مقطعه ولم يبق إلا أن يقطع دابر القوم الظالمين " فجاء عشرون ألفا من أصحابه (عليه السلام) ونادوه باسمه دون أمير المؤمنين: أجب القوم إلى كتاب الله إذا دعيت وإلا قتلناك كما قتلنا عثمان، فقال (عليه السلام) ويحكم أنا أول من أجاب كتاب الله وأول من دعا إليه فكيف لا أقبله وإنما قاتلتهم ليدينوا بحكم القرآن ولكني قد أعلمتكم أنهم قد كادوكم وليس العمل بالقرآن يريدون، فقالوا: ابعث إلى الاشتر يأتيك، فبعث إليه فرجع على كره منه ونادى المجيبون إلى الحكومة من كل جانب: رضي أمير المؤمنين بالتحكيم وكتبوا عهدا على الرضا فلما كتبوه خرج بعض أصحابه (عليه السلام) وهم خوارج النهروان وقالوا: نهيتنا عن الحكومة ثم أمرتنا بها فما ندري أي الأمرين أرشد، وغرضهم من ذلك القول إظهار أنك شاك في إمامة نفسك فنحن أولى به منك، ووقعوا في شبهة وأصروا فيها حتى اتخذوها يقينا وبنوا عليها ما بنوا وفعلوا ما فعلوا حتى قتلوا طائفة من المؤمنين وقتلوا إلا تسعة انتشروا في البلاد وبقي آثارهم إلى الآن. قوله (قف مني قريبا أريك) في بعض النسخ " أرك " بالجزم لوقوعه بعد الأمر. قوله (علامات الهدى من علامات الضلالة) اللام عوض عن المضاف إليه أي علامات هداي من علامات ضلالتي بقرينة قول ذلك الرجل: لئن أعرف هدايتك من ضلالتك وما أراه علامات لا علامة واحدة ولذلك أتى بصيغة الجمع والمراد بعلامات الهدى علامات الإمامة وبعلامات الضلالة علامات عدمها وهي التي استدل بها الخوارج على أنه ليس بإمام، ثم المراد بإرادة تلك من هذه إفادة أن هذه ليست من علامات الضلالة لأنها لا تجتمع مع ضدها ولا تكون منشأ له ويحتمل تضمين معنى التميز، فليتأمل. قوله (فقال من دون النهر أو من خلفه) أي من بعد تجاوز النهر والعبور عنه أو من خلفه قبل العبور. قوله (والذي فلق الحبة وبرأ النسمة) أي الذي شق الحبة للانبات وخلق ذات الروح، وكثيرا كان (عليه السلام) يقولها إذا اجتهد في يمينه لكونها من أخص صفاته تعالى. قوله (فازددت فيه بصيرة) أي في خطئه وضلالته لإنكاره من أخبرنا بأمر محسوس وادعى علم الغيب بخلافه.

[ 285 ]

قوله (فأفلق هامته) أي فأشق رأسه، والهامة الرأس والجمع هام. قوله (لما اقتحموا خيلهم النهروان) أي أدخلوها فيه من غير روية وتثبت خوفا من عساكره (عليه السلام) يقال: أقحم فرسه النهر فانقحم واقتحم النهر أيضا دخله. كذا في الصحاح، وفي بعض النسخ فلما امتحنوا. قوله (وضرب الماء لبات خيولهم) لبة الفرس صدره والجمع لبات مثل حبة وحبات، واللبب محركة من سيور السرج ما يقع على اللبة، كذا في المصباح. قوله (فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) صدقتما) أي صدقتما في أنهم اصيبوا من خلف النهر، وقد نقل أنهم اصيبوا إلا تسعة سلموا وتفرقوا في البلاد فانهزم اثنان منهم إلى عمان واثنان إلى كرمان واثنان إلى سجستان واثنان إلى الجزيرة وواحد إلى تل مورون (موزن ظ) وظهرت بدعتهم في أطراف البلاد بعده وأصيب من أصحابه (عليه السلام) ثمانية، وأشار أمير المؤمنين (عليه السلام) حين عزم الخوارج وقيل له انهم عبروا النهروان بقوله: إن مصارعهم دون النطفة يعني بها ماء النهر، والله لا يفلت منهم عشرة ولا يهلك منكم عشرة فوجدوا المفلت منهم تسعة والمقتول من أصحابه ثمانية وهذه أيضا آية من آياته وكرامة من كراماته. * الأصل: 3 - علي بن محمد، عن أبي علي محمد بن إسماعيل بن موسى بن جعفر، عن أحمد بن القاسم العجلي، عن أحمد بن يحيى المعروف بكرد، عن محمد بن خداهي، عن عبد الله بن أيوب، عن عبد الله بن هاشم، عن عبد الكريم بن عمرو الخثعمي، عن حبابة الوالبية قالت: رأيت أمير المؤمنين (عليه السلام) في شرطة الخميس ومعه درة لها سبابتان يضرب بها بياعي الجري والمار ماهي والزمار ويقول لهم: يا بياعي مسوخ بني إسرائيل وجند بني مروان، فقام إليه فرات بن أحنف فقال: يا أمير المؤمنين وما جند بني مروان ؟ قال: فقال له: أقوام حلقوا اللحى وفتلوا الشوارب فمسخوا، فلم أر ناطقا أحسن نطقا منه، ثم أتبعته فلم أزل أقفوا أثره حتى قعد في رحبة المسجد، فقلت له: يا أمير المؤمنين ما دلالة الإمامة يرحمك الله ؟ قالت: فقال أئتيني بتلك الحصاة - وأشار بيده إلى حصاة - فأتيته بها فطبع لي فيها بخاتمة، ثم قال لي: يا حبابة إذا ادعى مدع الإمامة، فقدر أن يطيع كما رأيت، فاعلمي أنه إمام مفترض الطاعة، والإمام لا يعزب عنه شئ يريده، قالت: ثم انصرفت حتى قبض أمير المؤمنين (عليه السلام) فجئت إلى الحسن (عليه السلام) وهو في مجلس أمير المؤمنين (عليه السلام) والناس يسألونه فقال: يا حبابة الوالبية، فقلت: نعم يا مولاي، فقال: هاتي ما معك قالت: فأعطيته فطبع فيها كما طبع أمير

[ 286 ]

المؤمنين (عليه السلام)، قالت: ثم أتيت الحسين (عليه السلام) وهو في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقرب ورحب، ثم قال لي: إن في الدلالة دليلا على ما تريدين أفتريدين دلالة الإمامة ؟ فقلت: نعم يا سيدي فقال: هاتي ما معك، فناولته الحصاة فطبع لي فيها، قالت: ثم أتيت علي بن الحسين (عليهما السلام) وقد بلغ بي الكبر إلى أن أرعشت وأنا أعد يومئذ مائة وثلاث عشرة سنة فرأيته راكعا وساجدا ومشغولا بالعبادة فيئست من الدلالة، فأومأ إلي بالسبابة فعاد إلي شبابي قالت: فقلت: يا سيدي. كم مضى من الدنيا وكم بقي ؟ فقال: أما ما مضى فنعم، وأما ما بقي فلا، قالت: ثم قال لي: هاتي ما معك فأعطيته الحصاة فطبع لي فيها، ثم أتيت أبا جعفر (عليه السلام) فطبع لي فيها، ثم أتيت أبا عبد الله (عليه السلام) فطبع لي فيها، ثم أتيت أبا الحسن موسى (عليه السلام) فطبع لي فيها ثم أتيت الرضا (عليه السلام) فطبع لي فيها. وعاشت حبابة بعد ذلك تسعة أشهر على ما ذكره محمد بن هشام. * الشرح: قوله (في شرطة الخميس) الخميس: الجيش، سمي به لأنه يقسم بخمسة أقسام: المقدمة والساقة والميمنة والميسرة والقلب، وقيل: لأنه تخمس فيه الغنائم، والشرطة بالسكون والحركة أول كتيبة تحضر الحرب وخيار جند السلطان ونخبة أصحابه الذين يقدمهم على غيرهم من جنده وهم الأمراء، والجمع شرط مثل غرفة وغرف، والشرطي بالسكون والحركة منسوب إلى الشرطة لا إلى الشرط لأنه جمع. قوله (ومعه درة لها سبابتان) أي شقتان والدرة بالكسرة التي يضرب بها. قوله (يضرب بها بياعي الجري والمارماهي) في المغرب: الجري الجريث وهو ضرب من السمك، وفي النهاية: الجريث: نوع من السمك يشبه الحيات، ويقال لها بالفارسية مار ماهي والمفهوم منهما أن الجري والمار ماهي واحد ومن هذا الحديث أنهما نوعان متغايران. قوله (فمسخوا) المسخ قلب الخلقة من شئ إلى شئ آخر وتبديل صورة إلى صورة اخرى وفيه دلالة على أن حلق اللحية كان حراما في الشريعة السابقة، وأما في هذه الشريعة فلا دلالة فيه عليه، نعم في بعض الروايات دلالة عليه وإن كان في السند كلام (1).


(1) قوله " وان كان في السند كلام " يدل على توقف الشارح في حرمة حلق اللحية للشك في سند الرواية الدالة عليه، والحق انه لا ينبغي الترديد في صدور ما روي في ذلك عن النبي (صلى الله عليه وآله) من جهة الإسناد لاتفاق الرواة من العامة والخاصة على نقله وشهرته بينهم وقيام القرائن عليه وليس مثل هذه الواقعة مما يخفى على الناس أو يحتمل اختراع اوهام الرواة له إذ لم يختلف أهل السيرة والمؤرخون في أن جماعة من مجوس العجم جاءوا رسلا من جانب أمير اليمن لتبليغ رسالة سلطان العجم وكلموه (صلى الله عليه وآله) بما هو خارج عن قانون الادب فوق رتبتهم = (*)

[ 287 ]

قوله (حتى قعد في رحبة المسجد) الرحب بالضم السعة والرحبة، بفتح الراء وتسكين الحاء وتحريكها أحسن، الصحراء بين أفنية القوم ورحبة المسجد ساحته وقد يسمى بها ما يتخذ على أبواب بعض المساجد من حظيرة أو دكان. قوله (والإمام لا يعزب عنه شئ يريده) لأن الإمام يد الله وقدرته فكما لا يعزب شئ عن قدرة الله ولا تعجز قدرته عنه فكذلك لا يعزب شئ عن الإمام. قوله (فقالت نعم يا مولاي) هكذا في أكثر النسخ، وفي بعضها: فقلت: نعم، وهو الأظهر وفي الأول لابد من تكلف بعيد. قوله (ورحب) رحب له ترحيبا إذا قال: مرحبا أي أتيت سعة ولقيتها. قوله (إن في الدلالة دليلا) أي أن لنا دليلا في دلالتك على ما تريدين من أمر الإمامة. قوله (إلى أن ارعشت) أرعشت على البناء للمفعول، يقال: رعش بالكسر وارتعش أي ارتعد وأرعشه الله فارتعش. قوله (أما ما مضى فنعم) أي إماما مضى من الدنيا فنعم هو معلوم لنا وكان بينه لها ولم تذكره هي وأماما بقي فلا نعلمه لأن عنده علم الساعة ويحتمل أن يكون المراد ان السؤال عما مضى نعم


= ومقدرتهم ومقدارهم إذ كان شأن ملك العجم أن يتواضع ويتذلل عند من بعثه الله لكسر الاصنام وازالة التماثيل وقهر الجبابرة لكن هتكوا جلباب الحياء فقالوا: إن ملك الملوك يعنون ابرويز يأمرك أن تترك ما تدعيه من النبوة وإلا فعلنا بك ما فعلنا ولو كان المخاطب في مثل هذا الكلام من غير الأنبياء لواجههم بالسخرية والإستهزاء مثلا لو قال جاهل لطبيب حاذق معترضا عليه: إني اعالج السل المزمن في ثلاثة أيام وأنت لا تقدر على ذلك لقال الطبيب له مستهزئا سرح لحيتك واغسل وجهك حتى يزول عنك اثر النوم والنعاس ويجتمع حواسك وامثال ذلك لكن جل مقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن اللغو فكلمهم بحق يفيد فائدة الهزء معترضا على زيهم فقال لهم ماهذا الزي والهيئة حلقتم اللحى وفتلتم الشوارب ؟ فقالوا: امرنا ربنا بذلك قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لكن أمرني ربي بالعكس باعفاء اللحى واحفاء الشوارب، وبالجملة فصدوره من النبي (صلى الله عليه وآله) مسلم ولا ينبغي الشك في اسناده، وإنما يخالف من يخالف في دلالته على الحرمة لأن قص الشوارب مستحب غير واجب وبحسب السياق إعفاء اللحى مثله وقال الطيبي في شرح المشكاة وهو من اعاظم علماء العامة: قصر اللحية من صنع الأعجام وهو اليوم شعار كثير من المشركين كالافرنج والهنود ومن لا خلاق له في الدين من الفرق الموسومة بالقلندرية طهر الله حوزة الدين عنهم، وقال النووي في شرح صحيح مسلم: ويكره حلقها أي اللحية وقصها وتحريفها، واما الاخذ من طولها وعرضها بقدر التحسين فحسن ويكره الشهرة في تعظيمها كقصها انتهى. فحلق اللحى عند هؤلاء من قبيل ترك الشعار كان يسمى الشيعي ابنه يزيد ومعاوية أو المسلم بنته اليصابات وحنة أو يشتغل يوم الجمعة ويعطل يوم الاحد ونقل في مجمع البحرين الخلاف في ذلك ولم نر في كلام فقهائنا تنقيح البحث فيه إلا عند المتأخرين (ش). (*)

[ 288 ]

له صورة لأن الواقع معلوم، وأما السؤال عما بقي فلا صورة له وذلك اما لاختصاص علمه بالله سبحانه أو لعدم المصلحة لإظهاره. قوله (وعاشت حبابة بعد ذلك تسعة أشهر) قال الفاضل الاسترآبادي كان عمرها مأتي سنة. * الأصل: 4 - محمد بن أبي عبد الله وعلي بن محمد، عن إسحاق بن محمد النخعي، عن أبي هاشم داود بن القاسم الجعفري قال: كنت عند أبي محمد (عليه السلام) فاستؤذن لرجل من أهل اليمن عليه، فدخل رجل عبل، طويل جسيم فسلم عليه بالولاية فرد عليه بالقبول وأمره بالجلوس، فجلس ملاصقا لي، فقلت في نفسي: ليت شعري من هذا ؟ فقال أبو محمد (عليه السلام): هذا من ولد الأعرابية صاحبة الحصاة التي طبع آبائي (عليهم السلام) فيها بخواتيمهم فانطبعت وقد جاء بها معه يريد أن أطبع فيها، ثم قال: هاتها فأخرج حصاة وفي جانب منها موضع أملس، فأخذها أبو محمد (عليه السلام) ثم أخرج خاتمه فطبع فيها فانطبع فكأني أرى نقش خاتمه الساعة " الحسن بن علي " فقلت لليماني: رأيته قبل هذا قط ؟ قال: لا والله وإني لمنذ دهر حريص على رؤيته حتى كأن الساعة أتاني شاب لست أراه فقال لي: قم فادخل، فدخلت، ثم نهض اليماني وهو يقول (رحمه الله): رحمة وبركاته عليكم أهل البيت، ذرية بعضها من بعض أشهد بالله أن حقك لواجب كوجوب حق أمير المؤمنين (عليه السلام) والأئمة من بعده صلوات الله عليهم أجمعين، ثم مضى فلم أره بعد ذلك، قال إسحاق: قال أبو هاشم الجعفري: وسألته عن اسمه فقال اسمي مهجع بن الصلت بن عقبة بن سمعان بن غانم بن أم غانم وهي الأعرابية اليمانية، صاحبة الحصاة التي طبع فيها أمير المؤمنين (عليه السلام) والسبط إلى وقت أبي الحسن (عليه السلام). * الشرح: قوله (رجل عبل) في النهاية: رجل عبل أي ضخم، وفي الصحاح: رجل عبل الذراعين أي ضخمها وفرس عبل الشوى أي غليظ القوائم وقد عبل بالضم عبالة وامرأة عبلة تامة الخلق. قوله (الحسن بن علي) مفعول ثان لأرى وبيان لنقش خاتمه (عليه السلام). قوله (رأيته قبل هذا قط) الغرض من هذا السؤال أن يعلم أن قوله (عليه السلام): إنه من ولد الأعرابية صاحب الحصاة وأنه جاء بها يريد أن اطبع فيها، من باب كراماته (عليه السلام) وأن ينبه به ذلك الرجل أيضا. قوله (والسبط إلى وقت أبي الحسن (عليه السلام)) السبط وهو ولد الولد عطف على أمير المؤمنين (عليه السلام) أي فطبع فيها سبط أمير المؤمنين إلى وقت أبي الحسن الثاني الرضا (عليهم السلام) وإرادة أبي الحسن الثالث

[ 289 ]

الهادي (عليه السلام) محتملة احتمالا بعيدا (1). * الأصل: 5 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن علي بن رئاب، عن أبي عبيدة، وزرارة جميعا، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لما قتل الحسين (عليه السلام) أرسل محمد بن الحنفية إلى علي بن الحسين (عليهما السلام) فخلا به فقال له: يا ابن أخي قد علمت أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) دفع الوصية والإمامة من بعده إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) ثم إلى الحسن (عليه السلام)، ثم إلى الحسين (عليه السلام) وقد قتل أبوك رضي الله عنه وصلى على روحه ولم يوص وأنا عمك وصنو أبيك وولادتي من علي (عليهما السلام) في سني وقديمي أحق بها منك في حداثتك، فلا تنازعني في الوصية والإمامة ولا تحاجني، فقال له علي بن الحسين (عليهما السلام): يا عم اتق الله ولا تدع ما ليس لك بحق إني أعظك أن تكون من الجاهلين إن أبي يا عم صلوات الله عليه أوصى إلي قبل ان يتوجه إلى العراق وعهد إلي في ذلك قبل أن يستشهد بساعة، وهذا سلاح رسول الله (صلى الله عليه وآله) عندي، فلا تتعرض لهذا فإني أخاف عليك نقص العمر وتشتت الحال، إن الله عز وجل جعل الوصية والإمامة في عقب الحسين (عليه السلام) فإذا أردت أن تعلم ذلك فانطلق بنا إلى الحجر الأسود حتى نتحاكم إليه ونسأله عن ذلك. قال أبو جعفر (عليه السلام): وكان الكلام بينهما بمكة، فانطلقا حتى أتيا الحجر الأسود، فقال علي بن الحسين لمحمد بن الحنفية: ابدأ أنت فابتهل إلى الله عز وجل وسله ان ينطق لك الحجر ثم سل، فابتهل محمد في الدعاء وسأل الله ثم دعا الحجر، فلم يجبه فقال علي بن الحسين (عليه السلام): يا عم لو كنت وصيا وإماما لأجابك، قال له محمد: فادع الله أنت يا ابن أخي وسله: فدعا الله علي بن الحسين (عليه السلام) بما أراد ثم قال: أسألك بالذي جعل فيك ميثاق الأنبياء وميثاق الأوصياء وميثاق الناس أجمعين لما أخبرتنا من الوصي والإمام بعد الحسين بن علي (عليهما السلام) قال: فتحرك الحجر حتى كاد أن يزول عن موضعه، ثم أنطقه الله عز وجل بلسان عربي مبين، فقال: اللهم إن الوصية والإمامة بعد الحسين بن علي (عليهما السلام) إلى علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وابن فاطمة بنت


(1) قوله " محتملة احتمالا بعيدا " صريح الرواية السابقة أن حبابة الوالبية كانت نفسها حية من زمن أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى عصر الرضا (عليه السلام) وكانت لها مائة وثلاث عشرة سنة في زمان زين العابدين (عليه السلام) فلم تكن سنها أقل من مائتين وثلاثين سنة عند رحلة موسى بن جعفر وإمامة الرضا (عليهم السلام)، ولكن يحتمل أن بعض أبنائها جاء بالحصاة بعد موتها إلى أبي جعفر الجواد وأبي الحسن الثالث (عليهما السلام) وجاء بعده هذا الرجل اليماني إلى العسكري (عليه السلام) إذ ليس في هذه الرواية أن حبابة نفسها كانت تأتي بالحصاة إلى الأئمة (عليهم السلام) فيحتمل أن يكون تأتي إلى بعضهم بنفسها وإلى بعضهم بعض أولادها. (ش) (*)

[ 290 ]

رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: فانصرف محمد بن علي وهو يتولى علي بن الحسين (عليهما السلام). علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) مثله. * الشرح: قوله (وقد قتل أبوك رضي الله عنه وصلى على روحه ولم يوص) هذا القول مستغرب من وجوه: أحدها أنه شهادة على النفي ولا عبرة بها عقلا وشرعا وثانيها أنه معترف بأن الإمامة بالوصاية ولم يدع أن أحدا أوصى إليه بها فكيف يدعيها لنفسه، وثالثها أنه قد أوصى أبوه علي بن أبي طالب (عليه السلام) بحضرته إلى علي بن الحسين (عليهما السلام) كما مر في باب الإشارة والنص على الحسن بن علي (عليهما السلام)، ويحتمل أن يكون هذه المناظرة لأجل إثبات الحق لعلي بن الحسين (عليهما السلام) لتعلم الشيعة أنه الإمام لا هو ولا ينخدعوا بأنه أكبر وأقرب من علي (عليه السلام). ويؤيده ما نقل عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: إن المحامدة تأبى أن يعصى الله عز وجل وعد منهم ابنه محمد بن الحنفية. قوله (وصنو أبيك) في الصحاح: إذا خرج نخلتان أو ثلاث من اصل واحدة فكل واحد منهن صنو والاثنتان صنوان. والجمع صنوان برفع النون، وفي الحديث: عم الرجل صنو أبيه، وفي النهاية: الصنو المثل وأصله أن تطلع نخلتان عن عرق واحد ومقصوده من هذا القول أن أنا وأباك من اب واحد وهو مثلي وأنا مثله فكما هو كان مستحقا للامامة فكذلك أنا مستحق لها، وهذا الاستدلال باطل لأن كون الرجلين من اب واحد لا يستلزم تساويهما في الصفات المعتبرة في الإمامة، ولهذا أمثلة جزئية كثيرة، وهذا أيضا من جملة العجائب عن مثله. قوله (إن أبي يا عم صلوات الله عليه أوصى إلي) أشار (عليه السلام) إلى أنه أحق بالإمامة منه لأمرين معتبرين في الإمام أحدهما الوصية، والثاني وجود سلاح النبي (صلى الله عليه وآله) عنده وأنهما له. قوله (فإني أخاف عليك نقص العمر وتشتت الحال) يحتمل أن يكون سبب النقص والتشتت معصية الإمام ومخالفته فدل على أن العصيان سبب لذلك وأن يكون سببهما القتل وتغلب الاعادي كما كان في زيد وامثاله ممن ادعى الخلافة وخرج فقتل. قوله (ابدأ أنت فابتهل) الابتهال أن تمد يديك جميعا، وأصله التضرع والمبالغة في السؤال والإخلاص فيه. قوله (أسألك بالذي جعل فيك ميثاق الأنبياء) إشارة إلى ما ثبت بالنصوص المعتبرة من أن الله تعالى لما أخذ من ابن آدم الميثاق له بالربوبية، ولمحمد (صلى الله عليه وآله) بالنبوة، ولأوصيائه بالإمامة جعل تلك المواثيق وديعة عند الحجر وكان ملكا عظيم الشأن وكان شديد المحبة لمحمد وآله (صلى الله عليه وآله) ثم جعله في صورة درة بيضاء ووضعه في ذلك المكان وأمر الخلق بإتيانه وتجديد العهد والميثاق عنده وهو

[ 291 ]

يجئ يوم القيامة وله لسان ناطق وعين ناظرة يشهد لكل من وافاه إلى ذلك المكان وحفظ الميثاق. * الأصل: 6 - الحسين بن محمد، عن المعلى بن محمد، عن محمد بن علي قال: أخبرني سماعة بن مهران قال: أخبرني الكلبي النسابة قال: دخلت المدينة ولست أعرف شيئا من هذا الأمر فأتيت المسجد فإذا جماعة من قريش فقلت: أخبروني عن عالم أهل هذا البيت ؟ فقالوا: عبد الله بن الحسن. فأتيت منزله فاستأذنت، فخرج إلي رجل ظننت أنه غلام له، فقلت له: استأذن لي على مولاك، فدخل ثم خرج فقال لي: ادخل فدخلت فإذا أنا بشيخ معتكف شديد الاجتهاد، فسلمت عليه فقال لي: من أنت ؟ فقلت: أنا الكلبي النسابة، فقال: ما حاجتك ؟ فقلت: جئت أسألك، فقال: أمررت بابني محمد ؟ قلت: بدأت بك، فقال: سل، فقلت: أخبرني عن رجل قال لأمرأته: أنت طالق عدد نجوم السماء، فقال تبين برأس الجوزاء والباقي وزر عليه وعقوبة، فقلت في نفسي: واحدة، قلت: ما يقول الشيخ في المسح على الخفين ؟ فقال: قد مسح قوم صالحون ونحن أهل البيت لا نمسح، فقلت في نفسي: ثنتان، فقلت: ما تقول في أكل الجري أحلال هو أم حرام ؟ فقال: حلال إلا أنا أهل البيت نعافه، فقلت في نفسي: ثلاث، فقلت: فما تقول في شرب النبيذ ؟ فقال: حلال إلا أنا أهل البيت لا نشربه. فقمت فخرجت من عنده وأنا أقول: هذه العصابة تكذب على أهل هذا البيت فدخلت المسجد فنظرت إلى جماعة من قريش وغيرهم من الناس فسلمت عليهم ثم قلت لهم: من أعلم أهل هذا البيت ؟ فقالوا: عبد الله بن الحسن، فقلت: قد أتيته فلم أجد عنده شيئا فرفع رجل من القوم رأسه فقال: ائت جعفر بن محمد (عليهما السلام) فهو أعلم أهل هذا البيت، فلامه بعض من كان بالحضرة - فقلت: إن القوم إنما منعهم من إرشادي إليه أول مرة الحسد - فقلت له: ويحك إياه أردت. فمضيت حتى صرت إلى منزله فقرعت الباب. فخرج غلام له فقال: ادخل يا أخا كلب، فوالله لقد أدهشني، فدخلت وأنا مضطرب ونظرت فإذا شيخ على مصلى بلا مرفقة ولا بردعة، فابتدأني بعد أن سلمت عليه، فقال لي: من أنت ؟ فقلت في نفسي: يا سبحان الله، غلامه يقول لي بالباب: ادخل يا أخا كلب ويسألني المولى من أنت ؟ ! فقلت له: أنا الكلبي النسابة ؟ فضرب بيده على جبهته وقال كذب العادلون بالله وضلوا ضلالا بعيدا وخسروا خسرانا مبينا، يا أخا كلب، إن الله عز وجل يقول: * (وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا) * أفتنسبها أنت ؟ فقلت: لا

[ 292 ]

جعلت فداك ؟ فقال لي: أفتنسب نفسك ؟ قلت: نعم أنا فلان بن فلان بن فلان حتى ارتفعت فقال لي: قف، أتدري ليس حيث تذهب، ويحك أتدري من فلان بن فلان ؟ قلت: نعم فلان بن فلان، قال: إن فلان بن فلان بن فلان الراعي الكردي إنما كان فلان الراعي الكردي على جبل آل فلان فنزل إلى فلانة امرأة فلان من جبله الذي كان يرعى غنمه عليه فأطعمها شيئا وغشيها فولدت فلانا وفلان بن فلان من فلانة وفلان بن فلان، ثم قال: أتعرف هذه الأسامي ؟ قلت: لا والله جعلت فداك فإن رأيت أن تكف عن هذا فعلت ؟ فقال: إنما قلت فقلت:، فقلت: إني لا أعود، قال: لا نعود إذا واسأل عما جئت له. فقلت له: أخبرني عن رجل قال لأمرأته: أنت طالق عدد نجوم السماء، فقال: ويحك أما تقرأ سورة الطلاق ؟ قلت: بلى، قال: فاقرأ فقرأت * (فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة) * قال: أترى ههنا نجوم السماء ؟ قلت: لا، قلت: فرجل قال لأمرأته: أنت طالق ثلاثا ؟ قال: ترد إلى كتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله)، ثم قال: لا طلاق إلا على طهر، من غير جماع بشاهدين مقبولين، فقلت في نفسي: واحدة، ثم قال: سل، قلت: ما تقول في المسح على الخفين ؟ فتبسم ثم قال: إذا كان يوم القيامة ورد الله كل شئ إلى شيئه ورد الجلد إلى الغنم فترى أصحاب المسح أين يذهب وضوؤهم ؟ فقلت في نفسي: ثنتان، ثم التفت إلي فقال: سل. فقلت: أخبرني عن أكل الجري فقال: إن الله عز وجل مسخ طائفة من بني إسرائيل فما أخذ منهم بحرا فهو الجري والمار ماهي والزمار وما سوى ذلك وما أخذ منهم برا فالقردة والخنازير والوبر والورك وما سوى ذلك، فقلت: في نفسي ثلاث ثم التفت إلي فقال: سل وقم، فقلت: ما تقول في النبيذ ؟ فقال: حلال، فقلت: إنا ننبذ فنطرح فيه العكر وما سوى ذلك ونشر به، فقال: شه شه تلك الخمرة المنتنة، فقلت: جعلت فداك فأي نبيذ تعني ؟ فقال: إن أهل المدينة شكوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) تغيير الماء وفساد طبائعهم، فأمرهم أن ينبذوا، فكان الرجل يأمر خادمه أن ينبذ له، فيعمد إلى كف من التمر فيقذف به في الشن فمنه شربه ومنه طهوره، فقلت: وكم كان عدد التمر الذي في الكف، فقال: ما حمل الكف، فقلت: واحدة أو ثنتان ؟ فقال: ربما كانت واحدة وربما كانت ثنتين، فقلت: وكم كان يسع الشن ؟ فقال: ما بين الأربعين إلى الثمانين إلى ما فوق ذلك، فقلت: بالأرطال ؟ فقال: نعم أرطال بمكيال العراق، قال: سماعة: قال الكلبي: ثم نهض (عليه السلام) وقمت، فخرجت وأنا أضرب بيدي على الاخرى وأنا أقول: إن كان شئ فهذا، فلم يزل الكلبي يدين الله بحب آل هذا البيت حتى مات. * الشرح:

[ 293 ]

قوله (قال أخبرني الكلبي النسابة) هو الحسن بن علوان الكلبي (1) كوفي ثقة منسوب إلى بني كلب، روى عن أبي عبد الله (عليه السلام) والتاء للمبالغة. قوله (معتكف شديد الاجتهاد) أي مقيم بمصلاه مقبل على العبادة مواظب لها شديد الاجتهاد عليها. قوله (فقال تبين برأس الجوزاء) الجوزاء نجم يقال إنها تعترض في جوز السماء أي وسطها وهي ثمانية عشر كوكبا على صورة صبيين متعانقين رأسهما إلى الشمال والمشرق رجلهما إلى المغرب والجنوب وربما قيل إنها على صورة رجل معه منطقة وسيف يداه الواقعتان فوق المنطقة وهي ثلاثة كواكب كوكبان مضيئان واليمنى أضوء ومنها يعتبرون الارتفاع، ورجلاه الواقعتان تحت المنطقة كوكبان مضيئان واليسرى اضوء ومنها أيضا يعتبرون الارتفاع (2) وما بين يديه من جانب الفوق ثلاثة كواكب صغار متصلة متلاصقة (3) وهي رأس الجوزاء، إذا عرفت هذا فنقول: مراده برأس الجوزاء: أما الجيم وهو ثلاثة في الحساب أو الكواكب الثلاثة، وعلى التقديرين مراده أن المرأة تصير مطلقة ثلاثة والبواقي وزر وعقوبة عليه حيث أنه طلق من ليست بزوجة له مع اعتقاد أنه طلاق وذلك يوجب الوزر. قوله (قد مسح قوم صالحون) أفاد أن المسح على الخفين جائز وأن المسح على البشرة أفضل ومثله أفاد في الجري والنبيذ وهو المسكر من الأشربة المعمول من التمر والزبيب والعسل والحنطة والشعير وغير ذلك، يقال: نبذت التمر إذا تركت عليه الماء ليصير نبيذا فصرف من مفعول إلى فعيل وانتبذته اتخذته نبيذا.


(1) قوله " هو الحسن بن علوان " بل هو محمد بن السائب المعروف عند الخاصة والعامة ذكره ابن النديم وذكر كتبه وقد أكثر أصحاب التفسير والأخبار من نقل مروياته وأقواله وله تفسير قالوا هو اطول تفاسير القدماء، وقال ابن حجر في التقريب: أبو النضر الكوفي المفسر النسابة متهم بالكذب ورمى بالرفض من السادسة مات سنة ست واربعين يعني بعد مائة، وأما الحسن بن علوان فكان عاميا على ما صرح به النجاشي ولم يكن في الشهرة بحيث ينصرف إليه اطلاق الكلبي النسابة ولم يكن دأبي المناقشة في هذه الأمور لكن دعاني إلى ذكره قضاء حق هذا العالم الشيعي الذي هو من مفاخر العرب واماثلهم في التاريخ والسير والادب وقد تشرف بزيارة مولانا الصادق (عليه السلام) والكلام معه. (ش) (2) قوله " يعتبرون الارتفاع " يعني بالاسطرلاب لتعيين انه كم مضى من الليل (ش) (3) قوله " متصلة متلاصقة " ترى اوائل الليل في الشتاء إذا استقبلت القبلة صورة من الكواكب جالبة للنظر جدا كمربع مستطيل ضلعه الاطول نحو سبعة أو ثمانية اذرع من الشمال إلى الجنوب وعرضه نحو ذراعين أو أكثر من اليمين إلى اليسار وعلى زواياه الاربع أربعة كواكب مضيئة وفي مركزه ثلاثة كواكب متصلة موربة وقد يقال لهذه الصورة الجبار أيضا وهذه الثلاثة تسمى برأس الجوزاء. (ش) (*)

[ 294 ]

قوله (بلا مرفقة ولا بردعة) المرفقة كالوسادة وأصله من المرفق كأنه استعمل مرفقه واتكى عليه، والبردعة بالفتح الحلس وهو الكساء الرقيق الذي يلقى تحت الرحل ويلى ظهر البعير تحت القتب، ولعل المراد أنه لم يكن تحته شئ من هذين. قوله (يا سبحان الله) أي يا قوم سبحان الله، والنداء للتعجب. قوله (ويسألني المولى من أنت) لعل الغرض من سؤاله مع علمه بحاله أن يقول: أنا الكلبي النسابة فيلزمه فيما يدعيه من العلم بالأنساب ويظهر جهله فيه حتى يظهر عنده فضله (عليه السلام) في فنه وهو ادعى إلى معرفة حقه. قوله (فضرب بيده على جبهته) لعل وجهه هو التأسف بحاله حيث ادعى علما بالأنساب وهو ليس بعالم بها في الحقيقة لأن الأنساب لا يعلمها إلا الله وخواص خلقه ولذلك قال كذب العادلون بالله، والمراد بهم هنا من ادعى علما مختصا بالله تعالى وبمن أوحاه إليه، وفيه تنبيه على أن امثال هذا العلم ينبغي أخذه من أهله لا من أفواه الرجال وكتب السير فإن من أخذ منها فهو ضال إذ قد يلحق برجل من لا يلحق به. قوله (افتنسبها أنت) أي فتعرف نسب عاد وثمود وأصحاب الرس وقرون بين ذلك ؟ قيل: أصحاب الرس هم الذين يبتدعون الكذب ويوقعونه في أفواه الرجال، وقيل: هم من رس بين القوم وأفسد، وقيل: هم قوم رسوا نبيهم أي رسوه في البئر حتى مات. قوله (فقال لي قف أتدري ليس حيث تذهب) لما ارتفع نسبه إلى أب ونسبه إلى أبيه بحسب الظاهر وهو ليس بأبيه بحسب الواقع بل أبوه فلان الكردي أشار (عليه السلام) إلى قطع نسبه هناك والقدح به في النسب مع العلم بانقطاعه ليس بحرام بل قد يكون واجبا، وقد ذكر مثله في كتب العامة عن النبي (عليه السلام) قال مسلم: سأله حذاقة - وكان يطعن في نسبه - فقال من أبي ؟ قال أبوك حذاقة. وقال آخر: من أبي ؟ قال: أبوك فلان الراعي فنسبه إلى غيره فنزل قوله تعالى * (لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم) *. قوله (ويحك) ويح كلمة ترحم وتوجع تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها، وقد تقال بمعنى المدح والتعجب وهي منصوبة على المصدر وقد ترفع وتضاف ولا تضاف ويقال: ويح ويحا له وويح له. قوله (أتدري من فلان بن فلان) فلان بن فلان في المواضع الثلاثة كناية عن اسم الزاني واسم أبيه والراعي الكردي صفة لفلان الأول أو بدل عنه. قوله (فنزل إلى فلانة امرأة فلان) وهو الذي انقطع عنه سلسلة آباء الكلبي شرعا.

[ 295 ]

قوله (فولدت فلانا) وهو آخر آبائه شرعا. قوله (وفلان بن فلان من فلانة وفلان بن فلان) الظاهر أن هذا ابتداء كلام آخر لبيان قطع نسب آخر أو نسب الكلبي من جهة أخرى، وليس معطوفا على فلانا بقرينة قوله: من فلانة كما لا يخفى على المتأمل وفي هذا الكلام دلالة على أن الأئمة (عليهم السلام) يعلمون نسب كل شخص صحيحا وفاسدا إلى آدم (عليه السلام) وهذه الأسامي في قوله: أتعرف هذه الاسامي، إشارة إلى الخمسة الأخيرة أو إليها وإلى الإمرأة المفعولة المذكورة أولا لا إلى جميع ما سبق كما لا يخفى على المتدبر. قوله (أترى ههنا نجوم السماء قلت لا) هذا الجواب مجمل إذ يحتمل أن يكون المراد أنه يقع واحدة بقوله: أنت طالق ويلغو قوله: عدد نجوم السماء، ويحتمل أن لا يقع الطلاق أصلا ولابد في ترجيح أحدهما من أمر خارج. قوله (قال ترد إلى كتاب الله وسنة نبيه) دل ظاهر بعض الروايات أن الطلاق ثلاثا في طهر، واحدة، وهو مذهب جماعة من أصحابنا مثل الشيخ والمرتضى في أحد قوليه وابن ادريس والمحقق لأن الواحدة حصلت بقوله: أنت طالق ولغى قوله ثلاثا، وذهب ابن أبي عقيل وابن حمزة والمرتضى (رضي الله عنه) في القول الآخر إلى بطلانه من رأس لصحيحة أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) قال من طلق ثلاثا في مجلس فليس بشئ والجواب أن الثلاث ليس بشئ وهو لا ينافي وقوع الواحدة وأن الثلاث في الحيض ليس بشئ ولا ينافي هذا أن الطلاق ثلاثا في الطهر واحدة وتحقيق الحق يأتي في محله إن شاء الله تعالى. قوله (ثم قال لا طلاق إلا على طهر) هذا بعض شرائط الطلاق إذ الطلاق في الحيض أو في الطهر مع الجماع أو في الطهر من غير جماع مع عدم عدلين باطل. قوله (ثم قال إذا كان يوم القيامة ورد الله كل شئ إلى شيئه) أفاد (عليه السلام) أن المسح وجب أن يكون على بشرة الرجلين وذلك لأن كل أحد يجئ يوم القيامة بعوارضه من الأعمال، والعرض المركب كالمسح إنما يتحقق جميع أجزائه لمن اتصف بذلك العرض، فلو مسح المكلف على جلد وصار الجلد معروضا لبعض أجزاء المسح ورد الله الجلد إلى أصله لم يكن المكلف معروضا للمسح فلا يعد ماسحا يوم القيامة ولا يخفى لطف هذا البيان فإن فيه إشارة إلى المطلب مع البرهان. قوله (إن الله عز وجل مسخ طائفة من بني اسرائيل) المقصود أن أكل الجري حرام لأنه من المسوخات وفيه أيضا إشارة إلى المطلب وعلته مع الإشارة إلى التعميم في الحكم لشموله جميع المسوخات. قوله (والوبر والورك) الوبر بالسكون دويبة على قدر السنور غبراء أو بيضاء حسنة العينين

[ 296 ]

شديدة الحياء حجازية والانثى وبرة وجمعها وبر ووبار، كذا في النهاية. وقال الجوهري: الوبرة بالتسكين دويبة أصغر من السنور طحلاء اللون لا ذنب لها ترجن في البيوت وجمعها وبر ووبار، والورك - محركة - قيل: هي دويبة كالضب. قوله (فنطرح فيه العكر) في المغرب: العكر - بفتحتين - دردي الزيت ودردي النبيذ في قوله وان صب العكر فليس بنبيذ حتى يتغير وفي الصحاح: العكر دردي الزيت وغيره وقد عكرت المسرجة بالكسر تعكر عكرا إذا اجتمع فيها الدردي، وعكر الشراب والماء والدهن آخره وخاثره، وقد عكر وشراب عكر. وأعكرته أنا وعكرته تعكيرا: جعلت فيه العكر. قوله (فقال شه شه) قيل: هي كلمة ضجر واستقذار، ويحتمل أن يكون أمرا باتصاف المخاطب بالفتح من شاه يشوه إذا قبح. قوله (في الشن) الشنان الأسقية الخلقة واحدها شن وشنة بفتح الشين وهي أشد تبريدا للماء من الجدد. قوله (نعم أرطال بمكيال العراق) الرطل العراقي مائة وثلاثون درهما والرطل المدني مائة وخمسة وتسعون درهما، قدر رطل عراقي ونصف. * الأصل: 7 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أبي يحيى الواسطي، عن هشام بن سالم قال: كنا بالمدينة بعد وفاة أبي عبد الله (عليه السلام) أنا وصاحب الطاق والناس مجتمعون على عبد الله بن جعفر أنه صاحب الأمر بعد أبيه، فدخلنا عليه أنا وصاحب الطاق والناس عنده وذلك أنهم رووا عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: إن الأمر في الكبير ما لم تكن به عاهة، فدخلنا عليه نسأله عما كنا نسأل عنه أباه، فسألناه عن الزكاة في كم تجب ؟ فقال: في مائتين خمسة، فقلنا: ففي مائة ؟ فقال: درهمان ونصف، فقلنا: والله ما تقول المرجئة هذا، قال: فرفع يده إلى السماء فقال: والله ما أدري ما تقول المرجئة. قال: فخرجنا من عنده ضلالا، لا ندري إلى أين نتوجه أنا وأبو جعفر الأحول، فقعدنا في بعض أزقة المدينة باكين حيارى لا ندري إلى أين نتوجه ولا من نقصد ؟ ونقول: إلى المرجئة، إلى القدرية، إلى الزيدية، إلى المعتزلة، إلى الخوارج، فنحن كذلك إذ رأيت رجلا شيخا لا أعرفه، يومي إلي بيده فخفت أن يكون عينا من عيون أبي جعفر المنصور، وذلك أنة كان له بالمدينة جواسيس ينظرون إلى من اتفقت شيعة جعفر (عليه السلام) عليه، فيضربون عنقه، فخفت أن يكون منهم فقلت للأحول: تنح فإني خائف على نفسي وعليك وإنما يريدني لا يريدك فتنح عني لا تهلك

[ 297 ]

وتعين على نفسك، فتنحى غير بعيد وتبعت الشيخ وذلك أني ظننت أني لا أقدر على التخلص منه، فما زلت أتبعه وقد عزمت على الموت حتى ورد بي على باب أبي الحسن (عليه السلام) ثم خلاني ومضى، فإذا خادم بالباب فقال لي: أدخل رحمك الله فدخلت فإذا أبو الحسن موسى (عليه السلام) فقال لي ابتداء منه: لا إلى المرجئة ولا إلى القدرية ولا إلى الزيدية ولا إلى المعتزلة ولا إلى الخوارج إلي إلي فقلت: جعلت فداك مضى أبوك ؟ قال: نعم قلت: مضى موتا ؟ قال. نعم، قلت: فمن لنا من بعده ؟ فقال: إن شاء الله أن يهديك هداك، قلت: جعلت فداك إن عبد الله يزعم أنه من بعد أبيه. قال: يريد عبد الله أن لا يعبد الله، قال: قلت جعلت فداك فمن لنا من بعده ؟ قال: إن شاء الله أن يهديك هداك، قال: قلت: جعلت فداك فأنت هو ؟ قال: لا، ما أقول ذلك، قال: فقلت في نفسي: لم أصب طريق المسألة، ثم قلت له: جعلت فداك عليك إمام ؟ قال: لا فداخلني شئ لا يعلمه إلا الله عز وجل إعظاما له وهيبة أكثر مما كان يحل بي من أبيه إذا دخلت عليه. ثم قلت له: جعلت فداك أسألك كما كنت أسأل أباك ؟ فقال: سل تخبر ولا تذع، فإن أذعت فهو الذبح، فسألته فإذا هو بحر لا ينزف، قلت: جعلت فداك شيعتك وشيعة أبيك ضلال فألقي إليهم وأدعوهم إليك وقد أخذت علي الكتمان قال: من آنست منهم رشدا فألق إليه وخذ عليه الكتمان فإن أذاعوا فهو الذبح - وأشار بيده إلى حلقه - قال: فخرجت من عنده فلقيت أبا جعفر الأحول فقال لي: ما وراءك، قلت: الهدى، فحدثته بالقصة، قال: ثم لقينا الفضيل وأبا بصير فدخلا عليه وسمعا كلامه وساءلاه وقطعا عليه بالإمامة، ثم لقينا الناس أفواجا فكل من دخل عليه قطع إلا طائفة عمار وأصحابه وبقي عبد الله لا يدخل إليه إلا قليل من الناس، فلما رأى ذلك قال: ما حال الناس ؟ فأخبر أن هشاما صد عنك الناس، قال هشام: فأقعد لي بالمدينة غير واحد ليضربوني. * الشرح: قوله " وصاحب الطاق " اسمه محمد بن علي بن النعمان أبو جعفر الأحول يلقب بمؤمن الطاق وصاحب الطاق وشاه الطاق لكون دكانه في طاق المحامل في الكوفة، وكان المخالفون يسمونه شيطان الطاق، وكان ثقة كثير العلم وحسن الخاطر كذا ذكره العلامة، وقال صاحب القاموس: الطاق اسم حصن بطبرستان وكان يسكنه محمد بن النعمان شيطان الطاق، وهذا مخالف لما ذكره العلامة ولكن العلامة أعرف والوثوق بكلامه أتم. قوله (وذلك أنهم رووا) في تعيين المشار إليه تأمل ولعله اجتماع الناس على عبد الله إلا أن أول هذا الحديث المروي وإن كان مقتضيا للاجتماع المذكور لكون عبد الله أكبر إلا أن آخره يقتضى

[ 298 ]

عدم الاجتماع لأنه كان بعبد الله عاهة أنه كان أفطح الرجلين فكأنهم تمسكوا بأوله وتركوا آخره أو غفلوا عنه ويحتمل أن يكون المشار إليه دخول هشام وصاحب الطاق عليه مع تقييد الدخول بكونه على سبيل الإنكار عليه أو الإمتحان له ليصح أن يكون ما بعد ذلك تعليلا له فليتأمل. قوله (فخرجنا من عنده ضلالا) (1) بضم الضاد وتشديد اللام جمع ضال وهو الذي لم يهتد إلى طريق المقصود. قوله (حيارى) جمع حيران وهو الذي يتحير في أمره. قوله (يريد عبد الله أن لا يعبد الله) لا يعبد يجوز أن يكون على صيغة المعلوم وأن يكون على صيغة المجهول قال بعض أصحاب الرجال: أن عبد الله كان أكبر إخوته بعد اسماعيل ولم يكن منزلته عند أبيه منزلة غيره من ولده في الإكرام وكان متهما بالخلاف على أبيه في الاعتقاد ويقال: أنه كان يخالط الحشوية ويميل إلى مذهب المرجئة وادعى بعد أبيه الإمامة احتج بأنه أكبر إخوته الباقين، فاتبعه جماعة، ثم رجع أكثرهم إلى القول بامامة أخيه موسى (عليه السلام) لما تبينوا ضعف دعواه وقوة أمر أبي الحسن ودلالة أحقيته وبراهين إمامته وأقام نفر يسير منهم على إمامة عبد الله وهم الملقبة بالفطحية. قوله (قال لا ما أقول ذلك) أي قال: لست أنا هو من عندي، ما أقول ذلك من قبلي، بل أنا هو من عند الله وعند رسوله، ولما كان هذا الجواب غير صريح في المطلوب بل هو ظاهر في غيره، وكان السؤال على الوجه المذكور لم يلجأه (عليه السلام) إلى الجواب بالنفي والإثبات صريحا. قال السائل: فقلت في نفسي إلى آخره. قوله (قال لا) هذا صريح في أنه (عليه السلام) إمام إذ المكلف وجب أن يكون إماما أو يكون له إمام فإذا انتفى الثاني ثبت الأول ولا ثالث. قوله (سل تخبر) تخبر على صيغة المجهول وإنما حذف مفعول الفعلين للدلالة على أن كل ما يتعلق به السؤال كائنا ما كان يتعلق به الإخبار لكمال خبره به وعدم عجزه عنه. قوله (ولا تذع) الإذاعة الإفشاء. نهى عن إفشائه إلى غير أهله ممن لا يثق به.


(1) قوله " فخرجنا من عنده ضلالا " هذا الحديث يدل على أن أصحاب الأئمة (عليهم السلام) كانوا يحتجون بالمتواتر ويقدمونه على الآحاد أعني يحكمون ببطلان كل ما خالف المتواتر وذلك لأن نصاب الفضة مأتا درهم وهو متواتر من الأئمة (عليهم السلام) فلما خالف عبد الله حكموا ببطلان قوله وعدم كونه إماما، ولو كان نصاب الفضة مرويا بطريق الآحاد وخالفه من يدعي الإمامة، وكان يحتمل صحة قوله ودعواه لم يجعلوه دليلا على بطلان إمامة عبد الله وقد اتفق كثيرا أن سألوا الإمام عن مسألة رووا فيها قبل فأجابهم بخلافها وإن ما سمعوه باطل. (ش) (*)

[ 299 ]

قوله (فإذا هو بحر لا ينزف) يقال للعالم الواسع العلم المتعمق فيه: بحر، وعدم النزف عبارة عن كثرته وعدم انتهائه، وفيه مكنية وتخييليه. قوله (ثم لقينا الفضيل وأبا بصير) قال بعض الأصحاب أراد بهما الفضيل بن عثمان الأعور المرادي وأبا بصير ليث المرادي. قوله (إلا طائفة عمار) هو عمار بن موسى الساباطي وهو وأصحابه فطحية. * الأصل: 8 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد، عن محمد بن فلان الواقفي قال: كان لي ابن عم يقال له: الحسن بن عبد الله، كان زاهدا وكان من أعبد أهل زمانه وكان يتقيه السلطان لجده في الدين واجتهاده وربما استقبل السلطان بكلام صعب، يعظه ويأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر وكان السلطان يحتمله لصلاحه، ولم تزل هذه حالته حتى كان يوم من الأيام إذ دخل عليه أبو الحسن موسى (عليه السلام) وهو في المسجد فرآه فأومأ إليه فأتاه فقال له: يا أبا علي ما أحب إلي ما أنت فيه وأسرني إلا أنه ليست لك معرفة، فاطلب المعرفة، قال: جعلت فداك وما المعرفة ؟ قال: اذهب فتفقه واطلب الحديث، قال: عمن ؟ قال: عن فقهاه أهل المدينة، ثم أعرض علي الحديث. قال: فذهب فكتب ثم جاءه فقرأه عليه فأسقطه كله ثم قال له: اذهب فاعرف المعرفة، وكان الرجل معنيا بدينه فلم يزل يترصد أبا الحسن (عليه السلام) حتى خرج إلى ضيعة له، فلقيه في الطريق فقال له: جعلت فداك إني أحتج عليك بين يدي الله فدلني على المعرفة قال: فأخبره بأمير المؤمنين (عليه السلام) وما كان بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأخبره بأمر الرجلين فقبل منه، ثم قال له فمن كان بعد أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: الحسن (عليه السلام) ثم الحسين (عليه السلام) حتى انتهى إلى نفسه ثم سكت، قال: جعلت فداك فمن هو اليوم ؟ قال: إن أخبرتك تقبل ؟ قال: بلى جعلت فداك ؟ قال: أنا هو، قال: فشئ أستدل به، قال: إذهب إلى تلك الشجرة - وأشار [ بيده ] إلى أم غيلان - فقل لها: يقول لك موسى بن جعفر أقبلي، قال: فأتيتها فرأيتها والله تخد الأرض خدا حتى وقفت بين يديه، ثم أشار إليها فرجعت، قال: فأقر به، ثم لزم الصمت والعبادة، فكان لا يراه أحد يتكلم بعد ذلك. محمد بن يحيى وأحمد بن محمد، عن محمد بن الحسن، عن إبراهيم بن هاشم، مثله. * الشرح:

[ 300 ]

قوله (وكان يتقيه السلطان) (1) المراد بتقية السلطان منه تركه خلاف الشرع بحضرته خوفا من هتكه، أو رعاية لحرمته. قوله (وكان الرجل معنيا بدينه) يقال عنيت بديني بضم أوله أعني به عناية فأنا به معنى وعنيت به بفتح أوله فأنا به عان والأول أكثر أي اهتممت به واشتغلت به. قوله (يترصد أبا الحسن (عليه السلام)) أي يقعد له في طريقه يترقبه وينتظر لقاءه. قوله (وأشار [ بيده ] إلى ام غيلان) هو شجر السمر من شجر الطلح. قوله (فقل لها يقول لك موسى بن جعفر أقبلي) النداء للشجرة مع أن الخطاب في عرف العقلاء لمن يعقل باعتبار أنه (عليه السلام) لما علم اعدادها لما يروم منها واستعدادها لقبول أمر الله بما أراد منها أمر بخطابها خطاب من يعقل استعارة ملاحظة شبهها بمن يعقل في إجابة دعاء رسوله وإتيانه، وإنما لم يدعها في نفسه ولم يخاطبها بنفسه. بل أمر غيره بالخطاب لأنه بقبول المخاطب الطالب لدليل أنسب، وإلى إقراره وإذعاته بحق الإمام أقرب ووجود مارام منها عقيب الخطاب اغرب، واستقرار الإعجاز في نفس الحاضر أبلغ وأعجب لتوجه ذهنه إلى أنها سمعت ذلك النداء وعقلت ذلك الخطاب مع أنها ليست من شأنها ذلك، وهذه دلالة أخرى غير حركتها وانتقالها من مكانها. ثم الظاهر أن الله تعالى خلق فيها الحياة وما يكون مشروطا بها من السمع والفهم حتى أدركت بذلك الخطاب وفهمته وهذا أحسن مما قيل من أن الخطاب في الأصل لله تعالى فإنه قال: اللهم إن هذه الشجرة أثر من آثارك الدليل على وجودك. اللهم أن جعلت فلانا إماما فاجعل ما سألت منها صادقا على صدق دعواه ولما كانت الشجرة محل ما سأل من الله خاطبها لذلك فعلى هذا يكون مجازا من باب إقامة السبب مقام المسبب. ومما قيل من أن الخطاب في الأصل للملائكة المقربين بالشجرة لأن فيما ذكرنا غنته عن هذه التكلفات. * الأصل: 9 - محمد بن يحيى وأحمد بن محمد، عن محمد بن الحسن، عن أحمد بن الحسين، عن محمد بن الطيب، عن عبد الوهاب بن منصور، عن محمد بن أبي العلاء قال: سمعت يحيى بن أكثم - قاضي سامراء بعدما جهدت به وناظرته وحاورته وواصلته وسألته عن علوم آل محمد - فقال: بينا أنا ذات يوم دخلت أطوف بقبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فرأيت محمد بن علي الرضا (عليه السلام) يطوف به، فناظرته في مسائل عندي فأخرجها إلي، فقلت له: والله إني أريد أن أسألك مسألة وإني والله لأستحيي من ذلك، فقال لي: أنا أخبرك قبل أن تسألني، تسألني عن الإمام، فقلت: هو والله هذا،


(1) قوله " وكان يتقيه السلطان " يعني حاكم المدينة وملأه (ش). (*)

[ 301 ]

فقال: أنا هو، فقلت: علامة ! فكان في يده عصا فنطقت، وقالت: إن مولاي إمام هذا الزمان وهو الحجة. * الشرح: قوله (قال سمعت يحيى بن أكثم) بالثاء المثلثة وكان ليحيى مناظرات مع محمد بن علي (عليهما السلام) في صغر سنه، وكان (عليه السلام) يغلبه في جميع ذلك ويظهر عليه وجوها من العلم، وهذا الحديث يدل على أنه كان مؤمنا بآل محمد (صلى الله عليه وآله) سرا. قوله (قاضي سامراء) قد ذكرنا أنه بفتح الميم وتشديد الراء مع القصر، وبكسر الميم وتخفيف الراء مع المد. قوله (بعدما جهدت به) الباء بمعنى مع والضمير راجع إلى يحيى يقال: جهد الرجل في الشئ إذا بذل الوسع والطاقة فيه وبالغ تفتيشه، يعني بعدما بلغت معه في الأمور الدينية والعلوم الشرعية وبذلت الوسع بحثها، ومنه الاجتهاد وهو افتعال من الجهد والطاقة يعني بذل الوسع في طلب الأمر ورد القضية التي ترد على الحاكم إلى الكتاب والسنة، لا على رأيه واستحساناته العقلية فإنه مذموم عندنا. قوله (فناظرته في مسائل عندي فأخرجها إلي) أراد بالمسائل المسائل المشكلة التي لا يهتدي هو إلى وجهها وحلها وبإخراجه (عليه السلام) إياها بيانها بجواب شاف كاف رافع لحجاب الشبهة عنها ويبعد أن يراد بالمسائل المسائل المعلومة له ويحمل السؤال على الامتحان لأن قوله: فأخرجها إلي ينافيه بعض التنافي. قوله (فقلت علامة) علامة بالنصب على إضمار فعل، أي هات علامة أو اطلب علامة تدل على ما ادعيت وإنما طلب علامة ظاهرة بعدما وجد علامة باطنة، وهي كمال العقل والعلم في صغر سنه ليتأكد المدعى ويطمئن القلب، وقد يجعل على حرف جر وما للاستفهام باسقاط الالف وإلحاق الهاء للوقف وهو بعيد مع أن رسم الخط لا يلائمه. (1) * الأصل: 10 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد أو غيره، عن علي بن الحكم، عن الحسين بن عمر ابن يزيد قال: دخلت على الرضا (عليه السلام) وأنا يومئذ واقف وقد كان أبي سأل أباه عن سبع مسائل فأجابه في ست وأمسك عن السابعة، فقلت: والله لأسألنه عما سأل أبي أباه، فإن أجاب بمثل


(1) هذا الحديث يدل على جواز الطواف حول قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا مانع من تجويزه بالنسبة إلى سائر الأئمة (عليهم السلام) ولا يتوهم فيه التشبه بالمشركين وعبادة القبور. (ش) (*)

[ 302 ]

جواب أبيه كانت دلالة، فسألته فأجاب بمثل جواب أبيه أبي في المسائل الست، فلم يزد في الجواب واوا ولا ياء وأمسك عن السابعة، وقد كان أبي قال لأبيه: إني أحتج عليك عند الله يوم القيامة، أنك زعمت أن عبد الله لم يكن إماما، فوضع يده على عنقه، ثم قال له: نعم احتج علي بذلك عند الله عز وجل، فما كان فيه من إثم فهو في رقبتي. فلما ودعته قال: إنه ليس أحد من شعيتنا يبتلى ببلية أو يشتكي فيصبر على ذلك إلا كتب الله له أجر ألف شهيد، فقلت في نفسي: والله ما كان لهذا ذكر، فلما مضيت وكنت في بعض الطريق، خرج بي عرق المديني فلقيت منه شدة. فلما كان من قابل حججت فدخلت عليه وقد بقي من وجعي بقية، فشكوت إليه وقلت له: جعلت فداك عوذ رجلي - وبسطتها بين يديه -، فقال لي: ليس على رجلك هذه بأس ولكن أرني رجلك الصحيحة، فبسطتها بين يديه فعوذها فلما خرجت لم ألبث إلا يسيرا حتى خرج بي العرق وكان وجعه يسيرا. * الشرح: قوله (الحسين بن عمر بن زيد) قال بعض أصحاب الرجال: هو من أصحاب أبي الحسن الرضا (عليه السلام) ثقة، وفي الكشي ما يدل على عدم وقفه. قوله (كانت دلالة) أي كانت تلك المسائل دلالة على ما يدعيه من الإمامة والحمل للمبالغة أو المصدر بمعنى الفاعل. قوله (خرج بي عرق المديني) قيل: هو شئ يخرج في الرجل (1) ينمو مثل الشعر إذا قطع يشد رأسه لئلا يدخل وإن قطع من داخل بعد الخلاص منه. * الأصل: 11 - أحمد بن مهران، عن محمد بن علي، عن ابن قياما الواسطي - وكان من الواقفة - قال: دخلت على علي بن موسى الرضا (عليه السلام) فقلت له: يكون إمامان ؟ قال: لا إلا وأحدهما صامت، فقلت له: هو ذا أنت ليس لك صامت - ولم يكن ولد له أبو جعفر بعد - فقال لي: والله ليجعلن الله مني ما يثبت به الحق وأهله ويمحق به الباطل وأهله، فولد له بعد سنة أبو جعفر (عليه السلام)، فقيل لابن قياما: ألا تقنعك هذه الآية ؟ فقال: أما والله إنها لآية عظيمة ولكن كيف أصنع بما قال أبو عبد الله (عليه السلام) في ابنه ؟


(1) قوله " قيل هو شئ يخرج في الرجل " أقول: هو مرض معروف في الطب يقال له بالفارسية: رشته، وقال السعدي: يكى را حكايت كنند از ملوك * كه بيمارى رشته كردش چو دوك (*)

[ 303 ]

* الشرح: قوله (فقلت له يكون إمامان قال: لا. إلا وأحدهما صامت فقلت له: هو ذا أنت ليس لك صامت) فيه تأمل إذ تفريع قوله: فقلت له: هو ذا أنت - إلى آخره - على جوابه (عليه السلام) ليس بصحيح لأنه لم يدع أن الإمام وجب أن يكون له صامت في جميع أيام إمامته، ولا أن كل إمام وجب أن يكون معه إمام صامت حتى يتوجه عليه ما ذكر، بل أفاد أنه إذا اجتمع إمامان وجب أن يكون احدهما صامتا، ولا يتوجه عليه حينئذ ذلك ولو حمل قول السائل: هو ذا أنت على لزوم وجود إمامين من غير صموت أحدهما، أحدهما هو (عليه السلام) والآخر أبوه بناء على اعتقاد السائل لكونه وافقيا قائلا بأن أباه حي موجود وغرضه من ذلك رد إمامته (عليه السلام) ولو حمل قوله: ليس لك صامت على الرد عليه بوجه آخر وهو أن الإمام غير القائم (عليه السلام) لابد أن يكون له ولد صامت وليس لك ولد صح التفريع إلا أن سياق الكلام يأباه لظهور أن قوله: ليس لك صامت، تفسير وتأكيد لقوله: هو ذا أنت، مع لزوم خلو الرد الأول عن الجواب. قوله (ولكن كيف أصنع بما قال أبو عبد الله في ابنه) قال الفاضل الاسترآبادي: كأنه إشارة إلى ما ذكره الكشي في ترجمة يحيى بن القاسم أبي بصير حيث قال: قال محمد بن عمران: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: منا ثمانية محدثون سابعهم القائم فقام أبو بصير وقبل رأسه وقال: سمعت أبا جعفر منذ أربعين سنة أقول: هذا الحديث من الموضوعات التي وضعتها الواقفية لغرض من الاغراض النفسانية، وأمر من الأمور الدنيوية، ولو صح لامكن وروده في شأن الباقر إلى آخر الأئمة (عليهم السلام)، وسابعهم القائم، وكلهم محدثون مروجون للأحاديث النبوية والأحكام الشرعية بخلاف الأئمة قبلهم ولو حمل على ما ذهبوا إليه وجب التكلف في الثمانية بعد الرسول أو فاطمة (عليهما السلام) منهم وإلا لزمهم القول بأن القائم هو الرضا (عليه السلام) وهم لم يقولوا به. * الأصل: 12 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء قال: أتيت خراسان - وأنا واقف - فحملت معي متاعا وكان معي ثوب وشي في بعض الرزم ولم أشعر به ولم أعرف مكانه، فلما قدمت مرو ونزلت في بعض منازلها لم أشعر إلا ورجل مدني من بعض مولديها، فقال لي: إن أبا الحسن الرضا (عليه السلام) يقول لك: إبعث إلي الثوب الوشي الذي عندك، قال: فقلت: ومن أخبر أبا الحسن بقدومي وأنا قدمت آنفا وما عندي ثوب وشي ؟ ! فرجع إليه وعاد إلي، فقال: يقول لك: بلى هو في موضع كذا وكذا ورزمته كذا وكذا، فطلبته حيث قال، فوجدته في أسفل الرزمة، فبعثت به إليه. * الشرح:

[ 304 ]

قوله (عن الوشاء قال أتيت خراسان وأنا واقف) الحسن بن علي بن زياد الوشاء، كوفي وكان من وجوه هذه الطائفة وعينا من عيونها. إلا أنه كان واقفيا ثم رجع لظاهر هذا الحديث، ولما رواه الصدوق في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) عن أبيه عن صالح بن أبي حماد عن الحسن بن علي الوشاء قال: كنت قبل أن أقطع على الرضا (عليه السلام) جمعت ما روي عن آبائه (عليهم السلام) وغير ذلك مسائل كثيرة في كتاب واحببت أن اثبت في أمره واختبره وحملت الكتاب في كمي وصرت إلى منزله أريد منه خلوة أناوله الكتاب، فجلست ناحية متفكرا في الاحتيال للدخول فإذا بغلام قد خرج من الدار في يده كتاب فنادى: أيكم الحسن بن علي الوشاء ؟ فقمت إليه وقلت: أنا، قال: فهاك خذ الكتاب فأخذته وتنحيت ناحية فقرأته فإذا والله جواب مسألة مسألة فعند ذلك قطعت عليه وتركت الوقف. ولما رواه الشيخ في التهذيب في آخر باب الخمس عن أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة الحافظ الهمداني عن أبي جعفر بن محمد بن المفضل بن إبراهيم الأشعري قال: حدثنا الحسن بن علي بن زياد وهو ابن بنت إلياس وكان وقف ثم رجع فقطع... إلى آخره، وذكر وقفه يحتمل أن يكون من الشيخ وأن يكون من الراوي، ومن الأصحاب من أنكر أصل وقفه وقدح في الروايات الدالة عليه بضعف السند والله أعلم. قوله (وكان معي ثوب وشي) الوشي خلط لون بلون ومنه وشى الثوب يشيه وشيا إذا رقمه ونقشه والوشي نوع من الثياب الموشية تسمية بالمصدر يقال: فلان يلبس الوشي. قوله (في بعض الرزم) الرزم جمع رزمة بالكسر وهي الثياب المجموعة وغيرها، والفتح لغة. كذا في المغرب. وفي الصحاح: رزمت الشئ جمعته، والرزمة الكارة من الثياب، وقد رزمتها ترزيما إذا شددتها رزما، والكارة ما يحمل على الظهر من الثياب، وتكوير المتاع جمعه وشده. * الأصل: 13 - ابن فضال، عن عبد الله بن المغيرة قال: كنت واقفا وحججت على تلك الحال فلما صرت بمكة خلج في صدري شئ، فتعلقت بالملتزم ثم قلت: اللهم قد علمت طلبتي وإرادتي فأرشدني إلى خير الأديان، فوقع في نفسي أن آتي الرضا (عليه السلام)، فأتيت المدينة فوقفت ببابه وقلت للغلام: قل لمولاك: رجل من أهل العراق بالباب، قال: فسمعت نداءه وهو يقول أدخل يا عبد الله بن المغيرة أدخل يا عبد الله بن المغيرة، فدخلت فلما نظر إلي قال لي: قد أجاب الله دعاءك وهداك لدينه فقلت: أشهد أنك حجة الله وأمينه على خلقه. * الأصل: 14 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد بن عبد الله قال: كان عبد الله بن هليل يقول بعبد الله فصار إلى العسكر فرجع عن ذلك، فسألته عن سبب رجوعه فقال: إني

[ 305 ]

عرضت لأبي الحسن (عليه السلام) أن أسأله عن ذلك فوافقني في طريق ضيق، فمال نحوي حتى إذا حاذاني، أقبل نحوي بشئ من فيه، فوقع على صدري فأخذته فإذا هو رق فيه مكتوب: ما كان هنالك، ولا كذلك. * الشرح: قوله (كان عبد الله بن هليل) ضبط بضم الهاء وشد اللام. قوله (يقول بعبد الله) أي يقول بإمامة عبد الله الأفطح. قوله (عرضت لأبي الحسن (عليه السلام) أن أسأله عن ذلك) أي أظهرت له أن أسأله عن أمر عبد الله وإمامته، يقال: عرضت له الشئ أي أظهرته وأبرزته، ويجوز أن يكون: عرضت بمعنى تعرضت، يقال: تعرضت له أي تصديت. قوله (فوافقني) أي صادفني، والموافقة: المصادفة، تقول: وافقته إذا صادفته. قوله (فإذا هو رق فيه مكتوب ما كان هنالك ولا كذلك) الرق بالفتح: جلد رقيق يكتب فيه وهنا للتقريب إذا اشرت إلى مكان، وهناك وهنالك للتبعيد، واللام زائدة، والكاف للخطاب، وفيها دليل على البعيد، تفتح للمذكر وتكسر للمؤنث، ولعل المراد أنه ما كان في ساحة عبد الله ومرتبته شئ من أمر الإمامة ولا ينبغي أن يكون فيه شئ من ذلك. ثم الآية هنا أما خروج مكتوب من فيه (عليه السلام) أو هو مع علمه بما في ضمير عبد الله من قصد السؤال عنه (1) والتصدي له. * الأصل: 15 - علي بن محمد، عن بعض أصحابنا ذكر اسمه قال: حدثنا محمد بن إبراهيم قال: أخبرنا موسى بن محمد بن إسماعيل بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب قال: حدثني جعفر بن زيد بن موسى، عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) قالوا: جاءت أم أسلم يوما إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وهو في منزل أم سلمة، فسألتها عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقالت: خرج في بعض الحوائج والساعة يجئ، فانتظرته عند أم سلمة حتى جاء (صلى الله عليه وآله) فقالت أم أسلم: بأبي أنت وأمي يا رسول الله إني قد قرأت الكتب وعلمت كل نبي ووصي، فموسى كان له وصي في حياته ووصي بعد موته وكذلك عيسى، فمن وصيك يا رسول الله ؟ فقال لها: يا أم أسلم وصيي في حياتي وبعد مماتي واحد ثم قال لها: يا أم أسلم من فعل فعلي هذا فهو وصيي، ثم ضرب بيده إلى حصاة من الأرض ففركها بأصبعه فجعلها شبه الدقيق، ثم عجنها، ثم طبعها بخاتمه، ثم قال: من فعل فعلي هذا فهو وصيي في حياتي وبعد


(1) قوله " قصد السؤال عنه " وكأنه المتعين في بيان الإعجاز، واعلم أن ام أسلم في الحديث التالي يشبه حكاية الحبابة الوالبية، فكأنها هي إلا أنها ذكرت بالكنية. (ش) (*)

[ 306 ]

مماتي، فخرجت من عنده، فأتيت أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقلت: بأبي أنت وأمي أنت وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ قال: نعم يا أم أسلم ثم ضرب بيده إلى حصاة ففركها فجعلها كهيئة الدقيق، ثم عجنها وختمها بخاتمه، ثم قال: يا أم أسلم من فعل فعلي هذا فهو وصيي فأتيت الحسن (عليه السلام) وهو غلام فقلت له: يا سيدي ! أنت وصي أبيك ؟ فقال: نعم يا أم أسلم، وضرب بيده وأخذ حصاة ففعل بها كفعلهما، فخرجت من عنده فاتيت الحسين (عليه السلام) - وإني لمستصغرة لسنه - فقلت له: بأبي أنت وأمي، أنت وصي أخيك ؟ فقال: نعم يا أم أسلم أيتيني بحصاة، ثم فعل كفعلهم، فعمرت أم أسلم حتى لحقت بعلي بن الحسين بعد قتل الحسين (عليه السلام) في منصرفه، فسألته أنت وصي أبيك ؟ فقال: نعم ثم فعل كفعلهم صلوات الله عليهم أجمعين. 16 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن الحسين بن الجارود، عن موسى بن بكر بن داب، عمن حدثه، عن أبي جعفر (عليه السلام): أن زيد بن علي بن الحسين دخل على أبي جعفر محمد بن علي (عليهم السلام) ومعه كتب من أهل الكوفة يدعونه فيها إلى أنفسهم ويخبرونه باجتماعهم ويأمرونه بالخروج، فقال له أبو جعفر (عليه السلام): هذه الكتب ابتداء منهم أو جواب ما كتبت به إليهم ودعوتهم إليه ؟ فقال: بل ابتداء من القوم لمعرفتهم بحقنا وبقرابتنا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولما يجدون في كتاب الله عز وجل من وجوب مودتنا وفرض طاعتنا ولما نحن فيه من الضيق والضنك والبلاء، فقال أبو جعفر (عليه السلام): إن الطاعة مفروضة من الله عز وجل وسنة أمضاها في الأولين وكذلك يجريها في الآخرين والطاعة لواحد منا والمودة للجميع وأمر الله يجري لأوليائه بحكم موصول، وقضاء مفصول وحتم مقضي وقدر مقدور، واجل مسمى لوقت معلوم، فلا يستخفنك الذين لا يوقنون، إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا، فلا تعجل، فإن الله لا يعجل لعجلة العباد ولا تسبقن الله فتعجزك البلية فتصرعك، قال: فغضب زيد عند ذلك، ثم قال: ليس الإمام منا من جلس في بيته وأرخى ستره وثبط عن الجهاد ولكن الإمام منا من منع حوزته وجاهد في سبيل الله حق جهاده ودفع عن رعيته وذب عن حريمه. قال أبو جعفر (عليه السلام): هل تعرف يا أخي من نفسك شيئا مما نسبتها إليه فتجئ عليه بشاهد من كتاب الله أو حجة من رسول الله (عليه السلام) أو تضرب به مثلا ؟ فإن الله عز وجل أحل حلالا وحرم حراما وفرض فرائض وضرب أمثالا وسن سننا ولم يجعل الإمام القائم بأمره في شبهة فيما فرض له من الطاعة أن يسبقه بأمر قبل محله أو يجاهد فيه قبل حلوله، وقد قال الله عز وجل في الصيد: * (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) * أفقتل الصيد أعظم أم قتل النفس التي حرم الله ؟ وجعل لكل شئ محلا وقال الله عز وجل: * (وإذا حللتم فاصطادوا) * وقال عز وجل: * (لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام) *

[ 307 ]

فجعل الشهور عدة معلومة، فجعل منها أربعة حرما وقال: * (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله) * ثم قال تبارك وتعالى: * (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) * فجعل لذلك محلا، وقال: * (ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله) * فجعل لكل شئ أجلا ولكل أجل كتابا. فإن كنت على بينة من ربك ويقين من أمرك وتبيان من شأنك، فشأنك، وإلا فلا ترومن أمرا أنت منه في شك وشبهة ولا تتعاط زوال ملك لم تنقض أكله ولم ينقطع مداه ولم يبلغ الكتاب أجله، فلو قد بلغ مداه وانقطع أكله وبلغ الكتاب أجله لا نقطع الفصل وتتابع النظام ولأعقب الله في التابع والمتبوع الذل والصغار، أعوذ بالله من إمام ضل عن وقته، فكان التابع فيه أعلم من المتبوع، أتريد يا أخي أن تحيي ملة قوم قد كفروا بآيات الله وعصوا رسوله واتبعوا أهواءهم بغير هدى من الله وادعوا الخلافة بلا برهان من الله ولا عهد من رسوله ؟ ! أعيذك بالله يا أخي أن تكون غدا المصلوب بالكناسة، ثم أرفضت عيناه وسالت دموعه، ثم قال: الله بيننا وبين من هتك سترنا وجحدنا حقنا وأفشى سرنا ونسبنا إلى غير جدنا وقال فينا ما لم نقله في أنفسنا. * الشرح: قوله (ولما نحن فيه من الضيق والضنك والبلاء) (1) هذة الثلاثة متقاربة المفهوم والصدق ويمكن تخصيص الأول بضيق القلب والثاني بضيق المعاش وقلة أسبابه والثالث بالمكاره من الأعداء. قوله (إن الطاعة مفروضة من الله عز وجل) أراد بالطاعة طاعة الله وطاعة الرسول والوصي،


(1) قوله " من الضيق والضنك والبلاء " هذا الحديث في المكالمة بين الباقر (عليه السلام) وأخيه زيد ومنعه من الخروج، واعلم أن المتواتر من طريقة ائمتنا (عليهم السلام) وأصحابهم في زمانهم وعلمائنا بعد الغيبة الصغرى عدم المعاملة مع أئمة الزيدية معاملة الكفار وإن ادعوا الإمامة لأنفسهم وانكروا الإمام الحق وليس من يدعي الإمامة لنفسه كافرا ولا من انكر إمامة ائمتنا (عليهم السلام) كجميع أهل السنة وكذلك لم يعاملوا مع الواقفية المنكرة لامامة الرضا (عليه السلام) والناوسية الواقفين على الصادق (عليه السلام) أيضا معاملة الكفار، بل ترحم الأئمة (عليهم السلام) على زيد وإن خالف امرهم وخرج، وكذلك على ابنه يحيى بن زيد وبعضهم (عليهم السلام) بكوا على قتلهما وأمثالهما، وهذا كله معلوم بالضرورة والتواتر وإنما يبقى الكلام في مدح زيد وذمه بعد الفراغ عن إجماع المسلمين على عدم كفره، ونقل بعض أهل عصرنا عن العلامة المجلسي (رضي الله عنه) أنه حكم بذم زيد بل بكفره لإنكاره إمامة إمام الحق وساحة المجلسي (رضي الله عنه) بريئة عن هذه النسبة، بل صرح في مرآة العقول في شرح هذا الحديث بخلافها، قال: والأنسب حسن الظن به وعدم القدح فيه، بل عدم التعرض لأمثاله من أولاد الأئمة (عليهم السلام) إلا من ثبت الحكم بكفرهم والتبري منهم. انتهى، وقد سبق منا في المجلد الخامس في الصفحة 131 شئ يتعلق بدفع الطعن عنه. (ش) (*)

[ 308 ]

وأشار بذلك إلى أنه تعالى أوجبها على الأولين والآخرين ثم أشار إلى الفرق بينها وبين المودة بقوله: والطاعة لواحد منا والمودة للجميع. أما الأول فلقوله تعالى * (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولى الأمر منكم) * وولي الأمر ليس إلا واحدا باتفاق الأمة، فالطاعة واجبة لواحد، وأما الثاني فقوله تعالى * (قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) * فالمودة لكل من يتقرب به (صلى الله عليه وآله) إلا من أخرجه الدليل، والغرض منه هو الرد على زيد حيث صرح بأنه تعالى أوجب طاعته كما أوجب مودته، وأعلم أن الروايات في مدح زيد وذمه مختلفة وروايات المدح أكثر مع أن روايات الذم لا تخلو من علة. قوله (وأمر الله يجري لأوليائه بحكم موصول وقضاء مفصول وحتم مقضي وقدر مقدور وأجل مسمى لوقت معلوم) إذا قدر وقوع أمر في وقت معين كان هناك ثلاثة أشياء: الوقت المعين المعلوم وتقدير ذلك الأمر والأجل وهو المدة المسماة المعلومة من حين التقدير إلى ذلك الوقت المعين ثم لابد بعد ذلك من حتم ذلك الأمر أي يصير محتوما به ويتعلق القضاء بحتمه ولابد أيضا في وقوعه في ذلك الوقت المعين من انقضائه به وهو الحكم عليه بوجوده فيه، وأصل القضاء القطع والفصل والقضاء المفصول القضاء المحكم المبرم ولابد من الحكم بإتمامه وإنفاذه وهذا الحكم هو المتصل بوجود ذلك الشئ في ذلك الوقت من غير انفصال بينهما ولذلك وصفه بالموصول فهذه ستة أمور لابد منها في وجود كل أمر من الأمور، وقد مر في باب البداء ما يعين في هذا المقام والمقصود منه هو التنبيه على أن ظهور هذا الدين ودفع الظالمين وقمع المعاندين منوط بوقت معين لا ينفع القيام به قبله ولا ينبغي لأحد غير من يأتيه أمر الله تعالى بذلك من أوليائه، وفيه نصيحة لزيد بأنه ليس هو أهله ولا هذا الزمان وقته. قوله (فلا يستخفنك الذين لا يوقنون) أي لا يحملوكم على الخفة وهي العجلة والحركة والسرعة في الأمر، والمقصود نفي زيد عن قبول ذلك منهم، وفي قوله: لا يوقنون إشارة إلى عدم وفائهم بالعهد لأنه فرع اليقين وهو منتف عنهم. قوله (إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا) يعني أنهم لن يكفوا ولن يصرفوا عنك من الله شيئاأراد بك، وقد فسر الاغناء بالكف والصرف في قوله تعالى: * (لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه) * وفي قوله تعالى * (إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا) * ومنه يقال: اغن عني شرك أي أصرفه وكفه، وفيه تصريح بأنهم لا ينفعونه فيما أراد وحث له على قطع الطمع منهم لعلمه (عليه السلام) بسوء صنائعهم وقبح أعمالهم وعدم نفع الاستعانة بهم. قوله (فلا تعجل فإن الله لا يعجل لعجلة العباد) لأن الله تعالى إذا علق أمرا بوقت وقدر وقوعه فيه لمصلحة، لا ينفع تعجيل العباد فيه وطلبهم له في غيره، ولا يصرفونه تعالى عما أراد لتكون

[ 309 ]

إرادته تعالى ذلك حتمية فلا يجري فيه التقديم والتأخير. قوله (ولا تسبقن الله فتعجزك البلية فتصرعك) أي لا تجعل إرادتك سابقة على إرادة الله فإنك إن فعلت ذلك تعجزك البلية والمكاره من الأعداء فتهلك. فانظر رحمك الله كيف فتح له (عليه السلام) جميع أبواب النصح أولها الطاعة لواحد منا للتنبيه على أنه ليس ممن يجب له الطاعة، وثانيها أن لهذا الأمر وظهوره وقتا معينا يأتي فيه أمر الله إلى أوليائه لا يتقدم ولا يتأخر، وثالثها أن القوم الذين استنهضوه غير موقنين بالله وباليوم الآخر ولا موفين بما وعدوا ولا ثابتين عند ظهور نار الحرب، ورابعها أنهم لا يصرفون عنه ما أراد الله، وخامسها أنهم على تقدير سعتهم وبذل وسعهم لا ينفعونه لأن الله لا يعجل لعجلة العباد، وسادسها أنه ان فعل ذلك كان عاقبته الهلاك فإن قلت: قد فعل الحسين (عليه السلام) مع علمه بجميع ذلك ؟ قلت: فعله بأمر الله تعالى كما دلت عليه النصوص المعتبرة ولعل السر في أمر الله تعالى له بذلك أن لا يكون للناس على الله حجة يوم القيامة، وفيه أسرار اخر. قوله (ليس الإمام منا من جلس في بيته وأرخى ستره) الجلوس في البيت كناية عن عدم الخروج وادعاء الإمامة، وإرخاء الستر كناية عن منع الناس من الدخول والمعاشرة. قوله (وثبط عن الجهاد) ثبط بفتح الفاء وكسر العين كما هو المضبوط في الفائق بمعنى ثقل وبطؤ، شغل عن المراد، يقال: هو ثبط أي ثقيل بطئ وثبطه عن الأمر تثبيطا شغله عنه وغرضه نفي الإمامة عنه (عليه السلام) لجلوسه في بيته وإرخاء ستره عليه، وتركه للجهاد، والحق أنه تكلم بلا معرفة لأن الإمام يجب أن يعمل بما أمر الله به ويترك ما نهاه عنه، والجلوس في البيت وإرخاء الستر وترك الجهاد مما أمر الله تعالى به في حال التقية، ولأنه يلزم عليه أن لا يكون أبوه سيد العابدين، وجده علي بن أبي طالب (عليهما السلام) في أيام الخلفاء الثلاثة إمامين وهو لم يقل به. قوله (ولكن الإمام منا من منع حوزته) أي جمعه أو ناحيته وحدوده، قال في النهاية: الحوز الجمع، وحوزة الإسلام حدوده ونواحيه، وفلان مانع لحوزته أي لما في حيزه، والحوزة فعلة منه سميت بها الناحية. قوله (ودفع عن رعيته) أي دفع الظلم والجور عن رعيته. قوله (وذب عن حريمه) حريم الرجل ما وجب عليه حفظه، والمنع من انتهاكه ومنه دينه. قوله (قال أبو جعفر هل تعرف يا أخي من نفسك شيئا مما نسبتها إليه - إلى آخر الحديث -) لما وقع زيد في شبهة من وجهين: أحدهما أنه الإمام لظنه أنه المتصف بالامور المذكورة وهي منع الحوزة وما عطف عليه، وثانيهما أن من لم يتصف بها فهو ليس بإمام أجاب (عليه السلام) عن الأول بأنه إن كانت لك بينة من الكتاب والسنة والامثال المذكورة فيهما دالة على ما تدعيه فقولك صادق وإلا فهو باطل لأن كل قول لا يوافق السنة والقرآن فهو موصوف بالبطلان، والإمام لا يخفى عليه

[ 310 ]

شئ فيهما، وعن الثاني بأن الله تعالى جعل لكل شئ وقتا وجرت حكمته على ذلك كما قيل: إنما الأمور مرهونة بأوقاتها، فعدم إقدام الإمام على ما هو مرهون بوقت قبله لا يدل على نفي إمامته بل يدل على كمال علمه. قوله (أو تضرب به مثلا) يدل على وجود إمام بلا شاهد، وهو عطف على تجئ والمراد به الدليل الخطابي وبالمعطوف عليه البرهان والغرض أنه لا وجه لما يدعيه أصلا لا برهان ولا مثل وهو في الأصل النظير وفي العرف القول السائر الممثل فيضربه بمورده. قوله (فإن الله عز وجل أحل حلالا) تعليل لما تقدم والمقصود أن الله تعالى ذكر الأشياء كلها حدودها واوقاتها وحرامها وحلالها وامثالها في الكتاب وجعل الإمام عالما بها ولم يجعله في شبهة في شئ منها وجعل الإنسان على نفسه بصيرة فإن كنت عالما بها وبأنك إمام وبأنه يجب عليك الخروج في هذا الزمان فافعل وان كنت عالما بعدم وجود هذه الأمور فيك أو كنت في شك منها وهو كذلك، فلا تفعل واحفظ نفسك كيلا تكون مصلوبا بالكناسة وهذا في غاية النصح والإنصاف وكمال القرب إلى القبول ولكن لم ينفعه ذلك. قوله (وقد قال الله عز وجل في الصيد) أشار (عليه السلام) بذلك إلى أمثلة جزئية لافعال مخصوصة موقتة بوقت لا يجوز الاقدام عليها قبله ليدفع بذلك ما توهمه من أنه يجوز الإقدام على ما قصده في كل وقت وإن لم يقدم عليه ليس بإمام ولينبهه على أن أحكام الله تعالى مختلفة بحسب الاوقات والمصالح فربما يجب علينا القعود وربما يجب علينا النهوض انقيادا لأمره عز وجل. قوله (أفقتل الصيد أعظم أم قتل النفس) يعني كما أن قتل الصيد حرام في وقت وحلال في وقت آخر، كذلك قتل النفس فقد جعل الله تعالى لكل من حرمة القتل وحله وقتا محدودا لا يجوز التجاوز عنه فكيف يجوز ذلك للإمام وهو ينبغي أن يكون أعرف بأحكام الله تعالى وأشد امتثالا بها. قوله (وإذا حللتم فاصطادوا) الأمر بالاصطياد للإباحة لأنها بالأصل في الأمر بعد التحريم إلى أن يثبت بالدليل أنه للوجوب أو للندب. قوله (وقال عز وجل: * (لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام) *) شعائر الحج آثاره وعلاماته جمع شعيرة وهي الآثار والعلامة، وقيل: هي كل ما كان من أعماله كالوقوف والطواف والسعي والرمي والذبح وغير ذلك وقيل: هي المعالم التي ندب الله تعالى إليها وأمر بالقيام عليها والشهور الحرام أربعة: رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم سميت بذلك لحرمة القتال فيها أي لا تحلوا شعائر الله بالترك وعدم الاحترام ولا الشهر الحرام بالقتال أو النسئ فجعل الشهور عدة معلومة وهي اثنى عشر شهرا فجعل من تلك الشهور أربعة حراما فهذه أجزاء من الزمان وقد أوجب أفعال الحج في

[ 311 ]

بعضها دون بعض، وأوجب القتال في بعضها وحرمه في بعضها، فعلم من ذلك أن القتال والجهاد مع الأعداء لا يجوز في كل وقت فضلا عن أن يجب. قوله (غير معجزي الله) فإنه يدرككم أينما تفرون منه ولا تفوتونه وإن أمهلكم. قوله (فجعل لذلك محلا) أي جعل للقتال مع المشركين محلا فكذا جعل لظهور الإمام وخروجه ودعاء الخلق إلى دين الحق، وجهاده معهم محلا لا يجوز له النهوض قبله. قوله (ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله) أي لا تقصدوا عقد نكاح المعتدة حتى يبلغ ما كتبه الله تعالى عليها من العدة أجله ونهايته، والأجل الوقت المضروب للشئ فقد حرم عقدها في وقت واحد بعده فكذا ما نحن فيه. قوله (لم تنقض أكله) في بعض النسخ " أجله " الاكل بالضم والضمتين الحظ من الدنيا وكل ما يؤكل من رزق، ومنه قوله تعالى * (أكلها دائم) * ويقال للميت: انقطع أكله. قوله (ولم ينقطع مداه) أي لم تنقطع المدة المقدرة له ولم يبلغ ما كتب من زمانه بقلم التقدير نهايته. قوله (أعوذ بالله من إمام ضل عن وقته) أي من شره وكأنه أراد به زيدا، وبالتابع الأعلم الإمام الحق وهو هو (عليه السلام). قوله (أتريد يا أخي أن تحيي ملة قوم) أراد بهم خلفاء الجور واضرابهم ممن ادعى الإمامة بلا برهان. قوله (بالكناسة) الكناسة بضم الكاف الكساحة والقمامة وموضعها أيضا، وبها سميت كناسة كوفان وهي موضع قريب من الكوفة قتل بها وصلب زيد بن علي بن الحسين (عليهما السلام). قوله (ثم ارفضت عيناه) ارفضاض الدموع ترشيشها وكل متفرق ذاهب مرفض. قوله (من هتك سترنا) الهتك الخرق والستر بالكسر ما يستر به وبالفتح مصدر، والأول هو المراد هنا ولعل المراد بالستر العصمة والإمامة، ويمكن أن يكون هتك الستر كناية عن التشهير الموجب للقتل وغيره من أنواع الأذى. قوله (وجحدنا حقنا) وهو الإمامة والخلافة الثابتة لهم بأمر الله تعالى. قوله (وأفشى سرنا) إلى أعدائنا ومخالفينا لأن ذلك جالب لأنواع الظلم إليهم وإلى شيعتهم. قوله (ونسبنا إلى غير جدنا) لعل هذا كناية عن عدم نسبتهم إلى جدهم والمراد بالنسبة النسبة المعنوية وهي النسبة في العلم والعمل، ورئاسة الدارين، وأما النسبة الصورية فالظاهر أنه لم ينكرها أحد.

[ 312 ]

قوله (وقال فينا ما لم نقله في أنفسنا) (1) هذا القائل في مرتبة الإفراط، والسابق عليه في مرتبة التفريط والذم يلحق الفريقين. * الأصل: 17 - بعض أصحابنا، عن محمد بن حسان، عن محمد بن رنجويه، عن عبد الله بن الحكم الأرمني، عن عبد الله بن إبراهيم بن محمد الجعفري قال: أتينا خديجة بنت عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) نعزيها بابن بنتها، فوجدنا عندها موسى بن عبد الله بن الحسن، فإذا هي في ناحية قريبا من النساء، فعزيناها، ثم أقبلنا عليه فإذا هو يقول لابنة أبي يشكر الراثية: قولي، فقالت: اعدد رسول الله واعدد بعده * أسد الإله وثالثا عباسا واعدد علي الخير واعدد جعفرا * واعدد عقيلا بعده الرؤاسا فقال: أحسنت وأطربتني، زيديني، فاندفعت تقول: ومنا إمام المتقين محمد * وحمزة منا والمهذب جعفر ومنا علي صهره وابن عمه * وفارسه ذاك الإمام المطهر فأقمنا عندها حتى كاد الليل أن يجئ، ثم قالت خديجة: سمعت عمي محمد بن علي صلوات الله عليه وهو يقول: إنما تحتاج المرأة في المأتم إلى النوح لتسيل دمعتها ولا ينبغي لها أن تقول هجرا، فإذا جاء الليل فلا تؤذي الملائكة بالنوح، ثم خرجنا فغدونا إليها غدوة فتذاكرنا عندها اختزال منزلها من دار أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) فقال: هذه دار تسمى دار


(1) قوله " ما لم نقله في أنفسنا " كأنه (عليه السلام) أراد به الغلاة في الأئمة فإنهم كانوا كثيرين في الكوفة وكانوا ينتسبون إلى الأئمة (عليهم السلام) من غير حق وأرادوا به الدنيا ويستعينون بتعصب السذج والضعفة من شعية أهل البيت ويتستتبعونهم ويغتنمون عدم رضاهم من ولاة الجور فيثيرون الفتن ويشعلون نار الحرب من غير فائدة عقلية ومصلحة ملزمة وبغير أمر امامهم ومثل هؤلاء كثير في جميع الازمنة لا يراعون المصالح والنتائج في أعمالهم وحذر الباقر (عليه السلام) أخاه زيدا من الاغترار بهم، ولعل المراد من قوله (عليه السلام) نسبنا إلى غير جدنا ان هؤلاء الغلاة لما كان غرضهم جلب العوام والتقوى باجتماعهم كانوا يخترعون أمورا يغتر بها الناس ويرغبون فيها كإباحة الفحشاء والمنكرت وترك العبادات الشاقة ويقولون: هذا مذهب أهل البيت (عليهم السلام) فيقطعون الرابطة بين الأئمة وبين شريعة النبي (صلى الله عليه وآله) وكانوا لعجلتهم وحرصهم على الدنيا لا يرضون بالسكوت والتقية فيفشون ما أمر الله ائمتهم بالستر ومنهم من كانوا يصالحون مع اعدائهم بانكار ما علم ثبوته من مذهب الأئمة إذ لابد لمن يتعجل لادراك الدنيا أن لا يجاهر كثيرا بمخالفة العامة وان كانوا مخطئين، ولذلك لم يكن الزيدية يخالفون الناس في تعظيم الخلفاء وتصحيح احاديث أهل السنة، وهم إلى زماننا يعتمدون على الصحاح الستة ويأخذون عنها معالم الدين وكان الباقر (عليه السلام) يعلم أن زيدا يقع بين طائفتين هذا شأنهم، والله أعلم (ش) (*)

[ 313 ]

السرقة. فقالت: هذا ما اصطفى مهدينا - تعني محمد بن عبد الله بن الحسن - تمازحه بذلك - فقال موسى بن عبد الله: والله لاخبرنكم بالعجب، رأيت أبي رحمه الله لما أخذ في أمر محمد بن عبد الله وأجمع على لقاء أصحابه فقال: لا أجد هذا الأمر يستقيم إلا أن ألقى أبا عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) فانطلق وهو متك علي فانطلقت معه حتى أتينا أبا عبد الله (عليه السلام). فلقيناه خارجا يريد المسجد فاستوقفه أبي وكلمه، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): ليس هذا موضع ذلك، نلتقي إن شاء الله، فرجع أبي مسرورا، ثم أقام حتى إذا كان الغد أو بعده بيوم، انطلقنا حتى أتيناه. فدخل عليه أبي وأنا معه فابتدأ الكلام، ثم قال له فيما يقول: قد علمت - جعلت فداك - أن السن لي عليك وأن في قومك من هو أسن منك ولكن الله عز وجل قد قدم لك فضلا ليس هو لأحد من قومك، وقد جئتك معتمدا لما اعلم من برك، واعلم - فديتك - أنك إذا أجبتني لم يتخلف عني أحد من أصحابك ولم يختلف علي اثنان من قريش ولا غيرهم، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): إنك تجد غيري أطوع لك مني ولا حاجة لك في، فوالله إنك لتعلم أني أريد البادية أو أهم بها فأثقل عنها، وأريد الحج فما أدركه إلا بعد كد وتعب ومشقة على نفسي، فاطلب غيري وسله ذلك ولا تعلمهم أنك جئتني فقال له: إن الناس ما دون أعناقهم إليك وإن أجبتني لم يتخلف عني أحد ولك أن لا تكلف قتالا ولا مكروها، قال: وهجم علينا ناس فدخلوا وقطعوا كلامنا، فقال أبي: جعلت فداك ما تقول ؟ فقال: نلتقي إن شاء الله، فقال: أليس على ما أحب فقال: على ما تحب إن شاء الله من إصلاحك. ثم انصرف حتى جاء البيت، فبعث رسولا إلى محمد في جبل بجهينة، يقال له: الأشقر، على ليلتين من المدينة، فبشره وأعلمه أنه قد ظفر له بوجه حاجته وما طلب، ثم عاد بعد ثلاثة أيام، فوقفنا بالباب ولم نكن نحجب إذا جئنا فأبطأ الرسول، ثم أذن لنا، فدخلنا عليه فجلست في ناحية الحجرة ودنا أبي إليه فقبل رأسه، ثم قال: جعلت فداك قد عدت إليك راجيا مؤملا، قد انبسط رجائي وأملي ورجوت الدرك لحاجتي، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): يا ابن عم إني اعيذك بالله من التعرض لهذا الأمر، الذي أمسيت فيه، وإني لخائف عليك أن يكسبك شرا، فجرى الكلام بينهما، حتى أفضى إلى ما لم يكن يريد، وكان من قوله: بأي شئ كان الحسين أحق بها من الحسن ؟ فقال: أبو عبد الله (عليه السلام): رحم الله الحسن ورحم الله الحسين وكيف ذكرت هذا ؟ قال: لأن الحسين (عليه السلام): كان ينبغي له إذا عدل أن يجعلها في الأسن من ولد الحسن، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): إن الله تبارك وتعالى لما أن أوحى إلى محمد (صلى الله عليه وآله) أوحى إليه بما شاء ولم يؤامر أحدا من خلقه، وأمر

[ 314 ]

محمد (صلى الله عليه وآله) عليا (عليه السلام) بما شاء، ففعل ما أمر به ولسنا نقول فيه إلا ما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) من تبجيله وتصديقه، فلو كان أمر الحسين أن يصيرها في الأسن أو ينقلها في ولدهما - يعني الوصية - لفعل ذلك الحسين (عليه السلام) وما هو بالمتهم عندنا في الذخيرة لنفسه، ولقد ولى وترك ذلك ولكنه مضى لما أمر به وهو جدك وعمك فإن قلت خيرا فما أولاك به، وإن قلت هجرا فيغفر الله لك، أطعني يا ابن عم واسمع كلامي، فوالله الذي لا اله إلا هو لا آلوك نصحا وحرصا فكيف ولا أراك تفعل ! وما لأمر الله من مرد. فسر أبي عند ذلك، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): والله إنك لتعلم أنه الأحول الأكشف الأخضر المقتول بسدة أشجع عند بطن مسيلها، فقال أبي: ليس هو ذلك والله ليحاربن باليوم يوما وبالساعة ساعة وبالسنة سنة وليقومن بثار بني أبي طالب جميعا، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): يغفر الله لك، ما أخوفني أن يكون هذا البيت يلحق صاحبنا. " منتك نفسك في الخلاء ضلالا ". لا والله لا يملك أكثر من حيطان المدينة ولا يبلغ علمه الطائف إذا أحفل - يعني إذا أجهد نفسه - وماللأمر من بد أن يقع، فاتق الله وارحم نفسك وبني أبيك، فوالله إني لأراه أشأم سلحة أخرجتها أصلاب الرجال إلى أرحام النساء والله إنه المقتول بسدة أشجع بين دورها والله لكأني به صريعا مسلوبا بزته بين رجليه لبنة ولا ينفع هذا الغلام ما يسمع - قال موسى بن عبد الله يعنيني - وليخرجن معه فيهزم ويقتل صاحبه، ثم يمضي فيخرج معه راية أخرى، فيقتل كبشها ويتفرق جيشها، فإن أطاعني فليطلب الأمان عند ذلك من بني العباس حتى يأتيه الله بالفرج، ولقد علمت بأن هذا الأمر لا يتم، وأنك لتعلم ونعلم أن ابنك الأحول الأخضر الأكشف المقتول بسدة أشجع بين دورها عند بطن مسيلها، فقام أبي وهو يقول: بل يغني الله عنك، ولتعودن أو ليفئ الله بك وبغيرك، وما أردت بهذا إلا امتناع غيرك وأن تكون ذريعتهم إلى ذلك، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): الله يعلم ما أريد إلا نصحك ورشدك وما علي إلا الجهد. فقام أبي يجر ثوبه مغضبا، فلحقه أبو عبد الله (عليه السلام)، فقال له: أخبرك أني سمعت - عمك وهو خالك - يذكر أنك وبني أبيك ستقتلون، فإن أطعتني ورأيت أن تدفع بالتي هي أحسن فافعل، فوالله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الكبير المتعال على خلقه لوددت أني فديتك بولدي وبأحبهم إلي وبأحب أهل بيتي إلي، وما يعدلك عندي شئ فلا ترى أني غششتك. فخرج أبي من عنده مغضبا أسفا، قال: فما أقمنا بعد ذلك إلا قليلا - عشرين ليلة أو نحوها - حتى قدمت رسل أبي جعفر فأخذوا أبي وعمومتي: سليمان بن حسن، وحسن بن حسن، وإبراهيم بن حسن، وداود بن حسن، وعلي بن حسن، وسليمان بن حسن، وحسن بن حسن،

[ 315 ]

وإبراهيم بن حسن وداود بن حسن، وعلي بن حسن، وسليمان بن داود بن حسن، وعلي بن إبراهيم بن حسن، وحسن بن جعفر بن حسن، وطباطبا إبراهيم بن إسماعيل بن حسن، وعبد الله بن داود، قال: فصفدوا في الحديد، ثم حملوا في محامل أعراء لا وطاء فيها ووقفوا بالمصلى لكي يشتمهم الناس، قال: فكف الناس عنهم ورقوا لهم للحال التي هم فيها، ثم انطلقوا بهم حتى وقفوا عند باب مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله). قال عبد الله بن إبراهيم الجعفري: فحدثتنا خديجة بنت عمر بن علي، أنهم لما اوقفوا عند باب المسجد - الباب الذي يقال له باب جبرئيل - أطلع عليهم أبو عبد الله (عليه السلام) وعامة ردائه مطروح بالأرض، ثم أطلع من باب المسجد فقال: لعنكم الله يا معاشر الأنصار - ثلاثا - ما على هذا عاهدتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا بايعتموه، أما والله كنت حريصا ولكني غلبت، ليس للقضاء مدفع، ثم قام وأخذ إحدى نعليه فأدخلها رجله والأخرى في يده وعامة ردائه يجره في الأرض، ثم دخل بيته فحم عشرين ليلة، لم يزل يبكي فيها الليل والنهار حتى خفنا عليه، فهذا حديث خديجة. قال الجعفري: وحدثنا موسى بن عبد الله بن الحسن أنه لما طلع بالقوم في المحامل، قام أبو عبد الله (عليه السلام) من المسجد ثم أهوى إلى المحمل الذي فيه عبد الله بن الحسن يريد كلامه، فمنع أشد المنع وأهوى إليه الحرسي فدفعه وقال: تنح عن هذا، فإن الله سيكفيك ويكفي غيرك، ثم دخل بهم الزقاق، ورجع أبو عبد الله (عليه السلام) إلى منزله، فلم يبلغ بهم البقيع حتى ابتلي الحرسي بلاء شديدا، رمحته ناقته فدقت وركه فمات فيها ومضي بالقوم، فأقمنا بعد ذلك حينا، ثم أتى محمد بن عبد الله بن حسن، فأخبر أن أباه وعمومته قتلوا - قتلهم أبو جعفر - إلا حسن بن جعفر، وطباطبا، وعلي بن إبراهيم، وسليمان بن داود، وداود بن حسن، وعبد الله بن داود، قال: فظهر محمد بن عبد الله عند ذلك ودعا الناس لبيعته، قال: فكنت ثالث ثلاثة بايعوه واستونق الناس لبيعته ولم يختلف عليه قرشي ولا أنصاري ولا عربي. قال: وشاور عيسى بن زيد وكان من ثقاته وكان على شرطه فشاوره في البعثة إلى وجوه قومه، فقال له عيسى بن زيد: إن دعوتهم دعاء يسيرا لم يجيبوك أو تغلظ عليهم فخلني وإياهم فقال له محمد: امض إلى من أردت منهم، فقال: ابعث إلى رئيسهم وكبيرهم - يعني أبا عبد الله جعفر بن محمد (عليه السلام) - فإنك إذا أغلظت عليه علموا جميعا أنك ستمرهم على الطريق التي أمررت عليها ابا عبد الله (عليه السلام). قال: فوالله ما لبثنا: أن أتي بأبي عبد الله (عليه السلام): حتى أوقف بين يديه فقال له عيسى بن زيد: أسلم تسلم: فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): أحدثت نبوة بعد محمد (صلى الله عليه وآله) ؟ فقال له محمد: لا، ولكن بايع تأمن على نفسك ومالك وولدك ولا تكلفن حربا، فقال له أبو عبد الله (صلى الله عليه وآله): ما في حرب ولا قتال ولقد تقدمت إلى أبيك وحذرته الذي

[ 316 ]

حاق به ولكن لا ينفع حذر من قدر، يا ابن أخي عليك بالشباب ودع عنك الشيوخ، فقال له محمد: ما أقرب ما بيني وبينك في السن. فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): إني لم أعازك ولم أجئ لأتقدم عليك في الذي أنت فيه، فقال له محمد: لا والله لابد من أن تبايع، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): ما في يا ابن أخي طلب ولا حرب وإني لاريد الخروج إلى البادية فيصدني ذلك ويثقل علي حتى تكلمني في ذلك الأهل غير مرة ولا يمنعني منه إلا الضعف، والله والرحم أن تدبر عنا ونشقى بك، فقال له: يا أبا عبد الله ! قد والله مات أبو الدوانيق - يعني أبا جعفر - فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): وما تصنع بي وقد مات ؟ قال: أريد الجمال بك، قال: ما إلى ما تريد سبيل، لا والله ما مات أبو الدوانيق إلا أن يكون مات موت النوم قال: والله لتبايعني طائعا أو مكرها ولا تحمد في بيعتك، فأبى عليه إباء شديدا وأمره به إلى الحبس. فقال له عيسى بن زيد: أما إن طرحناه في السجن - وقد خرب السجن وليس عليه اليوم غلق - خفنا أن يهرب منه، فضحك أبو عبد الله (عليه السلام)، ثم قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم أو تراك تسجنني ؟ قال: نعم والذي أكرم محمدا (صلى الله عليه وآله) بالنبوة لأسجننك ولاشددن عليك، فقال عيسى بن زيد: احبسوه في المخبأ - وذلك دار ريطة اليوم - فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): أما والله إني سأقول ثم أصدق، فقال له عيسى بن زيد: لو تكلمت لكسرت فمك، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): أما والله يا أكشف يا أرزق، لكأني بك تطلب لنفسك جحرا تدخل فيه وما أنت في المذكورين عند اللقاء وإني لأظنك إذا صفق خلفك طرت مثل الهيق النافر فنفر عليه محمد بانتهار: احبسه وشدد عليه واغلظ عليه، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): أما والله لكأني بك خارجا من سدة أشجع إلى بطن الوادي وقد حمل عليك فارس معلم في يده طرادة، نصفها أبيض ونصفها أسود، على فرس كميت أقرح فطعنك فلم يصنع فيك شيئا وضربت خيشوم فرسه فطرحته وحمل عليك آخر خارج من زقاق آل أبي عمار الديليين عليه غديرتان مضفورتان وقد خرجتا من تحت بيضته، كثير شعر الشاربين، فهو والله صاحبك، فلا رحم الله رمته. فقال له محمد: يا أبا عبد الله حسبت فأخطأت وقام إليه السراقي بن سلخ الحوت فدفع في ظهره حتى أدخل السجن واصطفى ما كان له من مال وما كان لقومه ممن لم يخرج مع محمد، قال: فطلع باسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وهو شيخ كبير ضعيف، قد ذهبت إحدى عينيه وذهبت رجلاه وهو يحمل حملا، فدعاه إلى البيعة، فقال له: يا ابن أخي إني شيخ كبير ضعيف وأنا إلى برك وعونك أحوج، فقال له: لابد من أن تبايع، فقال له: وأي شئ تنتفع ببيعتي والله إني لأضيق عليك مكان اسم رجل إن كتبته، قال: لابد لك أن تفعل، وأغلظ له في القول، فقال

[ 317 ]

له إسماعيل: ادع لي جعفر بن محمد، فعلنا نبايع جميعا، قال: فدعا جعفرا (عليه السلام) فقال له إسماعيل: جعلت فداك إن رأيت أن تبين له فافعل، لعل الله يكفه عنا، قال: قد أجمعت ألا أكلمه، فليرفي برأيه. فقال إسماعيل لأبي عبد الله (عليه السلام) أنشدك الله هل تذكر يوما أتيت أباك محمد بن علي (عليه السلام) وعلي حلتان صفراوان، فدام النظر إلي فبكى، فقلت له: ما يبكيك ؟ فقال لي: يبكيني أنك تقتل عند كبر سنك ضياعا، لا ينتطح في دمك عنزان، قال: قلت: فمتى ذاك ؟ قال: إذا دعيت إلى الباطل فأبيته وإذا نظرت إلى الأحول مشؤوم قومه ينتمي من آل الحسن (عليه السلام) على منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، يدعو إلى نفسه، قد تسمى بغير اسمه فأحدث عهدك واكتب وصيتك، فإنك مقتول في يومك أو من غدا فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): نعم وهذا ورب الكعبة لا يصوم من شهر رمضان إلا أقله، فاستودعك الله يا أبا الحسن وأعظم الله أجرنا فيك وأحسن الخلافة على من خلفت وإنا لله وإنا إليه راجعون، قال: ثم احتمل إسماعيل ورد جعفر (عليه السلام) إلى الحبس، قال: فوالله ما أمسينا حتى دخل عليه بنو أخيه: بنو معاوية بن عبد الله بن جعفر فتوطئوه حتى قتلوه، وبعث محمد بن عبد الله إلى جعفر (عليه السلام) فخلى سبيله، قال: وأقمنا بعد ذلك حتى استهللنا شهر رمضان فبلغنا خروج عيسى بن موسى يريد المدينة. قال: فتقدم محمد بن عبد الله على مقدمته يزيد بن معاوية بن عبد الله بن جعفر وكان على مقدمة عيسى بن موسى ولد الحسن بن زيد بن الحسن بن الحسن وقاسم ومحمد بن زيد وعلي وإبراهيم بنو الحسن بن زيد، فهزم يزيد بن معاوية وقدم عيسى بن موسى المدينة وصار القتال بالمدينة فنزل بذباب ودخلت علينا المسودة من خلفنا وخرج محمد في أصحابه حتى بلغ السوق، فأوصلهم ومضى، ثم تبعهم حتى انتهى إلى مسجد الخوامين فنظر إلى ما هناك فضاء ليس فيه مسود ولا مبيض، فاستقدم حتى انتهى إلى شعب فزارة ثم دخل هذيل ثم مضى إلى أشجع، فخرج إليه الفارس الذي قال أبو عبد الله (عليه السلام) من خلفه، من سكة هذيل فطعنه، فلم يصنع فيه شيئا وحمل على الفارس، فضرب خيشوم فرسه بالسيف، فطعنه الفارس، فأنفذه في الدرع وانثنى عليه محمد، فضربه فأثخنه وخرج عليه حميد بن قحطبة وهو مدبر على الفارس يضربه من زقاق العماريين فطعنه طعنة أنفذ السنان فيه، فكسر الرمح وحمل على حميد فطعنه بزج الرمح فصرعه، ثم نزل إليه فضربه حتى أثخنه وقتله وأخذ رأسه ودخل الجند من كل جانب وأخذت المدينة وأجلينا هربا في البلاد. قال موسى بن عبد الله: فانطلقت حتى لحقت بإبراهيم بن عبد الله، فوجدت عيسى بن زيد مكمنا عنده فأخبرته بسوء تدبيره وخرجنا معه حتى أصيب - رحمه الله - ثم مضيت مع ابن اخي

[ 318 ]

الأشتر عبد الله بن محمد بن عبد الله بن حسن حتى أصيب بالسند، ثم رجعت شريدا طريدا، تضيق علي البلاد، فلما ضاقت علي الأرض واشتد [ بي ] الخوف ذكرت ما قال أبو عبد الله (عليه السلام) فجئت إلى المهدي وقد حج وهو يخطب الناس في ظل الكعبة، فما شعر إلا وإني قد قمت من تحت المنبر، فقلت: لي الأمان يا أمير المؤمنين ؟ وأدلك على نصيحة لك عندي ؟ فقال: نعم ماهي ؟ قلت: أدلك على موسى بن عبد الله بن حسن، فقال لي: نعم لك الأمان، فقلت له: أعطني ما أثق به، فأخذت منه عهودا ومواثيق ووثقت لنفسي ثم قلت: أنا موسى بن عبد الله فقال لي: إذا تكرم وتحبا، فقلت له: اقطعني إلى بعض أهل بيتك يقوم بأمري عندك، فقال لي: انظر إلى من أردت، فقلت: عمك العباس ابن محمد، فقال العباس: لا حاجة لي فيك، فقلت: ولكن لي فيك الحاجة، أسألك بحق أمير المؤمنين إلا قبلتني، فقبلني شاء أو أبى، وقال لي المهدي: من يعرفك ؟ - وحوله أصحابنا أو أكثرهم - فقلت: هذا الحسن بن زيد يعرفني وهذا موسى بن جعفر يعرفني وهذا الحسن بن عبد الله بن العباس يعرفني. فقالوا: نعم يا أمير المؤمنين ! كأنه لم يغب عنا، ثم قلت للمهدي: يا أمير المؤمنين لقد أخبرني بهذا المقام أبو هذا الرجل وأشرت إلى موسى بن جعفر. قال موسى بن عبد الله: وكذبت على جعفر كذبة، فقلت له: وأمرني أن اقرئك السلام وقال: إنه إمام عدل وسخاء، قال: فأمر لموسى بن جعفر بخمسة آلاف دينار، فأمر لي منها موسى بألفي دينار ووصل عامة أصحابه ووصلني، فأحسن صلتي، فحيث ما ذكر ولد محمد بن علي بن الحسين، فقولوا: صلى الله عليهم وملائكته وحملة عرشه والكرام الكاتبون وخصوا أبا عبد الله بأطيب ذلك، وجزى موسى بن جعفر عني خيرا، فأنا والله مولاهم بعد الله. * الشرح: قوله (فوجدنا عندها موسى بن عبد الله بن الحسن) هو موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام). قوله (اعدد رسول الله (صلى الله عليه وآله) واعدد بعده) اعدد أمر بفك الإدغام. قوله (واعدد علي الخير واعدد جعفرا) يجوز أن يكون على حرف جر ومفعول اعدد محذوف أي اعددهم على الخير، ويجوز أن يكون بتشديد الياء، ويراد به علي بن أبي طالب (عليه السلام) أو يراد به علي بن الحسين الاكبر الذي قتل معه بكربلاء أو علي بن الحسين الأصغر سيد العابدين، والإضافة إلى الخير لكونهم منشأ لجميع الخيرات. قوله (وأعدد عقيلا بعده الرؤاسا) في بعض النسخ بعد ذا الرؤاسا ضمير بعده أو اسم الإشارة

[ 319 ]

راجع إلى جعفر أو إلى عقيل والرؤسا بضم الراء والهمزة جمع رئيس على الأول صفة للمذكورين وعلى الاخير مفعول لفعل محذوف أي أعدد بعد عقيل الرؤاسا. قوله (فاندفعت تقول) أي ابتدأت وأسرعت تقول، دفعت الفرس فاندفع أي أسرع في سيره واندفعوا في الحديث أي ابتدؤا وأسرعوا فيه. قوله (في المأتم) المأتم كمقعد عند العرب: النساء يجتمعن في فرح أو حزن والجمع المآتم، وعند العامة المصيبة، والنياحة يقال: كنا في مأتم بني فلان، قال ابن الانباري والجوهري: هذا غلط والصواب في مناحة بني فلان. قوله (ولا ينبغي لها أن تقول هجرا) الهجر بالفتح الهذيان، ومنه قوله تعالى * (سامرا تهجرون) * وبالضم الفحش اسم من اهجر في منطقه إذا أفحش. قوله (اختزال منزلها من دار أبي عبد الله) انخزل الشئ: انقطع، والاختزال: انقطاع، يقال: اختزل من كذا إذا انفرد وبعد عنه. قوله (هذه دار تسمى دار السرقة) هذه إشارة إلى دار أبي عبد الله (عليه السلام) (1) وسميت بدار السرقة لوقوع السرقة ونهب الأموال فيها لما سيجئ من أن محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي ابن أبي طالب (عليه السلام) لما حبسه (عليه السلام) في السجن اصطفى ما كان له في مال وما كان لقوله (عليه السلام) ممن لم يخرج مع محمد بن الحسن ولم يبايعه. قوله (تمازحه بذلك) ضمير الفاعل راجع إلى خديجة وضمير المفعول إلى محمد بن عبد الله


(1) قوله " إشارة إلى دار أبي عبد الله (عليه السلام) " اشتبه الأمر على الشارح وحمله على غير محمله وزعم أن قائل هذا القول موسى بن عبد الله والحق أن بعض رواة هذا الحديث وكان متأخرا عن زمن الصادق (عليه السلام) جدا حين تغير وضع دور المدينة واسامي محالها وارباب املاكها مثلا محمد بن حسان الذي كان بعد عهده (عليه السلام) بمائة وخمسين سنة لما حكى هذه الواقعة وجرى ذكر دار خديجة بنت عمر وانخزالها عن دار أبي عبد الله (عليه السلام) قال: هذه الدار تسمى في عهدنا دار السرقة يعني الدار التي اتفق فيها الواقعة من النياحة والتعزي وليس تسميتها بدار السرقة مربوطة بتلك الواقعة بين الصادق (عليه السلام) وعبد الله بن الحسن، بل لواقعة مجهولة لا نعلمها اتفقت في مدة مائة وخمسين سنة ومثله ما سيأتي من قوله: دار ريطة اليوم حيث أن المخبأ الذي حبسوا فيه أبا عبد الله (عليه السلام) كان في زمان الراوي دار ريطة وهي أمرأة لا نعرفها كان الراوي والسامعون يعرفونها ويعرفون دارها في عهدهم وقال المجلسي (رحمه الله). هي ريطة بنت عبد الله بن محمد بن الحنفية ولكن عبد الله مات سنة 98 وبنتها أيضا كانت مقدمة في الزمان على الصادق (عليه السلام) ولا يمكن أن تكون هي المرادة في هذا الخبر البتة، ونظيره أن يحكي في زماننا من دار جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) فنقول: هي في ايامنا في الجانب الشرقي من السكة التي جنب مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو يجري ذكر بيت فاطمة (عليها السلام) ونقول: في زماننا في الشباك المقدس خلف قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله). (ش) (*)

[ 320 ]

ابن الحسن، والمزاح بضم الميم اسم من المزح وهو الدعابة، والفرق بينه وبين السخرية هنا يرجع إلى القصد. قوله (لما أخذ في أمر محمد بن عبد الله) أي لما أخذ البيعة في إمامة ابنه محمد أو لما شرع في أخذ البيعة له وأجمع يعني عزم على لقاء أصحاب محمد الذين كانوا معه في جبل الأشقر على ليلتين من المدينة، ويحتمل أن يراد بأصحابه أصحابه الذين كانوا في المدينة وأراد أخذ البيعة منهم. قوله (وكلمه) أي كلمه في أمر ابنه محمد وقصد خروجه وإرادة بيعته (عليه السلام) معه. قوله (فرجع أبي مسرورا) وجه سروره أنه (عليه السلام) لم ينكر عليه ذلك صريحا، ووعده بالكلام عند اللقاء تارة أخرى، فظن بذلك الرضا منه (عليه السلام) ورجا منه قبول ما ادعاه. قوله (واعلم فديتك أنك) فديتك على صيغة المجرد المعلوم جملة دعائية معترضة بين أجزاء الكلام أي استنقذتك من البلية بنفسي ومالي قال في المغرب: فداه من الاسر فداء وفدى استنقذه منه بمال والفدية اسم ذلك المال. قوله (إنك تجد غيري أطوع لك مني) هذا ظاهر لأن متابعته إما لطلب الدين أو لطلب الدنيا وهو (عليه السلام) عالم بأن شيئا من ذلك لا يكون مع براءة ساحته من طلب الدنيا على وجه لا يحل بخلاف قوله (ولا حاجة لك في) وذلك إما لضعف حاله كما يرشد إليه ما بعده فلا تحصل له قوة بمتابعته (عليه السلام)، أو لأنه لا يتصور منه ما هو المقصود وهو القتال كما يشعر به قوله بعد ذلك، ولك أن لا تكلف قتالا ولا مكروها ثم إن هذا من كمال أخلاقه (عليه السلام) وإلا فهو كان أشجع الناس لو كان القتال جائزا وكان بأمر الله تعالى. قوله (إني أريد البادية أو أهم بها) الترديد من الراوي. قوله (وأعلمه أنه قد ظفر له بوجه حاجته) لقوله (عليه السلام): على ما تحب ان شاء الله تعالى وقد غفل عن قوله إن شاء الله حيث علق الإتيان بما احبه بمشية الله تعالى، ومشيته لم تتعلق بذلك، ومع ذلك بين الموصول بقوله: من إصلاحك وقد غفل عنه أيضا، ونعم ما قيل: حبك للشئ يعمى ويصم. قوله (ورجوت الدرك لحاجتي) الدرك اللحاق والوصول إلى الشئ أدركته إدراكا ودركا رجوت اللحاق لحاجتي والوصول إليها والمراد بها متابعته عليه لابنه محمد وبيعته معه. قوله (بأي شئ كان الحسين أحق بها من الحسن) حيث جعلت الوصية والإمامة في ولد الحسين دون الحسن، وكأنه قال ذلك إنكارا له وادعاء، بأن أولاد الحسن أولى بها كما يشعر به سياق كلامه فيما بعد.

[ 321 ]

قوله (كان ينبغي له إذا عدل أن يجعلها في الأسن من ولد الحسن) قال ذلك تخمينا وظنا بأن الإمامة ينبغي أن تكون في الأسن من أولاد علي وفاطمة (عليهما السلام)، وولد الحسن كان أسن من ولد الحسين، وكان الحسن أسن من الحسين فعلى هذا كان ولد الحسن أولى بها من ولد الحسين وقد أخطأ من وجوه شتى، ولو كان لو بدل إذا كان أنسب بزعمه. قوله (وهو جدك وعمك) كانت فاطمة بنت الحسين (عليه السلام) أم عبد الله بن الحسن. فكان الحسين (عليه السلام) جده من قبل الأم. قوله (لا آلوك نصحا وحرصا) أي لا أمنعك نصيحتي لك وحرصي على اصلاحك أو أصرفهما عنك بل انصحك على قدر الوسع واصلحك بقدر الطاقة ولكن لا أراك تفعل ما أردت وتسمع ما أنصحت وتقبل ما أصلحت. قوله (فسر أبي عند ذلك) وجه سروره غير ظاهر لأن كل ما ذكره (عليه السلام) دل على خلاف مراده ظاهرا اللهم إلا أن يقال إنه حمل الأمر في قوله (عليه السلام): وما لأمر الله من مرد على ظهور ابنه محمد واستيلائه على البلاد ولذلك قال (عليه السلام): قوله (والله انك لتعلم أنه الأحول الأكشف الأخضر المقتول بسدة أشجع) للتصريح بأنه يقتل ابنه ولا يتمشى أمره. والحول أن تميل احدى الحدقتين إلى الأنف والأخرى إلى الصدغ وصاحبه أحول والأكشف من به كشف وهو بالتحريك انقلاب شعيرات من قصاص الناصية كأنها دائرة وهي شعيرات تنبت صعداء والعرب تتشأم به، وفي المغرب: الأكشف الذي انحسر مقدم رأسه، وقيل: الكشف انقلاب في قصاص الشعر، وهو من العيوب: والأخضر الأسود، قال في النهاية والعرب تطلق الخضرة على السواد، ومنه حديث الحرث بن الحكم أنه تزوج امرأة فرآها خضراء فطلقها أي سوداء، والسدة بالضم الباب وقد تطلق على الظلة فوقه والأشجع قبيلة من غطفان. قوله (والله ليحاربن) أخبر مؤكدا بالقسم بأن ملك ابنه يستمر وهو يجازي بني أمية وبني عباس جزاء بما كانوا يصنعون بالطالبيين، وكأنه سمع أن مهدي هذه الأمة الذي يخرج بالسيف ويملك الأرض من أولاد علي وفاطمة (عليهما السلام) وظن أنه ابنه. وإن بعض الظن إثم. قوله (ما أخوفني أن يكون هذا البيت يلحق صاحبنا) فاعل يلحق راجع إلى البيت وصاحبنا مفعوله أي يصير هذا الشعر الآتي مصداق حال صاحبنا، والمراد به محمد بن عبد الله بن الحسن أو أبوه وإنما اكتفى بمصراع لعلم المخاطب بالآخر. قوله (منتك نفسك في الخلاء ضلالا) منتك من المن وهو الاعطاء والانعام، والضلال ضد الرشاد أي اعطتك نفسك في الخلوة هذه الخصلة الذميمة الناشئة من التخيلات الفاسدة والتوهمات الكاسدة، أو من المنة وحينئذ يحتاج إلى الحذف والايصال في موضعين أي منت

[ 322 ]

عليك نفسك بالضلال، وعلى التقديرين يكون المغايرة بين الفاعل والمفعول اعتبارية إذ النفس باعتبار صدور المن أو المنة منها فاعل وباعتبار القبول مفعول. قوله (أني لأراه أشأم سلحة) إطلاق السلحة على النطفة على سبيل الاستعارة والتشبيه في الخباثة ونسبة الإخراج إلى الأصلاب من باب التجوز في الإسناد، ووجه كونه أشأم إنكار الإمامة لمن اتصف بها وادعائها لنفسه وكونه سببا لقتل جماعة من الهاشميين وغيرهم مع ما فيه من صفات أخر. قوله (والله لكأني به صريعا مسلوبا بزته بين رجليه لبنة) أي كأنه حاضر به مشاهد لحالاته المستقبلة، ولما كانت تلك الحالات واجبة الوقوع بحسب العلم المطابق للواقع جعلها بمنزلة الواقع وأتى بالتشبيه تقريبا لها إلى الإيضاح أو شبه الرؤية العلمية بالرؤية البصرية تحقيقا لها بالوقوع والإيضاح، والبزة بكسر الباء وشد الزاي والهاء أخيرا: الثياب والسلاح وهو آلة الحرب، واللبنة بوزن الكلمة واحدة اللبن وهي التي تتخذ من طين ويبنى بها وتخفف مع نقل كسرة الباء إلى اللام فيقال: لبنة. قوله (ويقتل صاحبه) هو أخوه محمد بن عبد الله. قوله (فيقتل كبشها) الكبش واحد الكباش، والكبش سيد القوم وأميرهم أيضا، والمراد به ابن أخي موسى بن عبد الله عبد الله بن محمد بن عبد الله بن الحسن فإن موسى بن عبد الله بعد قتل أخيه محمد يمضي مع ابن أخيه عبد الله بن محمد فيقتل عبد الله. قوله (ولتعودن أو ليفئ الله بك وبغيرك) أي ولتعودن إلينا بعد وضوح أمرنا وغلبتنا على الأعداء والفئ الرجوع يقال: فاء الرجل يفئ فيئا إذا رجع والباء للتعدية ولعل الترديد من الراوي. قوله (وما أردت بهذا) أي ما أردت بمتابعتك لنا واتفاقك معنا إلا لأجل إمتناع غيرك من أصحابك وأن تكون ذريعة لهم في المتابعة والمبايعة. قوله (مغضبا أسفا) الأسف بفتح الهمزة وكسر السين: الحزين والغضبان والأول هو المراد هنا ليخلو الكلام عن شائبة التكرار. قوله (إبراهيم بن اسماعيل بن حسن) في بعض كتب الرجال إبراهيم بن اسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب وعده الشيخ من أصحاب الصادق (عليه السلام). قوله (فصفدوا) على صيغة المجهول يقال: صفده صفدا من باب ضرب وصفده تصفيدا إذا شده وأوثقه بالاغلال. قوله (ومحامل أعراء لاوطاء فيها) المحامل جمع المحمل، قال في المغرب المحمل بفتح الميم الأول وكسر الثاني أو على العكس الهودج الكبير الحجاجي وأما تسميته بغير المحمل به

[ 323 ]

فمجاز وإن لم نسمعه، والأعراء جمع عرى، والمحمل عري إذا لم يكن فيها بساط وإلا عليه وطاء وغطاء والفرس عري إذا لم يكن عليه جل وسرج. قوله (أطلع عليهم أبو عبد الله (عليه السلام)) طلعت على القوم أي اتيتهم وأطلع من باب أكرم لغة في اطلع من باب افتعل بمعنى أشرف، وجاء أيضا بمعنى خرج، ومنه أطلع النبات من الأرض أي خرج ولعل المراد منه هنا الاشراف وفي قوله " ثم اطلع من باب المسجد " الخروج ليخلو عن التكرار. قوله (وأهوى إليه الحرسي) الحارس الحافظ والجمع الحرس كخادم وخدم، وهم خدم السلطان المرتبون لحفظه وحراسته. والحرسي بفتح الراء وكسر السين وشد الياء واحد الحرس كأنه منسوب إليه حيث قد صار اسم جنس ويجوز أن يكون منسوبا إلى الجمع شاذا. قوله (رمحته ناقته) أي ضربته برجلها جزاء بما فعل. قوله (واستونق الناس) أي اجتمعوا يقال: استونقت الإبل إذا اجتمعت في محل واحد. قوله (ولا عربي) العربي واحد العرب، وهم الذين استوطنوا المدن والقرى، والأعراب أهل البدو والنسبة إليهم أعرابي. قوله (وكان على شرطه) الظاهر أنه كان أميرا عليهم كما يشعر به لفظة على وسياق ما بعده والشرط بضم الأول وفتح الثاني جمع الشرطة بالسكون والحركة وهي خيار الجند وأول كتيبة تحضر الحرب. قوه (أو تغلظ عليهم) أي إلى أن تغلظ عليهم كما في قولك لا لزمنك أو تعطيني حقي. قوله (فقال له أبو عبد الله (عليه السلام) أحدثت نبوة) لما كان قوله: اسلم تسلم إنما يلقيه ظاهرا من يدعي دينا إلى من يكره وإن كان مراده غير هذا كما سيصرح به، أجاب (عليه السلام) نظرا إلى ظاهر هذا القول وان كان أعرف بمراده بقوله: أحدثت نبوة بعد محمد (صلى الله عليه وآله) استفهاما أو توبيخا وتهكما. قوله (ما في حرب ولا قتال) أي ليس في خاطري حرب وقتال معك حتى تفرغ خاطرك عن ذلك بمبايعتي معك أو ليس في قدرة حرب وقتال مع أحد لضعفي وكبر سني فلا ينفعك مبايعتي معك وهذا أنسب بقوله: عليك بالشباب، والأول أنسب بقوله: اني لم اعازك ولم أجئ لأتقدم عليك. قوله (والله والرحم أن تدبر عنا أو نشقى بك) تدبر اما مجرد أو مزيد والدابر الرجل الذي يقطع رحمه والادبار عن الشئ نقيض الإقبال إليه، وهو هنا كناية عن التقاطع، والشقاء التعب والعناء أقسمه بالله والرحم ورعاية حقوقهما من أن يقطع الرحم وينصب للحوق التعب به (عليه السلام) وبأصحابه. قوله (ولا تحمد في بيعتك) حال عن مكرها رغبة به في مبايعته طوعا ليكون محمودا عنده.

[ 324 ]

قوله (أو تراك تسجنني) السجن الحبس سجنه يسجنه سجنا حبسه في السجن. قوله (وذلك دار ريطة اليوم) (1) في المغرب: الريطة كل ملاءة لم تكن لفقتين أي قطعتين متضامتين، وقيل: كل ثوب رقيق لين ريطة وبها سميت ريطة امرأة ابن مسعود. قوله (تطلب لنفسك جحرا) الجحر بالجيم المضمومة ثم الحاء جحر الضب والحية واليربوع وثقبها. قوله (مثل الهيق) الهيق والهيقم بزيادة الميم: الظليم وهو الذكر من النعام، والعرب تشبه الجبان به لشهرته من بين الطيور بالخوف والنفور. قوله (فنفر عليه محمد بانتهار) التنفير الحكم بالغلبة، قال الجوهري: نفر عليه تنفيرا أي قضى له عليه بالغلبة وكذلك أنفره، وقال ابن الاثير: نفره أنفره إذا حكم له بالغلبة، والانتهار الزبر والزجر يعني قضى محمد لعيسى بن زيد وحكم له على أبي عبد الله بالزجر والمنع عما يقول، وعلى هذا قوله احبسه وما عطف عليه استئناف كأنه قال: كيف انتهر وازجره ؟ أجاب عنه بقوله: احبسه ويحتمل أن يكون المراد أنه صاح على عيسى بالغلظة بقوله: احبسه على سبيل الكناية لأن التنفير والنفر مستلزمان للصوت والصيحة، والانتهار مستلزم للغلظة، هذا وفي بعض النسخ: فنغر عليه بالغين المعجمة قال الجوهري: نغر الرجل بالكسر أي اغتاظ قال الاصمعي: وهو الذي يغلي جوفه من الغيظ، والله أعلم. قوله (فارس معلم) العلم العلامة وأعلم الفارس جعل لنفسه علامة الشجعان يعرف بها فهو معلم وأعلم الفرس علق عليه صوفا متلونا في الحرب والطراد والطرادة والمطرد والمطردة بالكسر في الجميع: الرمح القصير لأن صاحبه يطرد به العدو عن نفسه ويبعده. قوله (نصفها أبيض ونصفها أسود) إشارة إلى ان نصفها سنان مجلو ونصفها خشب ونحوه. قوله (على فرس كميت أقرح) قال الجوهري: الكميت من الفرس يستوي فيه المذكر والمؤنث، ولونه الكمتة وهي حمرة تدخلها قنوة قال سيبويه: سألت الخليل عن كميت فقال إنما سفر لأنه بين السواد والحمرة كأنه لم يخلص له واحد منهما فأرادوا بالتصغير أنه منهما قريب، والفرق بين الكميت والاشقر بالعرف والذنب فإن كانا احمرين فهو أشقروان كانا اسودين فهو كميت والاقرح من الفرس ما في وجهه قرحة وهي ما دون الغرة والغرة بياض في جبهة الفرس ما


(1) قوله " وذاك دار ريطة اليوم " هذا قول بعض رواة الحديث المتأخرين عن عهد الصادق (عليه السلام) حكى للسامعين ان المخبأ الذي حبس فيه الصادق (عليه السلام) هو الدار الذي تسكنها ريطة اليوم وقد مضى شئ يتعلق بذلك في الحاشية السابقة في الصفحة 308. (*)

[ 325 ]

فوق الدرهم. قوله (أبي عمار الديليين) قال الجوهري: الديل في عبد القيس ينسب إليهم الديلي وهما ديلان: أحدهما الديل بن شن بن أقصى بن عبد القيس بن أقصى، والآخر الديل بن عمرو بن وديعة بن أقصى بن عبد القيس منهم أهل عمان، واما الدئل بهمزة مكسورة فهم حي من كنانة وينسب إليهم أبو الاسود الدؤلي فتفتح الهمزة استثقالا لتوالي الكسرتين مع ياء النسبة، وربما قالوا: الدولي بقلب الهمزة واوا لأن الهمزة إذا انفتحت وكانت قبلها ضمة فتخفيفها ان تقلبها واوا محضة. قوله (عليه غديرتان) الغديرة المضفورة الخصلة من الشعر المنسوج بعضها على بعض وقوله: " وقد خرجتا من تحت بيضته " إشارة إلى طولها وبيضة الحديد معروفة سميت بها لشبهها ببيضة النعامة في الشكل. قوله (كثير شعر الشاربين) الشارب معروف. قوله (فلا رحم الله رمته) الرمة بالكسر العظام البالية وهذا كناية عن سلب الرحمة عنه أبدا لأن الأول يستلزم الثاني عرفا. قوله (ان رأيت أن تبين له) الابانة والتبين الإيضاح أي أن توضح له أمره وفساد رأيه ووخامة عاقبة ما ارتكبه من الأمر الخطير الذي ليس هو أهله. قوله (وعلي حلتان) قال الجوهري: قال عبيد: الحلل برود اليمن، والحلة إزار ورداء لا تسمى حلة حتى تكون ثوبين، وقال صاحب النهاية: مثله وزاد، حيث قال: حتى تكون ثوبين من جنس واحد وقال صاحب المغرب: الحلة إزار ورداء هذا هو المختار وهي من الحلول أو الحل لما بينهما من الفرجة. قوله (لا ينتطح في دمك عنزان) قال في المغرب: في الامثال: لا ينتطح فيها عنزان يضرب في أمر هين لا يكون له تعيير ولا نكير قال الجاحظ: أول من تكلم به النبي (صلى الله عليه وآله) قال حين قتل عمير ابن عدي عصماء، وقال في النهاية: لا ينتطح فيها عنزان أي لا يلتقي فيها اثنان ضعيفان لأن النطاح من شأن التيوس والكباش لا من شأن العنوز، وهو إشارة إلى قضية مخصوصة لا يجري فيها خلف ولا نزاع. قوله (قد تسمى بغير اسمه) سمى بالمهدي، وبالنفس الزكية. قوله (وهذا ورب الكعبة) هذا إشارة إلى محمد بن عبد الله. قوله (فنزل بذباب) قيل: هو جبل بالمدينة. قوله (ودخلت علينا المسودة) هي عساكر عيسى بن موسى وهو كان أميرا من قبل المنصور إلى جعفر الدوانيقي، وسموا بالمسودة لكون ثيابهم اسود بخلاف المبيضة.

[ 326 ]

قوله (وخرج محمد في أصحابه) ليدرك مقدمة عيسى بن موسى الذي نزل بذباب حتى بلغ السوق الذي كان قريبا منه فأوصل أصحابه وأبلغهم هناك فتركهم ومضى لبعض شأنه كملاحظة بعض الدروب ومراعاة بعض المصالح ثم رجع وتبع أصحابه ليلحق بهم فمر بالسوق الذي تركهم فيه فلم يرهم فمضى حتى انتهى إلى مسجد الخوامين وهو مسجد كان في خلفه فنظر إلى ماهنا فضاء وميدان ليس فيها مسود ولا مبيض لتفرق أصحابه وانهزامهم، فاستقدم ليرى ما حال أصحابه مع الخصوم فلم يرهم حتى انتهى إلى شعب فزارة - وهو أبو حي من غطفان وهو فزارة بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان - ثم دخل هذيل - وهي حي من مضر وهو هذيل بن مدركة بن الياس بن مضر - ثم مضى إلى أشجع - وهي قبيلة من غطفان - فخرج إليه الفارس إلى آخر ما ذكره. قوله (وخرج إليه حميد بن قحطبة وهو مدبر على الفارس يضربه من زقاق العماريين) وهو مدبر حال عن ضمير إليه، وعلى الفارس متعلق بمحذوف، وهو قائم، ومن متعلق بخرج وفي بعض النسخ: وهو " مدير " بالياء المثناة من تحت. قوله (بزج الرمح) الزج بالضم الحديدة التي في أسفل الرمح. قوله (فأخبرته بسوء تدبيره) أي بسوء تدبير محمد بن عبد الله أو بسوء تدبير عيسى بن زيد، ومن سوء التدبير تفريق العساكر ورجوع محمد حين أوصل أصحابه. قوله (وخرجنا معه) أي مع إبراهيم بن عبد الله أو مع عيسى بن زيد والأول أظهر. قوله (حتى أصيب بالسند) هو ما ارتفع من الأرض، وقيل: ما قابلك من الجبل وعلا عن السفح وكأنه كان محلا معروفا. قوله (فجئت إلى المهدي) في زمان خلافته بعد موت أبيه المنصور الدوانيقي. قوله (وأدلك على نصيحة لك عندي) النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة هي إرادة الخير للمنصوح له وارشاده إلى ما هو خير وصالح له. قوله (تحبا) أي تعطي والحباء العطية. قوله (وسخاء) كان له سخاء بخلاف أبيه وقد صرف خزائن أبيه في السنة التي حج بها على المسلمين ولكن كان في ضلال وكان عاقبة أمره خسرا. * الأصل: 18 - وبهذا الإسناد، عن عبد الله بن جعفر بن إبراهيم الجعفري قال: حدثنا عبد الله بن المفضل مولى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال: لما خرج الحسين بن علي المقتول بفخ واحتوى على المدينة، دعا موسى بن جعفر إلى البيعة، فأتاه فقال له: يا ابن عم لا تكلفني ما كلف ابن عمك عمك أبا عبد الله، فيخرج مني ما لا أريد، كما خرج من أبي عبد الله ما لم يكن يريد.

[ 327 ]

فقال له الحسين: إنما عرضت عليك أمرا فإن أردته دخلت فيه وإن كرهته لم أحملك عليه والله المستعان ثم ودعه. فقال له أبو الحسن موسى بن جعفر حين ودعه: يا ابن عم إنك مقتول فأجد الضراب فإن القوم فساق يظهرون إيمانا ويسترون شركا وإنا لله وإنا إليه راجعون، أحتسبكم عند الله من عصبة، ثم خرج الحسين وكان من أمره ما كان، قتلوا كلهم كما قال (عليه السلام). * الشرح: قوله (لما خرج الحسين بن علي) هو الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، والفخ بئر على نحو فرسخ من مكة. قوله (فأجد الضراب) أمره بعدما أخبره بأنه يقتل بإجادة المضاربة والمقاتلة والحزم فيها وكمال الاحتياط في أمرها، وعلله بأن القوم مشركون لا يراعون لأهل البيت حرمة ولا لعترة الرسول عزة فلا يبالون بقتلهم. قوله (أحتسبكم عند الله من عصبة) أي أعدكم عند الله من عصبة واعتد أجرا، نوى به وجه الله تعالى، وقال في المغرب: العصبة قرابة الرجل لأبيه وكأنها جمع عاصب وإن لم يسمع به، من عصبوا به إذا أحاطوا حوله، ثم سمي بها الواحد والجمع المذكر والمؤنث للغلبة، وقالوا في مصدرها العصوبة، وقال الجوهري: عصبة الرجل بنوه وقرابته لأبيه، وإنما سموا عصبة لأنهم عصبوا به أي أحاطوا به فالأب طرف والابن طرف والعم جانب والأخ جانب والجمع العصبات. * الأصل: 19 - وبهذا الإسناد، عن عبد الله بن إبراهيم الجعفري قال: كتب يحيى بن عبد الله بن الحسن إلى موسى بن جعفر (عليهما السلام) " أما بعد فإني اوصي نفسي بتقوى الله وبها اوصيك فإنها وصية الله في الأولين ووصيته في الآخرين، خبرني من ورد علي من أعوان الله على دينه ونشر طاعته بما كان من تحننك مع خذلانك وقد شاورت في الدعوة للرضا من آل محمد (صلى الله عليه وآله) وقد احتجبتها واحتجبها أبوك من قبلك وقديما ادعيتم ما ليس لكم وبسطتم آمالكم إلى ما لم يعطكم الله، فاستهويتم وأظللتم وأنا محذرك ما حذرك الله من نفسه ". فكتب إليه أبو الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) " من موسى بن - عبد الله - جعفر وعلي مشتركين في التذلل لله وطاعته إلى يحيى بن عبد الله بن حسن، أما بعد فإني أحذرك الله ونفسي وأعلمك أليم عذابه وشديد عقابه وتكامل نقماته وأوصيك ونفسي بتقوى الله فإنها زين الكلام وتثبيت النعم، أتاني كتابك تذكر فيه أني مدع وأبي من قبل، وما سمعت ذلك مني و * (ستكتب شهادتهم ويسألون) * ولم يدع حرص الدنيا ومطالبها لأهلها مطلبا لآخرتهم، حتى يفسد عليهم مطلب

[ 328 ]

آخرتهم في دنياهم وذكرت إني ثبطت الناس عنك لرغبتي فيما في يديك، وما منعني من مدخلك الذي أنت فيه لو كنت راغبا ضعف عن سنة ولا قلة بصيرة بحجة ولكن الله تبارك وتعالى خلق الناس أمشاجا وغرائب وغرائز، فأخبرني عن حرفين أسألك عنهما: ما العترف في بدنك وما الصهلج في الإنسان ؟ ثم اكتب إلي بخبر ذلك وأنا متقدم إليك، أحذرك معصية الخليفة وأحثك على بره وطاعته وأن تطلب لنفسك أمانا قبل أن تأخذك الأظفار ويلزمك الخناق من كل مكان، فتروح إلى النفس من كل مكان ولا تجده حتى يمن الله عليك بمنه وفضله، ورقة الخليفة - أبقاه الله - فيؤمنك ويرحمك ويحفظ فيك أرحام رسول الله (صلى الله عليه وآله) والسلام على من أتبع الهدى " إنا قد أوحي إلينا ان العذاب على من كذب وتولى ". قال الجعفري: فبلغني أن كتاب موسى بن جعفر (عليهما السلام) وقع في يدي هارون فلما قرأه قال: الناس يحملوني على موسى بن جعفر وهو برئ مما يرمى به. تم الجزء الثاني من كتاب الكافي ويتلوه بمشيئة الله وعونه الجزء الثالث وهو باب كراهية التوقيت والحمد لله رب العالمين والصلام والسلام على محمد وآله أجمعين. * الشرح: قوله (فإني أوصي نفسي بتقوى الله) تقواه طريقه المسلوك إليه وهي في الحقيقة خشيته المستلزمة للسداد في الطاعات والإعراض عن المنهيات ووصية الرجل نفسه بها ربطها بها وحملها عليها ووصية الغير بها تذكيرة لها وأمره بها ليرتكبها ويلتزمها. قوله (من تحننك مع خذلانك) أي من شوقك إلى الدنيا وميلك إلى أغراضها وإمارتها مع عدم وجدانك إياها. قوله (للرضا من آل محمد) أي للمرضي منهم، أراد به نفسه لزعمه أن كل من خرج من ولد فاطمة (عليهما السلام) بالسيف ويدعو الخلق إلى نفسه فهو واجب الإتباع. قوله (وقد احتجبتها) أي ما قبلت الدعوة ومع ذلك منعت غيرك ممن تبعك منها لزعمك أنك صاحب الدعوة ومالك هذا الأمر. قوله (واحتجبها أبوك من قبلك) إشارة إلى ما فعله (عليه السلام) بالنسبة إلى ابن عمه محمد بن عبد الله بن الحسن. قوله (وقديما ادعيتم ما ليس لكم) من أمر الخلافة واستحقاق الإمامة، أراد بالزمان القديم زمان علي بن الحسين (عليهما السلام) لزعمه أن الإمامة بعد الحسين (عليه السلام) انتقلت إلى ولد الحسن وذلك ظن الذين لا يوقنون. قوله (فاستهويتم وأظللتم) أي فأردتم شيئا واحببتم اياه، أوقعتم في وهدة الضلال وأظللتم

[ 329 ]

كثيرا من الناس، قال ذلك ظنا بأن كل من تبع علي بن الحسين وأولاده الطاهرين فهو في ضلال، ذلك ظن الذين لا يؤمنون. قوله (ما حذرك الله من نفسه) من العقوبة الدنيوية والاخروية لمخالفة أمره وأمر أولي الأمر، ولعل هذا الكتاب تدليس منه ليرجع إليه الجاهلون، فإن أصحاب الباطل في كل عصر يحتاجون في ترويج باطلهم إلى أمثال هذه الأقاويل الفاسدة. قوله (من موسى بن عبد الله جعفر وعلي مشتركين في التذلل لله وطاعته) جعفر وعلي بدل من عبد الله ومشتركين حال عنهما وإنما ذكر عليا مع أن المكتوب إليه لا ينكر فضله للتنبيه على أن منهج جعفر منهجه وطريقته طريقته. قوله (أما بعد فإني احذرك الله ونفسي) قدم المخاطب لأنه أولى بالتحذير وضم نفسه لأنه أدخل في النصيحة وأقرب من القبول. قوله (وأعلمك أليم عذابه) في العدول من التحذير إلى الاعلام اعلام بوقوع ذلك ولزومه والمعطوفات متغايرة، وان كان العذاب العقوبة والنقمة متقاربة لأن الاليم وصف للعذاب باعتبار تعلقه بالغير وتأثيره فيه إيلاما وإيجاعا والشدة وصف للعقوبة باعتبار تحقق الزيادة فيها والتكامل وصف للنعمة باعتبار بلوغها إلى الغاية ووصولها إلى النهاية، اما بالنظر إلى ذاتها، أو باعتبار كمال السبب ونهاية قوته لأن المسببات تابعة للأسباب في القوة والضعف. قوله (فإنها زين الكلام وتثبيت النعم) اسم ان راجع إلى الوصية أو إلى التقوى والخبر الأول يناسب الأول والخبر الثاني يؤيد الثاني، أما أنها زين الكلام فلأن زينة الكلام باعتبار اشتماله على الخبر النافع في الدارين فكلما كان اشتماله عليه اكثر كانت زينته أوفر ولا شبهة في أن الوصية بالتقوى مشتملة على جميع الخيرات لأن التقوى عبارة عن الإتيان بجميع الطاعات والاجتناب عن جميع المنهيات فلا شبهة اذن في أنها زين الكلام، وأما انها تثبيت النعم فلان كل خير وطاعة فهو حافظ للنعم الواصلة مثبتة اياها كما يرشد إليه قوله تعالى * (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) * والتقوى لكونها شاملة لجميع الخيرات كانت أولى بحفظها وتثبيتها. قوله و * (ستكتب شهادتهم ويسئلون) * أشار بهذا التضمين إلى أن الشهادة أمر عظيم لابد من العلم بها وهم يسئلون عنها بين يدي الله عز وجل حيث لا مفر لهم إلى الإنكار لكونها مكتوبة في دفتر أعمالهم، مودعة في أعضائهم تؤديها عند الطلب كما قال سبحانه. * (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون) *. قوله (ولم يدع حرص الدنيا) هذا ظاهر لأن الحرص على الدنيا يوجب حبها والميل إليها والسعي لها والتقحم في تحصيلها من أي وجه كان وكل ذلك يوجب ترك مطلب الآخرة التي هي

[ 330 ]

ضد الدنيا وضرتها إذ التعلق بأحد الضدين يوجب قطع التعلق بالآخر والسلوك في أحد السبيلين المتقابلين يورث البعد من الآخر، وإليه أشار (عليه السلام) بقوله: ولم يدع حرص الدنيا ومطالبها لأهلها مطلبا لآخرتهم ثم إن الحرص قد يشتد حتى يجعل مطلب الآخرة كالعلم والعمل والوعظ والنصيحة وأمثال ذلك ذريعة إلى طلب الدنيا وتحصيلها كما هو المشاهد في كثير من أبناء الزمان، وإليه أشار (عليه السلام) بقوله: حتى يفسد عليهم مطلب آخرتهم في دنياهم، نعوذ بالله من ذلك. قوله (وذكرت أني ثبطت الناس عنك) ثبطت بتشديد الباء من التثبيط وهو المنع والتعويق والشغل عن الأمر. قوله (وما منعني من مدخلك) أي ليس المانع من الدخول فيما دخلت ضعف العلم بالسنة، ولا عدم البصيرة بالحجة بل المانع شئ آخر وهو أن الله تعالى خلق الإنسان على أمشاج مختلفة وصفات مختلفة وطبائع متفاوتة، والخلق على هذا النحو منعني من ارتكاب مثل ما ارتكبت لأن الأصل والصفة والطبيعة مني مانعة عن مثل هذا. قوله (ما العترف في بدنك وما الصهلج في الإنسان) كأن الصهلج عرق والعترف داء عظيم خبيث يحرك صاحبه فيما لا ينبغي، والغرض من هذا السؤال هو التنبية على أن الجاهل بشئ ما لا يكون إماما أبدا. قوله (احذرك معصية الخليفة) الظاهر أنه أراد بالخليفة هارون العباسي وإنما حذره عن معصيته لعلمه بأنه لا يقدر على مقاومته مع خوف الضرر والهلاك في مخالفته، ولا يجوز التعرض لذلك عقلا وشرعا لا لأنه حق ومتابعته واجبة من حيث أنه خليفة، ويحتمل أن يراد بالخليفة نفسه (عليه السلام) على سبيل التورية لأنه الخليفة في الواقع. قوله (قبل أن تأخذك الأظفار) كناية عن الأخذ الشديد بحيث لا يمكن التخلص منه. قوله (ويلزمك الخناق) الخنق بكسر النون مصدر خنقه إذا عصر حلقه والخناق فاعله والخناق بكسر الخاء وتخفيف النون ما يخنق به من حبل أو وتر أو نحوه، وبضمها داء يمنع نفوذ النفس إلى الرئة والقلب، والمراد سوء حاله وضيق البلاد عليه. قوله (من كل مكان) متعلق بالفعلين على سبيل التنازع. قوله (فتروح إلى النفس من كل مكان ولا تجده) الظاهر أنه متفرع على الفعل الأخير أي تسير وتغدو إلى طلب النفس والراحة من كل مكان ولا تجده أو لاتجد مكانه. قوله (أبقاه الله) إخبار بأنه أبقاه، أو دعاء له بالبقاء لعله أنه تعالى ابقاه إلى مدة فدعاؤه تابع لإرادته عز وجل وحيث لا يجوز الدعاء للظالم بالبقاء لا يجوز إذا جعل الدعاء وسيلة لبقائه على أنه يمكن أن يراد بها صورة الدعاء، وإنما جاء بها حفظا لنفسه، ودفعا لما تقرر في نفس الطاعن

[ 331 ]

السعاية لعلمه بأنه سيقع في يده. قوله (والسلام على من اتبع الهدى - الآية) أي سلام الرسل والملائكة أو السلام من الفتن والآفات والتخلص من المحن والعقوبات على من اتبع الهدى وطريق الرشاد واستقام في منهج الحق وسبيل السداد، وإنما ختم الكتاب بهذه الآية للتنبيه على أن الرشاد فيما هو فيه من السكون في دولة العصاة والتصريح بالوعيد على من كذبه وتولى عنه بإظهار الخلافة في تلك الطغاة. قد فرغت من تسويده يوم الجمعة رابع شهر شعبان المعظم من شهور سنة سبع وستين بعد الالف حامدا مصليا على محمد وآله الطاهرين - غفر الله لي ولوالدي ولجميع المؤمنين والحمد لله رب العالمين.

[ 332 ]

بسم الله الرحمن الرحيم باب كراهية التوقيت * الأصل: 1 - علي بن محمد ومحمد بن الحسن، عن سهل بن زياد ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى جميعا، عن الحسن بن محبوب، عن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: يا ثابت إن الله تبارك وتعالى قد كان وقت هذا الأمر في السبعين، فلما أن قتل الحسين صلوات الله عليه اشتد غضب الله تعالى على أهل الأرض، فأخره إلى أربعين ومائة، فحدثناكم فأذعتم الحديث فكشفتم قناع السر ولم يجعل الله له بعد ذلك وقتا عندنا ويمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب. قال أبو حمزة: فحدثت بذلك أبا عبد الله (عليه السلام) فقال: قد كان كذلك. * الشرح: أي كراهية تعيين الوقت لظهور هذا الأمر وصاحبه وحمل الكراهة على الظاهر ظاهر وعلى التحريم محتمل. قوله (قد كان وقت هذا الأمر في السبعين) توقيت ظهور هذا الأمر في السبعين من الغيبة على الظاهر أو من الهجرة على احتمال بعيد - حتى يرجع الخلق إلى دين واحد - توقيت بدائي فلذلك جرى فيه البداء. أو غير السبعون إلى ضعفه وهو مائة وأربعون ثم غير ضعفه إلى ما شاء الله. قوله (فكشفتم قناع السر) القناع والمقنع والمقنعة بالكسر في الجميع ما تقنع به المرأة رأسها إلا أن القناع أوسع. والسر واحد الاسرار وهو ما يكتم، وإضافة القناع إليه لامية وفيه مكنية وتخييلية وترشيح. قوله (ولم يجعل الله) عطف على محذوف دل عليه ظاهر الحال بل ظاهر المقال أي فحدثناكم حديثا ينبغي كتمانه فأذعتم الحديث كما فتشتموه فكشفتم قناع السر فاخره الله عن الأربعين ومائة ولم يجعل الله له بعد ذلك وقتا عندنا أي لم يجعل لنا توقيته بعد ذلك، ولا يجوز لنا إظهار وقته، ويحتمل أن يكون المراد أنه لم يجعل لنا علما بوقته بعد ذلك. قوله (ويمحو الله ما يشاء) أي يمحو الله ما يشاء محوه كالسبعين وضعفه ويثبت ما يشاء اثباته كما زاد عليهما. وعنده أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ على أشهر الأقوال وقد كتب فيه جميع ذلك.

[ 333 ]

* الأصل: 2 - محمد بن يحيى، عن سلمة بن الخطاب، عن علي بن حسان، عن عبد الرحمن بن كثير قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) إذ دخل عليه مهزم. فقال له: جعلت فداك أخبرني عن هذا الأمر الذي ننتظره متى هو ؟ فقال: يا مهزم كذب الوقاتون وهلك المستعجلون ونجا المسلمون. * الشرح: قوله (أخبرني عن هذا الأمر الذي ننتظره متى هو ؟) سأله عن تعيين الوقت لظهور هذا الأمر فأجاب (عليه السلام) بأن الموقت له والمخبر بأن وقته كذا كاذب إما لعدم علمه به أو لأن كل وقت فرض فهو في معرض البداء وبأن المستعجل لظهوره هالك لعدم رضائه بالقضاء الإلهي والتقدير الازلي، وبأن المسلم لظهوره والقائل به في وقت ما ناج لاعتقاده بالحق من وجهين: أحدهما ظهوره وثانيهما عدم الاستعجال المستلزم لتفويض الأمر إليه تعالى والرضا بقضائه وتقديره. * الأصل: 3 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن القاسم بن محمد، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن القائم (عليه السلام) فقال: كذب الوقاتون إنا أهل بيت لا نوقت. * الشرح: قوله (أنا أهل البيت لا نوقت) دل ظاهرا على أن لهم علما بالوقت إلا أنهم لا يوقتون لمصالح منها ما سيذكره علي بن يقطين. * الأصل: 4 - أحمد بإسناده قال: قال: أبى الله إلا أن يخالف وقت الموقتين. * الشرح: قوله (أبى الله إلا أن يخالف وقت الموقتين) أي يخالف الوقت المقدر عنده تعالى لظهوره أو يخالف الله تعالى، وفيه على الثاني دلالة على أنه ليس لظهور هذا الأمر وقت حتمي، وإلا لم يكن المخالفة لو وافقه وقت الموقت. * الأصل: 5 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسين بن علي الخزاز، عن عبد الكريم بن عمرو الخثعمي، عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت: لهذا الأمر وقت ؟ فقال: كذب الوقاتون، كذب الوقاتون، كذب الوقاتون، إن موسى (عليه السلام) لما خرج وافدا إلى ربه، واعدهم ثلاثين يوما، فلما زاده الله على الثلاثين عشرا قال قومه: قد أخلفنا موسى فصنعوا ما صنعوا، فإذا

[ 334 ]

حدثناكم الحديث فجاء على ما حدثناكم [ به ] فقولوا: صدق الله، وإذا حدثناكم الحديث فجاء على خلاف ما حدثناكم به فقولوا: صدق الله، تؤجروا مرتين. * الشرح: قوله (إن موسى (عليه السلام) لما خرج) ظاهر التعليل يشعر بأنه ينبغي عدم تعيين الوقت لظهور هذا الأمر إذ كل وقت فرض فهو وقت بدائي يجري فيه البداء والإرادة والتخلف كما قالوا في باب الغيبة لله تعالى فيها بداءات وارادات فلو عين الوقت له وجرى فيه البداء وتخلف الظهور لافتتن الخلائق ورجعوا عن الحق كما وقع مثل ذلك في قوم موسى (عليه السلام) ولكن الأنبياء والأوصياء قد يخبرون عن أمثال ذلك وكان إخبارهم في علم الله معلقا بشروط معتبرة في تحققها بحسب نفس الأمر وبذلك يخرج عن حد الكذب ويدخل في حيز الصدق، وقد ذكرنا في باب البداء من كتاب التوحيد ما يناسب هذا المقام. قوله (توجروا مرتين) مرة للتصديق الأول، ومرة للتصديق الثاني وكلاهما حق، وذلك كما إذا أخبر بموت زيد في وقت كذا ولم يمت فيه فإن ظهور خلافه يشعر بأن موته في ذلك الوقت كان متعلقا بشرط في علم الله تعالى وكان غير محتوم به فلما لم يتحقق ذلك الشرط لم يمت وليس ذلك الإخبار كذبا إذ هو مقيد في نفس الأمر إذا لم يتعلق بأمر حتمي، وقد ذكرنا في باب البداء ما يوضحه. * الأصل: 6 - محمد بن يحيى وأحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد، عن السياري، عن الحسن بن علي بن يقطين، عن أخيه الحسين، عن أبيه علي بن يقطين قال: قال لي أبو الحسن (عليه السلام): الشيعة تربى بالأماني منذ مائتي سنة، قال: وقال يقطين لابنه علي بن يقطين: ما بالنا قيل لنا فكان وقيل لكم فلم يكن ؟ قال: فقال له علي: إن الذي قيل لنا ولكم كان من مخرج واحد، غير أن أمركم حضر، فأعطيتم محضه، فكان كما قيل لكم، وإن أمرنا لم يحضر، فعللنا بالأماني، فلو قيل لنا: إن هذا الأمر لا يكون إلا إلى مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة لقست القلوب ولرجع عامة الناس عن الإسلام ولكن قالوا: ما أسرعه وما أقربه تألفا لقلوب الناس وتقريبا للفرج. * الشرح: قوله (الشيعة تربى بالأماني) أراد بتربيتهم اصلاح حالهم وتثبيت قلوبهم بالوعد القريب لظهور صاحب الأمر (عليه السلام) واستيلائه على العباد والبلاد ولو تحقق الوعد البعيد حصل لهم اليأس من لقائه واضطربت نفوسهم وفسدت عقائدهم. قوله (منذ مائتي سنة) منذ مبني على الضم ومذ مبني على السكون وكل واحد منهما يصلح أن

[ 335 ]

تكون حرف جر فتجر ما بعدهما وتجري بهما مجرى في ولا تدخلهما حينئذ إلا على زمان أنت فيه فتقول: ما رأيته مذ الليلة ويصلح أن يكونا اسمين فترفع ما بعدهما على التاريخ أو على التوقيت وتقول في التاريخ: ما رأيته مذ يوم الجمعة أي أول انقطاع الرؤية يوم الجمعة، وتقول في التوقيت: ما رأيته مذ سنة أي أمد ذلك سنة ولا يقع ههنا إلا نكرة لأنك لا تقول مذ سنة كذا وإنما تقول مذ سنة والأول هو المراد هنا لأن الليلة كما جعل مجموعها حالا مع أن بعض أجزائها ماض وبعضها مستقبل كذلك مائتي سنة. قوله (قال وقال يقطين لابنه) لما دل قول علي بن يقطين على أن المخبر عنه وهو ظهور هذا الأمر لم يقطع على نحو ما أخبروا ووفق ما أظهروا من زمان قريب سأله أبوه يقطين امتحانا واختبارا بأنه هل يعلم سبب الأخبار بقرب ظهوره وسره أم لا، حيث قال: ما بالنا يعني ما حالنا قيل لنا من الأمور الغائبة مطلقا أو من الخلافة العباسية من دولة آل يقطين أمر فكان ذلك الأمر كما قيل، وقيل لكم منها أمر من قرب ظهور صاحب الأمر فلم يكن على نحو ما قيل عن قريب، فأشار علي إلى الجواب على سبيل الإجمال بأن ما قيل لنا ولكم كلاهما حق ومخرجهما واحد لصدورهما من أهل العصمة (عليهم السلام) فوجب علينا التصديق والتسليم. وعلى سبيل التفصيل بأن بين ما قيل لنا وما قيل لكم فرقا وهو أن ما قيل لكم أمر حضر وقته وقرب زمانه فأعطيتم محضه وخالصه الذي غير مشوب باحتمال غيره فلذلك كان ذلك الأمر كما قيل لكم بخلاف ما قيل لنا من الأمر فإنه لم يحضر وقته ولم يقرب زمانه فالهينا بالأماني وقيل لنا إن هذا الأمر ظهوره قريب تألفا لقلوبنا وإمالة لها إلى قبوله فإنه لو قيل لنا: هذا الأمر لا يكون إلى مائتي سنة أو ثلثمائة سنة أو أكثر من ذلك لقست قلوب أكثر الناس وارتدوا عن الإسلام، وبالجملة القول بأن وقوع ذلك الأمر قريب محتمل لأقرب الأوقات إلينا وأبعده لأن ما يقع في أبعد الأوقات لكونه متحقق الوقوع قريب أيضا ولذلك حكم جل شأنه بقرب قيام القيامة في مواضع عديدة من القرآن ومن هذه الجهة صدر هذا القول ليحمل المخاطب على أقرب الأوقات ليطمئن قلبه ويستقيم، وإذا مضى الأقرب ولم يظهر حمله على الأقرب وهكذا دائما وان كان مراد القائل أبعد الاوقات ففي هذا القول الإجمالي مصلحة عظيمة ومنفعة جليلة وهم (عليهم السلام) حكماء لا يتركون أمثال هذه المصالح. قوله (فعللنا بالأماني) علله بالشئ أي ألهاه به كما يعلل الصبي بشئ من الطعام يتجزى به عن اللبن وعله يعله ويعله أي سقاه السقية الثانية وعل بنفسه يتعدى ولا يتعدى وأعل القوم، شربت إبلهم العلل، والتعليل سقي بعد سقي، والمعنى الأول أنسب هنا أي ألهينا بالاماني وشغلنا بها في تلك المدة والثاني أيضا محتمل أي سقينا بالأماني مرة بعد أخرى على سبيل المكنية والتخييلية.

[ 336 ]

* الأصل: 7 - الحسين بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن القاسم بن إسماعيل الأنباري، عن الحسن بن علي، عن إبراهيم بن مهزم، عن أبيه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ذكرنا عنده ملوك آل فلان، فقال: إنما هلك الناس من استعجالهم لهذا الأمر، إن الله لا يعجل لعجلة العباد، إن لهذا الأمر غاية ينتهي إليها، فلو قد بلغوها لم يستقدموا ساعة ولم يستأخروا. * الشرح: قوله (ذكرنا عنده ملوك آل فلان) أي ذكرنا عنده ملوك آل عباس وظهور دولتهم الباطلة وخفاء هذا الأمر ووليه وأملنا ظهوره واستعجلنا. قوله (إنما هلك الناس من استعجالهم لهذا الأمر) أراد بالهلاك الهلاك الأخروي باستحقاق العذاب. والحصر من باب المبالغة لأن الاستعجال من أعظم أسباب الهلاك حتى استدل طائفة بعدمه على عدم وجود صاحب هذا الأمر وارتدوا عن دينهم. قوله (إن الله لا يعجل) لبناء أفعاله على الحكم والمصالح، ولا تبدل حكمته ومصالحه عجلة العباد ووسائلهم. قوله (لم يستقدموا ساعة) ذكر عدم الاستقدام من باب الأطراد إذ لا يتصور الإستقدام على الغاية بعد فرض بلوغها وهو ظاهر.

[ 337 ]

باب التمحيص والامتحان * الأصل: 1 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن يعقوب السراج وعلي بن رئاب، عن أبي عبد الله (عليه السلام): أن أمير المؤمنين (عليه السلام) لما بويع بعد مقتل عثمان صعد المنبر وخطب بخطبة - ذكرها - يقول فيها: ألا إن بليتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث الله نبيه (صلى الله عليه وآله) والذي بعثه بالحق لتبلبلن بلبلة ولتغربلن غربلة، حتى يعود أسفلكم أعلاكم وأعلاكم أسفلكم وليسبقن سباقون كانوا قصروا، وليقصرن سباقون كانوا سبقوا، والله ما كتمت وشمة ولا كذبت كذبة ولقد نبئت بهذا المقام وهذا اليوم. * الشرح: قوله (التمحيص والامتحان) التمحيص بالحاء والصاد المهملتين ابتلاء الإنسان واختباره ليظهر جيده من رديه وخالصه من مغشوشه ويمتاز بعضهم من بعض من محصت الذهب بالنار إذا خلصته مما يشوبه من تراب المعدن وغيره، والامتحان الاختبار بالمحنة وهي ما يمتحن به الإنسان من بلية ومشقة وتكليف ونحو ذلك، من محنت البئر إذا أخرجت ترابها وطينها ليبقى ماؤها خالصا صافيا، ومنه الرجل الممتحن أي المصفى المهذب، والابتلاء لطف من الله تعالى كما يرشد إليه قول أمير المؤمنين (عليه السلام) وان الله يبتلى عباده عند الأعمال السيئة بنقص الثمرات وحبس البركات واغلاق خزائن الخيرات ليتوب تائب ويقلع مقلع ويتذكر متذكر ويزدجر مزدجر ". وليس المراد منه في حقه تعالى الحقيقة وهي طلب العلم بما يؤول إليه أحوال العباد لأنه علام الغيوب لا يعزب عنه شئ بل المراد به المجاز فإن ابتلاءه لعباده بالتكليف مثلا باعتبار أن ثوابه وعقابه لهم كانا موقوفين على تكليفهم وطاعتهم وعصيانهم فأشبه ذلك ابتلاء الإنسان عبيده بأمر ونهي اختباره لهم ليعلم من أطاعه منهم ممن عصاه فيكرم الأول ويهين الثاني، فأطلق عليه لفظ الابتلاء والاختبار باعتبار التشارك في الصورة والاثر وكذلك ابتلاء الإنسان واختباره بما أوجد فيه من الطبيعة المائلة إلى الفساد فإنه لما خلق فيه من القوة الشهوية والغضبية وما يتبعها، وكان لهذه القوى ميول إلى لذات الدنيا وكانت النفس في الاكثر تابعة لها مائلة إلى مشتهياتها ثم مع ذلك كان المطلوب من النفس ترك تلك المتابعة والالتفات إلى أمر الآخرة وجذب تلك القوى واستعمالها في ذلك الأمر كانت إرادته تعالى لذلك الالتفات مع منازعة الهوى وجذب القوى وما يترتب عليه من الثواب والعقاب أشبه ابتلاء الإنسان واختباره لعبده، فوهب له جميع ما يشتهيه ثم كلفه مع

[ 338 ]

ذلك تكاليف شاقة لا يتمكن من فعلها إلا بالتفاته عن مشتهاه وتنغيصه عليه فلا جرم صدر صورة الابتلاء والاختبار من الله تعالى شبيهة بصورة ابتلاء الإنسان، وعليه فقس الاختبار بكل ما يختبره به، والله أعلم. قوله (ألا إن بليتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث الله نبيه (عليه السلام)) أشار إلى أنهم لم يكونوا على دين الحق ومن أهل التقوى والديانة كما لم يكونوا عليه يوم بعثة الرسول (صلى الله عليه وآله) وفيه رمز على بطلان خلافة الثلاثة وخروج أكثر الصحابة عن الدين وقيل: أشار به إلى ماهم عليه في اختلاف الأوهام وتشتت الآراء وعدم الالفة والاجتماع في نصرة الله عن شبهات يلقيها الشيطان على الاذهان القابلة لوسوسته المقهورة في يده وذلك من أعظم الفتن التي يبتلي الله عباده * (ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون) * وهي أمور تشبه ما كان الناس عليه حال بعثة الرسول (صلى الله عليه وآله) وفي ذلك تنبيه على أنهم ليسوا من تقوى الله في شئ. قوله (والذي بعثه بالحق لتبلبلن بلبلة) أي لتحركن بالشدائد حركة تزعجكم من مكانكم وتحيركم في شأنكم، أشار به إلى ما يوقع بهم بنو أمية وغيرهم من الخوارج وأمراء الجور من القتل والأذى والهموم: قال في النهاية: البلابل الهموم والاحزان وبلبلة الصدر وسوسته ومنه حديث علي (عليه السلام): لتبلبلن إلى آخره. قوله (ولتغربلن غربلة) أي يذهب خياركم ويبقى اراذلكم وفيه كناية عن التقاط آحادهم وقصدهم بالاذى والقتل كما فعل بكثير من الصحابة والتابعين وفي ذلك تشبيه لفعلهم بغربلة الدقيق ونحوه ليتميز شئ منه عن شئ ولذلك استعير له لفظها، ويحتمل أن يراد به خلط بعضهم ببعض ووقوع الاضطراب بينهم لأن غربلة الدقيق يخلط بعضه ببعض وهو الأنسب بقوله " حتى يعود أسفلكم أعلاكم وأعلاكم أسفلكم " لتصريف أئمة الجور إياكم وتقليبكم من حال إلى حال واهانتكم وتغييركم من وضع إلى وضع ومن دين إلى دين، ويحتمل أن يراد بقوله حتى يعود، إلى آخر أنه يصير عزيزكم ذليلا وذليلكم عزيزا وهو اخبار عما وقع في عهده (عليه السلام) مع القاسطين والمارقين وبعد عهده من أمراء بني أمية وغيرهم. قوله (وليسبقن سباقون كانوا قصروا) أشار إلى بعض نتائج تغلب الزمان، قيل: أشار بالمقصرين الذين يسبقون إلى قوم قصروا عن نصرته في مبدء الأمر عند وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) ثم نصروه في أيام خلافته وقاتلوا معه في أيام ولايته وحاربوا عدوه في محاربته، وبالسابقين الذين يقصرون إلى من كان له في الإسلام سابقة ثم يخذله وينحرف عنه ويقاتله كأهل الشام وأصحاب الجمل وأهل النهروان، وقيل: أراد أعم من ذلك، أراد بالمقصرين الذين يسبقون كل من أخذت العناية الإلهية بيده وقاد زمان التوفيق إلى الجد في طاعة الله واتباع سائر أوامره والوقوف عند نواهيه وزواجره

[ 339 ]

بعد تقصير في ذلك وعكس هؤلاء من كان في مبدء الأمر مشمرا في سلوك سبيل الله ثم جذبه هواه إلى غير ما كان عليه وسلك به الشيطان مسلكه فاستبدل بسبقه في الدين تقصيرا وانحرافا. قوله (والله ما كتمت وشمة ولا كذبت كذبة) الوشمة بالشين المعجمة الكلمة وبالمهملة العلامة، أقسم بالقسم البار أنه لم يكتم كلمة حق يجب عليه بيانها أو علامة من علامات الدين يتعين عليه إظهارها أنه لم يكذب قط ترويجا لما قبله من الأخبار بوقوعهم في البلية وتوطئة لقوله " ولقد نبئت بهذا المقام وهذا اليوم " أي بمقام بيعة الخلق ويوم اجتماعهم، وكل ذلك تنفير لهم عن الباطل إلى الحق وتثبيت لهم على اتباعه. * الأصل: 2 - محمد بن يحيى والحسن بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن القاسم بن إسماعيل الأنباري، عن الحسن بن علي، عن أبي المغرا، عن ابن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ويل لطغاة العرب، من أمر قد أقترب، قلت: جعلت فداك كم مع القائم من العرب ؟ قال: نفر يسير، قلت: والله إن من يصف هذا الأمر منهم لكثير، قال: لابد للناس من أن يمحصوا ويميزوا ويغربلوا ويستخرج في الغربال خلق كثير. * الشرح: قوله (من أمر قد اقترب) أراد به ظهور الحجة واستيلاءه على طغاة العرب وهم المنكرون له أو أهل الظلم والفساد ومبدء الجور والعناد. قوله (لابد للناس من أن يمحصوا ويميزوا ويغربلوا) أي لابد لهم من أن يختبروا بالمخمصة والمجاعة ويبتلوا بالمجاهدة والمشقة ويمتحنوا بالمخاوف والمكاره والتكاليف الشاقة وغيرها من أنواع المحن والبلايا ويميزوا ليمتاز المطيع من العاصي والسعيد من الشقي ويغربلوا ويستخرج في الغربال خلق كثير وإلى هذا المعنى يشير ما رواه مسلم عن عائشة قالت: " سمعت عن رسول الله (عليه السلام) يقول، لا يذهب الليل والنهار حتى يعبد اللات والعزى فقلت: يا رسول الله إن كنت لاظن حين أنزل الله عز وجل * (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق - إلى قوله - ولو كره المشركون) * إن ذلك تام قال: إنه سيكون من ذلك ما شاء الله ثم يبعث الله ريحا طيبة فتوفى كل مسلم من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان فيبقى من لا خير فيه فيرجعون إلى دين آبائهم " (1) وفي رواية اخرى " لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: ياليتني مكانه " (2) قال أبو عبد الله الآبي في قول عائشة:


(1) صحيح مسلم ج 8 ص 182. (2) صحيح مسلم ج 8 ص 182. (*)

[ 340 ]

إن كنت لأظن ان ذلك تام حين انزل الله الآية فقال في جوابها: يكون ذلك ما شاء الله، وحاصل الجواب أن ما دلت عليه الآية من ظهوره على الدين كله ليست قضية دائمة، وقال: قوله " ياليتني مكانه " لما يرى من تغيير الشريعة أو لما يرى من البلاء والمحن والفتنة، وبالجملة تغيير الشرائع ووقوع الهرج في العالم وظهور الفتن والبلايا ورجوع الناس عن الإسلام علامات أشراط الساعة عند العامة والخاصة. * الأصل: 3 - محمد بن يحيى والحسن بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن الحسن بن محمد الصيرفي، عن جعفر بن محمد الصيقل، عن أبيه، عن منصور قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): يا منصور ! إن هذا الأمر لا يأتيكم إلا بعد إياس ولا والله حتى تميزوا، ولا والله حتى تمحصوا، ولا والله حتى يشقى من يشقى ويسعد من يسعد. * الشرح: قوله (إن هذا الأمر لا يأتيكم إلا بعد إياس) اليأس ضد الرجاء والإياس مصدر أيأس والأصل ايئاس بوزن إفعال حذف منه الهمز الذي هو عين الكلمة تخفيفا. قوله (حتى تميزوا) قد ثبت أنه قد يقع الامتحانات والاختبارت قبل خروج القائم (عليه السلام) بخروج الدجال والسفياني وظهور الاراء المختلفة والرايات المتكثرة واختلاط الأديان حتى يرجع أكثر الخلق عن الأديان، نعوذ بالله من شر ذلك الزمان. قوله (حتى يشقى من يشقى) أي حتى يشقى من كان في شأنه الشقاء وكتب في بطن أمه أنه من الأشقياء ويسعد من كان في شأنه السعادة وكتب في بطن أمه أنه من السعداء، فيبرز في كل منهما ما كان مستورا فيه ويميز كل واحد من الآخر. * الأصل: 4 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن معمر بن خلاد قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: * (الم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) * ثم قال لي: ما الفتنة ؟ قلت: جعلت فداك، الذي عندنا الفتنة في الدين، فقال: يفتنون كما يفتن الذهب، ثم قال: يخلصون كما يخلص الذهب. * الشرح: قوله (الفتنة في الدين) أي الامتحان بشدائد التكليف من مفارقة الأوطان ومقاتلة الإخوان ومحاربة الأقرباء ومجاهدة الأعداء والإتيان بالطاعات والهجران عن الشهوات والصبر على الفقر والقحط وأنواع المصائب في الانفس والأموال وبمصابرة الكفار على أذاهم وكيدهم واضرارهم

[ 341 ]

ومعنى الآية: أحسب الذين آمنوا واجروا كلمة الشهادة على ألسنتهم وأظهروا القول بالإيمان أن يتركوا على حالهم ! لا يتركون بل يفتنون بأنواع المحن ليظهر ثبات أقدامهم ورسوخ عقائدهم وخلوص نياتهم ويميز المخلص من غير المخلص والراسخ من غير الراسخ كما يفتن الذهب بالنار ليظهر جيده من رديه وخالصه من خبيثه. * الأصل: 5 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن سليمان بن صالح رفعه عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال: إن حديثكم هذا لتشمئز منه قلوب الرجال، فمن أقر به فزيدوه، ومن أنكره فذروه، إنه لابد من أن يكون فتنة يسقط فيها كل بطانة ووليجة حتى يسقط فيها من يشق الشعر بشعرتين، حتى لا يبقى إلا نحن وشيعتنا. * الشرح: قوله (إن حديثكم هذا لتشمئز منه قلوب الرجال) الظاهر أن هذا إشارة إلى حديث معلوم هو وجود صاحب الأمر وظهوره واستيلاؤه على جميع البلاد والعباد، والمراد باشمئزاز قلوبهم انقباضها باستماع هذا الحديث وعدم قبولها إياه استنكافا واستنكارا. قوله (يسقط فيها كل بطانة ووليجة) أي يسقط في تلك الفتنة ويضل بها كل من كان داخلا في الدين وصاحب سر فيه بحسب الظاهر، وبطانة الرجل صاحب سره وداخل أمره ومن يشاوره في أحواله، ووليجته بطانته ودخلاؤه وخاصته. قوله (من يشق الشعر بشعرتين) كناية عن شدة ذكائه يعني أن الذكي المتوقد يقع فيها فكيف غيره. * الأصل: 6 - محمد بن الحسن وعلي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن محمد بن سنان، عن محمد بن منصور الصيقل، عن أبيه قال: كنت أنا والحارث بن المغيرة وجماعة من أصحابنا جلوسا وأبو عبد الله (عليه السلام) يسمع كلامنا، فقال لنا: في أي شئ أنتم ؟ هيهات، هيهات، لا والله لا يكون ما تمدون إليه أعينكم حتى تغربلوا. لا والله لا يكون ما تمدون إليه أعينكم حتى تمحصوا، لا والله لا يكون ما تمدون إليه أعينكم حتى تميزوا، لا والله ما يكون ما تمدون إليه أعينكم إلا بعد إياس، لا والله لا يكون ما تمدون إليه أعينكم حتى يشقى من يشقى ويسعد من يسعد. * الشرح: قوله (هيهات هيهات) أي بعدما أنتم فيه من ظهور المهدي عن قريب والتكرير للتأكيد والمبالغة.

[ 342 ]

باب إنه من عرف إمامه لم يضره تقدم هذا الأمر أو تأخر * الأصل: 1 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إعرف إمامك، فإنك إذا عرفته لم يضرك، تقدم هذا الأمر أو تأخر. * الشرح: قوله (فإنك إذا عرفته لم يضرك تقدم هذا الأمر أو تأخر) الجملة فاعل باعتبار مضمونها أو بتقدير أن والمقصود الحكم بالمساواة بين الأمرين فلا يرد أن الضرر لا يتصور في صورة التقدم أو ذكر التقدم تبعا أو استطرادا. * الأصل: 2 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن محمد بن جمهور، عن صفوان بن يحيى عن محمد بن مروان، عن الفضيل بن يسار قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله تبارك وتعالى: " يوم ندعوا كل اناس بإمامهم " فقال: يا فضيل أعرف إمامك، فإنك إذا عرفت إمامك لم يضرك تقدم هذا الأمر أو تأخر، ومن عرف إمامه ثم مات قبل أن يقوم صاحب هذا الأمر، كان بمنزلة من كان قاعدا في عسكره، لا بل بمنزلة من قعد تحت لوائه، قال: وقال بعض أصحابه بمنزلة من استشهد مع رسول الله (صلى الله عليه وآله). * الشرح: قوله (فقال: يا فضيل اعرف إمامك) أشار (عليه السلام) إلى أن المراد بالامام في الآية من وجب على الأمة معرفته والتصديق به وهو إمام كل عصر وإلى أن معرفته على وجه يمتاز عن غيره كافية وإن لم ير شخصه ولم يدرك ملازمته لأن ذلك مما لا يجب باتفاق الأمة. قوله (كان بمنزلة من كان قاعدا في عسكره) لا يقال: قد فضل الله المجاهدين على القاعدين درجة لأنا نقول: هذا إذا حضر ولم يجاهد، وأما من آمن به في غيبته ومات قبل ظهوره فلا يبعد أن يكون مساويا للمجاهد في الدرجة. * الأصل: 3 - علي بن محمد، رفعه، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك متى الفرج ؟ فقال: يا أبا بصير ؟ وأنت ممن يريد الدنيا ؟ من عرف هذا الأمر فقد فرج عنه لانتظاره.

[ 343 ]

* الشرح: قوله (متى الفرج) سأل أبو بصير عن زمان حصول الفرج بظهور الصاحب (عليه السلام) أجاب (عليه السلام) بأنك ممن يريد الدنيا وزينتها حيث تطلب الفرج الدنيوي وهو أمر سهل هين وإنما الفرج هو الفرج الأخروي بالخلاص من العذاب الأبدي وهذا الفرج قد حصل لك بالفعل لأنك عرفت هذا الأمر ومن عرف هذا الأمر فقد فرج الله عنه ورفع عنه ضيق الصدر ووسوسة القلب وعذاب الآخرة، كل ذلك لانتظاره ظهور هذا الأمر، وانتظاره لكونه من أفضل الطاعات سبب للفرج الحقيقي وهو الفرج الأخروي. * الأصل: 4 - علي بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن إسماعيل بن محمد الخزاعي قال: سأل أبو بصير أبا عبد الله (عليه السلام) وأنا أسمع، فقال: تراني أدرك القائم (عليه السلام) ؟ فقال: يا بصير: ألست تعرف إمامك ؟ فقال: إي والله وأنت هو - وتناول يده - فقال: والله ما تبالي يا أبا بصير. ألا تكون محتبيا بسيفك في ظل رواق القائم صلوات الله عليه. * الشرح: قوله (تراني أدرك القائم (عليه السلام)) ترقبه إدراك القائم (عليه السلام) إما لعدم علمه بأنه الثاني عشر أو لطول عمره أو لتوقعه زوال دولة الباطل بسرعة وظهور دولة الحق عن قريب لما روى عن أبي جعفر (عليه السلام) قال " إن الله عز ذكره إذا أراد فناء قوم أمر الفلك فأسرع إليه فكان على مقدار ما يريد " وإما لأنه تمناه وهو لا يتوقف على إمكان التمني بحسب العادة فسلاه (عليه السلام) بأنك إذا عرفت إمام زمانك فكأنك أدركت القائم (عليه السلام)، وفي ظل رواقه معنى ولا تفاوت بين الحالين أصلا ولا تبالي أن لا تكون في ظل رواقه ظاهرا، والرواق ككتاب وغراب بيت كالفسطاط أو سقف في مقدم البيت. * الأصل: 5 - عدة من اصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن النعمان، عن محمد بن مروان عن فضيل ابن يسار قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: من مات وليس له إمام فميتته ميتة جاهلية. ومن مات وهو عارف لإمامه، لم يضره تقدم هذا الأمر أو تأخر، ومن مات وهو عارف لإمامه، كان كمن هو مع القائم في فسطاطه. * الشرح: قوله (فميتته ميتة جاهلية) الجاهلية ما قبل البعثة والميتة بالكسر حالة الموت أي يموت كما يموت أهل الجاهلية في الكفر والضلال، والحديث منقول من طريق العامة أيضا وقد مر زيادة توضيح لذلك.

[ 344 ]

* الأصل: 6 - الحسين بن علي العلوي، عن سهل بن جمهور، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني، عن الحسن بن الحسين العرني، عن علي بن هاشم، عن أبيه، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ما ضر من مات منتظرا لأمرنا ألا يموت في وسط فسطاط المهدي وعسكره. * الشرح: قوله (ما ضر من مات منتظرا لأمرنا ألا يموت) ألا يموت فتح الهمزة فاعل ضر و " من مات " مفعوله، يعني من عرف حقنا وقال بوجود المهدي وانتظر لظهوره لا يضر أن لا يدرك المهدي ولا يموت في فسطاطه أو في عسكره فإنه يدرك تلك الفضيلة وينال تلك الكرامة. بحسب الواقع. * الأصل: 7 - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيوب، عن عمر بن أبان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إعرف العلامة، فإذا عرفته لم يضرك تقدم هذا الأمر أو تأخر، إن الله عز وجل يقول: * (يوم ندعوا كل أناس بإمامهم) * فمن عرف إمامه كان كمن كان في فسطاط المنتظر (عليه السلام). * الشرح: قوله (إعرف العلامة) أراد بالعلامة الإمام لأنه علامة تعرف به احوال المبدء والمعاد والقوانين الشرعية والطريقة الإلهية. قوله (إن الله عز وجل يقول) تعليل لما تقدم من وجوب معرفة الإمام، وعدم لحوق الضرر المذكور بعدها أما دلالته على الأول فظاهر وأما على الثاني فقد أشار بالتفريع المذكور ووجه أن المعية المستفادة من الباء مع عدم إظهار الفرق بين من كان في فسطاطه وغيرهم يقتضي ذلك كما لا يخفى على الفطن.

[ 345 ]

باب من ادعى الإمامة وليس لها بأهل ومن جحد الأئمة أو بعضهم ومن أثبت الإمامة لمن ليس لها بأهل * الأصل: 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن أبي سلام، عن سورة بن كليب، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت: قول الله عز وجل: * (ويوم القيمة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة) * ؟ قال: من قال: إني إمام وليس بإمام، قال: قلت: وإن كان علويا ؟ قال: وإن كان علويا قلت: وإن كان من ولد علي بن أبي طالب (عليه السلام) ؟ قال: وإن كان. * الشرح: قوله (وان كان من ولد علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال وإن كان) الظاهر أنه تأكيد لقوله: وإن كان علويا ويحتمل أن يراد بولد علي بن أبي طالب ولده من صلبه بلا واسطة، والعلوي أعم منه أو مباين له بتخصيصه بولد بواسطة. * الأصل: 2 - محمد بن يحيى، عن عبد الله بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن أبان، عن الفضيل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من ادعى الإمامة وليس من أهلها فهو كافر. * الشرح: قوله (فهو كافر) أي كافر خارج عن دين الإسلام كمن ادعى النبوة وليس من أهلها ومن أنكر إمامة من هو من أهلها. * الأصل: 3 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن محمد بن جمهور، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن الحسين بن المختار قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك * (ويوم القيمة ترى الذين كذبوا على الله) * قال: كل من زعم أنه إمام وليس بإمام، قلت: وإن كان فاطميا علويا ؟ قال: وإن كان فاطميا علويا. * الشرح: قوله (قلت وإن كان فاطميا علويا) ذكر علويا للتأكيد ولو قدمه لكان للاحتراز. * الأصل: 4 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الوشاء، عن داود الحمار عن ابن أبي يعفور،

[ 346 ]

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: من ادعى إمامة من الله ليست له، ومن جحد إماما من الله، ومن زعم أن لهما في الإسلام نصيبا. * الشرح: قوله (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة) أي لا يكلمهم كلام رضى بل كلام سخط مثل * (اخسؤوا فيها ولا تكلمون) * أو هو كناية عن الإعراض وسلب الرحمة فإن من منع منا أحد كلامه أعرض عنه وسلب الرحمة منه ومعنى * (لا ينظر إليهم) * لا يحسن إليهم وليس المراد نفي الرؤية عنهم لأن الرؤية العينية بالنسبة إلى الكل غير متحققة والرؤية العلمية بالنسبة إلى الجميع ثابتة فلا وجه للتخصيص على التقديرين وخصص يوم القيامة لأن الإحسان غير منتف عنهم في الدنيا ومعنى لا يزكيهم لا يطهرهم من الذنوب لعظمتها أو لا يثني عليهم لأن من لا يثنيه سبحانه يعذبهم ولهم في الآخرة عذاب أليم مؤلم موجع. قوله (من ادعى إمامة من الله) فيه شئ لأن أبا جعفر (عليه السلام) فسر الثلاثة في باب الكبر بشيخ زان وملك جبار ومقل مختال ويمكن دفعه بأن المراد بالثلاثة في الآية جنس الثلاثة دون الشخص فلا تنافي بين التفسيرين لتحقق الجنس في الفريقين. * الأصل: 5 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن سنان، عن يحيى أخي أديم، عن الوليد بن صبيح قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن هذا الأمر لا يدعيه غير صاحبه إلا بتر الله عمره. * الشرح: قوله (أن هذا الأمر لا يدعيه غير صاحبه إلا بتر الله عمره) كل من ادعى أنه صاحب الأمر ولم يكن هو صاحبه بتر الله عمره وقطعه كما وقع في كثير. * الأصل: 6 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن سنان، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من أشرك مع إمام إمامته من عند الله، من ليست إمامته من الله، كان مشركا بالله. * الشرح: قوله (كان مشركا بالله) أشرك بالله فهو مشرك إذا جعل له شريكا وقد جعل هذا الرجل له بزعمه مثلا يفعل مثل فعله، ويحتمل أن يراد بالمشرك الكافر والشرك الكفر. * الأصل: 7 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن إسماعيل، عن منصور بن يونس،

[ 347 ]

عن محمد ابن مسلم قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل قال لي: اعرف الآخر من الأئمة ولا يضرك أن لا تعرف الأول، قال: فقال: لعن الله هذا فإني أبغضه ولا أعرفه وهل عرف الآخر إلا بالأول. * الشرح: قوله (قال لي إعرف الآخر) ذهب هذا الرجل إلى أنه لا يجب معرفة الأئمة كلهم والتصديق بجميعهم ولا ينفع معرفة الأول بدون معرفة الآخر وينفع العكس وهو معرفة الآخر بدون معرفة الأول لتحقق حسن الخاتمة وهو أصل في نيل الدرجات والخلاص من الدركات والاتصاف بالسعادات. وأجاب (عليه السلام) بأن هذا الرجل ملعون مبغوض خارج عن دين الله لوجوب معرفة الأئمة جميعهم ولا ينفع معرفة الآخر بدون معرفة الأول ولا يعقل ذلك لأن الآخر فرع الأول وثابت بنصه ولا يعقل القول بالفرع مع إنكار الأصل. * الأصل: 8 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن محمد بن جمهور، عن صفوان، عن ابن مسكان قال: سألت الشيخ عن الأئمة (عليه السلام)، قال: من أنكر واحدا من الأحياء فقد أنكر الأموات. * الشرح: قوله (سألت الشيخ) أراد به الكاظم (عليه السلام). قوله (من أنكر واحدا من الأحياء فقد أنكر الأموات) فالزيدية والجارودية والإسماعيلية والفطحية والواقفية وغيرهم من فرق الشيعة الباطلة كانوا كالمنكرين لخلافة علي بن أبي طالب (عليه السلام) بل لنبوة رسول الله (صلى الله عليه وآله). * الأصل: 9 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن أبي وهب، عن محمد بن منصور قال: سألته عن قول الله عز وجل * (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء * أتقولون على الله مالا تعلمون) * قال: فقال: هل رأيت أحدا زعم أن الله أمر بالزناء وشرب الخمر أو شئ من هذه المحارم ؟ فقلت: لا. فقال: ما هذه الفاحشة التي يدعون أن الله أمرهم بها قلت: الله أعلم ووليه، قال: فإن هذا في أئمة الجور، ادعوا أن الله أمرهم بالإئتمام بقوم لم يأمرهم الله بالإئتمام بهم، فرد الله ذلك عليهم فأخبر أنهم قد قالوا عليه الكذب وسمى ذلك منهم فاحشة. * الشرح: قوله (قال فقال هل رأيت أحدا زعم أن الله أمر بالزنا) فيه مناقشة من وجهين: أحدهما إن هذا دل على أن أحدا لم يزعم أن الله أمر بالفحشاء، وقد مر في باب الجبر والقدر أن الاشاعرة القائلين

[ 348 ]

بأن أفعال العباد مخلوقة له تعالى قائلون بأن الله تعالى أمر بالفحشاء وثانيهما أن هذا دل على أن التابعين لأئمة الجور يقولون بأن الله تعالى أمر باتباعهم وأن النص دل على ذلك وهذا خلاف ما هو معروف عندهم من أن الخلافة للثلاثة غير مستفادة من النص، ويمكن دفع الاولى بأن الاشاعرة لم يقولوا صريحا بأن الله تعالى يأمر بالفحشاء وإنما يلزمهم ذلك بناء على مذهبهم فإن الأمر تابع للارادة وإرادة الفحشاء متحققة عندهم فيلزمهم تحقق الأمر أيضا والفرق بين الأمرين واضح، ويمكن دفع الثانية أيضا بأنهم وإن لم يقولوا بأن ثبوت أصل الخلافة بالنص صريحا لكنهم قالوا بأنه تعالى رضي بمتابعتهم وأمر بها في ضمن القواعد الكلية مثل آية وجوب متابعة الإجماع وغيرها. قوله (ادعوا أن الله أمرهم بالإئتمام بقوم) المراد بقوم أئمة الجور وضمير ادعوا لاتباعهم. * الأصل: 10 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن أبي وهب عن محمد بن منصور قال: سألت عبدا صالحا عن قول الله عز وجل: * (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن) * قال: فقال: إن القرآن له ظهر وبطن، فجميع ما حرم الله في القرآن هو الظاهر، والباطن من ذلك أئمة الجور وجميع ما أحل الله تعالى في الكتاب هو الظاهر، والباطن من ذلك أئمة الحق. * الشرح: قوله (من ذلك أئمة الجور) أي بعض المحرم في الظاهر والباطن إمامة أئمة الجور أو متابعتهم والحاصل أن هذا المحرم كغيره من المحرمات القرآنية ينقسم على قسمين: أحدهما ظاهر بيانه والآخر باطن يحتاج إلى نحو من التنقير والتفسير وقس عليه ما بعده. * الأصل: 11 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب: عن عمرو بن ثابت، عن جابر قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: * (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله) * قال: هم والله أولياء فلان وفلان إتخذوهم أئمة دون الإمام الذي جعله الله للناس إماما، فلذلك قال: * (ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب * إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب * قال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار) * ثم قال أبو جعفر (عليه السلام): هم والله يا جابر، أئمة الظلمة وأشياعهم. * الشرح: قوله (أندادا) الأنداد جمع ند بالكسر وهو مثل الشئ يضاده في أموره ويناده أي يخالفه.

[ 349 ]

قوله (يحبونهم كحب الله) أي يعظمونهم كتعظيم الله تعالى واطاعته ويسوون بينه وبينهم في الطاعة والتعظيم والمحبة ومحبة العبد له إرادة طاعته والاعتناء بتحصيل مراضيه وكمال الانقياد له في أوامره ونواهيه ومحبته للعبد إرادة اكرامه وإحسانه وصونه عن المعاصي وإقامته في مقام مرضاته. قوله (قال هم والله أولياء فلان وفلان) يعني أراد بالأنداد أئمة الجور وبمن الناس أولياءهم المطيعون لهم والتابعون لأمرهم ونهيهم، وقد فسر الانداد بذلك أيضا جماعة من مفسري العامة ومنهم من فسرها بالأصنام، ومنهم من قال: المراد اعم منهما وهو كل من يشغل عن الله سواء كان أئمة جور أو أصناما. قوله (فلذلك قال ولو يرى الذين ظلموا) استدلوا على ان المراد بالأنداد أئمة الجور دون الأصنام كما ظن بوجهين: أحدهما الإتيان بضمير جمع المذكر العاقل وهو لا يناسب الأصنام وثانيهما التبري من الطرفين وإنكار كل من التابع والمتبوع الآخر وهو لا يتصور من هذا، وقوله " يرى " بمعنى يعلم، وقوله " أن القوة لله جميعا " في موضع مفعولية وجواب " لو " محذوف ويرون من الرؤية العينية يعني لو يعلم الذين ظلموا على أنفسهم باتخاذ الأنداد أن القوة لله جميعا إذا عاينوا العذاب يوم القيامة لندموا على ما فعلوا أشد الندم، وقيل: أن القوة لله جميعا متعلق الجواب والمفعولان محذوفان والتقدير: لو يرى الذين ظلموا أن الأنداد لا تنفع لعلموا أن القوة لله جميعا، لا ينفع ولا يضر غيره. قوله (إذ تبرأ الذين اتبعوا) أي لو يرى الذين ظلموا إذ تبرأ المتبعون من اتباعهم أن القوة لله جميعا فهو بدل من قوله " إذ يرون العذاب ". قوله (ورأوا العذاب) حال عن فاعل تبرأ بتقدير قد أي رائين ويحتمل أن يكون معطوفا على " تبرأ ". قوله (وتقطعت بهم الأسباب) عطف على رأوا وحكمه حكمه، والأسباب جمع السبب وهو الحبل الذي يتوصل به إلى الماء ثم استعير لكل ما يتوصل به إلى شئ من التوافق والتودد والاتباع على الدين والأغراض الداعية إليه وغير ذلك، والباء في " بهم " للسببية أي بسبب كفرهم أو بمعنى عن، كما في قوله تعالى * (فاسئل به خبيرا) * أو للملابسة والظرف حال. قوله (لو أن لنا كرة) " لو " للتمني و " لنا " فاعل فعل محذوف أي نتمنى أن يثبت لنا كرة ورجعة إلى الدنيا وإنما تمنوا ذلك لأن التبرى منهم في الآخرة لا يغيضهم لأنهم في هول هائل. قوله (كذلك يريهم الله) أي مثل تلك الإراءة الفظيعة يريهم الله يوم القيامة أعمالهم القبيحة حسرات وندامات عليهم وهي مفعول ثالث ليريهم إن كان رؤية القلب، وإلا فحال.

[ 350 ]

قوله (وما هم بخارجين من النار) قيل: أصله: وما يخرجون، فعدل به إلى هذه العبارة للمبالغة في الخلود والإقناط عن الخلاص والرجوع إلى الدنيا. * الأصل: 12 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن أبي داود المسترق، عن علي بن ميمون، عن ابن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: من ادعى إمامة من الله ليست له، ومن جحد إماما من الله. ومن زعم أن لهما في الإسلام نصيبا. * الشرح: قوله (لا ينظر الله إليهم) معنى النظر هنا الرحمة والعطف والإحسان لأن النظر في الشاهد دليل المحبة، وترك النظر دليل البغض والكراهة.

[ 351 ]

باب فيمن دان الله عز وجل بغير إمام من الله جل جلاله * الأصل: 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، [ عن ا ] بن أبي نصر، عن أبي الحسن (عليه السلام) في قول الله عز وجل: * (ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله) * قال: يعني من اتخذ دينه رأيه، بغير إمام من أئمة الهدى. * الشرح: قوله (عن أحمد بن محمد بن أبي نصر) هكذا في النسخ التي رأيناها، والأظهر: عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي نصر لأن نقل العدة عن ابن أبي نصر غير ثابت. قوله (من اتخذ دينه رأيه) أي يعتقد أن ما يقتضيه عقله ويؤديه وهمه دين له، وأصحاب الرأي أصحاب القياس وأرباب الاستحسان الذين يأخذون بآرائهم فيما يشكل من القرآن والحديث أو ما لم يأت فيه حديث ولا أثر. * الأصل: 2 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن صفوان بن يحيى، عن العلاء بن زرين عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: كل من دان الله بعبادة يجهد فيها نفسه ولا إمام له من الله فسعيه غير مقبول، وهو ضال متحير والله شانئ لأعماله، ومثله كمثل شاة ضلت عن راعيها وقطيعها، فهجمت ذاهبة وجائية يومها، فلما جنها الليل بصرت بقطيع مع غير راعيها فحنت إليها واغترت بها، فباتت معها في ربضتها، فلما أن ساق الراعي قطيعه أنكرت راعيها وقطيعها، فهجمت متحيرة تطلب راعيها وقطيعها، فبصرت بغنم مع راعيها. فحنت إليها واغترت بها فصاح بها الراعي: الحقي براعيك وقطيعك، فإنك تائهة متحيرة عن راعيك وقطيعك، فهجمت ذعرة متحيرة نادة لا راعي لها يرشدها إلى مرعاها أو يردها، فبينا هي كذلك إذ اغتنم الذئب ضيعتها فأكلها، وكذلك والله يا محمد من أصبح من هذه الأمة لا إمام له من الله جل وعز ظاهرا عادلا، أصبح ضالا تائها، وإن مات على هذه الحال مات ميتة كفر ونفاق. واعلم يا محمد أن أئمة الجور وأتباعهم لمعزولون عن دين الله، قد ضلوا وأضلوا، فأعمالهم التي يعملونها كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، لا يقدرون مما كسبوا على شئ ذلك هو الضلال البعيد.

[ 352 ]

* الشرح: قوله (قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول كل من دان الله) مر هذا الحديث متنا وسندا في باب معرفة الإمام والرد إليه ومر شرحه أيضا فلا نعيده. قوله (بصرت بقطيع من غير راعيها) في بعض النسخ: مع غير راعيها وفي الباب السابق " بصرت بقطيع غنم مع راعيها " ولكل وجه. قوله (في ربضتها) ربض الغنم مأواها وفي الباب السابق: في مربضها والأمر هين. قوله (فهجمت ذعرة متحيرة نادة) أي شاردة نافرة، من ند البعير يند ندا ونديدا وندودا وندادا إذا شرد ونفر. وفي الباب السابق " فهجمت ذعرة متحيرة تائهة ". قوله (ظاهرا عادلا) قال الفاضل الأمين الاسترآبادي: " ظاهرا " بالظاء المعجمة أي البين إمامته بنص صريح جلي من الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) وغرضه أن ليس المراد بالظاهر الظاهر بين الناس ليرد النقض بالصاحب (عليه السلام) وفي الباب السابق: ظاهر عادل بالرفع دون النصب. قوله (مات ميتة كفر) أي مات على ما مات عليه الكفار من الضلال والجهل. * الأصل: 3 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن عبد العزيز العبدي، عن عبد الله بن أبي يعفور قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إني أخالط الناس فيكثر عجبي من أقوام لا يتولونكم ويتولون فلانا وفلانا، لهم أمانة، وصدق ووفاء، وأقوام يتولونكم ليس لهم تلك الأمانة ولا الوفاء والصدق ؟ قال: فاستوى أبو عبد الله (عليه السلام) جالسا فأقبل علي كالغضبان، ثم قال: لا دين لمن دان الله بولاية إمام جائر ليس من الله، ولا عتب على من دان بولاية إمام عادل من الله، قلت: لا دين لأولئك ولا عتب على هؤلاء ؟ قال: نعم لا دين لاولئك ولا عتب على هؤلاء، ثم قال، ألا تسمع لقول الله عز وجل: * (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور) * يعني [ من ] ظلمات الذنوب إلى نور التوبة والمغفرة لولايتهم كل إمام عادل من الله ! وقال: * (والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات) * إنما عنى بهذا أنهم كانوا على نور الإسلام فلما أن تولوا كل إمام جائر ليس من الله عز وجل خرجوا بولايتهم [ إياه ] من نور الإسلام إلى ظلمات الكفر، فأوجب الله لهم النار مع الكفار، ف‍ * (اولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) *. * الشرح: قوله (فيكثر عجبي) لعظم ذلك عندي وإنما يتعجب الإنسان من الشئ إذا عظم موقعه وخفي عليه سببه فيخبر ليعلم موقع هذا الشئ عنده.

[ 353 ]

قوله (لا دين لمن دان الله) أي لمن أطاعه وعبده وأذل نفسه له. قوله (ولا عتب) العتب الموجدة والغضب من باب ضرب، والعتاب مخاطبة الأراذل ومذاكرة الموجدة. قوله (قال لا دين لأولئك ولا عتب على هؤلاء) قال ذلك استبعادا ولا استبعاد فيه لأن أولئك من أهل الإيمان وأصولهم مستحكمة والنقص إنما هو في الفروع بل في العمل بها بخلاف هؤلاء، فإن اصولهم فاسدة لعدم إيمانهم وإن جدوا في العمل بالفروع، فالنسبة بينهما كالنسبة بين المؤمن وغيره وبين الموحد والمشرك، وبين المعترف بالنبوة ومنكرها. قوله (أولياؤهم الطاغوت) أي الشياطين أو أئمة الجور، والتعميم أولى. قوله (خرجوا بولايتهم من نور الإسلام إلى ظلمات الكفر) يشعر بأن نفس ولايتهم ظلمة الكفر. * الأصل: 4 - وعنه، عن هشام بن سالم، عن حبيب السجستاني، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال الله تبارك وتعالى: لاعذبن كل رعية في الإسلام دانت بولاية كل إمام جائر ليس من الله وإن كانت الرعية في أعمالها برة تقية، ولأعفون عن كل رعية في الإسلام دانت بولاية كل إمام عادل من الله وإن كانت الرعية في أنفسها ظالمة مسيئة. * الشرح: قوله (وعنه عن هشام بن سالم) تأمل في مرجع الضمير، ولعله ابن محبوب أو أحمد بن محمد مع الإرسال. * الأصل: 5 - علي بن محمد، عن ابن جمهور، عن أبيه، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال: إن الله لا يستحيي أن يعذب أمة دانت بإمام ليس من الله وإن كانت في أعمالها برة تقية، وإن الله ليستحيي أن يعذب أمة دانت بإمام من الله وإن كانت في أعمالها ظالمة مسيئة. * الشرح: قوله (إن الله لا يستحيي أن يعذب) أي لا يترك عذابه ترك من يستحيي أن يعذب، والحياء قيل: هو انقباض النفس عن القبيح مخافة الذم وهو الوسط بين الوقاحة التي هي الجرأة على القبائح وعدم المبالاة بها والخجل الذي هو انحصار النفس من الفعل مطلقا، وإذا نسب إلى الله تعالى يراد به الترك اللازم للانقباض كما يراد بالرحمة والغضب إصابة المعروف والمكروه اللازمين لمعناها الحقيقي الممتنع في حقه تعالى.

[ 354 ]

باب من مات وليس له إمام من أئمة الهدى، وهو من الباب الأول * الأصل: 1 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن أحمد بن عائذ، عن ابن اذينة، عن الفضيل بن يسار قال: ابتدأنا أبو عبد الله (عليه السلام) يوما وقال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من مات وليس له إمام فميتته ميتة جاهلية، فقلت: قال ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ فقال: إي والله قد قال، قلت: فكل من مات وليس له إمام فميتته ميتة جاهلية ؟ قال: نعم. * الشرح: قوله (وهو من الباب الأول) الفرق بين البابين أن الإمام في الأول مضاف إلى الله تعالى وفي هذا مطلق وان من لم يعرفه عمله غير مقبول في الأول، وميتته ميتة جاهلية في الثاني، ولما كان المطلق محمولا على المقيد وكانت الميتة الجاهلية مستلزمة لعدم قبول العمل بل عبارة عنه، قال المصنف: وهو من الباب الأول لأن مالهما واحد. قوله (فميتته ميتة جاهلية) قد مر أن الميتة بكسر الميم الهيئة التي يكون عليها الإنسان من الموت، والمعنى: من مات وليس له إمام يعني خرج عن طاعته وفارقه بعد معرفة شخصه أو لم يعتقد بأن له إماما صادقا من الله وإن لم يعرف شخصه، فقد مات على هيئة كانت الجاهلية تموت عليها في كونهم لا يرجعون إلى طاعة إمام ولا يتبعون أثرها بل كانوا مستبدين بالأمر لا يجتمعون في شئ من الأمر الحق. * الأصل: 2 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، قال: حدثني عبد الكريم بن عمر، عن ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول رسول الله (عليه السلام): " من مات وليس له إمام، فميتته ميتة جاهلية "، قال: قلت: ميتة كفر ؟ قال: ميتة ضلال، قلت: فمن مات اليوم وليس له إمام، فميتته ميتة جاهلية ؟ فقال: نعم. * الشرح: قوله (قال قلت ميتة كفر قال ميتة ضلال) لما كان للكفر معان، منها الكفر بالله واليوم الآخر أعني إنكارهما رأسا وهو إنكار أصل الإيمان، ومنها الضلال والإرتداد أعني الخروج عن طريق الحق بعد الدخول فيه وتركه بعد طلبه، لوح (عليه السلام) إلى ما هو المقصود ههنا، فإن من اعترف بهذا الشرع وأنكر

[ 355 ]

إمام الحق اعترف بوجوب الإيمان وضل عن طريقه لزعمه أن طريقه ما سلكه، فهو كافر بهذا المعنى لا بالمعنى الأول وإن كانا متشاركين في الخلود في النار. * الأصل: 3 - أحمد بن إدريس، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان، عن الفضيل، عن الحارث بن المغيرة قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من مات لا يعرف إمامه، مات ميتة جاهلية ؟ قال: نعم: قلت: جاهلية جهلاء ؟ أو جاهلية لا يعرف إمامه ؟ قال: جاهلية كفر ونفاق وضلال. * الشرح: قوله (قلت جاهلية جهلاء أو جاهلية لا يعرف إمامه) يقال جاهلية جهلاء وليلة ليلاء تأكيدا للأول أشتق له من اسمه ما يؤكد به ويفيد حصول الأصل فيه على وجه الكمال، ولما كانت الجاهلية هي الحال التي كانت عليها العرب قبل الإسلام من الجهل بالله ورسوله واليوم الآخر وشرائع الدين والمفاخرة بالأنساب والكبر والتجبر وغير ذلك من الذمائم استعلم السائل بأن المراد بها هل هو الفرد الكامل البالغ في الجهل إلى حد الكمال وهو الذي لا يعرف الصانع والرسول واليوم الآخر أو فرد آخر وهو من لا يعرف إمامه ؟ واشار (عليه السلام) بقوله: جاهلية كفر ونفاق وضلال بأن المراد هو الفرد الآخر، وقد ذكرنا أنه لا تفاوت بينهما في الخلود وإن كان بينهما تفاوت في الطهارة والنجاسة، والعطف للتفسير وبيان أن المراد بالكفر هو هذا الفرد المسمى بالنفاق والضلال دون الفرد الذي هو إنكار الصانع واليوم الآخر وقد عرفت معنى الضلال وأما النفاق، فقال صاحب النهاية: كفر النفاق هو أن يقر بلسانه ولا يعتقد بقلبه وفيه إيماء إلى أن عدم معرفة الإمام يشمل إنكاره ظاهرا وباطنا وإنكاره باطنا فقط وأما العكس وهو إنكاره ظاهرا فقط فالظاهر أنه داخل في المعرفة إلا أن يكون ذلك الإنكار مستندا إلى الحسد فإنه أيضا كفر كإنكار من عرف حق علي (عليه السلام) وأنكره ظاهرا حسدا وعنادا. * الأصل: 4 - بعض أصحابنا، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني، عن مالك بن عامر، عن المفضل بن زائدة، عن المفضل بن عمر قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): من دان الله بغير سماع عن صادق ألزمه الله البتة إلى العناء، ومن ادعى سماعا من غير الباب الذي فتحه الله فهو مشرك وذلك الباب المأمون على سر الله المكنون.

[ 356 ]

* الشرح: قوله (ألزمه الله البتة إلى العناء) العناء بالفتح المشقة اسم من عناه يعنيه، والمراد بها المشقة الاخروية والشقاوة الأبدية، وفي لفظ البتة إشعار بأن الإلزام مقطوع به لا رجعة فيه. قوله (فهو مشرك) لأن من جعل للإمام شريكا كان كمن جعل للنبي شريكا، ومن جعل للنبي شريكا كان كمن جعل لله تعالى شريكا، وأيضا من رد إمام الله تعالى وأخذ إماما آخر فقد ضاد الله تعالى في أمره، ومن ضاده فهو مشرك، وأيضا من اتخذ إماما آخر فكأنه اتخذ إلها فهو مشرك. قوله (وذلك الباب المأمون) " ذلك " إشارة إلى الباب الذي فتحه الله تعالى وهو مبتدأ و " الباب المأمون " خبره ويحتمل أن يكون " ذلك الباب " مبتدأ " والمأمون " خبره والجملة كالتعليل للسابق.

[ 357 ]

باب فيمن عرف الحق من أهل البيت (عليهم السلام) ومن أنكر * الأصل: 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن سليمان بن جعفر قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: إن علي بن عبد الله (1) بن الحسين ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) وامرأته وبنيه من أهل الجنة، ثم قال: من عرف هذا الأمر من ولد علي وفاطمة (عليهما السلام) لم يكن كالناس. * الشرح: قوله (قال سمعت الرضا (عليه السلام) يقول إن علي بن عبد الله) أخبر (عليه السلام) أولا بأن عارف هذا الأمر من أهل الجنة مطلقا، وثانيا بأن العارف إذا كان من ولد علي وفاطمة كان له فضل على غيره والظاهر بالنظر إلى حديث آخر هذا الباب أن له أمرين: أحدهما لأصل المعرفة وثانيهما للنسب وحصول الأجر للنسب مشروط بالمعرفة وإلا فلا أثر له بل هو مضر ثم ظاهر هذا الخبر يشعر بأن حصول الفضل مشروط بكونه من ولد علي وفاطمة (عليهما السلام) جميعا فعلى هذا لو كان من ولد علي (عليه السلام) فقط لم يكن له فضل على غيره ويمكن إجراء الفضل في ولده أيضا في الهاشمي مطلقا والله أعلم. * الأصل: 2 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد قال: حدثني الوشاء قال: حدثنا أحمد بن عمر الحلال قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): أخبرني عمن عاندك ولم يعرف حقك من ولد فاطمة، هو وسائر الناس سواء في العقاب ؟ فقال: كان علي بن الحسين (عليهما السلام) يقول: عليهم ضعفا العقاب. * الشرح: قوله (عليهم ضعفا العقاب) أي مثلاه لأن ضعف الشئ مثله وضعفاه مثلاه، وربما قيل: ضعفا الشئ ثلاثة أمثاله لأن ضعفه مثله مرتين فضعفاه مثله ثلاث مرات ونقل صاحب المغرب عن الشافعي في رجل أوصى فقال: أعطوا فلانا ضعف ما يصيب ولدي قال: تعطى مثله مرتين، ولو قال: ضعفي ما يصيب ولدي، تنظر إن أصابه مائة أعطيته ثلاثمائة، ونظيره ماروى عن أبي عبيدة في قوله تعالى * (يضاعف لها العذاب ضعفين) * قال: معناه يجعل الواحدة ثلاثة وأنكره الازهري


(1) في الرجال علي بن عبيد الله وهو الظاهر. (*)

[ 358 ]

وقال: هذا الذي يستعمله الناس في مجاز كلامهم وتعارفهم وإنما الذي قال حذاق النحويين أنها تعذب مثلي عذاب غيرها. * الأصل: 3 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن راشد قال: حدثنا علي بن إسماعيل الميثمي قال: حدثنا ربعي بن عبد الله قال: قال لي عبد الرحمن بن أبي عبد الله: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): المنكر لهذا الأمر من بني هاشم وغيرهم سواء ؟ فقال لي: لا تقل: المنكر، ولكن قل: الجاحد من بني هاشم وغيرهم، قال أبو الحسن: فتفكرت [ فيه ] فذكرت قول الله عز وجل في إخوة يوسف: * (فعرفهم وهم له منكرون) *. * الشرح: قوله (لا تقل المنكر ولكن قل الجاحد من بني هاشم وغيرهم) ولعل الفرق أن الجحود هو الإنكار مع العلم، والإنكار أعم منه وهذا الكلام يحتمل أحد أمرين: أحدهما أن الموجود في الخارج من الفريقين هو الجاحد لحقنا دون المنكر له لعلم كل أحد من هذه الأمة بحقنا إنما أنكره من أنكره بعد العلم به فهو جاحد، وثانيهما أن التفاوت بين الفريقين إنما هو في الجاحد منهما يعني في المنكر بعد العلم وأما المنكر منهما بلا علم فلا تفاوت بينهما في العقوبة والأول أظهر. قوله (وهم له منكرون) تفكر أبو الحسن في الفرق بين الإنكار والجحود حيث نهى عن الأول وأمر بالثاني فذكر هذه الآية فعرف أن المراد من الإنكار الإنكار من غير علم ومعرفة لوقوعه في مقابلة المعرفة وعرف بذلك أن الجحود إنكار مع علم ومعرفة. * الأصل: 4 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي نصر، قال: سألت الرضا (عليه السلام) قلت له: الجاحد منكم ومن غيركم سواء ؟ فقال: الجاحد من له ذنبان والمحسن له حسنتان.

[ 359 ]

باب ما يجب على الناس عند مضي الإمام (عليه السلام) * الأصل: 1 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن صفوان، عن يعقوب بن شعيب قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إذا حدث على الإمام حدث، كيف يصنع الناس ؟ قال: أين قول الله عز وجل: * (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) * قال: هم في عذر ماداموا في الطلب، وهؤلاء الذين ينظرونهم في عذر حتى يرجع إليهم أصحابهم. * الشرح: قوله (إذا حدث على الإمام حدث كيف يصنع الناس) سأل عما يجب على الناس عند موت الإمام فأجاب (عليه السلام) بأنه يجب عليهم النفر على سبيل الكفاية ليعلموا الإمام بعده ويخبروا به قومهم إذا رجعوا إليهم، والنفر إنما يجب لو لم يعلموا أن خبره يصل إليهم قبل بلوغهم بلد الموت وما يتوقف عليه النفر يجب على النافر وقومه كفاية كأصل النفر ولو تعذر كانوا في سعة إلى حين زواله ويجب عليهم حينئذ الإقرار اجمالا بأن للإمام الماضي نائبا يقوم بالأمر بعده وإن لم يعلموا اسمه وشخصه ولو ماتوا حينئذ خرج موتهم عن موتة الجاهلية، ثم هذا حال من بلغه أصل الدين وبعثة النبي وأن له نائبا من قبل الله يقوم بأمره وأما من لم يبلغه شئ من ذلك فالظاهر أنه ليس مكلفا بالطلب لاستحالة تكليف الغافل نعم يتوجه إليه صورة التكليف في القيامة رفعا لعذره كما دل عليه بعض الروايات، والله أعلم. * الأصل: 2 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن قال: حدثنا حماد عن عبد الأعلى قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول العامة: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية، فقال: الحق والله، قلت: فإن إماما هلك ورجل بخراسان لا يعلم من وصيه لم يسعه ذلك ؟ قال: لا يسعه ! إن الإمام إذا هلك وقعت حجة وصيه على من هو معه في البلد وحق النفر على من ليس بحضرته إذا بلغهم، إن الله عز وجل يقول: * (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) * قلت: فنفر قوم فهلك بعضهم قبل أن يصل فيعلم ؟ قال: إن الله جل وعز يقول: * (ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه

[ 360 ]

الموت فقد وقع أجره على الله) * قلت: فبلغ البلد بعضهم فوجدك مغلقا عليك بابك ومرخي عليك سترك لا تدعوهم إلى نفسك ولا يكون من يدلهم عليك فبما يعرفون ذلك ؟ قال: بكتاب الله المنزل، قلت، فيقول الله جل وعز كيف ؟ قال: أراك قد تكلمت في هذا قبل اليوم، قلت: أجل، قال: فذكر ما أنزل الله في علي (عليه السلام) وما قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حسن وحسين (عليهما السلام) وما خص الله به عليا (عليه السلام) وما قال فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) من وصيته إليه ونصبه إياه وما يصيبهم وإقرار الحسن والحسين بذلك ووصيته إلى الحسن وتسليم الحسين له بقول الله: * (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) *. قلت: فإن الناس تكلموا في أبي جعفر (عليه السلام) ويقولون: كيف تخطت من ولد أبيه من له مثل قرابته ومن هو أسن منه وقصرت عمن هو أصغر منه ؟ فقال: يعرف صاحب هذا الأمر بثلاث خصال لا تكون في غيره: هو أولى الناس بالذي قبله وهو وصيه، وعنده سلاح رسول الله (صلى الله عليه وآله) ووصيته وذلك عندي لا أنازع فيه، قلت: إن ذلك مستور مخافة السلطان ؟ قال: لا يكون في ستر إلا وله حجة ظاهرة، إن أبي استودعني ما هناك، فلما حضرته الوفاة قال: ادع لي شهودا فدعوت أربعة من قريش، فيهم نافع مولى عبد الله بن عمر، قال: اكتب: هذا ما أوصى به يعقوب بنيه * (يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) * وأوصى محمد بن علي إلى ابنه جعفر بن محمد وأمره أن يكفنه في برده الذي كان يصلي فيه الجمع وأن يعممه بعمامته وأن يربع قبره ويرفعه أربع أصابع، ثم يخلي عنه، فقال: اطووه، ثم قال للشهود: انصرفوا رحمكم الله، فقلت بعد ما انصرفوا: ما كان في هذا يا أبت أن تشهد عليه ؟ فقال: إني كرهت أن تغلب وأن يقال: إنه لم يوص، فأردت أن تكون لك حجة، فهو الذي إذا قدم الرجل البلد قال: من وصي فلان، قيل فلان، قلت: فإن اشرك في الوصية ؟ قال: يسألونه فإنه سيبين لكم. * الشرح: قوله (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول العامة) أي عن قول عامة الأمة بمعنى جميعهم أو عن قول أكثر الأمة المخالفين للفرقة الناجية القائلين بخلافة الثلاثة، والحديث حجة عليهم في نفي الإمام من عترة الرسول في كل عصر لنقلهم هذا الحديث في كتبهم وقبولهم له وما ذهب إليه قدماؤهم من أن المراد بالامام فيه صاحب الشوكة والاقتدار من ملوك الأمة كائنا من كان عالما أو جاهلا عدلا أو فاسقا في غاية السخافة لأنه (صلى الله عليه وآله) لم يأمر أمته بمتابعة الجاهل الفاسق لأن متابعته توجب الخروج عن الدين لمخالفة الحق ولذا ذهب بعض متأخريهم إلى أن المراد بالإمام فيه الكتاب وهو في غاية

[ 361 ]

الضعف إذ لا يمكن الاقتداء بالقرآن إلا بالاقتداء بإمام يفسره وهذا الإمام ليس بقرآن بالضرورة ولا جاهل فاسق بالاتفاق، فتعين ما ذهب إليه الفرقة الناجية من أنه ناطق من الله وهو المطلوب. قوله (فقال الحق والله) خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق. قوله (لم يسعه ذلك) من باب الاستفهام وذلك إشارة إلى عدم العلم المفهوم من سياق الكلام. قوله (إن الإمام إذا هلك) تعليل لما سبق. توضيح ذلك أن الناس عند موت الإمام على صنفين: صنف حاضرون في بلد موته عالمون بمن هو وصي له بوصية ظاهرة أو باطنة فوجب عليهم الإذعان له والإعتقاد به من غير مهلة، وصنف ناؤون عنه قد بلغهم خبر موت الإمام دون خبر وصيه، وهذا الصنف يجب عليهم الإيمان اجمالا بأن له وصيا يقوم مقامه، ثم يجب عليهم النفر ليعرفوه باسمه وشخصه، وقوله " وحق النفر " جملة فعلية أي وجب النفر ولزم. قوله (قبل أن يصل فيعلم) أي قبل أن يصل إلى بلد موت الإمام وقبل أن يعلم وصيه باسمه وشخصه، والجواب يدل على أنه مؤمن عند الله تعالى وأنه مثاب لأجل الحركة. قوله (فوجدك مغلقا عليك بابك، ومرخي عليك سترك) الستر بالكسر ما يستر به ومغلقا ومرخي على صيغة اسم المعفول من أغلقت الباب وأرخيت الستر أي أرسلته، لا على صيغة اسم الفاعل كما لا يخفى، والإغلاق والإرخاء كنايتان عن عدم إظهار إمامته (عليه السلام) وعدم الدعوة والإذن بالدخول عليه مع احتمال حملهما على الظاهر. قوله (قال فذكر ما أنزل الله في علي (عليه السلام)) هذا الذي أشار إليه (عليه السلام) من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية والوصية من أقوى الدلائل على خلافتهم وإمامتهم وعصمتهم في هذا العصر وتفصيله مذكور في كتب الموافقين والمخالفين وتوضيحه مسطور في دفاتر المتقدمين والمتأخرين، بحيث لا يشتبه الحق على أحد من الناظرين، والحمد لله رب العالمين. قوله (ووصيته إلى الحسن) الضمير راجع إلى علي (عليه السلام) أو النبي (صلى الله عليه وآله) لأنه أيضا أوصى إلى الحسن (عليه السلام) كما مر. قوله (وتسليم الحسين له) أي للأمر إلى من بعده أو للحسن (عليه السلام) وهو نص على خلافته. قوله (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض) فأولاد الحسين (عليه السلام) أولى بوراثة الإمامة منه من أولاد الحسن (عليه السلام) لأن الابن أقرب من الاخ وابن الاخ وسائر الاقارب. قوله (ويقولون كيف تخطت) أي كيف يعلم أن الإمامة تجاوزت من له مثل قرابة أبي جعفر كزيد وغيره من أولاد علي بن الحسين (عليهما السلام). قوله (ومن هو أسن منه) عطف على الموصول المذكور إلا أن الأول مبين بالبيان المتقدم،

[ 362 ]

والثاني مطلق يراد به غيره مثل زيد بن الحسن ونظرائه ممن ينتسب إلى فاطمة (عليها السلام) وبهذا التقرير ظهر أن الأسن ليس من ولد أبيه فلا يرد أن هذا ينافي ما تقرر من أن الخلافة إنما هي للولد الأسن دون الأصغر. قوله (وقصرت عمن هو أصغر منه) قصرت على صيغة المجهول، يقال قصرت الشئ على كذا أي حبسته عليه ولم أتجاوز به إلى غيره فمن بمعنى على وضمير منه راجع إلى الأسن والمراد بالأصغر اما أبو جعفر (عليه السلام) وهو الأنسب بالسياق أو أبو عبد الله (عليه السلام) وهو الاظهر بالنطر إلى الجواب فليتأمل. قوله (فقال يعرف صاحب هذا الأمر بثلاث خصال لا تكون في غيره) أي لا يوجد مجموع تلك الخصال من حيث المجموع في غيره أو لا يوجد كل واحدة منها في غيره وفي الأخير مناقشة لأن الخصلة الأولى أما قوله وهو أولى الناس بالذي قبله وهو الولد أو هذا مع قوله وهو وصيه وهي على التقديرين توجد فيى غير صاحب هذا الأمر أما الأول فظاهر وأما الثاني فلأن غيره قد يكون مشاركا معه في الوصية الظاهرة كما مر، في باب الإشارة والنص علي أبي الحسن الرضا (عليه السلام) وكما سيجئ في آخر هذا الحديث ويمكن دفعها بحمل قوله " وهو وصيه " على الوصية الباطنة أعني الوصية بالإمامة فليتأمل. قوله (هو أولى الناس) الظاهر أن قوله " هو أولى الناس بالذي قبله وهو وصيه " خصلة أولى وأولى الناس به هو الولد دون الاخ والعم وبنيهما وقوله " وعنده سلاح رسول الله (صلى الله عليه وآله) " خصلة ثانية وقد عرفت سلاحه سابقا وقوله " ووصيته " أي وصية رسول الله (صلى الله عليه وآله) خصلة ثالثة والمراد بها الوصية التي نزلت من عند الله تعالى كتابا مسجلا نزل به جبرئيل (عليه السلام) مع أمناء الله تعالى من الملائكة ودفعه إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وأمره أن يدفعه إلى علي (عليه السلام) وهكذا يدفعه كل إمام إلى إمام بعده وإنما قلنا الظاهر ذلك لاحتمال أن يكون السلاح وما بعده خصلة ثالثة وما قبله خصلتين ولكنه بعيد جدا فليتأمل. قوله (وذلك عندي) ان كان المراد بالاصغر في قوله وقصرت عمن هو أصغر منه أبا عبد الله (عليه السلام) كان ذكر ذلك ظاهرا وأن كان المراد به أبا جعفر (عليه السلام) كان ذكره لدفع مثل ما تكلموا فيه عن نفسه أيضا فإن تكلم الناس على الوجه المذكور مشترك بينهما فليتأمل. قوله (قلت ان ذلك مستور) ذلك إشارة إلى سلاح رسول الله (صلى الله عليه وآله) ووصيته بالاعتبار المذكور والغرض من هذا السؤال استبعاد معرفة صاحب هذا الأمر بهذه الخصلة لاستتارها واختفائها ومحصل الجواب أن عليه دليلا ظاهرا وهو الوصية الظاهرة ولا ينافي ذلك استقلالها في الدلالة على صاحب هذا الامر لجواز أن يكون الشئ دليلا على الشئ بنفسه ومع ذلك يدل على دليل

[ 363 ]

آخر له فليتأمل. قوله (وأمره أن يكفنه) فيه خمسة أمور من أمور سنن الكفن والدفن وهو ظاهر. قوله (وان يربع قبره ويرفعه أربع أصابع) أختلف الاصحاب والاخبار في كونها مفرجات أو مضمومات وما في بعض الروايات من رفعه بشبر يقوى الاول لأنه أقرب إليه كما يقوى الثاني رواية سماعة عن الصادق (عليه السلام) قال: " يستحب أن يرفع القبر من الارض قدر أربع أصابع مضمومة " والكل جائز وفيه رد على العامة فإن بعضهم قالوا بالتسوية وأكثرهم ذهبوا إلى التسنيم. قوله (ثم يخلى عنه) دل على رجحان ترك التجصيص والتطيين والبناء وحكى في الذكرى عن الشيخ أن المكروه تجصيصه بعد اندراسه لا ابتداء لما روى أن الكاظم (عليه السلام) أمر بعض مواليه بتجصيص قبر ابنة له ماتت وكتب اسمها على لوح وجعله في القبر وفي المنتهى حمل الأمر بالتجصيص في هذا الحديث على التطيين وحكم بكراهية التجصيص مطلقا والتطيين بعد اندراسه لا ابتداء. وقال بعض المحققين في قول الشيخ قوة خصوصا إذا كان المراد به دوام تميزه ليزار ويترحم وقد يقال الكراهة مختصة بما عدا قبور الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) لاطباق السلف والخلف على فعل ذلك بها ولأن فيه تعظيما لشعائر الله ولفوات كثير من المقاصد الدينية بترك ذلك وعلى هذا ما في الرواية من الوصية بالتخلية يحمل على الجواز دفعا لتوهم الوجوب وإن لم يذهب إليه أحد. قوله (ما كان في هذا يا أبت أن تشهد عليه) لأنه لو أمره بذلك من غير شهود لفعله فالاشهاد عليه بحسب الظاهر غير مفيد. قوله (فقال أني كرهت أن تغلب وأن يقال إنه) ذكر للاشهاد فائدتين أحدهما أن لا يغلب في تربيع قبره ورفعه بقدر أربع أصابع لأنهم يستوونه أو يسنمونه كما عرفت وأخريهما أن يقال لم يوص إليه ولا يستدل بذلك على عدم خلافته فأوصى إليه ليستدل بالوصية الظاهرة على الوصية الباطنة وهي الخلافة وقد أشار إلى ثمرة الفائدتين بقوله: فأردت أن يكون لك حجة يعني على التربيع والرفع والخلافة لأن الوصية الظاهرة دليل على الخلافة. قوله (فهو الذي) ضمير هو راجع إلى الإمام بعد مضي إمام، أو إلى الوصي الذي عبارة عن الخليفة، والمال واحد. قوله (فإن أشرك في الوصية) أي فإن أشرك الإمام وغيره في الوصية الظاهرة فكيف يستدل بها على الإمام وتميزه عن غيره ؟ فأجاب (عليه السلام) بأنكم تسألونه أي الوصي الصادق على كل واحد منهما عن الحلال والحرام والمسائل الدينية والأمور العقلية فإنه سيبين لكم الإمام عن غيره إذ بالسؤال والعلم يعلم المحق والمبطل ويميز بينهما والقادر على المعرفة بهذا الوجه إنما هو العالم الماهر

[ 364 ]

فإذا ميزه وجب على الغير اتباعه كما قالوا مثل ذلك في إعجاز القرآن وإعجاز ما هو شبيه بالسحر كإعجاز موسى وعيسى (عليهما السلام). * الأصل: 3 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن خالد، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن بريد بن معاوية، عن محمد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أصلحك الله بلغنا شكواك وأشفقنا، فلو أعلمتنا أو علمتنا من ؟ قال: إن عليا (عليه السلام) كان عالما والعلم يتوارث، فلا يهلك عالم إلا بقي من بعده من يعلم مثل علمه أو ما شاء الله، قلت: أفيسع الناس إذا مات العالم ألا يعرفوا الذي بعده ؟ فقال: أما أهل هذه البلدة فلا - يعني المدينة - وأما غيرها من البلدان فبقدر مسيرهم، إن الله يقول: * (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) * قال: قلت: أرأيت من مات في ذلك ؟ فقال: هو بمنزلة من خرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله، قال: قلت: فإذا قدموا بأي شئ يعرفون صاحبهم ؟ قال: يعطى السكينة والوقار والهيبة. * الشرح: قوله (بلغنا شكواك) في النهاية: الشكوى المرض، وفي الصحاح: الشكوى اسم من شكوت فلانا أشكوه شكوا إذا أخبرت عنه سوء فصله وقد يطلق الشكوى على المكروه والبلية، والمراد بالإشفاق الخوف من موته (عليه السلام) أو من الضلالة بعده، والترديد في قوله: أو علمتنا من الراوي والمراد بقوله (عليه السلام): إن عليا (عليه السلام) كان عالما، هو أن الإمام يعرف بعلمه جميع الأشياء ولا يشتبه على غيره فإنه بإضاءة علمه كالنور الساطع، وقد ذكرنا أن القادر على معرفته بسبب علمه هو العالم دون غيره، وقوله " أو ما شاء الله " يحتمل الترديد من الراوي وحتم ما لم يكن محتوما قبل فإنه قد يحصل لكل إمام علم بالحتم الذي لم يكن قبله. والله أعلم. قوله (أرأيت من مات في ذلك) أي أخبرني، من مات في حال نفره ووقت طلبه قبل الوصول إلى المطلوب كيف حاله أهو مؤمن أم لا ؟ ومحصل الجواب أنه مؤمن ومثاب لأجل النفر، وفيه دلالة على أن الإيمان بالإمام على سبيل الإجمال عند تعذر معرفة اسمه وشخصه كاف وهو كذلك لاستحالة التكليف بالمحال. قوله (قال يعطى السكينة والوقار والهيبة) السكينة والوقار متقاربان، ولذا قد يفسر أحدهما بالآخر ويفسران بالثاني والحلم والرزانة والرحمة وتلك الأمور من حيث سكون النفس إليها تسمى

[ 365 ]

سكينة من حيث ثبوتها للنفس، واستقرارها فيها تسمى وقارا، يقال: وقر الشئ في النفس إذا ثبت فيها واستقر، وقد يخص الأول بالأعضاء الظاهرة والآخر بالأعضاء الباطنة، والهيبة هي الخوف، والمراد به الخوف من الله لأجل عظمته عنده تعالى أو الخوف منه لأن الناس يهابون المؤمن الكامل كما يهابون الله لأجل إيمانه وقربه منه تعالى لا لأجل شوكته، فلا يرد أن الهيبة قد يحصل من سلطان الجور مع كمال بعده عنده تعالى، فلا يكون حجة على إمامة المهاب.

[ 366 ]

باب في أن الإمام متى يعلم أن الأمر قد صار إليه * الأصل: 1 - أحمد بن إدريس، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان بن يحيى، عن أبي جرير القمي قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): جعلت فداك قد عرفت انقطاعي إلى أبيك ثم إليك، ثم حلفت له - وحق رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحق فلان وفلان - حتى انتهيت إليه بأنه لا يخرج مني ما تخبرني به إلى أحد من الناس، وسألته عن أبيه أحي هو أو ميت ؟ فقال: قد والله مات، فقلت: جعلت فداك إن شيعتك يروون: أن فيه سنة أربعة أنبياء، قال: قد والله الذي لا إله إلا هو هلك، قلت: هلاك غيبة أو هلاك موت ؟ قال: هلاك موت، فقلت: لعلك مني في تقية ؟ فقال: سبحان الله، قلت: فأوصى إليك ؟ قال: نعم، قلت: فأشرك معك فيها أحدا ؟ قال: لا، قلت: فعليك من إخوتك إمام ؟ قال: لا، قلت: فأنت الإمام ؟ قال: نعم. * الشرح: قوله (قد والله مات) أي قد مات والله قدم لتصديق القسم وتأكيد مضمون الجملة وتقريره ابتداء. قوله (إن فيه سنة أربعة أنبياء) سنة موسى وعيسى ويوسف ومحمد (صلى الله عليه وآله) فأما سنة موسى فخائف مترقب، وأما سنة عيسى فيقال إنه مات ولم يمت، وأما سنة يوسف فالسجن والغيبة، وأما سنة محمد (صلى الله عليه وآله) فالسيف والجهاد عند ظهور دولته. وهم يزعمون أنه مهدي هذه الأمة الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا بعد ما ملئت ظلما وجورا ويسمون واقفية. قوله (فقلت لعلك مني في تقية) خوفا من أن يطلبوا منك مكانه لو أخبرت بأنه غائب. قوله (فقال سبحان الله) أي أنزهه تنزيها من أنه لم يمته، أو من يجعلني على تقية منك أو هي للتعجب فيما زعمه. قوله (قلت فأوصى إليك) أي فأوصى إليك عند موته ؟ قال: نعم، والخبر بهذه العناية ينطبق على ما هو المقصود من هذا الباب، وإلا ففيه تأمل. * الأصل: 2 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن علي بن أسباط قال: قلت للرضا (عليه السلام): إن رجلا عنى أخاك إبراهيم، فذكر له أن أباك في الحياة وأنك تعلم من ذلك ما يعلم، فقال: سبحان الله

[ 367 ]

يموت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا يموت موسى ؟ ؟ قد والله مضى كما مضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولكن الله تبارك وتعالى لم يزل منذ قبض نبيه (صلى الله عليه وآله) هلم جرا يمن بهذا الدين على أولاد الأعاجم ويصرفه عن قرابة نبيه (صلى الله عليه وآله) هلم جرا فيعطي هؤلاء، لقد قضيت عنه في هلال ذي الحجة ألف دينار، بعد أن أشفى على طلاق نسائه وعتق مماليكه ولكن قد سمعت ما لقي يوسف من إخوته. * الشرح: قوله (إن رجلا عنى أخاك إبراهيم فذكر له) فاعل " ذكر " راجع إلى الرجل وضمير " له " إلى إبراهيم، وعنى بمعنى قصد وأراد، وفي بعض النسخ " غر أخاك " قيل: ذلك الرجل أخوهما عباس. قوله (وإنك تعلم من ذلك ما لا يعلم) أي ذكر أيضا له أنك تعلم مالا يعلم من مكانه وموضع غيبته ولفظه " لا " غير موجودة في بعض النسخ ومعناه واضح. قوله (هلم جرا) في النهاية: هلم معناه: تعال وفيه لغتان وأهل الحجاز يطلقونه على الواحد والجمع والإثنين والمذكر والمؤنث بلفظ واحد مبني على الفتح، وبنو تميم تثني وتجمع وتؤنث فتقول: هلم وهلمي وهلما وهلموا، وفي الصحاح: هلم يارجل بفتح الميم بمعنى تعال، قال الخليل: أصله لم، من قولهم لم الله شعثه أي جمعه كأنه أراد لم نفسك الينا أي أقرب وها للتنبيه وإنما حذفت ألفها لكثرة الاستعمال وجعلا اسما واحدا يستوي فيه الواحد والجمع والتأنيث في لغة أهل الحجاز قال الله تعالى * (والقائلين لإخوانهم هلم الينا) * وأهل نجد يصرفونها فيقولون للاثنين هلما وللجمع هلموا وللمرأة هلمي وللنساء هلمن والأول أفصح. قوله (يمن بهذا الدين على أولاد الأعاجم) كسلمان وغيره وفيه مدح عظيم للعجم وتفضيل لهم على العرب وسبب المن والإعطاء والصرف والمنع هو استعمال الاستعداد الفطري وقبوله وإبطاله والإعراض عنه فلا يلزم الجبر. قوله (لقد قضيت عنه) قال الفاضل الأمين الاسترآبادي: أي قضيت عن الذي غر إبراهيم وكانه عباس أخوهما ألف دينار بعد أن أشرف وعزم على طلاق نسائه وعتق مماليكه وعلى أن يشرد من الغرماء وكان قصده من الطلاق والعتق أن لا يأخذ الغرماء مماليكه ويختموا بيوت نسائه، وقيل: عزمه على ذلك لفقره وعجزه عن النفقة. قوله (ولكن سمعت ما لقي يوسف من اخوته) يعني أنهم يقولون ذلك افتراء وينكرون حقي حسدا وعنادا. * الأصل: 3 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): إنهم رووا

[ 368 ]

عنك في موت أبي الحسن (عليه السلام) أن رجلا قال لك: علمت ذلك بقول سعيد ؟ فقال: جاء سعيد بعد ما علمت به قبل مجيئه، قال: وسمعته يقول: طلقت أم فروة بنت إسحاق في رجب بعد موت أبي الحسن (عليه السلام) بيوم، قلت: طلقتها وقد علمت بموت أبي الحسن ؟ قال: نعم، قلت: قبل أن يقدم عليك سعيد ؟ قال: نعم. * الشرح: قوله (أن رجلا قال لك علمت ذلك) بقول سعيد يحتمل الاستفهام والإخبار وأن يكون القائل واقفيا في صدد الإنكار والتمسك بأن قول سعيد لا يفيد العلم، وسعيد قيل: هو خادم أبي الحسن (عليه السلام) وذلك إشارة إلى موته. قوله (قال وسمعته يقول طلقت أم فروة) قيل: أم فروة كانت من نساء أبيه (عليه السلام) وكان (عليه السلام) وكيلا في طلاقها وطلاقها بعد العلم بموت أبيه مبني على أن العلم الذي يكون مناط الحكم الشرعي هو العلم بطريق المتعارف لا العلم الذي يحصل بطريق الإلهام وأمثاله، وقيل: هذا كان من خصائهم (عليهم السلام) كما طلق علي (عليه السلام) عائشة بعد موت النبي (صلى الله عليه وآله) فخرجت من عداد أمهات المؤمنين. * الأصل: 4 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن صفون قال: قلت للرضا (عليه السلام): أخبرني عن الإمام متى يعلم أنه إمام ؟ حين يبلغه أن صاحبه قد مضى أو حين يمضي ؟ مثل أبي الحسن قبض ببغداد وأنت ههنا ؟ قال: يعلم ذلك حين يمضي صاحبه. قلت: بأي شئ ؟ قال: يلهمه الله. * الشرح: قوله (قال يلهمه الله) إما بإلقاء ذلك في قلبه المقدس بلا واسطة أو بواسطة ملك موكل به أو بإسماعه صوت ملك لأنهم محدثون أو بانتقال الروح الذي كان مع الإمام السابق إليه على أن بين الأرواح المقدسة كمال اتصال وارتباط يشاهد كل منهما الآخر ويعلم حركاته وسكناته حتى كان كل واحد منهما مرآة للآخر ووراء ذلك جواب آخر وهو حضور الجسم وانتقاله سريعا إلى مكان صاحبه ولم يذكره (عليه السلام) لئلا يستغربه المخاطب وإن كان المذكور أغرب منه عند أهل التحقيق. * الأصل: 5 - علي بن إبراهيم، عن أبي الفضل الشهباني، عن هارون بن الفضل قال: رأيت أبا الحسن علي ابن محمد في اليوم الذي توفي فيه أبو جعفر (عليه السلام) فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، مضى أبو جعفر (عليه السلام)، فقيل له: وكيف عرفت ؟ قال: لأنه تداخلني ذلة لله لم أكن أعرفها.

[ 369 ]

* الشرح: قوله (عن أبي الفضل الميثاني) في بعض النسخ " الشهباني " وهو مشترك بين جماعة ولم يعرف أحد منهم بهاتين النسبتين. قوله (تداخلني ذلة لله) أي تواضع وإخبات وخشية منتشأ من كمال القرب ورتبة الإمامة. * الأصل: 6 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن مسافر قال: أمر أبو إبراهيم (عليه السلام) حين أخرج به أبا الحسن (عليه السلام) أن ينام على بابه في كل ليلة أبدا ما كان حيا إلى أن يأتيه خبره قال: فكنا في كل ليلة نفرش لأبي الحسن في الدهليز، ثم يأتي بعد العشاء فينام، فإذا أصبح انصرف إلى منزله، قال: فمكث على هذه الحال أربع سنين، فلما كان ليلة من الليالي أبطأ عنا وفرش له فلم يأت كما كان يأتي، فاستوحش العيال وذعروا ودخلنا أمر عظيم من إبطائه، فلما كان من الغد أتى الدار ودخل إلى العيال وقصد إلى أم أحمد فقال لها: هات التي أودعك أبي، فصرخت ولطمت وجهها وشقت جيبها وقالت: مات والله سيدي، فكفها وقال لها: لا تكلمي بشي ولا تظهريه، حتى يجئ الخبر إلى الوالي، فأخرجت إليه سفطا وألفي دينار أو أربعة آلاف دينار. فدفعت ذلك أجمع إليه دون غيره وقالت: إنه قال لي فيما بيني وبينه - وكانت أثيرة عنده -: احتفظي بهذه الوديعة عندك، لا تطلعي عليها أحدا حتى أموت، فإذا مضيت فمن أتاك من ولدي فطلبها منك فادفعيها إليه، واعلمي أني قد مت، وقد جاءني والله علامة سيدي، فقبض ذلك منها وأمرهم بالإمساك جميعا إلى أن ورد الخبر، وانصرف فلم يعد لشئ من المبيت كما كان يفعل، فما لبثنا إلا أياما يسيرة حتى جاءت الخريطة بنعيه فعددنا الأيام وتفقدنا الوقت فإذا هو قد مات في الوقت الذي فعل أبو الحسن (عليه السلام) ما فعل، من تخلفه عن المبيت وقبضه لما قبض. * الشرح: قوله (عن مسافر) هو مولى أبي الحسن (عليه السلام) وقال ابن داود: هو من رجال الكاظم (عليه السلام) ونقل عن الكشي أنه ممدوح. قوله (في الدهليز) هو بالكسر مابين بالباب والدار. قوله (فاستوحش العيال وذعروا) عيال الرجل من عليه إنفاقهم وكسوتهم وغيرهما يحتاجون إليه، والذعر بالضم الفزع والخوف يقال: ذعرته أي فزعته وخوفته فهو مذعور. قوله (فأخرجت إليه سفطا) السفط محركة واحد الأسفاط وهو ما يحرز فيه شئ من متاع وغيره، والمراد به هنا صندوق كان فيه سلاح النبي (صلى الله عليه وآله) ووصيته وغيرهما من علامة الإمامة،

[ 370 ]

والترديد في قوله " أو أربعة آلاف دينار " من مسافر على الظاهر. قوله (وكانت أثيرة عنده) أي كانت مختارة مكرمة عنده وخاصته التي يعتمد عليها في أسراره وفي بعض النسخ: أميرة بالميم والأمير ذو الأمر والانثى بالهاء. قوله (حتى جاءت الخريطة بنعيه) النعي خبر الموت والخريطة وعاء من أدم وغيره تشرح على ما فيها وفي الكلام تجوز عقلي لأن الناعي إما المكتوب الذي فيها أو كاتبه. قوله (وتفقدنا الوقت) أي طلبنا وقت فوته (عليه السلام).

[ 371 ]

باب حالات الأئمة (عليهم السلام) في السن * الأصل: 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن يزيد الكناسي قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام): أكان عيسى بن مريم (عليه السلام) حين تكلم في المهد حجة لله على أهل زمانه ؟ فقال: كان يومئذ نبيا حجة لله غير مرسل أما تسمع لقوله حين قال: * (إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا) * قلت: فكان يومئذ حجة الله على زكريا في تلك الحال وهو في المهد ؟ فقال: كان عيسى في تلك الحال آية للناس ورحمة من الله لمريم حين تكلم فعبر عنها وكان نبيا حجة على من سمع كلامه في تلك الحال، ثم صمت فلم يتكلم حتى مضت له سنتان، وكان زكريا الحجة لله عز وجل على الناس بعد صمت عيسى بسنتين ثم مات زكريا فورثه ابنه يحيى الكتاب والحكمة وهو صبي صغير، أما تسمع لقوله عز وجل: * (يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا) * فلما بلغ عيسى (عليه السلام) سبع سنين تكلم بالنبوة والرسالة حين أوحى الله تعالى إليه، فكان عيسى الحجة على يحيى وعلى الناس أجمعين وليس تبقى الأرض - يا أبا خالد - يوما واحدا بغير حجة لله على الناس منذ يوم خلق الله آدم (عليه السلام) وأسكنه الأرض. فقلت: جعلت فداك أكان علي (عليه السلام) حجة من الله ورسوله على هذه الامة في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ فقال: نعم يوم أقامه للناس ونصبه علما ودعاهم إلى ولايته وأمرهم بطاعته، قلت: وكانت طاعة علي (عليه السلام) واجبة على الناس في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبعد وفاته ؟ فقال: نعم ولكنه صمت فلم يتكلم مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكانت الطاعة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) على أمته وعلى علي (عليه السلام) في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكانت الطاعة من الله ومن رسوله على الناس كلهم لعلي (عليه السلام) بعد وفاة الله (صلى الله عليه وآله) وكان علي (عليه السلام) حكيما عالما. * الشرح: قوله (غير مرسل) إذ لم يرسل إليه الإنجيل في تلك الحال ولم يكن مأمورا بأحكامه وتبليغه ولكن كان نبيا عالما بالتوراة تابعا لها " قال إني عبد الله الخ " قدم العبودية على إعطاء الكتاب والنبوة لتقدمها في الواقع وليندفع توهم ربوبيته أول مرة وأراد بالكتاب التوراة وفي لفظ الماضي حيث قال " آتاني وجعلني " دلالة واضحة على أنه كان حين التكلم نبيا عالما بالتوراة ولو أريد بالكتاب

[ 372 ]

الإنجيل كما زعم لاشكل لأنه إن أعطي الإنجيل كما جعل نبيا في ذلك الوقت لكان رسولا فلا يوافق قوله غير مرسل اللهم إلا أن يحمل قوله " آتاني الكتاب " على مجاز المشارفة أو على أن محقق الوقوع كالواقع أو على القضاء السابق بقرينة عدم إرسال الإنجيل إليه في ذلك الوقت ولا يلزم منه أن يحمل قوله * (وجعلني نبيا) * على هذه الأمور لعدم وجود قرينة صارفة له عن ظاهره وبالجملة حمل أحد اللفظين المتجاورين على المجاز لقرينة لا يوجب حمل الآخر عليه مع عدمها. قوله (وجعلني مباركا) أي نفاعا للخلق، معلما للخير، دليلا لهم على مصالحهم. قوله (وأوصاني بالصلاة والزكاة) أي أمرني بهما وأراد بالزكاة زكاة المال أو تطهير الظاهر والباطن عن الرذائل. قوله (فقال كان عيسى في تلك الحال) أي كان عيسى أو تكلمه على حذف المضاف والثاني أنسب بقوله " ورحمة ". قوله (فعبر عنها) تقول: عبرت عن فلان إذا تكلمت عنه، وفي بعض النسخ فغير عنها بالغين المعجمة ولعل المراد فغير التهمة عنها. قوله (وكان نبيا حجة على من سمع كلامه في تلك الحال) الظرف وهو قوله " في تلك الحال " إما متعلق بسمع أو بنبيا أو بهما على سبيل التنازع فعلى الأول نبوته وحجيته مطلقة غير مقيدة بوقت التكلم وعلى الأخيرين مقيدة به ويؤيدهما أن الحجة على الناس بعد صمته عن التكلم بالنبوة إلى سبع سنين كان زكريا ويحيى. قوله (فلم يتكلم حتى مضت له سنتان) لعل المراد أنه لم يتكلم في تلك المدة بالنبوة وغيرها ثم تكلم بغيرها قبل السبع وبها بعده، ويؤيده قوله " فلما بلغ عيسى (عليه السلام) سبع سنين تكلم بالنبوة والرسالة أنه لم يتكلم فيها بالنبوة ثم تكلم بها وحدها قبل السبع وبها وبالرسالة جميعا بعده، ويؤيده ما في الخبر الآتي من أنه قام عيسى (عليه السلام) بالحجة وهو ابن ثلاث سنين، والفرق بينهما انه كان نبيا بعد السنتين وقبل السبع وكان نبيا ورسولا بعده، والله أعلم. قوله (يا يحيى خذ الكتاب) المراد بالكتاب التوراة وبأخذه فهمه والعمل بما فيه وبالقوة السعي البليغ والجد التام والاستظهار بالتوفيق، وبالحكم الحكمة والشريعة وفهم التوراة، وقيل: النبوة، كذا في تفسير القاضي وغيره. قوله (وكان علي (عليه السلام) حكيما عالما) أي كان قاضيا بالحق أو محكما للأشياء ومتقنا لها أو حاكما بمعنى ذي الحكمة وهي معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم أو معرفة القوانين الشرعية والنواميس

[ 373 ]

الإلهية، والعلم أعم منها فذكره بعدها من باب ذكر العام بعد الخاص واتصافه (عليه السلام) بهما متفق عليه بين العامة والخاصة وفي بعض النسخ " حليما عالما ". * الأصل: 2 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن صفوان بن يحيى قال: قلت للرضا (عليه السلام): قد كنا نسألك قبل أن يهب الله لك أبا جعفر (عليه السلام) فكنت تقول: يهب الله لي غلاما، فقد وهب الله لك فقر عيوننا، فلا أرانا الله يومك، فإن كان كون فإلى من ؟ فأشار بيده إلى أبي جعفر (عليه السلام) وهو قائم بين يديه، فقلت: جعلت فداك هذا ابن ثلاث سنين ؟ قال: وما يضره من ذلك شئ، قد قام عيسى (عليه السلام) بالحجة وهو ابن ثلاث سنين. * الشرح: قوله (وما يضره من ذلك شئ) لأن بناء الهداية والإرشاد لما كان على الكمال في القوة النظرية والعملية وكانت نفوس الأنبياء والأوصياء على غاية الكمال فيهما في أصل الفطرة بعثوا لإصلاح النفوس المختلفة الغافلة عن النظر إلى مصالحها ومنافعها ورشدها بالجذب والترغيب فيما أعده سبحانه لأوليائه في دار القرار، وبالتنبيه والتنفير عما أبغضه لأصفيائه من خصائص هذه الدار ولا مدخل في ذلك لكبر الجسم ولا يضره صغره، بل الحجة في صغره أعظم وأجل والدلالة فيه أفخم وأكمل لحصول القطع ضرورة بأنه حجة من الله تعالى وليس للاكتساب فيه مدخل. * الأصل: 3 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن سيف، عن بعض أصحابنا، عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام) قال: قلت له: إنهم يقولون في حداثة سنك. فقال: إن الله تعالى أوحى إلى داود أن يستخلف سليمان وهو صبي يرعى الغنم، فأنكر ذلك عباد بني إسرائيل وعلماؤهم، فأوحى الله إلى داود (عليه السلام) أن خذ عصي المتكلمين وعصا سليمان واجعلها في بيت واختم عليها بخواتيم القوم فإذا كان من الغد، فمن كانت عصاه قد أورقت وأثمرت فهو الخليفة، فأخبرهم داود (عليه السلام)، فقالوا: قد رضينا وسلمنا. * الشرح: قوله (فأخبرهم داود (عليه السلام) فقالوا: قد رضينا وسلمنا) فيه إيجاز الحذف بقرينة المقام كما في قوله تعالى حكاية * (فأرسلون يوسف أيها الصديق) * أي فأخبرهم داود ففعلوا ذلك فأورقت عصا سليمان وأثمرت فقالوا: قد رضينا بخلافته وسلمنا له.

[ 374 ]

* الأصل: 4 - علي بن محمد وغيره، عن سهل بن زياد، عن يعقوب بن يزيد، عن مصعب، عن مسعدة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال أبو بصير: دخلت إليه ومعي غلام يقودني خماسي لم يبلغ، فقال لي: كيف أنتم إذا احتج عليكم بمثل سنه. [ أو قال: سيلي عليكم بمثل سنه ]. * الشرح: قوله (خماسي) أي خمس سنين أو خمسة أشبار، وفي النهاية: غلام خماسي أي طوله خمسة أشبار والانثى خماسية، ولا يقال سداسي ولا سباعي ولا في غير الخمسة. قوله (بمثل سنه) يحتمل الجواد والقائم (عليهم السلام) فإن كل واحد وقت انتقال الإمامة إليه كان قريبا من الخماسي على أن مثل سنه يحتمل أن يكون كناية عن عدم البلوغ أو عن الصغر. * الأصل: 5 - سهل بن زياد، عن علي بن مهزيار، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: سألته - يعني أبا جعفر (عليه السلام) - عن شئ من أمر الإمام، فقلت: يكون الإمام ابن أقل من سبع سنين ؟ فقال: نعم وأقل من خمس سنين، فقال سهل: فحدثني علي بن مهزيار بهذا في سنة إحدى وعشرين ومائتين. 6 - الحسين بن محمد، عن الخيراني، عن أبيه قال: كنت واقفا بين يدي أبي الحسن (عليه السلام) بخراسان، فقال له قائل: يا سيدي إن كان كون فإلى من ؟ قال: إلى أبي جعفر ابني، فكأن القائل استصغر سن أبي جعفر (عليه السلام)، فقال أبو الحسن (عليه السلام): إن الله تبارك وتعالى بعث عيسى بن مريم (عليه السلام) رسولا نبيا، صاحب شريعة مبتدأة في أصغر من السن الذي فيه أبو جعفر. * الشرح: قوله (بعث عيسى بن مريم (عليه السلام) رسولا، نبيا صاحب شريعة مبتدأة في أصغر من السن الذي فيه أبو جعفر (عليه السلام)) فإذا جاز تحقق النبوة والرسالة في صاحب شريعة مبتدأة في أصغر منه جاز تحقق الإمامة التابعة لشريعة في أبي جعفر وهو أكبر بطريق أولى وفيه دلالة على جواز العمل بالقياس بطريق الأولوية. * الأصل: 7 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن علي بن أسباط قال: رأيت أبا جعفر (عليه السلام) وقد خرج علي فأخذت النظر إليه وجعلت أنظر إلى رأسه ورجليه، لأصف قامته لأصحابنا بمصر فبينا أنا كذلك حتى قعد، فقال: يا علي إن الله احتج في الإمامة بمثل ما احتج به في النبوة فقال: * (وآتيناه الحكم صبيا) * * (ولما بلغ أشده) * * (وبلغ أربعين سنة) * فقد يجوز أن يؤتى الحكمة وهو

[ 375 ]

صبي ويجوز أن يؤتاها وهو ابن أربعين سنة. * الشرح: قوله (فأخذت النظر إليه) أخذت بالخاء والذال المعجمتين وفي بعض النسخ " فأجدت " بالجيم. قوله (وآتيناه الحكم صبيا ولما بلغ أشده) دلت الآية الأولى على إعطاء الحكمة في حال الصبا والطفولية والآية الثانية على إعطائها في حال شدة الجسم وبلوغه أربعين، وبهذا يبطل قول من زعم أن الله تعالى لم يبعث نبيا قط إلا بعد أربعين سنة. * الأصل: 8 - علي بن إبراهيم، عن أبيه قال: قال علي بن حسان لأبي جعفر (عليه السلام) يا سيدي إن الناس ينكرون عليك حداثة سنك، فقال: وما ينكرون من ذلك، قول الله عز وجل ؟ لقد قال الله عز وجل لنبيه (صلى الله عليه وآله): * (قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني) * فوالله ما تبعه إلا علي (عليه السلام) وله تسع سنين وأنا ابن تسع سنين. * الشرح: قوله (فوالله ما تبعه إلا علي (عليه السلام)) قال بعض العامة: روي في الصحاح أنه كانه يجاور بحراء في كل سنة شهرا وكان يطعم في ذلك الشهر من جاءه من المساكين فإذا قضى جواره انصرف إلى مكة وطاف بها سبعا قبل أن يدخل بيته حتى جاءت السنة التي أكرمه الله بالرسالة فجاور في حراء شهر رمضان ومعه أهله خديجة وعلي وخادمه، وروى الطبري وغيره أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبل بعثته كان إذا حضرت الصلاة يخرج إلى شعاب مكة ويخرج علي (عليه السلام) مستخفين من أبي طالب وسائر أعمامه يصليان الصلاة، ويروي أن أبا طالب عبر عليهما يوما وهما يصليان فقال: يا بني ماهذا الذي تدين به ؟ فقال: يا أبة إني آمنت بالله ورسوله وصدقته فيما جاء به وصليت لله معه. فقال: أما انه لا تدعو إلا إلى الخير فالزم. وروى الطبري في تاريخه عن عباد بن عبد الله قال: سمعت عليا (عليه السلام) يقول " أنا عبد الله وأخو رسول الله وأنا الصديق الأكبر لا يقولها غيري إلا كاذب مفتري " وفي رواية اخرى " أنا الصديق الأكبر والفاروق الأول أسلمت قبل إسلام أبي بكر وصليت قبل صلاته بسبع سنين " وروي عن ابن مسعود: قدمت إلى مكة فانتهيت إلى العباس بن [ عبد ] المطلب وهو يومئذ عطار جالس إلى زمزم ونحن عنده إذ أقبل رجل من باب الصفا وعلى يمينه غلام مراهق حسن الوجه تقفوهما امرأة قد سترت محاسنها فقصدوا نحو الحجر فاستلمه الرجل ثم الغلام ثم المرأة ثم أطافوا بالبيت ثم استقبلوا الحجر وقام الغلام إلى جانب الرجل والمرأة خلفهما فأتوا بأركان الصلاة مستوفاة فلما

[ 376 ]

رأينا ما لا نعرفه بمكة قلنا للعباس: إنا لا نعرف هذا الدين فيكم ؟ فقال: أجل والله فسألناه عن هؤلاء فعرفنا إياهم ثم قال: والله ما على وجه الأرض أحد يدين بهذا الدين إلا هؤلاء الثلاثة. وروى أبو رافع قال: أتيت أبا ذر بالربذة أودعه فقال لي: سيكون فتنة فاتقوا الله وعليكم بالشيخ علي بن أبي طالب فاتبعوه، فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول له: أنت أول من آمن بي وأول من يصافحني يوم القيامة وأنت الصديق الأكبر وأنت الفاروق الذي يفرق بين الحق والباطل وأنت يعسوب المؤمنين " وروي عن أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: " لقد صلت الملائكة علي وعلى علي سبع سنين وذلك أنه لم يصل معي رجل غيره ". قوله (وله تسع سنين) لا عبرة بما رواه أبو قتادة عن الحسن أن أول من أسلم علي بن أبي طالب وهو ابن خمسة عشر سنة، ولا بما رواه شداد بن أوس قال: سألت حباب عن سن علي بن أبي طالب يوم أسلم فقال: أسلم وهو ابن خمسة عشر سنة، ولا بما روى عن حذيفة بن اليمان قال: كنا نعبد الحجارة وعلي من أبناء أربعة عشر سنة يصلي مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليلا ونهارا وقريش يومئذ تشافهه، ما يذب عنه إلا علي.

[ 377 ]

باب إن الإمام لا يغسله إلا إمام من الأئمة (عليهم السلام) * الأصل: 1 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن أحمد بن عمر الحلال أو غيره عن الرضا (عليه السلام) قال: قلت له: إنهم يحاجوننا يقولون: إن الإمام لا يغسله إلا الإمام، قال: فقال: ما يدريهم من غسله، فما قلت لهم ؟ قال فقلت: جعلت فداك قلت لهم: إن قال مولاي إنه غسله تحت عرش ربي فقد صدق وإن قال: غسله في تخوم الأرض فقد صدق، قال: لا هكذا [ قال ] فقلت: فما أقول لهم ؟ قال: قل لهم: إني غسلته، فقلت: أقول لهم إنك غسلته ؟ فقال: نعم. * الشرح: قوله (إنهم يحاجوننا يقولون إن الإمام لا يغسله إلا الإمام) مقصودهم من هذا القول نفي الإمامة عن الرضا وأبيه (عليهما السلام) على سبيل الإلزام وحاصله أن المقرر عندكم أن الإمام لا يغسله إلا الإمام وموسى بن جعفر لم يغسله ابنه الرضا لأنه مات في بغداد وابنه كان في المدينة فلا يكونان إمامين. قوله (فقال ما يدريهم من غسله) حاصل الجواب كيف علموا أنه لم يغسله الإمام وإنما توهموا ذلك بالنظر إلى بعد المسافة ولم يعلموا أن أولياء الله يقطعون المسافة البعيدة أقل من طرفة عين كما يشهد بذلك قوله تعالى: * (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى... الآية) * إنه إذا جاز حركة عرش بلقيس من مكان بعيد في زمان قليل إلى سليمان بأمر صاحبه كان جواز مثل ذلك في عبد الله تعالى بأمره أولى. قوله (جعلت فداك) مقول قلت فلا يلزم التكرار. قوله (إن قال مولاي) أراد به الرضا (عليه السلام). قوله (في تخوم الأرض) التخوم بضم التاء الحدود جمع تخم كفلوس جمع فلس وبفتحها مفرد جمعه تخم بضمتين. * الأصل: 2 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن محمد بن جمهور قال: حدثنا أبو معمر قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن الإمام يغسله الإمام ؟ قال: سنة موسى بن عمران (عليه السلام).

[ 378 ]

* الشرح: قوله (لا هكذا) لما لم يكن جوابه رافعا للشبهة ولم يكن صريحا في أنه غسله نهاه عنه وقال: لا هكذا أي لا تقل هكذا. قوله (قال سنة موسى بن عمران (عليه السلام)) فإنه غسل أخاه هارون في التيه فصار ذلك سنة مستمرة، فإن قلت: يشكل ذلك في غسل القائم (عليه السلام) قلت: روى الصدوق أن الحسين (عليه السلام) يغسله يدل على ذلك أيضا ما رواه المصنف [ في الروضة ] قبل باب الصيحة بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: * (ثم رددنا لكم الكرة عليهم) * أنه خروج الحسين (عليه السلام) في سبعين من أصحابه عليهم البيض المذهب لكل بيضة وجهان المؤدون إلى الناس أن هذا الحسين (عليه السلام) قد خرج حتى لا يشك المؤمنون فيه وإنه ليس بدجال ولا شيطان والحجة القائم بين أظهرهم فإذا استقرت المعرفة في قلوب المؤمنين أنه الحسين (عليه السلام) جاء الحجة الموت فيكون الذي يغسله ويكفنه ويحنطه ويلحده في حفرته الحسين (عليه السلام) ولا يلي الوصي إلا الوصي " لا يقال يشكل الأمر في الحسين (عليه السلام) بعده لأنا نقول لعل تغسيله الأول يكفي عن مؤونة تغسيله ثانيا. * الأصل: 3 - وعنه، عن معلى بن محمد، عن محمد بن جمهور، عن يونس، عن طلحة قال: قلت للرضا (عليه السلام): إن الإمام لا يغسله إلا الإمام ؟ فقال: أما تدرون من حضر لعله ؟ (1) قد حضره خير ممن غاب عنه، الذين حضروا يوسف في الجب حين غاب عنه أبواه وأهل بيته. * الشرح: قوله (عن طلحة) كان طلحة بن زيد وهو بتري عامي يروي عن الباقر والصادق (عليهما السلام) أيضا. قوله (فقال أما تدرون) هكذا في أكثر النسخ، وفي بعضها " ما تدرون " بدون الهمزة، وهو الأظهر. قوله (لعله قد حضره خير ممن غاب عنه الذين حضروا يوسف في الجب) أراد بمن غاب عنه ذاته المقدس، وبالذين جبرئيل والملائكة المقربين (عليهم السلام) وربما يتوهم أن هذا مناف لما سبق من أن الإمام لا يغسله إلا الإمام وأنه (عليه السلام) قد غسله، ويجاب تارة بحمل هذا على التقية لأن طلحة بتري عامي، وتارة بتخصيص ما سبق بأن الإمام لابد أن يغسله الإمام إن لم يغسله من هو خير منه، وفيه أن التخصيص لا يدفع المنافاة بالكلية إذ قد صرح سابقا بأنه (عليه السلام) غسله الإمام والحق أنه لا


(1) في بعض النسخ: لغسله قد حضره. (*)

[ 379 ]

ينافي ما سبق أصلا إذ لم يصرح فيه أنه (عليه السلام) لم يغسله وأن الملائكة غسلوه، بل قال أن الملائكة حضروه وهو حق لا ريب فيه، غاية ما في الباب أنه لم يذكر الغاسل صريحا، بقي شئ وهو أن قوله: لعله قد حضره خير ممن غاب عنه أي غاب عنه بزعمكم ينافي ما ثبت في الأخبار المتكثرة من أنه (عليه السلام) أفضل من الملائكة ويمكن دفعه بأن المراد خير منه بزعمكم أو خير منه من حيث أنه بشر ولا ينافي ذلك كونه (عليه السلام) أفضل من الملائكة وخيرا منهم من حيث إنه معصوم وجد فيه كمالات لم توجد فيهم فليتأمل.

[ 380 ]

باب مواليد الأئمة (عليهم السلام) * الأصل: 1 - علي بن محمد، عن عبد الله بن إسحاق العلوي، عن محمد بن زيد الرزامي، عن محمد ابن سليمان الديلمي، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال: حججنا مع أبي عبد الله (عليه السلام) في السنة التي ولد فيها ابنه موسى (عليه السلام)، فلما نزلنا الأبواء وضع لنا الغداء وكان إذا وضع الطعام لأصحابه أكثر وأطاب، قال: فبينا نحن نأكل إذ أتاه رسول حميدة فقال له: إن حميدة تقول: قد أنكرت نفسي وقد وجدت ما كنت أجد إذا حضرت ولادتي، وقد أمرتني أن لا أستبقك بابنك هذا، فقام أبو عبد الله (عليه السلام) فانطلق مع الرسول، فلما انصرف قال له أصحابه: سرك الله وجعلنا فداك فما أنت صنعت من حميدة، قال: سلمها الله وقد وهب لي غلاما وهو خير من برأ الله في خلقه ولقد أخبرتني حميدة عنه بأمر ظنت أني لا أعرفه ولقد كنت أعلم به منها. فقلت: جعلت فداك وما الذي أخبرتك به حميدة عنه ؟ قال: ذكرت أنه سقط من بطنها حين سقط واضعا يديه على الأرض، رافعا رأسه إلى السماء، فأخبرتها أن ذلك أمارة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمارة الوصي من بعده. فقلت: جعلت فداك وما هذا من أمارة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمارة الوصي من بعده ؟ فقال لي: إنه لما كانت الليلة التي علق فيها بجدي أتى آت جد أبي بكأس فيه شربة أرق من الماء وألين من الزبد وأحلى من الشهد وأبرد من الثلج وأبيض من اللبن، فسقاه إياه وأمره بالجماع، فقام فجامع، فعلق بجدي ولما أن كانت الليلة التي علق فيها بأبي أتى آت جدي فسقاه كما سقى جد أبي وأمره بمثل الذي أمره فقام فجامع، فعلق بأبي، ولما أن كانت الليلة التي علق فيها بي أتى آت أبي فسقاه بما سقاهم وأمره بالذي أمرهم به فقام فجامع فعلق بي ولما أن كانت الليلة التي علق فيها بابني أتاني آت كما أتاهم، ففعل بي كما فعل بهم فقمت بعلم الله وإني مسرور بما يهب الله لي، فجامعت فعلق بابني هذا المولود فدونكم، فهو والله صاحبكم من بعدي. إن نطفة الإمام مما أخبرتك وإذا سكنت النطفة في الرحم أربعة أشهر وانشئ فيها الروح بعث الله تبارك وتعالى ملكا يقال له حيوان، فكتب على عضده الأيمن * (وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم) * وإذا وقع من بطن امه وقع واضعا يديه على الأرض رافعا رأسه إلى السماء فأما وضعه يديه على الأرض فإنه يقبض كل علم لله أنزله من السماء إلى

[ 381 ]

الأرض، وأما رفعه رأسه إلى السماء فإن مناديا ينادي به من بطنان العرش من قبل رب العزة من الافق الأعلى باسمه واسم أبيه يقول: يا فلان بن فلان اثبت تثبت، فلعظيم ما خلقتك، أنت صفوتي من خلقي وموضع سري وعيبة علمي وأميني على وحيي وخليفتي في أرضي، لك ولمن تولاك أوجبت رحمتي ومنحت جناني وأحللت جواري، ثم وعزتي وجلالي لاصلين من عاداك أشد عذابي وإن وسعت عليه في دنياي من سعة رزقي. فإذا انقضى الصوت - صوت المنادي - أجابه هو واضعا يديه، رافعا رأسه إلى السماء يقول: * (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة واولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم) * قال: فإذا قال ذلك أعطاه الله العلم الأول والعلم الآخر واستحق زيارة الروح في ليلة القدر، قلت: جعلت فداك الروح ليس هو جبرئيل ؟ قال: الروح هو أعظم من جبرئيل، إن جبرئيل من الملائكة وإن الروح هو خلق أعظم من الملائكة، أليس يقول الله تبارك وتعالى: * (تنزل الملائكة والروح) *. محمد بن يحيى وأحمد بن محمد، عن محمد بن الحسين، عن أحمد بن الحسن، عن المختار بن زياد، عن محمد بن سليمان، عن أبيه، عن أبي بصير مثله. * الشرح: قوله (فلما نزلنا الأبواء) (1) قال في النهاية: الأبواء بفتح الهمزة وسكون الياء والمد جبل بين


(1) " فلما نزلنا الأبواء " محمد بن سليمان الديلمي راوي الحديث ضعيف جدا على ما ذكره علماء الرجال ولكن لا داعي إلى رده وتكذيبه لأن له معنى صحيحا معقولا على ما يعتقده الحكماء الإلهيون في تركب الجسم من الهيولى والصورة وأن الصورة شريكة لعلة الهيولى وأن قوام الصورة والجسم بموجود عقلي مجرد هو علته وعلة الصورة وهو مقوم للهيولى بسبب الصورة وقد تحقق لديهم أن العلة ليست مباينة للمعلول بينونة عزلة فيستنتج من جميع ذلك أن كل جسم مركب من هيولى وصورة جسمية ونوعية متعلقة بموجود مجرد عقلاني غير مباين عنه فصح أن شيئا من عالم الملكوت دخيل في تقويم الأجسام وهذا في المركبات المزاجية أظهر منه في البسائط وفي النبات والحيوان أظهر منه في المركبات المعدنية وفي الإنسان أظهر منه في غيرهم إذ لولا تأثير ذلك الموجود الملكوتي في تكون الأمزجة من العناصر المتداعية إلى الانفكاك لم يعقل بقاء المركب كالماء مثلا عند أهل عصرنا من الأوكسجين والهيدروجين مع اختلاف ثقلهما آلافا من السنين في البحار ولا بقاء الأوراق والثمار على الأشجار مدة طويلة بحيث لو فصل من الشجر لذبل بعد يوم وفسد، واللحم والشحم في بدن الحيوان متصلا يبقى سنين ولو انفصل لتعفن وفسد في بضعة أيام ولولا معيته مع الجنين في رحم أمه لم يعقل حصول تلك الحكم والمصالح المرعية فيه وأما الإنسان فإدراكه العقلي قوة له حاصلة من الملكوت كشعاع من الشمس وهو واضح فبالأولى أن يكون الروح القدسي المسدد للحجج (عليهم السلام) من تحت العرش فائضا عليهم من أول تكونهم. وبالجملة عالم العناصر جميعه تحت تدبير العقل المجرد ويختلف حظهم منه على حسب استعدادهم فالروح القدسي بقدره والعقل بقدره والحيوان = (*)

[ 382 ]

مكة والمدينة وعنده بلد ينسب إليه. قوله (وضع لنا الغداء) هو الطعام الذي يؤكل أول النهار.. قوله (أكثر وأطاب) دل على جواز ذلك في الضيافة بل على رجحانه واستحبابه ولا يعد إسرافا كما يدل عليه أيضا بعض الروايات. قوله (وأنكرت نفسي) أي وجدتها منكرة متغيرة عن حالها ومنه التنكر وهو أن يتغير الشئ عن حاله حتى ينكر. قوله (ما كنت أجد) من الضعف والوجع وتغير الحال. قوله (وقد أمرتني أن لا أسبقك) لعله أراد أن يكون وضع الحمل في حال حضوره (عليه السلام) وفي بعض النسخ: لا أستبقك من الاستباق. قوله (وما هذا من أمارة رسول الله) هذا إشارة إلى الأمر المذكور و " من " بيان له و " ما " سؤال عن سببه وأثره المترتب عليه ولذلك اشتمل الجواب عليهما. قوله (علق فيها بجدي) لعل أصله علقت يقال: علقت المرأة إذا حبلت حذف الفاعل واقيم الظرف مقامه والمعنى تعلقت إرادته تعالى بجدي من علق بالشئ إذا تعلق به على إضمار الفاعل وان بعد، والجد المضاف إلى ياء المتكلم علي بن الحسين وإلى الأب الحسين (عليه السلام). قوله (فيه شربة) هذه الشربة مادة العلوم وكمال الذات (1) ونورانيتها وصفاء الباطن والظاهر من رذائل الأخلاق والأعمال وطهارة النفس. قوله (وألين من الزبد) الزبد بالضم والسكون ما يستخرج من اللبن بالمخض قوله (فقمت بعلم الله) أي فقمت مستعينا بذات الله أو بأمره مجازا من باب تسمية المسبب


= والنبات والمعادن والعناصر كل بقدرها. (ش) (1) قوله " هذه الشربة مادة العلوم وكمال الذات " يعني بناء على أن لكل شئ في كل عالم صورة تناسبه ولا يقدح اختلاف الصور في وحدة الماهية كما ترى أن الماء ينجمد أو يصير بخارا وهو ماء في كل حالة وكذلك الشئ في عالم العقول علم وكمال ومنقبة، وفي عالم المثال ماء كما في الحديث، واعلم أن ما أورده الكليني في هذا الباب وما يلحقه في صفات الإمام مما لم يبحث عنه المتكلمون ولم يذكروه فيما يعتقده الشيعة الإمامية في أئمتهم (عليهم السلام) وليس أكثرها نقية الأسناد ولو كانت صحيحة لم تكن حجة في الاعتقاديات لكونها منقولة بطريق الآحاد وعدم تواتر مضامينها وعدم إجماع الشيعة عليها ومع ذلك لا بأس بنقلها والتكلم فيها لأن نقل الكليني لها يدل على عدم إنكار الشيعة لها وعدم استبشاعهم إياها وإلا لنسبوا الكليني بروايتها إلى الغلو والتخليط كما نسبوا غيره لرواية المناكير والشواذ، والشيعي المعترف بإمامة المعصومين أهل تسليم واعتراف فإن لم يفهم معنى ما روي رد إلى الله ورسوله لأن تأخير البيان عن وقت الخطاب جائز عندهم ولا يرون بأسا بأن يرووا حديثا عن المعصوم مجملا لا يعرف معناه إذا لم يكن متعلقا بالعمل وأما ما يتعلق بالعمل فلابد أن يكون مبينا عند العمل حتى يتمكن من امتثاله. (ش) (*)

[ 383 ]

باسم السبب لأن أمره مسبب عن علمه أو بعلم الله المحيط بجميع الأشياء ظاهرها وباطنها، خفيها وجليها على أتم الوجوه. أو فقمت بتحصيل علم الله بفتح اللام وهو علامته ومناره على احتمال بعيد. قوله (فدونكم) فيه إغراء بالأخذ والتمسك به والعرب تقول في الإغراء بالشئ: دونك. قوله (فكتب على عضده الأيمن) في الحديث الآخر: بين كتفيه، وفي الآخر من بين عينيه فالتخيير صحيح والجمع محتمل. قوله (وتمت كلمة ربك) بلغت الغاية في الإحكام صدقا في الأخبار وعدلا في القضاء والأحكام، والنصب للتميز أو الحال أو العلية " لا مبدل لكلماته " أي لا أحد يبدل شيئا منها بما هو أصدق وأعدل منه وهو السميع لما يقولون العليم بما يضمرون وكأن المراد بالكلمة الإمام الذي تعلق حكم الله تعالى بوجوده عينا وبتمامها كون وجوده العيني على نحو وجوده في العلم الأزلي وبالصدق مطابقة الوجود العيني للوجود العلمي وبالعدل عدم الجور في هذا الحكم والتقدير بل هو محض العدل وبالسمع سماع ما يقول ويقولون فيه وبالعلم العلم بما يعتقد ويعتقدون فيه والله أعلم. قوله (من بطنان العرش) أي وسطه وكأن المراد بالعرش العرش الجسماني وهو المحيط الأعظم أو عرش رب العزة وهو المطاف للملائكة المقربين. قوله (من الافق الأعلى) الافق بالضم والضمتين مثل عسر وعسر: الجانب والناحية ووصفه بالأعلى للدلالة على علوه وشرفه. قوله (اثبت تثبت) مجزوم بالشرط المقدر لوقوعه بعد الأمر والظاهر أنه على صيغة الخطاب من الإثبات أو التثبيت أي اثبت أنت على الطريقة المستقيمة، إن تكن ثابتا عليها ثبت غيرك عليها، وفيه دلالة على أن المكمل للغير لابد أن يكون كاملا في نفسه، يدل على ذلك أيضا روايات متكثرة، ويحتمل أن يكون على صيغة المتكلم مع الغير من الفعلين المذكورين، أي إن تثبت عليها نثبتك في المقام الرفيع أو نثبت بك غيرك والله أعلم. قوله (فلعظيم ما خلقتك) أي لأمر عظيم خلقتك وهو إرشاد الخلق وهدايتهم. قوله (وعيبة علمي) العيبة ما يجعل فيه الشئ مثل الصندوق ونحوه، وقلبه اللطيف لكونه صافيا مجلوا خاليا من الرذائل كلها كان محلا للمعارف الإلهية والعلوم الربانية والأسرار اللاهوتية. قوله (ثم وعزتي وجلالي) الواو للقسم، والعزة في الأصل القوة والشدة والغلبة، تقول: عز يعز بالكسر إذا صار عزيزا، وبالفتح إذا اشتد، ومن أسمائه تعالى العزيز، وهو الغالب القوي الذي لا

[ 384 ]

يغلب، والجلال والعظمة، ومن أسمائه تعالى: الجليل، وهو الموصوف بنعوت الجلال والحاوي جميعها هو الجليل المطلق وهو راجع إلى الصفات كما أن الكبير راجع إلى كمال الذات، والعظيم راجع إلى كمال الذات والصفات. قوله (لاصلين) قال الجوهري: صليت الرجل نارا أدخلته النار وجعلته يصلاها، فإن ألقيته فيها إلقاء كأنك تريد إحراقه قلت: أصليته بالألف وصليته تصلية. وقال صاحب النهاية: يقال صليت الحلم بالتخفيف أي شويته فهو مصلي فأما إذا أحرقته وألقيته في النار قلت: صليته بالتشديد وأصليته. قوله (شهد الله انه لا إله إلا هو) بنصب الدلائل على توحيده أو بقوله " أنا الله لا إله إلا أنا " أو بهذا القول. قوله (والملائكة وأولوا العلم) هم يقرون بذلك ويشهدون به. قوله (قائما بالقسط) أي قائما بالعدل في تقسيم الأرزاق والآجال وفي تقرير الأقضية والأحكام، وهو حال من الله أو نصب على المدح، وقيل: يحتمل أن يكون صفة للمنفي، أي لا إله قائما بالقسط إلا هو، وهو بعيد لفظا ومعنى، اما لفظا فبالفصل بين الصفة والموصوف والمشهور أنه لا يجوز، وأما معنى فلأنه لا يلزم منه نفي إله غيره مطلقا لأن النفي راجع إلى القيد غالبا. قوله (لا إله إلا هو العزيز الحكيم) تأكيد لما سبق لزيادة الاعتبار بإظهار التوحيد وأدلته ورفعهما على البدل من الضمير الغائب وهو في بدل الكل جائز. قوله (فإذا قال ذلك أعطاه الله العلم الأول والعلم الآخر) لعل المراد بالعلم الأول علوم الأنبياء السابقين، وبالعلم الآخر علوم خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله) ويحتمل أن يراد بالأول العلم بأحوال المبدء وأسرار التوحيد وقوانين الشرائع، وبالآخر العلم بأحوال المعاد والحشر والنشر والبرزخ وكل ما يكون بعد الموت، ووضع يديه على الأرض كناية عن أخذه جميع العلوم حينئذ وفيه دلالة على أن قراءة هذه الآية توجب زيادة العلم. قوله (واستحق زيارة الروح في ليلة القدر) كناية عن استحقاقه للإمامة لأن ذلك من خواصها وزيارة الروح لقصد التبرك والإخبار بما يقع في تلك السنة ويحتم الله بوقوعه كما مر. قوله (قلت جعلت فداك الروح ليس هو جبرئيل) لعل الغرض من هذا السؤال أما تصحيح العطف في قوله تعالى: * (تنزل الملائكة والروح فيها) * فكأنه قال على سبيل التقرير: أليس الروح هو جبرئيل وجبرئيل داخل في الملائكة فكيف يصح عطفه عليهم ؟ وأما استبعاد قوله (عليه السلام) " استحق زيارة الروح " فكأنه قال: الروح هو جبرئيل وهل ينزل جبرئيل على الإمام ؟ والجواب على الأول أن

[ 385 ]

جبرئيل من الملائكة والروح غيره وأعظم منه، فالمعطوف مغاير للمعطوف عليه، وعلى الثاني أن جبرئيل من الملائكة النازلين إليه والروح أعظم منه، وإذا جاز زيارة الأعظم جاز زيارة الأصغر بطريق الأولى، وقد مر أن الروح غير جبرئيل وانه أعظم منه، مفصلا في باب الروح التي يسدد الله بها الأئمة (عليهم السلام) فلا نعيده. * الأصل: 2 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن موسى بن سعدان، عن عبد الله بن القاسم، عن الحسن بن راشد قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن الله تبارك وتعالى إذا أحب أن يخلق الإمام أمر ملكا فأخذ شربة من ماء تحت العرش. فيسقيها أباه، فمن ذلك يخلق الإمام، فيمكث أربعين يوما وليلة في بطن امه لا يسمع الصوت، ثم يسمع بعد ذلك الكلام، فإذا ولد بعث ذلك الملك فيكتب بين عينيه: * (وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم) * فإذا مضى الإمام الذي كان قبله رفع لهذا منار من نور ينظر به إلى أعمال الخلائق، فبهذا يحتج الله على خلقه. * الشرح: قوله (ثم يسمع بعد ذلك الكلام) الظاهر منه أن الإمام تتميز أعضاؤه بعد الأربعين ويتعلق به الروح ويسمع كلام من تكلم ممن حضر امه، ويحتمل أن يراد بالكلام كلام الملك الجليل الذي يلقى إليه في الأسرار وغيرها، والله أعلم. قوله (رفع لهذا منار من نور) المنار جمع منارة وهي العلامة على غير القياس لأن وزنها مفعلة وقياسها في الجمع مفاعل، والمراد بالنور هنا ضياء العمل الصالح، فإن العبد إذا عمل عملا صالحا يصعد به وهو حسن مشرق اللون ينظر إليه الإمام ويعلم أنه من أعمال العباد (فبهذا يحتج الله على خلقه) هذا إشارة إلى الإمام، يعني يحتج الله تعالى به على خلقه لأنه جعله دليلا لهم على سبيله كما يحتج بالإمام الماضي عليهم، وبالجملة الإمام حجة الله على كل من كان في عصره. * الأصل: 3 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن حديد، عن منصور بن يونس، عن يونس بن ظبيان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن الله عزوجل إذا أراد أن يخلق الإمام من الإمام بعث ملكا فأخذ شربة من ماء تحت العرش، ثم أوقعها أو دفعها إلى الإمام فشربها فيمكث في الرحم أربعين يوما لا يسمع الكلام، ثم يسمع الكلام بعد ذلك، فإذا وضعته امه بعث الله إليه ذلك الملك الذي أخذ الشربة، على عضده الأيمن * (وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل

[ 386 ]

لكلماته) * فإذا قام بهذا الأمر رفع الله له في كل بلدة منارا ينظر به إلى أعمال العباد. * الشرح: قوله (ثم أوقعها أو دفعها) الترديد من الراوي لعدم حفظه اللفظ المسموع بخصوصه. * الأصل: 4 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن الربيع بن محمد المسلي، عن محمد بن مروان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن الإمام ليسمع في بطن امه فإذا ولد خط بين كتفيه * (وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم) * فإذا صار الأمر إليه جعل الله له عمودا من نور، يبصر به ما يعمل أهل كل بلدة. * الشرح: قوله (عن الربيع بن محمد المسلي) هو الربيع بن محمد بن عمر بن حسان المسلي روى عن أبي عبد الله (عليه السلام) له كتاب، والمسلية قبيلة من مذحج. * الأصل: 5 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد بن عبد الله، عن ابن مسعود، عن عبد الله بن إبراهيم الجعفري قال: سمعت إسحاق بن جعفر يقول: سمعت أبي يقول: الأوصياء إذا حملت بهم امهاتهم أصابها فترة شبه الغشية، فأقامت في ذلك يومها ذلك إن كان نهارا، أو ليلتها إن كان ليلا، ثم ترى في منامها رجلا يبشرها بغلام عليم حليم، فتفرح لذلك، ثم تنتبه من نومها، فتسمع من جانبها الأيمن في جانب البيت صوتا يقول: حملت بخير وتصيرين إلى خير، وجئت بخير، أبشري بغلام حليم عليم، وتجد خفة في بدنها، ثم لم تجد بعد ذلك امتناعا من جنبيها وبطنها، فإذا كان لتسع من شهرها سمعت في البيت حسا شديدا، فإذا كانت الليلة التي تلد فيها ظهر لها في البيت نور تراه، لا يراه غيرها إلا أبوه، فإذا ولدته قاعدا وتفتحت له حتى يخرج متربعا يستدير بعد وقوعه إلى الأرض، فلا يخطي القبلة حيث كانت بوجهه، ثم يعطس ثلاثا يشير بإصبعه بالتحميد ويقع مسرورا مختونا ورباعيتاه من فوق وأسفل وناباه وضاحكاه، ومن بين يديه مثل سبيكة الذهب نور ويقيم يومه وليلته تسيل يداه ذهبا وكذلك الأنبياء إذا ولدوا، وإنما الأوصياء أعلاق من الأنبياء. * الشرح: قوله (عن عبد الله بن إبراهيم الجعفري) كان من أولاد جعفر بن أبي طالب، ثقة صدوق. قوله (قال سمعت إسحاق بن جعفر) كان من أهل الفضل والصلاح والورع والاجتهاد، وروى

[ 387 ]

عن أبيه الصادق (عليه السلام) الحديث والآثار، وكان ابن كاسب إذا حدث عنه يقول: حدثني الثقة الرضي إسحاق بن جعفر، وكان إسحاق (رضي الله عنه) يقول بإمامة أخيه موسى (عليه السلام) وروى عن أبيه النص على أخيه (عليه السلام) قاله المفيد في إرشاده. قوله (أصابها فترة شبه الغشية) الفترة الانكسار والضعف، والغشية الإغماء، تقول: غشي غشية وغشيا وغشيانا فهو مغشي عليه إذا اغمي عليه، يعني أنها حصلت لها حينئذ حالة شبيهة بالإغماء بسبب صيرورتها محلا لنور إلهي وتجلي رباني، وثقل ذلك عليها وقد يعرض مثل ذلك للكمل من أولياء الله إذا شاهدوا من نور الحق ما لا يطيقون النظر إليه. قوله (أبشري بغلام حليم عليم) (1) أبشري بقطع الألف، يقال: بشرته بمولود فأبشر إبشارا أي سر، ومنه قوله تعالى: * (وأبشروا بالجنة) *. قوله (لم تجد بعد ذلك امتناعا من جنبيها وبطنها) أي لم تجد من جنبها وبطنها بعد ذلك امتناعا من تحمل ذلك المولود المبارك لالفها به وارتفاع ثقله عنهما، وفي كثير من النسخ المعتبرة " ثم تجد بعد ذلك اتساعا من جنبها وبطنها ". قوله (سمعت في البيت حسا شديدا) يحتمل أن يراد بالحس صوت المتكلم أو صوت المشي والحركة. قوله (ولدته قاعدا) فيخرج على هيئة قعوده في الرحم ولعل السر فيه هو الإشعار بعدم إقباله إلى الدنيا، أو بإقباله إلى الملأ الأعلى. قوله (وتفتحت له) أي صارت متفتحة ليخرج بسهولة وفي بعض النسخ " وتفسحت له " بالسين، وفي بعضها " نفجت له " بالجيم، والنفج النفخ والرفع ومنه يقال: انتفج جنبا البعير إذا ارتفعا ولعل المراد هنا الانفراج. قوله (يستدير) دل على أن الحامل عند الوضع ينبغي استقبالها للقبلة لأن امه (عليها السلام) كانت مستقبلة وإلا لم يحتج هو عند خروجه قاعدا إلى الاستدارة إلى القبلة بناء على ما تقرر من أن وجه الحمل إلى ظهر الام. قوله (فلا يخطي القبلة حتى كانت بوجهه) حتى غاية للاستدبار، أي يستدير حتى كانت القبلة مقابلة بوجهه، وفي بعض النسخ " حيث كانت " وهو تعليل لقوله " فلا يخطي " مع احتمال أن يكون حيث للمكان ويعود اسم كانت إلى الام ويتعلق قوله " بوجهه " بقوله لا يخطي، فليتأمل.


(1) قوله " أبشري بغلام حليم عليم " صوت من عالم الملكوت تسمعه الام ولا يسمعه غيرها كما صرح به النور أنها تراه ولا يراه غيرها ولو كان نورا من الأنوار الجسمانية لأدركه جميع الناس. (ش) (*)

[ 388 ]

قوله (ثم يعطس ثلاثا) عطس يعطس من باب ضرب ونصر، والعطاس يكون مع خفة البدن وانفتاح المسام وتيسر الحركات ويخرج بالعطسة الأولى كل ريح يورث أمراضا لا يليق بمنصب الإمامة، ويخرج بالثانية كل ريح يحرك إلى حب الدنيا والإقبال إليها، ويخرج بالثالثة كل ريح يثقل البدن عن العمل بالطاعات والاجتناب عن المنهيات. قوله (يشير بإصبعه بالتحميد) أي متلبسا بالتحميد، فيفهم أنه يتكلم به، ولو جعل الباء بمعنى إلى لم يفهم منه ذلك. قوله (ويقع مسرورا) أي مقطوع السر يقال: سررت الصبي أسره سرا أي قطعت سره، والسر بالضم ما تقطعه القابلة من سر الصبي، ولا تقول: تقطعت سرته لأن السرة لا تقطع وانما هي الموضع الذي قطع منه السر. قوله (ورباعيتاه) الأسنان ثمانية وعشرون، اثنا عشر مقاديم، ثنيتان ورباعيتان ونابان، ومثلها من أسفل، وستة عشر مآخير وهي من كل الجوانب الأربع: ضاحك وثلاثة أضراس، فالرباعية مثال الثمانية بين الثنية والناب والجمع رباعيات، والضاحكة بين الأنياب والأضراس. إذا عرفت هذا فنقول: الحديث ساكت عن الأضراس، فإما فيه اقتصار بذكر المذكور عن ذكرها أو فيه إشارة إلى عدم ظهورها حينئذ، والثاني أظهر بالنظر إلى الأصل، والأول أنسب بالنسبة إلى الكمال، والله أعلم. قوله (ومن بين يديه مثل سبيكة الذهب نور) قيل: النور جسم، وقيل: عرض، وقيل: قد يكون هذا وقد يكون ذاك، وظاهر تشبيهه بالسبيكة من الذهب يؤيد الأول مع احتمال جعل وجه التشبيه مجرد اللون والضياء دون الجسمية أيضا، ثم المراد به إما نور العلم وهو نور الله الذي لا يضل من اهتدى به، أو نور الإمامة وهو الذي أشار إليه جل شأنه بقوله * (يريدون ليطفئوا نور الله.. الآية) * أو النور الذي في جوهر ذاته، أو القوانين النبوية، وقد فسر بهما قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في الدعاء للنبي (صلى الله عليه وآله) " اللهم أتمم نوره " والمراد بإتمامه على الأول زيادة كماله وعلى الثاني انتشاره بين العباد، أو المراد به بعض تجليات الحق المضئ في أبصار أصحاب النفوس الطاهرة كما يشهد ظهور نور الطور لموسى (عليه السلام). قوله (تسيل يداه ذهبا) أي نورا شبيها بالذهب وحمله على الظاهر بعيد (1). قوله (وإنما الأوصياء أعلاق من الأنبياء) الأعلاق جمع علقة وهي القطعة، أو جمع علق


(1) قوله " حمله على الظاهر بعيد " أي على النور الظاهري بعيد، والأولى حمله على تجل وظهور في من يراه من أصحاب النفوس الطاهرة، وأما النور بمعنى العلم والإمامة فلا يختص بيوم وليلة بل هو معهم مطلقا وليس تجلي ذلك النور في نظر بعضهم مما يستدام. (ش) (*)

[ 389 ]

بالكسر وهو النفيس من كل شئ، والمقصود أن أمر الأوصياء فيما ذكر كأمر الأنبياء، لأن الوصي قطعة من النبي أو أشرف ولده وأقربائه فحكمه حكمه. * الأصل: 6 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن حديد، عن جميل بن دراج قال: روى غير واحد من أصحابنا أنه قال: لا تتكلموا في الإمام فإن الإمام يسمع الكلام وهو في بطن امه، فإذا وضعته كتب الملك بين عينيه * (وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم) * فإذا قام بالأمر رفع له في كل بلدة منار ينظر منه إلى أعمال العباد. * الشرح: قوله (لا تتكلموا في الإمام) أي لا تتكلموا في حقيقة ذاته ولا في معرفة صفاته لأنكم لا تقدرون على معرفتها وما بعده بمنزلة التعليل لذلك. قوله (رفع له في كل بلدة) (1) الدراية والرواية، بالتاء في بلدة، والضمير محتمل. * الأصل: 7 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى بن عبيد قال: كنت أنا وابن فضال جلوسا إذ أقبل يونس فقال: دخلت على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) فقلت له: جعلت فداك قد أكثر الناس في العمود، قال: فقال لي: يا يونس ! ما تراه، أتراه عمودا من حديد يرفع لصاحبك ؟ قال: قلت: ما أدري، قال: لكنه ملك موكل بكل بلدة يرفع الله به أعمال تلك البلدة، قال: فقام ابن فضال فقبل رأسه وقال: رحمك الله يا أبا محمد لا تزال تجئ بالحديث الحق الذي يفرج الله به عنا. * الشرح: قوله (أتراه عمودا من حديد) (2) العمود بالفتح واحد أعمدة في القلة أو عمد


(1) قوله " في كل بلدة " يعني في جميع البلاد، فبلدة بالتاء لا في بلده بالخصوص، ومعنى رفع العمود في كل بلدة أن من كل بلدة كالكوفة والبصرة والشام يرفع عمود إلى عنان السماء ينعكس في ذلك العمود صورة أهل تلك البلدة وما يفعلون، فينظر الإمام إلى تلك الصور المنعكسة في العمود، لأن الأذهان تذهب إلى أن نفس البلدة لبعدها عن الإمام ووجود الحائل والحاجب لا يمكن أن تكون مرئية وأما صورها وعكوسها في العمود الخارج منها إلى عنان السماء فيمكن رؤيتها، وبالجملة يمكن أن يكون العمود تعبيرا عن إحاطة نفسه القدسية بما وراء الحجب والفواصل أو يكون تمثل جسم شبيه بالعمود لهم كتمثل جبرئيل لمريم بشرا سويا وتمثل سائر الحقائق للأنبياء والأولياء في صور جسمانية، وكذلك الكلام في كتابة الملك بين عينيه * (وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا) * يمكن أن يكون من تمثل المعنى في صورة الكتابة بحيث يقرؤها بعض أصحاب النفوس القدسية. (2) قوله " أتراه عمودا من حديد " يعني من حديد أو خشب أو أمثاله، أي ترى عمودا من الأجسام العنصرية = (*)

[ 390 ]

بالفتحتين أو الضمتين في الكسرة وذكر الحديد على سبيل التمثيل وإلا فقد يكون العمود من خشب ونحوه. قوله (يرفع لصاحبك) الظاهر منه إمام عصره ويمكن إرادة الأعم منه. قوله (لكنه ملك موكل) الضمير راجع إلى العمود وظاهره أن العمود هو الملك الموكل برفع أعمال العباد، وعلى هذا يحمل المنار من النور المذكور في الأخبار السابقة على الملائكة الموكلين به لأن المبين يفسر المجمل، وتسميتهم أعمدة من باب إطلاق اسم أحد المتجاورين على الآخر أو من باب تسمية السبب باسم المسبب لأن العمود في الحقيقة نور الأعمال. قوله (لا تزال تجئ بالحديث الحق الذي يفرج الله به عنا) الفرج من الغم ونحوه، يقال: فرج الله غمك تفريجا، وفرج الله عنك غمك، يفرج بالكسر أي كشفه وأزاله، وعلى هذا كان المفعول محذوفا أي يفرج به الخفاء عنا، وفي بعض النسخ: يفرج الله به الحق عنا، ولابد فيه من اعتبار حذف المضاف أي يفرج به الخفاء الحق عنا فليتأمل. * الأصل: 8 - علي بن محمد، عن بعض أصحابنا، عن ابن أبي عمير، عن حريز، عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: للإمام عشر علامات: يولد مطهرا، مختونا، وإذا وقع على الأرض وقع على راحته رافعا صوته بالشهادتين، ولا يجنب، وتنام عيناه ولا ينام قلبه، ولا يتثاءب ولا يتمطى، ويرى من خلفه كما يرى من أمامه، ونجوه كرائحة المسك، والأرض موكلة بستره وابتلاعه، وإذا لبس درع رسول الله (صلى الله عليه وآله) كانت عليه وفقا، وإذا لبسها غيره من الناس طويلهم وقصيرهم زادت عليه شبرا، وهو محدث إلى أن تنقضي أيامه. * الشرح: قوله (يولد مطهرا مختونا) هذه علامة اولى، ويمكن أن يراد بالمطهر المطهر من رجس الحيض وبالمختون مقطوع الغلفة والسرة مجازا استعمالا للمقيد في المطلق لأن المختون مقطوع الغلفة


= المادية، ولا ريب أن ما يتبادر إلى الذهن من الألفاظ حجة في الأحكام العملية بمعنى أن صاحبه معذور إن عمل بما فهم من اللفظ وأما في الاعتقادات فربما يرد في القرآن والحديث ألفاظ لا يراد منه ظاهره كاللوح والقلم، فقد ورد أنهما ملكان، والذهن يتبادر من اللفظتين إلى المعنى المتداول، والعمود من النور في هذا الحديث كذلك ذهب ذهن السامعين إلى العمود العنصري إلى أن بينه الإمام وليس للاعتقادات وقت عمل حتى يقبح تأخير البيان عن وقت العمل، وتأخير البيان عن وقت الخطاب جائز، والوظيفة لأهل السلامة والتسليم أن يردوا تفصيل كل شئ لا يحتاج إلى علمه في العمل إلى الله والرسول ولا يتكلفوا بالتسرع إلى شرحه من عند نفسه سواء كان أوفق بظاهر اللفظ أم لا. (ش) (*)

[ 391 ]

وأن يراد بالمطهر المسرور والمختون حينئذ على حقيقته والأول أظهر وأعم. قوله (وإذا وقع على الأرض وقع على راحته رافعا صوته بالشهادتين) هذه علامة ثانية قد مر لم وضع الراحتين ورفع الصوت بالشهادتين في أول هذا الباب إلا أنه ليس فيه الشهادة بالرسالة ولابد من تقييده بها أيضا حملا للمطلق على المقيد. قوله (ولا يجنب) هذه علامة ثالثة، أي لا يلحقه خبث الجنابة كما يلحق غيره إلا أنه يجب عليه الغسل. أو لا يحتلم (1) لأن كلا من الجنابة والاحتلام يطلق على الآخر مجازا. قوله (وتنام عيناه ولا ينام قلبه) هذه علامة رابعة، النعاس مقدمة النوم وهو ريح لطيف بخاري يأتي من قبل الدماغ يغطي العين ولا يصل إلى القلب فإذا وصل إليه صار نوما، والمراد بنوم العين بطلان إدراكها المسمى بالإبصار وبعدم نوم القلب عدم بطلان إدراكه لأن قلبه محل للإلهامات الإلهية والأسرار الربانية وحافظ لما في عالم الإمكان ومتصرف في العالم العلوي والسفلي فلا يجوز أن يستغرق عليه النوم ويبطله عن عمله، وقد ذكر العامة في وصف النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال " تنام عيناي ولا ينام قلبي " وقال القرطبي: إنما لم ينم قلبه لأنه يوحى إليه، فلا يجوز أن يستغرق عليه النوم، ثم قال: وفيه دلالة على أنه كان محفوظا في حال النوم من الحدث كما جاء أنه ينام حتى ينفخ وحتى يسمع غطيطه ويصلي ولا يتوضأ. قوله (ولا يتثاءب ولا يتمطى) هذه علامة خامسة، التثاؤب معروف وهو من الشيطان، لأنه إنما يكون مع ثقل البدن وامتلائه واسترخائه وميله إلى الكسل وإعطاء النفس وشهواتها وتوسع في المطعم والإكثار فيه فيثقل عن الطاعات ويكسل عن الخيرات كما صرح به في النهاية، والتمطي: التمدد والتبختر باليدين على نحو معروف، وأصل تمطى تمطط من المط وهو المد، وهو أيضا من الشيطان.


(1) قوله " أولا يحتلم " هو المتعين في الإرادة ويستأنس لإثباته بأن الحجة في كل عصر هو المثل الأعلى للتنزه من الشيطان ووساوسه والاحتلام من غلبة الشهوة وهي من جنود الشيطان، وبعبارة أخرى وجود كل شئ ناقص يدل على كامل هو الأصل كالممكن والواجب، وفي كل صفة ينتهي ما بالعرض منها إلى ما بالذات والماء الممزوج بالملح والتراب يدل على وجود ماء محض، والتقوى والعدالة والفضيلة غير الخالصة تدل على تقوى خالصة وعدالة محضة وفضيلة صرفة في موضع، المكرمة المشوبة بالوسوسة الشيطانية تدل على وجود الأصل للمكرمة الخالصة هو الحجة في كل عصر كما تدل على مبدء وسوسة خالصة هي الشيطان، والاعتقاد الحق الصحيح الموافق للواقع يدل على من يدرك الحق مطلقا وهو العقل، والغلط والباطل يدل على مبدء بخلافه وهو الوهم، والاختلاط منهما في بعض أفراد البشر يدل على وجود الخالص غير المشوب، والحجة من لا يدخل فيه ما يشوبه ويخرجه عن محض الحق. (ش) (*)

[ 392 ]

قوله (ويرى من خلفه كما يرى من أمامه) هذه علامة سادسة، الرؤية بالعين يتعدى إلى مفعول واحد كما تقول: رأيت زيدا أي أبصرته، وبمعنى العلم إلى مفعولين كما تقول: رأيت زيدا عالما، والمراد هنا هو المعنى الأول ومفعوله من خلفه إن كانت " من " موصولة أو موصوفة، ومحذوف إن كانت حرف جر، أي يرى الأشياء من خلفه كما يراها من أمامه وذلك إما بأن يخلق له إدراك في القفاء كما يخلق النطق في الرجل واليد في الآخرة، أو بأن يدرك بالعين ما ليس بمقابل لها من باب خرق العادة فيفهم أن البنية المخصوصة أعني العين والمقابلة من الشروط العادية للإبصار فيجوز أن تنخرق فيخلق الإدراك في غير العين من الأعضاء فيرى المرئي ويرى بالعين غير المقابل، ومن قال أنهما من الشروط العقلية التي لا تنخرق يشكل عليه ذلك إلا أن يقول: رؤية الخلف يجوز بانعكاس شعاع البصر من غير لزوم انطباقه على الصيقل، وهذا أيضا من باب خرق العادة. وحمل الرؤية على المعنى الثاني بعيد جدا. قوله (ونجوه كرائحة المسك) هذه علامة سابعة، وفيه حذف أي رائحة نجوه، والنجو ما يخرج من ريح أو غائط وذلك لأن باطنه كظاهره طاهر مطهر مما يوجب التأذي والتنفر منه. قوله (والأرض موكلة بستره وابتلاعه) هذه علامة ثامنة، وذلك إما لتشرفها به كما شرب الحجام دمه (صلى الله عليه وآله) للتشرف والتبرك أو لأنه وإن لم يكن له رائحة إلا أن صورته كصورة نجو غيره ومشاهدة ذلك يوجب التنفر عنه في الجملة فأمرت الأرض بابتلاعه إكراما له (عليه السلام). قوله (وإذا لبس - إلى قوله - شبرا) هذه علامة تاسعة، فإن قلت: هذا ينافي ما رواه المصنف في باب ما عند الأئمة من سلاح رسول الله (صلى الله عليه وآله) بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " لبس أبي درع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات الفضول فخطت ولبستها أنا ففضلت " حيث دلت على أنه زاد عليهما، قلت: هذا من علامات الإمام الذي يغلب على الأديان كلها (1) ويملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا وهو المهدي (عليه السلام) يدل على ذلك ما رواه أيضا في ذلك الباب عنه (عليه السلام) قال " ولقد لبس أبي درع رسول الله (صلى الله عليه وآله) فخطت على الأرض خطيطا، ولبستها فكانت وكانت، وقائمنا من إذا لبسها ملأها إن شاء الله تعالى " وقد ذكرنا تفصيل ذلك سابقا فلا تغفل. قوله (وهو محدث) هذه علامة عاشرة (2)، وقد مر توضيح ذلك وتفصيله سابقا فلا نعيده.


(1) قوله " الإمام الذي يغلب على الأديان " تخصيص يأبى عنه عبارة الحديث، فلابد أن يحمل على أن هذا الدرع غير ذلك أو على وهم في إحدى الروايتين إذ لم يثبت لدينا صحة إحداهما. (ش) (2) قوله " هذه علامة عاشرة " إن قيل: لم يذكر علماؤنا في كتب الاعتقادات هذه العشرة وأمثالها من شروط الإمامة، قلنا: لأن المتكلمين رضي الله عنهم اكتفوا بما ثبت صحته يقينا بإجماع أو ضرورة أو دليل عقل أو = (*)

[ 393 ]

باب خلق أبدان الأئمة وأرواحهم وقلوبهم (عليهم السلام) * الأصل: 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن أبي يحيى الواسطي، عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله خلقنا من عليين وخلق أرواحنا من فوق ذلك وخلق أرواح شيعتنا من عليين وخلق أجسادهم من دون ذلك، فمن أجل ذلك القرابة بيننا وبينهم وقلوبهم تحن إلينا. * الشرح: قوله (إن الله خلقنا من عليين وخلق أرواحنا من فوق ذلك) أي خلق أبداننا من تحت العرش وخلق أرواحنا فوق ذلك من نور عظمته، والعليون اسم للسماء السابعة (1) وقيل: هو اسم لديوان الملائكة الحفظة ترفع إليه أعمال الصالحين من العباد، وقيل: أعلى الأمكنة وأشرف المراتب وأقربها من الله تعالى، والحق أنه إسم لكل واحد من الأمور المذكورة وأن الأقرب هاهنا هو الأخير ثم الأول واعلم أن وجود البشر كلهم من مبدء واحد بالذات والصفات عالم بجميع الأشياء فلما علم أن بعضهم يعود بالحالات العلية إلى مكان القرب، خلقهم منه وهو لطف يعينهم على اكتساب


= حديث متواتر، وهذه العشرة وأمثالها مما ورد في أحاديث الآحاد ولا يعتمد عليها في الأصول إذ لابد فيها من اليقين. (ش) (1) قوله " والعليون اسم للسماء السابعة " والصحيح كما يأتي أن يفسر العليون بما فسر به القرآن الكريم * (إن كتاب الأبرار لفي عليين وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون) * وهو التفسير الثاني في كلام الشارح وإطلاق اسم الكتاب عليه باعتبار انتقاش العلوم فيه وليس قرطاسا وخشبا وحديدا بل هو عالم من عوالم الملائكة كما فسر اللوح والقلم به، فإن قيل: ألا يعلم الملائكة الموكلون بأعمال الصلحاء شيئا من أعمال الأشقياء حيث خص العليون بالأبرار والسجين بالأشرار ؟ قلنا: لعل المأمور بالحفظ والضبط لعمل كل واحد من الأبرار والفجار ملائكة خاصة بهم وإن كان جميع الملائكة يعلمون جميع الأعمال، وخلق بدن الإمام وروح الشيعة من اللوح الذي انتقش فيه أعمال الأبرار لا باعتبار إطلاق اسم الكتاب عليه بل باعتبار كونه من عالم القرب والشرف، فقد يطلق على شئ واحد أسماء مختلفة باعتبارات مختلفة كما يقال: فلان مولود الكتاب ومولود العلم مربى الزهد ومنشأ من التقوى. ثم إن المجلسي - قدس الله سره - نقل في مرآة العقول عبارة الشارح في تفسير العليين ثم ذكر أمورا يتعلق بألفاظ الحديث ونقل بعد ذلك عبارة الفيض (رحمه الله) في الوافي هكذا: كان المراد بالعليين عالم الملكوت وبما فوقه عالم الجبروت وبما دونه عالم الشهادة، فمن أجل ذلك يعني من أجل أن أصل أجسادنا وأرواحهم واحد وإنما نسب أجسادهم إلى عليين لعدم علاقتهم (عليهم السلام) إلى هذه الأبدان الحسية، فكأنهم بعد في هذه الجلابيب قد نفضوها وتجردوا عنها. انتهى (ش). (*)

[ 394 ]

تلك الحالات وعلم أن بعضهم يعود بالحالات الدنية إلى محل البعد خلقهم منه ليكون عود كل أحد إلى أصله ومحله المأنوس كما قيل " كل شئ يرجع إلى أصله "، وبالجملة تلك الحالات علة للإيجاد على نحو مخصوص ومحل معلوم دون العكس فليتأمل فإنه دقيق جدا، وبذلك يندفع كثير من الشبهات (1) والله الموفق للخيرات. قوله (فمن أجل ذلك) وذلك لأن أبدانهم وأرواحنا من محل واحد فبينهما كمال القرابة والاتصال وأرواحهم المتعلقة بأبدانهم متعلقة ومتصلة بأرواحنا فلذلك يفيض منهم إلينا ما شاء الله من علومهم وصفاتهم، وأرواحنا المتعلقة بأبداننا متعلقة ومتصلة بأبدانهم وأرواحهم فلذلك تحن قلوبنا إليهم وتشتاق إلى لقائهم في الدنيا والآخرة والله هو الموفق والمعين. * الأصل: 2 - أحمد بن محمد، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن محمد بن شعيب عن عمران بن إسحاق الزعفراني، عن محمد بن مروان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: إن الله خلقنا من نور عظمته، ثم صور خلقنا من طينة مخزونة، مكنونة، من تحت العرش. فأسكن ذلك النور فيه، فكنا (2) نحن خلقا وبشرا نورانيين، لم يجعل لأحد في مثل الذي خلقنا منه نصيبا وخلق أرواح شيعتنا من طينتنا وأبدانهم من طينة مخزونة مكنونة، أسفل من ذلك الطينة


(1) قوله " يندفع كثير من الشبهات " منها شبهة لزوم الجبر أو خلق بعض الناس أقرب إلى الخير وبعضهم أقرب إلى الشر وهو ظلم أيضا وربما يختلج في ذهن أوباش الناس والماديين منهم إنكار خلق بدن الإنسان بل روحه من غير العناصر الموجودة في الأرض ولا يعقلون دخول شئ آخر من تحت العرش والسماوات في عجن طينتهم وقد ذكرنا أن مذهب الحكماء عدم استقلال المادة والصورة في تكون أي جسم من الأجسام بل العلة التي لا تباين المعلول بينونة عزلة البتة هي الأصل المجرد من عالم العقول فيصح أن يقال: تقوم كل جسم من نور فائض عليه من عالم الملكوت وإنما الكلام في وجه تخصيص الإمام أو الشيعة بذلك والحق أن إثبات الشئ لا ينفي ما عداه فكل شئ يستمد من عالم الملكوت وما من جسم إلا هو مرتبط بجوهره بذلك العالم كارتباط النور بالشمس وينعدم الأجسام بفرض قطع تلك الرابطة كما تنعدم بفرض انعدام مادة تحمل صورتها أو صورة تقيم مادتها، والفرق بين الأجسام إنما هو فيما يستعد لقبوله، فحظ النبات من عالم الملكوت أكثر وأقوى من الجماد، وحظ الحيوان أكثر، والإنسان كذلك، وحظ العلماء والكمل من الأولياء والنفوس القدسية أكثر من سائر أفراد الإنسان وحظ الحجج (عليهم السلام) أوفر وأعظم منهم جميعا، وأما شبهة الجبر والتبعيض في اللطف فينكشف إن شاء الله حين يحين حينه، وغلبة ظهور الملكوت في الحجج (عليهم السلام) أوجبت تخصيصهم بالعليين، وغلبة ظهور المادة والطبيعة في الأشرار أوجبت نسبتهم إلى السجين، كما أن ظهور ملك الله تعالى وانعزال جميع من سواه يوم الحشر أوجب وصفه تعالى بأنه مالك يوم الدين مع أنه مالك كل يوم. (ش) (2) في بعض النسخ [ فكذا ]. (*)

[ 395 ]

ولم يجعل الله لأحد في مثل الذي خلقهم منه نصيبا إلا للأنبياء ولذلك صرنا نحن وهم: الناس، وصار سائر الناس همج، للنار وإلى النار. * الشرح: قوله (إن الله خلقنا من نور عظمته) أي خلق أرواحنا من نور عظمته وهي مشتقة منه والظاهر أن الإضافة لامية، ولعل المراد به النور الذي مبدؤه العظمة لأن المضاف إليه كثيرا ما يكون مبدأ للمضاف كما صرح به بعض المحققين، وكان هذا النور هو نور الحجب الذي دل على عظمته تعالى ولذلك صاروا أدلة على الحق، وعظمته التي هي عبارة عن تجاوز قدره عن العقول والإدراك حتى لا يتصور الإحاطة بكنه حقيقة ذاته وصفاته، وفيه إشارة إلى أنه كما لا يمكن الإحاطة المذكورة بالنسبة إليه تعالى كذلك لا يتصور بالنسبة إليهم، وقد مر أن حقيقة ذات الإمام وصفاته لا يعلمها إلا هو ويحتمل أن يكون الإضافة بيانية وإنما سمى عظمته نورا لأن بعظمته ظهر عالم الكون من ظلمة العدم كما أن بالنور ظهرت الأشياء. قوله (ثم صور خلقنا من طينة مخزونة مكنونة من تحت العرش) أي خلق أبداننا من طينة والطين معروف والطينة أخص منه وهي الخلقة والجبلة، يقال: فلان من الطينة الأولى كذا، في الصحاح، وقوله " من تحت العرش " متعلق بالخلق والتصوير وهو المراد بالعليين كما أشرنا إليه. قوله (فكذا نحن خلقا وبشرا نورانيين) كذا كناية من الشئ وما بعده منصوب على التميز والمراد بالخلق الروح وبالبشر البدن وهم نورانيون في الظاهر والباطن وبنورهم أشرقت قلوب المؤمنين، والألف والنون من زيادات النسب. قوله (لم يجعل لأحد في مثل الذي خلقنا منه نصيبا) قد عرفت مما ذكرنا أن خلقهم على الوجه المذكور كان من توابع علمه تعالى بالأخلاق والأعمال وكمال الميل إليه تعالى ولما كان ذلك منهم على وجه الكمال الذي لا يشاركهم فيه أحد غيرهم كان خلقهم على الوجه المذكور مختصا بهم وأما النبي (صلى الله عليه وآله) فيعلم حاله بطريق الأولوية. قوله (وخلق أرواح شيعتنا من طينتنا) فيه دلالة على أن جسدهم جسد روحاني وبدنهم بدن نوراني حتى أنه اشتق منه الروح المجرد الصرف. قوله (أسفل من ذلك الطينة) هكذا في النسخ التي رأيناها ولعل التذكير بتأويل الطينة بالطين أو الأصل، وأنت إذا تأملت فيما ذكر علمت أن بين أبداننا وأبدانهم مباينة في المادة مقارنة في المحل وكذا بين أرواحنا وأرواحهم ويظهر بواقي النسب بالتأمل الصادق إن شاء الله تعالى. قوله (إلا للأنبياء) أراد بهم الأنبياء السابقين، وأما نبينا (صلى الله عليه وآله) فحاله يعلم من حال الأئمة (عليهم السلام)

[ 396 ]

بطريق الأولوية كما أشرنا إليه. قوله (ولذلك صرنا نحن وهم الناس) اللام في الناس للجنس والمراد به الكاملون في الإنسانية الموصوفون بصفاتها فإن اسم الجنس كما يستعمل لمسماه مطلقا يستعمل لما يستجمع المعاني المخصوصة به والمقصودة منه من أفراد ذلك المسمى ولذلك يسلب عن غيره من أفراده، فيقال: زيد ليس بإنسان، وسر ذلك أن الإنسان عند أهل العرفان إما نفس الروح المتصفة بما يليق به ويطلب منه، أو هي مع البدن، وعلى التقديرين إذا ماتت الروح بموت كمالها لم يكن البدن وحده عندهم إنسانا. قوله (وصار سائر الناس همج للنار وإلى النار) (1) المراد بالناس غير من ذكر وهو من خالف الإمامية وعري عن صفة الإنسانية، والهمج محركة جمع همجة وهي ذباب صغير يقع على وجوه الغنم والحمير، وقيل: هي ضرب من البعوض شبه بها الأراذل من الناس والسفلة في عدم الاعتناء بشأنهم وإنزال الهوان والحقارة بهم، وقوله " للنار وإلى النار " إما صفة لهمج أو خبر ثان وثالث، وإلى الأصناف الثلاثة أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله " الناس ثلاثة: عالم رباني ومتعلم على سبيل النجاة


(1) قوله " وصار سائر الناس همجا للنار " قد مر في شرح الحديث السابق ما ينبغي أن يقال في مدخلية الجواهر الملكوتية في أبدان الأئمة (عليهم السلام) وأرواحهم بل وأبدان غيرهم والوجه في تخصيصهم، ولكن بعض من له ميل إلى استقلال المواد في الوجود وعدم احتياج الأجسام بقاء إلى العلة استبعد خلق الأبدان العنصرية من الطينة المخزونة عند العرش وانصرف ذهنه من الطينة التي عند العرش إلى مبدء لعالم المثال والأجسام المثالية، فقال: خلق الله روح الأئمة (عليهم السلام) من نور عظمته وجسمهم يعني الجسم المثالي لا العنصري من الطينة التي عند العرش وقال: إن روحهم قبل أن تتعلق بأبدانهم العنصرية تعلقت ببدن مثالي نظير ما يتعلق أرواحنا بعد الموت به، وأقول: لا حاجة إلى هذه التكلفات التي لا توافق ظاهر الخبر ولا قواعد الحكماء. وأيضا القائلون بالأجساد المثالية لا يعتقدون كونها في عرض الأبدان العنصرية بحيث يخرج من أحدهما ويدخل في الآخر كدخوله في الأول، بل التعلقان طوليان لا ينافي أحدهما الآخر والتعلق بالبدن الدنيوي مترتب على مزاج وبنية خاصة وبالبدن المثالي ليس كذلك بل هو نظير تعلق العلة بالمعلول ويمكن تكثر الأجسام المثالية بجعل الروح كما حضر أمير المؤمنين (عليه السلام) في ضيافة أربعين على ما روي، ويحضر عند الموتى في مشارق الأرض ومغاربها في وقت واحد ولو كان على ما تصوره القائل المذكور لم يمكن تعلقه إلا بجسم واحد وكونه في مكان واحد لأن الروح عنده جسم وتعلقه بمعنى كون جسم في جسم فالحق إبقاء لفظ الحديث على ظاهره وتفسيره على مذهب الإلهيين من الحكماء من أن الأجسام محتاجة في بقائها إلى علتها التي أوجدها وليست النسبة بين العلة والمعلول نسبة البينونة العزلية، وظهور حكم الملكوت في الأئمة (عليهم السلام) وغلبته على مقتضى الشهوات البدنية يدلنا على كون أبدانهم من طينة مخزونة مكنونة على ما ورد، ولكن الخطب سهل لضعف هذه الروايات إسنادا وعدم كون مضامينها من ضروريات المذهب، وما يقال في تفسيرها على فرض صحتها تبرع ممدوح (ش). (*)

[ 397 ]

وهمج رعاع أتباع لكل ناعق يميلون لكل ريح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق ". * الأصل: 3 - علي بن إبراهيم، عن علي بن حسان، ومحمد بن يحيى، عن سلمة بن الخطاب وغيره، عن علي بن حسان، عن علي بن رئاب رفعه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) إن لله نهرا دون عرشه ودون النهر الذي دون عرشه نور نوره وإن في حافتي النهر روحين مخلوقين: روح القدس وروح من أمره، وإن لله عشر طينات، خمسة من الجنة وخمسة من الأرض، ففسر الجنان وفسر الأرض، ثم قال: ما من نبي ولا ملك من بعده جبلة إلا نفخ فيه من إحدى الروحين وجعل النبي من إحدى الطينتين - قلت لأبي الحسن الأول (عليه السلام): ما الجبل ؟ فقال: الخلق - غيرنا أهل البيت، فإن الله عزوجل خلقنا من العشر طينات ونفخ فينا من الروحين جميعا فأطيب بها طيبا. وروى غيره عن أبي الصامت قال: طين الجنان: جنة عدن وجنة المأوى وجنة النعيم والفردوس والخلد، وطين الأرض: مكة والمدينة والكوفة وبيت المقدس والحير. * الشرح: قوله (إن لله نهرا) قيل: فتح الهاء من نهر أشهر من سكونها، والظاهر أن المراد بالعرش الفلك التاسع. قوله (نور نوره) الظاهر أن فاعل نوره راجع إلى النور والضمير إلى العرش أو النهر، ويحتمل أن يكون ضمير الفاعل راجعا إلى الله سبحانه وضمير المفعول إلى النور. قوله (وروح من أمره) وهو الروح الذي أشار إليه جل شأنه بقوله * (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي) * وهو غير روح القدس أعني جبرئيل (عليه السلام). قوله (ففسر الجنان وفسر الأرض) بما يأتي عن أبي الصامت. قوله (ثم قال ما من نبي ولا ملك من بعده) ضمير من بعده راجع إلى النبي والمراد به غير نبينا (صلى الله عليه وآله) أما نبينا فيعلم كيفية خلقه من كيفية خلق الأئمة (عليهم السلام) بطريق الأولوية، والحاصل أن كل نبي من الأنبياء السابقين وكل ملك خلقه الله تعالى نفخ فيهم من إحدى الروحين وخلق كل نبي منهم من إحدى الطينتين، ولم يذكر الملك هنا إذ ليس له بدن كما يكون للنبي، وأما الأئمة (عليهم السلام) فنفخ فيهم من كلا الروحين وخلقهم من العشر طينات وبذلك يعلم خلق نبينا بالأولوية فلهم فضل على هؤلاء ونور زائد على نورهم وقرب من الحق زائد على قربهم. قوله (ما الجبل) قال الفاضل الأمين الاسترابادي: قوله ما الجبل بسكون الباء سؤال عن مصدر

[ 398 ]

الفعل المتقدم وقوله الخلق غيرنا (1) جواب له، وحاصله أن مصداق الجبل في الكلام المتقدم خلق غيرنا أهل البيت لأن الله خلق طينتنا من عشر طينات ولأجل ذلك شيعتنا منتشرة في الأرضين والسماوات وجبل فينا الروحين جميعا انتهى، أقول: يمكن أن يراد بالخلق الجماعة من المخلوقات ويجعل مبتدء وما بعده خبره ويراد حينئذ بالجبل الجماعة المذكورين من الناس وغيرهم الذين جبلهم الله تعالى من إحدى الروحين وإحدى الطينتين. قال الجوهري: الجبل الجماعة من الناس وفيه لغات قرء بها قوله تعالى: * (ولقد أضل منكم جبلا كثيرا) * [ بضم الجيم وسكون الباء ] عن أبي عمرو. وجبلا [ بضمهما ] عن الكسائي وجبلا [ بكسر الجيم وسكون الباء ] عن الأعرج وعيسى بن عمر. وجبلا بالتشديد والكسر عن أهل المدينة. ونقل عن الشيخ بهاء الملة والدين أن معنى قوله " الخلق غيرنا " أن مادة بدننا لا تسمى جبلة بل تسمى طينة لأنها خلقت من العشر طينات. انتهى. وفيه أن هذا الكلام لا يدل على هذا المعنى على أنه لا وجه لتخصيصهم بذلك لأن غيرهم من الأنبياء خلقت أبدانهم من الخمس طينات. قوله (فأطيب بها طيبا) (2) الظاهر أن الضمير راجع إلى العشر طينات والروحين وأن أطيب


(1) قوله " الخلق غيرنا جواب له " حمله الاسترآبادي على غير محمله لأن قوله (عليه السلام): الخلق، جواب فقط " وغيرنا أهل البيت " مستثنى من قوله في الجملة السابقة " ما من نبي ولا ملك انتهى " يعني كل نبي وملك من إحدى الطينتين وأحد الروحين غيرنا أهل البيت فإنا من كليهما والجملة المعترضة تمت عند قوله: الخلق يعني، سألته (عليه السلام) عن معنى الجبل فقال (عليه السلام): الجبل بمعنى الخلق. ثم رجع الراوي إلى كلامه السابق وأتمه بالاستثناء، وعلى هذا فقول الشارح: ويجعل مبتدء وما بعده خبره أيضا غير صحيح بل هو أفحش (ش). (2) قوله " فأطيب بها طيبا " قال صاحب الوافي (رحمه الله) ونقله المجلسي في المرآة أيضا: كأنه شبه علم الأنبياء ( بالنهر لمناسبة ما بينهما في كون أحدهما مادة حياة الروح والآخر مادة حياة الجسم وعبر عنه بالنور لإضاءته وعبر عن علم من دونهم من العلماء بنور النور لأنه من شعاع ذلك النور، وكما أن حافتي النهر يحفظان الماء في النهر ويحيطان به فيجري إلى مستقره كذلك الروحان يحفظان العلم ويحيطان به ليجري إلى مستقره وهو قلب النبي (صلى الله عليه وآله) أو الوصي والطينات الجنانية كأنها من الملكوت والأرضية من الملك فإن من مزجهما خلق أبدان نبينا والأوصياء (عليهم السلام) من أهل البيت بخلاف سائر الأنبياء والملائكة فإنهم خلقوا من إحدى الطينتين كما أن لهم أحد الروحين خاصة من بعد جبله خلقه دون مرتبته. انتهى. وانما عبر بكأن الدال على ترديده لعدم حكمه بأن مراد الإمام (عليه السلام) ما ذكره ولا بأس به لأن الحديث غير نقي الإسناد وليس معناه من واجبات الاعتقاد والغرض التبرع بالشرح إن فرض صدوره من الإمام (عليه السلام) وهذا الحديث على فرض صحته مصداق ما ورد: " إن حديثنا صعب مستصعب لا يحتمله إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان " وفيه رد على من زعم أن ما لا يفهمه العقول السذج فهو باطل وأن كل ما ورد في الأحاديث يجب أن يعرفه جميع الناس وإلا فهو زخرف ونحن نرى في الأحاديث أمورا يختص بفهمه الحكماء الإلهيون الماهرون في = (*)

[ 399 ]

صيغة المتكلم من الإطابة أو التطيب، يقال أطابه وطيبه أي وجده طيبا، ووصفه بالطيب أي أجد بهذه الطينات والروحين طيبا طاهرا من الأعمال الخسيسة والأخلاق الذميمة والعقائد الباطلة والحاصل أني أصف الطيب الطاهر مما ذكر بالطهارة الذاتية والنزاهة الأصلية، ويحتمل أن يكون أطيب على صيغة المتكلم من طاب وطيبا منصوبا على التميز أو على المصدر لو ثبت مجيئه له، هذا وقال الفاضل الاسترابادي: أن أطيب صيغة التعجب وفيه أنه لا يظهر حينئذ لقوله طيبا محل من الإعراب فليتأمل. قوله (جنة عدن) أي جنة إقامة من عدن بالمكان إذا أقام سميت بها لأنها دار إقامة، ووجه التسمية لا يجب اطراده، قال في النهاية: الجنة من الاجتنان وهو الستر لتكاثف أشجارها وتظليلها بالتفاف أغصانها وسميت بالجنة من مصدر جنه جنا إذا ستره فكأنها سترة واحدة لشدة التفافها وإظلالها. قوله (وجنة المأوى) سميت بها لرجوع الخواص إليها ونزولهم فيها. قوله (النعيم) عطف على المأوى أو هو بانفراده اسم سميت بذلك لاشتمالها على النعمة الدائمة الغير المتناهية. قوله (والفردوس) اسم للبستان الذي فيه الكرم والأشجار، وفي الصحاح: الفردوس حديقة في الجنة. قوله (والخلد) الخلد دوام البقاء وهو اسم لموضع من الجنة وقد يطلق هذه الأسماء على الجنة كلها اما استقلالا وحقيقة أو تسمية للكل باسم الجزء. قوله (وبيت المقدس) التقديس التطهير. وبيت المقدس بفتح الميم وسكون القاف وكسر الدال. وبضم الميم وتشديد الدال وفتحها وبيت القدس بضم الدال وسكونها: موضع في الشام


= العقليات ولا يعرف الناقلون شيئا من معناه أصلا وقد يدق عن فهم الحكماء أيضا وما ذكره صاحب الوافي (رحمه الله) لا يخلو عن تكلف خصوصا حمله الروحين على قلب النبي (صلى الله عليه وآله) والوصي (عليه السلام) لأن الظاهر أن الروحين مع جميع الأئمة (عليهم السلام) فهما قوتان من قوى النفوس القدسية لقوله " وأما الأرواح فمن فوق ذلك " وجميع هذه الروايات تدل على استقلال الروح عن الجسد وعدم كونها عرضا من أعراض المادة وإلا لكان متأخرا مترتبا على خلق الأجسام خلافا للملاحدة والماديين عليهم لعائن الله فإن الموجود عندهم منحصر في الجسم المادي وكل شئ غيره عرض أو مظهر وحركة لها، قالوا: إن الروح الإنساني واقع في عمق عميق من مراحل المادة كالنور والحرارة وسائر مظاهر التموجات والتشعشعات إلا أن الصنعة وآلاتها إلى الآن لم تعثر على مرحلة الروح كما عثرت على هذه التموجات والحق أن الروح من أمر الله جاء من أعلى درجات العليين فوق المادة تحت عرش الرحمن وليس واقعا في العمق ولا في المادة. (ش) (*)

[ 400 ]

سمي به لأنه الموضع الذي يتقدس فيه من الذنوب. قوله (والحير) الحير بفتح الحاء وسكون الياء مصدر حار يحار حيرة وحيرا أي تحير، والمراد به حائر الحسين (عليه السلام) سمي به مجازا لوقوعه فيه، وفي بعض النسخ " والحائر " قال في الصحاح: الحائر مجتمع الماء. * الأصل: 4 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد، عن أبي نهشل قال: حدثني محمد بن إسماعيل، عن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إن الله خلقنا من أعلى عليين وخلق قلوب شيعتنا مما خلقنا وخلق أبدانهم من دون ذلك، فقلوبهم تهوي إلينا، لأنها خلقت مما خلقنا [ منه ]، ثم تلا هذه الآية: * (كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين * وما أدراك ما عليون * كتاب مرقوم يشهده المقربون) * وخلق عدونا من سجين وخلق قلوب شيعتهم مما خلقهم منه وأبدانهم من دون ذلك، فقلوبهم تهوي إليهم، لأنها خلقت مما خلقوا منه، ثم تلا هذه الآية * (كلا إن كتاب الفجار لفي سجين * وما أدراك ما سجين * كتاب مرقوم) *. * الشرح: قوله (خلقنا من أعلى عليين) أي خلق الأجساد وأما الأرواح فمن فوق ذلك كما مر. قوله (ثم تلا هذه الآية إن كتاب الأبرار لفي عليين) لعل المراد أن كتابة أعمالهم أو ما يكتب من أعمالهم لفي عليين أي في دفتر أعمالهم وصحائفها، أو المراد أن دفتر أعمالهم وصحائفها لفي عليين أي في مكان شريف من الجنة، فعلى الأول قوله * (وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم) * أي مسطور أو مختوم * (يشهده المقربون) * أي يحضرونه ويحفظونه أو يشهدون لهم على ما فيه يوم القيامة، محمول على ظاهره. وعلى الأخير فيه حذف مضاف أي: وما أدراك ما كتاب عليين، وقد صرح بذلك جماعة من المفسرين، والثاني أنسب بالمقام، ولعل تلاوة الآية للإشارة بتعظيم كتابهم إلى تعظيمهم أو للإشعار بأن بدءهم من مكان شريف وعودهم إليه كما أن كتابهم فيه. قوله (وخلق عدونا من سجيل) سجيل كسكين حجارة كالمدر معرب: سنك گل، أو كانت طبخت بنار جهنم وكتب فيها أسماء أهلها، من سجل أي كتب أنهم يعذبون بها، أو هو بمعنى سجين كما قيل، ويؤيده أن في بعض النسخ " من سجين " قال الجوهري: سجين موضع فيه كتاب الفجار، قال ابن عباس: ودواوينهم. وفي النهاية: هو علم للنار، فعيل من السجين وهو الحبس، وقيل: هو اسم واد في جهنم أو حجر في الأرض السابعة، وقيل: هو دفتر أعمال الفجار وصحائفها. قوله (إن كتاب الفجار لفي سجين) يعلم ذلك بالقياس إلى ضده المذكور فليتأمل.

[ 401 ]

باب التسليم وفضل المسلمين * الأصل: 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن سنان، عن ابن مسكان، عن سدير، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): إني تركت موإليك مختلفين، يتبرأ بعضهم من بعض ؟ قال: فقال: وما أنت وذاك ؟ إنما كلف الناس ثلاثة: معرفة الأئمة، والتسليم لهم فيما ورد عليهم، والرد إليهم فيما اختلفوا فيه. * الشرح: قوله (قال قلت لأبي جعفر (عليه السلام) إني تركت مواليك) هذا الكلام يحتمل أمرين: أحدهما إني تركت موإليك مختلفين في الأحكام الشرعية والفروع الدينية والمسائل الكلامية حتى يبرأ بعضهم من بعض لسوء عقائده وقبح فوائده، فأجاب (عليه السلام) بقوله: وما أنت وذاك ؟ يعني لا يجوز لك ولهم ذلك الاختلاف والقول بالرأي والاعتماد على العقول الناقصة وإنما يجب عليكم الرجوع إلى الأئمة والأخذ منهم حتى تسلموا من الاختلاف والبراءة، وثانيهما: إني تركت موإليك مختلفين في التودد والتحبب والتألف للتحاسد والتباغض والتشاجر حتى يبرأ بعضهم من بعض لفوات روابط الالفة بينهم فأجاب (عليه السلام) بقوله: " وما أنت وذاك " أي لا ينبغي لك لومهم بذلك لأن الناس إنما كلفوا بأمور ثلاثة مذكورة وموالينا قد تمسكوا بها فلا لوم عليهم بعد ذلك، والحصر إضافي أو حقيقي ادعائي باعتبار أن بواقي التكليف أمر هين بالنسبة إلى المذكور. قوله (معرفة الإمام) (1) المراد بها هو الإذعان بأنه إمام والإيقان بأنه واجب الإطاعة من قبله تعالى وليس المراد بها معرفة شخصه وعينه. قوله (والتسليم) وهو فوق الرضا لأن الراضي يرى لنفسه وجودا وإرادة إلا أنه يرضى بما صدر منهم (عليهم السلام) وإن خالف طبعه والمسلم برئ من جميع ذلك، وإنما نظره إليهم. إذا عرفت فنقول: من أصول الشريعة التسليم لهم (عليهم السلام) بكل ما جاء منهم وصدر عنهم وإن كان لا يظهر وجه حكمته للناس ولا يفهمونه فإن لله تعالى أسرارا ومصالح (2) يخفى بعضها ولا يعلمه


(1) كذا في ما عندنا من النسخ. (2) قوله " فإن لله تعالى أسرارا ومصالح " قد يقتضي المصلحة إخفاء بعض الامور أو التعبير عنه بعبارة دون أخرى أو العدول من الحقيقة إلى المجاز وأمثال ذلك وهذا واضح يعرف كل أحد في أمور نفسه وأوامره = (*)

[ 402 ]

إلا الله والراسخون في العلم، فينبغي أن لا يعترفوا ولا يردوا ما لم يعرفوا، كما يفعله المبتدعة بل يجب عليهم التسليم بما صح نقله عنهم (1). قوله (والرد إليهم) فيما اختلفوا كما قال جل شأنه: * (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله وإلى الرسول) * وإنما لم يذكر أولي الأمر في الحكم بالرد للتنبيه على أن الرد إليهم رد إلى الرسول لكمال الاتصال بينهم ولذلك ترك الفعل في الحكم بالإطاعة.


= بالنسبة إلى خدمه وعبيده وأولاده، ويجب التسليم لجميع ما ورد منهم (عليهم السلام) ورد علمه إليهم سواء عرفنا حقيقته أم لا وإن كان فيما ورد عنهم ما نعلم قطعا عدم صحته كتجويز الطلاق ثلاثا من غير رجعة أو المسح على الخفين أو بماء جديد فلا نرفع اليد عن المسلمات والضروريات، ومع ذلك نرد علم ما خالفه إليهم وما ورد في المبدء والمعاد والمعراج والنبوة وعذاب القبر وثوابه من الأمور التي لا نعرف حقيقتها خصوصا فيما يتعلق بتجسيم الله تعالى مما نعلم عدم إرادة الظاهر منها كذلك نسلمها من غير بحث ونرد علمه إليهم، مثلا كيف يعذب أحد في القبر ولا يراه أحد وكيف يكون القبر للصلحاء روضة من رياض الجنة وبجنب الصالح رجل شقي وقبره مملوء نارا ولا يستفيد هذا من روضة ذلك ولا يستضر ذلك من نار هذا، وما كان السماوات التي عبرها النبي (صلى الله عليه وآله) ليلة المعراج وما نقله لنا مما رآه هناك من الملائكة والجنة والنار وتعذيب أهلها هل كان بحيث يراه كل أحد غيره إن صعد إلى السماء أو هي أمور ملكوتية تختص رؤيتها بالنبي (صلى الله عليه وآله) وغير ذلك، ولو عمل الناس بهذه القاعدة أعني التوقف والتسليم لم يضلوا، ولكن أصر بعضهم على التمسك بالظاهر فوقعوا في التجسيم وأثبتوا له تعالى عينا ويدا ووجها ورأوا الخروج من ظاهر الألفاظ بدعة مضلة وبعضهم أصر على التأويل وكما أن التأويل مزلة كذلك الإصرار على الظاهر مزلة. ثم اعلم أن ما يتضمن هذه الروايات من الأصول الاعتقادية لا يجب أن يكون معلوما تفصيلا لجميع الناس بل يكفي فيه العلم الإجمالي والتصديق بالواقع وإن كان مجهولا لنا كيفية وتفصيلا، ونظيره تفاصيل الرجعة وما سبق من أعمال القائم (عليه السلام) ونوابه بل وتفصيل أحواله زمان الغيبة وغير ذلك إذ لا يتعلق بالعمل وما يتبادر إليه الذهن ليس بحجة كما كان يتبادر إلى ذهن كثير منهم إن الفرج قريب جدا وإنما التبادر حجة فيما يتعلق بالأعمال الفرعية التي لابد أن يعلم المكلف بها تفصيلا حتى يتمكن من العمل ويعذر إن أخطأ في فهم المراد وعمل على وجه لم يرده الشارع وقد تبين في الأصول أن تأخير البيان عن وقت الخطاب جائز لا عن وقت العمل (ش). (1) قوله " بما صح نقله عنهم " لعل المقصود ما يعلم صدوره عنهم يقينا لا الصحيح المصطلح عند الرواة أي الذي يكون رواته عدولا إماميين والحق أن التسليم لا يختص بالرواية الصحيحة بل كل ما يحتمل صدوره عنهم وإن روى بإسناد ضعيف وليس معنى التسليم الحكم بالوقوع قطعا كما سيأتي في الحديث السادس فيما بلغني عنهم وما لم يبلغني أما التسليم بمعنى الحكم بالوقوع فمختص بما روي متواترا نصا غير محتمل التأويل. (ش) (*)

[ 403 ]

* الأصل: 2 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد البرقي، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن حماد بن عثمان عن عبد الله الكاهلي قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): لو أن قوما عبدوا الله وحده لا شريك له وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وحجوا البيت وصاموا شهر رمضان ثم قالوا لشئ صنعه الله أو صنعه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ألا صنع خلاف الذي صنع ؟ أو وجدوا ذلك في قلوبهم لكانوا بذلك مشركين، ثم تلا هذه الآية: * (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) * ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): عليكم بالتسليم. * الشرح: قوله (لكانوا بذلك مشركين) دل على أن كل من خطر بباله أو جرى على لسانه ذلك فهو مشرك وإن أخذ وعمل به لفوات معنى الرضا والتسليم منه، فاحفظ نفسك فإن الطريق دقيق والشيطان رفيق. قوله (فلا وربك) أقسم بذاته وأخص صفاته أنهم لا يؤمنون بالله وباليوم الآخر وبك حتى يحكموك ويجعلوك حاكما فيما وقع بينهم من التشاجر والتنازع والتخاصم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا وضيقا أو شكا بما قضيت وحكمت به أو من حكمك ويسلموا وينقادوا لك تسليما وانقيادا بظاهرهم وباطنهم. قال المحقق الطوسي: قوله * (ثم لا يجدوا) * إشارة إلى مرتبة الرضا، وقوله * (ويسلموا) * إلى مرتبة التسليم وهي فوق الرضا. * الأصل: 3 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن حماد بن عيسى، عن الحسين بن المختار، عن زيد الشحام، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: إن عندنا رجلا يقال له: كليب، فلا يجئ عنكم شئ إلا قال: أنا أسلم، فسميناه كليب تسليم، قال: فترحم عليه، ثم قال: أتدرون ما التسليم ؟ فسكتنا، فقال: هو والله الإخبات، قول الله عزوجل: * (الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم) *. * الشرح: قوله (فقال هو والله الإخبات) الإخبات الخشوع في الظاهر والباطن والتواضع بالقلب والجوارح والطاعة في السر والعلن وأصله من الخبت: المطمئن من الأرض. قوله (وأخبتوا إلى ربهم) ذكر الإخبات بعد الإيمان والعمل لأنه الأشرف والأفضل وبه يتحقق كمالهما وقبولهما.

[ 404 ]

* الأصل: 4 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن أبان، عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله تبارك وتعالى: * (ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا) * قال: الاقتراف التسليم لنا والصدق علينا وألا يكذب علينا. * الشرح: قوله (الاقتراف التسليم) لعل المراد أن التسليم مندرج في الاقتراف ومن أفضل أفراده لأنه هو هو وحده وإن أمكن حمله عليه على سبيل المبالغة. * الأصل: 5 - علي بن محمد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد البرقي، عن أبيه، عن محمد بن عبد الحميد، عن منصور بن يونس، عن بشير الدهان، عن كامل التمار قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): * (قد أفلح المؤمنون) * أتدري من هم ؟ قلت: أنت أعلم، قال: قد أفلح المؤمنون المسلمون، إن المسلمين هم النجباء، فالمؤمن غريب فطوبى للغرباء. * الشرح: قوله (قد أفلح المؤمنون المسلمون) قد عرفت أن الإيمان بدون التسليم غير معتبر بل ليس بإيمان فعلى هذا المؤمنون المحكوم عليهم بالفلاح هم الذين سلموا لله ولرسوله وللأئمة (عليهم السلام) في الظاهر والباطن. قوله (إن المسلمين هم النجباء) النجيب الفاضل من كل شئ والنفيس في نوعه، ومن البين أن كمال الإنسان وفضله بالإيمان والعمل وكمالهما بالرضا والتسليم، وإذا كان له هذه الخصال كان في الدنيا غريبا مستوحشا وكان أنسه بالله وبأوليائه وكانت داره التي تسكن إليها نفسه دار الآخرة. قوله (فطوبى للغرباء) قيل: طوبى من الطيب قلبت فيه الياء واوا لانضمام ما قبلها فالمعنى للغرباء طيب العيش، وقيل: المعنى لهم الجنة لأنها تستلزم طيبه، وللمفسرين فيها أقوال غير هذا. * الأصل: 6 - علي بن محمد، عن بعض أصحابنا، عن الخشاب، عن العباس بن عامر، عن ربيع المسلي، عن يحيى بن زكريا الأنصاري، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: من سره أن يستكمل الإيمان كله فليقل: القول مني في جميع الأشياء قول آل محمد، فيما أسروا وما أعلنوا وفيما بلغني عنهم وفيما لم يبلغني. * الشرح:

[ 405 ]

قوله (من سره أن يستكمل الإيمان كله) توجيهه - إن رجع الضمير في (كله) إلى الإيمان - أن الإيمان كما يطلق على الاعتقاد بالله والرسول والأئمة واليوم الآخر كذلك يطلق على الاعتقاد بكل واحد واحد إلا أن كل واحد من تلك الاعتقادات شرط لاعتبار البواقي، ثم القبول من الإمام (عليه السلام) وهو عبارة عن التسليم إما جزء من الإيمان به أو شرط لأصله أو لكماله، وعلى التقادير إذ انتفى القبول لحقه النقص وإذا لحقه النقص لحق النقص بجميع أفراد الإيمان، والنقص في الجزء والشرط نقص في الكل والمشروط، فقد ظهر أن من أراد أن يستكمل جميع أفراد الإيمان وجب عليه القبول منه، ويحتمل أن يكون الكل باعتبار المراتب كما أنه بذلك الاعتبار إن رجع الضمير إلى الاستكمال. قوله (قول آل محمد) بدل عن المذكور وهذا في الحقيقة مشتمل على التعليل للقبول ولذلك يحتمل الاستئناف أيضا. قوله (فيما أسروا وما أعلنوا) لعل المراد بالأول ما يتعلق بعالم التجرد من المعارف الإلهية والرموز الملكوتية أو ما لم يظهر وجه حكمته أو وجه صحته أو ما وجب إخفاؤه عن غير أهله وبالثاني مقابله بهذه المعاني. قوله (فيما بلغني عنهم وفيما لم يبلغني) ضمير عنهم راجع إلى آل محمد وفيه إشارة إلى أنه وجب قبول قوله سواء نقله عن آبائه الطاهرين أم لا. * الأصل: 7 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن زرارة أو بريد، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال، قال: لقد خاطب الله أمير المؤمنين (عليه السلام) في كتابه، قال: قلت: في أي موضع ؟ قال: في قوله: * (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما * فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم (فيما تعاقدوا عليه لئن أمات الله محمدا ألا يردوا هذا الأمر في بني هاشم) ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت (عليهم من القتل أو العفو) ويسلموا تسليما) *. * الشرح: قوله (ولو أنهم إذا ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله) " جاؤوك " خبر " أن " و " إذ " متعلق به أو بقوله " فاستغفروا الله " والخطاب لأمير المؤمنين (عليه السلام) يعني أنهم إذ ظلموا أنفسهم بالنفاق ورد الأمر عنك جاؤوك نادمين فاستغفروا الله بالتوبة والندامة عنه واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله وعلموه توابا رحيما أي قابلا لتوبتهم ومتفضلا عليهم بالرحمة، والذي يدل على أن الضمير له (عليه السلام)

[ 406 ]

لا لرسول الله (صلى الله عليه وآله) قوله تعالى: * (واستغفر لهم الرسول) * إذ لو كان الضمير للرسول لكان المناسب واستغفرت لهم بالخطاب والقول بأن فيه التفاتا من الخطاب إلى الغيبة لقصد تعظيم شأن الرسول وتفخيمه بعيد جدا. * الأصل: 8 - أحمد بن مهران - رحمه الله - عن عبد العظيم الحسني، عن علي بن أسباط، عن علي ابن عقبة، عن الحكم بن أيمن، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عزوجل: * (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) * إلى آخر الآية قال: هم المسلمون لآل محمد، الذين إذا سمعوا الحديث لم يزيدوا فيه ولم ينقصوا منه، جاؤوا به كما سمعوه. * الشرح: قوله (الذين إذا سمعوا الحديث) وصف للمسلمين وكاشف عن حقيقتهم والأظهر أنه إشارة إلى بعض أوصافهم بدليل أن مفهوم التسليم ليس عدم الزيادة والنقصان.

[ 407 ]

باب أن الواجب على الناس بعدما يقضون مناسكهم أن يأتوا الإمام فيسألونه معالم دينهم ويعلمونهم ولايتهم ومودتهم له * الأصل: 1 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن الفضيل عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: نظر إلى الناس يطوفون حول الكعبة، فقال: هكذا كانوا يطوفون في الجاهلية ! إنما امروا أن يطوفوا بها ثم ينفروا إلينا، فيعلمونا ولايتهم ومودتهم ويعرضوا علينا نصرتهم، ثم قرأ هذه الآية * (واجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم) *. * الشرح: قوله (فقال هكذا كانوا يطوفون في الجاهلية) التشبيه إما باعتبار وقوع الخلل في طوافهم أو لعدم رجوعهم إلى إمام مفترض الطاعة. قوله (إنما أمروا أن يطوفوا بها ثم ينفروا إلينا) يعني امروا بالطواف والنفر كليهما، فالنفر واجب مثل الطواف بل أولى لأنه الغرض منه. قوله (واجعل أفئدة من الناس) هكذا بالواو في جميع النسخ وفي القرآن " فاجعل " بالفاء وضمير إليهم راجع إلى ذرية إبراهيم (عليه السلام) وأفضلهم النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام)، والأفئدة جمع الفؤاد وهو القلب " ومن " للابتداء والمعنى اجعل أفئدة الناس تهوي وتسرع إليهم شوقا للقائهم وقصدا لزيارتهم وإظهارا لمودتهم، وقد أجاب الله تعالى دعاء إبراهيم (عليه السلام) وأوجب النفر إلى مكة للطواف وقصد زيارة أفاضل أولاده الطاهرين فمن طاف ولم يزرهم فقد خان الله تعالى وخالف أمره. * الأصل: 2 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن علي بن أسباط، عن داود بن النعمان، عن أبي عبيدة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) - ورأى الناس بمكة وما يعملون - قال: فقال: فعال كفعال الجاهلية، أما والله ما أمروا بهذا وما أمروا إلا أن يقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم فيمروا بنا فيخبرونا بولايتهم ويعرضوا علينا نصرتهم. * الشرح: قوله (قال فقال فعال كفعال الجاهلية أما والله ما أمروا بهذا) إن كان التشبيه باعتبار اشتمال أفعالهم على النقص والخلل كان قوله " ما امروا بهذا " محمولا على ظاهره وإن كان باعتبار عدم

[ 408 ]

رجوعهم إلى إمام مفترض الطاعة كان المراد من هذا القول ما أمروا بهذا وحده بل أمروا بالرجوع إلينا أيضا، وما أمروا بهذا قصدا وبالذات إنما أمروا به للرجوع إلينا. قوله (وما امروا إلا أن يقضوا تفثهم) أي إلا أن يزيلوا وسخهم بقص الشارب والأظفار ونتف الإبط والاستحداد عند الإحلال، قال صاحب النهاية: التفث هو ما يفعله المحرم بالحج إذا حل كقص الشارب والأظفار ونتف الإبط وحلق العانة، وقيل: هو إذهاب الشعث والدرن والوسخ مطلقا. روى أبو بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله جل شأنه * (ثم ليقضوا تفثهم) * قال: هو ما يكون من الرجل من إحرامه فإذا دخل مكة فتكلم بكلام طيب كان ذلك كفارة لذلك الذي كان منه. وروى عبد الله بن سنان عن ذريح المحاربي قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن الله أمرني في كتابه بأمر فأحب أن أعلمه قال: وما ذاك ؟ قلت: قول الله عزوجل * (ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم) * قال * (ليقضوا تفثهم) * لقاء الإمام * (وليوفوا نذورهم) * تلك المناسك، قال عبد الله بن سنان: فأتيت أبا عبد الله (عليه السلام) فقلت: جعلت فداك قول الله عزوجل * (ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم) * قال: أخذ الشارب وقص الأظفار وما أشبه ذلك، قال: قلت: جعلت فداك فإن ذريح المحاربي حدثني عنك بأنك قلت له: ليقضوا تفثهم، لقاء الإمام وليوفوا نذورهم تلك المناسك ! فقال: صدق ذريح وصدقت، إن للقرآن ظاهرا وباطنا ومن يحتمل ما يحتمل ذريح. قوله (وليوفوا نذورهم) قيل: هي مناسك الحج من الواجب والمندوب وقد عرفت ما يدل عليه وقيل: هي ما نذروا من البر في حجهم. * الأصل: 3 - علي بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير. ومحمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن فضال جميعا، عن أبي جميلة، عن خالد بن عمار، عن سدير قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) وهو داخل وأنا خارج وأخذ بيدي، ثم استقبل البيت فقال: يا سدير إنما أمر الناس أن يأتوا هذه الأحجار فيطوفوا بها ثم يأتونا فيعلمونا ولايتهم لنا وهو قول الله: * (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى) * ثم أومأ بيده إلى صدره: إلى ولايتنا، ثم قال: يا سدير فأريك الصادين عن دين الله، ثم نظر إلى أبي حنيفة وسفيان الثوري في ذلك الزمان وهم حلق في المسجد، فقال: هؤلاء الصادون عن دين الله بلا هدى من الله ولا كتاب مبين، إن هؤلاء الأخابث لو جلسوا في بيوتهم فجال الناس فلم يجدوا أحدا يخبرهم عن الله تبارك وتعالى وعن رسوله (صلى الله عليه وآله) حتى يأتونا فنخبرهم عن الله تبارك وتعالى وعن رسوله (صلى الله عليه وآله).

[ 409 ]

* الشرح: قوله (واني لغفار لمن تاب) لعل المراد إني لغفار لمن تاب عن الذنوب وآمن بما يجب الإيمان به وعمل صالحا يقتضيه ذلك الإيمان ثم استقام على ما يهتدي به، وقد أشار (عليه السلام) بأن ذلك ولاية أهل البيت (عليهم السلام). قوله (ثم نظر إلى أبي حنيفة وسفيان الثوري) أبو حنيفة الكوفي نعمان بن ثابت قد كان يتردد إلى أهل العصمة (عليهم السلام) ويسمع منهم وقد خالفهم حبا للرياسة، فعظموه (كذا) الخلفاء ورفعوه على رقاب الناس حتى جعلوه إماما لهم. وسفيان هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري وكان من المتصوفة المعترضين على أهل البيت (عليهم السلام) وكان له أيضا منزلة عظيمة عند الخلفاء وأهل الجور وكانا مرجعي الطواغيت، وبحكم " الناس على دين ملوكهم " مرجعين للخلائق. قوله (وهم حلق) في النهاية: الحلق بكسر الحاء وفتح اللام جمع الحلقة مثل قصعة وقصع وهي الجماعة من الناس مستديرين كحلقة الباب وغيرها، والتحلق تفعل منها وهو أن يتعمدوا ذلك، وقال الجوهري: جمع الحلقة حلق بفتح الحاء على غير قياس، وحكى عن أبي عمرو: أن الواحد حلقة بالتحريك، والجمع حلق بالفتح، وقال ثعلب:: كلهم يجيزه على ضعفه، وقال الشيباني: ليس في الكلام حلقة بالتحريك إلا جمع حالق. قوله (بلا هدى من الله ولا كتاب مبين) هذا من باب التأكيد لما ذكر لظهور أن الصد عن دين الله بلا هدى من الله ومن رسوله ولا كتاب منزل ظاهر الدلالة على جوازه بل بمجرد التقليد واتباع الأهواء والآراء والقياسات الباطلة أو بمجرد العناد والحسد.

[ 410 ]

باب أن الأئمة تدخل الملائكة بيوتهم وتطأ بسطهم وتأتيهم بالأخبار (عليهم السلام) * الأصل: 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن سنان، عن مسمع كردين البصري قال: كنت لا أزيد على أكلة بالليل والنهار، فربما استأذنت على أبي عبد الله (عليه السلام) وأجد المائدة قد رفعت، لعلي لا أراها بين يديه. فإذا دخلت دعا بها فأصيب معه من الطعام ولا أتأذى بذلك وإذا عقبت بالطعام عند غيره لم أقدر على أن أقر ولم أنم من النفخة، فشكوت ذلك إليه وأخبرته بأني إذا أكلت عنده لم أتأذ به، فقال: يا أبا سيار ! إنك تأكل طعام قوم صالحين تصافحهم الملائكة على فرشهم قال: قلت: ويظهرون لكم ؟ قال: فمسح يده على بعض صبيانه، فقال: هم ألطف بصبياننا منا بهم. * الشرح: قوله (وأجد المائدة) الواو للعطف أو الحال ولعل الأخير أنسب وأظهر لما فيه من الإشارة إلى أنه كان يترقب رفعها لئلا يلجأ إلى الأكل. قوله (قال فمسح يده) أشار إلى أن الملائكة يظهرون لهم على أبلغ وجه والمراد بالظهور هو الظهور عيانا وبالصورة الأصلية وغيرها. * الأصل: 2 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد، عن محمد بن القاسم، عن الحسين بن أبي العلاء، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال: يا حسين - وضرب بيده إلى مساور في البيت - مساور طالما اتكت عليها الملائكة وربما التقطنا من زغبها. * الشرح: قوله (وضرب بيده إلى مساور في البيت) المساور جمع المسور بكسر الميم وهو متكأ من أدم ونحوه. قوله (مساور طال -، زغبها) أي هذه مساور. والزغب بتحريك المعجمتين الشعيرات الصفر على ريش الفراخ وصغار الشعر والريش، ولينه أول ما يبدو منها وفيه دلالة على ما ذهب إليه بعض

[ 411 ]

المحققين (1) من أن الملائكة أجسام لطيفة تتشكل بأشكال مختلفة. * الأصل: 3 - محمد، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم قال: حدثني مالك بن عطية الأحمسي، عن أبي حمزة الثمالي قال: دخلت على علي بن الحسين (عليهما السلام) فاحتبست في الدار ساعة، ثم دخلت البيت وهو يلتقط شيئا وأدخل يده من وراء الستر فناوله من كان في البيت. فقلت: جعلت فداك هذا الذي أراك تلتقط أي شئ هو ؟ فقال: فضلة من زغب الملائكة نجمعه إذا خلونا، نجعله سيحا لأولادنا. فقلت: جعلت فداك وإنهم ليأتونكم ؟ فقال: يا أبا حمزة إنهم ليزاحمونا على تكأتنا.


(1) قوله " على ما ذهب إليه بعض المحققين " كلام الشارح يدل على وجود قائل بغير هذا القول أعني كون الملائكة أجساما لطيفة يتشكل بأشكال مختلفة. وهذا يشتمل على ثلاثة قيود والمخالف لابد أن ينكر أحدها بأن ينفي كونها أجساما أو يلتزم بأنها أجسام غير لطيفة أو لا يتشكل بأشكال مختلفة، وإني لا أعرف قائلا بذلك، والشارح أعلم بما قال والحكماء القائلون بالعقول المجردة لا يخالفون في تمثلهم بصورة جسمانية كما أن علماء الشريعة لا يلتزمون بأن الملائكة أجسام غير مدركة للكليات، واعلم أن الملائكة من موجودات عالم الغيب لا من عالم الشهادة ولذلك لا يراهم الناس مطلقا إلا الأنبياء والأولياء، وقد وقع الاصطلاح على أن يسمى ما يختص برؤيته بعض الناس جسما مثاليا وما يتشارك في رؤيته الجميع جسما ماديا وهذه قاعدة كلية في تميز الجسم المثالي عن المادي وكذلك ما يراه الرجل في وقت دون الآخر، والملائكة والجن والأجسام التي تتعلق بها النفوس وعالم البرزخ من القسم الأول وكذلك الروضة من رياض الجنة في قبر المؤمن والحفرة من حفر النيران في قبر الكافر وغير ذلك، ومما ينبغي أن ينبه عليه الفرق بين الجسم المثالي المحقق في الخارج وبين ما يتراءى للممرورين والمبرسمين من الخيالات التي لا تحقق لها إلا في ذهن الرائي والعلامة الفارقة بينهما أن كل ما يراه الرجل ولا يراه غيره إن كان مقرونا بأخبار وإعلام يعلم الرائي قصور مقدرته عن إدراكها فهو جسم مثالي حقيقي له مبدء خارج عن قوى الرائي ووهمه وخياله، مثلا إذا رأى صورة متمثلة أخبرته بأن حادثا سيقع في المستقبل مثل أن زيدا يجئ غدا وعمرا يموت بعد غد ووقع ما أخبر كما أخبر فهذه علامة أنه لم يكن من خيالاته وأوهامه لأنه لا يقدر على أن يستنبط بنفسه ما يقع بعد ذلك إذ هو من علم الغيب فلابد أن يكون مبدؤه خارجا عن ذهن الرائي، ومثله إذا ألقى عليه مسألة علمية يعلم قصور فكره عن فهمها بنفسه كعامي لا يعرف شبهة ابن كمونة إذا ألقى عليه دفع هذه الشبهة، ثم الفرق بين الجن والملك والعلامة المايزة بينهما أن الملك يلقي على النفس الفضائل والعلوم الحقيقية الكلية والخير والمستحسنات، والجن الأمور الجزئية والحيل الدنيوية والتدابير الجسمية والشعر والغزل وأمثال ذلك، ولا يشتبه الأمر قط إذ يلهم المكاشف الحقيقي ويعلم علما ضروريا لا يختلج بباله غيره أنه ملك، فإن بقي الشك له فالشك دليل عدم كونه ملكا لأن الشك من الشيطان لا محالة. (ش) (*)

[ 412 ]

* الشرح: قوله (نجعله سيحا لأولادنا) (1) السيح ضرب من البرود والعباء، وبرد مسيح أي فيه خطوط مختلفة. قوله (على تكأتنا) التكأة كهمزة ما يتكأ عليه. 4 - محمد، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن أسلم، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سمعته يقول: ما من ملك يهبطه الله في أمر ما يهبطه إلا بدأ بالإمام، فعرض ذلك عليه وإن مختلف الملائكة من عند الله تبارك وتعالى إلى صاحب هذا الأمر.


(1) " نجعله سيحا لأولادنا " قيل: سبحا بالباء الموحدة لا بالياء المثناة والمراد القلادة من زغب الملائكة تجعل في سلك ويعلق على أعناق الأطفال، ويؤيد ذلك برواية رواها في البصائر أن مفضل بن عمر رأى القلادة من الريش على بعض أولاد الأئمة (عليهم السلام) فسأل عنها فقال الإمام: إنها من ريش الملائكة فإن قيل: قد تواتر أن الناس لم يكونوا يرون الملائكة في عهد الرسول والأئمة (عليهم السلام) كما لا نراهم الآن إلا نادرا لبعض الأولياء وكان من شبهات الكفار على رسول الله (صلى الله عليه وآله) قولهم " لولا أنزل عليه ملك " ولم تكن خديجة ترى جبرئيل حين نزل عليه أول البعثة وهذا ظاهر للمتتبع في سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله) فكيف رأى المفضل أو أبو حمزة الثمالي ريش الملائكة وليس الريش إلا بعض جسم الملك فكما لا يرى جسمه لا يرى ريشه ؟ قلنا: أما أبو حمزة فلا يدل هذا الحديث على أنه رأى زغب الملائكة بل يدل على أن علي بن الحسين (عليهما السلام) كان يلتقط كأنه يأخذ شيئا من غير أن يرى أبو حمزة الشئ الملتقط فسأله (عليه السلام) عن التقاطه مع أنه لا يرى شيئا. وأما رواية المفضل فضعيفة جدا وأيضا فإنها لا تدل على أن غير المفضل لو كان حاضرا كان يرى الريش والقلادة إذ لا يمتنع اختصاص رؤية الملائكة ببعض الناس في بعض الأوقات وكذا ريشهم (ش). (*)

[ 413 ]

باب أن الجن يأتيهم فيسألونهم عن معالم دينهم ويتوجهون في أمورهم * الأصل: 1 - بعض أصحابنا، عن محمد بن علي، عن يحيى بن مساور، عن سعد الإسكاف قال: أتيت أبا جعفر (عليه السلام) في بعض ما أتيته فجعل يقول: لا تعجل، حتى حميت الشمس علي وجعلت أتتبع الأفياء، فما لبث أن خرج علي قوم كأنهم الجراد الصفر، عليهم البتوت، قد انتهكتهم العبادة، قال: فوالله لأنساني ما كنت فيه من حسن هيئة القوم، فلما دخلت عليه قال لي: أراني قد شققت عليك، قلت: أجل والله لقد أنساني ما كنت فيه قوم مروا بي لم أر قوما أحسن هيئة منهم في زي رجل واحد، كأن ألوانهم الجراد الصفر، قد انتهكتهم العبادة، فقال: يا سعد رأيتهم ؟ قلت: نعم، قال: أولئك إخوانك من الجن، قال: فقلت: يأتونك ؟ قال: نعم يأتونا [ ننا - ظ ] يسألونا عن معالم دينهم وحلالهم وحرامهم. * الشرح: قوله (كأنهم الجراد الصفر) التركيب من قبيل الدينار الصفر وإنما شبههم بها لصفرتهم لكثرة العبادة والرياضة. قوله (عليهم البتوت) البتوت جمع البت وهو الطيلسان من خز ونحوه، والبتي الذي يعمله أو يبيعه، والبتات مثله. قوله (قد انتهكتهم العبادة) أي جهدتهم وهزلتهم ونقصت لحومهم من كثرة المشقة. قوله (فوالله لأنساني ما كنت فيه من حسن هيئة القوم) لعل فاعل أنساني هو الله تعالى أو رؤية القوم بقرينة المقام و " ما " مفعوله والمراد به المشقة الشديدة و " من " تعليل لنسبة الإنساء إلى فاعله، فليتأمل. قوله (قد شققت عليك) أي أوقعتك في المشقة. قوله (أولئك إخوانك من الجن) الجن خلاف الإنس والواحد جني سميت بذلك لأنها تستر ولا ترى، وهذا التركيب يدل على الخفاء والاستتار ومنه الجنة بحركات الجيم، والجنين، وأمثال ذلك والجن لا ترى إذا بقيت على الصورة الأصلية (1) وأما إذا تشكلت بصورة نوع آخر من أنواع


(1) قوله " والجن لا ترى إذا بقيت " ما ذكره الشارح واضح معلوم لمن تتبع السير والروايات، والقاعدة التي ذكرنا في الفرق بين الجسم المثالي والمادي جارية هنا، والجن بحسب الصورة الأصلية مما لا يرى فإن رآها أحد = (*)

[ 414 ]

الحيوان كالإنسان والحية والثعبان فإنها ترى، والأحاديث الدالة على إمكان رؤيتها بالصورة المبدلة كثيرة من طرق العامة والخاصة، ومن أنكر رؤيتها، فإن أنكرها بالصورة الأصلية فله صورة وإن أنكرها رأسا فهو معارض بالنصوص، والنص أولى بالاتباع. * الأصل: 2 - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن علي بن حسان، عن إبراهيم بن إسماعيل، عن ابن جبل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كنا ببابه فخرج علينا قوم أشباه الزط عليهم أزر وأكسية، فسألنا أبا عبد الله (عليه السلام) عنهم، فقال: هؤلاء إخوانكم من الجن. * الشرح: قوله (أشباه الزط عليهم أزر وأكسية) الزط بالضم جيل من السودان والهنود، والازر بالضم جمع الإزار وهو المئزر وقد يفسر بالملحفة، والأكسية جمع الكساء وهو معروف. * الأصل: 3 - أحمد بن إدريس، ومحمد بن يحيى، عن الحسن بن علي الكوفي، عن ابن فضال، عن بعض أصحابنا، عن سعد الاسكاف قال: أتيت أبا جعفر (عليه السلام) أريد الإذن عليه، فإذا رحال إبل على الباب مصفوفة، وإذا الأصوات قد ارتفعت، ثم خرج قوم معتمين بالعمائم يشبهون الزط، قال: فدخلت على أبي جعفر (عليه السلام) فقلت: جعلت فداك أبطأ إذنك علي اليوم ورأيت قوما خرجوا علي معتمين بالعمائم فأنكرتهم ؟ فقال: أو تدري من أولئك يا سعد ؟ قال: قلت: لا، قال: فقال: أولئك إخوانكم من الجن يأتونا فيسألونا [ ننا - ظ ] عن حلالهم وحرامهم ومعالم دينهم. * الشرح: قوله (فإذا رحال إبل على الباب مصفوفة) في بعض النسخ " رحايل إبل مصفوفة " صفة لإبل وهي مؤنثة والرحال جمع رحل ورحل البعير أصغر القتب، والرحائل جمع الرحالة وهي سرج من جلود ليس فيه خشب كانوا يتخذونه للركض الشديد.


= فهو مختص برؤيتها ولا يشترك في رؤيتها جميع الناس وقال الله تعالى: * (انه يريكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم) * وسميت الجن جنا لأنها لا ترى، فأجسامهم بحسب الاصطلاح من الأجسام المثالية. واعلم أن الدليل على وجود الجن هو النقل، وأما الحكماء المسلمون فمتعبدون بقبول خبر الأنبياء والأئمة، معترفون بوجودها اعتمادا على خبرهم وعدم الدليل على امتناعها فهم وسائر الناس سواء في الاعتقاد بوجود الجن من هذه الجهة، وكل ما ذكره صدر المتألهين والداماد والفيض وأمثالهم من الحكماء الإلهيين فهو مأخوذ من الروايات والآيات ومستفاد منها، ولم يؤثر من اليونانيين شئ، وفي كتاب عين اليقين فصول مشبعة في ذلك لولا مخافة التطويل نقلناها هنا لكثرة فوائدها وإن كان فيه بعض التكلفات والله الموفق. (ش) (*)

[ 415 ]

قوله (معتمين بالعمائم) في بعض النسخ " متعممين بالعمائم " اعتم بالعمامة وتعمم بها بمعنى. قوله (فقال أو تدري) السؤال بعد قول المخاطب " فأنكرتهم " أي لم أعرفهم إما لإمكان حصول معرفة بعده أو لتنشيطه بها وتشويقه إليها. * الأصل: 4 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن إبراهيم بن أبي البلاد، عن سدير الصيرفي قال: أوصاني أبو جعفر (عليه السلام) بحوائج له بالمدينة فخرجت، فبينا أنا بين فج الروحاء على راحلتي إذا إنسان يلوي بثوبه، قال: فملت إليه وظننت أنه عطشان فناولته الأداوة فقال لي: لا حاجة لي بها، وناولني كتابا طينه رطب، قال: فلما نظرت إلى الخاتم إذا خاتم أبي جعفر (عليه السلام)، فقلت: متى عهدك بصاحب الكتاب ؟ قال: الساعة وإذا في الكتاب أشياء يأمرني بها، ثم التفت فإذا ليس عندي أحد، قال: ثم قدم أبو جعفر (عليه السلام) فلقيته، فقلت: جعلت فداك رجل أتاني بكتابك وطينه رطب، فقال: يا سدير ! إن لنا خدما من الجن فإذا أردنا السرعة بعثناهم. وفي رواية أخرى قال: إن لنا أتباعا من الجن، كما أن لنا أتباعا من الإنس، فإذا أردنا أمرا بعثناهم. * الشرح: قوله (بالمدينة) متعلق بأوصاني والباء بمعنى في. قوله (فبينا أنا بين فج الروحاء) الفج: الطريق الواسع والطريق بين الجبلين والجمع فجاج، والروحاء موضع بين الحرمين على ثلاثين أو أربعين ميلا من المدينة. قوله (إذا إنسان يلوي بثوبه) لوى بثوبه وألوى به إذا لمع وحركه وأشار به (1)


(1) قوله " وحركه وأشار به " أورد الفيض (رحمه الله) هذا الحديث وما قبله وما بعده في كتاب عين اليقين في فصل أوله ومن الغرائب مصاحبتهم للجن ومجالستهم معهم ثم إن في الحديث مواضع يجب الالتفات إليها وإعمال النظر فيها منها قوله " كتابا طينه رطب " وطين الكتابة كان في ذلك العصر يلصق به الرسائل وكان من معدن خاص في نواحي الشام له تماسك ولزوجة كالغرى وكانوا يختمون عليه بعد إلصاقه. منها قوله " فإذا ليس عندي أحد " هذا يدل على أنه كان من الأجسام المثالية بناء على القاعدة التي ذكرناها أنه رآه الراوي في وقت وغاب عنه لمحة بعده مع أنه لو كان من الأجسام المادية لم يغب عنه في لمحة. وأما الكلام في الكتاب الذي حمله الجني وجاء به هل كان من الأجسام المثالية أو المادية فلم يعلم من الحديث وكلاهما ممكن فلو كان الراوي بعد المطالعة والاطلاع على مضمونه فقد الكتاب علم أنه من الأجسام المثالية وإلا فلا وعلى كل حال فقد علم الراوي أن الذي رآه كان موجودا حقيقيا أتى بكتاب حقيقة وليس من تجسم = (*)

[ 416 ]

* الأصل: 5 - علي بن محمد، ومحمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عمن ذكره، عن محمد بن جحرش قال: حدثتني حكيمة بنت موسى (عليه السلام) قالت: رأيت الرضا (عليه السلام) واقفا على باب بيت الحطب وهو يناجي ولست أرى أحدا، فقلت: يا سيدي لمن تناجي ؟ فقال: هذا عامر الزهرائي أتاني يسألني ويشكو إلي، فقلت: يا سيدي أحب أن أسمع كلامه، فقال لي: إنك إن سمعت به حممت سنة، فقلت: يا سيدي أحب أن أسمعه، فقال لي: اسمعي فاستمعت فسمعت شبه الصفير وركبتني الحمى فحممت سنة. * الشرح: قوله (عن محمد بن جحرش) (1) فرس جحرش كجعفر: غليظ مجتمع الخلق.


= الخيال وتمثيل الأوهام المرتكزة في ذهنه لأنه كان متضمنا لما يريده الإمام منه وليس للذهن قوة على الاطلاع على منويات غيره حتى يتجسم في نظره فثبت أنه كان حقيقة متحققة خارجة عن ذهن الراوي. (ش) (1) قوله " محمد بن جحرش " الحديث ضعيف من حيث الإسناد ولا ضعف فيه من جهة المعنى ويستحق لفت النظر إليه كسابقه قوله " ولست أرى أحدا " يدل على أن عامر الزهرائي كان من الأجسام المثالية بناء على القاعدة التي مر ذكرها والزهراء التي نسب إليها غير معلومة لنا أكان اسم بلد أو قبيلة وقد كان في الأندلس مدينة عظيمة موسومة بالزهراء ولكن يبعد نسبته إليه من جهة تأخر تاريخ بناء البلد وقوله " إن سمعت به حممت سنة " الصوت الذي سمعته من عالم المثال أيضا وأما الحمى العارضة فلعله للوحشة من إدراك أمر غير معتاد. واعلم أن إدراك الحواس الخمس ليس بتلك الأعضاء الظاهرة بل بقوة أخرى يسمى الحس المشترك ولذلك يرى القطر النازل خطأ والشعلة الجوالة حلقة من النار، فإن ارتسم الصورة في الحس المشترك من العين وسائر الأعضاء الظاهرة كان دليلا على وجود المحسوس في الخارج في طرف من أطراف عالم الشهادة حيث يمكن أن يؤثر في أعيننا وآذاننا وأنوفنا بإرسال شعاع وتموج. وإن ارتسم في الحس المشترك من موجود حقيقي خارجي لكن غير واقع في طرف من أطراف هذا العالم بل من عالم الغيب من المجردات المحضة والملائكة الروحانيين كالصور التي نراها في الرؤيا الصادقة كرؤية الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) في المنام فإن ارتسام صورهم المتمثلة في الحس المشترك ليس بتأثير شئ في العضو الظاهر وباب أعضاء الحس مغلق على الدنيا في النوم بل هو تأثير في الحس المشترك من مبدء في عالم آخر وسماع حكيمة راوية الحديث كان من هذا القبيل ولما كان يقظة لا نوما وكان حالة خارجة عما اعتاده قوى البدن استوحشت وركبتها الحمى، وقد يتفق أن يرتسم في الحس المشترك صورة لا من الموجودات العنصرية في جهات الفضاء ولا من الموجودات المجردة الحقيقية بل بتأثير مرتكزات ذهنه وتجسم خيالات نفسه كما يراه المريض والمصروع والمغشي عليه وأضغاث الأحلام في النوم ويجب الفرق بينه وبين ما قبله بأن ما يقرن بعلم الغيب وأمثاله مما لا يمكن أن يكون من مرتكزات خاطرنا فهو من عالم حقيقي غيبي يعلم جميع ما يقع في العالم إلى آخر الدهر وليس وهما باطلا وخيالا مجسما، وبالجملة للجن والملك وأمثالهما وجود حقيقي خارجي ويمكن أن يؤثر وجودهم في حسنا المشترك بحيث يوجب الرؤية كما يؤثر وجود الأجسام المادية. = (*)

[ 417 ]

* الأصل: 6 - محمد بن يحيى وأحمد بن محمد، عن محمد بن الحسن، عن إبراهيم بن هاشم، عن عمرو بن عثمان، عن إبراهيم بن أيوب، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: بينا أمير المؤمنين (عليه السلام) على المنبر إذ أقبل ثعبان من ناحية باب من أبواب المسجد، فهم الناس أن يقتلوه، فأرسل أمير المؤمنين (عليه السلام) أن كفوا، فكفوا وأقبل الثعبان ينساب حتى انتهى إلى المنبر فتطاول فسلم على أمير المؤمنين (عليه السلام) فأشار أمير المؤمنين (عليه السلام) إليه أن يقف حتى يفرغ من خطبته، ولما فرغ من خطبته أقبل عليه فقال: من أنت ؟ فقال: أنا عمرو بن عثمان خليفتك على الجن وإن أبي مات وأوصاني أن آتيك فأستطلع رأيك وقد أتيتك يا أمير المؤمنين، فما تأمرني به وما ترى ؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): أوصيك بتقوى الله وأن تنصرف فتقوم مقام أبيك في الجن، فإنك خليفتي عليهم، قال: فودع عمرو أمير المؤمنين (عليه السلام) وانصرف، فهو خليفته على الجن، فقلت له: جعلت فداك فيأتيك عمرو، وذاك الواجب عليه ؟ قال: نعم. * الشرح: قوله (إذ أقبل ثعبان) ضرب من الحيات طوال. قوله (ينساب) انسابت الحية مشت وجرت مسرعا. قوله (أنا عمرو بن عثمان (1) خليفتك على الجن) خليفتك بالجر بدل عن عثمان.


= (ش) (1) قوله " أنا عمرو بن عثمان " مما يستبعد في هذا الحديث تسمية الجن بأسماء العرب ولا ضير فيه لأن في رواية أخرى لهذه القصة درجان بن مالك بدل عمرو بن عثمان وهذا يدل على عدم ضبط الرواة وليس في رواية الإرشاد اسم الثعبان أصلا، وأما ظهور ثعبان في المسجد وعلي (عليه السلام) يخطب على المنبر واضطراب الناس ونهيه (عليه السلام) إياهم عن قتله وتسميته جنا وانسياب الثعبان وخفاؤه دفعة فمروي بطرق عديدة وإن اختلفت في تفاصيل القصة وضعف الإسناد منجبر بكثرة الطرق وليس في المضمون المشترك بين الروايات أمر ممتنع عقلا خصوصا رواية المفيد في الإرشاد فإن بناءه على رواية ما أيد بالقرائن من المعجزات العجيبة الخارقة للعادة لأمير المؤمنين (عليه السلام) وتشكيك بعضهم في القصة لا يعتد به لأن الاعتماد على المضمون المشترك بين الطرق لا على آحاد ما روى بالإسناد الضعيف وتأويل بعضهم بأنه (عليه السلام) سمى الثعبان جنا لأنه شوش خواطر المستمعين بالخوف وصرفهم عن إصغاء كلامه (عليه السلام) لا أنه جن واقعا، فبعيد عن ظاهر الروايات ولا يحتاج إليه بعدما نعلم وجود الجن ومكالمتهم وتمثلهم على ما ورد في القرآن والسنة، وأما عدم التمسك بهذه المعجزة في الاحتجاج على المخالف لكونها غير متواترة فهي كسائر المعجزات يحتج بنوعها لا بأفرادها. (ش) (*)

[ 418 ]

* الأصل: 7 - علي بن محمد، عن صالح بن أبي حماد، عن محمد بن اورمة، عن أحمد بن النضر، عن النعمان بن بشير، قال: كنت مزاملا لجابر بن يزيد الجعفي، فلما أن كنا بالمدينة دخل على أبي جعفر (عليه السلام) فودعه وخرج من عنده وهو مسرور حتى وردنا الأخيرجة أول منزل نعدل من فيد إلى المدينة يوم جمعة، فصلينا الزوال، فلما نهض بنا البعير إذا أنا برجل طوال آدم معه كتاب فناوله جابرا فتناوله فقبله ووضعه على عينيه وإذا هو: من محمد بن علي إلى جابر بن يزيد، وعليه طين أسود رطب، فقال له: متى عهدك بسيدي ؟ فقال: الساعة، فقال له: قبل الصلاة أو بعد الصلاة ؟ فقال: بعد الصلاة: ففك الخاتم وأقبل يقرؤه ويقبض وجهه حتى أتى على آخره، ثم أمسك الكتاب فما رأيته ضاحكا ولا مسرورا حتى وافى الكوفة، فلما وافينا الكوفة ليلا بت ليلتي، فلما أصبحت أتيته إعظاما له فوجدته قد خرج علي وفي عنقه كعاب. قد علقها وقد ركب قصبة وهو يقول: " أجد منصور بن جمهور أميرا غير مأمور " وأبياتا من نحو هذا فنظر في وجهي ونظرت في وجهه فلم يقل لي شيئا ولم أقل له وأقبلت أبكي لما رأيته، واجتمع علي وعليه الصبيان والناس، وجاء حتى دخل الرحبة وأقبل يدور مع الصبيان والناس يقولون: جن جابر بن يزيد جن. فوالله ما مضت الأيام حتى ورد كتاب هشام بن عبد الملك إلى واليه أن أنظر رجلا يقال له جابر بن يزيد الجعفي فاضرب عنقه وابعث إلي برأسه، فالتفت إلى جلسائه فقال لهم: من جابر ابن يزيد الجعفي ؟ قالوا: أصلحك الله كان رجلا له علم وفضل وحديث وحج فجن وهو ذا في الرحبة مع الصبيان على القصب يلعب معهم قال: فأشرف عليه فإذا هو مع الصبيان يلعب على القصب، فقال: الحمد لله الذي عافاني من قتله، قال ولم تمض الأيام حتى دخل منصور بن جمهور الكوفة وصنع ما كان يقول جابر. * الشرح: قوله (أول منزل نعدل من فيد إلى المدينة) قيل: هي أول منزل للخارج من الكوفة معادلة لفيد أي البعد بينها وبين الكوفة مساو للبعد بين فيد وبين المدينة. قوله (إذا أنا برجل طوال آدم) في الراموز: الطول كصرد الطويل فإذا أفرط في الطول فهو طوال والأدم من الناس الأسمر وهو في الأصل أفعل من الأدمة وهي السمرة.

[ 419 ]

باب في الأئمة (عليهم السلام) أنهم إذا ظهر أمرهم حكموا بحكم داود وآل داود ولا يسألون البينة، عليهم السلام والرحمة والرضوان * الأصل: 1 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن منصور، عن فضل الأعور، عن أبي عبيدة الحذاء قال: كنا زمان أبي جعفر (عليه السلام) حين قبض نتردد كالغنم لا راعي لها، فلقينا سالم بن أبي حفصة، فقال لي: يا أبا عبيدة من إمامك ؟ فقلت: أئمتي آل محمد، فقال: هلكت وأهلكت أما سمعت أنا وأنت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: من مات وليس عليه إمام مات ميتة جاهلية ؟ فقلت: بلى لعمري، ولقد كان قبل ذلك بثلاث أو نحوها دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فرزق الله المعرفة، فقلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن سالما قال لي كذا وكذا، قال: فقال: يا أبا عبيدة إنه لا يموت منا ميت حتى يخلف من بعده من يعمل بمثل عمله، ويسير بسيرته، ويدعو إلى ما دعا إليه، يا أبا عبيدة إنه لم يمنع ما أعطي داود أن أعطي سليمان. ثم قال: يا أبا عبيدة إذا قام قائم آل محمد (عليه السلام) حكم بحكم داود وسليمان [ و ] لا يسأل بينة. * الشرح: قوله (ولقد كان قبل ذلك بثلاث أو نحوها) أي وقد كان السماع قبل قبض أبي جعفر (عليه السلام) أو قبل لقاء سالم بثلاث سنين أو نحوها. قوله (دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام)) استئناف كأنه قيل: ما فعلت ؟ فقال: دخلت. قوله (حتى يخلف من بعده) خلفه تخليفا جعله خليفة كاستخلفه. قوله (إنه لم يمنع ما أعطي داود) أن أعطي سليمان كما أن الله سبحانه أعطى داود حكما وأعطى سليمان حكما آخر كما حكما في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم ولم يمنعه إعطاء الأول من إعطاء الثاني مع أن دينهما واحد لوقوع كل على وفق مصلحة، كذلك أعطى الأئمة حكما وأعطى قائمهم حكما آخر وهو أنه يحكم بعلمه ولا يطلب بينة كما حكم به أمير المؤمنين (عليه السلام) في بعض القضايا وحكم به داود وسليمان (عليهما السلام) في بعض الأوقات: وقوله (إذا قام قائم آل محمد (صلى الله عليه وآله)) يحتمل الكلية والجزئية (1) لأن إذا بحسب العرف يفيد الكلية وبحسب اللغة يفيد الجزئية والأخير


(1) قوله " يحتمل الكلية والجزئية " وقد نقل المجلسي (رحمه الله) عن الطبرسي (قدس سره) الترديد في أصل الحكم بل ردها وتأويلها لأن الأئمة (عليهم السلام) لا يغيرون شريعة النبي (صلى الله عليه وآله) ولا ينسخونها فما ورد من أنه لا يقبل الجزية من أهل = (*)

[ 420 ]

أظهر لأن عرف الشرع فيه غير معروف فالأولى بقاؤه على عرف اللغة. * الأصل: 2 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن أبان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا تذهب الدنيا حتى يخرج رجل مني يحكم بحكومة آل داود ولا يسأل بينة، يعطي كل نفس حقها. 3 - محمد، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن عمار الساباطي قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): بما تحكمون إذا حكمتم ؟ قال: بحكم الله وحكم داود فإذا ورد علينا الشئ الذي ليس عندنا، تلقانا به روح القدس. * الشرح: قوله (فإذا ورد علينا الشئ الذي ليس عندنا تلقانا به روح القدس) كما تلقى داود (عليه السلام) في رجل استعدى على رجل فقال: إن هذا أخذ مالي، فأوحى إليه أن هذا المستعدي قتل أبا هذا وأخذ ماله، فأمر داود بالمستعدي فقتل وأخذ ماله فدفعه إلى المستعدى عليه فعجب الناس. وكما تلقاه في شيخ تعلق بشاب معه عنقود من عنب فقال الشيخ: يا نبي الله إن هذا الشاب دخل بستاني وخربه وأكل منه بغير إذني، فقال داود للشاب: ما تقول ؟ وأقر به، فأوحى إليه أن يا داود إن هذا الشيخ قد اقتحم على أبي هذا الغلام في بستانه فقتله وغصب بستانه وأخذ منه أربعين ألف درهم فدفنها في جانب بستانه فادفع إلى الشاب سيفا ومره أن يضرب عنق الشيخ وادفع إليه البستان ومره أن يحضر موضع كذا ويأخذ ماله. وكما تلقاه في بقرة اختصم رجلان فيها فجاء هذا ببينة وجاء هذا ببينة فأوحى إليه خذ البقرة ممن هي في يده فادفعها إلى الآخر واضرب عنقه لأن الذي كانت البقرة في يده قتل أبا هذا وأخذ البقرة منه، وأمثال ذلك كثيرة. * الأصل: 4 - محمد بن أحمد، عن محمد بن خالد، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن


= الكتاب ويقتل كل من بلغ عشرين سنة ولم يتفقه في الدين وأنه لا يقبل البينة ويحكم بحكم آل داود وأمثالها فإن جميع ذلك غير ثابتة ولا تعتمد على ما روي فيها، والحق أنه لا حاجة إلى تحقيق ذلك القدر الواجب إنا نعلم أن هذه الشريعة لا تنسخ إلى يوم القيامة وأما تأويل جميع ذلك بأن هذه ليست نسخا بل بيانا لكون مدة الحكم الأول محدودة بظهور القائم فلا يغني شيئا لأن هذا هو معنى النسخ بعينه ونحن لا نعتقد أن أحكام القرآن خاصة بزمان محدود. نعم يمكن أن تكون مشروطة بشرط يتحقق في زمان دون زمان وبلد دون بلد، مثلا: الجهاد واجب بأمر الإمام العادل، والحج واجب مع أمن الطريق، والتقية واجبة في بلاد الكفر وعدم تحقق الشرط غير النسخ. (ش) (*)

[ 421 ]

حمران بن أعين، عن جعيد الهمداني، عن علي بن الحسين (عليهما السلام)، قال: سألته: بأي حكم تحكمون ؟ قال: حكم آل داود، فإن أعيانا شئ تلقانا به روح القدس. * الأصل: 5 - أحمد بن مهران (رحمه الله) عن محمد بن علي، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن عمار الساباطي قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما منزلة الأئمة ؟ قال: كمنزلة ذي القرنين وكمنزلة يوشع وكمنزلة آصف صاحب سليمان، قال: فبما تحكمون ؟ قال: بحكم الله وحكم آل داود وحكم محمد (صلى الله عليه وآله) ويتلقانا به روح القدس. * الشرح: قوله (قال كمنزلة ذي القرنين) وجه التشبيه إما الوصية أو العلم والقرب والرفعة وليس الغرض منه إلحاق الناقص بالكامل لأنهم (عليهم السلام) أعلم وأقرب وشأنهم أرفع وأجل بل الغرض منه هو الإلحاق بالمعروفين بالعلم والقرب والرفعة في الصدر الأول، وبالجملة لا يجب أن يكون الوجه في المشبه به أقوى لجواز أن يكون مشهورا مسلم الثبوت له عند المخاطب، وقد مر توضيح ذلك في باب أن الأئمة (عليهم السلام) بمن يشبهون ممن مضى. قوله (بحكم الله وحكم آل داود وحكم محمد (صلى الله عليه وآله)) لعل المراد بحكم محمد (صلى الله عليه وآله) الحكم بظاهر الشريعة وبحكم الله أو حكم داود الحكم بباطنها وهو الحكم بالواقع وبما يلقي إليهم روح القدس وفيه دلالة على ما أشرنا إليه من أن القائم قد يحكم بحكم داود لا دائما كما أن داود قد كان يحكم به لا دائما، فليتأمل.

[ 422 ]

باب أن مستقى العلم من بيت آل محمد (عليهم السلام) * الأصل: 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب قال: حدثنا يحيى بن عبد الله أبي الحسن صاحب الديلم قال: سمعت جعفر بن محمد (عليهما السلام) يقول - وعنده أناس من أهل الكوفة -: عجبا للناس إنهم أخذوا علمهم كله عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فعملوا به واهتدوا ويرون أن أهل بيته لم يأخذوا علمه ونحن أهل بيته وذريته، في منازلنا نزل الوحي ومن عندنا خرج العلم إليهم، أفيرون أنهم علموا واهتدوا وجهلنا نحن وضللنا، إن هذا لمحال. * الشرح قوله (باب أن مستقى العلم من بيت آل محمد (عليهم السلام)) الاستقاء بيرون كشيدن وآوردن آب از چاه تقول: استقيت الماء من البئر إذا أخرجته أو طلبت إخراجه منها، فقد شبه العلم بالماء في التسبب للحياة وبيت آل محمد (صلى الله عليه وآله) بمعدنه، وطلبه منهم بالاستقاء وإضافة المستقى إلى العلم من باب إضافة المصدر إلى المفعول أو من باب إضافة الصفة إلى الموصوف. قوله (يحيى بن عبد الله أبي الحسن) الظاهر أنه يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي ابن أبي طالب (عليهم السلام). قوله (عجبا للناس إنهم أخذوا علمهم) تعجب (عليه السلام) عن أقوام زعموا أنهم أخذوا علومهم بأحوال المبدء والمعاد والشريعة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع كمال بعدهم عنه حسبا ونسبا ومنزلة وفهما وعقلا ومع زعمهم أنهم تمموا دينه بالقياس والاستحسان والرأي بعد وفاته ويرون أهل بيته لم يأخذوا علمه عنه مع كمال قربهم منه في الأمور المذكورة كأنهم جحدوا كتاب الله * (اليوم أكملت لكم دينكم) * * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * فإن المطهر من جميع الرذائل والرجس لا يكون جاهلا أصلا والدين الكامل لا يحتاج إلى إتمام الرعية إياه. ونسوا ما روي في كتبهم وصححوه من قوله (صلى الله عليه وآله) " مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك " ومن قوله " إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا وإنهما لم يفترقا حتى يردا على الحوض " إلى غير ذلك من مناقب العترة وفضائلهم المسطورة في كتبهم وما وقع ذلك إلا حسدا وعنادا وحبا للرئاسة، ومما يدل على ذلك أنهم رووا عن الصحابة الذين كفر بعضهم بعضا وكذب بعضهم بعضا أخبارا متكثرة وتمسكوا بأذيال مالك وأبي حنيفة والشافعي

[ 423 ]

وأحمد بن حنبل حتى جعلوهم أئمة مع شدة اختلاف هؤلاء في الأمور العقلية والنقلية ورووا عن عائشة التي كانت مبغضة معاندة لأهل البيت (عليهم السلام) وقد صرح بعنادها وبغضها لهم من علمائهم الآبي في كتاب إكمال الإكمال روايات متكثرة لا تكاد تحصى من كثرتها ولم يرووا عشر أعشارها من سائر زوجاته (صلى الله عليه وآله) مع أنهم رووا أن نبيهم قد استوعبت أكثر أوقاته الرجال وأن ليلة عائشة كليلة غيرها، وأن أوقاته في الليلة كانت موزعة، ولم يرووا من علي (عليه السلام) إلا قليلا جدا مع صرف أوقاته صغيرا وكبيرا في خدمة النبي (صلى الله عليه وآله) وكمال عقله وحرصه بالتعلم وحرص النبي (صلى الله عليه وآله) بتعليمه ومن فاطمة (عليها السلام) إلا حديثين مع أن عمرها الشريف مضى في صحبة النبي (صلى الله عليه وآله) وكمال المحبة بينهما وقد قال فيها " فاطمة سيدة نساء العالمين " وقال " فاطمة بضعة مني " ومناقبها ودلائل فضلها أكثر من أن تذكر، ولم يرووا من الحسن والحسين إلا شيئا قليلا جدا مع اعترافهم بفضلهما وشرفهما حتى رووا في كتبهم أنه (صلى الله عليه وآله) قال " الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة " ولم يدروا أن سيد شباب أهل الجنة لا يكون جاهلا بشئ من الأحكام، ثم إنهم لم يكتفوا بذلك حتى عاندوا شيعتهم ومواليهم وتركوا أخبارهم التي يروونها عنهم وما ذلك إلا الضلال البعيد. قوله (ومن عندنا خرج العلم إليهم) كما يرشد إليه قوله (صلى الله عليه وآله) " أنا مدينة العلم وعلي بابها " وقول أمير المؤمنين (عليه السلام) " وعندنا أهل البيت أبواب الحكم وضياء الأمر " يعني عندنا أبواب الأحكام والعلوم التي يبتنى عليه الأمور والأعمال البدنية والدنيوية وما ينبغي أن يهتدي الناس به من قوانين الشرع ونظام الدين ولذلك قال (صلى الله عليه وآله) " علي أقضاكم " والقضاء محتاج إلى جميع أنواع العلوم فلما رجحه على الكل في القضاء فقد رجحه عليهم في كل العلوم وقد ذكروا أنه (عليه السلام) استاد الخلق في علم الاصول وأسرار التوحيد والعدل والنبوة والقضاء والقدر والمعاد والكلام والأحكام والأخلاق والفقه والتفسير والنحو والعربية وغير ذلك من العلوم كلها. قوله (إن هذا لمحال) نقل صاحب الطرائف عن محمد بن عمر الرازي المعروف بابن الخطيب وهو أعلم علماء الأشعرية صاحب التصانيف الكثيرة أنه يقول في الكتاب الذي صنفه وجعله دستورا لولده وسماه كتاب الأربعين، في الفصل الخامس من المسألة التاسعة والثلاثين في بيان أفضل الصحابة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأورد عشرين حجة في أن علي بن أبي طالب أفضل الصحابة، يقول في الحجة الثالثة منها ما هذا لفظه: " الحجة الثالثة: أن عليا (عليه السلام) كان أعلم الصحابة والأعلم أفضل، إنما قلنا إن عليا (عليه السلام) كان أعلم الصحابة للإجمال والتفصيل، أما الإجمال فهو أنه لا نزاع أن عليا (عليه السلام) كان في أصل الخلقة في غاية الذكاء والفطنة والاستعداد للعلم وكان محمد (صلى الله عليه وآله) أفضل

[ 424 ]

الفضلاء وأعلم العلماء، وكان علي (عليه السلام) في غاية الحرص في طلب العلم وكان محمد (صلى الله عليه وآله) في غاية الحرص في تربية علي (عليه السلام) وفي إرشاده إلى اكتساب الفضائل، ثم إن عليا (عليه السلام) ربي من صغره في حجر محمد (صلى الله عليه وآله) وفي كبره صار ختنا له وكان يدخل إليه في كل الأوقات، ومن المعلوم أن التلميذ إذا كان في غاية الذكاء والحرص في التعلم وكان الأستاد في غاية الفضل وفي غاية الحرص على التعليم ثم اتفق لمثل هذا التلميذ أن يتصل بخدمة هذا الأستاد من زمان الصغر وكان ذلك الاتصال بخدمته حاصلا في كل الأوقات فإنه يبلغ ذلك التلميذ مبلغا عظيما. وهذا بيان إجمالي في أن عليا (عليه السلام) كان أعلم الصحابة فأما أبو بكر إنما اتصل بخدمته في زمان الكبر وأيضا ما كان يصل إلى خدمته في اليوم والليلة إلا مرة واحدة زمانا يسيرا وأما علي فإنه اتصل بخدمته في زمان الصغر، وقد قيل " العلم في الصغر كالنقش في الحجر، والعلم في الكبر كالنقش في المدر " فثبت لما ذكرنا أن عليا كان أعلم من أبي بكر. * الأصل: 2 - علي بن محمد بن عبد الله، عن إبراهيم بن إسحاق الأحمر، عن عبد الله بن حماد، عن صباح المزني، عن الحارث بن حصيرة، عن الحكم بن عتيبة قال: لقي رجل الحسين بن علي (عليهما السلام) بالثعلبية وهو يريد كربلاء، فدخل عليه فسلم عليه، فقال له الحسين (عليه السلام): من أي البلاد أنت ؟ قال: من أهل الكوفة، قال: أما والله يا أخا أهل الكوفة لو لقيتك بالمدينة لأريتك أثر جبرئيل (عليه السلام) من دارنا ونزوله بالوحي على جدي، يا أخا أهل الكوفة أفمستقى الناس العلم من عندنا، فعلموا وجهلنا ؟ هذا ما لا يكون. * الشرح: قوله (بالثعلبية) في الصحاح: الثعلبية: موضع بطريق مكة، وفي المغرب: الثعلبية بضم اللام: من منازل البادية ووضعها موضع العلث في حد السواد خطأ، وفيه العلث بفتح العين وسكون اللام: قرية موقوفة على العلوية وهي أول العراق شرقي دجلة. قوله (لأريتك أثر جبرئيل (عليه السلام) من دارنا ونزوله بالوحي على جدي) هذا كناية عن كونهم معادن العلوم والمعارف والشرائع والآداب والأخلاق واحتياج الناس إليهم في الأخذ والتعليم والاسترشاد والاستفاضة. قوله (أفمستقى الناس العلم من عندنا) الاستفهام للتقرير وإضافة المستقى إلى الناس من باب إضافة المصدر إلى الفاعل إن كان على صيغة اسم المفعول ومن باب إضافة اسم الفاعل إلى فاعله إن كان على صيغة اسم الفاعل، والعلم على التقديرين منصوب على المفعولية فقد شبه العلم

[ 425 ]

الذي به حياة الأرواح بالماء الذي به حياة الأشباح، ونسب إليه الاستقاء، ففيه مكنية وتخييلية. قوله (فعلموا وجهلنا ؟ هذا ما لا يكون) لظهور أن الأصل يزيد على الفرع وأن الغني أغنى من المحتاج الفقير وأن المرشد أعلم من المسترشد. وقد روي أن معاوية كتب كتابا إلى علي (عليه السلام) ذكر فيه اصطفاء الله تعالى محمدا (صلى الله عليه وآله) لدينه وتأييده إياه بمن أيده وقواه من أصحابه وغير ذلك من النصائح فأجابه (عليه السلام) بقوله: " فلقد خبأ " (أي ستر) لنا الدهر منك عجبا إذ طفقت تخبرنا ببلاء الله عندنا ونعمته علينا في نبينا فكنت في ذلك كناقل التمر إلى هجر وداعي مسدده إلى النضال " استعار (عليه السلام) الخب ء لما ستره الدهر في وجود معاوية من العجب، ووجه العجب ههنا أنه أخبر أهل النبي بحال النبي وما أنعم الله به عليه من اصطفائه لدينه وتأييده بأصحابه مع علمهم البالغ بحاله وكونهم أولى بالإخبار عنها وضرب له في ذلك مثلين، وأصل المثل الأول أن رجلا قدم من الهجر إلى البصرة بمال يشتري به شيئا للربح فلم يجد فيه أكسد من التمر فاشترى بماله تمرا وحمله إلى هجر وادخر في البيوب ينظر به السعر فلم يزدد به إلا رخصا حتى فسد جميعه وتلف ماله فضرب مثلا لمن حمل الخبر بما أخبر به إلى معدنه الذي هو أولى به منه، كحامل التمر إلى معدنه، وهجر معروفة بكثرة التمر، حتى أنه ربما يبلغ سعر خمسين جلة بدينار، ووزن الجلة مائة رطل، فذلك خمسة آلاف رطل لم يسمع مثل ذلك في بلاد أخرى. ثم شبهه بداعي مسدده إلى ما هو أولى بأن يدعوه إليه، كما يدعو الإنسان مسدده واستاده في الرمي إلى المرماة، ومسدده أولى بأن يدعوه إليه.

[ 426 ]

باب أنه ليس شئ من الحق في يد الناس إلا ما خرج من عند الأئمة (عليهم السلام) وأن كل شئ لم يخرج من عندهم فهو باطل * الأصل: 1 - علي بن إبراهيم بن هاشم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن ابن مسكان عن محمد ابن مسلم قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: ليس عند أحد من الناس حق ولا صواب ولا أحد من الناس يقضي بقضاء حق إلا ما خرج منا أهل البيت، وإذا تشعبت بهم الأمور كان الخطأ منهم والصواب من علي (عليه السلام). * الشرح: قوله (إلا ما خرج منا أهل البيت) فانهم سبب الهداية بأنوار الدين والأحكام والدعوة إلى الله تعالى والعلم بكيفية السلوك إلى حضرة القدس حيث كان الخلق في ظلمات الجهل، وفيه تنبيه على وجوب اقتفاء آثارهم والرجوع إلى أشعة أنوارهم عند مزال الأقدام واختلاف الألسنة والأفهام ووجه صحة الحصر مع أن بعض العامة قد يكون عنده حق وقد يقضي بقضاء حق إما لأن النبي (صلى الله عليه وآله) داخل في أهل البيت، يدل على ذلك رواية الثعلبي، وأحمد بن حنبل في مناقبه، والطبراني في معجمه، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) " نزل قوله تعالى: * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * في خمسة: في وفي علي وحسن وحسين وفاطمة ". أو لأن المراد أن كل حق وصواب وقضاء حق خرج منا، ولا ينافيه أخذ العامة بعد ذلك منه (صلى الله عليه وآله) والأول أظهر بل هو متعين، والله أعلم. قوله (وإذا تشعبت بهم الأمور) دل على ذلك ما نقلته العامة عنه (صلى الله عليه وآله) من أن الحق مع علي يدور حيث ما دار، وأن أقضاكم علي وأنه لا يفارق القرآن، وأنه لا يفارق الحق حتى يرد على الحوض، وأن عليا مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي، وأنه رجل يحب الله ورسوله، وأنه نفس النبي بحكم آية المباهلة، وقد قال الآمدي على ما نقل عنه الآبي: لا يخفى أن عليا (رضي الله عنه) كان مستجمعا لخلال شريفة ومناقب منيفة بعضها كاف في استحقاق الإمامة وقد اجتمع فيه من حميد الصفات وأنواع الكمالات ما تفرق في غيره من الصحابة حتى أنه من أشجع الصحابة وأعلمهم وأزهدهم وأفصحهم وأسبقهم إيمانا وأكثرهم جهادا بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأقربهم نسبا وصهرا منه، كان معدودا في أول الجريدة وسابقا إلى كل فضيلة، وقد قال فيه رباني هذه الأمة

[ 427 ]

ابن عباس (رضي الله عنه) وسأله معاوية عنه قال كان وكان فلم يبق محمدة من محامد الدين والدنيا إلا وصفه بها، مع ما ورد فيه من الآثار المنبهة على مناقبه، هذه صفاته وأما إثبات إمامته فبإجماع الأمة عليها بعد قتل عثمان، انتهى كلامه بعبارته. فانظر أيها اللبيب كيف اعترف بفضله واستحقاقه للخلافة وأخره عن عثمان بدعوى الإجماع وقد عرفت حال الإجماع مما ذكرناه سابقا. * الأصل: 2 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي نصر، عن مثنى، عن زرارة قال: كنت عند أبي جعفر (عليه السلام) فقال له رجل من أهل الكوفة يسأله عن قول أمير المؤمنين (عليه السلام): " سلوني عما شئتم، فلا تسألوني عن شئ إلا أنبأتكم به " قال: إنه ليس أحد عنده علم شئ إلا خرج من عند أمير المؤمنين (عليه السلام). فليذهب الناس حيث شاؤوا، فوالله ليس الأمر إلا من ههنا، وأشار بيده إلى بيته. * الشرح: قوله (سلوني عما شئتم) قال بعض الأفاضل: أجمع الناس على أنه لم يقل أحد من الصحابة وأهل العلم: سلوني عما شئتم غيره (عليه السلام) ذكر ذلك ابن عبد البر في كتاب الاستيعاب وقال بعضهم: تعرض للأسئلة عن كل ما شاؤوا وأرادوا ولم يكن يجترئ أحد غيره من سائر الصحابة والتابعين ولو ادعى غيره ذلك لكذبه العيان وفضحه الامتحان، وقال بعضهم: قام إليه أنس النخعي حين قال (عليه السلام) ذلك فقال: أخبرني كم في لحيتي ورأسي طاقة شعر، فقال: والله حدثني حبيبي رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن على كل طاقة شعر من رأسك ملك يلعنك وأن كل طاقة شعر من لحيتك شيطان يغويك وأن في بيتك سخلا يقتل ابن رسول الله. وكان ابنه سنان بن أنس قاتل الحسين (عليه السلام) وهو يومئذ طفل يحبو، قال صاحب الطرائف: ومن عجيب آيات الله في مولانا علي بن أبي طالب (عليه السلام) ومعجزات رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن أصحاب التواريخ وجماعة من العلماء ذكروا أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال على الأشهاد بمحضر الأعداد والحساد " سلوني قبل أن تفقدوني فوالله لا تسألوني عن شئ فيما بينكم وبين الساعة إلا أخبرتكم به " ثم قال بعد كلام طويل: وفي ذلك عدة عجائب منها أن هذا مقام لم يبلغه ولا ادعاه أحد من القرابة والصحابة قبله ولا بعده بل ما تحققنا مثله عن نبي سابق ولا وصي لاحق، وأقصى ما عرفناه عن أحد من الأنبياء والأولياء في نحو ما علمه علي بن أبي طالب (عليه السلام) من الأشياء قول عيسى (عليه السلام) * (وانبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم) * وما بلغنا عنه مثل عموم قول علي (عليه السلام) وهذه حجة له على أهل المشارق والمغارب وآية لله قاهرة ومعجزة لرسوله باهرة. قوله (فليذهب الناس حيث شاؤوا) أي فليذهب الناس في طلب العلم حيث شاؤوا، والأمر

[ 428 ]

للتهديد كما في قوله تعالى: * (اعملوا ما شئتم) * أو للارتداد كما في قوله تعالى: * (قل تمتعوا) * وهما متقاربان، والفرق أن الإنذار إبلاغ التخويف، والتهديد هو التخويف. قوله (فوالله ليس الأمر إلا من ههنا) المراد العلم أو الذهاب في طلبه أو الأمر بالذهاب فيه: وفيه إشارة إلى أن علم علي (عليه السلام) لم يذهب بذهابه، بل انتقل جميعه إلى أولاده الطاهرين، وقد دلت روايات العامة والخاصة على أن الله تعالى لا يقبض العلم من الناس ولا ينتزعه منهم بعدما يهبط. * الأصل: 3 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الوشاء، عن ثعلبة بن ميمون، عن أبي مريم قال: قال أبو جعفر (عليه السلام) لسلمة بن كهيل والحكم بن عتيبة: شرقا وغربا فلا تجدان علما صحيحا إلا شيئا خرج من عندنا أهل البيت. * الشرح: قوله (عن أبي مريم) اسمه عبد الغفار بن قيس الأنصاري، روى عن الباقر والصادق (عليهما السلام)، ثقة. قوله (لسلمة بن كهيل) تابعي بتري من رؤسائهم، والحكم بن عتيبة أيضا بتري مذموم، كان من فقهاء العامة، وفي بعض كتب الرجال: أنه كان أستاد زرارة وحمران وليار قبل أن يروا هذا الأمر. قوله (شرقا وغربا) أي اذهبا في طلب العلم إلى جهتي الشرق والغرب أو إلى المشرق والمغرب، وذكرهما على سبيل التمثيل، والمراد إذهبا في طلبه حيث شئتما فيكون كناية عن الجد وشدة طلبه في وجه الأرض. * الأصل: 4 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن يحيى، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن معلى بن عثمان، عن أبي بصير قال: قال لي: إن الحكم بن عتيبة ممن قال الله: * (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين) * فليشرق الحكم وليغرب، أما والله لا يصيب العلم إلا من أهل بيت نزل عليهم جبرئيل (عليه السلام). * الشرح: قوله (عن أبي بصير قال: قال لي أن الحكم بن عتيبة ممن قال الله تعالى) القائل غير معلوم وكأنه الباقر (عليه السلام) وفي كتاب الرجال للفاضل الاسترآبادي: قال علي بن الحسن: حدثني العباس عن عامر وجعفر بن محمد عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إن الحكم بن عتيبة وسلمة وكثير النوا وأبا المقدام والتمار - يعني سالما أضلوا كثيرا ممن كان من هؤلاء وأنهم ممن قال الله عزوجل: * (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين) *.

[ 429 ]

* الأصل: 5 - علي بن إبراهيم، عن صالح السندي، عن جعفر بن بشير، عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن شهادة ولد الزنا تجوز ؟ فقال: لا، فقلت: إن الحكم بن عتيبة يزعم أنها تجوز، فقال: اللهم لا تغفر ذنبه، ما قال الله للحكم * (إنه لذكر لك ولقومك) * ! فليذهب الحكم يمينا وشمالا، فوالله لا يؤخذ العلم إلا من أهل بيت نزل عليهم جبرئيل (عليه السلام). * الشرح: قوله (قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن شهادة ولد الزنا تجوز فقال: لا) دل على أن شهادته لا تجوز روايات مذكورة في باب الشهادات من هذا الكتاب. قوله (ما قال الله للحكم إنه لذكر لك ولقومك) قد مر أن الضمير المنصوب راجع إلى القرآن وأن الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله) وأن المراد بقومه أهل العصمة من عترته، والمقصود أن الحكم ليس من قومه الذين قال الله تعالى أن القرآن ذكر لهم. * الأصل: 6 - عدة من أصحابنا، عن الحسين بن الحسن بن يزيد، عن بدر، عن أبيه قال: حدثني سلام أبو علي الخراساني، عن سلام بن سعيد المخزومي قال: بينا أنا جالس عند أبي عبد الله (عليه السلام) إذ دخل عليه عباد بن كثير - عابد أهل البصرة - وابن شريح فقيه أهل مكة وعند أبي عبد الله (عليه السلام) ميمون القداح مولى أبي جعفر (عليه السلام)، فسأله عباد بن كثير فقال: يا أبا عبد الله في كم ثوب كفن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ قال: في ثلاثة أثواب: ثوبين صحاريين وثوب حبرة ؟ وكان في البرد قلة فكأنما ازور عباد بن كثير من ذلك، فقال أبو عبد الله (عليه السلام) إن نخلة مريم (عليها السلام) إنما كانت عجوة وأنزلت من السماء، فما نبت من أصلها كان عجوة، وما كان من لقاط فهو لون، فلما خرجوا من عنده قال عباد بن كثير لابن شريح: والله ما أدري ما هذا المثل الذي ضربه لي أبو عبد الله، فقال ابن شريح: هذا الغلام يخبرك، فإنه منهم - يعني ميمون - فسأله فقال ميمون: أما تعلم ما قال لك ؟ قال: لا والله، قال: إنه ضرب لك مثل نفسه فأخبرك أنه ولد من ولد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلم رسول الله عندهم، فما جاء من عندهم فهو صواب وما جاء من عند غيرهم فهو لقاط. * الشرح: قوله (قال في ثلاثة أثواب ثوبين صحاريين وثوب حبرة) قال ابن الأثير: فيه - يعني في الحديث -: كفن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ثوبين صحاريين. صحار بالضم قرية باليمن نسب الثوب إليها،

[ 430 ]

وقيل: هو من الصحرة بالضم والسكون وهي حمرة خفية كالغبرة، يقال: ثوب أصحر وصحاري. وثوب حبرة بوزن عنبة على الوصف والإضافة وهو برد يمان والجمع حبر، وفي الفائق: الحبرة ضرب من البرود. قوله (وكان في البرد قلة) قيمته أغلى لقلة وجوده. قوله (فكأنما أزور عباد بن كثير من ذلك) أي عدل وانحرف عنه من ظ: الازورار وهو العدول والانحراف، ووجه ذلك غير معلوم ولعله كان مكابرة لأن من طرقهم أيضا أنه (صلى الله عليه وآله) كفن في ثلاثة أثواب ثوبين صحاريين وثوب حبرة كما نقله في الفائق والنهاية، اللهم إلا أن يكون أزوراره عن قوله (عليه السلام) " وكان في البرد قلة " أو باعتبار ما روي في طرقهم من أنه (صلى الله عليه وآله) كفن في ثلاثة أثواب سحولية بناء على أن السحولية بفتح السين منسوبة إلى السحو لا قرية باليمن، وكلا الوجهين ضعيف، أما الأول فظاهر، وأما الثاني فلوجوه: منها أنه أن يكون سحولا وصحارا اسم لقرية واحدة، ومنها أنه يجوز أن يكون السحولية بفتح السين منسوبة إلى السحول وهو القصار لأنه يسحلها أي يغسلها، ومنها أنه يجوز أن يكون السحولية بضم السين جمع سحل وهو الثوب الأبيض النقي ولا يكون إلا من قطن وقد صرح بذلك جماعة من علمائهم مثل ابن الأثير وابن العربي والدارقطني وغيرهم، وعلى جميع هذه التقادير لا تخالف بين حديثهم وحديثنا مع أن حديثهم الذي ذكرناه أولا موافق لحديثنا فلابد من حمل حديثهم الثاني على ما ذكر جمعا بينهما. قوله (إنما كانت عجوة) في المغرب: العجوة أجود التمرة، وفي الفائق: العجوة هو تمر المدينة الجيد منه، وفيه شفاء من الأدواء كالسم. وفي النهاية: العجوة نوع من تمر المدينة أكبر من الصيحاني يضرب إلى السواد من غرس النبي (صلى الله عليه وآله). وفي الصحاح: ضرب من أجود تمر المدينة ونخلتها تسمى لينة. قوله (وما كان من لقاط فهو لون) اللقاط بالضم ما كان ساقطا لا قيمة له، يقال: فلان لقط التمر أي التقطه من ههنا وههنا. وفي الصحاح: اللون الدقل وهو ضرب من النخل والدقل أردء التمر، وفي النهاية: اللون نوع من النخل، وقيل: هو الدقل، وقيل: النخل كله ما خلا البرني والعجوة، ويسميه أهل المدينة الألوان واحدته لينة وأصله لونة فقلبت الواو ياء لكسرة اللام وفي حديث عمر بن عبد العزيز أنه كتب في صدقة التمر " أن يؤخذ في البرني من البرني وفي اللون من اللون " وفي المغرب: اللون بفتح اللام الردئ من التمر، وأهل المدينة يسمون النخل كله ما خلا البرني والعجوة الألوان، ويقال للنخلة اللينة واللونة بالكسر والضم.

[ 431 ]

فهرس الآيات (آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة) المائدة: 255... 118 (اخسؤوا فيها ولا تكلمون) المؤمنون: 108... 347 (إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة) الاعراف: 34... 152 (إذ أرسلنا إليهم اثنين) يس: 14... 67 (الذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بايمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شئ) الطور: 21... 82 (الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم). هود: 3... 404 (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) الزمر: 18... 407 (الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) المائدة: 55... 116 (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور) البقرة: 257... 353 (الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) العنكبوت: 2... 250 - 340 (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) الاحزاب: 6... 116 - 361 (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) المائدة: 3... 121 - 124 - 423 - 119 (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أريك النساء: 105... 59 (إنا أنزلناه في ليلة القدر) القدر: 1... 9 (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم) فصلت: 30 - 32... 4 (إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى) الحجرات: 3... 165 (إن الله عنده علم الساعة - لقمان: 34... 152 (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) الرع: 11... 329 (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) النساء: 56... 87 - 84 - 186 - 191

[ 432 ]

(إن الله يحول بين المرء وقلبه) الانفال: 24... 278 (إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شئ أحصيناه في إمام مبين) يس: 12... 97 (إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض - إلى قوله تعالى - رب العالمين) الاعراف: 54... 276 (إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين) البقرة: 94... 42 (إنك لعلى خلق عظيم) القلم: 4... 58 (إن كيد الشيطان كان ضعيفا) النساء: 76... 162 (إنما المؤمنون إخوة) الحجرات: 10... 3 - 5 - 279 - 276 (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) المائدة: 55... 117 - 116 - 118 (إنما يبلوكم الله به) النمل: 92... 127 (إنما يخشى الله من عباده العلماء) فاطر: 28... 94 (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) الاحزاب: 33... 109 - 112 - 131 - 423 (إن هذا لفي الصحف الأولى * صحف إبراهيم وموسى) الاعلى: 18... 130 (إنه لذكر لك ولقومك) الزخرف: 44... 430 (إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون) النحل: 99... 162 (إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا) الجاثية: 19... 308 (إني أخاف أن يكذبون) القصص: 34... 119 (إني جاعل في الأرض خليفة) البقرة: 30... 183 (إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا) مريم: 31... 370 (اولئك على هدى من ربهم واولئك هم المفلحون) لقمان: 5... 247 (أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون ينزل الملائكة بالروح) النحل: 1... 78 (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) النساء: 59... 84 - 109 - 132

[ 433 ]

(أكلها دائم) الرعد: 35... 310 (ألا له الخلق والأمر) الاعراف: 54... 74 (أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شئ وهو الواحد القهار) الرعد: 16... 54 (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله) البقرة: 214... 250 (أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي) البقرة: 260... 230 (أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير) فاطر: 37... 156 (بديع السموات والأرض) البقرة: 117... 31 (بكأس من معين بيضاء) الصافات: 45 - 46... 213 (بل هو كذاب أشر) القمر: 25... 173 (تنزل الملائكة والروح فيها) القدر: 4... 384 - 381 (ثلة من الأولين وقليل من الآخرين) الواقعة: 13 - 14... 245 (ثم رددنا لكم الكرة عليهم) الاسراء: 6... 102 - 378 (ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم) الحج: 29... 409 (حم * والكتاب المبين * إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين) الدخان: 1 - 3... 12 (ختم الله على قلوبهم) البقرة: 7... 280 (رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري - إلى قوله - من اتبعكما الغالبون) طه: 25 - 26... 117 (سامرا تهجرون) المؤمنون: 67... 319 (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى... الآية) الاسراء: 1... 377 (ستكتب شهادتهم ويسئلون) الزخرف: 19... 329 - 327 (سيعلمون غدا من الكذاب الأشر) القمر: 26.... 173 (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة واولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز) آل عمران: 18... 381 (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول) الجن: 26... 31 (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) التوبة: 5... 306

[ 434 ]

(فإذا فرغت فانصب * وإلى ربك فارغب) الشرح 7 - 8... 131 - 135 (فإذا نقر في الناقور) المدثر: 8... 270 (فاسئل به خبيرا) الفرقان: 25... 351 (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) النحل: 43... 131 (فإن تنازعتم في شئ) النساء: 59... 85 (فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) الانعام: 33... 131 (فذوقوا فما للظالمين من نصير) فاطر: 37... 156 (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله) التوبة: 2... 306 (فسينغضون إليك رؤوسهم) الاسراء: 51... 207 (فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة) الطلاق: 1... 291 (فعميت عليهم الأنباء يومئذ). القصص: 66... 269 (فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس) التكوير: 15... 267 (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) النساء: 65... 404 (فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون. لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسئلون) الانبياء: 12 - 13... 102 (لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا) الانعام: 158... 230 (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) التوبة: 122... 360 (فناداها من تحتها ألا تحزني) مريم: 24... 209 (قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك) النمل: 40... 33 (قال رب أرني كيف تحيي الموتى) البقرة: 260... 232 (قالوا أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف). يوسف: 90... 253 (قالوا أجئتنا لتأفكنا عما وجدنا عليه آباءنا) الاحقاف: 22... 22 (قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا) مريم: 29... 209 (قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله

[ 435 ]

يجحدون) الانعام: 33... 135 (قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم) الجمعة: 8... 152 (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن) الاعراف: 33... 349 (قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين) الملك: 30... 264 (قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) الرعد: 43... 33 (قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) الشورى: 23... 307 - 131 - 132 (قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني) يوسف: 108... 375 (كذبوا بآياتنا كلها) القمر: 42... 135 (كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين * وما أدراك ما عليون * كتاب مرقوم يشهده المقربون) المطففين: 20... 400 (كلا إن كتاب الفجار لفي سجين * وما أدراك ما سجين * كتاب مرقوم). المطففين 7... 400 (كل شئ هالك إلا وجهه). القصص:: 89... 156 (كل من عليها فان ويبقى وجه ربك) الرحمن: 27 - 26... 156 (لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام) المائدة: 2... 306 - 310 (لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم) المائدة: 101.... 294 (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) المائدة: 45... 306 (لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه) عبس: 37... 308 (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه الحشر: 7... 59 - 55 - 58 (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) البقرة: 106... 224 (ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) النجم: 3 - 4... 127 (من بعد وصية توصون بها). النساء: 12... 93 (من يطع الرسول فقد أطاع الله) النساء: 80... 53 (وآت ذا القربى حقه) الاسراء: 26... 131 (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) الانفال: 25... 10 (واجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم). ابراهيم: 37... 408 (وإذا حللتم فاصطادوا) المائدة: 2... 306 (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء * أتقولون

[ 436 ]

على الله مالا تعلمون) آل عمران: 35... 348 (وإذ أوحينا إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا بالله واشهد بأننا مسلمون) المائدة: 111... 133 (واعلموا أنما غنمتم من شئ فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى) الانفال: 41... 131 (والأرض بعد ذلك دحيها) النازعات: 30... 32 (والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات) البقرة: 257... 353 (الذين يؤمنون بالغيب) البقرة: 3... 238 (أم السماء بناها رفع سمكها وسويها أغطش ليلها وأخرج ضحيها) النازعات: 28... 32 (والقائلين لإخوانهم هلم الينا) الاحزاب: 18... 366 (وإنك لعلى خلق عظيم) القلم: 4... 53 (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير) فاطر: 24... 12 (وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون) الزخرف: 44... 131 (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى) طه: 82... 409 (وأشركه في أمري) طه: 32... 125 (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون) النحل: 38... 102 (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) النحل: 44... 131 (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) الانفال: 75... 108 - 125 - 110 (وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون اولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة واولئك هم المهتدون) البقرة: 156.... 222 (وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم) الانعام: 115... 380 - 385 - 389 (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعدما تبين لهم الحق) البقرة: 109... 162 (بالروح من أمره) النحل: 2... 397 (وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا) الفرقان 38... 291 (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من

[ 437 ]

قبلهم) إلى قوله - فأولئك هم الفاسقون النور: 55... 15 (وفوق كل ذي علم عليم) يوسف: 76... 161 (وقد جعلتم الله عليكم كفيلا) النحل: 91... 127 (وقرن في بيوتكن) الاحزاب: 33... 167 (وكان عرشه على الماء) هود: 7... 31 (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) المائدة: 45... 150 (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان) الشورى: 52... 74 - 75 - 76 (وكنتم أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة الواقعة: 7... 69 (ولا تجسسوا) الحجرات: 12... 215 (ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله) الفتح: 235... 306 (ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون) النحل: 92... 127 (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) البقرة: 195... 93 (ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون) هود: 91... 127 ولتسألن يوم القيامة عما كنتم تعلمون * ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها) النحل: 94... 127 (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وأنزلنا معهم الكتاب والميزان) غافر: 78... 130 (ولقد أضل منكم جبلا كثيرا) يس: 62... 398 (لقد تقطع بينكم). الانعام: 94... 189 (ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون) الحجر: 97... 131 (ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله، إن الله عزيز حكيم). لقمان: 27... 8 (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا النساء: 64... 406 (ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب * إذ تبرأ الذين

[ 438 ]

اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم البقرة: 165 - 166... 350 (ولو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم) الحجرات: 7... 199 (وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون * لو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من) النحل: 92... 127 (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) الحشر: 7... 53 (وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم) المطففين: 20... 400 (وما تغني الآيات والنذر) يونس: 101... 135 (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم). الانفال: 33... 271 (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم التوبة: 22... 364 (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات آل عمران: 144... 10 (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله) البقرة: 165... 349 (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله) البقرة: 207... 95 (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين) البقرة: 8... 429 (ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله) القصص: 50... 352 (ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله) البقرة: 140... 186 - 191 (فمن نكث فإنما ينكث على نفسه) الفتح: 10... 281 (ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله) النساء: 100... 361 (ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا) الشورى: 23... 405 (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا) البقرة: 269... 246 (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين القصص: 5... 172 (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله) الزخرف: 84... 63 - 64 (وهو سريع الحساب) الرعد: 41... 197 (ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون) الانبياء: 35... 338 (ويحق الله الحق بكلماته) يونس: 82... 248

[ 439 ]

(ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي) الاسراء: 85... 397 (ويوم القيمة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة) الزمر: 60... 346 (هب لي من لدنك ذرية طيبة) آل عمران: 38... 82 (هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغيرص: 39... 58 - 59 - 55 (هل تعلم له سميا) مريم: 65... 192 (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) الرحمن: 55... 97 (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق - إلى قوله - ولو كره المشركون) الصف: 9... 339 (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله وإلى الرسول) النساء: 59... 403 - 307 - 84 (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم) الاحزاب: 53... 165 (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) الحجرات: 2... 165 (يا أيها الذين آمنوا كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم) البقرة: 172... 64 (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) المائدة: 99... 99 - 122 - 118 - 132 (يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) البقرة: 132... 174 - 361 (يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا) مريم: 12... 370 (يريدون ليطفئوا نور الله.. الآية) الصف: 8... 388 (يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) الاسراء: 85... 70 - 75 - 76 (يسألونك عن ذي القرنين) الكهف: 83... 63 (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) الحجرات: 2... 165 (يا أيها الذين آمنوا كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم) البقرة: 172... 64 (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) المائدة: 99... 99 - 122 - 118 - 132 (يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) البقرة: 132... 174 - 361 (يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا) مريم: 12... 370 (يريدون ليطفئوا نور الله.. الآية) الصف: 8... 388 (يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) الاسراء: 85... 70 - 75 - 76 (يسألونك عن ذي القرنين) الكهف: 83... 63 (يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال). النور: 36... 154 (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور) غافر: 19... 31 (يوم تشهد عليهم ألسنتهم النور: 24... 329 (يوم ندعوا كل أناس بإمامهم) الاسراء: 71... 345

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية