الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




شرح أصول الكافي - مولي محمد صالح المازندراني ج 5

شرح أصول الكافي

مولي محمد صالح المازندراني ج 5


[ 1 ]

كتاب الكافي الأصول والروضة لثقة الإسلام ابى جعفر محمد بن يعقوب الكليني مع شرح الكافي الجامع للمولى محمد صالح المازندراني المتوفى 1081 ه‍ مع تعاليق الميرزا أبو الحسن الشعراني المجلد الخامس

[ 3 ]

باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين هذا الباب في إبطال الجبر والقدر وإثبات الأمر بين الأمرين والجبر في اللغة: الإكراه على الشئ تقول: جبرته وأجبرته على فعل إذا أكرهته عليه والمراد به جبر الله عباده على الأفعال والأعمال بمعنى إيجاده إياها من غير أن يكون لهم مدخل فيها كما هو مذهب الأشاعرة، والقدر بالتحريك والتسكين يطلق على معان: منها ما سبق به علمه تعالى، ومنها تقدير الأشياء بما لا يزيد ولا ينقص، ومنها القدرة، ومنها الوقت، وقد فسر بهذه المعاني في قوله تعالى * (إنا كل شئ خلقناه بقدر) * كما صرح به الآبي في كتاب إكمال الإكمال، ومنها الكتاب والأخبار كما في قوله تعالى * (إلا امرأته قدرناها من الغابرين) * أي أخبرنا بذلك وكتبناها في اللوح المحفوظ. ومنها: وضع الأشياء في مواضعها من غير زيادة فيها ونقصان كما في قوله تعالى * (وقدر فيها أقواتها) *. ومنها: التبيين لمقادير الأشياء وتفاصيلها. وهذه المعاني الثلاثة ذكرها شارح كشف الحق وغيره وإن دخل بعضها في السوابق. ومنها: إقداره تعالى عباده على أعمالهم على وجه الاستقلال بحيث يخرجهم ذلك عن ربقة الانقياد له ويبطل تصرفه في تلك الأعمال حتى لا يكون لقضائه وإرادته وقدرته وتدبيره مدخل فيها كإقدار سلطان منا (1) أحدا من عباده على امور من بلاده بحيث يخرج التصرف في


1 - قوله " كإقدار سلطان منا " وهم مبني على تصور وجود الممكن مستقلا بنفسه غير متعلق بالواجب قياسا على الصانع والمصنوع الجسماني، فكما أن السرير يستقل بنفسه موجودا بعد الصنعة عن النجار ويبقى زمنا طويلا بعد غيبة النجار بل بعد موته كذلك يتوهم جماعة أن الممكن بعد الوجود المستفاد من الواجب تعالى يستقل بنفسه وقالوا: لو جاز على الواجب العدم لما ضر عدمه وجود العالم وبناء على هذا الوهم الفاسد زعموا أن الخواص والآثار المرتبة على الموجودات والأفعال الصادرة عن الأنسان والحركات الصادرة عن الحيوانات منتسبة إليها في نفسها والأمر مفوض إليها والأنسان مخلى ونفسه يفعل كل شئ أراد باختياره مستقلا، والحق أن الممكن وجوده وجود ربطي متعلق بالواجب كالنور للشمس لا يتعقل استقلاله ذاتا فكما ينسب الإضاءة إلى الشمس أصلا بالذات وإلى المرايا بالواسطة كذلك لا مؤثر في الوجود إلا الله تعالى وكل شئ سواه فاعل بالواسطة كذلك والتفويض باطل كما أن الجبر باطل وفعل الإنسان باختياره وإرادته واختياره وإرادته وسائر صفاته بل ذاته ووجوده متعلق بالواجب تعالى وإرادته ومشيته ولا يستلزم الجبر إلا إذا فرض الواجب = (*)

[ 4 ]

تلك الامور بعده عن يد ذلك السلطان وعن تحت حكمه وتدبيره، والقدر بهذا المعنى وهو المسمى بالتفويض أيضا هو المراد هنا وهو مذهب طائفة من المعتزلة ونحن نسميهم تارة بالقدرية وتارة بالمفوضة، وهاتان الفرقتان وهما الجبرية والقدرية خارجتان عن طريق العدل أولاهما في طرف الإفراط واخراهما في طرف التفريط، والمراد بالأمر بين الأمرين: أمر لا هذا ولا ذاك بل طريق متوسط بينهما وهو أن أفعالهم بقدرتهم واختيارهم مع تعلق قضاء الله وقدره وتدبيره ومشيئته وإرادته وتوفيقه ولطفه وخذلانه بها، وهذا التعلق لا ينافي اختيارهم لأن القضاء والقدر والإرادة وغيرها على قسمين: حتم وغير حتم، والمنافي للاختيار هو الحتم دون غيره، وستعلم وجه بطلان الأولين وتحقق الثالث في مضامين الأحاديث الآتية، وينبغي أن يعلم أن القدرية قد تطلق على الجبرية (1) بناء على أن القدر جاء بمعنى الجبر أيضا والقدر بهذا المعنى أيضا مذكور في هذا الباب، وإنما بسطنا الكلام طلبا للبصيرة فيما هو المقصود في هذا المقام. " الأصل " 1 - " علي بن محمد، عن سهل بن زياد، وإسحاق بن محمد وغيرهما رفعوه قال: " " كان أمير المؤمنين (عليه السلام) جالسا بالكوفة بعد منصرفه من صفين إذا أقبل شيخ فجثا بين يديه، ثم قال له: يا أمير


= والممكن قسمين مباينين كل في عرض الآخر مستقلين وأحدهما يقهر الآخر على مالا يريد وليس كذلك. (ش) 1 - قوله " قد تطلق على الجبرية " وينبغي أن يكون هذا هو الاستعمال الشائع كما في نظائره يطلق الإمامية: على القائلين بالإمامة دون المنكرين، والجبرية: على القائلين بالجبر دون المنكرين، والعدلية: على القائلين بالعدل وأمثالها، فالقدرية: هم القائلون بالقدر، أي من يقول كل فعل من أفعال الأنسان بقدر الله لكن الأشاعرة لم يستطيعوا أن يردوا الحديث المنقول عن النبي (صلى الله عليه وآله) " القدرية مجوس هذه الأمة " ولم يروا أن يعترفوا بأنهم أنفسهم قدرية فسروا القدرية بمن ينفي القدر وما وجدنا نظيره في كلام العرب، ولو جاز ذلك جاز أن يقال: النحوي من ينكر علم النحو، والصرفي: من ينكر علم الصرف، واللغوي: هو الذي لا يعرف من اللغة شيئا والاثنا عشري: من ينكر إمامة الأئمة الاثني عشر. والاسطرلابي: من لا يعرف الاسطرلاب، والاخباري: من ينكر الأخبار، والسني: من لا يتمسك بالسنة النبوية. ولكن لما اشتهر تفسيرهم القدرية بنفي القدر جاء في بعض الأخبار أيضا جريا على اللفظ المشهور وربما يقال: إذا أكثر رجل من ذكر شئ وإن كرهه ينسب إليه وهو غير صحيح فإن الجبرية أيضا يكثرون ذكر القدر بل أكثر من المفوضة. (ش) (*)

[ 5 ]

المؤمنين ! أخبرنا عن مسيرنا إلى أهل الشام أبقضاء من الله وقدر ؟، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): أجل يا شيخ ما علوتم تلعة ولا هبطتم بطن واد إلا بقضاء من الله وقدر، فقال له الشيخ: عند الله أحتسب عنائي يا أمير المؤمنين ؟ فقال له: مه يا شيخ ! فوالله لقد عظم الله الأجر في مسيركم وأنتم سائرون وفي مقامكم وأنتم مقيمون وفي منصرفكم وأنتم منصرفون ولم تكونوا في شئ من حالاتكم مكرهين ولا إليه مضطرين، فقال له الشيخ: وكيف لم نكن في شئ من حالاتنا مكرهين ولا إليه مضطرين وكان بالقضاء والقدر مسيرنا ومنقلبنا ومنصرفنا ؟ فقال له: وتظن أنه كان قضاء حتما وقدرا لازما ؟، إنه لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب والأمر والنهي والزجر من الله وسقط معنى الوعد والوعيد فلم تكن لائمة للمذنب ولا محمدة للمحسن، ولكان المذنب أولى بالإحسان من المحسن ولكان المحسن أولى بالعقوبة من المذنب، تلك مقالة إخوان عبدة الأوثان وخصماء الرحمن وحزب الشيطان وقدرية هذه الامة ومجوسها، إن الله تبارك وتعالى كلف تخييرا ونهى تحذيرا وأعطى على القليل كثيرا ولم يعص مغلوبا ولم يطع مكرها ولم يملك مفوضا ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا، ولم يبعث النبيين مبشرين ومنذرين عبثا. ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار، فأنشأ الشيخ يقول: " أنت الأمام الذي نرجو بطاعته * يوم النجاة من الرحمن غفرانا " أوضحت من أمرنا ما كان ملتبسا * جزاك ربك بالإحسان إحسانا " * الشرح: (علي بن محمد، عن سهل بن زياد وإسحاق بن محمد، وغيرهما رفعوه (1) قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) جالسا في الكوفة) أي في مسجد الكوفة على حذف المضاف على الظاهر أو هو من باب إطلاق الكل على الجزء (بعد منصرفه) أي بعد انصرافه (من صفين) كسكين اسم موضع


1 - " رفعوه " في جميع أسانيد هذا الحديث إرسال في هذا الكتاب لكن رواه الشيخ الصدوق (رحمه الله) في التوحيد، عن محمد بن الحسن الطائي، عن سهل بن زياد عن علي بن جعفر الكوفي، قال: سمعت سيدي علي بن محمد (عليهما السلام) ثم ساق عن آبائه عن الحسين بن علي (عليهم السلام) وبأسانيد آخر أيضا. وعلي بن جعفر هذا من وكلاء أبي الحسن (عليه السلام) ومضمون الحديث واضح ليس فيه مشكل يحتاج إلى إيضاح وفي عباراته اختلاف يسير مع ما في الكافي. (ش) (*)

[ 6 ]

كانت به وقعة مشهورة بينه (عليه السلام) وبين أهل الشام (إذ أقبل شيخ فجثا بين يديه " جثا كدعا جلس على ركبتيه (ثم قال له: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن مسيرنا) أي عن سيرنا (إلى أهل الشام أبقضاء وقدر) لعل المراد بالقدر تقدير ذلك المسير (1) في الأزل كما وكيفا وزمانا وتعبا إلى غير ذلك من الامور الناشئة فيه، والمراد بالقضاء الحكم بتحققه (فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): أجل) أجل بالتحريك وسكون اللام من حروف التصديق (يا شيخ ما علوتم تلعة " هي ما ارتفع من الأرض (ولا هبطتم بطن واد) هو ما انخفض من الأرض (إلا بقضاء من الله وقدر، فقال له الشيخ عند الله أحتسب عنائي يا أمير المؤمنين) أي أعد العناء والتعب وما أوجبه أعني السير والحركة من أفعال الله تعالى حتى لا يكون لي شئ من الأجر إذ لا معنى لأجر شخص بفعل غيره وهذا الكلام يحتمل الاستفهام والإخبار (فقال له: مه يا شيخ) مه كلمة بنيت على السكون وهو اسم سمي به الفعل ومعناه أكفف نفسك عن هذا الكلام، وفي كتاب عيون أخبار الرضا (عليه السلام) فقال: مهلا يا شيخ. (فوالله) صدر بالقسم مع أنه صادق مصدق لسان الحق للمبالغة في التصديق بما يقول ولاقتضاء المقام إياه (لقد عظم الله لكم الأجر) هذا يرد قول من قال الأجر بإزاء ما ليس باختيار كالأمراض والبلايا وإنما المقابل للاختيار هو الثواب (في مسيركم وأنتم سائرون، وفي مقامكم وأنتم مقيمون، وفي منصرفكم وأنتم منصرفون) الأظهر أن المسير والمقام والمنصرف اسم الزمان أو المكان لا مصدر ميمي ليصون الكلام عن التكرار ولما أومأ إلى أن سيرهم ونحوه كان باختيارهم بإثبات لازمه الذي هو الأجر صرح بعدم كونهم مجبورين على ذلك بقوله (ولم تكونوا في شئ من حالاتكم) وهي السير والإقامة والأنصراف وغيرها (مكرهين ولا إليه مضطرين) لعل الإكراه أشد من الاضطرار فلذلك نفاه بعد نفي الإكراه (فقال له الشيخ) على سبيل الاستعلام والتفهم دون الأنكار والتعنت (وكيف لم نكن في شئ من حالاتنا مكرهين ولا إليه مضطرين وكان بالقضاء والقدر مسيرنا


1 - قوله " المراد بالقدر تقدير ذلك المسير " وهذا الاصطلاح في القدر والفرق بينه وبين القضاء بما ذكر مأخوذ من الشيخ أبي علي بن سينا ومن تبعه وهو قريب من المعنى اللغوي لأن القضاء: الحكم، والقدر: تعيين المقادير والخصوصيات والحدود وغير ذلك من التفاصيل والمأول للبداء بلوح المحو والأثبات على ما سبق يسمى ما في اللوح المحفوظ قضاء وما في لوح المحو والأثبات قدرا وروى عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه تنحى من جدار يريد أن ينقض فقيل: أتفر من قضاء الله ؟ قال (عليه السلام): أفر من قضاء الله إلى قدره لأن في لوح القدر التغير والتجدد والتخلص من الآفة المقبلة أو المخاطرة بالنفس فيما يمكن التحفظ منه. (ش) (*)

[ 7 ]

ومنقلبنا ومنصرفنا) أي سيرنا إلى الأعداء وانقلابنا في الطريق وفي حال القتال من مكان إلى مكان ومن حال إلى حال وانصرفنا إلى منازلنا، فلما بلغ كلامه إلى هذا المقام علم (عليه السلام) أنه أخطأ في معنى القضاء والقدر (فقال له) على سبيل الإنكار والتوبيخ (وتظن أنه) الواو للعطف على مقدر، أي أظننت قبل الجواب بأن لكم الأجر العظيم وتظن بعده أن سيركم وانقلابكم وانصرافكم وغيرها مما تعلق به القضاء والقدر (كان قضاء حتما) الحتم: مصدر بمعنى إحكام الأمر وإبرامه تقول حتمت عليه الشئ حتما إذا أوجبته وأحكمته عليه بحيث لا يكون في وسعه خلاف ذلك فالوصف به إما للمبالغة أو بجعله بمعنى المفعول أي محتوما محكما مبرما (وقدرا لازما) لا يكون لكم اختيار في متعلقهما ولا قدرة على الفعل والترك حتى تكونوا مجبورين مضطرين إذ القضاء والقدر إذ تعلقا بأفعال العباد يراد بهما الأمر والنهي (1) عنهما وتبيين مقاديرها من حدودها وحسنها وقبحها ومباحها وحظرها وفرضها ونفلها ولا يراد بهما أنه تعالى خلقها وأوجدها. (أنه لو كان كذلك) أي قضاء حتما وقدرا لازما (لبطل الثواب والعقاب) لأن الثواب نفع يستحقه العبد بالإتيان بالطاعات والاجتناب عن المنهيات والعقاب ضرر يستحقه بالإتيان بالمنهيات والاجتناب عن الطاعات وهما تابعان للاختيار ولا يتحققان مع الإجبار (والأمر والنهي) إذ طلب الفعل وطلب الترك متفرعان على الأختيار ولا يتصوران مع الإجبار، ألا ترى أن من طلب الطيران عن الإنسان وطلب عدم الإحراق عن النار يعده العقلاء سفيها جاهلا مجنونا كاملا (والزجر من الله) لأن زجره للعبد عن المعاصي ومنعه عن الإتيان بها بشرع القصاص وتعيين الحدود ونحوها إنما يتصور إذا كان العبد قادرا على الإتيان بها غير مجبور على تركها ؟ ألا ترى أنك


1 - قوله " يراد بهما الأمر والنهي " أقول: هذا غير كاف في توجيه القضاء والقدر بل هما زائدان على الأمر والنهي وتبيين مقادير الأفعال والصحيح ما قال المفيد عليه الرحمة أن الله أقدر الخلق على أفعالهم ومكنهم من أعمالهم وحد لهم الحدود في ذلك ورسم لهم الرسوم ونهاهم عن القبائح بالزجر والتخويف والوعد والوعيد فلم يكن تمكينهم من الأعمال مجبرا لهم عليها ولم يفوض إليهم الأعمال لمنعهم من أكثرها ووضع الحدود لهم فيها انتهى. فإن قيل: هل يحتمل التخلف في علم الله وقضائه ؟ قلنا: لا يحتمل التخلف ولا يلزم الجبر لأن الفعل الاختياري قد لا يحتمل التخلف أصلا كصدور القتل والزناء والسرقة عن العادل والمعصوم فإنه لا يقع حتما مع كونه اختيارا ولا يحتمل أن يأكل إنسان القاذورات مع كونه مختارا فقوله (عليه السلام) " قضاء حتما " أي جبرا " وقدرا لازما " أي قدرا يجب أن يقع وإن لم يرده الإنسان المكلف ويختاره. (ش) (*)

[ 8 ]

لو زجرت الأعمى عن الإبصار نسبك من له أدنى شعور إلى السفه والجنون ؟ (وسقط معنى الوعد والوعيد) لأنهما من الألطاف المحركة إلى الامتثال بالأمر والنهي لرغبة الثواب ورهبة العقاب وقد عرفت بطلان هذه الامور على تقدير الإجبار، وأيضا على هذا التقدير كانت جميع القبائح مستندة إليه تعالى ولو جاز هذا لجاز أن يخلف الوعد والوعيد ويكرم العاصي ويعاقب المطيع ويكذب في الأخبار بأحوال الآخرة ويصدق الكاذب بإظهار المعجزة على يده فلا يبقى الوثوق بالوعد والوعيد (فلم يكن لائمة للمذنب ولا محمدة للمحسن) المحمدة ما يحمد به ووجه ذلك أنه لا معنى لتوجه اللوم والمدح إليهما إذا صدر الذنب والأحسان من غيرهما ولكن يتوجهان إليهما إذ كل عاقل يذم من ارتكب الظلم والجور والتعدي وغصب الأموال وقتل النفوس ويمدح من بالغ في الإحسان إلى الناس وبذل الخير وإعانة الملهوف ومساعدة الضعفاء والاجتناب عن المعاصي بل المجبرة إذا غفلوا عن عقيدتهم الفاسدة يحكمون بذلك أيضا قال شارح كشف الحق: حكي عن عدلي أنه قال لجبري: إذا ناظرتم أهل العدل قلتم بالقدر، وإذا دخل أحدكم منزله ترك ذلك لأجل فلس، قال: وكيف ؟ قال: إذا كسرت جاريته كوزا يساوي فلسا ضربها وشتمها ونسي مذهبه. وصعد سلام القاري المنارة فأشرف على بيته فرأى غلامه يفجر بجاريته فبادر يضربهما فقال الغلام: القضاء والقدر ساقانا، فقال: لعلمك بالقضاء والقدر أحب ألي من كل شئ أنت حر لوجه الله تعالى، ورأى شيخ بأصبهان رجلا يفجر بأهله فجعل يضرب امرأته وهي تقول القضاء والقدر، فقال: يا عدوة الله أتزنين وتعتذرين بمثل هذا ؟ فقالت: أوه تركت السنة وأخذت مذهب ابن عباد الرافضي فتنبه وألقى السوط وقبل مابين عينيها واعتذر إليها وقال: أنت سنية حقا، وجعل لها كرامة على ذلك (ولكان المذنب أولى بالإحسان من المحسن ولكان المحسن أولى بالعقوبة من المذنب) في إعادة اللام إشعار باستقلال كل في واحد من المعطوف والمعطوف عليه في الدلالة على فساد ذلك، وفي حديث الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو مثل هذا الحديث مع تفاوت يسير هكذا " ولم يكن المحسن أولى بالمدح من المسئ ولا المسئ أولى بالذم من المحسن " وهذه العبارة أظهر معنى مما في هذا الكتاب لأنه إذا كان العبد مسلوب الاختيار بالكلية كان المحسن والمسئ متساويين في عدم القدرة وعدم استناد أفعالهما إليهما فلا يكون الأول أولى بالمدح من الثاني ولا الثاني أولى بالذم من الأول، بل لهما رتبة التساوي في المدح والذم فعلى هذا يجوز أن يمدحهما جميعا وأن يذمها جميعا وأن يذم الأول ويمدح الثاني، فهل يجوز لعاقل أن يعتقد فيه جل شأنه

[ 9 ]

مثل هذه العقائد الفاسدة مع أن الواحد من آحاد الناس لو نسب إليه غيره أنه يسئ إلى من أحسن ويذمه ويحسن إلى من أساء ويمدحه قابله بالشتم والسب ولم يرض بذلك فكيف يليق أن ينسب إلى ربه ما يكرهه أدنى الناس لنفسه، وأما المذكور في هذا الكتاب ففيه إشكال (1) لأن المسئ والمحسن إذا كانا متساويين فكيف يوصف المذنب بأنه أولى بالإحسان من المحسن والمحسن بأنه أولى بالعقوبة من المذنب ؟ ويمكن دفعه بوجوه، الأول: أنه أجبر المذنب على القبائح والقبائح من حيث هي لذات حاضرة إحسان وأجبر المحسن على الطاعات والطاعات من حيث هي مشقة عقوبة حاضرة وهذا هو المراد بالأولوية ههنا. الثاني: وهو مبني على تحقق الثواب والعقاب في الآخرة مع الجبران القبيح من حيث هو شر بلية والطاعة من حيث هي خير راحة فيقتضي ذلك مقابلة الأول في الآخرة بالإحسان ومقابلة الثاني بالعقوبة. الثالث: هو أيضا مبني على ذلك أن المعصية راحة حاضرة والطاعة مشقة ظاهرة وجبرهما على ذلك إما لأجل القابلية أو لأنه تعالى يفعل ما يشاء وعلى التقديرين يلزم الأولوية المذكورة، أما على الأول: فلأن الذات غير متغيرة فيلزم أن يكون ذات المذنب أولى بالراحة والإحسان دائما وذات المحسن أولى بالمشقة والعقوبة دائما ليصل إلى كل أحد ما عود به وهو به أليق، وأما على الثاني: فلأن الأصل بقاء ما كان على ما كان فيلزم أن يحسن إلى المذنب ويثيبه فيحصل له الربح في الدارين ويتخلص من المشقة في الكونين وأن يعاقب المحسن فيحصل له مع المشقة الحاضرة المشقة في الآخرة (تلك مقالة إخوان عبدة الأوثان) (2) لعل المراد بعبدة الأوثان مشركوا العرب


1 - قوله " ففيه إشكال " يدفع الإشكال بأن الذي أجبره المولى على الخير وأورده الجنة ليس كمن أجبره على الشر وأورده النار قهرا لأن الذي أجبره المولى على الخير كان في نفسه شريرا وإلا لم يصدق في حقه الإجبار ومع ذلك أدخله بخلاف من أجبره على الشر فإنه كان في نفسه خيرا فأجبره على خلاف إرادته وساقه إلى النار فيرق له ويستأهل للترحم وهذا أوضح من الوجوه التي ذكرها الشارح. (ش) 2 - قوله " عبدة الأوثان " الفرق بين الملحد والموحد والدهري والألهي والمشرك والملي أن الأول يعتقد مبدأ الوجود غير عالم ولا حكيم وأنه ليس بذي عناية في أفعاله، والألهي بالعكس من ذلك يعرف الله تعالى بعلمه وعنايته وتدبيره فمن ينسب الى الله تعالى جبر العباد على المعصية وعقابهم عليها يجعله تعالى = (*)

[ 10 ]

فإن بعضهم كانوا يقولون بنفي الحشر والنشر والثواب والعقاب، وبعضهم كانوا يقولون بالجبر بدليل قوله تعالى: * (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها) * والمراد بإخوانهم الأشاعرة حيث يلزمهم ذلك وإن لم يقولوا به صريحا (وخصماء الرحمن) لأنه تعالى نسب في آيات كثيرة أفعال العباد إلى أنفسهم فقال عز من قائل: * (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى) * وقال * (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها) * وقال: * (ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى) * وقال: * (لنبلوهم أيهم أحسن عملا) * وقال: * (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات) * وقال: * (والله بصير بما تعملون) * إلى غير ذلك مما لا يعد ولا يحصى وصرح في كثير منها ببراءته من القبائح والظلم فقال * (إن الله لا يأمر بالفحشاء) * * (إن الله لا يظلم مثقال ذرة) * * (وما أنا بظلام للعبيد) * إلى غير ذلك. وهؤلاء يقولون نحن براء من القبائح وأنت تفعلها ولا مخاصمة أعظم من ذلك (وحزب الشيطان) لمتابعتهم إياه فيما يلقيه إلى نفوسهم الشريرة * (ألا أن حزب الشيطان هم الخاسرون) * (وقدرية هذه الامة ومجوسها) قد عرفت آنفا أن القدرية تطلق على الجبرية القائلين بأن الله تعالى قد جبر عباده على ما قدره وقضاه، وعلى المفوضة فإن كان المراد هنا الجبرية تعين العطف على الإخوان وإن كان المراد المفوضة، وجب العطف على عبدة الأوثان، والأشاعرة كما أنهم إخوان عبدة الأوثان كذلك إخوان المفوضة لتحقق المشابهة وتأكد روابط الاخوة بينهم في كونهم من أصل


= بمنزلة الطبيعة غير الشاعرة لا يميز بين المطيع والعاصي والخير والشرير والصالح والطالح بل ليس دليل الطبيعيين على رأيهم ومذهبهم إلا ما يرون من آفات وجوائح الطبيعة ودليل الألهيين ما يرون من عناية الباري بمصالح الموجودات وآيات العمد والتقدير والحكمة فيها، ودليل الثنوية الجمع وقد سبق مرارا، منها في الصفحة 66 من المجلد الثالث وفي الصفحة 17 منه عن قول أرسطو طاليس ما يفيد هنا، فإن قيل: إن الفلاسفة أيضا مع أن كثيرا منهم إلهيون نفوا الغرض والاختيار في فعله تعالى ولا ينافي التوحيد مع الجبر. قلنا: الإلهيون منهم أرادوا بالغرض ما يكمل به الفاعل الناقص ولذلك نفوه عن فعل الله تعالى ولم ينفوا الغاية والفوائد والمصالح التي قدرها في المخلوقات لتكميل المخلوقات عن نقصهم كيف ولو كان كذلك لم يذكر الامام (عليه السلام) أرسطو طاليس ولم يحتج بكلامه في اثبات العمد والتدبر في فعله تعالى خلافا للطبيعيين القدماء، ومانفوه عن الله تعالى هو العزم بعد الترديد وسموا عزمه تعالى من غير سبق ترديد عناية وقد ملؤوا كتبهم في التشريح والطب والطبيعيات من آثار عناية الباري تعالى ومصالحه وحكمه التي راعاها في خلق الأشياء فراجع. (ش) (*)

[ 11 ]

واحد وهو العدول عن طريق العدل إلى طرفي الإفراط والتفريط. والاحتمال الأول أنسب وأظهر إذا عرفت هذا فنقول: هذا الحديث وما روي عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قال لرجل قدم عليه من فارس: " أخبرني بأعجب شئ رأيته " فقال: رأيت قوما ينكحون امهاتهم وأخواتهم فإذا قيل لهم: لم تفعلون ؟ قالوا: قضى الله وقدره، فقال (صلى الله عليه وآله): " سيكون في آخر امتي أقوام يقولون مثل مقالتهم اولئك مجوس هذه الامة " وما روي عن الحسن بن علي (عليه السلام) أنه قال: " بعث الله محمدا (صلى الله عليه وآله) إلى العرب وهم يحملون ذنوبهم على الله " إلى غير ذلك من الروايات المعتبرة أدلة واضحة على أن المراد بالقدرية والمجوس فيما روي عنه (صلى الله عليه وآله) قال: " القدرية مجوس هذه الامة " هم الأشاعرة وغيرهم من القائلين بالجبر ووجه المناسبة بينهم وبين المجوس متعدد: الأول أن المجوس قالوا بأصلين النور والظلمة ويسمون الأول بيزدان والثاني بأهرمن وينسبون جميع الخيرات إلى الأول وجميع الشرور إلى الثاني وليس للعباد عندهم فعل أصلا (1) كما هو عند الأشاعرة. الثاني: أن المجوس قالوا إن الله يفعل فعلا ثم يتبرء منه كما خلق إبليس ثم تبرأ منه، والأشاعرة أيضا قالوا إن الله يفعل القبائح ثم يتبرأ منها. الثالث: أن المجوس قالوا إن نكاح الامهات والأخوات بقضاء الله وقدره وإرادته، والأشاعرة وافقوهم حيث قالوا: إن نكاح المجوس أمهاتم وأخواتهم بقضاء الله وقدره إرادته. الرابع: أن المجوس قالوا إن القادر على الخير لا يقدر على الشر وبالعكس، والأشاعرة أيضا قالوا مثل ذلك حيث قالوا: إن كاسب الخير لا يقدر على الشر وبالعكس. الخامس: أن المجوس يثبتون له تعالى شريكا، والأشاعرة أيضا يثبتون له شركاء حيث قالوا بوجود صفات زائدة قديمة غير مخلوقة فلزمهم القول بتعدد الإله، فهم أقبح من المجوس لأن المجوس يقرون بشريك واحد ويسمونه أهر من وهم يقرون بشركاء متكثرة، والأشاعرة لما لم يقدروا على إنكار الحديث المذكور نسبوا القدرية والمجوسية إلى الفرقة العدلية أعني المعتزلة والإمامية وقالوا: العدلية قدرية ومجوسية لأنهم قالوا قدرة العبد مؤثرة موجدة لأفعالهم فهم قدرية لقولهم بوجود القدرة المؤثرة لغير الله تعالى،


1 - قوله " وليس للعباد عندهم فعلا أصلا " كأنه متعين لتوجيه التشبيه لأن مبنى الثنوية على أن الخير لا يمكن أن يصدر منه الشر وبالعكس، مع أنهم لو كانوا قائلين بالاختيار فواضح عند كل عاقل وجاهل أن المختار قد يفعل شرا عمدا أو مصلحة وبالعكس ولم يجب أن يثبت الإهان فكأنهم ينكرون من مبدأ الوجود الى منتهاء. (ش) (*)

[ 12 ]

ومجوسية لجعلهم أنفسهم شركاء الله تعالى في الخلق والايجاد كما أن المجوس جعلوا لله تعالى شريكا. الجواب: أن تعدد الشركاء إنما يلزمهم لو لم يقولوا بأن العباد وقدرتهم مخلوقة لله تعالى مغلوبة تحت قدرته القاهرة وهم يقولون بذلك، وبأن سلسلة جميع الموجودات منتهية إليه وهو فرد وحده لا شريك له. ثم أشار إلى أن المراد بالقضاء والقدر هنا هو الحكم والتكليف على التخيير دون الإجبار بقوله " إن الله تبارك وتعالى كلف تخييرا " من الثواب كما قال: * (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) * ولو كانوا مجبورين لم يكن لهم ثواب أصلا " ولم يعص مغلوبا (1) دفع به ما يتوهمه الجبرية من أن أفعال العباد لو كانت مستندة إليهم وأراد الله تعالى منهم فعل الطاعات وترك المنهيات فإذا تركوا الطاعات وفعلوا المنهيات بإرادتهم لزم أن يكون الله تعالى مغلوبا وهم غالبون حيث حصل


1 - قوله " ولم يعص مغلوبا " إذا أراد الله تعالى كون عباده مختارين في أفعالهم واختار بعضهم الشر فإن قلنا: إن فعل الشر بإرادة الله تعالى فمعناه أن الشر باختيار العبد، واختيار العبد بإرادة الله تعالى فينتج أن الشر بإرادة الله تعالى بهذا المعنى، وإن قلنا: إن الشر ليس بإرادة الله فمعناه أنه لا يرضى بالشر ولا يحبه وبذلك يجمع بين ما يدل على أن الشر والخير كليهما بإرادة وما يدل على أن الشر ليس بإرادته. ولكن الناس يقيسون فعل الله على أفعال رؤسائهم وامرأئهم لما أرتكز في خاطرهم من أن الأمير إذا أراد حصول شئ في الخارج كبناء بلد وقهر عدو والقبض على سارق، فإن أطاعه الخدم والأتباع فهو وإلا أجبرهم، ولا يترك الأمر باختيار العبيد يفعلون ما أرادوا، فإن لم يحصل مقصود الأمير فلابد أن يكون لعجزه إذ لم يقدر أن يجبرهم، ويقيسون فعل الله تعالى على ذلك ويقولون قد غلبت ارادة العباد أرادة الله تعالى إذا عصوه وعجز - والعياذ بالله - عن إنفاذ مقاصده ولا يصح ذلك لأنه وإن كان لا يريد المعاصي ولكن يريد أن يقع تركها باختيار العباد لا أن يقهرهم على الإطاعة كالجبارين بل يخليهم وما يفعلون ويأمرهم وينهاهم ويهديهم الى مصالحهم حتى يحين حين المكافات والمجازات كالحكومات في مدينة الاجتماع في عصرنا لأن الإنسان خلق مختارا لا يترتب على وجوده آثاره إلا إذا خلى وطباعه، والإنسان المجبور المقهور لا يقدر على إبداع صنعة وتحقيق حقيقة وكشف سر ولا يجهد في زراعة ولا تجارة ولا يفكر ولا يتعقل كما لا ينمو الشجر تحت المركن ولذلك تركه الله تعالى وهو خالقه مختارا وأن لزم منه الشر والعصيان لكن في أجباره شر أكثر أضعافا مضاعفة، وقال الحكماء: ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير، ولكن الجبارين يقهرونهم مع تساويهم في العبودية والمخلوقية وقال الله تعالى * (ولو شاء الله لآمن من في الأرض كلهم جميعا) * * (ولو شاء لهداكم أجمعين) * إلى غير ذلك من الآيات. (ش) (*)

[ 13 ]

مرادهم دون مراده تعالى ولا يرضى بذلك عاقل، ووجه الدفع أن ذلك إنما يلزم لو أراد منهم الفعل والترك حتما وجبرا وهم اختاروا نقيض مراده، وأما إذا أراد ذلك منهم على سبيل الأختيار بأن قال لهم في هذا الفعل مصلحة وفي تركه مفسدة ولكم زمام الاختيار، فإن فعلتموه فلكم الثواب وإن تركتموه فعليكم العقاب. فمن البين أن اختيارهم الترك حينئذ لا يستلزم أن يكونوا عاصين على وجه الغلبة وأن يكون الله تعالى مغلوبا لهم (ولم يطع مكرها) بكسر الراء اسم فاعل وبفتحها مصدر أي لم يطع إكراها لأن وقوع إرادة العبد على وفق إرادته تعالى ليس لأجل غلبته تعالى عليه وصرف إرادته قهرا إلى قبول الطاعة بل لأجل اختيار العبد إياها (ولم يملك مفوضا) بكسر الواو اسم فاعل من التفويض يقال: فوض الأمر إليه: أي رده إليه كما يرد الموكل أمره إلى وكيله المطلق الذي يتصرف فيه من غير حاجة إلى تصرف الموكل وتدبيره وإذنه في أوان التصرفات الكلية والجزئية. وفيه رد على المفوضة وقد عرفت أنهم يقولون بأنه تعالى أقدرهم على أعمالهم على وجه لا يكون له تعالى بعده قضاء وإرادة وإذن وتصرف وتدبير ولطف وإعانة في تلك الأعمال، وبالجملة يقولون: خرجت أزمة مقدوراتنا مادام الأقدار عن يد قدرته، فأخرجوا بهذا الاعتقاد الفاسد السلطان المطلق عن التصرف في ملكه وعزلوه عن التدبير في عباده وبلاده. وللتفويض معان اخر يجئ ذكرها في بعض المواضع إن شاء الله تعالى. وانظر أيها اللبيب إلى لطف كلامه (عليه السلام) حيث أبطل بقوله " إنه لو كان كذلك - إلى قوله - ومجوسها " مذهب الجبرية الواقع في طرف الأفراط وأبطل بقوله " ولم يملك مفوضا " مذهب المفوضة الواقع في طرف التفريط وأثبت مذهب العدلية المتوسط بين هذه الطرفين والواقع بين هذين المذهبين وهو الأمر بين الأمرين كما أشار إليه بقوله " إن الله كلف تخييرا " (ولم يخلق السموات والأرض وما بينهما باطلا) كما قال سبحانه * (وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين * وماخلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون) * وفيه إشارة إلى مفسدة أخرى من مفاسد الجبر وهي تجويز أن يكون خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا لغوا لأن اللغو وإن كان قبيحا لكن الجبر يوجب صدور جميع القبائح منه تعالى * (ولم يبعث النبيين مبشرين ومنذرين عبثا) * (1) إشارة إلى مفسدة أخرى وهي


1 - قوله " مبشرين ومنذرين عبثا " العبث: فعل لا يفيد فائدة ولا ينتج لأن الله تعالى يجري بناء على الجبر كل عمل أراد على يدي كل انسان أراد فلا فائدة في إرسال الرسل كما نرى في الأمور التكوينية كحركة النبض والتنفس وجريان الدم في العروق وهضم الغذاء ودفع الفضل فإنه يجري على ما أراد الله تعالى في الأنسان = (*)

[ 14 ]

أنه لو تحقق الجبر لكان إرسال الرسل وتبشيرهم عبثا لأن الغرض من ذلك هو الإخبار بالأحكام واظهار مناهج الحلال والحرام والتقريب بالطاعة والتبعيد عن المعصية ومع الإجبار لا فائدة في الإخبار والإظهار ولا نفع في التبشير والإنذار، ومالا فائدة فيه فهو لغو عبث. ثم اقتبس من القرآن الكريم لجذب الشيخ من ورطة الهلاك إلى سبيل النجاة فقال (ذلك) أي ذلك الظن المذكور وهو ظن أن القضاء كان حتما والقدر كان لازما (ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار) في حديث الأصبغ بعد هذا القول، فقال له الشيخ: " فما القضاء والقدر اللذين ما سرنا إلا بهما ؟ قال: هو الأمر من الله والحكم ثم تلا قوله: تعالى * (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) * ". أقول: المراد بالأمر والحكم الأمر التكليفي والحكم التخييري دون الحتمي الاجباري وقد أشار إليه (عليه السلام) بقوله: " إن الله كلف تخييرا ونهى تحذيرا " (فإنشاء الشيخ يقول) في كتاب العيون " فنهض الشيخ وهو يقول ": أنت الإمام الذي نرجو بطاعته * يوم النجاة من الرحمن غفرانا أوضحت من أمرنا ما كان ملتبسا * جزاك ربك بالإحسان إحسانا


= والحيوان ولا يعقل أن يرسل رسولا يأمرهم بأن يحركوا نبضهم ويهضموا طعامهم بل التأمل في أفعالنا يكفي في الفرق بين الجبر والاختيار والاعتراف بأن فعل الإنسان باختياره إذ لا ريب أن الإنسان يعرف في ذاته مبدأين لفعلين متخالفين، الأول: قوة تحرك نبضه ونفسه وتهضم ولا يسطيع الإنسان أن يمنع من فعلها أصلا وإن عجزت القوة لا يستطيع أن يقهرها وإلا لجاز أن يسلم المريض باختياره، والثاني: قوة تحرك عضلاته وجوارحه باختياره كالمشي وهذان المبدءان متخالفان ربما يتمانعان كفاعلين متضادين فيريد الإنسان أن يثب خمسة أذرع في الهواء أو يطير ويفوق على السطح ويمنعه ثقله فيسقطه على الأرض فيغلب المبدأ الاختياري في الوثوب مقدارا قليلا ثم يغلب المبدأ الغير الاختياري عليه وبذلك يستدل على أن النفس غير الجسد وإلا لكان أحدهما متسلما للأجر ومطيعا له منقادا وليس في القوى الطبيعية التكوينية اختيار أصلا بل فيها الجبر فقط ولو كان النفس عين الجسد أو حالة من حالاته أو عارضا لمزاجه لتبعه في الجبر ولم يمانعه ولم يضاده، وإن قلنا: أن الجبر من لوازم مذهب الملاحدة والطبيعيين والاختيار من لوازم دين الموحدين والألهيين لم نقل جزافا لأنا لا نعرف من الطبيعة غير الشاعرة إلا الجبر ولا يتصور فيها الاختيار أصلا ولما وجدنا في أنفسنا مبدأ الاختيار واذ ليس جميع أفعالنا نظير حركة النبض عرفنا أن فينا مبدءا غير جسماني وليس المؤثر في الوجود منحصرا في الطبيعة الجسمانية غير الشاعرة وأن ما ليس في ذاته جسما أو جسمانيا كالعقول فهو الاختيار المحض والله تعالى ليس عنده جبر. (ش) (*)

[ 15 ]

ذكر الصدوق هذا الحديث بعينه في كتاب العيون مسندا بطرق أربعة وفي آخره في طريق واحد هذان البيتان فقط مع تغيير يسير في البيت الأخير وهو: أوضحت من ديننا ما كان ملتبسا * جزاك ربك عنا فيه إحسانا وفي آخر ثلاثة أربعة أبيات اخر بعدهما من أراد الإطلاع عليها فليرجع إليه. * الأصل: 2 - " الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن حماد بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من زعم أن الله يأمر بالفحشاء فقد كذب على الله ومن زعم أن الخير والشر إليه فقد كذب على الله " * الشرح: (الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن حماد ابن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من زعم أن الله يأمر بالفحشاء) كالجبرية القائلين: بأن جميع الفواحش والشرور الداخلية في الوجود من الشرك والظلم والزناء والسرقة والقتل وغيرها مرادة لله تعالى وهو يرضى بها ويحبها ويأمر بها " فقد كذب على الله " في قوله * (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء) * وفي قوله: * (وما الله يريد ظلما للعباد) * إلى غير ذلك من الآيات الكريمة، ومن اعتقد ما يلزم منه تكذيب القرآن فقد كفر وارتد وخرج عن دين الإسلام " ومن زعم أن الخير والشر إليه " أي مستندان إليه وهو فاعلهما " فقد كذب على الله " لأنه تعالى في آيات كثيرة نسب الخير والشر من أعمال العباد إليهم، فمن قال بخلاف ذلك فقد كذب على الله * (ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة) *. * الأصل: 3 - " الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: سألته فقلت: الله فوض الأمر إلى العباد ؟ قال: " الله أعز من ذلك قلت: فجبرهم على المعاصي ؟ قال: الله أعدل وأحكم من ذلك، قال: ثم قال الله: يا أبن آدم أنا أولى بحسناتك منك وأنت أولى بسيئاتك مني، عملت المعاصي بقوتي التي جعلتها فيك ". * الشرح: (الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: سألته فقلت الله فوض الأمر إلى العباد قال: الله أعز من ذلك) التفويض يوجب بطلان أمره ونهيه وعجزه عن التصرف والتدبير والإعانة والخذلان والله سبحانه أعز من ذلك وله الأمر

[ 16 ]

والنهي والتصرف والتدبير والامتحان والاختبار حتى أنة لا تقع طاعة إلا بعونه ولا معصية إلا بخذلانه كما قال * (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم) * - الآية - وقال * (أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) * وقال: * (ليبلوكم فيما آتاكم) * وقال * (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) * وأمثال ذلك كثيرة وكلها بمعنى الأختيار، وسر ذلك أن النفس إذا توجهت إلى الطاعة ومالت إلى الانقياد أقبلها الله تعالى بالإعانة واللطف والتوفيق، وإذا توجهت إلى المعصية ومالت إلى المخالفة ناداها بالزواجر فإن سمعها أقبلها بما ذكر وإلا فيتركها على حالها وهو عبارة عن الخذلان، يدل عليه ما روي من " أن من تقرب إلي بشبر تقربت إليه بذراع - الحديث " وما روي من " أن قلوب بني آدم أصبعين من أصابع الرحمن " وما روي " من أن للقلب اذنين فإذا هم العبد بذنب قال له روح الإيمان لا تفعل، وقال له الشيطان افعل وإذا كان على بطنها نزع منه روح الإيمان " وأيضا لو تحقق التفويض لبطل أمر الدعاء والاستعاذة لا حول ولا قوة إلا بالله (قلت: فجبرهم على المعاصي ؟ قال: الله أعدل (1)


1 - قوله " الله أعدل من ذلك " الوهم العامي كما يتصور فعل الله التكويني مضادا للأسباب الطبيعية أو مبائنا لها كذلك يزعم الأفعال الاختيارية للعباد شيئا مضادا أو مباينا لأمره ومشيئته تعالى ألا ترى أن العوام يستدلون على وجوده تعالى بما يرونه مخالفا للعادة والطبيعة أو بخلع الطبيعة والأسباب عن تأثيرها فإذا رأوا شجرة نمت من البذر لم يستدلوا بها على وجود الله تعالى وإنما يستدلون إذا رأوها نمت لا عن بذر وغرس كمعجزات الأنبياء فيتصورون الأسباب شيئا والله تعالى شيئا آخر عدوا مبائنا لها فإن اعتقدوا أن لكل شئ سببا في الطبيعة قالوا: لا نحتاج إلى الله تعالى وإن اعتقدوا عدم التأثير في الأسباب نسبوا المسببات إلى الله تعالى، وأما طريقة العقل والقرآن فهي أن يستدل بالحكم والمصالح والنظم والاتقان الموجودة في الأشياء الطبيعية على أنها مسخرة بأمر الله تعالى كما أشرنا إلى ذلك مرارا فليس وجود الأسباب سواء كانت مجردة روحانية كالعقول والنفوس والأسماء الإلهية أو جسمانية طبيعية كالأدوية لشفاء الأمراض والسقي لنمو النبات مبائنا لتأثير مشيئة الله وإرادته وقدرته فجميع الوسائط مسخرة بأمره والدليل على ذلك الاتقان والنظم في فعل الطبائع كذلك أرادة الإنسان واسطة وسبب وليس فعل الله تعالى ومشيئته وإرادته شيئا مضادا بل ولا مبائنا لفعل أحد من عباده بل العبد يدبر والله يقدر * (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله) * فالإنسان مختار والله تعالى شاء أن يكون مختارا فإذا قتل ظالم رجلا ظلما أرسل الله تعالى ملك الموت لقبض روحه ويعذب القاتل على القتل وليس القتل قتلا إلا بازهاق الروح الذي لا يقدر عليه القاتل وانما يقدر على مقدمات إزهاق الروح قتلا موجبا للقصاص وكذلك صانع الخمر يعصر أو ينبذ ويضع الإناء في مكان مناسب للتخمير ولا يقدر على تحصيل طبيعة الخمر وايجاد الصورة النوعية = (*)

[ 17 ]

وأحكم من ذلك) كل عاقل يحكم قطعا بأنه يقبح من العدل الحكيم أن يجبر عبده على المعصية ثم يعذبه بها إلا أن الجبرية لعرائهم عن حلية العقل يقولون: القبائح على أنواعها المختلفة صدرت منه تعالى لا توصف بالقبح، ويلزمهم وراء كون هذا القول من الهذيانات والمزخرفات أن لا يتصف شئ بالقبح أصلا، بناء على أصلهم من أنهم لا يصدر عن العبد شئ (قال: ثم قال: قال الله: يابن آدم أنا أولى بحسناتك منك وأنت أولى بسيئاتك مني) قد مر شرحه مفصلا في باب المشيئة والإرادة. (عملت المعاصي بقوتي التي جعلتها فيك) صريح في أن المعاصي صادرة عن العبد بالقدرة المخلوقة فيه لا عنه تعالى بالقدرة الأزلية كما زعمت الأشاعرة وهذا باطل لتنزهه تعالى عن القبائح وامتناع أتصافه قالظلم والجور ولا عن مجموع قدرة العبد وقدرته تعالى كما زعمه أبو إسحاق الإسفرايني، وهذا أيضا باطل لما مر ولامتناع أن يعذب الشريك القوي شريكه الضعيف على الفعل المشترك بينهما. * الأصل: 4 - " علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن إسماعيل بن مرار، عن يونس بن عبد الرحمن قال: قال لي أبو الحسن الرضا (عليه السلام): يا يونس لا تقل بقول القدرية فإن القدرية لم يقولوا بقول أهل الجنة ولا بقول أهل النار ولا بقول إبليس فإن أهل الجنة قالوا: * (الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله) * وقال أهل النار: * (ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين) * وقال إبليس: * (رب بما أغويتني) * فقلت: والله ما أقول: يا يونس ! ليس هكذا، لا يكون إلا ما شاء الله وأراد وقدر وقضى، فقال: يا يونس ! ليس هكذا، لا يكون إلا ما شاء الله وأراد وقدر وقضى، يا يونس تعلم ما المشيئة ؟ قلت: لا، قال: هي الذكر الأول، فتعلم ما الإرادة ؟ قلت: لا، قال: هي العزيمة على ما يشاء، فتعلم ما القدر، قلت: لا، قال: هي الهندسة ووضع الحدود من البقاء والفناء، قال: والقضاء: هو الإبرام وإقامة العين، قال: فاستأذنته أن اقبل رأسه وقلت: فتحت لي شيئا كنت عنه في غفلة ". * الشرح: (علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن إسماعيل بن مرار، عن يونس بن عبد الرحمن قال: قال لي أبو


= في العصير إلا أن الله تعالى حتم أيجاد كل شئ تستعد المادة له ففعل الأنسان ووجوده وذاته ومشيئته موافق ومطابق لارادة الله ومشيئته فكل ما اختاره الأنسان جرى فعل الله تعالى على ما اختاره لانه أراد كون الأنسان مختارا. (ش) (*)

[ 18 ]

الحسن الرضا (عليه السلام): (يا يونس لا تقل بقول القدرية فإن القدرية لم يقولوا بقول أهل الجنة ولا بقول أهل النار ولا بقول إبليس) لتوافق كلمتهم على عدم القدر بمعنى الجبر (1) فإن أهل الجنة قالوا: * (الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله) * حمدوه على أن الهداية منه لا على أن فعلهم للخيرات الموجبة للدخول في الجنة فعله، ولو كان كذلك لكان هذا أولى بالحمد، وفيه مع الدلالة على نفي الجبر دلالة على نفي التفويض أيضا، وقال أهل النار: * (ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين) * نسبوا الشقاوة إلى أنفسهم باعتبار أن أسبابها صدرت منهم ولو كانت الشقاوة وأسبابها من أفعاله تعالى لكانت نسبتها إليه تكميلا للحجة وإتماما أنفع لهم وقال الشيطان * (رب بما أغويتني لازينن لهم في الأرض ولاغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين) * وإنما لم يذكر (عليه السلام) تمام الآية مع أن الاستشهاد فيه (2) اكتفاء بالشهرة وحوالة على علم المخاطب به فنسبة


1 - قوله " على عدم القدر بمعنى الجبر " والصحيح أن المراد بالقدرية هنا هو المفوضة وما ذكره الشارح (رضي الله عنه) في تفسير الحديث إلى آخره تكليف، قال صدر المتألهين (قدس سره) في شرح هذا الحديث أن القدرية ويقال لها المفوضة أيضا قوم ذهبوا إلى أن الله تعالى أوجد العباد وأقدرهم على تلك الأفعال وفرض إليهم الإختيار فهم مستقلون بإيجادها على وفق مشيتهم وإرادتهم. وقال الخليل القزويني (رضي الله عنه): المراد بالقدرية هنا المعتزلة وكذلك فسره العلامة المجلسي (رضي الله عنه)، وقد سبق أن هذا الاصطلاح أعني اطلاق القدرية على النافين للقدر شئ غير معروف في النسبة في لغة العرب ولذلك يجب حمل الحديث المشهور " القدرية مجوس هذه الأمة " على الجبريين لعدم اشتهار هذا الاستعمال في عصر النبي (صلى الله عليه وآله) وأما في أحاديث الأئمة (عليهم السلام) فجرى بعض الأوقات على المشهور عند القوم لأن إرادة غير المشهور يوجب حيرة المخاطب وضلاله. (ش) 2 - قوله " مع أن الاستشهاد فيه " ليس الاستشهاد في الاستثناء الذي لم يذكره الإمام بل في قوله * (رب بما أغويتني) * وإنما تكلف الشارح ليوافق ما ذكره في تفسير القدرية والحاصل أن أهل الجنة أنكروا التفويض ونسبوا الهداية إلى الله تعالى وأهل النار نفوه ونسبوا ضلالهم إلى شقوتهم والشقوة بتقدير الله تعالى. والشيطان نسب غوايته الى الله تعالى فكلهم أنكروا التفويض بنسبة ماهم عليه إليه تعالى وخطأ من أخطأ منهم إنما هو في نفي التفويض بحيث يلزم منه الجبر، والتفويض والجبر كلاهما مبنيان على أصل فاسد وهو كون وجود الممكن مستقلا في نفسه غير محتاج في البقاء إلى الواجب ولا متعلق به أصلا كموجودين ممكنين مستقلين لهما أقتضاء ان مختلفان لا يحتاج أحدهما في التأثير إلى الآخر، كالشمس تسخن والثلج يبرد، وزيد يذهب إلى المشرق، وعمرو إلى المغرب. فإن تمانع الممكنان فإما أن يجبر أحدهما الآخر بالقهر ويمنعه من = (*)

[ 19 ]

الخبيث التزيين وإغوائهم إلى نفسه دل على اعترافه بأنهما فعلان له وقدرته عليهما وأما قوله * (بما أغويتني) * فالباء إما للقسم وجوابه قوله * (لازينن) * أو للسببية والقسم محذوف قبل هذا القول و " ما " مصدرية والإغواء بمعنى تخييبه تعالى إياه من رحمته بسبب التكبر وترك السجود أو بمعنى وجدانه إياه ضالا في الأعيان بعد علمه بضلالته في الأزل، فإن باب الإفعال قد يجئ بمعنى وجدان الفاعل المفعول على أصل الفعل كقولك أبخلته أي وجدته بخيلا، والمعنى أقسم بتخييبك إياي من رحمتك أو بوجدانك إياي ضالا بالسبب المذكور لازينن لهم المعاصي، وحينئذ لا دلالة فيه إلا على أن الاغواء بهذين المعنيين من فعله تعالى ولا محذور فيه وإنما المحذور في نسبة الضلالة وسببها وهو التكبر وترك السجود إليه تعالى وهو لم يقع. هذا ما خطر بالبال على سبيل الاحتمال والله أعلم بحقيقة الحال، وللمفسرين من العدلية بعد حملهم الإغواء على ظاهره وهو الإضلال كلام طويل في توجيهه، ومجمل هذا الكلام: أنه لما خلق أسباب الغواية فيه كالقدرية والعلم، وأمره بالسجود الذي هو أيضا من جملة أسبابها إذ بسببه استكبر وعصى كانت له تعالى سببية في الغواية فلذلك أسند فعلها إليه من باب إسناد الفعل إلى الفاعل البعيد مجازا، ومن الأصحاب من قال: المقصود أن في قوله * (بما أغويتني) * أي أشقيتني دلالة على الرد على القدرية فإن الغاوي الشقي وليس فعل الشر من الشقي بالجبر هذا كلامه فتأمل فيه (فقلت: والله ما أقول بقولهم) وهو أن أفعالنا صادرة عنه تعالى (ولكني أقول: لا يكون شئ) من أفعالنا (إلا بما شاء الله وأراد وقدر وقضى) أي بسبب مشيئة الله وإرادته وتقديره وقضائه يعني أن هذه الامور أسباب لصدور أفعالنا عنا حتى أنها لو لم تكن لم نفعل (فقال: يا يونس ليس هكذا) أي ليس الأمر ما زعمت من أن الامور المذكورة أسباب لأفعالنا وأفعالنا تابعة لها (لا يكون إلا ما شاء الله وأراد وقدر وقضى) أنكر كلام يونس أولا، وأرشده الى الصواب ثانيا بحذف الباء السببية (1) الداخلة على المشية وما عطف عليها للتنبيه على أن تعلقها بأفعالنا ليس


= اقتضائه، وإما أن يخليه وما يقتضيه لعجز أو غيره وكذلك تصوروا الواجب والممكن مستقلين فإن غلب الواجب على الممكن فهو الجبر وإن خلاه وتركه فهو التفويض، والحق بطلان المبني وأن الممكن يفعل ما يقتضي ذاته بإذن الله ولا يمنعه الله من اقتضائه وليس فعل الممكن ما يقتضي ذاته بأن يكون الله تعالى تركه وخلاه وإنما النسبة بين الممكن والواجب نسبة الخالق والمخلوق وقد مثلنا برئيس الجند وأفراد الجندية. (ش) 1 - قوله " بحذف الباء السببية " قال يونس: " لا يكون إلا بما شاء الله تعالى " فاستدرك (عليه السلام) قوله وقال: " لا = (*)

[ 20 ]

من قبيل تعلق العلة بالمعلول والسبب بالمسبب، ثم أشار إلى تفسير هذه الامور بوجه يفيد انتفاء السببية (فقال: يا يونس تعلم ما المشية) حتى تعلم أنها ليست سببا (1) لأفعالنا (قلت: لا، قال: هي الذكر الأول) أي العلم الأزلي السابق على الإرادة المتعلق بالأشياء على ماهي عليه في نفس الأمر فهي تابعة لتلك الأشياء بمعنى أنها مطابقة لها وأن الأصل في هذه المطابقة هو تلك الأشياء حتى أنها لو لم يتحقق لما تعلق العلم بوجودها، والمشية بهذا المعنى ليست سببا لها كما أن علمنا بطلوع الشمس غدا ليس سببا لطلوعها (فتعلم ما الإرادة قلت: لا، قال: هي العزيمة على ما يشاء (2) يعني


= يكون إلا ما شاء الله " وتكلف الشارح رحمه الله في تفسير ذلك والحق أن دخول الباء في كلام يونس غلط استدركه الإمام (عليه السلام) لأن الباء لا يدخل على الفاعل إلا شاذا سماعا فلا يقال: جاء بزيد مكان جاء زيد وضرب بعمرو مكان ضرب عمرو و " ما " في قوله ما شاء الله موصولة فاعل " لا يكون " فلا ينبغي أن يدخل عليه الباء وكان الشارح زعم أن " ما " مصدرية فيكون معنى قوله " بما شاء الله " بمشيئة الله وقوله " لا يكون إلا ما شاء الله " أي لا يكون إلا مشيئة الله وقد مضى في الصفحة 353 من المجلد الثالث حديث " خلق الله المشيئة ثم خلق الأشياء بالمشيئة " ومضى شرح ذلك وهو يدل على سببية المشيئة في الجملة. (ش) 1 - قوله " والمشيئة بهذا المعنى ليست سببا " قد سبق كما قلنا في الحاشية السابقة أن المشيئة سبب ويبعد كل البعد أن يكون المشيئة في هذا الحديث غيرها فيما سبق وأن تمحل الشارح فيما سبق في تفسير المشيئة والذي ينبغي أن يحمل عليه كلام الإمام (عليه السلام) هنا وهناك أن المشيئة شئ مخلوق والمخلوق غير ذات الله تعالى ثم أنه الواسطة الوحيدة بينه تعالى وبين سائر خلقه بحيث لا يلزم منه تفويض الله تعالى فعله الى مخلوقه فهي أول ما خلق الله تعالى قد سمى لوحا أو قلما أو عقلا أولا أو نور خاتم الأنبياء أو الوجود المنبسط الساري ومصحح هذه الإطلاقات الاعتبارات المختلفة في المخلوق الأول فباعتبار أنه الوجود المنبسط والوجود خير محض مرغوب فيه مشتهى بالذات والعدم والموت منفور منهما صح اطلاق المشيئة عليه وباعتبار أنه يدرك نفسه ذاتا وجميع الأشياء بذاته سمى عقلا وذكرا كما في هذا الحديث ومثله سائر الإطلاقات ويمكن أن يكون إطلاق المشيئة عليه باعتبار أنه محل المشيئة فإن جميع ما أراد الله تعالى إيجاده في العالم منتقش فيه وهو بهذا الاعتبار الذكر الأول لأنه محل الذكر كما يطلق على الدعاء المكتوب والذكر المكتوب. (ش) 2 - قوله " هي العزيمة على ما يشاء " هذا الفرق الدقيق بين المشيئة والإرادة غير مراعى غالبا كأكثر فروق اللغة فقد يتسامح الناس فيها والحق ما ذكره (عليه السلام) لأن الإنسان يجد في نفسه بعد سماع كلمة شاء شيئا وبعد كلمة أراد شيئا آخر، فإن " شاء " يدل على رغبته في شئ ورضاه به ولا يدل على عزم في تحصيله أو تهيؤ واستعداد له = (*)

[ 21 ]

البقاء عليه لوجوب بقاء العلم مع المعلوم فالإرادة وصف للمشية متعلقة بها لا يوجب ذلك أن تكون إرادته سببا لأفعالنا (فتعلم ما القدر ؟ قلت: لا، قال: هو الهندسة) (1) بفتح الهاء والدال وسكون النون معرب " أندازه " أي المقدار، ثم نقل إلى تعيين المقدار كما أشار إليه بقوله (ووضع الحدود من البقاء والفناء) وغيرهما، قال الجوهري: المهندس هو الذي يقدر مجاري القني حيث تحفر وهو معرب من " الهنداز " وهي فارسية فصيرت الزاي سينا لأنه ليس في شئ من كلامهم زاي بعد دال والاسم الهندسة (قال: ثم قال: والقضاء هو الإبرام وإقامة العين) يعني إحكام الشئ وإقامته في الأعيان وهو في أفعاله بمعنى الخلق والإيجاد على وفق الحكمة وفي أفعالنا بمعنى إبرام الثواب والعقاب وإقامتها على وجه الجزاء كما مر عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أنة قال " ما من فعل يفعله العباد من خير أو شر إلا ولله فيه قضاء، قال السائل: ما معنى هذا القضاء ؟ قال: الحكم عليهم بما يستحقونه من الثواب والعقاب في الدنيا والآخرة " (قال فاستأذنته أن أقبل رأسه وقلت: فتحت لي شيئا كنت عنه في غفلة) حيث ظننت أن مشيئته وإرادته وقدره وقضاؤه أسباب لأفعالنا. * الأصل:


= بخلاف أراد فكأنه يدل على العزم والتهيؤ، قال صدر المتألهين في شرح حديث مضى في باب البداء: المشيئة: المراد بها مطلق الإرادة سواء بلغت حد العزم والإجماع أم لا، وقد ينفك المشيئة فينا على الإرادة الجازمة كما نشتاق أو نشتهي شيئا ولا نعزم على فعله لمانع عقلي أو شرعي. قال (قده): والإرادة هي العزم على الفعل أو الترك بعد تصوره وتصور الغاية المترتبة عليه من خير أو نفع أو لذة ولكن الله تعالى برئ من أن يفعل لأجل غرض يعود إلى ذاته، انتهى. وما في هذا الحديث يؤيد تفسير (قدس سره) وأن المشيئة مقدمة على الإرادة فالمشيئة نظير الشوق فينا، والإرادة نظير التصميم والإجماع وذاته تعالى منزه عن التجزى والتكثر وهذه المعاني متحدة حقيقة متغايرة اعتبارا كسائر صفاته تعالى أو يطلق باعتبار بعض الملائكة المقربين إليه كما مضى نظيره في الصفحة 305 من المجلد الرابع فيكون الذكر الأول عند بعض ملائكته الغير الموكلين بإجراء ما أراده والعزيمة عند الموكلين بالإجراء * (المدبرات أمرا) *. (ش) 1 - قوله " هو الهندسة " القدر: هو المشيئة والإرادة باعتبار تعلقهما بمقادير الأشياء على وفق المصلحة وهو باب واسع يتضح للإنسان بتتبعه في الطبيعيات والتشريح أنه جعل لكل شئ قدرا بحيث لو كان على غير ذلك المقدار أفسد ولذلك أمر الله الإنسان بالتفكر في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق. (ش) (*)

[ 22 ]

5 - محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن أبي عبد الله (عليه السلام): " قال إن الله خلق الخلق فعلم ماهم صائرون إليه وأمرهم ونهاهم فما أمرهم به من شئ فقد جعل لهم السبيل إلى تركه، ولا يكونون آخذين ولا تاركين إلا بإذن الله. " * الشرح: (محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله خلق الخلق) مستعدين للخير والشر لحكم ومصالح بعضها يظهر لأولي الألباب وبعضها لا يعلمها إلا هو وأسرار القدر التي ورد النهي عن الغور فيها داخلة في هذا البعض (فعلم ماهم صائرون إليه) من الخير والشر، ولكن الغرض الأصلي من خلقهم هو الخير كما يدل عليه ما رواه الشيخ الطبرسي في كتاب الاحتجاج " عن الصادق (عليه السلام) حين سأله الزنديق وقال له: فخلق الخلق للرحمة أم للعذاب ؟ فقال (عليه السلام) خلقهم للرحمة وكان في علمه قبل خلقه إياهم أن قوما منهم يصيرون إلى عذابه بأعمالهم الردية وجحدهم له " فإن قلت: حديث هذا الكتاب حيث قال، فعلم بالفاء دل على أن علمه بذلك بعد الخلق، وحديث الاحتجاج دل على أنه قبل الخلق فما الوجه فيه ؟ قلت: لا شبهة في أن علمه بذلك أزلي قبل الخلق ووجه ذكره هنا بعد الخلق ليكون فيه إشعار في الجملة بأن علمه تابع للمعلوم ليندفع ما يتبادر إلى الأذهان القاصرة من أن علمه مؤثر في المعلوم وسبب له، وهو يبطل القدرة والاختيار، بل التكليف أيضا لابتنائه عليهما حتى أن الفخر الرازي أبطل هذه الشبهة وقال: لو اجتمع جملة العقلاء لم يقدروا على أن يوردوا على هذا حرفا إلا بالتزام مذهب هشام وهو أنه تعالى لا يعلم الأشياء قبل وقوعها (وأمرهم) بالخيرات والمصالح (ونهاهم) عن الشرور والقبائح (فما أمرهم به من شئ فقد جعل لهم السبيل إلى تركه) وكذا ما نهاهم عنه من شئ فقد جعل لهم السبيل إلى فعله، وذلك لإعطائهم القدرة الصالحة للضدين والقوة القابلة للطرفين، وهذا مذهب جميع العقلاء عدا الأشاعرة فإنهم قالوا: القدرة غير صالحة للضدين وهذا باطل بالضرورة لأن القادر هو الذي إن شاء أن يفعل فعل وإن شاء أن يترك ترك، فلو فرضنا قدرة أنحصر تعلقها بأحد الطرفين فقط دون الآخر لم يكن الموصوف بها قادرا (ولا يكونون آخذين ولا تاركين إلا بإذن الله) أي بتوفيقه لمن أقبل وعدمه لمن أدبر، أو بعدم إحداثه مانعا من الأخذ والترك، أو بخلق القدرة عليهما، أو بعلمه بهما، أو بتخليته، ويؤيد الأخيرين ما رواه الشيخ الطبرسي في كتاب الاحتجاج عن علي بن محمد العسكري (عليهما السلام) " أن أبا الحسن موسى (عليه السلام) قال: أن الله خلق الخلق فعلم ماهم صائرون، فأمرهم ونهاهم، فما أمرهم به من شئ فقد جعل لهم السبيل

[ 23 ]

إلى الأخذ به، وما نهاهم عنه من شئ فقد جعل لهم السبيل إلى تركه، ولا يكونون آخذين ولا تاركين إلا بإذنه، وما جبر الله أحدا على معصية بل اختبرهم كما قال: * (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) * قوله (عليه السلام): " ولا يكونون آخذين ولا تاركين إلا بأذنه " أي بتخليته وعلمه. انتهى أقول: هذا التفسير أعني تفسير الإذن بالتخلية والعلم يحتمل أن يكون من العسكري (عليه السلام) وأن يكون من الشيخ (رحمه الله)، وفيه دلالة على أن أفعالهم بقدرتهم واختيارهم وأن علمه الأزلي بها لا يستدعي أن لا يكون لهم قدرة واختيار فيها إذ علمه متعلق بكل ما يوجد في نفس الأمر ومما يوجد فيها أفعالهم وهو لا يوجب شيئا عليهم. * الأصل: 6 - " علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن، عن حفص بن قرط، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من زعم أن الله يأمر بالسوء والفحشاء فقد كذب على الله ومن زعم أن الخير والشر بغير مشيئة الله فقد أخرج الله من سلطانه، ومن زعم أن المعاصي بغير قوة الله فقد كذب على الله ومن كذب على الله أدخله الله النار ". * الشرح: (علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن، عن حفص ابن قرط) بضم القاف، قيل: هو النخعي الكوفي، ذكره الشيخ في كتاب الرجال في أصحاب الصادق (عليه السلام) (عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من زعم أن الله يأمر بالسوء والفحشاء) كالجبرية حيث زعموا أن الله يأمر بهما ويريدهما من العباد (فقد كذب على الله) في قوله " قل إن الله لا يأمر بالفحشاء " وفي غير ذلك من الآيات الدالة على تنزه قدس الحق عنه (ومن زعم أن الخير والشر بغير مشية الله) أي بغير علمه الأزلي بهما إذ قد عرفت أن المشية هي الذكر الأول، أو بغير إرادته فعل الخير وترك الشر، ففيه على الأول: رد على من زعم أنه تعالى لا يعلمها إلا بعد وجودهما، وعلى الثاني: رد على القائلين بعدم إرادته وأمره ونهيه وتصرفه وتدبيره في أمر خلقه (فقد أخرج الله من سلطانه) إذ القول بعدم علمه أزلا بالكائنات وعدم جريان حكمه على العباد مناف لسلطانه على جميع الممكنات (ومن زعم أن المعاصي بغير قوة الله) التي خلقها في العباد يقدرون بها على الفعل والترك (فقد كذب على الله فيما أنزله من الآيات الدالة على أن معاصي العباد مستندة إليهم (ومن كذب على الله أدخله النار) قد أبطل (صلى الله عليه وآله) مذهب الجبر والتفويض وأثبت أن له تعالى سلطنة على العباد بالإحاطة والأمر والنهي. وأن للعبد قوة على الخير والشر وهذا أمر متوسط بين الأمرين. * الأصل:

[ 24 ]

7 - " عدة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن عثمان بن عيسى، عن إسماعيل بن جابر قال: كان في مسجد المدينة رجل يتكلم في القدر والناس مجتمعون، قال: فقلت: يا هذا ؟ أسألك ؟ قال: سل، قلت: يكون في ملك الله تبارك وتعالى مالا يريد ؟ قال: فأطرق طويلا ثم رفع رأسه إلي فقال [ لي ]: يا هذا لئن قلت: إنه يكون في ملكه مالا يريد إنه لمقهور، ولئن قلت: لا يكون في ملكه إلا ما يريد أقررت لك بالمعاصي، قال: فقلت لأبي عبد الله (عليه السلام) سألت هذا القدري فكان من جوابه كذا وكذا، فقال لنفسه نظر، أما لو قال غير ما قال لهلك. * الشرح: (عدة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن عثمان بن عيسى، عن إسماعيل بن جابر قال: كان في مسجد المدينة رجل يتكلم في القدر والناس مجتمعون، سئل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن القدر فقال: طريق مظلم فلا تسلكوه، وبحر عميق فلا تلجوه، وسر الله فلا تتكلفوه. قال بعض العلماء: معنى القدر ههنا: مالا نهاية له من معلومات الله تعالى فإنه لا طريق لنا إليه ولا إلى مقدوراته، وقال بعضهم: هو ما يكون مكتوبا في اللوح المحفوظ وليس لنا علم بتفصيله فليس لنا أن نتكلفه، وقال بعضهم: هو تقدير الأشياء كلها أول مرة وليس لنا مرعفة بكميته وكيفيته وتفصيله فلا يجوز لنا التكلم به. وقال بعضهم: هذه المناهي الثلاث لمن سأله عن القدر وكأنه (عليه السلام) نهى ذلك المخاطب عن طريق معرفة قضاء الله وقدره ونهى كل من يكون في منزله ذلك السائل أن يتكلم في ذلك، فأما أهل العلم والمحققون فلا، وعلى تقدير العموم يقال: المراد نهي المجادلة والمخاصمة والنزاع. أقول: الحق هو العموم وأنه لا يجوز لنا التكلم إلا بما عرفناه أئمتنا (عليهم السلام) وبما سمعنا عن مخالفينا من معناه مالا يخالف العقل والنقل فإن التكلم به حينئذ على وجه تحقيق الحق والإرشاد لئلا يضل قوم بعد آخرين جائز لمن أحكم دينه وأبرم يقينه مع كمال الاحتياط لئلا ينسب إلى الله تعالى ما هو منزه عنه (قال: فقلت: يا هذا) الخطاب بهذا للاستهانة والاستخفاف (أسألك) استفهام بحسب المعنى (قال: سل، قلت: يكون في ملك الله مالا يريد) كأن الرجل من أهل التفويض إذ هذا السؤال بحالهم أنسب وفي إلزامهم أقرب (قال: فأطرق طويلا) أي أرخى رأسه وجفونه إلى الأرض زمانا طويلا (ثم رفع رأسه إلي فقال: يا هذا لئن قلت: إنه يكون في ملكه مالا يريد أنة لمقهور) أي قلت إنه لمقهور، ويحتمل أن يكون هنا تقديم وتأخير، أي يا هذا إنه لمقهور لئن قلت، فإن قلت: المقهورية إنما تلزم لو أراد عدم وجود شئ وأوجده الخلق، لا ما إذا لم يرد وجوده. قلت: لعل المراد بما لا يريد إرادة العدم لا عدم الإرادة، واستعمال مثل هذه العبارة في هذا المعنى شائع،

[ 25 ]

وعلى تقدير أن يكون المراد عدم الإرادة لزمت المقهورية أيضا لأن الحكمة بعد إعطائهم الوجود والقوة القابلة للخير والشر تقتضي أن يريد منهم الفعل والترك فإذا لم يرد فذلك إما التقديرين لزم أن يكون مقهورا (ولئن قلت لا يكون في ملكه إلا ما يريد أقررت لك بالمعاصي) أي بأنه يريد المعاصي كما هو مذهب الجبرية فإنهم يقولون: هو يريد جميع الكائنات حتى المعاصي والقبائح لأنه خالقها وخالق الشئ بلا إكراه مريد له بالضرورة إذ الصفة المرجحة لأحد المقدورين هي الإرادة (قال: فقلت لأبي عبد الله (عليه السلام): سألت هذا القدري فكان من جوابه كذا وكذا فقال لنفسه نظر) أي تأمل واحتاط لنفسه لئلا يقع في الهلكة بنسبة مالا يليق بالباري إليه (أما لو قال غير ما قال لهلك) يعني لو قال ما يوافق مذهبه ولم يتوقف فيه لهلك بكفره هلاكا أبديا. فإن قلت: أي الأمرين هو الحق ؟ قلت: الحق أنه لا يكون في ملكه إلا ما يريد لما مر عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: " لا يكون شئ في الأرض ولا في السماء إلا بالخصال السبع " وعد منها الإرادة ولكن إرادته المتعلقة بأفعال نفسه هي إيجادها، وبالطاعات هي إرادة وجودها والأمر بها على سبيل التخيير، وبالمناهي هي إرادة عدمها والأمر بتركها، وبالمباحات هي الرخصة لها وإرادة تساويها في الفعل والترك. وقد ذكرنا آنفا تفسير إرادته بما لا مزيد عليه مستشهدا بكلام الأصحاب الأخيار والأخبار المروية عن الأئمة الأطهار. * الأصل: 8 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن الحسن زعلان، عن أبي طالب القمي، عن رجل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت أجبر الله العباد على المعاصي ؟ قال: لا، قلت: ففوض إليهم الأمر ؟ قال: لا، قال: قلت: فماذا ؟ قال: لطف من ربك بين ذلك ". * الشرح: (محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن الحسن زعلان، عن أبي طالب القمي، عن رجل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت أجبر الله العباد على المعاصي ؟) همزة " أجبر " للاستفهام أو للإفعال وهو على الأول إنشاء لفظا ومعنى، وعلى الثاني معنى فقط (قال: لا) إذ لو تحقق الجبر لورد مع المفاسد المذكورة سابقا أنه لا معنى لتمني العاصي حين يرى العذاب معاينة، * (لو أن لي كرة فأكون من المحسنين) * إذ لا وجه لهذا التمني على هذا التقدير، فإنة لا يعلم ما يفعل الله به بعد الكرة، فلعله يفعل به ما فعل به أولا (قلت: ففوض إليهم الأمر) بحيث لا يكون لنواهيه وأوامره وبواعثه وزواجره وتوفيقه وإحسانه وتسديده وخذلانه مدخل فيه ؟ (قال: لا) لما فيه من إخراج القادر المطلق عن سلطانه ونسبة العجز الظاهر إلى من لا يدخل النقص في شأنه (قلت فماذا) يكون بين

[ 26 ]

الجبر والتفويض ؟ (قال: لطف من ربك بين ذلك) اللطف: ما يقرب العبد إلى الطاعة ويبعده عن المعصية بحيث لا يؤدي إلى الإلجاد (1)، وهو يطلق تارة على الأمر والنهي كما يظهر ذلك من بعض الأحاديث الآتية، وتارة على اعتبار المصالح الكلية والجزئية في مواردها، وتارة على القوة التي لها سبيل إلى الفعل والترك كما دل عليه الحديث الآتي، وتارة على التوفيق والإعانة على الخيرات، وفيه دلالة على ما ذهب إليه المعتزلة والإمامية (2) من وجوب اللطف على الله سبحانه واستدلوا


1 - قوله " لا يؤدي إلى الإلجاء " لأن الإلجاء يباين التكليف ومعنى الإلجاء أن يجعل الأوضاع والأحوال بحيث لا يمكن أن يفعل المكلف إلا الخير ويمتنع من الشر قهرا فإن قيل: إنا نعرف أمورا لو كانت موجودة كانت موجبة لقرب الناس إلى الطاعة وليست موجودة. قلنا لا نسلم ذلك بل كل شئ يتوهم من ذلك أما أن يكون غير ممكن أو غير مؤثر في تقريب الناس إلى الطاعة واقعا وإن ظنناه أو موجب للإلجاء وأكثر ما يتوهمه الناس من القسم الثالث فإن قيل: لا يمكن إثبات شئ باللطف على ما ذكرت إذ كل ما يدعي أنه لطف مقرب يحتمل فيه تلك الاحتمالات، قلنا جميع ما أثبتناه بقاعدة اللطف في علم الكلام مما علمنا إمكانه وتقريبه إلى الطاعة وعدم كونه موجبا للإلجاء وعلى المخالف أن يرينا موردا تخلفنا فيه عن ذلك والحاصل أنه إذا علم الله تعالى أن زيدا مثلا يهتدي إلى الحق بمنام يريه البتة ذلك المنام وإن علم أنه ينتبه بهلاك ماله يهلكه أو بزيادته يزيده أو بمرضه يمرضه أو بشفائه يشفيه وأن علم لا يهتدي بشئ يخليه ويخذله نعوذ بالله من الخذلان وأما إذا علم أنه لا يمتنع عن الفسق والفساد إلا بأن لا يتهيأ له أسبابهما لم يلجئه بذلك (ش). 2 - قوله " المعتزلة والإمامية " وجوب اللطف في مذهبنا مما لا ريب فيه ولم يخالف فيه أحد من يعتد بقوله ولا عبرة بخلاف بعض المعاصرين ممن لا إلمام لهم بالمسائل الاعتقادية ولا تمرن في الأحكام العقلية قال بعضهم في حاشيته على الكفاية عند بيان الإجماع المنقول: أن القاعدة باطلة يعني قاعدة اللطف لمنع وجوب اللطف عقلا كما نشاهد عدم تحقق اللطف في كثير من الموارد وإلا للزم عدم فعل اللطف الواجب على الله أو المعصوم تعالى الله وأوليائه عن ذلك انتهى، وخلافه في هذة المسألة نظير مخالفة من لا يعرف النحو في نصب الفاعل ورفع المفعول والأصل فيه أن كثيرا من علمائنا تمسكوا في الاجماع بقاعدة اللطف والإخباريون وحجية الإجماع وتجاوز من لا يعرف فأنكر القاعدة وذكرنا شيئا من ذلك في حاشية الوافي (باب صلاة الجمعة الصفحة 173) ومن أوهامهم الفاسدة أن العلم باتفاق الكل إجمالا متوقف على تتبع أقوال واحد واحد من العلماء تفصيلا وجوابه عدم التوقف كما أن العلم بالكبرى أجمالا في مثل المتغير حادث لا يتوقف على تتبع كل متغير ومنها أن العلم بدخول الإمام في المجمعين غير ممكن إلا بمشاهدته والسماع منه، وهو باطل لأن العلم = (*)

[ 27 ]

عليه بأن اللطف يحصل به غرض المكلف فيكون واجبا وإلا لزم نقص الغرض، بيان الملازمة أن المكلف إذا علم أن المكلف لا يطيع إلا باللطف فلو كلفه من دونه كان ناقضا لغرضه، كمن دعا غيره إلى طعامه وهو يعلم أنه لا يجيبه إلا أن يستعمل معه نوعا من التأدب فإذا لم يفعل الداعي ذلك النوع من التأدب كان ناقضا لغرضه. * الأصل: 9 - " علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن، عن غير واحد، عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) قالا: إن الله أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب ثم يعذبهم عليها، والله أعز من أن يريد أمرا فلا يكون، قال: فسئلا (عليهما السلام) هل بين الجبر والقدر منزلة ثالثة ؟ قالا: نعم أوسع مما بين السماء والأرض ". * الشرح: (علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن، عن غير واحد، عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) قالا: إن الله أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب ثم يعذبهم عليها) فيه رد على الجبرية فإنهم ذهبوا إلى أنه تعالى لا يعذب العباد إلا على ما لم يفعلوه ولا يعاقبهم إلا على ما لم يضعوه، فإنه يوجد فيهم الكفر والسب له تعالى ولرسوله والإعراض عن الطاعات وإنكار المعاد، ثم يعذبهم على ذلك ولا يخفى على العاقل أن هذا من أشد أنواع الظلم وأبلغ أصناف الجور تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا (والله أعز من أن يريد أمرا فلا يكون) الظاهر أن ضمير يكون راجعا إلى الأمر والمعنى - والله أعلم - أن الله أعز وأقدر من أن يريد من العباد أمرا إرادة حتم فلا يكون ذلك الأمر، وقد أراد من آدم كف النفس عن الأكل من الشجرة، ومن إبليس السجود لآدم، ومن الكافر الإيمان، ومن العصاة ترك المعاصي، ولم يقع المراد في هذه الصور فعلم أن


= بالتفاصيل مستخرج من العلم الإجمالي دون العكس. ومنها توهمهم عدم إمكان الإطلاع على قول جميع العلماء، والجواب أن الاطلاع على قول الجميع حاصل غالبا والوقوع علامة الإمكان كما نعلم أن جميع النحاة متفقون على رفع الفاعل مع إنا لا نعرف عشرين نحويا، ونعلم اتفاق النصارى على تعظيم يوم الأحد وذلك لأن اتفاق من نعرفهم دليل على اتفاق من لا نعرفهم إذ العادة جارية بأنه لو كان بينهم خلاف لظهر بين من نعرفهم وهذا أمر مبني على القرائن الخاصة في كل مورد يحصل لنا اليقين وقد ذكرنا شيئا في ذلك في المجلد الثاني. (ش) (*)

[ 28 ]

إرادته ليست إرادة حتمية جبرية بل هي إرادة تخييرية تكليفية. ففيه أيضا رد على الجبرية إلا أنهم لما قالوا إن إرادته حتمية، قالوا: مراد الله تعالى في هذه الصور هو أضداد الامور المذكورة وهي الأكل وترك السجود والكفر والمعاصي، ولا يخفى قبح هذا القول وشناعته، وإنما قلنا الظاهر ذلك لاحتمال أن يكون ضميره راجعا إلى الإرادة المفهومة من يريد، والمعنى - والله أعلم - أن الله أعز من أن يريد أمرا فلا يكون إرادة ذلك الأمر ويكون إرادة خلافه. وفيه حينئذ رد على من قال من المفوضة إنه تعالى فوض قبول أمره إلى العباد، بمعنى أنهم إن قبلوا أمره فهو مراد له ويثيبهم وإن لم يقبلوه بأن فعلوا خلافه فما فعلوه مراد له ويعاقبهم، وسنذكر عن مولانا أبي الحسن علي بن محمد العسكري (عليهما السلام) ما يدل على بطلان التفويض بهذا المعنى، ومن العجائب أنهم يقولون: إرادة الشيطان لا مرد لها وإرادة الرحمن تتبدل باختيارهم كما يرشد إليه ما يأتي في باب ما أمر النبي (صلى الله عليه وآله) بالنصيحة لأئمة المسلمين " قدري يقول: لا يكون ما شاء الله ويكون ما شاء إبليس - الحديث " (قال: فسئلا هل بين الجبر والقدر) يعني التفويض وقد عرفت أن القدر يطلق على التفويض أيضا (منزلة ثالثة ؟ قالا: نعم أوسع مما بين السماء والأرض) الغرض من تشبيه هذه المنزلة المعقولة بالمنزل المحسوس وتفضيلها عليه هو الإيضاح والمبالغة في سعتها، وسر ذلك أنه تعالى لما علم من الخلق صنفين من الفعل وهما الخير والشر ركب فيهم آلتهما المؤثرة التي هي القدرة ولم يخلق فيهم آلة الخير فقط وإلا لكانوا مجبورين في الخير والشر وإذا كان فيهم آلتهما كانوا قادرين عليهما، وإذا كانوا قادرين اقتضت الحكمة حصرهم وتعبدهم بإرسال الرسل وتقرير الشرائع وتوجه الأوامر والنواهي ثم تداركهم بعد ذلك عند كل فعل وترك بالألطاف والعنايات والتدبيرات والاختيارات التي يشاهد بضعها في نفسه بعض العارفين وهذه منزلة عريضة (1) وسيعة طويلة لا يعلم أقطارها ونهاياتها وحدودها وغاياتها إلا الراسخون في العلم،


1 - قوله " منزلة عريضة " توهم التناقض بين القضاء اللازم واختيار الإنسان أوجب توهم نفي الواسطة، والتحقيق أنه لا واسطة بين النفي والإثبات لا بين كل مفهومين متخالفين ولا ريب أن الجبر والاختيار متناقضان لا واسطة بينهما ولكن ليس الجبر مرادفا للقضاء بل القضاء بمعنى علم الله تعالى بما يقع ويمكن أن يعلم وقوع الفعل اختيارا والحاصل أنه تعالى جعل لكل شئ سببا وعلة كالشمس للإضاءة والنار للإحراق، فإذا علم أن الشئ الفلاني يحترق فلابد أن يحترق في الوقت الذي تعلق علمه به بالنار التي جعلها علة له ولا يوجب ذلك أن يحترق بغير نار ويسلب العلية عن النار وكذلك إذا علم أن فلانا يموت بمرض جعله سببا لموته لا يوجب أن = (*)

[ 29 ]

وسيجئ لهذا زيادة توضيح في الرابع من هذا الحديث. * الأصل: 10 - " علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى عن يونس [ بن عبد الرحمن ] عن صالح بن سهيل، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سئل الجبر والقدر فقال: لا جبر ولا قدر ولكن منزلة بينهما فيها الحق التي بينهما لا يعلمها إلا العالم أو من علمها إياه العالم ". * الشرح: علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس عن صالح بن سهل، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سئل عن الجبر والقدر فقال: لا جبر ولا قدر) إذ الأول يوجب نسبة الجور والظلم إليه تعالى، والثاني يوجب نسبة العجز والضعف إليه (ولكن منزلة بينهما فيها الحق) تقدم الظرف للحصر (التي بينهما لا يعلمها إلا العالم أو من علمها أياه العالم) الذي استفدنا من أخبارهم (عليهم السلام) هو أن للعبد قدرة مؤثرة في الفعل والترك، وأنه مكلف بالأمر والنهي، وأن عليه رقيبا عند كل مأمور به ومنهي عنه يرغبه ويزجره ويعينه ويدبره وأن جميع ذلك لا يبلغ إلى حد الإجبار بل هو يفعل ويترك بالاختيار والجبرية لما أنكروا القدرة المؤثرة أنكروا جميع ذلك ونسبوا جميع الأفعال إليه تعالى فوقعوا في طرف الإفراط ونسبوا إليه الظلم والجور، تعالى عما يقول الظالمون، والمفوضة وإن أقروا بالقوة المؤثرة والتكليف بالأمر والنهي لكن لما أنكروا التدبير وقالوا بأنه تعالى فوض قبول أمره ونهيه إلى العباد بالمعنى المذكور أبطلوا الأمر والنهي أيضا وألزموا عليه سبحانه قبول كل ما علموا من خير وشر فوقعوا في جانب التفريط ونسبوا العجز والضعف إليه تعالى عما يقول المكذبون، ونحن نحمد الله لما تركنا الطرفين أخذنا بالوسط وخير الامور أوساطها. * الأصل:


= يموت بغير ذلك المرض وإذا علم أن فلانا يصير غنيا بكسب وتجارة أو بدعاء مثلا لا يوجب أن يغني بغير ذلك السبب فلا يجوز لمن علم بخير المخبر الصادق أنه يصير غنيا أن يترك الكسب والدعاء فكما علم الله وقوع المسبب علم وقوعه بذلك السبب بعينه وإذا علم أنه يدعو ويكسب ويتجر باختياره لا يوجب ذلك أن يصدر عنه بغير اختياره، وههنا نكتة وهي أن الدعاء المأمور به المرغوب فيه في جميع الأديان لدفع البلايا وجلب الخيرات لا يستلزم تغيير القضاء بل هو من القضاء الأول كما أشرنا إليه فيما سبق ولا يلزم منه القول بالبداء الباطل ولا يوجب القول بالقضاء الإلهي ترك السعي والكسب والبطالة كما يتوهم. (ش) (*)

[ 30 ]

11 - " علي بن إبراهيم، عن محمد، عن يونس، عن عدة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال له رجل: جعلت فداك أجبر الله العباد على المعاصي ؟ فقال: الله أعدل من أن يجبرهم على المعاصي ثم يعذبهم عليها. فقال له: جعلت فداك ففوض الله إلى العباد ؟ قال: فقال: لو فوض إليهم لم يحصرهم بالأمر والنهي، فقال له: جعلت فداك فبينهما منزلة، قال: فقال: نعم أوسع مابين السماء والأرض ". * الشرح: (علي بن إبراهيم، عن محمد، عن يونس، عن عدة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال له رجل: جعلت فداك أجبر الله العباد على المعاصي ؟ قال الله أعدل من أن يجبرهم على المعاصي ثم يعذبهم عليها) لا يخفى شناعة القول بأنه تعالى يقتل الأنبياء والشهداء ثم يعذب قاتليهم وهل هذا إلا بمنزلة عتاب القاتل سيفه وتعييره وتكسيره وتعذيبه بأنك لم قتلت فلانا ولو فعل ذلك لنسبه كل عاقل إلى السفاهة والجهالة، ولما أورد هذا على الجبرية قال بعضهم: يعذبهم بكسبهم. وفيه أنه إن أراد بالكسب كونهم فاعلين لأفعالهم فنعم الوفاق، وإن أراد مجرد المحلية فالقبح بحاله وإن أراد معنى آخر فهو أعلم به. وقال المازري: الله سبحانه ملك ولا يسأل الملك عما يفعل. وفيه أن هذا اعتراف بورود السؤال إلا أن أحدا لا يقدر عليه. وقال الآبي: قتل الشهداء والسرقة والزناء إذا صدرت منه تعالى ليست بظلم لأنه تصرف في ملكه. وفيه أن هذا سفسطة وقال السمعاني: سبيل معرفة هذا الباب التوقيف لا القياس والنظرة، ومن عدل فيه عن التوقيف ضل وحار ولم يصل الى ما يطمئن به القلوب. وفيه أن التوقيف الإلهي في القرآن العزيز وقع بتنزه قدس الحق عن أمثال هذه القبائح ونسبتها إلى العباد مع أن أصل الإيراد باق (فقال له: جعلت فداك ففوض الله إلى العباد) بإقدارهم وترك التدبير في امورهم وحوالته إليهم (قال: فقال: لو فوض إليهم لم يحصرهم بالأمر والنهي) الحصر في اللغة: الحبس والمنع، وفيه دلالة على أن الأمر بين الأمرين (1) هو الأمر والنهي ولا ينبغي أن ينكر ذلك


1 - قوله " وفيه دلالة على أن الأمر بين الأمرين " يمكن المناقشة في دلالة هذا الحديث من جهة أن القياس الاستثنائي ينتج من رفع التالي رفع المقدم ومن وضع المقدم وضع التالي إذا كان التالي لازما للمقدم. ولا ينتج من رفع المقدم رفع التالي ولا من وضع التالي وضع المقدم، ولا نسلم هنا كون التالي لازما إذ يتصور أن يأمرهم وينهاهم غير تفويض كما يجئ في كلام الشارح إن شاء الله ولذلك لم ينكر المفوضة وجود الأمر والنهي ولكن يدل عليه ما يأتي من رواية الاحتجاج عن أبي الحسن علي بن محمد العسكري (عليهما السلام) فإنه صرح بأن = (*)

[ 31 ]

باعتبار أن الجبرية والمفوضة وهم الأشاعرة والمعتزلة قائلون بالأمر والنهي، لإنا قد ذكرنا أنه يلزمهم إنكارهما وإن لم يقولوا به صريحا، وقد فسر الصدوق في كتاب التوحيد في باب أسماء الله تعالى في معنى الجبار، وصاحب العدة: الأمر بين الأمرين في قول مولانا الصادق (عليه السلام) " لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين " بالأمر والنهي حيث قالا: عنى بذلك أن الله لم يجبر عباده على المعاصي ولم يفوض إليهم أمر الدين حتى يقولوا بآرائهم ومقايسيهم، فإنه عز وجل قد حد ووصف وشرع وفرض وسن وأكمل لهم الدين فلا تفويض مع التحديد والتوصيف، إلا أنه ليس في كلام الصدوق " فلا تفويض إلى آخره " ويمكن أن يراد بالأمر والنهي ما يعم الألطاف الإلهية والتدبيرات الربانية أيضا وإليه ميل بعض الأفاضل حيث قال: المراد هنا فعل أو ترك منه تعالى يعلم جل شأنه أنه يفضي إلى صدور فعل عن العبد اختيارا ولولاه لم يصدر. والمراد بالنهي فعل أو ترك منه تعالى يعلم أنه يفضي إلى صدور ترك عن العبد اختيارا ولولاه لم يصدر. والمقصود أنه لو فوض إليهم لم يكن بيده أزمة الامور، واللازم باطل. وقال بعض العلماء: المراد أن الحكمة التي اقتضت حصرهم بالأمر والنهي تتأبى عن التفويض وهو قول المعتزلة حيث قالوا: العباد ما شاؤوا صنعوا (فقال له: جعلت فداك فبينهما منزلة ؟ قال: فقال: نعم أوسع مابين السماء والأرض) ولعل تلك المنزلة هي الحصر (1) بالأمر والنهي كما أشرنا إليه. * الأصل:


= التفويض بمعنى عدم الأمر والنهي وأن الذي يعترف بالتكاليف الإلهية وإثبات الثواب والعقاب على الامتثال والعصيان فهو ليس بمفوض فيرجع بناء على هذا الحديث التفويض إلى تفويض التشريع وجعل الأحكام لا إلى تفويض التكوين وهو خلاف المعلوم من مذهب المفوضة وهم المعتزلة وكتبهم دائرة مشهورة وآرائهم منقولة متواترة، والحق أن رواية الاحتجاج مرسلة لا حجة فيها فيما يحتج فيه بخبر الواحد فكيف في مثل هذه المسائل فرد معناه إلى أهله أولى والحاصل أنه لا يكفي في الخروج عن التفويض الالتزام بالتكاليف ولا يثبت به معنى الأمر بين الأمرين ويأتي في ذيل الرواية ما يؤيد المقصود (ش). 1 - قوله " ولعل تلك لمنزلة هي الحصر " قد مر أن المعتزلة لا ينكرون الأمر والنهي والثواب والعقاب فليس معنى الأمر بين الأمرين إثبات التكاليف فقط بل يجب أن يضم إليه الألطاف كما مر في حديث أبي طالب القمي والتوفيق والتأييد وتسهيل الأسباب وما يرجع إليه في الأعمال الصالحة والخذلان في المعاصي وأمثال ذلك. (ش) (*)

[ 32 ]

12 - " محمد بن أبي عبد الله وغيره، عن سهل بن زيادة، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام). إن بعض أصحابنا يقول بالجبر وبعضهم يقول بالاستطاعة قال: فقال لي: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، قال علي بن الحسين: قال الله عز وجل: يا ابن آدم بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء وبقوتي أديت إلي فرائضي وبنعمتي قويت على معصيتي، جعلتك سميعا، بصيرا، ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك، وذلك أني أولى بحسناتك منك وأنت أولى بسيئاتك مني، وذلك أني لا اسأل عما أفعل وهم يسألون، قد نظمت لك كل شئ تريد ". * الشرح: (محمد بن أبي عبد الله، وغيره، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): إن بعض أصحابنا يقول بالجبر وبعضهم يقول بالاستطاعة) على الفعل والترك وقد يقال: المراد بالاستطاعة هنا ما عليه المفوضة والجواب بثبوت الواسطة (قال: فقال لي: أكتب بسم الله الرحمن الرحيم قال علي بن الحسين قال الله تعالى: يا ابن آدم) ذكر الصدوق (رضي الله عنه) هذا الحديث بعينه في كتاب العيون وفيه " فقال لي: أكتب، قال الله تعالى: يا ابن آدم بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء وبقوتي أديت إلي فرائضي، وبنعمتي قويت على معصيتي، جعلتك سميعا بصيرا، ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك. وذلك أني أولى بحسناتك منك وأنت أولى بسيئاتك مني، إني لا اسئل اسأل عما أفعل وهم يسألون، قد نظمت لك كل شئ تريد) إذ فيه دلالة على نفي الجبر والتفويض وثبوت الواسطة لتضمنه على إرادة العبد وقدرته واستطاعته وعلى تدبيره ولطفه وإعانته وإن أردت زيادة توضيح فارجع إلى ما ذكرناه من شرح هذا الحديث في باب المشيئة والإرادة. * الأصل: 13 - " محمد بن أبي عبد الله، عن حسين بن محمد، عن محمد بن يحيى، عمن حدثه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين قال: قلت: وما أمر بين أمرين ؟ قال: مثل ذلك رجل رأيته على معصية فنهيته فلم ينته فتركته ففعل تلك المعصية، فليس حيث لم يقبل منك فتركته كنت أنت الذي أمرته بالمعصية ". * الشرح: (محمد بن أبي عبد الله، عن حسين بن محمد، عن محمد بن يحيى، عمن حدثه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لا جبر) على العباد حتى لا يكون لهم قدرة على أفعالهم أصلا (ولا تفويض) حتى

[ 33 ]

يكون أفعالهم بقدرتهم ولا يكون لهم زاجر أصلا (ولكن أمر بين أمرين، قال: قلت: وما أمر بين أمرين ؟ قال: مثل ذلك رجل رأيته على معصيته فنهيته) عنها (فلم ينته فتركته) بحاله وما زجرته عنها جبرا وقهرا (ففعل تلك المعصية) بقدرته واختياره (فليس حيث لم يقبل منك فتركته) مع قدرتك (1) على زجره عنها جبرا (كنت أنت الذي أمرته بالمعصية) أي جبرته عليها، أطلق الأمر على الجبر مجازا فكما أنك لما منتعته منها بالزواجر والنصائح ما فوضت الأمر إليه ولما رأيته أنه يفعلها فتركته وما منعته منعا يوجب تركه ما أجبرته عليها، كذلك صنع الله بالنسبة إلى أفعال العباد فهذا أمر بين أمرين، ولعل التفسير المنقول سابقا عن الصدوق وصاحب العدة راجع إلى هذا، وقال الصدوق في كتاب عيون أخبار الرضا (عليه السلام): " حدثنا تميم بن عبد الله بن تميم القرشي (رضي الله عنه) قال: حدثنا أبي عن أحمد بن علي الأنصاري، عن زيد بن عمير ابن معاوية الشامي قال: دخلت على علي بن موسى الرضا (عليه السلام) بمرو فقلت، يا ابن رسول الله روي لنا عن الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) أنه قال: " لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين " ما معناه: قال: من زعم أن الله تعالى يفعل أفعالنا ثم يعذبنا عليها فقد قال بالجبر، ومن زعم أن الله تعالى فوض أفعال الخلق والرزق إلى حججه (عليهم السلام) فقد قال بالتفويض، القائل بالجبر كافر والقائل بالتفويض مشرك، فقلت: يا ابن رسول الله فما أمر بين أمرين فقال: وجود السبيل الى إتيان ما امروا به وترك ما نهوا عنه - الحديث ". وقال الشيخ الطبرسي في كتاب الاحتجاج (2) ومما أجاب به أبو الحسن علي بن محمد العسكري (عليهما السلام) في رسالته إلى أهل الأهواز حين سألوه عن الجبر والتفويض أن قال: " الجبر والتفويض، يقول الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) عنما سئل عن ذلك فقال: لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين، قيل: فماذا يا ابن رسول الله ؟ فقال: صحة العقل، وتخلية السرب، والمهلة في الوقت والزاد قبل الراحلة، والسبب المهيج للفاعل على فعله، فهذه خمسة أشياء فإذا نقص العبد منها خلة كان العمل منه مطرحا بحسبه. وأنا أضرب لكل باب من هذه الأبواب الثلاثة وهي الجبر والتفويض والمنزلة بين المنزلتين مثلا يقرب المعنى للطالب ويسهل له البحث من شرحه ويشهد به القرآن محكم آياته وتحقق تصديقه


1 - قوله " فتركته مع قدرتك " هذا هو معنى الخذلان المقابل للتوفيق ويحمل عليه امثال قوله تعالى * (يضل من يشاء) * أي يتركه مع ما يريد بسوء اختياره لانه تعالى علم انه لا يؤثر فيه الالطاف (ش). 2 - قوله " في كتاب الاحتجاج " ورواه أيضا في تحف العقول مع اختلاف في الألفاظ في الجملة. (ش) (*)

[ 34 ]

عند ذوي الألباب وبالله العصمة والتوفيق، ثم قال (عليه السلام): فأما الجبر فهو قول من زعم أن الله عز وجل أجبر العباد على المعاصي وعاقبهم عليها ومن قال بهذا القول فقد ظلم الله وكذبه ورد عليه قوله * (ولا يظلم ربك أحدا) * وقوله جل ذكره * (ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد) * مع آي كثيرة في ذلك، فمن زعم أنه مجبور على المعاصي فقد أحال بذنبه على الله عز وجل وظلمه في عقوبته له، ومن ظلم ربه فقد كذب كتابه ومن كذب كتابه لزمه الكفر بإجماع الأمة، المثل المضروب في ذلك مثل رجل ملك عبدا مملوكا لا يملك إلا نفسه ولا يملك عرضا من عروض الدنيا ويعلم ذلك مولاه منه فأمره على علم منه بالمصير إلى السوق لحاجة يأتيه بها ولم يملكه ثمن الذي يأتيه به وعلم المالك أن على الحاجة رقيبا لا يطمع أحد في أخذها منه إلا بما يرضي به من الثمن وقد وصف مالك هذا العبد نفسه بالعدل والنصفة، وإظهار الحكمة، ونفي الجور فأوعد عبده إن لم يأته بالحاجة أن يعاقبه، فلما صار العبد إلى السوق وحاول أخذ الحاجة التي بعثه المولى للإتيان بها وجد عليها مانعا يمنعه منها إلا بالثمن ولا يملك العبد ثمنها فانصرف إلى مولاه خائبا بغير قضاء حاجته فاغتاظ مولاه لذلك غيظا وعاقبه على ذلك فإنه كان ظالما متعديا مبطلا لما وصف به من عدله وحكمته ونصفته وإن لم يعاقبه كذب نفسه أليس يجب أن لا يعاقبه والكذب والظلم ينفيان العدل والحكمة، تعالى الله عما يقول المجبرة علوا كبيرا. ثم قال العالم (عليه السلام) بعد كلام طويل: فأما التفويض الذي أبطله الصادق (عليه السلام) وخطأ من دان به فهو قوله القائل: إن الله عز وجل فوض إلى العباد اختيار أمره ونهيه وأهملهم وفي هذا كلام دقيق لم يذهب إلى غوره ودقته إلا الأئمة المهدية من عترة آل الرسول صلوات الله عليهم فإنهم قالوا: لو فوض الله إليهم على جهة الإهمال لكان لازما له رضاء ما أختاروا واستوجبوا به من الثواب ولم يكن عليهم فيما اجترموا العقاب إذ كان الإهمال واقعا وتنصرف هذه المقالة على معنيين إما أن يكون العباد تظاهروا عليه فألزموه قبل اختيارهم بآرائهم ضرورة كره ذلك أم أحب فقد لزمه الوهن، أو يكون جل وتقدس، عجز عن تعبدهم بالأمر والنهي عن إرادته ففوض أمره ونهيه إليهم وأجراها على محبتهم إذ عجز عن تعبدهم بالأمر والنهي عن إرادته فجعل الاختيار إليهم في الكفر والإيمان ومثل ذلك مثل رجل ملك عبدا ابتاعه ليخدمه ويعرف له فضل ولايته ويقف عند أمره ونهيه، وادعى مالك العبد أنه قاهر قادر عزيز حكيم فأمر عبده ونهاه ووعده على اتباع أمره عظيم الثواب وأوعده على معصيته أليم العقاب فخالف العبد إرادة مالكه ولم يقف عند أمره ونهيه، فأي أمر أمره أو نهي نهاه عنه لم يأتمر على إرادة المولى، بل كان العبد يتبع إرادة نفسه وبعثه في بعض حوائجه وفيما الحاجة فصدر العبد بغير تلك الحاجة خلافا على مولاه وقصد

[ 35 ]

إرادة نفسه واتبع هواه فلما رجع إلى مولاه نظر إلى ما آتاه فإذا هو خلاف ما أمره فقال العبد أتكلت على تفويضك الأمر إلي فاتبعت هواي وإرادتي لأن المفوض إليه غير محصور عليه لا ستحالة اجتماع التفويض والتحصير. ثم قال (عليه السلام): فمن زعم أن الله فوض قبول أمره ونهيه إلى عباده فقد أثبت عليه العجز واوجب عليه قبول كل ما عملوا من خير أو شر، وأبطل أمر الله ونهيه ثم قال: إن الله خلق الخلق بقدرته وملكهم استطاعة ماتعبدهم به من الأمر والنهي، وقبل منهم أتباع أمره، ورضي بذلك لهم، وتعبدهم به من الأمر والنهي وقبل منهم أتباع أمره، ورضي بذلك لهم، ونهاهم عن معصيته وذم من عصاه وعاقبه عليها، ولله الخيرة في الأمر والنهي يختار ما يريد ويأمر به. وينهى عما يكره ويثبت ويعاقب بالاستطاعة التي ملكها عباده لاتباع أمره واجتناب معاصيه لأنه العدل ومنه النصفة والحكومة، بالغ الحجة بالإعذار والإنذار، وإليه الصفوة يصطفي من يشاء من عباده، اصطفى محمدا (صلى الله عليه وآله) وبعثه بالرسالة إلى خلقه، ولو فوض اختيار اموره إلى عباده لأجاز لقريش اختيار امية بن أبي الصلت ومسعود الثقفي إذ كانا عندهم أفضل من محمد (صلى الله عليه وآله) لما قالوا * (لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) * يعنونهما بذلك، فهذا القول بين القولين ليس بجبر ولا تفويض بذلك أخبر أمير المؤمنين (عليه السلام) حين سأله عباية بن ربعي الأسدي عن الاستطاعة فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): تملكها من دون الله أو مع الله ؟ فسكت عباية بن ربعي، فقال له: قل يا عباية قال: ما أقول ؟ قال: إن قلت: تملكها مع الله قتلتك، وإن قلت تملكها من دون الله قتلتك، قال: وما أقول يا أمير المؤمنين ؟ قال: تقول تملكها بالله الذي يملكها من دونك، فإن ملككها كان ذلك من عطائه، وإن سلبكها كان ذلك من بلائه، وهو المالك لما ملكك والمالك لما عليه أقدرك أما سمعت الناس يسألون القوة حيث يقولون: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال الرجل: وما تأويلها يا أمير المؤمنين قال: لا حول بنا عن معاصي الله إلا بعصمة الله (1) ولا قوة لنا على طاعة الله إلا بعون الله، فوثب الرجل وقبل يديه ورجليه - الحديث ". وقال الفاضل الأمين الأستر آبادي: معنى الأمر بين أمرين أنهم ليسوا بحيث ما شاؤوا صنعوا بل فعلهم معلق على إرادة حادثة متعلقة (2) بالتخلية أو بالصرف، وفي كثير من الأحاديث أن تأثير


1 - قوله " لا حول لنا عن المعاصي إلا بعصمة الله " هذا يدل على أن الأعتراف بالتكاليف فقط لا يكفي في الأمر بين الأمرين بل لابد من الألطاف والتوفيق كما مر. (ش) 2 - قوله " بل فعلهم معلق على إرادة حادثة " غير واضح المقصود وتمسكه بما ورد من الأحاديث في = (*)

[ 36 ]

السحر موقوف على إذنه تعالى وكان السر في ذلك أنه قال: لا يكون شئ من طاعة أو معصية أو غيرهما كالأفعال الطبيعية إلا بإذن جديد مني فتوقف حينئذ كل حادث على الإذن توقف المعلول على شرطه لا توقفه على سببه، وهذا السر هو الذي أشار إليه أيضا في تفسير " أنه لا يكون شئ إلا بإذن الله " حيث قال: كنت متفكرا في أن توقف فعل العبد على إذنه تعالى إما بالذات أو بجعل الجاعل حتى أوقع الله تعالى في قلبي أنه ليس بالذات بل بجعل الله تعالى وتوضيحه أنه تعالى كما أوجب وجود الحوادث بقوله " كن " فقد جعل بقوله: " لم يكن أمر إلا ما أثبته في اللوح ولم يوجد شئ إلا بإذني " جميع أفعال العباد موقوفا عليهما. * الأصل: 14 - " عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد البرقي، عن علي بن الحكم، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الله أكرم من أن يكلف الناس مالا يطيقون، والله أعز من أن يكون في سلطانه مالا يريد ". * الشرح: (عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد البرقي، عن علي بن الحكم، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الله أكرم من أن يكلف الناس مالا يطيقون، بل لم يكلفهم إلا دون ما يطيقون كما قال الله عز وجل * (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) * الوسع: دون الطاقة، وقال الصادق (عليه السلام) " والله ما كلف العباد إلا دون مايطيقونه من العبادات الشرعية والعقلية لأنهم إنما كلفهم في كل يوم وليلة


= السحر أيضا غير مرتبط بما نحن فيه ولا نعرف معنى الإذن الجديد والإذن القديم والإذن القديم يكفي في كل شئ ولو كان ما ذكره حقا وصحيحا لما ثبت للقاتل جرم ولا على الجارح تبعة وقصاص، فإن ازهاق الروح عن المقتول بإذن الله تعالى ومباشرة ملك الموت والملائكة الموكلين وسراية الجراحة إلى النفس بأمر الله تعالى وليس نفس الادماء واستعمال آلات القتل إذا لم يكن مقارنا لإزهاق الروح مستلزما للقصاص، فما فعله القاتل لا يوجب قصاصا وما يوجب القصاص من فعل الله سبحانه، والساحر أيضا لم يفعل شيئا يضر بالمسحور في عقله وبدنه بل الله تعالى فعله ولا فرق بين ما ذكره الأمين وما يعتقده الأشاعرة في الكسب، والحل أن الله تعالى أجرت الأمور مترتبة على أسبابها وأراد ذلك وقدره ويؤاخذ الناس على الأسباب وان كان المسببات بإرادته. والله أعلم بحقائق الأمور، وما أشبه كلامه هذا بما يقال: أن النتائج تترتب على المقدمات لا بأمر الله تعالى، لأن النتيجة قد تكون باطلة أو كفرا ولا تكون من قبل الله تعالى وينكر بذلك استفادة العقول الجزئية من العقل المجرد. (ش) (*)

[ 37 ]

خمس صلوات، وفي السنة صيام ثلاثين يوما وفي مائتي درهم، خمسة دراهم وفي العمر حجة واحدة، وهم يطيقون أكثر من ذلك " أقول: فيه رد على الجبرية فإنهم قالوا: لم يكلف الله أحد إلا فوق طاقته وجوزوا أن يكلف الله تعالى مقطوع اليد بالكتابة والزمن بالطيران (والله أعز من أن يكون في سلطانه) أي في ملكه (مالا يريد) إذ قد عرفت سابقا أنه لا يكون شئ في الأرض ولا في السماء إلا بإرادة ومشية، وقد مر تحقيق ذلك. وفيه رد على المفوضة إذ التفويض كما عرفت آنفا يوجب بطلان أمره ونهيه وإرادته وإذا بطل الجبر والتفويض ثبت الواسطة.

[ 38 ]

باب الاستطاعة * الأصل: 1 - " علي بن إبراهيم، عن الحسن بن محمد، عن علي بن محمد القاساني، عن علي بن أسباط قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الاستطاعة، فقال: يستطيع العبد بعد أربع خصال: أن يكون مخلى السرب، صحيح الجسم، سليم الجوارح، له سبب وارد من الله، قال: قلت: جعلت فداك فسر لي هذا قال: أن يكون العبد مخلى السرب، صحيح الجسم، سليم الجوارح يريد أن يزني فلا يجد أمرأة ثم يجدها. فإما أن يعصم نفسه فيمتنع كما امتنع يوسف (عليه السلام) أو يخلي بينه وبين إرادته فيزني فيسمى زانيا ولم يطع الله بإكراه ولم يعصه بغلبة " * الشرح: (علي بن إبراهيم، عن الحسن بن محمد، عن علي بن محمد القاساني، عن علي بن أسباط قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الاستطاعة، فقال: يستطيع العبد بعد أربع خصال) إذا تحققت تلك الخصال حصلت للنفس صفة راسخة قابلة للفعل والترك وتلك الصفة تسمى بالأستطاعة والقدرة والقوة والمكنة، وإن انتفت واحدة منها أو جميعها انتفت تلك الصفة وكان العمل مطرحا منه (أن يكون مخلى السرب) السرب بالتحريك وبالفتح والتسكين: المسلك والطريق يقول خل سربه أي طريقه وفلان مخلى السرب أي موسع عليه غير مضيق، وبالكسر والسكون: النفس، وفي النهاية: " من أصبح آمنا في سربه " بالكسر: أي في نفسه، والمعنى على الأولين أن طريقه إلى الخير والشر خال بلا مانع، وعلى الأخير أنه لا مانع لنفسه عن الميل إليهما إذ لو منعت نفسه عنه أو سد الطريق لم يكن قادرا مستطيعا. ومن الأصحاب من اشترط في الاستطاعة أن يكون المكلف موجودا عاقلا فاهما للخطاب، وأن يكون الفعل ممكنا وهذه الامور يمكن إدراجها في تخلية السرب (صحيح الجسم) ضرورة أنه إذا كان لجسمه علة مانعة من حركته نحو المطلوب لم يكن قادرا عليه (سليم الجوارح) المعدة للفعل، كالذكر للجماع، والعين للإبصار، والرجل للمشي، واليد للضرب والبطش، وغيرها، فإذا تعطلت تلك الجوارح لم يتحقق الاستطاعة للفعل المطلوب منها. (له سبب وارد من الله) قال شارح كتاب الاعتقادات للصدوق (رحمه الله): المراد بهذا السبب القوة التي جعلها الله تعالى فيه، وقال بعض الأفاضل: المراد به الإذن، وفيه رد على المفوضة فانهم يقولون فعل العبد لا يتوقف على إذنه تعالى (قال، قلت جعلت فداك فسر لي هذا) أي بين لي هذا السبب

[ 39 ]

الوارد من الله وأوضح توقف الاستطاعة عليه بمثال، وإنما طلب تفسير هذا فقط لأن توقف الاستطاعة التي يعبر عنها بالفارسية ب‍ " توانائي " على الثلاثة الاول ظاهر لا يفتقر إلى تفسير (قال) مثاله (أن يكون العبد مخلى السرب صحيح الجسم سليم الجوارح) فقد حصل له جميع أسباب الاستطاعة إلا السبب فان لم يحصل له السبب بعدها لم يكن مستطيعا وإن حصل كان مستطيعا كما أشار إلى ذلك بقوله (يريد أن يزني) أي يعزم والعزم: ميل النفس إلى أحد الطرفين بعد التردد فيهما وهو يقبل الشدة والضعف ويقوى شيئا فشيئا بزيادة الشوق وتصور النفع إلى أن يبلغ الإرادة الجازمة الجامعة لشرائط التأثير المقارنة للفعل (فلا يجد امرأة) فلا يكون مستطيعا لانتفاء السبب الذي هو وجدان امرأة إذ لوجدانها مدخل في تحقق الزنا وحيث لم يجدها انتفى سبب من أسبابه (ثم يجدها) فيحصل له حينئذ الاستطاعة لتحقق جميع الامور المعتبرة في تحققها (فإما أن يعصم نفسه) من الزنا بسبب توجه لطفه تعالى إليه وأخذه بيده من غير إجبار ولابد من هذا القيد بقرينة قوله " أو يخلى " (فيمتنع) منه فيسمى مطيعا. (كما امتنع يوسف (عليه السلام)) منه مع قدرته عليه لما رآه من برهان ربه وهو اللطف منه (أو يخلى بينه وبين إرادته) لإعراضه عن اللطف بسبب متابعة القوة الشهوية (فيزني فيسمى زانيا) وفيه دلالة على أن فعل العبد بإرادته الجازمة المتعلقة به وتعلقها هو الذي سماه بعضهم بالداعي كما في شرح القديم والجديد للتجريد، ووجوب الفعل حينئذ لا ينافي إمكانه الذاتي بل تحققه كما بين في موضعه ولا اختيار الفاعل وقدرته على الترك لأن القادر المختار هو الذي يصح منه الفعل والترك قبل تعلق الإرادة الجازمة وإن وجب بعده والوجوب بالغير لو كان منافيا للقدرة والاختيار لزم أن لا يوجد فاعل مختار أصلا إذ الشئ ما لم يجب لم يوجد وحين الوجوب لا يبقى التمكن من الفعل والترك (ولم يطع الله) في صورة امتناع العبد (بإكراه) من الله وجبره على الامتناع لوقوع الطاعة بالاختيار (ولم يعصه) في صوره إمضاء إرادته وعدم امتناعه (بغلبة) أي بغلبة إرادته على إرادة الله لأن الغلبة إنما يتحقق لو أراد الله تعالى تركه حتما وأراد العبد فعله وحصل مراد العبد دون مراد الله تعالى. وأما إذا أراد الله تعالى تركه على سبيل التكليف والاختيار مع اللطف واختار العبد خلافه فلا، وما نحن فيه من هذا القبيل، فقد ثبت بذلك استطاعة العبد وقدرته على الفعل والترك وبطل القول بالجبر والتفويض. * الأصل: 2 - " محمد بن يحيى وعلي بن إبراهيم جميعا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم وعبد الله بن يزيد جميعا، عن رجل من أهل البصرة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الاستطاعة، فقال:

[ 40 ]

أتستطيع أن تعمل ما لم يكون ؟ قال: لا، قال: فتستطيع أن تنتهي عما قد كون ؟ قال: لا، قال: فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): " فمتى أنت مستطيع ؟ قال: لا أدري، قال: فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): إن الله فجعل فيهم آلة الاستطاعة ثم لم يفوض إليهم، فهم مستطيعون للفعل وقت الفعل مع الفعل إذا فعلوا ذلك الفعل، فإذا لم يفعلوه في ملكه لم يكونوا مستطيعين أن يفعلوا فعلا لم يفعلوه لأن الله عز وجل أعز من أن يضاده في ملكه أحد. قال البصري: فالناس مجبورون ؟ قال: لو كانوا مجبورين كانوا معذورين، قال: ففوض إليهم ؟ قال: لا، قال: فما هم ؟ قال: علم منهم فعلا فجعل فيهم آلة الفعل فإذا فعلوا كانوا مع الفعل مستطيعين، قال البصري: أشهد أنه الحق وأنكم أهل بيت النبوة والرسالة ". * الشرح: (محمد بن يحيى وعلي بن إبراهيم جميعا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، وعبد الله ابن يزيد جميعا عن رجل من أهل البصرة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الاستطاعة فقال) أبو عبد الله (عليه السلام): (أتستطيع) في الحال (أن تعمل ما لم يكون ؟ قال: لا) لاستحالة أن يوجد الفعل الاستقبالي في الحال، فإن قلت: الحق أن أصل القدرة مقدمة على الفعل فكيف ضح هذا النفي ؟ قلت: أولا: إن الكلام هنا في القدرة المؤثرة كما ستعرفه وهي مع الفعل، وثانيا: إن بعض المفوضة ذهب إلى أن الله تعالى أقدر العبد في الحال على الفعل ثاني الحال من غير توقف الفعل في ثاني الحال على إذنه تعالى، وعنده القدرة عرض غير باق في آنين فلزمه القول بوجود الفعل في ثاني الحال بدون قدرة العبد عليه ولعل هذا الكلام إشارة إلى نفي هذا المذهب (قال فتستطيع أن تنتهي) في الحال (عما قد كون) وتترك ما عملته في الماضي (قال: لا) لضرورة امتناع تعلق القدرة بما مضى من الفعل أو الترك (قال: فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): فمتى أنت مستطيع ؟ قال: لا أدري، قال: فقال له أبو عبد الله (عليه السلام) إن الله خلق خلقا فجعل فيهم آلة الاستطاعة) هي القوة الجسمانية والقدرة النفسانية والعلم والحياة والعقل والصحة (ثم لم يفوض إليهم) حتى يفعلوا ما يشتهون ويأخذوا ما يريدون غير ممنوعين ولا محصورين بالأمر والنهي فهم مستطيعون للفعل) لما ملكهم وأقدرهم (وقت الفعل) لا قبله ولا بعده (مع الفعل) بمقارنته إلى آخره (إذا فعلوا ذلك الفعل) ظرف لقوله مستطيعون ومثله ما كتبه الصادق (عليه السلام) في جواب مسائل عبد الرحيم القصير وهو هذا " وسألت رحمك الله عن الاستطاعة للفعل فإن الله عز وجل خلق العبد وجعل له الآلة والصحة وهي القوة التي يكون العبد بها متحركا مستطيعا للفعل ولا متحرك إلا وهو يريد الفعل وهي صفة مضافة إلى الشهوة التي هي خلق الله عز وجل مركبة في الإنسان، فإذا تحركت الشهوة في الإنسان اشتهى الشئ وأراده، فمن ثم قيل

[ 41 ]

للإنسان مريد فإذا أراد الفعل الفعل وفعل كان مع الاستطاعة والحركة (1) فمن ثم قيل للعبد مستطيع متحرك فإذا كان الإنسان ساكنا غير مريد وكان معه الآلة وهي القوة والصحة اللتان بهما يكون حركات الإنسان كان سكونه لعلة سكون الشهوة فقيل ساكن فوصف بالسكون، فإذا اشتهى الانسان وتحركت شهوته التي ركبت فيه اشتهى الفعل وتحرك بالقوة المركبة فيه واستعمل الآلة التي بها يفعل الفعل فيكون الفعل منه عندما تحرك واكتسبه. فقيل: فاعل ومتحرك ومكتسب ومستطيع أولا ترى أن جميع ذلك في صفات يوصف بها الإنسان. ولعل المقصود من هذا الحديث والذي بعده أن الاستطاعة بمعنى القوة المؤثرة المأخوذة مع جميع جهات التأثير وشرائطه مع الفعل لا قبله ولا بعده، وهذا أمر متفق عليه بين الإمامية والمعتزلة والجبرية وهم الأشاعرة وإنما النزاع بينهم في أصل الاستطاعة والقدرة والكيفية المسماة بها هل هي موجودة قبل الفعل أم لا ؟ فذهب الإمامية والمعتزلة إلى الأول والأشاعرة إلى الثاني وقالوا: لا قدرة سوى هذه القدرة المقارنة للفعل، وليس في هذين الحديثين دلالة على نفي تقدم القدرة المطلقة على الفعل، وبما ذكرنا اندفع ما أورده الفاصل الأستر آبادي من أن هذا الحديث والذي بعده ليس موافقا للحق فهو من باب التقية، فان قلت: إذ كانت الجبرية قائلة بالقدرة المقارنة فأين لزمهم القول بالجبر ؟ قلت: إنهم يقولون: إذا أراد الله أن يخلق أفعالهم خلق فيهم قدرة مقارنة للفعل من غير أن يكون لقدرتهم مدخل وتأثير فيه بوجه من الوجوه وحاصله أن هناك قدرتين قدرة الله تعالى وقدرة العبد، فإذا تهيأ العبد بقدرته لإيجاد الفعل سبقت القدرة الإلهية إلى إيجاده فيوجد فأفعالهم مخلوقة مكسوبة لهم، والمراد بكسبهم مقارنة أفعالهم


1 - قوله " كان مع الاستطاعة والحركة " الظاهر أن الاستطاعة في هذه الأحاديث ومصطلح المتكلمين في عصر الصادق (عليه السلام) كانت أخص مما نفهمه الآن من هذه اللفظة، فإنا لا نفرق بينها وبين الاختيار المقابل للجبر فنفي الجبر يثبت الاستطاعة إذ هما نقيضان لا يرتفعان ولا يجتمعان، وأما في عصره (عليه السلام) فكانت يراد منها شئ من لوازم التفويض ومعلوم أن الجبر والتفويض ليسا متناقضين إذ يمكن ارتفاعهما ولا ريب أن مسألة الاستطاعة مما يرتبط مع مسألة الجبر والتفويض، وبالجملة فإن حملنا الاستطاعة على الاختيار فلابد من ترك هذة الأخبار أو حملها على التقية وإن حملناها على التفويض فهي باقية بحالها ويستقيم معناها، والثاني أولى إذ لا داعي إلى اتقاء المعصوم من إبداء حكم اختلف فيه المسلمون من صدر الإسلام ويدل على ما ذكرناه كلمات في نفس هذه الأحاديث فإنه (عليه السلام) نفي الجبر صريحا ولو كانت تقية لما نفاه. (ش) (*)

[ 42 ]

لقدرتهم من غير أن يكون لقدرتهم تأثير فيها وقالوا: إن الثواب والعقاب باعتبار الكسب وهو كونهم محلا لتلك القدرة الغير المؤثرة (فإذا لم يفعلوه في ملكه) ولم يوجدوه في وقته بكف النفس عنه اختيارا (لم يكونوا مستطيعين أن يفعلوا فعلا لم يفعلوه) لما عرفت أن الاستطاعة لا تتعلق على فعل ما مضى فعله أو تركه (لأن الله تعالى أعز من أن يضاده في ملكه أحد) علة لقوله " لم يفوض إليهم " لما عرفت من أن التفويض يوجب القول بانتفاء إرادته وإذنه بطلان أمره ونهيه فأهل التفويض يضادون الله تعالى في ملكه وسلطنته، وقد دل كلامه (عليه السلام) على ثلاثة أمور: الأول: نفي الاستطاعة قبل الفعل وبعده. الثاني: نفي التفويض، والثالث: ثبوت الاستطاعة وقت الفعل، ولما غفل البصري عن الأخير المتوسط بين الجبر والتفويض، وتوهم من الأولين نفي القدرة المقتضي لثبوت الجبر (قال البصري: فالناس مجبورون) لابد من تقدير " قلت " أي قلت: فالناس مجبورون ليست لهم قدرة على الفعل والترك ليصح الارتباط ورواية ابن يزيد عنه (قال: لو كانوا مجبورين كانوا معذورين) بالضرورة واللازم باطل لاستحقاقهم العذاب كما يدل عليه كثير من الآيات والروايات والمعذور لا يستحق العذاب ولما نفى الجبر وتوهم البصري ثبوت التفويض لخفاء الواسطة عليه (قال: ففوض إليهم ؟) حتى يكونوا مستطيعين قادرين كاملين غير محصورين ولا محتاجين إلى إذنه تعالى (قال: لا) نفي التفويض ولم يذكر دليله اكتفاء بما مر من قوله " لأن الله تعالى أعز من أن يضاده في ملكه أحد (قال) إذا انتفى عنهم الجبر والتفويض (فما هم) وعلى أي حال (قال: علم منهم فعلا) من الخير والشر (فجعل فيهم آلة الفعل) في وقته وهي إقدارهم وتمكنهم عليه وليس تصرفهم فيه على وجه المغالبة والمقاهرة عليه تعالى، بل لأن التكليف ينافيه الجبر والتفويض فخلى بينه وبينهم (فإذا فعلوا كانوا مع الفعل مستطيعين) ومع إعطاه الاستطاعة عند كل فعل فعل لا قبله ولا بعده ينتفي الجبر والتفويض، أما الأول فظاهر وأما الثاني فلأن المفوضة يقولون ليس له تعالى إرادة وإذن وتصرف في أفعالهم، فإذا ثبت هذا النحو من التصرف والإذن بطل التفويض (قال البصري: أشهد أنه الحق) دون الجبر والتفويض الواقعين في طرف الإفراط والتفريط (وأنكم أهل بيت النبوة والرسالة) ولا يعلم ما في هذا البيت من الحقائق الإلهية والأسرار الربانية إلا أنتم. * الأصل: 3 - " محمد بن أبي عبد الله، عن سهل بن زياد، وعلي بن ابراهيم، عن أحمد بن محمد، ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد جميعا، عن علي بن الحكم، عن صالح النيلي قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام): هل للعباد من الاستطاعة شئ ؟ قال: فقال لي: إذا فعلوا الفعل كانوا مستطيعين بالاستطاعة

[ 43 ]

التي جعلها الله فيهم، قال: قلت: وماهي ؟ قال: الآلة مثل الزاني إذا زنى كان مستطيعا للزناء حين زنى ولو أنه ترك الزناء ولم يزن كان مستطيعا لتركه إذا ترك، قال: ثم قال: ليس له من الاستطاعة قبل الفعل قليل ولا كثير ولكن مع الفعل والترك كان مستطيعا، قلت: فعلى ماذا يعذبه ؟ قال: بالحجة البالغة والآلة التي ركب فيهم، إن الله لم يجبر أحدا على معصيته، ولا أراد - إرادة حتم - الكفر من أحد ولكن حين كفر كان في إرادة الله أن يكفر، وهم في إرادة الله وفي علمه أن لا يصيروا إلى شئ من الخير، قلت: أراد منهم أن يكفروا ؟ قال: ليس هكذا أقول ولكني أقول: علم أنهم سيكفرون، فأراد الكفر لعلمه فيهم وليست هي إرادة حتم إنما هي إرادة اختيار ". * الشرح: (محمد بن أبي عبد الله، عن سهل بن زياد، وعلي بن إبراهيم، عن أحمد بن محمد، ومحمد ابن يحيى، عن أحمد بن محمد جميعا، عن علي بن الحكم، عن الصالح النيلي) صالح بن الحكم النيلي الأحول ضعيف (قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) هل للعباد من الاستطاعة شئ ؟ قال: فقال لي: إذا فعلوا الفعل كانوا مستطيعين بالاستطاعة التي جعلها الله فيهم قال: قلت: وماهي) أوضح لي بمثال (قال: الآلة) التي أودعها فيهم (مثل الزناء إذا زنى) ضمير الفاعل يعود إلى الرجل المعلوم أو إلى الزناء باعتبار إرادة الزاني منه من باب الاستخدام (كان مستطيعا للزناء حين زنى ولو أنه ترك الزناء ولم يزن كان مستطيعا لتركه إذا ترك) لما كان المراد بالاستطاعة الاستطاعة الكاملة والقوة المؤثرة دل الحديث على أن العلة التامة لا توجب الفعل إذ هي على تقدير إيجابها للفعل لا تتعلق بالترك وإنما تتعلق بالترك علة تامة اخرى غير متعلقة بالفعل، ويمكن الجواب بأن المراد من قوه: " ولو أنه ترك الزناء " أنه لو تركه بكف النفس عنه الذي هو الجزء الأخير من علة الزناء حصلت حينئذ علة الترك فاللازم حينئذ أن يكون كل من الفعل والترك مستندا إلى علته لا أن العلة الواحدة المستقلة متعلقة بهما، وأما وجوب كل من الفعل والترك بعلته التامة فلا ينافي الاختيار فيه لما مر. (قال: ثم قال: ليس له من الاستطاعة قبل الفعل قليل ولا كثير) فإن قلت: هذا إنما ينطبق على مذهب الجبرية القائلين بأن الاستطاعة إنما هي الاستطاعة التامة المقارنة للفعل وليس هنا استطاعة مطلقة سابقة عليه كما هو مذهب الإمامية والمعتزلة قلت: هذا إنما يتم لو جعلت القلة والكثرة وصفا للاستطاعة وقبل الفعل ظرفا لها، أما لو جعلتا وصفا للزمان الذي هو قبل الفعل كان المعنى ليس له الاستطاعة الكاملة في زمان قليل قبل الفعل ولا في زمان كثير قبله، وهذا لا ينافي ثبوت الاستطاعة الناقصة قبل الفعل كما لا يخفى، وهذا الاحتمال وإن كان أبعد من الأول لكنه

[ 44 ]

أولى بالإرادة لضرورة أن الاستطاعة المطلقة التي هي التمكن من الفعل بوجود الآلة مقدمة على الفعل، ومما يوجب حمله على هذا الاحتمال ما رواه الصدوق في كتاب التوحيد عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " ما كلف الله العباد بفعل ولا نهاهم عن شئ حتى جعل لهم استطاعة ثم أمرهم ونهاهم فلا يكون العبد آخذا ولا تاركا إلا باستطاعة متقدمة قبل الأمر والنهي وقبل الأخذ والترك وقبل القبض والبسط " وعن عوف بن عبد الله عن عمه قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) من الاستطاعة فقال: وقد فعلوا ؟ فقلت: نعم زعموا أنها لا تكون إلا عند الفعل واردة حال الفعل لا قبله فقال: أشرك القوم (ولكن مع الفعل والترك كان مستطيعا) بالاستطاعة التامة، وأما ما تحقق قبلهما من مادة هذه الاستطاعة التي هي أيضا من أفراد الاستطاعة المطلقة فهو بالقياس إلى الاستطاعة كأنه ليس باستطاعة. (قلت: فعلى ماذا يعذبه ؟) لما علم أن الاستطاعة مقارنة للفعل وأن المراد بها الاستطاعة التامة المؤثرة وتوهم أنها من فعل الله تعالى سأل عن سبب تعذيبه للعبد مع أن الفعل ليس بمقدور له (قال: بالحجة البالغة) وهي إرسال الرسل وإنزال الكتب ووضع الشرائع (والآلة التي ركب فيهم) التي هي مادة تلك الاستطاعة (1) والمقصود نفي ما توهمه السائل وبيان أن هذه الاستطاعة بتمامها ليست من فعله تعالى وإنما مادتها وهي الآلة من فعله تعالى، والبواقي من الامور التي لها مدخل في التأثير من فعل العبد، فيعذبهم بسبب صرفهم تلك الآلة في غير ما خلقت لأجله مع التبليغ والإنذار، ثم أكد إبطال ذلك التوهم بقوله (إن الله لم يجبر أحدا على معصيته) لأن الجبر على


1 - قوله " مادة تلك الاستطاعة " والاستطاعة بمنزلة الصورة فلا يقال للاستطاعة استطاعة إلا إذا تحرك الفاعل وعمل وحصلت صورة الفعل وهذا نظير أن يقال: هل يستطيع أحد أن يزهق روح الآخر ويقبضها ؟ فيجاب: لا يستطيع، فإن هذا فعل الله تعالى بواسطة ملائكته، فيقال: فكيف يقتله ويقتص منه ؟ يجاب: بما جاء فيه من القوة والآلة وفعل أسباب الإزهاق فحضر ملك الموت وقبض روح المقتول فاستطاعة القتل متوقفة على شيئين، الأول: تحرك القاتل واستعماله الآلة، والثاني: حضور ملك الموت فقبل الفعل وحضور ملك الموت لا يحصل الاستطاعة كشريك في فعل ينتظر الآخر وبعد حضور ملك الموت يحصل الاستطاعة والقتل معا فينسب القتل إلى القاتل لتسبيبه ويقتص منه لذلك وأما ملك الموت فمأمور بقبض الروح كلما حصلت الأسباب والمعدات بيد من كانت ولو كان كافرا غشوما والمقتول مؤمنا أو وليا أو نبيا، هكذا ينبغي أن يفسر تلك الأخبار وبالله التوفيق. (ش) (*)

[ 45 ]

المعصية، ثم التعذيب عليها - كما زعمت الجبرية - قبيح والله سبحانه منزه عن القبائح، وقالت الجبرية: لو كان خلق المعصية التي هي من الأعراض قبيحا لكان خلق بعض الجواهر والذوات مثل الخنزير والعقرب والحية أيضا قبيحا، ولما جاز هذا بالاتفاق فكذا ذاك وإلا فما الفرق ؟ وأجاب العدلية عنه بأن المراد بالمعاصي والشرور والقبائح التي لا يفعلها الله تعالى ما يكون مفاسده في نظام الوجود أكثر من مصالحه عند العقل وما هو محل النزاع من القبائح والمفاسد الصادرة من العباد كالزناء واللواط والسرقة وسفك الدماء ونحوها مما لا يجد العقل السليم فيها فائدة ونفعا في حفظ النظام، ولو كانت فيها مصلحة فهي أقل من مفاسدها بكثير بخلاف ما يستقبحه العقل في بادئ النظر من أفعاله تعالى فإنه إذا تأمل فيها العاقل ربما اطلع على ما فيها من حكم ومصالح لا يحصى فيعود الاستقباح في نظره استحسانا كما في قصة موسى مع الخضر من خرق السفينة وقتل الغلام (ولا أراد - إرادة حتم - الكفر من أحد) حتى يكون مجبورا على الكفر غير مستحق للتعذيب وهذه الإرادة هي التي يسميها أهل العدل إرادة قسر وإرادة إلجاء، ولما فهم من نفي القيد أنه أراد الكفر استدرك وبين كيفية تلك الإرادة بقوله (ولكن حين كفر كان في إرادة الله أن يكفر) لما أراد إيمانه على التخيير دون القسر والإلجاء مع إقداره عليه وعلى الكفر صارت تلك الارادة ظرفا لكفره مجازا إذ لو تحقق - القسر لم يتحقق الكفر، ويحتمل أن يراد بالإرادة: العلم، قال شارح كشف الحق (رحمه الله): إرادته تعالى للأفعال علمه بها وبما فيها مع المصالح (وهم في إرادة الله وفي علمه أن لا يصيروا إلى شئ من الخير) ولا يلزم منه الجبر، لأن علمه تعالى بما يفعل العبد باختياره لا يوجب الجبر وإنما يوجبه لو كان العلم علة للمعلوم وليس كذلك. (قلت: أراد منهم أن يكفروا ؟ قال: ليس هكذا أقول) لما لم يفهم السائل مراده (عليه السلام) سأله بهذه العبارة وإنما نفاها (عليه السلام) لأنها تفيد ظاهرا أن كفرهم مراد له تعالى بالذات كالإيمان، وليس كذلك لأنه لا يريد المعاصي كما يريد الخيرات (ولكني أقول: علم) في الأزل (أنهم سيكفرون، فأراد الكفر لعلمه فيهم) لعل المقصود أن كفرهم لما كان واقعا في نفس الأمر باختيارهم وكان علمه تعالى متعلقا به في الأزل وأراد أن يكون علمه مطابقا للمعلوم أراد الكفر بالعرض من جهة أن إرادة هذه المطابقة يستلزم إرادة طرفها الذي هو المعلوم، أعني الكفر إذ بدونه لا يتحقق ولا ينافي إرادته من هذه الجهة كراهة صدوره منهم أبدا، وبذلك يظهر الفرق بين إرادة الخيرات وإرادة الشرور، فإنه تعالى يريد صدور الخيرات منهم أبدا سواء علم وقوعها أو علم عدم وقوعها ولا يريد صدور الشرور منهم أبدا، فإن صدرت منهم يتعلق بها الإرادة من حيث أنها طرف للنسبة العلمية المطابقة للواقع لا من حيث الصدور منهم (وليست إرادة حتم) لأن هذه الإرادة تابعة للعلم بوقوعه وليس

[ 46 ]

علة لوقوعه حتى يلزم أن يكونوا مجبورين عليه غير قادرين على تركه (إنما هي إرادة واختيار) نشأت من عدم جبرهم على الإيمان إذ لو جبرهم عليه لما صدر منهم الكفر ولما تعلق به العلم والإرادة. * الأصل: 4 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن بعض أصحابنا، عن عبيد بن زرارة قال: حدثني حمزة بن حمران قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الاستطاعة فم يجبني فدخلت عيه دخلة اخرى، فقلت: أصلحك الله إنه قد وقع في قلبي منها شئ لا يخرجه إلا شئ أسمعه منك، قال: فإنه لا يضرك ما كان في قلبك، قلت: أصلحك الله إني أقول: إن الله تبارك وتعالى لم يكلف العباد ما لا يستطيعون، ولم يكلفهم إلا ما يطيقون، وإنهم لا يصنعون شيئا من ذلك إلا بإرادة الله ومشيئته وقضائه وقدره، قال: فقال: هذا دين الله الذي أنا عليه وآبائي، أو كما قال ". * الشرح: (محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن بعض أصحابنا، عن عبيد بن زرارة قال: حدثني حمزة بن حمران قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن استطاعة) كأن المراد بها هنا التمكن من الفعل والترك وهو الاستطاعة المطلقة المتقدمة (فلم يجبني) إما للتقية عن بعض الحاضرين، أو لعلمه بأن السائل على الحق، أو لمصلحة (فدخلت عليه دخلة اخرى فقلت: أصلحك الله إنه قد وقع في قلبي منها شئ) لإنكار الجبرية إياها (لا يخرجه إلا شئ أسمعه منك قال: فإنه لا يضرك ما كان في قلبك) من الخاطرات، حكم بذلك لعلمه بأن قلبه كان على الحق ولم يكن فيه شئ يهلكه (قلت: أصلحك الله إني أقول: إن الله تبارك وتعالى لم يكلف العباد ما لا يستطيعون) كما زعمه الجبرية القائلون بأنه تعالى لا يكلف العباد إلا بما لا يستطيعون حيث أنهم يقولون العبد ليست له قدرة مؤثرة (ولم يكلفهم إلا ما يطيقون) كما قال تعالى: * (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) * (وأنهم لا يصنعون شيئا من ذلك إلا بإرادة الله ومشيئته وقضائه وقدره) قد مر شرحه مفصلا في مواضع متعددة منها باب المشيئة والإرادة (قال: فقال: هذا دين الله الذي أنا عليه وآبائي، أو كما قال) (1) من الكلام، يعني: قال هذا القول بعينه أو قال ما هو مثله في المعنى.


1 - قوله " أو كما قال " يعني ما ذكره أنما نقله بالمعنى لا بخصوصيات ألفاظ الإمام (عليه السلام) وهذا يؤيد ما ذكرناه مرارا أن دعوى الإطميناني بصدور جميع خصوصيات ألفاظ الروايات من الإمام (عليه السلام) غير صحيحة وأن = (*)

[ 47 ]

باب البيان والتعريف ولزوم الحجة لعل المراد بالبيان: توضيحه تعالى معرفته ومعرفة رسوله والأئمة (عليهم السلام) في الميثاق وبالتعريف: تعريف الرسول والأئمة تلك المعارف والأحكام للأمة في هذا العالم، وبلزوم الحجة أن الحجة لا تلزم إلا بعد البيان والتعريف، وبالجملة المقصود من هذا الباب أن الأحكام الاصولية والفروعية كلها توقيفية لا يمكن معرفة شئ منها إلا بالبيان والتعريف وبعدهما لزمت الحجة على المطيع والعاصي وقال الفاضل الأستر آبادي: المقصود من هذا الباب شيئان، الأول: أن الصور الإدراكية كلها فايضة من الله تعالى بأسبابها وهذا هو قول الحكماء وعلماء الإسلام، قال الله تعالى * (سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا) *، وشبهها من الآيات. والثاني أن الله تعالى لم يكلفنا بالكسب لنعرف أن لنا خالقا وله مبلغا رسولا بل عليه أن يعرفنا نفسه ورسوله وبذلك لزمت الحجة على الخلق. وغيره، وقيل: المراد بالبيان: بيان الأحكام الشرعية في القرآن لرسوله وبالتعريف: تعريف الرسول تلك الأحكام للأمة، وبلزوم الحجة: لزومها على الخلق بعد البيان والتعريف. * الأصل: 1 - " محمد بن يحيى وغيره، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن ابن الطيار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ان الله احتج على الناس بما آتاهم وعرفهم ". " محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج مثله ". * الشرح: (محمد بن يحيى وغيره، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن ابن الطيار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله احتج على الناس بما آتاهم) من الحجج الباطنة وهي العقل والقدرة والعلم وغيرها (وعرفهم) بالحجج الظاهرة من إرسال الأنبياء ونصب الأوصياء وإنزال الكتب. والمقصود أنه تعالى أكمل حجته عليهم باطنا وظاهرا وأما باطنا فبأن أعطاهم قوة على فعل الخيرات وعقلا قابلا لمعرفتها وسلوك سبيلها، وأما


= طريق المتأخرين في استفادة الأحكام من الدقائق اللفظية يتوقف على إثبات حجية الخبر تعبدا بديل خاص كآية النبأ، وإنما يتمسك بحاصل المضمون وما يمكن عادة حفظه وضبطه في نقل المعنى. (ش) (*)

[ 48 ]

ظاهرا فبأن عرفهم طريق التوحيد وما يليق به أولا وطريق الخيرات والشرور ثانيا بوضع الشرائع وإرسال الرسل وإنزال الكتب ونصب الأوصياء وبذلك يحتج عليهم يوم القيامة كما قال: * (كذلك أتتك آياتنا فنسيتها) * وقال: * (ألم يأتكم نذير) * إلى غير ذلك من الآيات. (محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج مثله) كأن جميل بن دراج روي هذا الحديث تارة أخرى عنه (عليه السلام) بلا واسطة. * الأصل: 2 - " محمد بن يحيى وغيره، عن أحمد بن عيسى، عن محمد بن أبي عمير عن محمد بن حكيم قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): المعرفة من صنع من هي ؟ قال: من صنع الله، ليس للعباد فيها صنع ". * الشرح: (محمد بن يحيى وغيره، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن أبي عمير، عن محمد ابن حكيم قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): المعرفة من صنع من هي ؟) أهي من صنع الله تعالى وتوفيقه أو من صنع العباد وكسبهم بأفكارهم (قال: من صنع الله، ليس للعباد فيها صنع) قد رويت في هذا المعنى روايات كثيرة بلغت لكثرتها حد التواتر المعنوي منها مذكورة في كتاب التوحيد للصدوق (رحمه الله) ومنها مذكورة في كتاب المحاسن لأحمد بن أبي عبد الله البرقي (رضي الله عنه) ومنها مذكورة في غيرهما من الكتب المعتبرة وفيه دلالة بحسب المنطوق والمفهوم على أن معرفته تعالى توقيفية وأن العباد لم يكلفوا بتحصيلها بالنظر والاستدلال وأن على الله البيان والتعريف، أولا: في عالم الأرواح بالإلهام، وثانيا: في عالم الأجسام بإرسال الرسول وإنزال الكتب وأن عليهم قبول ما عرفهم الله تعالى، فبطل ما ذهب إليه الأشاعرة والمعتزلة وبعض أصحابنا من أن معرفته تعالى نظرية (1)


1 - قوله " وبعض أصحابنا من أن معرفته تعالى نظرية " لم يظهر لنا وجه بطلان قولهم من الروايات التي أشار إليها إذ لا ريب أن كون المعرفة من الله تعالى والصور الإدراكية فائضة على الذهن من قبله لا يوجب سلب التكليف أو سلب الاختيار عن العبد كسائر أفعال العباد على ما مر في تصوير الأمر بين الأمرين ونفي الجبر والتفويض فإن الله تعالى أراد كون الإنسان مختارا في أفعاله فإذا فعل أفعالا باختياره ترتب عليها آثاره قهرا بإرادة الله فإذا زنى رجل خلقه الله من نطفته في رحم المرأة المزني بها ولد الزناء، وإذا عصر العنب وجعل العصير في موضع مناسب خلقه الله تعالى خمرا وإذا جرح رجلا جراحة مهلكة سرى المرض وأزهق الله روحه = (*)

[ 49 ]

واجبة على العباد وأنه تعالى كلفهم بالنظر والاستدلال فيها إلا أن الأشاعرة قالوا يجب معرفته نقلا بالنظر والمعرفة بعده من صنع الله تعالى بطريق العادة، والمعتزلة ومن يحذو حذوهم قالوا: يجب معرفته عقلا بالنظر والمعرفة بعده من صنع العبد يولدها النظر كما أن حركة اليد تولد حركة المفتاح وهم قد اختلفوا في أول واجب فقال أبو الحسن الأشعري هو معرفته تعالى إذ هو أصل المعارف والعقائد الدينية وعليه يتفرع كل واجب من الواجب الشرعية. وقيل: هو النظر في معرفته تعالى لأن المعرفة تتوقف عليه وهذا مذهب جمهور المعتزلة. وقيل: هو أول جزء منه لأن وجوب الكل يستلزم وجوب أجزائه فأول جزء من النظر واجب ومقدم على النظر المتقدم على المعرفة، وقيل: هو القصد إلى النظر لأن النظر فعل اختياري مسبوق بالقصد المتقدم على أول جزء من أجزاء النظر، وقال شارح المواقف: النزاع لفظي إذ لو أريد الواجب بالقصد الأول، أي اريد أول الواجبات المقصودة أولا وبالذات فهو المعرفة إتفاقا وإن لم يرد ذلك بل اريد أول الواجبات مطلقا، فالقصد إلى النظر لأنه مقدمة للنظر الواجب مطقا فيكون واجبا أيضا وكل هذا باطل عند الأخباريين من أصحابنا لأنها فرع وجوب المعرفة والمعرفة عندهم موهبية، ويحتمل أن يراد بالمعرفة معرفة الرسول أيضا وهو الذي ذهب إليه الفاضل الأستر آبادي في الفوائد المدنية حيث قال: قد تواترت الأخبار عن أهل بيت النبوة متصلة إلى النبي (صلى الله عليه وآله) بأن معرفة الله تعالى بعنوان أنه خالق للعالم وأن له رضا وسخطا وأنه لابد من معلم من جهته تعالى ليعلم


= وترتب النتائج في جميع ذلك بأمر الله تعالى والمكلف عاص بترتيب المقدمات وتسبيب الأسباب وكذلك لا ينافي كون النظر في الأدلة والسير في الآفاق والأنفس والاعتبار بالآيات التي خلقها الله في كل شئ واجبا من فعل العبد بهداية عقله فرارا عن الضرر المحتمل وشكرا للمنعم، ومع ذلك يكون إفاضة الصور الإدراكية بعد الأسباب التي اختارها العباد من قبل الله تعالى، وأما قوه تعالى * (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) * فهو لطف في الواجب العقلي أو محمول على مالا طريق للعقل إليه وإلا فكيف يسأل أهل الجاهلية عن وأد البنات كما قال تعالى * (وإذا الموؤدة سئلت بأي ذنب قتلت) * إلا بدلالة العقل صريحا على قبحه قبل بعثة الرسول وإنما يلزم ما قاله الاسترآبادي وارتضاه الشارح إن كان معنى إفاضة المعرفة على قلوب الناس إفاضتها من غير أسباب المعرفة أي بدون النظر بالإرادة الجزافية وهذا شئ أنكر مثله الشارح في تفسير القضاء وإبطال التفويض وأن تعلق علمه بفسق زيد وكفر عمر ولا يوجب صدورهما بغير اختيارهما كما مر. (ش) (*)

[ 50 ]

الخلق ما يرضيه وما يسخطه من الامور الفطرية التي في القلوب بإلهام فطري إلهي (1) وذلك كما قالت الحكماء الطفل يتعلق بثدي امه بإلهام فطري إلهي وتوضيح ذلك أنه تعالى ألهمهم بتلك القضايا، أي خلقها في قلوبهم وألهمهم بدلالات واضحة على تلك القضايا، ثم أرسل إليهم الرسول وأنزل عليه الكتاب فأمر فيه ونهى فيه، وبالجملة لم يتعلق وجوب ولا غيره من التكليفات إلا بعد بلوغ خطاب الشارع، ومعرفة الله تعالى قد حصلت لهم قبل بلوغ الخطاب بطريق إلهام بمراتب وكل من بلغته دعوة النبي (صلى الله عليه وآله) يقع في قلبه من الله يقين بصدقه فإنه تواتر الأخبار عنهم (عليهم السلام) بأنه " ما من أحد إلا وقد يرد عليه الحق حتى يصدع قلبه قبله أو تركه " وقال في الحاشية عليها قد تواترت الأخبار أن معرفة خالق العالم ومعرفة النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) ليستا من أفعالنا الاختيارية، وأن على الله بيان هذه الامور وإيقاعها في القلوب بأسبابها (2) وأن على الخلق بعد أن أوقع الله تعالى تلك المعارف الأقرار بها والعزم على العمل بمقتضاها، ثم قال في موضع آخر منها: قد تواترت الأخبار عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) بأن طلب العلم فريضة على كل مسلم كما تواترت بأن المعرفة موهبية غير كسبية، وإنما عليهم اكتساب الأعمال فكيف يكون الجمع بينهما ؟ أقول: الذي استفدته من


1 - قوله " بإلهام فطري إلهي " هذا صحيح ولكن يوجب الاستعداد والتهيؤ وسهولة القبول لا حصول المعرفة بالفعل كما أن تعلق الطفل بثدي أمه وشهوة مص اللبن لا يوجب امتلاء بطنه وشبعه واستغنائه عن الحضانة والإرضاع وتربية الأم وإنما يفيد ذلك رغبة الطفل واستعداده لقبول الإرضاع ولو لم يكن في الطفل شهوة بالفطرة كان رضاعه نظير شرب الدواء بالقهر والكراهة، كذلك استعداد الإنسان لقبول معرفة الله يوجب سهولة تأثير وعظ الأنبياء وتعلم أصول المعارف ولو لم يكن الفطرة لم يسهل عليهم ولتركوا الدين بموت الأنبياء وفقد الأوصياء وغيبتهم. أيضا لو كان قول الأستر آبادي صحيحا وكان الإلهام الفطري كافيا في صيرورة المعارف بالفعل فما معنى قوله: إنه لابد من معلم من جهته تعالى وما فائدة ورود الآيات الكثيرة في القرآن في الحث على التدبر في آيات الله تعالى والاعتبار بالحكم والمصالح ؟ ونعلم أن الأمر بذلك أكثر من آيات التكاليف والفروع ولم يرد في المعاملات والنكاح والحدود إلا آيات معدودة. وأما في معرفة الله تعالى فما من صفحة من صفحات المصحف إلا وفيه شئ في التوحيد والمعرفة. (ش) 2 - قوله " وايقاعها في القلوب بأسبابها " هذا صحيح والله تعالى قضى وقدر حصول العلوم بأسبابها كما قدر وقضى سائر الأمور أيضا بأسبابها ومن أسباب المعرفة انظر أو الاستدلال كما أن سبب الرزق السعي في المكاسب وسبب الشفاء التوسل بالطب والأدوية في الجملة وافاضة الخير من الله تعالى مطلقا. (ش) (*)

[ 51 ]

كلامهم (عليهم السلام) في الجمع بينهما أن المراد بالمعرفة: ما يتوقف عليه حجية الأدلة السمعية (1) من معرفة صانع العالم وأن له رضا وسخطا وينبغي أن ينصب معلما ليعلم الناس ما يصلحهم وما يفسدهم، ومن معرفة النبي (صلى الله عليه وآله) والمراد بالعلم الأدلة السمعية كما قال: " العلم إما آية محكمة أو سنة متبعة أو فريضة عادلة، وفي قول الصادق (عليه السلام) إن من قولنا أن الله احتج على العباد بما آتاهم


1 - قوله " ما يتوقف عليه حجية الأدلة السمعية " يعني أن المعرفة التي هي من الله تعالى ولا يحتاج فيها إلى العلم والكسب والنظر بل مفطورة في القلوب هي معرفة صانع العالم والنبي (صلى الله عليه وآله) يعني أصول الدين، وأما الذي يحتاج الى التعلم هو علم الفروع والتكاليف وهذا شئ لم يلتزم به الشارح من أول الكتاب الى هنا خصوصا في كتاب العقل والجهل وهو مخالف للحس والعقل والإجماع، أما الحس فإنا لم نر فردا من أفراد الإنسان كفى فيه فطرته عن تعلم أصول الدين ولو كان كذلك لم يكن في الدنيا كافر أو شاك أصلا. بل كل مؤمن فإنما آمن بالتعليم والتربية وأما العقل فلان التشكيك والإهمال كما يؤثر في خروج بعض الناس عن فطرة التوحيد والنبوة باعترافه كما في طوائف الكفار والمشركين كذلك يؤثر التعليم والتربية في الإيمان والتوحيد وما ذلك إلا لأن الفطرة استعداد وقوة لا فعل وكمال كبذر الحنطة المستعد لأن يصير نباتا إن وافق الأسباب وإن يفسد ويبطل إن أهمل وترك، وأما الإجماع فلاتفاق علمائنا جميعا من عصر الأئمة (عليهم السلام) الى زماننا على تعليم التوحيد والنبوة والإمامة والتكلم فيها والاحتجاج عليها ولم ينكر عليهم الأئمة (عليهم السلام) بل شوقوهم وعلموهم كما نعلم من هشام بن الحكم والميثمي ومؤمن الطاق ثم المفيد والسيد المرتضى وغيرهم وبما ذكر يعرف وجه الجمع بين كون المعرفة من قبل الله وبين الحث على النظر والاستدلال بأن كون المعرفة فطرية بمعنى كون وجودها بالقوة وأن النظر والتعليم لتصييرها بالفعل أو بمعنى أنه لا مؤثر في الوجود إلا الله تعالى وأن كل شئ حصل بأسبابه فإنما وجوده منه تعالى كما مر في الأبواب السابقة وإن كان ذلك معرفة الفروع فهو من عند الله أيضا وأنما الذي يثقل على بعض الناس هذه الاصطلاحات المتداولة التي لا يعرفها العوام كالدور والتسلسل والجمع بين النقيضين وأمثال ذلك، ويتوهمون أن المعرفة لو كانت متوقفة على هذه الاصطلاحات لم يكن أحد من الناس مؤمنا. والجواب أن العبرة بفهم معنى هذه الأمور لا حفظ لفظها ونحن نعلم أن الدور والتسلسل مفهومان للعامة بالبديهة ويعترفون ببطلانها وإن لم يتداول عندهم ألفاظها فلو قيل لطفل: إن اختك ولدت أمك ثم أن أمك ولدت أختك ضحك منه لعلمه ببطلان الدور وإن قيل له: البيت مظلم ومضئ أنكر، وإن قيل له: اشعل هذا السراج من ذاك وذاك من ذلك وهكذا من غير أن يكون عندك زناد قادح ونار وكبريت استحالة، والإنسان مفطور على أن كل ما بالعرض ينتهي إلى ما بالذات لبطلان التسلسل. (ش) (*)

[ 52 ]

وعرفهم ثم أرسل إليهم الرسول وأنزل عليه الكتاب وأمر فيه ونهى " وفي نظائره إشارة إلى ذلك ألا ترى أنه (عليه السلام) قدم أشياء على الأمر والنهي، فتلك الأشياء كلها معارف وما يستفاد من الأمر والنهي كله هو العلم. ويحتمل أيضا أن يراد بها معرفة الأحكام الشرعية وهو الذي ذهب إليه بعض أصحابنا قال: المراد بهذه المعرفة المعرفة التي لا تلزم حجته تعالى بالثواب والعقاب يوم القيامة إلا بها وهي معرفة الأحكام التكليفية التي يعذب ويثاب مخالفها وموافقها. * الأصل: 3 - " عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن ابن فضال، عن ثعلبة بن ميمون، عن حمزة بن محمد الطيار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل: * (وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون) * قال: حتى يعرفهم ما يرضيه وما يسخطه، وقال: * (فألهمها فجورها وتقواها) * قال: بين لها ما تأتي وما تترك، وقال: * (إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا) * قال: عرفناه إما آخذ وإما تارك " وعن قوله: * (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى) * قال: عرفناهم فاستحبوا العمى على الهدى وهم يعرفون ". وفي رواية: بينا لهم ". * الشرح: (عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبن فضال، عن ثعلبة بن ميمون، عن حمزة بن محمد الطيار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله تعالى * (وما كان الله ليضل قوما) * أي ليسميهم ضلالا أو يؤاخذهم مؤاخذتهم أو يسمهم بسمة الضلالة يعرف بها من يشاء من ملائكته إذا نظروا إليها أنهم من الضالين أو يخذلهم بسلب اللطف والتوفيق عنهم * (بعد إذ هداهم) * إلى طريق معرفته بإلهام فطري * (حتى يبين لهم ما يتقون) * قال: حتى يعرفهم بتوقيف نبوي (وما يرضيه وما يسخطه) من المعارف اليقينية والأحكام الدينية فهي توقيفية، على الله البيان وعليهم القبول (وقال) حمزة بن محمد الطيار (* (فألهمها فجورها وتقواها) * قال: بين لها ما تأتي وما تترك) أي عرفها ما ينبغي أن تأتي بها من المعرفة، والطاعة وما ينبغي أن تتركة من الكفر والمعصية، وقد أشار القاضي إلى هذا التفسير بقوله إلهام الفجور والتقوى إفهامهما وتعريف حالهما والتمكين من الإتيان بهما (وقال: * (إنا هديناه السبيل) *) أي سبيل الخيرات والطاعات * (إما شاكرا وإما كفورا) * قال القاضي: هما حالان من الهاء، وإما للتفصيل أو التقسيم أي هديناه في حاليه جميعا أو مقسوما إليهما بعضهم شاكر بالاهتداء والأخذ فيه وبعضهم كفور بالإعراض عنه أو من السبيل ووصفه بالشكر والكفر مجاز (قال عرفناه) بتشديد الراء والهاء مفعول أول يعود إلى الإنسان والمفعول الثاني محذوف أي عرفناه السبيل (إما آخذ وإما تارك) الآخذ: هو الشاكر، والتارك: هو الكافر،

[ 53 ]

ولعل المراد أن بيان الواجبات مطلقا أصلية كانت أو فرعية على الله وليس عليهم النظر في تحصيل معارفه وأحكامه، ومن لطف الله تعالى علينا أنه من علينا بنعمة هي الهداية وجعل قبول تلك النعمة شكرا لها وتركها كفرانا، فسبحانه ما أرفع شأنه وأعظم امتنانه، (وعن قوله) عطف على قوله " في قول الله تعالى " * (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى) * قال: عرفناهم سبيل الحق وهو طريق التوحيد والمعرفة وغيرهما من الأحكام (فاستحبوا العمى على الهدى) واختاروا الضلالة على الهداية (وهم يعرفون) سبيل الحق والهداية أو التفاوت بينهما وبين الضلالة، والواو للحال عن ضمير الجمع (وفي رواية بينا لهم) أوضحنا طريق الهداية فاختاروا طريق الضلالة بعد البيان والإيضاح. * الأصل: 4 - " علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن، عن ابن بكير، عن حمزة بن محمد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله عز وجل: * (وهديناه النجدين) * قال: نجد الخير والشر ". * الشرح: (علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن، عن ابن بكير، عن حمزة بن محمد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله تعالى: * (وهديناه النجدين) * قال: نجد الخير والشر) أي عرفناه سبيلهما والنجد في الأصل الطريق الواضح المرتفع وفيه دلالة على أن الهداية تطلق على إراءة طريق الشر أيضا. وقال سيد المحققين: إذا اريد تخصيص الهداية بالخير، قيل أي نجدي العقل النظري والعقل العملي وسبيلي كمال القوة النظرية وكمال القوة العملية أو نجدي المعاش والمعاد أو نجدي الدنيا والآخرة أو نجدي الجنة والثواب والفناء المطلق في نور وجه الله والبهجة الحقة للقاء بقائه. * الأصل: 5 - " وبهذا الاسناد، عن يونس، عن حماد، عن عبد الأعلى قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أصلحك الله هل جعل في الناس أداة ينالون بها المعرفة ؟ قال: فقال: لا، قلت: فهل كلفوا المعرفة ؟ قال: لا، على الله البيان، لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، ولا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها، قال: وسألته عن قوله: * (وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون) * قال: حتى يعرفهم ما يرضيه وما يسخطه ".

[ 54 ]

* الشرح: (وبهذا الإسناد، عن يونس، عن حماد، عن عبد الأعلى قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أصلحك الله هل جعل في الناس أداة) الأداة الآلة والمراد بها هنا العقل والذكاء (ينالون بها) بدون التعريف والتوقيف والتكليف (المعرفة) أي معرفة الله تعالى ومعرفة الرسول ومعرفة الأحكام أيضا (قال: فقال لا. قلت فهل كلفوا المعرفة) بالنظر والاستدلال (قال: لا، على الله البيان) (1) وعليهم القبول كما دل عليه ما رواه الصدوق في كتاب التوحيد عن الصادق (عليه السلام) قال: " ليس لله على الخلق أن يعرفوا قبل أن يعرفهم وللخلق على الله أن يعرفهم ولله على الخلق إذا عرفهم أن يقبلوا ". ثم أشار إلى أن تكليفهم بالمعرفة تكليف بالمحال بقوله * (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ولا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها) * من الاقتدار على قبول المعارف والأحكام فهم مكلفون بقبولها بعد البيان لا بتحصيلها إذ المعارف والأحكام توقيفية فهي من صنع الله تعالى لا من صنعهم وإذا لم تكن من صنعهم كان التكليف بها تكليفا بالمحال، وفيه رد على من زعم أن المعرفة نظرية يجب على العباد تحصيلها بالنظر وأن الأحكام الشرعية يجوز استنباطها بالرأي والقياس، وعلى من زعم من الأشاعرة أن تصور الخطاب من غير سبق معرفة إلهامية بخالق العالم وبأن له رضا وسخطا وبأنه لابد من معلم من جهته تعالى ليعلم الناس ما يصلحهم وما يفسدهم كاف في تعلق التكليف بهم (قال: وسألته عن قوله * (وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هديهم حتى يبين لهم ما يتقون) * قال: حتى


1 - قوله " قال لا على الله البيان " يعني لم يجعل فيهم آلة ينالون بها المعرفة، فأن قيل قد مر في الكتاب الاول وأحاديث العقل والجهل أن الله تعالى جعل العقل آلة لمعرفة الله تعالى بالنظر في آياته تعالى في خلق السموات والأرض وغيره خصوصا حديث هشام الطويل - وقد مر - فما وجه الجمع بينها وبين ما في هذا الحديث ؟ قلنا الغرض من المعرفة هنا العلم بجميع الأحكام والتكاليف وما أراد الله تعالى منا تفصيلا والعقل آلة للعلم بوجوده تعالى وصفاته أجمالا، وما ورد في تعليم العباد من التنزيه والتنبيه على آيات قدرته لطف في الواجب العقلي. وأعلم أن هذا الحديث كما يدل على عدم كفاية العقل في استنباط جميع ما أراده الله منا يدل على بطلان ما نقل عن بعضهم من أن معرفة الله تعالى بالفطرة تغني عن النظر إذ لو كان المعرفة بالفطرة تغني عن النظر العقلي تغني عن تعليم الأنبياء أيضا ولكن الفطرة معدة للعقل حتى يستعد لقبول قول الأنبياء فيما يتوقف على تعليمهم وللنظر والاستدلال فيما لا يتوقف عليه بمنزلة شهوة الطفل للبن بالفطرة فإنها لا تغني عن إرضاع الأم بل يعده لقبول الرضاع. (ش) (*)

[ 55 ]

يعرفهم ما يرضيه وما يسخطه) دل على أن تعذيبهم والحكم بضلالتهم بعد هدايتهم في الميثاق إلى المعرفة ونسيانهم إياها منفي حتى يبعث إليهم رسولا يذكرهم على العهد ويبين لهم ما يوجب رضاه وسخطه كما قال سبحانه: * (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) *. * الأصل: 6 - " وبهذا الاسناد، عن يونس، عن سعدان رفعه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله لم ينعم على عبد نعمة إلا وقد ألزمه فيها الحجة من الله فمن من الله عليه فجعله قويا فحجته عليه القيام بما كلفه واحتمال من هو دونه ممن هو أضعف منه، ومن من الله عليه فجعله موسعا عليه فحجته عليه ماله، ثم تعاهده الفقراء بعد بنوافله. ومن من الله عليه فجعله شريفا في بيته، جميلا في صورته فحجته عليه أن يحمد الله تعالى على ذلك وأن لا يتطاول على غيره، فمنع حقوق الضعفاء لحال شرفه وجماله ". * الشرح: (وبهذا الإسناد، عن يونس، عن سعدان رفعه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله لم ينعم على عبد نعمة) ظاهرة وباطنة (إلا وقد ألزمه فيها الحجة من الله) بعد البيان والتوضيح لما ألزمه فزاد عليه، تكليفا بإزائها شكرا لها (فمن من الله عليه فجعله قويا) في الجسم والعقل (فحجته عليه القيام بما كلفه) من الجهاد والطاعات والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك مما لا يصدر إلا عن الأقوياء، والمراد أن القيام بما كلفه به أمر يحتج به سبحانه على القوي يوم القيامة إن تركه، فالقيام عدما حجته تعالى عليه، كما أنه وجودا حجة القوي على الله تعالى في الوفاء بما وعد للمطيع (واحتمال من هو دونه ممن هو أضعف منه) يعني حجته عليه أيضا أن يتحمل ممن هو أضعف منه ولا يأخذه بالجريرة وسوء الأدب أو يتحمل منه ثقله بدفع ظلم الظالم وجور الجائر وغير ذلك مما يكسر ظهره ويجرح قلبه (ومن من الله عليه فجعله موسعا عليه) في الرزق والمال (فحجته عليه ماله) يحتج به إن لم يخرج ما فيه من الواجبات المالية مثل الزكاة والخمس وغيرهما (ثم تعاهده الفقراء بعد بنوافله) تعاهده من باب إضافة المصدر إلى الفاعل والضمير يعود إلى الموصول أو إلى الموسع عليه و " بعد " مبني على الضم بحذف المضاف إليه، والباء في قوله " بنوافه " متعلق بالتعاهد، والضمير المجرور راجع إلى المال، يعني ثم حجته تعالى عليه بعد إخراجه الواجبات المالية ومفروضاتها أن يتعاهد حال الفقراء بنوافل ماله بالهدايا والتصدقات المندوبة (ومن من الله عيه فجعله شريفا في بيته) أي فجعله شريفا في نسبه وكريما في حسبه ورفيعا في خلقه (جميلا في صورته) الظاهرة بحسن هيئته ولطافة تركيبه ورشاقة قده وصباحة

[ 56 ]

خده (فحجته عليه أن يحمد الله على ذلك) لأن ذلك من عظيم نعمائه تعالى عليه بلا سبق استحقاق فينبغي أن يحمده عيه أكمل من الحمد على نعمة له مدخل في اكتسابها لئلا يكون يوم القيامة محجوجا بتركه (وأن لا يتطاول على غيره) يعني لا يطلب الزيادة على غيره بالتكبر والافتخار ولا ينظر إليه بالإهانة والاستصغار (فيمنع حقوق الضعفاء) متفرع على المنفي وهو التطاول، يعني فيمنع التطاول أو فيمنع ذلك الشريف بسبب التطاول حقوق الضعفاء من زيارتهم وعيادتهم والمشي إلى قضاء حوائجهم وحضور جنائزهم إلى غير ذلك من الحقوق (لحال شرفه وجماله) متعلق بتطاول أو بيمنع والأخير أظهر. وأعلم أن الأحاديث السابقة دلت على أن المعارف كلها من صنع الله تعالى. وهذا الحديث دل على أن للعبد اكتساب الأعمال وأن لله تعالى حجة عليهم في جميع ذلك، يدل على ذلك ما رواه الصدوق في كتاب التوحيد بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) " أنه سئل عن المعرفة أمكتسبة (1) هي ؟ فقال: لا، فقيل له: فمن صنع الله عز وجل وعطائه هي ؟ قال: نعم، وليس لهم صنع ولهم اكتساب الأعمال، وقال (عليه السلام): أفعال العباد مخلوقة خلق تقدير لا خلق تكوين ".


1 - قوله " أمكتسبة هي، قال: لا " هذا موافق لمذهب الحكماء أعني الإلهيين منهم أن الفكر والنظر والاستدلال معدة للعقل حتى يفيض الصورة العلمية من الله تعالى عليه كما أن الدواء معد لإفاضة الصحة على المريض وكذلك جميع الأسباب لإفاضة الصور سواء كانت الصور مما يوصف بالخير أو بالشر كالخمر والخنزير وكذلك الصور العلمية باطلة أو صحيحة. (ش) (*)

[ 57 ]

باب اختلاف الحجة على عباده * الأصل: 1 - محمد بن أبي عبد الله (عليه السلام)، عن سهل بن زياد، عن علي بن أسباط، عن الحسين بن زيد، عن درست بن أبي منصور، عمن حدثه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ستة أشياء ليس للعباد فيها صنع: المعرفة والجهل والرضا والغضب والنوم واليقظة ". * الشرح: (محمد بن أبي عبد الله، عن سهل بن زياد، عن علي بن أسباط، عن الحسين بن زيد، عن درست بن أبي منصور، عمن حدثه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ستة أشياء ليس للعباد فيها صنع: المعرفة والجهل) لعل المراد أن معرفته تعالى عيانا في الميثاق والجهل بتلك المعاينة ونسيانها في عالم الطبائع من صنع الله تعالى والذي يدل عليه ما رواه أحمد بن أبي عبد الله البرقي في المحاسن بإسناده عن زرارة، " عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله * (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم) * قال: كان ذلك معاينة الله فأنساهم الله المعاينة وأثبت الإقرار في صدورهم ولولا ذلك ما عرف أحد خالقه ولا رازقه وهو قول الله * (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله) * أو المراد أن الصور العلمية كلها تصورية كانت أو تصديقية ضرورية كانت أو نظرية والجهل بها أعني عدم حصولها أصلا أو زوالها بعد الحصول من صنع الله تعالى والذي يد عليه ما مر في باب حدوث العالم من قول الصادق (عليه السلام) " وخاطرك بما لم يكن في وهمك وعزوب ما أنت معتقده عن ذهنك " حيث عد ذلك من جملة آيات وجوده وظهوره تعالى إلا أن فيضانها يتوقف على استعداد النفس بسبب إدراك المحسوسات وترتيب الضروريات، وهذا مذهب الحكماء وأكثر المنطقيين والمتكلمين ومنهم المحقق حيث قال في التجريد: ولابد فيه يعني في العلم من الاستعداد أما الضروري فبالحواس وأما الكسبي فبالأولى. يريد أن إدراك المحسوسات ثم ترتيب التصورات والتصديقات الضرورية الفائضة منه تعالى معد لفيضان التصورات والتصديقات النظرية منه تعالى على النفس وإذا كانت المعرفة من صنعه تعالى كان الجهل البسيط وهو عدم المعرفة أيضا من صنعه تعالى لا من صنع العباد لأن المعرفة لما لم تكن داخلة تحت قدرتهم كان عدمها أيضا غير داخل تحتها لأن عدم الملكة تابع للملكة، وأما

[ 58 ]

الجهل المركب فليس منه تعالى ومن زعم أنه منه فهو ذو جهل مركب بل هو من الشيطان (1) وقال الفاضل الأستر آبادي في الفوائد المدنية: هنا إشكال كان لا يزال يخطر ببالي في أوائل سني وهو أنه كيف نقول بأن التصديقات فائضة من الله تعالى على النفوس الناطقة ومنها كاذبة ومنها كفرية وهذا إنما يتجه على رأي جمهور الأشاعرة - القائلين بجواز العكس بأن يجعل الله كل ما حرمه واجبا وبالعكس - المنكرين للحسن والقبح الذاتيين لا على رأي محققيهم ولا على رأي المعتزلة ولا على رأي أصحابنا. والجواب أن التصديقات الصادقة فائضة على القلوب بلا واسطة أو بواسطة ملك وهي تكون جزما وظنا والتصديقات الكاذبة تقع في القلوب بإلهام الشيطان وهي لا تتعدى الظن ولا تصل إلى حد الجزم (2) وفي الأحاديث تصريحات بأن من جملة نعماء الله على بعض عباده أنه يسلط عليه


1 - قوله " بل هو من الشيطان " والشيطان مخلوق الله تعالى والجهل المركب منه لكن خلقه نظير خلق سائر الشرور بالعرض على ما مر في باب الخير والشر ونظيره إزهاق روح الشهداء عند قتل الكفار إياهم فإنه بأمر الله تعالى ومباشرة ملك الموت وإن كان فعل الكفار قبيحا وشرا والجهل المركب الفائض على ذهن الغالط والمخطئ بعد تركيب مقدمات فاسدة نظير إزهاق روح المؤمنين بقتل الكفار، فإن كان المتفكر الغالط مقصرا في ترتيب المقدمات وكان جهلة في أمر الدين كان معاقبا نظير قاتل الشهداء وإن لم يكن مقصرا أو كان خطاؤه في أمر غير الأمر الديني كتناهي الأبعاد والجزء الذي لا يتجزأ فهو معذور. (ش) 2 - قوله " ولا تصل إلى حد الجزم " أن أراد بالجزم: العلم واليقين فهو حق لأن الجهل المركب ليس علما ويقينا، والمأخوذ في العلم أن يكون موافقا للواقع ولكن المشهور المتداول في عرف الناس إطلاق الجزم على الظن الذي لا يلتفت الظان إلى مخالفته للواقع أيضا إذ ربما يحصل لبعض الناس رأي وعقيدة لا يخطر ببالهم غيره حتى يلتفتوا إلى احتمال كونه مخالفا للواقع ويجرون على ما ظنوه كما نرى من جزم الملاحدة بإنكار المبدأ والمعاد ودليلهم أنهما غير محسوسين لهم، ولا ينتبهون لأن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود، وعوام اليهود والنصارى جازمون بمذهبهم تقليدا لآبائهم وقد رد الله تعالى عليهم جميعا ونبههم على خطئهم بقوله قالوا: * (إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيى وما يهلكنا إلا الدهر مالهم بذلك من علم أن هم إلا يظنون) * وقال تعالى * (أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون) * فنبههم على أن احتمال الخطأ على آبائهم قائم مركوز ذهنهم ومع هذا الاحتمال المغفول عنه جزمهم بالمظنون غير وجيه والعلم والظن صفتان أو عرضان من عوارض ذهن الإنسان يحصل بأسباب معينة ولا يمكن أن يحصل العلم من سبب الظن ولا الظن من سبب العلم كما لا يحصل = (*)

[ 59 ]

ملكا ليسدده ويلهمه الحق، ومن جملة غضب الله تعالى على بعض أنه يخلي بينه وبين الشيطان ليضله عن الحق ويلهمه الباطل وبأن الله تعالى يحول بين المرء وبين أن يجزم جزما باطلا، إذا عرفت هذا فنقول: فيه رد على المعتزلة القائلين بأن المعرفة نظرية وجب على العبد تحصيلها بالنظر وأن العلوم النظرية كلها من صنع العبد بطريق التوليد الذي هو إيجاب لفاعله فعلا آخر كإيجاب حركة اليد لحركة المفتاح (والرضا والغضب) الرضا: كيفية نفسانية تنفعل بها النفس وتتحرك نحو قبول شئ سواء كان ذلك الشئ مرغوبا لها أو مكروها، والغضب: حالة نفسانية تنفعل بها النفس وتتحرك نحو الانتفام، وقد يطلقان على نفس الأنفعال (والنوم واليقظة) النوم كما عرفت سابقا: حالة تعرض الحيوان من استرخاء أعصاب الدماغ من رطوبات الأبخرة المتصاعدة بحيث تقف الحواس عن أفعالها لعدم انصباب الروح الحيواني إليها، واليقظة: زوال تلك الحالة.


= الحرارة من الثلج والبرودة من النار، فإذا كان سبب الرأي والاعتقاد تقليدا الآباء الذين يعترف المعتقد بعدم كونهم معصومين عن الخطأ فهذا التقليد يوجب الظن لا العلم لكن المعتقد أخطأ في معاملة العلم مع هذا الظن والجزم به لعدم الإلتفات إلى خلافه، وكذلك إذا كان مستند الرأي أن عدم الوجود ان يدل على عدم الوجود أو توهم إنعكاس الموجبة الكلية كنفسها وأمثال ذلك مما يسمى جهلا مركبا قد يجزم المعتقد به من غير أن يعلم به وقال أهل المنطق والأصول: العلم هو الاعتقاد الثابت الجازم المطابق للواقع فالجزم الغير المطابق للواقع ليس علما بل هو ظن، أي رجحان في طرف، وإن ضايق أحد في تسميته ظنا فعليه أن يثبت واسطة بين العلم والظن بأن يقول الطرف الراجح مع احتمال المرجوح أما أن يكون المعتقد به ملتفتا الى احتمال المخالفة فهو الظن أو غير ملتفت وهو الجزم لكن في القرآن الكريم أطلق الظن على جزم الدهرية بمذهبم كما مر. (ش) (*)

[ 60 ]

باب حجج الله على خلقه * الأصل: 1 - " محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن أبي شعيب المحاملي، عن درست بن أبي منصور، عن بريد بن معاوية، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ليس لله على خلقه أن يعرفوا وللخلق على الله أن يعرفهم ولله على الخلق إذا عرفهم أن يقبلوا ". * الشرح: (محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن أبي شعيب المحاملي، عن درست بن أبي منصور، عن بريد بن معاوية، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ليس لله على خلقه أن يعرفوا) أي يعرفوه ورسوله وأئمته وأحكامه من قبل أنفسهم (وللخلق على الله أن يعرفهم) جميع ذلك (ولله على الخلق إذا عرفهم أن يقبلوا) أي يطيعوا ويعلموا أنه حق ويتيقنوا ما كان المطلوب منه اليقين ويعملوا ما كان المطلوب منه العمل. وبالجملة حجته تعالى عليهم تمت بالتعريف وليس عليهم تكليف المعرفة وإنما عليهم القبول واكتساب الأعمال وفي معناه قوله (عليه السلام) " مامن أحد إلا وقد يرد عليه الحق قبله أم تركه ". * الأصل: 2 - " عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحجال، عن ثعلبة بن ميمون، عن عبد الأعلى بن أعين قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) من لم يعرف شيئا هل عليه شئ: قال: لا ". * الشرح: (عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحجال، عن ثعلبة بن ميمون، عن عبد الأعلى بن أعين قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) من لم يعرف شيئا) الفعل مبني للمفعول من التعريف يعني: من لم يعرفه الله شيئا من المعارف والأحكام بإرسال الرسول وإنزال الكتاب، إذ التعريف الأولي وهو الذي وقع عند الأخذ بالميثاق لا يستقل في المؤاخذة كما قال سبحانه * (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) * (هل عليه شئ) من العقائد والأحكام أو من المؤاخذة والآثام (قال: لا) لأن التكليف والتأثيم إنما يكونان بعد التعريف وفيه دلالة واضحة على أن من لم تبلغه الدعوة ومن يحذو حذوهم لا يتعلق به التكليف أصلا، أما بالمعارف فلأنها من الله كما عرفت في الباب السابق، وأما بالإحكام فلأنها إنما تستفاده من البيان النبوي.

[ 61 ]

وفي بعض الروايات دلالة على أنه يتعلق بهم نوع آخر من التكليف في الآخرة للامتحان والاختبار لتكميل الحجة عليهم. * الأصل: 3 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن فضال، عن داود بن فرقد، عن أبي الحسن زكريا بن يحيى (1)، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما حجب الله عن العباد فهو موضوع عنهم ". * الشرح: (محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أبن فضال، عن داود بن فرقد، عن أبي الحسن زكريا بن يحيى، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما حجب الله عن العباد) من العلوم والمعارف والأحكام وغيرها ومن جملة ذلك أسرار القضاء والقدر (فهو موضوع عنهم) غير مطلوب منهم قبوله وفعله وتركه لأن ما يتوقف من المعارف وغيرها على التعريف فهو ساقط عنهم بدونه، وقد روى الصدوق (رحمه الله) هذا الحديث بهذا السند بعينه في كتاب التوحيد وفيه " ما حجب الله علمه ". * الأصل: 4 - " عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن علي بن الحكم عن أبان الأحمر، عن حمزة بن الطيار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال لي: أكتب فأملى علي: إن من قولنا: الله يحتج على العباد بما آتاهم وعرفهم ثم أرسل إليهم رسولا وأنزل عليهم الكتاب فأمر فيه ونهى، أمر فيه بالصلاة والصيام فنام رسول الله (عليه السلام) عن الصلاة فقال: أنا أنيمك وأنا أوقظك (2) فإذا قمت فصل ليعلموا إذا أصابهم ذلك كيف يصنعون، ليس كما يقولون: إذا نام عنها هلك وكذلك الصيام أنا أمرضك وأنا اصحك فإذا شفيتك فاقضه، ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): وكذلك إذا نظرت في جميع الأشياء لم تجد أحدا في ضيق ولم تجد أحدا إلا ولله عليه الحجة ولله فيه المشيئة ولا أقول: إنهم ما شاؤوا صنعوا، ثم قال: إن الله يهدي ويضل. وقال: وما امروا إلا بدون سعتهم، وكل شئ امر الناس به فهم يسعون له، وكل شئ لا يسعون له فهو موضوع عنهم ولكن الناس لا خير فيهم ثم


1 - المعهود من الشارح التعرض لحال رجال الكافي أول ما يعثر على كل منهم وقد تعرض لحال أحمد بن محمد وابن فضال ج 1 ص 74 ولحال داود بن فرقد ج 2 ص 107 ولم يسبق ذكر لزكريا ولم يتعرض له الشارح وعنونه لعلامة في القسم الأول من الخلاصة وقال: ثقة روى عن أبي عبد الله (عليه السلام). 2 - بعض النسخ [ أنا أنمتك وأنا أوقظتك ]. (*)

[ 62 ]

تلا (عليه السلام) * (ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج) * فوضع عنهم * (ما على المحسنين من سبيل) * و * (الله غفور رحيم) * * (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم) * قال: فوضع عنهم * (لأنهم لا يجدون) *. * الشرح: (عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن علي بن الحكم، عن أبان الأحمر، عن حمزة بن الطيار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال لي أكتب) أمره بالكتابة اهتماما بشأن ما يتلوه عليه واعتناء بضبط ما يلقيه إليه (فأملى علي أن من قولنا إن الله يحتج) يوم القيامة (على العباد بما آتاهم وعرفهم) من أمر التوحيد والمعارف (ثم أرسل إليهم رسولا) لتذكيرهم وتنبيههم عن الغفلة (وأنزل عليهم الكتاب) تبيانا لكل شئ وقد روى الصدوق (رحمه الله) هذا الحديث بعينه في كتاب التوحيد وفيه " وأنزل عليه " بإفراد الضمير (فأمر فيه ونهى عنه) تقريبا لهم إلى المنافع والمصالح، وتبعيدا لهم عن المفاسد والمقابح (أمر فيه بالصلاة والصيام) خصهما بالذكر لأنهما من أعاظم أركان الإسلام فإذا وقع التوسع فيهما وقع في غيرهما بالطريق الأولى (فنام رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الصلاة) من طريق العامة أيضا أنه نام (صلى الله عليه وآله) عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس قيل: كان ذلك من غزوة خيبر، وقيل: كان ذلك من غزوة حنين، وقال محي الدين البغوي: إن قيل: نام هنا حتى طلعت الشمس وفاتت الصلاة، وقال في الآخر " تنام عيناي ولا ينام قلبي " فقيل المعنى ولا ينام قلبي في الأكثر وقد ينام في الأقل كما هنا، وقيل: المعنى أنه لا يستغرقه النوم حتى يكون منه الحدث، وعندي أنه لا تعارض لأنه أخبر أن عينيه تنامان وهما اللتان نامتا هنا لأن طلوع الفجر يدرك بالعين لا بالقلب. قال: المازري: يريد بذلك أن القلب إنما يدرك به الحسيات المتعلقة به كالآلام والفجر لا يدرك به وإنما يدرك بالعين فلا تنافي. وقال عياض: وقد يقال: نومه هذا خروج عن عادته لما أراد الله عز وجل من بيان سنة النائم عن الصلاة كما قال (صلى الله عليه وآله) لأصحابه وهم أيضا ناموا مثله " ولو شاء الله لأيقظنا ولكن أراد الله أن يكون سنة لمن بعدكم " (فقال أنا أنمتك وأنا أوقظتك) في كتاب التوحيد للصدوق (رحمه الله) " أنا انيمك وأنا اوقضك " على صيغة المضارع وهو الأوفق بما يأتي من قوله " أنا امرضك وأنا اصحك " (فإذا قمت فصل) أمر بالقضاء فورا وفي أول أوقات التذكر للدلالة على عدم كراهة قضائها في ذلك المكان، وقال عياض: واختلف فيمن ينبه من نوم في سفر وقد فات الوقت فقال بعض العلماء: ينتقل عن محله لا يصلي به فإن كان واديا خرج عنه لأنه موضع مشؤوم معلون. ولنهيه عن الصلاة بأرض بابل لأنها ملعونة، وقال الجمهور: يصلي بموضعه ولا ينتقل

[ 63 ]

(ليعلموا إذا أصابهم ذلك كيف يصنعون) العلم بذلك وإن كان يحصل بالبيان القولي إلا أن البيان الفعلي أقوى وأظهر مع ما فيه من الدلالة على عدم الإثم بتركها كما أشار إليه بقوله (ليس كما يقولون إذا نام عنها هلك) باستحقاق العقاب لانتفاء الاستحقاق هنا، والظاهر أن نومه (صلى الله عليه وآله) كان حين سار من أول الليل إلى السحر ونزل للتعريس، ففيه دلالة على جواز النوم قبل وقت الصلاة وإن خشي الاستغراق حتى يخرج الوقت وذلك لأنها لم تجب بعد، وفيه دلالة أيضا على أن فعله تعالى معلل بالغرض وما وقع في بعض الروايات من نفي الغرض عن فعله فلعل المراد منه نفي الغرض الراجع إليه (وكذلك الصيام أنا امرضك وأنا اصحك فإذا شفيتك فاقضه) الصحة حال أو ملكة يصدر بسببها عن محلها الأفعال على وجه الكمال والمرض عدم الصحة أو حالة أو ملكة يصدر بسببها عن محلها الأفعال لا على وجه الكمال وهما من أفعاله تعالى كما مر في باب حدوث العالم (ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): وكذلك إذا نظرت في جميع الأشياء لم تجد أحدا من المكلفين (في ضيق) كما قال الله سبحانه * (وما جعل عليكم في الدين من حرج) * وكما ورد " إن هذا الدين سمحة سهلة " (ولم تجد أحدا إلا ولله عليه الحجة) فيما آتاه وعرفه ولم يضيق عليه (ولله فيه المشيئة) شاء ما فيه صلاحه في الدين والدنيا أو صلاح الغير كإلقاء النوم والمرض عليه (صلى الله عليه وآله) لتعليم الخلق قضاء الصلاة والصوم وإصلاح حالهم بترك اللوم والتعبير لمن صدر منه ذلك، ولما توهم من قوله " لم تجد أحدا في ضيق " أن الخلق في سعة على الإطلاق يفعلون ما يشاؤون دفعه بقوله (ولا أقول إنم ما شاؤوا صنعوا) كما قالت المفوضة وذلك لحصرهم بالأمر والنهي وافتقارهم إلى الإذن واللطف وعدم استقلالهم في القدرة * (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله) *. (ثم قال: إن الله يهدي ويضل) أي يثيب ويعاقب أو يرشد في الآخرة الى طريق الجنة وطريق النار للمطيع والعاصي وقد فسرت الهداية في قوله تعالى * (سيهديهم ويصلح بالهم) * بالأمرين أو ينجي ويهلك وقد فسرت الهداية في قوله تعالى حكاية * (لو هدانا الله) * لهديناكم بالنجاة يعني لو أنجانا لأنجيناكم لأنكم أتباع لنا فلو نجونا لنجوتم وفسرت الضلالة في قوله تعالى * (فلن يضل أعمالهم) * وفي قوله * (ائذا ضللنا في الأرض) * بالهلاك أو يوفق للخيرات ويسلب التوفيق أو يكون نسبة الهداية والإضلال إليه مجازا باعتبار إقداره على الخيرات والمعاصي، وروى الشيخ الطبرسي في كتاب الاحتجاج عن مولانا أبي الحسن علي بن محمد العسكري (عليهم السلام) أنه قال: " فإن قالوا: ما الحجة في قول الله تعالى * (يضل من يشاء، ويهدي من يشاء) * وما أشبه ذلك ؟ قلنا: فعلى مجاز هذه الآية يقتضي معنيين أحدهما: أنه إخبار عن كونه تعالى قادرا على هداية من يشاء وضلالة من يشاء لو أجبرهم على أحدهما لم يجب لهم ثواب ولا عيهم عقاب وما شرحنا، والمعنى

[ 64 ]

الآخر أن الهداية منه التعريف كقوله تعالى: * (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى) * وليس كل آية مشتبهة في القرآن كانت الآية حجة على حكم الآيات اللاتي امر بالأخذ بها وتقليدها - الحديث ": وقال المحقق الطوسي: الإضلال: إشارة الى خلاف الحق وفعل الضلالة والإهلاك، والهدي: مقابل له، والأولان منتفيان عنه تعالى، وفي الشرح يعني يطلق الإضلال على معان ثلاثة: الأول: الإشارة إلى خلاف الحق، الثاني: فعل الضلالة، الثالث: الإهلاك، والهدى مقابل له فيطلق على مقابلات المعاني الثلاثة المذكورة الإشارة إلى الحق وفعل الهداية وعدم الإهلاك والإضلال بالمعنيين الأولين منتف عنه تعالى لأنه قبيح، والله تعالى منزه عن فعل القبيح، وأما الهدى فيجوز أن يسند إليه تعالى بالمعاني الثلاثة فما ورد في الآيات من إسناد الإضلال إليه فهو بالمعنى الثالث أعني الإهلاك والتعذيب كقوله تعالى * (ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون) * وقوله تعالى * (يضل به كثيرا) *. وأما الأشاعرة فالإضلال عندهم بمعنى خلق الكفر والضلال بناء على أنه لا يقبح منه تعالى شئ. وقال الفاضل الأستر آبادي في حاشيته على هذا الحديث: يجئ في باب ثبوت الإيمان أن الله خلق الناس كلهم على الفطرة التي فطرهم عليها لا يعرفون إيمانا بشريعة وكفرا بجحود. ثم بعث الله الرسل يدعوا العباد إلى الإيمان به فمنهم هدى الله ومنهم لم يهده الله، وأقول: هذا إشارة إلى الحالة التي سمتها الحكماء العقل الهيولاني. ومعنى الضال هو الذي انحرف عن صوب والصواب ولما لم يكن قبل إرسال الرسل وإنزال الكتب صوب صواب امتنع حينئذ الانحراف عنه، ولما حصلا أمكن ذلك فيكون الله تعالى سببا بعيدا في ضلالة الضال، وهذا هو المراد بقوله (عليه السلام) يضل. وقال في الفوائد المدنية: وأما أنه تعالى هو المضل فقد تواترت الأخبار عنهم (عليهم السلام) بأن الله يخرج العبد من الشقاوة، إلى السعادة ولا يخرجه من السعادة إلى الشقاوة فلابد من الجمع بينهما ووجه الجمع كما يستفاد من الأحاديث وإليه ذهب ابن بابويه: ان من جملة غضب الله تعالى على بعض العباد أنه إذا وقع منهم عصيان ينكت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب وأناب يزيل الله تعالى تلك النكتة وإلا فتنشر تلك النكتة حتى تستوعب قلبه كله فحينئذ لا يلتفت قلبه إلى موعظة ودليل. لا يقال: من المعلوم أنه مكلف بعد ذلك، وإذا امتنع تأثر قلبه فيكون تكليفه بالطاعة من قبيل التكليف بما لا يطاق، لأنا نقول: من المعلوم أن انتشار النكتة لا ينتهي إلى حد تعذر التأثر، ومما يؤيد هذا المقام ما اشتمل عليه كثير من الأدعية المأثورة من أهل بيت النبوة صلوات الله عليه من الاستعاذة بالله من ذنب لا يوفق صاحبه للتوبة بعده أبدا، ثم أقول: إن هنا دقيقة اخرى هي أنه يستفاد من قوله * (وهديناه

[ 65 ]

النجدين) * أي نجد الخير ونجد الشر ومن نظائره من الآيات والروايات ومن قوله تعالى * (إن الله يحول بين المرء وقلبه) * ومن نظائره من الآيات والروايات أن تصوير النجدين وتمييز نجد الخير من نجد الشر من جانبه تعالى وأنه تعالى قد يحول بين المرء وبين أن يميل إلى الباطل وقد لا يحول ويخلى بينه وبين الشيطان ليضله عن الحق ويلهمه الباطل، وذلك نوع من غضبه يتفرع على أختيار العبد العمى بعد أن عرفه الله تعالى نجد الخير ونجد الشر فهذا معنى كونه تعالى هاديا ومضلا، وبالجملة أن الله يقعد أولا في أحد اذني قلب الإنسان ملكا وفي أحد اذنيه شيطانا ثم يلقي في قلبه اليقين بالمعارف الضرورية، فإن عزم الإنسان على إظهار تلك المعارف والعمل بمقتضاها يزيد الله في توفيقه، وإن عزم الإنسان على إظهار تلك المعارف والعمل بمقتضاها يزيد الله في توفيقه وإن عزم على إخفائها وإظهار خلافها يرفع الملك عن قلبه ويخلي بينه وبين الشيطان ليلقي في قلبه الأباطيل الظنية، وهذا معنى كونه تعالى مضلا لبعض عباده. وقال شارح كشف الحق للرد على الأشاعرة القائلين بأنه تعالى هو الهادي والمضل مستدلين بقوله تعالى * (يضل من يشاء ويهدي من يشاء) *: إن هذا مدفوع بما فصله الأصحاب في تحقيق معنى الهداية والضلالة وحاصله أن الهدى يستعمل في اللغة بمعنى الدلالة والإرشاد نحو * (إن علينا للهدى) * وبمعنى التوفيق نحو * (والذين اهتدوا زادهم هدى) * وبمعنى الثواب نحو * (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم جنات تجري من تحتها الأنهار) * وبمعنى الفوز والنجاة نحو * (لو هدانا الله لهديناكم) * وبمعنى الحكم والتسمية نحو * (أتريدون أن تهدوا من أضل الله) * يعني أتريدون أن تسموا مهتديا من سماه الله ضالا وحكم بذلك عليه، والإضلال يأتي على وجوه، أحدهما: الجهل بالشئ يقال: أضل بعيره إذا جهل مكانه، وثانيها: الإضاعة يقال: أضله أي أضاعه وأبطله، ومنه قوله تعالى * (أضل أعمالهم) * أي أبطلها، وثالثها: بمعنى الحكم والتسمية يقال: أضل فلان فلانا أي حكم عليه بذلك وسماه به، ورابعها: بمعنى الوجدان والمصادفة يقال: أضللت فلانا أي وجدته ضالا كما يقال: أبخلته أي وجدته بخيلا، وعليه حمل قوله تعالى * (وأضله الله على علم) * أي وجده وحمل أيضا على معنى الحكم والتسمية وعلى معنى العذاب، وخامسها: أن يفعل ما عنده يضل ويضيفه إلى نفسه مجازا لأجل ذلك كقوله تعالى * (يضل به كثيرا) * أي يضل عنده كثير. وسادسها: أن يكون متعديا إلى مفعولين نحو * (فأضلونا السبيلا) * و * (ليضل عن سبيله) * وهذا هو الإضلال بمعنى الإغواء وهو محل الخلاف بيننا وبينهم، وليس في القرآن ولا في السنة شئ يضاف إلى الله تعالى بهذا المعنى (وما امروا إلا بدون سعتهم وكل شئ امر الناس بهم فهم

[ 66 ]

يسعون له وكل شئ لا يسعون له فهو موضوع عنهم قال الفاضل المذكور في حاشيته على الفوائد في مقام نقله هذا الحديث قصده (عليه السلام) منه: إن الله تعالى وسع في أوامره ونواهيه وكلفهم دون طاقتهم فبطل ما قالته المعتزلة والأشاعرة من أن الله تعالى كلفهم بالنظر والفكر في تحصيل معرفة الله تعالى ومعرفة الرسول (صلى الله عليه وآله) (ولكن الناس لا خير فيهم) لتمسكهم في اصول الدين وفروعه بمفتريات أوهامهم ومكتسبات أفهامهم وقصده (عليه السلام) منه هو التنبيه بأنه يجب الرجوع: في جميع ذلك إلى النبي (صلى الله عليه وآله) والأوصياء (عليهم السلام) وقد حمل على ذلك ما روي عنه (عليه السلام). قال: " حجة الله تعالى على العباد النبي (صلى الله عليه وآله) والحجة فيما بين الله وبين العباد العقل " (1) وما روي عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: " يا هشام إن لله على الناس حجتين حجة ظاهرة وحجة باطنة، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة وأما الباطنة فالعقول " (2) وما روي عنه ابن السكيت حين قال له: " ما الحجة على الخلق اليوم ؟ فقال (عليه السلام): العقل يعرف به الصادق على الله فيصدقه والكاذب على الله فيكذبه، فقال ابن السكيت: هذا والله هو الجواب " (3) ووجه الحمل أن الحجة الظاهرة وهو الرسول يبين طريق الخير والشر والحجة الباطنة وهو العقل يختار الخير ويترك الشر ويميز بينهما، وهذا معنى كونه حجة كما يستفاد من الروايات لا أنه مستقل بتحصيل المقدمات كما زعمه المعتزلة ومن يحذو حذوهم لأن العقول الناقصة كثيرا ما تأخذ المقدمات الكاذبة وتزعم أنها صادقة فيبعد بذلك عن المطالب الحقة، فلو كان العقل مكلفا بتحصيلها من قبله بدون التشبث بذيل حجة ظاهرة ووقع الخطأ منه كان معذورا، ولزم من ذلك أن يكون البراهمة والزنادقة والملاحدة وغيرهم من الفرق المبتدعة معذورين لا حجة لله تعالى عليهم يوم القيامة (ثم تلا (عليه السلام)) اسشهادا لقوله (لم تجد أحدا في ضيق) وقوله (وما أمروا إلا بدون سعتهم) * (ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون) * لكمال فقرهم * (ما ينفقون) * في سبيل الجهاد * (حرج فوضع عنهم) * الحرج والإثم للقعود عن الجهاد والتأخير في الخروج * (ما على المحسنين) * وهم الضعفاء والمرضى * (من سبيل) * إلى معاتبتهم ومؤاخذتهم وتكليفهم بما ليس في وسعهم وإنما وضع الظاهر موضع الضمير للدلالة على أن اتصافهم بصفة الإحسان ودخولهم في المجاهدين بالقلب واللسان وأن تخلفوا


1 - راجع كتاب العقل والجهل. 2 - راجع كتاب العقل والجهل. 3 - راجع كتاب العقل والجهل. (*)

[ 67 ]

عنهم بالأبدان صار منشأ لنفي الحرج عنهم كما قال سبحانه * (إذا نصحوا لله ورسوله) * * (والله غفور رحيم) * يغفر لهم خطيئاتهم ولا يكلفهم بما لا يطيقون * (ولا على الذين إذا ما أتوك) * من فقراء الصحابة (لتحملهم) إلى الجهاد بتحصيل الراحلة والزاد ليغزوا معك، قلت: لا أجد ما أحملكم عليه * (تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا ما ينفقون) * (قال: فوضع عنهم) الجهاد والحرج * (لأنهم لا يجدون) * ما يركبون وما ينفقون والمقصود من ذكر الآية الكريمة أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها فكيف يكلف الناس على اختلاف طبائعهم وتفاوت عقولهم أن يكتسبوا المعارف والأحكام بمجرد أوهامهم.

[ 68 ]

باب الهداية أنها من الله عز وجل * الأصل: 1 - " عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن إسماعيل، عن إسماعيل السراج، عن ابن مسكان، عن ثابت بن سعيد قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): يا ثابت مالكم وللناس، كفوا عن الناس ولا تدعوا أحدا إلى أمركم، فوالله لو أن أهل السماوات وأهل الأرضين اجتمعوا على أن يهدوا عبدا يريد الله ضلالته ما استطاعوا على أن يهدوه، ولو أن أهل السموات وأهل الأرضين اجتمعوا على أن يضلوا عبدا يريد الله هدايته ما استطاعوا أن يضلوه، كفوا عن الناس ولا يقول أحد: عمي وأخي وابن عمي وجاري فإن الله إذا أراد بعبد خيرا طيب روحه فلا يسمع معروفا إلا عرفه ولا منكرا إلا أنكره. ثم يقذف الله في قلبه كلمة يجمع بها أمره ". * الشرح: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن إسماعيل، عن إسماعيل سراج) في بعض النسخ، عن أبي إسماعيل السراج وهو الأظهر، وأسمه عبد الله بن عثمان (عن ابن مسكان عن ثابت بن سعيد) قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) يا ثابت مالكم وللناس ؟) الواو للعطف على الضمير المجرور بإعادة الجار، والعامل معنوي يشعر به كلمة الاستفهام وحرف الجر الطالبان للفعل، والمعنى: ما تصنعون أنتم والناس، والمقصود هو الحث على التباعد منهم وترك المبالغة والمخاصمة معهم في أمر الدين (كفوا) أنفسكم (عن الناس ولا تدعوا أحدا إلى أمركم) الأمر بالكف والنهي عن الدعاء إما لأجل ما كان في ذلك الزمان من شدة التقية من أهل الجور والعدوان، وإما لأن القصد منه ترك المبالغة في الدعاء وعدم المخاصمة في أمر الدين وذلك لأن المستعد لقبوله يكفيه أدنى الإشارة والمبطل لاستعداده الفطري لا ينفعه السيف والسنان فكيف المخاصمة باللسان (فوالله لو أن أهل السماوات وأهل الأرضين اجتمعوا على أن يهدوا عبدا) أن يوصلوه إلى المطلوب ولو بالجبر وإنما فسرنا بذلك لأن الهداية بمعنى إراءة الطريق والإرشاد يجتمع مع الضلالة (يريد الله ضلالته) أي عذابه وإرشاده في الآخرة إلى طريق جهنم بسبب كفره وعصيانه اختيارا في الدنيا، هذا إن اريد بالإرادة معناها المعروف وأما إن اريد بها العلم الأزلي والذكر الأولي وقد أشرنا سابقا إلى أنها تجئ لهذا المعنى أيضا فلا حاجة إلى ذلك التوجيه، لأن من علم الله تعالى ضلالته في الأزل باختياره فهو يموت ضالا ولا ينفعه نصح الناصح (ما استطاعوا) أي ما قدروا (على أن

[ 69 ]

يهدوه) لضرورة أن مراده ومعلومه تعالى واقعان لا مرد لهما وإن كان الضلالة وأسبابها القريبة واقعة باختيار العبد لذلك خاطب الله تعالى رسوله بقوله * (إنك لا تهدي من أحببت) * (ولو أن أهل السماوات وأهل الأرضين اجتمعوا على أن يضلوا) عن طريق الحق ويخرجوا عن الصراط المستقيم (عبدا يريد الله هداه) أي إثابته بالجنة ونعيمها أو إرشاده في الآخرة إلى طريق الجنة وإيصاله الى المطلوب بسبب إيمانه وإحسانه في الدنيا باختياره، أو المراد بالإرادة العلم الأزلي بهدايته (ما استطاعوا أن يضلوه) لما عرفت (كفوا عن الناس) لعادلين عن الصراط المستقيم والمارقين من الدين القويم (ولا يقول أحد عمي) أي هذا عمي (وأخي وابن عمي وجاري) وقعوا في الضلالة فتبعثه الحمية النسبية والغيرة العصبية على أن ينجيهم منها طوعا وكرها (فإن الله إذا أراد بعبد خيرا) لعل المراد به نوع من اللطف الذي له تعالى بعباده وذلك اللطف قد يكون بمجرد التفضل لأنه تعالى كثيرا ما يخرج العبد من الشقاوة إلى السعادة تفضلا وإحسانا وقد يكون بواسطة رجوع النفس الأمارة الضالة إليه تعالى وقتا ما إذ مامن نفس إلا ولها رجعة إلى جناب الحق فربما يدركه اللطف الإلهي حينئذ (طيب روحه) عن خبائث العقائد الباطلة فيخرجه من الجه المركب إلى الجهل البسيط (فلا يسمع) بعد ذلك (معروفا إلا عرفه) فيعرف أنه حق في نفس الأمر (ولا منكرا إلا أنكره) فيعرف أنه باطل لا حقيقة له فيعدل عنه ويميل إلى المعروف (ثم يقذف الله في قبله) لحسن استعداده بلا واسطة أو بواسطة ملك موكل عليه (كلمة يجمع بها أمره) وهي كلمة الإخلاص التي يتخلص بها العبد عن العلائق الجسمانية ويترقى إلى الفضائل الروحانية ويتشرف بالعوائد الربانية أو كلمة الحكمة وهي شئ يجعل الله تعالى في القلب فينوره حتى يفهم المشروعات والمحظورات ويعلم المعقولات والمستحيلات. * الأصل: 2 - " علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن حمران، عن سليمان ابن خالد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال: إن الله عز وجل إذا أراد بعبد خيرا نكت في قلبه نكتة من نور وفتح مسامع قلبه ووكل به ملكا يسدده، وإذا أراد بعبد سوءا نكت في قلبه نكتة سوداء وسد مسامع قلبه ووكل به شيطانا يضله، ثم تلا هذه الآية: * (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يريد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء) *. * الشرح: (علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن حمران، عن سليمان ابن خالد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال: إن الله إذا أراد بعبد خيرا) أي علم منه ذلك أو أراده لصفاء قلبه

[ 70 ]

وميله إلى نجد الخير (نكت في قلبه نكتة من نور) أي أحدثها فيه وهو من نكت الأرض بالقضيب إذا أثر فيها (وفتح مسامع قلبه) التي يسمع بها كلمات الحق وإلهامات الملك (ووكل به ملكا يسدده) بإلهام الحق ونفخ الصواب وهذا التسديد يسمى لمة الملك (وإذا أراد بعبد سوء) لحركته إلى نجد الشر وميله إلى سبيل الضلال (نكت في قلبه نكتة سواء وسد مسامع قلبه) وهو الختم لئلا يدخل فيه الحق (ووكل به شيطانا يضله) يعني خلى بينه وبين الشيطان ليضله عن الحق ويلهمه الباطل وهذا الإضلال يسمى لمة الشيطان. ومن طريق العامة " أن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب الحق وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فيحمد الله ومن وجد الاخرى فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم (1) "، وتوضيح ذلك أن الله تعالى خلق القلب صافيا مجلوا قابلا للصفات النورانية، فإن مال إلى الحق يحدث الله تعالى فيه نور الإيمان ويوفقه له وهو المراد بالنكتة النورانية لأن الإيمان وغيره من الفضائل كلها نورانية وبذلك النور ينفتح المسامع القلبية ويقرأ عيه الملك كلمات الخيرات فإن استمع إليها واعتقد بالعقليات عمل وبالعمليات ازدادت نورانيته حتى يصير نورا صرفا يتنور في عالم الأرواح كالشمس في عالم الأجسام، وإن مال إلى الباطل يحدث الله تعالى فيه ظلمة الكفر ويسلب التوفيق عنه حتى يمضي ما أراد أمضاءه، وهذا هو المراد بالنكتة السوداء لأن الكفر وغيره من الدمائم كلها ظلمة وسوداء وبتلك النكتة السوداء ينسد مسامع الإلهامات الملكية وينفتح مسامع الوساوس الشيطانية فيقرء الشيطان عليه كلمات الشرور فإن استمع إليها وعمل بها ازدادت ظلمته حتى يصير كله ظلمانيا صرفا كالقمر المنخسف، وسيجئ لهذا زيادة تحقيق في باب الذنوب إن شاء الله تعالى (ثم تلا هذه الآية: * (فمن يرد الله أن يهديه) *) في الآخرة إلى طريق الجنة وفي الدنيا إلى طريق الخيرات بعد أن عرفه النجدين وحسن استعداده لنجد الخير * (يشرح صدره للإسلام) * أي لقبول معارفه وأحكامه حتى تتأكد عزمه عليها ويقوي الداعي على التمسك بها ويزول عنه الوساوس والشيطانية والهواجس النفسانية وذلك من لطف الله تعالى عليه وكمال إحسانه إليه * (ومن يرد أن يضله) * عن طريق الجنة بإرشاده إلى النار وتخليته مع الشرور لأجل إبطاله الاستعداد الفطري وإعراضه عن طريق الخير * (يجعل صدره ضيقا حرجا) * لانقباضه بقبض الكفر والعصيان وتقيده بقيد الظلمة والطغيان، يعني أنه تعالى يسلب اللطف عنه لا أنه يسلب الإيمان عنه بل لا يبعد أن يقال: إن يقال: إن صنعه


1 - أخرجه الترمذي في السنن ج 11 ص 109 وقال هذا حديث حسن غريب. (*)

[ 71 ]

تعالى ذلك لطف بالنظر عنه لا أنه يسلب الإيمان عنه بل لا يبعد أن يقال: إن صنعه تعالى ذلك لطف بالنظر، إليه، ألا ترى أنك تضييق على من وقع من عبيدك في مخالفة أمرك لعله يتذكر أو يخشى فيرجع إلى الموافقة * (كأنما يصعد في السماء) * شبه ضيق الصدر عن قبول الإيمان ولوازمه بمن يصعد في السماء في أنه كما يمتنع الصعود من هذا كذلك يمتنع قبول الإيمان من ذاك. وقيل: معناه أن ضيق الصدر يبعد من الإيمان كما يبعد الصاعد من السماء وفيه مبالغة لبعده عن قبول الإيمان ويقرب منه ما قبل من أن قرار ضيق الصدر عن الإيمان وثقله عليه بمنزلة فرار من يفر إلى السماء، وهذا مثل لغاية التباعد من الشئ والفرار عنه، وقال الصدوق في كتاب عيون أخبار الرضا (عليه السلام): " حدثنا عبد الواحد بن محمد بن عبدوس العطار رضي الله عنه قال: حدثنا علي بن محمد بن قتيبة النيسابوري عن حمدان بن سليمان النيسابوري قال: سألت أبا الحسن علي بن موسى الرضا: عن قوله الله عز وجل * (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام) * قال: من يرد الله أن يهديه بإيمانه في الدنيا إلى جنته ودار كرامته في الآخرة يشرح صدره للتسليم لله والثقة به والسكون إلى ما وعده من ثوابه ويطمئن إليه، ومن يرد أن يضله عن جنته ودار كرامته في الآخرة لكفره وعصيانه له في دار الدنيا يجعل صدره ضيقا حتى يشك في كفره ويضطرب من اعتقاده قلبه حتى يصير كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون " ومثله بعينه رواه الشيخ الطبرسي (رحمه الله) في كتابه الاحتجاج. * الأصل: 3 - " عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن علي بن عقبة عن أبيه قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: اجعلوا أمركم لله ولا تجعلوه للناس فإنه ما كان لله فهو لله وما للناس فلا يصعد إلى الله، ولا تخاصموا الناس لدينكم فإن المخاصمة ممرضة للقلب، إن الله تعالى قال لنبيه (صلى الله عليه وآله): * (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) * وقال: * (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) * ذروا الناس فإن الناس أخذوا عن الناس وإنكم أخذتم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، إني سمعت أبي (عليه السلام) يقول: إن الله عز وجل إذا كتب على عبد أن يدخل في هذا الأمر كان أسرع إليه من الطير إلى وكره ". * الشرح: (عده من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن علي بن عقبة، عن أبيه قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: اجعلوا أمركم) في القول والفعل خالصا (الله) طلبا لمرضاته (ولا

[ 72 ]

تجعلوا للناس) طلبا للسمعة والغلبة عليهم (فإنه ما كان لله فهو لله) أي ماكان من الأقوال والأفعال في الدنيا لله فهو في الآخرة أيضا لله يطلب الثواب منه، أو ما كان لله فهو يصعد إلى الله، فلا يرد أن الحمل غير مفيد (وما كان للناس فلا يصعد إلى الله) لأنه تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا له (ولا تخاصموا الناس لدينكم فإن المخاصمة ممرضة) (1) بفتح الميم والراء بينهما ميم ساكنة اسم مكان للكثرة، وبكسرها: اسم آلة وبضمها وكسر الراء: اسم فاعل من أمرضه إذا جعله مريضا (للقلب) لأن كل واحد من المتخاصمين يلقي شبهة على صاحبه والشبهة مرض القلب وهلاكه، وإيضا إذا بلغ الكلام إلى حد الخصومة فكثيرا يتجاوز عن القدر اللائق في النصيحة وذلك يوجب ازدياد ميل قلب المخاطب إلى الباطل وبالجملة القلب المستعد لقبول الحق يكفيه أدنى الدعوة


1 - قوله " ممرضة للقلب " الحاصل من روايات هذا الباب على ما يتبادر الى الوهم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليسا بواجبين مع أن وجوبهما صريح القرآن بل من ضروريات دين الإسلام والأخبار متواترة بذلك وطريق الجمع فيه عين ما يقال في قوله تعالى * (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) * وأمثاله، وتوسل بعضهم بالنسخ وأن عدم الإكراه منسوخ بفرض الجهاد وهو ضعيف. ثم لا يجري هذا الجواب في أمثال قوله تعالى: * (وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) * وقوله: * (انك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) * والحل أن الاعتقاد أو الأيمان الحقيقي لا يتحقق بالإكراه وإنما يؤثر الإكراه في التلفظ بلفظ لا يعتقد معناه ولا يأمر الله تعالى بشئ يعلم أن وجوده غير ممكن، وما ورد في روايات هذا الباب إنما هو النهي عن الإكراه والالتزام اللفظي والتظاهر بالدين فإنما لا تفيد الإنسان شيئا والإصرار فيه متعبة على الأمر ومضجرة للمأمور، وربما يلزم منه الفساد، وأما ما يستفاد منه من الجبر فالجواب عنه قد علم مما مر ويشير إليه الشارح وإذا غلب على الإنسان العادات السيئة والعجب بالنفس والانهماك في الشهوات والتعصب للغلط، وران على قلوبهم ما كانوا يكسبون. لم يؤثر منهم دعوة الأنبياء وموعظة الصلحاء وليس ذلك إلا لتقصير المكلف نفسه ولما كان حصول هذه المقدمات والأسباب منه جاز عقابه ولأن أفاضة الصور واللوازم على المواد المستعدة بعد وجود أسبابها من الله تعالى نسبت إليه ولا يدفع عن المكلف المسؤولية بكون الإفاضة من الله تعالى كما لا يدفع حصول صورة الخمر في العصير بأمر الله تعالى الأثم عن العاصر كما بين فيما مضى، ثم أن وزن مفعلة لا يجب أن يكون اسم مكان أو مصدرا بل هي صيغة خاصة تدل على الكثرة وسماعية غير قياسية نظير وزن فعالة لما ينتشر بالفع كالصبابة والقراضة والقلامة والنشارة يقال " السواك مطهرة للفم، وصلة الرحم منماة للمال والبطنة مؤسنة " وأمثال ذلك كثير وبالله التوفيق. (ش) (*)

[ 73 ]

والقب المتوغل في الباطل لا ينفعه الخصومة بل ربما تضره (إن الله تعالى قال لنبيه: * (إنك لا تهدي من أحببت) *) يعني لا تقدر أن توصله إلى المطلوب وتدخله في دين الإسلام * (ولكن الله يهدي من يشاء) * أي يوصله إلى المطلوب ويدخله في الإسلام، ويمكن أن يراد بالهداية هنا التوفيق وإيجاد اللطف وأن الله سبحانه هو الذي يحول بين المرء وقلبه فهو الهادي بهذا المعنى دون غيره، وفيه تسلية لهم بأنه إذا لم يقدر النبي (صلى الله عليه وآله) على هدايتهم بأنتم أولى بعدم القدرة عليها (وقال: * (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) *) إنكار لإكراهه وإجباره إياهم على الإيمان تحقيقا لمعنى التكليف والثواب والجزاء. وقال الشيخ أبو علي في تفسيره: معناه أنه لا ينبغي أن تريد إكراههم على الإيمان مع أنك لا تقدر عليه لأن الله تعالى يقدر عليه ولا يريده لأنه ينافي التكليف، وأراد بذلك تسلية النبي (صلى الله عليه وآله) وتخفيف ما يلحقه من التحسر والحرص على إيمانهم عنه، وفي هذا دلالة على بطلان قول المجبرة أنه تعالى لم يزل كان شائيا وأنة لا يوصف بالقدرة على أن يشاء لأنه أخبر أنه لو شاء لقدر لكنه لم يشأ فلذلك لم يوجد، وإن كانت مشيته أزلية لم يصح تعليقها بالشرط، ألا ترى أنه لا يصح أن يقال: لو علم الله ولو قدر كما صح أن يقال: لو شاء ولو أراد، وفي كتاب عيون أخبار الرضا (عليه السلام) قال له المأمون: " ما معنى قوله الله جل ثناؤه * (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) *، * (وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله) * ؟ فقال الرضا (عليه السلام) حدثني أبي موسى بن جعفر، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: إن المسلمين قالوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله): لو أكرهت يا رسول الله من قدرت عليه من الناس على الإسلام لكثر عددنا وقوينا على عدونا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما كنت لألقى الله عز وجل ببدعة لم يحدث إلي فيها شيئا وما أنا م المتكلفين فأنزل الله تبارك وتعالى يا محمد * (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا) * على سبيل الإلجاء والاضطرار في الدنيا كما يؤمن عند المعاينة ورؤية البأس وفي الآخرة، ولو فعلت ذلك بهم لم يستحقوا مني ثوابا ولا مدحا لكني اريد منهم أن يؤمنوا مختارين غير مضطرين ليستحقوا مني الزلفى والكرامة ودوام الخلود في جنة الخلد * (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) * وأما قوله عز وجل * (وما كان لنفس أن تؤمن إلا بأذن الله) * فليس على سبيل تحريم الإيمان عليها ولكن على معنى أنة اما كانت لتؤمن إلا باذن الله وإذنه أمره لها بالإيمان ما كانت مكلفة متعبدة، وإلجاؤه إياها إلى الإيمان عند زوال التكليف والتعبد عنها. فقال المأمون: فرجت عني يا أبا الحسن فرج الله عنك (ذروا الناس) اتركوهم بحالهم ولا تقصدوا مخالطتهم ومؤالفتهم في دينهم (فان الناس

[ 74 ]

أخذوا عن الناس) ما يقتضيه آراءهم الفاسدة وقياساتهم الباطلة (وإنكم أخذتم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)) دين الله الذي أنزله إليه لمصالح العباد، فليس في تركهم مضرة لكم، ولا في مخالطهم منفعة لكم (إني سمعت أبي (عليه السلام) يقول: إن الله إذا كتب) بقلم التقدير في اللوح المحفوظ (على عبد أن يدخل في هذا الأمر) ويذعن له إذعانا خالصا عن شوائب الشكوك ومفاسد الأوهام (كان أسرع إليه من الطير إلى وكره) دعي أو لم يدع، والوكر بفتح الواو وسكون الكاف: عش الطائر وهو موضعه الذي يجمعه من دقاق العيدان وغيرها للتفريخ وهو في أفنان الشجر، فإذا كان في جبل أو جدار أو نحوهما فهو، وكر ووكن، وإذا كان في الأرض فهو افحوص وأدحي. * الأصل: 4 - " أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان بن يحيى، عن محمد بن مروان، عن فضيل بن يسار قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ندعوا الناس إلى هذا الأمر ؟ فقال: لا يا فضيل، إن الله إذا أراد بعبد خيرا أمر ملكا فأخذ بعنقه فاخله في هذا الأمر طائعا أو كارها ". * الشرح: (أبو علي الأشعري عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان بن يحيى، عن محمد بن مروان، عن فضيل بن يسار قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ندعو الناس إلى هذا الأمر) طلب الإجازة على ذلك ولما كان الناس في ذلك العصر متعصبين معاندين للحق وأهله أشار (عليه السلام) إلى نهيه عن دعائهم مطلقا أو عن المبالغة لما فيه من صلاح الفرقة الناجية مع الإشارة إلى التعليل لذلك النهي تسلية له وتسكينا لحزنه (فقال: لا يا فضيل إن الله إذا أراد بعبد خيرا) لقصد إخراجه من الشقاوة تفضلا ولطفا (أمر ملكا فأخذ بعنقه فأدخله في هذا الأمر طائعا) إذا لم يبلغ اللطف حد الكمال (أو كارها) إذا بلغه ولم يبلغ حد الجبر لأن الجبر عندنا منفي. كمل كتاب العقل والعلم والتوحيد من كتاب الكافي ويتلوه كتاب الحجة.

[ 75 ]

كتاب الحجة بسم الله الرحمن الرحيم باب الاضطرار الى الحجة * الأصل: يا عالم الدقائق والسرائر ويا ملهم الحقائق على الضمائر، لك الحمد على ما أعطيتنا من دقائق الأسرار ولك الشكر على ما ألهمتنا من حقائق الأخبار، ولنبيك الهادي إلى أحسن الأديان أكمل الوسيلة وأفضل الصلوات، ولوليك الداعي بأفصح البيان أرفع الدرجة وأكمل التحيات وبعد فيقول المفتقر إلى رحمة ربه الغني محمد صالح الطبرسي: إني بعد ما شرحت ما تقدم من الكافي شرحا أقبل عليه العالمون وركن إليه العارفون وعكف عليه الناظرون ولم ير مثله المتقدمون والمتأخرون وكان ذلك من فضل ربي والله ذو الفضل العظيم سألني بعض إخواني في الدين ومن له جد في طلب اليقين أن أكتب فيما بقي منه حاشية مبينة لغوامض الكتاب معللا بأن الشرح على ذلك المنوال موجب لغاية الإطناب فأجبته في مسؤوله وأسعفته بمأموله وشرحت في كتاب الحجة على تلك المحجة طالبا من الله الدراية ومنه الهداية في البداية والنهاية. * الشرح: قوله: (باب الاضطرار إلى الحجة) (1) اضطر إلى الشئ بالضم: أي الجئ إليه من الضرورة


1 - قوله " باب الاضطرار إلى الحجة " وموضوع هذا الكتاب وموارد البحث فيه تدور على شيئين: الأول: البحث عن الشارع ووضع الأحكام والقوانين لفعل الإنسان فيما يتعلق بنفسه وأهله ومدينته، والثاني: في مبين هذه الأحكام ومجريها وحافظها وهما مما حام حوله جميع الناس من لدن حصول الاجتماع والتمدن إلى عصرنا. ونظر فيه الفلاسفة والعلماء من جميع الملل والمذاهب ولم يختص به فرقة دون فرقة حتى الماديين والطبيعيين ولا يسعنا هنا نقل أقوالهم وآرائهم وحججهم وما فيها النقد والتزييف وإنما علينا بيان المذهب الحق بقدر ما يبين به الأخبار الواردة في الكتاب اللهم إلا إذا احتيج إلى إشارة إجمالية إلى مذهب المخالف حتى يظهر صدق دعوانا في مذهبنا إن شاء الله تعالى، ولا ينبغي التأمل والترديد في أن الشارع عندنا هو الله تعالى بما يوحي = (*)

[ 76 ]

بمعنى الحاجة. والحجة في اللغة: الغلبة، من حجه إذا غلبه وشاع استعمالها في البرهان مجازا أو حقيقة عرفية، ثم شاع في عرفه المتشرعة إطلاقها على الهادي إلى الله المنصوب من قبله. [ قال أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني مصنف هذا الكتاب (رحمه الله) حدثنا ]. * الأصل: 1 - " علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن العباس عمر الفقيمي، عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال للزنديق الذي سأله من أين أثبت الأنبياء والرسل ؟ قال: أنا لما أثبتنا لنا خالقا صانعا متعاليا عنا وعن جميع ما خلق وكان ذلك الصانع حكيما متعاليا لم يجز أن يشاهد خلقه ولا يلامسوه فيباشرهم ويباشروه ويحاجهم ويحاجوه، ثبت أن له سفراء في خلقه، يعبرون عنه إلى خلقه وعباده، ويدلونهم على مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم، فثبت الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه والمعبرون عنه جل وعز وهم الأنبياء (عليهم السلام) وصفوته من خلقه، حكماء مؤدبين بالحكمة (1) مبعوثين بها، غير مشاركين للناس - على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب - في شئ من أحوالهم، مؤدين من عند الحكيم العليم بالحكمة، ثم ثبت ذلك في كل دهر وزمان مما أتت به الرسل والأنبياء من الدلائل والبراهين، لكيلا تخلو أرض الله من حجة يكون معه علم يدل على صدق مقالته وجواز عدالته. * الشرح: قوله: (من أين أثبت الأنبياء والرسل) الثاني أخص من الأول كما سيجي وأثبت غائب مجهول أو خطاب معلوم، و " أين " سؤال عن المكان والمراد به هنا الدليل لأنه محل لإثبات المطالب فكأنه قال: إن سلمنا وجود الصانع لهذا الخلق فلم لم يجر حكمه فيهم من غير حاجة إلى إرسال الرسول ومن أي دليل لزم إثباته ؟


= إلى أنبيائه ومذهب المخالف أن هذا وظيفة عقلاء البشر وأصحاب الحنكة والتجربة منهم فالإنسان عندهم هو الشارع لنفسه. وأما مجري الأحكام وحافظها عندنا هو الإمام المعصوم المنصوب من قبل الله تعالى ومذهب المخالف أنه لا يجب كونه معصوما ولا منصوبا من قبله تعالى بل على الناس أن يختاروا لأمرهم من يريدونه بحسب مصالحهم أو يذعنوا وينقادوا لم تأمر عليهم بالغلبة على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. (ش) 1 - في بعض النسخ [ مؤدبين في الحكمة ]. (*)

[ 77 ]

قوله: (لما أثبتنا) يعني بالعقل لا بالنقل لئلا يدور (1) إذ إثبات الرسول متوقف على العلم بوجود الصانع فلو انعكس لزم الدور. قوله (أن لنا خالقا صانعا متعاليا عنا وعن جميع ما خلق) المراد بالخالق هو الموجد على تقدير معلوم ووزن مخصوص، وبالصانع هو الموجد على تدبير ومصالح لا تغيب عمن نظر إلى أحوال الحيوانات والنباتات والجمادات وغير ذلك من المكونات وقد اشتمل على بعض ما في أعضاء الإنسان من المصالح والمنافع، علم التشريح، وبالتعالي: تعاليه عن مجانستنا ومشابهتنا وأزمنتنا وأمكنتنا، وعن مشابهة شئ من المخلوقات بشئ من الذات والصفات كل ذلك يحكم به من له عقل صريح وقلب صحيح. قوله: (وكان ذلك الصانع حكيما متعاليا لم يجز أن يشاهد خلقه ولا يلامسوه) أشار بذلك إلى الموصوف بالصفات المذكورة للتنبيه على أنه صار كالمشاهد المحسوس لأجل تلك الصفات، والحكيم: هو العالم المتقن الذي يعلم الأشياء كما هي ولا يفعل شيئا عبثا وإنما يفعه لأمر ما، وإنما قيد الصانع بالحكمة والمتعالي بعدم جواز المشاهدة والملامسة لأن جواب لما وهو ثبوت السفراء يتوقف عليها أما على الأول فلأنه لو لم يكن حكيما لجاز أن يخلق الخلق عبثا (2) ولا يراد منهم


1 - قوله " لئلا يدور " لأن إثبات النبوة متوقف على إثبات الواجب تعالى فلو كان إثبات الواجب بقول الأنبياء (عليهم السلام) لزم توقف الشئ على نفسه بمراتب وقد ذكرنا مرارا في المجلدات السابقة أن الذين يحتجون لإثبات الواجب تعالى ولإثبات الحدوث بالإجماع والروايات فحجتهم دورية، وبالجملة لا ريب في أن إثبات النبوة متوقف على إثبات الله تعالى عقلا وسيأتي عن الشارح ما يخالف هذا عن قريب. (ش) 2 - قوله " لم لم يكن حكيما لجاز أن يخلق الخلق عبثا " من الأصول المقررة في مذهبنا وجوب اللطف على الله تعالى وهو فعل ما يقرب العبد الى الطاعة ويبعده عن المعصية وعليه يبتني إثبات النبوة والإمامة، ولو لم يكن اللطف لجاز أن يكون أمر التشريع مفوضا الى الناس يضعون كل حكم يرونه للعمل به في معاملاتهم وسياساتهم ولم يفوض إليهم قطعا، وقد استدل بهذا الأصل أعني اللطف هشام بن الحكم في وجوب نصب الإمام كما يأتي أن شاء الله في قصته مع عمرو بن عبيد والشامي في محضر الصادق (عليه السلام)، وقد روى العلامة المجلسي (رحمه الله) في البحار حديثا فيه فوائد كثيرة في المجلد الثالث ننقله تبركا عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " قال الله تعالى من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما ترددت عن شئ أنا فاعله في قبض نفس المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولابد منه وما يتقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه وما يزال = (*)

[ 78 ]

شيئا فلا يحتاج إلى سفير يبين ما أراد منهم، وأما على الثاني فلأنه لو جازت المشاهدة لجاز أن يرجع إليه كل أحد في استعلام مراده فلا يحتاج إلى سفير أيضا وبما قررنا ظهر أن قوله " لم يجز " صفة لقوله " متعاليا " لا جواب لقوله " لما " وألا لبطل نظم الخطاب ولم يكن لقوله " ثبت " محل من الإعراب.


= عبدي يبتهل إلي حتى أحبه ومن أحببته كنت له سمعا وبصرا ويدا وموئلا، إن دعاني أجبته وإن سألني أعطيته وإن من عبادي المؤمنين لمن يريد الباب من العيادة فأكفه عنه لئلا يدخله عجب فيفسده وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا بالفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا بالغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا بالسقم ولو صححت جسمه لأفسده ذلك وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا بالصحة ولو أسقمته لأفسده ذلك، أني أدبر عبادي لعلمي بقلوبهم فإني عليم خبير انتهى. ثم أنا نرى عناية الله تعالى في كل شئ حتى أنه لم يهمل البقة والنملة وما هو أصغر منهما فخلق لها ما تحتاج إليه في حياتها ومعاشها فبالحري أن يكون له عناية بالإنسان خصوصا فيما يتعلق بأشرف جزئيه وهو نفسه، وقالوا: إن الأحكام الشرعية لطف في الواجبات العقلية لأن ما يعرف الإنسان بعقله حسنه وقبحه لا يستغني فيه عن الشرع حتى يقربه إلى امتثال حكم العقل إذا علم فيه ثوابا وعقابا أخرويين، فإن قيل ألا يمكن أن يكون الله تعالى مع كونه حكيما ولطيفا بعباده يرى المصلحة في تفويض أمر التشريع الى الناس كما فوض إليهم في الصنائع والطب والعلوم الكونية ولم يبعث لذلك نبيا. ومذهب النصارى كذلك حيث خلت أناجيلهم عن الأحكام والشرائع وجعلوا أمر التشريع على عهدة الحكومات يضعون القوانين على مقتضى بيئتهم وزمانهم مع اعترافهم بالصانع الحكيم ؟ قلنا لا نسلم صحة ما عليه النصارى وكونه مأخوذا عن المسيح (عليه السلام) وقد وردوا أن المؤمنين الأولين به (عليه السلام) كانوا يعملون بشريعة موسى (عليه السلام) حتى ظهر بولس ووضع عنهم العمل التشريع لا يتم إلا بتجويز العقوبات على المتخلقين كالقتل والجرح والحبس والتأديب والتعزير ومصادرة الأموال وغير ذلك مما فطر الإنسان على تقبيحه إلا إذا وقع على وجهه المرضي لله تعالى وقد علم الله تعالى اختلاف الناس في الآراء وفيما يجوز به العقوبة، والحق واحد لا اختلاف فيه فلابد أن يكون الله تعالى راضيا بالحق وساخطا على خلافه، وأن يكون القاتل بغير حق مغضوبا لله تعالى فكيف يمكن أن يبغض القتل ويرضى بتشريع الناس المستلزم للقتل بغير حق البتة وأنما يناسب تجويز وضع القوانين مذهب الملاحدة المنكرين لوجوده تعالى. (ش) (*)

[ 79 ]

قوله: (فيباشرهم ويباشرونه ويحاجهم ويحاجونه) متفرع على المنفي إذ لو جازت المشاهدة والملامسة لجازت المباشرة والمحاجة والمكالمة كما هو المعروف في أبناء نوع الإنسان. قوله: (ثبت أن له سفراء في خلقه) السفراء بضم الأول وفتح الثاني: جمع السفير وهو الرسول والمصلح، فإن قلت: علة ثبوته عدم المشاهدة والملامسة وهي متحققة في السفير أيضا فيلزم افتقاره إلى سفير آخر وهكذا فيلزم التسلسل ؟ قلت: العلة هي ما ذكر مع عدم المشاهدة القلبية المخصوصة والمناسبة المعنوية المشخصة وإنما لم يذكرها (عليه السلام) أكتفاء بظهورها في الأنام على أنه يمكن أن يراد بالمشاهدة التي ذكرها الأمر الأعم الشامل للمشاهدة العينية والقلبية بحمل الجواز في قوله " لم يجز " على الإمكان الوقوعي والذاتي جميعا وتلك العلة حينئذ غير متحققة في السفر لأن له مشاهدات قلبية ومناسبات روحانية ومكاشفات نفسانية بتأييدات ربانية مقتضية لإرساله لئلا يبطل الحكمة في إيجاد الخلق. قوله: (يعبرون عنه إلى خلقه وعباده) يعبرون: إما مجرد من العبور وهو المرور ومنه فلان عابر سبيل أي مار الطريق، أو مزيد من التعبير وهو التفسير. والمعنى على الأول: أنهم يمرون عنه تعالى ويسافرون عن جانبه إلى خلقه بما أراد منهم من الأوامر والنواهي، وعلى الثاني: أنهم يفسرون مراده نيابة عنه ويوصلونه إلى خلقه، والأول أظهر والثاني أنسب بقوله " فالمعبرون ". قوله: (ويدلونهم على مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم) يمكن أن يراد بالمصالح: الأوامر والنواهي، وبالمنافع: الأعمال البدنية وبما به البقاء، الأخلاق النفسانية وبما في تركه الفناء، العقائد العقلية فإن التكاليف الزاجرة والأعمال الصالحة كلها مصالح دنيوية ومنافع اخروية والأخلاق الفاضلة والعقايد الكاملة كلها سبب لحياة النفس وبقائها وتركها سبب لموتها وفنائها (1) وبالجملة في الأخير إشارة إلى دلالتهم على الحكمة النظرية (2) وفيما قبله على الحكمة


1 - قوله " سبب لموتها وفنائها " ظاهر عبارة الشارح يوهم ما ليس مراده قطعا فإن نفس الإنسان باقية بعد فناء البدن سواء كان مؤمنا أو كافرا وبذلك يصح عقاب الكافر في الدار الآخرة ولو لم تكن باقية لم يجز عقاب نفس تحدث في المعاد كما لا يجوز عقاب الحشرات والديدان المكونة من أجساد الموتى لأن نفوسها حادثة وإن كانت أبدانها عين البدن العاصي والأحاديث والروايات دالة على بقاء أرواح الكفار أيضا وكلام الشارح يوهم أن صاحب الأخلاق الرذيلة والاعتقادات الباطلة لا تبقى، ولكن يجب تأويل كلامه ولا يجوز التسريع إلى تخطئة العلماء وتنفيذ آرائهم ما وجودنا الى تأويل كلامهم سبيلا إذ قد يصدر من الإنسان غير المعصوم كلام لا يستأنف = (*)

[ 80 ]

العملية. قوله: (فثبت الآمرون - الخ) تصريح لما مر وتأكيد له وفيه دلالة على ما ذكرناه.


= النظر فيه حتى يحقق مدلوله ويصلحه والحق في تفسير الحديث ما ذكره الصدر (قدس سره) من أن المراد بالبقاء والفناء فيه بقاء نوع الإنسان بوجود الشرائع والأحكام وفنائهم جميعا بتركها لأن الإنسان مدني بالطبع يحتاج إلى معاشرة أبناء نوعه وذلك محوج إلى قانون يحفظ الحقوق والحدود ويدفع التعدي والتجاوز فبوجود الشريعة الحافظة لحقوقهم يبقى نوعهم وبعدمها يفني ولا يريد بقاء الشخص وفناءه. (ش) 2 - قوله " على الحكمة النظرية " أي ما يتعلق بالإلهيات منها، لأن كشف أسرار الطبيعة ليس من وظائف الأنبياء (عليهم السلام)، وأما الحكمة العملية فجميع مسائلها من الدين ويؤخذ من الوحي سواء كانت من الأخلاق أو تدبير المنزل أو سياسة المدن ولذلك تركها حكماء الإسلام اكتفاء بما جاء في الشريعة الإسلامية، وأما فلاسفة اليونان فبحثوا عن مسائلها وكانت عندهم كتب وترجمت بعضها الى لغة العرب لكنه لا نسبة بينها وبين ما جاء في الشريعة من التفصيل والتحقيق وطريقة العمل والتمرن فلم يكن لهم فقه كفقه الإسلام وأخلاق نظير كتاب إحياء علوم الدين وسائر كتب السير والسلوك وتهذيب النفس وأمثال ذلك، وإنما أورد حكماء المسلمين قواعد كلية عامة مختصرة من اليونانيين من غير تعرض للتفاصيل كما تركوا آداب اليونان وشعرها وقصصها اكتفاء بأشعار العرب وأدب القرآن وقصص الأنبياء وآثار الصلحاء وتركوا علم الخطابة وهو ريطوريقا اكتفاء بمواعظ النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة والأولياء وأمثال ذلك ولكن أخذوا من اليونانيين علومهم الطبيعية والرياضية وأكملوا وزادوا إذ لم يكن تفصيلها من شأن الأنبياء (عليهم السلام) ولم يرد منها في الشريعة وكان هذا دأب المسلمين الى أن استولت النصارى على بلاد الإسلام فأفسدت عليهم أمرهم وشككوهم في دينهم فزعموا نعوذ بالله أن دين الإسلام ناقص وأحكامه لا تناسب كل زمان والمناسب لزماننا قوانين النصارى لا قواعد الإسلام وأحكامه والجواب: أن عدم مناسبة أحكامنا لهذا الزمان إنما هو لغلبة النصارى وشياع عاداتهم فكل قوم يستغربون ما يخالف عوائدهم كما استغرب المشركون على عهد النبي (صلى الله عليه وآله) نهيه عن الزناء وشرب الخمر فهو قسري، وإذا زال المانع عاد الممنوع عند غلبة المغول المشركين على بلاد الإسلام أيضا إجراء أحكام الإسلام مناسبا لعوائدهم وليس ذلك لنقص أو ضعف أو قبح ومضرة، وقطع يد السارق أحسن من حبسه ولو في زماننا وجلد الزاني كذلك والربا كذلك، واستغرابها لغلبة النصارى فقط في زماننا وغلبة المغول سابقا وقد كانت اللحية الكثيفة عند غلبة المغول قبيحة لأن أمراءهم كانوا كواسج فكان المسلمون ينتفون لحاهم حتى يصيروا مثلهم في الهيئة. (ش) (*)

[ 81 ]

قوله: (في خلقه) متعلق بثبت أو بالآمرين والناهين. قوله: (وصفوته) صفو الشئ خالصه بفتح الصاد لا غير وإذا ألحقوا الهاء وقالوا صفوة ففي الصاد حينئذ الحركات الثلاث. قوله: (مؤدبين بالحكمة مبعوثين بها) أدبه بالشي فتأدب: أي علمه فتعلم، وحقيقته دعا إليه فقبله، وبعثه بالشئ أرسله به، والمراد بالحكمة: الحكمة النظرية المتعلقة بكيفية العلم وحده والحكمة العملية المتعلقة بكيفية العلم والعمل، وفيه دلالة على أن المكمل لغيره لابد من أن يكون كاملا في نفسه. قوله: (غير مشاركين) يعني أن المشاركة بينهم وبين الخلق إنما هي في الشكل المخصوص والتركيب المعلوم لا في شئ من أحوالهم الظاهرة والباطنة مثل الأعمال البدنية وحسن المعاشرة والعقائد العقلية والعلوم الحكمية والأنوار الروحانية والأخلاق النفسانية فإنهم (عليهم السلام) في كل ذلك على وجه الكمال، وهم أنوار ربانية وأضواء رحمانية تتنور بنورهم صدور العالمين وتستضئ بضوئهم قلوب العارفين، وكل ما سواهم وإن بلغوا حد الكمال فمالهم ككمال السهاء بالقياس إلى البيضاء بل هو أدنى. قوله: (مؤدين.... بالحكمة) في بعض النسخ " مؤيدين " والأول أولى لفهم الثاني من قوله " مؤدبين بالحكمة " ولا يعارض ذلك بفهم الأول من قوله " مبعوثين بها " لأن التأدية لازم البعث لزوما عاديا لا نفسه، وفيه دلالة على أنهم (عليهم السلام) لا يتكلمون بشئ من الحكمة النظرية والعملية والامور الدنيوية والاخروية من قبل نفوسهم القدسية. قوله (ثم ثبت ذلك) لما أثبت (عليه السلام) أنه يجب أن يكون لله سبحانه في خلقه سفراء وأنبياء، وكانت النبوة رئاسة عظيمة ربما يدعيها الكاذب كما وقع في كثير من الأعصار أشار هنا الى ما يتميز به الصادق عن الكاذب ويعرف به نبوة كل شخص بعينه فقوله " ذلك " إشارة إلى السفير والنبي. وقوله " مما أتت به " متعلق بثبت، وقوله " من الدلائل والبراهين " بيان لما، المراد بالدلائل المعجزات القاهرة التي يعجز عن الإتيان بمثلها المتحدون، وبالبراهين الحجج العقلية التي دلت على صدق صاحبها ويعجب عنها الناظرون كما صدر عن نبينا (صلى الله عليه وآله) في أمر التوحيد والنبوة مع أصحاب الملل والملاحدة، ويحتمل أن يكون العطف للتفسير أيضا. قوله: (من حجة) وهو من أشار إليه جل شأنه بقوله " إني جاعل في الأرض خليفة " وهو المتصف بالخلافة العظمى والرئاسة الكبرى الذي يجري أمره في الأرض والسماء.

[ 82 ]

قوله: (يكون معه علم (1) يدل على صدق مقالته وجواز عدالته) وصف ل‍ " حجة " كاشف عن معناها، وفي تنكير " علم " دلالة على التعظيم كما أن في حذف متعلقة دلالة على العميم فإن الحجة هو الذي له علم كامل لا يعتريه الجهل والنقصان وفضل شامل لا يفوته شئ وجد في ساحة الإمكان حتى يصح الاستدلال به عى صدق كل ما يأتيه من الكلام وسير جواز عدالته بين فرق الأنام، وإنما خص هذه الأوصاف بالذكر لأنها اصول يتفرع عليها سائر الصفات اللايقة بالحجة إذ العلم بجميع الأقوال وجواز العدالة التي هي استقامة الباطن والظاهر وجريانها في البر والفاجر إذا اجتمعت في الإنسان فقد بلغ حد الكمال وتخلص عن النقصان واستحق أن يكون حجة الله على خلقه. * الأصل: 2 - " محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان بن يحيى، عن منصور بن حازم قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن الله أجل وأكرم من أن يعرف بخلقه، بل الخلق يعرفون، بالله، قال: صدقت، قلت: إن من عرف أن له ربا، فينبغي له أن يعرف أن لذلك الرب رضا وسخطا وأنه لا يعرف رضاه وسخطه إلا بوحي أو رسول، فمن لم يأته الوحي فقد ينبغي له أن يطلب الرسل فإذا لقيهم عرف أنهم الحجة وأن له الطاعة المفترضة. وقلت للناس: تعلمون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان هو الحجة من الله على خلقه ؟ قالوا: بلى، قلت: فحين مضى رسول الله (عليه السلام) من كان الحجة على خلقه ؟ قالوا: القرآن فنظرت، في القرآن فإذا هو يخاصم به المرجي والقدري الزنديق الذي لا يؤمن به حتى يغلب الرجال بخصومته، فعرفت أن القرآن لا يكون حجة إلا بقيم، فما قال فيه من شئ كان حقا، فقلت لهم: من قيم القرآن ؟ فقالوا ابن مسعود قد كان يعلم وعمر يعلم وحذيفه يعلم، قلت: كله ؟ قالوا: لا، فلم أجد أحدا يقال: إنه يعرف ذلك كله إلا عليا (عليه السلام) وإذا كان الشئ بين القوم فقال هذا: لا أدري، وقال: هذا: لا أدري، وقال هذا: لا أدري. وقال هذا: أنا أدري. فأشهد أن عليا (عليه السلام) كان قيم القرآن، وكانت طاعته مفترضة وكان الحجة على الناس بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأن ما قال في القرآن فهو حق، فقال: رحمك الله. * الشرح:


1 - يمكن أن يقرأ " علم " بفتح العين واللام أي علامة. (*)

[ 83 ]

قوله (إن الله أجل وأكرم من أن يعرف بخلقه - الخ) لعل المراد أنه (1) أجل من أن يعرف بإرشاد خلقه والهداة مرشدون إلى طريق معرفته، وأما الهداية والمعرفة فموهبية كما قال: " إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي يهدي من يشاء " بل الخلق يعرفون الله بالله أي بهدايته وتوفيقه، أو المراد أنه أجل من أن يعرف بصفات خلقه مثل الجوهرية والعرضية والجسمية والنورية وغيرها بل الخلق يعرفونه بما عرف به نفسه من الصفات اللايقة به وهو أنة المبدء المسلوب عنه صفات خلقه كما قال: " ليس كمثله شئ " و * (لم يكن له كفؤا أحد) * أو بل الخلق يعرفون الحقائق الممكنة وأحوالها بالله اي بسبب خلقه إياها أو بسبب فيضانها منه على عقولهم، أو المراد أنه أجل من أن يعرف حق المعرفة بالنظر إلى خلقه والاستدلال بهم عليه بل الخلق يعرفون الله بالله بأن ينكشف ذاته المقدسة عند عقولهم المجردة وهذه المعرفة ليست لمية لتعاليه عن العلة ولا إنية لعدم حصولها بتوسط المعلول. وبالجملة معرفة أهل الحق للحق حضور الحق بذاته لا بواسطة أمر آخر وهو مرتبة الفناء في الله وفيها لا يشاهد غير الله وإليها أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله " الحمد لله المتجلي لخلقه " وبعض الأولياء بقوله " رأيت ربي بربي ولولا ربي ما رأيت ربي " وعلى الأخير يحتمل أن يقرأ " يعرفون " على صيغة المجهول يعني: بل الخلق يعرفون بنور الله كما يعرف الذرات بنور الشمس دون العكس، وليس نور الله في آفاق النفوس أقل من نور الشمس في آفاق السماء وإليه أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله " ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله قبله " والظاهر أن قوله تعالى * (أولم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد) * إشارة إلى هذه المرتبة لأن النبي (صلى الله عليه وآله) قد بلغ مقاما يرى فيه الرب بالرب وبه استشهد على كل شئ. قوله: (من عرف أن له ربا فقد ينبغي له أن يعرف أن لذلك الرب رضا وسخطا) أي أمرا ونهيا لملعه بأنه لم يخلقه عبثا، وهما فينا صفتان متقابلان تعرضان للنفس، توجبان انفعالها وتغيرها وتحركها نحو الإحسان والعقوبة، وفيه - جل شأنه - الإحسان بفعل المأمور به وترك المنهي عنه والعقوبة بعكس ذلك وقد يطلقان على الأمر والنهي ولعله المراد هنا. قوله: (وأنه لا يعرف رضاه وسخطه إلا بوحي أو رسول - الخ) أي إلا بوحي إليه كما هو للرسول أو بإرسال رسول إليه كما هو للامة ووجه الحصر ظاهر، لأن معرفة أوامره ونواهية بطريق المشافهة محال فانحصر أن يكون بأحد الأمرين المذكورين ممن لم يأته الوحي وفقد الطريق الأول


1 - قوله " لعل المراد " قد مضى هذا المعنى وتفسير الكليني في ج 3 ص 106. (ش) (*)

[ 84 ]

وجب عليه أن يطلب الرسول ليجد الطريق الثاني فإذا وجده وعرف صدقه بالدلائل والبراهين وجب عليه إطاعته في أوامره ونواهيه وجميع ما جاء به. قوله: (فنظرت في القرآن) التقدير قلت لهم فنظرت والظاهر أنه لا حاجة إليه. قوله: (فإذا هو يخاصم به المرجي والقدري والزنديق) المرجي: إما بكسر الجيم وشد الياء للنسبة إلى مرج على وزن معط أو بكسر الجيم وكسر الهمزة وشد الياء للنسبة إلى مرجي على وزن مرجع. قال في النهاية: المرجئة: فرقة من الإسلام يعتقدون أنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة سموا مرجئة لاعتقادهم أن الله أرجأ تعذيبهم على المعاصي أي أخره عنهم، والمرجئة تهمز ولا تهمز وكلاهما بمعنى التأخير يقال: أرجأت الأمر وأرجيته إذا أخرته فتقول من الهمز رجل مرجئ وهم المرجئة، وفي النسب مرجئي مثال مرجع ومرجعة ومرجعي وإذا لم تهمز قلت رجل مرج ومرجية ومرجي مثل معط ومعطية ومعطي انتهى. أقول: قد عرفت مما نقلنا في المجلد السابق أن المرجئية تطلق أيضا على من أخر علي بن أبي طالب (عليه السلام) في الخلافة، والقدري يطلق على الجبري وهو من ينسب أفعال العباد الى الله سبحانه، وعلى من يقول بالتفويض بمعنى أن الله تعالى فوض أفعال العباد إليهم ولم يحصرهم بشئ. والزنديق: هو النافي للصانع والزنادقة فرق منهم من ينكر الصانع بالمرة وينسب هذا العالم إلى الطبائع ومنهم من يقول بالنور والظلمة (1) فيجعل لهذا العالم إلهين اثنين. قوله: (حتى يغلب الرجال بخصومته) متعلق بيخاصم أي يخاصم كل واحد من الأصناف المذكورة غيره حتى يغلبه بالخصومة ويتمسك في ذلك بظواهر القرآن. قوله: (إلا بقيم) في الفائق: قيم القوم من يقوم بسياسة امورهم والمراد به هنا من يقوم بأمر القرآن ويعرف ظاهره وباطنه ومجمله ومأوله ومحكمه ومتشابهه وناسخه ومنسوخه بوحي إلهي أو بإلهام رباني أو بتعليم نبوي. قوله: (فقالوا: ابن مسعود) هو عبد الله بن مسعود بن عقيل الهذلي أسلم قديما وكان سبب إسلامه أنه كان يرعى غنما لعقبة بن أبي معيط فمر به رسول الله (عليه السلام) عند الفرار من أهل مكة فقال: يا غلام هل من لبن فقال: نعم لكن مؤتمن، قال: هل من شاة حائل لم ينزل عليها فحل ؟ فأتاه فمسح


1 - قوله " ومنهم من يقول بالنور اه " المراد هنا جماعة كانوا يتظاهرون بالإسلام في الصدر الأول ولم يكن لهم إيمان واقعا بصدق الرسول (صلى الله عليه وآله) لأنهم الذين يتمسكون بالقرآن لإثبات بدعهم دون المانوية، وكانت القرامطة وملاحدة الموت أتباع الحسن الصباح المتسمون بالإسماعيلية من بقاياهم. (ش) (*)

[ 85 ]

ضرعها فنزل اللبن فحلب وشرب فعند ذلك أسلم ابن مسعود. قوله: (وحذيفة يعلم) هو حذيفة بن اليمان وقيل: اسم والده حسيل وإنما نسب إلى اليمان لأنه اسم جده الأعلى لأنه حذيفة بن حسيل بن جابر بن ربيعة بن عمرو بن اليمان العبسي. قوله: (قلت كله) يعني كل واحد قيم القرآن كله عالم بجميعه (1). قوله: (إلا عليا (عليه السلام)) وهو (عليه السلام) عندنا أعلم وأفضل من جميع الأمة وكان عالما بجميع ما أنزل الله تعالى في كتابه وقد صرح بذلك صاحب كتاب إكمال الإكمال وهو من أعاظم علماء العامة حيث قال: لقد كان في علي رضي الله عنه من الفضل والعلم وغيرهما من صنفات الكمال ما لم يكن في جميع الامة حتى أنه لو لم يقدم عليه طائفة من الامة أبا بكر لكان هو أحق بالخلافة. قوله: (وإذا كان الشئ بين القوم الخ) الشئ من الحلال والحرام وغيرهما من الامور والأحكام وهذا في الموارد الثلاثة إشارة إلى المذكورين بطريق اللف والنشر المرتب وفي الرابع إشارة إلى علي (عليه السلام). قوله: (فأشهد الخ) متفرع على قوله فقال: " هذا لا أدري الخ " يعني إذا قال كل واحد من الثلاثة أنا لا أدري وقال علي (عليه السلام): أنا أدري جميع ما هو بين القوم فأشهد أنه (عليه السلام) كان قيم القرآن وعالما بجميع ما أنزله الله تعالى وكل من كان كذلك كان إماما مفترض الطاعة لا غيره وقد أثبت إمامته بأنه كان عالما بجميع ما أنزل الله تعالى وكل من لم يكن عالما به لم يكن إماما. أما الصغرى فمسلمة كما مر، وأما الكبرى فلأنه إذا رجع إليه الامة فيما جهله رجعوا إلى من يشاركهم في الجهل فكيف يكون هو إماما لهم. * الأصل: 3 - " علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن إبراهيم، عن يونس بن يعقوب قال: كان عند أبي عبد الله (عليه السلام) جماعة من أصحابنا منهم حمران بن أعين، ومحمد بن النعمان، وهشام بن سالم، والطيار، وجماعة فيهم هشام بن الحكم وهو شاب فقال أبو عبد الله (عليه السلام): يا هشام ألا تخبرني كيف صنعت بعمرو بن عبيد وكيف سألته ؟ فقال هشام: يا ابن رسول الله إني اجلك وأستحييك ولا يعمل لساني بين يديك، فقال أبو عبد الله: إذا أمرتكم بشئ فافعلوا. قال هشام: بلغني ما كان فيه عمرو بن عبيد وجلوسه في مسجد البصرة فعظم ذلك علي فخرجت إليه ودخلت البصرة يوم


1 - قوله " عالم بجميعه " يعني بجميع معانيه وتفسيره وتأويله لاحفظ حروفه وألفاظه فإن المقام مقام التمسك بمفاد الآيات على أثبات الرأي الحق بين الآراء ولا يعلم القرآن كله إلا علي (عليه السلام). (ش) (*)

[ 86 ]

الجمعة فأتيت مسجد البصرة فإذا أنا بحلقة كبيرة فيها عمرو بن عبيد وعليه شملة سوداء متزر بها من صوف، وشملة مرتد بها والناس يسألونه، فاستفرجت الناس فأفرجوا لي، ثم قعدت في آخر القوم على ركبتي، ثم قلت: أيها العالم ؟ إني رجل غريب تأذن لي في مسألة ! فقال: لي: نعم، فقلت له: ألك عين ؟ فقال: يا بني أي شئ هذا من السؤال وشئ تراه كيف تسأل عنه ؟ فقلت: هكذا مسألتي، فقال: يا بني سل وإن كانت مسألتك حمقاء قلت. أجبني فيها، قال لي: سل، قلت: ألك أعين ! قال: نعم، قلت: فما تصنع بها ؟ قا: أرى بها الألوان والأشخاص قلت: فلك أنف ؟ قال: نعم، قلت: فما تصنع به ؟ قال: أشم به الرائحة، قلت ألك فم ؟ قال: نعم، قلت: فما تصنع به ؟ قال: أذوق به الطعم، قلت: فلك اذن ! قال: نعم، قلت: فما تصنع بها ؟ قال: أسمع به الصوت. قلت: ألك قلب، قال: نعم، قلت: فما تصنع به ؟ قال: اميز به كلما ورد على هذه الجوارح والحواس، قلت: أو ليس في هذه الجوارح غنى عن القلب ؟ فقال: لا، قلت: وكيف ذلك وهي صحيحة سليمة ؟ قال: يا بني ! إن الجوارح إذا شكت في شئ شمته أو رأته أو ذاقته أو سمعته ردته إلى القلب فيستيقن اليقين ويبطل الشك: قال هشام: فقلت له: فإنما أقام الله القلب لشك الجوارح ؟ قال: نعم، قلت: لابد من القلب وإلا لم تستيقين الجوارح ؟ قال: نعم فقلت له: يا أبا مروان فالله تبارك وتعالى لم يترك جوارحك حتى جعل لها إماما يصحح لها الصحيح ويتيقن به ما شك فيه ويترك هذا الخلق كلهم في حيرتهم وشكهم واختلافهم، لا يقيم لهم إماما يردون إليه شكهم وحيرتهم ويقيم لك إماما لجوارحك ترد إليه حيرتك وشكك ؟ ! قال: فسكت ولم يقل لي شيئا. ثم التفت إلي فقال لي: أنت هشام بن الحكم فقلت: لا، قال: أمن جلسائه، قلت: لا، قال: فمن أين أنت، قال: قلت: من أهل الكوفة قال: فأنت إذا هو، ثم ضمني إليه وأقعدني في مجلسه وزال عن مجلسه وما نطق حتى قمت، قال: فضحك أبو عبد الله (عليه السلام) وقال: يا هشام. من علمك هذا ؟ قلت: شئ أخذته منك وألفته، فقال: هذا والله مكتوب في صحف إبراهيم وموسى. * الشرح: قوله (اجلك) الجلال: العظمة، والجليل: العظيم، وأجله: عظمه، والمعنى إني اعظمك أن يتكلم مثلي بين يديك. قوله: (واستحييك) بياء أو بيائين والحياء حالة نفسانية توجب انقباض الجوارح عن الأفعال خوفا من اللوم وغيره. قوله (إذا أنا بحلقة) قال في النهاية: الحلقة جماعة: من الناس مستديرين كحلقة الباب وغيره والجمع الحلق بكسر الحاء وفتح اللام. وقال الجوهري: الحلق بفتح الحاء على غير قياس وحكي

[ 87 ]

عن أبي عمر وأن الواحد حلقة بالتحريك والجمع الحلق بفتح الحاء. قوله: (وعليه شملة (1) بكسر الشين كساء يشتمل به ويتغطى به. قوله: (فاستفرجت) أي طلبت الفرجة وهي الخلل بين الشيئين. قوله: (وإن كانت مسألتك حمقاء) الحمقاء بالفتح: مؤنث أحمق من الحمق بالضم والضمتين وهو قلة العقل وسخافة الرأي، وحقيقته وضع الشئ في غير موضعه مع عدم العلم بقبحه، وإنما وصف المسألة بالحماقة على سبيل التجوز مبالغة في حماقة السائل. قوله: (قال لي: سل) كأنه أمر بالسؤال هنا مع عدم الحاجة إليه لتحققه سابقا للإشارة إلى أن مسألته لكونها في غاية الحقارة لم يلتفت الذهن إليها سابقا. قوله: (قلت: أو ليس في هذه الجوارح غنى عن القلب) الواو للعطف على مقدر يعني أقلت هذا وليس فيها عدم حاجة إلى القلب ولم يستقل في التمييز والتفصيل. قوله: (صحيحة سليمة) أي صحيحة عن البطلان في ذاتها سليمة عن الآفات والأمراض المانعة من إدراكاتها، والتأكيد أيضا محتمل. قوله: (أو سمعته) لم يقل أولمسة أيضا لعدم ذكر اللامسة في السؤال ولأن الشك فيها أقل، ولهذه العلة أيضا لم يذكرها السائل. قوله: (ويبطل الشك) مثلا إذا وقع الاشتباه بين الروائح في الإضافة أو في اختلاط بعضها ببعض أو في الشدة والضعف أو في الملائمة للطبع وعدمها ورفع أمرها إلى القلب (2) كان القلب هو


1 - قوله " وعليه شملة " يعني على عمرو بن عبيد يصف زهده وتقشفه وكان من رؤساء المعتزلة قائلا بالعدل، وأورد السيد المرتضى (رحمه الله) ترجمته وأخباره في أماليه في المجلس الحادي عشر والثاني، مات في طريق مكة سنة 144 ودفن بمران وقال فيه المنصور: صلى الإله عليك من متوسد * قبرا مررت به على مران (ش) 2 - قوله " رفع أمرها إلى القلب " إطلاق القلب على النفس شائع لأن سلطان الروح على القلب ومنه قوله تعالى: * (وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) * * (وما جعل ادعياءكم أبناءكم) * يعني ليس للانسان تشخيصان متمايزان وهويتان متغايرتان وليس لبدن واحد روحان ونفسان حتى يكون بأحدهما ابنا لرجل وبالآخر ابنا لآخر، أو يكون المرأة بأحد القلبين أما وبالآخر زوجة، والقلب هنا: هو العقل المجرد لانه الذي يبين خطأ الحواس ولا يمكن ذلك إلا بإدراك الكليات إذ لا يمكن لحس أن يدرك مدركات الحس الآخر حتى يحكم = (*)

[ 88 ]

الحاكم العدل يحكم فيها على وجه الصواب وقس على غيرها. قوله: (ويترك هذا الخلق كلهم (1) في حيرتهم وشكهم واختلافه) مع أن الحيرة. والشك والاختلاف فيهم أشد وأقوى وأكثر وأعلى منها في تلك القوى. قوله: (أنت هشام بن الحكم) دل على أن هشاما مع صغر سنه كان مشتهرا بالعلم والمناظرة. قوله (فقلت: لا) كأنه قصد التورية لمصلحة ومثل ذلك لا يعد كذبا. قوله (وما نطق حتى قمت) إما للتعظيم كما هو المتعارف بين أهل الفضل أو لخوف وقوعه في ورطة الإلزام وانكسار قدره بين الأنام مرة اخرى. قوله: (فضحك أبو عبد الله (عليه السلام)) إنما ضحك لسماعه حال رجل ضحكه صدر منه اضحوكة. قوله (من علمك هذا) استعلام لقوة حفظ المتعلم لا استفهام عن تعيين المعلم لأنه (عليه السلام) كان منزها عن النسيان.


= بصحته أو فساده وليس وظيفة الحس إلا التأثر لا الحكم. (ش) 1 - قوله " يترك هذا الخلق كلهم " علمنا بالاستقراء أن كل فعله منه تعالى صادر عن عناية تامة بخلقه ومراعاة مصالحه ومن أمثلته خلق القلب في الإنسان لإزالة شكوك الحواس والمعتني بالأفراد والجزئيات كيف يهمل مصالح العامة، وأيضا علم الله تعالى أن النوع في بقائه محتاج إلى ذكر وأنثى فخلق منهما في كل نوع أفرادا ولم يتفق في زمان أن ينحصر الخلق في أحدهما بأن يكون جميع الناس ذكورا في عهد أو إناثا كلهم أو أكثرهم وعلم أنهم يحتاجون إلى من له ذوق الصنعة واستعداد العلم، وكما يحتاجون إلى الأقوياء والشجعان والتجار محبي جمع المال ليحملوا الأرزاق والحوائج من بلد الى بلد فخلق جميع ذلك، والإمام العادل المعصوم العالم بما أراده الله من خلقه الذي لا يخاف في تنفيذ أمره من لومة لائم من أوجب الأمور وألزمها وهو أهم من النجار والبناء والشاعر، ولابد أن يخلق أحدا بصفات يستحق بها الإمامة كما خلق جماعة بصفات يستحقون بها تولي الصنائع والحرف والعلوم والتجارة والحرب والدعوة الى الخير ومحبة الناس والترحم على الضعفاء وتسبيل الخيرات وتعليم الآداب وغيرها، ومن ذلك يتفطن لسر الغيبة والظهور وأن وجود الإمام لطف وتصرفه لطف كما أن في كل أمة طائفة مستعدة لأنواع الحرف والمناصب فإن كانت البيئة مناسبة لتحصيل الكمال واشتغلوا بحرفتهم ظهروا وإلا خملوا وانغمروا، ومرجع استدلال هشام بن الحكم الى اللطف أو العناية الثابتين بالاستقرار وتتبع أفعاله تعالى (ش). (*)

[ 89 ]

* الأصل: 4 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عمن ذكره، عن يونس بن يعقوب قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فورد عليه رجل من أهل الشام فقال: إني رجل صاحب كلام وفقه وفرائض وقد جئت لمناظرة أصحابك، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): كلامك من كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو من عندك ؟ فقال: من الله (صلى الله عليه وآله) ومن عندي، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): فأنت إذا شريك رسول الله ؟ قال: لا، قال: فسمعت الوحي عن الله عز وجل يخبرك ؟ قال: لا، قال: فتجب طاعتك كما تجب طاعة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ قال: لا، فالتفت أبو عبد الله (عليه السلام) إلي فقال: يا يونس بن يعقوب هذا قد خصم نفسه قبل أن يتكلم، ثم قال: يا يونس لو كنت تحسن الكلام كلمته، قال يونس: فيالها من حسرة فقلت: جعلت فداك إني سمعتك تنهى عن الكلام وتقول: ويل لأصحاب الكلام يقولون: هذا ينقاد وهذا لا ينقاد وهذا ينساق وهذا لا ينساق وهذا نعقله وهذا لا نعقله، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): إنما قلت فويل لهم إن تركوا ما أقول وذهبوا إلى ما يريدون، ثم قال لي: اخرج إلى الباب فانظر من ترى من المتكلمين فأدخله، قال: فأدخلت حمران بن أعين وكان يحسن الكلام وأدخلت الأحول وكان يحسن الكلام وأدخلت هشام بن سالم وكان يحسن الكلام وأدخلت قيس بن الماصر وكان عندي أحسنهم كلاما، وكان قد تعلم الكلام من علي بن الحسين (عليهم السلام)، فلما استقر بنا المجلس - وكان أبو عبد الله (عليه السلام) قبل الحج يستقر إياما في جبل في طرف الحرم في فازة له مضروبة - قال فأخرج أبو عبد الله (عليه السلام) رأسه من فازته فإذا هو ببعير يخب فقال: هشام ورب الكعبة، قال: فظننا أن هشاما رجل من ولد عقيل كان شديد المحبة له قال: فورد هشام بن الحكم وهو أول ما اختطت لحيته وليس فينا إلا من هو أكبر سنا منه، قال: فوسع له أبو عبد الله (عليه السلام) وقال: ناصرنا بقلبه ولسانه ويده، ثم قال: يا حمران كلم الرجل، فكلمه فظهر عليه حمران، ثم قال: يا طاقي كلمه، فكلمه فظهر عليه الأحول، ثم قال: يا هشام بن سالم كلمه،. فتعارفا ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام) لقيس الماصر: كلمه، فكلمه فأقبل أبو عبد الله (عليه السلام) يضحك من كلامهما مما قد أصاب الشامي فقال للشامي: كلم هذا الغلام يعني هشام بن الحكم، فقال: نعم، فقال لهشام: يا غلام سلني في إمامة هذا، فغضب هشام حتى ارتعد ثم قال للشامي: يا هذا أربك أنظر لخلقه أم خلقه لأنفسهم فقال الشامي: بل ربي أنظر لخلقه، قال: ففعل بنظره لهم ماذا ؟ قال: أقام لهم حجة ودليلا كيلا يتشتتوا أو يختلفوا، ويتألفهم ويقيم أودهم ويخبرهم بفرض ربهم، قال: فمن هو ؟ قال: رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال هشام: فبعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: الكتاب والسنة قال هشام: فهل نفعنا اليوم الكتاب والسنة في رفع الاختلاف عنا ؟ قال الشامي: نعم، قال: فلم اختلفت أنا وأنت

[ 90 ]

وصرت إلينا من الشام في مخالفتنا إياك ؟ قال: فسكت الشامي، فقال أبو عبد الله للشامي: مالك لا تتكلم ؟ قال الشامي: إن قلت لم نختلف كذبت وإن قلت: إن الكتاب والسنة يرفعان عنا الاختلاف أبطلت لأنهما يحتملان الوجوه، وإن قلت: قد اختلفنا وكل واحد منا يدعي الحق فلم ينفعنا إذن الكتاب والسنة، إلا أن لي عليه هذه الحجة، فقال أبو عبد الله (عليه السلام) سله تجده مليا، فقال الشامي: يا هذا من أنظر للخلق أربهم أو أنفسهم ؟ فقال هشام: ربهم أنظر لهم منهم لأنفسهم، فقال الشامي: فهل أقام لهم من يجمع لهم كلمتهم ويقيم أودهم ويخبرهم بحقهم من باطلهم ؟ قال هشام: وفي وقت رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو الساعة ؟ قال الشامي في وقت رسول الله رسول الله والساعة من ؟ فقال هشام: هذا القاعد الذي تشد إليه الرحال ويخبرنا بأخبار السماء وراثة عن أب عن جد، قال الشامي: فكيف لي أن أعلم ذلك ؟ قال هشام: سله عما بدالك، قال الشامي: قطعت عذري فعلي السؤال، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): يا شامي اخبرك كيف كان سفرك وكيف كان طريقك ؟ كان كذا وكذا، فأقبل الشامي يقول: صدقت أسلمت لله الساعة، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): بل آمنت بالله الساعة، إن الاسلام قبل الإيمان وعليه يتوارثون ويتناكحون والإيمان عليه يثابون، فقال الشامي: صدقت فأنا الساعة أشهد أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنك وصي الأوصياء ثم التفت أبو عبد الله (عليه السلام) إلى حمران، فقال: تجري الكلام على الأثر فتصيب، والتفت إلى هشام بن سالم فقال: تريد الأثر ولا تعرفه، ثم التفت إلى الأحول، فقال: قياس رواغ تكسر باطلا بباطل إلا أن باطلك أظهر، ثم التفت إلى قيس الماصر، فقال: تتكلم وأقرب ما تكون من الخبر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أبعد ما تكون منه، تمزج الحق مع الباطل وقليل الحق يكفي عن كثير الباطل أنت والأحول قفازان حاذقان، قال يونس: فظننت والله أنه يقول لهشام قريبا مما قال لهما، ثم قال: يا هشام لا تكاد تقع تلوي رجليك إذا هممت بالأرض طرت، مثلك فليكلم الناس، فاتق الزلة والشفاعة من ورائها إن شاء الله. * الشرح: قوله (وفرائض) لعل المراد بها العبادات المفروضة أو المكتوبة مطلقا، ويحتمل أن يراد بها أحكام المواريث (1) لأن إطلاقها عليها شائع، وبالجملة وصف نفسه بالقوة النظرية والعملية ليترفع قدره ولا يستنكف عن مناظرته وقد كان ذلك دأب السابقين وأرباب المناظرة.


1 - قوله " أحكام المواريث " هذا هو المتعين وكان علم الفرائض معتنى به بعناية خاصة أكثر من سائر أبواب الفقه وقيل في حق زيد بن ثابت أنه كان أفرض القوم أي أعلمهم بالفرائض. (ش) (*)

[ 91 ]

قوله: (لمناظرة أصحابك) لم يقل لمناظرتك رعاية للأدب. قوله: (فقال: من كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن عندي) سأل (عليه السلام) هل كلامه مأخوذ من السنة النبوية أو من مخترعات طبعه، فأجاب بأن كلامه من القسمين وليس الجواب باختيار شق ثالث لأن هذا الشق داخل في السؤال باعتبار أنه منع الخلو. قوله (فأنت إذن شريك رسول الله (صلى الله عليه وآله)) في إكمال الدين وفيه دلالة على أن اصول العقائد ينبغي (1) أن يكون مستنده إلى صاحب الشرع كفروعها، وقد صرح به أيضا الشريف في حاشيته على شرح المختصر وبالغ فيه الفاضل الأمين الأستر آبادي في فوائده المدنية وشنع على من اتكل بعقله في المعارف الالهية وهو الحق الصريح والمذهب الصحيح وإلا لزم أن يكون الخاطئون السالكون بمقتضى عقولهم (2) معذورين يوم القيامة. قوله: (قال: لا) أي لست شريكه في دينه بل دينه تام كامل ويلزم من نفيه هذا مع ما ذكره سابقا من أن بعض كلامه من عنده إما أن يكون ذلك البعض غير داخل في الدين ولا يكون له مدخل في الإسلام فلا يكون من مسائل الكلام وهذا خلاف المقدر أو يكون داخلا فيه في نفس الأمر ولكن قوله به لم يكن مستندا إلى قول النبي ولا خفاء في أنه لابد من مستند ومستنده حينئذ هو الوحي، فلذلك قال (عليه السلام) " فسمعت الوحي عن الله " يخبرك بما تأتي به " قال. لا قال فتجب طاعتك " فيما تأتي به من غير أن يكون مستندا إلى الرسول أو الوحي " هذا قد خصم نفسه قبل أن يتكلم حيث اعترف


1 - قوله " على أن أصول العقائد ينبغي " وقد ذكر سابقا أن اثبات الواجب تعالى بالنقل يستلزم الدور فمراده هنا بأصول العقائد بعض صفات الرسول والأئمة (عليهم السلام) وتفاصيل المعاد أمثالها مما لا سبيل إليه وحينئذ فلا يناسب كلمة " ينبغي " لانها تدل على إمكان استنباط المطلب بغير الشرع وإن كان الأولى أن يؤخذ من الشرع. وأما الفاضل الاسترآبادي فلا يفهم مقاصده غالبا في كتابه الفوائد المدنية وهو معتمد على الغريزة الدينية والعواطف المفرطة والغلو في حسن الظن برواة الأخبار ولا دليل له على دعاويه إلا عواطفه ورغباته. (ش) 2 - قوله " السالكون بمقتضى عقولهم " مقصوده غير مفهوم من لفظه لأن خطأ العقل في نظره إما أن يكون غالبا أو نادرا فإن كان غالبا لم يكن مدحه في القرآن والأخبار وذم من لا يعقل موجها لأن الله تعالى لا يمدح ما غالب مدركاته خطأ وان كان خطاؤه نادرا فلا محذور في أن يكون العاقل المخطئ في نادر من مدركاته العقلية معذورا يوم القيامة، وأما احتمال أداء عقل الناظر في الأدلة خاليا عن التعصب إلى إنكار التوحيد والرسالة حتى يصير كافرا فهو فرض مستحيل في العادة على ما نعرف من وضوح الأدلة. (ش) (*)

[ 92 ]

بأنه لم يسمع ما عنده من الرسول ولا من الوحي " وأنه لا تجب طاعته وكل ما كان كذلك فهو باطل. فإن قيل: يجوز أن يكون له مستند هو الإلهام (1) قلت: الإلهام لا عبرة به إذا الإلهام كما يكون من الرحمن كذلك يكون من الشيطان (2) بل إلهام الشيطان أكثر وأغلب في الأكثر وإذا كان شأنه ذلك لم يصح أن يتمسك به في أمر شرعي أصليا كان أو فرعيا. قوله: (لو كنت تحسن الكلام كلمته) " لو " هنا للتمني أو للشرط وهو لامتناع الثاني من أجل امتناع الأول و " تحسن " بمعنى تعلم، تقول فلان يحسن الشئ أي يعلمه. قوله: (قال يونس: فيالها من حسرة) أي قال: يونس قلت: فيالها من حسرة أو قال يونس ذلك عند النقل، والنداء للتعجب والمنادي محذوف، ولام التعجب وهي لام الاستغاثة في الحقيقة متعلق باعجبوا: أي يا قوم أعجبوا لها، ومن حسرة تمييز عن ضمير المبهم بزيادة من الحسرة أشد التلهف عن الشئ الفائت. قوله (وتقول: ويل) الويل: كلمة العذاب أو واد في جهنم لو أرسلت فيه الجبال لماعت من حره وغرض يونس من نقل هذا الكلام إبداء المعذرة لتركه علم الكلام.


1 - قوله " له مستند هو الإلهام " ويمكن أن يقال: لعل مستنده العقل ؟ والجواب أن الظاهر من حال السائل أنه يريد التكلم في تفاصيل الأحكام والأصول التي لا سبيل للعقل إليها كما يدل عليه ما يأتي من بحثه في الإمامة ولا ريب أن أغلب مباحثها تؤخذ من النقل. (ش) 2 - قوله " كذلك يكون من الشيطان " فان قيل: بم كان يعرف الأنبياء (عليهم السلام) صدق إلهامهم إذ لم يكن إلا إلقاء معنى في القلب وهو كما يحتمل كونه من الله يحتمل كونه من سبب من أسباب آخر كما أن رؤية الملك وسماع الصوت أيضا يحتمل كونه حقا من الله وكونه من تجسم الخيال نظير المبرسمين ؟ قلنا: كان الأنبياء والأولياء يميزون ولم يكونوا يشكون في صحة إلهامهم وكانوا محفوظين من شوب الخطأ والوهم ومن ظهور الشياطين وأمثال ذلك، وكما يميز العقل بين مدركاته ومدركات وهمه ولا يشك في أن الكل أعظم من الجزء صحيح بديهي أولي وأن الميت يخاف عنه وهم باطل ويعرف العقل أن ما يراه من مقدار الجسم الموضوع بقرب منه صحيح وما يراه من مقدار قطر الشمس غير صحيح وهذا بخلق علم ضروري كذلك الأنبياء يعرفون حقية ما يلهم إليهم ولا يشكون فيه. (ش) (*)

[ 93 ]

قوله (يقولون هذا ينفاد وهذا لا ينفاد) (1) الظاهر أن المشار إليه متحد يعني يخترع بعضه كلاما له مدخل في إثبات مطلبه بزعمه ويقول هذا كلام صحيح خالص جيد لا زيف ولا فساد فيه ويقول الآخر: هذا الكلام سقيم مزيف فاسد، وإنما قلنا: الظاهر ذلك لاحتمال أن يكون المشار إليه بهذا غير المشار إليه بهذا بأن يقدموا على تحسين بعض المقدمات المخترعة وتزييف بعض آخر حتى كان المباحث الكلامية والمطالب اليقينية منوطة بمفتريات أوهامهم ومخترعات أفهامهم فلذلك يقع الاختلاف بينهم في المطالب اختلافا عظيما. قوله (وهذا ينساق وهذا لا ينساق) أي هذا يؤدي إلى المطلوب وهذا لا يؤدي إليه، أو هذا ينساق على نهج الاصطلاح وهذا لا ينساق عليه. قوله (وهذا نعقله وهذا لا نعقله (2) فيدعي بعضهم إمكانه بل وقوعه، ويدعي بعضهم استحالة فهمه لعدم اجتماعهم على أصل صحيح وعدم رجوعهم إلى شخص معين عالم باصول الدين من الوحي صاروا مختلفين، يورد كل واحد على صاحبه ما يورد صاحبه عيه من المنع والنقض والمعارضة فيختلفون في الحيرة كالحيارى في الصحاري ولا يهتدون إلى الحق سبيلا ولا إلى صواب دليلا. قوله (إن تركوا ما أقول (3) وذهبوا إلى ما يريدون) من المطالب المخترعة والمبادئ المبتدعة


1 - قوله " يقولون ها ينقاد وهذا لا ينقاد ": بيان لحالتهم عند المناظرة والتنازع والجدال يقول هذا شيئا وينكره الآخر، كما نقول: يقول هذا نعم ويقول هذا لا، أو يقول أحدهم سلمنا والآخر: لا نسلم، ولم كان ذلك، وليس خصوص لفظ ينقاد وينساق مقصودا بالمنع بل المنع راجع إلى المجادلة بالإصرار واللجاج بأي لفظ كان. (ش) 2 - قوله " وهذا لا نعقله " ومعلوم أن من لم يعقل كلام المخاطب يجوز أن يقول لا نعقله أو إذا عقل يجوز أن يقول عقلته ونعقله وإنما المنع والذم راجع الى المجادلة والنزاع واللجاج في الكلام كما مر في ينقاد ولا ينقاد. (ش) 3 - قوله: " إن تركوا ما أقول " أن للتكلم والمجادلة شرائط وقواعد وأصولا يجب مراعاتها خصوصا في الدين كما قال الله تعالى * (وجادلهم بالتي هي أحسن) * وقد ذكر المنطقيون شروطا أوردها العلامة والحكيم المحقق نصير الدين في الجوهر النضيد وليس مراد الإمام (عليه السلام) إلزامهم بأن يقتصروا في المجادلة على رواية ما سمعوه منه (عليه السلام) لفظا بلفظ كما يفعله أصحاب الحديث إذ هو غير ممكن في الكلام فكل سائل يضع شيئا ويسأل = (*)

[ 94 ]

التي لا يزداد صاحبها من الحق إلا بعدا ومن الصواب إلا ضلالا، وفيه دلالة عى أن علم الكلام حق ولكن لابد سماعه من المعصوم والعامة ذموا الكلام ذما عظيما (1) وإن شئت معرفة ذلك فنقول: قال عياض في تفسير ما رواه مسلم عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " أبغض الرجال إلى الله الألد: الخصام " الألد الشديد الخصومة والخصم الحاذق في الخصومة، وقال القرطبي في حله: الخصم بسكون الصاد وكسرها: اسم للخاصم، والخصم المبغوض: هو الذي يقصد بخصومته دفع الحق بالوجوه الفاسدة وأشد ذلك الخصومة في الدين كخصومة أكثر المتكلمين المعرضين عن الطريق التي أرشد إليها الكتاب والسنة وسلف الامة إلى طرق مبتدعة واصطلاحات مخترعة وقوانين جدلية ترد بسببها على الآخذ فيها شبهة يعجز عنها وشبهة يذهب الإيمان معها وأحسنهم انفصالا عنها أخذ لهم لا


= عن شئ وينقض بشئ ولابد للمتكلم معه أن يجيبه في كل مورد بما يقتضيه ذلك المورد وحفظ الرواية والحديث بمقدار يكفي في جواب كل سائل في كل مورد وكل مسألة محال ومعلوم أن هشام بن الحكم وأترابه لم يتكلموا على هذا الوجه بل المراد مراعاة شرائط شرطها الإمام (عليه السلام) نحو شرائط ذكرها أهل المنطق ويعلم سنخها من آخر الحديث حيث قال لهشام بن سالم: " تريد الأثر ولا تعرفه " يعني من شروط المجادل أن يتمسك بمسلمات خصمه، والأثر: يعني السنة المنقولة عن النبي (صلى الله عليه وآله) من مسلمات الخصم ويتمسك به في المجادلة مع أهل هذه النحلة كما قال به المنطقيون يجب على المجادل أن يعرف المسلمات والمشهورات كالآراء المحمودة حق المعرفة، وقال في الجوهر النضيد: يحتاج المجادل إلى أن يستكثر من صناعته العلمية وإلى الدربة في عادته الصناعية كما يحتاج غيره من الصناع حتى يقدر على إيراد ما يحتاج إليه كل وقت ولا يكفي حفظ البضاعة دون ملكة الصناعة إذ قد يحفظ الإنسان ما لا يذكره وقت الحاجة إليه أو يحتاج إلى ما ليس بمحفوظ عنده إلى آخر ما قال ومثله كلامه (عليه السلام) لقيس بن ماصر " وقليل الحق يكفي عن كثير الباطل " وقال للأحول: " تكسر باطلا بباطل " ذمه به وهي وصايا للمجادلين من سنخ ما ذكره أهل المنطق، فغرض الإمام النهي عن المجادلة بغير مراعاة شرائط الجدل لا النهي عن الكلام مطلقا والاكتفاء بنقل الرواية لأن المعلوم أن الشامي المنكر للإمامة لم يكن ينقاد لقول الامام (عليه السلام) تعبدا (ش). 1 - قوله " ذموا الكلام ذما عظيما " هذا الذي ذكره الشارح خلاف ما نعلمه من القوم والحق أن العامة مثل الخاصة أكثرهم لا يبغضونه وكان في الأشاعرة والمعتزلة متكلمون وصنفوا في الكلام كتبا مشهورة متداولة بل ينكر أهل الحديث من الشيعة والسنة على المتكلمين من أهل مذهبهم بأن التمسك بالعقول خلاف طريقة السلف ولا وجه للكلام فيما ورد النص به من الشرع. (ش) (*)

[ 95 ]

أعلمهم، فكم من عالم بفساد الشبهة لا يقوي على حلها وكم من منفصل عنها لا يدرك حقيقة علمها ثم إن هؤلاء المتكلمين ارتكبوا أنواعا من المحال لا يرتضونها الأطفال فأخذوا يبحثون عن تحيز الجوهر وعن الأكوان والأحوال، ثم إنهم بحثوا عما سكت السلف عن البحث فيه فبحثوا كيفية تعلق صفاته تعالى وتعديدها واتحادها في نفسها وهل هي الذات أو غيرها وهل الكلام واحد أو منقسم وهل تقسيمه بالأنواع أو بالأوصاف وكيف تعلق في الأزل بالمأمور، ثم إذا انعدم المأمور هل يبقى ذلك التعلق أم لا، وهل أمر زيد بالصلاة هو عين أمر عمرو بالزكاة (1) إلى غير ذلك من الأبحاث التي لم يأمر الشرع بالبحث عنها وست أصحابه ومن تبعهم عنها فإنه بحث عما لا يعلم حقيقته ومن عجز عن حقيقة نفسه مع علمه بوجودها بين جنبيه فهو عن إدراك ما ليس كذلك أعجز، وغاية علم العلماء وإدراك العقلاء أن يقطعوا بوجود فاعل لهذه المصنوعات منزه عن صفاتها موصوف بصفات الكمال. ثم إذا أخبرنا الصادق عن شئ من أسمائه أو صفاته قبلناه وما لم يتعرض له سكتنا عنه، هذه طريقة السلف ويكفي في الزجر عن الخوض في طرق المتكلمين ما ورد عن السف. فعن عمرو بن العزيز: ليس هذا الجدال من الدين في شئ، وعن الشافعي: لئن لا ينتهي العبد بكل ما نهى الله عنه ما عدا الشرك خير له من أن ينطق في علم الكلام. قال: وإذا سمعت من يقول الاسم المسمى أو غيره فاشهدوا أنه من أهل الكلام ولا دين له. قال: وحكمي في أهل الكلام أن يضربوا ويطافوا بهم في القبائل ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكلام. وقال أحمد: لا يفلح صاحب الكلام أبدا. أهل الكلام زنادقة: وقال ابن أبي عقيل: أنا أقطع أن الصحابة ماتوا ولا عرفوا الجوهر والعرض (2) فإن رأيت أن تكون مثلهم فكن وإن رأيت أن طريقة المتكلمين


1 - قوله " هو عين أمر عمرو بالزكاة " هذه الامور جميعا من مباحث متكلمي العامة فثبت أن في العامة أيضا متكلمين وكان عياض والقرطبي وأمثاله من متبعي طريقة السف والمائلين إلى الجمود على نقل الأحاديث وتفريع فروع الفقه فهم نظير الإخباريين من الشيعة. (ش) 2 - قوله " ولا عرفوا الجوهر والعرض " أقول ان الصحابة ماتوا ولم يعرفوا الاستصحاب وأصل البراءة والأصل المثبت والترتب أيضا فإن قيل عملوا بها ولم يستعملوا هذه الاصطلاحات قلنا: نعم ولكن عرفوا حقيقة الجوهر والعرض وميزوا بين الجسم واللون قطعا وأن لم يستعملوا اللفظين كما أن امرء القيس قال الشعر في البحر الطويل والبسيط والوافر ولم يكن يعرف هذه الاصطلاحات ولا أن موانع صرف الاسم تسعة إذا اجتمع = (*)

[ 96 ]

أولى من طريقتهم فبئس ما رأيت، وقد أفضى الكلام بأهله إلى الشكوك ويكثر منهم الإلحاد وأصل ذلك أنهم لم يقنعوا بما بعثت به الشرائع وطلبوا الحقائق، وليس في قوة العقل إدراك ما عند الله سبحانه وتعالى من الحكم الذي انفرد به. وقد رجع كثير من المتكلمين عن الكلام بعد أعمار مديدة حين لطف الله وأظهر لهم آياته فمنهم الإمام أبو المعالي حكى عنه الثقات أنه قال: لقد خليت أهل الاسلام وعلومهم وركبت البحر الأعظم وخضت في الذي نهوا عنه رغبة في طلب الحق وهربا من التقليد، والآن فقد رجعت عن الكل إلى كلمة الحق عليكم بدين العجائز، وأختم عاقبة أمري عند الرحيل بكلمة الإخلاص. وكان ابن الجويني يقول لأصحابه: لا تشتغلوا بالكلام فلو عرفت أن الكلام يبلغ ما بلغت ما تشاغلت به، وقال أحمد بن سنان: كان الوليد بن أبان خالي فلما حضرته الوفاة قال لبنيه: أتعلمون أن أحدا أعلم مني قالوا: لا، قال: فإني أوصيكم أتفعلون ؟ قالوا: نعم قال: عليكم بما عليه أصحاب الحديث فإني رأيت الحق معهم. وقال ابن أبي عقيل: لقد بالغت في الاصول طول عمري ثم عدت القهقري إلى مذهب الكتب. ووصف الشهرستاني حاله وما وصل إليه من الكلام ومآله فتمثل: لعمري لقد طفت المعاهد كلها * وسيرت طرفي تلك المعالم فلم أر إلا واضعا كف حائر * على ذقن أو قارعا سن نادم وقال بعضهم: قد بالغ القوم في الإنكار وغفلوا عن شرف حال علم الكلام لأنه أشرف العلوم لكون موضوعه وهي الذات العلية وما يجب لها وما يستحيل عليها أشرف الموضوعات ولأن غيره من العلوم ينعدم في الآخرة وهو لا ينعدم لبقاء متعلقه بل يزداد اتساعا لأن ما كان معلوما بالدليل يصير معلوما بالعيان، وقد أجمعوا على أنه يجب أن يكون في كل عصر من يعرفه ليرد الشبهات ويناظر من عساه يتعرض لعقائد المسلمين. والجواب أن الراد لم يقصد نفي شرفه ولا انقطاع فوائده ولا غير ذلك من الامور الموجبة لنقصه بل يقول: إنه علم غامض لا يدرك حقيقته إلا الله سبحانه ومن حفظه الله تعالى عن الخطأ، وأما غيرهم وإن بالغوا فهم بعد في مقام يحتمل الخطأ والضلال إذ ليس المعصوم إلا من عصمه الله، وبالجملة أهل الكلام يجب أن يكون معصوما أو من يسمع من المعصوم، وقول الصادق (عليه السلام) صريح في ذلك.


= اثنان منها في اسم منعاه من الجر والتنوين وليس ابداع الاصطلاح الذي استبشعوا قبيحا لكنهم استثقلوا واستراحوا إلى إبداء عذر يريحهم من صرف عمرهم في شئ يعجزون عنه ولأن التفكر في العلوم كان يمنعهم من التفكر فيما هو أهم في نظرهم. (ش) (*)

[ 97 ]

قوله (وأدخلت الأحول) هو محمد بن النعمان البجلي الأحول أبو جعفر شاه الطاق ساكن طاق المحامل بالكوفة وقد لقبه المخالفون بشيطان الطاق والشيعة بمؤمن الطاق وكان ثقة متكلما حاضر الجواب، وله مع أبي حنيفة مكالمات مشهورة. قوله (فلما استقر بنا المجلس) اسناد الاستقرار إلى المجلس مجاز للمبالغة في للكثرة لأن المجلس مستقر بالفتح لا مستقر بالكسر، ولو جعل المجلس مصدرا والباء بمعنى في لخرج الكلام عن البلاغة. قول (في فازة له) الفازة مظلة بعمودين وفي بعض النسخ " في خيمة له ". قوله (يخب) الخبب بالتحريك: ضرب من العدو، تقول خب الفرس يخب بالضم خبا وخببا وخبيبا إذا راوح بين يديه ورجليه وأخبه صاحبه، وخب البحر إذا اضطرب. قوله (وهو أول ما اختطت لحيته) يقال: اختط الغلام إذا نبت عذاره. قوله (فوسع له) التوسيع خلاف التضييق يعني جعل مجلسه واسعا، وفيه دلالة على أنه ينبغي لأهل المجلس من التعظيم لأهل الفضل، وعلى رجحان تخصيص الأفضل بزيادة الإكرام. قوله (فظهر عليه حمران) أي غلبه في المناظرة. قوله (فتعارفا) أي عرف كل واحد منهما حال صاحبه في المعرفة وحقيقته جاء كل واحد بالمعرفة مثل ما جاء به الآخر وفي بعض النسخ " فتعارقا " بالقاف أي واقعا في شدة كما يظهر مجيئه لهذا المعنى كناية عن الفائق، أو ذهبا في الباطل من قولهم عرق فلان في الأرض يعرق عروقا مثل جلس يجلس جلوسا أي ذهب. قوله (فقال نعم) فإن قلت " نعم " ههنا غير واقع في موقعه لأن موقعه هو التصديق لما تقدمه من كلام مثبت أو منفي خبرا كان أو استفهاما عى ما هو المشهور وقيل: هو التصديق لما بعد الهمزة، قلت: هو تصديق ما بعد الهمزة تقديرا فإن قوله (عليه السلام) كلم هذا الغلام بمنزة أتكلم هذا الغلام. قوله (حتى ارتعد) الارتعاد: الاضطراب يقال: أرعده فارتعد والاسم الرعدة وأرعد الرجل أخذته الرعدة، وأرعدت فرائصه عند الفزع، ولعل الغضب الاضطراب لأجل أنه سمع منه مالا يليق بجنابه (عليه السلام) أو مالا يليق به من التخاطب بالغلام. قوله (أربك أنظر لخلقه) النظر الرحمة والعطف والحفظ. قوله (كيلا يتشتتوا) التشتت: التفرق أي كيلا يتفرقوا في أمر المبدء والمعاد وغير ذلك مما يتعلق بنظام الخلق ومعاشهم. قوله (أودهم) أود الشئ يأود من باب علم أودا بالتحريك اعوج وتأود وتعوج، شبه خروج

[ 98 ]

الطبائع البشرية عن القوانين العدلية والنواميس الالهية بعوج الخشب ونحوه لزيادة الإيضاح. قوله (بفرض ربهم) أي بما أوجبه عليهم والفريضة اسم لما أوجبه أن يراد به ههنا المقدر، أو المكتوب فيتناول المندوبات والأخلاق أيضا. قوله (كذبت) لوقوع الاختلاف حتى صارت الامة بضعا وثلاثين فرقة (1) كل فرقة تدعي أنها الفرقة الناجية. قوله (أبطلت) أي أتيت بالباطل وهو ضد الحق. قال في النهاية: يقال أبطل إذا جاء بالباطل. قوله (لأنهما يحتملان الوجوه) إذ فيهما ظاهر وباطن ومجمل ومأول وعام وخاص ومحكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ. قوله (إلا أن لي عيه هذه الحجة) يجوز أن يكون إلا بكسر الهمزة وشد اللام وأن بالفتح، وأن يكون بفتح الهمزة اللام من حروف التنبيه وإن بالكسر وضمير " عليه " على التقديرين يعود إلى هشام. قوله (تجده مليا) الملئ بالهمزة الغني المقتدر وقد يترك الهمزة ويشد اياء أي تجده غنيا بالعلم مقتدرا على المناظرة. قوله: (قال الشامي في وقت رسول الله (صلى الله عليه وآله)) الظاهر أن في الكلام حذفا (2) أي في وقت رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو في وقت رسول الله (صلى الله عليه وآله). قوله: (يشد إليه الرحال) الرحال: بالكسر جمع الرحل بالتسكين وهو الأثاث والقتب للبعير كالسرج للدابة وهو الذي عى قدر السنام وهنا كلاهما صحيح، وهذا كناية عن رجوع الخلائق إليه من أماكن بعيدة لاستعلام الشرائع والأحكام. قوله: (بأخبار السماء) في بعض النسخ " بأخبار السماء والأرض " يعني يخبرنا بالكائنات العلوية (3) والسفلية والأمور العينية والغيبة. قوله: (وراثة عن أب عن جد) تمييز لنسبة الأخبار إلى فاعله والوراثة بكسر الواو مصدر ورثت


1 - قوله " بضعا وثلاثين فرقة " المشهور أنها تفترق على ثلاث وسبعين والشارح أعلم بما قال. (ش) 2 - الظاهر سقط في نسخة الشارح قوله " رسول الله " ثانيا. 3 - قوله " بالكائنات العلوية " والمقصود عالم المجردات، وقلنا سابقا: ان السماء قد يطلق على ذلك العالم. (ش) (*)

[ 99 ]

الشئ من أبي أرثه بالكسر فيهما وراثة وورثا وإرثا بقلب الواو ألفا المراد بالأب جنس الأب الصادق على الطرفين والوسط، وبالجد رسول الله (صلى الله عليه وآله). قوله: (بل آمنت بالله الساعة إن الإسلام قبل الإيمان) لما أظهر الشامي بقوله أسلمت لله الساعة أنه لم يكن مسلما قبلها أضرب (عليه السلام) أو ترقى عنه بقوله: " بل آمنت بالله الساعة " وعلله بأن الإسلام قبل الإيمان كتقدم المفرد على المركب وتقدم الجزء على الكل فإن الإسلام هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وبه حقنت الدماء وعليه جرت المناكح والمواريث وعليه جم غفير من الناس، والإيمان هو هذا مع التصديق بأئمة الهدى وبه مدار الثواب والكرامة في دار المقامة، فهما متغايران بحسب الحقيقة وأعم وأخص بحسب الصدق والآثار إذ كل مؤمن مسلم دون العكس وكل ما هو أثر للإسلام أثر للإيمان دون العكس ويفهم منه أن الأعمال غير معتبرة في حقيقة الإيمان لأن الشامي اتصف بالإيمان قبل العمل، وما دل عليه بعض الروايات المعتبرة من اعتبارها في حقيقته فهو محمول على أن المراد بالإيمان هو الإيمان الكامل إذ للإيمان مراتب متفاوتة ودرجات متباعدة. قوله: (فقال تجري الكلام على الأثر فتصيب) الأثر في اللغة: ذكر الشئ عن الغير ومنه سمي الحديث أثرا لأنه مأثور ينقله خلف عن سلف، ولعل المقصود أنك تتشبث في المناظرة بآثار النبي (صلى الله عليه وآله) وسننه فتصيب الحق وتغلب على الخصم لأن الحق يعلو ولا يعلى عليه. قوله: (تريد الأثر ولا تعرفه) دل على عدم معرفته بالأثر عدم غلبته على الخصم لأن العارف به كما هو حقه غالب على الخصم المنكر للحق قطعا (1) ولذلك ترى العالم الماهر في الحديث لا يصير مغلوبا أبدا. وفيه دلالة على جواز ذم الاستاد المرشد للمتعلم المسترشد بنحو ذلك تأديبا


1 - قوله " على الخصم المنكر للحق قطعا " يجب أن يقيد الخصم المنكر للحق بمن يدعي الإسلام ويعرف السنة ويعتقد صحة كلام النبي (صلى الله عليه وآله) إذ لو كان منكرا لرسالته أو ملحدا منكرا للمبدأ تعالى لم يفد في الاحتجاج عليه التمسك بالأحاديث، ومعلوم أن الشامي كان مسلما معترفا بصدق رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقد ذكروا أن مبادئ الجدل إما أن يكون من المشهورات أو من المسلمات، والأحاديث النبوية من المسلمات إن كان الخصم مسلما لا إذا لم يكن ولذلك لم نر أحدا من الأئمة (عليهم السلام) ومتكلمي أصحابهم وعلماء شيعتهم تمسكوا في الاحتجاج على الزنادقة والملاحدة بالأحاديث ولا على اليهود والنصارى إلا بالتوراة والإنجيل من مسلماهم، نعم تمسكوا بالأحاديث في مسألة الإمامة. (ش) (*)

[ 100 ]

وتحريصا له بكسب العلوم الدينية. قوله: (قياس رواغ) (1) بشد الياء والواو من صيغ المبالغة والروغ في اللغة: الميل والمراودة وطلب الشئ بكل طريق ومنه روغان الثعلب، أي أنت قياس تعمل بالقياس كثيرا، رواغ محيل مائل عن الحق إلى طريق الباطل لتكسر به باطل الخصم وتتخلص منه كروغان الثعلب وحيلته ليخرج عن نظر الصائد ويتخلص منه وينبغي أن يعلم أن الحق لا يبطل الحق (2) ويبطل الباطل وأن الباطل لا يبطل الحق وقد يبطل الباطل إذا كان أظهر (3) في الإدراك وأشبه بالصواب كما هو


1 - قوله " قياس رواغ " لا يدل على قدح في مؤمن الطاق يلحقه الجرح إذ لا يخلو أحد من نقص ويجب على الإمام تنبيهه على نقصه. (ش) 2 - قوله " إن الحق لا يبطل الحق " الحق: هو المطابق للواقع والواقع واحد غير مختلف فلو كان أحد الكلامين المتناقضين مطابقا للواقع كان الآخر مخالفا ولذلك إذا ثبت أن العقل حق والقرآن حق لا يمكن أن يكون العقل مخالفا للقرآن، وما قد يتراءى في نظر الجاهل من المخالفة فله تأويل صحيح البتة ومرجع التأويل إلى التعمق والتدبر في تمييز ما يفيد الظن عما يفيد اليقين، فقد يفيد ظاهر القرآن الظن والعقل يفيد اليقين وقد يفيد العقل ظنا والقرآن اليقين وقد يفيد كلاهما ظنا وعلى كل حال يجب حمل الظن منهما على اليقين والتوقف في الظنين. (ش) 3 - قوله " إذا كان أظهر " الباطل لا يبطل الحق واقعا لأن الحق لا يبطله شئ فإنه موافق للواقع فإذا ثبت كون شئ حقا وعارضته شبهة لا يجوز التشكيك في الحق بل يجب التدبر في سبب عروض الشبهة ومبدئها كما نعلم أن النار تحرق القطن فان رأينا قطنا لم يحترق لا يجوز أن يشكك به في إحراق النار، وكذلك إن ثبت لدينا وجود عالم روحاني مجرد عالم بالغيوب وبما لم يجئ بعد ودخلنا في ذلك العالم في الرؤيا الصادقة ورأيناه لم يجز لنا الشك في وجوده بمعارضات الماديين وإذا علمنا بعجز البشر قاطبة عن معارضة القرآن وثبت لدينا نبوة خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله) بقرآنه وبإخباره بالغيب وبما تواتر من آيات النبوة لم يجز التشكيك فيها لشبهات لم نهتد إلى وجه التخلص فإن الحق الثابت لا يبطله شئ والذي يرى مخالفا له باطل قطعا وإن لم نعلم وجهه تفصيلا، وينكر يهود زماننا قولهم بأن عزيرا ابن الله وكون هامان وزيرا لفرعون قالوا بل هو وزير بعض سلاطين فارس، وأنكر بعضهم حكم سليمان على الجن وخدمة الجن له ونحن نعلم بالدليل أن كتاب الله حق فما ذكروه باطل. وأما أن الباطل يبطل الباطل فهذا شئ معروف مستعمل في المجادلة لأن مسلمات الخصم قد يكون باطلا واقعا ونتمسك بهذا الباطل لنقض باطل آخر. مثلا قالوا " نحن معاشر الأنبياء لم نورث " وهذا باطل = (*)

[ 101 ]

المعروف في الجدليات والمغالطات. قوله: (تتكلم وأقرب ما تكون - الخ) الواو للحال والأقرب هو الأقرب في الفهم أو الأقرب في النقل والمراد به ذمه ببعده عن طريق الحق والأثر الصدق مع وضوحه فكأنه في أثناء المناظرة ترك ما ينفعه من الخبر الصحيح الظاهر وتمسك بالأباطيل ولذلك قال (عليه السلام): (وقليل الحق يكفي عن كثير الباطل). قوله: (تمزج الحق مع الباطل) يعني تتمسك بالشبهة لدفع الباطل إذ الشبهة إنما سميت شبهة لأجل أنها بمزج الحق مع الباطل تشبه الحق إما في صورته أو في مادته أو فيهما معا. قوله: (قفازان) بالقاف وشد الفاء والزاي المعجمة: من القفز وهو الوثوب أي وثابان من مقام إلى مقام آخر، غير ثابتين على أمر واحد، وفي بعض النسخ بالراء المهملة من القفر: وهو المتابعة والاقتفاء، يقال: اقتفرت الأثر وتقفرته أي تتبعته وقفوته يعني إنكما تتبعان الخصم وتقتفيان باطله لقصد إلزامه بالباطل. قوله: (حاذقان) بالقاف: من الحذاقة وهي المهارة أي ماهران في الوثوب واقتفاء الخصم بالباطل وفي بعض النسخ بالفاء من وهو القطع أي قاطعان الباطل بالباطل. قوله: (لا تكاد تقع تلوي رجليك) تكاد: من الأفعال المقاربة اسمه ضمير الخطاب المستكن وخبره تقع بصيغة الخطاب، وتلوي: من لويت عنقه إذ فتلته بدل من " تقع " أو بيان له والمقصود نفي قرب وقوعه على الأرض وفتل رجليه وإزلاقهما وهو كناية عن كمال ثباته في مقام المناظرة. قوله: (إذا هممت بالأرض طرت) تقول هممت بالشئ أهم هما إذ أرته وعزمت عليه ولعل المقصود ذو همة عظيمة إذا قصدت شيئا وعزمت عيه أمضيته في أقرب الأوقات. قوله: (مثلك فليكلم الناس) دل على الإذن في المناظرة (1) لإثبات الحق لمن هو مثله (2) في


= نتمسك به لرد قول بعضهم أن الشيخين دفنا في بيت النبي (صلى الله عليه وآله) في حق بنتيهما فندفع باطلا بباطل وليس الحديث صريحا في النهي عنه تحريما. (ش) 1 - " قوله دل على الأذن في المناظرة " يكفي في تجويز المناظرة آيات القرآن الكريم وهي كثيرة جدا وعمل أصحاب الأئمة (عليهم السلام) أيضا، ولا ريب أن العلم من حيث هو علم ليس حراما ولا العالم به مذموما حتى العلم بمذاهب الكفار ووجوه الضلال وأقوال الملاحدة وطرق استنباط الاحكام الشرعية من القياس والاستحسانات وعلم السحر وأقسام القمار واصطلاحات الموسيقى وأسامي آلاته وإنما الحرام ما يترتب على = (*)

[ 102 ]

العلم والأخذ بالسنة النبوية إلى يوم القيامة. قوله (فاتق الزلة) زل فلان يزل إذا زق في الطين أو المنطق أو الفكر والاسم الزلة. أمره (عليه السلام) بحفظ ظاهره وباطنه عن الخروج من منهج الصواب (1) وفيه دلالة على أن الإنسان وإن بلغ حد الكمال


= العمل بها من المفاسد والقبائح، وقالوا يجوز تعلم السحر لإبطال السحر ولنقض دعوى المتنبي، ويجوز حفظ كتب الضلال للرد على أهله فكل ما ورد في ذم علم والمنع منه إنما ينصرف الى الجهة المقبحة التي تستلزم الفساد. وورد في الأحاديث النهي عن الكلام أكثر مما ورد عن التصوف وذم المتكلمين أفحش من ذم الصوفية والمنجمين، وفي كتاب كشف المحجة أن مؤمن الطاق استأذن على أبي عبد الله (عليه السلام) فلم يأذن له لكونه متكلما وقال: ان الكلام والخصومات تفسد النية وتمحق الدين وعنه (عليه السلام) أيضا " متكلموا هذه العصابة من شرار من هم منهم " ولو ورد مثل ذلك في النجوم والمنجمين لكان كافيا في إدارة الدوائر عليهم وإبطالهم ولعنهم وطردهم من قبل أهل الحديث وكل من هو عدو لعلم يمكنه أن يجد في الأحاديث ما يؤيد به مدعاه، والأخباريون منا جمعوا روايات ذموا بها المجتهدين وأهل النظر وغرضهم الفرار من ثقل الاصطلاحات والتفكر في أمور عجزوا عنه وإبداء عذر لجهلهم وأنهم لم يتعلموها لحرمتها ومنع الشرع عنها لا لنقصان عقلهم وقلة فهمهم وقصور ذهنهم عن فهم المطالب الدقيقة وبالله التوفيق. (ش) 2 - قوله " لمن هو مثله " الجدل لقوم والبرهان لقوم والخطابة لقوم كما قال الله تعالى * (ادع الى سبيل ربك بالحكمة) * يعني بالبرهان * (والموعظة الحسنة) * يعني الخطابة * (وجادلهم بالتي هي أحسن) * والمناسب للعاقل المنصف أن يتعلم الدين وأصول العقائد بالأدلة المبتنية على اليقينيات وهي الأوليات والمشاهدات والتجربيات والحدسيات والمتواترات وقضايا قياساتها معها، وانحصارها في هذه الست بالاستقراء، والمناسب لرد الخصوم التمسك بالمشهورات والمسلمات ولغالب الناس من العوام الخطابة إذ ليسوا خصماء حتى يجادل معهم ولا مسلمات لديهم وليسوا مستعدين لفهم الدلائل البرهانية إلا في مالابد منه من إثبات الواجب والنبوة بالأوليات والمتواترات والحدسيات التي يفهمها جمع الناس ومقصود الشارح من قوله لمن هو مثله أنه لا يجوز التكلم بالجدل مع العامة. (ش) (*) 1 - قوله " عن منهج الصواب " المتكلم في معرض الزلل ولذلك قد يخرج عن منهج الصواب وسر ذلك أن البرهانيات يتفرد في الحكم بها العقل لا مدخل فيه للعادات والغرائز والعواطف بخلاف المشهورات إذ قد يشترك فيه مع العقل العواطف والغرائز مثلا: الكل أعظم من جزئه، والنقيضان لا يجتمعان، والدور باطل = (*)

[ 103 ]

لابد له من محافظة نفسه في جميع الأحوال. قوله: (والشفاعة من ورائها) أي من وراء الزلة، وفيه دلالة على أن المخطي مع أتصافه بالعلم وبذل الجهد آثم يدركه الشفاعة إن شاء الله تعالى. * الأصل: 5 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن أبان قال: أخبرني الأحول: أن زيد بن علي بن الحسين (عليهم السلام) بعث إليه وهو مستخف، قال: فأتيته فقال لي: يا أبا جعفر ما تقول إن طرقك طارق منا أتخرج معه ؟ قال: فقلت له: إن كان أباك أو أخاك خرجت معه، قال: فقال لي: فأنا اريد أن أخرج اجاهد هؤلاء القوم فاخرج معي، قال: قلت: لا، ما أفعل جعلت


= وأمثال ذلك يعترف به كل عاقل سواء كان مسلما أو كافرا، قسي القلب أو رقيق القلب. شجاعا أو جبانا، بخيلا أو جوادا وغير ذلك وهذه من البرهانيات، وأما المشهورات مثل: العدل حسن والظلم قبيح، فليس الحاكم فيه العقل فقط بل العقل بضميمة الرغبة في حفظ النظام، والإحسان إلى الفقراء حسن وإغاثة الملهوف حسن يشترك في الحكم به مع العقل رقة القلب ولا يحكم به القسي والجبان والبخيل، وبالجملة للصفات النفسانية مدخل في الحكم بالمشهورات دون البرهانيات ولذلك يقبح ذبح الحيوان عند الهنود وهو عبادة عند المسلمين وتزويج النساء ومحبتهن قبيح عند النصارى للنساك والعباد ولكن لا يختص بطلان الدور بأمة دون أمة، وأما المسلمات: فهي ما يعترف به الخصم سواء كان صحيحا أو باطلا ومبنى الجدل على هذين ويجري فيهما الخطأ والزلل كثيرا، فرب متكلم عارف بصنوف العلوم يحمله عواطفه وغرائزه وعاداته على أن يحكم بتا بصحة أمر ارتكز في خاطره ويتعصب له ويتكلف لإبداء وجه لتصحيحه كما تعصب علماء الأشاعرة لتوجيه الكلام النفسي والاسم عين المسمى والكسب والجبر وأمثالها من الأباطيل ولو لم يكونوا متبعين لعواطفهم ورغباتهم واقتصروا على العقل الصريح والبرهانيات المحضة وما يشترك في الحكم بصحته جميع الناس لم يتكلفوا واستراحوا، وأيضا من فوائد الجدل على ما ذكره المعلم الأول حفظ الأوضاع وهي ما توافق على صحته الأمة وربما توافق أمة على أمر باطل يلتزم المجادل بالدفاع عنه وتصحيحه، وقد يتفق أن يكون الدفاع عن مذهب حق ثابت بالبرهان كالتوحيد وقد يكون عن طريقة باطلة ومذهب خبيث ويدافع عنه أهله ويوجب ثبات الناس عليه كالشرك والإلحاد، وقد ترى أهل المعقول وأصحاب النظر أيضا يذمون الكلام وليس غرضهم إنكار هذا العلم مطلقا بل إذا أخذوه في موضع البرهان وعملوا معه معاملة اليقينيات، فإن وضعوه موضعه واكتفوا بما هو حقيق به واعترفوا بأن تبكيت الخصم به لا يفيد صحته واقعا فلا غضاضة. (ش) (*)

[ 104 ]

فداك، قال: فقال لي: أترغب بنفسك عني ؟ قال: قلت له: إنما هي نفس واحدة فإن كان لله في الأرض حجة فالمتخلف عنك ناج والخارج معك هالك وإن لا تكن لله حجة في الأرض فالمتخلف عنك والخارج معك سواء، قال فقال لي: يا أبا جعفر كنت أجلس مع أبي على الخوان فيلقمني البضعة السمينة ويبرد لي اللقمة الحارة حتى تبرد شفقة علي ولم يشفق علي من حر النار، إذا أخبرك بالدين ولم يخبرني به، فقلت له: جعلت فداك من شفقته عليك من حر النار لم يخبرك، خاف عليك أن لا تقبله فتدخل النار وأخبرني أنا فإن قبلت نجوت وإن لم أقبل لم يبال أن أدخل النار، ثم قلت له: جعلت فداك أنتم أفضل أم الأنبياء ؟ قال: بل الأنبياء قلت: يقول يعقوب ليوسف (عليهم السلام) * (يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا) * لم لم يخبرهم حتى كانوا لا يكيدونه ولكن كتمهم ذلك فكذا أبوك كتمك لأنه خاف عليك، قال: فقال: أما والله لئن قلت ذلك لقد حدثني صاحبك بالمدينة أني اقتل واصلب بالكناسة وأن عنده لصحيفة فيها قتلي وصلبي فحججت فحدثت أبا عبد الله (عليه السلام) بمقالة زيد وما قلت له، فقال لي: أخذته من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوق رأسه ومن تحت قدميه ولم تترك له مسلكا يسلكه. * الشرح: قوله: (وهو مستخف) أي متوار من الأعداء. قوله: (إن طرقك طارق منا) أي طلبك طالب منا أو ورد عليك وارد منا أو دق بابك رجل منا يريد خروجك معه والاولان من باب الكناية والأخير على سبيل الحقيقة. قوله: (أترغب بنفسك عني) رغب عن الشئ إذا لم يرده ورغب فيه إذا أراده. قوله: (إنما هي نفس واحدة) يحتمل أن يريد أن النفس الواحدة لا تنفعك فيما تريده من الخطب العظيم وأن يريد أن النفس واحدة لابد لها من طاعة الرب وليست بمتعددة يمكن التدارك بإحداهما لو عصت واحدة لابد لها من طاعة الرب وليست بمتعددة يمكن التدارك بإحداهما لو عصت الاخرى وهذا أنسب بما بعده. قوله: (فالمتخف عنك ناج) أما نجاة المتخلف فلتشبثه بذيل الحجة وتخلفه عن المدعى بغير حق. وأما هلاك الخارج فلعكس ذلك وفيه تصريح بأنه ليس بحجة. قوله: (سواء) أي سواء في الفضل وليس للخارج مزية فيه، أو سواء في الهلاك لأن كليهما على تقدير عدم الحجة في معرض الهلاك والخروج معك لا يوجب النجاة. وفيه أيضا تصريح بما مر. قوله: (على الخوان فيلقمني البضعة) الخوان - بالكسر -: الذي يؤكل عليه وهو معرب، والبضعة بالفتح: القطعة من اللحم، وقد تكسر تقول لقمتها ألقمها وتلقمتها والتقمتها إذا أكلتها

[ 105 ]

ولقمني غيري تلقيما إذا وضعها في فيك. قوله: (لم يبال أن أدخل النار) في كلام زيد دلالة على أن من لم يبلغه الدين غير معذور، وفي كلام الأحول دلالة على أنه معذور. قوله: (أنتم أفضل) خطاب الجمع من باب تغليب الحاضر على الغائب وهو للامة وإن كانت الإمامة في البعض محض الادعاء، أو لاولاد الرسول (صلى الله عليه وآله). قوله: (لا تقصص رؤياك) كما حكاها عز شأنه بقوله * (إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين) * قال في الكشاف: عرف يعقوب (عليه السلام) دلالة الرؤيا على أن يوسف يبلغه الله مبلغا من الحكمة ويطفيه للنبوة وينعم عليه بشرف الدارين كما فعل بآبائه فخاف عليه حسد الإخوة وبغيهم، والرؤيا بمعنى الرؤية إلا أنها مختصة بما كان منها في المنام دون اليقظة. قوله: (لم لم يخبرهم حتى كانوا لا يكيدونه) سأل عن سبب عدم إخبارهم بشرف يوسف ونبوته وعن غايته المترتبة عليه ثم أجاب بنفسه عنه على سبيل الاستئناف بقوله حتى كانوا لا يكيدونه يعني لم يخبرهم بذلك حتى لا يتحقق الكيد منهم، فحتى هنا حرف ابتداء يبتدأ بها كلام مستأنف لاجارة ولا عاطفة. قوله: (ولكن كتمهم) لكن إذا خففت لم تعمل فلذلك تدخل على الفعل فإن قلت " لكن " مخففة كانت أو مثقلة للاستدراك ورفع التوهم المتولد من الكلام السابق فما وجه التوهم هنا ؟ قلت: قد يتوهم من عدم الإخبار عدم الكتمان إذ في الكتمان مبالغة ليس في عدم الإخبار فقصد بإثبات الكتمان رفع ذلك التوهم فتأمل. قوله: (فكذا أبوك كتمك) هذا من باب القياس بالأولوية فإنه إذا جاز كتمان النبي النبوة عن الأخوة خوفا من الكيد جاز كتمان الوصي الإمامة عن الإخوة خوفا من ذلك بطريق أولى. وفيه مع تقريره (عليه السلام) دلالة على جواز العمل بهذا القياس. قوله: (صاحبك) وهو محمد بن علي الباقر (عليهم السلام) كما هو مذكور في خطبة الصحيفة السجادية. قوله: (بالكناسة) وهي بالضم اسم موضع بالكوفة. قوله: (لصحيفة) هي غير القرآن كتب به ما كان وما يكون إلى يوم القيامة وهي الآن عند الصاحب المنتظر (عليه السلام). قوله: (أخذته من بين يديه - إلى آخره) كما أن للإنسان المجازي وهو هذه البنية المحسوسة

[ 106 ]

جهات ست محسوسة كذلك للإنسان الحقيقي وهو النفس المدركة للمعقولات جهات ست معقولة، وأخذه من جميع الجهات كناية عن عدم إبقاء طريق له في باب المناظرة وذلك لأنه أشار إلى أن خروجه لم يكن مشروعا بأن أباه وأخاه مع كونهما أفضل منه لم يخرجا، ثم صرح بذلك حيث حكم بنجاة المتخلف عنه وهلاك الخارج معه مع الإيماء إلى وجود حجة غيره، ثم دفع ما تمسك به على عدم وجوده من أن أباه لم يخبره به بأن عدم الاخبار للشفقة والخوف من النار لعدم إطاعته مع التصريح بأن أباه أخبر به غيره وهو المقصود بذكر هذا الحديث. في هذا الباب ويمكن أن يكون قوله (والخارج معك هالك) أخذا من بين يديه وقوله " فالمتخلف عنك ناج " أخذا من خلفه وقوله " إن كان أباك وأخاك خرجت معه " أخذا عن يمينه ويساره وقوله " أخبرني " يعني بالحجة أخذا من فوقه وقوله " لم يخبرك خاف عليك أن لا تقبله فتدخل النار " أخذا من تحته. وفي هذه الرواية دلالة واضحة على ذم زيد (1) وقال الفاضل الأستر آبادي في كتاب الرجال: هو جليل


1 - قوله " دلالة واحدة على ذم زيد " لا نسلم وضوح الدلالة ومنطوق الحديث أن مؤمن الطاق تلطف في الكف عن إجابة زيد وإبداء العذر للتخلف عنه وعدم الخروج معه، ويدل على كون مؤمن الطاق مصيبا في تخلفه لا في قياسه، وأنه يجوز للأنبياء والأئمة (عليهم السلام) إخفاء الحكم شفقة على من يعلم أنه يعصي ولو كان مصيبا فقد ظلم النبي (صلى الله عليه وآله) أبا جهل وأبا لهب وغيرهما إذ دعاهم الى الإيمان وعرضهم على العقاب وكان مقتضى الرحمة والشفقة أن لا يدعوهم مع علمه بأنهم لا يؤمنون على أن عدم علم زيد بإمامة أبيه يخالف العادة ولا يصدقه العقل وكيف يمكن أن يخفى على زيد بعد أربعين سنة وهو في بيت الإمامة دعوى أبيه وأخيه وقد علم ذلك منهم الأباعد وهل يتعقل أن يخفي زين العابدين (عليه السلام) عن زيد كونه إماما مع علمه بأن ذلك لا يمكن أن يخفى في مدة أربعين سنة ؟ ونحن مع الاعتراف بجلالة قدر زيد وعظيم منزلته لا ندعي عصمته ولعله أخطأ في الخروج لعذر وزعم أن ذلك جائز له وقد أغضبه هشام ولم ير للتخلص من الإهانة إلا دعوة أهل الكوفة أو رأى أن أخاه لا يخرج لحفظ الدماء وصيانة الأموال والإشفاق على الشيعة ولو قدر أحد من أهل البيت وجماعة من الشيعة رضوا بالجهاد واستولوا على الإمارة لرضى به أخوه وقبل منه، وهذه الأمور غير بعيدة من صلحاء الشيعة إذ لم يكونوا معصومين، وأما مؤمن الطاق فم يكن معصوما مع شدة اتصاله بالأئمة (عليهم السلام) ودفاعه عن مذهبهم ولم يكن كلامه حقا كله وإن أسكت زيدا وتخلص من متابعته، ولا يدل تحسين الإمام على أكثر من ذلك، وروت العامة أن زيدا لم يتبرأ من الشيخين ولذلك رفضه أهل الكوفة ويسمون الشيعة رافضة لهذه العلة ولعله لم ير المصلحة في التبرئ كما لم يتبرأ أمير المؤمنين (عليه السلام) في أيام خلافته إلا إيماء بالتضجر وربما ذكرهما بالخير ولم يكن الأئمة (عليهم السلام) = (*)

[ 107 ]

القدر عظيم المنزلة قتل في سبيل الله وطاعته سنة إحدى وعشرين ومائة وله اثنان وأربعون سنة، وورد في علو قدره روايات يضيق المقام عن إيرادها. أقول: منها ما رواه المصنف بإسناده عن سليمان بن خالد قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): " كيف صنعتم بعمي زيد ؟ قلت: إنهم كانوا يحرسونه فلما شف الناس أخذنا خشبته وفي بعض النسخ جثته فدفناه في جرف على شاطئ الفرات فلما أصبحوا جالت الخيل يطلبونه فوجوده فأحرقوه فقال: أفلا أوقرتموه حديدا وألقيتموه في الفرات صلى الله عليه ولعن الله قاتله " ومنها ما رواه أيضا مرسلا عنه (عليه السلام) قال: " إن الله عز ذكره أذن في هلاك بني امية بعد إحراقهم زيدا بسبعة أيام " ومنها ما رواه أيضا بإسناده عن عيص بن القاسم قال: " سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: عليكم بتقوى الله وحده لا شريك له - إلى قوله - " ولا تقولوا خرج زيد فإن زيدا كان عالما وكان صدوقا ولم يدعكم إلى نفسه إنما دعاكم إلى الرضا من آل محمد (صلى الله عليه وآله) ولو ظهر لوفا بما دعاكم، إنما خرج إلى سلطان مجتمع لينقضه - الحديث " وروى الصدوق في عيون أخبار الرضا روايات متكثرة دالة على مدحه وعلو قدره وكمال فضله وبالغ فيه والذم في رواية الأحول على تقدير تسليم سندها مستفاد من كلامه لا من كلام المعصوم وإنما المستفاد وهو أخذه من جميع الجهات، ويمكن حمله عى وقوع الخروج بدون إذنه وإظهار كراهة ذلك شفقة عليه نظير ذلك أنه لم يأذن لنا المعصوم بترك التقية في سبه (1) فلو تركها أحد فقتل كان مرحوما مغفورا مثابا كما دل عليه بعض الروايات.


= متظاهرين به أيضا ولعل اختلاف الأحول مع زيد كان راجعا الى ذلك لا إلى إنكار إمامة أبيه وأخيه (عليهم السلام) بأن يكون الأحول يريد منه التظاهر بالتبري وكان زيد ينكر لزوم ذلك ويستدل بأن أباه لم يأمره به ولو كان لا يتم الإيمان إلا بالتظاهر في كل محفل بالتبرئ منهما لأمره به، وهذا وإن كان بعيدا من ظاهر لفظ الحديث من جهة قول الأحول " فإن كان لله في الأرض حجة - الى آخره " لكن سكت زيد عن جوابه ولم يقل إنه ليس لله في الأرض حجة وعدل عنه الى قوله " أخبرك بالدين ولم يخبرني به " فيمكن حمله على حكم آخر من أحكام الدين ولابد من ذلك لئلا يخالف ما هو معلوم في العقل والعادة من كون زيد عالما بدعوى أبيه وأخيه الإمامة وعدم إمكان جهله به عادة. والله العالم بحقائق الأمور. (ش) 1 - قوله: " بترك التقية في سبه " والأصح أن أمره بالتقية إباحة لا إيجاب وليست التقية واجبة مطلقا إلا إذا توقف عليها حفظ دم الغير وصيانة ماله وعرضه، وأما حفظ نفسه فالتقية فيه رخصة إلا إذا توقف حفظ الدين عليها أو على تركها، ولذلك لم يتق ميثم التمار وأمثاله - عليهم الرحمة - إذ لم يفهموا من الأمر في مقام توهم = (*)

[ 108 ]

باب طبقات الانبياء والرسل والأئمة (عليهم السلام)) * الأصل: 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن أبي يحيى الواسطي، عن هشام بن سالم ودرست بن أبي منصور عنه قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) الأنبياء المرسلون على أربع طبقات: فنبي منبا في نفسه، لا يعدو غيرها. ونبي يرى في النوم ويسمع الصوت ولا يعاينه في اليقظة ولم يبعث إلى أحد وعليه إمام مثل ما كان إبراهيم على لوط (عليهم السلام). ونبي يرى في منامه ويسمع الصوت ويعاين الملك وقد ارسل إلى طائفة قلوا أو كثروا، كيونس، قال الله ليونس: * (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون) * قال: يزيدون ثلاثين ألفا وعليه إمام والذي يرى في نومه ويسمع الصوت ويعاين في اليقظة وهو إمام مثل اولي العزم، وقد كان إبراهيم (عليه السلام) نبيا وليس بإمام حتى قال الله: * (إني جاعلك للناس إماما * قال ومن ذريتي) *، فقال الله، * (لا ينال عهدي الظالمين) *، من عبد صنما أو وثنا لا يكون إماما. * الشرح: قوله: (الأنبياء والمرسلون) الأنبياء: جمع نبي بالهمزة أو بالياء المشددة، والأول: بمعنى الفاعل مأخوذ من نبأ: وهو الخبر سمي به لأنه مخبر عن الله تعالى ما أراد من الخلق. والثاني: فعيل بمعنى المفعول مأخوذ من النبوة: وهي ما ارتفع من الأرض سمي به لأنه مرفوع القدر مشرف على الخلائق والرسول أعلى مرتبة وأعظم درجة من النبي كما ستعرفه: فذكره بعد النبي من باب ذكر الخاص بعد العام. قوله: (على أربع طبقات) بعضها فوق بعض كما قال جل شأنه * (ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا) * ثم حصر الطبقات في الأربع لأنه لم يوجد غيرها لا لأنه لم يحتمل غيرها عقلا لأن الاحتمال العقلي زائد عليها (1).


= الحظر إلا الإباحة للإشفاق على الشيعة. وأما الترديد في سند الحديث واحتمال كونه موضوعا فليس بوجه إذ ليس فيه من يتهم وإن احتمل فيه السهو والوهم وأمثال ذلك. (ش) 1 - قوله: " لأن الاحتمال العقلي زائد عليها " والوجه أن المقصود ذكر طبقاتهم في الجملة كلية وإن = (*)

[ 109 ]

[... ]


= كانت كل طبقة مشتملة على درجات عديدة، وبيان ذلك أن الإنسان وكل موجود مرتبط مع المبدأ الأعلى نحوا من الارتباط كما سبق في كتاب التوحيد " داخل في الأشياء لا بالممازجة خارج عنها لا بالمباينة ". والفرق بين الإنسان والموجودات الأخر أنه مرتبط بالمبدأ في شعوره وعقله لا في أصل وجوده فقط المشترك فيه مع كل شئ وله قوى عديدة يدرك بها وأظهرها السمع والبصر والعقل هي شديدة التوجه والالتفات الى الدنيا وعالم المادة لأن الناس غالبا يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ولم يكن المصلحة في أن يفجر أمامه ويعاين عالم الغيب وهو بعد في جلبات الطبيعة إلا بمقدار أن يعترف بوجوده في الجملة ففتح الله تعالى من ذلك العالم على قلبه بابا في المنام ولكل نفس طريق منه الى ذلك العالم يرى منه كشبح من بعيد يشتبه عليه حقيقته ويرى معه أمورا يحتمل منه خطأ كخطأ الحس ولا يميز بين حقه وباطله ولكن وسع الله على قلوب الأولياء غير الحجج حتى يطلعوا على أكثر مما يطلع عليه غالب الناس والاشتباه والشك عليهم أقل ويختلف مراتبهم كما يختلف مراتب غيرهم في كثرة الرؤيا الصالحة ووضوحها وليس صرف ارتباط قلوب الأولياء بل ولا الحجج مع عالم الغيب نبوة كلما اشتد وقوى وأمنوا من الغلط والاشتباه إلا أوحى إليهم الأمر والنهي سواء كان خاصا بأنفسهم أو بقومهم قليلا أو كثيرا أو لعامة الناس فقط أو لعامة الناس والأنبياء الذين يأتون بعدهم، وهذه مراتب ودرجات في الفضيلة ولا أفضلية. ثم أن اتصالهم بعالم الغيب قد يكون بحيث يغلب حكم ذلك العالم على عقولهم فقط دون السمع والبصر لأن العقل لكونه أقرب إلى ذلك العالم لتجرده سريع الاتصال به وشديد الاستعداد له فيتصل بذلك العالم قبل سائر القوى فإن كان قويا جدا اتصل به في اليقظة وإن كان دونه اتصل به في المنام حيث لا يشغله سائر الحواس عن إدراك الباطن وقد يكون اتصالهم بعالم الغيب بحيث يغلب حكمه على العقل مع السمع وقد يتجاوز ذلك فيغلب على البصر أيضا فإن كان الغلبة على العقل فقط سمي إلهاما وقد اطلق عليه الوحي في القرآن وإن غلب مع ذلك على السمع سمع الصوت أيضا وإن غلب على البصر عاين الملك في اليقظة وهذه مراتب متفاضلة لا يمكن أن يغلب على البصر من غير أن يغلب على السمع في وقت أصلا أو يغلب على السمع من غير أن يغلب على العقل ولكن العكس ممكن بأن يغلب على العقل من غير أن يغلب على السمع ولا يمنع المرتبة العليا عن حصول المرتبة الدنيا كما لا يمنع كمال العلم في العلماء أن يعرفوا الكتابة والحروف والمقدمات ولذلك قد يتفق لأعاظم الأنبياء كإبراهيم (عليه السلام) أن يوحى إليهم في المنام قال الله تعالى * (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه) * والوحي: هو الإلقاء في القلب أعني الإلهام، ومن وراء حجاب: سماع الصوت من غير معاينة ملك أو يرسل رسولا من معاينة ملك، ولابد للعاقل أن يتفكر في هذه الآية وينصف من نفسه ويقايس بين القرآن وقول سائر فصحاء العرب وهل كان لأحد منهم أن يفرق بين وجوه الوحي بهذه الدقة والبيان اين كلام النبي (صلى الله عليه وآله) وكلام مسيلمة والاسود العنسي وغيرهما (ش). (*)

[ 110 ]

قوله: (فنبي مبنأ في نفسه) الظاهر أن منبأ اسم مفعول من أنبأه أو نبأه إذا أخبره يعني ما أوحى إليه مختص به لا يجري على غيره وليس له إمام يتقدي به وأما الوحي إليه فيحتمل أن يكون من الرؤية في النوم وسماع الصوت والمعاينة في اليقظة. قوله: (ونبي يرى في النوم - الخ) أي يرى الأوامر والنواهي في النوم أو يرى الملك فيه ويسمع صوته في اليقظة ولا يعاينه مطلقا أو بصورته الأصلية والظاهر هو الأخير لأن لوطا قد رآه بصورة الأنسان. قوله: (وعليه إمام) الإمام: الذي يقتدى به وجمعه أئمة وأصله أئممة على أفعله فادغمت الميم ونقلت حركتها إلى ما قبلها وهو الهمزة فلما حركوها بالكسر جعلوها ياء. قوله: (مثل ما كان إبراهيم على لوط (عليه السلام)) فإن لوطا كان يقتدي بإبراهيم. قال القاضي: هو ابن اخت إبراهيم وأول من آمن به، وقيل: إنه آمن به حين رأى النار لم تحرقه. والمفهوم من بعض رواياتنا أنه ابن خالته. قوله: (إلى طائفة) هم كقوم يونس الذين هرب عنهم وخرج من بينهم حين ما قرب موعد العذاب بدون إذن ربه فالتقمه الحوت وهو مليم، ثم نجاه الله تعالى وأرسله إليهم بعد قبول توبتهم. قوله: (أو يزيدون) قيل " أو " يستعمل لأحد الأمرين مبهما عند المتكلم ولا وجه للإبهام هنا (1) وأجيب بأن المراد أو يزيدون في المنظر بحيث إذا نظر إليه ناظر قال: مائة ألف أو أكثر. وبالجملة


1 - قوله: " ولا وجه للإبهام هنا " قد يكون تفصيل الذكر منافيا للبلاغة حيث لا يكون المقام مقتضيا والإجمال أبلغ وأفصح وهنا كذلك لأن المقصود إرسال يونس الى بلد كبير وأناس كثيرين أكثر من مائة ألف وتعيين عدد أهل البلد غير مناسب وتطويل بلا طائل كأن يقال: كانوا مائة ألف وخمسة عشر ألفا وثلثمائة وستة وعشرين ولم يكن المقام مقام الإحصاء، وقد يقول الخطيب تكلمت في محفل فيه نحو عشرة آلاف نفس وغرضه يحصل بهذا المقدار تقريبا فلو قال: عشرة آلاف وتسع وثمانين ومائة لم يدخل في غرضه وقد يقتضى المقام التفصيل كحساب الدخل والخرج أو الإعجاز بيان عدد شئ من غير إحصاءه فيجب ذكره تفصيلا. (ش) (*)

[ 111 ]

" أو " ههنا لأحد الأمرين مبهما عند غيره تعالى من الناظرين. قوله: (والذي يرى في نومه) إشارة إلى الطبقة الرابعة وإنما غير العبارة للدلالة على التفاوت بينهما وبين السوابق في المعنى إذ فيها ما ليس في السوابق من الفضل والكمال وعلو المرتبة. قوله: (مثل اولي العزم) والعزم يطلق على إرادة الفعل والقطع عليه والصبر والاحتمال والثبات والجد، وأولو العزم من الرسل هم الذين كانوا من (1) أصحاب الشرائع واجتهدوا في تأسيسها وتقريرها وصبروا لكمال قوتهم في دين الله على إقامتها وإنفاذها وتبليغها أو تحمل المشاق والمجاهدة والقتال والأذى من سفهاء الامة الطاعنين فيها وهم خمسة كما سيجئ. قوله: (جاعلك للناس إماما) يأتمون بك ويتبعونك في الأقوال والأعمال والعقائد. قوله: (ومن ذريتي) قال القاضي: هو عطف على الكاف: أي وبعض ذريتي كما تقول وزيدا في جواب ساكرمك، وقال قطب المحققين: العطف في مثل هذا للتلقين: أي قل ساكرمك وزيدا، وقال الزمخشري في الفائق: الذرية من الذر بمعنى التفريق لأن الله تعالى ذرهم في الأرض، أو من الذرء بمعنى الخلق، فهي من الأول فعلية أو فعلولة ذرورة فقلبت الراء الثالثة ياء كما في تقضيت. ومن الثاني فعولة أو فعيلة قلبت الهمزة ياء وهي نسل الرجل، وقال المطرزي في المغرب: ذرية الرجل أولاده ويكون واحدا وجمعا ومنه * (هب لي من لدنك ذرية طيبة) *. قوله: فقال الله: * (لا ينال عهدي الظالمين) * أي الموصوفين بالظلم وقتا ما، قال القاضي فيه إجابة إلى ملتمسه وتنبيه على أنه قد يكون من ذريته ظلمة وأنهم لا ينالون الإمامة من الله لأنها أمانة من الله وعهده، والظالم لا يصلح لها وإنما ينالها البررة الأتقياء منهم، وفيه دليل على عصمة الأنبياء من الكبائر قبل البعثة وأن الفاسق لا يصلح للإمامة. * الأصل: 2 - محمد بن الحسن، عمن ذكره، عن محمد بن خالد، عن محمد بن سنان، عن زيد الشحام قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن الله تبارك وتعالى اتخذ إبراهيم عبدا قبل أن يتخذه نبيا، وإن


1 - قوله: " أولو العزم من الرسل هم الذين كانوا " بناء على أن أولي العزم جماعة خاصة من الأنبياء ولم يكن كلهم صاحب عزم وقوة إرادة ويحتمل قويا أن يكون " من " في قوله تعالى * (أولو العزم من الرسل) * للنبيين فيكون كلهم أولي عزم بل هو أولى وأوضح من تخصيص العزم ببعضهم لكن جرى في الحديث على الاصطلاح الشائع بين الناس. (ش) (*)

[ 112 ]

الله اتخذه نبيا قبل أن يتخذه رسولا وإن الله اتخذه رسولا قبل أن يتخذه خليلا، وإن الله اتخذه خليلا قبل أن يجعله إماما فلما جمع له الأشياء قال: * (إني جاعلك للناس إماما) * قال: فمن عظمها في عين إبراهيم قال: * (ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين) * قال: لا يكون السفيه إمام التقي. * الشرح: قوله: (إن الله تعالى اتخذ إبراهيم عبدا قبل أن يتخذه نبيا - الخ) قبلية العبودية على النبوة والنبوة على الرسالة ظاهرة فإن الرسالة أرفع درجة من النبوة كما يظهر من الأحاديث في الباب الآتي والنبوة أرفع درجة من العبودية فإن أكثر الناس لهم درجة العبودية وليست لهم درجة النبوة، وأما قبلية الرسالة على الخلة والخلة على الإمامة فالوجه فيها أن الخلة قيل: هي فراغ القلب عن جميع ما سواه، والخليل من لا يتسع القلب لغيره وقد كان إبراهيم بهذه الصفة كما يرشد إليه قوله حين قال له جبرائيل (عليه السلام): ألك حاجة وقد رمي بالمنجنيق أما إليك فلا، فنفى (عليه السلام) في تلك الحالة العظيمة أن يكون له حاجة إلى غير الله تعالى ولا شبهة في أن هذه الدرجة فوق درجة الرسالة إذ كل رسول لا يلزم أن تكون له هذه الدرجة. وقيل: الخلة صفاء المودة ولا يبعد إرجاعه إلى القول الأول لأن من كانت مودته لله تعالى صافية لم تكن له حاجة إلى غيره أصلا ولا ينظر إلى سواه قطعا وإلا لكانت مودته مشوبة في الجملة. وقيل: الخلة اختصاص رجل بشئ دون غيره، ولا ريب في أنه كان له (عليه السلام) قرب منه تعالى لم يكن لغيره وهذه الدرجة أيضا فوق درجة الرسالة. وأما الإمامة فهي أفضل من الخلة لأنها فضيلة شريفة ودرجة رفيعة وأجل قدرا وأعظم شأنا وأعلى مكانا وأمنع جانبا وأبعد غورا من أن يبلغها البشر بعقولهم، وقد شرف الله تعالى إبراهيم (عليه السلام) بها فقال: * (إني جاعلك للناس إماما) * بعد ما أعطاه الدرجات السابقة فمن جهة عظم الإمامة في عينه (عليه السلام) قال سرورا بها * (ومن ذريتي) * فقال الله تعالى إيماء إلى إجابة دعائه وتصريحا بأن الظالم في الجملة لا ينالها * (لا ينال عهدي الظالمين) * فأبطلت هذه الآية إمامة كل سفيه وتقدم كل ظالم على البر التقي إلى يوم القيامة وقررتها في الصفوة. ثم أكرمه الله تعالى بأن جعلها في ذريته أهل الصفوة والطهارة فقال: * (ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين) * فلم تزل الإمامة والخلافة في ذريته الطاهرة يرثها بعض عن بعض قرنا بعد قرن حتى ورثها الله تعالى نبينا (صلى الله عليه وآله) فقال: * (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين) * فكانت لهم خاصة فقلدها (صلى الله عليه وآله) عليا (عليه السلام)

[ 113 ]

بأمر الله تعالى فصارت في ذريته الأصفياء الأتقياء البررة الكرماء الذين هم أولو الأمر كما قال الله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولي الأمر منكم) * ثم طائفة من اللصوص المتغلبة الذين نشأت عقولهم وعظامهم ولحومهم في عبادة الأوثان غصبوها من أهل الصفوة فضلوا وأضلوا كثيرا. * الأصل: 3 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن يحيى الخثعمي. عن هشام عن ابن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: سادة النبيين والمرسلين خمسة وهم اولو العزم من الرسل وعليهم دارت الرحى: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد (صلى الله عليه وآله) وعلى جميع الأنبياء. * الشرح: قوله: (وعليهم دارت الرحى) (1) يقال: دارت رحى الحرب إذا قامت على ساقها وأصل الرحى هي التي يطحن بها والمعنى يدور عليهم الإسلام ويمتد قيام أمره على سنن الاستقامة والبعد من أحداث الظلمة الكفرة فهم بمنزلة القطب من الرحى، ويفسر هذا الحديث ما رواه المصنف في باب الشرائع من كتاب الكفر والإيمان بإسناده عن سماعة بن مهران " قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): قول الله عز وجل * (فاصبر كما صبر اولو العزم من الرسل) *. فقال: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد (صلى الله عليه وآله). قلت: كيف صاروا أولي العزم ؟ قال: لأن نوحا بعث بكتاب وشريعة، وكل من جاء بعد نوح أخذ بكتاب نوح وشريعته ومنهاجه حتى جاء إبراهيم (عليه السلام) بالصحف، وبعزيمة ترك كتاب نوح لا كفرا به، فكل نبي جاء بعد إبراهيم أخذ بشريعة إبراهيم ومنهاجه وبالصحف حتى جاء موسى بالتوراة وشريعته ومنهاجه، وبعزيمة ترك الصحف، فكل نبي جاء بعد موسى أخذ بالتوراة وشريعته ومنهاجه حتى جاء المسيح (عليه السلام) بالإنجيل وبعزيمة ترك شريعة موسى ومنهاجه، فكل نبي جاء بعد المسيح أخذ بشريعته ومنهاجه حتى جاء محمد (صلى الله عليه وآله) فجاء بالقرآن وبشريعته ومنهاجه فحلاله حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة فهؤلاء اولو العزم من الرسل (عليهم السلام) ".


1 - قوله: " وعليهم دارت الرحى " ظاهر هذا الحديث أن كلمة أولي العزم خاصة ببعض الرسل ويحتمل كما قلنا أن جميعهم اولوا العزم وأمر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله) بالصبر كما صبر الرسل أولو العزم لا لم يكونوا أولي عزم لأن نفي العزم ينافي النبوة إلا أن يتكلف في تأويله بما يخرجه عن الفصاحة. (ش) (*)

[ 114 ]

* الأصل: 4 - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن محمد بن الحسين، عن إسحاق بن عبد العزيز أبي السفاتج، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته يقول: إن الله اتخذ إبراهيم (عليه السلام) عبدا قبل أن يتخذه نبيا، واتخذه نبيا قبل أن يتخذه رسولا، واتخذه رسولا قبل أن يتخذه خليلا، وأتخذه خليلا قبل أن يتخذه إماما فلما جمع له هذه الأشياء - وقبض يده - قال له: يا إبراهيم إني جاعلك للناس إماما، فمن عظمها في عين إبراهيم (عليه السلام) قال: يا رب ومن ذريتي، قال: لا ينال عهدي الظالمين. * الشرح: قوله: (وقبض يده) لعل المراد أخذ يده (1) ورفعه من حضيض الكمالات الإنسانية إلى أوجها، هذا إذا كان الضمير في يده راجعا إلى إبراهيم (عليه السلام) وإن كان راجعا إلى الله تعالى فقبض يده كناية عن إكمال الصنعة وإتمام الحقيقة في ذاته وصفاته (عليه السلام) أو تشبيه للمعقول بالمحسوس للإيضاح فإن الصانع منا إذا كمل صنعه لشئ رفع يده عنه ولا يعمل فيه شيئا لتمام صنعته.


1 - قوله: " لعل المراد أخذ يده " ليس شئ من المعاني التي ذكرها الشارح موجها بل المراد أن الإمام (عليه السلام) لما قال: جمع الله لإبراهيم هذه الأشياء وهي الرسالة والخلة والإمامة جمع يده الشريفة علامة على جمع الأمور المذكورة فيه، فقوله " وقبض يده " يعني قبض الإمام (عليه السلام) يد نفسه. (ش) (*)

[ 115 ]

باب الفرق بين الرسول والنبي والمحدث * الأصل: 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن ثعلبة بن ميمون عن زرارة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: * (وكان رسولا نبيا) * ما الرسول وما النبي ؟ قال: النبي الذي يرى في منامه ويسمع الصوت ولا يعاين الملك والرسول الذي يسمع الصوت ويرى في المنام ويعاين الملك. قلت: الإمام ما منزلته ؟ قال: يسمع الصوت ولا يرى ولا يعاين الملك، ثم تلا هذه الآية: * (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي) * (ولا محدث). * الشرح: قوله: (قال: النبي الذي يرى في منامه ويسمع الصوت ولا يعاين الملك) أي النبي الذي يرى الملك في منامه أو يرى الرؤيا فيه نحو رؤيا إبراهيم (عليه السلام) ويسمع صوت الملك في اليقظة ولا يعاينه، وفي الخبر الثاني، النبي ربما سمع الكلام وربما رأى الشخص ولم يسمع، يعني ربما سمع كلام الملك في حال اليقظة من غير معاينة وربما رآه من غير سماع منه (1) وفي الثالث والرابع اقتصر بالرؤية في المنام لا يقال بين الخبر الأول والثاني منافاة من وجهين، أحدهما: أنه قال في الأول لا


1 - قوله: " وربما رآه من غير سماع منه " رؤية الملك من غير سماع معقولة ممكنة وليس من الوحي في شئ ولا دلالة فيه على النبوة وقلنا سابقا أن الرؤية بغير سماع صوت غير ممكن في تحقق الوحي ولا يخفى أن هذه الأربعة احاديث في هذا الباب يخالف ما ورد في كثير من الأحاديث الأخر أن الأئمة (عليهم السلام) كانوا يرون الملائكة وهذه الأربعة متفقة على أن الإمام لا يراهم وإنما يسمع صوتهم فقط والأولى رد علم ذلك إليهم لأنه من خواص الولاية والنبوة، ليس لنا الخوض في شئ لا إحاطة لنا به كما أن العامي لا يتعقل معنى الاجتهاد ويتنافى عنده كون رجل مجتهدا أعلم ولا يعلم بعض المسائل ويكون غيره عالما به أو يكون المجتهد جاهلا ببعض العلوم كالتجويد والتفسير وأصول الدين وكذلك نحن بالنسبة إلى الإمامة، والذي لا ريب فيه أن بعض الصحابة رأوا الملك وسارة زوجة إبراهيم رأت الملائكة كما في القرآن بل رأتهم امرأة لوط وبعض فساق قومه على ما في الروايات وورد أن عمران بن الحصين من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) كان يسلم عليه الملائكة حتى اكتوى فلم يجيئوا ولم يسلموا عليه فكان محدثا مثل الإمام. (ش) (*)

[ 116 ]

يعاين الملك وقال في الثاني يعاينه من غير سماع. والثاني: أنه قال في الأول " ويرى في منامه " ولم يذكره في الثاني، لأنا نقول الوجه الاول مدفوع بأن قوله في الخبر الأول " ويسمع الصوت ولا يعاين الملك " معناه ويسمع كلامه من غير معاينة، وهذا نظير قوله في الخبر الثاني " ربما سمع الكلام " إذ معناه كما ذكرنا أنه ربما سمع كلام الملك من غير معاينة بقرينة قوله " وربما رأى الشخص ولم يسمع) وليس في الخبر الأول أنه لا يعاين الملك من غير سماع فلا منافاة من هذا الوجه، والوجه الثاني أيضا مدفوع بأن سماع كلام الملك ورؤية شخصه من غير سماع أرفع من الرؤية في المنام فوقوع ذينك الأمرين دل على وقوع هذا بالطريق الأولى، على أن المقصود من تفسير النبي هو امتيازه عن الرسول (1) والإمام وقد حصل ذلك بذكر


1 - قوله: " امتيازه عن الرسول " لا ريب أن الامتياز بين الرسول والنبي ليس امتيازا بالتباين بل بالعموم والخصوص المطلق لأن نبينا (صلى الله عليه وآله) كان خاتم النبيين وأطلق عليه كلمة النبي في آي كثيرة في بينهما في قوله تعالى * (ولكن رسول الله وخاتم النبيين) * والغرض في هذه الأحاديث بيان مادة الافتراق للعموم المطلق ولا يخفى لزوم قيد زائد في تعريف النبي والرسول على ما في الروايات سكت عنه فيها للوضوح بداهة أن كل من رأى الملك وسمع الصوت في اليقظة ليس نبيا كما اتفق للناس في عهده (صلى الله عليه وآله) وقبله كما أن كل من رأى السلطان وتكلم معه ليس وزيرا وأميرا بل النبي والرسول هو الذي رأى أو سمع وأمره الله تعالى بتبليغ أمر أو نهي على نحو يلزم به الحجة على السامعين والمخاطبين ويكون مستقلا فيما أمر بتبليغه لا على نحو القيد والتفسير كالأئمة (عليهم السلام). وامتياز النبي عن الإمام بمقتضى الروايات أن النبي يرى في النوم والإمام لا يرى، وأما في سماع الصوت فلا فرق بينهما وفي معاينة الملك اختلفت الروايات ففي بعضها يعاين الإمام وفي بعضها لا يعاين على ما قلنا، وليس الرؤية في المنام فضلا بل هي أدون من سماع الصوت في اليقظة على ما مر في باب طبقات الأنبياء إلا أن يقال الرؤية وان كانت في النوم أفضل من السماع وإن كان يقظة ولذلك اختصت بالأنبياء وهو بعيد، وفي رواياتنا أن أوصياء خاتم النبيين أفضل من الأنبياء فيشكل كون الأنبياء مفضلين بشئ لا يحصل لهم، وفي بعض الروايات أن مرتبة الإمامة أعلى من مرتبة النبوة والحق إرجاع هذه الأمور إليهم والتوقف فيها والاكتفاء بما نفهمه من متبادر اللفظ وهو أن النبي مأمور بتبليغ الأحكام والشريعة والأئمة بتنفيذها وتفسيرها، وأما كيفية ارتباطهم مع الله والفرق بين ارتباطه وارتباطهم فهم أعلم به ونعلم بالإجمال أن كل من رأى ملكا من الملائكة أو سمع صوتا حقا أو ألهم إليه معنى ليس نبيا ولا إماما إذا لم يؤمر بوجه تمت به الحجة بتبليغه والعمل به ولم يقارن بآية تدل على صدقه أذ قد اتفق هذه الأمور لجماعة على ما ورد في الروايات، ونعلم أن لا نبي بعد خاتم = (*)

[ 117 ]

بعض صفاته ولا يقتضي ذلك ذكر جميعها ولذلك اقتصر في الثالث والرابع بذكر الرؤية في المنام فقط فلا منافاة بين هذه الأحاديث. قوله: (والرسول هو الذي يسمع الصوت - الخ) أي الرسول الذي يسمع صوت الملك في اليقظة من غير معاينة ويراه أو يرى الرؤيا في المنام ويرى الملك مع سماع منه فاعتبر في هذا الخبر في النبي ثلاث خصال واعتبر في الخبر الثاني خصلتين معاينة الملك مع السماع منه والرؤية في المنام، وفي الخبر الثالث والرابع خصلة واحدة هي رؤية الملك مع سماع منه، ولا منافاة بين هذه الأخبار لأن المقصود هو امتياز الرسول عن النبي مع سماع منه، ولا منافاة بين هذه الأخبار لأن المقصود هو امتياز الرسول عن النبي والإمام، وقد حصل بذكر أخص صفاته أعني معاينة الملك والسماع منه على أن في الثلاثة الأخيرة إشارة إلى اعتبار ما اعتبره في الأول بطريق الأولوية كما مر. * الأصل: 3 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن الأحول قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرسول والنبي والمحدث، قال: الرسول الذي يأتيه جبرئيل قبلا فيراه ويكلمه فهذا الرسول، وأما النبي فهو الذي يرى في منامه نحو رؤيا إبراهيم (عليه السلام) ونحو ما كان رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أسباب النبوة قبل الوحي حتى أتاه جبرئيل (عليه السلام) من عند الله بالرسالة وكان محمد (صلى الله عليه وآله) حين جمع له النبوة وجاءته الرسالة من عند الله يجيئه بها جبرئيل ويكلمه بها قبلا ومن الأنبياء من جمع له النبوة ويرى في منامه ويأتيه الروح ويكلمه ويحدثه، من غير أن يكون يرى في اليقظة. وأما المحدث فهو الذي يحدث فيسمع ولا يعاين ولا يرى في منامه. * الشرح: قوله: (قبلا) يقال: رأيته قبلا بفتح القاف والباء وضمهما وضم الاول وفتح الثاني وكسر الأول وفتح الثاني أي مقابلة وعيانا. قوله: (ونحو ما كان رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أسباب البنوة قبل الوحي) هذا صريح في أن الرؤيا المتقدمة على إتيان جبرئيل (عليه السلام) ليست وحيا. وقد صرح به بعض العامة أيضا، نعم هي شبه الوحي في الصحة إذ لا مدخل للشيطان فيها وإنما الرؤية التي هي وحي ما كان بعد الإرسال وإنما بدأ بالرؤيا قبل الوحي لأن فجأة الملك وصريح الوحي لا تطيقه القوى البشرية فبدأ بها ليأنس ويستعد


= الأنبياء ولا إمام غير الأئمة الاثني عشر وأن كل من ادعى شيئا من ذلك فدعواه باطلة. (ش) (*)

[ 118 ]

لعظم ما اريد منه حتى لا يأتيه الملك إلا بعد تمهيد مقدماته. قال السهيلي أنواع الوحي (1) سبعة: الأول: الرؤيا الصادقة لقوله تعالى * (يا أبت افعل ما تؤمر) *، الثاني: النفث في الروع لقوله (صلى الله عليه وآله): " إن روح الأمين نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها ورزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب (2)، الثالث: أنه كان يأتيه في مثل صلصلة الجرس وهو أشد عليه وكان كذلك ليستجمع عنده تلك الحالة فيكون أدعى لما يسمع، الرابع: أن يمثل له الملك رجلا كما كان يأتيه في صورة دحية الكلبي. وكان دحية حسن الهيئة وحسن الجمال، الخامس: أن يتراءى له جبرئيل (عليه السلام) في صورته التي خلق عليها له ستمائة جناح ينتثر منها اللؤلؤ والياقوت، السادس: أن يكلمه الله تعالى من وراء حجاب في اليقظة كما في ليلة الإسراء. السابع: ما ثبت أن إسرافيل وكل به (صلى الله عليه وآله) ثلاث سنين ويأتيه بالكلمة من الوحي ثم وكل به جبرئيل فجاءه بالقرآن. قوله: (وحين جمع له النبوة - الخ) أي حين جمع له أسباب النبوة من الرؤية في المنام وسماع الصوت من غير معاينة وغيرها مما أوحاه جبرئيل (عليه السلام) وكلمه عيانا ومواجهة فهو نبي ورسول. ومن الأنبياء من جمع له أسباب النبوة ولم يعاين الملك في اليقظة فهو نبي وليس برسول، فالرسول أخص مطلقا من النبي. * الأصل: 4 - أحمد بن محمد، ومحمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن علي بن حسان عن ابن فضال، عن علي بن يعقوب الهاشمي، عن مروان بن مسلم، عن بريد، عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام) في قوله عز وجل: * (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي) * (ولا محدث). قلت: جعلت فداك ليست هذه قراءتنا فما الرسول والنبي والمحدث ؟ قال: الرسول: الذي يظهر له الملك فيكلمه، والنبي: هو الذي يرى في منامه، وربما اجتمعت النبوة والرسالة لواحد، والمحدث: الذي يسمع الصوت ولا يرى الصورة قال: قلت: أصلحك الله كيف يعلم أن الذي رأى


1 - قوله: " قال السهيلي " في الروض الآنف شرح سيرة ابن هشام وتسبيعه الأقسام لا ينافي ما مر في تفسير الآية الكريمة * (وما كان لبشرا أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا) * لأن الأول والثاني من الأقسام السبعة داخلان في قوله تعالى " وحيا " والثالث والسادس في قوله * (أو من وراء حجاب) * والرابع والخامس والسابع في قوله تعالى * (أو يرسل رسولا) *. (ش) 2 - رواه الكليني في الكافي كتاب المعيشة باب الإجمال في الطلب. (*)

[ 119 ]

في النوم حق وأنه من الملك ؟ قال: يوفق لذلك حتى يعرفه، لقد ختم الله بكتابكم الكتب وختم بنبيكم الأنبياء. * الشرح: قوله: (يوفق لذلك حتى يعرفه) (1) معنى التوفيق هنا خلق القدرة على تمييز الخطأ عن الصواب، وأعلم أن رؤيا الأنبياء (عليهم السلام) لازمة الوقوع لأنها صادقة حق لا أضغاث أحلام ولا تخيل ولا مدخل للشيطان وخبث الظاهر والباطن فيها. وأما رؤيا غيرهم فقد تصدق وقد لا تصدق، والصادق جزء من خمسة وأربعين جزءا ومن سبعين جزءا من النبوة على مادلت عليه الأخبار.


1 - قوله: " يوفق لذلك حتى يعرفه " شبهة كانت تختلج في ذهن الناس على عهد النبي (صلى الله عليه وآله) وبعده وأجيب عنها في القرآن وذلك لأنهم غالبا لم يكونوا يتهمون النبي (صلى الله عليه وآله) في رؤيته صورة وسماعه وصوتا بالأمر والنهي ولكن كانوا يقولون من أين يعلم أن ما يراه حق واقع بل هو خيال باطل يتمثل له كما يتمثل للمصروعين والمبرسمين كذلك الرؤيا في المنام قد تكون حقا وقد تكون باطلا لكن محمدا اشتبه عليه الأمر فزعم ما ليس بحق حقا وقال الله تعالى * (ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى) * وقد كانت الملاحدة يعودون الناس الحشيش يشربونه فيتمثل في أذهانهم صور غير واقعة حتى يتمكن في خاطرهم إمكان رؤية شئ غير حقيقي ثم لا يتعجبون من دعواهم حصول مثل ذلك للنبي (صلى الله عليه وآله) والتحقيق أنه كما يمكن تمثل شئ لا حقيقة له في الحس المشترك كالشعلة الجوالة كذلك يمكن تمثل شئ حقيقي وليس الامتياز بين الحقيقة وغيرها أن الحقيقي يشترك في ادراكه كل الناس وغير الحقيقي يختص به أحدهم كما توهم وذلك لأن الشعلة الجوالة يشتركون في إدراكها ولا حقيقة لها والرؤيا الصادقة التي لها تعبير كرؤيا فرعون سني القحط كانت لها حقيقة واختص هو برؤيتها، وكما أن الإنسان يدرك بالوجدان حال اليقظة أنه يقظان وليس نائما ويدرك الأشياء حقيقة كذلك كان الأنبياء يدركون أمورا ويعرفون أنها حق واقع بالعلم الضروري وكان الله تعالى يقرن وحيه بآيات تدلهم وغيرهم كما إذا ألهم أحد بأن زيدا يجئ غدا في الساعة المعينة فجاء في تلك الساعة وتكرر مثله مرة أو مرات حصل له العلم بصحة إلهامه وميز بينه وبين الخاطر والمجهول المبدأ وربما يحاسب المحاسب ويتيقن بصحة حسابه وإن كان قد يخطئ ولكن لا يشك في صحة هذا الحساب فكيف الأنبياء وهم قد علموا أن الله تعالى يحفظهم من شوب الباطل بالحق وظهور الكاذب في صورة الصادق وأن ما يرونه ليس خيالا حاصلا في ذهنهم من غير أن يكون له مبدأ في الخارج بل له مبدأ خارجي حصل الصورة في ذهنهم بتأثير ذلك المبدأ وما ورد من قوله * (فإن كنت في شك مما أنزلنا) * فهو مأول بما ذكر في التفاسير. (ش) (*)

[ 120 ]

قوله: (لقد ختم الله بكتابكم الكتب - الخ) أجمعت الامة سلفا وخلفا على أن محمدا (صلى الله عليه وآله) خاتم الأنبياء وآية الأحزاب والروايات المتظافرة نصوص في ذلك. وما ذكره بعض المخالفين من تجويز الاحتمال في ألفاظها ضعيف، وقيل: ما ذكره الغزالي في الاقتصاد فإلحاد وتطرق خبيث إلى تشويش في عقيدة المسلمين في ختمه النبوة (صلى الله عليه وآله)، وقال بعضهم: ليس في كلام الغزالي ما يوهم ذلك وإنما رماه به حساده ولقد جار عليه ابن عطية في ذلك، والغزالي منزه عنه وقد تبرأ عن هذه المقالة في كتبه لأنه إنما يقول المبتدعة القائلون بأن النبوة مكتسبة واحتجوا على ذلك بما وقع في حديثهم الطويل من زيادة قوله " وسيكون بعدي ثلاثون كلهم يدعي أنه نبي ولا نبي بعدي إلا من شاء الله " قيل هذه الزيادة إنما زادها محمد بن سعيد الشامي المصلوب على الزندقة وإنما زادها لما كان يدعو إليه من الإلحاد والزندقة، ولم تحفظ إلا من طريقه وتأولها بعضهم لو صحت بعيسى (عليه السلام) للإجماع والأخبار على نزوله وهو ضعف على ضعف لأنه لا ينزل رسولا إلى الأرض حينئذ.

[ 121 ]

باب ان الحجة لا تقوم لله على خلقه إلا بامام * الأصل: 1 - محمد بن يحيى العطار، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أبن أبي عمير، عن الحسن ابن محبوب، عن داود الرقي، عن العبد الصالح (عليه السلام) قال: إن الحجة لا تقوم لله على خلقه إلا بإمام حتى يعرف. * الشرح: قوله: (إن الحجة لا تقوم لله على خلقه إلا بإمام حتى يعرف) لعل المراد أن حجته تعالى على الخلق يوم القيامة بأنك لم اعتقدت هذا ؟ ولم قلت هذا ؟ ولم فعلت هذا ؟ ولم تفعل ذاك ؟ لا يتم إلا بسبب نصب إمام يبين لهم العقليات والعمليات لظهور أن عقول البشرية لا تستقل بتعيين العقائد والأعمال. وقوله: " حتى يعرف " إما بتشديد الراء يعني حتى يعرف الإمام ما ينبغي من العقائد والأعمال. أو بتخفيفها على البناء للمفعول أي حتى يعرف الإمام أو الحق والباطل وفي بعض النسخ " حي " وفي بعضها " حق " بدل حتى. * الأصل: 4 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن البرقي، عن خلف بن حماد، عن أبان بن تغلب قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): الحجة قبل الخلق ومع الخلق وبعد الخلق. * الشرح: قوله: (الحجة قبل الخلق ومع الخلق وبعد الخلق) الحجة قبل الخلق في الميثاق، ومع الخلق في هذه الدار، وبعد الخلق في دار الآخرة والبرزخ، ويحتمل أن يراد بالحجة قبل الخلق آدم وبالحجة بعد الخلق الصاحب المنتظر لأنه آخر من يموت وبالحجة مع الخلق سائر الأنبياء والأوصياء. وبالجملة هذا الحديث يفيد أنه لابد لله تعالى من حجة على الخلق حتى أن لزمانهم بداية ونهاية وما بينهما لا يخلو منه فمن زعم أن الزمان خال منه فهو ضال مضل وميتته ميتة جاهلية.

[ 122 ]

باب أن الأرض لا تخلو من حجة * الأصل: 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن أبي عمير، عن الحسين بن أبي العلاء قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): تكون الأرض ليس فيها إمام ؟ قال: لا، قلت: يكون إمامان ؟ قال: لا إلا وأحدهما صامت. * الشرح: قوله: (قلت: يكون إمامان ؟ قال: لا - الخ) في طريق العامة أيضا ما يدل على اعتبار الوحدة في الإمام، قال الآبي في كتاب إكمال الإكمال وحديث " إذا بويع الخليفتان فاقتلوا الآخر منهما " يدل على أن شرطها الوحدة وعدم التعدد، وقال بعضهم: إن هذا الشرط إنما هو بحسب الإمكان فلو بعد موضع إمام حتى لا ينفذ حكمه في بعض الأقطار البعيدة جاز نصب غيره بذلك القطر. وفيه إن الكلام في خليفة الأصل وإلا فيجوز التعدد في نائبه قطعا، اللهم إلا أن يقول ذلك القائل: إنه يجوز لأهل الأقطار البعيدة أن ينصبوا لأنفسهم خليفة كما نصبوا أولا، وفي شرح نهج البلاغة أن في آخر الزمان لا يكون في كل وقت وزمان إلا إمام واحد وأما الأنبياء والأوصياء في الزمن الأول كانوا في عهد واحد جماعة كثيرة وفي آخر الزمان مذ عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى قيام الساعة لا يكون في كل حين إلا وصي واحد (1).


1 - " إلا وصي واحد " وقد علمنا بالتجربة والتاريخ أن الحكومة تتدرج الى السعة والعظم من أول عصر الخليفة إلى زماننا فقد كان في الأعصار القديمة في ناحية كالشام ملوك كثيرة وكان أعظم ملك في القديم مصر وأعظم ملوكهم الفراعنة ثم ملك العراق وهم الكلدانيون وبعد ذلك عظم الحكومات واتسع الدول فكان الروم وفارس أعظم من كل ملك قبلهما، ثم ملك الإسلام وكان أعظم من ملك الروم وفارس، ثم وجد دول في الأعصار الأخيرة عظيمة جدا والناس يميلون إلى قبول حكومة واحدة لجميع أهل الأرض ولذلك أسسوا مجلس الأمم وهي أحسن من قبول حكومات متعددة متنافرة كل يجر الناس الى قرصه ويسعى في جلب نفع أمته والاستئثار بنعم الله تعالى دون غيره ولو كان حكم واحد ساريا وامام واحد في جميع أقطار الأرض ينظر على السواء إلى جميع الأجناس والأمم من العرب والعجم والأسود والأبيض ولا يرجح شعبا على شعب وأمة على = (*)

[ 123 ]

* الأصل: 2 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد بن أبي عمير، عن منصور بن يونس، وسعدان بن مسلم، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: إن الأرض لا تخلو إلا وفيها إمام، كيما إن زاد المؤمنون شيئا ردهم وإن نقصوا شيئا أتمه لهم. * الشرح: قوله: (إن الأرض لا تخلوا إلا وفيها إمام) أي لا تخلو من الخلق من الخلو وهو الخالي، أو لا تمضي من خلا فلان إذا مضى، أو لا تكثر نباتها ولا تنبت حشيشها من أخلت الأرض إذا كثر خلاها وهو النبات الرطب. قوله: (كيما إن زاد المؤمنون شيئا ردهم) الظاهر أن المراد بالمؤمنين كلهم ففيه دلالة على أن إجماعهم حجة وإلا لزم أن يترك الإمام ما وجب عليه وهو باطل قطعا. قوله: (عن ربيع بن محمد المسلي) هو ربيع بن محمد بن عمر بن حسان الأصم المسلي، ومسلية قبيلة من مذحج، روى عن أبي عبد الله (عليه السلام). * الأصل: 3 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن ربيع بن محمد المسلي، عن عبد الله بن سليمان العامري، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: مازالت الأرض إلا ولله فيها الحجة، يعرف الحلال والحرام ويدعو الناس إلى سبيل الله. * الشرح: قوله: (مازالت الأرض إلا والله فيها الحجة - الخ) أي مازالت الأرض من حال إلى حال وما مضى عصر من الأعصار أو ما زال أهلها إلا والحال أن لله تعالى فيه حجة والغرض أن له تعالى في الأرض بعد نبينا (صلى الله عليه وآله) إلى وقت زوالها حجة يعرف الحلال والحرام ويدعو الناس إلى سبيل الله ويجذبهم إلى طاعته وانقياد أمره ونهيه كيلا يقولوا يوم القيامة * (إنا كنا عن هذا غافلين) *. * الأصل: 5 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أحدهما (عليهم السلام) قال: قال: إن الله لم يدع الأرض بغير عالم، ولولا ذلك لم يعرف الحق من الباطل.


= أمة كما هو مذهبنا فهو أحسن وأعدل وأوفر نعمة وأقوى مقدرة وأقل فتنة عجل الله فرجه وسهل مخرجه إذ لا يمكن حصوله لغيره مع اختلاف الآراء وتشتت الأهواء. (ش) (*)

[ 124 ]

* الشرح: قوله: (لم يعرف الحق من الباطل) الظهور إلف النفس بالمحسوسات والوهميات والمتخيلات المؤذية إلى الباطل والشبهات فلو لم يكن استاد مرشد مؤيد من عند الله تعالى بالعصمة عن الخطأ والغلط في العقائد والأقوال والأعمال من جميع الوجوه لمال كل نفس إلى هواها والتبس عليه الحق والباطل، فربما يعتقد أن الحق باطل والباطل حق كما ترى في كثير من المتكلين بعقولهم من الحكماء والمتكلمين، هذا على فرض بقاء الأرض وأهلها بغير إمام وإلا فالحق الثابت أنه لا بقاء لهما بدونه طرفة عين. * الأصل: 6 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله تعالى أجل وأعظم من أن يترك الأرض بغير إمام عادل. * الشرح: قوله: (إن الله تعالى أجل وأعظم من أن يترك الأرض بغير إمام عادل) وهو الحجة لله تعالى على الخلق كما قال جل شأنه * (لئلا يكون للناس على الله حجة) * وأعلم أن الإمامية تمسكوا على وجوب وجود الإمام من قبله تعالى بعد الآيات والروايات المنقولة من طرق العامة والخاصة البالغة حد التواتر معنى بأنه إذا كان للخلق رئيس قاهر يمنعهم من المحظورات ويحثهم على الواجبات كانوا معه أقرب إلى الطاعات وأبعد عن المعاصي منهم بدونه واللطف واجب على الله تعالى، واعترض عليهم المخالفون وقالوا: إنما يكون لطفا واجبا إذا كان ظاهرا زاجرا عن القبائح قادرا على تنفيذ الأحكام وإعلاء لواء كلمة الإسلام وهذا ليس بلازم عندكم فالإمام الذي ادعيتم وجوبه ليس بلطف والذي هو لطف ليس بواجب. وإلامامية أجابوا عن ذلك بأن وجود الإمام لطف (1) سواء


1 - قوله: " وجود الإمام لطف " ذكرنا لتقريب الذهن إلى التصديق بذلك سابقا أن الله تعالى خلق جميع ما يحتاج إليه الناس في معاشهم ومعادهم سواء كانت البيئة مستعدة للاستفادة منه أو لا كمن يستعد فكره للعلم وأنواع الصنائع والحرف، فإن كانوا مستعدين لقبوله ظهر واشتهر وإلا خمل وانغمر، والإمام المعصوم من أهم ما يحتاج إليه الناس لأن الحكومة والإمامة من أهم المشاغل والمناصب ولا يتعقل أن يهمل الله العليم الخبير اللطيف الذي لم يهمل سائر أمورهم أمر الحكومة والإمامة سواء قبله الناس أو أعرضوا عنه ولم يستفيدوا منه = (*)

[ 125 ]

تصرف أو لم يتصرف كما نقل عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: " لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة ظاهرا مشهورا أو خائفا مغمورا لئلا يبطل حجج الله وبيناته " وتصرفه الظاهر لطف آخر. والحق أن الرئيس العالم العادل المتصرف لطف من الله تعالى به على عباده وإنما جاء عدم التصرف من سوء آدابهم كما أن النهي عن شرب الخمر مثلا لطف صدر منه تعالى وإنما جاء عدم قبوله من قبل العبد على ان عدم تصرفه ممنوع لأن له تصرفات عجيبة في نوع الإنسان وتدبيرات غريبة في عالم الإمكان يرى ذلك من له عين صحيحة وطبيعة سليمة. * الأصل: 7 - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن الحسن بن محبوب، عن أبي اسامة، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن أبي اسامة، وهشام بن سالم، عن أبي حمزة، عن أبي إسحاق، عمن يثق به من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: " اللهم إنك لا تخلي أرضك من حجة على خلقك ". * الشرح: قوله: (اللهم إنك لا تخلي أرضك من حجة لك على خلقك) لا تخلي: من الإجلاء أي لا تجعلها خالية منه، وهذا الكلام في اللفظ إخبار وفي المعنى انشاء للتأسف بإعراض الخلق عنه أو للشكاية منهم إليهم تعالى. * الأصل: 9 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن بعض أصحابنا، عن أبي علي بن راشد قال: قال أبو الحسن (عليه السلام): إن الأرض لا تخلو من حجة وأنا والله ذلك الحجة. * الشرح: قوله: (إن الأرض لا تخلو من حجة وأنا والله ذلك الحجة) اريد أن الأرض في الحال لا تخلو من حجة بدليل قوله " أنا والله ذلك الحجة " ولو اريد جميع الأزمنة لاحتيج في هذا القول إلى تأويل وإنما أكد الحكم بالقسم لرفع الشك عن الشاك وزيادة التقرير للمقر. * الأصل: 10 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة قال: قلت


= ولو لم يخلقه الله تعالى كانت الحجة للناس على الله تعالى وإذا خلقه كانت الحجة له تعالى على الناس. (ش) (*)

[ 126 ]

لأبي عبد الله (عليه السلام): أتبقى الأرض بغير إمام ؟ قال: لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت. * الشرح: قوله: (لساخت): أي لغاصت في الماء وغابت، ولعله كناية عن هلاك البشر وفنائهم (1)، ويحتمل أن يريد الحقيقة لأن الغرض الأصلي من انكشاف بعض الأرض هو أن يكون مسكنا لهم وكونه مسكنا لغيرهم من الحيوانات المتنفسة إنما هو بالعرض فإذا فات الغرض الأصلي عاد إلى وضعه الطبيعي.


1 - قوله: " ولعله كناية عن هلال البشر " أنكر السيد المرتضى (رضي الله عنه) في الشافي أن يكون مذهب الإمامية زوال الأرض وهلاكها تكوينا أما قولهم " لولا الحجة لساخت الأرض " فإن ثبت صدوره من الإمام المعصوم كان المراد الفتنة والضلال وهلاك الناس بزوال الأمن والسعادة لأن عدم وجود الإمام العادل المتصرف إما أن يكون بعدم وجود أمير مطلقا وفساد ظاهر، وإما بوجود جائر أو جاهل وهو مثله. وقد بحث في هذه المسألة بعض الفلاسفة وفي كتاب السياسة المدنية للفارابي البحث عن أنواع المدينة وأقسام الحكومات وذكر شروط المدينة الفاضلة وآراء أهلها وأخلاقهم، وقال: الرئيس الأول من هو على الإطلاق هو الذي لا يحتاج في شئ أصلا أن يرأسه إنسان بل يكون قد حصلت له العلوم والمعارف بالفعل ولا تكون به حاجة في شئ إلى إنسان يرشده وتكون له قدرة على وجوه إدراك شئ مما ينبغي أن يعمل من الجزئيات وقوة على جودة الإرشاد لكل من سواه إلى كل ما يعلمه وقدرة على استعمال كل من سبيله أن يعمل شيئا ما في ذلك العمل الذي هو معد نحوه وقدرة على تقدير الأعمال وتحديدها وتسديدها نحو السعادة جودة، وإنما يكون ذلك في أهل الطبائع العظيمة الفائقة إذا اتصلت نفسه بالعقل الفعال وإنما يبلغ ذلك بأن يحصل له أولا العقل المنفعل، ثم أن يحصل له بعد ذلك العقل الذي يسمى المستفاد فبحصول المستفاد يكون الاتصال بالعقل الفعال على ما ذكر في كتاب النفس وهذا الإنسان هو الملك بالحقيقة عند القدماء وهو الذي ينبغي أن يقال فيه أنه يوحى إليه فإن الإنسان إنما يوحى إليه إذا بلغ هذه الرتبة - الى آخر ما قال. ونقلنا كلامه بعين ألفاظه، ثم قال: والناس الذين يدبرون برئاسة هذا الرئيس هم الناس الفاضلون والاخيار السعداء فإن كانوا أمة فتلك هي الأمة الفاضلة وإن كانوا اناسا يجتمعون في مسكن واحد كان ذلك المسكن الذي يجمع جميع من تحت هذه الرئاسة هو المدينة الفاضلة. ثم قال بعد ذلك: والمدينة الفاضلة تضادها المدينة الجاهلة والمدينة الفاسقة والمدينة الضالة، ثم البهيميون بالطبع والفرض من نقل كلامه أن يعلم تطابق النقل والعقل على صحة مذهب الشيعة في الإمامة. (ش) (*)

[ 127 ]

* الأصل: 11 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: قلت له: أتبقى الأرض بغير إمام ؟ قال: لا، قلت: فإنا نروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنها لا تبقى بغير إمام إلا أن يسخط الله تعالى على أهل الأرض أو على العباد فقال: لا، لا تبقى إذا لساخت. * الشرح: قوله: (أو على العباد) الشك من ابن فضيل (1) أو ممن روى عنه. قوله: (قال: لا، لا تبقى إذا لساخت) نفى بلا ما يفهم من كلام الراوي من أن الأرض تبقى بغير إمام وأهلها مبغوضين ثم بين الأمر بأنها لا تبقى بغير إمام بل تغوص في الماء. * الأصل: 12 - علي عن محمد بن عيسى، عن أبي عبد الله المؤمن، عن أبي هراسة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لو أن الإمام رفع من الأرض ساعة لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله. * الشرح: قوله: (لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله) ماج البحر يموج موجا اضطربت أمواجه وكذلك الناس يموجون. شبه اضطراب الأرض وأهلها بموج البحر وأهله للايضاح وكنى به عن زوالها وزوال أهلها لأن الاضطراب المذكور يستلزمها والباء في الموضعين للتعدية أو بمعنى مع.


1 - قوله: " الشك من ابن الفضيل أو ممن روى عنه " لا فائدة في هذه الحاشية لأن الشك لابد أن يكون من أحد الرواة. (ش) (*)

[ 128 ]

باب أنه لو لم يبق في الأرض إلا رجلان لكان أحدهما الحجة * الأصل: 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن ابن الطيار قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لو لم يبق في الأرض إلا اثنان لكان أحدهما الحجة. * الشرح: قوله: (لو لم يبق في الأرض إلا اثنان لكان أحدهما الحجة) نظيره من طرق العامة ما رواه مسلم عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان " وذلك لأنه كما يحتاج الناس إلى الحجة من حيث الاجتماع لأمر له مدخل في نظامهم ومعاشهم كذلك يحتاجون إليه من حيث الانفراد لأمر له مدخل في معرفة مبدأهم ومعادهم، وعلى هذا لو فرض انحصار الناس في اثنين لوجب احتياج أحدهما إلى الآخر وهو الإمام للأول وفيه دلالة على أنه لا يجتمع إمامان في عصر كما مر. * الأصل: 3 - محمد بن يحيى، عمن ذكره، عن الحسن بن موسى الخشاب، عن جعفر بن محمد، عن كرام قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): لو كان الناس رجلين لكان أحدهما الإمام، وقال: إن آخر من يموت الإمام لئلا يحتج أحد على الله عز وجل أنه تركه بغير حجة لله عليه. * الشرح: قوله: (لئلا يحتج أحد على الله عز وجل) إشارة إلى أن الدليل على ذلك قوله تعالى * (لئلا يكون للناس على الله حجة) * إذ كما أن للكثير حجة على الله تعالى على تقدير عدم الإمام كذلك للواحد حجة عليه على هذا التقدير. * الأصل: 4 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد البرقي. عن علي بن إسماعيل، عن ابن سنان، عن حمزة بن الطيار، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لو لم يبق في الأرض إلا اثنان لكان أحدهما الحجة - أو الثاني الحجة - الشك من أحمد بن محمد -.

[ 129 ]

* الشرح: قوله: (الشك من أحمد بن محمد) لعله الأظهر وإلا فيحتمل (1) أن يكون من ابن الطيار وفيه دلالة على اهتمامهم بنقل المعنى بلفظ المسموع. (2).


1 - قوله: " لعله الأظهر وإلا فيحتمل " كلام الشارح هنا خارج عن طريقة المحدثين وأصحاب النقل مطلقا لإن قول صاحب الكتاب فيما نقله لا يعارض احتمال غيره وإلا فيمكن أن يحتمل أن تكون الرواية عن محمد بن إسماعيل عن ابن أبي عمير عن حمزة بن ثوبان قال: سمعت عن أبي إبراهيم، ولكن صاحب الكتاب رواه عن علي بن إسماعيل عن ابن سنان عن حمزة بن طيار قال: سمعت عن أبي عبد الله ويحتمل أن يسهو فيه وهذا لا يقبل من مدعيه. (ش) 2 - قوله: " بنقل المعنى باللفظ المسموع " وكذلك يدل على عدم إمكان ذلك وعدم موفقيتهم وقد سبق في المجلد الثاني أن نقل الحديث بالمعنى متفق عليه. (ش) (*)

[ 130 ]

باب معرفة الإمام والرد إليه * الأصل: 1 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء قال: حدثنا محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة قال: قال لي أبو جعفر (عليه السلام): إنما يعبد الله من يعرف الله، فأما من لا يعرف الله فإنما يعبده هكذا ضلالا. قلت: جعلت فداك فما معرفة الله ؟ قال: تصديق الله عز وجل وتصديق رسوله (صلى الله عليه وآله) وموالاة علي (عليه السلام) والائتمام به وبأئمة الهدى (عليهم السلام) والبراءة إلى الله عز وجل من عدوهم هكذا يعرف الله عز وجل. * الشرح: قوله: (إنما يعبد الله من يعرف الله) أي من يعرفه على وجه يليق به ووجه الحصر ظاهر لأن من لم يعرفه أصلا كالملاحدة لا يعبده ولا يتصور عبادته ومن عرفه لا على وجه يليق به كالمجسمة والمشبهة والمصورة ومنكر الولاية فهو ضال يعبد إلها غير مستحق للعبادة ويضع اسم الله تعالى والعبادة في غير موضعهما كما أشار إليه بقوله " فأما من لا يعرف الله فإنما يعبده هكذا ضلالا " ولعل " هكذا " إشارة إلى أهل الخلاف أو إلى الشمال لأن الضال من أصحاب الشمال أو إلى الخلف لأن المقبل إلى ما يقابل المطلوب وصفه بالضلالة أحرى وأجدر ونعته بالغواية أقوى وأظهر، والضلال: الضياع والهلاك. يقول: ضل الشئ يضل ضلالا إذا ضاع وهلك، وخلاف الرشاد، وهو إما تمييز عن نسبة في " يعبده " أو حال عن فاعله على سبيل المبالغة أو على جعل المصدر بمعنى الفاعل. قوله: (وموالاة علي) عطف على التصديق، والموالات ضد المعادات. وفيه تصديق بولايته مع زيادة هي المحبة البالغة له. قوله: (والائتمام به) أي الاقتداء به في عقائده وأعماله وأقواله. وفيه دلالة على أن العمل معتبر في تحقق المعرفة وهو كذلك لأن من لم يمتثل بأوامره ولم ينزجر عن نواهيه فهو ليس من أهل العلم والمعرفة كما قال تعالى * (إنما يخشى الله من عباده العلماء) *. * الأصل: 2 - الحسين عن معلى، عن الحسين بن علي، عن أحمد بن عائذ، عن أبيه، عن ابن اذينة قال: حدثنا غير واحد، عن أحدهما (عليهم السلام) أنه قال: لا يكون العبد مؤمنا حتى يعرف الله ورسوله والأئمة

[ 131 ]

كلهم وإمام زمانه ويرد إليه ويسلم له، ثم قال: كيف يعرف الآخر وهو يجهل الأول. * الشرح: قوله: (ويرد إليه ويسلم له) أي يرد إليه المشكلات ويرجع إليه في المعضلات ثم يسلم له في كل ما يقول ويصدقه في كل ما ينطق وإن لم يظهر له وجه الحكمة والمصلحة، لعلمه بأنه عالم بجميع ما أنزله الله على رسوله، كما يرشد إلى ذلك قوله تعالى * (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) *. قوله: (كيف يعرف الآخر وهو يجهل الأول) لعل المراد بالأول هو الله ورسوله وبالآخر هو الإمام. وفيه رد على المخالفين حيث قالوا: عرفنا عليا بأنه إمام مفترض الطاعة وهم لم يعرفوا الله ورسوله لأنهم عرفوا إلها لم يأمر بخلافة علي ولم يجعله حجة بعد رسوله وعرفوا رسولا لم ينص بخلافة علي ولم يصرح بإمامته بعده، والإله الموصوف بهذه الصفات ليس بإله، والرسول المنعوت بهذه النعوت ليس برسول، فهم لما لم يعرفوا الأول لم يعرفوا الآخر، ويحتمل أن يكون المراد بالآخر إمام الزمان وبالأول الأئمة قبله، يعني كيف يعرف الآخر من لم يعرف الأول والحال أن إمامة الآخر تثبت بنص الأول وهذا أظهر والأول أنسب ببعض أحاديث هذا الباب. * الأصل: 3 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): أخبرني عن معرفة الإمام منكم واجبة على جميع الخلق ؟ فقال: إن الله عز وجل بعث محمدا (صلى الله عليه وآله) إلى الناس أجمعين رسولا وحجة لله على جميع خلقه في أرضه، فمن آمن بالله وبمحمد رسول الله واتبعه وصدقه فإن معرفة الإمام منا واجبة ومن لم يؤمن بالله وبرسوله ولم يتبعه ولم يصدقه ويعرف حقهما فكيف يجب عليه معرفة الإمام وهو لا يؤمن بالله ورسوله ويعرف حقهما ؟ ! قال: قلت: فما تقول فيمن يؤمن بالله ورسوله ويصدق رسوله في جميع ما أنزل الله، يجب على اولئك حق معرفتكم ؟ قال: نعم أليس هؤلاء يعرفون فلانا وفلانا ؟ قلت: بلى، قال: أترى أن الله هو الذي أوقع في قلوبهم معرفة هؤلاء والله ما أوقع ذلك في قلوبهم إلا الشيطان، لا والله ما ألهم المؤمنين حقنا إلا الله تعالى. * الشرح: قوله: (على جميع الخلق) بحيث لا يشذ منهم واحد سواء آمن بالله وبرسوله أو لم يؤمن. قوله: (فقال: إن الله بعث) حاصل الجواب أن معرفة الرسول واجبة على الخلق كلهم وأما معرفة الإمام منا فإنما يجب على من آمن بالله ورسوله لثبوت الإمام بأمرهما. وأما من لم يؤمن بهما فإنما

[ 132 ]

يجب عليه أولا معرفتهما والإيمان بهما فإذا عرفهما وآمن بهما وجب عليه معرفة الإمام منا والإيمان به لما عرفت فقد لاح منه أن الإمام حجة من قبلهما وإذا كان كذلك وجب الرد إليه والتسليم له كما وجب الرد إليهما والتسليم لهما فافهم. قوله: (فمن آمن) إلى قوله: " واجبة عليه " هذه الشرطية دلت على لزوم وجوب معرفة الإمام على كل من آمن بالله وبرسوله لأن الإيمان بهما لا يتحقق إلا بمعرفتهما وبالإقرار بجميع ما أنزل إلى الرسول وما جاء به ومما أنزل إليه وجاء به ولاية الإمام، ويلزم من ذلك أن من لم يعرف الإمام لم يؤمن بالله وبرسوله لفقد ذلك الإقرار المعتبر في حقيقة الإيمان بهما، ولتعلق معرفته حينئذ بالله ورسوله اخترعهما بزعمه كما مر آنفا. قوله: (ومن لم يؤمن بالله وبرسوله) دلت هذه الشرطية على أن من لم يؤمن بالله وبرسوله لا يجب عليه معرفة الإمام وإنما يجب عليه أولا وبالذات معرفتهما والإيمان بهما، ثم يجب عليه بعد ذلك معرفة الإمام. قوله: " وهو لا يؤمن " بيان للملازمة توضيحه أن وجوب معرفة الإمام فرع لمعرفتهما (1) والإيمان بهما لثبوت ذلك من قولهما، وانتقاء الأصل يوجب انتفاء الفرع، فالواجب عليه أولا معرفة الأصل والإيمان به فإذا تحقق ذلك وجب عليه معرفة الفرع. وقوله: " ويعرف حقهما " في الموضعين عطف على المنفي إلا أنه في الأول مجزوم وفي الآخر مرفوع.


1 - قوله: " فرع لمعرفتهما " قد عرفت أن ما يسمى بالقوة المقننة والمجرية في اصطلاح زماننا ليس مفوضا الى العباد يضعون الأحكام كيف شاؤوا وينصبون لإجرائه من أرادوا. هذا مذهبنا، وفي مذهب أهل السنة التشريع من الله تعالى ومجريه من نصوبه للإمامة منهم، وفي مذهب النصارى والملاحدة جعل الأحكام وإجرائها على الناس عقلائهم وأهل الحنكة منهم وقد سبق في الروايات ويأتي ما يدل على مذهبنا، والدليل العقلي عليه أيضا كما سبق ونقلنا عن الفارابي ما يؤيده وعلى هذا فمعرفة الإمام (عليه السلام) وهو من فوض إليه من الله تعالى أمر إجراء الأحكام الإلهية وتفسير المتشابهات منها متفرعة على جعل أصل الشريعة من الله تعالى، والاعتراف بصدق الرسول في تبليغها فمن لم يؤمن بالله تعالى وبرسوله ولم يصدق بشريعته لا يؤمن بالإمام قهرا وليس المراد عدم وجوب معرفة الإمام شرعا على الكفار بل كما هم مأمورون بالإيمان بالتوحيد والرسالة مأمورون بالإيمان بالامامة ولكن لا يتمشى منهم هذا إلا بعد الإيمان بذينك. (ش) (*)

[ 133 ]

قوله: (قال: قلت: فما تقول فيمن يؤمن) لا موقع لهذا السؤال (1) بعد الشرطية الاولى، اللهم إلا أن يحمل ذاك على الماضي والحال وهذا على الاستقبال فكأنه يسأل عن وجود الحجة ووجوب معرفته على كل من يؤمن بالله وبرسوله إلى يوم القيامة. قوله: (أليس هؤلاء - الخ) الاستفهام لتقرير المخاطب على المنفي وهذا الكلام إما متصل بما قبله لبيان أن الامة اتفقوا على وجوب معرفة حق الإمام إلا أن هؤلاء أخطاؤا في تعيينه لإغواء الشيطان والمؤمنون أصابوا الإلهام الرحمن. أو استئناف لدفع ما عسى يختلج في قلب المخاطب من أنه إذا وجب على كل من آمن بالله وبرسوله أن يعرف الإمام منكم لوجود النص منهما فيكم فكيف عرف هؤلاء إماما من غيركم وتوضيح الدفع أن ذلك إنما هو من إغواء الشيطان ونفثه في


1 - قوله: " لا موقع لهذا السؤال " كأن السائل استبعد أن تكون معرفة الإمام واجبة والمسلمون جميعا مع اقرارهم بالله ورسوله (صلى الله عليه وآله) وبالشريعة التي أتى بها لم يعرفوا هذا الأمر الواجب وخفى عليهم مع كونه من أعظم الواجبات ولو كان كذلك لكان وجوبه عليهم أظهر من الصلاة والزكاة والحج ولتكرر ذكره في القرآن كما تكرر الصلاة والزكاة فسؤال السائل سؤال تعجب كما نرى من عوام زماننا يقولون لو كانت خلافة أمير المؤمنين (عليه السلام) من الأصول بل من أهم الفروع لورد التصريح بها في القرآن نصا يزيل الشبهة بحيث لم يسهل تأويلها على المخالفين فأجاب الإمام (عليه السلام) بقوله نعم أليس هؤلاء يعرفون يعني أن أمر الاحتياج إلى إمام يقيم الدين كان من الوضوح بحيث يعترف به الإنسان فطرة وليس أمرا مشتبها متوقفا على التكرار والتأكيد ولذلك اعترفوا بإمامة أئمتهم ألا ترى أنه لو أمر في القرآن مكررا في كل سورة بأن من درن ثيابه ووسخ بدنه غسله، أو أن من مرض رجع الى الطبيب الحاذق ومن خرب داره أو بستانه لزمه الرجوع الى البناء والغارس لخرج عن الفصاحة بحيث دل على عدم كونه وحيا من الله تعالى كما في الكتب التي فيها أمثال هذه الأوامر وإنما احتجنا نحن الى التكرار والتأكيد لتعصب الخلفاء وأهل السياسة فرب أمر ظاهر يحتاج الى توكيد التوضيح ألا ترى أنا نعقد أبوابا لاثبات أن الحسن والحسين (عليهم السلام) من أولاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونرد فيها أحاديث وروايات من طرق العامة والخاصة في ذلك مع أنا لا نعقل أمرا أوضح منه فحاصل جواب الامام (عليه السلام) أن وجوب معرفة الإمام بعد إثبات الشريعة مركوز في أذهان الناس وإن أخطاؤا في تطبيق الإمامة على من لا يستحق. وفي الحديث التالي " ومن لا يعرف الله عز وجل ويعرف الإمام منا أهل البيت " يدل على عدم انفكاك معرفة الله تعالى عن معرفة الإمام قهرا ارتكازا لأن الله يأمر وينهى والإمام يفسر ويجري ولذلك ضم قوله يعرف الإمام الى قوله لا يعرف الله بواو المعية بتقدير أن ومثل هذه يستعمل في الحكم المتوقف على الشيئين معا نحو استوى الماء والخشبة. (ش) (*)

[ 134 ]

قلوبهم كما هو دأب الخبيث في إضلال الناس لا من إلهام الله تعالى وإنما ألهم الله تعالى حقنا في قلوب المؤمنين الذين آمنوا بالله برسوله وبجميع ما أنزل إليه. وفيه تنبيه على أن هؤلاء ليسوا بمؤمنين وقد مر وجه ذلك. * الأصل: 5 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن محمد بن جمهور، عن فضالة بن أيوب، عن معاوية بن وهب، عن ذريح قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الأئمة بعد النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) إماما ثم كان الحسن إماما، ثم كان الحسين إماما، ثم كان علي بن الحسين إماما، ثم كان محمد بن علي إماما، من أنكر ذلك كان كمن أنكر معرفة الله تبارك وتعالى ومعرفة رسوله (صلى الله عليه وآله)، ثم قال: قلت: ثم أنت جعلت فداك ؟ فأعدتها عليه ثلاث مرات، فقال لي: إني إنما حدثتك لتكون من شهداء الله تبارك وتعالى في أرضه. * الشرح: قوله: (من أنكر ذلك) يعني أنكر ذلك كله أو بعضه كان كمن أنكر معرفة الله ومعرفة رسوله لأن معرفتهم لازمة لمعرفتهما شرعا وإنكار اللازم يوجب إنكار الملزوم. قوله: (ثم أنت جعلت فداك) الظاهر أن هذا الكلام إخبار بإذعانه وتصديقه بإمامته لا استفهام عنه بقرينة ترك الجواب مع قوله " إنما حدثتك لتكون من شهداء الله تبارك وتعالى في أرضه " وفي بعض النسخ " أحدثك " إذ لو لم يكن مصدقا بإمامته لم يكن من الشهداء، والمراد بكونه من الشهداء أن يشهد بما حدثه على من هو أهل له مستعد لقبوله. * الأصل: 6 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عمن ذكره، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إنكم لا تكونون صالحين حتى تعرفوا ولا تعرفوا حتى تصدقوا ولا تصدقوا حتى تسلموا أبوابا أربعة لا يصلح أولها إلا بآخرها، ضل أصحاب الثلاثة وتاهوا تيها بعيدا، إن الله تبارك وتعالى لا يقبل إلا العمل الصالح ولا يقبل الله إلا الوفاء بالشروط والعهود، فمن وفى لله عز وجل بشرطه واستعمل ما وصف في عهده نال ما عنده واستكمل [ ما ] وعده، إن الله تبارك وتعالى أخبر العباد بطرق الهدى وشرع لهم فيها المنار وأخبرهم كيف يسلكون، فقال: * (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى) * وقال * (إنما يتقبل الله من المتقين) * فمن اتقى الله فيما أمره لقي الله مؤمنا بما جاء به محمد (صلى الله عليه وآله) هيهات هيهات فات قوم وماتوا قبل أن يهتدوا وظنوا أنهم آمنوا وأشركوا من حيث لا يعلمون، إنه من أتى البيوت من أبوابها

[ 135 ]

اهتدى ومن أخذ في غيرها سلك طريق الردى، وصل الله طاعة ولي أمره بطاعة رسوله وطاعة رسوله بطاعته فمن ترك طاعة ولاة الأمر لم يطع الله ولارسوله وهو الإقرار بما انزل من عند الله عز وجل، خذوا زينتكم عند كل مسجد والتمسوا البيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، فإنه أخبركم أنهم * (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار) *، إن الله قد استخلص الرسل لأمره، ثم استخلصهم مصدقين بذلك في نذره، فقال: * (وإن من امة إلا خلا فيها نذير) * تاه من جهل واهتدى من أبصر وعقل. إن الله عز وجل يقول: * (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) * وكيف يهتدي من لم يبصر ؟ وكيف يبصر من لم يتدبر ؟ اتبعوا رسول الله وأهل بيته وأقروا بما نزل من عند الله واتبعوا آثار الهدى. فإنهم علامات الأمانة والتقى واعلموا أنه لو أنكر رجل عيسى ابن مريم (عليه السلام) وأقر بمن سواه من الرسل لم يؤمن، اقتصوا الطريق بالتماس المنار والتمسوا من وراء الحجب الآثار تستكملوا أمر دينكم وتؤمنوا بالله ربكم. * الشرح: قوله: (إنكم لا تكونون صالحين - إلى قوله - أربعة) هذا دل صريحا على أن العمل الصالح متوقف على تسليم أبواب أربعة، ولعل المراد بها محمد (صلى الله عليه وآله) وعلي والحسن والحسين (عليهم السلام) بحيث لولا تسليم واحد منهم لم يكن العمل صالحا مزكيا وقوله: " لا تعرفوا ولا تصدقوا " يحتمل أن يكون خبرا مثل " لا تكونون صالحين " وحذف النون للتخفيف، قال المازري: هذه لغة معروفة، ويحتمل أن يكون نهيا، ولم يذكرا من حيث الوقف عليه، بل من حيث النهي عن الاقتصار عليه، فالمعنى لا تكونوا صالحين حتى تعرفوا، أي يحصل لكم أصل المعرفة " ولا تعرفوا " أي لا تقتصروا على أصل المعرفة " حتى تصدقوا " أي تضموا إليه التصديق، ولا تقتصروا على التصديق حتى تضموا إليه التسليم، ويحتمل أن يكون المراد بها الإيمان بالله والإيمان برسوله والإيمان بما أنزل إليه والإيمان باولي الأمر، وربما يشعر به آخر الحديث والمعنى حينئذ أن العمل الصالح لا يتحقق إلا بمعرفة هذه الأربعة ومعرفة هذه الأربعة لا يتحقق إلا بالتصديق والإقرار بها. والتصديق بها لا يتحقق إلا بالتسليم واليقين بها ويومي إليه قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة " لأنسبن الإسلام نسبة لم ينسبها أحد قبلي: الإسلام: هو التسليم والتسليم: هو اليقين، واليقين: هو التصديق، والتصديق: هو الإقرار، والإقرار: هو الأداء، والأداء: هو العمل الصالح " وإنما قلنا يومي إليه لأن خبر الكتاب يفيد أن العمل الصالح ثمرة المعرفة، والمعرفة ثمرة التصديق، والتصديق ثمرة التسليم. فالعمل الصالح ثمرة التسليم، وخبر النهج يفيد أن العمل الصالح ثمرة أداء ما فرضه الله تعالى، والأداء ثمرة الإقرار

[ 136 ]

بما يجب الإقرار به، والإقرار ثمرة التصديق بالله وبرسوله وأولي الأمر، والتصديق ثمرة اليقين بالله وبرسوله وبما جاء به الرسول، واليقين ثمرة التسليم، فالعمل الصالح ثمرة التسليم كما في خبر الكتاب إلا أن طريق البيان مختلفة، ويحتمل أن يجعل خبر النهج حقا في التصديق ومبالغة في مدحه ومدح المتصف به، وذلك بأن يجعل التصديق بالله وبرسوله وبالأئمة الطاهرين أصلا رفيعا عاليا يتوجه إليه الطرفان، فالعمل الصالح ثمرة الأداء والأداء ثمرة الإقرار والإقرار ثمرة التصديق، والإسلام يعني دين الحق ثمرة التسليم، والتسليم ثمرة اليقين، واليقين ثمرة التصديق، وإنما قال: هذا ذاك مع أنهما متغايران لشدة الاتصال بينهما فليتأمل. قوله: (لا يصلح أولها إلا بآخرها) يعني لابد من التسليم للجميع ولا ينفع تسليم الواحد والاثنين والثلاثة وإنما اقتصر بالثلاثة لأنه إذا ضل صاحبها ضل غيره بالطريق الأولى. قوله: (تاهوا تيها بعيدا) تاه في الأرض: ذهب متحيرا، شبه تحيرهم في الدين بتحير مسافر ضل الطريق لا يهتدي لها، ووصفه بالبعد مبالغة لوغولهم في الضلالة وبعدهم عن الحق. قوله: (إن الله تبارك تعالى لا يقبل إلا العمل الصالح) وهو المشتمل على جميع الامور المعتبرة في تحقيقه شرعا سواء كانت داخلة في حقيقته أو خارجة عنها، ومن جملة ذلك التسليم للأبواب الأربعة وهو شرط الله تعالى وعهده وميثاقه على عباده في صلاح العمل وقبوله ووعده بالأجر، وظاهر أنه تعالى لا يقبل من العباد إلا الوفاء بالشرط والعهد وعدم غدره فيهما، فمن وفاه بشرطه وارتكب ما عينه في عهده ولم يغدر نال ما عنده من الثواب واستكمل وعده في الأجر واستحق القرب والكرامة وهو مثل أن يقول أحدنا: كل من دخل علي في هذا الباب فله كذا فكل من دخل فيه استحق ما وعده ومن دخل في غيره لا يستحقه بل يستحق اللوم لعدم الإذن فيه. وقد أخبر الله تعالى عباده بطريق الهدى وهو طرق الشرع الموصلة إلى مقام قربه وكرامته ووضع لهم في تلك الطرق الخفية أعلام الهداية وهي الحجج (عليهم السلام) وأخبرهم بكيفية السلوك باقتفاء آثارهم واتباع أقوالهم وأعمالهم فقال: * (إني لغفار لمن تاب) * عن الباطل ورجع إلي وإلى الحجة. " وآمن " بي وبه وعمل صالحا يبينه لهم " ثم اهتدى " فعلم أنه لا تتحقق المغفرة والاهتداء بدون ذلك وقال أيضا: * (إنما يتقبل الله من المتقين) * وهم الذين يتمسكون بما جاء به الرسول ولا يتجاوزونه أصلا ويقومون على ما أمر الله تعالى به فعلم منه أنه تعالى لا يقبل عملا ممن خالف أمره ونهيه فمن أتقى الله فيما أمره به ولم يخالفه فيه، ومن جملة ما أمره به متابعة الحجة، لقى الله يوم القيامة مؤمنا بما جاء به محمد (صلى الله عليه وآله)، هيهات هيهات فات قوم في الضلالة وماتوا قبل أن يهتدوا إلى الله تعالى وإلى الحجة وظنوا أنهم آمنوا بربهم والحال أنهم أشركوا من حيث لا يعلمون حيث إنهم

[ 137 ]

لم يؤمنوا بالإله الحق المرسل للرسول، المعين للحجة. وآمنوا بإله آخر، وهذا شرك بالله العظيم وهم لا يعلمون أنه من أتى بيوت الشرع من أبوابها وهي الحجج فقد اهتدى إلى الله تعالى وإلى أمره، ومن أخذ في غير تلك الأبواب سلك طريق الهلاك والضلال لمخالفة أمره تعالى، وقد وصل الله تعالى طاعة ولي أمره بطاعة رسوله، وطاعة رسوله بطاعته حيث قال * (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولي الأمر منكم) * وهذا يفيد التلازم فمن ترك طاعة ولاة الأمر لم يطع الله ولا رسوله لأن طاعتهما هو الإقرار بما انزل من عند الله تعالى ومما انزل طاعة ولاة الأمر فمن تركه لم يطعمها، فيا أيها الناس اتبعوا رجالا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله إلى آخر ما وصفهم الله تعالى وهم الرسول وأهل بيته الطاهرين. قوله: (وشرع لهم فيها المنار) المنار: جمع المنارة على غير القياس إذ القياس أن يجمع مفعلة على مفاعل وهي موضع النور فاستعير للحجج (عليهم السلام) لأنهم محال الأنوار العقلية ومواضع العلوم الشرعية به يستبين حقائق الدين ويستنير قلوب العارفين. قوله: (هيهات هيهات) أي بعد التقوى واللقاء بالإيمان وأتى به مكررا للتأكيد. قوله: (خذوا زينتكم عند كل مسجد) قيل: اريد بالزينة: اللباس، سمي زينة لأنه ساتر للعورة، وقيل: اريد بها: ثياب التجمل فهو على الأول: دليل على وجوب ستر العورة عند دخول كل مسجد للصلاة أو الطواف أو مطلقا، وعلى الثاني: على استحباب التزين بثياب التجمل فيهما. وقيل: اريد بها المشط والسواك والخاتم والسجادة والسبحة أقول: ويمكن أن يراد بها مطلق ما يتزين به ومن جملته التصديق بولاة الأمر لأنه أعظم ما يتزين به الظاهر والباطن. قوله: (والتمسوا البيوت) أي اطلبوها من الالتماس وهو الطلب وهي بيوت النبوة والوصاية التي شرفها الله على بيوتات سائر الأنبياء والأوصياء ويذكر فيها اسم الله وآياته وأحكامه وبيناته. قوله: (وإقام الصلاة) حذف التاء في المصدر للتخفيف مع قيام الإضافة مقامها. قوله: (يخافون يوما) أي عذاب يوم تتقلب فيه القلوب والأبصار ظهرا لبطن ومن جانب إلى جانب كتقلب الحية على الرمضاء وذلك لكثرة شدائده وعظمة مصائبه. قوله: (إن الله قد استخلص الرسل لأمره) أي جعلهم خالصين لأمره فارغين عما سواه بالمجاهدات النفسانية والتأييدات الربانية، ثم استخلصهم واستخصهم حال كونهم مصدقين بالمعجزات الظاهرة والبراهين القاهرة بسبب خلوصهم لأمر الله وفراغهم عن غيره وقربهم منه في إنذاره وتخويفه عن العقوبات الدنيوية والاخروية وبالجملة اتخذهم أولا نجيا وجعل لهم من عنده مكانا عليا ثم اتخذهم رسولا نبيا. وفيه رد على من جعل الفسقة الكفرة صاحبين للخلافة قابلين

[ 138 ]

للنيابة. فقد ظهر مما ذكرنا أن " مصدقين " حال عن المفعول، ومتعلقه محذوف وأن الباء في قوله " بذلك " سبب للتصديق أو الاستخلاص. وأن ذلك إشارة إلى المذكور أولا وأن " في نذره " متعلق بالمصدقين أو باستخلصهم وأن النذر بمعنى الإنذار كما في قوله تعالى * (فكيف كان عذابي ونذر) * أي إنذاري. قوله: * (وإن من امة إلا خلا فيها نذير) * (1) أي مضى والنذير المنذر. والإنذار: هو الإبلاغ مع التخويف، وإنما خص النذير بالذكر لأن احتياج الناس إلى الإنذار أشد وأقوى. قوله: (تاه من جهل) أي تحير في دين الحق وضل طريقه من جهل إمامه ولم يعرف حجته واهتدى إليه من أبصره وعرفه، ثم أشار إلى أن سبب الجهل ذهاب البصيرة وسبب ذهابها عدم التدبر إذ بالتدبر يتنور البصائر ويتعرف الضمائر ويتميز الحق عن الباطل. قوله: (واتبعوا آثار الهدى) في بعض النسخ " آيات الهدى " والمراد بالآثار: آثار الأئمة من العقائد والأعمال والأقوال والأفعال والأخلاق، وبالآيات: الأئمة (عليهم السلام). قوله: (لأنهم علامات الأمانة والتقى) الأمانة: خلاف الخيانة وهي مصدر قولك أمن الرجل أمانة فهو أمين إذا صار كذلك. هذا أصلها ثم سمي ما تأتمن عليه صاحبك أمانة ومنه أمانة الله تعالى وهي دينه الذي أوحاه إلى رسوله، والتقي والتقوي واحد: وهي ملكة تحدث من ملازمة المأمورات واجتناب المنهيات والمشتبهات، وثمرتها حفظ النفس عن زهرات الدنيا وغمرات الموت وشدائد يوم القيامة، وعلامة الشئ ما يعرف به ذلك الشئ والأئمة (عليهم السلام) علامات يعرف بهم حدود الدين والتقوى وأركانهما وشرائطهما وكيفية الوصول إليهما. قوله: (واعلموا أنه لو أنكر) المقصود منه أن من أنكر واحدا من الأئمة أو أزاله عن موضعه فهو لم يؤمن بالله وبرسوله. قوله: (اقتصوا الطريق بالتماس المنار) قص الأثر واقتصه: إذا تبعه، يعني اتبعوا الطريق الإلهية والسنة النبوية بطلب الأئمة ومتابعتهم. قوله: (والتمسوا من وراء الحجب الآثار) أي اطلبوا آثار الأئمة من آل الرسول من وراء حجب ظلمانية نسجتها عناكب قلوب الجاحدين وضربتها أيدي شبهات المعاندين فإن طلبتموها ووجدتموها تستكملوا أمر دينكم الذي أنزله الله تعالى على نبيكم وتؤمنوا بربكم فمن لم يطلب


1 - قوله: * (إلا خلا فيها نذير) * حتى الهنود وأهل الصين وجميع الأمم غير بني إسرائيل وإن لم نعرف أسماءهم كما لا نعرف أسماء سائر أهاليهم. (ش) (*)

[ 139 ]

آثارهم ولم يقتد بأطوارهم لم يؤمن بالله العظيم ولا برسوله الكريم حيث أنكر ما أنزل إليه من آيات خلافتهم وبينات إمامتهم. * الأصل: 7 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن محمد ابن الحسين ابن صغير، عمن حدثه، عن ربعي بن عبد الله، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: أبى الله أن يجري الأشياء إلا بأسباب، فجعل لكل شئ سببا وجعل لكل سبب شرحا وجعل لكل شرح علما وجعل لكل علم بابا ناطقا، عرفه من عرفه وجهله من جهله، ذاك رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونحن. * الشرح: قوله: (أبى الله أن يجري الأشياء إلا بأسباب) هذه قاعدة مطردة (1) في الأشياء الممكنة كلها حتى ينتهي الأسباب إلى من لا سبب له، وإن شئت أن تعرف ذلك بمثال فنقول: إن ما في الإنسان ويسمى في الشرع بالقلب تارة وبالصدر تارة وبالنفس الناطقة اخرى جوهر روحاني متوسط بين العالمين والملك والملكوت، كأنه نهاية هذا وبداية ذاك يؤثر فيما دونه ويتأثر عما فوقه فهو بمنزلة أرض يتكون فيه أنواع المخلوقات على صورها المثالية أو بمثابة مرآة منصوبة يجتاز عليه أصناف صور المصنوعات وتنتقش فيه صور بعد صور ولا يخلو دائما عنها ومداخل هذه الآثار المتجددة فيه إما من الظواهر كالحواس الخمس أو من البواطن كالخيال والفكر وغيرهما من الأخلاق


1 - قوله: " هذه قاعدة مطردة " قال صدر المتألهين: هذه مسألة مهمة لا أهم منها لأن القول بالعلة والمعلول مبنى جميع المقاصد العلمية ومبنى علم التوحيد والربوبية والمعاد وعلم الرسالة والإمامة وعلم النفس وما بعدها وما قبلها وعلم تهذيب الأخلاق والسياسات وغير ذلك وبإنكار وتمكين الإرادة الجزافية كما هو مذهب أكثر العامة (يعني الأشاعرة المنكرين للسبب المجوزين للترجيح من غير مرجح) تنهدم قواعد العلم واليقين. انتهى. مثلا إذا لم يكن السبب لم يعلم الطبيب أن سوء المزاج يوجب المرض وأن الدواء الفلاني يوجب علاجه وهذا يبطل علم الطب ولم يعلم الزارع أن سقي الماء وضوء الشمس علة لنبات الزرع، وبطل أمر الزراعة ولم يعلم ما يجب أن يفعل، ولم يعلم الصانع أن الحرارة تذيب الفلزات في أي درجة من الحرارة، وبطل أيضا علم الدين لا يعلم أحد أن الصلاة والزكاة وغيرهما أسباب للسعادة في الآخرة ولم يعلم أن اللطف في الواجب تعالى سبب إرسال الرسل ونصب الأئمة وغير ذلك بل لم يثبت وجود واجب الوجود إذا صح وجود شئ بغير سبب. (ش) (*)

[ 140 ]

النفسانية فدائما يحصل فيه أثر من الخارج أو من الداخل فدائما ينتقل من حال إلى حال فثبت أنه دائما محل للحوادث الإدراكية وموضوع للأحوال النفسانية، وهذه الحوادث والأحوال التي هي المسماة بالعلوم والخواطر لأنها تخطر في القلب بعد أن كان غافلا عنها محركات للإرادات والأشواق وأسباب لها وهي محركات للقوة والقدرة وهي محركات للجوارح والأعضاء وبسببها تظهر الأفاعيل في الخارج، وبتلك الأفاعيل يستحق المدح والذم والثواب والعقاب. فبمدأ الفعل البشري هو الخاطر والخاطر يحرك الرغبة والشوق، وهي تحرك العزم والنية، وهي تبعث القدرة، والقدرة تحرك العضو فيصدر الفعل من هذه المبادئ المترتبة المتسببة، كل ذلك بإذن الله تعالى ومشيته، وهكذا جرت المشية الإلهية في أفعال العباد ومن أنكر هذه الوسائط وعزل الأسباب عن فعلها فقد أساء الأدب (1) مع الله الذي هو مسبب الأسباب حيث رفع ما وضع الله سبحانه وعزل ما نصبه، ثم لما كانت تلك الخواطر والأحوالات قد يكون خيرا وقد يكون شرا أو كانت الرغبة والعزم قد يتعلقان بما ينبغي أن يكون وقد يتعلقان بما لا ينبغي أن يكون وكانت القدرة تعلقها بالصحيح والفاسد على السواء وكانت الأفعال الصادرة عن الجوارح قد تكون حسنة وقد تكون قبيحة، وكان الحسن والقبح في الأكثر مخفيين اقتضت الحكمة الإلهية واللطيفة الربانية نصب الرسول والأوصياء لهداية العباد إلى سبيل الرشاد ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة، ومنه يظهر سر قوله عز شأنه * (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا) *. قوله: (فجعل لكل شئ سببا) مثلا جعل لاستحقاق القرب والثواب منه تعالى سببا هي الطاعات والعبادات وجعل لهذا السبب شرحا (2) هي الحدود والكيفيات والشروط، وجعل لهذا الشرح علما وجعل لهذا العلم بابا ناطقا ينطق به، عرف ذلك الشرح والعلم من عرف ذلك الباب


1 - قوله: " فقد أساء الأدب مع الله " هذا تعبير الشيخ محيي الدين بن عربي في الفتوحات. (ش) 2 - قوله: " جعل لهذا السبب شرحا " إذ ليس السبب أمرا مجملا مبهما بل له شرائط كما ترى في الأدوية لعلاج المرضى يشترط في العمود الذي به العلاج أن ينضم إليه أدوية أخرى تسهل جذبه أو بكسر عاديته ويشترط أن يراعى فيه الوقت والأغذية التي تناسبه ولا تنافيه وحركة أو سكون أو نوم وغير ذلك، وكذلك أسباب العبادات والأمور الشرعية فيها شرائط يشترط في تأثيرها. وبيان هذه التفاصيل شرح الأسباب ولابد أن يكون في الوجود علم وعالم بها. (ش) (*)

[ 141 ]

(وجهله من جهله) وذاك الباب رسول الله (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام). ويحتمل أن يكون المراد أن ذاك العلم والباب رسول الله ونحن، من باب اللف والنشر المرتب كما يرشد إليه قوله: " أنا مدينة العلم وعلي بابها ". * الأصل: 8 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن صفوان بن يحيى، عن العلاء ابن زرين، عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: كل من دان الله عز وجل بعبادة يجهد فيها نفسه ولا إمام له من الله، فسعيه غير مقبول وهو ضال متحير والله شانئ لأعماله ومثله كمثل شاة ضلت عن راعيها وقطيعها فهجمت ذاهبة وجائية يومها، فلما جنها الليل بصرت بقطيع غنم مع راعيها، فحنت إليها واغترت بها، فباتت معها في مربضها، فلما أن ساق الراعي قطيعه أنكرت راعيها وقطيعها فهجمت متحيرة تطلب راعيها وقطيعها فبصرت بغنم مع راعيها فحنت إليها واغترت بها، فصاح بها الراعي: الحقي براعيك وقطيعك فأنت تائهة متحيرة عن راعيك وقطيعك فهجمت ذعرة، متحيرة، تائهة لا راعي لها يرشدها إلى مرعاها أو يردها، فبينا هي كذلك إذا اغتنم الذئب ضيعتها فأكلها، وكذلك والله يا محمد من أصبح من هذه الأمة لا إمام له من الله عز وجل ظاهر عادل أصبح ضالا تائها، وإن مات على هذه الحالة مات ميتة كفر ونفاق، واعلم يا محمد أن أئمة الجور وأتباعهم لمعزولون عن دين الله قد ضلوا وأضلوا، فأعمالهم التي يعملونها كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شئ ذلك هو الضلال البعيد. * الشرح: قوله: (كل من دان الله بعبادة): أي أطاعه بها، والدين الطاعة. قوله: (يجهد فيها نفسه) في المغرب جهده حمله فوق طاقته من باب منع وأجهد لغة قليلة، والجهد: المشقة والمعنى يكلف نفسه مشقة في العبادة وتحملها. قوله: (ولا إمام له من الله) أي من قبل الله تعالى واختياره سواء كان له إمام باختيارهم أم لم يكن. قوله: (فسعيه غير مقبول) لأن العمل لله تعالى لا يتصور إلا بتوسط هاد مرشد إلى دين الله وشرائطه وكيفية العمل به، والعامل المعتمد برأيه أو بإمام اختاره لنفسه وإن قصد الصلاح في عمله واجتهد فيه فإنه يقع في الباطل فيحصل انحراف من الدين وضلال عن الحق فيضيع العمل ويخسر الكدح كدأب الخوارج والعامة العادلين عن العترة الطاهرين وإليهم يشير قوله تعالى: * (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) * الآية.

[ 142 ]

قوله: (والله شانئ لأعماله) أي مبغض لها لوقوعها لا على وجه أراد، والشناءة مثل الشناعة: البغض، وشنئ الرجل فهو ومشنوء أي مبغض، ومعنى بغضه تعالى للعمل عدم قبوله مع ذم عامله وطرده عن رحمته وثوابه الموعود له. قوله: (ومثله كمثل شاة) انطباق هذا التمثيل على الممثل له ظاهر فإن هذا الرجل ضل عن راعيه وقطيعه وهو الإمام الحق ومن تبعه فتحير وحن في ظلمة الشبهات إلى قطيع وراع وزعم أنه راعيه الحق فلما أن ساق هذا الراعي قطيعه في صبح يوم القيامة إلى النار عرف هذا الرجل أنه ليس براعيه الحق فيتحير ويريد أن يلحق بكل فرقة حشرت مع الإمام الحق يقال له: أنت تائه الحق براعيك الذي حننت إليه وهو متردد تائه حتى تأخذه الزبانية وتجره إلى جهنم. قوله: (فهجمت ذاهبة وجائية يومها) الهجوم: الدخول ويومها بتقدير في معمول للهجوم أو الذهاب على سبيل التنازع. قوله: (واغترت بها) أي غفلت بها عن طلب راعيها أو خدعت بها، والغرة بالكسر: الغفلة تقول منه اغتررت بالرجل. وتقول أيضا اغتر بالشئ إذا خدع به، ووجه الغفلة والخدعة أنها لم تفرق في ظلمة الليل بين راعيها وراعي هذا القطيع. قوله: (فلما أن ساق الراعي قطيعه أنكرت راعيها) أي فلما أن ساق الراعي عند طلوع الفجر وانكشاف الظلمة قطيعه عرفت أنه ليس راعيا لها. قوله: (ذعرة) أي خائفة من الذعر بالضم وهو الخوف والفزغ. قوله: (وبينا هي كذلك إذا اغتنم الذئب) قال في النهاية: أصل " بينا " بين فأشبعت الفتحة فصارت ألفا يقال. بينا وبينما وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة ويضافان إلى جملة من فعل وفاعل ومبتدء وخبر ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى، والأفصح في جوابهما أن لا يكون فيه إذ وإذا وقد جاء في الجواب كثيرا يقول: بينا زيد جالس دخل عليه عمرو وإذ دخل عليه وإذا دخل عليه. قوله: (ضيعتها) الضيعة بالفتح والسكون: الهلاك، تقول: ضاع الشئ يضيع ضيعة أي هلك. قوله: (طاهر) معناه بلا نقطة طاهر عن الرجس ومعها ظاهر وجوده سواء كان شخصه ظاهرا أم لمن يكن أو ظاهر شخصه ولو في بعض الأوقات لبعض الأشخاص أو غالب على جميع الخلق في العلم والعمل أو معين لهم في الدين وبالجملة ظهوره لا ينافي غيبته لأنه ظاهر من وجه وغائب من وجه آخر كالشمس من فوق السحاب والنور من وراء الحجاب.

[ 143 ]

قوله: (ميتة كفر ونفاق (1) أما الكفر فلأنه لم يؤمن ومن لم يؤمن فهو كافر والإسلام لا ينافيه، وأما النفاق فلأنه أقر لسانه بجميع ما جاء به الرسول وأنكر قلبه أعظمه، مضمون هذا الحديث متفق عليه بين الامة ولكن لبعضهم مزخرفات يضحك منها شفاه الأيام ويستنكف عن تحريرها لسان الأقلام.


1 - قوله: " ميتة كفر ونفاق " معلوم أن عدم معرفة أمثال يزيد بن معاوية والوليد لا يوجب الميتة الجاهلية بل الإمام الذي يزيد معرفته في العلم والدين وهذا من الأحاديث المتفق على نقلها من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا ينطبق شئ منها على غير أئمتنا (عليهم السلام). قال صدر المتألهين (قدس سره) في رد من زعم أن أولي الأمرهم الخلفاء وأن الحديث المتفق عليه من رسول الله (صلى الله عليه وآله) المشهور بطرق متكاثرة أنه قال: " الخلفاء أو الأئمة بعدي اثنا عشر كلهم من قريش " وقوله (صلى الله عليه وآله) " لا يزال الإسلام عزيزا أو هذا الدين قائما حتى يقوم الساعة ويكون عليهم اثنا عشر خليفة " وما يجري مجراه لا ينطبق على خلفاء بني أمية وأمثالهم وأن رسول الله رأى نزو القردة على منبره وأوله ببني أمية وهم الشجرة الملعونة في القرآن ثم حكى الصدر (قدس سره) في ما حكى من قصصهم أخبار الوليد بن يزيد وولوعه بالمنكرات وهم هشام بقتله ففر منه وكان لا يقيم بأرض خوفا على نفسه وبويع له بعد هشام بالخلافة ومن استهتاره أنه اصطنع بركة من خمر وكان إذا طرب ألقى نفسه فيها ويشرب منها حتى يتبين النقص في أطرافها ومن أخباره أنه واقع جاريته وهو سكران وجاءه المؤذنون بالصلاة فحلف لا يصلي بالناس إلا هي فلبست ثيابه وتنكرت وصلت بالمسلمين وهي سكرى متلطخة بالنجاسات على الجنابة قال وحكى صاحب الكشاف أن الوليد تفأل يوما في المصحف فخرج له قوله تعالى * (فاستفتحوا وخاب كل جبار عنيد) * فمزق المصحف وأنشأ يقول: أتوعد كل جبار عنيد * فها أنا ذاك جبار عنيد إذا ما جئت ربك يوم حشر * فقل يا رب مزقني الوليد فاجمع أهل دمشق على قتله فلما دخلوا عليه في قصره قال: يوم كيوم عثمان فقتلوه وقطعوا رأسه وطيف به في دمشق، ثم قال صدر المتألهين: فانظروا يا أهل العقل والإنصاف هل يستصح ذو مسكة أن يقال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول لا يزال الإسلام عزيزا والدين قائما ماوليهم اثنا عشر رجلا من أمثال هؤلاء الخلفاء من الشجرة الملعونة انتهى كلامه. وبالجملة لابد لهم من أمرين إما أن ينكروا صحة الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإما أن يطلبوا الاثنى عشر في غير الخلفاء المشهورين ولا يمكن الأول بعد نقل البخاري وسائر أصحاب الصحاح فلابد من الثاني. (ش) (*)

[ 144 ]

قوله: (قد ضلوا وأضلوا) أي ضاعوا وهلكوا لعدو لهم عن طريق الحق وأضاعوا وأهلكوا من تبعهم إلى يوم القيامة لإخراجهم عنه فعليهم وزرهم ووزر من تبعهم مع أنه لا ينقص من أوزار التابعين شئ. قوله: (فأعمالهم) تضمين للآية الكريمة وهي قوله تعالى * (مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح) * - الآية، يعني أعمالهم التي يعملونها مثل الصوم والصلاة والصدقة وصلة الرحم وإغاثة الملهوف وغير ذلك مثل رماد اشتدت به الريح وحملته وطيرته في يوم عاصف أي شديدة ريحه، ووصف اليوم بالعصف: وهو اشتداد الريح للمبالغة كقولهم نهاره صائم، لا يقدرون يوم القيامة مما كسبوا من أعمالهم على شئ لحبوطه فلا يرون له أثرا من الثواب وذلك يعني ضلالهم مع حسبانهم أنهم يحسنون هو الضلال البعيد لكونهم في غاية البعد عن طريق الحق فقد شبه أعمالهم في سقوطها وحبوطها لبنائها على غير أساس من الإيمان بالله وبرسوله وبالأئمة (عليهم السلام) بالرماد المذكور في عدم إمكان رده بعد ما طيرته الرياح العاصفة. * الأصل: 9 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن محمد بن جمهور، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن الهيثم بن واقد، عن مقرن قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: جاء ابن الكواء الى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين " وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم " ؟ فقال: نحن على الأعراف نعرف أنصارنا بسيماهم، ونحن الأعراف الذي لا يعرف الله عز وجل إلا بسبيل معرفتنا، ونحن الأعراف يعرفنا الله عز وجل يوم القيامة على الصراط، فلا يدخل الجنة إلا من عرفنا وعرفناه ولا يدخل النار إلا من أنكرنا وأنكرناه، إن الله تبارك وتعالى لو شاء لعرف العباد نفسه ولكن جعلنا أبوابه وصراطه وسبيله والوجه الذي يؤتى منه، فمن عدل عن ولايتنا أو فضل علينا غيرنا، فإنهم عن الصراط لناكبون، فلا سواء من اعتصم الناس به ولا سواء حيث ذهب الناس إلى عيون كدرة يفرغ بعضها في بعض وذهب من ذهب إلينا إلى عيون صافية تجري بأمر ربها، لا نفاد لها ولا انقطاع. * الشرح: قوله: (ابن الكواء) عبد الله بن الكواء من رجال أمير المؤمنين (عليه السلام) خارجي ملعون (1).


1 - قوله: " خارجي ملعون " قال صدر المتألهين: اسمه عبد الله وهو من جملة رؤساء الخوارج الذين خرجوا على أمير المؤمنين (عليه السلام) حين جرى أمر الحكمين اجتمعوا بحرورا من ناحية الكوفة ورأسهم عبد الله بن = (*)

[ 145 ]

قوله: (وعلى الأعراف رجال) قال في الصحاح: العرف والعرف: الرمل المرتفع وهو مثل عسر وعسر وكذلك العرفة والجمع عرف وأعراف، ويقال: الأعراف الذي في القرآن سور بين الجنة والنار. قوله: (نعرف أنصارنا بسيماهم) خص الأنصار الذكر مع أنهم يعرفون أعداءهم أيضا بسيماهم للتنبيه على أن معرفة الأنصار وإعانتهم في ذلك المقام أهم وأقدم من معرفة الأعداء وإهانتهم. قوله: (ونحن الأعراف) والأعراف هنا والعرفاء: جمع عريف وهو النقيب نحو الشريف والأشراف والشهيد والشهداء. قوله: (ونحن الأعراف يعرفنا الله تعالى) يعرفنا بالتشديد أي يجعلنا عرفاء على الصراط ومما يؤيده قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة " وإنما الأئمة قوام الله على خلقه وعرفاؤه على عباده لا يدخل الجنة إلا من عرفهم وعرفوه ولا يدخل النار إلا من أنكرهم وأنكروه " قال شارح النهج: العريف: النقيب. أو يجعلنا ذا معرفة بأوليائنا وأعدائنا على الصراط، والمقصود أن أهل كل عصر لا يدخلون الجنة إلا بمعرفة إمامهم من العترة الطاهرة (عليهم السلام) معرفة حق ولايتهم وصدق إمامتهم ومعرفة الإمام لهم بالتصديق والمتابعة، وبيان الحصر من وجهين: أحدهما: أن دخول الجنة لا يمكن لأحد من هذه الامة إلا باتباع الشريعة النبوية ولزوم العمل بها ولا يمكن ذلك إلا بمعرفتها ومعرفة كيفية العمل بها، ولا يمكن ذلك إلا ببيان صاحب الشريعة والقائم بها وإرشاده وتعليمه، وذلك لا يمكن إلا بمعرفة المأموم الإمام وحقية إمامتهم وصدق ولايته له ليقتدي به، ومعرفة الإمام للمأموم ليهديه، فإذن دخول الجنة متوقف على معرفة الإمام للمأمومين ومعرفتهم له. وثانيهما: أن معرفة الأئمة ومعرفة حقية إمامتهم وصدق ولايتهم ركن من أركان الدين ولا يدخل الجنة إلا من أقامه، ومن عرفهم كذلك وجب معرفتهم له بذلك، وقال بعض شراح النهج: واعلم أنه لا يشترط في معرفتهم لمحبيهم ومعرفة محبيهم لهم المعرفة الشخصية العينية بل الشرط المعرفة على وجه كلي وهو أن يعلم أن كل من اعتقد حقية إمامتهم واهتدى بما انتشر من هديهم فهو وليهم ومقيم لهذا الركن من الدين فيكونون من يتولاهم على هذا الوجه ومن يتولاهم عارفا بهم لمعرفته بحقية ولايتهم واعتقاد ما يقولون وإن لم يشترط المشاهدة العينية والمعرفة الشخصية، وفيما ذكرنا دفع لما يتوهم من أن كثيرا من الشيعة لهؤلاء الأئمة ومحبيهم لا يعرفهم الأئمة ولا يرون


= الكواء وعتاب بن الأعور وزيد بن عاصم المحاربي وابن زهير البجلي المعروف بذي الثدية وكانوا يومئذ اثنى عشر ألفا أهل صلاة وصيام - إلى آخر ما قال. (ش) (*)

[ 146 ]

أشخاصهم، هذا بيان للكلية الاولى، وأما بيان الكلية الثانية وهي قوله " ولا يدخل النار إلا من أنكرنا وأنكرناه " فهو ما أشار إليه شارح النهج من أن دخول الجنة مستلزم لمعرفتهم ومنحصر فيه وكل واحد ممن يدخل الجنة عارف بهم وذلك يستلزم أنه لا واحد ممن يدخل الجنة بمنكر لهم لأن معرفتهم وإنكارهم مما لا يجتمعان في ملزوم واحد إذا عرفت ذلك فنقول من أنكرهم وأنكروه لا يجوز أن يكون أعم ممن يدخل النار، أما أولا، فللخبر المشهور " من مات ولم يعرف إمام وقته فقد مات ميتة جاهلية " فقد دل هذا الخبر على أن إنكارهم مستلزم للميتة الجاهلية المستلزم لدخول النار. أما ثانيا: فلأنه لو كان أعم لصدق على بعض من يدخل الجنة فبعض المنكر لهم يدخل الجنة فينعكس بعض من يدخل الجنة منكر لهم، وقد مر أنه لا واحد ممن يدخل الجنة بمنكر لهم هذا خلاف، وكذلك لا يجوز أن يكون أخص وإلا لصدق على بعض من يتولاهم ويعترف بصدق إمامتهم أنه يدخل النار لكن ذلك باطل لقول الرسول (صلى الله عليه وآله) " يحشر المرء مع من أحب " وقد ثبت أنهم (عليهم السلام) يحشرون إلى الجنة فكذلك من أحبهم واعترف بحقية إمامتهم ودخول الجنة مع دخول النار مما يجتمعان فثبت أنه لا واحد ممن يحبهم ويعترف بحقيتهم يدخل النار فقد ظهر إذن صدق هذه الكلية أيضا ووجه الحصر فيها. قوله: (إن الله تعالى لو شاء لعرف العباد نفسه) كما عرف الأنبياء نفسه ولكن لم يشأ ذلك لعدم قابليتهم له بل جعلنا أبواب معرفته بما يليق به من الحكم الإلهية وأسرار التوحيد وجعلنا صراطه في دينه من الشرائع والأخلاق والسياسات وسبيله إلى جنته، وبيان مقاماتها ودرجاتها والوجه الذي يؤتى الله سبحانه من ذلك الوجه. وقد مر توضيح ذلك ويشتمل على جميع ذلك قوله (صلى الله عليه وآله) " أنا مدينة العلم وعلي بابها ". قوله: (لناكبون) نكب عن الطريق ينكب نكوبا من باب نصر أي عدل. قوله: (فلا سواء من اعتصم الناس به) ضمير المجرور راجع إلى من وإفراده باعتبار لفظه وإن كان معناه متعددا والمقصود نفي المساواة بين جماعة اعتصم الناس بهم وجعلوهم أئمة في أمر مبدئهم ومعادهم ومعاشهم بل بعضهم صراط الحق وهم العترة (عليهم السلام) وبعضهم صراط النار وهم أولياء الشيطان. قوله: (ولا سواء حيث ذهب الناس) لا سواء تأكيد لما سبق و " حيث " تعليل لنفي المساواة. قوله: (إلى عيون كدرة) أي غير صافية من الكدر خلاف الصفو وقد كدر الماء يكدر كدرا فهو كدر وكدر أيضا مثل فخذوه وفخذ ويفرغ صفة لها، يقال: فرغ الماء فراغا مثل: سمع سماعا أي انصب وأفرغته أنا، والمراد بتلك العيون شبهات أئمة الجور ومخترعاتهم التي أحدثوها وعاونوا

[ 147 ]

بعضهم بعضا في اختراعها وإحداثها وفي وصفها بالفراغ لا وصف صاحبها بالإفراغ تنبيه على غزارتها وكثرتها. قوله: (إلى عيون صافية) متعلق بذهب الأول أي من ذهب إلينا ذهب إلى عيون صافية هي النواميس الإلهية والأسرار الربانية والأحكام الفرقانية التي تجري بأمر ربها في قلوب صافية تقية نقية مقدسة مطهرة عن الغبن والرين ثم تجري منها إلى قلوب المؤمنين وصدور العارفين إلى يوم الدين بلا نفاد ولا انقياد بخلاف الشبهات الزائلة والمخترعات الباطلة فإنها إذ لا أصل ولا مادة لها تنقطع يوما ما. * الأصل: 10 الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن علي بن محمد، عن بكر بن صالح، عن الريان بن شبيب، عن يونس، عن أبي أيوب الخزاز، عن أبي حمزة قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): يا أبا حمزة يخرج أحدكم فراسخ فيطلب لنفسه دليلا وأنت بطرق السماء أجهل منك بطرق الأرض، فاطلب لنفسك دليلا. * الشرح: قوله: (وأنت بطرق السماء) المراد بطرق السماء طرق معرفة الله تعالى ومعرفة أسراره وتوحيده ومعرفة عالم الغيب، ووجه زيادة الجهل به ظاهر لأن المراحل المعقولة أخفى والشبهات الوهمية والخيالية والتسويلات النفسانية والشيطانية فيه أقوى من المراحل المحسوسة فإذا احتيج في الأظهر إلى دليل فالأخفى أولى بالاحتياج إليه، وإنما عبر عن المعرفة بطرق السماء (1) للدلالة على رفعة قدرها وتعظيم شأنها. * الأصل:


1 - قوله: " عبر عن المعرفة بطرق السماء " قد مر في تضاعيف الشرح إطلاق السماء على عالم المجردات فراجع الفهرست الموضوع آخر الجزء الرابع والرواية في بيان مفاسد ترك اتباع المعصومين في الدار الآخرة وفي أحكام الشريعة وإنفاذها بيد الإمام المعصوم حكم دنيوية ومصالح في معاش الناس خصوصا المعاملات والسياسات والاخلال بها والإعراض عنها يوجب فساد الدنيا أيضا لكنها من جهة أنها مجعولة من الله تعالى واتباعها إطاعة وتركها عصيان يوجب فساد الآخرة على المكلف، وقلنا: إن المدينة الفاضلة على ما بينها أبو نصر الفارابي ما يكون الأمير فيها الحكيم العادل العارف بما يجب وقلنا: إنه لا يكون غير المعصوم بصفات شرطها وكل مدينة غير فاضلة من المدن الجاهلة بأقسامها وقد ذكرها أبو نصر في كتابه. (ش) (*)

[ 148 ]

11 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن أيوب بن الحر عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل: * (ومن يؤت الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا) * فقال: طاعة الله ومعرفة الإمام. * الشرح: قوله: (طاعة الله ومعرفة الإمام) إنما نسب المعرفة إلى الإمام والطاعة إلى الله لأن معرفة الإمام مستلزمة لمعرفة الله وطاعة الله تعالى مستلزمة لطاعة الإمام، فيرجع الكلام إلى أن الحكمة طاعة الله وطاعة الإمام ومعرفتهما فتكون المعرفة إشارة إلى الحكمة النظرية والطاعة إلى الحكمة العملية. * الأصل: 12 - محمد بن يحيى، عن عبد الله بن محمد، عن علي بن الحكم، عن أبان عن أبي بصير قال: قال لي أبو جعفر (عليه السلام): هل عرفة إمامك ؟ قال: قلت: إي والله قبل أن أخرج من الكوفة فقال: حسبك إذا. * الشرح: قوله: (إي) بكسر الهمزة من حروف التصديق ولا يستعمل إلا مع القسم. قوله: (حسبك إذن) حسبك بمعنى يحسبك ويكفيك، و " إذن " من حرف المكافأة والجواب وإذا وقف عليه قيل " إذا " وهو كذلك في بعض النسخ، ولما أخر بطل عمله وهو نصب المستقبل مع أنه لم يجد هنا مستقبلا، وإنما قال في جواب قوله " عرفت الإمام قبل أن أخرج من الكوفة " حسبك إذن للدلالة على أن معرفة الإمام مستلزمة لمعرفة جميع المعارف الحقة وأصل لجميع العلوم الصادقة فمعرفته كافية لذوي البصائر الكاملة. * الأصل: 13 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن إسماعيل، عن منصور بن يونس، عن بريد قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول في قول الله تبارك وتعالى: * (أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس) * فقال: ميت لا يعرف شيئا " ونورا يمشي به في الناس " إماما يؤتم به " كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها " قال: الذي لا يعرف الإمام. * الشرح: قوله: (أو من كان ميتا) يعني أو من كان ميتا بالجهالات والأخلاق الذميمة أو بكونه في المرتبة الهيولانية فأحييناه بالكمالات العقلية والأخلاق المرضية والقوانين العدلية والقوة العملية (1)،


1 - قوله: " والقوانين العدلية والقوة العملية " قد علم أن التشريع وإنفاذ الأحكام غير مفوض إلى = (*)

[ 149 ]

وجعلنا له إماما كالنور الساطع يمشي بهدايته في الناس والحجب الناسوتية إلى الأسرار الإلهية والأنوار اللاهوتية كمن مثله في ظلمات الجهالة وموت الضلالة وهو باق فيها وليس بخارج منها، وليس له إمام عادل ليبلغ بنور هدايته إلى أوج الكرامة، فالآية على هذا التأويل نزلت في الشيعة ومخالفيهم. * الأصل: 14 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن محمد بن اورمة ومحمد بن عبد الله، عن علي بن حسان عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): دخل أبو عبد الله الجدلي على أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال (عليه السلام): يا أبا عبد الله ألا اخبرك بقول الله عز وجعل: * (من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون * ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون) * ؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين جعلت فداك، فقال: الحسنة معرفة الولاية وحبنا أهل البيت والسيئة إنكار الولاية وبغضنا أهل البيت، ثم قرأ عليه هذه الآية. * الشرح: قوله: (دخل أبو عبد الله الجدلي) اسمه عبيد بن عبد، وقد يقال: عبيد الله بن عبد الله وهو من الأولياء ومن خواصه وأوليائه (عليه السلام). والجدلي بالجيم والتحريك: منسوب إلى جديلة حي من طي وهي اسم امهم. قوله: (فكبت وجوههم في النار) كبه لوجهه: أي صرعه فأكب هو، ومجئ الإفعال من المتعدي للازم كما هنا من النوادر. قوله: (فقال: الحسنة معرفة الولاية) الظاهر أنه لم يرد حصر الحسنة والسيئة بما ذكر، بل أراد أن هذه الحسنة والسيئة أكمل أفراد هذين الجنسين، بدليل أن كل حسنة تفرض وكل سيئة تفرض فهما داخلان تحتهما وفرعان لهما.


= الناس عند الشيعة فجاعل القوانين هو الله تعالى ومبلغها الرسول (صلى الله عليه وآله) ومجريها هو والأئمة المعصومون المنصوبون من قبله ولا يرتاب عاقل في أن هذا هو القول الحق لا قول من يذهب إلى أن إجراء حكم الله مفوض إلى إمام جاهل فاسق غائر في الظلمات ليس بخارج منها ولا قول من جعل التشريع من وظائف الناس المختلفين الجاهلين بحكم الأفعال ومصالحها والبعيدين عن مراعاة العدالة في طوائف الأمم المعتنين بمنافع أنفسهم غير مبالين بمن سواهم. (ش). (*)

[ 150 ]

باب فرض طاعة الأئمة * الأصل: 1 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ذروة الأمر وسنامه وباب الأشياء ورضا الرحمن تبارك وتعالى الطاعة للإمام بعد معرفته، ثم قال: إن الله تبارك وتعالى يقول: * (من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا) *. * الشرح: قوله: (الطاعة للإمام بعد معرفته) طاعة الإمام عبارة عن التصديق بإمامته والإذعان بولايته والإقرار بتقدمه على جميع الخلق بأمره تعالى، والمتابعة لأمره ونهيه ووعظه ونصيحته، ظهر وجه المصلحة أم لم يظهر، وهي ذروة أمر الإيمان من حيث أنها أعظم أركانه وأعلاها وأشرفها وأسناها وسنامه من حيث شرفها وعلوها بالنسبة إلى سائر أركان الإيمان مع ملاحظة أنها بمنزلة المركب يوصل راكبها إلى سائر منازل العرفان، ومفتاحه من حيث أنه ينفتح بها أقفال أبواب العدل والإحسان وباب الأشياء والشرائع النبوية والأسرار الإلهية من حيث أنه لا يجوز لأحد الدخول في الدين ومشاهدة ما فيه بعين اليقين إلا بالوصول الى سدنتها والعكوف على عتبتها، ورضاء الرحمن تبارك وتعالى من حيث أنها توجب القرب إليه والزلفى لديه والاستحقاق لما وعده للمطيع من الأجر الجميل والثواب الجزيل، وكل هذا على سبيل الاستعارة والتشبيه الذي لا يخفى على العارف بالعربية حسن موقعه ولطافة موضعه، وإنما قال " بعد معرفته " للتنبيه على أن أصل معرفته تعالى أفضل منها، كيف لا وهي أصل لها ؟ وإن كان كمال المعرفة إنما يحصل بها، وبالجملة نظام الطاعة موقوف على أصل المعرفة وكمال المعرفة موقوف على نظام الطاعة. قوله: (ثم قال: إن الله تبارك وتعالى يقول) هذا بمنزلة التأييد لما مر والدليل عليه حيث عد طاعة الرسول نفس طاعته تعالى ومن البين أن طاعة الإمام نفس طاعة الرسول لقوله تعالى * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولي الأمر منكم) * فطاعة الإمام نفس طاعة الله تعالى، ومن هنا ظهر أيضا تقدم معرفته على طاعة الإمام. قوله: (حفيظا) أي حافظا لهم عن التولي والإعراض وإنما عليك البلاغ. * الأصل: 2 - الحسين بن محمد الأشعري، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن أبان بن

[ 151 ]

عثمان، عن أبي الصباح قال: أشهد أني سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: أشهد أن عليا إمام فرض الله طاعته وأن الحسن إمام فرض الله طاعته وأن الحسين إمام فرض الله طاعته وأن علي بن الحسين إمام فرض الله طاعته وأن محمد بن علي إمام فرض الله طاعته. * الشرح: قوله: (قال: أشهد أني سمعت) أتى بالشهادة ليفيد أن المنقول خبر قاطع لاعتبار التوافق بين القلب واللسان في الشهادة ولترويجه لأن الشهادة بمنزلة الحلف. قوله: (فرض الله طاعته) دل على ما هو الحق الثابت الذي لا ريب فيه من أن الإمامة بالنص لا باختيار العبد كما حقق في موضعه. * الأصل: 3 - وبهذا الأسناد، عن معلى بن محمد، عن الحسين بن علي قال: حدثنا حماد بن عثمان عن بشير العطار قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: نحن قوم فرض الله طاعتنا وأنتم تأتمون بمن لا يعذر الناس بجهالته. * الشرح: قوله: (وأنتم تأتمون بمن لا يعذر الناس بجهالته) فيه بشارة للعارفين وإنذار للجاهلين والمراد بالناس إما من آمن بالله وبرسوله لما مر من أن معرفة الأئمة إنما يجب عليه وأما من لم يؤمن بهما فإنما الواجب عليه أصالة هو الإيمان بهما ثم الإيمان بهما يقتضي الإيمان بهم وأما جميع الناس حتى المنكرين لله والرسول فإنهم كما لا يعذورن بجهالتهما كذلك لا يعذرون بجهالة الإمام هذا فيمن بلغه التبليغ وفي غيره لو تحقق مشكل (1).


1 - قوله: " وفي غيره لو تحقق مشكل " إشارة إلى أن تحقق من لم يبلغه التبليغ ممتنع عادة لشهرة دعوى النبي (صلى الله عليه وآله) والقرآن وظهور الآيات بعد الاعتراف بالنبي (صلى الله عليه وآله) فاحتمال إمامة غير المعصومين غير ممكن لظهور فسقهم. قال صدر المتألهين: قال علامتهم التفتازاني في شرح المقاصد بهذه العبارة: إن ما وقع بين الصحابة من المشاجرات على الوجه المسطور في كتب التواريخ والمذكور على ألسنة الثقات يدل بظاهره على أن بعضهم قد جاوز عن الطريق بالظلم والفسق وكان الباعث له الحقد والعناد والحسد واللداد وطلب الملك والرئاسة والميل إلى اللذات والشهوات إذ ليس كل صحابي معصوما ولا كل من لقى النبي (صلى الله عليه وآله) بالخير موسوما إلا أن العلماء لحسن ظنهم بأصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد ذكروا لها محامل وتأويلات بها يليق أو ذهبوا الى أنهم = (*)

[ 152 ]

* الأصل: 5 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن أبي خالد القماط، عن أبي الحسن العطار قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: أشرك بين الأوصياء والرسل في الطاعة. * الشرح: قوله: (أشرك بين الأوصياء والرسل في الطاعة) أشرك يحتمل الأمر والتكلم وفيه دلالة على أن طاعتهم واحدة لأن الظاهر في الشركة أن يتعلق بشئ واحد ويحتمل أن يراد به التلازم بين طاعة الرسل وطاعة الأوصياء. * الأصل: 6 - أحمد بن محمد، عن محمد بن أبي عمير، عن سيف بن عميرة، عن أبي الصباح الكناني قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): نحن قوم فرض الله عز وجل طاعتنا، لنا الأنفال، ولنا صفو المال، ونحن الراسخون في العلم ونحن المحسودون الذين قال الله: * (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله) *. * الشرح: قوله: (لنا الأنفال) تقديم الخبر للحصر والأنفال: جمع النفل بالسكون وقد يحرك وهو الزيادة، به سميت نوافل العبادات لأنها زائدة على الفرائض والمراد بها كل ما كان من الزيادة مختصا بالنبي (صلى الله عليه وآله) في حياته مثل الأرض التي باد أهلها والأرض الموات التي لا أرباب لها إلى غير ذلك مما


= محفوظون عما يوجب التفسيق والتضليل صونا لعقائد المسلمين عن الزيغ والضلالة في حق كبار الصحابة سيما المهاجرين منهم والأنصار والمبشرين بالثواب في دار القرار وأما ما جرى بعدهم من الظلم على أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله) فمن الظهور بحيث لا مجال للإخفاء ومن الشناعة بحيث لا اشتباه على الآراء يكاد تشهد به الجماد والعجماء ويبكي له الأرض والسماء وتنهدم منه الجبال وتنشق له الصخور ويبقى سوء عملهم على كر الشهور ومر الدهور فلعنة الله على من باشر أو أمر ورضى أو سعى ولعذاب الآخرة أشد وأبقى، فإن قيل: فمن علماء المذهب من لم يجوز اللعن على يزيد مع علمهم بأنه يستحق ما يربو على ذلك ويزيد قلنا تحاميا على أن يرتقي إلى الأعلى فالأعلى كما هو شعار الروافض على ما يروى في أدعيتهم ويجري في أنديتهم فرأى المعتنون بأمر الدين إلجام العوام بالكلية طريقا إلى الاقتصاد في الاعتقاد بحيث لا يزال الإقدام عن السواء ولا يضل الإفهام بالأهواء وإلا فمن الذي لا يخفى عليه الجواز والاستحقاق وكيف لا يقع عليه الاتفاق. انتهت عبارته بالفاظه. (ش) (*)

[ 153 ]

عد في موضعه وهي بعده للإمام (عليه السلام). قوله: (ولنا صفوا المال) أي خالصة، ولعل المراد بها صفايا ملوك أهل الحرب وقطايعهم وغير ذلك مما يصطفى من الغنيمة مثل الفرس الجواد والثوب المرتفع والجارية الحسناء والسيف الفاخر ونحوها. قوله: (ونحن الراسخون في العلم) الممدوحون في القرآن الكريم بقوله تعالى * (لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما انزل إليك) * - الآية، وقوله تعالى * (والراسخون في العلم يقولون آمنا) *. قوله: (ونحن المحسودون) الحسد أن يرى الرجل لغيره نعمة فيتمنى أن تزول منه وتكون له. قوله: (على ما آتاهم الله من فضله) " من " يحتمل أن تكون ابتدائية وأن تكون بيانية، والمراد بالفضل حينئذ الحكمة الإلهية وإيجاب طاعة الخلائق لهم. * الأصل: 7 - أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن الحسين بن أبي العلاء قال: ذكرت لأبي عبد الله (عليه السلام) قولنا في الأوصياء أن طاعتهم مفترضة قال: فقال: نعم هم الذين قال الله تعالى: * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم) * وهم الذين قال الله عز وجل * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) *. * الشرح: قوله: (إنما وليكم الله) قد مر شرحه مفصلا فلا نعيده (1).


1 - قوله: " مفصلا فلا نعيده " لكن لا نرى الجواز عن هذا الموضع حتى ندفع شبهة تختلج ببال كثير من الناس حتى عوام الشيعة من عموم قوله تعالى * (وأولي الأمر منكم) * حيث استدل العامة به على وجوب إطاعة امرائهم الجائرين والجواب أن إجماع أهل الإنصاف والعلم من المسلمين أهل السنة والشيعة وسيرتهم من صدر الإسلام إلى زماننا على عدم إرادة المطلق من هذه الكلمة ولذلك خالفوا عثمان ولم يطيعوا أوامره حتى حاصروه وقتلوه وكان فيهم طلحة وهو من العشرة المبشرة عندهم وعائشة زوج النبي (صلى الله عليه وآله) كانت تحرض على قتله وبعده خالف الحسين (عليه السلام) ولم يطع أمر يزيد حتى قتلوه صبرا وخالف جماعة من أهل الكوفة أوامر معاوية وزياد حتى قتلوا، وخالف ابن الزبير ملوك بني مروان وخالفت الخوارج بعده، وهذه السيرة المستمرة تدل على تقييد ولي الأمر بشئ مثل كونه عادلا آمرا بالحق أو متبعا لأحكام الشرع ومنقادا لرأي العلماء أصحاب الحل والعقد، = (*)

[ 154 ]

* الأصل: 8 - وبهذا الإسناد، عن أحمد بن محمد، عن معمر بن خلاد قال: سأل رجل فارسي أبا الحسن (عليه السلام) فقال: طاعتك مفترضة ؟ فقال: نعم، قال: مثل طاعة علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فقال: نعم. * الشرح: قوله: (مثل طاعة علي بن أبي طالب (عليه السلام)) يحتمل أن يراد بمثلها مثلها في كونها من قبل الله تعالى، أو مثلها في الرتبة والمقدار. * الأصل: 9 - وبهذا الإسناد، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الأئمة هل يجرون في الأمر والطاعة مجرى واحدا ؟ قال: نعم. * الشرح: قوله: (في الأمر والطاعة) لعل المراد بالأمر أمر الخلافة الإمامة أو أمر الشرائع والحكمة، ويحتمل أن يكون العطف للتفسير.


= ولا يعقل أن يكون رجل عاقل يحرم قتل النفوس بالقرآن ومع ذلك يوجب إطاعة الخليفة في قتل سادات بني علي (عليه السلام) فإنهما متناقضان لا يمكن أن يأمر بهما الله تعالى، والذي نذهب إليه نحن معاشر الإمامية أن الله تعالى إذا أمر بإطاعة الرسول فمراده الرسول الذي أرسله حقيقة وله على دعواه بينة لا كل من يدعي الرسالة، وكذلك أولو الأمر هم الذين نصبهم للأمر كما أن اطاعة العلماء بمعنى العلماء الذين يخبرون عن الله وأوليائه بتبليغ دينه الحق بدليل أن الأمير إذا أوجب على الناس إطاعة الولاة والنواب والقضاة فمراده من نصبهم لا كل من أدعى النيابة أو تسلط عليهم بغير نصب، وزعم بعض العصريين من المنتحلين إلى العلم أن الحكومة الدستورية المسماة عند أهل زماننا بالديمقراطية داخل في أولي الأمر الذين يجب إطاعتهم لأن الناس التزموا بالعهد أن يطيعوا فلزمهم الوفاء بالعهد - وسيأتي أن شاء الله كلامنا في هذا النوع من المدينة - واستدل بأن الناس في غزو مؤته أمروا عليهم خالد ابن الوليد ورجع خالد بهم ولم ينكر عليهم رسوله الله (صلى الله عليه وآله) فعلهم وهو خارج عن محل البحث لأن الرسول والإمامين بعده (عليهم السلام) كانوا ينصبون الولاة من قبلهم ويرسلون الجنود ويجعلون عليهم أميرا أو يجوزون لهم اختيار أمير واطاعتهم في الحقيقة إطاعة الرسول أو الإمام والنواب والعمال الذين ربما يخطئون مع كونهم منصوبين أيضا ولا يجب على اتباعهم إطاعتهم إذا علموا بخطائهم والكلام في الإمام الأصل. (ش) (*)

[ 155 ]

* الأصل: 10 - وبهذا الإسناد، عن مروك بن عبيد، عن محمد بن زيد الطبري قال: كنت قائما على رأس الرضا (عليه السلام) بخراسان وعنده عدة من بني هاشم وفيهم إسحاق بن موسى بن عيسى العباسي فقال: يا إسحاق ! بلغني أن الناس يقولون: إنا نزعم أن الناس عبيد لنا، لا وقرابتي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما قلته قط ولا سمعته من آبائي قاله، ولا بلغني عن أحد من آبائي قاله، ولكني أقول: الناس عبيد لنا في الطاعة، موال لنا في الدين. فليبلغ الشاهد الغائب. * الشرح: قوله: (لا وقرابتي) فإن قلت قد صرحوا بأنه لا يجوز الحلف بغير الله تعالى كالكتب المنزلة والأنبياء والأئمة والقرابة ونحوها، ودل عليه قول الصادق (عليه السلام) " لا يحلف بغير الله " قلنا: لعل التصريح والنهي في الدعاوي، وأما في غيرها فالظاهر أنه يجوز إذا كان له شأن ومنزلة، كيف لا ؟ وقد وقع ذلك في كثير من الأدعية. قوله: (ما قلته قط) فإن قلت ففي هذه الثلاثة لا يدل على عدم صدور هذا القول عن أحد من الأئمة، قلت: صدوره عنه يستلزم سماعه (عليه السلام) أو بلوغه إليه فما ذكره من باب نفي الملزوم بانتفاء اللازم. قوله: (عبيد لنا في الطاعة) يعني وجب عليهم طاعتنا كما وجب على العبد طاعة السيد، فهم عبيد لنا بهذا الاعتبار لا بالمعنى المعروف، وإطلاق العبد على التابع شائع كما يقال: فلان عبد للشيطان وعبد لهواه. قوله: (موال لنا في الدين) المراد بالموالي هنا: الناصر كما في قوله تعالى * (ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا) *. قوله: (فليبلغ الشاهد الغائب) فيه ترغيب في نشر الحديث، وتجويز للعمل بخبر الواحد، وحصر فائدة النقل في حصول التواتر خلاف الظاهر. * الأصل: 11 - علي بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن أبي سلمة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: نحن الذين فرض الله طاعتنا، لا يسع الناس إلا معرفتنا، ولا يعذر الناس بجهالتنا، من عرفنا كان مؤمنا، ومن أنكرنا كان كافرا، ومن لم يعرفنا ولم ينكرنا كان ضالا حتى يرجع إلى الهدى الذي افترض الله عليه من طاعتنا الواجبة فإن يمت على ضلالته يفعل الله به ما يشاء.

[ 156 ]

* الشرح: قوله: (من عرفنا كان مؤمنا) قسم الناس على ثلاثة أقسام: الأول: من عرف ولايتهم وهو مؤمن بالله وبرسوله، والثاني: من أنكرها وهو كافر بهما حيث أنكر أعظم ما جاء به الرسول وأصلا من اصوله، والثالث: من لم يعرفها ولم ينكرها، بل هو ساكت متوقف وهو ضال، وحال كل واحد من الأولين ظاهر وأما الأخير فهو في المشية إن لم يرجع إلى الهدى الذي هو طاعة الإمام. * الأصل: 12 - علي، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن محمد بن الفضيل قال: سألته عن أفضل ما يتقرب به العباد إلى الله عز وجل، قال: أفضل ما يتقرب به العباد إلى الله عز وجل طاعة الله وطاعة رسوله وطاعة اولي الأمر، قال أبو جعفر (عليه السلام): حبنا إيمان وبغضنا كفر. * الشرح: قوله: (أفضل ما يتقرب به العباد إلى الله تعالى طاعة الله وطاعة رسوله وطاعة اولي الأمر) يعني الإمام (عليه السلام) وكل واحدة من هذه الطاعات عين الاخرى بقياسات راجعة إلى الضرب الأول من الشكل الأول، ووجه أفضليتها أن كل ما عداها مما يتقرب به مندرج تحتها كما لا يخفى على المتأمل. قوله: (حبنا إيمان وبغضنا كفر) الحمل على سبيل المبالغة وذلك لأن حبهم جزء أخير من الإيمان فإذا تحقق تحقق الإيمان وإذا تحقق ضده وهو البغض تحقق الكفر، وإن لم يتحقق هذا ولا ذاك تحقق الضلالة والتحير، وهو القسم الثالث المذكور في الحديث السابق، وإنما يذكره هنا لظهور الواسطة بين الحب والبغض. * الأصل: 13 - محمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن محمد بن عيسى، عن فضالة ابن أيوب، عن أبان، عن عبد الله بن سنان، عن إسماعيل بن جابر، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): أعرض عليك ديني الذي أدين الله عز وجل به ؟ قال: فقال: هات قال: فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله والإقرار بما جاء به من عند الله وأن عليا كان إماما فرض الله طاعته، ثم كان بعده الحسن إماما فرض الله طاعته، ثم كان بعده الحسين إماما فرض الله طاعته، ثم كان بعده علي بن بالحسين إماما فرض الله طاعته - حتى انتهى الأمر إليه - ثم قلت: أنت يرحمك الله، قال: فقال: هذا دين الله ودين ملائكته. * الشرح:

[ 157 ]

قوله: (وحده لا شريك له) تأكيد للسابق أو المراد به نفي أن يكون له مشارك في الذات والصفات والوجود الذاتي، وبالسابق نفي إله مستحق للعبادة غيره. قوله: (وأن محمدا عبده ورسوله) ذكر العبودية مع أن الرسالة مستلزمة لها بيانا للواقع وتصريحا بما هو من أفضل الكمالات البشرية، وإنما قدمها على الرسالة لتقدمها عليها في الواقع كما مر. قوله: (والإقرار بما جاء به من عند الله) في العطف مناقشة يمكن دفعها بأن يجعل الواو بمعنى مع أو يقدر الخبر وهو حق أو لازم أو نحو ذلك. قوله: (حتى انتهى الأمر إليه) اريد به أمر الخلافة والإمامة، أو أمر الطاعة أو أمر الدين أو علم آبائه الطاهرين. قوله: (ثم قلت: أنت) أي أنت إمام. * الأصل: 14 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبي حمزة، عن أبي إسحاق، عن بعض أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): اعلموا أن صحبة واتباعه دين يدان الله به وطاعته مكسبة للحسنات، ممحات للسيئات وذخيرة للمؤمنين ورفعة فيهم في حياتهم وجميل بعد مماتهم. * الشرح: قوله: (صحبة العالم) أي صحبة العالم الرباني واتباعه في طريقه وسلوك سبيله دين وطريق يطاع الله تعالى به وطاعته آلة لكسب الحسنات ومحو السيئات وذخيرة للمؤمنين تنفعهم يوم الدين ورفعة فيهم في حال حياتهم بها يرتفعون إلى المقامات العالية و (جميل) أي ذات صورة حسنة وزينة كاملة لهم بعد موتهم، ولم يقل جميلة كما قال " ذخيرة " لأنه أجرى على الفعيل بمعنى الفاعل حكم الفعيل بمعنى المفعول كما في قوله تعالى * (إن رحمة الله قريب من المحسنين) * وفي بعض النسخ المصححة " مكتسبة " من الاكتساب و " ممحية " و " حبل " بدلا من جميل، والحبل النور والعهد والميثاق والأمان. * الأصل: 15 - محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان بن يحيى، عن منصور بن حازم قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن الله أجل وأكرم من أن يعرف بخلقه، بل الخلق يعرفون بالله، قال: صدقت، قلت: إن من عرف أن له ربا، فقد ينبغي له أن يعرف أن لذلك الرب رضا وسخطا، وأنه لا

[ 158 ]

يعرف رضاه وسخطه إلا بوحي أو رسول، فمن لم يأته الوحي فينبغي له أن يطلب الرسل، فإذا لقيهم عرف أنهم الحجة، وأن لهم الطاعة المفترضة، فقلت للناس: أليس تعلمون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان هو الحجة من الله على خلقه ؟ قالوا: بلى، قلت: فحين مضى (صلى الله عليه وآله) من كان الحجة ؟ قالوا: القرآن، فنظرت في القرآن فإذا هو يخاصم به المرجي والقدري والزنديق لا يؤمن به حتى يغلب الرجال بخصومته، فعرفت أن القرآن لا يكون حجة إلا بقيم، فما قال فيه من شئ كان حقا، فقلت لهم: من قيم القرآن ؟ قالوا: ابن مسعود قد كان يعلم وعمر يعلم وحذيفة يعلم، قلت: كله ؟ قالوا لا، فلم أجد أحدا يقال: إنه يعلم القرآن كله إلا عليا صلوات الله عليه وإذا كان الشئ بين القوم فقال هذا: لا أدري وقال هذا: لا أدري وقال هذا لا أدري، وقال هذا: أنا أدري، فأشهد أن عليا (عليه السلام) كان قيم القرآن وكانت طاعته مفترضة وكان الحجة على الناس بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأن ما قال في القرآن فهو حق فقال رحمك الله، فقلت: إن عليا (عليه السلام) لم يذهب حتى ترك حجة من بعده كما ترك رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأن الحجة بعد علي الحسن بن علي، وأشهد على الحسن أنه لم يذهب حتى ترك حجة من بعده كما ترك أبوه وجده وأن الحجة بعد الحسن الحسين وكانت طاعته مفترضة، فقال: رحمك الله، فقبلت رأسه وقلت: وأشهد على الحسين أنه لم يذهب حتى ترك حجة من بعده علي بن الحسين وكانت طاعته مفترضة فقال: رحمك الله وقلت: وأشهد على علي بن الحسين أنه لم يذهب حتى ترك حجة من بعده محمد بن علي أبا جعفر وكانت طاعته مفترضة، فقال: رحمك الله، قلت: أعطني رأسك حتى اقبله، فضحك، قلت: أصلحك الله قد علمت أن أباك لم يذهب حتى ترك حجة من بعده كما ترك أبوه، واشهد بالله أنك أنت الحجة وأن طاعتك مفترضة، فقال: كف رحمك الله، قلت: أعطني رأسك اقبله فقبلت رأسه فضحك وقال: سلني عما شئت، فلا انكرك بعد اليوم أبدا. * الشرح: قوله: (إن الله أجل) قد ذكر هذا الحديث بهذا السند إلى قوله " فقلت إن عليا (عليه السلام) لم يذهب حتى ترك حجة من بعده " في باب الإضطرار إلى الحجة وإنما أعاده هنا لبقية دلت على فرض طاعة الإمام ونحن ذكرنا شرحه ثمة ولكن لأباس أن نشير هنا إلى ما يناسب بعض السوابق (1). فنقول: إن


1 - قوله: " لا بأس أن نشير هنا إلى ما يناسب بعض السوابق " هو مأخوذ من صدر المتألهين عليه الرحمة في شرح الحديث السادس من باب الرد الى الكتاب والسنة من كتاب فضل العلم نقله الشارح كما هو دأبه بتغيير يسير ونحن نورد كلام الصدر (قدس سره) ونضيف إليه شيئا للتوضيح بين الهلالين وهو نعم الكلام جامع لأكثر

[ 159 ]

[... ]


= الأصول الحكمية قال الصدر: إن الاشياء الكلية والجزئية هي كلها مسببة عن السبب الأول جل اسمه الذي يتسبب منه كل موجود ممكن ويتشعب منه كل عين وأثر وينتشر منه كل علم وخبر وكل ما عرف سببه من حيث ما يقتضيه ويوجبه فلابد وأن يعرف ذلك الشئ علما ضروريا دائما (من قوله وكل ما عرف سببه محذوف من كلام الشارح ومعناه أن من عرف العلة من حيث هي علة لزمه المعرفة بالمعلول) ما من شئ إلا وينتهي في سلسلة الحاجات إليه تعالى (فالواجب تعالى عالم بكل شئ سواء كان كليا أو جزئيا ولا يصح قول من زعم أنه تعالى ليس عالما بالجزئيات وأيضا هو عالم بكل جوهر وعرض وبكل ما في أذهان الناس ويختلج في ضمائرهم لأن كل علم وخبر ينتشر منه وهو علة لخواطر الضمائر) وإلى الأوائل الصادرة عنه (أي العقول فهي أيضا عالمة بكل شئ) وإذا رتبت الأسباب والمسببات انتهت أوائلها إلى مسبب الأسباب (فالعقول محتاجة إلى الواجب تعالى ولا تستقل بالتأثير بل هي وسائط كالنار للحرارة والشمس للضوء) وانتهت أواخرها الى الجزئيات الشخصية فكل كلي وجزئي ظاهر عن ظاهريته الأولى (بدله الشارح بقوله صادر عن الأول جل اسمه) وقد تحقق في العلوم الحقيقية بالبرهان اليقيني أن العلم بسبب الشئ يوجب العلم به فمن عرف ذاته تعالى بأوصافه الكماليه ونعوته الجلالية وعرف الأوائل والغايات من العقول القادسة (هي أوائل باعتبار وغايات باعتبار) ومنها الثواني والمدبرات النفسانية (الثواني هي المدبرات والعطف للتفسير) والمحركات السماوية (وهي النفوس السماوية أو الملائكة المحركة للسماوات) للأشواق الإلهية والأغراض الكلية العقلية بالعبادات الدائمة والنسك المستمرة من غير فتور ولغوب وأعياء في الدؤب (حذف الشارح قوله أعياء في الدؤب) الموجبة لأن يترشح عنها صور الكائنات (بدله الشارح بقوله: والأجرام العلوية المؤثرة في العالم السفلي بأمر الخالق وكلام الصدر أحسن إذ نسب التأثير الى النفوس المحركة ونسب الشارح الى الجرم العلوي) فيحيط علمه بكل الأمور وأحوالها علما برئيا عن التغير والشك والغلط فيعلم من الأوائل الثواني ومن الكليات الجزئيات المترتبة عليها وهذه طريقة الصديقين في معرفة الأشياء المشار إليها في قوله تعالى * (أولم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد) * فإنهم عرفوا الله أولا وعرفوا صفاته ومن صفاته أوائل أفعاله (وهي العقول) ومن الأوائل الثواني (وهي النفوس) وهكذا حتى علموا الكليات ومن الكليات الجزئيات ومن البسائط المركبات فعلموا حقيقة الإنسان وأحوال النفس الإنسانية وما يزكيها ويكملها ويسعدها ويصعدها الى عالم القدس والربوبية ومنزل الأبرار والمقربين وما يدنسها ويرديها ويشقيها ويهويها الى أسفل سافلين ومنزل الفجار والشياطين علما ثابتا غير قابل للتغير ولا محتملا لتطرق الريب فهذه حال علوم الأنبياء والأولياء ومن يسلك منهاجهم كما في قوله تعالى * (قل هذه سبيلي ادعو الى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني) * (من قوله من يسلك منهاجهم محذوف في نقل الشارح) وكل علم لم يحصل على هذا السبيل بل حصل من تقليد أسماع أو ظن أو قياس فليس من الحق في شئ أن الظن لا يغني من الحق شيئا. انتهى. وهو حاو لأصول قواعد الحكماء ونقل الشارح كلامه غير ناسب له الى قائله كما فعل كثيرا وإن لم ننبه عليه في مواضعه يدل على اعترافه بجميعها مع إنكاره على جمود بعض اتباع المشائين كما مر في تضاعيف الكتاب. (ش) (*)

[ 160 ]

الامور الممكنة والأشياء الكلية والجزئية كلها مسببة عن السبب الأول جل اسمه، الذي يتسبب عنه كل موجود ويتشعب عنه كل عين وأثر وينتشر منه كل علم وخبر. وما من شئ إلا وينتهي في سلسلة الحاجة إليه وإلى الاوائل الصادرة عنه، وإذا رتبت الأسباب والمسببات انتهت أوائلها إلى مسبب الأسباب وأنتهت أواخرها إلى الجزئيات الشخصية، فكل كلي وجزئي صادر عن الأول جل اسمه، وقد تحقق في العلوم الحقيقية بالبراهين اليقينية أن العلم بسبب الشئ يوجب العلم بذلك الشئ علما ضرويا، فمن عرف ذاته بالأوصاف الكمالية والنعوت الجلالية وعرف الأوائل والغايات من العقول القادسة ومنها الثواني والمدبرات النفسانية والمحركات السماوية للأشواق الإلهية والأغراض الكلية بالعبادات الدائمة والنسك المستمرة من غير لغوب ولا فتور والأجرام العلوية المؤثرة في العالم السفلي بأمر الخالق يحيط علما بجميع الامور والأحوال علما بريئا عن الشك والتغير والغلط فيعلم من الأوائل الثواني ومن الكليات الجزئيات المترتبة عليها، وهذا طريقة الصديقين في معرفة الأشياء المشار إليها في قوله تعالى * (أولم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد) * فإنهم عرفوا الله أولا وعرفوا صفاته ومن صفاته أوائل أفعاله ومن الأوائل الثواني وهكذا حتى علموا الكليات ومن الكليات الجزئيات ومن البسائط المركبات وعلموا حقيقة الإنسان وأحوال النفوس الإنسانية وما يزكيها وما يكملها ويسعدها ويصعدها إلى عالم القدس والربوبية ومنزل الأبرار والمقربين وما يدسها ويرديها ويشقيها يهويها إلى أسفل السافلين ومنزل الفجار والشياطين علما ثابتا غير قابل للتغير والشك ولا محتملا التطرق الريب والوهم، وهذه حال الأنبياء والأولياء وكل علم لم يحصل من هذا الطريق بل حصل من تقليد أو سماع أو أثر أو ظن، فليس بالنظر إليه علم بل ظن " والظن لا يغني من الحق شيئا ".

[ 161 ]

* الأصل: 17 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن، عن حماد، عن عبد الأعلى قال، سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: السمع والطاعة أبواب الخير، السامع المطيع لا حجة عليه والسامع العاصي لا حجة له، وإمام المسلمين تمت حجته، واحتجاجه يوم يلقى الله عز وجل، ثم قال: يقول الله تبارك وتعالى: * (يوم ندعو كل اناس بإمامهم) *. * الشرح: قوله: (السمع والطاعة) يعني أنهما معا جميع أبواب الخير لظهور أن الإمام لا يقول إلا خيرا ولا يأمر إلا به وأنه لا يترك ما هو خير لنا إلا وهو يقول ويأمر به. قوله: (السامع المطيع لا حجة عليه) لأن الحجة عليه هو اعتراض بأنك لم فعلت هذا وتركت ذاك ؟ ولم لم تسمع ولم تطع فإذا سمع وأطاع ووضع كل شئ في موضعه لم يرد عليه ذلك الاعتراض. قوله: (والسامع العاصي لا حجة له) لأن غاية اعتذاره في العصيان والمخالفة هي التمسك بعدم العلم والسماع ولا مجال له حينئذ. وربما يفهم منه أن العاصي الذي لم يسمع له حجة، ولا يبعد على تقدير تحققه اندراجه في أهل التأجيج. قوله (وإمام المسلمين) إذا تحقق اللقاء وسأل الله تعالى كل إمام عن رعيته وكل رعية عن إمامها اتم الإمام حجته عليهم وأكملها لديهم، وليس لهم هنا طريق مناظرة ولا قوة مناقشة عنادا وإنكارا كما كان لهم في دار التكليف ودار الامتحان وعند ذلك يدعو الله تعالى كل اناس بإمامهم.

[ 162 ]

باب في أن الأئمة شهداء الله عز وجل على خلقه * الأصل: 1 - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن يعقوب بن يزيد، عن زياد القندي، عن سماعة قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) في قوله الله عز وجل: * (فكيف إذا جئنا من كل امة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) * قال: نزلت في امة محمد (صلى الله عليه وآله) خاصة، في كل قرن منهم إمام منا شاهد عليهم ومحمد (صلى الله عليه وآله) شاهد علينا. * الشرح: قوله: (في كل قرن) في النهاية، القرن: أهل كل زمان وهو مقدار التوسط في أعمار أهل كل زمان مأخوذ من الاقتران فكأنه المقدار الذي يقترن فيه أهل ذلك الزمان في أعمارهم وأحوالهم، وقيل: القرن: أربعون سنة. وقيل: ثمانون. وقيل: هو مطلق من الزمان. قوله: (شاهد عليهم) يوم القيامة بما علم منهم من خير وشر كما أن عليهم شاهدا من الملائكة والأعضاء لقوله تعالى * (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون) *. قوله: (شاهد علينا) الظاهر أن المراد بضمير المتكلم الأئمة (عليهم السلام) واحتمال إرادة جميع الأمة بعيد، وتحقق هذه الشهادة أن النفس القادسة النبوية مع كونها متعلقة بالبدن كانت مطلعه على الامور الغائبة فكيف إذا فارقة، فإنها إذن تكون مطلعة على جميع أفعال الامم من خير أو شر قطعا، وأما فائدتها فلأن الناس إذا علموا أن عليهم شهيدا ورقيبا وكتابا لما يفعلون كان ذلك أدعى لهم إلى الطاعة والقربات وأمنع لهم عن المعصية والشهوات لاحترازهم عن الافتضاح في محفل القيامة على رؤوس الأشهاد. * الأصل: 2 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن أحمد ابن عائذ، عن عمر بن اذينة، عن بريد العجلي قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل * (وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس) * قال: نحن الامة الوسطى ونحن شهداء الله على خلقه وحججه في أرضه، قلت: قول الله عز وجل: * (ملة أبيكم إبراهيم) * قال: إيانا عنى خاصة، * (هو سماكم المسلمين من قبل) * في الكتب التي مضت " وفي هذا " القرآن، * (ليكون الرسول عليكم شهيدا) * فرسول الله (صلى الله عليه وآله) الشهيد علينا بما بلغنا عن الله عز وجل ونحن الشهداء على الناس

[ 163 ]

فمن صدق صدقناه يوم القيامة، ومن كذب كذبناه يوم القيامة. * الشرح: قوله: (امة وسطا) أي أشرف الامم وأفضلهم وخيارهم وأعدلهم، قال في المغرب: الوسط بالتحريك: اسم لعين مابين طرفي الشئ كمركز الدائرة وبالسكون اسم مبهم لداخل الدائرة مثلا ولذا كان ظرفا فالأول يجعل مبتدءا وفاعلا ومفعولا به وداخلا عليه حرف الجر، ولا يصح شئ من هذا في الثاني تقول: وسطه خير من طرفه واتسع وسطه وضربت وسطه وجلست في وسط الدار، وجلست في وسطها بالسكون لا غير، ويوصف بالأول مستويا فيه المذكر والمؤنث والاثنان والجمع قال الله تعالى: * (كذلك وجعلناكم امة وسطا) * وقد بنى منه اسم التفضيل فيقال للمذكر الأوسط وللمؤنث الوسطى. قوله: (ونحن شهداء الله على خلقه وحججه في أرضه) لأنا نشهد لله على جميع الخلق بما دانوا وما فعلوا وبتبليغ الرسل قال صاحب الطرائف: روى الحافظ محمد بن مؤمن الشيرازي وهو من علماء المذاهب الأربعة بإسناده عن قتادة عن الحسن عن ابن عباس " أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وأولاده هم الشهداء عند ربهم " قال ابن عباس: " هم شهداء الرسل على أنهم قد بلغوا الرسالة ولهم أجرهم ". قوله: (ملة أبيكم إبراهيم) قال المفسرون: هي بالنصب على المصدر لفعل دل عليه مضمون ما قبلها وهو قوله تعالى * (وما جعل عليكم في الدين من حرج) * أي وسع دينكم توسعة ملة أبيكم، أو على الإعزاء والاختصاص. قوله: (إيانا عنى خاصة) أي إيانا عني بهذا الخطاب خاصة لا جميع الامة كما زعم باعتبار أن إبراهيم كان أبا لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو أب لامته من حيث أنه سبب لحياتم الأبدية فإبراهيم أب لامته أو باعتبار التغليب لأن أكثر العرب كانوا من ذريته فغلبوا على غيرهم، ولا يخفى بعد هذا وقرب ما ذكره (عليه السلام). قوله: (هو سماكم المسلمين) من قبل القرآن في الكتب التي مضت وفي هذا القرآن عطف على قوله من قبل والضمير لله تعالى كما صرح به المفسرون وقالوا يدل عليه أنه قرأ * (الله سماكم) * وعوده إلى ابراهيم يدفعه قوله: وفي هذا القرآن لأنه لم يسمهم مسلمين فيه. قوله: * (ليكون الرسول عليكم شهيدا وتكونوا شهداء على الناس) * والمقصود هنا هو الإشارة الى مضمون الآية ولذا لم يذكر تمامها إحالة إلى فهم المخاطب، واللام في قوله * (ويكون) * متعلق بسماكم أي سماكم المسلمين ليكون الرسول يوم القيامة أو في هذه الدار أيضا شهيدا عليكم

[ 164 ]

وتكونوا شهداء على الناس كذلك. قوله: (بما بلغنا) أي بما بلغنا رسول الله عنه جل شأنه أو بما بلغنا الأئمة بتوسطه عن الله جل شأنه والأول أظهر، وفيه دلالة على قبول شهادته لنفسه اعتمادا على عصمته كما صرح به القاضي. والثاني أنسب. قوله: (ونحن الشهداء على الناس) بتبليغ الرسل إليهم أو بالطاعة والعصيان أو بالتصديق والتكذيب. قوله: (فمن صدق صدقناه) أي فمن صدقنا في الإمامة والعقائد وفي كل ما نقول صدقناه يوم القيامة فيما يدعيه من العقائد الكاملة والأعمال الصالحة وغيرها من الأمور النافعة الواقعة، أو من صدق الرسول صدقناه والتعميم أولى. قوله: (ومن كذب يوم القيامة كذبناه) هكذا في النسخ التي رأيناها إلا في واحدة إذ فيها " ومن كذب كذبناه يوم القيامة " وهذا أوفق بالسابق وأظهر في المعنى. والظرف على النسخ المشهورة متعلق بالفعل المتأخر. * الأصل: 3 - وبهذا الاسناد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي، عن أحمد بن عمر الحلال قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قوله الله عز وجل: * (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه) * فقال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: الشاهد على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورسول الله (صلى الله عليه وآله) على بينة من ربه. * الشرح: قوله: (الشاهد على رسول الله) بالتبليغ وأداء حق الرسالة. قوله: (على بينة من ربه) دالة على حقيقة نبوته وصدق رسالته وهي الآيات والمجزات. * الأصل: 4 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد بن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن بريد العجلي قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): قول الله تبارك وتعالى: * (وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ليكون الرسول عليكم شهيدا) * قال: نحن الامة الوسط ونحن شهداء الله تبارك وتعالى على خلقه وحججه في أرضه، قلت: قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفحلون وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم) * قال: إيانا عنى ونحن المجتبون ولم يجعل الله تبارك وتعالى في الدين من ضيق فالحرج أشد من الضيق * (ملة أبيكم إبراهيم) * إيانا عنى خاصة و * (سماكم المسلمين) * الله سمانا المسلمين * (من قبل) * في الكتب

[ 165 ]

التي مضت * (وفي هذا) * القرآن * (ليكون الرسول عليكم شهيدا) * على الناس فرسول الله (صلى الله عليه وآله) الشهيد علينا بما بلغنا عن الله تبارك وتعالى ونحن الشهداء على الناس، فمن صدق يوم القيامة صدقناه ومن كذب كذبناه. * الشرح: قوله: (امة وسطا) قال الجوهري: الوسط من كل شئ: أعدله وقال تعالى * (كذلك وجعلناكم امة وسطا) * أي عدلا، وقال ابن الأثير: كل خصلة محمودة فلها طرفان مذمومان فإن السخاء وسط بين البخل والتبذير، والشجاعة وسط بين الجبن والتهور، والإنسان مأمور أن يتجنب كل وصف مذموم وتجنبه بالتعري منه والبعد عنه فكل ما ازداد منه بعدا ازداد منه تقربا وأبعد الجهات والمقادير والمعاني من كل طرفين وسطهما وهو غاية البعد عنهما فإذا كان في الوسط فقد بعد عن الأطراف المذمومة بقدر الإمكان. ومما ذكره يظهر وجه تسميتهم وسطا ويظهر سر المثل المشهور " خير الامور أوساطها ". قوله: (نحن الامة الوسط) في بعض النسخ الوسطى، وكلاهما جائز كما مر. قوله: (اركعوا واسجدوا) أي صلوا من باب تسمية الكل باسم أشرف أجزائه، وقال القاضي: أمرهم بهما لأنهم كانوا يفعلونهما أول الإسلام وهو عندنا لم يثبت. قوله: (واعبدوا ربكم) بسائر ما تعبدكم به أو اخضعوا وتذللوا له لأن أصل العبودية الخضوع والذل. قوله: (وافعلوا الخير) كله مثل فعل المندوب وإغاثة الملهوف والأمر بالمعروف وتكميل الأخلاق إلى غير ذلك. قوله: (لعلكم تفحلون) غاية للأوامر المذكورة أي افعلوا هذه الامور حال كونكم راجين للفلاح، غير متيقنين به ولا واثقين على العمل. قوله: (وجاهدوا في الله) أي جاهدوا في سبيل الله أو لله خالصا الأعداء الظاهرة والباطنة مثل الكفار والنفس. قوله: (حق جهاده) قال القاضي: أي جهادا فيه حقا خالصا لوجهه فعكس، واضيف الحق إلى الجهاد مبالغة، وأضيف الجهاد إلى الضمير اتساعا أو لأنه مختص بالله من حيث أنه مفعول لوجه الله ومن أجله. قوله: (هو اجتباكم) أي اختاركم لدينه واصطفاكم لنصرته. قوله: (إيانا عنى) أي إيانا أراد بهذا الخطاب والحصر باعتبار أن الإرادة تعلقت بهم أولا وبالذات وإن تعلقت بغيرهم ثانيا وبالعرض.

[ 166 ]

قوله: (ولم يجعل الله تعالى في الدين من ضيق فالحرج أشد من الضيق) الضيق بفتح الضاد وشد الياء، وقد تخفف، ولعل هذا تفسير لقوله تعالى * (وما جعل عليكم في الدين من حرج) * وبيان أن المراد بالحرج هنا الضيق، وإذا انتفى الضيق في الدين انتفى الحرج بطريق أولى لأنه أشد من الضيق كما يشعر به قوله تعالى * (يجعل صدره ضيقا حرجا) * إذ الصدر الحرج هو الذي لا يقبل شيئا من الحق ولا يسع له لانتفاء ما هو محل له بخلاف الصدر الضيق إذ قد يقبل له قبولا ضعيفا لبقاء محل ما منه للحق ولعل الغرض من هذا التفسير هو الإشعار بأن اجتباء الإمام للناس سبب لانتفاء الحرج عنهم إذ لهم حينئذ إمام هاد يرجعون إليه في محل المشكلات وتوضيح المعضلات والله أعلم. قوله: (ليكون الرسول عليكم شهيدا) المقصود هو الإشارة إلى مضمون الآية كما مر وإلا فالآية: * (ليكون الرسول شهيدا عليكم) * (1). * الأصل: 5 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن سليم بن قيس الهلالي، عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه قال: إن الله تبارك وتعالى طهرنا وعصمنا وجعلنا شهداء على خلقه وحجته في أرضه وجعلنا مع القرآن وجعل القرآن معنا لا نفارقه ولا يفارقنا. * الشرح: قوله: (إن الله طهرنا وعصمنا) أي طهرنا عن الأدناس وعصمنا من الأرجاس كما قال جل شأنه: * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * لاتفاق الأمة إلا من شذ على أنها نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم الصلاة والسلام، والروايات الدالة على ذلك من طرق العامة والخاصة متظافرة بل متواترة وسنبين ذلك كما ينبغي في موضعه إن شاء الله تعالى. قوله: (وجعلنا شهداء على خلقه وحجته في أرضه) كما قال جل شأنه * (لتكونوا شهداء على الناس) * وقال: * (لئلا يكون للناس على الله حجة) *. قوله: (وجعلنا مع القرآن) كما قال (صلى الله عليه وآله) " إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي وهما لا يفترقان حتى يردا علي الخوض " وقال أيضا " إني تارك فيكم أمرين إن أخذتم بهما لن تضلوا، كتاب الله وأهل بيتي عترتي أيها الناس قد بلغت إنكم ستردون علي الحوض، فأسألكم عما فعلتم في الثقلين والثقلان كتاب الله وأهل بيتي فلا تسبقوهم ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم " وسيجئ أيضا تحقيق ذلك في موضعه.


1 - كذا في سورة الحج: 78، وفي سورة البقرة: 143 (ويكون الرسول عليكم شهيدا). (*)

[ 167 ]

باب ان الأئمة عليهم السلام هم الهداة * الأصل: 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد وفضالة بن أيوب، عن موسى بن بكر، عن الفضيل قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قوله الله عز وجل * (ولكل قوم هاد) * فقال: كل إمام هاد للقرن الذي هو فيهم. * الشرح: قوله: (كل إمام هاد للقرن الذي هو فيهم) القرن: أهل كل زمان وإمامهم معاهد لأذهانهم في قبول أنوار الله ومرشد لنفوسهم إلى سلوك سبيل الله ومنه الهداية إلى القوانين الشرعية والدراية للنواميس الكلية والجزئية وبإعداده يفاض على النفوس هداها، وبإعطائه ينكشف عن العقول عماها. * الأصل: 2 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد بن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن بريد العجلي، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله عز وجل: * (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) * فقال: رسول الله (صلى الله عليه وآله) المنذر، ولكل زمان منا هاد يهديهم إلى ما جاء به نبي الله (صلى الله عليه وآله)، ثم الهداة من بعده علي ثم الأوصياء واحد بعد واحد. * الشرح: قوله: (ولكل زمان منا هاد) هذا التفسير واضح لا غبار فيه، قال بعض المفسرين. لما قال الذين كفروا لولا انزل عليه آية مثل ما انزل على موسى وعيسى قال الله تعالى ردا عليهم خطابا لنبيه * (إنما أنت منذر) * وما عليك إلا الإتيان بما يثبت به نبوتك من المعجزات لا بما يقترح عليك * (ولكل قوم هاد) * أي نبي مخصوص بمعجزاته، أو قادر على هدايتهم وهو الله تعالى، لكن لا يهدي إلا من يشاء هدايته ولا يخفى بعده. * الأصل: 3 - الحسين بن محمد الأشعري، عن معلى بن محمد، عن محمد بن جمهور، عن محمد بن إسماعيل، عن سعدان، عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): * (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) * فقال: رسول الله (صلى الله عليه وآله) المنذر، وعلي الهادي، يا أبا محمد هل من هاد اليوم ؟ قلت: بلى جعلت فداك

[ 168 ]

ما زال منكم هاد بعد هاد حتى دفعت إليك، فقال: رحمك الله يا أبا محمد لو كانت إذا نزلت آية على رجل ثم مات ذلك الرجل ماتت الآية، مات الكتاب، ولكنه حي يجري فيمن بقي كما جرى فيمن مضى. * الشرح: قوله: (حتى دفعت) أي الهداية. قوله: (لو كانت إذا نزلت آية) " إذا " مع شرطه وجزاه وهو " ماتت الآية " وقع اسما وخبرا لكانت، ثم وقع المجموع شرطا للووجزاه " مات الكتاب " ولعله أراد بالآية النازلة على وصف علي (عليه السلام) بأنه الهادي للناس بعد الرسول إلى القوانين الشرعية والأسرار القرآنية وأثبت بقاءها في كل عصر إلى قيام الساعة بقياس استثنائي محصله لو ماتت تلك الآية النازلة على علي (عليه السلام) بعد موته بأن لا يكون بعده هاد ولا يكون لها بعده مصداق مات الكتاب وتعطل لعدم من يهدي الناس إلى أحكامه وأسراره، ولكن التالي باطل لأن الكتاب حي يجري أمره ونهيه وسائر أسراره في اللاحقين إلى قيام الساعة كما جرى في الماضين، فالمقدم وهو موت تلك الآية أيضا باطل فثبت وجودها ووجود مضمونها بعده (عليه السلام) في كل عصر وكل زمان إلى قيام الساعة. * الأصل: 4 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن منصور، عن عبد الرحيم القصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله تبارك وتعالى: * (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) * فقال: رسول الله (صلى الله عليه وآله) المنذر وعلي الهادي، أما والله ما ذهبت منا وما زالت فينا إلى الساعة. * الشرح: قوله: (ما ذهبت) أي الهداية أو هذه الآية. قوله: (وما زالت فينا) يعني ثبوت منصب الهداية أو تلك الآية فينا مستمرة إلى ساعة القيامة لأن علة احتياج الناس إلى الهادي بعد الرسول مستمرة إلى قيام الساعة.

[ 169 ]

باب ان الأئمة عليهم السلام ولاة امر الله وخزنة علمه * الأصل: 1 - محمد بن يحيى العطار، عن أحمد بن أبي زاهر، عن الحسن بن موسى، عن علي بن حسان، عن عبد الرحمن بن كثير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: نحن ولاة أمر الله وخزنة علم الله وعيبة وحي الله. * الشرح: قوله: (وعيبة وحي الله) (1) قال الجوهري: العيبة ما يجعل فيه الثياب والجمع عيب مثل بدرة


1 - قوله: " وعيبة وحي الله " هذا الحديث آخر ما وفق لشرحه صدر المتألهين الشيرازي (قدس سره) من أصول الكافي وقد أبدع في هذا الشرح وبين أن ما ورد في كلام الأئمة (عليهم السلام) من التوحيد ومسائل الأصول مباحث برهانية لا أدلة خطابية إقناعية للعوام كما يختلج في أذهان كثير من الناس. ونعم ما فعل لأن الطباع تجعل البرهان والعقل فوق الخطابة ويتوهم كون الأدلة المنقولة خطابية تضعف تقدير العقلاء لمقدار الأحاديث وتجعلها دون تحقيقات الأوائل ويظن أن خدمة الفلاسفة الإلهيين لمعرفة الله تعالى فوق جهد الأنبياء باستحكام الأدلة ووثاقة البراهين ولكن صدر المتألهين لجمعه بين الطريقين وتدبره وتعمقه في العقليات وتمهره وبصيرته في النقليات تبين له أن هذا وهم باطل وأن ما في الروايات والأحاديث أيضا برهانيات وإن خلت عن الاصطلاحات الغريبة والألفاظ الوحشية البعيدة عن متداول أذهان الأكثرين وهذا فضل ورجحان لها على كلام الفلاسفة لتقريبها الى عقول الناس فإن الأنبياء والائمة يكلمون الناس على قدر عقولهم وللصدر فضل على من جاء بعده من الشراح فكل ما أتوا به مأخوذ منه أما لفظا ومعنى وأما معنى فقط وأما اقتباسا وتنبها من مطالعة ما شرحه لما يقرب منها ولم يتفق لأحد منهم بعد هذا الحديث الذي انتهى إليه شرح تحقيقي نظير ما سبق منهم في شرح الأحاديث السابقة اللهم إلا ذكر وقائع تاريخية أو تفاسير لفظية أو نقل شئ بالمناسبة، وإن اتفق لبعضهم كصاحب الوافي فهو أيضا مأخوذ منه في موضع آخر لإحاطته بكتب صدر المتألهين وضبط مطالبه أكثر من غيره، وقد نقل عنه المجلسي (رحمه الله) في مرآة العقول والبحار كثيرا بعنوان بعض المحققين وبعض الأفاضل وربما نقل ولم ينسبه إليه لتغييره بعض ألفاظه كما سبق أنموذج منه ونقل عنه الشارح في هذا الكتاب كثيرا معتمدا، وحكى قوله الشيخ الأنصاري (قدس سره) في النية في كتاب الطهارة بعنوان المحقق صدر الدين الشيرازي، وقال السيد في علم الرجال = (*)

[ 170 ]

وبدر. وقال ابن الأثير: عيبة الرجل خاصته وموضع سره والعرب تكني عن القلوب والصدور بالعياب لأنها مستودع السرائر كما أن العياب مستودع الثياب. * الأصل: 2 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن علي بن أسباط، عن أبيه أسباط، عن سورة بن كليب قال: قال لي أبو جعفر (عليه السلام): والله إنا لخزان الله في سمائه وأرضه. لا على ذهب ولا على فضة إلا على علمه. * الشرح: قوله: (إنا لخزان الله في سمائه وأرضه) أي فيما بين أهل سمائه وأهل أرضه، وإضافة الخزان إلى الله تعالى باعتبار أنهم منصوبون بأمره وقوله (إلا على علمه) بفتح الهمزة وتخفيف اللام على الظاهر وبكسر الهمزة وشد اللام على احتمال. * الأصل: 3 - علي بن موسى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، ومحمد بن خالد البرقي، عن


= المنظوم: ثم ابن ابراهيم صدرا الأجل * في سفر الحج مريضا ارتحل قدوة أهل العلم والصفاء * يروي عن الداماد والبهائي وأخذوا عليه مآخذ لا تقدح في فضله وعدالته وصفائه منها نقله كثيرا عن الشيخ ابن عربي مع كونه سنيا متعصبا وليس هذا قادحا لأن جميع العلماء حتى صاحب البحار نقلوا عن علماء العامة معتمدا كابن الأثير في جامع الأصول والنهاية وقد ذكر صاحب مجالس المؤمنين إن ابن عربي كان شيعيا فكان تشيعه قابلا للشبهة والاختلاف في تشيع بعض الرجال والاشتباه فيه غير عزيز وقد ذهب بعض العلماء الى أن صاحب دعائم الإسلام إمامي اثنا عشري. ومما نقموا عليه سهوه في قراءة بعض كلمات الأحاديث ومنها نقل أقوال جماعة من غير أن ينسبها إليهم ومنها استعمال اصطلاحات خاصة يذهب منه ذهن غير أهل الاصطلاح الى أمور يخالف ظاهر الشريعة بحيث يحتاج الى التأويل نظير قول هشام بن الحكم بأن الله جسم ولو كان مثل هذه الأمور قدحا لم يسلم منه أحد ورأيت رجلا ينكر على العلامة الحلي قوله باستحالة إعادة المعدوم لأنه يوجب نفي المعاد في ظنه وكيف يمكن التعبير بعبارة لا يذهب ذهن أحد منها الى غير مراد المتكلم ولم يخل عنه الكتاب الكريم حيث ذهب جماعة الى الجبر والإحباط من آيات كثيرة. (ش) (*)

[ 171 ]

النضر بن سويد رفعه، عن سدير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: جعلت فداك ما أنتم ؟ قال: نحن خزان علم الله ونحن تراجمة وحي الله ونحن الحجة البالغة على من دون السماء ومن فوق الأرض. * الشرح: قوله: (ما أنتم) سأل عن خواصهم التي بها يمتازو ن عن سائر المخلوقات لا عن ذواتهم لأن حقيقة ذواتهم لا يبلغ إليها عقول البشر. قوله: (ونحن تراجمة وحي الله) لأنهم يفسرون نطق الحق ولسان القرآن بلسان الإنسان يقال: قد ترجم كلامه إذا فسره بلسان آخر ومنه الترجمان والجمع التراجم ولك أن تضم التاء بضم الجيم. * الأصل: 4 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن النضر بن شعيب، عن محمد بن الفضيل عن أبي حمزة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال الله تبارك وتعالى: استكمال حجتي على الأشقياء من امتك من ترك ولاية علي والأوصياء من بعدك، فإن فيهم سنتك وسنة الأنبياء من قبلك وهم خزاني على علمي من بعدك، ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لقد أنبأني جبرئيل (عليه السلام) بأسمائهم وأسماء آبائهم. * الشرح: قوله: (قال الله تعالى: استكمال حجتي) يعني استكمال حجتي الذي يوجب الخلود في النار ينشأ من ترك ولاية علي والأوصياء من بعدك. والولاية بالكسر: السلطان، من ولي فلانا إذا ملك أمره وبالكسر والفتح أيضا: النصرة والمحبة. وقال سيبويه: الولاية بالفتح المصدر وبالكسر الاسم مثل الإمارة والنقابة لأنه اسم لما توليته وقمت به فإذا أرادوا المصدر فتحوا. قوله: (فإن فيهم سنتك) تعليل لما ذكر، وتقديم الظرف للحصر والمراد بالسنة علوم جميع الأنبياء وشرائعهم ويحتمل اصول العقائد والأخلاق التي هي طريقة مستمرة إلى القيامة، وبالجملة هذه السنة سبب لنجاة الخلائق وهي منحصرة فيهم فمن ترك ولايتهم وتخلف عن طريقتهم عظمت عليه الحجة واستحق النار. * الأصل: 5 - أحمد بن إدريس، عن محمد بن عبد الجبار، عن محمد بن خالد، عن فضالة ابن أيوب عن عبد الله بن أبي يعفور قال: قال: أبو عبد الله (عليه السلام): يا ابن ابي يعفور ! إن الله واحد متوحد بالوحدانية، متفرد بأمره، فخلق خلقا فقدرهم لذلك الأمر. ونحن هم يا ابن أبي يعفور فنحن حجج الله في

[ 172 ]

عباده وخزانه على علمه والقائمون بذلك. * الشرح: قوله: (واحد) قال في النهاية: الواحد: هو الفرد الذي لم يزل وحده ولم يكن معه آخر. قال الأزهري: الفرق بين الواحد أن الأحد: بني لنفي ما يذكر معه من العدد تقول ما جاءني أحد. والواحد: اسم بني لمفتتح العدد تقول: جاءني واحد من الناس ولا تقول جاءني أحد. فالواحد متفرد بالذات في عدم المثل والنظير والأحد متفرد بالمعنى، وقيل: الواحد هو الذي لا يتجزى ولا يثنى ولا يقبل الانقسام ولا نظير له ولا مثل ولا يجمع هذه الوصفين إلا الله تعالى. قوله: " متوحد بالوحدانية " أي متفرد بها، والوحداني المفارق للجماعة المتفرد بنفسه وهو المنسوب إلى الوحدة أي الإنفراد بزيادة الألف والنون للمبالغة. قوله: (متفرد بأمره) لعل المراد بالأمر: الأمر الشرعي والله سبحانه متفرد بتعيينه كما وكيفا وتقديره حدا ووصفا لا يشاركه أحد في التعيين (1) والتقدير والتحديد إلا أنه خلق خلقا لتوضيح


1 - قوله: " لا يشاركه أحد في التعيين " حمل الأمر على التشريعي إذ لم يفوض أمره الى الناس حتى يستنبطوه بعقولهم كما مر بخلاف سائر ما يتعلق بمعاشهم وحوائجهم في حياتهم وقد قسموا العلوم إلى ثلاثة أقسام: التعليميات وهي العلوم الرياضية كالحساب والهندسة وما يتفرع عليهما الثاني الطبيعيات كالطب وتربية المواشي وخواص الأشياء الثالثة التشريعيات. ولم يختلفوا في مسائل القسم الأول والثاني غالبا لأن في الإنسان قوة منحة الله تعالى إياها يقتدر بها على تميز الحق من الباطل في التعليميات والطبيعيات ومن عثر من عقلاء أفراد البشر على شئ من تلك العلوم قدر على تفهيم غيره بحيث يقبل منه من غير تبطوء وتتعتع وتوافقوا غالبا فيها ولم يختلفوا واشترك فيها الموحد والمشرك والمسلم وغير المسلم والاشتراكي والملحد والمتدين بخلاف القسم الثالث أعني التشريعات فاختلفوا فيها جدا بحيث لا يرجى اتفاقهم على شئ منها البتة إذا لم يعطهم الله قوة يميزون بها بين الحق والباطل فيها يقينا ولم يزالوا في شك وترديد في ما هو أحسن القوانين وأكمل الشرائع وأنفع أنحاء الأحكام والسياسات وأعدل أقسام الحكومة مع اعترافهم جميعا بأن الحق فيها واحد ليس جميع ما يراه القبائل والأمم صحيحا ويجتهدون في إصابة الحق ولم يجدوه والاختلاف باق في قوانين الإرث وحدود المعاملات وأحكام الأملاك وشرائع النكاح والطلاق والسياسات ووظائف الحكومة وأنها محدودة بشئ أو مطلقة أو يجب الاقتصار في تصرفها على قدر الضرورة، والأصل استقلال الأفراد وأمثال ذلك وهذا يدل على أن الأمر في التشريعيات ليس مفوضا من الله تعالى الى العباد ولو كان مفوضا إليهم لاعطاهم قوة يميزون بها بين = (*)

[ 173 ]

ذلك الأمر وبيانه للعباد وتبليغه إليهم ليهتدوا إلى مقاصدهم ويرشدوا إلى مراشدهم. * الأصل: 6 - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن موسى بن القاسم بن معاوية، ومحمد بن يحيى: عن العمركي بن علي جميعا، عن علي بن جعفر، عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إن الله عز وجل خلقنا فأحسن خلقنا، وصورنا فأحسن صورنا وجعلنا خزانه في سمائه وأرضه، ولنا نطقت الشجرة، وبعبادتنا عبد الله عز وجل، ولولانا ما عبد الله. * الشرح: قوله: (إن الله تعالى خلقنا) أي خلقنا من نوره فأحسن خلقنا وخلقنا وصورنا فأحسن صورنا الظاهرة والباطنة وجعلنا خزان علمه ورحمته فيما بين أهل سمائه وأرضه، ولنا نطقت الشجرة انقيادا لنفوسنا القادسة. وهو مستفيض مشهور من كراماتهم، والنطق وإن كان في عرف العقلاء مخصوصا لمن يعقل لكن لا يبعد عن القدرة القاهرة الالهية أن يوجد الحياة والنطق في الجمادات فضلا عن النباتات عند توجه النفوس القدسية وإرادتها ذلك ولا يشترط البنية المخصوصة في قبول الحياة والنطق فلذلك جاز أن يخلق الله تعالى في الشجرة علما وحياة ونطقا وسمعا قبلت بها خطابهم (عليه السلام) إثباتا لحجيتهم وبيانا لعلو مرتبتهم، ولعل تأنيث نطقت باعتبار أن الشجر يطلق على الجماعة، وبعبادتنا لله تعالى عبد الله تعالى حتى لو لم يتحقق عبادتنا لم يتحقق العبادة لله تعالى، أو بعبادة الخلق ومتابعتهم لنا عبد الله تعالى ولولا نحن ما عبد الله تعالى لعدم اهتداء الخلق إلى طريق عبادته وكيفيتها.


= الباطل والحق صريحا ولا يختلفون كما لم يختلفوا في قضايا الهندسة ولهذا الفرق بين التشريعيات وغيرها بعث الله النبيين وأعطاهم الكتاب والشرائع للأحكام ولم يبعث نبيا لبث الطب والهندسة وهذه آية بينة على تفويض هاتين دون تلك إذ المعلوم من استقراء الموجودات جميعا ثبوت عنايته تعالى بكل خلق خلقه فما من نبات ولا حيوان إلا منحها الله تعالى من الآلات والقوى ما يستقيم به أمر معاشها ومالها إليه حاجة ولم يحرمها إلا مما لا حاجة لها إليه ولم يترك شيئا سدى، فإن حرم الحيوان من تدبير الإنسان وحنكته وآلاته واستعداده فليس ذلك إلا لعدم حاجته الى نسج ثوب وخياطة ملبوس وطحن طعام وأمثال ذلك وكذلك حرم الإنسان من قوة يجزم بها في التشريعيات لأنه يستغني بتشريع الله تعالى وإرسال أنبيائه عن التشريع بعقله ولا حاجة له إلى التفكر في تحقيق الحق فيها إلا ظنا وتخمينا. (ش) (*)

[ 174 ]

باب أن الأئمة عليهم السلام خلفاء الله عز وجل في أرضه وأبوابه التي منها يؤتى * الأصل: 1 - الحسين بن محمد الأشعري، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد، عن أبي مسعود، عن الجعفري قال: سمعت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) يقول: الأئمة خلفاء الله عز وجل في أرضه. * الشرح: قوله: (عن أبي مسعود عن الجعفري) أبو مسعود كأنه الطائي المجهول والجعفري كأنه القاسم بن إسحاق بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب المدني الهاشمي أو ابنه داود أبو هاشم الجعفري. قوله: (الأئمة خلفاء الله في أرضه) الخليفة السلطان الأعظم (1) والخليفة أيضا من يقوم مقام الرجل ويسد مسده والهاء فيه للمبالغة وجمعه على اللفظ وأصله خلائف كظريفة وظرائف وكريمة وكرائم، وقالوا أيضا: خلفاء على معنى التذكير لا على اللفظ من أجل أنه لا يقع إلا على مذكر وفيه الهاء فجمعوه على إسقاط الهاء فصار مثل ظريف وظرفاء وكريم وكرماء لأن فعيلة بالهاء لا تجمع على فعلاء، وكونهم خلفاء الله من أجل أنهم يحفظون عباده عن المهالك ويبينون لهم ما أراده منهم ويفسرون لهم أسرار التوحيد وبالجملة واسطة بينه وبين خلقه في جميع الامور.


1 - قوله: " الخليفة السلطان الأعظم " الخليفة: من يقوم مقام الرجل وأطلق على السلطان الأعظم باعتبار أن السلطان يقوم مقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) في إجراء أحكام الله تعالى وإقامة حدوده والأصل الذي يبتني إثبات الإمامة في مذهبنا هو احتياج الناس في أمر دينهم إلى رئيس معصوم من العصيان والخطأ، عالم بما أراده الله من خلقه، يجري فيهم أحكامه تعالى وينفذ شرع الإسلام ويعاقب المتخلف. بالجملة جميع وظائف الحكومة على طبق أحكام الإسلام وليست رئاسته رئاسة روحانية فقط ولا جسمانية فقط بل جامعة بينهما ولما غصب منهم (عليهم السلام) حقهم لم يتمكنوا إلا من نشر العلم وبيان أسرار التوحيد وتعليم المعارف والشرائع وكانت الحكومة والقدرة والأمر والنهي بيد غيرهم والروايات الثلاثة أثبتت لهم الرئاستين والرواية الثانية منها خاصة بالأمور الروحانية والثالثة بالرئاسة الجسمانية. (ش) (*)

[ 175 ]

* الأصل: 2 - عنه، عن معلى، عن محمد بن جمهور، عن سليمان بن سماعة، عن عبد الله بن القاسم، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): الأوصياء هم أبواب الله عز وجل التي يؤتى منها ولولاهم ما عرف الله عز وجل وبهم احتج الله تبارك وتعالى على خلقه. * الشرح: قوله: (الأوصياء هم أبواب الله تعالى) أي أبواب جنته أو أبواب علمه كما قال (صلى الله عليه وآله) " أنا مدينة العلم وعلي بابها، والبيوت إنما تؤتى من أبوابها " ومراده أن من طلب العلم والحكمة وأسرار الشريعة والتقرب إلى الله فليرجع إلى الأوصياء وليأت البيوت من أبوابها وليتق الله فان من أتاه من غير بابها سمي سارقا. قوله: (ولولاهم ما عرف الله) لأن عظمته أرفع من أن يصل إليه كل طالب ورفعته أجل من أن ينظر إليه كل شاهد وغائب، وصراطه أدق من أن يتطرق إليه قدم الأوهام وشرعه أشرف من أن يقبل مخترعات الأفهام، فلولا هداية الأوصياء وإرشاد الأولياء لبقوا متحيرين في تيه الجهالة وراقدين في مرقد الضلالة كما ترى من أعرض عن التوسل بهدايتهم والتمسك بذيل عصمتهم فإن بعضهم يقول بالتجسيم وبعضهم يقول بالتصوير وبعضهم يقول بالتحديد وبعضهم يقول بالتخطيط وبعضهم يقول إنه محل للصفات وبعضهم يقول بأنه قابل للحركة والانتقال إلى غير ذلك من المذاهب الباطلة وبالله العصمة والتوفيق. * الأصل: 3 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قوله الله جل جلاله: * (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم) * قال: هم الأئمة. * الشرح: قوله: (قال هم الأئمة) (1) قال صاحب الطرائف روى حافظ محمد بن مؤمن الشيرازي وهو من


1 - قوله: " هم الأئمة " الظاهر المتبادر * (من الذين آمنوا وعملوا الصالحات) * جميع الأمة وهو أحد وجوه التفسير. نقله في مجمع البيان وغيره ومعناه أن الله تعالى يجعل أمة محمد (صلى الله عليه وآله) غالبة على جميع وملتهم على جميع الملل بحيث يكون الأرض وأهلها تحت حكومتهم وقدرتهم وسياستهم كما استخلف الأمم السابقين، وأوفى بما وعده لأن المسلمين ظهروا على غيرهم وفاقوا فكان السلطان قبل الإسلام لفارس والروم = (*)

[ 176 ]

أعاظم علماء الأربعة وثقاتهم في كتابه في تفسير قوله تعالى * (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة) * بإسناده عن علقمة عن ابن مسعود قال: وقعت الخلافة من الله تعالى في القرآن لثلاثة نفر لآدم لقول الله تعالى * (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض) * يعني خالق في الأرض " خليفة " يعني آدم (عليه السلام). والخليفة الثاني: داود (عليه السلام) لقوله تعالى * (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض) * يعني في بيت المقدس. والخليفة الثالث: علي بن أبي طالب (عليه السلام) لقوله تعالى في السورة التي يذكر فيها النور * (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم) * يعني علي بن أبي طالب (عليه السلام) * (ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم) * آدم وداود * (وليمكنن لهم دينهم) * يعني الإسلام * (الذي ارتضى لهم) * أي رضيه لهم * (وليبدلنهم من بعد خوفهم) * يعني من أهل مكة * (أمنا) * يعني في المدينة * (يعبدونني) * يوحدونني * (ولا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك) * بولاية علي بن أبي طالب * (فأولئك هم الفاسقون) * يعني العاصين لله تعالى ولرسوله (صلى الله عليه وآله).


= وقبلهم للبابليين والمصريين وغيرهم فلما ظهر الإسلام والمسلمين وفتحوا البلاد صار الأمر إليهم وكانوا أرباب الأرض ومالكي البلاد يحكمون فيها بما شاء الله ولكن جماعة من مفسري العامة خصوها بجماعة معدودة من متصدي الإمارة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو بعيد من ظاهر اللفظ مثل أن يقول أحد أكلت كل رمانة في البستان وكان فيه ألوف ولم يأكل إلا ثلاثة، وكذلك هنا أن أريد من الذين آمنوا ثلاثة أو أربعة منهم خصوصا أن جعل دليلا على صحة خلافتهم وإن كان ولابد أن يحمل على رجال معدودين فلابد أن يعتبر في دلالة غلبتهم وظفرهم على ظفر الملة والأمة كما يقال: غلب اليونان أي غلب الإسكندر وظهور أمة محمد (صلى الله عليه وآله) وظفرهم بظهور علم أئمة الحق ودينهم ومعارفهم فإن الله تعالى لم يبشر نبيه والمؤمنين معه تسلية لهم بأن يستخلف يزيد بن معاوية وهارون الرشيد وغيرهما الذين يقتلون الأئمة من أولاده بل بشرهم بظهور دينهم وغلبة المؤمنين الصادقين المتقين ومظهرهم أئمة الحق ولا تدل الآية على صحة خلافة أهل الجور والظلم بل على غلبة الحق على الباطل ويلزمها تعظيم أئمة الحق ومروجي التوحيد وناشري الأحكام والدليل الواضح على ذلك قوله تعالى * (ليمكن لهم دينهم الذي أرتضى لهم) * ولم يكن لأمثال الخلفاء المذكورين دخل في تمكين الدين الذي يرتضي به الله بل رواج الدين كان بجهاد علي (عليه السلام) بسيفه ولسانه وجهاد الأئمة (عليهم السلام) بتعليمهم وجهادهم باللسان ولم يكن أكثر الخلفاء متظاهرين بالدين إلا تقية من الناس وكان مذهبهم اضطهاد كل من خالف حكومتهم ومنعهم من شهواتهم وقتل أولاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتشريدهم وطردهم، وكان النصارى في دولتهم أكرم وأقرب وأمكن من المؤمنين الصالحين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر كما يشهد بذلك التاريخ. (ش) (*)

[ 177 ]

باب أن الأئمة عليهم السلام نور الله عز وجل * الأصل: 1 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن علي بن مرداس قال: حدثنا صفوان بن يحيى والحسن بن محبوب عن أبي أيوب، عن أبي خالد الكابلي قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: * (فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا) * فقال: يا أبا خالد النور والله الأئمة من آل محمد (عليهم السلام) إلى يوم القيامة وهم والله نور الله الذي أنزل، وهم والله نور الله في السماوات وفي الأرض والله يا أبا خالد ! لنور الإمام في قلوب المؤمنين أنور من الشمس المضيئة بالنهار، وهم والله ينورون قلوب المؤمنين ويحجب الله عز وجل نورهم عمن يشاء فتظلم قلوبهم، والله يا أبا خالد ! لا يحبنا عبد يتولانا حتى يطهر الله قلبه ولا يطهر الله قلب عبد حتى يسلم لنا ويكون سلما لنا، فإذا كان سلما لنا سلمه الله من شديد الحساب وآمنه من فزع يوم القيامة الأكبر. * الشرح: قوله: (عن أبي خالد الكابلي) كأنه اثنان وكلاهما اسمه وردان: أحدهما أكبر والآخر أصغر ولقب الأكبر كنكر وهو من حواري علي بن الحسين (عليهم السلام). قوله: (النور والله الأئمة) إطلاق النور عليهم من باب الحقيقة لأنهم أنوار إلهيون مستورون بجلابيب الأبدان قد انعكست أشعة أنوارهم في قلوب المؤمنين من وراء الحجاب ولو رفع الحجاب وكشف الغطاء لتحير الخلائق بأنوارهم، ويحتمل أن يكون من باب الاستعارة باعتبار الاهتداء بهم إلى المقاصد الحقيقية في سلوك سبيل الله وكما أنهم أنوار في الدنيا بنورهم يهتدي الناس إلى سبيل الحق كذلك أنوار في الآخرة بنورهم يمضون على الصراط ويهتدون إلى سبيل الجنة. وليس إطلاق النور على الموجود الكامل بعيدا، وقد صرح القاضي وغيره في آية النور أن الملائكة والأنبياء يسمون أنوارا. قوله: (أنور من الشمس المضيئة) لأن عالم القلوب وظلمته أوسع وأشد من عالم الظاهر، وظلمته، والنسبة بينهما كالنسبة بين الباصرة والبصيرة، بل بين الدنيا والآخرة، فالنور الرافع لظلمة الأول أشد وأقوى من النور الرافع لظلمة الثاني. قوله: (ينورون قلوب المؤمنين) ليس هذا التنوير على نحو واحد بل مقول على الشدة والضعف بحسب تفاوت مرآة القلوب في الجلاء وأدنى مراتب الضعف ما يوجب زواله الدخول

[ 178 ]

في زمرة الشياطين، وأقوى مراتب الشدة ما يوجب كمال التشبه بالأئمة الطاهرين. قوله: (ويحجب الله) أي ويحجب الله تعالى نورهم عمن يشاء من عباده لإبطال استعداده الفطري وكماله الأصلي فتظلم قلوبهم وتعمى بصيرتهم فيتبعون نداء الشيطان ويسعون في هاوية الخذلان إلى أن يدخلوا جهنم وبئس المصير. قوله: (حتى يطهر الله قلبه) عن الأخباث والعقائد الفاسدة والظاهر أن التطهير والتسليم والسلم من توابع المحبة دون العكس وإن كان " حتى " يحتمل الأمرين. قوله: (حتى يسلم لنا) التسليم لهم هو متابعتهم في العقائد والأعمال والأقوال وقبول جميع ذلك وإن لم تظهر له الحكمة. قوله: (ويكون سلما لنا) السلم بكسر السين وفتحها، وهما لغتان في الصلح يذكر ويؤنث وقال الخطابي: السلم بفتح السين واللام: الاستسلام وهو الإذعان والانقياد كقوله تعالى * (وألقوا إليكم السلم) * أي الانقياد وهو مصدر يقع على الواحد والاثنين والجمع، يقال: رجل سلم ورجلان سلم وقوم سلم، قال الجوهري: السلم يعني بكسر السين وسكون اللام السالم يعني ترك الحرب يقال: أنا سلم لمن سالمني، وهذه المعاني قريبة من التسليم فالعطف للتفسير. قوله: (من شديد الحساب) يفهم منه أنه يجري عليه أصل الحساب ولا يبعد ذلك وإن أمكن أن يقال: إن الإضافة للبيان لأن حساب القيامة كله شديد. * الأصل: 2 - علي بن إبراهيم بإسناده، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله تعالى * (الذين يتبعون الرسول النبي الامي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث إلى قوله -: واتبعوا النور الذي انزل معه اولئك هم المفلحون) * قال: النور في هذا الموضع [ علي ] أمير المؤمنين والأئمة (عليهم السلام). * الشرح: قوله: (الذين يتبعون) في آخر سورة الأعراف إن أردت تفسيره فارجع إليها. قوله: (الرسول النبي الامي) قيل: الرسول بالنسبة إلى الله والنبي بالنسبة إلى العباد والأمي بالنظر إلى نفسه لأنه منسوب إلى امه أي هو كما خرج من بطن امه لا يقرأ ولا يكتب. قوله: (قال النور في هذا الموضع) لا يقال: الأولى أن يفسر النور بالقرآن بقرينة النزول لأنا نقول: الأولى أن يفسر بعلي وأولاده الطاهرين بقرينة " معه " أي مع الرسول إذ لو أريد القرآن لقيل انزل إليه ولا يصح انزل معه إلا بتقدير مضاف أي انزل مع نبوته كما قدروه والأصل عدمه وأما النزول فلا

[ 179 ]

يصح أن يجعل قرينة لذاك دون هذا لأن النفوس القدسية والأرواح النورانية نزلت من عند الله تعالى إلى عالمنا هذا، لهداية الخلق كالقرآن فلا وجه لأن يجعل قرينة لأحدهما دون الآخر. * الأصل: 3 - أحمد بن إدريس، عن محمد بن عبد الجبار، عن ابن فضال، عن ثعلبة بن ميمون، عن أبي الجارود قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) لقد آتى الله أهل الكتاب خيرا كثيرا، قال: وما ذاك ؟ قلت: قول الله تعالى: * (الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون - إلى قوله - اولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا) * قال: فقال: قد آتاكم الله كما آتاهم، ثم تلا: * (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به) * يعني إماما تأتمون به. * الشرح: قوله: (يؤمنون) * (وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين اولئك يؤتون) * الآية نزلت في من آمن من أهل الكتاب والضمير في قبله ويتلى للقرآن وإسلامهم بالقرآن قبل نزوله عبارة عن اعتقادهم بصحته لما وجدوه من نعته في كتبهم. قوله: (مرتين) مرة للإيمان بالقرآن قبل النزول ومرة للإيمان به بعده أو مرة للصبر على أذى المشركين ومرة للصبر على أذى من لم يؤمن من أهل الكتاب. قوله: (كفلين) أي نصيبين من رحمته، والكفل بالكسر: الضعف والنصيب أحدهما للتقوى والآخر للإيمان بالرسول والثبات عليه. قوله: (ويجعل لكم نورا) جعل هذا النور غاية للتقوى والإيمان بالرسول دل على أنه لا إيمان ولا تقوى بدونه. * الأصل: 4 - أحمد بن مهران، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني، عن علي بن أسباط والحسن بن محبوب، عن أبي أيوب، عن أبي خالد الكابلي قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله تعالى: * (فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا) * فقال: يا أبا خالد ! النور والله الأئمة (عليهم السلام)، يا أبا خالد ؟ لنور الإمام في قلوب المؤمنين أنور من الشمس المضيئة بالنهار وهم الذين ينورون قلوب المؤمنين ويحجب الله نورهم عمن يشاء فتظلم قلوبهم ويغشاهم بها. * الشرح: قوله: (لنور الإمام في قلوب المؤمنين) لعل المراد بنوره العلوم الحقيقية والأسرار الملكوتية والشرائع النبوية، وزيادة هذا النور على نور الشمس ظاهرة لأن بنور الشمس ينكشف عالم

[ 180 ]

المبصرات وبهذا النور ينكشف عالم المجردات والماديات كلها. * الأصل: 5 - علي بن محمد ومحمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن محمد بن الحسن بن شمون، عن عبد الله عبد الرحمن الأصم، عن عبد الله بن القاسم، عن صالح بن سهل الهمداني قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) في قول الله تعالى: * (الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة) * فاطمة (عليها السلام) * (فيها مصباح) * الحسن * (المصباح في زجاجة) * الحسين * (الزجاجة كأنها كوكب دري) * فاطمة كوكب دري بين نساء أهل الدنيا، * (توقد من شجرة مباركة) * إبراهيم (عليه السلام) * (زيتونة لا شرقية ولا غربية) * لا يهودية ولا نصرانية * (يكاد زيتها يضئ) * يكاد العلم ينفجر بها * (ولو لم تمسسه نار نور على نور) *: إمام منها بعد إمام. * (يهدي الله لنور من يشاء) *: يهدي الله للأئمة من يشاء * (ويضرب الله الأمثال للناس) *، قلت: * (أو كظلمات) * قال: الأول وصاحبه * (يغشاه موج) *: الثالث * (من فوقه موج ظلمات) * الثاني * (بعضها فوق بعض) * معاوية لعنه الله وفتن بني امية * (إذا أخرج يده) * المؤمن في ظلمة فتنتهم * (لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا) * إماما من ولد فاطمة (عليها السلام) * (فماله من نور) * إمام يوم القيامة، وقال في قوله * (يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم) *: أئمة المؤمنين يوم القيامة تسعى بين يدي المؤمنين وبأيمانهم حتى ينزلوهم منازل أهل الجنة. علي بن محمد ومحمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن موسى بن القاسم البجلي، ومحمد ابن يحيى، عن العمركي بن علي جميعا، عن علي بن جعفر (عليه السلام)، عن أخيه موسى (عليه السلام) مثله. * الشرح: قوله: (الله نور السماوات والأرض) قيل: النور جسم والله سبحانه ليس بجسم، وقيل: النور كيفية تدرك أولا ثم تدرك بها سائر المدركات وهو تعالى ليس بكيفية فلابد من تقدير مضاف أي الله ذو نور السماوات والأرض وخالقه أو من حمل النور على التجوز أي الله هادي أهل السماوات والأرض فهم بنوره يهتدون أو منورهما باطنا بالنفوس القدسية والعقول المجردة كما أنه منورهما ظاهرا بالأجرام النورية، أو منور قلوب المؤمنين التي بعضها بمنزلة السماء في الرفع وبعضها بمنزلة الأرض في الوضع والله سبحانه منور الجميع بالعلوم والحقائق على تفاوت درجاتهم. قوله: (مثل نوره كمشكاة فاطمة (عليها السلام) أي صفة نوره كصفة مشكاة قال الفراء: المشكاة: الكوة التي ليست بنافذة، وقيل: هي أنبوبة في وسط القنديل يوضع فيها المصباح وهو السراج والفتيلة المشتعلة والمراد بها هنا فاطمة (عليها السلام) لأنها محل لنور الأئمة، والأئمة نور وسراج لأن الطالبين للهداية المتبعين لأثرهم، يستضيئون بنور هدايتهم وضياء علومهم إلى الطريق الأرشد كما يهتدي

[ 181 ]

السالكون في الظلمة بالنور والسراج، قيل: إضافة النور إلى ضميره تعالى دليل على أن إطلاقه عليه ليس على ظاهره. قوله: (فيها مصباح) أي سراج وهو الحسن (عليه السلام) والمصباح في زجاجة: أي قنديل مثل الزجاجة في الصفاء والشفافية وهو الحسين (عليه السلام) فقد شبه فاطمة (عليها السلام) تارة بالمشكاة وتارة بالزجاجة، وبالاعتبار الثاني جعلها ظرفا لنور الحسين (عليه السلام) لزيادة ظهور نوره باعتبار كون سائر الأئمة من صلبه (عليه السلام) واللام في المصباح ليس للإشارة إلى المصباح الأول فلا يلزم الاتحاد على أن للاتحاد وجها لأن الحسن والحسين (عليهم السلام) نور واحد بجسب الحقيقة وإن كانا في الظاهر نورين. قوله: (الزجاجة كأنها كوكب دري) أي منسوب إلى الدر باعتبار المشابهة به في الضياء والصفاء والتلألؤ، هذا إن كان بشد الراء والياء وإن كان بشد الياء فقط فهو من الدرء بمعنى الدفع قلبت همزته ياء وادغمت الياء في الياء فإنه يدفع الظلام بضوئه ولمعانه، والمراد بها فاطمة (عليها السلام) فإنها كوكب دري مضئ لامع نوراني فيما بين نساء أهل الدنيا. قوله: (توقد من شجرة مباركة) توقد بالتاء أو بالياء على صيغة المجهول من الإيقاد تقول وقدت النار تقد وقودا أي توقدت وأوقدتها أنا و " من " ابتدائية أي توقد الزجاجة أو يوقد ذلك المصباح من شجرة مباركة زيتونة كثير النفع وهي إبراهيم (عليه السلام) فإنه ذو بركة عظيمة ونفع كثير لوجود الأنبياء والأوصياء من نسله واستظلال الناس بظلال أغصانه وجرائده وانتفاعهم من أثمار علومه وفوائده إلى قيام الساعة، وفي إبهام الشجرة ووصفها بالبركة ثم إبدال الزيتونة عنها تفخيم لشأنها. قوله: (زيتونة) بدل عن شجرة لا صفة لها ولذلك فصلها عنها وقرنها بصفتها وإنما عبر عنها بالزيتونة للتنبيه على كثرة نفعها واتصافها بالعلم الذي هو كالزيت في كونه مادة لضيائها ومبدءا لنورانيتها. قوله: (لا يهودية ولا نصرانية) لعل هذا باعتبار أنه كان مسكن اليهود من طرف الشرق ومسكن النصارى من طرف الغرب. قوله: (يكاد زيتها يضئ) ضمير التأنيث يعود إلى فاطمة (عليها السلام) والمراد بالزيت العلم على سبيل الاستعارة والتشبيه ومس النار ترشيح يعني يكاد علمها يتفجر من قلبها الطاهر إلى قلوب المؤمنين والمؤمنات بنفسه قبل أن تسأل لكثرته وغزارته وفرط ضيائه ولمعانه. قوله: (يهدي الله للأئمة) أي لأجلها وتوسطهم أو إليهم. قوله: (ويضرب الله الامثال) تشبيها للمعقول بالمحسوس لزيادة البيان والإيضاح قال صاحب الطرائف: روى الشافعي ابن المغازلي بإسناده إلى الحسن قال: سألته عن قول الله عز وجل: * (كمشكاة فيها مصباح) * قال المشكاة فاطمة (عليها السلام) والمصباح الحسن والحسين (عليهم السلام) " والزجاجة

[ 182 ]

كأنها كوكب دري " قال: كانت فاطمة (عليها السلام) كوكبا دريا من نساء العالمين توقد من شجرة مباركة الشجرة المباركة إبراهيم (عليه السلام) " لا شرقية ولا غربية " لا يهودية ولا نصرانية " يكاد زيتها يضئ " قال: يكاد العلم أن ينطق منها " ولو لم تمسسه نار نور على نور " قال: منها إمام بعد إمام يهدي الله لنوره من يشاء قال: يهدي لولايتهم من يشاء. قوله: (أو كظلمات) الآية هكذا * (أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض) * - الآية شبه أعمال الذين كفروا، أولا بسراب في أنها لاغية لا منفعة لها، وثانيا: بظلمات في أنها خالية عن النور والضياء، واللجي: العميق، منسوب إلى اللج وهو معظم الماء، وضمير يغشاء راجع إلى البحر، ولما كان كل ماكان في الأولين من الظلام والفتن موجودا في الثالث مع زيادة ما أحدثه نسب إليه الغشاء والموج الذي هو عبارة عن الاضطراب، وضمير فوقه في الموضعين يرجع إلى موج يقرب منه والظلمات الثانية المتراكمة بعضها فوق بعض. قوله: (إذا أخرج يده المؤمن) خص اليد والمؤمن بالذكر للتنبيه على شدة الظلمة وبلوغها حد الكمال فإنه إذا لم ير المؤمن ومعه نور ساطع وضوء لامع يده التي هي أقرب ما يمكن النظر إليه كان ذلك لأجل أن الظلمة المانعة من الرؤية في غاية الكثافة ونهاية الشدة. قوله: (يكد يراها) أي لم يقرب أن يراها فضلا عن أن يراها وفيه أيضا مبالغة على كثافة تلك الظلمة. قوله: (فماله من نور إمام يوم القيامة) أي إمام عدل وإن كان له إمام جائر يقدمه إلى النار. * الأصل: 6 - أحمد بن إدريس، عن الحسين بن عبيد الله، عن محمد بن الحسن وموسى بن عمر، عن الحسن بن محبوب، عن محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله تبارك، وتعالى: * (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم) * قال: يريدون ليطفئوا ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) بأفواههم. قلت: قوله تعالى: * (والله متم نوره) * قال: يقول: والله متم الإمامة والإمامة هي النور وذلك قوله عز وجل: * (آمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا) * قال، النور هو الإمام. * الشرح: قوله: (يريدون ليطفئوا ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) بأفواههم) تشبيه الولاية بالسراج استعارة مكنية ونسبة الإطفاء إليها تخييلية وذكر الأفواه ترشيح وأما في الآية فالاستعارة تحقيقية وإطفاؤها بما كانوا يقولون من الأقاويل الكاذبة الدالة على وجود النص عليها وغير ذلك من المفتريات. قوله: (والله متم الإمامة) إتمامها انتشارها في قلوب المؤمنين أو زيادة كمالها.

[ 183 ]

باب ان الأئمة هم أركان الأرض * الأصل: 1 - أحمد بن مهران، عن محمد بن علي، ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد جميعا عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما جاء به علي (عليه السلام) آخذ وما نهى عنه أنتهي عنه، جرى له من الفضل مثل ما جرى لمحمد (صلى الله عليه وآله) ولمحمد (صلى الله عليه وآله) الفضل على جميع من خلق الله عز وجل، المتعقب عليه في شئ من أحكامه كالمتعقب على الله وعلى رسوله، والراد عليه في صغيرة أو كبيرة على حد الشرك بالله، كان أمير المؤمنين (عليه السلام) باب الله الذي لا يؤتى إلا منه وسبيله الذي من سلك بغيره هلك وكذلك يجري لأئمة الهدى واحدا بعد واحد، جعلهم الله أركان الأرض أن تميد بأهلها وحجته البالغة على من فوق الأرض ومن تحت الثرى وكان أمير المؤمنين صلوات الله عليه كثيرا ما يقول: أنا قسيم الله بين الجنة والنار وأنا الفاروق الأكبر، وأنا صاحب العصا والميسم، لقد أقرت لي جميع الملائكة والروح والرسل بمثل ما أقروا به لمحمد (صلى الله عليه وآله)، ولقد حملت على مثل حمولته وهي حمولة الرب وإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يدعى فيكسى وادعى فاكسي ويستنطق واستنطق فأنطق على حد منطقه ولقد أعطيت خصالا ما سبقني إليها أحد قبلي، علمت المنايا والبلايا والأنساب وفصل الخطاب فلم يفتني ما سبقني ولم يعزب عني ما غاب عني، ابشر بإذن الله واؤدي عنه، كل ذلك من الله مكنني فيه بعلمه. الحسين بن محمد الأشعري، عن معلى بن محمد، عن محمد بن جمهور العمي، عن محمد بن سنان قال: حدثنا المفضل قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول - ثم ذكر الحديث الأول. * الشرح: قوله: (جرى له من الفضل مثل ما جرى لمحمد) يريد مساواتهما في الفضيلة العلمية والعملية والكمالات النفسانية أو في الفضل على الغير والإحسان إليه ولمحمد (صلى الله عليه وآله) الفضل على جميع الخلق فلعلي (عليه السلام) أيضا الفضل على جميعهم قضاء للمساواة أو المراد أن له (صلى الله عليه وآله) الفضل على جميع الخلق حتى على علي (عليه السلام) أيضا رعاية لحق الاستاذ والإرشاد والتعليم. قوله: (المتعقب عليه في شئ من أحكامه) أي الشاك فيه من تعقبت على الخبر إذا شككت فيه أو المتأمل في حقيته من تعقبه إذا تدبر ونظر فيما يؤول إليه من صحة وفساد أو الطالب لعورته وعثرته من تعقبه واستعقبه إذا طلب عورته وعثرته.

[ 184 ]

قوله: (على حد الشرك بالله) توضيح ذلك إن الإسلام واسطة بين الشرك والإيمان والراد على إمام الوقت (1) وخليفة الله في الأرض في قضية صغيرة أو كبيرة مكذب له والمكذب له يتنزل من درجة الإيمان إلى درجة الإسلام وهي حد الشرك فيتسلط عليه زمرة الشياطين فيدخلونه في الشرك كما ترى في كثير من أهل الإسلام مثل المجسمة والمصورة والأشاعرة القائلين بزيادة الصفات وأضرابهم فان كلهم لما وقعوا في حد الشرك دخلوا فيه من حيث لا يعلمون. قوله: (جعلهم الله أركان الأرض) كما أن للبناء أركانا بها وجوده وثباته كذلك للأرض أركان وهم


1 - قوله: " والراد على إمام الوقت " هذا حكم متوقف على عصمة الإمام من السهو والخطأ وإلا جاز للرعية الرد عليه وإنكاره بغير إشكال إذا إطلعوا على سهوه وخطائه، وأعلم أن هذه الإطاعة المطلقة للإمام على ما يقول به الشيعة الإمامية أيدهم الله ليس بمعنى الحكومة المطلقة التي أطبق المتفكرون من أهل العلم على ردها وإبطالها لأن هذه الحكومة التي نعتقدها للمعصوم (عليه السلام) مقيدة بإرادة الله وأحكامه وشرائعه وإنما نوجب إطاعته لأنا نعلم أنه (عليه السلام) لا يجاوز أمر الله تعالى وهذا الذي لا يخالف في حسنه سائر المليين وبعض الفلاسفة المتأخرين أيضا، وأما أهل السنة والجماعة فمع أنهم لا يقولون بالعصمة لم يروا الرد على الخليفة وتنبيهه على خطائه ممنوعا محرما ولم يجوزوا له أن يحكم بما يشاء ويفعل ما يريد بل يجب عندهم أن يكون مقيدا بالشرع وأحكامه وإلا فلا يجوز إطاعته، وقال بعض النصارى: إن الحكومة المطلقة لم تكن قط في بلادهم بل كانوا قبل العصر الجديد مقيدين بحفظ قواعد دينهم وأصولهم ولم يكن ما يخالفها قانونية مشروعة وقال رجل من فلاسفتهم في العصر الأخير يسمى بونالد: إن الحكومة المقيدة بمراعاة أحكام الدين وشرائع الأنبياء (عليهم السلام) هي أحسن أنواع الحكومات وأوفق للطبيعة البشرية لا الحكومة المطلقة ولا المقيدة بآراء الناس وهذا عين مذهب أهل السنة. وقال بعضهم: إن الحكومة المطلقة لم تشرع في الأمم المتدينة بالشرائع السماوية كدولة بني إسرائيل في عهدهم ولا في دول المسيحيين والمسلمين المنكرين للظلم والتعدي على حقوق الأفراد والقائلين بحرمة نفوس الإنسان ودمهم وعرضهم وإنما كانت في الأمم الجاهلية الأولى: والوثنيين وربما يستحسنها الماديون والملاحدة في عصرنا أما الأولى: كدولة فرعون وبخت نصر وغيره فقد انقرضوا بغلبة الأديان السماوية عليهم وقهر الطبيعة الإنسانية المختارة لهم، وأما الثانية: فليس لهم إلا شبه محجوجة وسينقرضون البتة بعد ثوبت حرية الإنسان طبعا وأمثال ذلك كثير في كتبهم يدل على أن عدم تقيد الحكومة بشئ يخالف الطبيعة البشرية واختاروا في هذا العصر نوعا من الحكومة سموها الديمقراطية أو الحكومة الدستورية وهي الحكومة المقيدة بمراعاة آراء أغلب الرعايا وقبله كثير من المسلمين أيضا. (ش) (*)

[ 185 ]

الأئمة في كل ركن ثلاثة إذ بهم وجود الأرض وثباتها وبقاؤها ولولاهم لتحركت الأرض بأهلها ولم تستقر طرفة عين. قوله: (أن تميد بأهلها) أي كراهة أن تميد، يقول: ماد يميد ميدا: أي تحرك وزاغ واضطرب. قوله: (وحجته البالغة) عطف على باب الله أي كان أمير المؤمنين حجته الكاملة التي لا يحتاج بعدها إلى شئ آخر بخلاف غيرها من الحجج مثل العقل والقرآن الكريم فإنهما يحتاجان إلى هذه الحجة. قوله: (ومن تحت الثرى) لعل المراد بهم الموتى ويحتمل الأعم. قوله: (وكثيرا ما يقول) نصب على المصدر أو الظرف باعتبار الموصوف و " ما " لتأكيد معنى الكثرة والعامل ما يليه أي يقول قولا كثيرا أو حينا كثيرا. قوله: (أنا قسيم الله بين الجنة والنار) من جاء يوم القيامة بولايته دخل الجنة ومن لم يجئ بها دخل النار. قال صاحب الطرائف: روى الشافعي ابن المغازلي في كتابه من عدة طرق بأسانيدها عن النبي (صلى الله عليه وآله) والمعنى متقارب فيها أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " إذا كان يوم القيامة ونصب الصراط على شفير جهنم لم يمر عليه إلا من كان معه كتاب بولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) " وفي بعض رواياتهم بأسانيدها إلى النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: لم يجز على الصراط إلا من كان معه جواز من علي بن أبي طالب (عليه السلام) " وروى الشافعي أيضا في كتاب المناقب عن شريك عن الأعمش أنه قال: حدثني المتوكل الباجي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) " إذا كان يوم القيامة قال سبحانه لي ولعلي أدخلا إلى الجنة من أحبكما وأدخلا إلى النار من أبغضكما فيجلس علي (عليه السلام) على شفير جهنم فيقول: هذا لي وهذا لك " الحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة ثم إنه قال (عليه السلام) ذلك امتثالا لأمر الله تعالى * (وأما بنعمة ربك فحدث) * وأيضا فإنه من البيان الذي يجب عليه تبليغه لتعتقده الامة وتعمل بمقتضاه في توقيره (عليه السلام) كما امر وهذا نظير ما روي من طريق العامة عنه (صلى الله عليه وآله) قال: " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة " قال أبو عبد الله الآبي: هذا القول في حقه واجب فلا يرد أن مدح الإنسان نفسه قبيح وإن كان حقا وقال بعض الشافعية: مدح الإنسان نفسه إذا كان فيها تنبيه للمخاطب على ما خفى منه من حاله جائز كقول المعلم للمتعلم: اسمع مني فإنك لا تجد مثلي، قال: ومنه قول يوسف (عليه السلام) * (اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم) * على أنه فرق بين إظهار الفضيلة والافتخار بها وقال (عليه السلام): من باب إظهار كرامة الله تعالى شكرا عليها وليس ذلك افتخارا كما قال " أنا سيد أولاد آدم ولا فخر " وبالجملة الإيراد الذي أورده بعض النواصب من جهله لا وجه له أصلا. قوله: (وأنا الفاروق الأكبر) لفرقه بين الحق والباطل والحلال والحرام والمؤمن والكافر

[ 186 ]

والصادق والكاذب وبالجملة هو الفارق بين كل ضدين على الإطلاق وليس لأحد من الامة غيره هذه الفضيلة. قوله: (وأنا صاحب العصا والميسم): هي الحديدة التي يكوى بها وأصله الموسم قلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها ولعل المراد به هنا خاتم سليمان، ويحتمل حمله على ظاهره وقد نقل أنه (عليه السلام) يخرج في آخر الزمان في أحسن الصورة ومعه عصا موسى وميسم يضرب المؤمن بالعصا ويكتب في وجهه مؤمن فينير وجهه وليسم الكافر بالميسم ويكتب في وجهه كافر، فيسود وعند ذلك يسد باب التوبة. قوله: (والروح والرسل) لعل المراد بالروح: روح الأمين وروح القدس وهو جبرئيل (عليه السلام) فذكره بعد الملائكة من قبيل ذكر الخاص بعد العام، ويحتمل أن يراد به روح المؤمن وهو الروح الذي يقوم به الجسد وتكون به الحياة ويقبل الإيمان والكفر ويؤيد هذا الاحتمال أنه لم يذكر إقرار المؤمنين مع أنهم أيضا أقروا له في الميثاق بمثل ما أقروا لمحمد (صلى الله عليه وآله) فإنهم أقروا لمحمد (صلى الله عليه وآله) بالرسالة وتقدمه وشرفه على جميع الأنبياء وله (عليه السلام) بالولاية والإمامة وتقدمه وشرفه على جميع الأوصياء والمراد بالرسل الأنبياء جميعا من قبيل ذكر الخاص وإرادة العام. قوله: (ولقد حملت على مثل حمولته) الحمولة بالفتح: الإبل التي تحمل وبالضم: الأحمال والمراد بها هنا المعارف الإلهية والعلوم اليقينية والتكاليف الشرعية والأخلاق النفسية وهي من حيث أنها تحمل صاحبها إلى مقام الانس ومنزل القرب " حمولة " بالفتح ومن حيث أنها حالة في المكلف وصفة من صفاته حمولة بالضم ويجوز إرادة كليهما هنا إلا أن " حملت " على الأول للمتكلم المجهول و " على " بتخفيف الياء وعلى الثاني للغايبة المجهولة و " علي " بتشديد الياء ومثل حمولته قائم مقام الفاعل وتأنيث الفعل باعتبار المضاف إليه. قوله: (علمت المنايا) هو (عليه السلام) عندنا عالم بجميع ما كان وما يكون وما هو كائن كما دلت عليه الروايات المتكاثرة ودل عليه أيضا ما روي عنه (عليه السلام) " لو شئت أن اخبر كل رجل بمخرجه ومولجه وجميع شأنه لفعلت ولكن أخاف أن يكفروا في برسول الله (1) إلا إني افضيه إلى الخاصة ممن


1 - قوله: " في برسول الله " وذلك لأن رأي الظاهريين من العامة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يعلم الغيب قوله تعالى * (ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير) * فإذا رأوا من أمير المؤمنين (عليه السلام) الأخبار بالغائبات قالوا هو أفضل من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو كفر. وهذه المسألة من مزال أقدام العوام إذ لا يخالف أحد في أن الرسول والأئمة = (*)

[ 187 ]

يؤمن ذلك منه " فقد أشار إلى أنه قد يتجاهل خوفا من أن يغلوا الامة في أمره ويفضلوه على الرسول بل من أن يتخذوه إلها كما ادعت النصارى في المسيح حيث أخبرهم بالأمور الغائبة وإلى أنه قد يظهر كمال علمه لبعض خواصه ممن يؤمن الكفر منه وهكذا شأن العلماء وأساطين الحكمة أن لا يضعوا الحكمة إلا في أهله (1) ومع كمال احتياطه في إفشاء كماله ذهب طائفة إلى أنه شريك محمد (صلى الله عليه وآله) في الرسالة وطائفة إلى أنه إله أرسل محمدا إلى عباده. * الأصل: 2 - علي بن محمد، ومحمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن محمد بن الوليد شباب الصيرفي قال: حدثنا سعيد الأعرج قال: دخلت أنا وسليمان بن خالد على أبي عبد الله (عليه السلام) فابتدأنا فقال: يا


= بل الأولياء والصلحاء قد يخبرون عن الغيب. وقال الحكماء: إن لكل إنسان نصيبا من علم الغيب وإنما يتفاضلون في مقداره وفي صراحته وإبهامه. وقال ابن قبة وهو من قدماء علمائنا الإمامية: إن علم الغيب لا يدعيه في الأئمة إلا مشرك مع أنه استدل بإخبار علي (عليه السلام) بالغيب في النهروان وأن مصرعهم دون النطفة ولم يعبروا النهر على إمامته (عليه السلام). والمحصل من النظر في الأخبار وأقوال الحكماء وعلماء الشرع والتجارب الحاصلة المعلومة بالتواتر أن المنفى هو العلم الذاتي بكل شئ غائب فليس هذا لاحد إلا لله تعالى إذ هو خالق كل شئ ويعلم من ذاته ما يخلق وأما الممكنات كلما بلغوا في الشرف والعلو والفضيلة فعلمهم ليس ذاتيا لهم بل مأخوذ من الله تعالى فلابد أن يكون حاصلا لهم بمقدار ما يرى الله المصلحة في تعليمهم كما قال تعالى * (فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من أرتضى من رسول) * والأمر دائر عند العوام بين الجهل المطلق بكل غيب والعلم المطلق بكل غيب كما نرى في سائر عقائدهم أنهم إما مفرطون أو مفرطون والمنجم عندهم إما أن يقدر على الأخبار بكل ما سيقع من النظر في أوضاع الكواكب أو يكذب في الجميع ولا يقدر على شئ ولا يفرقون بين أمثال الخسوف والكسوف المبنية على التسييرات وبين أحكام المواليد والخصب والغلاء. (ش) 1 - قوله: " إلا في أهله " وذلك لأن للأشياء في ذهن أكثر الناس لوازم غير لازمة عند العقل ويفرق أهل العلم والمنطق بين اللازم العقلي والعرفي بالتمرن في الاستدلال وقهر الوهم للعقل سنين متمادية ولا يتحصل لغيرهم بغير تعلم وتمرن فإذا قلت للعامي: إن العالم مخلوق ذهب ذهنه الى الحادث الزماني وإذا قلت: إنه ليس حادثا ذهب ذهنه الى أنه ليس مخلوق وإنما المتمرن للاستدلال يعرف أن الفاعل المختار أن تتعلق إرادته بأن يكون له في جميع الأوقات مخلوق وكذلك يذهب ذهن العوام من امتناع إعادة المعدوم إلى نفي المعاد وغير ذلك مما لا يحصى، فأمر أساطين الحكمة بأن يلقى العلم على من يستعد لفهمه. (ش) (*)

[ 188 ]

سليمان ! ما جاء عن أمير المؤمنين (عليه السلام) يؤخذ به وما نهى عنه ينتهى عنه، جرى له من الفضل ما جرى لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ولرسول الله (صلى الله عليه وآله) الفضل على جميع من خلق الله، المعيب على أمير المؤمنين (عليه السلام) في شئ من أحكامه كالمعيب على الله عز وجل وعلى رسول الله (عليه السلام) والراد عليه في صغيرة أو كبيرة على حد الشرك بالله، كان أمير المؤمنين صلوات الله عليه باب الله الذي لا يؤتى إلا منه وسبيله الذي من سلك بغيره هلك وبذلك جرت الأئمة (عليهم السلام) واحدا بعد واحد، جعلهم الله أركان الأرض أن تميد بهم والحجة البالغة على من فوق الارض ومن تحت الثرى وقال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): أنا قسيم الله بين الجنة والنار وأنا الفاروق الأكبر وأنا صاحب العصا والميسم ولقد أقرت لي جميع الملائكة والروح بمثل ما أقرت لمحمد (صلى الله عليه وآله) ولقد حملت على حمولة محمد (صلى الله عليه وآله) وهي حمولة الرب، وإن محمدا (صلى الله عليه وآله) يدعى فيكسى ويستنطق وادعى فاكسي واستنطق فأنطق على حد منطقه، ولقد اعطيت خصالا لم يعطهن أحد قبلي. علمت علم المنايا والبلايا والأنساب وفصل الخطاب، فلم يفتني ما سبقني ولم يعزب عني ما غاب عني، ابشر بإذن الله واؤدي عن الله عز وجل، كل ذلك مكنني الله فيه بإذنه. * الشرح: قوله: (وفصل الخطاب) أي الخطاب الفاصل بين الحق والباطل أو الخطاب المفصول الواضح الدلالة على المقصود للعارف، والمراد به كلام الله المشتمل على المصالح الكلية والجزئية والحكم البالغة والأوامر والنواهي وأحوال ما كان وما يكون إلى يوم القيامة أو الكتب السماوية كلها. * الأصل: 3 - محمد بن يحيى، وأحمد بن محمد جميعا، عن محمد بن الحسن، عن علي بن حسان قال: حدثني أبو عبد الله الرياحي، عن أبي الصامت الحلواني، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: فضل أمير المؤمنين (عليه السلام) ما جاء به آخذ به وما نهى عنه أنتهي عنه، جرى له من الطاعة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما لرسول الله (صلى الله عليه وآله) والفضل لمحمد (صلى الله عليه وآله) المتقدم بين يديه كالمتقدم بين يدي الله ورسوله والمتفضل عليه كالمتفضل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) والراد عليه في صغيرة أو كبيرة على حد الشرك بالله، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) باب الله الذي لا يؤتى إلا منه وسبيله الذي من سلكه وصل إلى الله عز وجل وكذلك كان أمير المؤمنين (عليه السلام) من بعده، وجرى للأئمة (عليهم السلام) واحد بعد واحد، جعلهم الله عز وجل أركان الأرض أن تميد بأهلها وعمد الإسلام ورابطة على سبيل هداه، لا يهتدي هاد إلا بهداهم، ولا يضل خارج من الهدى إلا بتقصير عن حقهم، امناء الله على ما أهبط من علم أو عذر أو نذ ر، والحجة البالغة عل من في الأرض، يجري لآخرهم من الله مثل الذي جرى لأولهم، ولا يصل أحد إلى ذلك

[ 189 ]

إلا بعون الله. وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): أنا قسيم الله بين الجنة والنار، لا يدخلها داخل إلا على حد قسمي وأنا الفاروق الأكبر وأنا الإمام لمن بعدي والمؤدي عمن كان قبلي، لا يتقدمني أحد إلا أحمد (صلى الله عليه وآله) وإني وإياه لعلى سبيل واحد، إلا أنه هو المدعو باسمه، ولقد اعطيت الست، علم المنايا والبلايا والوصايا وفصل الخطاب وإني لصاحب الكرات ودولة الدول وإني لصاحب العصا والميسم والدابة التي تكلم الناس. * الشرح: قوله: (قال: فضل أمير المؤمنين (عليه السلام)) الظاهر أن فضل على صيغة المجهول، ويحتمل أن يكون أمرا، والمراد تفضيله على جميع الأمة في العلم والحكم والعمل، وقوله " ما جاء به آخذ به - الى آخره " وإن كان في الظاهر خبرا لكنه في الواقع أمر بالأخذ بأمره ونهيه إلى يوم القيامة. قوله: (المتقدم بين يديه) أي المتقدم عليه في أمر من الأمور والحكم به قبل أن يحكم هو به كالمتقدم على الله وعلى رسوله قبل أن يحكما به، وكذلك من يدعي التفضل والزيادة عليه في صفة من صفات الكمال مثل العلم والأخلاق ونحوهما كمن يدعي التفضل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأنه (عليه السلام) نفس الرسول في الفضل والكمال، كما تدل عليه آية المباهلة، وخليفة الله تعالى وقائم لمقام رسوله في الأحكام. وفي بعض النسخ المفضل بدل المتفضل في الموضعين، وذكر اليدين لله تعالى على سبيل التمثيل وتشبيه المعقول بالمحسوس لزيادة الإيضاح لأن المتقدم على غيره من بني نوعه من يكون سابقا عليه فيما بين هاتين الجهتين المتسامتين. قوله: (فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله)) تعليل لجميع ما تقدم من تفضيل أمير المؤمنين (عليه السلام) والأخذ بأمره ونهيه إلى آخر ما ذكره. قوله: (وجرى للأئمة) يبين أن التفضيل ووجوب المتابعة غير مختص بأمير المؤمنين (عليه السلام) بل جار في الأئمة من أولاده الطاهرين. قوله: (وعمد الإسلام) عطف على الأركان، والعمود بالفتح: عمود الخيمة والبيت وجمع القلة: أعمدة، وجمع. الكثرة: عمد بالتحريك وعمد بالضمتين وتشبيه الإسلام بالبيت استعارة مكنية، وإثبات العمد له استعارة تخييلية. قوله: (ورابطة على سبيل هداه) أي جعلهم فرقة رابطة أي لازمة لسبيل الهدى غير مفارقة عنه وقد جاء رابطت بمعنى لازمت كما صرح به ابن الأثير في النهاية. أو جعلهم فرقة رابطة أي مقيمة على سبيل الهدى من الرباط: وهو الإقامة في الثغور حفظا من الدخول والخروج. أو جعلهم رابطة: أي فرقة شديدة كأنهم يربطون أنفسهم بالصبر عن الفرار. وقد جاء الرابط بمعنى الشديد يقال:

[ 190 ]

خلف فلان بالثغر جيشا رابطة أي شديدة. قوله: (لا يهتدي هاد إلا بهداهم) في بعض النسخ " لا يهدي هاد "، والهدى: الرشاد، والدلالة وهدى واهتدى هنا بمعنى والهادي يطلق على من يعرف غيره طريق الحق وعلى من يعرفه والثاني هو المراد هنا. قوله: (امناء الله على ما أهبط من علم أو عذر أو نذر) عطف على رابطة بحذف العاطف أو حال عن الأئمة بحذف المبتدأ أي هم امناء الله، وعذر ونذر مصدران لعذر إذا محى الإساءة. قال ابن الأثير في النهاية. حقيقة عذرت محوت الإساءة وطمستها. ونذر إذا خوف، أو جمعان لعذير بمعنى المعذورة ونذير بمعنى الإنذار كما قالوا في قوله تعالى * (فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا) * ولعل المراد. والله أعلم - هم أمناء الله تعالى على ما أهبط إليهم لا يزيدون ولا ينقصون من العلم بالمعارف الإلهية والأسرار الربانية وغير ذلك مما يتعلق بمصالح الدنيا والآخرة ومن محو الإساءة للمطيعين إذا كان لهم عذر صحيح ومعذرة ومن إنذار المبطلين وتخويفهم، وبالجملة والأمانة الإلهية في خليفته المتوسط بينه وبين عباده من جهة العلم ومن جهة التبليغ وهم (عليهم السلام) أمناؤه في هاتين الجهتين وخلفاؤه في تينك الخصلتين. قوله: (ولا يصل أحد إلى ذلك إلا بعون الله تعالى) أي لا يصل أحد منهم إلى ذلك المقام أو لا يصل أحد من الناس إلى الاهتداء بهداهم إلا بعون الله ونصرته، ففيه دلالة على الأول على أن الخلافة موهبية وعلى الثاني على أن الهداية موهبية. قوله: (إلا على حد قسمي) القسم بفتح القاف: مصدر قسمت الشئ، وأما الكسر: فهو الحظ والنصيب. قوله: (وأنا الإمام لمن بعدي) أي أنا المقتدى لمن ينشأ بعدي فيجب عليهم الاقتداء بسيرتي والاهتداء بهدايتي والمتابعة لقولي وفعلي، وأنا المؤدي عمن كان قبلي ديونهم أو الشهادة لهم وعليهم أو حقوقهم كلها ولهذا حذف المفعول للدلالة على التعميم. قوله: (إلا أنه هو المدعو باسمه) لعل المراد أنه لا فرق بيني وبينه إلا في الاسم أما المسمى فواحد وحدة وصفية لا وحدة شخصية، ويحتمل أن يكون المراد أنه المدعو باسمه المختص كالرسول والنبي وأمثالهما كما يشعر به إضافة الاسم الى ضميره يعني أن الفرق بيني وبينه في وصف الرسالة حيث أنه يتصف به لا أنا. وأما باقي الصفات الكمالية فلا فرق. قوله: (والوصايا) عطف على " المنايا " على الظاهر أو على علم المنايا على الاحتمال والأول يفيد أنه كان عالما بوصايا جميع الأنبياء إلى أوصيائهم كما وكيفا ولم يكن كذلك أحد من الأوصياء

[ 191 ]

السابقين والثاني يفيد أنه أوتي وصاياهم أو وصايا رسولنا (صلى الله عليه وآله) والجمع حينئذ باعتبار تعددها بتعدد متعلقها. قوله: (وإني صاحب الكرات) الكرة: المرة والجمع الكرات وهو صاحب الكرات لعرض كل أحد عليه مرات مرة عند كونه روحا مجردا نورانيا في عالم القدس حيث عرض عليه الملائكة فوحدوه لتوحيده وسبحوه لتسبيحه وهللوه لتهليله. ومرة في الميثاق أخذ منهم العهد بولايته ومرة في الرحم إذ لا يتصور أحد إلا بحضوره. ومرة في غدير خم حيث أخذ له الولاية من الحاضرين وأمر بتبليغ ذلك إلى الغائبين. ومرة عند الموت فإنه يحضر موت كل أحد ومرة في القيامة فإنه يعرض عليه كل أحد فمن قبله فهو مقبول ومن رده فهو مردود. أو لكونه صاحب حملات في الحروب. أو لكونه صاحب الرجعة والله أعلم بحقيقة كلام وليه. قوله: (ودولة الدول) الدولة: بالفتح في الحرب والجمع الدول بالكسر، والدولة بالضم: في المال يقال: صار الفئ دولة بينهم يتداولونه يكون مرة لهذا ومرة لهذا والجمع دولات ودول بالضم، والدولة أيضا الانتقال من حال الشدة إلى الرخاء وفيه إشارة إلى أنه صاحب الدولة في الحرب وقد اتفق على ذلك العامة والخاصة أو إلى أنه يرجع إله دولة المال والملك عند ظهور الصاحب المنتظر. قوله: (والدابة) التي تكلم الناس بكلام يفهمونه، الظاهر أنه عطف على العصا قال في النهاية: من أشراط الساعة دابة الأرض (1) قيل إنها دابة طولها ستون ذراعا ذات قوائم أربع ووبر وقيل: هي


1 - قوله: " من أشراط الساعة دابة الأرض " ورد ذكر دابة الأرض في القرآن الكريم وورد ما يشبهه في مكاشفات يوحنا من كتب النصارى أيضا واختلف في تفسيرها والحق الإيمان بظاهرها والتسليم لما أراد الله منها ورد علم ذلك إلى أهله وعدم التكلم فيه بغير برهان ظاهر وحجة قاطعة وما ورد من أن المراد بها أمير المؤمنين (عليه السلام) فإن ثبت صدوره عن الأئمة (عليهم السلام) فهو الحق الذي لا يمترى فيه وإن لم نعلم حقيقته ووجه التعبير عنه وإن لم يثبت إلا بطريق ظني فالوجه التوقف. وأما نفس هذه الرواية فضعيفة جدا لا حجية فيها لأن أبا صامت وأبا عبد الله الرياحي مجهولان وعلي بن حسان مشترك بين رجلين أحدهما ضعيف غال كذاب قالوا في حقه: إنه لا يتعلق من الإسلام بشئ. وإنما يقتصر في هذه الروايات على القدر الذي يوافق أصول المذهب وكذلك في جميع الروايات الضعيفة، وعلي بن حسان الذي قلنا إنه مشترك بين رجلين إذا صرح بروايته عن عبد الرحمن بن كثير فهو تصريح بكونه الضعيف الغالي وقد مر مثله في هذا الكتاب إلا أنه لم يكن مضمونه مخالفا للأصول. (ش) (*)

[ 192 ]

مختلفة الخلقة تشبه عدة من الحيوانات ينصدع جبل الصفا فتخرج منه ليلة الجمعة والناس سائرون إلى منى، وقيل: من أرض الطائف ومعها عصا موسى وخاتم سليمان (عليه السلام) لا يدركها طالب ولا يعجزها هارب، يضرب المؤمن بالعصا ويكتب في وجهه مؤمن ويطبع الكافر بالخاتم ويكتب في وجهه كافر، وقال عياض: قال المفسرون: إنها خلق عظيم يخرج من صدع من الصفا لا يفوتها أحد فتسم المؤمن فينير وجهه ويكتب بين عينيه مؤمن وتسم الكافر فيسود وجهه ويكتب بين عينيه كافر. وعن ابن عباس أنها الثعبان الذي كان بين الكعبة فاختطفته العقاب. وذكروا أنها آخر الآيات لقيام الساعة ويغلق عندها باب التوبة والعلم والعمل. ويحتمل أن يكون عطفا على قوله لصاحب العصا ويؤيده ما رواه علي بن إبراهيم في تفسيره قال: حدثني أبي عن ابن أبي عمير، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " انتهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى أمير المؤمنين وهو نائم في المسجد قد جمع رملا ووضع رأسه عليه فحركه برجله ثم قال: يا دابة الله، فقال رجل من أصحابه: يارسول الله يسمى بعضنا بعضا بهذا الاسم فقال: لا والله ما هو إلا له خاصة وهو الدابة التي ذكر الله في كتابه * (وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون) * يا علي إذا كان آخر الزمان أخرجك الله في أحسن صورة، معك ميسم تسم به أعداءك ".

[ 193 ]

باب نادر جامع في فضل الإمام وصفاته * الأصل: 1 - أبو محمد القاسم بن العلاء (رحمه الله) رفعه، عن عبد العزيز بن مسلم قال: كنا مع الرضا (عليه السلام) بمرو فاجتمعنا في الجامع يوم الجمعة في بدء مقدمنا فأداروا أمر الإمامة وذكروا كثرة اختلاف الناس فيها فدخلت على سيدي (عليه السلام) فأعلمته خوض الناس فيه، فتبسم (عليه السلام) ثم قال: يا عبد العزيز جهل القوم وخدعوا عن آرائهم، إن الله عز وجل لم يقبض نبيه (عليه السلام) حتى أكمل له الدين وأنزل عليه القرآن فيه تبيان كل شئ، بين فيه الحلال والحرام والحدود والأحكام وجميع ما يحتاج إليه الناس كملا، فقال عز وجل * (ما فرطنا في الكتاب من شئ) * وأنزل في حجة الوداع وهي آخر عمره (صلى الله عليه وآله): * (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) * وأمر الإمامة من تمام الدين ولم يمض (صلى الله عليه وآله) حتى بين لامته معالم دينهم وأوضح لهم سبيلهم وتركهم على قصد سبيل الحق وأقام لهم عليا (عليه السلام) علما وإماما وما ترك [ لهم ] شيئا تحتاج إليه الامة إلا بينه، فمن زعم أن الله عز وجل لم يكمل دينه فقد رد كتاب الله ومن رد كتاب الله فهو كافر به، هل يعرفون قدر الإمامة ومحلها من الامة فيجوز فيها اختيارهم ؟ ! إن الإمامة أجل قدرا وأعظم شأنا وأعلا مكانا وأمنع جانبا وأبعد غورا من أن يبلغها الناس بعقولهم أو ينالوها بآرائهم أو يقيموا إماما باختيارهم، إن الإمامة خص الله عز وجل بها إبراهيم الخليل (عليه السلام) بعد النبوة والخلة مرتبة ثالثة وفضيلة شرفه بها وأشاد بها ذكره فقال: * (إني جاعلك للناس إماما) * فقال الخليل (عليه السلام) سرورا بها: * (ومن ذريتي) * قال الله تبارك وتعالى: * (لا ينال عهدي الظالمين) * فأبطلت هذه الآية إمامة كل ظالم إلى يوم القيامة وصارت في الصفوة، ثم أكرمها الله تعالى بأن جعلها في ذريته أهل الصفوة والطهارة فقال: * (ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين * وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين) * فلم تزل في ذريته يرثها بعض عن بعض قرنا فقرنا حتى ورثها الله تعالى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال جل وتعالى: * (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين) * فكانت له خاصة فقلدها (صلى الله عليه وآله) عليا (عليه السلام) بأمر الله تعالى على رسم ما فرض الله، فصارت في ذريته الأصفياء الذين آتاهم الله العلم والإيمان، بقوله تعالى: * (وقال الذين اوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث) * فهي في ولد علي (عليه السلام) خاصة إلى يوم القيامة إذ لا

[ 194 ]

نبي بعد محمد (صلى الله عليه وآله) فمن أين يختار هؤلاء الجهال ؟ ! إن الإمامة هي منزلة الأنبياء وإرث الأوصياء إن الإمامة خلافة الله وخلافة الرسول (صلى الله عليه وآله) ومقام أمير المؤمنين (عليه السلام) وميراث الحسن والحسين (عليهما السلام) ان الإمامة زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا وعز المؤمنين، إن الإمامة اس الإسلام النامي وفرعه السامي " بالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام الحج والجهاد وتوفير الفئ والصدقات وإمضاء الحدود والأحكام ومنع الثغور والأطراف، الإمام يحل حلال الله ويحرم حرام الله ويقيم حدود الله، ويذب عن دين الله ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة والحجة البالغة، الإمام كالشمس الطالعة المجللة بنورها للعالم وهي في الافق بحيث لا تنالها الأيدي والأبصار، الإمام البدر المنير، والسراج الزاهر والنور الساطع، والنجم الهادي في غياهب الدجى وأجواز البلدان والقفار ولجج البحار، الإمام الماء العذب على الظمأ، والدال على الهدى، والمنجي من الردى، الإمام النار على اليفاع، الحار لمن اصطلى به، والدليل في المهالك، من فارقه فهالك، الإمام السحاب الماطر، والغيث الهاطل، والشمس المضيئة، والسماء الظليلة، والأرض البسيطة، والعين الغزيرة، والغدير والروضة، الإمام الأنيس الرفيق، والوالد الشفيق، والأخ الشقيق، والام البرة بالولد الصغير، ومفزع العباد في الداهية النآد، الإمام أمين الله في خلفه وحجته على عباده، وخليفته في بلاده والداعي الى الله والذاب عن حرم الله. الإمام المطهر من الذنوب، والمبرأ عن العيوب. * الشرح: قوله: (في بدء مقدمنا) البدء بفتح الباء وسكون الدال والهمزة والبدئ على فعيل أول الشئ والمقدم بفتح الدال مصدر كالقدوم. قوله: (وخدعوا عن آرائهم) أي وقعوا في شدة ومكروه من جهة آرائهم الفاسدة الخادعة لهم وفي بعض النسخ المصححة " عن أديانهم ". قوله: (إن الله لم يقبض) اعلم أنه (عليه السلام) يبين هنا أمرين أحدهما أن الإمام منصوب من قبل الله تعالى وأنه علي (عليه السلام) وأولاده الطاهرون. ثانيهما: أن للإمام صفات عظيمة ونعوتا جليلة لا يصل إليها عقول البشر فلا يكون تعيينه مفوضا الى اختيارهم ولا يمكن لهم معرفته بآرائهم وسيجئ بيان هذا مفصلا أما بيان الأول فهو على مقدمتين أولاهما: أن الله تعالى لم يقبض النبي (صلى الله عليه وآله) حتى أكمل له الدين لقوله تعالى: * (تبيانا لكل شئ) * وقوله تعالى: * (ما فرطنا في الكتاب من شئ) * وقوله تعالى: * (اليوم أكملت لكم دينكم) * - الآية ودلالة هذه الآيات وأمثالها على ما ذكر واضحة. وأيضا العقل الصحيح يحكم بأنه تعالى إذا بعثه لتكميل أمر يقبح منه أن يقبضه قبل تكميله. وأخراهما: أن

[ 195 ]

أمر الإمامة من كمال الدين وتمامه وهذا متفق عليه بيننا وبين مخالفينا إلا من شذ ولذلك اعتذر والترك دفنه (صلى الله عليه وآله) والاشتغال بتعيين الإمام بأن تعيينه أهم من دفنه لئلا يخلو الزمان من إمام ويلزم من هاتين المقدمتين أن يكون تعيينه من قبله (صلى الله عليه وآله) وإلا لزم خلاف المقدمة الاولى. ثم إنه أقام عليا (عليه السلام) لدلالة الآيات والروايات من طرق العامة والخاصة على ذلك ولأنه ثبت وجوب التنصيص بالامام ولم ينص بغيره إجماعا فهو منصوص. قوله: (وأنزل عليه القرآن فيه تبيان كل شئ) هذا وما عطف عليه إلى قوله (وأمر الإمامة) بمنزلة الدليل للسابق وفي بعض النسخ " فيه تفصيل كل شئ ". قوله: (كملا) الكمل: التمام يقال: أعطه هذا المال كملا أي تمامه وكله والمقصود منه ومما بعده أن كل شئ وكل ما يحتاج إليه الامة في القرآن وأمر الإمامة من جملة الأشياء وأعظم ما يحتاج إليه الامة فهو أيضا في القرآن. قوله: * (ما فرطنا في الكتاب من شئ) * فرط وفرط بالتخفيف والتشديد يتعديان بفي يقال: فرط في الأمر يفرط فرطا من باب نصر وفرط فيه تفرطا أي قصر فيه وضيعه حتى فات ولذا قال القاضي " من " مزيدة و " شئ " في موضع المصدر فإن فرط لا يتعدى بنفسه وقد عدي بفي إلى الكتاب، والمقصود أن الكتاب تام غير ناقص في البيان إذ كل شئ من أمر الدين وغيره فهو مذكور في الكتاب مفصلا في اللوح المحفوظ فإن مشتمل على كل ما يجري في العالم من الجليل والدقيق لم يهمل فيه أمر حيوان ولا جماد بعيد جدا، فان الظاهر من الكتاب هو القرآن ويؤيده أيضا ما قبل هذه الآية وما بعدها. قوله: (وأنزل في حجة الوداع وهي آخر عمره (صلى الله عليه وآله) * (اليوم أكملت لكم دينكم.) * الآية قال بعض العامة ناقلا عن عمر: أن هذه الآية نزلت يوم حجة الوداع في عرفات، وقال مجاهد: نزلت يوم فتح مكة. وقالت الإمامية: إنها نزلت في غدير خم يوم الثامن عشر من ذي الحجة في حجة الوداع بعدما نصب (صلى الله عليه وآله) عليا (عليه السلام) للخلافة بأمر الله تعالى، وقد دلت على ذلك رواياتنا وبعض روايات العامة أيضا، وقد ذكر صاحب الطرائف جملة من رواياتهم منها ما رواه أبو بكر بن مردوية بإسناده إلى أبي سعيد الخدري " أن النبي (صلى الله عليه وآله) دعا الناس إلى غدير خم أمر الناس بما كان تحت الشجرة من الشوك فقم وذلك يوم الخميس، ثم دعا الناس إلى علي (عليه السلام) فأخذ بضبعيه فرفعهما حتى نظر الناس إلى بياض إبط رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم يتفرقا حتى نزلت هذه الآية العظيمة * (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) * فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الله أكبر على كمال الدين وتمام

[ 196 ]

النعمة ورضى الرب برسالتي والولاية لعلي بن ابي طالب (عليه السلام)، اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه. اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله - إلى أن قال: - فقال عمر بن خطاب هنيئا لك يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة " ومنها ما رواه الشافعي ابن المغازلي بإسناده إلى أبي هريرة قال: " من صام يوم ثمانية عشر من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهرا وهو يوم غدير خم لما أخذ النبي (صلى الله عليه وآله) بيدي علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا: بلى يارسول الله، قال (صلى الله عليه وآله): من كنت مولاه فعلي مولاه، فقال عمر بن الخطاب بخ بخ لك يا ابن ابي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة، فأنزل الله عز وجل: * (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) * ومعنى الآية الكريمة بحسب تفسير أهل الذكر (عليهم السلام) اليوم أكملت لكم دينكم بولاية علي (عليه السلام)، وأتممت عليكم نعمتي بإكمال الشرائع بإمامة علي (عليه السلام)، ورضيت لكم الإسلام دينا بخلافته (عليه السلام) " والعامة لما لم يعرفوا ذلك اعترضوا بأنه تعالى لم يزل كان راضيا بدين الإسلام فلم يكن لتقييد رضاه باليوم فائدة، وأجاب القرطبي بأن معنى قوله: * (رضيت لكم الإسلام دينا) * أعلمتكم اليوم برضاي له دينا فلا يرد أنه لا فائدة لتقييد رضاه باليوم، فاعرف قبح الاعتراض وقبح توجيهه وكن من الشاكرين وسيجئ لهذا زيادة توضيح في محله إن شاء الله تعالى. قوله: (وأمر الإمامة من تمام الدين) هذا متفق عليه بين الخاصة والعامة ولذلك بادروا بعد موت النبي (صلى الله عليه وآله) قبل دفنه إلى نصب خليفة واعتذروا عن ذلك بأن نصب الإمام أهم من دفنه لئلا يخلو الزمان بلا إمام، وهذا الاعتذار دل على فساد مذهبهم، تأمل تعرف. قوله: (فمن زعم) يعني من زعم أن الله تعالى يكمل دينه بنصب إمام بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقد رد كتاب الله تعالى وكذبه في قوله * (اليوم أكملت لكم دينكم) * - الآية وقوله: * (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولي الأمر منكم) * وقوله: * (إنما وليكم الله) * - الآية إلى غير ذلك من الآيات الدالة على تمام الدين وكماله بنصب الإمام وتعيين الخليفة. قوله: (فهو كافر به) (1) أي بالله وبكتابه والكفر بإحدهما مستلزم للكفر بالآخر.


1 - قوله: " فهو كافر به " الى هنا استدلال من القرآن على وجوب نصب الإمام من الله تعالى وهو من أقوى البراهين وأوثق الحجج وهذه الرواية وإن كانت بحسب الإسناد مرسلة وضعيفة لجهالة عبد العزيز بن مسلم إذ لم يعرف إلا من هذه الرواية فقط لكن الاعتماد فيها وفي أمثالها على المعنى، وحاصل الحجة أن الإمامة مسألة = (*)

[ 197 ]

قوله: (هل يعرفون) الاستفهام للإنكار وحمله على الحقيقة بعيد والمقصود أن اختيارهم إماما موقوف على معرفة قدر الإمامة ومرتبتها وصفاتها المختصة بها وعلى معرفة محلها المتصف بها وهم قاصرون عن معرفة جميع ذلك فلا مدخل في الإمامة لاختيارهم. قوله: (إن الإمامة أجل قدرا) قدر الشئ مبلغه وشأن الشئ حاله وغور الشئ قعره وعمقه، وهذا دليل على عدم اقتدارهم على معرفة الإمامة وعدم جواز اختيارهم فيها لعجز عقولهم عن إدراك قدر الإمامة ومبلغها لجلالته وعن إدراك شأنها وصفاتها لعظمته وعن الوصول إلى مكانها ومنزلها لعلوه وارتفاعه، وعن الوصول إلى جانب من جوانبها وطريق من طرقها الموصلة إليها لخفائه، وعن إدراك كنه حقيقتها وذاتها لدقته، وإذا عجزت عن إدراكها من هذه الجهات فقد عجزت عن إدراكها مطلقا لأن كل شئ يدرك فإنما يدرك من إحدى هذه الجهات. قوله: (من أن يبلغها الناس بعقولهم) متعلق بأجل وما عطف عليه على سبيل التنازع ووجه الترديد أن المدرك إما معقول صرفا أو معقول بمعونة الحواس وليس في وسعهم إدراك الإمامة بأحد هذين الوجهين إذ لا مدخل للحواس في معرفة الإمامة وليس لعقولهم طريق إلى معرفتها.


= من مسائل الدين وحكم من أحكامه وليست مسألة اجتماعية مفوضة الى آراء الناس واختيارهم نظير أنهم كيف يجب أن يبنوا دورهم ويخيطوا ألبستهم ويزينوا محافلهم ويطبخوا أطعمتهم بل هو من تمام الدين بل من أهم مقاصده ولو لم تكن مسألة دينية جاز سكوت النبي (صلى الله عليه وآله) عنها وعدم نزول حكم من الله فيها كما يعتقد بعض الناس وكان على الناس أن يختاروا ما يستحسنونه ويرونه أولى وأحسن وأوفق لهم وإذا كان من الدين كما قال (عليه السلام) " أمر الإمامة من تمام الدين " فلابد أن يكون الدين كاملا عند موته، ولو لم يبين لكان الدين غير كامل عند رحلة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهذا خلاف القرآن حيث قال: * (اليوم أكملت لكم دينكم) * ثم شرع (عليه السلام) بعد ذلك الحجة القرآنية في ذكر دليل عقلي على نصب الإمام من الله وهي أن الإمامة يشترط فيها شرائط لا طريق للناس الى إحرازها للخلافة كالعلم والعصمة إذ لا يعلم هذه الملكات ووجودها في صاحبها إلا الله تعالى إذ هي ملكة خفية لا علامة لها ظاهرة بحيث يتيقن بوجودها نظير الشجاعة والسخاء والعدالة، ثم ذكر (عليه السلام) مفصلا الشرائط التي يجب إحرازها في الإمام التى يعرف المخالفون أن البشر لا يحيط علما باجتماعها في شخص وإنما العالم بها الله تعالى فقط واستشهد قبل تفصيل ذكر الصفات بنصب الله تعالى ابراهيم (عليه السلام) إماما ومن ذريته وبعد ذلك ذكر (عليه السلام) أدلة وبراهين على أن الإمامة من أهم المسائل الدينية ولا يحتمل أن تكون مسألة سياسية منفكة عن الدين كما يزعمه الجاهلون على ما يذكر إن شاء الله تعالى (ش). (*)

[ 198 ]

وفي جعل قوله (أو يقيموا إماما باختيارهم) قسيما لهما نوع إشعار بأن إقامتهم إماما كان تحكما مجردا عن إدراك الإمامة ومحلها بوجه من الوجوه. قوله: (إن الإمامة خص الله تعالى بها إبراهيم الخليل (عليه السلام)) دليل على قوله " إن الإمامة أجل - إلى آخره " وتوضيح لأن الإمامة تثبت بالنص كما هو مذهب الإمامية من أن تعيين الإمام من قبل الله تعالى ومن قبل رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويلزم سائر الناس ولا مدخلا لاختيارهم في ذلك خلافا للعامة فإنهم ذهبوا إلى أنه ليس ذلك على الله وعلى رسوله واعتقدوا أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مضى ولم يستخلف (1) قال الآبي ناقلا عن القاضي القرطبي: عقد الخلافة يتحقق بأحد الوجهين إما باستخلاف المتولي وإما باتفاق أهل الحل والعقد على رجل ويلزم سائر الناس ولا يلزم مباشرة كل الناس للبيعة وينعقد أيضا بالواحد من أهل الحل والعقد إذا لم يوجد غيره واحتج شارح رجز الضرير بعقدها أبو بكر لعمر وعقدها عبد الرحمن لعثمان، وبعض الشيوخ يضعف هذا الاحتجاج ويقول: إنه ليس بشئ لأن عقدها لعمر وعثمان إنما كان بإجماع الصحابة على ذلك وقال: وإنما يحتج بعقدها بالواحد بمسألة الإجماع إذا لم يكن في العصر إلا مجتهد واحد فإنه يتقرر ويكون قوله وحده إجماعا. أقول: ما ذكره أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يستخلف فهو افتراء على الله تعالى ورسوله لأن كتب اصولهم مشحونة


1 - قوله: " مضى ولم يستخلف " لو كانت الإمامة من الدين لم يجز ترك بيانه من الله ورسوله مخصوصا مع قوله تعالى * (اليوم أكملت لكم دينكم) * فكان الدين كاملا ولم يكن فيه مسألة الإمامة بإعتقادهم فيلزم منه أن لا يكون الإمامة من الدين فبطل تمسكهم بالإجماع والأدلة الشرعية بل كفى أن يقال هذه مسألة غير دينية فللناس أن يفعلوا ما شاؤوا ويختاروا ما أرادوا فدعواهم مبنية على أمرين متناقضين والتمسك بالإجماع في الإمامة نظير التمسك به في إيجاب بناء البيت من اللبن، وطبخ اللحم بالنار وإن كانت من الدين فلابد أن يبينها الله ورسوله كما هو مذهبنا، ولا أدري كيف لم تكن عند اختيارهم من أرادوا مسألة دينية بل مفوضة الى الناس وبعد اختيارهم ونصبهم صارت مسألة دينية وجب على الناس قبولهم وحرم عليهم التخلف وجاز قتل المخالفين وسبيهم شرعا مع أنهم لم يخالفوا إلا في مسألة عرفية وهل يقتل أحد إن خالف غيره في طريقة طبخ طعام أو خياطة ثوب فإن قالوا: مخالفة الإمام فتنة ومفسدة وحل لنظام الاجتماع بخلاف المخالفة في طبخ الطعام وخياطة الثوب، قلنا: الفتنة والفساد وحل نظام الاجتماع إن كانت منهية في الشرع كانت مسألة الإمامة مسألة دينية وان لم تكن منهية لم يجز قتل المخالف وسلبه الى أن هذه المسألة الدينية كيف أهملت ومع ذلك صرح في الآية الكريمة بقوله: * (أكملت لكم دينكم) * وهل هذا إلا تهافت واضح. (ش). (*)

[ 199 ]

باستخلاف علي (عليه السلام) مثل حديث غدير خم ومثل قوله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " غير ذلك مما يوجب ذكره بسطا في الكلام ودل على ذلك أيضا القرآن المجيد في مواضع عديدة والباعث للسابقين منهم على ترك جميع ذلك هو حب الدنيا والميل إلى الرئاسة والشقاوة الأبدية والوساوس الشيطانية وللتابعين عليه هو إتفاق السابقين على غيره بناء على أن الصحابة كلهم مرضيون عندهم، وهذا شئ لا أصل له واتفاقهم ممنوع لما مر من قول شارح الرجز وهو من أعاظم علمائهم ولعدم موافقة سلمان وأبي ذر والمقداد لهم في ذلك ولعدم دخول علي (عليه السلام) وطلحة والزبير والعباس وغيرهم من الجماعة الهاشميين في سقيفة بني ساعدة عند اختيار عمر أبا بكر لهذا الأمر كما صرح به الآبي في كتاب الإمارة من صحيح مسلم. فنحن براء من إمام نصبه فلان وفلان (في الأصل جملة غير مقروءة) دون الناس أجمعين، ثم قال القرطبي: وجب نصب الخليفة خلافا للأصم فإنه قال: لا يجب نصبه، واحتج ببقاء الصحابة دون خليفة مدة التشاور يوم السقيفة وبعد موت عمر. أقول: إن أراد أن وجوب النصب مختص بالامة فلابد لدعوى هذا الاختصاص من دليل وليس، فليس، وهل هذا إلا مثل أن يقال: وجب علينا حفظ مال زيد وعرضه لا على زيد، وإن أراد وجوب نصبه على الإطلاق مع قوله " بأن النبي لم ينصبه " لزم إسناد ترك الواجب إلى النبي ولزمهم أيضا أن من مات في مدة التشاور من المؤمنين أن يكون كافرا لما رووه عنه (صلى الله عليه وآله) " من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية " وقال الآبي: القائلون بأنه لا يجب نصب الإمام في شئ من الأيام بل إن نصب جاز، وإن ترك جاز، إنما هم الخوارج. وأما الأصم فالمحكي عنه التفصيل وهو ما أشار إليه الآمدي حيث قال: ذهب الأصم إلى أنه يجب نصبه عند الخوف وظهور الفتن ولا يجب نصبه عند الأمن وانتصاف الناس بعضهم من بعض للاستغناء عنه وعدم الحاجة إليه. وذهب القرطبي وأتباعه إلى عكس ذلك فقالوا: لا يجب نصبه عند الفتن لأنهم أنفوا من طاعته وقد يقتلونه فيكون نصبه زيادة في الفتن. وذهب أهل السنة وأكثر المعتزلة إلى وجوب نصبه مطلقا لدليل السمع (1) والسمع


1 - قوله: " مطلقا لدليل السمع " وهذا تصريح منهم بأن الإمامة مسألة دينية ويؤخذ وجوبها من الشرع وحينئذ فيجب أن يكون ثابتا في الدين حين نزل قوله تعالى: * (اليوم أكملت لكم دينكم) * ولو كان الدليل الإجماع الحاصل باعتقادهم بعد رحلة الرسول (صلى الله عليه وآله) لزم أن لا يكون الدين كاملا على عهده (صلى الله عليه وآله) وإنما كمل بعد رحلته بالإجماع وهذا خلاف صريح الآية الكريمة. (ش) (*)

[ 200 ]

في ذلك هو الإجماع الواقع في الصدر الأول حتى قال أبو بكر في خطبته: إن محمدا مات ولابد لهذا الدين ممن يقوم به، فبادروا إلى تصديقه وقبلوا قوله، ولم يخالف في ذلك أحد وتبعهم في ذلك التابعون وتابعوهم إلى هلم. وقال بعض الناس: إن دليل وجوب نصبه إنما هو العقل لأن في ترك الناس لا إمام لهم مع اختلاف الآراء فسادا في الدين والدنيا. وقال الآبي: القائل بوجوبه عقلا الإمامية (1) والجاحظ والكعبي وأبو الحسين البصري ثم اختلف هؤلاء، فقال الإمامية: الوجوب في ذلك إنما هو على الله سبحانه وتعالى. وقال الجاحظ وصاحباه إنما الوجوب في ذلك على الخلق. أقول: قول أبي بكر " لابد لهذا الدين ممن يقوم به " إما صادق أو كاذب فعلى الثاني: لزم كذبه وكذب من صدقه وبطلان الإجماع، وعلى الأول: فإما أن يكون النبي (صلى الله عليه وآله) عالما بأنه لابد لهذا الدين من يقوم به أو لم يكن ؟ فعلى الأول: لزم أن يكون النبي (صلى الله عليه وآله) مضيعا لدينه حيث لم ينصب من يقوم به دينه وتاركا للواجب، وعلى الثاني: لزم أن يكون أبو بكر أعلم منه فيما له مدخل في صلاح دينه، ثم أقول على الجاحظ والكعبي وأبي الحسين البصري إنما ذكرتم من دليل العقل إنما دل على وجوب نصبه على الرسول وتخصيصه بالامة لا وجه له، ثم قال الآبي: الأقوال في نصبه ستة: وجوب نصبه على الخلق مطلقا لدليل السمع، ووجوبه لدليل العقل على الله سبحانه، ووجوبه لدليل العقل على الخلق، ووجوب نصبه في الفتن لا في الأمن وعكسه، والسادس عدم وجوبه مطلقا وهو مذهب الخوارج (2).


1 - قوله: " القائل بوجوبه عقلا الإمامية " وغرض أصحابنا أيدهم الله تعالى ان العقل كاشف عن كونه واجبا من الله تعالى وكذلك في كل حكم شرعي يثبت بالعقل كحرمة الغصب أن العقل يكشف عن كونه ثابتا في الشرع لا أنه ليس واجبا شرعا بل عقلا فقط حتى لا يكون من المسائل الدينية. (ش) 2 - قوله: " وهو مذهب الخوارج " تمسكوا بقوله تعالى * (إن الحكم إلا لله) * وأجاب عنهم أمير المؤمنين (عليه السلام) على ما روى في نهج البلاغة: إنها كلمة حق يراد بها الباطل. وهؤلاء يقولون لا إمرة إلا لله. يعني أن الإمرة غير الحكم ولابد من أمير يحكم بحكم الله تعالى لا بحكم غيره ولاريب أن حكم الله لابد أن ينفذه أمير ولذلك لم يتم أمر الخوارج أيضا في زمان إلا بأمير لهم. فإن قيل: سلمنا أن الإمامة واجبة عقلا وشرعا ولا يتم الدين إلا بالإمامة ولكن المقدار المسلم من ذلك إثبات أصل الإمامة ووجود إمام ما ولا يجب تعيين شخصه على النبي ولا على الله تعالى كما أنه أوجب الجهاد والدفاع ونعلم أن ذلك لا يتم إلا بجند ورئيس للجند ولا يجب تعيين رئيس الجند شخصا وكما أوجب تعليم القرآن والفقه وحفظ شعائر الدين ومشاعره ولا يوجب ذلك تعيين = (*)

[ 201 ]

قوله: (وأشاد بها ذكره) أي رفع بها قدره، فالإمامة أرفع منزلة وأعلى مرتبة من النبوة والخلة وإذا لم يكن لاختيار الخلق فيهما مدخل فكيف له مدخل في الإمامة: قوله (فأبطلت هذه الآية إمامة كل ظالم) حيث دلت على أن من صدر منه ظلم على نفسه أو على غيره في وقت الإمامة أو قبلهما لا يصلح للإمامة، فمن عبد الأصنام ولعب بالأزلام في أكثر عمره كيف يكون إماما. قوله: (وصارت في الصفوة) أي صارت بحكم الآية ثابتة في الخاص من الذنوب مطلقا المصطفى المختار من عند الله تعالى ليحصل الوثوق بما صدر منه والأمن من الخطأ في تقرير الشرائع وإجراء الحدود وصرف بيت المال في مصارفه لا في غيره كما فعله عثمان. قوله: * (ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة) * النفل بسكون الفاء والنافلة: عطية التطوع من حيث لا تجب ومنه نافلة الصلاة والنافلة أيضا ولد الولد والزيادة وهي على المعنى الأول حال من كل واحد من إسحاق ويعقوب وعلى الأخيرين حال من يعقوب، أما على الثاني فظاهر، وأما على الثالث فلأن يعقوب زيادة على من سأله إبراهيم (عليه السلام) وهو إسحاق. قوله: * (وكلا جعلنا صالحين) * أي وجعلنا كلهم صالحين موصوفين بصلاح ظاهرهم وباطنهم حتى صاروا كاملين في الحقيقة الإنسانية بالغين حد الكمال قابلين للخلافة والإمامة. قوله: * (وجعلناهم ائمة يهدون بأمرنا) * أي وجعلناهم أئمة للخلائق يهدونهم إلى الحق بأمرنا لهم بذلك وهو صريح في أن تعيين الإمام من قبل الله تعالى غير مفوض إلى اختيار العباد. قوله: * (وأوحينا إليهم فعل الخيرات) * أي أوحينا إليهم بعد تكميل ذواتهم بالعلوم الحقيقية أن يفعلوا الخيرات كلها ليجتمع لهم الحكمة النظرية والعملية ويحصل لهم السعادة الدنيوية والاخروية وهو صريح في أن الإمام يجب أن يكون منعوتا بهاتين النعتين وموصوفا بهاتين


= شخص المعلم وحافظ الشعائر فنقول: أولا: إن في الإمام شروطا لا يطلع عليها الناس كما مر ويأتي إن شاء الله. وثانيا: بعد أن علم أن الإمامة من الدين وكماله فلابد أن لا يكتفي النبي (صلى الله عليه وآله) بإيجابها إجمالا بل إما أن يصرح بأن الأمر مفوض إلى الناس يختارون من شاؤوا وأما أن يصرح بالتعيين، وادعى كثير تصريحه باختيار علي (عليه السلام) في كتاب حديث أو تاريخ وسيرة أنه (صلى الله عليه وآله) قال يوما لأصحابه " فوضت أمر الخلافة بعدي إليكم فانصبوا من شئتم " فإذا لم يكن هذا قطعا ثبت الاحتمال الآخر وهو تعيين علي (عليه السلام)، وأما الإجمال والإبهام فغير محتمل مع ما نعلم من عمل الخلفاء بعده من التعيين أو التفويض إلى أهل الشورى صريحا ولم يكونوا أعقل وأسوس وأحكم تدبيرا وأنظر لحفظ الدين من رسول الله (صلى الله عليه وآله). (ش) (*)

[ 202 ]

الفضيلتين فمن كان موسوما بسمة الجهالة، وموصوفا بصفة الضلالة، ورذيلة الغباوة والحماقة لا يصح أن يكون إماما. قوله: * (وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة) * عطفهما على الخيرات من باب عطف الخاص على العام للإشعار بفضلهما والاهتمام بشأنهما وحذفت التاء من إقام الصلاة للتخفيف مع قيام المضاف إليه مقامها وهو صريح في أن الإمام يجب أن يكون مقيما للصلاة معطيا للزكاة في جميع العمر وأوان التكليف فكيف يكون الثلاثة الذين مضى أكثر اعمارهم في عبادة الأصنام مستحقين للإمامة. قوله: * (وكانوا لنا عبادين) * عطف على " أوحينا " أو حال عن ضمير إليهم بتقدير قد، وإيحاء فعل الخيرات حينئذ لزيادة الترغيب والحث على فعلها وتقديم الظرف بقصد الحصر أي وكانوا عابدين لنا لا لغيرنا ومخلصين في عبادتهم غير مشركين في جميع العمر، كما يشعر به لفظ كانوا وهو صريح في أن من أشرك في وقت من الأوقات لا يجوز أن يكون إماما فكيف يكون الثلاثة الذين أشركوا في أكثر الأوقات أئمة. قوله: (يرثها بعض عن بعض) بنص الأول للآخر بأمر الله تعالى جل شأنه. قوله: (قرنا فقرنا) بالنصب على الظرفية أو على المصدرية وفي النهاية الأثيرية: القرن أهل كل زمان وهو مقدار التوسط في أعمار أهل كل زمان مأخوذ من الاقتران فكأنه المقدار الذي يقترن فيه أهل ذلك الزمان في أعمارهم وأحوالهم. وقيل: القرن أربعون سنة، وقيل: ثمانون، وقيل: مائة، وقيل: مطلق من الزمان وهو مصدر قرن يقرن. قوله: فقال جل وتعالى: * (أن أولى الناس) * أي أخص الناس بإبراهيم وأقربهم منه للذين اتبعوه في عقائده وأعماله وأقواله ظاهرا وباطنا ولم يخالفوه أصلا وهم أوصياؤه (عليهم السلام) وهذا النبي الامي العربي والذين آمنوا بالله من أوصيائه (عليهم السلام) والله ولي المؤمنين ينصرهم لإيمانهم وإرشادهم عباد الله إلى صراطه المستقيم وقد احتج أمير المؤمنين (عليه السلام) في بعض خطبه على أوليته بالخلافة فقال: " وكتاب الله يجمع لنا ما شذ عنا، وهو قوله تعالى: * (واولوا الأرحام بعضهم اولي ببعض في كتاب الله) * وقوله تعالى: * (إن أولى الناس بإبراهيم) * - الآية يعني كتاب الله - يجمع لنا ما ذهب عنا من هذا الأمر وهو هاتان الآيتان، أما دلالة الآية الاولى فلأنه (عليه السلام) من أخص أولي الأرحام بالنبي فهو أولى بالقيام مقامه بحكم هذه الآية. وأما الدلالة الثانية فلأنه (عليه السلام) أقرب الخلق إلى الإيمان به واتباعه وأولهم فقد ظهر أنه (عليه السلام) أولى به وبمنصبه تارة من جهة قرابته وتارة من جهة طاعته واتباعه وعدم مخالفته بوجه من الوجوه.

[ 203 ]

قوله: (فقلدها (صلى الله عليه وآله) عليا (عليه السلام)) أي جعلها لازمة في عنقه لزوم القلائد في الأعناق على رسم ما فرض الله تعالى عليه وامتثال أمره لكونها جلية لا تليق إلا به. قوله: (فصارت في ذريته الأصفياء) وصف الذرية بثلاثة أوصاف أحدها الصفاء المطلق وهو الخلوص عن جميع الأكدار والأعراض عن جميع الأغيار والتوسل إليه تعالى في جميع الأحوال، وثانيها حقيقة العلم ووصفهم بذلك يقتضي أن يكون لهم العلم بجميع الأشياء، وثالثها حقيقة الإيمان وهو يفيد أن لهم أعلى مراتب الإيمان ليشعر بأن المستحقين للإمامة هم الموصوفون بهذه الصفات لأن غيرهم لا يخلو عن ظلم ما والظالم لا ينال الإمامة كما قال سبحانه: * (لا ينال عهدي الظالمين) *. قوله: بقول تعالى: * (وقال الذين أوتوا العلم والإيمان) * الجار متعلق بصارت أو بأتاهم والمجرمون يقسمون يوم القيامة أنهم ما لبثوا في الدنيا أو في القبور غير ساعة لاستقلالهم مدة لبثهم إضافة إلى مدة عذابهم في الآخرة أو نسيانا كما أشار إليه سبحانه بقوله: * (ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون) * أي مثل ذلك الصرف عند التحقيق كانوا يصرفون في الدنيا ويجيبهم الذين أوتوا العلم والإيمان من الأئمة المعصومين والعترة الطاهرة لقد لبثتم في كتاب الله أي في علمه أو قضائه أو اللوح المحفوظ أو القرآن إلى يوم البعث فهذا يوم البعث الذي كنتم منكرين له لرد ما قالوه وحلفوا عليه، وهذا الجواب وإن لم يتضمن تحديد مدة لبثهم لكن فيه دلالة بحسب قرينة المقام على أنها زائدة على ما قالوه كثيرا حتى كأنها لا يحيط بها التحديد. قوله: (إذ لا نبي بعد محمد) دليل لقوله تعالى إلى يوم القيامة يعني أن خلافة النبي (صلى الله عليه وآله) مستمرة في ولد علي (عليه السلام) إلى يوم القيامة إذ لا نبي بعد محمد (صلى الله عليه وآله) حتى تنقطع الخلافة من ولد على (عليه السلام). قوله: (فمن أين يختار هؤلاء الجهال) الفعل إما مجهول والجهال صفة لهؤلاء أو بدل، وإما معلوم والجهال مفعول على الظاهر أو صفة أو بدل على الاحتمال (1) وعلى التقادير فيه إشعار بأن


1 - قوله: " على الاحتمال " هذا الاحتمال أظهر مما سبقه وإن عكس الشارح وسياق الدليل هكذا: الإمامة متوقفة على شرائط وأوصاف خفية لا يعلم وجودها في أحد إلا الله تعالى وهؤلاء الناسبون للإمام جهال لا يعلمون وجودها في أحد فكيف يختارون الإمام وينصبونه وأما أن الإمامة متوقفة على شروط فلما يذكر بعد ذلك، واعلم أن الإمام المنصوب من قبل الناس يجب أن يكون محكوما بحكمهم ومطيعا لهم ومنفذا لإراداتهم لا = (*)

[ 204 ]

طريق اختيارهم مسدود من جميع الجهات. قوله: (إن الإمامة هي منزلة الأنبياء) لما أشار سابقا إلى أن الامامة لجلالة قدرها وعظمة شأنها لا يبلغها عقول الناس وأنها إنما تثبت بالنص وأنها حق علي (عليه السلام) أشار هنا إلى شئ من أوصافها وأوصاف الإمام إيضاحا لما مر وقطعا لتعلق اختيار الخلق بها فقال: " إن الإمامة هي منزلة الأنبياء " أي مرتبة لهم ولمن هو مثلهم في العصمة فالإضافة بتقدير اللام. أو المراد أنها بمنزلة نبوة الأنبياء في أنها أمر جليل مبني على أمر خفي على الناس فكما لا تثبت النبوة لأحد باختيار الخلق كذلك لا تثبت الإمامة باختيارهم. قوله: (وارث الأوصياء) ينتقل من وصي إلى آخر بأمر إلهي ونص نبوي، والإرث أصله ورث والألف منقلبة من الواو وهو في الأصل مصدر تقول: ورثت أبي وورثت الشئ من أبي أرثه بالكسر فيهما ورثا ووراثة وإرثا وكثيرا ما يطلق على ذلك الشئ الموروث كما في هذا المقام. قوله: (إن الإمامة خلافة الله) خليفة الرجل من ينوب منابه في إنفاذ أموره ومن البين أن خليفة الله وخليفة الرسول يجب أن يكون عالما بجميع ما يحتاج إليه الخلق وعارفا بجميع الحقائق وفاعلا لجميع الخيرات وموصوفا بجميع الصفات الجميلة ومنزها عن جميع الصفات الرذيلة. ومن لم يكن كذلك وانتحل اسم الخلافة فهو من الجائرين الهالكين ولذلك لما كتب أبو بكر إلى أبيه وهو في اليمن وأخبره بأن الصحابة جعلوه خليفة لكونه شيخا مسنا كتب إليه أبوه إن كان استحقاق


= آمرا عليهم وقاهرا لهم وبالجملة وظيفته وظيفة الوكيل والنائب لا وظيفة الولي والقيم لأن أصل إمامته كان باختيارهم وإرادتهم فلا يجوز أن يكون فعله مخالفا لهم وبذلك تعلم أن خلافة من نصبوه لا يمكن أن تكون بمعنى وجوب إطاعته وإنفاذ أمره والتسليم لحكمه بل بمعنى أن يستنبط رأيهم ويفتش عن رضاهم وإرادتهم وينفذ ما يريدون نظير الحكومة الديمقراطية أو الدستورية في عهدنا لأن هذا هو اللازم العقلي لنصب الخليفة ثم أنه لا يزيد على سائر مواطنيه بعد النصب في عقل وتدبير ودراية وسائر ما يوجب له تفوقا وإن سلمنا أنه فائق على كل واحد في جميع ذلك لكن لا يزيد عقل الواحد على عقل جميع الناس أيا ما كان سلمنا أنه أعقل من الجميع لكن لا يجوز له إنفاذ حكم عليهم بغير رضاهم بعد أن كان أصل نصبه برضاهم وبالجملة فنصب أحد بالاختيار وطاعته بالإجبار تناقض نظير صنع صنم بيد المخلوق ثم طلب الحاجة منه بعد الصنعة ووجوب الطاعة لا يتصور إلا للإمام المعصوم المنصوب من الله الذي له ولاية إنفاذ الأحكام على الناس سواء رضوا أو كرهوا. (ش) (*)

[ 205 ]

الخلافة بالسن فأنا أولى بها منك وإن كان بالعلم والعمل والقرابة فعلي بن أبي طالب أولى من الجميع فقد ظلمتوه. قوله: (إن الإمامة زمام الدين) الزمام الخيط الذي يشد في البرة أو في الخشاش ثم يشد في طرفه المقود وقد يسمى المقود زماما إضافة الزمام إلى الدين يتضمن استعارة مكنية وتخييلية وإسناده إلى الإمامة من باب حمل المشبه به على المشبه مبالغة في التشبيه ويحتمل أن يكون الجملة استعارة تمثيلية وإسناد نظائرها الثلاثة إليها من باب إسناد المسبب إلى السبب مبالغة في السببية وكون الإمامة زمام الدين ظاهر لأن ضبط الدين وأهله إنما يتحقق بها وكذا كونه مما ينتظم به أمور المسلمين ويحصل به صلاح الدنيا وعز المؤمنين إذ لولا الإمامة لوقع الهرج والمرج (1) والقتل


1 - قوله: " لوقع الهرج والمرج " ما ذكره الشارح يندفع بالإمام غير المعصوم أيضا وإن كان فاجرا ولا يكفي ذلك لإثبات الإمامة التي نقول بها، نعم يكفي ذلك لرد قول الخوارج الذين لا يقولون بوجوب أمير أصلا كما ذكرنا، وإنما نقول بثبوت الإمامة لتحصيل لمدينة الفاضلة، أعني أحسن أقسام الاجتماع كما ورد أنه " يملأ الأرض قسطا وعدلا بعد ما ملئت ظلما وجورا " وهي المدينة التي بحث عنها الفلاسفة ويطلبها جميع الأمم وأول شروطها وأهمها أن يكون أهلها أصحاب الآراء المحمودة حتى يكون الولاة من سنخهم ويقبلون حكم إمامهم من غير تبطؤ ونكير ومن غير أن يكرههم إلا نادرا من المتخلفين والعصاة ولذلك ابتدأ الفارابي في بيان المدينة الفاضلة بذكر آراء أهلها لأن الناس إن لم يكونوا معتقدين للآراء المحمودة لم يستقم أمر المدينة الفاضلة ولو كان الوالي إماما معصوما كما لم يستقم لأمير المؤمنين (عليه السلام) والحسن (عليه السلام) في مدة إمامتهما الظاهرية بل المدينة الطبيعية التي يمكن البحث عن أمرها وآثارها ولوازمها وعن حكومتها وحسنها وقبحها وصلاحها وفسادها سواء كانت مدينة فاضلة أو جاهلة هي أن يكون الناس موافقي الرأي للوالي، فإن كان هو من أهل الفخر والعصبية أو الثروة أو اللذة أو الحرية، كان الناس أيضا مطبوعين على ذلك وإلا كانت المدينة القسرية وكما لا يبحث في العلوم الطبيعية عن مقتضيات القواسر الاتفاقية لعدم إمكان ضبطها وإنما يبحث عن الأمور الطبيعية المخلاة بنفسها كذلك المدينة لا يبحث عن القواسر فيها كلام الإمام (عليه السلام) " إن الإمامة زمام الدين " يدل على ما قلنا، فإن الإمامة لما كانت زمام الدين فلا يتعقل إمامة إلا مع دين يعتقده الناس ويكون الإمام مجريا لأحكام الدين الذي يعتقدونه حتى يكون إمرته طبيعية وعادلة معا وقد حكي عن أردشير بن بابك مؤسس دولة بني ساسان أن الدين والملك توأمان وكان هذا مبنى دولته حتى استقام له ولأولاده الملك مدة أربعمائة سنة مع بطلان دينهم لكن لما كان يجري أحكاما يعتقد الناس كونها حقا من الله موجبة لسعادتهم في الآخرة سهل عليهم = (*)

[ 206 ]

والغارة والنهب وسبي الأولاد وحصل الفساد والعناد والذل والعجز في العباد. قوله: (إن الإمامة اس الإسلام النامي) الاس والأساس أصل البناء، والنامي صفة للمضاف إليه (1) من نمى الشئ ينمي إذا زاد وارتفع، وكذلك كان الإسلام عند بنائه زاد يوما فيوما بإذن الله تعالى وارتفع حتى بلغ غاية الكمال أو صفة للمضاف من نميت الحديث أنميه مخففا إذا بلغته على وجه الإصلاح وطلب الخير، وكذلك يبلغ الإمام (عليه السلام) دين الإسلام إلى الأمة وفي الكلام استعارة مكنية وتخييلية. قوله: (وفرعه السامي) فرع كل شئ أعلاه ويقال: هو فرع قومه الشريف منهم، والسامي: العالي المرتفع من سما يسمو فهو سام إذا علا وارتفع حتى أضل ما تحته ومنه السماء لارتفاعها وإظلالها. قوله: (بالإمام تمام الصلاة) يفهم منه أنه يشترط أن يكون الإمام عالما بالأحكام بصيرا بأمر الحروب وتدبير الجيوش وسد الثغور ومنع الأطراف وأن يكون له من قوة النفس مالا تهوله إقامة الحدود وضرب الرقاب وإنصاف من الظالم وإجراء الأحكام والذب عن دين الله والدعاء إلى سبيله إذ بجميع ذلك يكمل نظام الأنام وصلاح الأيام ويحفظ بيضة الإسلام وهذه الشروط اعتبرها العامة أيضا وجعلوها من الشروط المتفق عليها بين الأمة وإن انتفى جلها في إمامهم لإقرارهم بأن أئمتهم لم يكونوا عالمين بجميع ما أنزل الله تعالى إلى رسول (صلى الله عليه وآله) وأنه (صلى الله عليه وآله) لم يخص أحدا من الأمة بالعلم بجميعه بل علم كل واحد بعضه وأن الإمام قد يرجع في أمر من أمور الدين إلى غيره.


= إطاعته وعليه تنفيذ حكمه بخلاف مالو لم يكن مجريا لما يتدين به الناس. وبالجملة فكلام الإمام (عليه السلام) " الإمام زمام الدين " أصل من أصول علم الاجتماع والعمران وقاعدة من قواعد السياسة أدل على المقصود من كلام من قال: الدين والملك توأمان إذ ليسا شيئين منفردين حتى يطلق عليهما التوأمان بل يتوقف كل منهما على الآخر بحيث لا دين إلا بإمام ينفذه ولا امام إلا بدين يلتزم به الناس. (ش) 1 - قوله: " صفة للمضاف إليه " ويحتمل كونه صفة للأس وإنما صرفه الشارح إلى الاسلام لأن الأس لا ينمو ولكني أرى نسبة النمو إلى الأساس أولى ويقال رفع أساس البناء وفي القرآن * (واذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت) * والقواعد هي الأسس والمعنى أن دين الإسلام أصوله وفروعه تتم وتكمل بسبب الإمام فيجب أن يكون الإمام عالما بأصوله وفروعه ولا يستحق هذا المنصب من لا يهدي إلا أن يهدى. (ش) (*)

[ 207 ]

قوله: (وتوفير الفئ) توفير الفئ عبارة عن قسمته (1) على وفق القانون الشرعي وترك الظلم في تقسيمه وعدم تفريقه في غير وجوهه كما فعله الثلاثة ومن تبعهم. قوله: (ومنع الثغور والأطراف) الثغر: الموضع الذي يكون حدا فاصلا بين بلاد المسلمين والكفار وهو موضع المخافة من أطراف البلاد والأطراف أعم منه. قوله: (ويذب عن دين الله) الذب: الدفع والمنع حذف مفعوله للدلالة على التعميم أي يدفع عن دين الله كل ما لا يليق به من الزيادة والنقصان. قوله: (ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة) المراد بسبيل الله: دينه الحق، وبالحكمة: العلم المحيط به الذي أعطاه من فضله، وبالموعظة الحسنة: النصيحة الخالصة المذكرة للعواقب المجردة عن الغش والخشونة، والحجة البالغة: البرهان القاطع الذي لا يحتمل الشك والشبهة وإنما قيد الدعوة (2) بثلاثة أشياء لأن الداعي وجب أن يكن عالما حكيما والمدعو إن كان سلس القياد يكفيه


1 - بل ازدياد الدخل فإنه يزيد بالعدل. 2 - " قيد الدعوة " العلوم تصوريات وتصديقات. والتصديقيات من جهة المادة على خمسة أقسام: برهان وخطابة وجدل وشعر وسفسطة ولما كان الشعر والسفسطة غير مناسبين لشأن الحجة المنصوب من قبل الله تعالى أمرهم بالدعوة إلى سبيل الله بالحكمة: وهي البرهان، والموعظة الحسنة: وهي الخطابة وقال: * (وجادلهم بالتي هي أحسن) * إشارة إلى الجدل وكلام الإمام هنا يشير إلى هذه الثلاث. والحجة البالغة هي الجدل وعلم من ذلك أن وظيفة الإمام في المدينة الفاضلة ليست صرف حفظ النظم ودفع الهرج والمرج بل أهم من ذلك تعليم الآراء المحمودة وتقريرها حتى يعتقد الناس بها ويطيعوا أمره بسهولة وهذا متوقف على كونه عالما إلهيا قادرا على التعليم بالبرهان كالحكماء وبالخطابة زيادة على ذلك إذ ليس كل حكيم قادرا على بيان الحقائق بلسان العامة كي يفهموا الحقيقة ولا يشمئز طباعهم عنها وقادرا على الاحتجاج بالجدليات إفهاما للخصوم المعاندين ومعلوم أن الجمع بين هذه لا يمكن تحققه إلا فيمن ينصبه الله للخلافة ولم يتفق قط لمعاوية وعبد الملك بن مروان. فإن قيل: أي حاجة إلى علم الإمام بهذه الأمور ؟ ويكفي فيه علمه بالسياسة وتدبير الملك وجمع الفئ وتجنيد الجنود وحفظ الثغور ويفوض أمر التعليم والاحتجاج إلى العلماء الماهرين فيهما قلنا: إما أن يشترط في الإمام كونه معصوما وإما ان لا يشترط فإن اشترط فلا ريب أنه يعرف ما هو وظيفته من غير خطأ ولا نتكلم فيه وإن لم يكن معصوما جاز أن لا يفوض الأمر إلى أهل الحق أو يمنعهم من المفاوضة والاستدلال والاحتجاج كما منعهم معاوية أو يأمر المتظاهرين بالعلم من أهل الدنيا كأبي هريرة بما يريد ترويجه وبالجملة لم = (*)

[ 208 ]

المواعظ والخطابيات المقنعة وإن كان صعبا يفتقر إلى استعمال البراهين القاطعة. قوله: (الإمام كالشمس الطالعة المجللة) (1) يقال: جلل الشئ تجليلا أي عمه وأحاطه،


= نر من غير المعصومين المتصدين للخلافة ما شرطه الإمام (عليه السلام) هنا ولا ما يستحسنه العقل وبعد اشتراط العصمة ترتفع هذه الشبهة بتا. ثم أن قوله: " يحرم حرام الله - الخ " يدل على أن إمامة المعصوم ليس بمعنى الحكومة المطلقة التي يستبشعها جميع الأمم فإنها مقيدة بأحكام الله وليس للإمام أن يحكم إلا بحكمه تعالى وحكم الله تعالى هو الذي قبله العامة وأكثر رعاياه وآمنوا به ويرونه سعادة في الدنيا والآخرة ولا فرق بينه وبين الحكومة الدستورية التي يراها أهل زماننا أحسن أنواع الحكومة والفرق أن الحكومة الدستورية مقيدة بآراء العامة والحكومة الإمامية مقيدة بأحكام الله التي آمن بها العامة أيضا وهي أحسن من الحكومة الدستورية البتة إذ اعتبر فيها مع رضا العامة موافقة أحكامها لإرادة الله الواقعية. (ش) 1 - " الإمام كالشمس الطالعة " لما ذكر (عليه السلام) شرائط الإمامة ووظائفها في حفظ الدين وصيانة أحكام الله تعالى وقد يذهب الوهم إلى أن هذا يمكن لعقلاء الناس الصلحاء العدول ويجوز أن يختاروا من علموا منه العلم والصلاح والقدرة والسياسة، بين (عليه السلام) بطلان هذا الوهم وأن هذه الشرائط بعيد المنال لا يمكن اجتماعها في آحاد الناس، وقد علمنا أن اجتماع الصفات الكثيرة في رجل بحيث يستأهل منصبا أو يتعهد وظيفة أقل كثيرا من وظائف منصب الإمامة أمر نادر غير محقق الوقوع إلا بعد طي قرون كشاعر فصيح عالم حكيم قادر على بث مكارم الأخلاق وغرسها في قلوب الناس، أو عالم ديني جامع بين المعقول والمنقول والحفظ ودقة النظر وذوق التفقه وقوة البيان والمهارة في صنعة التحليل والاقتصاد في الاستدلال بحيث ينتفع بكتبه فإنه قد لا يتفق بعد قرون وربما يرى العامة عالما في زمانهم ولا يحسبونه إلا كأحدهم ثم يمضي الزمان ويعلو شأنه كلما مضى وربما يمر مئات من السنين أو ألف ولا يظهر مثله ومثل كتبه فيعرف أنه كان بمقام شامخ بعيد المنال كالشمس والقمر والنجوم وكانوا يحسبونه قريبا منهم كما ظن فرعون أنه يقدر ببناء الصرح أن يطلع إلى السماء فلما بنى وعلا فوقه رآها كما كان يراها من الأرض وإذا كان هذا شأنه مثلا العلامة ونصير الدين الطوسي والمحقق والشهيد بل والفارابي وأبي علي بن سينا وأرسطو وإفلاطون فكيف بمقام الإمامة وشأنها ومنصبها فالإمام كالشمس يراها الناس قريبا منهم وهو في مقام ومكانة لا يقدر أحد مقدارها وهل يمكن لأحد غير أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يتكلم بما نقل في نهج البلاغه بحيث يخضع له البلغاء لبيانه والحكماء لبرهانه والفقهاء وسائر العلماء كل بما يناسب = (*)

[ 209 ]

والمجلل: السحاب الذي يجلل الأرض بالمطر ويعمها فقد شبه الإمام من حيث أنه مظهر لحقائق الإسلام ومبين لما هو المقصود منها ومنور لعالم قلوب المؤمنين برفع الحجاب والغشاوة عنها بالشمس الطالعة المنورة بنورها للعالم الحسي تشبيها للمعقول بالمحسوس لزيادة الإيضاح وكما أن الشمس في الأفق الحسي بحيث لا تنالها أيدي العباد لارتفاعها ولا أبصارهم لكثرة ضيائها إذ الضوء الساطع يمنع من مشاهدة ما وراءها كذلك الإمام في الافق العقلي وهو افق العقول بحيث لا تناله أيدي الأوهام والخيالات ولا أبصار العقول لارتفاع قدره وكمال نوره وقد مر أن الحواس والعقول قاصرة عن إدراك حقيقة الإمام وصفاته والكلام بهذا التفسير مبني على التشبيه المصطلح ولك أن تجعله استعارة تمثيلية. قوله: (الإمام البدر المنير - الخ) الزاهر المضئ يقال: زهرت النار زهورا أي أضاءت والنور هو الظاهر بنفسه والمظهر لغيره، والساطع: المرتفع، والسطيع: الصبح لأنه يسطع عن الافق والغياهب: جمع الغيهب وهو الظلمة، والدجى: جمع الدجية بالضم وهي الظلمة وقد يعبر بها عن الليل فالإضافة إما بيانية أو بتقدير " في ". والأجواز بالجيم والزاي المعجمة جمع الجوز: وهو وسط كل شئ والجيزة: الناحية، والمراد بها من ما بين البلدان من القفار والقفار بدل منها وأما جعلها جمع الحوزة بالحاء المهملة بمعنى الناحية فهو بعيد لفظا لأنه لم يثبت جمعها كذلك. إذا عرفت هذا فنقول قوله " غياب الدجى " ناظر إلى البدر المنير والسراج الزاهر لتناسب بينهما وبين الليل والمراد أن الإمام كالقمر والسراج المنيرين في غياهب الطبايع البشرية وظلمات العوالم الناسوتية في الاهتداء به إلى المقاصد الدنيوية والاخروية وقوله " أجواز البلدان والقفار " ناظر إلى النور الساطع والمراد أن الإمام كالنور الساطع مثل الصبح إذ به يمكن سير ما بين كل مقامين من المقامات النفسانية.


= مهنته وكل يستحسنه ولم يأت أحد بمثله وكذلك سائر علوم الأئمة (عليهم السلام) ومع ذلك فاعتقادنا أن في كل زمان يوجد رجل بهذه الصفات التي يشترط في الإمام لحاجة الناس إلى مثله وعدم إخلال لطف الله تعالى وحكمته بهذا الواجب كما مر والاحتياج إليه كاحتياج الضال في البحر أو البر إلى هاد والظمآن إلى ماء بارد إلى آخر ما قال (عليه السلام) وكما أنه لم يهمل أمر السحاب والغيث وخلق الشمس والسماء والأرض والعيون والغدر والرياض وطبع في قلب الوالدين البر بالولد والمحبة كيف يمكن أن يهمل أمر الإمامة ولا يخلق رجلا بصفاتها مع أن احتياج الناس إليه أشد من احتياجهم إلى ما ذكر. (ش) (*)

[ 210 ]

وقوله: (لجج البحار) ناظر إلى قلة النجم الهادي والمراد أن الإمام كالنجم الهادي إذ به يهتدي في قطع لجج بحار القوى الإنسانية والسير إلى المقامات الإلهية. قوله: (الإمام: الماء العذب على الظمأ) الظمأ بالتحريك: العطش قال الله تعالى: * (لا يصيبهم ظما) * وبالكسر الاسم شبه الإمام بالماء العذب في رفع العطش والتسبب للحياة إذ كما أن الماء يدفع عطش العطشان ويتسبب لحياة الأبدان كذلك الإمام يدفع العطش الحاصل لنفوس المؤمنين بسبب شدة شوقها إلى اكتساب المعارف وكمال ميلها إلى اقتراف الحقائق ويتسبب لحياتها أبد الآباد. قوله: (والدال على الهدى والمنجي من الردى) الهدى بالضم: الهداية والرشاد يقال: هذا الدين هدى، والردى: الهلاك يعني أن الإمام يدل الخلائق بزواهر أمره إلى طريق الحق والرشاد وينجيهم بزواجر نهيه عن الهلاك والفساد. قوله: (والإمام النار على اليفاع) اليفاع بالفتح: ما ارتفع من الأرض مثل الجبل ونحوه شبه الإمام بالنار في الظهور والدلالة على المقصود وتصرف فيها بأن اعتبر كونها على مرتفع لزيادة المبالغة في الوجه وإفادة كونه على حد الكمال. قوله: (الحار لمن اصطلى به) الاصطلاء: افتعال من صلى النار وهو التسخن بها، شبه الإمام بالنار في دفع البرد إذا كما أن النار يدفع البرودة الحسية كذلك الإمام يدفع البرودة العقلية الناشئة من صرصر أنفاس المعاندين، ويحتمل أن يكون المراد أن الإمام بمنزلة النار المحرقة لمن تصدى بمحاربته ويكون الغرض إظهار شجاعته. قوله: (والدليل في المهالك من فارقه فهالك) ينبغي إسكان الكاف فيهما، والمراد بالهالك: مواضع الزلات ومواطن العثرات، وبالهلاك: هلاك الدنيا والآخرة. قوله: (الإمام، السحاب الماطر والغيث الهاطل) الهطل بالفتح والسكون: تتابع المطر وسيلانه والتركيب إما من حمل المسبب على السبب لأن الإمام سبب للسحاب الماطر والغيث الهاطل إذ لو لم يكن إمام لم يكن سحاب ولا غيث أو من حمل المشبه به على الشمبه والوجه عموم النفع وحصول الرفاهة. قوله: (والشمس المضيئة) شبه الإمام بالشمس إذ كما أن الشمس تنور العالم الجسماني كذلك الإمام ينور العالم الروحاني، ولعل تكرار تشبيهه بالشمس للتأكيد والمبالغة، ويحتمل أن يكون الغرض في السابق إضاءته للعالم وههنا ضياؤه في نفسه. قوله: (والسماء الظليلة) السماء تذكر وتؤنث وهي كل ما علاك فأظلك ومنه قيل لسقف البيت

[ 211 ]

سماء، فوصفها بالظليلة للتأكيد والإشعار بوجه الشبه لأن الإمام يظل العباد عن حرارة عدوان الأنباء كما أن السماء تظلهم عن حرارة البيضاء. قوله: (والأرض البسيطة) وصف الأرض بالبسيطة للإيماء إلى وجه الشبه وهو سعة العيش ورفاهية الخلق. قوله: (والعين الغزيرة) الغزارة: الكثرة وقد غزر الشئ بالضم يغزر فهو غزير، وفائدة الوصف هي الإشارة إلى وجه الشبه وهو كثرة النفع والتسبب للخصب والرخاء أو كثرة العلم الشبيه بالماء. قوله: (والغدير) الغدير: قطعة من الماء يغادرها السيل أي يتركها وهو فعيل بمعنى مفاعل من غادره إذا تركه، أو مفعل من أغدره إذا تركه، ويقال: هو فعيل بمعنى فاعل لأنه يغدر بأهله أي ينقطع عند شدة الحاجة إليه وإنما شبهه بالغدير لأن الناس يرجعون إليه عند الحاجة كما يرجعون إلى الغدير، أو لأنه محل للعلم الذي به حياة الأرواح كما أن الغدير محل للماء الذي به حياة الأشباح. قوله: (والروضة) الروضة: البستان الذي فيه البقل والعشب والأشجار المثمرة وغيرها وإنما شبهه بالروضة لحصول الفرح والسرور بمشاهدته كحصولهما بمشاهدة الروضة أو لاشتماله على أنحاء أثمار العلوم كاشتمال الروضة على أنواع الثمار. قوله: (الإمام الأنيس الرفيق) أنيسك: مصاحبك وصفيك الذي تأنس به في الوحشة. والرفيق المرافق من الرفق وهو ضد العنف والخرق. والإمام مصاحبك في هذه الدار ومؤنسك في وحشة غربتك فيها ورفيقك في السفر إلى الله ولا ترى منه إلا خيرا. قوله: (والوالد الشفيق) وهو لا يريد لك إلا خيرا كالوالد المشفق إلى ولده. قوله: (والام البرة بالولد الصغير) وهو يربيك ويغذيك بالغذاء الروحاني من العلوم والمعارف على أكمل ما يليق بك كما أن الام تربيك وتغذيك من الغذاء الجسماني ما يليق بك. قوله: (ومفزع العباد في الداهية النآد) الفزع بالضم: وهو الخوف، والمفزع: الملجأ في الفزع والإمام مفزع للعباد إذا دهمهم أمر فزعوا إليه ليدفعه عنهم، والداهية: الأمر العظيم. ودواهي الدهر ما يصيب الناس من عظيم نوبه، والنآد: مثل فعال، والنآدي مثل فعالي " رنج وسختى " كذا في الصراح، وقال الجوهري هما الداهية والمال واحد وإنما وصف الداهية بالنآد للمبالغة في عظمتها وشدتها. وكونه مفزعا لهم ظاهر لأن شأنه دفع الجور بالسيف والسنان، والحمل على الصبر في نوائب الزمان. وقوله: (والذاب عن حرم الله) لعل المراد به حرم مكة والإمام يدفع عنه مالا يجوز وقوعه فيه

[ 212 ]

ويمنع الناس من هتك حرمته، ويحتمل بعيدا أن يراد به دينه وحريمه وهي حدوده التي بمنزلة الثغور وإرادة دينه أبعد منه لأنه قد مر أنه يذب عن دين الله. قوله: (الإمام المطهر من الذنوب) (1) مطلقا صغيرة كانت أو كبيرة عملية كانت أو عقلية في وقت الإمامة وقبله ليحصل الوثوق به. قوله: (المبرأ عن العيوب) (2): أي المنزه عن العيوب البدنية والنفسانية الحسبية والنسبية ليتوفر ميل الخلائق إليه ولا يكون لهم فيه غميزة. * الأصل: المخصوص بالعلم، الموسوم بالحلم، نظام الدين، وعز المسلمين، وغيظ المنافقين وبوار الكافرين، والإمام واحد دهره لا يدانيه أحد، ولا يعاد له عالم، ولا يوجد منه بدل، ولاله مثل ولا نظير، مخصوص بالفضل كله من غير طلب منه ولا اكتساب بل اختصاص من المفضل الوهاب، فمن ذا الذي يبلغ معرفة الإمام أو يمكنه اختياره، هيهات، ضلت العقول وتاهت الحلوم وحارت الالباب، وخسئت العيون، وتصاغرت العظماء، وتحيرت الحكماء، وتقاصرت الحلماء، وحصرت الخطباء وجهلت الألباء، وكلت الشعراء، وعجزت الأدباء، وعييت البلغاء عن وصف شأن من شأنه أو فضيلة من فضائله، وأقرت بالعجز والتقصير وكيف يوصف بكله أو ينعت بكنهه أو يفهم شئ من أمره أو يوجد من يقوم مقامه ويغني غناه، لا، كيف وأنى ؟ وهو بحيث النجم من يد المتناولين ووصف الواصفين، فأين الاختيار من هذا وأين العقول عن هذا وأين يوجد مثل هذا ؟ ! أتظنون أن ذلك يوجد في غير آل الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) [ وأهل بيته ] كذبتهم والله أنفسهم، ومنتهم الأباطيل فارتقوا مرتقا صعبا دحضا تزل عنه إلى الحضيض أقدامهم، راموا إقامة الإمام بعقول حائرة بائرة ناقصة وآراء مضلة، فلم يزدادوا منه إلا بعدا، [ قاتلهم الله أنى يؤفكون ] ولقد راموا صعبا وقالوا إفكا


1 - قوله: " الإمام المطهر من الذنوب " شرع في الاستدلال على وجوب كون الإمام منصوبا من جانب الله تعالى كما استدل عليه علماؤنا وتقريره أن من شرط الإمام العصمة والعلم ولا يطلع الناس عليهما حتى يختاروا من فيه هذه الصفة. (ش) 2 - قوله: (المبرأ عن العيوب) الأهم في ذلك والأولى حمله على العصمة التي يشترط في الإمام لأنه (عليه السلام) بصدد الاستدلال على عدم استيهال الناس لنصبه واخياره والعصمة من الذنوب والعيوب كالسهو والنسيان والخطأ وأمثالها شرط لا يطلع عليه الناس. (ش) (*)

[ 213 ]

وضلوا ضلالا بعيدا، ووقعوا في الحيرة إذ تركوا الإمام عن بصيرة * (وزين لهم الشيطان أعمالهم، فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين) * رغبوا عن اختيار الله واختيار رسول الله (صلى الله عليه وآله) [ وأهل بيته ] إلى اختيارهم والقرآن يناديهم: * (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون) * وقال عز وجل: * (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) * - الآية وقال: * (مالكم كيف تحكمون أم لكم كتاب فيه تدرسون أن لكم فيه لما تخيرون أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون سلهم أيهم بذلك زعيم أم لهم شركاء فليأ توا بشركائهم إن كانوا صادقين) * وقال: عز وجل: * (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) * ؟ ! أم * (طبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون) * ؟ ! * (أم قالوا سمعنا وهم لا يسمعون إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون) * أم * (قالوا سمعنا وعصينا) * بل هو * (فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) * فكيف لهم باختيار الامام ؟ ! والإمام عالم لا يجهل، وراع لا ينكل، معدن القدس والطهارة والنسك والزهادة والعلم والعبادة، مخصوص بدعوة الرسول (صلى الله عليه وآله) ونسل المطهرة البتول، لا مغمز فيه في نسب، ولا يدانيه ذو حسب، فيه البيت من قريش، والذروة من هاشم، والعترة من الرسول (صلى الله عليه وآله) والرضا من الله عز وجل، شرف الا شراف والفرع من عبد مناف نامي العلم كامل الحلم، مضطلع بالإمامة، عالم بالسياسة، مفروض الطاعة، قائم بأمر الله عز وجل، ناصح لعباد الله، حافظ الدين الله، إن الأنبياء والأئمة صلوات الله عليهم يوفقهم الله ويؤتيهم من مخزون علمه وحكمه مالا يؤتيه غيرهم، فيكون علمهم فوق علم أهل الزمان في قوله تعالى: * (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدى إلا أن يهدى. فمالكم كيف تحكمون) * وقوله تبارك وتعالى: * (ومن يؤت الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا) * وقوله في طالوت: * (إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم) * وقال لنبيه (صلى الله عليه وآله): * (أنزل عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما) * وقال في الأئمة من أهل بيت نبيه وعترته وذريته صلوات الله عليهم: * (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا) * وإن العبد إذا اختاره الله عز وجل لامور عباده شرح صدره لذلك وأودع قلبه ينابيع الحكمة وألهمه العلم إلهاما فلم يعي بعده بجواب. ولا يحير فيه عن الصواب، فهو معصوم مؤيد موفق مسدد، قد أمن من الخطايا والزلل والعثار، يخصه الله بذلك ليكون حجته [ البالغة ] على عباده وشاهده على خلقه وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو

[ 214 ]

الفضل العظيم، فهل يقدرون على مثل هذا فيختارونه ؟ أو يكون مختارهم بهذا الصفة فيقد مونه تعدوا - وبيت الله - الحق ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، وفي كتاب الله الهدى والشفاء، فنبذوه واتبعوا أهواءهم، فذمهم الله ومقتهم وأتعسهم، فقال جل وتعالى: * (ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين) * وقال: * (فتعسا لهم وأضل أعمالهم) * وقال: * (كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار) * وصلى الله على النبي محمد وآله وسلم تسليما كثيرا. * الشرح: قوله: (المخصوص بالعلم) أي انحصار العلم الإلهي على وجه الكمال فيه وهو بلوغه على حد الكمال في القوة النظرية والقوة العملية وهو المسمى بالحكمة التي (1) أشار إليها جل شأنه بقوله: * (ومن يؤت الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا) *.


1 - قوله: " وهو المسمى بالحكمة " يجب أن يكون الإمام حكيما بتمام معنى الكلمة في القوة النظرية والعملية، وليس المراد منه حفظ اصطلاحات أرسطو وإفلاطون من غير فهم معناها على ما يتبادر إلى ذهن العوام بل يجب أن يكون عالما بمبدأ الوجود ومنتهاه وسر الخلقة وسائر ما ذكره الحكماء من أقسام العلوم النظرية والعملية وأشار إليه الشارح، وبعبارة أجمع أن يكون عالما عقليا مضاهيا للعالم العيني كأنه اجتمع كل مافى الوجود في نفسه الشريفة بوجود عقلي، فلا تتبطؤ عن جواب أي سؤال يرد عليه، قال الفارابي الرئيس الأول من هو على الإطلاق هو الذى لا يحتاج في شئ أصلا أن يرأسه إنسان بل يكون قد حصلت له العلوم والمعارف بالفعل. وقد مضى تمام كلامه فيما سبق من هذا المجلد. والشبهة التى يرد هنا ويختلج في أذهان كثير تندفع بمأمر وهي أنه يجوز أن لا يكون الإمام عالما بالأحكام والأصول ويكون العالم غيره فيرجع إليه ويصدر عن رأيه والجواب أن الإمام إذا لم يكن معصوما جاز أن لا يرجع إلى العالم الحق ولا يطيعه إذا كان مخالفا لهواه ولا يمكن جبره على إطاعة العالم مع كون الجند باختياره والأموال في يده وأهل الدنيا المتملقون يصوبون خطائه، وإن كان معصوما فهو أولى بأن يطاع من كل أحد لأن العصمة لا تنفك عن العلم والذى لا يعلم الحق ولا يميز بين الصواب والخطأ والحق والباطل كيف يكون معصوما وكلامنا في المدينة الفاضلة وأما غير الفاضلة فيجوز أن يكون الرئيس غير عالم والعالم غير معصوم ويرجع الرئيس إن رأى المصلحة إلى العالم غير المعصوم وقد لا يرجع فإن أخطاؤا جميعا فالخطأ مجوز عليهم في المدينة غير الفاضلة. (ش) (*)

[ 215 ]

قوله: (الموسوم بالحلم) الحلم: ملكة تحت الشجاعة وهي الإناءة والرزانة عند الغضب ومجابهته. قوله: (نظام الدين) نظمت اللؤلؤ: أي جمعته، والنظام: الخيط الذي ينظم به اللؤلؤ، وإنما شبه به لأنه ينتظم به لالي المسائل الدينية والعلوم العقلية والنقلية. قوله (وعز المسلمين) لأنه يندفع عنهم ذل طعن الطاعنين وشبهة الجاحدين وصولة الكافرين بحدة سنانه ولطف بيانه وطلقة لسانه (1) وقوة جنانه، وفيه تعميم بعد تخصيص لأنه قد مر أنه عز المؤمنين. قوله: (وبوار الكافرين) البوار: الهلاك وحمله على الإمام على سبيل المبالغة والمراد بإهلاكهم: إبطال عقائدهم بلطف البيان، وإزهاق أرواحهم بالسيف والسنان. قوله: (ولا يعاد له عالم) دل على أنه يشترط أن يكون الإمام أفضل زمانه وهو مذهب الإمامية، وأما مذهب العامة فقال الآبي: لم يشترط ذلك الأكثر يعني أكثر العامة وأجازوا إمامة المفضول مع وجود الأفضل، وفصل القاضي أبو بكر الباقلاني فقال: إن لم يؤد العقل إلى هرج وفساد جاز وإلا لم يجز. ولا يخفى عليك فساد قولهم لأن الإمامة ولاية عامة في الدين والدنيا موجبة لطاعة موصوفها على الاطلاق فلو سئل المفضول بما ليس عنده من أمر الدين وكان عند الأفضل وجب عليه وعلى غيره إطاعة ذلك الافضل فيلزم أن يصير الإمام مأموما فلا يكون الإمام إماما على الإطلاق ومثل


1 - قوله: " ولطف بيانه وطلقه لسانه " هذا الكلام من الشارح في تفسير الحديث يدفع سؤالا يردهنا وهوأن المقصود من الحديث إثبات صفات في الإمام لا تجتمع في غير المعصومين حتى تنحصر فيهم وهذه الصفات الأربع غير خاصة بالمعصوم إذ غير المعصوم أيضا يجوز أن يكون نظام الدين وعز المسلمين إلى آخره لأنه أيضا يجتهد لحفظ ملكه وسلطانه على ما يشهد به التاريخ كما أن خلافة بني العباس لما انقرضت بغلبة المغول ذل المسلمون وتقوضت أركان الدين وبطلت ثقافة الإسلام والتمدن الإسلامي ولم يبق من آثارهم إلا القليل وكذلك بعد انقراض دولة الأتراك بغلبة النصارى نسخت أحكام الإسلام وراجعت شعائر الكفر بل تغيرت الألبسة والعادات وهي من أعظم أمارات الذلة والمقهورية وقبل غلبة النصارى عليهم كان الأمر بعكس ذلك في بلادهم، والجواب أن المقصود العزة والغلبة والنظام بالقوة والشوكة المنضمة إلى العلم ومكارم الأخلاق والآداب الحسنة والآراء المحمودة والعقائد الصحيحة والشرائع العادلة التى تثبت ولا تزول والمعصوم هو القادر على تحقيق هذه الأمور وهو العز الحقيقي للمسلمين وإلا فالقوى الغير المتصف بالآراء المحمودة، محارب قطاع للطريق لا يوجب غلبته عزا ثابتا محمودا. (ش) (*)

[ 216 ]

هذا لا يصلح للإمامة قطعا. قوله: (ولا يوجد - إلى قوله - مخصوص) أي لا يوجد منه بدل مستحق للإمامة والخلافة مع وجود. ولاله مثل في الشرف الذاتي والنسبي ولا له نظير في الفضل والكمال. قوله: (من غير طلب) (1) دل على أن الامام ليس بمجتهد يخرج الأحكام وغيرها بالاستنباطات العقلية خلافا للعامة فإنهم اشترطوا أن يكون الإمام مجتهدا في الأحكام الشرعية ليستقل للفتوى والاستنباطات بناء على أصلهم من أن الإمام لا يجب أن يكون عالما بجميع الأحكام بالنص حتى أنه إذا أخطأ لم يأثم بل يؤجر ويجب على الغير اتباعه. فاعتبروا يا أولي الأبصار. قوله: (فمن ذا الذي يبلغ معرفة الإمام) لما أشار إلى جملة من أوصاف الإمام أشار هنا إلى أن تعيينه خارج عن طوق البشر لأن عقولهم لا تصل إلى صفة مامن صفاته فضلا عن جميعها. قوله: (هيهات هيهات) أي بعد معرفة الإمام وإمكان اختياره عن الخلق بعدا مفرطا وبين بعده بقوله " ضلت العقول إلى آخره " والعقل إذا لم يقدر على الوصول إلى مطلوب يقال: ضل عنه إذا لم يجد طريقه. قوله: (وتاهت الحلوم) الحلم بالكسر: العقل وهو من الحلم بمعني الأناة والتثبت في الامور وذلك من شعار العقلاء ويجمع في القلة على أحلام وفي الكثرة على حلوم بضم الحاء. قوله: (وحارت الألباب): وهي جمع لب وهو العقل وقد ذكر للعقل وقد ذكر للعقل ثلاثة أوصاف: الضلالة والتيه والحيرة، والأول: أن لا يجد طريق المطلوب مع الظن غير طريقه طريقا له. والثاني: الذهاب والحركة في غير طريقه، والثالث: هو الحيرة الحاصلة بعد التيه لعدم وجدان المطلوب. قوله: (وخسئت العيون) في الصحاح خسأ بصره خسأ وخسوءا: أي سدر يعني تحير ومنه قوله تعالى " ينقلب إليك البصر خاسئا " وفي الصراح: الخسوء " خيره شدن چشم ".


1 - قوله " من غير طلب " تصريح بالنتيجة بعد ذكر المقدمات وتقريب الاستدلال أن الإمامة مشروطة بشرائط كالعلم والعصمة وهو واحد في الدنيا لا يدانيه وليس مثله ونظيره وهو مؤيد بقوة إلهية لا يطلع عليها أحد من الناس وله فضل منحه الله من غير طلب اكتساب فلا يمكن أن يكون نصبه مفوضا إليهم مع عدم علمهم بمن حصلت الشرائط فيه، وأيضا إذا كان المتصف بها منحصرا في واحد لم يكن معنى للاختيار والانتخاب إذ الانتخاب لا يتحقق إلا إذا كان هناك جماعة كل واحد يليق لهذا المنصب. (ش) (*)

[ 217 ]

قوله: (وتقاصرت الحلماء) (1): جمع حليم وهو ذو الأناة المتثبت في الامور المتأمل في عواقبها. قوله: (وحصرت الخطباء) الخطيب: الخاطب بالكلام المقتدر على الإتيان به، والمراد بحصره عجزه عن وصف الإمام بما ينبغي له. قوله: (وجهلت الألباء) الألباء بفتح الهمزة وكسر اللام وشد الباء مع المد: جمع لبيب وهو العاقل كالأنبياء جمع نبي، وفي بعض النسخ " الألباب " وهي أيضا جمع لبيب كالأشراف جمع شريف، والمراد بجهل العقلاء عدم إدراكهم وصف الإمام مع عدم ميلهم إلى خلافه وبهذا القيد يمتاز عن الضلالة المذكورة. قوله: (وكلت الشعراء) الكلال: الأعياء يقال: كل فلان إذا أعيا عن التكلم وعجز، والشعراء: جمع شاعر على غير القياس من الشعر بالكسر وهو في اللغة: الشعور بالشئ الدقيق والفطنة، وفي العرف كلام منظوم بأوزان مخصوصة واشتقاق الشاعر من المعنى الأول كاشتقاق الضارب من الضرب ونحوه من المعنى الثاني والثالث كاشتقاق لابن وتامر ونحوهما أي صاحب فطنة وصاحب كلام مذكور. قوله: (وعجزت الادباء) الأدباء بضم الهمزة وفتح الدال: جمع أديب كالكرماء جميع كريم، والأديب هو المالك لآ داب النفس والدرس والعارف بقوانين العقل والنقل، وقد شاع إطلاقه على


1 - قوله: " وتقاصرت الحلماء " أي العقلاء وهذه الجمل الأخيرة الدالة على عجز الناس عن معرفة من يليق بالإمامة دفع لما يظن أن عقلاء الناس وحكمائهم يقدرون على تشريع شرائع وتحكيم أحكام وتأسيس قواعد لنظم الاجتماع وتعيين الرئيس ووظائفة شرائط كما تصدى لذلك حكماء اليونان وبعدهم غيرهم وكما استنبطوا قواعد علوم المنطق والطبيعي والرياضي كذلك يستنبطون قواعد العلوم الاجتماعية وهذا الوهم جار مستمر في ذهن الناس في زماننا هذا وقد بينا في مبدأ كتاب الحجة أن الله تعالى لم يفوض أمر التشريع والحكومة إلى الناس عند المسليمن وذكرنا هناك مذهب النصارى والملاحدة وان الامر عندهم مفوض الى الناس إلا في قليل من الأحكام عند النصارى وذكرنا سابقا أن الإنسان ليس له قوة التميز والحكم في التشريعيات ولم يمنحه الله تعالى قدره على تحقيق الحق فيها والحكم الجازم بها ولذلك لم يتفقوا ولن يتفقوا على شئ واحد في أمر الحكومة وأحسن أقسامها وإن كان الرأي الغالب في زماننا أن أحسن أنحاء الحكومة هي الدستورية ولكن أين هي من المدينة الفاضلة التي نطلبها ونذكر إن شاء الله كلامنا فيها. (ش) (*)

[ 218 ]

العالم بالقوانين العربية. قوله: (وعييت البلغاء) البليغ: هو العارف بقوانين الفصاحة والبلاغة والقادر على تأليف كلام فصيح بليغ. قوله: (عن وصف شأن من شأنه أو فضيلة من فضائله) الجار متعلق بضلت العقول وما عطف عليه على سبيل التنازع، والشأن: الأمر والحال والوصف، ولعل المراد به تصرفاته في عالم الإمكان والأعمال البدنية وهو كل آن وزمان في شأن، وبالفضيلة: العلوم العقلية والكمالات النفسية. قوله: (وأقرت بالعجز والتقصير) أي أقرت العقول والحلوم والألباب وغيرهم من الأصناف المذكورة التي هي أشرف أصناف الخلق بالعجز والتقصير عن معرفة شأن واحد من شؤون الإمام وفضيلة واحدة من فضائله فغيرهم أولى بالعجز. قوله: (وكيف يوصف بكله أو ينعت بكنهه) أي بكل الوصف وبكنه النعت والاستفهام للإنكار لعدم القدرة على معرفة ذلك. قوله: (ويغني غناه) (1) الإمام من يغني الناس بكل ما طلبوه منه من أحوال المبدأ والمعاد


1 - قوله: " ويغني غناه " الفوائد العظيمة المترتبة على وجود الإمام المعصوم المنصوب من الله تعالى لا تترتب على حكومة غيره البتة كيفما كان، وقد ذكر العلماء بهذا الشأن أقسام الحكومة قديما وجديدا ولا يسعنا الآن تفصيل جميعها إلا بإشارة إجمالية إلى بعض ما اشتهر عند الناس حسنها ورجحانها ولاريب أن الحكومة القسرية وهي أن يكون الولاة جماعة مخالفة في الآراء والأهواء للمرؤسين ويقهروهم على قبول آرائهم مباينة بطبيعة الإنسان فإنه خلق مختارا والقهر على خلاف طبيعته والإنسان المقهور على خلاف آرائه كالنبات تحت خباء لا ينمو البتة ولا يورق ولا يثمر، وإن كانت الولاة صالحين والأمة فاسدة فشأن الصلحاء تعليم الناس الآراء المحمودة والأخلاق الفاضلة حتى يستعدوا لقبول حكومة الصلحاء بطبعهم والحكومة الطبيعية أن يكون الأمة موافقة للولاة في آرائها وأهوائها محمودة كانت أو مذمومة وعلى هذا فلا كلام إلا في أقسام الحكومة الطبيعية وهي تابعة لأقسام أهواء الناس وآرائهم، قد ذكر الفارابي في كتابه الموسوم بالسياسات المدنية بعد أن أخرج منهم الإنسان غير المتمدن وسماهم نوابت الاجتماع وشبههم بالشيلم في الحنطة مرة وبالبهائم أخرى وقال: انهم ليسوا مدنيين ولا تكون لهم اجتماعات مدنية أصلا قال: المدنيون على أنحاء كثيرة منها اجتماعات ضرورية، ومنها اجتماع أهل النذالة في المدن النذلة، ومنها الاجتماع الخسيس في المدن الخسيسة، ومنها اجتماع الكرامة من المدن الكرامية، ومنها الاجتماع التغلبي في المدن التغلبية، ومنها اجتماع الحرية في مدينة الجماعة ومدينة = (*)

[ 219 ]

والشرائع وغيرها من الامور الكلية والجزئية التي بها يتم نظامهم في الدنيا والآخرة بحيث يستغنون


= الأحرار. وشرح كل واحد منها وشرائط رئيسهم ووجوه معاشهم وآراء اممهم وأهوائهم ومفاسد كل ما ذكره في مدينة الأحرار وهي الحكومة الديمقراطية في اصطلاح عصرنا وبثبوت عدم كونها مدينة فاضلة تثبت عدم كون غيرها بطريق أولى ولعلنا نشير الى تفسير بعض ما ذكره في موضع آخر. قال أبو نصر الفارابي: فأما المدينة الجماعية فهي المدينة التي كل واحد من أهلها مطلق مخلى بنفسه يعمل ما شاء وأهلها متساوون ويكون سننهم أن لافضل لإنسان على إنسان في شئ أصلا ويكون أهلها أحرارا يعملون بما شاؤوا وهؤلاء لا يكون لأحد منهم على أحد منهم ومن غيرهم سلطان إلا أن يعمل فيما تزاد به حريتهم فتحدث فيهم أخلاق كثيرة وهمم كثيرة وشهوات كثيرة والتذاذ بأشياء كثيرة لا تحصى كثيرة وتكون أهلها طوائف كثيرة متشابهة ومتبائنة لا يحصون كثيرة (إلى أن قال:) ويكون من يراسهم إنما يرأسهم بإرادة المرؤوسين ويكون رؤساؤهم على هوى المرؤوسين وإذا استعصى امرهم لم يكن فيهم في الحقيقة لا رئيس ولا مرؤوس إلا الذين هم محمودون عندهم (.......) ويكون جميع الهمم والأغراض الجاهلية من هذه المدينة على أتم ما يكون وأكثر، وتكون هذه المدينة من مدنهم هي المدينة المعجبة والمدينة السعيدة (.......) وتكون محبوبة محبوب السكنى بها عند كل أحد لأن كل انسان كان له هوى وشهوة ما قدر على نيلها من هذه المدينة فيهرع الأمم إليها فيسكنونها فيعظم عظما بلا تقدير ويتوالد فيها الناس من كل جيل (...) وتجمع فيها الأهواء والسير كلها فلذلك ليس يمتنع إذا تمادى الزمان بها إن ينشأ فيها الأفاضل فيتفق فيها وجود الحكماء والخطباء والشعراء في كل ضرب من الأمور ويمكن أن يتلقط منها أجزاء للمدينة الفاضلة وهذا من حين ما نشأوا في هذه المدينة ولهذا صارت هذه أكثر المدن الجاهلية خيرا وشرا معا وكلما صارت أكبر وأعم وأكثر أهلا وأرحب وأكمل للناس كان هذان أكثر وأعظم. انتهى ما أردنا نقله من كتابه في السياسات المدنية وقد وصف من قبل ألف سنة المدن الديمقراطية الحاضرة كأنه رآها ودخلها وسبر أهلها ولعل من نشأ وتربى مدة من عمره في واشنكتن أو لندن لم يقدر على وصف المدينة بهذه الصفة وبالجملة المدينة الجماعية في اصطلاحه هي التي قبلها كثير من بلاد النصارى في زماننا وحصل فيها ما ذكره الفارابي من وجود الحكماء والخطباء ومع ذلك ليست هي عنده المدينة الفاضلة التي هي الغاية المقصودة لاجتماع الإنسان ولاعند الشيعة الإمامية فإنها المدينة التى أهلها صالحون يجرى فيها أحكام الله تعالى المنزلة على رسوله بيد الإمام المعصوم ومدينة الجماعية لا تخلو عن خطأ وغلط و استئثار وإن كانت تخلو عن الظلم والفتن في الجملة. (ش) (*)

[ 220 ]

عن الطلب من غيره ولا يوجد من يقوم مقامه ويغنيهم كذلك. قوله: (لا) تأكيد للنفي الضمني المستفاد من قوله " وكيف يوصف - إلى اخره " للمبالغة فيه. قوله: (كيف وأنى وهو بحيث - إلخ): أي كيف يوصف بكله وأنى ينعت بكنهه، والحال أنه في غاية ارتفاع قدره وعلو منزلته في مكان النجم وكما لا يصل إلى النجم أيدي الناظرين كذلك لا يصل إليه أيدي أوهام المتوهمين وهو عقول الواصفين. وفيه تشبيه معقول بمحسوس لزيادة الإيضاح والإيماء إلى علة الإنكار. قوله: (أتظنون) لما أشار إلى أن عقولهم قاصرة عن إدراك الإمام وصفاته أشار هنا إلى بطلان ظنهم أن الإمام يوجد في غير آل الرسول (صلى الله عليه وآله). قوله: (كذبتهم والله أنفسهم): أي أنفسهم تكذبهم وتنسبهم إلى الكذب لعلمها بأن من جعلوه إماما من غير آل الرسول ليس بإمام. وإنما فعلوا ذلك لغرض من الأغراض الباطلة الدنيوية. قوله: (ومنتهم الأباطيل) أي أضعفتهم الأباطيل عن الرجوع إلى الحق أو عن إصلاح ما ذهبوا إليه. يقال: منه السير: إذا أضعفه وأعياه ومنت الناقة: حسرتها. ورجل منين أي ضعيف كأن الدهر منه أي ذهب بمنته، والمنة بالضم: القوة، واحتمال أن يكون المراد منت عليهم الأباطيل من المنة بالكسر بعيد لفظا ومعنى فليتأمل. قوله: (فارتقوا مرتقا) الارتقاء: " بالارفتن " والمرتقى: اسم مكان منه، والصعب: خلاف السهل، والدحض بالتسكين والتحريك: الزلق وهو مكان لا تثبت فيه القدم، والحضيض: القرار من الأرض عند منقطع الجبل، والكلام على سبيل التمثيل حيث شبه حالهم في سلوك طريق الدين باختيار إمام لهم بحال من أراد صعود جبل مرتفع وسلك طريقا صعبا زلقا كلما صعد قليلا زلقت قدمه فسقط وانكب إلى حضيضه. كيف الوصول إلى سعاد ودونها * قلل الجبال ودونهن حتوف قوله: (راموا) ترك العطف لأنه استيناف كأنه قيل: لم ارتقوا مرتقا صعبا ؟ فأجاب بأنه راموا (إقامة الإمام بعقول حائرة بائرة) أي غير مدركة لطريق المقصود ولا مطيعة لمرشدها، والحائر: من على وهو النقصان أو من الحيرة، والبائر: الهالك الفاسد الذى لا خير فيه ويقال: فلان حائر بائر إذا لم يتجه لشئ ولا يطيع مرشدا. قوله: (فلم يزدادوا منه إلا بعدا) أي من الإمام أو من الدين بقرينة المقام وذلك لأن عدم معرفة الإمام يوجب بعدا والاعتقاد بغيره يوجب زيادة البعد. قوله: (قاتلهم الله أنى يؤفكون) الإفك بالكسر: الكذب، وبالفتح: الصرف أي كيف يكذبون على

[ 221 ]

الله وعلى رسوله أو كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل وقوله " قاتلهم الله " دعاء عليهم بالهلاك والبعد عن رحمة الله لأن من قاتله الله فهو هالك بعيد عن رحمته، أو تعجب من شناعة عقائدهم وقباحة أعمالهم. قوله: (ولقد راموا) عطف على راموا والتقدير واقسم بالله لقد راموا أكده بالقسم لترويج ما نسب إليهم من ارتقائهم مرتقا صعبا وحيرتهم وإفكهم وازديادهم بعدا. قوله: (إذ تركوا الإمام عن بصيرة) أي عن بصيرة في أمره فدل على أن رجوعهم عن الإمام الحق إلى غيره وضلالتهم في الدين وتحيرهم في أمره لم يكن مستندا إلى الجهل بالامام بل كانوا عالمين به، كيف لا ؟ ! والنصوص في خلافته بلغ حد التواتر معنى وقد سمعها السابقون منهم مشافهة ولم ينص أحد من الأنبياء على وصيه مثل ما نص به نبينا (صلى الله عليه وآله)، أو عن بصيرة في الدين فدل على أنهم ارتدوا عن الدين بعد إسلامهم وقد استشهد لذلك بقوله تعالى " وزين لهم الشيطان أعمالهم " من طلب الإمام باختيارهم فصدهم عن السبيل وهو الصراط المستقيم والإمام الداعي إلى الحق وكانوا مستبصرين أي عالمين بذلك السبيل فتركوه حتى هلكوا، أو قادرين على الاستبصار به حتى يعرفوا ولم يفعلوا، وليس المقصود من الآية ذمهم فقط بل ذم كل من ترك الحق مع العلم به أو مع الاقتدار على طلب العلم به. قوله: (رغبوا - الخ) تأكيد لقوله " تركوا الإمام عن بصيرة " أو استيناف كأنه قيل: لم تركوه عن بصيرة فأجاب بأنهم رغبوا وأعرضوا عن اختيار الله تعالى واختيار رسوله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته إلى اختيارهم بمجر دالتسويلات النفسانية والتدليسات الشيطانية، وأما اختيار الرسول فقد دلت النصوص الصحيحة والمعتبرة والروايات المتواترة من طرق الخاصة والعامة على تعيين علي (صلى الله عليه وآله) للإمامة وقولهم: " لو كانت النصوص متواترة لحصل العلم قطعا من غير اختلاف، مدفوع بأن المتواتر يفيد علما إذا لم تسبق شبهة على خلافه وأما اختيار الله تعالى فقد دلت الآيات الكريمة في مواضع عديدة على ذلك وقد ذكر بعضها سابقا وبعضها هنا ويأتي بعضها في الأبواب الآتية. وقوله (وأهل بيته غير موجود في بعض النسخ المعتبرة. قوله: (والقرآن يناديهم) إلى اختياره وسلب الاختيار عنهم. قوله: * (وربك يخلق) * أي ربك يخلق ما يشاؤه بلا مانع ويختار " ما كان لهم الخيرة " من أمرهم، والخيرة: بمعني التخير كالطيرة: بمعنى التطير ولفظة ما نافية ومفعول يختار محذوف وهو ضمير راجع إلى ما يشاء وقال بعض المفسرين: ما موصوله مفعول ليختار والعائد الراجع إليها محذوف والمعنى يختار الذي كان لهم فيه الخيرة أي الخير والصلاح سبحان الله تنزيها له أن ينازعه أحد في

[ 222 ]

الخلق ويزاحم اختياره اختياره تعالى (عما يشركون) عن إشراكهم في الخلق والاختيار. قال صاحب الطرائف: روى محمد بن مؤمن الشيرازي في تفسير قوله تعالى: " ربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة " بإسناده إلى أنس بن مالك قال: " سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله) " وربك يخلق ما يشاء " قال " إن الله خلق آدم (صلى الله عليه وآله) من طين حيث شاء " ثم قال: " ويختار " إن الله تعالى اختارني وأهل بيتي على جميع الخلق فانتجبنا وجعلني الرسول وجعل علي بن أبي طالب (صلى الله عليه وآله) الوصي ثم قال: - ما كان لهم الخيرة يعني ما جعلت للعباد أن يختاروا ولكني أختار ما أشاء فأنا وأهل بيتي صفوة الله وخيرته من خلقه، ثم قال: " سبحان الله عما يشركون " يعني تنزيه الله عما يشرك به كفار أهل مكة ثم قال: " وربك " يعني يا محمد " يعلم ما تكن صدورهم " من بغض المنافقين لك ولأهل بيتك " وما يعلنون " من الحب لك ولأهل بيتك ". قوله: * (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة) * أي ما جاز لهم. قوله: * (أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) * نفي عنهم الاختيار وأوجب عليهم الرجوع إلى اختيار الله واختيار رسوله في جميع أمورهم ومن جملته اختيار الإمام، قيل: جمع الضمير الراجع إلى المؤمن والمؤمنة لعمومها من حيث أنهما في سياق النفي. قوله: (وقال عز وجل: مالكم كيف تحكمون) خاطب من حكم في أصول الدين وفروعه (1)


1 - " خاطب من حكم في أصول الدين وفروعه " ذكرنا سابقا في مبدأ كتاب الحجة أن أمر التشريع ليس مفوضا إلى الناس وهذه الآيات تدل عليه صريحا وقلنا: إن المخالف ليه من لا يعتقد بالله تعالى وينكر الشرائع ويقول: إن الإنسان مكلف بوضع قوانين لحفظ العدالة وإصلاح أمر المعاش والمتصدون لذلك عقلاؤهم وأهل حنكتهم في الاجتماعيات والسياسيات وأيضا النصارى يفوضون أمر الدنيا إلى أهل الدنيا ولا يثبتون أحكاما دينية في المعاملات والسياسات إلا أحكاما معدودة في النكاح والطلاق وأما المسلمون يجميع طوائفهم فيثبتون نصوصا كثيرة في الأحكام لا يجوز التخلف عنها والعامة يجوزون للفقهاء في غير المنصوص الفتوى بالقياس، وأما مذهب الامامية فعدم التفويض مطلقا في حكم من الأحكام ولا معنى عندهم لاختيار جماعة يقررون قواعد وأحكاما يلتزمون بها كما في بلاد الملاحدة والنصارى، ولا معنى لذلك أيضا عند أهل السنة والجماعة لأنهم مكلفون بمتابعة نصوص الشرع وفتاوى العلماء. ويشمل هذه الآيات اختيار الإمام إذ ليس مفوضا إلى الناس وخالف فيه أهل السنة أيضا والكلام في ذلك يطول وقد بحث عند علماؤنا وكتبوا كتبا وقرروا حججا لا تغنينا عن التكرار والتطويل. والبحث مع الملاحدة في عدم تفويض أصل التشريع إليهم أهم وأولى = (*)

[ 223 ]

بمجرد رأيه وهواه من غير أن يكون له دليل عقلي قطعي أو دليل نقلي أو عهد من الله على تجويزه له ذلك الحكم أو تقليد ممن يثق به وعيرهم بذلك إذ كل حكم لا سند له بأحد هذه الوجوه باطل لا يعتقد به عاقل ومن البين أن أمر الإمامة من أعظم أركان الإسلام فلا يجوز اختيار الخلق له بمجرد الرأي من غير سند. قال القاضي وغيره: فيه تعجب من حكمهم واستبعاد له وإشعار بأنه صادر من اختلال فكر وإعوجاج رأي. قوله: * (أم لكم كتاب فيه تدرسون إن لكم فيه لما تخيرون) * أي أم لكم كتاب نزل من عند الله تعالى إليكم فيه تدرسون وتقرؤون أن لكم ما تختار ونه وتشتهونه قال القاضي: وأصله أن لكم بالفتح لأنه المدروس فلما جئ باللام كسرت. ويجوز أن يكون حكاية للمدروس أو استينافا. وتخير الشئ واختياره أخذ خيره. وفيه إشارة إلى أن ليس لهم دليل نقلي على ذلك الحكم، كما أن في الأول إشارة إلى أن ليس لهم دليل عقلي عليه " أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون " أي أم لكم عهود مؤكدة بالإيمان ثابتة لكم علينا بالغة في التأكيد متناهية فيه. وقوله " إلى يوم القيامة " متعلق بالمقدر في " لكم " أو ببالغة أي ثابته لكم تلك العهود إلى يوم القيامة، أو بالغة ذلك اليوم ولا نخرج عن عهدتها حتى نحكمكم في ذلك اليوم، وقوله " إن لكم لما تحكمون " جواب القسم لأن معنى أم لكم أيمان علينا أم أقسمنا كما صرح به المفسرون. قوله: * (سلهم أيهم بذلك زعيم) * أي سل الحاكمين بمجرد رأيهم واختيارهم أيهم زعيم بذلك الحكم قائم به يدعيه ويصححه بحيث لا يتوجه إليه اللوم والعقوبة به. قوله: * (أم لهم شركاء فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين) * أي أم لهم شركاء ممن يوثق به في هذه الامة وفي الامم السابقة يشاركونهم في تقرير اصول الدين وفروعه واختيار الإمام بمجرد آرائهم فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين في دعواهم إذ لا أقل من التقليد. قال القاضي: قد نبه سبحانه في هذه الآيات على نفي جميع ما يمكن أن يتشبثوا به من عقل أو نقل أو وعد أو محض تقليد على الترتيب تنبيها على مراتب النظر وتزييفا لما لاسند له. قوله: (وقال تعالى * (أفلا يتدبرون القرآن) *) أي أفلا يتصفحون القرآن ولا يتفكرون فيه ليجدوا ما فيه من الوعظ والنصيحة والأمر بالخيرات ومتابعة الرسول والنهي عن قول الزور وغيره حتى لا


= للمسلمين ولم يحوموا حوله كثيرا لوضوحه في الأزمنة السالفة وقلة الملاحدة وواجب علينا في زماننا لكثرتهم وغلبتهم وتأييد النصارى إياهم في الباطن ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. (ش) (*)

[ 224 ]

يجسروا على القول بمقتضى آرائهم، أم على قلوب أقفالها المانعة من دخول الحق المبين فيها وانكشاف أمر الدين لها. قيل: تنكير القلوب لأن المراد قلوب بعض منهم وإضافة الأقفال إليها للدلالة على الأقفال المناسبة لها مختصة بها لا تجانس الأقفال المعهودة. قوله: * (أم طبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون) * أي لا يعلمون ما في متابعة القرآن وموافقه الرسول من السعادة وما في مخالفتهما والقول بالرأي من الشقاوة. والطبع: الختم وهو التأثير في الطين ونحوه، والطابع بالفتح: الخاتم وبالكسر: لغة فيه. وقال صاحب الكشاف: الختم والكتم أخوان لأن الاستيثاق من الشئ بضرب الخاتم عليه كتما وتغطية لئلا يوصل إليه ولا يطلع عليه ثم قال: فإن قلت لم أسند الختم إلى الله تعالى وإسناده إليه يدل على المنع من قبول الحق والتوصل إليه بطريقه وهو قبيح والله تعالى عن فعل القبيح علوا كبيرا لعلمه بقبحه وعلمه بغناه عنه وقد نص على تنزيه ذاته بقوله " وما أنا بظلام للعبيد " " وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين " " إن الله لا يأمر بالفحشاء " ونظائر ذلك مما نطق به التنزيل. قلت: القصد إلى صفة القلوب بأنها كالمختوم عليها وأما إسناد الختم إلى الله عز وجل فلينبه على أن هذه الصفة في فرط تمكنها وثبات قدمها كالشئ الخلقي غير العرضي ألا ترى إلى قولهم فلان مجبول على كذا ومفطور عليه يريدون أنه بليغ في الثبات عليه. وله توجيهات اخر إن أردت معرفتها فارجع إلى تفسير قوله تعالى " ختم الله على قلوبهم ". قوله: * (أم قالوا سمعنا) * كالمنافقين (وهم لا يسمعون) سماع انقياد وإذعان فأنه لا يسمعون أصلا، وهذا كما يقال: فلان لم يسمع نصيحتي إذا لم يعمل بمقتضاها. قوله: * (إن شر الدواب) * أي شر البهائم (الصم) عن الحق (البكم الذين لا يعقلون) إياه، ذم من لم يعمل بالآيات القرآنية ولم يتدبر فيها وعدهم من البهائم التى لا تعقل شيئا وجعلهم شرا لإبطالهم عقولهم التي بها يتميزون من البهائم ومن جملة تلك الآيات ما دل على المنع من القول في الدين بالرأي والاختيار وهم عينوا أعظم أمور الدين وهو الإمام بآرائهم واختيارهم حتى ضلوا وأضلوا. قوله: * (ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون) * أي لو علم الله فيهم خيرا وانقيادا في وقت وإذعانا في حين لأسمعهم إسماعا موجبا لا نقيادهم وإذعانهم فيه ولو أسمعهم كذلك لتولوا وارتدوا بعد الإذعان والتصديق وهم معرضون عنه لعنادهم واستخفافهم إياه. قيل: هذا في صورة قياس اقتراني فيجب أن ينتج لو علم الله فيهم خيرا لتولوا وهذا محال لأنه على تقدير إن يعلم الله فيهم خيرا لا يحصل منهم التولي بل الانقياد. قلت: لا نسلم أن هذا محال

[ 225 ]

بناء على ما فسرنا الآية لأن اللازم على تقديران يعلم الله فيهم خيرا في وقت أن يحصل منهم الانقياد في ذلك الوقت، ولا ينافي ذلك أن يحصل منهم التولي والارتداد بعده. وأجاب عنه بعض المحققين ولعله المحقق الطوسي بعد حمل الخير على السعادة المطلقة الدائمة: بأن المقدمتين مهملتان وكبرى الشكل الأول يجب أن تكون كلية ولو سلم فإنما تنتجان لو كانت الكبرى لزومية وهو ممنوع ولو سلم فاستحالة النتيجة ممنوعة لأن علم الله فيهم خيرا محال إذ لا خير فيهم و المحال جاز أن يستلزم المحال. وقال بعض الأفاضل: وهذا الجواب وأصل السؤال كلاهما باطل لأن لفظ " لو " لم يستعمل في فصيح الكلام في القياس الاقتراني وإنما يستعمل في القياس الاستثنائي المستثني منه نقيض التالي لأنها لا متناع الشئ لا متناع غيره ولهذا لا يصرح باستثناء نقيض التالي لانه معتبر في مفهوم لو فلو صرح به كان تكرارا وكيف يصح أن يعتقد في كلام الحكيم تعالى وتقدس أنه قياس اهملت فيه شرائط الانتاج، وأي فائدة تكون في ذلك وهل يركب القياس إلا بحصول النتيجة، بل الحق أن قوله تعالى ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم " وارد على قاعدة اللغة وهي أن " لو " لا متناع الجزاء لأجل امتناع الشراط، يعني أن سبب عدم الإسماع في الخارج ماهي، ثم ابتدأ قوله " ولو أسمعهم لتولوا " كلاما آخر على طريقة قوله (صلى الله عليه وآله): " نعم العبد صهيب لو لم يخف الله ولم يعصه " يعني أن التولي لازم على تقدير الإسماع فكيف على تقدير عدمه فهو دائم الوجود وهذه الطريقة غير طريقة أرباب الميزان الذين يستعملون لفظ لو في القياس الاستثنائي وغير طريقة أهل اللغة الذين يستعملونه لامتناع الجزاء لأجل امتناع الشرط، وبناء هذه الطريقة على أن لفظ " لو " قد يستعمل للدلالة على أن الجزاء لازم الوجود في جميع الأزمنة مع وجود الشرط وعدمه، وذلك إذا كان الشرط مما يستبعد استلزامه لذلك الجزاء ويكون نقيض ذلك الشرط أنسب وأليق باستلزامه ذلك الجزاء فيلزم استمرار وجود الجزاء على تقدير وجود الشرط وعدمه فيكون دائم الوجود في قصد المتكلم. وقال سعد التفتازاني: يجوز أن يكون الشرطية الثانية أيضا مستعملة على قاعدة اللغة كما هو مقتضى أصل " لو " فتفيد أن التولي منتف بسبب انتفاء الإسماع لأن التولي: هو الإعراض عن الشئ وعدم الانقياد له، فعلى تقدير عدم إسماعهم ذلك الشئ لم يتحقق منهم التولي والإعراض عنه، ولم يلزم من هذا تحقق الانقياد له. فإن قيل: انتفاء التولي خير وقد ذكر أن لا خير فيهم ؟ قلنا: لا نسلم أن انتفاء التولي بسبب انتفاء الإسماع خير وإنما يكون خيرا لو كانوا من أهله بأن اسمعوا شيئا ثم انقادوا له ولم يعرضوا. قوله: * (أم قالوا سمعنا وعصينا) *: أي أم قالوا: سمعنا قول الله تعالى وقول الرسول (صلى الله عليه وآله) في

[ 226 ]

جميع ما جاء به من المواعظ والنصايح والأوامر والنواهي والزواجر الدالة على المنع من الاختراع في الدين وعصيناهما في جميع ذلك أو في بعضه لعدم موافقته للطبع أو للتعاند والتحاسد والتباغض. قوله: (بل هو فضل الله) أي الإمامة أو السماع ومعرفة الإمام فضل الله الذي يمتاز به صاحبه عن غيره يؤتيه تعالى من يشاء من عباده تفضلا وعطية، والله ذو الفضل العظيم، الذين يستحقر دونه نعيم الدنيا ونعيم الآخرة وفيه دلالة على أن الامامة موهبية وكذا معرفتها لمن استعد لقبولها (1). قوله: (والامام عالم لا يجهل) ليس " لا يجهل " للتأكيد بل للاحتراز إذ كل أحد عالم في الجملة وهذا القدر لا يكفي في الإمام بل لابد فيه أن لا يجهل شيئا مما يحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة وإلا لبطل الغرض من الإمامة ووقع الحيرة فوجب أن يكون الإمام ممن خصه الله سبحانه في أصل الفطرة بكمال الفطنة وجودة القريحة وسداد العقل وسرعة الإدراك ورفع الموانع ولاعلم بصفاته تعالى وأحكامه وأحوال العالم كلها. وبالجملة يجب أن يكون أفضل الناس علما وأكملهم خشية وأكثرهم عملا لأن العلم يثمر الخشية والخشية تثمر العمل فمن اجتمعت فيه هذه الأمور كانت العلوم النظرية عنده كالضرورية.


1 - " وكذا معرفتها لمن استعد لقبولها " كلام مجهول المراد غير ظاهر المعنى وأما ما يتوهم من ظاهره من الجبر وأن المعرفة من الله تعالى وليس فعلا اختياريا للعبد فهو باطل جدا لا يريده الشارح البتة مع تمسكه بأصول مذهب الإمامية إذ لاريب عندنا في أن من لا يعرف الإمام معاقب مذموم محجوج بالأدلة القائمة على إمامتهم (عليهم السلام)، ولابد أن يكون مختارا حتى يقام عليه الحجة ولعل الشارح أراد موهبة لا ينافي الاختيار كما هو اعتقادنا في جميع الأفعال الاختيارية بل وجميع الموجودات المتوقفة على الأسباب فإنه لا مؤثر في الوجود إلا الله تعالى وكل سبب وعلة وفاعل سواء كان مختارا أو مضطرا كالفواعل الطبيعية إنما هي معدات والمسبب حاصل بإرادة الله تعالى وفعله فإن من يقتل مسلما ظلما فإنما هو محرك لأسباب القتل وآلاته وأما إزهاق روح المقتول فليس بتأثير القاتل وآلاته بل هو ملك يزهق الأرواح بأمر الله تعالى، وكذلك الناس عليهم تتبع الأدلة والنظر في أصول الاعتقاد والمعرفة حاصلة من الله تعالى بعد النظر الصحيح قهرا فإن أراد الشارح هذا المعنى فهو وإن كان معنى صحيحا لا يناسب سياق كلامه إذ لا يختص بمعرفة الإمام (عليه السلام) بل كل اعتقاد فاسد وعمل قبيح كالقتل ظلما وشرب الخمر وسائر المعاصي بإرادة الله تعالى بهذا المعنى ولا يناسب ذكرها في سياقة أن الإمامة موهبية وبالجملة فكلام الشارح هنا يشبه كلام الأشاعرة. (ش) (*)

[ 227 ]

وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أعلم الناس جميعا باتفاق الأمة ؤ دلت عليه روايات العامة أيضا، روى مسلم أنه (صلى الله عليه وآله) قال: " إني لأعلمكم بالله " وأيضا قال " أني أعلمهم بالله وأشدهم خشية " والعقل الصحيح يقتضي أن يكون نائبة أيضا أفضل الأمة جميعا، ولم يكن غير الأمير الجليل سيد الوصيين موصوفا بهذه الصفة بالاتفاق ولاريب في أن هذه الصفة تبلغ كنهها وكمالها عقول البشر فكيف يجوز لهم اختيار الإمام بآرائهم القاصرة، وعقولهم الناقصة واعلم أن بعض الصوفية قال: إن علوم الأنبياء والأوصياء (صلى الله عليه وآله) ضرورية وسماه كشفا وهذا كلام فيه إجمال إذ يحتمل أن يراد بكونها ضرورية أنهم جبلوا عليها في أصل الفطرة ولم يستعملوا فيها نظرا أصلا، وأن يراد أن النظريات تصير في حقهم ضروريات بعد تحصيلها بالنظر بحيث لا يتأتي الانفكاك عنها ولا يتطرق إليها التشكك كما في العلوم الظرورية والأول أقرب بالنظر إلى مذهبنا. قوله (وراع لا ينكل) في بعض النسخ وداع بالدال المهملة والنكول: الجبن والضعف والامتناع يقال: نكل عن العدو ينكل بالضم أي جبن وضعف و امتنع من الإقدام عليه يعني أن الإمام راعي الامة وحافظهم لا يضعف ولا يمتنع من إجراء الأحكام والحدود عليهم ودفع المضار والعدو عنهم. قوله: (معدن القدس) العدن: الإقامة ومنه سميت جنة عدن أي جنة إقامة يقال: عدن بالمكان يعدن عدنا إذالزمه ولم يبرح منه، والمعدن: اسم مكان منه وهو موضع الإقامة يعني أن الإمام محل إقامة التقدس من العيوب (1) والطهارة من الذنوب ومحل النسك والزهادة أي الإتيان بجميع ما


1 - قوله: " محل إقامة التقدس من العيوب " الظاهر أنه تمهيد لما يأتي بعد ذلك من اشتراط كون الإمام من أهل بيت رسول الله والذرية الطيبة، من كونه معدن القدس كونه في هذا البيت الشريف الذي ظهر منه كل خير، وهذا مبني على قاعدة اللطف الذى يقول به الشيعة الإمامية وإن كل مقرب إلى الطاعة ومبعد عن المعصية يجب على الله تعالى إن لم يوجب الجبر والقهر، ولاريب أن انقياد الناس للبيت الشريف الذى كان عريقا في الرئاسة والكرم والزهد أسهل وحجتهم على المدعين للباطل أقوى ألا ترى أن من ترأس وهو من بيت الملك كان أقوى له في الأمر والناس أطوع له ولو كان بيته من الجبابرة وكان أولاد جنكيز وتيمور يتمسكون لاحقيتهم بالملك بانتسابهم إلى الشجرة الخبيثة ويدحضون بذلك حجة خصومهم وقدرتهم فكيف لو كان بيت الملك كبيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) بيت طهارة وقدس ونبوة وكان ملوك الصفوية لنسبتهم إلى موسى بن جعفر الكاظم (عليهم السلام) اقوى الملوك وأدعم ركنا واحكم أساسا وأحب إلى الرعية من جميع البيوت التى تملكت بعد الإسلام مع مخالفتهم مذهب أكثر أهل البلاد، وكان ملوك بنى العباس يقدحون في نسب الفاطميين ملوك مصر ليقل بذلك اعتبارهم وعزتهم = (*)

[ 228 ]

أمرت به الشريعة وترك جميع ما نهت عنه والظاهر أن النسك هنا بفتح النون وسكون السين: مصدر ليلائم الزهادة وأما النسك بضمها فمع فوات الملائمة يوجب التكرار في العبارة إلا أن يخصص بنوع منها مثل نسك الحج ومحل العلم بجميع الأشياء والعبادة بجميع الأنحاء وفيه قدح في الثلاثة الذين خلفوا إذ ليس فيهم شئ من هذه الامور. قوله: (مخصوص بدعوة الرسول (صلى الله عليه وآله)) الدعوة إما بفتح الدال والمعنى أن الإمام مخصوص بدعوة الرسول له إلى الإمامة لا بدعوة الخلق له إليها أو بدعاء الرسول له بقوله " اللهم وال من والاه " وأمثال ذلك وإما بكسرها أي مخصوص بدعوته إلى الرسول ونسبته إليه. قوله: (ونسل المطهرة البتول) بالرفع عطف على " معدن القدس " أو على " عالم لا يجهل " وبالجر عطف على " دعوة الرسول ". قال محي الدين البغوي: البتل: القطع ومنه صدقة بتلة أي منقطعة عن مالكها ومنه سميت فاطمة البتول لا نقطاعها عن النساء فضلا ودينا وحسبا. قوله: (ولا مغمز فيه في نسب) المغمز: اسم مكان من الغمز وهو الطعن بالعيب وغيره مما يوجب نقض الشأن يعني ليس في نسبه لكونه شريفا رفيعا عيب يطعن به. قوله: (ولا يدانيه ذو حسب) أي ذو شرف ورفعة باعتبار الرفعة النسبية أو باعتبار صفاته الذاتية وكمالاته العرضية. قال ابن الأثير والجوهري: الحسب الشريف بالآباء وما يعده الانسان من مفاخرهم، وقال ابن السكيت: الحسب والكرم يكونان في الرجل وإن لم يكن له آباء لهم شرف. والشرف والمجد لا يكونان إلا بالآباء. قوله: (في البيت من قريش والذروة من هاشم) كان أبو النبي (صلى الله عليه وآله) عبد الله، وأبو علي (صلى الله عليه وآله) أبو


= ولا يرغب في ملكهم المسلمون وبالجملة فإطاعة المسلمين لبيت النبي (صلى الله عليه وآله) أقرب وأسهل وإن كانوا غير معصومين فكيف لو كان المعصوم منهم متصديا للإمامة مع نص رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولما علم الله تعالى أن جعل الإمامة في ذرية رسول الله ونسل المطهرة البتول أسهل لقبول الناس وأقرب لهم الى الطاعة وكان هذا البيت أشهر وأعرف البيوت في العالم وكان معرفتهم قريبة إلى أذهانهم وكان تكليف الناس بتفحص المعصوم من البيوت الخاملة نظير التكليف بما لا يطاق خصهم بهذه الموهبة الشريفة وقد تمسك به قريش في صدر الإسلام على أولويتهم بالأمر من الأنصار بأنهم عترة الرسول والعرب تدين لهم ولا تدين لغيرهم من القبائل وهذا الاحتجاج ثابت في بني هاشم وذرية فاطمة بالنسبة إلى غيرهم واقتبسنا كثيرا من ذلك من كلام هشام بن الحكم (رحمة الله) في مجلس يحيى بن خالد على ما رواه في كتاب كمال الدين على ما يأتي إن شاء الله. (ش) (*)

[ 229 ]

طالب أخوين أبو هما عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب ابن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وهو من أولاد إسماعيل (صلى الله عليه وآله) والمشهور أنه تقرشت قريش من النضر بن كنانة، وكان لكنانة ولد غير النضر ولا يسمون قريشا وقيل: من فهر بن مالك بن النضر، وسبب ذلك أن أولاد النضر كانوا تفرقوا في البلاد لاستيلاء خزاعة عليهم فلما انتقل أمر مكة من خزاعة إلى قصي بن كلاب جمع أولاد النضر في مكة فسموا قريشا لأنهم لم قرشوا: أي لم يجتمعوا، وفي قريش بطون كثيرة، بنو هاشم وبنو المطلب، قيل منهم الشافعي، وبنو أمية ومنهم عثمان، وبنو تيم ومنهم أبو بكر، وبنو عدي ومنهم عمر لو صح نسبه، وبنو جمح، وبنو فهر، وبنو عامر بن لؤي إلى غير ذلك من بطونهم. قال المازري: غير قريش من العرب ليسوا بكفؤ لقريش ولا غير بني هاشم كفؤا لبني هاشم إلا بنو المطلب فإنهم وبنو هاشم شئ واحد. إذا عرفت هذا فنقول: دل هذا الخبر على أن الإمام يجب أن يكون من قريش (1) ومن الأولاد المعروفين لهاشم. وباجملة يجب أن يكون قرشيا هاشميا. وفى أخبار العامة أيضا دلالة واضحة على الأول روى مسلم في كتابه عشرة أحاديث منها ما


1 - قوله: " يجب أن يكون من قريش " قال هشام بن الحكم في احتجاجه على ضرار على ما رواه في كمال الدين في شرائط الإمامة في النسب فأما الأربع الذى في نعت نسبه: بأن يكون معروف الجنس، معروف القبيلة، معروف البيت، وإن يكون من صاحب الملة والدعوة، وإليه إشارة فلم يرجنس من هذا الخلق أشهر من جنس العرب الذين منهم صاحب الملة والدعوة الذي ينادى باسمه في كل يوم خمس مرات على الصوامع أشد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فتصل دعوته الى كل بر وفاجر وعالم وجاهل ومقر ومنكر في شرق الأرض وغربها ولو جاز أن يكون الحجة من الله على هذا الخلق من غير هذا الجنس لأتى على الطالب المرتاد دهر من عصره لا يجده ولو جاز أن يطلبه في أجناس هذا الخلق من العجم وغيرهم لكان من حيث أراد الله أن يكون صلاحا أن يكون فسادا ولا يجوز هذا في حكم الله تعالى وعدله أن يفرض على الناس فريضة لا توجد فلما لم يجز ذلك لم يجز إلا أن يكون في هذا الجنس لاتصاله بصاحب الملة والدعوة ولم يجز أن يكون من هذا الجنس إلا في هذه القبيلة لم يجز أن يكون من هذه القبيلة إلا في هذا البيت لقرب نسبه من صاحب الملة والدعوة ولما كثر أهل هذا البيت وتشاجروا في إلامامة لعلوها وشرفها ادعاها كل واحد منهم فلم يجز إلا أن يكون من صاحب الملة والدعوة إليه إشارة بعينه واسمه ونسبه لئلا يطمع فيها غيره. انتهى كلامه (رحمه الله). (ش) (*)

[ 230 ]

روي عنه (صلى الله عليه وآله) قال: " لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان ". ومنها ما روي عن جابر بن سمرة قال: دخلت مع أبي على النبي (صلى الله عليه وآله) فسمعته يقول: " إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة " ثم تكلم بكلام خفي علي قال: قلت لأبي: ما قال ؟ قال: قال: " كلهم من قريش ". ومنها ما روى أيضا عن جابر بن سمرة بإسناد آخر أنه قال: " سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: " لا يزال الدين قائما حتى يقوم الساعة ويكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش ". قال الآمدي: الشروط المختلفة فيها في الإمامة ستة. منها القرشية وهو المشهور عندنا بل هو مجمع عليه، من أنكره احتج بالإجماع وبالسنة وبالمعقول. أما الإجماع فهو أنه لما قال عمر عند الوفاة: لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا لم يخالجني فيه شك. ولم ينكر ذلك عليه أحد فكان إجماعا. وأما السنة فحديث " اطعه - أي الأمير - ولو كان عبدا حبشيا ". وأما المعقول فإن الغرض من الإمامة السياسة وحماية حوزة الإسلام والقيام بقوانين الشرع وذلك قد يحصل بغير القرشي فلا حاجة إلى نسب، واجيب بمنع الإجماع لأن الرواية عن عمر مختلفة وبعدم صحة الرواية وبعدم حجية الإجماع السكوتي، وعلى تقدير قبول جميع ذلك فقد قيل إنه كان قرشيا وبأن حديث " لو كان عبدا حبشيا " آحاد فلا يعارض الأخبار المتكثرة المذكورة والإجماع وبتقدير تواتره فليس فيه ما يدل على أنه أراد الإمام فلعله أراد السلطان لخوف التقية (1) وغير وليس كل سلطان إماما (2)، وأما المعقول فلا يعارض الإجماع. ومنها الهاشمية وهي ليست بشرط خلافا لطوائف الشيعة، وقولهم باطل للإجماع على صحة إمامة أبي وعمر وليسا بهاشميين. هذا كلامه وفيه نظر لأن الإجماع على إمامتها غير مسلم لإباء كثير


1 - قوله: " لخوف التقية وغيره " اعتراف منه مع كونه من أهل السنة بالتقية. (ش) 2 - قوله: " ليس كل سلطان إماما " والفرق بينهما خفي على مذهبهم فإن الوليد بن يزيد كان إماما وهو الذى خرق المصحف وقال: شرح اصول الكافي - 17 - إذا ما جئت ربك يوم حشر * فقل يا رب مزقني الوليد والأمير اسماعيل الساماني كان سلطانا ونام ليلة والمصحف عند قديميه وهو لا يعلم فقام من نومه وعلم ذلك فبات سبع ليال قائما والمصحف بين يديه كفارة لما صدر منه غفلة. ولعل الفرق هذه النكتة الدقيقة. (ش) (*)

[ 231 ]

من الصحابة عن مبايعتهما باعترافهم أيضا كما ذكرناهم في أول هذا الباب ومنهم أبو ذر (رحمه الله) وضرب الأول (1) إياه ضربا وجيعا وإخراجه عن المدينة مشهور لا ينكره أحد. قوله: (والعترة من الرسول (صلى الله عليه وآله)) كما قال " إني تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي " وفي طريق العامة " خلفت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي " قال الجوهري: عترة الرجل نسله ورهطه الأدنون. وقال ابن الأثير عترة الرجل أخص أقاربه، وعترة النبي بنو عبد المطلب، وقيل: أهل بيته الأقربون وهم أولاده وعلي وأولاده (صلى الله عليه وآله). قوله: (والرضا من الله تعالى) أي الإمام هو المرضي من عند الله تعالى ومن البين أن هذا الوصف لا يعلمها إلا هو فكيف يجوز لأحد أن يجعل غيره إماما لنفسه ولغيره وهو لا يعلم أنه تعالى راض عنه أم لا. قوله: (شرف الأشراف) يعني أن الإمام يجب أن يكون أشرف من كل شريف فكيف يجعلون الثلاثة أئمة مع أن بني هاشم أشرف منهم كما صرح به المازري أيضا قال: غير بني هاشم ليسوا كفؤا لبني هاشم. قوله: (والفرع من عبد مناف) وهو الجد الثالث للنبي وعلي (صلى الله عليه وآله) وفرع كل قوم هو الشريف منهم. وفرع الرجل أول أولاده وكان هاشم أول أولاد عبد مناف وأشرفهم. وأما الثلاثة فأولهم يرفع نسبه إلى تيم بن مرة بن كعب بن لؤي ففي مرة بن كعب وهو الجد السادس للنبي يجتمع معه وثانيهم يرفع نسبه لو لم يطعن إلى عدى بن كعب بن لؤي ففي كعب بن لؤي وهو الجد السابع للنبي يجتمع معه، وثالثهم يرفع نسبه إلى عبد الشمس بن عبد مناف. قوله: (نامي العلم) إما من إضافة الصفة إلى الفاعل من نمى الشئ إذا زاد وعلمه يزداد لأنه محدث، أو من إضافتها إلى المفعول من نمى خيرا إذا بلغه ورفعه كما هو وهو يبلغ علمه ويرفعه إلى الأمة كما هومن غير زيادة ونقصان. قوله: (كامل الحلم) أي كامل العقل أو كامل الأناة والتثبت في الأمور لا يستخفه شئ من المكاره ولا يستفزه الغضب على الرعية بل ينتهي في كل شئ إلى مقداره. قوله: (مضطلع بالإمامة) الاضطلاع: افتعال من الضلاعة وهي القوة يقال: اضطلع بحمله أي قوي عليه ونهض به والإمام قوي عليه ونهض به والإمام قوي على حمل أثقال الإمامة من إجراء الأحكام والحدود وترويج القوانين كما أنزلت من غير تحريف ولا تبديل.


1 - كأنه سهو والصحيح الثالث. (*)

[ 232 ]

قوله: (عالم بالسياسة) (1) سست الرعية سياسة وسوس الرجل أمور الناس على ما لم يسم فاعله إذا ملك أمرهم يعني الإمام عالم بامور الناس وما يصلحهم وما يفسدهم وما ينفعهم وما يضرهم فيحمل كل أحد على ما يتم به نظامه ونظام الكل. قوله: (مفروض الطاعة) قولا وفعلا عملا وعقلا لأنه لا يجوز عليه الخطأ عندنا بوجه من الوجوه، وأما عند العامة فحيث جوزوا فيه الخطأ، قالوا: الإمامة ولاية في الدين والدنيا توجب طاعة الموصوف بها في غير منهي عنه وأما فيه فلا تجب طاعته كما صرح به الآبي في كتاب إكمال الإكمال وأنت إذا رجعت إلى صراحة عقلك تعلم أن من صدر منه منهي عنه في وقت من الأوقات سيما في وقت الإمامة لا يصلح للإمامة لا يصلح للامامة. قوله: (قائم بأمر الله) تعالى أي قائم بإجراء أمر الله تعالى على خلقه، أو قائم بنصه تعالى للإمامة. قوله: (يوفقهم الله) لادراك الحقائق أو للخيرات كلها. قوله: (من مخزون علمه وحكمه) يحتمل أن يعطف حكمه على " مخزون علمه " ويراد بالعلم المخزون العلم بأسرار التوحيد وأسرار القضاء والقدر وغير ذلك مما لا يبلغه إلا عقول الأنبياء والأوصياء (صلى الله عليه وآله) ويراد بالحكمة العلم بالقوانين الشرعية وعللها وإتقان العمل بها يعني الحكمة العملية بأقسامها ويحتمل أن يعطف على علمه ويراد بالعلم: العلم بجميع الأشياء وبالحكمة العلم به مع إتقان العمل في العمليات فيكون من باب ذكر الخاص بعد العام. قوله: (في قوله تعالى * (أفمن يهدي إلى الحق) *) (2) في للسبية أو للظرفية وهو على التقديرين


1 - قوله: " عالم بالسياسة " قال في المواقف: الجمهور على أن أهل الإمامة مجتهد في الأصول والفروع ليقوم بأمر الدين، ذو رأي ليقوم بأمور الملك، شجاع ليقوى على الذب عن الحوزة. وقيل لا يشترط هذه الصفات لأنها لا توجد فيكون اشتراطها عبثا أو تكليفا بما لا يطاق ومستلزما للمفاسد التي يمكن دفعها بنصب فاقدها، نعم يجب أن يكون عدلا لئلا يجور، عاقلا ليصلح للتصرفات، بالغا لقصور عقل الصبي، ذكرا إذ النساء ناقصات عقل ودين - إلى أن قال - فهذه الصفات شروط بالإجماع. (ش) 2 - قوله: " أفمن يهدي " استدلال بالآية الكريمة على اشتراط الإمامة بالعلم بل الأعلمية ولا يمكن أن ينازع فيه مسلم بعد تصريح القرآن في آية لم يدع أحد نسخها واعترف به صاحب المواقف وشارحه عند اختلاف المدعين للخلافة وتشاجرهم في الإمامة، قال: إن لم يقع اختلاف فذاك وإن وقع يجب عندنا تقديم الأعلم فإن = (*)

[ 233 ]

متعلق بيكون أي كون علمهم فوق علم أهل زمانهم بسبب قوله تعالى أو مذكور في قوله تعالى ودلالته على ذلك ظاهر حيث دل على أن كل من يهدي إلى الحق ولا يحتاج في هدايته إلى غيره أحق بأن يتبع ممن لا يهتدي إليه إلا أن يهديه غيره فدل على أن المتبوع لابد أن يكون أعلم من التابع فإذا كان كذلك فكيف يكون الثلاثة أئمة مع وجود علي (عليه السلام) وهو أعلم منهم باتفاق الامة " فما لكم كيف تحكمون " بما يقتضي صريح العقل بطلانه. قوله: * (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا) * ذم الله سبحانه الدنيا وعد ما فيها قليلا حقيرا وعد الحكمة التى آتاها الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) خيرا كثيرا لأنها مبدء لجميع الخيرات الدنيوية والاخروية بل هي نفسها فالمدح والذم والكمال والنقص والتقدم والتأخر إنما هي باعتبارها وجودا وعدما وهذا من أجلى الضروريات فكيف يجوز تقدم الجاهلين على الحكيم الرباني. قوله: (في طالوت) طالوت اسم أعجمي عبري، غير منصرف للعجمة والتعريف وفي المعالم زعم أن أصله طولوت على وزن فعلوت من الطول (1) قلبت الواو ألفا سمي بذلك لطوله وكان أطول من كل أحد برأسه منكبه، وامتناع صرفه يدفع أن يكون منه ولما سأل الله نبيهم إشموئيل باستدعاء قومه أن يبعث لهم ملكا أتي بعصا يقاس بها من يملك عليهم، فلم يساوها إلا طالوت، فقال: هو ملك لكم، فقال قومه: أنى يكون له الملك علينا ويستأهل للإمارة، ونحن أحق بالملك منه لشرافة النسب (2) وكثرة الأموال إذا كان من أولاد بنيامين ولم يكن فيهم النبوة والملك، وكانوا من


= تساويا فالأورع وإن تساويا فالأسن وبذلك تندفع الفتنة انتهى ونقول: لم يعهد في نصب الخلافة إلا الاختلاف، فقال الأنصار: في أول يوم: منا أمير ومنكم أمير، وقال أكثرهم: نختار سعد بن عبادة وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) ومن معه لا يرون الأمر إلا له، فكان الواجب عليهم تقديم الأعلم وهو بالاتفاق أمير المؤمنين (عليه السلام) فهو متعين للخلافة سواء كان عليه نص أو لم يكن وكذلك بقي الاختلاف بعدهم في كل زمان إلا ان يقهر أحدهم عدوه بالسيف وليس للسيف حجة على الحق فما شرطوه في الإمامة لم يتحقق قط ولن يتحقق قطعا إلى يوم القيامة. (ش) 1 - قوله: " فعلوت من الطول " والصحيح أن طالوت غير عربي بل معرب عن كلمة عبرية مع تغيير جوهري في حروفه وكان أصله شاول فهو مثل يحيى معرب يوحانان، وعيسى معرب يشوعا. (ش) 2 - قوله: " لشرافة النسب " إن قيل: ذكرتم في شروط الإمامة شرف النسب وانتسابه إلى بيت النبوة لاقتضاء قاعدة اللطف ذلك، وطالوت كان خاملا فكيف اختير للإمارة من جانب الله تعالى ؟ قلنا: إنما شرطنا ذلك = (*)

[ 234 ]

أولاد لاوي بن يعقوب، وكانت النبوة فيهم ومن أولاد يهودا وكان الملك فيهم، ولم يؤت معه من المال الذي عليه مدار الملك والسلطنة إذ كان فقيرا راعيا أو سقاء يسقي على حمار له من النيل (كذا ؟)، أو دباغا يعمل الأديم، على اختلاف الأقوال. * (فقال لهم نبيهم إن الله اصطفيه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم) * قال القاضي: لما استبعدوا تملكه لفقره وسقوط نسبه رد عليهم ذلك أولا: بأن العمدة، فيه اصطفاء الله وقد اختاره عليكم وهو أعلم بالمصالح منكم، وثانيا: بأن الشرط فيه وفور العلم ليتمكن به من معرفة امور السياسة، وجسامة البدن ليكون أعظم خطرا في القلوب وأقوى على مقاومة العدوو مكائدة الحروب لاما ذكرتم. وقد زاده فيهما وكان الرجل القائم يمد يده فينال رأسه، وثالثا: بأنه تعالى مالك الملك على الإطلاق فله أن يؤتيه من يشاء، ورابعا: بأنه واسع الفضل يوسع على الفقير ويغنيه، عليم بمن يليق بالملك من النسب وغيره. أقول: إذا تأملت فيه عرفت أن اختيار الرئيس لله تعالى لا للخلق لعلمه بالمصالح، وأن مناط التقدم هو زيادة العلم بسياسة العباد وكمال القوة على إجزاء الأحكام والحدود وأن الخلق معزولون عن الاختيار فدل ذلك على بطلان اختيارهم في ثلاثة. قوله: (وقال لنبيه (صلى الله عليه وآله)) قد من الله تعالى على نبيه بانزال الكتاب والحكمة وتعليم الأسرار والشرايع وعد ذلك فضلا عظيما إذ لا يوازيه شئ من النعماء وعليه مدار الرسالة والتبليغ والغرض المطلوب من إيجاد الإنسان. ومن البين أن نائبه والقائم مقامه وجب أن يكون عالما بجميع ذلك لتصح النيابة ويتم الغرض فالجاهل بشئ من ذلك لا يصح أن يكون إماما. قوله: (أم يحسدون الناس) اريد بالناس وبآل إبراهيم أهل البيت والعترة (صلى الله عليه وآله) وهم المحسودون بما آتاهم الله من فضله من العلم والعمل والعزة والتقدم على جميع الخلائق، وجعلهم ورثة الكتاب


= لأن معرفته في بيوت النبوة أسهل على الناس وأطوع لهم، وأما طالوت فكان النبي وهو اشموئيل حاضرا في عهده وصرح بأنه مختار من الله تعالى للملك فعرفه الناس ولم يشكوا في صدق نبيهم وكانوا طالبين له منقادين لكل من نصبه بأمر الله تعالى فكان نصب اشموئيل لطالوت ملكا كنصب نبينا (صلى الله عليه وآله) ابن أم مكتوم في حياته ولا يشترط في مثله الانتساب إلى بيت النبوة بخلاف الإمام الأعظم المطاع لجميع الأمة بعد رحلته (صلى الله عليه وآله) بتمادي الزمان ومضي القرون. (ش) (*)

[ 235 ]

والحكمة النبوية وآتاهم ملكا عظيما وهي رئاسة الدارين، فمن الأمة من آمن بما آتاهم ومنهم من صد وأعرض عنه ولم يؤمن به، وكفاهم إن لم يعذبوا في الدنيا بجهنم سعيرا أي نار مسعورة ملتهبة معذبون بها في الآخرة. قوله: (وإن العبد إذا اختاره) دل على أنه وجب أن يكون الإمام عالما بجميع مسائل الدين وغيرها مما يحتاج إليه العباد باستعداد ذاتي وإيداع إلهي وإلهام رباني حتى لا يعجز بعده عن الجواب ولا يتعب ولا يوقع في التحير فيه عن الصواب بالتشكيك ونحوه، وهذا مذهب الإمامية وقال الآبي: كون الإمام على هذا الوصف غير معتبر فيه وإنما المعتبر فيه كونه بحيث يقدر علي استنباط الحكم بالنص أو برأيه، ورد الآمدي على الإمامية بأنهم إن أرادوا بكون الإمام عالما بالجميع أن يكون متهيأ قابلا للعلم به عند الحاجة من النص والاستنباط، فهذا لا خلاف فيه (1) لأن


1 - قوله: " فهذا لا خلاف فيه " ما ادعاه غير صحيح لأنهم وإن اشترطوا أول الأمر كون الإمام عالما لكن قالوا بعد ذلك إن لم يكن حصوله مجتمعا مع سائر الشرائط ممكنا جاز اختيار الجاهل. وفى المواقف قيل: لا يشترط هذه الصفات، يعني الاجتهاد في الفروع والأصول والشجاعة والرأى لأنها لا توجد فيكون اشتراطها عبثا أو تكليفا بمالا يطاق ومستلزما للمفاسد التى يمكن دفعها بنصب فاقدها انتهى. وهذا ظاهر في عملهم لأنهم متفقون على صحة إمامة بني أمية وبني العباس مع عدم كونهم مجتهدين، فقول الآبي دعوى شهد أصحابه أنفسهم ببطلانها وإنما ادعاها دفعا للاستهجان وتبريا من نسبة أفحش المقالات إلى أصحابه، والحاصل أنهم إن ارادوا من الإمام الوالي والملك والأمير لأمن البلاد ودفع الفتن فهذا حاصل بالبر والفاجر والعالم والجاهل والمؤمن والكافر وقد يحصل في دولة الكفار أمن وعدالة لم يحصل في دولة الخلفاء كما نقل في عهد أوكتاي من ملوك التتار، وفي بلاد يحكم فيها النصارى عدل لا يخطر مثله ببال أحد من المسلمين وقد لا يصدقه من لم يعهد العدل أصلا في بلاده، وإن أرادوا من الإمام حفظ الدين وإنفاذ أحكام الله تعالى وتقرير ما أراده تعالى من عباده بالحكمة والقدرة فهو شئ زائد على معنى الأمير لا يتصور بدون العلم كما أن المعالج يجب أن يكون عالما بالطب فإن لم يوجد غرض الإمامة من فاقد علم الدين وإن لم يوجد العالم به وسائر ما ذكروه هوسات باطلة وترهات. دعاهم إلى نسجها حفظ عرض ملوكهم الموتى وتصحيح مظالهم في القرون الماضية، وإنما يتملق من الاحياء لا من الأموات ولا داعي إلى النظر في أفعال الماضين إلا بعين الحق فما الفائدة في تبرئة معاوية وأمثاله من سائر الظلمة الماضين وإثبات الفضائل الدينية والكمالات النفسانية بعد أن انقطعت يده من الكنوز ولا يرجى جوائزه وكان لمعاصريه عذر حين تملقوا له ولم يكن هو على ما قرره في المواقف من شرائط الإمام إلا ملكا من ملوك = (*)

[ 236 ]

عندنا يشترط أن يكون الإمام مجتهدا وإن أرادوا أن يكون حافظا للجميع فهو للإجماع على صحة إمامة أبي بكر وعمر وعثمان ولم يكونوا كذلك وقد كان الواحد منهم يسأل غيره عن النصوص الواردة في النازلة، وأيضا لو اشترط ذلك في الإمام لاشترط ذلك في نائبه من قاض وغيره. هذا كلامه، ولا يخفى ما فيه لأن الإجماع على إمامة شيوخهم لم يثبت وقد مر ذلك، وأما ما ذكر من سؤالهم فهو حق دال على جهالتهم والجاهل لا يكون إماما للعالم كما يحكم به العقل الصحيح، وأما النقض بالنائب فليس بشئ إد قد يكون في الأصل ما ليس في الفرع على أنا نقول لا يجوز للنائب أن يحكم برأيه بل يجب عليه الرجوع إلى إمامه. قوله: (فهو معصوم) عصمة الإمام شرط في صحة إمامته وإلا لم يكن بينه وبين غيره فرق ولم يحصل للرعية وثوق بقوله وفعله وهو مذهب أكثر طوائف الشيعة خلافا للأشعرية والمعتزلة والخوارج وجميع فرق العامة واحتجوا بالإجماع على إمامة أبي بكر وعمر وعثمان مع الإجماع على أنهم لم يكونوا معصومين والإجماع الأول لم يثبت وقد عرفت آنفا حاله إجمالا، وأما التفصيل فليس هذا موضعه. قوله: (مؤيد) مؤيد: اسم مفعول من الأيد وهو الشدة والقوة يعني جعله الله تعالى ذا قوة في الحرب وآدابه وفى الدين وأحكامه ووفقه للعلم بجميع الخيرات ووجوه مصالحها وسدده للقصد من القول والعمل وقوله " من الخطاء " - بفتح الخاء وقد يمد وهو ضد الصواب، أو بكسرها وهو الذنب والإثم - ناظر إلى المؤيد لأن كما قوته في الدين يمنعه من الخطأ. وقوله: (والزلل) ناظر إلى الموفق لأن توفيقه للعالم بجميع الخيرات يمنعه من زلة عقله فيه. وقوله " والعثار " ناظر إلى المسدد لأن تسديده للقول والعمل يمنعه من العثار فيهما (1) والسقوط


= العرب والتكلم في أخلاقه وصفاته كالتكلم في نعمان بن منذر وجذيمة الأبرش، والإمام إن كان شيئا فوق الأمير والملك فهو ما يقول الإمامية وإن كان هو الأمير والملك فلا يشترط فيه شئ أصلا من الصفات التي ذكروها وإن كان فيه صفات فهو من قبيل حكم العقل في أمور الدنيا كاحتياج البستان إلى الماء والبيت إلى السقف. (ش) 1 - قوله: " يمنعه من العثار فيهما " كلام الإمام (عليه السلام) من قوله فهو معصوم مؤيد إلى قوله " والله ذو الفضل العظيم " في متن الحديث تصريح باشتراط العصمة وتعريفها وبيان الدليل على ولم يخالف فيه أحد من الإمامية فهو من الأحاديث المجمع على صحة مضمونها وقد نقل أهل السنة أيضا اشتراط العصمة من مذهب الإمامية = (*)

[ 237 ]

عن منهج صوابهما. قوله: (فهل يقدرون على مثل هذا) أي على معرفة مثل هذا والاستفهام للإنكار لأن الصفات الجليلة المذكورة لا يصل إليها عقول العباد. قوله: (كأنهم لا يعلمون) أي لا يعلمون الحق والكتاب. وفى لفظ كان إشعار بأنهم فعلوا ذلك عامين إلا أن فعلهم لما كان شبيها بفعل الجاهلين شبههم بهم. قوله: (ومقتهم وأتعسهم) مقته مقتا أبغضه وهو مقيت وممقوت، وأتعسه أهلكه. والتعس:


= والإسماعيلية بل نقله المؤرخون عن الكيسانية في قصة المختار وإنهم كانوا يدعون عصمته، وأما ما ينسب إلى الصدوق من نسبة السهو في الصلاة الى النبي (صلى الله عليه وآله) وما روى من نسيان زين العابدين (عليه السلام) قراءة الحمد في الصلاة أو أكل الرضا (عليه السلام) البيض التى قومر بها جاهلا ثم تقيأ وما التزم به بعض فقهائنا المتأخرين من أن علم الإمام بالموضوعات غير واجب فيجوز ان لا يعلم انطباق وزن الكر على مساحته مثلا فلاعبرة بجميع ذلك. أما الروايات فلعدم تواترها ولا حجة لغير المتواتر في أصول الدين. وأما قول من لم يتدبر في الأصول الاعتقادية فلا يعتني به فيما لا يتعلق بفنه، وأما قول الصدوق عليه الرحمة فسهو منه وهو أولى بالسهو من النبي (صلى الله عليه وآله) كما أن راوي الخبر وهو ذو اليدين أولى بالسهو من الصدوق رحمه الله إذ ربما يسهو الراوي في فهم ما وقع ونقله لأنه من طبقة العامة، وبالجملة فلا ريب عندنا في اشتراط العصمة واستدل عليه الإمام (عليه السلام) في هذا الحديث بقوله: ليكون حجة على عباده وهو برهان واضح استدل عليه علماؤنا أيضا على وجوب العصمة وذلك لأن من يحتمل خطاؤه عمدا أو سهوا أو نسيانا لم يكن قوله وفعله وتقريره حجة إذ لا يجوز أن يفعل حراما سهوا ولا غضاضة عليه فيه فلا حجة في فعله أو يعمل أحد في محضره عملا لا يلتفت إليه حتى ينهاه فلا يكون تقريره حجة ونعلم أن الشيعة بل جميع المسلمين استدلوا على جواز كثير من الأفعال وصحتها بأن النبي (صلى الله عليه وآله) فعله مرة واحدة أو فعل عنده ولم يمنع عنه مرة واحدة فإن قيل: يتمسكون بأصالة عدم السهو وأصالة الالتفات وأمثال ذلك. قلنا: فيلزم منه حصول الظن من قول الحجة لا حصول اليقين فإذا قام على خلافة أمارة أقوى جاز التخلف عنه إلى الظن الأقوى والحق أن نسبة الظن إلى النبي والإمام ينافي اللطف ويوجب رفع الاطمينان وعدم إلتزام الناس بإطاعة قول من يظن منه الغلط نعم لا يبعد من المداولين للظنون والملابسين لاتباع المرجحات الخضوع للظن بحسب العادة لكن الناس مطلقا ليسوا كذلك فإذا قيل لهم: يجوز أن يغلط الإمام ويسهو في أحكامه رفضوا متابعة الدين وأحكام الله تعالى ولا يريد الملاحدة في زماننا من الناس إلا ذلك وما التوفيق إلا بالله وأنا استغفر الله من ذكر السهو عند ذكر المعصومين (عليهما السلام) سلام الله عليهم أجمعين وإن أدانا إليه الضرورة. (ش) (*)

[ 238 ]

الهلاك وأصله الكب وهو ضد الانتعاش. قوله: (ومن أضل) نفى ظاهرا زيادة الضلالة عن غير من اتبع هواه وأثبتها باطنا لهم وأكد ذلك بقوله " بغير هدى من الله " وهو حال عن فاعل اتبع للتأكيد، وأما جعله للتقييد والاحتزاز باعتبار أن هوى النفس قديو افق الحق فهو مدفوع لأن اتباع الهوى من حيث هو مذموم، ثم أشار إلى طبع قلوبهم وسوء عاقبتهم مؤكدا بقوله: * (إن الله لا يهدي القوم الظالمين) * لأنفسهم بمتابعة هواها لإبطالهم الاستعداد الفطري ووغولهم في الجهل المركب المانع من قبول الحق والهداية. قوله: (وقال: فتعسا لهم) قال الجوهري يقال: تعسا لفلان أي ألزمه الله هلاكا فهو منصوب بفعل مقدر وقوله: (وأضل أعمالهم) أي أبطلها فلم يجدوا لها أثرا عند ما يجد العاملون أثر أعمالهم عطف على ذلك المقدر. قوله: (وقال كبر مقتا) أي كبر الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان وحجة أتاهم بل بمجرد رأي أو تقليد أو شبهة باطلة مقتا عند الله وعند الذين آمنوا بالله وبرسوله وكتابه والأئمة الطاهرين، ويحتمل أن يكون فاعل " كبر " ضمير المقت أي كبر المقت مقتا، ثم أشار إلى السبب الباعث لهم على ذلك بقوله وكذلك أي كبر المقت مثل ذلك الجدال لأجل أنه يطبع الله على كل قلب متكبر عن سماع آيات الله جبار يقهر غيره على ما أراد ظلما، وإنما قدم الكل على القلب لإفادة شمول الطبع والظلمة. وقد عرفت معنى الطبع آنفا (1). الأصل * 2 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن إسحاق ابن غالب، عن أبي عبد الله (صلى الله عليه وآله) في خطبة له يذكر فيها حال الأئمة (صلى الله عليه وآله) وصفاتهم: إن الله عز وجل أوضح بأئمة الهدى من أهل بيت نبينا عن دينه وأبلج بهم عن سبيل مناجه وفتح بهم عن باطن ينابيع علمه، فمن عرف من امة محمد (صلى الله عليه وآله) واجب حق إمامه وجد طعم حلاوة إيمانه، وعلم فضل طلاوة إسلامه، لأن الله تبارك وتعالى نصب الإمام علما لخلقه، وجعله حجة على أهل


1 - قوله: " وقد عرفت معنى الطبع آنفا " يعني في تفسير قوله تعالى * (طبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون) * المذكور في هذا الحديث الشريف وهذا آخر الكلام في شرحه وهو حديث جامع لأكثر مسائل الإمامة حاو لجميع أصولها بالبرهان الواضح ولم أرها مجتمعة في غيره ولا يستطيع أحد أن يؤدي حق تفسير هذا الحديث والله الهادي إلى سواء السبيل. (ش) (*)

[ 239 ]

مواده وعالمه، وألبسه الله تاج الوقار، وغشاه من نور الجبار، يمد بسبب إلى السماء، لا ينقطع عنه مواده، ولا ينال ما عند إلا بجهة أسبابه، ولا يقبل الله أعمال العباد إلا بمعرفته، فهو عالم بما يرد عليه من ملتبسات الدجى ومعميات السنن ومشبهات الفتن، فلم يزل الله تبارك وتعالى يختارهم لخلقه من ولد الحسين (صلى الله عليه وآله) من عقب كل إمام يصطفيهم لذلك ويجتبيهم، ويرضى بهم لخلقه ويرتضيهم، كل ما مضى منهم إمام نصب لخلقه من عقبه إماما علما بينا وهاديا نيرا وإماما قيما وحجة عالما، أئمة من الله، يهدون بالحق وبه يعدلون، حجج الله ودعاته ورعاته على خلقه، يدين بهديهم العباد، وتستهل بنورهم البلاد، ينمو ببركتهم التلاد، جعلهم الله حياة للانام ومصابيح للظلام ومفاتيح للكلام ودعائم للإسلام، جرت بذلك فيهم مقادير الله على محتومها. فالإمام هو المنتجب المرتضى والهادي المنتجى والقائم المرتجى، اصطفاه الله بذلك واصطعنه على عينه في الذر حين ذرأه وفي البرية حين برأه، ظلا قبل خلق نسمة عن يمين عرشه، محبوا بالحكمة في علم الغيب عنده، اختاره بعلمه، وانتجبه لطهره، بقية من آدم (صلى الله عليه وآله) وخيرة من ذرية نوح، ومصطفى من آل إبراهيم، وسلالة من إسماعيل، وصفوة من عترة محمد (صلى الله عليه وآله). لم يزل مرعيا بعين الله، يحفظه ويكلؤه بستره، مطرودا عنه حبائل إبليس وجنوده، مدفوعا عنه وقوب الغواسق ونفوث كل فاسق، مصروفا عنه قوارف السوء، مبرءا من العاهات، محجوبا عن الآفات، معصوما من الزلات، مصونا عن الفواحش كلها، معروفا بالحلم والبر في يفاعه، منسوبا إلى العفاف والعلم والفضل عند انتهائه، مسندا إليه أمر والده، صامتا عن المنطق في حياته، فإذا انقضت مدة والده، إلى أن انتهت به مقادير الله إلى مشيئته وجاءت الإرادة من الله فيه إلى محبته، وبلغ منتهى مدة والده (صلى الله عليه وآله)، فمضى وصار أمر الله إليه من بعده، وقلده دينه، وجعله الحجة على عباده، وقيمه في بلاده، وأيده بروحه وآتاه علمه وأنبأه فضل بيانه واستودعه سره، وانتدبه لعظيم أمره وأنبأه فضل بيان علمه ونصبه علما لخلقه وجعله حجة على أهل عالمه وضياء لأهل دينه والقيم على عباده. رضي الله به إماما لهم، استودعه سره واستحفظه علمه واستخبأه حكمته واسترعاه لدينه و انتدبه لعظيم أمره وأحيابه مناهج سبيله وفرائضه وحدوده، فقال بالعدل عنه تحير أهل الجهل وتحيير أهل الجدل بالنور الساطع والشفاء النافع بالحق الأبلج والبيان اللائح من كل مخروج، على طريق المنهج الذي مضى عليه الصادقون من آبائه (صلى الله عليه وآله) فليس يجهل حق هذا العالم إلا شقي ولا يجحده إلا غوي ولا يصد عنه إلا جري على الله جل وعلا.

[ 240 ]

الشرح * قوله: (أوضح - إلى قوله - عن دينه (1) أي أبان وأظهر كاشفا عن دينه. قوله: (وأبلج بهم عن سبيل منهاجه) البلوج الإشراق والإضاءة، والبلجة بالضم والفتح: ضوء الصبح. والنهج والمنهج والمنهاج: الطريق الواضح المستقيم. وإضافة السبيل إليه من باب إضافة العام إلى الخاص. وفي الكلام استعارة تمثيلية أو مكنية وتخييلية بتشبيههم بالشمس في الإضاءة ورفع ظلمة الحجاب وذكر الإبلاج إلا أنه تصرذف، ونسب الإبلاج إليه جل شأنه للتنبيه على أن أنوار علومهم لدنية قوله: (ومنح بهم عن باطن ينابيع علمه) (2) في بعض النسخ " وفتح بهم " والمنح: العطاء شبة العلم بالينبوع في تجتده انا فآنا من المفيض، أو في كثرة نفعه أو في جريانه في أراضي القلوب من


1 - قوله " أوضح - إلى قوله " أقول: هذا حديث صحيح معتبر من جهة الإسناد والمضمون اعني موافقة أصول المذهب وراويه إسحاق بن غالب وابن عربي صميم ثقة وخطبة أبي عبد الله (عليه السلام) كأنها كانت لجماعة من اصحابه وغيرهم من المخضرمين عند المنافسة بين الدولتين وترديد الناس في أن الحق مع أيهما فبين (عليه السلام) أن الحق ليس لواحد منهما وكلاهما أجنبي عن هذا المنصب الشريف. (ش) 2 - قوله: " ينابيع علمه " بين (عليه السلام) معنى الإمام وأنه ليس لمجرد الإمارة ونظم البلاد ودفن الفتن. بل يزيد عليه بزيادة العلم القدسي والرابطة مع الله تعالى ووظيفته توضيح أحكام الدين وبيان منهاج الوصول إلى قرب رب العالمين وهو رئيس المدينة الفاضلة التي بينها الحكماء وأنما الإمارة جزء من وظائفه وحق من حقوقه، ولو كان الإمام مرادفا للأمير وكان وظيفته نظم الدنيا وأمن البلاد فقط كما توهمه جماعة لكان حريا بأن لاتعد الإمامة من المسائل الدينية لامن أصولها ولامن فروعها كما أنه ليس البحث عن طريق بناء البيت وصنعة الباب وطبخ الطعام ومقدار الملح فيه ومدة كون القدر على النار حتى ينضج ما فيها وما يحتاج إليه الفلاح والتاجر من عدد الأكرياء والخدم وأمثال ذلك من مسائل الدين والناس مفوض إليهم الأمر فيها وكان نظم الدنيا واختيار أحسن الطريق وأسهلها وأصلحها في الحكومة أيضا مفوضا إليهم ولكنها لحفظ الدين وشرح معضله وتبيين مجمله وتطبيق أعمال الناس على أحكامه وتفسير شرائعه وإجراء حدوده على ما بينه الله تعالى زائدا على الإمارة ومشروطة بشرائط خاصة بها فبحث أهل السنة عنها بحثا دينيا مع أنهم لا يريدون من الإمام إلا ما يراد من أمير من الأمراء فاسقا كان أو عادلا أو ظالما خبط وتعسف عن الطريق فهذا الذي بدأ به الإمام (عليه السلام) هو الأصل والمبني الذي ينبغي أن يحرر حتى يمكن البحث عن فروعه. (ش) (*)

[ 241 ]

بعضها في بعض أوفي إحيائها وجمع المشبه به ليفيد شمول المنح لجميع الفنون وأدرج لفظ الباطن ليفيد أنه منح الخلق بواسطتهم لأنهم استادهم ومرشدهم، أو منحهم على أن الباء زائدة، باطن العلم وأصله وغوره لاظاهره فقط. قوله: (واجب حق إمامه) الإضافة الاولى من قبيل جرد قطيفة وإنما أدرج الواجب للتصريح بوجود الحق وثبوته من عند الله تعالى والمراد بالحق الواجب الإمامة والطاعة والتسليم والإذعان بقوله وفعله. قوله: (وجد طعم حلاوة إيمانه) الحلو: نقيض المر، يقال: حلا الشئ يحلو حلاوة وفيه مكنية وتخييلية وترشيح بتشبيه الإيمان بالحلو في ميل الطبع الصحيح إليه وإثبات الحلاوة والطعم له. قوله (وعلم فضل طلاوة إسلامه) الطلاوة مثلثة الحسن والبهجة والقبول، والفضل: الزيادة، والعلم بذلك الفضل ثابت قطعا لمن تمسك بمذهب أهل البيت ونظر في حسنه وقبح مذهب أهل الخلاف. قوله (علما لخلقه) أي علامة لهم به يعرفون الطريق الإلهي الذي هو الدين النبوي وحدوده كما يعرف المسافر الطريق الخفي بعلامته المنصوبة له. قوله (وجعله حجة على أهل مواده وعالمه) العالم وهو الخلق عطف على الأهل أو على المواد، ولعل المراد بها العقول (1) التى مواد معرفته، والإضافتان أعني إضافة المواد والعالم إلى ضميره تعالى بتقدير اللام للاختصاص والملكية يعني جعله حجة على أهل العقول وغيرهم إذ هو حجة على جميع المخلوقات.


1 - قوله: " المراد بها العقول " العقل هنا: الموجود المجرد المستقل بنفسه الذي يعبر عنه في اصطلاح الشرع بالملك، وقد جاء في الحديث كونهم (عليه السلام) مؤيدين بروح القدس وإذا كان المراد: من المواد العقول كان المراد من أهل العقول الجماعة المصطفين من عقلاء البشر والمراد من العالم بفتح اللام سائر الموجودات من غير البشر، قال الشارح: ويحتمل أن يراد بالمواد عالم المادة والجسمانيات وبعالمه عالم الإمام نفسه، يعني عالم الروح والتجرد أقول: يحتمل قريبا أن يكون المراد من الكلمتين كلتيهما الرعايا وكل من يجب عليه إطاعته فإن الرعية مواد للسلطان إذ منهم الخراج والزكاة والجند وفي مجمع بحار الأنوار كلما أعنت به قوما في حرب أو غيره فهو مادة لهم وما ذكره الشارح مع صحته تكلف ولكن يؤيد تفسيره الأول ما سيأتي من قوله (عليه السلام) يمد بسبب إلى السماء لا ينقطع عنه مواده (ش). (*)

[ 242 ]

وكل شئ يجب أن يرجع في تسبيحه وتقديسه وعبادته وكيفية خضوعه إليه، ويحتمل أن يراد بالمواد عالم الزمانيات والجسمانيات وبالعالم عالم المجردات والروحانيات، وأما حمل أهل المواد على أهل المحبة، وحمل العالم على غيرهم فبعيد كحمل العطف على التفسير فليتأمل. قوله (ألبسه الله تعالى تاج الوقار) استيناف لبيان السبب الموجب لجعله حجة، والتاج الإكليل وهو ما يصاغ للملوك من الذهب والجوهر وقد توجه فتتوج، والتاج: الإكليل وهو ما يصاغ للملوك من الذهب والجوهر وقد توجه فتتوج أي ألبسه التاج فلبسه، ويقال: العمائم تيجان العرب يعني أن العمائم للعرب بمنزلة التيجان للملوك لأنهم أكثر ما يكونون في البوادي مكشوفي الرأس أو بالقلانس، والعمائم فيهم قليلة، والوقار: الحلم والرزانة، وتشبيه بالتاج باعتبار أنه زينة لصاحبه مثل التاج مع الإيماء إلى أنه أولى بالملك والخلافة. قوله (وغشاة من نور الجبار) أراد بالنور العلم لاشتراكهما في رفع الحجاب والإيصال إلى المطلوب، ووضع الجبار موضع الضمير للإشارة إلى أنه بتلك التغشية جبر نقائص الخلائق ومفاقرهم وتلك نعمة عظيمة. قوله (يمد بسبب إلى السماء) (1) يمد على صيغة المعلوم حال عن فاعل غشاه وفاعله فاعله. و " بسبب " مفعوله بزيادة الباء والسبب: الطريق، وأيضا الحبل الذي يتوصل به إلى الماء، ثم استعير لكل ما يتوصل به إلى شئ. وقيل: لا يسمى الحبل سببا حتى يكون أحد طرفيه معلقا بالسقف ونحوه يعني يمد الله سبحانه طريقا أو حبلا من نور إلى السماء كيلا ينقطع عن الإمام أو عن نوره الذي غشاه به مواد ذلك النور بل يفيض عليه من فضل الله تعالى أنوارا متجددة من ذلك السبب ويؤيده ما سيجئ عن أبي عبد الله (صلى الله عليه وآله) قال " الإمام إن شاء أن يعلم علم " يريد أن جهلهم عبارة عن عدم توجه النفس فإن توجهت علمت من غير كسب ولا مشقة وعنه (صلى الله عليه وآله) " أن للأئمة في كل ليلة جمعد علوما متجددة مستفادة ولولا ذلك لأنفدوا " (2).


1 - قوله: " يمد بسبب إلى السماء " السماء: هي العالم الروحاني والمجردات العقلية والمراد بالسبب هو الرابطة القوية الثابتة بينه وبين ذلك العالم حيث يفيض عليه من العلوم ما أراده الله ويبين به كل ملتبس ومتشابه. (ش) 2 - سيأتي الخبران في باب أن الائمة إذا شاؤوا أن يعلموا علموا، وباب أن الائمة يزدادون في ليلة الجمعة. (*)

[ 243 ]

قوله (ولا ينال ما عند الله إلا بجهة أسبابه) (1) أي لا ينال ما عند الله من الفضل والكرامة والثواب والجزاء إلا بجهة طرقه وأبوابه المقررة لنيله ومن الطرق والأبواب الإمام (صلى الله عليه وآله) وطريق نوره، والأحكام الشرعية فمن أراد التقرب منه سبحانه والعلوم الحقيقية والأحكام الالهية فليرجع إليه، ومن رجع إلى غيره ضل عن الطريق، وبعد عن الحق، وبطل عمله، كما أشار إليه بقوله " ولا يقبل الله أعمال العباد إلا بمعرفته ". قوله (من ملتبسات الدجى) التباس الامور: اختلاطها على وجه يعسر الفرق بينها، والدجية: الظلمة الشديدة، يقال: دجا الليل إذا تمت ظلمته حتى ألبس كل شئ، أي الإمام عالم بالامور الملتبسة المختلطة التي ألبستها الظلمة وأحاطت بها ويفرق بين صحيحها وسقيمها، وجيدها ورديها، وحقها وباطلها من أعمال العباد وغيرها. قوله (ومعميات السنن) السنن: الطريقة النبوية والشريعة الالهية، ومعمياتها: مخفياتها وأسرارها التي لا يعلمها أحد إلا بتعليم نبوي وإلهام رباني يقال: عميت معنى البيت تعمية: أي أخفيته ومنه المعمى في الشعر. قوله (ومشبهات الفتن) الفتنة: الاختبار والاضلال والقتال والإزالة والصرف عن الحق ومشبهاتها الأمور الباطلة التي شبهتها بالحق وصورتها بصورته وجعلها مشكلة في نظر ذوي البصائر بحيث لا يعلم بطلانها وطريق التخلص منها إلا العالم الماهر النحرير. قوله (نصب لخلقه من عقبه


1 - قوله: " إلا بجهة أسبابه " وذلك لأن من يتوقف علمه على المقدمات المعروفة لا يحصل له شئ عند عدم حصولها والمحتاج إلى التعليم لا يعلم شيئا إلا بالتعلم والمتوقف على الفكر لا يحصل إلا بعد ترتيب مقدمات الفكر والناس لا يحصل في ذهنهم صورة الكلي إلا بعد ممارسة الجزئيات وتجريد الأشخاص عما يزيد على ماهياتها ولا يتعقلون إلا بعد كمال الحس والتجربة ولا يعرفون اللون والطعم والرائحة والصوت وغيرها إلا بالحواس ولا يعرفون ما بعد عن حواسهم إلا بالنقل المتواتر ولا ما خفي عن الحس من خواص الأشياء إلا بالتجربة، ويمتاز أهل الذكاء عن غيرهم بقوة الحدس فيستيقنون بأمور لا يحصل لغيرهم منها وأما الأئمة (عليهم السلام) فهم مؤيدون بالقوة القدسية فلا يحتاجون إلى تلك المقدمات أصلا إلا تقوية المرتبة الأخيرة وهي العقل بالفعل محضا، وسبب علمهم ارتباطهم مع الله تعالى وافاضة نور علمه على قلوبهم وإلا فكيف أمكن لأمير المؤمنين (عليه السلام) لولا أنه امتاز بذلك السبب أن يأتي بأدق مسائل التوحيد والفلسفة والبراهين المتقنة والادلة المحكمة عليها ومن أنصف من نفسه عرف أن هذا أشق وأعجز من شق القمر ورد الشمس وسائر المعجزات الكونية. (ش) (*)

[ 244 ]

إماما) الظاهر أن " من " جارة، وإماما مفعول لنصب، وعقب الرجل ولده وولد ولده وفيها لغتان عقب بالكسر وعقب بالضم والتسكين. ويحتمل أي يكون موصولة، و " إماما " حال عنه. قوله (علما بينا) أي واضحا لوضوح حاله في العقل والحلم والعلم والكرم والبر والتقوى وغير ذلك من الكمالات الإنسانية والصفات النفسانية والأعمال البدنية. قوله (وهاديا نيرا) أي هاديا للقرن الذي هو فيهم نيرا كالشمس فإنه يضئ عالم العقول والأرواح كما أن الشمس تضئ عالم الأجسام والأشباح. قوله (وإماما قيما) أي مستقيما في عقائده وأقواله وأعماله وسائر صفاته الكاملة، أو قائما بأمر الامامة والامة. قوله (وحجة عالما) لم يذكر متعلق العلم للدلالة على التعميم. قوله (أئمة من الله يهدون بالحق وبه يعدلون) يهدون حال عن الأئمة أو استيناف و " بالحق " حال عن فاعله أو متعلق به أي هم أئمة يهدون الخلق حال كونهم متلبسين بالحق أو يهدونهم بكلمة الحق وبه يعدلون بينهم في الأحكام وغيرها لاتصافهم بفضيلة العدل والإيقان وبعدهم عن رذيلة الجور والعدوان. قوله (حجج الله ودعاته ورعاته على خلقه) جمع الداعي والراعي يقال: رعيتهم رعاية أي حفظتهم ورعيت الأغنام رعيا أي أرسلتها إلى المرعى وكفلت مصالحها، والجار متعلق بالثلاث على سبيل التنازع أي هم حجج الله على خلقه إذ بهم يحتج الله على خلقه في أمر الدين والدنيا ودعاته عليهم يدعونهم إلى طريق معرفته ومعرفة شريعته، ورعاته عليهم يحفظونهم عن المكاره أو المقابح ويرشدونهم إلى المحاسن والمصالح. قوله: (يدين بهداهم العباد) الهدى بضم الهاء وفتح الدال: " راه نمودن "، وبفتح الهاء وسكون الدال: السيرة السوية: أي العباد يطيعون الله ورسوله بسبب هدايتهم أو بسيرتهم. قوله: (وتستهل بنورهم البلاد) تستهل إما على صيغة المعلوم أي تستضئ بنور علومهم البلاد أو أهلها على سبيل الاستعارة بتشبيه العلم بالنور في الهداية إلى المقصود أو تهلل بنورهم وجه أهل البلاد من شدة فرحهم يقال: استهل وجه الرجل وتهلل من فرحه وإما على صيغة المجهول يقال: استهل على ما لم يسم فاعله إذا تبين وأبصر يعني تبصر بنورهم البلاد ولولاه لأحاطت بها الظلمة فلم يرلها أثر. قوله (وينمو ببركتهم التلاد) التالد والتلاد: المال القديم الذي ولد عندك وهو نقيض الطارف وأصل التاء فيه واو، تقول: تلد المال يتلد ويتلد تلودا وأتلد الرجل إذا اتخذ مالا، ومال متلد، وقد

[ 245 ]

دلت الروايات على أن وجود الإمام ومتابعته سبب للخصب والرخاء ورفاهة العيش. قوله (جعلهم الله حياة للأنام) أي سببا لحياتهم وبقائهم إذ لولا الإمام لمات الخلايق دفعة، ويحتمل أن يراد بالحياة الإيمان بالله وباليوم الآخر والتصديق بما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله) والصلاح والسداد واستقامة الأحوال، من باب تسمية السبب باسم المسبب لأن هذه الأمور سبب للحياة الأبدية. قوله (ومصابيح للظلام) إذ بهم يرتفع ظلمة البدعة والجهالة عن بصائر المؤمنين فيهتدون إلى المقاصد والمطالب، كما أن بالمصباح يرتفع الظلمة والغشاوة عن أبصار الناظرين فيرشدون إلى المقاصد والمآرب. قوله (ومفاتيح الكلام) فيه مكنية وتخييلية وتشبيه الكلام بالبيت المخزون فيها الجواهر، وإثبات المفاتح له، والمراد بالكلام الكلام الحق مطلقا، أو القرآن إذ لا ينفتح باب حقايقه وأسراره إلا بتفسيرهم. قوله (ودعائم للاسلام) وتشبيه الاسلام بالبيت مكنية وإثبات الدعائم له تخييلية فكما أن بقاء البيت يحتاج إلى دعائم متناوبة يقوم الآخر مقام الأول عند زواله كذلك بقاء الإسلام وعدم اندراسه بتوارد الفتن يحتاج إلى حفظه يقوم واحد بعدو احد إلى قيام الساعة. قوله (جرت بذلك فيهم مقادير الله على محتومها) استيناف لبيان الموجب للصفات المذكورة، القدر والمقدرة بفتح الدال: القضاء، قال الهذلي: وما يبقى على الأيام شئ * فيا عجبا لمقدرة الكتاب والمقادير المحتومة التي لا يجري فيها المحو والإثبات بخلاف غيرها، والمراد أن اتصافهم بالصفات المذكورة مما تعلقت به القضاء المحتوم أزلا لمصالح يظهر بعضها لأولي الألباب ولا يعلم بعضها إلا هو. قوله (والهادي المنتجي): أي المخصوص بمناجات ربه، تقول: انتجيته إذا اختصصته بمناجاتك ونجوته إذا ساررته، وانتجى القوم إذا تساروا. قوله (والقائم المرتجى) الرجاء بالمد: الأصل، يقال: رجوت فلانا أرجو رجاء وترجيته وارتجيته بمعنى رجوته أي هو القائم بحفظ الخلائق من قبله تعالى وهم يرتجونه في جلب المنافع ورفع المضار.

[ 246 ]

قوله (اصطنعه على عينه) (1) أي على خاصته ووليه يقال: هذا عين من عيون أي خاصة من خواصه وولي من أوليائه، أو على حضوره وشهوده اهتماما بشأنه أو على حفظه ورعايته وعبر عنهما بالعين لأن العين يحفظ به الشئ من الاختلال ويراعي حاله عن الضياع. قوله (في الذر حين ذرأه) متعلق باصطنعه أي اصطنعه على عينه في وقت ذرء الخلايق في الأرض وتفريقهم وإخراجهم من صلب آرم صغارا ذوي لطافة مختلفين في اللطافة والكثافه والنور والظلمة فمنهم من كان له نور ساطع يتلألأ وهم الأنبياء والأوصياء (عليهما السلام). والله سبحانه اصطنع الإمام على إمامته حين ذرأه في ذلك الوقت. قوله (وفي البرية حين برأه ظلا قبل نسمة) (2) البرية: الخلق وأصله الهمزة، ولعل المراد بها الأرواح المجردة، وضلا حال عن مفعول برأه أو تميزا عن النسبة فيه، والمراد به الروح المجرد عن الجسمية ويسمى عقلا أيضا أو المراد به المثال، والقبل متعلق بقوله براءة وتقييد لبيان أن هذا


1 - قوله: " اصطنعه على عينه " ناظر إلى قوله تعالى " ولتصنع على عيني " وتفسيره يعني تربى بمشهدي ومرآي لما من الله تعالى على موسى (عليه السلام) بأنه مهد الإسباب حتى وصل إلى أمه وأرضعته أمه بعد أن أخذته امرأة فرعون، قال: فعلت ذلك لتربى وتنمو وتغذى بمشهد الله تعالى ومنظورا إليه بعنايته وكذلك الأئمة (عليهم السلام) رباهم الله تعالى بعنايته الخاصة بهم في العالمين عالم الذر والأظلة قبل أن يأتي بهم إلى هذا العالم الظاهر ثم بعد أن جاء بهم هنا في العالم الجسماني فعبر عن الأول: في الذر حين ذرأ وعن الثاني بقوله: في البرية حين بر أو ما ذكره الشارح تكلف جدا وما ذكرنا أوضح ومقتبس من مرآة العقول. (ش) 2 - قوله: " ظلا قبل نسمة " لف ونشر مرتب فالظل: إشارة إلى الذرء، والنسمة: إلى البرء، كما ورد " سبحان الله بارئ النسم " وكان الوجود في الذر إجمالي وفي برء النسم تفصيل ذلك الإجمال كانبات الشجر من البذر والنواة فكأنه قال: خلقهم ظلا في الذر وبرأ نسمتهم في عالم الشهادة وكلاهما بعين الله. وإعلم أنه ورد في كثير من الأخبار خلق الأرواح قبل الأجساد أو خلق الأشباح والأظلة قبل أن يخلق الأشخاص في عالم الشهادة، وقد نسب إلى محمد بن سنان تأليف كتاب الأشباح والأظلة وطعن عليه المفيد ويرجع طعنه إلى استلزامه الجبر كسائر أخبار الذر ولو لم يلزم منه الجبر وصح تأويله بوجه لا يخالف أصول الأمامية كما فعله صدر المتألهين (رضي الله عنه) وغيره لا داعي إلى رده وبالجملة، الوجودات مترتبة فلكل شئ هنا صورة قبله في عالم العقول والمثال المنفصل المقدم وخصوصية الأئمة طهارتهم وعصمتهم وكونهم بعين الله قبل ان يظهروا في عالم الشهادة وفي البحار عن روضة الواعظين " في العرش تمثال ما خلق الله من البر والبحر ". (ش) (*)

[ 247 ]

الخلق قبل خلق الجسم والجسمانيات، والنسمة بالتحريك: الريح أولها قبل أن تشتد، والروح أيضا والمراد به الإنسان (1) سمي بذلك للروح وجمعها النسم بالتحريك أيضا ويجوز الإفراد والجمع هنا والضمير لله سبحانه. قوله (عن يمين عرشه) (2) متعلق باصطنعه أو بذرأه أو ببرأه أو حال عن مفعول هذه الأفعال، واليمين أشرف الجانبين وأقواهما، والعرش في اللغة: سرير الملك (3)، وفي العرف يطلق على الملك وهو ما سوى الله تعالى وعلى الفلك التاسع المحيط بما تحنه، وعلى العلم المحيط (4) بجميع الأشياء وعلى المجردات كلها وتسمى العرش العقلاني والعرش الروحاني على الجوهر المتوسط بين (5) العالم العاقل الثابت وبين العالم المتغير المتجدد، سواء سواء كانت المتغيرات


1 - قوله: " والمراد بها الإنسان " والمراد هنا: وجودهم الظاهر في هذا العالم، والنسمة هنا: الروح التي بها الحياة الظاهرة. (ش) 2 - قوله: " عن يمين عرشه " الجار والمجرور في موضع الصفة لقوله ضلا فإنهم كانوا حين كونهم حين كونهم ظلا قبل ظهور النسمة عند العرش على أشرف جانبيه. (ش) 3 - قوله: " في اللغة سرير الملك وفي العرف يطلق " لأن السرير شعار الملك فيطلق على الملك مجازا للملابسة، وأما الفلك التاسع فليس خصوص العدد مأخوذا في معناه بل المقصود الجسم المحيط بكل الأجسام سواء كان تاسعا أو عاشرا أو سابعا أو غيره والمأخوذ في مفهومه المحيط بالكل وهذا مبني على وجود جسم محيط وهو لا يتصور إلا مع القول بتناهي الأبعاد وقد مر الكلام فيه فراجع الفهرس في آخر الجزء الرابع. (ش) 4 - قوله: " وعلى العلم المحيط " أي علم الله المحيط بالأشياء وهذا هو المعنى الرابع وقد مر الحديث الدال على هذا المعنى في الصفحة 120 من المجلد الرابع ومر نظير هذا الكلام من الشارح في المجلد الأول في الصفحة 263 مع اختلاف في بعض الكلمات فراجع إليه. (ش) 5 - قوله: " وعلى الجوهر المتوسط بين " قال صدر المتألهين في شرح الحديث الرابع من كتاب العقل والجهل: والعرش الذي هو مستوى الرحمن كأنه جوهر متوسط بين عالم العقل الثابت المحض وعالم التغير والتجدد نفوسا كانت المتغيرات أو جساما، ومفهوم الرحمة في اللغة: رقة القلب المقتضية للعطوفة على غيره وما يليق به تعالى من هذا المعنى إيجاده وتأثيره في الأشياء المتغيرة التي لها استكمالات ذاتية أو عرضية زائدة على أصل تجوهرها وفطرتها الأولى لأن مصدر التغيرات عندنا فاعل متغير لا يفعل شيئا إلا بأن ينفعل هو في نفسه ولا يحرك شيئا إلا بأن يتحرك والباري جل اسمه لا يتغير ذاتا ولا صفة في إيجاده للمكونات ثابتة كانت أو مستحيلة = (*)

[ 248 ]

نفوسا أو أجساما، ويجوز إرادة كل واحد من هذه المعاني هنا، أما الأول فلأنه يجوز أن يكون له تعالى عرش بالمعنى الأول لا باعتبار استقراره جل شأنه عليه كاستقرار الملك على سريره لتعاليه عن ذلك، بل باعتبار أنه جعله مطافا لبعض الروحانيين كما أن له بيتا بهذا الاعتبار، وخلق الإمام عن يمينه كناية عن كرامته وعلو منزلته لأن عظيم المنزلة، يتبوء عن يمين الملك، وأما الثاني فلأن خلقه عن يمينه كناية عن أنه أقرب الموجودات إليه سبحانه لأن الملك وهو جميع الكائنات له يمين وشمال ويمينه أي جانب أشرفه ما يلي المبدء الأول في ترتيب الإيجاد فكل ما هو أقرب منه تعالى في الإيجاد فهو أيمن بالنظر إلى ما بعده، وأما الثالث فلما مر في الأول لأن الجسم المحيط إذا سمي بالعرش يتخيل له يمين وشمال كالسرير للملك والكائن على يمينه من أهل الكرامة والمنزلة كالكائن على يمين سرير الملك، وأما الرابح فلمثل ما ذكرناه في الثالث أو في الثاني باعتبار المعلومات لأن العلم باليمين يمين بالنظر إلى العلم بما بعده، وأما الخامس فلأن العرش الروحاني يمينه ما يقرب منه منه في سلسلة الإيجاد، وأما السادس فلأن يمين العالم بين العالمين هو العالم الثابت لأنه أقرب منه في سلسلة الإيجاد فليتأمل. قوله (محبوا بالحكمة في علم الغيب عنده) حباه حبوة أعطاه والحباء العطاء وهو حال عن مفعول الأفعال المذكورة وفيه دلالة على أن علمه من باب الإفاضة والإلهام دون الاكتساب والنظر.


= ولكن إيجاده تعالى للثابتات بنفس ذاته بلا وسط للمتغيرات بواسطة العرش الذي هو واسطة فيض الرحمن والبرزخ بين عالمي الأمر والخلق فإيجاده للمتغيرات بواسطته عبارة عن معنى اسمه الرحمن إلى آخر ما قال - ولاريب أن مراده من هذا الجوهر المتوسط الطبيعة السارية المتحركة بذاتها على مذهبه في الحركة الجوهرية الطبيعية فكون العقل عن يمين العرش على ما ذكره كونه أقرب الى الله تعالى في سلسلة الأسباب الذاتية فكل سابق أيمن بالقياس الى ما بعده لأن كلا العبارتين بيان كونهم سببا في الجملة. ولما كان عبارة الشارح رحمه الله مقتبسة من كلام صدر المتألهين أوردنا كلامه ليتضح به المقصود والله المعين. وفى الرابع عشر من بحار الأنوار أن الكرسي والعرش يطلقان على معان وذكر ستة نشير إليها مختصرا، أحدها: جسمان عظيمان فوق سبع سماوات، ثانيها العلم، ثالثها: الملك رابعها: الجسم المحيط مع جميع ما في جوفه، خامسها: كل صفة من صفاته الكمالية والجلالية فله عرش العلم وعرش القدرة، ونقل عن والده تفسير * (الرحمن على العرش استوى) * بعرش الرحمانية إي ليس شئ أقرب إليه من شئ بخلاف عرش الرحيمية المخصوصة. وسادسها: قلب الأنبياء والأوصياء وكمل المؤمنين. (ش) (*)

[ 249 ]

قوله (اختيار بعلمه وانتجبه لطهره) استئناف لبيان السبب الموجب لجعله إماما دون غيره والسبب هو العلم المتعلق بجميع ما يحتاج إليه العباد، والطهارة عن الرذائل كلها. إذ بالعلم يعلم مصالح العباد، وبالطهارة يحصل لهم الوثوق بقوله وفعله. قوله (بقية من آدم (عليه السلام)) فعيلة بمعنى فاعل، وبقية كل شئ ما بقي منه يعني باقيا من أبيكم آدم (عليه السلام) والله سبحانه أبقاه منه لأجل هدايتكم. قوله (وسلالة من إسماعيل) سلالة الشئ بالضم ما استل منه، والنطفة سلالة الإنسان لأنها خرجت منه، والولد سليل لأنه خرج من صلب أبيه. قوله (لم يزل مرعيا بعين الله) أي بحفظه ورعايته أبدا من حين فطرته إلى زمان انتقاله من هذه الدار. قوله (يحفظه ويكلؤه بستره) الكلاءة بالكسر الحفظ والحراسة وهي أشد من الحفظ يقال: كلأه الله كلاءة بالكسر أي حفظه وحرسه، والستر بالفتح المصدر وبالكسر الساتر، والمراد بالستر هنا القوة النفسانية الحاجزة بينه وبين المعصية وهي العصمة، وإضافته إلى ضميره تعالى لإفادة أنه من فضل الله تعالى وليس المعصوم إلا من عصمه الله تعالى. قوله: (مطرودا عنه حبائل إبليس) الطرد الإبعاد والحبائل جمع الحبالة وهي بالكسر ما يصاد به، والمراد بها مكره وحيلته ووساوسه التي بها يوقع بني آدم في المعصية ويقيده بقيد انقياده على سبيل التشبيه. قوله: (مدفوعا عنه وقوب الغواسق) الوقوب الدخول يقال: وقب الظلام إذا دخل على الناس. ومنه قوله تعالى: * (ومن شر غاسق إذا وقب) * والغواسق جمع الغاسق وهو الليل المظلم الساتر لكل شئ، والمراد به هنا كل باطل فإن الباطل مظلم يستر الحق. قوله: (ونفوث كل فاسق) إنسانا كان أو شيطانا والنفث بالفم شبيه بالنفخ، والمراد به هنا ما يلقي إلى أحد من القول الخفي لإضلاله. قوله: (مصروفا عنه قوارف السوء) السوء بالفتح مصدر وبالضم اسم منه والقارف الكاسب يقال: فلان يقرف لعياله أي يكسب والاقتراف الاكتساب، والمراد بقوارف السوء ما يجر إليه من الميل والشوق والإرادة والصفات الرذيلة النفسانية مثل الحقد والحسد والغضب وغيرها. وقوله: (مبرءا من العاهات محجوبا عن الآفات) العاهة والآفة بمعنى واحد وهي ما يوجب خروج عضو عن مزاجه الطبيعي، ويمكن أن يراد هنا بإحديهما الامراض النفسانية كلها وبالاخرى بعض الأمراض البدنية مثل البرص والجذام وغيرها. قوله: (في يفاعه) اليفع الرفعة والشرف والغلبة وفيه دلالة على أن ذلك ليس لعجزه بل لكمال

[ 250 ]

شفقته على الرعية. قوله: (عند انتهائه) أشار به إلى أن كل هذه الصفات الجميلة على وجه الكمال. قوله: (أمر والده) وهو الإمامة والرئاسة في الدارين. قوله: (صامتا عن المنطق في حياته) لما مر أنه لا يجتمعان إمامان ناطقان في عصر واحد وأنه متفق عليه بين الخاصة والعامة. قوله: (فإذا انقضت مدة والده) جزاء قوله " فمضى ". (إلى مشيته) من باب إضافة المصدر إلى الفاعل أو المفعول أي انتهت مقادير الله وقضاؤه إلى مشية الولد وإرادة إمامته. قوله: (وبلغ) عطف على الشرط المذكور وهو انقضت. قوله: (وقيمه في بلاده) أي قائما مقامه ونائبا منابه في سياسة امور الناس ومحافظة أحوالهم. قوله: (وأيده بروحه) سيجئ في باب ذكر الأرواح أن الله تعالى أيد الرسل والأوصياء (عليهما السلام) بروح القدس به عرفوا الأشياء وعرفوا ما تحت الثرى روى ذلك جابر عن أبي عبد الله وأبي جعفر (عليهم السلام). وسأل أبو بصير أبا عبد الله (عليه السلام) عن قوله تعالى: * (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا) * - الآية قال: خلق من خلق الله تعالى أعظم من جبرئيل وميكائيل كان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يخبره ويسدده وهو مع الأئمة من بعده " وفي رواية أخرى أنه قال: " منذ أنزل الله تعالى ذلك الروح على محمد (صلى الله عليه وآله) ما صعد إلى السماء وأنه لفينا " وفي أخرى قال (عليه السلام) " إن الله تعالى جعل في النبي روح القدس به حمل النبوة فإذا قبض النبي انتقل روح القدس فصار إلى الإمام " وظاهر هذه الروايات أن روح القدس ملك وقال القاضي الروح القدس التي تتجلى فيها لوائح الغيب وأسرار الملكوت المختصة بالأنبياء والأولياء. قوله: (وآتاه علمه وأنبأه فضل بيانه) يعني أن إتيان العلم والإنباء عن الأسرار إليه من قبله تعالى بعد أبيه أفضل وأكمل من إتيانهما إليه في حال حياته لاختصاصه حينئذ بالنطق عن الله أمر الإمامة وتأيده بروح القدس والنسبة بين الحالتين كالنسبة بين ما بعد البعثة وما قبلها في النبي (صلى الله عليه وآله). قوله: (واستودعه سره) وهو سر التوحيد وما يليق بذاته وسر الشرائع وسر صفات النفس وما يترتب على ذلك من الثواب والعقاب وغير ذلك مما لم يؤمر بتبليغه إلى الخلق فإن الأسرار التي أظهروها على الخلق قليل من كثير. قوله: (وانتدبه لعظيم أمره) وهو رئاسة الخلق وسياسة أمورهم بالحق وفيه شئ لأن انتد لم يجئ متعديا، قال الجوهري في الصحاح والزمخشري في الفائق وابن الأثير في النهاية: يقال ندبه لأمر فانتدب له أي ادعاه له فأجاب اللهم إلا أن يقال إن افتعل قد يجئ بمعنى فعل نحو جذب

[ 251 ]

واجتذب وهذا من هذا القبيل وزيادة البناء للدلالة على زيادة المبالغة في المعنى. قوله: (وأنبأه فضل بيان علمه) هذا وما ذكره بعده إلى قوله: " وأحيا به " كالتأكيد للسابق. قوله: (والضياء لأهل دينه) فإن الإمام نور من نور رب العالمين به يستضئ أهل الدين بل أهل السماوات والأرضين ولولاه لوقعوا في ظلمة التحير والضلالة ورتعوا في مرعى البدعة والجهالة. قوله: (واسترعاه لدينه) يعني جعله راعيا أي واليا حافظا لدينه وحقوقه فحفظه يقال استرعاه لشئ فرعاه من رعيته رعاية بمعنى حفظته، والراعي منه بمعنى الوالي الحافظ أو جعله راعيا لأهل دينه من رعيت الإبل بمعنى أرسلتها إلى مرعاها على سبيل التشبيه، وعلى التقديرين استفعل هنا بمعنى فعل نحو قر واستقر والزيادة للتأكيد لا للطلب كما في قوله تعالى: * (فاستجاب لهم ربهم) * إذ الطلب لا يستلزم الحصول. قوله: (وأحيا به مناهج سبيله وفرائضه وحدوده) المراد بإحيائه هذه الأمور بسبب الإمام بيانها وأيضاحها للخلق وإرشادهم إليها وإقامتها على سبيل التشبيه والاستعارة التبعية. قوله: (عند تحير أهل الجهل وتحير أهل الجدل) أريد بالأول صاحب الجهل المركب وكلاهما في مقام التحير وإن كان التحير في الثاني أبلغ وأشد. والجار أعني قوله " بالنور الساطع والشفاء النافع " متعلق بمقام أو بالعدل والباء إما للاستعانة أو للسبية والأول ناظر إلى الأول والثاني إلى الثاني لأن النور الساطع وهو العلم اللامع المرتفع ضوءه كالصبح أنسب بالجهل ورفع ظلمته والشفاء النافع وهو البرهان القاطع أنسب بالجدل ورفع بدعته. قوله: (بالحق الابلج) أي الحق الواضح الذي لا يشتبه على أحد بدل لقوله " بالنور الساطع " أو حال عنه أي متلبسا ذلك النور بالحق الأبلج وقوله " والبيان من كل مخرج " بدل لقوله " والشفاء النافع " أو حال عنه، والمراد بكل مخرج كل موضع يخرج منه الحق عند اشتباهه للقاصرين. وقوله: (على طريق المنهج) متعلق بقام والإضافة للبيان والمراد به طريق الحق لأنه طريق واضح لأرباب العرفان. قوله: (فليس يجهل من لم يعرف حق هذا العالم) وجهل به، ثلاثة أصناف أشار إليها على الترتيب لأنه إما أن يقتصر على الجهل به ولم يجحده أو ضم إليه الجحد والإنكار، والأول هو الشقي الذي خلاف السعيد لأن بخته لم يساعده على معرفته، والثاني إما أن يقتصر على الجحد أو يضم معه الصد عنه والزجر عن الرجوع إليه والأول هو الغوي وهو الضال، أعني من ترك سبيل الحق وسلك غيره، والثاني هو الجري على الله ومحاربه ومن ههنا علم أن الأول صاحب الجهل البسيط والأخيرين صاحبا الجهل المركب، وأن كل لاحق أخص من السابق.

[ 252 ]

باب أن الائمة (عليهم السلام) ولاة الامر وهو الناس المحسودون الذين ذكرهم الله عز وجل * الأصل: 1 - الحسين بن محمد بن عامر الأشعري، عن معلى بن محمد قال: حدثني الحسن بن علي الوشاء عن أحمد بن عائذ، عن ابن اذينة، عن بريد العجلي قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) * فكان جوابه: * (ألم تر إلى الذين اوتوا نصيبا من الكتاب يأمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا) * يقولون لأئمة الضلالة والدعاة إلى النار: هؤلاء أهدى من آل محمد سبيلا * (أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا * أم لهم نصيب من الملك) * يعني الإمامة والخلافة * (فإذا لا يؤتون الناس نقيرا) * نحن الناس الذين عنى الله، والنقير: النقطة التي في وسط النواة * (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله) * نحن الناس المحسودون على ما آتانا الله من الإمامة دون خلق الله أجمعين * (فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما) * يقول: جعلنا منهم الرسل والأنبياء والأئمة فكيف يقرون به في آل إبراهيم (عليه السلام) وينكرونه في آل محمد (صلى الله عليه وآله) * (فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا * إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما) *. 2 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن (عليه السلام) في قول الله تبارك وتعالى: * (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله) * قال: نحن المحسودون. * الشرح: قوله (قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله تعالى * (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) * فكان جوابه) أجاب عنه بأن المراد بما قبل هذه الآية ذم الخلفاء الثلاثة وتابعيهم وبأولي الأمر علي بن أبي طالب وأولاده الطاهرين (عليهم السلام). هذا هو الحق الذي لا ريب فيه (1) وذهب إليه


1 - قوله: " هذا هو الحق الذي لا ريب فيه " لأن كل ملك وأمير إذا أوجب إطاعة النواب من الولاة والقضاة فالأمر منصرف إلى من ثبت ولايته من قبله لا من تثبت بسبب وتصدى لمنصب من غير إذن الملك فجعل نفسه = (*)

[ 253 ]

الإمامية رضوان الله عليهم. وأما العامة فلهم من مزخرفات في تفسير هذه الآية لا بأس أن نشير إليها لتعلم حقيقة مقالتهم وفساد عقائدهم فنقول: قال القرطبي قيل: إن المراد باولي الأمر من وجبت طاعته من الأمراء والولاة وهو قول الأكثر من السلف، واستدل بعضهم بما جاء من قبل الآية من قوله تعالى * (وإذا حكمتم بين الناس، أن تحكموا بالعدل) * وقيل: العلماء هي عامة في الأمراء والعلماء وقيل: هم أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله). هذا كلامه. أقول: إن خص هذه التفاسير الأربعة بالمأمونين من الخطأ والزلل فلا نزاع لأنه ليس غير من تشبثنا بذيل عصمتهم على هذه الصفة بالاتفاق وإن أريد أعم من ذلك لزم أن يأمر الله سبحانه عباده بإطاعة الفاسق تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، ونظير ذلك ما رواه مسلم عن أبي هريرة، عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال " من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني " وله في هذا المعنى روايات متكثرة (1) والظاهر من كلامهم هو إرادة معنى الأخير إذ قال المازري في تفسير هذا الحديث: لا خلاف في وجوب طاعة الأمير فيما ليس بمعصية إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (2). وقال أيضا في تفسير حديث آخر: يجب طاعة الولاة في جميع الامور حتى فيما يشق وتكرهه النفوس مما ليس بمعصية إذ لا طاعة في معصية كما تقدم وقال القرطبي (3) لا تنعقد الإمامة ابتداء


= قاضيا مثلا على الناس فإذا قال الملك: أطيعوا الولاة وأمراء الجنود فالمقصود من نصبه الملك وكذلك إذا قال الله تعالى: أطيعوا أولي الأمر منكم. فالمراد أولو الأمر المنصوبون من قبله تعالى وليس بهذه الصفة بالإجماع غير الائمة الطاهرين. (ش) 1 - قوله: " روايات متكثرة " إن فرضنا صحة هذه الروايات مع بعدها فالكلام فيها كالكلام في الآية الكريمة من أن مراد رسول الله (صلى الله عليه وآله) الأمير المنصوب من قبله وإلا فالأسود العبسى ومسيلمة أيضا كانا أميرين إلا أن يقيد بقيد فيقال: الأمير العادل وليس أولى مما ذكرنا من التقييد بالأمير المنصوب من قبل النبي (صلى الله عليه وآله) بل هو أولى للانصراف. (ش) 2 - قوله: " في معصية الخالق " كلام صحيح مؤيد بروايات كثيرة من طرقهم لا يمكن أن ينكرها مسلم فليكن على ذكرك فلعنة الله على من أطاع الخلفاء في أوامرهم بالظلم والقتل والسلب والجعل وغيرها من المعاصي. (ش). 3 - قوله: " قال القرطبي " كلامه هذا أقرب إلى الحق بناء على مذهبهم من عدم العصمة ولكن لما رأى = (*)

[ 254 ]

للفاسق بكفر أو بغيره فإن حدث فسقه بعد عقدها فإما بكفر أو بغير كفر فإن حديث فسقه بكفر وجب على المسلمين عزله (1) وكذلك إذا ترك الصلاة والدعاء إليها أو غيرها من الشرع وإذا عزلوه نصبوا عدلا وواليا إن أمكنهم ذلك وإن لم يتفق ذلك إلا مع حرب وجب القيام بذلك على الكافة وهذا إذا لم يحيلوا القدرة عليه وإن تحققوا العجز عنه (2) لم يجب القيام عليه ويجب على المسلم الهجرة من أرضه إلى غيرها، وإن كان فسقه بمعاص غير الكفر فجمهور أهل السنة أنه لا يخلع ولا يجب القيام عليه لحديث " أطعهم وإن أكلوا مالك وضربوا عنقك ما أقاموا الصلاة " ولحديث " صلوا خلف كل بر وفاجر " ومثله قال محي الدين البغوي وعلله أيضا بأن خلعه يؤدي إلى إراقة الدماء وكشف الحرم وضرر ذلك أشد من ضرره، وحكى مجاهد الإجماع على أنه لا يقام على الإمام إذا فسق بغير كفر. وقالت المعتزلة: يخلع، وقال بعض أهل السنة: يقام عليه واحتجوا بقيام الحسين (عليه السلام) وابن الزبير وأهل المدينة على بني أمية وقيام جماعة عظيمة من التابعين والصدر الأول على الحجاج لم يكن لمجرد الفسق، بل لتغييره الشرع وتظاهره الكفر، وبيعه الأحرار، وتفضيله الخليفة على النبي حيث رجح عبد الملك بن مروان عليه وحكي أنه قال: طاعتنا له أوجب من طاعة الله


= غيره أن هذا يوجب إخراج جميع الخلفاء إلا من شذ منهم على الاستيهال جددوا النظر في المسألة وخالفوا في أكثرها. (ش). 1 - قوله " وجب على المسلمين عزله " ذكر هذه المسألة التي يعلم عدم امكان العمل به لمجرد ارضاء العوام والفرار عن دغدغة النفس والا فكيف يمكن عزل من بيده المال والجنود ويصوب أعماله المتملقون من أهل الدنيا ولا يبالون من اراقة الدماء وسلب الاموال والضرب وا لحبس والتشريد لمن خالفه في أمره ونهيه. (ش). 2 - قوله: " وإن تحققوا العجز عنه، هو الأمر الواقع الذي يصح التكلم فيه والبحث عنه إذ لا يتصور إلا العجز عن الحرب والغلبة وحينئذ فيرجع مذهبهم إلى مذهب الشيعة في التقية وهم يتبرؤون منها. فإن قليل كيف قام الناس على عثمان وعزلوه وقتلوه ولم يعجزوا عنه فاحتمال القدرة على الحرب والغلبة أمر ممكن ؟ قلنا نعم هو ممكن إذا كان الإمام ضعيفا وفي الناس اتفاق كلمة ولكنه نادر جدا، ولذلك لم يتفق في عهد أكثر الخلفاء مع فسقهم الظاهر قيام عليهم بل أنكر بعض علمائهم وجوب القيام ولو مع تظاهرهم بالفسق كما يأتي. ثم أن الخلفاء بعد الراشدين وثبوا على الملك واستوثقوا الأمر لأنفسهم بالوسائل التي توسلت بها ساير الملوك في ساير الأمم وكانت البيعة بعد أن صاروا ملوكا لا قبله فلم يكن نصبهم من قبل الناس حتى يكون عزلهم منهم (ش). (*)

[ 255 ]

لأنه شرط في طاعته فقال * (فاتقوا الله ما استطعتم) * وأطلق في طاعتنا للخليفة فقال: * (وأولي الأمر منكم) * وقال: إن سليمان كان حسودا لأنه قال: * (هب لي ملكا) * - الآية ومن عظيم ظلمه أنه قتل صبرا مائة ألف وأربعين ألف رجل وستين ألف امرأة وفي سجنه مائة وعشرون ألف وضاقت سجونه حتى صار يسجن في الحمامات. وأجابوا عن قيام الحسين (عليه السلام) (1) وابن الزبير ويزيد بأن


1 - قوله: " عن قيام الحسين (عليه السلام) وابن الزبير ما تكلف به متكلموهم من الأجوبة أوهام نسجوها من غير معرفة بالواقع من الأمور والحقائق الثابتة في التواريخ والروايات المنقولة في صحاحهم التي يعرف علماؤهم بها والصحيح على مذهبهم ما ذكره عالم الحنابلة عبد الحي بن عماد وغيره من المطلعين غير المجازفين، قال في شذرات الذهب: فما نقل عن قتلة الحسين والمتحاملين عليه يدل على الزندقة وانحلال الإيمان من قلوبهم وتهاونهم بمنصب النبوة وما أعظم ذلك فسبحان من حفظ الشريعة وشيد أركانها حتى انقضت دولتهم وعلى فعل الأمويين وأمرائهم بأهل البيت حمل قوله (صلى الله عليه وآله) " هلاك أمتي على أيدي أغيلمة من قريش ". وقال التفتازاني في شرح العقائد النسفية: اتفقوا على جواز اللعن على من قتل الحسين أو أمر به أو أجازه أو رضي به، قال والحق أن رضا يزيد بقتل الحسين واستبشاره بذلك وإهانته أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) مما تواتر معناه وإن كان تفصيله آحادا، قال: فنحن لا نتوقف في شأنه بل في كفره لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه انتهى. وما أوقع كلام ابن العماد وما أحسنه حيث تعجب بقاء الدين في مدة ملك بني أمية وجعله خارقا للعادة ونسبه إلى حفظ الله وإلا فالسبب الظاهري كان مقتضيا لأن لا يبقى للدين اسم وأثر مع عداوتهم وتسلطهم ثماني سنة أو أكثر. وأما قيام ابن الزبير على بني أمية فمقتضى ما ذكره المتكلمون منهم في شرائط الإمام والبيعة أن يكون الأمر بالعكس مما ذكروا هنا لأن الناس بايعوا ابن الزبير قبل أن يتصدى مروان وابنه عبد الملك للخلافة بل قبل أن يختلج ببالهما أنهما يصيران خليفة يوما بل بايع مروان، فيمن بايع ابن الزبير فكانت خلافة ابن الزبير عندهم خلافة صحيحة، وابن الزبير عندهم عادل جامع لشرائط الإمامة وبيعته قبل بيعة مروان وعبد الملك، فكان مروان وعبد الملك خارجين عليه بغير حق وكان على المتكلمين أن يبدوا وجها لتصحيح عمل مروان وابنه في قيامهما على الإمام العادل لا توجيه عمل ابن الزبير في قيامه عليهما (ش). قوله في ص 302 " ولا يخفى ضعف هذا القول " عقد الإمامة عندنا بالنص وعند العامة على ما في المواقف بالنص والبيعة أيضا. لنا وجوه: الأول: أن الإمامة نيابة عن الرسول (صلى الله عليه وآله) فلا يثبت بقول غيره. الثاني: بيعة جميع الناس حضورا لواحد غير معقول وبيعة جماعة قليلة منهم لا توجب حجة على غيرهم ولا تستلزم وجوب قبولهم وطاعتهم. الثالث: أن القضاء وساير المناصب لا تثبت بالبيعة إجماعا فكيف الإمامة. الرابع: ثبوت الإمامة = (*)

[ 256 ]

[... ]


= بالبيعة يؤدي إلى الهرج والفساد إذ يمكن أن يبايع أهل العقد والحل في بلد لرجل وفي بلد آخر لرجل آخر فيتنازعان كما اتفق بين عبد الله بن الزبير وعبد الملك بن مروان، الخامس: أن من شرائط الإمامة العلم والعصمة ولا يعلم ثبوتهما في رجل إلا الله تعالى وهذا هو الدليل الذي صرح به الإمام (عليه السلام) في هذا الحديث والحديث السابق ويستفاد الوجوه الأخر أيضا من بعض ما سبق وقد أجابوا عن الوجه الأول: بإنا سلمنا أن الإمامة نيابة عن الله والرسول لكن البيعة علامة على حكم الله تعالى نظير الاجماع الدال على حكم شرعي وفيه أنكم ما أقمتم على كون البيعة حجة تثبت به حكم كالإجماع وفي المواقف الواحد والاثنان من اهل الحل والعقد كاف لعلمنا أن الصحابة مع صلابتهم في الدين اكتفوا بذلك كعقد عمر لأبي بكر وعقد عبد الرحمن بن عوف لعثمان ولم يشترطوا اجتماع من في المدينة فضلا عن اجتماع الأمة هذا ولم ينكر عليهم أحد انتهى، وهذا كلام يشهد نفسه بفساده وكيف لم ينكر عليهم أحد والاختلاف في الإمامة مشهور بين أهل العالم ومعروف بين ساكني الأقاليم السبعة في نفس كتاب المواقف باب في مسألة الإمامة ودفع المخالفين بل قالوا: أول اختلاف وقع في الإسلام اختلافهم في الإمامة. وعن الوجه الثاني: بأن بيعة أهل البيعة علامة حكم الله تعالى فيجب على من لم يحضر القبول كالشاهد والقاضي فإن حكمهما ثابت على من لم يشهد وفيه أنهم لم يقيموا دليلا على كون البيعة علامة على حكم الله تعالى ونعلم أن كثيرا من الصحابة الذين اعتقدوا صلابتهم في الدين كمعاوية بن أبي سفيان وسعد بن أبي وقاص امتنعوا من قبول خلافة أمير المؤمنين (عليه السلام) مع أن الذين بايعوه من أهل الحل والعقد بعد يوم الدار أكثر من الذين بايعوا أبا بكر يوم السقيفة أضعافا مضاعفة بشهادة المؤرخين، وتخلف عبد الله بن الزبير عن بيعة يزيد بن معاوية وواقعة الحسين بن علي عليهما السلام معه مشهورة. وأما حجية الشاهد والقاضي على الغائب فسفسطة والفرق بين الشهادة والبيعة أن صحة الشهادة لا يتوقف على رضا الشاهد ولا على رضا المشهود عليه، والبيعة الصحيحة تتوقف على رضى الطرفين كالوكالة ولا يدل رضا من بايع على رضى غيره، وأجابوا عن الوجه الثالث: بأنا لا نسلم عدم ثبوت القضاء بالبيعة إلا مع وجود الإمام وإمكان الرجوع إليه، وفيه أن هذا أيضا سفسطة لأن المراد بثبوت القضاء بالبيعة أن بعض أهل البلد إذا نصب قاضيا بالبيعة ولو مع عدم إمكان الرجوع إلى الإمام أو عدم وجوده وجب على أهل هذا البلد الخضوع لحكمه وقبول قضائه قهرا جبرا وهذا مما لا يختلج ببال أحد ولا يدل عليه دليل، نعم لا بأس بأن يرجعوا إلى رجل بالتراضي فيحكم بينهم بحكم الشرع. وأجاب شارح المواقف عن الرابع: بأنه إذا بايع أهل بلد لرجل بالإمامة وفي بلد آخر لرجل آخر حدث الفساد والفتن لكن عدم وجود الإمام أشد ضررا فيدفع بالأقل وفيه أنا لا نسلم كونه أشد ضررا بل يمكن أن يدعى خلافه لأن النزاع والتخاصم بين الولاة والحكام في الملك والخراج أشد ضررا وأكثر فتنة من التخاصم بين آحاد الرعية في حب ونعل وثوب مع أن هذا شئ لم يتفوه به عاقل من أول الخليقة إلى عصرنا وكيف يمكن أن يوجب أحد كون الامام واحدا في جميع الأرض ثم يجوز لكل بلد أن يبايعوا رجلا للإمامة المطلقة ويصححها ويأمر الناس جميعا بإطاعة جميع هذه الأمراء مع اختلافهم ومع ذلك يأمر أهل كل بيعة باطاعة إمام بلده خاصة، وإنما فر صاحب المواقف إلى هذه الدعوى السخيفة لعدم وجودان مناص يتخلص به فلم يبال بالتزام المتناقضات. وأجاب عن الخامس: بأن أبا بكر كان إماما ولم يكن معصوما فثبت عدم وجوب العصمة وفيه أنه دور ومصادرة. (ش). (*)

[ 257 ]

عدم جواز القيام إنما هو في الإمام العدل إذا حدث فسقه بعد انعقاد الخلافة له وأما الفاسق قبل عقدها فاتفقوا على أنها لا تنعقد لها ويزيد كان كذلك قبل انعقادها له، وقال الآبي: هذا ليس بشئ لأنه وإن لم يجز عقدها للفاسق ابتداء لكنه إن انعقدت ودفعت إليه صار بمنزلة من حدث فسقه بعد انعقادها فلا يجوز القيام عليه، ولا يخفى ضعف هذا القول (1). هذا ما ذكروه في كتبهم وفي تفاسير أحاديثهم وأوصاف إمامهم وأنت إذا تأملت فيه علمت أن كل فاسق فاجر جاهل يصح أن يكون عندهم اولي الأمر وإماما مفترض الطاعة. ثم قول المازري يجب طاعة الإمام في جميع الامور إلا في معصية يفيد أن المأموم لابد أن يكون عالما بالأحكام والشرائع ليعلم أن قول إمامه في هذا موافق للشرع فيطيعه وفي ذاك مخالف له، وإن أراد وجب على المأموم طاعته في كل ما لم يعلم مخالفته للشرع سواء كان مخالفا للشرع في نفس الأمر أو لا لزم أن يأمرنا الله سبحانه بإطاعة الجاهل فيما هو جاهل ومخالف للشرع، فاعتبروا يا اولي الأبصار. قوله * (يؤمنون بالجبت والطاغوت) * قال الجوهري: الجبت: كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر ونحو ذلك، والطاغوت: الكاهن والشيطان وكل رأس في الضلالة وهو قد يكون واحدا قال تعالى * (يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد امروا أن يكفروا به) * وقد يكون جمعا قال تعالى * (أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم) * وقال القاضي: الجبت في الأصل: اسم صنم فاستعمل في كل ما عبد من دون الله، وقيل: أصله الجبس وهو الذي لا خير فيه فقلبت سينه تاء، والطاغوت يطلق لكل باطل.


1 - راجع ص 305 شرح ذلك مفصلا. (*)

[ 258 ]

قوله (يقولون لأئمة الضلالة) يريد أن المراد بالكتاب القرآن وبالذين يؤتون نصيبا منه طائفة من أهل الإسلام وهم يقولون بعد النبي (صلى الله عليه وآله) لأئمة الضلالة والدعاة إلى النار وهم الجبت والطاغوت: هؤلاء أهدى سبيلا أي أقوم دينا وأرشد طريقا من الذين آمنوا ظاهرا وباطنا وهم آل محمد (صلى الله عليه وآله). قوله * (فلن تجد لهم نصيرا) * أي ناصرا يدفع عنه اللعن والعذاب بشفاعة وغيرها. قوله * (أم لهم نصيب من الملك) * قال القاضي: " أم " منقطعة ومعنى الهمزة إنكار أن يكون لهم نصيب من الملك. قوله * (فإذا لا يؤتون الناس نقيرا) * أي لو كان لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس ما يوازي نقيرا فكيف إذا لم يكن لهم نصيب منه وهم أذلاء وكيف ما زاد على النقير، وفيه مبالغة في شدة حرصهم وكمال عداوتهم للناس. قوله (والنقير: النقطة التي في وسط النواة) قال: أهل اللغة: النقير: النقرة التي في ظهر النواة والنقرة: الحفرة، ومنه نقرة القفا ولعل المراد بالنقطة النقرة. قوله (فكيف يقرون) إنكار للجمع بين هذا الإقرار والإنكار إذ لا وجه له بل هو من باب الجمع بين المتناقضين لأن آل محمد (صلى الله عليه وآله) أيضا آل إبراهيم (عليه السلام). قوله (فمنهم من آمن به) أي فمن أهل الإسلام مثل أبي ذر وسلمان وغيرهم من الصحابة والتابعين إلى يوم القيامة من آمن بما آتينا آل محمد (صلى الله عليه وآله) أو آل إبراهيم (عليه السلام) ومنهم صد وأعرض ولم يؤمن به وكفى بجهنم نارا ذات لهب يعذب بها من لم يؤمن به إن لم تحل به عقوبة عاجلا لمصلحة. قوله * (إن الذين كفروا بآياتنا) * وهي الأئمة من آل محمد (صلى الله عليه وآله) أو الآيات القرآنية الدالة على خلافتهم وهذا تأكيد لقوله * (وكفى بجهنم سعيرا) * أو بيان وإيضاح له ولذلك ترك العاطف: قوله * (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها) * قال القاضي، بأن يعاد ذلك الجلد بعينه على صورة اخرى أو بأن يزال عنه أثر الإحراق ليعود إحساسه للعذاب كما قال * (ليذوقوا العذاب) *: أي ليدوم ذوقه. وقيل: يخلق مكانه جلد آخر والعذاب في الحقيقة للنفس المدركة لالآلة إدراكها فلا محذور. قوله * (إن الله كان عزيزا حكيما) * أي إن الله كان عزيزا قويا غالبا على جميع الأشياء لا يقدر أحد أن يمنعه. عما يريده من العقوبة على المعصية وغيرها حكيما يعاقب العاصي ويثيب المطيع على وفق حكمته. * الأصل: 3 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن

[ 259 ]

يحيى الحلبي، عن محمد الأحول، عن حمران بن أعين قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) قول الله عز وجل: * (فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب) * ؟ فقال: النبوة، قلت: * (الحكمة) * ؟ قال: الفهم والقضاء، قلت: * (وآتيناهم ملكا عظيما) * ؟ فقال: الطاعة. 4 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن حماد بن عثمان، عن أبي الصباح قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: * (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله) * فقال: يا أبا صالح نحن والله الناس المحسودون. * الشرح: قوله: (فقال: النبوة) إطلاق الكتاب على النبوة باعتبار أنه مستلزم لها، أو باعتبار أنه عبارة عن المكتوب وإيتاء النبوة كان مكتوبا في اللوح المحفوظ بقلم التقدير. قوله (قال: الفهم والقضاء) يعني أن الحكمة عبارة عن العلم بالله وأسرار التوحيد والقوانين الشرعية والقضاء بين الناس بالعدل فهي عبارة عن الحكمة النظرية والعملية وبناء الخلافة عليهما. قوله (فقال: الطاعة) أي طاعة الخلق لهم في خصالهم وأفعالهم وأقوالهم وعقائدهم وهي ملك عظيم لا يوازيها شئ. (1)


1 - قوله: " لا يوازيها شئ " الطاعة المطلقة لغير المعصوم قبيحة عند جميع عقلاء البشر لأن غير المعصوم ربما يأمر بالقبيح ولذلك اتفقوا على ذم الحكومة المطلقة وعلى أن لابد من تقييدها بشئ كما مر، واختار صاحب تفسير المنار مذهبا يوفق به على زعمه بين ما يعتقده أهل السنة في الإمامة وما اختاره النصارى وساير الأمم في عصرنا من الحكومة الدستورية، قال بعد تفسير أولي الأمر وأنهم أهل الحل والعقد: يجب على الحكام الحكم بما يقرره أولوا الأمر وتنفيذه وبذلك تكون الدولة الإسلامية مؤلفة من جماعتين أو ثلاث، الأولى: جماعة المبينين لأحكام الدين يعبر عنهم أهل العصر بالهيئة التشريعية. الثانية: جماعة الحاكمين والمنفذين وهم الذين يطلق عليهم اسم الهيئة التنفيذية. والثالثة: جماعة المحكمين في التنازع، انتهى، أقول: إن ما تصوره أهل السنة من شرائط الإمام ووضائفه وعزله مما لم يتحقق قط ولن يتحقق إلى يوم القيامة وعلى فرض تحققه فنسلم أنه ليس حكومة مطلقة لأن الخليفة عندهم موظف بتنفيذ أحكام الدين ولا يجوز له التخلف عنها وهذه حكومة مقيدة يرضى بها جميع المسلمين وليس بينه وبين الحكومة الدستورية فرق من جهة رضى الرعية بالأحكام الجارية عليهم ولكن يباينها من وجوه: الاول: أنه لا يجوز التشريع في الإسلام باتفاق جميع المذاهب بل أحكام المعاملات والسياسات مبينة في الفقه كل فريق على مذهبه وليس موضع للقوة المقننة تشرع حكما لا يوافق = (*)

[ 260 ]

باب أن الأئمة (عليهم السلام) هم العلامات التى ذكرها الله عز وجل في كتابه * الأصل: 1 - الحسين بن محمد الأشعري، عن معلى بن محمد، عن أبي داود المسترق قال: حدثنا داود الجصاص قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: * (وعلامات وبالنجم هم يهتدون) * قال: النجم رسول الله (صلى الله عليه وآله) والعلامات هم الأئمة (عليهما السلام). * الشرح: قوله (قال: النجم رسول الله والعلامات هم الأئمة (عليهما السلام)) إطلاق النجم على رسول الله وإطلاق العلامات على الأئمة يقرب أن يكون من باب الحقيقة لأن النجم في الأصل الظاهر والطالع


= أحكام الشريعة ولا يجوز على أحد قبولها فإذا وضعوا حكما في النكاح أو الطلاق أو البيع أو الحدود مخالفا للشرع فهو باطل وإن كان مما سكت عنه الشرع فهو غير ملزم أيضا، إن لم يريدوا لم يطيعوا وليس عليهم مؤاخذة فليس في دين الاسلام قوة تشريعية غير ما قرره الشريعة وبينه العلماء. الثاني: ان الهيئة التنفيذية أو القوة المجرية بناء على مذهب أهل السنة والجماعة وإن كانت مقيدة مشروطة بأحكام الشرع وموظفة بمراعاتها كما أن الحكومة الدستورية مقيدة بإطاعة القوة التشريعية لكن أهل عصرنا اخترعوا وسائل لتحقيق هذا المقصود وعزل الحكام إن تخلفوا من غير تهييج فتن وقتل ونكبة بل بمجرد إظهار المندوبين عدم الرضا بهم ولم يبين متكلموا أهل السنة طريقا لعزل الخليفة يمكن أن يتحقق بغير الحرب واراقة الدماء وتهييج الفتن. الثالث: أن في الحكومة الدستورية يطلب آراء جميع أهل البلاد من كل قرية وبلد صغير أو كبير في كل صقع من الأصقاع فيرسلون مندوبا ويتشاورون ولم يشترط أهل السنة في نصب الخليفة ذلك حتى في خلافة أبي بكر وهو أحق من يستأهل لها عندهم وقد كان أهل جزيرة العرب عند رحلة رسول الله (صلى الله عليه وآله) مؤمنين أو مسلمين ولم يكن في سقيفة بني ساعدة إلا جماعة قليلة لم يكن فيهم مندوب من شئ من البلاد والقبائل بل ولا من أهل المدينة ولم يبينوا للمسلمين أن لهم رأيا ولا أنهم مختارون في البيعة بل واجهوا كل من أظهر الخلاف بالسيف وكل متعتع بالقتل والنكال والطرد والنسبة إلى الارتداد حتى استتب الأمر لأبي بكر وأكثر الناس سكتوا منتظرين لتصميم أمير المؤمنين (عليه السلام) والذين معه حتى رأى المصلحة في الموافقة بعد وفاة فاطمة (عليها السلام) فتبعه الناس وقد قال قائلهم لأبي بكر: إنه لن يتم لك الأمر حتى يبايعك علي (عليه السلام). (ش) (*)

[ 261 ]

والأصل والنجوم: الظهور والطلوع وهو (صلى الله عليه وآله) ظاهر من مطلع الحق وطالع من افق الرحمة وأصل لوجود الكائنات أخرجه الله تعالى من نوره وأظهره من معدن علمه وحكمته، وجعله نوراني الذت والصفات لرفع ظلمة الجهالة في بيداء الطبايع البشرية وفيفاء اللواحق الناسوتية، والعلامة ما يعرف به الشئ ومنه علامة الطريق التي وضعها صاحب الدولة، والشفقة على خلق الله تعالى لئلا يضل المسافرون والأئمة (عليهما السلام) علامات للطرق الإلهية والقوانين الشرعية والنواميس الربانية وضعهم النبي (صلى الله عليه وآله) بأمر الله تعالى لئلا يضل الناس بعده بالاهتداء بأطوارهم والاقتداء بآثارهم، فالناس بأعلامهم يرشدون وبهدايتهم يهتدون. 2 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن أسباط بن سالم قال: سأل الهيثم أبا عبد الله (عليه السلام) وأنا عنده عن قول الله عز وجل: * (وعلامات وبالنجم هم يهتدون) * فقال: رسول الله (صلى الله عليه وآله) النجم والعلامات [ هم ] الأئمة. 3 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن قول الله تعالى: * (وعلامات وبالنجم يهتدون) * قال: نحن العلامات والنجم رسول الله (صلى الله عليه وآله).

[ 262 ]

باب أن الآيات التى ذكرها الله عز وجل في كتابه هم الأئمة (عليهما السلام) * الأصل: 1 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد بن عبد الله، عن أحمد بن هلال، عن أمية بن علي، عن داود الرقي قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله تبارك وتعالى: * (وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون) * قال: الآيات هم الأئمة والنذر هم الأنبياء (عليهما السلام). * الشرح: قوله: (قال الآيات هم الأئمة والنذر الأنبياء (عليه السلام)) الآيات: جمع الآية وهي العلامة والأصل أوية بالتحريك، قال سيبويه: موضع العين من الآية واو. وقد مر أن الأئمة (عليهما السلام) علامات لمعرفة الطريقة الإلهية، والنذر: جمع النذير بمعنى المنذر، وإنما يجئ في تفسير النذر بالأنبياء كما جاء به في تفسير الآيات بالأئمة لأن احتمال التردد إنما هو في هذا لا في ذاك. قوله * (عم يتساءلون عن النبأ العظيم) * قال القاضي وغيره: عم أصله عما فحذف الألف ومعنى هذا الاستفهام تفخيم شأن ما يتساءلون عنه فإنه لفخامته خفي جنسه فيسأل عنه، وقوله * (عن النبأ العظيم) * بيان لشأن المفخم أو صلة * (يتساءلون) * وعم متعلق بمضمر مفسر به. قوله (إن شئت أخبرتهم وإن شئت لم اخبرهم) سيجئ أنه وجب على الناس الرجوع إليهم في المسائل وغيرها وأنه لم يجب عليهم الجواب إن اقتضت المصلحة تركه. قوله (كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول) دل على أن ما في القرآن من الآيات والنبأ كان أمير المؤمنين (عليه السلام) رأسها وأصلها، وتفسير النبأ العظيم بأمير المؤمنين (عليه السلام) موجود من طرق العامة أيضا، قال صاحب الطرايف: روي الحافظ محمد بن مؤمن الشيرازي وهو من علماء المذاهب الأربعة وثقاتهم في كتابه في تفسير قوله تعالى * (عم يتساءلون عن النبأ العظيم. الذي هم فيه مختلفون. كلا سيعلمون. ثم كلا سيعلمون) * بإسناده عن السدي يرفعه قال: أقبل صخر بن حرب حتى جلس إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا محمد هذا الأمر لنا من بعدك أم لمن ؟ قال (صلى الله عليه وآله): يا صخر الأمر بعدي لمن هو مني بمنزلة هارون من موسى (عليه السلام) فأنزل الله عز وجل * (عم يتساءلون عن النبأ العظيم) * يعني يسألك أهل مكة عن خلافة علي بن أبي طالب الذي هم فيه مختلفون منهم المصدق بولايته وخلافته، ومنهم المكذب، قال: * (كلا) * وهو ردع عليهم * (سيعلمون) * أي سيعرفون خلافته بعدك أنها حق تكون * (ثم كلا سيعلمون) * أي يعرفون خلافته وولايته إذ يسألون عنها في قبورهم فلا يبقى ميت في شرق ولا غرب ولا في بر ولا في بحر إلا منكر ونكير يسألانه عن ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بعد الموت يقولان له: من ربك ؟ وما دينك ؟ ومن نبيك ؟ ومن إمامك ؟.

[ 263 ]

باب ما فرض الله عز وجل ورسوله من الكون مع الأئمة (عليهم السلام) * الأصل: 1 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن أحمد بن عائذ، عن ابن اذينة، عن بريد بن معاوية العجلي قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عز وجل * (اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) * قال: إيانا عنى. * الشرح: قوله: (قال: إيانا عنى) سر ذلك أنه ليس المراد بالصادقين الصادقين في الجملة إذ ما من أحد إلا وهو صادق في الجملة حتى الكافر والله سبحانه لا يأمر بالكون معه بل المراد بهم الصادقون في أيمانهم وعهودهم وقصودهم وأقوالهم وأخبارهم وأعمالهم وشرايعهم في جميع أحوالهم وأزمانهم وهم الأئمة المعصومون من العترة الطاهرة لأن كل من سواهم لا يخلو عن الكذب في الجملة. * الأصل: 2 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي نصر، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله عز وجل: * (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) * قال: الصادقون هم الأئمة والصديقون بطاعتهم. * الشرح: قوله: (والصديقون بطاعتهم) أي بطاعة الأئمة والصديق الذي يصدق قوله بالعمل، والأمر بالكون معهم باعتبار أنهم مع الأئمة. * الأصل: 3 - أحمد بن محمد، ومحمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن عبد الحميد عن منصور بن يونس، عن سعد بن طريف، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من أحب أن يحيى حياة تشبه حياة الأنبياء ويموت ميتة تشبه ميتة الشهداء ويسكن الجنان التي غرسها الرحمن فليتول عليا وليوال وليه وليقتد بالأئمة من بعده فإنهم عترتي خلقوا من طينتي، اللهم ارزقهم فهمي وعلمي، وويل للمخالفين لهم من امتي، اللهم لا تنلهم شفاعتي.

[ 264 ]

* الشرح: قوله: (تشبه حياة الأنبياء) في دوام الاستقامة في الدنيا من جميع الجهات. قوله: (تشبه ميتة الشهداء) في الاتصاف بالسعادة في الآخرة من جميع الوجوه، والميتة بالكسر: كالجلسة الحالة، يقال: مات فلان ميتة حسنة. قوله: (غرسها الرحمن) المراد بغرسه إياها إنشاؤها بقول " كن " ومجرد التقدير والإيجاد، تشبيها له بالغرس المعهود وفينا لقصد الإبانة والإيضاح، وفي لفظ الرحمن إيماء إلى أن إنشاءها بمجرد الرحمة الكاملة ومقتضاها لا لأجل الاستحقاق لدلالة الروايات على أن أحدا لا يدخل الجنة بالاستحقاق وإنما يدخلها بالتفضل بعد القابلية المكتسبة، وفي بعض النسخ " غرسها الله ". قوله: (فإنهم عترتي خلقوا من طينتي) عترة الرجل: نسله ورهطه الأدنون، والطينة: الخلقة والجبلة والأصل، والفهم: العلم، يقال: فهمت الشئ فهما أي علمته. وقد يراد به جودة الذهن وشدة ذكائه وهو المراد ههنا لذكر العلم بعده، والويل: كلمة العقاب، وواد في جهنم لو أرسلت إليه الجبال لذابت من حره، والمراد بالامة: الامة المجيبة بقرينة الإضافة وتخصيص مخالفتهم بالعترة. وقوله: (لا تنلهم شفاعتي) يقال: نال خيرا إذا أصابه وأناله غيره، وإنما دعا الله سبحانه بأن لا ينيلهم شفاعته مع أن الشفاعة فعل اختياري فله أن لا يشفع لهم لأنه قد يدعو ويشفع للامة إجمالا فطلب منه سبحانه أن لا يدخلهم تحت هذه الشفاعة الإجمالية على أن المقصود هو الإخبار بأن شفاعته لا ينالهم لخروجهم تلك المخالفة عن دينه فلا ينالهم شفاعته كما لا ينال سائر الملل الباطلة. * الأصل: 4 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن النضر بن شعيب، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن الله تبارك استكمال حجتي على الأشقياء من امتك: من ترك ولاية علي ووإلى أعداءه وأنكر فضله وفضله الأوصياء من بعده، فإن فضلك فضلهم وطاعتك طاعتهم وحقك حقهم ومعصيتك معصيتهم وهم الأئمة الهداة من بعدك جرى فيهم روحك وروحك [ ما ] جرى فيك من ربك وهم عترتك من طينتك ولحمك ودمك وقد أجرى الله عزوجل فيهم سنتك وسنة الأنبياء قبلك، وهم خزاني على علمي من بعدك حق علي، لقد اصطفيتهم وانتجبتهم وأخلصتهم وارتضيتهم، ونجى من أحبهم ووالاهم وسلم لفضلهم، ولقد آتاني جبرئيل (عليه السلام) بأسمائهم وأسماء آياتهم وأحبائهم والمسلمين

[ 265 ]

لفضلهم. * الشرح: قوله (استكمال حجتي على الأشقياء من امتك) لله تعالى حجة على جميع الأشقياء من هذه الامة وما لم يبلغ حجته على حد الكمال بحيث لا يكون للمحجوج معذرة ولا وسيلة يدفع بها حجته لا يعذ به ولا يطرده عن رحمته. وكمال حجته عليهم بترك ولاية علي والأوصياء من بعده (عليه السلام): وأما من لم يتركها واعتقد بها فله وسيلة عظيمة يدفع بها تلك الحجة نظير ذلك أن من أساء أدبك وتعرض لعقوبتك ثم جاءك معتذرا بأنه أتى بأحب الأشياء عندك فإنه يدفع بتلك الوسيلة عن نفسه استحقاق عقوبتك. الحمد الله الذي أكرمنا بالإقرار بفضل علي أمير المؤمنين وبفضل أوصيائه عليهم صلوات الله أجمعين. قوله (من ترك ولاية علي) المراد بولايته ولايته على جميع الامة بعد النبي (صلى الله عليه وآله) بلا فصل، فمن أنكرها فقد كملت عليه حجة الله تعالى، سواء أنكرها مطلقا كالخوارج أو أنكرها بلا فصل كالثلاثة وأتباعهم. قوله (فإن فضلك فضلهم) إذا كان فضلهم عين فضلك فمن أنكر فضلهم. فقد أنكر فضلك ومن أنكر فضلك فقد استكمل حجتي عليه، ولو قيل: فأن فضلهم فضلك لكان أيضا صحيحا لكن المذكور أحسن كما لا يخفى. قوله (جرى فيهم روحك وروحك ما جرى فيك من ربك) الروح بالضم: ما يقوم به الجسد وتكون به الحياة والرحمة والقرآن والحياة الدائمة وروح القدس وقد مر تفسيره وأنه مع النبي وبعده مع الأئمة، وبالفتح: الإستراحة والرزق البدنيان أو العقليان ويجوز ضم الراء في الموضعين وإرادة كل واحد من المعاني المذكورة، ويجوز أيضا ضمها في الأول وفتحها في الثاني، ولفظ " ما " ليس في بعض النسخ. قوله (وقد أجرى الله فيهم سنتك) السنة: الطريقة، والمراد بها العلم والعمل والإرشاد وقد يأتي السنة بمعنى الصورة والصفة كما صرح به في الفايق وهي عبارة عما ذكر. قوله (وهم خزاني على علمي) شبههم بالخزان في الحفظ والضبط والمنع والإعطاء والأمانة كما هو شأن الخزان. قوله (وأخلصتهم) أي جعلتهم خالصا لنفسي، بريئا من كل عيب. * الأصل: 5 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن

[ 266 ]

أيوب، عن أبي المغرا، عن محمد بن سالم، عن أبان بن تغلب قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من أراد أن يحيى حياتي ويموت ميتتي ويدخل جنة عدن التي غرسها الله ربي بيده فليتول علي بن أبي طالب وليتول وليه، وليعاد عدوه، وليسلم للأوصياء من بعده، فإنهم عترتي من لحمي ودمي، أعطاهم الله فهمي وعلمي، إلى الله أشكو أمر امتي، المنكرين لفضلهم، القاطعين فيهم صلتي وأيم الله ليقتلن ابني لا أنالهم الله شفاعتي. * الشرح: قوله (ويدخل جنة عدن التي غرسها الله ربي بيده) العدن: الإقامة ومنه جنة عدن أي جنة إقامة، وقيل: هي اسم لمدينة الجنة وهي مسكن الأنبياء (عليهما السلام) والعلماء والشهداء وأئمة العدل، والناس سواهم في جنات حواليها وقيل: هي قصر لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد أو إمام عدل وقيل: العدن: نهر على حافتيه جنات. والأول أصوب لأن العدن اسم للإقامة من عدن بالمكان إذا أقام به، والله سبحانه وعدها المؤمنين والمؤمنات بقوله تعالى * (ومساكن طيبة) * - الآية فلا معنى للتخصيص وقوله " بيده " معناه بقدرته أو لنعمته على أن يكون الباء بمعنى اللام لأن الجارحة محال على الله سبحانه ولا يرد أن حملها على القدرة بعيد لأن كل شئ بقدرته لأن المراد التأكيد والبيان أو التخصيص للتنبيه على أنها ليست كجنات الدنيا المخلوقة عن وسائط من غرس وغيره وإنما إنشاؤها بقول " كن " وأضافها إلى نفسها تشريفا. قوله (القاطعين فيهم صلتي) أي اتصالي إن كان مصدرا وأصله وصلي والتاء عوض عن الواو، أو جائزتي إن كان اسما، وتلك الجائزة هي الخلافة التي أودعها فيهم. قوله (وأيم الله) أيمن الله بضم الميم والنون: من ألفاظ القسم وألفه ألف وصل عند أكثر النحويين ولم يجئ في الأسماء ألف الوصل مفتوحة غيرها وقد تدخل عليه اللام لتأكيد الابتداء تقول ليمن الله فتذهب الألف في الوصل وهو مرفوع بالابتداء وخبره محذوف والتقدير أيمن الله قسمي وربما حذفوا منه النون وقالوا: أيم الله بفتح الهمزة وكسرها. * الأصل: 6 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن موسى بن سعدان عن عبد الله بن القاسم، عن عبد القهار عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من سره أن يحيى حياتي ويموت ميتتي ويدخل الجنة التي وعدنيها ربي ويتمسك بقضيب غرسه ربي بيده فليتول علي بن أبي طالب (عليه السلام) وأوصياءه من بعده، فإنهم لا يدخلونكم في باب ضلال ولا يخرجونكم من باب هدى، فلا تعلموهم فإنهم أعلم منكم، وإني سألت ربي أن لا يفرق بينهم وبين الكتاب حتى

[ 267 ]

يردا علي الحوض " هكذا - وضم بين أصبعيه - وعرضه ما بين صنعاء إلى أيلة، فيه قدحان فضة وذهب عدد النجوم. * الشرح: قوله: (ويتمسك بقضيب غرسه ربى بيده) القضيب: الغصن، ولعل المراد يتمسك بقضيب غرس الله تعالى أصله في الجنة التي فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويدخل فيها، ويحتمل أن يكون هذا على نحو من التمثيل والتشبيه والتشبيه لأن محبة علي (عليه السلام) كشجرة غرسها الله تعالى في الجنة، ومن تمسك بغصن من أغصانها دخل فيها. قوله (فإنهم لا يدخلونكم) فيه رمز إلى أن غيرهم من اللصوص المتغلبة يدخلون الناس في باب ضلالة ويخرجونهم من باب هدى، وإن تصفحت كتبهم رأيتهم حرفوا دين الله ووجدت أكثر أحكامهم مخالفة للكتاب في السنة. قوله (فلا تعلموهم فإنهم أعلم منكم) قال القرطبي وهو من أعاظم علمائهم: كان لعلي رضي الله عنه من الشجاعة والعلم والحلم والزهد والورع وكرم الأخلاق مالا يسعه كتاب وقال الآمدي: لا يخفى أن عليا رضي الله عنه كان مستجمعا لخلال شريفة ومناقب منيفة بعضها كاف في استحقاق الإمامة وقد اجتمع فيه من حميد الصفات وأنواع الكمالات ما تفرق في غيره من الصحابة وكان من أشجع الصحابة وأعلمهم وأزهدهم وأفصحهم وأسبقهم إيمانا وأكثرهم جهادا بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأقربهم نسبا وصهرا منه، وكان معدودا في أول الجريدة وسابقا إلى كل فضيلة، وقد قال فيه رباني هذه الامة ابن عباس رضي الله عنه. قوله (وإني سألت ربي أن لا يفرق بينهم وبين الكتاب) قال صاحب الطرائف: في كتاب المناقب لابن مردويه بإسناده إلى ثابت مولى أبي ذر عن أم سلمة قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقول " علي مع القرآن والقرآن معه لا يفترقان حتى يردا علي الحوض ومثله روى أحمد بن حنبل بإسناده عن أبي سعيد الخدري عن النبي (صلى الله عليه وآله) وبإسناده عن زيد بن أرقم عنه (صلى الله عليه وآله) وسنذكرهما في موضعه إن شاء الله تعالى. وفيه دلالة واضحة على التلازم بينهم وبين الكتاب فلا يجوز مخالفتهم في أمر من الامور وإلا لزم مخالفة الكتاب. قوله (هكذا وضم بين أصبعيه) (يعني السبابتين والغرض من هذا التشبيه هو الإيضاح. قوله (وعرضه ما بين الصنعاء إلى أيلة) مثهل مروي من طرق العامة، واتفقت الأمة على أن له حوضا في الآخرة. قال عياض: الصنعاء ممدودا: قصبة من بلاد اليمن، وبالشام صنعاء أخرى لكن المراد بهذه التي هي باليمن وقد جاء في خبر آخر " ما بين أيلة وصنعاء اليمن " وأيلة بفتح الهمزة

[ 268 ]

وسكون الياء: مدينة معروفة نصف ما بين مكة ومصر، وقيل: هي جبل ينبع مابين مكة والمدينة، وقال صاحب القاموس: أيلة جبل بين مكة والمدينة قرب ينبع وبلد بين ينبع ومصر وعقبتهما معروفة، وإيلة بالكسر: قرية بباخرز، وموضعان آخران أقول: بين هنا عرض الحوض وحده دون طوله أيضا ويأتي في كتاب الروضة الحديث القدسي في وصف النبي (صلى الله عليه وآله) " له حوض أكبر من مكة إلى مطلع الشمس من رحيق مختوم، فهى آنية مثل نجوم السماء وأكواب مثل مدر الأرض - الحديث " فلا بد من حمل هذا المقدار على المقدار الطولي للجمع، بين الحديثين ويفهم من كلام العامة أنه مربع متساوي الأضلاع، وفيه زيادة بحث يجئ في كتاب الروضة إن شاء الله تعالى. قوله (فيه قدحان ذهب وفضة عدد النجوم) في أطرافه ونواحيه، والقدحان بضم القاف وسكون الدال: جمع القدح بالتحريك هو ما يشرب منه، والظاهر حمله هذا العدد على ظاهره إذ لامانع شرعا ولا عقلا يمنع منه، ويحمتل حمله على إفادة الكثرة كما قيل: في قوله تعالى * (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون) * ومنه كلمته في هذا ألف مرة وهو من باب المبالغة المعروف لغة وعرفا ولا يعد كذبا لكن يشترط في إباحته أن يكون المكنى عنه بذلك كثيرا ولا يجوز أن يقال ذلك في القليل. * الأصل: 7 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن محمد بن جمهور، عن فضالة بن أيوب عن الحسن بن زياد، عن الفضيل بن يسار. قال: قال: قال أبا جعفر (عليه السلام): وإن الروح والراحة والفلح والعون والنجاح والبركة والكرامة والمغفرة والمعافاة واليسر والبشرى والرضوان والقرب والنصر والتمكن والرجاء والمحبة من الله عزوجل لمن تولى عليا وائتم به وبرئ من عدوه وسلم لفضله وللأوصياء من بعده حقا علي أن ادخلهم في شفاعتي وحق على ربي تبارك وتعالى أن يستجب لي فيهم، فإنهم أتباعي ومن تبعني فانه مني. * الشرح: قوله (قال أبو جعفر (عليه السلام) إن الروح) الروح وما عطف عليه مسند إليه وقوله " من الله عزوجل " متعلق بكل واحد من الامور المذكورة، وقوله " لمن تولى عليا " مسند، والروح بفتح الراء: الرزق ووجدان رائحة الجنة ونحو ها مما تلتذ به النفس كما صرح به في الفائق، وبضمها الحياة الأبدية والنعمة الاخروية والرحمة الربانية وغيرها من المعاني المذكورة، والراحة: خلاف المشقة وهي جسمانية وروحانية، والفلح: وفي بعض النسخ والفلاح الفوز والبقاء والنجاة، والعون: الظهير على

[ 269 ]

الأمر والجمع أعوان وقد يأتي مصدرا بمعني الإمداد، والنجاح والنجح: الظفر بالحوائج، والبركة: الزيادة والنماء في الأموال والأعمال، والكرامة: اسم من الإكرام وهو الإعزاز والاحترام. والمغفرة: مصدر كالغفر والغفران بمعني تغطية الذنوب وسترها، والمعافاة: مصدر بمعنى دفاع المكروهات والعفو عن الزلات واليسر في العيش وفي الحساب خلاف العسر فيهما والبشرى عند الموت وغيره إرادة ما يوجب سرورا والإخبار به، والرضوان بكسر الراء وضمها: الرضاء وهو مقصورا مصدر أو ممدودا اسم منه والنصرة: اسم من نصره على عدوه إذا أعانة عليه، والتمكن: الاقتدار على جلب المنافع ودفع المكاره يقال: مكنه الله من الشئ وأمكنه بمعنى واستمكن الرجل من شئ وتمكن منه بمعني، والرجاء بالمد: الأمل ولا يكون إلا بالخير، والمحبة من الخلق: ميل النفس وشوقها إلى أمر مرغوب، ومن الله تعالى: الإحسان والإنعام وإفاضة الخيرات لمن يحبه. قوله (وحقا علي) مفعول مطلق لفعل محذوف أي حق حقا، يعني وجب وجوبا علي أن ادخلهم في شفاعتي لتحقق شرائط الشفاعة وقابليتها. قوله (وحق على ربي) جملة فعلية معطوفة على فعلية سابقة وقوله " فإنهم " تعليل لثبوت الحق في الموضعين فإن شفاعته معدة للتابع له المذنب من حزبه والله سبحانه لا يخالف وعده في قبول شفاعته.

[ 270 ]

باب أن أهل الذكر الذين أمر الله الخلق بسؤالهم هم الأئمة (عليهم السلام) * الأصل: 1 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن عبد الله بن عجلان عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله عز وجل: * (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) * [ قال ] قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " الذكر أنا والأئمة أهل الذكر " وقوله عز وجل: * (وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون) * قال أبو جعفر (صلى الله عليه وآله): نحن قومه ونحن المسؤولون. * الشرح: قوله: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الذكر أنا والأئمة أهل الذكر) سمي رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذكرا لأنه يذكر بالوعظ والنصيحة كما سمى بشيرا ونذيرا لأنه يبشر بالثواب وينذر بالعقاب. وذكر ابن العربي عن بعضهم أن لله تعالى ألف اسم وللنبي (صلى الله عليه وآله) كذلك وذكر منها على التفصيل بضعا وستين. وقال عياض: له (صلى الله عليه وآله) أسماء جاءت في الآيات والروايات جمعنا منها كثيرا في كتاب الشفاء. وينبغي أن يعلم أن الذكر يطلق على القرآن أيضا لأنه موعظة وتنبيه فلو فسر الذكر بالقرآن لكان أيضا صحيحا وكان الأئمة أهل الذكر. لكن التفسير الأول لكونه من صاحب الشرع مقدم عليه (1) ومثل هذا التفسير مروي من طرق العامة أيضا. قال صاحب الطرائف: روى الحافظ محمد بن مؤمن الشيرازي في الكتاب الذي استخرجه من التفاسير الاثني عشر وهو من علماء الأربعة المذاهب وثقاتهم في تفسير قوله تعالى * (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) * بإسناده إلى ابن عباس قال: أهل الذكر يعني أهل بيت محمد (صلى الله عليه وآله) علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهما السلام) وهم أهل العلم والعقل والبيان، وهم أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة والله ما سمى الله المؤمن مؤمنا إلا كرامة لأمير المؤمنين (عليه السلام) " وروى الحافظ بن محمد بن مؤمن هذا الحديث من طريق آخر عن سفيان الثوري عن السدي عن الحارث بأتم من هذه العبارة.


1 - قوله: " مقدم عليه " ينبغى أن يكون التفسير هنا بمعنى المدلول الالتزامي لأنه إذا كان قول أهل الخبرة من علماء أهل الكتاب حجة في كون الأنبياء بشرا لا ملائكة كان قول النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة حجة بطريق أولى. (ش) (*)

[ 271 ]

قوله: (وقوله تعالى ة وإنه لذكر لك) عطف على قول الله تعالى والضمير المنصوب راجع إلى القرآن وفسر الذكر هنا بالشرف يعني أن القرآن بالشرف لك ولقومك وسوف تسألون يوم القيامة عنه وعن القيام بأمره وتبليغه وحفظ ما فيه. قوله (قال أبو جعفر (عليه السلام): ونحن قومه) أي قوم النبي وإن كان أعم منهم لكنه (عليه السلام) أعرف بمنازل القرآن وموارده مع ما في الإضافة من إفادة الاختصاص ونحن المسؤولون عنه يوم القيامة، وفيه على هذا التفسير التفات من الغيبة إلى الخطاب أو تغليب الحاضرين على الغائب إن دخل النبي في المسؤولين. * الأصل: 2 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن محمد بن اورمة، عن علي بن حسان، عن عمه عبد الرحمن بن كثير قال: قلت: لأبي عبد الله (عليه السلام): * (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) * قال: الذكر محمد (صلى الله عليه وآله) ونحن أهله المسؤولون، قال: قلت: قوله: * (وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون) * قال: إيانا عنى ونحن أهل الذكر ونحن المسؤولون. * الشرح: قوله: (قال الذكر محمد ونحن أهله المسؤولون) أي نحن أهله الذين أمر الله تعالى كل من لم يعلم بالسؤال عنهم. قوله (قال: إيانا عنى) أي إيانا عنى بالقوم ونحن أهل الذكر الذي هو القرآن هنا ونحن المسؤولون عنه يوم القيامة. * الأصل: 3 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء قال: سألت الرضا (عليه السلام) فقلت له: جعلت فداك * (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) * فقال: نحن أهل الذكر ونحن المسؤولون، قلت: فأنتم المسؤولون ونحن السائلون ؟ قال: نعم، قلت: حقا علينا أن نسألكم ؟ قال: نعم، قلت: حقا عليكم أن تجيبونا ؟ قال: لا ذاك إلينا إن شئنا فعلنا وإن شئنا لم نفعل، أما تسمع قول الله تبارك وتعالى: * (هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب) *. * الشرح: قوله (قال لا ذاك إلينا) الظاهر أن كل أحد يجب عليه السؤال مع عدم علمه عن أهل الذكر ولا يجب عليهم جواب كل أحد لأن بعض السائلين قد يكون منكرا لفضلهم وراد لقولهم فقد يكون ترك الجواب أولى من الجواب وقد يكون واجبا وقد يكون الجواب على وجه التقية متعينا

[ 272 ]

وبعضهم قد يكون مقرا بفضلهم، ولكن في ترك الجواب مصلحة يعرفها الإمام دونه فيجوز له ترك الجواب تحصيلا لتلك المصلحة كما ترى في سؤالهم عن تعيين ليلة القدر مرارا وهم أجابوا عنه مجملا من غير تعيين وسؤالهم عن القضاء والقدر وسؤالهم عن الشئ ولم يعملوا بما علموا وسؤالهم عن الشئ مع عدم قدرتهم على ضبطه أمثال ذلك. قوله (أما تسمع قول الله تبارك وتعالى) استشهد لما ذكر من ثبوت التخيير في الجواب وتركه بقوله تعالى خطابا لسليمان (عليه السلام) * (هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب) * أي هذا الذي أعطيناك من الملك والعلم عطاؤنا فأعط من شئت وامنع من شئت حال كونك غير محاسب على الإعطاء والمنع لتفويض التصرف على وجه المصلحة إليك، ووجه الاستشهاد أن هذا غير مختص بسليمان (عليه السلام) بل جاز في جميع الأنبياء والأوصياء (عليهما السلام). * الأصل: 4 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر ابن سويد، عن عاصم بن حميد، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل: * (وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون) * فرسول الله (صلى الله عليه وآله) الذكر وأهل بيته (عليهما السلام) المسؤولون وهم أهل الذكر. * الشرح: قوله: (فرسول الله (صلى الله عليه وآله) الذكر) المفهوم من هذه الآية أن القرآن ذكر ولذا فسره به في الخبر الآتي فلا بد أن يقدر " ذو " أو يقال: كون القرآن ذكرا يستلزم كون الرسول ذكرا لتحقيق وجه التسمية فيه، أو يقال: هذا التفسير بالنظر إلى الواقع لاإلى مدلول الآية وهذا بعيد جدا لأن سوق الكلام يأباه فليتأمل. * الأصل: 5 - أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن حماد، عن ربعي، عن الفضيل عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله تبارك وتعالى: * (وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون) * قال: الذكر: القرآن ونحن قومه ونحن المسؤولون. * الشرح: قوله (أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد) لعل المصنف روى عن أحمد بن محمد أو عن كتابه بلا واسطة ويحتمل حذف العدة هنا بقريبة السابق وفي بعض النسخ المصححة " وبهذا الإسناد عن الحسين بن سعيد " وهو الأظهر. قوله (قال: ولا واحدة يا ورد) كأنه عطف على مقدر أي ما يحضرك كلها ولا واحدة وإنما اقتصر

[ 273 ]

على المعطوف لأن التعجب فيه. قوله (قال: بلى قد حضرني منها واحدة) تجدد حضورها بعد قوله: ما يحضرني منها واحدة فلا ينافيه. * الأصل: 6 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين عن محمد بن إسماعيل، عن منصور بن يونس، عن أبي بكر الحضرمي قال: كنت عند أبي جعفر (عليه السلام) ودخل عليه الورد أخو الكميت فقال: جعلني الله فداك اخترت لك سبعين مسألة ما تحضرني منها مسألة واحدة ؟ قال: ولا واحدة يا ورد ؟ قال: بلى قد حضرني منها واحدة، قال: وما هي ؟ قال: قول الله تبارك وتعالى: * (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) * من هم ؟ قال: نحن قال: قلت: علينا أن نسألكم ؟ قال: نعم، قلت: عليكم أن تجيبونا ؟ قال: ذاك إلينا. * الشرح: قوله (أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد) لعل المصنف روى عن أحمد بن محمد أو عن كتابه بلا واسطة ويحتمل حذف العدة هنا بقريبة السابق وفي بعض النسخ المصححة " وبهذا الإسناد عن الحسين بن سعيد " وهو الأظهر. قوله (قال: ولا واحدة يا ورد) كأنه عطف على مقدر أي ما يحضرك كلها ولا واحدة وإنما اقتصر على المعطوف لأن التعجب فيه. قوله (قال: بلى قد حضرني منها واحدة) تجدد حضورها بعد قوله: ما يحضرني منها واحدة فلا ينافيه. * الأصل: 7 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن صفوان بن يحيى، عن العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن من عندنا يزعمون أن قول - الله عزوجل: * (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) * أنهم اليهود والنصاري، قال: إذا يدعونكم إلى دينهم، قال: - قال بيده إلى صدره - نحن أهل الذكر ونحن المسؤولون. * الشرح: قوله (إن من عندنا يزعمون - إلى قوله - أنهم اليهود والنصارى) منشأ زعمهم أن الله تعالى لما رد على قريش قالوا في معرض إنكار رسالة خاتم الأنبياء: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا بقوله تعالى * (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم) * ثم قال * (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) * توهموا أن الأمر مختص بقريش وأن أهل الذكر أهل الكتاب وهم علماء اليهود

[ 274 ]

والنصارى وأن الله تعالى أمر قريشا أن يسألوهم ليعلموهم أن الأنبياء السابقين كانوا بشرا وهذا التوهم فاسد لأن قوله تعالى * (فاسئلوا) * خطاب عام أمر الله تعالى كل من لم يعلم شيئا من اصول الدين وفروعه إلى يوم القيامة بالرجوع إلى أهل الذكر والسؤال عنهم وخصوص السبب لا يخصص عموم الخطاب فلو كان أهل الذكرهم اليهود والنصارى لزم أن يأمر الله سبحانه من لم يعلم من هذه الامة أمرا من امور دينه أن يرجع في تفسيره إلى من يرده عن دينه ويدعوه إلى الدين الباطل تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. قوله (ثم قال بيده إلى صدره) أي ضربه بها كما صرح المطرزي في المغرب، أو أشار بها إليه كما صرح به عياض. * الأصل: 9 - أحمد بن محمد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: كتبت إلى الرضا (عليه السلام) كتابا فكان في بعض ما كتبت: قال الله عزوجل: * (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) * وقال الله عزوجل: * (وما كان المؤمنون لينفروا كافة، فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) * فقد فرضت عليهم المسألة، ولم يفرض عليكم الجواب ؟ قال: قال الله تبارك وتعالى: * (فإن لم يستجيبوا لك فا علم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه) *. * الشرح: قوله: (وما كان المؤمنون) أي ما استقام لهم أن ينفروا كلهم إلى أهل العلم لطلبه، لأن ذلك يوجب اختلال نظام معاشهم فهلا نفر من كل فرقة كثيرة كقبيلة وأهل بلدة طائفة قليلة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم من مخالفة الرب إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون، وفيه دلالة على أن طلب العلم واجب كفائي وعلى أن خبر الواحد حجة لأن الطايفة النافرة قد لا تبلغ حد التواتر وقد أوجب القبول منهم. وفي الآية وجه آخر وهو أنها نزلت في شأن المجاهدين أي ما كان لهم أن ينفروا كافة إلى الجهاد بل يجب أن ينفر من كل فرقة طائفة ليتفقه الباقون ولينذروا قومهم النافرون إذا رجع النافرون إليهم. وفيه أيضا دلالة على أن الجهاد واجب كفائي وعلى أن خبر الواحد حجة إد قد لا تبلغ الباقون حد التواتر. قوله: (قال: قال الله تعالى فإن لم يستجيبوا لك) أجاب (عليه السلام) بأنه لم يفرض علينا مطلقا لأن السائلين قد لم يستجيبوا لنا ولم يقبلوا منا ولم يقروا بفضلنا فالجواب حينئذ عبث الحكيم لا يفعل عبثا، وأما من استجاب لنا وأقر بفضلنا فالجواب عن سؤاله متعين لأن الحكيم لا يمنع مستحق العلم عنه، وبالجملة يجب رجوع الكل إليهم والسؤال عنهم واجب، وأما الجواب فقد يجب وقد لا يجب.

[ 275 ]

باب أن من وصفه الله تعالى في كتابه بالعلم هم الأئمة (عليهم السلام) * الأصل: 1 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد الله بن المغيرة، عن عبد المؤمن بن القاسم الأنصاري، عن سعد، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله عز وجل: * (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر اولوا الألباب) * قال أبو جعفر (عليه السلام) إنما نحن الذين يعلمون، والذين لا يعلمون عدونا، وشيعتنا اولو الألباب. * الشرح: قوله: (عن سعد عن جابر) قال بعض الأفضل: في بعض النسخ " عن سعد بن جابر " والصحيح ما في الأصل وهو موافق للنسخ الصحيحة وليس في كتب الرجال سعد بن جابر ويؤيده الرواية الآتية. وسعد مشترك ويرجح ابن طريف الاسكاف، والأظهر في جابر أنه ابن يزيد الجعفي. * الأصل: 2 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد. عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله عزوجل: * (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر اولو الألباب) * قال: نحن الذين يعلمون وعدونا الذين لا يعلمون وشيعتنا اولو الألباب. * الشرح: قوله * (هل يستوي الذين يعلمون) * الاستفهام للإنكار والفعل كاللازم والمقصود نفي المساواة بين من توجد له حقيقة العلم وبين من لا يوجد، وقوله * (إنما يتذكر أولو الألباب) * إشارة إلى أن التفاوت بين العالم والجاهل لا يعرفه إلا أرباب العقول الكاملة المعراة عن متابعة الإلف ومعارضة الوهم كما قيل: إنما يعرف ذاالفضل من الناس ذووه، وأما الجاهل فلا يعرف من الإنسان إلا صورته وهو بهذا المعني مشارك للبهائم، توضيح ذلك أن الإنسان مركب من جوهرين نفس وبدن والأول من عالم الغيب والملكوت، والثاني: من عالم الملك والشهادة ولكل أجزاء وقوى بما فيه مثال للآخر فمن قوى البدن البصيرة العينية الظاهرة، ومن قوى النفس البصيرة الروحانية الباطنة بالقوة في الأكثر في بدء الفطرة وتتكامل تدريجا في بعض بتكرر مشاهدة المعقولات وفعل الحسنات حتى تصير بحيث يشاهد ما في عالم الغيب مثل ما في عالم الشهادة وتصير الإنسان بذلك إنسانا صورة ومعنى. ومتشابها بالكاملين من جميع الجهات مثل الرسل والأوصياء وبذلك الربط

[ 276 ]

والمشابهة يعرفهم ويعرف فضلهم وقدرهم وينقاد لهم ويرجع إليهم كرجوع الفرع إلى الأصل. وأما من أعرض عن مشاهدة الحقائق والصور العينية وأبطلت قوته الباطنة حتى صار أعمى القلب فهو وإن كان إنسانا صورته لكنه كلب أو خنزير أو حمار معنى ولا مشابهة بينهم وبين الكاملين إلا بحسب الصورة فلا يقر لهم فضيلة وشرفا ويقول: إن أنتم إلا بشر مثلي ولا فضل لكم علي، ولا يعرف أنهم بحسب النشأة الباطنة روحانيون ربانيون، بوجودهم قامت السماوات وبنورهم أشرقت الأرض، لانتفاء الملائمة بينه وبينهم من هذه الجهة.

[ 277 ]

باب أن الراسخين في العلم هم الأئمة (عليهم السلام)) * الأصل: 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن النضرين سويد، عن أيوب بن الحر وعمران بن علي، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: نحن الراسخون في العلم ونحن نعلم تأويله. * الشرح: قوله: (قال نحن الراسخون في العمل ونحن نعلم تأويله) التأويل: صرف الكلام عن ظاهره إلى خلاف الظاهر من آل يؤول إذا رجع وهذا الكلام يسمى متشابها والراسخون في العلم هم الذين ثبتوا فيه وتمكنوا بنور بصائرهم وصفاء ضمائرهم، وهذا الخبر حجة على من وقف على الله وجعل * (الراسخون) * مبتدأ وخبره * (يقولون آمنا به) * لدلالته على الوصل * (ويقولون) * حينئذ إما استيناف لإيضاح حال الراسخين أو حال عنهم. * الأصل: 2 - علي بن محمد، عن عبد الله بن علي، عن إبراهيم بن إسحاق، عن عبد الله بن حماد، عن بريد بن معاوية، عن أحدهما (عليهما السلام) في قول الله عز وجل: * (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) * فرسول الله (صلى الله عليه وآله) أفضل الراسخين في العلم، قد علمه الله عزوجل جميع ما أنزل عليه من التنزيل والتأويل وما كان الله لينزل عليه شيئا لم يعلمه تأويله، وأوصياؤه من بعده يعلمونه كله، والذين لا يعلمون تأويله إذا قال العالم فيهم بعلم، فأجابهم الله بقوله: * (يقولون آمنا به كل من عند ربنا) * والقرآن خاص وعام ومحكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ، فالراسخون في العلم يعلمونه. * الشرح: قوله: (في قول الله تعالى وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون) قال الله تعالى * (وهو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب واخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا اولو الألباب) * قد ذكرنا تفسير المحكم والمتشابه في باب اختلاف الأحاديث، وقال القرطبي: ام الكتاب أصله الذي يرجع إليه عند الإشكال ومنه سميت الفاتحة أم القرآن لأنها أصله إذ هي آخذة بجملة علومه فكأنه قال: محكمات هن اصول ما

[ 278 ]

أشكل من الكتاب فيرد ما أشكل منه إلى ما اتضح منه وهذا أسد ما قيل في ذلك، والزيغ: هو الميل عن الحق إلى الباطل، وابتغاء الفتنة: طلبها، والفتنة: الضلال، وقيل: الشك. والتأويل: ماآل إليه أمره والمراد باتباعهم للمتشابه ابتغاء الفتنة أن يتبعونه ويجمعونه طلبا للتشكيك في القرآن واضلال العوام كما فعله الزنادقة والقرامطة والطاعنون في القرآن أو يجمعونه طلبا لاعتقاد ظواهره كما فعلت المجسمة جمعوا ما في القرآن والسنة مما ظاهره الجسمية حتى اعتقدوا أن الباري جل شأنه جسم له صورة ذات وجه وعين وجنب ويد ورجل وأصبع تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وكلا الفريقين كافر، وأما من اتبعه ليأوله من عند نفسه فذلك مختلف في جوازه والأظهر وجوب الحمل على خلاف ظاهره وصرف تعيينه وتأويله إلى أهله والحق عند أصحابنا أن الراسخين في العلم أيضا يعلمون تأويله كما دل عليه هذا الخبر وغيره، وأما العامة فقال عياض: اختلف في الراسخين فقيل يعلمون تأويله فالواو في قوله تعالى * (إلا الله والراسخون في العلم) * عندهم عاطفة * (ويقولون) * في موضع الحال من الراسخين لا منهم ومن الله لأن الله سبحانه لا يقول ذلك، وقيل: لا يعلمون فالواو عندهم للاستيناف والراسخون مبتدأ وخبره يقولون وكلا الوجهين محتمل وإنما يعتضد أحدهما بمرجح لا يبلغ القطع وكاد أن يكون علم الراسخين بالمتشابه من المتشابه انتهى. وقال: المازري: والأول أصح لأنه يبعد أن يخاطب الله تعالى الخلق بما لا يعرفونه وقد اتفق أصحابنا وغيرهم على أنه يستحيل أن يتكلم الله سبحانه بما لا يفيد. هذا كلامه. قوله (والذين يعلمون إذا قال العالم فيهم بعلم فأجابهم الله) الموصول مع صلته مبتدأ والشرط مع جوابه خبر وجعل قوله فأجابهم خبرا باعتبار تضمن المبتدأ معنى الشرط يوجب خلو الشرط عن الجزاء، والتقدير خلاف الأصل مع عدم الحاجة إليه، وفي بعض النسخ " فيه " بدل " فيهم " وهو الأظهر، وأجاب بمعنى قبل، ومن أسمائه تعالى المجيب وهو الذي يقابل الدعاء والسؤال والقول والعمل بالقبول ولعل المقصود أن الذين يعلمون تأويل المتشابه إذا قال العالم في تأويله أو فيما بين الناس بعلم ويقين: آمنا به، فأجابهم الله تعالى وقبل قولهم ومدحهم بقوله * (يقولون آمنا به) * أي بالمتشابه. كل من المتشابه والمحكم من عند ربنا لحكمة مقتضية لهما، وفيه مدح لهم بالعلم بالتأويل الحق والتصديق به، وفي أكثر النسخ المعتبرة * (والذين لا يعلمون) * قال الفاضل الأمين الأستر ابادي * (يقولون آمنا به) * خبر لقوله * (والذين لا يعلمون تأويله) * وهذا جواب علمهم الله تعالى ليأتوا بهذا الجواب إذا سمعوا من العالم تأويلا بعيدا عن إذهانهم ثم أشار إلى التعميم بعد التخصيص بقوله: " والقرآن خاص وعام ومحكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ فالراسخون في العلم

[ 279 ]

يعلمونه " فوجب الرجوع في جميع ذلك إلى الراسخين في العلم وفي كتاب الاحتجاج للشيخ الطبرسي عن الرضا (عليه السلام) قال: " قال الله جل جلاله: ما آمن بي من فسر برأيه كلامي، وما عرفني من شبهني بخلقي، وما على ديني من استعمل القياس في ديني ". وقال (عليه السلام): " من رد متشابه القرآن إلى محكمه فقد هدي إلى صراط مستقيم. ثم قال: إن في أخبارنا متشابها كمتشابه القرآن ومحكما كمحكم القرآن فردوا متشابهها إلى محكمها ولا يتبعوا متشابهها دون محكمها فتضلوا.

[ 280 ]

باب أن الائمة قد اوتوا العلم واثبت في صدورهم * الأصل: 1 - أحمد بن مهران، عن محمد بن علي، عن حماد بن عيسى، عن الحسين بن المختار، عن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول في هذه الآية: * (بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم) * فأومأ بيده إلى صدره. * الشرح: قوله (قال أبو جعفر (عليه السلام) هذه الآية) " هذه الآية " مقول قال، وحاصله قرأها. * الأصل: 3 - (وعنه، عن محمد بن علي، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي بصير قال: قال أبو جعفر (عليه السلام) [ في ] هذه الآية: * (بل هو آيات بينات في صدور الذين اوتوا العلم) *.... ثم قال: أما والله يا أبا محمد ما قال بين دفتي المصحف ؟ قلت: من هم جعلت فداك ؟ قال: من عسى أن يكونوا غيرنا. * الشرح: قوله: (ثم قال: أما والله يا أبا محمد ما قال بين دفتي المصحف) " ما " نافية يعني ما قال * (بينات) * أي: واضحات بين دفتي المصحف لأنه خفي غير واضح بينهما بل قال: بينات في صدور الذين أوتوا العلم وإنما أتى بحرف التنبيه والقسم مع أنه واضح للتنبيه على فائدة ذلك وترويج مضمونه لئلا يغفل المخاطب عنه. قوله: (قال: من عسى أن يكونوا غيرنا) هذا من باب الإنكار يعني أنهم نحن لا غيرنا.

[ 281 ]

باب في أن من اصطفاه الله من عباده وأورثهم كتابه هم الأئمة (عليهم السلام) * الأصل: 1 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن محمد بن جمهور، عن حماد بن عيسى، عن عبد المؤمن عن سالم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: * (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا، فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله) * قال: السابق بالخيرات الامام، والمقتصد: العارف للامام، والظالم لنفسه: الذي لا يعرف الامام. * الشرح قوله: * (ثم أورثنا الكتاب) * المورث: هو النبي (صلى الله عليه وآله) بأمره تعالى فنسب الفعل إليه مجازا. قوله * (فمنهم ظالم لنفسه) * لخروجه عن الدين والعمل بالكتاب ولا ظلم أعظم منه وإنما قدمه لأنه أكثر. قوله * (ومنهم مقتصد) * الاقتصاد هو التوسط في الأمور كالإقرار بالإمام المتوسط بين إنكاره والغلو فيه والتوسط في العمل بين تركه بالكلية وبين الإتيان بجميع الخيرات وعلى هذا القياس. قوله * (بإذن الله) * أي بأمر الله وتوفيقه. قوله (والسابق بالخيرات الإمام) لأن له قدرة نفسانية وقوة روحانية وشدة جسمانية يقتدر بها على فعل جميع الخيرات ولا يترك شيئا منها كما قال سبحانه * (وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين) * وقال بعض المفسرين: السابق هو الذي رجحت حسناته بحيث صارت سيئاته مكفرة، والأول هو الحق الذي لاريب فيه. قوله (والمقتصد العارف بالإمام) أي العارف بحقه المسلم لفضله وهو مقتصد لإقراره بما هو أصل لجميع الخيرات وإن لم يأت بجميعها ويرجع إليه تفسيره بالمتعلم وتفسيره بأنه الذي خلط العمل الصالح بالسئ، وفي بعض النسخ " العارف بالأمر ". قوله (والظالم لنفسه الذي لا يعرف الإمام) إذ لا خير فيه بعد إنكار الأصل ويرجع إليه تفسيره بالجاهل. * الأصل: 2 - الحسين، عن المعلى، عن الوشاء، عن عبد الكريم، عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن قوله تعالى: * (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا) * فقال: أي شئ

[ 282 ]

تقولون أنتم ؟ قلت: نقول: إنها في الفاطميين ؟ قال: ليس حيث تذهب ليس يدخل في هذا من أشار بسيفه ودعا الناس إلى خلاف، فقلت: فأي شئ الظالم لنفسه ؟ قال: الجالس في بيته لايعرف حق الإمام، والمقتصد، العارف بحق الإمام، والسابق بالخيرات الإمام. * الشرح: قوله: (فقال: أي شئ تقولون أنتم) الخطاب لسليمان بن خالد ومن يحذو حذوه ممن يعتقد أن كل من خرج من أولاد فاطمة (عليهما السلام) بالسيف فهو إمام مفترض الطاعة. قال العلامة: خرج سليمان بن خالد مع زيد فقطعت أصبعه ولم يخرج من أصحاب أبي جعفر (عليه السلام) غيره وكان الذي قطع يده يوسف بن عمر بنفسه، وفي كتاب سعد أنه تاب من ذلك ورجع إلى الحق قبل موته ورضي أبو عبد الله عنه بعد سخطه وتوجع بموته وكان قاريا فقيها وجها، روى عن الباقر والصادق (عليهما السلام) وقال النجاشي: هو ثقة مات في حياة أبي عبد الله (عليه السلام) فتوجع لفقده ودعا لولده وأوصى بهم أصحابه وله كتاب عنه عبد الله بن مسكان. قوله (قال: ليس حيث تذهب) من أنها نزلت في الفاطميين على الإطلاق وقوله " ليس يدخل " بمنزلة التعليل لذلك فكأنه قال: لو كانت في الكاظميين على الإطلاق لزم أن يدخل في هذا من أولاد فاطمة كل من أشار بسيفه ودعا الناس إلى ضلال أو خلاف للحق على اختلاف النسختين واللازم باطل قطعا فالملزوم مثله، بل هي نزلت فيمن دعا الناس إلى الله تعالى وإلى دين الحق بأمر الله تعالى وهو علي (عليه السلام) وبعض أولاد فاطمة (عليها السلام). قوله (فأي شئ الظالم لنفسه) يعني إلى آخره، وحينئذ الجواب بجميع أجزائه منطبق على السؤال. * الأصل: 4 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن أبي ولاد قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: * (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته اولئك، يؤمنون به) * قال: هم الأئمة (عليه السلام). * الشرح: قوله (حق تلاوته) المراد تلاوته مع ضبط جواهر كلماته وحروفه وكيفياته وحفظ معانيه الظاهرة والباطنة كلها وهذا ليس إلا في وسع الأئمة (عليه السلام) إذ لا يعلم غيرهم معاني القرآن كلها باتفاق الامة.

[ 283 ]

باب أن الأئمة في كتاب الله إمامان: إمام يدعو إلى الله وإمام يدعو إلى النار * الأصل: 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن عبد الله بن غالب، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال: لما نزلت هذه الآية: * (يوم ندعوا كل اناس بإمامهم) * قال المسلمون: يا رسول الله ألست إمام الناس كلهم أجمعين ؟ قال: فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنا رسول الله إلى الناس أجمعين ولكن سيكون من بعدي أئمة على الناس من الله من أهل بيتي، يقومون في الناس فيكذبون ويظلمهم أئمة الكفر والضلال وأشياعهم، فمن والاهم واتبعهم وصدقهم فهو منى ومعي وسليقاني، ألا ومن ظلمهم وكذبهم فليس مني ولا معي وأنا منه برئ. * الشرح: قوله (فيكذبون ويظلمهم أئمة الكفر والضلال) دل على ذلك أيضا ما رواه مسلم بإسناده عن رسول الله (عليه السلام) " قال إنها ستكون بعدي أثرة وامور تنكرونها، قالوا: يا رسول الله كيف تأمر من أدرك منا ذلك ؟ قال: تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم ". قال أبو عبد الله الآبي: الأثرة بفتح الهمزة والثاء وكسرهما وإسكان الثاء: حكى اللغات الثلاث في المشارق وهو الاستيثار والاختصاص بامور الدنيا، وقال القرطبي: أي استيثار بمال الله تعالى ومال المسلمين يعني إيثار بعضهم دون بعض أو استيثار بالخلافة والعهد أو يعني بالإثرة: الشدة. وقال المازري: قد وقع جميع ما في الحديث ففيه معجزة ظاهرة عظيمة (1). وقال الآبي: قوله


1 - " ففيه معجزة ظاهرة عظيمة " وفيه دليل على عدم رضا الله ورسوله (صلى الله عليه وآله). بعملهم: وأمارتهم ولا يفيد معه رضا الناس وبيعتهم لأن الذي لا يرضى به الله تعالى فهو باطل. وفيه أمر بالتقية منهم كما هو مذهب الشيعة لأن إطاعتهم ليست واجبة شرعا بل هي ضرورة تقدر بقدرها ولو كانت واجبة بالأصالة لم يكن وجه لأن يسأل الله تعالى كشف ما نزل والتوسل إليه تعالى للحقوق التى منعوها ولم يوصف الحكام بأنهم دعاة إلى أبواب جهنم ولم يكن وجه لقوله (صلى الله عليه وآله) فاصبروا حتى تلقوني على الحوض لأن الإطاعة الواجبة بالأصالة لا يقال فيها هذا القول، فإن قيل: كيف رضى علماؤهم وخلفاؤهم بنقل هذه الأحاديث ترغيب الناس في الإطاعة ؟ قلنا: كان شأنهم شأن ولاة الدنيا ولم يكن غرضهم إلا الإطاعة الظاهرية وحفظ حشمة الملك وتنفيذ الأمر سواء رضى الناس أو = (*)

[ 284 ]

" تؤدون الحق الذي عليكم " نص على لزوم الطاعة والضراعة إلى الله تعالى في كشف ما نزل. وما رواه أيضا عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قال: " ستلقونه بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض " وما رواه عن سلمة بن يزيد الجعفي " أنه سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا نبي الله أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألوننا حقهم ويمنعوننا حقنا فما تأمرنا ؟ فأعرض عنه، ثم سأله في الثالثة فجذبه الأشعث بن قيس وقال: اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم حملتم " وما رواه عن حذيفة ابن اليمان قال: " قلت: يا رسول الله إنا كنا بشر فجاءنا الله بخير فنحن فيه فهل من وراء ذلك الخير شر ؟ قال: نعم، قلت: هل وراء ذلك الشر خير ؟ قال: نعم قلت: هل وراء ذلك الخير شر " قال: نعم، قلت: كيف ؟ قال: يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بعدي بسنتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس، قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك ؟ قال: تسمع وتطيع وإن ضرب ظهرك واخذ مالك فاسمع وأطع " وفي رواية اخرى له " هم قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا وهم دعاة إلى أبواب جهنم " وله روايات متكثرة في هذا الباب تركناها خوفا للإطناب (1) أقول: الشر الأول: خلافة الثلاثة، والخير بعده خلافة علي (عليه السلام) والشر بعده خلافة معاوية وبني امية وبني عباس وهلم جرا إلى قيام الحجة (عليه السلام). والمراد بالامراء: الشيوخ الثلاثة وأضرابهم والدليل عليه سبعة أحاديث رواها مسلم في كتاب الصلاة منها ما رواه بإسناده عن أبي ذر قال قال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله): " كيف أنت إذا كان عليك امراء يؤخرون الصلاة عن وقتها أو يميتون الصلاة عن وقتها ؟ قال: قلت: فما تأمرني ؟ قال: صل الصلاة لوقتها فإن أدركت معهم فصل فإنها لك نافلة " ومنها ما رواه بإسناده آخر عن أبي ذر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " يا أبا ذر إنه سيكون بعدي امراء يميتون الصلاة، فصل الصلاة لوقتها فإن صليت لوقتها كانت لك نافلة وإلا فقد أحرزت صلواتك " ومنها ما رواه بإسناد آخر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) وضرب فخذي: " كيف أنت إذا بقيت في قوم يؤخرون الصلاة عن وقتها ؟ قال: قلت: فما تأمرني ؟ قال: صل الصلاة لوقتها ثم اذهب لحاجتك فإن اقيمت الصلاة وأنت في المسجد


= كرهوا وكان هذا المقدار من الطاعة كافيا لهم في غرضهم فلم يبالوا بنقل الأحاديث فيه فإن أطاع الناس تقية أو اعتقادا حصل غرضهم وإنما جاء المتكلمون بعد ذلك وأرادوا تصحيح خلافتهم اعتقادا فوقعوا في التكلفات العجيبة والتوجيهات الغريبة لمثل هذه الأحاديث بحث تأبى عنه الطبع السليم. (ش) 1 - جميع هذه الأخبار في صحيح مسلم أوائل كتاب الولاية. (*)

[ 285 ]

فصل " ووجه الدلالة أن هؤلاء الامراء ليسوا معاوية ومن بعده من الشياطين فإن أبا ذر لم يدرك زمان خلافتهم فتعين أن يكونوا الخلفاء الثلاثة وللعامة في تفسير هذه الأحاديث كلمات واهية ومزخرفات باطلة لا يليق المقام ذكرها قوله (فهو مني) أي من حزبي وأعواني ومعي في الدنيا والآخرة، وسيلقاني يوم القيامة عند اشتغال الناس بأعمالهم. * الأصل: 2 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، ومحمد بن الحسين، عن محمد بن يحيى، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال: إن الائمة في كتاب الله عزوجل إمامان قال الله تبارك وتعالى، * (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا) * لا بأمر الناس يقدمون أمر الله قبل أمرهم، وحكم الله قبل حكمهم. قال: * (وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار) * يقدمون أمرهم قبل أمر الله، وحكمهم قبل حكم الله، ويأخذون بأهوائهم خلاف ما في كتاب الله عز وجل. * الشرح: قوله: * (وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار) * أي حكمنا بذلك حيث إنهم يتبعون أهواءهم وسلبنا عنهم اللطف والتوفيق ولم نمنعهم عن أعمالهم جبرا ويدخل فيم سلاطين الجور وقضاته وكل من سن بدعة.

[ 286 ]

باب [ أن القرآن يهدي للإمام ] * الأصل: 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن قوله عز وجل * (ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم) * قال: إنما عنى بذلك الأئمة (عليه السلام) بهم عقد الله عز وجل أيمانكم. * الشرح: قوله: * (ولكل جعلنا موالي مما ترك) * يعني ولكل ميت جعلنا موالي أي وراثا يرثونه مما تركه فقوله " من " صلة للموالي باعتبار أنهم الوارثون، وفاعل ترك ضمير يعود إلى " كل " وقوله * (الوالدان والأقربون) * وما عطف عليهما وهو قوله * (والذين عقدت أيمانكم) * استيناف مفسر للموالي والأقربون يتناول الأولاد كما أن الوالدين يتناول الأجداد والجدات أيضا وقوله (عليه السلام) " إنما عنى بذلك " أي بقوله * (والذين عقدت أيمانكم) * الأئمة (عليه السلام) بهم عقد الله تعالى أيمانكم يعني بيعتكم وعهدكم في الميثاق وصريح في أن الإمام وارث لمن مات من هذه الامة إلا أنه وارث من لا وارث له، هذا الذي ذكره (عليه السلام) أولى مما قيل من أن المراد بذلك ضامن الجريرة أو الأزواج على أن المراد بالعقد عقد النكاح لأنه أعلم بالكتاب وما هو المراد منه. والحديث صحيح. * الأصل: 2 - علي بن إبراهيم عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم بن عبد الحميد عن موسى بن أكيل النميري، عن العلاء بن سيابة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: * (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) * قال: يهدي إلى الإمام. * الشرح: قوله * (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) * أي يهدي العباد إلى الطريق التي هي أقوم الطريق وهو الإمام إذ هو أصل لجميع الخيرات وأقوم من كل ما يتقرب به العبد به إلى الله تعالى، والقرآن يهدي إليه في مواضع عديدة.

[ 287 ]

باب أن النعمة التى ذكرها الله عز وجل في كتابه الأئمة (عليهم السلام) * الأصل: 1 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن بسطام بن مرة، عن إسحاق بن حسان عن الهيثم بن واقد، عن علي بن الحسين العبدي، عن سعد الإسكاف، عن الأصبغ بن نباتة قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ما بال أقوام غيروا سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعدلوا عن وصيه ؟ لا يتخوفون أن ينزل بهم العذاب، ثم تلا هذه الآية * (ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار * جهنم) * ثم قال: نحن النعمة التي أنعم الله بها على عباده وبنا يفوز من فاز يوم القيامة. * الشرح: قوله (ثم قال نحن النعمة) إطلاق النعمة على الإمام من باب الحقيقة لأن النعمة ما أنعم الله به عليك وأفضله الإمام (عليه السلام).

[ 288 ]

باب أن المتوسمين الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه هم الأئمة (عليهم السلام) والسبيل فيهم مقيم * الأصل: 1 - أحمد بن مهران، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني، عن ابن أبي عمير قال: أخبرني أسباط بياع الزطي قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فسأله رجل عن قول الله عز وجل: * (إن في ذلك لآيات للمتوسمين * وإنها لبسبيل مقيم) * قال: فقال: نحن المتوسمون والسبيل فينا مقيم. * الشرح: قوله: (الزطي) في الصحاح الزط جيل من الناس الواحد الزطي مثل الزنج والزنجي والروم والرومي، وفي المغرب الزط جيل من الهند إليهم ينسب الثياب الزطية وفي النهاية الأثيرية جنس من السودان والهنود. * الأصل: 2 - محمد بن يحيى، عن سلمة بن الخطاب، عن يحيى بن إبراهيم قال: حدثني أسباط بن سالم قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فدخل عليه رجل من أهل هيت فقال له: أصلحك الله ما تقول في قول الله عز وجل * (إن في ذلك لآيات للمتوسمين ؟) * قال: نحن المتوسمون والسبيل فينا مقيم. * الشرح: قوله * (إن في ذلك لآيات للمتوسمين) * أي أن في ذلك المذكور في الصيحة على قوم لوط وجعل عالي مدينتهم سافلها وإمطار الحجارة عليهم لآيات للمتوسمين أي الذين يتوسمون الأشياء ويتفرسون في حقايقها وأسبابها وآثارها ويتفكرون في مباديها وعواقبها ويثبتون في النظر إليها حتى يعرفوها بسماتها كما ينبغي. قوله * (وإنها لبسبيل مقيم) * تفسيره على ما فسره (عليه السلام) أن تلك القصة وكيفيتها وكيفية حدوثها وأسبابها وآثارها ووخامة عاقبتها لمع سبيل مقيم ثابت دائم لا يندرس ولا يبطل إلى يوم القيامة، وذلك السبيل هو الإمامة الثابتة لعترة الرسول، وليس المراد به سبيل قرية المعذبين وآثارها لأنها غير ثابتة لعترة الرسول، وليس المراد به سبيل قرية المعذبين وآثارها لأنها غير ثابتة أبدا. قوله " والسبيل فينا مقيم " أي السبيل وهو الإمامة لأنها سبيل الحق وطريق الجنة مقيم ثابت فينا أهل البيت لا يزول ولا يندرس أبدا، أشار بذلك إلى أن المراد بالسبيل الإمام والإمامة، لا سبيل

[ 289 ]

القرية كما هو المشهور بينهم. قوله (من أهل هيت) هيت بالكسر: اسم بلد على الفرات. * الأصل: 3 - محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن حماد بن عيسى، عن ربعي بن عبد الله، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله عز وجل * (إن في ذلك لآيات للمتوسمين) * قال: هم الأئمة (عليهم السلام)، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله)، " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله عز وجل " في قول الله تعالى: * (إن في ذلك لآيات للمتوسمين) *. * الشرح: قوله (قال رسول الله اتقوا فراسة المؤمن) الجار وهو في قول الله عز وجل متعلق بقال أي: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في تأويل قول الله عز وجل * (إن في ذلك لآيات للمتوسمين) * اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى. الفراسة بالكسر: اسم من قولك تفرست فيه خيرا وهو يتفرس أي: يتثبت وينظر، والنور: العلم أو حالة نفسانية بها يتميز الخير عن الشر والجيد عن الردي والإضافة إليه تعالى باعتبار أنه المفيض وهذا القول رواه العامة أيضا، قال ابن الأثير في النهاية: وهو يقال لمعنيين: أحدهما: ما دل ظاهره وهو ما يوقعه الله تعالى في قلوب أوليائه فيعلمون أحوال بعض الناس بنوع من الكرامات وإصابة الظن والحدس. والثاني: نوع يتعلم بالدلايل والتجارب والخلق والأخلاق فيعرف به أحوال الناس وللناس فيه تصانيف قديمة وحديثة. * الأصل: 4 - محمد بن يحيى، عن الحسن بن علي الكوفي، عن عبيس بن هشام، عن عبد الله بن سليمان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله الله عز وجل: * (إن في ذلك لآيات للمتوسمين) * فقال، هم الأئمة (عليهم السلام) * (وإنها لبسبيل مقيم) * قال: لا يخرج منا أبدا. * الشرح: قوله (لا يخرج منا أبدا) أي السبيل لا يخرج منا أهل البيت بل هو ثابت باق دائما. * الأصل: 5 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن أسلم، عن إبراهيم بن أيوب عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في قوله تعالى: * (إن في ذلك لآيات للمتوسمين) * قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) المتوسم وأنا من بعده والأئمة من ذريتي، المتوسمون. وفي نسخة: عن أحمد بن مهران، عن محمد بن علي، عن محمد بن أسلم، عن

[ 290 ]

إبراهيم بن أيوب باسناده مثله. * الشرح: قوله (وفي نسخة أخرى) دل على أنه نقل الحديث من كتاب محمد بن يحيى، وقد مر أنه يجوز، ونقل الحديث من كتب الشيوخ المشهورين إذا كان انتسابها إليهم معلوما.

[ 291 ]

باب عرض الأعمال على النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) * الأصل: 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: تعرض الأعمال على رسول الله (صلى الله عليه وآله) أعمال العباد كل صباح أبرارها وفجارها فاحذروها، وهو قول الله تعالى: * (اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله) * وسكت. * الشرح: قوله (تعرض الأعمال على رسول الله (صلى الله عليه وآله)) ظاهر أحاديث هذا الباب أن أعمال كل أحد تعرض على رسول الله (صلى الله عليه وآله) مفصله في كل يوم وهذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن تعرض عليه أعمال اليوم والليلة معا وقت الصبح ويشعر به هذا الخبر، وثانيهما: أن تعرض أعمال الليل في الصباح وأعمال النهار في المساء لأنهما وقتان لرفع الأعمال ويشعر به خبر عبد الله بن أبان الزيات عن الرضا (عليه السلام) وهذه الأخبار لا تنافي ما رواه عبد الله بن سنان عن الصادق (عليه السلام) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يوم الخميس تعرض فيه الأعمال " لاحتمال أن يقع عرض أعمال الأسبوع مرة في الخميس هذا، وقال بعض العامة: إن الأعمال تعرض على رسول الله (صلى الله عليه وآله) عرضا مجملا كأن يقال عملت أمتك خيرا أو أنها تعرض دون تعيين عاملها. قوله (أبرارها وفجارها) الظاهر أنه بيان للأعمال وضمير التأنيث راجع إليها والإضافة بيانية، والأبرار جمع البر بالكسر: كالأجلاف جمع الجلف والبر كثيرا ما يطلق على الأولياء والزهاد والعباد، وقد يطلق على الطاعة والعبادة والأعمال الصالحة لأنها تحسن إلى صاحبها وتتسبب لتقر به إلى الله تعالى وهذا هو المراد هنا، والفجار جمع الفاجر: وهو المرتكب للمعاصي، وقد يطلق على المعصية والأعمال القبيحة من باب تسمية الحال باسم المحل وهذا أيضا هو المراد هنا. قوله (فاحذروها) ضمير التأنيث راجع إلى الفجار التي هي عبارة عن الأعمال القبيحة أو إلى الأعمال باعتبار نوعها المنهي عنه. * الأصل: 3 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي - عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: ما لكم تسوؤن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ فقال رجل: كيف نسوؤه ؟ فقال: أما تعلمون أن

[ 292 ]

أعمالكم تعرض عليه فإذا رأى فيها معصية ساءه ذلك فلا تسوؤا رسول الله وسروه. * الشرح: قوله (فإذا رأى فيها معصية ساءه) شفقة على أمته ومشاهدة لمخالفته ومخالفة ربه. * الأصل: 4 - علي، عن أبيه، عن القاسم بن محمد، عن الزيات، عن عبد الله بن - أبان الزيات وكان مكينا عند الرضا (عليه السلام) قال: قلت: للرضا (عليه السلام): ادع الله لي ولأهل بيتي، فقال: أو لست أفعل ؟ والله إن أعمالكم لتعرض علي في كل يوم وليلة، قال: فاستعظمت ذلك، فقال لي: أما تقرء كتاب الله عز وجل: * (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) * ؟ قال: هو والله علي ابن أبي طالب (عليه السلام). * الشرح: قوله (وكان مكينا) أي ذا مكانة علية ومنزلة رفيعة.

[ 293 ]

باب أن الطريقة التي حث على الاستقامة عليها ولاية علي (عليه السلام) * الأصل: 1 - أحمد بن مهران، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني، موسى بن محمد، عن يونس ابن يعقوب، عمن ذكره، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: * (وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا) * قال: يعني لو استقاموا على ولاية علي ابن أبي طالب أمير المؤمنين (عليه السلام) والأوصياء من ولده (عليهم السلام) وقبلوا طاعتهم في أمرهم ونهيهم * (لأسقيناهم ماء غدقا) * يقول: لأشربنا قلوبهم الإيمان، والطريقة: هي الإيمان بولاية علي والأوصياء. * الشرح: قوله: (عن موسى بن محمد عن يونس بن يعقوب) هكذا في أكثر النسخ المعتبرة وهو الصحيح الموافق لما مر في باب أن الآيات التي ذكرها الله عز وجل هم الأئمة. ولما سيجئ في باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية. وفي بعضها عن موسى بن محمد عن يونس بن محمد عن يونس بن يعقوب " والظاهر أنه زائد وقع سهوا من الناسخ. قوله (يقول: لأشربنا قلوبهم الإيمان) إطلاق ا لماء على الإيمان من باب الاستعارة لاشتراكهما في معنى الاحياء إذ الإيمان سبب لحياة القلوب سيما الكامل منه وهو المقارن للطاعة في الأوامر النواهي كما أن الماء سبب لحياة الأرض ونضارتها. * الأصل: 2 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد بن جمهور، عن فضالة بن أيوب عن الحسين ابن عثمان، عن أبي أيوب، عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: * (الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) * فقال أبو عبد الله (عليه السلام): استقاموا على الأئمة واحد بعد واحد * (تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون) *. * الشرح: قوله: (فقال أبو عبد الله (عليه السلام): استقاموا) تفسير الآية على ما ذكره (عليه السلام) * (إن الذين قالوا ربنا الله) * إقرار بتوحيده وربوبيته * (ثم استقاموا) * على الإقرار بالأئمة ومتابعتهم واحدا بعد واحد، والعطف بثم للدلالة على تراخي هذا عن ذاك وتوقفه عليه * (تتنزل عليهم الملائكة) * عند الاحتضار وعند الخروج من القبر وفي البرزخ أيضا * (أن لا تخافوا) * من لحوق المكروه * (ولا تحزنوا) * من فوات

[ 294 ]

المحبوب لما بكم من أصل جميع الخيرات * (وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون) * في الدنيا على لسان الرسول والإبشار يجئ متعديا ولازما ونقول: أبشرت الرجل إبشارا إذا أخبرته بما يوجب سروره وبشرته بخير فأبشر إبشارا أي: سر والأخير هو المراد هنا.

[ 295 ]

باب ان الأئمة معدن العلم وشجرة النبوة ومختلف الملائكة * الأصل: 1 - أحمد بن مهران، عن محمد بن علي، عن غير واحد، عن حماد بن عيسى، عن ربعي ابن عبد الله عن أبي الجارود قال: قال علي بن الحسين (عليهما السلام): ما ينقم الناس منا. فنحن والله شجرة النبوة، وبيت الرحمة، ومعدن العلم، ومختلف الملائكة. * الشرح: قوله: (ما ينقم الناس منا) يقال: نقم منه وعليه نقما من باب ضرب إذا عابه وكرهه وأنكر عليها ونقم بالكسر لغة. و " ما " للنفي أو للاستفهام على سبيل الإنكار. قوله (فنحن والله شجرة النبوة) فيه استعارة مكنية وتخييلية بتشبيه النبوة بالبستان في كثرة النفع وحسن النضارة ورغبة الطبع وإثبات الشجرة لها. وهم (عليهم السلام) شجرتها المظللة المثمرة إذ منهم يقتطف أثمار المسائل الإلهية والقوانين الشرعية كل عالم، وبظلهم يستظل ويستريح من حر الشدايد الدنيوية والأخروية كل سالك. وحمل الشجرة عليهم من باب حمل المشبه به على المشبه للمبالغة في التشبيه. قوله (وبيت الرحمة) الرحمة: الرقة والتعطف والشفقة على خلق الله وهذه الأمور على وجه الكمال إنما هي فيهم فكأنهم بيت جعله الله تعالى مخزنا لها، ويحتمل أن يراد بالرحمة الرحمة الإلهية وهي الإحسان والإفضال والإنعام وهم (عليهم السلام) محل لها ووسط لوصولها إلى سائر الخلق وحمل الرحمة على النبي (صلى الله عليه وآله) لأنه رحمة للعالمين، والبيت على عياله. أو على أهل بيته بحذف المضاف بعيد جدا. قوله: (ومعدن العلم) لإقامة العلم ورسوخه فيهم ووصوله منهم إلى الخلائق كما في سائر المعدنيات. * الأصل: 2 - محمد بن يحيى، عن عبد الله بن محمد بن عيسى، عن أبيه، عن عبد الله ابن المغيرة، عن إسماعيل بن أبي زياد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه (عليهما السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إنا - أهل البيت - شجرة النبوة، وموضع الرسالة، ومختلف الملائكة، وبيت الرحمة، ومعدن العلم.

[ 296 ]

الشرح: قوله: (ومختلف الملائكة) لنزولها إليهم مرة بعد مرة وطائفة بعد أخرى لزيارتهم والتشرف بهم ولإخبارهم بما يوجد في هذا العالم وفي عالم الغيب من الحوادث وغيرها. * الأصل: 3 - أحمد بن محمد عن محمد بن الحسين، عن عبد الله بن محمد، عن الخشاب قال: حدثنا بعض أصحابنا عن خيثمة قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): يا خيثمة نحن شجرة النبوة وبيت الرحمة ومفاتيح الحكمة ومعدن العلم وموضع الرسالة، ومختلف الملائكة، وموضع سر الله، ونحن وديعة الله في عباده، ونحن حرم الله الأكبر، ونحن ذمة الله، ونحن عهد الله، فمن وفى بعهدنا فقد وفى بعهد الله، ومن خفرها فقد خفر ذمة الله وعهده. * الشرح: قوله: (وموضع الرسالة) إذ رسالة النبي (صلى الله عليه وآله) وتبليغه إلى الأمة إلى يوم القيامة استقرت فيهم بأمر الله تعالى لما بهم من شرف الذات وكرم الأخلاق وصفاء النفس وذكاء العقل، فاختصوا بتلك النعمة الجزيلة وهي نعمة الرسالة وما تستلزمه من الشرف والفضل حتى كان الناس عيالا لهم إذ كانت آثار تلك النعمة إنما وصلت إلى الناس بوساطتهم ولولاهم لجهل الناس دينهم وشرائع نبيهم ورجعوا إلى ما كانوا في الجاهلية. قوله (عن خيثمة) قال صاحب الإيضاح: الخيثمة بالخاء المفتوحة المعجمة والياء المنقطة تحتها نقطتين الساكنة والثاء المنقطة فوقها ثلاث نقط والميم والهاء لا نعرف بغير هذا. انتهى وهو هنا مشترك بين جماعة مجهولين. قوله: (ومفاتيح الحكمة) لأن انتشارها فيما بين الخلق وانتقالها من خزائنها وهي المبادي العالية والقلوب الطاهرة إليهم إنما هو بحسن بيانهم وفصاحة لسانهم فكما أن الجواهر المخزونة في البيت المقفل لا تظهر ولا تخرج منه بدون المفتاح كذلك الحكمة المخزنة في مخزنها لا تظهر ولا تخرج بدون بيانهم فوقع التشابه بينهم وبين المفتاح بهذا الاعتبار. قوله: (وموضع سر الله) السر واحد الأسرار: وهو ما يكتم ولعل المراد بسر الله ما أظهره الله تعالى على الأنبياء والأوصياء من العلوم والحقائق وأخفاه عن غيرهم لعدم قدرتهم على معرفة ذلك وعدم اتساع قلوبهم لتحمله ولذلك قال (صلى الله عليه وآله) " نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم ". والأوصياء في ذلك مثل الأنبياء. ويحتمل أن يراد بسر الله شرائعه لأنها أسرار الله التي كانت

[ 297 ]

مكتومة فأوحاها جل شأنه إلى نبيه وألقاها النبي (صلى الله عليه وآله) الى أوصيائه (عليهم السلام) ووضعها عندهم. قوله: (ونحن وديعة الله في عباده) الوديعة: ما تدفعه من المال إلى أحد ليصونه ويحفظه وهم (عليهم السلام) وديعة الله تعالى في عباده على سبيل التشبيه فيجب على العباد حفظهم ورعايتهم وعدم التقصير في حقهم كما يجب ذلك على المستودع وكما أن المستودع يستحق العقوبة والمؤاخذة والاعتراض بالتقصير في الوديعة كذلك العباد يستحقونها بالتقصير في حقهم. قوله (ونحن حرم الله الأكبر) مادة هذا اللفظ في جميع عباراته تدل على المنع مثل الحرام والتحريم والإحرام والحرمة والحريم والحرم والمحروم وغيرها، وكل ما جعل الله تعالى له حرمة لا يحل إنتهاكه ومنع من كسر تعظيمه وعزه وزجر عن فعله وتركه كأولياء الله وملائكة الله ومكة الله ودين الله وغير ذلك فهو حرم الله الذي وجب على الخلق تعظيمه وعدم هتك عزته وحرمته الأكبر والأشرف والأعظم من الجميع هم الأئمة القائمون مقام النبي كما أن النبي (صلى الله عليه وآله) أكبر من الجميع. قوله (ونحن ذمة الله) الذمة والذمام بمعنى العهد والضمان والأمان والحرمة والحق، وهم (عليهم السلام) حق الله الذي وجب رعايته على عباده وحرمته التي لا يجوز انتهاكها، وأمانه في عباده وعده عليهم إذ أخذ الله تعالى عهدا من العباد بحفظهم وكلاءتهم. قوله (ونحن عهد الله) الذي أمر بالوفاء به ووعد بالثواب عليه بقوله * (أوفوا بعهدي أوف بعدكم) * والمراد بالعهد: عقد الإمامة لهم في الميثاق أو عقد الربوبية والحمل حينئذ للمبالغة حيث أن قبولهم مستلزم لقبوله وردهم مستلزم لرده فكأنهم نفسه. قوله (ومن خفرها فقد خفر ذمة الله وعهده) لم يجئ في المغرب والنهاية والصحاح أن الخفر والتخفير بمعنى نقض الذمة والعهد وإنما جاء فيها أن الإخفار بمعناه وأن الخفر بمعنى الوفاء بها، قال في المغرب: خفر بالعهد: وفي به خفارة من باب ضرب وأخفره نقضه إخفارا والهمزة للسلب. وقال في النهاية: خفرت الرجل اجرته وحفظته، وخفرته إذا كنت له خفيرا أي حاميا وكفيلا وتخفرت به: إذا استجرت به، والخفارة بالكسر والضم: الذمام، وأخفرت إذا نقضت عهده وذمامه والهمزة فيه للإزالة أي أزلت خفارته كأشكيته إذا أزلت شكايته. وقال في الصحاح مثل هذا: ولعل المعنى: من وفى بذمتنا فقد وفى بذمة الله فهذا متعلق بقوله نحن ذمة الله. وقوله: " فمن وفى بعهدنا " متعلق بقوله " نحن عهد الله " وقد عرفت من تفسير هذين القولين أن الذمة والعهد متغايران هنا وإنما قلنا: لعل لأنه نقل عن القاموس ولم يكن موجودا عندي أنه يقال: خفر بعهده خفرا وخفورا نقضه وغدره كأخفره. ولو صح هذا النقل فالمعنى من نقض ذمتنا فقد نقض ذمة الله وعهده.

[ 298 ]

باب أن الائمة (عليهم السلام) ورثة العلم، يرث بعضهم بعضا العلم * الأصل: 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن بريد بن معاوية، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن عليا (عليه السلام) كان عالما والعلم يتوارث ولن يهلك عالم إلا بقي من بعده من يعلم علمه أو ما شاء الله. * الشرح: قول المصنف: يرث بعضهم بعضا العلم " في بعض النسخ " يورث " وقيل هكذا أيضا بخط الشهيد الثاني (رحمه الله). قوله: (إن عليا (عليه السلام) كان عالما) قد علم (عليه السلام) ما في عالم الأمر وهو عالم الملائكة الروحانية المجردة وما في عالم الخلق وهو عالم الجسمانيات وقد قال (عليه السلام) " والله لو شئت أن اخبر كل رجل منكم بمخرجه ومولجه وجميع شأنه لفعلت " والسبب هو أن نفسه المقدسة لكمال نورانيتها وعدم تعلقها بالعلائق الجسمانية وغيرها اتصلت بالحضرة الإلهية اتصالا تاما فأفيضت عليها صورة الحقائق الكلية والجزئية وصارت بحيث كانت مشاهدة لها كالمبصرات الحاضرة عند البصر. قوله: " والعلم يتوارث " لأن بناء نظام الخلق على أمرين: ثانيهما متوقف على الأول أحدهما: العلم وهو من الله تعالى، وثانيهما: العمل وهو من الخلق، فلو لم يتوارث العلم وذهب العالم بعلمه بقي الخلق جاهلين لمراشدهم ومصالحهم وطريق أعمالهم فبطل أيضا وفسد النظام ولا حجة لله تعالى على الخلق حينئذ بعد العالم بل الحجة لهم على الله فاقتضت الحكمة البالغة توارث العلم وبقاء عالم بعد عالم لئلا يكون لهم حجة على الله. قوله: " من يعلم علمه " مع عدم زوال علم الأول عنه. قوله: (أو ما شاء الله) عطف على علمه يعني أن الباقي يعلم جميع علم الهالك قبل هلاكه أو ما شاء الله أن يعلمه قبله فإنه قد يعلم بعض علمه قبله وبعضه بعده لحديث الملك إياه أو لشرافة ذاته وصفاء قلبه أو لمناسبة كاملة روحانية بينهما، كما هو المروي من حال علي (عليه السلام) أنه فتح له بعد تغسيل النبي (صلى الله عليه وآله) ألف باب من العلم وفتح من كل باب ألف باب ومن شأن الأئمة الطاهرين أنهم يزدادون في كل ليلة الجمعة علما، وأنهم محدثون يخبرهم الملك بما شاء الله من العلوم والأسرار، كل ذلك للدلالة على كمال ذاتهما القابلة للفيض آنا فآنا والخطاب مع الملك حينا فحينا بخلاف

[ 299 ]

بعض السابقين من الأوصياء فإنه لما لم يكن لهم تلك المنزلة الرفيعة ولم يكن كلهم محدثين علموا علم نبيهم أجمع قبل هلاكه، والله أعمل بحقيقة الحال. * الأصل: 2 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة والفضيل، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن العلم الذي نزل مع آدم (عليه السلام) لم يرفع والعلم يتوارث. وكان علي (عليه السلام) عالم هذه الامة وإنه لم يهلك منا عالم قط إلا خلفه من أهله من علم مثل علمه أو ما شاء الله. * الشرح: قوله: (لم يرفع) أي لم يرفع عن الخلق بموت آدم (عليه السلام) لئلا يقعوا في الحيرة ولا يبطل الغرض من إيجادهم. قوله: (وأنه لم يهلك منا عالم قط إلا خلفه) قط بتشديد الطاء وضمها إما مع فتح القاف أو ضمها أو بتخفيفها وضمها كذلك: ومعناها الزمان وخلف فلان فلانا من باب نصر إذا جاء خلفه أوصار خليفته وقام مقامه وإنما قال: من علم مثل علمه لاستحالة أن يعلم عين علمه لأن العلوم الحاصلة للأول غير منتقل عنه إلى الآخر وإنما الحاصل للآخر علم مماثل لعلم الأول. * الأصل: 3 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن البرقي، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن عبد الحميد الطائي، عن محمد بن مسلم قال: قال أبو جعفر (عليه السلام) إن العلم يتوارث ولا يموت عالم إلا وترك من يعلم مثل علمه أو ما شاء الله. * الشرح: قوله (محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد) قال الفاضل الاسترابادي: هذا الحديث في هذا الموضع ليس في بعض النسخ التي رأيناها وسيأتي في آخر هذا الباب وهو الصواب. * الأصل: 4 - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان، عن موسى بن بكر، عن الفضيل ابن يسار قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن في علي (عليه السلام) سنة ألف نبي من الأنبياء، وإن العلم الذي نزل مع آدم (عليه السلام) لم يرفع، وما مات عالم فذهب علمه، والعلم يتوارث. 5 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيوب، عن عمر ابن أبان قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إن العلم الذي نزل مع آدم (عليه السلام) لم يرفع، وما مات عالم فذهب علمه.

[ 300 ]

* الشرح: قول (إن في علي سنة ألف نبي من الأنبياء) هذا لا ينافي ما سيجئ من أن فيه سنة محمد (صلى الله عليه وآله) كلها بعد ما قال: إن له (صلى الله عليه وآله) سنن جميع النبيين لأن مفهوم اللقب ليس بحجة كما قرر في موضعه على أنه يمكن أن يراد هنا إفادة معنى الكثرة لا خصوص هذا العدد. * الأصل: 6 - محمد، عن أحمد، عن علي بن النعمان رفعه، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال: أبو جعفر (عليه السلام): يمصون الثماد ويدعون النهر العظيم، قيل له، وما النهر العظيم ؟ قال: رسول الله (صلى الله عليه وآله) والعلم الذي أعطاء الله، إن الله عز وجل جمع لمحمد (صلى الله عليه وآله) سنن النبيين من آدم وهلم جرا إلى محمد (صلى الله عليه وآله) قيل له: ما تلك السنن ؟ قال: علم النبيين بأسره، وإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) صير ذلك كله عند أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال له رجل: يا ابن رسول الله فأمير المؤمنين أعلم أم بعض النبيين ؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): اسمعوا ما يقول ؟ ! ! إن الله يفتح مسامع من يشاء، إني حدثته: أن الله جمع لمحمد (صلى الله عليه وآله) علم النبيين وأنه جمع ذلك كله عند أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهو يسألني أهو أعلم أم بعض النبيين. * الشرح: قوله (يمصون الثماد) الثمد ويحرك وككتاب: الماء القليل الذي لامادة له أو ما يبقى في الجلد وهو الأرض الصلبة أو ما يظهر في الشتاء ويذهب في الصيف، وفيه تمثيل حيث شبه الخلق في تركهم العلم الكثير الصافي والأخذ بالعلم القليل الذي لا مادة له وهو ينجر بالآخرة إلى الخلط بالشبهات والمفتريات بالعطاش الذين تركوا الماء الكثير الصافي والنهر العظيم الذي له مادة ومصوا الماء القليل الذي لا مادة له، ولا محالة ينتهي مصهم إلى شرب الماء المختلط بالطين البالغ إلى حد لا يسمى ماء. قوله (وإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) صير ذلك كله عند أمير المؤمنين (عليه السلام) بعضه في حال حياته وبعضه بعد موته لما ثبت أنه علمه عند تغسيله علوما كثيرة، أو كله في حال حياته وبعضه بعد موته لما ثبت أنه علمه عند تغسيله علوما كثيرة، أو كله في حال حياته وما علمه بعد وموته كان من العلوم المختصة به (صلى الله عليه وآله) ولم يكن لسائر الأنبياء. قوله (إن الله يفتح مسامع من يشاء) في الفائق المسامع: جمع مسمع وهو آلة السمع أو جمع السمع على غير قياس كمشابه وملامح في جمع شبه ولمحة.

[ 301 ]

باب أن الائمة ورثوا علم النبي وجميع الأنبياء والأوصياء الذين من قبلهم * الأصل: 1 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد العزيز بن المهتدي، عن عبد الله بن جندب أنه كتب إليه الرضا (عليه السلام): أما بعد فان محمد (صلى الله عليه وآله) كان أمين الله في خلقه فلما قبض (صلى الله عليه وآله امناء الله في أرضه، عند نا علم البلايا والمنايا وأنساب العرب ومولد الإسلام وإنا لنعرف الرجل إذا رأيناه بحقيقة الإيمان وحقيقة النفاق، وإن شيعتنا لمكتوبون بأسمائهم وأسماء آبائهم، أخذ الله علينا وعليهم الميثاق، يردون موردنا ويدخلون مدخلنا، ليس على ملة الاسلام غيرنا وغيرهم، نحن النجاة ونحن أفراط الأنبياء ونحن أبناء الأوصياء ونحن المخصوصون في كتاب الله عز وجل ونحن أولى الناس بكتاب الله ونحن أولى الناس برسول الله (صلى الله عليه وآله) ونحن الذين شرع الله لنا دينه فقال في كتابه: (شرع لكم (يا آل محمد) من الدين ما وصى به نوحا (قد وصانا بما وصى به نوحا) والذي أوحينا إليك (يا محمد) وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى (فقد علمنا وبلغنا علم ما علمنا واستودعنا علمهم، نحن ورثة أولي العزم من الرسل) أن أقيموا الدين (يا آل محمد) ولا تتفرقوا فيه (وكونوا على جماعة) كبر على المشركين (من أشرك بولاية علي) ما تدعوهم إليه (من ولاية علي) إن الله (يا محمد) يهدي إليه من ينيب) * من يجيبك إلى ولاية علي (عليه السلام). * الشرح: قوله (عندنا علم البلايا) هذا بعض أنواع علومهم ولهم أنواع اخر مثل علم أسرار المبدأ والمعاد وأسرار القضاء والقدر وأحوال الجنة والنار ومراتب المقامات والدركات وعلم الأحكام والحدود إلى غير ذلك مما لا يعلم قدرها وكميتها وكيفيتها إلا العالم المحيط بالكل. قوله (وأنساب العرب) صحيحها وفاسدها وإنما خص العرب بالذكر مع علمهم بأنساب الخلف كلهم لقربهم ولكونهم أشرف القبايل. قوله (ومولد الاسلام) أي موضع تولده ومحل ظهوره فإنهم يعلمون من يظهر منه الإسلام ومن يظهر منه الكفر. قوله (وإنا لنعرف الرجل) وذلك لأنهم لتقدس طينتهم وضياء عقولهم وصفاء نفوسهم وكمال بصيرتهم يعرفون حال كل نفس من النفوس البشرية خيرا كان أو شرا عند مشاهدتهم وينتقلون من الظاهر إلى الباطن ومن الباطن إلى الظاهر للتناسب بين الظاهر والباطن وتلك المناسبة قد تظهر

[ 302 ]

لواحد من آحاد الناس إذا كان من أهل المعرفة الربانية والرياضة النفسانية فكيف لا تظهر للأئمة الطاهرين الذين هم أنوار روحانيون وعلماء ربانيون، وأيضا بين المؤمن الكامل وبينهم (عليهم السلام) مناسبة تامة حتى كأن جسمه من جسمهم وروحه من روحهم فبتلك المناسبة يعرفون حقيقة إيمانه، وبين المنافق وبينهم منافرة تامة وبتلك لمنافرة يعرفون حقيقة نفاقهم والإيمان عبارة عن التصديق بوجود الصانع وماله من صفات الكمال ونعوت الجلال والإقرار بصدق الرسول (صلى الله عليه وآله) وما جاء به، والنفاق: عبارة عن الإقرار باللسان مع الإنكار بالجنان أو مع تردده وحقيقتها يحتمل وجوها: الأول: أن الإيمان الحقيقي هو الإيمان المقرون بالعمل والنفاق الحقيقي هو عدم الإيمان أو الإيمان الذي ليس معه عمل. الثاني: أن المراد بالأول الإيمان الثابت المستقر في القلب البالغ حد الملكة، وبالثاني: الإيمان الغير الثابت وهو المتزلزل الذي في معرض التغير والزوال، والثالث: أن المراد بالأول: الإيمان الذي يكون على سبيل الإخلاص وبالثاني: ما لا يكون كذلك والله أعلم. قوله (وإن شيعتنا لمكتوبون) أي في اللوح المحفوظ أو في مصحف فاطمة (عليها السلام) وهو الذي أخبرها جبرئيل (عليه السلام) بعد موت أبيها إلى زمان وفاتها وكتبه علي (عليه السلام) بيده أو في الجعفر والجامعة على احتمال بعيد بالنظر إلى تفسيرهما. قوله (أخذ الله علينا وعليهم الميثاق) أخذ الله تعالى على كل من الفريقين عهدا على رعاية حقوق الآخر والحقان ما أشار إليهما أمير المؤمنين (عليه السلام) في بعض خطبه يقول: " أيها الناس إن لي عليكم حقا ولكم علي حق أما حقكم علي فالنصيحة وتوفير فيئكم عليكم وتعليمكم كيلا تجهلوا وتأديبكم كيما تعلموا، أما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة والنصيحة في المشهد والمغيب والإجابة حين أدعوكم والطاعة حين آمركم " (1) (عليه السلام) " وتوفر فيئكم عليكم " معناه توفيره بترك الظلم فيه وتفريقه في غير وجوه مما ليس بمصلحة لكم كما فعله من كان قبله. قوله (ليس على ملة الإسلام غيرنا وغيرهم) أريد بالإسلام الإيمان وقد كثر هذا الإطلاق في لسان الشرع، أو أريد به معناه المعروف وهو الإقرار بالله ورسوله لأن غيرهم غير مقرين بهما بحسب التحقيق كما مر سابقا. قوله (يردون) اريد بالمورد: الدين الحق أو الحوض، وبالمدخل: الجنة أو مقام الشفاعة. (ونحن النجباء النجاة) في بعض النسخ " نحن " بدون العطف والنجباء بضم النون وفتح الجيم: جمع نجيب وهو كريم بين النجابة كذا في الصحاح، وقال ابن الأثير: النجيب: الفاضل من كل حيوان وقد نجب


1 - النهج قسم الخطب تحت رقم 34. (*)

[ 303 ]

إذا كان فاضلا نفيسا وقال أيضا: النجيب الفاضل الكريم السخي. والنجاة بفتح النون: جمع ناج للتكسير، والناجي: هو الخالص من موجبات العقوبة والحرمان من الرحمة. قوله (ونحن أفراط الأنبياء) الأفراط: جمع فرط كحجرو أحجار وهو الذي يتقدم الواردة فيهيى لهم الأرشاء والدلاء ويمدر الحياض ويستقي لهم وهو فعل بمعنى فاعل مثل تبع بمعنى تابع، ويقال: رجل فرط وقوم فرط أيضا وفي الحديث " أنا فرطكم على الحوض " ومنه قيل للطفل الميت " اللهم اجعله لنا فرطا " أي أجرا يتقد منا حتى نرد عليه. قوله (ونحن المخصوصون) بالمدح أو القرابة أو الإمامة. قوله (ونحن أولى الناس بكتاب الله) لنزوله في بيتنا ولعلمنا بحلاله حرامه وجميع ما فيه، و ليس هذا لأحد غيرنا. قوله (ونحن أولى الناس برسول الله) بالقرابة والتعلم والصحبة المتكررة لأن ما لعلي (عليه السلام) مع النبي (صلى الله عليه وآله) من المصاحبة والقرابة اللتين لم تكونا لأحد من الصحابة مشهور لا ينكره أحد. قوله * (شرع لكم) * أي بين وأوضح لكم * (من الدين ما وصي به) * أي أمر به وبحفظه وتبليغه * (نوحا) *. قوله * (والذي أوحينا إليك) * إنما لم يقل وصينا كما قال في غيره من اولي العزم للإشارة إلى تأكد عزمه حتى لا يحتاج إلى التوصية والمبالغة. قوله (ونحن ورثة أولي العزم من الرسل) ورثة علمهم ودينهم وقد مر تفسير أولي العزم في باب طبقات الأنبياء ثم بين الوصية المذكورة بقوله تعالى * (أن أقيموا الدين) * والمراد به اصوله المشتركة بين الجمع مثل التوحيد والحشر وأحوال المعاد ونحوها بقرينة قوله " ولا تتفرقوا فيه " لأن فروع الشرايع مختلفة بحسب اختلاف الأزمنة والمصالح. قوله (وكونوا على جماعة) وهم أولو العزم. قوله (إن الله يا محمد يهدي إليه من ينيب) الآية هكذا * (الله يجتبي من يشاء ويهدي إليه من ينيب) * أي الله يختار من يشاء من عباده لهداية الخلق وإرشادهم، ويهدي إلى ما تدعوهم إليه من دين الحق من يجيبك إلى ولاية علي ويقر بها. * الأصل: 2 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إن أول وصي كان على وجه الأرض هبة الله بن آدم، وما من نبي مضى إلا وله وصي وكان جميع الأنبياء مائة ألف نبي وعشرين ألف نبي، منهم خمسة أولو

[ 304 ]

العزم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد (عليهم السلام) وإن علي بن أبي طالب كان هبة الله لمحمد وورث علم الأوصياء وعلم من كان قبله، أما إن محمد ورث علم من كان قبله من الأنبياء والمرسلين، على قائمة العرش مكتوب: " حمزة أسد الله وأسد رسوله وسيد الشهداء وفي ذوابة العرش علي أمير المؤمنين "، فهذه حجتنا على من أنكر حقنا وجحد ميراثنا وما منعنا من الكلام وأمامنا اليقين فأي حجة تكون أبلغ من هذا. * الشرح: قوله (هبة الله ابن آدم) اسمه شيث. قوله (وإن علي بن أبي طالب كان هبة الله لمحمد) لأن الله تعالى وهب له لاجراء أمره وإبلاغ شرعه. قوله (وعلم من كان قبله) من الأنبياء (عليهم السلام) قوله (أما إن محمدا ورث) تأكيد لما تقدم وبيان له، والغرض منه أن عليا (عليه السلام) ورث علم الأنبياء والمرسلين لأنه ورث علم محمد (صلى الله عليه وآله) كله. قوله (على قائمة العرش) القائمة واحدة قوائم الدابة والسرير ونحوهما. قوله (وسيد الشهداء) بالإضافة إذ الحسين (عليه السلام) سيد الشهداء كلهم من لدن آدم إلى قيام الساعة. قوله (وفي ذوابة العرش) ا لدوابة بالضم: ما ارتفع من الشعر والمراد هنا المقبض من السرير الذي يقبضه الجالس في حال جلوسه وعينها في الأصل همزة ولكنها جاءت غير مهموزة كما جاء الذوايب جمعها على خلاف القياس للتخفيف وتوضيح ذلك في الصحاح، والمراد بالعرش إما معناه الظاهر إذ لا يبعد أن يكون لله تعالى عرش جسماني به يتعبد طائفة من خلفه كما أن له بيتا ومسجدا وإما على نحو من التخيل والتمثيل. والكتابة يؤيد الأول وإن كان لها على الثاني أيضا وجه صحيح. قوله (فهذه حجتنا) قيل: وجه الحجية أن مثله مروي من طرقهم عنه (صلى الله عليه وآله). قوله (وما منعنا من الكلام) لعل المراد به التكلم بالحق و " ما " للاستفهام على سبيل الإنكار. قوله (وأمامنا اليقين) الواو للحال، واليقين: الموت أو القيامة لظهور الحق والباطل وبروز الكامنات حينئذ بحيث لا يبقى للمنكرين محل للإنكار. قوله (فأي حجة يكون أبلغ من هذا) لأن كل حجة سواه إنما يدل على رضائه تعالى عنهم واختيارهم لإرشاد الخلق وهذا يدل على ذلك مع زيادة وهي تزيين العرش باسمهم وتبركه بها.

[ 305 ]

* الأصل: 3 - محمد بن يحيى، عن سلمة بن الخطاب، عن عبد الله بن محمد، عن عبد الله بن القاسم، عن زرعة بن محمد، عن المفضل بن عمر قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) إن سليمان ورث داود، وإن محمدا ورث سليمان، وإنا ورثنا محمدا وإن هذا لهو العلم ؟ قال: ليس هذا هو العلم، إن العلم الذي يحدث يوما بعد يوم وساعة بعد ساعة. * الشرح: قوله: (وإن عندنا علم التوراة) ليس هذا نتيجة للسابق بل تعميم بعد تخصيص. قوله: (وتبيان ما في الألواح) أي بيانه مع علله وأسبابه وبراهينه، والمراد بالألواح: التورية والإنجيل والزبور بقرينة تقدم ذكرها، أو ألواح موسى كما يشعر به خبر ضريس، أو صحف إبراهيم وموسى كما يشعر به خبر أبي بصير أو الصحف السماوية كما يشعر به التعريف باللام. قوله: (ليس هذا هو العلم) نفي للحصر المستفاد من كلام السائل المشتمل على التأكيد له من وجوه شتى أو نفي لكماله بالنسبة إلى العلم الذي يحدث له يوما بعد يوم وساعة بعد ساعة بإلهام الله تعالى أو بتحديث الملك، وإنما كان هذا أكمل من الأول لأن الأول بمنزلة العلم الإجمالي والثاني بمنزلة التفصيلي والتفصيل أكمل من الإجمال، أو لأن الأول بمنزلة الموجودات الظلية، الثاني: بمنزلة الموجدات العينية والموجود العيني أشرف وأكمل من الموجود الظلي، أو لأن الأول يحصل بالإخبار والبيان والثاني يحصل بالمشاهدة والعيان وليس الخبر كالمعاينة. * الأصل: 4 - أحمد بن إدريس، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان بن يحيى، عن شعيب الحداد، عن ضريس الكناسي قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) وعنده أبو بصير فقال أبو عبد الله (عليه السلام): إن داود ورث علم الأنبياء، وإن سليمان ورث داود، إن محمدا (صلى الله عليه وآله) ورث سليمان. وإنا ورثنا محمدا (صلى عندنا صحف إبراهيم وألواح موسى (عليه السلام). فقال أبو بصير: إن هذا لهو العلم ؟ فقال: يا أبا محمد ليس هذا هو العلم، إنما العلم ما يحدث بالليل والنهار يوما بيوم وساعة بساعة. * الشرح: قوله: (إن العلم الذي يحدث يوما بعد يوم) إن قلت قد مر أن كل شئ في القرآن وأنهم (عليهم السلام) يعلمون جميع ما فيه فما معنى هذا الكلام ؟ قلت - الله أعلم - أولا أن في القرآن هو العلوم الكلية والذي يأتيهم يوما بعد يوم تفاصيلها الجزئية المنطبقة عليها، وثانيا أن ما في القرآن من الحوادث اليومية هو الا خبار بأنه سيوجد وما يأتيهم هو الإخبار بأنه وجد.

[ 306 ]

* الأصل: 5 - محمد بن يحيى، عن محمد بن عبد الجبار، عن محمد بن إسماعيل، عن علي بن النعمان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال لي: يا أبا محمد إن الله عز وجل لم يعط الأنبياء شيئا إلا وقد أعطاه محمدا (صلى الله عليه وآله)، قال: وقد أعطى محمدا جميع ما أعطى الأنبياء، وعندنا الصحف التي قال الله عز وجل: * (صحف إبراهيم وموسى) * قلت: جعلت فداك هي الألواح ؟ قال: نعم. * الشرح: قوله (إن الله عز وجل لم يعط الأنبياء شيئا) من المعجزات والعلوم ويغرها فإن قلت: قد أعطاهم أحكاما، ولم يعطه تلك الأحكام ؟ قلت: أولا: أعطاهم العلم بتلك الأحكام وقد أعطاه أيضا، وثانيا: أعطاه أحكاما مقابلة لأحكامهم، والمراد أنه أعطاه مثل ما أعطاهم أو خيرا منه. قوله (وقال قد أعطى) تأكيد لما تقدمه. قوله (قلت: جعلت فداك هي الألواح) لما قال (عليه السلام) صحف موسى سأل السائل هل هي الألواح التي ذكرها الله تعالى في القرآن أو غيرها أجاب (عليه السلام) بأنها هي: وإطلاق الصحيفة على اللوح غير بعيد لأن الصحيفة الكتاب بمعنى المكتوب. * الأصل: 6 - محمد، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن عبد الله ابن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه سأله عن قول الله عز وجل * (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر) * ما الزبور وما الذكر ؟ قال: الذكر عند الله الزبور الذي أنزل على داود، وكل كتاب نزل فهو عند أهل العلم ونحن هم. * الشرح: قوله (الذكر عند الله) الذكر الشرف، الجليل، والخطير، ومنه القرآن ذكر ولعل المراد به هنا اللوح ا لمحفوظ لأنه شريف جليل خطير ذكر فيه جميع الأشياء لا التورية كما قيل. * الأصل: 7 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن أبي زاهر، أو غيره، عن محمد بن حماد، عن أخيه أحمد بن حماد، عن إبراهيم، عن أبيه، عن أبي الحسين الأول (عليه السلام) قال: قلت له: جعلت فداك أخبرني عن النبي (صلى الله عليه وآله) ورث النبيين كلهم ؟ قال: نعم، قلت: من لدن آدم حتى انتهى إلى نفسه ؟ قال: ما بعث الله نبيا إلا ومحمد (صلى الله عليه وآله) أعلم منه، قال: قلت: إن عيسى ابن مريم كان يحيى الموتى بإذن الله قال:

[ 307 ]

صدقت، وسليمان بن داود كان يفهم منطق الطير وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقدر على هذه المنازل، قال: فقال: إن سليمان بن داود قال للهدهد حين فقده وشك في أمره فقال: * (مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين) * حين فقده فغضب عليه فقال: * (لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين) * وإنما غضب لأنه كان يدله على الماء - فهذا وهو طائر - قد اعطي ما لم يعط سليمان وقد كانت الريح والنمل والإنس والجن والشياطين (و) المردة له طائعين ولم يكن يعرف الماء تحت الهواء وكان الطير يعرفه وإن الله يقول في كتابه * (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى) * وقد ورثنا نحن هذا القرآن الذي فيه ما تسير به الجبال وتقطع به البلدان وتحيى به الموتى ونحن نعرف الماء تحت الهواء، وإن في كتاب الله لآيات ما يراد بها أمر إلا أن يأذن الله به مع ما قد يأذن الله مما كتبه الماضون جعله الله لنا في أم الكتاب، إن الله يقول: * (وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كاب مبين) * ثم قال: * (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا) * فنحن الذين اصطفانا الله عز وجل وأورثنا هذا الذي فيه تبيان كل شئ. * الشرح: قوله (وسليمان بن داود كان يفهم منطق الطير) المنطق: الكلام والظاهر أنه من كلام السائل وأنه (عليه السلام) عطف على " عيسى ابن مريم " وأن قوله " وكان رسول الله " استفهام على حقيقته وإنما قلنا: الظاهر ذلك لأنه يحتمل أن يكون من كلام أبي الحسن الأول (عليه السلام) ويكون عطفا على صدقت وحينئذ قوله " وكان رسول الله " من كلامه أيضا للإخبار بأن هذه المنازل الرفيعة كانت لرسول الله (صلى الله عليه وآله) أيضا فليتأمل. قوله (قال: فقال: إن سليمان بن داود) يريد أن يبين أن علمه (صلى الله عليه وآله) بل علمهم (عليهم السلام) فوق علم سليمان بن داود (عليه السلام) فإذا استحق هو أن يكون الريح والنمل والإنس والجن والشياطين طايعين له فهم أولى بذلك ووجه ذلك أن سليمان (عليه السلام) لم يعلم ما علمه الهدهد من مواضع الماء ولم يعلم أنه غائب أو حاضر حتى استفهم عن أمره، ثم بعد ما علم أنه غائب لم يعلم سبب غيبه وجهتها حتى قال: * (أو ليأتيني بسلطان مبين) * ولا شئ من الأشياء ولا سبب من الأسباب في عالم الإمكان بمجهول لمحمد (صلى الله عليه وآله) ولا لأولاده الطاهرين، ثم رفع الاستبعاد عنه بأنه تعالى شأنه إذا أعطى طيرا علما لم يعطه النبي العظيم الشأن لم يستبعد أن يعطي سيد الأنبياء وأفضل الأوصياء من العلوم ما لم يعطه غيرهم. قوله * (وما لي لا أرى الهدهد) * استفهم عن سبب عدم رؤيته هل هو حاضر متحجب أو غائب فلما علم أنه غائب أعرض عنه وقال: * (أم كان من الغائبين) * ؟

[ 308 ]

قوله (تحت الهواء) يعم سطح الأرض وجوفها والثاني هو المراد هنا كما ستعرفه. قوله (وكان الطير يعرفه) إما بالرؤية لقوة بصره أو بالإلهام. قوله * (ولو أن قرآنا) * جزاء الشرط محذوف أي ولو أن قرآنا سيرت وأزيلت به الجبال عن مكانها واطيرت عن مقرها أو قطعت به الأرض سريعا من المشرق إلى المغرب مثلا. وقيل تصدعت من خشية الله عند قراءته أو كلم به الموتى فتحيى وتقرأ أو تسمع وتجيب عنه عند قراءته لكان هذا القرآن، أو لما آمن به الكفرة المصرين على كفرههم ودين آبائهم، وفيه تعظيم لشأن القرآن المجيد بأن فيه ما يترتب عليه هذه الأمور إلا أن المصلحة يقتضي عدم الترتب. قوله (فيه ما تسير به الجبال) " ما " موصوله عبارة عن الآيات العظيمة التي فيه قوله (ونحن نعرف الماء تحت الهواء) أي تحت الأرض وجوفها فهذا يؤيد الاحتمال الثاني من الاحتمالين المذكورين. قوله (وإن في كتاب الله لآيات - الخ) الباء في " بها " للاستعانة، والأذان الإعلام و " مع " مع مدخولها صفة ثانية لآيات و " ما " عبارة عن آيات أخرى و " قد " للتقليل، ولعل المراد أن في كتاب الله نوعين من الآيات إحداهما آيات لا يراد بها أمر من الامور الكاينة إلا أن الله تعالى يعلم ذلك الأمر، والاخرى آيات قد يعلم الله تعالى بأمر من الأمور وهي ما كتبه الماضون في كتبهم المنزلة، وفيه تعظيم لشأن الكتاب بحيث أن فيه جميع ما في الكتب السابقة دون العكس، وفي بعض النسخ المصححة " مما كتبه للماضين ". قوله (جعله الله لنا في أم الكتاب) استيناف كأنه قيل لمن جعله ولمن يأذن، والمراد بأم الكتاب القرآن، ويحتمل اللوح المحفوظ، والقضاء يعني جعله لنا في اللوح المحفوظ أو في القضاء الأزلي. قوله (إن الله يقول) استشهاد لما مر من أن كل أمر من الأمور الكائنة فهو في القرآن و " غائبة " صفة لأمور أي وما من امور خافية فيهما، ويحتمل أن يكون صفة لأمر والتاء للمبالغة كما في الراوية والعلامة، المراد بالكتاب المبين القرآن دون اللوح كما قيل. قوله (ثم قال: * (ثم أورثنا) * استشهاد لقوله " جعله الله لنا ". قوله (في حديث بريه) بضم الباء وسكون الراء وفتح الياء المثناة من تحت وقيل: بضم الباء وفتح الراء وسكون الياء: تصغير إبراهيم وفي بعض النسخ المعتمدة " بريهه " بضم الباء وفتح الراء وسكون الياء وفتح الهاء بعدها وكذلك أيضا بخط الشهيد الثاني رحمه الله وهو كان نصرانيا عالما بكتاب الإنجيل.

[ 309 ]

باب أن الأئمة (عليهم السلام) عندهم جميع الكتب التي نزلت من عند الله عز وجل وأنهم يعرفونها على اختلاف ألسنتها * الأصل: 1 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن إبراهيم، عن يونس، عن هشام بن الحكم في حديث بريه أنه لما جاء معه إلى أبي عبد الله (عليه السلام) فلقي أبا الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) فحكى له هشام الحكاية فلما فرغ قال أبو الحسن (عليه السلام) لبريه: يا بريه كيف علمك بكتابك ؟ قال: أنا به عالم، ثم قال: كيف ثقتك بتأويله ؟ قال ما أوثقني بعلمي فيه. قال: فابتدأ أبو الحسن (عليه السلام) يقرأ الإنجيل، فقال بريه: إياك كنت أطلب منذ خمسين سنة أو مثلك، قال: فآمن بريه وحسن إيمانه وآمنت المرأة التي كانت معه، فدخل هشام وبريه والمرأة على أبي عبد الله (عليه السلام) فحكى له هشام الكلام الذي جرى بين أبي الحسن موسى (عليه السلام) وبين بريه فقال أبو عبد الله (عليه السلام): ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم، فقال بريه: أنى لكم التوراة والإنجيل وكتب الأنبياء ؟ قال: هي عندنا وراثة من عندهم نقرؤها كما قرؤوها، ونقولها كما قالوا، إن الله لا يجعل حجة في أرضه يسأل عن شئ فيقول: لا أدري. * الشرح: قوله (فحكى له هشام الحكاية) لعل المراد بها حكاية علمه ونصرانيته وتمامها في التوحيد. قوله (قال أنا به عالم) تقديم الظرف للحصر أو للاهتمام وتنكير الخبر للتعظيم. قوله (بتأويله) قال في مجمع البيان: التفسير: معناه كشف المراد عن اللفظ المشكل، والتأويل: رد أحد المحتملين إلى ما يطابق الآخر، وقيل: التفسير: كشف المعنى، والتأويل: انتهاء الشئ ومصيره وما يؤول إليه أمره، وهما قريبان من الأولين، وقيل غير ذلك. قوله (ما أوثقني بعلمي فيه) للتعجب مثل ما أحسن بزيد. قوله (يقرأ الإنجيل) لعل المراد قراءته مع تفسيره وتأويله بقرينة السياق قوله (أو مثلك) يحتمل الترديد والبدلية عن إياك والجمعية. قوله (ذرية بعضها) قال الله تعالى * (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين) * بالرسالة والرئاسة الدنيوية والاخروية والخصائص الروحانية ثم وصف حال الآلين بقوله * (ذرية بعضها من بعض) * أي ذرية ناشئة متشعبة بعضها من بعض * (والله سميع) * بأقوال الناس، * (عليم) * بأعمالهم وعقائدهم وصفاتهم، فيصطفي من عباده من كان مستقيم القول والعمل

[ 310 ]

والعقائد، وفيه مدح لابنه (عليه السلام) ولنفسه المقدسة ولآبائه الطاهرين بأنهم العالمون الصادقون المؤيدون الموفقون المسددون من نسل آدم وذرية إبراهيم الخليل. قوله (أنى لكن التوراة) أنى هنا بمعنى من أين كان كما في قوله تعالى * (أنى لك هذا) *. قوله (ونقولها كما قالوا) أي نفسرها ونأولها كما فسروها وأولوها. * الأصل: 2 - علي بن محمد ومحمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن بكر بن صالح، عن محمد بن سنان، عن مفضل بن عمر قال: أتينا باب أبي عبد الله (عليه السلام) ونحن نريد الإذن عليه فسمعناه يتكلم بكلام ليس بالعربية فتوهمنا أنه بالسريانية ثم بكى فبكينا لبكائه ثم خرج إلينا الغلام فأذن لنا فدخلنا عليه فقلت: أصلحك الله أتيناك نريد الإذن عليك فسمعناك تتكلم بكلام ليس بالعربية فتوهمنا أنه بالسريانية ثم بكيت فبكينا لبكائك، فقال: نعم ذكرت إلياس النبي وكان من عباد أنبياء بني إسرائيل فقلت كما كان يقول في سجوده، ثم اندفع فيه بالسريانية فلا والله ما رأينا قسا ولا جاثليقا أفصح منه به، ثم فسره لنا بالعربية فقال: كان يقول في سجوده: " أتراك معذبي وقد أظمأت لك هواجري، أتراك معذبي وقد عفرت لك في التراب وجهي، أتراك معذبي وقد اجتنبت لك المعاصي، أتراك معذبي وقد أسهرت لك ليلي " قال: فأوحى الله إليه أن ارفع رأسك فإني غير معذبك قال: فقال: إن قلت: لا اعذبك ثم عذبتني ماذا ؟ ألست عبدك وأنت ربي (قال): فأوحى الله إليه أن ارفع رأسك فاني غير معذبك، إني إذا وعدت وعدا وفيت به ". * الشرح: قوله (ثم اندفع فيه بالسريانية) أي ابتدأ بها يقال: دفع من كذا أي ابتدأ السير فكأنه دفع نفسه من تلك المقالة وابتدأ بالسريانية قال الجوهري: اندفع الفرس أي أسرع في سيره واندفعوا في الحديث، وقال ابن الأثير: دفع من عرفات أي ابتدأ السير ومنها ودفع نفسه منها ونحاها. قوله (ما رأينا قسا ولا جاثليقا) القس: رئيس من رؤوس النصارى في الدين والعلم وكذلك القسيس. والجاثليق بفتح الثاء المثلثة: رئيس للنصارى يكون في بلاد الإسلام بمدينة السلام ويكون تحت يده بطريق أنطاكية ثم مطران تحت يده ثم الاسقف يكون في كل بلد من تحت المطران ثم القسيس ثم الشماس وهو الذي يحلق وسط رأسه لازما للبيعة. قوله (أفصح لهجة) اللهجة اللسان وقد يحرك يقال: فلان فصيح اللهجة واللهجة. قوله (وقد أظمأت لك هواجري) كناية عن صومه في الحر الشديد، والهاجرة نصف النهار وشدة الحر لأن الناس يستكنون في بيوتهم كأنهم قد تهاجروا لشدة الحر.

[ 311 ]

قوله (إني إذا وعدت وعدا وفيت به) فإن قلت، كيف يخفى هذا على النبي العظيم الشأن حتى قال ما قال ؟ قلت: كان في مقام العجز وإظهار التقصير وقد جوز أن يكون وعده مشروطا بشرط في نفس الأمر ولذلك خاطبه بما خاطبه حتى يعلم إطلاق الوعد ويطمئن قلبه وأمثال ذلك في مقام المحبة كثيرة.

[ 312 ]

باب أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة (عليهم السلام) وانهم يعلمون علمه كله * الأصل: 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام، عن جابر، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما انزل إلا كذاب، وما جمعه وحفظه كما نزله الله تعالى إلا علي بن أبي طالب (عليه السلام) والأئمة من بعده (عليهما السلام). * الشرح: قوله (إنه جمع القرآن كله) المراد بجمعه جمعه المباني والمعاني الأولية والثانوية فصاعدا. * الأصل: 2 - محمد بن الحسين، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن سنان، عن عمار بن مروان عن المنخل، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: ما يستطيع أحد أن يدعي أن عنده جميع القرآن كله ظاهره وباطنه غير الأوصياء. * الشرح: قوله (عن المنخل) بضم الميم وفتح النون تشديد الخاء المعجمة المفتوحة واللام أخيرا ابن جميل بياع الجواري. قوله (ما يستطيع أحد) عدم الاستطاعة والقدرة على دعوى ذلك ظاهر بالتجربة والامتحان واعتراف العامة بأن أئمتهم الثلاثة وغيرهم من الصحابة لم يعلموا جميع ما في القرآن. وقوله " كله " مبالغة في التأكيد والمراد بظاهره ألفاظه وبباطنه معانيه، أو المراد بظاهره معانيه الأولية وبباطنه معانيه الثانية والثالثة بالغا ما بلغ. قوله (غير الأوصياء) فلهم رتبة التقدم والخلافة دون غيرهم إذ الإمام إذا لم يعلم جميع القرآن لزم إهمال الخلق وبطلان الشرع وانقطاع الشريعة. وكل ذلك باطل بحكم العقل والنقل. * الأصل: 3 - علي بن محمد ومحمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن القاسم بن الربيع، عن عبيد بن عبد الله بن أبي هاشم الصيرفي، عن عمرو بن مصعب، عن سلمة بن محرز قال: سمعت أبا

[ 313 ]

جعفر (عليه السلام) يقول: إن من علم ما اوتينا تفسير القرآن وأحكامه وعلم تغيير الزمان (1) وحدثانه، إذا أراد الله بقوم خيرا أسمعهم ولو أسمع من لم يسمع لولى معرضا كأن لم يسمع، ثم أمسك هنيئة، ثم قال: ولو وجدنا أوعية أو مستراحا لقلنا والله المستعان. * الشرح: قوله (إن من علم ما اوتينا تفسير القرآن) أشار بلفظ " من " إلى أن علومهم متكثرة وأن ما ذكره بعض من أنواعه والتفسير هنا يعم التأويل أيضا، والمراد بالأحكام جميع الأحكام الخمسة المعروفة كلها كما هو الظاهر من الجمع المضاف وبتعبير الزمان انتقالاته من حال إلى حال وانقلاباته من وصف إلى وصف ومنه تعبير المعبر لأنه ينتقل من حال إلى حال ويعبر من مناسب إلى آخر، أو نطقه بالامور الحادثة وعبارته بلسان الحال لأن الامور الحادثة تتولد من الزمان ينطق بها، وبحدثان الزمان بكسر الحاء المهملة: أوله وابتداؤه. قوله (إذا أراد الله بقوم خيرا أسمعهم) إسماعا نافعا ولعل المراد بالإرادة: العلم وقد فسر إرادته بالعلم جمع من المحققين أو المراد بها إرادة توفيق الخير بحذف المضاف أو بدونه بأن يراد بالخير التوفيق لحسن استعدادهم لقبوله وعلى التقدير لا يراد أن الإرادة الحتمية منتفية والتخيير به ثابتة للكل فلاوجه لتخصيصها بقوم. قوله (ولو أسمع من لم يسمع) أي من لم يقبل السماع وهذا على طريق " نعم العبد صهيب " يعني أن الإعراض لازم على تقدير الإسماع فكيف على تقدير عدمه فهودائم الوجود، وليس المقصود بيان أن انتفاء الإعراض لانتفاء الإسماع كما هو قاعدة اللغة إذا إسماع الخير متحقق بالنظر إلى الجميع. قوله (ثم أمسك هنيئة) أي ثم أمسك عن الكلام ساعة يسيرة) قال في المغرب: الهن: كناية عن كل اسم جنس وللمؤنث هنة ولامه ذات وجهين فمن قال: واو، قال: الجمع هنوات وفي التصغير هنيئة ومن قال: هاء، قال: هنيهة ومنها قوله مكث هنيهة أي ساعة يسيرة. قوله (ثم قال: لووجدنا أوعية أو مستراحا لقلنا) الأوعية: جمع الوعاء وهو ما يجعل فيه الزاد والمتاع ليحفظهما والمراد به هنا القلوب المتسعة الحافظة للمعارف الحقيقية والحقائق اليقينية على سبيل الحقيقة أو الاستعارة، والمستراح: اسم مكان من الراحة، ولعل المراد هنا القلب الخالي عن الشواغل المانعة من إدراك الحق وقبوله وحفظه وإنما حذف مفعول القول للدلالة على التعميم


1 - كذا في جميع النسخ التي بأيدينا. (*)

[ 314 ]

أو التفخيم. قوله (والله المستعان) على سوء صنيع الخلق وانحراف قلوبهم وعوج قولهم وتركهم الإمام العامل المؤيد المرشد إلى الحق. * الأصل: 4 - محمد بن يحيى، محمد بن الحسين، عن محمد بن عيسى، عن أبي عبد الله المؤمن، عن عبد الأعلى مولى آل سام قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: والله إني لأعلم كتاب الله من أوله إلى آخره كأنه في كفي، فيه خبر السماء وخبر الأرض وخبر ما كان وخبر ما هو كائن، قال الله عزوجل: فيه تبيان كل شئ. * الشرح: قوله (والله إني لأعلم كتاب الله) كما انزل بتأييد إلهي وإلهام لدني وتعليم نبوي وإنما أكده بتأكيدات لزيادة تقريره في ذهن المقرين ورفع الإنكار عن قلوب المنكرين. قوله (من أوله إلى آخره) يحتمل أن يراد بها الأول والآخر الصورتين المعروفتين وأن يراد بهما أول المعاني وآخرها في سلسلة الترتيب والبطون. قوله (كأنه في كفي) وأنا أنظر فيه وفيه تأكيد لما مر من قوله " والله إلى آخره " مع الإشارة إلى الزيادة في الإفادة هنا بسبب تشبيه الإدراك العقلي بالإدراك الحسي لقصد زيادة الإيضاح لأن إدراك المحسوس أظهر من إدراك المعقول تنبيها على أن علمه بما في الكتاب علم شهودي بسيط واحد بالذات متعلق بالجميع كما أن رؤية كف واحدة متعلقة بجميع أجزائه والتعدد إنما هو بحسب الاعتبار. قوله (فيه خبر السماء) من أحوال الأفلاك وحركاتها وأحوال الملائكة ودرجاتها وحركات الكواكب ومداراتها ومنافع تلك الحركات وتأثيراتها إلى غير ذلك من الامور الكاينة في العلويات والمنافع المتعلقة بالفلكيات. قوله (وخبر الأرض) من جوهرها وانتهائها وما في جوفها وأرجائها وما في سطحها وأجوائها وما في تحتها وأهوائها وما فيها من المعدنيات وما في تحت الفلك من البسائط والمركبات التي يتحير في إدراك نبذ منها عقول البشرو يتحسردون بلوغ أدنى مراتبها طائر النظر. قوله (وخبر ما كان وخبر ما هو كائن) من أخبار السابقين وأحوال اللاحقين كلياتها وجزئياتها وأحوال الجنة ومقاماتها وتفاوت مراتبها ودرجاتها وأخبار المثاب فيها بالانقياد والطاعة والمأجور فيها بالعبادة والزهادة، وأحوال النار ودركاتها وأهوال مرات العقوبة ومصيباتها وتفاوت مراتب

[ 315 ]

البرزخ في النور والظلمة وتباعد أحوال الخلق فيه في الراحة والشدة. قوله (قال الله تعالى فيه تبيان كل شئ) أي كشفه وأيضاحه وهو دليل على ما ذكره من أن في القرآن خبر كل شئ لكسر أوهام من يتبادر أذهانهم من العوام إلى إنكار ذلك وعدهم من الإطراء في الوصف وإذا كان حال القرآن وحاله (عليه السلام) ذلك فلا يجوز لأحد القول في أمر بالرأي ولا الرجوع إلى غيره من أئمة الضلال. * الأصل: 5 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن أبي زاهر، عن الخشاب، عن علي بن حسان، عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: * (قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك) * قال: ففرج أبو عبد الله (عليه السلام) بين أصابعه فوضعها في صدره، ثم قال: وعندنا والله علم الكتاب كله. * الشرح: قوله (قال الذي عنده علم من الكتاب) قال القاضي: هو آصف بن برخيا وزيره أو الخضر أو جبرئيل أو ملك أيده الله به أو سليمان نفسه فيكون التعبير عنه بذلك للدلالة على شرف العلم وأن الكرامة كانت له بسببه والخطاب * (في أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك) * على الاحتمال الأخير للعفريت وعلى غيره لسليمان (عليه السلام) و " آتيك " يحتمل الفعلية والاسمية. والطرف: تحريك الجفن للنظر فوضع موضعه ولما كان الناظر يوصف بإرسال الطرف وصف برد الطرف والطرف بالارتداد والمعنى أنك ترسل طرفك نحو شئ فقبل أن ترده أحضر عرشها بين يديك. وهذا غاية في الإسراع ومثل فيه قوله (ففرج أبو عبد الله (عليه السلام) أصابعه فوضعها في صدره) لعل تفريج الأصابع كناية عن شرح صدره وعدم قبضه. قوله (وعندنا والله علم الكتاب كله) ضمير كله راجع إلى العلم أو إلى الكتاب والمراد بالكتاب جنس الكتب المنزلة أو اللوح المحفوظ وهذان الاحتمالان جاريان في الكتاب الأول. * الأصل: 6 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، ومحمد بن يحيى، عن محمد بن الحسن، عمن ذكره جميعا عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن بريد بن معاوية قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): * (قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) * ؟ قال: إيانا عني وعلي أولنا وأفضلنا وخيرنا بعد النبي (عليه السلام).

[ 316 ]

* الشرح: قوله * (وبينكم) * قيل الخطاب لليهود المنكرين لرسالته والتعميم أولى. قوله * (ومن عنده علم الكتاب) * أي القرآن أو جنس الكتب المنزلة أو اللوح المحفوظ وعلم الكتاب مرفوع بالظرف لاعتماده على الموصول. قوله (وإيانا عنى) فيه تعظيم لشأنهم حيث ضمهم الله تعالى إلى ذاته المقدسة في الشهادة ومدح العلم وأهله، قال صاحب الظرايف الثعلبي في تفسير قوله تعالى * (ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) * من طريقين: أن المراد بقوله * (من عنده علم الكتاب) * علي بن أبي طالب. قوله (وعلي أولنا وأفضلنا وخيرنا) الأولية بحسب الزمان أو بالرتبة والشرف، والأفضلية بالإرشاد والتعليم، والخيرية بكثرة العبادة والزهادة وأما أصل العلم فالجميع سواء.

[ 317 ]

باب ما أعطي الأئمة (عليهم السلام) من اسم الله الأعظم * الأصل: 1 - محمد بن يحيى وغيره، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن محمد بن الفضيل قال: أخبرني شريس الوابشي، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن اسم الله الأعظم على ثلاثة وسبعين حرفا وإنما كان عند آصف منها حرف واحد فتكلم به فخسف بالأرض ما بينه وبين سرير بلقيس حتى تناول السرير بيده ثم عادت الأرض كما كانت أسرع من طرفة عين ونحن عندنا من الاسم الأعظم اثنان وسبعون حرفا وحرف واحد عند الله تعالى استأثر به في علم الغيب عنده ولاحول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. * الشرح: قوله (إن اسم الله الأعظم على ثلاثة وسبعين حرفا) أي على ثلاثة وسبعين لغة مثل قوله (عليه السلام) " نزل القرآن على سبعة أحرف " فإن المراد أنه على سبع لغات من لغات العرب كلغة قريش ولغة هذيل ولغة هوازن ولغة اليمن وغيرها. أو على ثلاثة وسبعين وجها وجانبا مثل قوله تعالى * (ومن الناس من يعبد الله على حرف) * أي على وجه واحد وهو أن يعبده في السراء دون الضراء، والمراد حينئذ أن الاسم الأعظم له جهات متعددة ووجوه مختلفة على هذا العدد يحصل من كل وجه غير ما يحصل من الوجه الآخر. وأما القول بأنه مركب من حروف التهجي على هذا العدد فبعيد. (1)


1 - قوله: " على هذا العدد فبعيد " بل غير ممكن إذ ليس في كلمات العرب وساير اللغات مركبة من سبعين حرفا وغاية ما يتصور في العربية الخماسي المزيد فيه واحتمال كون الاسم الأعظم عبارة مركبة من عشر كلمات أو أكثر مثلا يدفعه اختصاص حرف واحد منه بآصف أو غيره إذ كل أحد يعرف جميع الحروف العربية والعبرية ويستعمله في كلامه ولا يؤثر منه فثبت أن تأثير الاسم الأعظم ليس تأثيرا للتلفظ بحرف خاص أو حروف خاصة فقط من غير دخل لهمة نفس وكمال اتصال إذ لو كان كذلك لأثر من كل أحد تلفظ بحرف منه سواء عرف كونه اسما أعظم أم لا بل هو راجع إلى النية وتأثير النفوس القوبة المتصلة بالمبادي العالية حسب اختلاف درجاتها ونسبة قوة اتصال الأئمة (عليهم السلام) بها إلى اتصال ساير الأنبياء والأولياء نسبة سبعين إلى الواحد مثلا، والتأثير = (*)

[ 318 ]

قوله (فخسف بالأرض ما بينه وبين سرير بلقيس حتى تناول السرير بيده) خسف المكان ويخسف خسوفا: ذهب في الأرض، وخسف الله به الأرض خسفا أي غاب به فيها والموصول قائم مقام الفاعل وفيه دلالة على أن الأرض التي بينه وبين السرير غابت في الأرض فوصل يده إليه، وقيل: انخرقت الأرض وتحرك السرير إليه في تلك المدة القليلة والمسافة بينهما كانت مسيرة شهرين (1). قوله: (وعندنا نحن من الاسم الأعظم) هكذا في النسخ المعتبرة التي رأيناها وفي بعض النسخ " ونحن عندنا " بتقديم نحن. قوله (استأثر به) تقول استأثر فلان بالشئ إذا استبد وانفرد به ولا يشار كه أحد. قوله (ولا حول ولا قوة إلا بالله) الحول: الحركة، يقال: حال الشئ يحول إذا تحرك والمعنى لا حركة لي إلى المطالب ولا قوة على المقاصد إلا بمشية الله وعونه. وقيل: الحول: الحيلة، والأول أشبه. * الأصل: 2 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد ومحمد بن خالد، عن زكريا ابن عمران القمي، عن هارون بن الجهم، عن رجل من أصحاب أبي عبد الله (عليه السلام) لم أحفظ اسمه قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن عيسى ابن مريم (عليه السلام) اعطي حرفين كان يعمل بهما واعطي موسى أربعة أحرف واعطي إبراهيم ثمانية أحرف واعطي نوح خمسة عشر حرفا واعطى آدم


= الحق خاص بالله جل جلاله وهو خارج عن المقسم وليس اختصاص حرف واحد بالله تعالى يوجب نسبته بالقلة والكثرة، كما أن وحدته لا يوجب نقصه عن الممكنات بكثرتهم بل هي وحدة شاملة والحرف الخاص به تعالى أيضا حرف جامع لجميع حروف الاسم الأعظم ومرجعه إلى نقصان الممكن في التأثير كلما بلغ في الكمال فيبقى شئ غير متناه في القوة والشدة وهو الحرف الواحد الخاص به، وبالجملة تأثير الأمور الروحانية وسببيتها ليس نظير الأسباب الجسمانية غير المتوفقة على شعور الفاعل وقصده ونيته فالتربة المقدسة ليست نظير الأدوية الطبية ولا الدعاء والذكر كالماء والنار يفعل ما يفعل بغير نية وهمة. (ش) 1 - قوله: " مسيرة شهرين " هنا إشكالات مذكورة مبنية على توهم كون قدرة الله تعالى محدودة مقهورة بما يعرفون قليلا من سنن الطبيعة لا يهمنا البحث عنها والتعرض لجوابها إلا أن الله تعالى قادر على كل شئ وقاهر على الطبيعة مع أن ما نعلم من سنن الطبيعة ناقص جدا (ش) (*)

[ 319 ]

خمسة وعشرين حرفا وإن الله تعالى جمع ذلك كله لمحمد (صلى الله عليه وآله) وإن اسم الله الأعظم ثلاثة وسبعون حرفا، أعطي محمد (صلى الله عليه وآله) اثنين وسبعين حرفا وحجب عنه حرف واحد. * الشرح: قوله (وإن الله تعالى جمع ذلك كله) ذلك إشارة إلى ما أعطاء الأنبياء المذكورين وهو " أربعة وخمسون " ثم أشار بقوله " وإن اسم الله الأعظم " إلى أنه أعطى محمدا (صلى الله عليه وآله) زائدا على ذلك ثمانية عشر حرفا. * الأصل: 3 - الحسين بن محمد الأشعري، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد بن عبد الله، عن علي أبن محمد النوفلي، عن أبي الحسن صاحب العسكر (عليه السلام) قال: سمعته يقول: اسم الله الأعظم ثلاثة وسبعون حرفا، كان عند آصف حرف فتكلم به فانخرقت له الأرض فيما بينه وبين سبأ فتناول عرش بلقيس حتى صيره إلى سليمان، ثم انبسطت الأرض في أقل من طرفة عين وعندنا منه اثنان وسبعون حرفا وحرف عند الله، مستأثر به في علم الغيب. * الشرح: قوله (فانخرقت له الأرض - إلى آخره) أي فانقطعت، يقال: خرقت الأرض فانخرقت أي قطعتها فانقطعت، وهذا يحتمل المعنيين المذكورين وحمله على الأول أنسب ويؤيده قوله " ثم انبسطت الأرض ". قوله (فيما بينه وبين سبأ) هو اسم مدينة بلقيس باليمن وقيل: هو اسم رجل ولد عامة قبايل اليمن وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان يصرف ولا يصرف وسميت المدينة به.

[ 320 ]

باب ما عند الائمة من آيات الأنبياء (عليهم السلام) * الأصل: 1 - محمد بن يحيى، عن سلمة بن الخطاب، عن عبد الله بن محمد، عن منيع بن الحجاج البصري، عن مجاشع، عن معلى، عن محمد بن الفيض عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كانت عصا موسى لآدم (عليه السلام) فصارت إلى شعيب ثم صارت إلى موسى بن عمران وإنها لعندنا وإن عهدي بها آنفا وهي خضراء كهيئتها حين انتزعت من شجرتها وإنها لتنطق إذا استنطقت، اعدت لقائمنا (عليه السلام) يصنع بها ما كان يصنع موسى وإنها لتروع وتلقف ما يأفكون وتصنع ما تؤمر به، إنها حيث أقبلت تلقف ما يأفكون، يفتح لها شعبتان، إحداهما في الأرض والاخرى في السقف وبينهما أربعون ذراعا تلقف ما يأفكون بلسانها. * الشرح: قوله (وإن عهدي بها آنفا) يقال: عهدته إذا لقيته وأدركته وآنفا كصاحب وكنف وقرئ بها أي مذ ساعة أي في أول وقت يقرب منا. قوله (وهي خضراء) إما لبقاء الرطوبة التي كانت لها عند الانتزاع أو لتجدد الرطوبة آنا فآنا بأمر الله تعالى. قوله (من شجرتها) قيل: هي شجرة الجنة. قوله (أنها لتروع وتلقف ما يأفكون) راع: أفزع كروع ولقفت الشئ بالكسر: ألقفه وتلقفته: أي تناولته بسرعة، وأفك يأفك إفكا: أي كذب وجاء بخلاف الحق. قوله (أنها حيث أقبلت) في بعض النسخ المصححة " حيث أقلت " بدون الباء الموحدة من الإقلال وهو القيام والارتفاع. قوله (يفتح لها شعبتان) هما الفك الأعلى والأسفل. قوله (في السقف) السقف للبيت والسقف أيضا السماء والأخير أنسب أي الاخرى في جهة السماء. * الأصل: 2 - أحمد بن إدريس، عن عمران بن موسى، عن موسى بن جعفر البغدادي، عن علي بن أسباط، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة الثمالى، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول:

[ 321 ]

ألواح موسى (عليه السلام) عندنا، وعصا موسى عندنا، ونحن ورثة النبيين. * الشرح: قوله (ونحن ورثة النبيين) فيه تعميم بعد تخصيص من وجهين. * الأصل: 3 - محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين، عن موسى بن سعدان، عن عبد الله بن القاسم، عن أبي سعيد الخراساني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): إن القائم إذا قام بمكة وأراد أن يتوجه إلى الكوفة نادى مناديه: ألا لا يحمل أحد منكم طعاما ولا شرابا ويحمل حجر موسى بن عمران وهو وقر بعير، فلا ينزل منزلا إلا انبعث عين منه، فمن كان جائعا شبع ومن كان ظامئا روي فهوزادهم حتى ينزلوا النجف من شهر الكوفة. * الشرح: قوله (وهو وقر بعير) الوقر بالكسر: الحمل الثقيل أو أعم. قوله (فلا ينزل منزلا إلا انبعث عين منه) ظاهرة أنه تنبعث منه عين واحدة من غير أن يضربه بعصاه مع احتمال الضرب والتعدد كما كانا لموسى (عليه السلام). قوله (ومن كان ظامئا روي) الظامئ من الظمأ: وهو العطش والري بالكسر خلاف العطش يقال: روي من الماء بالكسر فهو ريان وهي ريا وهم وهن رواء. قوله (حتى ينزل النجف) في بعض النسخ المعتبرة " حتى ينزلوا " بصيغة الجمع ولعل " حتى " غاية لهذا السير، ويحتمل أن يكون غاية لقوله فهو زادهم. * الأصل: 4 - محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين، عن موسى بن سعدان، عن أبي الحسن الأسدي عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: خرج أمير المؤمنين (عليه السلام) ذات ليلة بعد عتمة وهو يقول همهمة همهمة وليلة مظلمة خرج عليكم الامام عليه قميص آدم وفي يده خاتم سليمان وعصا موسى (عليه السلام). * الشرح: قوله: (خرج أمير المؤمنين (عليه السلام) ذات ليلة) في المغرب: ذو للمذكر وذات للمؤنث بمعنى الصاحب والصاحبة وهما يقتضيان شيئين موصوفا ومضافا إليه تقول رجل ذو مال وامرأة ذات مال، وقوله تعالى * (عليم بذات الصدور) * وقولهم فلان قليل ذات اليد وقل ذات يده من هذا القبيل لأن معنى الإملاك المصاحبة لليد وكذا قولهم أصلح الله ذات بينكم ولا يخفى أن ما نحن فيه أيضا من هذا القبيل لأن المعنى خرج في الأوقات المصاحبة لليلة.

[ 322 ]

قوله (بعد عتمة) في القاموس: عتم الليل: مر منه قطعة والعتمة محركة: ثلث الليل الأول بعد غيبوته الشفق أو وقت صلاة العشاء الآخرة. * الأصل: 5 - محمد، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل، عن أبي إسماعيل السراج عن بشر ابن جعفر، عن مفضل بن عمر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: أتدري ما كان قميص يوسف (عليه السلام) ؟ قال: قلت: لا، قال: إن إبراهيم (عليه السلام) لما اوقدت له النار أتاه جبرئيل (عليه السلام) الجنة فألبسه إياه، فلم يضره معه حر ولا برد فلما حضر إبراهيم الموت جعله في تميمة وعلقه على إسحاق وعلقه إسحاق على يعقوب، فلما ولد يوسف (عليه السلام) علقه عليه فكان في عضده حتى كان من أمره ما كان، فلما أخرجه يوسف بمصر من التميمة وجد يعقوب ريحه وهو قوله: * (إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون) * فهو ذلك القميص الذي أنزله الله من الجنة، قلت: جعلت فداك فإلى من صار ذلك القميص ؟ قال: إلى أهله، ثم قال: كل نبي ورث علما أو غيره فقد انتهى إلى آل محمد (صلى الله عليه وآله). * الشرح: قوله (وهو يقول همهمة همهمة) في القاموس الهمهمة الكلام الخفي يردد الصوت في الصدر من الهم. قوله (جعله في تميمة) التميمة عوذة تعلق على الإنسان قوله (لولا أن تفندون) أي تنبسوني إلى الفند وهو نقصان يحدث من هرم، وفي القاموس فنده تفنيدا كذبه وعجزه وخطأ رأيه كأفنده.

[ 323 ]

باب ما عند الأئمة من سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله ومتاعه * الأصل: 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن معاوية بن وهب، عن سعيد السمان قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) إذ دخل عليه رجلان من الزيدية فقالا له: أفيكم إمام مفترض الطاعة ؟ قال: فقال: لا قال: فقالا له: قد أخبرنا عنك الثقات أنك تفتي وتقر وتقول به ونسميهم لك فلان وهم أصحاب ورع وتشمير وهم ممن لا يكذب فغضب أبو عبد الله (عليه السلام) فقال: ما أمرتهم بهذا. فلما فلما رأيا الغضب في وجهه خرجا، فقال لي: أتعرف هذين ؟ قلت: نعم هما من أهل سوقنا وهما من الزيدية وهما يزعمان أن سيف رسول الله (صلى الله عليه وآله) عند عبد الله ابن الحسن، فقال: كذبا لعنهما الله والله ما رأه عبد الله بن الحسن بعينيه ولا بواحدة من عينيه ولارآه أبوه، اللهم إلا أن يكون رآه عند علي بن الحسين، فان كانا صادقين فما علامة في مقبضه ؟ وما أثر في موضع مضربه ؟ وإن عندي لسيف رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإن عندي لراية رسول الله (صلى الله عليه وآله) ودرعه ولأمته ومغفره، فان كانا صادقين فما علامة في درع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وإن عندي لراية رسول الله (صلى الله وإن عندي ألواح موسى وعصاه، وإن عندي لخاتم سليمان بن داود وإن عندي الطست الذي كان موسى يقرب به القربان، وإن عندي الاسم الذي كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا وضعه بين المسلمين والمشركين لم يصل من المشركين إلى المسلمين نشابة، وإن عندي لمثل الذي جاءت به الملائكة، ومثل السلاح فينا كمثل التابوت في بني إسرائيل، كانت بنو إسرائيل في أي أ هل بيت وجد التابوت على أبوابهم اوتوا النبوة ومن صار إليه السلاح منا اتي الإمامة، ولقد لبس أبي درع رسول الله (صلى الله عليه وآله) فخطت على الأرض خطيطا ولبستها أنا فكانت وكانت وقائمنا من إذا لبسها ملأها إن شاء الله. * الشرح: قوله (قال: فقال: لا) أجاب بذلك على سبيل التورية والمقصود أنه ليس في بني فلان من أولاد علي (عليه السلام) إمام مفترض الطاعة أو أنه ليس فينا إمام مفترض الطاعة بزعمكم فيخرج بذلك عن الكذب. قوله (فغضب أبو عبد الله (عليه السلام)) الغضب قد يكون من إبليس كما ورد " احذروا الغضب فإنه جند عظيم من جنود إبليس " وقد يكون من الله لله تعالى، وغضبه من هذا القبيل لأنه غضب لسوء أدب

[ 324 ]

هذين الرجلين وقبح مخالفة هؤلاء المخبرين حيث أخبرو هما بما فيه مضرة عظيمة من غير اختبار وإيقان بأنهما من أهله. قوله (وقال: ما أمرتهم بهذا) أي بهذا الإخبار وهذا حق لأنه لم يأمرهم بالإخبار عنه ذلك مع إفادته في عرف التخاطب بأنه لم يقل ذلك وإن لم يقصده وإنما لم يقل ما أخبرتهم بهذا أي بأني إمام مفترض الطاعة تحرزا عن الكذب. قوله (في مقبضة) مقبض السيف والقوس بفتح الميم وكسر الباء: حيث يقبض بها بجميع الكف. قوله (وما أثر في موضع مضربه) المضرب والمضربة ويكسر راؤهما: حد السيف وهو نحو شبر من طرفه. قوله (ولأمته) اللأمة مهموزة: الدرع، وقيل: السلاح ولأمة الحرب: أداته، وقد يترك الهمز تخفيفا. قوله (ومغفره) قال المطرزي: المغفر: ما يلبس تحت البيضة والبيضة أيضا وأصل الغفر: الستر وقال الأصمعي: المغفر: زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة. قوله (المغلبة) هي على صيغة المفعول من التغليب ما يحكم له بالغلبة، وقيل: على وزن مكحلة اسم آلة من الغلبة، وأما القول بأنها اسم فاعل من أغلب فالظاهر أنه تصحيف. قوله (الطست) أصله الطس أبدل أحدى السينين تاء وحكي بالشين المعجمة. قوله (نشابة) النشاب: السهام لأنها تنشب في الشئ أي تدخل فيه وتعلق عليه، والواحدة نشابة بضم النون وشد الشين فيها، وفي المغرب: النبل: السهام العربية اسم مفرد اللفظ مجموع المعنى والجمع نبال والنشاب السهام التركية والواحدة نشابة، ورجل نابل وناشب ذونبال ونشاب. قوله (وإن عندي لمثل الذي جاءت به الملائكة) وهو التابوت الذي حكى عنه جل شأنه بقوله * (وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكه إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين) * قال الجوهري: التابوت: أصله تأبوة مثل ترقوة وهو فعلوة، فلما سكنت الواو انقلبت هاء التأنيث تاء، وقال القاضي: هو فعلوت من التوب يعني الرجوع فإنه لا يزال يرجع إليه ما يخرج منه، وليس بفاعول لقلته وهو صندوق التوراة وكان من خشب الشمشاد مموها بالذهب نحوا من ثلاثة أذرع في ذراعين. وكان موسى (عليه السلام) إذا قاتل قدمه قتسكن نفوس بني إسرائيل ولا يفرون وقيل: كانت فيه صورة من زبرجد أو ياقوت لها رأس وذنب كرأس الهرة وذنبها وجناحان فتئن فيرف التابوت نحو العدو وهم يتبعونه فإذا استقر ثبتوا

[ 325 ]

وسكنوا ونزل النصر، وقيل: كانت فيه صور الأنبياء من آدم إلى محمد (صلى الله عليه وآله) انتهى، وقال عبد الرزاق في التأويلات يمكن أن يكون صندوقا فيه طلسم لنصرة الجيش وغيره من الطلسمات التي يذكر أنها للملك على ما يروى أنه كان فيه صورة لها رأس كرأس الآدمي أو الهر وذنب كذنبه كالذي كان في عهد إفريدون المسمى بدرفش الكاوياني، وأما وجه حمل الملائكة إياه فقيل: إن الله تعالى رفعه بعد موسى فنزلت به الملائكة وهم ينظرون إليه، وقيل: كان بعده مع أنبيائهم يستفتحون به حتى أفسدوا فغلبهم الكفار عليه ورفعوه إلى بلادهم وكان في أرض جالوت إلى أن ملك الله طالوت فأصابهم ببلاء حتى هلكت خمس مدائن فتشأموا بالتابوت فوضعوه على ثورين فساقتهما الملائكة إلى طالوت. قوله (ومثل السلاح) العطف للبيان والتفسير قوله (فخطت على الأرض خطيطا) الخطيط والخطيطة: الطريق وهذا كناية عن طولها وعدم توافقها لقامته المقدسة وذلك لأن الله تعالى جعل توافقها علامة على وجوب إظهار الإمامة على عامة الخلق والخروج بالسيف حتى أنه يمكن أن يقال: إنها لا توافق قامة الصاحب المنتظر (عليه السلام) في زمان الغيبة فإذا وافقها دل على وجوب ظهوره وإظهار إمامته على رؤوس الخلائق. قوله (فكانت وكانت) أي فكانت لي وكانت لأبي سواء أو فكانت لي كما كانت لأبي وكانت لأبي كما كانت لي، أو كانت فضله لي وكانت فضله لمن بعدي وهكذا تندرج في الفضل حتى تبلغ أهلها فتوافقه، ويؤيد هذا ما يأتي من حديث الفضيل. * الأصل: 2 - الحسين بن محمد الأشعري، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن حماد بن عثمان، عن عبد الأعلى بن أعين قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: عندي سلاح رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا أنازع فيه. ثم قال: إن السلاح مدفوع عنه لو وضع عند شر خلق الله لكان خيرهم، ثم قال: إن هذا الأمر يصير إلى من يلوي له الحنك فإذا كانت من الله فيه المشيئة خرج فيقول الناس: ما هذا الذي كان ؟ ويضع الله له يدا على رأس رعيته. * الشرح: قوله (لا انازع فيه) لاختصاصه به وعدم وقوع الشركة فيه حتى يقع فيه المنازعة والخصومة ويريد أحد أن يجذبه ويأخذه منه أو يشاركه فيه. قوله (إن السلاح مدفوع عنه) أي لا يضره شئ ولا يبليه مر الدهور أو لا يلبس ولا يستعمل إلا بإذن الله أو لا يصيب من هو عنده خطأ ومعصية.

[ 326 ]

قوله (لو وضع عند شر خلق الله لكان خيرهم) في الصلاح والزهادة والعبادة وترك المعصية فكيف إذا وضع عند خير خلق الله. قوله (إن هذا الأمر يصير إلى من يلوي له الحنك) لويت عنقه فتلته وأملته وهذا كناية عن خضوع الناس له طوعا وكرها وغلبته عليهم في الخصومة والقتال والقول بأنه إشارة إلى أن أصحابه محنكون بعيد. قوله (فيقول الناس ما هذا الذي كان) ما للتعجب في استيلائه وقهره على الخلق أو في قضاياه العجيبة وأحكامه الغريبة حيث إنه يحكم بعلمه المطابق للواقع كما دل عليه بعض الروايات " وكان " تامة بمعنى وجد وحدث. قوله (ويضع الله له يدا على رأس رعيته) لعل المراد باليد القدرة أو الشفقة أو النعمة أو الإحسان أو الحفظ والغرض من وضعها رفع انتشارهم واختلافهم وتفرقهم وتضيقهم بحيث يجتمعون على دين الحق متحابين متوادين موسعين متناصحين يقولون بالحق ويعملون له، فيعودون بعد التفرقة إلى الجمعية، وبعد التشتت إلى المعية، وبعد الكثرة إلى الوحدة، وبعد الفرقة إلى الالفة، وبعد الجهل إلى العلم، وبعد السفه إلى الحلم، فيحصل لهم بذلك بواطن نورانية وظواهر ربانية، وقيل: المراد باليد: الملك الموكل بالقلب الذي بتوسطه يرد الجود الإلهي والفيض الرباني، وبالرأس: النفوس الناطقة والعقول الهيولانية. والغرض من وضعها هو التعليم والإلهام وإن أردت زيادة توضيح فارجع إلى ما ذكرناه في شرح قول الباقر (عليه السلام): " إذا قام قائمنا وضع الله يده على رؤوس العباد فجمع بها عقولهم وكملت أحلامهم " (1). * الأصل: 3 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال: ترك رسول الله (صلى الله عليه وآله) في المتاع سيفا ودرعا وعنزة ورحلا وبغلته الشهباء فورث ذلك كله علي بن أبي طالب (عليه السلام). * الشرح: قوله (في المتاع) المتاع: ما تمتعت به من أي شئ كان، قوله (وعنزة ورحلا) العنزة بالتحريك: أطول من العصا وأقصر من الرمح وفيها سنان مثل سنان الرمح، وا لرحل للبعير: كالسرج للدابة والرحل أيضا: ما يستصحبه الإنسان من المتاع والأثاث.


1 - راجع كتاب (ج 1) كتاب العقل والجهل. (*)

[ 327 ]

قوله (وبغلته الشهباء) الشهبة والشهب محركة في الألوان: البياض الذي غلب على السواد، وفرس أشهب وبلغة شهباء. * الأصل: 4 - الحسين بن محمد معلى بن محمد، عن الوشاء، عن أبان بن عثمان، عن فضيل بن يسار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لبس أبي درع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات الفضول فخطت ولبستها أنا ففضلت. * الشرح: قوله (ذات الفضول) بدل عن الدرع أو صفة لها وفي النهاية فيه (يعني في الحديث) أن اسم درعه (صلى الله عليه وآله) كان ذات الفضول، وقيل ذو الفضول لفضل كان فيها وسعة. قوله (ولبستها أنا ففضلت) لعل المراد بفضلها بلغ الخط على الأرض والعدول عنه للتفنن والتحرز عن التكرار ظاهرا أو فضل دون الخط فيفيد أن الفضل في المتأخر أقل من الفضل في المتقدم حتى إذا وصلت إلى أهلها وافقت قامته. * الأصل: 5 - أحمد بن محمد، ومحمد بن يحيى، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن عيسى، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: سألته عن ذي الفقار سيف رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أين هو ؟ قال: هبط به جبرئيل (عليه السلام) من السماء وكنت حليته من فضة وهو عندي * الشرح: قوله (قال سألته عن ذي الفقار) (1) قال الجوهري: الفقارة بالفتح: واحدة فقار الظهر وذو الفقار اسم سيف النبي (صلى الله عليه وآله) وقال المطرزي، فقار الظهر: خرزاته، وقال ابن الأثير: كان اسم سيف النبي ذا الفقار لأنه كان في حفر صغار حسان، والمغفر من السيوف: الذي فيه خروز مطمئنة. قوله (وكانت حليته من فضة) روى المصنف هذا الحديث في كتاب الروضة بسند آخر عن الرضا (عليه السلام) وفيه " وكانت حلقته من فضة " قوله (وهو عندي) ورثه من أبيه علي بن أبي طالب (عليه السلام) وقد أعطاه النبي (صلى الله عليه وآله) يوم احد بعد ما تقطع سيفه من شدة الضرب بثلاث قطع.


1 - قوله " سألته عن ذي الفقار " راوي هذا الحديث عن الرضا (عليه السلام) وهو أحمد بن أبي عبد الله والمشهور أن ذا الفقار كان سيف عاص بن منبه قتل يوم بدر فوهبه رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) ولعل أصل العبارة أن ثبتت أن السيف نزل من السماء بأمر الله كما ينسب كل خير إليها خصوصا إذا كان نادرا غير مترقب. (ش). (*)

[ 328 ]

* الأصل: 6 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن، عن محمد بن حكيم، عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: السلاح موضوع عندنا، مدفوع عنه، لو وضع عند شر خلق الله كان خيرهم، لقد حدثني أبي أنه حيث بنى بالثقفية وكان قد شق له في الجدار فنجد البيت فلما كانت صبيحة عرسه رمى ببصره فرأى حذوه خمسة عشر مسمارا ففزع لذلك وقال لها: تحولي فاني اريد أن أدعو موالي في حاجة فكشطه فما منها مسمار إلا وجده مصرفا طرفه عن السيف وما وصل إليه منها شئ. * الشرح: قوله (حيث بنى بالثقفية) قال ابن الأثير: الابتناء والبناء: الدخول بالزوجة والأصل فيه أن الرجل كان إذا تزوج امرأة بنى عليها قبة ليدخل بها فيها، فيقال: بنى الرجل على أهله، قال الجوهري: ولا يقال، بنى بأهله، وهذا القول فيه نظر فإنه قد جاء في غير موضع من الحديث وغيره. قوله (وكان قد شق له) أي للسلاح وحفظه وفي بعض النسخ وقد كان شق له. قوله (فنجد البيت) أي زين من التنجيد: وهو التزيين، يقال: بيت منجد، ونجوده: ستوره الذي تعلق على حيطانه يزين بها. قوله (فرأى حذوه) أي حذو الشق أو حذو السلاح وحذاء الشئ إزاؤه. قوله (فكشطه) الكشط: أن ترفع الشئ عن الشئ ليظهر. * الأصل: 7 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن صفوان بن يحيى، عن ابن مسكان، عن حجر، عن حمران، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عما يتحدث الناس أنه دفعت إلى أم سلمة صحيفة مختومة فقال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما قبض ورث علي (عليه السلام) علمه وسلاحه وما هناك ثم صار إلى الحسن ثم صار إلى الحسين (عليهما السلام) فلما خشينا أن نغشى استودعها ام سلمة ثم قبضها بعد ذلك علي ابن الحسين (عليهما السلام) قال: فقلت: نعم ثم صار إلى أبيك ثم انتهى إليك وصار بعد ذلك إليك ؟ قال: نعم. * الشرح: قوله (صحيفة مختومة) الصحيفة: قطعة من قرطاس مكتوب وجمعها صحف، ولعل المراد بها ما كتبه الحسين (عليه السلام) من أسماء السلاح وتفاصيلها ودفعه إلى الأمينة المؤتمنة أم سلمة رضي الله عنها وأمرها بدفعه إلى علي بن الحسين (عليهما السلام) وليس المراد بها ظرف السلاح فإن الصحيفة لا تسعه إلا بطريق الإعجاز.

[ 329 ]

قوله (فلما خشينا) أن نغشى استودعها) نغشى على صيغة المتكلم المجهول بمعنى نهلك أو نؤتى ونغلب فيؤخذ منا من الغشيان بالكسر: وهو الإتيان، وفاعل استودعها ضمير الحسين (عليه السلام)، وفي بعض النسخ استودعنا بصيغة المتكلم مع الغير وهو الأظهر. * الأصل: 9 - محمد بن الحسين وعلي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن محمد بن الوليد شباب الصيرفي، عن أبان بن عثمان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لما حضرت رسول الله (صلى الله عليه وآله) الوفاة دعا العباس بن عبد المطلب وأمير المؤمنين (عليه السلام) فقال للعباس: يا عم محمد تأخذ تراث محمد وتقضي دينه وتنجز عداته ؟ فرد عليه فقال: يا رسول الله بأبي أنت وامي إني شيخ كثير العيال قليل المال من يطيقك وأنت تباري الريح، قال: فأطرق (صلى الله عليه وآله) هنيئة ثم قال: يا عباس أتأخذ تراث محمد وتنجز عداته وتقضي دينه ؟ فقال: بأبي أنت وامي شيخ كثير العيال قليل المال وأنت تباري الريح قال: أما إني سأعطيها من يأخذ بحقها ثم قال: يا علي يا أخا محمد أتنجز عدات محمد وتقضي دينه وتقبض تراثه ؟ فقال: نعم بأبي أنت وامي ذاك علي ولي، قال: فنظرت إليه حتى نزع خاتمه من أصبعه فقال: تختم بهذا في حياتي، قال: فنظرت الخاتم حين وضعته في إصبعي فتمنيت من جميع ما ترك الخاتم ثم صاح: يا بلال علي بالمغفر والدرع والراية والقميص وذي الفقار والسحاب والبرد والأبرقة والقضيب، قال: فوالله ما رأيتها غير ساعتي تلك - يعني الأبرقة - فجئ بشقة كادت تخطف الأبصار فإذا هي من أبرق الجنة فقال: يا علي إن جبرئيل أتاني بها وقال: يا محمد اجعلها في حلقة الدرع واستذفر بها مكان المنطقة، ثم دعا بزوجي نعال عربيين جميعا أحدهما مخصوف والآخر غير مخصوف والقميصين: القميص الذي أسري به فيه والقميص الذي خرج فيه يوم أحد والقلانس الثلاث: قلنسوة السفر وقلنسوة العيدين والجمع وقلنسوة كان يلبسها ويقعد مع أصحابه، ثم قال: يا بلال علي بالبغلتين: الشهباء والدلدل، والناقتين: العضباء والقصوى، والفرسين: الجناح كانت توقف بباب المسجد لحوائج رسول الله (صلى الله عليه وآله) يبعث الرجل في حاجته فيركبه ويركضه في حاجة رسول الله (صلى الله عليه وآله) - وحيزوم وهو الذي كان يقول: أقدم حيزوم، والحمار عفير فقال: اقبضها في حياتي. فذكر أمير المؤمنين (عليه السلام) أن أول شئ من الدواب توفي عفير ساعة قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) قطع خطامه ثم مر يركض حتى أتى بئر بني خطمة بقباء فرمى بنفسه فيها فكانت قبره. وروي أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: إن ذلك الحمار كلم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: بأبي أنت وأمي إن أبي حدثني، عن أبيه، عن جده عن أبيه كان مع نوح في السفينة فقام إليه نوح فمسح على كفله ثم قال: يخرج من صلب

[ 330 ]

هذا الحمار حمار يركبه سيد النبيين وخاتمهم، فالحمد لله الذي جعلني ذلك الحمار. * الشرح: قوله (تأخذ تراث محمد) استفهام على الحقيقة، والتراث بضم التاء: الميراث وأصل التاء فيه واو. قوله (وتنجز عداته) العدة الوعد في الخير، والهاء عوض عن الواو وتجمع على عدات. قوله (من يطيقك وأنت تباري الريح) أي من يطيق ويقدر على أداء حقوقك وأنت سخي كثير العطاء والعدة، يقال فلان: يباري فلانا أي يعارضه ويفعل مثل فعله وهما يتباريان وفلان يباري الريح سخاء والريح مشهورة بكثرة السخاء لسياق السحاب والأمطار وترويح القلوب وترقيق الهواء وغيرها من المنافع وقد ذكرنا جملة منها في كتاب العقل. قوله (ثم قال يا عباس) الغرض من سؤاله أولا وتأكيده ثانيا مع علمه بأنه ليس أهلا ولا يقبله وأن أهله والقابل له علي بن أبي طالب (عليه السلام) هو تجديد الوصية وتأكيدها له (عليه السلام) في حضوره. قوله (بأبي أنت وامي) أي فديتك بهما وجعلتهما فداك وجاز التفدية عندنا وعند أكثر العامة وكرهها بعضهم وقال: لا يفدى بمسلم والصحيح عدم الكراهة لورودها في الأحاديث الصحيحة من طرقنا وطرقهم مع عدم الإنكار سيما له (صلى الله عليه وآله) على أنه ليس المراد الحقيقة وإنما هي على معنى الحنانة والبر، ولذلك يقول ذلك أيضا من ليس له أب وأم موجودان. قوله (قال: فنظرت إليه) فاعل قال: علي (عليه السلام). قوله (فتمنيت من جميع ما ترك الخاتم) أي قدرت في نفسي أن يكون الخاتم عوضا من جميع ما ترك من الميراث أو من الديون، والعداة وذلك لشرافة الخاتم وكمال اقتداره (عليه السلام) عند لبسها على ما في عالم الملك والملكوت لترتب الأثر العظيم عليه كترتبه على خاتم سليمان (عليه السلام). قوله (والسحاب) قال ابن الأثير " فيه: أنه كان اسم عمامة النبي (صلى الله عليه وآله) السحاب، سميت به تشبيها بسحاب المطر لانسحابه في الهواء. قوله (والبرد) قال ابن الأثير: البرد بالضم والسكون: نوع من الثياب معروف والجمع أبراد وبرود، قال المازري: البرد: شملة مخططة، وقيل: كساء. قوله (والأبرقة) سميت بها لأن فيها لونين سواد وبياض كما هو المعروف في تفسير الأبرق، بل لضوء لونها وشدة بريقها ولمعانها كالبرق. قوله (والقضيب): وهو الغصن والمراد به العصا سميت به لكونها مقطوعة من الشجر والقضب: القطع وقد يطلق على السيف اللطيف الدقيق أيضا.

[ 331 ]

قوله (فجيئ بشقة) نسب الفعل إلى المفعول لا إلى الفاعل مع أنه معلوم لتعلق القصد بذلك لا بهذا، والشقة بالكسر: القطعة من كل خشبة، وبالضم: القطعة من الثوب، وبتصغيرها جاء الحديث وعلي شقيقة سنبلانية وجمعها شقق وشقاق بالكسر، ويقال: فلان يبيع شقاق الكتاب كذا في المغرب، وقال ابن الأثير: الشقة: جنس من الثياب وتصغيرها شقيقة، وقيل: هي نصف ثوب، وقال الجوهري: الشقة بالضم من الثياب. قوله (كادت تخطف الأبصار) خطف الشئ يخطفه: إذا استلبه وذهب به بسرعة وإنما أدرج لفظ كادت لتقريبه من الحق وتبعيده عن الباطل. قوله (واستذفر بها) الذفر بالتحريك: الريح الطيبة ومنه في صفة الجنة " وترابها مسك أذفر ". قوله (مكان المنطقة) ظرف لقوله " اجعلها في حلقة الدرع ". قوله (أحدهما مخصوف) أصل الخصف: ضم الشئ إلى الشئ والجمع بينهما والنعل المخصوف كالثوب المرقع. قوله (والدلدل) على وزن بلبل: اسم بغلة النبي (صلى الله عليه وآله) سميت بذلك لكونها سريعة حديدة ذات هيئة حسنة. قوله (العضباء) قال الجوهري: العضب: القطع، وناقة عضباء: أي مشقوقة الاذن وكذلك الشاة، وأما ناقة رسول الله (صلى الله عليه وآله) التي كانت تسمى العضباء فإنما كان ذلك لقبا لها ولم تكن مشقوقة الاذن، وقال المطرزي مثله في المغرب، وقال ابن الأثير " فيه: كان اسم ناقته العضباء هو علم لها منقول من قولهم ناقة عضباء أي مشقوقة الاذن، وقال بعضهم: إنها كانت مشقوقة الاذن، والأول أكثر. وقال الزمخشري: هو منقول من قولهم ناقة عضباء وهي القصيرة اليد. قوله (والقصواء) قال ابن الأثير: في الحديث أنه خطب على ناقته القصواء: وهو لقب ناقة رسول الله (صلى الله عليه وآله) والقصواء: الناقة التي قطع طرف اذنها وكل ما قطع من الاذن فهو جدع، فإذا بلغ الربع فهو قصر فإذا جاوزه فهو عضب فإذا استوصلت فهو صلم. يقال: قصوته قصوا فهو مقصو والناقة قصواء، ولا يقال: بعير أقصى، ولم تكن ناقة النبي قصواء وإنما كان هذا لقبا لها، وقيل: كانت مقطوعة الاذن وقد جاء في الحديث أنه كانت له ناقة تسمى العضباء، وناقة تسمى الجدعاء وفي حديث آخر صلماء، وفي رواية اخرى مخضرمة، هذا كله في الاذن فيحتمل أن يكون كل واحد صفة ناقة مفردة، ويحتمل أن يكون الجميع صفة ناقة واحدة فسماها كل واحد منهم بما تخيل فيها، ويؤيد ذلك ما روي في حديث علي حين بعثه رسول الله (صلى الله عليه وآله) يبلغ أهل مكة سورة براءة فرواه ابن عباس أنه ركب ناقة رسول الله (صلى الله عليه وآله) القصواء، وفي رواية جابر العضباء، وفي رواية غيرهما

[ 332 ]

الجدعاء فهذا يصرح أن الثلاثة صفة ناقة واحدة لأن القضية واحدة، وقد روي عن أنس أنه قال: خطبنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) على ناقة جدعاء وليست بالعضباء وفي إسناده مقال انتهى. وأنا أقول وفي التصريح نظر لجواز ركوبه كل واحدة من الثلاثة في سفره وفي روايتنا هذه دلالة واضحة على المغايرة بين العضباء والقصواء. قوله (الجناح) جناح الطير: يده، سميت بذلك لسرعة سيره على سبيل المبالغة. قوله (ويركضه) الركض: تحريك الرجل، وركضت الفرس برجلي: إذا استحثثته ليعدو. قوله (وحيزوم هو الذي كان يقول أقدم حيزوم) اسم كان وفاعل يقول جبرئيل (عليه السلام) أو النبي (صلى الله عليه وآله) قال الجوهري: حيزوم: اسم فرس من خيل الملائكة. وقال ابن الأثير: في حديث بدر أقدم حيزوم، هو أمر بالإقدام: وهو التقدم في الحرب، والإقدام: الشجاعة، وقد تكسر همزة إقدم ويكون أمرا بالتقدم لا غير والصحيح الفتح من أقدم. أقول: حديث بدر رواه المصنف في كتاب الروضة عن أبي عبد الله (عليه السلام) وهو طويل وفيه " فأقبل علي (عليه السلام) إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله أسمع دويا شديدا وأسمع أقدم حيزوم وما أهم أضرب أحدا إلا سقط ميتا قبل أن أضربه، فقال: هذا جبرئيل وميكائيل وإسرافيل في الملائكة - الحديث. قوله (والحمار عفير) قال الآبي: المعروف عفير بالعين المهملة: وهو تصغير أعفر تصغير الترخيم كسويد تصغير أسود، وما ذكر بعضهم من أنه بالغين المعجمة فليس بمعروف والمشهور في اسم حماره (صلى الله عليه وآله) أنه يعفور إلا أنه في القاموس، واليعفور بلا لام: اسم حمار النبي (صلى الله عليه وآله) أو عفير كزبير. قوله (قطع خطامه) قال الجوهري: الخطم من كل دابة: مقدم أنفه وفمه، والخطام: الزمام، وخطمت البعير: زممته، وقال ابن الأثير: خطام البعير هو أن يؤخذ حبل من ليف أو شعر أو كتان فيجعل في أحد طرفيه حلقة. ثم يشد فيه الطرف الآخر حتى يصير كالحلقة، ثم يقلد البعير ثم يثنى على مخطمه، وأما الذي يجعل في الأنف دقيقا فهو الزمام، وقال المطرزي: الخطام: حبل يجعل في عنق البعير ويثنى في خطمه أي أنفه. قوله (حتى أتى بئر بني خطمه) قال الجوهري: خطمه من الأنصار وهم بنو عبد الله بن مالك ابن أوس، وقال المطرزي: الخطمي: منسوب إلى خطمة بفتح الخاء قبيلة من الأنصار وهو يزيد بن حسن الخطمي.

[ 333 ]

باب أن مثل سلاح رسول الله مثل التابوت في بني إسرائيل * الأصل: 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكيم، عن معاوية بن وهب، عن سعيد السمان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إنما مثل السلاح فينا مثل التابوت في بني إسرائيل، كانت بنو إسرائيل أي أهل بيت وجد التابوت على بابهم اوتوا النبوة فمن صار إليه السلاح منا اوتي الإمامة. * الشرح: قوله (إنما مثل السلاح فينا مثل التابوت) بناء المثل على التشبيه. وقوله (كانت بنو إسرائيل - إلى آخره) إشارة إلى وجهه. * الأصل: 2 - علي بن إبراهيم، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن السكين، عن نوح بن دراج، عن عبد الله ابن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إنما مثل السلاح فينا مثل التابوت في بني إسرائيل حيثما دار التابوت دار الملك، فأينما دار السلاح فينا دار العلم. * الشرح: قوله (حيثما دار التابوت اوتوا النبوة أي حيثما دار التابوت في بني إسرائيل كما مر: فلا يرد أن التابوت كان عند جالوت مدة ولم يؤت النبوة. * الأصل: 3 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن صفوان، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: كان أبو جعفر (عليه السلام) يقول: إنما مثل السلاح فينا مثل التابوت في بني إسرائيل حيثما دار التابوت اتوا النبوة وحيثما دار السلاح فينا فثم الأمر، قلت فيكون السلاح مزائلا للعلم ؟ قال: لا. * الشرح: قوله (قلت فيكون السلاح مزايلا للعلم ؟ قال: لا) هذا استفهام، والمزايلة: المفارقة ووجه التفريع أن السائل توهم من التشبيه المذكور أن كل معنى في المشبه به يوجد في المشبه أيضا ومن المعاني التي في التابوت مزايلته للنبوة عند كونه في قوم جالوت فتوهم أن السلاح أيضا مزايل للعلم والإمامة فأشار (عليه السلام) بقوله " لا " إلى نفي هذا التوهم وإلى أن الوجه هو ما تعلق به القصد والقصد أن السلاح فينا دليل على العلم والإمامة كما أن التابوت في بني إسرائيل دليل على النبوة.

[ 334 ]

باب فيه ذكر الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة عليها السلام * الأصل: 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن عبد الله الحجال، عن أحمد بن عمر الحلبي، عن أبي بصير قال: دخلت علي أبي عبد الله (عليه السلام) فقلت: له: جعلت فداك إني أسألك عن مسألة، ههنا أحد يسمع كلامي ؟ قال: فرفع أبو عبد الله (عليه السلام) سترا بينه وبين بيت آخر فاطلع فيه ثم قال: يا أبا محمد سل عما بدالك، قال: قلت: جعلت فداك إن شيعتك يتحدثون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) علم عليا (صلى الله عليه وآله) بابا يفتح له منه ألف باب ؟ قال: فقال: يا أبا محمد علم رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليا (عليه السلام) ألف باب يفتح من كل باب ألف باب قال: قلت: هذا والله العلم، فنكت ساعة في الأرض ثم قال: إنه لعلم وما هو بذاك قال: ثم قال: يا أبا محمد وإن عندنا الجامعة وما يدريهم ما الجامعة ! قال: قلت: وما الجامعة ؟ قال: صحيفة طولها سبعون ذراعا بذراع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإملائه من فلق فيه وخط علي بيمينه، فيها كل حلال وحرام وكل شئ يحتاج الناس إليه حتى الأرش في الخدش وضرب بيده إلي فقال: تأذن لي يا أبا محمد ؟ قال: قلت: جعلت فداك إنما أنا لك فاصنع ما شئت قال، فغمزني بيده وقال: حتى أرش هذا، كأنه مغضب، قال: قلت: هذا والله العلم قال: إنه لعلم وليس بذاك، ثم سكت ساعة، ثم قال: وإن عندنا الجفر وما يدريهم ما الجفر ! ؟ قال: قلت: وما الجفر ؟ قال: قلت: وما الجفر ؟ قال: وعاء من ادم فيه علم النبيين والوصيين وعلم العلماء الذين مضوا من بني إسرائيل، قال: قلت: إن هذا هو العلم، قال: إنه لعلم وليس بذاك، ثم سكت ساعة ثم قال: وإن عندنا لمصحف فاطمة (عليها السلام) وما يدريهم ما مصحف فاطمة (عليها السلام)، قال: وما مصحف فاطمة (عليها السلام) ؟ قال: مصحف مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد، قال: قلت: هذا والله العلم، قال: إنه لعلم وما هو بذاك، ثم سكت ساعة ثم قال: إن عندنا علم ما كان وعلم ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة. قال: قلت: جعلت فداك هذا والله هو العلم، قال: إنه لعلم وليس بذاك قال: قلت: جعلت فداك فأي شئ العلم قال: ما يحدث بالليل والنهار الأمر من بعد الأمر والشئ بعد الشئ إلى يوم القيامة. * الشرح: قوله (علم عليا بابا يفتح له منه ألف باب) يحتمل أن يراد بالباب الأول جنس خاص من العلم

[ 335 ]

وبألف باب أنواع مختلفة مندرجة تحته وأن يراد بالأول نوع من العلم وبالثاني أصناف منه. (1) قوله (هذا والله العلم) ادعى أنه علم كامل وحصر العلم الكامل فيه على وجه التأكيد حتى أن كل علم سواه كأنه ليس بعلم كامل. قوله (فنكت ساعة في الأرض) نكت الأرض بالقضيب أي ظربها بطرفه ليؤثر فيها كفعل المفكر المهموم غالبا. قوله (ثم قال: إنه لعلم وما هو بذاك) (2) أي أنه لعلم كامل ولكن ما هو بذاك الذي وصفته من


1 - قوله " أصناف منه قد يكون مثل هذا معجزا وقد يكون غير معجز وغير المعجز منه قد يتفق لاحاد الناس فيتنبهون لقضية ومسألة ينفتح لهم منها مسائل كثيرة أو ينبه أحد غيره على شئ فيتفطن هو لأمور. وقد حكي عن أبي علي بن سينا أنه لم يكن يفتح له باب فلسفة ما بعد الطبيعة حتى وقف على كتاب " أغراض ما بعد الطبيعة " للفارابي وهو نحو ورقتين فافتتح له باب العلم وصار فيلسوفا لم ير نظيره بعده، وقد ألقى أمير المؤمنين (عليه السلام) على أبي الأسود الدؤلي مسائل في النحو وبين له أن كلمات العرب على ثلاثة أقسام: اسم وفعل وحرف وأن لكل واحد منها أحكاما في الإعراب والبناء فتفطن به أن يبوب الأبواب وينظم المسائل ويفصل الأحكام وقد مر في المجلد الثاني: أن شكل القطاع الذى تنبه له مانالوين في الهندسة بتفرع عليه أكثر من أربعمائة الف وتسعين ألف مسألة. وأيضا استنبط الملك العالم أبو نصر بن العراق شكلا سماء المغنى تفرع عليه جميع ما يتفرع على شكل القطاع بوجه أسهل وانفتح منه على من بعده أصول لا يتناهى في علم المثلثات والنجوم والمساحات ويستعمله الناس في زماننا في بلاد النصارى وعليه مبنى صناعاتهم وعلومهم وقد يصل هذا إلى حد الإعجاز كعلوم أمير المؤمنين (عليه السلام) والأئمة من بعده مما أخذوه من النبي صلى الله عليه وآله ولا يجوز التمتع والتأمل في أمثال ذلك والتعجب منه. (ش) 2 - قوله " وما هو بذاك " مقتضي الروايات المتواترة وضروري مذهب الشيعة أن علم الأئمة (عليهم السلام) مأخوذ من الله تعالى بالارتباط الحقيقي بين نفوسهم والمبادي العالية وإن كنا لا نعلم تفصيل ذلك أنه بالإلهام أو بالتحديث أو بمصاحبة روح القدس أو أن جميع ماروى تعبير عن معنى واحد، والمشترك بين الجميع أن علمهم ليس منحصرا في السماع والنقل والتعلم كما لسائر الناس عن النبي (صلى الله عليه وآله) إذ لو كان منحصرا لم يكن فرق بينهم و بين غيرهم ولم يكن لتخصيص النبي (صلى الله عليه وآله) علما يفهمه جميع الناس ببعض أولاده وجه وحكمة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة سلام الله عليها فلعلها كانت منبهة على أصول لم يكن يستعد لفهمها وتفريع مسائلها سائر الناس، وبالجملة العلم اللائق بهم هو العلم الالهامى الذي ذكره (عليه السلام) أولا، وأما المنقول والمكتوب والمروي = (*)

[ 336 ]

حصر العلم الكامل فيه وأن ليس وراءه علم كامل وحمله على الإنكار وأنه ليس لعلم كامل بعيد، وبالجملة ادعى السائل كماله أولا وحصر الكمال فيه ثانيا فصدق (عليه السلام) قوله في الأول وأبطل قوله في الثاني وحمل قوله (عليه السلام) على إبطال الأول بعيد. قوله (من فلق فيه) الفلق بفتح الفاء وسكون اللام: الشق يقال: كلمه من فلق فيه إذا كلمه شفاها. قوله (حتى أرش الخدش) الأرش: دية الجراحات والجنايات، وإنما سميت أرشا لأنها من أسباب النزاع يقال: أرشت بين القوم إذا أوقعت بينهم وأفسدت. والخدش: مصدر خدش وجهه إذا ظفره فأدماه أولم يدمه، ثم سمى به الأثر. قوله (وضرب بيده إلي) أي ألقاها إلي أو علي على أن يكون إلى بمعنى على، يقال ضرب الشبكة على الطائر وضرب يده على الحائط إذا ألقاهما عليهما، وكأن الباء زائدة أو للتبعيض. قوله (فقال: أتأذن لي) فيه دلالة على جواز إيصال الضرر اليسير إلى الغير بإذنه وعلى جواز إبراء ما لم يلزم بعد. قوله (إنما أنا لك) أي عبد لك. قوله (كأنه مغضب) اسم مفعول من أغضبه وكان وجه غضبه عند تذكر الأحكام والحدود ملاحظة إنكار الخلق لها وأهلها وتركهم لدين الحق ورجوعهم إلى آرائهم ومتمنيات نفوسهم. قوله (وإن عندنا الجفر) قال الشيخ في الكشكول: الجفر: ثمانية وعشرون جزءا وكل جزء ثمانية وعشرون صفحة وكل صفحة ثمانية وعشرون سطرا وكل سطر ثمانية وعشرون بيتا وكل بيت أربعة أحرف الحرف الأول بعدد الجزء والثاني بعدد الصفحة والثالث بعدد الأسطر والرابع بعدد البيوت، فاسم جعفر مثلا يطلب من البيت العشرين من السطر السابع عشر من الصفحة السادسة عشر من الجزء الثالث وعلى ذلك فقس. قوله (وعاء من أدم) قال في المغرب: الأدم بفتحتين: اسم لجمع أديم وهو الجلد المدبوغ


= فليس شيئا يوجب انحصار كتابه عند أحد فضلا له بل يستلزم منعه من الغير مع امكان فهمه ضنا وبخلا لا يليق بأولياء الله تعالى، وقد يستعجب من كون صحيفة طولها سبعو ذراعا مشتملا على جميع العلوم إذ لا تبلغ كتابة مثل هذه الصحيفة ما في نحو مائتي صفحة من القطع الرحلي في زماننا مثلا نصف مكاسب الشيخ - عليه الرحمة - وكانت الصحيفة في تلك الأزمنة قرطاسا طويلا جدا يكتبون على وجه واحد ثم يطوونها كاستوانة ويجعلونها في محفظة ووعاء استواني مثلها كما هو متداول في القبالات والإسناد في زماننا. (ش) (*)

[ 337 ]

المصلح بالدباغ من الإدام وهو ما يؤتدم به والجمع ادم بضمتين، قال ابن الانباري: معناه الذي يطيب الخبز ويصلحه ويلتذ به الأكل والأدم مثله والجمع آدام كحلم وأحلام. وقال ابن الأثير: الآدمة بالمد: جمع أديم مثل رغيف وأرغفة والمشهور في جمعه أدم. وقال الجوهري مثله. قوله (فيه علم النبيين) يحتمل أن علومهم في صحيفة والصحيفة في ذلك الوعاء كما يحتمل أنها مكتوبة فيه. قوله (والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد) أي وجه واحد من وجوه المعاني والأحكام بل فيه علم ما يكون من الحوادث اليومية وأحوال الجنة والنار وأهلهما. وأحوال أبيها ومكانه وأحوال ذريتها وما يجري عليهم وأحوال شيعتهم إلى يوم القيامة، قال بعض الأفاضل: فإن قلت في القرآن أيضا بعض ذلك، قلت: لعله لم يذكر فيه ما في القرآن من الأخبار. فإن قلت: يظهر من خير الحسين بن أبي العلاء اشتماله على الأحكام قلت: لعل من الأحكام ما ليس في القرآن. فإن قلت: قد ورد في الأخبار أن القرآن مشتمل على جميع العلوم، قلت: لعل المرادما نفهم من القرآن ولذا قال: " قرآنكم ". قوله (قال: ما يحدث بالليل والنهار) فإن قلت: قد ثبت أن كل شئ في القرآن وأنهم عالمون بجميع ما فيه، وأيضا قد ثبت بالرواية المتكاثرة أنهم يعلمون جميع العلوم فما معنى هذا الكلام وما وجه الجمع ؟ قلت: أولا: الوجه فيه ما رواه سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال " إن لله علمين: علم أظهر عليه ملائته وأنبياءه ورسله، فما أظهر عليه ملائكته ورسله وأنبياء فقد علمناه، وعلما أستأثر به فإذا بدا لله في شئ منه أعلمنا ذلك وعرض على الأئمة الذين كانوا من قبلنا " ويؤيده أيضا ما روي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " يبسط لنا العلم فنعلم ويقبض عنا فلا نعلم - الحديث " وما رواه أبو الربيع الشامي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " الإمام إن شاء أن يعلم علم " (1) وملخصه أن علمهم ببعض الأشياء فعلي وببعضها بالقوة القربية بمعني أنه يكفي في حصوله توجه نفوسهم القدسية وهم يسمعون هذا جهلا لعدم حصوله بالفعل، وبهذا يجمع بين الروايات التي دل بعضها على علمهم بجميع الأشياء وبعضها على عدمه، وما نحن فيه من هذا القبيل فإنه يحصل لهم في اليوم والليلة عند توجه نفوسهم القادسة إلى عالم الأمر علوم كثيره لم تكن حاصلة بالفعل، وثانيا: أن علومهم بالأشياء التي توجد علوم إجمالية ظلية وعند ظهور ها عليهم في الأعيان كل يوم وليلة علوم شهودية حضورية، ولا شبهة في أن الثاني مغاير للأول وأكمل منه، والله أعلم.


1 - سيأتي جميع تلك الأخبار في الأبواب الآتية. (*)

[ 338 ]

* الأصل: 2 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن عمر بن عبد العزيز، عن حماد ابن عثمان قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: تظهر الزنادقة في سنة ثمان وعشرين ومائة وذلك أني نظرت في مصحف فاطمة (عليها السلام)، قال: قلت: وما مصحف فاطمة ؟ قال: إن الله تعالى لما قبض نبيه (صلى الله عليه وآله) دخل على فاطمة (عليها السلام) من وفاته من الحزن مالا يعلمه إلا الله عزوجل فأرسل الله إليها ملكا يسلي غمها ويحدثها، فشكت ذلك إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: إذا أحسست بذلك وسمعت الصوت قولي لي، فأعلمته بذلك فجعل أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: إذا أحسست بذلك وسمعت الصوت قولي لي، فأعلمته بذلك فجعل أمير المؤمنين (عليه السلام) يكتب كلما سمع حتى ألبت من ذلك مصحفا قال: ثم قال: أما إنه ليس فيه شئ من الحلال والحرام ولكن فيه علم ما يكون. * الشرح: قوله (فأرسل إليها ملكا) هو جبرئيل (عليه السلام) كما سيأتي أو غيره. قوله (يسلي غمها) أي يكشف عنها الغم ويرفعه، يقال: سلاه من الغم تسلية وأسلاء أي كشفه فانسلى عنه الغم، وتسلي: بمعنى انكشف. قوله (فشكت ذلك إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)) قيل: لعدم إمكان حفظ كلها. والشكاية: الإخبار عن الشئ بسوء فعله والمراد هنا مجرد الإخبار. قوله (يكتب كلما سمع) (1) الظاهر أنه سمع من الملك بلا واسطة، ويحتمل أنه سمع من


1 - قوله " يكتب كما سمع " ليس في هذا الخبر شئ يخالف أصول المذهب وان كان ضعيفا بحسب الإسناد إلا أن ظهور الزنادقة سنة ثمان وعشرين ومائة غير مفهوم فإنهم أتباع ماني وكان ظهورهم في ملك شاقور بن أردشير من ملوك بني ساسان قبل ظهور الإسلام بمئات من السنين وبقوا ملكهم إلى أن ظهر دين الإسلام على سائر الأديان فانقرضوا تدريجا ولم يبق منهم باقية هذا إن كان المراد بظهورهم حدوثهم على ما هو المتبادر، وإن اريد منه غلبتهم فلم يغلبوا بعد الإسلام البتة بل كانت اليد للمسلمين مطلقا وإن لم يكن خلفاؤهم من أهل الإمامة، وان أريد بالظهور رفع التقية عنهم وتجويز اظهار آرائهم فلم يكن هذا محققا في زمان لأن في كل عصر أظهر واحد منهم رأيا أخذ وقبل كابن أبي العوجاء وغيره كثير وكان الخلفاء من بني العباس وغيرهم من الأمراء يبالغون في التفتيش عن الزنادقة ويجاوزون الحد في التجسس والقتل والاستيصال وكانوا قبل سنة ثمان وعشرين ومائة في دولة بني أمية لا يعاقبون هذا التعاقب ولعل المسلمين كانوا حينئذ لا يرونهم إلا طائفة من أهل الكتاب من = (*)

[ 339 ]

فاطمة (عليه السلام) * الأصل: 3 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن الحسين بن أبي العلاء قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن عندي الجفر الأبيض، قال: قلت: فأي شئ فيه ؟ قال: زبور داود وتوراة موسى وإنجيل عيسى وصحف إبراهيم والحلال والحرام، ومصحف فاطمة، ما أزعم أن فيه قرآنا وفيه ما يحتاج الناس إلينا ولا نحتاج إلى أحد حتى فيه الجلدة ونصف الجلدة وربع الجلدة وأرش الخدش، وعندي الجفر الأحمر، قال: قلت: وأي شئ في الجفر الأحمر ؟ قال: السلاح و ذلك إنما يفتح للدم يفتحه صاحب السيف للقتل، فقال له عبد الله بن أبي يعفور: أصلحك الله أيعرف هذا بنو الحسن ؟ فقال: أي والله كما يعرفون الليل أنه ليل والنهار أنه نهار ولكنهم يحملهم الحسد وطلب الدنيا على الجحود والإنكار ولو طلبوا الحق بالحق لكان خيرا لهم. * الشرح: قوله (فأي شئ فيه قال: زبور داود) الظاهر أن الجفر الأبيض وعاء فيه هذه الصحف لا أنها مكتوبة فيه. قوله (ولا أزعم أن فيه قرآنا) (1) المقصود أنه ليس فيه شئ من القرآن وإلا كان (عليه السلام) عالما به، والظاهر أن الضمير المجرور في " فيه " في المواضح الثلاثة راجع إلى مصحف فاطمة (عليها السلام) (2) ورجوعه إلى الجفر الأبيض بعيد، ولعل المراد بالقرآن هو القرآن المعروف بيننا فلا ينافي اختصاص المصحف ببعض العلوم وبعض الأحكام ما تقرر من أن في القران جميع العلوم وجميع الأحكام. ولعل المراد بهذا القرآن القرآن الذي لم يقع فيه التحريف، وهو الذي جمعه علي بن أبي


= المجوس ولا يفرقون بينهم وبين أتباع زردشت. (ش) 1 - قوله " لا أزعم أن فيه قرآنا " كلمة تدل على الشك ولا يليق بالإمام على ما سبق في متواتر الأخبار. (ش) 2 قوله " راجع إلى مصحف فاطمة " لاريب فيه ولا يتصور رجوعه إلى الجفر الأبيض ولكن ينافي حينئد ما في الخبر السابق أنه ليس في ذلك المصحف شئ من الحلال والحرام ولا حاجة إلى معرفة ذلك فإن مصحف فاطمة (عليها السلام) كان خاصا بهم (عليهما السلام) سواء كان فيه الحلال والحرام أو العلوم الاخر وقوله لم يقع فيه التحريف سيأتي الكلام فيه إن شاء الله. (ش) (*)

[ 340 ]

طالب (عليه السلام). قوله (وأي شئ في الجفر الأحمر) قال: السلاح، هذا صريح في أن الجفر الأحمر ظرف للسلاح كالصندوق ونحوه. قوله (ولو طلبوا الحق لكان خيرا لهم) وهم طلبوا الباطل أعني الدنيا بالباطل الذي هو الحسد وإنكار الإمام وأهل الحق فيعود إليهم النكال في الدنيا والوبال في الآخرة، ولو طلبوا الحق أعني الآخرة وما يوجب رفع الدرجة فيها بالحق الذي هو محبة الإمام والإذعان له ومتابعته لكان خيرا لهم في الدنيا والآخرة واسم التفضيل هنا لأصل الفعل لا للزيادة إذ لا خير في مخالفة الحق أصلا. * الأصل: 4 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عمن ذكره، عن سليمان بن خالد قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إن في الجفر الذي يذكرونه لما يسوؤهم، لأنهم لا يقولون الحق والحق فيه، فليخرجوا قضايا علي وفرائضه إن كانوا صادقين وسلوهم عن الخالات والعمات، وليخرجوا مصحف فاطمة (عليها السلام) فإن فيه وصية فاطمة (عليها السلام) ومعه سلاح رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن الله عز وجل يقول: * (فأتوا بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين) *. * الشرح: قوله (إن في الجفر الذي يذكرونه لما يسوؤهم) ساءه يسوؤه سواءا بالفتح ومساءة نقيض سره، والاسم: السوء بالضم. والمراد أن في الجفر الذي يذكره بنو الحسن ويدعون أنه عندهم لما يسوؤهم ويفضحهم لأنهم لا يقولون الحق ولا يعملون به، والحق في الجفر فهم إما كاذبون في تلك الدعوى أو صادقون وعلى الأخير إما جاهلون بما فيه من الحق الصريح أو عالمون به تاركون له، وعلى التقادير يلزم ما ذكره من المساءة والفضيحة. ثم أشار إلى أنهم كاذبون في تلك الدعوى بقوله: فليخرجوا قضايا علي وفرائضه إن كانوا صادقين في تلك الدعوى لأن قضاياه وفرائضه كلها موجودة فيه وحيث لم يقدروا على إخراجها علموا أنهم كاذبون وبقوله " وسلوهم عن الخالات والعمات " فإن حكمها أيضا موجود فيه ولا يعلمونه. وبقوله " وليخرجوا مصحف فاطمة " وهذا أقوى في تكذيبهم مما مر لعدم توقفه على العلم، وقوله " فإن فيه " أي في مصحف فاطمة (عليها السلام) وصية فاطمة (عليها السلام) و " معه " أي مع هذا المصحف سلاح رسول الله (صلى الله عليه وآله) دليل للإخراج يعني أن الإخراج نافع لهم حيث يظهر أن الوصية والسلاح عندهم فحيث لم يخرجوه مع ما فيه من النفع العظيم لهم علم أنهم كاذبون. قوله (إن الله عزوجل يقول) تأكيد لما سبق من كذبهم إذدعوى شئ لا يدل عليه كتاب ولم

[ 341 ]

يقارن ما يفيد العلم به دل على كذب المدعي، والأثارة من العلم: بقية منه، وينبغي أن يعلم أن هذه الآية نزلت لإلزام المشركين القائلين بتعدد الآلهة نقلا لعدم ما يقتضي صحة قولهم في كتاب قبل هذا القرآن إذ هو ناطق بالتوحيد ولا في بقية من علم الأولين لأنه ليس في شئ منهما ما يدل على صدق مقالتهم واستحقاق آلهتهم للعبادة بعدما ألزمهم عقلا بقوله جل شأنه * (قل أرأيتم ما تدعون من دون الله ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات) * فأبطل قولهم بأنه ليس لآلهتهم مدخل في خلق شئ من أجزاء العالم حتى تستحق العبادة به، وقد سلك (عليه السلام) هذه الطريقة في إلزام من ادعى أن الجفر عنده حيث ألزمهم أولا بالمقدمات العقلية، وثانيا بعدم ما يدل على صحة قولهم نقلا، ثم ينبغي أن يعلم أن ما نقله (عليه السلام) من الآية نقل بالمعني وإلا فالآية هكذا * (إيتوني بكتاب) *. * الأصل: 5 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن أبي عبيدة قال: سأل أبا عبد الله (عليه السلام) بعض أصحابنا عن الجفر فقال: هو جلد ثور مملوء علما، قال له: فالجامعة ؟ قال: تلك صحيفه طولها سبعون ذراعا في عرض الأديم مثل فخذ الفالج، فيها كل ما يحتاج الناس إليه، وليس من قضية إلا وهي فيها حتى أرش الخدش، قال: فمصحف فاطمة (عليها السلام) ؟ قال: فسكت طويلا، ثم قال: إنكم لتبحثون عما تريدون وعما لا تريدون إن فاطمة مكثت بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) خمسة وسبعين يوما وكان دخلها حزن شديد على أبيها وكان جبرئيل (عليه السلام) يأتيها فيحسن عزاءها على أبيها، ويطيب نفسها، ويخبرها عن أبيها ومكانه، ويخبرها بما يكون بعدها في ذريتها، وكان علي (عليه السلام) يكتب ذلك، فهذا مصحف فاطمة (عليه السلام). * الشرح: (هو جلد ثور مملوء علما) ليس فيه دلالة على أن العلم مكتوب في الجلد لاحتمال أن يكون مكتوبا في صحيفة مخفوظة فيه. قوله (في عرض الأديم مثل فخذ الفالج) الأديم: الجلد المدبوغ، وليس فيه دلالة على أن الجامعة أديم بل على أنها في عرضه. والفالج بالفاء والجيم أخيرا: الجمل الضخم ذو السنامين يحمل من السند للفحلة. قوله (قال: فمصحف فاطمة (عليها السلام) أي قال: ففسر لنا مصحف فاطمة (عليها السلام) كما فسرت لنا الجامعة أو قال: فمصحف فاطمة (عليها السلام) ما هو ؟ فسكت (عليها السلام) سكوتا طويلا يشاور نفسه المقدسة هل يجيبه أم لا، ثم رجح جانب الجواب لئلا يعود إلى السائل غضاضة بتركه فأجابه بعد لومه بقوله إنكم لتبحثون

[ 342 ]

عما تريدون وعما لا تريدون، أي عما تريدون لاحتياجكم إلى معرفته وعمالاتريدون لعدم احتياجكم إلى معرفته، وفيه إرشاد للمتعلم إلى أن يكف نفسه عن السؤال عما لا يتعلق الغرض بمعرفته. * الأصل: 6 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن صالح بن سعيد، عن أحمد بن أبي بشر، عن بكربن كرب الصيرفي قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن عندنا مالا نحتاج معه إلى الناس وإن الناس ليحتاجون إلينا وإن عندنا كتابا إملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخط علي (عليه السلام)، صحيفة فيها كل حلال وحرام وإنكم لتأتونا بالأمر، فنعرف إذا أخذتم به ونعرف إذا تركتموه. * الشرح: قوله (وإنكم لتأتون بالأمر) في بعض النسخ " لتأتونا بالأمر " بضمير المتكلم مع الغير والمراد بالأمر الأمر من الأمور الشرعية والحكم من الأحكام الدينية وفيه إشارة إلى أنهم (عليه السلام) عالمون بأفعالنا الكلية والجزئية تفصيلا. قوله (بمحمد بن عبد الله) هو محمد بن عبد الله بن الحسن الملقب بالنفس الزكية الذي خرج على المنصور الدوانيقي ثاني خلفاء بني عباس. * الأصل: 7 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن اذينة، عن فضيل ابن يسار، وبريد بن معاوية، وزرارة، أن عبد الملك بن أعين قال لأبي عبد الله (عليه السلام): إن الزيدية والمعتزلة قد أطافوا بمحمد بن عبد الله فهل له سلطان ؟ فقال: والله عندي لكتابين فيهما تسمية كل نبي وكل ملك يملك الأرض، لا والله ما محمد بن عبد الله في واحد منهما. * الشرح: قوله (إن عندي لكتابين) لعلهما الجفر ومصحف فاطمة (عليها السلام). قوله (قبيل) بالتصغير وفي بعض النسخ قبل بالتكبير وقرب زمان النظر في الأول أكثر. * الأصل: 8 - محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن عبد الصمد بن بشير، عن فضيل بن سكرة، قال: دخلت على أبي عبد الله فقال: يا فضيل أتدري في أي شئ كنت أنظر قبيل ؟ قال: قلت: لا قال: كنت أنظر في كتاب فاطمة (عليها السلام)، ليس من ملك يملك [ الأرض ] إلا وهو مكتوب فيه باسمه واسم أبيه وما وجدت لولد الحسن فيه شيئا.

[ 343 ]

* الشرح: قوله (ليس من ملك يملك) فائدة الوصف أمران: أحدهما: الإشارة إلى أن بني الحسن وغيرهم من مدعي الملك مكتوب فيه لامن حيث أنهم يملكون بل من حيث أنهم يخرجون فيقتلون أو يذلون، وثانيهما: الإشارة إلى زيادة التعميم وشمول كل ملك من شرق الأرض وغربها إلى قيام الساعة كما في قوله تعالى * (ولا طائر يطير بجناحيه) *. قوله (وما وجدت لولد الحسن فيه شيئا) هذا قدح عظيم لمن اشتهر من ولد الحسن بالملك من غرب الأرض وغيره وقد تكلم أصحاب السير في نسبهم أيضا وحمل ولد الحسن على ولده الموجودين في عصره (عليه السلام) بعيد جدا.

[ 344 ]

باب في شأن إنا أنزلناه في ليلة القدر وتفسيرها * الأصل: 1 - محمد بن أبي عبد الله ومحمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، ومحمد بن يحيى، عن أحمد ابن محمد جميعا، عن الحسن بن العباس بن الحريش (1) عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام) قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): بينا أبي (عليه السلام) يطوف بالكعبة إذا رجل معتجر قد قيض له فقطع عليه اسبوعه حتى أدخله إلى دار جنب الصفا فأرسل إلي فكنا ثلاثة فقال: مرحبا يا ابن رسول الله ثم وضع يده على رأسي وقال: بارك الله فيك يا أمين الله بعد آبائه. يا أبا جعفر إن شئت فأخبرني وإن شئت فأخبرتك وإن شئت سلني وإن شئت سألتك، وإن شئت فاصدقني وإن شئت صدقتك ؟ قال: كل ذلك أشاء قال: فاياك أن ينطق لسانك عند مسألتي بأمر تضمر لي غيره قال: إنما يفعل ذلك من في قلبه علمان يخالف أحدهما صاحبه وإن الله عزوجل أبى أن يكون له علم فيه اختلاف قال: هذه مسألتي وقد فسرت طرفا منها، أخبرني عن هذا العلم الذي ليس فيه اختلاف من يعلمه ؟ قال: أما جملة العلم فعند الله جل ذكره وأما ما لابد للعباد منه فعند الأوصياء قال: ففتح الرجل عجرته واستوى جالسا وتهلل وجهه وقال: هذه أردت ولها أتيت، زعمت أن علم مالا اختلاف فيه من العلم عند الأوصياء فكيف يعلمونه ؟ قال: كما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعلمه إلا أنهم لا يرون ما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يرى. لأنه كان نبيا وهم محدثون وإنه كان يفد إلى الله عزوجل فيسمع الوحي وهم لا يسمعون فقال: صدقت يا ابن رسول الله ! سأتيك بمسألة صعبة، أخبرني عن هذا العلم ما له لا يظهر كما كان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ قال: فضحك أبي (عليه السلام) وقال: أبى الله عزوجل أن يطلع على علمه إلا ممتحنا للإيمان به كما قضى على رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يصبر على أذى قومه ولا يجاهدهم إلا بأمره، فكم من اكتتام قد اكتتم به حتى قيل له: * (اصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين) * وأيم الله أن لوصدع قبل ذلك لكان آمنا ولكنه إنما نظر في الطاعة وخاف الخلاف فلذلك كف، فوددت أن عينك تكون مع مهدي هذه الامة و الملائكة بسيوف آل داود بين السماء والأرض تعذب أرواح الكفرة من الأموات وتلحق بهم أرواح أشباههم من الأحياء ثم أخرج سيفا ثم قال: ها إن هذا منها، قال: فقال: أبي إي والذي اصطفى


1 - هذا الرجل ضعيف جدا والحديث فاسد الألفاظ تشهد مخائله على أنه موضوع. (صه) (*)

[ 345 ]

محمدا على البشر، قال: فرد الرجل اعتجاره وقال: أنا إلياس ما سألتك عن أمرك وبي منه جهالة غير أني أحببت أن يكون هذا الحديث قوة لأصحابك وساخبرك بآية أنت تعرفها إن خاصموا بها فلجوا. قال: فقال له أبي (عليه السلام): إن شئت أخبرتك بها، قال: قد شئت، قال: إن شيعتنا إن قالوا لأهل الخلاف لنا: إن الله عز وجل: بقول لرسوله (صلى الله عليه وآله): إنا أنزلناه في ليلة القدر - إلى آخرها - فهل كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعلم من العلم شيئا لا يعلمه في تلك الليلة أو يأتيه به جبرئيل (عليه السلام) في غيرها ؟ فانهم سيقولون: لا، فقل لهم: فهل كان لما علم بد من أن يظهر ؟ فيقولون: لا، فقل لهم: فهل كان لما علم بد من أن يظهر ؟ فيقولون: لا، فقل لهم: فهل كان فيما أظهر رسول الله (صلى الله عليه وآله) من علم الله عز ذكره اختلاف ؟ فإن قالوا: لا، فقل لهم: فمن حكم بحكم الله فيه اختلاف فهل خالف رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيقولون: نعم - فان قالوا: لا، فقد نقضوا أول كلامهم - فقل لهم: ما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم، فإن قالوا: من الراسخون في العلم ؟ فقل: من لا يختلف في علمه، فإن قالوا: فمن هو ذاك ؟ فقل: كأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) صاحب ذلك، فهل بلغ أو لا ؟ فإن قالوا: قد بلغ فقل: فهل مات (صلى الله عليه وآله) والخليفة من بعده يعلم علما ليس فيه اختلاف ؟ فإن قالوا: لا، فقل: إن خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) مؤيد ولا يستخلف رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا من يحكم بحكمه وإلا من يكون مثله إلا النبوة وإن كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يستخلف في علمه أحدا فقد ضيع من في أصلاب الرجال ممن يكون بعده فإن قالوا لك: فإن علم رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان من القرآن فقل: * (حم والكتاب المبين * أنا انزلناه في ليلة مباركة [ إنا كنا منذرين * فيها ] إلى قوله: إنا كنا مرسلين) * فإن قالوا لك: لا يرسل الله عز وجل إلا إلى نبي فقل: هذا الأمر الحكيم الذي يفرق فيه هو من الملائكة والروح التي تنزل من سماء إلى سماء أو من سماء إلى أرض ؟ فإن قالوا من سماء إلى سماء فليس في للسماء أحد يرجع من طاعة إلى معصية، فإن قالوا من سماء إلى أرض وأهل الأرض أحوج الخلق إلى ذلك فقل: فهل لهم بد من سيد يتحاكمون إليه ؟ فان قالوا: فان الخليفة هو حكمهم. فقل: * (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور - إلى قوله -: خالدون) * لعمري ما في الأرض ولا في السماء ولي لله عز ذكره إلا وهو مؤيد ومن أيد لم يخط وما في الأرض عدو لله عز ذكره إلا وهو مخذول ومن خذل لم يصب، كما أن الأمر لابد من تنزيله من السماء يحكم به أهل الأرض كذلك لابد من وال، فإن قالوا: لا نعرف هذا فقل: [ لهم ] قولوا ما أحببتم، أبى الله عز وجل بعد محمد (صلى الله عليه وآله) أن يترك العباد ولا حجة عليهم، قال أبو عبد الله (عليه السلام): ثم وقف فقال: ههنا يا ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) باب غامض أرأيت إن قالوا: حجة الله القرآن ؟ قال:

[ 346 ]

إذن أقول لهم: إن القرآن ليس بناطق يأمر وينهى ولكن للقرآن أهل يأمرون وينهون وأقول قد عرضت لبعض أهل الأرض مصيبة ماهي في السنة والحكم الذي ليس فيه اختلاف وليست في القرآن أبى الله لعلمه بتلك الفتنة أن تظهر في الأرض وليس في حكمه راد لها ومفرج عن أهلها فقال: ههنا تفلجون يا ابن رسول الله أشهد أن الله عز ذكره قد علم بما يصيب الخلق من مصيبة في الأرض أو في أنفسهم من الدين أو غيره فوضع القرآن دليلا، قال: فقال الرجل: هل تدري يا ابن رسول الله دليل ما هو ؟ قال أبو جعفر (عليه السلام)، نعم فيه جمل الحدود وتفسيرها عند الحكم، فقال: أبى الله أن يصيب عبدا بمصيبة في دينه أو في نفسه أو [ في ] ماله ليس في أرضه من حكمه قاض بالصواب في تلك المصيبة قال: فقال الرجل: أما في هذا الباب فقد فلجتهم بحجة إلا أن يفتري خصمكم على الله فيقول: ليس لله جل ذكره حجة. ولكن أخبرني عن تفسير * (لكيلا تأسوا على ما فاتكم) * ؟ مما خص به علي * (ولا تفرحوا بما آتاكم) * قال: في أبي فلان وأصحابه واحدة مقدمة وواحدة مؤخرة * (لا تأسوا على ما فاتكم) * مما خص به علي (عليه السلام) * (ولا تفرحوا بما آتاكم) * من الفتنة التي عرضت لكم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال الرجل: أشهد أنكم أصحاب الحكم الذي لا اختلاف فيه ثم قام الرجل وذهب فلم أره. * الشرح: قوله (إذا رجل معجر) في النهاية الاعتجار هو أن يلف العمامة على رأسه ويرد طرفها على وجهه ولا يعمل منها شيئا تحت ذقنه ومنه حديث الحجاج دخل مكعة معتجرا بعمامة سوداء، وفي المغرب الاعتجار الاعتمام وأما الاعتجار المنهي عنه في الصلاة فهولي العمامة على الرأس من غير إدارة تحت الحنك عن الأزهري وتفسير من قال هو أن يلف العمامة على رأسه ويبدي الهامة أقرب لأنه مأخوذ من معجر المرأة وهو ثوب كالعصابة تلفه المرأة على استدارة رأسها في الأجناس عن محمد المعتجر المتنقب بعمامته وقد غطى أنفه. قوله (قد قيض له) على صيغة المجهول من باب التفعيل يقال: قيض الله فلانا لفلان أي جاءه به وأتاحه له، يعني قدره له، ومنه قوله تعالى * (وقيضنا لهم قرناء) * أي قدرنا وسببنا لهم من حيث لا يحتسبونه. قوله (مرحبا) أي لقيت رحبا وسعة، وقيل: معناه رحب الله بك مرحبا فجعل المرحب موضع الترحيب. وقيل أتيت سعة. قوله (بارك الله فيك) أي زاد الله فيك خيرا أو ثبتك فيه.

[ 347 ]

قوله (إن شئت فأخبرني) خيره بين ثلاثة أمور الأول الإخبار وهو إفادة المخاطب، والثاني المسألة وهي استفادة ما عنده، والثالث الصدق أو تصديق المتكلم وعده صادقا وهو يناسب الأولين جميعا لأنه يناسب الإخبار والجواب كليهما وهذا من جملة الآداب في التخاطب والمناظرة. قوله (فإياك أن ينطق لسانك عند مسألتي بأمر تضمير لي غيره) إضافة المسألة إلى الفاعل أو المفعول والباء متعلق بينطبق والاضمار التغيب والإخفاء ومنه أضمر في قلبه شيئا كما صرح في المغرب وكأنه حذره من أن ينطق بغير ما يضمر في قلبه وأمره بأن يكون لسانه مطابقا لما في قلبه غير مخالف له كما هو شأن أصحاب المناظرة والجدل، أو أمره بأن ينطق بما يفيد اليقين دون الاحتمال أو الظاهر فأجاب (عليه السلام) بأن ذلك شأن من كان في قلبه علمان يخالف أحدهما الآخر وأما من كان في قلبه علم واحد لا اختلاف فيه فلسانه مطابق لقلبه وما ينطق به يفيد اليقين الذي لا يحتمل غيره. قوله (أما جملة العلم فعند الله تعالى) المراد بجملة العلم كله. قوله (ففتح الرجل عجرته) قال الجوهري العجرة بالكسر نوع من العمة. هكذا في بعض النسخ وفي أكثر عجيزته بالباء بعد الجيم والزاي المعجمة بعد الياء والعجز مؤخر الشئ يذكر ويؤنث وهو للرجل والمرأة جميعا والجمع الأعجاز، والعجيزة للمرأة خاصة كذا في الصحاح قال ابن الأثير: في حديث البراء إنه رفع عجيزته في السجود العجيزة العجز وهي للمرأة خاصة فاستعارها للرجل. قوله (وتهلل وجهه) في الصراح تهلل درخشيدن برق وروى از شادى. قوله (زعمت) الزعم مثلثة قد يطلق على القول الحق وإن كان إطلاقه على الباطل والكذب وما يشك فيه أكثر. قوله (فكيف يعلمونه) سأل عن كيفية حصوله وطريق تعلمه فأجاب بأنهم سمعوه من الملائكة مثل النبي (صلى الله عليه وآله) إلا أنه كان يراهم وهم لا يرونه للفرق بين النبي والمحدث ولعل المقصود أن لهم علوما من هذا الطريق لا أن كل علومهم منه وإلا فجل علومهم من النبي (صلى الله عليه وآله). قوله (وانه كان يفد) وفد إليه وعليه قدم وورد، وهذا فرق آخر بينهم وبين النبي (صلى الله عليه وآله) بأنهم لا يسمعون الوحي بلا واسطة من الله تعالى وهو يسمعه. قوله (أخبرني عن هذا العلم) سأل عن سبب عدم ظهور هذا العلم الذي لا اختلاف فيه مع الأصياء حتى لا يوجد في الدين اختلاف ويرجع إليهم الناس كلهم كما كان يظة ر مع رسول الله (صلى الله عليه وآله).

[ 348 ]

قوله (فضحك أبي (صلى الله عليه وآله)) سبب الضحك أمران أحدهما أنه جعل هذه المسألة صعبة وليست كذلك والآخر أنه سأله للامتحان والاختبار بحسب الظاهر تجاهلا عن حاله (عليه السلام) مع علمه (عليه السلام) بأنه عارف بحاله. قوله (وقال أبى الله عز وجل أن يطلع على علمه إلا ممتحنا للإيمان به) حاصل الجواب أن ظهور هذا العلم مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) دائما في محل المنع فإنه كان مدة في أول البعثة مأمورا بستره واكتتامه إلا عن أهله وهو الممتحن للإيمان حتى أمر بالإعلان والإطهار على الناس كلهم وكذلك الأوصياء مأمورون بستره واكتتامه إلا عن أهله حتى يؤمروا بإعلانه وإظهاره وحتى يأتي إبان أجله الدي يظهر فيه الدين الحق على كافة الناس وهو زمان مهدي هذه الامة. قوله (فكم من أكتتام قد اكتتم به) المصدر بمعنى المفعول وكم خبرية لبيان الكثرة وضمير المجرور راجع إلى الاكتتام أو إلى الأمر ويرجح الثاني بأن الاكتتام يتعدى بنفسه يقال أكتتمت الشئ فهو مكتتم إذا اريد المبالغة في الكتمان يعني أنه (صلى الله عليه وآله) قد ستر كثيرا من الامور المستورة والأسرار الخفية عن غير أهلها حتى قيل له * (أصدع بما تومر) * أي تكلم به جهارا * (وأعرض عن المشركين) * ولا تلتفت إلى ما يقولون من الاستهزاء وغيره. قوله (وأيم الله) أي وأيم الله قسمي وهو لفظ وضع للقسم، لو صدع بالحق وتكلم به جهارا قبل ذلك لكان آمنا في نفسه وأهله ولكنه إنما نظر في طاعة الرب وخاف خلافه أو خلاف الامة وعدم تأثير الصدع فيهم فلذلك كف عن الإجهار ولذلك يسقط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند فوات التأثير والعلم بعدمه كما يسقط عند خوف النفس، وبالجملة إذا سقط الإعلان والإجهار عن النبي مع عدم خوف النفس، وبالجملة إذا سقط الإعلان والإجهار عن النبي مع عدم خوف النفس لمصلحة أخرى سقط عن الوصي مع خوف النفس بطريق أولى. قوله (فوددت أن عينك) أشار إلى أن الوصي الذي يظهر معه هذا العلم الذي لا اختلاف فيه بأمر الله تعالى مهدي هذه الأمة الذي ينصره الله تعالى بالملائكة وزمانه زمان ظهور دين الحق على الأديان كلها ولو كره المشركون. قوله (ثم أخرج سيفا ثم قال: ها) " ها " حرف التنبيه أو بمعنى خذوقد تمد أي ثم أخرج ذلك الرل سيفا من غمده ثم قال: ها إن هذا السيف من سيوف آل داود والمراد بها إما الحقيقة أو تشبيها بسيوف آل داود في جريانها على الأعداء والاستيلاء على أهل العالم كما استولى سليمان (عليه السلام). قوله (غير أني أحببت أن يكون هذا الحديث قوة لأصحابك) في مناظرة الخصم حيث يقولون: لو كان للنبي وصي عالم بعلومه كلها لوجب عليه أن يظهر على الخلق إمامته وعلمه حتى لا يختلف

[ 349 ]

أحد، وحيث لم يظهر علم أنه لا وصي ولا عالم بعلومه كلها والجواب ما أشار إليه (عليه السلام) من أن الاظهار إنما يجب لو لم يكن مأمورا بإخفائه وأما مع الأمر به فلا كما لم يظهر لنبي. وبالجملة وجوب الإظهار دائر مع الأمر به فعند انتفاعه لا يجب. قوله (فلجوا) الفالج الغالب وقد فلج أصحابه وعلى أصحابه إذا غلبهم والاسم الفلج باضم. قوله (قال إن شيعتنا إن قالوا لأهل الخلاف لنا) حاصل هذا القول إلزامهم بأنهم مخالفون لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في العلم والأحكام وإن في الامة من لا يخالفه وهو وصيه وصاحب علومه وأسراره وبناء الإلزام على مقدمات كلها مسلمة عندهم، الأول أنه (صلى الله عليه وآله) عالم بجميع الأشياء والثانية أنه وجب عليه إظهار علومه والثالثة أنه لا اختلاف في علمه وحكمه، والرابعة أن كل من حكم بحكم كان فيه اختلاف فقد خالفه، ومن هذه المقدمات ظهر أنهم مخالفون له في العلم والحكم إذ في علمهم وحكمهم اختلاف إلا أن يقولوا في المقدمة الرابعة إن كل من حكم بحكم فيه اختلاف غير مخالف له فيلزمهم أن هذا القول مناقض للمقدمة الثالثة المسلمة عندهم بالضرورة إذ عدم مخالفتهم له مع تحقق الاختلاف في علمهم وحكمهم إنما يتحقق إذا تحقق الاختلاف في علمه وحكمه أيضا وهذا مما لم يقولوا به. قوله (لا يعلمه في تلك الليلة أو يأتيه به جبرئيل في غيرها) الظرف متعلق بالمنفي وقوله أو يأتيه عطف عليه. قوله (فإنهم سيقولون لا) لاعترافهم بأنه علم كل شئ في تلك الليلة لقوله تعالى: * (تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر) * أو أتاه جبرئيل في غيرها وبالجملة اعترفوا بأنه لم يمت حتى علم كل شئ. قوله (فهل كان لما علم بد) من أن يظهر أي فراق من إظهاره وقولهم: لابد من كذا معناه لا فراق منه. (فيقولون: لا) أي فيقولون: لابد من إظهار علمه لأنه الغرض منه. قوله (فيقولون: نعم) ويلزمهم من ذلك أنهم مخالفون لرسول الله (صلى الله عليه وآله) لوقوع الاختلاف في حكمهم. قوله (فإن قالوا: لا فقد نقضوا أول كلامهم) أي فإن قالوا: من حكم بحكم فيه اختلاف لم يخالف رسول الله فقد نقضوا أول كلامهم حيث قالوا: لا اختلاف فيما أظهر رسول الله من علم الله تعالى لأن عدم التخالف يقتضي أن يكون في حكمه أيضا اختلاف. قوله (فقل لهم) الفاء جزاء آخر للشرط أي فإن قالوا: لا، فقل لهم لابطال قولهم هذا بعد التناقض في كلامهم بالدليل الدال على أن خليفة الرسول مثله في جميع الصفات إلا النبوة فيجب أن يوافق

[ 350 ]

قوله قوله وحكمه حكمه ولا يخالفه في أمر من الامور فمن خالفه ليس خليفة له. قوله (فهل بلغ أو لا) أي فهل بلغ الرسول ذلك العلم الذي لا اختلاف فيه إلى أحد أو لا، فإن قالوا: لا فقل الخ أي فإن قالوا: لا يلزم أن يعلم الخليفة من بعده علما ليس فيه اختلاف فقل: إن هذا القول باطل بالضرورة لأن خليفة الرسول مؤيد مثله ولا يستخلف الرسول إلا من يحكم بحكمه ويكون مثله في جميع الصفات إلا النبوة إذ الغرض من خلافته هو إقامة دينه وعلمه وإجراء حكمه على امته ولو جاءت المخالفة بطلت الخلافة والغرض منها بالضرورة. قوله (وإن كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يستخلف في علمه أحدا - الخ) أشار بذلك إلى إبطال احتمال آخر مقابل للاحتمال الأول وهو قوله: فإن قالوا: قد بلغ يعني إن قالوا: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يبلغ علمه ولم يستخلف في علمه أحدا فيرد عليهم أنه قد ضيع من في أصلاب الرجال فمن يكون بعده إلى يوم القيامة لأن تمسكهم بشريعته موقوف على وجود حاكم عالم بعلمه ينوب منابه في إجراء أحكامه وحدوده وغيرها فلو لم يستخلفه فقد ضيعهم. قوله (فإن قالوا لك) إشارة إلى ما توهموا من منع مضمون الشرطية المذكورة وهو أن عدم تبليغ علمه وعدم استخلاف أحد فيه موجب لتضييع من في أصلاب الرجال لأن علمه (صلى الله عليه وآله) كان من القرآن والقرآن تبيان كل شئ وهو معمول بين الناس فلا يلزم من عدم تبليغ علمه إلى أحد من الامة وعدم استخلافه فيه ما ذكر، وقوله (عليه السلام) " فقل حم إلى آخره " إشارة إلى دليل آخر دال على وجوب وجود خليفة له عالم بعلمه حاكم بين خلقه وإنما أعرض عن جواب المنع لكونه في غاية الضعف مع أنه سيشير إليه والمراد بالكتاب المبين القرآن وبالليلة المباركة ليلة القدر، وبإنزاله فيها ابتداء إنزاله أو إنزال كله فيها إلى السماء الدنيا ثم إنزاله نجوما، إلى الأرض، وبالأمر الحكيم الأمر المحكم المشتمل على الحكمة وبالإرسال إرسال الملائكة في ليلة القدر ما دامت الدنيا إلى من يتولى امور الخلق ويحكم بينهم بالعدل. قوله (فإن قالوا لك) منعوا إرسال الملائكة إلى غير نبي وبناء هذا المنع على أحد امور ثلاثة: الأول اختصاص وجود ليلة القدر بعصر النبي وزواله بعده، الثاني وجودها بعده أيضا واختصاص نزول الملائكة إلى النبي وهو حي. الثالث كذلك واستمرار نزولهم إليه وهو ميت، ولما كان كل هذه الامور خلاف إجماع الامة إلا من لا يعتد به كما صرح به جماعة من علماء العامة أيضا وستعرفه لم يتعرض (عليه السلام) في الجواب لدفع ذلك بل أجاب بأنه إذا نزلت الملائكة في ليلة القدر بعده (صلى الله عليه وآله) من كل أمر حكيم بحكم الآية الكريمة نزلت إلى أهل الأرض قطعا لأن أهل السماء لا يحتاجون إلى الزجر والنهي إذ أحد منهم لا يرجع إلى معصية الرب حتى يحتاج إلى الزجر عنها وإذا نزلت إلى أهل

[ 351 ]

الأرض وجب أن يكون هناك منزل إليه وهو إما حاكم الجور أو حاكم العدل والأول باطل لأن الجائر معزول عن الحكم بالضرورة ولقوله تعالى: * (والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت) * أي التابع للهوى النفسانية والوساوس الشيطانية فهو لا يصلح أن يكون وليا للمؤمنين وموردا للملائكة ومتكفلا لأمر الخلق بالأمر والنهي فتعين الثاني وهو المطلوب. قوله (هو من الملائكة والروح) الضمير راجع إلى الأمر الحكيم أي الأمر المحكم المتقن المتضمن للحكم والمصالح. والجملة خبر بمعنى الاستفهام. قوله (وأهل الأرض أحوج الخلق) الواو إما للعطف على قوله من سماء أو للحال. قوله (فإن قالوا فإن الخليفة هو حكمهم) الحكم بالتحريك هو الحاكم والمراد بالخليفة سلطان العصر وخلفاء الجور، وهذا القول مشعر بأن أهل الخلاف أيضا قائلون باستمرار حكم ليلة القدر وقد صرح به جماعة من علمائهم وادعوا الإجماع عليه فما ذكروه أولا من أن الله تعالى لا يرسل إلا إلى نبي كان مكابرة. قوله (فقل الله ولي الذين آمنوا) ملخص الجواب أن ولي المؤمنين وجب أن يكون متصفا بإخراجهم من ظلمات الجهل إلى العلم وولي الكافرين والفاسقين عكس ذلك فكيف يكون ولي الكافرين والفاسقين ولي المؤمنين وتنزل إليه الملائكة وتجعله واليا لأمرهم ونهيهم. قوله (ومن خذل لم يصب) فكيف يجعل من يخطأ ولا يصيب وليا للمؤمنين. قوله (كما أن الأمر لابد) دفع بذلك توهم أن الملائكة تنزل لا إلى أحد. قوله (قولوا ما أحببتم) دل على أن قولهم لا نعرف هذا محض المحبة النفسانية والهوى الشيطانية من غير أن يكون له أصل يستند إليه ومأخذ يعتمد عليه. قوله (أبى الله أن يترك بعد محمد العباد ولا حجة عليهم) وإنما أبى ذلك لئلا يكون للناس على الله حجة يوم القيامة ولئلا يبطل الغرض من إيجادهم، وحجته تعالى عليهم يجب أن يكون من أهل العصمة والطهارة ليتم الوثوق بقوله وفعله وأمره ونهيه ووعده ووعيده. قوله (ثم وقف) لعل المراد بالوقوف القيام لتعظيمه (عليه السلام) ورعاية الأدب والغامض من الكلام خلاف الواضح وهذا اعتراض على قوله (عليه السلام) " أبى الله أن يترك بعد محمد العباد ولا حجة عليهم " فكأنه قال: هذا حق ولكن الحجة هو القرآن فلا يتم المطلوب. قوله (فال إذن أقول) حاصله: أن القرآن ليس بحجة إلا بناطق مؤيد يعلم ظاهر القرآن وباطنه وباطن باطنه ويتمر وينهى بالحق ولذلك ترى كل واحدة من الفرق المختلفة يتمسك بالقرآن وتخاصم به الاخرى وتحمله على المقاصد الباطلة فعلم من ذلك أن القرآن ليس بحجة مستقلة.

[ 352 ]

قوله (وأقول قد عرضت) عطف على أقول ووجه آخر لدفع الاعتراض المذكور. قوله (ما هي في السنة) المراد بعدم كون حكم تلك المصيبة في السنة والقرآن عدم كونه فيهما بحسب علم الناس وعقولهم القاصرة فلا ينافي ما تقرر من أن كل شئ فيهما. قوله (والحكم الذي ليس فيه اختلاف) تفسير للسنة واحتراز عن السنة المستندة إلى الرأي والقياس فإنها لا اعتداد بها لاختلاف آراء الناس وقياساتهم. قوله (وليس في حكمه راد لها) الحكم إما بالتحريك أو بضم الحاء وسكون الكاف والضمير راجع إلى الله. قوله (فوضع القرآن دليلا) أي دليلا عليها وعلى حكمها وهذا يؤيد ما قلنا في تفسير أنها ليست في القرآن من أنها ليست فيها بحسب عقولهم. قوله (دليل ما هو) سأل عن كيفية دلالة القرآن عليها إما بالإجمال أو التفصيل فأجاب (عليه السلام) بأن فيه جمل الحدود وتفسيرها عند الحاكم العالم بمعانيه وأراد بالجمل مقابل التفصيل ويحتمل أن يراد بها الجميع (1).


1 اعلم أن جميع ما روى في باب شأن انا أنزلناه في ليلة القدر وتفسيرها منقول من الحسن بن العباس بن حريش الرازي أبي علي. قال النجاشي: روى عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام) ضعيف جدا، له كتاب انا أنزلناه في ليلة القدر وهو كتاب ردئ الحديث مضطرب الألفاظ انتهى. ونحوه حكى العلامة عن ابن الغضائري وزاد مخائله تشهد على أنه موضوع وهذا الرجل لا يلتفت إليه ولا يكتب حديثه. أقول: ليس ما يعقل ويفهم من الدليل الذي نسبه إلى الياس النبي (عليه السلام) غير ما سبق في صدر كتاب الحجة من وجود إمام في كل عهد يزيل الشكوك والأوهام ويبين الأحكام لعدم اشتمال الكتاب والسنة ظاهرا على جميع ما يحتاج إليه الناس كما سبق في محاجة هشام بن الحكم مع عمرو بن عبيد والرجل الشامي والذي يزيد في هذا الخبر ذكر انا أنزلناه في ليلة القدر فإن قوله تعالى: * (تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم) * يدل بزعم الراوي على تنزيل الوحي في الأحكام والشرائع وحوائج الناس في امور دينهم في كل سنة ولابد أن يكون في كل زمان إمام ينزل إليه الوحي أو الإلهام ليكمل به الدين وهذا من المعصوم بعيد لأن الغرض إن كان المحاجة به على الخصم فظاهر ان قوله * (تنزل الملائكة والروح) * لا يدل على ان ما تنزل به من الأحكام وتفاصيل = (*)

[ 353 ]

قوله (ولكن أخبرني عن تفسير لكيلا تأسوا) الغرض من هذا الاستخبار اختبار حاله (عليه السلام) في العلم بتفسير المتشابه بحسب الظاهر وإظهار علمه به بحسب الحقيقة حيث جعل الخطاب الثاني لغير من له الخطاب الأول وإن كان الظاهر المتبادر أنهما لطائفة واحدة كما زعمه غيره. قوله (مما خص به علي (عليه السلام)) من الخلافة والرئاسة وهذا من كلام إلياس (عليه السلام) لبيان أن الخطاب مع أهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم يعني لا تحزنوا على الخلافة التي فاتت عنكم بسبب تغلب الظالمين لا من تتمة القرآن. قوله (* (ولا تفرحوا بما آتاكم) * قال: في أبي فلان وأصحابه) يعني أن لا تفرحوا وارد في ذم أبي بكر وأصحابه وخطاب معهم أي لا تفرحوا أيها الظالمون المتغلبون بالرئاسة التي آتاكم الله إياها بسبب تغلبكم على العالم الرباني ولما كان هنا مظنة أن يقال: إن هذا التفسير غير مناسب لسوق الكلام وموجب لتفكيك النظم إذ اتصال الآيتين يوجب إرجاع الخطاب في الموضعين إلى طائفة واحدة أجاب عنه بقوله واحدة مقدمة وواحدة مؤخرة يعني أن إحدى الآيتين في النزول والاخرى مؤخرة فيه ووقع الاتصال بينهما في عهد عثمان عند أمره بجمع القرآن لا أنهما نزلتا معا حتى يرد أن رجوع الخطاب الثاني إلى غير ما رجع إليه الخطاب الأول باطل. تم المجلد الخامس ويليه في المجلد السادس الخبر الثاني من باب شأن إنا أنزلناه، إن شاء الله تعالى.


= الشريعة وإن كان هذا تفسيرا من المعصوم فلا يكفي في المحاجة مع من لا يعترف بوجود إمام معصوم في كل زمان. (ش) (*)

[ 354 ]

فهرس الآيات (إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت يوسف: 4... 105 (إلا امرأته قدرناها من الغابرين النمل: 57... 3 (الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن الاعراف: 43... 17 (الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون - إلى قوله - اولئك يؤتون أجرهم مرتين بما القصص: 52 - 54... 179 (الذين يتبعون الرسول النبي الامي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن الاعراف: 157... 178 (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا المائدة: 3... 193 - 196 (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن الاحزاب: 72... 140 (إنا كل شئ خلقناه بقدر القمر: 49... 3 (إنا كنا عن هذا غافلين). الاعراف: 172... 123 (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم جنات تجري من تحتها الأنهار يونس: 9... 65 (إن الله يحول بين المرء وقلبه الانفال: 24... 65 (إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا) الانسان: 3... 52 (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله آل عمران: 68... 193 - 112 - 202 (إن رحمة الله قريب من المحسنين الاعراف: 56... 157 (إنما أنت منذر ولكل قوم هادالرعد: 7... 167 - 168 (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) المائدة: 55.... 153 - 196 (إنما يتقبل الله من المتقين المائدة: 27... 134 (إنما يخشى الله من عباده العلماء). فاطر: 28... 130 (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا الاحزاب: 33... 166 (إني جاعلك للناس إماما ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين البقرة: 124... 112 - 193

[ 355 ]

(أتريدون أن تهدوا من أضل الله النساء: 88... 65 (اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم يوسف: 55... 185 (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولي الأمر منكم النساء: 59... 150 (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين يوسف: 99... 71 (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه هود: 17... 164 (أم حسب الذين... 10 (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله). النساء: 54... 152 (أولم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد فصلت: 53... 83 - 160 (أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس الانعام: 122... 148 (ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد الحج: 10... 34 (رب بما أغويتني لازينن لهم في الأرض ولاغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين الحجر: 39... 18 (ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين المؤمنون: 106... 18 (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما النور: 37... 135 (سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا) البقرة: 32... 52 (وما كان الله ليضل قوما بعد إذالتوبة: 115... 52 (فاصبر كما صبر اولو العزم من الرسل الاحقاف: 35... 113 (فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا) المرسلات: 5... 190 (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور الحج: 46... 135 (فكيف إذا جئنا من كل امة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا النساء: 41... 162 (فكيف كان عذابي ونذر القمر: 21... 138 (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما). النساء: 65... 131 (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام الانعام: 125... 71 (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون الكهف: 103... 141

[ 356 ]

(لا يكلف الله نفسا إلا وسعها البقرة: 286... 37 - 54 (لا ينال عهدي الظالمين)، البقرة: 124... 108 - 111 - 193 - 203 (لو أن لي كرة فأكون من المحسنين الزمر: 58... 25 (لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم الزخرف: 31... 35 (ليبلوكم أيكم أحسن عملاهود: 7... 16 (ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا النجم: 31... 10 (ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج التوبة: 91... 62 - 66 (ويكون الرسول عليكم شهيدا البقرة: 143... 165 (ليكون الرسول شهيدا عليكم الحج: 78... 165 (ما فرطنا في الكتاب من شئ الانعام: 38... 193 - 194 (مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح ابراهيم: 18... 144 (مثل نوره.. الزجاجة كأنها كوكب دري النور: 35... 180 (من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون * ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون) النمل: 89... 149 (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها الانعام: 160... 12 (من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا). النساء: 80... 150 (وإذا فعلوا فاحشة الاعراف: 28... 15 (وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون النمل: 82... 192 (وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين اولئك القصص: 53... 179 (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم الاعراف: 172... 57 (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة البقرة: 30... 176 (والراسخون في العلم يقولون آمنا) آل عمران: 7... 153 (وإن من امة إلا خلا فيها نذيرفاطر: 24... 135 - 138 (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى) طه: 82... 10

[ 357 ]

(واولوا الأرحام بعضهم اولي ببعض في كتاب الانفال: 75... 202 (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون الصافات: 147... 108 (وأطيعوا الله وأطيعوا المائدة: 92... 196 (وألقوا إليكم السلم النساء: 90... 178 (وأما بنعمة ربك فحدث الضحى: 11... 185 (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى) فصلت: 17... 52 - 64 (كذلك وجعلناكم امة وسطا البقرة: 143... 165 (وجعلناهم ائمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منكم الفتح: 29... 176 (وقال الذين اوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث الروم: 56... 193 (وقال الذين أوتوا العلم والإيمان... 203 (وقدر فيها أقواتها) فصلت: 10... 3 (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) الاسراء: 23... 14 (وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على البقرة: 143... 164 - 162 (وكلا جعلنا صالحين الانبياء: 72... 201 (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله الزخرف: 87... 57 (ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا الاسراء: 55... 108 (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره يونس: 99... 73 (وما الله يريد ظلما للعباد غافر: 31... 15 (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله). الانسان: 30... 63 (وما جعل عليكم في الدين من حرج الحج: 78... 63 - 163 - 166 (وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين الانبياء: 16... 13 (وما خلقناهما إلا بالحق ولكن الدخان: 39... 13 (وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم التوبة: 115... 52 - 53 - 54 (وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله) يونس: 100... 73 (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا). الاسراء: 15... 55 (ومن يؤت الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا البقرة: 269... 148

[ 358 ]

(ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة الانبياء: 72... 201 - 193 - 112 (ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون الروم: 55... 203 (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به الحديد: 28... 179 (يا أبت افعل ما تؤمر) الصافات: 102... 118 (ومن يؤت الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا البقرة: 269... 148

[ 358 ]

(ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة الانبياء: 72... 201 - 193 - 112 (ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون الروم: 55... 203 (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به الحديد: 28... 179 (يا أبت افعل ما تؤمر) الصافات: 102... 118 (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم الحج: 77... 164 (يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا يوسف: 5... 104 (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض ص: 26... 176 (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره الصف: 8... 182 (يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم) الحديد: 12... 180 (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون). النور: 24... 162 (يوم ندعو كل اناس بإمامهم). الاسراء 71... 161

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية